ضياء الحكيمأتركُ لكتاب آخرين الحديث عن إبتسامة بنجامين نتياهو العنصرية بعد أن أتمّ إغتصاب وضم إسرائيل لهضبة لجولان السورية . وأتركُ أيضاً ماهو معروف عن إغتصاب وإحتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية والتوسع في أرض العرب . فحديثي هنا هو عن عواصم عربية شتتها أشخاص أئتمنهم الشعب على جنانها وطبيعتها وتراثها .

وقد يسبقني القارئ في تسمية وتعريف وترقيم عواصم دول عربية مهملة وتحتضر شبه ميته حالياً الى درجة لايشعر بها أسياد مركز الدولة والحكومة القائمة في كيفية إنعاشها.

لو تكلمت أو نطقت عواصم هذه الدول لأبكت ساكنيها . ولو صرخت من التلوث والخراب والأهمال لأسمعت من في أُذنه طرش، ولو أشارت الى موقع الخلل لفتح الأعمى عينه .

لقد كانت عواصم رمزية أسهمت  في رفع قيم التاريخ والحضارة . هذه المدن كانت في عيون ناظريها من جنان الأرض بعذوبتها وأنهارها وأشجارها وتغنى بها الشعراء والأدباء .

وأصبحت اليوم تتألم من عدم نقاء أجوائها وبيئتها وسموم نشرها المخرفون الهمج وهم في غيبوبة بعد أن وطأوا أرضها وتسلطوا على السلطة . شعوب لا تتفق في نظراتها مع حكامها بعد أن تلاشى إحساس الحكام الحاضرين بإعادة مدنهم الى الحياة، في أمل أن يتوقفوا عن طلب الله أن يحميها ويحرسها ويمنع بقدرته الألهية سيل الدم في شوارعها وأحيائها .

النفاق والتنافس ودافع إنفرادية مسك السلطة دقت لجميع أحزابهم أجراس الأنذار لتذكيرهم  بواجبهم إن كانوا حريصين على الواجب بأمانة.

وفي نقدي المتواضع هنا أشير الى العواصم العربية موضع الحديث والدمار الذي لحقها بدءاً من بغداد ودمشق وصنعاء والخرطوم والقاهرة وطرابلس والجزائر، كمجموعة مدن تاريخية حضارية واضحة للعيان . وبحزن وأسف يراها مواطنيها عواصم اكتست ملامحها صفة الموت البطئ .

في بغداد  تباعد فكري بين مايجول في خاطر الشعب والحكومة الغير ملمة بالعمل الأنجازي المطلوب والتسريع بتجديد و ترميم ما خربته قوى الأرهاب . في ضواحي دمشق ظلت جماعات لسنوات تحاول إسقاط النظام حتى لو كلف الأمر خراب ودمار كل مؤسسات  الدولة ومدنها التاريخية.  في صنعاء تدور المعارك بين المذاهب الأسلامية وبإسناد من تحالفات أجنبية مشبوهة. في الخرطوم تحاول الأحزاب المناوئة لعمر البشير إزاحته من السلطة . وفي القاهرة تدور الحرب الخفية المعلنة بين الجنرال السيسي من جهة والأخوان المسلمين من جهة. وفي طرابلس عاصمة ليبيا تحيطُ قوات الجنرال الخليفة حفتر بضواحيها وتقصفها بالمدفعية بهدف إسقاط حكومة السراج الحالية . وفي العاصمة الجزائرية يتظاهر المواطنون وهم على حافة النار لإخراج الرئيس بوتفليقة وأنصاره بعد حكم دام لأكثر من عشرين سنه لرجل فوق الثمانين سنه من العمر .

ميدان الصراع في أواسط هذه العواصم العربية بعد أن اكتست ملامحها مظاهر الأهمال. والمعنى الخفي هو تأجيل كل ماتتطلبه من تنمية  ونمو يتناسب مع حاضر الزمن. والملاحظ بالتحليل السياسي الذي أنوي خوضه هنا هو ان العقيدة العشائرية القبلية والحزبية كانت الطابع الذي نمى وينمو مع أشخاص تملكتهم روح السلطة والنفوذ وشيطنته، وحافظت عليه بقتال أمتها حتى لو أدى هذا القتال الى دمار جمالية العاصمة التي يديرون شؤونها .

ماأحقر دمار عاصمة يتركها أهلها ويصوّرها مطبلو النظام أنها مازالت تتمتع تتربع الجمال والأزدهار . وما أحقر روئية مرتكبو الدمار بإعلامهم المزيف لا يلتفتون الى معاناة هروب الأباء والأمهات ورمي أبنائهم في أحضان دول أجنبية .

ملاحظة أخيرة . كيف ستنمو السياحة في بلاد تتقاتل فيه الحكومة مع شعبها في وسط عواصمها؟ و بعد أن أتمّ بنجامين نتياهو ضم  هضبة الجولان السورية لإسرائيل، سيبقى مبتسماً وهو يرى عواصم عربية بائسة تدكها برصاص القتل حكوماتهم الغبية  بلا تردد . عواصم اكتست ملامحها صفة الموت البطئ.

 

ضياء الحكيم -  كاتب وباحث سياسي

 

محمد عبد الكريم يوسفحتى نفهم ما يجري الحالة الجيوسياسية الشرق الأوسط  وشمال أفريقيا في القرن الحادي والعشرين علينا أن ننظر بعين ناقدة متبصرة لما حدث في القرن العشرين من إرهاصات مادية وفكرية وعقائدية ودينية .

ينصرف الكثير من المحللين السياسيين لدراسة أسباب الاضطرابات السياسية والعنف والحركات الانفصالية في أكثر من مكان من العالم العربي في الجانب الأسيوي والأفريقي . وخلال السنوات الماضية وحتى اليوم وجد الباحثون والمحللون السياسيون سببا واحدا أو سببين للمشكلات التي يعاني منها العالم العربي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا .

في الحياة المعاصرة، يرمي الباحثون اللوم على الاختلاف السياسي بين البلدان العربية إذ لا يتشابه بلدان في نفس صفات الحكم أو السياسة أو الميل العام . إن ما يوحد بين شعوب العالم العربي هو الفقر والفاقة والجهل والحرمان والاختلاف بسبب الدين . وهناك دائما انفصال  فكري وعقائدي واقتصادي بين الحاكم والمحكوم في هذه الدول . هذا الوضع كرس الحالات المستعصية في العالم العربي وأججها وأوصلها بالتدريج إلى حالة الغليان والانفجار .

في الغرب يعاني المواطن الأوروبي والأمريكي من ارتفاع الضرائب والمدفوعات للحكومات والأجهزة البلدية ولكنه في المقابل يتلقى أعلى مستوى من الخدمات والتعليم  أما في العالم العربي فيدفع المواطن أعلى الضرائب والمدفوعات للحكومات والبلديات (قياسا بدخله) لكنه لا يتلقي أي خدمات تذكر إلا ما يفرضها التطور الطبيعي للحياة قسرا وجبرا .

هناك عدة هواجس تسكن العالم العربي بدأت في القرن العشرين ولازالت أثارها مستمرة  حتى اليوم وربما كانت هذه الهواجس سببا للفوضى العارمة التي تعيشها منطقتنا اليوم . وتتوزع هذه الهواجس بين داخلية وخارجية، بين نفسية وفيزيولوجية، ويمكننا أن نلخصها بما يلي:

هاجس نابليون بونابرت: الذي قام بغزو مصر في عام 1798 أي قبل 200 عام من الآن، وهو بداية التدخل الأجنبي العسكري في العالم العربي والذي تلاه موجات من التدخل الفرنسي والانكليزي والايطالي والألماني والهولندي والبرتغالي . ثم تحررت بلدان العالم العربي شكليا في وقت من الأوقات وبقيت تابعة بطريقة أو بأخرى للدول التي سيطرت عليها . وقد وصل هذا الهاجس إلى نقطة الأوج في القرن الحادي والعشرين وتحديدا مع التدخل الأجنبي الخارجي في سورية منذ /9/ سنوات حيث نجد عشرات القوى الدولية الناشطة على الأرض السورية مباشرة أو بالوكالة في حرب كونية معقدة متداخلة مركبة الوسائل والأهداف والغايات .

لقد عانى العالم العربي خلال القرنين السابقين من التدخل المستمر بشؤونه الداخلية عسكريا وسياسيا . لقد كان التدخل الأجنبي في شريط دول الخليج العربي سياسيا بحيث تم تركيب حكومات مستقرة متوارثة محمية من الخارج ولم يتغير عليها إلا صاحب النفوذ بشكل سلس وتلقائي من البرتغالي إلى الهولندي إلى الانكليزي إلى الفرنسي إلى الأمريكي. أما في  الجزء الشمالي من العالم العربي فقد كانت السيطرة عسكرية مباشرة ربما بسبب صراع القوى المنافسة على النفوذ (الدولة العثمانية – إيران – الإمبراطورية الروسية – فرنسا – ألمانيا – انكلترا – ايطاليا). لقد كانت ظروف العالم العربي خلال القرنين السابقين مُرّة لا تنسى عانى من خلالها المواطن العربي الكثير من الويلات والألم ولا يزال .  هذه الأجواء الضاغطة جعلت العالم العربي من أكثر الدول في العالم إنفاقا على السلاح وسوقا تجارية للأسلحة التي تنتجها القوى الدولية المتنافسة .

هاجس تيودور هرتزل و آرثر جيمس بلفور: لقد خلقت أعمال هذين الرجلين الكثير من العداء والدم والألم في العالم العربي وأسسا لقرن من الصراع بين الصهيونية المتطرفة والقومية العربية . ولا يزال هذا الصراع جرحا نازفا في قلب العالم العربي وعائقا أمام التطوير والتحديث والحصول على الحريات والاستمتاع بالمواطنة الكريمة نظرا لغلبة الإنفاق العسكري على الإنفاق السياسي والحضري والاقتصادي في معظم الدول العربية. وكنتيجة لذلك ساد الجهل والتخلف والرجعية في دول المنطقة وصار لزاما حتميا أن يصل الجيش إلى السلطة ويحل محل الحكومات المدنية لدواعي عسكرية وأمنية ولوجستية . لقد ولدّ الصراع العربي الصهيوني ظروفا داخلية قاسية واقتصادية أكثر قسوة وتنازع العقل العربي رغبتان، الرغبة في الاستقلال والحفاظ على دولته بأي ثمن والرغبة في الحياة الكريمة وكلاهما مُرّ المذاق عسير الهضم .  يضاف إلى ذلك تشريد ملايين الفلسطينيين في بلدان العالم العربي وسياسة التهويد في الداخل وسياسة هدم المنازل . لقد ولدّ التدخل الخارجي وعلاقات الأنظمة العربية بالخارج مواقف ومستجدات دولية كثيرة على الساحة المحلية فالكثير من الحكام العرب يقيمون علاقات سرية مع كيان الاحتلال الإسرائيلي وفي كل مؤتمر للقمة العربية يظهر للناقد العربي عدم وضوح الرؤية والتباس المفاهيم تجاه الوجود الصهيوني في فلسطين بين راض ورافض ومحتار لا يعرف إلى أي جنب يميل . الخطير في أمر هذا الهاجس هو أنه لا يزال ناميا متكاثرا مثل الخطر السرطاني في العالم العربي تارة تراه في الخليج وطورا في مناطق الأكراد، وتارة أخرى في شمال أفريقيا على شكل تعاون أمني استخباراتي أو اقتصادي أو استشاري. 

هاجس مصطفى كمال أتاتورك: مصطفى كمال أتاتورك ضابط عثماني بنى تركيا ويعتبر الأب الروحي لتركيا الحديثة بناها على أساس أن تكون نموذجا للدولة القومية العلمانية في الشرق الأوسط . إلا أن هذا النموذج من الدولة القومية لم ينجح لا في تركيا ولا في أي من دول العالم العربي . في تركيا انقلب الإخوان المسلمون على النظام العلماني على الطريقة البريطانية (بدون دماء) و شنوا حربا لا هوادة فيها ضد القوى التركية التي تخالف الإخوان المسلمين الرأي وفي العالم العربي دخل الإخوان المسلمين مع الدولة العلمانية في حرب لا هوادة فيها على الطريقة الفرنسية (حافلة بالدماء والموت) . يضاف إلى ذلك فشل النموذج العلماني في العالم العربي في بناء أجواء الثقة بين الدولة والمواطن وفشله في تقديم الخدمات المادية والعلمية التي يتوقعها من دولته . وتعاني معظم دول العالم العربي من الخلافات السياسية والاقتصادية والدينية وعلى حافة التفتت والحروب، وحدها الحكومات التي يقودها الجيش هي القادرة على تجميع النسيج المتداعي ولصقه بالقوة يرافق ذلك انعدام الحريات العامة والحقوق السياسية للمواطنين .

هاجس جمال عبد الناصر: قام الضابط المصري جمال عبد الناصر بثورته في عام 1952 التي مهدت لشرعية الحكم العسكري في العالم العربي ومنذ ثورة ناصر كثرت الانقلابات العسكرية في معظم الدول العربية كما حدث في العراق ومصر وسورية واليمن وليبيا والجزائر وتونس والصومال وبعض الدول الأخرى . (انظر لعبة الأمم، للسفير مايلز كوبلاند) . وقد نجم عن الحكم العسكري في معظم الدول العربية شراسة غير مسبوقة من الإخوان المسلمين تطورت إلى حرب دموية على البشر والحجر كما حدث في مصر واليمن والجزائر وسورية . لقد حولت الانقلابات العسكرية دولها إلى ركام ميت لا حياة فيه واليوم وبعد ثمانين عاما على بدء الانقلابات العسكرية في العالم العربي صار المصدر رقم /1/ للاجئين والإرهابيين . لقد صدر العالم العربي الكثير من الإرهابيين  المأجورين للعمل في أفغانستان تحت شعار محاربة الشيوعية بدعم من الغرب . ثم انقلبوا وحاربوا الولايات المتحدة، ثم صدروهم إلى الصومال والسودان وليبيا وسورية وحاليا هناك ردة للإرهاب نحو الدول التي أتى منها .

هاجس مارغريت تاتشر ورونالد ريغان: اللذان أطلقا رأسمالية السوق الحرة الجامحة في بداية الثمانينات من القرن العشرين . لقد أثارت هذه الرؤية الاقتصادية نوعا من العولمة الاقتصادية التي تقدر الحراك المالي الدولي والأرباح على حساب العمال ورفاهية المواطن . وقد انتقلت هذه النزعة بسرعة إلى العالم العربي وساهمت في صناعة السياسات الاقتصادية العربية على حساب المواطن العربي . لم تعمل الحكومات العربية على تأسيس اقتصاد جاد في أي من الدول ولم تفعل السوق العربية المشتركة أو مبادئ التكامل الاقتصادي العربي وحتى الدول الغنية (الخيلج العربي) غرقت في الديون لصالح البنك الدولي وبالتالي لم تستطع الدول العربية مقاومة مطالب القوى العالمية بتحرير الاقتصاد المحلي العربي لصالح رأس المال العالمي . وكانت النتيجة المتوقعة وهي عجز أي من الاقتصاديات العربية عن تلبية الاحتياجات الأساسية لمواطنيها وإنما تعتمد بشكل بائس على المساعدات الخارجية النقدية من الأصدقاء والمؤسسات المالية الدولية  في حين يعاني الموطنون من تدهور ملحوظ في القطاعات التعليمية وتخبط في أسواق العمل التي تهيمن عليها الطرق غير الرسمية  والعلمية والفقر وتزايد الفوارق بين الأغنياء والفقراء .

هاجس إيران: نجحت الثورة الإسلامية في إيران في تسلم الحكم من نظام الشاه في عام 1979 من القرن العشرين . وفشل الغرب حتى الآن في احتواء الثورة الإسلامية وتطويعها في كنف الغرب . وفي هذه الأثناء، عملت إيران على دعم المقاومة العربية للاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان وفي غزة . كانت المقاومة اللبنانية متنوعة المشارب تضم جميع أطياف المجتمع السياسي والديني اللبناني  أما في غزة فكان الانتماء الأيدلوجي للمقاومة ينتمي لفكر حماس والإخوان المسلمين. وعندما فشل الغرب في احتواء إيران وفشل الإدارة الأمريكية في إدارة أزمة الرهائن بدأ بتحريض العرب على إيران وتضخيم الخطر الإيراني رغم أن الخطر التركي يوازي الخطر الإيراني تاريخيا . وبدأت الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت سنوات واستنزفت مقدرات بلدين جارين بتحريض خارجي دفع فيها العراق وإيران ودول الخليج الكثير من الضحايا والمال والخلف والمشكلات الاقتصادية . وكان المواطن العربي ضحية حرب عبثية لا هوادة فيها انتهت باتفاق سلام بين البلدين وحاليا حلفين ضد المصالح الغربية . وكان الرابح الوحيد من تضخيم الخطر الإيراني على المنطقة العربية الغرب والولايات المتحدة وبحجة هذا الخطر كثرت معارض السلاح وشحنات السلاح إلى العالم العربي من أقصاه إلى أقصاه . في حين خسر المواطن العربي إمكان صرف هذه المبلغ المالية على تطوير البني التحتية الزراعية والصناعية .

هاجس التطرف: تعود جذور التطرف  في العالم العربي إلى الخلاف العقائدي الذي ساد العالم الإسلامي بعد وفاة الرسوم الكريم  فانتشر التفسير والاجتهاد والمدارس الفقهية  وبدل أن تصبح مصدرا ثريا للغنى الفكري صارت مدارس تبث الكراهية والفتاوى والأحقاد وانتشرت مدافع الفقهاء تدك استقرار المنطقة من كل حدب وصوب وانتشر التكفير وعدم القبول بالرأي والرأي الآخر . عصف التطرف بالمنطقة العربية وكان أخر الحركات المتطرفة الدولة الإسلامية في العراق والشام التي بنت معظم أفكارها على قيم متطرفة وحللت لنفسها المساس بحدود الله . وصار الإرهاب الديني أحد الهواجس الخطيرة التي تقض مضجع العالم العربي .

وهناك اتجاهات فكرية عديدة عصفت بالعالم العربي في القرنيين الماضيين  مثل الاستثمارات النفطية  التي رافقها الكثير من الحروب والعنف والعنف المضاد وارتفاع معدلات النمو السكاني والضغوط المجتمعية والبيئية والعادات والتقاليد.

لقد ساهمت هذه الهواجس إلى حد بعيد في زعزعة الاستقرار في المنطقة ومن الصعب فصل هذه العوامل عن بعضها إذا أن الروابط فيما بينها معقدة ومركبة إلى حد بعيد ويستحيل فصل المصالح المحلية عن المصالح الاستعمارية الدولية  وهذا ما يعيق جدية بناء الدولة العصرية الحديثة والمستقرة والمنتجة ذات السيادة  .

 

بقلم محمد عبد الكريم يوسف

.........................

 المراجع

https://www.history.com/topics/france/napoleon

 https://www.thecairoreview.com/tahrir-forum/five-ghosts-that-haunt-the-arab-world/

https://embassies.gov.il/san-francisco/AboutIsrael/Pages/Iranian-Threat.aspx

 https://knesset.gov.il/vip/herzl/eng/Herz_Zion_eng.html

 https://www.csis.org/analysis/trends-islamic-extremism-factors-affecting-future-threat

 

 

ابراهيم أبراشأسوء ما يُصيب أمة على مستوى الوعي السياسي أن يتدنى وعي مثقفيها وسياسييها ويطغى الثانوي والآني على الرئيسي، وتغيب عندهم الرؤية الاستراتيجية للأمور أو يغيبوها عن قصد لخدمة مآرب خاصة ولدغدغة مشاعر العوام، وهذا هو حال الطبقة السياسية الفلسطينية في تعاملها مع القضايا الوطنية الكبرى، حيث الاصطفاف الحزبي لتحقيق مصالح حزبية وشخصية له الأولوية على الاصطفاف الوطني لمواجهة الخطر الخارجي .

تجارب التاريخ وعلم الاجتماع السياسي كما العقل والمنطق كل ذلك أوجد ما يمكن اعتباره قانونا سياسيا واجتماعيا، مفاده أنه عندما يتعرض مجتمع من المجتمعات لخطر خارجي يهدد وجوده فإن كل مكونات المجتمع تتوحد وتصطف لمواجهة الخطر وتنسى الأحزاب خلافاتها الداخلية أو تؤجلها إلى حين تجاوز الخطر الخارجي، حيث الخطر الوجودي لا يهدد طبقة دون غيرها أو حزب دون بقية الأحزاب بل يهدد الجميع .

هذا هو حال الشعب الفلسطيني الذي يتعرض لخطر يهدد وجوده يتمثل بالاحتلال الصهيوني بداية ثم راهنا بصفقة القرن والانقسام الذي يتحول للانفصال ما بين غزة والضفة بينما الأحزاب السياسية سادرة في غيِّها مديرة الظهر للمصلحة الوطنية العليا .

المشكلة لا تكمن في الشعب بحد ذاته بل بالنخب أو الطبقة السياسية التي تتولى أمر الشعب حاليا، سواء في الضفة أو غزة، ولن نعود للتاريخ بل سنقتصر على ما يجري في السنوات القلائل الماضية من تعامل الطبقة السياسية سواء في غزة أو الضفة مع مسألة الانقسام ومع صفقة القرن، حيث نلاحظ بدلا من سعي الطبقة السياسية لتوحيد الشعب وتحشيده واستنهاض كل مكامن القوة لديه وأن تتجاوز خلافاتها، تهرب من مواجهة الواقع وتخفي عجزها وفشلها بتعظيم خلافاتها الداخلية وتصطنع من داخلها وما بينها أعداء تحملهم مسؤولية ما يجري من تراجع واستسلام للعدو الخارجي، وتنقل الشعب من عبثية إلى أخرى .

حركة فتح تُحَمِل مسؤولية الانقسام والانفصال لحركة حماس متهمة إياها أنه منذ ظهورها على المسرح السياسي كمشروع إسلامي موجه من الخارج كان هدفها مواجهة منظمة التحرير والمشروع الوطني كما تتهمها بأنها صانعة الانقسام وتتساوق مع صفقة القرن، وحركة حماس ترد مُتهِمة حركة فتح بأنها المسئولة لأنها اعترفت بإسرائيل بداية ووقعت اتفاقية أوسلو ويوجد بينها وبين إسرائيل تنسيق أمني ولأن إجراءات سلطتها الأخيرة تجاه قطاع غزة عززت الانقسام وتساعد على تمرير صفقة القرن . أما أحزاب اليسار فتبرئ نفسها من المسؤولية وتنظر لحركتي فتح وحماس أنهما (طرفي الانقسام) وتحملهما المسؤولية عن الانقسام وتواطئهما المباشر أو غير المباشر مع صفقة القرن .

بالرغم مما لحق بالقضية الفلسطينية سياسيا من خراب ودمار وبالشعب من إفقار وبطالة وإحباط ويأس إلا أن الطبقة السياسية أو النخب المُهيمنة على ما أتاحته إسرائيل من سلطة حكم ذاتي محدود في غزة وبعض الضفة تواصل نقل الشعب الفلسطيني من أزمة إلى آخر ومن عبثية إلى أخرى، كما تتفنن في إبداع واصطناع الأزمات لإلهاء الشعب لتخفي عجزها وفشلها .

من أزمة السلطة ومنظمة التحرير إلى أزمة الانقسام والرواتب والمعابر والكهرباء، ومن عبثية مفاوضات التسوية إلى عبثية المراهنة على الأمم المتحدة ومحكمة الجنايات الدولية وعبثية حوارات المصالحة، ومن عبثية المقاومة الحزبية الارتجالية بالصواريخ والأنفاق إلى عبثية مسيرات فك الحصار .

يجري كل ذلك فيما هذه النخب المأزومة والفاشلة تواصل تعَظيم وتفخيم خطابها حول الحفاظ على الثوابت الوطنية والمقاومة ورفض التنازل ورفض صفقة القرن الخ، معتقدة أن هذا الخطاب الديماغوجي سينطلي على الشعب إلى ما لا نهاية، بينما الشعب يعرف أن خطاب الرفض والتنديد لوحده ليس دائما موقفا وطنيا ولا يُغير في الواقع شيئا، كما أن تزايد عدد الشهداء والمصابين والمعاناة والفقر دون انجاز حقيقي على الأرض لا يُحتسب انتصارا أو موضع فخر بل يُحسب عليها .

وهكذا نلاحظ، صمت مطبق في موضوع المصالحة الوطنية وكأن الطبقة السياسية سواء في غزة أو الضفة استسلمت لواقع الانفصال وأصبح كل طرف يريد أن يُبعد عن نفسه ويتبرأ مما جرى، مع أن مسلسل الانقسام والفصل متواصل منذ عام 2004 والكل يعرف أن الانقسام مشروع إسرائيلي بتواطؤ مع واشنطن وبعض الدول العربية، وظف الخلافات الفلسطينية الداخلية .

ما يجري بشأن الخطر الوجودي الذي يمثله الانقسام وكيفية تعامل الطبقة السياسية معه يتكرر مع الخطر الوجودي القادم من صفقة القرن التي تُطبق بالفعل على أرض الواقع وتهدد الكل الوطني .ففي الوقت الذي يتحدث فيه الجميع عن خطورة الصفقة الأمر الذي يتطلب منطقيا ووطنيا تجاوز الخلافات الداخلية نلاحظ الأمور تسير بالاتجاه المعاكس حيث تتزايد الخلافات الداخلية وكل طرف فلسطيني يخفي عجزه بتوجيه نيرانه تجاه الطرف الثاني دون رؤية من أي طرف لكيفية مواجهة خطر صفقة القرن بل إن بعض الأطراف تنساق مع هذه الصفقة بوعي أو بدون وعي .

يحدث كل ذلك دون أن يبدو في الأفق ما يُشير لإمكانية مراجعة النخب السياسية لحساباتها وتصويب ممارساتها أو اعترافها بالخطأ، بل الأدهى والأنكى من ذلك أن هذه النخب باتت تتعامل مع فصل غزة ومع صفقة القرن وكأنهما قدر أو مُعطى لا فكاك منه ولا يمكن مواجهته .

 لا شك بوجود تباين بين مكونات الطبقة السياسية سواء من حيث التاريخ النضالي للحزب وشبكة تحالفاته الخارجية أو أهدافه النهائية أو درجة تحسسه للموقف الوطني الحقيقي ومدى حضوره الجماهيري الخ، إلا أنه في النهاية الكل يمر بحالة ارباك وتيه وتغيب عند الجميع إستراتيجية وطنية لمواجهة الخطر الوجودي الذي يمثله الاحتلال بداية ثم الانقسام وصفقة القرن راهنا، والإستراتيجية لا تكون وطنية إن لم تُعبِر عن الكل الفلسطيني .

 

د. إبراهيم أبراش

 

علاء اللاميأجرى موقع صحيفة (Iraq Oil Report)، وهو موقع دولي رصين باللغة الإنكليزية، متخصص بشؤون النفط العراقي، مقابلة مع رئيس مجلس الوزراء العراقي السابق حيدر العبادي، حاوره فيها بن فان هيفيلين وسامية كُلاب في 19 آذار الماضي.وبمقدار ما أثار العبادي من معلومات مهمة ظلت طوال فترة رئاسته طي الكتمان، بمقدار ما كشف عن معلومات أخرى حول قرارات خلفه عادل عبد المهدي فيعدد من الملفات المهمة والحساسة. هذه قراءة تحليلية في بعض ما أدلى به العبادي:

في رده على سؤال حول المشاريع والصفقات التي أوشكت حكومته على إبرامها مع شركات نفطية أجنبيةعديدة ثم ألغتها حكومة عبد المهدي يقول العبادي:

(هناك الكثير على المحك، خاصة إذا كنت تتحدث عن شركة "إكسون موبيل". لقد بدأوا بمشروع استثماري مقترح تبلغ قيمته حوالي 110 مليارات دولار، ويمتد على ما أعتقد، على خمسة عشر عامًا. لقد كان ذلك مشروعا ضخماً بالنسبة لنا، وكان على الإدارة أن تستمر في المفاوضات، حتى انخفضت إلى 50 مليار دولار، أو 60 مليار دولار.كنا، في العام الماضي، في نهاية إضفاء الطابع الرسمي على الاتفاقات المبرمة مع أكسون موبيل، مع شيفرون، مع شركات النفط العالمية الكبيرة الأخرى. الشيء المؤسف، أن الحكومة الجديدة وضعت حداً لكل ما كان يحدث من قبل).

يلمح العبادي إلى أول قرار اتخذته حكومة خلفه عبد المهدي فور منحها ثقة مجلس النواب حتى قبل أن يكتمل تشكيلها، وهو القرار القاضي بإلغاء عدد من قرارات حكومته، لكونها، كما عللوا، كانت حكومة تصريف أعمال. غير أن هذا السبب غير مقنع - كما يرى العبادي وهو محق هنا -لأن بعض تلك القرارات التي ألغيت لم تتخذ في فترة تصريف الأعمال بل قبل ذلك بعدة أشهر، بل أن أحدها اتخذ قبل ثلاثة أعوام. فهل كان إلغاء تلك المشاريع يتعلق بهذا السبب تحديدا، أم أنه يتعلق بالتنافس بين تلك الشركات نفسها، على المشاريع وعائداتها، أم أن الحكومة الجديدة بقيادة عبد المهدي قامت بانقلاب إداري جذري وغيرت الاتجاه تماما وأصبحت تريد، هي نفسها، أن تبدأ من الصفر مع تلك الشركات وغيرها؟

الخبراء المطلعون على هذا الملف يؤكدون أن العبادي كان يصر على التعاقد مع "أكسون موبيل" الأميركية، رغم التجربة المرة معها في مشروع ضخ المياه إلى حقول الآبار النفطية، وبعد مضي سنوات من تسويف هذه الشركةالتي كانت رأس الرمح في "عقود المشاركة" السيئة التي عقدتهامعها رئاسة الإقليم في عهد مسعود البارزاني، والذي كان يتحدى بها الحكومة الاتحادية،حتى أنه صرح ذات مرة بأن التعاقد مع أكسون موبيل (يعادل وجود عشر فرق عسكرية أمريكية) لحمايته. أما العبادي فقد بادر إلى التعامل مع أكسون موبيل وبهذا الحجم الضخم،مسوِّقا الوهم القائل إن أكسون موبيل ستكون عاملا في تنفيذ أي مشروع استراتيجي عملاق يخدم الصناعة النفطية العراقية وهذا محض وهم.

ولعل الفارق الكبير بين المبلغ الأول للصفقة والبالغ مائة وعشرة مليارات والمبلغ الثاني الذي تم خفضه بعد المفاوضات الى النصف تقريبا، يكشف لنا عن الطابع المريب وغير المعقول للأرقام والأرباح التي تطالب بها الشركات الأجنبية والمتعددة الجنسية من ثروات العراق، رغم أن المتخصصين يؤكدون إن (هذه التخفيضات إنما أجريت بسبب تخفيض الأحجام والكميات المتعاقَد عليها وما تشتمل عليه من فقرات/ رسالة شخصية من خبير نفطي).بمعنى أن محاولة هذا المسؤول أو ذاك التباهي بخفض المبالغ بهذه الطريقة تؤكد- من حيث الجوهر - هذا الطابع التفريطي ولا تنفيه.

ثمة مثال قد يُسهِّل الإجابة على السؤال المتعلق بماهية السبب الحقيقي وراء تراجع حكومة عبد المهدي عن مشاريع حكومة العبادي الوشيكة الإبرام،والذي نعتقد أنه يقع في إطار الانسياق الكامل لعبد المهدي وراء الرغبات والأوامر الأميركية: ففي ما يخص عقود إعادة تأهيل الكهرباء في العراق، والتي التهمت باعتراف هيئة النزاهة العراقية بين 29  مليار دولارو41 مليار دولار خلال سنوات ما بعد الاحتلال، فهذه الصفقة التي تنافست عليها شركتا سيمنس الألمانية و جنرال إليكتريك  الأميركية حاولت حكومة العبادي في أيامها الأخيرة  تقسيم الغنيمة بين العملاقين الألماني والأميركي.وحين تولت حكومة عبد المهدي مقاليد الحكم أعلن عن فشل الصفقة،وظهر واضحا أن الحكومة الجديدة تجاوبت مع أوامر ترامب كما يُفهم من كلام الرئيس التنفيذي لشركة "سيمنز"، جو كيزر، والذي صرح  بتاريخ 9 تشرين الثاني - نوفمبر(إن ترامب لعب دوراً في محاولة عرقلة اتفاق الشركة الألمانية مع الحكومة العراقية والدفع في اتجاه منح الصفقة بالكامل لشركة جنرال إلكتريك الأميركية).

ويزيد العبادي من وزن تشكيكاته بمقاصد قرار عبد المهدي إلغاء قراراته لمصلحة الإدارة الأميركية بالقول إنَّ القرار الذي تم إلغاؤه لا يعود لفترة حكومة تصريف الأعمال، بل هو قرار دقيق اتخذ قبل ثلاث سنوات، ثم يضيف (أن الأشخاص الذين يشغلون مناصب المسؤولية الآن، لا يملكون حرية التصرف، ويضيف بالحرف الواحد (ليس لديهم حقاً إجابات، إنْ كان هذا المشروع سيمضي قدماً أم لا... لذلك أعتقد أننا وصلنا إلى هذه الحلقة المغلقة).

يغادر العبادي لغته الدبلوماسية الغامضة ليكون أكثر وضوحا حين يقول في إجابة على سؤال آخر (أعتقد أن البعض ينظرون إليها - إلى تلك المشاريع - سياسياً. فهل يريدون أن تنشط الشركات الأمريكية في بلدنا؟ هذا سؤال كبير).

بمراجعة سريعة لأداء حكومات ما بعد الاحتلال كلها، ومنها حكومة العبادي، سنتوصل الى قناعة مفادها،إن الفارق بين علاقة عبد المهدي بالإدارة الأميركية وبين علاقة سلفه العبادي ليس كبيرا جدا؛ أو لنقل إنه ليس فارقا جوهريا نوعيا بين توجهين،الأول، وطني استقلالي، والآخر تابع،بل هو خلاف في التفاصيل وعليها. فعبد المهدي يريد -كما تشير قراراته-أن يكون الارتباط بواشنطن فقط، مع عدم إغضاب طهران وأصدقائها العراقيين الذين أوصلوه الى كرسي الرئاسة، في حينحاول العبادي أن ينوع الارتباطات مع عواصم أوروبية أخرى، ولكنه فقد منصبه بسبب تصريحه المتعجل والذي فُهِمَ كتأييد للعقوبات الأميركية ضد إيران، فانقلب عليه أصدقاء إيران وحرموه من عهدة ثانية، فإيران لا تتسامح مع هذا النوع من "الزلات اللسانية" إذا كان يلحق الضرر بمصالحهاكدولة،رغم أنها تعلم أن علاقة عبد المهدي بخصمها الأميركي لا تقل انقيادا وتبعية عن علاقة العبادي إن لم تكن أعمق وأعرق!

إن تكتيك تنويع العلاقات والارتباطات ليس جديدا في أسلوب العبادي، وسبق له أن تفاخر بهحين تحدث عن ملف وجود القوات والقواعد الأجنبية في العراق. فقالبعدأسابيع قليلة على تنحيته عن منصبه،إنه ليس مسؤولا عن الإتيان بالقوات الأميركية بعد سيطرة مسلحي داعش على الموصل،بل هو الرئيس الذي سبقه،زميله وزعيم حزبه نوري المالكي. أما هو-كما قال ووثق قوله بكتب رسمية - فلم يقم سوى بتنويع جنسيات تلك القوات للحفاظ على "مرونة وحرية" القرار السياسي العراقي. إن كلام العبادي هذا - حتى إذا صحَّ واقعا - فلا يمكن النظر إليه بجدية فقوات جميع الجنسيات الأخرى ظلت هامشية ورمزية قياسا إلى حجم وتسليح القوات والقواعد الأميركية، ثم أنه لم يبادر الى إنهاء، أو التلميح لإنهاء هذا الوجود بعد إعلانه الانتصار على داعش رسميا!

أما بخصوص قانون "شركة النفط الوطنية" الذي أقره مجلس النواب منتهي العهدة وأقرته الرئاسة بطريقة مريبة،فالعبادي يحاول أن يعطي الانطباع بأن حكومته كانت ضد هذا القانون، ولكنه يرى فيه حلا من حيث المبدأ لمشكلةعدم تشريع"قانون النفط والغاز" المختَلَف عليه بين أركان النظام من ممثلي المكونات،ولكي لا تكون قيادة القطاع النفطي بيد"وزير سياسي". بمعنى، أن العبادي يتبنى الأساس القانوني والسياسي لقيام شركة نفط مستقلة عن "السياسة" ولكنه يتحفظ على المواد التي جعلت عائدات النفط تذهب إلى إدارة الشركة وليس إلى الدولة/الحكومةثم يضيف أن اعتراضات حكومته تحت نظر القضاء، وهذا ليس صحيحا:

فأولا، لم تنظر المحكمة الاتحادية في اعتراضات قدمتها حكومته، بل نظرت في دعوى طعن في عدد من مواد القانون المهمة التي قدمها خبراء عراقيون وطنيون من خارج النظام (وهما خبيران يساريان من خارج العملية السياسية الأميركية يسندهما عشرات الخبراء العراقيين الوطنيين)، وقد حكمت المحكمة لمصلحة الطاعنَين ونقضت المواد المطعون بها واعتبرتها غير دستورية. وهكذا، تم تعطيل هذا القانون الذي شكل خطرا ماحقا على الثروات العراقية النفطية وكسب الوطنيون هذه الجولة. وثانيا، فالوزير الذي كلفه العبادي برئاسة الشركة - مع أن الإعلام قال إن هذا الوزير عيَّن نفسَهُ بنفسِهِ - هو واحد من مهندسي قانون الشركة، ومن المتحمسين له، وهو شخص ذو نزعة فردية وذو طموحات شخصية معروفة، وقد عبر عنها بقراراته المرتجَلة والتي تراجع عن بعضها ومنها قراره بفك ارتباطثلاث شركات نفطية مهمة تابعة للدولة وإلحاقها "بشركته"!

من الآراء اللافتة التي عبر عنها العبادي في هذه المقابلة هو رأيه حول ضرورة (زيادة الإنتاج النفطي الى أقصى حد،لأن الاحتفاظ بالنفط لفترة طويلة، يعني فقدان الفرصة إلى الأبد في استثماره). إن رأي العبادي هذا غير علمي وغير واقعي تماما، فالدول الغربية تعمل منذ عدة عقود على استبدال النفط بمصادر طاقة أخرى، وهي لم تحرز فيه نجاحات كبيرة وحاسمة سوى بعض الإنجازات في مجال الطاقة المتجددة "الخضراء"، وسيبقى النفط والغاز ولزمن قد يطول مصدرا رئيسا للطاقة والمواد البتروكيمياوية الكثيرة والثمينة المستخرجة منه.ثم أن العبادي في دعوته هذه لا يأخذ بالحسبان حساسية السوق النفطي واحتمال انهيار السوق النفطي بسبب زيادة إنتاج هائلة ستؤدي إلى سقوط سعر البرميل النفطي وتضاؤل مخيف في الواردات مهما تضاعف حجم الإنتاج.

يذكر العبادي في هذه المقابلة أنه كان قد أجرى مفاوضات لإقامة مصافٍ للنفط (مع شركة شل في مرحلة ما، وناقشنا ما إذا كان بإمكانهم ذلك- كانوا يعملون في مشاريع نفطية، وكانوا يريدون شركات بتروكيماويات، لكن رئيس شركة شل قال: "إنها ليست مربحة"، الأمر الذي أثار دهشتي).

يمكن أن تزول دهشة العبادي لو أنه استمع بنقدية وشك لما يقوله رؤساء الشركات الأجنبية الأميركية وغير الأميركية، ولو أنه اطلع على تجارب دول أخرى حرمت بل ومنعت منعا من ان تكون فيها صناعة نفطية ومصاف كبرى تابعة لها كفنزويلا التي تعاني اليوم من هذا الوضع الذي وجدت فيه. فبناء المصانع والمصافي النفطية غير مسموح به أميركيا كما يتضح. ولهذا - أيضا - لم تتقدم الحكومة العراقية كثيرا، ويبدو أنها عُرقلت عن قصد، في إنجاز مشروعها لإعادة تأهيل المصافي القديمة أو تلك التي استعيدت من سيطرة مسلحي تنظيم داعش التكفيري ومن بينها ثاني أكبر مصفى في الشرق الأوسط "مصفى بيجي"، والذي سرقت لاحقا حتى الأجزاء التي ظلت سليمة بعد حرب القضاء على داعش وتم بيعها من قبل نافذة في الحكم، كما قيل في الإعلام العراقي، وسكتت عليه حكومة عبد المهديولم تكلف نفسها عناء تشكيل لجنة تحقيقمن تلك اللجان "الورقية" الكثيرة!

مضاف إلى ما تقدم، فإن أنشاء المصافي أو مصانع البتروكيمياويات كمشاريع استثمارية هو أمر لا جدوى فيه من الناحية الاقتصادية،أي من حيث مستوى استرداد رأس المال أو المخاطر الاقتصادية والتنفيذية. ويعتقد بعض الخبراء في هذا الشأن، ومن الناحية الاقتصادية الصرفة تحديدا، ويعتقدون (بوجوب عدم متابعة وهم التعاقد مع المستثمرين، وإنما التركيز على الاستثمار الحكومي الموسع في هذه المجالات).

عن العلاقات بين الدولة العراقية الاتحادية وإدارة الإقليم الكردي أدلى العبادي بكلام كثير سنحاول أن نتوقف عند أهمه:

يؤكد العبادي أن تلك العلاقة متذبذبة، ويوضح (ليس بسبب سياسة النفط، ولكن بسبب العلاقات الشخصية والسياسية. يمكن أن تصبح جيدة جدا أو تصبح سيئة للغاية). وأن هناك مشكلة أساسية واحدة، وإذا لم يتم حلها، فلا توجد طريقة للوصول إلى اتفاق على أي شيء: الشفافية. من المسؤول عن هذا النفط وأين يذهب؟ إنها ليست مسألة نسبة مئوية 17 في المائة، 14 في المائة أو12 في المائة، أيا كانت. إنه من يستفيد من هذا النفط؟)

إنَّاستخفاف العبادي بموضوع النسبة المئوية التي تحصل عليها إدارة الإقليم، وتركيزه على هوية المستفيدين منها، على أهمية معرفة مصير تلك الأموال، وهذه مسألة إدارية وقضائية بحتة تتعلق بمكافحة الفساد، يعكس نظرة قادة الحكم العراقي الحاليالى القوانين والدستور والثوابت التي شرعوها هم أنفسهم: فلا شيء مقدس أو قانوني عندهم فالارتجالهو سيد الموقف!

يمكن أن يُفهم من كلام العبادي أن المهم ليس تقرير حصة الإقليم على أساس نسبة سكانه الحقيقية بهدف تحقيق المساواة بين العراقيين كما ينصالدستورالنافذ بل المهم هو التصرف بتلك الأموال وأين تذهب، وهذا أمر مهم فعلا، ولكنه شأن حكومي وإداري يتولاه القضاء في حالة وجود فساد فيه، إنما لا يجوز الخلط بين الأمرين، مثلما لا يجوز التساهل والاستخفاف بنسب المحافظات والإقليم وجعلها أشبه بجوائز ترضية لتمشية صفقات سياسية. لقد قدم العبادي نسبة معقولة للإقليم، وخفض النسبة التقليدية التي قررتها حكومات ما بعد الاحتلال، بمبادرة من حكومة إياد علاوي،من 17بالمائة إلى 13بالمائة تقريبا،ولكن عبد المهدي وحلفاءه عادوا فزادوا النسبة إلى أكثر من 20 بالمائة من الموازنة العراقية،كما ألغوا الشرط الذي يوجب على الإقليم أن تقديمنسبة محددة من انتاجه النفطي إلى الدولة الاتحادية! وكل هذا تم -كما قال صراحة القيادي في التيار الصدري حاكم الزاملي- لمصلحة قيادة البارزاني بدفع من إيران وبتنفيذ من حلفائها في بغداد بدعوى محاولة (سحب البارزاني من المحور الغربي الأميركي إلى المحور الشرقي)!

بعد أيام على نشر هذه مقابلة مع (Iraq Oil Report) عاد العبادي وانتقد في لقاء تلفزيوني ما تقوم به إدارة الإقليم من تصرفات مالية، وقال إنها زادت رواتب الموظفين بنسبة 50 بالمائة عما كانت عليه في عهده، دون أية زيادة في كميات النفط المرسلة من قبل الإقليم إلى الدولة. وقد رد عليه مسؤول كردي هو هوشيار زيباري مذكرا إياه بأنه (فقد منصبه نتيجة سياساته المناهضة للكرد وهو يتحدث اليوم بالضد من سياسات عبد المهدي التي تلبي مطالبنا المشروعة). بعدها جاء تدخل مكتب مسعود البارزاني ليتخلى عن أية لغة دبلوماسية في الخطاب السياسي فوصف العبادي بـ (الجاحد للبيشمركة وشعب كردستان الذين لولاهم لما استطاع شخص مثله أن يرى الموصل بعينيه ثم يسرق النصر على داعش في الموصل ويتباهى به). وقد مرت هذه التصريحات المتشنجة بسلام وهدوء على الساسة في التحالفين الشيعيين من حلفاء وخصوم العبادي!

وعموما، فكلام العبادي هذا، رغم صحته النسبية،لن يحدث أثرا في المشهد السياسي الراهن طالما اتفق التحالفان الشيعيان "الإصلاح" و"البناء" المتنافسان على كسب الصوت الكردي على دعم حكومة عبد المهدي الذي أغدق الكثير على إدارة الإقليم.

أخيرا، وبخصوص موقف العراق من المواجهة بين إيران والولايات المتحدة، يلخص العبادي الموقف العراقي المطلوب من الحكومة الجديدة الإلتزام به بالكلمات التالية (آمل ألا تدخل-الحكومة الجديدة- في فخ "إيران مقابل الولايات المتحدة". يجب أن تكون لدينا مصالحنا الخاصة. لا نريد إيذاء إيران. ولا نريد أن نكون ضد الولايات المتحدة). وفي الحقيقة فهذا ليس رأي العبادي فقط، بل هو رأي جميع رؤساء الحكومات العراقية لسنوات ما بعد الاحتلال. إنهم يتصرفونعلى أساس أن الموقف الصحيح يجب أن يقوم على إرضاء الطرفين الأميركي والإيراني لضمان مصالح العراق! وهذا خطأ فادح وتكتيك انتهازي لا يضمن مصالح العراق وإنما يخدم مصلحة الطرفين الآخرين، ويدفع العراق ثمنه من نفط البصرة ومن أمنه واستقلاله.

إن الموقف الوطني الاستقلالي الأقرب الى الموضوعيةهو الذي يقوم على التمييز النوعي بين الاحتلال المباشر وغير المباشر الأميركي والتدخلات والهيمنة الإيرانية والتي تضر أشد الضرر بالتضامن الحقيقي بين العراق وإيران في مواجهة الولايات المتحدة ودولة العدو الصهيوني؛ موقف يعتمد استراتيجيةواضحة تدافع عن مصالح العراق وتواجه الاحتلال الأميركي وتتعامل بحسم مع رفضه سحب قواته وقواعده العسكرية من العراق، وأيضا، وفي الوقت نفسه، ترفض الهيمنة الإيرانية المتفاقمة في السياسية والأمن والاقتصاد والثقافة رفضا حقيقيا لاستعادة القرار الوطني العراقي المستقل!

إنَّ وجود عراق مستقل وديموقراطي مالك لقراره السيادي سيكون عامل قوة لإيران المناهضة للغرب والدولة الصهيونية، أما العراق الضعيف الذي تحكمه أحزاب طائفية وقومية فاسدة تحميها إيران والولايات المتحدة فهو قد يكون مفيدا لإيران في فترة معينة، ولكنه سيكون على الدوام عامل ضعف وتهديدلها على المستوى الاستراتيجي.

 

علاء اللامي - كاتب عراقي

 

أعلن خليفة حفتر قائد قطعات الجيش في الشرق الليبي إنطلاق ما وصفها بعمليات تحرير العاصمة طرابلس من الميليشيات المسلّحة  التي تقاسمت النفوذ في العاصمة طرابلس منذ إسقاط حكم الرئيس الراحل معمر القذافي في العام 2011. وقد شهدت المدينة بين الفينة والأخرى  إندلاع نزاعات مسلحة بين الجماعات المتنافسه على النفوذ بين، دفع المواطن الليبي ثمنا باهضا لها سواء على صعيد الأرواح او البنى التحتية او التداعيات الإقتصادية السلبية فضلا عن غياب الأمن وتردي الخدمات.

لم تشهد ليبيا استقرارا منذ إعلان حلف الناتو إنطلاق حملته العسكرية  في التاسع عشر من مارس عام 2011 لإسقاط نظام حكم القذافي وإحلال الديمقراطية في البلاد. لكن البلاد لم تشهد منذ ذلك اليوم أي استقرار سياسي او امني بل تحولت الى مرتع للميليشيات المسلحة  والجماعات الإرهابية التي سيطرت على عدد من المدن الليبية وخاصة مدينة بنغازي حتى وصل الأمر الى أن اعلن تنظيم داعش الإرهابي إقامة دولة الخلافة في مدينة سرت مسقط رأس الزعيم الراحل.

وبالرغم من ان ليبيا لاتعاني من حالة من الإنقسام الديني او الطائفي  او العرقي بالرغم من وجود بعض المجموعات العرقية مثل الطوارق والتبو إلا أنها شهدت حالة من الإنقسام السياسي والإنشطار في مؤسسات الدولة فهنالك اليوم حكومتان أحدهما معترف بها دوليا في طرابلس وهي حكومة الوفاق الوطني ويرأسها فائز السراج وحكومة في الشرق الليبي يرأسها عبدالله الثني في طبرق.

وقد تأسست الحكومة الأولى كثمرة لإتفاق الصخيرات الذي وقعته اطراف الأزمة الليبية  في مدينة الصخيرات بالمغرب في ديسمير من العام 2015 وبرعاية أممية ، ونص الإتفاق على ان عمر الحكومة لن يتجاوز السنتين كحد أقصى، لكن السنتين إنقضيتا ولم تخرج ليبيا من الحالة الإنتقالية عبر إقامة إنتخابات حرة في البلاد. وأما الحكومة الثانية فقد وافق عليها مجلس النواب الليبي ومقره في طبرق في شهر سبتمبر من العام 2014 عقب الإنتخابات التي أسفرت عن خسارة الإسلاميين وخاصة جماعة الأخوان الإسلامية مما أدى إندلاع نزاعات مسلحة قسمت البلاد، ومؤسساتها  بين الشرق والغرب.

وقد برزت في الشرق شخصية الجنرال خليفة حفتر وهو قائد سابق في الجيش أيام حكم القذافي لكنه وبعد فشل العمليات العسكرية الليبية في تشاد المجاورة طلب اللجوء السياسي الى أمريكا وعاد بعد السقوط الى البلاد ليقود ما تبقى من قطعات الجيش السابق ليشكل منها نواة لقوات عسكرية نجحت لاحقا في تحرير مدينة بنغازي من الجماعات الإرهابية. ثم تبع ذلك تحرير مدينة درنة كما وبسط سيطرته على منطقة الهلال النفطي التي يتم تصدير النفط عبرها، ثم توّج إنتصاراته بالسيطرة على مدينة سبها عاصمة الجنوب الليبي.  وبعد ان بسط سيطرته على الشرق والجنوب أعلن قبل يومين إنطلاق عملية تحرير مدينة طرابلس مما وصفها بالميليشيات المسلحة المدعومة من حكومة الوفاق المدعومة بدورها من المجتمع الدولي.

وأما حكومة الوفاق الضعيفة فلم تنجح في إعداد قوات عسكرية او إنهاء أزمات البلاد  لكنها كسبت ود الميليشيات المسيطرة على العاصمة حيث تم الحاقها بإجهزة الأمن والعسكر. وأما هذه الميليشيات فأغلبها تمتد جذورها لمدينة مصراته الواقعة على الساحل الليبي والى الشرق من العاصمة طرابلس. وقد لعبت هذه المدينة دورا أساسيا سواء على الصعيد العسكري او السياسي في البلاد منذ إسقاط النظام السابق وتعتبر من أشد المدن عداءا لحكم القذافي.

وقد حظيت مدينة مصراته بدعم من كل من قطر وتركيا بحكم ارتباطها بجماعة الأخوان المسلمين وكذلك بدعم إيطالي نظرا لأنها أيدت خطة حلف الناتو لأسقاط النظام السابق. وفي مقابل هذا الدعم حصل الشرق الليبي ممثلا بخليفة حفتر وعقيلة صالح رئيس مجلس النواب الليبي على دعم الدول المناهضة للمحور القطري التركي الا وهي الإمارات ومصر والسعودية. وأما على الصعيد الدولي فإن الشرق انفتح على كل من روسيا وفرنسا في محاولة لموازنة الدور الغربي الممثل بايطاليا وأمريكا اللتان وقفتا خلف حكومة الوفاق بطرابلس.

وقد أسهم هذا الدعم في  تحرير القوات الأمريكية لمدينة سرت من قبضة تنظيم داعش وتسليمها لحكومة الوفاق فيما ساهم الدعم المصري والإماراتي والفرنسي في تحرير مدينة بنغازي ودرنة من نير الجماعات الإرهابية المرتبطة بتنظيم القاعدة. وقد ادى هذا الدعم كذلك الى تقوية شوكة قوات الجيش بقيادة خليفة حفتر فيما تمكن الدعم الإيطالي الأمريكي من الإبقاء على حكومة الوفاق طوال السنوات الأربع الماضية بالرغم من ضعفها وهشاشتها.

ومن اللافت ان السعودية دخلت مؤخرا بشكل مباشر على خط الأزمة الليبية، إذ أعلن حفتر إنطلاق عمليات تحرير طرابلس بعد  ساعات من عودته من السعودية ولقائه ملكها سلمان بن عبدالعزيز. وقد سبق ذلك تقاربا بين مجلس النواب الليبي  والحكومة المؤقتة مع السعودية مسفرا عن نمو مضطرد في الشرق  للجماعات السلفية  الغير مرتبطة بالقاعدة او داعش ولكن بالمؤسسة الدينية السعودية. وقد أثارت هذه العمليات غضب ايطاليا وبريطانيا حيث دعت الأخيرة مجلس الأمن الدولي الى الإنعقاد بعد ان نجحت قوات حفتر وخلال ساعات معدودة من الوصول الى تخوم العاصمة طرابلس مهددة باسقاط حكومة الوفاق وإعلان  وقوع البلاد في قبضة حفتر.

ومما يجدر ذكره أن ليبيا تشهد تنافسا حادا بين كلا من إيطاليا وفرنسا، فإيطاليا المستعمر السابق للبلاد تحتفظ بعلاقات اقتصادية واسعة  وخاصة في القطاع النفطي، لكن فرنسا دخلت كمنافس شرس لإيطاليا وحاولت أخذ زمام المبادرة  من يديها مما أدى الى توتر العلاقات بين البلاد خلال الفترة الأخيرة، وخاصة عندما استغلت فرنسا انشغال ايطاليا بتشكيل الحكومة الجديدة  لتعلن عن مؤتمر باريس لحل الأزمة الليبية.

واما الولايات المتحدة فقد دخلت في خط الصراع معلنة وعلى لسان الرئيس ترامب وقوفها الى جانب ايطاليا، مؤكدة على  ان امريكا غير معنية بالشأن الليبي الا فيما يتعلق بمحاربة الإرهاب.

ولذا فقد أثارت هذه العمليات العسكرية قلق الدول المؤثرة في ليبيا  وكذلك دول الجوار وخاصة الجزائر وتونس اللتان تخشيان دخول البلاد في حالة فوضى شاملة ستكون لها تداعياتها الأمنية على البلدين اللذين يحتفظان بحدود طويلة مع ليبيا. فمن ناحية تخشى ايطاليا  فقدان نفوذها في البلاد لصالح فرنسا فيما لو سقطت حكومة الوفاق وأما قطر وتركيا فإن هذه العمليات ستقضي على نفوذهما عبر مدينة مصراته وجماعة الأخوان. فيما سيعتبر انتصار حفتر تعزيزا للنفوذ السعودي الإماراتي المصري في ليبيا. ومع تعزيز العلاقات بين تونس والسعودية مؤخرا  فإن الأخيرة ستعزز تواجدها في الشمال الأفريقي عبر تشكيل تحالف يضم مصر وتونس بالإضافة الى ليبيا  وقد تنضم اليه الجزائر لاحقا بإنتظار المتغيرات السياسي في اعقاب استقالة عبدالعزيز بو تفليقه.

وأما على الصعيد الداخلي فإن الشعب الليبي ضاق ذرعا من الأوضاع المتردية على مختلف الصعد وخاصة الأمنية والإقتصادية منها واستمرار النزاعات المسلحة ولذا فهو يتطلع الى الخلاص من هذا الوضع الذي يكاد يكمل عقدا كاملا، في الوقت الذي كان يعيش حالة من الأمن والرفاه الإقتصادي يحسد عليها في زمن النظام السابق. وقد أثار هذا الوضع حنين الكثير من الليبيين الى النظام السابق حيث تنامي ما يسمى بالتيار الجماهيري الذي اتخذ من سيف الإسلام القذافي نجل الزعيم الراحل رمزا له بإنتظار المشاركة في إنتخابات هذا العام.  

لكن هذه العمليات العسكرية وضعت الإنتخابات على كف عفريت كما وانها أثارت قلق أنصار النظام الجماهيري الذي ينظرون بعين الريبة الى خليفة حفتر. لكن ما يجري على الأرض يثبت بان حفتر حاليا هو رجل ليبيا القوي الذي قد تخرج ليبيا على يديه من حالة الفوضى ويعاد بناء دولتها التي أسقطت تحت ذريعة إحلال الديمقراطية،إذ لم ينجح حلف الناتو في اقامة ديمقراطية في البلاد  كما ولم تنجح القوى السياسية المتعددة الولاء في إخراج البلاد من ازمتها ويضاف الى ذلك فشل الحلول السياسية الدولية، مما ترك الساحة للحل العسكري الذي قد يحسم الأوضاع و يوحد البلاد ويخرجها من ازمتها المستدامه لكنه قد يسقطها أيضا في فخ الدكتاتورية والحكم العسكري!

 

ساهر عريبي

 

كاظم الموسويودع الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الرئاسة، برسالة سلمها الى رئيس المجلس الدستوري، واذاع الفريق احمد قايد صالح رئيس اركان الجيش الوطني الشعبي ونائب وزير الدفاع رسالة موقف ومسار وربما اشارة منظمة للمرحلة القادمة.. والشارع والاعلام ينقل رسائل متواصلة مع الحدث، اغلبها مطالبة بالتغيير والتجديد.. وكلها رسائل مهمة وقد تكون خطيرة في ظروف واوضاع البلاد وما يتربص بها..

تاخر الرئيس بوتفليقة كثيرا في قراره كما تاخرت قيادة الاركان.. المتغيرات حول الجزائر كثيرة ومتوازية والضغوط ليست قليلة والاخطار لم تكن نائمة.. ورغمها فان ما ياتي ليس سهلا ولا هينا في الحفاظ على الثوابت والتقدم الى الامام في بناء مرحلة ما بعد الرئيس المستقيل، وفرز التدخلات والتداخلات المكشوفة والمعلنة وما خفي منها.

أبلغ الرئيس بوتفليقة رسميا رئيس المجلس الدستوري قرار إنهاء عهدته بصفته رئيسا للجمهورية، وذلك اعتبارا من تاريخ 2 نيسان/ أبريل 2019، بحسبما أفاد به بيان للرئاسة الجزائرية، وعرضته صور تلفزيونية ناطقة بقرار الاستقالة. وتضمنت الرسالة الرسمية الاخيرة للرئيس، رسالة الوداع لمسيرة عشرين عاما من الحكم، اشارات تتطلب الانتباه لها ولما وراء سطورها.

اكد فيها: إن قصدي من اتخاذي هذا القرار إيمانا واحتسابا، هو الإسهام في تهدئة نفوس مواطني وعقولهم لكي يتأتى لهم الانتقال جماعيا بالجزائر إلى المستقبل الأفضل الذي يطمحون إليه طموحا مشروعا.

واضاف: لقد أقدمت على هذا القرار، حرصا مني على تفادي ودرء المهاترات اللفظية التي تشوب، ويا للأسف، الوضع الراهن، واجتناب أن تتحول إلى انزلاقات وخيمة المغبة على ضمان حماية الأشخاص والممتلكات، الذي يظل من الاختصاصات الجوهرية للدولة.

ووضح: إن قراري هذا يأتي تعبيرا عن إيماني بجزائر عزيزة كريمة تتبوأ منزلتها وتضطلع بكل مسؤولياتها في حظيرة الأمم.

لقد اتخذت، في هذا المنظور، الإجراءات المواتية، عملا بصلاحياتي الدستورية، وفق ما تقتضيه ديمومة الدولة وسلامة سير مؤسساتها أثناء الفترة الانتقالية التي ستفضي إلى انتخاب الرئيس الجديد للجمهورية.

وختمها بتاكيد وشهادة عن مرحلة واشارة لمرحلة جديدة تستمد تطورها من مفرداتها وبناء المرحلة لما يخدم مصالح العباد والبلاد؛

يشهد الله جل جلاله على ما صدر مني من مبادرات وأعمال وجهود وتضحيات بذلتها لكي أكون في مستوى الثقة التي حباني بها أبناء وطني وبناته، إذ سعيت ما وسعني السعي من أجل تعزيز دعائم الوحدة الوطنية واستقلال وطننا المفدى وتنميته، وتحقيق المصالحة فيما بيننا ومع هويتنا وتاريخنا.

واخر كلماتها تمنيات: أتمنى الخير، كل الخير، للشعب الجزائري الأبي".

من جهته طلب رئيس اركان الجيش الوطني الشعبي الفريق أحمد قايد صالح "التطبيق الفوري" للحل الدستوري،  كبادرة خير وأمل للخروج من الأزمة، معتبرا ان هذه المبادرة التي قدمها الجيش الوطني الشعبي، انطلاقا من إحساسه بالمسؤولية التاريخية تجاه الشعب والوطن، لكن مع الأسف الشديد قوبل هذا المسعى بالتماطل والتعنت بل والتحايل من قبل أشخاص يعملون على إطالة عمر الأزمة وتعقيدها، والذين لا يهمهم سوى الحفاظ على مصالحهم الشخصية الضيقة غير مكترثين بمصالح الشعب وبمصير البلاد.

وبعد ان ترأس اجتماعا بمقر أركان الجيش الوطني الشعبي، ضم كل من قادة القوات وقادة النواحي العسكرية والأمين العام لوزارة الدفاع الوطني ورئيسي دائرتي أركان الجيش الوطني الشعبي، في إطار متابعة التطورات المرتبطة، تقدم بالاقتراح الذي دعمه الجيش الوطني الشعبي الرامي إلى تفعيل المواد 7 و8 و102 من الدستور. وأكد أنه تابع عن كثب تلك المسيرات السلمية، التي خرج فيها الشعب الجزائري رافعا مطالب مشروعة، وأشاد بالسلوك الحضاري والمستوى الراقي للوعي والنضج الذي أبانه الشعب الجزائري، طيلة هذه المسيرات، معبرا عن تأييده التام لمطالب الشعب وتطلعاته المشروعة، انطلاقا من قناعته النابعة من تمسكه بالشرعية الدستورية وأن الشعب هو المصدر الوحيد والأوحد للسلطة.

كما ذكّر بمختلف مساعي الجيش الوطني الشعبي لإيجاد حل للأزمة منذ بداية المسيرات، حيث أكد بتاريخ 18 آذار/ مارس على ضرورة إيجاد حل لهذه الأزمة في أقرب الآجال وأن هناك حل بل حلول لهذه المعضلة، شريطة أن تندرج في الإطار الدستوري، لكن وأمام عدم الاستجابة لهذا المسعى، ونظرا لإدراكه العميق بحساسية الوضع، تطرق مرة أخرى بتاريخ 26 آذار/ مارس، وأكد على ضرورة إيجاد حل للخروج من الأزمة حالا وقدم اقتراح تفعيل المادة 102 من الدستور، كحل يندرج حصرا في الإطار الدستوري، الذي يعد الضمانة الوحيدة للحفاظ على وضع سياسي مستقر.

وكانت المحطة الأخيرة هي اجتماع مقر أركان الجيش الوطني الشعبي،  يوم 2 نيسان/ أبريل 2019، ومعه تصريح الفريق: “لقد أكدت في العديد من المرات على أنني بصفتي مجاهد كافحت بالأمس المستعمر الغاشم وعايشت معاناة الشعب في تلك الفترة العصيبة، لا يمكنني السكوت عن ما يحاك ضد هذا الشعب من مؤامرات ودسائس دنيئة من طرف عصابة امتهنت الغش والتدليس والخداع، ومن أجل ذلك فأنا في صفه وإلى جانبه في السراء والضراء، كما كنت بالأمس، وأتعهد أمام الله والوطن والشعب أنني لن أدخر جهدا في سبيل ذلك، مهما كلفني الأمر”.

كلمات التصريح مع ماوراء السطور في رسالة  الوداع يتبين المشهد السياسي، وماوراء الرسائل الاخيرة يشرح دور ومساعي الجيش، التي اضاف الفريق لها، ان الشعب الجزائري بارك هذه المساعي وثمن حرص الجيش الوطني الشعبي على إيجاد حل دستوري للأزمة في أقرب الآجال.

اين الأزمة وهل مختصرها في موقع الرئاسة ام أنها أبعد من ذلك؟!. ومن حفز الحراك الشعبي؟. كيف تطورت الشعارات المطلبية، ولماذا؟.

الحراك الشعبي السلمي الحضاري نجح في الضغط على انتهاء مرحلة ودعا الى إستمرار وضرورة التجديد والتغيير، وهو ما يؤشر لخطوات المرحلة الجديدة، بعد بوتفليقة. لكن كيف ستكون؟، انتقالية دستورية ام توافقية ثورية؟، حكم الجيش ام فوضى الشارع؟ هنا توضع التجربة التاريخية لثورة المليون ونصف مليون شهيد والعشرية السوداء، وتجارب البلدان الشقيقة الاخيرة، وتكون ماثلة وذات عبرة ودرس واعتبار..

من سيقود البلاد بعد الاستقالة واجتماع القيادات العسكرية؟، واجتماعات قيادات معارضة سياسية؟!. وتصريحات متعددة من جهات متنوعة، واستمرار الحراك الشعبي في الشارع؟!. أن المهمة ليست يسيرة وان الاستراتيجية الوطنية التي  تؤمن الأمن والاستقرار والتقدم والازدهار للبلاد، والعقل والحوار الوطني ورؤية المصالح الشعبية تظل المفتاح لمستقبل أفضل للجزائر العربية الديمقراطية الشعبية، لجزائر عزيزة كريمة فعلا.

 

كاظم الموسوي

 

نجوى السودةبقلم: جون لوفتاس

ترجمة /نجوى السودة

إن القاعدة هي نتاج جماعة عربية فاشية تأسست في عام 1920، دعمها ماليا أدولف هتلر، وإستغلتها المخابرات البريطانية، والفرنسية، والأمريكية بعد الحرب العالمية العالمية الثانية، وفيما بعد دعمتها السعودية وقامت المخابرات الأمريكية بتفعيل دورها .

كان غريبا بعض الشئ أن تجد كاثوليكا أيرلنديا يتحدث عن "يوم هاشوآه " لديه ثقافة غير عادية عن الهولوكست. حينما كنت أعمل محاميا عاما، تم إختياري لأقوم بعمل بحث مصنف عن الهولوكست .لذلك توجهت إلى مدينة صغيرة تدعى سويتلاند،ماريلاند،جهة اليمين من واشنطن، وبها محكمة المقاطعة حيث تدفن فيها حكومة الولايات المتحدة أسرارها .

- هناك يوجد عشرون خزينة تحت الأرض وكل منها تعادل فدانا .من رأى منكم فيلم المعتدون على التابوت المفقود، سوف يعرف ما حقيقة الخزائن التي بالأرض، ليس فقط كما ظهرت في الفيلم، لكنني إكتشفت شيئا مروعا عن تلك الخزائن التي تحت الأرض. علمت أن هناك العديد من النازيين الذين قد تم تحديدهم ليحاكموا ضمن حسابات لدى المخابرات الأمريكية، إلا أن الحكومة الأمريكية لا تعلم بأنهم نازيين ؛لأن المخابرات الأمريكية قد كذبت عليهم .

 - ما لم تعلمه المخابرات البريطانية أن الذي كذب عليهم هو كيم فيلباي العميل السوفيتي الشيوعي المزدوج -إنها فضيحة بسيطة للحرب الباردة، إلا أن خارجيتنا أخفت السر تحت السجادة وسمحت للنازيين أن يقيموا في أمريكا للدرجة التي جعلتني معتادا عليهم بدرجة لا كافية من الغباء.

ماذا تفعل حتى تعتاد على قصة مثل هذه القصة؟

دعني أعطيك مثالا: كتب صديق لي في المخابرات الأمريكية، يسمى بوب باير ، كتابا جيدا عن المملكة العربية السعودية والإرهاب، أطلق عليه "النوم مع الشيطان" كتب بوب عن الفترة التي كان يعمل فيها مع المخابرات الأمريكية وعن الملفات السيئة .

ذكر أنه على سبيل المثال، أن ملفات الإخوان المسلمين كانت تقريبا لاشئ لم يكن هناك سوى قصاصات ورق من الجرائد، قمت بالإتصال ببوب وقال لي، " إن ذلك خطأ ،إن المخابرات الأمريكية بها ملفات ضخمة عن الإخوان المسلمين، مجلدات عنهم أعرف ذلك لأنني قرأت تلك الملفات من مائة عام. "

ثم قال "ماذا تقصد؟ "

من هنا يمكنك أن تجد كل الملفات السرية عن الإخوان المسلمين – يمكنك أن تقوم بذلك . أيضا طبع بوب الكلمتين " الإخوان والنازية " فأخرج منهما من ثلاثين إلى أربعين مقالا من حول العالم قرأهم واتصل بى مرة ثانية وقال " يا إلهي مالذي فعلناه ؟ " ما أقوم به الآن: إنني أعلم جيلا جديدا في المخابرات الأمريكية (حقيقة) أن الإخوان المسلمين منظمة فاشية إستأجرتها المخابرات الغربية وتطورت بالتدريج إلى أن صارت القاعدة .

نبذة مقتضبة عن تاريخ (الإخوان المسلمون)

من هنا تبدأ القصة في عام 1920كان هناك شابا يدعى (حسن البنا) كون حسن البنا هذه الجماعة الوطنية المسماة بالإخوان المسلمين . كان البنا شديد الولع بأدولف هتلر وكان يكتب له بإستمرار .

من أجل ذلك لم يكن من السهل أن يبدي إعجابه لحزب النازي في سبتمبر 1930وأصبح البنا والإخوان المسلمين الدرع السري للمخابرات النازية . إن النازية العربية تتشابه كثيرا مع معتقدات النازية الجديدة من حيث مقتهم اليهود .

وفى الثقافة الغربية أصبح من المهام الرئيسية للرايخ الثالث أن يطور الإخوان المسلمين حتى يصيروا مثل " البرلمان الخامس " العسكري في مصر،حينما إندلعت الحرب، وعد الإخوان المسلمون كتابيا بأنهم سوف ينهضون ويساعدون رومل وأن يوقنوا بأنه لايوجد جنديا إنجليزيا أو أمريكيا على قيد الحياة في القاهرة أو الأسكندرية، بدأ الإخوان يتوسعوا في أهدافهم وتأثيرهم أثناء الحرب العالمية الثانية، لم يفتهم أن يكون لهم مكانا في فلسطين ترأسه مفتي فلسطين، واحد ممن يتمتعون بالتزمت في الرأي طوال الوقت ،ويمثل الإخوان المسلمين في فلسطين . هؤلاء وبلا شك النازيين العرب . توجه المفتي إلى ألمانيا أثناء الحرب وساعد في إنشاء جماعة للإخوان . أسس قاعدتها في كرواتيا وأطلق عليها تقسيم هندزار المسلمين، بل صارت حجر الأساس لجيش هتلر الجديد من الفاشيين العرب ذلك الجيش الذي يغزو شبه الجزيرة، ومن هناك، إلى إفريقيا - الأحلام العظيمة . و في نهاية الحرب العالمية الثانية كان الإخوان المسلمين مطلوبين في جرائم حرب.

ألقي القبض على رجال إستخباراتهم الألمان في القاهرة . كانت الشبكة كلها تديرها المخابرات السرية البريطانية .بعد ذلك حدث شيئا مروعا بدلا من أن يتم إعتقال الإخوان المسلمين - النازيين -وظفتهم الحكومة البريطانية حيث قاموا بجلب مجرمي الحرب الهاربين من النازيين من العرب والإخوان المسلمين ونزلوا إلى مصر، وقاموا بتدريبهم لمدة ثلاث سنوات في مهمات خاصة . أرادت المخابرات السرية البريطانية أن تستخدم الفاشيين من الإخوان المسلمين لتقر بعدم شرعية دولة إسرائيل الوليدة في عام 1948. 

لم تكن بريطانيا بمفردها . تعاونت المخابرات الفرنسية معها عن طريق إطلاق صراح مفتي الديار وتهريبه بطريقة غير شرعية إلى مصر، من هنا توحد كل النازيين العرب . ومن هذا التاريخ، من عام 1945حتى عام 1948، كانت المخابرات السرية البريطانية تحمي كل نازي عربي بقدر ما تستطيع، لكنها فشلت في أن تحول دون قيام دولة إسرائيل . ما فعلته بريطانيا، حينئذ،هو أنها قامت ببيع النازيين العرب ممن كانوا يعملون بالمخابرات الأمريكية التي صارت فيما بعد الإستخبارات الأمريكية . ربما يكون هذا شيئا غبيا شيطانيا، لكن هذا هو ما حدث . كانت الفكرة قائمة على أننا سوف نستغل النازيين العرب ليكون لهم ثقل لا يقل عن ثقل الشيوعيين العرب . تماما مثلما كان الإتحاد السوفيتي يدعم الشيوعيين العرب ماديا، بالمثل فإننا سوف ندعم النازيين العرب ليجاهدوا ضدهم .هناك الكثير من الأسرار الإقتصادية وكنا نحن من يتحمل النفقات المادية للإخوان المسلمين . صار المصريون عصبيون .أمر ناصر كل الإخوان المسلمين بالخروج من مصر أو سجنهم وإعدامهم . لذلك خلال عام 1950، تم نقل النازيين من الإخوان المسلمين إلى السعودية .

الآن، حينما وصلوا إلى المملكة العربية السعودية، قام البعض من جماعة الإخوان المسلمين، مثل " دكتور عبد الله عزام " بالتدريس في المدارس الدينية . وهنا في هذه المدارس ربطوا بين معتقدات النازية بالفكر الوهابي الغريب جدا وغير المألوف . إعتقد كل من تعلم على هذا النحو بأن الإسلام من خلال الرؤية السعودية هو- دين التعصب، مع أنه في الحقيقة ليس كذلك . تعرضت الوهابية للنقد من الدول الإسلامية كعقيدة تتنافى مع صحيح الدين أكثر من ستين مرة . إلا أن السعوديين عندما صاروا أثرياء توخوا الصمت .

طالبان -هم الوحيدون الذين مارسوا الوهابية وكذلك السعودية - ومن هنا بدأ التطرف .

في الحقيقة لا يمت هذا للدين الإسلامي فى شىء .فالإسلام دين السلام، الإسلام دين السكينة والسماحة كان يربط الاسلام دوما علاقات طيبة مع اليهود طوال المائة سنة الأولى لوجوده . واصبحت السعودية هي الموطن الجديد للإخوان المسلمين، إمتزجت الفاشية والتطرف في تلك المدارس، كان بتلك المدارس طالبا شابا لفت الأنظار، تلميذ عزام يسمى أسامة بن لادن، تعلم بن لادن على يد النازية من الإخوان المسلمين الذين هاجروا إلى السعودية كما ذكرنا . 

المخابرات الأمريكية والقاعدة       

قررت المخابرات الأمريكية في عام 1979 أن تخرج النازية العربية من حالة الجمود، لقد قام الروس بغزو أفغانستان، ولذلك أخبرنا السعوديين بأننا سوف ندعمهم ماديا إذا قاموا بجلب كل النازيين العرب على متن سفينة وإطلاقهم إلى أفغانستان ليحاربوا الروس، كان علينا أن نعيد تسميتهم، خشينا أن نطلق عليهم الإخوان المسلمين ؛ لأن ذلك الإسم حساس جدا و ماضي النازيين معروف جدا . من هذا المنطلق أطلقنا عليهم مكتب خدمات المجاهدين،كذبت المخابرات الأمريكية على الكونجرس ولم يعرفوا من الذي ينفق على المجاهدين في أفغانستان، فيما عدا السعوديين .ليست تلك كل الحقيقة . فجزء صغير من المخابرات الأمريكية يعرفون تماما بأننا قد أستأجرنا من جديد النازيين العرب وأستخدمناهم للحرب في حروبنا السرية ‘بزغ نجم مساعد عزام (بن لادن) من عام 1979حتى 1989، وكسبوا الحرب، طردوا الروس من أفغانستان . ذكرت المخابرات الأمريكية (لقد فزنا – دعونا نعود إلى الوطن !) وتركنا هذا الجيش من الفاشيين العرب في الميدان بأفغانستان . لم يرغب السعوديون في عودة الفاشيين العرب . بدأ السعوديون الرشاوى إلى أسامة بن لادن وأتباعه حتى يظلوا بعيدا عن السعودية، إنقسم جيش المجاهدين نصفين،أغتيل عزام سريا، وعلى ما يبدو جليا على يد أسامة بن لادن نفسه . إن القاعدة جماعة راديكالية – والأكثر تطرفا دينيا، حتى يومنا هذا تنتسر فروع جماعة الإخوان في أفرع تنظيم القاعدة .

و ينتمي أيمن الظواهري إلى فرع مصر من الإخوان المسلمين - الجهاد الإسلامي المصري، نتاج الجهاد الإسلامي الفلسطيني .

يوجد سمات وفروع عدة، إلا أنها جميعا تصب في قالب واحد هم "الإخوان المسلمين "، منظمة حماس التي نعرفها هي في الحقيقة فصيل سري لجماعة الإخوان المسلمين . حينما إغتالت إسرائيل الشيخ "أحمد ياسين "في 22 من مارس 2014، نشر الإخوان المسلمين تفاصيل موته في جريدة بالقاهرة باللغة العربية، ونشرت أنه كان القائد السري لجماعة الإخوان في غزة .

من هنا صار الإخوان المسلمون هم ذلك السم الذي إنتشر في كل أنحاء الشرق الأوسط، وفي التاسع من سبتمبر بدأت تنتشر حول العالم . إذا قمت بطباعة الكلمات " بنا مع تشديد النون " وكلمة " نازي "، سوف ترى المقالات تنهال عليك .

 تلك هي المعلومات التي كانت الإستخبارات الأمريكية تحاول أن تخفيها عن موظفيها، لم ترد أن يعرفوا هذا الماضي المفزع . في عام 1984 ‘ حينما كنت أعرض نفقات النازيين الأوروبيين على الإستخبارات الأمريكية ‘ كانوا يحاولون أن يخفوا عن الكونجرس حقيقة النازية العرب ليحاربوا بهم الروس - برنامج "غبي وفاسد ."‘ ولهذا حينما درس بوب باير الملفات إنتابه الذهول .

إن الإستخبارات الأمريكية الحالية لا يعلمون شيئا عن ذلك جيل بأكمله .

كانت الهبات السعودية على الملأ وبصورة سيئة

لذلك السبب ‘قال عملائي في الإستخبارات الأمريكية، (لا بأس، ماذا تفعل ؟) أعطوني مثالا . قالوا:هنا الملفات التي تثبت كيف أن السعوديين يدعمون هذه الجماعات ماديا، لقد أنشأ السعوديون جماعة تجمع الهبات في شارع من شوارع فرجينيا هو شارع جروف 555، هيردون،فرجينيا .

لهذا السبب قلت له: " حسنا، إن السعوديين إرهابيون، ماذا إذا ؟ "

توزع هذه الهبات على الإخوان المسلمين، حماس، حزب الله، القاعدة . إن السعوديين إتخذوا هذا

القرارلكي يدعموا الإرهاب . قاموا بإنشاء جماعات رئيسية تقوم من خلالها كل الجماعات الإرهابية في الولايات المتحدة والسعودية للحصول على هذه الأموال على شكل تبرعات خيرية .

-" تمزح معي أليس كذلك ؟ "

(لا)

وذكروا لي أنه بالقرب من الشارع الذي أعيش به في تمبا،فلوريدا،كان يعيش أحد قادة الإرهابيين في العالم ، في جامعة جنوب فلوريدا أستاذان، أحدهما كان قد غادر لتوه سوريا وعاد إليها حاليا ‘وهو قائد الجهاد الإسلامي العالمي،(رقمه2)‘ زعيم الجهاد الإسلامي في الغرب،هو الدكتور سامي العريان الذي ما زال يعمل أستاذا في جامعة جنوب فلوريدا، يبدو أنك تمزح . لايمكن أن يكون ذلك حقيقيا .

-إنها الحقيقة، هؤلاء الرجال يجمعون المال من كل أنحاء أمريكا ويرسلونه إلى الفلسطينين، إلى المناطق الفلسطينية، ويستخدمون الإنتحاريين بالقنابل ليقتلوا اليهود، لقد أرسلوا إلي شرائط الفيديو .

 وقف العريان على المسرح ذات مرة ومعه أحد أصدقائه نهض قائلا:" أما الآن من سوف يعطيني 500 دولارا لقتل يهوديا ؟ هناك أناس واقفون على مقربة من أورشليم سوف يخرجون إلى الشارع ويطعنون يهوديا بالخنجر، لكننا نحتاج الخمسمائة دولار . وأضاف:" إن كل هذه النقود سوف تذهب إلى الجمعية الإسلامية بفلسطين، - تلك هي الجبهة الرئيسية للجهاد الإسلامي في الولايات المتحدة لنصرة فلسطين ."

لذلك أخذ كل أصدقائي في الإستخبارات الأمريكية يرسلون فيما بينهم هذه الملفات .

قلت له: " لماذا لم تحاكم هذا الرجل ؟ لقد علمت بأمره منذ عام 1989. "

كنا نود أن نفعل ذلك . لقد حاولنا أن نحاكمه بالقانون لكننا، أخبرنا أننا لا يمكن أن نلمسه لأنه جمع كل المال الذي حصل عليه من السعودية، ونحن تحت وطأة كل الأوامر التي ترد إلينا بألا نفعل أي شئ يسبب الحرج للحكومة السعودية .

رددت عليه:" إنني لا أهتم بإحراجهم ."

تبرعت بالأموال الهبة التي تدعم الإرهاب،لأنه تحت قانون فلوريدا الذي منحني الحق أن أحاكم من يتلقى الهبات سيكتشف إلى أين يذهب المال الذي تبرعت به . كان شيئا يدعو للضحك بشدة .

في بداية عام 2002، قمت بعمل قائمة بكل الجرائم التي قد إرتكبها البروفيسور سامي العريان، وكل التفجيرات التي وقعت في إسرائيل ومن يرعون التبرعات في أمريكا التي لها صلة بالإرهاب . ذكرت كيف حصل على المال من السعودية،وكيف أن السعوديين قد أقنعوا حكومتنا بألا يقدم للمحاكمة القانونية لأسباب سياسية .

لأنني إتخذت إحتياطات أمنية عالية المستوى، فكان كل شئ أقوم به بكتابته يعتبر نوعا من التصنيف للمادة، ويجب أن يُعاد إرساله للحكومة قبل النشر، والنقد، لذلك أرسلت مسودة شكوتي القانونية إلى الإستخبارات الأمريكية، وأعجبوا بها .

ردوا قائلين: يا ايها العظيم ! نحن لا نحب السعوديين، إذهب أنت وحاكمهم أيضا ."

بعد ذلك بثلاثة أيام،وجدت ثلاثة من عملاء أمام بابي، " أنت تعلم، أن هناك واحدا وعشرين من رجال الحكومة بالولايات المتحدة لديهم علم بهذه المعلومات، وأنت الآن الثاني والعشرين . كيف أتيت بهذه المعلومات ؟ "

قلت:إنني آسف، لا يمكنني أن أخبرك . وفي اليوم الذي سبق ذهابي بالشكوى، تلقيت تليفونا سريعا من وزارة العدل الأمريكية . قالوا لي: " من فضلك جون، لا ترسل ملف الشكوى غدا . نحن في الحقيقة لن نهاجم السعودية بطريقة غير شرعية . سوف نغلق عليها . إمنحنا فقط مزيدا من الوقت ."

- نعم إنك مقدم على الهجوم على السعودية دون سابق إنذار، ذلك ما قلته لي في يناير وتذكره ثانيا في فبراير،والآن تكرره في مارس .تريد مزيدا من الوقت ؟سوف أمنحك مهلة حتى الرابعة غدا .

سأعد ملف شكوتي في العاشرة صباحا، وفي الرابعة تماما بعد الظهر، سوف أفصح عن تفاصيل الهبات التي ترد من السعودية . نعود إلى الغد . لقد قمت بعمل الملف في العاشرة، وذكرت للصحافة أنني سوف أحتفظ بشئ ما قليل من الوقت .

في العاشرة إنطلقت العملية الصعبة جرين، هجوم ضخم على كل الأماكن التي تدفع فيها تبرعات خيرية بالبيوت والأماكن التجارية، وفي ساعة واحدة أقفلنا كافة غسيل الأموال على الشبكة الإلكترونية بأمريكا، لقد وجدت الحكومة من 20 مارس 2002 حتى الآن، مزيد ومزيد من الأدلة في تلك الأرشيفات في هذه الهجمة المنفردة في ذلك اليوم، كان الدليل دامغ جدا أن البروفيسور العريان لم يعد يلقي خطبه، إنه حاليا في السجن الفيدرالي ينتظر محاكمة، لقد إتهم أيضا شريكه في الجريمة (سميح حموده)، إتُهم إثنان وثلاثون من أنماط مختلفة من الناس في الولايات المتحدة كنتيجة مباشرة لهذه الجهود، لكنهم ليسوا السعوديين – ليسوا السعوديين .

بعد مرور شهر من تحرير ملف شكواي ضد العريان، تسببت في حدوث بعض الإضطرابات . دعوت أربعين من كبار محامين المحاكمة في أمريكا أن يأتوا بطرسبرج، فلوريدا . أردت أن أفعل شيئا لأمريكا يااه ! كنت أتمنى أن أعقد صفقة معهم . أردت أن ترتفع قيمة ملاينهم من الدولارات، إنني فقير ليس لدي مال لأمنحهم إياه .

هؤلاء المحامون مثل رون موتلي، الذي حصل على بلايين الدولارات في قضية ضد صناعة الطباق ، قلت له:-" ما أريده منك أن تفعله هو أن تلقي نظرة على ما قد جمعته من دلائل . إنها نفس البنوك السعودية وأن نفس المؤسسات الخيرية التي دعمته ماديا هي نفسها التي دعمت القاعدة ."

قلت:" أتمنى أن تتخذ موقفا جيدا جدا في المحكمة الفيدرالية في واشنطن لتثأرلكل فرد مات في أحداث 11 سبتمبر (2001). إنني على وشك القيام بإنجاز لتحرير وجمع كل دليل، وأن أقدمك إلى الخبراء،وأن أزودك بكل الوثائق .... وعلينا أن نفعل ذلك من أجل أمريكا . " درس المحامون كل الوثائق التي جمعتها، وفي الخامس عشر من أغسطس 2002 قاموا بتقديم أضخم ملف شكوى في تاريخ أمريكا، وقدموه بصورة جيدة جدا وعرضوه على المحكمة الفيدرالية بواشنطن المقاطعة، وطالب السعودية بمبلغ تريليون دولار خسارة. ذكرت الشكوى أن هذه البنوك السعودية يجمع بينها شئ مشترك، كانوا يرشون أسامة بن لادن ب300مليون دولار سنويا ليبتعد عن السعودية وأن يذهب إلى مكان آخر ليقوم بتفجيراته. لابأس في 9/11كان على السعوديين أن يدفعوا ثمن إهمالهم، لذلك سوف أقوم بتقديم الشكوى عاجلا جدا .

درس من الماضي

تضاعفت أعداد أعضاء الإستخبارات الأمريكية ممن يركنون إلي كقناة يحصلون منها على المعلومات . لهذا السبب، تصدق هذا أم لا، لقد منحوني عرض تليفزيوني خاص يعرض الآن صباح الأحد على قناة فوكس التليفزيونية في كل أنحاء الولايات المتحدة .

حينما كنت أصغر سنا، كنت أضأل حجما منذ عشرين سنة مضت، شديد الضآلة إلا أن الأمر الآن ليس كذلك،حيث يصلني ما يقرب من خمسمائة إلى ألف بريد إليكتروني من رجال ونساء صدقوا من كل أنحاء العالم من المجتمع الذكي . علينا أن نخلص هذا العالم من الشر، يجب علينا أن نعترف بأن القاعدة أصل الرذيلة النازية لم تظهر من تلقاء نفسها و لقد سارت القاعدة على نفس نهجها .

كره النا زيون العرب اليهود، كرهوا الديمقراطية وكرهوا الغرب لثقافتهم الغربية . إن القاعدة ماهي إلا تعبير من خلال الدين عن الفاشية العربية، إننا سمحنا لهذا الفرع من قلب النازية أن يعيش ويزدهر، وبعد ذلك يعود ليظهر لنا بإستمرار،علينا أن نقوم بعمل شئ أفضل، أن نولي نظرتنا إلى هؤلاء الأطفال، إنهم ميراثنا الشرعي، إننا إذا ما أمنا لهم حياة آمنة،يجب علينا أن نعلمهم دروسا من الماضي، يجب على كل جيل أن يعرف ما تعنيه هذه الشموع، ليس ذلك فقط إنها واحدة من أعظم التراجيديات التي حدثت في التاريخ، لا بل الشر الذي---- سببته ----النازية -التي عاشت بيننا لأننا لم نحاربها حربا تعادل حجم شرها، لم ننته بعد من المهمة . علينا أن نذكر لأولادنا أن على كل جيل من الرجال والنساء بأمريكا أن يقف جنبا إلى جنب مع إخواننا اليهود والمسيحيين، والمسلمين . علينا الآن أن نقف يدا واحدة ضد البُغض الذي تواجهه أمريكا .

 سوف ننتصرفي حربنا على الإرهاب،وسوف ننتهي من المهمة التي بدأها أؤلئك الجنود الخالدون منذ حوالي قرن ونصف القرن من الزمان،يجب علينا أن نضع الأسس التي يعي من خلالها أطفالنا كيف يكرهون الإساءة إليهم في أسوأ أشكاله،علينا أن نعمل معا لكي نقضي على العنصرية من حياة أطفالنا .علينا أن نعلم أطفالنا أن يتذكروا المحرقة وأن يشعروا بالفخار، فخورين جدا بهؤلاء الخالدين الذين عاشوا وألهمونا بشجاعتهم.من هنا نذكرهم بالفضل،ونكرمهم على ما قدموا لنا،ودعونا نسير على نهجهم ونستمر في طريق جهادنا معا .

 

نجوى السودة

.............................

* "خطبة ألقاها “جون لوفتاس“ النائب العام السابق بوزارة العدل الأمريكية في يوم ذكرى الهولوكست (نشرت لأول مرة في 18من إبريل 2004 -"

 

محمود محمد عليليس غريبا أن يصدر قرار الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" باعتراف واشنطن بسيادة إسرائيل على مرتفعات الجولان، فقد ارتكب من قبل ترامب نفس الحماقة أو الجريمة عندما أعلن منذ أقل من عام، القدس عاصمة لإسرائيل بقرار منفرد متحديًا كل قواعد القانون الدولى والشرعية الدولية وانتهاك صريح لقرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة.

وبمجرد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بقرب صدور قرار من واشنطن باعترافها بسيادة إسرائيل على مرتفعات الجولان السورية المحتلة، تم رفض القرار عربيًا ودوليا واسعا، حيث أكدت مصر موقفها الثابت باعتبار الجولان أرض سورية محتلة، كما أعلنت سوريا وروسيا رفضهما قرار الرئيس الأمريكي ترامب، واعتبرت بعض الدوائر السياسية الأمريكية أن القرار الأمريكي يناقض سياسات الولايات المتحدة على مدى نصف قرن، وأن قرار ترامب بضم الجولان استهدف إضعاف علاقة اليهود بالحزب الديمقراطي، وإصراره على أن الديمقراطيين يعادون إسرائيل والشعب اليهودي. أيضا رفض الاتحاد الأوروبي سيادة إسرائيل على الجولان، كما رفض القرار كل من الجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجى والبرلمان العربي.

بيد أن هذا الشجب بالكلام فقط لا يكفي ، فهناك أمور أخري يجب اللجوء إليها ، فالتاريخ يشهد علي أن الشعوب العربية كانت لها مواقف جليلة ضد إسرائيل ؛ فمثلا خلال حرب أكتوبر 1973 كان المملكة العربية السعودية قد اتخذت قرار عاجل بحظر تصدير النفط إلى الدول الداعمة للعدو الإسرائيلي، وتخفيض إنتاج النفط بنحو 340 مليون برميل اعتباراً من أكتوبر حتى ديسمبر 1973.

ليس هذا فقط بل وجدنا أيضا الجيش العراقى هو الجيش العربى الذى خاض معركة دامية مع القوات الإسرائيلية، ووقف بجانب مصر وسوريا أثناء الحرب.

كما تدخلت ليبيا هى الأخرى وقامت بنقل الكلية البحرية المصرية إلى أراضيها، وعندما واجهت القيادة المصرية مشكلة تفوق القوة الجوية الإسرائيلية، قامت ليبيا بعمل صفقة طائرات مع فرنسا واستخرجت جوازات سفر تحمل اسم ليبيا للطيارين المصريين حتى يتم تدريبهم داخل فرنسا، وكان للجزائر دور كبير فى المساعدة.

ومن جهة أخري  لا يمكن إنكار الدور العظيم الذى قامت به اليمن فى مساعدة مصر، حيث أغلقت باب المندب مرتين.

كما كان لدولة الإمارات مواقف شجاعة، حيث توجه الشيخ زايد أثناء حرب أكتوبر، بطلب إلى سفير الإمارات المتواجد فى لندن بأن يقوم بحجز جميع غرف العمليات الحرجة المتنقلة وشراء هذا النوع من كل دول أوروبا ليُعالَج فيها الجنود المصريون والسوريون.

أفيقوا أيها العرب، أكملوا مسيرة أجدادكم وآبائكم في حماية الأراضي العربية، أيها القادة، كونوا يدًا واحدة، الأمر لا يحتمل شيئا، لا ننتظر منكم إدانات وشجبا واستنكارا، ننتظر منكم قرارات حاسمة تمنع هذا الطوفان من التوغل والتغلغل داخل أراضينا العربية، فقد قالت "جولدا مائير" رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق ذات يوم: "عندما أحرقنا القدس لم أنم طيلة الليل، وتوقعت أن العرب سيأتون نازحين من كل حد وصوب نحو إسرائيل، فعندما بزغ الصباح علمت أننا أمام أمة نائمة".

أتمنى أن تثبتوا عكس ذلك، ونكون أمة مستيقظة، لا تخشى في الله لومة لائم ولا تهاب أحدًا، كما   أتمنى أن تكون القمة العربية والمنعقدة الآن بدولة تونس الشقيقة يكون عنوانها «القدس عربية.. الجولان عربية».. وأن يتخذ القادة قرارًا بعودة سوريا إلى حظيرة الجامعة العربية ومساندتها عربيًا ودوليا حتى عودة الجولان المحتلة.

نعم أعلم أن الملف غاية فى الصعوبة، ولكن اقتحامه الآن ضرورة قبل أن ينساه التاريخ، هضبة الجولان بموقعها الاستراتيجي الذى يطل على عمق إسرائيل لن تعيده إسرائيل وحلفاؤها بسهولة، لذلك يحتاج الأمر إلى تضامن حقيقي وإلى إجراءات عملية قد تصل إلى حد المغامرة لكى يعرف ساكن البيت الأبيض أن هذا الشرق الأوسط التعيس قد قرر الاستيقاظ من نومه، وقد قرر أيضًا أن يمتلك هذه المرة زمام المبادرة نحو تشكيل ملامح مصيره.

لم أفقد الثقة بعد فى الإمكانيات العربية، ولم أفقد الثقة فى سوريا المناضلة الجريحة، كل الاختيارات الآن موجودة على طاولة العرب، فقط بتحرير القرار تتحرر الجولان. اللهم فاشهد.. اللهم فاشهد .

 

د. محمود محمد علي - مركز دراسات المستقبل

 

 

علجية عيش(الوعود التي لم يحققها الرئيس بوتفليقة طيلة 20 سنة من حكمه)

(أربعة استنتاجات مطلقة تظل جوهرية لجزائر اليوم)

ارتبط حكم الرئيس عبد العزيز بوتفليقة المستقيل من الرئاسة قبل موعد الإنتخابات بالعشرية السوداء التي خلفت الآلاف من الضحايا الأبرياء، لا ذنب لهم سوى أنهم آمنوا بهذا الوطن الذي ضحى من أجله مليون ونصف مليون شهيد، وهاهو الرجل يمضي دون أن يحقق جزءًا من وعوده التي تعهد بها أمام الشعب الذي ما زال يعاني الظلم والحقرة والجهوية والمحسوبية في كل المجالات، إذا قلنا أن فكرة الإستقالة مشكوك فيها لأن الرجل في حالة تفقده القدرة على التفكير واتخاذ القرار، انتهت المرحلة العزيزية وما تزال فئة كبيرة من أبناء الشعب أكثر قهرا وتتألم أكثر من الإستعمار في حقوقها وفي كرامتها، لأنها الأكثر ثورية وكان لها هي أن تتولى القيادة قبل كل شيئ

فالرئيس عبد العزيز بوتفليقة الذي ارتبط اسمه كأصغر وزير للشباب والسياحة وهو في الخامسة والعشرين من عمره، ثم في العام التالي وزيرا للخارجية،  وكان أحد الوجوه الرئيسية التي وقفت وراء حركة عدم الانحياز ومنحت أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية صوتا على الساحة العالمية، كما ارتبط اسمه بالصراع حول الرئاسة بعد وفاة الرئيس هواري بومدين ومن سيخلفه،  اضطر رئيس المخابرات يومذاك قاصدي مرباح أن يفصل بينه وبين العقيد محمد الصالح يحياوي رحمه الله ليختار العقيد الشاذلي بن جديد رئيسا للجمهورية،   ولم يكن لعبد العزيز بوتفليقة  من خيار إلا أن يختار الضفة الأخرى، حيث أنه  لم يعد إلى أرض الوطن حتى عام 1999 خلال صراع مع متشددين إسلاميين سقط فيه ما يقدر نحو 200 ألف قتيل، وفيها تفاوض على هدنة لإنهاء القتال وانتزع السلطة من المؤسسة الحاكمة،  وبدعم من الجيش انتخب بوتفليقة رئيسا للجمهورية، لا يمكن لأيٌّ كان طبعا أن يقيم المرحلة العزيزية بالسلبية كلها، فالرجل أدى واجبه، ولا أحد يمكنه أن يقول أنه معصوم من الخطأ، وإن أخطأ الرئيس في حق شعبه فهو وحده يتحمل مسؤوليته أمام الله والتاريخ، وإن كان الله يرحم فالتاريخ لا يرحم، وستبقى أعمال هذا الرجل تذكرها الأجيال التي شاركت في الحراك الشعبي الذي رسم لوحة سوداء لجزائر بوتفليقة.

لقد شهدت عهداته انتشار الفساد وعرفت الساحة الوكنية ركودا سياسيا واقتصاديا، ولم يتمكن من حل النزاعات الداخلية لحزب جبهة التحرير الوطني وتطهيره من الفساد وهو الذي كان رئيسا للحزب وكان في كامل صحته وقواه العقلية، بالرغم من ذلك حافظت الجزائر على استقرارها بفضل الجيش الوطني الشعبي المرابط في الحدود، ما جعلها تتجنب انتفاضات الربيع العربي التي أطاحت بقادة دول أخرى في المنطقة في العام 2011، غير أن الاحتجاجات على سوء مستويات المعيشة ونقص فرص العمل والخدمات أصبحت شائعة رافقتها البيروقراطية التي أعاقت النشاط في كثير من الأحيان،  لكن الرجل نجح دبلوماسيا من خلال دفاعه عن قضايا العالم الثالث في المحافل الدولية، حيث طالب بأن  تحصل الصين الشيوعية على مقعد في الأمم المتحدة، وندد بنظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، ولعل هذا ما مكنه من تجديد ولايته لعهدة ثانية وثالثة ورابعة، رغم أن خصومه قالوا إن الانتخابات شهدت تزويرا، وكما هو معروف لا يعرف عن الحياة الخاصة للرئيس عبد العزيز بوتفليقة شيء يذكر، إلا أنه كان أقوى رئيس تشهده الجزائر على مدار 30 عاما، لولا المرض الذي جعله طريح الفراش، ونال منه الضعف بعد تعرضه لجلطة دماغية في أوائل 2013  ومنذ تلك السنة لم يطهر الرئيس أمام الشعب  إلا قليلا.

في كل هذا وذاك فالرئيس المستقيل لم يحقق كل وعوده التي التزم بها أمام الشعب الجزائري طيلة 20 سنة حكما، ولعل المتتبعين لتحركات الرئيس يتذكرون خطابه الذي ألقاه في ملتقى الفكر السياسي الجزائري في الفترة بين 1830-1962، قام فيه بمسح شامل للفكر السياسي الجزائري، وقدم فيه أربعة استنتاجات مطلقة تظل جوهرية لجزائر اليوم،  أهمها أن الهوية الوطنية العريقة شكلت العروة الوثقى التي استمسك بها الشعب ومكنته من أن ينجو من عملية منهجية لطمسه،  وان هذه الأمة مطالبة بأن تطرح جلنبا كل انشغالاتها ماعدا انشغالها بمصير الوطن، وفي استنتاجه الثاني  قال أنه مهما كانت طبيعة أو عنف العدوان المسلط على الوطن فإن مآل هذا العدوان النهاية إذا رفضت الأمة الإستكانة وتجندت وقاومت وقبلت بتقديم النفس والنفيس في سبيل التخلص منه، هذا الكلام لم يستوعبه الرئيس وهو قائله، بأنه سيأتي يوم ينقلب عليه الشعب، ويطالب برحيله، وكان على الرئيس أن يستقيل من أول مسيرة سلمية، قبل أن يتأزم الوضع وتصل البلاد إلى حالة انسداد، هي كلها عبر ودروس يجدر بالأمة الجزائرية أن تتدبرها اليوم.

لقد تحدث الرئيس عبد العزيز بوتفبيقة عن الهبّة الوطنية في خطابه من خلال القرار الحر الذي ستتخذه الجزائر دولة وشعبا بكل سيادة، وكان أمله أن تستقي الأمة الجزائرية من ماضيها ما يلزمها من قوة معنوية لتوحيد كلمتها، وضم صفها في خدمة السلم والإلتفاف حول المصالحة بقوانينها القاهرة الوطنية،  في ظل ما يشهده العالم من تغيرات في العمق،  وبينما كانت العولمة تشمل المعمورة  بقوانينها القاهرة، وفي حين كانت حضارة تكنولوجيات الإعلام الجديدة تخوض انطلاقاتها، كانت الجزائر المحترقة بنار المأساة الوطنية شهدت إرهاصات سياسية واقتصادية ي، وقال في خطابه: "إن اليقين الذي يحدوني هو أن المصير الشخصي لكل منّا لا ينفصل ولا ينفصم  عن مصيرنا الجماعي الوطني وسيظل كذلك"، وطالما أن الرئيس مؤمن بأن المصلحة الجماعية هي كل شيئ ما كان عليه أن يقف مكتوف الأيدي وهو يرى حاشيته تتلاعب بمصير الشعب، وهو القائل في خطابه أنه في غياب التماسك الوطني ينبغى تحت رحمة أول ردّة وعرضة لمأساة سواء أتت من الخارج أو من بين ظهرانينا.

إن الجزائر اليوم تواجه تحدي الإعمار الوطني، وماذا تستفيد من تبديد طاقتها  في مناقشات بيزنطية وفي مواجهات إيديولوجية عميقة بل قاتلة، حين تحاول أن تتغذى من مكونات هويتها وشخصيتها الوطنيتين، هذا ما قاله الرئيس بوتفليقة وهو يعرض الخطوط العريضة للهبَّة الوطنية، وكأن وحيا ما نزل عليه لينبئه بما سيحدث في جزائر 2019، لإعادة الإعتبار لسيادة الشعب والإرتقاء بالهوية والشخصية الوطنيتين التي وجب أن تكون مرفوقة بتغذية الأمل الذي يدعم الجهد الوطني، ولعل الحراك الشعبي الذي تشهده الجزائر اليوم هو ثمرة هذه الرؤية،  تَبَدَّدَ فيها الشعور بالإحباط والخيبة والتحرر من التبعية والتخلف المستمر، ويحق للجزائر اليوم أن تفاخر، لأنها استطاعت أن تفك خناق تبعيتها، رغم أن الوعود التي وعد بها الرئيس لم تتحقق كلها في أرض الميدان، هاهي المرحلة العزيزية تنتهي و نسبة  كبيرة من السكان لم يصلها الماء الشروب والغاز الطبيعي وشبكة الكهرباء، انتهت المرحلة العزيزية ونسبة كبيرة من السكان  تنتظر مفاتيح  السكن التي وعد به الرئيس، وما تزال نسبة كبيرة من السكان يعانون من رداءة شبكة الطرقات، والشباب من البطالة، والبحث عن فرص العلاج والتوظيف، شعب يأكل من القمامة ويموت من شدة المرض لأنه لا يملك مالا كافيا للعلاج في الخارج كما يعالج الأثرياء وأرباب الأعمال وأبناءهم ومنهم الرئيس نفسه وحاشيته،  انتهت المرحلة العزيزية وما زالت الجزائر تواجه انتشار المخدرات بين أبنائها من الشباب، وتعاني من مظاهر خطيرة كاختطاف الفتيات والأطفال واغتصابهم والمتاجرة بالأعضاء، كما لم تسمح عهدته بإرساء أسس اقتصاد  مزدهر ومستدام، وما تزال فئة كبيرة من أبناء الشعب أكثر قهرا وتتألم أكثر من الإستعمار في حقوقها وفي كرامتها، لأنها الأكثر ثورية وكان لها هي أن تتولى القيادة قبل كل شيئ، السؤال الذي يبقى يلح على الطرح  هو: لماذا سمح بوتفليقة لحاشيته أن تجعله لعبة بين يديها تفكر وتقرر في مكانه؟

 

علجية عيش

 

بكر السباتين"الكونغرس الفلسطيني الاقتصادي العالمي" ما بين الجديّة والعبث..

قبل الحديث عن الكونغرس الفلسطيني الاقتصادي العالمي لا بد من التنويه إلى أن الشعب الفلسطيني تعب من خفافيش الظلام التي تخرج عليه من رحم الأزمات ليكتشف هذا المغبون آخر المطاف بأنها مجرد هيئات أو منظمات لا تخرج عن نطاق ما يحاك حول القضية الفلسطينية من مؤامرات باتت تتلخص في صفقة القرن.

لذلك يجب ألاّ ينخدع الفلسطيني بالبريق الإعلامي لأي منظمة مستحدثة تبحث لنفسها عن موقع تمثيلي في العمق الشعبي الفلسطيني بدءاً من طرق أبوب المخيمات واستغلال ظروفها أو محاولة اختراق العقل الفلسطيني بإطلاق الوعود من أجل مستقبل مزدهر وحياة رغدة ومستويات معيشية عالية.. وكأن قضيتنا عبارة عن أزمة اقتصادية وإنسانية لا توجد لها أبعاد سياسية وقانونية، دون حديث تلك الجهات عن موقفها من الثوابت الفلسطينية في بياناتها الرسمية وميثاق العمل الذي يبرمج أعمالها ورؤيتها التي تنبعث منها الأهداف بكل مستوياتها.. تلك الثوابت الفلسطينية التي تقوم على مبدأ أن فلسطين تمثل المكان المركزي لحقوق الشعب الفلسطيني.. وهذا بحد ذاته سيسهل على الفلسطيني تقيم تلك الجهات المعنية حتى يدرجها في مكانها الصحيح.. فإما أن تمثل الواحدة منها مشروعاً وطنياً فلسطينياً حقيقياً، يكون من شأنه أن يسهم بفاعلية وبكل طاقاته المتاحة في إحياء منظمة التحرير الفلسطينية واستعادة ميثاقها الوطني من جديد، أو أنها تعتبر جزءاً خفياً من آليات تنفيذ صفقة القرن على المدى البعيد.. حيث تتجلى تلك الثوابت بالموقف من الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي الفلسطينية المحتلة وتنظيفها من المستوطنات، واعتماد خيار المقاومة إلى جانب النضال السياسي الحقيقي، وأن القدس الموحدة عاصمة أبدية لفلسطين.. والمطالبة الحثيثة بحق العودة وحماية الأونروا التي تمثل جزءاً من الهوية الفلسطينية حتى تحرير الأرض والإنسان، والمطالبة أيضاً بفك حصار غزة والتعامل مع القطاع كأرض فلسطينية محتلة أسوة بواقع الضفة الغربية..  ودعم المقاومة فيها بكل أشكالها المتاحة، وحماية سلاحها المقدس وتعزيز موقف مسيرات العودة الرمزية.. كذلك تعزيز روح المقاومة الإيجابية لدى الأجيال الفلسطينية المتعاقبة وعمل برامج مقاطعة اقتصادية من قبل الشركات الفلسطينية للكيان الإسرائيلي المحتل في إطار المقاومة الاقتصادية.. بحيث لا تسهم تلك المنظمة الطارئة في إخماد شعلة الثورة الكامنة في كل فلسطيني شريف، والتي تزداد جذوتها على وقع صاروخ ما تطلقه المقاومة من قطاع غزة نحو تل أبيب، أو بفعل عملية ناجحة ينفذها شاب فلسطيني أعزل مثلما فعل الشهيد عمر أبو ليلى الذي أعاد ملف القضية الفلسطينية إلى مكانته على صعيد عالمي وأوقد النهار في ليلنا المظلم الكئيب.

 وعليه ينبغي على الفلسطيني المستهدف من قبل تلك الهيئات أن يتوخى الحذر الشديد في قبول برامجها والتفاعل معها اجتماعياً وفكرياً قبل اتخاذه قرار الدخول في عضويتها أو رفضها.. لأن مبلغ الخطورة يكمن في عدد تنامي أعداد المنتسبين من الفلسطينيين إلى تلك الجهات المبهمة الأهداف ومن كافة المستويات، الأمر الذي سيكسبها شرعية قانونية، فتصول بيننا وتجول بعد ذلك دون رادع.

قبل أيام عرض علي أحد المثقفين فكرة الانضمام إلى الكونغرس الفلسطيني الاقتصادي العالمي.. الذي سجل كمنظمة فلسطينية أمريكية غير ربحية عام 1995 من أجل مساعدة الفلسطينيين في المجتمع الأمريكي، في تنسيق وتنظيم شؤونهم الثقافية والاجتماعية. واعتبارًا من يوليو 2008، أصبح لدى الكونغرس 21 فرعًا في مختلف المدن الأمريكية كما جاء في موقع إيلاف الإخباري.

ثم انطلق المشروع المسجل أمريكياً؛ لينفذ على نطاق عالمي، بجهود مؤسسه الدكتور عدنان مجلي ليغطي أماكن تواجد الفلسطينيين في إطار 140 جنسية عالمية.. وهو مشروع كنت قد تطرقت إلى فكرة مشابهة به منذ عشرة أعوام من خلال كتابي: "الفلسطينيون عصاميون في تجربة النماء عبر العالم" ولكن رؤيتي التي تضمنها الكتاب تقوم على الثوابت الفلسطينية وتعزيز الطاقة الاقتصادية الفلسطينية لدعم المقاومة بكل أشكالها من أجل خلق لوبي فلسطين عالمي متنفذ على اعتبار أن الشعب الفلسطيني لديه مقومات ذلك بكل اقتدار.. وتطرقت حينئذْ إلى التواجد الديمغرافي الفلسطيني وقدرته التنموية وثقله النوعي في ربوع العالم من خلال دراسة المئات من أبرز الشخصيات الفلسطينية ومشاريعهم الريادية الفاعلة وثقلهم المعنوي في كافة المجالات، وكان من بينهم الدكتور عدنان مجلي الذي لن أشكك في نواياه حتى لو اختلفت جذرياً مع مشروعه الذي لا أتوقع أن يكتب له النجاح لظروف موضوعية وفوق طاقته.. وجاء في كتابي أن "الدكتور عدنان مجلي طبيب فلسطيني نال جائزة رجل العام في الولايات المتحدة لعام 2008، وهو مؤسس ورئيس شركة (ترانز تك) المتخصصة في إجراء الأبحاث والاختبارات لاكتشاف دواء هام وفعال لعلاج مرض الزهايمر. ومن المفيد أن نذكر بأنه وفور الإعلان عن الاكتشاف الجديد RAGE ، وبعد مفاوضات طويلة تمكنت شركة (فايزر لصناعة الأدوية) من توقيع اتفاقية مع شركة (ترانز تك) بقيمة حوالي 155 مليون دولار حصلت بموجبها على الحقوق الكاملة لتصنيع وتسويق الدواء الجديد" (صوت العروبة).

وهذا يعني أن هذا العالم الفذ يتحرك من خلال خبرته الاقتصادية التي شكلت لديه رؤية استشرافية لتعزيز طاقات الفلسطينيين المهدورة عالمياً، وخاصة أنه صارع في أمريكا للحصول على مكانته المتميزة في ظل سيطرة اللوبي الصهيوني على القرار الأمريكي بكل تفاصيله؛ لذلك من الممكن اعتبار أن فكرة الكونغرس الفلسطيني الاقتصادي العالمي إيجابية لو ظلت مندرجة تحت عنوانها الاقتصادي رغم التحديات الكبيرة.. أما أن تتوسع في إطار منظمة فلسطينية تمثيلية شاملة الأهداف فهنا يستوجب ربطها عضوياً بالثوابت الفلسطينية التي تستهدفها صفقة القرن وتسعى لطمسها وإصابة الهوية الفلسطينية في مقتل. فموقع إيلاف لخص أهداف الكونغرس الفلسطيني الاقتصادي العالمي في "تجميع قوى الفلسطينيين في الخارج وفي الداخل الى جانب المؤسسات الفلسطينية وعلى رأسها منظمة التحرير الفلسطينية والرئاسة الفلسطينية".

ولو أمعنت النظر في هذا الهدف لوجدته إيجابياً فيما يتعلق بتجميع قوى الفلسطينيين ودعم منظمة التحرير الفلسطينية ولم يقل بأنه بديل عنها.. ولكنه مقابل ذلك ابتعد عن الثوابت الفلسطينية فيما يتعلق بدعمه للرئاسة الفلسطينية؛ لأن ذلك يعني تأييد هذا الكونغرس للسلطة الفلسطينية التي تعتبر من أخطر مخرجات أوسلو حيث تبين أنها وجدت لحماية أمن الكيان الإسرائيلي من خلال التنسيق الأمني.

في لقائه مع قناة دنيا الوطن الإخبارية تحدث الدكتور عدنان مجلي عن غزة باعتبار أنها مجرد منطقة منكوبة إنسانياً، وتشهد فقط كارثة إنسانية ويعاني شبابها من البطالة وقال بأن الحل يكمن في فتح أبواب التوظيف لهؤلاء الشباب دون الإشارة إلى جوهر الأزمة المتمثل بحصار القطاع من قبل الاحتلال الإسرائيلي وبمساهمة من مصر والسلطة الوطنية الفلسطينية للضغط عليها كي تتخلى المقاومة عن سلاحها النوعي وهذا يعد خروجاً عن ثابت مقاومة الشعب الفلسطيني للاحتلال، وربما تحرج مجلي من الخوض في التفاصيل كون القناة التي أجرت معه المقابلة موجودة في رام الله.

وأضاف بأنه يسعى من خلال الكونغرس الفلسطيني إلى رفع مستوى معيشة فلسطينيي الداخل في ظل اقتصاد مزدهر وكأن الضفة الغربية غير محتلة، حيث تجاهل الحديث عن جوهر القضية القائمة على الاحتلال الإسرائيلي غير الشرعي.. وفي سياق المقابلة أضاف مجلي بأن الكونغرس الفلسطيني يسعى إلى ربط الاقتصاد الفلسطيني بشبكة الاقتصاد العالمي الذي يتواجد فيه الفلسطينيون (كما ذكرت في كتابي أعلاه) من خلال شركات فلسطينية ممتدة عبر القارات من خلال 140 جنسية تكون قادرة على دعم الإنسان الفلسطيني وتثبيته على أرضه. وهذا في الظروف الطبيعية، ولكن في حال القضية الفلسطينية ألا يعد هذا الطرح تكراراً لأهداف صفقة القرن حتى لو افترضنا حسن النية في ذلك.

إن حديث مجلي (العام) دون الخوض في الآليات والتفاصيل وما قد يواجه الكونغرس من تحديات، حول اعتماد الشعب الفلسطيني على نفسه للارتقاء بالاقتصاد الفلسطيني من خلال تنمية مستدامة في القطاعات العشر، وتعزيز الشراكة الفلسطينية بين الداخل والخارج، يعتبر كل ذلك أمراً حيوياً. ولكن في واقع الأمر هل سينجح الأمر دون تحرير الأرض الفلسطينية من نير الاحتلال وفق قرارات الأمم المتحدة المتعاقبة منذ القرار 242.. أو حتى بالقوة!! لأن العلاقة الفلسطينية مع الاحتلال باتت عضوية وفق سياسة الأمر الواقع التي يروج لها القائمون على صفقة القرن، وأي حديث خارج الثوابت الفلسطينية سيقدم الدعم المفتوح إلى تلك الصفقة المشؤومة.. أما فيما يتعلق بالانقسام الفلسطيني الداخلي فقد دعا مجلي إلى قيام حكومة إنقاذ وطني منتخبة وهذا بحد ذاته دخول في السياسة حيث يناقض مجلي نفسه بعد أن قال بأن علاقته مع السلطة وحماس جيدة؛ لكنه ذهب بعد ذلك إلى أن الكونغرس الفلسطيني لا يتدخل في السياسة!! لأن هدفه تنموي واقتصادي فقط.. وهذا بالطبع خروج عن المألوف لأن الاقتصاد يشكل عصب السياسة.. صحيح أنني اعتذرت لصديقي عن قبول عرضه في الانضمام إلى الكونغرس الفلسطيني الاقتصادي العالمي، بذريعة أنني أفضل أن أبقى في مربع الناقد الإيجابي دون التزام جهوي.. وعلى اعتبار أن الكونغرس الفلسطيني لم يتحرر بعد من كنف الغموض..  لذلك على الدكتور عدنان مجلي أن يحدد موقفه الرسمي من الثوابت الفلسطينية أعلاه، وينبغي في سياق ذلك عقد ندوات مفتوحة يشارك فيها خبراء فلسطينيون لمناقشة الممكن والمستحيل في هذا المشروع بعيداً عن التجاذبات الداخلية والخارجية.. وليس على الفينيق الفلسطيني إذا خَرَجَ إلاّ أن يقولَ كلمته العليا وفق ثوابت الحق الفلسطيني المكفول دولياً.. لأن إرادة الشعوب أخيراً هي القول الفصل، وتظل آخر المطاف مرتهنة إلى النوايا في عالم يعاني من أزمة الضمير.. 

 

بقلم بكر السباتين 

 

 

حسن العاصيتنظر الأديان للسحر باعتباره تطاولا على الله وتحدياً لمقدرته، لأنه يدفع باختراق النظام الكوني الذي خلقه الله، ويستعين بالشيطان وبالجن الأشرار المتمردين على الله. فاليهود يعتبرون الجن هم ظلال وأشباح للأجسام البشرية، فيما اللاهوت المسيحي يؤمن أن لا وجود فعلي للجن إلا في الجنون، فقد ظهر فقط في رؤيا يوحنا. أما في الفكر الإسلامي فللجن حضور واضح في القرآن الكريم والكتب الإسلامية. والجن موجود لدى جميع الديانات والمعتقدات، مثل الهندوسية والمندائية. والاعتقاد بالسحر راسخ في القدم، حيث طالما اعتبرت الكثير من الحضارات مثل الحضارة اليونانية والمصرية والصينية، أن الأمراض التي تصيب الإنسان أو الجنون أو الكوارث الطبيعية هي من فعل الجن.

انتشر السحر في كل مكان من بقاع الأرض. بقارة آسيا في إيران والهند والصين وكوريا. وفي أفريقيا انتشر بمعظم الدول تقريباً. الولايات المتحدة وأوروبا ليسوا استثناءًا، ففيهما انتشر كثير من السحر في أمريكا وبريطانيا والدانمرك وروسيا وألمانيا وغيرها من الدول. في مصر بالعصر الفاطمي انتشرت الشعوذة كثيراً، وظهرت شريحة من السحرة والدراويش. في نيجيريا يتفشى اعتقاد لدى العامة أن السحرة بإمكانهم التأثير على كل شيء. في المغرب ترسخت ثقافة السحر عبر قرون، وتعود هذه الثقافة إلى فترة ما قبل الإسلام، حتى أصبح الناس يظنون أن السحرة في المغرب هم الأقدر. في شبه الجزيرة العربية شاع السحر قبل الإسلام، وكان الناس يظنون أن الأنبياء ما هم سوى سحرة. في السودان ذاكرة مشبعة بثقافة السحر الذي امتد إلى كافة مناحي الحياة.

في سبيل تحقيق أهدافه سلك الإنسان دروب المستحيل، مستعيناً بما هو غير مألوف لأن الغاية هي بلوغ الأهداف، فلجأ إلى السحر. فقد كان المستقبل مجهولاً بالنسبة له، والقوة التي تمتلكها الطبيعة عاجزة عن تحقيق ما يتطلع له. كان يريد تبديد العوائق التي تعترض سبيل أغراضه، وكانت تلك مهمة السحر.

عقيدة السحر

لجأ الإنسان قديماُ إلى السحر مراراً وتكراراً، خشية من الغيبيات ولعجزه عن فهم الظواهر الطبيعية. واستعمل السحر لحماية ذاته وعائلته من الأمراض، وكذلك لدرء الكوارث وجلب الحظ. كان للسحرة مكانة اجتماعية هامة جداً، خاصة البارعون منهم. وكانوا بمثابة قوة خفية تساعد الناس على تفسير الغيب غير المفهوم، وكذلك رؤية المستقبل البعيد. وفي مراحل تاريخية ما قبل الميلاد أصبح السحرة كهنة، وصار لديهم عقيدة وتحول السحر إلى علم يمارس يومياً. تعززت مكانة الساحر/الكاهن وأصبح يتخذ قرارات مصيرية لجماعته متعلقة بالحرب والسلم، الانتصار أو الهزيمة، السعادة أو البؤس، المرض أو الصحة، الولادة أو الموت، الولاء أو الخيانة، وسواها من أمور الحياة. ثم تحول الكهنة إلى ما يشبه الدعاة إلى اعتناق فكر أو دين أو مذهب محدد، وبالتالي اكتملت الصورة الكاريزمية للكهنة الذين خلطوا السحر بالكهنوت بالفكر.

في العصور الحديثة تحول عدد كبير من السياسيين إلى سحرة وكهنوتيين، يخاتلون ويخدعون الناس ويدغدغون مشاعرهم عبر خطابات تحمل أبعاداً أيديولوجية دينية أو فكرية بهدف تحقيق المصالح السياسية. لقد اختبرت البشرية الكثير من السحرة السياسيين مثل "أدولف هتلر" و"بينيتو موسوليني" اللذان تمكنا عبر الشعوذة السياسية التأثير العقائدي على شعوبهم، ومن ثم جرهم وجر بعض شعوب العالم نحو الكوارث التي كبدتهم خسائر مادية وبشرية هائلة. تكرر المشهد في عدد من الديكتاتوريات العربية وفي أمريكا اللاتينية. فكيف تنجر الجماهير مثل القطيع خلف أشخاص يمتلكون هذا النوع من الكهنوت السياسي، ولماذا تصاب بصيرة الناس بالعماء الذي يحول دونهم والحقيقة.

ما يحصل اليوم في كثير من الأماكن، خاصة في العالم العربي وشرق الأوسط، ما هو إلا نوع من أنواع الكهنوت السياسي والشعوذة الفكرية، جعلت معظم الشعوب العربية تنقاد صاغرة إلى مصير مجهول، تحدد معالمه أطماع السحرة السياسيين.

الكهنوت الغربي

كثيرون من قادة الدول والأحزاب والمنظمات استعانوا بالسحرة والمنجمين لمعرفة صحة خطواتهم ومواقفهم، ومحاربة المتربصين بهم. من أبرز هذه الأسماء في الغرب الرئيس الفرنسي السابق "فرانسوا ميتران" الذي كان يأخذ بنصائح أشهر منجمات فرنسا "إليزابيث تيسييه"، وكان يستشيرها في اجتماعه الأسبوعي معها، في كافة أمور الحكم ومنها تعيين رئيس الوزراء. حتى أن ميتران سأل عشرة منجمين عن شخصية الرئيس العراقي السابق "صدام حسين" بعد احتلاله للكويت.

الرئيس الأمريكي السابق "جورج بوش" الأب استشار العرافة "كريستين داغوي" في تحديد موعد بدء عملية "عاصفة الصحراء" لتحرير الكويت. أيضاً الرئيس الأمريكي السابق "رونالد ريغان" ربطته علاقات قوية بالكثير من السحرة والمنجمين، وعين ثلاثة منهم مستشارين له في البيت الأبيض. الرئيس الأمريكي السابق "جيمي كارتر" اعترف أن عرافة مصرية تنبأت له بالرئاسة من ستينيات القرن العشرين.

الرئيس السريلانكي السابق "ماهيندا راجاباكسا" دعا إلى انتخابات مبكرة في العام 2015 بناء على نصيحة من عرّافه الخاص، لكنه خسر في الانتخابات، مما دفع بالعراف المشعوذ للهرب.

الرئيس البورمي السابق "تان شوى" كان مصاباً بهوس السحر وأعمال الشعوذة، فقام بنقل العاصمة من مدينة "يانجون" إلى قرية "نيبيدوا" التي لا تتوفر على المياه والكهرباء، فقط لأن المنجمين أخبروه أن حكومته سوف تسقط إلى لم يقم بنقل العاصمة.

كما أن الرئيس الفرنسي السابق "نيكولا ساركوزي" وزوجته عارضة الأزياء الشهيرة "كارلا بروني" كانا يتعاملان مع العرافات والمنجمين، وكان ساركوزي يستشير المشعوذين حول علاقاته مع بعض النساء.

حتى الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" يستعين بالسحرة لإدارة دفة الحكم، فقد ذكرت صحيفة "ذا صن" البريطانية أن مجموعة كبيرة من الساحرات الروسيات اجتمعن في موسكو بناء على طلب من الرئيس، من أجل مساعدته على هزيمة أعدائه والذين يكرهون روسيا.

أما في كوريا، بعد التحسن النسبي في العلاقات بين الكوريتين، قامت كوريا الجنوبية بدعوة عدد من سحرة كوريا الشمالية، للمشاركة في مسابقة دولية استضافتها مدينة "بوسان".

رئيس "هايتي" السابق الديكتاتور المخلوع "جان كلود" الذي توفي عام 20014 في منفاه، بنى مملكة سيئة السمعة اشتهرت بالفساد وانتهاك حقوق الإنسان، في أفقر بلد بنصف الكرة الغربي. هذا الرجل الذي ورث الحم عن أبيه وكان عمره 19 عاماً، كان يعاني من الهوس بالسحر والشعوذة. امتلك مجموعة من كبار السحرة الذين يحضّرون ما يسمى السحر الأسود، للسيطرة على الرعية والأتباع، وكان يطلق على رجال أجهزته الأمنية السحرة المتنقلون.

حتى أن السحر دخل ميدان الاحتجاجات السياسية. تم استخدام السحر وسيلة لاستهداف قادة سياسيين للاحتجاج على مواقفهم. في العام المنصرم قامت مجموعة من ساحرات نيويورك بتشكيل حلقة طقوس كان الهدف منها الانتقام من "بريت كافانو" الذي عينه الكونغرس الأمريكي رئيساً للمحكمة العليا، بالرغم من اللغط الذي أثير حول تورطه بقضايا تحرش جنسي ضد النساء. وصنعت الساحرات تعويذة كي يفشل القاضي بمهامه. نفس النساء استهدفن الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" بتعويذة لرفض سياساته.

في بداية أربعينيات القرن العشرين، تجمع عدد من الساحرات البريطانيات لصنع تعويذة لعنة تستهدف أدولف هتلر". وفي أواسط الستينيات خلال الحرب الأمريكية على فيتنام، حاول عدد من المتظاهرين الأمريكان محاصرة مبنى وزارة الدفاع الأمريكية لإقامة طقس سحري، كانت غايته أن يقتلع المبنى ويدفعه نحو السماء. رئيس جنوب أفريقيا السابق "جاموب زوما" اعترف بمذكراته أنه كان يمارس السحر ضد السكان البيض خلال فترة حكم الفصل العنصري.

الشعوذة العربية

في المشهد العربي الصورة كارثية. بعصر الثورة المعلوماتية تنتشر بمعظم الدول العربية ثقافة السحر والشعوذة، وتجد شرائح اجتماعية واسعة لديها إيمان مطلق بالغيبيات، حيث يسود هذا الاعتقاد ليس فقط بين أوساط الفئات الفقيرة الأقل وعياً وتعليماً، إنما دخل السحر إلى القصور الرئاسية في بعض الدول العربية، وإلى مكاتب الوزراء والمدراء العامين، الذين يصدقون أن للسحرة والمشعوذين قوة خفية عظيمة تمكنهم من الحفاظ على مواقعهم، وتدحر أعمال الخصوم. من أجل هذا تزدهر أسواق السحر والسحرة والدجل والشعوذة في العديد من الدول العربية والأفريقية.

معظم رجال نظام الرئيس المصري الراحل "جمال عبد الناصر" كانوا مفتونين بالسحر والجن، وهو ما دفع عبد الناصر نفسه كي يشير إلى صحافة الغيبيات، في الخطاب الذي ألقاه بمناسبة تأميم الصحافة، وكان يقصد بذلك المقالات التي كان يكتبها عدد من كبار الصحفيين والكتّاب عن جلسات تحضير الأرواح.

يذكر "رياض المالكي" وزير الثقافة والإرشاء القومي للإقليم الشمالي "سوريا" في حكومة الجمهورية العربية المتحدة 1958 "حكومة الوحدة" بين مصر وسوريا، في ذكرياته، أن بعض الوزراء المصريين في دولة الوحدة كانوا يقيمون جلسات تحضير الأرواح في القاهرة، مع عدد من الوزراء السوريين. وأضاف أن الجميع كان مؤمناً أن هذه قضية "علمية" لا شك في جديتها تسهم في إيجاد حلول لكثير من العقد المستعصية في شؤون الحكم.

في العام 1971 على أثر قيام الرئيس المصري الراحل "أنور السادات" بما سمي انقلاب القصر ضد رجال عبد الناصر، نشرت الصحف المصرية مقالاً صادماً كتبه "محمد حسنين هيكل" تناول انشغال كبار معاوني عبد الناصر بقضايا الشعوذة والسحر لاكتشاف مستقبلهم السياسي، وعن كيفية التصرف مع السادات. ليس هذا فقط. الكارثة أن رجال عبد الناصر كانوا يعقدون جلسات سحر وتحضير أرواح بهدف تحرير سيناء من الاحتلال الإسرائيلي. الرئيس السادات حصل على أشرطة لهذه الجلسات قامت بتسجيلها الأجهزة الأمنية المصرية، ثم أرسلها لهيكل الذي نصحه الأديب "توفيق الحكيم، بعدم نشرها، لأنه لو فعل لاتهم بالجنون.

الرئيس عبد الناصر ذاته كان مهتماً بالدجل والسحر كما ذكر الصحفي المصري "حلمي سلام". والسادات كان يستخدم الشعوذة كي يتقرب من عبد الناصر. وأشار حلمي أن الجلسات كانت تعقد في منزل المشير " عبد الحكيم عامر".

أحد الضباط الأحرار، والمستشار السياسي لعبد الناصر، ونائب رئيس وزراء بعهد السادات، اسمه "حسن التهامي" كان إنساناً متديناَ ومستقيماَ، انقلب لاحقاً وتحول إلى مشعوذ، وأخبر الجميع أن الحجاب كشف عنه. سافر هذا الرجل مع السادات للتوقيع على اتفاقية كامب ديفيد. قيل إنه أمضى ليلة كاملة وهو يتصل بالسماء، وتلقى رسالة سماوية أبلغته أن السادات على الطريق الصحيح يسير.

الرئيس السوداني السابق "جعفر النميري" الذي قام بإعدام قيادة الحزب الشيوعي السوداني، واغتال زعيم الحزب الجمهوري، وقصف بالطائرات الحربية أنصار الإمام المهدي واعتقل كافة رموز الحراك السياسي، كان مفتوناً بالسحر والتنجيم وقراء الطالع. وكلما سمع باسم ساحر أو ساحرة أحضروها إلى القصر الرئاسي لقراءة طالعه، ولمعرفة مصيره في الحكم. هذه الهواجس التي تلبست النميري كانت نتيجة بطشه واستبداده وكثرة خصومه. حتى بعد الانتفاضة التي أطاحت بحكمه العام 1985 لجأ إلى القاهرة، دفع ملايين الدولارات للسحرة كي يعود إلى السلطة، لكنه لم يعود.

أحد المشعوذين السودانيين تنبأ للرئيس السوداني الحالي عمر البشير، الذي وصل إلى الحكم العام 1989، أنه سيحكم السودان 31 عاماً و25 يوماً.

الرئيس المصري السابق "حسني مبارك" كان لديه عرّافة رئاسية، كثيراً ما يستمع إلى ما تقوله، حيث كانت قد أخبرته بحضور "سوزان مبارك" أنه عائلته سوف تحكم مصر، ونصحته بتوريث الحكم للابن.

علاقة مبارك مع السحر والشعوذة قديمة بدأت منذ كان ضابطاً في السودان بنهاية الخمسينيات من القرن العشرين. هناك التقى مبارك بساحر سوداني أخره أنه سيصبح رئيساً. بعد تعيينه نائباً للرئيس السادات، رصدت الأجهزة الأمنية المصرية تردد حسني مبارك كثيراً على إحدى الشقق في مصر الجديدة، ليتضح بعدها أنه كان يزور إحدى العرافات المصريات الشهيرات، وتبين لأجهزة الأمن أن هذه السيدة تسافر بطائرات خاصة يرسلها أمراء وأثرياء عرب كي تقوم بقراءة الطالع لهم.

الدجل السياسي

الأمة العربية ابتليت بأحزاب قومية عوراء، ويسارية حولاء، وقوى مذهبية وطائفية تعاني ارتجاجاً دماغياً، كافة هذه الأطر والجماعات تعاني من جمود عقائدي وفكري وفلسفي، في عالم غير ثابت ويشهد تحولات ومتغيرات متتالية. هذا التمترس الفكري خلف نظريات ورؤى لم يعد لها وجود إلا في خطابات تلك القوى التي تسببت في شقاء الشعوب العربية. ومن أكثر المواقف التي تثير جدلاً لدى هؤلاء، أن كل دولة أو حزباً أو هيئة أو جماعة أو فرداً يقترب من السياسة الغربية في أي شأن كان فهو عميل وخائن وذيل للإمبريالية. وكل طرف يتساوق مع السياسة الروسية ويشد الرحال إلى موسكو هو وطني وتقدمي. هنا لا تستطيع القوى القومية واليسارية العربية أن تدرك أن من يصنع السياسة الروسية هم المافيات الاقتصادية والرأسمال المالي، ولا يصنعها "تشي جيفارا" شأنها في ذلك شأن صناع السياسة الغربية، ولا تختلف عنهم في شيء. إن هدف السياسة الروسية توسيع مناطق نفوذها لبسط السيطرة السياسية لتحقيق الغايات الاقتصادية، وهي تقوم بالتنسيق مع الغرب ومع الولايات المتحدة، ومع إسرائيل أيضاً في الكثير من المواقف والقضايا التي تهم منطقة الشرق الأوسط، والتي تمس المصالح والأمن القومي العربي بشكل مباشر. الفاجعة هو أن الأنظمة العربية التي تتدعي العداء للإمبريالية تسعى نحو التقرب من الولايات المتحدة، وحين ترفض الأخيرة، تقوم الدول القومية العربية بطلب التوسط لدى الإدارة الأمريكية، من دولة عربية أخرى تكون عادة متهمة بأنها دولة رجعية امبريالية. هذا يظهر عمق الأزمة والعهر السياسي لتلك الدول والأحزاب القومية واليسارية، التي لديها مقياس مراوغ للوطنية والعمالة، وهي أول من يخترقه.

إن الشعوب العربية قد أصيبت بالتخمة من الخطابات الثورية والمواقف الانفعالية والشعارات الرنانة لمعظم الأنظمة العربية وقادتها، وغالبية الأحزاب اليسارية والقومية، ولم تعد الكاريزما السياسية لأي زعيم عربي قادرة على التأثير في قناعات الناس، رغم أن الأنظمة العربية لا تكل ولا تمل من ممارسة أنواع ومستويات متعددة من السحر السياسي الموجه للجماهير الشعبية، بهدف التنفيس عن الاحتقان المزمن الذي أصاب غالبية الشعوب العربية.

ما يؤلم حقاً أن هذه الأنظمة العربية تزاود بمواقفها على حساب قضايا الأمة الهامة ومستقبلها، وخاصة قضية الشعب الفلسطيني وتقوم بالمتاجرة بعذاباته، دون حتى أن تكلف نفسها مشقة سؤال الفلسطينيين إن كانوا يريدون الحياة أم الاستشهاد، وينسون أن الشعب الفلسطيني صاحب أعدل وأقدس قضية عرفتها البشرية، قد أدرك الدرس جيداً بشكل مبكر، وخرج من معابد هؤلاء الكهنة السياسيين، وأن نضالاته وتضحياته لا يمكن أن يشطبها خطاب ناري من زعيم عربي، ولا أن يزيدها فخراً

السحر السياسي

تنتعش أسواق الدجل في بعض المجتمعات الأفريقية والعربية وسواها، ويصبح كثير من المسؤولين الحكوميين مصابين بهوس السحر والدجل. ويزداد الطلب على الشعوذة خلال الأزمات السياسية والاجتماعية والكوارث الطبيعية. فتلجأ كثير من الشخصيات النافذة في هذه الدول من وزراء ومدراء بنوك وشركات ورجال أعمال وفنانين وشخصيات عامة إلى شيوخ السحر. غاية هؤلاء إما طلب العون لكف يد السلطات التي تلاحقهم عادة بتهم الفساد المالي والإداري والرشاوي والاختلاس، وإما رد كيد المتربصين لهم من حسّاد وأعداء.

ويتوافد السياسيين في هذه الدول على معابد السحرة والدجالين دورياً، ويستعينون بخدماتهم خاصة في فترة الاضطرابات السياسية والاجتماعية والأمنية والانقلابات العسكرية.

التكوين العلمي والمعرفي الضحل، والبنية النفسية الضعيفة، نقص الثقة بالنفس، وغياب مهارات التواصل، عدم وجود ميزة الحضور والشخصية الكاريزمية لمعظم قادة العالمين العربي والأفريقي، إضافة إلى إدمانهم ممارسة السلطة، والتمسك المرضي بكرسي الحكم، يجعلهم يهرعون للسحرة والدجالين خوفاً من فقدان المنصب وضياع الامتيازات التي يوفرها.

ينسى معظم الزعماء والقادة العرب وسواهم المصابون بجنون العظمة، العدو الحقيقي ويتوهمون أعداءًا بسبب الذهان السياسي، ويصرفون على البارانويا السياسية أموالاً طائلة. لا تستغربون الاستقالات أو الإقالات المفاجئة التي تحصل في الدوائر العليا في بلد ما، فقد يكون خلفها سحرة ومشعوذين، بات حضورهم في دوائر القرار يتسع، بل أصبحوا هم الحكام الفعليين.

من مشرقه لمغربه

إن الخرافات والأساطير تجد صدىً عند العقل العربي، ولا أكون مبالغاً لو ذكرت أن معظم الشعوب العربية بكافة شرائحها الاجتماعية وتنوعها الاقتصادي والتعليمي، إلا وتجد في وعيهم شيء من الخزعبلات تختزنها الذاكرة الموروثة. في الواقع إن لكل أيديولوجية أدوات خرافية توظفها الأنظمة والحكام للحفاظ على طاعة الرعية، وعدم انفلاتهم من السلطة المركزية. فنجد لكل قطيع راع يسعى لتآلفه الداخلي.

يعود افتنان الناس بالسحر والأسرار لرغبتهم الدفينة في معرفة القدر والمستقبل. فيحصلون على هذه المعلومات من السحرة والمشعوذين لقاء أموال طائلة. حيث جاء في تقرير نشرته صحيفة المدينة السعودية في العام 2014 أن العرب ينفقون ما قيمته 7,5 مليار دولار سنوياً لقضايا ترتبط بالسحر والتنجيم وقراء الطالع، وفك السحر الأسود، وجلب المصلحة، وإحداث ضرر بالآخرين.

حين تعصف بالناس المصائب ويمرون بظروف كارثية كما يحصل في البلاد العربية، يلجأ البشر حينها إلى كل ما هو روحاني وغيبي، لذلك تماماً تتسع في بلادنا أكثر من سواها، ظواهر السحر والدجل والشعوذة قراءة الطالع والفنجان والكف وورق اللعب وغيرها. وترى السحرة والمنجمين ينتشرون للاحتيال على الناس البسطاء الذين ينتظرون أي بارقة من الأمل يتمسكون بها، حتى لو كانت كذباً وخداعاً، علها تزيل كربهم وتداوي الضنك. إن الغالبية العظمى من معتقدي السحر هم من الناس الذين يعجزون عن إيجاد تفسير علمي لبعض الحالات التي لا يتمكن العلم والطب من فهمها وعلاجها، فيلجؤون إلى الشعوذة والدجل.

لا تتوفر بيانات ولا أرقام بحثية حول انتشار السحر عربياً، لكن في البحث وجدت دراسة يتيمة أصدرها المركز القومي للبحوث والدراسات الجنائية المصري، تفيد أن في مصر يوجد حوالي 300 ألف ساحر يقومون بتحضير الأرواح، و300 ألف مشعوذ يدعون أنهم قادرين على علاج المرضى والممسوسين بالجان، عن طريق القرآن والإنجيل. وأن هناك دجالاً واحداً لكل 120 مواطناً مصرياً. وما يزيد عن 50 بالمائة من النساء المصريات يؤمن بالسحر والشعوذة، وهن دائمات التردد على الدجالين. وحوالي 40 بالمائة من المثقفين من الجنسين لهم علاقة بأعمال السحر والتنجيم والشعوذة.

في المغرب تنتشر "الشوافات" و"الفقهاء" في كافة الأحياء والمدن. وهناك يمارس ما يمكن أن نسميهم أباطرة السحر الأسود أفعال الشعوذة وترويض الجن بشكل احترافي، بعضهم يفضل العيش في قرة صغيرة بعيداً عن أعين الأجهزة الأمنية، ويمتهنون الإمامة، ومنهم من يعيش في المدن الكبيرة بأرقى الأحياء. سحرة مغاربة وأفارقة يتحكمون بالعوالم السفلية في مدن كثيرة أهمها، الدار البيضاء، الرباط، مراكش، ومدينة الصويرة التي يعيش فيها أشهر ساحر يهودي في العالم، هو الحاخام "حاييم أزلغوط"

للسحر في المغرب خارطة تحدد أنواعه وشيوخه. فمن سحر "الخدمة، التهييج، التقاف، التراجيم، طي الأرض، الإخفاء" الذي يقوم به الفقهاء المغاربة، إلى سحر "الكبالا" ويمارسه الحاخامات اليهود المغاربة، وسحر "الفودو" الأفريقي وهو الأخطر، الذي يشتغل به بعض الأفارقة المقيمين في المغرب، حتى لسحرة الخليج وخاصة العمانيون مكاناُ هناك.

دساتير الجان

في العالم العربي الشقي لا شيء يبدو منطقياً، حتى السياسة تظهر كأنها نوع من الفانتازيا الكوميدية، يتقدم القائد فيها على أنه يجيد فعل كل شيء، بدءًا من قيادة دراجة هوائية، إلى الركوب فوق ظهر شعب كامل طوال عقود. هذه البهلوانية التي تشكل سمة هؤلاء السياسيين، يبدو الخيال معها قاصراً عن الإلمام بحقيقتها، وعن إدراك حقيقة عوالم الجن والسحر وتحضير الأرواح في السياسة، التي باتت شيئاً عادياً ومقبولاً، لعل الكشف عن بعضها-كما فعلنا هنا- يعطينا بعض الدلائل عن سؤال تخلفنا الحضاري.

الأمر الملفت، أنه في العصر الذي نشهد فيه قفزات علمية هائلة في مختلف ميادين الحياة، فإننا في ذات الوقت نلاحظ عودة لأعمال السحر وللخرافة والشعوذة.

نحتاج في المنطقة العربية إلى تفكيك الكثير من جدران المناخات الثقافية والفكرية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية السائدة في معظم الأنظمة العربية، بهدف تحقيق بعض التغيرات تفضي إلى الخروج من مستنقع الفكر الغيبي الأسطوري، والمضي نحو دروب العلم والعقل والمعرفة والتكنولوجيا، والتعامل مع معطيات القرن الحادي والعشرين بقدر أعلى من العقل والثقة، لكي نتمكن من بناء أجيال وشعوب لا تستمرئ الذل والخضوع.

لم يغيب الجن والسحر والشعوذة من المطبخ السياسي العربي، ولا تتم مقاربة الأحداث الهامة الكبرى دون اللجوء إلى تحضير الأرواح والكهنوت السياسي. وهكذا أصبحت كتب السحر والجن والطلاسم "البيان في علم الكهان" و"الجان الأحمر للزعيم الأفخر" دساتيراً للأنظمة العربية، والمجلد الرابع " السر السابع للشعب الخاشع" مرجعياتهم الفلسفية.

 

حسن العاصي

كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدانمرك

 

ابراهيم أبراشما يجري في القطاع وعلى حدوده الشمالية مع إسرائيل والجنوبية مع مصر: تصعيد عسكري إسرائيلي، مفاوضات حول هدنة طويلة المدى، سيطرة حماس على المعابر الحدودية، استبعاد منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني عما يجري، مسيرات على الحدود تحت مسمى (مسيرات العودة)، إفقار مبرمج لأهالي القطاع الخ، كلها أمور مرتبطة مع بعضها البعض تُشير إلى تهيئة لعملية أو صفقة كبرى .

لو كانت المفاوضات غير المباشرة وربما المباشرة ما بين حركة حماس وإسرائيل تدور حول مجرد تهدئة ما كان الأمر يثير أي قلق، ولكننا أمام مفاوضات متعددة الأطراف حول هدنة تتجاوز المفهوم العسكري المحض وتنزلق لموضوعات سياسية تمس قضايا مصيرية لمجمل القضية الفلسطينية وتتجاوز بكثير تحسين الوضع الإنساني في قطاع غزة .

حتى مسيرات العودة، التي تغير مسماها لمسيرات العودة وكسر الحصار وتداخلها مع ذكرى يوم الأرض، تم تفريغها من فكرتها الأولى لتصبح ورقة مساومة في صفقة هدنة مذلة . فخلال مسيرات (حق العودة) على الحدود طوال عام وهي المسيرات التي أدت بحياة أكثر من 260 شهيد وآلاف الجرحى وحتى اثناء المسيرة الكبرى في الثلاثين من مارس، لم تتوقف المفاوضات المباشرة وغير المباشرة بين حركة حماس والوفد الأمني المصري وميلادينوف ممثل الأمم المتحدة ودولة قطر وإسرائيل، وطوال المفاوضات لم يتم التطرق لحق العودة على لسان أحد وكان كل الحديث يدور حول الهدنة ووقف المسيرات على الحدود مقابل مساعدات مالية واقتصادية لقطاع غزة ولحركة حماس !!!.

بالرغم من استمرار حركة حماس برفع شعار عدم الاعتراف بإسرائيل وشعار المقاومة واستمرار حالة من الاشتباك العسكري المحسوب بدقة على حدود القطاع، إلا أن ما يجري من مفاوضات غير مباشرة بينها وبين إسرائيل تحت عنوان التهدئة سيجر حركة حماس وفصائل المقاومة في قطاع غزة، بوعي من قيادات أو تيار في حركة حماس وربما بدون وعي من القوى السياسية الأخرى، لمربع فصل غزة عن الضفة مما يعني تحييد قطاع غزة عن الصراع مع إسرائيل وترك الضفة والقدس للاحتلال وتجاهل فلسطينيي الشتات وحق العودة، مقابل بعض المساعدات من وقود وغذاء وتحسين ساعات الكهرباء وبضعة ملايين لرواتب موظفي حماس لأشهر معدودة، ووعود بعيدة المدى بتسهيلات أخرى كالميناء والمطار ورفع الحصار، وهي وعود لن تنَفذ إلا بثمن أكثر فداحة وإذلالا كتجريد القطاع نهائيا من السلاح الذي تزعم إسرائيل أنه يهدد أمنها وتكريس فصل غزة عن بقية الوطن .

قد يتساءل البعض لماذا التشكيك بتهدئة تتفاوض عليها الفصائل الفلسطينية وقد سبق للرئيس الراحل أبو عمار أن طالب بها كما كانت مطلبا للرئيس أبو مازن ؟وهل المطلوب استمرار إسرائيل بقتل الفلسطينيين وتدمير بيوتهم في قطاع غزة ؟ولماذا التشكيك بتهدئة قد ترفع الحصار عن قطاع غزة ؟ .

لن تعوز الذين باتوا اليوم من أشد الداعين للهدنة مع العدو الأدلة والبراهين من النصوص الدينية وحتى من القانون الدولي والشرعية الدولية لدعم موقفهم بعد أن كانوا سابقا يكَفِرون ويخَوِّنون الداعين لها، كما أنهم سيفسرون ما نقوله وكأنه تشكيك بالمقاومة وبمسيرات العودة وبأننا ننحاز لطرف على حساب طرف آخر .

العقل والمنطق يستدعي تفحص السبب في سعي حركة حماس في غزة لهدنة الآن وكانت ترفضها سابقا، وخصوصا أن الشعب الفلسطيني لم يُنجز شيئا من مشروعه الوطني بل تراجع هذا المشروع كثيرا بعد فشل عملية التسوية وتكثيف إسرائيل لعمليات الاستيطان والتهويد وإعلان القدس عاصمة لإسرائيل والحراك الأمريكي لفرض تسوية تتعارض كليا مع مصالح الشعب الفلسطيني، ومحاصرة السلطة الوطنية ومحاولة تقويضها في الضفة الغربية الخ، وبالتأكيد تتحمل منظمة التحرير وحركة فتح جزءا من المسؤولية عما آلت إليه الأمور، وفي نفس الوقت فإن الذين ناوءوا المنضمة ونهجها التفاوضي ورفعوا شعار المقاومة بديل عن نهج التسوية والمفاوضات فشلوا أيضا في تحقيق ما فشل فيه الفريق الأول بل حتى في تحقيق الحد الأدنى مما وعدوا به الشعب .

ولمزيد من تحكيم العقل والمنطق نتساءل ومن حق كل وطني فلسطيني وكل عربي ومسلم مؤمن بالحرية وبعدالة القضية أن يتساءل، هل قطاع غزة كيان مستقل قائم بذاته، وبالتالي يجوز لحركة حماس المسيطِرة عليه بالقوة العسكرية الاتفاق على هدنة مع إسرائيل بمعزل عما يجري في الضفة والقدس ولا نريد القول بما يجري في فلسطين 48 التي قامت الثورة الفلسطينية بداية من أجل تحريرها ؟أليست الضفة والقدس محتلتان والعدوان متواصل هناك بشكل أبشع مما يجري في غزة ؟وكيف لحركات تسمي نفسها حركات مقاومة أن توقف المقاومة والجهاد بينما كل فلسطين محتلة والقدس تُهَوَد وتُدَنس ؟وهل حلت غزة محل فلسطين ؟وهل خرجت غزة من ساحة المواجهة مع العدو وهي التي كانت تاريخيا شوكة في خاصرة العدو؟.

إن كانت حركة حماس تعمل على إنجاح مشروعها الإخواني لإقامة إقليم –قاعدة في قطاع غزة بعد فصله عن بقية فلسطين ليكون نواة دولة الخلافة المنشودة وهو الأمر الذي يعتبره الوطنيون هزيمة لمشروعهم الوطني فيما تعتبره حركة حماس انتصارا لمشروعها الإخواني، وإن كانت حركة الجهاد الإسلامي تتقاطع مع حركة حماس حتى الآن، إلا أنه من غير المفهوم موقف الفصائل الوطنية في قطاع غزة حيث موقفها مثير للحيرة ويبدو أنها في حالة إرباك ما بين غضب على حركة فتح والسلطة تراكم عبر السنين وتحالف ميداني مع حركة حماس تقول إنه تكتيكي وفرضته خصوصية الحالة في قطاع غزة .

في الوقت الذي تصطف فيه هذه الأحزاب مع حركة حماس في قتال إسرائيل إلا أنها غير متوافقة معها في مشروعها الإخواني ولا ندري موقفها من دولة غزة، لذا مطلوب منها أن تحدد موقفها ووظيفتها ودورها في حالة تثبيت هدنة طويلة المدى وتكريس انفصال غزة عن الضفة، وهل ستبقى جديرة بحمل اسم فصائل مقاومة وجهاد إن أوقفت مقاومتها للاحتلال ؟.

حتى تحقق الهدنة مصلحة وطنية يجب أن تكون في الإطار الوطني وليس لخدمة أجندة حزبية ضيقة أو خارجية، ويجب أن تكون ملزِمة لإسرائيل وفي إطار استراتيجيه وطنية شمولية تشمل الضفة والقدس وغزة من منطلق أن الاستيطان والتهويد في الضفة والقدس عدوان لا يقل عن العدوان العسكري على قطاع غزة، وبالتالي يجب ربط الهدنة العسكرية بوقف الاستيطان في الضفة والقدس، وفي حالة عدم التزام إسرائيل بوقف عدوانها في الضفة والقدس وغزة يكون كل الشعب وفصائله المسلحة في حِل من أمرهم بحيث يكون من حقهم العودة للمقاومة في الضفة والقدس وغزة، سواء كانت مقاومة عسكرية أو شعبية شاملة. 

بدون ذلك وبدون تدارك الأمر بمصالحة ولو جزئية تقطع الطريق على صفقة الهدنة وصفقة القرن، فإن مفاوضات الهدنة التي تجري اليوم برعاية مصرية وقطرية ودولية، والخفي منها أخطر مما هو مُعلن، ستؤدي لترسيم حدود بين غزة وإسرائيل ومصر وبالتالي إخراج قطاع غزة من ساحة العمل الوطني .

وأخيرا نُذَكر بأن وقف إطلاق النار واتفاقات الهدنة بعد حرب 48 وإن كانت تحولت لحدود دولية، إلا أنها لم تستقر طويلا ولم تحقق السلام لأن الذين وقعوا عليها لم يكونوا ممثلي الشعب الفلسطيني .

 

د. إبراهيم أبراش

 

نجوى السودةبقلم: الكاتب جوناثان كوك

ترجمة: نجوى السودة

نقل السفارة الأمريكية إلى تل أبيب

حينما قام الرئيس دونالد ترامب بنقل السفارة الأمريكية في العام الماضي إلى أورشليم المُحْتلة، فإنه بفعلته هذه قد حطم أي أمل في إقامة دولة فليسطينية، ناهيك عن أنه إخترق القانون .

دهس ترامب في الأسبوع الماضي بقدميه فوق كل الصفحات البالية المهلهلة .بالطبع قام بذلك، عبر تويتر .

كتب ترامب يقول، في إشارة إلى جزء كبير من الأراضي السورية التي سيطرت عليها إسرائيل في عام 1967:"بعد 52عاما آن الأوان للولايات المتحدة أن تُسَلِم بالحقيقة كاملة، وهي أن إسرائيل لديها من القوة أن تهيمن على مرتفعات الجولان، تلك المرتفعات التي لها أهميتها الإستراتيجية والأمنية لدولة إسرائيل وإستقرار المنطقة ."

قامت إسرائيل في عام 1967بطرد 130000سوريا من مرتفعات الجولان، تحت ستار الستة أيام حرب، وبعدها ب14عاما تلت أحكمت سيطرتها عليها –في خرق للقانون الدولي . لم يتبق إلا عدد ضئيل من الدروز السوريين الذين يعيشون من جراء عملية التطهير العرقية . وتزيد إسرائيل الطين بلا بممارساتها الغير شرعية في المناطق الفلسطينية المُحتلة، حيث قامت إسرائيل بنقل المستوطنين والأعمال التجارية إلى الجولان .

حتى اللحظة، لم تعترف أية دولة بالممارسات الإبتزازية التي تقوم بها إسرائيل .في عام 1981، صرح أحد الأعضاء بالأمم المُتحدة  ، بأن الجهود التي تقوم بها إسرائيل والولايات المُتحدة لتغيير طبيعة الجولان ماهي إلا ممارسات" باطلة وملغاة قانونيا ."

بدأ خلال الشهور التي مضت، رئيس الوزراء الإسرائيلي باتخاذ خطوات تصعيدية وجهوده لكي يبدد تلك الفترة الطويلة وأن يكسب الرأي العام العالمي في صفه كدولة عظمى .

قام نتنياهو بإتخاذ تحركا أرعنا حينما قام بشار الأسدبمساعدة روسيا- حيث بدأ في عكس مسار المناطق التي خسرتها سوريا، تلك المناطق التي كانت قد عانت خلالها الدولة حربا طوال ثماني سنوات . جرت الحرب إلى مزيد ممن يقومون بالأدوار .قامت إسرائيل نفسها بإستغلال الجولان كقاعدة شنت من خلالها عمليات سرية ساعدت بها المعارضين للأسد في الجزء الجنوبي من سوريا، ومن بين هؤلاء مجاهدين الدولة الإسلامية .حاولت إيران وميليشيا حزب الله بلبنان، في نفس الوقت، أن تٌقلص من مناورات إسرائيل العسكرية نيابة عن الرئيس السوري .

إن وجود إيران مُقترن بكيفية تبرير نتنياهو حاجة إسرائيل للإستحواذ بصفة دائمة على الجولان، فيما يطلق عليه مِصَد حيوي ضد الجهود التي تسعى إليها إيران ل"تستغلها كسُدَّة لتُدَمر بها إسرائيل".

قبل ذلك، حينما كان الأسد يخسر لدى أعدائه، قام الزعيم الإسرائيلي بجعل القضية ذات طبيعة مختلفة.بعدئذ، أثار جدلا بأن سوريا كانت تنشطر وأن رئيسها لن يظل في مكانه إذا ما حاول أن يستصلح الجولان .

إن المنطق الذي يلجأ إليه في الفترة الحالية لم يعد مقنعا عن منطقه فيما سبق .إن روسيا والأمم المتحدة أحرزتا تقدما في إقامة منطقة منزوعة السلاح على الجانب السوري في المنطقة العاذلة للقوات مما يؤكد أنه لن يكون بمقدور إيران أن تنشر قواتها بالقرب من مرتفعات الجولان .

في مقابلة لنتنياهو وترامب بواشنطن مساء الإثنين، قام الرئيس بتحويلها في تويتة له إلى قرار تنفيذي.

إن إختيار الوقت له مغزاه .وتلك محاولة أخرى وقحة من جانب ترامب حيث تطفل وتدخل في الإنتخابات الإسرائيلية ، في 9 إبريل . سوف يمد نتنياهو بنقرة إصبع جبارة تحفزه في كفاحه ضد إتهامات الفساد والإتهامات المُوجهة له من الحزب المُنافس .

سوف يكظم نتنياهو غبطته بالكاد بعد هذه التويتة من ترامب، مُطلقا عليه وكما ورد في التقارير :"إنك صنعت تاريخا !"

غير أنه في الحقيقة لم يكن هذا جموح .لقد كانت إسرائيل تنتهجان هذا النهج لفترة .نجد أن الحزب المسيحي يدعم الإحتفاظ بالجولان .أعلن في العام الماضي السفير الإسرائيلي السابق لدى الولايات المتحدة، ميشيل أورين والذي يحظى بثقة نتنياهو خطة لمضاعفة مساحة المستوطنة الآهلة بالسكان أربعة أضعاف عددها، في غضون عقد من الزمان .أعلنت الخارجية الأمريكية في الشهر الماضي ختم الترحاب بالخطة بما فيها مرتفعات الجولان حينما أعلنت عن ذلك لأول مرة في القسم الخاص ب"إسرائيل"في تقريرها السنوي حول حقوق الإنسان .في هذا الشهر، قام السيناتور الجمهوري ليندسي جراهام بجولة جهارا نهارا في مرتفعات الجولان، صاحبه في تلك الجولة نتنياهو ودافيد فريدمان، سفر ترامب لدى إسرائيل . ذكر جراهام أنه وزميله تيد كروز سوف سوف يمارس الضغط من خلال اللوبي لدى رئيس الولايات المتحدة لكي يُغيروا معالم المنطقة .

في نفس الوقت، إن ما قام به ترامب قد إخترق القانون الدولي علنا .وفي هذا الشهر إستطاع المسئولون المقربون، أن يحولوا دون دخول الولايات المتحدة محكمة العدل الدولية، في لاهاي، الذين يستجوبون الولايات المتحدة الأمريكية على جرائم الحرب التي إرتكبتها في أفغانستان . لقد كانت المحاولات التي قامت بها المحكمة الجنائية ؛لكي تقد كلا من الولايات المتحدة وإسرائيل محاولات مبدئية، وضئيلة .أيا كان ما كان يغزله نتنياهو حول الحاجة إلى تحاشي تهديد إيران، فإن إسرائيل لديها أسبابا أخرى أكثر صرامة لإحكام سيطرتها على الجولان . إن المرتفعات غنية بثروتها المائية مما يجعل سيطرة إسرائيل على بحر جاليلي حتمي، وهي بحيرة عريضة مياهها عذبة لها أهميتها الحيوية في منطقة تواجه نقصا مستمرا في المياه يزداد يوما بعد يوم.1200كيلو مترات مربعة من الأراضي المسروقة تم إستغلالها بوحشية، من إنماء حقول العنب والتفاح إلى صناعة السياحة، التي تشمل في الشتاء، منحدرات الجليد التي تغطيها بجبال هيرمون .

كما نوهت إلى ذلك منظمة حقوق الإنسان، من المستفيد، فإن شركات إسرائيل والولايات المتحدة تُقيم أيضا مزارع الرياح التجارية لكي تبيع الطاقة .

هذا وقد كانت إسرائيل تتعاون في هدوء تام مع شركة الطاقة العملاقة جيناي بالولايات المتحدة لاستكشاف الإحتياطي من البترول تحت سطح الجولان . يمتلك زوج إبنة ترامب، ومستشاره، جاريد كوشنر إستثمارات بجيناي .إلا أن إستخراج البترول سوف يكون أمرا صعبا، إذا لم تتمكن إسرائيل من إثارة الجدل بشكل يمكن تصديقه بإحكام هيمنتها على المنطقة . لعدة عقود مارست فيها الولايات المتحدة ضلعا أعوجا بصفة مستمرة لتتدخل كقناة في المحادثات الثنائية بينهما تقوم فيها بالدور المزدوج الشامل والمؤيد .أيد باراك أوباما، من ثلاث سوات مضت التوبيخ الذي تلقاه نتنياهو من مجلس الأمن حينما أقر نتنياهو عزمه أن إسرائيل لن تتنازل عن الجولان .لقد منح ترامب ضوءا أخضرا لإسرائيل لكي يحكم قبضته عليها بصفة دائمة . بصرف النصر عن ذلك، أيا كان مايقوله، فإن القرار لن يؤدي إلى الأمن لإسرائيل، أو لإستقرار المنطقة .في الحقيقة، فإن ما يقوم به ترامب لن يُقَدِم أو يُؤخِر فيما يتعلق ب"صفقة القرن "-التي أطالت المدى في خطة السلام لتُنهي الصراع الإسرائيلي –الفلسطيني ، حسبما إشاعة، ربما يُكشف عنها النقاب بعد الإنتخابات الإسرائيلية . بدلا من ذلك، فإن إعتراف الولايات المتحدة الذي سوف يجعل إسرائيل تتثبث بحقها، الحق الذي قد ظلت سنينا تصرخ من أجل أن تضم مساحات شاسعة من الضفة الغربية ومن ثم تؤدي إلى آخر مسمار في نعش الحل الذي تراه الدولتان . إن حق إسرائيل يمكن أن يتم الجدال حوله الآن بصورة معقولة :"إذا ما قبل ترامب سيطرتنا غير الشرعية على الجولان، لم لا ألم نسطو أيضا على الضفة الغربية؟"

 

تحياتي نجوى السودة

 

 

سامان سورانيبالرغم من إنقضاء حکم تنظیم داعش علی الأرض بعد أن نجحت قوات الپێشمەرگة لإقليم كوردستان دحرهم والإنتصار علیهم أولاً وبعد إعلان قوات سوريا الديمقراطیة (قسد) التي يقودها الكورد والتي تدعم من قبل التحالف الدولي بقيادة واشنطن بتاريخ 23 أذار/مارس 2019 علی دحر آخر معاقل التنظيم في باغوز شرق سوريا ثانياً، هناك ثمة إجماع من قبل خبراء في شؤون التنظيمات الإرهابية بأن المنتمين الی هذا التنظيم مازالوا يمثلون تهديداً عالمياً.

وهناك تقارير صحافية تظهر بأن تنظيم داعش يخطط لهجمات في أوروبا عبر مجموعاته "النائمة" في تلك البلدان، والتي يطلق عليها اسم "خلايا التمساح". إذن البركان خامد الآن، لکنه يُمكن أن يَنْفخُ بأي لحظة.

لقد إستمر تنظيم داعش منذ ولادته الی حین التغلب علیه عسکرياً بهجمات إرهابية منظمة تارة وجهنمية ووحشية أعمی تارة أخری علی مناطق في كوردستان والعراق وسوريا، مزّق الأجساد ودمّر الممتلکات وأستهدف کل شيء يخص الشأن الإنساني والحضاري، يعجز اللسان عن ايجاد كلمات تناسب شجبها بسبب تلك الفلسفة البربریة التي وقفت ورائها والتي لا ولن ترید شیئاً سوی إلحاق الدمار بالحضارة والتحضر وإفساد التعايش السلمي والتقدم علی هذه السكينة.

بإیمانه التام بفلسفة الموت، التي تفضل الموت على الحياة، وهي فلسفة كاذبة عنصرية تستند الى المبدأ المتوحش الداعي الى قتل المواطنین الأبریاء لمجرد كونهم مواطنین أبریاء یریدون أن یعیشوا في سلام ووئام مع عوائلهم وذویهم، لأنهم لیسوا "مجاهدین في سبیل العدم" ولأنهم لیسوا جبناء مثلهم، أراد داعش أن يستولي علی أرض المنطقة ويفرض علی إستمرار خلافته.

فلسفة داعش هي فلسفة مجرمي الحرب وغايتها هي القتل والدمار. أما هدف المنتمين الی هذا التنظيم من الأجانب والمحليين، الذين هم ثمار الأبله الثقافي وسلّموا أوراقهم وشهاداتهم الی مرجعهم أو شيخهم أو أميرهم، الذي بدوره يختم علی عقلهم ويعمل علی قولبتهم، لكي يخلقوا ويمارسوا بعملياتهم الإرهابية سيناريوهارت الأكثر همجية ووحشية، فهو واضح للعیان، إنهم یریدون النیل من المواطن والدولة والمدینة والمجتمع، مدفوعین بعقلیة الثأر والإنتقام من کل من لایشبههم أو لایفکر علی شاکلتهم، هدفهم المراهنة على انفجار ضغائن المكونات المحلية على بعضها ومحاولة يائسة لزعزعة أمن واستقرار المنطقة بأكملها وضرب الأخوة والتعايش السلمي بين البشر جمعاء، یتعاملون مع هویتهم الدینیة أو القومیة بأقصی الغلو والتطرف والإنغلاق ، کعُصاب نفسي هو مصدر للتوتر والتشنّج ، کمتراس عقائدي لشن الحرب علی الغیر، أو کخطاب فکري للنبذ والاقصاء، یستغلون البائسین والمهووسین في مشاریعهم الهمجیة، إنهم یخططون لفعلتهم المتحجرة والأحادیة والعدوانیة والاستبدادیة هذه‌ في السرّ وتحت الأرض، لکنها تمارس تحت سمعنا وبصرنا، وکما تُعمّم نماذجها في الجوامع والمدارس أو عبر الشاشات والقنوات.

یتصور أصحاب الارهاب من الدواعش (أنظر مثلاً الی إبراهيم السامرائي، الذي سمی نفسه “أبو بكر البغدادي”، إلە وخلیفة عصابة الأشرار، وکذلك أتباعه) أنفسهم خلفاء الله وسادة الخلق وخیر الأمم، أو أنهم ملاك الحقیقة وحراس الإیمان، سائرون علی النهج القویم وحدهم دون سواهم، یدّعون بأن الشرائع القدیمة تنطوي علی أجوبة وحلول للأسئلة ولمشکلات العصر، یمارسون الوصایة علی الناس وینطقون بإسمهم زوراً وتشبیحاً، یصادرون قرار الناس ویتحکّمون بأعناقهم وأرزاقهم ویشنون الحرب الإرهابیة نیابة عنهم.

 إنهم لایعترفون بقرار الآخرین في اختیار نمط حیاتهم، بوصفهم مبتدعین ضالین أو کافرین مرتدین. فهُم یستخدمون العنف والإرهاب، قتلاً وتصفیة أو استشهاداً وانتحاراً ، مدفوعین بعقلیة الثأر والأنتقام من کل من لایشبههم أو لایفکر مثلهم ، تحت دعوی سخیفة ومزیفة، هي إنقاذ "الأمة الاسلامیة" في العالم من رجس الجاهلية.

الأفكار الأصولية والسلفية أصدرت مارکة الحجاب والدم والتضحية وعملت  ليل نهار ضد صناعة التنمية والمدنية والحضارة، بقمعها الحريات الفردية وإرجاع أسباب المصائب والکوارث والجهل والفقر في مجتمعاتها إلی الغزو الثقافي الغربي أو إلی العولمة والأمرکة وبإستراتيجيتها القائمة علی الرفض والإقصاء وإرادة التأله والتفرد هي التي تثمر البربرية والهمجية الحديثة والمعاصرة، حيث يتم القتل وتمزيق الأجساد وتدمير الممتلكات بأعصاب باردة وضمير جامد وبعقلية أخروي أو عسكري إرهابي بصفة المناضل والمجاهد والمدافع عن الهوية والثوابت.

فبدل السعي والعمل بمفردات نسبية علی نظريات ثورة الاتصالات والمعلومات قام أصحاب الفکر السلفي الأصولي والقومي الشوفيني بتهافتهم في مواجهة کتاب "نهاية التاريخ" لفرنسيس فوکوياما بتأليف مجلدات مبنية علی لغة الغلو والتهويم اللاهوتي والتشبيح النضالي والعقائدي لتحقيق إستراتيجيتهم التدميرية.

إن أتباع داعش هم ثمرة الأوامر الدينية والحكومات الدينية والمرجعيات الغيبية والشعارات الأحادية والثوابت الأبدية، وسوی ذلك من المشاريع الشمولية، التي يدعي أصحابها إمتلاك مفاتيح الحقيقية المطلقة، لممارسة الوكالة الحصرية علی الهويات والقضايا المصيرية، خرجوا من جين ثقافة الأصولي الإرهابي، الذي يدعي إنقاذ أمة الإسلام بالعودة الی أنماط ونماذج بائدة يستحيل تطبيقها إلا بزرع الرعب وزعزعة الأمن وسفك الدماء وتدمير معالم الحضارة والعمران.

نقوله هنا وبمنتهی الصرائحة، لاینفع دحر هؤلاء الإرهابیین والإنتصار علیهم عسکریاً فقط، علینا تعبئة كافة القوى الحية في إقليم کوردستان من أجل محاربة هذا الفكر ونقصد بالقوة الحية العلماء والكتاب والصحافة ووسائل الاعلام وقادة الراي. فبتضافر جهود الجميع یمکن إرجاع هذا الفكر الى الوراء ليحل محله الفكر الواعي المتزن.

من لا یحترم إرادة الكيانات والشعوب في اختيار من يتولى أمورهم وفي اختيار التشريعات لتدبیر أمورهم لایرید معالجة حقيقية لظاهرة الإرهاب.

فعلّة كل شيء تكمن في مفهومه بالدرجة الأول من هنا نری الحاجة الی مساءلة مفهوم‌ الإنسان لتفكيكه وإعادة بناءه.

إذن علاج الإرهاب يبدأ من معرفة الإنسان لنفسه معرفة حقيقية تضعها في مكانها الصحيح، بحيث يرى الإنسان نفسه من خلال الآخر ويخرج على قوقعته التراثية، لكي يفهم المجريات على الساحة الكونية ويسهم في المناقشة العالمية الدائرة حول المعضلات ويفتح أفاق الحوار، ويتجنب سياسة الإقصاء ويجتهد في سبيل القبول بالرأي والرأي الآخر.

وختاماّ: "مآل كلّ حدٍّ أقصى: أن ينتج ضدّه.

 

الدكتور سامان سوراني

 

نجوى السودةبقلم: الكاتب آندري فلتشك

ترجمة: نجوى السودة

جريدة البحث حول العالم

لو عدنا بالزمان مائة عام، لن نتخيل مسلمين يدخلان مقهى أو مركبة مواصلات عامة، ومن ثم يفجران أنفسهما، ويقتلان العشرات من الناس .أو مذبحة في مجلة بباريس يروح ضحيتها فريق عمل المجلة !لم يكن هنك أشياء من هذا القبيل .

حينما تتاح لك الفرصة وتقرأ ذكريات إدوارد سعيد، أو تتحدث مع كبار السن من الرجال والنساء في شرق أورشليم، يتضح لك الأمر، حيث أن الغالبية العظمى من المجتمع الفلسطيني إعتاد أن يكون علمانيا أو معتدلا تماما .

مجتمع يشغل نفسه بالدنيا، والثقافة، حتى الموضة لم يهملها، أكثر من إهتمامه بالعقائد الدينية .

نفس الشئ يمكننا أن نقوله عن المجتمعات الأخرى والكثيرة المسلمة، بما فيها تلك التي بسوريا، والعراق، وإيران، ومصر، وإندونيسيا .

وخير شاهد على ذلك الصورة الفوتوغرافية القديمة التي تنطق بذلك .لذلك من الأشياء المهمة جدا أن تدرس الصور القديمة مرارا وتكرارا، بعناية .

إن الإسلام ليس دينا وحسب ؛إنه حضارة عظيمة، حضارة من أعظم الحضارات على وجه الأرض، حضارة قد أثرت إنسانيتنا بالإنجازات العظيمة، العلمية، والمعمارية، وبالإكتشافات التي لاحصر لها في مجال الطب .لقد كتب المسلمون شعرا شديد الروعة، وألفوا موسيقى جميلة.لم يكتف المسلمون بذلك كله، بل أنهم قاموا بتطوير بعض المباني المجتمعية في العهود الأولى، من بينها الجامعات الأولى التي ظهرت على وجه الأرض، مثل جامعة القرويين بالمغرب .

كانت فكرة "مجتمعية" شئ مألوف لدى العديد من السياسين المسلمين، كما أنهم لم يدعوا الغرب يتدخلون بوحشية، بالإطاحة بالحكومات ذات الجناح اليساري ووضعوا على العرش حلفاء فاشيين في لندن، وواشنطن وباريس ؛نقريبا في كل الأقطار الإسلامية، بما فيها إيران، ومصر، وإندونيسيا، ومن المرجح أنهم الآن يقومون بذلك بقيادة مجموعة من القادة العلمانيين والمعتدلين بشدة .

كان هناك من القادة المسلمين الذين يجابهون ويقفون سدا لوقف سيطرة الغرب  على العالم، ومن الأمثلة الرائعة على ذلك الرئيس الإندونيسي، أحمت سوكارنو، الذي كان مُقربا من الأحزاب والنظريات الشيوعية . ألف سوكارنو حركة معادية للإمبريالية، حركة غير الموالين، والتي أُعلن عنها في مؤتمر باندونج في إندونيسيا عام 1955.

كان هذا يتناقض تماما مع الأصولين والنخب المسيحية، والتي أحس بها الغالبية العظمى منها في وطنه من الحكام الفاشيين والمُستعمرين ، من الملوك، والتجار، كبار رجال الأعمال في حكومة الأقلية .  كان شئ غير مستساغ بالنسبة إلى الإمبراطورية،  وجود حكام مسلمين يحكمون الشرق الأوسط يتمتعون بشعبية وتقدم أوبلدا مثل إندونيسيا، البلد الغني بموارده.إذا ما استخدم هؤلاء الحكام ثروتهم الطبيعية لكي يحسنوا حياة شعوبهم، فما الذي سوف يتبقى للإمبراطورية ولشركائهم؟ كان من الحتمي أن تتوقف بأي وسيلة .كان لابد أن ينقسم المسلمون على أنفسهم، وأن يُخترق من الأصوليين ومن المُعادين للشيوعية، ومن قِبَل هؤلاء الذين لايؤلون أدنى إهتمام برفاهية شعوبهم .

إرتبطت كل الحركات الأصولية الإسلامية في أي مكان من العالم، الموجودة حاليا، بالوهابية، وهم طائفة شديدة العداء للتغيير ، وشديدة الرجعية في رد فعلها، وتتولى زمام السيطرة على الحياة السياسية في المملكة العربية السعودية، وقطر وحلفاء آخرين يشدون من أزرهم من حلفاء الخليج من الغرب .

ونقتبس من هنا قول الدكتور .عبد الله محمد سيندي :

"من الأشياء التي لاتقبل شك من الناحية التاريخية أنه بدون عون من بريطانيا ما كانت الوهابية ولا لآل سعود قائمة .إن الوهابية هي في الأصل فكرة من وحي بريطانيا .وعن طريق آل سعود خطهم الدفاعي وأيضا من يدعمونهم بالولايات المتحدة، قدمت الولايات المتحدة للوهابيين الدعم بصورة مباشرة وغير مباشرة بغض النظر عن الهجمات الإرهابية التي وقعت في 11سبتمبر، 2001.

إن الوهابية حركة تتسم بالعنف ، يمينية، تكره التجديد والتغيير للغاية، جامدة، متطرفة، رجعية، جنسية، وغير متسامحة ... "

منح الغرب الوهابيين الدعم الكامل في الثمانينات .قاموا بتوظيفهم، وتمويلهم وتسليحهم، بعد أن تورط الإتحاد السوفيتي في أفغانستان ومن ثم حرب مريرة إستمرت من عام 1979حتى 1989.

نجم عن هذه الحرب، إنهيار الإتحاد السوفيتي، وأُنهكته إقتصاديا ونفسيا .

كان المجاهدون، الذين يحاربون السوفيت بالإضافة إلى جناح الحكومة اليساري في كابول، يتلقون العون والتمويل من الغرب وحلفائهم .

جاء المجاهدون من كل حدب من العالم الإسلامي، جاءوا ليحاربوا في "حرب مقدسة"ضد الشيوعية .

طبقا للأرشيف بوزارة الخارجية الأمريكية :

إن من يُطلق عليهم المجاهدين العرب والمجاهدين الأجانب كانوا يرغبون في الجهاد ضد الكفرة الشيوعيين .كان من أبرز هؤلاء الشاب السعودي المدعو أسامة بن لادن، الذي توسعت جماعته في نهاية الأمر وعُرِفت بالقاعدة .

إن الإسلام الأصولي نشأ وتم تلقيحه بالأفكار في مختلف بلدان العالم الإسلامي المختلفة، عن طريق الغرب ومن بينهم القاعدة، ليس هذا فقط

بل يدعمون الأحدث منهم، أو مايعرف حديثا، ب(الدولة الإسلامية) .إن الدولة الإسلامية هي جيش إرهابي تمخض في"معسكرات اللاجئين "على حدود سوريا/تركيا وسوريا /الأردن، كانوا يتلقون التمويل المادي من الناتو ومن الغرب ليحاربوا حكومة بشار الأسد (العلمانية).

 

تحياتي نجوى السودة

 

عبد الحسين شعبان«إن من ينزل عن هضبة الجولان، يكون قد تخلّى عن أمن «إسرائيل»، ذلك ما قاله إسحاق رابين رئيس الوزراء «الإسرائيلي» الأسبق الذي اغتيل في 4 نوفمبر/ تشرين الثاني 1995، بعد أن احتلت «إسرائيل» 80% من مساحة هضبة الجولان السورية في عدوان 5 يونيو/ حزيران العام 1967، والتي حرّرت سوريا جزءاً منها في حرب أكتوبر/ تشرين الأول 1973، (100 كم) بما فيها مدينة القنيطرة .

إن إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، «إسرائيلية» الجولان يعيد إلى الأذهان مقولة رابين، وإصرار السياسة «الإسرائيلية» طيلة ما يزيد على نصف قرن على تهويد الجولان، وضمها نهائياً إلى «إسرائيل». ويأتي موقف ترامب مستفزّاً للمشاعر الإنسانية، والاعتبارات الأخلاقية، ولقواعد القانون الدولي بعد قراره في 14 مايو/ أيار 2018 نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، باعتبارها عاصمة لدولة «إسرائيل»، الأمر الذي يؤكد الخطة المنهجية المتصاعدة في تأييد الاحتلال « الإسرائيلي»، والتنكّر للحقوق العادلة والمشروعة للشعب العربي الفلسطيني، وفي مقدمتها حقه في تقرير المصير وإقامة الدولة المستقلة وعاصمتها «القدس».

وتتنكّر واشنطن بإجراءاتها تلك ل «الشرعية الدولية»، فضلاً عن القواعد العامة للقانون الدولي المعاصر، بما فيها قواعد القانون الإنساني الدولي، خصوصاً اتفاقيات جنيف لعام 1949 وملحقيها بروتوكولي جنيف لعام 1977، حيث كان مجلس الأمن الدولي أصدر قراراً رقم 476 بتاريخ 30 يونيو/ حزيران 1980 يعلن فيه بطلان الإجراءات التي اتخذتها « إسرائيل» لتغيير طابع القدس، ثم أعقبه بقرار رقم 478 بتاريخ 20 أغسطس/ آب من العام نفسه، يقضي بعدم الاعتراف بقرار الكنيست بشأن ضم القدس.

كما أصدر مجلس الأمن الدولي قراره رقم 497، الذي اتخذ بالإجماع في 17 ديسمبر/ كانون الأول 1981، الذي يدعو دولة «إسرائيل» إلى إلغاء قرارها بضم مرتفعات الجولان، ويعتبر فرض قوانينها وسلطاتها وإدارتها على مرتفعات الجولان السورية المحتلة ملغى وباطلاً، ومن دون فعالية قانونية على الصعيد الدولي.

ومن المفارقة أن يأتي إعلان ترامب «إسرائيلية» الجولان متزامناً مع الذكرى السادسة عشرة للحرب الأمريكية على العراق واحتلاله في العام 2003، واستمرار معاناة شعبه المتعاظمة والمركّبة، فضلاً عن تزايد التدخلات الإقليمية والدولية في شؤونه، فضلاً عن انفتاح الباب على مصراعيه لنشاط المنظمات الإرهابية فيه، وفي مقدمتها تنظيما القاعدة، ووريثها «داعش». وعلى مستوى التوقيت يأتي إعلان ترامب عن «إسرائيلية» الجولان كأنه خشبة خلاص لنتنياهو الذي تدهورت سمعته وفقد الكثير من شعبيته لاتهامه بالفساد، واحتمال مثوله أمام القضاء، كما يأتي هذا الإعلان قبل 20 يوماً من الانتخابات «الإسرائيلية».

لقد مارست «إسرائيل» خلال احتلالها الذي استمر نحو 52 عاماً سياسة تطهير عرقي لتغيير الواقع القومي والتركيب السكاني للجولان، ورفضت الانسحاب إلى ما وراء خطوط الهدنة، مستخفّة بقرارات مجلس الأمن الدولي، خصوصاً القرار 242 لعام 1967 والقرار 338 لعام 1973 ومتجاوزة على مبدأ أمر من مبادئ القانون الدولي الذي لا يجيز الاستيلاء بالقوة على أراضي الغير.

وكانت «إسرائيل» اعتبرت الجولان منذ اليوم الأول «منطقة عسكرية مغلقة يحظر على الناس دخولها» ثم أقامت المستوطنات عليها، آخذة في الاعتبار أهميتها الاستراتيجية، ابتداء من سفوح جبل الشيخ (قرب بانياس) وبمحاذاة خط وقف إطلاق النار (في 10 يونيو/ حزيران 1967) حتى القنيطرة، وانتهاء بحدود الشواطئ الشرقية لبحيرة طبريا (جنوب غربي الجولان). واستهدفت بذلك إقامة «بناء دفاعي» يضمن الحفاظ على مصادر المياه، ومنابع نهر الأردن، وتوفير الحماية لمستوطنات وادي الحولة والجليل، وهو ما تضمنه مشروع إيغال آلون الذي نشره في مجلة الشؤون الدولية (الأمريكية) على شكل مقالة في أكتوبر/ تشرين الأول 1976.

ولذلك شرعت في اتخاذ طائفة من الإجراءات المتدرّجة لمحو الطابع العربي للجولان، ابتداء من حل المجالس البلدية وإلغاء القوانين السورية وإبدالها بقوانين «إسرائيلية» (بعد قوانين الاحتلال)، وتغيير العملة، وفرض الرسوم، وتغيير رخص السيارات والإجازات الخاصة، وفرض منهج تعليمي « إسرائيلي» عنصري، وجميع ما يتعلق بالبريد والبرق والهاتف، وكل ما من شأنه تغيير طابع المنطقة قانونياً وإدارياً وفعلياً، لاسيّما استبدال هويّة الأحوال المدنية السورية ببطاقات «إسرائيلية»، ثم أقدم الكنيست بعد مرور 14 عاماً على احتلال الجولان إلى إصدار قرار بضمها إلى «إسرائيل»، خلافاً لقواعد القانون الدولي، وما يسمّى بالشرعية الدولية .

وتبرر «إسرائيل» تمسكها بهضبة الجولان بثلاث قضايا مركزية وحيوية لا تريد التخلي عنها، وهي تجمعها في عناوين رئيسية هي: الأمن والمياه والأرض، فالجولان خزّان مياه ومصدر للثروة المائية لا تريد التخلي عنه، وحسب رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو، هي مصدر أساسي للأمن المائي، وهذا الأخير مصدر حيوي للأمن الغذائي، وبالتالي فهي عمق استراتيجي لأمنها لا غنى عنه.

 

عبد الحسين شعبان

 

عبد الجبار نوريمنذ قرنٍ من الزمن لتأسيس الدولة العراقية وسوء الطالع والشؤم كان نصيبه من الكوارث المرعبة والمأساوية من توسونامي الفيضانات المرعبة وفايروسات الطاعون والغزوات والحروب والمجاعة وهوس الأنقلابات العسكرية وصراع الأطماع بين الدول العظمى على الأستئثاربمصادر الطاقة وتعاقب الحكومات المستبدة التي نشرت ثقافة الممنوع في الكلام والتعلم وحتى الحلم ربما تحاسب عليه!؟ وأصبحت الأبتسامة عملة نادرة في زمن القحط الأخلاقي، فأخذ منا الزمن كل شيءعدا الدموع التي تنساب عفويا وحتى في الأفراح لندرتها وشحتها وهل ننسى مجزرة سبايكرأم مجزرة حلبجه أم تفجير الكرادة أم نكبة جسر الأئمة أم وجع جرح غرق العبارة التي أبت أن تعبر للضفة الثانية فكان عزاؤها شموليا لكون جرحها بسعة جغرافية هذا البلد المنكوب .

وللأسف الشديد أن سياسيي السلطة أو " أخوة يوسف " أحرقوا مراكبهم ويتصرفون بهوس أقرب إلى الجنون في تدوير بضاعتهم المسجاة منذ عقدٍ ونيّف، وبالمحصلة التراجيدية المأساوية يبرز: {الفارق بين توقعات الشعب ومآلات العملية السياسية لسببين : بساطة الوعي وعدم الشفافية ---- لا المسؤول يصارح شعبهُ بحقيقة ما يجرى ولا الفرد يدرك ما وراء الأحداث فتتوالى الخيبات والمفاجآت }المفكر العراقي ماجد الغرباوي .

بل بالتمام والكمال نجد أن تلك الفواجع توظّفْ سياسياً بسلاح (التسقيط السياسي) بأعتبارهِ ظاهرة أجتماعية معناه الحط من قدر وقيمة الشخص ومكانته الأجتماعية والسياسية والدينية والعلمية والتأريخية فهو أسقاط ونفي الخصائص الحسنة والمرغوبة في هذا المجال أو ذاك لدى المجتمع، ويرتبط مفهوم التسقيط بمفاهيم متقاربة مثل البهتان والزور والكذب والأفتراء والأدعاء يكون دوافعه ربما الغيرة والحسد أو ضريبة نجاح وبالمحصلة تمثل نوعاً من الحرب الباردة بين الأطراف المتنافسة وبالتالي فهو نوعٌ من الصراع السلمي يمكن (عقلنته) بثوابت الدين والقانون والعرف الأجتماعي والمباديء الخيرة المتفق عليها عرفاً والتي بعض منها من موروثات الوثائق الأممية الناطقة بحقوق الأنسان وحرياته، أن من معطياتها المستلبة أنها تطيح بالسلم المجتمعي خاصة عندما تطال رموز وقامات نجومية لها بصمات في الذاكرة الأدبية والثقافية، وقد تتطور إلى فتنة والتي هي أشد من القتل كما هو مذكور في ثوابتنا الدينية فيظهر هذا السلاح الذي ينعدم فيه الضمير والوازع الأخلاقي والولاء للوطن( بميكافيلية) مقيتة مما يثير القلق وسط كبار السياسيين هو التعرض إلى حملات ( تسقيط ) ونشر الغسيل المكلل بفضائح خصوصا في وسائل التواصل الأجتماعي التي أصبحت منصّة مرعبة لنشر وثائق وصور وكاريكاتيرات تهاجم أولئك السياسيين بمختلف التهم قد تصل ربما إلى كسر العظم عندها يركبون شياطينهم ليخوضوا حرباً باردة ضد بعضهم البعض والغريب عندما تشتعل أوارها في الحزب الواحد والكتلة الواحدة شيعية شيعية وسنية سنية وكردية كرديه بهذه الأتجاهات المشبوهة والقذرة، وأن ساسة العراق وقعوا أخيراً على وثيقة شرف تنظم سير الأنتخابات التي شددت في فقراتها وموادها إلى أحترام المتنافسين والأبتعاد عن أساليب التشهير والتجريح وأن تتركز الحملات الأنتخابية على الأبعاد الأستراتيجية للترويج عن مصالح العراق العليا، إلى أن أغلب الكتل السياسية لم تحترم ميثاق الشرف الأنتخابي والذي أثر بالسلب على مزاج الناخب مما أضعف الأقبال على عملية التصويت الأنتخابي بشكل مؤثر وواضح، لا بل أتمكن أن أقول : أن هذا النوع من الصراع السياسي أفقد المواطن ثقتهُ بالمؤسسات كافة، وأصبح  التوظيف السياسي لمجمل نكباتنا الموجعة تستثمر بسلاح التسقيط السياسي وفقاً لسياسيين أفتقدوا أدارة الحكم بقوة المنطق بل نهجوا معكوسها بمنطق القوة الغاشمة حيث تهتدي بعقلية المؤامرة والأزمة والتلاعب ببعض القوانين بالطريقة التي توافق مصالحها، فهذه بعض الأساليب :

- أسلوب الأستبعاد والأقصاء السياسي بين أفراد المجتمع مرشح أم ناخب تكمن في غياب الضوابط والمعايير الأخلاقية والمهنية، وأن سياسة أبعاد الخصوم وأجتثاثه بهذه الطريقة غير ديمقراطية والتي شبهها البعض ب(مجزرة سياسية)، وحسب قناعتي فيما إذا كان الأستبعاد مبنيا على قواعد السلوك الأنتخابي فهو أمرٌ أيجابي مقبول في العرف الديمقراطي فيما إذا تجنبنا المفردات الجارحة والأتهامات  الجزافية الباطلة .

- عقلية المؤامرة والأزمة: نعترف بأن وطننا بلد الأزمات والمؤامرات لتعدد الأعداء من كل حدبٍ وصوب من أحزاب السلطة والكتل التي بيدها مصادر القرار وأعداء أقليميين من دول الجوار وأعداء دوليين وعلى رأسهم المحتل الأمريكي وبعض دول الغرب وصب تدخلهم في زعزعة السيادة العراقية كزيارة ترامب لقاعدة الأسد بالخفاء وتصريحات مستشار المرشد الأيراني علي أكبر ولايتي من بغداد في نهاية 2018 :قال {أنهُ لا يمكن السماح للبراليين والشيوعيين والعلمانيين لحكم العراق}

- فتنتشر الأشاعة بسرعة فائقة تسري كالنار في الهشيم بوسائل الأعلام وصفحات التواصل الأجتماعي والتي أطرتْ تلك الفواجع بأطار المؤامرة للتذكير فقط ما جرى من فواجع عند نفوق ملايين الأسماك في صلاح الدين والأنبار يطرحون علينا حكاية تسميم غلاصم الأسماك، وكارثة موت آلاف الدونمات من محصول الطماطة الزبيرية برش مادة سميّة في تلك المزارع، وتسهيل دخول داعش إلى الموصل لأسقاط المالكي وربما اليوم قد نُسجتْ خيوط سيناريو فاجعة غرق عبارة الموصل للأطاحة بالعاكوب، أنهُ شيءٌ مضحك عندما يكون خطابنا الأعلامي بهذه التفاهة المقرفة والساذجة.

- سياسة التلاعب ببعض القوانين التي تنشط في وقت الأزمة وأصبحت ملازمة للبرلمان وقد شاهدنا في الدورة السابقة للبرلمان تمرير ثلاثة قوانين في صفقة واحدة أو كما يحلو لبعض النواب الفايخين تسميتها في (سلّة واحدة ) وهي نفس سياسة الصفقات التي تعتمد الكثير منها على التسقيط، وأعتمدت عند بعض المرشحين جزءاً مهما من حملاتهم الأنتخابية وخلال تلك المعركة الأنتخابية يتضح أنفاق غير متوازن لأن الأحزاب الكبيرة والرؤوس المعروفة في الأوساط السياسية أستولت على الشوارع وشاشات التلفزة وفرق أخرى صغيرة تتجول الأزقة وتطرق الأبواب للدعوة لأنتخاب مرشحيهم وأخرى تتجه نحو مزاد شراء أصوات الناخبين مقابل 100-200 دولار للصوت الواحد وكل هذا التلاعب الغير مشروع يجري تحت عدم الألتزام بمعايير مفوضية الأنتخابات

- الألتجاء إلى أستعمال الفيس بوك وبشكلٍ كبير بل ربما بجيوش ألكترونية مملوكة لجهات وأحزاب سياسية بل وصل الأمر ألى التعرض لأعراض بعض المرشحين والمرشحات مما يضطر البعض منهم ألى الأنسحاب خوفاً من تعاظم الأستهداف ليصل إلى التصفية الجسدية ويرجع سبب الأهتمام بوسيلة التواصل الأجتماعي سهولة أستعماله من عموم الشعب بل غالبيته وأيضا أنها بعيدة من سطوة الملاحقة القانونية بسبب أتساعها وكثرتها أضافة إلى أنها غير مكلفة

 

عبد الجبار نوري

كاتب وباحث عراقي مقيم في السويد

 

رائد عبيستعد الديمقراطية في المجتمعات المتخلفة أحد الأنظمة الفوضوية، بل تعد ايضا أداة لتطبيق نظرية الفوضى الخلاقة التي تختلق كل فوضى من شأنها أن تنتهي إلى فوضى أخرى تفرز منها. وهذا يعني أن الفوضى التي تعني موضوعياً انعدام الترتيب والخراب، فهي ذاتيا تعني خلاف ذلك، تعني هناك نظام داخلي جعل منها أن تكون فوضى،مثل اي شيء يحمل النظام بالقوة وليس بالفعل، فهناك ايضا اشياء تكمن بداخلها فوضى بالقوة وليس بالفعل، إي أن هناك استعداد للأشياء فوضوي وهناك استعداد للفوضى أن تنظم ذاتها. مثل أي شيء منظم ثم يبعثر، كالكتاب المرتب في صفحاته فهو في ذاته مرتب، ولكن الفعل الخارجي يعمل على احداث الفوضى فيه كتمزيقه مثلا او نثره في الهواء،وهناك أشياء لا يمكن أن ننتهي بها إلى نظام بل هي فوضى بحد ذاتها، مثل حبات الرمل في الصحراء، فهي غير مرتبة لتكون شكلا الا بتدخل عامل ما. فالديمقراطية تسمى نظام ولكنها تتضمن الفوضى داخليا فهي تختزن الفوضى وهي نظام بالقوة وفوضى بالفعل، اذا لماذا يُراد للديمقراطية أن تكون نموذج نظام حكم لكل البلدان ؟ ولماذا يطلبها حتى من يعرفها؟ ربما تكون رغم فوضاها وانعدام النظام فيها، نموذج خلاص عند المجتمعات من الأنظمة الديكتاتورية أو الملكية، وكأنها تختار الفوضى طواعيتاً على النظام الاجباري، ربما هي طبيعة بشرية تميل نحو ذلك؟ ولكن هذا مؤكد فهناك اقوال وحكم وروايات تؤكد ذلك. مثلا يقول علي عليه السلام : النفوس تميل إلى سوء الادب. وهناك مقولة : من امن العقوبة أساء الأدب. فهناك نفوس تجنح باتجاه الإساءة وقلة الأدب، والكشف الصريح عن رغبات الذات، وميولها وإطلاق العنان لها. فالديمقراطية التي تعني الحرية،بل نيل الفرد قدر كبير من الحرية دون مسائلة، مادام لا يتعارض مع حرية الأنظمة في الحكم او حرية الناس. اذاً هناك فوضى ذاتية ناتجة من الفعل الذاتي من تلك الحرية المتاحة للأفراد والتي تتفق مع طبيعة النظام الديمقراطي لأنه يتيحها ذلك. الإنتروبيا أصناف واشكال وانماط،منها ما هو قوي، ومنها ما هو متوسط، ومنها ما منخفض، ولكل منهم إمكانية تنظيم و عدم تنظيم،مسيطر عليها و غير مسيطر عليها. تحت رقابة السلطة ورعايتها أو بعيدة عنها، بحسب سياستها. هذه الأنماط من الفوضى تشمل المجتمع ايضاً، فهناك مجتمع منتج وقريب ومحب للفوضى القوية، وهناك مجتمع منتج للفوضى المتوسطة، وهناك مجتمعات فيها من الفوضى ما هو منخفض، وهذا يرجع إلى الضوابط الأخلاقية، والعرفية،والقيمية، والدينية، والقانونية، أو حتى الفطرة البشرية التي لها علاقة بكل منهما. اذا كل هذه النماذج لها ما يقربها من السلطة وأنظمة الحكم، سواء كان دكتاتوري أو ديمقراطي أو اشتراكي أو ملكي، كل نوع من هذه الأنظمة يستفاد بقدر ما من الفوضى، والفوضى عندما تكون تحت رعاية السلطة تكون فوضى منظمة،  وليس ما تحويه هذه الكلمة من معاني ظاهرية، فكلمة الفوضى لم تعد تعبر في مكنونها عن نفسها، بل تعبر عن نقيضها. وهذا هو ما يمكن أن يستثمر فيها وبها.

ما الفوضى اذا؟ الفوضى هي فوضى لمن يراها وليس لمن يقصدها، فعادة ما نجد اشياء فوضى بحكم تقييمنا، ولكنها في الواقع نظام، فكل ما يقصد وان كان فوضى فهو نظام في أصله. مثل فعل الرسام الذي يسقط الالوان بشكل فوضوي ولكنها تنتهي نظام مقصود بحد ذاته. أما الفوضى الذي نعدها فوضى في منظارنا وهي في الواقع نظام معتمد عند السلطة، لأنها تقصد الفوضى بموضوعها وليس بذاتها. وبناءً على ذلك فنحن نقيم المجتمعات بحسب نماذج الفوضى فيها، فهناك مجتمعات فوضوية متخلفة لم تصل لها الحضارة والمدنية بعد،مثل الأقوام وسكان مناطق مختلفة من جنوب أميركا وسكان الغابات أو سكان جنوب افريقيا وصحاريها والمجتمعات غير المتعلمة والجاهلة، وهناك مجتمعات تملك الفوضى رغم مدنيتها وحضاريتها، بل أحدثت فيها الفوضى المدنية نفسها، مثل العواصم المزدحمة في العالم بالسكان والشوارع، وغيرها من أنماط الحياة التي تظهر الاناقة، ولكنها تستبطن الفوضى أو تظهرها في بُعدٌ ما. وهناك مجتمعات تأخذ من الاولى والثانية اي من التخلف السلوكي البربري أو الجاهلي ومن عوالم الحضارة ومدنيتها، وهذه المجتمعات هي من تسمى مجتمعات العالم الثالث، فأي نوع من الفوضى موجود في العالم الثالث؟! وهذا النموذج أيضاً على الرغم من وحدته لكنه متفاوت.

المجتمع العراقي واحد من بلدان العالم الثالث، وهو حديث عهد بالديمقراطية والتجارب السياسية المتضمنة فيها. اذا هو يحتوي على فوضى مزدوجة اجتماعية وسياسية، فوضى مُختلقة فيه من ناحية وطبيعية من ناحية أخرى، خلفت نماذج أخرى من الفوضى في قطاعات البلد المختلفة من اقتصاد وتربية وتعاليم وغيرها...فقد تم استثمار هذان النموذجان من الفوضى من قبل مهندسي الفوضى في هذا البلد فلديهم فوضى مجتمعية جاهزة للاستخدام،وفوضى بحاجة إلى برامج وخطط وافكار واستراتيجيات ومديات أخرى، ومن هذه المديات هي علاقة الفوضويين بالدول الأخرى الإقليمية أو الدولية، لاستثمار الفوضى أفضل استثمار في هذا البلد وعلى هذا المجتمع .

وهذا واضح جدا في كل الملفات الخدمية والسياسية وغيرها،  والذي يظهر هذه الفوضى هو سوء الإدارة التي أودت بالبلد إلى الانهيار الذي يتم تداركه بالعادة بأستنزاف وانهيار جديد! يتمثل بقروض خارجية او تعويض الصناعة المحلية بالمستور، وغيرها من المشاكل والإشكاليات الفوضوية المستوطنة في المنهاج الحكومي، إزاء ملفات حساسة بالبلد، وهذه الإشكاليات ساعدت الأحزاب والحكومات الحزبية، وليس الوطنية على وجودها وتعميقها، وترسيخ أسسها في كيان الدولة والمجتمع، فالدولة الفوضوية هي نتاج مجتمع فوضوي،تجده يميل مع النظام اذا اتفق مع مصلحته، ويختلف معه اذا تعارض مع مصالحه، وهذا ما يزيد الفوضى الإدارية في كل سياسيات مؤسساتنا الحكومية وغير الحكومية، والذي يتمثل بتقاطع الصلاحيات وتضارب الكتب الرسمية، وسوء التعامل مع المواطنين، وغياب التنظيم، والأتكيت، وأساليب المدنية وغيرها من التفاصيل الجزئية التي تظهر الفقر وانعدام المعرفة في إدارة كل ملفات الدولة ومؤسساتها، فنجد أن اغلبها تدار بجهل وتخلف فضلا عن أسليب البداوة، والغلضة، والتقصير، والتسويف، وعدم الاحترام، وكل شيء يترك أثراً وقناعةً بإن ما يجري في العراق يعد فوضى بكل مقاييس السوئية والخراب، ولكن لا احد يتصدر لمعاقبة من يتسبب بذلك تعمداً او جهلاً، فالانتروبيا العراقية منظمة، ومدارة من قبل مؤسسات حكومية وغير حكومية اقليمية ودولية،  تسعى بشكل أو بأخر إلى الاستحواذ على خراب هذا البلد وجعل من حكومته حكومة باهتة وعاجزة عن معاقبة المسيء وتنظيم البلد بعيداً عن نظريات الفوضى وأفكارها.

 

الدكتور رائد عبيس

 

عباس علي مرادكلّنا نعلم انه ولسنوات عديدة، الإنحدار المتدرّج غير الاأخلاقي في الهجوم على الأقليات، والرسائل المبطّنة التي نعلم أنها كانت تحدث. أنا أعلنها بصراحة، وأريد منكم جميعاً أن تسمّوا الأشياء بأسمائها.

بيل شورتن زعيم حزب العمال والمعارضة الفيدرالية الاسترالية، لوسائل الاعلام، الاثنين 18/3/2019

هل يختلف العالم الذي نعيش فيه اليوم عن الماضي؟!

الجواب، بالإيجاب طبعاً العالم مختلف كلياً، وهناك تقدّم على عدة مستويات والإختلاف الأكثر بروزاً هو سرعة وصول المعلومات عبر وسائل التواصل الإجتماعي وعدم المقدرة على إخفاء الحقائق رغم استمرار العمل لتشويه ولي عنق الحقيقة الذي كانت تتحكم بها وسائل الإعلام التقليدية وحتى منصات التواصل الإجتماعي التي تحرص على حذف ما قد يتعارض مع مصالح المهيمنين عليها. لكن الشيء الوحيد الذي لم يتغيّر هو خطاب الكراهية ونزوع البشر نحو العنف والذي يثقل تاريخ البشرية بجرائم يندى لها الجبين.

العمل الإرهابي الذي نفذه الأسترالي برينتون تارنت في نيوزيلاندا الجمعة 16/3/ 2019 لم يأتِ من فراغ، لكن من الواضح أن خطاب من الكراهية سواء المبطّن المقروء من خلال المغيب في النص أو الصريح الذي يجاهر بمواقفه كان له تأثيره على تارنت. هذا عدا عن المواقع الإلكترونية التي تغذي هذه النزعة لدى المتطرفين الذين يعتقدون بتفوّق العنصر الأبيض كما لا يخفى أن داعش لم يوفّر وسيلة إلا واستعملها لنشر فكره المتطرّف ونشر وحشيته بقطع الرؤوس وإحراق الناس أحياء وغيرها وهو نفس الأسلوب الذي استعمله تارنت عندما نفّذ عمليته الارهابية ضد مصلين عزل.

إن العالم يقف على مفترق الطريق حيث يجب التمييز بين حرية التعبير وخطاب الكراهية المبطّن والصريح والذي بدأت معالمه تظهر في الخطاب السياسي وبدون قفازات بعد وصول دونالد ترامب إلى الحكم في الولايات المتحدة الاميركية.

السياسيون الأستراليون غير محصّنون ضد هذا الخطاب رغم إلغاء أستراليا سياسة أستراليا البيضاء في أوائل سبعينيات القرن الماضي لكن ومن أجل مكاسب سياسية وإنتخابية استعمل هذا الخطاب في الماضي وفي عدة محطات إنتخابية خصوصاً بعد وصول جان هاورد الأحراري إلى رئاسة الوزراء عام 1996  منها على سبيل المثال لا الحصر.

في العام 2001 وأثناء الحملة الإنتخابية حين ربطت حكومة الأحرار وعمداً بين عملية 11 أيلول وطالبيى اللجؤ ومنذ ذلك الحين والطرف السياسي المحافظ في أستراليا يرسل رسائل مبطنة ضد المسلمين.

وفي العام 2007 استُهدفت الجالية الصينية بنفس الأسلوب حيث كانت القشة التي قسمت ظهر البعير وخسر رئيس الوزراء أنذاك جان هاورد الإنتخابات ومقعده النيابي. وفي نفس العام تمّ القبض على بعض ناشطي حزب الأحرار ليلاً يوزعون دعاية إنتخابية على بريد المنازل في مقعد ليندزي المتأرجح قبل 3 أيام من الإنتخابات تتضمن رسائل كراهية ضد المسلمين وحزب العمال. إستمر الأمر على هذا المنوال من خلال استهداف شهادات الذبح الحلال والمطالبة بمنع البوركا وهجرة المسلمين.

فرايزر آننك يستعمل تعبير النازيين "الحل النهائي" لوقف هجرة المسلمين،  وقد هنّأ بعض أعضاء مجلس الشيوخ من حزب الأحرار آننغ على تصريحاته وكان آننغ قد طالب أيضاً بعودة سياسة أستراليا البيضاء التي ألغِيت سبعينات القرن الماضي. وبعد مجزرة نيوزيلندا حمل آننغ الضحايا مسؤولية ما حصل لهم.

النائب الأحراري جورج كريستنسن خطب في مهرجان المتطرفين البيض.

مارك ليثام الزعيم السابق لحزب العمال الفيدرالي والذي كاد أن يصل إلى رئاسة الوزراء والذي تحوّل إلى حزب أمة واحدة العنصري وترأس فرع ولاية نيو سوث ويلز وفاز بمقعد  في مجلس الشيوخ عن الحزب في إنتخابات الولاية الأخيرة، دعى إلى الفحص الجيني للسكان الأصليين للتأكد من صحة إنتمائهم للحصول على مساعدات الضمان الإجتماعي، عدا عن عدائيته المستحدثة ضد المهاجرين والمسلمين.

بيتر داتون وزير الداخلية وتصريحاته عن الخطأ الذي إرتُكب في ثمانينيات القرن الماضي والسماح بدخول المسلمين اللبنانيين إلى أستراليا والتي رفض رئيس الوزراء سكوت موريسن إدانتها.

داتون نفسه إتّهم ورئيس الوزراء الأحراري السابق ملكوم تيرنبول العصابات الجنوب سودانية بأنها تهدّد الأمن في مدينة ملبورن وذلك أثناء الحملة الإنتخابية في الولاية العام الماضي للنيل من مصداقية حكومة العمال.

كوري برانبي الذي انشقّ عن حزب الأحرار وشكّل حزب المحافظين له خطاب كراهية صريح ومبطّن ضد الهجرة والمسلمين.

بولين هانوسن زعيمة حزب أمة واحدة والتي وصفت المسلمين بالمرض الذي يجب التلقيح ضده، ارتدت البرقع  ودخلت به إلى قاعة البرلمان للمطالبة بمنع ارتداء البرقع.  وكانت هانسون طالبت بتشكيل لجنة تحقيق ملكية بالإسلام وطبيعته. وها هي محطة الجزيرة تنشر تقرير(26/3/2019) عن زيارة لقياديين من حزب أمة واحدة للولايات المتحدة ويطالبون لوبي السلاح الأميركي بالتبرع للحزب بمبلغ 20 مليون دولار لتغيير ميزان القوى في البرلمان الأسترالي من أجل تعديل قانون حيازة الأسلحة في أستراليا. وأثناء الإجتماع قال ستيف ديكسن زعيم حزب أمة واحدة في كوينزلند :"اننا نستورد العصابات الأفريقية" الذين يقومون باغتصاب النساء والسرقة ويهاجمون البيوت بمضارب البيسبول ويسرقون السيارات ونحن ممنوع علينا الدفاع عن بيوتنا. ومع ذلك ما زال حزب الأحرار يرفض وضع حزب أمة واحدة في آخر قائمة الأصوات التفضيلية في الإنتخابات  الفيدرالية القادمة!

لوك فولي زعيم حزب العمال السابق في نيو سوث ويلز والذي خسر منصبه بسبب قضية تحرش جنسي كان قد حذر من هجرة المواطنين البيض من غرب سدني.

مايكل دايلي الزعيم الحالي لحزب العمال في نيو شوث ويلز والذي خسر الإنتخابات الأخيرة في الولاية بعد تسريب شريط فيديو له وهو يتحدث عن أخذ الأسيويين الوظائف واضطرار الشباب الأسترالي المغادرة إلى الارياف.

العام الماضي اضطر حزب العمال إلى سحب إعلان إنتخابي لم يُظهر فيه سوى مواطنون من خلفية انكلوسكسونية في بلد يعتزّ بتعدديته الثقافية والتي اصبحت كلازمة تتردد على السنة السياسيين.

جان هاورد رئيس الوزراء الأحراري السابق قال نحن من نحدّد من يدخل إلى بلادنا ولا نريد من يرمون أبنائهم في البحر، هذا الإدعاء الذي ثبت بطلانه لاحقاً. وكان هاورد نفسه اتّهم الدكتور محمد حنيف بالإرهاب بعد تفجيرات لندن، تلك الاتهامات التي تبيّنت أنها بدون أرضية وتم تبرئة حنيف بعد ان كان تمّ طرده من أستراليا.

هاورد مؤخراً وبعد إدانة الكاردينال جورج بيل بالاعتداء الجنسي على الاطفال قدم شهادة حسن سلوك للمحكمة عن بيل وكذلك شكك بنزاهة القضاء مجموعة من الاعلاميين ابرزهم  اندرو بولط وميرندا فاين وكان رئيس الوزراء الاسبق طوني ابوت قد اتصل بالكاردينال بيل للأطمئنان عنه بعد إدانته!

رئيس الوزراء سكوت موريسن كانت له مواقف متقدمة بعد إعتداء نيوزيلندا، اضطر للدفاع عن سمعته بعد أن أثيرت مسألة طرحه استغلال  الشعور المعادي للمسلمين من أجل قضايا سياسية، واعترف أن الموضوع أثير فعلاً في العام 2010 داخل اجتماع حكومة الظل ولكن ليس كإستراتيجية إنتخابية لربح المزيد من الأصوات بل لمكافحة الظاهرة. وحسب إستطلاع للرأي أجرته صحيفة سدني مورننغ هيرالد 23/3/2019 وجد ان 63% من المستطلعين لم يصدقوا ادعاءات موريسن. من جهة ثانية إعترف موريسن بوجود ظاهرة  الإسلاموفوبيا في أستراليا والتي يتأثّر بها بعض أفراد في حزب الأحرار، ودعى موريسن إلى مكافحة هذه الظاهرة سواء في المجتمع أو في الحكومة. وقبل عامين كان رئيس الوزراء الأحراري الأسبق طوني ابوت استبعد وجود ظاهرة الإسلاموفوبيا، علماً أنه هو من دعى إلى إعطاء الأولوية  لللاجئين العراقيين والسوريين من المسيحيين.

موريسن كان قد إتّهم اللاجئين بأنهم يجلبون معهم أمراض السل والسفلس وهذا ماعاد وكرره نائب رئيس الوزراء مايكل ماكورماك العام الماضي عند مناقشة مشروع قرار إحضار اللاجئين من جزر ناورو ومانوس للعلاج في أستراليا بوصفه اللاجئين بالمغتصبين والقتلة والعالة على الآخرين.

وفي العام الماضي صوّت نواب حزب الأحرار إلى جانب مشروع قرار تقدّم به حزب أمة واحدة يقول " لا بأس في أن تكون أبيضاً" قبل أن تعود الحكومة وتتراجع  تحت ضغط حزب العمال مبررة التصويت بعدم فهم المشروع!

ولا يخفى الدور الذي يلعبه الإعلام بالتحريض ضد الإسلام والمسلمين بخطاب مليء بالكراهية والإحتقار خصوصاً إعلاميين أمثال اندرو بولط  وآلن جونز الذي تبرع  مؤخراً ب10000 دولار لحملة مارك ليثام الإنتخابية.

ما تقدّم وغيره يندرج ضمن خطاب الكراهية المبطن والصريح والذي يبني عليه أمثال برنتون تارنت أفكارهم داخل مجموعات يمنية متطرّفة تعتقد بتفوق العرق الابيض. هذا ما حذّر منه نائب مفوض الشرطة السابق في نيو سوث ويلز نيك كالداس في مقالة في صحيفة سدني مورننغ هيرالد 18/3/2019 معتبراً أن هناك دروساً يجب تعلمها من إعتداء نيوزيلندا أولها أنه على القوى الأمنية واجهزة الإستخبارات  واجب ان لا تتخلّى عن مراقبة اليمين المتطرّف من أجل التصدي للتهديد الاكبر المتمثّل بالإسلام الأصولي الراديكالي المتطرّف.

يقول أحد المعلقين السياسيين الأستراليين، في أستراليا يكفي أن تستعمل تعبير عدم التساهل ب"حماية الحدود" الكلمتين السحريتين حتى تصل الرسالة المشفرة إلى من يعنيهم أن الحكومة ماضية في سياستها المتشدّدة تجاه اللاجئين والتي يشكل المسلمين أكثيرتهم.

المشكلة التي تواجه الأقليات لا يمكن إنكارها  وخصوصاً الإسلاموفوبيا وهذا ما اعترف به رئيس الوزراء سكوت موريسن. ولكن يجب علينا ان لا نطمر رؤوسنا في الرمال كالنعامة ونتغاضى عن البلاء الذي ابتليت به الجالية العربية والإسلامية وهو داء قيادات الجالية سواء الدينية أو الدنيوية حيث أن معظمهم من الإنتهازيين وقصيري النظر وعديمي الثقافة الاجتماعية والسياسية وبعيدون كل البعد عن مشاكل المجتمع الأوسع بما فيها الجالية العربية والإسلامية، حيث تتسع الهوة بينهم وبين الأجيال الشابة المولودة في البلاد لأن خطابهم لا يحاكي الواقع.

إذن، بين مطرقة ما يسمى قيادات الجالية وسندان السياسيين ووسائل الإعلام حصل هذا الشرخ داخل المجتمع، فظهرت جماعات إسلامية متطرفة كالذين خرجوا للقتال في سوريا والعراق، وجماعات عرقية تعتقد بتفوق العنصر الأبيض وبغزو المهاجرين واللاجئين وبوجوب طردهم والمثال الصارخ هو الأرهابي برنتون تارنت الذي نفّذ العملية الإرهابية في كرايس تشرش.

من هنا تبرز أهمية دعوة زعيم المعارضة الفيدرالية بيل شورتن المثبتة في مقدمة المقال لأننا كمواطنون وبغض النظر عن الخلفية الثقافية التي نحملها يجب أن نحافظ على بعضنا البعض، ونستشهد بالحديث النبوي الذي إستشهدت به رئيسة وزراء نيوزيلندا جاسيندا آردن " مَثَلُ المؤمنين في تَوَادِّهم وتراحُمهم وتعاطُفهم مثلُ الجسدِ إذا اشتكى منه عضو تَدَاعَى له سائرُ الجسد بالسَّهَرِ والحُمِّى".

أخيرا، لا يعاب المرء بلون بشرته أو بخلفيته الثقافية أو أثنيته أوعقيدته سواء الدينية أو الوضعية، إن ما يعيب المرء هو إنحرافه عن القيم الإنسانية التي تجمع كل أطياف البشر تحت جناحها. وفعلاً يجب أن يكون هناك نقاش وحوار جاد وهادف حول كل المواضيع والقضايا التي تواجهنا كأستراليين. وحتى لا ينحرف هذا النقاش عن أهدافه بحجة الدفاع عن حرية التعبير، يجب الفصل الكليّ بين حرية التعبير وخطاب الكراهية  أو تبرير إرهاب البعض من خلال ربط  الإرهاب بلون أو دين أو إثنية وهذا هو التحدّي الحقيقي ولا يجب ان يكون العنف البربري خياراً بأي شكل.

 

عباس علي مراد

 

هادي جلو مرعيعبر مئات من السنين تعرض العراق الى غزوات وحروب وفتن مصدرها خارجي، وإحتلالات من دول كبرى بعيدة وقريبة كانت كلها تذهب الى سجلات التاريخ لتحفظ، لكنها لم تتمكن من قهر العراق كدولة حضارية عظيمة متفق من دول عدة على ضرورة تدميرها، وإلحاقها بدول أخرى كحديقة خلفية، أوكتابع ذليل ومستصغر لاقيمة، ولاوجود له، ولاتأثير إلا في ظل التابعية لهذا المشروع وذاك، دون تغافل إندفاع عراقيين كثر للإنغماس في مثل هذه المشاريع كموظفين أذلاء يطويهم التاريخ، ثم يعود العراق الى هيبته  ووجوده وتأثيره.

لم يمارس العرب دور المحتل مع العراق كبريطانيا، أوتركيا، أوأمريكا، وغيرها من بلدان كانت تذل وتهان على الطريقة العراقية، ثم تغادرغيرمأسوف عليها، وكان العرب في الغالب مايزالون رغم غيرة بعضهم منه، ومن وجوده الحضاري الضارب في عمق التاريخ يحاولون التقرب منه، والإنتفاع من قدراته التي وصفها الأسلاف بأوصاف تليق بهذا البلد ورجالاته، فهو رمح العرب، وهو بلد الرجال الرافضين للذل والهوان والثائرين والمتمردين والناقمين على العبودية، ويكفيه  فخرا أن المسلمين إختاروه كمنطلق لفتح الشرق، ونشر الإسلام في أقاصي الأرض كما إن عليا إبن أبي طالب إختاره ليكون عاصمة الدولة العربية الإسلامية في الكوفة، ثم إختاره خلفاء بني العباس ليكون عاصمة العالم التي هي بغداد.

يتحرك العراق اليوم في مساحة مفتوحة، وممكنة من العلاقات الثنائية مع دول عربية وأجنبية، وربما من المفيد التحرك أكثر نحو علاقات متعددة، ومحاورإقتصادية، والتخلص من طريقة العمل بالوكالة والتابعية، وبناء دولة مؤسسات حرة تحتفظ بعلاقات مع الجميع، ونفي كل رغبة لدى أي دولة بتحجيم تحركات بغداد، وربطها بمحورعربي، أوإقليمي يعطلها، ويمنع تحقيق مكاسب لها، وأن يكون العراق مع الجميع، وليس ضد أحد، ولاأداة بيد أحد، ومثلما يرفض الحصار على إيران فيجب أن ينفتح على دول في الخليج والمنطقة العربية عموما والغرب كذلك. فالتخلف ليس من شيمتنا، والتردي والفساد والإنهيار الإقتصادي لايليق بنا، وإذا ماإستجابت بغداد لضغوط من دول عربية، أوإقليمية لتحجيم تحركاتها وعلاقاتها بالطريقة التي تريد، فهذا يعني أنها عاصمة لبلد لاسيادة له، ولاقرار وطني مستقل، وإن من يحكمهم أشخاص موظفون ومنفذون لأجندات ويستحقون وصف العملاء.

سيكون لعامل اللغة دورمهم  في ترسيخ حماية العراق من التحول الى دولة هامشية، فاللغة العربية برغم ماتعرضت له من إنتكاسات لكنها حافظت على وجودها في تمتين العلاقة مع العرب، بينما إستفاد منها غير العرب للتواصل مع الدين الإسلامي بوصفها أداة التمكين الأولى، كما إن غير العرب كشعوب ينفرون من العرب والعراقيين، ولديهم رغبة في الإحتفاظ بخصوصيتهم، ويخشون من وجود العراقيين كعامل تأثيرسلبي على نقاء الحضارة التي يحاولون الحفاظ عليها، والإنتصار بها، ولهذا فإن التواصل السياسي والإقتصادي والثقافي مع العرب يمكن أن يحقق نتائج إيجابية سريعة خاصة وإن الدول العربية المؤثرة يمكن أن تكون الواسطة بين بغداد والغرب، ويكفي ماخسرناه في الماضي، ويكفي إنتظارمالايأتي أبدا، فالعرب يهابوننا، ويحتاجون إلينا، ويمكن أن نستغلهم، وغير العرب يرون فينا أتباعا وأدوات، وينفرون منا، ولايريدون أن نؤثر في نقاء حضارتهم العظيمة  كمايرونها..

 

هادي جلومرعي