محمود محمد عليفي هذا المقال الخامس نعود لحديثنا عن التأويلات المختلفة لتفسير أحداث الحادي عشر من سبتمبر، حيث نستكمل مناقشتنا للفرضية الثالثة السالفة الذكر؛ حيث نستشهد بما قاله "هشام كمال عبد الحميد" في كتاب له بعنوان "11 سبتمبر صناعة أمريكية الخطوة الأولى نحو تغير خريطة العالم وتنفيذ المشروع الأمريكي للقرن الجديد"، عن بعض الأدلة التي تثبت تورط المخابرات الأمريكية في أحداث 11 سبتمبر، حيث نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:-

1- تعطيل أجهزة الدفاع الجوي لتسهيل مهمة وصول الطائرات المختطفة إلي أهدافها: فقد ثبت أن أجهزة الدفاع الجوي التي تنطلق أتوماتيكيا" علي أى طائرة تخرج عن مسارها لم تنطلق علي هذه الطائرات الأربع المختطفة، وثبت بعد ذلك أن هذه الأجهزة تم تعطيلها عمدا" بأيدي مجهولين، كما أن بعض الطائرات الأربعة ظلت تحلق في سماء الولايات المتحدة، بعد أن خرجت عن مساراتها لمدة ساعة ونصف دون أن تعطي وزارة الدفاع الأمريكية أي أوامر للطائرات الحربية المقاتلة بمطاردتها، أو إجبارها علي الهبوط، أو إسقاطها إذا لم تستجب للأوامر، وكأن وزارة الدفاع الأمريكية لا ترغب في مطاردة وإسقاط هذه الطائرات بل تسهل لها مهمتها للوصول إلي أهدافها .

2- تدريبات عسكرية غريبة ومريبة صباح 11سبتمبر تؤدى إلي حالة من الارتباك والتضليل لأجهزة الرادار والعسكريين: هنا فجر الكاتب هشام كمال مفاجأة من العيار الثقيل عن أسباب عدم انطلاق المقاتلات الحربية لملاحقة الطائرات المختطفة؛ حيث كشف عن الأسباب الحقيقية التي تعمدت الإدارة الأمريكية التعتيم عليها حتي الآن، حيث تسربت معلومات مؤكدة عن تدريبات عسكرية تمت صباح 11سبتمبر 2001 اشتركت فيها القوات الكندية مع القوات الأمريكية وكانت وحدات المراقبة الجوية المدنية والعسكرية علي علم مسبق بهذه المناورات التي تهدف للتصدي لمجموعة من طائرات الركاب المدنية التي سيتم اختطافها من قبل مجموعة من الإرهابيين لضرب مجموعة من المنشآت المدنية والعسكرية، لذا لم يتعامل المراقبون الجويون مع الطائرات المختطفة في الحقيقة والتي خرجت عن مساراتها المحددة لها باستغراب فقد اعتقدوا أن هذه الطائرات جزء من التدريبات العسكرية وبالتالي لم يتخذوا ضدها أي إجراءات وكانت هذه هي الخدعة الكبرى والتي تشير بأصابع الاتهام للإدارة الأمريكية لأن الموضوع لا يمكن اعتباره مجرد صدفة .

3- تعتيم إعلامي علي الأحداث وعرقلة لجهات التحقيق تثير الكثير من الشبهات: من الأمور المثيرة والغريبة التي ألقت بظلال من الشك علي دور المخابرات الأمريكية في التورط في أحداث 11سبتمبر وتسهيل نجاح العملية تعمد الإدارة الأمريكية التعتيم علي الكثير من المعلومات، والأدلة، والمستندات المتعلقة بحقيقة هجمات 11 سبتمبر والفاعلين الحقيقين وعرقلتها لعمل العديد من جهات التحقيق التي تم تشكيلها من الكونجرس الأمريكي،

بالإضافة إلي ممارسة العديد من الضغوط علي المراقبين الجويين ومسئولي شركات الطيران .

4- اصطدام الطائرات بالبرجين ليس سبب انهيارهما: أما أسباب انهيار البرجين فأكد هشام كمال أن اصطدام الطائرتين بهما ليسا السبب في انهيارهما فقد صرح لي " روبيرتسون" المهندس المصمم للبرجين للصحفيين عقب الهجمات لا يصدق ما حدث فقد صمم أبراج مركز التجارة العالمي بطريقة تسمح باصطدام طائرة عملاقة بأي برج دون أن يؤدي ذلك لانهياره لأنه مصمم لمقاومة الأعاصير، والرياح العاتية، والتفجيرات الداخلية، واصطدام الطائرات ببعض أدواره. أما ما قيل في التصريحات الرسمية من أن وقود الطائرات المشتعل، هو السبب في انهيار البرجين، لأنه أدى إلي إذابة الأعمدة الحديدية الصلبة للبرجين، فقد فند بعض الباحثين، هذه المقولة من الناحية العلمية والمنطقية وأثبت أن درجة الحرارة الناتجة من احتراق الينزين المشتعل تصل في أقصي درجاتها إلي 815 درجة مئوية في حين أن الحديد الصلب لا يذوب إلا عند درجة حرارة 1538 درجة مئوية (2800 فهرنهايت)، وبالتالي فلو ظل الحريق مشتعلا" لعدة أيام فلن يؤدى ذلك إلي ذوبان الأعمدة الصلبة للبرجين، هذا بالإضافة إلي انطفاء النيران بعد وقت قصير بدليل خروج سحب كثيفة من الدخان الأسود لعدم وجود أكسجين كاف لاستمرار اشتعال النيران بالطوابق التي حدث بها الاصطدام . أما الأسباب الحقيقية للانهيار فتعود لنسف قواعد البرجين وأماكن أخرى استراتيجية في المبنى بالديناميت وأشعة الليزر بمعرفة المخابرات الأمريكية وهذا ما جعل المبني ينهار عموديا" ولا يتساقط كالشجرة، وهذه هي نفس الطريقة التي يستخدمها الخبراء عند إزالة المباني المحصورة وسط أبنية مزدحمة، وأستشهد في ذلك بآراء مجموعة من الخبراء والفنيين الذين أكدوا هذه الحقائق. أما مبنى البنتاجون فأكد من خلال مجموعة من الصور التي التقطت لمكان الحادث قبل وبعد اصطدام الطائرة المزعومة به أن المبنى لم تصطدم به أي طائرة وتفجير الجزء المنهار منه تم بمتفجرات داخلية أو بضرب المبني بصاروخ أرض جو خاصة أن الجزء المنهار من المبني ليس به أى أثر يدل علي اصطدام طائرة به .

5- دور الموساد في أحداث 11سبتمبر : لم يغفل هشام كمال دور الموساد وتورطها في هذه الأحداث فخصص لذلك الفصل الرابع من الكتاب الذى استدل فيه بمجموعة من الأعمال الإجرامية والإرهابية التي قام بها الموساد ضد المصالح الأمريكية والغربية خلال القرن العشرين لتحقيق مصالحهم ودفع أمريكا لاتخاذ مواقف عدائية ضد الدول العربية والإسلامية، ثم تطرق بعد ذلك لمجموعة الإسرائيليين الذين ألقت السلطات الأمريكية القبض عليهم لصلتهم بالهجمات ثم تم الإفراج عنهم دون إبداء أسباب مقنعة لذلك التصرف الغريب، ثم ألقي الضوء علي علاقة شركات الاتصالات اليهودية الأمريكية بهذه الهجمات وعلمها المسبق بها حيث أرسلت رسائل تحذيرية للعاملين الإسرائيليين بالبرجين تحذرهم من هجمات إرهابية بالأبراج قبل ساعتين من الأحداث، هذا بالإضافة إلي المعلومات التي كانت متوفرة لدى الموساد عن هذه الهجمات قبل حدوثها بعدة شهور.

6- أدلة براءة الخاطفين وحقيقة تنظيم القاعدة : تحت هذا العنوان فند الكاتب هشام كمال بالفصل الخامس كل ما قيل من ادعاءات من الإدارة الأمريكية حول تورط تنظيم القاعدة في تنفيذ هذه الهجمات، وأكد من خلال الوثائق والمعلومات التي عرضها بهذا الفصل عدم قدرة تنظيم القاعدة علي شن مثل هذه العمليات داخل أمريكا وأن أسامة بن لادن وتنظيم القاعدة ليس إلا أداة من أدوات الـ CIA التي ضخمت من قدراتهما لإقناع الرأي العام العالمي بانهم السبب المباشر وراء كل أحداث العنف والإرهاب في العالم وبالتالي يتسنى لها إلصاق هذه التهمة بالمسلمين، كما أماط اللثام عن الاتصالات واللقاءات السرية التي جرت بين أسامة بن لادن ومسئولين من الـ CIA قبل وبعد أحداث 11 سبتمبر وأكد أن بن لادن لم يعترف في أي شريط مما أذيع له بمسئوليته عن هذه الهجمات واكتفي فقط بمباركتها والثناء علي من نفذوها، ولكن الأمريكان كانوا يزيفون ما يقوله ويدعون اعترافه بالمسئولية عنها .

وبالنسبة للخاطفين المزعومين فقد أكد من خلال قوائم المسافرين للطائرات المختطفة والمعلنة من شركات الطيران المالكة لهذه الطائرات خلو هذه القوائم من أسماء الخاطفين الذين كشفت عنهم الإدارة الأمريكية وأيضا" خلو هذه القوائم من أي راكب عربي أو مسلم . كما ثبت بعد ذلك أن مجموعة من الخاطفين الــ 19 منهم من مات قبل الأحداث ومنهم من غادر أمريكا قبل الأحداث بسنوات وعاد إلي وطنه ومنهم من ثبت أنه حي يرزق بعد هذه الأحداث التي يفترض أنه لقي حتفه فيها، وكلها أمور تدل علي زيف وكذب الادعاءات الأمريكية وتلفيقها للتهم دون أي دليل لنفي تورطها بالأحداث وإلصاق الجريمة بالمسلمين بأية وسيلة ..

وهنا  نتساءل: هل كانت أحداث 11 سبتمبر الإرهابية مؤامرة دبرتها الولايات المتحدة الأمريكية لتتخذها ذريعة ومسوغاً لفرض هيمنتها الامبراطورية على العالم ؟!.

والواقع الفعلي يؤكد أن الفاعلين الحقيقيين، من قادة تنظيم القاعدة، قد اعترفوا هم أنفسهم بأنهم وراء هذا الحدث، بل أضافوا إلى الاعتراف الفخر والمباهاة، ومن اقترف ثم اعترف لا يجوز الدفاع عنه بحال من  الأحوال .

ولكن، ورغم اعتراف الفاعل بفعلته، إلا أن هناك العديد من الأدلة والشواهد التى تؤكد وبقوة وجود شبح (مؤامرة) فى الموضوع، حيث يعتقد ثلاثة أرباع العرب والمسلمين على الأقل، أن عمليات 11 سبتمبر الإرهابية سكتت عنها، إن لم تكن ساعدت في التخطيط غير المباشر لها المخابرات المركزية الأمريكية نفسها، على غرار ما حدث في اليابان عندما ضُرب الأسطول الأمريكي في قاعدة "بيرل هاربر" العسكرية الأمريكية فى صبيحة يوم 7/11/1941، ليكون ضربها مبرراً لإعلان أمريكا الحرب على اليابان واستعمال القنبلة الذرية فى هيروشيما.

فقد أتت تفجيرات سبتمبر لتؤدي الدور نفسه بطريقة أو بأخرى فى تبرير غزو الولايات المتحدة للعالم الإسلامي وللخليج العربي عبر بوابة العراق المستباح. ومن ثم القضاء على الانتفاضة الفلسطينية التي باتت تهدد بشكل لا يقبل الجدل، ليس أمن إسرائيل فحسب، وإنما وجودها ومهمتها في المنطقة العربية، وكذلك بالجملة القضاء على هذه الصحوة الإسلامية القومية المتنامية، والتي تمد الانتفاضة على الأقل بالدعم المعنوي البالغ الأهمية .

وقد أظهر استطلاع للرأي أجراه معهد (إبسيوس1 رايد) لمصلحة صحف مجموعة كنوست الكندية ونشر فى 12/9/2006 أن واحداً من كل خمسة كنديين يعتقدون أن اعتداءات 11 سبتمبر دبرتها مجموعة نافذة من مسئولين أمريكيين بارزين، وأن هذه المجموعة تقوم حالياً بحماية أسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة !.

وكان تقرير أحداث 11 سبتمبر، الذي صدر بعد أكثر من ثلاث سنوات من الأحداث موضعاً للتشكيك، بل والاستنتاج بأن ثمة مؤامرة وذرائع لاستخدام الأحداث وافتعالها من أجل حرب لاحتلال دول والسيطرة على العالم وتحقيق مصالح للشركات النفطية والصناعية الكبرى. ويعتقد ديفيد راي جريفين، الذي أصدر كتابا في مناقشة التقرير، أن اللجنة المكلفة بإعداده لم تكن تدير تحقيقاً فعلياً، وثمة أسباب برأيه تدعو إلى مراجعة التقرير وفحص النتائج المستمدة من الدلائل المتوفرة. وقد صرح عدد من أعضاء إدارة بوش علناً بأن هجمات 11/9 قدمت فرصاً عظيمة .

وفى يوم 14 أغسطس 2006 " كتب الأكاديمي والمحلل الأمريكي اللامع بول كروجمان في النيويورك تايمز في معرض انتقاده سياسات إدارة الرئيس جورج بوش الابن: " ندرك اليوم أنه منذ البداية لم تر إدارة بوش ومعها حلفاؤها في الكونجرس أن تهديد الإرهاب معضلة يجب حلها، بل سانحة سياسية يجب استغلالها" (94). وهذا الرأي ليس جديداً، فقد سبق أن ظهر خلال السنوات الفائتة العديد من المقالات وصدر العديد من التعليقات بهذا المعنى عن محللين واستخباراتيين وساسة كبار، منهم الرئيس السابق جيمي كارتر نفسه يوم 25 أكتوبر 2004م. ولكن ما يكتشفه العالم مع مرور كل يوم أنه لو لم تقع أحداث 11 سبتمبر من تلقاء نفسها لوجب تنظيم   وقوعها .

وقبل سنة من 11/9/2001 نشرت وثيقة بعنوان (إعادة بناء دفاعات أمريكا) من قبل منظمة تسمي نفسها مشروع من أجل قرن أميركي جديد PNAC  ويقودها عدد من الشخصيات الرئيسية في إدارة بوش. وتطالب هذه المنظمة بزيادة الإنفاق على الأغراض العسكرية، لأن السلام الأمريكي ينبغي أن يرتكز على أساس آمن هو التفوق العسكري الأمريكي المطلق، ويمكن لهذا التحول أن يحدث بشكل أسرع إذا تعرضت الولايات المتحدة الأمريكية لـ(حدث كارثي محفز – مثل بيرل هاربر جديدة)، وبعد حدوث الحادي عشر من سبتمبر، قال الرئيس بوش وبعض مؤيديه إنها شكلت بيرل هاربر جديدة .

لقد " استثمرت إدارة بوش دماء ضحايا العملية الإرهابية للسمسرة السياسية وخلط الأوراق، بهدف الانطلاق في تنفيذ برنامجها الاستراتيجي المبيّت، لإقامة نظام عالمي جديد بزعامتها يخدم مصالحها الاستراتيجية الاقتصادية ومصالح احتكاراتها عابرة القارات ومتعددة الجنسيات. هذا البرنامج الذي تسعى إدارة الإمبريالية الأمريكية لتجسيده كونياً منذ انهيار وتفكك الاتحاد السوفييتي وأنظمة النمط السوفييتي في أوروبا الشرقية، واحتكار جبروت القطب الأوحد الاقتصادي والعسكري لفرض الهيمنة عالمياً، وخاصة في المناطق الهامة استراتيجياً كمنطقة الشرق الأوسط، وقد جاءت عملية التفجيرات كهدية من السماء لأرباب العدوان في البيت الأبيض للبدء في تنفيذ مخططهم الاستراتيجي، فإذا اتخذ الامبرياليون قبل انهيار الاتحاد السوفييتي من محاربة الشيوعية في بعض المناطق والبلدان ذريعة لتبرير عدوانيتهم باسم الدفاع عن الحرية والديمقراطية، فإنهم بعد تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر اتخذوا من محاربة الإرهاب أو الحرب الكونية ضد الإرهاب ذريعة للبدء بتجسيد الخطة الاستراتيجية الإمبريالية الأمريكية للهيمنة عالمياً .

ويؤكد الكاتب الفلسطيني "ياسر الزعاترة" أن " هجمات 11 سبتمبر قد وفرت لخطاب المحافظين الجدد، أو لنقل برنامجهم المعد مسبقاً فرصة الانطلاق، لكن الأكيد أيضاً هو أن عدم وقوع تلك الهجمات، أو لنقل وقوعها بشكل آخر أقل قوة ودموية لم يكن ليغير في البرنامج المذكور الذي كان قد تبلور كفكرة منذ عام 1997م في سياق ما عرف بمشروع قرن إمبراطوري أمريكي جديد، وقبله رسالة المحافظين الجدد لرئيس الوزراء الإٍسرائيلي "بنيامين نتنياهو" في العام 1996م .

خلاصة ذلك البرنامج الذي صاغه ليكوديو الصهاينة، بالتعاون مع أصدقائهم من المحافظين الجدد، وتجار السلاح، والنفط، هو ضرورة ضمان سيطرة الولايات المتحدة على العالم خلال القرن الجديد بسطوة القوة العسكرية، على أن يبدأ المشروع من العراق، كمحطة لإعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط، والسيطرة على منابع النفط، وصولاً إلى التمدد نحو آسيا الوسطى وحوض بحر قزوين .

في الأبعاد الكامنة كانت خلفية المشروع، هي القناعة بأن هذا الوضع العربي، القائم على هزاله وضعفه، لا يمكن أن يمرر مشروع التسوية والهيمنة الصهيونية على الشرق الأوسط، وأن مشروع أوسلو لن يحقق المطلوب، مما يعني ضرورة إعادة تشكيل المنطقة وتفتيتها، على نحو يجعلها أكثر قابلية لتمرير المشروع. ونتذكر في هذا السياق ما عرف بدراسة هارفارد الشهيرة التي فضحت عملياً هذا المخطط وتوجيهه من قبل الصهاينة لحساب مصالح الدولة العبرية.

من هنا لم يتردد الرئيس  بوش الابن بعد ساعات قليلة من هجمات 11 سبتمبر في تحديد وجهته السياسية نحو أفغانستان، ومن ثم العراق، حتى قبل أن يجزم أي أحد بهوية من يقف خلف الهجمات. والنتيجة هي أن البرنامج كان معداً في الأصل، بل إن ذلك هو بالضبط ما يبرر الكثير من الشكوك التي ساورت البعض بشأن الهجمات عبر مقولة المستفيد منها، وعبر الحديث عن تواطؤ وربما تساهل في تعقب المشبوهين بتدبير الهجمات رغم توفر معلومات عن نيتهم تدبير عمليات داخل الولايات المتحدة، الأمر الذي لا يمكن استبعاده على قاعدة أن الأجهزة الأمريكية، ربما اعتقدت بأن هناك عملية تلوح في الأفق، يمكن استثمارها، من دون أن تتخيل أنها ستكون مدوية، كتلك التي ضربت الولايات المتحدة صبيحة 11 سبتمبر" ... وللحديث بقية !

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

عباس علي مرادأعادت تصريحات النائب آندرو هايستي الذي يشغل منصب رئيس لجنة الأمن والإستخبارات النيابية، والذي ينتمي لحزب الأحرار حول الصين إلى الواجهة مسألة العلاقات الأسترالية مع الولايات المتحدة الأميركية ومع الصين التي وضعت تحت المجهر مجدداً.

يقول هايستي: يجب أن نبق أوفياء لمعتقداتنا الديمقراطية ورؤية العالم كما هو، وليس كما نتمنى، ويجب أن نوازن بين الأمن والتجارة، ويجب علينا في أستراليا، التمسّك بسيادتنا وازدهارنا".

"من المستحيل التخلي عن الولايات المتحدة الأميركية، شريكتنا الأمنية والإستثمارية الأقرب، وفي نفس الوقت أيضاً من المستحيل الإبتعاد عن الصين، شريكتنا التجارية الأكبر".

"إن العقد القادم سيختبر قيمنا الديمقراطية، إقتصادنا، تحالفتنا وأمننا كما لم يحصل في أي وقت مضى من التاريخ الأسترالي".

هذا الكلام موزون، ولكن تصرياحت هايستي والتي نشرها في مقالة بعنوان "يجب أن يكون لدينا رؤيا واضحة حول الصين، الفرص والتحديات" في صحيفة "ذي سدني مورننغ هيرالد" الخميس 8/8/2019 لم تتوقف هنا، بل أنه ذهب بعيداً عندما شبّه الرئيس الصيني زي جينبنك بأنه ستالين العصر الحديث، وحذّر من أن الإسترخاء في أسترليا اليوم يشبه ما حصل في فرنسا عام 1940 عندما كانت الدبابات الألمانية تتجه نحو حدودها. وبهذا الخصوص يقول محرّر الشؤون السياسية في (س م ه) بيتر هرتشر بأن اندرو هايستي يعتقد بأنه يجب على أستراليا أن تكون يقظة للخطر الصيني المقترب بسرعة. فهايستي وان أخطأ فانه يحاول ان يجري مقارنة بين المانيا زمن هتلر والصين في عهد زي جينبنك ولكن من دون التطهير العرقي.

سبقت تصريحات هايستى، تصريحات لوزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو أثناء زيارته لأستراليا الأحد 4/8/2019 حول أولوية العلاقات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة على العلاقات التجارية مع الصين، أو مبادلة الأمن بتجارة الصوايا كما قال، وذلك على هامش الاجتماعات الإستشارية الوزارية الدورية بين وزراء الدفاع والخارجية لكل من أستراليا والولايات المتحدة الأميركية  المعروفة AUSMIN.

 تعقد هذه الإجتماعات وبشكل دوري في البلدين منذ عام 1985، وكانت قد أثيرت التكهنات حول ما دار في الإجتماعات التي عقدت في أستراليا في الرابع والخامس من شهر آب الحالي التي تصدرتها التوترات في الخليج العربي، والعلاقات مع الصين، واحتمال أن تكون الولايات المتحدة طلبت من أستراليا نشر صورايخ متوسطة المدى في شمال أستراليا والتى نفتها الحكومة الأسترالية. لكن رئيس الوزراء الأسترالي العمالي الاسبق بول كيتنغ ورغم نفي الحكومة صحة المعلومات قال: يجب على أستراليا أن ترفض أي محاولة من الولايات المتحدة لنشر صواريخ متوسطة المدى في شمال البلاد.

وحسب وكالة (رويترز) - قالت الصين يوم الثلاثاء 6/8/2019 أنها "لن تقف مكتوفة الأيدي" وستتخذ تدابير مضادة إذا نشرت الولايات المتحدة صواريخ متوسطة المدى في منطقة المحيط الهادئ والتي تعتزم القيام بها في غضون أشهر...

أثارت تصريحات هايستي العديد من ردود الفعل من القوى السياسية الأسترالية، سواء كانت مؤيدة أو منددة ومعارضة، وحتى من بعض زملاء هايستي في حزب الأحرار وجناح اليمين الذي ينتمي أليه، وكذلك من السفارة الصينية لدى أستراليا التي شجبت بشدة ما جاء في مقالة هايستي، وحثّت بعض السياسيين الأستراليين على خلع عدساتهم الملونة والنظر بموضوعية وعقلانية لنمو الصين بعيداً عن عقلية الحرب الباردة والإنحياز الإيديولوجي.

رئيس الوزراء سكوت موريسون، الذي لم يتبنَ تحذيرات النائب هايستي، لكنه في نفس الوقت لم يعارضها، قال أنه كنائب من نواب المقاعد الخلفية له كل الحق في التعبير عن وجهة نظره.

رئيس الوزراء الأسبق جان هاورد الأحراري، والذي كان دائم التفاؤل في التعامل مع الصين، يرى أن الصيغة القديمة للتعامل مع الصين قد تغيرت لأن النظام الصيني اليوم أكثر إستبداداً مما كان عليه قبل 10 أعوام.

وزير التجارة الأسترالي سايمون برنغهام والذي عاد قبل أسبوعين من زيارة للصين، وهي الأولى منذ أكثر من سنتين لمسؤول أسترالي بهذا المستوى، بعد ان كانت الصين وجهت رسائل سياسية لأستراليا وتوقفت عن استقبال المسؤولين الاستراليين، برنغهام كان قد بحث مع الزعماء الصينيين تطوير العلاقات التجارية أعطى نصيحة لزملائه في الائتلاف بالتفكير ملياً قبل إطلاق تصريحات علنية بخصوص العلاقات مع الصين.

وزير الداخلية بيتر داتون أيّد بدون تحفظ تصريحات النائب هايستي وقال: لا فائدة من التظاهر بأن كل شيئ على ما يرام، وعلينا أن نكون واقعيين، وأضاف أن هايستي يستحق إحترام جميع أعضاء البرلمان، وكذلك أيد موقف هايستي النائب دايف شرما والذي ينتمي لحزب الأحرار، وكان شرما شغل سابقاً منصب سفير أستراليا لدى أسرائيل.

واعتبر السفير الأميركي لدى أستراليا آرثر كلافهوس أن تصريحات هايستي تلقى الترحيب من إدارة ترامب (س م ه10/8/2019)

وزير المالية ماثيوس كورمن انتقد تصريحات هايستي ووصفها "بالخرقاء" وغير المناسبة بالإشارة إلى التشبيه بالنازية، وكان موقف ملفت لوزير الإدعاء العام الفيدرالي كريستشن بورتر الذي اتهم هايستي "بالإفراط في التبسيط" .

حزب العمال وعلى لسان نائب زعيم الحزب ووزير الدفاع في حكومة الظل ريتشرد مالرز سلّم أن المسالة الصينية مسألة معقدة، خصوصاً في علاقاتها الإقتصادية مع أستراليا، وتموضعها في المنطقة، ورأى انها تشكل تحدياً لنا، ولكنه وصف تصريحات هايستى بأنها استفزازية لاننا لسنا في حالة حرب باردة، والصين ليست الإتحاد السوفياتي.

وقال مالرز يجب أن يكون هناك مقاربة مشتركة من قبل الحكومة والمعارضة، لكيفية التعامل مع صعود وارتقاء الصين، وأضاف أنه من المهم جداً أن تقول أستراليا رأيها وبثقة وتؤكد على مصلحتها الوطنية عندما تختلف عن تلك الصينية.

 وكان للقطاع التجاري الخاص موقف من تصريحات النائب هايستي، عبرعنه مجلس الأعمال الاسترالي الصيني الذي يمثل مؤسسات تجارية وصناعية ومالية وشركات إتصالات وتعدين كبيرة منها شركة الطيران كوانتس، بنك أي أن زد، هاواوي، تلسترا وريو تينتو، فوصفت الرئيسة التنفيذية للمجلس هلن سوكزاك تحذيرات هايستي بأنها "ليست مساعدة" للقطاع الذي يساوي 215 مليار دولار من التبادل التجاري بين البلدين، وأشارت الى ان أستراليا حققت نمو إقتصادي على مدى 28 سنة متواصلة وبدون ركود بسبب علاقاتنا القوية مع الصين، وحذرت من الأضرار التي تخلّفها تصريحات بعض السياسيين وإن كانت لا تعكس وجهة النظر الحكومية، وتعهّدت بمواصلة تطوير العلاقات الإيجابية مع الصين.(س م ه 10/8/2019).

رئيس شركة الإتصالات العملاقة هاواوي جان لورد انتقد النائب هايستي وقال أنه تفاجئ بتصريحاته وعليه كرئيس لجنة برلمانية مهمة أن لا يصدر بيانات كهذه، ويجب عليه أن يتجنب الإنحياز. واعترف لورد أن صعود الصين يلقى الإهتمام عند البعض، مضيفاً اعتقد اننا حُشرنا في الحرب الباردة.

وسلّم لورد أن شركته فقدت الأمل بإعادة النظر بالقرار الذي اتخذته الحكومة الأسترالية برئاسة مالكوم تيرنبول في آب عام 2018، والذي منعت بموجبه شركة هاواوي من المشاركة في بناء شبكة الإتصالات السريعة من الجيل الخامس G5 بسبب المخاوف الأمنية وعلاقة الشركة مع الحكومة الصينية حسب الحكومة الأسترالية، وعلى خلفية التوترات بين البلدين كانت الحكومة الأسترالية وبالأتفاق مع المعارضة قد مررت في البرلمان مشاريع قوانين تتعلّق بالتدخلات الخارجية لوضع حدّ للتاثيرات الخارجية في الإنتخابات الأسترالية، وغيرها من القضايا بتحديد لنسبة التبراعات المالية التي تتلقاها الأحزاب الأسترالية من جهات خارجية والإعلان عنها بعد فضيحة السينتور سام داستياري الذي اضطر قبل سنتين إلى الإستقالة بسبب تلقي تبراعات من جهات صينية.

رئيس جهاز الإستخبارت الأسترالية (آزيو) السابق دينس ريتشردسون الذي كان قد انتقد الصين بسبب تجسسها على أستراليا، وموقفها من الجزر المتنازع عليها في بحر الصين الجنوبي بين الصين وجيرانها، حذّر من التصريحات المثيرة للجدل وأشاد بموقف الحكومة ومقاربتها العاقلة والدبلوماسة للعلاقة مع الصين خصوصاً مع وجود بعض المعلقين المصابين بجنون العظمة الذين يطلقون تصريحاتهم بشكل يومي.

ويقول ريتشردسون أن للولايات المتحدة خطابها الخاص مع الصين، والذي يتعلّق بمصالحهم وليس بالضرورة أن ينعكس على مصالحنا، ورفض بشدة مقولة التنازل عن مصالحنا الأستراتيجية الواسعة لأسباب إقتصادية.

إذن، العلاقات الأسترالية الصينية أمام تحديات عديدة منها القديم ومنها الجديد، منها السياسي ومنها الاقتصادي، منها الأستراتيجي ومنها التكتيكي، ولكن يبقى السؤال إلى أي مدى ستستطيع أستراليا المحافظة على الوضع القائم والموازنة بين مصالحها الأستراتيجية مع الولايات المتحدة الأميركية والتجارية مع الصين في ظل تصاعد التوتر بين الصين والولايات المتحدة الأميركية والحرب التجارية التي قد تطال شظاياه الإقتصاد الاسترالي كما الإقتصاد العالمي بأجمعه؟!.

يبدو أن المسالة مسألة وقت، وقد لا يكون أمام أستراليا الكثير من الخيارات والمتسع من الوقت لتحدد موقفها، وهذا ما بدأ يظهر في تعديل مواقف مسوؤلين بارزين في الحكومة، حيث وحسب جريدة "الأستراليين" فان وزير الخزينة جوش فرايدنبرغ والذي كان يقارب المسألة من وجهة نظر الحكومة وبدبلوماسية، دعى إلى إلى تبني الموقف الأميركي في المحيط الهادئ، لانه من واجبنا أن نكون أقوياء، في ظل التوتر الأستراتيجي المتزايد بين الولايات المتحدة الأميركية والصين.

وكما يقول المثل: إن غداً لناظره قريب.

 

عباس علي مراد - سدني

 

محمود محمد علينعود في هذا المقال الرابع لحديثنا عن التأويلات المختلفة لتفسير أحداث الحادي عشر من سبتمبر، حيث نناقش هنا تلك الفرضية الثالثة القائلة: أن تنظيم القاعدة بالاشتراك مع المخابرات الأمريكية هما من أحدثا هجوم 11 سبتمبر 2001م ،وذلك علي النحو التالي :

وفي اعتقاد أصحاب هذه الفرضية، أن تنظيم القاعدة لا يستطيعون بمفردهم، أن ينفذوا هذه العملية بدون مساعدة أمريكية من الداخل، فمثلاً يذكر الكاتب الفرنسي "تييري ميسان " في كتابه " الخدعة المخيفة – قراءة ثانية لأحداث نيويورك"؛ حيث يطرح هذا الكتاب ثلاثة افتراضات:

الافتراض الأولي: إن الانفجارات التي أدت إلى انهيار مبنى برجي نيويورك وتدمير جزء من مبنى البنتاغون، لم يكن وراءها انتحاريين أجانب، بل من المرجح أن تكون من صنيع عناصر من الحكومة الأمريكية ذاتها، أي أنها دسيسة محلية يرجى بها تغيير وجهات النظر والتعجيل في مجرى الأحداث..

الافتراض الثاني : إن أحداث 11 سبتمبر لا يجب أن تتخذ كحصان طروادة، لتبرير الحرب على أفغانستان، إذ أن هذه الأخيرة تم التحضير لها مسبقاً بعون من البريطانيين. فلقد استند "بوش الابن" إلى مجموعات إنجيلية لشن حرب صليبية على الإسلام، في إطار الاستراتيجية المسماة " صراع الحضارات". أما "الحرب ضد الإرهاب"، فليست أكثر من حيلة يراد بها تقزيم الحريات الفردية في الولايات المتحدة والدول الحليفة مع وضع أسس الأنظمة العسكرية في البلدان هذه.

الا فتراض الثالث: إن أسامة بن لادن ليس سوى صناعة جهاز المخابرات الأمريكية، وهو لم يتوقف قط عن العمل لحساب هذا الجهاز، كما أن عائلتي بوش وأسامة بن لادن تجمعهما علاقات عمل وتعاون في إطار "مجموعة كارليل"، زد على ذلك أن قيادة حكومة البيت الأبيض غدت تحت أيدي زمرة من الصناعيين (الصناعة الحربية، النفطية، الصيدلية...إلخ)، الذين وضعوا مصالحهم الشخصية فوق كل اعتبار. ومن جانبه لم يتوان جهاز المخابرات الأمريكية (C.I.A) في تطوير برنامج تدخل أساسه التعذيب والاغتيالات السياسية.

ومن خلال تلك الفرضيات يطرح المؤلف عددا كبيراً من التساؤلات حول أنصار وأهداف هذه الانفجارات التي زعزعت النظام الجغرافي العالمي حسب العديد من المراقبين.

ومن هذه التساؤلات كيف يمكن لثلاث طائرات كبيرة من طراز البوينج الاصطدام ببنايات عالية، مثل توأم المركز التجاري في نيويورك، ويقع الاصطدام في المنتصف بالضبط؟! وكيف يمكن لها أن تصطدم بمبنى قصير مثل البنتاجون دون أن تظهر صورة للطائرة في الصورة الأولى التي نشرت مباشرة بعد الحادث؟!

ويلقي الكاتب تساؤلات حول تفسير اختفاء " ديك تشيني" نائب الرئيس الأمريكي والرئيس نفسه تحت مبرر حمايتهما من هجوم وشيك؟! ويتساءل الكاتب: هل يمكن للمرء أن يقتنع بأن نظام الرادار العسكري الأمريكي غير قادر على تحديد مكان طائرة بوينج موجودة في منطقة لا تتجاوز مساحتها بضع عشرات من الكيلومترات، وأن طائرة مدنية ضخمة يمكنها أن تخدع مقاتلي إف16، أرسلتا لاقتفاء أثرها ؟! وحتى لو استطاعت أن تتجاوز العقبة الأولى فكيف استطاعت أن تقترب من البنتاجون دون أن يمنعها النظام الأمنى السري الذي يحيط بوزارة الدفاع الأمريكية ؟! .

ويمضي الكاتب الفرنسي في تساؤلاته حول حقيقة اصطدام  طائرة بوينج بمبنى البنتاجون الذي يعتبر أكبر مبنى حكومي في العالم ؛ حيث يعمل فيه 23 ألف شخص ، ويمتد على مساحة 29 فداناً ويرتفع 24 مترا.. ويقول ميسان : إنه لكى يتم إلحاق أضرار بالمبنى يجب الاصطدام به من السطح، وليس من الواجهة كما حدث، ولكن الإرهابيين فضلوا الاصطدام به من الواجهة، فكيف استطاعت طائرة بتلك الضخامة، الطيران على ارتفاع منخفض دون أن تتلف أية منشآت في طريقها ؟! .

ويرجح الكاتب أن يكون انفجار البنتاجون قد وقع من الداخل وليس من الخارج ، ولكن تظل التساؤلات تحوم حول مصير الطائرة 77 التابعة لشركة أمريكان إيرلاينز، التى اختفت بالفعل في هذا اليوم ومصير ركابها؟! .

وحول انهيار برجي مركز التجارة العالمي يستبعد "تييري ميسان" التقارير الرسمية التى صدرت فيما بعد، والتي ترجع سبب الانهيار إلى الحرارة العالية الناجمة عن انفجار الوقود داخل الطائرة، مما أدي إلى إضعاف البنية المعدنية المركزية للمبنى، لقد استبعدت اتحادات المطافئ في نيويورك هذا التفسير، وأصدرت نشرة رسمية قالت فيها: إن البنية الأساسية للمبنى يمكن أن تتحمل حرارة النيران لمدة طويلة ، ولكن رجال المطافئ أكدوا سماع صوت انفجارات من أسفل المبنى ويطالبون بفتح تحقيق مستقل عن الحادث .

ويختتم المؤلف كتابه قائلاً : لقد وجهت الاتهامات إلى الإسلاميين ، وبالأخص إلى تنظيم القاعدة، ونشر مكتب التحقيقات الفيدرالية أسماء عدد من المتهمين السعوديين المفروض أنهم كانوا على الطائرة، ثم اكتشف فيما بعد أنهم أحياء يرزقون في بلادهم..!! .

ويتساءل المؤلف: كيف يمكن تخطيط عملية بكل هذه التعقيدات من كهف في أفغانستان ؟ وكيف يمكن لأسامة بن لادن تمويلها ، بينما كل حساباته مجمدة منذ عام 1998م غداة عملية نيروبي ودار السلام؟

كل هذه التساؤلات لا تقود إلا إلى أن التحقيقات التي تمت استهدفت التعتيم على وجود مسئولية أمريكية – أمريكية، ومن أجل تبرير العملية العسكرية التي ينوي الجهاز العسكري القيام بها في الخارج..!! .

ويشير المؤلف إلى أن هناك رسائل تحذيرية وفورية وجهت إلى المسئولين في إسرائيل وأمريكا من هجوم وشيك على نيويورك قبل ساعتين من وقوعه .. ويؤكد المؤلف أن الخونة موجودون في كل مكتب أجهزة المخابرات وعلى أعلى مستوي في أجهزة الدولة .!!  .

وينتهى المؤلف إلى القول :"  ليس ابن لادن عدواً لأمريكا بل هو عميل لها، (هذا رأي المؤلف) ومن جهة أخرى هو لم يقطع يوماً علاقته بعائلته التي تشكل شريكاً تجارياً أساسياً لعائلة بوش الأب، وذلك من خلال مجموعة كارليل -carlyle group، التي تدير الحسابات المالية لمجموعة "بن لادن" السعودية إذا كان صحيحاً ما يدعي العديد من الرسميين الأمريكيين أن عائلة ابن لادن مازالت على علاقة بأسامة، وأنها لم تكف يوماً عن تمويل نشاطاته السياسية، تكون مجموعة كارليل متورطة في جنح المطلعين لا محالة، ويكون بالتالي جورج بوش الأب أحد المستفيدين السعداء بحركة البورصة في الحادي عشر من سبتمبر، مما سيشكل سبباً قوياً يدفع مكتب التحقيقات الفيدرالي أو مكتب التحقيق الاتحادي (F. B. I)  إلى إقفال الشق المالي للتحقيقات)

نعود في هذا المقال للحديث عن  التأويلات المختلفة لتفسير أحداث الحادي عشر من سبتمبر ، حيث ذهب بعض الباحثين إلى أن" إيكهارت فرتباخ" الرئيس السابق للمخابرات الألمانية في مقابلة صحفية تمت ، عن رؤيته عما حدث في نيويورك وواشنطن، وتحليله لقدرة مجموعة صغيرة من تنظيم القاعدة التابع لأسامة بن لادن في صناعة هذه الأحداث الضخمة. استبعد أن يقوم بها أي تنظيم، بل في رأيه لا يمكن أن تنفذه إلا دول متقدمة ومتطورة، وقال "إن هجمات الحادي عشر من سبتمبر كانت تحتاج إلى سنوات من التخطيط وحجمها يبين أنها نتيجة لأعمال تنظمها دول" .

فالاختراق للولايات المتحدة بهذا الحجم الضخم، ليس من السهولة بمكان، وخاصة لتنظيم كتنظيم القاعدة، كما تدعي الولايات المتحدة وأجهزتها الأمنية، أو كما يدعي قادة القاعدة عبر أشرطة فيديو، تبث من قناة الجزيرة القطرية، فتنظيم القاعدة لا يضاهي لا في الشكل ولا في المضمون أجهزتها الأمنية، سواء أكان في الحجم، أو الإمكانات، أو القدرات المادية والتقنية وغيرها، فلا توجد مقارنة ولا بأي نسبة كانت .

إضافة أن الموقع الجغرافي للولايات المتحدة المطوق بالمحيطات، لا يسمح بهذا الاختراق السهل، وهذا الموقع المحصن جغرافياً، أفشل محاولات أعدائها من الدول العظمى في الحربين العالميتين الأولى والثانية من الوصول إلى برها. وطالما تغني الأمريكيون بالأمن من خلال موقعهم الجغرافي، الذي صعب حتى على هتلر اختراقه في الحرب العالمية الثانية، أو حتى الوصول إلى شواطئها، كان ولا زال سوراً أمنياً مانعاً، يحمي الولايات المتحدة من أي هجوم بري محتمل.

كما أن قواعدها العسكرية مزروعة في دول عدة على امتداد المعمورة، لا يسمح بحدوث ما حدث، إلا عبر تقنيات متقدمة جداً، وخدمات لوجستية ومخابراتية هائلة، سواء في داخل الولايات المتحدة وخارجها، حتى يتم تنفيذ عمليات بهذا الحجم الضخم، الذي حدث في الحادي عشر من سبتمبر.

وبما أن ما حدث في الحادي عشر من سبتمبر لا تستطيع القيام به أي دولة من الدول المتقدمة اليوم، والتي تناطح الولايات المتحدة بامتلاكها القدرات العسكرية، والاقتصادية، والمخابراتية، فكيف بـ"بن لادن" وإمكانياته المتواضعة، أمام الولايات المتحدة ومن خلفها الحلف الأطلسي بإمكاناته الهائلة، يقوم بهذا العمل دون غطاء داخلي، وتسهيلات من أجهزة الرصد الاستخباراتي للولايات المتحدة؟ .

وللدلالة على توفر غطاء مخابراتي من قبل أجهزة أمنية أمريكية وغيرها، أو من أجهزة استخباراتية دولية تعمل في الولايات المتحدة عدم استغلال عامل الزمن لمنع مسلسل الأحداث؛ حيث نرى أن فارقاً زمنياً بين الطائرتين اللتان اصطدمتا في مركز التجارة الدولية في نيويورك يزيد على ثلث الساعة، ووجود فترة زمنية ثانية، بين الطائرة الثانية التي صدمت برج مركز التجارة الدولية، وارتطام الطائرة الثالثة بالبنتاجون في واشنطن المحصن تحصيناً بالغاً .

فأين غابت تلك القوة الهائلة من القوات المسلحة والأجهزة الأمنية المكلفة برصد الخطر عن بلادها عن منع بقية الطائرات من التنفيذ بعد ارتطام الطائرة الأولى بمركز التجارة الدولية؟ وكيف لم تستغل القوات المسلحة والأمنية هذا الوقت في درء الخطر بعد الضربة الجوية الأولى؟ ولماذا ترك هذا الزمن لتنفيذ مخطط الجريمة؟ .

والسؤال الآخر الذي يخطر على البال، أين الصناديق السوداء لتلك الطائرات، التي قامت بضرب مركز التجارة العالمي والبنتاجون؟، فمن المعروف لدى الجميع أن تلك الصناديق لا تتأثر لا بحريق أو ماء بحر أو غيرها. لماذا لم يعلن عن وجودها؟ وما هي المعلومات التي احتوتها أشرطتها.؟ فحتى تاريخ هذا اليوم لم تعلن الولايات عن اكتشاف تلك الصناديق السوداء، بل لم تقل شيئاً!!. فما مصير تلك الصناديق؟ وأين هي الآن؟ ولماذا التكتم عليها من قبل الإدارة الأمريكية؟ .

إن ما حدث في الحادي عشر من سبتمبر في نيويورك وواشنطن، حسب كل الخبراء من عسكريين واستراتيجيين وباحثين في كل أنحاء العالم، يستغرق إعداده عدة سنوات. فكيف لم يكتشف خلال الإعداد له، الذي قدر بعدة سنوات؟ وكيف يكتشف بعد التنفيذ مباشرة وبساعات قليلة؟- حيث اتهمت الإدارة الأمريكية بعد ساعات من الحدث تنظيم القاعدة وزعيمه أسامة بن لادن، بالهجمات التي أصابت برجي مركز التجارة العالمي ووزارة الدفاع (البنتاجون) .

فالذي يتمكن من معرفة القائم بالعملية خلال ساعات، ويمتلك القدرة الدقيقة في معرفة الفاعل، وبسرعة مذهلة! أليس بالأحرى أن يكتشف عمليات التخطيط له، التي استغرقت سنوات؟.

أليس من الغريب أيضاً أن يطلب وزير الدفاع رامسفيلد من الإدارة العسكرية بعد خمس ساعات من الأحداث، وضع خطة لضرب العراق ، وكأن وزير الدفاع يترقب هذا الحدث، فيسرع بالاستفادة الفورية من نتائجه، فيضع جدولاً لتوظيف الحدث تنظيم القاعدة، وأفغانستان، ومن ثم  العراق!!  .

ولماذا أطلقت على دول معينة العراق، وإيران، وكوريا الشمالية دول محور الشر؟ وهؤلاء ليس لهم أية علاقة بين الحدث لا من قريب أو بعيد، كما نشرت السلطات الأمنية الأمريكية عن مرتكبي الحادث، إلا لنوايا مبيتة ومرسومة مسبقاً، ثم تختار سبع دول أخرى أسماها الرئيس الأمريكي بالدول المارقة وهي (العراق، وسوريا، وإيران، وليبيا، والسودان، وإيران، وكوبا، وكوريا الشمالية) بذريعة أنها تهدد الولايات المتحدة على زعمه، هل جاءت التسمية عبثاً أم لتصفية حسابات من دول نهجت نهجاً وطنياً مستقلاً غير تابع لها؟.

وعقب الحدث شنت وسائل الإعلام الغربية المشبوهة حملة على الإسلام، تتهمه بأنه مستودع يفرخ الإرهابيين، وبأنه يعلم اتباعه كراهية الغرب، وأنه خطر على ديمقراطية الغرب .

ولكن لمعرفة المجرم الحقيقي صانع الحدث، لا بد من العودة إلى بديهيات قانون اكتشاف الجرائم، الذي يقول (لمعرفة الجرائم إبحث عن المستفيد). فمن هو المستفيد من نتائج هذه الأحداث سوى الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني!!.؟ فالإسلام المتهم، لم يستفد منه، بل تمت محاصرته، وأخذت بلدانه على حين غره .

وقد فوجئت به كافة الدول الإسلامية بما فيها حكومة طالبان في أفغانستان، التي يتواجد فيها أسامة بن لادن وتنظيم القاعدة، والمتابع لسير التداعيات العسكرية والسياسية بعد الأحداث، قد شاهد أن الاستغراب والاستنكار لما حدث، كان بادياً على جميع تلك الدول والمؤسسات الروحية والمدنية الإسلامية، لما جرى في نيويورك وواشنطن .

وهذا ينفي التهمة عن الإسلام والمسلمين، وإن كان تنظيم القاعدة بزعامة بن لادن تورط به، كما تدعي أشرطة قناة الجزيرة القطرية على لسان أسامة بن لادن وكبار تنظيم القاعدة، أو أشرطة بعض المنفذين، وحتى وإن كانت ملفقة، فالتقنيات الحديثة في علم الصوتيات والتصوير قادرة على خلق مثل هذه الأشرطة، فمن المؤكد أنه تم استغلال القاعدة لتنفيذ الحدث، سواء علمت، أو لم تعلم بهذا الاستغلال، وإنها كانت تقوم بهذا الحدث برعاية وتسهيلات ومراقبة أجهزة الأمن الأمريكي والصهيوني .

فالمستفيد هو الولايات المتحدة وفق معادلة قانون الربح والخسارة لدى الرأسماليين والتجار والحركات العنصرية وسياسي الغرب، فبالنسبة للولايات المتحدة الربح أكبر وأعظم من خسارة برجين وقسم من البنتاجون ؛ والمستفيد الرئيسي الثاني من الحدث إسرائيلي، فقد عادت لـه الأحداث بمكاسب كبيرة، سواء بتغطيتها للجرائم الهائلة، التي يرتكبها بحق الشعب العربي الفلسطيني وأرضه، أم في صرف أنظار الرأي العالمي عن هذه الجرائم. كما أتاحت لـه فرصة لصق تهمة الإرهاب بالمقاومة الفلسطينية.

إذن تنظيم القاعدة ليس لديه القدرة علي شن مثل هذه العمليات داخل أمريكا وأن أسامة بن لادن وتنظيم القاعدة، ليس إلا أداة من أدوات الـ CIA التي ضخمت من قدراتهما لإقناع الرأي العام العالمي بانهم السبب المباشر وراء الحادث .

وللحديث بقية !

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

ابراهيم أبراشالخصوصية المجتمعية والسياسية الداخلية للنظام السياسي الفلسطيني يجعل من الصعب تحليله انطلاقا من نظريات علم السياسة أو ما هو معمول به في المجتمعات والدول الأخرى، إلا أنه يمكن مقاربة وتحليل المشهد أو الحقل السياسي انطلاقاً من أداء مكوناته السياسية وما تم إنجازه من أهداف تضمنتها المواثيق الأساسية للأحزاب وما وعدت به الشعب .

في ظل المشهد السياسي تبرز منظمة التحرير الفلسطينية وعلى رأسها حركة فتح كعنوان رسمي وشرعي للكيان السياسي، إلى جانب أحزاب أخرى من خارج المنظمة، وانطلاقاً من الصفة التمثيلية للمنظمة وموقعها القيادي وبالمقارنة بواقع حال غيرها فإننا لا نتردد في الانتصار لها ودعمها، وهذا لا يعني أن المنظمة وحركة فتح منزهتان عن الخطأ أو أنهما عالم الملائكة والآخرون عالم الشياطين، فالتحيز في هذا المجال نسبي وغائي .

لا أحد ينكر أنه خلال المسيرة الطويلة لمنظمة التحرير تم ارتكاب تجاوزات وفشلت مراهنات بما فيها المراهنة على اتفاقية أوسلو وعلى الوسيط الأمريكي، وهو فشل اعترفت به القيادة مؤخراً عندما قرر الرئيس أبو مازن وقف العمل بالاتفاقات الموقعة .إلا أنه في مقابل ذلك حققت منظمة التحرير كثيراً من الانجازات مثل تكريس قضية فلسطين دولياً كقضية شعب يناضل من أجل الحرية ويريد تقرير مصيره السياسي كما فضحت ممارسات إسرائيل العدوانية والإرهابية والخارجة عن الشرعية الدولية وحافظت على الثقافة والهوية الوطنية .

إن انتصارنا لمنظمة التحرير ولحركة فتح ودفاعنا عنهما هو انتصار ودفاع عن الفكرة والمشروع الوطني، وهناك فرق بين الفكرة والمبادئ والمنطلقات التي قامت عليهم وما زالت تجمع أغلب أبناء حركة فتح وفصائل منظمة التحرير من جانب، وما آل إليه حالهما مؤسساتياً وواقعاً راهناً من جانب آخر . ولكن، لأننا لا نتحدث عن فكر فلسفي يستمد معقوليته من اتساقه المنطقي وجدله الداخلي وليس من خلال تطابقه أو انسجامه مع الواقع، كما لا نتحدث عن أيديولوجيا تستمد معقوليتها وأهميتها من قدرتها على التأثير على العقول وليس على الواقع ، بل نتحدث عن فكر ونهج سياسي لحركة تحرر وطني لشعب يرزح تحت الاحتلال، فإن مصداقية وصحة هكذا فكر ونهج يتأتيا من قدرتهما على تغيير الواقع بما يلبي مصالح الشعب .

في منظمة التحرير وحركة فتح كثير من القادة السياسيين تحولوا لفلاسفة ووعاظ يرددون مقولات فكرية وأخلاقية ويجترون الذكريات وهم في أبراجهم العالية، وآخرون تبوءوا مواقع قيادية دون أن تتلوث أقدامهم، ولا أريد أن أقول دمائهم، بتراب الوطن، إلا أن ذلك لا يؤثر كثيرا على النهج العام ولا على صحة الفكرة وعدالة القضية الوطنية، كما أن هؤلاء، العابرين وقادة الصدفة والتوازنات الاجتماعية الداخلية و الحسابات والاشتراطات وحتى الدولية، يعتبرون قلة مقابل الكثرة الوطنية المؤمنة بمنظمة التحرير وبحركة فتح ومشروعهما الوطني وتاريخهما المشرف .

الفكرة والمبادئ والمنطلقات الأولى صحيحة ويجب التمسك بها، سواء تعلق الأمر بحركة فتح كحركة تحرر وطني تعبر عن الهوية والانتماء الوطني أو بمنظمة التحرير كعنوان وإطار جامع للكل الوطني ومعترف بها عربياً ودولياً، ولكن في نفس الوقت ننتقد وبشدة كل انحراف عن هذه المبادئ وكل سلوك لأي شخص أو جماعة وحتى للقيادة إن بالغت في المناورة على الثوابت والمنطلقات الأولى .

واقع منظمة التحرير وعلى رأسها حركة فتح ليس بأفضل حال الآن وستزداد الخشية عليها في حالة غياب الرئيس أبو مازن ,وقد انتقدنا وانتقد آخرون حتى من داخل المنظمة الواقع المترهل للمنظمة والكل طالب بضرورة تطويرها واستنهاضها واستيعابها لكل القوى والأحزاب غير المنضوية فيها، وحتى بدون من هم خارجها عليها أن تعيد ترتيب بيتها، لأنه بدون ذلك ستجد من يثير الشكوك حول صفتها ممثلاً شرعياً وحيداً للشعب الفلسطيني، وكذا الأمر بالنسبة لحركة فتح التي باتت تعيش على قوة الفكرة الوطنية والحنين للماضي وليس على انجازات التنظيم راهناً .

صحيح أن الساحة الفلسطينية لم تنتج حالة سياسية أفضل وأكبر من المنظمة ومن حركة فتح بتاريخها النضالي وبفكرتها الوطنية، ومحاولة حركة حماس تشكيل البديل فشلت فشلاً ذريعاً، إلا أن الحكم بالأفضلية لا يكون من خلال المقارنة مع ما هو أسوأ بل بما يجب أن يكون وبالالتزام بالمنطلقات والأهداف الوطنية، وإن لم يتم تدارك الأمر بسرعة فإن قوة الفكرة ستتآكل بمرور الوقت أو ستجد من يصادرها وهناك محاولات حثيثة في هذا السياق من بعض الأطراف الفلسطينية المدعومة من دول عربية وتجد تجاوبا أمريكيا وإسرائيليا.

غالبية الشعب الفلسطيني أيدت قرارات الرئيس أبو مازن بوقف العمل بالاتفاقات الموقعة مع إسرائيل كما تؤيد مواقفه الرافضة لصفقة القرن ولمجمل السياسة الأمريكية، حتى وإن كانت هذه المواقف حتى الآن مجرد قرارات، كما تبارك جهوده الدولية الحثيثة للحفاظ على حضور القضية دولياً، ولكن، هل واقع تنظيم حركة فتح وواقع منظمة التحرير مهيئين لاستعادة دورهما الوطني التحرري في الضفة وغزة، إذا ما تم انهيار السلطة وفرض صفقة القرن ؟ أتمنى ذلك وإن كنت أشك في ذلك .

وأخيراً نقول للجميع لا تخذلوا الرئيس أبو مازن في مواقفه الوطنية كما خذل البعض الرئيس أبو عمار، ودعم مواقف الرئيس الوطنية - التي يجب أن تتحول إلى أفعال تصب في خدمة المصلحة العامة للشعب - لا يكون بشعارات المداهنة والنفاق بل بممارسات نضالية فعلية على الأرض، وقد رأينا وجربنا كيف أن كثيراً من قرارات الرئيس الصائبة يتم إفشالها أو تفسيرها على غير مقاصدها من طرف البعض في النخبة المحيطة بالرئيس أو من قيادات في تنظيم فتح ومن كل المستفيدين ببقاء الأمور على حالها .

 

إبراهيم أبراش

 

 

محمود محمد علينعود لحديثنا عن التأويلات المختلفة لتفسير أحداث الحادي عشر من سبتمبر، حيث نناقش هنا تلك الفرضيات التي أشرنا لها في المقال الأول وذلك على النحو التالي :

أولاً- الفرضية الأولي: فريق المحافظين الجدد وراء حادثة الحادي عشر من سبتمبر 2001م:

حسب هذه الفرضية يقف المحافظون الجدد في البيت الأبيض الأمريكي، وراء حادثة الحادي عشر من سبتمبر 2001م، لخلق المبررات اللازمة لشن الحرب، والقيام بمهاجمة الدول الأخرى. ففي مقال للبروفيسور"جيمس فيتزر" James H. Fetzer (عمل في قوات المارينز الامريكية ) في مجلة Veterans Today  في 1 مايو 2015، بعنوان "الكشف عن 11 سبتمبر : سلسلة من المؤامرات داخل المؤامرات، جاء فيه":" …الحقائق تدل علي أن الفاعل هم المحافظون الجدد في وزارة الدفاع وحلفاؤهم من الموساد” .

كما يري أصحاب هذه الفرضية أنه لكشف حقيقة الجهة التي تقف وراء الحادثة، لا بد من أن نعرف الجهة التي تستفيد من هذه الحادثة، ففي كل الأحوال من الصعوبة بمكان القول، إن القاعدة تعتبر المسبب الأصلي للحادثة ، فالضحية الأساسية لأحداث الحادي عشر من سبتمبر، كانت حركة طالبان وتنظيم القاعدة، حيث لا يمكنهم بأي وجه تبرير قتل المدنيين أمام الرأي العام .

وفي إطار إثبات هذه الادعاءات يأتي كتاب (11 من سبتمبر.. الاكذوبة الكبرى) للكاتب "محمد صفي الدين" الذي يحاول إبراز تلك الألغاز، وإلقاء الضوء على الوقائع التي تفند الادعاءات الامريكية؛ حيث يتناول الكاتب في الباب الأول هذه الألغاز، كما يلي:

1ـ اللغز الأول: اعلنت الإدارة الأمريكية عن قائمة تضم أسماء مختطفي الطائرات الأربع، وهم 19 عربياً أغلبهم من السعوديين والإماراتيين يقودهم مصري. ولكن بعد ذلك أكدت العديد من العواصم العربية على وجود عدد من المشتبه فيهم على قيد الحياة، كما أن عدداً آخر توفى قبل وقوع أحداث 11 من سبتمبر بفترة. كذلك لم ترسل الحكومة الأمريكية إلى الحكومة السعودية ما يؤكد تورط أي سعودي في تلك الأحداث، إضافة إلى عدم وجود أي اسم من أسماء المشتبه فيهم، ضمن قوائم ركاب الطائرات الأربع المختطفة.

2ـ اللغز الثاني: يتعلق بعدد من النقاط هي:

أ- كيفية اختراق المختطفين المطارات الأمريكية في توقيت واحد، وهم يحملون الأسلحة التي سيطروا بها على الطائرات.

ب- المهارة الفائقة التي ظهر بها قائدو الطائرات المختطفة، رغم إعلان الإدارة الأمريكية أنهم تلقوا تدريبات في مدرسة مبتدئين لتعليم قيادة الطائرات.

جـ-  كيفية حصول المختطفين على شفرة الاتصال الرئاسية وإرسال رسالة تهديد للرئيس الأمريكي، كما أعلنت الإدارة الأمريكية، وكذلك كيفية علمهم بتحركات الرئيس، وهم في الجو رغم انقطاع الاتصالات عنهم.

د- أسباب عدم قيام الرئيس بوش بقطع زيارته لإحدى المدارس الابتدائية لمواجهة الموقف رغم معرفته به منذ خروج الطائرات عن مساراتها المعتادة، واستمراره في المدرسة لمدة 25 دقيقة بعد وقوع الأحداث دون اتخاذ أي رد فعل.

3- اللغز الثالث: يرتبط بأسباب عدم قيام سلاح الجو الامريكي أو سلاح الدفاع الجوي بمواجهة الطائرات المختطفة، رغم مرور وقت طويل على خروجها عن مسارها المعتاد وصل إلى حوالي ساعة .

4- اللغز الرابع: أسباب عدم قيام المقاتلات الاعتراضية الأمريكية في قاعدة أندروز الجوية باعتراض الطائرات المختطفة، خاصة أن القاعدة تعتبر أكبر قاعدة جوية أمريكية على الساحل الشرقي، كما أن بها سربين من المقاتلات الاعتراضية مخصصين للدفاع عن العاصمة الأمريكية، إضافة إلى أنها مقر طائرة الرئيس الامريكي  .

كذلك هناك لغز آخر يتعلق بالقاعدة، حيث إن موقع القاعدة كان يذكر طوال يوم 11 من سبتمبر أنه مقر لسربين من الطائرات الاعتراضية، ولكن بدءاً من يوم 12 من سبتمبر تغيرت معلومات الموقع واكتفى بذكر أن القاعدة مجرد مقر لأسراب النقل الجوي فقط .

5- اللغز الخامس: يتعرض لأسباب قيام السلطات الأمريكية بالتحفظ على الشرائط التي صورت الطائرة التي اصطدمت بمبنى البنتاجون وعدم السماح بإذاعتها، بل وعدم الاعلان عن وجودها أساساً، كذلك نفي الإدارة الأمريكية وجود طائرة أخرى كانت تطير بالقرب من الطائرة التي ضربت البنتاجون رغم تأكيد عدد من شهود العيان رؤيتهم لها، ثم رجوع الإدارة الأمريكية وإعلانها عن وجود هذه الطائرات والتأكيد على أنها قامت بمهمة مراقبة الطائرات التي ضربت البنتاجون، بناء على طلب برج المراقبة الجوية، وهو ما يعني أن برج المراقبة كان على علم بكل ما يحدث .

6- اللغز السادس: يرتبط بأسباب عدم استخدام أمريكا لتكنولوجيا السيطرة عن بعد في السيطرة على الطائرات المختطفة، خاصة أن العديد من المسئولين الدوليين الموثوق بهم أكدوا على وجود مشروع سري أمريكي لمواجهة اختطاف الطائرات يقوم على وجود محطات سيطرة أرضية متخصصة تستطيع الاستماع إلى محادثات طاقم القيادة داخل كابينة قيادة الطائرة وقيادتها عن بعد بغض النظر عن إرادة طاقم الطيران أو المختطفين .

7- اللغز السابع: يتعلق بأسباب انتظار الحكومة الأمريكية ستة أشهر كاملة بعد أحداث سبتمبر لإذاعة شريط فيديو عن حادث البنتاجون لا توجد به أية صورة تشير إلى الطائرة التي اصطدمت بالبنتاجون، أو أي شيء   يشبهها .

8- اللغز الثامن: يرتبط بحقيقة الهجوم على مبنى البنتاجون، حيث يمكن الإشارة إلى عدد من النقاط هي:

أ- إن الصور التي ظهرت للجزء الذي تعرض للحادث من مبنى البنتاجون تشير إلى أن الصف الخارجي لأحد المباني هو فقط الذي تعرض للإصابة، وهذا يتناقض مع ما يمكن أن يحدثه اصطدام طائرة بوينج 757 تزن أكثر من 100 طن وسرعتها لحظة الهجوم نحو 425 كم/ ساعة (27).

ب- إن الطائرة دمرت فقط الدور الأرضي من المبنى، بينما ظلت الأدوار الأربعة العليا على حالتها، رغم أن الطائرة يبلغ ارتفاعها نحو 14 متراً وطولها نحو 47.5 متر وارتفاع كابينة قيادتها نحو 3.5 متر.

جـ- بعض الصور أظهرت أن الحشائش في مكان الحادث ظلت سليمة دون وقوع أضرار أو حروق، فكيف يمكن تفسير ذلك؟!

إن عرض الجزء المنهار حوالي 24 متراً، ومع ذلك أعلنت الإدارة الأمريكية أن جناحي الطائرة اللذين يبلغ طولهما 47 متراً قد استقرا داخل هذا الجزء المنهار.

9- اللغز التاسع: الانهيار الكامل لبرجي ومركز التجارة العالمي لم يكن ممكن الحدوث دون وجود متفجرات كانت مزروعة داخل المبنى، والدليل على ذلك يكمن في أن الصور التي التقطت للطائرة الثانية التي اصطدمت بالبرج الجنوبي لمركز التجارة العالمي، أظهرت أنه لا يوجد أي دخان على الإطلاق يتصاعد من البرج في مستوى اقتراب الطائرة أو أدنى منه. ولكن قبل حدوث الاصطدام مباشرة ظهر دخان يرتفع على بعد عدة طوابق أسفل مستوى  الطائرة .

10- اللغز العاشر: تلقى موظفون من العاملين بالمقر الرئيسي لشركة أوديجو لخدمات البريد الالكتروني، وهي شركة أمريكية إسرائيلية، في الساعة السادسة من صباح يوم 11 من سبتمبر 2001، رسالتين تذكران أن هجوماً على برجي مركز التجارة العالمي سيقع بعد قليل، وقد اتصلت إدارة الشركة على الفور بالأجهزة الأمنية الأمريكية والإسرائيلية لإبلاغهما .

11- اللغز الحادي عشر: التعاملات المريبة التي أجريت في البورصات الأمريكية والأوربية في الأيام القليلة السابقة على 11 من سبتمبر، والتي تركزت كلها في عمليات بيع كبيرة وغير عادية لأسهم شركتي الخطوط الجوية يونايتد وأمريكان (صاحبتي الطائرات الاربع المنكوبة) .

12- اللغز الثاني عشر: تأثير احتراق وقود الطائرتين اللتين ضربتا برجي مركز التجارة على انهيارهما، حيث يمكن الاشارة للآتي:

أ- أن البرج الشمالي ظل لمدة 103 دقائق بعد اصطدام الطائرة به قبل أن ينهار على عكس البرج الجنوبي الذي سقط بعد 47 دقيقة فقط من الاصطدام، وذلك رغم أن البرجين تعرضا لنفس درجة الحرارة، لأنها نتجت عن اشتعال نفس نوع الوقود في الطائرتين وبكميات متساوية تقريباً، وكذلك رغم أن الطائرة الأولى اصطدمت بمنتصف واجهة البرج الشمالي وغاصت بكاملها داخله، بينما اصطدمت الطائرة الثانية قرب الركن الجنوبي للبرج، أي أن هناك فارقاً بين التصادمين تبدي أهميته في أن وقود الطائرة الثانية قد تطايرت كمية كبيرة منه خارج المبنى الجنوبي، وبالتالي فحجم الوقود الذي اشتعل داخل هذا البرج كان أقل حجماً وكمية من نظيره الذي اشتعل بالبرج الشمالي .

ب- أن وقود الطائرة يغلي عند 176 درجة مئوية ويشتعل عند 250 درجة مئوية ليعطي حرارة تصل حتى 815 درجة مئوية، وذلك يعني أن اشتعال وقود الطائرتين لا يمكن أن يؤدي إلى صهر الحديد الصلب المستخدم في البرجين، حيث يحتاج صهر هذا الحديد إلى درجة حرارة تبلغ 1538 درجة مئوية، وبالتالي فإن اشتعال وقود الطائرتين غير مسئول عن انهيار  البرجين .

جـ - أن سقوط كلا البرجين كان متماثلاً وبشكل رأسي منضبط، يعني أن الانهيار بدأ في المرتين بشكل متماثل في جميع أجزاء السقف الذي انهار أولاً وسبب الانهيار المتتالي للأسقف الواقعة تحته، وهو ما يعني أن جميع الأعمدة الصلبة الحاملة لهذا السقف، قد تم تسخينها في وقت واحد، وبشكل منتظم حتى حصلت كل نقطة فيها على نفس كمية الحرارة الكافية لانصهارها، فانصهر الصلب فيها جميعاً وفي وقت واحد وبكيفية  متماثلة .

د- أن انهيار المناور الخرسانية في البرجين تم بنفس طريقة انهيار المبنى وفي نفس التوقيت، وذلك رغم أن تأثير الحرارة على الخرسانة المسلحة يختلف عن تأثيرها على الصلب، وهو ما يعني أن هذه المناور كان من المفترض ألا تسقط أو على الأقل كانت ستنهار بشكل مختلف أو في توقيت مختلف

13- اللغز الثالث عشر: يتعلق بقصد أحد الضباط الأمريكيين الذي كان في مهمة مخابراتية في موسكو عام 2000 للحصول على وثائق، خاصة بالإجراءات الرسمية المضادة للبرنامج الأمريكي المضاد للصواريخ، حيث وجد ضمن هذه الوثائق وثيقة تتحدث عن هجمات إرهابية وشيكة داخل الولايات المتحدة ضد برجي مركز التجارة العالمي ومبنى البنتاجون. وعندما تم القبض على هذا الضابط في كندا بتهمة الاحتيال، أعلن عن وجود هذه الوثيقة، إلا أن الحكومة الأمريكية رفضت هذه الرواية .

14- اللغز الرابع عشر: يتعلق بقصة موت (جو أونيل) النائب السابق لرئيس جهاز الـ FBI الأمريكي أثناء انهيار البرج الشمالي لمركز التجارة العالمي، حيث كان المسئول الأول عن مطاردة أسامة بن لادن منذ عام 1993، إلا أنه استقال من منصبه قبل أحداث 11 من سبتمبر بأسبوعين، بسبب اعتقاده أن إدارة الرئيس بوش تتعمد إعاقة تحرياته ضد الإرهاب، بل إنه اتهمها بأنها أعاقت مبادرة طالبان لتسليم بن لادن للإدارة الأمريكية مقابل حصولها على معونات سياسية واقتصادية. وقد أعلن اونيل هذه الاتهامات، مما أدى إلى تحوله إلى مصدر خطر يهدد الإدارة الأمريكية ويجب التخلص منه .

وبالتالي فإن حادث الحادي عشر من سبتمبر 2001م كان حادثاً مخططاً له من قبل المحافظين الجدد، الذين أخذوا العزم على إسقاط نظام صدام حسين عقب أزمة حرب الخليج الثانية ، وذلك لاحتلال العراق، وهذا لا يتم إلا بإثبات أن نظام صدام حسين يأوي تنظيم القاعدة، وأنه المحرض على تنفيذ جميع العمليات الإرهابية التي تحدث في العالم من خلال إيوائه لهذا التنظيم، علاوة على أن نظام صدام حسين يمتلك أسلحة دمار شامل تهدد الإنسانية، وبالتالي فصدام حسين ونظامه غير مأموني الجانب، لهذا اختلقت إدارة بوش الابن حادث 11 سبتمبر، وذلك حين استفزت تنظيم القاعدة بالضربات المتوالية عليهم وزاد هذا الاستفزاز أكثر وأكثر، حين سمح  العاهل السعودي الملك "فهد بن عبد العزيز" للقوات الأمريكية والقوات الحليفة بالانتشار على الأراضي السعودية، وهو ما أثار غضب بن لادن، لأنه كان يؤمن أن وجود القوات الأجنبية في "أرض الحرمين" يعتبر انتهاكاً للأراضي المقدسة. وبعد أن انتقد علناً الحكومة السعودية لإيوائها الجنود الأمريكيين، نفي إلى السودان. وسحبت منه الجنسية السعودية في 9 أبريل 1994، وتبرأت منه عائلته. وهنا أخذت القاعدة التحضير والتنفيذ لحادث الحادي عشر من سبتمبر 2001م.   وللحديث بقية !

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

محمود محمد عليبعد انهيار وتفكّك الاتحاد السوفيتي، وإثر حرب الخليج الأولى، انتهى النظام العالمي "القديم" متعدّد الأقطاب، ليحلّ محلّه نظام اصطلح على تسميته بالنّظام العالمي الجديد، وساد رأي بالإدارة الأمريكية؛ وخاصة لدى صنّاع القرار مفاده أنّ الولايات المتّحدة حققت قيادتها المطلقة للعالم، لأنّها استطاعت أن تمسك باللّحظة التاريخية الفريدة التي توفّرت لها". وعليها منذ الآن أن تستعمل كلّ إمكاناتها المادّية والمعنوية للحفاظ على هذا المكسب، وأن تؤسّس له للاستئثار بريادة العالم وزعامته، وإعادة صياغته وتشكيله من جديد، وفق المصالح القومية الأمريكية .

ولقد كانت حرب الخليج الثانية، انطلاقة جديدة للسياسة الأمريكية في قيادة العالم ؛ لقد بينت تلك الحرب أن الولايات المتحدة لن تختفي من المسرح الدولي، وأنها راغبة في القيام بدور عالمي، فالدور القيادي لواشنطن اتضح في نمط معالجتها لتلك الأزمة، وهو عبارة عن كشف لهيئة النظام العالمي الجديد، فكان السلوك الأمريكي القيادي يعمل بثبات داخل دوائر الأمم المتحدة. استجابت القرارات الدولية للتحركات الأمريكية وبموافقة الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن على الدور الأمريكي الجديد، وهذا ما عرف فيما بعد بنظام الأمم الإجماع بقيادة الولايات المتحدة  الأمريكية .

كانت حرب الخليج الثانية نقطة تحول جذري في النظام الدولي، حيث تأكدت مقدرة الولايات المتحدة الأمريكية في سيطرتها العالمية بعد عملية عاصفة الصحراء التي أخرجت العراق من الكويت، ومنحت واشطن الوسيلة لصياغة ما يعرف بالنظام العالمي الجديد، بالاعتماد على تفوقها العسكري، والتمهيد لتقديم منطق القوة، وإرساء أرضية الغلبة للأقوياء ولا مجال للحوار ولا دور للقانون، وأحدث ذلك خللاً في النظام الدولي المتمثل في هيئة الأمم المتحدة، ففي الثالث والعشرين من أغسطس، أي بعد ثلاثة أسابيع من اجتياح العراق للكويت، استخدم الجنرال (المتقاعد) "برنت سكوكروفت Brent Scowcroft مستشار الأمن القومى في عهد جورج بوش الأب الرئيس الأمريكي السابق، مصطلح النظام العالمي الجديد للمرة الأولى، حيث خاطب الصحفيين قائلا : " إننا نؤمن بأننا سنقيم أركان النظام العالمي الجديد على أنقاض العداء الأمريكي – السوفيتى، الذي كان قائماً .أما رئيسه بوش الأب، فقد خاطب الكونجرس الأمريكي بعد ذلك بعدة أسابيع في 11 سبتمبر 1990م قائلاً :" لقد بدأت شركات جديدة بين الدول ... إن الأزمة القائمة في الخليج الفارسي على خطورتها ودمويتها، (حرب الخليج الثانية) تمنحنا فرصة نادرة ... ومن خضم هذه الأوقات العصبية ... قد يولد نظام عالمي جديد.

وجدت الولايات المتحدة في غزو العراق للكويت سبباً للدفع بقواتها العسكرية لدخول المنطقة، ومن الجائز أن تكون هذه فرصة تحينتها واشنطن كثيراً، فمنذ أكثر من سنتين (قبيل غزو الكويت)، كانت القوات العراقية تجري مناورات عسكرية استعداداً لاحتلال القوات العراقية الكويت، حتى سارعت القوات الأمريكية بالدخول إلى السعودية، والانتشار في منطقة الخليج العربي، فالهدف الأول ليس حماية شعوب المنطقة، بل الوصول إلى منابع النفط فيها، أو ربما التوسع في المنطقة وما يحيط بها

وبصورة أو بأخري لعبت الولايات المتحدة الأمريكية دوراً رئيسياً في تصعيد النزاع العراقي الكويتي وتوجيهه لمصالحها، فهى بذلك تخلق مبرراً للتدخل العسكري من أجل حماية تدفق نفط الخليج العربي، كما إنها كانت تبدي عدم اهتمامها للتهديدات العراقية للكويت، وإنها لا تنوي القيام بأي هجوم على العراق، فكانت المواقف السياسية، والتصريحات الرسمية الأمريكية، خالية من أي تحذير قد يمنع الحكومة العراقية من القيام بعمل عسكري ضد الكويت، فظن العراق بأن الولايات المتحدة لا تمانع من غزو العراق للكويت، وهكذا لعبت الولايات المتحدة دوراً مزدوجاً في بدايات حرب الخليج الثانية، فمن جهة حثت الولايات المتحدة الكويت على رفض المطالب العراقية، ومن جهة أخري شجعت العراق بصورة ما على مهاجمة الكويت.

كانت هناك الكثير من الشكوك تدور حول الدور الأمريكي في الإيقاع بالعراق في حرب الخليج الثانية، حيث تم الإيحاء للعراق بأنه رابع قوة في العالم، وهو جدير بلعب دور قيادي في المنطقة، فقد أبدت جلاسبي السفير الأمريكية في بغداد، عام 1990م في عدم اعتراضها على رغبة العراق في ضم الكويت، لأن ذلك يعتبر شأن عربي داخلي، كما أنه لا توجد أي معاهدة دفاع مشترك بين الكويت والولايات المتحدة، إلا أن الولايات المتحدة قامت بحشد أكثر من 32 دولة ضد العراق بعد غزوه للكويت في أغسطس عام 1990م.

وبعد حرب تحرير الكويت ازدادت حدة التوتر والكراهية من قبل الكثير من العرب والمسلمين للولايات المتحدة الأمريكية، وأضحت صورة القوات الغربية في نظر عامة العرب والمسلمين مرفوضة، لأنها دمرت العراق، وازدادت معها معاناة عامة العراقيين تحت عقوبات الأمم المتحدة، إضافة إلى ذلك، استمرار تواجد الولايات المتحدة في الخليج أثار مشاعر مسلمي العالم، وولد الكراهية للغرب على مستوي كافة الخلفيات الإسلامية .

لكن تياراً جديداً للناشطين الإسلاميين، حول هذه الكراهية إلى تهديد أمنى كبير واجهته الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وبدأت معها الجماعات الإسلامية العربية وغيرها في أفغانستان، تعود إلى أوطانها في السعودية، ومصر، والأردن، وفلسطين، وكذلك إلى باكستان، والفلبين، وأماكن أخري؛ لتقود عملياتها في صورة ميلشيات إسلامية مسلحة، وقد ارتبطت بها مجموعة من الشبان في صورة شبكة محكمة لنشر العنف حول العالم .

ففي السابع من أغسطس 1998م حدث تفجير سفارات الولايات المتحدة في كل من دار السلام (تنزانيا)، ونيروبي (كينيا)؛ في وقت واحد، وذلك بالتزامن مع الذكرى السنوية الثامنة لقدوم القوات الأمريكية للمملكة العربية السعودية، وأسفروا عن مقتل 213 شخص في نيروبي ؛ بالإضافة إلى أحد عشر شخصاً في دار السلام كانت غالبيتهم من الكينيين.

ومنذ ذلك الوقت مالت الجماعات والمنظمات الإسلامية الموالية للقاعدة، إلى التمسك بالعنف، مبدأً للتعبير عن أهدافها بدلاً من لغة الحوار، فقد أطلق تنظيم القاعدة الإرهابي الذي تأسس عام 1988م شعاره في عبارة واحدة كتبت على لافتة منمقة: " أخرجوا المشركين من جزيرة العرب"، وقبل هذا النموذج الغالي في التطرف، أعلن "حزب الله" اللبناني شعاره في كلمة واحدة هي "المقاومة". وعندئذ شعرت الولايات المتحدة بالقلق، والخوف على مصالحها في الشرق الأوسط؛ خاصة وجود إسرائيل وتدفق النفط. كما شعرت أيضاً الولايات المتحدة، بأن التيارات والجماعات الإسلامية، التي تحالفت معها سابقاً، تحولت عن نهجها، من الدعوة بالحسنى والصراع السياسي، إلي الاعتماد على السلاح، والعنف، والتطرف، كوسيلة للتغيير بالقوة " .

وزاد هذا التهديد بشكل لم يسبق له مثيل في أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م ؛ حيث تعرضت الولايات المتحدة في صبيحة ذلك اليوم لأسوأ كارثة قومية في تاريخها، وذلك عندما تحولت ثلاث طائرات تجارية، إلى أسلحة متحركة مليئة بمواد شديدة الانفجار، أسقطها مجهولون على برجي مركز التجارة العالمي، رمز الرأسمالية العالمية بمانهاتن، وجزءاً من مبنى البنتاجون (وزارة الدفاع) رمز القوة العسكرية الأمريكية، وقد سقط نتيجة لهذه الأحداث 2973 ضحية، منهم 24 مفقوداً، فضلاً عن آلاف الجرحى والمصابين بأمراض، ونشأت حالة طوارئ عالمية، مخلفة حالة من الذعر والخوف، هذا الاختراق الأمني العميق، أدي إلى تقويض نظرية الأمن المطلق، وسقوط جدار الحصانة الأمنية عن الولايات المتحدة بسقوط البرجين المتهاويين أرضاً بفعل ارتطام الطائرات، واخترقت الإجراءات والاستخبارات الأمريكية، تلك العملية لم تكن ناتجة عن خطأ إنساني غير مقصود، بل عملاً متعمداً ومخططاً له تخطيطاً دقيقاً. ورغم التحذيرات التي قدمتها السلطات الأمريكية لإدارة الرئيس بوش الابن، التي صمت آذانها وأعاقت التحقيقات اللاحقة، ورغم هول الحدث، إلا أن الإدارة الأمريكية ؛ سارعت إلى استيعاب أحداث 11 سبتمبر في مخطط سياستها وأهدافها العالمية .

ووفق الرواية الرسمية للحكومة الأمريكية فإن 19 شخصاً على صلة بتنظيم القاعدة، نفذوا هذه الهجمات بطائرات مدنية مختطفة، وقد انقسم منفذو العملية إلى أربع مجموعات، ضمت كل منها شخصاً تلقى دروساً في معاهد الملاحة الجوية الأمريكية، وتمت أول هجمة في حوالى الساعة 8:46 صباحاً بتوقيت نيويورك، حيث اصطدمت إحدى الطائرات المخطوفة بالبرج الشمالي من مركز التجارة العالمي، وفى حوالى الساعة 9:03 اصطدمت طائرة أخرى بالبرج الجنوبي، وبعد ما يزيد على نصف الساعة اصطدمت طائرة ثالثة بمبنى البنتاجون، أما الطائرة الرابعة فقد تحطمت قبل الوصول لهدفها.

وكان لهول العملية أثر على حشد الدعم الحكومي لمعظم دول العالم للولايات المتحدة، أما في الدول العربية والإسلامية، فقد كان هناك تباين شاسع في المواقف الرسمية الحكومية مع الرأي العام السائد بالشارع الذي تراوح بين اللامبالاة والشماتة بسبب الغرور الأمريكي.

ومن أبرز خصائص هذا الحدث الآتي:

1- إن الهجوم أصاب مواقع حيوية واستراتيجية، أثرت على مكانة الولايات المتحدة الأمريكية وهيبتها، من الناحية الدولية، وانهارت معها المزاعم الأمنية الأمريكية، وهو ما دفع القيادة الأمريكية إلى القيام بمراجعة شاملة، لمفهوم الأمن الداخلي ومؤسساته، وبرامجه، ضمن استراتيجيات جديدة، تأخذ في حسبانها التهديدات الداخلية بالقدر نفسه الذي تأخذ به التهديدات الخارجية.

2- أن هذا الهجوم لم ينطلق من دولة معينة، ولم ينفذه عدد محدد يمكن الرد عليه وإلحاق الهزيمة به، بما يعيد للولايات المتحدة هيبتها ومكانتها، ولم يكن أمام الولايات المتحدة سوي إعلان الحرب على الجماعات الإرهابية، التي خططت لهذا الهجوم، وهذا يعنى أيضاً أن الرد لن يقتصر على هدف محدد يمكن القضاء خلاله على المجموعات المسؤولة عن الهجوم، وإنما يتعدى ذلك إلى ضرب مراكز تجمع هذه الجماعات داخل دول بعينها.

3- أن هذا الهجوم لم تتورط فيه دولة من الدول، لا بشكل مباشر أو غير مباشر - لأن حسابات الدول تختلف عن حسابات الأفراد، ولا توجد دولة من دول العالم الراهنة، يمكنها المجازفة بعمل من هذا النوع، مهما كان عداؤها للولايات المتحدة الأمريكية، وهذا يؤكد أن منفذي الهجوم ليسوا سوي أفراد ينتمون إلى فكر وعقيدة، ويتخذون مواقف حادة تجاه مسلك الولايات المتحدة الأمريكية : السياسي والعسكري.

4- أن الهجوم لم يأت من خارج الولايات المتحدة الأمريكية، وإنما من داخلها وعبر مطاراتها وأجهزتها المدنية المختلفة، مما نسف قدرات الأجهزة الأمريكية، كما أن الطريقة التي نفذ بها الهجوم، أذهلت الجميع وفاقت جميع التوقعات، كما أن الهجوم استهدف الولايات المتحدة الأمريكية، فقط دون غيرها من الدول ما يعنى أنها مستهدفة لذاتها كرد فعل على سياساتها ومواقفها.

5- أن هذا الهجوم أدى إلى استنفار في الساحة الدولية بلا استثناء للوقوف صفاً واحداً ضد الإرهابيين ومواجهة آثاره وتداعياته، خاصة أن بعض الدول توقعت أن يكون هذا الهجوم له امتدادات أخري، بحيث يمكن أن يشملها، وبحيث لا تستبعد تعرضها لهجمات مماثلة في المستقبل .

6- أن حادث 11 سبتمبر كشف عن أول خرق مدمر يتعرض له الأمن القومي الأمريكي، عندما ضرب في العمق الداخلي الأمريكي، وفي صميم رموز الهيمنة الأمريكية الاقتصادية (برج التجارة العالمي في نيويورك) والعسكرية (مقر البنتاجون في واشنطن)، في وقت كانت الولايات المتحدة تبشر فيه بأطروحتها (القرن الأمريكي الجديد).

وهنا استهلت الولايات المتحدة ردة فعلها تجاه الأحداث بالدعوة إلى تحالف دولي لدعم حربها الواسعة على الإرهاب، لذلك حملت التصريحات الأمريكية الصادرة عن كبار المسئولين، مثل كولن باول، وزير الخارجية الأمريكي، آنذاك، تهديداً مباشراً لأفغانستان ومطالبة الدول العربية بالتعاون معها وتزويدها بالمعلومات المتعلقة بالمنظمات الإسلامية .

علاوة على أن الولايات المتحدة قد استخدمت هذه الهجمات كغطاء لتنفيذ استراتيجيتها بعيدة المدي في ترسيخ هيمنتها على كل من الخليج وجنوب ووسط آسيا، وهى مناطق حيوية في الاستراتيجية الأمريكية ؛ علاوة على أن وسط آسيا يشكل أضخم مخزون نفطي معروف للطاقة في العالم . أما منطقة الخليج، فإنها إلى جانب أهميتها النفطية، تقع ضمن المنطقة العربية بموقعها الاستراتيجي، وبكونها مسرحاً الصراع العربي– الإسرائيلي، وهو صراع تمثل الولايات المتحدة أحد أطرافه الفاعلين. أما الهدف الإسرائيلي فهو سحب أيديولوجيا محاربة الإرهاب، والتي أفرزتها هجمات نيويورك وواشنطن، على حربها المستمرة لكسر شوكة المقاومة الفلسطينية .

بسبب الحرب على الإرهاب تجاوزت الولايات المتحدة قاعدة تساوي الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، ووضعت نفسها فوق الشرعية الدولية، وهمشت دور الأمم المتحدة في التعامل مع الأحداث الدولية، ورفضت الانصياع للحوار والتفاوض والتقيد بالقوانين الدولية وشرعت الولايات المتحدة في تصنيف الدول إلي إرهابية وغير إرهابية ومحور الشر وغيرها، هذا السلوك الانفرادي أضعف الدور القيادي ليحل محله الدور الأمريكي .

وفي هذا المقال نحاول بتوسع أن نبرز الغايات والأهداف التي من أجلها تمت أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وكيف استفزت الولايات المتحدة تنظيم القاعدة بقيادة "أسامة بن لادن "، من خلال تواجدهم على الأراضي المقدسة أثناء حرب تحرير الكويت إلى القيام بهذا الحادث الإرهابي، وكيف استفادت الولايات المتحدة من هذا الحدث، من أجل التمركز في آسيا، لتكون بجوار روسيا والصين، وما يتطلبه ذلك من أن يكون لها تواجد في أفغانستان يمكنها من السيطرة، وكذلك تفتيت الجيش العراقي والحصول على البترول بها، وهو ما تم فيما بعد، وكيف كان لأحداث 11 سبتمبر نتائج مأساوية وكارثية أصابت العالم العربي والإسلامي.

وللكشف عن الأبعاد الحقيقية لحادث الحادي عشر من سبتمبر، لا بد من مناقشة الفرضيات المختلفة التي طرحت لتحليل حادثة الحادي عشر من سبتمبر، وإحدى هذه الفرضيات تقول: إن الحادثة كانت من تخطيط مجموعة من المؤسسة الأمريكية تعرف بالمحافظين الجدد، وفرضية أخري تقول إن تنظيم القاعدة كان من القوة بحيث استطاع – وبتدريبات معقدة – أن يخطط لمثل هذه العمليات الواسعة والكبيرة، ويوجه هذه الضربة لأمريكا. وإلى ذلك هناك فرضية أخري تقول إن تنظيم القاعدة كان تحت نفوذ الولايات المتحدة، وما يقوم به هذا التنظيم - أراد أو لم يرد - كان يخدم أهداف التدخل الأمريكي في الدول الأخرى، مثل شفرتي المقص بصورة متضادة، ولكن حركتهما تؤدي إلى نتيجة واحدة، إضافة إلى فرضية ثالثة، وتتمثل في الأحداث تمت من تنظيم القاعدة بمعونة أخرين لهم بالولايات المتحدة . وللحديث بقية !

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

حسن العاصيفيما مضى، كان اعتناق الأفكار الماركسية أو الانتماء إلى اليسار فكراً أو تحزباً، يعني ببساطة الاقتناع والتصديق أن نظرية الاشتراكية العلمية هي المنظور الصائب الوحيد لتحليل حركة المجتمع، ودراسة التاريخ الإنساني، وفهم قوانين الصراع الطبقي لتغيير العالم نحو الأفضل. وأن انتهاء الامبريالية وإقامة مجتمع العدالة الاجتماعي قضية حتمية. كانت الماركسية تعني رفض منطق اقتصاد السوق الحر. وتعني النضال ضد الامبريالية والرجعية والصهيونية، ومواجهة الطغاة والديكتاتوريات وكافة أشكال الاستبداد والتعسف. تعني الوقوف مع الفقراء والمهمشين والدفاع عن مصالحهم.  والإيمان بالجدلية المادية ومنهجها. تبني الأفكار التنويرية الحداثية ورفض التخلف الفكري والطائفي والقبلي، أي التقدمية في مواجهة الرجعية. والدعوة لاستعمال العقل ومحاربة الخرافة. وبهذا أصبح كل من يلتزم بالفكر التنويري تقدمياً، والتقدمي لا بد أن يكون يسارياً حتى لو لم ينتمي لصفوف الكادحين، بصرف النظر عن الحزب الذي ينتمي له، شيوعيا أو اشتراكيا أو عماليا. وبهذا المعيار الأيديولوجي فإن صاحب الأفكار الرجعية والمتخلفة الذي يقف في وجه الحداثة، ومن ويدافع عن الاستبداد يكون يمينياً، حتى لو انتمى لطبقة العمال والفلاحين والكادحين.

هكذا كان حال اليسار قبل عقود من الزمن. لذلك يبدو سؤالي في نهاية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، عن ماهية اليسار ومن هم اليساريين، منطقياً ومشروعاً في سياق فهم وتحليل التناقضات والصراعات التي تجري في المنطقة العربية، والتحولات التي تسعى بعض القوى الوطنية والإقليمية والدولية إلى إحداثها، وما رافقها من اشتباهات والتباسات. أبرز هذه المستجدات التي أفرزتها الأحداث الجارية في العالم العربي منذ سنوات خلت، هو التحالفات الجديدة بين بعض القوى اليسارية مع القوى اليمينية، اجتماع وتلاقي مصالح اليسار واليمين، سقوط الصراع الفكري التناحري، وسقوط كافة قيم النظرية الماركسية التقليدية في قعر الانحراف والتشويه، عبر مواقف وآراء وتحالفات لأحزاب وتيارات يسارية مع اليمين الرجعي، وتلاقي مصالح اليسار التقليدي مع الطغاة وأنظمة الاستبداد العربي. هذا الأمر يضعنا أمام إشكاليات فكرية ونظرية غير مسبوقة في الحقيقة.

يسار ويمين

مصطلحان نظريان يعبران عن الانتماءات الأيديولوجية والفكرية والسياسية. أصلهما يعود إلى جلوس ممثلي الشعب في المجلس الوطني الفرنسي بصورة تدريجية على يسار رئيس المجلس أثناء مناقشة مستقبل البلاد العام 1789 بما فيها تحديد وضع الملك "لويس" السادس عشر، وكانوا يرغبون في تقليص صلاحيات الملك. فيما جلس ممثلي الاقطاع والنبلاء ورجال الكنيسة الذين يؤيدون بقاء الملك بكامل صلاحياته على يمين الرئيس. لذلك سمي الجالسون على اليسار تقدميون، والجالسون على اليمين محافظون، ومن هنا انبثقت تدريجياً وتبلورت فكرة أن كل من يريد ويطالب بمنح قدراً أكبر من الحريات للمجتمع هو يساري وتقدمي. وكل من يعارض التغيير ويريد الحفاظ على تقاليد المجتمع السائدة هو يميني محافظ.

يعكس التميز بين اليسار واليمين اختلافات أيديولوجية عميقة، هناك مفردات وافكاراً ذات طابع يساري مثل حقوق العمال والتقدم والإصلاح وإلغاء الفوارق الطبقية والتغيير الاجتماعي والسياسي والنضال الأممي. وهناك أفكار ارتبطت باليمين مثل التقاليد والقومية والاقتصاد الحر ورفض تغيير النظام السياسي والاجتماعي. ويطلق مصطلحا اليسار واليمين على تجمعات أو أحزاب أو أفراد ترتبط فيما بينها بمواقف ورؤى وأفكار وأيديولوجيات متشابهة، وما بينهما تقع القوى الوسطية التي تؤمن بالإصلاحات التدريجية للنظام.

أصبح هذان المصطلحان من أشهر المفردات في عالم الفكر والسياسة والاقتصاد، ويكفي ذكر أحدهما لتوصيف واختصار الافكار والمعتقدات والتوجهات للأفراد والجماعات والأحزاب والدول. ارتبط اليمين بحرية اقتصاد السوق وحرية الملكية والنشاط التجاري الذي يتيح النمو السريع للثروات. حين ظهرت الأفكار الماركسية والاشتراكية التصق اسم اليسار بها، على اعتبار أن الماركسية تدعو إلى إلغاء تدريجي للملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، وإلى إعادة توزيع الثروة الوطنية لتحقيق مبدأ العدالة الاجتماعية. ثم ظهرت مصطلحات جديدة ترتبط بالطيف الأيديولوجي والفكري نتيجة التشدد والتعصب الأيديولوجي والفكري وبسبب اختلاط وامتزاج الأفكار فتشكل أقصى اليسار، اليسار الراديكالي الثوري، اليسار التقدمي، يسار الوسط، واليمين ويمين الوسط وأقصى اليمين المتشدد، وعلى قمة هرم التصنيف اليساري يوجد الشيوعية، وفي قمة اليمين يوجد الفاشية والنازية.

فإن كنت من ممن يدعو إلى الحفاظ على قيم المجتمع التقليدية، ولا تمانع في وجود حكومة قوية واسعة السلطات، وكنت تدافع عن الحرية الاقتصادية الواسعة والضرائب الأقل فأنت يميني. وإن كنت مثلاً مع حرية السوق وتحديد سلطات الحكومة تصبح وسط اليمين، وإذا اعترضت أكثر تصبح وسطي.

أما إن كنت مع توسيع الحريات العامة، وإلغاء التفاوت الاقتصادي والاجتماعي، وسيطرة الدولة على الإنتاج تكون يسارياً. وإن كنت مع توسيع الحريات وتوزيع الحكم فأنت وسط اليسار، وإن طالبت بحريات أكثر تصبح اقصى اليسار. وإن كنت تنشد الوسطية بين دور الحكومة والقطاع الخاص فأنت وسطي تختار الطريق الثالث لا رأسمالي ولا اشتراكي.

حين نسمع في وسائل الإعلام مصلح يساري يطلق على أحد فهذا لا يعني بالضرورة أنه ماركسي، لكنه فرد يحمل أفكاراً سياسية أو ثقافية من الطيف اليساري عموماً. وإن قالوا فلاناً يمينياً فلا يجب أن يعني هذا أنه مع قيام دولة دينية ولكن مواقفه عادة تكون على يمين الطيف.

خلال فترة النصف الثاني من القرن العشرين تقلصت الفوارق بين الأفكار والبرامج اليسارية واليمينية، وضاقت الفجوة بسبب التحولات التي لمست البنية الاقتصادية والاجتماعية للدول الأوروبية وأدت إلى اتساع كبير في الطبقة الوسطى، وانعكاس هذا التحول على الخارطة السياسية. فنلاحظ إن كافة الدول الديمقراطية الغربية التي تتمتع باستقرار سياسي واقتصادي تحكمها غالباً قوى يسار الوسط أو يمين الوسط، ونادراً ما وصلت الأحزاب اليسارية المتشددة مثلاً إلى قمة السلطة، لكن السنوات الأخيرة شهدت صعود واضح لليمين المتطرف الذي وصل أو كاد للسلطة بمفرده أو عبر تحالف مع قوى يمين الوسط.

مشروعية السؤال

من البديهي طرح الأسئلة التي وثبت أمام العقل تطرق بابه بشدة، ولا زالت الأسئلة ذاتها دون إجابة برغم مرور ثلاثين عاماً على انهيار المعسكر الاشتراكي. وحتى لا نتوه كما تاه تحليل الرفاق عن المذهب، وتاه تفسير ورؤية اليساريين العرب وكل من كان يدعي أنه ينتمي للشعب والجماهير المضطهدة. فالمعركة في جوهرها ببساطة كانت ولا زالت بين الأثرياء والفقراء، بين المتجبرين والمضطهدين، بين من يملك كل شيء ومن لا يملك شيئاً. أسئلة تتمحور حول القضية الكبرى الهامة. كيف تمكنت الرأسمالية من امتلاك القدرة على الاستمرار، وماهي مكونات قوة الرأسمالية التي جعلتها تستمر وتتواصل كنظام اجتماعي وسياسي واقتصادي؟ لماذا انهارت رأسمالية الدولة في الاتحاد السوفيتي ودول المعسكر الاشتراكي؟ ما سر قوة حيوية الرأسمالية التي أتاحت لها تجديد وتحديث نفسها وأدواتها؟ هذه الأسئلة البديهية ورغم كافة المبررات التي ساقتها الحركة اليسارية إلا أنها عجزت عن تقديم تفسير علمي وإجابة واضحة لما حصل.

ليس هذا فقط. بل اثناء وبعد الأزمة المالية العالمية التي ضربت النظام المصرفي الكوني برمته في العام 2008 فقد التيار النيو ليبرالي توازنه الفكري وأضل الماركسيين الجدد رشدهم، ولم يستطيع الطرفان تقديم لا تفسير حقيقي ولا أفكاراً بديلة ولا معالجات للأزمة التي تضرر منها عشرات الملايين من المهمشين والفقراء حول العالم، أما فيما يتعلق بالماركسيين الأصوليين فقد أصابهم البكم والدوار ولم يتمكنوا من فهم ما جرى. أكثر من ذلك فإن كافة الأفكار والنظريات الاقتصادية التي تم نقاشها واعتمادها للخروج من الأزمة، هي نظريات غربية رأسمالية، ولم يرى أحد من المفكرين ضرورة ذكر كارل ماركس ونظريته الاقتصادية.

فيما يتعلق بحركة اليسار العربية فقد أصيبت بالجمود العقائدي والفكري، في منطقة عربية شهدت -وما تزال- تطورات وتغيرات نوعية وعميقة. لقد ارتبط تاريخ اليسار العربي بالأزمات منذ قبل الإعلان عن قيام "إسرائيل الصهيونية" والموقف من قرار تقسيم فلسطين الأممي رقم 181 الذي أصدرته الجمعية العامة للأمم المتحدة العام 1947 وموافقة الاتحاد السوفيتي عليه، ورفضه من قبل الشيوعيين الفلسطينيين والعرب. تكررت الأزمات حول الموقف من الرئيس المصري الراحل "جمال عبد الناصر"، والاختلافات بالموقف من الوحدة التي تمت بين سورية ومصر في العام 1958. ثم أزمة الموقف من قضية القومية العربية. وكذلك الخلاف بالرؤية الاستراتيجية في التيار اليساري العربي حول الثورة الفلسطينية المسلحة. أزمات متعددة حول قضايا عربية ودولية مهمة، وحول قضايا داخلية فكرية ونظرية وحزبية وسياسية متعددة ومتنوعة وشائكة، أدت إلى مسلسل من الانقسامات والانشقاقات أضعفت حركة اليسار العربية.

 

انسحال ثقافي

 شكلت الخمسينيات والستينيات والسبعينيات من القرن العشرين الفترة الذهبية للحركة اليسارية العالمية والعربية على المستويين الفكري والسياسي، حيث تميز اليسار العربي بأنه تيار يضم المثقفين والمناضلين. لكن هذه المكانة تراجعت كثيراً في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي، وأصيبت بضربة قاضية في بداية التسعينيات مع انهيار المعسكر الاشتراكي.

مع انحسار دور اليسار العربي وانعدام فاعليته، اهتزت صورة المثقف بصورة عامة، وتراجع حضور المثقف اليساري في المشهد العام، وتعرضت صورته للانكسار في نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحالي، وفقد المثقف اليساري بريقه وجاذبيته وقدرته على الفعل والتأثير، وذلك بسبب المستجدات السياسية دولياً والتحولات الكونية الكبرى التي هزت العالم، وأدت إلى انهيار دراماتيكي لدول المعسكر الاشتراكي، وانتصار الامبريالية على الشيوعية، وصعود تراجيدي للولايات المتحدة على قمة العالم.

هذه الأحداث والمتغيرات التي أصابت العالم والمنطقة العربية كانت مفاجئة لمعظم اليساريين العرب، حيث سار التاريخ كما لا يشتهون ولا يتوقعون ولا ينتظرون. وحصل عكس ما كان يبشّر به اليسار العربي من سقوط حتمي للرأسمالية وهزيمة الامبريالية والرجعيات العربية. اليسار العربي الذي أصابته صدمة التحولات المتسارعة -حينها- شعر بالخيبة الشديدة، وأن أفكاره قد خذلته ولم تتمكن من تحقيق تطلعاته. وصار مثل مغني ضرير ينشد لجمهور من الصم بعد أن انفض الناس عنه.

ليس المثقف اليساري وحده من تجاوزته الأحداث وأدوات العصر وعزلته، بل المثقفين عموماً غادروا مواقعهم الريادية وأصبحوا في الصفوف الخلفية، ويبدو أن المقام الجديد طاب لهم. فيما بعض المثقفين العرب تم توظيفهم من قبل الأنظمة كزينة سياسية. إن التطور السريع الهائل في وسائل الاتصالات وتقنيات المعلومات بطش بدور المثقف، ولم تعد المجتمعات تحتاج نبوءة المثقف وتوقعاته وقراءته للواقع. وحلّ التقدم العلمي في علوم الطب والجينات والفضاء والرياضيات والاقتصاد والفنون، مكان النظريات الفلسفية اليسارية التي كانت تسعى لإقامة عالم يتسم بالعدل والسعادة. وكما يتضح فإن الصناعات الدقيقة والابتكارات العلمية والأبحاث في قطاع تطوير الالكترونيات وتطبيقاتها، واقتصاد البيانات والمعلومات، هو ما يلائم العصر الحديث أكثر من الأفكار والنظريات الفلسفية والإنسانية، خاصة الحالمة منها والتي لا تمتلك أية فرصة للحياة. فيما ظل اليساريون ولا زالوا يناقشون أشكال الصراع الطبقي في كراريسهم المدرسية.

نكوص لليسار والمثقفين العرب

على رغم أن اليسار لم يكن كتلة موحدة على المستوى الفكري، إلا أن يسار اليوم عبارة عن حالة غير قابلة للتصنيف، فهو أصبح ذا تركيبة عجائبية غير متجانسة. إذ أن هناك تيارات متعددة منها التيار الماركسي اللينيني، التروتسكي، اليسار الراديكالي، اليسار الجديد، إلا أن هذه التيارات والجماعات اليسارية كانت تجمعها مفاهيم ترتبط بتحقيق العدالة الاجتماعية للبشر، وإعلاء قيم العدالة والمساواة، واحترام الحريات العامة، والإيمان بالديمقراطية وكافة المثل الإنسانية التي تحققت بفضل نضال البشرية ضد الاستغلال والظلم والجهل.

لكن أين اليساريين العرب اليوم من هذه المبادئ التي جسدت المعنى الحقيقي والفعلي للفكر اليساري؟

 في الحقيقة لا نجد إلا بقايا من المضامين الفكرية والأخلاقية اليسارية لدى من يطلقون على أنفسهم اليوم قوى اليسار العربي. فمعظم اليساريين في العالم العربي ابتعدوا بشكل واضج عن جذورهم الفكرية والنظرية. وظهر في ربع القرن الأخير تيار يساري أطلق على نفسه اليسار الجديد، هذا التيار يتبنى مفاهيم مختلطة ملتبسة وأفكار مبهمة ومعايير نظرية مزدوجة في الموقف والرؤية. وتمكن هذا اليسار بثوبه الجديد من صياغة تحالفات جديدة، وبناء علاقات مع قوى كانت تاريخياً في الموقع المعادي، وهذا يشكل نكوصاً فكرياً ونظرياً وإنسانياً وأخلاقياً لليسار العربي. حيث أن القيم والمثل والمبادئ التقليدية للتيار اليساري العربي أصبحت مذبذبة وباهتة واتخذت شكلاً هلامياً وضبابياً، وفقد هذا اليسار هويته التي كانت تميزه عن القوى الرجعية التي يصيغ معها الآن تحالفات خرجت عن أي سياق علمي وفكري وعقلاني.

اختلط في المنطقة العربية اليسار مع اليمين، الحداثة مع الفكر المحافظ، القليل من العلم والفكر مع كثير الكثير من الجهل والخرافة. امتزج الفكر المعرفي مع الانتماء القبلي والطائفي، اختلطت العلوم والفلسفة بالفكر المتشدد والتطرف. الثراء الفاحش مع الفقر والجوع، غاب التسامح والتعايش وحضر القتل والاقصاء بقوة. فيما معظم القوى اليسارية العربية تقوم بقراءة الواقع بثوب يساري ونظارة يمينية. وتنظر للمتغيرات في العالم العربي على أنها مؤامرة غربية، وتتخذ موقفاً مسانداً للطغاة العرب، وتدعم الأنظمة الاستبدادية، وتقف في وجه تطلعات الشعوب وحقوقها.

 وبذلك أسقط هذا اليسار كافة المفاهيم والمعايير التي كان يؤمن بها، وكانت لهم مرشداً في تفسير التحولات الاجتماعية والاقتصادية في المجتمعات البشرية. وتجاهل اليساريون العرب قوانين المادية الديالكتيكية والتاريخية، وقفزوا عن فكرة الصراع الطبقي، وتغاضوا عن الأسباب التي تقف خلف تطور المجتمع والإنسان، وتنكروا لتاريخ من النضال لأجل تحقيق العدل والمساواة ورفع الظلم عن الإنسان، بل تنكروا لأنفسهم في سبيل الحصول على بعض المكاسب السياسية أو الاقتصادية أو الشخصية من قوى وأنظمة كانت مصنفة تقليدياً في قاموس اليسار وفي المرجعيات الثورية، على أنها قوى رجعية وامبريالية.

اليسار العربي الذي عانى التهميش والاقصاء كثيراً من قبل الأنظمة العربية، وذاق اليساريين العرب حنظل الأمرين من قهر وقمع واعتقالات، هذا اليسار ذاته يقيم اليوم تحالفات سياسية مقدسة مع بعض تلك الأنظمة الطاغية وصلت لدرجة التبعية المقيتة. وصار اليسار العربي يجري تنسيقاً إعلامياً وسياسياً علنياً مع قوى رجعية وأنظمة طاغية، دون أن يتسبب ذلك بأي حرج للقوى "الثورية" التي تراجعت أولوياتها السياسية والاقتصادية والفكرية والاجتماعية، واختلطت شعارات اليسار مع مواقف اليمين، وتماهى خطابه أيضاً مع الخطاب الديني الطائفي لغوياً وتأويلاً وشعاراً، ومواقفاً متواطئة مع القوى والأنظمة المعادية للشعوب ومصالحها، ومعادية للحريات العامة والخاصة.

الصمت المريب المخجل من قبل معظم اليساريين العرب على الفجور الذي أبدته أنظمة الموت العربية، وحيال التحولات في المنطقة العربية، وعدم اتخاذ موقف واضح وجلي لا لبس فيه من المستجدات والتحديات التي تواجهها الشعوب العربية التي كانت في مركز اهتمام اليسار، بدا أن اليسار العربي كمن أضل دربه وفقد هويته وأضاع رأسه، فظهر بصورة مسخية مشوهة. فبدلاً من أن يقوم بدعم ومساندة الجماهير العربية وتأييد مطالبها، وقيادة الحراك الشعبي لوضعه في مسار ديمقراطي يؤدي إلى إنهاء الأنظمة الشمولية ذات الحزب الواحد والزعيم الواحد والفكر الواحد، والانتقال إلى النظام التعددي الديمقراطي، كمقدمة لبناء الدولة الوطنية الحديثة، فقد آثر اليسار أن ينصاع للسلطة السياسية الرسمية، ويُحجم عن دوره ويتنصل من مسؤوليته مما جعله خارج السياق التاريخي والاجتماعي والأخلاقي.

 

أهل الكهف

كما أسلفت فقد أحدث سقوط الشيوعية في الاتحاد السوفيتي إلى انقسام اليسار العربي بصورة غرائبية. تيار منهم تحالف مع الحركات الإسلامية بذريعة مناهضة الامبريالية والمشروع الاستعماري في المنطقة، ورويداً رويداً فقد هذا التيار ملامحه الفكرية والسياسية، وتماهى مع الإسلام السياسي بصورة تامة دون تحفظ. وتيار يساري عربي أخر كان معادياً بشدة بالأصل لكافة التيارات الإسلامية فتحالف مع التيارات الليبرالية الجديدة وانتقل من الماركسية إلى الليبرالية وأصبح متقلباً بأهوائه الفكرية، وبعض اليساريين أصبحوا ذيولاً للرأسمالية في يعض الدول العربية. ومع كل هذه الشقلبات لليسار العربي ظل يردد ويزعم أنه يسار ماركسي دون خجل. هذا اليسار الذي فقد فاعليته السياسية ثم فاعليته الفكرية ثم تأثيره الاجتماعي، وعانى من جفاف فكري وتصلب نظري حال دون أن يُقدم على مقاربات نقدية تُخرجه من مأزقه التاريخي.

هذا العطب الفكري الذي عانى منه اليسار العربي تسبب في تشويه هويته الأيديولوجية وملامحه النظرية، حيث فشل كمشروع عدالة اجتماعية، ولم يتمكن من التماسك إثناء وبعد التحولات الكبرى، وأخفق مرتين، مرة في مقاربته الخاطئة والقاصرة للنظرية في الواقع العربي، ومرة حين تاه وتشقلب بعد تفكك المركز ونشوء الحركات الإسلامية في المنطقة، وعدم تمكنه من إقامة علاقات وتحالفات مع هذه القوى الصاعدة بصورة لا تسيء لتاريخه، وخاصة قوى اليسار الفلسطيني واللبناني. هذه العلاقات تتناقض نظرياً مع ما يمثله مشروع اليسار ثقافياً واجتماعياً. لذلك اندثرت تجارب يسارية عديدة في العالم العربي دون عودة.

لم يسهم اليسار العربي في نقد الخطاب الديني بصورة راديكالية، باستثناء كتابات القلة من المثقفين اليساريين مثل "صادق جلال العظم". من الغريب أن يكون المفكرين العرب في العصور الإسلامية أكثر جرأة ووضوح في نقد الخطاب الديني من التيار الماركسي العربي في القرنين العشرين والحادي والعشرين.

لقد غابت ومسحت الفواصل والحدود بين التيار الماركسي العربي والتيارات الليبرالية والقومية والإسلامية واختلطت أفكارهما وامتزجت رؤيتهما وتماهت خطاباتهما.  كانت الشعارات الفكرية والسياسية التي رفعها الماركسيون العرب وكتبوا عنها في القرن العشرين -ولم يتحقق منها شيئاً- تنضح بمصطلحات التحرر والحرية والتقدم والديمقراطية والاشتراكية، حقوق العمال والمرأة وحكم القانون.. الخ. بينما انتشرت في الثقافة العربية خلال القرن الحادي والعشرين مفردات الجهاد وأهل الذمة والردة وبلاد الكفر ودار الإسلام.. الخ.

كان العرب يقرأون للكواكبي والأفغاني وطه حسين وخليل السكاكيني، أصبحوا لا يقرأون سوى كتب الغيبيات وخطب رجال الدين الذين أصبحوا أبطال المشهد الثقافي – أنا لا أعترض على هذا ولست ضد الدين- لكنني أدعو إلى تفعيل العقل النقدي لدى المثقفين، وعدم انصراف عامة الناس إلى ثقافة تفسير الأحلام والتنجيم ومطبخ أم فلان، حتى لا ينتشر الجهل أكثر ويتأصل في العقل العربي وينتصر على العقل والعلم.

في هذه البيئة المشوهة غير الصحية في المجتمعات العربية، كان اليسار العربي غائياً مغيباً نائماً مثل أصحاب أهل الكهف، ولو رفع رأسه قليلاً لرأى الخراب مجسداً في أكثر من مثال. ليس اليسار فقط، بل كافة التيارات القومية والليبرالية والعلمانية والديمقراطية والتقدمية العربية كانت غائبة في هذا المشهد القتالي. ضاعت الحدود واختلطت المفاهيم والمصالح والأهداف بين كافة القوى، وفقد اليسار هويته النظرية ولم يعد هناك فرقاً بينه وبين الليبرالي واليميني إلا في الشعارات. إن اليسار الذي يتحالف مع قوى رجعية ومع أنظمة استبدادية ليس يساراً حقيقياً. واليسار الذي لا يكون مستقلاً ويرضى أن يكون ذيلاً لهذا وذاك ليس يساراً. واليسار الذي يقف في وجه الجماهير ومطالبها في تحصيل حقوقها التاريخية يساراً مزيفاً. اليسار الذي يدافع عن الطغاة وعن الديكتاتوريات هو يسار منافق منحرف انتهازي. واليسار الذي يتماهى مع مجتمعه ويمتنع عن نقد الخرافة والأفكار الجاهلة لأسباب منفعية يكون يساراً مضللاً مخادعاً مداهناً. اليسار الذي لا يُحدث أي تأثير ولا يكون له فعل في رفع الوعي لدى الجماهير ونشر المعرفة وتحديث وتنوير المجتمع ليس يساراً صادقاً.

لا لون ولا نكهة

اليسار العربي تحول إلى حالة هلامية غير متماسكة ولا متجانسة ولا متصالحة، لا لون له ولا طعم ولا رائحة. يسار تعرض للتآكل لأنه غير محصن فكرياً، وأصابته الشيخوخة قبل أن يشتد عوده، ثم وهن وتلاشى فعله، وهو الآن يتحلل قبل أن يندثر تماماً.

والأمة العربية تمر بلحظات فارقة لا تجدي فيها الأحلام الثورية ولا الاختفاء خلف الشعارات والخطابات، على أمل أن يتغير الواقع وحده. هذا لن يحصل ما لم تتسلح النخبة العربية بالشجاعة للبدء في التغيير، وإزالة السدود الفكرية والسياسية والمذهبية والطائفية بين الناس لكي تعبر الأفكار ويختار الناس منها ما يمكنهم على بناء مستقبلهم.

الجماهير العربية التي كانت دوماً وقوداً للثورات والنضال ضد المستعمر، ينتظرون أن تقوم النخب والمثقفين باجتراح الحلول للإشكاليات حتى تحظى بالاحترام لمرة واحدة في عصر لا يعترف بأية بطولة ومجد وحسب ونسب سوى مجد التقدم العلمي والازدهار والعقل والتنمية.

 

حسن العاصي

كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدانمرك

 

 

 

ابراهيم أبراشالرئيس الفلسطيني أبو مازن حذر أكثر من مرة من محاولة نتنياهو تحويل الصراع من سياسي إلى ديني، وبدورنا سبق وأن حذرنا من محاولة إضفاء طابع ديني على الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وأن خصوصية الحالة الفلسطينية لا تحتاج لحركات إسلامية أو مشروع إسلامي بل إن هذه الاخيرة تشكل وبالا على الشعب الفلسطيني .

من خلال تحويل الصراع مع إسرائيل والصهيونية لصراع ديني تستطيع إسرائيل أن تحشد معها كل يهود العالم والأصولية المسيحية والانجليكانية المتصاعدة في الولايات المتحدة الامريكية والغرب عموما، كما تُظهر نفسها كدولة يهودية صغيرة يُحيط بها مئات ملايين المسلمين وآلاف الجماعات الإسلامية التي تهدد دولة اليهود بالزوال، بينما إضفاء البعد الديني الإسلامي على صراعنا مع الاحتلال لن يفيد الفلسطينيين بشيء، بل ومن خلال التجربة فإن سبع وخمسين دولة إسلامية تعداد سكانها أكثر من مليار ونصف المليار مسلم لم يفيدوا القضية الفلسطينية إلا قليلا بل أغلبيتها يعترف بإسرائيل ويقيم علاقات دبلوماسية وسياسية واقتصادية معها، ولم تفعل أنظمة هذه الدول شيئا سوى الاستنكار والتنديد فيما إسرائيل تواصل احتلالها وتتوسع بمشاريعها الاستيطانية وتدنس المقدسات وتعترف بالقدس عاصمة لها بدعم أمريكي الخ، كما رأينا كيف أن الإسلامويين ذهبوا (ليجاهدوا) في كل مكان في العالم إلا في فلسطين؟.

 إن كنا نقدر مشاعر وعواطف المسلمين تجاه فلسطين إلا أن السياسات والعلاقات الدولية لا تقوم على العواطف والمشاعر بل على المصالح وموازين القوى والممارسات الفعلية على الأرض، وكل صلوات المسلمين ودعواتهم للفلسطينيين بالنصر لن تحرر شبرا واحدا من فلسطين أو تُزيل سيطرة إسرائيل عن القدس والمسجد الاقصى، كما أن وضع الصراع في سياق ديني شجع إسرائيل لأن تعلن عن نفسها كدولة يهودية .

وعلى المستوى الوطني وفي سياق الصراع بين الديني والوطني أو القومي، وبالرغم مما آلت إليه الحال في الدول العربية والإسلامية من دمار وخراب نتيجة هذا الصراع إلا أن حركة حماس في فلسطين ما زالت مصرة على نسخ ما يجري في العالم العربي والإسلامي من وجود مشروع وطني ومشروع إسلامي وقوى وطنية وقوى إسلامية، بينما الحالة الفلسطينية مختلفة تماما حيث كل فلسطين تخضع للاحتلال وهو ما يحتاج لوحدة الشعب في جبهة واحدة لمواجهة الاحتلال، وبعد الاستقلال يمكن أن تتصارع البرامج والأيديولوجيات على السلطة في دولة مستقلة .

 إن تقسيم الشعب الفلسطيني إلى مشروعين متناقضين في ظل الاحتلال أدى إلى إضعاف الجبهة الداخلية بل وإلى ما يشبه الحرب الأهلية ثم آلت الأمور إلى ما نحن عليه من انقسام بل وفصل بين غزة والضفة وهذا ما كان يريده الاحتلال الإسرائيلي وما زال،  وهذا يعني أن الشعب الفلسطيني لا يحتاج لمشروع إسلامي .

وهكذا نلاحظ أنه في الوقت الذي تشعر به حركة حماس بنشوة النصر لأنها تسيطر على قطاع غزة وتجد قبولاً متدرجاً من أنصار لها في الخارج ممن ينتمون لنفس مشروعها الإسلامي بل وقبولاً أمريكياً وإسرائيلياً مشروطاً بوقفها للمقاومة المسلحة، وهو ما تحقق نسبيا في اتفاقية الهدنة في مارس الماضي، في هذا الوقت ينتاب الوطنيون الألم والغضب بل ويشعرون بمرارة الهزيمة لعدم انجاز المشروع الوطني التحرري حتى في حدوده الدنيا المتوافق عليها في دورة المجلس الوطني في الجزائر 1988 وهو دولة فلسطينية مستقلة في الضفة وغزة عاصمتها القدس وعودة اللاجئين الفلسطينيين، وفي الوقت الذي تجاهد فيه حركة حماس لتأمين رواتب لموظفيها وترسيم دولة غزة على حساب القضية الوطنية، تناضل منظمة التحرير وقيادتها من أجل القدس وحق العودة والحصول على اعتراف دولي بالدولة الفلسطينية .

ومع افتراض أن كل الأطراف الفلسطينية أخطأت، والأمر كذلك بالفعل،  فإننا اليوم أمام مشروع (إسلامي) تقوده حركة حماس ومشروع وطني عنوانه منظمة التحرير الفلسطينية بكل عيوبها، فهل يُعقل، وفي ظل تراجع وفشل الإسلاموية السياسية في المنطقة، أن نجر الشعب الفلسطيني ومنظمة التحرير إلى مربع الإسلاموية السياسية ونتخلى عن المشروع الوطني لصالح مشروع حماس الإسلامي وقد رأينا جميعا ما آل إليه حال حماس وحال سلطتها في قطاع غزة؟ وهل يُعقل ومن المصلحة الوطنية رهن القضية الفلسطينية بالإسلاموية السياسية وقد رأينا ما فعلته وتفعله في العالم العربي والإسلامي .

بالمنطق والعقل وبما تقتضيه المصلحة الوطنية يجب أن تعترف حركة حماس بخطئها وتنضوي في السياق الوطني ويكفيها مكابرة وخصوصا أن الشعب بات يدرك الحقيقة ويلمس حقيقة حماس وسلوكياتها وخصوصا في قطاع غزة، كما أن الإسلام جزء أصيل من المشروع الوطني ومتضَمَن فيه بينما الوطن والوطنية كدولة أو انتماء ليسا جزءا من المشروع الإسلامي .

في السياسة هناك ما يُسمى (الالتقاء وسط الطريق) بمعنى أن يعترف كل طرف – وفي الحالة الفلسطينية حركة فتح وحركة حماس - بخطئه ويمارس النقد الذاتي ويعتذر للشعب، هذا يساعد على أن يتنازل كل طرف عما كان يعتقده مسلمات أو خطوط حمراء، والتنازل لا يكون للطرف الآخر بل للمصلحة الوطنية، وبهذا يلتقي الطرفان وسط الطريق وفي مربع المشروع الوطني التحرري .

إن لم يحدث ذلك فسيستمر الانقسام ويستمر الصراع بين أنصار المشروع الوطني وإتباع المشروع الإسلامي الوهمي، وستستمر إسرائيل مدعومة بإدارة ترامب في ابتزاز ومحاصرة كل من أصحاب المشروعين، والأخطر من ذلك قد تنجح واشنطن بطريقة أو أخرى في تمرير صفقة القرن كأمر واقع وليس كمشروع سلام، والورقة القوية التي ستوظفها لتبرير موقفها هو الانقسام الفلسطيني وغياب عنوان فلسطيني يمثل الكل الفلسطيني من وجهة نظرها، ووجود جماعات جهادية مرتبطة بالإسلاموية السياسية في الخارج، وهو نفس المبرر الذي ستتذرع به الدول العربية المتساوقة مع صفقة القرن .

 

إبراهيم ابراش

 

 

صائب خليللا بد ان أعبر أولا عن اعجابي بالعبقرية الامريكية في صياغة اسم القانون، فأنا متأكد انهم يستطيعون ان يضعوا أي نص تحت هذا الإسم دون ان يثير أي احتجاج لدى نسبة عالية من الشعب العراقي، والذي تم إقناعه بأن الكارثة التي يمر بها بلده هي ايران وليست إسرائيل او اميركا، ولا آمل في هذه المقالة ان اقنع فرداً واحداً في هذه المجموعة بشيء، فهي منطقة لعب أمريكي حر فيما يتعلق بإيران. وتشمل هذه المجموعة كل الصدريين ومعظم جماعتنا السنة. اما الباقين الذين قد يريدون معرفة حقيقة هذا القانون الغريب الإسم، فهذا ما لدي عنه:

يعد ما سمي بقانون "منع الزعزعة الإيرانية لاستقرار العراق"(1)، اكثر اجراء امريكي في صلافته في التدخل بشؤون البلد وإلغاء سيادة حكومته منذ الاحتلال، ويمثل قمة المهانة التي بلغها العراق بحكومة عبد المهدي التي نصبها التحالف الصدري مع الحشد وبدعم المرجعية – عميلة مخجلة يحاول كل من الأطراف الثلاثة التنصل منها.

يمثل هذا القانون تهديداً مباشراً لأي عراقي يفكر في انتهاج موقف لا يناسب اميركا، وسكوت حكومة عبد المهدي- الصدر – الحشد – المرجعية، كان منتظراً رغم انها فضيحة كبيرة، لكنها بالتأكيد ليست الفضيحة الأولى، ومما لا شك فيه ان المزيد من الفضائح قادم.

يهدد القانون كل جهة "اجنبية" ارتكبت اعمال عنف تهدد استقرار العراق او تقويض عملية إعادة بناء اقتصاده أو "الإصلاحات السياسية"، او "يمثل وجودها احتمال" ارتكاب مثل تلك الأعمال، بعقوبات مالية أمريكية لحجز أموالها (وغيرها). وكذلك كل من ساعد مثل هذه الجهات مالياً او تقنياً، او كان تابعاً لجهة اجنبية تقوم بمثل ذلك.

ونلاحظ إضافة الى صلافة التدخل في سيادة البلد على مواطنيه، أن غموض وعمومية التعابير تتيح للحكومة الامريكية صلاحيات "قانونية" لا يملكها إلا الخارجين عن القانون! فالقانون من الناحية العملية يهدد كل من يختلف مع سياسة اية حكومة ترعاها اميركا (مثل حكومة عبد المهدي) بالعقوبات، إن تم اعتبار ما يعترض عليه هذا المختلف، "إصلاحات سياسية" أو "إعادة بناء اقتصاد" تقوم به الحكومة!

ولنلاحظ أن القانون موجه لـ "الجهات الأجنبية"، أي غير الأمريكية، وهذا ما يشمل المواطنين العراقيين. وتعبير "كل من ساعد مثل هذه الجهات" .. "او كان تابعا لجهة اجنبية"، ينطبق على العراقيين ايضاً، ويمكن لأية إدارة أمريكية ان تعتبر من تشاء من العراقيين "تابعا لجهة اجنبية" (أي ايران) حسب الحاجة! أي يمكن لأية إدارة أمريكية ان تعاقب أي عراقي يعترض على أية حكومة عميلة تضعها على العراق. وهكذا تنتفي الديمقراطية عملياً وتحجب قدرة الشعب على محاسبة الحكومة إن كانت تلك الحكومة تابعة لأميركا!! وطبيعي ان القانون مهين للعراق بشكل لم يسبق له مثيل إذ يجعله بكل معنى الكلمة "محمية" أمريكية، عدا انه يمثل تهديداً لجميع المواطنين العراقيين.

وكما أوضح النائب السابق عبد الرحمن اللويزي حول اصل هذا القانون (انقلها موجزة بتصرف) أن أوباما وقع ما يسمى بقانون "ماغنسكي" في نهاية 2012، يتيح لأميركا (التدخل بالشؤون الروسية بحجة) معاقبة الساسة الروس المسؤولين عن وفاة سيرغي ماغنيتسكي. وفي 2016؛ أصدرَ الكونغرس القانون بعدما وسّع بنوده ليسمح لحكومة الولايات المتحدة بمعاقبة المسؤولين الحكوميين الأجانب المتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان في أي مكان في العالم. .

وأوضح اللويزي في لقاء تلفزيوني أن القانون انتهاك صريح لسيادة الدول الأخرى. فلكل دولة سيادة على مواطنيها في داخلها وخارجها وهي المسؤولة عنهم ولا يحق لأية دولة أخرى معاقبتهم (خاصة ان لم يكونوا على أراضيها).

ان امتلاك اميركا لمفاصل الأنظمة المالية العالمية يجعل من مقاطعتها خنقاً دولياً بحق. إضافة الى ذلك فأن بعض البنوك خارج اميركا قد تم فرض بنوك أمريكية مراسلة لها، ومنها البنك التجاري العراقي، والذي فرض عليه الاحتلال الأمريكي اشتراط اقتصار التحويل الخارجي لأي مبلغ اكثر من حد اقصى معين، ان يكون من خلال بنك جي بي موركان الأمريكي. وقد كان هذا الترتيب هو ما استخدم من اجل منع العراق من دفع ثمن الغاز الى ايران.

كذلك فقد يكون هذا القانون مجرد مقدمة لما هو اشد، وان كلماته اختيرت بهذا الشكل لكي لا تثير الكثير من الضوضاء، وقد يتبعه تعديلات لاحقة بشكل اضافات تجيز عقوبات أخرى كتوجيه الضربات العسكرية، او ربما الاعتقال الخ.

ومن المؤكد ان القانون سوف يستخدم كوسيلة لتثبيت الفساد ووضعه في خدمة أميركا. حيث سيشعر كل من ارتكب عملاً فاسداً بأن عليه ان يرضي الأمريكان في كل ما يريدون، حتى بخيانة وطنهم خيانات عظمى مثل دعم داعش أو غيرها من المنظمات الأمريكية الإسرائيلية، ان تطلب الأمر. كذلك سيتوجب على جميع الأثرياء وأصحاب السلطة او من يطمح اليها ان يبدي عداءه لأي مشروع تحرري من السيادة الامريكية على العراق، مثل مشروع قانون لسحب القوات الأمريكية من العراق، او التعاون مع أية دولة أخرى من اجل دفع اميركا لتفعل ذلك. وبالطبع لا يوجد ما يمنع ان يسخر القانون لتقديم خدمات مماثلة لعملاء اميركا سواء في الداخل أو الخارج (مثل الأردن او تركيا) بالضغط على الحكومات العراقية القادمة وعلى أصحاب المال والسلطة في البلد لتمرير مصالح هؤلاء، وبالطبع، على حساب مصالح الشعب العراقي وسيادته.

وبالفعل لقد استخدم القانون لدعم مشروع أمريكي خطير في التدخل في العراق هو مشروع صهينة سهل نينوى الذي سنكتب عنه غداً. حيث يسعى المشروع بالتعاون مع هذا القانون الى الهجوم على الحشد، من خلال التطبيق الأول لذلك القانون، فقد استهدف اثنين من الحشديين المسيحيين الرافضين لتلك الصهينة، من بينهم آمر «اللواء 30» في «الحشد الشعبي» (لواء الشبك)، المنتشر في منطقة سهل نينوى، وعد قدّو، وقائد «كتائب بابليون» (قوة من المسيحيين الكلدان تعمل ضمن صفوف «الحشد»)، ريان الكلداني.

من الناحية العملية، القانون تهديد مباشر لكل من سيعترض مستقبلا على الخصخصة مثلاً باعتبارها "إصلاحات" اقتصادية. وإن شعرت حكومة عبد المهدي بالاطمئنان الكافي للبدء بعلاقات مع إسرائيل اسوة ببقية عملاء المنطقة، فيكفي ان يعتبر ذلك "إصلاحات سياسية" لكي يتم حمايتها من أي اعتراض واعتبار أي معترض تابع لجهة يمثل "وجودها" تهديدا لاستقرار الحكومة العراقية. كذلك فأن أي اعتراض على مشاريع السوق الحرة مع الأردن أو حتى مع إسرائيل مباشرة او إيصال النفط اليها من خلال أنبوب العقبة، يمكن ان يعتبر عملا يستوجب العقوبة. وبشكل عام سيكون اصعب على الشعب العراقي ان يمارس سلطته الديمقراطية على حكومته، أو حتى ان يدافع عن مصالحه داخل بلده.

 

صائب خليل

..............................

(1) Preventing Iranian Destabilization of Iraq Act of 2017

https://www.congress.gov/bill/115th-congress/house-bill/4591?q=%7B%22search%22%3A%5B%22h+con+res+107%22%5D%7D

 

محمد العباسيهل نتعلم الدرس ولو بعد حين؟ لقد ماطلت الجمهورية الإيرانية لسنوات عديدة، بين "كر وفر"، وتأجيل وتردد، والتلميح بالتقدم خطوة للأمام والتراجع خطوتين للوراء، حتى ملت الأمم من مناوراتها بشأن برنامجها النووي "البعبع المزعوم".. ثم نالت مرادها بعد طول صبر و"تضحيات".. ولا أظنها تنازلت عن أي شيء ذو أهمية مقابل فك الحصار عنها رغم عناء الشعب الفارسي من طول الحصار.. وتم استرجاع ملايينها المجمدة لدى البنوك منذ أوائل الثمانينات من القرن الماضي.. ملايينها التي تضاعفت وتكدست في البنوك بفضل الأرباح البنكية طوال تلك المدة.. لتنال الأجندة التوسعية جائزتها الكبرى.. وترسم لنفسها وكل من يتبعها خط سير وخارطة طريق للمناوشات والمناورات التكتيكية في عمليات المفاوضات للخروج من أزماتها السياسية مع العالم! ربما هذه الأيام رجعت إيران تعاني مع سياسات "ترامب"، لكن لعبتها التفاوضية لن تتوقف.. وستعود، وهكذا قد بدأت ثانية بالمناوشات والتهديدات وجس النبض مع الأوروبيين، لتدور بالعالم من جديد في فلك المناورات والدهاليز السياسية، والمهاترات السقيمة، والمفاوضات العقيمة!!

إنها فلسفة التلاعب بالوقت.. إضاعة الوقت.. حتى تصبح كل المسائل عائمة في الوقت الضائع.. ثم وقبل كل اجتماع مقبل قد تخشى إيران أن يكون العالم قد فقد صبره، يخرج علينا أحدهم ليعلن شيئاً يبدو في نبرته بعض التنازل، كما يفعل "ظريف" هذه الأيام.. فتتغير نبرات الأمم من حولها أملاً في الحل السلمي.. ثم يخرج علينا شخص آخر من النظام ليشكك في أقوال الأول.. لجس النبض العام.. وأخيراً يأتينا من ينكر كل ما قيل، ليدخل العالم في متاهات بين كل ما قيل ويقال وتحليل الأقوال، وربما حتى الدخول في تحليلات وتنبؤات هوجاء بأن النظام يعاني من أزمات داخلية وخلافات وصراعات، لذا لا بد من الصبر قليلاً حتى تتضح الأمور!!

وها هو النظام السوري من جهة والحوثيون من جهة أخرى، يمارسان ذات التكتيكات الفارسية والدخول في نفس المتاهات في كل حواراتها المعنية بترسيخ السلم وحل الأزمتين السورية واليمنية.. تتقدمان شكلياً خطوة واحدة.. ثم تعلقان تلك الخطوة بالتراجع عدة خطوات.. وفي ذات الوقت لا تلتزمان بأي من الاتفاقات الموقعة بشأن الهدنات وتستمران في القصف والقتل والخطف.. لتدفعا بالأطراف الأخرى نحو اليأس والانسحاب من المفاوضات.. انه نفس الإسلوب وذات الفلسفة الإيرانية، التي تمنح الجهات الدولية المعنية بعض الأمل الزائف لتأجيل قيامها بتطبيق أي عقاب للنظام تحت بنود قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن وإن كانت تحت البند السابع! وكلما وجد النظام السوري مثلاً أن هلوسته السياسية ناجحة في "لخبطة" الأوراق، يتمادى أكثر ويستمر بالقصف وإخراج كل ما بجعبته من الأسلحة المحرمة ضد شعبه.. والأمم تتفرج وتنتظر أن يعود هذا النظام عن "اللامنطق" الذي يدفعه لقتل شعبه من اجل عيون "رجل واحد أوحد"!!

كذلك هو الوضع مع الأزمة اليمنية مع الحوثيين الانقلابيين، وهم بالأساس من الطائفة الزيدية التي باتت تتطاول على علماء الزيدية، بدأً على يد السيد "حسين بن بدرالدين الحوثي" بعد تتلمذه في "قم" وتحوله إلى "الإثني عشرية" الموالية للولي الفقيه في إيران .. فبرغم الحروب التي شنها ضدهم المخدوع "علي عبدالله صالح" لسنوات عدة، بات بعدها من منطلق المصالح داعماً لانقلابهم على السلطة الشرعية وصار يمدهم بالجنود والسلاح، حتى انقلبوا عليه واغتالوه.. وباتت الحركة تمارس اليوم نفس سيناريو التفاوض "الإيراني" الممل والمتكرر بذات الصياغ ونفس الأسلوب المماطل.. وكل يوم يمضي يدفع ثمنه العشرات من المواطنين الأبرياء ولا من مجيب. أنها الفلسفة الفارسية الطائفية التي عبر التاريخ وهي تؤدي إلى القضاء على الآمال وتنقلنا من أزمة تلو أزمة لمزيد من الدمار والخراب.. إضاعة للوقت مع الاستمرار في القتل والتدمير.. مع العمل على التلميح بالرضوخ للضغوط الدولية.. ثم الإيحاء بوجود خلافات داخلية، بينما إيران تستمر بمدهم بالسلاح وعبر كل المنافذ المتوفرة.. وإن كانت في اليمن عبر تنظيم القاعدة في "حضرموت"! ولا ننسى بأن قادة القاعدة يعيشون في كنف وحماية إيران حتى يومنا هذا!!

و ها هو العراق اليوم، مثال آخر للتخبط وتكرار المجازر التي ما انفكت منذ القضاء على الدولة العباسية على يد "هولاكو".. والتاريخ يشهد للدور الطائفي في إضعاف حكم آخر العباسيين (المستعصم بالله) على يد وزيره الخائن "ابن العلقمي" وتمهيده للسقوط والانقراض! عراق اليوم ضحية للتخاذل الدولي عنه بعد التدخل الأمريكي السافر عليه بدون وجه حق، وبذرائع كاذبة ومعلومات مخابراتية ملفقة.. ومن ثم تقديمه لقمة سائغة لـ "المالكي" و"الجلبي" وسواهم من المرتزقة العراقيين (الفارسيين الهوى والمذهب) ممن باعوا ضمائرهم بعد أن هيئتهم ودفعت بهم إيران لتدمير وطنهم وسرقة مدخراته والقضاء على عروبته.

منذ أيام ليست ببعيدة شعرت الدولة الفارسية ببعض الاهتمام بضحايا المناطق السنية في "الأنبار"، فحشدت حشودها الطائفية لضرب عصفورين بحجر.. طرد الدواعش ثم إخلاء تلك المناطق من سكانها، بالترهيب والتهديد وعبر بث صور للتمثيل بجثث بعض المواطنين هناك.. ثم جاء دور "الفلوجة" وقضية حصارها الجائر بين نارين، الدواعش من ناحية والحشود العراقية من ناحية.. فلما شعرت ببعض الالتفات الدولي نحوهم أثار أتباع إيران من قادة الحشود والعصابات والأحزاب الأخرى أزمة سياسية وبرلمانية لتشغل العراقيين والعالم عن متابعة أخبار أهالي "الفلوجة" الجياع.. ذات السياسة والفلسفة الفارسية في إضاعة الجهود والوقت والدوران في حلقات مفرغة بينما أهل العراق يموتون جوعاً وقتلاً بين المطرقة والسندان!!

وها هم الفرس تارة أخرى، يتلاعبون بالمصير اللبناني عبر أداتهم الغليظة المتوشحة بعباءة الدين تحت اسم "حزب الله".. وتاريخ هؤلاء المحسوبين علينا رجال دين يكشف لنا كم هم متورطون في مجازر واغتيالات وعمليات خطف طائرات.. بل وعمليات غسيل أموال والتجارة في المخدرات من "ليتوانيا" مروراً بأوروبا حتى "غواتيمالا".. أما في الداخل اللبناني فذلك حديث آخر.. فموقع "نيوزماكس" الأمريكي نشر منذ سنتين تصريحاً مفاده أن هنالك إثباتات على أن اغتيال الرئيس "رفيق الحريري" تم على يد القوى الإيرانية وحزب الله بقيادة "حسن نصر الله" و"عماد مغنية".. وأضاف الخبر حينها بأن المحكمة الدولية ستوجه اصبع الاتهام إلى المرشد الأعلى للثورة الإيرانية "علي خامينئي" شخصياً على أنه يقف وراء اغتيال "رفيق الحريري" حيث أن الأوامر لتنفيذ عملية الاغتيال حولت من إيران إلى "عماد مغنية" من حزب الله الذي أُعّد بالتعاون مع مساعد له طاقماً لتنفيذ عملية الاغتيال في قلب بيروت.. من أجل تمكين "حزب الله" من السيطرة على لبنان.. وكان لهم ذلك!

الوضع السياسي في لبنان يعيش مأساة حقيقية.. فتنة طائفية تمزق لبنان الذي يعيش منذ زمن بلا رئيس قوي ولا ثقل ولا حكومة ذات صوت مسموع.. الكل خائف من العودة إلى مربع الحرب الأهلية بسبب مواقف "حزب الله" من الأزمة السورية من جهة، وتطاولها ضد "دول مجلس التعاون الخليجي" بالذات بعد أن "تجرأت" دول الخليج على تصنيف "حزب الله" كجماعة إرهابية.. والحكومة اللبنانية "المهزوزة" تحاول قدر الإمكان إنقاذ جبهتها الداخلية من ردود الأفعال والتطورات الغير محسوبة من قبل "حزب الله" وفريقه.. في حين يدرك الجميع بأن الحزب يستخدم الحوار ومشاركته في الحكومة الهشة كغطاء لكل ما يقوم به من جرائم وإرهاب!

يبدو جلياً لكل عاقل بأن لإيران أنياب في لبنان تعمل على خلع عروبة لبنان والزج به تحت العباءة الفارسية رغماً عنه.. عملية فصل للبنان عن واقعه العربي للربط بين طرفي الهلال "الشيعي" الموالي لولاية الفقيه، الممتد على امتداد شمال شبه الجزيرة العربية، من مدينة "قم" مروراُ بالأهواز العربية وبغداد ودمشق حتى بيروت.. والعرب لا يزالون يتكلمون بلغة السياسة الناعمة والأمل أن تعود إيران إلى رشدها والكف عن خططها.. وكيف لدولة تتبع في سياساتها لغة الدين وضرورة إتباع الأوامر "الإلاهية" التي تنزل على الولي الفقيه الذي لا تجوز مخالفته ولا الشك في أقواله المعصومة، كيف لمثل هذه الدولة أن تتبع أي منطق غير منطق ولائها التام لولاتها؟ إن أكثر ساستها علماً وعقلاً ومنطقاً لن يجرؤا للحظة على مخالفة أمراً واحداً من أقوال سادتهم المعممين الذين أضفوا على أنفسهم صفات الألوهية والنبوة والعصمة من الأخطاء!!

ألا ترى إيران أن كسب ود جيرانها العرب سيأتي عليها بخير أضعاف ما قد تعتقد عبر محاولاتها الإرهابية تجاههم؟ ألم تتعلم إيران من كل تاريخها بأن للسلام مكاسب أعظم من كل الخلافات والحروب؟ ألم يعد للمنطق السليم موقع في قاموس الفرس تجاه سياساتها "المغرورة" في حين أن أغلب الشعب الإيراني يعيش دون أدنى الحقوق المدنية؟ ربما قالها السياسي النيابي اللبناني "أحمد فتفت" في سطر ما يمكن وصف "حزب الله" ومن خلفها الحكومة الفارسية وكل من يتبع خطاهما الغوغائية: "إن من يمارس إرهاباً سيُصنف إرهابياً".

 

د. محمد العباسي - أكاديمي بحريني

 

مصطفى محمد غريبكانت الحروب على امتداد التاريخ البشري الداء الذي لا يفتك بالبشر فحسب بل في كل ما أنتجهُ وبناه البشر من تقدم صناعي وتكنولوجي واقتصادي وثقافي واجتماعي وأخلاقي، وعلى الرغم من اختلاف أهدافها عبر التاريخ البشري منذ العبودية والبربرية مروراً بالتشكيلات الاجتماعية، فان الحرب في زمن الرأسمالية طور جديد ورؤيا قاعدتها الاقتصادية طبقية أيضاً هي أبشع مأساة حلت لأنها حملت آليات للموت جديدة ومتطورة تختلف عما سبقتها ومن بينها أسلحة الدمار الشامل، " وهورشيما وناكازاكي والأسلحة الكيمياوية" في اليابان وغيرها دليل لا يمكن دحضه أو تنساه الإنسانية حتى يوم القيامة كما يقال!، مع العلم أن البشر هم من اخترعوها واستعملوها في عهد الراسمالية الأمريكية وبأمر من الرئيس الأمريكي الأسبق هاري تورمان، "لن نتحدث عن النتائج والمشاكل المستعصية والآثار الكارثية التي خلفتها القنبلتين فما كتب عنها وما زال أطنان من الكتب والورق والأفلام المصورة وغيرهم". واستمرت رحى الحرب بقيادة الولايات المتحدة تتنوع وتنتقل من مكان إلى آخر، وعلى ما يظهر أن الحرب الذي وعد بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هي بالمعنى الصريح لا تختلف إلا بشكل جزئي عن الحروب السابقة، حرب الضغط والحصار الاقتصادي وصولاً للحرب العسكرية المشفرة حسب توقيتات وحسابات وزارة الدفاع والمخابرات المركزية الأمريكية،

ومثلما حدث لأي حرب شنتها على الرغم من اختلاف الزمن والطريقة فان الإدارة الأمريكية يبقى لها هدف محدد واحد في كل الأحوال وهو انطلاقاً للحفاظ على المصالح الآنية التي ممكن التكتيك فيها ومصالحها الثابتة التي تعتبر خطها الأحمر لا يمكن التنازل أو المساومة حولها وتفعل المستحيل للكيل بمكيالين فتغض النظر عن القوى والحكومات السائرة في ركابها لا بل تعمل بجهدٍ لتبرير الجرائم والمواقف المضادة بما فيها خرق حقوق الإنسان والتجاوز على الحريات وإلغاء أي متنفس صغير للديمقراطية، وتقف بالضد بشكل مكشوف ضد البعض من الدول التي تتناقض سياستها مع المصالح الثابتة للولايات المتحدة الأمريكية، أذن كما معروف للجميع أن سياسة الدول الرأسمالية الصناعية الكبرى الاحتكارية تجاه ضوابط السوق والمصالح المتبادلة في داخل كل دولة على حدة والمصالح العامة التي تجمع هذه الدول في دائرتها الاستغلالية لنهب وسرقة البلدان الضعيفة بجانب استغلالها شغيلة اليد والفكر داخل بلدانها ، فالاستغلال هو الاستغلال لا يمكن تبريره بشيء آخر، داخلياً من خلال إخضاع شغيلة اليد والفكر وسرقة قوة عملهم وفكرهم ثم التوجه للهيمنة على الأسواق والصراع حولها بين أقطاب الراسمالية التي لا تتوانى من إشعال حرب ضروس مع الدول الأخرى، ولنا مثال حسن في الحرب العالمية الأولى ثم الحروب التي شنتها على دول عديدة في آسيا وأمريكا اللاتينية وأفريقيا ، وما زالت الذكرى طرية في حروب إسرائيل على الشعب الفلسطيني والدول العربية (وهذا لا يعفي دور الحكام الذين هم في دائرة الإدارة الأمريكية وبريطانيا وغيرهما) كما أمامنا الاحتلال على نطاق الدول العربية والتقاسم الذي اغتنمت منه بريطانيا وفرنسا ثم ايطاليا ولحقهم في الركب الولايات المتحدة الأمريكية وحروبها الكارثية التي شنتها تحت حجج غير مقنعة حتى لحلفائها على الدول وهيمنتها على اقتصادياتها الوطنية.

من هذه الناحية كنا قد حذرنا النظام العراقي الدكتاتوري السابق من كارثة الحرب ونتائجها التي كانت تعدها الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها حتى ضد المجتمع الدولي، ونرى الآن نتائج احتلال العراق وتدخلات الولايات المتحدة في الشؤون الداخلية لكثير من دول المنطقة، ومن النتائج المأساوية ما دفعه العراق من أموال تعد بالمليارات للذين تضرروا نتيجة سياسة حكومته السابق ومازال يدفع مثلاً للكويت بسبب الحرب والاحتلال الذي تعرضت له الكويت في زمن الدكتاتوري صدام حسين، ذكرت البعض من المصادر أن لجنة الأمم المتحدة دفعت تعويضات لشركة " البترول الوطنية الكويتية مبلغاً وقدره 270 مليون دولار" وهناك حوالي (100 طلب تعويضات قدمتها البعض من الحكومات والمنظمات الدولية، وتؤكد المصادر" ما زال يتعين دفع حوالي 3.7 مليار دولار من مطالبتها البالغة 14.7 مليار دولار عن خسائر إنتاج النفط والمبيعات الناتجة" عن أضرار حرب الخليج واحتلال الكويت وتعتبر لجنة الأمم المتحدة للتعويضات، مسؤولة عن طلبات التعويض النابعة من غزو العراق للكويت 1990 -1991 " هذا جزء يسير من نتائج البعض من الحروب، أما الحقائق والديون والتعويضات فهي اكبر وأوسع مما يتصوره المرء وكلفت العراق ومازالت تكلف الكثير والتي تدفع من خيرات وثروات الشعب الذي يعاني من الفقر وتدمير البنى التحتية والدولة ومن مخلفات النظام السابق والحالي والحروب الداخلية والخارجية السابقة وحروب التدخل والإرهاب " القاعدة وداعش "والميليشيات المسلحة الطائفية وتبعيتها الخارجية ومرتزقة الفساد الذين يعششون في أجهزة الدولة.

إن الخلافات والتهديدات التي ظلت تتراوح بين الولايات المتحدة وحكام إيران مستمرة منذ فترة وهي تتصاعد حيناً وتخف حيناً، ونعرف مدى جدية التهديدات بشن الحرب على الرغم من كل شيء وعلى الرغم من الهدوء النسبي الخاضع للحسابات عن الربح والخسارة، فشرارة الحرب أي حرب تبدأ من القدحة الصغيرة جداً لتحويلها إلى لهيب يحرق الأخضر واليابس، بخاصة نحن نتابع ما يجري في مياه مضيق هرمز والتحشيد العسكري الأمريكي والبريطاني ، وسلوك حكام طهران وكأنهم يسعون لاندلاع الحرب بينما العالم اجمع ينتظر ما ستؤول إليها الأوضاع بعد احتجاز الناقلات النفطية وأخرها " ناقلة نفط تحمل علم المملكة المتحدة!!" واشرنا والقوى الخيرة في العالم أن يترك حكام إيران النهج والسلوك العدواني خوفاً على شعوب المنطقة وفي مقدمتهم الشعب الإيراني الذي سوف يدفع الثمن باهظاً، وليأخذ من العراق وشعبه خير برهان ، وتتولى الإحداث بإعلان من الجانبين حول إسقاط طائرات مسيرة في منطقة الخليج وصرح مؤخراً الجنرال كنييث قائد القيادة الأمريكية الوسطي بأن سفينة حربية أمريكية "ربما أسقطت طائرتين إيرانيتين مسيرتين في منطقة الخليج الأسبوع الماضي" وهناك تصريحات عسكرية إيرانية حول إسقاط طائرة أمريكية مسيرة، وازدحم الخليج العربي بعشرات البارجات وحاملات الطائرات والسفن الحربية الأخرى ، إنها مظاهر الحرب التي تذكر شعوب المنطقة والعالم بالحروب التي اندلعت في الخليج منذ الحرب العراقية الإيرانية ، حكام إيران يتصورون أن الحرب نزهة أو هم يحاولون خداع الشعوب الإيرانية بأنهم " المنتصرون في الحرب " على أمريكا وحلفائها بذلك يلعبون لعبة اخطر ما فيها وقف تدفق النفط من مضيق هرمز وحاولوا التعرض لأنبوب النفط السعودي في أيار السابق، وأشارت البعض من الصحف الأمريكية بان الهجمات مصدرها العراق بينما كان الظن يتجه للحوثيين في اليمن والذين هم حلفاء إيران" وقالت "وول ستريت جورنال"، في موقعها الإلكتروني، إن مسؤولين أمريكيين (لم تسمهم) خلصوا إلى أن الهجمات بطائرات مسيرة على صناعة النفط السعودية في مايو/ أيار الماضي، كان مصدرها العراق وليس اليمن" وهو اتهام خطر لجر العراق لساحة الحرب من جديد، ثم إشعال حرب شرق أوسطية لا يمكن استبعاد إسرائيل من الخوض فيها بحجة البرنامج النووي الإيراني والادعاء بالإرهاب الفلسطيني، وحزب الله اللبناني والميليشيات الأخرى التابعة لإيران والخاضعة لأوامرها . بينما نلاحظ طريقة معالجة موضوعة التهدئة لحل الخلافات أخذت منحاً تصاعدياً في خطف ناقلات النفط للوي الأذرع وإدخال أكثر من طرف دولي في لعبة التهديد بالحرب ليس على نطاق إيران فحسب إنما على نطاق المنطقة، وحسب تهديدات إيران بقصف المنشآت والآبار النفطية ومحطات تنقية مياه البحر ومنشآت شتى بحجة ضرب المصالح الأمريكية، وهذا التهديد إن نفذ فهو يعني إدخال دول المنطقة في أتون حرب واسعة وتدخل أطراف عديدة بينما حكام طهران أو الإدارة الأمريكية بمنأى عن النتائج المأساوية وسيكون المتضرر الأساسي شعوب المنطقة بجميع فئاتهم الطبقية والمكونات القومية والدينية والعرقية، ودائماً يبحث قادة إيران على الرغم من عنجهيتهم الفارغة عن سبل للتخلص من المأزق بينما الإدارة الأمريكية وحلفائها يتبنون طرق للتهديد والحصار الاقتصادي الذي هو عقاب بربري لا إنساني ضد الشعب وليس بالضد من الحكام، وبالتالي في جانب ثاني حكام طهران يبحثون عن سبل لنجاتهم وكراسيهم، وليس اعتباطاً تصريحات الرئيس الإيراني حسن روحاني بأن إيران " مستعدة لتبادل الناقلات مع بريطانيا وإجراء محادثات غير مباشرة مع الولايات المتحدة بشأن برنامج بلاده النووي والعقوبات" ثم يعقب حسب موقعه الرسمي " لا نرید استمرار التوتر مع بعض البلدان الأوروبية".

نعتقد أن التوجه لحل المشكلة عن طريق الحوار والعودة لطاولة المفاوضات هو السبيل الأفضل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه وغلق السبل أمام قيام حرب في الخليج كما هو في السابق، ويذكرنا تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الجمعة 19/ 7/ 2019 "أنا لست في عجلة، جيشنا أعيد بناؤه، وجديد، وعلى استعداد للذهاب، وهو الأفضل في العالم إلى حد بعيد" وكما أعلن انه قبل عشرة دقائق من التنفيذ أوقف قرار بضرب مواقع في إيران وعلى حد قوله أضاف: "قبل 10 دقائق من توجيه الضربة أوقفتها".

إن مجمل ما يدور من تداعيات حول العمل العسكري تؤشر على الصعوبة في الإنجاز وبدون خسائر بشرية هائلة فهو هراء!!، قد لا تحسب من قبل حكام طهران أو المغامرين منهم ولهذا نجد أن الولايات المتحدة اتبعت طريق الحصار الاقتصادي الشديد ونحن والعالم بما فيهم شعوب المنطقة لنا تجربة فريدة حول الحصار الاقتصادي وعلى علم بالوضع الاقتصادي الصعب لإيران، ولهذا ستكون الخسائر تدريجياً كارثية ولن يكون هناك طرف رابح وبخاصة الشعب الإيراني الصديق الذي يعد له جهنم وما فيها من مصائب، ما عدا القوى الاستغلالية والدول الراسمالية التي تتصارع من اجل الربح وستكون الرابح الأكبر بينما سيدفع الشعب الإيراني الثمن بدون أن يمس طرف حكامه بقيد أنملة لان مؤشرات الأموال التي جنيت وهربت إلى خارج إيران تضاهي الأموال العراقية التي هربت قبل السقوط والاحتلال، لا بد باستخدام العقل والذهاب إلى منطق الحوار والتفاوض وإنهاء التدخل في شؤون الغير والحد من انتشار السلاح النووي وبخاصة البرنامج النووي الإيراني الذي يهدف إلى تصنيع القنبلة النووية (بينما الشعب الإيراني يموت من الفقر والإملاق!!) لغرض الاستخدام وليس المباهاة بالامتلاك.. وننتظر أي عاقل وعقل حكيم يفوت الفرصة وليس كما كان حكام النظام العراقي السابق وعلى رأسهم صدام حسين الذي دفع البلاد إلى هذا الذي نراه من مأساة شاملة.

 

مصطفى محمد غريب

 

ابراهيم أبراشردا على قيام إسرائيل بهدم عشرات البنايات السكنية في وادي الحمص وصور باهر الواقعة في أراضى السلطة الفلسطينية (منطقة أ) أعلن الرئيس الفلسطيني أبو مازن في خطاب مساء أمس 25 يوليو عن وقف العمل بالاتفاقات الموقعة مع إسرائيل وتشكيل لجنة لتنفيذ القرار .

إلى هنا يبدو القرار منطقيا بل ووطنيا، وهو ولا شك كذلك، كما أنه ينسجم مع مطالب قطاع واسع من الشعب وخصوصاً قوى المعارضة التي طالما نددت بهذه الاتفاقات وطالبت بإلغاء اتفاقية أوسلو ووقف التنسيق الأمني وسحب الاعتراف بإسرائيل، كما أن قرار الرئيس يأتي كخطوة متقدمة للتجاوب مع مطالب سابقة بحل السلطة ومع قرارات المجلس المركزي عامي 2015 و 2018 وقرارات المجلس الوطني الخ .

ولكن، وإذا ما تجاوزنا حديث الرئيس عن تشكيل لجنة حيث تشكيل لجنة قد يؤول لجعل قرار الغاء الاتفاقات وكأنه لم يكن، وفكرنا جدياً وتساءلنا بعقلانية عن الإمكانية الفعلية لقطع العلاقات مع إسرائيل وإنهاء وجود السلطة، وفكرنا بعقلانية وواقعية عما سيؤول إليه الأمر بعد تنفيذ قرار الرئيس، آنذاك فإن قلقلا كبيرا ينتابنا، ليس لأننا نتمسك بالاتفاقات التي جلبت الويلات على شعبنا، بل لأننا لا نملك استراتيجية وطنية لمواجهة تداعيات الغاء الاتفاقات .

الغاء الاتفاقات مع إسرائيل وكما يفهمه المواطنون العاديون وكما يفترض أن يكون، يعني تحولاً استراتيجياً في نهج منظمة التحرير حيث يفترض العودة إلى ما قبل توقيع اتفاقية أوسلو 1993 وقيام السلطة 1994، ويفترض أن أحد الأسباب الرئيسة للخلافات بين حركة فتح وبقية فصائل منظمة التحرير وبين هذه الأخيرة وحركتي حماس والجهاد قد زالت وتحديدا بالشق المتعلق باتفاقية أوسلو والاعتراف بإسرائيل، كما أن الغاء الاتفاقات يعني نهاية السلطة الوطنية لأن إسرائيل لن تقف متفرجة .

فهل تفسيرنا هذا لقرار الرئيس صحيح ؟ أم أننا شططنا في التحليل بعيدا وأن الأمور لن تصل لهذا الحد ؟ .

قرار الرئيس بإلغاء الاتفاقات الموقعة وبالرغم مما يشوبه من التباس مصدره الإحالة إلى لحنة، إلا أن تنفيذه الآن ارتجالاً قد يؤدي إلى نتائج أسوأ مما هو قائم أو من عدم تنفيذه، لأنه قبل الغاء الاتفاقات علينا أن نهيئ البديل الوطني الذي سيملأ الفراغ الذي سيترتب على غياب السلطة .

المطلوب وعاجلا، وهو ما طالب به الرئيس في خطابه، إنهاء الانقسام وإعادة تفعيل وبناء منظمة التحرير لتشمل الكل الوطني، وإلا فإن الغاء الاتفاقات الموقعة كما قال الرئيس أبو مازن بالأمس سيؤدي لحل السلطة وحلها في ظل الوضع القائم سيؤدي لإطلاق يد إسرائيل في الضفة وقد تقوم بضمها أو ضم أجزاء كبيرة منها، وقد تصنع إسرائيل بدائل للسلطة على شاكلة روابط القرى و هناك مَن هم جاهزون، و فوق كل ذلك، إذا زالت السلطة في الضفة فستبقى سلطة حماس في غزة، وفي هذه الحالة ستكون العنوان المؤسساتي الواقعي الموجود . كل ذلك سيشجع واشنطن وإسرائيل ودول غيرهما على التعامل مع حماس لغياب البدائل وخصوصاً أن حماس تقدمت خطوة كبيرة من خلال اتفاقية هدنة ترضى الأطراف الأخرى كما أن خطابها تغير كثيرا، وفي هذا السياق يجب أن لا ننسى أن واشنطن اغلقت مكتب منظمة التحرير وتعتبرها منظمة إرهابية وغير شرعية.

نؤكد مجدداً على حكمة الرئيس أبو مازن، كما نؤكد ضرورة تجاوز اتفاقية أوسلو وكل ما ترتب عليها، ولكن يجب الحذر حتى لا يؤدي الغاء الاتفاقات في ظل الانقسام إلى تسهيل تمرير صفقة القرن وخصوصاً أن ما تسرب عن الصفقة وما صرح به مهندسو الصفقة أن الضفة أراضي إسرائيلية وليس أرض محتلة، وأن لا دولة فلسطينية على حدود 1967، وأن حركة حماس ستكون طرفاً في أي مفاوضات قادمة في إطار صفقة القرن .

وأخيرا فإن الطريق إلى صفقة القرن معبدة بأقدام ذوي النوايا الحسنة.

 

إبراهيم أبراش

 

جواد بشارةالشرق الأوسط يقترب من نقطة التماس الخطرة إثر التصعيد الأخير بين إيران من جهة، والولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا والعربية السعودية، من جهة أخرى. فحالة الإنذار والترقب وصلت الذروة في الأيام القليلة الماضية بعد إسقاط الطائرات المسيرة الدرونات التابعة للطرفين، واحتجاز الناقلات، والتهديدات المتبادلة والتصعيد الكلامي والإعلامي بين الجانبين. فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب مصر على ممارسة أقصى الضغوط على طهران لجرها إلى طاولة مفاوضات جديدة بدون شروط مسبقة وإرغامها على تقديم تنازلات تتعلق بخططها الإستراتيجية في المنطقة وعلى رأسها برنامج الصواريخ الباليستية بعيدة المدى. ولقد بدأ هذا الأخير عملية الاستفزاز والتصعيد عندما أعلن من طرف واحد انسحابه من الاتفاق النووي المبرم والموقع بين إيران وأمريكا وأوروبا وروسيا والصين، والذي رفضته إسرائيل واعترضت عليه العربية السعودية. كانت الخطوة التصعيدية التالية هي فرض العقوبات الاقتصادية الصارمة على إيران والتي اعتبرتها طهران بمثابة إعلان حرب اقتصادية عليها تمهيدا لحرب عسكرية حقيقية ما جعل إيران ترد بالمثل وتهدد بغلق مضيق هرمز وبضرب حلفاء أمريكا في المنطقة، والاحتجاز المتبادل للنقلات بين إيران وبريطانيا. فالإدارة الأممية حثت بريطانيا على احتجاز ناقلة نفط إيرانية في جبل طارق في الرابع من تموز الجاري بموجب قرار العقوبات الدولية المفروضة على إيران، الأمر الذي قاد إلى رد فعل انتقامي من جانب طهران وقيامها باحتجاز ناقلة ترفع العلم البريطاني في مضيق هرمز، ودفعت مرشد الجمهورية الإسلامية علي خامنئي أن يعلن ثلاث توجيهات استراتيجية للمسؤولين في بلده عليهم تنفيذها حتى في حالة غيابه أو موته، وعند حدوث عملية احتجاز نقالة النفط الإيرانية أدرك الإيرانيون أن جهود الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون باءت بالفشل وإنه آن الأوان لكي تأخذ إيران زمام الأمور بيديها وتستعد لمواجهة، إن عاجلاً أم عاجلاً وتخطط لذلك من خلال أدواتها الإقليمية في العراق ولبنان وسوريا واليمن والخليج، لكن ذلك لا يعني البتة أن إيران تغلق باب التحرك الدبلوماسي الفرنسي وغيره، إذ أعربت دول أخرى عن استعدادها للعب دور الوساطة لتخفيف حدة التوتر ووقف التصعيد الذي تمثل بتحشيدات عسكرية غربية وإعلان السعودية استعداداها لاستقبال القطعات العسكرية الأمريكية والغربية على أراضيها للمرة الأولى منذ حرب الخليج الثانية لتحرير الكويت سنة 1991، ووصول سفن عسكرية بريطانية إلى مياه الخليج وقوات دولية إضافية وصلت إلى المملكة العربية السعودية. حاول الوسيط الفرنسي السفير إيمانويل بون ممثل الرئيس الفرنسي ماكرون إقناع طهران بالقبول بإعادة التفاوض حول ملفات أخرى ترتبط بالاتفاق النووي وفي مقابل ذلك سيسعى لإطلاق سراح الناقلة الإيرانية المحتجزة ولعب دور الوسيط الدولي بين طهران وواشنطن. إلا أن القادة الإيرانيين أبلغو السفير الفرنسي أنهم أدركوا أن أمريكا تريد إقحام أوروبا معها لمواجهة وضرب إيران وهي التي دفعت المملكة المتحدة لهذا الفعل الاستفزازي الذي وصفته بالقرصنة البحرية غير المشروعة رغم أنها تمت بطلب من الأمم المتحدة، وإن واشنطن تختفي وراء لندن لاختبار ردة الفعل الإيرانية ونوعها لمراقبة نوع المواجهة ولي الذراع بين المملكة المتحدة وإيران وتأمل أن تنزلق إلى مواجهة عسكرية حقيقية مباشرة لاستغلالها كمبرر لتوجيه الضربات العسكرية لذلك فإن القوات العسكرية الخاصة الإيرانية لم تتصرف بحماقة وكردة فعل عاطفية بل قامت بعمل مدروس وحساب كافة التداعيات والمخاطر المترتبة عليها، بما فيها احتمال انسحاب الأمم المتحدة وأوروبا من الاتفاق النووي مما دفع طهران للإعلان عن زيادة في مستوى تنقية اليورانيوم خارج النسبة المتفق عليها بموجب الاتفاق النووي. لكن أوروبا، عدا بريطانيا، تعتقد أن إيران لم تخرق الاتفاق النووي خلال الأشهر الأربعة عشر المنصرمة منذ تاريخ توقيع الاتفاق.

إن هذا الوضع المتفجر يمكن أن يقود إلى اندلاع حرب جديدة ممكنة في الشرق الأوسط ستكون تبعاتها كارثية على الجميع لا سيما على العراق . فمن خلال دراسة وتحليل الأوضاع السائدة ميدانياً ودبلوماسياً، يبدو أن إيران غير مستعدة للإذعان والتسليم وقبول الإملاءات الأمريكية مهما كانت قوة العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها وتأثيرها السلبي على مستوى الحياة والمعيشة والقدرة الشرائية للمواطن الإيراني. فطهران تعرف من التجربة العراقية التي سبقتها أنها تخوض بالفعل حرباً اقتصادية مع أمريكا وحلفاؤها قد تكون أقسى وأخطر من الحرب العسكرية فالنتيجة واحدة لأي من الحربين، الاقتصادية أو العسكرية، عليها فهي في الحالتين مدمرة. يبدو أن الولايات المتحدة تعلم وتعي ما تخطط له طهران في حال تعرضها لهجمات عسكرية أو استمرار تضييق الخناق حولها دولياً ومنعها من بيع نفطها وتمزيق منظومتها التجارية فهي تستعد لمواجهة تلك التداعيات ومحاولات تفجير المنطقة برمتها لأن الهدف المنشود يستحق مثل تلك التضحيات، ألا وهو منع إيران من استكمال برنامجها النووي حتى ولو على المدى البعيد واستئصال برنامجها الصاروخي الباليستي المهدد لإسرائيل ودول الخليج الحليفة .

وبفعل هذه المقاربة، قرر خامنئي أن من حق إيران أن ترفع مستوى تنقية اليورانيوم المسموح به دولياً لها، كسلاح رادع يرفع بوجه الغرب، ومواصلة تطوير برنامج الصواريخ الباليستية بعيدة ومتوسطة المدى لأنه سلاح ردع يسهم بردع الخصوم ويوفر الحماية لإيران في خضم توازن القوى مع الخصوم والأعداء. ومواصلة دعم الحلفاء والامتدادات الإيرانية في المنطقة خاصة في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وكلها دول مجاورة لحلفاء واشنطن في الخليج ومتاخمة للحدود الإسرائيلية لأنهم أداة ضرورية وأساسية للأمن القومي الإيراني.

هذا هو رد طهران للشروط الإثني عشر التي أعلنها وزير خارجية أمريكا مايك بومبيو ويريد فرضها على إيران إذا أرادت أن تتجنب الصدام مع أمريكا والغرب ما يعني تجريد إيران من كل وسائل الدفاع الذاتي وجعل البلد هش وضعيف وقابل للاختراق . ولقد أبلغ خامنئي قادة البلاد بأن هذا البرنامج ضروري للبقاء على قيد الحياة للجمهورية الإسلامية وضمان أمنها الوطني والاستراتيجي و لا يجب التنازل عنه مهما كان الثمن. فالبرنامج النووي والصاروخي الباليستي والميليشيات الموالية لإيران في المنطقة تمثل الأسلحة الرادعة بيد طهران لمنع وقوع ضربة عسكرية عليها لأن الثمن سيكون فادحاً على الجميع. ولقد قامت طهران بالفعل بنصب بطاريات صواريخ قرب الحدود السعودية والخليجية في جنوب العراق بدون علم وموافقة الحكومة العراقية، وأمريكيا تناور مع الحلفاء لتامين طرق الملاحة البحرية الدولية في حين هددت طهران بمنع وعرقلة الامدادات والصادرات النفطية في منطقة الخليج برمتها إذا منعت من تصدير نفطها وترامب اعتبر الحرس الثوري الإيراني جماعات إرهابية غير قانونية يجب حلها، ومن أجل ذلك أرسل الدفعات الأولى من قوات النخبة والقوات الخاصة للعربية السعودية فيما أرسلت بريطانيا قطعاتها البحرية العسكرية للخليج و لا أحد يبدو على استعداد لتقديم تنازلات قد تفضي إلى الجلوس حول طاولة المفاوضات واحترام الاتفاقات المبرمة والموقع عليها، لذا فإن كل شيء قابل للحدوث والتوقعات ليست متفائلة البتة.

يعتقد أن الضربة الأمريكية ــ الإسرائيلية على إيران، لو تأكدت، سوف تتطلب تحضيرات دقيقة لأنها ستكون شاملة وقاصمة وليست جراحية أو تأديبية بل سوف تسعى لقصم ظهر التجهيزات العسكرية الإيرانية برمتها ودفاعاتها الجوية ومواقعها النووية والصاروخية ومراكز القيادة والتحكم والاتصالات لمدة إسبوعين على الأقل أو أكثر لإرجاع إيران إلى ما قبل العام 1920 على حد تعبير وزير الدفاع الأمريكي.

إنعكاسات الحرب وتداعيات الهجمة العسكرية على إيران ستصيب العراق في العمق لأنه سيتحول رغما عنه إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين الجانبين وسيعيش حربا بالوكالة وأولى المؤشرات هو تعرض منشآءات عسكرية ودبلوماسية أمريكية في العراق لقصف صاروخي مجهول المصدر يعتقد أن مصدره بعض فصائل مسلحة من الحشد الشعبي أو ميليشيات شيعية موالية لإيران في العراق ما دفع واشنطن لسحب دبلوماسييها من السفارة الأمريكية في بغداد تحسباً لأية تطورات مأساوية، والاكتفاء بالحد الأدنى من العاملين وأغلبهم موظفين عراقيين وأجانب غير أمريكيين. وهذا الأمر دفع الحكومة العراقية لإصدار أمر ديواني من رئيس الوزراء بحصر السلاح بيد الدولة ومحاولة تجريد الميليشيات وقوات الحشد الشعبي غير المنضوية في القوات المسلحة النظامية من السلاح ومحاولة السيطرة على الجماعات المسلحة المنفلتة الموالية لإيران بلا قيد أو شرط وتتلقى أوامرها منها. لقد صرح جنود ومقاتلين في إحدى معسكرات الحشد الشعبي التابعة لقوى الأمن الداخلي العراقية الرسمية، شكلياً، أنهم سينفذون أوامر القيادة الإيرانية في حالة تعرض إيران لعدوان أمريكي وسيضربون المصالح الأمريكية في العراق وهذا ما يثير مخاوف الكثير من السكان المدنيين في العراق. فلقد طلب رئيس الوزراء عادل عبد المهدي في الأول من تموز في أمره الديواني من الميليشيات غير المنضوية أو المدمجة في الجيش والشرطة أن تحل نفسها وتسلم أسلحتها ومقراتها للدولة وغلق شركاتها ومكتبها التجارية غير القانونية وعليها القيام بذلك قبل نهاية شهر تموز الجاري، أو التحول إلى كيانات سياسية غير مسلحة ومن لم يمتثل لذلك سيعتبر خارج القانون والشرعية وسوف يلاحق قضائياً ولكن لا يبدو أن أياً من هذه المجاميع المعنية مهتم بالأمر أو مستعد للتنفيذ. لقد بادر مقتدى الصدر إلى حل ميليشياته سرايا السلام التابعة له في حين انضمت ميليشيات الحشد الشعبي التابعة للسيستاني إلى الجيش النظامي وقوات الأمن لتابعة لوزارة الداخلية منذ أن أمرها السيستاني بذلك في نهاية عام 2018. تجدر الإشارة إلى أن تعداد قوات الحشد الشعبي قد تجاوزت الــ 140000 مقاتل ولقد أعلنت بعض فصائل الحشد رفضها لهذا الأمر الرئاسي لأنه جاء بأمر من الولايات المتحدة الأمريكية على رئيس الوزراء عادل عبد المهدي . يعتقد البعض أن هذه القوات التي شاركت في الحرب على داعش باتت تتمتع بالقدسية ولايحق لأحد المساس بها او انتقادها رغم تجاوزاتها في الكثير من المناطق وصارت تتمتع بامتيازات مالية هائلة وتسليح من قبل الدولة حيث تجاوز عدد الميليشات أكثر من ستين ميليشيا بمسميات مختلفة، مثل بدر، وأنصار الله، وحزب الله العراقي، وحركة النجباء، وجيش المختار، وعصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي وسرايا الخراساني الخ.. وبعضها يتلقى أوامره مباشرة من قاسم سليماني قائد قوات القدس في الحرس الثوري الإيراني، أو ذراعه اليمين أبو مهدي المهندس قائد ميليشيا حزب الله العراقي. ويأخذ هؤلاء الرافضون لأوامر عادل عبد المهدي تخاذله واستثنائه للميليشيات الكردية أو قوات البيشمركه الكوردية التي لم يذكرها بقراره ولم يشملها بأمر حل نفسها ويبدو أن رئيس الوزراء في وضع محرج ويجلس على كرسي قابل للقذف في أية لحظة إزاء محاولات ومناورات خصميه ومنافسيه حيدر العبادي رئيس الوزراء السابق ونوري المالكي رئيس الوزراء الأسبق وهو في وضع لا يحسد عليه.

 

د. جواد بشارة

 

محمود محمد عليوأخيرا نختم حديثنا في هذا المقال عن إنجازات الثورة، فنبدأ أولاً من الناحية السياسة، حيث نجحت الثورة في إلغاء الملكية وإعلان الجمهورية في 18 يونيو 1953، وتعيين اللواء محمد نجيب أول رئيس لجمهورية مصر، وإلغاء دستور 1923 م يوم 10 ديسمبر 1952، وحل جميع الأحزاب السياسية ومصادرة جميع اموالها لصالح الشعب في 17 يناير 1953، وتوقيع الجلاء عن مصر في 19 أكتوبر 1954، وتقرر فيها جلاء القوات البريطانية عن مصر خلال عشرين شهراً، وجلاء آخر جندي يوم 13 يونيه 1956، وفي يوم 18 يونيه 1956 رفع جمال عبد الناصر العلم المصري علي مبني البحرية في بورسعيد وأصبح عيدين، يوم 18 يونيو، الأول كان يماثل عيد الجمهورية في 18 يونيو 1953، والثاني يوازي عيد الجلاء 18 يونيو 1956، و آخر إنجاز ثورة 23 سياسيا وهو تأميم الشركة العالمية لقناة السويس في 26 يوليو 1956م .

وأما عن انجازات الثورة في المجال الاقتصادي، ففي مجال الزارعة عملت الثورة علي النهوض بالزراعة، واستصلاح الأراضي الصحراوية في مديرية التحرير والوادي الجديد مع ضرورة الاهتمام الشديد ببناء السد العالي الذي تم إنجازه عام 1970م، وأما من حيث الصناعة، فقد توسعت في الانتاج الصناعي، وعملت علي إنشاء المشروعات الصناعية التي تزيد من الإنتاج القومي، وأهمها :- توليد الكهرباء، والتوسع في استخراج البترول وتكريره، وإقامة مصنع الحديد والصلب بحلوان ومصنع الأسمدة بأسوان، وإنشاء المصانع الحربية التي تمد القوات المسلحة المصرية والعربية بالأسلحة والذخائر، وتدعيم التعليم الصناعي وإنشاء العديد من مراكز التدريب المهني، وإقامة صناعات جديدة والتوسع في الصناعات القائمة. وفي مجال التجارة، فقد تقرر فتح أسواق خارجية للمنتجات المصرية، وتوجيه تجارة مصر الخارجية إلي كافة بلاد العالم، وتمصير البنوك وشركات التأمين ووكالات الاستيراد والتصدير، وتولت العناصر المصرية من رجال الاقتصاد والمال إدارة البنوك والشركات والمؤسسات بعد تمصيرها .

وأما في المجال الاجتماعي، فقد جاءت الثورة لتقضي علي الإقطاع من كافة جوانبه، حيث أصدرت الثورة في 9 سبتمبر 1952 قانون الإصلاح الزراعي، حيث ينص القانون على تحديد الملكية الزراعية للأفراد، وأخذ الأرض من كبار الملاك وتوزيعها على صغار الفلاحين المعدمين. وصدرت تعديلات متتالية حددت ملكية الفرد والأسرة متدرجة من 200 فدان إلى خمسين فدان للملاك القدامى. وعرفت هذه التعديلات بقانون الإصلاح الزراعي الأول والثاني وأنشئت جمعيات الإصلاح الزراعي لتتولى عملية استلام الأرض من الملاك بعد ترك النسبة التي حددها القانون لهم وتوزيع باقي المساحة على الفلاحين الأجراء المعدمين العاملين بنفس الأرض، ليتحولوا من أجراء لملاك. وصاحب هذ القانون تغيرات اجتماعية بمصر ورفع الفلاح المصري قامته واسترد أرضه أرض أجداده التي حرم من تملكها لسنين طويلة. وتوسعت بالإصلاح الزراعي زراعات مثل القطن وبدأ الفلاح يجني ثمار زرعه ويعلم أبنائه ويتولى الفلاحين حكم أنفسهم وانهارت طبقة باشوات مصر ملاك الأرض الزراعية وحكام مصر قبل الثورة.

وأيضا من انجازات الثورة اجتماعيا ضرورة العمل علي تحقيق عدالة اجتماعية من جعل التعليم بالمجال في جميع المراحل بما فيه التعليم الجامعي، والعمل علي إصدار قوانين للتأمينات الاجتماعية والمعاشات للموظفين والعمال، وتم تحديد ساعات العمل بسبع ساعات في اليوم، واشتركت العمال في مجال إدارة الشركات والمصانع وخصصت لهم نسبة من الأرباح، وحثت علي ضرورة الاهتمام بالمرأة فمنحت حقها في الترشيح والانتخابات.

وأما عن الدور الهام الذي قامت به ثورة 23 يوليو في المجال العربي، فقد عملت الثورة علي مساندة الشعوب العربية علي التحرر من الاستعمار من حيث أنها ساعدت السودان وجنوب الغرب العربي، خاصة الجزائر وإمارات الخليج العربي وجنوب اليمن علي نيل استقلالها، كما وقفت إلي جانب ثورة العراق، كما أيدت وما تزال تؤيد الشعب الفلسطيني في استرداد حقوقه المشروعة .

وأما عن أهم مبادئ الثورة في المجال الدولي، فقد سعت إلي محاربة الاستعمار بكل صوره وأشكاله، ومساعدة شعوب آسيا وأفريقيا علي التحرر من الاستعمار، ورفض الانضمام إلي الأحلاف العسكرية الأجنبية التي حاولت الدول الغربية جر مصر والدول العربية إليها؛ مثل : حلف بغداد ذ955 بين العراق وتركيا وبريطانيا وإيران وباكستان، ولكن جمال عبد الناصر قاوم بشدة كل المحاولات (البريطانية والأمريكية) لضم مصر أو أي دولة عربية أخري. كما تبني عبد الناصر سياسة الاتحاد وعدم الانحياز إلي أي من الكتلتين الشرقية أو الغربية وتجلي ذلك في مؤتمر باندونج بإندونيسيا في إبريل 1955 واشتركت فيه 29 دولة .

وفي نهاية حديثي عن ثورة 23 يوليو أود أن أتوقف أمام شيئين أساسيين لا يستطيع عاقل أن ينكرهما، وهما: أن ثورة يوليو قد احدثت تغييرات عميقة في الحياة المصرية والعربية وربما في حياة آخرين ينتمون إلي العالم الثالث . ونحسب أن أهم هذه المتغيرات قد وقعت في الحياة المصرية وعلي سبيل التجديد الوطني، تلك كما يقول صلاح الدين حافظ (في حديثه عن ثورة يوليو والديمقراطية : بين سلبيات التجربة والحملة الإعلامية) التي تبدأ من التحولات الاجتماعية – الاقتصادية إلي الاستقلال الوطني، ومن بناء نموذج التنمية إلي تحدي الاستعمار، ومن التوجه العربي، إلي دعم حركات التحرير في العالم كله. ثانيا : أن ثورة يوليو، قد مضت سريعا في تحقيق مبادئها الستة، لكنها علي وجه اليقين ترددت وتعثرت في واحد من أهم هذه المبادئ، وهو تحقيق الديمقراطية السليمة.

ومن هنا فإن خصوم ثورة يوليو، يدعون بأن خصومتها مع الديمقراطية كانت هي سبب البلاء كله الذي جاءت به خرابا بياتا، بينما أنصار ثورة يوليو يزعمون أنها أقمت ديمقراطية اجتماعية من طراز جديد، فقد استبدلت بالنموذج الليبرالي الغربي، نموذجا جديدا قوامه الإصلاح الاقتصادي الاجتماعي، والعدالة الاجتماعية بصرف النظر عن الحرية السياسية، فماذا تفيد الديمقراطية النظرية إذا لم يكن الخبز أمامها وورائها .

ونحسب أن في إدعاء الطرفين قدرا كبيرا من المغالاة وفي المقابل نزعم أن ما سبق ذكره، قد أحدث متغيرين رئيسيين هما :

1- أدخل الثورة منذ أيامها الأولي في معارك وصدامات داخلية، سياسية واجتماعية اقتصادية، اعلامية وفكرية، مع قوي مصرية وعربية ودولية، استنزفت قواها، وغيرت من توجهاتها، بل وحرفت مسارها ... فإذا بها في قبضة هزيمة يونيو 1967 المروعة تستيقظ ونستيقظ نحن معها، علي دمار نفسي ومادي، سياسي واقتصادي وعسكري، لم يحدث في التاريخ المصري الحديث، إلا عند هزيمة مشروع محمد علي يد الدول الأوربية في القرن الماضي .. وللمرة الأولي الثانية خلال قرن تنهار التجربة المصرية الحديثة وتدول دولتها .

2- أما المتغير الثاني، فقد انعكست آثاره مباشرة علي طريقة الحكم وآلياته .. لقد ساعد ما جري، علي تحول الثورة نحو حكم الفرد بسرعة ملحوظة، في ظل عوامل عديدة، مثل كاريزما الزعيم وتضخم دور الدولة المركزية بكل أجهزتها البيروقراطية – خاصة الأمنية – ومداهنة المثقفين، ووصولية المفكرين، ومنافقة البيروقراطيين والتكنوقراط، وصولاً لتهاوي دور منظمات المجتمع المدني بكل أنواعها وأشكالها...

وحين أفاق الوطني والزعيم علي دوي هزيمة يونيه 1967، التي كشفت علناً ما كان متداولاً سراً.. كان الوقت قد فات، فانطوت الصفحة، وعليها كل علامات الانكسار. واعتقد أن نجاح أن نجاح التحول الديمقراطي السليم يتوقف علي مجموعة من العوامل المتداخلة والمتكاملة مثل قدرتنا علي إدارة الصراع الاجتماعي الراهن، وحل أزمته المحتقنة والمتفاقمة، وقدرتنا علي فك مأزق التناقض بين الأقوال والأفعال، خاصة ما يتعلق برفع شعارات الديمقراطية قولاً، والتمسك بأفكار وممارسات الشمولية عملاً، ومثل تحديد التوجهات السياسية والاختيارات الاجتماعية الاقتصادية والثقافية، الملائمة لخصوصية أوضاعنا، والقادرة علي إعادة بناء المجتمع وتشكيل مؤسساته من جديد، بعد ان أصابها الفساد والترهل واللامبالاة والسلبية المتقاعسة.

وننتقل إلي نقطة مهمة لا بد من أن نتطرق إليها، وهي أن الرئيس جمال عبد الناصر بالنسبة للمؤيدين والمعادين لثورة يوليو هو الرمز البشري لتلك الثورة المجيدة – كما كان كرمويل هو رمز الثورة الإنجليزية، وروبسبير أو نابليون هما رمز الثورة الفرنسية، وجورج واشنطون هو رمز الثورة الأمريكية، ولينين هو رمز الثورة البلشفية، وماوتسي تونج رمز الثورة الصينية . والناس مغذرون في الخلط بين الثورة وقائدها، فهو الذي يجسم الأحداث والأفكار المجردة، ويضفي عليها بلحمه ودمه وممارساته وأسلوبه وصوته وشكله بعداً بشرياً يمكن التواصل معه بمشاعر الحب أو العداء .

لذلك كان ولا يزال جمال عبد الناصر جزءً لا يتجزأ من الحوار حول ثورة يوليو، والذين لا يستطيعون الهجوم المباشر علي ثورة يوليو – نظراً لفساد وتهرؤ النظام الذي كان في مصر قبلها، أو لعدم القدرة علي إنكار منجزات الثورة البارزة – فإنهم يهاجمون عبد الناصر . والايحاء هنا هو أنهم " لا يعارضون الثورة من حيث المبدأ "، ولكنهم يبغضون عبد الناصر فقط، إما لأنه" سرق الثورة"، أو " أفسدها"، أو كان " دكتاتورا ظالما" أو " جلب إلي مصر الفقر والشقاء"، أو " جلب إلي العرب الخزي والهزيمة والاحتلال"... وهناك بعض من لا يلجأون إلي هذا الأسلوب غير المباشر . فهم يهاجمون ما حدث في يوليو 1952 دون مواربة . ويعتبرونه " انقلابا عسكريا" لإشباع نهم القائمين به في السلطة والثروة . بل إن هناك من اعتبره "مؤامرة أمريكية"، طبخها وأخرجها جهاز وكالة المخابرات المركزية.

هذا التداخل بين الثورة وزعيمها في الواقع، وفي عقول وقلوب المؤيدين والمعادين علي السواء، هو الذي أدي إلي شيوع اصطلاح الناصرين، وهي تسمية لم يحبها عبد الناصر، ولم تستخدم في مصر أثناء حياته . ولكن اللفظ شاع بعد رحيله، واصبحت " الناصرية" تعني ثورة يوليو بميادئها وممارساتها وانتصاراتها واخطائها في الفترة من 1952 إلي 1970، أي منذ صعود عبد الناصر إلي السلطة مع الثورة التي قادها هو وزملاؤه من الضباط الأحرار، إلي يوم رحيله من عالمنا في سبتمبر 1970.

وعلي كل حال سوف تظل ثورة 23 يوليو أحد أبرز المعالم في التطور المعاصر لمصر ووللمنطقة العربية سواء من حيث الأطروحات والممارسات التي دشنتها أو القوي الاجتماعية التي أطلقتها من عقالها، أو التأثيرات التي خلفتها، وما زال تقويم هذه الثورة وتحليل تجربتها ودروسها أحد الموضوعات المثارة في مجال الفكر والعمل السياسيين العربيين، وما زالت أطروحتها موضع جدل ونقاش. إن دراسة صورة يوليو إذن ليست ولعاً بالماضي ولا نوعاً من السلفية التاريخية بل هي محاولة لفهم الحاضر والتطلع إلي المستقبل. فما زالت المشكلات التي واجهتها ثورة يوليو مطروحة علينا في الساحة العربية – قضايا التحر والوحدة والتنمية، وما زالت الحلول التي قدمتها هذه الثورة وممارستها – واردة في العمل العربي . ومن ثم فإن السؤال الذي يثار اليوم هو ما هي الثوابت في ثورة يوليو ؟ وبعبارة أخري ما هي الجوانب التي تمثل مواقف طارئة استدعتها ظروف وضرورات السياسة الداخلية أو الخارجية... وما هي الجوانب التي تعبر عن الخط الاستراتيجي المستمر للثورة؟

ولذلك يخطئ من يحاول تقويم تجربة ماضية في ضوء مفهوم جديد تماما ما زالت معالمه وأدواته محل بحث ودراسة . ومن يريد الحكم علي مكانة ثورة يوليو في تاريخ مصر يتعين عليه – احتراما للعقل والواقع معا – أن ينظر في الأمر بمقاييس الفكر المتقدم في حركة التحرر الوطني لبلدان العالم الثالث في الفترة التالية مباشرة للحرب العالمية الثانية . وأهم معالم ذلك التقدم الفكري هي : إدراك الطبيعة الاقتصادية للظاهرة الاستعمارية من ناحية، والاحساس بحتمية وجود بعد اجتماعي لثورة التحرر الوطني من حيث تحديد الطبقات والفئات الاجتماعية المرتبطة بالاستعمار وكذلك إعلاء المطالب المشروعة لجماهير الشعب التي هي بتعبير الميثاق " وقود الثورة" ولا يجوز أن تصبح " ضحاياها".

ولا يحط من قدر عبد الناصر أنه لم يكن منذ اللحظة الأولي صاحب نظرية معدة سلفا، بل إن قدرة يكتسب كل جلاله من واقع أنه إضافة إلي قدراته الشخصية الفذة التزم طول حياته النضالية بمبدأين لم يحد عنهما مطلقا: الوطنية، بمعني النضال الدؤوب ضد الاستعمار في كل أشكاله ومهما تعددت أساليبه، والانحياز داخليا إلي جانب الجماهير الشعبية في كل منطف حاسم في حياة الثورة . وبهذا الالتزام وبالقدرة علي استيعاب حركة المجتمع وفهم تجارب الشعوب ودروس التاريخ والوعي بمتغيرات العصر أثبت عبد الناصر أنه قائد ثوري ممتازا استمد من النضال عناصر الفكر كما ربط الفكر بالإنجاز المحدد . وقليل ما هم القادة الثوريون الذين صنعوا مثلما صنع .

وبهذا يكون عبد الناصر ابنا لهذا الشعب وليس "زعيماً ملهماً" هبط علينا من حيث لا ندري وتحكم في أمورنا بحكمة لا يدرك كنهها إلا هو، يقول عبد الناصر في الميثاق " إن إرادة الثورة .. لم تكن واحتياجاته، ويضيف: "إن الشعب العظيم الذي كتب المبادئ الستة بدم شهدائه ... مضي بعد ذلك في تعميق نضاله وتوسع مضمونه . لقد كان هذا الشعب العظيم هو المعلم الأكبر".

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

محمود محمد علينعود في هذا المقال الثالث عن دور ثورة 23 يوليو 1952 في تحرير مصر من ربقة الاحتلال الإنجليزي فنقول: وبالفعل تم تنفيذ خطة العملية بنجاح، حيث في الساعة السابعة والنصف صباحا أذاع البكباشي محمد أنور السادات بيان الثورة الأول، بعد أن تمكن الضباط الأحرار فى الثالث والعشرين من يوليو 1952 من السيطرة على المرافق الحيوية، ومنها الإذاعة. ونص البيان هو " اجتازت مصر فترة عصيبة في تاريخها الأخير من الرشوة والفساد وعدم استقرار الحكم. وقد كان لكل هذه العوامل تأثير كبير على الجيش، وتسبب المرتشون والمغرضون في هزيمتنا في حرب فلسطين. وأما فترة ما بعد هذه الحرب فقد تضافرت فيها عوامل الفساد وتآمر الخونة على الجيش، وتولى أمرها إما جاهل أو خائن أو فاسد، حتى تصبح مصر بلا جيش يحميها. وعلى ذلك فقد قمنا بتطهير أنفسنا، وتولى أمرنا في داخل الجيش رجال نثق في قدرتهم وفي خلقهم وفي وطنيتهم، ولا بد أن مصر كلها ستتلقى هذا الخبر بالابتهاج والترحيب. أما من رأينا اعتقالهم من رجال الجيش السابقين فهؤلاء لن ينالهم ضرر وسيطلق سراحهم في الوقت المناسب. وإني أؤكد للشعب المصري أن الجيش اليوم كله أصبح يعمل لصالح الوطن في ظل الدستور مجرداً من أية غاية وأنتهز هذه الفرصة فأطلب من الشعب ألا يسمح لأحد من الخونة بأن يلجأ لأعمال التخريب أو العنف لأن هذا ليس في صالح مصر وأن أي عمل من هذا القبيل سيقابل بشدة لم يسبق لها مثيل وسيلقى فاعله جزاء الخائن في الحال. وسيقوم الجيش بواجبه هذا متعاوناً مع البوليس. وإني أطمئن إخواننا الأجانب على مصالحهم وأرواحهم وأموالهم ويعتبر الجيش نفسه مسئولا عنهم والله ولي التوفيق."

ما يهمنا هنا في هذا البيان رد الفعل بعد إذاعة هذا البيان : هل يوجد ترحيب من الجيش والشعب لهذا البيان ؟

نبدأ أولا بموقف الجيش بمجرد إذاعة البيان سارعت جميع الوحدات العسكرية وخارجها بإعلان انضمامها للثورة، خاصة بعد أمسك زمام الأمور في الجيش المصري الشباب وذلك بعد أن نحوا كل القادة القدامي . وأما بالنسبة لموقف الشعب، فنجد ان الثورة قوبلت بتأييد شعبي لم يسبق له مثيل، حيث التقت الجماهير حول أجهزة الراديو تستمع للبيان في فرحة وحماسة، وذلك عندما خرج اللواء محمد نجيب في الساعة التاسعة من ملني رئاسة الجيش في عربة مكشوفة، واخترق الموكب شوارع القاهرة قابلته الجماهير بالتصفيق والهتاف.

وثمة نقطة مهمة وهي أنه عقب قيام الثورة في يوم الأربعاء وانتشارها في طول البلاد وعرضها، كان الملك فاروق قابعا في قصر رأس التينة في الاسكندرية، وقدم الهلالي استقالته للملك الذي أمر علي ماهر بتشكيل الوزارة الجديدة بناء علي طلب قادة الثورة . وفي مساء 23 يوليو عقد قادة الثورة اجتماعا يعتبر من أخطر اجتماعات الثورة، حيث  تقرر فيه عزل الملك فاروق، وتنازله عن العرش لابنه أحمد فؤاد الثاني  حيث يذهب إليه علي ماهر ليسلمه وثيقة التنازل، ثم إرسال بعض الوحدات العسكرية إلي الاسكندرية لتعزيز قواتها، وذهب علي ماهر وقدم للملك فاروق وثيقة التنازل عن العرش لابنه وغادر الملك يوم 26 يوليو 1952 وحملته الباخرة المحروسة إلي غير رجعة وبذلك انتهي حكم آخر حاكم من أسرة محمد علي .

وهنا يمكن القول بأنه ليس من الاجحاف بثورة يوليو أن نقول إن الذين فجروا شراتها حتي استطاعوا أن ينهوا حكم أسرة  محمد علي لم يكونوا يدركون تماما عظمة الحدث الذي أقدموا علي صنعه في تلك اللحظة التاريخية . لقد كانت مغامرة تفاعل فيها السخط مع البأس مع الأمل في آن واحد، فالضباط الأحرار الذين انتفضوا في تلك الليلة كانوا في المقام الأول أفراداً يعبرون عن سخطهم علي النظام القائم، ويأسهم من اصلاحه، وأملهم في أن يقتلعوه ويقيموا مكانه نظاماً جديداً . وباعترافهم هم كانت مشاعر السخط حارة، ومشاعر اليأس مرة، ومشاعر الأمل قوية . ولكن كل هذه المشاعر؛ وبخاصة مشاعر الأمل – كانت مبهمة وهلامية، وبلا قسمات ايديولوجية واضحة المعالم. وكان لديهم إدراك لا يقل ابهاما وهلامية، في أنهم في سخطهم ويأسهم وأملهم يمثلون آخرين غيرهم في الجيش وفي المجتمع . ولكنهم لم يدركوا في تلك اللحظة التي انتفضوا فيها أن معادلة السخط واليأس والأمل بكل مفعولها الانفجاري الكامن هي معادلة الثورة . فالأغلبية الساحقة للشعب المصري كانت تشترك معهم في كل هذه الأنواع الثلاثة من المشاعر، بل ولم يدرك هؤلاء الضباط المائة في تلك الليلة من صيف يوليو 1952 أن معادلة الثورة هذه بمكوناتها (السخط واليأس والأمل) هي معادلة ثورة قومية تتخطي الحدود القطرية للدولة المصرية . فالأغلبية الساحقة لشعوب الأمة العربية كانت تشترك معهم في تراكم هذه الأنواع الثلاثة من المشاعر.

لقد كانت ثورة يوليو استجابة طبيعية حادة لوجود أزمة اجتماعية سياسية حادة في داخل مصر، فقد تعثر النظام الملكي الحاكم في مواجهة المشكلتين الرئيسيتين اللتين شغلتا عدة أجيال مصرية متعاقبة منذ منتصف القرن التاسع عشر- وهما المشكلة الوطنية والمسألة الاجتماعية ؛ أو الاستقلال والعدالة. وكانت اخفاقات النظام المتتالية في مواجهة المسالتين في الفترة من 1923 إلي 1952 مرورا بتعطيل الدستور، ومهادنة الإنجليز، واطلاق يد كبار الملاك في النهب والاستغلال، وهزيمة حرب فلسطين، والفشل في إجلاء قوات الاحتلال من منطقة قناة السويس، والعبث بالحريات العامة، وازدياد حدة البطالة والتضخم، وانتشار الفساد – هي أسباب السخط واليأس والأمل الذي اعتمل في صدور الضباط الأحرار. لقد كانت هذه الاخفاقات في مجملها هي التي وضعت النظام الملكي في مأزق أزمته التاريخية في أوائل الخمسينات؛ وجعلت من الثورة حتمية تاريخية كاستجابة ضرورية لتلك الأزمة.

وعلي كل حال فقد نجحت الثورة في طول البلاد وعرضها، حيث بدأ الضباط الأحرار يصيغون لنا المبادي الستة للثورة: القضاء علي الاستعمار وأعوانه، والقضاء علي الاحتكار وسيطرة رأس المال علي الحكم، والقضاء علي الإقطاع، إقامة عدالة اجتماعية، وإقامة جيش قوي، وإقامة حياة ديمقراطية.

 وللحديث بقية !

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

كاظم الموسويلم يعترف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن تصريحاته "عنصرية" ولكن يتهم الذين يهاجمونه حولها بأنهم اشتراكيون أو شيوعيون، ولن تكون امريكا شيوعية. هكذا يقول بكل بساطة. فلا يحرج من الاقرار ضمنا، أو التصريح بانها ليست عنصرية كما عند غيره. وبالتأكيد يتحسب أو يستشير قانونيا بذلك.

لكن.. اتفق كل من قرا أو تابع تغريدات الرئيس ترامب في هجومه على نائبات من الحزب الديمقراطي من أصول أجنبية، بانها عنصرية. إذ دعاهن إلى العودة من حيث أتين. وأضاف أنهن ينحدرن من بلدان يعم فيها الفساد، متسائلا بلهجة تهكمية: "لماذا لا يعدن ويساعدن في إصلاح الأماكن الفاشلة التي أتين منها حيث تتفشى الجريمة؟". وعلى خلفية ذلك وصف مسؤولون في الحزب الديمقراطي ترامب بـ"العنصري"، فيما اعتبرت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي تغريدات ترامب بأنها "غير مقبولة على الإطلاق".

لم يسم ترامب أيا منهن كتابة ولكنه ذكرهن في مهرجاناته، وقال "إنهن أتينَ في الأصل من بلدان ذات حكومات كارثية بالمطلق هي الأسوأ والأكثر فسادا وعدم كفاءة في العالم". واعتبر بنوع من التهكم أن هؤلاء النساء "يخبرن شعب الولايات المتحدة، أعظم وأقوى أمة على الأرض، كيف يجب أن ندير حكومتنا". وليست هذه المرة الأولى التي يهزأ فيها ترامب من هذه الدول، إذ كان قد نقل عنه العام الماضي وصفه بعض الدول الأفريقية بأنها "أوكار قذرة"، إضافة إلى كلامه عن "غزو" المهاجرين غير القانونيين.

واضح من تغريدات ترامب الاشارة إلى "عضوات الكونغرس الديمقراطيات التقدميات"، أمثال ألكسندريا أوكاسيو-كورتيز من نيويورك والنائبة عن مينيسوتا إلهان عمر ورشيدة طليب من ميشيغان، وأيانا بريسلي، عن ولاية ماساتشوستس. ومعروف ان اوكاسيو كورتيز مولودة في نيويورك، من أصل بورتوريكي، فيما طليب ولدت في ديترويت من أصل فلسطيني، وإلهان عمر، جاءت طفلة إلى الولايات المتحدة من الصومال، وهي أول مسلمة سوداء في الكونغرس، وأيانا بريسلي، من أصل أفريقي، ولدت ونشات في أوهايو.

أدان الكونغرس الأمريكي رسميا الرئيس الأمريكي بسبب هذه التغريدات التي استهدفت نائبات ديمقراطيات ولهجته العدائية تجاه المهاجرين، وانضم أربعة نواب من حزبه إلى 235 نائبا ديمقراطيا، في الوقت الذي حاول باقي أعضاء حزبه أن يلتفوا حوله. ووصف مجلس النواب/ الكونغرس تغريدات ترامب بانها "عنصرية" وذكر أنها "شرّعت وزادت الخوف والكراهية تجاه الأمريكيين الجدد والأشخاص الملوّنين". وانتقد القرار "قول ترامب إن أعضاء الكونغرس من المهاجرين (زملاؤنا الذين يعتقد خطأ أنهم من المهاجرين) لا ينتمون إلى الكونغرس أو إلى الولايات المتحدة الأمريكية". وأنّب القرار ترامب أيضا لنعته المهاجرين وطالبي اللجوء بـ"الغزاة".

يتمتع الديمقراطيون بغالبية في مجلس النواب الذي يبلغ عدد أعضائه 435 نائبا، لكن للجمهوريين الأغلبية في مجلس الشيوخ، إذ من غير المرجح أن يتم النظر في القرار.

دافع ترامب "إن هذه التغريدات لم تكن عنصرية، ولن تجدوا غراما واحدا من العنصرية لدي"، داعيا نواب حزبه إلى عدم الوقوع في "الفخ" الذي ينصبه لهم خصومهم الديموقراطيون. ومع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية المقبلة المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني 2020 يبدو ترامب مصمما أكثر من أي وقت مضى على استقطاب قاعدته الانتخابية من البيض في أكثريتها، وعلى العمل على بث الفُرقة في صفوف الديمقراطيين. وفي إطار استراتيجيته القائمة على تأجيج الجدل حول شخصه، حرص ترامب عبر تغريدة اخرى عن النائبات الديموقراطيات الأربع. وكتب قائلا "إن بلدنا حر ورائع ومزدهر. إذا كنتن تكرهن بلادنا أو إن لم تكنّ سعيدات هنا، بإمكانكن الرحيل".

استهجن شاك شومر زعيم كتلة الديمقراطيين في مجلس الشيوخ صمت كبار المسؤولين في الحزب الجمهوري عن تصريحات ترامب. وقال في هذا الإطار "من المخيف الملاحظة كيف يمكن للعديد من زملائنا الجمهوريين أن يتركوا العاصفة تمر من دون أي تعليق عليها"، متسائلا ما إذا كان هذا الصمت يترجم وجود "اتفاق" مع الرئيس أم "ضيقا" منه، ثم أضاف "في الحالتين هذا الموقف لا يمكن تبريره". أما جو بايدن، نائب الرئيس السابق والمرشح الديمقراطي لانتخابات الرئاسة عام 2020، فقد قال إن التاريخ الأمريكي "لم يشهد إطلاقا رئيسا عنصريا أكثر من هذا الرجل". وقال المرشح الديمقراطي للرئاسة بيرني ساندرز "هل يمكن تخيل رئيس محافظ مثل جورج دبليو بوش يدلي بتصريحات عنصرية من هذا النوع؟". وانتقدت رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي بدورها عبر تويتر "هجوم" الرئيس، قائلة "أرفض تعليقات ترامب التي تنم عن رهاب الأجانب وتهدف الى تقسيم أمتنا". وهذه اشارات تجمع على رفض الديمقراطيين التغريدات العنصرية للرئيس ترامب والصامتين عليها من حزبه أو مؤيديه. كما أن التغريدات فتحت المجال لاعتراضها والدفاع عن القيم الإنسانية والقانونية وشغلت اوساطا واسعة في الاعلام والسياسة الامريكية، داخليا وخارجيا.

ومن المفيد الإشارة الى تغريدة ملفتة للكوميدي الأمريكي، جيرمي ماكليلان، في نقده لعنصرية ترامب، بأن ترامب في مطالبته رشيدة طليب بالعودة إلى بلادها ايّد أو ساهم اخيرا بحق العودة الفلسطيني، وهذا توبيخ مدهش لكل الصهاينة اينما كانوا.

كما كتب عنه الصحافي الأمريكي جورج كونواي في صحيفة واشنطن بوست: أعتقد أن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب هو شخص غبي، وجاهل، ونرجسي، ومتبلد المشاعر، فهو يمارس التنمر بشكل مثير للشفقة، حيث يتنمر  على الآخرين بشكل متساوٍ، فهو يهاجم أى شخص يعتقد أنه ينتقده، لكنني لا أرغب فى أن يكون رئيس الولايات المتحدة عنصريا. فحينما يخاطب ترامب اربعة من أعضاء الكونغرس الأمريكي، من غير البيض، بالعودة إلى بلدانهم،.. فإن هذا يعد عنصرية صارخة، بغض النظر عن ماهية هؤلاء الأعضاء، فما قاله يعد تجاوزا لحدود اللياقة الإنسانية لأي شخص، ناهيك عن كونه الرئيس (...) لكن هذا غير مقبول، وذلك لأن ترامب ليس شخصا عاديا. وبحكم منصبه، فهو يتحدث باسم البلاد بأكملها، واليوم لم يعد القضاة، أو التخفيضات الضريبية، أو اللوائح، أو أية قضية سياسية أخرى على المحك، ولكن ما هو على المحك فعلا الآن هو المثل العليا التى بُنيت عليها الولايات المتحدة!.

 

كاظم الموسوي

 

ابراهيم أبراشالمفاهيم والمصطلحات في كافة العلوم لا تُصاغ أو يتم اعتمادها وترويجها عبثا بل تحمل دلالات وتعبر عن مضامين وخصوصا في مجال العلوم الاجتماعية وعلى رأسها علم السياسة . فهناك فرق مثلا ما بين العنف والحرب والإرهاب والجهاد والدفاع عن النفس والمقاومة مع أنها مصطلحات تطلق على نفس الحدث، كما أن هناك فرق بين السلام والتسوية السياسية الخ، وفي سياق موضوعنا هناك فرق بين أن نقول حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي او نقول الحل الإقليمي، فالمصطلح الاول يعتبر الفلسطينيين طرفا رئيسا في الصراع أما الثاني فيغيبهم ويعتب القضية أقليمية يمكن حلها حتى بتجاوز الشعب الفلسطيني .

وفي الحياة السياسية وخصوصا في الشرق الأوسط هناك مختصون وعلماء مهمتهم كي الوعي عن خصومهم من خلال ترويج مفاهيم ومصطلحات يعتقدون انها مع مرور الوقت ستُرسخ في العقل وتلغي مفاهيم سابقة، وفي هذا السياق سنتحدث عما تروجه أخيرا إسرائيل ومعها الولايات المتحدة الامريكية عن الحل الإقليمي وهو مصطلح خطير ومضلل يضاف إلى ما سبق من مفاهيم ومصطلحات هدفها تغيير طبيعة الصراع في المنطقة، فمن الصراع العربي الإسرائيلي إلى مشكلة الشرق الأوسط إلى صفقة القرن وأخيرا الحل الإقليمي .

إن الهدف الرئيس من وراء ترويج هذه المصطلحات هو تغيير طبيعة الصراع والالتفاف على حقيقته وجوهره كصراع بين الاحتلال الإسرائيلي والشعب الفلسطيني الذي له عنوان وهو منظمة التحرير الفلسطينية، وإحلال دول الإقليم وخصوصا الانظمة العربية ليحلوا محل الفلسطينيين في تسوية مشاكل المنطقة نحيث أن الحل الإقليمي يعتبر القضية الفلسطينية مجرد جزئية أو مشكلة كبقية مشاكل المنطقة وليست جوهر الصراع ومركزه.

لقد ناضل الشعب الفلسطيني عسكريا وسياسيا طِوال مائة عام لمواجهة وعد بلفور 1917 وما ترتب عليه من موجات هجرة لفلسطين، كما قام بثوراته وانتفاضاته سواء قبل النكبة أو بعدها، كل ذلك ليحصل على اعتراف من العالم بأن فلسطين هي حق للشعب الفلسطيني وأن نضاله ضد الحركة الصهيونية ودول الاحتلال الإسرائيلي نضال مشروع، وقد أيدت غالبية دول العالم شعب في مطالبته بحقوقه السياسية وهذا ما تجلى بعشرات القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة ومنظماتها ووكالاتها، ومن أهم هذه القرارات قرار 181 حول تقسيم فلسطين إلى دولة يهودية وأخرى عربية وقرار 194 حول حق عودة فلسطين إلى مدنهم وقراهم التي هُجروا منها بعد حرب 1948، وتوالت القرارات بعد ذلك فما يتحدث عن حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره السياسي على أرضه وحقه في مقاومة الاحتلال، كما اعترفت الجمعية العامة بفلسطين دولة مراقب عام 2012، كما انظمت فلسطيني إلى عشرات المنظمات والوكالات الدولية، ولفلسطين أكثر من مائة سفارة وبعثة دبلوماسية في العالم وهو اكثر مما لدى إسرائيل .

لو كان الإقليم في عافية

الحالة العربية الراهنة غير مؤهلة لاستلام زمام القضية الفلسطينية أو استعادة البعد القومي للقضية، لذا من الخطورة المراهنة الآن على أية مبادرة أو وساطة عربية لتسوية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي .

مع كامل قناعتنا بأن المشروع الصهيوني يتجاوز في أهدافه الاستراتيجية فلسطين، ومع احترامنا وتقديرنا للشعوب العربية المتعاطفة مع عدالة قضيتنا، إلا أنه سيكون من الخطورة استمرار الترويج الخارجي للصراع والتعامل معه رسميا كصراع عربي إسرائيلي أو صراع إسلامي يهودي، لأن ذلك يُظهر إسرائيل كدولة محدودة جغرافيا وسكانيا يهددها أكثر من مليارين من العرب والمسلمين، بينما الواقع يقول بأن القضية الفلسطينية لم تَعد قضية العرب والمسلمين الأولى في ظل فوضى الربيع العربي والأزمة البنيوية والوظيفية التي تهدد وجود الدول الوطنية القائمة .

القول بأن الصراع الدائر على الأرض اليوم ما زال صراعا عربيا إسرائيليا أو صراعا له بعد ديني بين المسلمين واليهود، قد يكون صحيحا في إطار التحليل الاستراتيجي التأسيسي للصراع في وعلى فلسطين أو التوظيف الأيديولوجي والتعبئة السياسية وتحفيز الذاكرة بحقيقة الكيان الصهيوني، كما كان له نصيب من الصحة فيما مضى من الزمن، ولكنه اليوم وبحسابات الواقعية السياسية واستحقاقات السلوك السياسي القائم هو حديث أيديولوجيا وتمنيات ولا يستقيم مع معطيات الواقع .

إن كانت الايدولوجيا مفيدة في بعض السياقات إلا أنه لا يمكن أن تبنى عليها حلول واقعية لا في إطار تسوية سياسية ولا في إطار مواجهات عسكرية . حقيقة الصراع الدائر على الارض اليوم هو صراع وحرب مفتوحة ما بين الشعب الفلسطيني الصغير الخاضع نصفه للاحتلال ونصفه الآخر يعيش في الشتات والذين يتم محاصرتهم من الأنظمة العربية بما لا يقل عن محاصرتهم من إسرائيل نفسها، في مواجهة إسرائيل والحركة الصهيونية واليهودية العالمية المتحالفين مع المسيحية الصهيونية واليمينيون الجدد في الولايات المتحدة الامريكية والغرب .

الخطورة لا تكمن في خلل ابستمولوجي في توصيف الصراع كصراع ايدولوجي قومي أو ديني، بل في طرح مبادرات لتسوية مسألة الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين انطلاقا من معادلة أن الصراع ما زال صراعا عربيا إسرائيليا، أو دفع الأمور نحو حرب دينية مفتوحة ما بين الفلسطينيين واليهود اعتمادا على مقولة البعد الديني للصراع أو الجهاد لتحرير فلسطين .

في ظل غياب الوحدة العربية حتى في حدودها الدنيا وغياب مشروع قومي عربي له عنوان محدد وإستراتيجية محددة أو أي شكل من اشكال الوحدة العربية أو التضامن العربي، وفي ظل غياب مشروع إسلامي متفق عليه وفي ظل ما تشهده المنطقة من تطاحن وصراع بين الدول العربية والإسلامية وبعضها البعض.

إن أية مبادرة تسوية سياسية أو وساطة تتضمن حل الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين يطرحها أي نظام عربي أو إسلامي في هذا الوقت بالذات، لن تكون إلا مبادرة هدفها حل إشكالات هذا النظام نفسه مع إسرائيل والغرب أو محاولة التقرب لهما والتطبيع معهما مستغلا القضية الفلسطينية كمدخل، وستكون مبادرة أو وساطة تساوم على الحقوق الفلسطينية وبسقف أقل من الحد الادنى الفلسطيني بل وأقل مما تمنحه لنا الشرعية الدولية .

نفس الأمر بالنسبة لأي نظام أو حركة تقول بأنها تريد تدمير إسرائيل أو تحرير القدس، فهذه الجهات توظف الدين في القضية الفلسطينية لمصالحها الخاصة وليس لتحرير فلسطين، وهي غير مستعدة لأن تدخل فعليا في أية مواجهة عسكرية مباشرة لا مع تل أبيب ولا مع واشنطن، وإن دخلت في مواجهات فستكون محدودة ومحسوبة لإضفاء مصداقية على أيديولوجيتها .

ليست هذه دعوة لفك الترابط بين فلسطين ومحيطها العربي والإسلامي، فهذان البعدان مكون رئيس للقضية الفلسطينية التي لا يمكن أن تنسلخ عن ابعادها العربية والإسلامية والإنسانية، كما أن نجاح الشعب الفلسطيني في إنجاز مشروعه الوطني التحرري سلما أو حربا مرهون بوجود حالة عربية شعبية ورسمية تتبنى خيار المقاومة فعلا ومستعدة لدفع استحقاقاتها .

لكن وحيث إن الحالة العربية والإسلامية الراهنة، الرسمية منها والشعبية، غير مهيأة لتحمل استحقاقات أية مواجهة جادة مع إسرائيل وواشنطن حتى على طاولة المفاوضات، بل هي حالة ترتد تداعياتها سلبا على القضية الفلسطينية، فعلى الفلسطينيين عدم المراهنة كليا على أي مشروع تسوية أو وساطة تطرحه أية دولة عربية أو إسلامية في ظل الوضع الراهن، وخصوصا أن هناك بعض الأنظمة العربية مستعدة اليوم للتضحية بالمشروع الوطني الفلسطيني وبالشعب الفلسطيني حتى تحافظ على كيانها ومصالحها وتكسب ود واشنطن وتل أبيب .

إن كان العرب جادين في دعم عملية السلام فعليهم التمسك بالمبادرة العربية وعدم توظيف الفلسطينيين للتراجع عنها أو تخفيض سقفها، وعليهم دعم صمود الشعب الفلسطيني على أرضة والمعاملة الكريمة للفلسطينيين المقيمين على أراضيهم أو الذين يمرون عبرها .

لذا على الفلسطينيين استعادة زمام المبادرة ووقف المراهنة على مبادرات أو مشاريع تسوية تسمى عربية أو إسلامية . إن عناصر القوة المتوفرة في الشعب الفلسطيني في حالة إنهاء انقسامه وتوحده حول رؤية وموقف موحد هي أكثر فعالية وتأثيرا على مجريات الصراع من عناصر القوة العربية والإسلامية المتاحة والتي يمكن توظيفها فعليا الآن لمواجهة إسرائيل ومخططاتها، ليس لأن العرب والمسلمين لا يتوفرون على عناصر قوة وتأثير بل لأن هذه القوة محجور عليها أو أن الأنظمة غير مستعدة لتوظيفها في مواجهة إسرائيل وواشنطن فيما هي تتعرض لخطر داخلي يهدد وجودها .

 

إبراهيم أبراش

 

امجد الدهاماتهناك أسئلة يتم تداولها في هذه الفترة حول مفهوم المعارضة السياسية في النظام البرلماني تحديداً لأنه النظام الذي يعتمده بلدنا في عمليته السياسية التي لم تتحول بعد الى حياة سياسية مستقرة بفعل حداثة التجربة وعدم أرساء تقاليد ديمقراطية في الحكم، وسأحاول الإجابة عنها مستعيناً بتجارب الدول العريقة بالديمقراطية عسى أن نستفيد منها.

طبعاً أغلب حكومات النظام البرلماني ائتلافية لصعوبة حصول حزب واحد على أغلبية مقاعد البرلمان خاصة في نظام الانتخاب النسبي، ولهذا تضطر الأحزاب للدخول في تحالفات صعبة لتأليف الحكومة، ومبعث هذه الصعوبة هو التعارض الكبير في برامج وتوجهات الأحزاب، فتتفاوض فيما بينها لفترة طويلة للوصول إلى قواسم مشتركة ونقاط إلتقاء تسهل تشكيل الحكومة، كما حصل في بلجيكا بعد الانتخابات غير الحاسمة في عام (2010) حيث حققت مفاوضات تشكيل حكومة رئيس الوزراء (إليو دي روبو) رقماً قياسياً بلغ (589) يوماً.

وسأذكر بعض هذه الأسئلة:

السؤال الأول: هل من حق حزبٍ ما أشترك في الحكومة ودعم شخص معين لمنصب رئيس الوزراء أن ينسحب منها ويعارض رئيسها؟

أحياناً لا يلتزم رئيس الوزراء باتفاق تشكيل الحكومة أو يتخذ قرارات غير متفق عليها، وعندها يحق للأحزاب الخروج منها وسحب الدعم من رئيسها بل ومحاولة اسقاطه في البرلمان.

في هولندا شكل (يان بيتر بالكننده) حكومة ائتلافية من (3) أحزاب (2003) لكنها سقطت عندما أقترح أحد هذه الأحزاب حجب الثقة عن وزيرة الهجرة.

وفي إيطاليا سحب حزب (حرية الشعب) دعمه من حكومة (ماريو مونتي) عام (2012) بسبب سياساته التقشفية.

وفي قبرص أنسحب الحزب الديموقراطي (2014) من حكومة الرئيس (نيكوس انستاسيادس) بسبب توقيعه على اعلان مشترك مع القبارصة الاتراك.

وفي بلجيكا تم تأليف حكومة من (3) أحزاب برئاسة (شارل ميشيل) عام (2014) لكن التحالف الفلامنكي الجديد انسحب منها بسبب اعتراضه على قبول الحكومة (الميثاق العالمي للهجرة).

اما في اليونان فقد انسحب حزب "اليونانيون المستقلون" عام (2019) من حكومة (الكسيس تسيبراس) اعتراضاً على الاتفاق مع دولة مقدونيا.

بل يحق حتى لحزب الأغلبية الذي ينتمي له رئيس الوزراء ان يسحب ثقته منه ويستبدله بشخص ثانٍ، فقد استقال رئيس الوزراء الإيطالي (انريكو ليتا) عام (2014) بعد ان سحب حزبه الديمقراطي تأييده له.

السؤال الثاني: هل يحق لأحزاب للمعارضة المطالبة بمناصب في الحكومة؟

طبعاً لا يحق للمعارضة المشاركة في الحكومة، ففي هذه الحالة لن تصبح معارضة أصلاً، إلا إذا طلب الحزب الفائز منها ذلك ووافقت المعارضة وهذه حالة نادرة، فعندما أصبح (باراك أوباما) رئيساً للولايات المتحدة عام (2009)، وهو من الحزب الديمقراطي، طلب من (روبرت غيتس) البقاء بمنصب وزير الدفاع رغم انه من الحزب الجمهوري.

السؤال الثالث: هل يحق للمعارضة ان تتظاهر ضد سياسات الحكومة؟

هذا من بديهيات العمل السياسي، فمن حق أحزاب المعارضة استخدام كل الطرق الدستورية والقانونية للإعتراض على الحكومة واسقاطها، فقد تظاهرت الكثير من أحزاب المعارضة ضد الحكومات في الدول الديمقراطية، وهذه بعض الأمثلة:

إيطاليا: تظاهر الحزب الديمقراطي (2010) ضد حكومة (سيلفيو برلسكوني).

اليابان: تظاهر الحزب الديمقراطي والحزب الشيوعي (2015) ضد حكومة (شينزو آبي).

بريطانيا: تظاهر حزب العمال (2016) ضد حكومة (ديفيد كاميرون).

تركيا: تظاهر حزب الشعب الجمهوري (2017) ضد الرئيس (رجب طيب اردوغان).

صربيا: تظاهر الائتلاف من أجل صربيا (2018) ضد الرئيس (آلكسندر فوتشيتش).

أرمينيا: تظاهر حزب العقد المدني (2018) ضد الرئيس (سيرج سركيسيان).

السؤال الرابع: هل المعارضة ضد الحكومة على طول الخط أمْ تساندها أحياناً؟

في بعض المواقف تحصل الحكومة على دعم المعارضة خاصة في قضايا البلد المصيرية أو التي تهم الشعب بشكل عام، اما حكومة الأقلية فيمكنها الاعتماد على المعارضة مقابل إصدار قوانين لصالح ناخبيها، فعندما شكل رئيس الوزراء السويدي (ستيفان لوفين) حكومة أقلية (2014) أعلن أنه سيتعاون مع الأحزاب الآخرى في بعض المجالات مثل (نظام المعاشات التقاعدية، تطوير الطاقة في المستقبل، سياسة الأمن والدفاع)، وفي قبرص دعم حزب (أكيل) المعارض موقف الرئيس من القبارصة الأتراك (2014)، وساند الحزب الاشتراكي الأسباني حكومة (ماريانو راخوي) اثناء ازمة إقليم كتالونيا عام (2017).

السؤال الخامس: هل يمكن ان تتفق الأحزاب على اختيار شخصية مستقلة أو غير فائزة بالانتخابات لرئاسة الجمهورية أو الحكومة؟

نعم هذا حدث في عدة دول اتفقت فيها أحزاب الحكومة والمعارضة على انتخاب شخصية مستقلة لرئاسة الدولة أو الوزراء، مثل: (كارلو تشامبي) رئيس جمهورية إيطاليا (1999)، أبو بكر زين العابدين رئيس جمهورية الهند (2002)، (ماريو مونتي) رئيس وزراء إيطاليا (2011)، (يواخيم غاوك) رئيس جمهورية المانيا (2012)، مهدي جمعة رئيس وزراء تونس (2014)، أمينة فقيم رئيسة جمهورية موريشيوس (2015) ... ألخ.

طبعاً هناك أسئلة أخرى لكن لا يسع المقال لذكرها جميعاً وربما يأتي دورها لاحقاً.

 

أمجد الدهامات - العراق

 

كاظم المقداديثلاثة أعوام على نشر نتائج التحقيق بالحرب على العراق..

تمهيد: شاركت المملكة المتحدة مع الولايات المتحدة وتحت أمرتها مشاركة فعلية غير محدودة في حربين مدمرتين للعراق في عامي 1991 و2003). وقد إستخدمت قواتهما المسلحة أسلحة فتاكة حديثة..لحد اليوم لا توجد إحصائية رسمية دقيقة منشورة عن عدد ضحايا الحرب من الأبرياء العراقيين، لكن الشواهد الشاخصة الكثيرة تدلل على ان الحربين خلفتا أكثر من مليون قتيل وأضعاف هذا العدد من المصابين والجرحى والمقعدين، إضافة الى مئات اَلاف المرضى، وموت الآلاف جراء إستخدام تلك الأسلحة. وما يزال الشعب العراقي يعيش في ظل دمار البنى التحتية والخراب الأقتصادي- الأجتماعي والكوارث البيئية والصحية الرهيبة، التي أرجعت العراق نحو قرن للوراء.

وعدا هذا، نشأ برعاية سلطة الأحتلال نظام هزيل، فاسد ومتهرئ، مبنياً على المحاصصة الطائفية والأثنية وإسئثار أحزاب الإسلام السياسي بالسلطة، وهيمنتها على النفوذ والمال والقوة، وفتح المتنفذون الأبواب مشرعة أمام أتباعهم وأقرباءهم من غير المؤهلين والفاشلين والمزورين والمحتالين والجهلة وسراق المال العام. وإستكملوها بعملية إجتثاث الكفاءات الوطنية المخلصة، ضمن خطة مدروسة لمحاربة كل ما يمت للوطنية بصلة، وتحطيم الدولة وشل مؤسساتها التشريعية والقانونية. والحصيلة:إشاعة الفساد الأداري والمالي، والرشوة، ونهب ثروات العراق، وتدمير الصناعة والزراعة والتجارة، والحط من التربية والتعليم، وتردي الخدمات العامة، وفي مقدمتها الصحة والكهرباء والماء النقي، وتفاقمت معدلات البطالة والفقر والتخلف، بدلآ من إعمار البلد وتحسين الأحوال المعيشية للمواطنين وتأمين الحياة الحرة الكريمة والعدالة الإجتماعية. و بالمقابل إغتنت طبقة طفيلية جديدة من الفاسدين، ، وصارت عصابات السلب والنهب والخطف والإغتيال، المسنودة من مليشيات مسلحة، تصول وتجول وتعيث فساداً دون رادع ولا محاسبة، والقضاء يتفرج. وإستمر إنعدام الأمن والأستقرار، ومنذ 15 عاماً ولحد الآن، تهدر دماء العراقيين كل يوم وتتواصل الفواجع والماَسي والآلام..

وكل هذا دلل بان المستهدف من الغزو والأحتلال ليس النظام الدكتاتوري وأسلحة الدمار الشامل، المبرر الرئيس للحرب، وإنما العراق دولة وشعباً. والمفارقة:لم تجر معاقبة ولا حتى محاكمة دولية للغزاة والمحتلين

لجنة تحقيق بريطانية

يسجل للممملكة المتحدة، ان رئيس وزراءها الأسبق جوردون براون بادر وشكل في 15 حزيران 2009 لجنة للتحقيق بالحرب على العراق برئاسة السير جون تشيلكوت، وإختار أعضاءها بنفسه، وسميت: ,The Iraq war Inquiry أو Chilcot inquiry، وباشرت عملها رسميا في تموز 2009 كلجنة مستقلة مختصة بالتحقيق بشأن مشاركة المملكة المتحدة في الحرب على العراق عام 2003. وقد غطى تحقيقها قرارات الحكومة لفترة 8 سنوات:من صيف عام 2001 الى صيف عام 2009.وأنجزت عملآ كبيراً، راجعت خلاله نحو 150 ألف وثيقة حكومية وقامت بتحليلها، وعقدت أكثر من 200 اجتماع مع مسؤولين حكوميين، وقابلت أكثر من 150 من الشهود، من الشخصيات السياسية والعسكرية والاستخباراتية البريطانية.وكلف عملها خزينة الدولة نحو 9 ملايين جنيه إسترليني. وصدر تقريرها بـ 12 مجلداً، مجموع صفحاته 6 اَلاف صفحة، مؤلفة من 2,6 مليون كلمة.

المحصلة والإستنتاجات

نشرت اللجنة نتائج تحقيقها في 6/7/2016، ومحصلته- كما لخصتها صحيفة "الغارديان": "دولة دمرت (إشارة الى العراق) وثقة تهدمت (بريطانيا) وسمعة تحطمت (بلير) "[1]..

بإختصار، خرجت اللجنة بإستنتاجات مهمة بشأن مشاركة المملكة المتحدة في الغزو، معلنة بان الحرب لم تكن ضرورية، ومبرراتها ليست مقنعة، فلم يشكل العراق وقتها خطراً على المصالح البريطانية، ولم تثبت مزاعم إمتلاكه لأسلحة الدمار الشامل.وإعتبرت عملية الغزو متسرعة ومبنية على معلومات إستخباراتية مغلوطة وغير دقيقة. ولم تكن صحيحة إدعاءات إدارة بلير بأنها تحركت نيابة عن المجتمع الدولي، وإنما بالعكس، فالمحامي العام وقتها اللورد غولد سميث لم يتحدث عن وجود أي أساس شرعي للحرب ضد العراق. وفي هذا الإطار، أسهمت الحكومة في تقويض سلطة مجلس الأمن الدولي عبر المشاركة في تدخل عسكري غير مدعوم منه، وشكلت تجاوزا لبنود عمل الأمم المتحدة بخصوص الحفاظ على الأمن والسلام الدوليين

ومع ان التقرير لم يحسم إن كانت الحرب شرعية أو غير شرعية، وإعتبر رئيس اللجنة ان هذا الأمر يحسمه القضاء. بيد ان التقرير أوحى- بحسب قانونيين- بعدم شرعية الحرب، وان الأدارة البريطانية تجاوزت ما تنص عليه الأمم المتحدة للحفاظ على الأمن والسلام الدوليين.وإعتبرت صحيفة "التايمز" التقرير بمثابة " تقييم نهائي لتجربة عسكرية إنتهت الى خطأ كارثي لعدم وجود التخطيط الأساسي والإجتهاد الواجب"[2].

وتضمن انتقادات لكامل الفريق السياسي والعسكري الذي شارك بلير قرار الحرب، لا سيما وزير الخارجية آنذاك جاك سترو، ورئيس جهاز الاستخبارات (MI6) السير ريتشارد ديرلوف، ورئيس لجنة الاستخبارات المشتركة، السير جون سكارليت، ووزير الدفاع، جيف هون، ووزيرة التنمية الدولية، كلير شورت. وكان سترو قد إعترف بإن "العواقب التي نجمت عن قرار التدخل العسكري ضد العراق ستعيش معي لبقية حياتي".

وأوضح التقرير أن الخطط البريطانية لفترة ما بعد الحرب في العراق كانت غير مناسبة، ولها تداعيات كثيرة..

بيد ان تقرير اللجنة جوبه بأنتقادات موضوعية لكثرة المؤاخذات عليه، أبرزها تجاهل اللجنة لإستخدام القوات البريطانية والأمريكية أثناء غزو العراق لأسلحة مشعة فتاكة، للمرة الثانية، وإهمال حقوق الضحايا المدنيين العراقيين، بالأضافة الى المماطلة في إعلان النتائج، والضبابية، وعدم الحسم في قضايا هامة عديدة ذات علاقة ..

تجاهل إستخدام الأسلحة الفتاكة

تجاهلت لجنة التحقيق إستخدام القوات البريطانية والأمريكية مجدداً في غزو العراق وإحتلاله عام 2003 لأسلحة فتاكة، هي ذخائر اليورانيوم المشعة، المصنعة من نفايات نووية خطيرة، إستخدمتها وجربتها لأول مرة في ميادين القتال " الحية" في العراق في حرب عام 1991، والتي سببت للمدنيين الأبرياء كارثة صحية رهيبة لا مثيل لها في التأريخ الحديث .

علماً بان حكومة بلير أهملت كافة التحذيرات العلمية، بما فيها لمؤسسات علمية بريطانية، مثل هيئة الطاقة الذرية البريطانية (UKAEA). التي حذر تقرير سري لها في عام 1991 المسؤولين البريطانيين من عواقب استخدام ذخيرة اليورانيوم على السكان، وخاصة الاطفال، الذين هم اكثر واخطر تأثراً باضراره، وذلك لمعرفة الهيئة المختصة بان قذائف اليورانيوم عندما تصيب الدبابات والاهداف الاخرى تطلق غباراً ساماً يسبب لمن يتعرض له السرطان، وحتى الركام الذي تخلفه يشكل خطراً على من يقترب منه.

وكانت الهيئة قد قدرت في وقته بان غبار وأتربة اليورانيوم المنضب التى أطلقت في الهواء في منطقة الخليج أثناء حرب 1991 بحوالى 50 طناً مترياً مما سيترتب عليه ظهور 500 ألف حالة سرطان في المنطقة.وفيما بعد قدرت الهيئة وجود 2000 طناً مترياً من هذا الغبار حالياً في المنطقة جراء حربي 1991 و 2003، أى أن كمية الغبار والإشعاعات التى أطلقت في الخليج منذ 1991 تفوق نظيراتها التى أطلقت في الهواء جراء إلقاء قنابل هيروشيما ونجازكى أما خسائر الأرواح في الأخيرة فبلغت حوالى 250 ألف شخصاً، في حين أن أضعاف هذا الرقم قد توفي أو في طريقه للوفاة بسبب الأمراض الخطيرة التى ترتبت على إستخدام الذخائر المحرمة في منطقة الخليج [3][4][5][6].

وكان العالمان الكندي هاري شارما -أستاذ الكيمياء في جامعة ووترلو بأونتاريو في كندا، والأمريكي دوج روكي- أستاذ الهندسة البيئية والفيزياء النووية في جامعة جاكسونفيل في ولاية آلاباما الأمريكية، قد حذرا بإفادتهما أمام مجلس العموم البريطاني عام 1998 من مخاطر إستخدام هذا السلاح الفتاك[7].

ونشر العديد من العلماء المعروفين، مثل أساف دوراكوفيتش وتيد ويمان والكساندرا ميللر وسيغفرت –هورست غونتر ودوج روكي وروزالي برتل وكريس باسبي وروس ميركاريمي وباولا مندوكا وجواد العلي وكارمل موثرستيل وثوماس فاسي ولورين موريه وباريش لاندال وساندرا وايز وهانكه شرويدر وغيرهم كثيرون، في كبريات المجلات والدوريات العلمية المتخصصة، عشرات الأبحاث الرصينة المؤكدة لمخاطر هذه الأسلحة على صحة وحياة البشر.

وأمام المؤتمر الدولي الذي عقد في لندن في تموز 1999 وكرس لليورانيوم المنضب، تحدث العالم البريطاني روجرز كوجهيل ، المتخصص بالبايولوجيا التجريبية، عن العلاقة بين اليورانيوم المنضب وانواع السرطان في العراق، موضحاً بان جزيئاً واحداً من هذه المادة يستقر في العقدة اللمفاوية كفيل بتدمير جهاز المناعة بالكامل.وقال: نحن نعلم انه تم إطلاق نحو مليون قذيفة من اليورانيوم الناضب في حرب الخليج الثانية، ولايزال الكثير منها موجود في الصحراء، الامر الذي ينجم عنه انواع خطيرة من السرطان وتشوهات الاجنة.واكد ان العلاقة بين الاثنين قائمة ظاهرياً من الوجهة البايولوجية[8]

من جهته، أكد الجنرال الفرنسي بيير ماري غالوا ، أثناء شهادته أمام المجلس الوطني الفرنسي عام 2001، ان سلاح اليورانيوم المنضب سلاح فتاك مشابه للأسلحة الكيمياوية المحرمة دولياً وفق بروتوكول جنيف 1925 وميثاق باريس 1993 [9].

وأثبتت دراسة للعالم الفنلندي كيث بافرستوك وزميليه: س. موثرستيل و م. ثورن، ان استنشاق ذرات غبار اليورانيوم المنضب يولد آثارا سمية جينية على الـ DNA، وتنتشر من الرئة إلى أجزاء الجسم عن طريق الدم وتتسبب بأضرارا بالغة في نخاع العظم والنظام الليمفاوي والكلى [10][11].

بافرستوكك كان كبير خبراء الوقاية من الأشعاع لدى منظمة الصحة العالمية، وقد منعت الأخيرة نشر الدراسة، وأعتبر ذلك تواطئاً منها، فترك العمل فيها.

الضحايا.. عسكريون ومدنيون

أثبت العلماء بأن لأشعة (ألفا ) المنبعثة من اليورانيوم المنضب دور كبير في تدمير الحامض النووي (DNA) وفي حدوث الطفرات والسرطانات في الخلايا التي تتعرض لها. حيال هذا حذرت العالمة الأمريكية لورين موريه عقب حرب الخليج بان القليل من الكائنات الحية ستنجو من التسمم الأشعاعي البطيء الذي يشوه الـ DNA وينقل التشوه إلى جميع الأجيال اللاحقة [12].

وأكد العالم البريطاني مالكولم هوبر: بان" الأدلة تتراكم بشأن خطورة اليورانيوم المنضب، حيث يمثل إستنشاق حزيئات غباره خطراً صحياً تعرفه المؤسسة العسكرية منذ عام 1974" [13].

وكشف أحد كبار ضباط الجيش الأمريكي بان البنتاغون يعرف منذ منتصف الثمانينات بأنّ مشاكل جدية سيسببها إستخدام اليورانيوم المنضب [14].بيد ان وزارة الدفاع البريطانية، توافقاً مع البنتاغون وبضغط منه، رفضت الكشف عن اَثار اليورانيوم المنضب الذي إستخدمته القوات البريطانية والأمريكية مجدداً أبان غزو العراق، ولم تسمحا لفريق الأمم المتحدة بدخول العراق ودراسة التلوث ياليورانيوم المنضب [15][16][17].

وأكدت أبحاث علمية ان ما يزيد عن نصف الجنود الامريكيين الذين شاركوا في حرب الخليج عام 1991 , يعانون من اعراض صحية خطيرة وتشوهات خلقية في مواليدهم الى الان [18][19][20]. وبينت عدة دراسات على الجنود الذين تعرضوا الى آثار اليورانيوم في كوسوفو والعراق، أجريت لمعرفة مستويات التلوث باليورانيوم المنضب، ان أعلى تركيز لليورانيوم المنضب في البول للجنود من غير المصابين بشظايا اليورانيوم المنضب تساوي 266ng/ℓ جاءت نتيجة لأستنشاق الهواء الملوث بغبار اليورانيوم المنضب او دخولها عن طريق الجهاز الهضمي , اما المصابين بشظايا ذخائره فأن التركيز كان  24500ng/ℓ [21][22].

في دراسة له بعنوان "إنتشار وتلويث اليورانيوم المنضب لجنود حرب الخليج وأَخرين"، عبر العالم الفيزيائي الأمريكي ليونارد ديتز عن إعتقاده بان الجنود الأمريكيين الذين يعانون من أعراض حرب الخليج هم ضحايا تلك المادة التي نقل الجو إشعاعاتها لهم أثناء قصفهم للعراق، وتدميرهم لدباباته ومعداته العسكرية والإستراتيجية [23][24].

وفي العراق أكدت العديد من الدراسات العلمية الرصينة المستقلة إنتشار على نحو خطير أمراض السرطان والتشوهات الولادية والإسقاط (الإجهاض) المتكرر والعقم (حتى وسط من كانوا قد أنجبوا قبل الحرب) وعلل أخرى كثيرة غير قابلة للعلاج، وسط المدنيين، خاصة في المناطق التي إستخدمت فيها القذائف المصنعة من اليورانيوم المنضب وحواليها أثناء حربي 1991 و 2003. وان استخدام هذا السلاح الفتاك في المناطق الجنوبية من العراق يُعدُ أحد أهم الأسباب التي ادت الى تزايد نسبة الأصابة بالأمراض السرطانية, وخاصة سرطانات الدم والثدي والغدد اللمفاوية، حيث بينت الدراسات تزايد النسبة من 4 اصابة عام 1990 الى 8 اصابة عام 1995 و13 اصابة لكل 100 الف نسمةعام 2005 [25][26][27][28].

إهمال حقوق ضحايا الحرب العراقيين

من أبرز المؤاخذات الجدية ، التي إستحقت الأنتقادات الحادة والأحتجاجات الجماهيرية، عدم إيلاء لجنة التحقيق البريطانية ,The Iraq war Inquiry وتقريرها، الإهتمام المطلوب بالضحايا الأبرياء من المدنيين العراقيين..

المؤلم أن الإعلام العالمي أولى اهتماماً كبيراً بما يتعلّق بطوني بلير في تقرير اللجنة، متجاهلاً أن الضحية الأساسيّة للحرب هي الشعب العراقي وبيئته ومجتمعه وأجيال مستقبله.علماً بان تقرير اللجنة أقر ضمنياً بأن ضحية الحرب في المقام الأول هو العراق، الذي " يبقى مقبرة كبيرة لا يمكن معرفة حجمها"، ومع هذا لم تول اللجنة ولا تقريرها إهتماماً إسوة بما أولته للضحايا البريطانيين ذوي العلاقة. حيال هذا نظمت MedAct org [29] إحتجاجاً جماهيرياً على تقرير اللجنة، معتبرة ان التحقيق لم يكن جدياً، وقد أهملت اللجنة تقرير المنظمة المفعم بمعطيات موثقة عن محنة الضحايا المدنيين الناجمة عن الغزو[30].

الى هذا، كشفت تقارير بان الحكومة البريطانية كانت قد ظللت بشأن المصابين والمتوفين من المدنيين ضحايا أسلحتها، فلم تسجل أعدادهم بناء على رغبة بلير بتقليص العدد قدر الأمكان[31]، ضاربة عرض الحائط بتقارير الطواقم الطبية العاملة في العراق المنبهة لإرتفاع معدلات السرطان والتشوهات الخلقية، والرابطة لها باستخدام أسلحة اليورانيوم [32].

وقد إستغرب الكثيرون في بريطانيا وخارجها ان يعطي تقرير اللجنة الحق لعوائل الضحايا البريطانيين، من قتلى وجرحى ومعوقين، ممن شاركوا بالحرب، بالمطالبة بتعويضات، بينما أنكره على نظرائهم من العراقيين، مستهيناً بجسامة الكارثة الأنسانية والصحية التي سببتها الذخائر المشعة، والتي لخصتها العالمة الأمريكية لورين موريه :" أن المستقبل الجينى للعراقيين على وجه التحديد قد تم تدميره" [33][34]. واكتفى رئيس اللجنة تشيلكوت بالقول في مؤتمر صحفي عقده يوم نشر التقرير:" تسبب الغزو وحالة عدم الاستقرار التي أعقبته بمقتل ما لا يقل عن 150 ألف عراقي وربما أكثر بكثير, معظمهم من المدنيين، ونزح أكثر من مليون شخص عن العراق.وتكبد الشعب العراقي معاناة كبيرة ".. ولم يوص لا بتعويضات للشعب العراقي ولا حتى باعتذار يقدم له، وهو ما انتقده كارني روس- مؤسس منظمة «دبلوماسيون مستقلون» [35]. وأدانه الباحث في الفكر الإستراتيجي بجامعة باريس نبيل نايلي بقوله: ضاقت 2,6 مليون كلمة ولو بجملة يتيمة تعيد إلى ضحايا حرب همجية غير قانونية بعض الاعتبار [36].

لقد واجه المدنيون العراقيون- بتأكيد منظمة MedAct -أفضع الآثار الصحية السلبية للحرب على العراق، وما زالوا يعانون منها. وقد قتل مئات الآلاف من غير المحاربين، وتشرد حوالي 5 ملايين مدنياً، ومعظمهم يعانون بسبب الأضرار الكارثية التي طالت أنظمة الرعاية الصحية [35].

وتساءلت منظمة "ضحايا حرب العراق" (IBC)[37] في عام 2015: متى ستبدي المملكة المتحدة اهتماما جادا في ضحايا العنف في العراق؟[38]. وانضم أعضاء من "مجموعة الصحة عبر السلام"(the Health Through Peace community) الى الاحتجاج السلمي الذي نظمته منظمة MedAct ضد تقرير تشيلكوت، معبرين عن رفضهم له، معتبرين إياه غير جدياً بشأن الضحايا الأساسيين.

إثباتات طلبتها لجنة التحقيق وتجاهلتها

يحسب للجنة التحقيق من بين الأمور الإيجابية دعوتها لمن لديه إثباتات ومعلومات تفيد التحقيق تقديمها لها. فقدمت المنظمة البريطانية MedAct.org تقريراً خاصاً وافياً مكرساً لأضرار النزاع المسلح على المدنيين والبيئة العراقية.وقبل ذلك رفعت لرئيس اللجنة في اَب 2009 رسالة دعت فيها، بإسم "مشروع ضحايا حرب العراق (IBCP) الى ضرورة ان يشكل ضحايا العراق جزءاً من التحقيقات في حرب العراق، مطالبة لجنته ان تأخذ بعين الأعتبار الضحايا العراقيين نتيجة الحرب والأنهيار الذي أعقب الغزو في عام 2003. وطالبته بان يسمح للمنظمة بتقديم الأدلة اللازمة لهذا الموضوع تحديداً. وقالت أيضاً:"ان لجنة التحقيق في حرب العراق تشكل فرصة فريدة، حتى لو كانت متاخرة، للتحقيق في ضحايا العراق بشكل شامل و بتفاصيل دقيقة، وأيضا تقييم طبيعة ومدى الضرر الناتج عن اهمال الحكومة المستمر لهذه القضية..وقالت: ان المصادر الكثيرة توفر لكم- حسب رأينا- فرصة جيدة للتحقيق بشكل شامل وسليم في قضية ضحايا العراق: الحقائق الكثيرة تجبركم على فعل ذلك".

وأوضحت (ميداكت) بان جمع كل الحقائق المتوفرة عن ضحايا العراق كانت النشاط الرئيسي لمنظمة "ضحايا حرب العراق"(IBC) خلال الاعوام الماضية. وبغياب مصدر معتمد اخر للمعلومات عن طبيعة و توزيع الضحايا في العراق، فان البيانات التي تقدمها المنظمة لطاما اشير اليها في مختلف السياقات من قبل مؤسسات مستقلة، من بينها منظمات الاغاثة، منظمة الصحة العالمية، مفوضية الامم المتحدة العليا للاجئين، البنك الدولي، صندوق الدعم الدولي، الجامعات الرئيسية، مؤسسةBBC الاعلامية، صحيفة الايكومنست، وغيرها من المؤسسات الاعلامية في المملكة المتحدة والعالم.

وقدمت الشبكة البريطانية لأسلحة اليورانيوم (UKUWN) [39]، في 8 /7/ 2010 ، تقريراً علمياً وافياً مكرساً لاستخدام المملكة المتحدة لذخائر اليورانيوم المنضب في العراق، شرحت فيه طبيعتها وأصنافها وحجم ما استخدم منها على العراق. وتناولت بالأدلة العلمية القاطعة المخاطر الصحية لإستخدامها، مستندة الى نتائج دراسات وأبحاث علمية رصينة، أثبتت سميتها الكيميائية والإشعاعية على العسكريين والمدنيين، التي تجسدت بـأعراض أو متلازمة حرب الخليج " "Gulf War Syndrome، التي طاولت مئات اَلاف العسكريين، وتداعياتها على عوائلهم، وانتشار الأصابات السرطانية والتشوهات الخلقية وعلل مرضية أخرى غير قابلة للعلاج وسط العسكريين والمدنيين الأبرياء.

ولفتت الشبكة إنتباه لجنة التحقيق الى تكرار إستخدام وزارة الدفاع البريطانية لذخائر اليورانيوم في غزو العراق رغم علمها المسبق بمخاطر إستخدامها، بإعتبارها ذخائر مشعة مصنعة من نفايات نووية خطيرة. وهذا ما أكده البرفسور مالكولم هوبر- أستاذ الكيمياء الطبية بجامعة سندرلاند، والمستشار العلمي لـ "جمعية جنود حرب الخليج الثانية المتقاعدين في المملكة المتحدة"، متجاهلة كافة التحذيرات العلمية، بضمنها لمؤسسات علمية بريطانية معروفة، بشأن سميتها الكيميائية والإشعاعية وأضرارها البيولوجية على صحة وحياة العسكريين والمدنيين-أشرنا لبعضها [40]..

وقامت وزارة الدفاع وحليفاتها بإخفاء البيانات والمعلومات ذات العلاقة.فقد أكدت صحيفة " الإندبندنت" البريطانية في تقرير عنوانه:"الجيش البريطاني كان يعرف بمخاطر اليورانيوم المنضب " أن الوزارة كانت تعرف بان التعرض لأشعاع أسلحة اليورانيوم المنضب يسبب سرطانات الرئة والغدد اللمفاوية والدماغ، وأن التحذير من تلك الأمراض كانت قد أصدرته الطبابة العسكرية البريطانية (حصلت الصحيفة على نصه) وهو يحذر العسكريين من التعرض للغبار الناجم عن إنفجار أسلحة اليورانيوم المنضب. ودلل تقرير الأندبنتدنت على المغالطات الرسمية التي أتبعتها الحكومة البريطانية تجاه نتائج البحوث العلمية بشأن أضرار اليورانيوم المنضب، مستشهداً بالنتائج التي توصل إليها البرفسور مالكولم هوبر، التي أكدت ان اًلاف البريطانيين الذين يسكنون ضمن مدى إنفجارات أسلحة اليورانيوم المنضب، أو يعيشون بالقرب من معامل إنتاج تلك الأسلحة، سيتأثرون بخطر التلوث الإشعاعي.وقد تجاهلت وزارة الدفاع كافة التحذيرات العلمية الأكاديمية وأهملت الحقائق العلمية [41]..

من ردود الفعل على التقرير

كتب النائب العام البريطاني السابق في حكومة توني بلير اللورد موريس في عام 2014 منتقداً التأخير غير المقبول في نشر نتائج تحقيق لجنة تشيلكوت حول حرب العراق ، وإعتبر ذلك فضيحة وطنية. وانه من غير المقبول مواصلة تأخير نشر النتائج [42].

ويبدو ان المماطلة في تأخير نشر التقرير لعدة سنوات صبت في هذا المنحى.فكان من المفترض ان يكون تقرير نتائج التحقيق جاهزا للنشر بحلول نهاية عام 2010 [43]، لكن ذلك لم يحصل.وفي 16/11/2011 أعلن السير جون تشيلكوت أنه لايمكن نشر التقرير قبل صيف 2012 "إذا أردنا للتحقيق ان يكون عادلاً، نظراً للتعقيدات التي ينطوي عليها".وفي 16 /7/ 2012 أعلن مجدداً بانه لا يستطيع ان يقدم تقريراً قبل صيف 2013 [44].وفي كانون الثاني 2015أعلن إرجاء نشر نتائج التقرير إلى ما بعد اجراء الانتخابات العامة في بريطانيا [45].

وكل تلك التأجيلات لم تكن لصالح التحقيق، ولا لصالح ضحايا الحرب، ولم تكن مبرراتها مقبولة، ولا علاقة لها بـ "الأمن الوطني البريطاني"- كما زعموا، مع أن الأمن الوطني قام بتدقيق التقرير- بحسبBBC [46]. وأكد رئيس اللجنة بان التقرير أحيل إلى الأمن الوطني لفحصه لتضمنه كما ضخما من المواد الحساسة [47]..

أما نتائج التحقيق، فلم تكن غير متوقعة للعديد من السياسيين البريطانيين، وجاءت متوافقة واَراء العديد من الشخصيات البريطانية. فقد أعلنت ناتالي بينيت- زعيمة حزب الخضر: " كنا نعرفها، والان تأكدنا منها: الحرب على العراق كانت مبنية على الخداع والكذب.كانت غير قانونية، ولا يمكن تبرريها".وشدد جيرمي كوربين- زعيم حزب العمال: "نحن نعلم أن البرلمان تعرض للتضليل في مرحلة ما قبل الحرب، وعليه أن يقرر كيف يريد أن يتعامل مع هذا الأمر بعد مضي 13 عاما". وأضاف:"على الذين كشفهم تقرير تشيلكوت أن يواجهوا نتائج أعمالهم، أيا كانت" [48][49]..

وأعلنت منظمة "ضحايا حرب العراق" (IBC):" لم نكن نتوقع ان نجد بين نتائج عمل اللجنة العدد الكبير للضحايا، ولا حتى رؤية عوائل الضحايا العراقيين، او إحتياجاتهم ، او كيفية تخفيف معاناتهم [50].

والمفارقة ان تقرير لجنة التحقيق أشار الى عدم وجود نية لدى المملكة المتحدة لتنظيف العراق من تركتها المشعة القاتلة، وتخلت عن مسؤوليتها وواجبها في إزالة المخلفات السامة التي خلفتها هناك، ولا حتى وجوب رصد تأثيراتها على صحة ومستقبل السكان.وأكد دوغ وير- المنسق الدولي للتحالف الدولي لحظر أسلحة اليورانيوم(ICBUW) ان وزارة الدفاع قد أخفت عن لجنة التحقيق وثيقة عسكرية كانت قد أعلنت فيها عام 2003 عن نيتها تنفيذ هذه المهمة[51].وكان البرفسور مالكولم هوبر قد إعتبر مهمة التنظيف واجب قانوني على الملوثين في ظل إصابة الأطفال بالسرطان وحالات تشوه ولادي نراها في العراق منذ إستخدام اليورانيوم المنضب في حرب عام 1991"[52]..

وبموازاة صدور التقرير، تظاهر المئات من معارضي غزو العراق أمام منزل بلير، وأمام "مركز الملكة إليزابيث للمؤتمرات"، حيث عقد السير تشيلكوت مؤتمره الصحفي للإعلان عن خلاصات تقرير لجنة التحقيق، وطالب المتظاهرون بملاحقة بلير " لارتكابه جرائم حرب".

من جهتها، اعتبرت حركة "أوقفوا الحرب" التي عارضت غزو العراق أن " تقرير تشيلكوت اتهام صريح لتوني بلير والمحيطين به، في دفعنا إلى الحرب على العراق". وذكرت الحركة في بيان صدر بعد الإعلان عن نتائج لجنة التحقيق أن "الحركة المناهضة للحرب والملايين الذين تظاهروا ضد قرار الغزو، يطالبون الآن بالعدالة".

إنتهاك للقانون الدولي

تناول تقرير الشبكة البريطانية لأسلحة اليورانيوم (UKUWN) المقدم للجنة التحقيق بالتفصيل المسؤولية والمشروعية وانتهاكات القانون الإنساني الدولي من قبل مستخدمي أسلحة اليورانيوم. وأكد متخصصون ان استخدام تلك الأسلحة بكميات كبيرة جدا هدفَ عمداً مع سبق الاصرار للفتك بالعراقيين وتدمير بيئتهم ، ضاربين عرض الحائط بالقوانين الدولية التي حظرت في البروتوكول الاضافي الاول الملحق باتفاقيات جنيف ( المادة 35) (يحظر استخدام وسائل او اساليب القتال يقصد بها او قد يتوقع منها ان تلحق بالبيئة الطبيعية اضرارا بالغة واسعة الانتشار وطويلة الامد ).

ووفقا للمادة 4 من التعليمات الرسمية، والمادة 7 من قانون المحكمة الجنائية الدولية، فان ما سبق يُعدُ– برأي د. سعاد العزاوي- جريمة ضد الانسانية نتيجة لتأثيراته الصحية الضارة التي لا تميز بين المدنيين والعسكريين، والتي تستمر أضرارها لفترات طويلة بعد الانتهاء من العمليات العسكرية [53].

وإستكمالآ لمواقفها الصلفةحظرت الحكومة البريطانية على قادة الجيش الرد على نتائج التحقيق بشأن حرب العراق، ومنعتهم من إبداء وجهات نظرهم الخاصة للجنود والبحارة والطيارين. وبحسب أوامر الاتصالات التي اطلعت عليها "ديلي تلغراف" مُنعت المقابلات مع القادة، وقدمت إليهم الحكومة توجيهات متفق عليها لتمريرها إلى الجنود [54].

وقامت الحكومة البريطانية بسحب تمويلها لشركة المحاماة البريطانيّة Public Interest Lawyers التي ثبتت وقائع عن جرائم تعذيب وقتل خارج القانون جرت على يد جنود بريطانيين وطاولت مواطنين عراقيّين!

وأعلنت الحكومة البريطانية عن نيتها إلغاء ملف التحقيق في جرائم الجنود البريطانيين بحق آلاف المواطنين العراقيين، وفعلآ أوقفت التحقيق الذي يقوم به "فريق التحقيق في الإنتهاكات في العراق" (IHAT)، الذي شكّلته وزارة الدفاع في عام 2010 للتحقيق في دعاوى سوء معاملة مدنيين عراقيين على أيدي أفراد القوات المسلحة البريطانية خلال الفترة من نيسان 2003 إلى تموز 2009. وقد نظر الفريق بالفعل في ما لا يقل عن 1515 قضية لضحايا الإنتهاكات، منها 1235 اتهاماً بانتهاك حقوق مواطنين ومواطنات عراقيات، بينها اتهامات بالتعذيب والاغتصاب، ونحو 280 دعوى بالقتل خارج إطار القانون. وأعرب مسؤولها الشرطي السابق مارك وارويك لصحيفة "الإندبندنت" في كانون الثاني 2016 عن إعتقاده بأنه "ستكون هناك أدلة كافية لتبرير توجيه اتهامات جنائية.. هناك إدعاءات جادة يحقق فيها الفريق تتضمن القتل.. وأشعر أنه تم جمع أدلة كافية لتقديم قضية قوية أمام هيئة الادعاء لبدء المحاكمة وتوجيه الاتهامات". وأكد وارويك لصحيفة Business Insider البريطانية أنه "قد تتم مقاضاة القوات البريطانية التي قاتلت في العراق خلال الحرب بين 2003 و2011 بتهم ارتكاب جرائم حرب"، مضيفاً أن هناك "الكثير من القضايا المهمة التي تستوجب المناقشة حول ما إذا كانت تُصنّف ضمن إطار جرائم الحرب". وقد أجبرت الصور المنقولة عن الجنود أنفسهم أو شهاداتهم المباشرة وزارة الدفاع على الموافقة على التحقيق والتعاون معه، بعدما انتقدتها محكمة بريطانية لعدم كشفها عن وثائق تفيد بعلم الوزارة بالشكاوى التي تلقتها بهذا الصدد وقت حدوثها.

وكان من المقرر أن يختتم الفريق المكلّف تحقيقاته بنهاية عام 2019، أي بعد 10 أعوام من إنسحاب آخر القوات القتالية البريطانية من العراق. ولم يسفر عمله لليوم عن أية توصيات بمحاكمات، ويواجه انتقادات من حقوقيين جراء تحركه ببطء. غير أن الحكومة البريطانية إستغلت مخالفة قام بها أحد أعضاء الفريق لتعتبر عمل الفريق "ألحق الأذى بسمعة الجيش البريطاني". وبهذه الذريعة أعلن وزير الدفاع البريطاني مايكل فالون في 11 شباط الماضي بأن بلاده "عازمة على وقف التحقيق في جرائم جنود بريطانيين بحق مواطنين عراقيين، خلال مشاركتهم بحرب العراق عام 2003، وستجري احالة 20 ملفاً فقط إلى شرطة البحرية البريطانية".,أما مئات القضايا، التي رفعها ضحايا من المدنيين العراقيين، والتي ستترك من دون حل، فهي ليست مهمة بالنسبة لحماة العسكريين من مرتكبي الجرائم.

إنتقدت منظمة العفو الدولية القرار على الفور، معتبرة، بحق، ان الانتهاكات المقترفة في العراق "ينبغي عدم نسيانها". كما انتقدت احالة 20 ملفاً فقط إلى شرطة البحرية البريطانية. وقالت المنظمة في بيان لها "ان سمعة الجيش البريطاني على المحك، وأي مزاعم ذات صدقية بشأن انتهاكات لحقوق الانسان من قبل القوات البريطانية في العراق وافغانستان يجب أن تخضع لتحقيق مستقل من جهاز مستقل عن الجيش". وأشارت المنظمة إلى أن "القوات البريطانية ارتكبت اموراً فظيعة في سجونها".

وفي تشرين الثاني 2016 أعلنت الحكومة البريطانية بكل وقاحة نيتها التنصل من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الانسان في مدة الحرب، لتمكين عسكرييها من تفادي "ملاحقات تعسفية"، الأمر الذي ندّدت به منظمات الدفاع عن حقوق الانسان. وعلّق الناشط المدني د. كاظم الموسوي: "مهما كانت العراقيل ومحاولات التأجيل، وهي حالة بريطانية بيروقراطية بامتياز، فلن تتقادم الجرائم وستظل تلاحق مرتكبيها ورؤسائهم الذين دفعوهم لارتكابها، كما وتظل سبابات الضحايا مرفوعة ودماؤهم ملطخة جباه قادة الاجرام ومجرمي الحرب الرئيسيين" [55].

مفارقة عراقية ليست مستغربة

مفارقة عراقية أخرى مؤلمة.ففي الوقت الذي هزت فيه نتائج التحقيق البريطاني عن حرب العراق حال نشرها الضمائر الحية للبريطانيين وغير البريطانيين في أرجاء العالم، وطالبوا بتحرك رسمي عراقي عاجل أمام المحكمة الجنائية الدولية، مبدين عزمهم دعمه إنصافاً للضحايا.. لم تهتز ضمائر المسؤولين المتنفذين في العراق، حتى اليوم، وكأن الموضوع لا يعنيهم، وليس من واجبهم المطالبة بحقوق الضحايا العراقيين.

فلماذا ولمصلحة مَن مواصلة السكوت طيلة ثلاثة أعوام كاملة ؟

نعيد ما كتبناه قبل عامين: مثل هذا الموقف ليس جديداً ولا مستغرباً وهو يؤكد مرة أخرى ان من ساهم في تدمير العراق وتحطيم شعبه لا تهمه حقوق الضحايا الأبرياء من أبناء وبنات الشعب العراقي ![56] ..

ان ما تضمنه تقرير اللجنة، الذي صدر قبل 3 أعوام، من معلومات وحقائق تدعو كل مسؤول شريف، وكل عراقي مخلص، وكافة منظمات المجتمع المدني الحريصة، للضغط على الحكومة العراقية، والسلطتين التشريعية والقضائية، والتحرك والعمل المشترك والفعال، بكل قوّة، أمام «المحكمة الجنائيّة الدوليّة»، بالإستناد الى معطيات تقرير «لجنة تشيلكوت» وغيرها، التي أبطلت مبررات الغزو والأحتلال، للمطالبة بكافة حقوق ضحايا غزو العراق، خصوصاً ما اتّصل منها بإستخدام ذخائر اليورانيوم وتداعيات إستخدامها للمرة الثانية في العراق..

 

د. كاظم المقدادي

ستوكهولم، 22/ 7/ 2019

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا عن ثورة 23 يوليو ودورها في تحرير مصر من الاحتلال، وفي هذا المقال نتساءل سؤال آخر : ما أهداف تنظيم الضباط الأحرار؟

كان الهدف الأساسي هو تحرير مصر من الاحتلال، كما كان هذا هو الهدف الأساسي الذي تركزت عليه أفكار الضباط الوطنيين، إلا أنه نتيجة تعرض الجيش المصري منذ بداية الأربعينات لعدة عوامل سياسية جعلت ضباطه الوطنيين؛  وخاصة من جيل الشباب يلجأ إلي العمل السياسي، وهذه المؤثرات هي : معاهدة 1936 التي لم تؤد إلي استقلال حقيقي للبلاد، وحادث 4 فبراير 1942 الذي أرغمت فيه الدبابات البريطانية الملك فاروق أن يعهد بتشكيل الوزارة لمصطفي النحاس بدلاً من "حسين سري"، ويعد ذلك عدواناً علي استقلال مصر، مما جعل الضباط يشعرون أن كرامتهم قد أهينت، فعقدوا عدة اجتماعات لبحث الموقف واتجهت ميولهم لكل من يعادي الاحتلال الإنجليزي،  سواء من اليمين الإسلامي، مثل جماعة الإخوان المسلمين، أو اليسار الإسلامي، مثل حزب مصر الفتاة .

علاوة علي أن هزيمة الجيش في فلسطين وفضائح النظام الملكي كانا يمثلان سبباً مؤثراً في لجوء الضباط الأحرار للعمل السياسي ؛ نعم لقد كان لتلك الهزيمة وكذلك فضائح الملك في لجوء الضباط الأحرار إلي العمل علي خلق رابطة فكرية بين الضباط، كما كانت الأساس الذي بني عليه البكباشي جمال عبد الناصر تنظيم الضباط الحرار في سبتمبر 1949، واستطاع أن يضم إليه الضباط الوطنيين، الذين آمنو بأن خطورة المستعمر لا تكمن في جيوشه، وإنما في العملاء الذين ارتبطت مصالحهم ببقائه وعلي رأسهم الملك، ولذلك كانت خطة الضباط الأحرار انتزاع ولاء الجيش للملك ليكون ولاء الجيش للشعب؛ وقد عبر عبد الناصر عن ذلك بقوله " كنا نحن الشبح الذي يؤرق به الطاغية أحلام الشعب وقد آن لهذا الشبح أن يتحول إلي الطاغية ليبدد أحلامه هو "...وكنا نقول غير هذا كثيراً، ولكن الأهم من كنا ما نقوله أننا كنا نشعر شعوراً يمتد إلي أعماق وجودنا بأن الواجب واجبنا، وأننا إذا لم نقم به فإننا نكون قد تخلينا عن أمانة مقدسة نيط بنا حملها ...ذلك أن الحال الذي ساد بعد ثورة 1919، والذي حدد دوره في الصراع الكبير لتحرير الوطن.

وكلام عبد الناصر لم يأتي من فراغ، وإنما جاء من خلال تأثر الضباط الأحرار أثناء إعدادهم لحركة الجيش في 23 يوليو 1952 بما كان يدور حولهم في الحياة السياسية، وبما تعرضوا له أثناء حرب فلسطين عام 1948، وقد ظهر ذلك واضحاً في منشوراتهم، وفي أهدافهم الستة التي تبلورت حولها أفكارهم ؛ فقد تركزت المنشورات التي كانت تورع علي ضباط الجيش، في المكاتب أو بالبريد، علي مهاجمة الاستعمار وأعوانه، ومثال ذلك هذه الفقرات الذي نقتطعها من منشور صدر عقب حريق القاهرة يوم 26 يناير (كانون الثاني) 1952 جاء فيه : إن الخونة المصريون يعتمدون عليكم وعلي جيشكم لتنفيذ أهدافهم. وهم يظنوكم أداة طيعة في أيدهم للبطش بالشعب وارغامه علي قبول ما يكره .. فليفعم هؤلاء الخونة . إن مهنة الجيش هي الحصول علي استقلال البلاد وصيانته .. وأن وجود الجيش في شوارع القاهرة، إنما هو لإحباط قرارات الخونة التي تهدف إلي التدمير والتخريب.. ولكننا لا نقبل ضرب الشعب ... ولن نطلق رصاصة واحدة علي مظاهرة شعبية ... ولن نقبض علي  الوطنيين المخلصين ... يجب أن يفهم الجميع أننا مع الشعب الآن ... ومع الشعب دائما ... ولن نستجيب إلا لنداء الوطن .

ومن منشور آخر صدر أثناء وزارة أحمد نجيب الهلالي (باشا) جاء ما يلي : توالت مؤامرات الاستعمار الأنجلو امريكي، في الفترة الأخيرة في مصر، لمحاولة القضاء علي الحركة الوطنية، ولصرف أنظار الشعب عن الكفاح المسلح ضد الاستعمار في القناة إلي مشاكل داخلية في القاهرة ... ثم مضي المنشور يفسر ذلك إلي أن انتهي بالقول : إن ما أهداف الضباط الأحرار الكفاح ضد الفساد وضد الرشو والمحسوبية واستقلال النفوذ.. ولكن يجب ألا نتجه إلي ذلك إلا بعد القضاء علي الاستعمار.

هكذا كانت منشورات الضباط الأحرار تحمل هم تحرير مصر من الاستعمار والاحتلال البريطاني، باعتباره القضية الرئيسية التي يمكن بعدها إصلاح المجتمع . ولم تنطلق أفكار الضباط الأحرار إلي بعد ذلك . ولم تتحدث عن القومية العربية . ولم تشر إلي حيوية التضامن العربي . وجاءت الاهداف الستة بمثابة برنامج عام يطلب القضاء علي ثلاثة: الاستعمار وأعوانه من الخونة المصريين، والاقطاع، والاحتكار وسيطرة رأس المال علي الحكم؛ والعمل علي اقامة ثلاثة : عدالة اجتماعية، وجيش وطني قوي، وحياة ديمقراطية سليمة . ولا شيء عن القومية العربية أو الكفاح المشترك ضد الاستعمار.

وبعد أن تم تشكيل هذا التنظيم أراد جمال عبد الناصر أن يقيس قوة التنظيم فبدأ يدخل وبدأت تتجه الأنظار بدخول نادي الضباط بالزمالك الانتخابات لقياس مدي قوتهم وبالفعل كانت هذه الانتخابات تمثل صراعاً بين الضباط الوطنيين، وبين قادة الجيش من عملاء القصر، وعلي رأسهم حسين سري عامر، الذي عينه الملك مديراً لسلاح الحدود بدلا من اللواء محمد نجيب الذي عين قائدا لسلاح المشاة، وهنا قرر الضباط الأحرار خوض معركة الانتخابات، لاختبار مدي قوة تنظيمهم وتأثيره علي ضباط الجيش، لذلك اختاروا اللواء محمد نجيب لترشحه لرئاسة مجلس إدارة نادي الضباط، كما وضعوا اسمه علي قائمة مرشحي الضباط الأحرار، وذلك عندما قاموا بتوزيع يوم 31 ديسمبر عام 1951  بسينما العباسية وذلك عندما اجتمع فيها حوالي 455 ضابط، وهذه الانتخابات أثارت الرأي العام في داخل الجيش وخارجه، حيث لم يكن صراعاً فقط بين محمد نجيب وحسين سري عامر؛ لا وإنما كان صراعاً بين الملك والضباط الأحرار، فالذي يمثل الملك هنا "حسين سري عامر" ؛ أما الذي كان مثل الضباط الأحرار "محمد نجيب"، وفوزه يمثل فوز الضباط الأحرار والعكس صحيح .

ومن هنا كانت الانتخابات شديدة، وقد أسفرت نتيجة الانتخابات عن فوز اللواء محمد نجيب وفوز قائمة الضباط الأحرار، وكان هذا أول انتصار يحققه تنظيم الضباط الأحرار، وبسبب إصرار الملك فاروق علي ضرورة تمثيل سلاح الحدود بعضو في مجلس الإدارة عقدت الجمعية العمومية للضباط اجتماعا مساء يوم 16 يونيو 1952 في حديقة نادي الضباط الأحرار بالزمالك، ويعد أخطر اجتماع عسكري منذ الثورة العرابية ؛ حيث ما قيل فيه يدل علي أن الملك فقد سيطرته علي الجيش، حيث رفضت الجمعية العمومية أن يمثل سلاح الحدود (موالي الملك) في مجلس إدارة النادي، وبذلك خرجت الثورة من الإطار السري إلي حيز العلانية.

وهناك أسباب مباشرة أدت إلي ثورة 23 يوليو 1952 ؛ حيث كما هو معروف أن تنظيم الضباط الحرار تم تشكيله في سبتمبر 1949 وبعد تشكيل التنظيم تم تحديد ميعاد للثورة  عام 1955 . والسؤال لماذا تم اختيار هذا الميعاد لإشعال الثورة ؟

وذلك حتي يستكمل تنظيم الضباط الأحرار بناء هياكله وهذا ليس سهلا حيث وجود أجهزة متعددة للأمن، مثل المخابرات الحربية والبوليس السياسي إلي جانب المخابرات البريطانية والأمريكية . ولكن بسبب حريق القاهرة في 26 يناير 1952 فكر الضباط الأحرار في تقديم ميعاد الثورة 3 سنوات، واختير شهر نوفمبر 1952 موعدا لقيامها، خاصة بعد أن أجبرت حالة الفوضى التي أعقبت حريق القاهرة الملك علي تشكيل أربع وزرات كان رؤساؤها من المستقلين، آخرها وزارة أحمد نجيب الهلالي، ولم تعمر فلم يكد يمضي علي تشكيلها سوي بضع ساعات، حتي قامت الثورة وأذيع بيانها الساعة السابعة والنصف صباحا باسم اللواء محمد نجيب .

وهنا نتساءل : ما العوامل التي عجلت بقيام الثورة قبل أربع شهور؟  لقد عجلت تصرفات الملك فاروق قيام الثورة قبل الاتفاق المعلن عنها في نوفمبر لتكون في يوليو؛ أي قبل أربع شهور والسبب هو إصدار الفريق محمد حيدر القائد العام للقوات المسلحة، وذلك إرضاء للملك قراراً بحل مجلس إدارة نادي الضباط في 16 يوليو 1952 وإعادة الانتخابات. كما وصل إلي أسماع الضباط الأحرار بأن أجهزة الأمن الخاصة بالملك توصلت إلي معرفة 12 ضابطا من بينهم أعضاء لجنة التنظيم، وأنه تم تعيين اللواء إسماعيل بك شيرين وزيرا للحربية لاعتقالهم أو طردهم من الخدمة، ولذلك قرر الضباط أن تكون ليلة 23 يوليو موعداً لقيام الثورة، وذلك حتي لا يتم القبض عليهم بل يتم القبض علي الوزارة الجديدة، وهي وزارة نجيب الهلالي بمن فيها وزير الحربية إسماعيل "بك شيرين"، وبالتالي قامت الثورة في صباح 23 يوليو، وليتخيل عزيزي القارئ لو أن هؤلاء الضباط قد تأخروا ماذا يحدث !! الذي يحدث أنه سيتم القبض عليهم .

وننتقل للحديث عن خطة الثورة، في يوم 22 يوليو 1952 وكان هذا اليوم يوم الثلاثاء الساعة الثالثة بعد الظهر، اجتمع الضباط الأحرار بقيادة جمال عبد الناصر لمناقشة المرحلة الأولي من الخطة والتي تبدأ الساعة الواحدة صباحا وذلك علي النحو التالي، حيث يقوم الفريق الأول من الوحدات المشتركة في الثورة بالتحرك لغلق مداخل القاهرة الشرقية والشمالية وكل الطرق المؤدية إلي المعسكرات وإلي رئاسة الجيش في كوبري القبة . وأما الفريق الثاني من الوحدات فيقوم باحتلال دار الإذاعة والاستوديوهات التابعة لها في شارع الشريفين وشارع علوي، وذلك لإذاعة البيان الأول للثورة الساعة السابعة صباحا . ثم تقوم المجموعة الثالثة من الوحدات مكونة من مجموعة من الضباط القيام بعمليات واسعة لاعتقال كبار قادة الجيش والطيران، وهم في منازلهم لضمان عدم ذهابهم إلي وحداتهم، ومنعهم من إصدار أي أوامر لتحريك أي قوات عسكرية لتتصدي الثورة .

وللحديث بقية !

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط