"تحكم البلاد من قبل الفئة الغبية التي لا تفهم ولن تفهم.. ولذلك نحن دوما في حالات حرب"!!

كان لعواقب الحرب العالمية الأولى تأثير كبير على حال وحياة وتطور أوروبا والعالم وما زال لها أثرا لا يمحى في قلوب وعقول معاصريها والعارفين والدارسين عنها في بيان أفكار الحرب والسلام، والحياة والموت، وتنويع الأعداء والحلفاء، وإضافة إلى انهيار أربعة إمبراطوريات هي القيصرية الروسية والألمانية والنمساوية المجرية والعثمانية، وتشكيل تسع دول جديدة في أوروبا فإن عددا كبيرا من الجنود القتلى والجرحى والضباط والمدنيين والعديد من مبتوري الأرجل ومقطوعي الأيدي وفاقدي النظر والسمع والمنطق والعقل بسببية القصف المستمر وقوائم طويلة وعديدة من الإمراض البدنية والنفسية والروحية، وهي بكل ذلك تركت لأجيال المستقبل مذبحة ذاتية التدمير.

كان التأثير الأكثر إيلاما على الأشخاص الذين شاركوا في المعارك مباشرة فلفترة طويلة كانوا جالسين في الخنادق تحت نيران العدو المتواصلة وبتلك السنوات التي أفرطت وأضيعت في الهجمات القاتلة والهجمات مضادة فقدت أوروبا جيلا كاملا من شبابها، ولم يتمكن الأشخاص الذين عادوا من الحرب على التكيف مع حياة سلمية عادية جديدة فالمسألة لم تنحصر بالخوف الوحيد من حقيقة أنهم كانوا قادرين على العيش بحسب معرفتهم وخبرتهم الجبهات العسكرية، وإنما أيضا بسببية الاضطرابات الصحية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي وقعت في الدول الأوروبية بحلول نهاية عام 1918م. كانت قد اودت تلك الحرب بحياة الملايين وحطمت أربع إمبراطوريات وحذفت وغيرت برسم جذري معالم الخارطة السياسية في أوروبا وأحضرت الأسلحة العالمية الجديدة كالدبابات والغازات السامة، واستولت على مصير الكثير من الشباب من أوروبا وبعد أنتهاء المعارك أعادت افراز "الجيل الضائع" المشلول والمرهق.

كان لتلك الحرب طابع خاص ميزها عن الحروب الأخرى، وبادئ ذي بدء كانت حرب الخنادق التي دفنت بموجبها الجنود في الأرض والتي تبين أنها تعطي الأولوية للدفاع على الهجوم، وثانيا كان استخدام الدبابات فيها ذو طبيعة دفاعية لا هجومية، وثالثا الطريقة الموحدة التي اتسمت بها تلك الحرب، ورابعا إن استخدام الأسلحة المحظورة لاسيما غاز الكلور الحربي الكيميائي سيبقى إلى الأبد واحدا من أكثر الصفحات المخزية في تاريخ البشرية. وخلال تلك الحرب شهد العالم معارك دموية ووحشية لم يرها من قبل وقتل فيها مئات الآلاف والملايين من الجنود والضباط والمدنيين، لدرجة أن كل شخص كان يعد نفسه جوهر الحرب الانتحارية. وأصبح انهيار الإمبراطوريات الأربعة وتشكيل الدول الجديدة والعزلة الدولية لروسيا وإذلال ألمانيا التي أُلقي عليها باللوم في قيام وحدوث واستمرار الحرب الأساس لنظام عالمي جديد تم تشكيله على أساس مؤتمر فرساي 1919م، وبموجبه ازداد حجم النظام الدولي وحل مبدأ الأمن الجماعي بديلا عن مبدأ توازن القوى، وكان على منظمة عصبة الأمم العاجزة أن تصبح أداة للحفاظ على السلام والنظام والاستقرار في ضوء وجود ذلك الكم الكبير من التناقضات التي أعرب عنها إحجام الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا لإعطاء روسيا وألمانيا مكانهما الصحيح في النظام العالمي الجديد.

بعد انتهاء الحرب توقع العديد من السياسيين والصحفيين إن السلام سيكون هو الوضع الدائم على كوكب الأرض إلى الأبد، وكان ذلك هو الوهم الاكبر فبعد مذبحة انتحارية استمرت 4 سنوات لم تنته معاناة أوروبا، وفي السنوات 1918-1919 م انتشر بأوروبا وباء الإنفلونزا الإسبانية والذي أودى بحياة 90 مليون شخص من أولئك الذين لم تتمكن نيران الحرب الوحشية من قتلهم فلقوا حتفهم من جراء مرض قاتل والذي يمكننا أن نطلق عليه بحق "طاعون القرن العشرين". وبعد الحرب تم سحق وإذلال ألمانيا والتي كانت قد فقدت مكانتها كقوة عظمى وكانت الدولة الوحيدة التي حملت المسؤولية الأخلاقية للحرب، والى الآن لا زالت هي الملامة عليها! وأصيب المشاعر الوطنية الألمانية بالألم والتحطيم ولذلك كان لابد عاجلا أو آجلا إن تكون هناك ملامسة لنقاط الألم في المجتمع الألماني من شأنها أن تدفع البلاد لسياسة مراجعة "وضع فرساي." وكان أيضا قد تم عزل روسيا والتي حملت اسم الاتحاد السوفياتي التي طالما اعتبرت قوتها من قبل الاوروبيين والامريكان بأنها خطرًا في شكل "فيضان أحمر" يمكن لها أن تغرق العالم وعد خطرها انذاك اشد من الخطريين الفاشي والنازي، وفي إيطاليا التي تلقت وعد مزيف بمنحها بعض الاراضي فتسبب عدم تطبيقه بغضب شعبي كبير وكان يُنظر لخداعهم على أنه إهانة وطنية لابد من الانتقام جرائها. وكما كانت قد أثرت المشاكل على المناخ الاجتماعي السياسي في ألمانيا وتزايد انعدام الأمن والبطالة والجريمة فشكل تفاقم عدم المساواة الاجتماعية ازمة كبيرة وهكذا تم ظهور مستنبت لتشكيل الأحزاب الراديكالية التي تلعب على مشاعر الألمان التي كانت قد مزقتها السلطة، وكل ذلك كان مؤديا إلى رمي العالم القديم والعالم بأسره إلى حرب عالمية جديدة أكثر تدميراً وقسوة.

 لكن ما الذي كان قد حدث حقا للناس الذين عانوا كل المصاعب والعذاب في الحرب العالمية الأولى؟ كيف غيّر الطفل، البالغ من العمر أربعة أعوام وشهد تلك الحرب، فكرته عن الحياة والموت؟ وماذا واجه الجنود في الجبهات؟ وكيف أثرت الحرب على نفسياتهم وافكارهم وما تأثير ذلك على تشكيل رؤيتهم لما بعد الحرب؟ وبعد الحرب تم تشخيص معظم أوروبا والعالم بأسره بـمسمى "الجيل الضائع" ، أو انه أجيال "الشباب المرير"، لأنه تم إرسال الشباب والفتيات في سن الـ18 مباشرة من مقاعد المدرسة إلى جبهات الحروب من دون معرفة ما كان ينتظرهم هناك، ففي البداية بدا أن الحرب لن تستمر طويلا وهم سينتصرون ويفوزا بزهوة المجد وتم التطوع والقبول في الوحدات العسكرية وتم إرسالهم إلى الحرب كمغامرة قصيرة ومذهلة ولم يكن أحد يعرف أنهم بذلك يشتركوا في المعركة الأكثر دموية ووحشية في التاريخ العالمي حتى ذلك الحين وليتعرضوا لتجربة المعاناة الرهيبة من هجمات الغازات السامة وللموت في الخنادق تحت النار، وأدرك الكثيرون أن كل شيء تم تدريسه لهم في المدرسة عن قصص المعارك الكبرى وعن بطولات الأبطال الشجعان وعن حب وطنهم كان كذباَ ولا ينعكس ذلك على أرض الواقع!! ومفهوم الحرب والبطولة والتبارز في أكثر الألوان الزاهية من العصور الوسطى كلها اكاذيب فالحرب تسلب من الناس الإحساس بالجمال وتجبرهم على دفع الاهتمام فقط بما هو ضروري من أجل البقاء على قيد الحياة، وفي الروايات المكرسة للحرب العالمية الأولى يتم إيلاء اهتمام خاص لكيفية تعبير الجنود البسطاء بأنفسهم عن أسباب الصراعات العسكرية، وإن البحث عن إجابة لهذا السؤال قد كان مصحوبا بسوء فهم فكيف أن شعبًا واحدًا يعاني من معاناة لا تُصدق من الألم والخوف من فقدان الأصدقاء والأقارب فتدفعه دولة أخرى على ذات الطريق ولذلك ينظر بوضوح حين تنشأ الحروب مرارًا وتكرارًا على أنه لا يمكن للمرء أن يختبر تمامًا كيف يعاني الآخر إن لم يمر بذات المعاناة !!

 لم يكن أحد يفهم حتى ما كانت عليه الحرب، وفي المعارك كان الجنود قبل كل شيء يفكرون كيف لا يموتون؟ وكيف يساعدون رفاقهم على تجنب ذلك المصير؟ والخطاب لم يكن في تلك الحرب يدور حول الفتوحات المجيدة بل عن كيفية البقاء على قيد الحياة لمدة اطول، وان الخوف من الحرب لم يترك الجنود بعد عودتهم إلى ديارهم فأولئك الذين تمكنوا من البقاء وهم يتألمون من جروحهم لم يكن يمكنهم نسيان المشاعر التي كان عليهم تحملها والكثير منهم حتى بعد الحرب لم يشعروا أنهم على قيد الحياة، وأدركوا تمام الإدراك أنه حتى الحياة السلمية كان من الصعب عليهم التكيف معها، وعكست الأغاني التي كانوا يرددوها في الحرب وبعدها عن اليأس والاستياء من مصيرهم. وفي الحرب لم يعاني الرجال لوحدهم فقد عانت النساء أكثر منهم حين فقدنا الأزواج والإخوة والآباء والأبناء في ساحات القتال وعملن في المستشفيات والشركات وساهمن بقوة في العمل في المؤخرة أولاً وقبل كل شيء في مصانع الصناعات الكيميائية والاسلحة وكل شيئ وعرضن حياتهن وصحتهن للخطر. وعلى كل حال فأن الحرب العالمية الأولى كانت قد اوجعت وحطمت الجميع من كان منهزما أو كان منتصرا، فقد وقع عبء ثقيل على كاهل الرجال والنساء وكان معظمهم من لم يستطع التكيف مع العودة للحياة وبقي الكثيرين منهم مشوهين ومنهم من اختار الانتحار أو فقد عقله تماما واصيب بالجنون النفسي أو الفكري، وأيضا كانت هناك حالات صادمة للعائدين من الحرب جراء إصابتهم بنوبات هستيرية من مجرد مشاهدة زي عسكري!! كانت الحرب العالمية الأولى أقوى من الناس لدرجة إن "الآلاف والآلاف من العائدين ندموا على أنهم لم يموتوا مع الذين ماتوا فيها !!!

 

بقلم/ الدكتور ميثاق بيات ألضيفي

 

حسن العاصيشهدت الفترة الممتدة من منتصف السبعينيات لغاية منتصف الثمانينيات من القرن العشرين أحداثاً هامة تركت أثراً بليغاً على القضية الفلسطينية، ما تزال تداعياتها مستمرة إلى وقتنا الحاضر. من أبرز هذه الأحداث أنه في فترة لم تكن جراح خروجهم من الأردن العام 1971 قد شفيت تماماً. تم زج الفلسطينيين في الحرب الأهلية اللبنانية، بعد أن أقدمت ميليشيا الكتائب اللبنانية بإطلاق النار على حافلة كانت تقل فلسطينيين اثناء عودتهم إلى مخيم تل الزعتر، من مهرجان سياسي في مخيم شاتيلا، في العام 1975 مما أدى إلى استشهاد 27 فلسطينياً من ركاب الحافلة، في حادثة عرفت باسم "بوسطة عين الرمانة" التي شكلت شرارة اندلاع الحرب الأهلية التي استمرت خمسة عشر عاماً.  في العام 1977 زار الرئيس المصري الراحل أنور السادات مدينة القدس المحتلة. وفي العام 1978 وقعت مصر وإسرائيل معاهدة السلام الشهيرة التي عرفت باسم "اتفاقيات كامب ديفيد". اشتعلت شرارة الحرب العراقية- الإيرانية في العام 1980 واستمرت لمدة ثماني سنوات، انشغل العرب خلالها بهذه الحرب الدموية التي استنفذت مقدرات الدولتين، وكان الخاسر منها إضافة إلى شعبي البلدين هو القضية الفلسطينية. ثم أقدمت إسرائيل على تنفيذ عدوانها الوحشي على الأراضي اللبنانية في العام 1982، وبعد حصار مدينة بيروت من قبل الجيش الإسرائيلي الذي استمر لمدة ثلاثة أشهر، قاوم خلالها المقاتلون الفلسطينيون هذا العدوان ببسالة لا مثيل لها، وانتهى باتفاقية بين منظمة التحرير الفلسطينية والمبعوث الأمريكي "فيليب حبيب" قضت بخروج القوات الفلسطينية من لبنان إلى دول عربية أخرى، فكانت تونس واليمن ثالث المنافي للمقاومة الفلسطينية بعد الأردن ولبنان.

 في العام 1983 أعلن عدد من قيادة وكوادر وأعضاء حركة فتح الانشقاق عن الحركة وتأسيس ما بات يعرف لاحقاً "فتح الانتفاضة" بزعامة كل من العقيد أبو موسى، وقدري، وأبو صالح. في عمان عقد المجلس الوطني الفلسطيني دورته السابعة عشرة العام 1984 وكان من أبرز قراراته إعلان برنامج الجبهة الوطنية العريضة، التي ستقوم في إطار منظمة التحرير الفلسطينية لحماية وحدتها وصيانة خطها الوطني، بالتصدي لنهج الانحراف والاستسلام. وكذلك رفض قيام قيادة فلسطينية بديلة، وعدم إقامة مؤسسات موازية لمؤسسات منظمة التحرير.

نجحت القيادة الفلسطينية رغم كل العراقيل، في بدء حوار وطني الفلسطيني بدءاً من يوم 14/4/1987 في مدينة الجزائر بين الفصائل الأساسية.  تكللت جولات الحوار بعقد الدورة الثامنة عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر 20/4/1987 التي خرجت منها منظمة التحرير الفلسطينية موحدة وقوية ومتفقة على برنامج سياسي وتنظيمي واضح.

 

ما قبل اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى

بخسارتها لقاعدتها العسكرية الرئيسية في بيروت وبقية الأراضي اللبنانية، وفقدان مؤسساتها المدنية والمالية والخدماتية، ضعفت مكانة منظمة التحرير الفلسطينية، وتقلص حجم تأثيرها شعبياً وعلى الساحة الدولية. لكن هذا الأمر شكل تحدياً لفصائل المنظمة بهدف توجيه جهدهم واهتمامهم نحو الداخل الفلسطيني، في مدن الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس. على اعتبار أن هذه المناطق المحتلة هي الركيزة الرئيسية للنضال ضد العدو الصهيوني، وهي كذلك العمق الجغرافي والخزان البشري. هذا أسهم بتزايد واتساع وتطوير الأنشطة الجماهيرية والثقافية والنقابية والطلابية، مما شكل التربة الثرية لاندلاع الانتفاضة الوطنية الفلسطينية الكبرى أواخر عام 1987 التي شكلت أحد أهم معالم النضال الوطني الفلسطيني.

كان هذا يتم في ظل أجواء ضاعفت إسرائيل خلالها في بناء المستوطنات، وتصاعدت حدة تهجير السكان الفلسطينيين من منازلهم، ومصادرة أراضيهم، ومنعهم من الزراعة، مما أجبر عدداً منهم للعمل لدى الإسرائيليين بأجور قليلة ومعاملة تتسم بالتمييز العنصري. كما عانى الفلسطينيين من صعوبات شديدة في التنقل والحركة بين القرى والمدن، حيث كانت القوات الإسرائيلية تحاصرهم، وتمنع عليهم السفر إلا من خلال تصاريح تمنحها لهم بشكل مسبق. إلى جانب ما كان المواطنين الفلسطينيين يتعرضون له من تفتيش مذل على الحواجز وفي المعابر. وكانت إسرائيل تخصم من أجورهم 20 بالمائة بذريعة تحسين الخدمات في الضفة والقطاع، لكن تلك الأموال كانت ترسل إلى الخزينة العامة الإسرائيلية.

الانتفاضة المجيدة

في مساء يوم الثامن من كانون الأول/ديسمبر العام 1987 أقدم المستوطن الصهيوني المتطرف "هرتسل بوكبزا" على قتل أربعة عمال فلسطينيين دهساً بشاحنته، كانوا يقفون على حاجز "بيت حانون" الإسرائيلي. وهم الشهيدين طالب أبو زيد 46 عاماً، وعلي إسماعيل 25 عاماً، من مخيم المغازي وسط قطاع غزة. والشهيدين عصام حمودة 29 عاماً، وشعبان نبهان 26 عاماً من جباليا البلد شمال قطاع غزة.

في الصباح التالي عم الغضب الجماهيري مخيمات جباليا والمغازي أثناء مراسم تشييع الشهداء، وانطلقت عدة مظاهرات عفوية وساخطة، تحولت سريعاً إلى مواجهات عنيفة مع قوات الاحتلال الإسرائيلي، أدت إلى استشهاد الشاب "حاتم السيسي" فكان أول شهداء الانتفاضة المجيدة.

انتقلت المواجهات الشعبية إلى مخيم بلاطة في مدينة نابلس وإلى بقية المخيمات والقرى والبلدات والمدن الفلسطينية. شارك فيها الجميع من كل بيت وحارة وحي بالحجارة والأغنية والقلم واللوحة. في اليوم الثاني للانتفاضة استشهد الشاب "ابراهم العكليك" وعمره 17 عاماً. ثم استشهدت الشابة "سهيلة الكعبي" بعمر 19 عاماً. ثم استشهد الطفل "علي مساعد" بعمر 12 عاماً. لتشتعل فلسطين بأكملها تحت اقدام قوات الاحتلال، في مواجهات استخدم فيها الشباب الفلسطيني الحجارة ضد الجنود الصهاينة، وقتل خلالها مئات الفلسطينيين، وجرح واعتقل الآلاف. بحسب بيانات مؤسسة رعاية أسر الشهداء والأسرى، فقد استشهد في الانتفاضة الأولى 1550 فلسطينياً، وتم اعتقال 10 آلاف، وبلغ عدد الجرحى حوالي 70 ألف جريح، يعاني 40 بالمائة إعاقات دائمة، 65 بالمائة شلل أو بتر أحد الأطراف. وهناك 40 سجيناً فلسطينياً استشهدوا داخل السجون الإسرائيلية نتيجة التعذيب خلال فترة الانتفاضة.

الانتفاضة الفلسطينية الأولى التي اندلع لهيبها في التاسع من كانون الأول/ديسمبر 1987 واستحوذت على إعجاب وتعاطف وتضامن الشعوب والدول في كافة الأرجاء، وتسببت في صدمة للعقل الغربي الذي كان يتبنى الرواية الإسرائيلية التي كشف زيفها أطفال انتفاضة الحجارة. تكسرت صورة إسرائيل "الوديعة" عبر وسئل الإعلام ومحطات التلفزة، وهي تنقل مشاهد قيام الجنود الصهاينة بتكسير عظام المتظاهرين الفلسطينيين بالهراوات والأحجار، تنفيذاً لأوامر "اسحق رابين" رئيس الوزراء الإسرائيلي حينذاك، بعد أن فوجئ بصدى الانتفاضة وشدتها. حيث أنه للمرة الاولى منذ مرور أربعين عاما على الصراع العربي الاسرائيلي، دخل السكان الفلسطينيون في الضفة الغربية وقطاع غزة- حوالي مليون ونصف شخص- في مواجهة مباشرة مع إسرائيل. أفضت هذه الانتفاضة التي استمرت ست سنوات إلى قيام منظمة التحرير الفلسطينية بالتوقيع على اتفاقيات أوسلو في العام 1993.

سحر الانتفاضة

الانتفاضة الفلسطينية الأولى أبهرت العالم باتساعها وشموليتها ومستواها التنظيمي العالي، ونالت تضامن دول وأحزاب وقوى وشخصيات وشعوب متعددة في العالم. من أبرز ما يميز تلك الانتفاضة كونها حركة مقاومة جماهيرية شعبية غير مسلحة، شاركت فيها كافة شرائح المجتمع الفلسطيني. وبأنها كانت ذات مستوى مرتفع من الانضباطية. كما تمتعت بمقدرة هائلة على التواصل والديمومة لمدة ست سنوات رغم آلة البطش والقمع التي جابهت فيها إسرائيل جماهير الانتفاضة. ومشاركة واسعة من المرأة الفلسطينية في مجريات الانتفاضة، مما أحدث قيماً اجتماعية جديدة في المجتمع الفلسطيني المحافظ. ومن مكامن قوتها هو وجود قيادة وطنية موحدة تألفت من ممثلين عن كافة الفصائل والقوى واللجان الشعبية الفلسطينية. كان لهذه القيادة رؤية سياسية وأهداف واحدة، هي وقف الاحتلال وإنهاء الاستيطان، وبناء دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس.

قامت القيادة الموحدة بتشكيل لجان شعبية متعددة ومتخصصة، ابتداء بلجان القوى الضاربة، انتهاء بلجان الزراعة، مروراً بلجان التجار والتعليم والمرأة والتموين وسواها. لعبت تلك اللجان دوراً محورياً باعتبارها الأداة التنظيمية الأساسية التي استخدمتها القيادة الموحدة للتواصل مع الجماهير. تعاظمت قوة هذه اللجان مع تصاعد الانتفاضة، وكانت واحدة من أهم ما أنجزته قيادة الانتفاضة، لأنها عكست قوة وصلابة التنظيم الداخلي للانتفاضة.

لقد تمكنت القيادة الموحدة من تجميع وتحشيد وتوحيد كافة القوى الفلسطينية، ثم بدأت في مرحلة ثانية من استثمار المواجهات الشعبية والهبات الجماهيرية العفوية، وتوظيفها لخلف حالة من النضال المنظم المبرمج، والصراع الشامل المفتوح ضد قوات الاحتلال، من أجل تحقيق أهداف الانتفاضة. واستطاعت من مد جسور التواصل المستمر مع القيادة الفلسطينية خارج فلسطين.

من أهم الدروس المستخلصة من تجربة انتفاضة الحجارة أنها ابتعدت عن مغريات الحلول البسيطة والإنجازات السريعة، وأدركت أن طريق المواجهة مع دولة العدوان شاقة ومكلفة وتحتاج صبراً وجلادة. ثم أن قيادة الانتفاضة تجنبت بوعي الدعوات لرفع السلاح وممارسة الكفاح المسلح ضد قوات الجيش الإسرائيلي، واعتمدت سياسة العنف المحدود باستخدام الحجارة والزجاجات الحارقة. وركزت على النفس الطويل الذي يضمن استمرار زخم المواجهات مع الاحتلال، وبنفس الوقت لا يرهق الجماهير أكثر مما تحتمل. كما أنها وضعت استراتيجية فك العلاقة مع مؤسسات الاحتلال، من خلال استقالة العاملين في الإدارات المدنية، ورفض دفع الضرائب، والدخول في عصيان مدني شعبي تدريجي.

مقاربة ضرورية

خاضت الجبهة الديمقراطية الموحدة في جنوب أفريقيا نضالاً جماهيرياً واسعاً وتصاعدياً ضد نظام الفصل العنصري، أدى في النهاية إلى إنهاء هذا النظام. وقد ضمت الجبهة حوالي أربعمائة منظمة وجماعة قادت النضال الجماهيري في مواجهة العدوانية المتزايدة للنظام، والتي أدت في النهاية إلى إسقاطه. في الحالة الفلسطينية كانت القيادة الموحدة للانتفاضة هي التي قادت النضال الجماهيري.

فيما كان حزب المؤتمر الوطني الأفريقي هو القوة السياسية الرئيسية المناهضة لنظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، كانت منظمة التحرير الفلسطينية هي التي تقود نضال الشعب الفلسطيني. قيادة حزب المؤتمر كانت إما في المعتقلات أو في المنافي، وهذا ينطبق إلى حد كبير على قيادة الشعب الفلسطيني. قبل سقوطه بحوالي عشرة أعوام توغّل نظام الأبارتهايد في جنوب أفريقيا كثيراً وزاد من الأفعال العنصرية والعدوانية. تماماً مثلما فعلت إسرائيل. واجه المؤتمر أزمات في الركود الجماهيري، وتغير الحال بداية من الانتفاضة الطلابية عام 1976 ومن ثم ظهور "حركة الوعي الأسود" في عام 1979. وهذا يشبه الأزمة التي عانت منها قيادة منظمة التحرير الفلسطينية بعد الخروج من بيروت والانشقاق الذي حصل في حركة فتح.

شكلت الانتفاضة الفلسطينية قيادتها الموحدة والمؤلفة من ممثلي عن كافة الفصائل والقوى والأطر الفلسطينية، وفتحت قنوات اتصال مع القيادة الفلسطينية في الخارج. في تجربة جنوب أفريقيا قادت "الجبهة الديمقراطية الموحدة" نضال الجماهير، وأقامت علاقات تنسيقية مع حزب المؤتمر، لكنها كانت مستقلة تماماً بقراراتها وإدارتها للصراع.

اعتمد المؤتمر الوطني وسيلة الكفاح المسلح شكلاً رئيسياً لنضاله ضد حكومة الفصل العنصري حتى بداية الثمانينيات. تأثير هذا الشكل النضالي كان محدوداً جداً بسبب الخلل الكبير في ميزان القوى بين الطرفين، لكن المؤتمر خاض كفاحاً مسلحاً بهدف لفت أنظار العالم وشد أزر الجماهير. في مرحلة لاحقة تراجع العمل العسكري وأصبح النضال السياسي والجماهيري هو الشكل الرئيسي. وهذا ما فعلته قيادة الانتفاضة الفلسطينية في تجنب العمل العسكري واعتماد النضال الجماهيري المتنوع.

ترك المؤتمر الوطني وقيادته في الخارج قيادة المعركة لقيادة الجبهة الديمقراطية الموحدة في الداخل، واكتفى بتنسيق المواقف والتشاور معها، دون أن يغضبه ذلك أو أن يقلل من شأن القيادة في الخارج، بل كان الجميع حريصاً على توحيد النضال وتوحيد الأهداف في القضاء على نظام الفصل العنصري وإقامة دولة مدنية ديمقراطية يتساوى فيها جميع المواطنين.

في الحالة الفلسطينية تدخلت القيادة الفلسطينية في الخارج بقرارات وتوجهات القيادة الموحدة للانتفاضة، بل وصل الأمر إلى إفساد بعضهم بالمال.

ويجب أن نعلم أن العلاقة التي ربطت المؤتمر الوطني الأفريقي مع الحزب الشيوعي ومع قوى ومنظمات أخرى في جنوب أفريقيا، لم تكن خالية من الخلافات والصراعات التي وصلت حد الاقتتال الداخلي، لكن تمكن الجميع في النهاية من الاتفاق والتوحد في خضم النضال الذي أجبر نظام الأبارتهايد أخيراً على الموافقة في الدخول بمفاوضات على أساس نيل الحرية.

فلسطينياً، لم تتمكن الفصائل والقوى الفلسطينية من تحقيق الوحدة بين كافة الأطر، إلا في فترات محددة، وانتهت بخلافات سياسية أدت إلى إتعاب الانتفاضة لاحقاً، وإضعاف الموقف الفلسطيني المفاوض.

كان من أبرز أسباب نجاح المؤتمر الوطني في معركته هو ارتباط قيادته العميق مع قيادة الجبهة الديمقراطية الموحدة في داخل جنوب أفريقيا، ومع كافة القوى والحركات الجماهيرية التي شكلت أحد عوامل قوة المؤتمر، وكانت بمثابة أداة كابحة وضاغطة على القيادة حتى تظل في تناغم وانسجام مع النضال الشعبي. حتى أثناء المفاوضات مع النظام العنصري لم يتوقف الحراك الجماهيري لممارسة مزيد من الضغط لإجباره على الاستجابة للمطالب الشعبية.

بينما في الحالة الفلسطينية قامت القيادة الفلسطينية بالتسلل من خلف ظهر الجماهير، وعقدت صفقة مع الكيان الصهيوني العنصري، من دون علم قوى الانتفاضة، ودون التنسيق مع قيادتها.

تجربتان بنتائج مختلفة

تتشابه كثيراً التجربة الفلسطينية النضالية مع تجربة جنوب أفريقيا. إن الشعب الفلسطيني بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية، وشعب جنوب أفريقيا بقيادة المؤتمر الوطني الأفريقي، هما شعبين خاضا معركة تحرر وطني ضد أنظمة عنصرية كولونيالية استيطانية، أنظمة فصل عنصري متوحشة وبدائية. وتتشابه كلا التجربتين في كثير من مراحل تطور أدوات النضال والمقاومة وطبيعة ومستوى التنظيم، والمخاطر التي واجهت كلا الشعبين، والعلاقة بين الداخل والخارج أيضاً لديهما.

لكن للأسف فإن نتائج التجربتين كانت متناقضة. في تجربة المؤتمر الوطني الأفريقي تم الانتصار على نظام الأبارتهايد هناك، والقضاء نهائياً على العنصرية، واستعادت الجماهير حقوقها الطبيعية التي تم انتهاكها طوال عقود. فيما فشلت منظمة التحرير الفلسطينية في تحقيق أي إنجاز للشعب الفلسطيني، وعجزت عن التحرر من نظام الفصل العنصري الاستيطاني الكولونيالي في فلسطين.

نعم ليس من الإنصاف المقاربة بين التجربتين، لكنها مهمة جداً لإعادة قراءة كلا التجربتين بهدف استيعاب العبر. رغم أن التجربة النضالية التحررية للشعبين الفلسطيني وفي جنوب أفريقيا تتشاركان في كونهما ضد استعمار فصل عنصري وكولونيالي، إلا أن هناك تباينات سياسية وجغرافية واقتصادية وتاريخية بين التجربتين، إضافة إلى اختلاف العوامل الدولية في الحالتين، وتميزت كل منهما بسمات خاصة بها.

من الناحية الاقتصادية شكل العمال السود الذين كانوا يديرون عجلة اقتصاد النظام العنصري في جنوب أفريقيا، قوة ضغط هائلة بعد تنظيمهم من خلال الإضرابات، لدرجة سببت شللاً للاقتصاد. فيما لا يقوم الاقتصاد الإسرائيلي على قوة العمال الفلسطينيين بصورة مهمة، وحتى العمال الذين أضربوا خلال الانتفاضة، جلبت إسرائيل عمالاً أجانب مكانهم. إضافة إلى عامل آخر مهم لم يكن في صالح الفلسطينيين، وهو العامل الدولي، حيث تزامنت الانتفاضة مع مرحلة بدأ فيها الاتحاد السوفيتي الداعم لحركات التحرر، في الانهيار اقتصادياً وسياسياً، مما أخل بالتوازن ومكن الولايات المتحدة من الاستمرار في الانحياز والدعم التام المريح لإسرائيل. لكن النظام العنصري في جنوب أفريقيا لم يكن طبعاً بأهمية إسرائيل بالنسبة لأمريكا. وهي اصلاً لم تعد بحاجة له لدعمه، خاصة بعد انهيار النظام الاشتراكي، لذلك لم تمانع الولايات المتحدة من التوصل إلى تسوية بين نظام جنوب أفريقيا ونيلسون مانديلا.

في المشهد الفلسطيني فإن قيادة منظمة التحرير الفلسطينية قامت بتبديل برنامجها ومواقفها السياسية أكثر من مرة، وتراجعت عن شعاراتها التي بدأت معها المسيرة الثورية، حتى وصلت إلى التوقيع على اتفاقية أوسلو. لم يكن لديها برنامج واضح محدد بأهداف لا شبهة فيها. ولم تتسم علاقتها مع قيادة الانتفاضة في الداخل بالتنسيق والتكامل، بقدر ما اتسمت بفرض رؤية وقرارات الخارج على الداخل. ثم قامت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية في الخارج بالالتفاف على حركة الوفد الفلسطيني المفاوض من داخل فلسطين، الذي كان يرأسه المناضل الدكتور حيدر عبد الشافي، وكان هذا الوفد يجري مباحثات في واشنطن استمرت لمدة عامين تقريباً. استقال الدكتور حيدر من الوفد في نيسان عام 1993 بسبب إصراره على رفض أية تسوية لا تنص على إزالة المستوطنات الإسرائيلية. وبدلاً من أن تقوم قيادة منظمة التحرير الفلسطينية باستثمار هذا الصمود في موقف المفاوض الفلسطيني، الذي كان مدعوماً بإرادة جماهيرية شعبية على الأرض مؤيدة له، قامت القيادة الفلسطينية بفتح قناة تفاوضية خلفية تمخضت عن اتفاق أوسلو البغيض.

السؤال المعضلة

في الراهن الفلسطيني، دخلت القضية الوطنية الفلسطينية مرحلة الانسداد السياسي الحاد. كان وصول الرئيس الأمريكي الحالي "دونالد ترامب" إلى البيت الأبيض قد أربك القيادة الفلسطينية، وأسهم في تعميق أزمتها السياسية من خلال تبني الإدارة الأمريكية لمشروع يفضي إلى حل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، سمي "صفقة القرن" وفق تسوية يتم فيها حذف ملفي القدس وحق العودة من مفاوضات الحل النهائي. وتشويه فكرة حل الدولتين ومسخها بحيث تكون الضفة الغربية من مسؤولية الاحتلال الإسرائيلي. وتحسين الوضع الاقتصادي الفلسطيني. ثم قامت الولايات المتحدة بنقل سفارتها من تل أبيب إلى مدينة القدس. كل هذه الأحداث لاقت رفضاً فلسطينياً رسمياً وشعبياً. هذا دفع أمريكا إلى وضع ضغوط اقتصادية وسياسية ودبلوماسية شديدة على القيادة الفلسطينية، وعلى الرئيس محمود عباس الذي أعلن قطع العلاقات مع الولايات المتحدة.

إن صفقة القرن في حال انتظار حدوث تطورات في منطقة الشرق الأوسط كي تصبح قادرة على التحقق، منها الموقف الأمريكي من الملف النووي الإيراني، ومن مسار التسوية في سوريا، ومدى قدرة الإدارة على حشد موقف عربي مؤيد للصفقة، ومدى قدرة الفلسطينيين على الصمود، والوضع الإسرائيلي الانتخابي الداخلي حول إمكانية بقاء نتنياهو من عدمها.

إن الوضع السياسي الفلسطيني يعاني من حالة استعصاء سياسية شديدة. القيادة الفلسطينية ترفض-للآن- التنازل مسبقاً، ولم تقبل الاعتراف ببقاء الاحتلال في الضفة، ولم توافق على دولة فلسطينية دون حدود أو بحدود مؤقتة. وترفض أي حلول لا تؤدي إلى كيان سياسي سيادي يسمى دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس. وهذا هو جوهر الانسداد الذي تسبب في رفع الحالة الجماهيرية الفلسطينية، وأسهم في زيادة الأزمات.

هناك انسداد آخر داخلي يتسبب به الانقسام الوطني، ويتعلق بالمصالحة مع حركة حماس. مصالحة لم تكتمل رغم كافة الوساطات والتدخلات الفلسطينية والمصرية والعربية والغربية. وهذه الجهود لم تتمكن من إنهاء هذا الانقسام البغيض، ومن إخراج قطاع غزة من حالته القائمة، ووضع الغزاويين القاسي. فشلت الوساطات لأنها تصطدم بأمر جوهري ورئيسي هو مبدأ ازدواجية السلطة. هذا يعني أن تقوم السلطة الفلسطينية بتوفير الخدمات للسكان في القطاع، فيما تقوم حركة حماس بمد نفوذها الأمني. وهذا نموذج لا يمكن أن يخلق وضعاً طبيعياً في أي بقعة في العالم.

أعود للسؤال الكبير، الهام، المعضلة. إن تمكنت الانتفاضة الأولى المجيدة من إخراج قيادة منظمة التحرير الفلسطينية من أزمتها، وأفرجت كربها الشديد، فمن ينتشل القيادة الفلسطينية الآن من محنتها الحالية، في ظل أوضاع تعاني فيها كافة الفصائل الفلسطينية من أزمات بنيوية وقيادية وبرنامجية وجماهيرية ومالية، ضعفت معها قدرة هذه الفصائل والقوى، التي فقدت هويتها الأيديولوجية، على استنهاض حركة الجماهير الفلسطينية لمواجهة عدو صهيوني استعماري استيطاني اجتثاثي. هذا الوهن والعجز الفصائلي الذي وصل مرحلة التخاذل كان سبباً مهماً في قيام القيادة الفلسطينية على عملية إلحاق منظمة التحرير الفلسطينية بسلطة أوسلو بدلاً أن يتم العكس، وكان هذا بداية خراب البيت الفلسطيني.

الخيار الثالث مفقود

فشلت الانتفاضة الفلسطينية الأولى في تحرير الشعب الفلسطيني من الاحتلال الاستيطاني لأسباب سالفة الذكر. جاءت الانتفاضة الفلسطينية الثانية في العام 2000، وقدمت فرصة تاريخية للقيادة الفلسطينية في معالجة النتائج الكارثية لاتفاق أوسلو، لكن عسكرة الانتفاضة، وغياب استراتيجية موحدة، أدى إلى نتائج كارثية.

سعت حركة حماس لأن تقدم بديلاً إسلامياً عن حركة التحرر الوطني الفلسطيني وتوجهاتها، من خلال رفضهم لاتفاقية أوسلو وسياسية قيادة المنظمة. لكن الحركة أخفقت في تشكيل مشروع وطني فلسطيني جامع للجماهير الفلسطينية وقواها وفصائلها. وبظني أن واحداً من أهم أسباب هذا الفشل هو عدم إدراك قيادة حركة حماس أن مركزية المشروع الوطني الفلسطيني المتمثل في منظمة التحرير الفلسطينية، قضية لا تخص حركة فتح وحدها، بل هي حركة وطنية تحررية ثورية لكافة الشعب الفلسطيني.

بعد مرور ربع قرن على اتفاقية أوسلو ونهج المفاوضات الكارثي على شعبنا الفلسطيني، وأحد عشر عاماً على الانقسام الدامي، وفشل جميع جهود الجهود لتوحيد البيت الفلسطيني، وفي ضوء عجز ونكوص الفصائل الفلسطينية الأخرى التي تعاني من أزمات متعددة، لم يستطيع الشارع الفلسطيني من بلورة تيار نضالي وطني ثالث يعيد الاعتبار للقضية الفلسطينية وللمشروع الوطني الفلسطيني التحرري، ويجعل الاحتلال يدفع ثمناً باهظاً.

إن الشعب الفلسطيني يمتلك خبرة تاريخية في ابتداع وابتكار أساليب واشكال متجددة دوماً للنضال والمقاومة. ورغم كل ما تقوم به إسرائيل من بناء الجدران المرتفعة، وإنشاء الطرق الالتفافية لتحويل المناطق الفلسطينية إلى كانتونات متفرقة، إلا أن الجماهير الفلسطينية تجد دوماً طرقاً للتواصل فيما بينها لمواجهة عدوها.

في هذه المرحلة بالغة الخطورة على القضية الفلسطينية، حيث اعترفت الإدارة الأمريكية بالقدس عاصمة لإسرائيل، وتسعى لفرض حلول تقوض الحقوق الوطنية والسياسية للشعب الفلسطيني. وتمارس كل من الولايات المتحدة وإسرائيل وبعض الدول الغربية ضغوطاً غير مسبوقة على القيادة الفلسطينية، ووصلت العنجهية الصهيونية إلى ما وصلت إليه من استهتار بالقيادة الفلسطينية وبشعبنا وتضحياته، وبلغ تآمر بعض الأنظمة العربية على القضية الفلسطينية مرحلة الجزار الشريك، وأمام سقوط أوهام نهج المفاوضات السياسية، فقد حان الوقت للشعب الفلسطيني صاحب المصلحة الأساسية في الحرية لأن يقول كلمته، وأن يحدد خياراته والانطلاق في معركة جماهيرية لإسقاط نظام الأبارتهايد الكولونيالي الصهيوني العنصري في فلسطين.

 

حسن العاصي

كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدانمرك

 

عبد الحسين شعبانمثّل عنوان الندوة الافتتاحية لموسم أصيلة الثقافي الدولي لهذا العام إشكالات الواقع والتحدّي في آن، بين "الديمقراطية الموعودة" و"الديمقراطية المفقودة"، خصوصاً حين حمل سؤالاً مكمّلاً: " أين الخلاص؟" بعد أن وضع " عبء الديمقراطية الثقيل" في  الصدارة.

لم يحدث أن واجهت الديمقراطية بصفتها المعيارية أو الإجرائية، مأزقاً مثلما تواجهه اليوم، فعلى مدى العقود الثلاثة ونيّف الماضية يمكنني أن أستحضر كمّاً هائلاً من المشاركات والدراسات والأبحاث والمؤتمرات بشأنها، وأتوقّف هنا عند ثلاث محافل مهمة كان آخرها جلسة عصف فكري "أكاديمي" نظّمتها جامعة فينيسيا (إيطاليا) (أيار/2019) حول "مصادر الديمقراطية" وقبلها بعقد ونصف من الزمان– ندوة دولية تم تنظيمها في سيؤول (كوريا الجنوبية) خريف العام 2002، حول "آفاق الديمقراطية" بحضور مادلين أولبرايت وزيرة خارجية الولايات المتحدة الأسبق وذلك عشية غزو العراق، وسبقها- ندوة نظمها مركز دراسات الوحدة العربية في قبرص (ليماسول) 1983 حول "أزمة الديمقراطية في الوطن العربي".

ولم تكن الديمقراطية حينها، وخصوصاً في عالمنا العربي مطروحة على بساط البحث كخيار للحكم، خصوصاً في ظلّ هيمنة التيارات الآيديولوجية الشمولية آنذاك: القومية واليسارية والإسلامية. ولذلك يأتي "سؤال أصيلة"، بعد هذه السنوات، استفهامياً مثيراً فهل وصلت الديمقراطية إلى طريق مسدود؟ وهل ثمة أسلوب حكم آخر أفضل منها أو يتجاوزها؟

لقد اجتاحت الموجة الديمقراطية آخر ما تبقى من قلاع الدكتاتورية والاستبداد في أوروبا الغربية في سبعينيات القرن الماضي، وشملت اليونان والبرتغال وإسبانيا، وبدأ التململ في أوروبا الشرقية التي انتقلت من أنظمة شمولية إلى أنظمة تتوجه صوب الديمقراطية، لاسيّما بعد انهيار جدار برلين في 9 نوفمبر/تشرين الثاني/1989 وانتهاء عهد الحرب الباردة، وامتدت الموجة إلى أمريكا اللاتينية وعدد من بلدان آسيا وأفريقيا، ومع أن رياح الديمقراطية انكسرت عند شواطئ البحر المتوسط، إلّا أن حضورها اللّاحق حتى وإن جاء متأخراً، طرح عدداً من الأسئلة الجديدة- القديمة في ظل النكوص والتراجع وانسداد الأفق. وفاض الجدل حول مستقبل الديمقراطية وآفاقها، أكانت عريقة أم ناشئة أم جنينية؟.

وإذا كانت الانتخابات من مقتضيات الديمقراطية، فهي ليست وحدها التي تقرر "شرعية الحكم" و"ديمقراطية النظام"، خصوصاً بضعف التمثيل وشحّ فرص الشراكة والمشاركة وعدم مراعاة التنوّع الثقافي وحاجات الناس وقيم الديمقراطية، الأمر الذي ولّد عزوفاً من جانب المواطن، حيث بدأت ثقته تهتز وحماسته تضعف في الإقبال عليها.

وتمثّل المبادئ الدستورية والقانونية العامة مثل  "الشعب مصدر السلطات" و"حكم القانون" و"فصل السلطات" و" الحقوق والحريات" و" تداول السلطة سلمياً"،  الجوانب المعيارية - القيمية في الديمقراطية، في حين أن الجوانب الإجرائية العملانية تتّبع الآليات المناسبة لإدارة التنوّع وتنظيم شؤون الحكم بما يتناسب مع تطور كل مجتمع.

وقد دلّت التجربة التاريخية لنحو ثلاث قرون من الزمان أن الديمقراطية كنظام تتطوّر وتتقدّم، ولكن ليس دون مشكلات ونواقص وثغرات وعيوب، فهي ليست "مثالية"، بل هي كما عبّر عنها ونستون تشرشل  "النظام الأقل سوءًا من غيرها"، وبهذا المعنى فهي ليست  "مخلّصاً" أو "خشبة نجاة" أو "وعداً"، بقدر ما تعبّر عن إمكانية إدارة الحكم وتداولية السلطة وتنظيم التنوّع بالإقرار بالتعددية، ومثلما تحمل مشتركات قيمية وإنسانية عامة، فهي تمتلك خاصيّات خصوصية، وهو ما أشار إليه قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 47 الصادر في 4 ديسمبر (كانون الأول) العام 2000 والموسوم " تعزيز الديمقراطية وتوطيدها" .

وعلى هذا الأساس  فبإمكاننا القول إن الديمقراطية سلسلة تجارب غير مكتملة، تتطوّر وتتغيّر وتتقدّم وتتراجع أحياناً، وأهم ما فيها هو قدرتها على " إدارة التنوّع" باتباع آليات سلمية، وحتى مع خروجها أحياناً على جانبها المعياري باختيار المحكومين للحكام بصورة خاطئة، كما حصل مع هتلر أو مع صعود الموجة الشعبوية الجديدة، التي أوصلت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض أو فوز الشعبويين حالياً في النمسا وهولندا والدانمارك وبولونيا وتشيكيا والمجر، فضلاً عن ارتفاع رصيدهم في فرنسا (حزب ماري لوبان) وإيطاليا (حركة الـ 5 نجوم) وألمانيا (حزب البديل الديمقراطي) وغيرها، فإن معالجة مثل هذا التوجه "غير الديمقراطي" سيكون بوسائل ديمقراطية، لأنها حتى الآن الآلية السليمة والأكثر قدرة على معالجة أزمات الحكم وتنظيم علاقة الحاكمين بالمحكومين.

وفي منطقتنا واجهت الديمقراطية طائفة من التحدّيات الكبرى التي تقف حائلاً أمام اجتيازها العتبة الأولى مثل " النزاعات الطائفية والمذهبية" فضلاً عن "التوترات الإثنية والقومية" و"الحروب الأهلية "، و"العنف المجتمعي بجميع صوره" و"الإرهاب الدولي" و"الحروب الإقليمية"، ناهيك عن "شحّ ثقافة الديمقراطية"، لاسيّما بتعاظم كوابح ما قبل الدولة وما دونها مثل العشائرية والجهوية وغيرها.

وهكذا فالديمقراطية ظلّت تراوح "بين المحظور والمنظور"، وتتجاذبها عوامل شتى من شدّ وإرخاء ونجاح وإخفاق، لكنها بالرغم من كل نواقصها وعيوبها تمثل خيارات وآليات تستجيب للحدّ الأدنى من المشتركات الإنسانية والخصوصية الوطنية، وليس هناك موديل كامل ونهائي يصلح لجميع المجتمعات.

 

عبد الحسين شعبان - باحث ومفكر عربي

 

"الرشاوي الصغيرة تبقي الصداقة.. والرشاوي الكبيرة تجعلها قابلة للتنبؤ"!!

الفساد ليس مشكلة أخلاقية واقتصادية وسياسية فحسب إنما مشكلة نظرية وحقيقية مجتمعيا, وبتعبير أدق فأن الفساد هو مشكلة المجتمع الحديث فما الذي يمكن أن نفهمه حول أفكارنا عنه؟ حينما نلاحظ انتشار الفساد والجدل العام حوله ينبغي النظر في كلا الجانبين, الفساد كممارسة في التأثير الاجتماعي والفساد كموضوع للاتصال في المجتمع وافراده في اتصال بعضهم ببعض، فالفساد يؤدي إلى الغضب الشعبي وإلى اللامبالاة والانفصال عن السياسة ويعطي زخما للتغييرات السياسية الواسعة. والفساد هو علامة على التخلف وانحرافا مرضيا، يلامس الإحساس الجماعي بالعدالة والأمانة، ولكنه أيضاً يثير الشعور بأنه إذا بذل المرء جهوداً لمكافحة الفساد فمن الممكن تغيير الوضع ولا يزال من الضروري توضيح كيف إن إحياء الفساد يتم باستمرار في الظروف المعاصرة وفي كل مكان لان الفساد ليس أكثر من شكل من أشكال تنفيذ الرغبات الفردية في مجتمع لا يثق أعضاءه ببعض ولا يتحكمون بتصرفاتهم.

دوما ما نغفل عن المتطلبات الهيكلية للفساد ودور المؤسسات وتأثيرها وادوار الحالات الوسيطة، وإن إعادة بناء العمليات النفسية والاختيار الفردي لا تعطي إجابة عن سؤال: ما هي اعتبارات النفعية والمصالح وتضارب القيمة داخل المجتمع التي تؤدي إلى حقيقة المشاركة في "شبكة" فاسدة تصبح سلوكًا مفيدًا ومطلوبًا؟ ووفقاً لأولئك الذين يلاحظون الفساد من الخارج فإن انتشار ظاهرته تشير إلى أزمة في الهياكل العامة للحفاظ على القانون والنظام والتي لا يتم التعبير عنها فقط في انحراف الفاعلين الفرديين عن الأعراف الاجتماعية وإنما أيضًا قبل كل شيء في التوزيع الخاطئ للموارد العامة كالمال والسلطة والسمعة والهيبة الأخلاقية. وإن محاولة دمج العنصر "الأخلاقي" في الفساد كتعبير عن الدونية الأخلاقية للفاعلين، تبدو لي غير منتجة ولا فاعلة فنحن لسنا في زمن الانبياء!!! وإن هذا الشكل من التخصيص هو الذي يخفي الطبيعة المتناقضة للنظام المعياري للمجتمع الذي يسمح بظهور حالة مزدوجة ويعطي الأسس للجهات الفاعلة، فيمكن محو الحدود بين الفساد وعدم الفساد بسهولة على المستوى الفردي إذا كان لدى الجهات الفاعلة أسباب لتحل محل التمييز بين فئات السلوك الأخلاقي وغير الأخلاقي مع فئات النجاح والفشل، وإن محو الحدود هو رد فعل للضغط الواقعي أو الخيالي من الخارج الذي يضع موضوع الفساد أمام خيار ما إذا كان يريد المشاركة فيه أم لا.

يتم تقليل الافتراضات النظرية لتفعيلها عبر مرجعية تحليل الظروف التي تصرف فيها الفاسد، وعادة ما لا تتجاوز دوافعه ما سبق إثباته وإن البحث عن نوع معين من الشخصية يتميز بميل إلى تحريف السلوك وينتهي دوما بالفشل، ويمكن الافتراض أن "الشخصية الفاسدة" هي صورة نمطية، تجعل شعبيتها من الممكن الحفاظ على البنية القائمة والراحة النفسية والكشف عنها وتحديدها، ولا شك في أن الفساد يجلب منفعة خاصة للأفراد وأنه يتوافق مع نموذج لتبادل المنفعة مع البعض والذي يتم على أساسهم مثل تلك المعاملة على حساب أطراف ثالثة والتي هي في الأصل تكون مدعومة ومحمية من الجهات الفاعلة التي تتخذ خطوات نشطة لإخفاء الصفقة. ومن الواضح أنه لا توجد سمات شخصية خاصة يمكن أن تكون المعيار الوحيد للتمييز بين سياسي أو رجل أعمال أو مهني محترم أو انتهازي أو تافه، وإن نظرية اختيار وبيان الفاسد في تلك الحالة تعود إلى الظروف التي يجد فيها الشخص ذاته وإلى الدوافع والمحفزات التي تولدها حالة الفساد المعينة. ومع ذلك فإن تحليل الاحتمالات لا يحل محل الإجابة على السؤال، فلا يزال من غير الواضح ما هي مجالات التنمية الاجتماعية التي تسمح للآليات القديمة بالاستمرار في العمل في العصر الحديث أو لماذا تفتح الظروف والحوافز الجديدة فرصًا ليس فقط للفساد بل أيضًا للمعارضة السياسية والمعنوية لها, وهنا نرى إن تقليل المشكلة لتمييز الفشل الذريع للدولة وفشل السوق بشكل غير مقبول يبسطها، واعتمادًا على التفضيلات الأيديولوجية فأن المجتمع ككل يمكن تنظيمه إما كسوق أو كدولة ديمقراطية مثالية حتى يتمكن من حجب أوكسجين الفساد. وليس من الأفضل مع نظرية الديمقراطية الهشة افتراض أن الفساد هو عنصر إلزامي محدد النظامية في السلطوية إذ لا شك أن الأنظمة السلطوية والمركزية توفر المزيد من الفرص لتحقيق المصالح الخاصة في غياب المنافسة أو السيطرة العامة، فلذلك لا يزال من المثير للجدل ما إذا كانت الدولة القوية عرضة للفساد لأنها قوية أو ربما ضعفها يكمن بالضبط في حقيقة أنها غير قادرة على توليد الثقة في شرعية مؤسساتها وفعاليتها وبالتالي تصبح فريسة فساد اقتصادي للنخبة السياسية والاجتماعية.

يعتبر الفساد مكافئ وظيفي لغياب شرعية وفعالية المؤسسات أو استحالة إشراك بعض الفئات الاجتماعية، ومن المهم معرفة ما هي الشروط والحوافز لتطوير الفساد وتحديد المنطق الذي بموجبه تتخذ الأطراف الفاعلة ومجموعات الفاسدين في الوضع الحالي من قرارات، إذ تندمج القوة والمال بسرعة وبصورة غير محسوسة، والمال يساعد على القوة، والسلطة تفتح إمكانيات جديدة للمال، فهل هناك طريقة أفضل لإثبات أو تقوية الصداقة؟ الإجابة تتماثل لدينا في إعادة صياغة المثل القديم " الرشاوي الصغيرة تبقي الصداقة... والرشاوي الكبيرة تجعلها قابلة للتنبؤ " !!! ويمكن للمرء أن يجد نفس الانعكاسات لكنه يجادل على المستوى الكلي من وجهة نظر المنظور المتأخر والتنمية غير المتوازنة من قطاعات الحياة العامة والتي هي ليس لوضع معايير موحدة للأمانة العامة والنزاهة، والأشكال التقليدية لتبادل الهدايا والمحسوبية والمحاباة التي لا تزال موجودة، وإن الهياكل النمطية الموجودة في المنظمات والهيئات الإدارية تعتبر بدرجة أقل أنها تستوفي معايير حماية المصالح العامة وإلى حد كبير كجزء من الشبكة الملزمة بالعطاء والتقديم.

 وان اردت إن أصبح واقعيا فيفترض إن اقول وعلى عكس الأخلاق ينبغي اعتبار الفساد شيئا وظيفيًا وإن الأخلاق في هذه الحالة تعارض "الواقعية" التي توفر فرصة لكل شيء لكي تأخذ مجراها ومع ذلك فإن تحليل الحالات التاريخية الفردية تثبت أن الفساد له تأثير اقتصادي وسياسي واجتماعي سائد في الغالب وإنه يجعل الفقراء أكثر فقرا ويمنع الحركة الاجتماعية ويعوق النمو الاقتصادي ويحول النظم السياسية إلى فاشلة ويدمر شرعيتها فتنهي بعضها البعض، لذلك يتم تقديم الفساد على أنه عودة إلى المقايضة وعلاقات دنيئة معينة، ويشمل العمل السياسي المباشر والعمل المحدد مقابل التبعات الاقتصادية. كما ويمكن القول إن الفساد سوف يتطور دائمًا عندما لا تكون هناك سلطة للنظام السياسي كما أن المعايير العالمية وغير الشخصية لعمل حكومة أو مسؤول سياسي لم تتمكن واقعيا وإلى ألان من التغلب على المصالح الخاصة للأفراد، ويمكن قول الشيء نفسه عن الحالة التي يحدث فيها توزيع الدخل أو السلطة أو الهيبة على أساس معايير الإنجاز غير العالمية أو المساواة الشكلية في الفرص والتي تنتمي إلى مجموعة معينة أو منشأ أو معايير زائفة أخرى، فعدم المساواة الناجم عن التقسيم الطبقي الاجتماعي يؤدي إلى حقيقة أن الجهات الفاعلة الفردية أو الجماعية تميل إلى الدفع للحصول على الوضع المطلوب أرستقراطيا أو لاستخدام موقف الفساد الناتج من أجل أن تكون قادرة على اتخاذ القرارات من أجل الإثراء الشخصي، وفي مجتمعاتنا جميعا لا يوجد شيء من شأنه أن يهز ثقة الأفراد والشعوب بأنهم يستحقون أكثر مما لديهم، أو أن ما لدى الآخرين هو نتيجة منافسة غير عادلة وبالتالي فإن نظام قيم المجتمعات مع تركيزها الزائف على تحقيق الأهداف والمساواة والتعبير عن حرية التعبير عن الإرادة فهي لا ولن يمكنها أن ترضي شعوبها، والتي من الغير ممكنا لها أن تكون راضية ولو جزئيا بسبب تطرف الاقتصاد وفساد الأنظمة ووحشية المؤسسات السياسية.

 

بقلم: الدكتور ميثاق بيات ألضيفي

 

رائد الهاشميمنصب رئيس الجمهورية في العراق مابعد عام 2003 تشريفي وبروتوكولي ومحدود الصلاحيات وقد تم تخصيصه للمكون الكردي حسب المحاصصة الطائفية البغيضة التي دمرّت البلاد والعباد، ولقد تعود العراقيون طوال السنوات الماضية على أن يروا رئيسهم ينعم بالامتيازات الخيالية التي ترهق موازنة البلد ويحميه فوجان من العسكر المدجج بالسلاح وهو في قصره العاجي المحّصن على نهر دجلة ويستقبل بعض الشخصيات والرؤساء ويحضر بعض الاجتماعات المهمة مع الرئاسات الثلاثة أو مع رؤوساء الكتل ويشجب هنا ويندد هناك ويحتفل في هذه المناسبة أو تلك، ولم ينتظروا منه دوراً أكثر من ذلك، ولكن ما أن تسلم الدكتور برهم صالح منصب الرئيس حتى أثبت بأن الشخص يستطيع بقوة شخصيته أن يكسر كل القواعد والأعراف ويعطي للمنصب أكثر مامرسوم له، فالحق يقال بأن صالح بكاريزمته الفريدة وشخصيته القوية وشعبيته ومقبوليته لدى جميع فئات المجتمع العراقي تمكن من أول يوم أن يعمل بنشاط وحيوية في كل الاتجاهات ولم يرضخ للحدود الموضوعة لمنصبه البروتوكولي فبدأ برحلات مكوكية سريعة ومكثفة الى بلدان مختلفة منها الأردن والكويت والسعودية وايران وتركيا وفرنسا والامارات وايطاليا.

لمناقشة هذه الزيارات يجب أن نحدد بواقعية وانصاف ايجابياتها وسلبياتها، فالزيارات كانت نتائجها جيدة ومثمرة في تعزيز علاقات العراق مع جيرانه والدول الاقليمية والعالمية حيث كانت تحمل رسائل محبة وانفتاح على الجميع للتعاون المثمر والجاد لتحقيق المصالح المشتركة في جميع المجالات وخاصة السياسية والاقتصادية والأمنية ولكسب ثقة هذه الدول وتذليل كل الاشكالات التي حدثت في السابق، وكذلك تم خلال هذه الزيارات مناقشة ملفات حيوية عديدة تهم أمن العراق السياسي والاقتصادي والأمني ، وحاول الرئيس صالح أن يقدم دعمه الكامل من خلال هذه الزيارات الى حكومة السيد عادل عبد المهدي حيث بدأت ملامح التعاون والتفاهم بين الرجلين من أول يوم في تقلدهم مناصبهم السيادية في البلد، وهذا شيء يدعو للارتياح لأن التفاهم بينهم يصب في مصلحة البلد واستقراره السياسي، لذا فباعتقادي المتواضع بأن زيارات الدكتور برهم صالح الخارجية على الرغم من عدم امتلاكه الصلاحيات في اتخاذ القرارات الحاسمة وتوقيع الاتفاقيات المصيرية لكنها كانت مهمة ومفيدة للعراق وبالأمكان استغلالها بشكل جيد من السيد رئيس مجلس الوزراء من خلال تعاونهما لتطبيق نتائجها على أرض الواقع وفقاً لصلاحياته الدستورية مع العلم أن جميع زيارات رئيس الجمهورية كانت بالتنسيق والاتفاق مع السيد عادل عبد المهدي وحسب ما تم التصريح به من قبل الناطق الرسمي لرئاسة الجمهورية.

أما السلبيات في هذه الزيارات فهي التكلفة المالية الكبيرة لها وخاصة أن الرئيس برهم صالح كان يصطحب معه في كل رحلة وفداً كبيراً من الوزراء والمستشارين والمرافقين وهذا ما انتقده الكثير من المراقبين والمتابعين للشأن العراقي، حيث ان تكلفة هذه الوفود الضخمة قد كلفت موازنة الدولة مبالغ باهضة في ظل وضع اقتصادي متردي ومشاكل كبيرة واضحة للعيان، وكان الأولى بالدكتور برهم صالح وهو الرجل البسيط الذي عاش فترة طويلة في اوروبا واطلع على تصرفات رؤوساء وحكام هذه الدول وطريقتهم في ضغط النفقات والابتعاد عن البهرجة والفخامة بأن يفكر بهذا الأمر جيداً ويحسب حساباته الدقيقة، وكان بإمكانه أن يذهب برفقة وفد بسيط من أشخاص معدودين ويحقق نفس الأهداف التي رسمها لزياراته، وأنا على يقين بأنه كان قادر بشخصيته القوية وثقافته العالية وباسلوبه الرائع أن يحقق هذه الأهداف ويجنب نفسه الانتقادات الكثيرة التي وجهت له من جهات عديدة عن ضخامة الوفود التي اصطحبها معه وعن المبالغ الخيالية التي أرهقت موازنة البلد، علاوة على أنها كانت ستكون أجمل وأرقى وتخطف الأضواء ببساطتها ونتائجها الكبيرة. 

 

رائد الهاشمي

 

عبد الخالق الفلاحفوضى البيت الأبيض تسببت في ضياع فرص قيمة لأميركا، وفي فشل ترمب في تحقيق أي تقدم في أهم ما في جعبتها من خطط لانه رجل اقتصاد اكثر مما هو رجل سياسية والتي لا يمكن الفصل بينهما في ادارة الدول في العصر الحالي وقد أصبح الاقتصاد لصيقًا بالسياسة وتوأمها بشكل جليّ وارتباط الاقتصاد بالسياسة والعكس بالعكس، قضية لايختلف عليها اثنان في جميع العصور وعلى مدى التاريخ الماضي، ولكن يبقى اهتمام الناس بالسياسة لتأثيرها على حياتهم الاقتصادية ومعيشتهم اليومية، قضية تترواح مابين اهتمام شديد وعدم مبالاة، وعلاقة الاقتصاد بالسياسة أبدية مثلما تنظر المبادئ الكاثوليكية للزواج، حتى يعتقد البعض ان كفت الاقتصاد المحرك الرئيسي للسياسة دون النظر لأي اعتبارات أخرى. وهو ما دفع الكثير من الدول إلى استخدامه كفاتورة سياسية يدفعها الطرف الآخر عند الخلافات السياسية أو العسكرية وكأداة ضغط للدول وإرسالها لمن يدور في فلكها متناسياً في الامكان للسياسة أن تُشكِّل دافعا قويّا للنمو الاقتصادي، كما يمكن لها أن تكون مثبطاً له من خلال قيامها بتأخير عملية التغيّر الاجتماعي والثقافي، حيث يؤثر التفاعل بين السياسة والاقتصاد على قضايا السلام، الفقر، المساواة، الحرية، الديناميكية الاقتصادية والاستقرار السياسي.

لقد شهدنا في العقدين الأخيرين العديد من الأمثلة على استخدام الاقتصاد كأداة ضغط للسياسيين، والتي كان أبرزها العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الولايات المتحدة الامريكية على إيران لدورها الواضح في دعم المقاومة والاصطفاف الحربي ضدها لمجابهتها الاحتلال الصهيوني والارهاب الذي يحاول زعزعة الاستقرار الإقليمي وايقاف تمدده وكذلك العراق إبان الحرب على الكويت واحتلالها وما تلاه. كما استخدمته إيطاليا في التسعينيات ضد تركيا واستخدمته المملكة ضد كندا والولايات المتحدة ضد الصين مؤخرًا في إجراءات اقتصادية محدودة.

وقد استغل الرئيس الامريكي عامل الاقتصاد على الاكثر في بعض الدول العربية لانه مجتمعاتهم استهلاكية يهيمن عليه استبداد النخب الحاكمة التي لا تتردَّد في إيداع مدخراتها ومدخولاتها لرجال الأعمال المقربين منها في حسابات مصرفية أجنبية بدلاً من استثمارها وطنياً ومحلياً وهنا يتجلَّى ويتَّضِح سلوكهم المدفوع بالمصلحة الشخصية وإهمالهم التام للمصلحة العامة التي تتمثل في المستقبل الحاضر والقادم .

ولا يزال ترامب وفريقه يتباهون بكل مبادئ الاقتصاد التقليدي تقريبا والتي لا تتناسب مع العلاقات الحالية للدول . وتُعَد السياسة التجارية مثالا واضحا وأساسيا هنا؛ فبإظهار عدم التقدير للارتباط الذي أثبته الزمن بين العجز التجاري واختلال توازن الادخار والاستثمار في الاقتصاد الكلي، يواصل الرئيس ترامب التركيز على حلول ثنائية لمشكلة متعددة الجوانب، فيلوم الصين -في حقيقة الأمر- على عجز أميركا التجاري السلعي مع 102 دولة . ويعتقد البعض أن الصين ستخسر الحرب التجارية مع أمريكا، وتستسلم في نهاية الأمر، بدعوى أن الميزان التجاري بين الجانبين يميل لصالحها، لكن ربما يكون هذا الاعتقاد خاطئاً، لسبب بسيط، هو أن الجانبين سيتضرران كثيرا من هذه التعريفات.

فعندما يتم تطبيق تعريفة على سلعة معينة، فهناك سيناريوهات، في مقدمتها انخفاض الأرباح، لان في بعض الصناعات، تكون الشركات غير راغبة أو غير قادرة على تحميل التكلفة على عملائها، وهذا يعني بكل بساطة أن أرباح الشركة ستنخفض، وبالنسبة للشركات العامة، فهذا بالطبع سيقلل أرباح وبالتالي يمكن أن يؤثر على أسعار أسهمها.

ومن هنا يبدو أن إدارة ترامب تتصور أن أميركا وصلت إلى لحظة مواتية في الدورة الاقتصادية تسمح لها بممارسة اي لعبة قوية . غير أن إستراتيجيتها لن تنجح لان الصين لن تستسلم بشأن المبادئ الأساسية لإستراتيجية النمو، التي تؤطر طموحات القوة العظمى التي تراود الرئيس الصيني وهي لا ترغب في خوض حرب تجارية، لكنها لا تشعر بالخوف من خوض حرب تجارية وإذا كانت الولايات المتحدة ترغب فقط في تصعيد النزاعات التجارية، سترد بالتأكيد وتحارب حتى النهاية. وفي الحقيقة ان الصين لديها ترسانة كبيرة من الأسلحة، خلف التعريفات الجمركية، يمكنها استخدامها ضد الولايات المتحدة، منها، إنشاء علاقات تجارية وثيقة مع دول أخرى لعزل واستبعاد الولايات المتحدة، فعلى سبيل المثال، خفضت الصين التعريفات على السيارات لصالح حلفاء واشنطن لمقاومتها، بالإضافة إلى تنفيذ حملة تنظيمية على الشركات الأمريكية، مثل التحقيقات البيئية أو مكافحة الاحتكار. والحقيقة ان التهديد والعقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة الامريكية على الصين لم تأتي اكلها ومن هنا جاء الاتفاق الجديد بعد الاجتماع على هامش مجموعة العشرين في مدينة أوساكا اليابانية الذي جمع الرئيس الصيني شي جينبينغ الذي اكد ان الحوار" مع الولايات المتحدة سيكون أفضل من "المواجهة "ونظيره الأمريكي دونالد ترامب الذي وصف القاء "بالممتاز" وعلى استئناف المفاوضات التجارية بين بلديهما وانه مستعد للتوصل لاتفاق تجاري "تاريخي" مع الصين، وسيكون الأمر تاريخيا إذا استطعنا التوصل إلى صفقة تجارة عادلة". كما أعلنت بكين أن واشنطن وافقت على عدم فرض رسوم جمركية جديدة على صادراتها، وفق ما نقلتها وكالات الانباء ومنها الصينية وواشنطن تخلت عن قرارها رفع الرسوم الجمركية من 10 بالمئة إلى 25 بالمئة على بضائع صينية بقيمة مئتي مليار دولار -- نصف الكمية الإجمالية -- اعتبارا من الأول من كانون الثاني/يناير .وتوصلا الى هدنة في الحرب التجارية بينهما التي تهدد الاقتصاد العالمي

 

عبد الخالق الفلاح – باحث واعلامي

 

 

جوتيار تمرتنطلق اغلب الاراء والمقولات حول الوعي بصورة عامة والوعي السياسي بشكل خاص، وفق نمطية متكررة تتخذ من معطيات لونية بلاغية مغايرة شكلاً عن سابقتها كذريعة لفرض ممكناتها باسم التجديد والتطور، على الرغم من انها في الاصل تحمل المضمون نفسه، والنسق نفسه، والتوجه نفسه، بحيث يلاحظ المتابع الواعي ان تلك المقولات والاراء ليست الا كاسطوانة تكرر نفسها فما ان تنتهي حتى تبدأ بالدوران مرة اخرى، ولكن ربما بايقاع ظاهري مغاير يظهر لمن لديه الاستعداد بالتلقي بانها مختلفة، هذا الامر بات يؤرق العاملين على تطوير بنية الفرد داخل المجتمعات، ويؤرق في الوقت نفسه المختصين في المجالات الحياتية المنوعة والمختلفة من سياسة واقتصاد واجتماع، ولعل اكثر ما يؤرق حتى الشرائح المثقفة اصبح ما يتعلق بالوعي السياسي، حيث بات الكل محللين سياسيين، واصبح الكل من مكانه يطلق الاراء ويحكم على المسارات التي تتخذها الحكومات، وليس بمخفي عن المتابعين دور وسائل الاعلام اللاواعية، والاعلام التجاري، والاعلام الحزبي المعارض في هذه الاشكالية، بحيث تحولت المجتمعات التي لم تتبنى الوعي كمنطلق اساسي لصيرورتها التطورية اشبه بالمختبرات " فئران مختبرية " تمارس الدول الكبرى اختباراتها عليها وبمساندة واضحة من وسائل الاعلام التي لاتنتهج اية وسيلة اكاديمية في البحث عن مصدر الاشكالية وتقديم حلول منطقية تناسب الواقع، لا للافكار الحزبية او حتى التوجهات الاقليمية والاجندات التي تعمل تلك القنوات الاعلامية تحت تصرفها، ووفق اهدافها، وذلك لأن مصطلح الوعي السياسي مرتبط من الناحية الواقعية بالوقائع والاخبار، باعتبارها افرازات قوى الواقع التي تقذف الى ساحة الاهتمام بقضايا متجددة.. تؤثر على الانسان تأثيراً مباشراً، ومن هنا يأتي الاهتمام الكبير بوسائل الاتصال "الاعلام" من قبل القوة المتعارضة والمتصارعة.. سواء في اوقات السلم ام في اوقات الحرب.. بل ويمكن ملاحظة ظاهرة الاعلام حتى في العلاقات الفردية والجماعية المحدودة، (د.صلاح الدين النكدلي، الوعي السياسي ضرورة حيوية، مجلة الرائد، العدد 180، حزيران/يونيو 1996).

لايمكن حصر التعريفات فيما يتعلق بالوعي السياسي، لانها في الاصل تأتي وفق الرؤية الخاصة بالمجتمعات، ووفق الانظمة التي تتبناها تلك المجتمعات، ولكن غالباً ما توجد خيوط مشتركة بين تلك الاراء، ومن تلك الاراء تعرف الوعي السياسي على انه مدى معرفة وادراك واهتمام الناس بالقضايا والمؤسسات والقيادات السياسية على مختلف المستويات المحلية والقومية والدولية فيما يرى البعض ان الوعي السياسي هو عملية تطورية لاكتساب المعلومات والقيم السياسية ومن هذه المعلومات يُكَون الفرد فهمه للمؤسسات والرموز والظواهر في البيئة السياسية من حوله، ليساعده على التطور والقيام بدور سياسي نشظ، باعتبار ان مرحلة الوعي هي التي يمكن ان تقود الفرد الى مرحلة اكثر تقدما، والتي تكمن في مرحلة الاهتمام والرغبة في متابعة المعلومات المتعلقة بقضايا البيئة السياسية، ومن ثم ليتطور ليصل الى مرحلة المشاركة السياسية، (عبدالله الفردي، الوعي السياسي في الاعلام، 2010 ).

ويعرف الوعي السياسي على انه ايضا نمط من الافكار والقيم والاتجاهات التي تحدد من خلالها الاوضاع القائمة ويتجلى معها الشعور بالوجود الاجتماعي لطبقة او حركة اجتماعية متميزة، ومدى مواكبة موقفها السياسي لمفتضيات التغيير وتلبية اهدافها في السيطرة على المجتمع، كما يشار الى الوعي السياسي على انه حالة ذهنية تتمثل في ادراك الفرد للعالم من حوله على نحو عقلي او وجداني، ولاتتوقف تلك الاراء والافكار المتعلقة بالوعي السياسي عند تلك المحددات السابقة، بل تذهب الى ان الوعي السياسي عند المواطن والمجتمع هو نظرة الانسان تجاه محيطه وكيف يقرأه وما يتضمن هذه النظرة من معارف سياسية وقيم واتجاهات تتيح للانسان ان يدرك اوضاع مجتمعه ويحللها، ويحكم عليها، ويحدد موقفه منها والتي تدفعه الى العمل من اجل تغييرها وتطويرها والحفاظ عليها والابقاء على احسن الاوضاع المتطورة فيها بما يخدم مصلحة معينة وبالتالي تصبح الرؤية الشاملة للبيئة السياسية والاقتصادية والثقافية والوطنية والعالمية، ومن ادراك الواقع الداخلي المحلي والخارجي والاقليمي والعالمي والاحساس بالمسؤولية والتي جوهرها الالتزام بالثوابت الايجابية والاجتماعية القيمية والوطنية والانسانية والرغبة في التغيير مع الاحتفاظ بالثوابت الوطنية والاجتماعية والقيمية هي اهم المحددات للوعي السياسي، (د. محمد عيسى الكويتي، الوعي السياسي واهميته لتطوير العملية الديمقراطية، جريدة اخبار الخليج، اكتوبر 2018 )، وعندما نتوقف لنقارن بين انفسنا داخل مجتمعاتنا وبين هذه المفاهيم المختلفة والمنوعة حول احدى اهم القضايا التطورية للبنى السياسية في المجتمعات الساعية لمواصلة ركب التطور العالمي، فاننا نجدنا امام احدى اهم المعضلات ايضاً لكوننا مازلنا نعيش طور ماقبل الوعي السياسي، ويتحكم بنا اما الاهواء والنزعات الاعلامية التي تحرك الرأي العام من جهة، او الحقد على المقابل لاسيما الحقد الحزبي الذي يتحول في غالب الامر الى وباء يجتاح مجتمعاتنا.

لذلك يعتبر الوعي السياسي عملية مركبة وتطورية لتداخل العديد من العمليات التكاملية الاخرى معها، ولعل جمع المعلومات وتشكيل الافكار وفق قاعدة منطقية وممنهجة تعبر بالفرد من منطقة الفوضى الاعلامية والفوضى الحزبية " المذهبية " الضيقة وتجعله يتفاعل مع الاحداث ضمن بيئته وما يحيط به من احداث ويعد ذلك من اهم وظائف الوعي السياسي.

تتداخل معطيات الوعي السياسي والثقافة غالبا في قوالب تساعد على انتاج رؤية اكثر شمولية، فالوعي السياسي اذ يصدر عن فكر، والفكر ينتج ثقافة معينة تؤسس لوعي سياسي يسود في المجتمع او في فئات معينة، واذا ما اعتبرنا ان الثقافة هي نتاج او تعبير عن مجموعة من الافكار والاشكال والقيم والهياكل السياسية المختلفة، فاننا نصل بالتالي الى نقطة تؤكد على ان الثقافة هي الاداة لخلق الوعي السياسي وتوجيهه، لذلك نجد بان المجتمعات الديمقراطية تجد في الوعي السياسي كمنطلق اساسي لها، وان اي انخفاض في مستوى الوعي السياسي للافراد والمواطنين يهدد الديمقراطية كمفهوم وسلوك، وبذلك يكون الوعي السياسي هو مصدر قيم من مصادر رفع مستويات الاحساس بضرورة المشاركة السياسية لدى الافراد، وذلك كي يبادروا في اتخاذ دور ايجابي في الحياة السياسية، من خلال المساهمة في وضع الاهداف العامة للمجتمع، وتقديم الاقتراحات، وجملة امور اخرى يمكنهم من خلالها المساهمة الفعالة في تطوير المجتمع، (الكويتي، الوعي السياسي؛ وينظر: فاروق يوسف احمد، السلوك السياسي، 2010؛ صابر عبدربه، الاتجاهات النظرية فيتفسير الوعي السياسي، 2002).

ووفق هذه الاسس يمكن ان نعتبر ان الوعي السياسي هو اكثر من ثقافة سياسية او مجرد مشاركة او تكوين راي وحوار وانشغال بقضايا المجتمع، فالوعي السياسي الحقيقي هو ان يشعر الانسان بانه ينتمي الى المجتمع "الوطن" ومن هذا المنطق يبدأ ببناء نفسه كفرد مساهم ومشارك في العملية التطويرية للمجتمع، وان لايكتفي بالسمع والمشاهدة "التلقي من الاعلام" بحيث تكون نظرته و رأيه مبنيان على اساس السمع والمشاهدة فقط، لانه بذلك لن يكون الا فأر تجارب تمارس تلك الوسائل اختباراتها عليه وفق اجنداتها التي تُملى عليها مسبقاً، ومن هذا المنطلق ندعوا الافراد داخل مجتمعاتنا الىى السعي والبحث من اجل اكتساب وخلق الوسائل التي تؤهله لكي يصبح فرداً منتجاً داخل المجتمع وان لايكون مجرد بوق اعلامي يستغله وسائل الاعلام والاطراف المتصارعة لبث سموم افكارها الهدامة التي تعيق سير العملية السياسية داخل المجتمع، لاسيما ونحن مدرك تماما ان وسائل الاعلام لدينا لاتبحث عن الانجازات السياسية اكثر مما تبحث عن الهفوات والتي تقع فيها الحكومات، بالطبع ليس من اجل اضفاء روح الديمقراطية والحرية الاعلامية انما فقط من اجل اثارة البلبلة والفوضى، بحيث تقوم بتضخيم بعض الامور اعلامياً وعبر جميع وسائل الاتصال الاجتماعي لاثارة السخط والغضب الجماهيري ضد الحكومات، بدل من طرح الاشكالية بشكل منطقي والبحث عن الحلول عبر الحوارات السياسية، والجماهير اللاواعية وعياً سياسياً تنصاع اليها وتصبح اداة لنشر الفوضى، ولذلك لايمكن للمجتمعات بافرادها ان تنضم لمواكب التطور والازدهار الا اذا ما تسلحت وعياً وثقافة وعلماً من جهة، والابتعاد عن الببغائية الفكرية، والذبابية بحيث تنجذب فقط نحو المواد التي تزيد من تردي الاوضاع وانتشار الفوضى السياسية والاعلامية.

 

جوتيار تمر / كوردستان

 

ابراهيم أبراشلم تحقق واشنطن كل ما كانت تتمناه من ورشة المنامة ولكنها لم تفشل بالمطلق، حيث شكلت ورشة المنامة خطوة خطيرة باتجاه التطبيع العربي الإسرائيلي وما بعد المنامة فأي علاقات أو تفاهمات بين الدول العربية وإسرائيل ستمر بدون ضجيج .ومن جهة أخرى فإن الرفض الفلسطيني الرسمي والحزبي والشعبي لورشة المنامة كان مهما ولا شك ولو حضر الرئيس أبو مازن الورشة لحضرها ملوك ورؤساء الدول أو كان الحضور على المستوى الوزاري على الأقل مما سيُنجح الورشة وصفقة القرن معا، إلا أن الرفض لا يكفي لوحدة لإفشال صفقة القرن ومواجهة المرحلة القادمة التي ستكون أصعب وأخطر .

الوضع الفلسطيني صعب وخطير سواء نجحت الصفقة أو فشلت حيث فشلها يعني استمرار الأمور على حالها الراهنة وهو وضع لا يقل خطورة عما لو نجحت صفقة القرن، وبالتالي فإن مَن يعتبر رفضه للصفقة انتصارا أو انجازا أن يُعيد حساباته ويتوقف عن إخفاء عجزه وفشله وربما تواطئه تحت خطاب الرفض .وعليه لا يمكن مواجهة صفقة القرن في ظل الانقسام وإن لم تُنجز المصالحة حالا فهذا معناه أن المُعيق لها ينتظر دورا له في صفقة القرن أو في الأموال الموعودة من ورشة المنامة .

نُدرك جيدا أن الوحدة الفلسطينية لن تستطيع وحدها مواجهة التحالف الأمريكي الإسرائيلي وتواطؤ بعض الدول العربية، إلا أن المصالحة أو الوحدة الفلسطينية يمكنها تقليل الخسائر وتعطيل الصفقة ومنع مزيد من الدول العربية من التوجه نحو التطبيع، بالإضافة إلى تغيير نظرة العالم إلى الفلسطينيين، ونستحضر هنا ترويج كوشنير وغريبنبلات بأن الفلسطينيين لا يستحقون دولة ولا يستطيعوا حكم أنفسهم بأنفسهم، فالانقسام والاحتراب الداخلي الفلسطيني هو من شجعهم على زعم ذلك .

 ما يزيد الأمر صعوبة على الفلسطينيين أنه وبالرغم من عدالة القضية الفلسطينية وقوة حضور فلسطين في قرارات الامم المتحدة، إلا أن النظام الدولي الحالي لا يقوم على مبادئ العدل والأخلاق ولا على الشرعية الدولية وقراراتها فقط، بل أيضا على المصالح وحسابات موازين القوى، والفلسطينيون يفتقرون الآن حليفا استراتيجيا عربيا أو إسلاميا أو دوليا، ومن تعتبرهم بعض الأطراف الفلسطينية حلفاء استراتيجيين، مثل تركيا وقطر وإيران، ليسوا إلا دولا تبحث عن مصالحها وتريد توظيف عدالة القضية الفلسطينية لتحقيق مصالحها القومية، وهذه الدول لا تُعاب على ذلك لأن السياسة الواقعية اليوم تُغلب المصالح القومية على أي اعتبارات أو روابط أيديولوجية أو دينية، بل العيب فيمن يراهن على هذه الدول ويُضخم من دورها طمعا في مالها ولأن هذه الأحزاب الفلسطينية تُغَلب مصلحة الحزب على المصلحة الوطنية الفلسطينية .

ظاهريا، لم تخرج فلسفة ورشة المنامة عن السياق العام لطبيعة النظام والعلاقات الدولية اليوم وهي سياسة تقوم على المال والمصالح، إلا أن واشنطن والذين اجتمعوا في المنامة أرادوا تجاهل خصوصية الحالة الفلسطينيين، فالفلسطينيون لا يعيشون في دولة تعاني من أزمة اقتصادية أو دولة فاشلة يمكن حل مشاكلها بالمال، بل إن الشعب الفلسطيني يخضع للاحتلال ويناضل من أجل الحرية والاستقلال وليس تحسين مستواه المعيشي وهو تحت الاحتلال، وقد سبق وأن ثار الشعب الفلسطيني على الاحتلال سواء في منتصف الستينيات مع حركة فتح ومنظمة التحرير أو خلال الانتفاضتين 1987 و 200 وبعد ذلك في كل الهبات والانتفاضات، وخلال كل هذه الثورات كانت أوضاعهم الاقتصادية مقبولة، وهذا يؤكد أن الشعب الفلسطيني يثور من أجل الحرية والاستقلال وليس من أجل تحسين مستواه المعيشي وهو تحت الاحتلال .

لقد جرب الفلسطينيون، منذ أوسلو وتحت وَهمَ السلام والوعود التي تم إطلاقها في مؤتمري مدريد وأسلو والتي لخصها الزعيم الإسرائيلي شمعون بيرس في كتابه (الشرق الأوسط الجديد، 1994)، جربوا تنمية شمولية اعتمادا على ذاتهم ومستلهمين قصص وحالات النجاح الباهرة للفلسطينيين في دول العالم، إلا أن العائق كان الاحتلال ذاته حيث لا حرية ولا تنمية وازدهار في ظل الاحتلال وغياب السيادة الوطنية وخصوصا السيادة على الأرض والتحكم بالحدود والمعابر وحرية التنقل .

لو كان مؤتمر المنامة يسعى لازدهار الفلسطينيين وتحسين الوضع الاقتصادي لكان على الذين هرولوا لورشة المنامة أن يتساءلوا من المسؤول عن تردي الوضع المعيشي للفلسطينيين سواء في الضفة أو غزة؟ أليس هو الاحتلال وممارساته وحصاره لقطاع غزة، نعم قد يتحمل الفلسطينيون جزءا من المسؤولية كالتزام السلطة ببروتوكول باريس الاقتصادي وسوء الإدارة وممارسات حماس وفشلها في إدارة غزة، إلا أن هذه الأمور ثانوية وكان من الممكن أن يكون الفلسطينيون مسؤولين عن تردي أوضاعهم الاقتصادية لو لم يكن احتلال وحصار .

حتى قبل أن ينعقد مؤتمر المنامة فإن مساومات رخيصة وخطيرة كانت وما زالت تجري في الخفاء بين واشنطن وتل أبيب من جهة ودول عربية من جهة أخرى للضغط وابتزاز الفلسطينيين آملين أن يحقق المال العربي ما عجزت إسرائيل عن تحقيقه بالسلاح والإرهاب . 

وأخيرا فإن المعركة ضد صفقة القرن لم تنتهي بورشة البحرين بل كانت هذه الأخيرة هي بداية المواجهة، ومن الآن تبدأ المعركة التي وإن اقتصرت فلسطينيا على خطابات الرفض والتنديد فستكون معركة خاسرة . وما يُقلق بالنسبة للوضع الداخلي أنه وبالرغم من أن كل الأحزاب الفلسطينية نددت بصفقة القرن وورشة المنامة واعتبرتهما تصفية للقضية الوطنية، إلا أنها لم تتداع للاجتماع ولو لمرة واحدة للبحث في استراتيجية مواجهة الصفقة، وكأن الخطر المصيري الذي تشكله الصفقة أقل شأنا ليستدعي اجتماعا واحدا، بينما اجتمعوا مئات جلسات المصالحة حين كان الأمر يدور حول تقاسم المغانم والمناصب والسلطة بشكل عام !!!!، وهذا يُثير شكوكا حول جدية الرفض وجدواه إن اقتصر على الخطاب .

 

إبراهيم أبراش

 

حميد ابولول جبجاب لقد عرف الشعب التركي نظام الانتخابات التي تعد أساسا للنظام الديمقراطي قبل ما يقارب 150 عاما، حيث عدّ القانون الأساسي الذي تم إقراره في عهد الامبراطورية العثمانية وهو أول دستور في تاريخ تركيا، الخطوة الأولى في مرحلة الانتقال إلى الديمقراطية.

وأجريت أول انتخابات في عام 1877 بعد إقرار القانون الأساسي مباشرة، بعد هذا التاريخ تم إجراء خمس انتخابات برلمانية في الامبراطورية العثمانية، وفي عام 1923 أجريت أول انتخابات في عهد الجمهورية التركية الحديثة. كما أجريت في عام 1946 أول انتخابات في ظل نظام التعددية الحزبية.

وقد مَنحت تركيا حق الانتخاب والترشح للمرأة قبل العديد من الدول الغربية وذلك في عام 1934، بناء عليه استطاع كافة المواطنين التعبير عن إرادتهم بحرية، وأبدى المواطنون الأتراك الذين اكتسبوا حق الانتخاب والترشح في تاريخ مبكر جدا، اهتماماً كبيرا بالانتخابات التي تعد عنصرا أساسيا في العملية الديمقراطية.

وكانت نسبة مشاركة الناخبين في تركيا منذ قبول نظام التعددية الحزبية عام 1946 وحتى يومنا هذا بمعدل 82.4%..

ومنذ تأسيس الجمهورية وحتى يومنا هذا تم اجراء سبع وعشرين انتخابا برلمانيا في تركيا، وسوف تكون الانتخابات البرلمانية المزمع إجراءها داخل وخارج تركيا في السنوات القادمة الانتخابات الثمان والعشرين في تاريخ تركيا.

كما تجرى الانتخابات البرلمانية في تركيا مرة كل اربعة أعوام وتكون انتخابات عامة وبناء على مبدأ المساواة ومن خلال التصويت السري، حيث تجرى الانتخابات التي تتم بنظام التمثيل النسبي والتي تتكون من مرحلة واحدة في نفس اليوم في كافة أنحاء البلاد وتحت إدارة وإشراف القضاء.

ويصوت الناخبون في تركيا شخصياً وبحرية تامة، وتتم عملية فرز وإدراج الأصوات في المحاضر بشكل علني وشفاف، كما يمكن للناخبين في المهجر الإدلاء بأصواتهم بشكل ديمقراطي في الممثليات التي ستوضع فيها صناديق الاقتراع .

وتجري الانتخابات في جميع المحافظات التركية البالغة إحدى وثمانين محافظة في يوم واحد، وتقسم المحافظات التي تحصل على تسعة عشر وحتى خمسة وثلاثين مقعدا إلى دائرتين انتخابيتين، أما المحافظات التي تحصل على ستة وثلاثين مقعدا وأكثر فتقسم إلى ثلاثة دوائر انتخابية. ويحق لأي مواطن تركي يبلغ سن الثامنة عشرة من عمره الإدلاء بصوته، ويحق لكل مواطن يبلغ الخامسة والعشرون من العمر الترشح للانتخابات، ما لم يكن هناك مانع قانوني يمنعه.

ولا يجوز لأي شخص التدخل أو إعطاء نصيحة أو فكرة للناخب أثناء إدلائه بصوته، ولا يجوز لأحد داخل محيط الانتخاب في يوم الاقتراع أن يعيق تصويت الناخب بحرية وبشكل سري كامل، كما  لا يجوز له إعاقة مسؤول الصندوق عن القيام بمهامه.

بعد ذلك انتقلت تركيا مع الاستفتاء الذي أجرته في 16 نيسان 2017 من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي، وذلك بنسبة أصوات مؤيدة بلغت 51.28 بالمئة، وكذلك تمّ التأكيد من خلال الاستفتاء على قبول جملة من التعديلات الدستورية، المتعلقة بالرئاسة والانتخابات البرلمانية، والقضاء، وغيرهم من القضايا الأخرى.

وكان من المقرر إجراء انتخابات رئاسية في 3 تشرين الثاني عام 2019، إلا أنّ التعديلات الدستورية الجديدة تنص على إمكانية اتخاذ قرار بالذهاب إلى انتخابات مبكرة، الأمر الذي ترجمته الحكومة التركية فعليا على أرض الواقع، حيث أعلنت الحكومة التركية عقب الاجتماع مع دولت باهتشلي زعيم حزب الحركة القومية الذهاب إلى انتخابات مبكرة، إذ تمّ تحديد التاريخ في 24 حزيران الجاري بدلا من تشرين الثاني 2019.

وينص القانون التركي الجديد فيما يخص الانتخابات الرئاسية، على أن يكون المرشح من مواطني الدولة التركية، متجاوزا لعمر الأربعين عاما، وحاصلا على شهادة تعليمية عالية، ولديه الكفاية في الانتخابات البرلمانية. ولم يعد شرط حصول الرئيس على ثقة البرلمان قائما، حيث بات الرئيس وفقا للدستور الجديد يستمد الثقة بشكل مباشر من الشعب، وهذا يعني أن نيل الرئيس للثقة مباشرة من الشعب سيعطي الثقة للحكومة التي سيتم تشكيلها بشكل تلقائي ومع انتقال تركيا للنظام الرئاسي، فإن تغييرات كبيرة طرأت على البلد البالغ عدد سكانه اثنان وثمانون مليون نسمة، لاسيما فيما يتعلق بالانتخابات الرئاسية، وصلاحيات الرئيس، ومسؤوليته الجزائية، وصلاحية البرلمان في الرقابة والتفتيش، وآلية عمل السلطة التنفيذية.

حقَّق الرئيس التركي رجب طيب أردوغان حلمه في نقل تركيا من النظام البرلماني إلى الرئاسي، وأصبح يوم 24 يونيو2018، أول رئيس للجمهورية التركية مع تحولها للنظام الرئاسي. بحسب البيانات التي نشرتها لجنة الانتخابات العليا التركية، فإن 56 مليون و322 ألف و632 ناخباً سيدلون بأصواتهم في 180 ألف صندوق داخل البلاد. ويشكل النساء 50.76 بالمئة من الناخبين في الداخل، بحسب المصدر نفسه. كما سيدلي ثلاثة ملايين و47 ألف و328 ناخبا بأصواتهم في الخارج، وفاز الرئيس التركي في انتخابات الرئاسة التي جرت، بحصوله على 52.72% من الأصوات، بعد فرز 95.88% من أصوات صناديق الاقتراع في الولايات التركية البالغ عددها 81، فيما جاء مرشح حزب “الشعب الجمهوري”، محرم إنجه، على 30.74% من الأصوات. وتدخل تركيا حقبةً جديدة من تاريخها بتحولها إلى النظام الرئاسي، بموجب تعديل دستوري أُقر عبر استفتاء، في أبريل 2017، وحظي حينها بموافقة 51.3%، مقابل 48.65% صوتوا ضدها.

وكان معظم مرشحي المعارضة قد أكدوا قبل بدء الانتخابات، بأنهم سيعودون عن هذه الإجراءات التي دفع إليها الرئيس أردوغان في حال فوزهم وسيحافظون على النظام البرلماني، وهو ما لم يحصل الآن، بعد فوز الانتخابات بانتخابات الرئاسة، وحصول تحالف حزبه العدالة والتنمية مع “الحركة القومية”، على الأغلبية في البرلمان.

اما بالنسبة لإجراءات انتخابات البلدية لم ينتظر الأتراك وحدهم نتائج الانتخابات البلدية في مدينة إسطنبول، ولكن عددا كبيرا من الدول العربية والغربية كانوا بالانتظار أيضا .ومع بدء فرز الأصوات والحديث عن تقدم مرشح المعارضة أكرم إمام أوغلو، على حساب مرشح حزب العدالة والتنمية بن علي يلدرم، أطلق رواد مواقع التواصل الاجتماعي في العالم العربي هاشتاك (#اردوغان_يخسر_من_جديد) ليتصدر قائمة أكثر الهاشتاكات انتشارا في عدد من الدول العربية كالسعودية والبحرين والكويت والعراق والإمارات العربية المتحدة وكذلك الصحف والمجلات العربية والعالمية حيث تصدرت نتائج انتخابات الإعادة لرئاسة بلدية إسطنبول عناوين الصحف الغربية الكبرى، والتي اتخذت من أردوغان هدفًا لها من خلال إلحاق الخسارة به وبحزبه وتسليط الضوء على ذلك بشكل واضح، بشكل لا يختلف عن الصورة النمطية للإعلام الغربي في الهجوم على الرئيس التركي بأي طريقة كانت.

حيث نشرت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية حول انتخابات بلدية إسطنبول تحت عنوان بارز “الرئيس أردوغان تلقى هزيمة مؤلمة”، وذكرت في تقريرها أن هذه الخسارة ستؤثر سلباً على اجتماع أردوغان وترامب المرتقب في قمة المجموعة العشرين الأسبوع المقبل حيث ستضعف موقف أردوغان من الناحية السياسية والاقتصادية التريكة.

وبالفعل ستكون الخسارة في الانتخابات البلدية لحزب أردوغان في إسطنبول انذار شديد اللهجة من قبل الشعب التركي وشعبية أردوغان في الانتخابات الرئاسية المقبلة.

وكتبت صحيفة بريتيش تلغراف البريطانية في تقريرها عن فوز أكرم إمام أوغلو أنه أصبح رئيس لبلدية إسطنبول بفوز مريح، واصفة فوزه أنه هز صورة أردوغان التي لا تقهر ولكن حتى بعد الانتخابات ما زال ينظر إلى أردوغان على أنه بطل يدافع عن مصالح بلاده حسب وصفهم ذلك تحت عنوان “حزب أردوغان خسر انتخابات إسطنبول” حيث كان الرئيس أدروغان في واجهة تقريرهم واعتبروا أن أردوغان يتردد في ترك إدارة إسطنبول وهي مصدر قوة اقتصادية للقطاع الإسلامي حتى بعد هذه الانتخابات حسب وصفهم.

كما كتب سيرغي مانوكوف، في "إكسبرت أونلاين"، حول البعد الرمزي لخسارة حزب أردوغان في اسطنبول، والتهديد بخسارات أخرى يلوح في الأفق.وجاء في المقال: لقد خسر "حزب العدالة والتنمية" الحاكم في تركيا، الذي أسسه رجب طيب أردوغان، في أكبر مدن البلاد. ففي إعادة الانتخابات في اسطنبول، حصل مرشح حزب العدالة والتنمية، رئيس الوزراء السابق بنعلي يلدريم على 45% من الأصوات، فيما حصل منافسه، أكرم إمام أوغلو، الذي يمثل عددا من أحزاب المعارضة، بما في ذلك حزب الشعب الجمهوري، على 54%.

لم يحصل حزب العدالة والتنمية على مثل هذا العدد الكبير من الأصوات في تاريخه في انتخابات في اسطنبول.من الصعب تقدير أهمية الهزيمة بالنسبة للحزب الحاكم. فأردوغان بعد الهزيمة في اليوم الأخير من مارس، أصر على إعادة الانتخابات، وتكررت الهزيمة وباتت مهينة بشكل خاص.خسارة اسطنبول ليست مجرد خسارة أكبر مدن تركيا وعاصمتها التجارية. فقد سبق أن كان منصب رئيس بلدية اسطنبول نقطة انطلاق لأردوغان نفسه، ما سمح له بالوصول إلى القمة. فإذا أثبت إمام أوغلو البالغ من العمر 49 عاما جدارته في هذا المنصب بشكل كاف، فقد يكون لأردوغان في المستقبل القريب منافس جدي.

ونقلت  الـ"أسوشييتد برس" عن  الرئيس التركي قوله: "ليست لدينا رفاهية غض البصر وتجاهل الرسائل التي أرسلها الناس".وأضاف أن حزبه الحاكم سيجتمع لاحقا الثلاثاء ليحدد "الإخفاقات والشقاق والأخطاء" ويبحث عن سبل لإصلاحها. وكان مرشح حزب الشعب الجمهوري المعارض إمام أوغلو على قد حصل نسبة 54 في المئة بعد فرز 99 في المئة من صناديق الاقتراع، بفارق 7 في المئة على منافسه بن علي يلدريم الذي نال نسبة 45,1 في المئة.وحقق بذلك تقدما بأكثر من 775 ألف صوت بزيادة كبيرة مقارنة مع مارس، عندما فاز بفارق 13 ألفا فقط.

وفي الصدد، قال المحلل في Rabobank اللندني، بيتر ماتيس: "السؤال الرئيس الآن هو: كيف ستستجيب إدارة أردوغان لفوز إمام أوغلو؟ يمكن لهذا الفوز أن يؤدي إلى عقلنتها وتركيزها على الإصلاحات في الاقتصاد؛ ومن ناحية أخرى، قد تحاول السلطات الحد من قدرات إمام أوغلو، في الفترة التي تسبق الانتخابات البرلمانية والرئاسية، التي ستعقد خلال أربع سنوات."بالمناسبة، أعلن إمام أوغلو عن استعداده للعمل مع حزب العدالة والتنمية، واللقاء مع الرئيس أردوغان.

واخيراً هناك عدة احتمالات اولها احتمال أن يدفع فوز إمام أوغلو، إلى إصرار المعارضة على إجراء انتخابات رئاسية مبكرة في تركيا. ومع أن الهزيمة في اسطنبول غير سارة لأردوغان ولحزبه، إلا أن أردوغان يتمتع بأذرع أخرى من القوة للسيطرة على أكبر مدينة تركية. فحزبه، على سبيل المثال، يسيطر على المجلس البلدي في اسطنبول، حيث فاز في 25 من 39 من دوائر المدينة. اما الايام المقبلة ستشهد تغيير ملحوظ في سياسة أردوغان سواء كانت الداخلية ام الخارجية باعتبار الخسارة درس لابد من الاخذ به في مجال صنع القرار السياسي في المرحلة القادمة حيث كما يعرف بأن منطقة الشرق الاوسط تمر بأزمة سياسية حادة قد تؤدي الى حرب عالمية ثالثة لا سامح الله ويكون مصير المنطقة الخراب والدمار وتكون ضحيتها شعوب المنطقة برمتها.

 

حميد ابولول جبجاب

ماجستير علاقات دولية

.................................

1- رجب طيب أردوغان ‏، هو رئيس جمهورية تركيا الثاني عشر والحالي منذ 28 أغسطس 2014م، ويعد أول رئيس تركي اختاره الشعب بطريق الاقتراع المباشر، انتخب رئيساً للجمهورية مرة ثانية في انتخابات مبكرة في 24 يونيو 2018 وتسلم سلطاته في 9 يوليو 2018 ليصبح أول رئيس تركي يدشن النظام الرئاسي

2- اكرم إمام أغلو من مواليد مدينة طرابزون شمالي تركيا عام 1970، وخريج كلية إدارة الأعمال في جامعة اسطنبول، وينحدر من أسرة متدينة ومحافظة من الناحية الاجتماعية لكن لها تاريخ طويل في العمل السياسي، فوالده مؤسس فرع حزب الوطن الأم بزعامة رئيس وزراء تركيا الراحل تورغوت أوزال في طرابزون.

3- بن علي يلدرم: ولد يلدريم في مدينة أرزنجان عام 1955، وتخصص في الهندسة والملاحة البحرية، وأشرف على العديد من مشاريع البنى التحتية والنقل البحري، التي أكسبت حكومة إردوغان شعبية، ومكنته من الفوز بكل الانتخابات منذ 2002.

 

حتى وقت قريب، كانت القوة العسكرية للدولة تعتبر أهم عامل في ضمان أمنها، لأن القوة العسكرية هي أساس الأمن العسكري وان وجود قوات مسلحة جاهزة للقتال لربما كان هو الضامن الأوحد للمجتمع مع بعض الاستثناءات من الصدمات والانقلابات وفقدان الهوية الوطنية والاضطرابات، وفي عالمنا المعاصر كان للمخاطر والتهديدات غير العسكرية تأثير كبير على مسار ونتائج العمليات السياسية لان التهديدات الحديثة الموجهة لأمن الدول والتي إن تم تنفيذها يمكنها أن تسبب أضرارًا حقيقية للمصالح الوطنية بالوسائل والأساليب غير العسكرية وكل ذلك دون استخدام الأسلحة والمعدات العسكرية ولا حتى القوات المسلحة والتشكيلات المسلحة.

قد تكون تلك التهديدات عبر وسائل وأساليب لتنفيذ الضرر على الدولة كالاقتصاد والتمويل والبيئة والديموغرافيا والرعاية الصحية وتكنولوجيا المعلومات وعدد من الوسائل الأخرى ويتم تحديدها جميعا عبر ادراك القصد من مصدرها لتوليد وتطوير وتنفيذ التهديد الغير عسكري ومعرفة قدراته في التنفيذ، ويمكن أن تكون طبيعة أفعالها صريحة وضمنية وضخمة ومنتقاة ومطولة وعابرة للمدارك، كما ويمكن تجميعها بالإضافة إلى الاقتصاد والمالية والبيئة والطاقة فقد يكون هناك أيضًا التركيبة السكانية والتعليم والثقافة والعالم الروحي للإنسان وإيمانه ورؤيته للعالم وصحته وقيمته ومعتقداته وعاداته وتقاليده والإرادة والفكر والوعي الذاتي الوطني. فما هو سبب الانتقال النشط الحالي في العلاقات لاستخدام التهديدات غير العسكرية؟ وذلك يرجع إلى الاستبدال التدريجي المتمثل بالمبدأ الرئيسي للاخضاع دون قتال، وإن المعارك والحصار الاقتصادي والضغط السياسي والمالي ونخب الرشوة والهجمات الإرهابية والضغط الأخلاقي والنفسي بما في ذلك استخدام الإنترنت فقد حلت جميعها محل المعارك الكبرى والحاسمة التي اشتهرت وعرفت بأستخدام القوات المسلحة والأسلحة ذات القوة التدميرية العظيمة والثورات أو الانقلابات الملونة ووصلنا لعصر تكون فيه القوة الحقيقية هي التي تمكنك من الحصول على ما تريد من دون اللجوء إلى العنف.

يظهر تحليلنا لطبيعة العلاقات الدولية أنه وفي ظل ظروف التطور السريع لتكنولوجيات المعلومات والعولمة الاقتصادية فإن المواجهة عبر مجالات المواد المادية البحتة تدفقت إلى حد كبير إلى مجالات إعلامية وإدراكية ومن ثم انتقلت إلى تكنولوجيا جديدة لإعادة توزيع العالم لمختلف الأساليب غير العسكرية بما في ذلك إمكانيات الاحتجاجات الداخلية للبلاد المستهدفة، وذلك لأن أهداف الحروب الجديدة ليست سياسية بالمعنى التقليدي فهي مرتبطة بسياسة الهوية وليس بالإيديولوجية أو بالجغرافية السياسية وتبرير المصلحة الوطنية والسيطرة على الأرض إذ جميعها لم تعد الوسيلة الرئيسة لان الحرب الجديدة هي على الأرجح حرب مع السكان المدنيين أكثر مما ستكون حربا مع العسكر والجيوش.

 سوف يعتبر ذلك التهديد غير العسكري فرصة للسيطرة المقصودة على سلوك سكان البلد المستهدف باستخدام المعلومات الحديثة والتقنيات المعرفية وغالبًا ما يطلق على تنفيذ هذا التهديد في وسائل الإعلام بالحرب السلوكية، وتعرف وسائل القيام بها بالأسلحة السلوكية، وعند الحديث عن الحروب السلوكية كوسيلة لمواجهة الغد فيجب الإشارة إلى أنها تستند إلى تقنيات معالجة خوارزميات السلوك والعادات والقوالب النمطية للنشاط التي استثمرها المجتمع فينا بأوسع معاني الكلمة أي أن مجموعة أدوات الحروب السلوكية تتمثل في فصل العادة عن نوع النشاط السائد الذي شكلها واستخدمها عبر الأنماط السلوكية لتحقيق بعض الأهداف.

أن الاستراتيجيات المختلطة من الواضح أنها أصبحت هي الأكثر فعالية عند استخدام كل من الوسائل العسكرية وغير العسكرية لتحقيق الأهداف المدنية الغير عنيفة حتى وإن كانت مصحوبة بتهديد المواجهة العنيفة وبناءً على ذلك فمن الضروري تطوير نظرية انتهاج الأدوات العملية المفصلة للمقاومة المدنية الهجينة بما في ذلك كل من الأساليب غير العنيفة والأعمال المسلحة المستهدفة أو التهديد باستخدام القوة. ومع أنها كانت تهديدا غير عسكري فأن التكنولوجيا المعرفية للحرب السلوكية تتميز بإمكانية تدميرية كبيرة وعواقب غير واضحة على مجتمع البلد المستهدف، لذلك تتمثل مهمة اليوم في تدريب السكان وأفراد القوات المسلحة القادرين على مواجهة التهديدات غير العسكرية من هذا النوع في المجال الإنساني لأن أضعف مكان في ساحة المعركة هو عقل المواطن والجندي لأنه ألان من الممكن تغطية  وحماية كل شيء آخر بالدروع !!!

تتناسب هذه التكنولوجيا تمامًا مع النظرية الاجتماعية للأدوار والتي تنص على أن الهدف الرئيس لأي حرب ليس فقط تدمير العدو وإنما تدميره كمنافس على الدور الذي نريد أن تقوم به ذاتها وتتمثل نتيجة تلك الحرب في إعادة توزيع وظائف الدور الاجتماعي الرئيس للمشاركين فيها بين المجموعات الاجتماعية داخل البلد بالإضافة إلى تكنولوجيا إدارة السلوك والتي هي أيضًا أساس ما يسمى بحرب هزيمة الوعي، فلذلك نتساءل هنا ماهية سبب الانتباه إلى المصطلح السلوكي غير المفهوم حتى الآن في الحروب؟ إن استخدامها كأسلحة يمكن لضمان السيطرة العالمية ولذا لا يمكن نسخها أو إعادة إنتاجها من قبل أي دولة أخرى في العالم، ولا يمثل استنساخها في بلدان أخرى تعقيدًا علميًا وتقنيًا كبيرًا فقط فهي تقنيات لإدارة السلوك في الاتجاه الضروري لمجتمعات بأكملها من دون تمييز على انتمائهم العرقي والديني وتسمى هذه التقنيات في وسائل الإعلام بالأسلحة السلوكية.

وهنا يجدر بنا إن نتساءل أيضا، حول موضوع الحروب السلوكية وجوهرها ومحتواها والأهم من ذلك أساليب تنفيذها التي يتم حظرها وتصنيفها في حيز المعلومات العالمي إلى أقصى حد وتغطيتها كضوضاء مع إن معلوماتها متدفقة عبر وسائل الإعلام، هل هي جميعا مجرد لعب حول الموضوع وبثه كقصة رعب أو كمؤامرة مزيفة أو انه إثبات لاستحالة استخدام التكنولوجيا بذلك النوع من الحروب !!

  

بقلم/ الدكتور ميثاق بيات ألضيفي

 

جورج منصورتعتبر الهيبة الوطنية عاملاً أساسياً في إعلاء شأن الدولة ومكانتها ومنزلتها، وتزيد من سموها وانبعاثها وإشراقها، وتلعب دوراً مهماً في كسب ود دول العالم ونيل احترامها وثقتها. وتساعد بالتالي في جذب الاستثمارات التي تعجّل عملية النمو الاقتصادي وتبعث مقومات الرفاه وأسس الحياة الرغيدة للمواطنين.

أكد المؤرخ الأميركي البارز بول كندي في كتابه "صعود وسقوط القوى العظمى" (صدر في عام 1987) أن "ثروة البلد ونموه وقوته الإنتاجية على المدى الطويل، تعتمد على الهيبة الوطنية". من هنا، فإن هيبة الدولة لا تعني التسلط والترهيب والتمييز والتفرد في الحكم، وإصدار القوانين الجائرة والتعسفية ومصادرة حقوق الشعب الإنسانية، بل تعني دولة المؤسسات الديموقراطية التي تعمل لرفاهية المواطنين، وتلتزم بالدستور، وتقوم ببسط سيادة القانون وتطبيقه واحترام حقوق الإنسان والدفاع عن كرامته وتعزيز المساواة بين مكونات الشعب بغض النظر عن دينه ومعتقده وفكره وقوميته ومذهبه.

إن هيبة الدولة تعني استقلالية القضاء وفصل السلطات الثلاث، وتعزيز البنية التحتية، ومعالجة المشكلات القائمة، والقيام بإصلاح سياسي واقتصادي وتحسين أوضاع المواطنين واعتماد الشفافية في التعامل مع وسائل الإعلام، وإفساح المجال أمامها للعمل بحرية وتسهيل مهمتها في الحصول على المعلومة.

وتقاس هيبة الدولة بمدى تطور البلد اقتصادياً وعلمياً واجتماعياً وثقافياً، وبانسيابية علاقاته المحلية والإقليمية والدولية وتكافؤها. ويتأتى ذلك من دفاع الدولة المستميت عن أركانها المتلازمة الثلاث: الشعب والأرض والعَلَم (بفتح العين)، والحيلولة دون الإخلال أو المساس بها، أو السماح بالتدخل في شؤونها الداخلية، إضافة إلى تحقيق العدالة المجتمعية ورص الصف الوطني والنهوض بواجباتها تجاه الشعب والايفاء بوعودها التي تقطعها له.

ولتعزيز هيبتها وبسط احترامها، على الدولة العراقية معالجة الكثير من الملفات العالقة، وفك العديد من العقد الشائكة، التي لازمتها خلال السنوات الماضية وأضعفت هيبتها، بعدما انتشرت في البلاد منذ العام 2003 ميليشيات وجماعات مسلحة سائبة، بدءاً من "جماعة التوحيد والجهاد"، و"جيش أنصار السنة"، و"أنصار الإسلام"، و"الجيش الاسلامي في العراق"، و"جيش الطائفة المنصورة"، و"جماعة سعد بن أبي وقاص"، وفصائل المقاومة العراقية ومنها: "كتائب صلاح الدين"، و"كتائب ثورة العشرين" و"هيئة العلماء المسلمين"، و"رجال الطريقة النقشبندية"، و"جيش الراشدين"، و"ثوار العشائر والصحوات" و"عصائب أهل الحق" وفلول عصابات تنظيم "داعش" الإرهابي وغيرها... وعلى رغم أن هذه الجماعات لم تبق كلها ولم تستمر على نشاطها وفاعليتها وقوتها، إلا أن خطر بعضها ما يزال قائماً، وتحاول خلاياها النائمة أن تنشط أحيانا من خلال عمليات ثأرية وانتقامية ومحاولات خطف واغتيالات في وضح النهار.

وللحفاظ على هيبة الدولة، يتوجب على العراق إبقاء السلاح في يد الشرعية وأجهزتها الأمنية، وإصدار قرارات شجاعة، وإجراء محاكمات عادلة لحيتان الفساد، التي أنتجتها المحاصصة الطائفية وأصبحت تتدخل في شؤون السلطة التنفيذية وفي عمل الهيئات المستقلة والقضاء، وحيث برزت الهويات الفرعية، التي انشطرت بدورها إلى أخرى متنافرة، طائفية ومذهبية وإثنية. في وقت تبدو البلاد أحوج ما تكون إلى هوية وطنية جامعة، وأن تتحلى بمقومات دولة المواطنة، وإلى قوات عسكرية يكون ولاؤها للوطن وتحافظ على السيادة الوطنية.

إن تأصيل هيبة الدولة يتطلب من الحكومة العراقية معالجة المشاكل المتفاقمة، إذ تآكلت البنى التحتية وتفاقمت مشكلة الكهرباء وانحسرت الخدمات وازداد الفقر وانعدم العلاج وانتشرت الأمراض بما فيها النفسية، وازدادت حالات الانتحار بشكل مخيف، خصوصاً بين الشبيبة التي تعاني نسبة بطالة تبلغ 40 في المئة، وتضاعف حجم تلوث البيئة وقلت المياه الصالحة للشرب وتردى الوضع المعيشي للناس وانتشرت الأمية، وزادت مديونية البلاد إلى 120 بليون دولار، وتضخم القطاع العام ليفرز ستة ملايين ونصف المليون موظف ومتقاعد، وفق ما أعلن أخيراً وزير المالية فؤاد حسين. وهو رقم مهول يفوق حاجة البلاد الفعلية بأضعاف.

وتتحقق هيبة الدولة العراقية أيضاً، من خلال ضمان حقوق المواطنين القومية والدينية، وإزالة التهميش الذي تعرضت له المكونات والطوائف، ونبذ التمييز وإتاحة الحريات المدنية وتعزيز الديموقراطية، ومعالجة ملف 3.4 مليون مهجر، ما يزيد عن أربعة ملايين نازح داخل العراق، وخمسة مليون يتيم، ومليوني أرملة، وثلاثة ملايين مواطن يعيشون في أحياء فقيرة ومساكن صفيح عشوائية.

أما على المستوى الخارجي، فتعني هيبة الدولة التزامها الشرعية والدستور والسيادة، وعدم السماح باستخدام أراضي البلاد ساحة لتصفية الحسابات، خاصة بعد أن أصبح العراق مركزاً لصراع القطبين المتخاصمين: إيران وأميركا، إضافة إلى السعي الحثيث لحماية السلم الأهلي والمجتمعي، والحد من خطابات الكراهية ومحاربة التطرف والعنف.

 

جورج منصور

 

سامان سورانيمن المعروف بأن الهدف في تشکيل حکومة أئتلافیة هو ضمان أغلبية برلمانیة لمساندة الحکومة وتمکینها في تنفيذ برنامجها السياسي، الذي یتطلب کما هو مألوف تمرير قوانين داخل البرلمان بأغلبية دون کلل أو ملل.

لکن الأمر في إقلیم كوردستان يختلف بعض الشيء عن ما هو معروف في هذا الإطار، إذ كان بإمکان الحزب الديمقراطي الكوردستاني، وهو الفائز الأول والحائز علی (٤٥) مقعد برلماني من أصل (١١١) مقعد، أن یحصل بسهولة علی أغلبية برلمانية دون اللجوء الی إرضاء أحزاب أخری عنيدة لتشکيل الحکومة القادمة، بعد مفاوضات عسيرة دامت لأكثر من ثمانیة أشهر قدم خلالها مع إیمانها الکامل بالحوار ولغة التفاوض تسهیلات أو تنازلات قد تعتبر مؤلمة عند أعضاء وموالين لهذا الحزب الفائز.

نتائج الإنتخابات عكست إرادة الشعب وميولە السياسية الحقيقية نحو الحزب الوطني المؤمن بحق تقرير المصير  والسيادة.

أن سعي الحزب الأول في كوردستان لتشکيل حکومة إئتلافية في إقلیم كوردستان، یمکن تسمیتها بحکومة الوحدة الوطنية، هو نتیجة للوضع الإستثنائي الذي عاشه ویعیشه الإقليم بعد مرورە وإجتیازه سنوات حرب ضد التنظیم الإرهابي داعش وخروجه منتصراً علی تلك المخاطر الجسيمة وبعد تحمله تبعات الحصار  والعقوبات اللاإنسانية التي فرضت من قبل حکومة بغداد علی شعب الإقلیم بسبب مشاركتهم الفعّالة في عملیة دیمقراطیة، ألا وهي الإدلاء بأصواتهم في إستفتاء جماهيري تاريخي لإستقلال كوردستان، کلنا ثقة بالحکومة الجديدة في الإقلیم فإنها سوف تكون متینة في أدائها وقديرة في تنفيذ برنامجها الإداري.

أما فیما یخص فاعلية البرلمان، فهناك حاجة ملحة إلى أن يؤسس البرلمان قنوات اتصال أفضل بينه وبين الناخبين على المستويين الشخصي والمؤسسي، مما سيعزز من شفافية أكبر ومشاركة شعبية متزايدة في العملية الديمقراطية، الأمر الذي تشتد الحاجة إليه مع تنامي احتمال خيبة أمل الناخبين.

نحن نعرف بأن الإئتلافات النخبوية العابرة للأيديولوجيات بدون قاعدة دعم شعبي لاتنجح. ومن الأهمیة بمکان أن یتخذ البرلمان نهج استباقي مستقل لمتابعة التشريعات وزیادة الشفافية في أنشطة البرلمان ویرکز علی أهمیة عمل النخبة الفاعلة والقاعدة الشعبیة لإعادة الثقة البعض بالآخر وبالمؤسسات السیاسیة والإجتهاد في أحیاء مسودة الدستور وإعادة صیاغتها بما تناسب التطورات الحاصلة علی مستوی العراق والمنطقة ومسألة نجاح الإستفتاء لتحدید معالم ومسؤولیات إقلیم كوردستان في المستقبل.

بما أن الدستور الجديد هو وثيقة تهتم بحقوق وواجبات كافة المواطنين، فينبغي لعملية الصياغة أن تعكس ذلك  وتحدد دور قوات البیشمرگة البطلة في إقلیم كوردستان أولوية دستورية.

في عالمنا الیوم ومع التطورات التقنیة السریعة في میادین مختلفة أصبحت الدیمقراطیة التمثیلیة، العددیة، الموسمیة، بدائیة، یمکن لها أن تنقلب ضد الحریات وتأتي بالأصوليات الدینیة، لذا علینا ممارسة أشکال جديدة للدیمقراطیة الیومیة والمیدانیة والقطاعیة، في الساحات وعبر الشاشات والصحافة وشبکات التواصل، بالإضافة الی الدیمقراطیة التي یمارسهما الفاعلون في مناقشاتهم ومداولاتهم في مختلف حقول المجتمع ودوائره وأصعدته.

إذن علینا تطوير نماذج الدیمقراطیة فکراً وممارسةً، وإبتکار مانحتاج الیه من أعمال الرقابة والمحاسبة والمناقشة والـساركة في صوغ السیاسات والقرارات، من المساحات والأطر والقواعد والآلیات.

فالنماذج الناجحة في إدارة السلطة في العالم ترکز علی كرامة الإنسان والاعتراف الكامل بقدرته وقيمته وخصوصيته من خلال تكوين إنسان عن طريق التربية والتعلیم.

 

الدکتور سامان سوراني

 

محمد عمر غرس اللهيلاحظ المتابع لما يجري في المنطقة، أن بين الأمم المتحدة والليبيين حالة غريبة عجيبة، فقصة ليبيا مع الأمم المتحدة تبدو سوداء الصفحة ورغم ذلك الكثير من هؤلاء الليبيين يبدو وكأنهم يعشقونها دون أدنى إستيعاب لحقيقة دورها المزدوج بين (الظاهر والخفي)، إن هذا العشق الليبي العذري للأمم المتحدة يبدو صادماً، فعند محاولاتك توضيح أن الأمم المتحدة (مجلس الأمن) – في حقيقتها- تعد تكريس لسطوة الدول الكبرى، تجد هؤلاء الليبيون يذكرونك - بغضب - بقرار الأمم المتحدة المتعلق بإستقلال ليبيا 21 نوفمبر 1949م، والذي تحقق في 24 ديسمبر 1952م، وفي ذلك يُصر البعض على أن ليبيا نفسها صنيعة الأمم المتحدة هذه، بل ويحدثونك على أنها إكتشافها الحصري، وهي التي صنعتها من العدم، مالقصة؟ دعونا نرى؟

أن التصورات العامة في ليبيا - حول دور الأمم المتحدة التاريخي في ليبيا - تعد محيرة للغاية وبسذاجة وجهل مطبق بتاريخنا ونضالنا ووجودنا المترابط - وسط أمتنا العربية – فليبيا الحالية – تاريخياً – مركز المقاومة التاريخية لأعتى موجة قادها الأسبان ومن بعدهم فرسان القديس يوحنا ومن بعدهم الطليان ومن تلاهم من الغزاة، مركز مثلت فيه طرابلس والطرابلسيين (كما كان يسمى سكان هذه الجغرافيا) واسطة عقد حواضر الأمة العربية من المغرب حتى المشرق، لما لها من ترابط بالإمتداد العربي المار بالإسكندرية والقاهرة شرقاً والمتواصل مع تونس والجزائر والمغرب وإعماق الصحراء الكبرى حتى شنقيط وتنبكتو وكيدال وكل السوق وأنجامينا ودار فور والخرطوم، والمُكمل لذلك الإمتداد القادم من حضرموت وصنعاء وبغداد ودمشق.

في الحقيقة فإن ليبيا التاريخية الحاضرة العربية، (طرابلس الغرب كمركز سلطة) لم تكن صنيعة الأمم المتحدة بل هي صنيعة أبنائها ونضالهم، مما قبل مواجهة  فيلادليفيا عام 1805م، أما حدودها الدولية - اليوم – فهي عبارة عن تجلي من مخلفات الإستعمار في المنطقة العربية، فطرابلس الغرب والطرابلسيين أمتداد عربي من المشرق إلى المغرب حيث لم يكن ثم تمييز قبل الإستعمار بين العربي وأخيه العربي سكناً ونضالاً وحياة وتنقل، وقضايانا العربية منذ القدم كانت ولا تزال قضية واحدة تُهمنا وتشغلنا ونعمل من أجلها من "بغداد" حتى "روصو" على تخوم الغابة الإفريقية، ومقاومة الإستعمار في أمتنا العربية مقاومة وحركة تحرير واحدة - بغض النظر عن إسم ونوع الإستعمار وخطوط الحدود التي رسمها والتسميات التي فرضها – قام بها وساهم فيها كل العرب - معاً - بنفس المستوى كلاً بما يستطيع وأينما يستطيع.

أن الأمم المتحدة - التي ظهرت كنتيجة للحرب العالمية الثانية - إنصاعت لحركة التحرر وتصفية الإستعمار، فقامت الدول المنتصرة بحيلة تقسيم وحدة حركة التحرر العربي إلى حركات إستقلالية مُنحت الإعتراف كدول (مُجزاءة) بناء على حدود صنعتها الدول التي إستعمرت المنطقة (سايكس بيكو في المشرق العربي، وقسمت فرنسا المغرب العربي وصحرائه الكبرى على دويلات) وبقت دائماً هذه حدود تعبير عن مخلفات هذا الإستعمار ونفوذه حتى وإن الحالة الإستقلالية تاريخياً في عمقها إستمدت قوتها ومشروعيتها من نضال شعوبنا في أمتنا، وليس من قرار الأمم المتحدة الذي كان في حقيقته إستجابة للنضال ضد الإستعمار، لكنه وقع في (القُطرية) كمتاح وممكن مرحلياً.

كان ولايزال ظهور الدولة القطرية - وإن كانت قد قبلته قوى التحرر العربي الموحدة تاريخياً أنذاك – مرحلة أولية للتخلص من الإستعمار، ونحن لازلنا أمام تحدي تأكيد هذا الإستقلال – فعلياً - بتحقيق وحدة الأمة العربية كمعبر طبيعي وواقعي وحقيقي وضروري عن إرادة حركة التحرر العربي، ولابد علينا أن نحقق وحدتنا ونعود إليها كوضع طبيعي يمكننا من البقاء وتحقيق إرادة الفعل والإستمرار المادي والمعنوي حضارياً.

إن الأمم المتحدة - التي يعشقها الليبيون ويعشق مبعوثيها ومكاتبها وفرق عملها – يبدو إنها تحب الليبيين بطريقة غرام الأفاعي، فقد تم تحت جناحها حصار لليبيا (1991 – 1999م) لمدة عشر سنوات ظلماً وعدواناً بعد تلفيق قضية لوكربي، وقُتل خلالها الألاف من الليبيين المرضى وفي حوادث الطرق وهم يسافرون براً بين مصر وتونس، وتم فيها توقف عجلة التنمية وتأكلت المدخرات المحلية للدولة والأُسرة والأفراد نتيجة لمفعول الحصار الإقتصادي، وتم تحت جناحها منع الطلبة الليبيون من دراسة علوم مهمة لبنية المجتمع وتطوره، وتم منع إستخدام الطيران في ليبيا وبينها وبين العالم الأخر وبما فيه منع الحصول على قطع الغيار والحصول على التقنية المتطورة، وتم تجميد أرصدة ليبيا المالية بما في ذلك من نهب وسطو مقنع وواضح، وتم تحت الأمم المتحدة - هذه - إجبار ليبيا (الدولة الصغيرة) على دفع أموال طائلة للتخلص من ذلك الحصار الجائر والظالم إكراماً لعيون أميركا وبريطانيا.

كما أن الأمم المتحدة – فيما بعد - في غضون عشرين سنة أصدرت قرار 1973 يوم 17 مارس2011م بوضع ليبيا تحت الفصل السابع وفرض حظر جوي على ليبيا دون أية تحقيق محايد أو تأكد مما روج له الإعلام المعادي لليبيا وفي غضون شهر واحد فقط من تفجر الأحداث، وقامت الأمم المتحدة - هذه - عبر مجلس الأمن بتغطية عدوان حلف الناتو علينا بــــــ 30 ألف غارة بأضخم آلة حربية يعرفها تاريخ العالم، وتم تجميد الأرصدة الليبية والتصرف فيها عبر السيطرة المالية للدول الغربية ومركز المال الدولي ذراع الهيمنة والنهب.

هذا وبعدما تم إدخال ليبيا لنفق الفوضى الخلاقة، لليبيين قصة عجيبة وغريبة في الغرام السياسي بمبعوثي الأُمم المتحدة في ليبيا ، فالليبيون صاروا مغرومون بالبعثة ومبعوثيها وفرق عملها وإجتماعاتهم ولقاءاتهم وتصريحاتهم، بل أن أكاديميين ونخب وشخصيات ليبية معتبرة صارت تعبر عن هيامها وعشقها العذري بالأمم المتحدة ومبعوثيها وما يشير إليها وإليهم، يصدقونها ويصدقونهم ويستشيرونهم ويجلسون أمامهم ويجرون ورائهم ويلهثون نحو إجتماعاتهم عبر العواصم ويسوغون تدخلاتهم حتى في عمل البلديات وتفاصيل القبائل وكإن البعثة الأممية جزء من الإدارة المحلية للبلاد، فأنت ترى أنف المبعوثين في كل تفصيل، وتلاحظ أن بعض الليبيون يخاطبون مبعوثي الأمم المتحدة بكلمات التبجيل المبالغ فيه غزلاً وحباً وعشقاً سياسياً لا متناه هيام عذري لابد أن الأمم المتحدة نفسها مستغربة في هذا الشعب الذي سلمت نخبه وقواه وكوادره أمرها لمبعوثيها مراسليها وفرقها ومشاريعها يفصلون ويشيرون ويتدخلون في كبيرة وصغيرة.

أن قصة الليبيون مع الأمم المتحدة اليوم محيرة للغاية ومُلفتة، فلم يقاطع الليبيون بعثتها، ولم يتجنبوها ويعزلونها عنهم، ولم يعبروا عن رفضهم لتدخلها السافر بالإحتجاج المناسب، ولم ينطلقوا يتلمسون طريقهم الوطني نضالاً يعرف أهل البلد كيف يقومون به وفق مصلحتهم ورؤيتهم وإرادتهم كما هو ديدن الشعوب، فالشعب العربي الليبي يعرف تاريخه شواهد مهمة في ذلك، لكن البعض من الليبيين سلموا أنفسهم لهذه الأمم المتحدة ومبعوثيها الذين تستبدلهم كل مرة، فكل المبعوثين سبق لهم العمل في دول رأى ويرى الليبيون ماذا حققت فيها الأمم المتحدة – هذه - وماذا فعل مبعوثيها في العراق وأفغانستان والصومال واليمن وإلى ماذا ألت أوضاعها.

إنها مفارقة غريبة عجيبة، فالشعوب بنخبها وكوادرها هي من تصنع طريقها، وهي من تحدد سلم أولوياته، وهي من تنحت طريقها الوطني، ولا تسير خلف ما يرسمه موظف أممي تحركه سيطرة وسطوة الدول المسيطرة على القرار في المجلس الأمن ومصالحها ورؤيتها.

أن الأمم المتحدة بما تفعل في ليبيا منذ ثلاثين عاماً هي الغطاء الذي يستخدمه (الغرب الناهب) العدو الأول ليبيا والليبيون، تحت جناحها تم كل ما حل وحاك بليبيا من نهب أموالها غصباً وظلماً وموت نساء وأطفال وشيوخ بسبب الحصار الظالم في تسعينيات القرن الماضي تحت ذريعة قضية لوكربي، وما تم نهبه وخسارته مالياً وما حصل من تأخر في مشروع التنمية الواعد، وهذه الأمم المتحدة منذ عام 2011م نفسها كانت غطاء لضرب السلم الأهلي في ليبيا وهي التي عبرها تم تعويم مشاريع الدول الغربية التي جلعت من ليبيا موطىء قدم للإرهاب والإرهابيين أمام الأشهاد وبالمجاهرة، فكلما ضيق الليبيون على الإرهاب والإرهابيين تنبري الأمم المتحدة ومبعوثيها بطلب ممرات أمنة لهم تحت أسم (أطفال درنة – أطفال قنفودة ..الخ)، وقف إطلاق النار، وهي تتفرج بل وترعى وتغطي على إدارة للإرهاب (اللعبة الدولية القذرة) الذي تمكن من السيطرة على مركز الدولة والمال والإتصالات في ليبيا، وتصر على جعل الإرهابيين طرف ليبي لابد من وجوده في المشهد السياسي.

وهذه الأمم المتحدة غالباً ما تساوي بين محاولات الليبيون إنقاذ بلادهم من المليشيات والإرهابيين، وما يفعله هؤلاء الإرهابيون ومليشياتهم بالليبيون بل وتتفرج على دول مثل قطر وتركيا تدعم الإرهاب والارهابين بالأسلحة والذخائر عبر الجو والبحر بالطائرات والسفن وتسهيل تنقل الجماعات المسلحة، وما تفعله أحزاب نافذة مثل حزب النهضة (الغنوشية) في تونس وما يفعله وينهبه المركز العالمي للإخوان المسلمين من سيطرة ونهب للكنز المالي الليبي ورصيد الذهب الأعلى في المنطقة.

أن الأمم المتحدة – اليوم - أيها الليبيون ليست هي الأمم المتحدة عام 1950م، لقد كانت - وقتها - تعبير عن توازن قوى في العالم شكلت في ذلك قوى التحرر عالمياً قوى صاعدة لها تأثيرها وفعلها ونفوذها على العالم والقرار في المنطقة وداخل قرارات الأمم المتحدة بفعل إرادتها في تصفية الإستعمار وتحقيق الإستقلال.

أما اليوم فإن الأمم المتحدة تعبير عن سطوة الدول الغربية (أميركا - بريطانيا – أوروبا وأحلافها) وهؤلاء لا يحبون سواد عيونكم ولا يمارسون معكم الحب العذري، ولا تشغلهم مأساتكم، بل هم في حالة نشر الفوضى وتمكين الجماعات المسلحة وتغطيتها، وهم في حالة نهب وتسخير أداوات ومنظمات دولية لتحقيق ذلك وبسط السيطرة على الموارد بطرق جديدة وحديثة وصلت إلى حالة الأتاوات المباشرة على الدول والشعوب، أو حروب وسطو وإستعمار جديد كما فعلوا بالعراق وأفعانستان، وهاهم يفعلونه بليبيا.

أن الطريق الوطني المطلوب والمثمر - هو ما تصنعه وتخطط له وتقوم به وفق إرادتك وبإدارة أهدافك وقيادتك وفق جدول وسلم الأولويات الوطنية فما حك جلدك مثل ظفرك - وليس تصديق وتسليم أعمى وإستجابة ولهث وراء مشاريع وتصريحات مبعوثي هذه الأمم المتحدة وفرق عملها وما تجتره من إجتماعات ولقاءات ماراثونية هدفها معروفة الأسباب والمُخرجات.

فالذكي الفطن المدرك - في هذا العالم – هو من يحسن ويدرك ويعي ويعرف الخط الفاصل بين إرادته ومصلحته وأهدافه الوطنية، وتدخل الأخرون في بلاده والإستئساد عليها واللعب بها والتدخل في شؤونها وتتويهها وتتويه أبنائها، ورغم ذلك لابأس من القليل من ممارسة المجاملات مع هؤلاء وممارسة لعبة العلاقات العامة بوعي ومهارة، وفي نفس الوقت تحديد سُلم الأولويات والإصرار على العمل الوطني الخالص والتام والمحكم الإرادة والخطوات والفعل والتمكن من أدارة اللعبة الوطنية بجدارة كما فعل الأجداد المجاهدون، وكما فعل الأباء المؤسسون، وكما فعل الأبناء البررة الذين حرروا ليبيا من القواعد وأمموا نفطها وأعادوا لها سيادتها الوطنية ومنعوا نهبها وحرموها على قوى النهب الدولي وأذرعها.

والله من وراء القصد

 

د. محمد عمر غرس الله

باحث ليبي مقيم بريطانيا

 

 

بكر السباتينما يحدث في مركز الحدث أن الصراع الدائر في الخليج العربي اليومَ بين إيران وأمريكا بات يتخذ طابع حرب الإرادات وعض الأصابع (من يصمد أكثر) ويمكن قراءة ذلك من خلال أهم التصريحات "التغريدات" المتبادلة بين طرفي الصراع رغم تداعيات التفجيرات الغامضة في الفجيرة وبحر عُمان، وما رافق ذلك من تقديرات تشير إلى إيران أو على نقيض ذلك حيث يرجح البعض بعدم خروج العملية عن نطاق المحرضين على ضرب إيران بما أسمتهم الأخيرة بالرمز "ب" (بن سلمان، بن زايد، بيلتون، بنيامين نتنياهو)، وصولاً إلى حادث إسقاط الطائرة الأمريكية المسيرة بلاك هوك كما سنأتي إلى تفاصيل ذلك لاحقاً.. وفي أتون هذا الصراع المتصاعد، يحاول كل طرف تحييد نفسه عن تهمة إشعال فتيل الحرب وكأنه يبحث عن أعذار لخصمه كي تظل الحرب باردة فلا يشتد سعيرها.. فكل طرف في معادلة الصراع يختطف المواقف من أشداق الحرب المحتملة ليحافظ على منطقة آمنة له بعيداً عن الجرف السحيق الذي يفتح أشداقه ليأخذ الطرفين إلى مهالكه حيث الخسائر طائلة ويصعب وقفها..

وهذا في محصلة الأمر يرتبط بمواقف الطرفين، فلا إيران في سياق ذلك تسعى لدفع التداعيات إلى الانفجار ولا أمريكا من جانبها تريد ذلك،بل تدفع بالخصم نحو طاولة المفاوضات دون أن يتجاوب الطرف الإيراني لذلك.

من هنا يمكن فهم ذلك التضارب بين مواقف دوناند ترامب وفي وقت قياسي إزاء رده على إسقاط الطائرة الأمريكية بلاك هوك حين قال بعد الحادث مباشرة :

بأن الإيرانيين اقترفوا خطئًا فادحاً بإسقاطهم هذه الطائرة التي تعتبر درة التكنلوجيا العسكرية الأمريكية. واعداً بأن الضربة قادمة لا محالة، مؤكداً على أنها قيد الدراسة والإعداد.. منبهاً إلى أنها ستكون محدودة جداً.

ثم يتراجع ترامب عن موقفه بعض الشيء.. ويسمعنا صوت المكابح ليقول:

بأن الطائرة لم تكن مأهولة بالأمريكيين.

لكنه فاجأ المراقبين حينما أخذ يثمن موقف إيران بعدم إسقاط طائرة أخرى كانت متواجدة على مرمى صواريخها، وكان يوجد على متنها 38 أمريكياً واعتبرها بادرة خير من قبل إيران. مؤكداً من جهته بأن الأسطول الأمريكي الخامس لم يقم بالرد تحاشياً لمقتل 150 إيرانياً كانوا أيضاً مكشوفين لمرمى نيرانهم (خلافاً لتاريخ أمريكا الدموي في العراق عام 1991). وعزا ترامب ذلك وفق تصريحات نقلها عنه نائبه مايك بنس: إلى أن هناك من يرفض الصدام مع أمريكا في صفوف القيادة الإيرانية العليا وقد يكون إسقاط الطائرة جاء بتصرف فردي. ثم يؤكد مرة أخرى بأنه لا يريد الحرب، بل يسعى إلى منح إيران الفرصة لتكون من الدول المزدهرة اقتصادياً، مقابل جلوس الرئيس الإيراني معه على طاولة المفاوضات لبحث الملف النووي الإيراني من جديد دون أن يتطرق إلى ترسانة إيران الصاروخية والبحث في دورها الإقليمي وخاصة في سوريا واليمن.

من جانبها تدرك إيران بأن ما يفعله ترامب ذلك المقامر الأشقر ليس إلا تزويقاً لطريق الغواية لإدخال إيران في قفص المفاوضات الذي يصفه أصحاب العمائم السود بالمذل المرفوض تماماً.. ومن هنا يأتي باعث الصمود الإيراني والثبات على مواجهة الموقف الأمريكي المراوغ، من باب الثقة بالنفس والجاهزية على الرد، وبالتالي النعامل باقتدار مع كافة الاحتمالات.

ولعل من أخطر ما تتوقعه إيران في سياق كل ذلك هو قرار الحرب، وهو احتمال قائم رغم مناورات ترامب التكتيكية، ما دامت الأسباب متنامية وخاصة أن ترامب هو من بادر إلى محاولة إيقاظها وفق المفهوم العسكري من خلال إرسال طائرة التجسس المسيرة بدون طيار بلاك هوك، التي اخترقت الأجواء الإيرانية إنطلاقاً من قاعدة الظفرة في الإمارات كما صرحت الخارجية الإيرانية، وتم التعامل العسكري مع الموقف بحزم وثبات حيث أسقطت الطائرة التي قيل بأنها "معتدية" بواسطة صاروخ إيراني متطور فاختلطت الأوراق في مؤسسات القرار الأمريكي الثلاثة (البيت الأبيض، البنتاغون، الكونغروس) لهول المفاجأة غير المتوقعة.. لأن إسقاط هذه الطائرة يعني بأن قدرات إيران ما زالت مبهمة.

بداية أنكر الجانب الأمريكي الرواية الإيرانية لحساسية الموقف وخاصة أن الطائرة تعتبر من أهم الأسرار العسكرية نظراً لتفوقها، إلا أن الجانب الإيراني قام بعرض حطام الطائرة على الإعلام العالمي، ملجماً بذلك الشهية الأمريكية التي كانت ترمي إلى خلق بروبوغاندا مضللة حول الحادث كي تموت الحقيقة؛ لكن الإيرانيين أضافوا منوهين إلى أن الطائرة انطلقت من قاعدة إماراتية. وكان الإيرانيون في أتون هذه التداعيات يدركون بأن خسارة الأمريكيين في هذه العملية ليست مادية بل معنوية.. وأن ترامب لن يكترث بكلفة هذه الطائرة المسيرة ذات التقنيات الحساسة الباهظة لأن الفواتير ستسدد من حساب السعودية والإمارات.. وطائرة بلاك هوك المتطورة التي صنعتها شركة نورثون غرومان الأمريكية تبلغ قيمتها 270 مليون دولار، وتعد ضمن ثلاث أغلى طائرات توجد الآن في الخدمة.. فهي تحتوي على أجهزة متطورة ومجسات حساسة وبرامج متفوقة ومعدات تصوير يمكن لعدساتها أن ترى في كل الظروف ليلاً ونهاراً حتى لو تلبدت السماء بطبقات من الغيوم الداكنة.. وقد صنع جسمها الخارجي من مواد يصعب رصدها، ويمكن لهذه الطائرة الطيران على ارتفاعات قياسية قد تصل إلى 20 كلم.

 

 

صحيح أن بعض المحللين عبر الفضائيات ذهبوا إلى أن ترامب يخشى من القدرات الإيرانية غير المكتشفة، وإن أي حرب محتملة ستكون عواقبها وخيمة على الاقتصاد الأمريكي وسيكون اندلاعها مخالفاُ لما وعد به منتخبيه.. وسيكتفي ترامب كما يبدو بالمناورة.. فهو يعتبر كل ما يحدث في الخليج العربي من تخريب وتعطيل أحداثاً يمكن استثمارها إيجابياً لتعود بالمكاسب العظيمة على أسواق النفط الأمريكية فيكون من شأنها حينذاك تجاوز معدلات نمو قياسية على حساب الحصة السعودية العالمية.. لأن الأحداث الأخيرة جعلت سوق النفط الخليجي غير آمن، الأمر الذي رفع من قيمة التأمين على ناقلات النفط، وهو بدوره انعكس على التكلفة الإجمالية لسعر برميل النفط لصالح مصادر النفط الأمريكية. بغض النظر عن بعد المسافة ما دامت طرق الحصول على النفط تكون آمنة.. ناهيك عن أن بقاء الأزمة في مضيق هرمز قائمة سيدفع دول الخليج إلى شراء السلاح الأمريكي عبر صفقات بالمليارات من الدولارات وهذا عائد اقتصادي يغطي معظم طموحات ترامب التي وعد بها الأمريكيين.

وكي يمتص ترامب الضغوطات التي تمارس عليه من قبل الصقور في إدارته بالإضافة لحلفائه في المنطقة (السعودية والإمارات وإسرائيل) صرح ترامب يوم أمس بأن الرد على العربدة الإيرانية في الخليج العربي اتخذ طابعاً آخر غير عسكري لكن نتائجه ستكون وخيمة على إيران.. ويقول بأنه منذ تفجيرات السفن في الفجيرة، طلب من البنتاغون الإيعاز للوحدة الإلكترونية الأمريكية بضرب وتهكير برامج التحكم الإيرانية الإلكترونية، المتصلة بنظام الرادارات ومنصات إطلاق الصواريخ.

وإذا كان الأمر جاء على هذا النحو الذي ادعاه ترامب.. فكيف إذن تتمكن الدفاعات الجوية الإيرانية من إسقاط طائرة بلاك هوك ورصدها منذ إنطلاقها حتى إسقاطها؛ ما يثبت بأن إيران لديها جاهزية متقدمة جداً بينما تعجز المخابرات الأمريكية عن رصدها.

وفي سياق متصل فإن السعودية والإمارات ومن لف لفيفهما من الدول العربية ما زالوا غير مدركين لخبايا ما يدور حولهم.. ولا يريدون تصديق بأنهم دول وظيفية ومجرد وقود لحرب ضروس قد تغافل الجميع فلا تبقي ولا تذر.. كما أنهم يتنكرون لحقيقة أن الإرادة الإيرانية وقدرتها على المواجهة أخرست البلطجة الإمريكية التي يقودها المقامر الأشقر ترامب، لأنه في نظر العمائم السود لا يبحث عن خسائر مادية وبشرية قد يتكبدها في حروب مدمرة وخاسرة؛ بل يريد الظفر ببقرة حلوب تدر عليه أرباحاً طائلة، معتمداً في ذلك على استنزاف ثروات الخليج العربي وخاصة الإمارات والسعودية والبحرين..وهو ما عجز عنه إزاء إيران.

 

بقلم بكر السباتين

 

 

بادئ ذي بدأ أود أن أوضح أن نيتي لا تهدف لإثبات ونفي استطلاعات الرأي العام، ومع إنني اشك واشكك بالفرضية المشاعة حول إن كل استطلاع للرأي للناس يمكن أن يكون لهم رأيا فيه، وبعبارة أخرى اشكك في حقيقة وجود إنتاجا للرأي أو بإمكانية التعبير عنه أو حتى بإتاحة ذلك للجميع، غير إنه لربما سأخالف رأيي بعض الشيء خشية المخاطرة بإيذاء مشاعر شخص ما قد يؤمن في سذاجة بأكذوبة الديمقراطية.

 أرى أنه من الممكن إثبات أن جميع الآراء ليست مهمة على الإطلاق، وأن حقيقة جمع الآراء بأستطلاعات الرأي هي ليست أكثر من إنتاج أعمال فنية لا معنى لها، وببساطة ليست هناك فرضية صريحة حول وجود إجماع حول القضايا، وغالباً ما يتم تحدي استطلاعات الرأي العام بطابع السؤال عن تمثيلية العينات، وأعتقد أنه نظراً للحالة الراهنة وكذلك للوسائل التي تستخدمها برامج استطلاعات الرأي العام فإن هذا الاعتراض لا أساس له من الصحة لأنه لا يتم إجراء العمليات بصدق بحيث يتم طرح الأسئلة الماكرة في استطلاعات الرأي أو استخدام تلك الحيل في صيغها، وغالباً ما يتبين أن الإجابة مشتقة من شكل بناء الأسئلة، وحتى الإشكاليات الخاصة بالاستطلاع التي يقام بها ذلك النوع من التنظيم ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالظاهرة وتخضع لنوع معين من النظام الاجتماعي.

تخضع الإشكاليات التي تقترحها دراسات الرأي العام للمصالح السياسية، وذلك يؤثر بشدة على كل من معنى الإجابات والمعنى الملحق بنشر النتائج وإن استطلاعات الرأي العام في أشكاله الحالية هو أداة للعمل السياسي، ولعل أهم وظائفه هو غرس الوهم القائل بأن هناك رأي عام باعتباره حتمية يتم الحصول عليها فقط من خلال إضافة آراء فردية، الغرض منه هو إخفاء حقيقة حالات الرأي العام، والتأثير الأساسي في استطلاعات الرأي تأتي في الموافقة على فكرة وجود الرأي بالإجماع، وهذا لإضفاء الشرعية على سياسات معينة.

يتم فرض فلسفة خفية للتصويت على استطلاعات الرأي العام وإذا ألقينا نظرة عن قرب فسنجد أن النسبة المئوية لأولئك الذين لا يجيبون على الاستبيانات أعلى بشكل عام بين النساء مقارنة بالرجال، وأن الفرق في هذا الصدد هو الأكثر أهمية إذ أن الأسئلة الأكثر طرحًا تكون سياسية وكلما كانت مسألة الاستبيان أقرب إلى مشاكل المعرفة والإدراك ازداد الفرق في حصة "غير مجاب" بين الأكثر تعليما والأقل تعليما وذلك على النقيض عندما تتعلق الأسئلة بقضايا أخلاقية، وكلما تناولت الاستطلاعات قضايا النزاع وعقدة التناقضات كلما زاد التركيز على السؤال عن أي فئة معينة من الناس تستطلع، وكلما ازدادوا عددا سيجتمعون على حصة لم تتم الإجابة، لذلك لن يقدم الاستطلاع سوى تحليل بسيط للإحصائيات وستبرز به بقوة حصة "بدون إجابة"، فيتم تعريف المعلومات على أنها الاحتمالية فيما يتعلق بتلك الفئة للحصول على رأي وكاحتمال مشروط للحصول على رأي مؤيد أو غير مؤات.

إن أحد أكثر الآثار الضارة لدراسة الرأي العام هو بالتحديد أن الناس مطالبين بالإجابة على أسئلة لم يطلبوها هم أنفسهم ولنأخذ على سبيل المثال أسئلة تركز على القضايا الأخلاقية سواء كانت تتعلق بصرامة الآباء أو العلاقات بين المدرسين أو الطلاب أو التوجيه التربوي أو الدراسي وما شابه، في كثير من الأحيان ينظر إليها الناس على أنها مشاكل أخلاقية وكلما انخفض مستوى هؤلاء الناس في التسلسل الهرمي الاجتماعي كلما انخفضت فاعلية الأسئلة، وقد تكون تلك الأسئلة تطرح نفسها كقضايا سياسية للناس حين يكون الاستطلاع للطبقات العليا فتتحول الاستجابات الأخلاقية إلى استجابات سياسية بمجرد فرض مستويات ووجهات نظر لطبقات عليا.

 هناك العديد من الطرق التي يمكنك من خلالها تحديد الإجابة مسبقًا، وبالنسبة للبعض لربما تتحول أسئلة الاستطلاعات إلى سياسية وبالنسبة للآخرين فقد تكون مسألة أخلاقية بحتة لذا يتم تصميم الاستبيانات بطريقة تجعل الناس لا يسألون ولا يفكرون أو حتى لا يعتبرون أنفسهم مشاركين أو مهتمين في السياسة أو قريبين منها، وذلك يكشف عن اختلاف خطير للغاية في فن نوعية الاعتماد على نوع المجموعة الاجتماعية إذ إن الشرط الأول للحصول على إجابة ملائمة لمسألة سياسية هو القدرة على تمثيلها على وجه التحديد والثاني هو القدرة على تطبيقه على فئات سياسية بحتة والتي قد تكون بدورها ملائمة إلى حد ما أكثر أو أقل تطوراً، وإن كتلة الأجوبة التي تعتبر إجابات عن السياسة تتم في الواقع وفقا للطبقة العرقية. وبالتالي قد تكتسب تلك الاستطلاعات معنى مختلفا تماما عندما يتم عرضها وتفسيرها على أوضاع المجال السياسي.

في رأيي ينبغي التشكيك في أهمية الإجابات على معظم الأسئلة لإن السلسلة الأولى من الأسئلة التي قد تؤثر على نوع من الابتكار في العلاقات الاجتماعية تكون في مستوى ارتفاع مكانة المستجيب في التسلسل الهرمي الاجتماعي وحسب مستوى التعليم، وعلى العكس من ذلك فإن الأسئلة التي تؤثر على أنواع التغيرات الفعلية في علاقات القوة بين الطبقات كلما زاد رفض المجيبين أكثر كلما كان المدعى عليه أعلى في التسلسل الهرمي الاجتماعي. وأثر فرض وجهات النظر والأثر الناتج عن أي استطلاع للرأي العام وبكل بساطة من أية مسألة ذات طبيعة سياسية هناك نتيجة لحقيقة أنه خلال استطلاع رأي الرأي العام، لا الأسئلة التي تطرح في الواقع يتم تنفيذ تفسير الإجابات بغض النظر عن الإشكالية التي تنعكس حقا في إجابات فئات مختلفة من المجيبين وان المشاكل المسيطرة هي فكرة تدور لتعطي قائمة بالأسئلة التي طرحتها مؤسسات المسح أي المشاكل التي تهم في المقام الأول أولئك الذين يريدون أن يكونوا على علم بوسائل تنظيم أعمالهم السياسية فيتم استيعابهم بشكل غير متساو من قبل الطبقات الاجتماعية المختلفة. وإذا كانت استطلاعات الرأي العام تفهم بشكل سيئ حالات الرأي المحتملة فإن السبب هو وضع مصطنع يتم فيه تسجيل آراء الناس بواسطة صناديق الاقتراع وفي الأزمات تتكون حالات الرأي العام عبر توجيه الناس بآراء متشعبة وآراء مدعومة من قبل مجموعات فردية أو فوضوية وبالتالي فإن الاختيار بين الآراء يعني بوضوح الاختيار بين المجموعات، وهذا هو مبدأ تأثير التسييس الناجم عن فحوى وامتداد الأزمات.

إن حقيقة "عدم الإجابة" تتضح عبر حقيقة أن همة الاستعدادات لعديد من الفئات الاجتماعية لا تصل إلى وضعية طرح الرؤية الصريحة للرأي العام أي أنها غير مكتملة لكنها تدعي تماسك التعبير وحاجة الاستجابة العامة، وأن الناس الذين ليس لديهم رأي سيختارون في جو من الأزمات وعن طريق الصدفة، لذلك أوقن وأؤكد أن الرأي العام الصريح لا وجود له، وعلى الأقل في الشكل الذي يمثله كل شخص مهتم بتأكيد وجوده. كما إن هناك آراء تشكلت وحشدت وانضغطت بجماعات حول النظام في إشكال واضحة من المصالح المتقاطعة، ولذلك فأن الاستطلاعات هي ليست آراء حقيقية، وبياناتها ونتائجها ليست مقبولة وذلك حينما يطلب دوما من المشاركين فيها أن يختاروا موقفًا بين الآراء المُصاغة، وما إن يتم ذلك عن طريق الجمع الإحصائي البسيط للآراء المنتجة حتى يتم بهذه الطريقة إنتاج وإعلان النتائج والتي هي بجملتها منافية للوقائع ومناقضة وشاطبة لحقيقة الرأي العام.

 

بقلم/ الدكتور ميثاق بيات ألضيفي

 

 

محمد عمر غرس اللهإن قوى الوعي الثاقب الفارق في أمتنا العربية مدعوة لأن تضع مواجهة ومقاومة المشروع - الذي يدمر أمتنا - في سياق التحرر العربي من العراق وسوريا إلى اليمن وليبيا ومرتكزاً على مقاومة الأمة في فلسطين المغتصبة، سياق المقاومة الكبرى لهذا المشروع الذي يريد إستكمال طريقه بتدمير مصر والجزائر وإدخالهما في فتنة وركوبها كما فعلوا بالعراق وليبيا واليمن وسوريا.

أن السياق العربي في مقاومة الهجمة الغربية وربيبتها في المنطقة والأنظمة الوظيفية التي تعضدها، هو الذي يمكنا من فهم ما يجري تحديداً وهو الذي يمكنا من فهم التقاطعات واللعبة ومراحلها وتنوعها وأشكالها.

أنها روح إرادة ومقاومة عربية للهجمة الشاملة على أمتنا، وسياق التحرر العربي هو المعيار الحقيق الذي يعطي معنى واضح وشامل وحقيقي وفعلي عن إرادة الأُمة العربية العظيمة التي إستهدفها هذا المشروع ليحرف طريقها نحو معارك جانبية يتحول فيها الكيان الغاصب ومشروعه ومن ورائه إلى حليف (تحويلنا قومية سنية متحالفة مع الكيان الغاصب).

هذا المشروع يستهدف أمتنا تدميراً وحرباً خاصة وجديدة تعتمد على سيطرة وسطوة التلفزيون على القطاع العريض من الناس، المشروع الذي يعمل على القتل الإجتماعي والديموغرافي، والقتل الإقتصادي نهباً ماليا للأرصدة المالية ورصيد الذهب الوطني والعربي، وسرقةً وحرقاً وتدميراً وتجريفاً لما أنجزناه طوال سبعون عاماً بعد الإستقلال.

أننا لسنا قبائل تبحث عن مغانمها القبلية المريضة الغشيمة التافهة، ولسنا مناطق تبحث عن مغانمها المناطقية الموهومة الغبية، إننا قوة تحرر عربي واحدة إمتداد لكفاح ونضال عمر المختار وسلطان باشا الأطراش وللأمير عبد القادر الجزائري وجمعية العلماء المسلمين الجزائريين وجبهة التحري الوطني الجزائري، إمتداد لجهاد أحمد الشريف السنوسي وعبد الحميد بن باديس والشيخ ماء العينين والدغباجي وعلي الشنطة ومحمد فكيني وعبد النبي بلخير ومحمد بن عبد الله البوسيفي وخليفة بن عسكر وأحمد عرابي والطاهر أق انتلا وكاوسن وصنبير والشيخ الكنتي والشيخ الأنصاري... وعبد القادر وأبيه موسى الحسيني... الخ.

أمتداد لمقاومة الشعب الفلسطيني البطل، أمتداد لعبد الناصر، وإمتداد للضباط الوحدويين الأحرار، إمتداد تاريخي لقوى التحرر العربي على إمتداد الخريطة العربية، اليوم في المعارك التي تخوضها القوات المسلحة العربية الليبية والجيش العربي السوري والجيش المصري، وما يمثله الجيش الشعبي الوطني الجزائري والجيش الموريتاني ..الخ في مواجهة الذين يسعون لتفتيتنا أكثر وأكثر عبر ( تحالف الشعوبية، المال والإعلام والفتوى واللعبة الدولية) وبالجماعات المسلحة وقطعان الإسلامويين بداعشهم وبغداديهم وصلابيهم وغنوشيهم وأردوغانهم والتنظيم العالمي للإخوان المسلمين وتفرعاته وبناته وأخواته ومن لف لفهم من (قطرائيل) وبرنار ليفي وعزمي بشارتهم وقناة جزيرتهم وأخواتها وبناتها من مجموعة فضائيات التلفزيونية المكرسة لتويه الأمة وإدخالها في فتن داخلية، ومراكز اللعبة الدولية القذرة وكينيستها في تل أبيب وأذرعه وإمتداداته والمرتبطين به وبمناهجه.

أن مقاومتنا اليوم مقاومة عربية شاملة مترابطة في أمتنا من المحيط إلى الخليج، وهي ليست مقاومة طائفية ولا قبلية ولا مناطقية، ولا يجب أن ننجر نحو تتفيه والحط من روح الإرادة العربية، وحشرها في ثنايا القبلية والمناطقة والجزئيات والإقليمية التي يريدها لنا مركز المال وقوى الهيمنة.

فالمقاومة العراقية الباسلة تحتاج منا تدوين وتقديم وكتابة تاريخها النضالي في مواجهة الإحتلال الأمريكي البريطاني الظالم، بوعي ثاقب ولا يجب أن نقبل التعمية عليها وتصنيفها بأوصاف شعوبية ومناطقية ومذهبية يصنعها مركز العلاقات العامة لقوى الإستعمار الجديد والهيمنة، وهذا ما يجب أن نفعله بوعي ثاقب وفارق في تنوع مقاومتنا على الخريطة العربية.

أن إرادة المقاومة في أمتنا واحدة المعنى والمدلول والروح والمنطلقات فيما يجري في العراق ليبيا وفي سوريا واليمن ولبنان قوى تحرر عربي واحدة تستخدم ما أمكن من الإمكانيات، تواجه الظلم والهيمنة واذرعه وأدواتها، مقاومة مترابطة روح أمة عربية واحدة وجسد واحد يواجه تعدد أنماط من الحروب وأجيالها المتطورة الخبيثة، حتى وإن تباينت طرق مقاومتنا، فإنها في العمق واحدة المعنى والإرادة، منبعاً واحد ومصدراً واحد وإرادةً عربية واحدة.

اللهم فأشهد اللهم قد بلغت

 

د. محمد عمر غرس الله

باحث ليبي مقيم ببريطانيا

 

 

عامر صالحالمعارضة بشكل عام هي الفطرة الأنسانية التي تجسدها صراع الأضداد في السلوك والظواهر الأنسانية المختلفة، السياسية منها والاجتماعية العامة وطبعا البيولوجية التي تكمن فيها اسرار سنة التطور والارتقاء في النوع البشري والانساني بشكل خاص، فالمعارضة تنشأ في رحم المكونات الاولى الجنينية سواء في المادة الجامدة أم الحية، ولعل في مخاض ولادة الطفل من رحم أمه تشكل جزء من ملامح تلك الظاهرة الغريزية، التي تجسدها محاولات الطفل الوليد في الخروج الى عالمه الجديد وبين آلية الاحتفاظ به في الأرحام، ولكن الجديد بمواصفات تقدمية يفرض نفسه وينطلق الى رحاب عالمه الأوسع.

في السياسة وحيث المعارضة السياسية تشكل ركنا جوهريا في أي نظام نظام سياسي  إن كان مستبدا دكتاتوريا قمعيا أم نظام ديمقراطيا تعدديا، ففي النموذج الآول يكون دور المعارضة السياسية الأساسي هو لأسقاط النظام بعد ان تستنفذ مقومات وجوده وصلاحيته للبقاء خارج اطار الأصلاحات الممكنة التي تنقله نقلة جذرية صووب الأفضل، أما في النموذج الثاني حيث المعارضة السياسية الديمقراطية التي تستهدف اصلاح النظام الديمقراطي القائم بوسائل سلمية متاحة عبر موازين القوى السياسية واعادة تشكيلها في مؤسسات الدولة وخاصة البرلمانية منها وعبر استخدام الجماهير والشارع للضغط على الحكومة في الأستجابة للمطاليب الشرعية، في تحسين ظروف العيش والارتقاء بمستويات االحياة نحو الأفضل استنادا الى المعايير الدولية في حدودها المعقولة والدول المرجعية في التقدم والرقي الاجتماعي وفي الاستناد ايضا الى الامكانيات والموارد التي يمتلكها البلد.

في العراق وما بعد عام 2003 أي بعد سقوط الدكتاتورية بآلية الأحتلال الأمريكي حيث أسس نظاما سياسيا قائم على المحاصصة الطائفية السياسية والأثنية العرقية أخل بأنتاج نظام سياسي قائم على اساس الحكم والمعارضة ورفع شعار " الجميع يحكم " ويتقاسم كعكة المحاصصة أو العراق الغنيمة، وهكذا نشأ نظام سياسي شاذ عن اصول اللعبة الديمقراطية يتقاسم مغانم السلطة ويعيد انتاج نفسه عبر انتخابات برلمانية طال الشك بمصداقيتها في كل الدورات الأنتخابية وتوجتها سوءا وعدم شرعية الأنتخابات البرلمانية الأخيرة من ضعف المشاركة في الأنتخابات الى التزوير وحرق صناديق الأقتراع.

جميع القوى السياسية العراقية وخاصة الأسلاموية والأثنية منها الغير مؤمنة بالديمقراطية اصلا والتي وجدت في تلك البيئة السياسية المريضة ملاذا لأعادة انتاج نفسها عبر الترهيب والترغيب والتحايل، هذه القوى مجتمعة وجدت  نفسها في سلة الحكم والمغريات السلطوية وتقاسم النفوذ، اما معارضتها المفتعلة فهي جزء من اساليبها لأمتصاص نقمة الشارع الغاضب وغير المتسامح مع الفساد مستندة تلك القوى الى جمهور قطيعي غير معارض بالمعنى السياسي وممتثل لأوامر مرجعيته، فتراه مرة ممتعض منتفض وتارة أخرى خانع مستكن ينتظر نتائج الصفقات الطائفية والأثنية لكي يتلقى الأشارة بالهدوء المؤقت بأنتطار الحصول على المزيد من الغنائم وليست الحقوق المشروعة.

في النظم الديقراطية الحقة المعارضة مثلها مثل الحكومة فهما وجهان لعلمة واحدة تجسدها الديمقراطية والتدوال السلمي للسلطة وهي حكومة الظل المرتقبة عند تراكم اخطاء الحكومة، فالمعارضة هي ملجأ المواطن الآمن عند الاحساس بالظلم وانتهاك الحقوق وعدم تحقيق المطالب العادلة، والمعارضة السياسية هي حجر الاساس في النظم الديمقراطية والذي افتقده العراق بفعل نظام المحاصصة البغيض والذي افرغ مفهوم الديمقراطية من محتواها الأنساني وحول الصراع على السلطة صراع غابة يسيطر فيه المسلح والمليشياوي وتدخل الأجندة الخارجية لتقرير مستقبل العراق وشعبه.

واليوم حيث لاجديد يذكر في معالجة اوضاع العراق ومعاناته في ظل حكومة عبد المهدي وفي محاولة للتملص من المسؤولية التاريخية تنطلق دعاوى التمويه تحت عباءة المفهوم الجديد للمعارضة التي ابتدعها الأسلامويين على شاكلة "معارضة تقويمية" و"معارضة دستورية" تخفي ورائها ممارسة الضغط لأعادة توزيع غنائم السلطة، فعادل عبد المهدي لم يأتي من كوكب آخر بل أتت به القوى الغير راضية عنه اليوم والتي تروم معارضة حكومته، وجميع القوى التي ستعارضه لم تكن بعيدا عن الفساد وملفاته الشائكة او تقاسم النفوذ في السلطة ابتداء من اصغر موظف الى الوزير وصعودا الى قمة هرم جميع السلطات.

ان الأزدواجية الأخلاقية السياسية التي يمارسها الأسلام السياسي هي محاولات بائسه للظهور بمظهر المتقن والمتعفف لأدارة فن الصراع في الأزمات وتناسوا أن هم انفسهم من أسقط مفهوم المعارضة السياسية من خلال اللجوء الى التوافق سيئ الصيت والذي تم اختيار عادل عبد المهدي على اساسه، وحين يشتد البؤس الأجتماعي والأقتصادي وتسيئ الأحوال العامة فأن الأسلامويين يستنفروا كل قواهم للظهور بمظهر المدافع الأمين عن مصالح الشعب والوقوف معه بواجهات المعارضة ذات المسميات المختلفه ولكن محتواها المعطل لأرادة الأصلاح الجذري هو واحد. أن الأصلاح السياسي والدستوري الشامل هو المدخل للحفاظ على العراق وطنا صالحا للجمبع اما عدا ذلك فأن الجميع ذاهبا الى الجحيم وسيبقى العراق آمنا بما تبقى من الشرفاء.

 

د.عامر صالح

 

 

عبد الجبار نوريمن (معطيات) زمكنة الأزمة: تعزيزات عسكرية أمريكية إلى منطقة الخليج حاملة طائرات حديثة من طراز U.S.S لنكولن وقاذفات B52العملاقة وأضافة 1800 من المارينز المدربين جيداً في مستنقعات فيتنام، ومن مديات ما ظهرت على ساحة الجيوبولتيك السياسية :أستعمال ترامب ثلاثة خيارات لمواجهة أيران { الأول العسكري والتصعيد السياسي والحصار الأقتصادي }، في الأتفاق النووي نصّ على أستخدام (المعرفة النووية السلمية) وهي قضية واضحة وشفافة وتعتبر حق من حقوق الأمم الصاعدة التي تبحث عن الأصلاح والبناء كما هو اليوم عند الأمارات والسعودية والتي وصلت لمراحل متقدمة بدون أعتراض من أي أحد، وتعتبر ورقة رابحة لدى أيران، وهناك أنقسام واضح بين حلفاء أمريكا بشأن كيفية التعامل مع هذه الأزمة، ظهور دخان الأزمة قبل أشتعالها من حلفاء أمريكا المدللين أسرائيل والسعودية والأمارات المعادين لأيران أصلاً وعندما أشتدّ وطيس الأزمة أخذت جانب الصمت وعدم المبالات !!!، تراجع بوادر التوتر، وتضارب التصريحات الرسمية حول الرغبة بالحوار، واشنطن لا تطلب تغيير النظام  في أيران بل (وقف التجارب النووية)، وهنا يجب أن لا ننسى الحضور العسكري والسياسي القوي الروسي لآدارة الرئيس الروسي بوتين، اضافة إلى الصعود الكاسح للأقتصاد الصيني وتجارتها الواسعة والتي سوف تحتاج إلى المضايق وبحار آمنة حينها ربما تدخل إلى الخطوط الحمر ليس بالضرورة أن تقاتل بل تظهر تأثيراتها في العلاقات التجارية والدبلوماسية مع دول المنطقة وقد تصطف لجانب دول الحرب، ومن المعطيات المتوقعة أرتفاع أسعار النفط بنسبة 2% ما يساوي : 2-62دولار.

من خلال هذه المعطيات السياسية والأعلامية تبرز(ثلاث) سيناريوهات متوقعة في ظل التهديدات المتصاعدة بين الطرفين :

 الأول-/أن طهران تمتلك ماكنة وترسانة عسكرية متميّزة كماً ونوعاً، وبرنامج للصواريخ البلاستية وهي واحدة من أكبر ترسانات الصواريخ البلاستية في الشرق الأوسط بعيدة المديات ربما تصل ل2000 كم أي أبعد من أسرائيل 1200 كم، وإلى كافة قواعد أمريكا في المنطقة، وتمتلك أيران 24 جامعة لتدريس وتدريب في العلوم العسكرية وتقنياتها الحديثة، مع جغرافية واسعة وسكان يقارب 90 مليون نسمة، وتأييد شعبي مؤدلج دينياً تتصل بمشيمة ولاية الفقيه لديها خيارات مفتوحة في : خروقات بعض بنود الأتفاق النووي : في زيادة حجم تخصيب اليورانيوم ورفع نسبة التخصيب .

الثاني: الأنسحاب من الأتفاق والعودة إلى العمل النووي الواسع في ظل نصب عشرات الآلاف من أجهزة الطرد المركزي مع أستئناف العمل في مفاعل (آراك) النووي .

الثالث: الأنسحاب من ميثاق (الأنتشار النووي) الذي تكمن خطورته السماح بتطوير قنبلة نووية، ومن أبرز هذه المعطيات {أستراتيجية طهران: لا حرب --- ولا تفاوض مع المقاومة والصبر والصمود بوجه الأمبريالية الأمريكية المتغطرسة عدوة الشعوب} وتكتيكاتها مبنية على أبقاء فوبيا أيران كقوة ضاربة مع تفادي الوقوع في شراك الحرب  وهي العوامل الرئيسة في صمود أيران على مدى 40 عاماً حسب أعتقادي .

-  أذرع أيران في المنطقة وهو الواقع الذي يفرض نفسه في الخارطة الأقليمية .

ومسارات هذا الموضوع الشائك يقودنا إلى (أسباب) ظهور الأزمة بين الطرفين :

- فوبيا وقوع هجوم أيراني في الشرق الأوسط .

- ربما التأريخ يعيد نفسه في أستعمال الأدارة الأمريكية نفس النموذ ج الأستخباراتي الخاطيء الذي أستعمله الأبن بوش في حربه على العراق .

- أمتناع أيران أمتثالها لبعض الألتزامات الواردة بالأتفاق النووي لعام 2015 بين أيران والقوى العالمية الست (أمريكا، روسيا، الصين، فرنسا، ألمانيا بريطانيا) لكبح الطموحات  النووية الأيرانية مقابل تخفيف العقوبات الأقتصادية .

- تصنيف الحرس الثوري الأيراني تنظيماً أرهابياً مما أثارحفيظة أصحاب القرار السياسي الديني الراديكالي والذي زاد في الطين بلة فرض عقوبات ثقيلة في وقف صادرات النفط الأيراني

- ثم تهديدات ترامب لا يبدو عليها الجدية فهو هدد مرارا وتكراراً وبقوة مهوسة كوريا الشمالية وسوريا وأفغانستان وداعش في العراق ولكنها تبخرت حيث لا تزال داعش تلعب ورقة حرب العصابات ، والتطور النووي في كوريا الشمالية تراوح مكانها .

- أضافة إلى القلق السياسي الذي تعيشه المنطقة في تصعيد عسكري وسياسي وخطابي متشنج من الحرس الثوري الأيراني وحركات جهادية للحوثيين بتصعيد أستهداف مناطق حدودية سعودية بطائرات مسيّرة كل هذا شارك في تصعيد الأزمة والتواجد العسكري لكلا الطرفين .

- أن السلم العالمي مهدد طالما واشنطن تنفرد بالقرارات السياسية، وأن واشنطن حرقت القرار2231 بخروجها وتبعتها أغلب حلفائها

أخيراً/الذي نراه على الأفق القريب والبعيد أن كلا الطرفين في حالة أستعراض القوة وأبراز العضلات ويرفع من الخطاب السياسي بخطوات محسوبة مع عدم المساس بالخط الأحمر الذي هو الحرب الذي ينتظر خطأ أحد الطرفين ليشتعل عود الثقاب في برمي بارود المنطقة، ولأن أيران تدرك جيداً قوة الأمبراطورية العسكرية الأمريكية وقدراتها الهائلة الأنتصار عليها عصياً وبشبه المستحيل، وتدرك أمريكا قوة الترسانة العسكرتارية الأيرانية وصواريخها البلاستية وآلاف رجال الضفادع وخمس غواصات ومساحة واسعة وشعب بتعداد 90 مليون نسمة أضافة إلى كل هذا (أذرع أيران) في الخارج القريب بالتحديد الأقليمي وكذلك الخوف من أرتفاع أسعار النفط، فأبرز تداعياتها المرّة هي حرب أقليمية واسعة وكبيرة، والذي يمكن قوله { الذي يفكر بالحرب من الطرفين فهو معتوه وأحمق، ورهانات الأعلام الغربي والعربي الذي يراهن على (الوساطة) فهو خاسر --- (فالحرب كذبة والمفاوضات كذبة كبيرة)، ولأن التأريخ الأمريكي أعاد صفحاته ليذكرنا بأمريكا الأمس وهي تلقي بكل ثقلها في حرب خليج الخنازير ضد كوبا في أوائل الستينات من القرن الماضي التي سميّتْ ب(أزمة الصواريخ النووية) وقد حبس العالم أنفاسهُ آنذاك مترقبا بحذرٍ شديد أندلاع حرب عالمية ثالثة تكون هذه المرّة (نووية) وبالتالي لم تحدث أية حرب ورجع كلٌ من كنيدي وخروشوف لتناول وجبة كافيار كما تخيّل الأعلام الحربي من أجل الطرافة .

 

عبدالجبارنوري

 

محجوب النصيبيجملة التنقيحات المزمع ادخالها على القانون الانتخابي قسمت الاعبين السياسيين الى مجموعتين

- الداعمون لهذا القانون يرونه حماية للديمقراطية وحجتهم حماية الديمقراطية وتأمينها من اي حرف (في الانتقال الاحتوائي هل يمكن الحديث عن ديمقراطية.)

-  الرافضون له يعتبرونه عملية اقصاء سياسي للتخلص من "منافسين جديين" اظهرت استطلاعات الرأي تقدمهم الكبير على البقية.

 وسط هذا الجدل غاب القانون في تفاصيله وأُدْخِلت الواجهة الخارجية للبناء السياسي (الشعب) في حالة من الارباك زادت في نفورهم من العملية الانتخابية

 التنقيحات المعروضة لمصادقة مجلس النواب تتعلق باضافة بعض الفصول وزيادة بعض المطات على القانون الانتخابي يمكن تلخيصها في:

- لا يقبل الترشح للانتخابات التشريعية لكل شخص أو قائمة تبين للهيئة قيامه أو استفادته خلال الاثني عشر شهر التي تسبق الانتخابات بأعمال تمنعها الفصول 18 و19 و20

- الاستظهار ببطاقة عدد 3 خالية من السوابق العدلية، أو وصل الاستلام على ان تقوم الهيئة بالتثبت من خلوها من السوابق

- القيام بالتصريح بالمكاسب والمصالح والتصريح السنوي بالضريبة على الدخل للسنة المنقضية

- رفض ترشح من يثبت لديها تعمده اعتماد خطاب: لا يحترم النظام الديمقراطي ومبادئ الدستور والتداول السلمي على السلطة أو يدعو للعنف والتمييز والتباغض بين المواطنين أو يهدد النظام الجمهوري ودعائم دولة القانون

والجهة التي تقدمت بهذا المشروع هي الحكومة اي الاداة التنفيذية لمنظومة الحكم والمتوافقة مع الاداة التشريعية

هذه التنقيحات لم تتعلق بنظام انتخابي نسبي يعرف الجميع هناته ومواطن ضعفه واهمها :

أ‌- انه نظام محكوم بالخوف من العودة التسلط سواء دكتاتورية الفرد والحزب الواحد او التسلط الديني

ب‌- انه جاء نتيجة لفترة تاريخية غير مستقرة اقتضت تقديم تنازلات في صياغته

ت‌- أنه لا يسمح بتحقق جوهر العملية الانتخابية وهي معاقبة الطرف او الاطراف الحاكمة في حال فشلها ولا يمكن من اقصائها بل يثبت عكسيا تواجدها

ث‌- انه وان سلمنا ببعض النجاحات السياسية فانه ادى الى تفاقم الازمة الاجتماعية والازمة الاقتصادية اللتين ادتا الى ثورة 17 ديسمبر 2010

ج‌- التنقيحات لم تمس بجوهر المشكل بل توجهت الى منع بعض الاطراف بالقانون من الترشح واستبعادهم من السباق المنحصر في واجهات الفشل.

لا يخفى على احد ان الجهة المقدمة للمشروع ومسانديها استفادت من الاشهار السياسي واعتمدت خطابا لا يحترم النظام الديمقراطي وحرضت احيانا على فريق مختلف معها وتهجمت واستعملت خطابا يدعو الى العنف ولم تحترم الدستور

ولا يخفى ان القروي كان جزءا من ذلك وحتى لا نوغل في التاريخ لنقل بداية من 2014 حين ساند حمة الهمامي ثم الباجي قائد السبسي في الدور الثاني ثم التحق بتنفيذية نداء تونس وانه فتح منابر قناته لقطع الطريق على المختلف المنافس السياسي وانه وجد من المساندة من الذين يطلبون اقصاءه في مخالفته للقوانين وفي صراعه مع نقابة الصحفيين والهايكا ثم في شبهة التهرب الضريبي لقناته والقضية المرفوعة ضده من منظمة انا يقظ

كما لا يخفى على احد حدة خطاب الكراهية والتحريض الذي تعتمده عبير موسي وهجومها المتواصل على القوى الرافضة لنظومة الاستبداد بصرف النظر عن موقعها اليوم في المشهد السياسي. بل انها تجاهر برفضها للدستور وتتوعد التوانسة بدستور جاهز ليكون منحة الحاكم ان صعدت للشعب .فلماذا هذا التغير في المواقف؟ هل اصبح القروي وعبير موسي خطر  على الديمقراطية؟ هل اصلا هؤلاء معنيون بالديمقراطية ليدافعوا عنها

الصراع على اشده في الواجهة الداخلية للبناء السياسي.و الاطراف المشكلة لهذا البناء تعلم جيدا ان مراكز القوة لن تتغير وستظل بيدها وحدها ولابد لها لضمان مصالحها ان تشق طريقها في ظل ضعف الخطاب السياسي للمعارضة بخطاب سياسي "شعبوي" عنيف احيانا يعلي من شأن بورقيبة وبن علي عند الحديث عن لقمة العيش والامن وهو ما افتكه منهم القروي وعبير موسي لذلك لابد من تصفيتهم بحجة الديمقراطية وبمباركة شعبية

الحقيقة ان ذلك كان واردا في السنوات الثلاث الاخيرة على الاقل ولو شعرت الاطراف المقدمة للمشروع والداعمة له بان هذين الشخصيتين يمثلان خطرا عليهم لتم سحقهم من زمان ولكن لانهم "زريعة منظومة الحكم" وهم في جانب ما سند لها فانها حاولت اقتياد المعارضة وطيف واسع من التوانسة الى ذلك .

المشكل ان المتسابقين هم انفسهم والنتائج معدة سلفا او لنقل محسومة في ذهنية النظام السياسي: الحكم له ولمن والاه ولا مجال ليخرج منهم.بقي ان الاتفاق بين مراكز القوة حول الشخصية الجامعة لهذا الطيف الحامي للفساد لم يتم لاسباب تتعلق بطبيعة ونمط الحزب اليوم وعلاقته بالدولة.-مبحث ثان-

من المعلوم ان "النظام الانتخابي ليس الا منهجية اجرائية مضبوطة بقانون لغاية تحويل اصوات الناخبين إلى مقاعد في المجالس المنتخبة وطنيا أو جهويا أو محليا" وان اصندوق الانتخابي ماهو الا الخطوة الاخيرة في الديمقراطية تسبقها خطوات ثلاثه مبادئ لا غنى عنها وهي

- تنظيم عمل مؤسسات الحكم استنادا للقانون

- اعتماد مبدأ التداول السلمي

- تنظيم علاقة الحكم بالمواطنين على أساس المواطنة

و النظام السياسي القائم لم يلتزم بذلك حيث فقط خصائصه الواجب توفرها في كل نظام فلا هو امتلك سلطة عليا في المجتمع ولا انظمته وقوانينه وقراراته اصبحت ملزمة بل اصبح تأثيره على المجتمع سلبيا حيث غابت  القواعد القانونية والسياسية والمجتمعية التي تحكه وفقد واستقلاليته الذاتية النسبية عن بقية الانظمة الفرعية الاخرى من انظمة المجتمع وزاد ان اصبح عاجزا عن التفاعل معها خاصة الاقتصادية منها والاجتماعية وهو ما جعله يتحرك خارج بيئته وفارق أي امكانية للتواصل معها وبالتالي فحديثه عن حماية الديمقراطية بقانون هو اول من يعتدي عليه كذبة

 نفس النظام السياسي فاقد لكل وظائفه فهو عاجز عن تحقيق اهداف المجتمع والدولة في الرفاهية والامن الاجتماعي وغير قادر على تجميع طاقات المجتمع للبناء بل انه يفتتها ويزيد من تقسيمها .هذا التفتيت والتقسيم افقده اية امكانية لدمج عناصر المجتمع وتوحيدها لتغزيز قوة الدولة بما يضمن مصالحها ويحقق اهدافها ولم يعد في الوارد تحقيق العدالة والمساواة بين المواطنين فكان ان فقد اية امكانية لمطابقة الممارسة السياسية بالقواعد القانونية والسياسية الرسمية وبالتالي اصبح كل النظام السياسي موضع تساؤل من حيث مشروعية كل العملية السياسية

ان هذه التنقيحات لا علاقة لها لا بالاقصاء ولا بحماية الديمقراطية بل هي صراع داخلي بين نفس اللاعبين الذين لم يتفقوا بعد على الشخصية الضامنة لمصالحهم خاصة وان الاسناد المالي والاقتصادي تفرق دمه بين الشخصيات المؤثثة لمشهد فاسد وان الامر لا يعدو محاولات تمركز متجددة حول السلطة من قوى النظام القديم وحلفائها ومن القوى التي التحقت بهم في انتخابات 23 اكتوبر مدخلا لدفع الناس الى صندوق انتخابي حقيقته ديمقراطية شكلية[عملية انتخاب قانونية وشفافة] تؤمن استمرار سيطرة قوى متنفذة تتعارض مصالحها والاصلاحات الاجتماعية - السياسية العميقة

 

 بقلم محجوب النصيبي - سيدي بوزيد

 

مصطفى محمد غريبفي البداية نُذَكر أننا لم نفوت أي فرصة سانحة إلا وناقشنا بقاء الإرهاب من عدمه بعدما أعلنت الحكومة العراقية عن هزيمة داعش العسكرية وتحرير الموصل والعديد من المناطق التي احتلها بسبب تهاون سياسة وعجرفة رئيس الوزراء الأسبق، وأكدنا بصريح العبارة أن القضاء على داعش لا يعني هزيمته عسكرياً وعدم وجوده في العراق لان الإرهاب أصبح شاملاً حتى في دول الجوار، ونوهنا أن الطريق الوحيد للانتصار يعتمد طرقاً عديدة منها إصلاح حكومي شامل مع العمل على اجتثاث الفكر الإرهابي والعنفي وهذان المسلمتان لهما شروطاً عملية وعلمية .

-الإصلاح الحكومي أول ما يتطلب التخلص من المحاصصة الطائفية والتوجه الجاد لمحاربة الفساد وفرض القانون ثم العمل على إصلاح القطاعين الصناعي والزراعي لإيجاد فرص عمل للعاطلين عن العمل وبخاصة الشباب والنساء، ومن اجل استتباب الأمن من الضروري التخلص من السلاح المنتشر في يد الميليشيات الطائفية المسلحة لأنها تشكل جزء لا يتجزأ من الإرهاب بشكل عام

- اجتثاث الفكر الظلامي الإرهابي بشقيه السلفي و الأصولي يتطلب وضع برامج تربوية تعتمد على الأسس الوطنية والفكر الإنساني واعتماد الإنسان في عملية البناء والتعمير.

إن الإرهاب بكل أصنافه وألوانه ينمو ويترعرع في ظروف تكاد أن تكون مشابهة في الدول التي لا تحترم حقوق الإنسان في العيش والحرية والديمقراطية، إن ألد أعداء الإرهاب والقوى الظلامية هو الفكر التقدمي التنويري والقوى الوطنية الديمقراطية والحريات العامة والشخصية، حرية التنظيم والرأي والمعتقد والانتماء، ولهذا يلتقي الإرهاب على نهج الفكر الظلامي المعادي للقيم التقدمية الإنسانية مع القوى والميليشيات الطائفية والقومية المتطرفة ذات الأفق الضيق والأخيرة تعتبر نفسها حاملة سيف العنف القومي العنصري تحت طائلة من الأفكار والتوجهات الشوفينية

لقد عانى العراق حقباً غير قليلة من إرهاب الدولة ومؤسساتها الأمنية منذ العهد الملكي وانقلاب 8 شباط الدموي 1963 ثم طوال (35) من الحكم الثاني للبعث بقيادة صدام حسين بعد انقلاب 1968 وهذا الإرهاب تنوعت طرقه وأساليبه فكان، نعم (35) من الدكتاتورية والإرهاب والحروب والكيماوي والأنفال والسجون والمعتقلات والإعدامات والاغتيالات لإخضاع أكثرية الشعب واعتباره قطيعاً من الغنم الجاهزة للقتل والدمار.

1 - إرهاب فكري، بث الإشاعات، التهديدات، والملاحقات، المراقبات لطرق حياة العائلة وعلاقاتها ومستواها المعيشي وانتماءات أفرادها وملاحقتهم في أماكن سكناهم وعملهم.

2 إرهاب جسدي، الاعتقالات التعذيب والسجن لفترات قصيرة وطويلة والمحاكمات الصورية والإعدامات والاغتيالات ...الخ

3 إرهاب معيشي اقتصادي، منع العمل والمحاربة في الرزق والمعيشة أو التعاون بالتهديد والوعيد أو تقديم المغريات للعمل تحت ظل السلطة وأجهزتها الأمنية

4 إرهاب جماعي لخلق حالة من الرعب والخوف والشك وعدم الثقة في مجالات العمل والسكن ومن خلال العلاقات العامة وحتى العائلية منها .

بمجرد سقوط النظام الدكتاتوري في 2003 تنفس أول وهلة الكثير من الذين اكتووا بنار الدكتاتورية والإرهاب والتعسف والملاحقات و راحوا يتطلعون إلى وضع سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي أفضل، لكن سرعان ما انطفأ هذا البصيص من الأمل بإعلان احتلال العراق بعدما كانت الولايات المتحدة الأمريكية قد أعلنت التحرير والتخلص من الأسلحة المحرمة دولياً وإسقاط النظام الدكتاتوري لتحقيق الحريات والديمقراطية، ثم سرعان ما وضحت الأمور أكثر بتعيين حاكم أمريكي مدني " بريمر " من قبل قوات الاحتلال والإدارة الأمريكية، ثم مجلس حكم انشأ على أساس محاصصة طائفية وقومية ضيقة، وهنا تحركت قوى الإرهاب متمثلة حينذاك بفلول حزب البعث والنظام بجانب منظمة القاعدة الإرهابية، فلول النظام سرعان ما قامت بتأسيس منظمات مسلحة بأسماء مختلفة بحجة محاربة الاحتلال بينما نلاحظ في الجانب الثاني قدوم ميليشيات تأسست في إيران أعقبتها قيام ميليشيات طائفية مسلحة هدفها الرئيسي تدمير النسيج الاجتماعي وتبني التصفيات والاغتيالات إضافة إلى شعارها الديماغوغي محاربة الاحتلال وإخراجه من البلاد (للعلم أن الاحتلال ساهم في تسليم السلطة لهم).

إن الحديث عن الجيل الثالث لداعش الذي جاء على ألسنة العديد من المسؤولين وعلى رأسهم أياد علاوي صحيح كل الصحة لان التحركات المشبوهة والنشاطات التي تتبع في العمل الإعلامي والتنظيمي والحربي تدل على التكتيك الذي اتبع من قبل قيادة داعش خطط له حتى قبل هزيمة التنظيم عسكرياً بالاعتماد على تشكيل خلايا نائمة تنتظر الأوامر في الوقت والساعة المحددة وقد جرت تغييرات كبيرة على قوام التنظيم ووضع قيادات من الكوادر غير المعروفة إعلاميا على راس التشكيلات ووفق خطوط تنظيمية منفصلة وتعمل بالآليات جديدة من حيث التعاون والتنسيق، ولاحظنا خلال الفترات اللاحقة تحركات ونشاطات ملموسة تراوحت بين المواجهات المسلحة والاغتيالات والعبوات الناسفة والنشاط الإعلامي للوصل لتحقيق هدف يكون حاسماً في العودة القوية مثل السابق، (مع اعتقادنا أن التنظيم الإرهابي داعش لن يعود بالزخم والسيطرة نفسها لكن الأعمال الإجرامية الأخيرة المتفرقة في العاصمة وامتدت إلى مناطق واسعة)، هذا الشكل من الإرهاب يكمله الشق الثاني الموجود في جوهر الميليشيات الطائفية المسلحة التي تستغل العلنية في " الحشد الشعبي " وهي تمارس دور الإرهاب والعنف بشكل رسمي وأحياناً سري وهو حافز للقوى الإرهابية للعودة والعمل بالسرعة الممكنة، ومن هنا تكمن خطورة الإرهاب بشقيه السلفي والأصولي مهما ادعت الميلشيات الطائفية من ادعاءات بخصوص العميلة السياسية، وبمجرد الإطلاع على التصريحات والتهديدات والأعمال العنفية المسلحة نؤمن أن الطابع الفعلي لهذه الميليشيات لا يختلق عن توجهات الإرهاب بشكل عام، والاختلاف الوحيد هو بالأسماء دون الأهداف التي تعتمد الأعمال الإرهابية التي تكلف بها وتمارسها على الواقع وتعتمد التصفيات وإلغاء الآخر، ولهذا نجد الجيل الثالث ليس محصوراً بداعش فحسب لكنه موجود في التنظيمات المسلحة الأخرى وهي عودة لا بد منها وإحدى أسبابها الرئيسية عدم الالتزام بفتوى المرجعية حول "الدفاع الكفائي" حيث جاء على لسان السيد أحمد الصافي ممثل المرجع الشيعي الأعلى في العراق في بيان المرجعية العليا ونشرته أكثرية وسائل الإعلام "في مثل هذه الأيام قبل خمس سنوات انطلق من هذه المدينة نداء المرجعية الشيعية العليا بفتواها الشهيرة بوجوب الدفاع الكفائي لكل القادرين على حمل السلاح وضرورة الانخراط في القوات الأمنية " وبدلاً من ذلك قام البعض من استغلال الفتوى بشكل مقلوب وأسس على ضوء ذلك الحشد الشعبي من تنظيمات وميليشيات من مكون واحد تقريباً، أما لبعض التفجيرات والأعمال الإجرامية الأخيرة نفت مصادر عديدة كون الهجمات الإرهابية من قبل داعش وأشير في هذا الصدد في تقرير خصص لهذا الموضوع أن "التحقيقات أشارت إلى استخدام سيارات حكومية في تلك الهجمات، تمكنت من اجتياز نقاط التفتيش وحواجز الجيش العسكرية والوصول إلى تلك المناطق واستهداف مواطنين فيها" مما يؤكد صحة المعلومة التي انتشرت بان هناك تنظيمات لميليشيات طائفية مسلحة خلف هذه الهجمات التي كانت بحوالي (42) عملية بين إطلاق الرصاص والعبوات الناسفة وإطلاق قذائف الهاون على المناطق السكنية والقرى، ثم ممارسة الاغتيالات المباشرة وقيادة عمليات التهريب وتكاد أن تكون نصيب ديالى حصة الأسد من هذه الهجمات والتفجيرات والمصادمات المسلحة، وهذا ما أشار له هادي العامري في مؤتمره الصحافي في مدينة بعقوبة الأحد 9/8/2019 حيث لم يتهم داعش مباشرة بل كان اعترافاً باتهام تورط تنظيمات طائفية مسلحة وأوضحَ ضمن العديد من التوضيحات أننا "نخشى من بعض الجهلاء وأمراء الحرب أنهم يريدون إعادتنا إلى الطائفية مرة أخرى" وتأكيداته العديدة حول رفض الطائفية!! " حسب أجوبته " وتوجساته من ردات الفعل بتنوع التفجيرات بين المناطق الشيعية أو السنية وهي عبارات مؤلمة عن ما جرى للعراق ومحافظاته ومدنه من تقسيمات طائفية حتى في السكن، وأشار هادي العامري "لم أدعم أي إنسان متهم بالطائفية، ويجب أن توجه كل جهودنا باتجاه محاربة الإرهاب، ويجب اعتقال كل من يحاول إعادتنا للمربع الأول!!"، إلى جانب ذلك لم تهدأ جبهة داعش الإرهاب من الإعمال الإرهابية وبنوعية جديدة ومناطق متفرقة من البلاد.

إن الجيل الثالث الذي اخذ بالتحرك يتحين الفرصة تلو الفرصة ويقوم بنشاطات متفرقة وصولاً لاستكمال المهمات التي تجعله أكثر قوة وهيمنة والذي يعتمد الإرهاب والعنف حقيقة وليس من استنباطات الخيال كما يحاول البعض الهروب من الحقيقة والسبب يعود حصراً بسبب السياسة الخاطئة وغير المستقرة من قبل الحكومات المتعاقبة ودور الفساد في العملية السياسية وعدم المباشرة في معالجة مخلفات الحرب على داعش وبخاصة المدن والمناطق المدمرة وعدم إعادة النازحين وتعويضهم للمباشرة في دورة الحياة الاعتيادية، وتبقى المسألة مرتبطة بمدى جدية الحكومة في الإصلاح والتغيير والتوجه لبناء المناطق المحررة وإنهاء المحاصصة التي خربت العراق.

 

مصطفى محمد غريب