محمد الدعميقدم أصحاب السترات الصفراء للرئيس إيمانويل ماكرون “صدمة وعي” يوم السبت 5 يناير الماضي عندما امتنعوا عن الاكتفاء بتظاهرة “سبتية” جديدة، بل زادوها خطورة بدرجة عنف عالية جديدة وصلت حد يشبه “حرب الشوارع” حسب بعض المراقبين، إضافة إلى عمليات الحرق والتخريب التي طالت الكثير من الممتلكات العامة والخاصة في جادتي (شارعي) الشانزلزيه وسان جيرمان الرئيسيتين.

لذا، جاءت استجابة الرئيس الفرنسي عاكسة لهول المفاجأة، خصوصا بعد أن خفت حدة الاحتجاجات على أيام الأعياد في الثلث الأخير من شهر ديسمبر، وبعد دعوته المحتجين للتهدئة وتلطيف الأجواء في انتظار معطيات الإصلاحات والقرارات “الترقيعية” التي وعد هو المحتجين بها.

وقد كان الأدهى هو “سوء الفهم” الذي شاب قناة التواصل المسدودة بين القصر الرئاسي والشارع الفرنسي، الأمر الذي يبرر انحراف سهم حركة الاحتجاج من القصر الرئاسي إلى “الجمعية الوطنية” (أي البرلمان)، وإلى دار سكن المتحدث الرسمي باسم الحكومة الفرنسية، الأمر الذي حدا الرئيس ماكرون إلى توجيه تهمة خطيرة، “تهديد الجمهورية”، إلى المحتجين الذين يرتدون هذه السترات. والحقيقة الشبحية العصية على الحكومة تكمن في أن ما حدث السبت الماضي إنما دلّ على تعقيد تنظيمي وعمق فكري كبير، أزالا الغيمية عن حركة انطلقت ببساطة “المطالبة بعدم زيادة أسعار الوقود”، لتستقر الآن على احتجاج عارم وقابل للاتساع بسرعة النار في الهشيم ضد كامل النظام و”العقد الاجتماعي” القائم في فرنسا. لذا، راح المراقبون يزعمون بأن الأزمة أعمق وأوسع مما كان مفترضا بدليل وجود تنظيم واتساق دقيقين عكستهما مسيرات الاحتجاج التي تحولت إلى “ارتطامات” احتجاج، السبت الماضي.

أما تهم “التعجرف” و”التكابر” التي وجهت إلى الرئيس ماكرون بسبب ما بدا عليه من عدم اكتراث بالاحتجاجات وتجاهل لمطالبها في بادئ الأمر، فإنها الآن تلقي بظلالها على ما يمكن أن أطلق عليه عنوان “انقلاب شبحي” يجري تنفيذه الآن من جادات (شوارع) مدن فرنسا على سبيل إزاحة ماكرون. علما أنه يحاول كسب الوقت كي تجري الانتخابات الأوروبية قبل الإذعان لمطالب السترات الصفر والعناية بالوضع الداخلي. هو في انتظار ذلك، كي يتحرك! إلا أن هناك شكوكا لافتة للنظر حول تعاون عدد من رجالات الدولة (والوزراء من بينهم) على طريق إعفاء ماكرون من منصبه، قبل أن يتسنى له معالجة الموقف، خصوصا بعد أن أطلق عدد من وزرائه من التصريحات والخطابات التي تلهب المشاعر بدلا عن أن تلطيفها، إذ بدت هذه الخطابات أشبه بسكب برميل من الزيت على النار

 

أ.د. محمد الدعمي

 

عبد الحسين شعباناستأنف البرلمان العراقي جلساته الاعتيادية بهدف التوصل إلى تسمية  الوزراء المتبقين من التشكيلة الحكومية التي باشر بها رئيس الوزراء  عادل عبد المهدي، حيث وافق البرلمان على 14 وزيراً وظلّت العقدة قائمة بشأن وزارتين سياديتين هما وزارة الداخلية التي كانت كتلة الفتح برئاسة هادي العامري تصرّ على تسمية فالح الفياض رئيس هيئة الحشد الشعبي وزيراً للدفاع، في حين ترفض كتلة سائرون بقيادة السيد مقتدى الصدر تسميته.

أما الوزارة الثانية فهي وزارة الدفاع التي تقع ضمن حصة السنّية السياسية وفقاً لنظام المحاصصة الطائفية - الإثنية السائد منذ احتلال العراق العام 2003. وكان  رئيس كتلة  الوطنية إياد علاوي قد رشح فيصل الفنر الجربا وزيراً للدفاع وهو طيار مشمول بإجراءات هيئة المساءلة والعدالة الوريث لهيئة "اجتثاث البعث" التي تأسست في عهد الحاكم المدني الأمريكي للعراق بول بريمر (13 مايو /أيار/2003- 28 يونيو/حزيران/2004) وكان قد اتهم بمشاركته بقمع الحركة الاحتجاجية المعروفة بالانتفاضة الشعبانية في المحافظات الجنوبية بعد حرب الخليج الثانية (مارس/آذار/1991) وعقب تحرير الكويت، لكن محكمة التمييز برّأته من تلك التهمة، ومع ذلك قرر البرلمان للمرّة الثانية تأجيل البت بالأمر وعُلّق اختيار وزيري الدفاع ووزارات  أخرى وإن تم لاحقا تسمية بعضهم بالأقساط

وحتى كتابة هذه المقالة ما تزال التجاذبات بشأن وزارتي الداخلية والدفاع مستمرة، على الرغم من تدهور الأوضاع الأمنية وارتفاع حوادث العنف السياسي كوسيلة لتصفية الخصوم، سواء عبر القتل أم التهديد أم محاولة الاغتيال السياسي والطعن بسير الوزراء الذين تم اختيارهم بأساليب شتى، وهو ما دعا ممثل السيد علي السيستاني الشخصية الدينية المتنفذة في النجف للتحذير من عواقب هذه الظواهر المجتمعية المذمومة على حد تعبير عبد المهدي الكربائي ممثله، لأنها أخذت تهدد المجتمع وتشكل خطراً على المنظومة الاجتماعية.

ويلاحظ أن ظاهرة العنف العشائري والاعتداء على الآخرين والاستقواء على بعض الضعفاء أصبح سائداً وهو ما أثار ردود فعل مختلفة في ظل أزمة سياسية حادة وضعف الدولة وتآكل هيبتها، علماً بأن خطورتها قد تنتقل من البرلمان والفاعلين السياسيين إلى الشارع، خصوصاً على مستوى التظاهرات وأعمال الاحتجاجات، تلك التي ما تزال مستمرة منذ أسابيع في  محافظة البصرة التي تعاني من شح المياه ومن تدهور الخدمات الصحية والتعليمية والبلدية والبيئية على نحو مريع مع احتمال انتقالها إلى محافظات أخرى، أو حتى اللجوء إلى لغة السلاح، لاسيّما بين جماعات مسلحة وفصائل شبه عسكرية بعضها يرتبط بالحشد الشعبي وله صلات وثيقة بإيران، وبعضها منفلت من عقاله في إطار ردود الأفعال وحالات الغضب الشعبي.

وكانت قد وصلت تهديدات إلى عدد من الناشطين عبر مواقع التواصل الاجتماعي الأمر الذي قد ينذر بخروج الأمور عن السيطرة واندلاع العنف والفوضى. وكان مجهولون قد اغتالوا مؤخراً عضواً قيادياً بارزاً في " سرايا السلام" التابعة للسيد الصدر وهو حسين الحجامي الذي قتل بهجوم مسلح في منطقة الشعلة ببغداد ذات النفوذ الصدري، بواسطة أسلحة كاتمة للصوت.

وعلى الرغم من  البرنامج الحكومي لوزارة عادل عبد المهدي الذي أكد على محاربة الدولة العميقة، إلا أن اختياره لم يكن بعيداً عن توافقات حصلت في داخلها وفي جوارها وحولها، ومع ذلك كان هناك استبشار أولي في تكليفه لشخصيته المتوازنة، لكن مثل هذا الارتياح تبدد سريعاً  وخيّم على المشهد السياسي منطق الدولة العميقة مجدداً، لاسيّما حين تشبثت القوى السياسية والكتل البرلمانية بمواقفها واستحقاقاتها كما تقول، وهكذا ظلّت مشكلة رئيس الوزراء بالدرجة الأساسية ورئاسة الجمهورية ورئاسة البرلمان قائمة منذ الانتخابات التي جرت في 12 مايو/أيار الماضي.

وحتى الآن فإن نحو نصف الوزارة ما يزال شاغراً وبعض الوزارات معلقة وتحتاج إلى توافقات جديدة، يقدّم فيها كل طرف تنازلات للطرف الآخر.

والحديث عن الدولة العميقة يشمل بالدرجة الأساسية اليوم حزب الدعوة الذي حكم بالتحديد منذ العام 2005 ولغاية العام 2018، وتتهم بعض الأطراف السياسية نوري المالكي رئيس الوزراء الأسبق لدورتين  بمحاولة عرقلة جهود عادل عبد المهدي من خلال زرعه عناصر خفيّة في أحشاء الدولة بحيث تمثل مراكز قوى، ولاسيّما داخل أجهزة الأمن والمخابرات والجيش وغيرها.

فالدولة خلال السنوات المنصرمة تعاني من فساد مالي وإداري وسياسي لدرجة أصبح العراق في أسفل السلم الكوني بسبب استشراء الفساد وهو ما ظلّت تؤكده سنوياً منظمة الشفافية الدولية، ففي ظلّ حكومة المالكي وحسب تقرير برلماني تبدد نحو 360 مليار دولار وضاع الكثير من الأموال على مشاريع وهمية، ناهيك عن التلاعب بالمال العام ونهب الثروة أو هدرها بطريقة لا مسؤولة ودون مساءلة تُذكر، وتعكس عملية احتلال الموصل في 10 يونيو/حزيران/2014 مدى تغلغل الفساد حتى داخل القوات المسلّحة التي ينبغي  أن يكون لها عقيدة عسكرية وانضباط كبير، ناهيك عمّا صُرف عليها من مبالغ طائلة لإعادة التأهيل، ولم تكن عملية تحرير الموصل ونحو ثلث الأراضي العراقية، لاسيّما محافظات صلاح الدين والأنبار أو أجزاء من محافظتي كركوك وديالى ومشارف بغداد (جرف الصخر)، بمعزل عن استنفار شعبي ودعم دولي عبر تحالف واسع.

إن وجود مراكز قوى وغياب وحدانية اتخاذ القرار والألغام الكثيرة التي احتواها الدستور العراقي والتعارض بين صلاحيات الدولة الاتحادية وصلاحيات إقليم كردستان فيما يتعلق بالبيشمركة والنفط وبعض التداخلات الخارجية، جعل العراق دولة فاشلة بفعل نظام الزبائنية الذي يقوم على تقسيم الغنائم وفقاً لمصالح طائفية أو إثنية أو حتى امتدادات دولية وإقليمية والدولة الفاشلة ليس بإمكانها تلبية طموحات النخب الفكرية والثقافية ومطالب الناس الحيوية، لاسيّما الخدمات الصحية والتعليمية والتصدي للبطالة فضلاً عن استعادة هيبة الدولة وبسط سلطانها على جميع أراضيها وحماية سيادتها واستقلالها .

 والنخب ذاتها في مثل هذه الأوضاع  تصاب بالتصدّع في ظل حالة الخوف والاحتقان السياسي، لاسيّما إذا كان هناك سلطات سرّية وقوى نافذة وغير خاضعة للقانون، ولعلّ استمرار معاناة النازحين، سواء عدم عودة الكثير منهم أم الاختفاء القسري لأعداد من الشباب بحجة كونهم تعاونوا مع داعش خلال احتلاله للموصل وما بعدها.

ومقابل تراجع دور النخب الفكرية والثقافية، خصوصاً المستقلة، نلاحظ تضخّم دور البيروقراطية الطفيلية الحزبية السياسية والدينية والإثنية وتغلغلها في جميع مفاصل الدولة لدرجة إن رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي كان قد صرّح بوجود عسكريين فضائيين زاد عددهم عن 50 ألف  يتقاضون رواتب تصل إلى 500-600 مليون دولار من خزينة الدولة، والأمر يشمل أعداداً كبيرة من المدنيين، فضلاً عن وسائل صرف عديدة في غير أوجه الصرف، تلك التي كلفت الميزانية مليارات الدولارات خلال السنوات الماضية والمثال الصارخ على ذلك استمرار أزمة الكهرباء منذ ما يزيد عن 15 عاماً، وهؤلاء إذا انضموا إلى القطط السمان المدعومة من مراكز القوى والاستقطابات الطائفية  والمذهبية والإثنية، فسيكون لهم القدرة على تعطيل سير عمل الدولة والعبث بأمنها الوطني ونهب الأموال والثروات، بما فيها تهريب النفط، سواء من جنوب العراق (البصرة) التي تعاني من شظف العيش أو كردستان التي تعرضت إلى هزّة كبيرة إثر ردود الفعل إزاء الاستفتاء الذي دعت إليه حكومة الإقليم في 25 سبتمبر/أيلول/2017.

وهكذا تبقى الدولة داخل الدولة والمقصود بذلك المنظمات السرّية ذات السطوة داخل الدولة أو المؤثرة في عملها، سواء أكانت دينية أم عشائرية أم حزبية، بعيدة عن الأنظار وخارج دائرة المساءلة لأن سلطتها سرّية وأذرعها طويلة، ومثل هذا الأمر ساهم في خلق طبقة سياسية جديدة تعتاش على الانقسام الطائفي - الإثني وتستغل غياب وحدانية القرار السياسي وهشاشة الوحدة الوطنية وضعف الهويّة الجامعة، وهكذا تكون الحكومة غير المرئية التي تدار بواسطة الأبناء والأصهار والأقارب والنافذين الحزبيين خفية وتمارس سياسة عميقة ولها ميزانيتها غير الخاضعة للمراقبة.

وإذا كانت الدول الشمولية تمارس دوراً سرياً بواسطة تنظيمات غير منظورة وبزعم حماية الأمن الوطني، فإن انهيار الدولة وحل بعض مؤسساتها العسكرية والأمنية واستشراء الفوضى، في ظل الانقسامات السياسية والمذهبية والإثنية، سيكون أكثر خطورة، وهذا ما فعله بول بريمر الذي قاد إلى تعويم الدولة وحتى الآن فإن محاولات إعادة البناء قد تستغرق زمناً طويلاً، لاسيّما في ظلّ تعدد المرجعيات التي تعلو على الدولة ذاتها أحياناً، وغياب الحد الأدنى من الوحدة الوطنية وحكم القانون واستقلال القضاء.

ويبدو إن سوء الحظ صادف عبد المهدي، فقد واجهت حكومته أزمة حادة إثر ارتفاع ملوحة مياه الشرب في البصرة والمحافظات الجنوبية، ورافقها أزمة بيئية وصحية خطيرة بسبب نفوق كميات ضخمة من أسماك الأنهار والبحيرات في محافظات بابل وواسط والديوانية، لأسباب مجهولة، ناهيك عن التحديات التي ورثتها من الحكومات السابقة وما تزال العقد الرئيسية قائمة وأولها نظام المحاصصة والألغام التي احتواها الدستور ووجود جماعات مسلحة خارج القانون حتى وإن أُدمجت بالقوات المسلحة، لكن هناك استياء من أوساط واسعة من السكان من سلوكها وخشيتهم من بطشها، على الرغم من أن الجميع يقرّ بالدور المهم الذي لعبه الحشد الشعبي في تحرير الموصل والمناطق التي احتلها داعش.

ولعلّ هذا أول اختبار يواجهه عادل عبد المهدي، فإن استطاع تجاوزه وتوصل إلى توافقات ترضيه في اختيار بقية المرشحين، فالأمر سيكون خطوة مهمة أولى لتجاوز تدرجي وإن كان بطيئاً لما سارت عليه الحكومات السابقة، وإلّا  فإن رضوخه للقوى المتنفذة سيجعل منه أضعف من رئيسي الوزراء اللذين سبقاه، فالمالكي والعبادي كانا مدعومين من كتلة سياسية كبيرة ومهيمنة، أما عبد المهدي، فإنه لا يمثّل إلّا نفسه حتى وإن كانت كفاءته ومقدرته السياسية أوسع وأعمق وأكبر من غرمائه السابقين، لكن توازن القوى داخل البرلمان سيكون مؤثراً على توجه حكومته، ولعلّ التجاذبات حول وزارتي الداخلية والدفاع خير دليل على ذلك.

 والدولة العميقة التي تحدّث عنها ستكون له بالمرصاد لتعطيل أو تسويف أي قرار يتخذه إذا ما تعارض مع مصالحها، ناهيك عن أي اختلال في المعادلة الإيرانية- الأمريكية للنفوذ سيؤدي إلى خلخلة مواقعه، ولاشكّ فإنه والحالة هذه سيبقى محكوماً بمثل هذا التوازن وغير قادر على تجاوزه. وكان عليه أن يتعامل منذ البداية كرئيس لوزارة قوية ومؤثرة وهو ما يريده الشارع، وإلّا فالأفضل له تقديم استقالته ليحتفظ بهامش طالما ظلّ يبحث عنه في السنوات الماضية.

إن استشراف صورة الوضع العراقي مستقبلياً تكاد تكون ضبابية حتى الآن، فمنذ الاحتلال والعراق يعاني من خمسة تحديات أساسية:

أولها- الطائفية السياسية ونظام المحاصصة وليدها، وقد قام على الزبائنية والغنائم، المر الذي أضعف الدولة وقوّض من عملية إعادة البناء بسبب التجاذبات المذهبية - الإثنية.

وثانيها- الميليشيات التي أخذت طابعاً " شرعياً أو شبه " شرعي" بعد إلحاق قوات الحشد الشعبي بالقوات المسلحة العراقية، واعتبارها جزءًا منه، والميليشيات بشكل عام تنتمي إلى القوى السياسية الشيعية التي شكّلت المشهد الأبرز في الوضع السياسي العراقي بعد الاحتلال.

وثالثها- العنف والإرهاب، فقد استفحل في العراق على نحو لا مثيل له، لاسيّما بعد تمكّن داعش من احتلال محافظة الموصل ومحافظتي صلاح الدين والأنبار وسيطرته على أجزاء من محافظتي كركوك وديالى، ووصوله إلى مشارف العاصمة بغداد. وعلى الرغم من هزيمته واندحاره إلّا أن بيئته ما تزال صالحة وبيضه يمكن أن يفقّس، باستمرار سوء أوضاع النازحين وعدم عودتهم إلى بيوتهم، ناهيك عن تردي الخدمات الصحية والتعليمية والبيئية، والأكثر من ذلك هو عدم استعادة الوحدة الوطنية في إطار مصالحة وطنية حقيقية.

ورابعها- الفساد المالي والإداري الضارب الأطناب في كيان الدولة العراقية والذي ينخر بجسدها وهو الوجه الثاني للإرهاب، فما زال أمام هيئة النزاهة أكثر من 13 حالة فساد كبرى، بينها أكثر من ألف حالة لوزراء ونوابهم وأصحاب الدرجات الخاصة وأعضاء في البرلمان وبعضهم من المتنفذين في الأحزاب القائمة، وغالباً ما يفلتون من العقاب، لأسباب تتعلق بدور القضاء ومحاولات التأثير عليه وبتواطؤ مع بعض المتسيّدين في الدولة ومفاصلها.

خامسها - هشاشة السيادة الوطنية، فالنفوذ الإيراني لا يزال قوياً ومؤثراً في العراق، سواء أكان بشكل مباشر أم غير مباشر، غبر القوى السياسية الحليفة لإيران أو عبر علاقات خاصة طائفية أم مصلحية أم أمنية، وكذلك فإن الولايات المتحدة لها نفوذ قوي سياسي واقتصادي وعسكري وأمني، وهو مكفول في إطار معاهدة الإطار الإستراتيجي بين بغداد - واشنطن، الأمر الذي يجعل السيادة العراقية معوّمة، وهو ما يعطّل إمكانية الخروج من المأزق الراهن، لذلك فالاعتقاد السائد إن العراق سيستمر يدور في أزمته ما لم تتوفر إرادة سياسية موحدّة، تستطيع أن تنهض به لتتجاوز نقاط ضعفه الحالية وتضعفه في إطار محيطه العربي، علماً بأنه يملك طاقات وكفاءات كبيرة ولديه موارد هائلة، ولكن ما يحتاجه هو اختيار الطريق السليم وبتعاون شامل عابر للطائفية والمحاصصة وإطار حكم القانون.

 

عبد الحسين شعبان - باحث مفكر عربي

......................

أصل هذه المادة نشرت في مجلة الشروق (الإماراتية) العدد 1396-1408/ 7-13 /1 /2019. وهي الآن بصيغة موسّعة.

 

حسام الدجنيلا يخلو تصريح للرئيس عباس ولقيادات السلطة الفلسطينية من عبارة أن حركة حماس تمرر صفقة القرن وتتآمر على المشروع الوطني، ورافق ذلك اتهام مباشر من عباس للحركة وللتيار الإصلاحي بأنهم جواسيس وخونة، في لغة جديدة من طرفه ضد حركة حماس.

لماذا يتهم الرئيس وفريقه حركة حماس بتمرير صفقة القرن..؟ ما هي السيناريوهات المحتملة لتفسير سبب الاتهام...؟

كأن هناك تعميما لجميع قادة السلطة حول اتهام حماس بأنها تنفذ صفقة القرن، وهو ما لا يمكن أن يكون مصادفةً، أو بريئاً، وعليه أطرح ثلاثة سيناريوهات لتفسير هذا الاتهام ودوافع عباس وفريقه، وأترك للقارئ تحكيم عقله وترجيح أحد هذه السيناريوهات، حتى لا يبقى العقل الفلسطيني متلقيا دون تفكير أو تحليل للأحداث السياسية.

السيناريو الأول: رغبة عباس بتمرير الصفقة دون تحمل نتائجها على المستوى الوطني والشخصي.

اتهام حماس بأنها تنفذ صفقة القرن وتكرار ذلك في كل التصريحات والخطابات من عباس وفريقه يدفع البعض لطرح تساؤل: هل من الممكن أن يكون عباس يتبنى صفقة القرن ويعمل على تنفيذها، ولكنه لا يريد أن يتحمل المسئولية التاريخية والوطنية، وعليه يحاول أن يرسخ لدى الوعي الجمعي الفلسطيني والعربي والدولي بأن حركة حماس هي من تنفذ الصفقة، عبر إقامة دويلة في قطاع غزة.

هناك ما يدعم هذا السيناريو، منها:

1- العقوبات المفروضة على قطاع غزة وتضييق الخناق عليه من خلال قطع الرواتب، وصناعة الأزمات، كل ذلك يدفع الطرف الذي يحكم قطاع غزة للبحث في تحسين واقع الحياة للغزيين، فتلقى لهم الجزرة الأمريكية التي تعزز من حالة انفصال قطاع غزة.

2- من يريد وحدة الوطن يعمل على عدم التمييز بين أبنائه بالمحافظات الجنوبية والشمالية، في إطار الراتب والرتب وغيرها من الحقوق التي كفلها قانون الخدمة المدنية والعسكرية.

3- من يريد استعادة قطاع غزة وعودتها للشرعية كما يدعي، يعمل على توحيد حركة فتح، ويدعم موازناتها لتكون قادرة على دعم وتعزيز صمود المواطنين، فتزداد شعبية الحركة وتصبح قادرة على العطاء والمنافسة.

4- حل المجلس التشريعي، وأصغر طفل فلسطيني يدرك أن (إسرائيل) لن تسمح بانتخابات بالقدس، وبذلك لن تجرى الانتخابات التشريعية، وسيتم اعتماد المجلس المركزي كبرلمان للدولة وهو ما ينظر إليه البعض في هذا التوقيت بأنه خطوة نحو الكونفدرالية بين الضفة الغربية وبين الأردن، وحتى يتم ذلك لابد من التخلص من قطاع غزة.

5- نظرة عباس وفريقه لقطاع غزة، وأزماته السياسية والاقتصادية والاجتماعية بالإضافة إلى سلاح المقاومة.

6- عدم قيادة السلطة لحراك شعبي كبير ومؤثر يوم 14/5/2018م أثناء نقل السفارة الأمريكية للقدس، كما حصل في قطاع غزة.

7- إعلان عباس وعلى الهواء مباشرة قبوله لصفقة العصر وذلك خلال لقائه بترامب يوم 20/9/2017م.

هناك أيضاً ما يضعف هذا السيناريو:

1- حالة التوتر في العلاقة بين السلطة الفلسطينية وبين الإدارة الأمريكية وما رافقها من تصريحات وخطوات من الطرفين على الأرض.

2- ليس من السهل تمرير مشروع الكونفدرالية مع الأردن كونه يهدد مستقبل المملكة، وقد أعلنت المملكة بشكل واضح وصريح رفضها لهذا الخيار.

3- صفقة القرن تستهدف بالدرجة الأولى الضفة الغربية والقدس وعليه فإن المتضرر الأكبر من ذلك هو عباس وفريقه.

السيناريو الثاني: امتلاك عباس لمعلومات بأن حركة حماس توافق على صفقة القرن.

قد يكون هذا السيناريو محتملاً، وأن أطراف دولية أبرقت لعباس بمعلومات حول تلك المسألة، ولكن هل تلك المعلومات حقيقية...؟ هذا هو السؤال الجوهري، فهل من الممكن البناء على معلومات من أطراف دولية أو حتى إقليمية، دون البحث في ما يجري على الأرض...؟ ما هي المؤشرات التي تدعم قبول حماس بصفقة القرن، والتي سوف نبحثها خلال هذا السيناريو، ولكن قبل ذلك ينبغي التركيز في مسألة بالغة الأهمية في طبيعة المعلومات وإدارتها من قبل كافة الأطراف، فالثابت لدى أغلب الدول ولدى جماعات المصالح بقاء حالة الانقسام، وعليه قد تقدم وجبات معلوماتية بشكل يومي تهدف لتحقيق هذا الهدف.

ما يدعم هذا السيناريو:

1.إصرار عباس على تكرار الاتهام لحركة حماس بأنها تقف خلف تمرير صفقة القرن واتهامه لقياداتها بأنهم خونة وجواسيس.

2- التفاهمات بين حماس والفصائل في قطاع غزة و(إسرائيل) عبر قطر ومصر والأمم المتحدة دون موافقة عباس، تعزز لدى الرئيس بأن ما يجري مؤامرة على عباس وعلى القضية الفلسطينية.

ما يضعف هذا السيناريو:

1- إجراءات عباس تجاه قطاع غزة (العقوبات)، والتي تضيق على الغزيين فتدفعهم نحو القبول بما هو أقل من صفقة القرن.

2- إضعاف حركة فتح في قطاع غزة من خلال ضعف واضح في مخصصاتها المالية، مقابل المخصصات والموازنات المالية لخصومها من حركة حماس أو التيار الإصلاحي.

3.تمسك حماس بالمقاومة بكافة أشكالها، ونجاحها في بناء علاقات وطنية مع أغلب الفصائل الفلسطينية وقدرتها على توظيف قدراتها العسكرية والشعبية في تحقيق التفاهمات التي من شأنها أن تخفف من حالة الحصار على قطاع غزة.

السيناريو الثالث: اتهامات تندرج في إطار المناكفات السياسية.

سيناريو مرجح بقوة، فمنذ الانقسام في يونيو/2007م والمناكفات السياسية بين حركتي فتح وحماس لم تتوقف، وقد تندرج تلك الاتهامات ضمن هذا السياق، وبذلك يريد الرئيس عباس عبر هذه الاتهامات أن يربك حسابات حماس ويضعها في دائرة الدفاع عن نفسها، فتنكفئ على ذاتها وبدل أن تدعم الانتفاضة في الضفة الغربية، تنشغل في الدفاع عن نفسها، وابعاد تهمة الخيانة.

ما يدعم هذا السيناريو:

1- السياق التاريخي لحالة الانقسام وما رافقها من تصريحات واتهامات تدعم ذلك.

2- خشية السلطة من قدرة حركة حماس على دعم وتحريك انتفاضة مسلحة بالضفة الغربية قد تقوض سلطتها، وعليه تحاول أن تؤثر سلباً على صورة حماس بالوعي الجمعي العربي والإسلامي.

3- فشل المشروع السياسي لعباس قد يدفعه لصناعة مشاريع وهمية أقل من أوسلو يتهم خصومه بأنهم يقفون خلفها فيرفع سقف التوقعات لأنصاره.

ما يضعف هذا السيناريو:

1- الحراك الأمريكي في ملف صفقة القرن، وتطبيق بعض البنود (القدس - الأونروا) على الأرض.

2- حديث الأطراف الإقليمية والدولية عن الصفقة.

الخلاصة: صفقة القرن لم تعلن بعد، ولا أعتقد أنها ستعلن لأنها بدأت بالفعل تنفذ على الأرض، وما أخشاه أن تمرر كل بنود الصفقة ونحن نتهم بعضنا بعضا، ودون أن ندري نشارك بقصد أو دون قصد في تمرير تلك الصفقة، فبقاء الانقسام والعقوبات على القطاع، وسوء الإدارة كلها أسباب تسهل من تمرير الصفقة دون أن تستأذننا.

 

بقلم/ د. حسام الدجني

 

حسن العاصييا سعد.. سعيد لم يهلك بعد

إن تحرير فلسطين، هذا الشعار اللغوي الفخم، لم يكن في الحقيقة يوماً على جدول أعمال القادة العرب -باستثناءات قليلة-. ولم تكن يوماً فلسطين قضية العرب الأولى، إلا على الورق، في اجتماعات الغرف المغلقة، وفي الخطب النارية فقط. فلسطين التي تستغيث فلا تُغاث، والأقصى الذي يصرخ العون فما من سامع، والقدس التي تتوق للنجدة فلا مُلبي، والفلسطيني الصامد الصابر المعاند الثابت يترك اليوم وحيداً بلا عون ولا مدد من الأشقاء العرب. الاخوة الذين بات بعضهم يتبنى الرواية الصهيونية على حساب المصالح والحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، وبعضهم أصبح يعتبر فلسطين وشعبها وقضيتها عبئاً يجب التخلص منه.

تتعمد معظم الدول العربية تهميش القضية الفلسطينية، وتتجاهل حقيقة أن حالة الصراع الفلسطيني الصهيوني لا يمكن بترها وعزلها عن المحيط العربي والعمق الإقليمي، فكل العواصم العربية هي في قائمة المصالح والاستهداف الصهيوني.

يخرج علينا بعض العرب كخروج جهينة في ترتيب أولوياتهم، يقول لك هذا النظام أو ذاك "نحن أولاً" لتبرير عجزهم عن نصرة فلسطين. ثم اهتدوا إلى طريق الخلاص الذي يبعد فلسطين عنهم تماماً، فزجوا بشعوبهم في صراعات داخلية ومعارك جانبية فيما بينهم، أحدثت الفوضى وقسمت المقسوم وعمقت الحالة القطرية.

وفلسطين المحتلة على مرمى حجر من الجيوش والميلشيات العربية التي تتقاتل فيما بينها باسم فلسطين، وتقتل أبناءها وهي تهتف لفلسطين، تثير الصراعات الطائفية والعرقية والإثنية باسم فلسطين، يقتلون الفلسطيني ويعتقلونه، ويريدون رصف الدرب نحو القدس بجماجم الفلسطينيين، ويزاودون عليه أيضاً باسم فلسطين.

سعيد لم يهلك

في زمن الجاهلية عاش شقيقان أحدهما يدعى سعد والأخر سعيد، خرجا ذات يوم لقتال الأعداء، غلبت الحماسة على سعيد ومن معه فسبقوا سعد إلى القتال، لكنهم وجدوا أنفسهم محاصرين بفخ نصبه لهم الأعداء وأوقعوا بهم، مات سعيد ومن معه إلا واحداً فقط استطاع الفرار، وبينما هو يجري قابل سعد في الطريق، فقال له تلك الجملة الشهيرة التي صارت مثلًاً " انج سعد فقد هلك سعيد"، وبالفعل هرب سعد ونجا من الموت.

قيل إن أباهما خرج للبحث عنهما، فكان كلما مر به أحد لم يتبينه قال أسعدٌ أم سعيد، فمضى مثلاً للشيء غير الواضح. فلما بلغ أبوهما الحرم وجد معتمرا يطوف بالبيت وعليه ثياب ابنه سعيد فسأله فقص عليه قصته وهو يجهل أنه والد سعيد، فما كان من هذا الأخير إلا أن استل سيفه وقتله، فلما سئل أقتل في البيت الحرام؟! قال: سبق السيف العذل.

حال بعض العرب مع فلسطين وشعبها وقضيتها كحال سعد الهارب. ونحن نتابع تسابق بعض الأنظمة العربية على نقل علاقاتهم مع إسرائيل من مرحلة الزيارات السريّة والتطبيع المستتر إلى العلانية، والمشاركة في المحافل الدولية على الصعيد السياسي والاقتصادي والرياضي. ونرقب الزيارات التي قام بها مسؤولين حكوميين إسرائيليين إلى بعض العواصم العربية، تحضرنا قصة المثل العربي وتجعلنا نتساءل أسعدٌ أم سعيد، ذلك الذي استقبل في قصره "بنيامين نتنياهو" قاتل الأطفال الفلسطينيين، وذاك الذي يقف بخشوع بحضرة النشيد الوطني لمن يفترض أنهم أعداء الأمة، لذلك لم يشبّه لنا ويحق لنا وللشعوب العربية أن تسأل أسعدٌ هو أم سعيد!

الضلع الثاني من المثل العربي قولهم انج سعدٌ فقد هلك سعيد، يبدو أن معظم العرب مقتنعين كل الاقتناع أنهم "سعد" المعني بالمثل، وقد أدركوا أنهم هالكين لا محالة إن لم ينجوا بأنفسهم، فسارعوا إلى التوبة والتكفير عن ذنوب ارتكبوها خلال سبعين عاماً، بعد أن اكتشفوا أنهم قوماً ظالمون، وأن إسرائيل ضحية الفلسطينيين. وفات العرب أن سعيد الفلسطيني لم يهلك بعد، وأن سعدٌ العربي إن أراد النجاة عليه تدعيم وتقوية وإسناد شقيقه سعيد "الفلسطيني" للانتصار في معركة يخوضها نيابة عن سعدٌ ومسعودٌ وسعاد.

لكن يبدو أن سعداً لم يقرأ صفحات التاريخ، ولا يعلم شيئاً عن صلابة وبأس وثبات وصبر وجبروت الشعب الفلسطيني، وإن أراد سعداً أن يكون سعيداً وألا يكون شقياً فعليه قراءة الواقع جيداً ومنح نفسه فرصة مراجعة من تعجل التطبيع، وقديماً قالت العرب: السعيد من اتعظ بغيره، والشقي من اتعظ بنفسه.

سواء نجا سعدٌ أم لم ينج، فقد سبق السيف العذل، وفعل أهل "حارديم" ما فعلوا، وانتهكوا حرمة الأقصى مثلما انتهكوا حرمة كل شيء فوق البلاد المسماة فلسطين، واعتقلوا شعبها وشجرها، والعرب لم يحركوا ساكناً ولا أثاروا ضجيجاً.

سبق السيف العذل، ضلع المثلث الثالث يعبّر عنه سعدٌ المناصر المؤازر ويخبر سعدٌ المطبع المتصالح المتساوق، إني أخشى عليكم غضب ابن أبيه، ولا فكاك لكم من مصير كالحمم، لا تملكون من أمره وأمركم شيئاً ولا عذراً، حينها يصح السيف الذي سبق العذل، إلا إن عدتم. حينها لا تلوموا أحداً، فاللوم بعد التحذير بدعة.

ضربت العرب قبل سعدٌ وبعده أمثالاً كثيرة للأخرق والأرعن، وقالت في أخبار المغفلين والحمقى أن الجاهل يفعل بنفسه ما لا يفعله العدو بعدوه. واستدرك العقلاء من العرب أن لحكاية سعد الذي ظن أنه نجا تتمة، إذ قالوا أُكلتُ يوم أُكل الثور الأبيض.

قالت العرب قديماً أن الخائف لا يحمل معه عقله. وللأشقاء العرب الخائفين نقول: لم ولن يكون الفلسطينيون الثور الأبيض، ولن يموت هذا الشعب الذي اختار طواعية أن يقاتل ويناضل نيابة عن الأمتين العربية والإسلامية، وأن يحافظ على مقدساتها، ويعتبر أن هذا مكرمة له وشرفاً ينفرد به دون الآخرين، الذين يتربص بهم العدو كما يتربص بالفلسطينيين، لعل العرب يستيقظون من غفلتهم ذات حين ويعلمون أن المرء بأخيه كما قال الأجداد.

كانت وستبقى

فلسطين كانت قبل 7500 عام قبل الميلاد في جبل القفرة جنوبي الناصرة وسفح الرمل قرب طبريا. فلسطين الكنعانية كانت في العام 3000 قبل الميلاد. وكانت تحت الاحتلال اليوناني عام 332 قبل الميلاد. فلسطين كانت تحت الاحتلال الروماني في منتصف القرن السابع الميلادي. فلسطين وصل إليها عمر بن العاص حاملاً معه رسالة الإسلام العام 643 ميلادي، وتحررت فلسطين من الروم على يد خالد بن الوليد في معركة اليرموك الشهيرة. كانت فلسطين أموية في العام 661. وعباسية في العام 750. ثم دخلها الطولونيون والقرامطة. ثم احتلها الصليبيون العام 1095. وخاض صلاح الدين الأيوبي معركة حطين الشهيرة، واسترد بيت المقدس العام 1187ميلادي. وصدّ سيف الدين قطز والظاهر بيبرس الغزو المغولي على فلسطين العام 1259 ميلادي في معركة عين جالوت بعهد الدولة المملوكية. فلسطين دخلها العثمانيون العام 1516 ميلادي، مكثوا فيها أربعة قرون وخرجوا وظلت فلسطين. وهزمت مدينة عكا الفلسطينية بأسوارها حملة نابليون بونابرت العام 1799 ميلادي. فلسطين دخلها الجيش البريطاني العام 1917 ميلادي وخرج منها العام 1948، حين احتلها الصهاينة وأعلنوا فوق أراضيها دولة لهم. كان قد سبق هذا الإعلان حوالي نصف قرن من التخطيط والتنظيم والتدبير، وسوف يخرجون كما خرج غيرهم.

فلسطين التي كانت محور التقاطعات والتجاذبات والصراعات تاريخيا، سوف تظل في قلب الأحداث التي تجري مستقبلاً. فلسطين كان اسمها وسوف يظل، ولا يمكن للمنطقة أن تستقر دون حل عادل وشامل وكامل للقضية الفلسطينية، يعيد للشعب الفلسطيني حقوقه الوطنية المسروقة، وتمكينه من إقامة دولته المستقلة فوق أرضه وعاصمتها القدس الشريف.

راهن عربي غير مؤهل للدعم

تاريخ الصراع الفلسطيني الصهيوني أثبت أنه لا يمكن لنا مواجهة القوة الإسرائيلية بأسلوب ناعم يعتمد على قوة الحق وفضيلة الأخلاق، فالتاريخ يظهر بوضوح أن لا حقوق دون قوة تساندها. لقد وصل عجز السياسات الرسمية لمعظم الأنظمة العربية إلى مرحلة تتسابق فيها الدول العربية على الاعتراف بإسرائيل وتبادل الزيارات والوفود، وفتح قنصليات ومكاتب تجارية إسرائيلية في بعض العواصم العربية، واستقبال وفود رياضية وتجارية وثقافية إسرائيلية، وسواها من العلاقات التي كانت محرمة فيما مضى حين أعلن العرب لاءاتهم الثلاثة، لا صلح لا تفاوض لا اعتراف. ووصل إخفاق وانكسار العرب أقصاه في هذه المرحلة حيث لا وجود لأي استراتيجية عربية حول إسرائيل، لا استراتيجية مواجهة ولا استراتيجية سلام. والمرعب أن يشهد الوضع العربي انحداراً وسقوطاً وتراجعاً في الدعم لفلسطين. والذل أن يتآمر بعض الاشقاء العرب على فلسطين وقضيتها وشعبها. لقد جرى تقزيم المسألة الوطنية الفلسطينية على أنها قضية الفلسطينيين فقط، في وقت تواصل فيه إسرائيل إصدار القوانين العنصرية، ويستمر تهويد الأرض وطمس هويتها العربية، وما نخشاه هو أن تتحول فلسطين إلى أندلس جديدة فيما العرب يتفرجون، ونفقدها للأبد.

ندرك كفلسطينيين أن الواقع العربي مثقل بالأعباء والأمراض والإشكاليات والتعقيدات السياسية والاقتصادية والأمنية، ويواجه الصراعات الداخلية والتحديات الاستثنائية بفعل سياسات الاستبداد لمعظم هذه الأنظمة التي جعلت الشعوب العربية تلهث خلف لقمة العيش. هذه الأمة غير قادرة على اختيار حاضرها ومستقبلها، وهي عاجزة عن دعم القضية الفلسطينية، التي طالما جعلت منها معظم الأنظمة مطية لتحقيق المآرب على حساب مصالح الشعب الفلسطيني، وطالما رفعت هذه الأنظمة الشعارات المزيفة لتستميل شعوبها وتتاجر بالقضية الفلسطينية. لكن الأحداث تُظهر أن الشعب الفلسطيني هو من سيقوم بتخليص وتحرير الشعوب العربية من أنظمة القمع والبطش، ويُطلقها من معتقلاتها التي تسمى أوطاناً، بعد أن ينال حريته ويقيم دولته فوق أرضه.

العرب وفلسطين

يواجه الفلسطينيون الآن مرحلة شديدة الخطورة، حيث يتعرضون لأقذر المؤامرات وأفتكها وأكثرها سمية منذ قرن من الزمن، بهدف اغتيال القضية الوطنية الفلسطينية، وإماتة الحقوق الوطنية العادلة والمشروعة للشعب الفلسطيني، ووأد حلمه في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف. بالرغم من أن معظم الأنظمة العربية قد وظّفت القضية الفلسطينية لغايات لا ترتبط بفلسطين لكن معظمهم تخلى عنها الآن. وفي الوقت التي اكتشفت فيه معظم الشعوب العربية بعد أكثر من سبعين عاماً على ضياع فلسطين، أن لديها هموماً تشغلها عن نصرة فلسطين وأهلها، اكتشف الشعب الفلسطيني من حُسن قدره، أن مقدرات وقوة معظم العرب على دعم وعون قضيتهم ليست أكبر من قدرتهم ومن قوة الفلسطينيين على إسناد وغوث أنفسهم. كما اكتشفوا حجم كذب ورياء معظم الأنظمة العربية الذي تسبب في إزهاق أرواح آلاف الشهداء الفلسطينيين، وأن تدخّل العرب سابقاً لم يكن تأييداً للقضية بقدر ما كان بسبب دوافع ترتبط بالعرب أنفسهم، الذي لم يخجل معظمهم من إسقاط جدار العداء لإسرائيل علناً. لذلك فقد حان وقت توقف هذا النفاق، وتسمية الأشياء بمسمياتها الحقيقية. وهنا من المهم التأكيد على أن فلسطين التي سدّدت أثماناً باهظة للحفاظ على قضيتها، لن تتراجع ولن تنكسر ولن تتخلى ولن تفرط بالحقوق وبالوحدة، ولن ترهن قرارها لأية جهة مهما بلغت قيمة الفواتير.

انحدار مرعب

أخفقت معظم الأنظمة العربية الاستبدادية في تحقيق شعاراتها المرتبطة بالوحدة والاشتراكية والاستقلال الوطني والحريات، وعجزت عن إحداث أية تنمية وتطوير في البنى الرئيسية، ولم تتمكن من إحراز مهام التقدم الاجتماعي. لكن هذه الأنظمة حققت نجاحاً لافتاً في بناء المؤسسات والأجهزة الأمنية التي تخصصت وأبدعت في قمع وقهر المواطنين وسحقهم، وحلت كافة مؤسسات المجتمع المدني، وأغلقت أي إمكانية لتطور الوعي السياسي للناس، وقوّضت مفهوم المواطنة، وقضت على الحوار المجتمعي، وشجعت الولاءات العرقية والإثنية والعشائرية والمناطقية، ونشرت الفساد في مفاصل الدولة والمجتمع، وسمحت للمفسدين أن يسمنوا ويتغولوا، وقامت بإعلاء المصلحة الخاصة على حساب قيم المنفعة العامة.

أقدمت هذه الأنظمة وبطانتها على تسخير مؤسسات الدولة وخيرات الوطن لخدمة مصالحهم الخاصة ومصالح الاقرباء والموالين، وفككت الروابط الوطنية والاجتماعية والأخلاقية بين مكونات المجتمع، مما أدى إلى ظهور النزعات العرقية والطائفية والقبلية والمذهبية والعشائرية البغيضة، التي فتتت الأوطان وحولتها إلى إمارات وقبائل وطوائف.

الأخطر قيام هذه الأنظمة بتليين وتطويع معظم المثقفين والمفكرين وتدجينهم، ومن لم تتمكن منهم إما زجت بهم في السجون لسنوات طويلة، وإما أنهم تمكنوا من الهرب خارج أوطانهم إلى بلدان غربية حيث حريتهم، وإما أنهم تركوا الشأن الثقافي وانعزلوا عن الحياة العامة. لم تستثني هذه الأنظمة حتى رجال الدين والمشايخ الذين قام بعضهم بإجراء تعديلات على معتقداته لتتوافق مع خطاب المرحلة.

لقد تحولت الأوطان العربية بكل ما تحتويه من بشر وحجر وثروات إلى ملكية خاصة لبعض الحكام العرب، الذين طوعوا كل شيء وحولوه إلى أداة منفعية تخدم مصلحتهم التي أصبحت فوق الوطن والمجتمع والدولة. لذلك فإن مهام التحرر الوطني والتقدم الاجتماعي التي رفعتها معظم الأنظمة العربية خلال خمسينيات وستينيات القرن العشرين لم يتحقق منها شيء، وأن كل الأحلام التي بنتها الشعوب العربية بعد الاستقلال الشكلي، في حياة تضمن كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية، قد جرى إجهاضها ووأدها مرتين في الحقيقة، مرة عن طريق الأنظمة العربية الاستبدادية التي قتلت واعتقلت كل شيء، ومرة أخرى تم هزيمة هذه الأحلام والتطلعات بواسطة الشعوب العربية نفسها التي رضيت أن تُصادر الأنظمة العربية حقها في أن تكون شعوباً حرة، وقبلت أن تكون مجرد قطيع خانع.

حضور إسرائيلي طبيعي

من أبرز سمات المرحلة الراهنة عربياً، غياب معظم الشعوب والأحزاب والقوى العربية غياباً فعلياً كاملاً عن المشهد السياسي والفعل المرتبط بفلسطين والقضية الفلسطينية، وحضور الأنظمة العربية الاستبدادية المنهزمة أمام إسرائيل، والمنتصرة على شعوبها. حضور الحكام العرب الذين يبدون ممانعة للاستجابة لأية مطالب من شعوبهم في تحقيق نوع من العدالة الاجتماعية والمساواة، وإحداث بعض التحولات التي تخترق جدار التسلط والقمع والتحكم وتفضي إلى مناخات ديمقراطية، لكنهم يُظهرون الليونة والقابلية والتأييد لإقامة علاقات طبيعية "للغاية" مع الكيان الصهيوني، وعلى حساب المصالح والحقوق الفلسطينية.

غاب الجميع وحضرت إسرائيل في أكثر من عاصمة عربية، وحضر النشيد الوطني الإسرائيلي المعروف باسم "هاتكفاه" ويعني الأمل، في داخل القصور الرئاسية والمدرجات الرياضية العربية.

 تواصل إسرائيل نجاحها في اختراق العواصم العربية، في وقت تمعن فيه بقتل الفلسطينيين وتهويد القدس، وتعربد في سماء العواصم العربية، وتهدد وتتوعد هذا وذاك من دول المنطقة، ومعظم العرب لا قدرة لهم ولا بأس، لا يكترثون إلى ما يجري في فلسطين، وصناع السياسة العرب وأصحاب المعالي لا يعنيهم الأمر، كأن الاعتداءات الإسرائيلية تقع في جزيرة غرينلاند وليس في الأرض العربية وأجواءها.

وإسرائيل أصبحت تتأقلم سعيدة مع وضعها الجديد كعضو مقبول ومرحب به من معظم الدول العربية، لذلك هي تعمل على تجاهل  القيادة الفلسطينية، وشطب العمل الفلسطيني من حساباتها، وتتغافل عن أي حلول لصراعها مع الفلسطينيين، طالما أن علاقاتها مع معظم الأنظمة العربية والإسلامية في أحسن حال.

 تماماً كما أسقط معظم العرب من حساباتهم شرط إنهاء معاناة الشعب الفلسطيني، والتوصل إلى حل عادل وشامل يفضي إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس، كشرط مسبق لقيام تطبيع عربي وعلاقات مع الكيان الصهيوني.

تثبيت الثابت

أي مثقف أو مواطن أو مسؤول عربي أو إسلامي يرضى بتهويد القدس، ويوافق على التسليم بالأمر الواقع بوجود إسرائيل فوق كافة الأراضي الفلسطينية، دون قيام دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس.

وأي زعيم عربي أو إسلامي يتساوق مع الأفكار والتبريرات الإسرائيلية التي تتجاهل الحقوق الوطنية الثابتة للشعب الفلسطيني، بما في ذلك حقه في تقرير مصيره، وحق العودة للاجئين الفلسطينيين والتعويض عن ممتلكاتهم التي فقدوها. ويقبل التطبيع مع إسرائيل.

كل مفكر عربي أو إسلامي كان يدعو إلى الأفكار الليبرالية التحررية، وإلى الحداثة وقيم العدالة والاشتراكية، ولا يبدي اليوم تضامناً واضحاً معلناً مع الشعب الفلسطيني وقضيته وحقوقه الثابتة.

كل مثقف وكاتب وإعلامي وأديب يتصالح مع الإرهاب الإسرائيلي، ويداهن الاحتلال، ويتردد في الثوابت الوطنية، ويتقلّب في مواقفه من القضية الفلسطينية.

كل من يفرط بالحقوق الفلسطينية والعربية، ويبدد تضحيات من سبقونا من الشهداء والجرحى والمعتقلين، ويحاول مقايضة الحق بالباطل. وكل من يحرف معركة الأمة المركزية عن مسارها، وكل من يشتت جهد الأمة في صراعات جانبية ومعارك ثانوية.

كل زعيم أو مسؤول عربي أو إسلامي يتعامل مع فلسطين في العلن بالخطب الحماسية والتظاهرات الحاشدة والاعتصامات وحرق الأعلام والصور والإطارات، ويتعامل في السر بمزيج من المؤامرات والصفقات والتسويات والاتفاقيات والزيارات الودية والشراكات والعقود والمساعدات.

من تاجر بالقضية الفلسطينية من الأنظمة العربية ومن المعارضات، ومن اعتبر يوماً أن فلسطين أم القضايا ثم خذلها لحسابات ومصالح ترتبط به وحده، من الأحزاب والقوى العربية التي كثرت أقوالهم وانعدمت أفعالهم. من يحاول تبخيس وتجاهل نضالات شعب عظيم عرف كيف يحافظ على هويته، بالرغم من أن العالم كله وقف ضده وسعى إلى إلغائه.

من يتآمر على الشعب الفلسطيني وقضيته وقيادته من العرب والمسلمين. من يحاول تمرير صفقات مشبوهة لتصفية القضية الفلسطينية.

جميع هؤلاء معادون للشعب الفلسطيني، ويقفون ضد تطلعاته وحقوقه المشروعة، متآمرون مع العدو الوطني والقومي لفلسطين والعرب. خائنون للعهود والمواثيق مع فلسطين وأهلها ومع شعوبهم وأنفسهم، نكثوا شعاراتهم ونقضوا التزاماتهم، هم دون ضمير عربي أو إسلامي أو إنساني، لا مبادئ لهم ولا قيم، أصحاب شعارات زائفة، لا بصر لديهم ولا بصيرة، ويل لهم من شرب قد اقتراب.

نقول فهل نتعظ؟

من المعيب الفاضح أن يحتاج الشعب الفلسطيني وقيادته إلى كثير الجهد من أجل لفت أنظار الأشقاء العرب أنظمة وشعوباً إلى قضيتهم العظيمة بعد مرور حوالي سبعين عاماً على النكبة البغيضة، التي أسهمت بعض الخيانات العربية في إخراج مشاهدها بالكيفية المؤلمة التي تمت. الكارثة المبكية أنه أصبح لدينا عدداً غير قليل من العرب لا يعرفون شيئاً عن فلسطين وشعبها وقضيتها.

في ظل الظروف الراهنة عربياً والاستثنائية في الانحدار والتشرذم والسقوط الأخلاقي، والوداعة مع الاحتلال الإسرائيلي، والإذعان المهين للضغوط الأمريكية، هل نحتاج اليوم لرجل يشبه زياد بن أبيه "زياد بن عبيد الثقفي" الذي صاح في خطبة البتراء الشهيرة، حين ولاه معاوية بن أبي سفيان على البصرة التي كانت معقلاً للخارجين عن طاعة الخلافة الأموية، فصعد زياد على منبر المسجد وخطب في الناس قائلاً "إني رأيت آخر هذا الأمر لا يصلح إلا بما صلح به أوله، لين في غير ضعف، وشدة في غير عنف. وإني أقسم بالله لآخذن الولي بالمولى، والمقيم بالظاعن، والمقبل بالمدبر، والمطيع بالعاصي، والصحيح منكم في نفسه بالسقيم حتى يلقي الرجل منكم أخاه فيقول انج سعد فقد هلك سعيد، أو تستقيم لي قناتكم"، أم أن العرب اعتادت كثير القول دون أن يتعظ أحد؟

 

حسن العاصي

كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدانمرك

 

ابراهيم أبراشنهاية عام وبداية عام جديد تشكل فرصة لمراجعة مخرجات العام المنفرط واستشراف آفاق العام الجديد، إلا أن استشراف المستقبل والتفاؤل بالعام الجديد لا يعتمدان فقط على مخرجات العام المنفرط لأنها في واقعنا العربي والفلسطيني خصوصا سلبية بشكل عام، بل مصدر التفاؤل هو إرادة الشعب بالتغيير وتصحيح المسار وعدم الاستسلام للأمر الواقع .

لا يمكن للحريصين على المصلحة الوطنية والمؤمنين بعدالة قضايا شعوبهم ممن يعملون بالشأن العام وخصوصا في المجال السياسي إلا أن يكونوا متفائلين ويستمروا في طرق باب الأمل، حتى وإن أصاب اليأس والإحباط الشعب وتكالب الأعداء والنخب السياسية الفاسدة على الشعب وتقاطعت مصالحها مع مصالح الأعداء، وذلك لأن مصير الشعوب ومستقبلها ليس رهين إرادة الأعداء ومصالحهم أو موازين القوى الراهنة أو مرتبط بالنخب والأحزاب السياسية الحاكمة، فكل هذه الأمور آنية وعابرة، الثابت والأصيل هو الشعب وإرادته بعدم الاستسلام وعدم تفريطه أو تنازله عن حقوقه الوطنية .

ما يميز القيادات الوطنية عن غيرها من القيادات التي وضعتها الصدفة أو الارتباطات الخارجية غير الوطنية في موقع المسؤولية العليا أن الأولين يؤمنون أنهم جاءوا من أجل الدفاع عن قضايا شعبهم ولديهم الاستعداد للموت دفاعا عنها، ويؤمنون أن مصير القضية الوطنية ليست مرتبطة بمصيرهم بل هم عابرون يؤدون واجبهم الوطني أو ما يستطيعون منه ويتركون الشعب ليكمل المشوار . بينما الآخرون يتصرفون من أجل مصالحهم ومصالح الجهات الخارجية التي سيَّدَتهم على الشعب والتي تؤَمِن وجودهم في السلطة، وبالتالي يخضِعون قضايا الشعب ومصالحه لمصالحهم ومصالح أسيادهم، ويربطون مصير القضية الوطنية بمصيرهم على قاعدة (فليأت من بعدي الطوفان)، ولا يتورعون عن التضحية بالشعب والوطن مقابل بقائهم في السلطة، أي كانت هذه السلطة حتى وإن كانت تحت الاحتلال المباشر أو غير المباشر، وبالتنسيق المُعلن أو الخفي معه وبتمويل منه .

القيادات الوطنية تؤمن بالمستقبل من منطلق إيمانها بالشعب وبالتالي لا تستسلم للأمر الواقع ولا تُخضع القضايا الوطنية لتوازنات الأمر القائم ولموازين القوى الراهنة بل تطرق دائما باب الأمل وتشحذ همم الشعب وتستنهض قواه الكامنة وتُعيد له ثقته بنفسه بما يجعله يؤمن بأن النصر قاب قوسين أو أدنى والعام القادم أفضل من سابقه، وكما تعود الفلسطينيون أن يُعايدوا على بعضهم البعض بالقول: (العيد القادم في البلاد إن شاء الله) .

أما قيادات الصدفة أو القيادات العابرة فإنها تخشى من المستقبل انطلاقا من خشيتها على فقدان مصالحها وانتفاض الشعب ضدها عندما يكتشف فسادها وتآمرها، وبالتالي فإنها تُحبط الشعب من المستقبل وتعظم من مخاطر ما هو قادم من الأيام لتدفع الشعب للقبول بالأمر الواقع وما يتم عرضه من تسويات وحلول، ليس لأن هذه التسويات والحلول تلبي المصالح الوطنية بل لأنها تؤَّمِن وجودها في السلطة .

بالرغم من كل الكوارث التي عرفتها المنطقة العربية وفي قلبها فلسطين فإن هناك ما يمكن أن يُبنى عليه ويؤسس لحالة تفاؤل تبدد حالة اليأس والإحباط التي سادت خلال سني كوارث ما يسمى الربيع العربي ووطأته الثقيلة على القضية الفلسطينية، حيث الانقسام الفلسطيني من نفس جنس الربيع العربي والأيادي التي خططت للربيع العربي نفسها التي خططت للانقسام الفلسطيني .

فعربيا، لا يمر يوم إلا وتنكشف فصول المؤامرة الأمريكية والتي تم تمريرها تحت مسمى الربيع العربي والأيادي القذرة لبعض الأنظمة العربية التي مولتها بأوامر أمريكية . صحيح أن بداية هزيمة المتآمرين ليست كاملة كما هو الحال في سوريا الأبية، وأن الدمار والخراب المادي والثقافي والمجتمعي الذي تم منذ 2011 بل قبل ذلك منذ التآمر على العراق واحتلاله عام 2003 يحتاج لعقود حتى يتم إصلاحه ، إلا أن انكشاف خيوط المؤامرة والمتآمرين وفشل المأجورين من الجماعات الإسلاموية في تولي السلطة أو الاستمرار فيها لمن وصل إليها، كل ذلك يبشر بأن العام القادم 2019 سيكون عام انكشاف المستور وبداية استعادة التوازن .

لا شك أن فوضى الربيع العربي أصابت الشعب الفلسطيني حيث الانقسام إنجاز مبكر لمخطط الربيع العربي و عراب الانقسام كان له دور أساسي في تمويل فوضى الربيع العربي وقد أشار وزير خارجية قطر السابق نفسه بدور قطر ودول خليجية في تمويل الجماعات الإرهابية تنفيذا لتعليمات أمريكية، ومن جهة أخرى فإن دولا خليجية وإسرائيل استغلت فوضى الربيع العربي لتؤسس لعلاقات بين الطرفين بعضها كانت مُعلنة وأخرى خفية، إلا أنه في المقابل ومن منطلق التفاؤل بالمستقبل فإن هزيمة الإسلاموية السياسية وانكشاف مستور ما يسمى الربيع العربي سيفسح المجال لاستنهاض الحالة الوطنية مجددا في فلسطين وفي العالم العربي .

نعم، قد يستغرب البعض ويتساءل كيف نؤسِس للتفاؤل بقدوم عام 2019 بينما مخرجات عام 2018 وأكثر من عشر سنوات عجاف قبلها تقول: تراجع المصالحة وتكريس الانفصال، تعاظم أزمة النظام السياسي وآخر فصول الأزمة قرار المحكمة الدستورية بحل التشريعي، زيادة الفقر وتفكك المنظومة القيمية، تراجع المقاومة وما تسمى مسيرات العودة والمساومة عليها مقابل رواتب موظفي سلطة حماس، تزايد الحديث عن الفساد وآخر فصول الفساد ما جرى مع المساعدات التركية والعُمانية والقطرية وقبلها أموال إعادة الإعمار، تراجع التسوية السياسية، تراجع الالتزام العربي بالقضية من خلال التطبيع تزامنا مع تراجع الاهتمام الدولي كما جرى مع نتائج التصويت على مشروع القرار الأمريكي بإدانة حماس الخ .

ولكن، عودا على بدء ومن منطلق أن الحياة ستستمر ومصير الشعب لا يحدده توازنات ومعطيات مرحلة انحطاط وتراجع بل إرادة الشعب الفلسطيني وتمسكه بحقوقه وثوابته الوطنية، لا يسعنا إلا أن نتفاءل بالعام الجديد، ليس تفاؤل الحالم والمثالي بل تفاؤل المؤمن بقدرة الشعب الفلسطيني على تجاوز أزمته وظروفه القاهرة .

 الشعب الفلسطيني عبر تاريخ وجوده على أرض فلسطين منذ أكثر من خمسة آلاف سنة وخلال تاريخه الوطني السياسي المعاصر الممتد لمائة عام تقريبا مر بظروف ومنعطفات لا تقل خطورة عما هو موجود اليوم بل في بعض المراحل نعى البعض الشعب الفلسطيني وقضيته السياسية، ومع ذلك كان دائما ينهض من تحت الرماد كطائر العنقاء، فيسقط مع عاصفة إقلاعه كل المتخاذلين والمفرطين ويُعيد الأعداء حساباتهم .

 

أ. د. إبراهيم ابراش