مصطفى غلمانتقييم مصالح وزارة الداخلية للوضعية الوبائية في المغرب، لا يجب أن يتعدى حقل الأمن القومي المغربي.

كل التدابير والإجراءات الاحترازية الوقائية التي قامت بها وزارة لفتيت لحد الآن، ناجحة، وايجابية، لأنها في صلب مسؤولياتها الدستورية والقانونية، ..

غير أن الفتوى الأخيرة، التي وقعتها تحت طائلة جمع كل السلط، بما فيها تلك التي لا يمكن أن تكون إلا تحت وصاية خبير إعلامي وإداري في علوم الاتصال، - (والمغيب راهنا بفعل الضعف الحكومي والتشرذم السياسي) - والتي كرست فيها عزلا تقييديا من نوع آخر، يصب في اتجاه إعادة التطبيع مع تاريخ الجمع بين وزارة الداخلية والإعلام، في محاولة منها إلى إعادة نفس السيناريو المشؤوم، الذي يفكك أدوار المجتمع الاعلامي عن الواقع  ..

الذي أقدمت عليه وزارة الداخلية الآن، تحت مقصلة منشور قانون الطوارئ، بمنع الصحفيين من أداء مهمتهم ليلا، وتمييزهم عن سواهم من العاملين بالقطاعات الرسمية والإذاعات الخاصة، هو كشرب الماء دون إناء!

الزمن الصحفي هو السيرورة الوحيدة في الرقابة والتتبع والتحصين ضد الفوضى. وحجبها بالليل او النهار انتهاك للمجتمع والإنسان والتاريخ، قبل القانون والدستور  ...

السيد لفتيت، أنت بارع ومدبر ألمعي في ماكينة الشان العمومي المؤسساتي، بالأدوات التي تصلح لتحقيق الأمن وإدارة مشاريع السياسة العامة لنشاط الوزارة والأجهزة التابعة لها في المجال الأمني في إطار السياسة العامة للدولة ووضع الخطط والبرامج اللازمة.

أما قطاع الإعلام والاتصال، فهو رهين السياسة العامة لنشاط الوزارة المعنية بالإتصال. والتي مع الاسف الشديد غائبة ومتوارية، وليس لها أي دور، حتى لا يتجرأ أي كان في حكومة آخر زمان، على القفز على اختصاصاتها، والركوب على ضعف ربانها.

على الأقل تأمل يا سيدي الوزير، حجم المعاناة والآلام التي يعانيها الصحفيون اليوم، في ظرفية صعبة، كالتي تشهدها طفرة الوباء القاتل فيروس كورونا، لتتأكد من عدم صوابية قرارك، الذي سيدمغ على مفرك التاريخ، وتقصم به ظهور السنابل العطشى و البطون الفارغة

 

د. مصطفى غلمان

 

بشار الزبيديترجمة: بشار الزبيدي

في 8 آذار 1945 احتفلت أوروبا بالنصر على الفاشية. كان الأجواء متوترة آنذاك في أسواق دمشق. وقبل أسبوع من ذلك خرج الآلاف إلى الشوارع للمُطالبة بإنهاء الحُكم الفرنسي. وأخذ الوضع بالتصعيد خلال احتفالات النصر يومي 9 و 10 أيار. احتشد المُتظاهرون السوريون، المدعومون بعودة جنود الكولونيالية العرب الذين شعروا بالخداع من النصر، في شوارع المدينة حاملين شعارات تدعوا إلى تحرير سوريا وغيرها من البلدان ذات الهيمنة الأجنبية في الشرق الأوسط. وسرعان ما امتدت الاحتجاجات إلى مدن أخرى.

رد الفرنسيون بقيادة الحاكم العسكري المُعيّن حديثاً في دمشق، الجنرال فرناند فرانسوا أوليفا-روجيه، بكل قسوة. تم إعلان الأحكام العرفية. وتبع ذلك ثلاثة اشتباكات عنيفة. في 29 و 30 أيار، وقصفت القوات الجوية الفرنسية أجزاء من وسط مدينة دمشق، بما في ذلك مبنى البرلمان. وسقط ما بين 600 و 2000 شخص جراء القصف. العدد الدقيق للقتلى غير معروف لأن الفرنسيين ألقوا الجثث في مقابر جماعية. شكلت الاحتجاجات بداية نهاية الحكم الفرنسي في المنطقة. بعد ذلك بعام، في 15 نيسان 1946،غادر آخر جندي فرنسي بلاد الشام.

دعم النظام النازي

حدثت مشاهد مُماثلة لما حصل في دمشق في العالم الكولونيالي بأسره في الأسابيع التي تلت نهاية الحرب. ربما كانت الحرب العالمية الثانية أهم نقطة تحول تاريخية في القرن العشرين في الشرق الأوسط: فقد بدأت معها نهاية هيمنة القوى الاستعمارية القديمة بريطانيا العظمى وفرنسا في المنطقة.

كانت أجزاء كبيرة من المنطقة قبل الحرب تحت الحُكم الأوروبي. شكلت فرنسا سلطة انتداب في سوريا ولبنان. وسيطرت بريطانيا بشكل مباشر أو غير مباشر، على مصر، وفلسطين، وشرق الأردن والعراق، وما وراء هذه المناطق كان لها تأثير إمبريالي هائل في جميع أنحاء المنطقة. بعد اندلاع الحرب، عندما قاتل الحلفاء ضد قوى المحور في شمال إفريقيا، انجذب الشرق الأوسط تدريجيًا إلى الصراع. لم تكن المنطقة ذات أهمية إستراتيجية فقط بسبب حقولها النفطية، وإنما أيضًا بسبب موقعها الجغرافي السياسي. بعد غزو الاتحاد السوفياتي في صيف عام 1941، طور هتلر خطة تسمح للفيرماخت (قوة الدفاع) بالتقدم إلى الشرق الأوسط من شمال أفريقيا والجبهة الشرقية وعبر القوقاز.

دعمت برلين في الوقت نفسه انتفاضة السياسي الصديق لقطب المحور رشيد الكيلاني في العراق. ورغم ذلك، تم إحباط الانقلاب بسرعة من قبل الجيش البريطاني. هرب الكيلاني إلى برلين. بالإضافة إلى ذلك،احتلت الوحدات البريطانية وقوات الجنرال ديغول أراضي سوريا ولبنان التي تسيطر عليها فرنسا الفيشية، بينما احتلت القوات البريطانية والسوفيتية إيران المُستقلة. حتى أصبح الشرق الأوسط تحت سيطرة الحُلفاء.

أعطت الحرب العالمية الثانية دفعة قوية لجهود تحقيق الاستقلال في العالم العربي. بعثت إذاعة النظام النازي وبروباغندا المناشير المُناهضة للكولونيالية، التي تهدف إلى زعزعة استقرار مناطق ما وراء الجبهة، الآمال بين الحركات القومية المُناهضة للاستعمار. عندما دخل رومل مصر في صيف عام 1942، أعلنت إذاعة برلين الدعائية باللغة العربية أن هتلر لن يضمن "استقلال مصر وسيادتها" فحسب،بل سيحرر أيضًا "الشرق الأوسط بالكامل" من " النير البريطاني".

بينت البروباغندا الألمانية أن النظام النازي هو راعي لحركات التحرر الوطني في الشرق الأوسط. وقد دعمت هذه الجهود القادة العرب المناهضون للاستعمار الذين لجأوا إلى برلين خلال الحرب. كان أهمهم مُفتي القدس الشهير أمين الحسيني.

التحرر من القوى الإمبريالية

لكن الحلفاء أيضًا وعدوا بالاستقلال أثناء الحرب لكسب دعم العالم العربي. وقد صورت دعايتهم الصراع على أنه صراع وجودي من أجل الحرية والديمقراطية وضد الاستبداد والديكتاتورية. وقد كفل الميثاق الأطلسي، الذي تم التصديق عليه في صيف عام 1941، "حق جميع الشعوب في اعتماد شكل الحكومة التي يرغبون في العيش في ظلها. "، ووعد باستعادة" الحقوق السيادية والحكومات المستقلة لجميع الشعوب التي سُلبت منها بالإكراه " في نظام ما بعد الحرب, كانت هذه الكلمات تتعارض بوضوح مع الوقائع في الشرق الأوسط. ومع ذلك، فقد أثارت الأمل في الاستقلال المُبكر في ظل الحركات المناهضة للاستعمار.

لم يكن بإمكان الجبهة المعادية للكولونيالية،التي غذتها وعود من جميع الأطراف خلال الحرب، قادرة على النصر في فترة ما بعد الحرب. كان النظام العالمي القديم يمثل التاريخ. وقد ثبت ذلك على الأقل من خلال الاحتجاجات العربية بعد 8 مايو 1945. ولكن ليس فقط الوعود التي قُطعت خلال سنوات الحرب لعبت دورًا. أدت الحرب إلى تغييرات هيكلية كان يصعب قلبها. لقد أثرت القومية المعادية للاستعمار على جميع شرائح المجتمع تقريبًا. في الوقت نفسه، أدى عبء الحرب إلى زعزعة استقرار القوى الإمبريالية البريطانية والفرنسية اقتصاديًا وسياسيًا. وقد أدى الصراع أيضًا إلى أزمة شرعية: هزت الهمجية في أوروبا الثقة بمزايا الحضارة الغربية. تم تدمير فكرة العظمة، وهي تبرير أيديولوجي أساسي للحكم الإمبريالي الأوروبي. أثار جورج أورويل عشية الحرب سؤالًا مفاده: كيف يُمكن لبلاده "محاربة الفاشية"مع إدامة "الظلم الأكبر" الخاص بالإمبراطورية البريطانية.

نتيجة للحرب، أصبحت العديد من الدول العربية في الشرق الأوسط مُستقلة. أُعلنت الجمهورية السورية عام 1946. أصبح في نفس العام الأردن مستقلًا تمامًا عن التاج البريطاني. استقل لبنان رسمياً خلال الحرب عام 1943. وانسحبت بريطانيا العظمى في عام 1948 من فلسطين. وفي خمسينيات القرن الماضي، تحرر العراق أخيراً من النفوذ البريطاني.

خطاب الهولوكوست المُتعدد الأوجه

الصراع الفلسطيني هو فصل خاص من هذا التاريخ. ارتفعت الهجرة الصهيونية إلى فلسطين الخاضعة للسيطرة البريطانية بشكل كبير في فترة ما بين الحربين وكان يُنظر إليها على أنها محاولة من أوروبا لاستعمار البلاد. وأدى ذلك إلى تزايد المُقاومة التي بلغت ذروتها خلال الانتفاضة العربية 1936-1939. حاول النظام النازي خلال الحرب زيادة تأجيج الصراع بالدعاية المعادية للسامية باللغة العربية. اندلعت الحرب العربية الإسرائيلية الأولى كجزء من الاستقلال في عام 1948 وتم تقسيم البلاد.

لعبت الحرب العالمية الثانية والمحرقة اليهودية دورًا مُهمًا في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني في سنوات ما بعد الحرب. كان خطاب المحرقة العربي معقدًا منذ البداية، كما أوضح مؤرخا الشرق الأوسط مئير ليتفاك وإستير فيبمان في بحثهما حول هذا الموضوع بعنوان "من التعاطف إلى الإنكار". في البداية، غالبًا ما عبرت قضية المحرقة عن التعاطف والتضامن. وفي وقت لاحق كانت هناك محاولات متزايدة لاستخدام ذاكرة التاريخ في سياق الصراع في الشرق الأوسط. ازداد التسويغ وزادت الخُطب الصغيرة أو إنكار المحرقة (ومعادلة المحرقة مع اضطهاد الفلسطينيين) والتي لا تزال تتوسع حتى يومنا هذا.

هناك أسباب عديدة لهذا الموضوع. من ناحية، لدى معارضي إسرائيل في العديد من البلدان العربية فكرة أن المحرقة أدت إلى قيام إسرائيل في عام 1948 وأن الفلسطينيين دفعوا إلى حد ما ثمن الجرائم الألمانية. وبالطبع هذه حجة ضعيفة: فالحركة الصهيونية أقدم بكثير. ففي الحرب العالمية الأولى، قدمت القوى العظمى وبالدرجة الأساس بريطانيا عبر وعد بلفور - وعودًا بشأن دولة يهودية في فلسطين. بالإضافة إلى ذلك، كانت المحرقة ذات أهمية كبيرة في الخطاب السياسي لإسرائيل منذ عام 1948. وبالتالي فإن التشكيك بالإبادة النازية لليهود يبدو للخصوم وسيلة مُناسبة لمهاجمة الدولة في أسسها.

ولكن كانت هناك دائما أصوات عربية أخرى حاضرة. فقد شدد على سبيل المثال المُفكر الفلسطيني الأمريكي الناقد لإسرائيل إدوارد سعيد على "الاعتراف بالتجربة اليهودية بكل رعبها وخوفها". وإن فهم هذا الماضي سيعزز الإنسانية ويساعد على ضمان عدم نسيان كارثة مثل المحرقة وعدم تكرارها أبدًا. لا تزال المُناقشات حول المحرقة والحرب العالمية الثانية حاضرة في العالم العربي. أن التاريخ العربي والأوروبي للقرن العشرين يبدوا مكشوفًا كما لو أنه يقبع تحت عدسة مُكبرة.

 

....................

عن صحيفة NZZ  السويسرية

 

محمود محمد عليمن الضروري فهم الأسباب في المرض والأوبئة بالذات، فرغم التقدم العلمي والنقلة العلمية الكبيرة التي حدثت في القرن الماضي المنصرم ؛ حيث تم اكتشاف التطعيمات والأمصال والمضادات الحيوية المهمة كالبنسلين، فإنه علي مدار القرنين الماضيين احتلت الأوبئة والأمراض المستشرية أو "المعدية" واجهة من واجهات التاريخ البشري، وقد توقف عندها المؤرخون بصفتها حروباً مستترة أو غير معلنة، استطاعت أن تقضي على أعداد هائلة من البشر على مر العصور؛ وليس وباء الكورونا الخطير الذي يرعب العالم اليوم ويجتاح بلداناً وأصقاعاً إلا نموذجاً من الأوبئة الشهيرة التي غزت التاريخ وأحدثت هزات عنيفة في الحياة الجماعية، متخطية التخوم الجغرافية والسياسية، مخلفة وراءها مآسي ما برحت محفورة في الذاكرة العالمية، وذلك كما قال عبده وزان في مقاله" الأوبئة تجتاح الروايات... من "طاعون" ألبير كامو إلى كوليرا ماركيز".

وعندما تولى محمد على باشا حكم مصر عام 1805، كان لديه مشروع بناء دولة وأن تكون دولة حديثة، ومنذ أن سقطت دولة المماليك المصرية على يد سليم الأول سنة 1517 لم تكن هناك دولة مصرية؛ كانت هناك مصر الجغرافيا والشعب؛ وكان يقال عنها فى أدبيات ذلك الزمان «الديار المصرية» أو «ولاية مصر» التى تتبع السيادة العثمانية بكل مقتضياتها؛ وبناء الدولة له متطلبات عديدة من أهمها : بناء الفرد، الإنسان؛ الذى تقوم عليه الصناعة وبه تتقدم الزراعة وتؤسس المدارس وتبنى الجيوش وتتكون؛ وهكذا اتجه محمد على إلى الحفاظ على حياة الإنسان ليكون منتجًا، وكان لزامًا عليه أن يواجه الأوبئة التى قد يتعرض لها الإنسان والمجتمع؛ ولا يجب أن يتعامل معها باعتبارها قضاء مكتوبا يتم الاستسلام له؛ أو أنها غضب وانتقام إلهى، وذلك كما ذكر حلمي النمنم في مقاله بالمصري اليوم كورونا .. محمد علي والجبرتي.

ومع بداية ومنتصف ثلاثينيات القرن 18 انتشر وباء الكوليرا في مصر، ووصل عدد ضحاياه إلي أكثر من 150 ألف نسمة، واجتمع قناصل الدول الأوربية في الاسكندرية خوفاً من تسرب الطاعون للدول الأوربية بالإسكندرية خوفاً من تسرب الطاعون للدول الأوربية، وشكلوا فيما بينهم مجلساًً للصحة، وكان هذا المجلس يهيمن علي الأمور الصحية، ويشرف علي إنشاء معازل ؛ حيث قام بفرض معازل وأماكن حجر صحي في مواني دمياط ورشيد والعريش لمنع انتشاره إلي دول أخري.

ويذكر "محمد الدسوقي" في كتابه "تاريخ الطب في مصر"، أن مؤسس مدرسة الطب في مصر "كلوت بك"، أن وباء الكوليرا عام 1831م، القادم من مكة المكرمة لمصر، كان النواة الأولى لإقامة مكاتب للصحة في دمياط ورشيد والعريش، إذ أنشأت هذه المكاتب عام 1832م وأنشئ معها محجر صحي بالإسكندرية لتكون هذه المكاتب هي أول نواة لمكاتب الصحة في مصر للسيطرة على الأمراض والأوبئة ومن بينها الكوليرا، قبل إنشاء مقر وزارة الصحة في ثلاثينيات القرن الماضي، واهتم كلوت بك الذي حاصر الأمراض مع تلاميذه في بلاد الشام بالقضاء علي الأمراض التي كانت منتشرة في مصر أولاً، مثلما يؤكد المؤرخون، فاستخدم التطعيم للقضاء على مرض الجدري الذي كان يؤدي لهلاك 60 ألفًا من الأطفال كل عام، حيث قام هو وتلاميذه بمعالجة المرضى وفي عام 1837م نقلت المدرسة الطبية من أبي زعبل إلي القاهرة وتم افتتاح مدرسة لتعليم القابلات الولادة.

ومن هنا أصبحت العناية بالصحة العامة من أهم أولويات محمد علي لا سيما في بلد كثرت فيه الأمراض والأوبئة، وقد شكلت هذه الأمراض الوبائية عائق أمام أفكار ومشروعات محمد على لتحديث مصر، حيث أزهق الطاعون والكوليرا أرواح آلاف من الضحايا، وأثار ذلك انتباهه إلى خطر ضياع الموارد البشرية مما جعله يفكر في تطبيق نظام الحجر الصحي.

وبالفعل قرر محمد علي باشا اتخاذ العديد من الإجراءات الوقائية، بدءً من إقامة «حجر صحى» فى الجيزة؛ وقد اختار الجيزة على النيل مباشرة، ربما لأنها محطة القدوم من الصعيد إلى العاصمة والعكس؛ وهكذا أراد الحجر الصحى لمنع انتقال المرض وتفشيه فى أنحاء مصر؛ وطالب باتخاذ العديد من الإجراءات الصارمة فى النظافة وغيرها؛ وبمعيار اليوم فهى إجراءات مهمة وضرورية، وهنا اقترح طبيب محمد على باشا الإيطالي جيتاني بك Gaetani عليه أن يحد من دخول السفن الآتية من إستانبول التي أصيبت في ذلك العام بوباء الطاعون. وفي العام التالي انتشر الطاعون في مختلف نواحي الدلتا، ولذلك عبر الباشا عن رغبته في إقامة حجر صحي (كورنتينا) في الإسكندرية، يحجز فيه المسافرين والبحارة والسفن الذين يصلون من مناطق مصابة بالطاعون، على أساس أنه من المحتمل أن يكون المرض منتشر بينهم وذلك للمتابعة والعلاج وذلك كما إبراهيم العسكري في مقال" الأوبئة والأمراض وتاريخ الحجر الصحي فى مصر بالعصر الحديث".

وفي عام 1835 شكل محمد علي لجنة أخرى للإشراف على الحجر الصحي سميت (بمصلحة الكورنتينة) كانت تحت إشراف القنصل الإنجليزي (كامبل)، والقنصل الروسي (دوهاميل)، وظلت كذلك حتى عام 1856 ؛ حيث اتحدت مصلحة الكورنتينة التي تختص بمنع دخول الأوبئة إلى البلاد مع مجلس الصحة الذي يختص بالشئون الصحية الداخلية في مجلس واحد سمي (مجلس الطب الخصوصي)، ولقد تم تغير اسمها في سبتمبر عام 1880 إلى (مجلس عموم الصحة المصري ومشورة الكورنتينات المختلطة بالإسكندرية)، ثم تحول الإشراف على الحجر الصحي إلى (مصلحة الصحة البحرية والكورنتينات) في ديسمبر 1880، وغير اسمها مرة أخرى إلى (مجلس الصحة البحرية والكورنتينات) بالإسكندرية وأصبح عمله مقصورًا على مسائل الحجر الصحي، بينما نقل مجلس عموم الصحة إلى القاهرة وأصبح مختصًا بجميع المسائل الصحية الداخلية للبلاد.

وكان يوجد بالكورنتينة إقامة للمرضى ومؤن من الطعام، وتعيين لزوم إقامتهم، وكان يقيم بها حسب وثيقة غرة صفر 1275 هـ /1858م، حوالى 87 من المرضى والفقراء «المقاطيع» وعند خروجهم كان يصرف لهم من المؤن و«البقسماط»، وكان منهم عابرو سبيل الذين لا تسمح حالتهم بالإقامة فى الأحواش، والتى كانت بمثابة فنادق ربما كانت أسعارها ليست فى متناولهم، وقد عينت الحكومة لتلك الكورنتينة حراسا أشداء لحماية الأطباء والممرضين والمرضى من اعتداءات اللصوص، وكذلك دفع أجرة لهم لتوصيل الحجاج إلى بئر عنبر فى قفط. وفى عام 1864، تم تعيين الدكتور «كارل بنيامين كلوسنجر»، العالم والطبيب ألمانى الجنسية فى عهد الخديو إسماعيل، لمدة عشر سنوات فى نفس موقع المستشفى، وكانت تسمى الرسوم والعوائد الصحية بالصحة والكورنتينات، وأضيفت بعض المبانى للحجر الصحى وجرت ترميمات فى عهد سعيد باشا.

أما حي "الكرنتينا" في الإسكندرية، فله قصة أخرى، ذكرتها الباحثة لافيرن كونكه في كتابها "الصحة العامة في مصر القرن التاسع عشر"، إذ تشير إلى أن إقامة "الكرنتيلات" في الإسكندرية يعود إلى زمن تفشي وباء الكوليرا في عصر محمد علي عام 1831، والذي كان أكثر الأوبئة فتكا في تاريخ مصر، ففي غضون شهرين أودى الوباء بحياة 150 ألف من مجموع السكان البالغ عددهم ثلاثة ملايين ونصف المليون نسمة.

في ذلك الوقت اقترح محمد علي على القنصليات الأوروبية تنظيم مجلس لحماية المدينة الساحلية من الوباء، وذلك وفقًا لما ذكرته الباحثة كونكه. واجتمع 17 من ممثلي القناصل وعينوا لجنة من خمسة رجال ليكونوا أول "مجلس حجر صحي" بالإسكندرية، وقد تمثلت الخطوة الأولى في تطويق المدينة ونشر الأطباء.

لم يكتف محمد علي بذلك بل بني عدة "كرنتينات" في أنحاء مصر، وهي مكاتب خاصة بالحجر الصحي في المناطق الحيوية التي تطل على الموانئ البحرية، وذلك لعزل القادمين إلى البلاد أربعين يومًا، لحين التأكد من سلامتهم، وقد كان من بينهم "كرنتينا" الإسكندرية، الواقعة بالقرب من الميناء، كما كانت تسمي "لازاريت"، وهي حي الأزاريطة بالشاطبي الأن، حيث  يمثل أول "محجر صحي" على غرار المعازل الأوروبية، وقد سمي بهذا الاسم نسبة إلى أول حجر صحي في فرنسا، والذي كان يستخدم لحجز المجذومين، وتحول هذا المبني الأن الي مقر المركز الأفريقي لصحة المرأة أمام مسجد القائد ابراهيم.

وجدير بالذكر أن محمد على باشا كان أسبق من الدولة العثمانية في تطبيق نظام الحجر الصحي بمصر، إذ أنشىء مجلس الحجر الصحى فيها عام 1831 م، بينما أنشىء مجلس الحجر الصحى فى الدولة العثمانية عام 1838م. وبالتالي فإن التاريخ يؤكد أول حجر صحي في مصر كان بالإسكندرية في عهد محمد علي، والذي قرر أن يكون الحجر الصحي على نفس نمط المحاجر الصحية أو المعازل الأوروبية، وعُرف باسم "كورنتيلة" أو "لازاريتو"، في مكان مبنى منظمة الصحة العالمية بجوار الميناء الشرقي، وتم تحريف اسم مكان الحَجْر الصحي في عصر محمد علي (لازاريتو) ليصبح (الأزاريطة) في عصرنا الحديث، وهي اسم المنطقة الواقع بها المبنى حاليا"..

وقد عرفت مصر خلال القرن التاسع عشر اثنين من الأوبئة الفتاكة هما الكوليرا التي كانت انتشرت بشدة في أعوام 1831، 1848، 1865، 1883، والتى كانت غالبا ما تأتي إلى مصر مع الحجاج العائدين من الحجاز، أما وباء الطاعون فقد فتك بالمصريين خاصة في عام 1801 وعام 1835، بالإضافة إلى مرض الجدري الذي حرصت الحكومة المصرية على التطعيم ضده أجباريا.

ويرسم شيلدون واتس فى كتابه «الأوبئة والتاريخ.. المرض والقوة والإمبريالية» صورة متخيلة للزائرين المعاصرين الذين يقفون أمام ضريح محمد على باشا فى مسجده بالقلعة حيث يسمعون تنهيدة يتبعها صوت محمد على قائلا: «لكني أخيرا فزت بالنصر على الطاعون".

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

 

 

محمود محمد عليفي ساعة متأخرة من مساء الأثنين الماضي الموافق 20 أبريل 2020 هوى سعر برميل النفط الأمريكي في العقود الآجلة لاستحقاق مايو إلى 11 دولارًا، قبل أن يستقر دقيقتين عند دولار واحد فقط، ليواصل سقوطه إلى سالب 3.7 دولار، قبل أقل من خمس دقائق، ليقبع في الهاوية عند سالب 37 دولارًا للمرة الأولى في تاريخه حتى كتابة تلك السطور.

خبراء عزوا الهبوط لأسباب من بينها: وجود مخزون كبير لدى الولايات المتحدة الأمريكية، فأصبحت الكمية المعروضة كبيرة، ويريد المستثمرون التخلص منها، بل ذهبوا إلي أبعد من ذلك؛ حيث فسروا أن ما حدث على أنه يمثل «إعادة رسم الاقتصاد العالمي بالكامل» مرجحين انخفاض الأسعار إلى عدة أسباب أولها شراء الولايات المتحدة الأمريكية البترول بأسعار رخيصة وتخزينها، ومع الأزمة العالمية الأخيرة من توقف حركة الطيران بعد أزمة كورونا زاد المخزون؛ إضافة إلى أن الإنتاج الأمريكي يعتبر بترول صخري، فضلًا عن الركود العالمي في سوق النفط، ما أدى إلى البيع بالسالب في أجل مايو.

تحركات في كل اتجاه يحاول الرئيس الأمريكي ترامب القيام بها بعد هبوط تاريخي في أسعار الخام الأمريكي وصل إلي ما دون الصفر، ودراسة وقف شحنات النفط القادمة من السعودية هو وراء ما يصل إلي 75 مليون برميل من النفط الأمريكي وإضافته للمخزون الاستراتيجي، علاوة علي أوامر لوزراتي الطاقة       والخزانة من أجل توفير أموال لإنقاذ الشركات النفطية من الإفلاس.

وبموازاة ذلك وجدنا بورصات تهبط خلال تعاملات الثلاثاء 21 أبريل 2020، ولذلك قال الرئيس الأمريكي ترامب وصرح بأننا ندرس وقف شحنات النفط القادمة من السعودية، وسنستفيد من انهيار الأسعار لملء مخزوننا الاستراتيجي ... أما الكرملين: فقد أكد أن المضاربات وراء انهيار العقود الآجلة للخام الأمريكي، وأنه لا توجد كارثة في سوق النفط العالمية، ومن الخطأ الربط بين انهيار العقود الآجلة للنفط والسعر الفعلي للخام .

والسؤال الآن الذي يمكن طرحه الآن بقوة: من يتحمل مسؤولية هذا الانهيار: كورونا أم ترامب؟

اعتقد أن كورونا هي المسؤول الأول عما نحن فيه، ولكن هناك سبب ثاني أيضاً وهو تخمة الأسواق بهذه السلعة التي هي نتيجة تباطؤ وتيرة الطلب الذي وصل إلي نحو التوقف التام هو الذي أدي إلي الانهيار المتسارع، والذي لا اعتقد انه سيتوقف في المستقبل القريب.. وأما عن كيفية التعامل مع هذه الانهيارات أو التقلبات، فهنا نشعر بالتباين بين اقتصاديات ضخمة قوية ثابتة، وتستطيع أن تتأقلم مع ظروف طارئة وبين اقتصاديات هشة أصلا ً، ومرشحة للدمار والانهيار.. الآن عندما نتحدث عن هذه المسألة تحديداً هناك السعودية وروسيا والولايات المتحدة، فالثلاثة كما اعتقد أنه بشكل أو بآخر سيستفيدون في المحصلة مما نحن فيه من أوضاع .. أما المسألة إن كانت فعلاً كما يقول أصحاب نظرية المؤامرة بأن المسألة هي حرب أسعار سعودية – روسية وأدت إلي إرباك أو تسجيل نقاط ضد الاقتصاد الأمريكي فإن هذا فيما اعتقد هو تفسير خاطئ محكوم بالغائبية أو المواقف الأيديولوجية.

ولذلك يجب ألا ننسي ما قاله ترامب من أن الانهيار ظرفي وسيتم التخلص منه في القريب العاجل، وبالتالي من المتوقع عودة الأسعار إلي طبيعتها علي المدي القريب في حالة إذا ما انتهت كورونا، وبالتالي فإنه يمكن القول بأنه تحت هذا الظرف الطارئ في ظل كورونا رأينا رأي العين أن عجلة  الاقتصاد شبه متوقفة اجمالا بل وهوت نسبة الطلب علي الطاقة بمستويات قياسية وهو ما أدي بنا الوصول إلي هذا الوضع، وبالتالي فإن عمر هذه الأزمة سيكون بعمر انتشار فيروس كورونا؛ بمعني أنه علي حسب الإجراءات التي يمكن اتخاذها سواء كانت اجراءات اقتصادية أو سياسية تعجل بحركة الاقتصاد والعودة إلي الأعمال أو اكتشاف حل أو علاج للفيروس من شأنه أن يرفع المعنويات ويعيد الأمور إلي جزء من نصابها

وهنا يجب أن نشيد ونثمن علي موقف السعودية منذ الخامس من 2020 عندما قال وزير الطاقة السعودي: هناك حاجة في خط الإنتاج والرؤية المستقبلية مضطربة وانتشار الفيروس مستمر، ومن هنا نري أن هذا الظرف هو الذي يتحكم في المشهد إجمالاً ما الأسواق تنتظر خبر إيجابي أو تنتظر العودة إلي مداولة الأنشطة الاقتصادية من أجل صنع مشهد جديد..

وهنا قد يتساءل البعض: هل تكفي إدارة الرئيس ترامب ما يكفي من الأوراق من أجل جعل هذه الأزمة المتعلقة بانهيار أسعار الخام الأمريكي ألا تطول لأيام أخري؟

اعتقد أن الأوراق في يد ترامب من حيث أن هذه المشكلة في الأساس أمريكية – محلية فطبيعة الأمور ستؤثر، بل أثرت بالفعل علي اقتصاديات العالم بأسره، وخاصة منطقة الخليج وأوربا، ولكن الموضوع في الأساس هو أمريكي .. الآن تعهد ترامب وأصدر تعليماته وبالتالي هناك تحرك علي عموم الصعيد الأمريكي .. وزير الطاقة ووزير الخزانة الأمريكيان تلقيا الأوامر من ترامب بالعمل علي مساعدة ودعم الشركات الأمريكية التي تعمل بهذا القطاع وقيمة موجودات 81 مليار دولار.

الآن هناك هدف استراتيجي كبير يعمل من خلاله ترامب علي تحقيقه في هذا التوقيت، وهو الاستفادة من هذا الانهيار الأسعار حتي يشتري كمية النفط التي هي أصلاً موجودة وتجوب بحار العالم شرقاً وغرباً .. وترامب سيشتري هذه المادة المهمة ويعزز المخزون الاستراتيجي للولايات المتحدة الأمريكية، فيرفعه من 713.5 مليون برميل إلي مليار برميل، وهذه قضية استراتيجية، وعند القضايا الاستراتيجية لا يُنظر إلي صغائر الأمور .. ترامب تعامل استراتيجيا بشكل جيد، واعتقد أنه سيعزز من دعم الاقتصاد الأمريكي في غضون أقل من بضعة أسابيع .. ولكن المشكلة الكبرى هل ستعود المصانع إلي العمل؟ وهل ستعود حركات الطائرات والقطارات والسيارات والانتاج والمصانع؟.. كل هذه الأمور هي التي ستحدد إذا كانت هذه التخمة مؤقتة أم ستستمر، وربما يخشي البعض أن تستمر الجائحة إلي شهر سبتمبر، وهنا ستكون كارثة بكل معني الكلمة ..

والسؤال الآن: هل هبوط الأسعار في سعر الخام الأمريكي يفتح أبواب جديدة من الصراع بين الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة العربية السعودية؟

وللإجابة علي هذا السؤال يمكن القول بأن الرئيس ترامب دائما حتي يتفادي الصراعات العسكرية دائما يلجأ غلي الخيارات الاقتصادية، وهذه الأداة استخدمها ضد الأوربيين أيضاً؛ وبالذات ضد فرنسا واستعملها ضد الصين، ولذلك فبالنسبة للسعودية وأمريكا مهما اختلفا وتجادلا من يحب هذه العلاقة بين واشنطن والرياض أو يختلف معها هي علاقة استراتيجية بين الدولتين العميقتين .. المتغير الآن هو ترامب، الذي يفكر خارج الصندوق، ويتصرف من منطلق مصلحة الولايات الأمريكية كما يراها هو؛ فهو يري الآن أنه لا  وجود لأي تجاذب أو تناحر مع السعودية؛ حيث إن الأمور ما زالت تجري إلي حد كبير إن لم يكن توافق ليس فقط بين السعودية وأمريكا ولكن أيضا وروسيا .. فترامب منذ أيام قد سئل عن المحادثات التي أجراها وتدخله مع الرئيس الروسي بوتن والملك سلمان، ووصف ترامب بوتن بالجنتله، وأشاد بدور العاهل السعودي في تعامله مع هذه الأزمة، وقال سنعيد الاستقرار إلي السوق العالمي كما ذكرنا .. الآن الانهيار الذي نراه في سعر الخام الأمريكي انهيار مؤقت صنعته جائحة كورونا، وهو يصب في نهاية الأمر في مصلحة الولايات المتحدة الأمريكية، وبالتالي لن يصل إلي مرحلة عقوبات علي السعودية، لأن السعودية ليست خصما.. وعلي ذلك ننتظر ما تسفر عنه الأحداث في الأيام المقبلة.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

 

عبد العزيز قريشوَإِنَّمَا الأُمَمُ الأَخْلاقُ مَا بَقِيَتْ *** فَإِنْ هُمُ ذَهَبَتْ أَخْلاقُهُمْ ذَهَبُوا

أحمد شوقي

يعتقد الكثير مثلي بكل سذاجة وبلادة مضافة إلى طبق الاستغفال وربما الاستحمار أن الاستعمار الخشن رحل عن مستعمراته القديمة دون رجعة، وأن ضميره صحا مما كان فيه من جرائم ضد الشعوب والإنسانية، وأنه رجع إلى قيم الإنسانية للتكفير عن أخطائه متخذا صليب حقوق الإنسان ومبادئ وأخلاق المتحضرين طريق تبشير المتخلفين مثلي بغفران خطاياه لقربانه المقدم على مذبحة انقاذه للشعوب المستعمرة منه بتقديم الخبرة العلمية والمعرفة التقنية وتكوين الأطر وتكوين المهنيين وإنجاز المشاريع.. وحتى العلوم الإنسانية مجانا يقدمها بما حمل بعيرها من أحداث وعادات وتقاليد؛ فهي الحضارة التي يجب أن نعتمدها في المسير نحو التقدم والتحضر والمدنية والتصنيع والخروج من التخلف.. والحياة كلها. حياته بكل تفاصيلها ومفاصلها هي جنة الدنيا التي يجب أن نقتاد إليها بحمد حسناته وشكر تفضله علينا بالأنسنة التي يتمتع بها بعدما مسرح كل القيم الإنسانية وبنى لها مسارح وركح وأنظمة عالمية عاجزة عن الإشارة إلى حفدته المجرمين القتلة، بله إدانته. فهي أقنعة لأسوء نفاق ديبلوماسي في العالم وأخطر سم في النظام العالمي ملفوفا بالسلوفان ومحشوا في علب ذات نهكة علامة " التحرر والاستقلالية وبناء الديمقراطية في عالم الإنسان البدائي " طبعا أنا الإفريقي والعربي والمسلم نمثل كل لوحات إشهاره. أما هذا المستعمر القابع وراء قبعته ومعطفه وعكازه، والجالس في حديقة قصره على أريكته المصنوعة من عرقي، ومن تعب أجدادي وأحفادي، يحتسي قهوته المنهوبة من أدغال أمريكا اللاتينية، يتصفح جديد تصاميم ملابسه المتساوقة والفصول الأربعة على صفحات كبرى مجلاته التجارية. يلهب بها مشاعر وأحاسيس المراهقين ويقودهم إلى واد عميق صداه يتردد بين جنبات ضفاف المجهول. فهو الاستعمار الذي صدر لنا الصناعات والسلع والطائرات والسفن والأقمار الاصطناعية والحاسوب والرقميات، وحتى الدواء يرخص لنا بإنتاجه وتقليده، ونحن في ذلك من التابعين نتمنى أمانيه، ونحلم بأحلامه.. هكذا؛ هي الأمور تسير في عالم المقهورين..

الاستعمار الخشن أظنه بعد رحيله تحسنت حاله وغدا يمد يده لمستعمراته السابقة، وأضحى بعيدا عن النهب المباشر للثروات وسفك الدماء، لكن الحق غير ذلك لأنه تستر تحت عباءة الاستعمار الناعم الذي غرس فينا عقد النقص وكوى وعينا بأننا عاجزون عن الفعل وأي فعل، حتى باتت تمشي خطوات أقدامنا على خطواته، وهو يسبقنا متبخترا كالطاووس ظنا منه بأن أدمغتنا مختلفة عن أدمغته، وأن التفكير والإبداع خصيصة عقله فقط. ونسي المسكين أن الفرق يكمن في الإرادة والعزيمة، وأن الإرادة تحد، والعزيمة ركوب الصعوبات والتحديات وسبر للمجهول وخلق وإبداع. ألا يعلم أن عقل الآخر المختلف عنه، له نفس التركيبة الدماغية ويفكر في كثير من الأحيان أفضل من عقله؟ ألا يعرف معرفة المعتقد أن مراكز البحوث في أغلب الدول الغربية هم من الأجانب؟ أليس أحد رؤسائهم في زيارته للهيئة الطبية المرابطة ضد كورونا لم يكون منهم أحد من أهل البلد؟.. علامات استفهام تتناسل في وجه هذا المستعمر المخرب لا المعمر.. لقد جاءك أيها المستعمر وباء كورونا COVID-19 ليعري أشجار توتك من كل أوراقه، وعقلك من الأفكار المثالية المتعالية المدغدغة للمشاعر والموهمة أنك أرقى إنسانية وأخلاقا وحضارة ممن استعمرتهم وأخضعتهم كرها لإرادتك، وسلبت ثرواتهم وحريتهم، وصيرتهم تابعا. وجلبت لهم استبدادا مقيتا خلفا لك في مجتمعاتهم التي حولها الاستبداد بمعيتك المقرفة (إلى جثة هامدة يستطيع النيل منها كل من أراد من الأعداء المتربصين)[1]. وأنت العدو الأكبر الذي مازال يغتال المستعمرات القديمة بالقوة الناعمة المشكلة من الاستبداد وأعوانه، (من يتحكم في شؤون الناس بإرادته لا بإرادتهم، ويحكمهم بهواه لا بشريعتهم، ويعلم من نفسه أنه الغاصب المتعدي فيضع كعب رجله على أفواه الملايين من الناس يسدها عن النطق بالحق والتداعي لمطالبته)[2]. فــ (يصاب أصحاب القدرات بالسلبية، والتشاؤم، والقلق)[3]. فغدونا في أوطاننا ذلك الإنسان المقهور، وبدون عنف جلي، وبرغبة منا نسعى إلى (الذوبان في عالم المتسلط، ] إلا من رحم ربك، وإلا (يصير الإنسان مستبدا صغيرا في كنف المستبد الأعظم)[4][ بالتقرب من أسلوبه الحياتي وتبني قيمه ومثله العليا. وهو يرى في ذلك التقرب وهذا التبني حلا لمأزقه الوجودي وارتقاء لكيانه إلى مرتبة ترضيه وتبث في نفسه الكبرياء. وهو يبذل طواعية كل جهد ممكن في هذا السبيل متنكرا لمصالحة الحقيقية، التي تكمن في التغيير الجذري للعلاقة والبنية الاجتماعية التي تستند إليها. وتخلق هذه العملية حالة عنيدة من مقاومة التغيير، إذ لا يعود الإنسان المقهور يرى أمامه من مثال حياتي ومن معيار لتحقيق الذات سوى أسلوب حياة الإنسان المتسلط وقيمه ومثله العليا حتى أنه لا يكاد يقتنع في دخيلة نفسه بشعارات المساواة والمشاركة والعدالة والديمقراطية والإخاء التي تنادي بها ويقاتل من أجلها. نرى دليلا على ذلك في رغبة الإنسان المقهور الذي تحول إلى مقاتل في أن يحيى حياة الإنسان المتسلط من حيث الترف ومظاهر الوجاهة ووسائل الرفاه والظهور، إنه منجذب نحو تلك القيم والمظاهر، بقوة يصعب على الإنسان العادي مقاومتها)[5]. لكن هيهات، ما عدنا ذلك الإنسان إلا الغافلون منا؛ فقد أصبحنا أحرارا في تفكيرنا، ومستقلين في رؤيتنا إلى عالمنا، وإن كان اعتقاد بعض عليتنا وعلتنا بك مازال قديما كقدم أعمارهم، وبلاء عقولهم وتلف خلايا أدمغتهم بداء الزهايمر، ومحدودية رؤيتهم وفقدان التفكير السترجي لديهم. إننا نحن الذين الآن نعمر لك مراكز بحوثك وجامعاتك، فلا تنس أن تفكيرنا يضاهي تفكيرك على الأقل إن لم يكن أكثر.

وها نحن في زمن كورونا دفعتنا قلة أخلاقك أيها الاستعمار إلى البحث العلمي نستقي منه المعرفة والعلم، فأضحى الاختراع والإبداع سياقا طبيعيا يتزامن مع كرونا، واستبقناك في وضع الخطط والبرامج الوقائية منه، والآليات والأدوات في محاربته من اختراعنا بميسم " صنع عربي/إسلامي ". وها هو تضامننا وتكافلنا جليا مقابل خبثك ومكرك ونفاقك، فقد استأصل كورونا بمشرط الوقائع والأحداث والواقع منظومة قيمك إلى الأبد من عقل الإنسان الموضوعي العارف بحقائق الأمور. لقد ظهر الوجه الحقيقي لدولك الاستعمارية التي ما عادت لها قيمة تذكر في زمن كورونا. فهذه تريد احتكار الدواء قبل اختراعه، وتلك تريد تجريب فرضياتها الافتراضية للدواء على الإنسان الإفريقي، وأخرى أحجمت عن مساعدة دول من جنسها، وعظمى في الجسم صغيرة في العقل لم ترفع عقوباتها عن دول بل زادت في درجتها مع كورونا للضغط والاستفزاز، وبيدق لك يصول ويجول فينا نحن العرب والمسلمين بطشا وقهرا رغم ابتلائه بهذا الوباء الخبيث خبثك.. كثيرة هي الوقائع التي برهنت بصدق عن ادعائك الأخلاق. فأنت ثعلب ماكر مزدوج الخطاب بل متعدده، تكل بمكيالين، وتزن بميزان مصالحك، حيثما كانت كان مكيالك وخطابك. فالحقيقة كيف لاستعمار يتعامل مع المغتربين لديه بعنصرية فاجرة مفضوحة، ومع غيرهم من غير أصله بنكران حقوقهم والتضييق عليهم في معيشهم وأعمالهم وشغلهم ولو كانوا من أبنائه ولادة واستقرارا، ولا يعرفون أوطانا غير تلك التي ولدوا وازدادوا فيها؟ فكيف من يرحل المغتربين مصفدين ومعصبي العيون إلى بلدان الاستبداد وهو مرتاح الضمير، ويعلم علم اليقين أنهم سينالون إكرامية الاستبداد السخية، أن تكون له قيم أو أخلاق يحكمها في التعامل مع الغير؟ كل حكيك فراغ في فراغ، هي الندية والتقدم والقوة الوحيدة التي تعترف بها. لذا، فكرورنا دفعنا درجة نحو العلم والمعرفة والبحث العلمي نرتقي بها في سلم التقدم دون منة منك. فكورونا؛ وإن كان مصيبة ففي طيها ولبها نعمة، احتوت ألف سؤال نحو الاختراع والإبداع، ومعرفة حقيقة الاستعمار الناعم ودسائسه. فلنا الآن آلاف مشاريع البحوث في الدواء، وفي التقنيات والأجهزة، وفي الوقاية منه والتصدي له، وفضلا عن ذلك لنا معرفتنا وخبرتنا وتجربتنا التي اكتسبناها من خلال التصدي للفيروس. واستبقناك في تصنيع بعض الحاجيات من قبيل الكمامات وأجهزة التعقيم، وأجهزة الكسف.. فيمكنك أن تشتري منا كل ذلك وبأثمنة مناسبة لا كتلك التي تصدرها لنا بأثمنة باهظة الثمن وقليلة الجودة! وكم زورت تواريخ السلع المنتهية الصلاحية لأجل الربح!؟.. فأنت استعمار عمرت طويلا في بلادنا عبر أدواتك المسخة المستبدة المتسلطة التي تسيء إلى أوطانها بنهبه والاستعلاء على خلقه تعالى عبر تكوين إنسان مقهور بئيس نتيجة كي الوعي بالقهر والتبخيس والحط من قيمته الإنسانية وتعجيزه وتقعيده وتثبيطه. وعبر غسيل الدماغ، ومسح الذاكرة والتاريخ، حتى يصبح أسير الاستبداد، و(أسير الاستبداد، فيعيش خاملا خامدا ضائع القصد، حائرا لا يدري كيف يميت ساعاته وأوقاته ويدرج أيامه وأعوامه، كأنه حريص على بلوغ أجله ليستتر تحت التراب)[6]. ولكن أيها الاستعمار بدأنا نخرج من عباءتك الوسخة النتنة التي تحمل كل معاني الرداءة والتردي الأخلاقي والإنساني؛ فكيف لإنسان متحضر أن يحتجز طائرة مساعدات طبية عن بلد يدعي صداقته في زمن كورونا؟ كيف لإنسان يدعي منظومة حقوق الإنسان يزود إنسانا أبله أعته بأسلحة لقتل أخيه الإنسان في زمن كورونا؟! ألا يكفيه فيه هذا الوباء الخبيث؟.. لقد بدأنا نعي دورنا في مجتمعاتنا وقيمتنا الإنسانية والمسؤولية الملقاة على عاتقنا نحو أوطاننا في التقدم والتطور، فظهر جزء منها على سطح نعم كورونا علينا رغم بأسه الشديد على أجسامنا ونفوسنا وأعمالنا واقتصادنا ودراستنا وفلاحتنا، وعلى علاقاتنا الاجتماعية التي زادت تضامنا وتكاملا وتضافرا، وعلى حياتنا بصفة عامة. في زمن كرونا اكتشفنا أننا قادرون على الفعل، ولم نعد نتكل على الاستعمار في شيء، لأن الحاجة أم الاختراع كما يقولون. وما أحوجنا إلى تعويد النفس على التساؤل واقتحام المجهول وخوض التحدي والمبادرة والابتداء بالفعل كما فعلنا اتجاه كورونا.. لا كما فعل الاستعمار مع شعوبه وناسه حيث (يقول الدكتور سكوت جنسن أن الجمعية الطبية الأمريكية American Medical Association "تشجع" الأطباء الآن على زيادة عدد الوفيات الناجمة عن الفيروسات التاجية في جميع أنحاء البلاد. تلقى جنسن وثيقة من 7 صفحات تبيّن له كيفية ملء شهادة وفاة توجّه بتشخيص أي حالة وفاة بأنها بسبب COVID-19 حتى عندما لا يكون هناك اختبار معملي يؤكد التشخيص. تحدد ميديكير Medicare الآن أنه إذا كان لديك دخول مريض مُصاب COVID-19 إلى المستشفى، فسيحصل المستشفى على 13000 دولار. وإذا وُضع مريض مصاب بفيروس COVID-19 على جهاز تنفس اصطناعي، فسيحصل المستشفى على 39000 دولار، أكثر بثلاث مرات. لا أحد يستطيع أن يخبرني بعد 35 عامًا في عالم الطب أن هذه الأنواع من الأشياء تؤثر على ما نقوم به )[7].

في زمن كورونا، لم يعد لحقوق الإنسان قيمة، ولم تعد المدنية والحضارة تعني شيئا، ولم تعد الأخلاق عملة متداولة في سوق الصحة، وإنما هو الانحطاط القيمي للاستعمار الذي طغى على القول والفعل؛ فالتنصل من المسؤولية أصبح كرة تقذفه أمريكا في وجه الصين، وتحملها مسؤولية تفشي الوباء وتسمه بالكورونا الصيني، ولا تهتم بما يجري لمواطنيها، ودفع رئيسها بمناصريها إلى الخروج للشوارع مسلحين لكي لا يطبقوا الحجر الصحي.. وهناك من يتهم أمريكا نفسها بإجراء تجارب أدت إلى الوباء، وتتستر عن فعلتها. فلم يبق للقول من مصداقية لاختلاط الحابل بالنابل، وهو جزء من سقوط قيمة الصدق في القول من منظومة القيم الغربية، وعنوان عن فشل تدبير الأزمة عالميا لما لهذه الدولة " العظمى " من مركز متقدم في قيادة العالم ترغيبا وترهيبا. فهي أبانت عن تخلفها عن أصدق حلفائها الغربيين حين تركتهم يواجهون الوباء والمصير لوحدهم حتى تدخلت الصين بأيد بيضاء بالمساعدات الطبية وغيرها، ورفع علمها في أكثر من دولة غربية إزاء إرسال كوبا طاقما طبيا متعدد المكونات لمساعدة الغرب. فترى هل بقي للغرب بصفة عامة ولأمريكا بصفة خاصة من دم وجه لمقابلة الأصدقاء؟ أما من تصفهم وتصنفهم أمريكا في خانة الأعداء فحدث ولا حرج، وتتبعها في ذلك السفاهة السياسية العالمية في تشديد الخناق في زمن كورونا على " الأعداء " من هم في خط معاكس لأمريكا وقيمها اللاإنسانية. فالغرب رسب في امتحان كورونا في مقابل نجاح بعض الدول غير الغربية التي يصنفونها في الذيل في التصدي للوباء، ومحاصرته في مهده، ولم تذهب مضاعفات ونواتج ومخلفات البلاء إلى الكارثة التي عاشتها دول غربية كانت تدعي وتزعم التقدم العلمي والتقني والتكنولوجي والرقمي.. ورغم هذا مازال بعض زعماء الغرب يطلعون علينا كل يوم بأقوال ومواقف ورؤى جديدة تشكك في قدراتنا ونجاعة خطواتنا، مسوقين لأدوية بالية أتبت التجارب والنتائج والواقع محدودية مفعوليتها تجاه كورونا، حيث يمكن اعتبارها مسكنات للمرض في أحسن الأحوال. فالغرب في هذه النازلة خلته أنه يريد تفشي المرض حتى يخلصه من العجزة وضعاف المناعة والمرضى بالأمراض المزمنة الذين يستهلكون الميزانيات الكبيرة والضخمة في الرعاية الصحية والاجتماعية، وهم لا ينتجون شيئا بمقياس العمل والمردودية رغم أنهم عندما كانوا شبابا أو بالصحة والعافية أنتجوا وقدموا لبلدانهم الشيء الكثير. فهو العقل النفعي يوظف القاعدة الداروينية " الانتخاب الطبيعي/ البقاء للأصلح " Sélection naturelle على ناسه حتى يتخلص منهم ويستفيد من تلك الميزانيات والخدمات في مجالات أخرى إن فعل. وكأني به لا يعترف بخدماتهم وقيمتهم في المجتمع. فهذا ما توحي به تلك التدخلات التي قام بها الغرب سيميولوجيا على الأقل. أما التحليل النفسي لا يمكنه تفسير ذلك إلا بالسادية تجاه الإنسانية. فآلاف الموتى عبر العالم والمئات عبر الغرب لا يمكن الحديث عنهم إلا بالأسف الشديد لعدم وجود خطط احتياطية في نطاق ما يسمى إدارة الأزمات، وما دور مراكز البحوث في الغرب إن لم يكن مؤشر توقع الأمراض مرتفعا عندها، وتتكهن بكل جديد بتوظيف علم المستقبليات؟ وماذا يفعل لديها علم الطبيعة وعلم الأحياء، وعلم الأوبئة..؟ أليست هي التي تدعي بأنها استباقية في علمها وعملها؟!.. في الواقع أجد الغرب مجدا وفاعلا في مجال الأسلحة والرقميات والتكنولوجيا والتقنيات.. الخاصة بها، وهو كل يوم يطلع علينا باختراع جديد لأنه يجد في هذا المجال الاستغناء والتوحش الاقتصادي والتخول العسكري للسيطرة والابتزاز والاستعمار وتدمير الشعوب لأجل النهب والسرقة ليبني سعادته على تعاسة الآخرين. انظر ماذا فعل الغرب قديما وحديثا بالشعوب العربية والإسلامية أم يعمل على تخلفها وتأخرها؟ ألم يمنع عنها العلم والمعرفة المتعلقة بالمجال العسكري والصناعي؟ ألم يحطم كل بادرة ونبتة تظهر هناك أو هنا تستهدف الامساك بالمعرفة العلمية في مجالات معينة ومحددة؟ ألم يضرب البارحة المفاعل النووي العراقي وهو مازال جنينيا؟ ألم يقتل العلماء ويخرب العراق ويجتمع عليه بعديد دوله وعتاده، ويعثو فيه فسادا حتى أخره مآت السنين، وأرجعه إلى خلف الحضارة؟ ومازال يخرب ويقتل أبناء العراق! مدعيا أنه يساعدهم في محاربة الإرهاب الذي جاءهم به وهو على رأسه! وقس على العراق أفغانستان وسوريا وليبيا.. والبارحة جرب النووي في الجزائر وأباد مليون وأزيد من الشهداء.. كيف يخرج هذا المستعمر عن طبيعته الإجرامية إلى مراقي الإنسانية؟ لا أعتقد أنه فاعل ذلك ولا يستطيع فعله لأن السادية متأصلة فيه وقابعة في جلده ونفسيته وتركيبته وبنيته الجسمية والعقلية. فلا يزايد علينا في الأخلاق والقيم الإنسانية ونحن أهلها أكثر منه وبآلاف السنين، فإن زايد علينا في مظاهر الموجودات الطينية أو الحجرية أو الحديدية، وله اعترافنا بذلك؛ فلا يزايد علينا في المدارج السلوكية للعربي والمسلم الأصيل الأخلاقية. ولعل ما يقدمه له بعض أبنائنا من خدمات جليلة في مختلف المجالات الحياتية بما فيها العلمية دليل على إنسانيتنا وعلى أخلاقنا العالية التي تعاطفت مع شعوبه في محنة كورونا.

أعتقد في الأخير علينا أن نراجع أنفسنا وسياساتنا وعلاقاتنا مع هذا الغرب وفكره الاستعماري المتغلغل في ذاته، بما يمنحنا الثقة في النفس والاستقلالية في القرارات والإرادة في الفعل، والنظر إلى أوطاننا نظرة مخالفة لما قبل كورونا. فهذه الأوطان وشعوبها تستحق الأفضل من مداخل الإنسانية في مختلف مجالات الحياة وحقولها المعيشية. فنحن لسنا أقل ممن يستصغرنا ويحط من قيمتنا وقيمنا، ويعتبرنا مجرد سوق لاستهلاك سلعه المتنوعة والمختلفة، ويتخذنا خدما في ضيعاته وحقوله لجني مزروعاته وكنس روث بهائمه، وبنائين لناطحات سحابه، ومرتزقة لديه في كثير من أماكن الحروب، نموت بدله؛ وقد مات بعض آبائنا فداء له ولم يعرهم أية قيمة معنوية أو مادية، من عاش منهم فقد تقاضوا أبخس الأثمان عما قدموه من تضحية وفداء عند تقاعدهم، ولم يدمجهم في نسيجه الاجتماعي إلا قهرا وبعد نضال طويل مرير وعبر سنين طوال.. فيجب أن لا نكون مثل آبائنا وأجدادنا يستغلنا الاستعمار الناعم والخشن على حد سواء ولو كنا معدمين فقراء. الموت أشرف لنا من الاستغلال والاستغفال والاستحمار بدل العيش على فتات الموائد السامة. فنحن الذين صنعنا الاستعمار حين انسحبنا من الحضارة بنشر الخرافة والاستبداد والقهر والفقر بيننا وفي شعوبنا، ورجعنا إلى الوراء بمسوغات إيديولوجية وعقائدية لا تمت إلى الدين الحقيقي بصلة. فليس هناك دين يدعو إلى الانزواء والاختلاء والانسحاب من الحياة ومواجهة تحدياتها باسم العبادة! ولا يوجد دين يزعم عيش الحاضر بعقلية الماضي وتقاليد وعادات الآباء والأجداد والسلف؟ فتلك خرافة يمقتها الدين الإسلامي الذي يدعو إلى التفكر الدائم في الكون لاستكناه قوانينه ودساتيره التي أودعها الله جل وعلا فيه التماسا لتوظيفها في الحياة الإنسانية لصنع تقدمها وتطورها. فلو فكرنا قليلا مثلا في حديث الذبابة لتساءلنا بمنطق العالم والتفكير العلمي عن السبب في غمسها في الإناء حتى لا تؤذينا، لأن في جناحيها الداء والدواء؛ لاكتشفنا علما كبيرا خاصا بالفيروسات والأوبئة وكيفية محاربتها، واخترعنا الأدوية والمبيدات إلخ. وها هو العالم المصري الدكتور عبد الباسط محمد الباحث بالمركز القومي للبحوث التابع لوزارة البحث العلمي والتكنولوجيا تمكن (من الحصول على براءة اختراع دوليتين الأولى من براءة الاختراع الأوروبية والثانية براءة اختراع أمريكية وذلك بعد أن قام بتصنيع قطرة عيون لمعالجة المياه البيضاء استلهامًا من نصوص سورة يوسف عليه السلام من القرآن الكريم . وكانت بداية هذا البحث من القرآن الكريم حيث قال :"ذلك أنني كنت في فجر أحد الأيام أقرأ في كتاب الله عز وجل في سورة يوسف عليه السلام فاستوقفتني تلك القصة العجيبة وأخذت أتدبر الآيات الكريمات التي تحكي قصة تآمر أخوة يوسف عليه السلام, وما آل إليه أمر أبيه بعد أن فقده, وذهاب بصره وإصابته بالمياه البيضاء, ثم كيف أن رحمة الله تداركته بقميص الشفاء الذي ألقاه البشير على وجهه فارتد بصيرًا . وأخذت أسأل نفسي ترى ما الذي يمكن أن يكون في قميص يوسف عليه السلام حتى يحدث هذا الشفاء وعودة الإبصار على ما كان عليه، ومع إيماني بأن القصة معجزة أجراها الله على يد نبي من أنبياء الله وهو سيدنا يوسف عليه السلام إلا أني أدركت أن هناك بجانب المغزى الروحي الذي تفيده القصة مغزى آخر مادي يمكن أن يوصلنا إليه البحث تدليلاً على صدق القرآن الكريم الذي نقل إلينا تلك القصة كما وقعت أحداثها في وقتها وأخذت أبحث حتى هداني الله إلى ذلك البحث.. من هنا كانت البداية والاهتداء فماذا يمكن أن يكون في قميص سيدنا يوسف عليه السلام من شفاء؟؟

وبعد التفكير لم نجد سوى العرق، وكان البحث في مكونات عرق الإنسان حيث أخذنا العدسات المستخرجة من العيون بالعملية الجراحية التقليدية وتم نقعها في العرق فوجدنا أنه تحدث حالة من الشفافية التدريجية لهذه العدسات المعتمة ثم كان السؤال الثاني: هل كل مكونات العرق فعالة في هذه الحالة، أم إحدى هذه المكونات، وبالفصل أمكن التوصل إلى إحدى المكونات الأساسية وهي مركب من مركبات "البولينا الجوالدين" والتي أمكن تحضيرها كيميائيًا وقد سجلت النتائج التي أجريت على 250 متطوعًا زوال هذا البياض ورجوع الأبصار في أكثر من 90% من الحالات. وثبت أيضاً بالتجريب أن وضع هذه القطرة مرتين يوميًا لمدة أسبوعين يزيل هذا البياض ويحسن من الإبصار كما يلاحظ الناظر إلى الشخص الذي يعاني من بياض في القرنية وجود هذا البياض في المنطقة السوداء أو العسلية أو الخضراء وعند وضع القطرة تعود الأمور إلى ما كانت عليه قبل أسبوعين)[8] فالأديان تقبل التفكير بكل أنواعه وتدعو إلى الإيمان القائم على العقل لا على التقليد والعادة. فهل نخرج إلى الحياة مسلحين بالعقل والإيمان أم معدمي السلاح من باب التقليد واجترار التخلف؟ فالاستعمار مازال متربصا بنا..

 

عبد العزيز قريش

 ..........................

[1] عبد الرحمن الكواكبي، طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، تقديم: د. أسعد السحمراني، فضاء الفن والثقافة، د.ب.، د.ت.، د.ط.، ص.:20.

[2] نفسه، ص.:41.

[3] نفسه، ص.:20.

[4] نفسه، ص.: 76.

[5] د. مصطفى حجازي، التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، 2007، ط10، صص.: 132 ـ 133.

[6] عبد الرحمن الكواكبي، طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، مرجع سابق، ص.:129.

[7] د. حسين سرمك حسن، فضائح مؤامرة كورونا، صحيفة المثقف، العدد 4981، 25 - 04 – 2020.

[8] الجريدة الآلكترونية " مصراوي "، علاج المياه البيضاء على العين من القرآن الكريم، يوم السبت 25 أبريل 2020، نقلا عن المصدر: بوابة الاهرام الدينية.

 

ابراهيم أبراشنتفهم انشغال القيادة الفلسطينية بوباء الكورونا وتداعياته وسبل مواجهته بما هو ممكن ومتاح من الإمكانيات، كما نقدر الانجازات التي يتم تحقيقها لمواجهة الكورونا بالرغم من الارتباكات المصاحبة للإجراءات المتخذة تشبها ًبما هو معمول في الدول المتقدمة بدون الأخذ بعين الاعتبار التباين في الظروف والإمكانيات، إلا أن المطلوب إنجازات في مواجهة الخطر أو التحدي الاستراتيجي وهو الاحتلال وصفقة ترامب نتنياهو .

إن كنا لا نقلل من أهمية المظاهر الشكلانية أو التشبه بالدول المستقلة في الإجراءات المتخذة لمواجهة الكورونا أو في أي تصرفات أخرى، إلا أنه يجب الحذر لأن هناك اختلاف كبير بين الوضع في فلسطين والوضع في بقية دول العالم، ليس فقط من حيث الإمكانيات بل من حيث الأولويات في المخاطر المُهددة للأمة وللوجود القومي، حيث دول العالم غير مهددة بوجودها القومي بالاحتلال، وبالتالي يمكن اعتبار وباء الكورونا الخطر والتحدي الأكبر بالنسبة لها، بينما الشعب الفلسطيني الوحيد في العالم الواقع تحت الاحتلال ولا يعيش في دولة مستقلة ذات سيادة وبالتالي يعتبر تحدي الوباء في الدرجة الثانية من الأهمية بالرغم من خطورته .

انطلاقا ًمن ذلك فإن مهمة مواجهة خطر الاحتلال ومخططاته الاستيطانية وضم الأراضي لها الأولوية على أية مواجهة أو مهمة أخرى حتى وإن كانت وباء الكورونا، أو على الأقل ألا يؤدي الانشغال بالكورونا لتجاهل الاحتلال ومخططاته، لأنه مهما كانت تداعيات الكورونا فإن خطره يبقى آنياً حتى وإن طال أمده، وحتى لو أدت تداعيات الوباء لتصعيد ومواجهات بين الدول الكبرى فإن نتائج المواجهة ستؤدي إلى تعديل في موازين القوى بين الكبار وإعادة تقاسم العالم ولا ضمانة بأن التغيير في النظام الدولي سيكون لصالح العرب بشكل عام أو لصالح الشعب الفلسطيني على وجه الخصوص.

على القيادة الفلسطينية وكل الفاعلين السياسيين الاهتمام بالقضايا الوطنية الرئيسة وبالخطر الدائم والمتواصل الذي يهدد الوجود الوطني وهو الاحتلال والاستيطان، وقد أشار السيد الرئيس أبو مازن إلى ذلك في خطابه في الثاني والعشرين من ابريل الحالي بمناسبة حلول شهر رمضان واعداً الشعب بأن القيادة لن تسكت في حال إقدام حكومة التحالف الصهيوني على ضم أراضي فلسطينية، ولكن يبدو أن أي تهديد لإسرائيل لن يجدي ولن يكون له تأثير في ظل استمرار حالة الانقسام والشلل في النظام السياسي، وهو وضع لا يوفر أي عناصر قوة للرد على المخططات الإسرائيلية .

الكورونا أصاب إسرائيل بدرجة أكبر من الفلسطينيين ومع ذلك لم تتراجع عن مخططاتها الاستيطانية ومشاريعها التوسعية وسياستها العدوانية والعنصرية، وقد نجح تحالف اليمين في التوافق على تشكيل حكومة وحدة وطنية برئاسة نتنياهو وكان من بين بنود التوافق بين نتنياهو وغانتس تنفيذ مخطط ضم أراضي فلسطينية ومواصلة تنفيذ صفقة ترامب –نتنياهو من طرف واحد، مما سيجعل من هذه الحكومة الأكثر خطراً على قضيتنا ومشروعنا الوطني، كما أوضحنا ذلك وحذرنا منه في مقال سابق .

لم يقتصر الأمر على إسرائيل، فقد أدى خطر وباء الكورونا وعبر العالم إلى حالة غير مسبوقة من التضامن الاجتماعي وتجاوز الخلافات السياسية ولو مؤقتاً، إلا في الحالة الفلسطينية، حيث لم يحرك الوباء طرفي المعادلة السياسية في الضفة وغزة للتفكير في آلية للمصالحة والتقارب، وركب الجميع موجة تحدي الكورونا وكأنه لا توجد مخاطر وتحديات أكثر خطورة من الكورونا .

سيتم تجاوز خطر الكورنا اليوم أو غداً بالقضاء عليه أو التعايش معه كبقية الأوبئة والأمراض، ولكن سيبقى الاحتلال والاستيطان والانقسام الداخلي واستمرار الصراع على السلطة والشرعية، وسيقف الفلسطينيون في مواجهة أخطر حكومة إسرائيلية، فماذا هم فاعلون؟.

إن استمرت الطبقة السياسية في الاشتغال والانشغال بالقضايا الطارئة وبتدبير أمور الحياة اليومية المعيشية فمعنى هذا أنها ارتضت أن تكون مجرد سلطة حكم ذاتي محدود وملتزمة بنصوص اتفاقية أوسلو بل وستبدو وكأنها متساوقة مع صفقة القرن، إطالة هذا الحال سيؤدي لأن يستسلم الشعب للأمر الواقع والتعايش مع ما هو قائم وهو ما تسعى القوى المعادية لفرضه على شعبنا، متسلحة بحالة عجز الطبقة السياسية وانشغال العالم بوباء الكورونا وبالأزمة الاقتصادية العالمية المرشحة لمزيد من التدهور .

 

إبراهيم أبراش

 

عدنان ابوزيدلا يبدو النجاح حليفا للديمقراطيات في الشرق الأوسط، لاسيما البلاد العربية، بعدما آلت نظريات التغيير السياسي، في دول مثل العراق ولبنان، الى عدم استتباب واضح، فيما لم تقدمّ الدول التي هبّت عليها رياح الانتفاضات، في ليبيا وتونس والجزائر، والسودان ومصر، تجاربا يُبنى عليها، ويُقتدى بها.

بل انّ الذي حدث هو تفاقم تيار معاكس يمضي الى غير الطريق المُراد منه، في الوصول الى ديمقراطية حقيقية.

في مقال كتبه الكاتب الاميركي، والصحافي السابق بجريدة "وال ستريت جورنال" روبرت مري، فانّ الولايات المتحدة تعقّبت في بلد مثل العراق، مشاريع دعم الديمقراطية، لكن واقع الحال، يكشف عن انّ بنية المجتمع والبيئة السياسية والقوانين، والتأثيرات الإقليمية، جعل من تدوير الحياة السياسية بمحرّك الديمقراطية المستوردة، غير ذي فائدة.

الولايات المتحدة تبنّت عبر عقود، برنامج نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط، وكان أبرز محاولاتها، في اجتياح العراق، العام 2003، متأملة في انّ الدروس المستقاة من التجربة العراقية، سوف تكون مثالا ورمزا لدول المنطقة.

العراق ليس استثناءً، ذلك ان الكثير من الدول تشعر بالإحباط والتثبيط، من انهيار المسار الديمقراطي، بعدما نجحت القوى المهيمنة، النقلية والعرفية و"التراثية" في تعويق التغييرات.

في الكثير من الدول التي تقف وراء واجهة الديمقراطية، يمكن للمحاكم الدستورية – مثلا – ان تفرض رأيها على الشعب، كما يمكنها الغاء نتائج الانتخابات البرلمانية، فضلا عن ان المُستحكم على الحياة السياسية هي الدكتاتوريات الحزبية، والعائلية والعشائرية، في الكثير من البلدان.

تهتاب دول في الشرق الأوسط من المشاعر والخوالج الديمقراطية الفياضة، وتسعى الى الحؤول دون شموليتها وتحولها الى فعل دائمي في الحياة، اذ يُراد لها ان تكون موسمية، في وقت الانتخابات ثم يعود كل حال، الى ما كان عليه.

مري في كتابه "رمال الإمبراطورية" يذهب الى ان انتصار أميركا في الحرب الباردة أسدى القوميين، الإيمان في أنفسهم، وباشر رؤساء أميركا مثل جورج بوش الأب، في الحديث عن النظام العالمي الجديد، وبلغت موجة الدعوات (المثالية) لنشر الديمقراطية في الشرق الاوسط ولو بالقوة على أشدها حين خطب الرئيس الاميركي السابق جورج بوش الابن خلال فترة رئاسته الثانية في العام 2005، مهيبا بالأميركيين، الوقوف معه للقضاء على "الاستبداد في العالم".

وعزّزت حرب تحرير الكويت ثم الاجتياح الأمريكي للعراق، هذه الثقة، التي بدأت تترنح اليوم بسبب نتائج ثورات الربيع العربي السلبية، ومن ذلك اسقاط نظام الزعيم الليبي معمر القذافي، الذي آل الى فوضى عارمة.

يُرجع المؤرخ والكاتب الألماني، أوسفالد شبينغلر، فشل محاولات ارساء الديمقراطية في العالم العربي والاسلامي الى جبروت القوى الاجتماعية والدينية التي تؤمن بالفعل الجمعي وليس الفعالية الفردية، معتبرا انّ من اسرار نجاح الغرب في هذا، هو تضخّم الانا على حساب فكرة التسليم التي كانت تسود ايضا الفكر المسيحي، وقدرة الفرد على الفعل خارج الجماعة الدينية والاجتماعية، ونجاحه في الفصل بين الدولة والدين.

الذي يتحكّم في مسارات ديمقراطيات عربية، غير ذلك تماما، حيث الحكم والدين متشابكان، وحيث الثقافة الاجتماعية التي تفضّل الانطواء على الانفتاح، وتقرّ بالمعتِق الفرد، والقائد التراكمي، الاستبدادي.

في عهد دونالد ترامب، يعود الأمل مجددا بيْن ساسة الغرب والولايات المتحدة، في تغيير الشعوب الأخرى وإعادة صناعتها عبر دعم التثوير بالريموت كونترول والفيسبوك وتويتر والتراسل الفوري، تمهيداً لجني ثمار الديمقراطية في المنطقة. والجديد في أدوات التغيير ان الغرب بات يمتلك أدوات التواصل الاجتماعي، التي تمكنّه من التواصل المباشر مع الشعوب عبر ترابط مباشر، لا بواسطة أنظمة وحكومات.

 

عدنان أبو زيد

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا عن مدي مسؤولية الصين عن تفشي كورونا بكوكب الأرض، وهنا في هذا المقال نركز علي تساؤلات البعض الذين يقولون : ما هي حقيقة مساعي حملة الضغوط التي تقودها واشنطن؟ وما أوراق الصين في مواجهة هذه الجملة؟

دعونا نبدأ بالإجابة عن الشق الأول، وفيه تزعم الإدارة الأمريكية، ومعها فرنسا، وإنجلترا وبعض الدول الأوربية التابعة بقوة للإتحاد الأوربي (الذي عرته الصين) بأنه قبل 4 أشهر بدأت أزمة فيروس كورونا الذي تحول إلي جائحة تهدد العالم، فالصين قد لا تكون مسؤولة عن تفشي المرض، لكنها وبحسب الاتهامات الأمريكية المتعددة مسؤولة عن انتشاره بسبب غياب الشفافية وإخفاء الحقائق، لنتذكر معاً كيف بدأ الأمر كما تزعم واشنطن  بأنه منذ أوائل ديسمبر الماضي 2019 رُصدت عوارض الفيروس أي متاعب في الرئة لعشرات الأشخاص في مدينة ووهان كانوا علي ارتباط للحيوانات بسوق للحيوانات البرية والأسماك في المدينة، تقول مجلة لانست الطبية أنه مع الوقت ازدادت حالات المرض واكتشف الأطباء في ووهان أن الحالات الجديدة لا علاقة لها بالسوق وأصيبوا جراء عدوي لاتصالهم بمرضي..  وفي الحادي الثلاثين من ديسمبر الصين أخبرت منظمة الصحة العالمية بالمرض، لكنها أكدت أن المرض غير معدي متجاهلة بذلك التحذيرات التي أطلقها د. لي وينلينغ، وفي وقت مقارب وبالأخص في أواخر ديسمبر 2019 أرسلت تايوان المستبعدة من منظمة الصحة العالمية بضغوط صينية أرسلت تحذيراً إلي المنظمة بشأن خطر انتقال الفيروس بين البشر .. تحذير تجاهلته المنظمة ولم تشاركه مع دول أخري، مما أخر الاستجابة العالمية للوباء وفق مجلة أيكونمست ..  وفي مطلع يناير الماضي السلطات الصينية اعتقلت الطبيب الذي دق ناقوس الخطر وحققت معه وسبعة آخرين، أكدوا أن المرض يتفشي وفي ذلك اليوم وفقا للنيويورك تايمز غادر ووهان 175 ألف شخص إلي 21 وجهة عالمية بينها الولايات المتحدة وحتي الرابع عشر من يناير بقيت السلطات الصينية تنكر انتقال العدوي من شخص إلي آخر وبقيت منظمة الصحة العالمية تردد ما تقوله الصين، وذلك بعد 6 أسابيع من اكتشاف أن المرض معدي من شخص إلي آخر، واستمر إنكار الصين لخطورة العدوي من الفيروس حتي أعلنت اليابان في منتصف يناير عن حالة مريضة لم تزر ووهان وأنها أصيبت بعدوي من شخص مصاب بالفيروس نفسه، غير أن الصين لم تقل باحتمالية انتقال العدوي بين البشر حتي 21 يناير وفي الثالث والعشرين أعلنت الصين إجراء العزل المنزلي، وكان قد غادر مدينة ووهان 7 ملايين شخص إلي 26 دولة حول العالم، وذلك وفقاً لصحيفة نيويورك تايم ..

ومن جهة أخري اتهم السيناتور الأمريكي، توم كوتون (النائب الجمهوري عن ولاية أركنساس الأمريكية) المسئولين الصينيين، بتضليل الرأي العام، بشأن منشأ فيروس كورونا القاتل، الذى انتشر في مدينة وهان الصينية، وانتقل إلى 23 بلداً حول العالم، مشيراً إلى اعتقاده أن الفيروس تم تطويره داخل المختبرات الصينية كسلاح بيولوجي. وأشار السيناتور الجمهوري خلال جلسة استماع للجنة الخدمات المسلحة، إلى أن انتشار الفيروس أسوأ من كارثة تشرنوبيل، وهى كارثة انفجار مفاعل نووي فى روسيا البيضاء عام 1986 والتي أسفرت عن مقتل الآلاف، وإصابة آلاف آخرين بأمراض سرطانية. وأسفر فيروس كورونا الذى يصيب الجهاز التنفسى، عن وفاة 362 شخص حتى الآن، فيما بلغت عدد الحالات المصابة أكثر من 17 ألف شخص. وأصر كوتون على أن بكين لم تكشف عن العدد الحقيقى للإصابات وكانت "تكذب بشأنه منذ البداية" للتقليل من خطورة الوباء. كما اتُهم المسؤولون الصينيون بخفض عدد الحالات وتقليص حجم التقارير قبل أسابيع من الاعتراف الرسمي بانتشار الفيروس. وقال السيناتور فى إشارة إلى دراسة نشرتها مجلة The Lancet الطبية "لقد زعموا أيضاً طيلة شهرين تقريباً وحتى مطلع هذا الاسبوع، أن الفيروس نشأ فى سوق للمأكولات البحرية في ووهان". مضيفاً "ليس هذا هو الحال." وقال كوتون إنه "من أصل 40 حالة  لم يكن 14 منهم على اتصال بسوق المأكولات البحرية، بما في ذلك المريض الأول". ولفت السيناتور الأمريكي إلى مختبر ووهان الوطني للسلامة البيولوجية التابع لأكاديمية العلوم الصينية، والذي يحقق في "أخطر مسببات الأمراض (وذلك كما ذكرت انجي مجدي في مقاله باليوم السابع المصري بعنوان سيناتور أمريكى يتهم الصين بتطوير فيروس كورونا كسلاح بيولوجي).

الصين استنكرت الاتهامات الموجهة إليها مشيرة إلي أنها لا تستند إلي حقائق "تشاو لي جيان المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية"-  نفي وجد أدلة علي أن الفيروس قد صنع في مختبر ووهان قائلاً :" إنه لم يحدث مطلقاً أي تعتيم بشأن تفشي فيروس كورونا في الصين، مضيفاً أن الحكومة لا تسمح بذلك". وأشار تشاو لي جيان للصحفيين في إفادة يومية إلى أن مراجعة إجمالي الإصابات في ووهان، التي ظهر بها المرض لأول مرة في نهاية العام الماضي، كانت نتيجة تدقيق إحصائي لضمان الدقة مضيفاً أن المراجعة ممارسة عالمية شائعة.. كما رفض مدير مختبر في ووهان بشدة نظريات المؤامرة المتعلقة بأصل كوفيد-19، واصفًا بأنه من "المستحيل" أن يكون فيروس كورونا قد نشأ من مختبره، في حين أكد أن مثل هذه التصريحات الكاذبة لن تعوق التعاون العلمي العالمي في المعركة المستمرة ضد الفيروس.. ففي مقابلة مع شبكة تلفزيون الصين الدولية (CGTN)، دحض يوان زيمينغ، مدير مختبر ووهان الوطني للسلامة البيولوجية، وباحث في معهد ووهان للفيروسات، نظريات المؤامرة وغيرها من البيانات الزائفة التي تربط المعهد بأصل الفيروس.. وأشار يوان إلى أن مختبر ووهان الوطني للسلامة البيولوجية في معهد ووهان للفيروسات هو المختبر الوحيد في الصين الذي يحتوي على أعلى مستوى للسلامة الحيوية "P4"، مضيفاً أن المعهد لديه قواعد ولوائح صارمة في البحث العلمي. وفى حديثه عن نظريات المؤامرة والتصريحات الأخرى المتعلقة بالأمر، قال يوان إن الادعاءات لا تدعمها أدلة علمية. وأضاف أنه يعتقد بأن مثل هذه الشكوك لن تزول طالما استمرت الجائحة في العديد من البلدان الأخرى. وفيما يتعلق بما إذا كان الفيروس من صنع الإنسان، قال يوان إنه بناء على معرفته وما قاله علماء آخرون، فإنه لا يعتقد أن أي شخص في العالم يمكنه إتقان مثل هذه التكنولوجيا الآن.

منظمة الصحة العالمية رجّحت يوم الثلاثاء الماضي، أن يكون أصل الفيروس من الخفافيش ولم يُصنع في أحد المختبرات، وفقاً لما ذكرته المتحدثة باسم المنظمة فضيلة شايب خلال إيجاز قدمته للصحفيين في مدينة جنيف السويسرية. وبعد أن تحدث الرئيس الأمريكي مراراً عن إمكانية أن يكون الفيروس قد صُنع في مختبرات الصين، أكدت شايب أن جميع الأدلة تشير إلى أن أصله يعود للخفافيش. وقالت شايب: «في هذه المرحلة، من غير الممكن أن نحدد بدقة مصدر الفيروس الذي سبب جائحة Covid19»، وأضافت مستدركة: «ولكن جميع الأدلة تشير إلى أن مصدر الفيروس طبيعي ويعود للحيوانات وليس فيروساً مصنوعاً أو مفتعلاً»، ولفتت إلى أن مصدره قد يكون الخفاش. ولفتت المتحدثة باسم منظمة الصحة العالمية إلى أن الباحثين ينظرون إلى الخصائص الجينومية المتعلقة به، ووجدوا أن تلك الخصائص لا تدعم نظرية أن يكون الفيروس قد صُنع في المختبرات. وحذرت من اتباع «النظريات الزائفة»، مشيرة إلى أن على الناس التركيز على الحقائق فقط، حول أصول الفيروس الذي سبب الجائحة.

من كل ما سبق يمكن القول بأن يبدو أن الصين ستصبح مركزية في الخطاب الأمريكي فيما يتعلق بهذا الفيروس لأسباب سياسية في المقام الأول بتشعبات مختلفة .. الفصل الأول يحاول أن يغطي علي فشل الحكومة الأمريكية وكانت الوشنطن بوست قد نوهت حول تصدير الحكومة الفيدرالية برئاسة ترامب بكميات هائلة بملايين الدولارات من كميات هائلة من المعدات الطبية لاستعدادا للوباء، في حين لم تكن حكومته تستعد للداخل، وهذا ربما سيسهم في تراجع شعبية ترامب حسب استطلاعات معظم الرأي العام، لكن البيت الأبيض والجمهوريين في الكونجرس سواء في مجلس النواب أو الذين سيواجهون الناخبين في نوفمبر القادم في مجلس الشيوخ يخشون من أن تنتقل هذه النظرة السلبية لأداء الحكومة الفيدرالية إليهم، وقد يخسرون ربما المزيد من المقاعد في مجلس النواب، وحتي ربما السيطرة علي مجلس الشيوخ، ووجدوا في الصين الشماعة التي يمكن أن تعلق عليها كل مواطن ضعف أداء الحكومة الفيدرالية، وأيضاً هدفاً سهلاً، لأن الصين عادة وربما من خلال العقود الثلاثة أو الأربعة الماضية كانت هدفاً سهلاً خلال الحملات الانتخابية سواء بسبب التبادل التجاري أو غيره، والآن جاء فيروس كورنا .

علي كل حال يبدو أن كورونا يجدد الحرب الدعائية، ويدفع الإعلام فى البلدين للانحياز إلى مصالح بلاده بصرف النظر عن العواقب، لا فرق بين الحرب التجارية والفيروسية.. وننتظر ما تسفر عنه الأيام المقبلة!!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

 

 

موسى فرجفي الشارع، في الاعلام، بين أوساط المثقفين، في اوساط الحكومة، عند البرلمانيين لو سألت أي شخص من هي الجهة المسؤولة عن مكافحة الفساد...؟ لقال لك هيئة النزاهة ...ولو سألت لماذا تعثرت قضية محاربة الفساد والفاسدين في العراق ...؟  لتعثرت الإجابة وتموجت الصورة بين من يلقي اللوم على الأحزاب وبين من يلقي اللوم على الحكومة وبين من يلقي اللوم على هيئة النزاهة، وبمناسبة تصاعد الأصوات من جديد ضد الفساد بسبب دخول عامل إضافي مستحدث وهو انهيار اسعار النفط وقعود الحكومة ع الحديدة وعجزها المتوقع عن تدبير رواتب موظفيها فإن ثمة خطأ شائع في قضية مكافحة الفساد في العراق من الضروري بمكان الانتباه اليه في هذا الوقت بالذات أكثر من أي وقت مضى...

فإلى جانب مهام هيئة النزاهة المتعلقة بإشاعة ثقافة النزاهة ونشر سبل الوقاية من الفساد ومهام أخرى تتعلق باقتراح القوانين التي تساهم في مكافحة الفساد والتنسيق مع المنظمات غير الحكومية فإن مهمتها الجوهرية التي تستقطب اهتمام المواطن ويرى فيها صلب عمل الهيئة والغاية من وجودها هي قضية معاقبة الفاسدين واسترجاع الأموال المسروقة منهم...وغني عن القول إن الهيئة:

1- تمارس مهمتها لتحقيق هذا الهدف ضمن حدود القانون ولا يحق لها تجاوز صلاحياتها بأي حال من الأحوال...

2- إن ساحة عمل هيئة النزاهة هي السلطة التنفيذية وليست السلطة القضائية أو التشريعية الا ما ندر...

ولو تتبعنا اجراءات التعامل مع أية قضية فساد لوجدناها تمر بالمراحل التالية:

المرحلة الأولى: التحري والتدقيق والتحقيق:

وما دامت ساحة عمل الهيئة بالأساس هي السلطة التنفيذية فإذا كان رأس السلطة التنفيذية وهو في العراق رئيس الحكومة، إذا كان خارج منظومة الفساد ومؤمن بمحاربته فرض أرادته على معيته ضمن السلطة التنفيذية وأجبرهم على تزويد الهيئة بالملفات والامتثال لطلبها في اجراء التحقيق الأصولي مع من ترى أن له علاقة بقضية فساد...واذا كان رأس السلطة التنفيذية وهو رئيس الحكومة غير مؤمن بقضية مكافحة الفساد أو كان هو أو المقربين منه مشاركين فيه، أو انه لا يريد من مكافحة الفساد أن تطال شخص او مجموعة أو دائرة أو نوع معين من النشاط استقوى به الشخص أو المجموعة أو الدائرة أو النشاط وأعاق حصول الهيئة على الملفات أو امتثال الأشخاص لطلب الهيئة في التحقيق...وعند حصول هذه الحالة عادت الهيئة بخفي حنين من المرحلة الأولى وقبل أن تتقدم الى المرحلة الثانية، وطيلة عملها في السنوات الفائتة كانت الهيئة تصطدم بهذه العقبة الكأداء من لدن رؤساء الحكومات وبطانتهم، هذا يعني أن اجتياز المرحلة الأولى بنجاح انما يتوقف على مدى أيمان رأس السلطة التنفيذية بقضية مكافحة الفساد وتجاوبه في ذلك...

المرحلة الثانية: التقاضي والمحاكمة:

إذا كان رأس السلطة التنفيذية يعني رئيس الحكومة لا ضلع له أو المقربين منه في الفساد ومؤمناً بقضية محاربته وقادراً على فرض ارادته على معيته عندها تتمكن الهيئة من المضي بإنجاز المرحلة الأولى بنجاح لتنتقل الى المرحلة الثانية وهي مرحلة التقاضي واصدار قرار الحكم... وفي هذه المرحلة فإنه وبموجب مبدأ فصل السلطات فإن قضية اصدار قرارات الحكم تقع ضمن اختصاص السلطة القضائية حصراً.. وهيئة النزاهة ليس من اختصاصها أن تصدر امراً بالقبض أو أن تصدر قرارا بالحكم.. فاذا كانت السلطة القضائية مؤمنة بقضية مكافحة الفساد ومستقلة قولاً وفعلاً ولا تمارس عليها السلطة التنفيذية سطوةً أو نفوذا أصدرت قرارات الحكم بالبراءة أو الإدانة...وهنا تكون المرحلة الثانية قد انجزت بنجاح ، ولكن ان كانت السلطة التنفيذية مشاركة في الفساد وغير مؤمنة بقضية محاربته ومارست هيمنتها أو سطوتها على جهاز القضاء أو القاضي ، عادت هيئة النزاهة بخفي حنين ايضاً دون أن تعبر المرحلة الثانية الى المرحلة الثالثة، ومعروف كم هو الكم الهائل من الضغوط الذي مارسته ادارة المالكي وبطانته على القضاء وايضاً الكم الهائل من الرضوخ من قبل رأس السلطة التنفيذية رئيس الحكومة للمقربين منه والكتل السياسية من اجل تجنيب اتباعها المساءلة والعقاب وفتح الأبواب مشرعة لهم ليمارسوا حلب مخرجات الدولة ونهب المال العام...

المرحلة الثالثة: مرحلة تنفيذ قرارات القضاء:

على افتراض ان السلطة التنفيذية بشخص رئيس الحكومة ليس له أو المقربين منه ضلع في الفساد ومؤمن بقضية محاربة الفساد والفاسدين ويفرض ارادته على معيته بالامتثال لإجراءات محاربة الفساد ولا يمارس هو أو أي شخص آخر نفوذاً أو سطوة للتأثير على استقلال  القضاء أو القاضي والقضاء نظيف ومتمكن وصدرت قرارات الادانة بسلاسة متناهية فإن تنفيذها يقع ضمن اختصاص السلطة التنفيذية أيضاً فهي التي تنفذ أوامر القبض والحبس ومصادرة أموال المدانين ممن هم في الداخل والسعي لاسترداد المطلوبين أو الأموال المسروقة ممن هم في الخارج من خلال أطراف في السلطة التنفيذية وتحديداً وزارات الداخلية والخارجية بالتنسيق مع القضاء وهيئة النزاهة.

المرحلة الرابعة: مرحلة نسف قضية مكافحة الفساد:

اذا كانت السلطة التنفيذية بشخص رئيسها مؤمن ومصمم على محاربة الفساد والفاسدين فإنه يكبح ويمنع أية محاولة على الالتفاف على جهود هيئة النزاهة وأجهزة القضاء لإخراج الفاسدين من شباك العقاب بعد إن دخلوه من الباب من خلال قيام الدائرة المقربة من رئيس الحكومة بدبلجة مشروع قانون للعفو العام تحت حجج شتى يشمل المدانين بقضايا فساد ليدفعوه الى البرلمان ليصادق عليه تلبية لطلب كتل السياسية لاستنقاذ أتباعهم وفتح الأبواب مشرعة لهم ليعاودا نهب أموال الشعب وبذلك تكون السلطة التنفيذية بشخص رئيسها ورضوخاً لرغبات المتنفذين من الكتل السياسية قد نسف جهود هيئة النزاهة وجهود جهاز القضاء من الأساس لأن القضاء ملزم بتنفيذ القوانين الصادرة عن مجلس النواب الذي يحكمه الساسة ورؤساء الكتل.

من هذا يتضح أن قضية مكافحة الفساد يقع 75% أو أكثر من خيوطها في جعبة السلطة التنفيذية ورئيسها بالذات بالتعاون مع الكتل الحزبية أو رضوخاً لمشيئتها ، وليس لهيئة النزاهة من دور في مكافحة الفساد ومعاقبة الفاسدين إلا نصيب في المهمة لا تتعدى مساحته أكثر من 25% في أفضل الأحوال وهذه الـ 25% ايضاً يتحكم فيها رأس السلطة التنفيذية لأنه وبطانته هم من يختارون رئيس الهيئة وهم من يقررون إقالته...وعليه فإنه ليس الأمر كما هو شائع خطأً من أن المتحكم الوحيد بنجاح أو فشل قضية محاربة الفساد والفاسدين هي هيئة النزاهة...

ومن يقول غير ذلك أقول له راجع المراحل من جديد لتقف على هذه الحقيقة:

1- هل أتاحت الحكومة من 2003 لغاية تاريخه حصول هيئة النزاهة على الملفات والوثائق لتلبية متطلبات الشفافية ومن دون استثناء...؟ لا.

2- هل مكنت الحكومة هيئة النزاهة من القيام بواجبها في التحقيق مع المثارة ضدهم شبهات فساد وفي مختلف القضايا من دون استثناء...؟ لا.

3- هل تجنبت الحكومة ممارسة الضغوط على القضاء وفي كافة الحلات دون استثناء...؟ لا.

4- هل كانت الحكومة جاده في القيام بواجبها في تنفيذ قرارات القضاء ودون استثناء...؟ لا. وإليك الدليل:

أصدرت المحكمة الاتحادية بتاريخ 4/ 11 /2019 قرارها بعدم وجود نص دستوري يلزم التعيين وفق مبدأ المحاصصة، هذا يعني بأن كافة التعيينات على اساس المحاصصة وفي كافة السلطات التنفيذية والبرلمانية والقضائية باطلة دستورياً ويتوجب إلغاءها، هل التزمت السلطة التنفيذية بحكم المحكمة الاتحادية البات والملزم لكافة السلطات بموجب الدستور...؟ لا.

5- هل أن الحكومة تجنبت بالفعل نسف جهود هيئة النزاهة وأجهزة القضاء ولم تسمح بخروج المدانين من الشباك بعد دخولهم من الباب...؟ لا. وإليك الدليل:

كم قانون عفو أعدته السلطة التنفيذية شمل المدانين بقضايا فساد وأقره مجلس النواب بسلاسة تامة واريحية مشهود لها وبمباركة رؤوس الكتل السياسية...؟

ولهذا نقول: إن التي ترتكب الفساد هي السلطة التنفيذية والتي تمنع مكافحة الفساد هي الحكومة بشخص رئيسها وبطانته من 2004 لليوم...

وعندما يطلق رئيس الجمهورية عبارات من قبيل أن مكافحة الفساد مهمة الجميع فأعلموا انه انما يريد من وراء ذلك تعويم قضية الفساد وقيدها ضد مجهول، وعندما يطلق رئيس الحكومة دعوات من قبيل أن مكافحة الفساد انما هي مهمة وطنية فأعلموا انه انما يريد بقوله عدم إلزام نفسه هو بالذات بوصفه راس السلطة التنفيذية التي تمارس الفساد والذي يقع على عاتقه هو بالذات 75% من مهمة مكافحة الفساد.

من هنا تأتي أهمية ان يكون راس السلطة التنفيذية رئيس الحكومة غير مشارك هو والمقربين منه في الفساد، مؤمن بقضية مكافحته وقادر على فرض ارادته على معيته، مؤمن بسلطة القانون واحترام استقلال القضاء واستقلال هيئة النزاهة، وعدم الخضوع لسطوة الكتل السياسية، الى جانب المواصفات الأخرى المتعلقة بالسياسة وحرصه على سيادة العراق واحترام ارادة وحقوق الشعب.

 

موسى فرج

 

نبيل احمد الاميرحينما تغيب مظاهر التجديد والتغيير والإبداع في المجتمعات، وتسود فيها مظاهر الرتابة والتعصب والجمود، والتغني بأمجاد الأجداد والأسلاف، ورفض الخروج عن مألوف الفكر والثقافة والسلوك..

وحين لايمكن الإعتراض على أوامر وتوجيهات ماتسمّى بالقيادات ووجوب الإنصياع لها دون إعتراض..

وحين يجب اللجوء والركون والإذعان للفكرة والرأي السائد في المحيط الذي ينتمون ويعيشون فيه، ويشعرون في ذلك الانتماء والتبني والخضوع براحة بال وطمأنينة نفس..

وحين يكون الحال مجرد مهرب من مواجهة الواقع والحياة، أو هو تلحّف بالدفء الذي قد يوفره إلغاء حال التفكير الفردي والإحالة والإلقاء بأعباء مسؤولية مهمة التفكير على آخرين ليقوموا بالتفكير والتوجيه نيابة عنه، ويرسموا تفاصيل حياتهم، ويحددوا الواقع والخيارات..

يكون المجتمع وأفراده قد تبنّوا مبدأ الصنمية الفكرية.. وأصبحوا أسرى لفكر متوقف لايقبل التجدد والتطور.. وهنا المشكلة التي يستوجب الوقوف عندها لحل أو لحلحلة هذا الجمود .

وهذا المسار والممارسة الجماعية اللاواعية نجده نتيجة الجهل وغياب الوعي المجتمعي، وهو من أبرز مظاهر التخلف والتراجع والتسلط في مجتمعاتنا، وكذلك الكثير من أزماتنا في الماضي والحاضر كان وراءها ذلك الجمود والتقليد .

إن من أهم أعراض هذا المرض اعتبار أنه ليس من حق الأفراد العاديين أن يفكروا، أو يستخدموا عقولهم، إذ كل ما عليهم هو مجرد السماع والتلقي، ومن ثم اعتبار أن رأي من يتم التلقي عنه أياً كان هو"الرأي الحاسم"الذي يجب العمل به في هذه المسألة أو تلك، والاعتراض هنا مرفوض، لأنه لا يجوز لأحد في أعراف الأمراض الصنمية الرد عليها أو انتقادها أو مناقشتها برأي يخالفها .

وأن أخطاءهم أو زلاتهم يتعين تبريرها والتهوين من شأنها، فهم يضيقون ذرعاً بكل من يمرق عن المألوف أو السائد، فهم لايريدون أن يفكروا ولا يسمحوا حتى لغيرهم بالتفكير، ولك أن تعجب كل العجب من أولئك الأتباع والمنافحين عن مدى تحفزهم للانقضاض على المخالفين، والحماسة التي يبديها الكثيرون منهم في إسكات وقمع كل مخالف، ظناً منهم أنهم إنما يدافعون عن الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فبضاعتهم غالباً ليست من خلال طرح رأي أو فكرة يتم تناولها وإثبات صحتها والرد على المخالف بالحجة والبرهان وإنما يكون ذلك بالسباب والشتيمة والاتهام والتخوين والتضليل في صورة تعبر عن حجم ومدى الخضوع والإقصاء.

إننا بحاجة ماسة إلى ترويض وتعويد أنفسنا على طرح التساؤل تجاه المألوفات، وما اعتدنا عليه في حياتنا والبحث عن البدائل الأخرى الممكنة لتحقيق نتائج أفضل، فالتعود على إثارة التساؤل هي خطوة مهمة في عملية الخروج من حال الجمود والتقليد الأعمى والدفع نحو الإبداع والتجديد، وفتح آفاق أوسع وزوايا جديدة للنظر، حتى لا يقتل لدينا الاعتياد من حولنا نعمة التفكير والتأمل .

نحن نشأنا في مجتمعاتنا فوجدنا أوضاعاً قائمةً فتعايشنا معها، دينية كانت أو اجتماعية أو سياسية أو تعليمية وغير ذلك من دون أن نفكر ونتساءل هل نحن ملزمون بإبقاء تلك الأوضاع من حولنا على ما هي عليه؟

وهل هذه الأوضاع قادرة على التأقلم مع المتغيرات المتجددة من حولنا، أم هي متأخرة ومتخلفة عنها بكثير؟

وهل من حق كل فرد أن يبدي رأيه فيها ؟

لذلك مطلوب منا جميعاً أن نترك مساحة كبيرة بحجم استيعاب العقل للتفكر والتأمل بعيداً من منطق التمجيد والتصنيم لكل الآراء ووجهات النظر، وضرورة تعريض تلك الآراء والتصورات تحت أضواء العقل وفي ميزان النقد، وأن لا نجمّد عقولنا أو نسمح للآخرين دائماً أن يفكروا ويقرروا عنا، فهم بذلك يسلبون حريتنا ونبقى بعقول خارج نطاق الخدمة .

 

بقلم / د. نبيل أحمد الأمير

 

 

علاء اللاميإذا كانت انتفاضة تشرين معجزة في انطلاقتها فستكون معجزة في إسقاط من يحاول خطفها وستنتصر!

نشر الصديق سلام موسى جعفر مقالة مهمة تحت عنوان "الانتفاضة القادمة والانتفاضة المختطفة!"، يناقش فيها من موقعه كمؤيد ومناصر لانتفاضة تشرين ومساراتها وواقع حالها وآفاقها المتوقعة. توفر هذا المقالة فرصة طيبة للقيام بوقفة تحليلية نقدية لبعض ما ورد فيها ومن خلالها لتدبر بعض دروس الانتفاضة التشرينية نفسها أدرجها أدناه على شكل نقاط اختصارا وتوضيحا:

1- يُسجل للصديق الكاتب شرف المبادرة إلى مناقشة هذا الموضوع بهذا الوضوح والتفصيل والنقدية ومن موقع المؤيد والمتضامن مع انتفاضة تشرين المجيدة وأبطالها، وليس من موقع العداء والتشويه والتشكيك والتسفيه وتوجيه الاتهامات البائسة بالعمالة لأميركا و"إسرائيل" والسعودية، سواء كان هؤلاء المعادين من كتاب المليشيات وأحزاب الفساد المتحالفة مع إيران، أو من أولئك الموسوسين والمصابين برهاب التخوين والباحثين عن "المتآمرين الخونة" على طريقة شرلوك هولمز بطريقة فجة واستفزازية، لا تحترم دماء ضحايا القمع الدموي الذي ذهب ضحية له أكثر من سبعمائة شهيد وعشرات آلاف الجرحى والمعتقلين والمخطوفين أو للحقيقة.

يمكن الاتفاق مع الكثير مما ورد من تحليلات وتوصيفات وردت في المقالة ولكني اختلف معه في بعض الاستنتاجات المتسرعة والخطرة التي انتهى إليها ومنها:

2- لقد استنتج الكاتب مقدما، وقبل أن تنطلق الموجة الثالثة من الانتفاضة، وفي حالة انحسار وتراجع شاملة لها وانتشار جائحة كورونا، أنها تمت مصادرتها والسيطرة عليها من قبل عملاء أميركا. فهو يطرح سؤالا محايد ومشروعا في ظاهره يقول (هل ستبدأ الانتفاضة الجديدة من حيث انتهت الانتفاضة التشرينية؟) إن هذا السؤال المشروع يحتاج الى تحليلات معمقة ومعلومات وإحصائيات موثقة وأكيدة حول مسارات وإحداثيات وأحداث الانتفاضة وعواملها الدافعة والأخرى المعرقلة، قبل إطلاق أي حكم أو استنتاج جازم من قبيل (لنكن واقعيين ونعترف بان عربة انتفاضة تشرين وضعت على سكة القطار الأمريكي ولم يعد ممكنا حرف قضبان السكة)! وهذا جواب أقل ما يقال فيه أنه متسرع كثيرا.

3- ثم أن الكاتب يفصل بين (الانتفاضة التي تم اختطافها) والأخرى التي يصفها بالمحتملة وهو يقول (دعوني أعلن بصراحة ووضوح عن هزيمة انتفاضة تشرين التي ساهمت شخصيا وعن قناعة بالدفاع المستميت عن عفويتها، وحذرت بنفس الوقت من سرقتها وأشرت الى اللصوص بأسمائهم...). والحال، إن الواقع على الأرض لا يؤكد لنا أن انتفاضة تشرين قد هزمت أو خطفت من قبل من أشار إليهم الكاتب: فلا الانتفاضة في موجتها الثانية قد انتهت بالاختطاف لأنها تواصل التعبير عن رفضها لكل مشاريع وحلول النظام البائسة وترفض مرشحيه للحكومة الانتقالية الواحد تلو الآخر ومعهم ترفض برامجهم وحلولهم المخادعة، ولا الانتفاضة القادمة المحتملة صودرت لسبب بسيط هو أنها لم تبدأ بعد حتى نحكم عليها وعلى شعاراتها وتوجهاتها وقياداتها!

4- إن محاولات القوى والزمر والشخصيات التي توصف عادة بالمدسوسة والمندسة، سواء كانت تعمل  أو تتعامل مع بعض أحزاب النظام أو السفارات الأجنبية والجهات الفاسدة من خارج النظام وعلى مقربة منه، ليست جديدة بل بدأت نشاطاتها مع بداية الانتفاضة، وهي كانت مستمرة وناشطة طوال الانتفاضة في مرحلتيها السابقتين، وقد فشلت فشلا ذريعا في جميع محاولاتها لركوب الانتفاضة والسيطرة عليها، وكل ما حدث هو أن صوت هؤلاء المندسين أصبح عاليا في فترة انحسار الانتفاضة وانتشار الوباء وهذا أمر طبيعي يعبر عنه المثل الشعبي "لو غاب القط ألعب يا فأر"، والقط هنا هو التظاهرات المليونية والقوى العراقية الحية ذات المصلحة في إنهاء نظام المحاصصة الطائفية العميل والمحمي مكن قبل واشنطن وطهران،  ولا يمكن الاعتراف بنجاح هؤلاء إلا حين يفلحون فعلا في قيادة تظاهرة مليونية - أو حتى نصف مليونية - واحدة  تهتف بشعاراتهم الأميركية، وهم فشلوا في ما هو أقل من ذلك بكثير ولا يجرأون حتى على رفع العلم الأميركي  أو صورة صغيرة له.

5- لقد كانت آخر محطة من محطات الانتفاضة التي انتصر فيها الخطُّ الوطني على المندسين وأصدقاء السفارات الأجنبية هي حين دعوا الى القيام بتظاهرات واسعة تستهدف النفوذ الإيراني وتسكت على الاحتلال الأميركي وقواته وقواعده، وردا على هذه الدعوة لأصدقاء أميركا، خرجت التظاهرات المليونية في بغداد والمحافظات ودون ان يشارك فيها التيار الصدري الذي توقع أن تكون المشاركة فيها متواضعة ولكنها أذهلت الجميع وكررت موقف الانتفاضة الاستقلالي الأصيل  المناهض للاحتلال الأميركي والهيمنة الإيرانية معا، وألقمت الساكتين على الاحتلال الأميركي من مدنيين ويساريين واتباع المقاولين حجرا كبيرا فضاعت أصواتهم في أمواج تلك المليونيات الهادرة.

6- نتذكر جميعا ما حدث بعد تلك التظاهرات، حيث أن الانتفاضة دخلت في مرحلة انحسار وتراجع لأسباب موضوعية وذاتية عديدة، وهنا ارتفعت أصوات أصدقاء أحزاب النظام والسفارات والمجموعات الممولة من مقاولي السياسة كالبزاز وفخري كريم والكربولي والخشلوك والزرفي وتكاثرت الخيم العشائرية والحزبية والتابعة لجهات دينية إثر ذلك، وبدأ بازار تشكيل الحكومة الانتقالية ثم جاءت جائحة كورونا لتدخل وتهيمن على المشهد العام.

 7- أعتقد أنه ما يزال من المبكر جدا الخروج بهذا الاستنتاج القائل إن الانتفاضة المحتملة (لن تكون لها علاقة بانتفاضة تشرين والسبب بسيط فهي انتفاضة محتملة ولم تنطلق بعد). هذا أولا، وثانيا، فالشباب الوطنيون والاستقلاليون الذين يعترف بوجودهم الجميع، ورغم ضعفهم العددي واللوجستي، ولكن تأثيرهم ما يزال جوهريا ومهما، وهم لا يزالون موجودين ولم ينسحبوا أو يستسلموا ويتركوا الانتفاضة للمجموعات والزمر المدسوسة والمندسة. وثالثا، لأن هذه المجموعات لم تشكل حتى الآن قوة مؤثرة وقائدة للانتفاضة وهي تطلق التصريحات والبيانات الركيكة والمضطربة حول المستقبل ولم تنجح حتى الآن في القيام بفعالية واحدة باسمها وتحت شعاراتها.

8- سيكون من المفيد والضروري التفريق بين ظواهر وأصوات وشعارات ظهرت منذ الأيام الأولى للانتفاضة، بخصوص معاداة إيران، وضعف الصوت المعادي للاحتلال الأميركي، والبحث عن سبب هذه الظاهرة في طبيعة المرحلة التي مرت بها الانتفاضة، وفي اعتماد السفارة والإدارة الأميركيتين أسلوبا خبيثا ونفاقيا هادئا ويغازل المتظاهرين، في حين اعتمدت إيران أسلوب العداء الصريح والفظ وتوجيه الاتهامات المهينة للانتفاضة والمنتفضين علنا وبشكل هستيري وعلى لسان كبار قادة النظام وهذا ما سهل مهمة أصدقاء وحلفاء السفارة الأميركية من مجموعات اندست بين صفوف المتظاهرين مستغلين حالة الغضب الذي أحدثته ردود الفعل الإيرانية والحليفة لإيران من الأحزاب والمليشيات الولائية، ورغم كل الاتهامات الموجهة لتلك المليشيات بالقتل قنصا واغتيالا وخطفا للمتظاهرين إلى جانب المتهم الأول أي الحرس الرئاسي الخاضع لأوامر عادل عبد المهدي، فقد ظلت غالبية المنتفضين على موقفها المتعاطف وحتى المدافع عن قواعد الحشد الشعبي وتضحياته وفرَّقت بين هذا الحشد المضحي وبين تلك المليشيات الحزبية الولائية الفاسدة وغير الدستورية.

9- يقول الصديق الكاتب لقد (اختفى الحديث عن تغيير الدستور واسقاط العملية السياسية وحل محله الحديث عن اختيار اسم لرئيس الوزراء بديلا عن الرئيس المستقيل، أو عن الانتخابات المبكرة. وهي نفس المواضيع التي تناقشها الأحزاب السياسية المشتركة في العملية السياسية تحت قبة مجلس النواب أو في تصريحاتهم اليومية). وهذا الكلام صحيح ويمكن الاتفاق معه، ولكن هذه الأمور لم تحدث مؤخرا بل اختلطت الأصوات الوطنية بالأخرى الانتهازية منذ الأشهر الأولى ونجاح التيار الصدري في دس كوادره في الانتفاضة وهم الذين قاموا مثلا بإزالة الشعارات الوطنية الجذرية من على المطعم التركي حين سيطروا علية وصار موقعا ومقرا لهم وللأسف فقد سكتت العناصر الوطنية على هذا الفعل العدواني والبلطجة السياسية. إن الأكثر دقة هو أن الحديث عن تغيير الدستور واسقاط العملية السياسية لم يختفِ تماما، ولكن أصوات الإصلاحيين المزيَّفين والناشطين المؤيدين للتيار الصدري والمرجعية الدينية والمجموعات المدنية اللبرالية الانتهازية وخاصة مجموعة فخري كريم وشعارهم الداعي إلى (الانتخابات المبكرة تحت إشراف دولي) والدخول في بازار الصرعات حول اسم رئيس وزراء الحكومة الانتقالية هو الذي أصبح سائدا، أما من حيث الجوهر فإن شعار تغيير النظام جذريا لم يسقط، بل تم احتواؤه فهناك من اعتقد أن الانتخابات المبكرة هي الطريق إلى تحقيق التغيير المنشود وهذا خطأ كبير وقاتل ولم يستطع الخط الوطني مواجهته بنجاح للأسف بل أن بعض ممثلي هذا الخط خُدعوا به واندرجوا مع المنادين به بدلا من يرفعوا الشعار الصحيح وهو تشكيل حكومة خبراء انتقالية باسم الانتفاضة تحل البرلمان وتجمد الدستور وتكافح الفساد وتحاكم قتلة المتظاهرين وتستعد لإجراء انتخابات تشريعية بعد كتابة دستور جديد.

10- نعم، لقد حققت أحزاب النظام التي حاولت الدخول في عماد وإحداثيات الانتفاضة وخاصة التيار الصدري وحزب الحكمة وتكتل العبادي "النصر" - مجموعة الزرفي، بعض الحضور في الانتفاضة، ونصبت بعص خيم الاعتصام وأثرت على مجراها، وكان لظروف الانحسار العام والوباء الذي جاء خلال ذلك دوره الكبير في هذه المساعي ولكن الأمور لم تحسم بعد، ولا يحتمل أنها ستحسم لصالحهم مع بداية الموجة الثالثة المحتملة من الانتفاضة.

11- ولهذا، سيكون من الصعب الاتفاق مع قول الكاتب (المحصلة هي أن أمريكا وعملاءها نجحوا في تحويل الغضب الشعبي على الأحزاب والمليشيات الموالية الى إيران الى عداء شعبي ضد إيران. واختفت من الساحات الشعارات الثورية التي سادت في الفترة الأولى ...أي أن ساحات التظاهر تحولت الى جزء من العملية السياسية التي خرجت من أجل اسقاطها). إن هذه التفاصيل التي يطرحها الكاتب هي في أحسن الأحوال مجرد مخاوف وشكوك واحتمالات ضعيفة لا يسندها الواقع وحجم الخراب في الفساد في العراق، وغنما زعيق إعلامي تطلقه أبواق الذين يحاولون اختطاف الانتفاضة. أي إن هذه الكلام ليست تحليلا علميا لواقع الحال وحركته وأحداثه فجماهير الانتفاضة غائبة اليوم لظروف طارئة ولكن ليست إلى الأبد، وفي غيابها فإن باستطاعة كل مجموعة من الأشخاص أن يجلسوا في خيمة ويصدروا بيانا يعبر عن مطالبهم البعيدة عن شعارات الانتفاضة ولكن أين سيذهب هؤلاء وبماذا سيهتفون حين يعود المارد الشعبي بتظاهراته المليونية الى الشوارع والساحات؟

12- وأختم بهذه الخلاصات المركزة: الانتفاضة التشرينية لم تنتهِ برنامجا وشعارات وطموحات لأن أسئلتها ودوافعها وأسبابها ما تزال قائمة بل وقد تفاقمت مؤخرا، ولكن موجتها الثانية انتهت بانسحاب مادتها الجماهيرية لظروف طارئة معروفة للجميع. وغن تلك المادة الجماهيرية الحية ستعود بمجرد زوال تلك الظروف الطارئة، وهي أحوج ما تكون الى التحليل الشجاع والقراءة الجريئة لنقاط ضعفها لمعالجتها ونقاط قوتها لترسيخها وتفعيها ومن أهم نقاط ضعفها:

* تأخرها وترددها في فرز قياداتها الميدانية في هيئة لجان شعبية ومجالس شعبية منتخبة من بين ومن قبل المشاركين في الانتفاضة وبشكل شفاف وعلني، والتبرؤ من كل الهيئات والتنسيقيات السرية والمجهولة.

* تعويلها على بعض أحزاب النظام وشخصياته الفاعلة والفاسدة، وعلى المرجعيات الدينية والمتمسكة بسياسة "وسط العصا"، وينبغي التوقف عن هذا التعويل ورفض أية محاولة من قيادات هذه الأحزاب والمرجعيات للنطق باسم الانتفاضة وجماهيرها وتطبيق شعار: الانتفاضة تعبر عن نفسها بنفسها ولا تحتاج إلى وسطاء ومفاوضين عبر بيانات صادرة عن لجانها ومجالسها المنتخبة في الميدان.

* تقيد الانتفاضة بالخطوط الحمراء التي وضعتها بعض الأطراف على حركتها وفعاليتها من قبيل عدم التظاهر والاعتصام في مناطق معينة في العاصمة بغداد، لهذا يجب منح صلاحية تحديد أماكن التظاهرات والاعتصامات وإحداثياتها للقيادات الميدانية في حالة التظاهرات المليونية.

* وأخيرا وبعد كل الذي قلته أعلاه أصارح القارئ أنني لا يمكن ان اكذب على نفسي وأزعم أنني متفائل بما يخص الانتفاضة ولكنني أيضا لست متشائما هذا "اللاتشاؤم" والأمل يصدر من حقيقة أن هذه المعجزة التي اجترحها شباب العراق ونسميها انتفاضة تشرين قد فاجأت التاريخ والناس لن تعجز عن تقديم معجزة أخرى تتجاوز بها عثراتها وأخطاءها ونقاط ضعفها وتلقي بمن يخرج على جوهرها الاستقلالي من تجار السياسة والمناصب والمتسلقين في سلة مهملات التاريخ وتتقدم إلى الأمام وستنتصر.

* وافر الاحترام للصديق الكاتب لأنه فتحت باب النقاش بقوة وضوح حول واقع وآفاق الانتفاضة، حتى لو جاء ذلك الوضوح مشوباً ببعض التشاؤم. نأمل ألا يؤثر ذلك سلبا على معنويات البعض والأمل كبير في أن يكون نوعا من تشاؤم العقل المطلوب والملازم لتفاؤل الإرادة بانتصار الشعب.

 

علاء اللامي

......................

رابط يحيل إلى مقالة الأستاذ سلام موسى جعفر:

http://www.albadeeliraq.com/ar/node/2841   

 

"أشعر بإرهاق شديد، عبء كبير على كاهلي، مشاعري مختلطة في ظل الإجراءات الحالية".

هو ما ورد على لسان الطبيب السعودي" ناصر إبراهيم" في إصراره على البقاء في إيطاليا ليساهم في خدمة المصابين بالوباء الحالي" كوفيد 19" في مشفى" لودي" الذي خصص لذلك، والحديث يأتي اعترافا من الطبيب بالجميل لإيطاليا، حيث درس، وأقام، رغم أن الفرصة كانت مواتية له لينأى بنفسه في فندق خاص، كما أن العودة إلى رحاب الوطن كانت متاحة أيضا.

"فيديل كاسترو" الزعيم الكوبي يقول " أطباء لا قنابل، أطباء لا أسلحة ذكية ترمى على المدن، وتقتل البشر".

طبيبية مصرية تهاجَم، وتُطرد، فتغيّر مكان إقامتها هربا من ملاحقة العوام الذين يخلطون بين المطبّب، والمُصيب بالعدوى، ولو أن الفرصة قد سنحت لهم لحشروهما معا، وأوقدوا فيهما النيران.

الطبيب الصيني" لي وينليانغ" حين قرع ناقوس الخطر من نافذة هاتفه الصغير ليحذّر من هذا الوباء، هوجم من السلطة الحاكمة بأنه يسوّق لتدمير اقتصاد الوطن، رجل حاول ألا يفتح الأبواب لوباء سيهتك حجب العالم، يُتّهم بالافتراء والتضليل، إلى أن يغمر الموت والمرض ساحات الكون تفسيخا.

د. "منذر خليل" مدير الصحة في "إدلب" السورية يقول: لا يمكن لطبيب في العالم أن يفصل الإنسان في داخله عن المهنة التي يمارسها، عبر صراع ذاتي دائم الحضور يؤرقه، وينهشه إلى أن يتغلب نداء الواجب على أي نداء سواه.

طبيب سوري آخر كان يعالج المصابين في أحد المشافي في سورية، وعندما يعود إلى بيته يرى أن طائرات الإجرام قد حصدت عائلته، زوجته، وأولاده السبعة، وأخاها، يساعد في دفنهم ثم يعود إلى ممارسة مهنته، وكأن قلبه قد صُبّ فيه الفولاذ.

" لا مكان أمام الخوف، فوقتُ العالم من دم" عبارة يقولها البروفسور الطبيب "خير الدين آك دينيز" رئيس قسم الأمراض المعدية في كلية الطب في إحدى جامعات تركيا.

وجوه كثيرة تبرز اليوم ساطعة في ظل هذه الجائحة الكبيرة، تدفع إلى الغوص في تلك البؤرة الداخلية التي يمكننا أن نلقبها بالنفس، النفس التي تتنازعها المشاعر، والعوالم المتناقضة ما بين رفض وقبول، ما بين تمرّد، ورضوخ، وما بين أثرة، وإيثار، وتُوقّد التّساؤل: كيف يتحرك الإنسان فينا، وما الذي يحرّكه، وما الذي يهمّشه، وما الذي يئده في مكمنه؟

ما الذي يجعل بعض البشر متقاعسين بأنفسهم حين تتطلبهم الملمات، وما الذي يستثير أمثال هؤلاء الأطباء والممرضين، والمسعفين، والمتطوعين إلى اختراق المخاطر وقد كمّموا قلوبهم بدروع لا ثقوب فيها. هناك من يدّعي أنّه الواجب، وغيره إنه قسم " أبقراط"، وقد يفسره البعض بشعور إنساني محض يخصّ صاحبه، ويميزه عمن ينسب إليهم، شعور يستحثّ صاحبه أن يكون في الرّتل الأول من خط المواجهة، لكن الموضوع أكبر بكثير، فهو ذاته يدفع إلى الحيرة، والتحيّر أمام نماذج أخرى لأطباء عرفوا بالجزّارين وبالمرتزقة، أطباء استغلوا الظروف، ومالوا مع الركب حيث مال، فتحوّلت مباضع الشفاء في أكفّهم إلى مباضع لجزّ رقاب معتقلين أبرياء في السجون، وإبر الدواء إلى حقن في أجساد المظلومين حين ساندوا الظلم، ورعاته، وكم من أطباء ركبوا موجة الرّبح والغنيمة، فعموا عما أقسموا عليه، وتغاضوا عن نداء الواجب، وكم من أطباء غُيّبوا في ظلمات السجون والتّشرد، وكم منهم من لم يُعط فرصته لسبب أو لآخر فاضطرّ إلى الانحراف، أما منهم  من كان الوعي رديفه فقد استطاع حين انخرط في مساعدة الحكومات في درء البلاء أن يأخذ فرصته ويثبت نفسه في دول لجأ إليها، ولم تلتفت إليه لسبب أو لآخر. إنّ المحن كما يقال هي التي تسنّ السيوف، والخناجر، وهي التي تكشف الأقنعة، وهذا ما يجري الآن في ظل هذا الوباء الذي سيطر على العالم الإنساني برمّته معطّلا عجلة الحياة بمختلف فروعها.

تطالعنا في هذه الفترة صور، ومشاهد مختلفة، وأخبار عمّن ينذرون أنفسهم في سبيل تطبيب الآخرين، منهم من نراه في الإعلام، ومنهم من لم نسمع بما يجود به من نبل التضحية والعطاء. إنّ تتبّع فيديو يكشف لمُشاهده كم يجهد المسعف وهو يتهيّأ في معركة يتحصّن فيها استعدادا لمدارة المريض في آلامه، وهي وحدها الكافية بأن تشعره بمعاناة أولئك الذين يرتدون اللباس الأبيض، رجال البياض لو صحّت تسميتهم، وحمامات البياض لو صحّ إطلاقها عليهن، فلباس العمل أطواق وأطواق، وخلعه مشقّة، وتجريح، أما آثار الكمامات الواقية على الوجه فهي أشبه بلسع النار، وكأن الأطباء والممرضين قد خرجوا من حفلة شواء، شواء للمشاعر، شواء لأيام طوال لا يطعمون فيها مأكلا، إلا النذر اليسير، أما الشراب، فكثيرا ما يمتنعون عنه كي لا يضطروا إلى التّبول، ناهيك عن حفّاضات المسنّين التي صار منهم من يتحصّن بها لتحول بينه وبين اضطراره إلى الذهاب إلى الحمّامات مع ضيق الوقت، وتضاعف أعداد المصابين، وتلك الأكداس من الملابس التي لبسوها. هل من مقارن ذلك بنا، نحن الذين نجلس في بيوتنا وراء شاشات لاب توباتنا، وهواتفنا، نطعم، ونشرب، نكركر ضحكاتنا في أحضان أحبتنا، ولا نفتأ نردّد الشكوى تلو الأخرى، والتذمر من الحجز، والمنع تلو الآخر، وقتٌ فيه يغدو حضن العائلة، وإبداء قليل من التذمّر والشكوى لأولئك حلما، ووهما، جنود البياض الذين يُحارَب بعضهم من قبل أطراف مُنتظرٍ منها الاعتراف بالفضل، والتقدير، لكن الجهل الذي عرك عقول أولئك بالحمق قد أعمى بصيرتهم، فكم من مطبّب، وممرّض يحارب في مسكنه، ويحاصر من أبناء حيه، وبلدته الذين يخلطون ما بين من يعتني بهم ومن من الممكن أن ينقل إليهم الوباء، خلط مريع يفاقم معاناة أولئك الذين قد جنّدوا راحتهم، ومسرّاتهم لخدمة الآخرين، مما يُلجئ بعضهم إلى تغيير مقرّ إقامته فرارا من ذاك الاتّهام، وقد قرأنا عما حصل لهم في مصر، وعن نماذج أخرى في أستراليا، مما يعرّي تخوّفا يقوده الجهل، فيوازي بين العوالم في تخلّفها، وتحضّرها، لتبقى الإنسانية وحدها سلطان الموقف حين يمكث أولئك الخدّام على قيمهم  فلا يتراجعون أمام ما يؤذيهم، وإن بدرت منهم ردود أفعال، فهي لا تُقاس مطلقا بما يلحق بهم من ضرّ.

الحق يقال، إنّ الكتابة شكرا، وتقديرا لشموع الإنسانية تلك لهي من أصعب أنواع الكتابة، فلا الثّناء يفيهم حقوقهم، ولا خَفضُ القبّعات والهامات عرفانا بالجميل بكافٍ أمام تضحياتهم للبشرية في ظلّ هذا الظرف العسير، ولعل مقولة " كاسترو": أطباء لا قنابل، أطباء لا أسلحة ذكية ترمى على المدن، وتقتل البشر" كفيلة بتأكيد البون الشّاسع ما بين أنبياء ورسل، وما بين قتلة وصنّاع تدمير.

 

أمان السيد

كاتبة/ أستراليا

 

محمود محمد علييبدو أن محاولات الصين لتسويق نجاحها وانتصارها في جائحة كورونا لم تفلح حتي الآن، فهي علي جانب آخر أيضاً تواجه اتهامات أمريكية واضحة وأخري ضمنية أوربية، بمحاولة بسط نفوذها الاقتصادي علي العالم في ظل سياسات الإغلاق وتسويقها لسياسة التظاهر بالكرم، وهو ما يثير تساؤلات عديدة مجددا عن مسؤولية الصين في انتشار هذا الفيروس حول العالم؛  خاصة وأن الاتهامات تتضمن علامات استفهام حول الفيروس، وهل تحور بشكل طبيعي؟، أم أنه مصنوع في مختبر؟، وإن كان كذلك فكيف أفلت ليمسك برقبة الكرة الأرضية ويوقف حركتها؟ هل نحن بصدد حرب باردة جديدة بين الصين والولايات المتحدة  بعد أن اعتقدنا أن الحرب الاقتصادية السابقة قد وضعت أوزارها ولن تعود في شكلها السابق أو في شكل جديدة؟ وهل فعلا ًالفيروس صنع في الصين؟ ولماذا عاد الجدل مرة أخري حول فيروس كورنا إلي المربع الأول؟ ألم تصبح الولايات المتحدة والغرب عموماً أكثر المشككين في منشأ الفيروس وطبيعته؟ لماذا اتهموا الذين اعتبروا الكورونا لعبة دولية كبري من أصحاب نظرية المؤامرة بينما تحقق الولايات المتحدة الآن فيما إذا كان الفيروس طبيعياً أم مصنعاً؟ وكيف وصل الفيروس إلي حاملات الطائرات والغواضات الأمريكية والأوربية في عرض البحر دون أن يصل إلي بكين؟ ألا تطالب دول أوربية بتعويضات بمليارات الدولارات من الصين؟ أليست الأحداث التاريخية الاقتصادية المرافقة للكورونا مؤشراً صارخاً علي أنها باتت لعبة دولية إن لم نقل حرباً عالمية ثالثة بأسلحة جديدة؟ لكن في المقابل أليس من الخطأ ربط انهيار أسعار النفط بوباء الكورونا؟ ألا يمكن أن تكون الانهيارات الاقتصادية نتيجة طبيعية للوباء بعد أن شل حركة البشرية؟ ألا ينتمي كورونا المستجد إلي عائلة فيروسية تعود جذورها إلي ستينات القرن الماضي؟ ألم يصب العالم من قبل بأوبئة مشابهة عبر التاريخ؟ فلماذا ما يزال البعض يحاول التلاعب بعقول البشر وأعصابهم في هذا الوقت العصيب؟ ألا تواجه البشرية جائحة كبري بغض النظر فيما إذا كانت طبيعية أم حرباً استخباراتية دولية؟

من الصعب الإجابة بالتفصيل علي تلك التساؤلات، لكن يكفينا أن نسجل هنا ما ذكره البعض قائلاً بأنه في عالم السياسة الدولية لا يمكن أبداً وصف أي حادثة بهذا المستوي علي أنها جاءت عن طريق الصدفة، ففي العلاقات الدولية لا يوجد مكان للصدف وللأمور الطبيعية، فكل هذه الأمور عملية مبرمجة؛ إذ إننا يجب أن نرجع قليلاً للوراء وليس كثيراً لنري الظروف التي نشأت بها هذه الحالة الفيروسية، فنري أن الرئيس الأمريكي ترامب في بداية الأمر كان يعاني من ضغطاً خانقاً في محاولة لعزله عبر الكونجرس ومجلس الشيوخ الأمريكي، وبنفس الوقت هدد في حدوث حرب أهلية داخلية فيما لو تم عزله، كما كان ترامب يعاني أيضاً من مشكلة مع إيران بعد أن قام بعملية اغتيال قاسم سليماني وشقيقه المهندس، وكان ترامب يتوعد بأن يضرب 52 هدفاً ثقافياً فيما لو قامت إيران بالرد، لكن إيران قامت بالرد ولكنه عجز عن الرد من خلال الجهة العسكرية المباشرة لديه، ثم بدأنا بعد ذلك نسمع بظاهرة فيروس كورونا التي تفشت في الصين، وهناك الكثير من التقارير التي أفادت بأنها جاءت حتي علي لسان مسؤولين صينيين قالوا بصريح العبارة بأن العدوي جاء عبر الجنود الأمريكيين الذين أتوا إلي ووهان تحديداً للمشاركة في عرض عسكري بعد أن أصيبوا بهذا الفيروس في أفغانستان في معامل أمريكا، أيضاً هناك تسجيل علي موقع جوجل في موقع براءات الاختراعات يؤكد براءة اختراع مسجلة في أمريكا بهذا الفيروس في 2015م، ثم تم تطوير هذا الفيروس في 2019  لذلك سمي بكوفيد 19، وبالتالي هذه الأزمة بدأت لفرملة الاقتصاد الصيني الذي كان يتفوق بكثير علي الاقتصاد الأمريكي بمئات التريليونات الدولارات، ويهدد بوجوده الاقتصاد العالمي، فحين تلقت الصين هذه الضربة قامت الصين بتشريح الفيروس ووجدت أنه مؤلف من 4 فيروسات من ضمنها فيروس السيدا، وبالتالي فهو ليس من تخلق الطبيعية، بل صنعته أمريكا كمحاولة للتعويض عن الحرب النووية الثالثة التي إن قامت بها سوف يتم تدمير العالم بأسره، فقامت بهذا المشروع التدميري للبشرية كلها، وبالتالي قامت الصين في تشريح هذا الفيروس، واعتبرت أن هذه حرباً بيولوجية شنت عليها، فقامت بتعديل هذا الفيروس وأعادته إلي مصدره في أمريكا وإلي الغرب وإلي القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في البحار وفي البراري العالمية، وبالتالي فقدت أمريكا القدرة علي السيطرة، ولو نلاحظ أن ترامب في بداية هذه الأزمة قد صرح أنه يملك ملايين العقاقير لهذا الفيروس، لكن بعد فترة وجد أن هذا الفيروس لا تصلح له العقاقير الأمريكية الجاهزة الصنع سلفاً، وبالتالي قام علي الفور وزير الخارجية الأمريكية " بومبيو" وطالب الصين وقال هذه العيارة :" يجب علي الصين أن تخبر العالم علي التطورات الإيجابية التي حدث لديها في مكافحة فيروس كورنا".. لكن هذا الهجوم الذي حاولت الولايات المتحدة اللجوء إليه لم تستطع أن تفرضه حقيقة علي الصين ولا علي مختبراتها، إذ تمكنت الصين أن تتعافي وأن تضرب هذا الفيروس في مناطقها، مع أنه كان قد كلف الصين الأعداد البشرية الهائلة، حيث إن هناك بعض التقارير حول أن شركات اتصالات دولية رصدت اختفاء 21 مليون خط هاتف من الصين ؛ بمعني أن هؤلاء قد ماتوا جراء هذا الفيروس، لذلك كان الرد الصيني عنيفاً علي الولايات المتحدة بهذا الاتجاه، وفقدت الولايات المتحدة السيطرة علي هذا الوباء الذي لم يعد كل المحاولات تصل معه.

لذلك اضطر الرئيس ترامب بوصفه جمهورياً إلي أن يلجأ إلي نفس الحيلة التي لجأ إليها من قبل الرئيس الأمريكي بوش الابن حين اتهم العراق بأنها تحوي أسلحة دمار شامل تبيد البشرية.. ولذلك وجدنا إدارة ترامب تزعم بأنها كشفت عن استخبارات أمريكية تحقق بجدية في نشأة الفيروس بمختبر ووهان ورغم استبعاد الولايات المتحدة الأمريكية لانتقال العدوي في شن حرباً بيولوجية، فإنها في الوقت نفسه تحمل بكين مسؤولية تسرب الفيروس، مرجحة حدوث خطأ بشري في مختبر ووهان، ولذلك  طلب الرئيس الأمريكي ترامب بإرسال محققين إلي الصين لبحث أبعاد تفشي كورنا ..

موقف الرئيس الأمريكي يأتي بعد اتهامه بكين مراراً بإخفاء معلومات هامة عن العالم حول أعداد الضحايا وحقيقة الفيروس بداية خلال تفشيه، علاوة علي أنه انضمت استراليا إلي فرنسا وبريطانيا في حملة تقودها واشنطن لمطالبة السلطات الصينية بالكشف عن المعلومات الحقيقية حول مصدر الفيروس، فيما قدم نواب جمهوريون في الولايات المتحدة تشريعاً يسمح للأمريكيين مقاضاة الصين للحصول علي تعويضات الوفاة والإصابة والضرر الاقتصادي الناجم عن تفشي كورونا ..وللحديث بقية !

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

 

محمد بنيعيشأولا: الحجر الصحي بين الحتمية الطبية والشرعية والسياسية

مهما قيل ويقال وسال ويسال من مداد، ومهما رصد وخطط فلا بد من وجود بعض الفجوات عند التطبيق الأول لأي مشروع وعمل جاد وهادف. تلكم هي طبيعة العمل البشري الذي يتأرجح دائما بين الطموح والتعثر وفي النهاية الوصول.

وموضوع الحجر الصحي في ظل أزمة الفيروس كوفيد 19 والمصطلح عليه إعلاميىا وعاميا بفيروس كورونا لهو مما طرأ ففرض حالة الطوارئ. أي أن هناك مناسبة بين طبيعة الموضوع وضرورة الإجراء.

وفي لقاء إذاعي بوجدة في شرق المغرب بلدي الحبيب، وقبل فرض الطوارئ بيوم كنت قد اقترحت هذا الحل عند الاقتضاء والضرورة واعتبرت أن الالتزام به يدخل ضمن الحق العام من الناحية القانونية، وأن عدم الاستجابة له بمثابة انتحار جماعي، على وعي متواضع مني بالخطورة والطبيعة الانشطارية للوباء، وخاصة بهذا الحجم الكوروني المستعصي. كما أنه بالنسبة للمسلمين وفي بلد مثل المغرب، كغالبية البلدان العربية، يخضع للمراتب الثلاث الملزمة عقديا وفقهيا بضرورة الطاعة مصداقا لقول الله تعالى:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ". وهذا يعني أن المواطن ينبغي أن يلتزم بالحرف لمقتضيات ما تصدره الدولة من قوانين تصب في صالحه، ليس كفرد فقط ولكن كجماعة وأمة. وإن لم يلتزم فقد يطبق عليه الأمر بالقوة ويستعمل في حقه الزجر المناسب مع خطورة الوضع ومقتضياته. والحال عند وباء كورونا لهو من أشد المخاطر، وبالمقابل فينبغي أن تقابله أشد الزواجر. لأن الأمر هنا ليس حرية فرد في قول أو فعل أو حق أكل ولبس وتنزه، وإنما هو خيار بين الموت والحياة لا وسط بينهما. إذن لا توسط في الردع ولا مجاملة وإنما الحزم ثم الحزم ثم العزم. ولا يعذر أحد بجهله للقانون، هذا في الحالة العادية فما بالك بالوضع الاستثنائي .

وربما يتوهم البعض بأن الأمر فيه شدة وغلظة، ولكن ما لنا من حيلة، فآخر الدواء الكي !. وخاصة حينما لا يريد البعض أن يفهم هذا المعنى ويتمادى في ظلمه لنفسه وغيره، بل للأمة ككل . هذا يتذرع بالفقر وذاك بالملل وآخر بالكساد، وهلم جرى من دعاوى حق ولكن وراءها وفي طيها باطل وضرر عام. فلم يكن ليعي البعض بخطورة الموضوع المادي ولا بأبعاده الدينية والروحية المترتبة عن العصيان واختراق الحجر الصحي عنوة وخلسة وما بين ذلك. وفي هذا الصدد يمكن أن نستشهد بقول النبي صلى الله عليه وسلم: " إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه". وأي ظالم أظلم ممن يعرض نفسه ومجتمعه للموت المجاني المحقق جهلا وتجاهلا، وتحديا باطلا واستنكافا. حتى إننا قد نرى كثيرا ممن لم يلتزموا شروط الحجر يتصرفون وكأنهم في ممانعة وخارج التغطية الإعلامية والواقع العالمي . فلا هم التزموا بيوتهم، ولا هم التزموا المسافة الوقائية فيما بينهم، ولا هم وضعوا كماماتهم، ولا هم سكتوا عن ترهاتهم واستهتارهم. مما يعني أنهم يعرضون أنفسهم وغيرهم لتعميم العذاب. أي المساهمة المتعمدة لانتشار الوباء الذي هو عذاب حقيقي بكل المقاييس. وهذا بالمفهوم العام الطبيعي أما الحكم الإلهي فلا نملك أن نقرر فيه . فقد يكون عذاب وليس عقاب وقد يكون عقاب ولا عذاب وقد يكون عقاب مع عذاب وهذا أشد وأخطر مآل. وتعريض الناس للوباء وانتشاره هو بمثابة تعميم العقاب. أي نكون نحن من فتح له الباب وزاد الطين بلة وأوقع الأمة في غضب عام وعارم.

وللحيلولة دون الوقوع الجماعي في هذا العقاب فينبغي إيقاعه على مستحقيه ممن خرقوا القوانين أولا وبالعمد، ثم على الذين خرقوه على غير عمد ولم يأخذوا الاحتياط والحذر. والقرآن الكريم يقول للمؤمنين"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا، وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا، وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا".

ثانيا: الواقع الاستثنائي والحزم في سد الخروقات

فنحن في حرب، وقوانين الحرب لها خصوصيات وطوارئ قد يصاب فيها المذنب والبريء والمحارب والمدني. ولكن في توقيع الزجر على العموم صلاح الأمة كما قال زياد بن أبيه - أبي سفيان- بعد خطبته البتراء المشهورة، كأول إعلان حالة للطوارئ في التاريخ، والتي كان من بين ما منع فيها: الخروج بليل بعد صلاة العشاء، حيث كان يوقع بالمخالفين أشد العقوبة، لمن علم ووصله خبرها ومن لم يصله. حتى قيل بأن أحسن وآمن فترة عرفها العراق كانت في عهد زياد بن أبيه.

وهذا الإطناب في شرح خطورة الوضع قد جرني إليه ما رأيت مؤخرا، مع تصاعد الإصابات والبؤر الوبائية الكورونية، من خروقات لدى بعض المتهورين في كثير من الأحياء الهامشية أو التي تقع أغلبها خارج مركز المدينة، حيث يقل حضور رجال الأمن والسلطة بشكل ملفت للنظر، وهذا مما يشجع البعض على أن يفعل ما يريد ويخرج متى يريد، طالما لم ير عسكريا ولا شرطيا ولا قائدا . . . وهنا قد تتولد البؤر الوبائية المركمة، وتهدد الجهود الجبارة والراقية التي تقوم بها الدولة بكل أطرها وأعوانها. ومن هنا فقد يقول البعض بأنه لا يمكن عمليا احتواء الكل، ومن رأى فليبلغ. وهذا كلام جميل ومعقول !ولكن حينما يكون النضج والوعي كاملا لدى الناس جميعا !. أما غير ذلك فيكون كمثل المشجعين المراهقين أو التلاميذ المشاغبين الذي يتحينون غيابا مؤقتا للمعلم فيشغبون ويلعبون ويكسرون ويخسرون، فتكون العصا حينئذ هي الحل الأنجع والأوجع!.

وحيث إن الأمر هكذا ولكي يبقى وطننا ودولتنا وشعبنا رائدا على الدوام وأنموذجا في محاربة هذا الوباء فأقترح بعض الحلول كطريقة للكشف والتصدي والإعلام المبكر للخروقات قبل الكشف عن كورونا نفسها. لأن هذه الأخيرة إذا لم تجد معاونين لها فإنها حتما ستموت قبل أن تميت : وستقف عند حدها في الوقت المناسب وبأقل الأضرار إن شاء الله تعالى. ومن بين هذه الاقتراحات:

1- الإلزام الصارم بالكمامات عمليا ولا يتساهل في الأمر أو يغض الطرف عن الأشخاص بمجرد أنهم يلفون حول أعناقهم قطعة من القماش لا تكاد تغطي أذقانهم، فلا هي كمامة ولا هي عمامة.

2- التنظيم الوقائي بحصر المسافات بمقدار مترين على الأقل بين الأشخاص عند التبضع لدى الدكاكين أو الإدارات العمومية ووسائل النقل المحلي، وذلك بخط خطوط عند الوقوف أو حواجز وتباعد. هذا مع إعطاء تعليمات لأصحاب المحلات التجارية للإمتناع عن المصارفة مع كل مخالف للقوانين الجاري بها العمل.

3- القيام بدوريات للشرطة، خاصة ودائمة، داخل الأحياء الشعبية بالنهار أكثر من الليل، تتكرر كل ساعتين أو ثلاث ساعات، إما بشكل رسمي أو بصورة سرية مع تسجيل نسبة الاختراقات والإعلام بها حالا، وتفريق المتجمعين بالقوة والعنف اللازم كعبرة للآخرين.

4- توظيف الدرون drone أو الطائرات المسيرة لرصد نسبة الخارجين، مع تكثيف المراقبة، و على إثر ذلك العمل على احتواء المنطقة. وللمسؤولين واسع النظر في ذلك، مع التركيز على عدم التراخي واستحلاء الآمال والأحلام الوردية قبل أوانها، فمن استعجل الأمر قبل أوانه عوقب بحرمانه كما يقول الفقهاء.

كل هذا من أجل مصلحة هذا الوطن والمواطنين، وحماية مكتسبات الأمة ودعم وتأييد المجهودات الرائدة والمخلصة لعاهل البلاد الملك محمد السادس وكل مسؤول وفي وغيور على هذا الوطن المغربي العزيز، وإعطاء نموذج راقي لكل الأوطان المحبة للسلام والعافية، والوقاية خير من العلاج . " إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ".

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

 

كاظم الموسويلم تتوقّف الإدارات الأميركية وأجهزتها وحلفاؤها عن العدوان على العراق، وذلك منذ وُضع على لائحة الأهداف الإستراتيجية الأميركية للغزو والاحتلال والهيمنة عليه وعلى المنطقة، والسيطرة على الثروات والطاقات، ولا سيما بعد اكتشاف النفط والموقع الاستراتيجي والتنافس الإمبريالي. وتصاعدت الخطط منذ أواسط القرن الماضي، بأساليب مختلفة ليرسم الغزو والاحتلال عام 2003 ذروتها. وتحقّق للإدارة الأميركية ما كانت قد رسمته في احتلال البلاد والهيمنة على المقدرات وتوظيف من يخدمها في التطبيق والتخادم، طوعاً أو إجباراً، اختياراً أو إكراهاً، رغبة أو إغراءً.

كما أنجزت الإدارات الأميركية بناء قواعد عسكرية، ووزّعتها على خريطة العراق والمنطقة، إضافة إلى سفارات أكبرها في بغداد، وقنصليات تنتشر في المحافظات وتقوم بمنهج تعبوي مدروس ومنظم تحت شعارات كسب العقول والقلوب. وقامت بإعداد فئات اجتماعية، من مختلف الأعمار والأجناس، تابعة ومنفذة وجاهزة للتخادم الكامل مع المشاريع الاستعمارية في المنطقة.

تعتمد الاستراتيجية العسكرية الأميركية في العراق والمنطقة، لتحقيق أهدافها وتكريس نفوذها، على استمرار السيطرة والانتشار في الأرض والجو، ومن ثمّ العمل الميداني، سواء مع قيادات في القوات المسلّحة أو قيادات سياسية وأمنية. وجرّبت ذلك خلال تلك الفترة الزمنية، قبل الاحتلال وبعده، كما تزايد اهتمامها بعد تشكيل قوات «الحشد الشعبي» وتسليحها بقوة نارية مواجهة وقادرة على الرد المباشر، أو محاصرة الوجود العسكري الأميركي وخططه العدوانية. ورغم الاتفاقيات، وحتى المواقف المعلنة عن التعاون الأميركي ـــ العراقي الرسمي، وممارسة النفوذ السياسي، قامت القوات العسكرية الأميركية بتوجيه ضربات عسكرية غير قليلة لمواقع تابعة لـ«الحشد الشعبي» والجيش، وفاقمت ذلك باغتيال القائدين قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس في بغداد، معترفة بما قامت به ومعلنة أهدافها من كل ذلك. ثمّ جاءت الخطوات الأخيرة التي تسرّبها، لتقع في إطار انسحاب منظّم من مواقع، وإعادة انتشار في المنطقة العربية بكاملها، وتهيئة وتحضير لمخططات عدوانية، لم تعد سرية كثيراً، تشمل أهدافاً أوسع ممّا يقوله التسريب أو الحوار عنه. وقد تتوسع الرقعة الجغرافية لتشمل إيران وما بعدها، اقتصادياً وأمنياً.

ففي الوقت الذي تعلن فيه قيادة القوات العراقية تسلّمها لقواعد ومعدات عسكرية أميركية، تصرّح قيادات عسكرية أميركية بأنها تقوم بـ«إعادة تموضع طويل الأمد»، وانتشار جديد لقواتها وصيانة قواعدها وقوّاتها من أيّ هجوم مبيّت أو مُعلن ضدها، كما أخذت تذيعه أوساط أميركية وعراقية متخادمة معها.

يفضح هذه التحركات والتنقلات، تعزيز الوجود العسكري كما نشرت وكالة الأنباء «سبوتنيك» نقلاً عن مصدر أمني عراقي، يوم 14 آذار/ مارس، قوله إن قوات الفرقة 101 الأميركية الهجومية الجوية الوحيدة في العالم، في طريقها إلى العراق، لتبادل المواقع في أحد المقارّ العسكرية العراقية، بالتزامن مع التصعيد بالصواريخ. وبحسب المصدر، الذي طلب عدم الكشف عن اسمه، من داخل قاعدة عسكرية جوية بارزة في العراق، فإنّ عناصر الفرقة 101 الأميركية المحمولة جواً ستصل إلى القاعدة، في تبادل أماكن مع شركة أمنية. وأضاف المصدر، أن قوات المشاة البحرية الأميركية (المارينز)، موجودة في القاعدة الجوية ـــ التي شدّد على عدم ذكر اسمها تحسباً لأي قصف صاروخي قد يستهدفها ـــ لتنضم لها الفرقة 101 القادمة حتماً من إحدى قواعد الولايات المتحدة الأميركية في دول الخليج.

تُعرف فرقة 101 باسم «النسور الزاعقة»، وقد استخدمتها الولايات المتحدة الأميركية في الحرب ضد العراق إبان عدوان «عاصفة الصحراء»، أو ما تُعرف بـ«معركة الخليج الثانية»، وأمّ المعارك، إثر اجتياح الكويت مطلع تسعينيات القرن الماضي. ويأتي وصول الفرقة الأميركية إلى العراق، بعد ساعات من استهداف قاعدة التاجي العسكرية، شمالي العاصمة بغداد، بـ33 صاروخاً من نوع «كاتيوشا»، وهي تضم قوات عراقية، وبعثة من «التحالف الدولي». وقد تسبّبت بإصابة اثنين من منتسبي الدفاع الجوي العراقي بجروح خطرة، وحالتهما حرجة، بحسب بيان لقيادة العمليات المشتركة.

صاحَب إعلان هذا الخبر تناقُض التصريحات الرسمية حوله، وكذلك التكهّنات السياسية والأمنية، فبين تكذيب إلى تنبيه إلى بث إشاعة حرب أو رعب، إلى تأكيد انسحاب قوّات «التحالف»، والتي جلّها قوّات عسكرية أميركية، تؤكّد مصادر أمنية، بحسب ما نشرته جريدة «الأخبار»، منذ فترة، أنّ الأخيرة تسعى إلى «انسحاب سلس من دون ضجّة»، لافتة إلى أنّ الجانب الأميركي يرفض الإفصاح عن «جدول زمني محدّد»، إذ يضع الجانب العراقي في «الإطار العام، من دون الخوض في التفاصيل... لأسباب أمنية وسياسية أيضاً». وإضافة إلى القواعد الثلاث، ترجّح المصادر ذاتها المذكورة في «الأخبار»، انسحاب القوّات الأميركية من معسكرات «بسماية» (محيط بغداد) و«المزرعة» و«طارق» (محيط الفلوجة)، وكذلك كركوك والقيارة، في الأسابيع القليلة المقبلة. ويبلغ عديد القوّات حوالى 220 عسكرياً، على أن يكون تموضعهم الجديد في «عين الأسد». وبذلك، يبلغ عديد المنسحبين قرابة الـ 820 جندياً، من 6 قواعد من أصل 12 جرى الحديث عنها.

انسحاب من جهة، وشنّ حرب نفسية، وادّعاء الخوف من تفشّي جائحة «كورونا»، بدعوى افتقار العراق إلى البنية الصحيّة التحتيّة اللازمة لمواجهة الجائحة العالمية، وتهديدات من جهة أخرى، وتصعيد في لغة الخطاب والتسريب لأخبار العدوان، مصحوبة مع انتشار أخبار الخطط الجديدة، لقوات التحالف، وخاصة انسحابات أعداد من قوات بريطانية وألمانية وإسبانية ودانماركية وفرنسية، وربما غيرها، ممن لا يُعرف اسمها وعددها أيضاً، وهو ما قد يكشف في الأيام المقبلة عن أمور ليست في الحساب أو في التطورات المتوقّعة. أما الحكومة الاتحادية (المستقيلة أو المقبلة) فمعنيّة بتنفيذ القرار البرلماني القاضي بجدولة انسحاب القوات العسكرية المنتشرة في العراق، وتحديد جدول زمني لها، رغم سعة الخلافات حوله وانكشاف الصلات والاتصالات بين القوى السياسية واختراقات الجهات الخارجية وضغوطها.

لهذا، لا يُستغرب في العراق، أن عدداً من الهجمات التي شنّتها القوات الأميركية أو توابعها على معسكرات عراقية و«الحشد الشعبي»، وردّت جهات لم تعلن عن نفسها عليها، استنكر رد الفعل هذا بقوة، ولم يتطرّق إلى العدوان، من ممثلي الأمم المتحدة والرئاسة العراقية ورئاسة البرلمان وأحزاب كردية وغيرها. وهو أمر يلفت الانتباه إلى سعة التخادم والاختراق والمصالح المختلفة، لكلّ الأطراف التي همّها الاستجابة للضغوط الأميركية والتنكّر لقرار البرلمان والقوى العراقية التي تعمل عليه. ولكن موضع الاستغراب فيه حصوله في ظروف حرجة في العراق والمنطقة.

زيادة في التصعيد الأميركي، تنشر وسائل إعلام أميركية، ومنها أو أبرزها صحيفة «نيويورك تايمز» (2020/03/27)، أخباراً عن قرارات وأوامر من وزير البنتاغون للقيادات العسكرية للتخطيط لتصعيد الأعمال العسكرية في العراق، ضد ما يسمونه حلفاء إيران، والتحضير لحرب داخلية بقوات محلية وأميركية تدعمها، عدداً وعدّة. يأتي ذلك مع زيادة في الأعداد والمعدّات وتدريبات خارج العراق وداخله، والإعلان عن الخطط والنوايا في القصف والاغتيال والإنزال والتصدّي للهجمات المضادة، وغيرها من الخطط والعمليات العسكرية التي تعلن بتفاصيلها في خلاف أيّ عمل مسبق مثيل لها. ويعني هذا الأمر أنّ العدوان والاحتلال الأميركيين مستمران على العراق، وهناك من يعيد تهيئة الأرض والجو والإعلام، وكأنه في ملعب سيرك، لا خطط حرب وغزو واحتلال للبلاد ودمار للعباد.

 

كاظم الموسوي  

 

الفصل 10 من كتاب: بذور للتهديم،

البرنامج الخفي للتلاعب الجيني (2007)

تأليف F. William Engdahl

ترجمة: عزام محمد مكي


"إن السبب من تواجدنا في العراق، هو لزراعة بذور الديمقراطية حيث ستزدهر وتنتشر في انحاء أنظمة الاستبداد في المنطقة"

جورج دبليو بوش

علاج الصدمة الاقتصادية على الطريقة الامريكية

عندما تكلم جورج دبليو بوش عن زراعة " بذور الديمقراطية" لم يدرك الا القليل بانه كان يفكر بالبذور المعدلة وراثيا من قبل مونساتو.

بعد الغزو الامريكي للعراق في آذار 2003، تغيرالواقع الاقتصادي والسياسي للبلد بشكل جذري. لم يتم إحتلال العراق فقط من قبل حوالي 130 ألف من القوات الامريكية وجيش صغير من الجنود المرتزقة المرتبطين بالبنتاغون، إنما كان كان تحت السيطرة الاقتصادية الشاملة من قبل المُحتل، المتمثل بالولايات المتحدة.

لقد قام البنتاغون بمهمة تنفيذ السيطرة على الاقتصاد العراقي. في آيار 2003، تم تعيين بول بريمر الثالث كمسؤول عن سلطة الأئتلاف المؤقته (CPA)، التي تم أنشاؤها حديثا، وهي سلطة الاحتلال من وراء الستار. وقد شغل بريمر ، وهو المسؤول السابق عن الارهاب في وزارة الخارجية الامريكية، منصب المدير العام لشركة الاستشارات القوية الخاصة بوزير االخارجية السابق هنري كيسنجر والمسماة ( Kissinger Associates).

من نواح عديدة، مثل العراق المحتل من قبل امريكا، فرصة أفضل بكثير من الأرجنتين. لقد مثل ألاحتلال الأمريكي للعراق الوسيلة لجعل النظام الزراعي لكامل البلد تحت هيمنة الشركات الزراعية التي تستخدم تكنولوجية التعديل الوراثي للكائنات. فبكل بساطة قدمت إدارة الأحتلال الامريكي عرضا للفلاحين العراقيين لايمكنهم رفضه:" أن تأخذوا بذورنا المعدلة وراثيا مقابل أن لا تموتوا". لقد كان بريمر المسيطر، بحكم الواقع، على مسألتي الحياة والموت في كل مجال من مجالات الأنشطة المدنية في العراق المُحتل. ومن الجدير ذكره، انه لم يقدم تقاريره الى وزارة الخارجية وهي المسؤولة عن إعادة البناء، ولكن بدلا من ذلك كان يقدمها مباشرة الى مكتب وزير الدفاع السابق دونالد رامسفيلد، في البنتاغون.

كمسؤول عن سلطة الأئتلاف المؤقته (CPA)، تحرك بريمر بسرعة لصياغة مجموعة من القوانين للتمكن من حكم العراق، الذي كان في ذلك الوقت يفتقر للدستور ولحكومة مٌشكلة بشكل قانوني. لقد بلغ العدد الكلي للقوانين الجديدة التي وضعتها سلطة الاحتلال الامريكية المائة قانون، على ان يتم تطبيقها من شهر نيسان 2004.[1] بشكل عام، فأن المائة من القوانين الجديدة، أو الأوامر كما كانت تُسمى، الجديدة والتي صدرت بتفويض من قبل الولايات المتحدة، ستضمن إعادة تشكيل الأقتصاد العراقي على غرار نموذج نظام أقتصادي للسوق الحرة مُفوض من الولايات المتحدة؛ الشئ المشابه لما تم فرضه من قبل صندوق النقد الدولي و واشنطن، على أقتصاديات روسيا وبقية جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابقة بعد 1990.

لقد كان الهدف من التفويض الذي أُعطي الى بريمر من قبل المخططين في البنتاغون تحت إدارة رامسفيلد، هو لفرض "علاج الصدمة" الذي سيحول كامل النظام الاقتصادي المركزي المعتمد على الدولة، الى نظام اقتصاد السوق الحر. لقد أجرى تغيرات اقتصادية كبيرة في شهر واحد، اكثر من التغيرات الاقتصادية التي تم أجبارها على الدول المَدينة في امريكا اللاتينية في ثلاثة عقود.

وكان أول عمل قام به بريمر قيامه بفصل نصف مليون موظف للدولة، معظمهم من الجنود، ومن ضمنهم كذلك أطباء، ممرضين وممرضات، والمشتغلين بالنشر والطباعة. والأجراء التالي الذي قام به كان بفتح الحدود لواردات غير مُقيدة؛ بدون تعريفات، بدون رسوم كمركية، بدون تفتيش وبدون ضرائب. بعد وصوله بغداد بأسبوعين أعلن بريمر بأن العراق سيكون "مفتوح للأعمال الاقتصادية". ولكنه لم يفصح لمن ستكون هذه الأعمال الأقتصادية، ولكن هذا اصبح واضحا بمرور الزمن.

قبل الأحتلال, كان هنالك حوالي 200 شركة مملوكة للدولة هيمنت على الإقتصاد الغير نفطي، كانت تقوم بأنتاج كل شئ من السمنت والورق الى مكائن غسيل الثياب. في حزيران 2003 قام بريمر بخصخصة هذه الشركات المملوكة للدولة بشكل فوري.

وفي تصريحه لتبرير الخصصة "إن تحويل مؤسسات الدولة الغير كفؤة الى أيدي القطاع الخاص" كما قال " شئ ضروري لأنعاش الاقتصاد العراقي". ستكون خطة الخصخصة العراقية أكبر عملية بيع لتصفية الدولة منذ انهيار الاتحاد السوفييتي.

لقد نص ألأمر رقم 37 الصادر من سلطة الأتلاف المؤقتة على تخفيض معدل الضريبة المستوفاة من حوالي 40% إلى 15%. بدون المداخيل الضريبية لن يكون بمستطاع الدولة ان تلعب دور كبير في اي مجال. أما ألأمر 39 فسمح للشركات الاجنبية بتملك 100% من أصول عراقية خارج قطاع المصادر الطبيعية. بهذا ألأمر تم رفع القيود عن ألأنشطة ألأقتصادية الاجنبية في البلد. فلن يكون مطلوبا من هذه الشركات إعادة الاستثمار ولن تستقطع منها الضرائب. ومن الواضح للعيان بأن المستفيدين من هذه القوانين لن يكونوا العراقيين ولا الاقتصاد العراقي.

وتحت ألأمر 39، تستطيع الشركات الاجنبية ان توقع عقود إيجار وعقود يمكن ان تستمر لمدة أربعين عاما. أما ألأمر 40 فقد رحب بالبنوك الاجنبية للعمل في العراق تحت نفس الشروط الملائمة. والشئ الذي لائم مثل هذا الاستحواذ الاجنبي على الاقتصاد هي تلك لقوانين المتبقية من عهد صدام والمقيدة للنقابات و (collective bargaining).

وبين ليلة وضحاها تحول العراق من الدولة ألأكثرعزلة في العالم، ليصبح السوق الأكثر إنفتاحا وحرية. مع الدمار الذي حصل للأقتصاد والنظام المصرفي، والذي سببته الحرب وأكثر من عقد من الحصار الاقتصادي الذي قادته الولايات المتحدة، لم يكن العراقيين في وضع يُمكنهم من شراء شركات الدولة التي تمت خصصتها. كانت الشركات الأجنبية متعددة الجنسيات هي الجهات الفاعلة المحتملة الوحيدة التي قد تستفيد من مخطط بريمر للانتعاش الاقتصادي الكبير.

لقد تم فرض القوانين الجديدة على بلد مُحتل ومدمر، مع عدم وجود إمكانية للأعتراض، بأستثناء عمليات التخريب العسكرية وحرب العصابات ضد المُحتلين. إن القوانين المأئة الجديدة التي سنتها سلطة التحالف المؤقتة (CPA) – وكيلة حكومة الولايات المتحدة الامريكية المحتلة – لجذب المستثمرين الاجانب للعراق، اعطت كامل الحقوق والسيطرة على ألأقتصاد العراقي للشركات المتعددة الجنسيات.

والأدهى من ذلك، إن هذه القوانين قد تمت صياغتها بطريقة تسمح بفتح الطريق لأكثر تحول جذري لنظام الانتاج الغذائي تمت محاولته في البلد من قبل. كان على العراق، تحت سيطرة بريمر، ان يصبح نموذجا للأعمال الزراعية المستخدمة لتكنولوجية التعديل الوراثي للكائنات (GMO).

قانون بريمر رقم 81

لقد حددت سلطة التحالف المؤقتة صراحة ما هو الحجم القانوني للقوانين (ألأوامر) المئة. لقد تم تحديد الأمر كونه " تعليمات أو توجيهات مُلزمة للشعب العراقي التي تؤدي إلى عواقب جزائية أو لها تأثير مباشر على الطريقة التي ينتظم وفقها العراقيين، بما في ذلك تغيرات تجري على القانون العراقي". وبعبارة أخرى، لقد تم إخبار العراقيين " أعمل وفق ذلك أو تموت". متى ماكان هنالك امكانية لوجود تعارض بين القانون العراقي السابق مع أوامر (قوانين) بريمر المائة، يكون القانون العراقي باطلا أو لاغيا. كان قانون ألأحتلال هو ألأعلى.[3]

مدفونا عميقًا بين المراسيم ، التي تتعامل مع كل شيء من وسائل الإعلام إلى خصخصة الصناعات الحكومية ، كان ألأمر 81 الذي خص "براءات الاختراع والتصميم الصناعي والمعلومات غير المكشوف عنها والدوائر المتكاملة وقانون الأصناف النباتية." لقد نص ألأمر 81 على:

11- تم تعديل المادة 12 لتُقرأ كالآتي: " تمنح براءة الاختراع صاحبها الحقوق التالية:

1- عندما يكون موضوع براءة الاختراع مُنتج، الحق ان يمنع اي شخص لم يحصل على تفويض صاحب براءة الاختراع من صنع أو استغلال أو استخدام أو عرض للبيع أو بيع أو استيراد هذا المُنتج."

12- تم تعديل المادة 13.1 لتُقرأ كالآتي: " لا تنتهي مهلة دوام البراءة قبل انقضاء مدة عشرين سنة للتسجيل بموجب أحكام هذا القانون اعتباراً من تاريخ إيداع طلب التوثيق بموجب أحكام هذا القانون."

وهنالك حكم آخر تضمنه ألأمر 81 نص على " يُحظر على الفلاحين من إعادة زراعة بذور الاصناف المحمية أو اي صنف تم ذكره في المواد 1 و 2 للفقرة (C) للمادة 14 من هذا الفصل." علاوة على ذلك، فأن الأمر 81 الصادر من سلطة التحالف المؤقتة (CPA) عدل قانون براءة الاختراع والتصميم الصناعي العراقي لحماية الافكار الجديدة في اي مجال في التكنولوجيا متعلقة بالمنتج أو عمليات التصنيع. وتضمنت التعديلات السماح لشركات في العراق، أو في بلدان هي أعضاء في معاهدة ذات صلة يكون العراق عضوا فيها، توثيق براءات اختراع في العراق. وتمنح هذه التعديلات صاحب براءة الأختراع الحق بمنع اي شخص ليس لديه تفويض من المالك من إستغلال مُنتج أو عملية أنتاج محمية ببراءة ألأختراع، لمدة عشرين سنة من تاريخ توثيق براءة ألأختراع في العراق. كما تسمح التعديلات للأفراد والشركات لتوثيق تصاميم صناعية.[4]

من الواضح جدا للعيان فإن ألأمر 81 قد أعطى أصحاب براءاة ألأختراع لأصناف النباتات ( والذي تصادف إنها شركات متعددة الجنسيات كبيرة) حقوقا مطلقة على استخدام بذورهم في الزراعة العراقية لمدة 20 عاما. في حين قد يبدو ذلك نصًا تجاريًا عادلًا ومعقولًا لتعويض شركة أجنبية عن ملكيتها الفكرية ، إلا أنه في الواقع كان غزوًا لسيادة العراق. لم يعترف العراق، مثل الكثير من البلدان، أبدا بمبدأ براءات الأختراع التجارية على أشكال الحياة مثل النباتات. لقد تم منح براءات الاختراع لشركات مثل مونسانتو(Monsanto) أو دوبونت (DuPont) من قبل الولايات المتحدة أو غيرها من سلطات براءات ألأختراع الأجنبية.

ما قام به ألأمر 81، في الواقع، كان بتغير قانون براءة الأختراع العراقي من أجل الاعتراف ببراءات الاختراع الاجنبية بغض النظرعن مدى شرعية مثل هذه البراءات بموجب القانون العراقي. ظاهريا، بدا إنه تُرك للعراق الخيار ان يرفضوا شراء البذورالمحمية ببراءة اختراع من (Monsanto ) أو غيرها من الشركات، و زراعة بذورهم التقليدية المحلية. في الواقع ، كما كان واضعو الأوامر 81 يدركون جيدًا ، كان لها تأثير معاكس تمامًا.

كانت الأصناف النباتية المحمية عبارة عن نباتات معدلة وراثيا أو نباتات معالجة جينيا، والمطلوب من المزارعين العراقيين الذين يختارون استخدام هذه البذور في الزراعة أن يوقعوا على إتفاق مع الشركة صاحبة براءة الاختراع، يشترط عليهم بدفع " رسوم التكنولوجيا" ورسوم عن الرخصة السنوية التي تسمح بزراعة هذه البذور المحمية ببراءة الاختراع.

أي مزارع عراقي يسعى إلى أخذ جزء من تلك البذور الحاصلة على براءة اختراع لإعادة زراعتها في سنوات الحصاد التالية سيخضع لغرامات باهضة من قبل موردي هذه البذور.إذا حدث الشئ نفسه في الولايات المتحدة ، فستطالب شركة ((Monsanto، وحتى صدر حكم المحكمة، بضرر عقابي يساوي 120 ضعف تكلفة كيس بذورها المعدلة وراثيًا. كانت هذه فرصة للمزارعين العراقيين ليصبحوا تابعين ليس لصدام حسين ، بل لعمالقة شركات البذور المعدلة وراثيا متعددة الجنسيات.

في صميم ألأمر 81 كان حكم حماية أصناف النبات (PVP). فبموجب هذا الحكم يصبح الاحتفاظ بالبذور وإعادة استخدامها غير قانوني. فالمزارعون الذين يستخدمون البذور المحمية ببراءة الاختراع أو حتى شبيهة بها، سيكونوا تحت طائلة أقسى العقوبات قد تصل الى السجن. على كل حال فأن أصناف النباتات التي تتم حمايتها هي ليست التي انحدرت من 10،000 سنة من عمليت التهجين والتطوير في الزراعة في العراق. بدلا من ذلك فقد قُدمت الحماية لدعم حقوق الشركات العملاقة متعددة الجنسيات ليستطيعوا إدخال بذورهم ومبيداتهم الزراعية الى السوق العراقية مع حماية كاملة من قبل حكومتي الولايات المتحدة والعراق معا.

تدمير كنز البذور العراقي

العراق تاريخيا جزء من من بلاد مابين النهرين، مهد الحضارة، حيث لالآف السنين وفر الوادي الخصيب بين نهري دجلة والفرات لنشؤ الشروط المثاليه لزراعة المحاصيل. لقد تواجد الفلاحون العراقيون تقريبا 8،000 سنة قبل الميلاد، وقاموا ببتطوير البذور الغنية تقريبا لكل أصناف القمح المعروفة حاليا في العالم. لقد قاموا بهذا العمل من خلال نظام يتضمن حفظ بعض البذور وإعادة زراعتها ، فيطوروا بذلك أنواع مقاومة جديدة مُهجنة بشكل طبيعي من خلال الزرع الجديد.

لسنوات، والعراقيون يقومون بحفظ عينات من ألأنواع الطبيعية لهذه البذور الثمينة في البنك الوطني للبذور، الموجود في أبي غريب، المدينة التي اشتهرت عالميا كموقع للسجن العسكري للتعذيب تحت إدارة الولايات المتحدة. بعد غزو العراق ومختلف حملات القصف عليه، تلاشى البنك التاريخي والثمين للبذور في ابي غريب، وكان ضحية أخرى للحرب على العراق.

مع ذلك، إتخذت وزارة الزراعة العراقية السابقة الاحتياطات لإيجاد بنك بذور إحتياطي عند الجارة سوريا حيث لازال تُخزن بذور القمح المهمة من خلال منظمة تُدعى ألمركز الدولي للأبحاث الزراعية في المناطق الجافة (ICARDA) ومقرها في حلب، سوريا. مع خسارة بنك البذور في أبي غريب، كان يمكن ان يقوم (ICARDA)، وهو جزء من المجموعة الاستشارية العالمية حول ألأبحاث الزراعية العالمية (CGIAR) لشبكة بنوك البذور، بتزويد العراقيين بالبذور من مخزونها لو رغبت سلطة ألتحالف المؤقتة بطلب هذه المساعدة.[5] ولكنها لم تقم بذلك. لقد كان لمستشاري بريمر مخطاطات أخرى لمستقبل العراق الغذائي.

كان من المفترض ان تتم "عصرنة" و تصنيع و إعادة توجيه الزراعة العراقية بعيدا عن الزراعة العائلية التقليدية متعددة المحاصيل ليصبح على غرار شركات الأعمال الزراعية في الولايات المتحدة، لتنتج من أجل "السوق العالمية". أما خدمة أحتياجات ألأمن الغذائي للعراقيين الجياع فتصبح حاجة عرضية في المخطط.

تحت حكم قانون بريمر رقم 81، اذا قامت احدى الشركات العالمية بتطوير صنف بذور مقاوم لآفة عراقية معينة، وقام احد الفلاحيين العراقيين بزراعة صنف آخر له نفس المواصفات، فتعتبر عملية غير قانونية ان يقوم الفلاح بحفظ بذوره. بدلا من ذلك فهو مُلزم بدفع رسوم مُلكية لأستخدام البذور المعدلة وراثيا الخاصة بشركة مونسانتو.

في أواخر التسعينات، قامت إحدى شركات البيوتكنولوجي الامريكية، SunGene، بالحصول على براءة إختراع لنوع نبات عباد الشمس يمتاز بأحتوائه على نسبة عالية من حامض الأوليك (Oleic acid). على كل حال، الشركة لم تحصل على براءة إختراع كامل التركيبة الجينية. لقد قامت بالحصول على براءة اختراع صفة النسبة العالية لحامض الأوليك فقط ، مُدعية الحق في ذلك. لقد أخبرت شركة (SunGene) مربي عباد الشمس الآخرين إنه في حالة تطويرهم لنوع "ذو نسبة عالية من حامض ألأوليك"، فسيُعتبر ذلك إنتهاكا لبراءة ألأختراع.

"إن منح براءات ألأختراع لتغطي جميع الأنواع المعدلة وراثيا من صنف معين.. تضع في أيادي مخترع واحد الامكانية للسيطرة على ما نزرع في حقولنا و في حدائقنا،" هذا ما يقوله الدكتور (Geoffrey Hawtin) مدير عام المعهد الدولي للموارد الوراثية النباتية. "فبجرة قلم يمكن ان يتم أبطال بحث عدد لايحصى من الفلاحين و العلماء من خلال مرسوم قانوني واحد لسرقة أقتصادية.[6] السرقة ألأقتصادية هي ما كان بريمر و شركة مونسانتو ينويان العمل عليه للعراق تحت قانون رقم 81.

مثل هذه السيطرة على أصناف بذور المزارعين كانت ممكنة بموجب القانون الجديد بشأن حقوق براءات الاختراع في العراق. إن ألأمر 81 الصادر من سلطة التحالف المؤقتة، متسلحا بغطاء من الرطانة القانونية المعقدة، سلًم مستقبل العراق الغذائي الى شركات خاصة علمية متعددة الجنسيات – من الصعب ان يُعتبر ان هذا هو التحرير الذي كان يأمله معظم العراقيين.

إن قوانين براءات الاختراع التي تم اصدارها بناء على ألأمر 81، وعلى العكس من القوانين الوطنية ألأخرى حول حقوق الملكية الفكرية، لم تتم مناقشتها بين حكومات ذات سيادة أو مع منظمة التجارة الدولية. لقد تم فرضها من قبل واشنطن على العراق بدون نقاش. وفقًا لتقارير مطلعة ، تمت كتابة التفاصيل المحددة للأمر 81 بشأن النباتات، للحكومة الأمريكية من قبل شركة مونسانتو ، الشركة الرائدة في العالم في توفير البذور والمحاصيل المعدلة وراثيًا.

لا بذور للزراعة

مايظهر على الورق، وكأن تلك البذور التي يختارها الفلاحون العراقيون من الشركات العالمية للبذور، هي فقط التي تخضع للقانون العراقي لبراءة الاختراع المفروض من قبل الولايات المتحدة. في واقع الأمر، فالمقصود هو ان يتم تحويل العراق الى مختبر ضخم لتطوير المنتجات الغذائية تحت سيطرة الشركات العملاقة المعنية بالكائنات المعدلة وراثيا ً والشركات الكيميائية مثل (Monsanto, DuPont, DOW).

عقب الكارثة والدمار بسبب الحرب على العراق، أُضطر الفلاحون العراقيون للجؤ الى وزارة الزراعة العراقية للحصول على بذور جديدة أذا أرادوا العودة للزراعة من جديد. هنا وجد بريمر المدخل للأستيلاء على الأمدادات الغذائية للعراق. لأكثر من عقد من الزمن، عانى المزارعون العراقيون من الحظر الذي قادته الولايات المتحدة وبريطانيا على المعدات الزراعية التي كانوا بأمس الحاجة إليها. كما عانى العراق من ثلاث سنوات جفاف شديد قبل الحرب، فأدى سوء الحظ المناخي هذا الى إنحدار شديد في الإنتاج العراقي لمحصول القمح. كان لسنوات من الحرب والحصار الاقتصادي دورها في تدمير الزراعة العراقية وبعد 2003 انحدر إنتاج الحبوب الى نصف مستوى الانتاج لعام 1990 قبل الحرب العراقية الامريكية الاولى. حتى عام 2003 ، كان الكثير من السكان العراقيون يعتمدون من أجل البقاء على قيد الحياة، على الحصص التي تقدمه الأمم المتحدة من خلال إتفاق النفط مقابل الغذاء.

تحت شعار "تحديث" إنتاج الغذاء في العراق، قامت كل من وكالة الولايات المتحدة الامريكية للتطوير الدولي (USAID) و برنامج الولايات المتحدة من أجل تطوير وأعادة بناء الزراعة في العراق (ARDI)، بالتدخل لتحويل الزراعة التقليدية في العراق. كان قيصر الزراعة دانيال أمستوتز الذي عينته واشنطن في ذلك الوقت كمسؤول رئيسي ، مسؤول سابق في وزارة الزراعة الأمريكية ونائب رئيس سابق لمجموعة تكتلات الحبوب العملاقة شركة كارجيل (Cargil). وقد كان أمستوتز احد الاشخاص المهمين الذي وضع مطالب الولايات المتحدة على الزراعة خلال الاتفاقية العامة للتعريفات الجمركية والتجارة (GATT) في دورة الأوروغواي والتي أدت إلى انشاء منظمة التجارة الدولية (WTO) في 1995.

لقد كان الهدف المزعوم من ألأمر 81 "لضمان نوعية جيدة من البذور في العراق ولتسهيل انضمام العراق لمنظمة التجارة العالمية". بالنسبة "النوعية الجيدة" فمن الطبيعي ان حسب تعريف سلطة الأحتلال. أما ألأنضمام الى منظمة التجارة العالمية فتعني ان على العراق ان يفتح أسواقه وقوانينه الى قواعد تُفرض من قبل المصالح المالية والصناعية القوية المهيمنة على سياسة منظمة التجارة العالمية.

حالما تم إصدار الأمر 81 ، بدأت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) ، ومن خلال وزارة الزراعة ، بتسليم آلاف الأطنان من "بذور القمح الموثقة عالية الجودة " والمدعومة للمزارعين العراقيين اليائسين، والتي كانت في البداية بدون تكلفة تقريبًا. وحسب تقرير اصدرته (GRAIN)، وهي منظمة غير حكومية تنتقد براءات الاختراع للبذور والنبات المُنتجة بأستخدام تكنولوجية الكائنات المعدلة وراثيا، فإن الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية رفضت السماح لعلماء مستقلين لتحديد فيما إذا كانت هذه البذور من النوع المعدل وراثيا ام لا. من الطبيعي، اذا ثبت بان بذور القمح هي من البذور المعدلة وراثيا، فعندئذ وخلال موسم أو اثنين سيجد الفلاحون العراقيون انفسهم مُجبرون على دفع رسوم الملكية الى شركات حبوب أجنبية من أجل ان يستمروا بالحياة. وقد بينت (GRAIN) في تقريرها بان القصد من ألأمر 81 هو:

لقد ثبتت سلطة التحالف المؤقتة عدم قانونية إعادة استخدام البذور التي تم حصادها من أنواع تم تسجيلها تحت القانون. قد يستمر العراقيون في استخدام أو إدخار ما لديهم من مخزونات البذور التقليدية أو ما تبقى منها بعد سنوات الحرب والجفاف، لكن هذا ليس في جدول أعمال إعادة الإعمار المتضمن في هذا الحكم. إن الغرض من القانون هو لتسهيل ألتأسيس لسوق بذور جديد، حيث يمكن للشركات العابرة للحدود بيع بذورها- مُعدلة وراثيا أم لا، والتي سيتعين على المزارعين شراءها في كل موسم زراعي.[7]

بينما كان العراق تاريخياً يحظر الملكية الخاصة للموارد الحيوية ، أدخل قانون البراءات الجديد الذي فرضته الولايات المتحدة نظاماً لحقوق الاحتكار على البذور- وهي حقوق لم يكن لدى أي مزارع عراقي الموارد اللازمة لتطويرها.

في الواقع، قام بريمر بادخال فصل جديد في قانون براءة الاختراع العراقي السابق حول حماية النوع النباتي (PVP) والذي قيل انه ينص على "حماية الانواع الجديدة للنباتات." PVP ، وهو حق من حقوق الملكية الفكرية (IPR) ، كان في الواقع براءة اختراع لأصناف نباتية أعطت حقوقًا حصرية بشأن مواد زراعية لمربي النباتات الذي ادعى أنه اكتشف أو طور صنفًا جديدًا.

الحماية في PVP لا علاقة لها بالحفظ ، لكنها أشارت إلى "حماية المصالح التجارية للمربين الخاصين." وبموجب المرسوم الأمريكي ، فإن "حماية الأصناف النباتية" قد أدت حقا إلى تدمير الأصناف النباتية.

"دعهم يأكلون.. المعكرونة؟"

وبموجب البرنامج ، أقامت وزارة الخارجية ، بالتعاون مع وزارة الزراعة الأمريكية (USDA) ، 56 "موقعًا إرشاديًا ل(wheat extension)" في شمال العراق بغرض "عرض وتوضيح قيمة بذور القمح المحسنة". لقد تم تشغيل المشروع لصالح الحكومة الأمريكية من قبل المكتب الدولي للزراعة في جامعة (Texas A&M) والتي استخدمت ما لديها من قطع اراضي للعرض التعليمي، في عموم العراق والبالغة مساحتها 800 فدان لتعليم الفلاحين كيف يمكن تربية "أنواع عالية الغلة" لمحاصيل تشمل شعير، حمص، عدس و قمح.[8]

إن هدف مشروع الوكالة الامريكية للتنمية الدولية لاعادة ألإعمار الزراعي والبالغ كلفته 107 مليون دولار، هو لمضاعفة الانتاج لثلاثين الف مزرعة عراقية في غضون سنة واحدة. الفكرة تكمن في إقناع الفلاحيين العراقيين المتشككين بانه فقط من خلال "البذور الأعجوبة" الجديدة يستطيعون الحصول على محاصيل عالية الغلة. وكما كان الحال قبل عشر سنوات مع المزارعين الأمريكيين ، فإن اليأس والوعد بتحقيق مكاسب ضخمة سيُستخدمان في الإيقاع بالمزارعين العراقيين للاعتماد على الشركات الأجنبية متعددة الجنسيات.

ومصادفة، وصف البرنامج الزرعي لجامعة (Texas A&M) كونه "رائد معترف به دوليا في أستخدام التكنولوجيا الحيوية،" أو تكنولوجيا الكائنات المعدلة وراثيا. مع بذورهم الجديدة تأتي مركبات كيميوية جديدة مثل مبيدات ألآفات، مبيدات الحشائش، مبيدات الفطريات، وكلها قد تم بيعها الى العراقيين من خلال شركات Monsanto، Cargil و Dow.

في تقرير لها ذكرت "Business Journal of Phoenix " بأن " قيام شركة أبحاث زراعية في أريزونا بتوريد بذور القمح لتستخدم من قبل فلاحين في العراق لتعزيز الإمدادات الغذائية المحلية في بلادهم." وتدعى هذه الشركة " الشركة العالمية للقمح" (WWWC)، وبشراكة مع ثلاثة جامعات ومن ضمنهم (Texas A&M)، ستقوم " بتزويد 1،000 باوند من بذور القمح لتستخدم من قبل فلاحين في شمال بغداد."[9]

وفقًا لـ " Seedquest "، وهو موقع الكتروني لمركز المعلومات لصناعة البذور العالمية، كانت (WWWC) رائدة في تطوير " أنواع ملكية" لبذور الحبوب – بمعنى آخر أنواع المسجلة ببراءة اختراع والتي تملكها شركة معينة.[10] كانت هذه هي أنواع البذور المعدلة وراثيًا المحمية الواردة في الأمر 81. وفقا ل(WWWC)، أي "زبون،" أو فلاح كما كان يعرف مرة، يرغب بزراعة أحد انواع بذورهم "عليه ان يدفع أجور الترخيص الخاصة بكل نوع. W3، كما تُسمي نفسها، تعمل بشكل رسمي بالتعاون مع معهد (Bio5) للعلوم الحيوية في جامعة أريزونا، والذي وللغرابة تصف نفسها بفضول بأنها "مرآب عالي التطور للأبحاث الحيوية."[11]

واللافت للنظر اكثر، كما ذكرت (Business Journal of Phoenix) " تم تطوير ستة أنواع من بذور القمح لأجل المسعى العراقي. ثلاثة سلالات ستكون لفلاحين يزرعون القمح الذي ستصنع منه المعكرونة؛ وثلاثة سلالات ستكون لاجل صناعة الخبز."[12] وهذا سيعني بأن 50% من الحبوب التي قد تم تطويرها من قبل الولايات المتحدة الامريكية في العراق بعد 2004 كانت مقصودة للتصدير. في الواقع ، كانت المعكرونة غذاءً أجنبياً بالكامل في النظام الغذائي العراقي، مما يظهر، بأنه بدلا من إنتاج الغذاء لـ 25 مليون عراقي مُرهق من الحروب، تمت صياغة ألأمر 81 لبريمر لإنشاء أعمال زراعية صناعية باستخدام البذور المعدلة وراثيًا للإنتاج الموجه نحو التصدير العالمي.

بلأضافة الى ذلك، فأن مشروع ال107 مليون دولار لوكالة الولايات المتحدة للتنمية الدولية لاعادة البناء الزراعي، كان هدفه إخراج الحكومة العراقية من عملية الانتاج الغذائي. "إن الفكرة هي ان تكون سوق حرة بشكل كامل،" هذا ما قاله (Doug Pool)، الخبير الزراعي في مكتب إعادة بناء العراق لوكالة الولايات المتحدة للتنمية الدولية.[13]

إن هدف وكالة الولايات المتحدة للتنمية الدولية – وهي تعكس سياسات الولايات المتحدة ومنظمة التجارة الدولية – كان لمساعدة الحكومة الجديدة على الألغاء التدريجي للدعم المقدم للزراعة. "لقد قام وزير الزراعة بعمل جيد بهذا الشأن،" كما قال Pool. كما أعلن كذلك "بضرورة تدوير وخصخصة الشركات الحكومية " مثل (Mesopotamia Seed Co.).[14] لكنه لم يذكر من الذين لهم القدرة على الدفع لشراء مثل هذه الشركة الحكومية في العراق الذي مزقته الحرب. ان الوحيدين الذين من المحتمل ان يكونوا المشترين هم شركات الاعمال الزراعية الاجنبية مثل (Monsanto).

لتسهيل إدخال البذور المعدلة وراثيا والمحمية ببراءة الأختراع الموردة من شركات البذور الاجنبية العملاقة، قامت وزارة الزراعة العراقية بتوزيع هذه البذور المعدلة وراثيا "بأسعار مدعومة." حالما يبدأ الفلاحون بأستخدام البذور المعدلة وراثيا، سيتم إجبارهم، وفقا للتعليمات الجديدة في ألأمر 81 الخاصة بحماية براءة الاختراع للنبات، على شراء بذور جديدة من الشركة كل عام. تحت راية جلب "سوق حرة" إلى البلاد، سيتم استعباد الفلاحين العراقيين من قبل شركات البذور الاجنبية متعددة الجنسيات.

في مقابلة لها جرت في كانون أول 2004، صرحت وزيرة الزراعة المؤقتة سوسن علي مجيد الشريفي، وهي متخرجة من الولايات المتحدة، قائلة " نحن نحتاج من الفلاحيين العراقيين ان يكونوا قادرين على المنافسة، ولهذا فنحن نحتاج لدعم مواد مثل مبيدات الآفات ومخصبات وكذلك بذور مُحسنة وهكذا. لقد قلصنا أنواع الدعم الأخرى، ولكن علينا ان نكون قادرين على المنافسة."[15]

وبكلمات أخرى، فإن الاموال التي من المفترض ان تكون للفلاحين العراقيين الفقراء من أجل شراء بذور جديدة، تم تخصيصها لأجل شراء "بذور محسنة" من خلال تكنولوجيا التعديل الوراثي للكائنات، من شركات أجنبية متعددة الجنسيات مثل مونسانتو. في الوقت نفسه ، كان مصدرو السلع الأمريكية يتطلعون بجوع إلى فرص في السوق الجديدة. "مثل العراق الذ كان سابقا سوقا تجاريا مهما للمنتجات الزراعية من الولايات المتحدة، مع قيمة مبيعات تقترب من مليار دولار في اعوام الثمانينات،" هذا ما صرحت به وزيرة الزراعة السابقة في إدارة بوش (Ann Veneman)، والتي كان لديها روابط مع مونسانتو قبل مجيئها الى واشنطن، إلى مؤتمر الإعلام الزراعي في 2003. " إن له القدرة، مرة ثانية، لأن يكون سوقا تجاريا مهما."[16]

ما أهملت (Ann Veneman) ذكره كان هو خلال الحرب العراقية الايرانية في نهاية الثمانينات، قامت إداراة ريغان وبوش بأخفاء صفقات بيع أسلحة وذخائر كيمياوية الى عراق صدام حسين، تحت إطار برنامج تصدير مؤسسة ائتمان السلع الزراعية التابع لوزارة الزراعة الأمريكية. لقد شملت الفضيحة مليارات الدولارات من أموال دافعي الضرائب الامريكيين وتورط وزير الخارجية السابق هنري كيسنجر ومستشار الأمن القومي، برنت سكوكروفت، وكذلك فرع أتلانتا ل (Italian Banco Nazionale de Lavoro – BNL). [17]

وفقا ل (John King)، نائب رئيس مجلس الرز في الولايات المتحدة، كان العراق السوق الاكبر بالنسبة للرز من الولايات المتحدة في نهاية الثمانينات، قبل حرب الخليج 1991. " إن صناعة الرز في الولايات المتحدة تريد مرة ثانية ان تلعب دور كبير في توريد الرز الى العراق،" هذا ما أخبر (King) لجنة الزراعة بمجلس النواب الأمريكي. مع التحديات الحالية التي تواجه صناعة الأرز في الولايات المتحدة.. قد يكون لتجديد الوصول إلى الأسواق العراقية تأثير هائل في القيمة المضافة على المبيعات."[18]

وأضاف (King) قائلا، " إن تحرير العراق عام 2003 بواسطة قوات التحالف قد جلب الحرية للشعب العراقي. [19] وإن إستئناف التجارة كذلك أعطى أملا لصناعة الرز في الولايات المتحدة." لكنه فشل في ذكر إنه في عام 2003 ، كان معظم الرز في الولايات المتحدة من النوع المعدل وراثيا.

في ربيع 2004 مع صدور ألأمر 81 من قبل سلطة التحالف المؤقتة لبريمر، قام مناصري رجل الدين الشاب الراديكالي مقتدى الصدر بالأحتجاج على قيام الشرطة العسكرية للولايات المتحدة بغلق صحيفة الحوزة. لقد اتهمت سلطة التحالف المؤقتة صحيفة الحوزة بنشر "مقالات كاذبة" التي من الممكن ان "تسبب تهديد حقيقي بالعنف." وكمثال على ذلك استشهدت سلطة التحالف المؤقتة بمقال زعم أن بريمر كان، " يتبع سياسة لتجويع الشعب العراقي لجعلهم مشغولين في كيفية تأمين خبزهم اليومي وبالتالي لايجدون الفرصة للمطالبة بحرياتهم السياسية والفردية."[20]

في ضؤ ألأمر 81، من الصعوبة بمكان الأستغراب من ظهور مثل هذه المقالة. وليس من المستغرب كذلك محاولة سلطة التحالف المؤقتة لبريمر لأخراس مثل هذه الإنتقادات ليساستها الغذائية بالنظر إلى المخاطر التي ينطوي عليها مشروع الكائنات المعدلة وراثيًا بالكامل.

ألعراق، الولايات المتحدة الامريكية و صندوق النقد الدولي يمليان أوامرهما

في 21 تشرين ثاني، 2004، أصدر الممثلون الرئيسون لنادي باريس للحكومات الدائنة إعلان حول كيف سيتعاملون مع ديون الحكومة العراقية المقدرة بـ 39 مليار دولار المستحقة للدول الصناعية ككل، كجزء من الديون الأجنبية المقدرة ب 120 مليار دولار باقية من عهدد صدام حسين. بالرغم من ألإطاحة بنظام صدام حسين، لم يكن في نية واشنطن نسيان ما مضى والبدء من الجديد وإعتبار الديون القديمة غير شرعية.

لقد وافقت حكومات نادي باريس على شروط جديدة محددة ذلك ب (الديون – للدول) التي تبلغ 39 مليار دولار، فقط بعد ضغوط شديدة من المفاوض الأمريكي الخاص بديون العراق ، جيمس بيكر الثالث. لم يكن "بيكر" بالمفاوض المبتدئ. لقد قام بهندسة انتخاب جورج دبليو بوش في عام 2001 من خلال تقديم استئناف للمحكمة العليا، وهو احد المستشارين المقربين لعائلة بوش.

ما بعد تجارة الخيول مع حلفائها في منظمة التعاون الاقتصادي ، كانت الولايات المتحدة سعيدة في الضغط لأجل الغاء كبير للديون القديمة على العراق للدائنين في نادي باريس، لسبب بسيط كون معظم الديون كانت لروسيا، فرنساو اليابان، المانيا وبلدان أخرى. وكان الدين للولايات المتحدة 2.2 مليار دولار من اجمالي الديون.

وأصدر أعضاء نادي باريس تصريح رسمي:

إدراكا للوضع الأستثنائي لجمهورية العراق ومحدودية قدرتها على السداد لسنوات قادمة، وافق مندوبو الدول الدائنة على معالجة للديون تضمن ديمومتها على المدى الطويل. حتى هذه اللحظة، اقترحوا ان تقوم حكوماتهم بتقديم المعالجة الاستثنائية التالية:

- الألغاء الفوري لجزء من الفوائد المتأخرة، تمثل 30% من رصيد الدين في 1 كانون الثاني، 2005. سيتم تأجيل الباقي من رصيد الدين الى التاريخ الذي يتم فيه تصديق صندوق النقد الولي (IMF) على البرنامج القياسي. سيترتب على هذا الألغاء شطب 11.6 مليار دولار أمريكي من الدين الكلي المطلوب الى نادي باريس البالغ 38.9 مليار دولار امريكي؛

- حالما يتم تصديق البرنامج القياسي لصندوق النقد الدولي، سيتم الوفاء بتقليص 30% من رصيد الدين. وستتم جدولة المتبقي من رصيد الدين على 23 عام تتضمن فترة سماح لستة أعوام. ستؤدي هذه الخطوة الى تخفيض رصيد الدين بمقدار 11.6 مليار دولار أخرى مما يؤدي الى زيادة في نسبة الألغاء الى 60%؛

- وافق دائني نادي باريس على منح شريحة تخفيض إضافية تمثل 20% من رصيد الدين الأبتدائي بناء على المراجعة الاخيرة لمجلس صندوق النقد الدولي لثلاث سنوات من تنفيذ البرامج القياسية لصندوق النقد الدولي.[21]

إن تخفيف أعباء ديون العراق والتي بكل كرم قام بها المحتل الرئيسي، الولايات المتحدة، بشطب الديون المدين بها صدام الى خصوم واشنطن الذين عارضوا الحرب على العراق – روسيا، فرنسا، الصين – كان مرتبط بشرط التزام العراق "بالبرنامج القياسي" الصارم لصندوق النقد الدولي. إن هذا البرنامج القياسي هو نفسه الذي تم تطبيقه على اندنوسيا، بولندا، كرواتيا، صربيا، الارجنتين و روسيا ما بعد السوفييتية. لقد كلفت العراق تسليم سيادته الاقتصادية إلى خبراء صندوق النقد الدولي، الخاضعين لسيطرة فعالة من قبل وزارة الخزانة الأمريكية و إدارة واشنطن. ومما زاد الطين بلة أن الدين العراقي القديم لعهد صدام كان ما اطلقت عليه الحكومات الدولية "الديون المشينة"— ديون تم تكبدها بدون موافقة – بأختصار، غير شرعية، كما كانت ديون الاتحاد السوفياتي البائد. لم يزعج هذا واشنطن، لندن وبقية أعضاء نادي باريس. لقد استخدم هذا الدين كسلاح مفيد للسيطرة على العراق"الجديد"، ولإجبار تحوله الى "سوق حرة." وسيكون للبذور المعدلة وراثيا والتصنيع الزراعي في قلب هذا التغير المفروض.

كانت خصخصة المؤسسات الحكومية على رأس برنامج صندوق النقد الدولي في واشنطن. كما كانت المشاريع الخاصة بالسوق الحرة في قلب أوامر سلطة التحالف المؤقتة الـ 100. من الصعوبة ان نعتبر ذلك مصادفة.

يمكن تصنيف صندوق النقد الدولي بشكل دقيق بأنه "شرطي العولمة." منذ أزمة ديون الثمانينات، قام صندوق النقد الدولي بفرض خطط الدائنين للتقشف ورد الديون مريرة على إقتصاديات الدول النامية. تم استخدام شروط الدين الخاصة بصندوق النقد الدولي لإجبار الدول فعليًا على التخلي عن أغلى أصولها الاقتصادية للمصالح الأجنبية من أجل سداد ديون نمت بشكل متزايد.

وعادة ما تقف البنوك والشركات العملاقة والمصالح الخاصة وراء تدابير صندوق النقد الدولي هذه. لقد فرضوا بشكل منهجي خصخصة مؤسسات الدولة ، وإلغاء الدعم العام للأغذية ، والصحة ، والطاقة ، وخفض الإنفاق على التعليم العام. كل سياسة يمكن ان تسمح للشركات المتعددة الجنسيات بالهيمنة على عراق ما بعد الحرب ، سيتم تنفيذها من قبل صندوق النقد الدولي و قوانيين بريمر: دولة منكمشة ، قوة عمل مرنة ، حدود مفتوحة ، ضرائب في حدها الأدنى، لا ضوابط على تدفقات رأس المال الخارج من العراق ، لا تعريفات ، ولا قيود على الملكية.

سيفقد الشعب العراق مئات آلاف من الوظائف، كما أن المنتجات الأجنبية ستجبر البضائع العراقية المحلية على الخروج من السوق، التي سيكون الطعام أحد المنتجات الرئيسية فيها. وستفقد الاعمال التجارية الصغيرة والمزارع العائلية القدرة على المنافسة بسبب القواعد المفروضة والمنافسة الاجنبية.

إن الضحية النموذجية لشروط صندوق النقد الدولي سيُجبر حتما على تحويل اقتصادها الوطني نحو التصدير من أجل الحصول على الدولارات للتمكن من رد الديون. ودائما ما تكون "الجزرة" في هذه الحالة هي الوعد من صندوق النقد الدولي بتقديم قرض كمساعدة مالية او انقاذية. إن الأبتزاز التهديدي خلف الجزرة المقدمة من قبل صندوق النقد الدولي، كان التهديد بأن الدولة الضحية المَدينة ستدرج بشكل دائم في القائمة السوداء من جميع الائتمانات الأجنبية، إذا رفضت شروط صندوق النقد الدولي.

ولم يكن وضع العراق مختلفا. لقد كان الهدف من الانتخابات العراقية التي تمت بتفويض من الولايات المتحدة، هو لوضع الاساس القانوني لربط الحكومة العراقية للسيطرة القاسية لصندوق النقد الدولي. في الواقع هذاسيضع صندوق النقد الدولي كوكالة محايدة مسؤولة عن التزام العراق بأوامر برمير المائة. وسيقوم صندوق النقد الدولي بأجبار العراق للأنظمام الى رؤية واشنطن الشاملة للسوق الحرة.

لقد خطط صندوق النقد الدولي للوصول الى تسوية محددة مع الحكومة العراقية الجديدة في وقت لاحق بعدألأنتخابات العراقية في 30 كانون ثاني 2005. حيث ان التخفيف من حجم الدين الخارجي العراقي الكبير كان يعتمد على موافقة الصندوق ، كان لصندوق النقد الدولي نفوذ كبير في مفاوضاته مع القادة العراقيين.[22]

صحيح ان قرار مجلس الامن رقم 1483 قد أعطى بريمر السلطة لإدارة العراق المُحتل، ولكن هذا يجب ان يكون وفق معايير القانون الدولي. ومع ذلك ، تم تنفيذ أوامر بريمر المائة و "العلاج بالصدمة" الاقتصادية في انتهاك صارخ للقانون الدولي.

مع ازدياد الاحتجاجات ضد الخصخصة في العراق وانتشار الهجمات العنفية ضد الشركات الأمريكية، اصبح من الضروري الاستعجال في اخفاء هذه الحقيقة. وعلى هذا اسرع بريمر بالعودة الى واشنطن لمناقشة مخطط جديد مع الرئيس يهدف الى السيطرة على الاقتصاد العراقي. وقد نتج عن ذلك تشكيل النظام المؤقت لأياد علاوي، والأعلان عن إجراء الأنتخابات العراقية في كانون ثاني 2005. وكان على علاوي، وهو واحد من المختارين والمحميين من واشنطن، والذي عمل مع وكالة الخابرات المركزية لسنوات، ان يقوم بشكل "قانوني" بتطبيق مراسيم بريمر الغير قانونية.

وفقا للأمر 39 مما اصبح يعرف في العراق ب "قوانين بريمر"، سيتم فتح الصناعات والأسواق العراقية أمام الاستثمار الأجنبي مع قيود قليلة. لقد تمت صياغة هذه القوانين بطريقة تجعل من الصعوبة على كل من الحكومة المؤقتة أو اية حكومة عراقية قادمة إبطال أو إلغاء هذه السياسات.

والحقيقة، فإن بريمر وطد الأوامر المائة من خلال المادة 26 من الدستور العراقي المؤقت، بحيث يضمن بانه حالما يتم تسليم السيادة الى الحكومة المؤقتة، ستكون عاجزة على تغير قوانين بريمر. بالإضافة الى ذلك، فقد تم زرع الافراد المختارين من المتعاطفين مع الولايات المتحدة في كل وزارة عراقية، وتم تفويض هؤلاء سلطة تجاوز أي قرارات تتخذها الحكومات العراقية اللاحقة.

إن وجود 0132،00 جندي أمريكي في جميع أنحاء العراق ، مدمج بقوة في حوالي 14 قاعدة عسكرية أمريكية جديدة تم إنشاؤها في جميع أنحاء البلاد بعد عام 2003 ، كانت لضمان ذلك. أصبح واضحا لمعظم العراقيين في أواخر عام 2004 ما كانت واشنطن تعنيه بالضبط، عندما استخدمت الكلمات النبيلة ، "زرع بذور الديمقراطية" في بلدهم. لم يكن للبذورعلاقة بقدرة المواطنين العراقيين العاديين على تحديد مصيرهم المستقل.

بعد أن تم نقل السلطة الرسمية في حزيران 2004 من سلطة الائتلاف المؤقتة بريمر إلى النظام العراقي المؤقت برئاسة ذخيرة وكالة المخابرات المركزية ، علاوي ، وافق الأخير على قبول تخفيف الديون مقابل "ألإنفتاح الأقتصادي" على الإصلاحات التي فرضها صندوق النقد الدولي. وهكذا ، ففي مذكرة مرفقة بـ "خطاب نوايا" أرسله محافظ البنك المركزي "الشبيبي" ووزير المالية "عادل عبد المهدي" إلى صندوق النقد الدولي في أيلول ، عبر الرجلان عن حرص حكومتهما التي نصبتها الولايات المتحدة على "التعامل" مع الصندوق.[23]

وتبجح الخطاب قائلاً: "لقد مهد التشريع الجديد للقطاع المالي الطريق لإنشاء قطاع مالي حديث" ، مضيفا بأن "ثلاثة بنوك أجنبية قد رخصت بالفعل لبدء العمليات" وأن "عددًا من البنوك الأجنبية أظهرت إهتمام في الحصول على حصة (أقلية) في البنوك العراقية الخاصة ". كان أحد البنوك هو بنك (HSBC) في لندن ، وهو من بين أكبر البنوك في العالم.

يعتبر التحويل القسري لإنتاج الغذاء العراقي إلى المحاصيل المحورة وراثياً المحمية ببراءة اختراع، واحدة من أوضح الأمثلة على الطريقة التي تفرض بها شركة مونسانتو وغيرها من الشركات العملاقة المنتجة للكائنات المعدلة وراثيًا، استخدام المحاصيل المُنتجة من خلال تقنية (الكائنات المعدلة وراثيًا) ، على سكان العالم غير الراغبين أو الذين لا يجهلون طبيعة هذه التقنية.

 

.............................

المراجع

1- Coalition Provisional Authority, CPA Official Documents, orders, http://www.cpa-iraq.org/regulations/#Orders.

2- Naomi Klein, “Baghdad Year Zero”, Harpers’ Magazine, September 2004.

3- Coalition Provisional Authority, op. cit. In its introduction, the document declares, “Orders-are binding instructions or directives to the Iraqi people that create penal consequences or have a direct bearing on the way Iraqis are regulated, including changes to Iraqi laws.”

4- Coalition Provisional Authority, CPA Official Documents, order81:Patent, Industrial Design, Undisclosed Information, Integrated Circuits and Plant Variety Law, http://www.iraqcoalition.org/regulations/index.html#Regulations. See also Focus on the Global South and GRAIN, Iraq’s New Patent Law: A Declaration of War against Farmers, http://www.grain.org, and Vandana Shiva, Biopiracy: The Plunder of Nature and knowledge, Green Books, Devon, UK, 1998.

5- William Erskine, Agriculture System in Iraq Destroyed: Self Sufficiency in Food Production Years Away…., Press Release, 30 June 2003, http://www.icarda.org/Neas/2003News/30June03.htm.

6- Hope Shand, “Planting the Planet”, Multinational Monitor, June 1994, p. 13.

7- GRAIN Press Rlease, Iraq’s New Patent Law: A Declaration of War Against Farmers, Focus on the Global South and GRAIN, October 2004, http://www.grain.org/articles/?id=6.

8- Ibid.

9- Jeremey Smith, “Iraq: Order 81”, The Ecologist, February 2005.

10- Portal Iraq, Seeds for the Future of Iraqi Agriculture, 27 September 2004, http://www.portaliraq.com/news/Seeds+for+the +future+of+Iraqi+agriculture_529.html.

11- Daniel Stolte, “In the Trenches”, The business Journal of Phoenix, 10 June 2005.

12- Ibid

13- Christopher D. Cook, “Agribusiness Eyes Iraq’s Fledgling Markets”, In These Times, http://www.mindfully.org/GE/2005/Iraq-US-Agribusiness-Profit15mar05.htm, 15 March2005.

14- Ibid.

15- IRIN News, Iraq: Interview with Minister of Agriculture, http://www.irin-news.org, Baghdad, 16 December 2004.

16- Ann M. Veneman, Remarks by Agriculture Secretary Ann M. Veneman to the National Association of Farm Broadcasters Annual Convention, 14 November 2003, US Department of Agriculture, Washington D.C., Release No.0384.03.

17- US Congressional Record, Kissinger Associates, Scowcroft, Eagleburger, Stoga, Iraq and BNL, Statement by Representative Henry B. Gonzalez, 28 April 1992, US House of Representatives, Page H2694.

18- John King cited in Christopher D. Cook, op. cit.

19- Ibid.

20- Ibid.

21- Paris Club, Iraq, http://www.clubdeparis.org, 21 November 2004.

22- International Monetary Fund, Iraq-Letter of Intent, Memorandum of Economic and Financial Policies, and Technical Memorandum of Understanding. Baghdad, 24 September 2004.

23- Governor Shababi cited in Brian Dominick, “US Forgives Iraq Debt to Clear Way for IMF Reforms” NewStandard, 19 December 2004.

24- Ibid

 

عبد الجبار الجبوريفشل مصطفى الكاظمي في إقناع الكتل السياسية، التي رشحتّه بديلاً عن عدنان الزرفي، في القبول بتشكيلة وزارية خارج المحاصصة الطائفية، وإصطدم بواقع يفرض عليه، سلك طريقين لاثالث لهما، ألأول هو الموافقة على شروط الأحزاب والكتل، بفرض وزرائها، والإعتراف بالمحاصصة الطائفية كواقع مفروض، والتي تتبجّح جميع الأحزاب برفضها كنظام للحكم، وضرورة مغادرتها لأنها دمرّت البلاد، ولكنهم يفرضونها من تحت الطاولة، على رؤساء الوزارات المتلاحقة، لأنهم يدركون أنها سبب وجودهم في العملية السياسية، والثاني هو تقديم إعتذار لرئيس الجمهورية، عن تشكيل الحكومة، وأعتقد سيضطّر الى الخيارالثاني، ويقدم إعتذاره، ولكن لنفترض أنه وافق على شروط المحاصصة، وتم تشكيل حكومة طائفية رغماً عنه، والذي يخالف برنامجه الذي أعلنه في أول خطاب له، فأمام الكاظمي ملفات خطيرة عويصة، لايمكن له أن يخرج منها، إلّاّ خاسراً، لايستطيع مواجهتها على الاطلاق، ومن هذه الملفات، ملف الهبوط المستمر المفاجيء لأسعار النفط، وملف التهديدات التي أطلقتها بعض الفصائل الولائية، وكيفية تنفيذ وعده بحصر السلاح بيد الدولة، وتنفيذ فقرة إخراج القوات الاجنبية، وغلق قواعدها العسكرية في العراق، ويقصد بها القوات الامريكية، والتي وضعتها كتلة البناء والميليشيات، كشرط أساسي للقبول بالترشيح، والملف الآخر خطرعودة داعش، وتربصه بكركوك، في صفقات دولية مشبوهة، بعد توقف دعم التحالف الدولي وأمريكا، للعراق لمواجهة خطر داعش، الذي بدأ يدقُّ ناقوس الخطر، في محافظات كركوك وديالى ونينوى، بعمليات عسكرية لذئابه الجريحة المنفردة، التائهة في أنفاق بصحراء الانبار ونينوى وكركوك، والملف الآخرهو ملف التظاهرات، التي عادت بقوة في شوارع بغداد والمحافظات الجنوبية، بعد توقف قسري بسبب وباء كورونا، والتي قدمت شهداء وجرحى يوم امس، إضافة الى كل هذه الملفات، هناك صعوبة بالغة بتشكيل الحكومة، وهي صراع الكتل فيما بينها، ورفضهم التصويت إلاّ بشروطها، ومنها الكتل السنية والشيعية والكردية، مما يصعب إخراج الحكومة من عنق الزجاجة، بالرغم من تدخل اسماعيل قاآني مسئول الملف العراقي، بعد قاسم سليماني في إقناع( البيت الشيعي)وأحزابه وكتله بالجلوس على طاولة واحدة، وترميم العلاقة بين مقتدى الصدر ودولة القانون ومنظمة بدر، وهكذا فشلت مهمته، وعاد بخفيّ حُنين، وبقيت الصراعات الشيعية – الشيعية كما هي، داخل البيت الشيعي، تؤجل ظهور حكومة الكاظمي الى العلن، نعتقد أن هذه الملفات وغيرها، كافية لإفشال مهمة الكاظمي، وعدم التصويت عليها، بمعنى هناك صراعات داخل الكتل نفسها، وخلافات مع الكاظمي لإجباره على القبول، بشروط الكتل في توزيع الوزارات، على نظام تحاصصي بغيض، وهكذا نرى أن مهمة الكاظمي، صعبة لتمرير حكومة خارج نظام المحاصصة الطائفية، إن لم نقل مستحيلة، وهنا لابد من العودة الى المربع الاول، والدخول في مفهوم الدجاجة من البيضة أم البيضة من الدجاجة، ليعود عادل عبد المهدي لإكمال فترة حكومة تصريف الاعمال، وهذا مطلب شيعي – كردي، واضح، إذن هل مأزق الكاظمي في تشكيل الحكومة، يمكن أن يخرج منه، في ظل متغيرات عالمية شديدة التعقيد، بعد الفشل في مواجهة وباء كورونا الذي يؤرق العالم بأجمعه، وإستحالة مواجهة هبوط اسعار النفط الكارثية، التي لم يشهد لها التاريخ مثيلاً، هنا المأزق الحقيقي، امام الكاظمي، وأمام أي مرشح يأتي بعده، العراق، لكي يخرج من أزماته هذه، وأمراضه السياسية المزمنة، لابد من حدوث هزة أرضية سياسية في بنية الدولة، لاسيما وأن أحد أخطر أمراضها التي فتكت بها، هو وباء الفساد، الذي في رأيي أخطر من وباء كورونا، والذهاب الى حلّ البرلمان، والذهاب الى إنتخابات برلمانية بإشراف دولي وأممي وعربي، يعيد توازن المجتمع العراقين وهيبة دولته، ويمن، الاحزاب الفاشلة والفاسدة والاشخاص، من الترشح في هذه الانتخابات، ويتركوا الخيار للشعب العراقي ورجاله، الذي أذاقوهم ألأمرين، من ويلات وقتل وتهجير ونزوح، وإدخال داعش الى مدن العراق وتدنيسها، ودفعه الاف الشهداء، ثمنا لتحرير المدن، التي دخلها داعش الاجرامي، وإحالة قتلة الشعب، وإحالة حيتان الفساد الى القضاء، ومنع السلاح خارج الدولة بشكل نهائي، ونزعه من يدّ الاحزاب وميليشياتها الموالية لإيران، هذا هو الحل الوحيد، الذي يحفظ ماتبقى للعراق، من كرامة وكبرياء، ولهذا ننظر الى مهمة الكاظمي، على أنها ضحك على الذقون لكسب الوقت، والتفرد بالقرار السياسي لصالح إيران، حسب إعتقاد مواليها وأحزابها، ويظنّون أن امريكا هزمت في العراق، ولم يبق الاّ إخراجها بقرار برلماني، صوتّت عليه الكتل والقوائم الشيعية فقط، في غباء سياسي مزمن لديها، وهذا بيت الداء لدى الأحزاب الموالية لإيران، أن امريكا تهرب من العراق، خوفاً من ميليشياتها المسلحة التي تهدّد بها، وتقصف قواعدها وسفارتها، وتصرّ على ترحيلها، لاياسادة أمريكا ليست ساذجة، الى هذا الحدّ من الغباء السياسي الذي تلبّسّكم، أمريكا لها إستراتيجية خاصة لمواجهتكم، غير العمليات العسكرية، رغم تحضيرها الجدّي لها، وبالإمكان إستعمالها بأية لحظة، والحشود العسكرية الهائلة، ونصب الباتريوت، ووصول الدرون يشهد بذلك، ولكنها، ستستغل هبوط اسعار النفط، أو تعمدها بتخفيضه الى الصفر، لإنهاء الاقتصاد العراقي والايراني، وإعلان الحكومتان الافلاس المالي، والعجز الكامل في مواجهة أزمة هبوط الأسعار، لاسيما وإن العراق، وايران، لايملكان بدائل زراعية وصناعية لمواجهة هبوط اسعار النفط والتغلب على إفرازاته المدمرة، غير الخضوع للإدارة الامريكية، والقبول بشروطها التعجيزية، فوباء كورنا على الابواب، وهبوط اسعار النفط الكارثي، وظهور خطر داعش، وعودة التظاهرات، كلّها أزمات، لن تستطيع الحكومة العراقية مواجهتها، والفساد ينخربجسدها المتهالك، رغم الموارد الاقتصادية الكبيرة، التي يمتلكها العراق، فلا (كوثراني) يستطيع حلحّلة تشكيل حكومة الكاظمي، ولا الأحزاب المتصارعة على المكاسب والمناصب، تستطيع إخراج حكومة الكاظمي الى العلن، فبالرغم من قوة وسيطرة الميليشيات الولائية، على القرار العراقي السياسي والعسكري، فلا يمكن أن تستطيع الأحزاب والميليشيات، من إخراج العراق من أزماته، في ظلّ هيمنة وتهديدات الفصائل لأمريكا، بحتميّة إخراجها من العراق، ولهذا وضعت الادارة الامريكية مبلغاً كبيراً للقبض على (كوثراني)، لأنه هو من يدير الميليشيات، والاحزاب العراقية الموالية لايران وحزب الله اللبناني، نصل الى الضوء في نهاية النفق، وهو القبول بالشروط الامريكية، التي تهدد العراق بالتخلّي عنه عسكرياً ومالياً وإقتصادياً، وتجمّيد كلّ علاقة دولية مالية وعسكرية معه، أي وضعه تحت الفصل السابع مرةأخرى، تمهيداً لخنقه وإنهاكه تماماً، وصولًاً الى إستسلامه، هكذا تصرّ الادارة الامريكية والحكومة البريطانية، على التعامل مع العراق وأحزابه وأزماته، حتى يخرج من الهيمنة الايرانية، ويعود الى رشده، ومحيطه العربي، والدولي بعيدا عن أي سيطرة إيرانية بهيئة ميليشيات وفصائل مسلحة، تأتمر بأوامر المرشد الايراني مباشرة، وترفع صوره وصورة الخميني، هذا المشهد الذي يواجه الكاظمي ومأزقه، مع الأحزاب والكتل الموالية لإيران، هو مَن يؤزم العلاقة معها، ويعقّد تشكيل حكومة يريدهاالكاظمي على مزاجه، بعيداً عن الإملاءات والتدخلات الايرانية وغيرها، هذا هو جوهر الأزمة التي تواجه الكاظمي، والتي سترغّمه على الإعتذار كما نرى ونعتقد، ومهما يقال من كلام الكتل الموالية لإيران، من دعم حكومة الكاظمي وبرنامجها، فهو محض كذب وتدليّس وتضليّل، للرأي العام العراقي والعالمي، الكاظمي في مأزق سياسي لايحسد عليه، لن يخرج منه الاّ خاسراَ، وهو يعيش تنّمر الكتّل، وإصرارها على تحقيق مآربهاالحزبية والفئوية، وهذا مايرفضه الكاظمي، لهذا نرى أن مهمته شبه مستحيلة، في تشكيل حكومة مستقة، هي ضرب من المستحيل والخيال، نعم لنْ تشكل حكومة، والكاظمي سيعتذر في اللحظّات الأخيرة ...

 

عبد الجبار الجبوري

 

محمود محمد عليفي هذا المقال نعود وننهي كلامنا عن الأبعاد الحقيقية لأزمة سد النهضة الأثيوبي، وفي هذا نقول: وفى دراستين رائعتين لخبير المياه العالمى د. نادر نور الدين والباحث الصحفى الشاب عماد حمدى نكتشف أن سد النهضة الإثيوبى تبلغ قدرته التخزينية بالتقديرات الرسمية نحو 74 مليار متر مكعب من المياه، بينما تظهر صور الأقمار الصناعية أنها تبلغ 96 مليار متر مكعب، وهو ما يعنى أن التخزين وفقاً للمخطط الإثيوبى المقرر الانتهاء منه خلال 3 سنوات، سيحتجز نحو 25 مليار متر مكعب من إيراد النهر سنوياً.. ونظراً لانخفاض حجم الحصة المائية لمصر، فإن المياه لن تصل إلى أطراف الأراضي الزراعية على جانبي الدلتا، ويستمر هذا التآكل باستمرار بوار الأرض، بما يعنى تشريد كل المصريين الذين يعيشون على النشاط الزراعي فى هذه المناطق بعد ضياع أراضيهم، وهذا الخطر يحمل فى حد ذاته تهديدات أخرى، كتهديد الأمن الغذائي، وارتفاع معدلات البطالة، وزيادة رقعة الفقر، وإعاقة التنمية، وغيرها من الآثار الجانبية المترتبة على خروج مساحة لا بأس بها من الأراضي الزراعية الخصبة من الخدمة، الأمر الذى سيخلق اضطراباً اجتماعياً غير مسبوق!.

ولذلك المشكلة في بناء هذا المشروع الضخم تتمثل في تلك الفترة المطلوبة لملء خزان السد، حيث ستحول كميات كبيرة من مياه النيل الأزرق التي تنتهي إلى السودان ثم مصر ستتحول إلى الخزان، إذ يتوقع أن تتقلص حصة البلدين من تدفق النيل بشكل ملحوظ خلال فترة ملء الخزان. وتسعى القاهرة والخرطوم مقابل الموافقة على إنشاء السد، إلى تنظيم عملية ملء الخزان على نحو يقلل من حجم الضرر المائي على البلدين.. وفي يوم 10 يونيه 2014 وجه دكتور مهندس أحمد عبد الخالق الشناوي الخبير الدولي في الموارد المائية وتصميمات بالأمم المتحدة سابقا، رسالة إلي رئيس الوزراء في ذلك الوقت المهندس ابراهيم محلب، وأرفق بها دراسة علمية بعنوان "المشاكل الفنية التي تمنع إنشاء السد الإثيوبي نهائياً والحل المقترح"، وكان ذلك قبل 16 يوما من أول لقاء قمة بين الرئيس عبد الفتاح ورئيس وزراء إثيوبيا علي هامش قمة الاتحاد الافريقي الذي عقد 26 يونية 2014. وحملت الدراسة التي نقلها عضو بارز بمجلس النواب تحذيرات خطيرة من استمرار بناء سد النهضة لأنه يهدد بجفاف النهر الخالد "النيل". وأوضحت أن السد مهدد بالانهيار وتسرب كامل مياه النيل الازرق والنيل الابيض الي المحيط بسبب الظاهرة پالجيولوجية التاريخية المعروفة باسم "الفالق الإفريقي الأعظم"... الذي فصل قارة إفريقيا عن الجزيرة العربية. وأنه نتج عن هذا الفالق الأعظم فوالق أخري عظيمة عمودية عليه في القرن الإفريقي (وذلك حسب قول د. عادل عامر في مقاله سد النهضة والأمن القومي المصري!!)..

وفي عام 2015 كان اتفاق إعلان المبادئ الموقع بين مصر وأثيوبيا والسودان بشأن سد النهضة والموقع فى الخرطوم فى 23 مارس2015.  وتفاهم الدول الثلاث علي أن يكون الحوار هو الوسيلة لحل الخلافات بينها، كانت مصر مصممة علي ألا يتم المساس بحقها في مياه النيل بعد بناء سد أثيوبيا لأن المساس بحقها في المياه سيترتب عليه مشاكل كثيرة تعرض حياة المصريين للخطر.

إن الذى يجعلنى مطمئناً بشأن المفاوضات المصرية حول سد النهضة الإثيوبى، هو أمران مهمان الأول: أن السيسي وهو يتمتع بذكاء شديد يضع أمامه قاعدة راسخة ومتينة تقضى بعدم تأثير السد على حصة مصر المائية. والثانى: أن السيسي لا يمكن بأى حال من الأحوال أن يفرط فى حقوق مصر التاريخية من المياه، هذان الأمران هما الخلاصة فى عملية السد، بالإضافة إلى أمر ثالث وهو أن إعلان المبادئ الذى وقعته مصر لا يتخلى عن ضرورة عدم تأثير بناء السد على حصة مصر المائية ولا التخلى عن الحقوق التاريخية لمصر فى هذا الشأن ( وذلك حسب ما قاله وجدى زين الدين في مقاله حكاوى .. مفاوضات سد النهضة).

وإذا كان موضوع سد النهضة قد وضع ملف مياه النيل فى مقدمة الملفات على مكتب الرئيس السيسي، إلا أن ذلك لا يعنى أن مصر تسعى فقط لحل مشكلة راهنة أو الخروج من أزمة طارئة لأن موقف القاهرة يتأسس على محور مهم يحسن أن نشير إليها وأن نتوقف عنده  كما قال مصطفي الفقي في مقاله  المسكوت عنه فى ملف سد النهضة؛ وهو أن القضية الحقيقية ليست فى بناء سد النهضة من عدمه، ولكنها تتركز حول حصة مصر من مياه النهر، فنحن لا ننكر على الأشقاء فى إثيوبيا السعى نحو إقامة سد يسهم فى تنمية البلاد ، ولكن الذى يدهشنا هو أن ذلك السد الذى يحتجز أربعة وسبعين مليار متر مكعب يتجاوز بكثير الهدف المعلن لتوليد الطاقة الكهربية أو حتى استزراع مناطق جديدة تحت الهضبة، فالمقلق حقًا أن هذا السد له أهداف سياسية واقتصادية أخرى، فهو يؤدى إلى شراكة دول من خارج دول الحوض فى مياه النهر بتدفق المياه على مساحات مزروعة لمصلحة تلك الدول البعيدة عن المجرى والمصب ولكنها تلوح باستثماراتها الزراعية، هناك فى إثيوبيا والسودان بصورة تنقل المياه داخل المحاصيل المستزرعة غير مكترثين بتأثير ذلك على معدل تدفق مياه النهر إلى مصر، وهى عملية التفاف واضحة لنقل مياه النيل لدول ليست داخل حوضه، وهنا يكمن جوهر المشكلة فبناء السد محاولة لتحويل جزء من حصة مصر فى المياه إلى كهرباء ومحاصيل زراعية لدول أخري، أى أنها عملية ملتوية لتصدير مياه النيل من إحدى دول المنبع على حساب دول المجرى والمصب، وذلك إجحاف بحقوق تاريخية فى المياه ومسيرة طبيعية للنهر.

لقد أعلن الرئيس السيسى أكثر من مرة مساندة مصر لحق الشعب الإثيوبى فى التنمية التى من المنتظر أن يكون سد النهضة قاطرتها بما يوفره لها من طاقة كهربائية كبيرة،  لكنه أكد فى الوقت نفسه على ألاَّ يكون ذلك على حساب حق مصر فى الحياة باعتبار نهر النيل مصدرها الوحيد للحصول على المياه العذبة.

تجاهلت أثيوبيا اتفاق إعلان المبادئ الذى وقعته مصر والسودان معها فى مارس 2015 فى الخرطوم، رغم أنه منحها اعترافاً مجانياً بشرعية السد، وجانب التوفيق دولتى المصب لتبعات ذلك الاتفاق الكارثى.. لقد أعلنت أديس أبابا زيادة القدرة الكهربائية للسد من 6 آلاف ميجا وات إلى 6500 ميجا وات الأمر الذى سيتطلب زيادة تخزين المياه وبالتالى زيادة التأثير على حصتنا من المياه..

استمرت أثيوبيا لسنوات طويلة من المماطلة والتعنت في موضوع سد النهضة ومصر والسودان يتعبان معها سياسة النفس الطويل دون أن تفقد شعرة معاوية.. وانخرطت الدول الثلاث: مصر وإثيوبيا والسودان فى مفاوضات منذ أبريل 2015 لإعادة الدراسات الإثيوبية لسد النهضة بهدف التوصل إلى سياسات متفق عليها لملء السد وتشغيله، ولكن للأسف حتى منتصف 2019، لم تنجح المفاوضات المستمرة طوال هذه السنوات إلى بدء أى من الدراسات المطلوبة أو التوافق حول سياسات ملء وتشغيل السد. وفى نفس الوقت استمرت إثيوبيا فى إنشاءات السد وقاربت من انتهائه لفرض أمر واقع غير قابل للتفاوض. فاضطرت مصر إلى الإعلان عن فشل المفاوضات والمطالبة بتدخل وسيط دولى للوصول إلى تفاهمات مقبولة من الأطراف الثلاثة، وذلك تبعاً لإعلان المبادئ الموقع من الدول الثلاث. وبعد محاولات من الصد والرد تم الاتفاق على أن تراقب الولايات المتحدة الأمريكية جولة جديدة من المفاوضات تهدف إلى التوصل إلى اتفاق حول سياسات ملء وتشغيل السد تحت الظروف الهيدرولوجية المختلفة لتدفقات النهر.. وتولت الولايات المتحدة التواجد فى مفاوضات سد النهضة كمراقب، ولكن بحرفية كبيرة تدرك فيها حساسية دول التفاوض ومصالحها مع تفهم كبير لظروفهم الداخلية والخارجية. وجاءت خطوط التفاوض فى 3 شهور بثمرات فشلت الدول الثلاث وحدها فى تحقيقها فى عشر سنوات كاملة. وفى نهاية فترة الـ 3 شهور تبقت عدة مشاكل رئيسية تتمثل فى تعظيم بعض المكاسب الإثيوبية المادية من بيع كهرباء السد ومشاكل حقيقية تتمثل فى أحلام (أوهام) إثيوبية للسيطرة على النيل الأزرق ومياهه لتحقيق مكاسب سياسية إقليمية على حساب مصر والسودان، واستغلالًا للأزمة المائية المصرية..

إلي أن جاء يوم التوقيع النهائي وفي هذا اليوم انسحبت أثيوبيا من التوقيع ملقيه بكل عهودها عرض الحائط ، وعندما تنسحب الحُكومة الإثيوبيّة من الجولة الأخيرة من المُفاوضات الثلاثيّة حول سدّ النهضة التي ترعاها الإدارة الأمريكيّة وصندوق النقد الدولي في واشنطن تهرّبًا من توقيع النّص النّهائي للاتّفاق الذي تبلور من خِلال اجتماعاتها التي عُقِدت على مُستوى وزراء الخارجيّة والرّي في البُلدان الثلاث (مِصر وإثيوبيا والسودان) فهذا يعني أنّها لم تكن جادّةً على الإطلاق في القُبول بأيّ حل سلميّ، وستمضي قُدمًا في خُططها بمَلئ خزّانات السد بالكميّة المطلوبة (74 مِليار متر مكعب) في الفترة الزمنيّة التي تُقرّرها، ودون أيّ مُراعاة للأضرار التي يُمكن أن تلحق بالجانب المِصري، وأبرزها تجويع ملايين الفلّاحين المِصريين وانخِفاض كميّات الكهرباء من السد العالي نتيجة مباشرة لانخِفاض حصّة مِصر من مياه النيل. وذلك حسب قول ستراتفور: مصر وإثيوبيا.. صراع تاريخي مستمر على الماء النفيس، ترجمة: محمد الصباغ)

من الواضح أن إثيوبيا تنتهج المماطلة وسياسة الاستمرار فى المحادثات لكى يكون هناك تحرك فى هذه المشكلة، بينما هى تمضى فى فرض الأمر الواقع باكتمال بناء السد وبدء تخزين المياه، لذلك على الحكومة المصرية وضع سقف زمنى لهذه المفاوضات لا يتعدى الشهور القليلة للتوصل إلى اتفاق، فإذا لم يحدث ذلك يتم الإعلان عن فشل المحادثات والبحث عن وسائل أخرى لمواجهة هذه المشكلة.

السّؤال الذي يطرح نفسه بقوّةٍ هو عمّا يُمكن أن تفعله الحُكومة المِصريّة في ظِل هذا التّآمر الإثيوبيّ ضدّها، والضّرب بعرض الحائط بكُل مصالحها الاستراتيجيّة ومخاطر هذا السّد على أمنها المائيّ؟

هُناك ثلاثة خِيارات أمام الحُكومة المِصريّة: الأوّل: أن تُدافع مِصر عن مصالحها وأمنها المائيّ، بضرب هذا السّد وتدميره وتحمّل النّتائج كاملةً، وهي تملك القوّة والطائرات القادرة على القِيام بهذه المهمّة. الثّاني: أن تُعلن حربًا بالإنابة طويلة الأمد ضِد إثيوبيا، وتدعم أعداءها في القرن الإفريقي. الثّالث: أن تستسلم الحُكومة المِصريّة لأساليب المُناورة الإثيوبيُة، وتخضع للأمر الواقع تَجنُّبًا للحرب وما يُمكن أن يترتّب عليها من خسائرٍ (وهذا لن يكون). وذلك حسب قول ستراتفور: مصر وإثيوبيا.. صراع تاريخي مستمر على الماء النفيس، ترجمة: محمد الصباغ).

خلاصة القول سد النهضة الأثيوبي أصبح حقيقة قائمة وواقعة.. وعلينا أن نتعامل مع هذا الواقع بمقتضي القوانين والأعراف الدولية وحسن العلاقات مع كل من أثيوبيا والسودان من خلال الوثيقة التي وقعها زعماء البلاد الثلاثة واعتبرت بمثابة إطار حاكم بحيث لا تضار مصر في حصتها المقررة من مياه النيل نتيجة لقيام هذا السد.

أما إثيوبيا فيكفى أن أرد عليهم ببقية قصيدة شوقى عن الثعلب التى يختتمها قائلا:

يا عباد الله توبوا فهو كهف التائبينا.. وازهدوا فى الطير إن العيش عيش الزاهدينا.. واطلبوا الديك يؤذن لصلاة الصبح فينا.. فأتى الديك رسول من أمام الناسكينا.. عرض الأمر عليه وهو يرجو أن يلينا.. فأجاب الديك عذرا يا أضل المهتدينا.. بلّغ الثعلب عنى عن جدودى الصالحينا.. عن ذوى التيجان ممن دخل البطن اللعينا.. أنهم قالوا وخير القول قول العارفينا: مخطئ من ظن يوما أن للثعلب دينا.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

 

في أواسط عام 2004، آنذاك، كنت قد نشرت مقالاً حول ممارسات قوات الاحتلال الأمريكي مع العراقيين، مشيرا الى مدى بربرية تلك القوات. وبهدف اثارة الموضوع إنسانيا وأخلاقيا وقانونيا، قمت بإشهاره مع صور لتلك الانتهاكات عبر الانترنيت على العناوين المتوفرة لديّ، لعل من يتحمل مسؤولية المتابعة وملاحقة مرتكبي تلك الجرائم قانونيا. وأيضا كان هو ردا طبيعيا على "بيان" ورد على عنواني الالكتروني يتضمن عددا كبيرا من أسماء مثقفين عراقيين موقعين مع وجود عناوينهم. دفاعا عن الاحتلال واعتباره منقذا وطنيا. ذكرني بموقف فنان تشكيلي عراقي بعد السقوط بأسابيع ـ أعلن عدم رغبته بالعودة الا بعد ان يحرق "بسطال" آخر جندي امريكي ارض العراق، في إشارة للبعثيين!.. وصلني فيما بعد من شخصية عراقية مثقفة، رد، أجيز لنفسي وصفه بـ "احتجاج" مكتوب على قياس "مختزل"، مع الأسف لم يلامس قطعا قدسية ما كان يجب ان يحمل من تنديد لسلوك المحتل في وطنه!.

اليوم وفي ظرف حرج يمر به العراق، استقي الذاكرة لاختراق فكرة النأي" لدى بعض المثقفين لتحل مكانها مسؤولية كشف الحقيقة المتعلقة بمصير الانسان العراقي!. أنشر بعضا من سجال بيني وبين ذلك الأستاذ الفاضل، للمقاربة بين ما حدث بالأمس وما يحث اليوم، تاركا للقارئ الكريم حرية الربط ومسألة التعاطي. هي خلجات ورؤى، تحدٍ ومراجعة. سجالاً صريحاً يبدأ من حيث انتهيت آنذاك بـ : يسود العراق النفاق والظلامية، وطمس الحالمين بالحرية والديمقراطية الزائفة تحت طائلة السلاح الأمريكي ونعل أصحاب العمائم للحقائق. أجير بموضوعية، نكث الغبار والبدء بمراجعة عقلانية وفق رؤى وطنية للمواقف والسلوكيات السياسية السابقة.

خاطبني الأستاذ الفاضل يومذاك بما يلي: [السيد ع ي المحترم، تحية وبعد... استلمت المقالات والصور البذيئة التي أرسلتها، دون أن تراعي للأسف مشاعر من يستلمها، ولعلك نسيت بأن هناك أخبارا وفضائيات يستطيع المرء أن يرى فيها نذالة المحتلين دون أن يطلع أطفاله مثلاً عليها!.. مع تحياتي ـ د. إ. ط]

في العام 2008 تم توقيع اتفاقية أمنية بين الحكومة العراقية والولايات المتحدة تتضمن تحديد "الأحكام الرئيسة لوجود قوات الاحتلال في العراق  وأنشطتها". بعد مرور سبعة عشر عاما على الغزو في أبريل 2003 نكتشف واحدا من اهم الاسرار فيها: عدم المساس بالمصالح المشتركة لكل من الجانبين. المحتل من جهة ومجموعة القوى والأحزاب الطائفية والعرقية التي اتى بها الاحتلال لسدة الحكم "شيعة وسنة وكرد". ما ان تفجر الوضع بعد اشتداد مظاهرات الاحتجاج في اكتوبر2019 حتى برزت التناقضات من جديد بين مَن في السلطة وخارجها. المرتبطون، بالأمريكان ومصالحهم بشكل مباشرـ وقوى العملية السياسية التي تمتلك قدرة جس النبض لتحقيق مآرب سياسية لصالح قوى خارجية. لكن وان تباينت اشكال الصراع بين هذه القوى، ستبق الاجندة "ثابته" ومشتركة الخطورة على مصالح العراق وشعبه. وان كلا الخصمين، ليسا، على استعداد لمناطحة أحدهم الآخر، لكنهما من اجل البقاء في السلطة، مستعدان، لحرق العراق وإعادة الاحداث الدموية التي خلفها الاحتلال الى الواجهة. وللأسف لم يكتشف أولئك المثقفين اللعبة الا في وقت متأخر، وبعضهم لازال يحسن الظن بنوايا أصحاب السلطة ويوافقهم الرأي بان القائمين على التظاهرات عملاء تحركهم أيادي خارجية، وبالطبع أمريكية ـ صهيونية لا إيرانية؟.

كتبت للأستاذ الفاضل ردا على رسالته جاء فيها:[ الأستاذ د.إ. ط المحترم... تحية طيبة ـ أبدا بالتساؤل ـ ما الذي يجب عمله اذا ما استمر الاحتلال، ومارس الوسائل غير المشروعة لقمع المواطنين وقتلهم، او استمر بنهب خيراتنا.؟. وافترض، ما يهم كل مواطن عراقي إنهاء احتلال بلده وحالة الحرب بأقرب وقت، كما يهمه تخفيف الضائقة الاقتصادية التي خلفتها ظروف الحروب وجشع المحتكرين. وان مطالبة الشعب لان يعيش حرا في ظل وطن حر، يملك كامل السيادة الوطنية التي بدونها لا يمكنه حل المشاكل المتعلقة بشكل الحكم والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، حق مشروع.. خلاصة القول: إن الوطن الحر شرط سعادة الشعب. أظن على هذا الأساس تتأثر مصداقية الموقف الوطني، وعلى الطليعة الواعية أن لا تقف موقف المنتظر المتفرج حتى السقوط النهائي .. وإلا ما العمل؟.. مهمتي كوطني عراقي يشعر بمسؤولياته، كشف زيف المحتل والدفاع عن وطني وشعبي وحضارتي، إن بقي منها شيئاً.. إنني احترم رأيك وموقفك، عسى أن اكف عن إزعاجك وإزعاج الآخرين مِن المهتمين بشأن وطنهم وشعبهم، مَن لا يفرقون بين الحقيقة والتأويل ولا يقبلون سماع الرأي الآخر ويزايدون على الآخرين بوطنيتهم وآرائهم ويدعون الديمقراطية للكشر!!.. مع اعتذاري ـ ع ي]

بضعة من الوقت كتب لي الأستاذ د.إ. ط رسالة يقول فيها: الأستاذ ع ي المحترم .. تحية ـ لولا أني أشاطرك في الكثير من أرائك التي ذكرتها عن المحتلين وقذاراتهم وعن واجب الجميع ولا سيما من احترقت أعمارهم في جحيم البعثيين والقومجية الفاشست (وأنا منهم لسوء أو لحسن الحظ - لا أدري)  في مواصلة النضال لتخليص البلد من المستعمر وأعاده استقلاله وحريته بكل السبل الممكنة وتحت رايات وطنية نظيفة منقاة من دنس البعث والمتأسلمين، أقول لولا قناعتي بالكثير مما قلته، لم أكن لأقبل تلميحاتك الخاطئة وتفسيرك غير الصحيح لرفضي استلام صور الجرائم الأمريكية في أبي غريب! فكل ما في الأمر أني استلمت الملف وما فيه من صور لم أشأ لعائلتي أن تراه، وهذا يا سيدي حق لي مسسته أنت بغير قصد منك. لقد أطلعت طفلتي على الملف وأتعبها ذلك كثيراً وجعلني أفقد صوابي وأرد عليك!! وأرجو أن تقبل اعتذاري إن كنت قد صغت ردي بطريقة جافة، فهذا ليس من خلقي.

لا تتهم ـ حفظك الله ـ الناس في وطينتهم وعراقيتهم لاسيما وأنت لا تعرفهم لمجرد إنهم اختلفوا معك في موقف أو رأي أو لأن الأمر بدى لك كذلك كما حدث معي! إذ ستقع أنت يا سيدي في ذات المطب الذي نهيت عنه في ردك علي حين قلت (من لا يفرقون بين الحقيقة والتأويل ولا يقبلون سماع الرأي الآخر ويزايدون على الآخرين بوطنيتهم وآرائهم ويدعون الديمقراطية للكشر)

خالص تمنياتي لجهودك وجهود كل العراقيين بالنجاح ولقضيتنا الوطنية بالظفر في الخلاص من المستعمر وقبر بقايا أزلامه البعثيين القتلة الذين لم يكتفوا بكل ما فعلوه في البلاد خلال عقود بل سلموها لقمة بدت سائغة لأسيادهم الأمريكان، لكنها لن تكون كذلك.. مع تحياتي ـ  د. إ. ط.

ان ما حدث ويحدث في سوح الاحتجاج يثير القلق ويعيد الى الذاكرة العراقية صور تلك الجرائم البشعة بحق الأبرياء. وان ما جرى في بلاد الرافدين على يد القوات الامريكية الصديقة؟، الديمقراطية؟ كما روج لها البعض. لا يختلف عن ما يجري اليوم على يد مجموعة مارقة وصلت للحكم على ظهر الدبابة الامريكية.. الموقف الوطني له قدسيته، لا يقبل مهادنة النفاق والدجل والانتهازية السائدة في عقول من لم تستيقظ ضمائرهم. من هذه الزاوية حصرا ينبغي استعادة التوازن بين مفعول الصورة واستخلاص بلاغة الذاكرة لفهم طبيعة الاحداث ونتائجها المأساوية.

اشير الى جوابي على رسالة الأستاذ الفاضل لاختتم درب الحوار: الأستاذ د. إ. ط المحترم، تحية ومودة ـ شكراً جزيلاً على رسالتك الموقرة التي تحمل دلالات عن موقف وطني يسعدني سماعه. أقدم اعتذاري وأعتبر ما دار أصبح من ملفات الماضي.. أمامنا جميعاً كما تفضلت مهمة استيعاب المرحلة والعمل على كيفية خلاص وطننا وشعبنا من هذا الكابوس البربري. يبق ثمة أمر يتعلق بمفهوم "قومجية" أستميحك ابداء رأيي فيه: كيف لنا أن نصف انتمائنا؟، اليس هويتنا عربية؟. كل الأقوام لا تقبل التنكر لانتمائها القومي مهما كان السبب.. لماذا نجعل تصرفات "النظام السابق" مدعاة للتحامل على عروبتنا. اعتقد أنه تقييم استهلاكي مبسط ، لا أعرف لماذا؟. في شأن الدفاع عن مصالح الأمة، أي أمة، كيساري، لا أعتقد إن هناك تعارض بين الوطنية ومفهوم القومية. أنني لا أعرف قوماً من أقوام أوروبا المتحضرة العلمانية ترفض أو تندد بانتمائها القومي، لا بل تدافع عن ذلك وتفخر به.. إخواننا الكرد يجاهرون ويفخرون بانتمائهم القومي دون وجل. لماذا يريد البعض أن نتنصل عن هويتنا العروبية وعن انتمائنا القومي؟. انه موقف يتنافى مع القيم الديمقراطية وحضارة الإنسان.. وتقبل تمنياتي ـ ع ي.

صدر مؤخراً عن منظمة مشهود لها في مجال حقوق الإنسان تقريراً جديداً حول العراق، وهو واحد من التقارير التي أصدرتها منظمات دولية، إنسانية وحكومية وخاصة. جاء فيه إلى جانب الكثير من الحقائق: بأن أكثر من مليون ونصف إنسان عراقي قد قتل منذ غزو العراق عام 2003 وإن أكثر من 900 ألف منهم راحوا على يد منظمات وعناصر إرهابية، أو عراقيين منتسبين للجيش والشرطة والأمن وميليشيات الأحزاب الحاكمة العربية والكردية، نتيجة التعذيب وسوء المعاملة وفقدان الرعاية الصحية. إلى ذلك فقد أشار التقرير أيضاً الى ممارسة اضطهاد العراقيين وتعذيبهم وإذلالهم حد الاغتصاب وممارسة الجنس بالقوة تحت الترهيب دون أي رادع يذكر. وعلى الرغم من مرور اكثر من عقد ونصف على غزو العراق لاتزال عنجهيات السياسة بحق العراقيين ترتكب. بأيدٍ عراقية ـ أيرانية، تعيد الى الذاكرة على نطاق واسع، سيناريو ما فعلته أمريكا من جرائم في العراق. 

المشهد اليوم واقع الحال لم يكتمل بعد، واننا لانزال امام استحداث أو بمعنى آخر، إعادة منتجة، فيلم تشكل عناصره علامات سيميائية حاملة لمعلومات كثيفة كما يقول "يوري لتومان". فالوسط الانتهازي ـ الثقافي والسياسي العراقي هَمه استجداء رضى أصحاب السلطة على حساب القضية الوطنية والمصالح العامة للمواطنين. والاعتقاد أن الديمقراطية في العراق سائرة نحو الكمال، شعارا في حد ذاته فضفاض، لا قيمة له.. وإذا ما افترضنا جدلاً، بأنه حقيقة قائمة!. دعونا نسأل من باب الشفافية التي يزايد البعض: لماذا تغلب المصالح الفئوية والحزبية على النص الذي يراعي المصالح الوطنية العليا للدولة؟. في علم المنطق،  يتأسس فلسفيا ومجتمعيا مفهوم الديمقراطية باشتراط تحقيق مبدأ المواطنة، وعلى المواطن ان يكون مخلصا لتأمين مصالح الوطن والحفاظ عليها. وبالضرورة، أيضا، تغيير النظام السائد بأكمله وانهاء حالة احتكار السلطة وبناء الدولة المدنية الحديثة.

 

عصام الياسري

 

محمود محمد علينعود ونستأنف حديثنا عن الأبعاد الحقيقية لأزمة سد النهضة الأثيوبي، وفي هذا نقول : في نهاية السبعينات من القرن الماضي شهدت العلاقات بين مصر وأثيوبيا تحوّلاً أساسياً في ارتباطات مصر الخارجية في عهد الرئيس "محمد أنور السادات" (والذي اشتهر بجرأته وحنكته ودهائه السياسي إلي سدة الحكم في مصر)، عن الشكل الذي اتّخذته منذ الخمسينات والستينات، فقد تقدّمت مصالح واهتمامات مصر الوطنية على التزاماتها العربية والإفريقية، واستبدلت العلاقة مع الاتحاد السوفياتي بعلاقة ومشاركة مع الولايات المتحدة الأمريكية والغرب

لقد جاء السادات ليتخذ قراره الذي سبب ضجة بالعالم العربي بزيارته للقدس، وذلك ليدفع بيده عجلة السلام بين مصر وإسرائيل؛ وقد قام في عام 1978 برحلته إلى الولايات المتحدة الأمريكية من أجل التفاوض لاسترداد الأرض وتحقيق السلام كمطلب شرعي لكل دولة؛ وعلي أثر ذلك تم وقف كل المشروعات التي كانت تنوي أمريكا وإسرائيل تنفيذها (مؤقتاً) قبل ذلك من بناء سدود للإضرار بمصر .

كذلك شهدت فترة حكم الرئيس السادات ظهور بعض التوتر فى العلاقات المصرية- الإثيوبية بسبب إريتريا بعد دعم الخرطوم لحركة تحرير إريتريا، ومساندة إثيوبيا لحركة جنوب السودان (أنيانا)، مما كان له التأثير السلبى على العلاقات المصرية الإثيوبية بعد إعلان السادات وقوفه إلى جانب السودان، وتوقيعه لمعاهدة الدفاع المشترك مع الخرطوم عام 1976، الأمر الذى أدى لتدهور العلاقات بين القاهرة وأديس أبابا، بل وازداد الأمر سوءً عندما رفض السادات الحوار مع الوفد الإثيوبى الذى زار مصر فى فبراير 1976، مؤكدا ضرورة استقلال الشعب الإرتيرى.

وفى تلك الحقبة، بدأ ملف المياه يدخل دائرة التوترات بين مصر وإثيوبيا، وذلك حينما أعلن السادات عزمه مد مياه النيل إلى سيناء عام 1979 لاستصلاح 35 ألف فدان، ما أثار غضب وثورة أثيوبيا التي عارضت المشروع بشدة وقدمت شكوى رسمية ضد مصر عام 1980 إلى منظمة الوحدة الأفريقية، واستمرت هذه الأوضاع بهذا الشكل وصولاً إلى إعلان ست من دول منابع النهر التوقيع على معاهدة جديدة لاقتسام موارده بمدينة عنتيبي الأوغندية، ومنحت القاهرة والخرطوم مهلة لمدة عام للانضمام إلى المعاهدة لكنهما رفضا وأكدا أن الاتفاقية مخالفة لكل الاتفاقيات الدولية

ومن الطرائف والغرائب في ذلك ما تداولته صفحات وسائل الإعلام آنذاك ؛ حيث قيل بأن هناك جهات داخلية وخارجية أبلغت الرئيس السادات بأن أثيوبيا بدأت في بناء سدود علي مجري النيل ، وعلي الفور أرسل السادات لأثيوبيا علناً احتجاجا بأنها اخترقت الاتفاقات الدولية ، وأنه ليس من حق أي دولة علي مجري النيل أن تبني سداً دون موافقة جميع دول حوض النيل.. أنكرت أثيوبيا علناً بناءها لأي حدود .. وتعمد السادات أيضا أن يرسل علنا لأمريكا والأمم المتحدة والمنظمات الدولية احتجاجه علي بناء السدود الأثيوبية .. فردوا عليه علناً أيضاً أن أثيوبيا لا تنبني سدوداً .. سجل السادات جميع الردود العلنية بعدم وجود سدود في أثيوبيا ، وأرسل 6 طائرات ولونها بلون واحد وبدون علم مصر وضرب السدود كبها من مطار بجنوب السودان.. هاجمت أثيوبيا وأرسلت للأمم المتحدة وجميع المنظمات الدولية تشكو مصر أنها ضربت السدود ، وأرسلت الأمم المتحدة إلي السادات مستنكرة ضربه للسدود وتتهمه باختراق حدود دولة أخري.. أنكر السادات وقال : هل يوجد سدود في أثيوبيا !!!؟ ألم تبلغونا بعدم وجود هناك .. فكيف لنا أن نضرب شئ لا وجود له؟؟؟...

وبصرف النظر عن مدي صدق هذه الرواية من عدمها إلا أنه يمكن القول بأنه بعد أن أصبح زمام العلاقة بين مصر وإثيوبيا ملئ بالمشاكل والتوترات فى عهد السادات، جاء عصر الرئيس السابق محمد حسنى مبارك، ليشهد بداية مرحلة جديدة من العلاقات المصرية – الإثيوبية، وخفت حدة الخطاب السياسي بين البلدين، وبدأت تحل محلها انفراجة فى العلاقات المصرية الإثيوبية فى صيغة التعاون والتفاهم فى مختلف المجالات.

وأعلن الدكتور عصمت عبد المجيد، وزير الخارجية المصري الأسبق، فى مؤتمر القمة الإفريقية العشرين، الذى انعقد بأديس أبابا حرص مصر على عدم التدخل فى الشئون الداخلية لإثيوبيا واحترام اختيارها السياسي، مؤكداً أن "إثيوبيا الواحدة القوية أحد عوامل الاستقرار الرئيسية فى القرن الأفريقى"، وقامت الدبلوماسية المصرية عام 1984 بجهود مكثفة واتصالات مستمرة مع السودان وإثيوبيا من أجل إنهاء الخلافات المتعلقة بالمشكلة الإريترية، فيما اتبعت مصر سياسة أقرب إلى الحياد حتى عام 1995، فيما يتعلق بالخلافات بين إثيوبيا والصومال، بسبب الصراع حول إقليم أوجادين.

ظلّت العلاقات بين مصر وإفريقيا تتأرجح بين التباعُد والتلاقي، ولكنها لم تعد إلى ما كانت عليه، وشهدت فترة الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي دوراً إسرائيلياً مُتنامياً داخل القارّة السمراء، ووصلت الحال إلى أن ساعدت إسرائيل أثيوبيا بالسلاح، كما ساهمت في الزراعة والمياه.

ثم جاءت محاولة اغتيال حسني مبارك الفاشلة على يد إسلاميين هاربين من مصر، فى العاصمة الإثيوبية أديس أبابا عام 1995 سبباً فى تحول العلاقة بين البلدين ، فتوقفت أعمال المجلس المصرى الإثيوبى 17 عاماً كاملة، وتدهورت العلاقات بين مصر وإثيوبيا ، وهو ما تجلى فى الخلاف بين دول المنبع ودول المصب لحوض نهر النيل.

لقد أدي انسحاب مصر من القارة وخصوصاً في حقبة مبارك إلي وجود قوى أخرى تعملقت علي أثر هذا الغياب، وأدي ذلك إلي تراجع الدور المصري في القارة عموماً، وفي عمقنا الأفريقي بدول حوض النيل التي تحمل مصالحنا المصيرية معها، وذلك بتواجد نهر النيل عصب الحياة للمصريين ومصدر كل نشاط اقتصادي بها.

وكان من نتائج ذلك أن قادت إثيوبيا وشجعت توجه دول المنبع إلى التوقيع منفردة على اتفاق لإعادة تقسيم مياه النيل، رغم اعتراض مصر والسودان، فى اتفاق سمى باتفاق عنتيبى فى 4 مايو 2010. حتى اتهم رئيس الوزراء الإثيوبى الراحل ملس زيناوى فى عام 2010 مصر باحتمال لجوئها إلى العمل العسكري ضد بلاده بسبب الخلاف على مياه النيل، وإن مصر لا يمكنها أن تكسب حرباً مع إثيوبيا على مياه نهر النيل، وإنها تدعم جماعات متمردة فى محاولة لزعزعة استقرار البلاد، وهو الأمر الذى أثار دهشة القاهرة التى اعتبرت تلك الاتهامات عارية عن الصحة.

فى العامين الأخيرين من حكم حسنى مبارك ألح مليس زيناوى رئيس وزراء إثيوبيا على مبارك فى إنشاء سد على النيل الأزرق، ويقع بالقرب من الحدود مع السودان لا تزيد سعة بحيرته على 14 مليار متر مكعب، إلا أن مبارك كان يرى أن النيل الأزرق خط أحمر ولا ينبغى لإثيوبيا أن تترك كل أنهارها العديدة وتضع النيل الأزرق صوب عينيها فقط من أجل الإضرار بمصر.

هذا الرفض المصري أثار غضب رئيس الوزراء الإثيوبي وجعله يصدر توجيهاته بالمضي قدماً فى اتفاقية عنتيبى مع دول النيل الأبيض للاستقواء بهم ضد مصر ومحاولة لعزل مصر عنهم بوثائق ومعاهدة رسمية تقر بمواقفهم ضد مصر وسهولة الحصول على موافقة دول المنابع على بناء السدود الإثيوبية التى ينتوى الجانب الإثيوبي إقامتها على النيل الأزرق وذلك حسب قول د. نادر نور الدين محمد في مقالاته.

في أثناء ثورة 25 يناير 2011 استغل الجانب الإثيوبي الانشغال الداخلي وعظم التحديات الداخلية في مصر، وأعلن بشكل منفرد عن بناء سد النهضة أو سد الألفية، وعلي الرغم من المبررات والحجج الإثيوبية التي تم علي أساسها هذا الإجراء، فإن مصر لديها حقوق تاريخية مكتسبة ثابتة بحكم الاتفاقيات التي تم إبرامها منذ عقود طويلة وتحدد العلاقات بشكل ملزم بين مصر ودول حوض النيل، إلا أن الجانب الإثيوبي لا يعترف بتلك الاتفاقيات علي أساس أن تلك الاتفاقيات لا تمثل إلا من وقعها، والقصد هنا القوي الاستعمارية، وهذا يمثل خرقاً واضحاَ من جانب إثيوبيا لقواعد الاستخلاف في القانون الدولي والعلاقات الدولية التي تلزم الدول بالالتزام بمعاهداتها الثابتة في فترات سابقة بغض النظر عن النظام السياسي وطبيعته في البلاد ( وذلك حسب قول محمود في مقاله مناع سد النهضة .. تداعيات سياسية).

لذلك لم يكن غريباً أن تستغلّ الدولة الأثيوبية الاضطرابات التي حدثت بعد ثورة 25 يناير ، أن تعلن عن بداية بناء "سد النهضة"، ولم تتمكّن مصر من منعها من البناء، ولكنها سعت من خلال المفاوضات المستمرة وحتى الآن، إلى عدم تأثير السد على حصّة مصر التاريخية من المياه وقدرها 55.5 مليار متر مكعب سنوياً.

ودعونا نعترف (مع دندراوى الهوارى في مقاله "مصر تدفع الثمن.. فوضى يناير وزيارة نشطاء إلى إثيوبيا وراء بناء سد النهضة!!") بأن أخطر ما أفرزته ثورة 25 يناير من نتائج خطيرة، أربعة كوارث حقيقية، الأولى: فتحت الطريق أمام التنظيمات الإرهابية لتسكن أحشاء الوطن كالأورام السرطانية القاتلة. الثانية: جرّأت أقزام العالم للتطاول على قيمة وقامة مصر، مثل قطر وتركيا، ومنحتهما الفرصة الذهبية للتخطيط والتآمر لتمزيق أواصر البلاد، وإسقاط القاهرة فى بحور الفوضى العارمة، الثالثة: دمرت الاقتصاد المصري، ورسخت للانتهازية الاقتصادية والفهلوة فى الحصول على مكاسب دون عمل أو بذل أى جهد، واستباحت الممتلكات العامة والخاصة. الرابعة: أعطت للحكومة الإثيوبية الفرصة الذهبية لبناء سدودها، وأبرزها سد النهضة، فى إعلان صريح وواضح، لقتل المصريين عطشا. ومن النتيجة الرابعة، نعيش الآن خطر الموت عطشا وجوعا، ونقولها بصوت صارخ، إنه لولا حراك 25 يناير ما استطاعت إثيوبيا أن تبنى قالب طوب واحدا فى نهر النيل، وإنما وجدت ضالتها فى الحراك الفوضوى، وعبث المراهقة الثورية والمطالب الفئوية والاستغراق فى المحلية التى كانت عليها مصر، وبدأت خطوات بناء سد النهضة، وابتُليت مصر فى 2011  بسد «النهضة» وفى 2012 ببرنامج «النهضة» الفنكوش.

علي كل حال إثيوبيا ترى أنها لن تحقق التنمية إلا ببناء سد النهضة، وبالتأكيد مصر ليست ضد ذلك، لكنها ضد أن تكون هذه التنمية نهضة لأثيوبيا ونكبة على مصر وتعريض شعبها للخطر، ليس فقط بسبب نقص حصة مصر وتأثيرها على انتاجها الغذائى لتأثر الزراعة بنقص المياه فى فترة ملء السد، ورغم ذلك ظل خيارها دائما الدبلوماسية؛ حيث يؤكد العديد من الخبراء أن أكثر الدول المتضررة من استكمال بناء السد دولتا المصب والمجرى وهما مصر والسودان لعوامل عديدة لن تجعل عمر السد يتجاوز 50 عاما على أقصى تقدير لأسباب منها أن سد النهضة لم يراع فى إقامته دراسات مستفيضة وشروط الأمان الواجب توافرها فى مشروع ضخم مثل السد الإثيوبى فهو مقام على مرتفع يتجاوز 500 متر فوق سطح البحر على صخور بازلتية ضعيفة تزيد من احتمالات انهيار السد بسبب اندفاع المياه خاصة فى فترة الفيضان والذى يعنى غرق السودان خلال 4 أيام ليصل ارتفاع المياه العاصمة السودانية الخرطوم اكثر من 10 أمتار لقربها من مكان السد بكيلومترات قليلة كما أنها خطر على مصر التى يمكن أن تصل اليها مياهه المندفعة بقوة خلال 18 يوما وتدمر معها السد العالى وتجرف الخزانات...وما يزيد خطورة السد أن الشركة الإيطالية المغمورة التى تنفذ المشروع الإثيوبى لها تاريخ سجل سابق من الفشل فى بناء العديد السدود الصغيرة فى إثيوبيا بعضها انهارت بالفعل فلماذا إصرار الحكومة الاثيوبية على هذه الشركة التى أسندت لها العمل بالأمر المباشر؟!. (وذلك حسب قول نبيل السجينى في مقاله ســد النهضة!).. وللحديث بقية!!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.