يبدو لكثير من المراقبين ان الصراع السورى المسلح بين المعارضة والحكومة والذي امتد لما يقارب السبع سنوات قد بلغ نهايته وان الحرب الضروس التى شملت سوريا قد وضعت أوزارها او كادت، وبغض النظر عن توقعات المراقبين والمحللين او حتى الدول سواء أكانت فى محيط الإقليم او على مستوى العالم فان النصر كان حليف بشار الأسد وحلفاءه الذين اداروا المعركة بشيء غير قليل من الحنكة عسكرية كانت او دبلوماسية او سياسية، فبعد ان كانت المعارضة المسلحة على مرمى حجر من العاصمة دمشق دارت موازين القوى على الارض ثلاثمائة وستون درجة وأصبحت المعارضة التى كانت ترى سقوط دمشق رأى العين - أصبحت - فى شهور قلائل فلولا تبحث عن مجرد طريق ينقلها الى بر الأمان حتى ولو كان ذلك بإبرام اتفاقا مع عدو الامس نظام بشار للأسد . فيجب البحث بعد ذلك عن السبيل الذى تستطيع به الدولة السورية بسط حكمها على التراب السورى، وذلك ان سبع سنوات من الحرب الضروس بكل تبعاتها الثقيلة تلك لن تكون غير عقبة كئود على طريق الحكم الرشيد، فعلى اسوأ الفروض فان إعادة الأعمار للبيوت والنفوس- على السواء - التى دمرتها تلك الحرب يحتاج الى كثير من الحكمة واقل موجبات تلك الحكمة هى ضرورة التفاف الشعب السورى كله حول القيادة والوثوق بها وهو امر يحتاج الى تضحيات جسيمة ليس من جانب النظام وحده بل من جانب الشعب الذى ذاق الأمرين موتا وإصابات ولجوء ونزوحا .

نريد فى هذه العجالة ان ندلو بدلونا حول سبل الخروج من تلك الاذمة ونبادر بالقول ان العدل والحق هما السبيل الى ذلك الخروج والعدل الحق الذى نعنيه هنا هى العدالة الانتقالية التى يجب ان تكون مرحلة حاسمة ولازمة للوصول الى تصالح كامل بين الشعب والسلطة

ليس ضربا من الخيال أن نقترح سبيل يحقق العدل والحق على نظام دانت له السيطرة بقوانيين الحرب على عدوه، وليس من السذاجة ان يقوم النظام السورى بعد كل تلك المعاناة بإدخال نفسه طواعية فى نفق المحاسبة والعدالة والحقيقة ولكن حكم الدولة فى حالة السلم ليس كحكمها فى حالة الحرب وإعادة تأهيل شعب بكامله ليس امرا تقوم به القوانيين والأوامر او حتى سلطة الدولة بكل ما تحمله من ذهو بالانتصار وفرحة بالفوز، انما هو شىء تعمل فيه النفوس شهر بعد وعام اثر عام حتى تصل الى نهاية يندمج فيها الشعب تحت راية الدولة يفرح المنتصر بانتصاره ويرض المهزوم بهزمته وتصبح النفوس بعد ذلك راضية عما تحقق , فماهى العدالة الانتقالية التى يجب ان يدخلها النظام ضمن آلياته لتأهيل الدولة السورية كلها مما مرت به خلال سبع سنوات حسوما.

أول ما نشير اليه هو ان العدالة الانتقالية تطبق فى حالة الانتقال من الحكم الشمولى الى الحكم الديمقراطى كان بذلك بثورة شعبية عارمة ام عبر انقلاب عسكرى ولكن الأمر فى سوريا مختلفا فى العديد من جوانبه حيث لا يوجد انتقال حقيقى من شمولية الى ديمقراطيه ولم تكن هنالك ثورة شعبية او انقلاب عسكرى ولكن الذى دعانا الى القول بتطبيق العدالة الانتقالية على الوضع فى سوريا هى الجرائم المروعة التى تم ارتكابها ضد المدنيين اثناء تلك الحرب ونحن نحسب ان جوهر العدالة الانتقالية هو الانتقال من مرحلة الحرب الى مرحلة السلم عبر المصالحة والعقاب عدلا من ناحية وحقا من ناحية اخرى

لم يكن من السهولة بمكان الوصول الى إجابات شافية لمعضلات العدالة فى مرحلة انتقال السلطة حيث تطفو على السطح قضايا جوهرية أخلاقيا وقانونيا وسياسيا، وغالبا ما تتنازع الرغبة الأخلاقية بمعاقبة المذنب مع معطيات الواقع السياسي الذى يفرض ارساء دعائم الوحدة الوطنية من جهة مع المتطلبات القانونية للدولة الديمقراطية من جهة ثانية ويبقى الظفر بالمعركة على السلطة ايسر بكثير من اقامة العدل . من هذا المنطلق يجب على النظام السورى البحث عن صيغة يتلاءم بها مع مجموع الناس الذين سحقهم الصراع المسلح الدامى على مدى سبع سنوات وليس أفضل صيغة من تلك التى تسمى العدالة الانتقالية وذلك بالتركيز على مزيج من الإنصاف المحدود بضوابط قانونية والاعتراف الرسمى بالحقيقة حيث تبشر سياسات الحق والعدل بان تكون بديلا لنقيضين لا يجتمعان العقاب العنيف وسلوان الماضى، فتقدم مقاربة العدالة الانتقالية شيئا من العدالة يقوم مقام العدالة الوحشية او الغياب التام للعدل .

لا بد ان بعضا من أركان النظام السورى يدور فى تصوره إخضاع كل الاماكن اتى شكلت حاضنة شعبية للثورة السورية المسلحة وتلقينها – من بعد- درسا قاسيا بحيث لا تفكر فى العودة مجددا الى مثل هذا السلوك، ويمثل هذا الانتقام العنيف الذى لا يورث الا المرارات والضغائن من جانب قسم كبير من الشعب نوعا من المحفز الى موجة أخرى من الثورة العنيفة التى يقودها اناس يائسون فتصبح صراعا مسلحا ليأخذ دورته مرة اخرى، لهذا فيجب على آخرين فى معية الحاكم التفكير فى الدولة السورية والعمل على إعادة بناءها وتأهيلها ليس من جانب البنية التحتية المدمرة فقط ولكن فى جانب الوحدة الوطنية المسحوقة بنزوح الشعب ولجوئه لمن ترك داره ، وبانكسارات الموت والجوع والفقر والمرض والإعاقة لمن بقى فى مكانه

العدالة الانتقالية التى نرى أنها يمكن ان تكون مخرجا مناسبا للوضع القائم الآن فى سوريا تبنى على الاعتراف الواضح من كل اطراف النزاع فى سوريا بالانتهاكات الجسيمة لقانون حقوق الإنسان والقانون الدولى الانسانى اثناء الصراع الدامى بين الحكومة والمعارضة وهذا الاعتراف يبنى على جانب قانونى هو تأكيد الكثير من المنظمات المعنية على وقوع تلك الانتهاكات على نطاق واسع إثناء تلك الحرب ودعوة تلك المنظمات لإنشاء محاكم دولية لمحاسبة المتهمين عن تلك الانتهاكات او احالة الأمر برمته الى محكمة الجنايات الدولية تحت البند الثانى من المادة 13 من ميثاق روما اما الجانب الاخلاقى فيتمثل فى رد الاعتبار لكل أولائك الضحايا الذين كانوا محل تلك الانتهاكات الفظيعة واقل ما يجب لهم هو العمل على محاكمة الأشخاص المتهمين عن ارتكاب تلك الانتهاكات . وعليه فان إضلاع العدالة الانتقالية تتمثل فى الاعتراف بوقوع تلك الانتهاكات وتقديم من قاموا بارتكابها الى محاكمات عادلة .

لا ندعى بان النظام السورى او حتى المعارضة المسلحة من الشفافية بحيث تقوما بمحض اردتيهما بإنشاء محاكم لمحاكم نفسيهما ولكن التعويل حول هذا الامر يكون على المنظمات الحقوقية الدولية والدول المؤثرة على النظامين السورى والروسى حيث لا امل مطلقا فى مجلس الأمن طالما ان الفيتو الروسى حاضرا لحماية أولائك الذين كانوا سببا فى النصر الكبير فى نهاية الأمر، وعلى هذا فان الضغوط التى تمارسها المنظمات الحقوقية المختلفة يمكن ان تشكل سببا فى اتجاه النظام والمعارضة فى سوريا للقيام بعمل ما لمحاسبة منتهكى القانون الدولى الانسانى اثناء الحرب وحينها يجب وضع العدالة الانتقالية على طاولة البحث كمخرج معقول لترميم ما فعله الدهر بسوريا اولا ولمحاسبة المتهمين عن ارتكاب تلك الانتهاكات الجسيمة والتى لا يجب باية حال من الاحوال ان تمر دون محاسبة وعقاب

الأمر الأخير الذى نريد الإشارة اليه هو ان المعارضة السورية لن تقف عند حد هذه الهزيمة العسكرية فى الميدان ولابد ان يكون لديها بدائل للمقاومة تستطيع بها ملاحاة

السلطات حتى لا تهنأ بهذا النصر وهو شئ يدعوا الى التنادى للجلوس سويا لوضع آلية العدالة الانتقالية موضع البحث ثم التنفيذ

 

بقلم الأستاذ ناجى احمد الصديق المحامى - السودان

 

صوّت البرلمان السويدي في شهر نوفمبر من العام الماضية على موازنة العام الحالي وقدرها 1083 مليار كرونة سويدية أي ما يعادل 120 مليار دولار وفقا لسعر الصرف الحالي البالغ 9 كرونه لكل دولار.

وبلغت نفقات البلاد المخمنة لهذا العام 113 مليار دولار مما يعني ان فائض الموازنة يبلغ 7 مليار دولار امريكي. وأما إيرادات الموازنة فهي من ”الزكاة“ ! أي من الضرائب على المواطنين و الشركات السويدية العملاقة امثال فولفو وإيكيا وأريكسون وأطلس كوبكو وغيرها من الشركات الصناعية. فالضريبة في السويد تسمى ”Skatt“ وتلفظ كما هي عليه بالعربي زكاة! وهي الضريبة التي فرضتها الشريعة الإسلامية على الأغنياء في المجتمع، بهدف تمويل بيت المال الذي تصرف موارده لتحسين اوضاع المسلمين!

وتعادل هذه الضريبة في السويد فريضة الخمس عندنا والبالغة 20% من الدخل السنوي للمواطن ثم ترتفع مع إزدياد الدخل لتصل الى مستويات عالية تبلغ قرابة ال 60% من الدخل السنوي مع تصاعد مدخولات الفرد او الشركة. ويقوم المجتمع السويدي على ضريبة ”الزكاة“ ولولاها لأنهارت الدولة وسادتها الفوضى والجرائم لأن البلاد تفتقد للموارد الطبيعية مثل النفط وكما هي عليه شقيقتها النرويج. ويلاحظ ان المصدر الرئيس لهذه الضريبة هو العقل السويدي! فالتطور العلمي والصناعي هو مصدر الدخل الأساسي في البلاد، ويمكن تصور حجم التطور الصناعي في البلاد إذا ما اخذنا بنظر الإعتبار عدد نفوس السويديين البالغ قرابة ال 10 مليون إنسان فقط! لكن هذا المجتمع الضئيل قياسا بالعديد من الدول الصناعية الكبرى فجّر طاقته والى مستوى عادل فيه إنتاج بلد نفطي كالعراق يصدر أربعة مليون برميل يوميا كي يوفر مدخولا لموازنة أقل من موازنة السويد!

وأما موارد صرف الموازنة فهي تشمل كافة قطاعات الحياة في السويد وأهمها التامين الإجتماعي للعوائل والأطفال وسكنهم وتبلغ قرابة 11 مليار دولار، وبمبلغ مماثل مخصص للتأمين الإجتماعي في حال المرض، ثم التأمين الإجتماعي لكبار السن ويخصص له 4 مليار دولار. وأما الدعم الدراسي فخصص له قرابة ال 3 مليار دولار واما الأبحاث فخصص لها 9 مليار دولار. وحظي القطاع الصحي ب 8.5 مليار دولار، والنظام القضائي 5 مليار وسوق العمل 8.5 مليار والمواصلات 5 مليار والدفاع 6 مليار والهجرة 1.5 مليار ودمج المهاجرين 2 مليار والمساعدات الخارجية 5 مليار !! والثقافة قرابة ال 2 مليار دولار، وهناك قطاعات اخرى مثل إدارات الدولة وقضايا البيئة وغيرها.

ويلاحظ أن الموازنة تغطي كافة إحتياجات المجتمع السويدي بالإضافة الى إحتياجات المهاجرين القادمين من بلدان شتى وفوق ذلك هناك فائض فيها يبلغ مقداره 7 مليار دولار أمريكي، وبذلك فإن السويد لا تعاني من عجز وليست بحاجة للإقتراض، لإن العقل فيها مصدر لا ينضب للدخل وهي واحدة من الدول التي تتمتع بأعلى مستويات التعليم والأبحاث وتكاد تتحول بمرور الوقت الى دولة أبحاث مع نقل الصناعة الى الخارج. وهي أيضا تعتبر من الدول المتقدمه على صعيد الحفاظ على البيئة وتقليل إنبعاث الغازات السامة والبحث عن بدائل نظيفة للطاقة. وهي رائدة كذلك في العديد من المجالات ومنها الرياضة والسياسة حيث عادة ما تلعب السويد دورا إيجابيا في حل النزاعات الدولية وكانت آخر محاولة لها هو الإجتماع الذي إستضافته مؤخرا لوضوع حد للحرب على اليمن.

إن مثل هذا المجتمع الذي تسوده القيم الإنسانية ماكان له أن ينهض لولا قوة القانون وشعور المواطن بالمسؤولية وحسن استغلال حكوماته للموارد البشرية وأخيرا التوزيع العادل لواردات الدولة أي الضرائب فهي غير مخصصة لفئة دون اخرى ، بل هي لجميع المواطنين حتى أصبحت السويد في مقدمة الدول على صعيد الشفافية وانحسار الفساد المالي والإداري. ومن هنا يمكن معرفة عظمة نظام الضرائب الذي ورد في الشريعة الإسلامية والقائم على الزكاة والخمس فهو قادر على سد كافة إحتياجات المجتمع فيما لوجرى تطبيقه بشكل شفاف وعادل كما هو عليه الحال في السويد.

وعند مقارنة موازنة ”الزكاة ” في السويد مع موازنة العراق او مع موازنة العديد من الدول النفطية في المنطقة، فيلاحظ أن مدخول العقل في هذه الموازنة غائب في موازنات تلك الدول! ولنأخذ موازنة العراق مثلا فقد بلغ مقدارها في المسودة التي قدمتها الحكومة 132 تريليون دينار أي ما يعادل 110 مليار دولار امريكي وهو رقم مقارب للموازنة السويدية. واما واردات الموازنة فإها من النفط وخمّن مقدارها ب 90 مليار دولار وبذلك يصبح العجز في الموازنة 20 مليار دولار سيتم سده عبر عدة طرق وفي مقدمتها الإقتراض من الدول والبنوك الخارجية. ومما يجدر ذكره أن الموازنة إعتمد فيها على سعر برميل للنفط يبلغ 56 دولار وعلى إنتاج يومي للنفط يبلغ قرابة ال 4 مليون برميل، وهذا يعني أن هناك مخاطر لتزايد العجز في حال انخفضت أسعار النفط العالمية او انخفض انتاج النفط.

ولا أريد الدخول في تخصيصات الموازنة العراقية وأبواب صرفها فهي أرقام على الورق كما جرت عليه العادة واما على صعيد الواقع فليس لها تاثير ، لأن الجزء الأكبر منها تستولي عليه مافيات الفساد في البلاد ، ولكن الأمر المهم الذي اود التطرق له هو لماذا غابت واردات العقل العراقي عن الموازنة ؟ ولماذا هذا الإعتماد على مصدر وحيد للدخل وهو النفط مع ان العراق غني بموارده البشريه والطبيعية من انهار وأراض زراعية خصبه وثروات حيوانية وسياحة دينية واخرى أثرية بالإضافة الى موقعه الإستراتيجي في المنطقة؟ لا شك بان احد أهم أسباب ذلك هو تولّي الجهلة لمقاليد الحكم في البلاد وخاصة اولئك الذي تسلطوا على مقاليد الحكم في البلاد خلال ال 15 عاما الماضية. فهؤلاء لم يكن لهم سوى برنامج واحد وهو التشبث بالسلطه بالرغم من أنهم اعترفوا بفشلهم وتقصيرهم ، والأنكى من كل ذلك أن سياساتهم قائمة على إستبعاد العقول العراقية وقتل الصناعة والزراعة والسياحة إلا في ما يخدم مصالحهم الخاصة، وبالتالي تحويل العراق الى دولة ريعية تعتمد على النفط حالها كحال العديد من البلدان المصدرة للنفط التي ليس لها موارد بشرية كما هو عليه العراق.

ولايبدو في الأفق ان هذه الطبقة السياسية في وارد تغيير سياساتها وإعطاء اولوية للعقل العراقي ليكون مصدر دخل في الموازنة وليس مصدرها الوحيد كما هو عليه الحال في السويد. ففي مثل هذه المنطقة المضطربة التي لن تتوقف فيها النزاعات والحروب يوما فإن تجميد العقل والإعتماد على النفط كمصدر وحيد للدخل  سيضع مستقبل البلاد في المجهول وسيبقيها متخلفة مستهلكة في زمن دخلت فيه الشعوب في سباق مع الزمن في مسيرة التطور العلمي وهو مايستدعي وضع الحكومة لخطة طويلة الأمد لزيادة واردات الموازنة العقلية وتقليل الواردات النفطية التي تكاد ان تقضي على العقل وتحوله الى تحفة أثرية ستوضع يوما في المتاحف العالمية!

 

ساهر عريبي

 

وأخيرا فاز المرشح لرئاسة الحكومة الجديدة في مملكة السويد ستيفان لوفين بعدم معارضة ألأغلبية النيابية لتكليفه تشكيل الحكومة، بعد مرور 131 على إجراء الإنتخابات في شهر سبتمبر من العام الماضي، التي لم تفرز حزبا او تحالفا يحظى بالأغلبية النيابية، لكنها أسفرت عن فوز أحد الأحزاب المعادية للمهاجرين (حزب الديمقراطيين السويديين) بقرابة 20% من مقاعد البرلمان البالغة 349 مقعدا أدى الى تعقيد المشهد السياسي في البلاد بعد أن أراد هذا الحزب ان يلعب دور بيضة القبان في التشكيلة الحكومية الجديدة.

لكن الأحزاب السياسية السويدية، اليمينية منها واليسارية رفضت التحالف مع هذا الحزب من أجل تشكيل الحكومة وكان من الممكن لأي من التحالفين أي الإشتراكي والمحافظ أن ينهض بأعباء تشكيل الحكومة بكل يسر لو تحالف مع هذا الحزب. فعند النظر الى الخارطة النيابية التي أفرزتها الإنتخابات الأخيرة فيمكن ملاحظة أن الحزب الإشتراكي الذي يتزعمه رئيس الوزراء الحالي ستيفان لوفين فاز ب 100 مقعد واما حليفه حزب البيئة فحصل على 16 مقعدا فيما نال حزب اليسار 28 مقعدا، وبذلك يكون مجموع مقاعد احزاب اليسار 144.

 

وبالمقابل فإن أحزاب اليمين ويمين الوسط وهي كل من الحزب المحافظ والديمقراطي المسيحي والوسط والأحرار فازت ب 70، 22، 31، 20 على التوالي، وبذلك يكون مجموع مقاعد اليمين 143 أي أقل من تحالف اليسار بمقعد واحد. وكانت المفاجئة أن الحزب الذي يوصف بالعنصري فاز ب 62 مقعدا، مما وضع الحزب في وضع تفاوضي قوي إذ أصبح أمر ولادة الحكومة رهن يديه ومتوقف على خياره في التحالف مع احد التحالفين لترجيح كفة أحدهما.

غير أن تحالف اليسار اعلن وبكل وضوح انه ليس بصدد التحالف مع هذا الحزب أو حتى الإستجابة لبعض مطالبه ودون إعطائه منصبا في الحكومة. وهنا لابد من الإشارة الى ان الأحزاب في السويد عندما تدعم رئيس وزراء ما فإنها لاتشترط مقابل ذلك الدعم الحصول على وزارات بل في كثير من الأحيان تشترط موافقة الحكومة على تشريعات تتناسب مع آيديولوجيات تلك الأحزاب وطروحاتها التي تعرف بها في اوساط الناخبين، وعادة ماتتمحور تلك التوجهات حول مواضيع الضرائب والهجرة والعمل والبيئة.

وقد طغى موضوع الهجرة على مفاوضات تشكيل الحكومة مما أدى الى إقصاء الحزب المعادي للمهاجرين من مفاوضات تشكيل الحكومة، لأن توجهات الحزب تتعارض مع المبادئ الأساسية لجميع الأحزاب السويدية، سواء اليمينية منها او اليسارية. فهذا الحزب رفع شعارات متشددة مهددا بطرد المهاجرين من البلاد وارجاعهم الى بلدانهم. ومثل هذه التوجهات تتعارض مع النهج التاريخي في السويد القائم على استقبال المهاجرين الذي يعانون من الإضطهاد، فقد استقبلت السويد أكثر من مليون مهاجر خلال العقود القليلة الماضية بالرغم من أنها بلد صغير يبلغ تعداد نفوسه 9 مليون نسمه.

وتكلف عملية استقبال المهاجرين خزينة الدولة مبالغ هائلة لأنها توفر لهم السكن الملائم والعيش الكريم والتعليم والرعاية الصحية المجانية. وقد أثارت هذه السياسات الكريمة غضب التيارات الشعبوية التي نمت في اوروبا مؤخرا، والتي ألّبت بدورها الشارع على المهاجرين وبأنهم يمثلون عبءا على الدولة بالرغم من أن الكثير منهم تحول بمرور الوقت الى عنصر فاعل في المجتمع وخاصة الجيل الثاني والثالث من المهاجرين.

ونتيجة لذلك بدأت الأحزاب السويدية مفاوضات شاقة لتشكيل الحكومة بعيدا عن هذا الحزب العنصري. لكن كلا التحالفين فشل في نيل ثقة البرلمان لتمرير مرشحه. فقد فشل رئيس الوزراء الحالي في نيل ثقة البرلمان عند تكليفه أول مرة وكذلك فشل زعيم اليمين كريسترسون. ويعود هذا الفشل الى أن الحزب العنصري صوّت ضدهما او أعلن عدم تأييده لهما. وهنا لابد من التوقف والتطرق الى كيفية حصول رئيس الوزراء المرشّح على ثقة البرلمان.

فاالعملية مختلفة في السويد عما هي عليه في بلدان أخرى، إذا لايشترط حصول المرشح على ألأغلبية المطلقة أي 175 مقعدا بل ألا تعارضه الأغلبية المطلقه، إذ لو عارض تكليفه 174 نائبا ومنحه الثقة نائب واحد مثلا وأمتنع عن التصويت 174 نائبا فإنه يصبح رئيسا للوزراء! ،مما يجدر ذكره بان كلا التحالفين لم يحاول شراء أصوات نواب بعضهما كما ولم ينتقل أي نائب بين التحالفين لأن هذا امر مستحيل وقوعه لأن المبادئ هي الحاكمه وليست الأموال والمناصب. حتى وصلت الأمور الى طريق مسدود وبات خيار إجراء إنتخابات مبكرة هو المرجّح، لكن الأحزاب لا تحبّذ هذا الخيار لأنه مكلف لخزينة الدولة ويعكس هدرا من الأحزاب لموارد البلاد مما يثير غضب الناخبين.

وبعد الوصول الى هذا الطريق المسدود لوّح زعيم اليمين بإمكانية التفاهم مع الحزب العنصري ولكن دون اشراكه في الحكومة، لكن هذا الطرح ووجه بفيتو من حزبي يمين الوسط وهما كل من الوسط والأحرار اللذان أعلنا بأنها سيصوتان ضد زعيم اليمين في حال تفاهمه مع الحزب العنصري وحتى دون اشراك الأخير في الحكومة وتعهده مثلا باتباع سياسة متشددة ضد المهاجرين. لقد أدى هذا الموقف الى سد الطريق امام حزب المحافظين لتولي الحكم.

ونظرا لأن حزبي الوسط والأحرار يعتبران من احزاب يمين الوسط فإن الطريق مفتوح امامهما للتحالف مع الحزب الإشتراكي وحزب البيئة. واما المقصود من التحالف فهو ليس المشاركة في الحكومة ولا إعطاء أصواتهما لها وإنما عدم معار ضتها عند التصويت مقابل الموافقة على بعض سياساتهما التي لا تتعارض مع مبادئ الحزب الإشتراكي، وهو ماحصل. وقد نشرت بنود التوافق امام الجمهور ولم تعقد خلف الكواليس .

وقد حصل رئيس الوزراء الملكلف ستيفان لوفين على تأييد 115 نائب فيما عارضه 153 نائبا وامتنع 77 عن التصويت فيما تغيب أربعة نواب بداعي السفر. وبذلك أصبح لوفين رئيسا للوزراء بالرغم من انه لم يحصل الا على تأييد أقل من ثلث أعضاء البرلمان، وقد امتنعت أحزاب كل من الوسط والأحرار واليسار عن معارضته بالرغم من عدم حصولها على أي منصب حكومي مقابل تمرير حكومته! فما يهم هذه الأحزاب هو برامجها فحزب اليسار مثلا يضع في سلم أولوياته تحسين اوضاع الطبقة العامله فيما يريد حزب الوسط تحسين اوضاع الشركات الصغيرة والإهتمام بالبيئة وأما حزب الأحرار فاشترط وقف إعطاء تراخيص لتأسيس مدارس دينية وتوفير فرص عمل للمهاجرين الجدد اضافة الى تقليل بعض الضرائب.

واما القاسم المشترك بين هذه الأحزاب فهو تحجيم نفوذ الحزب العنصري في السياسة السويدية وهو ماحصل، فهذا الحزب الذي فاز بعدد كبير من المقاعد بات وجوده في البرلمان من عدمه سيّان مع إتفاق هذه الأحزاب التي سيشكل حزبين منها فقط الحكومة وهما الإشتراكي والبيئة بالرغم من أن عدد مقاعدهما 116 مقعدا فقط.

تبدو الدروس المستخلصة من التجربة الإنتخابية السويدية غنية بالقيم والمبادئ الأخلاقية واولها أن جميع الأحزاب تضع مصلحة البلاد فوق مصلحتها الحزبية فهي تتحاشى إعادة الإنتخابات لأنها تكلف خزينة الدولة، وثانيها ان الأحزاب لا تتنازل عن مبادءها من اجل الحكم، وثالثها أنها لا تحاول شراء نواب من احزاب اخرى، كما وأن إنتقال نائب من حزب لآخر يبدو شبه مستحيل لأنه سيعكس إنتهازية يعاقبه عليها الناخبون وتعني القضاء على مستقبله السياسي،  ورابعها أن الأحزاب لا تعقد إتفاقات وراء الكواليس ودون ان تطلع الناخبين عليها بل تتمتع باعلى درجات الشفافية، وأخيرا فأنها تدعم المرشح وإن كان من غير حزبها ليس مقابل منصب حكومي بل مقابل تنفيذ بعض برامجها.

 

ساهر عريبي

 

جواد واديلا أحد يشك في النهج السياسي في العراق اليوم بأنه تخبط في الفراغ الذي أوجده وادمن عليه سياسيو العراق وكأنهم يخضعون العملية السياسية بمجملها لمختبرات تجريبية ويراهنون على إمكانية نجاحها وفشلها على انها اما تصيب واما تخيب، وهذا السلوك الهجين والفطري الساذج جدا يقينا سيؤدي الى تفاقم  الكوارث بعد ان فعل فعلته ليحول بلدا كبيرا وذا شأن في المنطقة يحسب له الجميع، عراقيون وغيرهم كل الحساب لما يملكه من مواصفات الدولة التي بإمكانها أن تكون في مصاف دول القرار العالمي إقليميا ودوليا، مثل العراق في مهب الريح وتحت رحمة العواصف المدمرة، ألا ان هشاشة الوعي وانعدام الخبرة السياسية وفرض نظام هجين ومتخلف ذلك هو نظام المحاصصة الذي يعتبر أساس هدم للدولة العراقية، لا لإعادة بناء ما دمرته حروب المغامرات الصدامية اللعينة وتوزيع ثروات البلد وما يحتكم عليه من إمكانات بشرية ومجتمعية وتاريخية وسواها على الشلل السياسية التي لم تأت لتغيير الوضع الكارثي للعراق، بل جاءت بأجندات لا نتردد بوصفها  بالعدوانية وتصفيات حساب مع البلاد والعباد، ولا اظن أن عراقيا واحدا لا يتفق على أن القادمين الجدد الذين كانوا بالأمس من اشد المعادين للنظام الصدامي المقبور، كما يزعمون، ليتحولوا الى الد الأعداء للبناء وإخراج الوطن من فواجعه ليزيدوا من محنه ويضعوه على كف عفريت ومهددا بالانهيار في أي وقت وحين ليخلقوا بونا هائلا بينهم وبين العراق الجريح.

لا يختلف العراقيون وحتى البعض من داخل فصائل الأحزاب السياسية كذلك، بان حالة التناسل الغريب التي اخذت بالامتداد في كافة الاتجاهات بمديات مخيفة لشخصيات متخلفة وانتهازية ولا تمتلك من التجارب الحياتية الا السلبيات في التعامل مع ادارة الدولة لكونهم قد منحتهم أحزاب الخراب إمكانيات لم يكونوا يحلمون بها اذا ما علمنا بانهم بمعظمهم متسلقون ونفعيون ولصوص جدد ليتم تجنيدهم تحت امرة الرؤوس الكبيرة التي تقودهم نحو تكريس كل ما من شأنه خلق حالة من الفوضى والتهميش والإهمال وتردي الأوضاع الآخذة بالانحدار نحو الهاوية لينتزعوا من الوطنيين المراقبين لما يحدث من مهازل أية آمال بتحقيق نقلة نوعية فاعلة ورد الاعتبار لبلد منتهك بقوة من أبنائه ليظل مسلوبو الإرادة وممن لا حول لهم في إعادة الأوضاع الى مسارها الصحيح مجرد متفرجين وشهود عيان على مسلسل الهدم اليومي، ولا يملكون من وسائل الرفض لما يجري، سوى الاحتجاجات بشتى الوسائل السلمية دون جدوى، ليتحول معظم المتضررين الى مجرد شكاة، رافعين اياديهم الى بارئهم ليزيل عنهم الغمة، دون ان يفكروا بالبديل الذي يمكنهم من الخروج من هذا النفق المخيف.

ان ما يجري في العراق لا يحتاج الى عمق تحليل وفصاحة رأي وفذلكة فكر، اسوة بما يجري في العالم من احداث تستوجب عمق تفكير وإمكانية تحليل في شتى مناحي المعرفة الإنسانية، لوضع الاصبع على الخلل الحقيقي وإيجاد البدائل بطرق علمية ومنطقية للخروج من المطبات التي قد تختلف من حالة الى أخرى.

انما كل ما يجري في العراق هو مناطحات معروفة وواضحة للعيان ولا تحتاج الى عمق تفكير وتحليل، بل هي من البساطة والوضوح ما يمكّن حتى البسطاء جدا من الناس، أن البلد قد وقع بين مخالب من اللصوص والفاسدين والمخربين والناهبين والمحتالين والنصابين والراصدين لتدميره، بعد ان لقنهم من يقودهم من دهاقنة السياسة الأشرار كل الألاعيب وحولوهم الى ببغاوات ليس لديهم سوى ترديد شعارات مخزية ومضحكة وفاسدة باتت محط تندّر على وسائل التواصل الاجتماعي، دون الإحساس بأدنى حالات الخجل الآدمي، لأنهم ببساطة قد تحولوا الى مخلوقات صمّاء الى كل الدعوات واصوات الحراك الاجتماعي الذي يتهمهم بالدونية والخيانة لأبسط المبادئ الوطنية.

فماذا يعني أن متنفذا في احد هذه الأحزاب من الناهبين لخيرات البلد بشكل فض وفاضح، أن يدافع عن بلد جار حوّل العراق الى ضيعة من ضيعاته ليصدر الأوامر بكل وقاحة لجموع العراقيين بأن يفعلوا كذا ويحابوا كذا ويسيروا بالاتجاه كذا وعلى عينك يا تاجر دون أن يشعروا بأنهم يخاطبون شعبا مسحوقا يمتلك من مقومات تمييز المواقف ما لا يستطيع هذا الإمعة أن يعي مواقفه الخيانية ايمانا مرائيا منه بأنهم يدافع عن العراق ولكن بطريقة تعطيل مجساتهم الآدمية ومن ثم قل ما شئت دون حياء.

وماذا يعني أن مسؤولا كبيرا لدولة جارة للعراق، يصدر أوامر تهديد لدولة أخرى يناصبها العداء، ليعلن ومن ارض العراق وهو يخاطب تلك الدولة بقوله "ستمضون من المنطقة ونبقى نحن فيها" ويعني العراق، فأية مهانة واذلال ومسخ لواقع الحال في العراق، واي تحقير لكافة سياسيي العراق بهذا السلوك الفج والوقح...؟

والله اننا لنشعر بالخجل والندامة بأن من نستمع اليهم هم عراقيون وكانوا في يوم ما مناوئين لأعتى نظام قمعي، لنكتشف بأن جلهم كانوا مجرد آلات شطرنج تحركهم دول معادية للعراق بشكل فاضح ومذل، دون أن يحسوا ولو للحظة بأنهم باتوا أدوات بيد تلك الدول، ناسين أنهم ينتمون لأعرق حضارة وانبل شعب، لكنهم وبسبب تعطيل مجسّاتهم اصبحوا لا يفقهون من التجارب سوى أن يتحولوا الى مطايا وأدوات طيعة بيد من لا يريد الخير لبلدهم وبلدهم وشعبهم منهم براء.

من المضحك حقا ونحن نراقب ما يجري في العراق، ذلك التكالب والعناد والتناطح على المناصب لبلد يخوض معتركا مصيريا ويحتاج الى تكاتف الجميع لإخراجه من فواجعه، لا أن يزيدوا عليه أوجاعه وكوارثه بنكران ما بعده نكران، وكأن المخاطر المحدقة بالبلد لا تعنيهم، فقط ما يعنيهم هو إدارة كفة القرار والاستحواذ على المناصب من وجهة نظرهم هم، تلك الوجهة التي باتت مفضوحة للجميع، بعد أن أمّنوا ما يحتاجون من منافع مادية هائلة، ليضعوا رجلا على الركب ورجلا أخرى في الهواء ليشرعوا بالرحيل حال شعورهم بأن لهيب المحرقة قد وصلهم.

أهؤلاء هم من يقود البلد المنهك وهم ينقسمون الى شيع وأحزاب ومكونات وفصائل وأشباح وحتى أصوات نشاز؟ ولا يهمهم من كل هذه الأوضاع المخيفة سوى الطرق التي يرونها مناسبة لقيادة هذا الجانب دون غيره بعد أن حولوا العراق الى مقاطعات وكانتونات وضياع تتنازع فيما بينها على قطعة جغرافية واحدة، ليتحول التناحر الى مديات قد يحول العراق الى انهار من الدماء، والشواهد تلوح في الأفق، هل هؤلاء يريدون الخير للعراق، وهم يغلبّون مصالحهم واهدافهم ونوازعهم غير الشريفة على حساب وطن نخرته الكوارث من شواهق الجبال الى مستقرات المياه الملوثة في بصرتنا المكلومة؟

ان ما مر على العراق من محن وفواجع وخراب خلال الخمسة عشر عاما من الفوضى السياسية مضاف اليها ما سببه نظام البعث المجرم من دمار في شتى المناحي، كفيل بأن يزيل هذا البلد من جغرافية المنطقة، لكن الشعب العراقي الصبور والمكافح، ظل طيلة فترات المحن يعاند بقوة، متشبثا بالحياة، مغلّبا عشقه للعراق على حجم العذابات التي كان يكابدها، ولكن هل من حدود لما يعانيه سوى انتزاع ثوب الوداعة ليتحول سياسيوه الى مخلوقات مفترسة، ولكن شعبا مظلوما ومتضررا قد يكّشر عن انيابه ليبتلع كل من سبب ويتمادى في كل هذه الويلات، لتصل حد "عليّ وعلى أعدائي"، وهذا ما نحذّر منه ساسة العراق الذين تمادوا الى ابعد الحدود بنسيان أو تناسي غضب الناس الجياع صوب الذين لا يعرفون الرحمة لمن ينهش فيهم ليل نهار دون أن ترف لهم عين العطف لشعب يتضور جوعا وبطالة واهمالا في شتى مناحي الحياة، لتصل الى كسرة الخبز اليومي. وقبل كل شيء المس وبشكل متصاعد لكرامة الناس.

فاتعظوا من تجارب من سبقوكم من الطغاة ومصاصي الدماء وكيف كان مصيرهم. فلا تكون وجهتكم أخيرا الى مزبلة التاريخ كمن سبقوكم يا ذوي الألباب، ان كنتم ما زلتم تحتكمون على مجسات شم الخطر قبل وقوعه. اشك في ذلك...!!!

 

جواد وادي

 

عبد الخالق الفلاحالشرعية الدولية او السيادة ظهرت منذ بروز الدولة الحديثة في التاريخ الحديث وظهور المجتمعات البشرية وكياناتها السياسية الأولى وتعني الالتزام بمجموعة المبادئ والقوانين التي تحكم وتوجّه العلاقات الدولية من خلال هيئة الأمم المتحدة وبما تصدره هيئاتها المكلفة بحفظ السلم والأمن العالميين وعلى رأسها مجلس الأمن الدولي  من مهمة وهي صفة او نظام مؤسس على مرتكزات قانونية أو أخلاقية أو قيمية ينعقد حولها إجماع مجموعةٍ معينة أو أغلب أفرادها نظرا لما يجمع بينهم من تلك الأسس وما توفره من إنصاف وعدالة في تنظيم المعاملات بينهم وحماية حدودٍ دنيا من الحقوق لكل واحدٍ منهم، أساسها في الطابع التوافقي التعاقدي للقوانين الدولية والمعبر عنه في المعاهدات والاتفاقيات الدولية التي تَعتمدها الدول وتوافق عليها وتلتزم بتطبيقها بحكم أنّ الدولة هي المخاطب الرئيسي بالقانون الدولي العام .

مصطلح (الشرعية الدولية) يقصد بها وجوب تطبيق قواعد القانون الدولي العام على سائر التصرفات التي تصدر عن الأشخاص المخاطبين بهذا القانون وهم أساسا الدول والمنظمات الدولية. ومصادر الشرعية الدولية هي مصادر القانــون الدولي نفسها التي حددتها المادة (38) من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية وهي: 1 – الاتفاقيات الدولية العامة والخاصة التي تضع قواعد معترفاً بها صراحة من جانب الدول المتنازعة. 2 – العرف الدولي المقبول بمثابة قانون كما دل عليه تواتر الاستعمال. 3 – مبادئ القانون العامة التي أقرتها الأمم المتمدنة. 4 – أحكام المحاكم ومذاهب كبار المؤلفين في القانون العام في مختلف الأمم كمصدر احتياطي لقواعد القانون, وذلك مع مراعاة المادة (59) التي تنص على أنه لا يكون للحكم قوة الالتزام إلا بالنسبة لمن صدر بينهم وفي خصوص النزاع الذي فصل فيه. ولا يترتب على نص المادة (38) سالفة الذكر أي إخلال بما لمحكمة العدل الدولية من سلطة الفصل في القضية وفقاً لمبادئ العدل والإنصاف .

أن عدم تنفيذ وضمان تنفيذ قرارات الشرعية الدولية . ما يترتب عليها من جرائم تفرض على المجتمع الدولي وفي مقدمته مجلس الأمن الدولي والمنظمات الأممية المختصة، الخروج من حالة التقاعس واللامبالاة إن لم تكن هناك تواطؤ في تنفيذ القرارات الأممية كما ان تعطيل الشرعية الدولية بالفيتوهذا النمط من الاحتيال الذي لا يليق بدولة تحترم نفسها. وهذا الخروج على الشرعية الدولية الذي يخضع تطبيق قرارٍ أصدرته لموافقة الجهة التي صدر ضدها تسبب في ضرب مصداقية المواقف الدولية والدول التي تدعي الحرص على مبادئ حقوق الإنسان وتحقيق السلام في العالم وما نشاهده نحن اليوم أنّ الشرعية الدولية  اصبحت تخدم الأجندات السياسية للقوى المهيمنة، وهو ما لا غرابة فيه إذا ما أخذنا في الحسبان أنّ هذه القوى أنشأت النظام الدولي لخدمة مصالحها وتكريس هيمنتها على العالم مع تدبير سلمي لخلافاتها وطموحاتها المتباينة .

لاشك ان امتلاك خمسة أعضاء في المنظمة الدولية لحق النقض (الفيتو) مثل امريكا وروسيا والصين اضافة لبريطانيا وفرنسا تعطل مؤسساتها عبر إعطاءها هذه الحق المغبن  لبقية الدول وينفي أية سلطة فعلية للأعضاء غير الدائمين فيه، ويجعل من مجلس الأمن محفلا لإبراز توافق الأعضاء الدائمين أو خلافهم، أي لا ينفع على الإطلاق، إلا من حيث الرمز الهلامي ومنها الولايات المتحدة الامريكية وثقافتها  بمجملها تقلل من شأن الشرعية الدولية،  وأصبحت القوة العسكرية والسياسية والاقتصادية الحاكمة الاولى، تآكل مفهوم الشرعية الدولية، وعادت الأمم المتحدة لتكرر تجربة عصبة الأمم، وتتحول الى ساحة لصراع الكبار وتفقد أي دور جدي لها كشرعية دولية تحترم أساس ميثاقها والقانون الدولي رغم أنها هي أحد الأطراف المقررة لهذه الشرعية ، بل الطرف الأول  في غطرسة الأقوياء ومحاولاتهم لاحكام سيطرتهم على العالم،  ولو اخذنا النموذج في العراق  فمنذعام 2003 حين نفذت الولايات المتحدة الأمريكية جريمة دخولها لهذا البلد خارج نطاق الشرعية الدولية ورغم المعارضة الأممية الواسعة لهذه الجريمة، فإن الهدف الرئيسي والاستراتيجي لهذه السياسة  المتهورة تجاه هذا البلد هو إعادته عشرات السنين إلى الوراء وتدمير كل مقومات النهضة التعليمية والصحية والعلمية التي بناها على مدى عدة عقود بدعم من دولة عدوانية الطبع ورجعية المفاهيم للسيطرة على خيراته وهذا ما تحقق بالفعل حيث نجد العراق يرفل إلى يومنا هذا بالكم الهائل من الأزمات الاقتصادية والسياسية والمعيشية والاجتماعية بل والدينية  ليتشبث بالدول الاخرى لبناء من تم تخريبه من بنيته التحتية والحضارية  والتي خلفتها  المجموعات الارهابية مثل القاعدة وداعش وغيرها وادت الى خلخلة نظامه القومي  والمذهبي والاجتماعي والسياسي واختراق سيادته .و نرى في نفس الوقت أن بعض الثقافات السياسية المتحجرة لبعض الدول اعطت لها هذه الشرعية، وإن لم تجن منها قط ما يبرر هذا التثمين ورغم انها تطير في هواء هامشي وعلى جناح موهوم .

عبد الخالق الفلاح – باحث واعلامي

 

مهدي الصافيكمن يرمي حجرا وسط بركة ماء، تتناثر اشلاء العراق كجسد ميت سريريا، بين الرغبات والاملاءات الامبريالية الرأسمالية، التي لاتريد ان تشاركها القوى الاقليمية بتلاقف اي اجزاء من هذا الكنز الكبير المجهول المالك، فلا السياسيين، ولا الشعب قادرين على حماية حدود وثروات وابناء وارض هذا البلد بصورة دائمة، وبين الفساد والفشل وقلة خبرة وكفاءة الموظفين والمقاولين والسياسيين تتلاعب مافيات الفساد وتجار الحروب، بحياة واموال اعادة الاعمار والتنمية، كأمواج البحر الهائج، لا يرى من خلال هذا التموج والتلاطم والتصادم والانهيار غير الانفاق المظلمة، التي دخلت فيها جميع مكونات الشعب، فالرؤيا التنموية غائبة تماما، فضلا عن عدم وجود اية خطط وبرامج مستقبلية واضحة، لايستثنى منها اي من القطاعات والمجالات المهملة في الدولة، اي بعبارة اخرى، اذا قلنا ان عدم تشخيص الامراض تعني بالتأكيد انك لاتملك حلا حتى لو كان سحريا لمشاكلك المتفاقمة، ولعل من اهم عوائق اعادة بناء الدولة والمجتمع بطريقة سليمة هي كما نعتقد متمثلة بعدة نقاط منها..

اولا:الفشل والفساد السياسي وقلة خبرة وفعالية السلطات والهيئات العامة المستقلة بما فيها الرقابية وعلى رأسها السلطة القضائية.... وهذه الامور ترجع ايضا لضبابية الدستور، وعدم وجود المواد الواضحة والصريحة والشاملة المعالجة لتلك المجالات والمؤسسات الفعالة التابعة لها، ومنها ماهو متعلق بعمل تلك الهيئات المستقلة، وبطبيعة النظام السياسي، والقوانين المتعلقة بالحد من الفساد...الخ.

ثانيا:العمالة والتجسس للاجنبي او للدول المجاورة، والخضوع والرضوخ للاملاءات والرغبات والمطالب الخارجية، وذلك راجع لعدة اسباب منها مادية واخرى عقائدية او اثنية...الخ.

ثالثا:التخلف والجهل والطبيعة القبلية والعشائرية للمجتمع، والزحف الريفي للمدن، والتركة الثقيلة السابقة (الفقر والعوز، والامية، ونقص الشخصية، والامراض الاجتماعية النفسية، وحالات التوحش المتزايدة بفعل الطبيعة القروية للمجتمع، وتراكم الازمات، والظلم والاستبداد، والحروب، الخ.) من الانظمة الشمولية البائدة...الخ.

رابعا:عدم وجود حزب او تيار او نظرية سياسية نخبوية لادارة العملية الديمقراطية والدولة والحكم، تلم شمل الامة، وتنقذها من حالة التشظي والتشرذم والتفكك، لتساهم ببناء دولة المؤسسات الديمقراطية الوطنية، التي لابد ان ينصب اهتماماتها المباشرة في التنمية والتطوير والبناء والعمل والامن والاستقرار والازدهار، الخ.

مرت مراحل تدمير العراق بطريقة متدرجة لكنها محكمة في الاعداد والتطبيق والتنفيذ، ادخل في اربعة ازمات، هي حرب الاكراد اواسط القرن الماضي، حرب الثمان سنوات مع ايران١٩٨٠-١٩٨٨، حرب احتلال وتحرير الكويت١٩٩٠، الحصار الاقتصادي واندلاع انتفاضة شعبان ١٩٩١، حرب الخليج الاخيرة اي احتلال العراق٢٠٠٣، هذه المراحل الاربع، مرت في بادئ الامر بأزمة شط العرب واتفاقية الجزائر١٩٧٥، ثم اخذت من خلال تسارع الاحداث من قبل الادارة الامريكية الى محور اخر، اصبحت منطقة الشرق الاوسط فيما بعد الصنم العالمي، الذي يجب تدور حوله مشاكل وازمات الهيمنة وصراع الاقطاب الدولية، والحروب الباردة، بدأت مع عملية اسقاط نظام شاه ايران، والمساعدة بقيام ثورة فوضوية عارمة هناك (كما كان مخطط لها ان تكون)، ثم القيام بتقديم شتى انواع الدعم للجماعات العلمانية والمتطرفة، وبالاخص الدعم الاعلامي والمالي والاستخباري، وبفتح منافذ توفير الاسلحة والمتفجرات، تماما كما حصل في العراق بعد٢٠٠٣، فشلوا في ايران حتى مع وجود فتنة الحرب العراقية-العربية الخليجية (عدا سوريا) من جهة مع ايران١٩٨٠، ولكنهم نجحوا اخيرا في العراق، بأشعال فتنة طائفية كبيرة في المنطقة، امتدت كما روج لها مسبقا على طول الهلال الشيعي، من المحيط الى الخليج العربي-الفارسي.

هذه المؤامرات مع وجود الانظمة العربية الشمولية الدكتاتورية الفاشلة، زادت من معاناة المجتمعات العربية وجعلتها خاوية فارغة منكسرة، حتى مع ذهاب الدكتاتوريات ومجيء الربيع العربي، لم يتمكن العرب او النخب منهم من اعادة بناء دولة المؤسسات، بل ظهرت كأمة محطمة منهكة متعبة مشلولة، عاجزة عن المبادرة والانجاز، تحمل معها دائما هموم واثار ونتائج قرون من الفشل المتراكم، وحالة من الازدواجية والتناقض الفكري والثقافي والديني والاجتماعي، كل شيء في حالة تقهقر وتراجع، يطحن ماضيها حاضرها، حتى المنجزات العظيمة للحضارة العربية اخضعت بطريقة متخلفة لاسلوب التناقض والنقد السلبي، لايعرف من هو العالم او المفكر، رجال الدين اوعلماء الطبيعة من الاذكياء العباقرة، كل صغيرة وكبيرة في هذه الامة كانت تخضع لمقياس الدين، وكانها محاكم التفتيش الفقهية، تغربل حياة وتفكير وابداعات وفطرة الناس على اساس الحلال والحرام، والجائز اوالمباح (الخ).

سارت الشعوب العربية مع حركات التحرر العالمية اواخر خمسينيات القرن الماضي، مع الاحزاب والافكار الشيوعية والماركسية نحو الحلم والطموح المنشود، لترسيخ مبدأ العدالة الاجتماعية وانقاذ الطبقات المسحوقة في المدن والقرى والاحياء الهامشية، الا انها اصطدمت بالانقلابات العسكرية، ورد فعل المؤسسات الدينية المتطرفة، التي حشرت انفها في السياسة، ثم انسحبت امام القوى والاحزاب والشعارات القومية، وكأن قدر هذه الامة ان تغلق بوجهها جميع الابواب وشبابيك الحرية، وتمنع عنها بالقوة سبل الخلاص من قيود التراث والمحرمات الارضية، هذا التراكم الكبير لقصص الانهزام والانكفاء والتراجع والانطواء او الانغلاق الداخلي، ليس قصور في مستوى العقول او النخب او الاخلاق والثقافة والارث الحضاري، انما هي منغصات دخيلة لكنها عميقة التأثير، وكأنها بحجم كتلة هائلة من التعمية التاريخية وضعت امام المجتمعات العربية، وامام حركة العقل الجمعي المحاصر، فقد تم رفع الدين من مكانه الطبيعي، وضروراته الانسانية والاخلاقية والروحي، ووضعه تحت سلطة الطاغوت واجنحته او اذرعه الطويلة والقصيرة، فتحولت توجهات وتطلعات الامة نحو الانكماش التاريخي، بالعودة لنبش اغوار الماضي، واخراج كل مافيه من الحشو واللغو والدس والكذب وثقافة الاحقاد والفتن والارهاب، فصار الانسان العربي مشغولا بالخلافة الراشدة اكثر مما يجب ان ينشغل به، كبقية شعوب العالم اليوم، من اهتمامات كبيرة وواسعة لديها بعالم التكنولوجيا وتقنية المعلومات الدقيقة المتطورة، في تراجع ملحوظ في مستوى التعليم والثقافة والوعي والتفكير السليم، تتحمله جميع الاوساط والنخب والطبقات الاجتماعية والسياسية والدينية، هذه المراحل التخريبية لاتنتج مجتمعات عاقلة او منتجة، انما تنتج مجتمعات اتكالية كسولة، غير قادرة حتى على استصلاح الاراضي وزراعتها، فكيف بما مطلوب منها ان تكون اقرب لسرعة قطار الحضارة العالمية كي تحجز مكانا لها ولو بعد حين...

ابعاد المؤامرة في المنطقة متشعبة ومتداخلة وموزعة في اكثر من اتجاه او محور، الا ان بؤرة المؤامرة ونواة عملها العراق، تأخذ احيانا ابعادا دموية عبر اثارة وإشعال الازمات والحروب والفتن الداخلية كما ذكرنا، واخرى مادية لاستنزاف موارد الشعوب وامتصاص خزينها الاستراتيجي ومواردها الطبيعية، بعقود فاسدة ضررها اكثر من نفعها، كعقود الاستحواذ (العقود النفطية المجحفة، كعقود مابعد ٢٠٠٣المسماة عقود الخدمة او الشراكة الغير متكافئة)، وضخ القروض السيادية، وارتهان الدولة للشركات والمقاولين والاحزاب الفاسدة لمشاريع وهمية،، فقد جربت تلك الدول هذه الاليات الخبيثة لاركاع الشعوب وتحطيمها وارجاع عجلة التقدم (البدائية اصلا)عندها الى الوراء، كما حصل بإغراق البلاد بالديون اثناء الحرب العراقية الايرانية، ثم قامت بعد ذلك بتدمير وتحطيم استقرار السوق النفطية، (بخفظ اسعار النفط لمستويات متدنية قياسية بعد انتهاء الحرب)، مما دفع بالاحمق صدام ان يغزوا الكويت متهما هذ الجار المشاكس، والصديق القديم له، بتعمد ضخ النفط خارج اطار الاوبك لتقليل الاسعار، والتأمر للاطاحة بنظام حكمه، الخ.

لهذا نرى بوضوح تكرار نفس سيناريوا التخريب والتدمير التدريجي للدولة والشعب، بأتباع ذات الاسلوب والتجربة الخبيثة السابقة بعد ٢٠٠٣،

فالعالم بأكمله تقريبا يتحدث عن حجم الفساد الهائل الذي اكل الاخضر واليابس في بلاد الرافدين، الا البنك وصندوق النقد الدولي، وبقية الدول الاقتصادية العظمى، تتعمد تقديم القروض بفوائدها الميسرة كما تدعي، بغية استنزافه وزيادة الفساد في مؤسساته وطبقاته السياسية، كي تصبح في نهاية المطاف معاول هدم للدولة، لتفتيت وحدتها وتقسيمها الى عدة دويلات متصارعة متناحرة فيما بينها، من خلال مايتم اصداره من تقارير مغلوطة عن النمو الاقتصادي، وانخفاض معدلات التضخم، من اجل تبرير فتح خزينة القروض لهذه الكتل السياسية الفاسدة المهيمنة على الوضع السياسي العام، وجميع مفاصل الدولة، ولعل العالم ايضا يعلم ان دول الاتحادات السابقة كيوغسلافيا، والاتحاد السوفيتي، ودول المعسكر الاشتراكي، كلها تفككت ودخلت في دوامة الازمات الاقتصادية، وتشتت شملهم ووحدة اراضي دولهم واتحاداتهم وانتماءاتهم لاسباب مادية ومعاشية خانقة، لم تتمكن الشعارات والافكار والنظريات العائمة من انقاذهم من الانهيار والفوضى الحكومية المركزية، فغياب التنمية الاقتصادية وزيادة نسبة الفساد تعمل وتؤثر بطريقة مباشرة على وحدة المجتمع وتماسك الدولة، من هنا نجد ان وتيرة الاخفاقات والانتكاسات والمخاوف المتزايدة تجاه احتمالية ان تنجح محاولات تقسيم البلاد في حالة تصاعد خطير، فالمؤشرات والخطوات والتصرفات السياسية العامة لاتبشر بخير، اذ لازالت البصرة تعاني من الاهمال والتقصير في معالجة ملف الخدمات والبطالة والفساد عموما، فهي واقفة فوق بركان الثورة ومؤامرات فدرلة المحافظات الجنوبية، هذه العوامل مع عدم وجود نيات خالصة ورغبات صادقة للاصلاح، وغياب الخطوات العملية الجدية بانجاح العملية الديمقراطية لدى المكون العربي السني، واعادة بناء الدولة العراقية وفق معاييرعقلية علمية لاعطاء فرصة الادارة والحكم لاصحاب الكفاءة والنزاهة، وليس وفق الاعتبارات العنصرية المتوارثة، والرغبات الطائفية البائسة، بالدعوة للعودة الى المربع الاول، الى اسلوب وسياسة التسلط والاستبداد، التي كانت معتمدة لعقود طويلة، مليئة بالظلم والاقصاء ورفض الاخر...

كذلك من ابعاد المؤامرة المحيطة بالبلاد، ربط مصيره ومستقبله بالازمة الامريكية الدولية مع ايران، وبالملف السوري الشائك، فالبعض يعتقد ان العمق والامتداد او التمدد الايراني الشيعي في العراق، وفتح ابواب الدعم المالي والعسكري واللوجستي الايراني لتشكيلات عسكرية شعبية عراقية متعددة(بمافيها بعض فصائل الحشد الشعبي)، يخلق اجواء امنية غير مستقرة في المنطقة، وكذلك يدخل بلاد الرافدين في الصراع الايراني السوري اللبناني من جهة مع دول الخليج، ومن جهة اخرى مع اسرائيل وامريكا، ولهذا بات يسمع في الاعلام عن بعض التسريبات والمخاوف من خطورة التحركات الامريكية التجسسية تجاه فصائل وقوات الحشد الشعبي، وكذلك التهديدات الاسرائيلية بتوسيع دائرة الاستهداف لتشمل الجماعات المسلحة المحسوبة على ايران, او المتورطة في الحرب الاهلية السورية، هذا فيما يتعلق بالملف الايراني الاسرائيلي وتاثيراته المباشرة على العراق، هناك ايضا توجهات غير واضحة تجاه ملف تقسيم سوريا، فيما لو لم تلتزم الادارة الامريكية بتنفيذ وعودها بالانسحاب والابتعاد عن المنطقة، وعادت من جديد للتورط بالازمة، بزيادة التوترات والخروقات الامنية سواء كان على طول الشريط الحدودي الفاصل بين سوريا والعراق، او بالاعداد لمخطط طويل الامد لمحاصرة ومحاولة اسقاط نظام الحكم في ايران، بغية تنفيذ مشروع الشرق الاوسط الجديد، لتفتيت الدول العربية الكبرى، (وكذلك محاولة تقسيم او تحطيم ايران)، وتقسيمها لدويلات صغيرة مضطربة، حيث هناك ترابط وثيق بين ازمات المنطقة تأريخيا، بمعنى اخر ان تقسيم سوريا يعني العبور لمخطط تقسيم العراق وبالعكس....

تتبنى الامبريالية الراسمالية العالمية عدة مبادئ استعمارية لاركاع وتدمير الشعوب، بفرض انظمة سياسية استبدادية، تعمل على كسر ارادة وشخصية الشعوب اولا، لتمرير المخططات والاجندات والمشاريع الاستعمارية العابرة للسيادة الوطنية، ومن ثم تبدأ مراحل الهيمنة والاستحواذ، بهذه الاساليب تم التلاعب بمصير النظام الايراني قبل الثورة الاسلامية، حيث عمد شاه ايران على سبيل المثال لكسر ارادة وشخصية المواطن الايراني، عبر الارهاب الامني، والفساد الاخلاقي والمالي، وكذلك فعلت وفقا للاوامر الامبريالية اغلب الانظمة العربية التي جاءت بالقطار الامريكي البريطاني(كنظام الاحمق صدام، والمخلوع حسني مبارك، والقذافي، وبعض حكام الخليج، الخ.)، بعد ذلك يتم تحطيم امكانات الدول المادية، وزيادة الصعوبات والاوضاع الاجتماعية السيئة، ، واشغال المواطنين بمصادر دخلهم اليومي او الشهري، حتى يتمكن شركاء عملية الهيمنة من احكام القبضة الحديدية على ثروات ومقدرات وارادات الشعوب المهشمة او المحطمة معنويا...

بات من الصعب معرفة اي من الخطوط او المحاور والتوجهات الاقليمية او الدولية الاكثر تورطا وانشغالا بالازمات الداخلية للبلدان العربية الفاشلة، فهؤلاء يعملون بلاوزاع او ضمير او رادع اخلاقي او انساني او قانوني، ارهاب مستمر بدعم لاينقطع ولايتوقف، حروب بالوكالة كما في سوريا واليمن وليبيا، خلق ثورات وانقلابات وازمات جديدة كما في السودان، وكأنه اسلوب امبريالي جديد يؤمن بفتح ابواب جهنم بشكل دائم، الخ.

فالرأسمالية تعني ان الرفاهية وحياة الاسراف والبذخ والثراء لاينالها الا الاوفر حظا في هذا العالم، تنظر للانسان بقيمته المادية، ولولا ان الحضارة الغربية تواجه هذا التسلط والاستبداد الرأسمالي(كما ظهر مؤخرا في شوارع باريس وبعض احياء فرنسا من احتجاجات اصحاب السترات الصفراء) بقوة، لعادت المجتمعات الاوربية وامريكا الى عصر الاستعباد والاضطهاد ومحاكم التفتيش...

امريكا وايران وتركيا وبعض دول الخليج ودول الاتحاد الاوربي جميعهم مسؤولين عن صناعة الفوضى في المنطقة والعالم، ينظرون الى العراق، ويتعاملون من بقية الدول العربية وفق رؤية امبريالية قذرة، اما مع اسرائيل او ضدنا مع الهلال الشيعي والمقاومة العربية الرافضة للتطبيع والتقسيم، فهم جميعا على علم ودراية كاملة بان احتلال الدول او اسقاط وانهيار الانظمة والحكومات الشمولية عموما عبر اشاعة الفوضى، لن تنهض تلك الشعوب من كبوتها مجددا بسهولة، وتحديدا في الدول المتعددة الطوائف والاثنيات والاعراق، فكان لهم ما ارادوا عبر انتاج نموذج الدولة الفاشلة بأمتياز في العراق، لتبقى اسيرة الاملاءات والاجندات والارتباطات الخارجية، فقد وزعت الادوار بعناية، الفساد للطبقة السياسية الحاكمة، والهيمنة والسيطرة والتحكم للامبريالية الرأسمالية.

الحلول في مثل هكذا كوارث وطنية مصيرية، لاتبتعد كثيرا عن ضرورة ايجاد سبل الدعم الخارجي والمحلي لاية محاولة انقلاب عسكري ابيض، للاطاحة بمافيات الفساد السياسي والمالي، ومن ثم اعادة بناء نظام ديمقراطي مسير بطريقة ناجحة نسبيا، ينهي مرحلة الفساد والفشل، ويقترب في تركيبته وعمله واداءه وعلاقاته الخارجية من الانماط والنماذج السائدة في دول الخليج العربي، او بثورة شعبية عفوية تنفجر دون سابق انذار، لايمكن التكهن بنتائجها ونهاياتها، وسواء نجح اي من الاحتمالين في طرد الطغمة الفاسدة عن الحكم، فمسألة الامن والاستقرار والتنمية والازدهار ستبقى بعيدة المنال، مادام المجتمع مفكك ومقسم طائفيا واثنيا وعرقيا وحتى مناطقيا، وعاجز عن ايجاد صيغة سياسية وطنية ثورية طموحة، تأخذ بيد هذا الشعب بعيدا عن كل هذه النزعات والصراعات والمواجهات والصدامات والانتماءات الطائفية والعرقية، تعمل على بناء دولة المؤسسات المدنية، وفقا لدستور مدني متحضر محكم في مواده وبنوده وصيغته العامة ولغته الواضحة والصريحة والشاملة...

 

مهدي الصافي

 

كاظم الموسويالجولة المفاجئة لمجموعة عسكرية امريكية بحماية او رفقة مجموعة عسكرية عراقية، او بالعكس، عرفوا برتب واسماء قيادات كبيرة، لا يمكن أن تكون إلا جولة مقصودة وليست سياحة عادية بريئة، زادها كشفا التقاط صور في اماكن ومواقع مؤثرة او مهمة كشارع فلسطين، حيث مقار اكثر فصائل الحشد الشعبي او شارع المتنبي ومجالسه ومكتباته ومقاهيه المشهورة، الذي تحول الى شارع الثقافة العراقية او لسان حالها. في الجولة وما قصد من نشر الصوّر وتوزيعها بتعليقات متناقضة او معبرة عن اصحابها واخلاقياتهم واتجاهاتهم المضطربة هي تحد صارخ لاتفاقيات مبرمة او للمزاج العراقي الشعبي العام. وتفننت بها وسائل التواصل الاجتماعي، ولاسيما الصوّر التي اريد تسريبها او التي اريد الفضح لها لما لها من معنى ودلالات لا تخفى عن العين البصيرة.

انتشرت، السبت 2019/1/5 صوّر لنائب قائد قيادة العمليات للتحالف الدولي في العراق الجنرال أوستن رينفورث، وهو يتجول في شارع المتنبي الشهير وسط العاصمة بغداد، برفقة قائد عمليات العاصمة عبد الجليل الربيعي، بالتزامن مع ذكرى انسحاب القوات الأمريكية من البلاد؛ ما أثار جدلا في الأوساط السياسية والشعبية، وعلى وسائل التواصل الاجتماعي وانتقل إلى الأحزاب والبيانات والمواقف.

لهذا يمكن معرفة الأسباب وراء اصدار قيادة عمليات بغداد، بيانا توضيحيا، يوم 6/1/2019 بشأن ما أثير حول ظهور قائد العمليات الفريق الركن عبد الجليل الربيعي، برفقة عدد من الجنود الأمريكيين خلال جولة في شوارع بغداد.

قالت القيادة فيه إن "الأمريكيين الذين رافقوا قائد العمليات الفريق الركن عبد الجليل الربيعي، خلال جولة في أحد شوارع بغداد لم يكونوا في مهمة عسكرية، وإنما ضمن جولة ميدانية مع صحفية أمريكية للاطلاع على الواقع الأمني. وأضاف البيان "بتأريخ الجمعة 4 /1 /2019 تجوّل الربيعي، يرافقه عدد من ضباط ركن القيادة، وكذلك الصحفية الأمريكية (Jane Arraf) من إذاعة NPR، حيث قدمت الصحفية في وقت سابق طلب إجراء جولة ميدانية في العاصمة بغداد من أجل الاطلاع على الواقع الأمني فيها، وتكذيب مزاعم الصحافة الصفراء التي تروج لأعمال العنف والاقتتال في العاصمة". وأشار البيان إلى أن "عددا من قوات التحالف رافقوا الصحفية المذكورة خلال جولتها، مع العلم أنهم لم يكونوا في مهمة عسكرية، بل اقتصرت مهمتهم على مرافقة الصحفية وليس تأمين الحماية لها".

هذا بيان اعتراف وتوضيح لما حصل، من وجهة نظر القيادة العسكرية العراقية، ومهما كانت التوضيحات (اقرأ التبريرات) لا تكفي او تغطي ما حصل. خصوصا وأن العسكر الامريكي يعود علنا تحت هذه الواجهة لاول مرة بعد انسحاب القوات الامريكية رسميا من العراق عام 2011 . وان الأسباب غير مقنعة وتثير أسئلة أخرى عنها.

من جهتها اصدرت حركة عصائب أهل الحق بيانا قال فيه جواد الطليباوي، المتحدث العسكري باسمها، إنه “لا يخفى على أبناء الشعب، أن تجوال الجنرال أوستن، في شوارع بغداد، يُعد انتهاكا صارخا لسيادة البلاد، وهو تحد لإرادة الشعب الرافضة لوجود أية قوات أجنبية على الأراضي العراقية”. وأضاف في بيان صدر عنه: “إننا ننظر بعين الغضب إلى الجولة التي قام بها نائب قائد عمليات الجيش الأمريكي في شوارع بغداد”. وأشار الطليباوي، إلى أنهم “يراقبون عن كثب الوجود والانتشار والتحرك اللا مشروع لجنود الجيش الأمريكي في عدد من محافظات البلاد”. ودعا الطليباوي “رئيس مجلس الوزراء عادل عبدالمهدي، ومجلس النواب، إلى إعلان موقف واضح وحازم تجاه تحركات القوات الأمريكية في شوارع بغداد”.

كما وصف تحالف سائرون، تجول نائب قائد القوات الأمريكية بالعراق ووفد مرافق له  في شارع المتنبي، وسط بغداد، بالتزامن مع ذكرى انسحاب القوات الأمريكية من العراق بأنه "يمثل تحدياً للإرادة الوطنية وخرقا جديدا للسيادة العراقية"، مضيفا;  "نحذر هذه القوات من مغبة تكرار هكذا سلوكيات همجية ونهيب بالحكومة العراقية أن تكون على قدر المسؤولية". وقال المتحدث الرسمي لكتلة "سائرون" النيابية، النائب حمدالله الركابي في بيان: "تناقلت وسائل اعلام محلية خبراً عن تواجد قوات أمريكية في بغداد وتجوال عدد منهم في شارع المتنبي صباح الجمعة". وتابع أن "ذلك يمثل تحدياً للإرادة الوطنية وخرقاً جديداً للسيادة العراقية وتصرفاً سيئا يكشف الوجه القبيح للإدارة الامريكية التي تنتهك كل القوانين والأعراف الدولية".

ومضى بالقول: "إننا وفي الوقت الذي نعلن فيه استنكارنا ورفضنا لهذه التصرفات الرعناء، نحذر هذه القوات من مغبة تكرار هكذا سلوكيات همجية ونهيب بالحكومة العراقية أن تكون على قدر المسؤولية وتصدر توضيحا للشعب العراقي وللرأي العام بخصوص هذه الواقعة المرفوضة من جميع القوى الوطنية المخلصة". وأوضح: "سيبقى موقفنا ثابتا في رفض السياسات الامريكية التي لا تحترم سيادة الدول وحرمة أراضيها وكرامة شعبها".

بالتاكيد هناك مواقف مشابهة من جهات وطنية اخرى، تجمع على ادانة "الجولة السياحية" وما تخلفه من تداعيات ودلالات، بعد ان انتشرت الصوّر وعرف المكان في شارع المتنبي خصوصا. فيما أشارت بعض المصادر إلى أن قاعدة كي وان الأمريكية، شمال بغداد، شهدت زيادة في أعداد القوات المتواجدة فيها. وهذه قاعدة واحدة معلنة باسمها، ويصرح بعض النواب بوجود عدد غير معروف من القواعد العسكرية الامريكية حول بغداد، وغرب العراق، اضافة الى شمال بغداد، في اقليم كردستان.

معلوم ان القوات الأمريكية انهت العمليات القتالية في العراق عام 2010، وجعلت محور عملها بعد ذلك تدريب القوات العراقية. وغادر آخر جندي أمريكي العراق، في 18 كانون الأول/ ديسمبر 2011، وتم توقيع معاهدة صوفا، باستثناء عدد من أفراد الجيش الأمريكي الذين بقوا تحت سلطة سفارة بلادهم، بعنوان حمايتها وفرق التدريب، التي يزداد عددها شهريا، لاسيما بعد قرارات الانسحاب الامريكي من قاعدة عسكرية في الكويت واخرى في شرق سوريا.

وتتنشر في وسائل التواصل الاجتماعي اخبار كثيرة، عن تحركات عسكرية واجراءات مختلفة لها واستعدادات وقرارات، ومهما كانت او صارت فان ثمة مياها كثيرة تجري تحت الجسر لابد من الصحوة والاعتبار.

لا امان للامريكان ولا احترام عندهم للاتفاقيات، وما تسلل الرئيس الامريكي دونالد  ترامب للقاعدة العسكرية المحتلة في عين الاسد، غربي العراق، نهاية العام الماضي، الا مثال صارخ اخر على سياسات الادارة الامريكية ومخططاتها للعراق والمنطقة عموما..

الحذر.. الحذر.. من قادم الجولات والتحركات والصفقات، ولات حين ندم!..

 

كاظم الموسوي

 

ضياء الحكيمالشعور بإحتمال وقوع حرب جديدة والمشقة الفكرية اليومية في فهم مغزى الخطابات والبيانات السياسية وإشراك أوإشتراك العراق بها هو الشعور المهيج المخيف في المجتمع العراقي الطامع في السلام والأستقرار.

الحروب الزمنية والنزاعات الدولية لن تتوقف يوماً والسجل التاريخي لترسيخ السلام في العالم أثبت ضعف مناصريه في منظمات إنسانية ساعية له لتحقيقه.

أعطني إسم الحرب وسأعطيك ثمنها .

في تصور الكثير من الباحثين في علم السياسة وأساتذة التاريخ والمحللين العسكريين بأن تكاليف سعر الحرب تخضع لأرقام مالية يمكن إحصاءها وضحاياها من عسكريين ومدنيين, كما يمكن عدها بالأرقام وتثبيت دمارها وإدراجها في جداول، وسهولة إطلاع الرأي العام بها . وذلك الى حد ما صحيح ولكن ليس في العراق . وذلك مانحتاج توضيحه كالآتي .

أولاً وكشخص، لايمكنك إلا أن تكون نفسك، وكمجتمعات لانستطيع إلا الخضوع لبيئتنا وقيمنا وحياتنا اليومية وأرضنا ووطننا وأدياننا، وكدول، كما نرى، نخضع مُسيرين لحكوماتنا وأحزابها المفوضة. الحرب إساءة للمجتمع ولا إحسان فيها لمن سلّ سيفاً باركته له زُمر مشوشة الفكر.

الأدارة العراقية المقسمة الى سلطات ثلاث وقيادات مفوضة ورؤساء أقاليم ومحافظات يتفهمون مغزى التلويح بالحرب دون معرفة نتائجها، وبعضهم يلوحون بها لسبب أوغاية تتنافى مع أخلاقية تعاليم المجتمع.

فمن منهم يستطيع تقديم ضمانات مقنعة بعدم تحوّل العراق الى ساحة حرب جديدة؟

الحروب الزمنية الدينية والحروب الصليبية والحروب التقليدية والحروب العالمية والحروب الأهلية وحروب العصابات الجهادية القذرة وماترتب عليها من نتائج مدمرة لايسعنا ولايسع لهيئة مستقلة إحصاءها وماترتب عليها من سحق أقليات وهجرة سكان وإضطراب معيشة وما يلحق ذلك من تغيير حضارة شعب . فحاصل السعر النهائي للحرب يبقى غير معروف، فكل حرب لها طابعها الخاص المُميز وتعاد حساباتها بين الحين والأخر من قبل منظمات مختلفة الطابع والغرض والى أي شيئ تهدف. والقاعدة العامة التي أبثتت صحتها أن النفقات العسكرية تفوق التخصيصات المالية

فمثلاً، ماذا وكيف تم تفسير ما تمخضت عنه الحرب العراقية – الأيرانية من خسائر بشرية ومقتل مليوني شخص بغباوة النظامين المتطرفين ناهيك عن الدمار وديون العراق التي بلغت نتيجة الحرب 78 مليار دولار أمريكي؟

ثم، أليست هذه الحرب أسهام في إنجاح عمل المخابرات الأسرائيلية بإشغال جبهات الحرب الحدودية وإطالتها ل 8 سنوات لحين تدخل الأمم المتحدة ومنظماتها لإيقافها بشروط محددة، وكان لهم ماأرادوا؟

ولسنوات، لم أجد عبارة إستحسان لقباحة أنظمة قادها أناس إستهانوا بشعوبهم . فالأصعب من الحرب هو " إحلال السلام وفض النزاع ". والقاعدة العامة التي أبثتت صحتها وتدعو الى الدهشة أن النفقات العسكرية للدولة تفوق التخصيصات المالية بنسب مختلفة.

حاولتُ مراراً درسَ اسلوب هؤلاء القادة ومستوى الأداء في أوقات الحرب والسلم، فلم أجد تحليلاً يتجاوز الغباء السلطوي والعنصري . ؤيقف المتأمل وسط هذه الفجوة المحسوسة ويتساءل: ماالذي تحقق؟ فاللعبة القذرة للحرب أحرقت جيلاً كاملاً من الشباب. فهل للأنسانية تعريف آخر لها؟

والمثل الآخر هو ما واجه هذه الحروب من ندم لاحق لمخلفاتها بعد تثبيت خسائرها الحقيقية وإزالة مايروجه بعض المحللين لغرض أو لآخر، ويأخذني ذلك الى ماواجهه كذلك المحللون الأوروبيون للحرب التي شنتها ألمانيا الهتلرية والحزب النازي عام 1939 – 1945، وإحراج الصهيونية العالمية لمؤرخي التاريخ في الدول الرأسمالية والشيوعية بأن ضحايا اليهود في تلك الحرب لم تكن 600 الف نسمة وإنما كانوا في حدود 6 ملايين نسمة، وكان لهم ما أرادوا من المجتمع الدولي .

وماأرمي إليه في مقال قصير كهذا هو الجانب الأنساني المتروك لطبيعة الأنسان الوحشية وحماسة زعماء دول لقيادة مجتمعاتهم والتبشير بثقافة حروب الأنتصار والقتال لسحق وإبادة العدو ورفع راية النصر المؤزر دون حساب للضحايا والدمار ونتائجه المخفية عن الأنظار لحين كشفها تدريجياً .

كذلك الأعتقاد العنصري الراسخ كما قاله ونستن تشرشل بأن "بريطانيا ستحارب النازية الى أخر جندي هندي". بعدما جنَد الهند للقتال وإستحسنَ ماقدموه من ضحايا .

في السياسة والحرب ليس هناك عدو دائم أو صديق دائم، هناك مصالح دائمة.

فما هو النصر المؤكد الذي نسعى لفهمه في العراق من ملخص هذه السطور؟

لعل جيلنا الذي بدأ في ستينات القرن الماضي والحالي على وعي بالنسبة للحرب الفيتنامية بأتعس صورها وأفلامها الوحشية للحرب المتلفزة الأولى وتقاريرها . الحرب التي خاضتها أمريكا وحليفتها حكومة فيتنام الجنوبية في سايغون ضد فيتنام الشمالية الشيوعية من عام 1955 الى 1975. الى حين الوصول في مباحثات باريس لتوقيع معاهدة، لم يتمكن أي من الطرفين الأمريكي أو الفيتنامي من اعلان النصر، حيث كانا النموذج الأسوأ لحالات الحرب والنزاع العسكري في التاريخ .

لماذا؟

لأن النتائج المدمرة للحرب كانت فضيعة في الأرقام المالية والضحايا والقتلى والدمار الذي خلفته.

لماذا الحرب مادامت هناك إمكانية السلام؟

هذا السؤال تتدارسه معاهد ومنظمات جامعية الى جانب أطراف الحرب من حكومات لها نزعات وأهداف مختلفة . وتتبين في دراساتها الميدانية تأثيرها على معنويات شعب الدولة المقاتلة ووجهة نظر الشارع بمفردات النصر ومعانيه الهشة " الحرب الأسرائيلية العنصرية على الشعب الفلسطيني إحداها " و" الحرب الأهلية في سوريا " هي الأخرى. كما تتدارس هذه المنظمات والمعاهد الأنسانية أسباب فشل الدور الإعلامي الذي يَصوغ للمعارك حتمية نجاح ويرسم ملامح الشجاعة أو الذل لجنود اسرى.

بكلمة أخرى، فأن شن الحرب أكثر سهولة لهم من اللجوء الى منطق السلام . وغالباً ما تنتهي التجربة الدامية للحرب بموقف محرج للحكومتين المنتصرة والمهزومة (أمريكا وفيتنام) وتوقيعهما إتفاقية باريس بعدعام 1975. وفي عام 1977 أصدر الرئيس الأمريكي جيمي كارتر عفواعامأ لحوالي 50 ألف من الجنود الأمريكيين الذين فروا من الخدمة. وكشفت الأرقام البيانية هولها بمقتل أكثر من 3 ملايين فيتنامي كما كشفت الحاجة المالية للأصلاح وإزالة الدمار عن المدن وإعادة البناء الى هيكله السابق وترميم الأثار وطابع الموت فيه وحوله. فالدور الأصلاحي للبنية التحتية يأخذ سنوات وسنوات. وصدق من قال " قد تكسبُ المعركة وتخسرُ الحرب " . فالعبارة تعني للرأي العام في أمريكا المنعطف الهام الذي يأخذه هيكل الدولة بعد مخلفات الدمار ومرارة الحرب النفسية بالنسبة لأمريكا وما يتعلق بدورها كقوة لحفظ السلام.

درء الخطر الجديد على العراق لايجب أن يتم بعملية تثقيفنا وتطبيعنا بضرورة الحرب . وذكاء وفطنة شخصيات عراقية تتطلب منهم معرفة من يتكفل بها وبإيقاع قادته الحاليين في شرك مخابرات دول لها المصلحة الأستراتيجية العليا في نشر وتعميم ثقافة الحرب بينهم .

ومن المؤكد أن أي شخصية عراقية سياسية سنية، شيعية، كردية، بإمكانها كشف خيط الخطة والأعلان العلني في عدم التورط في المسلسل الخطر وألغامه وإبعاد اهل العراق عنه .

فهل سيخرج الى الملأ شخص كهذا؟

العراق بلد غير منتج للأسلحة . وتتفاوض وتتاجر معه دول عديدة لتصريف منتجاتها التجارية الجديدة المربحة وربطه بعقود وذيولها المشبوهة . وتهور أي من قادته قد يشعل أتون الحرب في المنطقة من جديد . فمنذ عام 1980 ونحن في حروب دموية، وتقنية الحرب وقذارة أسلحتها الكيمياوية والأنفالية منها واليونوريوم المنضب وقنابل النابالم والنووية تزرع إستمرارية للروح العدائية والكراهية بين شعب العراق و ويخلُ بالتعايش السلمي مع شعوب الأرض . إضافة الى نضب الموارد المالية لدولة تتطبع بمفهوم شراء وتكديس السلاح وبلا أي حرج تهريبه الى بتحريض من أحزاب تملكتها حرب نفسية ودراما المعتقدات الدخيلة من قبل مخابرات دول لها مصلحة مؤكدة في تأجيجها. هذا مايعيشه المواطن اليوم رغماً عنه ورغم قساوة عيشه، كونه يعيش وفق ادارة عراقية مقسمة الأعتقاد والمفاهيم ومقسمة بين سلطة ثلاث قيادات مختلفة الولاء والأتجاه والتفكير ولا تستطيع الكف من إشارات الأتهامات والتقصير ورميها على الجانب الآخر.

يريد أهل العراق أن يصل الى أسماعهم تمسك شخصيات "في السلطة حالياً " بقبضة متماسكة تمنع تخصيصات مالية لشراء أسلحة وتكديسها وبعثرة أموال الدولة . سلطة يكون في إستطاعتها أن تفرد صفراً من ميزانية الدولة لها، ولها الأدراك الكامل بجدول النفقات العسكرية.

كما نقول ونكرر " الأصعب من الحرب تحقيق السلام وإدامته " . الحكومة الأتحادية وألاقليم الكردي ليسا في حاجة ماسة الى إقتناء السلاح وإستعراض العضلات العسكرية الطابع بين أحزابهم، بقدر ماهي في حاجة وضرورة الى زرع السلام وفهمه . الله هوالراعي وصاحب الكلمة بقوله " فإما الزبد فيذهب جفاءا وأما ماينفع الناس فيمكث في الارض" .

وعلى الحكومة وضع سياسة صارمة مفهومة بإصدار (إعلان وطني) يؤكد ؤسمياً الأبتعاد عن تقلبات أوضاع دول المنطقة وخياراتهم العسكرية، ومنع تدخلها في الشأن العراقي الداخلي، كي يتم التركيز على البناء والرخاء وإحلال السلام في أركان الوطن .

 

ضياء الحكيم

باحث ومحلل سياسي

 

 

ابراهيم أبراشمنذ تبلور الحركة السياسية الفلسطينية وتَشكُل الخلايا الفدائية الأولى كان الشباب عمودها الفقري، كما كانوا سباقين عندما أسسوا رابطة طلبة فلسطين عام 1959، ووصولا الي انطلاقة الثورة الفلسطينية في منتصف ستينيات القرن الماضي وخوضها نضالات على عدة مستويات عسكريا وسياسيا بفكر وممارسة شبابية تطورت من خلال الاحتكاك مع الحياة السياسية للبلدان التي تواجدوا فيها .

هذه النخب الشابة التي أنتجت وطورت وأدارت القضية والنظام السياسي عسكريا وسياسيا فإنها اليوم وبالرغم من تخطيها سن الشباب ما زالت تتمسك بمواقعها ولا تترك مجالا كافيا لجيل الشباب في هذه المرحلة لخوض تجربة مماثلة لما خاضوه هم سابقا .

كما أن الأحزاب الفلسطينية اليوم تتخذ من الشباب قاعدة جماهيرية فاعلة في الأنشطة الميدانية الخاصة بالحزب أو المواجهة مع المحتل ولكنها تغفل فاعلية الشباب في القيادة واتخاذ القرار وهذا واضح في عدم تبوء الشباب مراكز متقدمة في هيكلية الأحزاب بل إن بعض رؤساء الأحزاب هم نفسهم منذ التأسيس وبعض حالات التغيير المحدودة كانت بسبب المرض أو الوفاة.

يبدو أن هناك حالة من انعدام الثقة بين الأحزاب والشباب خاصة ممن لا ينتمون بشكل رسمي لها، كما أن كل حزب، سواء كان حزب سلطة أو حزب معارضة،يتعامل مع أنصاره أو منتسبيه من الشباب ويتجاهل الآخرين في تقديم المساعدات والمعونات المادية والعينية، وهذا يفسر قناعة الشباب بتفشي حالة من الفساد والتربح عند النخب السياسية، والكثير من الشباب ينظر إلى الأحزاب كنخب عاجزة وفاشلة لم يعد لديها ما تقدمه .

لا يشكك الشباب بوطنية الأحزاب ولا بما قدمت من تضحيات ولكنهم يرون أن الأحزاب وصلت لطريق مسدود وقدمت ما تستطيع ولم يعد بإمكانها تقديم المزيد بسبب بنيتها التنظيمية وارتباطاتها الأيديولوجية والسياسية واختزال الرابطة الوطنية بالانتماء الحزبي، والانتماء الحزبي بقيادة الحزب.. وقيادة الأحزاب تُجير كل شيء لمصالحها الشخصية .

ومن جهة أخرى فإن الشباب يُحملون الأحزاب المسؤولية عن التقصير بالاهتمام بالثقافة والهوية الوطنية ونقلها وتعزيزها عند الجيل الجديد من خلال قنوات التنشئة الاجتماعية والسياسية المتعددة، وبدلا من ذلك تقوم الأحزاب بشحن عناصرها منذ الصغر بمعتقداتها ومبادئها، وهي مبادئ لا تعير كثيرا من الاهتمام للثقافة والهوية الوطنية وأحيانا تثير الكراهية والأحقاد والتعصب

لقد قصرت الأحزاب الوطنية في استيعاب الشباب في هيئاتها القيادية و لم تمنحهم دورا في القيادة والتوجيه خلال عقود من سيطرة قيادات شاخت وأفلست وفشلت في التعامل مع قضايا الشباب ومع مجمل القضية الوطنية. ولم يقتصر الأمر على ذلك بل إن فشل الأحزاب في إنجاز المصالحة وإنهاء الانقسام وفي التوصل إلى قيادة وحدة وإستراتيجية وطنية انعكس على الهوية الوطنية التي باتت مهددة بالانقسام أيضا كما انعكست على الشباب الذين باتوا منقسمين ما بين أيديولوجيات هذه الأحزاب.

بالرغم من ذلك فإن الشعب في الوطن و الشتات يراهن على خروج الشباب للشارع في حراك عنوانه إنهاء الانقسام ويُسمِعوا العالم صوتهم وهم أغلبية الشعب المتضررة من الاحتلال من الانقسام .

نعم من حق الشباب بل واجب عليهم أن يقودوا المرحلة أو على الأقل أن يكونوا من صناع القرار بعد سنوات من المراهنة على أحزاب وحركات أدت بقضيتنا الوطنية للتهلكة واستعملت الشباب كوقود لنار شهواتها السياسية ومطامعها ومصالحها وأجندتها الخارجية.

من حق الشباب التمرد على حالة العبودية التي تمارسها عليهم الأحزاب والحركات السياسية بكل توجهاتها،هذه الأخيرة التي حرضتهم لمواجهة الاحتلال ومواجهة خطر الموت والاعتقال، أو دفعتهم للاشتباك مع إخوانهم من شباب الفصائل الأخرى من أجل أن يتموقع من حرضهم على ذلك كوزراء ونواب تشريعي وقيادات سياسية وأصحاب نفوذ وجاه .

لم يقدم شبابنا حياتهم خلال انتفاضة 87 وانتفاضة الأقصى وخلال ثلاث موجات من العدوان المدمر على قطاع غزة وخلال انتفاضة الدهس والطعن وخلال مسيرات العودة حيث استشهد من الشباب الآلاف ودخل السجون آلاف، وجُرح وقطعت أوصال آلاف أخرى الخ، لم يقوموا بذلك من أجل أن يستقر الأمر على نخبتين وسلطتين وحكومتين عاجزتين وفاشلتين بل من أجل الوطن والشعب، والشعب يعني الشباب في حاضرهم ومستقبلهم، ومن هذا المنطلق يجب أن يحصد الشباب بمقدار تضحياتهم .

من حق الشباب ولو مرة واحدة أن يكونوا أصحاب قرار ويجربوا إمكانياتهم وأفكارهم وليس مجرد مشاريع شهادة مدفوعة الثمن تخدم مصالح نخب وأحزاب،من حق الشباب أن يتمردوا على حالة الإذلال التي يتعرضون لها يوميا من خلال وقوفهم في الطوابير للحصول على كوبونة أو استجداء هذا المسئول أو ذاك للحصول على وظيفة أو مساعدة أو منحة دراسية،من حق الشباب وواجب عليهم أن يخرجوا في ثورة ويعبروا عن مواقفهم من تلقاء أنفسهم دون توجيه ووصاية من الأحزاب ودون انتظار مقابل مادي لخروجهم،وخصوصا أن غالبية الأحزاب باتت عالة على الوطن وعاجزة عن إبداع أي جديد للخروج من الأزمة إلا تكرار نفس الخطاب الممجوج والخشبي الذي لم يعد يُقنع أحدا .

نقول للشباب أنتم أملنا في الحفاظ على الثقافة والهوية الوطنية،وأنتم مستقبلنا، فلا تترددوا في حمل الراية وتَحَمُل المسؤولية،عندما تتحركون في الضفة والقدس وغزة وفي جميع مناطق الشتات معناه أنكم تستنهضون الهوية الوطنية وتؤسسون لعهد جديد لحركة التحرر الوطني .على شباب فلسطين أن لا يترددوا وألا ترهبهم الأحزاب أو تغريهم وعليهم أن لا يخافوا من سلطة أو حكومة ولا من استدعاء يأتيهم من أجهزة أمن . إنجاز المشروع الوطني وإنهاء الانقسام لن يتحققا إلا بثورة الشباب.

 

أ. د. إبراهيم ابراش

 

عبد الحسين شعباندخل انسحاب «إسرائيل» من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) حيّز التنفيذ ابتداءً من الأول من الشهر الجاري (2019)، وكانت هي أعلنت انسحابها يوم 12 أكتوبر/ تشرين الأول 2018، بزعم انحياز «اليونيسكو» للفلسطينيين عبر تبنّيها قرارات لمصلحتهم. وكانت «اليونيسكو» في العام 2016 أدرجت 55 موقعاً تراثياً في العالم على قائمة المواقع المعرّضة للخطر، منها البلدة القديمة في القدس المحتلة، وأسوارها، ما خلّف غضباً «إسرائيلياً»، كما تبنّت في شهر أكتوبر/ تشرين الأول من العام نفسه قراراً ينفي وجود ارتباط ديني لليهود بالمسجد الأقصى، وحائط البراق. كما صوّت المجلس التنفيذي «لليونيسكو» في العام 2017 لمصلحة قرار يؤكد قرارات المنظمة السابقة باعتبار «إسرائيل» محتلة للقدس، ويرفض سيادتها عليها.

وقال داني دانون سفير «إسرائيل» في الأمم المتحدة معلقاً على خلفية قرار «تل أبيب» بالانسحاب من «اليونيسكو»: «إن «اليونيسكو» تسعى لإعادة كتابة التاريخ، من خلال محاولات محو صلة اليهود بالقدس، وأضاف»: إن «إسرائيل» لن تكون عضواً في منظمة هدفها العمل ضدها، وتصبح أداة استغلالية يتلاعب بها أعداء «إسرائيل».

وكانت «اليونيسكو» تلقت بلاغاً في 31 ديسمبر/ كانون الأول 2018 بشأن انسحاب «إسرائيل» من المنظمة وفقاً للقرار الذي اتخذته في أكتوبر الماضي، كما جاء على لسان أودري أزولاي، المديرة العامة «لليونيسكو».

جدير بالذكر أن «إسرائيل» انضمت إلى «اليونيسكو» في العام 1949 كجزء من محاولة إضفاء الشرعية على وجودها غير الشرعي، لاسيّما بتشريد نحو نصف الشعب العربي الفلسطيني، والاستيلاء على أكثر من نصف أراضي فلسطين، إضافة إلى توسعها بالتجاوز على قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181 لعام 1947 الخاص بالتقسيم، ورفضها، وتملّصها من القرار 194 لعام 1949 الخاص بحق العودة، فضلاً عن محاولاتها الاستيلاء على الممتلكات الثقافية الفلسطينية، والأماكن المقدّسة، وسعيّها المستمر لتغيير التركيب الديموغرافي والسكاني والطابع التعليمي للقدس، وبقية مناطق فلسطين.

وبسبب هذه المواقف دخلت في إشكالات ومشكلات مع منظمة «اليونيسكو»، وكان أول قرار «لليونيسكو» بخصوص القدس هو في العام 1956 الذي دعا لاتخاذ جميع التدابير لحماية الممتلكات الثقافية في المدينة في حال النزاع المسلّح. وفي العام 1968 دعا قرار «لليونيسكو» «إسرائيل» إلى الامتناع عن إجراء أي حفريّات في المدينة، أو نقل للممتلكات، أو تغيير لمعالمها، أو ميزاتها الثقافية.

وفي العام 1974 أصدرت «اليونيسكو» قرارين في مؤتمرها العام، 1- توجيه نداء عاجل إلى «إسرائيل» للامتناع عن الإجراءات التي تحول دون تمتع السكان العرب الفلسطينيين بحقوقهم في التعليم والحياة الثقافية والوطنية. 2- إدانة «إسرائيل» لتغيير معالم القدس. وقررت «اليونيسكو» في العام 2003، إرسال بعثة فنية إلى القدس لتقييم الوضع في البلدة القديمة، وواصلت ذلك في العامين 2005 و2006 بوضع القدس على لائحة التراث العالمي المهدّد بالخطر، مشيرة إلى العقبات التي تضعها «إسرائيل»، وطالبتها في العام 2007 بتقديم تقرير مفصل بشأن الحفريات في منحدر باب المغاربة المتاخم للمسجد الأقصى.

وأدرجت «اليونيسكو» هذه المواقع على قائمة التراث العالمي متبنية في العام 2016 قراراً ينفي وجود ارتباط ديني لليهود بالمسجد الأقصى، وحائط البراق، وصوّت المجلس التنفيذي في العام 2017 على قرار يعتبر القدس محتلة من جانب «إسرائيل»، ويرفض السيادة عليها، وكان مجلس الأمن الدولي اتخذ مثل هذا القرار العام 1980 بعد أن قرر الكنيست ضم القسم الشرقي من القدس بعد احتلالها العام 1967. وفي العام 2018 قررت «اليونيسكو» اعتبار البلدة القديمة وأسوارها ضمن قائمة مواقع التراث الديني. إن اتخاذ «اليونيسكو» مثل هذه القرارات إنما ينسجم مع ميثاقها الذي أكّد على رفض العنصرية والعنف، وتعزيز قيم السلام والتسامح والاعتراف بالآخر، وهو ما لم تفعله «إسرائيل» منذ تأسيسها، بل على العكس حاولت استغلال المنظمة لتمرير خططها، وحين فشلت بدأت مشاكلها مع «اليونسكو» متهمة إيّاها بالانحياز لمصلحة العرب والفلسطينيين.

وباستعادة تاريخ علاقة «إسرائيل» «باليونيسكو» فقد شهد توتراً مستمراً، ففي العام 1974 تم طرد «إسرائيل» من «اليونسكو» إثر قيامها بحفريات في منطقة الحرم المقدسي، لكنها عادت في العام 1979 بعد تهديدات من جانب الولايات المتحدة بوقف دعمها المالي للمنظمة الدولية، ولكن «إسرائيل» ومعها الولايات المتحدة وكندا، توقفت عن دفع حصّتها من ميزانية «اليونسكو» بعد قبول السلطة الفلسطينية دولة عضوة فيها (العام 2011)، وعُلِّق حقها في التصويت العام 2013، وكان ذلك تدهوراً جديداً في العلاقة التي انتهت بانسحابها الذي دخل حيّز التنفيذ مطلع العام الجاري.

 

عبد الحسين شعبان

 

علاء اللاميتكاليفه على العراق وأرباحه للشركات الأجنبية وملكيته للأردن!

الخلاصة: تكاليف أنبوب نقل النفط العراقي عبر الأردن " البصرة – العقبة" تقدر بـ 18 مليار دولار، يدفعها كلها العراق من نفطه، والقسم المار بالأردن ستكون ملكيته للأردن ويدفع العراق تكاليفه، وتنجزه شركات استثمارية أجنبية بضعف التكاليف بطريقة الاستثمار(BOT)، والعائدات تكون أرباحا للشركات المنفذة لمدة عشرين عاما، وخبير اقتصادي عراقي يصفه بالمشروع الكارثة، ملف وأربعة روابط!

*فقرة مما كتب الخبير الاقتصادي العراقي د. عبد علي عوض (المشروع الكارثة: مشروع "أنبوب النفط العراقي إلى ميناء العقبة الأردني"! لقد أبدَت عدة شركات استثمارية استعدادها لإنجاز ذلك ألمشروع، وفي البداية قدّمت التكاليف التخمينية بمقدار 18 مليار دولار... وهذا يعني أنّ ألعراق سيدفع مبلغ 4 دولار لنقل كل برميل نفط واحد، أي تزيد تكلفة النقل بأربعة أضعاف على استخراج برميل واحد من باطن الأرض! ... هنا نلفت الانتباه إلى جشع وابتزاز الجهات المستثمِرة. ويتضمّن المشروع إقامة محطات الضخ، إضافة إلى إنشاء مستودعات التخزين في ميناء العقبة ... والجانب الأردني لن يدفع سنتاً واحداً من تكاليف إنجاز ذلك المشروع، إنما يريد قطف ثماره من دون أية نفقات. إن المشروع في العادة يبنى في العراق على وفق احدى الصيغ التعاقدية التالية:

البناء والتشغيل والتحويلBOT

أو البناء والتملك والتشغيل ومن ثم التحويلBOOT

أو البناء والتملك والتشغيلBOO

هذه الثلاثة أنواع هي الأكثر شيوعا واستعمالا في العراق ( تم الاتفاق على طريقة BOT لاحقا ع. ل)، وهي شكل من أشكال تمويل المشاريع، حيث تحصل جهة خاصة على امتياز من الدولة او القطاع الخاص لتمويل وتصميم وبناء وتملك وتشغيل منشأة مذكورة في عقد الامتياز. يتيح ذلك للمستثمر استرداد نفقات الاستثمار والتشغيل والصيانة الخاصة به في المشروع. أي في نهاية المطاف فأن العراق سيدفع كلف هذا المشروع إضافة إلى كلف تشغيله وأرباحه في نهاية المطاف، وفي هذا المشروع بالذات نجد أن الكلفة عالية جدا وقد لا يكلف المشروع نصف هذا المبلغ.

http://www.albadeeliraq.com/ar/node/1747

* معلومات عن الأنبوب : يمتد هذا الأنبوب مسافة مقدارها 1700 كم عبر مرحلتين، الأولى تمتد من البصرة إلى حديثة في غرب العراق، والثانية تمتد إلى أن ينتهي في ميناء العقبة لتصدير النفط إلى باقي العالم. وسينقل الجزء الأول من الأنبوب حوالي 2.25 مليون برميل نفط يوميا، فيما تبلغ كمية النفط التي ستصل إلى ميناء العقبة عبر الأنبوب مليون برميل يوميا سيتم تحويل 850 ألف برميل إلى مصفاة البترول الأردنية، بالإضافة إلى أنبوب آخر لنقل 100 مليون متر مكعب يوميا من الغاز سيقوم الأردن باستخدامها لإنتاج الكهرباء. ويُتوقع الإنتهاء من تنفيذ المشروع في عام 2017، وتقدر تكلفته بنحو 18 مليار دولار.

https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%AE%D8%B7_%D8%A3%D9%86%D8%A7%D8%A8%D9%8A%D8%A8_%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B5%D8%B1%D8%A9-%D9%85%D9%8A%D9%86%D8%A7%D8%A1_%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%82%D8%A8%D8%A9

* (في مارس 2013 أعلن رئيس سلطة منطقة العقبة الاقتصادية عن عقد اجتماع أردني-عراقي بمدينة العقبة في 25 مارس، لمناقشة التفاصيل النهائية لمشروع مد خط أنبوب النفط من حقل الرميلة من جنوب العراق إلى العقبة.

يواجه المشروع عراقيل تؤخر إنجازه لعل أبرزها المشكلات الأمنية التي تواجهها البلاد، بعد امتداد نفوذ الدولة الإسلامية والعشائر المنتفضة، وخاصة في محافظة الأنبار التي يمر عبرها الأنبوب.

تقدر التكلفة المبدئية لمد الخط بحوالي 18 مليار دولار. وتعود ملكية الأنبوب للحكومة الأردنية، فيما ستقوم الحكومة العراقية بانجاز المرحلة الأولى على نفقتها وهي من مسؤولية وزارة النفط).

https://www.marefa.org/%D8%AE%D8%B7_%D8%A3%D9%86%D8%A7%D8%A8%D9%8A%D8%A8_%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B5%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%82%D8%A8%D8%A9

* معلومات من صفحة وزارة النفط الأردنية: وأكد الوزير – الأردني - إبراهيم سيف، أهمية المشروع لكلا البلدين، مشيرا الى أن الحكومة العراقية ستتكفل بمد الأنبوب على نفقتها بالكامل... وكان وزير النفط العراقي، عادل عبد المهدي، قد أعلن في وقت سابق عن تشكيل ائتلاف عالمي لإقامة خط أنابيب نفط من مدينة البصرة العراقية إلى ميناء العقبة ، لافتا الى إن شركة صينية وشركات أجنبية اخرى وقعت على اتفاق الأسبوع الماضي في بكين لتشكيل ائتلاف (كونسورتيوم) للاستثمار في اقامة خط لأنابيب النفط يربط مدينة البصرة الجنوبية بميناء العقبة على البحر الأحمر. وبين الدكتور سيف، أن خط انبوب النفط العراقي سيمتد من مدينة النجف وبمحاذاة الحدود السعودية وصولا الى العقبة، مشيرا الى أن الأنبوب سيتم بناؤه وفق نظام البناء والتشغيل ونقل الملكية (B.O.T ) لفترة تمتد من 15- 20 عاما ثم تعود ملكية الأنبوب الى البلدين.

وكان الجانبان الأردني والعراقي اتفقا مؤخرا في عمان على بناء أنبوب غاز كبير بموازاة أنبوب النفط المنوي اقامته، وسيجهز بمحطات للضخ سينقل نحو مليون برميل من النفط ، يغطي احتياجات الأردن من النفط الخام والتي تقدر ب 150 الف برميل يوميا، فيما سيتم نقل الكميات المتبقية من العقبة بالبواخر الى مصر وقسم آخر لدول لديها عقود مع العراق.

http://www.memr.gov.jo/DetailsPage/MOE_EN/NewsEN.aspx?PID=197

* ملاحظة: لم أتطرق إلى الشكوك والتحذيرات التي أطلقت حول دور معين لدولة العدو الصهيوني "إسرائيل" في هذا المشروع وما قيل عن فوائد تجنيها منه وسأحرص على نشر أي مواد موثقة حول هذا الدور وشكرا لمن يزودني بأية معلومات أو وثائق منشورة بهذا الخصوص.

 

علاء اللامي - كاتب عراقي

 

علاء اللاميمائة يوم على حكومة عبد المهدي

اكتملت قبل أيام قليلة مائة يوم من عمر حكومة عبد المهدي الناقصة حتى الآن، وهي ناقصة بسبب التنافس والخلافات الشديدة على حقيبتي وزارتي الدفاع والداخلية الدسمتين، والعقود التسليحية التي يسيل لها لعاب الكتل والأحزاب المتنافسة في البرلمان. مرَّت مائة يوم، وملفات الخدمات السيئة، القديمة والجديدة، والبنية التحتية المحطمة، لم تمس، فما يزال أهالي البصرة التي تنتج ثلاثة أرباع نفط العراق يشربون الماء الأجاج، وتزدحم الشوارع بشبابهم من حملة الشهادات المعطلين عن العمل. وفي شمال وغرب العراق ما يزال أكثر من مليوني نازح ومشرد من المدن والقرى المحررة من سيطرة عصابات داعش يخوضون في أوحال المخيمات على مشارف مدنهم المدمرة.

أما المحاصصة الطائفية والعائلية والعرقية والحزبية، التي انتقدها وتبرأ منها الجميع، وتعهدوا بمكافحتها وإبطالها خلال الانتخابات التشريعية السابقة فقد أصبحت أكثر رسوخا وفجورا ووصل شراء وبيع المناصب والحقائب الوزارات وانتزاع الدرجات الخاصة والتعيينات الضخمة إلى درجة استعمال السلاح الناري في مقار الوزارات، وما حدث بخصوص تعيين نائب المدير العام لـ "سلطة الطيران المدني" خير مثال بائس على ما نقول، وقد انتهى الموضوع بتشكيل لجنة تحقيق كالمعتاد.

وما تزال المؤامرة على النفط العراقي عبر "قانون شركة النفط الوطنية" الذي يعتبر طريقا غير مباشر لخصخصة الثروة النفطية والغازية العراقية تنتقل من تأجيل إلى آخر في قاعات المحكمة الاتحادية العليا، بعد أن رُفِعَت ضدها دعوى طعن قضائية من قبل مجموعة من خبراء النفطيين الوطنيين العراقيين، ولكن أنصار عبد المهدي ينشطون سراً وعلناً لتطبيق القانون المطعون فيه رغم ذلك، فقبل أيام قليلة وجه الوزير السابق وأحد رعاة ومنظري هذا القانون المريب، إبراهيم بحر العلوم، رسالة الى رئيس الجمهورية الجديد، برهم صالح، لتطبيق هذا القانون، رغم أنه رئيس فخري لا صلاحيات له كما يقول دستور مرحلة بريمر، وقبلها أصدر وزير النفط السابق جبار لعيبي، وهو من رعاة القانون المطعون فيه، سلسلة قرارات بتعيين نفسه رئيسا لشركة النفط الوطنية و فك ارتباط ثماني شركات وطنية تابعة لوزارة النفط وإلحاقها "بشركته الوطنية" فقام عبد المهدي، بعد الحرج والاحتجاجات التي أثارتها هذه القرارات الشخصية، بإبطال قرارات فك الارتباط، ولكنه لم يقترب من منصب "رئيس شركة النفط" الذي عين الوزير السابق نفسه فيه قبل أيام من انتهاء مهامه الوزارية وإحالته على التقاعد!

من إنجازات عبد المهدي خلال المائة يوم الفائتة، أنه أطلق فكرة خطرة ومضرة لحل أزمة السكن عن طريق توزيع الأراضي السكنية بالجملة والمفرد في جميع أنحاء العراق! سكن أفقي واسع النطاق، في زمن يكاد ينتهي فيه السكن الأفقي واعتماد السكن العمودي في كل أرجاء العالم، وهذا ما يهدد بتحويل العراق الى بلد عشوائي لا زراعة ولا صناعة فيه يكتظ بالتجمعات السكانية العشوائية الأفقية التي تفتقر لأي تخطيط أو خدمات أو بنية تحتية ضرورية، ويبدو أن فكرة عبد المهدي بقيت حبرا على حبر لحسن الحظ رغم أن تجار العقارات والأراضي الجشعين سيحركون ملفها عن طريق علاقاتهم المافيوية داخل الإدارات الحكومية.

على صعيد ترشيد الاستثمارات وترميم الصناعة والزراعة لم يحدث شيء إنقاذي أبدا، بل استمر التحرش العلني والسري بما تبقى من مصانع ومعامل ومؤسسات صناعية عراقية حتى الرابحة منها ومحاولة خصخصتها و عرضها للبيع على المستثمرين المحلين والأجانب لتحويلها الى مولات أو منشآت استهلاكية يملكها حيتان الفساد في الأحزاب والمليشيات النافذة. يجري ذلك تنفيذا لفقرة غربية وردت في الموازنة المالية العامة لسنة 2019 وتنص على (خصخصة جميع المؤسسات التابعة للدولة)، والتي ذهب سدى احتجاجات بعض النواب ضدها، ولم يُستجَب لمطالبتهم بحذفها، وآخر مثال على مشاريع تدمير وبيع ودفع المصانع والمؤسسات الوطنية التابعة للقطاع العام إلى الإفلاس ومن ثم الخصخصة هي شركة الصناعات النسيجية والجلدية في بغداد، التي اعتصم عمالها فيها دفاعا عنها لعدة أيام، وشركتا "سومر" و"أور" اللتان تطرقنا لمحاولة خصخصتهما في عدد 20 تشرين الثاني 2018 من "الأخبار".

وقد تفاقم تضخم المديونية واستمر الاقتراض الأجنبي، وخصوصا بعد انخفاض أسعار النفط مجددا. وأطلق بعض الخبراء الاقتصاديين العراقيين تحذيرات شديدة اللهجة من الخطر الداهم، وذكَّر أحدهم وهو الخبير الاقتصادي والأستاذ الجامعي د. عبد الرحمن المشهداني، بالورقة الاقتصادية التي ألقاها نائب رئيس صندوق النقد الدولي في "مؤتمر الكويت الدولي لإعمار العراق" عام 2018، والذي كان مشاركا فيه،  حيث حذر صاحبُ الورقةِ الحكومةَ العراقيةَ من  (التوسع في الاقتراض لأن العراق في ظل المدينوية الحالية فإنه سيعاني في عام 2022 من فجوة تمويل تقدر بـ 35 مليار دولار تشكل 48 % من الناتج المحلي الإجمالي، أما في حالة التوسع في الاقتراض، دون تحديد سقف التوسع، فإن فجوة التمويل سترتفع الى 85 مليار وهي تشكل 60% من الناتج المحلي الاجمالي عند ذلك سيقع العراق في فخ المديونية.) ويكون عرضة للإفلاس كدولة فاشلة. ويضيف د. المشهداني (أما الموازنة المعدلة لعام 2019 فتحتوي أمرا كارثيا لم يشر اليه أغلب المحللين والخبراء هو إن وزارة المالية رسمت جدولا بالعجز المخطط للسنوات 2019 - 20121 وفيه نجد أن العجز المخطط لسنة 2019 هو 27 ترليون دينار يرتفع في عام 2020 الى 34,5 ترليون ثم الى 45 ترليون دينار في عام 2021 السؤال المهم هو: من أين سيمول العجز في توقعات استقرار أسعار النفط بين 60 و70 دولار إن لم ينخفض السعر؟ الجواب هو بالتوسع في الاقتراض الخارجي/ رسالة شخصية من د. المشهداني إلى كاتب هذه السطور).

وعلى صعيد البيئة والثروة الزراعية الموروثة فإن مجازر تجريف النخيل والبساتين العراقية العريقة لتحويلها إلى أراض سكينة تتفاقم بشكل انتقامي ومسعور، وقد بلغت درجة العمل العصابي السري المنظم كما حدث قبل أيام قليلة في بساتين نخيل مدينة خانقين حيث قامت عصابة مجهولة بتجريف أعداد كبيرة من النخيل ثم اختفت! وما حدث في منطقة الدورة في ضواحي بغداد، ونقلته قنوات التلفزيون المحلية، حيث جُرِفت وأبيدت غابات نخيل كاملة، طريٌّ في الذاكرة، دون أن يصدر أي رد فعل من رئيس مجلس الوزراء أو من وزرائه المعنيين بالأمر.

على صعيد المشهد السياسي والحياتي اليومي، تترى سِراعا أحداث لا سابقة لها في العراق، يمكن أن يُفهم منها الكثير إذا ربطت بشكل صحيح ووضعت في سياقها العميق المُعَلَّل موضوعيا، والذي خلاصته أن الولايات المتحدة أصبحت في عجلة من أمرها لحسم الحالة التي أمسى فيها العراق، حالته معلقاً بين احتلالها القلق والهيمنة الإيرانية الهادئة والمتفاقمة. ما يدفع إلى الاعتقاد أن ترامب، وعلى خلاف ما تشيعه حاشيته، ربما يفكر فعلا في الانسحاب من العراق، ليس زهدا فيه وفي موقعه الاستراتيجي والنفطي الحاسم، بل تطبيقا لاستراتيجية التخبط والابتزاز التي يعتمدها بنجاح حتى الآن، أمرٌ قد يهدد بإغراق العراق في ما هو فيه وأكثر من فساد وفشل وإنهاء حالة التعليق لتتحول إلى حالة السقوط الحر، وقد يستدعي هذا الانسحاب الأميركي المحتمل تدخلا عسكريا إيرانيا لا يمكن استبعاده على صعوبته وعلى خشية إيران من ردود الفعل العراقية عليه، بهدف ملء الفراغ وحماية حلفائها الإسلاميين الشيعة الفاسدين في الحكم.

إن جملة هذه الأمور والتحديات هي التي قد تكون أجبرت السفارة الأميركية والأوساط النافذة في البنتاغون والخارجية الأميركية، على القيام بمحاولة جديدة وجذرية لتقديم نظام الحكم العراقي في حُلة أخرى مختلفة: حُلة يظهر فيها الجنرالات والعسكريون الأميركيون بقيادة الجنرال أوستن رينفورت، وهم يتجولون في شارع المتنبي المعروف عراقيا بكونه شارع الثقافة والمثقفين، وغالبيتهم ممن كانوا يسمون غزو بلادهم "تحريرا" أو "تغييرا"، وقد رحب البعض من هؤلاء فعلا بالزائرين العسكريين الأميركيين "المسالمين" والتقطوا معهم الصور  ولم يرتفع بينهم إلا صوت شاب شجاع واحد هتف بسقوط دولة الاحتلال ثم اختفى!

وبعد يوم واحد، انبجس فجرا، واحد من هؤلاء العسكريين وعلى صدره طُرزَت شارة  (USARMY)، انبجس فجأة ومن غير سابق موعد، في شارع الرشيد ليلتقط صورة شخصية "سيلفي" مع رئيس مجلس الوزراء عادل عبد المهدي الذي كان يقوم في ذلك الفجر - ويا للمصادفة السعيدة - بجولة تفقدية على أسواق الخضار والسمك رفقة السيدة أمينة العاصمة وبعض حاشيته، ولم ينسَ المصور المحترف إظهار حِزَم من الفجل الأحمر الطازج والمستورد من دول الجوار على الأرجح في إحدى صور الجولة!

وفي بغداد أيضا، تمادى السفير الأميركي أكثر مما ينبغي، وترددت أنباء عن طلبه من وزير العمل والشؤون الاجتماعية وهو من كتلة صادقون التابعة لعصائب أهل الحق، باسم الربيعي، أن يستقبله في مقر عمله، فما كان من الوزير إلا أن رفض ذلك وطلب من رئيس مجلس الوزراء أن يضبط حركة السفراء الأجانب ويطلب منهم عدم التدخل في الشؤون الداخلية العراقية، فأصدر عبد المهدي توجيها إلى وزير الخارجية محمد علي الحكيم ليضبط حركة السفير أو "المندوب السامي"! وفي المناسبة، فقد سبق للسفير الأميركي أن اجتمع بالوزير السابق للعمل "محمد شياع السوداني" في شهر آذار من العام الماضي، مثلما اجتمع بغيره من وزراء ورؤساء السلطات اجتماعات مباشرة عديدة، خارقا بذلك العرف الدبلوماسي المعمول به ومتصرفا كالمندوب السامي "غير القابل للضبط".

وبعد جولة عبد المهدي والضابط الأميركي في شارع الرشيد، أي بعد يوم واحد من جولة أخرى قام بها نائب قائد القوات الأميركية الجنرال أوستن رينفورت والوفد المرافق له في شوارع بغداد، وبعد أيام قليلة على اعتراف محمد علي الحكيم بدولة "إسرائيل" اعتراف ضمني في سابقة تاريخية لم تألفها الدبلوماسية العراقية، في بيانه الذي قال فيه إن "العراق يؤمن بحل الدولتين"، بعد كل ما سبق، أعلنت وزارة الخارجية في دولة العدو الصهيوني أن (ثلاثة وفود من سنة وشيعة العراق زارت تل أبيب خلال العام الماضي وتفاوضت معها حول عدة أمور)، ثم ما لبث محرض صهيوني معروف هو إيدي كوهين أن أشعل مواقع التواصل بذكر عدد من أسماء النواب العراقيين اختارهم جميعا من خصوم الزعيم الكردي مسعود البارزاني والذي أصدر أمرا باعتقال بعضهم بعد أن وقفوا ضد محاولته الانفصالية الأخيرة، وقد رد بعض أصحاب الأسماء التي ذكرها كوهين عليه بإهانات قاسية ومن الوزن الثقيل له ولدولته التي وصفها أحدهم بالمجرمة.

وفي الولايات المتحدة الأميركية نفسها، وفي ولاية ميشيغن تحديدا عقد مجموعة من البعثيين العراقيين "المعارضين" يقودهم الوزير السابق المتهم باختلاس أكثر من مليار ونصف مليار دولار حين كان وزيرا للكهرباء، وكان السامرائي قد قدم إلى المحاكمة في عهد حكومة نوري المالكي فتدخلت قوة خاصة أميركية واختطفته من قاعة المحكمة العراقية ونقلته فورا الى الولايات المتحدة بصفته مواطنا أميركيا. هذا المواطن الأميركي من أصل عراقي أو العكس والمتهم بالفساد والسرقة عقد مؤتمرا سياسيا أشاد فيه بالطاغية الملطخ بدماء العراقيين صدام حسين وحزبه في إهانة بالغة لمئات الآلاف من شهداء وذوي شهداء العراق الذين أعدمهم نظامه، والغريب أن هذا المؤتمر دعا علنا إلى القيام بانقلاب عسكري في العراق، بل وأعلن حتى عن اسم قائد الانقلاب وهو الجنرال المتقاعد عبد الواحد رباط آل شنان رئيس أركان الجيش في عهد النظام السابق، والذي لم يسمع عنه انه تصدى لقوات الغزو الأميركي. فهل يدخل هذا المؤتمر في إطار الابتزاز الذي تمارسه إدارة ترامب ضد حلفائها من ساسة نظام المحاصصة الطائفية لكي يكونوا أقرب إليها من إيران وإلا فالسوط البعثي الصدامي قادم؟

الطريف، أن الشخص الذي أريد له أن يكون زعيما للانقلاب، أصدر لاحقا بيانا في العاصمة الأردنية التي يقيم فيها، تبرأ فيه من المؤتمر وقال إنه (لن يلتقي بالأميركيين إلا بشرط أن يعيدوا العراق إلى ما كان عليه قبل 2003 ويعيدوا الحقوق لأهلها)، دون أن يبالغ أكثر ويطلب منهم أن يعيدوا صدام حسين الى الحياة والحكم! وختم الجنرال آل شنان بيانه بنصيحة ظريفة لمن رشحه لهذه المهمة ولغيرهم ممن يتابعون مواقع التواصل قال فيها إنَّ عليهم أن (يغادروا صفحات الفيس بوك ووسائل التواصل الاجتماعي لأنها أمرضتكم نفسياً فأصبحتم كاذبين ومراوغين دون أن تعلمون...غادروها وانتبهوا لعوائلكم أولا).

خلاصة القول، هي أن الأيام، وربما الأسابيع القليلة القادمة، ستكون حاسمة فعلا لتحديد ما سيحصل في العراق، وسيندم الساسة الذين تورطوا في إيصال عادل عبد المهدي الى رئاسة مجلس الوزراء، ولن يكون أمامهم أي خيار سوى الإصرار على إخراج القوات الأميركية من العراق بقرار نيابي عاجل ومحدد بسقف زمني، حتى لا يكون مصيره مصير قرار نيابي آخر أصدر المجلس النيابي منقضي العهدة وتم إهماله، وفي مقدمة هؤلاء الساسة وتلك الجهات تحالف "البناء" الذي يضم تحالفي "دولة القانون" و"الفتح"، أما الذين شاركوا في إيصاله الى الحكم عن سابق قصد وتصميم، ويطبقون هذه الأيام تكيتيك "اعمل نفسك ميت"، فهم يتحملون مباشرة مسؤولية كل ما سيحدث للعراق وفيه قريبا، ومن هؤلاء، وفي مقدمتهم، تحالف "سائرون" وكتلته النيابية "الإصلاح". وستكشف لنا الأيام القادمة عن المزيد من التخبط والأخطار المحدقة بالعراق وشعبه، والتي لا يمكن التصدي لها إلا بإخراج القوات الأميركية والتركية رسميا ونهائيا من الأراضي العراقية، كما قلنا قبل قليل، وليسهُلَ بعدها التصدي الحقيقي للهيمنة الإيرانية في الأمن والسياسية والاقتصاد، وكل هذا لا علاقة له ببرنامج حكومة عبد المهدي التي جيء بها لإتمام مرحلة التشطيبات ووضع العراق نهائيا في السلة الأميركية مع ترك بعض الفتات لإيران وحلفائها المحليين.

إن حكومة عبد المهدي مشؤومة وخطيرة، وفي عهدها قد يسقط العراق في هاوية التبعية والأزمات الكارثية وأولها أزمة الإفلاس الاقتصادي كدولة وسيعجز عن تسديد الديون والقروض الخارجية كما حذرت نائبة رئيس صندوق النقد الدولي نفسها قبل فترة. أما الإنجاز الوحيد الذي سيسجل لهذه الحكومة - للإنصاف وتوخي الدقة - فهو استكمالها لعملية رفع الصَّبات "الحواجز" الكونكريتية من شوارع بغداد وفتح المنطقة الخضراء جزئيا للجمهور، وهو الإنجاز الذي دفع بعض الظرفاء لأن يطلقوا عليها اسم "حكومة رفع الصَّبات"!

 

علاء اللامي - كاتب عراقي.

 

سليم الحسنيطلبت القوات العسكرية الأميركية من الحكومة العراقية سحب قوات الحشد الشعبي من منطقة القائم، لتحل محلها، ضمن خارطة عسكرية قررت الانتشار عليها، تشمل شمال بغداد والمناطق الغربية وصولاً الى الحدود مع السعودية.

لم تتحدث القيادات العسكرية العراقية بمختلف تشكيلاتها وأجهزتها، عن هذا الموضوع في وسائلها الإعلامية وفي تصريحات المسؤولين، فالحديث عنه يعني انكشاف المواقف الحقيقية، وهو ما لا تريده قيادات العملية السياسية، لكي لا تقع في احراج أمام الشارع العراقي.

إن تعامل هذه القيادات مع ملف التواجد العسكري الأميركي، يشبه الى حد كبير تعاملها مع ملفات الفساد، حيث يشجب الجميع الفساد ويتسترون عليه.

لم يتحدث المعنيون عن سرعة الانتشار العسكري الأميركي في العراق، ولا عن تزايد عدد قواعده العسكرية، وتنقل قطعاته على الأراضي العراقية، ولا عن غلق معظم المجال الجوي العراقي بين فترة وأخرى وبصورة مفاجئة.

عاد الاحتلال الأميركي بأخطر من السابق، فهو الآن يبسط قواته على المناطق الحساسة، بكامل معداته العسكرية، ولديه خمس قواعد جوية، ويتحكم بمساحات واسعة من حدود العراق مع سوريا والأردن والسعودية، إضافة الى سعيه للتحكم بمفاصل مهمة يستطيع من خلالها عزل عدد من المحافظات عن بعضها.

القيادات العسكرية العراقية والاستخباراتية وقيادات الحشد الشعبي، تعلم بدقة هذا التوغل والانتشار الأميركي المكثف، ولم تصدر منها إلا بعض التصريحات الاستعراضية من بعض قيادات الحشد الشعبي، أما القيادات الأخرى فقد تغيرت توجهاتها عن السابق، فهي تحمل بندقية الحشد لكنها تصافح سراً الضباط الأميركان.

قيادات الكتل السياسية غير جادة بفتح هذا الملف الخطير، ولا بسؤال القائد العام للقوات المسلحة عن هذا التواجد العسكري الأميركي، ومبرراته وأهدافه. ولا يبدو عليها أنها ستتحرك بهذا الاتجاه، لأنها أدركت أن هذه المرحلة أصبحت مرحلة النفوذ الأميركي في العراق.

جاء احتلال العراق عام ٢٠٠٣ بهدف اسقاط نظام صدام، فما هي مبرراته هذه المرة؟

لا تنفصل الإجابة عن مقدمات هذه الدورة البرلمانية، فلقد بدأت بتزوير الانتخابات، وتمييع الكتلة الأكبر واختيار رئيس وزراء مطابق لمواصفات انهيار الدولة، والتصويت المزوّر على وزراء بعثيين وإرهابيين وفاسدين، وخطوات التطبيع مع إسرائيل. فهي رزمة من التغييرات المنسجمة مع بعضها البعض، جرى تنظيمها بطريقة متقنة.

وكان الإبداع الأميركي، أن السفارة جعلت القادة السياسيين ومكاتب غير السياسيين، ينفّذون ما تريد، بعضهم تحرك بشكل علني، وبعضهم الآخر نشط في السرّ، وبعضهم استخدم الإيحاءات، وكان للصمت دوره أيضاً في تمرير ما يحدث.

 

سليم الحسني

 

محمد العباسيلاجئو الحرب الأهلية السورية أو اللاجئون السوريون، مواطنون سوريون فرّوا من قراهم ومدنهم في أصقاع "سوريا" مع تصاعد عمليات التنكيل في بداية حراك الربيع العربي المشئوم في عام 2011 حتى بلوغ الأزمة السورية مراحل القصف بالبراميل المتفجرة ثم التدخل الروسي وجماعات طائفية مدعومة من إيران وجماعات أخرى محسوبة على القاعدة وداعش والأكراد والأتراك.. وتفاقمت الأوضاع بحلول عام 2016 ومن ثم انقلاب الأوضاع لصالح النظام السوري المدعوم بنهاية 2018.  وقد تم تسجيل أكثر من ستة ملايين لاجئ سوري في دول الجوار خصوصاً الأردن ولبنان وتركيا والعراق، وعلى الأرجح توجد مئات الآلاف الأخرى من اللاجئين غير المسجلين، ويقدر عدد من ينتظرون التسجيل كلاجئين في وطنهم بحوالي مليون شخص أو أكثر، جلهم اليوم مكتظين في حلب وإدلب  بلا أدني أمل في الخلاص القريب.

بدأت عمليات النزوح بعدة مئات بين شهري إبريل ومايو 2011 لتصل مع نهاية السنة الأولى إلى عدة آلاف.. وبلغ عدد اللاجئين السوريين المسجلين في لبنان وحدها مع يناير 2012 وفق المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أكثر من 5000 لاجئ، مع آلاف اللاجئين الغير مسجلين بشكل رسمي..  بل وصل الأمر لقمة التخوف والترقب من تفاقم المعضلة حينما أعلن رئيس الأركان الإسرائيلي حينها عن استعدادات يقوم بها الجيش الإسرائيلي لاستيعاب آلاف اللاجئين السوريين المحتملين من الطائفة العلويّة في هضبة الجولان السوريّة المحتلّة، في حال سقوط النظام السوري الذي تهيمن عليه الأقليّة العلوية واضطرار العلويون إلى الفرار.  بحلول شهر مارس قدّرت الأمم المتحدّة أعداد اللاجئين السوريين داخل سورية حوالي 230,000 لاجئ، وخارج سورية حوالي 30,000 لاجئ.  وبحلول إبريل، أفادت الأنباء الواردة عن تزايد أعداد اللاجئين السوريين في الدول المجاورة بنسبة 40% في غضون أيام، وبلغ عدد اللاجئين المسجلين حوالي 55,000 لاجئ نصفهم من الأطفال دون سن 18.

و لكم أن تتصوروا حال السوريين بمرور كل شهر وعبر السنوات الأخيرة بالذات مع تزايد العنف والقصف والتهجير وعمليات النظام والجماعات الإيرانية بقصد إخلاء المدن من أهاليها من كل المذاهب المخالفة للعلويين الشيعة والعمل على تغيير الديموغرافية السكانية بشكل ممنهج.. حتى بلغ عدد اللاجئين المسجلين في مخيمات تركيا وحدها مع نهاية 2015 حوالي ثلاثة ملايين سوري.. ناهيكم عن مئات الآلاف الغير مسجلين.

في الأردن، رغم كل مشاكلها الإقتصادية، يتواجد أعداد من اللاجئين تفوق كل قدراتهم الطبيعية.. ففي مخيمات مثل الزعتري والأزرق والرقبان باتت تلك المناطق متخمة فوق طاقاتها بالسوريين.. وكلنا يعلم أن الأردن كانت قبل الأزمة السورية ولاتزال تحتضن ضيوفها من اللاجئين من العراق وفلسطين منذ سنوات طويلة.. وهم بالفعل يعانون من الأوضاع الاقتصادية ويشكل الواقدون ضغطاً على موارد الأردن المحدودة أصلاً، ما يمكن أن يكون له تأثير سلبي على الرأي العام الأردني تجاه هؤلاء المغلوبين على أمرهم (حسب كافة دراسات الأمم المتحدة).

وكذلك الأمر مع الوضع في لبنان حيث كان تدفق الأعداد الكبيرة في بداية الأزمة عبر طول الحدود بلا سيطرة.. فقد تقبل لبنان الأمر من باب الوضع الإنساني حتى بلغ عدد اللاجئين حوالي المليونين مما رفع تعداد سكان البلاد بنسبة 50% تقريباً.. وصرح المفوض السامي للأمم المتحدة حينها بأن: "وطأة تدفق مليوني لاجئ تعتبر ضخمة على أي بلد.. أما في لبنان، وهو دولة صغيرة تعدادها 4,4 مليون ويعاني من صعوبات داخلية ومشاكل طائفية، فالتأثير مذهل".

قد يعاني أغلب اللاجئين من صنوف ومشاكل عدة ترتبط بالضرورة بطبيعة الإغتراب والتشرذم والغصة المرتبطة بالهجرة القصرية عن الأوطان والمعيشة في الخيام وأحياناً في العراء.. ومع مثل هذه الظروف القاسية تأتي قساوة الشعور بالضياع وعدم الأمان وسوداوية المستقبل.. بينما تعاني المخيمات بشكل عام من قلة الموارد وظروف الإتكال على المعونات مما يزيد الطين بلة ومهانة ومذلة.. وقد يعاني الكثير من تأثيرات نفسية بسبب فقدان الكرامة بالذات للرجال المسئولين عن عوائلهم وأطفالهم الصغار.. ومع الأطفال تأتي جملة من المعضلات ربما أهمها لمن يولدون في المخيمات بسبب مشكلة الوضع القانوني والتسجيل من أجل الحقوق الجنسية والمدنية.

ففي تركيا مثلاً، وفقًا للقانون التركي في هذا الشأن، فإن الطفل المولود في تركيا ولم يكتسب بولادته جنسية أي دولة كانت لكون أبويه أجنبيين "يعتبر مواطنًا تركيًا منذ ولادته، كما يعتبر الطفل الموجود في تركيا مولوداً فيها طالما لم يثبت عكس ذلك"، ما يعني أنه من المفروض لكل المواليد السوريين أن يجنّسون تلقائياً باعتبارهم مشمولين بنص القانون المذكور.. لكن واقع الأمر مختلف، فالسوريون يعاملون باعتبارهم "حالة خاصة" ولهم فقرات محددة في قانون الأجانب، بحسب شرح مدير المكتب القانوني بوزارة العدل في الحكومة التركية.. فالقانون لا يتم تطبيقه على أغلب اللاجئين السوريين حيث أنهم لا يُعتبرون قاطنين شرعيين في تركيا، ولا بد لهم من الحصول على إقامات شرعية وربما لزاماً عليهم التواجد بشكل شرعي لمدة خمس سنوات قبل تأهلهم لمثل هذا الحق في الجنسية، وبعد الحصول على الموافقات من الجهات الرسمية، وهكذا!

ويوضح مدير المكتب القانوني أن الإقامة "يجب أن تكون شرعية ضمن الدولة التركية"، مضيفا أن "احتساب سنوات الإقامة لا يشمل الفترة الذي قضاها السوري مخالفًا قبل استصداره إقامة في البلد".. ولا يجب أن يكون صاحب الطلب حاملًا لمرض من شأنه تشكيل خطر على الصحة العامة، ويشترط أن يكون صاحب أخلاق حسنة وحسن السيرة والسلوك، وأن يكون على قدر كاف من التحدث باللغة التركية.. كما يجب عليه أن يكون صاحب مهنة يستطيع إعالة نفسه ومن هم تحت رعايته، وألا يكون ممن يشكلون خطراً على الأمن القومي والنظام العام.. ويطلب من الأجانب الراغبين في الحصول على الجنسية التركية إضافة للشروط السابقة، أن يتنازلوا عن جنسية البلدان التي يحملون جنسيتها، ويكون مجلس الوزراء مفوضاً بتقدير كل ما سبق.. ويعيش قرابة ثلاثة ملايين سوري في تركيا، بعضهم يتوزعون داخل المدن التركية، وآخرون يقطنون في المخيمات عند الحدود السورية، استصدر معظمهم هويات تعريفية "الكيمليك"، نظراً للتكاليف المرتفعة للحصول على الإقامات السياحية، كما يحمل غالبيتهم جوازات سفر منتهية الصلاحية أو ربما لا يحملون معهم أية أوراق ووثائق رسمية أصلاً !!

و هكذا هو وضع أغلب الهاربين من جحيم المعارك في كل دول الجوار.. هربوا بأرواحهم دون الإلتفات إلى مثل هذه المتطلبات والمستندات.. وهكذا نجدهم يعيشون في خيام قد تأويهم من قساوة البرد في الشتاء لكنهم يفتقرون لمقومات الحياة الأساسية.. بالذات للضحايا الصغار.. فهم محرومون من كل الحقوق، وبالذات التعليم والرعاية الصحية.. وهم بالتالي محرومون من التمتع بطفولتهم حالهم حال اطفال الدنيا.. محرومون من كنف الأسرة السعيدة والتربية السوية الصحيحة.. ثم نجدهم يدفعون الثمن غالياً بسبب حرمانهم من حقوقهم في الإنتماء لوطن ما حيثما يكون هذا الوطن! وفي تركيا وحدها تمت ولادة أكثر من 250 ألف مولود خلال سنوات الحرب الماضية وأغلب عوائلهم لا يحملون الوثائق المطلوبة.

ففي الأردن حسب إحصائية 2014 تم تسجيل أكثر من 16 ألف مولود، وفي بداية 2016 تم تسجيل حوالي 7000 مولوداً جديداً أغلبهم في مخيم الزعتري.. وأترك لكم تصور عدد المواليد عبر سنوات الحرب منذ 2011 حتى الآن في كافة مخيمات اللاجئين في دول الجوار مجتمعة.. غير الذين يعيشون في الشتات والمهاجرين والنازحين داخل الأراضي السورية.. وعدد من ماتوا جوعاً بسبب الحصار وفقدان الرعاية.. وعدد الأطفال اللذين ضاعوا أو تم إختطافهم من ذويهم في رحلات العذاب بين الحدود الأوروبية.. وعدد من لقوا حتفهم غرقاً في البحار في قوارب الموت!

لذا تحيرني تلك الصور التي نجد فية رب أسرة في خيمة ممزقة يشتكي من إفتقارهم للمأكل والمشرب وعدم توفر الكهرباء والوقود وأبسط المتطلبات الحياتية.. ويشتكي من صغر خيمته المتهلهلة وكونه يعيش فيها هو وزوجته وعدد من الأطفال كلهم دون الخامسة.. كيف بالله يكون لكم في مثل هذا الوضع المأساوي الرغبة في الإنجاب.. كيف تفاقمون الوضع سوءاً؟  ثم تشتكون؟  ما ذنب هؤلاء الصغار فيما تصنعون؟  كيف بالله تجدون المزاج والوقت والرغبة في الإنجاب وأنتم أعلم الناس بسوء الأوضاع وما أنتم فيه من ضياع؟؟

للأطفال بالذات مشاكل خاصة.. فتقارير الأمم المتحدة تبين أن حوالي 50% ممن تتراوح أعمارهم بين 5 و17 سنة مضطرون للعمل لإعانة أهاليهم مقابل أجور زهيدة جداً وفي ظروف قاسية.. وكذلك تبين الدراسات ارتفاعاً ملحوظاً في زواج الفتيات بين 15 و19 سنة دون أرادتهن وضد رغبتهن، من أجل التخفيف على أعباء أسرهن.. ويكاد الوضع يكون أشبه بسوق للنخاسة تباع فيها الفتيات من أجل إنقاذ بقية أفراد الأسرة.. ورغم أن نسب الملتحقين بالدراسة تتحسن كل سنة، غير أن الأصغر سناً لا يزالون محرومون من التعليم المنظم بسبب تكاليف الدراسة ومشاكل توفر وسائل النقل المناسبة.. ولا تزال نسب الإنجاب مرتفعة في المخيمات رغم كل الظروف القاسية، وربما كان ولا يزال الأمل قائماً بين هؤلاء اللاجئين بقرب إنتهاء مأساتهم وعودتهم لأوطانهم من جديد!

وتبين بعض أحدث الإحصائيات تواجد حوالي 7 ملايين لاجئ سوري على أراضي 45 دولة حول العالم بينهم حوالي مليوني امرأة وأكثر من 3 ملايين طفل.. ويبين موقع (سبوتنيك) الروسي أن 29 دولة منها تكتظ فيها أعداد اللاجئين السوريين وهي كالتالي: "تركيا، لبنان، الأردن، مصر، العراق، ألمانيا، هولندا، النمسا، الدنمارك، اليونان، سويسرا، بلجيكا، إيطاليا، رومانيا، إسبانيا، إيرلندا، مالطا، بولندا، البوسنة والهرسك، الأرجنتين، لوكسمبورغ، كرواتيا، سلوفينيا، بلغاريا، هنغاريا، آيسلندا، سلوفاكيا، جمهورية التشيك، لاتفيا".. وهذا التعداد لا يشمل كل السوريين الذين كانوا يعيشون في غير أوطانهم كعمالة، وبالتالي لم يتمكنوا قط من العودة وإحتظنتهم تلك الدول مراعاة لظروفهم، لذا هم ليسوا محسوبين ضمن اللاجئين لكونهم مستقرين ويحظون ببعض الأمان والإستقرار بشكل عام.. وأغلب هؤلاء ربما كانوا ولا يزالون متواجدين في الدول العربية التي لا تزال تحظى ببعض الإستقرار وبالذات في الدول الخليجية.. فهل يا ترى سيعود كل هؤلاء المبعثرين في أرض الله إلى سوريا الحبيبة قريباً، أم ستطول محنتهم كما الحال مع الشعب الفلسطيني المغلوبين على أمرهم؟

 

د. محمد العباسي - أكاديمي بحريني

 

عبد الجبار نوريإعتمد الرئيس الامريكي دونالد ترمب في ستراتيجّيته الجديدة في المنطقة، ومع إيران تحديداً، على ثنائية المجابهة قبل المواجهة، بعد أنْ نجح في عقد صفقات عسكرية وسياسّية، مع الرئيسين بوتين وأردوغان، والذي سمّاها وزير الخرجية ماك بومبيو ب(غسل العارالذي خلفه الرئيس السابق باراك اوباما)، ففي تعاملها مع إيران إستخدمت الإدارة الامريكية، طريقة المجابهة (The confrontation)، وفرضت حصاراً تأريخياً قاسياً، خنقت فيه إيران إقتصادياً وإعلامياً وعسكرياً ونفطياً، ونجحت في إقناع حُلفائها الغربيين الاوروبيّين، في تنفيذ الحصار بحذافيره، كي تستنزف القدرات الاقتصادية كلها، في هذا الحصار، وتسقطها إقتصادياً، قبل المواجهة العسكرية (Military action)، التي جعلتها في آخر المطاف، أي حتى إنهاك الإقتصاد الإيراني بشكل كامل، وعندها تستخدم القوة العسكرية (Military action)) معه، وزيارة ماك بومبيو وزير الخارجية الامريكي للمنطقة، أفصحت عن جملة مؤشرات إستراتيجية في مرحلة مابعد الزيارة، فقد زار الوزير تسع دول في المنطقة، منها ستة دول خليجية والعراق والاردن ومصر، وتمّ في هذه الزيارة، الأتفاق على تشكيّل تحالف عربي –أمريكي لمواجهة وتحجّيم إيران، وإنهاء دورها التخريّبي المُزعّزع لأمن المنطقة وإستقرارها، وشرح أهداف وغايات الإنسحاب الامريكي من الاراضي السورية، والذي وصفه بومبيو ب(الإنسحاب التكتيكي)، وإعادة الانتشار العسكري في العراق، والتهيئة لعقد آخر مؤتمر دولي في وارسو عاصمة بولندا، لإعلان أكبر تحالف دولي أوروربي لمناقشة الملف الايراني ومواجهة التحديات الايرانية للمصالح الإستراتيجية الأمريكية في المنطقة، ورعاية إيران للارهاب العالمي، أما الصفقات التي عقدها مع الرئيس بوتين، تتضّمن إلموافقة الروسية على إخراج إيران وميليشياتها وحزب الله من سوريا، وإبقاء نظام البعث والاسد في سوريا، وحماية المصالح الإستراتيجية الامريكية هناك، مقابل إنهاء التواجد الايراني في العراق، ونزع أسلحة الميليشيات التابعة له، وتسليمها للدولة، ومحاكمة من تلطخّت يداه بدماء العراقيين، وإعادة الحكم (للسُّنة)، لأن الأحزاب الشيعية والاسلاموية، فشلت في قيادة العراق حسب الرؤية الامريكية وشروطها لبوتين، وأنتجّت ظاهرة تنظيم داعش الارهابي بسياستها الانتقامية والطائفية الثارية، والذي دمّر المحافظات السنّية فقط، بعد أن أدخلها نوري المالكي بأوامرإيرانية لهذه المحافظات، إنتقاماً منها لهذه المدن، التي لها ثارات وأحقاد تأريخية طائفية معها، وحرب الثمان سنوات، التي تجرّع فيها الخميني (كأس السُّمّ الزُّعاف)، كما أعلن هو بنفسه هذا، هذه هي صفقة بوتين –ترمب، أما صفقة ترمب – أردوغان فهي إطلاق يد الرئيس أردوغان في كل من العراق وسوريا، مع المحافظة على مصالح تركية والاكراد في سوريا، وتحرير محافظة أدلب السورية من قبضة جبهة النصرة وداعش بالتعاون مع روسيا وتركيا والنظام السوري، تمهيداً للقضاء على الارهاب في عموم الاراضي السورية، كما حصل في العراق، إذن هذه هي ستراتيجية الرئيس ترمب، في طرد إيران وحزب الله والميليشيات العراقية التابعة لها في كل من العراق وسوريا، وفرض الأمن والإستقرار فيها، بعد الإنتهاء من هزيمة التنظيمات التكفيرية كالنصرة وداعش وغيرهما، نعود الى تسارع الاحداث في تنفيذ ستراتيجية الإدارة الأمريكية في العراق، فنرى إلأنتشارالسريع المفاجيء في القواعد العسكرية للمحافظات المحررّة، وإنشاء قواعد جديدة في العراق، منها خمس قواعد في محافظات دهوك واربيل والسليمانية، في التون كبري وحرير وحلبجة ومخمور ودهوك، وفي الموصل جبل سنجار ومخموروغيرها، إذن الانتشار العسكري الهائل في العراق، وعودة الجيش الأمريكي لقواعد جوية، في عين الأسد وبلد والفتحة والقيارة والتاجي وديالى، وتحشّيد أمريكا العسكري في المنطقة، من تهيئة صواريخ الباتريوت وفتح القواعد العسكرية، في قطر والكويت والاردن والبحرين وغيرها، وتحريك حاملات الطائرات جون بيتيس وجورج بوش التي تحمل الاف الطائرات والجنود والضباط ومفاعلات نووية على ظهرها، و65 قطعة بحرية مزودة بأحدث الاسلحة وتحضير خطة جهنمية كبرى هي خطة ايقاف الاجهزة الالكترونية في عموم ايران، بما فيها مفاعلاتها النووية، وإستعداد إسرائيل بكل قوتها العسكرية لضرب طهران، لهو إشارة واضحة، على تهيئة وتنفيذ الفعل العسكري( Military action) كخطة لاحقة، إذا فشلت المجابهة ( الحصار الاقتصادي القاتل )((The confrontation، كما تطلق عليها الإدارة الامريكية في ستراتيجيتها، وهذا ماسيقرّره مؤتمر بولندا في وارسو، الشهر المقبل، ولكن ماهو ردّ حكومة عادل عبد المهدي، وهو يرى بأم عينه، كيف يزور الرئيس ترمب العراق بدون( إحم ولا دستور ولاسيادة ولابطيخ) معتمداً على الاتفاق التي وقعها المالكي، أو زيارة وزير الخارجية دون سابق إذار، في وقت يخرج علينا عبد المهدي ليكذب (عيني عينك)، ويقول التواجد الأمريكي في العراق يتناقص يومياً، وقد تناقص من 12 الف الى 8 الاف، هكذا يضلل عبد المهدي الشعب، ويغض الطرف عن عاصفة التسريبات، والاخبار والافلام والوثائق، التي تنشر في صفحات التواصل الاجتماعي أو عبر الفضائيات، ومنها محاكمة نوري المالكي وقادة الميليشيات وكبار الفاسدين، أو السيطرة على أوامر الطيران المدني والعسكري العراقي أمريكيا، وتجوّل الجيش الامريكي ونائب قائد الجيوش في بغداد وشارع المتنبي، أو دعم مؤتمر مشيغن للمعارضة، ضد العملية السياسية، وإتهام البعثيين بإقامة ودعم هذا المؤتمر، في وقت رفض حزب البعث المشاركة فيه وانتقده بشدة، وهذا كُلّه يؤكد حقيقة تخبط وفشل العملية السياسية، والأحزاب، ولائها لإيران، أو خوف سطوة النفوذ والهيمنة الايرانية وميليشياتها، وكلها تؤكد عودة الانتشار الامريكي في كل القواعد العسكرية والجوية، وإنشاء قواعد عسكرية ومطارات جديدة، ونحن ننظر الى مثل هذه التصريحات والتسريبات، التي نعتقد أن الادارة الأمريكية وشبكاتها ومخابراتها، تسربها هنا وهناك، لتمارس الحرب النفسية أولاً، وتُمهّد أرضية نفسّية، لجسِّ نبض الشارع العراقي، ومدى تقُبلهُ تواجد أمريكي طويل المدى، بديلاً عن الإحتلال الإيراني وميليشيّاته، إنها الحرب النفسية التي تسبق إعلان الحرب على إيران، تماماً كما فعلت أثناء غزو العراق، نعم هناك تغييّرات جذرّية ستحصل في المنطقة كلّها، وسيُعاد رسم خريطة المنطقة، بعد التخّلص من خطر النظام الايراني، وتغوّلهُ في المنطقة إعتماداً على أذرعه فيها، لإكمال البدر الشيعي، الذي بدأَ يأفل سريعاً في ظلِّ العقوبات الإقتصادية الخانقة، والتواجد الأمريكي على الحدود العراقية السورية، الذي قطع الإتصال بين طهران وسوريا، في قاعدة التنف وربيعة وسنجار والانبار، وإحتلاله أربع عواصم عربية، والذي بدا النظام يدرك هذه الحقيقة، وإقتصاده يترّنح أمام الحصار التأريخي، ومنعه من تصدير نفطه الى العالم، وإنتهاء مُهلة عزلها عن العالم نهائيا بعد شهرين من الآن، إذن أستراتيجية الأدارة الأمريكية، نجحت الآن في تقويّض التواجد الايراني وتحجيمه، في كل من سوريا والعراقبصفحتا الاولى، والآن الإجهاز على إقتصاده وإنهاكه، بشكل كامل في الصفحة ما قبل الأخيرة، حيث تؤكد تصريحات وتهديدات المرشد الخامنئي وقادة الحرس الثوري، والملالي ضد امريكا، بعد حذف الاصفار عن العملة الايرانية، أن إلحصار بدأ يفعل فعله ويؤثر على إيران، وهكذا يعطي ثماره في خنق إيران، وإستسلامها لشروط الادارة الأمريكية ال(12) المهينة، ويتجرّع بعدها المرشد خامنئي كأس سمّ الحصار، كما تَجرّعَ خميني كأس سمّ الحرب مع العراق، قبل أنْ تُعلن الإدارة الامريكية المواجهة العسكرية، وقيادة تحالف دولي وعربي عسكري لأسقاط نظامها المتهريء،  نعم الإستراتيجية الامريكية ألآن مع طهران هي المجابهة، وإلإستنزاف الاقتصادي والنفطي، قبل المواجهة العسكرية التي جعلتها الادارة الامريكية وحلفاؤها آخر المطاف كنتيجة حتمية، على ضرورة إسقاط نظام الملالي في طهران، وآخر الدوّاء الكَيُّ كما يُقال ....

 

عبد الجبار الجبوري

 

فالح الحمرانيينبغي أن تقف مسألة الوفاق بين السلطة والمجتمع في أولويات الحكومة الجديدة، ومن دون العمل بالعثور على هذا الوفاق فإن المجتمع قد يسحب الثقة عنها، ويقلل من شرعيتها، وحتى المطالبة بتغيرها . إن بمقدور حكومة عادل عبد المهدي الجديدة تحقيق الوفاق بينها وبين المواطنين، من دون البحث عن الأعداء ولا  إثارة المخاوف من الجيران ولا اختلاق الخرافات عن الأهداف العليا ومسؤوليات الشعب الخاصة أمام التاريخ العالمي والقومي، ولكن في هذه الحالة ينبغي على الحكومة أن  تتحلى بالمهنية الحقة، وان تتجه تحركات الدولة نحو حماية حقوق ومصالح المجتمع. وهذا ممكن فقط حينما يكون الموطن حر في انتخاب حكامه، ويمتلك المعرفة والخبرة، الكافية  لأن يكون انتخابه عقلاني.

أن مهمة مؤسسات الحكم في أي بلد هو السعي إلى الحصول على الشرعية: موافقة المواطنين عليها، لتسهيل عملية إدارتهم، أو بكلمة أدق كيفية إدارتهم. ومن دون شك يمكن إخضاع المواطن عن طريق العنف والتهديد. بيد إن هذا الأسلوب فاعل لاغتصاب السلطة، ولكنه غير فعال للبقاء فيها لزمن طويل.

واذا ما اعتمدت السلطة فقط على الترويع والتهديد،  فينبغي عليها تشديد الرقابة بصورة دائمة: فرض الرقابة على سلوك وتصرف المواطنين، وعلى حركة البضائع...الخ. إن فرض مثل  هذه الرقابة ممكنة فقط على المنتوجات البسيطة أو على الهيئات الاجتماعية البسيطة. فقد كان بوسع رقيب يحمل عصا غليظة تأمين رقابة فعالة على عشرات العبيد الذين ساهموا في بناء الأهرامات. وبات بمقدور جندي يحمل رشاشة حراسة شريط حدودي طويل ومنع تهريب البضائع عبره. ولكن في حال تعقد عملية الإنتاج أو المنظمات الاجتماعية وغيرها من البنى الوطنية ستكون هذه الرقابة مهمة صعبة للسلطة وفي نهاية المطاف غير فعالة لذلك حتى أنظمة الاحتلال تسعى إلى تكوين أجهزة التسيير الذاتي، التي عليها إن تبدو للسكان بانها ولو لحد ما، شرعية. وكما قيل أن السيوف حسنة للجميع، ولكن من الصعوبة الجلوس عليها.

أن التجربة التاريخية برهنت على أن السلطة المستقرة والفعالة يمكن أن تكون فقط السلطة التي تتمتع بالشرعية. لماذا يوافق الناس على الخضوع؟  إن هذا يعود في المجتمعات المثالية إلى أن السلطة التي شكلها المواطنون تأخذ بأقصى حد مصالح كل فرد منهم ومصالح الجميع، ولأنها تحقق لحد مقبول  الأهداف الوطنية/ الاجتماعية.

إن أصحاب السلطة يسعون دائما إلى أن يدعم المواطنون  ويباركوا كل خطوة  يقومون بها. ولكن  الأكثر أهمية  لاستقرار السلطة هو الاتفاق بين السلطة والمجتمع على هذه أو تلك من الأهداف التي  من اجل تحقيقها يتم إنجاز هذا العمل أو ذاك، وربما حتى من دون مباركة المواطنين له. فمثلا اذا رأى المواطنون إن الحكومة تسعى إلى استعادة جزء من تراب الوطن الذي استولت دولة أخرى في زمن ما، وان هذا الهدف ضمن الأولويات وإنه مصيري، فان عدم  الموافقة الاجتماعية على أسلوب تحقيق هذا الهدف ( فرضا إن الحكومة تلجأ إلى الحرب لتحقيق هذا الهدف، وان المواطنين  يفضلون تحقيقه بالطرق السلمية)  يمكن أن لا يقوض شرعية السلطة، ولكن اذا اعتبر المواطنون المتحمسون لاستعادة الأراضي المفقودة، إن الحكومة لا ترغب ولا تروم استعادة جزء الوطن المفقود باي شكل من الأشكال، فبأكثر احتمالات انهم سيطالبون بانتخاب حكومة جديدة أو يكفون عن اعتبارها سلطة شرعية، وسينظرون لها كهيئة غريبة غير وطنية.

أن التوافق بشان الأهداف الذي تسعى السلطة تحقيقيها، يعني ولو جزئيا تطابق السلطة مع المجتمع. نظرا لأن الدولة معنية، بأن يتفق المواطنون معها ويرون، إنها تعبر عن مصالحهم، وانها تطمح إلى الإعلان عن أهداف مفهومة وتحظى بالشعبية.

قد تكون اسهل وسيلة لتحقيق وفاق الشعب مع السلطة، هي إثارة الشعور لدى المواطنين بان امنهم مهدد، وهذا ما شاهدناه حينما ابدى المجتمع العراقي تأييده الواسع لرئيس الوزراء السابق حيدر العبادي واتسعت شعبيته، حينما اجتاحت داعش جزء كبير من الأراضي العراقية، وباتت تهدد العاصمة بغداد. فالمجتمع شعر بان الخطر يهدد نظامه واقتصاد البلاد ونوعية الحياة،  وبالتالي الحياة نفسها. وتجسدت تلك المخاوف في كافة المناطق التي احتلتها داعش، وغدت مصدرا طبيعيا لتعميق الشعور بمصادر الخطر. وأحيانا تقوم الظروف الطبيعية  بهذا الدور، مثلا بالنسبة للعراق انخفاض أسعار النفط أو شحة مياه الرافدين، والهزات الأرضية وغرق المدن بالأمطار. بيد من الأسهل من الناحية النفسية، العثور على مصدر خارجي للخطر من دولة أخرى أو شعب آخر، من إيجاده في الداخل، لذلك  تروج بعض الجهات اليوم لتضخيم الخطر المحدقة بالعراق، مرة من هذه الدولة المجاورة أو تلك، أو من قوى دولية. وفي هذه الحالة  تيسر للسلطة الحديث لفظيا عن أهداف استدامة الحيوية المادية والثقافية والاقتصادية  للبلاد، وظهرت الكثير من المؤشرات على اتفاق المجتمع مع السلطة، على خلفية انتشار الشعور اكثر في المجتمع، بالخطر.

ونلاحظ أيضا إن السلطة تحاول التوصل إلى نيل الاتفاق مع المجتمع من خلال طرح أهداف عامة غير محددة، ذات سمات تبشيرية. وتحاول الإيحاء للشعب من خلال توظيف الماكنة الدعائية والوعظ للإيمان بها، والغريب في الأمر إن المواطن غالبا ما يؤمن بالدعاوى التي تعمق في الانقسام الطائفي، من خلال الإيحاء بوجود رسالة لدى هذا المكون أو ذاك في الدفاع وحماية مذهبه الديني وتوسيع نشره من أخطار الآخر، داخلي أو خارجي، إن الموافقة على هذه الأهداف الشاخصة للمستقبل تجعل من المحتم المقاربة غير البناءة من وقائع اليوم. لذلك نرى أن ليس من المهم للحكومات المتعاقبة أن تكون فاعلة في توفير مستوى كريم للحياة والتعليم والرعاية الصحية  بل مدى الاقتراب من تحقيق الأهداف الغامضة والموهومة.  وفي هذه الحالة فان الحكومات وحدها حددت مقاييس نجاحاتها التي تحققت وهذا ما طالعناه في تقارير كافة الحكومات العراقية المتعاقبة منذ الاحتلال الامريكي عام 2003  .

 

د. فالح الحمـراني

 

 

محمد الدعميبعدما هبط الرئيس دونالد ترامب بالقرب من بغداد على أيام الأعياد في الولايات المتحدة، دون علم حكومة بغداد، لم يتبق للمرء أي شك بثمة انزلاق في بؤرة السياسة الأميركية في الشرق الأوسط باتجاه الشرق (ناهيك عن إعلانه قبل بضعة أيام بأن أميركا باقية في الشرق الأوسط).

لا يمكن للمرء أن يقرأ هذه الزيارة المفاجئة لإحدى قواعد القوات الأميركية إلا بوصفها نصا سياسيا، ناهيك عن حقيقة تجاهل الرئيس ترامب الاتصال بالحكومة العراقية. يشكل هذا النص بنية جملة نحوية مفيدة، إذ مثّل هذا الهبوط المفاجئ فيها “الفاعل”، أما الجزء الثاني من الجملة (أي الفعل والمفعول به والتكملة)، فإنما يتكون من تجريد الرئيس ترامب الشقيقة سوريا من كامل قيمتها الجيوستراتيجية، بقوله بأنها لا تزيد عن “رمال وموت”، في إشارة واضحة المعالم إلى انزلاق بؤرة اهتمامه إلى حيث يوجد الغزير من النفط، أي إلى العراق.

أما بقية النص الأميركي، كما أقرأه بوضوح الآن، فقد استكملته الحكومة الإسرائيلية عندما حذرت العراق من تزايد النفوذ والدور الإيراني بداخله، الأمر الذي يعني (بالنسبة لها) إكمال مد الجسر البري الرابط بين العدوين اللدودين إيران وإسرائيل، عبر العراق، ثم سوريا، مع مقاربة لبنان بالقرب من حدود إسرائيل مباشرة.

والحق، فقد تأكد لي زحف بؤرة البنتاجون نحو العراق، ليس فقط من خلال ما قاله الرئيس ترامب لجنوده في العراق خلال زيارتهم بما يفيد بأن العراق سيشكل القاعدة العسكرية المركزية في الشرق الأوسط، مميطا اللثام عن اعتماد العراق نقطة انطلاق للتحركات العسكرية الأميركية للجم أو بتر من تريد عبر الشرق الأوسط، سياسةً معاكسة لما فعله الرئيس السابق باراك أوباما الذي أعلن الانسحاب العسكري من العراق على نحو نهائي نهاية سنة 2011.

إننا نشهد اليوم جميع المؤشرات وهي تتوجه إلى بغداد، بدليل ما أشيع في العراق عن طلب قيادة القوات الأميركية إخلاء القصور الرئاسية في محافظة الأنبار، غرب العراق، علما أن هذه القصور خدمت مقرات للقيادات العسكرية الأميركية بعد احتلال العراق، 2003. زد على ذلك ملاحظة الرغبة الأميركية بإيجاد موطئ قدم عسكري ثابت لها بالقرب من أغزر حقول النفط العراقية حوالي مدينة كركوك التي تشهد صراعا للهيمنة عليها بين الحكومة العراقية وبين حكومة إقليم كردستان، لنفس السبب. لذا، فإذا ما أخلت حكومة بغداد قاعدة K1 (أي 1.Kirkuk) العسكرية المشرفة على كركوك وآبارها النفطية الغزيرة، استجابة لطلب البنتاجون، تكون الجملة النحوية المذكورة في أعلاه قد اكتملت بنيتها من فاعل قوي متسلط إلى مفعول به مذعن لا يملك ما يفعله، بل وحتى علامات التنقيط.

 

أ.د. محمد الدعمي

 

موسى فرجيوجد إتفاق في العراق على أن عهد المالكي هو العهد الذي شهد استشراء للفساد وممالئته وتعطيل جهود مكافحته، وأيضاً يوجد إتفاق بأن عهد العبادي قد خذل الجميع عندما لم يف بوعوده بمحاربة الفساد وذهبت صيحاته المشهورة في هذا المجال أدراج الرياح ولم يضرب بيد من حديد مواخير الفساد والافساد كما وعد تكراراً ...فهل تسفر وعود السيد عادل عبد المهدي بتحقيق نتائج في هذا المجال ...؟ لاستشراف ذلك لابد من الوقوف على الحقائق التالية :

1- قلناها تكراراً أن الفساد في العراق يختلف جذرياً عما هو سائد في بقية دول العالم فالفساد الشائع في دول العالم هو الفساد الصغير وهي تلك الأفعال التي يمارسها صغار الموظفين في حافات الجهاز الحكومي في حين أن الفساد في العراق يتصدره الفساد السياسي وهو ذلك النوع من الفساد الذي تمارسه الطبقة الحاكمة من حكوميين كبار ورؤساء أحزاب وساسة متنفذين....

2- وفي حين لا تتعدى كلفة الفساد في دول أخرى بضعة آلاف أو ملايين من الدولارات سنوياً فإن كلفة الفساد في العراق قد أتت على مئات المليارات من الدولارات من المال العام ...

3- وفي الوقت الذي يتمحور فيه الفساد الصغير على الرشاوي والكومشنات التي يحصل عليها صغار الموظفين في مجال تمشيتهم للمعاملات اليومية للمواطنين في حافات الجهاز الحكومي فإن ميدان الفساد السياسي في العراق هي أجهزة الحكومة العليا وتحديداً الدائرة المحيطة برئيس الحكومة ومراكز الوزارات والمحافظات والمصارف الحكومية ...

4- وملفات الفساد الرئيسية في العراق تقف في مقدمتها: ملف البنك المركزي " يقدر بأكثر من 100 مليار دولار" وملف المشاريع الوهمية والفاشلة " ويقدر بأكثر من 200 مليار دولار " وملف عقارات الدولة المستولى عليها من قبل الأحزاب والشخصيات الرسمية النافذة وقيمته تفوق قيمة الملفين السابقين الى جانب عشرات الملفات الأخرى الخطيرة مثل ملف سرقة وتهريب النفط وملف التسليح وملف الرواتب لعشرات الآلاف إن لم يكن مئات الألاف من الموظفين الفضائيين في القطاعين العسكري والمدني ...

هذا يعني أن الفساد في العراق هو فساد الكبار وليس الصغار وبديهي أن مواجهة هذا النوع من الفساد تتطلب قدرة مكافئة لقدرة مرتكبيه إن لم تزد عن ذلك والقدرة في هذا المجال تأتي من واحد أو أكثر من ثلاثة مصادر: إما دولة المؤسسات وسيادة القانون، أو توفر العزيمة الصادقة في رأس السلطة لمواجهه حقيقية للفساد أو وجود جهاز مستقل وقوي وفاعل لمكافحة الفساد...

1- عندما تكون الدولة دولة مؤسسات وسيادة القانون فإن الموظف المكلف بمواجهة الفساد يتصدى للمهمة متسلحاً بقدرة الدولة بكاملها وليس بقدرة تلك المساحة التي يتيحها له مركزه الوظيفي فقط فالشرطي ومراقب البلدية في دولة المؤسسات وسيادة القانون يعصف بأكبر شارب وفقاً للتشبيه الدراج في العراق فهل هذا موجود في العراق...؟ طبعاً لا...في العراق ورغم مرور 15 سنه على التغيير فإن الأطراف السياسية التي انتقلت اليها السلطة في أعقاب سقوط نظام صدام حسين ما زالت حبيسة دائرة الصراع على السلطة ولم تنتقل للبناء بعد ولم تتعدَّ دائرة اهتمامها موضوع التزاحم على المناصب وممارسة الازاحة والازاحة المضادة لبعضها وصولاً لمنابع الفساد كما ان غياب القانون هو السمة السائدة في العراق والفوضى السياسية والإدارية ضاربة أطنابها طولاً وعرضاً حتى أن ثلاثة محافظين لبغداد يتزاحمون اليوم بالمناكب وفوهات البنادق كل يدعي أنه المحافظ الرسمي لبغداد وغيره باطل وعندما أصدر رئيس الجمهورية برهم صالح الذي يوصف عهده بعهد الشباب الذي خلف عهد العواجيز أمراً رسمياً وخطياً بوجوب التريث وانتظار قرار القضاء بحسم من هو منهم المحافظ كي تكون ليلى زوجته الشرعية من بين من يدعون الوصل بها لم يجد قرار الرئيس أذنا صاغيه ولم يعرف سبيلاً للتنفيذ...وأمس بالذات فوجئنا بخبر تصدر أشرطة الأخبار السريعة على الفضائيات العراقية يشير الى احتدام النزاع بين قطبي القضاء في العراق مجلس القضاء الأعلى والمحكمة الاتحادية بشأن أيهما صاحب العلوية على الآخر مجلس القضاء الأعلى أم المحكمة الاتحادية وقد ينذر ذلك بصراع تستخدم فيه المناكب والبنادق أيضاً اما عن رئيس الحكومة فإنه لليوم لم يكمل تشكيلته الوزارية التي تتقاذفها الأمواج بين وزير ربيب لداعش وآخر تنز أذياله بالفساد ...هذه أمثلة فقط ...

2- أما عن الرأس التنفيذي الأعلى المواجه للفساد فإنه في حقبة المالكي يوصف بانه العائق الأول في مكافحة الفساد وفي عهد العبادي خذل الجميع بتنصله عن وعوده بضرب الفساد وعهد عبد المهدي يوصف بأنه أضعف العهود وأوهنها ...

3- يبقى الشرط الثالث أعني وجود جهاز مستقل وقوي لمكافحة الفساد... هيئة النزاهة هيئة مستقلة تخضع لرقابة مجلس النواب بموجب احكام المادة 102 من الدستور العراقي الا انه وخلافاً للدستور تمت السيطرة عليها من قبل رئاسة الحكومة في عهد المالكي من خلال تأسيسه مجلس مكافحة الفساد الذي انيطت رئاسته بأمين عام مجلس الوزراء التابع لرئيس الحكومة واعتبرت هيئة النزاهة جزء منه الأمر الذي جعلها مغلولة اليد في مواجهة ملفات الفساد التي تريد الدائرة المحيطة برئيس الحكومة تجنبها وأيضا لاستخدام الهيئة لتصفية خصوم المالكي ...في عهد العبادي تحولت رئاسة مجلس مكافحة الفساد من أمين عام مجلس الوزراء الى رئيس الوزراء نفسه لكن المجلس لم يحرك ساكناً...

ورغم أن سيطرة الحكومة او رئيسها على أجهزة مكافحة الفساد مخالف للدستور لأن المجلس مكون من هيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية والقضاء في حين أن هيئة النزاهة مستقلة بموجب الدستور وديوان الرقابة المالية يرتبط إداريا بمجلس النواب بموجب الدستور ايضاً في حين أن القضاء مستقل ويحتكم الى مبدأ الفصل بين السلطات وأيضاً يصطدم الأمر بمنطق الأشياء فاذا كان ميدان الفساد في العراق هو الحكومة والدوائر المحيطة برئاسة الحكومة بالذات فكيف تناط رئاسة مكافحته بنفس الفاعل أعني الحكومة...؟.

مع ذلك اذا كانت مهمة مجلس مكافحة الفساد التنسيق بين أطرافه دون خضوعه لرئاسة الحكومة وبقصد أن يكون فاعلاً في مواجهة الفساد فإنه لا ضرر من ذلك ولكن يتطلب توفر الشرط الثاني أعني " توفر العزيمة الصادقة في رأس السلطة لمواجهه حقيقية للفساد " فهل تتوفر مثل هذه العزيمة في شخص السيد عادل عبد المهدي الذي تتقاذفه الكتل السياسية ولم يستكمل كابينته الوزارية رغم مرور أكثر من شهرين...؟

هذا هو الأمر ....

 

موسى فرج

 

عبد الخالق الفلاحيراود أبناء وطننا العزيز الكثير من الاسئلة لمجرد التفكير ويوقع الالم في قلوبهم عن الالية التي يعمل بها مجلس النواب العراقي ولها معاني ودلالات  في ظل كواليس ومن خلف الستاره هناك أسرار مبهمة وليست طبيعية، وهي غريبة في العمل النيابي ولها مردودات سلبية على وطن مثل وطننا الذي يحتاج الى جهود للخيرين من ابنائه. وهو يمثل وله علاقة بنمط تفكير العقل السياسي المتأخر لبعض النواب الذين دخلوا البرلمان حديثا والبعض من القدماء ذو الاهداف المصلحية الذاتية  ويفتقدون للكثير من المقومات التي تمكنهم من التعامل الصحيح مع المستقبل ويعملون على أساس قوانين أو منظومات ليس لها  بعداً مستقبلياً. وبحاجة لثقافة البرلمانية، والديمقراطية السياسية، من أجل أن يميز بين المجتمع والسلطة والدولة.

للأسف الشديد نشاهد ان  كل جهد هؤلاء منهم اليوم  هو الابتعاد عن إرساء الديمقراطية في النظام السياسي ومقاعد البرلمان لم توزع على أسس حقيقية ولا  ثقافية والكفاءة انما على اسس كتلوية طائفية والمعاندة السياسية على حساب ابناء الوطن وليس المشاركة السياسية كما نشاهد اليوم في ظل انتخاب الوزراء لان المبدأ المعتمد هو مبدأ المحاصصة.

ما يعكس على بطئ نشاطه في العمل وبعد ان ضم بين ثناياه وخاصة في هذه الدورة العديد ممن لايستحقون مثل هذه العضوية وهم غير مؤهلين لها، إما لعدم كفاءتهم أو الطعن بنزاهتهم، أو لسوء سلوكهم،أو لتاريخهم الملطخ بالدم والذي اصطبغ بمظالم وعجرفة وعنفوان حقبة النظام ألصدامي من البعثيين ولهم الدور المميز في اثارة الطائفية خلال السنوات الماضية التي اعقبت سقوط نظام البعث عام 2003، ناهيك عن الصراع السياسي والحزبي داخل المجلس، الذي يلقي بظلاله على إعمال المجلس وقراراته من خلال جلساته التي بلغت حدود 27 جلسة لحد الان وكانت الملغاة منها 13 بسبب عدم اكتمال النصاب حيث تتلاعب بمقدرات الشعب وتوجهات المجلس والتي انبثقت منها الحكومة العراقية وزعامتها، والتي لها الدور الكبيرفي تحريك المجلس والسيطرة عليه، ليقتفي هذا العضو البرلماني أثرهم ويأتمر بأوامرهم وبالتالي يكون خاضعاً لسلطتهم ولا يتمتع بسلطة وحيادية واستقلاليته في القرار وتابع لاراداتهم، ويفتقد الى القوة والمتانة ألرقابية وفعله المؤثر .

وهو خلاف مبدأ سيادة القانون في المادة الخامسة من الدستور العراقي للعام 2005 حين ورد النص على أن السيادة للقانون والشعب مصدر السلطات وشرعيتها، وتعني السيادة القانونية ان يكون القانون بكل قواعده النافذة دستورية كانت أو تشريعية لها الغلبة على جميع السلطات العامة أو الفردية  بلا استثناء،

ان سيادة القانون تعني أيضاً التطبيق المتوازن للقواعد القانونية على الجميع في الدولة أفراداً أو سلطات عامة واتخاذ الأخير كمعيار لمعرفة مشروعية الأعمال من عدمها وهذا المبدأ يتصل أيضاً بسمو أحكام القانون موضوعياً وشكلياً، ويراد بالسمو في جانبه الموضوعي سيادة المضمون الإيجابي للقواعد المتمثلة أصلاً باحترام الحقوق والحريات الإنسانية، وبهذا تكون الدولة قانونية أي يسودها مبدأ المشروعية . وتكون سلطاتها العامة تشريعية وتنفيذية وقضائية محكومة بنصوص تشريعية لا مناص من الالتزام بها والتقييد بحدودها ليؤكد سمو الدستور .

الواقع ان مجلس النواب العراقي في دورته الحالية التي بدأت قبل اشهر ما انفك يخرق مبدأ سيادة القانون، وأعضائه يتشدقون ويتعالون على حقوق الشعب وسيادة القانون في خطاباتهم .ولايستمرون في تشريع القوانين الرئيسة المهمة  ولم يباشراحد منهم  واجبه الرقابي  على السلطة التنفيذية بمختلف مستوياتها اوفتح ملفات الفساد ولا يمكن لهم الاستمرار في استجواب الوزراء وأعضاء الهيئات المستقلة وإجراء التحقيقات اللازمة التي من شأنها ان توصل إلى حقيقة ما يجرى في المؤسسات لان اكثر لجان المجلس غير مكتملة والمخاوف من ان  يسود عملها التخبط ومن تكرار سناريوهات التحالف السري بين الأحزاب والقوى السياسية لتقاسم المنافع وإخفاء العيوب والتستر على الفساد والفشل في إدارة مؤسسات الدولة الرئيسية .

 في حين ان مجلس النواب يجب أن يكون هو السلطة العليا في البلاد، وأن يكون منسجماً مع السلطة التنفيذية، وبحيث تكون الهيبة لمجلس النواب، وإعادة هيبته بشكل يتلائم مع الدستور العراقي والقانون، ويجب إعادة هيكلة اللجان الموجودة في مجلس النواب  حسب الاختصاص، وترتيب القوانين بالشكل الذي يتناسب مع حياة أفضل للمواطن، بالتالي الشعب اليوم ينتظر من قبة البرلمان قوانين مهمة تصدر من هذا المجلس، بحيث تكون هناك أولوية للقوانين التي تصب في مصلحة الشعب العراقي، وعدم تعطيل القوانين ذات القيمة النفعية للمواطن العراقي، والمواطن لا يشعر بعمل  بمجلس النواب إلا إذا كانت ينتج عنه قوانين تهدف إلى حياة أفضل لكل المواطنين العراقيين .

والجميع يعلم ان الفساد المتراكم والسكوت المتوالي عنه، أنتج أزمة الخدمات في كل المحافظات مما اضطرت الجماهير الخروج الى الشارع لتعلن صيحتها بالمطالبة بالحقوق والقضاء على الفساد المستشري.

 

عبد الخالق الفلاح – باحث واعلامي

         

علاء اللامي* تقول المادة 14 من مشروع قانون موازنة 2019 التي قدمتها حكومة عبد المهدي للمناقشة في البرلمان حرفيا (تعمل الوزارات والجهات غير المرتبطة بوزارات على التوسع في فتح باب الاستثمار الخاص والمشاركة مع القطاع الخاص بحدود اختصاصاتها وكلما كان ذلك ممكنا على ألا يترتب على ذلك أعباء مالية على الخزينة العامة للدولة ولمجلس الوزراء استثناءها من أحكام القوانين النافذة وبما يسهل التوسع بالاستثمار والمشاركة مع القطاع الخاص). هذا يعني بوضوح:

1- أن الخصخصة وبيع القطاع العام وتوسع الاستثمارات الأجنبية والمحلية ستشمل كل شيء وستدخل جميع الوزارات والجهات غير المرتبطة بوزارات (كشركة النفط الوطنية بقانونها المريب الجديد) وسيتم بيع القطاع العام بسعر التراب إلى القطاع الخاص والمستثمرين المحليين والأجانب.

2- ويعني أيضا أن الحكومة ستحصد الأرباح من عمليات البيع، ولكنها لا تتحمل أي تكاليف أو خسائر إذا حدثت في عمليات مشاركة القطاع الخاص، ولا علاقة لهذا التفصيل بالخسائر الحقيقية المترتبة على بيع مؤسسات ومصانع وبنية تحتية كلفت العراق مليارات ومليارات من الدولارات منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة سنة 1921 وحتى الآن بل هو يقفز على هذه الخسائر ويعتبرها وكأنها لم تكن وكأن هذه المصانع والثروات ملكا للحكام ولأهلهم يبيعونها متى شاءوا ولمن شاءوا.

- أما المادة 29 من قانون الاستثمار رقم 13 لسنة 2006 المعدل فتقول حرفيا:

(تخضع جميع مجالات الاستثمار لأحكام هذا القانون باستثناء ما يأتي:

أولا: الاستثمار في مجالي استخراج وإنتاج النفط والغاز .

ثانيا: الاستثمار في قطاعي المصارف وشركات التأمين.) وهذا يعني:

1- أن الاستثمارات والخصخصة لا تشمل النفط والغاز استخراجا وانتاجا ولا تشمل أيضا قطاعي المصارف وشركات التأمين بموجب هذا القانون النافذ.

 2- إن قانون الاستثمارات هذا رغم هذين الاستثناءين يشرع تعميم الاستثمارات والخصخصة العشوائية والمطلقة وبيع العراق وما فيه إلى القطاع الخاص والشركات الأجنبية والمتعددة الجنسية العابرة للقارات.

 *أما الفقرة التالية من المادة 14 والتي تقول (ولمجلس الوزراء استثناءها من أحكام القوانين النافذة وبما يسهل التوسع بالاستثمار والمشاركة مع القطاع الخاص) تعني:

1- أن الاستثناء الوارد في المادة 29 من قانون الاستثمار النافذ سيتم خرقه بقرارات الاستثناء من قبل مجلس الوزراء ورئيسه عادل عبد المهدي.

2- أن الحكومة ورئيس مجلس الوزراء عبد المهدي أصبحوا أعلى سلطة تشريعية من مجلس النواب وقراراتهم هي النافذة والمعطلة لقوانين دستورية نافذة.

* أليس من الغريب والباعث على التأمل العميق أن يتصدى نائب إسلامي من حزب متهم بسرقة وتهريب نفط البصرة كحزب "الفضيلة الإسلامية" لهذه المذبحة الاقتصادية لثروات العراق ويسكت عن ذلك أدعياء الوطنية واليسار في "سائرون" وغيرها؟!

* فليسكت الساكتون وليواصل النائمون في غيهب التضليل الطائفي نومهم وموعدنا حين تعجز الحكومة عن دفع مرتبات غالبية الشعب الذي يعيش على الريع النفطي ويعود النظام لتطبيق نصيحة هوشيار الزيباري السوداء قبل بضع سنوات والتي تجرأ وطالب فيها ببيع وتأجير حقول النفط العراقية كما هي على الأراضي العراقية للشركات الأميركية والغربية 

 

علاء اللامي

.....................

* رابط يحيل الى نسخة مصورة من قانون الموازنة لسنة 2019 للاطلاع على نص المادة 14:

https://www.alghadpress.com/news/%D8%A7%D8%AE%D8%A8%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D8%A9/177784/%D8%A8%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%AB%D8%A7%D8%A6%D9%82-%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9-%D9%82%D8%A7%D9%86%D9%88%D9%86-%D9%85%D9%88%D8%A7%D8%B2%D9%86%D8%A9-2019

* رابط يحيل الى نسخة مصورة من قانون الاستثمار رقم 13 لسنة 2006 المعدل/ للاطلاع على نص المادة 29:

http://www.iraq-lg-law.org/ar/node/260

*رابط يحيل إلى خبر بدء مجلس النواب بمناقشة مشروع قانون الموازنة الملغوم بالمادة الكارثية 14  لسنة 2019 ، الخبر عام ويقفز على اعتراضات بعض النواب على المواد الكارثية في الموازنة وفي مقدمتها المادة 14.

https://baghdadtoday.news/ar/news/71218