محمود محمد عليأعلن رئيس الحكومة اللبنانية "حسان دياب" أن بلاده ستطلب المساعدة من صندوق النقد الدولي، لتنفيذ خطة إنقاذيه هدفها إخراج البلاد من دوامة الانهيار المالي؛ وقال دياب إن خطة حكومته الاقتصادية، تمثل خارطة طريق واضحة لإدارة المالية العامة، مضيفاً أن أهم مشكلة تواجه لبنان، هي الفساد الذي وصفه بالدولة داخل الدولة.. وفي معرض تعليقة علي حركة تجدد التظاهرات والاعتصامات في البلاد، قال إن بعض أعمال الشغب في الشارع ليست عفوية، بل منظمة وتحمل أهدافاً سياسية .. وبالتالي فالخاسر الوحيد هي لبنان الذي يتهاوي اقتصادها يوما بعد يوم.

إذن في ظل الوضع الاقتصادي المتأزم في لبنان، فقد خلصت الحكومة اللبنانية في نهاية المطاف إلي أن الطريقة الوحيدة التي يمكنها إعادة تعافي اقتصادها المتدهور، هو الذهاب إلي صندوق النقد الدولي فالقول المأثور الذي يقوله المحللون:" إن البلدان لا يمكن أن تفلس فذلك حدث للأسف بشكل واضح في لبنان"، هذا ما تحدثت عنه صحيفة الفاينانشال تايمز في تقرير لها .. الصحيفة سلطت الضوء لأسباب عدة دفعت لبنان في نهاية المطاف، لأن تلجأ إلي صندوق النقد، فرغم المحاولات المتعثرة في حكومة " حسان ديان "، المدعومة من مليشيات حزب الله لإنقاذ الوضع الاقتصادي، رأت الصحيفة أن حكومة "دياب بدأت" منذ فبراير الماضي الذهاب نحو اللجوء إلي صندوق النقد، وأنه لا بديل عن ذلك حتي ميلشيات حزب الله المدعومة من إيران، والتي كانت تعارض هذا الأمر، يبدو أنها أدركت بحسب تقرير الصحيفة، أن الملاذ الأخير للحكومة هو صندوق النقد الذي يمكنه مساعدة لبنان في إعادة بناء اقتصاده ..

الصحيفة رأت أيضاً أن لبنان أضاع ثلاث فرص إنقاذية سابقة بقيادة فرنسية لإنقاذ اقتصاده، التي لم تحدث علي الإطلاق، علي رأسها حزمة المنح التي تم الاتفاق عليها في المؤتمر السادس في باريس عام 2018م والبالغة 11 مليار دولار، حيث كان من المفترض أن تسرع الحكومة قبل السابع عشر من أكتوبر 2019م بإقرار الخطة الاقتصادية للحصول علي تلك المساعدات، كذلك وبحسب الصحيفة فإن حجم الخسائر الذي تراكم علي مصرف لبنان؛ حيث قدرت الحكومة أنها تبلغ 44 مليار دولار، في حين أن القطاع المصرفي الذي كان من القطاعات الرائدة في المنطقة بلغت خسائره 83 مليار دولار .. نشير إلي أن لبنان تخلف عن سداد ديونه الخارجية بـ "اليوروبوندز"، للمرة الأولي، وفي ظل كل هذه المعطيات التي ذكرتها المجلة السابقة، فقد حذرت الحكومة اللبنانية، أنه في حال فشلت خطتها الإنقاذية التي تعتمد علي صندوق النقد، سيزيد بشكل كبير من مخاطر الإنهيار التام، وبالتالي فإن لبنان يتجه نحو الكارثة..

والسؤال الآن: لماذا يتجه لبنان إلي كارثة اقتصادية؟

والإجابة ببساطة لأن الأوضاع الاقتصادية في لبنان للأسف وصلت إلي ما دون الصفر .. لبنان هنا تمثل دولة أعلنت تعثرها وعجزها عن سداد ديونها الخارجية الكثيرة في مارس الماضي، وعن عمله انخفضت قيمتها بشكل مرعب .. كان الدولار يوازي 1500 ليرة للدولار لسنوات طويلة كما أكد المفكر المبدع "سيد جيبل"، فأصبحنا في الشهور الماضية توازي 4000 ليرة للدولار .. وهذا معناه أنه حين تنخفض العملة بهذا الشكل الكبير، معناه انخفاض في قيم دخول الناس، ومعناه كذلك تضخم وارتفاع أسعار كل السلع ؛ علاوة علي البطالة المتفشية وأوضاع للأسف مزرية في لبنان لفترة طويلة .

وهناك سؤالاً آخر نطرحه وهو: كيف يتم علاج هذه الأوضاع ؟

وللإجابة علي هذا السؤال يمكن القول بأن العلاج علي المدي البعيد يتمثل في إعادة الإصلاح الاقتصادي كله بشكل جذري، بحيث أن يكون هناك إنتاج حقيقي، لكن للأسف لبنان ليست بها قطاعات انتاجية تذكر، حيث لا توجد بها صناعة، ولا زراعة، وإنما اقتصادها، يقوم علي الخدمات (سواء كان بنوك أو سياحة أو عقارات)، وهذه الأنشطة في ظل كورونا، تتبخر وتتلاشي قيمتها في ظل وجود الأزمات الحالية، والاعتصامات، والتظاهرات في الشوارع اللبنانية .. لكن حتي لو أراد اللبنانيون في يسعوا إلي إصلاح اقتصادهم، وهذا صعب في الوقت الحالي، لأنه سوف يحتاج إلي سنوات، ثم يحتاج إلي قبلة حياة ؛ أي لا بد من إصلاح الاقتصاد اللبناني، وذلك بمساعدات لكي يقف علي قدميه، ثم بعد ذلك يكون هناك حديث عن الاصلاحات الجذرية ..

ولكن السؤال الذي يفرض نفسه: من يقدم هذه المساعدات؟ أو حتي القروض؟

إن الذي يقدم قروض إما مؤسسات مالية، أو بنوك، أو دول مانحة تقدم مساعدات، وفي حالة لبنان لا توجد أي جهة، أو لا يمكن أن تُقدم أي جهة علي تقديم قروض إلي لبنان في هذه المرحلة، لأن لبنان متعثر عن سداد ديونه السابقة .. فقد كان هناك أملاً في أن تكون هناك دول تساعد لبنان، كما ساعدتها من قبل سواء فرنسا أو السعودية .. وهذه الدول ساعدت لبنان عدة مرات قبل ذلك في السنوات الماضية .. لكن في الوقت الحالي وفي ظل جائحة كورونا التي يعاني منها العالم، حيث العالم يمر بمرحلة ركود انكماش، وكل الدول متأثرة اقتصادياً، بسبب تبعات كورونا كما قلنا ..

علاوة علي أن دول الخليج متأثرة بشدة نتيجة تراجع أسعار النفط، وهي نفسها أضحت دول مقترضة، وبالتالي فقدرتها علي مساعدة الآخرين، أضحت صعبة في ظل الظرف الحالي، وحتي لو تمكنت من تقديم مساعدات لبنان حتي يقف علي قدميه .. إلا أنه لا يوجد حافز سياسي يدفع دول الخليج لمساعدة لبنان .. فكما نعلم من أن دول الخليج (وأخص بالذكر السعودية والإمارات)، كانت من قبل تساعد لبنان لأنها كانت تري في إنقاذ لبنان مصلحة لهم .

إلا أنه في ظل الأوضاع السياسية الأخيرة في لبنان، والتي هي باختصار شديد سيطرة حزب الله" وحلفاءه علي السلطة في لبنان، وهذه السيطرة تراها دول الخليج خطراً، لأنهم يرون أن "حزب الله" هو الداعم الأساسي لإيران، وإيران كما نعلم تمثل تهديد لمعظم دول الخليج، وبالتالي لا يوجد حافز لدي دول الخليج لمساعدة لبنان إن كانوا يستطيعون مساعدتهم.. ونفس الشئ ينطبق علي الدول الأوربية الغارقة في تبعات كورونا، وبالتالي قدرتهم وحماسهم لمساعدة لبنان محدودة جداً ..

ولهذا السبب نري أن لبنان تقع في مشكلة اقتصادية كبيرة، وهذه المشكلة هي التي أجرجت المتظاهرين في ظل كورونا إلي الشارع، لأن يرفعون شعار "لا بد من إسقاط الحكومة والرئيس وكل الرموز السياسية التي حكمت لبنان من 1990 وإلي الآن عليهم أن يرحلوا جميعاً"، وبالتالي يريدون إسقاط النظام ..

وهنا يحق لنا أن نتساءل: هل يستطيع المحتجون إسقاط النظام في لبنان في ظل هذا الظرف الحالي؟

والإجابة بالمعطيات الحالية صعب جداً، حيث أنه من المعروف أن النظم السياسية تسقط في حالتين: الأولي، وهو أن يكون هناك اجماع كاسح وكبير يؤدي إلي سقوط النظام، وهذا السيناريو صعب جداً ويزداد صعبة أكثر بكثير في دولة طائفية مثل لبنان، والثاني أن يوجد عدد مقدر من الشعب وليس كل الشعب، ولكن بأعداد غفيرة تخرج لكونها ساخطة علي النظام، وتسعي إلي تغييره وتنضم إليه القوات المسلحة وتدعمها؛ أما في لبنان فالأمر مختلف جداً، حيث تجد أن معظم الطوائف الرئيسية لديها عناصر مسلحة، وهناك حزب الله الذي يمثل جيش داخل الدولة، أي جيش موازي، وبالتالي قدرة القوات المسلحة علي حسم التغيير محدودة، ولأنها لا تحتكر السلاح .. بل إن تدخلها ربما يؤدي إلي فوضي وحرب أهلية، حيث يكون الجيش ليس في مواجهة السلطة، وإنما في مواجهة مليشيات وقوي مسلحة عديدة يشتبك بعضها مع بعض ..

يبقي سؤال أخير وهو: ما هو السيناريو المطروح الآن في ظل الأزمة الاقتصادية في لبنان؟

والإجابة تتمثل في أنّ المرحلة الحالية تتطلب قرارات فورية وسليمة، ولا تتحمّل تحويل مجلس الوزراء اللبناني حقلاً للتجارب، وبالتالي، فإنّ المطلوب التنبه إلى أنّ عدم إحداث تحول جذري في سلوك حكومة دياب ونمط مقاربتها للورطة الراهنة، لأنه سيترتّب عليه تداعيات متدحرجة خلال الأشهر المقبلة، ومن بينها تزايد حالات الإفلاس والتعثّر المالي وتفاقم ظاهرة إقفال المؤسسات وما يرافقها من صرف للعمّال، الأمر الذي سيرفع أرقام البطالة إلى معدلات قياسية غير مسبوقة.

علاوة علي أن النموذج الاقتصادي الذي كان معتمداً في لبنان منذ 30 سنة انتهت صلاحيته، «وسياسة الطرابيش التي اعتمدوها لتأجيل الانهيار وصلت الى خواتيمها كما قال عماد مرمل، الأمر الذي أدى إلى انكشاف الدولة على الصعيد المالي وإماطة اللثام عن كل الخدع والحيل التي استخدمت لإطالة أمد كذبة «الوضع الممسوك» التي روّجوا لها طويلاً»، وذلك من التشديد على أنّ هناك حاجة ملحة الآن إلى تنويع الخيارات والخروج من النظام الريعي نحو الاقتصاد المنتج القادر على استقطاب العملة الصعبة إلى الداخل بدل الإفراط في تصديرها إلى الخارج، كما كان يحصل منذ عقود.

إن لبنان تقف أمام احتمالين الآن، فإمّا ان تُسيء الطبقة الحاكمة التقدير وتواجه الأزمة بطريقة خاطئة وعندها سيكون الثمن غالياً وستبقى نحو 10 سنوات في حالة من التخبّط وانعدام الوزن، وإمّا أن تُحسن التصرف وتتخذ القرارات والخيارات الصحيحة، وحينها ستحتاج إلي نحو 4 سنوات لتخرج بشكل متدرّج من النفق؛ ولذلك فإن هناك مجموعة قواعد وتدابير صعبة يجب التقيّد بها لتعزيز فرص النجاة، ومن بينها كما أكد بعض خبراء الاقتصاد المتخصصين في الشأن اللبناني:

1- تجميد الودائع المصرفية لبضع سنوات، مع ترك هامش ضيق للسحوبات، وإلّا فإنّ البديل الاضطراري هو «HAIR CUT»..

2- قوننة الـ" كابيتال كونترول" حتى إشعار آخر، وإذا لم يحصل ذلك سيغدو القطاع المصرفي عرضة للدعاوى القضائية من قبل المودعين، الأمر الذي من شأنه ان يشكل تهديداً كبيراً له.

3- مكافحة الفساد بجدية وحزم، والوقف الفوري للهدر والنزف المالي في القطاعات الحيوية كالكهرباء والمرفأ وغيرهما، لاستعادة صدقية الدولة المفقودة وسد الثقوب في خزينتها.

4- نقل الاقتصاد من الجانب الريعي إلى الطور الانتاجي وفق التصور التفصيلي الذي وضعته دراسة "ماكينزي".

5-مطالبة المجتمع الدولي بضَخ ما بين 10 و15 مليار دولار في لبنان، ولا بأس في أن يتخذ هذا "المَصل المالي" شَكل وديعة في مصرف لبنان.

ويجب التنبيه إلى أنّ كل شهر يمر من دون حسم الخيارات في الاتجاه الصحيح، يعني أنّ كلفة المعالجة ستصبح أقسى وحظوظ نجاحها أضعف.. وعليه، هل يلتقط المسؤولون اللبنانيون الخيط الرفيع الذي يمكن أن يقود إلى الانقاذ أم انهم سيقطعونه مجدداً؟... هذا ما تسفر عنه الأيام القادمة وللحديث بقية !!.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

........................

المراجع

1- سيد جبيل: لماذا ترفض دول الخليج وأوروبا إنقاذ لبنان من الانهيار ؟ (يوتيوب).

2- عماد مرمل: هذا هو سيناريو الإنقاذ... وإلّا (مقال).

3- سيناريوهات أزمة الديون اللبنانية ... ما الخطوة التالية؟ - الشرق الأوسط (مقال).

4- إنقاذ اقتصاد لبنان يبدأ بسد الثقوب السود- الشرق الأوسط (مقال).

 

مصطفى غلمانفكرة الدومينو حاضرة دائما بقوة الخيال الخلاق. كون العالم المتغير يتصل بالحركة المتسارعة، وبالتصاعد المتنامي لوتيرة الصراع بين الكائن واللاكائن.

إنها حقيقة التوتر والحلحلة المضطربة، التي تنفعل مع الحالة الحزبية المغربية، المتفردة والمنفردة، في واقع التجهيل والعبث الذي تستنزفه الحياة السياسية، الكامنة خلف ركام كبير من الزمن العابر لقارة الأخلاق وقيم العيش المشترك، والوجاهة الديمقراطية، والحوار المجتمعي المواطن.

في كل مرة تتوطن معالم الجريرة الحزبية بالمغرب، وتستنفد جهدها للتجرد من تاريخية السيرورة، ونضاليتها المتصلة بسنن الكون وحكمة الخلق وفرادة الفكر الانساني.

والقارئ المتدبر لهذه العلائق المتصلة والشوارد المتلاحقة، يدرك حجم الخسارات التي تراكمت على مصعدية تاريخ الأمة، ومطامحها للانعتاق والتجهز إلى ما هو أضمن لبقائها الحضاري والمعماري، وصمودها الراكز في عقل الكون ووجدانه السامي.

ولعله من نافل القول أن التراخي المخيف، والاضمار المتلاحق للفعل السياسي، ونفاذ ميزان الرؤية السياسية، بعد إنفاذ الحجر على التاريخ الحديث، القريب من الأنموذج النضالي الحضاري المغربي، في أبهى صوره وأجلى درره، يحيل بداهة إلى سرعة انكماش صدقية النضال السياسي إياه، وانحصاره اليوطوبي، وترميزه الساخر، على نحو يجعل من قاعدة البيان السياسي المعاصر، سرابا عابرا ورواية مهادنة للذاكرة والاستعادة المريرة للخلفيات التاريخية والاحالات الجاهزة للتعصب والقراءات المطلقة، والاستغرابية المدنسة لنمط التدجين السياسي والثقافي.

وهو على كل ما نظرناه، يحيل على موت الفكر السياسي المغربي، بل موت قيمه، وانبلاج نظرية بديلة عنه، تأكل من عنقه، وتتغذى من حيواناته اللقيطة، وهي لا تصل حتى إلى خنصر إصبعه.

وللقليل من مناظرة هذه الحقيقة، يمكن تحليل تاريخية التراكم الهزائمي، وتصادم عناصر سيرورتها، في مضمار التغالب وسرعة الفشل، وتناغم كل ذلك مع الشكل الجديد الذي أضحى العقل السياسي المغربي، صورة من مرائيه، وفارقا من تناقضاته، ووازعا من أساسات بنيانه!؟

من كان يؤمن بانقلاب السحر على الساخر؟

ومن كان يدرك انصرام الجلائل من أعمال ومستنتجات القوة الضاغطة، معارضة عن جدارة واستحقاق وتماهي في التضحيات الجسام؟!

من عاش انتصارات وأحلام الأمس يدرك تماما كيف ينتكس العقل الباطن، ويتخفى وراء استيهامات الممكن والمستحيل، ويتردد في تعليل قيمه الجديدة، وقوانين النظام السياسي الجديد، وشروط وجوده المبتدعة، وتراكماته الثقافية المتحللة من كل التزامات الماضي، وانتظاراته المحجوبة عن الوعي والضمير والفعل الحر؟ !!

إنه ليس عجيبا أن تصل الحالة الأخلاقية السياسية إلى ما دون الدرك من الهدر السياسي والاخلاقي، والعبث المجانب للصواب!

وليس من العقل في شيء، أن نرمم قهريتنا السياسية وائتمانيتنا الأخلاقية، على مفرق الآلة الزمنية المناهضة للحجر الرمزي، الذي نعيشه واقعا غير معزول عن نظامية أخلاقية وقيمية متغيرة.

فالواقع السياسي لا يرتبط بصبيب التعالي بين الوثوقية والشك، وبين التراكم التاريخي للأحداث والمخلفات الغائرة، والتحول الزمني للمحتوى الفكري السياسي والثقافي، بل ان ذلك الواقع النفسي المغيب بفعل النسيان واليأس وتحور الانتظار، هو الواجهة الحقيقية للصراع الذي يخفي الغابة المتوحشة. أو هو الغابة نفسها، مع فارق الجمال الروحي للطببعة، وقبحها في التغول واستعمار قطيع الوحوش.

الا بحجب عنا هذا الحق، الكفر النهائي بالعبث السياسي، وبمناصريه في زمن الوبائية الجائحية؟

ألا يناشد فينا هذا العهر الزنيم ارتقاءنا وفجائعيتنا المستديمة، للانفكاك من أوهام الإصلاح السياسي والمشاركة السياسية والأخلاق السياسية والإصرار في التقعيد السياسي والتنظير له؟

إننا لن نبرأ قطعا بالأكاذيب التي تشهد لها، وتحت قببها المؤسسات المنتخبة، وتستثمر جانبا من واقعها المشؤوم، وهي تحصي يوما بعد يوم خسائرها الأخلاقية والسياسية، بالقدر الذي نأمل فيه أن نستدرك ذلك الوجود المفقود من تاريخ بلادتنا وجهالتنا تجاه كيانات لقيطة ومنعدمة الضمير، لم تكن سوى كوابيس لتغسيل الامخاخ وتسطيلها وإمراغها في العمه والسقط والتشاؤمية والضعف والتشرذم والتحقير والإذلال والتكور الجهلاني والتعتيمي.

إن كل المشاريع البليدة التي تم تغميسها في مياه الراكد، ومثيلاتها مما خفي وأعظم، لم تكن سوى صورة مصغرة عما يمكن أن يحدث اليوم أو غدا ..

مشروع قانون 22.20 الشهير بمشروع قانون (تكميم الافواه)، ليس سوى حالة منظورة مما سهل التقاطه وفضحه، قبل تمريره باسم نواب الشعب، بل وفرضه بقوة الخيال المغناطيسي للآلة الجهنمية، التي سوغت له الحياة على دماء الضعفاء والمنبوذين من العامة.

فلا تبتئسوا من غرابات الزمن السياسي المدنس، الذي يحصرنا في الزوايا المظلمة، كي يجهز على ما تبقى من أحلامنا .. فكل ما ينعتق من جزء كينونة وعينا بالمصير، يحصده الدهليز الأسود، الغاصب باسم الاستحواذ العاض، والقاصم الدهري المبتوت، في كل ستائر وسرائر الغرف المعتمة، الحاشد المحتشد لسياسة الكذب والتمويه والاستحمار!؟

 

د. مصـطفـى غــلمـان

............................

افتتاحية كش بريس: عود على بدء .. مشروع قانون تكميم الأفواه بالضربة القاضية!؟

 

 

عامر صالحرغم خسارة التنظيم الارهابي "الدولة"، المعروف إعلاميًا باسم "داعش ـ التنظيم الأسلامي للعراق وبلاد الشام "، الغالبية العظمى من الأراضي التي كان يسيطر عليها في سوريا والعراق، إلا أن التنظيم أعاد تنظيم صفوفه إلى حد ما، واستمر في استخدام استراتيجية التمركز في الصحراء ثم شن هجمات خاطفة، خصوصًا أن معاقله اليوم هي البادية السورية غرب الفرات، وكذلك صحراء الأنبار الشاسعة وصحراء نينوى وسلسلة جبال حمرين الممتدة من ديالى إلى كركوك مروراَ بصلاح الدين وجبل مكحول والبعاج والأطراف الشمالية لحزام بغداد، فضلا عن خلاياه النائمة، ويقدر عدد أعضاء التنظيم اليوم في الصحراء السورية - العراقية بأكثر من 20 ألف مقاتل أرهابي، ويعيش عناصر التنظيم في مخابئ بعيدة وملاجئ تحت الأرض، ويستخدمون الطاقة الشمسية لتشغيل أجهزتهم الإلكترونية.

التنظيم بدأ في استغلال تفشي فيروس كورونا، في العراق وسوريا، وبدأ يشن هجمات عسكرية هي الأكبر له منذ انحساره مع هزيمته ونهايته من المناطق التي سيطر عليها في العراق والتي تقدر بأكثر من 30% من مساحات العراق وفي مقدمتها مدينة نينوى الكبرى وغيرها من المدن والأقضية والنواحي والقصبات، حيث اعتبر إعلام التنظيم أن "كورونا" منحة لا بد من استغلالها.

في مطلع الشهر الثاني من هذا العام نشر التنظيم مقالا في صحيفة النبأ وهي الصحيفة الرسمية له، يقول أن فيروس كورونا جاء بسبب عقوبة الهية بسبب ما يعاني منه المسلمون في الصين، مشبها تلك العقوبة كما حدث لقومي عاد وثمود وقوم فرعون وبعض بني اسرائيل. لكن عزى التنظيم أن الأوبئة بإصابتها للمسلمين هو للتكفير عن الذنب بمعنى اختبار للصبر أيضاً.

وفي الشهر الثالث من هذا العام تطور خطاب التنظيم، على خلفية الوباء، رسم داعش خطته التي وصفها "بالكابوس الصليبي" وهذا إن دل على شيء إنما يدل على انتهاز فرصة انتشار الوباء من أجل شن هجماته الارهابية، خاصة في زمن انشغال الجيوش في درء خطر كورونا وتجنب المزيد من الاصابات وخاصة في صفوف القوات العسكرية وخشية من انتشار الوباء بين صفوفها، وهنا قد تجري الاستفادة من قبل التنظيم الارهابي للأوضاع العالمية السائدة، من تعطيل للتعاون الدولي، والاستفادة من العزلة الاجتماعية، والصراعات الاقليمية والدولية، ولكن بالتأكيد فأن التنظيم نفسه ليست بمعزل عن كورونا وقد يصاب بضربات مفصلية تهز اركانه في ظل جهل التنظيم لتداعيات كورونا وانتشاره في كل بقاع الارض.

ومع انتشار فيروس كورونا بشكل واسع في العراق والعديد من دول المنطقة أصدر تنظيم داعش ما زعم أنه روشتة لحماية عناصره من  كورونا حيث تضمن العدد (225) من جريدة النبأ الداعشية توجيهات للحماية من فيروس كورونا لعناصر ومقاتلي التنظيم  تحت عنوان (توجهات شرعية للتعامل مع الأوبئة)، حيث تضمنت 7 ارشادات منطلقة من الجانب الديني علي النحو التالي ( وجوب الإيمان بأن الأمراض لا تعدي بذاتها ولكن بأمر من الله وقدره – وجوب الأخذ بأسباب الوقاية من الأمراض واجتنابها – الوصية بتغطية الفم عند التثاؤب والعطس- الوصية بغسل اليدين قبل غمسهما في الإناء – الوصية بالتوكل علي الله والاستعاذة به من الأمراض – الوصية بعدم دخول الأصحاء الي أرض الوباء وعدم خروج المصابين منها – الوصية بتغطية الإناء ووقاية السقاء )، تلك النصائح السبع التي األن عنها تنظيم داعش لعتاصره ومقاتليه  بعد أسبوعين من مقاله الأول حول أن هذا الوباء هو موجه ضد المجتمع الجاهلي.. هذه النصائح تدل علي أن الفيروس أصاب عددا من عناصر التنظيم  فداعش ليس منعزلا عن المحيط الجغرافي والسكاني بالعديد من دول المنطقة بل هناك تداخل كبير بين عناصر التنظيم والمجتمع المحلي وبشكل خاص في (العراق – سوريا- اليمن – ليبيا) حيث يتمركز العديد من عناصر التنظيم بمدن داخل تلك الدول وهي دول ينتشر بها فيروس كورونا، ومن ثم لجأ التنظيم لاصدار توصيات لعناصره ومقاتليه لمكافحة انتشار فيروس كورونا وهي توصيات ونصائح ذات مفهوم ديني بشكل كبير.

في العراق تشكل الاوضاع العامة السياسية والاقتصادية والامنية ارض خصبة لأنتعاش داعش الى جانب الظروف العالمية بفعل ظروف وباء كورنا، حيث يعاني العراق على المستوى الاقتصادي من اشكاليات كبيرة جدا بسبب الضعف الكبير في القدرات المالية والاقتصادية وعدم الاستقرار الامني، والفساد المالي وسوء الادارة، وهروب رؤوس الاموال الى الخارج، كما إن إحصائيات صندوق النقد الدولي، تبين إن ديون العراق تراكمت وتفاقمت خلال السنوات الماضية، حيث كانت قبل9سنوات 73.1 مليار دولار، وارتفعت في عام 2014 إلى 75.2 مليار دولار، وفي عام 2015 أصبحت 98 مليار دولار، فيما كانت قبل عامين 114.6 مليار دولار، لترتفع خلال العام 2017 إلى 122.9 مليار دولار، ثم عام2018 الى (125) مليار دولار، واليوم لا ندري الديون الى كم وصلت؟ كما إن هناك انخفاض كبير في اسعار النفط الى ما دون(30)دولار للبرميل الواحد، مما أدى الى خسارة العراق لنصف ايراداته المالية، هذا بالإضافة الى تأخير الحكومة في ارسال الموازنة الى البرلمان لإقرارها بسبب العجز والترهل الكبير فيها، مما أدى الى عدم إقرار الموازنة العامة لعام 2020 الى يومنا هذا، بالإضافة الى أسباب كثيرة منها التوتر السياسي الحاصل جراء الحراك الشعبي المتواصل منذ أكتوبر/تشرين الاول لعام 2019،والذي أدى الى استقالة الحكومة وتحولها لحكومة تصريف أعمال،فخرجت الموازنة عن صلاحيتها في ارسالها الى البرلمان علماً أن الموازنة تعاني من عجز كبير يبلغ أكثر من(40)مليار دولار. وفي محصلة رقمية جنونية هائلة فأن العراق اهدر ما بعد 2003 اكثر من تريليون و400 مليون دولار.

إن سوء الاوضاع السياسية والاقتصادية والامنية في العراق تعني أننا سندخل مرحلة الكساد الذي سيؤدي الى مزيد من معدلات البطالة والفقر وتوقف التنمية والمشاريع وخاصة الاستثمارية، مما يعني إن العراق يعاني من اشكالية حقيقية في القدرات المالية التي تمكن الدولة من تنفيذ المشاريع ومعالجة الازمات التي يمر بها العراق والمنطقة ومنه جائحة كورونا، ورأينا كيف تبين للجميع هشاشة الاجراءات التي اتخذتها حكومة تصريف الاعمال في مواجهة هذه الازمة من التماهي في غلق الحدود مع دول الجوار،يضاف اليها قلة المستلزمات الطبية اللازمة للكشف عن المرض فضلا عن معالجته،وهذا ما سيجعل العراق يعاني الكثير لتجاوز هذه الازمة التي تحتاج الى قيادة واعية ولديها من الارادة السياسية ومن القدرات المادية ما يمكنها من الوقوف بقوة لمعالجة الموقف الراهن الذي يهدد العراق، سواء كان داعش ام كورونا.

ومما ازاد الطين بلة في اوضاع العراق الداخلية هو القمع الشرس الذي تعرضت له التظاهرات السلمية في العراق والتي اندلعت في اكتوبر الماضي والتي تحولت الى انتفاضة شاملة وذات مطاليب جذرية لأصلاح النظام السياسي القائم في البلاد منذ عام 2003 وكان احد اسباب احتلال داعش للاراضي العراقية، ولكن جوبهت الانتفاضة السلمية بالرصاص الحي والقنص والاعتقال والتغييب، وقد بلغ عدد شهداء انتفاضة اكتوبر اكثر من 700 مواطن وجرح اكثر من 30 ألف واعتقال وتغييب المئات منهم والذين لايزال مصير البعض منهم مجهول الى اليوم، الى جانب المئات من الاصابات التي كانت نتائجها اعاقات دائمة. أن هذه الاعمال والجرائم التي ارتكبت بحق المتظاهرين وضعت الحكومة واجهزتها الامنية في موضع الشك من مهنيتها وحياديتها واستقلاليتها عن التدخلات الخارجية والداخلية المليشياوية، وهذا بالتأكيد يسوق تساؤلات عدة في مدى قدرتها على مجابهة عدو شرس كداعش ودحره الى النهاية بدون دعم خارجي، وكيف للقوات الحكومية أن تقتل متظاهرين سلميين واصلاحين وتريد ان تحارب داعش " انه المضحك المبكي في المشهد العراقي المحزن ".

لقد بدأ تنظيم داعش استغلال التوتر والقصف المتبادل بين ميليشيات عراقية والقوات الأمريكية في العراق خصوصًا بعد اغتيال قائد فيلق القدس الإيراني في العراق، حيث علّق التحالف الدولي والناتو مهام التدريب والعمليات لمدة شهرين بسبب الفيروس وفي 29 آذار/ مارس، سحبت فرنسا وأستراليا وإسبانيا وبريطانيا والبرتغال ونيوزلندا وهولندا معظم مدربيها من العراق. كما انسحبت القوات الأمريكية في العراق من القواعد العسكرية الأمامية في الموصل والقائم والقيارة وكركوك، وتمركزت في قواعد عسكرية معينة كقاعدة عين الأسد في الأنبار ومطار أربيل، حيث تم نشر منظومة الدفاع الجوي باتريوت. وقد استغل التنظيم كل هذه العوامل وزاد من وتيرة هجماته خلال الأشهر القليلة الماضية وبشكل خاص في المنطقة بين محافظات كركوك وصلاح الدين وديالى، المعروفة باسم "مثلث الموت".

وهنا نؤكد انطلاقا من جذور الأزمة أن نظام المحاصصة في العراق ومنذ 2003 عرقل جهود أي تنمية اقتصادية واجتماعية شاملة تقوم على منجزات العلوم الاقتصادية والاجتماعية ومنجزات التقدم التقني والتكنولوجي، وذلك من خلال إسناد المواقع الحساسة والمفصلية في الاقتصاد والدولة إلى رموز تنتمي طائفيا أو عرقيا ولا تنتمي إلى الكفاءات الوطنية أو التكنوقراط ولا تستند إلى انتقاء المواهب والقابليات الخاصة لإدارة الاقتصاد،بل حصرها بأفراد الطائفة أو إلى توافق من هذا النوع بين هذه الطائفة أو تلك،أن هذه السياسة لا تؤسس إلى تنمية شاملة،بل تؤسس إلى " إفساد للتنمية "،وقد عززت هذه السياسات من استفحال الفساد بمختلف مظاهره من سرقات وهدر للمال العام ومحسوبية ومنسوبيه وحتى الفساد الأخلاقي بواجهات دينية مزيفة لا صلة لها بالدين الحنيف،والأسوأ من ذلك حصر الامتيازات في دعاة كبار رجال الطائفة أو الحزب أو العرق وترك السواد الأعظم في فقر مدقع،أن أدعاء الطائفية والعرقية لتحقيق العدالة الاجتماعية هو ادعاء باطل،وان الفقر وعدم الاستقرار والقلق على المستقبل يلف الجميع باختلاف دينه ومذهبه وطائفته وعرقه.

وقد أخلت سياسة المحاصصة بالسلم الاجتماعي وأضعفت الشعور بالوحدة الوطنية والتكافل الاجتماعي من خلال خلق التكتلات والشللية السياسية والاجتماعية على أسس طائفية وعنصرية مما يعزز بمرور الوقت حالات الاحتقان والفتنة الاجتماعية،فيتحول الصراع السياسي وغير السياسي إلى صراعات طائفية وعرقية لا حصر لها،أنها عملية استنفار للاشعور الجمعي لأفراد الطوائف والأعراق، وحتى لأتفه الأسباب، وهناك فرق جوهري بين حقك المشروع في الانتماء إلى دين أو طائفة أو عرق أو قومية ما وبين أن تبني دولة تضم مختلف الأديان والأعراق. كل ذلك سهل لداعش ما قامت به بالأمس واحتمالات ما تقوم به اليوم.

أن الابتعاد عن نهج المحاصصة الذي التمسه شعبنا بوضوح واكتوى به طوال سبعة عشر عاما الماضية من الزمن، وتحويله من نهج انتقائي/مصلحي إلى نهج مشاركة سياسية حقيقية هو التعبير العملي والأمثل عن العقد الاجتماعي الطوعي،إذ تعيد المشاركة السياسية البناءة إنتاج العقد الاجتماعي كسلوك يومي، أي إعادة إنتاج الوحدة الوطنية كمفهوم سلوكي ـ معرفي وعقلي في الممارسة السلوكية اليومية، وليست شعار اجتراري خبره شعبنا لعقود سلفت، وأن الوحدة الوطنية في كل الفلسفات الإنسانية ركيزة أساسية لا يمكن العبث بها وعرضها في سوق النخاسة السياسية،بل لعلها أهم منجزات الحداثة،وما يترتب عليها من اعتراف بالحقوق الناجمة عن الاعتماد المتبادل بين مختلف فئات المجتمع وإسهام كل منها في عملية الإنتاج الاجتماعي في بعديه المادي والروحي، ونعني به الإنتاج والاستهلاك والتوزيع العادل للثروات، وهي التعبير العملي عن المواطنة الدينامية الحية،وأن المشاركة السياسية الشاملة هي جوهر المواطنة وحقيقتها العملية.

واليوم اذ يستدعي منا الموقف الوطني الواضح الوقوف بوجه " داعش " لدحر وإفشال مخططات عودتها الإجرامي والإرهابي الذي يستهدف مستقبل واستقرار الجميع باختلاف انتمائهم القومية والدينية والمذهبية والعرقية، نحن بأمس الحاجة لمشروع دفاع وطني عابر للانتماءات الدينية والمذهبية والعرقية وبعيدا عن الاشتراطات المسبقة قوامه: تعبئة كافة الجهود من اجل نصرة الوطن ومزيدا من التلاحم الصادق مع القوات المسلحة العراقية مع تأكيد حياديتها ونزاهتها وتكريس مواقفها الوطنية، دون إغفال لمحاسبة كافة العملاء والمتواطئين والمقصرين والمتخاذلين من مواطنين عاديين إلى قيادات سياسية وعسكرية في الدفاع عن الوطن وقتلة متظاهرين سلميين. 

أن القضاء على داعش ليست عسكريا فقط وقد اثبتت التجربة العراقية ذلك بوضوح، فقد تم القضاء عليه كقدرات مسلحة ولكن بقت عوامل عودته وانتعاشه مجددا قائمة استنادا الى البيئة التي انتجته وما تزال حاضرة لأعادة دورة انتعاشه، ومن هنا فأن المعالجة الشاملة للأزمة العراقية بكل ابعادها السياسية والاقتصادية والامنية كفيل بأضعاف بؤر داعش الارهابي ومن يقع على شاكلته.

 

د.عامر صالح 

 

 

عدنان ابوزيدالسوشيال ميديا يستبطن المجتمع العراقي، ويهيمن على فضاء كبير من حياة الناس، وأصبح الترابط معه، شعبيا لا يقتصر على شريحة معينة، وذلك نقطة إيجابية، تعزّز التعامل "الداخلي" بين الأفراد، وتوطّد التواصل مع العالم.

مضاد لذلك، لا يتوافر العراق على دراسة علمية -على حد علمي- عن اعداد رواد المنابر، والنتائج الاجتماعية والمعرفية المتحصّلة من ذلك، على رغم انتشار الجامعات، والمعاهد، ومراكز التحليل وهو أمر لا تعدمه الدول المتقدمة، التي أرست له حيّزا مهما في مناهج الدراسات الاجتماعية. 

تتجاوز أهمية السوشيال ميديا كونه قناة تواصل، الى اعتباره آلية متطورة لجمع المعلومات، وقياس اتجاهات الرأي، التي تساهم في وضع الخطط التنموية، وفي إحصائية، فان نحو 5 مليار من السكان في العالم يستخدمون الإنترنت والسوشيال ميديا.

السؤال: كيف يمكن الاستثمار في تهافت العراقيين - وجلّهم من الشباب- على السوشيال ميديا، وكيف يمكن توظيف

الشغف في يوتيوب، مثالا، لا حصرا، لغايات التنمية، وأنّى يمكن توجيه توفر المعلومات بكميات ثرية وهائلة، الى خدمة أغراض التخطيط وخلق الوظائف، وتعزيز الاقتصاد.

لقد انتشل الاستثمار في قطاع الميديا التواصلية، اقتصاديات الكثير من الدول من الشلل، وأتاح ملايين الوظائف للشباب، واسّس لشركات كبرى، فيما الانشغال الواسع بالتواصل الاجتماعي، والتغريد والتدوين، في العراق، لا يتعدى كونه هواية، وقضاء وقت، وسجالات سياسية واجتماعية تعمّق الانقسام والفضائحية والتسقيط المتبادل، بدلا من تحويله الى تجارة رابحة، ومؤسسة معلوماتية. 

في بلد مثل هولندا، تلج منصةُ الواتساب، الصيدليةَ وعيادة الطبيب والباص، والسوبر ماركت، والبلدية، لإنجاز المعاملات، وضبط المواعيد، ونشر الاستطلاعات، فيما أدخلت شركات ودوائر ومؤسسات، تطبيقات التراسل الفوري للوصول الى الزبائن، والتعجيل في خدمتهم وايصال الرسائل، وتبادل الرأي.

كانت المنصات، الفتيل الذي أشعل ميدان الاحتجاج بأوكرانيا حول اتفاقية التجارة الحرة. ووظّف الحزبان الرئيسيان، العمال والمحافظين، في بريطانيا، استثمارات ضخمة في التواصل الاجتماعي، خلال انتخابات العام 2015. وفي العام 2008، استخدم أوباما Facebook للوصول إلى جميع الأشخاص الذين يحتاجهم لتشجيعهم على التصويت.

هذا في السياسة، اما في نطاق الإعلان التجاري، وتسويق المنتجات والماركات، فان الأمثلة مليارية، لا يتسع المجال لذكرها في هذا النطاق.

العراق يتأخر بشكل مريع عن الاستفادة من هذا التطور المهم على رغم انتشار فيسبوك وتويتر وإنستغرام بسرعة مذهلة في أوساط الشباب، ويدل على ذلك التظاهرات التي وثّقت الكثير من احداثها عبر هذه القنوات وتمكنت من إيصال رسائلها الى العالم. وقياسا الى انجاز الشباب المتظاهر، فان المؤسسات الحكومية، تثبت العجز في الاستثمار في هذه الأدوات المهمة.

يلمس المراقب، للمنصات العراقية، غيابا واضحا للمعالجات الاجتماعية، والاقتصادية، والقطاعات التخصصية، الا فيما يتعلق بالسياسة، فيما راح النواب والسياسيون، يمطرون المنصة بأفكار مجترّة، ونصوص دعائية من باب اثبات الوجود. 

وفي مجتمعات الأنظمة الدكتاتورية، والأخرى المحافظة، كان هناك تخوّف واضح من اختراق التواصل الاجتماعي

للخصوصيات، ولان إدارات المنصات أدركت ان ذلك يمثل عقبة امام انتشارها، لم تنتظر، وتصرفت بذكاء لتجاوز ذلك، وأنشأ Facebook ثقافة مشاركة خاصة وأمينة وموثوقة، لكي لا يقلق الناس بشأن مشاركة معلوماتهم الشخصية وغيرها من المعلومات المهنية. كما ان العلامات التجارية التي لم تعد تقلق من المنافسين لها في المنصات ما ساعدها على خلق الملايين من الوظائف، وتمكنت من إنشاء خطوط تسويق كاملة عبر الإنترنت.

يتوجب إدراك انّ المنصات الاجتماعية، لم تعد نوافذ للدعاية الانتخابية والترويجية، بل باتت قطاعا مهما في عالم المال والبزنس، واداة مهمة في تغيير المجتمعات، عبر توظيف المعلومات والتواصل في خطط المشاريع، وبرامج المستقبل، وقد تجسّد ذلك بشكل واضح في تأسيس الدول المتقدمة بصورة مبكرة، لمشاريع الحكومات الإلكترونية، التي لم تحقق تسهيل الخدمات للمواطنين فحسب، بل زادت من أرباح الميزانيات الحكومية والشركات الخاصة على حد سواء.

 

 عدنان أبوزيد

 

 

عادل بن خليفة بالكحلةلماذا «الجمهورية الإيرانية»؟

ليس من حق الباحث العربي أن يتناول بالبحث «الجمهورية الاسلامية في إيران»، فذلك تحظره الولايات المتحدة الأمريكية والإمبريالية الغربية، والأكاديمية الرجعية- العربية، والسلفية الجهادية، والإسلام العربي التقليدي، والتشيع التقليدي. فهي إمَّا «شيطان» ينبغي تجنبه (إمبرياليًّا وسلفيًّا) أو «مقدَّس» لا ينبغي تشخيصه.

على عكس ذلك، يحرّضنا محمد حسنين هيكل على تفهم هذه الجمهورية، لأن وُجودها في فبراير 1979، فَكَّ حصارًا إيرانيًّا رهيبًا على العالَم العربي متحالفا مع الوجود الصهيوني والإمبريالية التي أسسته، بعد أن كان الحصار الجِواريّ  ثلاثيا (إثيوبيا وتركيا الأطلسية وإيران الشاهنشاهية)، وقد كان الضلع الأخطر في نظره الاستراتيجي هو الضلع الإيراني.

يرى هيكل أن في تقييمنا للجار الإيراني «ينبغي أن نوازن بين الإيجابي والسلبي فيه»[1]، ويضيف:«لا تهمني الطاقة النووية فيه، وإنما يهمني كيف طوَّر تعليمه ليصل إليها»[2]. ويرى أننا في تقييمنا يجب أن نراعي مصلحتنا القومية العربية، متجنبين أحكام القيمة:« ما يهمني أن لا ينقلب ميزان القوى في الصراع العربي- الإسرائيلي(...) وحفظ التوازنات الكبرى بالمنطقة»[3]. ويتساءل في قلق: « إذا كانت إيران أقرب لتل أبيب منها إلى العرب ستكون الكارثة علينا. فإذا سقط نظام الثورة الإسلامية، أخشى أن يقوم نظام يشبه نظام الشاه في تحالفه مع إسرائيل»[4].

لقد أنجزنا حراكًا ثوريا سلميًّا عام 2011، تماما كالإيرانيين عام 1978 – 1979، ولكنه لم يؤدّ إلى نظام يحفظ مصالح الطبقات الشعبية، ولم يؤدّ إلى مزيد سيادة الدولة، بل أدّى عكسيًّا إلى مزيد تقلص السيادة ومزيد البطالة والفقر والتبعية... فكيف يمكن أن نعاني من التدهور الاقتصادي في حين أننا لسنا في حصار أمريكي – غربي كالإيرانيين؟! وكيف نعاني من تدهور الانتاج المعرفي والتقاني والنظام التعليمي على عكس الإيرانيين، في حين أننا محطَّ «دعم» الخليجيين وصندوق النقد الدولي والدول الغربية ؟!

هنا لزاما علينا أن نحاول فهم الحالة الإيرانية، لا لاستنساخها، فذلك مستحيل، ولكنْ من أجل أن نفتح أعيننا على تجارب النجاح التنموي والسيادي في العالم حتى ننحت منوال نجاحنا من إمكانياتنا الذاتية... ومن تلك التجارب: التجربة السويدية والفينزولية– البوليفارية، والجنوب- إفريقية، والماليزية والإيرانية...

سيكون بحثنا بحثًا في الإبـِسْتِميَّة. وهي الأرضية الضِّمنية التي تقوم عليها المعرفة وأفعال الحياة ووسائل الخطاب في عصر معيّن1.

2- مثال للقراءة المتفهمة لتجربة الجمهورية الإيرانية: ميشال فوكو:

في مايو 1978 طلب الناشر الإيطالي ريزولي من ميشال فوكو مساهمةً منتظمة في جريدة «كورييرا دي لاسيرا»، فاقترح فوكو تكوين فريق « من المثقفين المحققين يذهبون إلى حيث تولد الأحداث- التي هي الأفكار- وتموت»[5]، ملتزما بأن يكون صاحب التحقيق الأول. وقد بدأ بقراءة هنري كُرْبان، الذي كان يشتغل بالمعهد الفرنسي بطهران مكتشفًا هناك الفلسفة والعرفان الإيرَانيَّيْن. طبْعًا، شقّ من العرب لم يُبَالِ بالحدث، وآخرون كرهوه ولكنهم لم يتعاملوا معه موضوعيًّا أو شوَّهوه دون معرفة، بينما حرَّمت السلطة الاقتراب منه[6]...وكان محمد حسنين هيكل، تقريبًا، الاستثناء العربي الوحيد في هذه القاعدة.

زار فوكو إيران، مرتيْن، في ذلك العام، 1978، الأولى من 16 سبتمبر إلى 24 منه، والثانية من 9 نوفمبر إلى 15 منه.

الرجل الذي ركّز مشروعه البحثي منذ مطلع شبابه في سِوَاق السلطة في كثير من الحقول وفي محاصرة الثقافة البورجوازية لليومي، ليدرس في ضوء تجربته المعرفية «مفتاح الحركة الشعبية»[7]، واستراتيجيات السلطة في مواجهتها. قدِم إلى طهران، محمَّلا بسؤال مركزي:« ما الشكل السياسي الذي بمقدوره أن يوفق مستقبلا بين إيران الأعماق وتحديثها الضروري؟!»[8]. اتصل بالمعارضين سرًّا، وبالعسكريين المؤيدين للشاه والمعارضين، وبالمثقفين المتدينين وغير المتدينين.

أ- إبستيمية الثورة الإيرانية:

اكتشف الشاه أن تحديثه «تقليد قديم»، فكان عليه استعمال القهر لفرض تحديث مرفوض من الأكثرية. ولذلك أنتج «سلسلة من الإخفاقات المحرقة»[9]. كان إحياء القومية الآرية القائمة على نقاوة العرق يعني استراتيجية استئصال للوعي الوطني- التشيعي؛ وبذلك تمثل الناس آل بهلوي بماهم «سلطة احتلال»[10].

اشتركت كل المعارَضات في الثورة السلمية: « وأنا أعرف أكثر من طالب من طلاّب اليسار، حسب مقولاتنا- كتب بالأحرف العريضة على اللافتة التي دوَّن عليها مطالبه والتي يمدّ بها ذراعيه عبارة "الحكم الإسلامي!". طبعًا، لم تكن لهذا المطلب دلالِة سلفية أو إخوانية، بل اكتشف فيها فوكو حدَاثة خصوصية.

لم يكن هناك دينٌ «أفيونًا للشعوب»، في تقصيه الميداني. فماركس نفسه يرى وجود «الدين» بماهو «روح عَالَم لا روح له».

لقد اكتشف فوكو أن التشيعية ليست «معارضة سلبية»، ولا تخضع لمجاراة من حين لآخر:« إنه بشكل اليوم، كما كان بشكله مراتٍ عدةً في الماضي. إنه الصورة التي يأخذها النضال السياسي عندما يعبّئ فئات الشعب. فهو يصنع قوة من آلاف الحالات من الغضب والحقد والفقر واليأس. وهو يصنع بذلك قوة، لأنه شكل من أشكال التعبير، ونمط من أنماط العلاقات الاجتماعية، وتنظيم بَدْئي مَرِن ومقبول على نطاق واسع، ونمط من أنماط الوجود المشترك، وطريق في التحدث والاستماع، وشيء يجعل الآخرين يستمعون إلينا، وأنْ نُريد إرادتهم كما يريدون هُم إرادتنا في الآن نفسه»1، «إنه إسلام من صميم الشعب، لم يتوقف عبر القرون عن إعطاء قوة لا يمكن اختزالها في كل ما يمكنه أن يتعارض مع سلطة الدولة»2. وتلك التواصلية لا يَملكها الإسلام السلفي لأنه متوحّد3 داخل ذاته، مفروض على أهالي المحلّة، من الخارج (كحالة حِسْبة الرقَّة وحِسْبة إدلب أثناء الحرب العالمية على سوريا منذ عام 2011).

يشخص ميشال فوكو هذه الإسلامية التشيعية، بدْءًا بالمؤسسة الدينية. فليس فيها تراتب، كالمؤسسة الدينية الكاثوليكية، مثلا، إذ «رجال الدين فيها مستقلون عن بعضهم البعض». وهناك «تبعية (ولو مالية) لهم تجاه أولئك الذين يسمعونهم (...) ولكن في مقابل ذلك يجب أن تمارس دور الهادى والمرشد للحفاظ على نفوذها»4. فحين تخلى الكاشاني عن الثورة، ألغى الناس ولاءهم له وشعبيَّته5.

فإبِسْتِمِيّة «الحكم الإسلامي» في هذا المنظور، ليست ماضوية وإنما هي في اكتشاف فوكو مستقبليّة، «تقدمية» بمعنى ما وإبداعية6 لأنها مرتبطة بالنقطة المهدوية. فالأمر مسألة بحث، وبعيد في اكتشافه، عن نظام سياسي تكون فيه المؤسسة الدينية قائدة ومؤطّـِرة، إطلاقًا وبنيويًّا7. وقد شرح له المراجع الدينيون « أنه يتعين أن يقوم خبراء مدنيون ورجال دين، وعلماء ومؤمنون بأعمال طويلة لتسليط الضوء على سائر المسائل المطروحة (...)»، كتأكيد الإسلام حقًّ العمل وحق التملك وصيانة الحرّيات والمساواة بين الطبقات وبين الجنسين8.

إنّه مشروع سياسي يسمح في نظره بإمكانية الرّبعة9 لدى الجماهير: « حدث زلزال منذ عشر سنوات في مدينةَ فردوس، وكان يتعين إعادة إعمار المدينة بأسرها. وبما أن المشروع الذي تمّت الموافقة عليه لم يكن يرضي معظم الفلاحين وصغار الصنّاع التقليديين، فقد قاموا بالانفصال وذهبوا تحت قيادة أحد رجال الدين ليؤسسوا مدينتهم بعيدًا – شيئا ما – عن ذلك المكان. وكانوا قد جمّعوا الأموال من سائر أرجاء المنطقة وقرّروا بشكل جماعِي إنشاء مستوطنات واستصلاح قنوات لجرّ المياه وإنشاء تعاونيات، وأطلقوا على مدينتهم إسم «الإسلامية» . وكان الزلزال مناسبة لإقامة بُنَى دينية لا تمثل مكان لغرس روح المقاومة فحسب، بل قاعدة للتأسيس السياسي أيضا. هذا هو ما يُشار إليه عندما يتم الحديث عن الحكم الإسلامي»[11].

في الآن نفسه، يكتشف فوكو أن هذا النظام السياسي سيُضفِي بُعْدًا روحيًّا على الحياة السياسية، فلا تكون عائقا أمام الروحانية، بل «يُصبح وعاءَها الذي يحْتضنها وفرصتها وخميرتها»[12].

لا يُخفي ميشال فوكو إعجابه بهذا «الحكم الإسلامي» :« ما أعجبني بما هو إرادة سياسية. وقد أعجبني في جهده الرامي إلى تأسيس بُنًى اجتماعية ودينية لا ينفصل بعضها عن بعض، استجابةً لبعض المشكلات الراهنة. وقد أعجبني أيضا في محاولته فتْحَ بُعدٍ روحي في السياسة »[13].

ب- طبيعة الثورة : «ثورة سِلمية» وفريدة:

يتساءل ميشال فوكو: « هل تسقط الحكومات دائما بسهولة عندما تنزل الشعوب إلى الشوارع؟».

طيلة القرن العشرين كان يتعيّن لإسقاط نظام معين « وجود أسلحة وقيادة للجيش وتنظيم وإعدادٌ . ولكن ما يجري في إيران له من الأسباب ما يجعله يزعزع المراقبين اليوم فلا يمكنهم أن يجدوه في الصين، ولا في كوبا، ولا في فيتنام، وإنما في موجة بشرية غفيرة دون جهاز عسكري، ودون قائد [بالمظاهرات]، ودون حزب. كما أنهم لن يجدوا فيها حركات سنة 1968. فأولئك الرجال والنساء والذين يتظاهرون وهم يحملون الرايات الصغيرة و الورود، لهم هدف سياسي مباشر. إنهم يهجمون على الشاه وعلى نظامه، منهمكين هذه الأيام في الإطاحة به»[14] ضِمْن سيرورة أرِنة لا تنقطع.

كتب ذلك في الخامس من نوفمبر 1978، متوقعًا عدم إمكانية قهرها، رغم أنها أمام نظام من أقوى الجيوش في العالم، وله «أكثر الأجهزة الأمنية إثارة للرعب»[15].

أخمدَ تمردُ مجتمع بأسره إمكانية الحرب الأهلية التي أرادتها الاستخبارات الشاهنشاهية والأمريكية، «بأيْدٍ خالية من كل سلاح»[16]، بل بسلاح الورود يُهدى للعسكريين والشرطة تمدّدت الثورة من المظاهرات إلى الإضراب العام دون تشتت ولا صراع داخلي بين تغريبيّين ومتدّينين، بين ماركسيين وغير ماركسيين؛ « وكان بإمكان تحرير أكثر من ألف سجين سياسي أن يولّد صراعا بين المعارضين القدامى والمعارضين الجدد؛ وفي الأخير كان في مقدور إضراب عمال النفط أن يزعج راحة بورجوازية في البازار من جهة، وأن يعزّز موجة من المطالب المهنية المَحْضَة(...) بَيْد أن شيئا من ذلك لم يحدث» كما أراد النظام القائم[17]. بالعكس، أمدّ عمّال النفط الثورة «بسلاح اقتصادي عجيب». وانضم إليهم عمال مصانع الفولاذ والأليمنيوم والنقل الجماعي والخطوط الجوية والإدارات الوزارية وحتى الجمارك والضرائب.

المفارقة الثالثة أن غياب الأهداف ذات المدى البعيد، لم تكن عامل ضعف، بل بالعكس، زاد  مطلب الثورة صلابة، إذ «كلما كانت إرادة شعب ما بسيطة تعقدت مهمة رجال السياسة»[18]. ولقد وضع قائد الثورة النظام على حافة السقوط عندما طالب شعبه بـ«استفتاء شعبي» على نوع النظام الذي يريده، ذلك الذي لا يمكن أن تفكر فيه حِسْبَتا الرقة وإدلبْ السلفيتان ولا « مؤتمر أصدقاء سوريا» الإخواني[19].

وبذلك يعترف فوكو أمام هذه الثورة :« إننا في وضع لا يسمح لنا بتقديم النصح للإيرانيين»[20]. وهو يردّ على قارئة إيرانية مقيمة بباريس تأسفت في جريدة « لونوفال أبْسِرْفاتور» لنوع قراءته لهذه الثورة، بأن رسالتها احتوت أمريْن «لا يُغتفران» في نظره: « الخلط بين جميع جوانب الإسلام وأشكاله وإمكاناته في ازدراء واحد من أجل رفضها دفعة واحدة» و « اتهام كل غربي بأنه لا يهتم بالإسلام إلا بسبب احتقار المسلمين»، مؤكدًّا أنه يجب «  أن لا نبدأ بالكراهية» تجاه الإسلام وأن نتعامل معه بشيء من الذكاء[21].

كان الفضاء العام: المساجد وأحياء البازار، والجامعات، والمساحات، والشوارع، وخاصة المقابر، «يشتعل» بلغة فوكو، بالشعارات وخطب رجال الدين تحت تأثير الأشرطة المسموعة للقائد. ولما جاء الزمان المقدّس (شهر محرّم، «شهر الاستشهاد لدى هذا الشعب») كان «الاشتعال» أكثر «وهْجًا».

وظهرت قيادات للفضاء العام، من الطبقات الشعبية (وأشهرهم: محمد طيّب حاج رضائي) ومن الطلبة الجامعيين (معصومة ابتكار، محمود نجاد...)، لم يدوّن فوكو أسماءهم، لأسباب أمنية، ومن سوء الحظ أنه لم يَدْرس ظاهرتهم، بالأقل. لكنه باعتبار بنيويّته، لم يتفطن إلى أن هذه الثورة ما كانت لتكون لولا المراكمة الثورية التاريخية، فلقد كانت هناك تجربة ثورية:  من ثورة التبغ عام 1891 (من أجل السيادة الاقتصادية[22] للدولة فحسب بسلاح المقاومة المدنية ومقاطعة استهلاك التبغ بفتوى دينية)، إلى الثورة الدستورية عام 1906 ( ليرتقي الوعي الثورة إلى الملكية الدستورية وتشريك الشعب ورجال الدين الثوريين في السلطة، بقيادة أوّل مجدد ديني في الفقه السياسي: محمد حسين النائيني)، إلى الثورة الاجتماعية – الاقتصادية التي كادت تتحول إلى ثورة الوعي الجمهوري: ثورة مصدَّق- الكاشاني من عام 1949 حتى الانقلاب الأمريكي عام 1953. تركت التجربة الثورية الأخيرة مرارة عظيمة وحقدا ثوريًّا على الولايات المتحدة الأمريكية، لأن التجربة كادت تنتصر رغم انقسام الثوريين (تراجع الكاشاني وبعض التسلطية مِنْ مصدّق، وتلك كانت إحدى نقاط ضعفها). كانت تجربة الثورة الكبرى (1978-1979) تعني تتويج تلك المراكمة الثورية، وتجاوز نقاط ضعفها، والوصول بها إلى اللحظة الجمهورية ذات آلرعاية العُقَلائية: «الجمهورية الإسلامية».

ت- قيادة «فريدة» حسب فوكو:

يصف فوكو شخصية روح الله الموسوي بأنها «شبه أسطورية»[23]، ذات «تيار سحري»[24]، « فلا يوجد أي رئيس دولة، ولا أي زعيم سياسي، حتى لو كان مدعومًا بجميع وسائل الإعلام في بلده، يمكنه اليوم أن يفاخر بأنه محل للتعلق بهذه الدرجة من الشخصية والحِدَّة[25]. وذلك يعود في نظره إلى عوامل ثلاثة:

« أنه ليس هنا»، فهو في المنفى ولا يريد العودة إلاَّ بعد رحيل الدكتاتور.

أنه قليل التوجيهات، أي ذو أهداف محدَّدة.

أنه «ليس رجلا سياسيا». فليس له حزب، وليست له حكومة تتبعه. « إنه نقطة تحديد لإرادة مشتركة»، مضادة للدكتاتورية والتبعية.

إنّ سعي القائد لأن يكون ممثلا لـ «الإرادة المشتركة» بـِصِدْقـِيّة، جعله يُخرج فكرة الإرادة المشتركة من «أسطورة سياسية»- بتعبير فوكو، إلى واقع نادر في التاريخ.

-*-*-

لذلك أصبح معنى الثورة في هذه الثورة الكبرى في نظر فوكو: « طريقة للنهوض والإنقاذ»، « ثورة رجال عُزَّل يريدون أن يرفعوا العبء العجيب (..) ثِقل نظام العالَم بأسره»[26]. ويضيف فوكو: « ...ربما تكون هذه أوّل ثورة كبرى ضد الأنظمة الكونية، وأحدث أشكال الثورة الحديثة وأكثرها جنونا»[27]. فلقد أصبح الشعب «يريد شيئا كلّيًّا»[28]. وبذلك لم يَعُدْ فوكو بـِنيويًّا، بل أصبح جدليًّا- هيغليّا، لأوّل مرة في حياته الفكرية، تحْت منطق الأحداث- الأفكار الجديدة.

لم يكن هناك «كلل أو ملل» في المظاهرات، حسب ملاحظة فوكو، « وكان فيها «صلة بين الأعمال المشتركة والطقس الديني والحق العام»[29]. فكان الدين في هذه الثورة، بالمقارنة مع نمط العيش المفروض على الشعب منذ عقود، «بمثابة الوعد والضمان للحصول على ما به يغيرون ذاتيّتهم تغييرًا جذريًّا»[30]. فبهذا الإسلام التشيعي يَصْدق كلام ماركس: « الدين روح العالَم الذي لا روح له» فلا يكون «أفيونا»[31].

3- مثال للقراءة المتفهمة لتجربة الجمهورية الإيرانية: حسب محمد حسنين هيكل:

يؤكد هيكل أن مقومات الدولة بالمنطقة أكمل مع مصر وإيران و تركيا فقط، » والباقي دول هامشي»[32]. ولكنه يردف: »إن التحدي الوحيد للولايات المتحدة في المنطقة هو إيران»[33]، فهي »صاحبة صمود أسطوري في وجه الحصار»[34].وهو يؤكد أن »التناقض الإيراني- الأمريكي لن ينتهي، فإما أن تغيّر الولايات المتحدة النظام أو أن تسقطه»[35]

في زمن الشاه، »كانت كمية العلاقات بين إسرائيل وإيران كبيرة جدا(..) وما كان أحد من قادة العالم العربي يفتح فمه أمامه، بل الجميع ترتعد فرائصهم منه، ويلبّون مطالبه[36]

فلما كان عام 1979، انقلب العالم العربي على إيران، رغم أن النظام الجديد اقترب منه لدواع  كثيرة »منها القدس و منها الإسلام« .

لقد كان هيكل عضوا في الوفد العربي المفاوض لبريطانيا عشية استقلال الخليج، وقد كان الملك فيصل السعودي عضوا فيه أيضا. وكان رأي الوفد أن »تكون البحرين دولة عربية رغم أنها ذات أكثرية شيعية بحوالي 70 بالمائة، وأن حكمها من عائلة سنية. وبحثنا عن معادلة توازن مع إيران الإمبرطورية. فرأى الجميع، وخاصة الملك فيصل، أن تكون الجزر لإيران حتى يَرْضى الشاه[37].

يرى هيكل أن في تقييمنا للجار الإيراني » ينبغي أن نوازن  بين الإيجابي  والسلبي  فيه[38]. و يرى أن فيه عدة ميزات، وأن أهمها تطوير التعليم : »لا تهمني الطاقة النووية فيه، و لكن يهمني كيف طوّر تعليمه ليصل إليها(....). لما قابلت الخُميني في باريس قلت له: (كيف  يمكن لرجال الدين إذ يحكمون أن يستوعبوا العلوم الحديثة؟)، فرد علي ردّا مقنعًا: ( وماذا يعرف الضباط الذين يحكمون العالم العربي !؟)»[39].ففي رجال الدين الإيرانييّن » حداثيّة ما«[40].

و هو ليس متأكدًا من أنه نظام استبدادي، ولا قمعي للأقليات، بل ما يصلني من أصدقائي المعارضين عكس ذلك[41]. ولقد كانت نزعة حسنين هيكل العَدْلية وميلاده من عائلة فقيرة في الحسين بالقاهرة مهيئي الاستعداد لتفهم الإيديولوجيا التشيعية، أما نزعته السيادية فقد هيأته لتأئيد الدول الحريصة على سياديتها، ككوبا وفينزويلا البوليفارية والجمهورية الإيرانية.

لكن في تقييمنا للنظام الإيراني، يجب أن نهتم بما أهم من الإيجابي والسلبي في نظره، فيجب أن نراعي مصلحتنا القومية العربية، متجنبين أحكام القيمة، إذ يقول : »ما يهمني أن لا ينقلب ميزان القوى في الصراع العربي الإسرائيلي»[42] و »حفظ التوازنات الكبرى بالمنطقة«[43].

إنه يتساءل في قلق: »إذا كانت إيران أقرب لتل أبيب منها إلى العرب ستكون الكارثة علينا. فإذا سقط نظام الثورة الإسلامية، أخشى أن يقوم نظام يشبه نظام الشاه في تحالفه مع إسرائيل[44]. إنه يصرح أن »إحساس المسؤولين الإيرانيين بأنهم طالما توجهوا إلى العالم العربي مُهينين أنفسهم في سبيل علاقة طبيعية ، ولكن العالم العربي صدّهم[45]. وهو يؤكد أن هذا  الصدّ يصبُّ في صالح الحـس القومـي الإيراني » المنشد إلى الأنظمة الإمبرطورية القديمة بما هي لديه منبع الحضارات الأرية«[46]أي أصل الغرب المعاصر، ويحذر من أن هناك يهودًا إيرانيين قد يصبحون صهاينة  ومتحالفين مع إسرائيل إذا سقط نظام الثورة الإسلامية. و هنالك » سيكون تحول إستراتيجي رهيب لا نستطيع مواجهته«[47].

ومن المؤكد لديه أن الأزهر، والرئيس مرسي، كانا مخطئين استراتيجيًّا في سوء معاملتهما للإيرانيين، ويقول : »لقد أضعنا إيران طويلاً لصالح علاقتنا بالولايات المتحدة الأمريكية«[48]، بينما هي »دولة كبيرة تملك مقومات كبيرة لا يستهان بها،  وتتمتع بتماسك حضاري وإنساني، واجتمعت فيها عوامل سياسية وشخصية وأمنية.و ولذلك أدعو للانفتاح عليها«[49]. وهو يستغرب من أن شيخ الأزهر يصافح » خطأً«  رئيس الحكومة الإسرائيلي، ويعتبر مرسي، الرئيسُ الإخوانيُّ، نظيـرَهُ الإسرائيلـيَّ »  صديقا عظيمًا« ، بينما يواصلام القطيعة مع الجمهورية الإيرانية. و قد أفتى مفتى مصر عام 1963 بجريمة إعلان الإمام الثورة على الشاه، وقد سجل هيكل ذلك في مقابلته له بباريس.

و هو يشير إلى مساعدتها العسكرية والإستراتيجية للمقاومة الفلسطينية ، إذ أن طائرات »  أبابيل «  تعود لأصل إيراني لعام 1986، وعَبْر حزب الله استعملتها حماس مع إسرائيل عام 2014.

خاتمــــة:

مثلما كان انخراط اليونان في المسيحية مفيدًا لاستمرار الثقافة المسيحية وتطورها، كان انخراط إيران في الثقافة الإسلامية أحد ضمانات استمرارها وتطورها الرئيسية. يرى هيغل أن «الفُرْس1 هم أوّل شعب تاريخيّ، وفارس أوّل امبراطورية زالت»2. ويؤكد أن مبدأ التطوّر بدأ بتاريخ إيران، وهو بذلك يكون «البداية الحقيقية لتاريخ العالم، لأن الاهتمام العام بالرّوح في التاريخ  هو بلوغ المحايثة عير المتناهية للذاتية، ووصول  النقيض المطلق إلى التوافق والانسجام الكامل»3، وساهم سقوط الامبراطورية نهائيًّا في جعل المثقف في تاريخ إيران الإسلامية أهم من السياسي...

وقد اكتشف هيغل مبدأ العرفانية الإيرانية، إذ أن « طهارة النور ونقاءَهُ لدى الفرس تعلُو انفصال الطوائف»4.

وهذا «النور» «يستطيع الكل، على قدم المساواة الاقتراب منه»5. وبه تكون «قيمة الإنسان لذاته»6.

وقد أدى البحث الهيغلي في فلسفة التاريخ إلى أن الهيمنة الفارسية «لم تكن قطّ ظالمة أو جائرة، سواءًا في الأمور الدينية أو الدنيوية. فلم تكن للفُرس، طِبقا لما يقوله هيرودوت، أوثان أو أصنام، بل إنهم كانوا في الواقع يسخرون من التشبيهات البشرية التي تُنسب للآلهة؛ لكنهم تسامحوا مع كل الأديان، رغم أننا قد نجد حالات فردية من الغضب والحنق ضد الوثنية، فقد دمّروا المعابد اليونانية وحطموا تماثيل آلهتها»1. وإذا بقيت الصين والهند مُديمة «للوجود الطبيعي» في نظر هيغل، فإن إيران خضعت لأول مرة في تاريخ العالم لقانون التطوّر والثورة، ليكون أهلها أقوياء لأنفسهم.2

لسنا في حاجة للتأكيد أننا نقف أمام نجاح إيراني واستيعاب إيراني خصوصي للحداثة والديمقراطية والثورة والعدالة الاجتماعية، واقتدار ناجع على مواجهة تحديات الحصار الاقتصادي وضرورات الاستقلال. كما أن إيران الثورية والمنفصلة عن الإمبريالية والصهيونية تمثل فرصة تاريخية ثمينة للعالم العربي من أجل حِلفٍ عالمي ضد الصهيونية، والتثاقف التّقاني والعلمي والمراجعة الدّينية والتديّنية والتبادل الإبداعي لتجاوز التبعية الاقتصادية والثقافية والعسكرية والحِمائية الغربية التي تصل حَدّ العصبية العنصرية-الاستعمارية أحيانا.

وإنّ رفض اكتشاف إيران الثورية (وغيرها من التجارب الناجحة) بتِعلات أَنُومِيّة- تَوحّـُديّة، سَواءًا كانت بهُوَامِ تديّني3 أو هُوَام عِلـْمانيّ أو لضغوط ثقافية أو سياسية أو اقتصادية إمبريالية، سيساهم في تفاقم الأزمة العربية، والإجهاز النهائي على فرصة الحراك العربي الذي انطلق في يناير 2011...

يقول الثوريّان أحمد فؤاد نجم وإمام عيسى:

آه يا خَيْ!

آه يا خي اه ياخي! كنا نملا الدنيا ضي

بس اه لو كنا زي

الف اه واه ياخي

كنا جبنا الشمس من برج الاسد

واديناها للعيال غزل البنات

يطبعوها ع الهدوم والكراسات

يشبكوها ورد بشعور البنات

ينظموها  عقد من شر الحسد

يضوي نوره  لما يضوي

كل حاره وكل حي

بس اه لو كنا زي

الف اه  واه ياخي

كنا المظلوم اذا هاجم  جري

كنا لو كان الخميني عمّنا

والمعارضة يد واحدة عندنا

دسنا شاهنا وامريكانه بنعلنا

وابتدينا الثورة من اوسع طريق

كان تمانتعشر يناير ف الشوارع لسه حي

بس اه لو كنا زي

الف اه  واه ياخي

***

عادل بن خليفة بالْكَحلة

(أستاذ تعليم عالٍ، باحث أنثروبولوجي،

الجامعة التونسية)

....................

[1] . من لقائه مع لَميس حديدي في سي بي سي، على اليوتيوب، 07/04/2015

[2] ـ مرجع سابق.

[3] ـ مرجع سابق

[4] ـ مرجع سابق

ـ يمكن الاستئناس هنا بـ: فُوكو (ميشال)، نظام الخطاب، ترجمة: محمد سبيلا، دار التنوير، بيروت، 2007، ص 77.

[5] . وِلْد عبد المالك(البكّاي) [ناقلا]، فوكو صحافيًّا، دار جداول، بيروت، 2012، ص7.

[6] . فوكو محرّم بالعالم العربي. رفض أحَدُ مقَّرري قسم علم الاجتماع بتونس مشروع دكتوراه طالب فلسطيني في سلفية فلسطين، لا لشيء إلا لأنه متمحور حول مفاهيم ميشال فوكو!!

[7] . وِلْد عبد المالك(البكّاي) [ناقلا]، فوكو صحافيًّا، دار جداول، بيروت، 2012، ص 16.

[8] . م. س، ص 31.

[9] . م. س، ص 31.

[10] . م. س، ص 36

1 ـ م . س، ص 43.

2 ـ م. س، ص 43.

3 ـ التوحّد ثقافيا وإيديولوجيّا هو انكفاء يقوم على هُوَام عدم وجود الآخر أو ضرورة عدمه، فيُنتج اضطراب تفاعل وصعوبات تواصل ونزعة قتْلية.

4 ـ م. س، ص 48.

5 ـ م. س، ص 42.

6 ـ م. س، ص 49

7 ـ م. س، ص 49.

8- م. س، ص 36

9 - الرّبعة: Autonomy

[11] . م. س، ص 50

[12] . م. س، ص 50

[13] . م. س، ص 52.

[14] . م. س، ص 65.

[15] . م. س، ص 66.

[16] . م. س، ص 66.

[17] . م. س، ص 66.

[18] . م. س، ص 67.

[19] . أحد جامعيّي الإخوان المسلمين ومثقفيهم الأشهر بتونس قال لي في بداية عام 2011، بغرور أن « الثورة» التونسية أفضل من الثورة الإيرانية، لأنها في رَأيه «أقل دمًا» و «أرقى ديمقراطية»... لم يكن في ذلك يصدر عن دراسة مقارنة ولا عن فلسفة حضارة ولا علم اجتماع ثورات!

[20] . م. س، ص 69.

[21] . م. س، ص 77.

[22] . ...لأول مرة في تاريخ العالم الإسلامي الحديث تُبدَع إيران المقاومة المدنية، وكانت ذات شكلٍ اقتصاديّ، قبل اكتشاف غانْدي لها.هنا يبادر الفقيه، ولا يكون تابعًا للدولة (كما حَدث للفقيه التونسي في العصر الحسيني إذ كان مشرعنا لما اعتبرته الدولة «إصلاحات»). وهنا يكون مبرّر الفتوى اقتصاديا وسياديًّا وحداثيًّا، لا مبرّرًا دُغمائيا. شاركت النساء في مظاهرات ثورة التبغ، وذلك سَبْق إيراني أيضا، وقد عمّت المقاومة المدنية حتى خدم القصر. انظر: المجدوب (طلال)، إيران من الثورة الدستورية إلى الثورة الاسلامية، دار ابن رشد، بيروت، 1980 (ص 106).

[23] . م. س، ص 89.

[24] . م. س، ص 47

[25] . م. س، ص 90.

[26] . م. س، ص 90.

[27] . م. س، ص 90.

[28] . م. س، ص 91.

[29] . م. س، ص 133.

[30] . م. س، ص 135.

[31] . م. س، ص 135

[32] . م. س.

[33] . م. س.

[34] . م. س.

[35] . من لقائه مع لميس حديدي، على اليوتيوب 7/4/2015.

[36] . م. س.

[37] . م. س .

[38] . م . س.

[39] . م. س.

[40] . م. س.

[41] . م. س

[42] . م. س

[43] . م. س

[44] . م. س

[45] . م. س

[46] . م. س

[47] . م. س

[48] . من لقائه مع لميس حديدي ، 3/4/2015 على سي بي سي.

[49] . من لقائه مع لميس حديدي،1/4/2013 على سي بي سي

1 - «الفُرْس» في الاستعمال الهيغلي يشمل شعوبًا عدة مثل الشعب الكرْدي، إذ يعتبرهم ضمن الحوض اللساني- الثقافي والحِموي الواحد

2 - هيغل، محاضرات في فلسفة التاريخ، الجزء الثاني؛ العالم الشرقي، ترجمة إ. عبد الفتاح إمام، دار التنوير، بيروت، 1984، ص 144-147

3 - م . س.

4 - م . س.

5 - م . س.

6 - م . س.

1 - م . س.

2 - م . س.

3 - رفض رموز الاسلام السياسي في تونس السياحة الإيرانية بتونس تَحت فويبا  تشيعيّة للتونسيين (كأن الثراء التعددي التونسي: المالكي- الحنفي- الإباضي- الصوفي هشّ لا قيمة له)، ولأن السائح الإيراني « لن يشرب خمرًا» و«لا يستهلك كثيرًا»، فلن نستفيد منه اقتصاديا (حسب زعيم تيار المحبّة). وهكذا أصبح الإسلامي يُدافع عن «شُرْب الخمر» في سياق رفضه الغرائزي لإيران الثورية (بينما تركيا الإخوانية تستفيد من السياحة الإيرانية وليست لها هذه الفوبيا).

 

ابراهيم أبراشاجتماعات اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية واللجنة المركزية لحركة فتح والمتوقع أن تنعقد هذه الأيام يجب أن تكون مختلفة عن كل الاجتماعات السابقة. فعندما يكون الوضع على درجة من الخطورة كما هو الحال فيما آلت إليه القضية الفلسطينية من توجه إسرائيلي لضم منطقة الغور والمستوطنات بعد ما جرى بالنسبة للقدس وإنهاء حل الدولتين وهو ما يشكل تهديداً ليس فقط للسلطة الوطنية ولحل الدولتين بل للوجود الوطني برمته، في هذه الحالة يجب تجاوز ردود الأفعال الآنية ووضع استراتيجية شاملة تتضمن مراجعة شاملة.

إن اقتصر الأمر على اجتماعات روتينية تؤكد على تنفيذ قرارات سابقة وعلى الشجب والتنديد والتطرف في الخطاب والتأكيد على ما تسمى الثوابت الوطنية وما يجب عمله ضمن الإمكانيات المتاحة وتحت ذريعة أن السياسة فن الممكن، وهي الذريعة التي طالما رددناها وكأنها قانون مسلم به وحقيقة قاطعة وفي النهاية لم نحقق لا الممكن ولا المأمول، في هذه الحالة فإن الاجتماعات وما يصدر عنها من قرارات لن تكون في مستوى خطورة الحدث ولا تندرج في سياق الفعل الاستراتيجي ،بل ستكون محاولة فاشلة لتدوير الزوايا ومجرد ردود أفعال تحاول الطبقة السياسية من خلالها إثبات حضورها وإطالة أمد وجودها في السلطة.

المفهوم العلمي والصحيح للاستراتيجية في المنعطفات المصيرية وفي حالة كالحالة الفلسطينية يجب أن تتضمن مراجعة شاملة لمجمل المسيرة الوطنية، من سلوكيات وأيديولوجيات وثقافات وأفكار ومسلمات وبنى تنظيمية وشبكة علاقات وتحالفات، لأنها كلها تتحمل المسؤولية عما وصلنا إليه، والقيادة الفلسطينية تعترف أنه في حالة ضم إسرائيل للأراضي فسينتهي حل الدولتين وبالتالي تنتهي العملية السلمية التي بدأت مع اتفاق أوسلو .

وعندما نقول ونطالب بمراجعة استراتيجية لأنه منذ دورة المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر (دورة إعلان الاستقلال) في الخامس عشر من نوفمبر 1988 لم يجري أي لقاء وطني توافقي ولم تحدث أية مراجعة استراتيجية حتى داخل منظمة التحرير، بالرغم من الأحداث الجِسام التي مرت على القضية الوطنية، واستمر النظام السياسي يعاني من حالة تخبط وتيه ومراهنة على الخارج وتجريبية قاتلة وما يصدر عنه مجرد ردود أفعال وقرارات لا تنفذ غالباً، وجاء الانقسام ليزيد الوضع تعقيداً.

في المنعطفات التاريخية وعندما تكون الأمة والوطن في خطر فإن الأمر يحتاج لوقفة مراجعة شاملة لمعتقدات وأيديولوجيات وسياسات وطابوات وبرادغمات تعايش معها وتعود عليها الشعب لعقود حتى توَهَّم أنها مسلمات وحقائق وأن النصر والتحرير لن يتأتيا إلا بها ومن خلالها. هذه المراجعة والاستراتيجية الجديدة قد تكون مؤلمة للشعب وتضر آنياً بمصالح فئات عديدة، ولكنها ضرورية حتى يستفيق الشعب من غفوته ومن المراهنات المريحة نفسياً، والمنافية للعقلانية السياسية والمدمرة لمصلحة الوطن عملياً.

وفي هذا السياق، فالاستراتيجية الوطنية المطلوبة يجب أن تضع محل النقاش قضايا بعضها كان بمثابة مسلمات عند انطلاق الثورة الفلسطينية في منتصف الستينيات وأخرى تم اصطناعها أو ترويجها لاحقاً كمسلمات وحقائق. والمراجعة ليس بهدف التجاوز والقطيعة معها أو الحكم القاطع بأنها غير صحيحة أو أصبحت متجاوَزة، بل بهدف التمحيص وإعادة النظر للتأكد من مدى ثباتها وموائمتها في ظل المتغيرات المتسارعة في العالم، وأهم هذه القضايا أو (المسلمات):

1- عدم حل القضية الفلسطينية يهدد السلام العالمي.

2- إسرائيل المصدر الرئيس الذي يهدد أمن واستقرار السلام العالمي.

3- اليهود يسيطرون على العالم ويوجهون سياساته.

4- البعد القومي للقضية الفلسطينية، وفلسطين قضية العرب الأولى.

5- البعد الإسلامي والقدس خط أحمر بالنسبة للمسلمين.

6- ستقام الدولة الفلسطينية من خلال الشرعية الدولية والأمم المتحدة.

7- المقاومة والجهاد المقدس الطريق الوحيد لتحرير فلسطين.

8- القيادات السياسية على صواب وتحقق انجازات سواء في مجال المقاومة العسكرية الجهادية في غزة أو في مجال العمل السياسي والدبلوماسي للسلطة.

9- الانقسام سببه خلافات فتح وحماس.

10- منظمة التحرير الممثل الشرعي والوحيد لكل الشعب الفلسطيني.

بناء على إعادة تقييم (المسلمات) السابقة يمكن صياغة الاستراتيجية المطلوبة التي تحتاج حضور كل المكونات السياسية من داخل منظمة التحرير ومن خارجها.

وهذه بعض الخطوط العريضة يمكن التفكير فيها كأساس للاستراتيجية الوطنية المطلوبة:

1- لأن الطبقة السياسية في غزة والضفة وصلت لطريق مسدود ولا يمكن المراهنة عليها في وضعها الحالي للرد على مشروع تصفية القضية، يجب إجراء الانتخابات العامة على كافة مستوياتها: التشريعية والرئاسية والمجلس الوطني.

2- انجاز الوحدة الوطنية بأسرع وقت، ووضع حد لمهزلة حوارات المصالحة بالشكل الذي كانت تجري عليه طوال عشرة أعوام، وهذا يتطلب تغيير الأسس والمنطلقات التي تقوم عليها الحوارات، وتغيير الأشخاص المكلفين بها.

3- التوافق وطنياً على تحديد الهدف الاستراتيجي النهائي والأهداف المرحلية.

4- إعادة صياغة العلاقات الفلسطينية مع العالمين العربي والإسلامي على أسس جديدة تأخذ بعين الاعتبار السياسة الواقعية وليس الاعتبارات الأيديولوجية القومية والعلاقات التاريخية فقط.

5- إعادة النظر في المراهنة المبالَغ فيها لمنظمة التحرير على الشرعية الدولية ومحكمة الجنايات الدولية.

6- إعادة النظر بمفهوم المقاومة واستراتيجيتها، لأن ما يجري على حدود قطاع غزة لا علاقة له بالمقاومة بل يسيء لها ويُسخِّفُها، كما أن العمليات الفدائية الفردية في الضفة الغربية لا تكفي.

7- مع ضرورة الاستمرار بالتمسك بنهج السلام والتسوية السياسية العادلة إلا أنه مطلوب إعادة النظر بالنهج المتبع في التعامل مع التسوية والشرعية الدولية وبمن يتولى أمرهما.

8- الحسم في موضوع السلطة الفلسطينية وما ارتبط بها من اتفاقات وبروتوكولات، وهل ما زالت ضرورة ومصلحة وطنية؟ وإن كانت كذلك فكيف نجعلها نقطة انطلاق نحو الدولة؟ وإن لم تكن كذلك فما هو البديل لها؟.

ربما بعض مكونات الطبقة السياسية ملمة بكل ما سبق ومقتنعة به إلا أنها غير قادرة على تنفيذه مباشرة بفعل بنيتها وارتباطاتها ومصالحها، وخصوصاً أن قرارات وتصريحات صدرت عن القيادات والمؤسسات الرسمية والحزبية طالبت أكثر من مرة بالأخذ ببعض هذه العناصر ولكن دون جدوى.

ومع ذلك، فلن نفقد الأمل لأننا نلمس حالة غضب وتمرد عند الشعب، وجذوة وطنية خامدة عن البعض من الطبقة السياسية ممن لا يرغبون بأن ينهوا حياتهم بوصمة الخيانة. حتى وإن لم تستجب الطبقة السياسية لهذه الاستراتيجية وغيرها من النصائح والمقترحات التي قدمتها أكثر من جهة وطنية، يبقى الأمل بأن تكون المراجعة الاستراتيجية أساساً لتفكير جديد خارج الصندوق.  

 

إبراهيم أبراش

 

منذ ظهور وباء كورونا في الصين في شهر كانون الاول 2019 واعلانها عن تفشيه في شهر كانون الثاني 2020 ثم اجتياحه دول العالم وخصوصا دول العالم الغربي المتقدمة حيث بدأ بايطاليا ثم اسبانيا ثم بقية اوروبا وامريكا وما سببه من خسائر كبيرة في عدد الوفيات وفي توقف الحياة الاقتصادية والتعليمية والاجتماعية وأدى الى احداث تأثيرات قد تطيح بدول من اماكنها في الصف الاول من دول العالم المتقدم الى الخطوط الخلفية بسبب طبيعة وحجم الخسائر والنتائج المتوقعة لذلك.

تختلف الدول الغربية في اوروبا وامريكا عن غيرها بأن الشركات الكبرى هي المسيطرة على الحياة الاقتصادية والسياسية, وأن الحكومات هي أدارات وليس لها السطوة الحاكمة كما في دول اخرى حكوماتها قوية كما في الصين . يستمد السياسيون في الدول الغربية قوتهم من قوة رأسمال الحاكم والذي تتحكم به الشركات الكبرى وتعاونه منظومة من البنوك وشركات التأمين وشركات الخدمات ووسائل الاعلام.أظهرت ازمة وباء كورونا الفرق الكبير في القدرة على أدارة الازمة بين مجتمع تحكمه حكومة قوية وتتحكم بكل ما فيه وبين مجتمع يحكمه اقتصاد الشركات والرأسمالية ,ومهما تحاول الحكومة أن تفعل فهناك من يعترض ويحاول الاستفادة من الازمة لأغراض سياسية ورأينا الصراع بين الرئيس الامريكي وحكام الولايات الديمقراطيين واعضاء الكونغرس من الخصوم والمناورات السياسية التي حدثت وكان ضحيتها الأبرياء من المرضى والموتى بسبب المرض والفقراء الذين فقدوا وظائفهم . وبشكل عام تتميز المجتمعات الشرقية كالصين واليابان وكوريا الجنوبية وبقية دول شرق اسيا بحسن أدارتها للازمة حتى في الدول التي فيها شركات كبرى كاليابان وكوريا وتحكمها انظمة رأسمالية .ولكن طبيعة المجتمعات وتقاليدها تختلف عن المجتمعات الغربية وردود الفعل من قبل الشعوب على اجراءات الدولة للسيطرة على الوباء كانت تتسم بالطاعة والثقة بأجراءات الحكومات .على العكس من الدول الغربية حيث مجالات الحرية كبيرة وقديمة وعدم ثقة الناس بأجراءات السياسيين وشكوكهم الدائمة بمناوراتهم السياسية كون اجراءاتهم خاضعة لقوة الشركات والمصالح الاقتصادية .وقد أدى تأخر اتخاذ الاجراءات الى زيادة الاصابات والوفيات.

بدأت الاتهامات ومنذ اليوم الاول للوباء بين الصين والعالم الغربي وخصوصا امريكا وهل أن الوباء حدث متعمد ويدخل في مدار الحرب البايولوجية او انه تسرب للفيروس من مختبرات يوهان بسبب أهمال او تعمد او عمل غيرمقصود وغيرها من الأتهامات. أو أن الصين لم تبلغ العالم حال اكتشافها للوباء أو أنها تعمدت التاخير .ومنذ اليوم الاول أتهمت امريكا الصين بالتسبب بتسرب الفيروس من مختبرات يوهان وسمته بالفيروس الصيني . وحاولت الصين وبعض حلفاؤها القاء اللوم على امريكا واتهامها بنشر الفيروس خلال دورة الالعاب العسكرية ولم يستطع أي من الاطراف اثبات التهمة على الاخر.العالم الغربي ومع الخسائر الهائلة التي حدثت لا يريد أعتبار الحدث طبيعيا ولايريد أن يمر الحدث دون ان يستفيد منه. وعلى هذا الأساس فعالم تحكمه الشركات الكبرى الرأسمالية يريد أن يستفيد من كل شيء ومن البداية ترك الأمر دون تدقيق أو تحقيق ولم يطلب احد من مجلس الأمن او الامم المتحدة بفتح تحقيق او تدقيق في موضوع تفشي الفيروس وقد سبق أن كتبنا مقالة عن سبب عدم قيام مجلس الأمن بأجراء تحقيق بسبب تفشي الوباء على الاقل لمعرفة ماذا يحدث وكيف حدث .الصين سكتت خوفا من القاء اللوم عليها والعالم الغربي بخبثه كان يريد للأمور أن تمشي بهدوء الى أن يستدرك ويستوعب الموقف ويبدأ بترتيب أوراقه ويجد الضحية التي يلقي عليها باللوم.

الجميع يعرف عمق المشاكل بين الصين وامريكا والدور المتوقع للصين خلال السنوات القادمة في أن تكون الاقتصاد الاول في العالم و امريكا والغرب سيقاوم كثيرا مثل هذا التغيير. سعى الجانب الامريكي لأقناع شركائه بأن المتسبب في الوباء هي الصين ويجب الاستفادة من الازمة لفرض شروطهم عليها وسيسعى خلال الايام او الفترة القادمة الى وضع شروط تعجيزية تتراوح بين الغرامات والتعويضات التي يجب ان تسددها الصين لجميع الضحايا والمتضررين من الوباء .وفي حالة رفض الصين سينتقل الامر الى العقوبات والحصار واذا رفضت الصين قد يلجأ الى المقاطعة الشاملة والحرب المحدودة اذا حاولت الصين كسر حواجز الحصار والقصد النهائي جلب الصين الى ساحة المفاوضات لوضع أسس وضوابط العالم الجديد وتحديد وضع الصين كعضو ملتزم بشروط المعاهدات التي سيتم ابرامها بين دول العالم الكبرى لترتيب اوضاع عالم ما بعد الكورونا.وقد بدى ذلك واضحا من خلال طلب استراليا من الصين فتح تحقيق وأن تشارك فيه لمعرفة كيفية تسرب الوباء واستراليا هنا كلفت بهذا الدور باعتبارها اقرب الحلفاء الى الصين من ناحية الموقع الجغرافي وستشهد الايام القادمة تطور الاحداث بهذا الاتجاه.

 

د. احمد مغير

 

 

علاء اللاميفي منهاجه الحكومي، يحاول رئيس جهاز المخابرات الوطني، المكلف بتشكيل الحكومة الانتقالية، مصطفى الكاظمي، أن يُرضي جميع الأطراف المتناقضة والمتعادية، ليضمن وصوله الى كرسي الرئاسة وبقاءه فيه: فهو يحاول إرضاء وإسكات الأحزاب وفصائل المليشيات بتمييع جرائم الفساد وقتل المتظاهرين السلميين الذين فاق عددهم سبعمائة شهيد وأكثر من خمسة وعشرين ألف جريح ومعتقل ومعوق ومخطوف. هذه الجرائم التي شاركت فيها إلى جانب قوات الشرطة والمليشيات قواتُ من الحرس الرئاسي نفسها، كما ورد في اتهامات علنية وجهها بعض ساسة النظام ومنهم مثلا الشيخ صلاح العبيدي، القيادي في التيار الصدري ومستشار زعيمه مقتدى الصدر.

والكاظمي يحاول - في الوقت ذاته - إرضاء الإدارة الأميركية، التي تربطه بها علاقات قديمة وعميقة منذ أيام المعارضة العراقية في لندن، حيث بدأ نشاطاته بمعية حلفاء الاحتلال المعروفين كأحمد الجلبي وكنعان مكية وغيرهما. كما يريد إرضاء حلفاء واشنطن المحليين من الساسة الكرد والعرب السنة الرافضين لإخراج قوات الاحتلال الأميركية علنا وعلى رؤوس الأشهاد. وهو يحاول فعل ذلك من خلال تسويف قضية سحب قوات الاحتلال الأميركية وغيرها، وإهمال تطبيق قرار مجلس النواب العراقي واجب التنفيذ من قبل السلطة التنفيذية والقاضي بإخراجها من البلاد، ومقاربة هذه المهمة بكلمات دبلوماسية مطاطة وشروط لا علاقة لها بها، تلمح بقوة للقبول ببقاء تلك القوات إلى زمن غير معروف، من قبيل تكراره لتعلة (الحفاظ على أمن البلاد واستمرارية مكافحة فلول الإرهاب).

أما الشعب العراقي، وفي طليعته شباب انتفاضة تشرين والتي لا يجرؤ الكاظمي على تسميتها بالانتفاضة بل بـ "أعمال الاحتجاج" فليس لهم من الوليمة غير الانتظار الممل، وصحون الإنشاء اللفظي ومنها صحن "المجلس الشبابي الاستشاري" المثير للشبهات والذي سنتوقف عنده بعد قليل.

بعد قراءة متمهلة لهذا المنهاج، يمكن القول باختصار شديد، إنه أسوأ منهاج حكومي بين كل المناهج الحكومية السيئة التي قُدمت منذ الاحتلال الأميركي سنة 2003 وحتى اليوم؛ والسبب هو أنه الأكثر خطرا على المجتمع والدولة، حاضرا ومستقبلا. وتشير أسماء الوزراء المقترَحين والتي تسربت إلى الإعلام، أن حكومة الكاظمي ستكون، وبامتياز، حكومة تضم بعض مترجمي وأدلاء الاحتلال الأميركي من رجال الخط الثاني وممن يحملون الجنسية الأميركية أو يقيمون في أميركا وسبق لهم أن اشتغلوا مع قوات الاحتلال في سنواته الأولى كمترجمين وأدلاء وباحثين وإلإداريين ...إلخ. وموجب هذا المنهاج تتعهد حكومة الكاظمي بالآتي:

1- إجراء الانتخابات المبكرة، التي اعتبرت خشبة الخلاص للنظام المحاصر بالانتفاضة الشبابية، إنما دون تحديد أي موعد دقيق أو محتمل لها، ولكن بعد استكمال القانوني وتفعيل مفوضية الانتخابات وتطبيق كامل لقانون الأحزاب! معنى ذلك، أن انتظار تلك الانتخابات" المبكرة" قد يمتد لأكثر من عامين، أي حتى إكمال عهدة الحكومة الحالية المنصرفة والتي أسقطتها تداعيات الانتفاضة الشعبية. وفي هذا الصدد يؤكد منهاج الكاظمي على أن قانون الأحزاب وهو القائم على أساس "الطائفية السياسية" سيكون هو مرشد الحكومة في إدارة هذه الانتخابات، أمر يعني أن أحزاب ومليشيات الفساد والنهب باقية في الحكم ولن تتزحزح مليمترا واحدا عن مواقعها!

2- يركز المنهاج على (فرض هيبة الدولة من خلال حصر السلاح بيد الدولة والمؤسسات الحكومية والعسكرية) وهذا شبه محال أن يحدث مع بقاء الأذرع السياسية لهذه المليشيات التي تحمل السلاح خارج إطار الدولة، فهما ليسا طرفين بل طرف واحد بذراعين، واحد مسلح والآخر سياسي لصوصي يوفر له الغطاء السياسي والتسليحي ليجني له المال من خزائن المؤسسات الحكومية!

3- قفز منهاج الكاظمي على مطلب تقديم قتلة المتظاهرين السلميين في انتفاضة تشرين إلى القضاء النزيه بعبارات مُضلِّلة من قبيل (القيام بحملة شاملة للتقصي والمساءلة بشأن أحداث العنف التي رافقت الاحتجاجات وتطبيق العدالة بحق المتورطين بالدم العراقي)، فالكاظمي يسمي الانتفاضة "أحداث عنف واحتجاجات" وقتل المتظاهرين السلميين برصاص القناصة وخراطيش الصيد والعبوات الغازية "تورطا في الدم العراقي"، وهي تهمة يمكن أن تشمل حتى رجال القوات القمعية الذين جرحوا بالحجارة أو قتلوا بنيران زملائهم ومساواتهم بضحاياهم! وهذا منتهى الاستهتار بدماء الشهداء، وكأن من كتب هذه الفقرة هو قائد المليشيات وقوات الحرس الرئاسي المتهمة بقتلهم!

4- يفرغ المنهاج مطلب إخراج القوات الأجنبية المحتلة والمفروضة قسرا على العراق من محتواه ومعناه، فبدلا من أن يتعهد بتطبيق القرار البرلماني بإخراجها في سقف زمني محدد يكرر جملا فارغة من قبيل (العمل على إنتاج رؤية وطنية للتفاوض بشأن وجود القوات الأجنبية في العراق ضمن نطاق الحفاظ على أمن البلاد واستمرارية مكافحة فلول الإرهاب وخلاياه)! وهذا يعني أن القوات الأجنبية المحتلة ستبقى وفق الرؤية التي حدد الكاظمي ومن وراءه إطارها القائل بـ (استمرار مكافحة الإرهاب وخلاياه) التي تكررها الإدارة الأميركية باستمرار، ويقينا فقد كان الكاظمي صريحا أكثر مما ينبغي بهذا الصدد، مؤكدا أنه الأكثر وفاء بين حلفاء الاحتلال الأميركي كما كان منذ أول يوم له دخل فيه المعترك السياسي ضمن صفوف المعارضة العراقية اللندنية، وتحديدا ضمن مجموعة أحمد الجلبي وبزمالة كنعان مكية. والغريب أن الكاظمي عاد إلى الموضوع في فقرة أخرى فكتب في الفقرة الخامسة (إجراء مفاوضات جادة مع قيادات الدول المشاركة في "التحالف الدولي" بما يحقق تطلعات الشعب العراقي بالسيادة الوطنية الكاملة) ثم يتذكر الكاظمي علبة البهارات فينثر قليلا منها على هذه الجملة ليفرغها من معناها حين يضيف (في ضوء مصالح العراق وعدم المساس بأمنه الداخلي)، والكاظمي هنا يتناقض ويتذاكى عبثا حين يجعل من موضوع الأمن الداخلي والحاجة لقوات أميركية شرطا للسيادة الوطنية؛ فأية سيادة وطنية هذه التي تحميها قوات احتلال أجنبية مفروضة قسرا على البلد المعني؟!

5- تكررت في المنهاج كلائش مملة وفقيرة من أي مضمون بخصوص (مكافحة الفساد وترسيخ قيم المواطنة مع احترام التنوع الديني والعرقي والقومي...إلخ) مما لا حاجة إلى تكرار التوقف عندها طالما أنه لم تقترن بإجراءات ملموسة وبإنشاء جسم قضائي خاص واستثنائي لمكافحة كارثة الفساد التي دمرت العراق اقتصاديا واجتماعيا تدميرا وضعه على حافة التفكك والتشظي الكياني.

6- حاول الكاظمي في الفقرة الأخيرة من منهاجه تقديم رشوة صغيرة ومضحكة لشباب الانتفاضة مع أنه لم يسمهم بهذا الاسم الممنوع عليه - كما يبدو - من قبل مرشحيه، وهذه الرشوة الفقاعة هي أنه وعد بالآتي (تؤسس الحكومةُ مجلسا استشاريا شبابيا تطوعيا مرتبطا بمكتب رئيس الحكومة، يمثل المحافظات العراقية كافة، وفيه يتم التنسيق مع هذا المجلس بشأن الخطوات الحكومية الخاصة في مجال الإصلاح، والعمل على تطوير فرصهم في بناء الدولة ويكون لهذا المجلس دور في صياغة آليات لحماية حق التظاهر وضمان سلميَّته...إلخ). فما معنى هذه العبارات العائمة والفارغة من أي مضمون محدد غير تشكيل مجلس استشاري للتثاؤب والنميمة وقبض المخصصات الفاحشة، مجلس لا يختلف كثيرا عن المجالس الاستشارية التي يشكلها حكام الخليج العربي مهمتها الوحيدة التصفيق لهم! غير أن التدقيق أكثر في هذه الفقاعة التي تمخض عنها تفكير رجل المخابرات سيحيلنا الى أن هذا المجلس لا يخلو من أهداف مخابراتية أخرى منها تحويل مجموعات من الشباب المتظاهرين الذين قد يوافقون على الانضمام الى هذا المجلس إلى هراوة مدنية وميدانية  بيد الكاظمي ضد خصومه السياسيين في الأحزاب، أو تحويلهم لاحقا إلى شبكة من الجواسيس والمخبرين ضد زملائهم المنتفضين يكتبون التقارير حول نشاطاتهم ومخططاتهم وغير ذلك فيحلون رسميا وبشكل علني محل زمر المندسين والمخربين الذين دستهم أجهزة المخابرات والمليشيات والأحزاب داخل الانتفاضة نفسها!

وتأسيسيا على ما سبق، فمن المرجح حتى هذه اللحظة أن ينال الكاظمي رضا جميع الذين قدم لهم تنازلاته وسوف يساهم بإمرار حكومته أصدقاء واشنطن جنبا إلى جنب مع أصدقاء طهران فجميع هؤلاء سيعتقدون انهم حصلوا على ما أرادوا من منافع في مقدمتها إنهاء انتفاضة تشرين - التي أقضت مضاجع الجميع وهزت النظام التابع وأعادت إلى الواجهة قضية استقلال وسيادة العراق والشعارات الطبقية للكادحين والفقراء - وتضييع دماء شهدائها وإنقاذ أسس النظام الطائفي المكوناتي الذي جاء به الاحتلال الأمريكي الذي يواصل حمايته من غضبة شعبه بمشاركة توافق الأمر الواقع مع إيران من موقعها كراعٍ وحليف أول لأحزاب ومليشيات الفساد والتبعية! أما الشعب العراقي وقواها الحية ممثلة بشباب انتفاضة تشرين الاستقلالية الطبقية فسوف يكون لهم قول آخر هو القول الفصل في قادم الأيام طالما ظلت الأسباب التي دفعتهم للانتفاض قائمة بل وسوف تتفاقم أكثر مع حكومة مترجمي وأدلاء الاحتلال من رجال الخط الثاني!

أما تاريخيا، فسوف يسجل التاريخ العراقي الحديث أن من يتشدقون بعنوان "المقاومة الإسلامية" في العراق، هم من أوصلوا أسوأ وأخطر رئيس حكومة إلى سدة الحكم، وأسقطوا المرشح الأقل سوءا منه - محمد توفيق علاوي - لأنه رفض الموافقة على شروطهم وإملاءاتهم فرفض جناح مهم منهم منحه الثقة، رغم أن علاوي نفسه من نسيج هذا النظام، وسبق له أن كان وزيرا ضمن إحدى حكومات المحاصصة الطائفية. غير أنهم أسقطوه هذه المرة لأنه وفى بوعد قطعه أمام العراقيين محاولا القيام بمحاولة جدية وتليق بحجم الدماء والتضحيات الهائلة التي قدمها المنتفضون التشرينيون لتشكيل حكومة انتقالية حقيقية وليست مجرد فقاعة سياسية.

 

علاء اللامي - كاتب عراقي

 

 

علي ثوينياليوم كان عيد العمال 1آيار حيث أحتفل اليسسار والشيوعيون العراقيون، لكنهم تناسوا أن صديقهم القومي الكردي قد قام بنحرهم في مثل هذا اليوم عام 1983. فقد قام جلال طلباني وجماعته ومن رفاقه شيروان مصطفى بقتل حوالي 300 شيوعي في منطقة باشتيشان بشمال العرب، وجلهم يحملون شهادات دراسية عليا وتأهلوا معرفيا في أوربا الشرقية، بعد أن دعوهم للإحتفال بهذا اليوم، لكنه طلباني ورفاقه الأكراد كانوا متفاهمين مع صدام حسين لنحرهم كما (كماشة الإنكشارية)، فعزل الأكراد عن العرب وأطلق سراحهم، وقتل العرب منهم فقط. وهي جريمة إبادة وتطهير عرقي كونها جاءت بفرز عنصري محض، وحري التذكير بأن من مارس العنصرية ليس العراقيين ضد الأكراد الشاكين المتباكين، بل الأكراد ضد العراقيين.

لم نطلع على شجون الفكر القومي الكردي إلا في المهاجر. واستغربنا في أواسط السبعينات، بشكواهم من البعثيين رغم علمنا أنهم في وئام وإنسجام وتفاهم تام. ربما الوحيدين الذين كان لهم منزلة إستثنائية عن البعثيين، بل عدوا مدللي العراق في حينها، بل أن الطلاب الأكراد معنا كانوا من أكثر الطلاب ثراءا وبذخا. فقد شكل الأكراد والبعثيين تحالف تقوده المخابرات الأمريكية لإسقاط سلطة عبدالكريم قاسم في 8 شباط/فبراير 1963.، وكان مصطفى البرزاني قد اشترط أن تكون حصتهم من الإنقلاب حكم ذاتي كما المشيخة، متعددة الصفات فهي عرقية عنصرية كردية، وإقطاعي كون البرزاني (آغا)، يملك الأرض والناس معا، وملائية دينية كون البرزاني كان يدعى (ملا)، ويسارية كون حزب البرزاني (الديمقراطي الكردستاني) الذي الفته المخابرات السوفيتيه عام 1946 بنفس شيوعي يتبع (الكومنترن) ويسير عن بعد من تلك المخابرات. اي أن برزاني تقلب أو جمع العمل للمخابرات الروسية والأمريكية والإيرانية والإسرائيلية والمصرية (الناصرية) على حد سواء، بما يدلل على "أخلاقياته"، التي كان صلبها الإضرار بالعراق بما أوتي من قوة وعلاقات وإنصياع الرعاع له . فلم يكن يوما مثل أتباعه أي عرفان للعراق الذي أواهم يوما من تيه وتشرد ودخالة. ولاسيما بعد أن أعيد من المنفى عام 1958، لكن لا على القوميين الأكراد عهود وإلتزامات سابقا أو اليوم.

ومع عدم إنسجام تلك الخلطة لكنها كانت شرط فرضته المخابرات الأمريكية على البعثيين فحقق لهم (الحكم الذاتي) في 11 آذار 1970، وهو موعد مبكر في سلطة البعث التي أسقطا الأمريكان الذين أوصلوهم عام 2003.ومن الطريف الشكوى لحالية من (ظلم) صدام والبعثيين لهم رغم أنهم من أطلق على صدام كنية (مهندس الحكم الذاتي) مثلما أطلق رفاقهم الشيوعيين عليه (كاسترو العراق)، لكن اليوم أصبح في نظرهم طاغية ومجرم، رغم أن مرتبات البيشمركة كانت تصلهم من بغداد حتى 9 نيسان 2003. اي أنهم كانوا على إنسجام ووئام مع البعثيين .

ومن المضحك أن القوميين الأكراد يطالبون بدية "من أثر رجعي" ويشترطون أن تهبهم سلطة بغداد غرامة قدرها 380 مليار دولار، مقابل ظلم البعثيين لهم"هكذا"!.والكل يعرف قصة التآمر المشترك بينهما. لم يكتفي البرزاني الأب من سخاء البعثيين التابعين لأوامر المخابرات الأمريكية والفرنسية، بعدما بدا يطالب بمزيد من الأرض والمال، والأهم بكركوك ونفطها التي مكثت محمية بريطانية \فرنسية .وهكذا أعلن العصيان ثانية حتى سقط عام 1975 بعد أن أمده شاه إيران وسند إسرائيلي بأسباب العصيان وغلبته، حتى هدد بغداد بالإحتلال، وكان يطمح حكمها تابعا لشاه إيران. ولكن سقوط برزاني كان ثمنه حصول الشاه على نصف شط العرب، بعدما تنازل عنها صدام حسين ضمن إتفاقية الجزائر 1975 .وحسبنا أن مقتل مليون عراقي في حرب (صدام/خميني) هي من أثر مؤامرة برزاني على العراق .

كان لي فرصة أن التقي بقوميين أكراد بعيد ذلك مباشرة، وهم مبتأسين كون برزاني تركهم لمصيرهم وهرب لأمريكا وقد مات هناك بعد ثلاث أعوام.لكن مارصدت لدى القوم تعصب ليس لعنصرهم الكردي، بل كراهية مطلقة لكل الشعوب المحيطة بالأكراد.علما أن ثلاثة أرباع الأكراد في العراق أكتسبوا الجنسية العراقية بالدخالة والإنتساب وليس الأصلة، فقد وردوا قبيل تأسيس الدولة العراقية 1921 من القوقاس بعد أن طردهم الروس بعد فشل حركة الشيخ شامل الشيشاني، فجاءوا لأيران ثم العراق ثم سوريا، وتحفظت سوريا على أن تهبهم الجنسية كونهم مهاجرين، على عكس العراق الذي أسبغ فضله بضمهم، لكنه عانى من مشاكلهم ومحاولاتهم الإحتواء والتوسع والإبتزاز وإستغلال الظروف والتآمر مع الأجنبي حتى اليوم.

الشعوب التي تحيط بالأكراد اليوم هم العرب والفرس والأذريين والتركمان والأتراك والأرمن والسريان والآشوريين واليزيديه.ولم أجد في كل هذا الخليط من جماعة يودها القوميون الأكراد.فكراهيتهم للعرب معلنة ولليزيديه في سنجار وربيعه في العراق وسوريا وللأتراك في تركيا، وللإيرانيين الفرس في إيران، مع عداء مستفحل ضد التركمان بالذات رغم أنهم أخذوا منهم أربيل ويطمعون بكركوك وهما منطقتان بغالبية تركمانية. وحسبي أن كل تلك الشعوب وهبت أراض لمرور أو إقامة الأكراد وعاملتهم بالحسنى، ولاسيما عرب وتركمان ويزيديه وسريان وآشورية العراق، لكنهم قسوا مع الجميع، فقد شاركوا في المذابح العثمانية ضد السريان ثم الآشوريين ومنها مذبحةالأرمن عام 1915، حيث يعرف الجميع أن جموع قطاع الطرق الأكراد كانوا يستولون على القرى الأرمنية أو السريانية أو الآشورية أو اليزيديه، فيغتصبون نسائها ويحللون بقائن لهم، ويقتلون الرجال، ويبيعون الأطفال ويمتلكون القرى، وهذا ديدن مستمر حتى اليوم، وهو ما يذكره أهل العراق وسوريا جيدا.ويعرف الجميع أن بكر صدقي الضابط الكردي فعل مافعل مع القرى الآشورية منذ حركة (مار شمعون) 1925 الذي طمح لدولة آشورية، ليس لكونه مسألة مهنية أو وطنية بل بغل الكردي الإستحواي لينكل بهم .وقد تغاضى التأريخ عن تسجيل ذلك كونه شكل جزء من سلطة .

وهنا حري أن نتمدد نحو الناحية الأجناسية (الأنثروبولوجيه) حيث نجد قليل من الأكراد الذين أحتفظوا بسمرتهم الهندية البنجابية أو البشتونية، بل طغت سمات الشعوب التي أستولوا على نسائها مثل القوقاسيين الذي جعل الأكراد شقر بينما من نساء السريان والآشوريين والأرمن بيض السحنة، بل أن الأراضي التي سميت بها عشائرهم مثل برزان وبروار وغيرها مازالت تحمل الاسماء العراقية (بر) القديمة لتلك الشعوب. والأمر عينه تلمسه عند غجر أوربا الذين لم يغتصبوا قرى، لمركزية وصرامة الدول فيها، بل سرقوا الأطفال وأمتزجت دمائهم حتى أصبحوا يشبهون أهل البلاد. لذا فإن أشكال الأكراد في العراق وسوريا لايختلفون كثيرا عن محيطهم الأجناسي، بل قليل منهم من له صفات مميزه تحتفظ بالأصول الأولى حينما قدموا من أفغانسان أو القوقاس.وهكذا فإن سماتهم لاتقرأ بتميز بل أن أعرافهم وتقاليدهم ليس بها تفرد وفرز، فكل ما لديهم إقتباس من شعوب المكان الشرقي في العراق والشام مثل الرقص والدبكة ولبس السروال الجبلي أو العمامة، بل وحتى أعيادهم مثل نوروز فهو (زكموك) السومري، و(أقيتو) البابلي/الآشوري، لكنهم أخذوه من الفرس بتلك التسمية وتعني (اليوم الجديد) وهو راس السنة العراقية. ومازلن النساء القرويات الكرديات يحتفظن بزاهي الألوان للملابس الطويلة التي جاءت من السند وأفغانستان، و كما هي ماكثة حتى اليوم عند غجر أوربا لشرقية.

ومن المعرف أن اللغات التي تشبه لغات الأكراد الباقية في الأصل هي البشتونية والدارو والبلوشيه وحتى غجر أوربا الشرقيه (سيكان)، فثمة تطابق عجيب بينها. وحسبي ان الدليل اللساني الماكث يكشف الكثير من دعاوى الأصول العرقية للأكراد، فلم يتكلم العراقيون في تأريخهم الدهري لغة سنسكريتية (هندية) منذ 5000 عام منذ الكتابة الأولي 3100 ق.م. اي أن كل ما كتب في العراق لغات سومرية وهي لاعلاقة لها باللغات الهندية، وأكدية تفرعت إلى البابلية والآشورية، ثم حلت محلهما الآرامية وهي لغة تنتمي ضمن نفس السياق اللساني الذي أنتج العربية تباعا بما يدعوه في الغرب (السامي) وهو محض مغالطه، وحسبي أنه (جزيري) أي من الجزيرة العربية. لذا فلا وجود لأي أصل ثقافي كردي على الأرض العراقية وكذلك السورية إلا خلال القرون المتأخرة. وربما تكشف نزعة التزوير التي سلكها القوميون الأكراد في إنتحال صفة الوجود القديم، سياق طبقته إسرائيل وقبلهم الأتراك في إنتحال صفة الموروث المكاني الذي حلوا به، كونهم مستجدين على الأرض ويرومون إنسابها لأجدادهم، وهو أمر مناط بالبحوث العلمية ومنها الحفرية التي تثبت دون أدنى شك ان لا وجود يوما لشعب أسمه أكراد أو تسمية (كردستان) على إمتداد التأريخ القديم والقريب في العراق.ومن المضحك أن صدام حسين أول من استعمل تسمية (كردستان) في أدبيات الدولة العراقية.ورأينا أم أسم (كورد) متأتي من المفردة القديمة (ومنها السومرية) بصيغة (گو) اي الجبل، ومن الجمع والتعريف أصبحت تعني سكان الجبال ولاتشترط أن تكون تخص عرق أو أرومه بعينها.

إن رفض الأكراد للتأثر أو الإقتباس أو التنسيق الثقافي مع لغات شقيقة مثل الفارسي يدعوا للعجب في تلك النزعة.رغم أن اللغة الفارسية أكثر ثراء من الكردية بل لايوجد وجه مقارنه بينهما، وسبب ذلك أن الفارسية ضمت في جنباتها المفردات العربية حتى وطأت حوالي 70% منها، لتصبح لغة مكتفية للتعبير عن حاجاتها، ورغم تطابقها مع لغة الأكراد من الاصل الهندي (السنسكريتي) لكنهم يصرون على العداء للثقافة الفارسية، والتركية (وهي من اللغات الألطائية التترية)، والتي تشكل العربية اليوم أكثر من 60% من تكوين مفرداتها.

لقد مكثت الثقافة الكردية عالة على محيطها، فلاهم منتمين للأرض وثقافتها التراكمية ولا يعترفوا أنهم طارئون عليها، لذا اضاعوا المنحيين، وفقدوا التعاطف، بل كرسوا حالة من القطيعة مع الجيران ستجعلهم في جزيرة ثقافية يجترون مما لديهم حتى ينتهي مخزونهم .فلم تعد عزلة الجبال كافيه لأنعزال الثقافات، فقد أخترقها الأثير ووصلتها المعلومة والتعلم من كل جانب.فالتعصب القومي العرقي وإثارة الضغائن وتأليب العداء والبغضاء ورفض الآخر حتى القريب، وجنوح نحو العدوانية و الإستيلاء على مزيد من الأرض، لابد أن يصحبه قطيعة ثقافية من أثر العداء المحيط ، يؤدي إلى الضمور ثم الفناء.

 ان شعب صغير يشكل اليوم 10% من العراقيين لايمكنه أن يصمد في متغيرات الدنيا التي سوف تسحق وجودهم وتفتت عزلتهم، وتمحي أثرهم، وما عليهم إلا أن يختاروا أما المسالمة مع محيطهم العراقي الأرحم لهم، كون الفرس والأتراك والسوريين يناصبوهم العداء ويرفضوهم، واما القطيعة، ودوام الصراعات التي سيجدون أنفسهم بحالة دفاع وحروب عبثية لاتكسبهم لاعيش كريم ولا صعود بالوعي والثقافة، وثمة خيار آخر أن يعودوا إلى من حيث أتوا من أفغانستان وباكستان والقوقاس حيث اللغات التي تطابق لغتهم والبيئة الجبلية المناسبة لسجيتهم وأشكال الناس المشابهة لهم بالتمام. وهذا ما أفضله شخصيا، بأن يريحوا ويستريحوا ويعودوا كما اي مهاجر إلى أرضه الأم ويحقق حلمه بوحدة قومية /عرقية، لسانية وثقافية.

 

د.علي ثويني

 

عبد اللطيف الصافيموازاة مع المجهودات البحثية التي تجري في عشرات المراكز عبر العالم لكشف لغز هذا الفيروس المستجد الذي انتشر بشكل سريع غير متوقع، يحتدم النقاش الفكري و الايديولوجي ويتقدم ساحة المواجهة بين تيارين تاريخيين: الرجعي اليميني بكل تلويناته والتقدمي اليساري بمختلف فصائله.

وحيث أن الأزمة أعادت إلى الواجهة  أطروحات اليسار الشديدة النقد للمسار الذي اتخذتة الليبرالية المتوحشة منذ عقود، و تصدرت النقاش الفكري مختلف المفاهيم  التي انتجها الفكر الإشتراكي والتي شكلت مفاتيح للمشاريع المجتمعية التي دافعت عنها قوى اليسار، فإن المفكرين من مختلف أطياف اليسار والفلاسفة التقدميين في الولايات المتحدة وأوروبا والعالم العربي وجدوا في سلوكات الأنظمة الرأسمالية ما يعضد فكرة اليسار التي ترتكز على الإنسان بوصفه هدف أية ممارسة تنموية وغايتها الأسمى. فسارعوا إلى كشف عورة الأنظمة النيوليبرالية التي سعت، منذ بداية ظهور الفيروس على ترابها، إلى إعطاء الأولوية للإقتصاد، وقاوم قادتها بعناد كبير كل إجراء يروم المساس بدورة الإنتاج مصرين على إبقاء  الحياة العامة في حالتها الطبيعية مؤكدين أنه لا بأس من التضحية بمئات الآلاف من الناس الذين يشكلون عبئا على المؤسسات الإجتماعية والصحية  على ألا تتوقف عجلة الاقتصاد. لا يتعلق الأمر هنا بالضمير أو الأخلاق بل بجوهر النيوليبرالية التي لا تعترف بهذه القيم وبطبيعتها القائمة على الإستغلال و المآسي.

فهذا الفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجك يرى في جائحة كورونا شيئا نافعا حيث أننا جميعا سنصاب بفيروس التفكيربمجتمع بديل يحقق نفسه في أشكال التعاون والتضامن العالميين.

في حين يؤكد المؤرخ الماركسي فيجاي براساد "أن الأمور لن تعود إلى طبيعتها، لأن الوضع الطبيعي كان هو المشكلة" بما يعني إعادة النظر بشكل جذري في النظام الرأسمالي الذي يعلي من شأن المال ومراكمة الأرباح. أما ناعوم تشومسكي فيشدد  على أن فيروس كورونا يحضر البشرية للوعي بالعيوب العميقة التي تواجهها و يشير إلى أن هناك حاجة لاستبدال النظام الإقتصادي و الإجتماعي ذي الخصائص المختلة بنظام عالمي إنساني. بينما يرى الإقتصادي الأميركي الشهير جيفري ساكس أنّ العالم الذي "تحكمه القوى الغربية يُشرِف على نهايته"، معتبرا أن الوضع الوجودي في العالم يتوقّف على مُعالجة الاحتياج الإقتصادي والعدالة الاجتماعية والقضايا البيئية والتعاون السلمي وكلها قضايا غير مضمونة في قوانين الرأسمالية.

من جهته، يعتبر الفيلسوف الفرنسي ادغار موران بأنّه يتعيّن على البشريّة التخلي عن العقيدة النيوليبرالية و البحث في طريق جديد يساهم في الحفاظ على الخدمات العموميّة وتعزيزها. أما الفيسلوف الفرنسي ميشيل أونفري فيرى أن تداعيات وباء كورونا أصبحت تفرض تجديد النظرية الماركسية للتخلص من النيوليبرالية بإنتاج صيغة ماركسية جديدة تنتج فكرا نقديا من شأنه مواجهة كل أشكال التسلط ضدّ الفئات الصغيرة المضطهدة،

وفي المغرب تقود قوى اليسار أساسا، والشبيبات اليسارية، وفي طليعتها الشبيبة الاشتراكية،إضافة إلى بعض المنصات المدنية والجامعية، نقاشا مهما يتصدى للإجابة على الأسئلة العميقة التي تطرحها جائحة كورونا على بلادنا والعالم و تبحث في تداعياتها على المستويات الاقتصادية والسياسية و الإجتماعية و البيئية والثقافية. ويمكن القول ان هذا النقاش يسير عموما في اتجاه التشديد على طبيعة الدولة وأهمية استعادتها لأدوارها كاملة في الرعاية والتوجيه والتخطيط وفشل الرهان على القطاع الخاص وغيرها من الاطروحات التي تبرهن على حيوية ناهضة.

ولا تكتفي هذه القوى بالنقاش من وراء جداريات العزل الصحي والإجتماعي، بل تراقب الأوضاع العامة وتنتقد السياسات الرسمية المتبعة في ظل هذه الأزمة.

 

بقلم : عبد اللطيف الصافي

 

عبد الخالق الفلاحالمؤشرات التي تطلق على الدول الهشة وبهذه التسمية تكون وفق مبادئ خاصة و بعد ان يدرس عدد من علماء الاجتماع تلك الدول محل البحث بشكل مستقل ويقيمون الأوضاع فيها بناء على أهم الأحداث التي تشهدها مقارنة بالأعوام السابقة، كما تعتمد التقيمات على البيانات الرقمية الصادرة من البنك الدولي والأمم المتحدة ومنظمات دولية كمنظمة العمل الدولية ومنظمة الصحة العالمية.

وبإلقاء نظرة سريعة على تلك المؤشرات التي على أساسها تُقاس هشاشة الدول أو ضعفها نجدها تنقسم إلى خمسة نقاط رئيسية، واهمها "التماسك والاستقرار" الأجهزة الأمنية تظهر كدولة داخل دولة."التنمية الاقتصادية غير المتوازنة "والتدهور الاقتصادي". التي تقاس من خلال عوامل واساس يرتكز عليها هؤلاء العلماء وبدورها إلى عدد من المحاور الفرعية. لتشمل الأمن وانقسامات المكونات والشكاوى والمطالب الجماعية. ويصدر بعدها بيان عن صندوق السلام الذي تأسس عام ١٩٥٧ للبحث في قضايا وموضوعات تتعلق بتداعيات الحرب الباردة وعلى رأسها سباق التسلح النووي وقضايا نزع السلاح النووي، ثم بدأ القائمون على الصندوق مع بداية التسعينيات - وتحديداً عقب انهيار سور برلين - في تحويل اهتمامهم إلى القضايا التي تمثل تحدياً لأمن واستقرار العالم كالأمن الإنساني والصراعات المسلحة والنزاعات الدولية وحقوق الانسان. وتتم دراسة وطرح تلك القضايا بالتعاون مع الحكومات والأجهزة الأمنية ومنظمات المجتمع المدني.ويتم قياس تلك المحاور من خلال تحليل الدراسات والأبحاث التي تصدر عن الجامعات والمراكز البحثية والمنظمات الدولية والتقارير الإعلامية، حيث يتم كل عام تحليل بين ٤٥-٥٠ مليون تقرير خاص بحوالي 178 دولة في المجالات السياسة والاجتماعية لتلك الدول التي لديها قدرة في حدود متدنية لإتمام وظائف إدارة الحكم، وتعاني من أزمات داخلية وخارجية على الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية، تفشي متلازمة الفقر والبطالة والفساد وانعدام الأمن. ناهيك عن تفشي الفساد السياسي والمالي في نظمها والاقتصادية

.واطلق على العراق وسميت بالدولة الهشة وفق تلك المؤشرات بنسبة 99,1 في الدرجات القصوى للهشاشة في سنة 2019 في العاشر من أبريل. حيث رصد التقرير أهم الاتجاهات الخاصة بتطور حالة الصراع في العالم،، بعد ان ازدادت الصراعات العنيفة فيه بشكل غير مسبوق منذ عام 2003، واصبح اكثر تدهوراً بعد سقوط النطام السابق و الموقف الهش بكل تعقيداته هو سيد الموقف واثر النفقات المالية الغير المشروعة والفساد الاداري والمالي وانتشار الرشوة وضعف الحكومات المتعاقبة وفقدان الرقابة المالية التي تعتبر إحدى أهم الأدوات المستخدمة في الحفاظ على فاعلية الضبط العام والشامل لحركة موارد الدخل القومي وثرواته المتنوعة في أي دولة من دول العالم؛ إذ لا يقتصر مفهوم الرقابة المالية من وجهة النظر الاقتصادية الحديثة، على مجرد متابعة ضخ الموارد المالية في قنواتها المعنية وكذلك بيع وشراء المناصب من اعلى المستويات الى اقلها وغيرها من الاتجاهات السلبية التي ساعدة وادة إلى مخاطر نتجت عنها عدم الاستقرار والأوضاع الفوضوية . واهم فشل هو في السياسات الكلية ويتمثل بفقدان التخطيط الاستراتيجي وهو الجزءً الذي لا يتجزأ من استمرارية العمل في الحياة بشكل عام، وفقدان التوازن في المؤسسات التربوية بنحو خاص؛ كونه يعدُّ من والوظائف الارتكازية للمؤسسات التربوية ومهامها؛ من أجل التغيير واستدامة البقاء، ولولا التخطيط الاستراتيجي لما استطاعت دول العالم المتقدم من استشراف المستقبل وفرض نفسها على الآخرين رغم قلة الامكانيات المادية والموارد الطبيعية التي من الله على العراق منها.

 في حين تعاني أغلب المؤسسات التربوية العراقية من التحديات التي تواجهها، وعدم قدرتها على التفاعل الحقيقي مع قضايا المجتمع؛ مما يؤثر على مواكبة المتطلبات واحتياجات التنمية المستقبلية ؛ كونها ما تزال أسيرةَ عدم الاستقلالية والتدخلات من أطراف مختلفة وضعف المسؤوليين عليها، ورهينة الأوضاع السياسية المتهورة الغير مستقرة مما تنعكس على بيئتها الداخلية والخارجية، وهذا يستدعي المراجعة الدورية للمؤسسات التربوية وضخها بالطاقات المتخصصة في ظل التوجهات العصرية الرقمية، إذ لا يمكن أن تكون بعيدة عنها، ومنعزلة في برجها العاجي دون تطوير؛ مما يحتم مسايرة التغيّرات وفق منظومة القيم المجتمعية؛ وبعد فقدانها في بلد كالعراق الذي يمثل ثقلاً سياسياً، اقتصادياً، واستراتيجياً في المنطقة والعالم،و يمتلك من ثروات ظاهرة وباطنة، تجعله محط أنظار المحيط الإقليمي والدولي ومن المؤسف ان يكون ضمن هذه المجموعة لفقدان الإرادة السياسية الركيزة الأساس في مكافحة الفساد والحدّ من آثاره المدمرة على مقدرات الشعب، ولو افترضنا توافر هذه الإرادة بنسبة ما، فالتساؤل الذي يطرح ما الآليات أو الخطوات التي يجب القيام بها على المدى القريب والبعيد، و يجدر بمؤسساته الاقتصادية التخلي عن تطبيق الأنماط والآليات الرقابية التقليدية والسطحية فيما يتعلق بموارده المالية وقنواته الاستثمارية في القطاعات الاقتصادية الفاعلة والوطنية كافة، مما يتطلب وضع الخطط الاستراتيجية لاستكشاف نقاط الضعف في تخطيط السياسات والاستثماروالتي لها القدرة علي مواجهة التحديات وتتصدا لها.كما تمثل مجال ريادة الأعمال بوابة مثالية يمكن الدخول من خلالها لتحقيق التنوع المطلوب في المصادر الاقتصادية والموارد المالية للعراق، فهو المجال المناسب لاحتواء الطاقات الشابة وإخراجها من حالة اليأس الاقتصادي والمعيشي السائد حالياً بين العراقيين، وكي يقف المخطط الاقتصادي العراقي على وضعية هذه البوابة المهيأة والمشرعة أمام المبادرين وملامحها لدراسة وضعية الاقتصاد الريادي، لمعرفة دوره المفتقد في التنمية، ومدى مشاركاته المتاحة ضمن مسار التحول العراقي المطلوب باتجاه التحرر من أحادية الريع النفطي، نحو تنويع مصادر الدخل، وشمولية الموارد وتعدد أنماطها المساعدة في تعظيم الناتج القومي، وكذلك لمعرفة ملامح الخريطة الاقتصادية العراقية المثلى من حيث قبول القطاعات المختلفة تطبيقات ريادة الأعمال من عدمه، فضلاً عن تناول نوعية الحلول التي يمكن أن تقدمها المشاريع الريادية لأهم المشكلات المزمنة بالعراق، وعلى رأسها مشكلتا الفقر والبطالة، وتحديد أي الشرائح الاجتماعية العراقية أولى وأجدى بإنجاح هذا المجال، وهو الذي يضمن أهدافها الأصيلة.

 

عبد الخالق الفلاح- باحث واعلامي

 

شاكر الساعديمقدمة: العراق اليوم يمر بأزمة مالية كبرى تكشف عن اختلال وتعثر الحياة العامة فيه بسبب وباء الكورونا وهبوط أسعار النفط الممول الرئيسي لحياته المعيشية وقلبه النابض، مما يتطلب إحداث تحولات راديكالية لمعالجة أسباب تعثره وتقويم مساره، قد تأخذ تلك التحولات وجهات مختلفة، من خلال إحداث تغييرات جذرية لإصلاح آليات عمله بطريقة الاستثمار، وبناء السدود والجسور وإقامة المشاريع الصناعية والزراعية الكبرى وتطوير البنية التحتية، وذلك لتحريك الاقتصاد وتوفير الوظائف، إضافة إلى برامج الرعاية الاجتماعية كالتأمين الاجتماعي لكبار السن وغير القادرين على العمل، وقوانين دعم العاطلين وبرامج إقراض للاستثمارات الصغيرة ودعم الصحة والتعليم وبناء الجامعات ومراكز البحوث.

 في ايطاليا وألمانيا مثلا اتخذ التغيير طابعاً يمينياً متطرفاً قاد البلدين إلى الفاشية واندلاع الحرب العالمية الثانية (1939- 1945)، فقد استغل القائدان هتلر الألماني و موسوليني الايطالي معاناة وغضب شعبيهما باستثارة مشاعر الاستعلاء القومي وحرف الأنظار عن مصدر المعاناة الاقتصادية الحقيقي بإلقاء اللوم على اليهود والغجر والعجزة و الاشتراكيين والشيوعيين و باقي الشعوب الأخرى .

أصحاب الرواتب الكبيرة:

أربعة شرائح تحصل على رواتب تقاعدية من الدولة العراقية بشكل واسع دون تخطيط مسبق،علماُ بأن العراق أكبر دولة في العالم تدفع رواتب لموظفيها بعد أمريكا ا، آذ تقدر 65بالمئه من موازنة الدولة السنوية، وان قيمة رواتب هذه الشرائح تقدر 17بالمائة من قيمة رواتب الدولة التي تدفعها سنوياً، بمعنى إن تلك الشرائح تستلم بما لا يقل عن (12 –  15) مليار دولار سنوياً، أي أكثر من موازنة دولة بحجم مصر التي يبلغ تعداد نفوسها أكثر من 123مليون نسمة تقريباً

1- الخدمة الجهادية:

وهم الأشخاص المرتبطون بالأحزاب والحركات والفصائل السياسية الإسلامية ممن كانوا يعيشون خارج العراق وتحديداً في إيران وسوريا حتى وان رحًلوا بعد ذلك لدول أخرى وحصلوا على اللجوء الإنساني و تجنسوا بجنسيات أخرى من دول لجئوا إليها وعاشو فيها حتى سقوط النظام السابق .

و يتم احتساب فترة وجودهم من يوم خروجهم من العراق لحين عودتهم بعد عام 2003 كخدمة جهادية، و يتم منحهم رواتب تقاعدية تبدأ من مليون و نصف المليون دينار، كذلك لهم منح مالية كبيرة، ومن كان منهم مقاتلاً في الفصائل المسلحة التي كانت تقاتل مع إيران في حربها مع العراق. يتم احتساب ذلك له ويمنح رتبة عسكرية تبدأ من ملازم و تنتهي عند رتبة فريق أول و يمنح بموجبها راتبا تقاعديا لهذه الرتب يبدأ من مليونين دينار وصولاً لعشرة ملايين دينار شهرياً.

2- الأنصار:

هم الأشخاص الذين كانوا ضمن الفصائل المسلحة التي شكلها الحزب الشيوعي العراقي في شمال العراق وكانوا يقاتلون الجيش العراقي أبان الحرب مع إيران .. وبعد عام 2003 تم اعتبار جميع الشيوعيين من الأنصار وتم احتساب فترة وجودهم من يوم خروجهم من العراق لتاريخ عودتهم بعد عام 2003 كخدمة تقاعدية. حتى وان لم يعودوا للعراق، بل حتى وان لم يقاتلوا وحصلوا على اللجوء و تجنسوا بجنسيات أخرى

المهم أن يكون الشخص لديه تأييد من الحزب الشيوعي انه من الأنصار.. و يتم منحهم رواتب تقاعدية تبدأ من مليون دينار صعوداً، وكذلك منح مالية كبيرة، ومن كان منهم مقاتلاً في الفصائل المسلحة يتم احتساب ذلك له ويمنح رتبة عسكرية تتناسب مع تحصيله الدراسي، و بموجبها يمنح راتبا تقاعديا يناسبها.

3- البيشمركة:

وهي فصائل حزبية مسلحة تابعة للحزبين الكرديين الديمقراطي الكردستاني و الاتحاد الوطني الكردستاني شُكلت مذ ستينيات القرن العشرين، وقد دمجت بعد عام 2003 مع هيكلة الدولة العراقية كجيش تابع لإقليم كردستان العراق، وتم احتساب الخدمة لكل منتسب في البيشمركة منذ تاريخ تأسيسها ولغاية عام 2003 كخدمة تقاعدية يمنح بموجبها كل فرد منهم راتباً تقاعدياً يبدأ من مليون ونصف المليون دينار صعوداً مع منح مالية وقطعة ارض سكنية لكل منهم، و منحة بناء، أما من تطوع فيها بعد سنة عام 2003، فأن أفراد البيشمركة يتمتعون بجميع امتيازات الجيش العراقي الحالي في الخدمة والتقاعد وغيرها.

4- مهجرو معسكر رفحاء:

إن الكثير من العراقيين وخاصة أبناء البصرة والناصرية والسماوة المشاركين في الانتفاضة الشعبانية عام 1991 اضطروا إلى مغادرة العراق نحو الأراضي السعودية جراء ملاحقة الأجهزة القمعية للنظام السابق التي أعدمت واعتقلت الكثير من المنتفضين، وتم استقبالهم من قبل الجانب السعودي وإيواءهم في مخيم صحراوي بمساحة 8 ألاف متر مربع غير خاضع لأية حماية دولية مما أدى إلى تعرضهم إلى معامله سيئة من قبل عناصر الجيش السعودي آنذاك، وكانت لجنة ُالشهداءِ والسجناء في مجلسِ النواب قد عدلت مشروعِ قانون ِالسجناءِ السياسيين لشمولِ سجناءِ معسكرِ رفحاء بالامتيازات الواردة فيه .

هؤلاء اليوم يتمتعون برواتب تقاعدية (الحد الأدنى منها مليون و مائتي إلف دينار) لهم ولكل فرد من عوائلهم، مع منح مالية،وحج بيت الله الحرام مجاني،والذهاب إلى العمرة على حساب الدولة

وقطع أراض، ومنح مالية لإغراض البناء، وبطاقات سفر مجانية على متن الخطوط الجوية العراقية .

معالجات وحلول:

لقد نجحت القوى السياسية في العراق بعد عام 2003 في سنّ قوانين برلمانية عدة، اعتُبرت مشاريع سياسية خاصة فُصّلت على قياس هذه الأحزاب ومصالحها، وفي الوقت نفسه اتُهمت بتأسيسها لطبقات داخل المجتمع العراقي، تمتاز بحقوق مالية وقانونية ومدنية أعلى من باقي العراقيين.

ويتمتع عشرات آلاف العراقيين وأسرهم بامتيازات لا تتوفر لدى باقي العراقيين، وهي عبارة عن مرتبات شهرية عالية،والمفاضلة في التعليم والتوظيف الحكومي، وحتى جوازات السفر التي بالعادة تكون “دبلوماسية” أو “خاصة.

أننا لسنا آلات صماء أو حيوانات عجما ، وإنما الإنسان مخلوق ادمي له وجدان وشعور وحياة وعقلية أو سمها أذا شئت نفسية آو روحية، وهي قوة مستترة غير منظورة وينبغي أن نحافظ عليها، وواحدة من معالجة شح النقد الحكومي هذه المعالجات التي يجب أن تأخذها الحكومة بعين الاعتبار وتجد الحلول الناجعة لها وهي:-

1- حل مؤسسة السجناء السياسيين وتحويل تخصيصاتها إلى خزينة الدولة بعد أن أخذ كل صاحب حقه والتأكد من عدم  وجود أي سياسي خارج منظومة الدولة وأحزابها الحاكمة في الوقت الحاضر .

2- حل مؤسسة الشهداء بعد فتح قسم لها في (دائرة التقاعد العامة)  وتحويل المليارات من أموال المؤسسة إلى خزينة الدولة، بعد أن أثبتت الأيام والسنين فساد أدارتها العليا.

3- إلغاء قانون رفحاء وتحويل المليارات من الأموال إلى خزينة الدولة، بعد منح كل عائلة راتب واحد وفق الاستحقاقات المعمول بها في تشريعات الدولة المحدثة .

4- إلغاء امتيازات الدرجات الخاصة من رئيس الجمهورية مروراً بمجلس النواب وانتهاءً بالمدراء العامين وتحويل مئات المليارات إلى خزينة الدولة، لغرض معالجة السيولة المالية .

5- تقنيين عمل بعض السفارات في الدول التي ليس للعراق مصالح مهمة معها .

6- إلغاء مجالس المحافظات بشكل رسمي وقانوني،وإرجاع كل عامل وعضو فيها إلى وظيفته السابقة دون إعطاء رواتب تقاعدية للسابقين واللاحقين، بسبب خدمتهم القصيرة في تلك المجالس .

7- إلغاء رواتب منتسبي الأجهزة القمعية في زمن النظام البائد.

8- دمج الأوقاف السني والشيعي والمسيحي بهيئة واحدة تحت مسمى (الوقف العراقي) والتوقف عن بناء الجوامع والحسينيات بعد أن زاد عددها عن عدد المدارس الحكومية والأهلية، وربط الأضرحة والمزارات الدينية بها كافة وتقليل نفقاتها من خلال العمل بنظام التمويل الذاتي.

9- الطلب من شركات الاتصالات دفع ما بذمتها من مستحقات للدولة، أو إيقاف رخصها وفرض عقوبات وغرامات جزائية كبيرة... فهي تجني إيرادات كبيرة تقدر بمليارات الدولارات كل عام، خصوصا وإنها قد عمدت وفي ظل حالة التقشف التي يعيشه العراق إلى رفع أسعار خدماتها شبه المعدومة.

10- مطالبة إقليم كردستان بدفع مبلغ ١٤٧ مليار دولار كمستحقات سابقة للدولة العراقية بذمتهم لقاء واردات النفط المهرب من الإقليم وواردات الجمارك و المنافذ الحدودية وعند امتناعهم تقطع نسبتهم من موازنة العراق لأنهم يأخذون أموال لم يساهموا بها وهي حقوق بقية محافظات العراق.. مع مراعاة التالي:

أ- إجراء تسوية بمبالغ الضرر البالغة (128) مليار دولار حسب تحقيق هيئة النزاهة، أن المبلغ المذكور محدد تحديداً دقيقا. أي استندت اللجنة التحقيقية إلى معادلة تفصيلية لحساب هذا المبلغ. ويبدو أنها اعتمدت على الحجم الرسمي لنفط كردستان وقدره 250 ألف ب/ ي. عندئذ قامت بحساب سعر البرميل حسب السنوات وضربت المجموع بعدد السنوات فوصلت إلى ذلك المبلغ. ويمثل هذا المبلغ قيمة الإيرادات النفطية التي يتعين على الإقليم دفعها للمركز.

ب -  التصريح بكل المنافذ الحدودية وتوحيدها مع هيئة المنافذ الحدودية الاتحادية وجباية التعريفة الجمركية وإيداعها في الموازنة العامة، إذ يوجد بين العراق وإيران في"كردستان العراق" أربعة منافذ حدودية رسمية هي:(منفذ الحاج عمران في أربيل و منفذ باشماخ/ برويزخان/ كرمك في السليمانية) وهناك سبعة منافذ غير رسمية، تصل إيراداتها تلك المنافذ لبلايين الدولارات سنوياً، لكن ضعف الدولة وسيطرة المليشيات المسلحة عليها جعلت العراق عبر منافذه المتعددة وخاصة الشمالية والجنوبية منها ساحة يسهل من خلالها اختراق الجدار الأمني الذي يفترض صلابته واستدامته تعزيزاً للسيادة الوطنية العراقية، وما انتقال المخدرات والأدوية المنتهية الصلاحية والغذاء الفاسد إلا أمثلة محددة ومحدودة لابد من تمحيصها والتبليغ عنها حال التأكد من حصولها..

ج - إعادة مبلغ 4 مليارات دولار الخاصة بالمصرف العراقي للتجارة والمصادر من قبل إلاقليم.

د - لا مجاملات ولا قرارات تحمل الحكومة القادمة التزامات مالية .

11- كل موظف عراقي يجب أن يستلم راتب واحد من الدولة بدل الرواتب المتعددة والتي تشكل عبْا كبيرا على خزينة الدولة... وهذه إحصائية بسيطة لمن يستلم أكثر من راتب:

 152شخص يستلمون 6 رواتب

 463شخص يستلمون 5 رواتب

972يستلمون 4 رواتب

64018 يستلمون 3 رواتب

أكثر من ربع مليون يستلمون 2 راتب

هؤلاء جميعا يكلفون الدولة 18 مليار و900 مليون دولار، 99 بالمائة منهم سياسيون ومتنفذي أحزاب ومهجري معسكر رفحاء وخدمة جهادية .

12- إيقاف السفر لإغراض السياحة والترفيه أو تقنينه إلى سفرة واحدة خلال السنة ولمدة شهر واحد وعدم فتح الحدود لمن هب ودب من أجل أخراج العملة الصعبة، علماً أن إيرادات إيران من السياحة لعام 2019 بلغت 11 مليار دولار أغلبها جاءت من سفر العراقيين غير المنضبط أليهم نتيجة رفع التأشيرة بين البلدين... فكيف بأذربيجان بلد الجمال والليالي الملاح.

13- التوقف عن استيراد السيارات كافة لكثرتها الفائضة عن الحاجة المحلية،إذ نشر الجهاز المركزي للإحصاء، أعداد السيارات الموجودة في العراق جاء فيها: إن “إعداد سيارات القطاع الخاص في العراق بلغ 6 ملايين و709 إلف و724 سيارة مسجلة لغاية 31 من كانون الأول 2018 بما فيها إقليم كردستان، مقارنة ب 6 ملايين و439 إلف و332 سيارة خلال سنة 2017، إضافة إلى 80 ألف سيارة مستوردة خلال عام 2019 ... ويذكر إن العاصمة بغداد تعاني من زخم كبير في شوارعها نتيجة كثرة أعداد السيارات فيها فضلا عن قطع بعض الطرق الرئيسية منها.

14- التوقف عن استيراد المواد والسلع والخدمات المتوفر منها محلياً سواء كانت زراعية أم صناعية أو خدمية. وخلق أفضل علاقة اقتصادية سواءً مع إيران أو السعودية وتركيا، تعتمد على أمور عديدة منها أسعار البضائع، النوعية، الضمانات التي ستقدم ناهيك عن الشحن السريع، وعلى الحكومة أن ترفض  من جعل العراق ساحة لتصريف السلع والبضائع للسعودية وإيران وغيرها، وإنما يجب العمل على إنشاء مصانع مشتركة بين البلدين لتشغيل الأيدي العراقية العاملة”.

15- تكليف الجهات الرقابية والقانونية في الدولة العراقية بتحريك دعاوى ضد الفاسدين لإعادة الأموال المنهوبة من عام 2003 حتى ألان والتي تقدر ب أكثر من 500 مليار دولار لغرض سد النقص الحاصل في موازنة الدولة، ويتفق العراقيون على أن الأموال المهربة بعد عام 2003 أكبر بكثير من الأموال المجمدة التابعة للنظام السابق، إذ إن الحجم الهائل لمليارات الدولارات التي نهبها المسؤولون الفاسدون بعد عام 2003 وهربوها للخارج قد جرى إخفاء أثرها بوسائل معقدة، منها تسجيلها كأرصدة بنكية بأسماء مختلفة أو شراء عقارات أو إنشاء شركات أو أسهم وغيرها، كما أن ارتباط الفاسدين ببعض الأحزاب السياسية جعل من ملاحقتهم أمراً صعباً في غياب الإرادة السياسية، إضافة إلى وجود ثغرات في القوانين المالية العراقية، ما يجعل تحقيق هذا الهدف شبه مستحيل.

16- وضع قانون حماية المنتجين الزراعيين لمحاصيل الخضر الرئيسية مثل الطماطة والبطاطة والبصل.. وغيرها لفك الاختناقات في السوق الزراعية وتدني أسعارها بتوفير الخدمات التسويقية للمنتجين التي تحقق حماية الإنتاج والحفاظ عليه وتحقق هامش ربح للمنتجين لكي يستمروا بالإنتاج وذلك بوضع أسعار مسبقة كحد ادني في السوق الزراعية وإنشاء المخازن المبردة ومعامل إنتاج معجون الطماطة من خلال وضع الآليات المناسبة لتنفيذ القانون .

17- تفعيل قطاع – البناء والتشييد – المحلي وهو القطاع القادر على توفير فرص العمل الممكنة لخلق أفضل مصادر الدخل للعاطلين كليا أو جزئيا عن العمل، ومن خلاله يمكن أصلاح البني التحتية بواسطة استيعاب أعداد كبيرة من العاملين في مجالات الهندسة المدنية والكهرباء والميكانيكا والصيانة وغيرها، و تشغيل ما لا يقل عن مليون مشتغل في حال عملت الحكومات المحلية على تطوير إمكانات هذا القطاع والنهوض به من جديد،  بدلاً من الاعتماد على القطاع النفطي الذي هو أقل القطاعات تشغيلاً للأيدي العاملة .

18- جني ثمار الزيارات الدينية للمراقد المقدسة لرفد الموازنة بمبالغ طائلة وليس التبذير بالطعام المجاني الذي يؤدي إلى ارتفاع أسعار الفواكه والخضر في السوق العراقية نتيجة الإسراف بالمأكولات والمشروبات والمباهاة بتوزيعها في الشوارع والطرقات وكلها مستوردة من الخارج، وبالتالي الضغط على البنك المركزي لبيع الدولار وخروجه من السوق العراقية لشراء المواد الغذائية مرة أخرى وهكذا يدور الاقتصاد العراقي في حلقة مغلقة تستنزف قدراته المناسبات الدينية غير المبرمجة، أؤكد مرة أخرى يجب أن تكون الزيارات المباركة مصدر تموين ورفد للاقتصادي العراقي وليس مصدر إنقاص وتبذير في سوقه المتهاوي، وكما قال الفيلسوف الأندلسي ابن رشد  (التجارة بالأديان هي التجارة الرائجة في المجتمعات التي يعم فيها الجهل).

أن ضعف السلطة وانقسامها، ووجود كتل وتيارات متناقضة فيها، سوف تكون مرغمة على التهاون في القضايا والمصالح الوطنية الأساسية ومنها مسألة مكافحة الفساد بكافة أنواعه ما يجعل اختراق أجهزتها والتغلغل فيها امرأ ميسوراً بل يصبح حقيقة واقعة وثابتة لا تجد الحكومة بعد حين بداً من القبول بها كأمر واقع، أو الثورة عليها من خلال أحداث تغيير جذري وحاسم في بنية مؤسسات الدولة . ومثلما كان الصينيون أيام الرئيس الصيني الراحل (ماو تسي تونك 1893- 1976) يقومون بين فترة وأخرى بثورات ثقافية في المجتمع الصيني من اجل تجديد شبابه وعقله وروحه، لذا أرتئي القيام بثورة ثقافية - عسكرية على الفساد الإداري والمالي في كافة أنحاء العراق على خطى (خطة فرض القانون) بعيداً عن الشفافية، تبدأ من القمة إلى القاعدة وليس العكس، لغرض محاسبة مرتكبي المخالفات من موظفي المؤسسات الحكومية سواء كانت هذه المخالفات مالية أو قانونية أو إدارية أو أخلاقية وأبعاد من تثبت أدانته بتلك المخالفات عن المواقع القيادية في دوائر الدولة وشركاتها  وأحالتهم إلى المحاكم المختصة، وتنصيب ذوي الكفاءات ممن مشهود لهم بالنزاهة والصدق والإخلاص بعد أن يعرض من تناط به المسؤولية على لجنة من المختصين الكبار لغرض تقيمه، على أن يعاد النظر بأداء المسؤولين الكبار كل ستة أشهر .

والسؤال الذي يمكن طرحه الآن بقوة هو: من يتحمل مسؤولية هذا الانهيار الاقتصادي وباء الكورونا أم وباء الحاكم العراقي؟.

اعتقد أن كورونا هي المسؤول الأول عما نحن فيه، ولكن هناك سبب ثاني أيضاً وهو تخمة السوق النفطي بهذه السلعة التي هي نتيجة تباطؤ وتيرة الطلب الذي وصل إلي نحو التوقف التام هو الذي أدي إلي الانهيار المسارع، والذي لا اعتقد انه سيتوقف في المستقبل القريب.. وأما عن كيفية التعامل مع هذه الانهيارات أو التقلبات، فهنا نشعر بالتباين بين اقتصاديات ضخمة قوية ثابتة تستطيع أن تتأقلم مع ظروف طارئة، وبين اقتصاديات هشة أصلا ً، ومرشحة للدمار والانهيار كالاقتصاد العراقي، الذي يطلق عليه (الاقتصاد الريعي) لاعتماده على تصدير النفط بالدرجة الأولى.

وقالت شركة تسويق النفط "سومو" التابعة لوزارة النفط في إحصائية على موقعها الرسمي، إن "مجموع الصادرات النفطية للعام 2019 بلغ ملياراً و287 مليوناً و196 ألف برميل"، موضحةً أن "معدل التصدير الشهري بلغ 107 ملايين و266 ألف برميل، بمعدل 3 ملايين و460 ألف برميل يومياً".وأضافت الشركة، أن "الإيرادات المتحققة من مبيعاتها للنفط الخام للعام المنصرم بلغت 78 ملياراً و527 مليون دولار، بمعدل 6 مليار و543 مليون دولار شهرياً"، مشيرةً إلى أن "معدل سعر البيع الشهري للنفط الخام بلغ 61 دولاراً و6 سنتات".

 

شاكر عبد موسى الساعدي

كاتب وأعلامي

 

 

محمد السعديكثر ممن عاشوا على أرض جمهورية اليمن الديمقراطية وسط شعبها وبين ناسها من شيوعيين وحركات تحرر وقوى يسار وعلى وجه التحديد العراقيين والفلسطينيين، وكانت لهم حضوة كبيرة من الأهتمام والامتيازات، وشغلوا مراكز مهمة في جسم الدولة أنطلاقاً من الفهم الماركسي للتضامن الأممي، لكنهم قله ممن كتب عن تلك التجربة ووثق الحدث الدامي بين رفاق الحزب الواحد والتجربة الواحدة والتاريخ المشترك من النضال والمقاومة.  

  دموية ذلك اليوم في ١٣ كانون الثاني العام ١٩٨٦لم تكن المفاجئة للمتابعين ولا للرفاق اليمنيين ولا لأصدقائهم ، كانت كل السيناريوهات مفتوحة للقتال والتصفية والثأر، والتي أحتدمت بمفترق طريق بعد عودة القيادي الشيوعي عبد الفتاح إسماعيل من موسكو والثأر له من قبل رفاقه ومريديه ضد خط سياسة علي ناصر محمد القابض على دفة الحكم في اليمن بعدة سنوات وعلى أثر إبعاد رفيق النضال عبد الفتاح إسماعيل ورفاقه الى الاتحاد السوفيتي العام ١٩٨٠  أي كانت بمثابة عملية نفي وإقصاء، قد تكون قريبة تلك التجربة من فصولها بما حدث في العراق في نهاية الخمسينيات من القرن المنصرم عندما نفي سكرتير حزب الشيوعيين العراقيين الشهيد سلام عادل الى العاصمة موسكو عندما تقاطعت رؤاه السياسية مع رفاقه حول سياسة الزعيم عبد الكريم قاسم،  فتغلب حوار الدم وكان هو السائد الذي ختم فصول المشهد السياسي للتجربتين اليمنية والعراقية وفي زمنيين مختلفين.  كانت ميزة عبد الفتاح إسماعيل عن رفاقه هو عمقه الفكري في الادب الماركسي وأطلاعه على كنوزه الى أنه كان يلقي محاضرات ودروس في المدرسة الحزبية للدارسين في موسكو حول الماركسية اللينينية وقوانينها الديالكتيكية وتطبيقاتها العملية في مسيرة حياة الشعوب، ولم يكن للرفاق السوفييت رأياً بعودته وهم الأدرى بطبيعة الصراع الرفاقي ومخاطره على التجربة الفتية . وفي أبان عودته أنعقد المؤتمر الثالث للحزب الاشتراكي اليمني في أكتوبر ١٩٨٥وتم أنتخاب الرفيق عبد الفتاح إسماعيل لقيادة الحزب وفي عضوية المكتب السياسي وحسب راوي عراقي قريب من وقع الحدث، عندما أذيعت في قاعة المؤتمر نتائج التصويت من قبل الرئيس علي ناصر محمد أسم عبد الفتاح إسماعيل حرارة التصفيق هزت أركان القاعة وهتافات الحاضرين في قاعة المؤتمر لم تعطي للرئيس علي ناصر محمد برهة من الوقت أن يدلو بالأسماء التي تليه والتي فازت بالتصويت من بعده، من هنا بدأ التوجس مرة أخرى والعودة الى صراعات السنوات الماضية وجدلية الانتقام الرفاقي والتمسك بكرسي القرار والجاه، كانوا يعتقدون (معارضيه) أن غيابه أو أبعاده خمسة سنوات خارج البلد كفيله بتغيب دوره وحصر تأثيره بين أوساط رفاق الحزب الواحد، لكن ليس كل مايعتقد ممكن أن يتحقق على أرض الواقع، وبعد المؤتمر بدأت خلف الكواليس وفي الغرف المغلقة أحاديث ليس مسرة عن أعتماد نتاهج الأنتخابات في التشكيلة الجديدة، أي بمثابة ألغائها وعدم الأعتراف بها ومهما كان الثمن ومجرى الدم الذي سيسيل في شوارع العاصمة عدن ، وقد روى رفاق شيوعيين عراقيين قريبيين من الحدث، عن لقاء جمع جورج حاوي وفخري كريم وبحضور علي عنتر المحسوب على خط عبد الفتاح إسماعيل الذي هدد قائلاً (لو أبعد عبد الفتاح إسماعيل من سكرتارية الحزب سوف أقتلهم  وأقتل نفسي أي أنتحر).

في العام ١٩٦٧ تمكن اليمنيين الجنوبيين في نضالهم ومقاومتهم البطولية من تحرير اليمن من أخر ثكنات الاحتلال البريطاني وتأسيس أسس نظام جديد في البناء والديمقراطية تأثرا بالتطورات العالمية في نهضة جديدة من التحرر والمقاومة واليسار، وقد لعبت الجبهة القومية للتحرير دوراً نضالياً كبيراً في تحرير اليمن الجنوبي من خلال التعبئة الوطنية للشعب في التحرر الوطني بعد أحتلال بريطاني طال ١٢٠ عاماً لأرض اليمن، وكانوا أغلب المنتسبين وأعضاء الجبهة القومية هم ينحدرون من القرى والأرياف خارج العاصمة عدن ومن أهم أنصارها وأعضاءها (علي سالم البيض، حيدر أبو بكر العطاس)، فكانت للإنتماءات القبلية والعشائرية والمحسوبية دور كبير في ضياع التجربة، والتي تعتبر الدولة الماركسية الوحيدة في العالم بدين رسمي هو الاسلام، ولم تكن بعيدة أحداث فيتنام وما سطروه من بطولات وطرد المحتل الامريكي وثورة الطلاب في  العاصمة باريس ومواقف الاتحاد السوفيتي في دعم تطلعات تلك الشعوب تركت ظلالها على تطلعات شعوب العالم. ومن ذلك التاريخ حلم اليمنيين في أسس نظام ثوري عادل في البلد، لكن الخلافات الأيديولوجية والتي لم تخلوا من دوافع شخصية وقبلية ومذهبية وبتأثيرات أقليمية ودولية ضاعت التجربة ومات الرفاق. وتعتبر الجبهة القومية للتحرير وجهتها الرئيسية الفكر الماركسي في مساندة الأنظمة الاشتراكية حول العالم لمقاومة الاستعمار والاحتلالات ودعم مقاومة الشعب الفلسطيني في أرجاع أرضه المغتصبة. ينقل عن الدارسين بأوضاع اليمن أن من النقاط الأساسية للخلافات بين القيادة اليمنية وعبد الفتاح أسماعيل مرده هو أصل الأخير ينحدر من اليمن الشمالي (مذهب الأثني عشر الشيعي) ما يسمون اليوم (الحوثيين). وتحت هذا السياق والفهم فهو غير محبوب للطرف الآخر. إذن ” كان هناك صراع مخفي من نوع آخر سبق الأنتماءات الحزبية والعقيدة ورغم تحلي عبد الفتاح بالثقافة والفكر وقدرة التحليل والقيادة وتجاوز المذاهب.

في يوم ١٣ كانون الثاني العام ١٩٨٦ في ذلك الصباح الندي المرتقب والموحش بالخوف في العاصمة عدن وفي مبنى اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي اليمني طوت أخر صفحات الصراع السياسي بين الرفاق بالدم وضياع التجربة وممن قتل داخل المبنى علي عنتر وعلي شايع هادي وصالح مصلح الذي يعتبر وسيط بين الطرفين ونجا من المذبحة عبد الفتاح أسماعيل وعلي سالم البيض بخروجهم على ظهر مدرعة بأتجاه منطقة التواهي، وهنا ضاعت الحقيقة بمصير عبد الفتاح إسماعيل وغيابه أي طريقة تصفيته هناك عدة سيناريوهات مطروحه، حتى بعد أن هدأت الاوضاع شيع بتابوت من قبل رفاقه ومحبيه بدون جثة لانه لم يعثر على جثته ولاحتى على عظم واحد من جسده الهزيل. ورجال الرئيس علي ناصر محمد وتحديداً حراسه الشخصين هم من بادر بأطلاق الرصاص على رفاقهم داخل مبنى المكتب السياسي لتزهق الآف من الرفاق أرواحهم، وعندما دخل حراسه قاعة الإجتماع في بناية اللجنة المركزية، كانوا جميع الرفاق حاضرين الا علي ناصر محمد فوضع أحد حراسه ترمز الشاي أمام كرسيه الفارغ، وعندما سألوا عنه المجتمعون قالوا لهم في الطريق وفي هذا الاثناء فتحوا حراسه النار على المجتمعين، وفي لحظتها تطايرت دماء الرفاق وتلطخت جدران القاعة بطشاره. حرب شوارع ضروسه وأنتقامات وتصفيات قبلية وأيديولوجية طالت لمدة شهر كامل بعد أن ولى علي ناصر محمد بأتجاه اليمن الشمالي واضعاً على واحدة من يديه لفاف أبيض على أنه مصاب في المعركة، ولكن الحقيقة هو لم يكن قريباً على دخانها ولا حتى على رائحة بارودها. في الختام هرب مع مئات من رفاقه ومقاتليه وأستقبلوا من حكومة علي صالح السعدي في صنعاء بالاحضان والاهتمام والرعاية  وتركوا أرض اليمن تئن من ويلات الصراعات والحرب ولاشيء يلفت الى فداحة الاوضاع الا نظر العسس المدججين بروح الثأر والانتقام. 

 ومازال علي ناصر محمد حيياً الى يومنا هذا متنقلاً بين عدة عواصم عربية، لكن الحقيقة مازالت غائبة عن ثمة تفاصيل مهمة في ضياع التجربة وقتل الرفاق من خلال كتابات وشهادات بعيدة عن الشخصنة والذاتية، والآمر أيضاً ينطبق على علي سالم البيض وجميع الرفاق الذين نجو من تلك التصفيات لأجل تقييم مسارات تلك التجربة الفريدة في موقعها الجغرافي والبيئي. وبعد سنوات طويلة من تلك التجربة الفاشلة على أرض اليمن السعيد حول مصير عبد الفتاح إسماعيل نقل عن أهله ومحبيه في تلقيهم مكالمات هاتفية بصوت عبد الفتاح نفسه بعد عشرة أيام من الواقعة، لكن ما شيع في حينها أن عبد الفتاح إسماعيل مات في يومها وهو على ظهر الدبابة التي خرجت به تحت جنح الليل من مبنى اللجنة المركزية مكان المواجهة الرفاقية وحوار الدم على أثر قصف قوات البحرية للدبابة التي تحمله، وقد رآها بعد حين بعض العراقيين في الأيام التوالي من الاحداث وكانت محترقه بالكامل وعبارة عن هيكل حديد منصهر. وعلى ضوء تلك التطورات التي عصفت بالتجربة اليمنية الفتية وما قدمته من مجالات دعم شتى للحلفاء والاصدقاء على أراضيها، لكن هناك ثمة تداعيات تفرض حالها على المشهد هو الموقف المعلن من تلك الاحداث وتطوراتها قبل الأحداث وأثنائها وبعدها من العراقيين والفلسطينيين والسوفييت؟.

لقد أكد أكثر من طرف معني بأحداث اليمن، أن هناك أتفاق مسبق جرى بين علي ناصر محمد والسوفييت في إبعاد عبد الفتاح إسماعيل الى موسكو، رغم توجس السوفييت وعدم أرتياحهم من أدارة علي ناصر محمد لأدارة العملية السياسية في البلد. وعندما وصل عبد الفتاح إسماعيل الى موسكو في مطلع الثمانينات. كان يتساؤل بأندهاش عن الغرض والسبب الذي جاءوا بي الى هنا؟. وقد حدثني الدكتور خليل عبد العزيز عندما ألتقاه في العاصمة موسكو أراد أن يعرف منه السبب في مجيئه الى هنا ولم يلتقيه أي مسؤول سوفيتي رفيع المستوى. ظل السوفييت على هذا الخط من السياسة والتي تثير الريبة والتساؤل تجاه الشعوب المناضلة والداعية الى الديمقراطية والعدالة الاجتماعية  والاحزاب الشيوعية والبلدان. وقد حان الوقت لكشف مواقفهم هذه أي بحاجة الى التوقف والدراسة في معرفة بواطن تفكيرهم حول تلك الصراعات. فالمواقف المعلنة والمخفية للسوفييت تجاه أصدقائهم من الشعوب والبلدان لم تكن أيجابية وتأتي دوماً متناسقة مع مصالحهم على حساب أرادة وتطلعات الجماهير والتي هي ضمن سياستهم وأنسجاماً مع عقائدهم.

 

محمد السعدي

 

 

ابراهيم أبراشإذا ما قررت إسرائيل ضم الضفة الغربية أو بعضها فهذا أمر لا يدعو للاستغراب أو إلى أن يتصرف البعض الفلسطيني مع الأمر وكأنه أمر مفاجئ وغير متوقع، لأن الضم استكمال لسيرورة بدأت مع عدوان 1967 وجَنيٌّ لحصاده، ونعتقد أن نتنياهو سيباشر عملية الضم خلال فترة رئاسته بل وقبل الانتخابات الأمريكية في نوفمبر القادم مستغلا وجود ترامب وأركان إدارته.

لقد بدأت إسرائيل ببناء المستوطنات منذ اليوم الأول لاحتلالها الضفة الغربية، فعدوانها واحتلالها للضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وبقية الأراضي الفلسطينية والعربية لم يكن لأن الجيوش العربية كانت تريد رمي اليهود في البحر كما كان يروج الإعلام الصهيوني، بل لتوسع حدودها ولتضم الضفة الغربية (يهودا والسامرة) قلب الدولة اليهودية المزعومة، ولا يوجد عاقل يعتقد أن إسرائيل كانت تبني المستوطنات قبل وبعد مجيء السلطة من أجل الفلسطينيين ولتكون جزءاً من الدولة الفلسطينية العتيدة، إلا البعض ممن كانوا يستهينون بالاستيطان تحت ذريعة أن ما يبنيه الإسرائيليون من مستوطنات وطرق سيعود للفلسطينيين، كما قال لي ذات يوم أحد المسؤولين الكبار عندما جادلته مستنكراً عدم اشتراط وقف الاستيطان قبل التوقيع على اتفاقية أوسلو والاعتراف بإسرائيل.

لذلك، وإذا ما قررت حكومة تحالف اليمين الإسرائيلي (الليكود -أزرق ابيض) أن تضم المستوطنات والأغوار كما سبق وأن وعد نتنياهو خلال حملته الانتخابية وكما تم التأكيد عليه في التفاهمات بين نتنياهو وغانتس لتشكيل الحكومة فهذا أمر لا يخرج عن سياق نهج متواصل وسياسة واضحة لم تكن خافية على أحد، كما أن ردود الفعل المتوقعة في حالة الضم لن تكون بدورها خارج السياق أو مفاجئة، كما لن تكون ردود الفعل خاضعة للمعادلة الفيزيائية التي تقول إن لكل فعل ردة فعل مساوية له في المقدار ومعاكسة في الاتجاه، بل ستكون ردة الفعل على الفعل الإسرائيلي خاضعة لموازين القوى ولحسابات محلية ودولية متعددة، ونتوقع في هذا السياق أن ردود الفعل على الضم ستكون كما يلي:

1- بالنسبة للسلطة الفلسطينية. ردود الفعل الرسمية ستبقى ضمن حدود التنديد والشجب مع التأكيد على تفعيل قرارات المجلسين الوطني والمركزي السابقة بخصوص إعادة النظر بشكل العلاقة بين السلطة وإسرائيل، وإن كانت العلاقات بين إسرائيل والسلطة ستزداد توتراً إلا أنها لن تصل لحد القطيعة التامة أو تنفيذ القرارات الصادرة عن المجلسين، كما ستنشط الرئاسة والحكومة مجددا في المحافل الدولية ولكن هذا النشاط سيكون بعد فوات الوقت وفي ظرف دولي غير موات. الأمر الوحيد الذي يمكن أن يشكل تحدياُ لإسرائيل هو انتفاضة شعبية.

2- أما بالنسبة لموقف الفصائل في قطاع غزة وخصوصا حركة حماس وسلطتها. قد تلجأ بعض الفصائل لمناوشات شكلية ومحسوبة لرفع العتب دون المساس بالهدنة القائمة، كما ستشن حركة حماس هجوماً إعلامياً على السلطة وحركة فتح متهِمة إياهما بالتخاذل والتقصير، وربما تمرر إسرائيل قرار الضم بتزامن مع تمرير صفقة لتبادل (الاسرى) مع حركة حماس.

3- عربيا ودوليا، فإن ردود الفعل لن تتجاوز سقف ردود الفعل على إعلان ترامب للصفقة أو قرار نقل مقر السفارة الامريكية للقدس، بمعنى عقد مؤتمر قمة أو خارجية يصدر عنه قرارات استنكار وشجب ورفض والتأكيد على التمسك بقرارات الشرعية الدولية وحل الدولتين، وربما تكون ردود الفعل أقل حدة لانشغال العالم بوباء الكورونا وتداعياته وبأزمة النفط وبالأزمة الاقتصادية العالمية.

 لذا فإن كل خطابات التهديد الفلسطينية الصادرة عن الطبقة السياسية بعدم السكوت وباتخاذ إجراءات قوية ضد إسرائيل في حالة ضم هذه الأخيرة للأراضي الفلسطينية ستكون مجرد شعارات وزوبعة في فنجان لأن فاقد الشيء لا يعطيه، وحتى إن كان الرئيس أبو مازن جادا في تهديداته ومستعداً لقلب الطاولة فإن قوى نافذة في السلطة ستكبح جماحه وتهدئ من غضبه، بل نستطيع الذهاب أكثر من ذلك ونقول حتى لو نفذت القيادة قرارات المجلسين فإن ذلك لن يشكل تهديدا كبيراً لإسرائيل التي تستطيع التعامل مع ما تبقى من الضفة بعد الضم، وخصوصاً أن تكرار فزاعة تنفيذ القرارات ووقف التعامل بالاتفاقات الموقعة جعل إسرائيل تحتاط وتتخذ الإجراءات اللازمة لمواجهة هذه الحالة مستعينة بحضورها العسكري والأمني القوي الذي راكمته خلال سنوات من التنسيق الأمني ومستفيدة أيضا من ضعف السلطة ووجود شخصيات فلسطينية مستعدة لاستمرار التعاون معها حتى لتنفيذ صفقة ترامب - نتنياهو .

كان من الممكن أن تكون التهديدات الفلسطينية بإلغاء الاتفاقات الموقعة مع إسرائيل مجدية قبل عشرين عاما وحتى قبل خمسة عشر سنة عند صدورها أما الآن فمن المشكوك فيه أن تردع إسرائيل عن الإقدام على تنفيذ مخططاتها.

فكيف سترد السلطة / السلطتين بقوة على إسرائيل وقد غابت هذه القوة عندما أعلن ترامب عن القدس عاصمة لإسرائيل وعندما تم نقل السفارة الأمريكية للقدس؟ وأين كانت هذه القوة طوال عقود من مواصلة إسرائيل بناء المستوطنات وشق الطرق وبناء الجدار وهدم البيوت على مسمع ومرأي الجميع؟ ومن أين ستأتي القوة في ظل الانقسام والحصار والتباعد بين السلطة / السلطتين والشعب؟ ومن أين ستأتي القوة في ظل الحالة العربية المتردية بل والمتواطئة وارتباكات النظام الدولي وانشغالاته في زمن الكورونا وحتى ما قبله؟ .

لا نروم مما سبق كسر المجاديف والاستسلام للصهاينة والتعامل مع الضم كأمر واقع لا فكاك منه، ولكن ما نود التحذير منه أن يؤدي سيلان خطابات التهديد والتحذير المتكررة لإسرائيل والشعارات الكبيرة والتصريحات الممجوجة التي يطلقها المسؤولون في مختلف الفصائل إلى مجرد تضليل الجماهير، وأن يستغل البعض في الطبقة السياسية هذا النهج حتى يطيلوا من عمرهم الوظيفي ويستمروا في مواقع السلطة، كما أن هذا النهج في التعامل مع السلوكيات الإسرائيلية لا يخرج عن سياق سياسة متواصلة منذ تأسيس السلطة الفلسطينية وهي استمرار المراهنة على إمكانية أن تغير إسرائيل موقفها أو تجبرها الضغوط الدولية على ذلك.

إن سياسة الشعارات والتصريحات والتهديدات اللفظية مع استمرار التعايش ما بين إسرائيل والسلطتين ستُفقد السلطتين مصداقيتهما وتمنح إسرائيل مزيداً من الوقت لاستكمال مخططات الضم والتوسع، والأخطر من ذلك أنها ستحُّول دون التفكير العقلاني والواقعي بوضع استراتيجية وطنية تتجاوز ردود الفعل الآنية وتبحث في جوهر المشكلة وفي استنهاض الحالة الوطنية برمتها.

الاستراتيجية المطلوبة تحتاج لإعادة نظر وتدقيق في قضايا كانت بمثابة البرادغمات أو المسَلَمات عند الشعب الفلسطيني وتهيمن على الخطاب السياسي مما يجعله بعيدا عن الواقع، وعليها أن تتضمن الرد على الأسئلة التالية: لماذا وصل النظام السياسي الفلسطيني لحالة العجز والفشل التي هو عليها؟ ولماذا نفتقد أدوات القوة للرد على الاحتلال وممارساته؟ ولماذا يقف الفلسطينيون شبه وحيدين في مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة؟ ولماذا فشلنا في إنهاء الانقسام؟ ولماذا فقد الخطاب السياسي مصداقيته محليا وعالميا؟.

 

إبراهيم أبراش

 

علاء اللاميهل مات الحزب التقليدي وانتصرت فكرة التنظيم؟

حول الخلاف بين لينين وروزا لوكسمبورغ واقتراح للحل من هادي العلوي!

من البديهي القول إن الحزب السياسي "الثوروي" من النمط الستاليني وشبه الستاليني، هو شكل من أشكال التنظيم، وليس العكس، أي أنه ليس كلّ التنظيم كفكرة ومفهوم وتجربة تاريخية، بل هو شكل من أشكالها أو تجسيد من تجسيداتها. التجربة التاريخية العالمية حسمت الخلاف وقالت تكرارا، إن الحزب "الثوروي" السري وشبه السري ذو الضبط الحديدي والتركيب الهرمي والقيادة المحترفة، والذي يجد مبرر وجوده القوي أحيانا في حالة مقاومة احتلال أجنبي أو كفاح شرس ضد نظام حكم مطلق ذي سمات فاشية دموية، قد سقط وولى عهده خارج حالة المقاومة الاستثنائية. ولكن هناك من لا يريد أن يستمع إلى ما يقوله التاريخ!

نعم، لقد سقط الحزب الثوروي، وتحول فعلا إلى حزب سلطة مترهل وبدين شكلا ومضمونا، وأمسى "حافر قبر الثورات" المطيع، أو دكان سياسي لمجموعة من الانتهازيين تتاجر بكل شيء قابل للبيع وتتحول الى حليف ومسوِّق لمشروع احتلال أجنبي، وتتفرج على خراب الأوطان والمجتمعات. مثلا: من قرابة خمسة عشر مليون عضو في الحزب الشيوعي السوفيتي، لم يخرج نصف مليون شيوعي مسلح أو أعزل من بينهم ليدافعوا عن الاتحاد السوفيتي حين بدأت عصابة يلتسين غورباتشوف بتدميره وبيعه أسلاباً وخردة إلى البرجوازيين الصهاينة في الداخل والخارج.

أما بالعودة إلى البدايات التاريخية، فسنجد أن حزب لينين (حزب العمل الاشتراكي الديموقراطي - جناح البلاشفة "الأغلبية") خضع بعد انتصار أكتوبر 1917 والحرب الأهلية الدموية التي تلته بسنوات قليلة، لأثقال ومتطلبات الواقع الصراعي، حيث أقصى في تلك الفترة جميع الأحزاب حتى العمالية الاشتراكية ومنها شقيقه المنشق الحزب المنشفي. آنذاك، كانت القائدة الماركسية القتيلة روزا لوكسمبورغ محقة في خلافها الحاد مع لينين حول مفهوم الحزب وعلاقته بالطبقة والشعب، لأنها كانت ترى في هذا النوع من الأحزاب شبه عصابة مسلحة تحاول فرض إرادتها بالإرهاب على الطبقة العاملة والشعب كله وتحل محلهما. وقد خاضت روزا في خضم نضالها ضد الرجعية الألمانية تجربة تشكيل تنظيم عمالي ثوري هو "رابطة سبارتيكوس"، كتنظيم ثوري انتفاضي ضمن التنظيمات العمالية وليس كحزب يحتكر تمثيل الطبقة العاملة أو الشعب كله والنطق باسمه وانته محاولتها باغتيالها من قبل الجيش الألماني هي ورفيقها كارل ليبنخت ورفاق آخرين بعد فشل انتفاضتهم المسلحة. بهذا الموقف من موضوعة الحزب الثوري الديموقراطي الذي لا يفرض نفسه على الطبقة أو الحزب أو يصادر إرادتهما كانت روزا أقرب إلى ماركس الذي حلَّ حزبَين شيوعيَّين شارك في تأسيسهما (هما الأمميتان الشيوعيتان الأولى والثانية) لأنهما أصبحا كما قال (عائقا أم تطور النضال العمالي في العالم) منها إلى البلاشفة الروس. فماذا فعل ستالين وخلفاؤه بالحزب كيانا ومفهوما؟

لقد صحت توقعات ورصد روزا لتجربة البلاشفة الروس وأعطاها التاريخ الحق في صوابية الرؤية والاستشراف، وخصوصا بعد أن سيطر جوزيف ستالين على كل شيء: فصادر الحزب والدولة وقضى على الشذرات الديموقراطية القليلة التي بقيت خلال فترة قيادة لينين القصيرة بعد انتصار الثورة والتي لم تتجاوز ثلاث أو أربع سنوات (من 1918 وحتى 1922 حين بدأ مرضه متأثرا برصاصة الاغتيال في عنقه ووفاته بداية 1924). وبعد موت لينين بدأت مجازر ستالين وتصفياته الجسدية ضد الحزب وقياداته القديمة من رفاق وتلامذة لينين. ومن هؤلاء القتلى بالرصاص الستاليني أهم ثلاثة قادة في الحزب هم: بوخارين وزينوفيف وكامينيف، كما أعدم سميرنوف هازم كولتشاك في الحرب الأهلية، ومراشكوفسكي وباكاييف وهما من أبطال الحرب الأهلية أيضا. وشاهد الناس مذهولين رئيس محكمة التطهيرات الستالينية أندريه فيشنسكي وهو يصف هؤلاء الرفاق (بكلاب الرأسمالية الكلِبة "المكلوبة" والتي يجب أن نطلق عليها الرصاص كلها بلا استثناء)!

ولمن لا يعلم، فقد جاء ستالين بهذا الرئيس "فيشنسكي" لمحكمته، من بقايا الحزب المنشفي المعادي للبلاشفة، والذي لم ينتمِ إلى الحزب البلشفي إلا بعد انتصار البلاشفة في الحرب الأهلية! وانتهت المحكمة المجزرة بأن قتل ستالين غالبية وتلامذة لينين ورفاق دربه، وهناك باحثون يؤكدون أن ستالين نفسه قُتل اغتيالا بالسم أيضا من قبل ساعده الأيمن الدموي ورئيس جهاز الشرطة السرية لافرينتي بيريا. وبيريا نفسه سيعدم بعد موت ستالين رميا بالرصاص بعد أن اتهمه تحالف خروتشوف ومالينكوف بـ (التجسس لمصلحة بريطانيا ومحاولة إعادة الرأسمالية إلى الاتحاد السوفيتي والانحلال الخلقي واغتصاب أكثر من 200 امرأة)!

بالمعنى التاريخي، ماتت الطبعة الستالينية من الحزب الثوري، ولكن التنظيم كفكرة وتجربة وأسلوب، تنظيم الناس الأفراد ككائنات وجهود متذررة، يبقى هو الأداة الأهم في عصرنا وفي كل عصر لتغيير المجتمعات. ذلك لأن الجهود الفردية المعزولة هي أشبه بقطرات المياه لا قوة فيها، ولكنها حين تجتمع في تنظيم يأخذ شكل جمعيات ونقابات أو حركات وأحزاب اجتماعية وثقافية وفنية ورياضية وشبكات ومجموعات على الانترنيت تتحول الى سيل هادر يجرف العوائق والمعرقلات أمامه، مهما كانت ثقيلة وراسخة وينطلق نحو المستقبل. إن أروع نصيحة لشباب اليوم في أي مكان في العالم هي: نظموا أنفسهم وجمَّعوا جهودهم في جمعيات ونقابات وحركات اجتماعية وشبكات تواصلية ونواد ثقافية ورياضية وحتى في أحزاب ذات فكر تنظيمي جديد وهيكليات ديموقراطية جديدة، وحاذروا أن تأكلكم الأحزاب وتحولكم إلى أرقام فاقدة القدرة على الإبداع والتمرد والتفكير النقدي ضد كل شيء بما فيه حزبكم وأفكاره وبرنامجه!

أعتقد، بهذا الصدد، أن المساهمة - غير المباشرة - التي قدمها الراحل هادي العلوي في موضوع الحزب والتنظيم يمكن اعتبارها مساهمة جدية وجديدة نوعيا وجديرة بالتفكر والتدبر. فهو قد ميَّز بين الحزب السياسي "الاشتراكي أو الشيوعي" والحركة الاجتماعية المشاعية، ولم يكن يعول على الحزب في بناء الاشتراكية أو المساواة المشاعية وإنما على حركات اجتماعية مشاعية. وقد بدأ شخصيا بتأسيس حركة مشاعية عراقية كهذه، وفصَّلَ في التعريف بها في كتابه الأهم، والذي صدر قبل وفاته "مدارات صوفية - تراث الثورة المشاعية في الشرق"، ونشر في صفحاته الأخيرة نظامها الداخلي، ولكن الموت المفاجئ لم يمهله ليمضي بهذه المساهمة قدما. ومن الجدير بالإشارة أنه فضل وجود هذه الأحزاب السياسية الاشتراكية في الحكم لأن ذلك كما قال سيسهل على المشاعيين الاجتماعيين القيام بمهمتهم الطبقية وبناء المجتمع المشاعي المساواتي من القاعدة نحو القمة وليس العكس. إنها محاولة أو مساهمة في البحث عن حلول وليست حلا دوغمائيا نهائيا. وقد مال الراحل العلوي في سنواته الأخيرة إلى موقف روزا لوكسمبورغ في خلافها مع لينين والبلاشفة في موضوع الحزب الثوري، مع أنه كان ينظر الى لينين نظرة تقدير واحترام مبالغ بها ولا تقل كثيرا عن نظرة اللينينيين الدوغمائيين ولكنه كما أرجح كان يحترم لينين القائد الماركسي الثوري وليس "اللينينية" التي علبتها وقدمتها لنا الآلة الإعلامية الستالينية لاحقا، وقد كتب ذات مرة، وفي سياق كلامه عن تدمير وانهيار الاتحاد السوفيتي إن لم تخني الذاكرة معبرا عن انحيازه لروزا لوكسمبورغ (لقد أعطى التاريخُ الحقَّ للبُنيَّة روزا).. فسلام عليه وعليها وعلى كل الأبدال المناضلين المشاعيين الثوريين في عصرنا وفي كل العصور.

*الصورة: يحدد هذا التجميع الصوري الذي أنجز في ثلاثينات القرن الماضي من قبل شيوعيين معارضين لستالين مصير أربعة وعشرين قائدا بلشفيا من رفاق لينين في اللجنة المركزية للحزب البلشفي سنة 1917، وكيف كانت نهاياتهم في عهد ستالين: أعدم ستة منهم بالرصاص، بينهم قادة الخط الأول، بوخارين وكامينييف وزينوفييف، واختفى أو فقد سبعة منهم، وانتحر واحد، وسجن واحد، واغتيل واحد في المنفى هو مؤسس وقائد الجيش الأحمر ليون تروتسكي، ومات الباقون وبينهم لينين بعد الثورة بسنوات قليلة ولم يبق حيا سوى ستالين!

 

علاء اللامي - كاتب عراقي 

.............................

* رابط فيديو يتحدث فيه البروفيسور سيرغي خروتشوف ابن الزعيم السوفيتي الراحل نيكيتا خوتشورف عن المرحلة الستالينية ودور والده فيها:

https://arabic.rt.com/prg/telecast/657213

 

احمد عزت سليمأكد المحلل الأمريكى  كين كليبنشتاين في دراسة له: ـــ أنه  على الرغم من أن الرئيس الأمريكى ترامب قد أعلن فى تأكيدات متكررة أن وباء Covid-19 كان "غير متوقع" و"جاء من العدم"، فقد كشفت مصادر أمريكية أن البنتاجون الأمريكى كان متوقعا ومدركا حدوث هذا الوباء وتهديداته ووصولا أنه حتى توقع يترتب على ذلك من قلة التهوية، وأقنعة الوجه، وأسرة المستشفى، ووفقا لخطة البنتاجون لعام 2017، وحيث نصت الخطة العسكرية للبنتاجون على أن " التهديد الأكثر ترجيحًا وهامة هو مرض تنفسي جديد، وخاصة مرض إنفلونزا جديد". Covid-19  وأنه هو مرض تنفسي ناتج عن حالة (تعني جديدة للإنسان) وتشير الوثيقة على وجه التحديد إلى الفيروس التاجي في عدة مناسبات، في حالة عالمية واحدة ومؤكدة، " إن العدوى التاجية ستكون [شائعة] في جميع أنحاء العالم ".، وكما أنه تم إتخاذ الخطة الإجرائية  " USNORTHCOM Branch Plan 3560  لجائحة الإنفلونزا والاستجابة للأمراض المعدية" ، تم وضع مسودة الخطة للاستخدام الرسمي فقط بتاريخ 6 يناير 2017، وأشارت المصادر أن هذه الخطة كانت تمثل تحديثًا لخطة سابقة لوزارة الدفاع لمواجهة جائحة الإنفلونزا، مشيرة إلى أنها " تتضمن رؤى من العديد من الفاشيات الأخيرة بما في ذلك متلازمة الشرق الأوسط التنفسية التاجية في عام 2012، كما قدمت الدراسة صورا من التقرير والتى نقدم بعضها هنا.

1475  ترامب 1

وذكرت المصادر أن دينيس كوفمان، الذي شغل منصب رئيس قسم الأمراض المعدية والتدابير المضادة في وكالة المخابرات الدفاعية من 2014 إلى 2017، شدد على أن المخابرات الأمريكية كانت على دراية جيدة بمخاطر الفيروسات التاجية لسنوات ومشيرا إلى أن مجتمع الاستخبارات الأمريكية قد حذر من التهديد الناجم عن فيروسات الإنفلونزا الشديدة الإمراض لمدة عقدين على الأقل، وقد  أوضح كوفمان في مقابلة : لقد حذروا من الفيروسات التاجية لمدة خمس سنوات على الأقل، وأن الخطة العسكرية قد تنبأت بدقة خارقة أن العديد من النقص في الإمدادات الطبية التي يبدو أنها ستؤدي قريبًا إلى وفيات لا حصر لها  وحيث أن الخطة قد تضمنت ما يلي : " ستشمل المنافسة وندرة الموارد.. MCM غير صيدلانية [الإجراءات المضادة الطبية] (على سبيل المثال، أجهزة التهوية والأجهزة ومعدات الحماية الشخصية مثل أقنعة الوجه والقفازات) والمعدات الطبية والدعم اللوجستي،  وسيكون لذلك تأثير كبير على توافر القوى العاملة العالمية:

1475  ترامب 2

وأن خطة الاستجابة المكونة من 103 صفحات قد قدمت نظرة عامة على ما قد يتسبب في حدوث جائحة ومضاعفات محتملة وكيفية رد الجيش، وانها حددت الظروف التي يمكن أن يصبح فيها مرض معدي جائحة، كان العديد منها يلعب مع  Covid-19 وعلى النحو التالى : ــ  أماكن العمل المزدحمة، والقرب من المطارات الدولية، والظروف المعيشية غير الصحية، ومع أنه كان تحذير الخطة بشأن أقنعة الوجه وأجهزة التهوية واضحًا تماما : فقد تم تقريبًا نفاد المخزون الوطني الاستراتيجي الأمريكي من المعدات الطبية بما في ذلك أجهزة التنفس والقفازات وأقنعة الوجه والأثواب، ومع ما توقعته الخطة العسكرية بشكل صحيح بأن "أسرة المستشفيات غير كافية" وعلى المستوى العالمى وكما جاء فى توقعات الخطة "حتى أكثر البلدان الصناعية لن يكون لديها أسرة المستشفيات الكافية، والمعدات المتخصصة مثل أجهزة التهوية الميكانيكية، والمستحضرات الصيدلانية المتاحة بسهولة لمعالجة سكانها بشكل كاف أثناء الجائحة الشديدة سريريًا"، وعلى الرغم من توقع آخر في التقرير بحدوث منافسة عالمية وندرة لقاحات Covid-19. وبحسب ما ورد عرض ترامب بالفعل على العلماء الألمان مبالغ كبيرة من المال للحصول على حقوق حصرية للقاح، والجهود المبذولة لتطوير الأدوية جارية في العديد من البلدان، وعلى الرغم من ذلك كله لم تتخذ الإدارة الأمريكية برئاسة ترامب الإجراءات الإحترازية،  أخذ ترامب يهاجم جنرال موتورز وفورد، مطالبت بأن يصنعوا أجهزة تهوية، وهي جهاز حياة وموت للعديد من الأشخاص الذين يعانون من أعراض Covid-19 الحادة، وكان المفترض أن يستعد لذلك مسبقا .

1475  ترامب 3

كيف إذن يتحمل الشعب الأمريكى هذا الفشل فى سياسات ترامب المستمرة والدائمة ؟!!، وكيف لا يزال الشعب الأمريكى متحملا ذلك وأين هى الديمقراطية الأمريكية ومؤسساتها فى مواجهة هذا الفشل؟!!، وأين هى الرأسمالية الديمقراطية الأمريكية لإنقاذ المجتمع الأمريكى من الإنهيار؟!!، وهل كان هذا الفشل يستهدف أيضا تدمير الدول والشعوب الأخرى المستهدفة !! .. أم أن الأصولية الأمريكية التى ينتمى إليها الحزب الجمهورى الأمريكى وأغلبية الشعب الأمريكى تضع نهاية العالم على يديها لنزول المسيح المنتظر؟!!!؟

 

أحمد عزت سليم

  

عدنان ابوزيدتَبَنّي الديمقراطية، رمزا ونظاما، لم يعد كافيا، ذلك انّ التطبيق هو الذي يحسم النتائج، اذ طالما اسرفت أحزاب وأبحاث في النظريات، التي ما انْ توضع على المحك، حتى تُدرَك انعدامية آلياتها، وعد قدرتها على تلبية التطلعات.

نظم ديمقراطية كثيرة حول العالم، يتقوّض الكثير منها عند مفترق التنظير والتطبيق، وفي بعض الدول فان ارتباك المواقف بسبب سوء تنفيذ النظرية الديمقراطية، جعل الشعوب تندم على خيارها السياسي هذا، لتعود تواقة الى نظام شمولي، بل وحتى إلى حكم العسكر.

الاختلال الأكبر يُرصد في ديمقراطيات العالم الثالث، في الميلان عن أخلاقيات الديمقراطية، وتأزيم ولادة نظام سياسي قادر على تحقيق الاستقرار، لتتحول منتجات الديمقراطية، على شاكلة شركة تعترف بوجود خلل فني في سياراتها وهي مضطرة اليوم لسحبها من الأسواق العالمية، بسبب تزعزع ثقة المستهلك بمنتجاتها.

في أدبيات السياسة، فان الديمقراطية أضحت تفاحة مُتخيّلة لكنها غير قابلة للقطف، ليعيش الشعب في حالة من الأخيلة الافتراضية، حيث الجميع يتغنى بالديمقراطية، لكنه لا يتذوق ثمارها، معتقدا انها سوق تنضج، يوما ما.

في غينيا الاستوائية، قال المراقبون الدوليون، ان الديمقراطية خائبة تماما، ولم يعبد يعبأ لها الشعب ما يدفعه ضد نظام سياسي هتف له وحلم به من قبل.

غينيا بيساو تتبجّح بديمقراطية شكلية سمحت بتداول منصب الرئاسة فيها منذ العام 1979، لكن الشعب يمضي الى الانتخابات مًكرها لأنه يدرك النتيجة من قبل.

وانتقل الزعيم موغابي في زيمبابوي عبر آليات ديمقراطية هزيلة من جبهات التحرير إلى سدّة الرئاسة، ليحكم الى الأبد.

ويحدث في جمهورية الكونغو الديمقراطية، وفي جيبوتي، وفي تشاد وفيتنام أوغندا، ان الأحزاب تتقاسم الأصوات، بعد التلاعب بصناديق الاقتراع.

وبلغ الفشل ذروته، بعزوف وسائل الاعلام الحر، والمنظمات المراقِبة العالمية عن الحضور الى دول الديمقراطيات الصورية، لأنها تجد في ذلك، مضيعة للجهد والوقت، ومساهمة في تسويق استبداديات حقيقية، ففي فنزويلا، فان مقاييس فريدوم هاوس لا تمنح ديمقراطيتها، درجات النجاح الكافية.

بولندا ما بعد الشيوعية، لم تنجح في ديمقراطيتها، بعد تناسل احزاب سياسية تبحث عن مصالحها، وتمخض عن ذلك

اقتصاد منهك، ما دفع الشعب في استطلاع، الى الإعراب عن ندمه على النظام الديمقراطي، وفي العام ٢٠١٢ بلغت نسبة الذين يؤيدون الحكم العسكري، 22%.

لبنان، مثال لديمقراطيات عربية، تتبنى التقسيمات المذهبية والقومية في تقاسم السلطة، تحوّل فيه النظام السياسي، الى تعبير عن الكانتونات، التي تقسّم الشعب، وليس عن الوطن الموحد، فضلا عن ان ديمقراطيته طوال عقود لم تحقق استقرار سياسيا واقتصاديا.

وفي العام ٢٠١٨، غابت كل الدول العربية عن قائمة التقرير السنوي لمجلة الايكونومست عن الديمقراطيات الحقيقية في العالم.

وفي الديمقراطيات العريقة، اطل الوجوم بين ثنايا الأزمات أيضا، وعلى رغم انه لم يتهدد الأنظمة كما في فرنسا حيث الاضطرابات العمالية والوظيفية، وفي خروج بريطانيا الذي أدى التصويت الديمقراطي على خروجها من الاتحاد الأوروبي، الى انقسام مجتمعي.

وعلى رغم من رواج الديمقراطية بين البلدان، من 11 ديمقراطية فقط في العام 1900، إلى 86 دولة في العام 2006، فان الباحث الأمريكي ياشا مونك في جامعة هارفارد، يذهب الى القول بان ثقة الشعوب بالديمقراطيات، في أدنى مستوياتها حتى في معاقلها التاريخية، مثل الولايات المتحدة الامريكية، حيث بات انتخاب دونالد ترامب، نوعا من القصص الخيالية في تاريخ الديمقراطيات، والدليل على تراجع الليبرالية الغربية.

وبجواب بسيط، يرى مونك ان الكراهية للديمقراطية تدب في نفوس الناس لان النظام لم يعد يفي بوعوده الأساسية، في ترجمة الإرادة الشعبية إلى سياسات عامة.

والسؤال، ما إذا كانت الفرصة سانحة الى الان، في اقناع الناس بأن الديمقراطية الليبرالية، رغم كل عيوبها، لا تزال هي النظام الأفضل لتنظيم المجتمع.

 

عدنان ابو زيد

 

 

محمد سعد عبداللطيفقبل وباء كورونا، كانت الأصوات تنادي بضرورة تغيير نظام العولمة باعتباره نظاما يفتقر لعلاقات اقتصادية عادلة، وأنه لا يعبّر عن مصالح السواد الأعظم من سكان الأرض، بقدر ما يعبّر عن مصالح الشركات العملاقة متعددة الجنسيات التي كرّست الفقر في دول الجنوب، وألحقت الضرر بالبيئة والمناخ، مما يفسر تصاعد الحركات الاحتجاجية ومناهضي العولمة من مثقفين ومنظمات حقوقية ونقابات مناضلة وتجمعات أخرى من قبيل منظمة "العالم ليس سلعة " و"الطريق الفلاحي" و"أتاك"، وما في سلالتها من التنظيمات التي تصدّت للعولمة وفلسفتها البراغماتية.والقریة الصغیرة من نظام العولمة الی عالم داخل اربع حواٸط ۔من السجون بدون قضبان؟

لكن بعد استشراء وباء كورونا، وعجز الترسانة الصحية للنظام الرأسمالي الذي ترعاه العولمة، وتسارع ارتفاع أرقام عدّاد الموت، بدأت البشرية – جمهورا ونخبا- تطرح سؤالين؟ سيكونان بمثابة القوة الدافعة لإعادة النظر في نظام العولمة بوصفها نظاما أحاديا، ومدى مشروعية القيادة الأمريكية ۔

لماذا أخفقت الدول المنضوية في فضاء العولمة في التنبؤ بوباء كورونا، ثم تخبطت بعد ذلك في أساليب تدبير الأزمة، وعجزت عن الاحتواء السريع للجائحة؟

2-لماذا غاب التضامن الدولي؟ وهو سؤال مستأنف لسلسلة الأسئلة التي طرحها العقل البشري عبر التاريخ حول معنى الإنسانية، ومعنى الوجود الإنساني، وعن جدوى العلاقات بين البشر في ظل انعدام الروح الجماعية وانفلات دائرة التآزر. كما أعاد مراجعة ثنائية مفهوم الخير والشرّ، وأسباب تخلي الغرب عن القيّم التي بشّرت بها الأديان، وأفرزها عصر الأنوار، وكيف السبيل للرجوع للرشد وتصحيح المسارات الخاطئة للبشرية؟

ليس من المعروف بعد كيف وإلى أي مدى، ولكن قد يكون من المنطقي أن نفترض أن العالم والعولمة لن تعود كما كانت عليه في السابق بعد انتهاء هذه الجائحة.ومن السابق لأوانه الجزم بأن هذه العاصفة الكارثية سوف تستهل حقبة جديدة، كما حدث قبل ستة قرون مع عصر النهضة بعد أن فتك وباء الموت الأسود سكان أوروبا. ومع ذلك، فإن "كوفيد-19"، بات يدفعنا بالفعل إلى مراجعة بعض السیناروهات السیاسیة والاقتصادية التي عشناها لعقود.سوف تفرز تبعات كورونا عالما مغايرا، عالم مختلف عن نظام "بريتون وودز"، الذي ساد البشرية بعد الحرب العالمية الثانية، وفيه مثلت الولايات المتحدة الأمريكية بنوع خاص الهمينة والسيطرة من خلال الدولار من جهة، واعتبار صندوق النقد الدولي والبنك الدولي أدوات وآليات تخصها دون غيرها من جهة ثانية.بعد ما يقرب من أربعة أشهر من ظهور الحالات الأولى لفيروس کورونا في الصين، يواجه العالم أزمةً عالميةً هزت كل الركائز الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

رئيس أمريكا الذي كان متفائلاً بشأن الفيروس قبل تفشي المرض في البلاد، أعلن الآن أنه إذا أعيد فتح اقتصاد أمريکا في الأيام المقبلة، فسوف تواجه عددًا فادحًا من القتلى يبلغ 2.2 مليون أمريكي.

هذه التصريحات علامة على أن أكبر اقتصاد في العالم بات أسيراً لدی فيروس كورونا، مما يجعل التوقعات للاقتصاد العالمي لا يمكن التنبؤ بها لفترة طويلة، الأمر الذي يثير أسئلةً مهمةً حول كيفية النظام العالمي في عصر ما بعد كورونا.

كورونا وتحديات الاقتصاد العالمي

من بين السيناريوهات الثلاثة التي تنبأت بها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) للاقتصاد العالمي في أعقاب تفشي كورونا، فإن السيناريو الأسوأ يحدث الآن.

السيناريو الأسوأ لهذه المنظمة، هو احتمالية انتشار الفيروس في أفريقيا وأمريكا اللاتينية والهند، مع الإنقلاب الشتوي فی نصف الکرة الجنوبي وإذا تحقق ذلك، فسيشهد الاقتصاد العالمي أكبر ركود. يتم تقييم النمو الاقتصادي بأقل من اثنين في المئة على أنه ركود. ومع انتشار الفيروس في الهند وأمريكا اللاتينية، سينخفض النمو

الاقتصادي العالمي إلى أقل من واحد ونصف بالمائة. هل سیعید التاریخ تکرار عام 1929م ۔الذی کان أکبر رکود اقتصادي فی القرن المنصرم،

حيث تراجعت أسهم شركات "إكسون موبيل" النفطية 7 في المئة، مما كان له تأثير عميق على أسهم داو جونز. کذلك، انخفضت أسهم شرکة "ماراثون" النفطية 40 بالمئة. کما واصلت أسهم أكبر البورصات في العالم انخفاضها، بحيث تراجعت أسهم "داو جونز" 9.9 بالمئة في 13 مارس، متجاوزةً بذلك الأزمة المالية لعام 2008، ووصلت إلى أدنى مستوى لها منذ عام 1987. وفي بورصة لندن، تراجع مؤشر فوتسي بنسبة 7٪، ما دفع العديد من شركات الطيران إلى حافة الإفلاس.خلّفت الجائحة أثرا كبيرا على إيطاليا، وباتت تفعل الأمر ذاته مع سائر أرجاء أوروبا، والولايات المتحدة، دافعة إلى هبوط المخزونات، وخالقة مشهدًا اقتصاديًّا مرعب على أقل تقدير. وبغض النظر عن كم التريليونات من الدولارات التي سيضخّها الاحتياطي الفيدرالي في المنظومة، أو مدى اقتراب سعر الفائدة من الصفر، أو مدى قوة حزمة الإنقاذ التي تهدبها البنك المركزي الأوروبي، فإن الدورة الاقتصادية لا تزال في هبوط مستمر.

ولا يزال هناك استثناء ملحوظ لبريطانيا تحت إدارة " بوريس جونسون "، والذي يمكن أن تتسبب خطته، المستمدة من الداروينية الاجتماعيّة، لمعالجة الفيروس من خلال "مناعة القطيع"، بدون لقاح، إلى موت جماعي، خاصة بين المواطنين المسنين الأكثر عرضة لأعراض الفيروس الخطيرة، والذين، بالمناسبة، يشكلون أحد كتل ناخبيه الرئيسية.

في مثل هذه البيئة السياسية والاقتصادية الصادمة، ربما تكون رئاسة " دونالد ترامب " في الولايات المتحدة قد دخلت في نقطة اللّاعودة إذ قد يخسر الانتخابات الرئاسية في نوفمبر القادم ، کذلك الوضع فی الشرق الاوسط ۔ توقف المدً الترکي والإیراني ۔ فی الأطماع الجیوساسیه

ويبدو أن الفيروس يؤلم إيران أكثر من عقود من العقوبات الغربية، دافعا الحكومة إلى التقدم بطلب غير مسبوق لتلقي مساعدة من صندوق النقد الدولي. فهل يُمكن لهذا الفيروس أن يكون القشة التي سوف توقف الاطماع الإیرانية فی المنطقة کذلك

ومن المنظور الروسي، حيث يبدو أن الرئيس فلاديمير بوتين، يجهز نفسه للبقاء في السلطة حتى عام 2036، فإن توقيت الحرب النفطية يبدو مضبوطا بشكل جيّد لضرب الولايات المتحدة في لحظة حاسمة تشهد فيها تأرجح نظامها المالي على حافة الانهيار. وفي نظرة إلى الماضي، يبدو أن المعارضة الأميركية لخط أنابيب الغاز الطبيعي من روسيا إلى ألمانيا "نورد ستريم 2"، لم تكن حكيمة. وبالمناسبة، لم يؤثر الوباء بشكل جوهري على روسيا حتى الآن. رغم ارتفاع طفیف فی عدد الإصابات ۔

على عكس امریکا ، کذلك تأثرت الصين بشكل كبير بتفشي "كوفيد-19"، لكنها تروج الآن للانطباع بأنها تتعافى. وفي حين أن الحكومة الصينية ربما لم تعلن عن العدد الدقيق للضحايا ومدى الضرر الاقتصادي الذي تكبدته البلاد، إلا أن ما يهم، هو الانطباع العام؛ والذي يتلخص بأن الصين خاضت حربا ضد الفيروس، وانتصرت بها في غضون شهرين فقط.۔ والیوم تقدم مساعدتها علی دول العالم ۔وقد تم إبرام عقد بقیمة حوالي ملیار ریال سعودي لمسح حوالي 14 ملیون نسمة داخل السعودیة ۔فی غیاب الدور الأمریکي لحلفاٸها فی الغرب والدول النفطیة ۔کذلك یشهد الاقتصاد العالمي عاصفة كارثية تتمثل بصدمة في العرض والطلب ناجمة عن تعطيل سلاسل التوريد الرئيسية في الصين، إلى جانب التوقف التدريجي لجميع الأنشطة الاقتصادية تقريبًا في الاقتصادات العالمية الرئيسية، وتداعي القطاع المالي. وقد يكون ما حدث بعد الأزمة المالية عام 2008، طفيفا مقارنة بما قد تكشفه الأشهر القادمة ۔من ظهور تداعیات الفیروس علی الاقتصاد العالمي والذي ألحق الخراب بدول جنوبي أوروبا على مدار العقد الماضي، أو من قبل المفوضية الأوروبية على دول الإتحاد ۔

في الوقت الحالي، يمكننا وبحذر، أن نقدم بعض الاستنتاجات الأولية. أولا، فيروس كورونا المستجد لم يخلق ركودا عالميا، بل يسرعه ببساطة، فالاقتصاد العالمي كان في حالة هشّة قبل تفشّيه، إذ أنه عانى من الفقاعات المالية والديون الاستهلاكية الضخمة؛

ثانيًا، عند مراقبة ردود الفعل العالمية على الوباء، نلاحظ انتشار فيروس آخر بالتوازي مع "كوفيد-19"؛ وهو إعادة تأميم عالمية لجميع السياسات النيوليبرالية تقريبا، بما في ذلك حرية الحركة، ومساعدة حكومية للشركات والعمال، لم يكن بالإمكان التفكير بها حتى في ما مضى؛

ثالثا، ربما نشهد اقتراب نهاية مشينة لأربعة عقود من سياسات السوق الحرة الاقتصادية، والعولمة غير المقيدة، وانتشار اللّامساواة وخفض الضمان الاجتماعي. وفي حين أنه تم تجاهل الدروس المستفادة من الأزمة المالية لعام 2008 بشكل متعمد ولا يغتفر، فإن فعل الأمر ذاته مع دروس 2020 ليس خيارا. شمس ما بعد كورونا سوف تشرق على سلم قيمي مغاير، يعيد ترتيب الأهميات بالنسبة للإنسانية، وأول ما يتوجب أن يوضع في المراتب الأولى، العلم والعلماء، أولئك الذين تتطلع إليهم العقول وتهفت إليهم القلوب في الوقت الحاضر، علی البشرية أن تجد عندهم الشفاء العاجل.

 

محمد سعد عبد اللطیف

کاتب مصري ۔وباحث فی الجغرافیا السیاسیة

 

 

محمود محمد عليأعلن التلفزيون الرسمي الإيراني، الأربعاء الماضي الموافق 22 مارس 2020 أن الحرس الثوري أطلق لأول مرة قمراً صناعياً عسكرياً إيرانياً يدعي "نور 1" بنجاح، وهذا القمر مخصص للأغراض العسكرية نحو مدار حول الأرض، وذلك في وقت تتزايد فيه التوترات مع الولايات المتحدة بسبب برامج إيران النووية والصاروخية، مضيفاً أن القمر وصل إلى مداره، من صحراء مركزية في البلاد، وذلك بعد شهرين من فشل وضع قمر اصطناعي علمي في المدار، وذلك في خضم التوتر مع واشنطن.

وقال الحرس الثوري في بيان نُشِر في أحد المواقع التابعة له إنه تم إطلاق القمر بنجاح إلى الفضاء الخارجي على متن الصاروخ الإيراني الحامل للأقمار الصناعية (قاصد) ذو الثلاث مراحل والعامل بالوقود المركب من قِبَل الوحدة الجو فضائية التابعة لقوات الحرس الثوري الإيراني يوم الأربعاء الماضي، وأنه تم اختيار هذا اليوم بالذات لكونه يتزامن مع الذكري الـ 41 لتأسيس الحرس الثوري الإيراني، وهو الذي يمثل رمز الثورة الإيرانية التي قامت في عام 1979م ..

وقد استقر القمر في مداره حول الأرض على مسافة 425 كيلومتراً (264) ميلاً؛ وقال وزير الاتصالات الإيراني "محمد جواد أزاري جهرومي" القمر الصناعي "نور-"1- هو أول قمر اصطناعي عسكري إيراني الصنع والتصميم متعدد الأغراض، ويُعَد إنجازٌ تكنولوجي لطهران، حيث دخلت إيران نادياُ محدوداً من الدول القادرة على صنع وإطلاق أقمار صناعية، ثم يُذكَر أن هذا القمر الصناعي مصنوع كلياً داخل جمهورية إيران بما في ذلك منصة الإطلاق وكافة قطع القمر الصناعي والصاروخ الحامل وجميع التقنيات الأخرى.

وفي اعتقادي أن إطلاق إيران لقمر صناعي عسكري لم يكن يمثل مفاجئة كبيرة للعالم، وذلك لأن إيران لديها اهتمام بالبرامج الفضاء منذ عام 1969 تقريباً، ولديها محاولات مستمرة للوصول إلي الفضاء منذ عام 2000 م؛ حيث بذلت إيران جهوداً في هذا السباق خلال 2005 حتي 2015 م، وذلك عندما أطلقت عدة أقمار صناعية صغيرة إلي الفضاء بالفعل، ثم تعثرت نتيجة القرار الذي اتخذه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالانسحاب من الاتِّفاق النووي؛ إذ شكل هذا القرار مرحلة فاصلة في تاريخ الصراع الأمريكي - الإيراني؛ وبلغ الصراع والتوتر أشده بعد قتل الجنرال الإيراني قاسم سليماني في غارة أمريكية في بغداد في الثالث من يناير  الماضي 2020م.

وعلى الرغم من المعارضة القوية التي تتعرَّض لها إيران، وإصدار قرارات لمحاصرة قدراتها الصاروخية وعرقلة برنامجها النووي، فإنها نجحت في تجاوز هذه العقبات، ومضت في تطوير قدراتها دون الالتفات إلى هذه المصاعب، وبالفعل نجحت في امتلاك قدرات صاروخية مكنتها من الضغط على خصومها، ومنع أيِّ عدوان محتمل على أراضيها.

وقد اعترفت الولايات المتحدة الأمريكية بنجاح إيران بإطلاق أول قمر صناعي عسكري لها، وذلك من خلال تأكيد القوات الجوية الأمريكية أن إيران نجحت في إطلاق أول قمر اصطناعي، مشيرةً إلى أنها راقبت عملية الإطلاق. وفي بيانٍ لها، أكدت القوات الجوية الأمريكية أن سرب التحكم ومراقبة الفضاء الثامن عشر التابع لها رصد جسدين وهما، قمر نور (رقم 45529 في ملف الأجسام الفضائية)، وجزء من الصاروخ الحامل قاصد (رقم 45530) من الإطلاق الفضائي من جمهورية إيران.. كما أفادت شبكة "CNN" الأمريكية، بأن وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) تأكدت من نجاح تجربة إطلاق القمر الصناعي للمرة الأولى. ونقلت الشبكة عن (البنتاجون) قولها: إن "التقييم الأمريكي خلص إلى أن تجربة إطلاق قمر صناعي إيراني تمت بنجاح للمرة الأولى".

ثم أدانت إدارة الرئيس الأمريكي ترامب بشدة إطلاق القمر واتهمت طهران بالعمل على تعزيز خبرتها في مجال الصواريخ البالستية من طريق إطلاق أقمار اصطناعية، علاوة علي أنها اعتبرت أن إطلاق إيران قمراً صناعياً باستخدام تكنولوجيا الصواريخ الباليستية مقلقة للغاية ولا تتفق مع قرار مجلس الأمن رقم 2231".. والسؤال الآن لماذا هذا الفزع الأمريكي من إطلاق إيران لهذا القمر؟

وللإجابة علي هذا السؤال يمكن القول بأن الولايات المتحدة تعلم جيداً أن إطلاق هذا القمر العسكري سيحقق قفزة استراتيجية معلوماتية للقوات الجو فضائية الإيرانية، كما سيمنح بعداً آخراً وتوازناً استراتيجياً للتكتيكات الدفاعية التي تنتهجها إيران في المنطقة والعالم، حيث سيسهم القمر نور العسكري في إنجاز خارطة دفاع شاملة للقوات الإيرانية، كما أنه سيتم استخدامه في الأغراض العسكرية، فهو مخصص لجمع المعلومات والصور، أي انه يُستَخدَم للأغراض التجسسية، علاوة علي أن استخدام القمر الصناعي نور لن يقتصر على المجال الدفاعي والعسكري، بل إن وضع هذا القمر الصناعي المتعدد الأغراض في المدار الأرضي سيجلب لإيران قيمة مضافة استراتيجية في مجال تقنية المعلومات والحروب المعلوماتية وسيرفع أيضاً قدرات البلاد في الحروب المعلوماتية.

إن ما يثير قلق الولايات المتحدة هو القدرات التكنولوجية التي تمكن إيران من إطلاق قمر صناعي لأنها باختصار تعني قدرات صاروخية متطورة، ولذلك فإن الموقف الأمريكي الغاضب سواء من ترامب أو من وزير خارجيته اعتراضاً علي إطلاق إيران لهذا الصاروخ له أهداف تكتيكية، وله اهداف استراتيجية.

أما الأهداف التكتيكية فتتمثل في أن الرئيس ترامب قد وجد في إطلاق إيران للصاروخ متنفساً لكي يخرج من الضغوط المتمثلة في تعثره في مواجهة أزمة كورنا بالداخل الأمريكي، وكذلك متنفسا للرد علي خصومه الذين يلاحقونه بتهم الفشل بسبب كورونا ويريدون في ذات الوقت إسقاطه في انتخابات الرئاسة الأمريكية في نوفمبر القادم، علاوة علي مغازلته للناخب الأمريكي- الصهيوني المؤيد لإسرائيل والذي يقول له: "إني معك مرة أخري، وسوف أحميك من إيران، ولن أتركك لإيران وحدك" وكذلك مغازلته لدول الخليج وإبتزازهم في نفس الوقت .

أما الأهداف الاستراتيجية فتتمثل في محاولة ترامب منع إيران من امتلاك قدرات صاروخية متطورة وقدرات نووية، لكنه حتي هذه اللحظة عجز عن تحقيق هذا الهدف، ولذلك لجأ إلي الانسحاب من الاتِّفاق النووي وإعادة فرض عقوبات جديدة، لكن يبدو أن تلك العقوبات لم تُثني إيران عن تطوير برنامجها الصاروخي، وهنا نتساءل: لماذا فشلت إدارة ترامب من منع إيران في تطوير قدراتها الصاروخية والنووية؟

والإجابة هو أنه لنفس الأسباب التي جعلت الولايات المتحدة والمجتمع الدولي في القرن الماضي عاجزاً عن منع الصين، ثم الهند، ثم باكستان، ودول أخري من تطوير أسلحة نووية. ولذلك وجدنا مع انتهاء الحرب العالمية الثانية، وظهور السلاح النووي، واعتباره أخطر وأهم سلاح ردعي في العالم، فقد وجدنا دول كثيرة أخذت تسعي إلي امتلاك قدرات نووية وقدرات صاروخية، لكن بعض تلك الدول تخلي عن طموحاته النووية والصاروخية، مثل اليابان، وتايوان، وكوريا الجنوبية، وجنوب أفريقيا. وهذه الدول تخلت عن طموحاته النووية والصاروخية في مقابل الوعد الأمريكي بالرغد الاقتصادي والحماية الأمريكية.. في حين أن البعض الآخر، مثل الصين، والهند، وباكستان، وكوريا الشمالية، وإيران، لم يتخلوا وأصروا علي رفض كل الوعود الأمريكية وكانوا علي استعداد لمواجهة أي ضغوط تفرضها أمريكا عليها مهما تكن في سبيل أنها تمتلك قدرات صاروخية ونووية، والسبب في ذلك يعود إلي أن هذه الدول كانت مؤمنة بأن الضمانات الأمريكية للدفاع عنها ليس كافية لحمايتها أو الحفاظ علي أمنها القومي.

فحين ننظر للصين مثلاً والتي كانت تمثل خامس دولة من الدول دائمة العضوية التي خرجت منتصرة من الحرب العالمية الثانية، كانت تشعر بالخطر من الولايات المتحدة ومن الاتحاد السوفيتي، وتجد أن أملها الوحيد في البقاء، والاطمئنان بالشعور علي أمنها القومي، وتطوير سلاح نووي رادع للاتحاد السوفيتي، ورادع للأطماع الأمريكية، وبالفعل تمكنت من تطور سلاحها النووي منذ عام 1964، وكانت الولايات المتحدة كما بينت الوثائق السرية لوزارة الخارجية الأمريكية، تؤكد بأنها سعت منذ عام  1963 إلي 1964 في ضرب البرنامج النووي الصيني، كما فكر الاتحاد السوفيتي أيضاً في إجهاض البرنامج النووي والصاروخي الصيني ..

والسؤال ما الذي أعجز كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي عن إجهاض البرنامج النووي الصيني؟

والإجابة ربما يرجع إلي كم المخاطر الهائلة والتي تترتب علي التدخل العسكري ضد دول مثل الصين، والهند، وباكستان، وإيران، لذلك وجدنا الصين تسعي إلي تطوير برنامجها النووي لمواجهة عدوها الأساسي وهي الهند، وبنفس المنطق طورت الهند سلاحها النووي لمواجهة عدوها الصين، وبنفس المنطق طورت باكستان سلاحها النووي لمواجهة عدوها الهند .. ومن هنا أدركت كل تلك الدول أنها لا تريد أن تنعم بمظلة الحماية الأمريكية، لاعتقادها بأن الضمانات الأمريكية لاتكفي للحفاظ علي أمنها القومي، كما لا تكفي لمواجهة العدو القريب والبعيد.

ولذلك وجدنا إيران وبنفس المنطق الذي لجأت إليه كل من الصين، وباكستان، والهند، وهي أنها تشعر أنها في مواجهة عدو قريب وبعيد في ذات الوقت، ألا وهو الولايات المتحدة الأمريكية؛ فمنذ عام 1979 وإيران لديها مشكلتان.. الأولي أن الخطر الخارجي دائما ما يأتيها من الولايات المتحدة بالدرجة الأولي وليس من أي دولة أخري، وبالتالي فإنها تشعر دائماً بأنه لا أمل لها في الحفاظ علي أمنها القومي إلا بامتلاك أسلحة ردع صاروخية بالدرجة الأولي، وتطوير قدراتها النووية، ولهذا فإنه من غير الوارد أن تتخلي إيران طواعية عن قدراتها الصاروخية والنووية.. علاوة علي أن هناك أسباباً أخري تاريخية وسياسية تدفع إيران دفعاً قوياً بتطوير منظومتها الصاروخية والنووية، فأما السبب التاريخي وهي يمثل تاريخ أسود في نظر إيران التي تستشعر دائماً بأنها إن تخلت عن سلاحها، فسوف تكون لقمة سائغة ليس فقط لأمريكا، بل لكثير من دول العالم، وهي في ذلك تراجع في ذاكراتها فتكتشف أنها عاشت تاريخ طويل من محاولات أمريكية في التدخل في شؤونها الداخلية .

وأما السبب السياسي وهو يتعلق بالنظام الذي يحكم إيران منذ سنة 1979، وهذا النظام يمثل جزء من شرعيته يقوم علي عداء أمريكا وإسرائيل، وبالتالي فإنه يواجهها بأسلحة ردع، وهو إن تخلي عن هذه الأسلحة حتي وإن لم يهاجم، فإنه يفقد جزء من شرعيته، ولذلك فهو متمسك جداً بالقدرات الصاروخية وطموحاته النووية، ولكي يتسني له التمسك بكل ذلك فبديهي جداً أنه لا بد أن يجري تجارب بين الفينة والفينة علي تطوير الأسلحة والصواريخ، ولكي يجري هذه التجارب لا بد أن يجريها تحت غطاء البرنامج الفضائي، ولذلك فعندما تطلق إيران قمر من علي مساحة حوالي 425 أو 430 أو الاختصار من 400 كم إلي 500 كلم في الفضاء ضد الجاذبية، فإن هذا يعادل تماماً نفس القدرة علي إطلاق صاروخ عابر للقارات يستطيع أن يصل إلي 3000 كيلو بعيداً عن الجاذبية الأرضية، وبالتالي فإن إيران لها مآرب كثيرة من برنامجها الفضائي منه الرغبة في الوصول إلي النادي الفضائي وامتلاك ستالايت يكون له دور مهم جداً للأغراض العسكرية والمدنية .. لكن الأهم هو تطوير قدراتها الصاروخية والنووية التي لا تعتزم أبدا إيران التخلي عنها ما يعني أننا مقبلون في الفترة المقبلة علي فصول جديدة من الصراع إيران والمجتمع الدولي.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

.......................

المراجع

1- سيد جبيل: ماذا يعني اطلاق ايران لأول قمر صناعي عسكري؟ يوتيوب.؟

2- رياض الراوي: البرنامج النووي الإيراني وأثره على منطقة الشرق الأوسط، الأوائل للنشر والتوزيع، سوريا، 2006.

3- شفير يفتاح (3/2006) الصواريخ الاستراتيجية الإيرانية، تقرير استراتيجي، تقرير 9، ص20، معهد دراسات الأمن القومي، جامعة تلِّ أبيب – إسرائيل.

 

احمد شحيمطالصين أقدم الحضارات القديمة في العالم، يبلغ عدد سكانها ألف وثلاثة مائة مليون نسمة، ما يعادل 20 في المائة من سكان العالم، غنية بطبيعتها الساحرة وجبالها العالية، وتضاريسها المتنوعة وثرواتها المعدنية، موقعها في شرق آسيا، حدودها برية وبحرية، وتاريخها ملئ بالصراعات بين سلالات مختلفة، سلالة تشو، وتشين وسلالة هان، من أبرز الحكماء والمصلحين فيها سون تشي وتشوانغ تسي، وكونفوشيوس الذي عد فيلسوف الصين الكبير، فلسفته قائمة بالأساس على تلقين الناس نماذج السلوك الأخلاقي والاجتماعي، ونماذج الفعل الصادق في التضحية والالتزام بتقاليد بنيت على الترابط والاحترام، يعلم الناس الاستقامة في الحياة والصدق،وعدم الانحراف عن العدالة، وحسن التصرف وتدبير الأمور بحكمة، فلا يحتاج فيه الحاكم إلى طاعة الشعب، بل هناك إذعان تام ومعمم من قبل شعب يعشق الحكمة والاستقامة. ويميل الصينيون الآن في العودة إلى تعاليمه في النهضة والتقدم، وإعادة الاعتبار للإنسان بعيدا عن صرامة الشيوعية وبعدها عن روح التقاليد الأصلية للشعب الصيني الضاربة جذورها في التاريخ . فالصين التي يكثر عنها الحديث اليوم في غمار فيروس كورونا باعتبارها منبع المرض، هي القوة التي يتنبأ لها المحللون في الشأن السياسي والاقتصادي وفي الدراسات الإستراتيجية في المستقبل القريب والبعيد اقتصاديا وسياسيا، ويمكن أن تصبح قوة بديلة للولايات المتحدة وللغرب عموما، وبالتالي ينتقل الثقل ومركز القوة من الغرب إلى الشرق حسب قراءة الخبراء في الدراسات الإستراتيجية في دورة حضارية جديد عندما تشرق الحضارة من جديد وتعود كما كانت في الحضارات الشرقية سابقا.                                    

الصين قوة ناعمة تحكم العالم

كتب جاك مارتن عن نهاية الهيمنة الأمريكية وصعود الصين كقوة اقتصادية عالمية في 2027 في كتاب"حينما تحكم الصين العالم"، في مضمون الكتاب صعود الصين للصدارة في فترة قصيرة والسبب واضح في مؤشرات الصعود من الناحية الاقتصادية، نمو قدرات الصين العسكرية واكتساح العالم بالتجارة والمنتجات الصينية، ستلتحق بالولايات المتحدة بناء على بيانات ومعطيات مادية واضحة في التنمية، والاستثمار في الرأسمال البشري، والناتج الإجمالي من نصيبها في التجارة الدولية ومعدلات النمو، وتتمكن الصين من الريادة بحلول 2050، وسيبلغ دخل الفرد في الصين نسبة 8% وإذا استمر بنفس الوتيرة حتى حدود 2021 فيصل إلى نفس النسبة في الولايات المتحدة الأمريكية، ناهيك عن قوة النمو في كل المجالات، ويقف الكاتب عند مرحلة أساسية من التغير في الحزب السياسي الشيوعي بعد مرحلة ماوتسي تونغ، 1949-1976 - وصعود دنغ شيا وبينغ للسلطة في 1978، تدخلت الرؤية السياسية بضرورة الانفتاح على العالم الرأسمالي وسياسة الرغبة في التعلم من تجارب الآخر، وتعزيز هيبة الصين في قدرتها على الإنتاج والابتكار في كل الصناعات، بما في ذلك صناعة السيارات والصناعة العسكرية، واكتساب الخبرة والعلم في مجال الطب ومحاربة الأوبئة، والريادة في الأعمال والهندسة المعمارية وبناء الطرق والأنفاق، والتخطيط في غزو الفضاء، وبناء السفن والغواصات النووية .         

 مشكلة الصين الأساسية في الموارد الطبيعية، لذلك وضعت الحكومة الصينية إستراتيجية بعيدة المدى في التعاون الدولي . اتضحت رغبة الصين في إقامة علاقات مع الكل، إستراتيجية الانفتاح بعد ما كانت الصين منغلقة، وكانت أبوابها موصدة أو على الأقل صنعت من سياسة الاحتراز جدارا سميكا حتى تحافظ على ثقافتها وتقاليدها، وبقيت الصين صامدة بفضل حكمائها والسلالات التي حكمتها، لم تكن دولة استعمارية، ولم تركب أمواج البحر في الغزو والاستعمار، كانت نائمة كما قال نابليون وعندما استفاقت الصين حققت المعجزة في التنمية والتقدم على جميع الأصعدة، تريد استلهام الحكمة من ماضيها، وتسويق صورتها من خلال هيمنتها النقدية في أسواق النقد الأجنبي من احتياطي العملات الأخرى وخصوصا الدولار، يقظة التنين في مجال الصناعة الثقيلة، وفي مجال الالكترونيات، قوة دبلوماسية في التقرب من البلدان في العالم، وإنشاء وحدة جمركية ومنظمات للتعاون، وحضور قوي في الشرق الأوسط وإفريقيا والمحيط الهادي، تجارة قوية في آسيا والولايات المتحدة الأمريكية، يعني انتشار قوي وتعزيز التوسع الهائل في القدرة على الإنتاج والتصنيع والانفتاح على الاستثمار الأجنبي، وتشجيع السياحة لزيارة الصين في صورتها القديمة بآثارها الخالدة، وصورتها الجديدة في هندسة المدن والمشاريع العملاقة، ما تحتوي عليه من أماكن جذب، كما شيدت الصين بنايات وناطحات سحاب، وحفرت أنفاقا وطرقا، وشرعت في إعادة إحياء طريق الحرير القديم الذي يربط الصين بدول العالم في نطاق واسع للتجارة العالمية، وتكثر الصين من الإنتاج للأشياء بجودة عالية وأقل، واكتسحت الصناعات المحلية بالنسخ وإعادة طرحها من جديدة بأثمنة قليلة.  تقدم نفسها للعالم الآن كقوة اقتصادية منكمشة على ذاتها وتكتفي بنفسها بعيدا عن هيمنة القوى الكبرى، وتريد عرض ثقافتها، ودائما يقال أن الصين بلد مسالم، تعتمد على ذاتها ونصائح حكمائها في القديم، والتزامها بضبط النفس، وعدم الخروج خارج أسوارها، بل لما اشتد الحصار عليها من قبل الأعداء شيدت صور الصين للدفاع، والخروج عن أسوارها يعني نهاية وجودها .                                                                                     

دع الصين تنام وعندما تستيقظ سيرتعش العالم، ظلت الصين منغلقة على ذاتها، ومن داخل حدودها، كان للتجارة والتبادل شأن كبير ومفيد كتجارة العرب معها، وقوافل طريق الحرير، وطموحها الآن إحياء هذا الطريق بوسائل جديدة ومد جسور الصداقة وتبادل المنافع مع القريب والبعيد، أما الصين في نهاية الحرب العالمية الثانية والاحتلال الياباني  فقد تغيرت معالم السياسة بعد موت ما وتسي تونغ، فكانت القبضة الحديدية في سياسية الحزب الواحد والفرد المطلق عواقب ونتائج بين السلب والإيجاب في الحروب والمجاعة، والاضطهاد والإعدام للخصوم، وبين سياسة النهوض بالاقتصاد والتعليم وإعادة الهيبة للصين كقوة صاعدة، الحزب الشيوعي الصيني في قيادته للصين واجه مشاكل عدة بين اتهامات للحزب بالتنصل من النظرية الماركسية اللينينية، وبداية الانفتاح على الغرب الرأسمالي، وبين تصفية الأجواء الداخلية في الإصلاح الزراعي والصناعي، وتهيئة الظروف المناسبة لتطبيق سياسة الحزب، وتطبيق الاشتراكية على الطريقة الصينية، وبعد مدة من المغامرات الإصلاحية وقفت الصين مستوية، بالتوسع في التصنيع وتشجيع الصادرات، وتحفيز الاستثمارات الأجنبية، والانتقال من المجتمع التقليدي إلى المجتمع الاستهلاكي، بل العودة بالصين إلى ثقافة القرن السادس قبل الميلاد، وما قبله في التقاليد العريقة وثقافة الانضباط والواجب أي تلك القيم الكونفوشوسية .       

 عصور الحكمة والقيم التي رسخها حكماء ومنهم كونفوشيوس الذي أكد على أن الوئام الاجتماعي يمكن تحقيقه عن طريق القواعد التي تحكم علاقات الناس في الطبقات المختلفة للمجتمع(1)، بنشر التعاليم خارج نطاق الطبقة الارستقراطية، وذلك يعني تعميم القيم ونشرها في المجتمع حتى يتحقق التماسك بين الكل، وتسود ثقافة الاحترام بين الأب والابن، وبين الكبير والصغير، وبين القائد والشعب . فالصين تحكم العالم من خلال الاقتصاد وقوتها العسكرية والتجارية المتنامية، وتقبع الصين فوق احتياطي من العملة الصعبة، وبالمقابل يعاني اقتصاد أمريكا من مشاكل وعملتها في تراجع، وأكثر من ذلك تحارب أمريكا في جبهات مختلفة، ولها قواعد في أغلب المناطق من العالم، وهي موجودة بفضل أسطولها الحربي وسياسة الدعم والهيمنة والإبقاء على بؤر التوتر . والخوف المتزايد من الصين يحولها إلى قطب عالمي وشريك فعال في الاقتصاد الدولي حتى تعميم الرخاء من دون أن تتحول الصين إلى قوة استعمارية امبريالية تندفع نحو العالم بحثا عن مصالحها على الطريقة الأمريكية، دراسات ومواقف من الصين كقوة صاعدة ستحكم العالم .                                                                                      

الصين قوة مدمرة ومهيمنة

لا يعتقد الناس الآن في العالم أن الصين يمكن أن تتحول إلى قوة مهيمنة ومدمرة، بفضل حاجتها للموارد الطبيعة وتسويق منتجاتها لباقي العالم، دولة صناعية وأكبر كثافة بشرية، وحزبها الشيوعي يناور تحت غطاء تبادل المنافع والمصلحة، حتى أصبحت الصين اكبر دائن للدول الأخرى، وتمتلك من السيولة النقدية ما يسيل لعاب الدول الأخرى في التعامل معها، وأزمة كورونا تركت العالم تحت رحمة المساعدات الصينية في الأجهزة الطبية وخبرة الأطباء والعلماء، وبلغت أرباحها حسب مصادر إعلامية 1.4 مليار دولار من المعدات الطبية، أربعة مليارات قناع وأكثر من 37 مليون بذلة واقية وأجهزة التنفس. إذا عطس التنين ارتعش العالم، قدرتها على إنهاء الوباء وتقديم العون والإرشاد للدول الأخرى  نالت استحسانا من قبل الكل، خبراء أمريكيون يقللون من قدرة الصين ويعتبرون صعودها اقتصاديا وليس سياسيا أو عسكريا.

يظل نظامها شموليا لا يبنى على فلسفة ديمقراطية، بل يمكن القول إنها مزيج من الاشتراكية والرأسمالية، والحزب الشيوعي الصيني اختار الرأسمالية الشمولية بدل الرأسمالية الديمقراطية، وفي خطط الصين الكبرى هناك التزام بالتخطيط العسكري القائم على آراء وفلسفة سون تزو، وللصين قوة عسكرية تدعو إلى الذهول، فهي القوة الثالثة في العالم فيما يتعلق بعدد رؤوس الصواريخ النووية بعد الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، وهي تحتل المرتبة الثانية في عد الغواصات النووية بعد روسيا، بالإضافة إلى ذلك فإنها أطلقت برنامجا طموحا لحاملات الطائرات(2)، وإذا نشبت الحرب بينها وبين الغرب في بحر الصين الجنوبي أو من خلال تصاعد التوتر التجاري أو سيطرة الصين على تايوان وغيرها من الأسباب، فان الصين تمتلك من القوة ما يجعلها تهدد المحيط الهادي، وتزرع الرعب والأزمة الاقتصادية في العالم، ومن الحكمة والرزانة في القيادة الانجرار للحرب الشاملة، وتكرار أزمات المرحلة السابقة، هناك حذر شديد في التعامل مع القضايا والأزمات، وهناك إدراك للحزب الشيوعي الذي لا يستهدف العالم بتصدير  نظام سياسي، بل التقارب بين الصين ودول العالم على أساس تبادل المنافع، وفي توسيع شبكة الطرق، وشبكة العلاقات التجارية مع العالم .

 تريد الصين سحب البساط من تحت أمريكا والغرب في المجال الاقتصادي، ومن ثمة تتحول إلى قوة ناعمة، والخوف من تنامي هذه القوة أن تتحول إلى قوة تدميرية لكل الأنظمة الخارجة عن فلك الشيوعية، التضحية ومقاومة الفيروس وامتثال الشعب قائمة، وبناء مستشفى في ظرف وجيز جدا ينم عن قدرة ودهاء في السيطرة على وضع ما، والتزام الناس بقواعد السلوك في الحجر الصحي، والانضباط في قواعد الاستهلاك ترك صورة بطولية في أذهان العالم عن الفرق الشاسع بين أمريكا والصين وحكمة رئيسها، وزاد من احترام هذه الدول المساعدات المادية والمعنوية، وإمداد الدول بالخبراء والأطباء، وبيع الكمامات للعالم والأجهزة الطبية، فلا بديل تطرحه الصين الآن، لا في الشيوعية ولا في الكونفوشوسية، ولا ينطق زعمائها الآن عن برامج الصين المستقبلية وقدرتهم في زعامة العالم، الصينيون يدعون أنهم من سلالة التنين، ولا يلتزم الصيني بالمعاهدات لأنها ضد سنة الحياة المتغيرة . هنا نخشى أن يكون انطباعنا عن الصين خاطئا وتتحول إلى القوة استعمارية جديدة، والإمكانية قائمة في الطلب على الموارد الطبيعية، والحاجة لاكتساح العالم في حالة تعرض مصالحها للتهديد في آسيا وإفريقيا، وبالنسبة للعالم الثالث تعتبر الصين المورد للسلع والبضائع المختلفة ويأمل هذا العالم أن تكون الصين ندا وقطبا في مواجهة الهيمنة الأمريكية والحد من تدخلها في سياسة العالم .

 

أحمد شحيمط

.......................

هوامش:

(1) هيلدا هوخام " تاريخ الصين " ترجمة اشرف محمد كيلاني، المشروع القومي للترجمة الطبعة الأولى 2002 ص36

(2) انطوان برونيه "جون بول جيشار " التوجه الصيني نحو الهيمنة العالمية الامبريالية الاقتصادية " ترجمة عادل عبد العزيز أحمد –المركز القومي للترجمة الطبعة الأولى 2016 ص34