مصطفى غلمانأختلف مع بنكيران مثلما يختلف كل مهتم بالسياسة وشؤون البلاد. إنه ليس مجرد اختلاف عادي، مادام المنطق يفرض وجود ما يمنحني الفرصة لإبداء وجهة نظري فيما يخص تفكيك العديد من قضايا المجتمع وسياسة تدبير مرفقه الحكومي، الذي كان بنكيران جزءا من نظامه ومكونا أساسا في سلمه التنظيمي.

مبدئيا يمكن القول إن بنكيران مثله مثل باقي الفرقاء السياسيين ليس رجلا خارج مجرة واقعنا السياسي. وليس حالة مبتعثة من نظريات جاهزة، كمن يجدون في ذلك مآلا نظريا للركوب على موجة الشعبوية، أو ما يصفها البعض بالبهلوانية السياسية.

إنه رجل سياسة خرج من جبة اليسار الراديكالي "23 مارس" ذي التوجه الماركسي اللينيني، مرورا بمنظمة العمل الديمقراطي الشعبي ثمانينيات القرن الماضي. وبعدها الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، ثم الاستقلال، قبل أن ينظم سنة 1976 لتنظيم الشبيبة الإسلامية. والقصة بعد ذلك معروفة.

لا أريد هنا الحكم على الرجل من موقع خطابه، الذي يجب أن نعترف باستثنائيته وخروجه عن النص السياسي التقليدي المتعارف عليه. وهي نقطة خطيرة في باراديجم التحولات السياسية والفكرية المعاصرة. من حيث كونها تثير الفضول وممارسة النقد. وقد شدت انتباه المغاربة وأعادت المتتبعين للمشهد السياسي بشكل لم يسبق له مثيل.

لكنني أستحضر خلال هذه الكلمة مجموعة من البديهيات الفكرية التي يمكن تسجيلها خلال تحليلي للظاهرة السياسية بالمغرب والعالم العربي. أولها أن حدود التماس بين النظام والببجيدي خلال فترة حكمه، ابتداء بأول حكومة بعد الربيع المغربي التي ترأسها بنكيران واستمرت إلى الخامس من أبريل عام 2017 أضحت أكثر قربا ومواجهة. بل إنها سجلت مناطق صمت كان يكرس أحيانا اختلافا في الأولويات ـ على الأقل ـ واحتداما في المرجعيات الدستورية وطريقة تدبير الإدارة في العديد من الملفات.

علاقة شذ وجذب بين بنكيران والقصر تلك خلقت مساحة ظل بتأثيرات مجتمعية وسياسية لم يسبق إليها في تاريخ مرعيات الحكم ورمزية السلطان. وهو ما يجعل من بنكيران ظاهرة كلامية شعبية في ظرفية مليئة بالمشاحنات السياسية والتجاذبات الإعلامية المثيرة.

يكفي فقط أن نذكر بمواقف جديرة بالقراءة المتأنية حينما يعمد إلى مخاطبة الملك بمجموعة من الرموز والعلامات التي يحللها أهل الاختصاص أنها "رسائل مبطنة" و " ووسائل ضغط" وردود أفعال أحيانا". ومن أمثلة ذلك كثير نذكر بعضها:" جلالة الملك عينني وأعفاني جزاه الله خيراً"، "أنا مجرد موظف في حكومة الملك"، "لا يقال لا لجلالة الملك"،  "الملك يغضب علي مرة وجوج. عادية راه سيدنا هذاك"، "الملك أحضر لوالدتي هدية من أمريكا"، "الملك جعل لي أربعة حراس يرافقونني أينما تحركت"، أنا ما مطلوبش مني رضا جلالة لملك"، "أنا مطلوب مني السمع والطاعة فيما هو واجب للدولة أو النصح من قبلي لجلالة الملك"..إلخ.

لا يمكن لمتابع سياسي أو إعلامي أن يتجاوز هذا الحس الأنطولوجي الكامن خلف ستار شخصية مركبة وعنيدة، دون أن يلاحظ وجود نسق سياسي بخلفيات أيديولوجية واضحة. فبنكيران يعرف ما يقول، ويدرك ما يريد فعله!

إن عفوية بنكيران وتلقائيته ليست بالضرورة نوعا من السذاجة العقلانية، وليس انغمارا تهريجيا كما يحب الكثير تسميته به، بل يمكن تصنيف خرجاته المثيرة والملتبسة بنوع من كسر الأعراف وتغيير الخطاب التقليدي المتعارف عليه، والواجب مراعات آدابه بين الجالس على العرش وموظفي الحكومة. وهي على أية حال أعراف غير مكتوبة تقضي بتفادي الخوض في شخص الملك وفي قراراته في الفضاء العام.

قبل ما كان يصطلح عليه الإعلام بالبلوكاج السياسي، هناك نزعات قوية لتحليل حالة التدبير الغامض الذي شاب العديد من القرارات الحكومية خلال ست سنوات من رئاسة الحكومة من قبل عبدالاله بنكيران. فقد حمل البيجيدي شعارا براقا تحت يافطة محاربة الفساد والاستبداد ولم يفعل. ضحا بحليفة حزب الاستقلال دون أسباب استراتيجية. بالإضافة إلى غياب منهجية واضحة للتفاوض لدى بنكيران. كما وأن الأخير التجأ إلى قرار الزيادة في الأسعار لحل الأزمة المالية عوض ابتكار الحلول واستقطاب الاستثمارات الدولية وتشجيع الاستثمار الوطني لرفع نسبة النمو للخروج من الأزمة. بالموازاة مع ذلك فشل في الحد من مشاكل دعم المواد الأساسية التي كان يراهن فيها على عملية إصلاح صندوق المقاصة، وأغلق باب الحوار مع الفرقاء الاجتماعيين النقابات، وبالتالي تم فتح الباب أم المجهول وتأجيج الاحتقان الاجتماعي. وانحدرت ميزانيات التعليم والصحة إلى أرقام غير مسبوقة، ما انعكس على صحة المواطنين وتعليمهم وقوتهم اليومي.

هذا بالإضافة إلى عديد مشاكل كانت بالأساس تسبب للمغرب حرجا كبيرا إقليميا ودوليا، من بين ذلك تدهور وضع حقوق الإنسان وتضييق الحريات ومحدودية الالتزام الحكومي بالبرامج المعلن عنها تنمويا وثقافيا ومجاليا.

عموما فإن بنكيران جاء في زمن انتقالي، لم يكن فيه الفراغ الديمقراطي أقل شأنا من مدبريه. فالرجل الذي كان يمثل حزبا سياسيا إسلاميا لم يخبر متاهات الحكم سابقا، ولا كان ممن يؤول إليهم العقد لولا مشيئة أقدار الربيع العربي، الذي اصطفى تجربة احتضان الطوبيا الإسلامية، قبل أن ينبذها أو ينقلب عليها.

إنه أخطأ فيما أخطأ فيه جميع مع سبقوه، راهن على أحصنة خاسرة، وخرج من الحكومة ولم يخرج من القرار الحزبي الذي لا زال يديره من خلف الستار.

بنكيران يمثل شريحة ليست باليسيرة في شعب كان يحتاج لمن يقود أول حكومة بعد دستور 2011 أعطى هامشا لا بأس به لأجل إصلاح ما تبقى من أحلامنا، لكنه فضل التعايش المتردد المسلوب مع ساكني القصر، وهو بذلك يفوت عليه فرصة قراءة الحكمة التي تقول:" ما لا تنجزه اليوم لن ينجز غدا، ولا يجوز للمرء أن يفرط في أي يوم. إن العزم ينبغي عليه أن يمسك بالممكن من ناحيته بشجاعة وعلى الفور. إنه لا يريد أن يفر منه، بل يواصل العمل لأنه ليس منم ذل بد".

وهو ما وقع فعلا !!

 

د. مصــطفى غَــلْمَـان

 

ابراهيم أبراشلأن السلطة والحفاظ عليها أصبحا من منظور غالبية الطبقة السياسية الفلسطينية الحاكمة في الضفة الغربية وقطاع غزة أهم من الوطن، ولأنه ليس بعد وصول هؤلاء للسلطة إلا البحث عن كل ما يكرس هيمنتهم وإطالة عمرهم الوظيفي، كما أن وجودهم في السلطة يخفي عجزهم وفشلهم عن تحقيق ما وعدت به الشعب، لكل ذلك تلجأ هذه الطبقة أو النخبة السياسية لعدة وسائل أو ميكانزمات لإلهاء الشعب وإخضاعه وهي تستلهم أسوء ما في تجارب الأنظمة العربية، مع اضافات ذات خصوصية مستمَدة من الواقع الفلسطيني .

 من أهم هذه الميكانزمات أو الوسائل :

1- تضفي على سلطتها شرعية وهمية وفاقدة الصلاحية سواء كانت شرعية تاريخية أو دينية أو ديمقراطية، والتاريخ والدين وانتخابات المرة الواحدة لا تمنح شرعية سياسية .

2- الاستعانة بالأجهزة العسكرية، سواء كانت أجهزة أمنية رسمية أو ميليشيات وجماعات (مقاومة) لفرض سطوتها وسلطتها، بحيث يمكن القول بأن ما يحكم في مناطق السلطتين هي الأجهزة الأمنية أو حكم (العسكر) .

3- تلجأ للبروباغندا والديماغوجية موظفة خطابا انشائيا ممجوجا يكرر الحديث عن الثوابت والمقاومة والدين والتاريخ المجيد والمصلحة الوطنية، فيحل خطاب التمسك بالثوابت محل الثوابت نفسه، وخطاب المقاومة محل المقاومة، والخطاب الديني وتمظهراته الشكلية محل الدين ذاته، ويتم استحضار الأموات من السلف الصالح والشهداء بشكل مُبَالغ فيه ويقِّولونَهم ما لم يقولونه وينسبون لهم أفعالا لم يقوموا بها، كل ذلك لإخفاء عجزهم وفشلهم .

4- المبالغة في الحديث عن الانتصارات السياسية والعسكرية وهو حديث لا ينطلي إلا على السُذج من الشعب، فكيف تكون انتصارات فيما إسرائيل تواصل احتلالها ومشاريع الاستيطان والتهويد والأسرلة تتواصل في الضفة والقدس، وقطاع غزة ما زال محتلا وفاقدا للسيادة ويعاني من نتائج موجات متتالية من العدوان ومن حصار متواصل وأخيرا يتم مقايضة المقاومة برواتب موظفين وتسهيلات معيشية ؟ .

5- احتكارها للمؤسسات والأجهزة الرسمية الشرعية منها وغير الشرعية والمؤسسات الاقتصادية والخدمية والأجهزة الأمنية والمليشيات المسلحة .

6- تحكَّمها بمصادر التمويل الخارجي سواء التي تأتي بطرق رسمية أو غير رسمية، من فوق الأرض أو من تحتها، أيضا تَحَكُّمها بمفاتيح الاقتصاد المحلي وحركة التجارة .

7- في ظل اقتصاد ضعيف يعيش أغلبيته على التمويل والمساعدات الخارجية جعلها في موقع التحكم في أرزاق الناس من رواتب ومساعدات اجتماعية وحَوَّل الراتب إلى لعنة وأداة خضوع وهيمنة، حيث الراتب مرتبط بالولاء الحزبي بل والشخصي أحيانا .

8- سيطرتها على وسائل الإعلام الرسمية وشبه الرسمية من تلفزيون ووكالات أنباء وصحافة، حتى وسائط التواصل الاجتماعي لا تسلم من رقابتها .

9- انتاج نخب جديدة طفيلية تابعة لتروج أفكارها إعلاميا وعبر وسائط التواصل الاجتماعي وتستعملها كالعصا الغليظة لقمع وتشويه من ينتقدها أو يكشف فسادها .

10- شراء الذمم بالمال والتغاضي عن فساد نافذين في السلطتين والأجهزة الأمنية والأحزاب وصُناع الرأي العام ومؤسسات المجتمع المدني، كما أن القيادات الكبرى في السلطتين توظف في مناصب عليا وحساسة شخصيات ضعيفة ويشوبها الفساد حتى تضمن تبعيتها لها تحت تهديد كشف فسادها المالي أو الأخلاقي .

11- تُعظِم إعلاميا من خلافاتها الداخلية وتصطنع أعداء داخليين لتبرر عجزها عن مواجهة إسرائيل وحتى تتهرب من استحقاق الوحدة الوطنية، وهي في هذا السياق غير معنية بإنجاز مصالحة وطنية حقيقية بل تسعى لتقاسم مغانم السلطة في ظل واقع الانقسام .

12- تلجأ لإستراتيجية الإلهاء بحيث تُلهي الشعب بمشاكل الحياة اليومية، من رواتب والبحث عن وظيفة وأقساط البنوك ومشاكل الكهرباء والماء وتصاريح السفر الخ، حتى لا يفكر الشعب بالقضايا الوطنية الكبرى وحتى يبقى الشعب بحاجة يومية لهذه النخب .

13- يشتغل رموزها الفاقدون للشعبية على إثارة النعرات الجهوية والمناطقية والعائلية للبحث عن الولاء الشخصي، حتى وإن أدى ذلك لضرب وحدة النسيج المجتمعي .

14- عدم الحزم في التصدي لانهيار المنظومة القيمية وانتشار المخدرات والفساد الأخلاقي مما يضعها في شبهة الاتهام بتقصد ذلك حتى تُلهي الشعب وخصوصا فئة الشباب بهذه الأمور وتبعدهم عن الاهتمام بالشأن الوطني العام .

وأخيرا، إذا كانت النخب السياسية الحاكمة وصلت لطريق مسدود وغير قادرة على تحقيق اختراق سواء على مستوى العملية السلمية أو على مستوى المقاومة أو بالنسبة للمصالحة والوحدة الوطنية فعليها أن لا تُسقط فشلها وعجزها على الشعب بالزعم أن الخلل في الشعب وأن هذه إمكانياته وقدراته أو التذرع بالمؤامرات الخارجية، فالفشل فشلهم وليس فشل الشعب والفساد فسادهم وليس فساد الشعب .

الحل يكمن في تغيير النخب السياسية من خلال انتخابات على كافة المستويات مع إدراكنا بأن النخب المتسيدة على رقاب الشعب ستزعم أيضا أن الظروف غير مهيأة للانتخابات وهو زعم مرفوض، أو من خلال انتفاضة شاملة في مواجهة الاحتلال وكل الأطراف التي تريد الحفاظ على الوضع القائم .

 

د. إبراهيم ابراش

 

 

محسن الاكرمينالحقيقة التي ممكن أنها ضاعت منا جميعا، حين افتقدنا لغة النقد للأحداث التفاعلية اللصيقة بين تجليات الماضي الذي ما انفك يمضي  ومظاهر الحاضر الذي مافتئ يجيء. هو اعتراف لن يكون مضمنا بالتعويم، بل يجب أن يكون عنصرا منفردا ورئيسا للبحث، وبه بالضبط ينبغي البدء.

ما أسباب تناوب فشل مخططات التنمية بالمغرب؟، هل الفساد والريع له جذور ثابتة تأتينا من الماضي؟، كيف يمكن تحقيق تنمية تفاعلية في حاضر لازال يئن من مظاهر فساد آت من التاريخ الماضي؟، كيف لنا أن نستشعر تاريخا مشوشا ممكن ألا يحدث في المستقبل بفعل رؤية ضبط استشرافية نسلم من أزماتها المدوية؟.

حقيقة لا مفر من ذكرها حين أصبح النقد عندنا يرتبط بكلام الفوضى ونعوت السلبية، ولا يخرج سالما من خلق منصات الالهاءات ومفرقعات الطواحن الهوائية. حين صار البعض منا يركب على سلم النقد ولا يستوفي ترتيب المتغيرات بين الماضي والحاضر، حين بات النقد مرادفا لسوء لعنة السب والشتم، ويصيب الأشخاص بدل التدبير والأفكار.

حقيقة للكتابة سحر منهج تاريخي، يسجل الأحداث الماضية ويعالجها بالبحث والتقصي والنقد من أجل فهم واقع الحاضر. وهي أحداث حاضر تتكرر لزوما بطرق مشابهة مع اختلاف الأدوات والمتغيرات ولما حتى النتائج. لنقل صدق الحق ونعترف أن  صورة الماضي الحاضرة بيننا ممكن استغلالها في تفكيك أحداث شبيهة في حاضرنا أو في مستقبلنا لسد متاريس الفساد، كما أعتبرها من البراهين التي من خلالها يمكن استشراف المستقبل بدون حواجز سالبة.

حقيقة المحفز الذي شجعني على ركب مغامرة الكتابة عن (المنهج التاريخي) هو أني أبتغي فتح نقاش سليم وعقلاني يربط الماضي بالحاضر والمستقبل الذي ما فتئ يجيء بمتغيرات غير متحكم فيها بالتمام، هو أني أطمح إلى فتح نقاش خصب يؤسس لرؤية النقد البناء دون خلفية الهدم التي تسكن البعض منا،هو أني أرى تاريخنا ساكنا لا يكشف لنا عن مفاتنه ولا يضع تفسيرا حقيقيا عن مكاشفة عوراته الماضية السالبة. الآن، ممكن أن نقول حان الوقت لتفكيك متلازمة المتغيرات، وعدم الثقة بأي متغير غير صادق لمجابهة أحداث الحاضر بثقة وأمان.

نتساءل وبدون استحضار أجوبة مسلمات، هل الماضي يتحكم في الحاضر من خلال توارث الفساد والريع ؟، هل حقا ضيعنا نصف قرن من التنمية  الفعلية في جدال سياسي بين الأحزاب الوطنية والقصر؟، هل بتنا نكرر تلك التجربة (البوليميك) بمتغيرات أخرى ومواصفات رديئة أشعلت التناحر بين الأحزاب السياسية بعينها، بدل الانكباب على شق التنمية العادلة؟، هل بمقدورنا حل المشكلات المعاصرة على ضوء خبرات الماضي الصامت بكفن الفساد؟، هل من اللازم حل مشكلات الماضي بجبر الضرر والتصالح مع كرامة الشعب، والقضاء على الفساد والريع؟، هل كنا نعيش كرامة العيش بالماضي تجاه إخفاقها في الحاضر؟، ما هي أولويات بدء الإصلاح والتصالح مع الذات والآخر والعيش المشترك؟.

نعم نعيش مشكلات وضعية مستجدة في حاضرنا، نعيش رواسب فساد وريع خبرتنا الآتية من ماض محفوف بالعراقيل المميتة، نعم نعيش مشكلات نكوص تفكير تلازمنا حتى من الماضي القريب من الحاضر، بقوة أنها لم تتخلى عن صور الفساد والريع والوصولية والانتهازية، ولازالت تحمل معها تفكير قصص تاريخ ( حديدان وجحا)  المستوفية للغة سلوكية قائمة على النصب والاحتيال وتثبيت فواصل الفساد في العقول والأرض.

حقيقة أننا لا نقدر على المزاوجة بين (النص /المبدع /المتلقي/ الأثر)، لكني أعتبر مظاهر الحاضر المتشنج بالتوتر، هو نتاج لتلك التنمية الطريحة في  فراش أمراض الفساد والريع الماضية. تنمية فشلنا بفضح رواسب مظاهرها في الحاضر/ الماضي  سواء منها الخصبة أو القاحلة.

حينما  أصبحنا لا نمتلك القدرة على توصيف حلول لمشكلات الحاضر بالتصويب والتعديل الحكيم، لأن أصحاب الفساد والريع لا يريدون حلولا كاشفة، بل يعيشون النشوة والترقي الاجتماعي من مستنقع الأحداث غير السليمة.

 

ذ. محسن الأكرمين/ المملكة المغربية.

 

صائب خليل"الحرس الثوري الإيراني" لن يجد إعلان وضعه على قائمة الإرهاب، أمراً مخجلاً، حين يعرف من سيكون برفقته في قوائم الغرب تلك. بل لعل بعض الشخصيات والمنظمات فيها، ما يدعو للفخر، ومنهم رمز السلام واللاعنف نفسه، المهاتما غاندي! فقد بيعت في مزاد علني عام 2013، وثيقة بريطانية تعود إلى عام 1932، وصفت غاندي وحركة العصيان المدني التي يقودها بـ "الإرهاب" ووصفت الاعمال التي تقوم بها الحركة في البنغال، بالأعمال الإرهابية!(1)

حين يوصف أعلى رمز انساني لـ "اللاعنف" بالإرهاب، يصبح من حق المرء أن يتساءل عن معنى تلك الكلمة، وهل يبقى فيها بالفعل إساءة إلى من يوصف بها... أم العكس؟

وفي سابقة أخرى مثيرة، لم تتردد أميركا بوصف مانديلا، الذي حمل جائزة نوبل للسلام لاحقا، بالإرهابي، وإبقاءه في تلك القائمة لسنوات طويلة حين كان يزعج الحكومة العنصرية في جنوب افريقيا، التي كانت اميركا وإسرائيل من اشد داعميها. وحين سقطت تلك الدولة بفضل كوبا (المتهمة هي أيضا من قبل اميركا) وتعاون الشعوب على فضحها، وبدا أن هذا "الإرهابي" مانديلا سيقود البلاد، لم تكتف أميركا برفعه من لائحة الإرهاب، بل قلده الرئيس الأمريكي اعلى الأوسمة الأمريكية، ليرأس لاحقاً اول حكومة لا عنصرية لجنوب افريقيا!

وقبل فترة وجيزة وضعت الحكومة البريطانية الجناح السياسي من "حزب الله" في ذات القائمة، رغم انه جزء أساسي من البرلمان والحكومة اللبنانية، ورغم ان بريطانيا تعترف بالتمثيل النيابي للجناح السياسي للحزب الجمهوري الإيرلندي، الحزب الذي مارس الإرهاب وتفجير المدنيين بحق، وفي داخل لندن وايرلندا! وهذا يضع المزيد من علامات الاستفهام على تلك التسميات.

وقد كسب حزب الله هذا اللقب إثر قتاله لتحرير لبنان من الاحتلال الإسرائيلي، وبقي على لائحة الإرهاب الأمريكية، التي امتنعت أوروبا عن مشاركتها، رغم الضغوط الامريكية المتزايدة، حتى انفردت بريطانيا بالإذعان لها مؤخرا.

بالمقارنة كان حزب مانديلا "المؤتمر الوطني الأفريقي" قد ناضل لخمسين عاماً نضالا سلميا، لكنه لم يتمكن من تحرير بلاده من العنصريين البيض إلا بحمل السلاح، حين قال مانديلا انهم جربوا كل الطرق الممكنة وكانوا يجابهون دائما بأشد العنف، ثم اكتشف أنه "في لحظة معينة، تكتشف انه لا يمكن محاربة النار إلا بالنار". وهكذا قرر ان يصبح "إرهابيا" فيدافع عن نفسه وشعبه بكل الطرق، ومن ضمنها الكفاح المسلح ضد العنصرية. وفي سجنه الطويل، رفض مانديلا التعهد بعدم حمل السلاح مقابل اطلاق سراحه. وحين تكلل جهاده بالنجاح، ولم تعد محاربته مجدية، وفقد لقب “الإرهابي” جدواه، تراجعوا واعطوه جائزة نوبل للسلام!

832 غاندي

غاندي لم يستخدم العنف ابداً، لكنه قال بوضوح انه لا يسمح للجبن ان يختبئ وراء مبدأ "اللاعنف" وانه لو خير بين الخنوع للظلم والعنف، فإنه سيختار العنف. لم يضطر غاندي لاختيار العنف، لكن ذلك لم يمنع دولة الغرب العظمى حينها أن تمنحه شرف لقب "إرهابي"!

وهكذا، نجد في كل مرة أن تعريف الإرهابي، بأنه من يدافع عن نفسه ووطنه وحقه في حياة عادلة. وكنتيجة منطقية، يمكن الشك بكل من لم يحظ بشرف لقب إرهابي، بأنه قد يكون متخاذلاً في الدفاع عن نفسه وشعبه! وعندها تصبح هذه التسمية تصبح إشكالية بشكل كبير، خاصة عندما يتم تغيير لقب الإرهابي مباشرة الى مناضل، او حتى حامل لجائزة نوبل للسلام، عندما تقتضي مصلحة دولة ما ذلك!

تغيير الإرهابي إلى بطل أو حليف ليس حالة نادرة. فأعضاء القاعدة طالما وصفوا بأنهم رجال التحرير والأبطال، حينما كانوا يحاربون الحكومة الشيوعية الأفغانية، لكنهم تحولوا إلى رمز للإرهاب بعد انتفاء الحاجة لهم، وبعد مسرحية 11 سبتمبر كان لقبهم الإرهابي ضروري لإعطاء الضوء الأخضر للولايات المتحدة لتشن الحروب كما تشاء في المنطقة ولتنتهك القوانين الدولية في كل مكان، حتى في أوروبا وأميركا وكندا وغيرها.

وفي مناسبة أخرى، وصف كلنتون "جيش تحرير كوسوفو" بأنه "منظمة إرهابية بدون أي شك"، ثم تم تحويله لاحقاً إلى "قوات حماية كوسوفو" التي عملت الى جانب حلف شمال الأطلسي في عملية تحطيم يوغوسلافيا، التي كانت الدولة الاشتراكية الوحيدة التي صمدت للعاصفة، وتم انتخاب أغيم شيكو القائد السابق للجيش "الإرهابي"، رئيسا لكوسوفو بمباركة أمريكية طبعاً.

منظمة التحرير الفلسطينية كانت "إرهابية" عندما كانت تدافع عن الشعب الفلسطيني، لكن ما ان وقع رئيسها عرفات اتفاقيات مناسبة مع إسرائيل حتى أخرجت المنظمة ورئيسها من القائمة عام 1994، ليحصل أيضا على جائزة نوبل للسلام... وأي "سلام"!

وكان نتانياهو قد كشف قيادة إسرائيل لأميركا في مسألة وضع الحرس الثوري في قائمة الإرهاب كما في غيره من مواقفها في الشرق الأوسط حين صرّح: "إن الرئيس دونالد ترامب قد استجاب "لطلبي"، شاكراً إياه لذلك، وهو ما يثير المزيد من الشكوك في دوافع تلك الحركة.

في العراق، وضعت عدد من المنظمات والحركات التي سعت لطرد الاحتلال الأمريكي من العراق، والتي لم تنثن عن موقفها في ذات القائمة، مثل حركة النجباء وامينها العام اكرم الكعبي، ولا ندري ما سيتمخض المستقبل عنه.(2)

رداً على وضع حرسها الثوري في قائمة الإرهاب، بادرت إيران مبادرة جميلة ومثيرة للاهتمام، وأعلنت اعتبار القوات الأميركية المنتشرة في المنطقة "جماعات إرهابية"، والولايات المتحدة "دولة راعية للإرهاب"!(3)

وبعد هذه المبادرة الإيرانية، يصبح التساؤل مطروحاً ومشروعا في كل مكان في العالم: أيهما هو الإرهابي؟ تعريف من للإرهاب يجب ان نتبع؟ وأي القائمتين هي الأصدق؟

لذلك دعونا نسأل أولاً: ما هو الإرهاب؟ ومن نسأل عن تعريفه؟ اميركا أم إيران؟

أميركا تحت إدارة ترمب لا تبدو بوضع يؤهلها لتحديد من هو الإرهابي، لأن هذه الإدارة سجلت رقما قياسياً في عدد المجرمين المدانين فيها، متفوقة على كل الإدارات الأمريكية السابقة الفاسدة والمجرمة. حيث تمت ادانة عدد من اهم المسؤولين فيها بجرائم وصلت احكامها إلى اكثر من سبع سنوات في السجن!(4) وقبل ثلاث سنين وصف جومسكي الحزب الجمهوري الأمريكي بأنه أصبح "اخطر منظمة على البشرية في التاريخ"!(5)

دعونا نعطي أميركا فرصة أخرى بالعودة الى إدارات أقل اجراماً ونرى تعريفها للإرهاب.

يقول البروفسور اليهودي الأمريكي نعوم جومسكي: "هناك تعريف رسمي تجده في القانون الأمريكي أو كتب تعليمات الجيش الأمريكي، وفي احدها تجد: "الإرهاب هو استعمال العنف أو التهديد باستعماله، وبشكل محسوب للوصول إلى اهداف أيديولوجية، سياسية او دينية، من خلال الترهيب والإجبار أو زرع الخوف."

الإدارات الأمريكية رفضت استخدام هذا التفسير للإرهاب في مشروع معاهدة دولية ضد الإرهاب بمبادرة رئيس الأمم المتحدة السابق كوفي عنان، لأن ذلك يورطها بنتائج لا تناسبها، كما يقول جومسكي، الذي يكمل: فالسياسة الامريكية القائمة على "الصراع المخفف" تكاد تنطبق على هذا التعريف! لذلك يجب صياغة التعريف بشكل "مناسب" (للولايات المتحدة).

ويشير جومسكي إلى حادثة معبرة فيقول أن الجمعية العامة للأمم المتحدة أصدرت قراراً شديد اللهجة لإدانة موجة الإرهاب التي حدثت في كانون الأول عام 1987، ودعت جميع الدول لمحاربته بكل الطرق. نتيجة التصويت مواقفة جميع الدول عدا الهندوراس التي امتنعت عن التصويت، وصوتت بالضد، الدولتان المعتادتان، الولايات المتحدة وإسرائيل.

لماذا تصوت الولايات المتحدة وإسرائيل بالضد من قرار يدين الإرهاب؟ هناك سبب: السبب هو وجود فقرة في النص تقول:

"لا يفهم أي جزء من هذا القرار على انه يحدد من حق الشعوب المكافحة ضد الأنظمة العنصرية والاستعمارية، أو الاحتلال العسكري الأجنبي، في الاستمرار بمقاومتهم وبمساعدة الآخرين، والدول الأخرى الداعمة لقضيتهم العادلة".

المشكلة هنا أنه كانت هناك قوة "إرهابية" (في نظر اميركا وإسرائيل) في جنوب أفريقيا هي "المؤتمر الوطني الأفريقي"، بينما كانت حكومة جنوب افريقيا العنصرية حليفة لهاتين الدولتين والقرار يعني دعم المؤتمر ضدها. وهناك أيضا المناطق الإسرائيلية المحتلة. وكذلك كانت إسرائيل تحتل جنوب لبنان وتتعرض لمقاومة حزب الله "الإرهابي" (في نظرهما)!

ويشير جومسكي أن اميركا لا تضع الفيتو فقط على هذه القرارات، بل تمحوها من التاريخ أيضا. وانك لو بحثت في مصادر الإرهاب فمن الصعب ان تجد ذكراً لهذه الحادثة.(6)

هذا كله يجعل الأمر اكثر صعوبة بالنسبة لأميركا ويدفعنا نحو تعريف ايران. لكن دعونا نتساءل ببساطة: من هو الإرهابي؟

الإرهابي هو من يرهب الناس، فممن يخاف الناس العاديون في العالم؟ من تعتبر الشعوب الأخطر بالنسبة لها، أميركا أم الحرس الثوري الإيراني؟

الخارطة المرفقة تمثل تصويت الشعوب على هذا السؤال، ونلاحظ أن الغالبية الساحقة من الشعوب تتفق مع ايران ان أميركا هي التي ترهبها، والحقيقة انه عدا اميركا وكندا وبريطانيا ودولة أوروبية أخرى لا يبدو ان احداً يخاف من ايران أو حرسها الثوري.(7)

نلاحظ ربما ببعض الدهشة ان من ضمن الشعوب التي تعتبر اميركا اخطر الدول، استراليا والعديد من دول أوروبا وتركيا واليابان، وكذلك كل دول جارتها أميركا الجنوبية، والمكسيك التي قال احد رؤسائها يوما: "مسكينة المكسيك.. ما ابعدها عن الله واقربها من أميركا"، ويبدو ان المكسيكيين متفقون مع رئيسهم ذاك على هوية الإرهابي.

وهناك قصة أخرى عن الإرهاب بين اميركا والمكسيك: فقد اجتمع الرئيس الأمريكي السابق جون كندي مع وزير خارجية المكسيك ليدعوه للتعاون بينهما لـ "درء الخطر الكوبي"! فابتسم الوزير واجابه: "بودي التعاون معك يا سيادة الرئيس، لكني اخشى إن قلت لشعبي أننا نخشى الخطر الكوبي، أن يموت 40 مليون مكسيكي من الضحك"!

ولا ندري لماذا لا يموت الكنديون أو غيرهم من الضحك ، حين يقال لهم أن "الحرس الثوري" هو الذي يمثل الخطر عليكم وانكم يجب ان تخافوه وليس الدولة التي تصرف على جيشها بقدر ما تصرف جيوش العالم مجتمعة، وتتشر 900 قاعدة عسكرية في العالم، مجهزة بأشد الأسلحة النووية ويحكمها اليوم عصبة من المجرمين المتهورين.

 

صائب خليل

...........................

 

 (1) British Parliament paper declaring Gandhi a terrorist

https://www.mullocksauctions.co.uk/lot-60927-quotrare_british_parliament_paper_declaring_gandhi_quotquott.html?p=26

(2) وضع حركة النجباء وامينها العام اكرم الكعبي ضمن قائمة الإرهاب في اميركا

https://www.facebook.com/mazin.poayge.7/videos/148310889529748/

(3) إيران تعلن الولايات المتحدة «دولة راعية للإرهاب»

 http://alwasat.ly/news/international/241373

(4)  Mueller indictments: everyone charged in the Russia investigation - Vox

 https://www.vox.com/policy-and-politics/2018/2/20/17031772/mueller-indictments-grand-jury

(5) Noam Chomsky: 'The Republican Party Has Become the Most Dangerous Organization in World History' - EcoWatch

 https://www.ecowatch.com/noam-chomsky-trump-2093271018.html

(6) جومسكي عن تعريف الإرهاب ومحو الحقائق

http://www.inf.fu-berlin.de/lehre/WS06/pmo/eng/audio/Chomsky.pdf

(7) map-of-nations-question-which-country-largest-threat-world-peace

https://www.indy100.com/article/map-of-nations-question-which-country-largest-threat-world-peace-donald-trump-7590086

 

علي جابر الفتلاويما يجري في ليبيا والبلدان العربية الأخرى هو صراع بين تيارين كل منهما يدعي المرجعية الدينية السياسية، التيار الوهابي بقيادة السعودية، والتيار الديني الآخر بقيادة حركة الإخوان المسلمين، ولا أرى فرقا بين التيارين في التطرف، وتكفير الآخر المختلف، والتصالح مع المغتصب الصهيوني، يتبنى خط حركة الاخوان في الساحة السياسية اليوم، قطر وتركيا بقيادة حزب العدالة والتنمية، إضافة للأحزاب السياسية الدينية التابعة لحركة الأخوان الموزّعة في البلدان العربية والإسلامية  تحت مسميات مختلفة؛ اختلاف في العناوين والاسماء والفكر والاتجاه والهدف واحد. المال السعودي موظف لخدمة الحركات والتنظيمات والحكومات الواقعة ضمن دائرة النفوذ الوهابي للحكومة السعودية، والمال القطري موظف لخدمة جماعات الاخوان حكومات وأحزاب سياسية دينية، ومنها حكومة حزب العدالة والتنمية في تركيا، وكلا الاتجاهين السعودي والقطري مُجنّدان لخدمة المصالح الأمريكية والصهيونية في المنطقة.

الهدف الرئيسي للمحورين التسابق في أيهما يقدم  خدمة أكثر للسيد في البيت الأبيض وتل أبيب، وهذا الأمر بات واضحا مكشوفا، من خلال استعراض الساحة السياسية العربية والإسلامية، ومؤشرات ذلك هرولة ولهاث دول المحورين باتجاه مشروع التطبيع مع إسرائيل، لتهيئة الظروف المناسبة لصفقة القرن السيئة الصيت لتصفية القضية الفلسطينية بشكل نهائي، بمباركة أغلب الحكومات العربية، ولا ننفي وجود بعض السياسيين في العراق يعملون ضمن المحور السعودي أو القطري، لكن هؤلاء لا يستطيعون الإعلان عن أنفسهم، إنما يتصيدون الفرص في ذلك، لوجود التيار السياسي الشعبي الأقوى المناوئ للمشروع الأمريكي الصهيوني.

المحوران السعودي الاماراتي، والقطري التركي، يتنافسان ويتسابقان في تنفيذ المشروع الأمريكي الصهيوني، وحكومة أردوغان جزء من هذه اللعبة، لهذا اتخذ الشعب التركي قراره في تصفية حكومة العدالة والتنمية الاخوانية من خلال نتائج الانتخابات الاخيرة التي جرت يوم 2/ 4/ 2019م، إذ جاءت النتائج لصالح المعارضة، لكن من المتوقع أن يلغي اردوغان هذه الانتخابات التي خسر فيها حزبه وربما تعاد بهدف تغيير النتائج لصالح حزب العدالة والتنمية.

 هذه طريقة الاخوان المسلمين في التعامل مع العملية الديمقراطية، وهذا ما جرى في مصر عندما وصل الأخوان للسلطة بسلّم الديمقراطية، جماعة الأخوان المسلمين يرون أنّ فوزهم يعني نزاهة الانتخابات وخسارتهم تزوير لها، يطالبون بالديمقراطية، حتى إذا وصلوا كرسي الحكم، يحطمون قواعد اللعبة الديمقراطية السلميةة، كي يبقوا في الحكم بشكل دائم. وهذا ما يريده اردوغان وحزبه اليوم، فدعا لإعادة العدّ والفرز.

صراع المحورين مجرد صراع نفوذ، والهدف لكلا المحورين السيطرة على الحكومات على حساب مصالح الشعوب، سباق من أجل كسب ودّ السيد الأمريكي الصهيوني على حساب مصالح الشعوب المظلومة والمؤيدة لمحور المقاومة؛  ما يجري في الساحات العربية اليوم هو نتيجة من نتائج توظيف المال الخليجي المنهوب من شعوب هذه البلدان، توظيفه في خدمة المشروع الأمريكي الصهيوني. واجب المحورين خلق الأزمات والحروب والارهاب في المنطقة، إتجاه مدعوم من المال السعودي، وآخر مدعوم من المال القطري، وكلا الاتجاهين مدعومان من المحور الأمريكي الصهيوني، وسيبقى المحوران في صراع لإضعاف الشعوب  وإيقاع أكبر قدر من الخسائر في صفوفها، وفي حال رأت الحكومة الأمريكية والصهيونية أن المصلحة في توحيد مواقف المحورين فستتوحد، وتزول الخلافات فورا، فالهدف المركزي لأمريكا وإسرائيل من خلال أدواتها من الحكّام، إيقاع أكبر نسبة من الخسائر في صفوف شعوب المنطقة، حتى ترضخ أخيرا للمشروع الأمريكي الصهيوني في صفقة القرن، وغيرها من المشاريع.

كانت الخدمة التي تقدمها حكومات المحور السعودي أو القطري إلى إسرائيل تجري في الخفاء، لكنّها انتقلت اليوم إلى مرحلة جديدة، إذ أصبحت مسارات التطبيع مع إسرائيل علنية، وكذلك العمل من أجل صفقة القرن التي يباع فيها الشعب الفلسطيني وفلسطين من أجل عينيك إسرائيل، زيارة الوفود الصهيونية إلى الحكومات الخليجية أصبحت علنية، بعد أن كانت تجري في الخفاء، فلا خوف أو حياء بعد اليوم.

ما يجري اليوم في ليبيا يقع ضمن محور صراع الاتجاهين السعودي الاماراتي الوهابي من جهة، والقطري التركي الاخواني من جهة أخرى، التيار السعودي الاماراتي في الساحة العربية اليوم هو الأقوى، خاصة بعد سقوط حكومة محمود مرسي الإخوانية في مصر، وكان للمال السعودي الاماراتي وبقية دول هذا المحور دور كبير في اسقاط حكومة الاخوان، فتولى الحكم عبد الفتاح السيسي الذي يسير الآن وفق معطيات وتوجيهات محور السعودية.

الشعب الليبي اليوم هو ضحية صراع المحورين السعودي القطري، حكومة الوفاق الليبية بقيادة فايز السراج، مدعومة من الاتجاه القطري التركي، مما دعى الاتجاه السعودي الاماراتي ومحورهما، لدفع خليفة حفتر قائد الجيش ليقود حراكا عسكريا ضد حكومة فايز السّراج التي أيدتها الامم المتحدة لتقود الفترة الانتقالية، لكن ذلك لم يعجب السعودية والامارات ومحورهما من الدول العربية ألأخرى، فدعوا خليفة حفتر قائد الجيش الليبي، الذي يسير بتوجيهات محور السعودية، لاسقاط السّراج لأنّ القضية هي صراع نفوذ ومصالح، تحرّك حفتر بدفع المال السعودي الاماراتي ومحورهما مع تأييد حكومات هذا المحور مثل حكومة عبد الفتاح السيسي، والنتيجة  ضحية هذا الصراع على السلطة، سفك المزيد من دماء الشعب الليبي، ومثل هذا الصراع جرى أيضا في الساحة السورية، ولا زال في بعض المدن السورية مثل ادلب، إذ تتصارع مجموعات إرهابية تابعة للمحورين.

مشهد مأساوي يُعرَض اليوم في الساحة الليبية، المشاهدون بين من يبكي بدموع تُقرّح الخدود من أبناء الشعب الليبي ومحبيه، وبين مُصفّق ضاحك فرح بما يشاهد من سفك للدماء، الفرحون هم الصهاينة والأمريكان والذيول من الحكام خاصة حكّام الخليج، الذين يدفعون المال بسخاء من أجل القتل والدمار، أصبح المال الخليجي مصدر للخراب والقتل ليس في الساحة الليبية فحسب، بل في جميع ساحات الدول العربية والإسلامية، ما شاهدنا ونشاهد اليوم من قتل وتخريب في سوريا واليمن والعراق وليبيا، مصدره المال الخليجي الموظف لخدمة المشاريع الامريكية الصهيونية في المنطقة، أما بقية الحكام العرب، منهم من يصطف مع المحور السعودي الاماراتي أو القطري التركي، والغالبية من الحكام العرب يميلون للمحور السعودي، كحكومة عبد الفتاح السيسي المصرية، لذا أصبحت مصر اليوم هدفا لإرهابيي الخط القطري التركي التابع لحركة الاخوان المسلمين، وكلا المحورين تحت رعاية ونفوذ الحاكم الامريكي والصهيوني.

نحن نعيش في عصر الانحاط العربي، وآخر تصريح خليجي جاء من وزير خارجية عمان يوسف بن علوي، عندما دعا إلى طمأنة إسرائيل وتبديد مخاوفها بشأن استمرارية وجودها، وجاء تصريحه في مؤتمر (المنتدى الاقتصادي العالمي حول الشرق الاوسط وشمال أفريقيا)، المنعقد في منطقة البحر الميت بالأردن بتأريخ 6/4/2019م، جميع حكام الخليج موظفون عند الحاكم الامريكي، ينفذون ما تريده أمريكا، لذا فالعلاقات الخليجية الاسرائيلية مستمرة ولم تنقطع في السّر أو العلن، إذ زار نتنياهو عمان في وقت سابق، وهناك زيارات متبادلة مع اسرائيل بين جميع دول الخليج، ودول عربية أخرى علنية أو سّرية، أما مصر والأردن فالعلاقات علنية فهناك تبادل سفراء.

 في عصر الانحطاط هذا:

هل نتوقع من هؤلاء الحكام العرب في كلا التيارين، انتصارا للمظلوم على الظالم؟؟ لا نتوقع ذلك، فعلى الشعب الفلسطيني، بعد وضوح الصورة، أن يعتمد على الله أولا، وعلى نفسه والأخيار الذين يقفون إلى صفّه ثانيا، والقاعدة الإلهية الجهادية تقول: في الصبر والصمود بوجه الظالم، ينتصر المظلوم عاجلا أم آجلا.

 

علي جابر الفتلاوي

 

كاظم الموسويعادت من جديد تظاهرات العمال في أركان الوطن المبتلى، الغني بالثروات والطاقات والفقير بالإنجازات والخدمات. كانت التظاهرات العمالية مؤشرا واضحا عن انسداد افاق التعاون بين العمال وأصحاب رؤوس الأموال والعمل، وكانت السلطات تواجهها بالنار والحديد. واليوم عادت التظاهرات لتكشف عن استمرار الأزمة وان اختلفت الظروف.

الحركة الصناعية والتجارية في العراق تعرضت لضربات قاتلة وخطط مميتة، فعطل العمل في الكثير من المصانع والمعامل، ولكل اسبابه، وأبرزها الحروب والصراعات الحربية العسكرية الدموية. ومن بقي من المصانع والمعامل لم يجر تحديثه وتطويره والحجج كثيرة والتبريرات اكثر. ولما تزل خطط الاعمار والنهوض العمراني في العراق موضع جدل وتباين رؤى، لأنها إذا ما نفذ منها ما يخدم تطوير البلاد وتقدمه فإن هناك من يعمل بالضد منها ويسعى فعليا للإعاقة والتاخير، ولا يجد أحد جوابا شافيا كافيا لما عليه الحال اليوم.

أغلب التظاهرات سلمية وبقيادة أو بتنسيق مع النقابات، ومطالبها مهنية وتركز على المصالح الوطنية، فمثلا عمال محافظة ديالى يطالبون بصرف أجورهم ومستحقاتهم المتأخرة، وفتح المصانع ودعم المنتج المحلي. وعمال محافظة النجف يطالبون بزيادة الأجور وضمان الحقوق التقاعدية. أما عمال محافظة كركوك فكانت مطالبهم بتفعيل الصناعة المحلية وعدم استقدام أياد عاملة من خارج البلاد، كذلك طالبوا بحقوقهم، وحماية المنتج الوطني ودعم الصناعة. وفي محافظة البصرة تظاهرة نظمها اتحاد نقابات العمال بالاشتراك مع غرفة الصناعة في المحافظة للمطالبة بحماية المنتج الوطني ودعم قطاع الصناعة للنهوض بالاقتصاد العراقي.

قال رئيس غرفة الصناعة في البصرة ماجد رشد عبد الله لوكالة أنباء "السومرية نيوز"، إن "المشاركين في التظاهرة احتشدوا قرب مقر اتحاد نقابات العمال في شارع السعدي للمطالبة بدعم المنتج الوطني ودعم الصناعات الوطنية وتحسين ظروف العمال وتقديم تسهيلات كمركية خلال استيراد المواد الأولية"، معتبراً أن "الاقتصاد العراقي لا يمكن أن ينهض ويتطور من دون تشجيع الصناعة الوطنية وحماية المنتج المحلي من المنتجات المستوردة المنافسة".

رئيس اتحاد نقابات العمال في البصرة جاسم محمد الصالحي  صرح للوكالة نفسها، إن "مطالبنا الأساسية هي دعم الصناعة الوطنية، وتمكين القطاعين الخاص والمختلط، وتقليل الاعتماد على الثروة النفطية، وحماية حقوق العاملين في المنشآت والمشاريع الصناعية"، موضحاً أن "من الضروري تشغيل المصانع الحكومية المعطلة، وتفعيل السيطرة النوعية للحد من تدفق البضائع المستوردة الرديئة ". ولفت الصالحي الى أن "التظاهرة تزامنت مع تظاهرات مشابهة في محافظات أخرى دعا اليها الاتحاد العام لنقابات العمال"، مضيفاً أن "مطالبنا ستقدم من قبل الاتحاد الى مجلس الوزراء، وستكون لنا تظاهرات ووقفات أخرى في حال عدم تلبيتها".

واضاف رئيس الجمعيات الفلاحية في البصرة حامد عبد الله بإن "تنشيط القطاع الصناعي سوف يقلل البطالة ويلقي بظلاله بشكل ايجابي على قطاعات أخرى من ضمنها الزراعة"، مبيناً أن "القطاع الزراعي بحاجة الى وجود معامل للألبان ومصانع للتعليب وإنتاج منتجات زراعية من بينها معجون الطماطم".

اما عمال محافظة كربلاء فقد أعلنوا عن  13 مطلباً في تظاهرتهم امام اتحاد النقابات العمالية في المحافظة للمطالبة بحقوقهم المشروعة. وكانت أهم المطالب في بيان التظاهرة، التي تلخص أغلب المطالب وتعبر عن وضع العمال والعمل والنقابات:

1 ــ عمال العراق بناته الحقيقيون يناشدون الحكومة بتلبية مطاليبهم المشروعة وتفعيل الصناعات الوطنية.

2 ــ الاتحاد العام لنقابات العمال يطالب الحكومة بحماية المنتوج الوطني.

3ــ الطبقة العاملة العراقية تدعو الحكومة في دعم القطاعين الخاص والمختلط والتعاوني وتفعيل دورها في دعم الصناعة الوطنية لتحجيم البطالة.

4ــ اعادة الحياة والادامة الى مصانعنا واعادة العمال الى المصانع والشركات هدفنا ولن نتراجع عنه أبداً.

5 ــ صناعتنا هويتنا/ شعار يرفعه عمال العراق لتحقيق الازدهار والنمو الاقتصادي للوطن صناعتنا مطلبنا.

6 ــ البطالة آفة المجتمع/عمال العراق يطالبون ب"الحد" من استيراد العمالة الاجنبية.

7 ــ حماية المنتوج الوطني تقع مسؤليته على عاتق الحكومة ونطالب بايقاف استيراد السلع المماثلة وقوتنا في النهوض في صناعتنا.

8 ــ شهداء الطبقة العاملة العراقية/ شموع انارت طريق النضال لتحقيق المصالح العمالية.

9 ــ تثبيت عمال الاجور اليومية والعقود للعمال.

10 ــ تخفيض نسبة 50 % من الضمان الاجتماعي للعاملين المشمولين بقانون التقاعد.

11 ــ الاسراع بتوزيع قطع اراضي مقررة للعمال حسب كتاب رئاسة الوزراء المرقم {30092} في 25 / 9 / 2013 .

12 ــ مطالب عمال النقل في كربلاء/ مرائب كربلاء على الارصفة نطالب بتوفير كراجات رسمية بدلا من الساحات الاهلية اسوة بالمحافظات الاخرى.

13- زيادة حصة النفط للمخابز والافران مع تخفيض أسعار الوقود.

ومثل عمال كربلاء وباقي عمال المحافظات حمل عمال وفنيون في وقفة احتجاجية في محافظة الموصل مطالب ايضا متكاملة ومتابعة للمطالب العمالية في العراق الجديد.

بعد تصاعد التظاهرات العمالية انتبه السياسيون لها ودعوا إلى تفعيل العمل النقابي وتشكيل مجلس اعلى للاتحادات والنقابات المهنية. وهو مطلب عمالي قبل أن يكون مدخلا سياسياً، أو نشاطا إضافيا للأحزاب والقوى السياسية.

حسب بيان تلقت وكالة "الغد برس" نسخة منه، إن "تعزيز العمل النقابي وتفعيل دوره ستكون له انعكاسات ايجابية في اقامة بنيان اجتماعي واقتصادي مزدهر، فضلا عن رفع المستوى المعيشي للشرائح الكريمة من قوى الشعب العامل واحتضان الكفاءات والطاقات والاستفادة من خبراتها على الصعيد الوطني".

وتابع البيان "عقدنا لقاءات مع العديد من الاتحادات والنقابات البارزة في العراق، وقد استجاب العديد منها لتلك الدعوة وفي مقدمتها الاتحاد العام لنقابات العمال واتحاد الصحفيين العراقيين واتحاد الجمعيات الفلاحية والاتحاد الديمقراطي لطلبة العراق ونقابة الفنانين ونقابة المحامين ونقابة المهندسين الزراعيين"، داعيا الى" تأسيس مجلس اعلى للاتحادات والنقابات والجمعيات المهنية، ليكون الممثل الحقيقي المدني لقوى الشعب العراقي العامل".

تصاعد التظاهرات مؤشر واضح للأزمة المتفاقمة وجرس انذار مبكر ودعوة للبحث عن حلول استراتيجية للتنمية والعمران والتقدم في العراق الجديد. كما أن تجاهلها أو عدم الإنتباه لها وتلبية مطالبها يسهم في العرقلة والتأخر ودمار البلاد والعباد.

 

كاظم الموسوي

 

يوسف ابوالفوزكان المعتقد بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وهزيمة هتلر وحزبه النازي، بأن أوروبا ستواصل السير باتجاه مغاير، خصوصا مع النجاحات التي صارت تحصدها أحزاب اليسار، والتي نجحت في شمال أوروبا ببناء نموذج "دولة الرفاه"، الذي يعتبر نموذجا متقدما قياسا ببقية الدول الرأسمالية في الغرب حيث الدولة هي المسؤولة عن القيام بالدور الأساسي في حماية وتوفير الرفاه الاقتصادي.

وساعد انهيار الاتحاد السوفياتي، الحليف القوي لليسار العالمي، وظهور نظريات مثل "نهاية التأريخ" التي تروج لكون الرأسمالية هي الحل، ساعد كثيرا في اشتداد تأثير ونمو قوى الاحزاب اليمينية التي تدعو "لإصلاحات" اقتصادية، تقف في مقدمتها الدعوة لخصخصة قطاع الدولة في ظل العولمة الرأسمالية، وان تحقيق نجاحات ميدانية جزئية في حل معضلات اقتصادية تتعلق بالتضخم والبطالة، ساعد قوى اليمين للنمو والصعود لتكون طرفا مشاركا ومهما في العديد من الحكومات الاوروبية. هذا الدور الذي سرعان ما تطور بحيث حققت الاحزاب اليمينية، صعودا أهلّها لتقود الحكومات في العديد من البلدان الاوروبية.

وساهم انهيار الاتحاد السوفياتي، في كشف ان احزاب اليسار تملك مشاكلها وأزماتها الذاتية، فيما يتعلق ببناها الداخلية والفكرية، وواقعية برامجها وشيخوخة آليات عمل يتطلب منها استيعاب المتغيرات السريعة في العالم مع تزايد تأثير ثورة الاتصالات. هذا الانهيار أيضا، جعل خارطة الأعداء والأصدقاء، تتغير، فنهاية الحرب الباردة، كانت الايذان لبدء حرب جديدة. فبروز الاتحاد الأوروبي كقوة اقتصادية وسياسية، ونموذج دولة الرفاه أصبحا مما يقض مضاجع الشركات الاحتكارية والبنوك الكبرى ومنظري "الليبرالية الجديدة" الذين تشير اصابع الاتهام لهم في اغتيال "اولف بالمه"، الاشتراكي الديمقراطي السويدي، الذي اغتيل بشكل غامض عام 1986 وكان من اشد المعارضين والمكافحين ضدها ومدافع بقوة عن نموذج" دولة الرفاه".

نجحت أحزاب اليمين المتطرف في اللعب على المشاعر القومية للمواطن الأوروبي، وتقديم برامج انتخابية محملة بالوعود، مستثمرة أخطاء حكومات أحزاب اليسار، ونتائج الازمات الاقتصادية العالمية والمحلية، خصوصا الأزمة المالية العالمية عام 2008 وعام 2011، وارتفاع عدد العاطلين عن العمل، والاسعار في المواد الغذائية ووسائل النقل والسكن والخ.

تحركت قوى اليمين بطرق مبتكرة وحيوية، تعتمد التواصل المباشر والاثارة، بين صفوف الشباب خصوصا، وطرح شعارات صارخة حول معالجة التفاوت في الدخل ورفع الضرائب على ذوي الدخول العالية، وتحسين المعاشات التقاعدية وتحديد سن التقاعد ومعالجة سياسة الهجرة وضرورة خفض معدلاتها مزايدا حتى على برامج القوى اليسارية. فنجحوا في الوصول الى برلمانات العديد من دول الاتحاد الأوروبي، ونجحوا في اخراج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، مدعومين بشكل مباشر وعلني من الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" ممثلا للتيار الشعبوي اليميني.

في فنلندا، كان وجود حزب الاتحاد الوطني الفنلندي (يمين معتدل)، في حكومات مشتركة متعاقبة، فرصة لليمين المتطرف للاستفادة من الحياة الديمقراطية، لإيصال عناصر متطرفة للعمل تحت قبة البرلمان الفنلندي للترويج لأفكارهم ومفاهيمهم، هذا إذا اعتبرنا "الإسلام فوبيا" ومعاداة السامية وخطاب الكراهية برامج أيديولوجية. لهذا لم يكن مفاجئا تأسيس حزب يميني متطرف في فنلندا مثل"الفنلنديين الحقيقيين"، بعد انسلاخ شخصيات متطرفة من حزبي الوسط والاتحاد الوطني الفنلندي والتحقت بهم أسماء نشطة في صفوف منظمات النازية الجديدة، وكان نصرهم الأكبر يوم الفوز في انتخابات 2015، واشتراك ثلاثة أحزاب يمينية في تشكيل الحكومة، التي سماها الشارع الفنلندي "حكومة الأغنياء".

وساعد وجود احزاب اليمين في الحكومة الفنلندية، ونشاط شخصيات شعبوية متطرفة، في نمو خطاب الكراهية لتتبناه وتعتاش عليه قوى متطرفة، تعتمد اساليب الاثارة السياسية والتصريحات النارية، وترفع شعارات تلائم مزاج الشارع المتذمر، اضافة الى اعتماد برامج تعارض الهجرة ووجود الاجانب عموما، ساعد كل هذا على خلق أجواء مناسبة لنمو الحركات العنصرية وانتشار افكارها بشكل واسع، وثم تأثيرها على مزاج الشارع الفنلندي.

 وعضدت ذلك موجة الهجرة في عامي 2016 --2015 التي لم تكن فنلندا مستعدة ومتهيئة لها لوجستيا وفكريا. يمكن القول أيضا انه خلال العقدين الأخيرين تغيرت شخصية وسائل الاعلام الفنلندية، اذ تسلل خطاب الكراهية الى بعض الصحف الفنلندية. ولابد من الإشارة الى أن هناك قطاعاً من المهاجرين للأسف بخرقهم للقوانين وتجاوزاتهم المتكررة وارتكابهم جرائم التحرش والاعتداء الجنسي، ساهموا في إعطاء الفرصة لقوى اليمين والعنصريين والاعلام الموجه، لنشر خطاب الكراهية، الذي خلق الخوف والتوجس عند الكثير من الفنلنديين.

وهناك سؤال يمكن مواجهته كثيرا: ألم يكن المهاجرون القدامى يرتكبون مخالفات وجرائم مختلفة؟ الجواب نعم بالتأكيد، لأنهم بشر وغالبيتهم جاءوا من نفس المجتمعات التي جاء منها المهاجرون الجدد، لكن يجب ان نعرف أن عدد المهاجرين لم يكن كبيرا، وعليه فالمخالفات كانت تبدو نسبيا محدودة العدد، والاهم لم يكن هناك نشاط ملموس للجماعات العنصرية تعتاش على هذه المخالفات، ولم تكن هناك وسائل تواصل اجتماعي تعمل ليل نهار في نقل الاخبار والمبالغة بها لأهداف سياسية.

ان فنلندا، كدولة مدنية دستورية، لا يزال نظامها يحرّم العنصرية ويمنع التفرقة بين المواطنين، وتحكمها المؤسسات والقوانين، وان الاحزاب اليمينية، التي شكلت الحكومات الأخيرة، هي المسؤولة عن التغيرات السلبية في المجتمع الفنلندي. وباعتقادي انه ومع تزايد اعداد حملة الجنسية الفنلندية، من بين صفوف المهاجرين،  فأن هذا يجعلهم  ورقة انتخابية مهمة، فبإمكانهم ان يكونوا عاملا حاسما في قطع الطريق على قوى اليمين وعدم عودتها للحكم مرة اخرى، وذلك بالتوجه الى صناديق الاقتراع في 14  من نيسان الجاري، واختيار المرشح المناسب من أي قوى يسارية، لأجل الحفاظ على نموذج دولة الرفاه، التي تحاول قوى اليمين، التي تعزز وجودها بتشكيل أحزاب جديدة، تقويضه والقضاء عليه، ولأجل قطع الطريق على استمرار خطاب الكراهية وسياسة معاداة المهاجرين، والاهم لأجل ان يعيش الجميع بوئام وسلام ويساهموا في بناء حياة سعيدة للأجيال القادمة.

 

يوسف أبو الفوز

 

عبد الخالق الفلاحالادارة الاميركية برئاسة الرئيس دونالد ترامب كانت قد اعلنت في ايام الاعداد للانتخابات وما بعدها ان الولايات المتحدة الامريكية هي من اسست الارهاب. وهي المسؤولة عن الكثير من الجرائم من خلال ايجاد طالبان في افغانستان لمحاربة التواجد السوفيتي السابق بالاعتماد على تصريحات وزيرة الخارجية الامريكية السابقة هيلاري كلنتون للاعلام وكذلك ما نصت عليه في مذكراتها لتلقي الضوء على مشكلة هذا العصر الذي تأجج فيه الارهاب وادى الى تفاقم اوضاع العالم بهذه الوتيرة من التردي في البناء الانساني في ايامنا الحالية وتكون خطراً رئيسياً على السلام والامن الاقليميين والدوليين وانتهاكاً صارخاً للقوانين الدولية وميثاق الامم المتحدة. حيث ليس من المعقول أنه فى الوقت الذي يتم فيه اعتماد قرارات دولية مهمة منها قرار مجلس الأمن رقم ٢٣٥٤ بشأن الإطار الدولي الشامل لمكافحة الخطاب الإرهابي تقوم بعض الأنظمة والحكومات بإنتهاك تلك القرارات علانية عن طريق التحريض على الإرهاب ودعمه وتمويله وتسليح وإيواء الإرهابيين وهي تعلم مسبقاً أنها لن تكون عرضة للمحاسبة أو المساءلة.

ان الاتهام بالارهاب لمؤسسة حكومية مثل الحرس الثوري الايراني عملية لخلط الاوراق يراد منها وحماقة واستهتار وهلوسة المال الخليجي لايران فوبيا وسابقة خطيرة بالعلاقات والسيادة الدولية وان شعار مكافحة الارهاب أصبح سلاحاً تستخدمه أميركا باحترافية ضد من يقف أمام مصالحها أو يدعم من لا ترغب هي أن يدعمه أحد، والمتابع لاتهامات الجور هذه يراها انتقائية وظالمة في معظمها ولا تتعدى الامكانيات الموجودة للتعامل مع هذه الظاهرة دون حرص بالمستوى الحقيقي يستهدف استئصال جذورها فكرياً وايجاد وسائل اصلاحية تربوية ومنظومة من القيم الانسانية لمحاربته بنبذ الارهاب والتطرف والعنف اينما كان .إلا ان المشهد الذي وقعت الولايات المتحدة الامريكية في خطئه من خلال دعم الحكومة الحالية للكيان الاسرائيلي برئاسة نتانياهوفي الانتخابات (كما ظهر بالصورة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب وهو يبتسم ويصافح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في اكثر الطرق الرئيسيةفي الكيان (والتي حصلت على نتائجها حسب التقارير المعلنة و المجموعات الارهابية سياسيا وعسكريا باموال الدول المتهلوسة وتراجعها عن تعهدها بتمويل مكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب بمبلغ مليونى دولار كما خفضت مستوى تمثيلها فى مؤتمر وكالات مكافحة الإرهاب وتتحمل مسؤولية جميع التداعيات التالية لهذا الاجراء التعسفي والعملية الطائشة والخطرة و لم تسعف ارادتها أن تنسلخ تماما مما اتهمت به منذ اكثر من 16 عاما تماما بما قامت به من جرائم وأصبحت تعشق رائحة الدم ومنظر جثث الأبرياء والأطفال وتنكل بهم وتسومهم سوء العذاب كما هي في اليمن وتتفنن في تعذيبهم قبل القضاء عليهم بأبشع الطرق بيد عناصرها الممولة من التحالف الدولي المرتبط بهم والمجهزة بأحدث الاسلحة والطائرات المقاتلة .

 أما الكيان الصهيوني الإسرائيلي فهذا بعيد كل البعد عن قائمة الإرهاب رغم جرائمه في حق الفلسطينيين على مدى قرن من الزمان، التي فاقت في شنعها محرقة الهولوكوست المزعومة ولا يمكن الهروب منها ، فرمت التهمة على دولة جارة هي قد نالت من الارهاب مانالت وقدمت ما قدمت من دماء وارواح وتقف بوجه الارهاب بالمال والسلاح وقدمت ما قدمت من العطاء المالي للقضاء عليه في منطقة الشرق الاوسط في دول مثل العراق وسوريا واليمن حيث وقفت الى جانب شعوب تلك الدول للخلاص من هذه الافة الخبيثة وهي على وشك الانتهاء منه وهي الجمهورية الاسلامية الايرانية ولدور حرس الثورة الاسلامية في مواجهة القاعدة وداعش والنصرة وباقي الجماعات الارهابية يحظى بالتقدير من قبل شعوب وحكومات الدول المتضررة من تلك الجماعات وقراراتخاذه كمنظمة ارهابية يكون قد اتخذ افضح قراراته الغير منطقية حيث كانت هذه القوات دائماً في الخط الاول لمواجهة الارهاب والتطرف في المنطقة .هذه الخطوة قد تجعل مسؤولي الجيش والمخابرات والمؤسسات الاميركية في المنطقة عرضة لاجراءات مشابهة من جانب الشعوب الغاضبة من ممارساتها وجعلها ان تقف امام محاولة فرض السياسات الامريكية العدائية على المنطقة كي لا تعيش حالة من الابهام ، لان مشاکل المنطقة والتی نشأت معظمها من السیاسات العقیمة للدول الامبريالية وعلى رأسها واشنطن، لیس فی اصدار مثل هذه القرارات التي لاقیمة لها بل فی التخلی عن السیاسات المحابیة للارهاب ودولها الداعمة وانهاء الغطرسة والعمل على رفع قدرات الدول من خلال تقديم مساعدات لأجهزة مكافحة الإرهاب التابعة لها، خصوصاً في ظل اتخاذ التنظيمات الإرهابية من أراضي الدول التي تعاني فراغاً أمنياً وصراعات داخلية حيث تتخذها مسرحاً ومنطلقاً لتنفيذ مخططاتها العدائية ضد مختلف دول العالم». وضرورة تفعيل آليات مكافحة استخدام شبكة الإنترنت لتجنيد العناصر الإرهابية، خصوصاً الشباب، والتحريض على العنف والإرهاب ونشر الكراهية وازدراء الأديان، و الإرهاب والتطرف العنيف لا يمكن ولا ينبغي ربطهما بأى ديانة أو جنسية أو حضارة أو جماعة عرقية . مع ضرورة عدم الخلط بين التحريض على العنف والإرهاب وبين الحق في حرية التعبير عن الرأي، وأهمية اغلاق المواقع التي تتضمن المحتوى التحريضي للارهاب ودعم والقبول بمطالب شعوب وحکومات المنطقة لنیل الاستقلال والحریة وتحقیق التقدم والازدهار والحیاة الکریمة. عليهم فضح ارتباط ووحدة المصالح الرئيسية لجميع هذه الدول، على الرغم من التناقضات الثانوية في المصالح التي تظهر أحيانًا وتؤدي إلى اندلاع الصراعات بينهم

 

عبد الخالق الفلاح – باحث واعلامي

 

علاء اللاميحين قلنا قبل فترة إن مشروع "إقليم البصرة" هو محاولة مشبوهة لإحياء مشروع الاحتلال البريطاني في العشرينات من القرن الماضي فصل البصرة عن العراق، أو التهديد بذلك بعد ثورة العشرين مباشرة لضمان دوام تبعية العراق لبريطانيا، اتهمنا البعض بالتطرف والقصوية وفبركة الاستنتاجات. وهاهو أحد قادة المحاولة الجديدة لإقليم البصرة وعضو المجلس المحلي في المحافظة كريم الشوك يعلنها صريحة على الملأ ويقول (إن فكرة إقليم البصرة تمتد لـ 98 عامًا)، أي إلى السنة نفسها الذي جرت فيها أول محاولة لفصل البصرة عن جسدها العراقي، أما زميله الإعلامي "من مدرسة المتصهين فخري كريم" سرمد الطائي، وهو أحد المروجين المتطرفين للمشروع المشبوه فيعود بفكرته إلى ما قبل أربعة قرون! بل ويتحدث صراحة عن ضرورة الوصول إلى حل وسط "بين العراق والبصرة" جاعلا إحدى محافظات الوطن ندا وطرفا مستقلا في مواجهته. وربما يقصد الطائي بكلامه عن مشروعه ذي أربعة قرون، ربما يقصد الثورة العراقية الثلاثية إن كان قد سمع بها حقا. وهي تمرد قبلي مسلح قادة ثلاثة من كبار شيوخ القبائل في الجنوب والوسط سنة 1787 ضد الحاكم المملوكي في بغداد والتابع للسلطنة العثمانية داود باشا، وهم الشيخ سليمان الشاوي شيخ قبيلة "العبيد" والشيخ حمد آل حمود شيخ قبيلة "الخزاعل" والشيخ ثويني العبد الله شيخ "اتحاد المنتفك القبلي". ولكن سرمد الطائي - إذا كان يقصد فعلا هذه الثورة -  يزور الحقائق التاريخية تزويرا صريحا لأن هذه الثورة لم تكن ثورة "بصرية" بل عراقية استقلالية مناهضة للتفريس والتتريك معا، وقد ورد في المذكرة "المضبطة" التي وجهها الشيوخ الثلاثة باسم قبائلهم إلى الباب العالي في إسطنبول بلغة تلك الأيام ما يلي ( فإنه لا يصلح لولاية العراق عموما ولوزارة بغداد وتأمين الطريق إلا الشيخ ثويني العبد الله فإنه هو الأسد الذي يحميها من العجم) فأين أولئك الشيوخ العراقيين العرب الميامين من تخليطات بيادق المحاصصة الطائفية التابعين للأجنبي.

ومثلما صفق واحتشد الصهاينة بالأمس لتأييد محاولة مسعود البارزاني الانفصالية من أمثال المحرض الصهيوني برنار ليفي، يحتشد اليوم لتأييد إقليم البصرة أمثال زميله المحرض الصهيوني إيدي كوهين الذي راح يغري البصريين بأنهم على طريق الرفاه والازدهار مثل إمارة دبي إذا أقاموا إقليمهم. ويكفي دعاة الإقليم عارا أن من هرع لتأييدهم هو هذا الشخص!

أما التابع لتركيا أثيل النجيفي فقد راح يتلمظ ويستعيد ذكريات ودروس وعبر حلمه في "إقليم الموصل" وهو المتهم بتسليمها الى عصابات التكفير الداعشية ومطلوب إلقاء القبض عليه من نظامه وراح ينثر النصائح المريبة تحت شعار " لا تلوموا أهالي البصرة على المطالبة بالإقليم"! وهناك أصوات مشجعة لهذه الجريمة الوشيكة حتى من بعض الساسة الفاشلين في المنطقة الغربية والذين أفشلت جماهير الأنبار وصلاح الدين مساعيهم لإقامة الإقليم السني قبل سنوات قليلة، لهذا فأصواتهم أكثر خفوتا الآن!

والواقع، فإن التأثير الأكبر والدور الأفعل في الحملة الراهنة هو لساسة الأحزاب الشيعية الطائفية في البصرة والذين اجتمع ممثلوهم في جلسة طارئة واستثنائية، وكأنهم ينفذون انقلابا أو مؤامرة سوداء رغم أن أغلبهم متهمون بالفساد، في المجلس المحلي وجمعوا عشرين توقيعا تأييدا لبدء مشروع الأقلمة عمليا. وهذه هي المحاولة الثالثة في عهد ما بعد الاحتلال. ومن نواب ومسؤولي الأحزاب المؤيدة للمشروع ذكرت وسائل الإعلام: النائبة زهرة البجاري من حزب آل الحكيم صاحب مشروع الإقليم الشيعي في الجنوب والوسط بعد الاحتلال مباشرة في عهد رئيسه عبد العزيز الحكيم، و عبد السلام المالكي عن ائتلاف "دولة القانون"، وكأن عار مجزرة سبايكر وسقوط الموصل بيد داعش لا يكفي هذا الائتلاف وقادته، ومن تحالف الفتح النائب عدي عواد، أما الأطراف الأخرى فمنها من ينتظر الأوامر والتعليمات من الخارج ومنها ما ينتظر اللحظة الحاسمة لينتهزها انتهازا. ومن الأفراد والشخصيات يأتي في المقدمة النائب السابق المتهم بالفساد محمـد الطائي و القاضي والوزير في عهد بريمر وائل عبد اللطيف وأعضاء مجلس البصرة العشرون وفي مقدمتهم كريم الشوك.

* عادل عبد المهدي لم يعلق بشيء رسمي حتى الآن، ولكن دعاة الإقليم يروجون لمواقفه وتصريحاته القديمة المؤيد للأقلمة ويذكرونه بها، ومن ذلك بيانه في سنة 2007 حين كان نائب رئيس حزب المجلس الإسلامي الأعلى، والذي قال فيه ( إن المجلس الأعلى يحث كافة القوى السياسية على العمل جاهدة للتوصل إلى اتفاق نهائي في تشكيل الأقاليم لكي يستقر الوضع في البلاد... فبدون النظام الفيدرالي لن يكون بمقدور العراق التقدم... نحن نصر على أن الفيدرالية مطلب شعبي ودستوري). وهم يعتبرون وجود عبد المهدي اليوم في قمة الهرم السلطوي فرصة لا تعوض لتحقيق المشروع البريطاني القديم، ويهددون باللجوء إلى التصعيد إذا تم إهمال وعرقلة محاولتهم هذه كما حدث من قبل.

* يقول عبد المهدي و يكرر معه البعض من حسني النية "ولكن المطالبة بإقامة الإقليم مطلب دستوري"! نعم، هو مطلب دستوري، ولكن أي دستور تقصدون؟ وبأية شروط وآليات؟ إنه دستور دولة المكونات الطائفية والعرقية الذي تمت فبركته في عهد الحاكم الأميركي بول بريمر من قبل بعض الجهلة بالدستور وعلومه وبدعم من جهات طائفية لها أهدافها الخاصة وبتدخلات مباشرة من قبل الصهيوني نوح فيلدمان والمرتشي بيتر غالبريت. ( وقد عاد غالبريث اليوم – ويا للمصادفات وهي كثيرة ومنها رفع علم إقليم البارزاني في لقاءه مع ملك الأردن عبد الله وأخيه فيصل وإهمال رفع علم العراق ورغم أن البارزاني لا يحمل أية صفة رسمية سوى أنه زعيم حزب سياسي محلي– وقد أعلن غالبريث في ندوة نقاشية نظمت في واشنطن بإشراف الخارجية الأميركية وأعلن أن موقف الخارجية الأميركية القائم على احترام وحدة أراضي العراق خطأ استراتيجي ويجب الوقوف ضده بعنف). وهذا دليل آخر على أن كل الشرور تأتي من هذا الدستور المتفجر بالكوارث والمصائب ولا مستقبل للعراق باستمرار وجوده. لقد أصبحت عملية فبركة الإقليم من أية محافظة فأكثر أسهل كثيرا من تشكيل فريق للعبة "المحيبس الرمضانية" في أية محلة بغدادية وكل هذا بهدف تسهيل تفتيت العراق وإزالته من الوجود بأيادي أبنائه! غير أن الانتباه والتمييز مطلوبان هنا، فليس كل مواطن في محافظة البصرة يطالب بالإقليم مشبوه أو عميل يريد تقسيم العراق، إذ أن الملايين من المواطنين في الجنوب يعانون الأمرين من إهمال وفساد الحكومة الاتحادية والمحلية والمحافظين اللصوص، والذين سرق أحدهم وكان من حزب آل الحكيم ما سرق ثم هرب الى البلد الذي يحمل جنسيته "أستراليا" ونعني ماجد النصراوي. وبين المنادين بالإقليم كثيرون من المضللين والمغرر بهم والذين يجهلون جذور وأهداف المشروع الحقيقية والذين أضر بهم النظام وألقى بهم في شوارع البطالة والفقر والمرض، وهؤلاء أهلنا ويجب الإصغاء إليهم وتوعيتهم بأن الحل ليس في تطبيق الدستور الاحتلالي المشؤوم الذي أوصلهم الى هذه الحالة بل في الشطب عليه وإعادة كتابته وإنهاء نظام المحاصصة ودولة المكونات وإقامة دولة المواطنة الحقيقية. ولكن ماهي الخلفية التاريخية لدعوة الإقليم والانفصال في البصرة ومتى وكيف بدأت؟

* لأخذ فكرة واضحة ومبسطة عن مشاريع فصل البصرة عن العراق بصيغة إمارة مستقلة أو شبه مستقلة أو إدارة منفصلة عن بغداد مع بقائها ضمن العراق في صيغة قريبة من الإقليمين في دولة واحدة آنذاك، وعن موقف الاستعمار البريطاني المنافق والذي لم يتجرأ على فصل البصرة تماما، وهو الخارج لتوه من معامع ثورة العشرين الكبرى ملطخا بالدماء والهزائم، فاتخذ موقفا مركبا يرفض التقسيم وفصل البصرة لفظيا ويستعمل الانفصاليين كبعبع ضد الدولة العراقية كما تؤكد الوثائق التاريخية، هذه رؤوس أقلام سريعة من دراسة مطولة حول الموضوع للباحثين العراقيين د.علي عظم الكردي من جامعة الكوفة و د.محـمد الجزائري وتجدون رابطا يحيل إليها في نهاية هذا المنشور، مع تسجيل تحفظي على بعض ما ورد فيها، وخصوصا عدم التوقف التفصيلي عند ردود الفعل الشعبية ضد الإقليم والتي رصدها باحثون ومؤرخون آخرون، والتي تؤكد أن مؤامرة فصل البصرة قبرت بفعل ردود الفعل الشعبية البصرية الهائلة ضدها:

1- في 20 آذار 1920 وجه التاجران عبد اللطيف منديل الدوسري وهو من أصول نجدية وأحمد الصانع الكويتي المولد ، واللذان كان على علاقات مهمة بالبريطانيين من قبل، مذكرة الى المندوب الاستعماري البريطاني برسي كوكس طالبا فيها بالإبقاء على لواء البصرة تحت الحكم البريطاني المباشر وليس تحت حكم الدولة العراقية المزمعة.

2- في 25 تشرين الثاني 1920 شكل البريطانيون أول حكومة عراقية برئاسة عبد الرحمن النقيب ومنحوا وزارة التجارة فيها لمنديل وعينوا زميله الصانع وزيرا للدولة.

3- عاد المنديل والصانع لطرح موضوع انفصال البصرة وجعلها تحت إدارة مستقلة مرتبطة ببريطانيا مباشرة على كوكس بدعم من ناجي السويدي، وقدما سنة 1921عريضة مع 4500 توقيع من أهالي البصرة الى رئيس محاكم البصرة البريطاني سدني إبراهامز. وحدث ذلك بعد يوم واحد من توجه فيصل بن الشريف حسين الى العراق ملكا مُعَيَّناً من بريطانيا. وسمحت القوات البريطانية في المقابل لمعارضي الانفصال بجمع كمية أقل من التواقيع الرافضة للمشروع لتكون "المسرحية الديموقراطية" متكاملة الديكور وأعلنوا بعدها أن غالبية سكان البصرة يؤيدون الانفصال، والدليل إضافة الى التواقيع الأربعة آلاف وخمسمائة أنهم استقبلوا القوات البريطانية سنة 1914 بالترحاب ورفضوا أن تنسحب هذه القوات من البصرة (ما أشبه اليوم بالبارحة) متناسين الدماء العراقية التي سالت غزيرة في حرب المقاومة التصدي في معركة "الشعيبة" التي واجه فيها العراقيون من جميع المحافظات ومنها البصرة القوات البريطانية الغازية. ولكن المنديل والصانع أقيلا من وزارتيهما بأمر من الملك فيصل الأول بعد خلافاته مع عبد الرحمن النقيب الطامح السابق لعرش العراق وكان الرجلان من محاسيبه.

4- اقترح الانفصاليون آنذاك أن يتكون العراق من ولايتين هما العراق والبصرة وأن تكون أموال الضرائب وعائدات الزراعة والتجارة المينائية في البصرة لأهل البصرة (لم يكن النفط قد أصبح بضاعة تجارية بعد!) وأن يتم تشكيل جيش وشرطة من أهالي البصرة للدفاع عنها مع الجيش العراقي ولكن أحلام المنديل والصانع والسويدي ذهبت أدراج الرياح ولم تستجب الحكومة البريطانية وعلى لسان تشرشل نفسه (والذي كان وزير الدولة لشؤون المستعمرات آنذاك) لمطالبهم، ولكنها أبقتهم كالبعبع على قيد الحياة للاستفادة منهم مستقبلا كلما شعرت بتهديد جدي لمصالحها الاستعمارية، كما يؤكد الباحثان الكردي والجزائري، وأيضا بهدف كسر حركة مقاطعة النظام الملكي الجديد التابع لبريطانيا والتي دعا إليها علماء الدين المسلمون الشيعة وكانت حركة شاملة وجذرية لم يتمرد عليها إلا الساسة من أسرة الجلبي ومنها جاء العميل الأميركي لاحقا أحمد الجلبي وشخصيات قليلة أخرى.

5- في سنة 1928 حركت بريطانيا دعاة الانفصال الذين كان يقال إنهم يحظون بتعاطف رئيس الوزراء - الذي مات منتحرا لاحقا - محسن السعدون. وشاعت أخبار مفادها أن الحكومة البريطانية وافقت فعلا على انفصال البصرة ونشرت أخبار ذلك في عدد من الصحف المحلية ترتبط إحداها بالمدرسة الإسرائيلية. فغضب الملك فيصل من ذلك وخاطب مكتبه بكتاب سري مكتب رئيس الوزراء قائل إنه (يستبعد أن يكون من بين أبناء البلاد من ينحط إلى هذا المستوى من الخيانة). وطالب الملك بإحالة الانفصاليين الى المحاكم ولكن محافظ البصرة ووزير الداخلية ناجي شوكت ورئيس الوزراء السعدون رفضوا ذلك وتعللوا بعدم وجود أدلة قوية ضد الانفصاليين و لأنهم لا يريدون أن يشغلوا الرأي العام "بقضية تافهة كهذه" وأغلق الملف.

6- وعن أسباب فشل مشروع فصل البصرة عن العراق أو تحويلها الى دولة متحدة مع العراق يكتب علاء لازم العيسى في دراسة أخرى (ومن الأسباب الأخرى التي أدت إلى دفن مشروع الانفصال في لحد عميق ، وتحويله إلى ظاهرة هامشية ، هي كون العريضة المذكورة – التي قدمها المنديل والصانع بدعم من السويدي- لم تحظ إلا بدعم قلة من المتنفذين البصريين تساندهم فئة من التجار من أصول أجنبية كاليهود والأرمن والإيرانيين لا يدعمهم سند شعبي، كما أنها جوبهت بمعارضة قوية من قبل شخصيات بصرية متنفذة سياسياً واجتماعياً ، كان أبرزها محمّد أمين عالي باش أعيان، والمحامي محمّد زكي، وعبد الكاظم الشمخاني، وأحمد حمدي الملّا حسين، وحبيب الملّاك، وغيرهم، وأثار المعارضون دعاية واسعة ضد حركة الانفصال بعد أيام قليلة من تقديم العريضة المذكورة إلى المندوب السامي، حتى أنهم استغلوا مناسبة استقبال الأمير فيصل عند مجيئه كمرشح للعرش، وعلقوا شعارين معاديين للحركة وضع الأول منهما عند مدخل منطقة العشار جاء فيه (لتحيى الجامعة العراقية )، ووضع الثاني عند مدخل البصرة وقد كتب به (لتحيى البصرة جزء من العراق )، ثمّ شكلوا وفداً سافر إلى بغداد وقابل المندوب السامي فيها برسي كوكس، في شهر آب من السنة نفسها، وطرح وجهة نظره المعادية للانفصال، وبالرغم من أنّ كوكس لم يتخذ موقفاً حاسماً تجاه القضية، لكنه أكد لهم تفهمه لأبعاد موقفهم )!

7- تجدد طرح فكرة الأقلمة في العراق بعد الاحتلال الأميركي سنة 2003 وإقامة الحكم المحاصصاتي المكوناتي التابع. وكانت المحافظات الكردية الثلاث أربيل والسليمانية ودهوك خارجة فعلا عن سيادة العراق وتحت الحماية الجوية الأميركية في عهد نظام صدام حسين ومنذ 1991، وقد تكرس انفصالها الفعلي بعد الاحتلال، ثم انتقلت الزعامات الكردية الى الهيمنة على القرار العراقي ككل بسبب خنوع الأحزاب والقيادات الشيعية وحاجتها لحليف بوجه خصمها الطائفي التقليدي! وقد تحرك حزب آل الحكيم ورفع شعار إقامة إقليم الوسط والجنوب وهو إقليم ذو طبيعة ديموغرافية شيعية غالبة وأهداف طائفية رجعية واضحة ولكن الفشل كان مصير هذه المحاولة وبعدها بدأ الترويج لإقامة إقاليم في البصرة وفي الأنبار وصلاح الدين وفي نينوى ولكنها لم تحرز تقدما ثم جاءت محاولة البارزاني لإعلان الاستقلال عن العراق وانتهت محاولته الى الفشل، وهاهي المحاولة الجديد والثالثة لإشعال الحريق الانفصالي في البصرة من قبل قوى وشخصيات والغة في الفساد والطائفية والتبعية لدولة الاحتلال والدول الإقليمية.

* إن العلة الأساسية في استمرار بروز خطر الأقلمة كمقدمة لتقسيم العراق تكمن في مواد دستور فترة الاحتلال النافذ والذي لم يتجرأ أحد على المطالبة بتعديله تعديلا يتناسب وحجم التغييرات التي شهدها العراق "نحو الأسوأ طبعا"، بمواده التي تسهل تلك المهمة على مريديها، ولا حل أمام العراقيين الاستقلاليين والديموقراطيين سوى بإعادة كتابة هذا الدستور على أسس دولة المواطنة والمساواة وإنهاء نظام ودولة المكونات.

غير أن المسؤولية في ما حدث وما سيحدث مستقبلا، وخصوصا إذا تقدمت محاولة أصحاب مشروع "إقليم البصرة" إلى الأمام لا تقع على عاتق الدستور فقط بل هي تقع وبقوة على عاتق من أوصلوا عادل عبد المهدي وهو الأشد تأييدا لأقلمة العراق بين ساسة النظام إلى كرسي الحكم. والذين أوصلوا عبد المهدي إلى الحكم وما يزالون يحمونه ويدعمون حكومته أو يسكتون على ارتكاباتها الجسيمة معروفون للشعب العراقي: في مقدمتهم التيار الصدري وحليفه الحزب الشيوعي العراقي "المخطوف" والمرجعيات الدينية - وتفرعاتها العائلية - التي سكتت هي الأخرى عن هذا التحدي الخطير لوحدة العراق مع إنها لا تترك صغيرة أو كبيرة إلا وتدخلت فيها من إصلاح مضخات المياه في محطات التصفية في البصرة وليس انتهاء بما يسمونه "الانفلات الإعلامي" و"الفوضى الاجتماعية والأخلاقية وكثرة الملاهي وتعاطي الموبقات" متناسين أن من يدير هذه الملاهي ويتاجر بالموبقات والسموم هي أحزاب النظام الفاسدة ذاتها! إن دستور فترة الاحتلال النافذ هو البؤرة التي تنطلق منه كل التهديدات لوحدة وبقاء العراق ويقوم نظام المحاصصة الطائفية ومؤسساته التي تمرست في أعمال التزوير والفبركة بدور الأذرع التنفيذية لتلك الأخطار، فإما العراق وإما النظام الطائفي التابع للأجنبي وسيكون العراق طويل العمر هو الخيار الأكيد، فهو الأبقى من كل الفاسدين واللصوص والغزاة وأدلاء الغزاة الزائلين.

 

علاء اللامي

........................................

* روابط تحيل إلى نصوص مهمة :

1- رابط مقالة حول الثورة الثلاثية في جنوب ووسط العراق سنة 1787 لعبد الأمير الركابي:

 http://www.albadeeliraq.com/ar/node/377

2- رابط لتحميل نسخة رقمية " بي دي أف" من دراسة حول محاولة فصل البصرة عن العراق في العشرينات للباحثين علي الكردي ومحمـد الجزائري

http://www.uokufa.edu.iq/journals/index.php/ksc/article/view/5755/5040

3- رابط لمقالة حول دور بيتر غالبريث في كتابة الدستور العراقي النافذ مقابل رشى كبيرة من أموال النفط في الإقليم:

https://al- akhbar.com/Opinion/50615

4- رابط مقالة لعلاء لازم العيسى حول أسباب فشل محاولة فصل البصرة عن العراق في العشرينات من القرن الماضي:

http://www.albadeeliraq.com/ar/node/1343

  

نجوى السودةالكاتب /روبرت دوريفوس

 المترجمة /نجوى السودة

***

الإسلام السياسي يحول دون الديمقراطية في العراق والإخوان المسلمين والمتعصبين دينيا في سوريا ومصر وأماكن أخرى مر ما يقرب من عام على حرب العراق،أعلنت الإدارة الأمريكية أن حربها لم تكن من أجل أسلحة الدمار الشامل أو علاقة العراق بتنظيم القاعدة، لكنها عن رسالة أمريكا المقدسة لنشر الديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط الغافلة، غير أن،هذا لاينطبق في أي شئ على عراق مابعد الحرب، إذا ما كانت العراق قد سعت جاهدة لتجنب حربا أهلية، إلا أنها على الأرجح قد إنتهت إلى حكومة لاتمت للديمقراطية بصلة فالثيوقراطية الشيعية المستبدة تحكم بالإرهاب والتعذيب،وقوة السلاح . ماقام به الرئيس بوش في العراق هو المحطة الأخيرة لسلسلة الجهود التي تقوم بها الولايات المتحدة للوفاق مع الجناح اليميني الإسلامي ليلعب دور الساحر المتمرس "ميكي ماوس"، فينتهي به المطاف ليرتد عليه السحر، لضعف خبرته في ممارسة السحر، نستخلص النتيجة أن الجهود الأمريكية للعب مع قوى الإسلام السياسي أثبتت نتائج خطيرة، متقلبة وفي الغالب لا يمكن السيطرة عليها .إن القضية أبعد من كونها مشكلة من مشاكل الشيعة أو السنة في العراق، حيث أن قوة الإسلاميين مستمرة في التزايد، ولا أعني من كلامي القوى المرتبطة بتنظيم القاعدة ولكنني أقصد الجناح اليميني الراديكالي للإخوان المسلمين، التي يمثلها الحزب الإسلامي في العراق، والسلفيين والوهابيين. في مصر وسوريا وأماكن أخرى، والجناح الديني اليميني الذي يزداد أيضا قوة، هل هذا يعني أن النموذج المتعصب من القاعدة سيتولى زمام السلطة ؟ لا، سواء كانوا الثيوقرطيين الشيعيين أو السنة من الإخوان المسلمين في سوريا و مصر، لا يمكن مقارنة الإسلام اليميني بالقاعدة . تماما،مثل اليمين المسيحي في الولايات المتحدة، واليمين اليهودي الذي إغتال إسحق رابين والمتطرفين بالمستوطنات الذين قتلوا عشرات المسلمين في الأماكن المقدسة، فالإسلام اليميني يُقدم الدعم والتفكير اللاهوتي مما يؤدي إلى المزيد من التطرف ( نعم، إرهاب ). وعلى هذا النحو الإخوان المسلمين، فهي منظمة لها باع طويل في العنف، و لها جهازها السري وذراعها شبة العسكري، وتعتز بتاريخها السابق. ولم يتظاهروا لأن الجماعة ترى أن الديمقراطية مثلها مثل أي شئ ليس إلا أداة يمكن استخدامها للوصول إلى السلطة .

" الإسلام الفاشي وحكم الشيعة في العراق " إن الحال في العراق لايتسم بالوضوح . غير أنه في عام2002، دفع ديك شيني نائب الرئيس البيت الأبيض والبنتاجون إلى حرب لا محالة، وتزايدت أصوات زوي الخبرة منادية أن يحكم عراق مابعد صدام الشيعة الذين يمثلون الأغلبية . وتبدو الصورة أقل وضوحا هل ستسيطر الغالبية الشيعية على المجلس الأعلى الإسلامي في العراق، وهي قوى إرتبطت بالدعوة للإسلام من خلال حزب ظل يعمل تحت الأرض لمدة خمس وأربعين عاما، ومن منتصف التسعينات وصاعدا، وبصفة خاصة بعد 2001، قدمت الولايات المتحدة المساعدات السرية والعلنية لهذه المنظمات كجزء من الدور الذي تلعبه لتغيير نظام الحكم في العراق بالقوة، مثلها مثل مجلس أحمد جلبي الوطني، ويعملان معا عن قرب ولهما مكاتب في طهران، والمجلس الأعلى الإسلامي للثورة في العراق، والدعوة التي أسست لها قاعدة في إيران . المجلس الأعلى الإسلامي في العراق، أسسه " آية الله خوميني " في عام 1982، وذراعه الرئيسي " بدر بريجاد " الذي تلقى تدريبه وتسليحه عن طريق الحرس الثوري الإيراني، ومما لاشك فيه، أن إدارة بوش كانت على علم بأعداد المجلس الأعلى الإسلامي ورجال الدعوة بالعراق، وكما أكد المستشار السابق للدولة " دافيد فيليب" المسئول عن التخطيط والإعداد للحرب ومؤلف كتاب " ضياع العراق "، وإعادة اعمارها بعد الفشل الذريع في الحرب حيث كان العديد من زملائه على دراية تامة بأن المجلس الأعلى الإسلامي بالعراق هم من سيتولون زمام الأمور بعد صدام وليس جلبي، لقد أخبرني العديد من الخبراء ممن لهم دراية ببواطن الأمور بالسياسة الخارجية وخبراء الولايات المتحدة في شئون العراق والإستخبارات الأمريكية،قد حذروني "دون جدوى" أن المجلس الأعلى الإسلامي سوف يكون القوة الغالبة أن المجلس الأعلى الإسلامي سيكون القوة الغالبة بعد أي غزو، النقطة الهامة في الموضوع، سواء أرق فريق بوش وشيني أم لا عندما كانوا على علم تام مسبق، بأنهم سيواجهون السلطة الدينية للشيعة بعد سقوط صدام . والحقيقة الُمرة اليوم، أن حوالي 150.000 من قوات الولايات المتحدة، الذين يموتون بمعدل 100 كل شهر،هم الحرس البريتوري للجناح اليميني الراديكالي السلطوي هذا النظام هو نفسه الذي تكفلت فيه جماعات من الشيعة، بسلسلة من عمليات الاغتيال من البصرة إلى بغداد من بينها إغتيال الصحفي "ستيفن فينسنت "الذي لقي مصرعه على أيدي هذه الجماعة، وكتب يقول: "أن مئات من الحزب البعثي السابق، وقيادات من العلمانيين، والسنة قد يلقون كل شهر حتفهم وأن عشرات الجثث من السنة قد أُطلق عليها الرصاص حتى الموت على غرار الموت بالإعدام . أظهرت آخر الاستطلاعات عن المجلس الأعلى الإسلامي بالعراق أن ميليشياتهم وصلت إلى عشرين ألفا من أقوى الميليشيات، تدير أعمال تعذيب في سجن سري داخل بغداد يقومون بتعذيب المئات من المعتقلين تسلخ جلودهم وأعضاءهم التناسلية من الصعقات الكهربية، أو إمرار آلات كهربية تثقبهم وتدخل بين ثنايا عظامهم . إن المجلس الأعلى الإسلامي بالعراق وشريكه من الدعوة هم القاسم الأعظم للحكومة بالعراق ولقد فرضوا على العراقيين دستورا غير توافقي يفرض سيطرة الشيعة في مقاطعاتهم ويستغلون الدين في السياسة .أثناء زيارته، لمركز التنمية بواشنطن، طلب مدير مركز التنمية " عادل عبد المهدي "المسئول الأول في المجلس الأعلى الإسلامي العراقي ونائب الرئيس العراقي، أن يطلعه على قضايا التعذيب والوحشية التي تودي بحياة الشيعيين، تكلم مستاءا " كل الإرهابيين في الجانب الآخر " وما تشير إليه هو رد فعل لذلك ".   ربما أن قمة الهزل تكمن في حرب بوش على الإرهاب في هذا، ففي حين يؤكد بوش أن حرب العراق هي بؤرة في الصراع ضد الإرهاب أو ما أطلق عليه " الإسلام الفاشي"، في حقيقة الأمر ومما يدعو إلى الخزي أن " الإسلام الفاشي " الذي يتولى مقاليد الأمور الآن في بغداد، هم حلفاء أمريكا .ربما يكمن قمة الهزل في حرب بوش على الإرهاب في هذا، ففي حين يؤكد بوش أن حرب العراق هي بؤرة في الصراع ضد الإرهاب أو ما أطلق عليه " الإسلام الفاشي"، إلا انه في حقيقة الأمر ومما يدعو إلى الخزي أن " الإسلام الفاشي " الذي يتولى مقاليد الأمور الآن في بغداد، هم حلفاء أمريكا . وفي مقابل ذلك أيضا بالطبع، الجناح اليميني الإسلامي في تصاعد مستمر . لقد أحرزت قوات مصعب الزرقاوي بالقاعدة بعض التأييد من العراقيين، ويستخدم الزرقاوي الحرب في العراق لحشد تأييد الجهاديين في كل المنطقة . والأمر الأكثر شمولا من ذلك، أن قوات الاحتلال الأمريكي يدفعون أعدادا كبيرة من أهل السنة العرب من أجل تأييد الإسلاميين. إن الإخوان المسلمين في العراق، يمثلهم الحزب الإسلامي العراقي . على الرغم أنه يستمد قوته من راديكالية أهل السنة الذين يبغضون الاحتلال، إلا أن الحزب الإسلامي العراقي قد صار جزءا من معارضي أهل السنة والأكثر تحمسا للتعاون مع حليف الولايات المتحدة الثيوقراطيين الشيعة .وقد كان يشارك الحكومات المؤقتة المختلفة،التي كانت الولايات المتحدة تقيمها من وقت لآخر في العراق بعد الحرب، وفي أكتوبر، أشاد الحزب العراقي الإسلامي بالدستور العراقي البديل، والذي استبعد الغالبية العظمى من أهل السنة العراقيين . "كذلك هوجم قيادات أهل السنة في بغداد من المقاومة، وأحرقت العديد من مقراتها أو أعتدي عليها. "ومع ذلك، هناك مظاهر أخرى مشابهة لتصاعد اليمين الإسلامي بين أهل السنة العراقيين قد شجعت الثيوقراطيين الشيعة لتضع تخيلا لمدى شراكة الإسلاميين من أهل الشيعة في العراق . غير أنه على الأرجح، ربما يكون الشغف الذي كان قد تأجج بالفعل، ونجم عنه تصاعد اليمين الراديكالي بين السنة لايمكن أن يخدم العراق، ولا المنطقة، أو حتى أغراض الولايات المتحدة . الإخوان المسلمين في سوريا ينتظرون ." شرق أوسط عظمى " ومهمة بناء الديمقراطية الذي تكلل جهودا لا يستهان بها في هذا الشأن، ابنة نائب الرئيس الأمريكي السابق " إليزابيث شيني "،التي تشغل حاليا منصب السكرتير المساعد لنائب رئيس الدولة للشئون الشرق أوسطية من أجل شرق أوسط قريب حيث صار مادعا إليه بوش وما زعمه من دفع للديمقراطية بمنطقة الشرق الأوسط . إنه الفشل الذريع الذي منيت به تجربة الولايات المتحدة في إقرار الديمقراطية في العراق،تلا ذلك الضربة القوية التي تلقتها الولايات المتحدة فيما زعمته من إقرار للديمقراطية...لتولي وجهتها إلى سوريا .هذه الدولة الصغيرة، الفقيرة في البترول، الضعيفة عسكريا تعيش حاليا حالة الضغط التي يفرضه عليها إدارة بوش . لقد خرجت قواتها المسلحة والداخلية من لبنان، مع نذير لإشعال حرب أهلية في هذا البلد مرة ثانية . لقد استهدفت أمريكا سوريا وفرضت العقوبة الاقتصادية عليها، مثلما فعلت مع العراق في عام 1998، لقد اتهم جون بولتون وآخرين من غير المحافظين أن سوريا بها برنامج أسلحة دمار شامل بعيد المدى ناهيك عن الأسلحة الكيماوية المحدودة جدا التي من المحتمل أنها تمتلكها . نقد العديد من المسئولين في الولايات المتحدة سوريا، ومن بينهم سفيرنا بالعراق " زالماي خليلزاد " راعي مقاومة المجاهدين في العراق – رغم أنه لا يوجد أي دليل على ذلك . يلتقي ليز شيني وآخرين من كبار المسئولين يلتقون، مع نظير جلبي من القادة السوريين في المنفى ليتآمروا " لتغيير النظام ." كما في العراق، فإن الإسلام الأصولي الشيعي خطى ليملأ الفراغ، كذلك الحال في سوريا فإن القوى اليمينية هي الأرجح لتحل محل حكومة الرئيس بشار الأسد، وهي ليست بعض الجماعات العلمانية الديمقراطية أو الشخصيات القومية،وإنما هم الإخوان المسلمين تأسست جماعة الإخوان المسلمين في عام 1928، كجماعة سرية محظورة لها باع طويل في الإرهاب والقيام بعمليات الاغتيال . شبت جماعة الإخوان المسلمين وفردت عودها بمساعدات مادية وتنظيمية من الوهابيين بالمملكة العربية السعودية، لقد إنتشر انتشر الإخوان المسلمين في كل ركن من العالم الإسلامي. على الرغم أنها تتحاشى العنف الآن، إلا أنه في هذه السنوات الحالية كانت قد مدت يد العون، وبسخاء، وبعيدا إلى أقصى مدى عن جذورها الراديكالية . يعد سيد قطب واحدا من أهم باحثيها الضليعين، وقد استلهم منه أسامة بن لادن لتنظيمه القاعدة معتقداته في علم التوحيد . والإخوان المسلمين وتنظيم القاعدة يربط بينهما اليوم نفس التبعية ويسعون من أجل هدف واحد ويحيط الغموض بمدى العلاقة التي تفصل بين الإخوان المسلمين والقوى الأخرى من القوى الإسلامية " المحافظة " من الإسلام السياسي وتلك القوى التي ترتبط باليمين الراديكالي، والإسلاميين المعرضين للعنف. ويبدو الأمر كذلك بلا منازع لمسئولي الإستخبارات الأمريكية والدبلوماسيين حيث يختلفون حول "من أين يبدأ وأين ينتهي. "

 

تحياتي/نجوى السودة

 

 

بكر السباتينبعد لقائه بالعاهل السعودي ونائبه بن سلمان، قائد الجيش الليبي حفتر المحسوب على حلفاء صفقة القرن، يبدأ هجومه المباغت على طرابلس الغرب حيث معقل حكومة الوفاق الوطني في الغرب الليبي، التي تشكلت نهاية 2015 في ضوء اتفاق رعته الأمم المتحدة ويترأسها فايز السراج.. حيث يعتبر "حزب العدالة والبناء" المنبثق عن جماعة الإخوان المسلمين الليبية، والمستهدف الأول من السعودية والإمارات تحديداً، أهم مكوّن مناصر للاتفاق ومخرجاته.

ويربط بعض المحللين التداعيات الليبية بزيارة حفتر الأخيرة إلى الرياض وتلقيه دعماً لوجستياً للقيام بهذه المهمة لعدة مآرب منها ضرب ثقل جماعة الأخوان المسلمين في الغرب الليبي الذي قد يحظى بدعم من قبل «حركة مجتمع السلم» القريبة من فِكر الإخوان المسلمين، ذات الحضور الكبير داخل المشهد السياسي الجزائري؛ وخاصة أن مسألة تقديم هذه الحركة مرشحًا للانتخابات الرئاسية المقبلة واردٌ جداً، حيث أعلنت وزارة الداخلية فتح باب الترشح للرئاسة منذ أيام.. وكانت جماعة الأخوان المسلمين تحظى برضى الحكومة الجزائرية التي لطالما دخلت معها في تفاهمات في قضايا سابقة، وكانت عاملًا مساعدًا لها في تخطي الكثير من الأزمات التي هددت شرعيتها. لكن هذه العلاقة مع السلطة شهدت عدّة منعطفات وأزمات على مدار السنين، منذ تأسيس الحزب إلى يومنا هذا وأهمها أن حليف هذا الحركة، الرئيس المستقيل بوتفليقة، قد غادر المشهد السياسي وصارت خيوط اللعبة في يد الجيش الجزائري الذي لا يرتهن عليه سياسياً.

 من هنا ربما يأتي الدور الذي أنيط بحفتر من قبل السعودية والإمارات بناءً على المصالح المشتركة، والمتمثل بالعبث في الخاصرة الجزائرية لضرب ثورتها البيضاء من أجل إعطاء الجيش الجزائري مبررات حفظ الأمن الداخلي باستخدام القوة إذا لزم الأمر وقطع الطريق على مرشحي «حركة مجتمع السلم» أو أي مرشح مستقل محسوب على الجماعة المحظورة من قبل حلفاء حفتر، بحجة أنْ لا تتحول البلاد إلى منطقة تفاعل مع المستجدات الليبية الطارئة التي ربما يكون لها ارتدادات بشكل أو بآخر في العمق الجزائري.. وهو ما لمح إليه في تغريدة له على صفحته في توتر، العارف بخبايا الأمور في الشمال الأفريقي، الرئيس التونسي السابق محمد المنصف المرزوقي.

وفي ذات السياق، تجدر الإشارة إلى أن حفتر لديه الاستعداد التام لتنفيذ الأجندة السعودية الإماراتية الخاصة بالجزائر وفق خيارات مفتوحة، من باب تلاقي المصالح مع حلفائه الذين يدفعون له بسخاء، ومن ذلك على سبيل المثال أنه هدد الجزائريين في سبتمبر 2018 قائلاً بأنه سينقل المعركة إلى الجزائر بالدخول معها في حرب حقيقية، على خلفية ما سماه استغلالها الأوضاع الأمنية في ليبيا ودخول قوات من جيشها الأراضي الليبية، بحسب تعبيره.

وقال حفتر حينذاك في جمع مع مؤيديه شرق ليبيا إنه أبلغ السلطات الجزائرية بقدرته على نقل الحرب في لحظات إلى حدودها، وإن السلطات الجزائرية اعتذرت وأخبرته أن دخول قوات تابعة لها إلى ليبيا عمل فردي سينتهي في غضون أسبوع؛ لكن الأزمة بين البلدين ما زالت مستفحلة دون حل، ويبدو أن عين حفتر وحلفائه لم تغفل وخاصة أن الوجود الأخواني في معادلة الصراع الليبي الجزائري يزيد من احتقان الموقف بين الجانبين.

من هنا تقودنا التخوفات إلى طبيعة العلاقات الإماراتية مع الفريق، أحمد قايد صالح، نائب وزير الدفاع الجزائري، رئيس أركان الجيش، الذي استقبلته الإمارات كضيف شرف في الاحتفال الوطني السابع والأربعين الذي نظم في الإمارات نهاية ديسمبر 2018 بحضور ولي عهد الإمارات محمد بن زايد.

 وتزداد خطورة تلك العلاقة المبهمة بين الجانبين بعد اندلاع الاحتجاجات الشعبية ضدَّ ولايةٍ خامسةٍ لبوتفليقة رئيساً للجزائر، إذْ طالب قايد صالح بتطبيق المادة 102 من الدستور، حيث تم بموجبها عزل الرئيس لعدم قدرته على القيام بمهامه.. وأعلنت وزارة الداخلية عن فتح باب الترشح الذي ربما يدفع بمرشح حزب «حركة مجتمع السلم» إلى سدة الحكم وهو ما يخشاه حفتر وحلفائه.. إلا أن للجيش كما يبدو طموحاته المستقلة، وقد بدأها بإقالة اللواء عثمان طرطاق من منصب المسؤول الأول عن الاستخبارات الجزائرية الذي كان يشغله، نقلاً عن (وكالة الأنباء الجزائرية).

 ووفق وكالة الأنباء الفرنسية، فإن المديريات الثلاث في جهاز الاستخبارات قد وضعت تحت وصاية نائب وزير الدفاع ورئيس أركان الجيش الفريق أحمد قايد صالح وهي نفس الخطوات التصعيدية التي قام بها السيسي في مصر من أجل الاستحواذ على السلطات الأساسية في الدولة بدعم إماراتي سعودي.. ولقطع الطريق على هذه المؤامرة، رفع كثيرٌ من المتظاهرين في الجزائر شعارات طالبوا من خلالها بقطع العلاقة مع الإمارات، حيث يصورها بعض المثقفين الجزائريين بحصان طروادة الذي يحمل بداخله الخطر الداهم.

وأخيراً نتساءل بعد أن وفر حفتر وحلفائه الإقليميين مبررات استحواذ الجيش على سلطة البلاد تأسِّياً بمصر، عمّا ينتظر الجزائر في المستقبل المنظور، ومن هو الطرف القادر على تحديد ملامح المشهد الجزائري في ظل التداعيات الجديدة.. الجيش أم الشعب الذي ما يزال اللاعب الأهم في المعادلة الجزائرية الصعبة!

 

بقلم بكر السباتين

 

 

ضياء الحكيمأتركُ لكتاب آخرين الحديث عن إبتسامة بنجامين نتياهو العنصرية بعد أن أتمّ إغتصاب وضم إسرائيل لهضبة لجولان السورية . وأتركُ أيضاً ماهو معروف عن إغتصاب وإحتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية والتوسع في أرض العرب . فحديثي هنا هو عن عواصم عربية شتتها أشخاص أئتمنهم الشعب على جنانها وطبيعتها وتراثها .

وقد يسبقني القارئ في تسمية وتعريف وترقيم عواصم دول عربية مهملة وتحتضر شبه ميته حالياً الى درجة لايشعر بها أسياد مركز الدولة والحكومة القائمة في كيفية إنعاشها.

لو تكلمت أو نطقت عواصم هذه الدول لأبكت ساكنيها . ولو صرخت من التلوث والخراب والأهمال لأسمعت من في أُذنه طرش، ولو أشارت الى موقع الخلل لفتح الأعمى عينه .

لقد كانت عواصم رمزية أسهمت  في رفع قيم التاريخ والحضارة . هذه المدن كانت في عيون ناظريها من جنان الأرض بعذوبتها وأنهارها وأشجارها وتغنى بها الشعراء والأدباء .

وأصبحت اليوم تتألم من عدم نقاء أجوائها وبيئتها وسموم نشرها المخرفون الهمج وهم في غيبوبة بعد أن وطأوا أرضها وتسلطوا على السلطة . شعوب لا تتفق في نظراتها مع حكامها بعد أن تلاشى إحساس الحكام الحاضرين بإعادة مدنهم الى الحياة، في أمل أن يتوقفوا عن طلب الله أن يحميها ويحرسها ويمنع بقدرته الألهية سيل الدم في شوارعها وأحيائها .

النفاق والتنافس ودافع إنفرادية مسك السلطة دقت لجميع أحزابهم أجراس الأنذار لتذكيرهم  بواجبهم إن كانوا حريصين على الواجب بأمانة.

وفي نقدي المتواضع هنا أشير الى العواصم العربية موضع الحديث والدمار الذي لحقها بدءاً من بغداد ودمشق وصنعاء والخرطوم والقاهرة وطرابلس والجزائر، كمجموعة مدن تاريخية حضارية واضحة للعيان . وبحزن وأسف يراها مواطنيها عواصم اكتست ملامحها صفة الموت البطئ .

في بغداد  تباعد فكري بين مايجول في خاطر الشعب والحكومة الغير ملمة بالعمل الأنجازي المطلوب والتسريع بتجديد و ترميم ما خربته قوى الأرهاب . في ضواحي دمشق ظلت جماعات لسنوات تحاول إسقاط النظام حتى لو كلف الأمر خراب ودمار كل مؤسسات  الدولة ومدنها التاريخية.  في صنعاء تدور المعارك بين المذاهب الأسلامية وبإسناد من تحالفات أجنبية مشبوهة. في الخرطوم تحاول الأحزاب المناوئة لعمر البشير إزاحته من السلطة . وفي القاهرة تدور الحرب الخفية المعلنة بين الجنرال السيسي من جهة والأخوان المسلمين من جهة. وفي طرابلس عاصمة ليبيا تحيطُ قوات الجنرال الخليفة حفتر بضواحيها وتقصفها بالمدفعية بهدف إسقاط حكومة السراج الحالية . وفي العاصمة الجزائرية يتظاهر المواطنون وهم على حافة النار لإخراج الرئيس بوتفليقة وأنصاره بعد حكم دام لأكثر من عشرين سنه لرجل فوق الثمانين سنه من العمر .

ميدان الصراع في أواسط هذه العواصم العربية بعد أن اكتست ملامحها مظاهر الأهمال. والمعنى الخفي هو تأجيل كل ماتتطلبه من تنمية  ونمو يتناسب مع حاضر الزمن. والملاحظ بالتحليل السياسي الذي أنوي خوضه هنا هو ان العقيدة العشائرية القبلية والحزبية كانت الطابع الذي نمى وينمو مع أشخاص تملكتهم روح السلطة والنفوذ وشيطنته، وحافظت عليه بقتال أمتها حتى لو أدى هذا القتال الى دمار جمالية العاصمة التي يديرون شؤونها .

ماأحقر دمار عاصمة يتركها أهلها ويصوّرها مطبلو النظام أنها مازالت تتمتع تتربع الجمال والأزدهار . وما أحقر روئية مرتكبو الدمار بإعلامهم المزيف لا يلتفتون الى معاناة هروب الأباء والأمهات ورمي أبنائهم في أحضان دول أجنبية .

ملاحظة أخيرة . كيف ستنمو السياحة في بلاد تتقاتل فيه الحكومة مع شعبها في وسط عواصمها؟ و بعد أن أتمّ بنجامين نتياهو ضم  هضبة الجولان السورية لإسرائيل، سيبقى مبتسماً وهو يرى عواصم عربية بائسة تدكها برصاص القتل حكوماتهم الغبية  بلا تردد . عواصم اكتست ملامحها صفة الموت البطئ.

 

ضياء الحكيم -  كاتب وباحث سياسي

 

محمد عبد الكريم يوسفحتى نفهم ما يجري الحالة الجيوسياسية الشرق الأوسط  وشمال أفريقيا في القرن الحادي والعشرين علينا أن ننظر بعين ناقدة متبصرة لما حدث في القرن العشرين من إرهاصات مادية وفكرية وعقائدية ودينية .

ينصرف الكثير من المحللين السياسيين لدراسة أسباب الاضطرابات السياسية والعنف والحركات الانفصالية في أكثر من مكان من العالم العربي في الجانب الأسيوي والأفريقي . وخلال السنوات الماضية وحتى اليوم وجد الباحثون والمحللون السياسيون سببا واحدا أو سببين للمشكلات التي يعاني منها العالم العربي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا .

في الحياة المعاصرة، يرمي الباحثون اللوم على الاختلاف السياسي بين البلدان العربية إذ لا يتشابه بلدان في نفس صفات الحكم أو السياسة أو الميل العام . إن ما يوحد بين شعوب العالم العربي هو الفقر والفاقة والجهل والحرمان والاختلاف بسبب الدين . وهناك دائما انفصال  فكري وعقائدي واقتصادي بين الحاكم والمحكوم في هذه الدول . هذا الوضع كرس الحالات المستعصية في العالم العربي وأججها وأوصلها بالتدريج إلى حالة الغليان والانفجار .

في الغرب يعاني المواطن الأوروبي والأمريكي من ارتفاع الضرائب والمدفوعات للحكومات والأجهزة البلدية ولكنه في المقابل يتلقى أعلى مستوى من الخدمات والتعليم  أما في العالم العربي فيدفع المواطن أعلى الضرائب والمدفوعات للحكومات والبلديات (قياسا بدخله) لكنه لا يتلقي أي خدمات تذكر إلا ما يفرضها التطور الطبيعي للحياة قسرا وجبرا .

هناك عدة هواجس تسكن العالم العربي بدأت في القرن العشرين ولازالت أثارها مستمرة  حتى اليوم وربما كانت هذه الهواجس سببا للفوضى العارمة التي تعيشها منطقتنا اليوم . وتتوزع هذه الهواجس بين داخلية وخارجية، بين نفسية وفيزيولوجية، ويمكننا أن نلخصها بما يلي:

هاجس نابليون بونابرت: الذي قام بغزو مصر في عام 1798 أي قبل 200 عام من الآن، وهو بداية التدخل الأجنبي العسكري في العالم العربي والذي تلاه موجات من التدخل الفرنسي والانكليزي والايطالي والألماني والهولندي والبرتغالي . ثم تحررت بلدان العالم العربي شكليا في وقت من الأوقات وبقيت تابعة بطريقة أو بأخرى للدول التي سيطرت عليها . وقد وصل هذا الهاجس إلى نقطة الأوج في القرن الحادي والعشرين وتحديدا مع التدخل الأجنبي الخارجي في سورية منذ /9/ سنوات حيث نجد عشرات القوى الدولية الناشطة على الأرض السورية مباشرة أو بالوكالة في حرب كونية معقدة متداخلة مركبة الوسائل والأهداف والغايات .

لقد عانى العالم العربي خلال القرنين السابقين من التدخل المستمر بشؤونه الداخلية عسكريا وسياسيا . لقد كان التدخل الأجنبي في شريط دول الخليج العربي سياسيا بحيث تم تركيب حكومات مستقرة متوارثة محمية من الخارج ولم يتغير عليها إلا صاحب النفوذ بشكل سلس وتلقائي من البرتغالي إلى الهولندي إلى الانكليزي إلى الفرنسي إلى الأمريكي. أما في  الجزء الشمالي من العالم العربي فقد كانت السيطرة عسكرية مباشرة ربما بسبب صراع القوى المنافسة على النفوذ (الدولة العثمانية – إيران – الإمبراطورية الروسية – فرنسا – ألمانيا – انكلترا – ايطاليا). لقد كانت ظروف العالم العربي خلال القرنين السابقين مُرّة لا تنسى عانى من خلالها المواطن العربي الكثير من الويلات والألم ولا يزال .  هذه الأجواء الضاغطة جعلت العالم العربي من أكثر الدول في العالم إنفاقا على السلاح وسوقا تجارية للأسلحة التي تنتجها القوى الدولية المتنافسة .

هاجس تيودور هرتزل و آرثر جيمس بلفور: لقد خلقت أعمال هذين الرجلين الكثير من العداء والدم والألم في العالم العربي وأسسا لقرن من الصراع بين الصهيونية المتطرفة والقومية العربية . ولا يزال هذا الصراع جرحا نازفا في قلب العالم العربي وعائقا أمام التطوير والتحديث والحصول على الحريات والاستمتاع بالمواطنة الكريمة نظرا لغلبة الإنفاق العسكري على الإنفاق السياسي والحضري والاقتصادي في معظم الدول العربية. وكنتيجة لذلك ساد الجهل والتخلف والرجعية في دول المنطقة وصار لزاما حتميا أن يصل الجيش إلى السلطة ويحل محل الحكومات المدنية لدواعي عسكرية وأمنية ولوجستية . لقد ولدّ الصراع العربي الصهيوني ظروفا داخلية قاسية واقتصادية أكثر قسوة وتنازع العقل العربي رغبتان، الرغبة في الاستقلال والحفاظ على دولته بأي ثمن والرغبة في الحياة الكريمة وكلاهما مُرّ المذاق عسير الهضم .  يضاف إلى ذلك تشريد ملايين الفلسطينيين في بلدان العالم العربي وسياسة التهويد في الداخل وسياسة هدم المنازل . لقد ولدّ التدخل الخارجي وعلاقات الأنظمة العربية بالخارج مواقف ومستجدات دولية كثيرة على الساحة المحلية فالكثير من الحكام العرب يقيمون علاقات سرية مع كيان الاحتلال الإسرائيلي وفي كل مؤتمر للقمة العربية يظهر للناقد العربي عدم وضوح الرؤية والتباس المفاهيم تجاه الوجود الصهيوني في فلسطين بين راض ورافض ومحتار لا يعرف إلى أي جنب يميل . الخطير في أمر هذا الهاجس هو أنه لا يزال ناميا متكاثرا مثل الخطر السرطاني في العالم العربي تارة تراه في الخليج وطورا في مناطق الأكراد، وتارة أخرى في شمال أفريقيا على شكل تعاون أمني استخباراتي أو اقتصادي أو استشاري. 

هاجس مصطفى كمال أتاتورك: مصطفى كمال أتاتورك ضابط عثماني بنى تركيا ويعتبر الأب الروحي لتركيا الحديثة بناها على أساس أن تكون نموذجا للدولة القومية العلمانية في الشرق الأوسط . إلا أن هذا النموذج من الدولة القومية لم ينجح لا في تركيا ولا في أي من دول العالم العربي . في تركيا انقلب الإخوان المسلمون على النظام العلماني على الطريقة البريطانية (بدون دماء) و شنوا حربا لا هوادة فيها ضد القوى التركية التي تخالف الإخوان المسلمين الرأي وفي العالم العربي دخل الإخوان المسلمين مع الدولة العلمانية في حرب لا هوادة فيها على الطريقة الفرنسية (حافلة بالدماء والموت) . يضاف إلى ذلك فشل النموذج العلماني في العالم العربي في بناء أجواء الثقة بين الدولة والمواطن وفشله في تقديم الخدمات المادية والعلمية التي يتوقعها من دولته . وتعاني معظم دول العالم العربي من الخلافات السياسية والاقتصادية والدينية وعلى حافة التفتت والحروب، وحدها الحكومات التي يقودها الجيش هي القادرة على تجميع النسيج المتداعي ولصقه بالقوة يرافق ذلك انعدام الحريات العامة والحقوق السياسية للمواطنين .

هاجس جمال عبد الناصر: قام الضابط المصري جمال عبد الناصر بثورته في عام 1952 التي مهدت لشرعية الحكم العسكري في العالم العربي ومنذ ثورة ناصر كثرت الانقلابات العسكرية في معظم الدول العربية كما حدث في العراق ومصر وسورية واليمن وليبيا والجزائر وتونس والصومال وبعض الدول الأخرى . (انظر لعبة الأمم، للسفير مايلز كوبلاند) . وقد نجم عن الحكم العسكري في معظم الدول العربية شراسة غير مسبوقة من الإخوان المسلمين تطورت إلى حرب دموية على البشر والحجر كما حدث في مصر واليمن والجزائر وسورية . لقد حولت الانقلابات العسكرية دولها إلى ركام ميت لا حياة فيه واليوم وبعد ثمانين عاما على بدء الانقلابات العسكرية في العالم العربي صار المصدر رقم /1/ للاجئين والإرهابيين . لقد صدر العالم العربي الكثير من الإرهابيين  المأجورين للعمل في أفغانستان تحت شعار محاربة الشيوعية بدعم من الغرب . ثم انقلبوا وحاربوا الولايات المتحدة، ثم صدروهم إلى الصومال والسودان وليبيا وسورية وحاليا هناك ردة للإرهاب نحو الدول التي أتى منها .

هاجس مارغريت تاتشر ورونالد ريغان: اللذان أطلقا رأسمالية السوق الحرة الجامحة في بداية الثمانينات من القرن العشرين . لقد أثارت هذه الرؤية الاقتصادية نوعا من العولمة الاقتصادية التي تقدر الحراك المالي الدولي والأرباح على حساب العمال ورفاهية المواطن . وقد انتقلت هذه النزعة بسرعة إلى العالم العربي وساهمت في صناعة السياسات الاقتصادية العربية على حساب المواطن العربي . لم تعمل الحكومات العربية على تأسيس اقتصاد جاد في أي من الدول ولم تفعل السوق العربية المشتركة أو مبادئ التكامل الاقتصادي العربي وحتى الدول الغنية (الخيلج العربي) غرقت في الديون لصالح البنك الدولي وبالتالي لم تستطع الدول العربية مقاومة مطالب القوى العالمية بتحرير الاقتصاد المحلي العربي لصالح رأس المال العالمي . وكانت النتيجة المتوقعة وهي عجز أي من الاقتصاديات العربية عن تلبية الاحتياجات الأساسية لمواطنيها وإنما تعتمد بشكل بائس على المساعدات الخارجية النقدية من الأصدقاء والمؤسسات المالية الدولية  في حين يعاني الموطنون من تدهور ملحوظ في القطاعات التعليمية وتخبط في أسواق العمل التي تهيمن عليها الطرق غير الرسمية  والعلمية والفقر وتزايد الفوارق بين الأغنياء والفقراء .

هاجس إيران: نجحت الثورة الإسلامية في إيران في تسلم الحكم من نظام الشاه في عام 1979 من القرن العشرين . وفشل الغرب حتى الآن في احتواء الثورة الإسلامية وتطويعها في كنف الغرب . وفي هذه الأثناء، عملت إيران على دعم المقاومة العربية للاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان وفي غزة . كانت المقاومة اللبنانية متنوعة المشارب تضم جميع أطياف المجتمع السياسي والديني اللبناني  أما في غزة فكان الانتماء الأيدلوجي للمقاومة ينتمي لفكر حماس والإخوان المسلمين. وعندما فشل الغرب في احتواء إيران وفشل الإدارة الأمريكية في إدارة أزمة الرهائن بدأ بتحريض العرب على إيران وتضخيم الخطر الإيراني رغم أن الخطر التركي يوازي الخطر الإيراني تاريخيا . وبدأت الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت سنوات واستنزفت مقدرات بلدين جارين بتحريض خارجي دفع فيها العراق وإيران ودول الخليج الكثير من الضحايا والمال والخلف والمشكلات الاقتصادية . وكان المواطن العربي ضحية حرب عبثية لا هوادة فيها انتهت باتفاق سلام بين البلدين وحاليا حلفين ضد المصالح الغربية . وكان الرابح الوحيد من تضخيم الخطر الإيراني على المنطقة العربية الغرب والولايات المتحدة وبحجة هذا الخطر كثرت معارض السلاح وشحنات السلاح إلى العالم العربي من أقصاه إلى أقصاه . في حين خسر المواطن العربي إمكان صرف هذه المبلغ المالية على تطوير البني التحتية الزراعية والصناعية .

هاجس التطرف: تعود جذور التطرف  في العالم العربي إلى الخلاف العقائدي الذي ساد العالم الإسلامي بعد وفاة الرسوم الكريم  فانتشر التفسير والاجتهاد والمدارس الفقهية  وبدل أن تصبح مصدرا ثريا للغنى الفكري صارت مدارس تبث الكراهية والفتاوى والأحقاد وانتشرت مدافع الفقهاء تدك استقرار المنطقة من كل حدب وصوب وانتشر التكفير وعدم القبول بالرأي والرأي الآخر . عصف التطرف بالمنطقة العربية وكان أخر الحركات المتطرفة الدولة الإسلامية في العراق والشام التي بنت معظم أفكارها على قيم متطرفة وحللت لنفسها المساس بحدود الله . وصار الإرهاب الديني أحد الهواجس الخطيرة التي تقض مضجع العالم العربي .

وهناك اتجاهات فكرية عديدة عصفت بالعالم العربي في القرنيين الماضيين  مثل الاستثمارات النفطية  التي رافقها الكثير من الحروب والعنف والعنف المضاد وارتفاع معدلات النمو السكاني والضغوط المجتمعية والبيئية والعادات والتقاليد.

لقد ساهمت هذه الهواجس إلى حد بعيد في زعزعة الاستقرار في المنطقة ومن الصعب فصل هذه العوامل عن بعضها إذا أن الروابط فيما بينها معقدة ومركبة إلى حد بعيد ويستحيل فصل المصالح المحلية عن المصالح الاستعمارية الدولية  وهذا ما يعيق جدية بناء الدولة العصرية الحديثة والمستقرة والمنتجة ذات السيادة  .

 

بقلم محمد عبد الكريم يوسف

.........................

 المراجع

https://www.history.com/topics/france/napoleon

 https://www.thecairoreview.com/tahrir-forum/five-ghosts-that-haunt-the-arab-world/

https://embassies.gov.il/san-francisco/AboutIsrael/Pages/Iranian-Threat.aspx

 https://knesset.gov.il/vip/herzl/eng/Herz_Zion_eng.html

 https://www.csis.org/analysis/trends-islamic-extremism-factors-affecting-future-threat

 

 

ابراهيم أبراشأسوء ما يُصيب أمة على مستوى الوعي السياسي أن يتدنى وعي مثقفيها وسياسييها ويطغى الثانوي والآني على الرئيسي، وتغيب عندهم الرؤية الاستراتيجية للأمور أو يغيبوها عن قصد لخدمة مآرب خاصة ولدغدغة مشاعر العوام، وهذا هو حال الطبقة السياسية الفلسطينية في تعاملها مع القضايا الوطنية الكبرى، حيث الاصطفاف الحزبي لتحقيق مصالح حزبية وشخصية له الأولوية على الاصطفاف الوطني لمواجهة الخطر الخارجي .

تجارب التاريخ وعلم الاجتماع السياسي كما العقل والمنطق كل ذلك أوجد ما يمكن اعتباره قانونا سياسيا واجتماعيا، مفاده أنه عندما يتعرض مجتمع من المجتمعات لخطر خارجي يهدد وجوده فإن كل مكونات المجتمع تتوحد وتصطف لمواجهة الخطر وتنسى الأحزاب خلافاتها الداخلية أو تؤجلها إلى حين تجاوز الخطر الخارجي، حيث الخطر الوجودي لا يهدد طبقة دون غيرها أو حزب دون بقية الأحزاب بل يهدد الجميع .

هذا هو حال الشعب الفلسطيني الذي يتعرض لخطر يهدد وجوده يتمثل بالاحتلال الصهيوني بداية ثم راهنا بصفقة القرن والانقسام الذي يتحول للانفصال ما بين غزة والضفة بينما الأحزاب السياسية سادرة في غيِّها مديرة الظهر للمصلحة الوطنية العليا .

المشكلة لا تكمن في الشعب بحد ذاته بل بالنخب أو الطبقة السياسية التي تتولى أمر الشعب حاليا، سواء في الضفة أو غزة، ولن نعود للتاريخ بل سنقتصر على ما يجري في السنوات القلائل الماضية من تعامل الطبقة السياسية سواء في غزة أو الضفة مع مسألة الانقسام ومع صفقة القرن، حيث نلاحظ بدلا من سعي الطبقة السياسية لتوحيد الشعب وتحشيده واستنهاض كل مكامن القوة لديه وأن تتجاوز خلافاتها، تهرب من مواجهة الواقع وتخفي عجزها وفشلها بتعظيم خلافاتها الداخلية وتصطنع من داخلها وما بينها أعداء تحملهم مسؤولية ما يجري من تراجع واستسلام للعدو الخارجي، وتنقل الشعب من عبثية إلى أخرى .

حركة فتح تُحَمِل مسؤولية الانقسام والانفصال لحركة حماس متهمة إياها أنه منذ ظهورها على المسرح السياسي كمشروع إسلامي موجه من الخارج كان هدفها مواجهة منظمة التحرير والمشروع الوطني كما تتهمها بأنها صانعة الانقسام وتتساوق مع صفقة القرن، وحركة حماس ترد مُتهِمة حركة فتح بأنها المسئولة لأنها اعترفت بإسرائيل بداية ووقعت اتفاقية أوسلو ويوجد بينها وبين إسرائيل تنسيق أمني ولأن إجراءات سلطتها الأخيرة تجاه قطاع غزة عززت الانقسام وتساعد على تمرير صفقة القرن . أما أحزاب اليسار فتبرئ نفسها من المسؤولية وتنظر لحركتي فتح وحماس أنهما (طرفي الانقسام) وتحملهما المسؤولية عن الانقسام وتواطئهما المباشر أو غير المباشر مع صفقة القرن .

بالرغم مما لحق بالقضية الفلسطينية سياسيا من خراب ودمار وبالشعب من إفقار وبطالة وإحباط ويأس إلا أن الطبقة السياسية أو النخب المُهيمنة على ما أتاحته إسرائيل من سلطة حكم ذاتي محدود في غزة وبعض الضفة تواصل نقل الشعب الفلسطيني من أزمة إلى آخر ومن عبثية إلى أخرى، كما تتفنن في إبداع واصطناع الأزمات لإلهاء الشعب لتخفي عجزها وفشلها .

من أزمة السلطة ومنظمة التحرير إلى أزمة الانقسام والرواتب والمعابر والكهرباء، ومن عبثية مفاوضات التسوية إلى عبثية المراهنة على الأمم المتحدة ومحكمة الجنايات الدولية وعبثية حوارات المصالحة، ومن عبثية المقاومة الحزبية الارتجالية بالصواريخ والأنفاق إلى عبثية مسيرات فك الحصار .

يجري كل ذلك فيما هذه النخب المأزومة والفاشلة تواصل تعَظيم وتفخيم خطابها حول الحفاظ على الثوابت الوطنية والمقاومة ورفض التنازل ورفض صفقة القرن الخ، معتقدة أن هذا الخطاب الديماغوجي سينطلي على الشعب إلى ما لا نهاية، بينما الشعب يعرف أن خطاب الرفض والتنديد لوحده ليس دائما موقفا وطنيا ولا يُغير في الواقع شيئا، كما أن تزايد عدد الشهداء والمصابين والمعاناة والفقر دون انجاز حقيقي على الأرض لا يُحتسب انتصارا أو موضع فخر بل يُحسب عليها .

وهكذا نلاحظ، صمت مطبق في موضوع المصالحة الوطنية وكأن الطبقة السياسية سواء في غزة أو الضفة استسلمت لواقع الانفصال وأصبح كل طرف يريد أن يُبعد عن نفسه ويتبرأ مما جرى، مع أن مسلسل الانقسام والفصل متواصل منذ عام 2004 والكل يعرف أن الانقسام مشروع إسرائيلي بتواطؤ مع واشنطن وبعض الدول العربية، وظف الخلافات الفلسطينية الداخلية .

ما يجري بشأن الخطر الوجودي الذي يمثله الانقسام وكيفية تعامل الطبقة السياسية معه يتكرر مع الخطر الوجودي القادم من صفقة القرن التي تُطبق بالفعل على أرض الواقع وتهدد الكل الوطني .ففي الوقت الذي يتحدث فيه الجميع عن خطورة الصفقة الأمر الذي يتطلب منطقيا ووطنيا تجاوز الخلافات الداخلية نلاحظ الأمور تسير بالاتجاه المعاكس حيث تتزايد الخلافات الداخلية وكل طرف فلسطيني يخفي عجزه بتوجيه نيرانه تجاه الطرف الثاني دون رؤية من أي طرف لكيفية مواجهة خطر صفقة القرن بل إن بعض الأطراف تنساق مع هذه الصفقة بوعي أو بدون وعي .

يحدث كل ذلك دون أن يبدو في الأفق ما يُشير لإمكانية مراجعة النخب السياسية لحساباتها وتصويب ممارساتها أو اعترافها بالخطأ، بل الأدهى والأنكى من ذلك أن هذه النخب باتت تتعامل مع فصل غزة ومع صفقة القرن وكأنهما قدر أو مُعطى لا فكاك منه ولا يمكن مواجهته .

 لا شك بوجود تباين بين مكونات الطبقة السياسية سواء من حيث التاريخ النضالي للحزب وشبكة تحالفاته الخارجية أو أهدافه النهائية أو درجة تحسسه للموقف الوطني الحقيقي ومدى حضوره الجماهيري الخ، إلا أنه في النهاية الكل يمر بحالة ارباك وتيه وتغيب عند الجميع إستراتيجية وطنية لمواجهة الخطر الوجودي الذي يمثله الاحتلال بداية ثم الانقسام وصفقة القرن راهنا، والإستراتيجية لا تكون وطنية إن لم تُعبِر عن الكل الفلسطيني .

 

د. إبراهيم أبراش

 

علاء اللاميأجرى موقع صحيفة (Iraq Oil Report)، وهو موقع دولي رصين باللغة الإنكليزية، متخصص بشؤون النفط العراقي، مقابلة مع رئيس مجلس الوزراء العراقي السابق حيدر العبادي، حاوره فيها بن فان هيفيلين وسامية كُلاب في 19 آذار الماضي.وبمقدار ما أثار العبادي من معلومات مهمة ظلت طوال فترة رئاسته طي الكتمان، بمقدار ما كشف عن معلومات أخرى حول قرارات خلفه عادل عبد المهدي فيعدد من الملفات المهمة والحساسة. هذه قراءة تحليلية في بعض ما أدلى به العبادي:

في رده على سؤال حول المشاريع والصفقات التي أوشكت حكومته على إبرامها مع شركات نفطية أجنبيةعديدة ثم ألغتها حكومة عبد المهدي يقول العبادي:

(هناك الكثير على المحك، خاصة إذا كنت تتحدث عن شركة "إكسون موبيل". لقد بدأوا بمشروع استثماري مقترح تبلغ قيمته حوالي 110 مليارات دولار، ويمتد على ما أعتقد، على خمسة عشر عامًا. لقد كان ذلك مشروعا ضخماً بالنسبة لنا، وكان على الإدارة أن تستمر في المفاوضات، حتى انخفضت إلى 50 مليار دولار، أو 60 مليار دولار.كنا، في العام الماضي، في نهاية إضفاء الطابع الرسمي على الاتفاقات المبرمة مع أكسون موبيل، مع شيفرون، مع شركات النفط العالمية الكبيرة الأخرى. الشيء المؤسف، أن الحكومة الجديدة وضعت حداً لكل ما كان يحدث من قبل).

يلمح العبادي إلى أول قرار اتخذته حكومة خلفه عبد المهدي فور منحها ثقة مجلس النواب حتى قبل أن يكتمل تشكيلها، وهو القرار القاضي بإلغاء عدد من قرارات حكومته، لكونها، كما عللوا، كانت حكومة تصريف أعمال. غير أن هذا السبب غير مقنع - كما يرى العبادي وهو محق هنا -لأن بعض تلك القرارات التي ألغيت لم تتخذ في فترة تصريف الأعمال بل قبل ذلك بعدة أشهر، بل أن أحدها اتخذ قبل ثلاثة أعوام. فهل كان إلغاء تلك المشاريع يتعلق بهذا السبب تحديدا، أم أنه يتعلق بالتنافس بين تلك الشركات نفسها، على المشاريع وعائداتها، أم أن الحكومة الجديدة بقيادة عبد المهدي قامت بانقلاب إداري جذري وغيرت الاتجاه تماما وأصبحت تريد، هي نفسها، أن تبدأ من الصفر مع تلك الشركات وغيرها؟

الخبراء المطلعون على هذا الملف يؤكدون أن العبادي كان يصر على التعاقد مع "أكسون موبيل" الأميركية، رغم التجربة المرة معها في مشروع ضخ المياه إلى حقول الآبار النفطية، وبعد مضي سنوات من تسويف هذه الشركةالتي كانت رأس الرمح في "عقود المشاركة" السيئة التي عقدتهامعها رئاسة الإقليم في عهد مسعود البارزاني، والذي كان يتحدى بها الحكومة الاتحادية،حتى أنه صرح ذات مرة بأن التعاقد مع أكسون موبيل (يعادل وجود عشر فرق عسكرية أمريكية) لحمايته. أما العبادي فقد بادر إلى التعامل مع أكسون موبيل وبهذا الحجم الضخم،مسوِّقا الوهم القائل إن أكسون موبيل ستكون عاملا في تنفيذ أي مشروع استراتيجي عملاق يخدم الصناعة النفطية العراقية وهذا محض وهم.

ولعل الفارق الكبير بين المبلغ الأول للصفقة والبالغ مائة وعشرة مليارات والمبلغ الثاني الذي تم خفضه بعد المفاوضات الى النصف تقريبا، يكشف لنا عن الطابع المريب وغير المعقول للأرقام والأرباح التي تطالب بها الشركات الأجنبية والمتعددة الجنسية من ثروات العراق، رغم أن المتخصصين يؤكدون إن (هذه التخفيضات إنما أجريت بسبب تخفيض الأحجام والكميات المتعاقَد عليها وما تشتمل عليه من فقرات/ رسالة شخصية من خبير نفطي).بمعنى أن محاولة هذا المسؤول أو ذاك التباهي بخفض المبالغ بهذه الطريقة تؤكد- من حيث الجوهر - هذا الطابع التفريطي ولا تنفيه.

ثمة مثال قد يُسهِّل الإجابة على السؤال المتعلق بماهية السبب الحقيقي وراء تراجع حكومة عبد المهدي عن مشاريع حكومة العبادي الوشيكة الإبرام،والذي نعتقد أنه يقع في إطار الانسياق الكامل لعبد المهدي وراء الرغبات والأوامر الأميركية: ففي ما يخص عقود إعادة تأهيل الكهرباء في العراق، والتي التهمت باعتراف هيئة النزاهة العراقية بين 29  مليار دولارو41 مليار دولار خلال سنوات ما بعد الاحتلال، فهذه الصفقة التي تنافست عليها شركتا سيمنس الألمانية و جنرال إليكتريك  الأميركية حاولت حكومة العبادي في أيامها الأخيرة  تقسيم الغنيمة بين العملاقين الألماني والأميركي.وحين تولت حكومة عبد المهدي مقاليد الحكم أعلن عن فشل الصفقة،وظهر واضحا أن الحكومة الجديدة تجاوبت مع أوامر ترامب كما يُفهم من كلام الرئيس التنفيذي لشركة "سيمنز"، جو كيزر، والذي صرح  بتاريخ 9 تشرين الثاني - نوفمبر(إن ترامب لعب دوراً في محاولة عرقلة اتفاق الشركة الألمانية مع الحكومة العراقية والدفع في اتجاه منح الصفقة بالكامل لشركة جنرال إلكتريك الأميركية).

ويزيد العبادي من وزن تشكيكاته بمقاصد قرار عبد المهدي إلغاء قراراته لمصلحة الإدارة الأميركية بالقول إنَّ القرار الذي تم إلغاؤه لا يعود لفترة حكومة تصريف الأعمال، بل هو قرار دقيق اتخذ قبل ثلاث سنوات، ثم يضيف (أن الأشخاص الذين يشغلون مناصب المسؤولية الآن، لا يملكون حرية التصرف، ويضيف بالحرف الواحد (ليس لديهم حقاً إجابات، إنْ كان هذا المشروع سيمضي قدماً أم لا... لذلك أعتقد أننا وصلنا إلى هذه الحلقة المغلقة).

يغادر العبادي لغته الدبلوماسية الغامضة ليكون أكثر وضوحا حين يقول في إجابة على سؤال آخر (أعتقد أن البعض ينظرون إليها - إلى تلك المشاريع - سياسياً. فهل يريدون أن تنشط الشركات الأمريكية في بلدنا؟ هذا سؤال كبير).

بمراجعة سريعة لأداء حكومات ما بعد الاحتلال كلها، ومنها حكومة العبادي، سنتوصل الى قناعة مفادها،إن الفارق بين علاقة عبد المهدي بالإدارة الأميركية وبين علاقة سلفه العبادي ليس كبيرا جدا؛ أو لنقل إنه ليس فارقا جوهريا نوعيا بين توجهين،الأول، وطني استقلالي، والآخر تابع،بل هو خلاف في التفاصيل وعليها. فعبد المهدي يريد -كما تشير قراراته-أن يكون الارتباط بواشنطن فقط، مع عدم إغضاب طهران وأصدقائها العراقيين الذين أوصلوه الى كرسي الرئاسة، في حينحاول العبادي أن ينوع الارتباطات مع عواصم أوروبية أخرى، ولكنه فقد منصبه بسبب تصريحه المتعجل والذي فُهِمَ كتأييد للعقوبات الأميركية ضد إيران، فانقلب عليه أصدقاء إيران وحرموه من عهدة ثانية، فإيران لا تتسامح مع هذا النوع من "الزلات اللسانية" إذا كان يلحق الضرر بمصالحهاكدولة،رغم أنها تعلم أن علاقة عبد المهدي بخصمها الأميركي لا تقل انقيادا وتبعية عن علاقة العبادي إن لم تكن أعمق وأعرق!

إن تكتيك تنويع العلاقات والارتباطات ليس جديدا في أسلوب العبادي، وسبق له أن تفاخر بهحين تحدث عن ملف وجود القوات والقواعد الأجنبية في العراق. فقالبعدأسابيع قليلة على تنحيته عن منصبه،إنه ليس مسؤولا عن الإتيان بالقوات الأميركية بعد سيطرة مسلحي داعش على الموصل،بل هو الرئيس الذي سبقه،زميله وزعيم حزبه نوري المالكي. أما هو-كما قال ووثق قوله بكتب رسمية - فلم يقم سوى بتنويع جنسيات تلك القوات للحفاظ على "مرونة وحرية" القرار السياسي العراقي. إن كلام العبادي هذا - حتى إذا صحَّ واقعا - فلا يمكن النظر إليه بجدية فقوات جميع الجنسيات الأخرى ظلت هامشية ورمزية قياسا إلى حجم وتسليح القوات والقواعد الأميركية، ثم أنه لم يبادر الى إنهاء، أو التلميح لإنهاء هذا الوجود بعد إعلانه الانتصار على داعش رسميا!

أما بخصوص قانون "شركة النفط الوطنية" الذي أقره مجلس النواب منتهي العهدة وأقرته الرئاسة بطريقة مريبة،فالعبادي يحاول أن يعطي الانطباع بأن حكومته كانت ضد هذا القانون، ولكنه يرى فيه حلا من حيث المبدأ لمشكلةعدم تشريع"قانون النفط والغاز" المختَلَف عليه بين أركان النظام من ممثلي المكونات،ولكي لا تكون قيادة القطاع النفطي بيد"وزير سياسي". بمعنى، أن العبادي يتبنى الأساس القانوني والسياسي لقيام شركة نفط مستقلة عن "السياسة" ولكنه يتحفظ على المواد التي جعلت عائدات النفط تذهب إلى إدارة الشركة وليس إلى الدولة/الحكومةثم يضيف أن اعتراضات حكومته تحت نظر القضاء، وهذا ليس صحيحا:

فأولا، لم تنظر المحكمة الاتحادية في اعتراضات قدمتها حكومته، بل نظرت في دعوى طعن في عدد من مواد القانون المهمة التي قدمها خبراء عراقيون وطنيون من خارج النظام (وهما خبيران يساريان من خارج العملية السياسية الأميركية يسندهما عشرات الخبراء العراقيين الوطنيين)، وقد حكمت المحكمة لمصلحة الطاعنَين ونقضت المواد المطعون بها واعتبرتها غير دستورية. وهكذا، تم تعطيل هذا القانون الذي شكل خطرا ماحقا على الثروات العراقية النفطية وكسب الوطنيون هذه الجولة. وثانيا، فالوزير الذي كلفه العبادي برئاسة الشركة - مع أن الإعلام قال إن هذا الوزير عيَّن نفسَهُ بنفسِهِ - هو واحد من مهندسي قانون الشركة، ومن المتحمسين له، وهو شخص ذو نزعة فردية وذو طموحات شخصية معروفة، وقد عبر عنها بقراراته المرتجَلة والتي تراجع عن بعضها ومنها قراره بفك ارتباطثلاث شركات نفطية مهمة تابعة للدولة وإلحاقها "بشركته"!

من الآراء اللافتة التي عبر عنها العبادي في هذه المقابلة هو رأيه حول ضرورة (زيادة الإنتاج النفطي الى أقصى حد،لأن الاحتفاظ بالنفط لفترة طويلة، يعني فقدان الفرصة إلى الأبد في استثماره). إن رأي العبادي هذا غير علمي وغير واقعي تماما، فالدول الغربية تعمل منذ عدة عقود على استبدال النفط بمصادر طاقة أخرى، وهي لم تحرز فيه نجاحات كبيرة وحاسمة سوى بعض الإنجازات في مجال الطاقة المتجددة "الخضراء"، وسيبقى النفط والغاز ولزمن قد يطول مصدرا رئيسا للطاقة والمواد البتروكيمياوية الكثيرة والثمينة المستخرجة منه.ثم أن العبادي في دعوته هذه لا يأخذ بالحسبان حساسية السوق النفطي واحتمال انهيار السوق النفطي بسبب زيادة إنتاج هائلة ستؤدي إلى سقوط سعر البرميل النفطي وتضاؤل مخيف في الواردات مهما تضاعف حجم الإنتاج.

يذكر العبادي في هذه المقابلة أنه كان قد أجرى مفاوضات لإقامة مصافٍ للنفط (مع شركة شل في مرحلة ما، وناقشنا ما إذا كان بإمكانهم ذلك- كانوا يعملون في مشاريع نفطية، وكانوا يريدون شركات بتروكيماويات، لكن رئيس شركة شل قال: "إنها ليست مربحة"، الأمر الذي أثار دهشتي).

يمكن أن تزول دهشة العبادي لو أنه استمع بنقدية وشك لما يقوله رؤساء الشركات الأجنبية الأميركية وغير الأميركية، ولو أنه اطلع على تجارب دول أخرى حرمت بل ومنعت منعا من ان تكون فيها صناعة نفطية ومصاف كبرى تابعة لها كفنزويلا التي تعاني اليوم من هذا الوضع الذي وجدت فيه. فبناء المصانع والمصافي النفطية غير مسموح به أميركيا كما يتضح. ولهذا - أيضا - لم تتقدم الحكومة العراقية كثيرا، ويبدو أنها عُرقلت عن قصد، في إنجاز مشروعها لإعادة تأهيل المصافي القديمة أو تلك التي استعيدت من سيطرة مسلحي تنظيم داعش التكفيري ومن بينها ثاني أكبر مصفى في الشرق الأوسط "مصفى بيجي"، والذي سرقت لاحقا حتى الأجزاء التي ظلت سليمة بعد حرب القضاء على داعش وتم بيعها من قبل نافذة في الحكم، كما قيل في الإعلام العراقي، وسكتت عليه حكومة عبد المهديولم تكلف نفسها عناء تشكيل لجنة تحقيقمن تلك اللجان "الورقية" الكثيرة!

مضاف إلى ما تقدم، فإن أنشاء المصافي أو مصانع البتروكيمياويات كمشاريع استثمارية هو أمر لا جدوى فيه من الناحية الاقتصادية،أي من حيث مستوى استرداد رأس المال أو المخاطر الاقتصادية والتنفيذية. ويعتقد بعض الخبراء في هذا الشأن، ومن الناحية الاقتصادية الصرفة تحديدا، ويعتقدون (بوجوب عدم متابعة وهم التعاقد مع المستثمرين، وإنما التركيز على الاستثمار الحكومي الموسع في هذه المجالات).

عن العلاقات بين الدولة العراقية الاتحادية وإدارة الإقليم الكردي أدلى العبادي بكلام كثير سنحاول أن نتوقف عند أهمه:

يؤكد العبادي أن تلك العلاقة متذبذبة، ويوضح (ليس بسبب سياسة النفط، ولكن بسبب العلاقات الشخصية والسياسية. يمكن أن تصبح جيدة جدا أو تصبح سيئة للغاية). وأن هناك مشكلة أساسية واحدة، وإذا لم يتم حلها، فلا توجد طريقة للوصول إلى اتفاق على أي شيء: الشفافية. من المسؤول عن هذا النفط وأين يذهب؟ إنها ليست مسألة نسبة مئوية 17 في المائة، 14 في المائة أو12 في المائة، أيا كانت. إنه من يستفيد من هذا النفط؟)

إنَّاستخفاف العبادي بموضوع النسبة المئوية التي تحصل عليها إدارة الإقليم، وتركيزه على هوية المستفيدين منها، على أهمية معرفة مصير تلك الأموال، وهذه مسألة إدارية وقضائية بحتة تتعلق بمكافحة الفساد، يعكس نظرة قادة الحكم العراقي الحاليالى القوانين والدستور والثوابت التي شرعوها هم أنفسهم: فلا شيء مقدس أو قانوني عندهم فالارتجالهو سيد الموقف!

يمكن أن يُفهم من كلام العبادي أن المهم ليس تقرير حصة الإقليم على أساس نسبة سكانه الحقيقية بهدف تحقيق المساواة بين العراقيين كما ينصالدستورالنافذ بل المهم هو التصرف بتلك الأموال وأين تذهب، وهذا أمر مهم فعلا، ولكنه شأن حكومي وإداري يتولاه القضاء في حالة وجود فساد فيه، إنما لا يجوز الخلط بين الأمرين، مثلما لا يجوز التساهل والاستخفاف بنسب المحافظات والإقليم وجعلها أشبه بجوائز ترضية لتمشية صفقات سياسية. لقد قدم العبادي نسبة معقولة للإقليم، وخفض النسبة التقليدية التي قررتها حكومات ما بعد الاحتلال، بمبادرة من حكومة إياد علاوي،من 17بالمائة إلى 13بالمائة تقريبا،ولكن عبد المهدي وحلفاءه عادوا فزادوا النسبة إلى أكثر من 20 بالمائة من الموازنة العراقية،كما ألغوا الشرط الذي يوجب على الإقليم أن تقديمنسبة محددة من انتاجه النفطي إلى الدولة الاتحادية! وكل هذا تم -كما قال صراحة القيادي في التيار الصدري حاكم الزاملي- لمصلحة قيادة البارزاني بدفع من إيران وبتنفيذ من حلفائها في بغداد بدعوى محاولة (سحب البارزاني من المحور الغربي الأميركي إلى المحور الشرقي)!

بعد أيام على نشر هذه مقابلة مع (Iraq Oil Report) عاد العبادي وانتقد في لقاء تلفزيوني ما تقوم به إدارة الإقليم من تصرفات مالية، وقال إنها زادت رواتب الموظفين بنسبة 50 بالمائة عما كانت عليه في عهده، دون أية زيادة في كميات النفط المرسلة من قبل الإقليم إلى الدولة. وقد رد عليه مسؤول كردي هو هوشيار زيباري مذكرا إياه بأنه (فقد منصبه نتيجة سياساته المناهضة للكرد وهو يتحدث اليوم بالضد من سياسات عبد المهدي التي تلبي مطالبنا المشروعة). بعدها جاء تدخل مكتب مسعود البارزاني ليتخلى عن أية لغة دبلوماسية في الخطاب السياسي فوصف العبادي بـ (الجاحد للبيشمركة وشعب كردستان الذين لولاهم لما استطاع شخص مثله أن يرى الموصل بعينيه ثم يسرق النصر على داعش في الموصل ويتباهى به). وقد مرت هذه التصريحات المتشنجة بسلام وهدوء على الساسة في التحالفين الشيعيين من حلفاء وخصوم العبادي!

وعموما، فكلام العبادي هذا، رغم صحته النسبية،لن يحدث أثرا في المشهد السياسي الراهن طالما اتفق التحالفان الشيعيان "الإصلاح" و"البناء" المتنافسان على كسب الصوت الكردي على دعم حكومة عبد المهدي الذي أغدق الكثير على إدارة الإقليم.

أخيرا، وبخصوص موقف العراق من المواجهة بين إيران والولايات المتحدة، يلخص العبادي الموقف العراقي المطلوب من الحكومة الجديدة الإلتزام به بالكلمات التالية (آمل ألا تدخل-الحكومة الجديدة- في فخ "إيران مقابل الولايات المتحدة". يجب أن تكون لدينا مصالحنا الخاصة. لا نريد إيذاء إيران. ولا نريد أن نكون ضد الولايات المتحدة). وفي الحقيقة فهذا ليس رأي العبادي فقط، بل هو رأي جميع رؤساء الحكومات العراقية لسنوات ما بعد الاحتلال. إنهم يتصرفونعلى أساس أن الموقف الصحيح يجب أن يقوم على إرضاء الطرفين الأميركي والإيراني لضمان مصالح العراق! وهذا خطأ فادح وتكتيك انتهازي لا يضمن مصالح العراق وإنما يخدم مصلحة الطرفين الآخرين، ويدفع العراق ثمنه من نفط البصرة ومن أمنه واستقلاله.

إن الموقف الوطني الاستقلالي الأقرب الى الموضوعيةهو الذي يقوم على التمييز النوعي بين الاحتلال المباشر وغير المباشر الأميركي والتدخلات والهيمنة الإيرانية والتي تضر أشد الضرر بالتضامن الحقيقي بين العراق وإيران في مواجهة الولايات المتحدة ودولة العدو الصهيوني؛ موقف يعتمد استراتيجيةواضحة تدافع عن مصالح العراق وتواجه الاحتلال الأميركي وتتعامل بحسم مع رفضه سحب قواته وقواعده العسكرية من العراق، وأيضا، وفي الوقت نفسه، ترفض الهيمنة الإيرانية المتفاقمة في السياسية والأمن والاقتصاد والثقافة رفضا حقيقيا لاستعادة القرار الوطني العراقي المستقل!

إنَّ وجود عراق مستقل وديموقراطي مالك لقراره السيادي سيكون عامل قوة لإيران المناهضة للغرب والدولة الصهيونية، أما العراق الضعيف الذي تحكمه أحزاب طائفية وقومية فاسدة تحميها إيران والولايات المتحدة فهو قد يكون مفيدا لإيران في فترة معينة، ولكنه سيكون على الدوام عامل ضعف وتهديدلها على المستوى الاستراتيجي.

 

علاء اللامي - كاتب عراقي

 

أعلن خليفة حفتر قائد قطعات الجيش في الشرق الليبي إنطلاق ما وصفها بعمليات تحرير العاصمة طرابلس من الميليشيات المسلّحة  التي تقاسمت النفوذ في العاصمة طرابلس منذ إسقاط حكم الرئيس الراحل معمر القذافي في العام 2011. وقد شهدت المدينة بين الفينة والأخرى  إندلاع نزاعات مسلحة بين الجماعات المتنافسه على النفوذ بين، دفع المواطن الليبي ثمنا باهضا لها سواء على صعيد الأرواح او البنى التحتية او التداعيات الإقتصادية السلبية فضلا عن غياب الأمن وتردي الخدمات.

لم تشهد ليبيا استقرارا منذ إعلان حلف الناتو إنطلاق حملته العسكرية  في التاسع عشر من مارس عام 2011 لإسقاط نظام حكم القذافي وإحلال الديمقراطية في البلاد. لكن البلاد لم تشهد منذ ذلك اليوم أي استقرار سياسي او امني بل تحولت الى مرتع للميليشيات المسلحة  والجماعات الإرهابية التي سيطرت على عدد من المدن الليبية وخاصة مدينة بنغازي حتى وصل الأمر الى أن اعلن تنظيم داعش الإرهابي إقامة دولة الخلافة في مدينة سرت مسقط رأس الزعيم الراحل.

وبالرغم من ان ليبيا لاتعاني من حالة من الإنقسام الديني او الطائفي  او العرقي بالرغم من وجود بعض المجموعات العرقية مثل الطوارق والتبو إلا أنها شهدت حالة من الإنقسام السياسي والإنشطار في مؤسسات الدولة فهنالك اليوم حكومتان أحدهما معترف بها دوليا في طرابلس وهي حكومة الوفاق الوطني ويرأسها فائز السراج وحكومة في الشرق الليبي يرأسها عبدالله الثني في طبرق.

وقد تأسست الحكومة الأولى كثمرة لإتفاق الصخيرات الذي وقعته اطراف الأزمة الليبية  في مدينة الصخيرات بالمغرب في ديسمير من العام 2015 وبرعاية أممية ، ونص الإتفاق على ان عمر الحكومة لن يتجاوز السنتين كحد أقصى، لكن السنتين إنقضيتا ولم تخرج ليبيا من الحالة الإنتقالية عبر إقامة إنتخابات حرة في البلاد. وأما الحكومة الثانية فقد وافق عليها مجلس النواب الليبي ومقره في طبرق في شهر سبتمبر من العام 2014 عقب الإنتخابات التي أسفرت عن خسارة الإسلاميين وخاصة جماعة الأخوان الإسلامية مما أدى إندلاع نزاعات مسلحة قسمت البلاد، ومؤسساتها  بين الشرق والغرب.

وقد برزت في الشرق شخصية الجنرال خليفة حفتر وهو قائد سابق في الجيش أيام حكم القذافي لكنه وبعد فشل العمليات العسكرية الليبية في تشاد المجاورة طلب اللجوء السياسي الى أمريكا وعاد بعد السقوط الى البلاد ليقود ما تبقى من قطعات الجيش السابق ليشكل منها نواة لقوات عسكرية نجحت لاحقا في تحرير مدينة بنغازي من الجماعات الإرهابية. ثم تبع ذلك تحرير مدينة درنة كما وبسط سيطرته على منطقة الهلال النفطي التي يتم تصدير النفط عبرها، ثم توّج إنتصاراته بالسيطرة على مدينة سبها عاصمة الجنوب الليبي.  وبعد ان بسط سيطرته على الشرق والجنوب أعلن قبل يومين إنطلاق عملية تحرير مدينة طرابلس مما وصفها بالميليشيات المسلحة المدعومة من حكومة الوفاق المدعومة بدورها من المجتمع الدولي.

وأما حكومة الوفاق الضعيفة فلم تنجح في إعداد قوات عسكرية او إنهاء أزمات البلاد  لكنها كسبت ود الميليشيات المسيطرة على العاصمة حيث تم الحاقها بإجهزة الأمن والعسكر. وأما هذه الميليشيات فأغلبها تمتد جذورها لمدينة مصراته الواقعة على الساحل الليبي والى الشرق من العاصمة طرابلس. وقد لعبت هذه المدينة دورا أساسيا سواء على الصعيد العسكري او السياسي في البلاد منذ إسقاط النظام السابق وتعتبر من أشد المدن عداءا لحكم القذافي.

وقد حظيت مدينة مصراته بدعم من كل من قطر وتركيا بحكم ارتباطها بجماعة الأخوان المسلمين وكذلك بدعم إيطالي نظرا لأنها أيدت خطة حلف الناتو لأسقاط النظام السابق. وفي مقابل هذا الدعم حصل الشرق الليبي ممثلا بخليفة حفتر وعقيلة صالح رئيس مجلس النواب الليبي على دعم الدول المناهضة للمحور القطري التركي الا وهي الإمارات ومصر والسعودية. وأما على الصعيد الدولي فإن الشرق انفتح على كل من روسيا وفرنسا في محاولة لموازنة الدور الغربي الممثل بايطاليا وأمريكا اللتان وقفتا خلف حكومة الوفاق بطرابلس.

وقد أسهم هذا الدعم في  تحرير القوات الأمريكية لمدينة سرت من قبضة تنظيم داعش وتسليمها لحكومة الوفاق فيما ساهم الدعم المصري والإماراتي والفرنسي في تحرير مدينة بنغازي ودرنة من نير الجماعات الإرهابية المرتبطة بتنظيم القاعدة. وقد ادى هذا الدعم كذلك الى تقوية شوكة قوات الجيش بقيادة خليفة حفتر فيما تمكن الدعم الإيطالي الأمريكي من الإبقاء على حكومة الوفاق طوال السنوات الأربع الماضية بالرغم من ضعفها وهشاشتها.

ومن اللافت ان السعودية دخلت مؤخرا بشكل مباشر على خط الأزمة الليبية، إذ أعلن حفتر إنطلاق عمليات تحرير طرابلس بعد  ساعات من عودته من السعودية ولقائه ملكها سلمان بن عبدالعزيز. وقد سبق ذلك تقاربا بين مجلس النواب الليبي  والحكومة المؤقتة مع السعودية مسفرا عن نمو مضطرد في الشرق  للجماعات السلفية  الغير مرتبطة بالقاعدة او داعش ولكن بالمؤسسة الدينية السعودية. وقد أثارت هذه العمليات غضب ايطاليا وبريطانيا حيث دعت الأخيرة مجلس الأمن الدولي الى الإنعقاد بعد ان نجحت قوات حفتر وخلال ساعات معدودة من الوصول الى تخوم العاصمة طرابلس مهددة باسقاط حكومة الوفاق وإعلان  وقوع البلاد في قبضة حفتر.

ومما يجدر ذكره أن ليبيا تشهد تنافسا حادا بين كلا من إيطاليا وفرنسا، فإيطاليا المستعمر السابق للبلاد تحتفظ بعلاقات اقتصادية واسعة  وخاصة في القطاع النفطي، لكن فرنسا دخلت كمنافس شرس لإيطاليا وحاولت أخذ زمام المبادرة  من يديها مما أدى الى توتر العلاقات بين البلاد خلال الفترة الأخيرة، وخاصة عندما استغلت فرنسا انشغال ايطاليا بتشكيل الحكومة الجديدة  لتعلن عن مؤتمر باريس لحل الأزمة الليبية.

واما الولايات المتحدة فقد دخلت في خط الصراع معلنة وعلى لسان الرئيس ترامب وقوفها الى جانب ايطاليا، مؤكدة على  ان امريكا غير معنية بالشأن الليبي الا فيما يتعلق بمحاربة الإرهاب.

ولذا فقد أثارت هذه العمليات العسكرية قلق الدول المؤثرة في ليبيا  وكذلك دول الجوار وخاصة الجزائر وتونس اللتان تخشيان دخول البلاد في حالة فوضى شاملة ستكون لها تداعياتها الأمنية على البلدين اللذين يحتفظان بحدود طويلة مع ليبيا. فمن ناحية تخشى ايطاليا  فقدان نفوذها في البلاد لصالح فرنسا فيما لو سقطت حكومة الوفاق وأما قطر وتركيا فإن هذه العمليات ستقضي على نفوذهما عبر مدينة مصراته وجماعة الأخوان. فيما سيعتبر انتصار حفتر تعزيزا للنفوذ السعودي الإماراتي المصري في ليبيا. ومع تعزيز العلاقات بين تونس والسعودية مؤخرا  فإن الأخيرة ستعزز تواجدها في الشمال الأفريقي عبر تشكيل تحالف يضم مصر وتونس بالإضافة الى ليبيا  وقد تنضم اليه الجزائر لاحقا بإنتظار المتغيرات السياسي في اعقاب استقالة عبدالعزيز بو تفليقه.

وأما على الصعيد الداخلي فإن الشعب الليبي ضاق ذرعا من الأوضاع المتردية على مختلف الصعد وخاصة الأمنية والإقتصادية منها واستمرار النزاعات المسلحة ولذا فهو يتطلع الى الخلاص من هذا الوضع الذي يكاد يكمل عقدا كاملا، في الوقت الذي كان يعيش حالة من الأمن والرفاه الإقتصادي يحسد عليها في زمن النظام السابق. وقد أثار هذا الوضع حنين الكثير من الليبيين الى النظام السابق حيث تنامي ما يسمى بالتيار الجماهيري الذي اتخذ من سيف الإسلام القذافي نجل الزعيم الراحل رمزا له بإنتظار المشاركة في إنتخابات هذا العام.  

لكن هذه العمليات العسكرية وضعت الإنتخابات على كف عفريت كما وانها أثارت قلق أنصار النظام الجماهيري الذي ينظرون بعين الريبة الى خليفة حفتر. لكن ما يجري على الأرض يثبت بان حفتر حاليا هو رجل ليبيا القوي الذي قد تخرج ليبيا على يديه من حالة الفوضى ويعاد بناء دولتها التي أسقطت تحت ذريعة إحلال الديمقراطية،إذ لم ينجح حلف الناتو في اقامة ديمقراطية في البلاد  كما ولم تنجح القوى السياسية المتعددة الولاء في إخراج البلاد من ازمتها ويضاف الى ذلك فشل الحلول السياسية الدولية، مما ترك الساحة للحل العسكري الذي قد يحسم الأوضاع و يوحد البلاد ويخرجها من ازمتها المستدامه لكنه قد يسقطها أيضا في فخ الدكتاتورية والحكم العسكري!

 

ساهر عريبي

 

كاظم الموسويودع الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الرئاسة، برسالة سلمها الى رئيس المجلس الدستوري، واذاع الفريق احمد قايد صالح رئيس اركان الجيش الوطني الشعبي ونائب وزير الدفاع رسالة موقف ومسار وربما اشارة منظمة للمرحلة القادمة.. والشارع والاعلام ينقل رسائل متواصلة مع الحدث، اغلبها مطالبة بالتغيير والتجديد.. وكلها رسائل مهمة وقد تكون خطيرة في ظروف واوضاع البلاد وما يتربص بها..

تاخر الرئيس بوتفليقة كثيرا في قراره كما تاخرت قيادة الاركان.. المتغيرات حول الجزائر كثيرة ومتوازية والضغوط ليست قليلة والاخطار لم تكن نائمة.. ورغمها فان ما ياتي ليس سهلا ولا هينا في الحفاظ على الثوابت والتقدم الى الامام في بناء مرحلة ما بعد الرئيس المستقيل، وفرز التدخلات والتداخلات المكشوفة والمعلنة وما خفي منها.

أبلغ الرئيس بوتفليقة رسميا رئيس المجلس الدستوري قرار إنهاء عهدته بصفته رئيسا للجمهورية، وذلك اعتبارا من تاريخ 2 نيسان/ أبريل 2019، بحسبما أفاد به بيان للرئاسة الجزائرية، وعرضته صور تلفزيونية ناطقة بقرار الاستقالة. وتضمنت الرسالة الرسمية الاخيرة للرئيس، رسالة الوداع لمسيرة عشرين عاما من الحكم، اشارات تتطلب الانتباه لها ولما وراء سطورها.

اكد فيها: إن قصدي من اتخاذي هذا القرار إيمانا واحتسابا، هو الإسهام في تهدئة نفوس مواطني وعقولهم لكي يتأتى لهم الانتقال جماعيا بالجزائر إلى المستقبل الأفضل الذي يطمحون إليه طموحا مشروعا.

واضاف: لقد أقدمت على هذا القرار، حرصا مني على تفادي ودرء المهاترات اللفظية التي تشوب، ويا للأسف، الوضع الراهن، واجتناب أن تتحول إلى انزلاقات وخيمة المغبة على ضمان حماية الأشخاص والممتلكات، الذي يظل من الاختصاصات الجوهرية للدولة.

ووضح: إن قراري هذا يأتي تعبيرا عن إيماني بجزائر عزيزة كريمة تتبوأ منزلتها وتضطلع بكل مسؤولياتها في حظيرة الأمم.

لقد اتخذت، في هذا المنظور، الإجراءات المواتية، عملا بصلاحياتي الدستورية، وفق ما تقتضيه ديمومة الدولة وسلامة سير مؤسساتها أثناء الفترة الانتقالية التي ستفضي إلى انتخاب الرئيس الجديد للجمهورية.

وختمها بتاكيد وشهادة عن مرحلة واشارة لمرحلة جديدة تستمد تطورها من مفرداتها وبناء المرحلة لما يخدم مصالح العباد والبلاد؛

يشهد الله جل جلاله على ما صدر مني من مبادرات وأعمال وجهود وتضحيات بذلتها لكي أكون في مستوى الثقة التي حباني بها أبناء وطني وبناته، إذ سعيت ما وسعني السعي من أجل تعزيز دعائم الوحدة الوطنية واستقلال وطننا المفدى وتنميته، وتحقيق المصالحة فيما بيننا ومع هويتنا وتاريخنا.

واخر كلماتها تمنيات: أتمنى الخير، كل الخير، للشعب الجزائري الأبي".

من جهته طلب رئيس اركان الجيش الوطني الشعبي الفريق أحمد قايد صالح "التطبيق الفوري" للحل الدستوري،  كبادرة خير وأمل للخروج من الأزمة، معتبرا ان هذه المبادرة التي قدمها الجيش الوطني الشعبي، انطلاقا من إحساسه بالمسؤولية التاريخية تجاه الشعب والوطن، لكن مع الأسف الشديد قوبل هذا المسعى بالتماطل والتعنت بل والتحايل من قبل أشخاص يعملون على إطالة عمر الأزمة وتعقيدها، والذين لا يهمهم سوى الحفاظ على مصالحهم الشخصية الضيقة غير مكترثين بمصالح الشعب وبمصير البلاد.

وبعد ان ترأس اجتماعا بمقر أركان الجيش الوطني الشعبي، ضم كل من قادة القوات وقادة النواحي العسكرية والأمين العام لوزارة الدفاع الوطني ورئيسي دائرتي أركان الجيش الوطني الشعبي، في إطار متابعة التطورات المرتبطة، تقدم بالاقتراح الذي دعمه الجيش الوطني الشعبي الرامي إلى تفعيل المواد 7 و8 و102 من الدستور. وأكد أنه تابع عن كثب تلك المسيرات السلمية، التي خرج فيها الشعب الجزائري رافعا مطالب مشروعة، وأشاد بالسلوك الحضاري والمستوى الراقي للوعي والنضج الذي أبانه الشعب الجزائري، طيلة هذه المسيرات، معبرا عن تأييده التام لمطالب الشعب وتطلعاته المشروعة، انطلاقا من قناعته النابعة من تمسكه بالشرعية الدستورية وأن الشعب هو المصدر الوحيد والأوحد للسلطة.

كما ذكّر بمختلف مساعي الجيش الوطني الشعبي لإيجاد حل للأزمة منذ بداية المسيرات، حيث أكد بتاريخ 18 آذار/ مارس على ضرورة إيجاد حل لهذه الأزمة في أقرب الآجال وأن هناك حل بل حلول لهذه المعضلة، شريطة أن تندرج في الإطار الدستوري، لكن وأمام عدم الاستجابة لهذا المسعى، ونظرا لإدراكه العميق بحساسية الوضع، تطرق مرة أخرى بتاريخ 26 آذار/ مارس، وأكد على ضرورة إيجاد حل للخروج من الأزمة حالا وقدم اقتراح تفعيل المادة 102 من الدستور، كحل يندرج حصرا في الإطار الدستوري، الذي يعد الضمانة الوحيدة للحفاظ على وضع سياسي مستقر.

وكانت المحطة الأخيرة هي اجتماع مقر أركان الجيش الوطني الشعبي،  يوم 2 نيسان/ أبريل 2019، ومعه تصريح الفريق: “لقد أكدت في العديد من المرات على أنني بصفتي مجاهد كافحت بالأمس المستعمر الغاشم وعايشت معاناة الشعب في تلك الفترة العصيبة، لا يمكنني السكوت عن ما يحاك ضد هذا الشعب من مؤامرات ودسائس دنيئة من طرف عصابة امتهنت الغش والتدليس والخداع، ومن أجل ذلك فأنا في صفه وإلى جانبه في السراء والضراء، كما كنت بالأمس، وأتعهد أمام الله والوطن والشعب أنني لن أدخر جهدا في سبيل ذلك، مهما كلفني الأمر”.

كلمات التصريح مع ماوراء السطور في رسالة  الوداع يتبين المشهد السياسي، وماوراء الرسائل الاخيرة يشرح دور ومساعي الجيش، التي اضاف الفريق لها، ان الشعب الجزائري بارك هذه المساعي وثمن حرص الجيش الوطني الشعبي على إيجاد حل دستوري للأزمة في أقرب الآجال.

اين الأزمة وهل مختصرها في موقع الرئاسة ام أنها أبعد من ذلك؟!. ومن حفز الحراك الشعبي؟. كيف تطورت الشعارات المطلبية، ولماذا؟.

الحراك الشعبي السلمي الحضاري نجح في الضغط على انتهاء مرحلة ودعا الى إستمرار وضرورة التجديد والتغيير، وهو ما يؤشر لخطوات المرحلة الجديدة، بعد بوتفليقة. لكن كيف ستكون؟، انتقالية دستورية ام توافقية ثورية؟، حكم الجيش ام فوضى الشارع؟ هنا توضع التجربة التاريخية لثورة المليون ونصف مليون شهيد والعشرية السوداء، وتجارب البلدان الشقيقة الاخيرة، وتكون ماثلة وذات عبرة ودرس واعتبار..

من سيقود البلاد بعد الاستقالة واجتماع القيادات العسكرية؟، واجتماعات قيادات معارضة سياسية؟!. وتصريحات متعددة من جهات متنوعة، واستمرار الحراك الشعبي في الشارع؟!. أن المهمة ليست يسيرة وان الاستراتيجية الوطنية التي  تؤمن الأمن والاستقرار والتقدم والازدهار للبلاد، والعقل والحوار الوطني ورؤية المصالح الشعبية تظل المفتاح لمستقبل أفضل للجزائر العربية الديمقراطية الشعبية، لجزائر عزيزة كريمة فعلا.

 

كاظم الموسوي

 

نجوى السودةبقلم: جون لوفتاس

ترجمة /نجوى السودة

إن القاعدة هي نتاج جماعة عربية فاشية تأسست في عام 1920، دعمها ماليا أدولف هتلر، وإستغلتها المخابرات البريطانية، والفرنسية، والأمريكية بعد الحرب العالمية العالمية الثانية، وفيما بعد دعمتها السعودية وقامت المخابرات الأمريكية بتفعيل دورها .

كان غريبا بعض الشئ أن تجد كاثوليكا أيرلنديا يتحدث عن "يوم هاشوآه " لديه ثقافة غير عادية عن الهولوكست. حينما كنت أعمل محاميا عاما، تم إختياري لأقوم بعمل بحث مصنف عن الهولوكست .لذلك توجهت إلى مدينة صغيرة تدعى سويتلاند،ماريلاند،جهة اليمين من واشنطن، وبها محكمة المقاطعة حيث تدفن فيها حكومة الولايات المتحدة أسرارها .

- هناك يوجد عشرون خزينة تحت الأرض وكل منها تعادل فدانا .من رأى منكم فيلم المعتدون على التابوت المفقود، سوف يعرف ما حقيقة الخزائن التي بالأرض، ليس فقط كما ظهرت في الفيلم، لكنني إكتشفت شيئا مروعا عن تلك الخزائن التي تحت الأرض. علمت أن هناك العديد من النازيين الذين قد تم تحديدهم ليحاكموا ضمن حسابات لدى المخابرات الأمريكية، إلا أن الحكومة الأمريكية لا تعلم بأنهم نازيين ؛لأن المخابرات الأمريكية قد كذبت عليهم .

 - ما لم تعلمه المخابرات البريطانية أن الذي كذب عليهم هو كيم فيلباي العميل السوفيتي الشيوعي المزدوج -إنها فضيحة بسيطة للحرب الباردة، إلا أن خارجيتنا أخفت السر تحت السجادة وسمحت للنازيين أن يقيموا في أمريكا للدرجة التي جعلتني معتادا عليهم بدرجة لا كافية من الغباء.

ماذا تفعل حتى تعتاد على قصة مثل هذه القصة؟

دعني أعطيك مثالا: كتب صديق لي في المخابرات الأمريكية، يسمى بوب باير ، كتابا جيدا عن المملكة العربية السعودية والإرهاب، أطلق عليه "النوم مع الشيطان" كتب بوب عن الفترة التي كان يعمل فيها مع المخابرات الأمريكية وعن الملفات السيئة .

ذكر أنه على سبيل المثال، أن ملفات الإخوان المسلمين كانت تقريبا لاشئ لم يكن هناك سوى قصاصات ورق من الجرائد، قمت بالإتصال ببوب وقال لي، " إن ذلك خطأ ،إن المخابرات الأمريكية بها ملفات ضخمة عن الإخوان المسلمين، مجلدات عنهم أعرف ذلك لأنني قرأت تلك الملفات من مائة عام. "

ثم قال "ماذا تقصد؟ "

من هنا يمكنك أن تجد كل الملفات السرية عن الإخوان المسلمين – يمكنك أن تقوم بذلك . أيضا طبع بوب الكلمتين " الإخوان والنازية " فأخرج منهما من ثلاثين إلى أربعين مقالا من حول العالم قرأهم واتصل بى مرة ثانية وقال " يا إلهي مالذي فعلناه ؟ " ما أقوم به الآن: إنني أعلم جيلا جديدا في المخابرات الأمريكية (حقيقة) أن الإخوان المسلمين منظمة فاشية إستأجرتها المخابرات الغربية وتطورت بالتدريج إلى أن صارت القاعدة .

نبذة مقتضبة عن تاريخ (الإخوان المسلمون)

من هنا تبدأ القصة في عام 1920كان هناك شابا يدعى (حسن البنا) كون حسن البنا هذه الجماعة الوطنية المسماة بالإخوان المسلمين . كان البنا شديد الولع بأدولف هتلر وكان يكتب له بإستمرار .

من أجل ذلك لم يكن من السهل أن يبدي إعجابه لحزب النازي في سبتمبر 1930وأصبح البنا والإخوان المسلمين الدرع السري للمخابرات النازية . إن النازية العربية تتشابه كثيرا مع معتقدات النازية الجديدة من حيث مقتهم اليهود .

وفى الثقافة الغربية أصبح من المهام الرئيسية للرايخ الثالث أن يطور الإخوان المسلمين حتى يصيروا مثل " البرلمان الخامس " العسكري في مصر،حينما إندلعت الحرب، وعد الإخوان المسلمون كتابيا بأنهم سوف ينهضون ويساعدون رومل وأن يوقنوا بأنه لايوجد جنديا إنجليزيا أو أمريكيا على قيد الحياة في القاهرة أو الأسكندرية، بدأ الإخوان يتوسعوا في أهدافهم وتأثيرهم أثناء الحرب العالمية الثانية، لم يفتهم أن يكون لهم مكانا في فلسطين ترأسه مفتي فلسطين، واحد ممن يتمتعون بالتزمت في الرأي طوال الوقت ،ويمثل الإخوان المسلمين في فلسطين . هؤلاء وبلا شك النازيين العرب . توجه المفتي إلى ألمانيا أثناء الحرب وساعد في إنشاء جماعة للإخوان . أسس قاعدتها في كرواتيا وأطلق عليها تقسيم هندزار المسلمين، بل صارت حجر الأساس لجيش هتلر الجديد من الفاشيين العرب ذلك الجيش الذي يغزو شبه الجزيرة، ومن هناك، إلى إفريقيا - الأحلام العظيمة . و في نهاية الحرب العالمية الثانية كان الإخوان المسلمين مطلوبين في جرائم حرب.

ألقي القبض على رجال إستخباراتهم الألمان في القاهرة . كانت الشبكة كلها تديرها المخابرات السرية البريطانية .بعد ذلك حدث شيئا مروعا بدلا من أن يتم إعتقال الإخوان المسلمين - النازيين -وظفتهم الحكومة البريطانية حيث قاموا بجلب مجرمي الحرب الهاربين من النازيين من العرب والإخوان المسلمين ونزلوا إلى مصر، وقاموا بتدريبهم لمدة ثلاث سنوات في مهمات خاصة . أرادت المخابرات السرية البريطانية أن تستخدم الفاشيين من الإخوان المسلمين لتقر بعدم شرعية دولة إسرائيل الوليدة في عام 1948. 

لم تكن بريطانيا بمفردها . تعاونت المخابرات الفرنسية معها عن طريق إطلاق صراح مفتي الديار وتهريبه بطريقة غير شرعية إلى مصر، من هنا توحد كل النازيين العرب . ومن هذا التاريخ، من عام 1945حتى عام 1948، كانت المخابرات السرية البريطانية تحمي كل نازي عربي بقدر ما تستطيع، لكنها فشلت في أن تحول دون قيام دولة إسرائيل . ما فعلته بريطانيا، حينئذ،هو أنها قامت ببيع النازيين العرب ممن كانوا يعملون بالمخابرات الأمريكية التي صارت فيما بعد الإستخبارات الأمريكية . ربما يكون هذا شيئا غبيا شيطانيا، لكن هذا هو ما حدث . كانت الفكرة قائمة على أننا سوف نستغل النازيين العرب ليكون لهم ثقل لا يقل عن ثقل الشيوعيين العرب . تماما مثلما كان الإتحاد السوفيتي يدعم الشيوعيين العرب ماديا، بالمثل فإننا سوف ندعم النازيين العرب ليجاهدوا ضدهم .هناك الكثير من الأسرار الإقتصادية وكنا نحن من يتحمل النفقات المادية للإخوان المسلمين . صار المصريون عصبيون .أمر ناصر كل الإخوان المسلمين بالخروج من مصر أو سجنهم وإعدامهم . لذلك خلال عام 1950، تم نقل النازيين من الإخوان المسلمين إلى السعودية .

الآن، حينما وصلوا إلى المملكة العربية السعودية، قام البعض من جماعة الإخوان المسلمين، مثل " دكتور عبد الله عزام " بالتدريس في المدارس الدينية . وهنا في هذه المدارس ربطوا بين معتقدات النازية بالفكر الوهابي الغريب جدا وغير المألوف . إعتقد كل من تعلم على هذا النحو بأن الإسلام من خلال الرؤية السعودية هو- دين التعصب، مع أنه في الحقيقة ليس كذلك . تعرضت الوهابية للنقد من الدول الإسلامية كعقيدة تتنافى مع صحيح الدين أكثر من ستين مرة . إلا أن السعوديين عندما صاروا أثرياء توخوا الصمت .

طالبان -هم الوحيدون الذين مارسوا الوهابية وكذلك السعودية - ومن هنا بدأ التطرف .

في الحقيقة لا يمت هذا للدين الإسلامي فى شىء .فالإسلام دين السلام، الإسلام دين السكينة والسماحة كان يربط الاسلام دوما علاقات طيبة مع اليهود طوال المائة سنة الأولى لوجوده . واصبحت السعودية هي الموطن الجديد للإخوان المسلمين، إمتزجت الفاشية والتطرف في تلك المدارس، كان بتلك المدارس طالبا شابا لفت الأنظار، تلميذ عزام يسمى أسامة بن لادن، تعلم بن لادن على يد النازية من الإخوان المسلمين الذين هاجروا إلى السعودية كما ذكرنا . 

المخابرات الأمريكية والقاعدة       

قررت المخابرات الأمريكية في عام 1979 أن تخرج النازية العربية من حالة الجمود، لقد قام الروس بغزو أفغانستان، ولذلك أخبرنا السعوديين بأننا سوف ندعمهم ماديا إذا قاموا بجلب كل النازيين العرب على متن سفينة وإطلاقهم إلى أفغانستان ليحاربوا الروس، كان علينا أن نعيد تسميتهم، خشينا أن نطلق عليهم الإخوان المسلمين ؛ لأن ذلك الإسم حساس جدا و ماضي النازيين معروف جدا . من هذا المنطلق أطلقنا عليهم مكتب خدمات المجاهدين،كذبت المخابرات الأمريكية على الكونجرس ولم يعرفوا من الذي ينفق على المجاهدين في أفغانستان، فيما عدا السعوديين .ليست تلك كل الحقيقة . فجزء صغير من المخابرات الأمريكية يعرفون تماما بأننا قد أستأجرنا من جديد النازيين العرب وأستخدمناهم للحرب في حروبنا السرية ‘بزغ نجم مساعد عزام (بن لادن) من عام 1979حتى 1989، وكسبوا الحرب، طردوا الروس من أفغانستان . ذكرت المخابرات الأمريكية (لقد فزنا – دعونا نعود إلى الوطن !) وتركنا هذا الجيش من الفاشيين العرب في الميدان بأفغانستان . لم يرغب السعوديون في عودة الفاشيين العرب . بدأ السعوديون الرشاوى إلى أسامة بن لادن وأتباعه حتى يظلوا بعيدا عن السعودية، إنقسم جيش المجاهدين نصفين،أغتيل عزام سريا، وعلى ما يبدو جليا على يد أسامة بن لادن نفسه . إن القاعدة جماعة راديكالية – والأكثر تطرفا دينيا، حتى يومنا هذا تنتسر فروع جماعة الإخوان في أفرع تنظيم القاعدة .

و ينتمي أيمن الظواهري إلى فرع مصر من الإخوان المسلمين - الجهاد الإسلامي المصري، نتاج الجهاد الإسلامي الفلسطيني .

يوجد سمات وفروع عدة، إلا أنها جميعا تصب في قالب واحد هم "الإخوان المسلمين "، منظمة حماس التي نعرفها هي في الحقيقة فصيل سري لجماعة الإخوان المسلمين . حينما إغتالت إسرائيل الشيخ "أحمد ياسين "في 22 من مارس 2014، نشر الإخوان المسلمين تفاصيل موته في جريدة بالقاهرة باللغة العربية، ونشرت أنه كان القائد السري لجماعة الإخوان في غزة .

من هنا صار الإخوان المسلمون هم ذلك السم الذي إنتشر في كل أنحاء الشرق الأوسط، وفي التاسع من سبتمبر بدأت تنتشر حول العالم . إذا قمت بطباعة الكلمات " بنا مع تشديد النون " وكلمة " نازي "، سوف ترى المقالات تنهال عليك .

 تلك هي المعلومات التي كانت الإستخبارات الأمريكية تحاول أن تخفيها عن موظفيها، لم ترد أن يعرفوا هذا الماضي المفزع . في عام 1984 ‘ حينما كنت أعرض نفقات النازيين الأوروبيين على الإستخبارات الأمريكية ‘ كانوا يحاولون أن يخفوا عن الكونجرس حقيقة النازية العرب ليحاربوا بهم الروس - برنامج "غبي وفاسد ."‘ ولهذا حينما درس بوب باير الملفات إنتابه الذهول .

إن الإستخبارات الأمريكية الحالية لا يعلمون شيئا عن ذلك جيل بأكمله .

كانت الهبات السعودية على الملأ وبصورة سيئة

لذلك السبب ‘قال عملائي في الإستخبارات الأمريكية، (لا بأس، ماذا تفعل ؟) أعطوني مثالا . قالوا:هنا الملفات التي تثبت كيف أن السعوديين يدعمون هذه الجماعات ماديا، لقد أنشأ السعوديون جماعة تجمع الهبات في شارع من شوارع فرجينيا هو شارع جروف 555، هيردون،فرجينيا .

لهذا السبب قلت له: " حسنا، إن السعوديين إرهابيون، ماذا إذا ؟ "

توزع هذه الهبات على الإخوان المسلمين، حماس، حزب الله، القاعدة . إن السعوديين إتخذوا هذا

القرارلكي يدعموا الإرهاب . قاموا بإنشاء جماعات رئيسية تقوم من خلالها كل الجماعات الإرهابية في الولايات المتحدة والسعودية للحصول على هذه الأموال على شكل تبرعات خيرية .

-" تمزح معي أليس كذلك ؟ "

(لا)

وذكروا لي أنه بالقرب من الشارع الذي أعيش به في تمبا،فلوريدا،كان يعيش أحد قادة الإرهابيين في العالم ، في جامعة جنوب فلوريدا أستاذان، أحدهما كان قد غادر لتوه سوريا وعاد إليها حاليا ‘وهو قائد الجهاد الإسلامي العالمي،(رقمه2)‘ زعيم الجهاد الإسلامي في الغرب،هو الدكتور سامي العريان الذي ما زال يعمل أستاذا في جامعة جنوب فلوريدا، يبدو أنك تمزح . لايمكن أن يكون ذلك حقيقيا .

-إنها الحقيقة، هؤلاء الرجال يجمعون المال من كل أنحاء أمريكا ويرسلونه إلى الفلسطينين، إلى المناطق الفلسطينية، ويستخدمون الإنتحاريين بالقنابل ليقتلوا اليهود، لقد أرسلوا إلي شرائط الفيديو .

 وقف العريان على المسرح ذات مرة ومعه أحد أصدقائه نهض قائلا:" أما الآن من سوف يعطيني 500 دولارا لقتل يهوديا ؟ هناك أناس واقفون على مقربة من أورشليم سوف يخرجون إلى الشارع ويطعنون يهوديا بالخنجر، لكننا نحتاج الخمسمائة دولار . وأضاف:" إن كل هذه النقود سوف تذهب إلى الجمعية الإسلامية بفلسطين، - تلك هي الجبهة الرئيسية للجهاد الإسلامي في الولايات المتحدة لنصرة فلسطين ."

لذلك أخذ كل أصدقائي في الإستخبارات الأمريكية يرسلون فيما بينهم هذه الملفات .

قلت له: " لماذا لم تحاكم هذا الرجل ؟ لقد علمت بأمره منذ عام 1989. "

كنا نود أن نفعل ذلك . لقد حاولنا أن نحاكمه بالقانون لكننا، أخبرنا أننا لا يمكن أن نلمسه لأنه جمع كل المال الذي حصل عليه من السعودية، ونحن تحت وطأة كل الأوامر التي ترد إلينا بألا نفعل أي شئ يسبب الحرج للحكومة السعودية .

رددت عليه:" إنني لا أهتم بإحراجهم ."

تبرعت بالأموال الهبة التي تدعم الإرهاب،لأنه تحت قانون فلوريدا الذي منحني الحق أن أحاكم من يتلقى الهبات سيكتشف إلى أين يذهب المال الذي تبرعت به . كان شيئا يدعو للضحك بشدة .

في بداية عام 2002، قمت بعمل قائمة بكل الجرائم التي قد إرتكبها البروفيسور سامي العريان، وكل التفجيرات التي وقعت في إسرائيل ومن يرعون التبرعات في أمريكا التي لها صلة بالإرهاب . ذكرت كيف حصل على المال من السعودية،وكيف أن السعوديين قد أقنعوا حكومتنا بألا يقدم للمحاكمة القانونية لأسباب سياسية .

لأنني إتخذت إحتياطات أمنية عالية المستوى، فكان كل شئ أقوم به بكتابته يعتبر نوعا من التصنيف للمادة، ويجب أن يُعاد إرساله للحكومة قبل النشر، والنقد، لذلك أرسلت مسودة شكوتي القانونية إلى الإستخبارات الأمريكية، وأعجبوا بها .

ردوا قائلين: يا ايها العظيم ! نحن لا نحب السعوديين، إذهب أنت وحاكمهم أيضا ."

بعد ذلك بثلاثة أيام،وجدت ثلاثة من عملاء أمام بابي، " أنت تعلم، أن هناك واحدا وعشرين من رجال الحكومة بالولايات المتحدة لديهم علم بهذه المعلومات، وأنت الآن الثاني والعشرين . كيف أتيت بهذه المعلومات ؟ "

قلت:إنني آسف، لا يمكنني أن أخبرك . وفي اليوم الذي سبق ذهابي بالشكوى، تلقيت تليفونا سريعا من وزارة العدل الأمريكية . قالوا لي: " من فضلك جون، لا ترسل ملف الشكوى غدا . نحن في الحقيقة لن نهاجم السعودية بطريقة غير شرعية . سوف نغلق عليها . إمنحنا فقط مزيدا من الوقت ."

- نعم إنك مقدم على الهجوم على السعودية دون سابق إنذار، ذلك ما قلته لي في يناير وتذكره ثانيا في فبراير،والآن تكرره في مارس .تريد مزيدا من الوقت ؟سوف أمنحك مهلة حتى الرابعة غدا .

سأعد ملف شكوتي في العاشرة صباحا، وفي الرابعة تماما بعد الظهر، سوف أفصح عن تفاصيل الهبات التي ترد من السعودية . نعود إلى الغد . لقد قمت بعمل الملف في العاشرة، وذكرت للصحافة أنني سوف أحتفظ بشئ ما قليل من الوقت .

في العاشرة إنطلقت العملية الصعبة جرين، هجوم ضخم على كل الأماكن التي تدفع فيها تبرعات خيرية بالبيوت والأماكن التجارية، وفي ساعة واحدة أقفلنا كافة غسيل الأموال على الشبكة الإلكترونية بأمريكا، لقد وجدت الحكومة من 20 مارس 2002 حتى الآن، مزيد ومزيد من الأدلة في تلك الأرشيفات في هذه الهجمة المنفردة في ذلك اليوم، كان الدليل دامغ جدا أن البروفيسور العريان لم يعد يلقي خطبه، إنه حاليا في السجن الفيدرالي ينتظر محاكمة، لقد إتهم أيضا شريكه في الجريمة (سميح حموده)، إتُهم إثنان وثلاثون من أنماط مختلفة من الناس في الولايات المتحدة كنتيجة مباشرة لهذه الجهود، لكنهم ليسوا السعوديين – ليسوا السعوديين .

بعد مرور شهر من تحرير ملف شكواي ضد العريان، تسببت في حدوث بعض الإضطرابات . دعوت أربعين من كبار محامين المحاكمة في أمريكا أن يأتوا بطرسبرج، فلوريدا . أردت أن أفعل شيئا لأمريكا يااه ! كنت أتمنى أن أعقد صفقة معهم . أردت أن ترتفع قيمة ملاينهم من الدولارات، إنني فقير ليس لدي مال لأمنحهم إياه .

هؤلاء المحامون مثل رون موتلي، الذي حصل على بلايين الدولارات في قضية ضد صناعة الطباق ، قلت له:-" ما أريده منك أن تفعله هو أن تلقي نظرة على ما قد جمعته من دلائل . إنها نفس البنوك السعودية وأن نفس المؤسسات الخيرية التي دعمته ماديا هي نفسها التي دعمت القاعدة ."

قلت:" أتمنى أن تتخذ موقفا جيدا جدا في المحكمة الفيدرالية في واشنطن لتثأرلكل فرد مات في أحداث 11 سبتمبر (2001). إنني على وشك القيام بإنجاز لتحرير وجمع كل دليل، وأن أقدمك إلى الخبراء،وأن أزودك بكل الوثائق .... وعلينا أن نفعل ذلك من أجل أمريكا . " درس المحامون كل الوثائق التي جمعتها، وفي الخامس عشر من أغسطس 2002 قاموا بتقديم أضخم ملف شكوى في تاريخ أمريكا، وقدموه بصورة جيدة جدا وعرضوه على المحكمة الفيدرالية بواشنطن المقاطعة، وطالب السعودية بمبلغ تريليون دولار خسارة. ذكرت الشكوى أن هذه البنوك السعودية يجمع بينها شئ مشترك، كانوا يرشون أسامة بن لادن ب300مليون دولار سنويا ليبتعد عن السعودية وأن يذهب إلى مكان آخر ليقوم بتفجيراته. لابأس في 9/11كان على السعوديين أن يدفعوا ثمن إهمالهم، لذلك سوف أقوم بتقديم الشكوى عاجلا جدا .

درس من الماضي

تضاعفت أعداد أعضاء الإستخبارات الأمريكية ممن يركنون إلي كقناة يحصلون منها على المعلومات . لهذا السبب، تصدق هذا أم لا، لقد منحوني عرض تليفزيوني خاص يعرض الآن صباح الأحد على قناة فوكس التليفزيونية في كل أنحاء الولايات المتحدة .

حينما كنت أصغر سنا، كنت أضأل حجما منذ عشرين سنة مضت، شديد الضآلة إلا أن الأمر الآن ليس كذلك،حيث يصلني ما يقرب من خمسمائة إلى ألف بريد إليكتروني من رجال ونساء صدقوا من كل أنحاء العالم من المجتمع الذكي . علينا أن نخلص هذا العالم من الشر، يجب علينا أن نعترف بأن القاعدة أصل الرذيلة النازية لم تظهر من تلقاء نفسها و لقد سارت القاعدة على نفس نهجها .

كره النا زيون العرب اليهود، كرهوا الديمقراطية وكرهوا الغرب لثقافتهم الغربية . إن القاعدة ماهي إلا تعبير من خلال الدين عن الفاشية العربية، إننا سمحنا لهذا الفرع من قلب النازية أن يعيش ويزدهر، وبعد ذلك يعود ليظهر لنا بإستمرار،علينا أن نقوم بعمل شئ أفضل، أن نولي نظرتنا إلى هؤلاء الأطفال، إنهم ميراثنا الشرعي، إننا إذا ما أمنا لهم حياة آمنة،يجب علينا أن نعلمهم دروسا من الماضي، يجب على كل جيل أن يعرف ما تعنيه هذه الشموع، ليس ذلك فقط إنها واحدة من أعظم التراجيديات التي حدثت في التاريخ، لا بل الشر الذي---- سببته ----النازية -التي عاشت بيننا لأننا لم نحاربها حربا تعادل حجم شرها، لم ننته بعد من المهمة . علينا أن نذكر لأولادنا أن على كل جيل من الرجال والنساء بأمريكا أن يقف جنبا إلى جنب مع إخواننا اليهود والمسيحيين، والمسلمين . علينا الآن أن نقف يدا واحدة ضد البُغض الذي تواجهه أمريكا .

 سوف ننتصرفي حربنا على الإرهاب،وسوف ننتهي من المهمة التي بدأها أؤلئك الجنود الخالدون منذ حوالي قرن ونصف القرن من الزمان،يجب علينا أن نضع الأسس التي يعي من خلالها أطفالنا كيف يكرهون الإساءة إليهم في أسوأ أشكاله،علينا أن نعمل معا لكي نقضي على العنصرية من حياة أطفالنا .علينا أن نعلم أطفالنا أن يتذكروا المحرقة وأن يشعروا بالفخار، فخورين جدا بهؤلاء الخالدين الذين عاشوا وألهمونا بشجاعتهم.من هنا نذكرهم بالفضل،ونكرمهم على ما قدموا لنا،ودعونا نسير على نهجهم ونستمر في طريق جهادنا معا .

 

نجوى السودة

.............................

* "خطبة ألقاها “جون لوفتاس“ النائب العام السابق بوزارة العدل الأمريكية في يوم ذكرى الهولوكست (نشرت لأول مرة في 18من إبريل 2004 -"

 

محمود محمد عليليس غريبا أن يصدر قرار الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" باعتراف واشنطن بسيادة إسرائيل على مرتفعات الجولان، فقد ارتكب من قبل ترامب نفس الحماقة أو الجريمة عندما أعلن منذ أقل من عام، القدس عاصمة لإسرائيل بقرار منفرد متحديًا كل قواعد القانون الدولى والشرعية الدولية وانتهاك صريح لقرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة.

وبمجرد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بقرب صدور قرار من واشنطن باعترافها بسيادة إسرائيل على مرتفعات الجولان السورية المحتلة، تم رفض القرار عربيًا ودوليا واسعا، حيث أكدت مصر موقفها الثابت باعتبار الجولان أرض سورية محتلة، كما أعلنت سوريا وروسيا رفضهما قرار الرئيس الأمريكي ترامب، واعتبرت بعض الدوائر السياسية الأمريكية أن القرار الأمريكي يناقض سياسات الولايات المتحدة على مدى نصف قرن، وأن قرار ترامب بضم الجولان استهدف إضعاف علاقة اليهود بالحزب الديمقراطي، وإصراره على أن الديمقراطيين يعادون إسرائيل والشعب اليهودي. أيضا رفض الاتحاد الأوروبي سيادة إسرائيل على الجولان، كما رفض القرار كل من الجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجى والبرلمان العربي.

بيد أن هذا الشجب بالكلام فقط لا يكفي ، فهناك أمور أخري يجب اللجوء إليها ، فالتاريخ يشهد علي أن الشعوب العربية كانت لها مواقف جليلة ضد إسرائيل ؛ فمثلا خلال حرب أكتوبر 1973 كان المملكة العربية السعودية قد اتخذت قرار عاجل بحظر تصدير النفط إلى الدول الداعمة للعدو الإسرائيلي، وتخفيض إنتاج النفط بنحو 340 مليون برميل اعتباراً من أكتوبر حتى ديسمبر 1973.

ليس هذا فقط بل وجدنا أيضا الجيش العراقى هو الجيش العربى الذى خاض معركة دامية مع القوات الإسرائيلية، ووقف بجانب مصر وسوريا أثناء الحرب.

كما تدخلت ليبيا هى الأخرى وقامت بنقل الكلية البحرية المصرية إلى أراضيها، وعندما واجهت القيادة المصرية مشكلة تفوق القوة الجوية الإسرائيلية، قامت ليبيا بعمل صفقة طائرات مع فرنسا واستخرجت جوازات سفر تحمل اسم ليبيا للطيارين المصريين حتى يتم تدريبهم داخل فرنسا، وكان للجزائر دور كبير فى المساعدة.

ومن جهة أخري  لا يمكن إنكار الدور العظيم الذى قامت به اليمن فى مساعدة مصر، حيث أغلقت باب المندب مرتين.

كما كان لدولة الإمارات مواقف شجاعة، حيث توجه الشيخ زايد أثناء حرب أكتوبر، بطلب إلى سفير الإمارات المتواجد فى لندن بأن يقوم بحجز جميع غرف العمليات الحرجة المتنقلة وشراء هذا النوع من كل دول أوروبا ليُعالَج فيها الجنود المصريون والسوريون.

أفيقوا أيها العرب، أكملوا مسيرة أجدادكم وآبائكم في حماية الأراضي العربية، أيها القادة، كونوا يدًا واحدة، الأمر لا يحتمل شيئا، لا ننتظر منكم إدانات وشجبا واستنكارا، ننتظر منكم قرارات حاسمة تمنع هذا الطوفان من التوغل والتغلغل داخل أراضينا العربية، فقد قالت "جولدا مائير" رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق ذات يوم: "عندما أحرقنا القدس لم أنم طيلة الليل، وتوقعت أن العرب سيأتون نازحين من كل حد وصوب نحو إسرائيل، فعندما بزغ الصباح علمت أننا أمام أمة نائمة".

أتمنى أن تثبتوا عكس ذلك، ونكون أمة مستيقظة، لا تخشى في الله لومة لائم ولا تهاب أحدًا، كما   أتمنى أن تكون القمة العربية والمنعقدة الآن بدولة تونس الشقيقة يكون عنوانها «القدس عربية.. الجولان عربية».. وأن يتخذ القادة قرارًا بعودة سوريا إلى حظيرة الجامعة العربية ومساندتها عربيًا ودوليا حتى عودة الجولان المحتلة.

نعم أعلم أن الملف غاية فى الصعوبة، ولكن اقتحامه الآن ضرورة قبل أن ينساه التاريخ، هضبة الجولان بموقعها الاستراتيجي الذى يطل على عمق إسرائيل لن تعيده إسرائيل وحلفاؤها بسهولة، لذلك يحتاج الأمر إلى تضامن حقيقي وإلى إجراءات عملية قد تصل إلى حد المغامرة لكى يعرف ساكن البيت الأبيض أن هذا الشرق الأوسط التعيس قد قرر الاستيقاظ من نومه، وقد قرر أيضًا أن يمتلك هذه المرة زمام المبادرة نحو تشكيل ملامح مصيره.

لم أفقد الثقة بعد فى الإمكانيات العربية، ولم أفقد الثقة فى سوريا المناضلة الجريحة، كل الاختيارات الآن موجودة على طاولة العرب، فقط بتحرير القرار تتحرر الجولان. اللهم فاشهد.. اللهم فاشهد .

 

د. محمود محمد علي - مركز دراسات المستقبل

 

 

علجية عيش(الوعود التي لم يحققها الرئيس بوتفليقة طيلة 20 سنة من حكمه)

(أربعة استنتاجات مطلقة تظل جوهرية لجزائر اليوم)

ارتبط حكم الرئيس عبد العزيز بوتفليقة المستقيل من الرئاسة قبل موعد الإنتخابات بالعشرية السوداء التي خلفت الآلاف من الضحايا الأبرياء، لا ذنب لهم سوى أنهم آمنوا بهذا الوطن الذي ضحى من أجله مليون ونصف مليون شهيد، وهاهو الرجل يمضي دون أن يحقق جزءًا من وعوده التي تعهد بها أمام الشعب الذي ما زال يعاني الظلم والحقرة والجهوية والمحسوبية في كل المجالات، إذا قلنا أن فكرة الإستقالة مشكوك فيها لأن الرجل في حالة تفقده القدرة على التفكير واتخاذ القرار، انتهت المرحلة العزيزية وما تزال فئة كبيرة من أبناء الشعب أكثر قهرا وتتألم أكثر من الإستعمار في حقوقها وفي كرامتها، لأنها الأكثر ثورية وكان لها هي أن تتولى القيادة قبل كل شيئ

فالرئيس عبد العزيز بوتفليقة الذي ارتبط اسمه كأصغر وزير للشباب والسياحة وهو في الخامسة والعشرين من عمره، ثم في العام التالي وزيرا للخارجية،  وكان أحد الوجوه الرئيسية التي وقفت وراء حركة عدم الانحياز ومنحت أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية صوتا على الساحة العالمية، كما ارتبط اسمه بالصراع حول الرئاسة بعد وفاة الرئيس هواري بومدين ومن سيخلفه،  اضطر رئيس المخابرات يومذاك قاصدي مرباح أن يفصل بينه وبين العقيد محمد الصالح يحياوي رحمه الله ليختار العقيد الشاذلي بن جديد رئيسا للجمهورية،   ولم يكن لعبد العزيز بوتفليقة  من خيار إلا أن يختار الضفة الأخرى، حيث أنه  لم يعد إلى أرض الوطن حتى عام 1999 خلال صراع مع متشددين إسلاميين سقط فيه ما يقدر نحو 200 ألف قتيل، وفيها تفاوض على هدنة لإنهاء القتال وانتزع السلطة من المؤسسة الحاكمة،  وبدعم من الجيش انتخب بوتفليقة رئيسا للجمهورية، لا يمكن لأيٌّ كان طبعا أن يقيم المرحلة العزيزية بالسلبية كلها، فالرجل أدى واجبه، ولا أحد يمكنه أن يقول أنه معصوم من الخطأ، وإن أخطأ الرئيس في حق شعبه فهو وحده يتحمل مسؤوليته أمام الله والتاريخ، وإن كان الله يرحم فالتاريخ لا يرحم، وستبقى أعمال هذا الرجل تذكرها الأجيال التي شاركت في الحراك الشعبي الذي رسم لوحة سوداء لجزائر بوتفليقة.

لقد شهدت عهداته انتشار الفساد وعرفت الساحة الوكنية ركودا سياسيا واقتصاديا، ولم يتمكن من حل النزاعات الداخلية لحزب جبهة التحرير الوطني وتطهيره من الفساد وهو الذي كان رئيسا للحزب وكان في كامل صحته وقواه العقلية، بالرغم من ذلك حافظت الجزائر على استقرارها بفضل الجيش الوطني الشعبي المرابط في الحدود، ما جعلها تتجنب انتفاضات الربيع العربي التي أطاحت بقادة دول أخرى في المنطقة في العام 2011، غير أن الاحتجاجات على سوء مستويات المعيشة ونقص فرص العمل والخدمات أصبحت شائعة رافقتها البيروقراطية التي أعاقت النشاط في كثير من الأحيان،  لكن الرجل نجح دبلوماسيا من خلال دفاعه عن قضايا العالم الثالث في المحافل الدولية، حيث طالب بأن  تحصل الصين الشيوعية على مقعد في الأمم المتحدة، وندد بنظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، ولعل هذا ما مكنه من تجديد ولايته لعهدة ثانية وثالثة ورابعة، رغم أن خصومه قالوا إن الانتخابات شهدت تزويرا، وكما هو معروف لا يعرف عن الحياة الخاصة للرئيس عبد العزيز بوتفليقة شيء يذكر، إلا أنه كان أقوى رئيس تشهده الجزائر على مدار 30 عاما، لولا المرض الذي جعله طريح الفراش، ونال منه الضعف بعد تعرضه لجلطة دماغية في أوائل 2013  ومنذ تلك السنة لم يطهر الرئيس أمام الشعب  إلا قليلا.

في كل هذا وذاك فالرئيس المستقيل لم يحقق كل وعوده التي التزم بها أمام الشعب الجزائري طيلة 20 سنة حكما، ولعل المتتبعين لتحركات الرئيس يتذكرون خطابه الذي ألقاه في ملتقى الفكر السياسي الجزائري في الفترة بين 1830-1962، قام فيه بمسح شامل للفكر السياسي الجزائري، وقدم فيه أربعة استنتاجات مطلقة تظل جوهرية لجزائر اليوم،  أهمها أن الهوية الوطنية العريقة شكلت العروة الوثقى التي استمسك بها الشعب ومكنته من أن ينجو من عملية منهجية لطمسه،  وان هذه الأمة مطالبة بأن تطرح جلنبا كل انشغالاتها ماعدا انشغالها بمصير الوطن، وفي استنتاجه الثاني  قال أنه مهما كانت طبيعة أو عنف العدوان المسلط على الوطن فإن مآل هذا العدوان النهاية إذا رفضت الأمة الإستكانة وتجندت وقاومت وقبلت بتقديم النفس والنفيس في سبيل التخلص منه، هذا الكلام لم يستوعبه الرئيس وهو قائله، بأنه سيأتي يوم ينقلب عليه الشعب، ويطالب برحيله، وكان على الرئيس أن يستقيل من أول مسيرة سلمية، قبل أن يتأزم الوضع وتصل البلاد إلى حالة انسداد، هي كلها عبر ودروس يجدر بالأمة الجزائرية أن تتدبرها اليوم.

لقد تحدث الرئيس عبد العزيز بوتفبيقة عن الهبّة الوطنية في خطابه من خلال القرار الحر الذي ستتخذه الجزائر دولة وشعبا بكل سيادة، وكان أمله أن تستقي الأمة الجزائرية من ماضيها ما يلزمها من قوة معنوية لتوحيد كلمتها، وضم صفها في خدمة السلم والإلتفاف حول المصالحة بقوانينها القاهرة الوطنية،  في ظل ما يشهده العالم من تغيرات في العمق،  وبينما كانت العولمة تشمل المعمورة  بقوانينها القاهرة، وفي حين كانت حضارة تكنولوجيات الإعلام الجديدة تخوض انطلاقاتها، كانت الجزائر المحترقة بنار المأساة الوطنية شهدت إرهاصات سياسية واقتصادية ي، وقال في خطابه: "إن اليقين الذي يحدوني هو أن المصير الشخصي لكل منّا لا ينفصل ولا ينفصم  عن مصيرنا الجماعي الوطني وسيظل كذلك"، وطالما أن الرئيس مؤمن بأن المصلحة الجماعية هي كل شيئ ما كان عليه أن يقف مكتوف الأيدي وهو يرى حاشيته تتلاعب بمصير الشعب، وهو القائل في خطابه أنه في غياب التماسك الوطني ينبغى تحت رحمة أول ردّة وعرضة لمأساة سواء أتت من الخارج أو من بين ظهرانينا.

إن الجزائر اليوم تواجه تحدي الإعمار الوطني، وماذا تستفيد من تبديد طاقتها  في مناقشات بيزنطية وفي مواجهات إيديولوجية عميقة بل قاتلة، حين تحاول أن تتغذى من مكونات هويتها وشخصيتها الوطنيتين، هذا ما قاله الرئيس بوتفليقة وهو يعرض الخطوط العريضة للهبَّة الوطنية، وكأن وحيا ما نزل عليه لينبئه بما سيحدث في جزائر 2019، لإعادة الإعتبار لسيادة الشعب والإرتقاء بالهوية والشخصية الوطنيتين التي وجب أن تكون مرفوقة بتغذية الأمل الذي يدعم الجهد الوطني، ولعل الحراك الشعبي الذي تشهده الجزائر اليوم هو ثمرة هذه الرؤية،  تَبَدَّدَ فيها الشعور بالإحباط والخيبة والتحرر من التبعية والتخلف المستمر، ويحق للجزائر اليوم أن تفاخر، لأنها استطاعت أن تفك خناق تبعيتها، رغم أن الوعود التي وعد بها الرئيس لم تتحقق كلها في أرض الميدان، هاهي المرحلة العزيزية تنتهي و نسبة  كبيرة من السكان لم يصلها الماء الشروب والغاز الطبيعي وشبكة الكهرباء، انتهت المرحلة العزيزية ونسبة كبيرة من السكان  تنتظر مفاتيح  السكن التي وعد به الرئيس، وما تزال نسبة كبيرة من السكان يعانون من رداءة شبكة الطرقات، والشباب من البطالة، والبحث عن فرص العلاج والتوظيف، شعب يأكل من القمامة ويموت من شدة المرض لأنه لا يملك مالا كافيا للعلاج في الخارج كما يعالج الأثرياء وأرباب الأعمال وأبناءهم ومنهم الرئيس نفسه وحاشيته،  انتهت المرحلة العزيزية وما زالت الجزائر تواجه انتشار المخدرات بين أبنائها من الشباب، وتعاني من مظاهر خطيرة كاختطاف الفتيات والأطفال واغتصابهم والمتاجرة بالأعضاء، كما لم تسمح عهدته بإرساء أسس اقتصاد  مزدهر ومستدام، وما تزال فئة كبيرة من أبناء الشعب أكثر قهرا وتتألم أكثر من الإستعمار في حقوقها وفي كرامتها، لأنها الأكثر ثورية وكان لها هي أن تتولى القيادة قبل كل شيئ، السؤال الذي يبقى يلح على الطرح  هو: لماذا سمح بوتفليقة لحاشيته أن تجعله لعبة بين يديها تفكر وتقرر في مكانه؟

 

علجية عيش