محمود محمد عليمرة أخري نعود ونكمل حديثنا في هذا المقال الخامس عن المخطط الأمريكي لاحتلال العراق 2003،وفي هذا يمكن القول: هناك العديد من الأسباب السياسية وراء التدخل الأمريكي فـي العـراق نـذكر منهـا:

1- جوهر الرؤية الاستراتيجية الأمريكية في العراق قائم على تغير الحكم فيه وإقامة نظام ديمقراطي يحتذي به، والذي سوف يكون بداية للتغييرفي العالم العربي، بتحقيق ذلك يمثل خطوة أولى لإعادة ترتيب الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط.

2- الحفـاظ علـى مكانـة الولايـات المتحـدة كقـوة عظمـي وحيـدة علـى السـاحة الدوليـة وبـلا منـافس حقيقي، يمكنها من تحقيق مشروعها الإمبراطوري في السيطرة على العالم.

3- فـرض العزلـة علـى إيـران وحصـارها، والتلاعـب بميـزان القـوى داخلهـا بمـا يفـرض عليهـا، إمـا الإذعان أو التعاون مع السـيناريو الأمريكـي فـي المنطقـة، مـا تعرضـها لضـغط عنيـف يـؤدي إلـى خلـل في الأوضاع الداخلية وتشجيع قوى سياسة بديلة للحكم الإسلامي فيها.

4- إعـادة صـياغة الأوضـاع فـي المنطقـة بمـا يلائـم المصـالح الأمريكيـة علـى أسـاس التطـورات الجديدة، وما يتناسب مع التصور الأمريكي للدور الإسرائيلي فيها، وتحديد ترتيب الدول العربية في سلم اهتمامـات الولايـات المتحـدة علـى أسـاس فاعليتهـا فـي خدمـة مصـالح الولايـات المتحـدة،وقـدرتها علـى الاستجابة لمتطلبـات السياسـة الأمريكيـة فـي المنطقـة، وإيجابية دورهـا فـي التـأثير علـى محيطهـا العربـي لتسويق هذه السياسة.

5- إطفــاء نزعــات الثــأر الأمريكيــة الداخليــة بإظهــار اســتمرار الحملــة ضــد الإرهــاب، ومحاولــة تجسـيدها فـي توجيـه ضـربة عسـكرية لدولـة عربيـة إسـلامية ذات توجهـات مثيـرة للخـلاف علـى الصـعيد الدولي، وذلك في ضوء صعوبة مواجهة العدو الحقيقي الذي لا يعرف له ملامح، أو كيان، أو عنوان .

6- محاولـة توظيـف الحـرب ضـد العـراق لـدعم شـعبية الـرئيس الأمريكـي فـي الانتخابـات الرئاسـية للمرة الثانية من جراء الاستمرار في إذكاء الشعور الوطني الأمريكي الذي تصاعد بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وإعطاء الأولوية في سياسة الإدارة الأمريكية، لمكافحة الإرهاب، والحفاظ على الأمن القـومي، وذلك على الرغم مما تعانيه الأوضاع الداخلية الأمريكية من ركود اقتصـادي، وكسـاد مـالي، وتقييـد فـي بعض الحريات المدنية.

4- عدم احترام العراق لحقوق الإنسان

إن هذا الاتهام يعود إلى سنوات الحرب العراقية الإيرانية وما تخللها من استعمال العراق للأسلحة الكيماوية ضد مواطنيه الأكراد، ومن ثم سحل الأسري الكويتيين في العراق بعد غزو الكويت، إلى جانب فضيحة تعامل النظام العراقي مع الانتفاضة الشعبية في شمال العراق وجنوبه عام 1991م، وبمعنى آخر فإن الولايات المتحدة ذهبت إلى تبرير غزوها بحجة حماية حقوق الإنسان العراقي، وضمان احترامه من قبل النظام العراقي، وهو ما يعرف بالتدخل الإنساني، والسؤال الذي يطرح ذاته في هذا السياق يتعلق بشرعية تدخل الولايات المتحدة لضمان حقوق الإنسان في العراق، إن مفهوم التدخل لأغراض إنسانية هو مفهوم قديم وحديث في وقت واحد.

كما شهد هذا المفهوم تكريساً كبيراً خلال السنوات الماضية من عمر النظام العالمي بعد أن هيمنت الولايات المتحدة على الأمم المتحدة، واتخذته كأداة لتشريع تدخلاتها في دول العالم المختلفة، بحجة أن أي انتهاك لحقوق الإنسان في أي مكان وزمان يعد تهديدا للأمن والسلم الدوليين، ويجب الرد عليه وفق ما تمليه ضرورات نظام الأمن الجماعي، تحت مصطلح الأمن الجماعي الإنساني، أما مبدأ السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول فلم تجد أي تبرير.

إن ذريعة حقوق الإنسان أصبحت إحدى الأدوات للدول الكبرى، لتبرير استخدامها للقوة العسكرية، بحجة ضمان الأمن الجماعي، وهو ما ينطبق حرفياً على تذرع الولايات المتحدة بحماية الإنسان العراقي من انتهاك حرياته، وحقوقه من قبل حكومته.

وعلى هذا يمكن أن نصل إلى أن المبرر الوحيد للتدخل الأمريكي في العراق، كان له بعد عسكري، وقد تجسد هذا البعد في الأهداف التالية:

أ- الاسـتفادة مـن الموقـع الاسـتراتيجي المميـز للعـراق. فـالعراق يحتـل ثـاني أهـم موقـع مـن الناحيـة الاستراتيجية فـي الشـرق الأوسـط بعـد مصـر مباشـرة، فهـو نقطـة التقـاء استراتيجية بـين منـاطق الخلـيج، وشـمال غــرب آســيا، وآســيا الوســطى والشــرق الأوسط، وأن الجــوار الجغرافــي للعــراق المتمثــل بكــل مــن إيــران وســوريا، يكتســب أهميــة خاصــة فــي الاستراتيجية الأمريكيــة فــي ضــوء مــا يحققــه ذلــك مــن تمكــين الوجــود العســكري الأمريكي في العراق من ممارسة تهديد مباشر على نظامي الحكم في الدولتين.

ب- تثبيــت القواعــد العســكرية الأمريكيـة فــي الخلــيج بصــورة دائمـة، وركيــزة أساســية لوجودهــا العسـكري لـيس فـي منطقـة الخلـيج فحسـب، وإنما فـي مجمـل منطقـة الشـرق الأوسـط وفـي منطقـة المربـع الاسـتراتيجي التـي يقـع العـراق فـي القلـب منهـا والتـي تضـم: الخلـيج، وشـمال غـرب آسـيا، وآسـيا الوسـطى، والشرق الأوسط.

ج- إن الوجـود العسـكري فـي العـراق يتـيح للولايـات المتحـدة امـتلاك قـدرة أكبـر علـى احتـواء الدول المعادية للولايات المتحدة ومواجهتها انطلاقاً من الموقع الاستراتيجي للعراق، وهي بالتحديد إيـران وسـورية، فالولايـات المتحـدة لا تنفـي إطلاقـاً نيتهـا اسـتهداف هـاتين الـدولتين، فـإيران وسـوريا تعتبـر مـن الدول التي تصنفها الولايات المتحدة ضمن "محور الشر".

د- إن الهدف الرئيسي من وراء ذلك، هو تعزيز أمن إسرائيل، وابقاؤها قويـة ومتفوقـة عسـكرياً علـى المحـيط العربـي، الـذي تعـوق تقدمـه، وتـزرع فيـه الفـتن، والقلاقـل، والاضـطرابات، والتفرقـة، والحـروب. فالكيـان هو بمثابة حاملة طائرات ثابتة في قلب الوطن العربي بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، وخـط الـدفاع الأول عـن مصــالحها فـي المنطقــة، هــذه المصـالح التــي لا نبــالغ إذا قلنــا بأنهــا تطـال تخريــب الإســلام ومحاربته، وها هي تهمة الإرهاب تلتصق به في الأدبيات الإعلامية والسياسـية الرسـمية الغربيـة، ولـدى الجهلة الكثيرين.

ثالثاً: الأسباب غير معلنة للعدوان الأمريكي على العراق:

على الرغم مما يثار بشأن دور الولايات المتحدة في نشر الديمقراطية والحرية في الشرق الأوسط عبر احتلال العراق، في إطار تطبيق مفهوم الحرب الوقائية في أعقاب هجمات 11 سبتمبر، إلا أنه وبحكم الاستراتيجية للولايات المتحدة كقوة عالمية كبري في العلاقات الدولية بعد الحرب الباردة، تبين أنها تلجأ كما كان الأمر في مراحل سابقة للقوة العسكرية، لأجل الحفاظ على مصالحها ومكانتها المتفوقة ذات التأثير والنفوذ، وأيضاً استدامتها بشكل يجعل من غير الممكن التحدث عن منافس محتمل لها .

أصبحت الولايات المتحدة تنظر لنفسها بمثابة القوة العظمى الوحيدة في العالم، حيث عملت عبر تشكيل تحالف الراغبين Coalition of Willing من الدول المؤيدة لتغيير النظام العراقي على غزو العراق كخطة بعيدة المدي تستهدف تحقيق المصالح والأهداف الكبرى المسيطرة منذ سنوات، وأن ذلك يسري في سياق فكري وعملي يدعو لبسط الهيمنة الأمريكية على العالم علي كافة الأصعدة والميادين السياسية، والاقتصادية، والعسكرية .

انطلاقاً من هذا يمكن تحديد الأهداف غير معلنة للغزو الأمريكي على العراق من خلال العوامل التالية:

أ- العامل الاقتصادي:

تتفق كل النظريات الاقتصادية على تنوع اتجاهاتها على نقطة واحدة تعكسها أهمية العامل الاقتصادي واعتباره المحرك الاستراتيجي لحركة المجتمع الدولي عموما، لقد كان الاقتصاد في الماضي عاملاً أساسياً يوظف، لخدمة مجمل المعارك السياسية، والعسكرية، وحتى الغزو الثقافي، لكن وبعد انتهاء الحرب الــباردة تراجعت القوة العسكرية لتتغير المعادلة، ومن ثم أدوار فاعليــها، فقد تحولت المعارك والمواجهات الدولــية الساخنة إلى معــارك اقتصادية، وبعد أن كان الاقتصاد الخادم الفعال للسياسة، والمواجهات العسكرية، أصبحت كل النزاعات والفعاليات السياسية، والإيديولوجية من أجل الاقتصاد .

هذه الأهمية التي يوكلها عالم اليوم للاقتصاد غيرت العديد من المفاهيم والقيم، لتصب كلها في منحى المصلحة، فمهما كانت قوة العلاقات بين الفواعل، وأيا كان نوعها قومية، أو عرقية، أو جغرافية، أو دينية، لا مجال لأي ارتباط إلا ارتباط المصلحة، والتي ترتبط متغيراتها بالحاجة الاقتصادية، والتــبادل التجاري، وإمكانية بناء جسور التكامل الاقتصادي، ذلك أن الشعوب تبحث بأي شكل من الأشكال عن الرفه المعيشي.

ومن هنا يمكن أن نتبين أهمية الاقتصاد من خلال الأطماع الأمريكية في النفط العراقي؛ حيث يمثل الموقع الجغرافي العراقي الذي يقع شمال بترول الخليج العربي الذي تحتفظ الولايات المتحدة الأمريكية بأساطيلها في مياهه، وبعلاقات مميزة مع حكوماته، وجنوب نفط بحر قزوين الذي مازالت الولايات المتحدة الأمريكية تسعى لتحصل منه على حصة الأسد، وقد تحقق لها ذلك إلى حد ما، فالنفط العراقي يقع في قلب مركز الاحتياط النفطي الرئيسي في العالم ؛ حيث تحتوي على مخزونات هائلة من النفط، كما تملك أكبر احتياطي في العالم، لذا كانت دائماً محط نزاع وأنظار الدول الكبرى، خاصة الولايات المتحدة التي تعتمد على النفط كمصدر أساسي للطاقة، فهي كانت دائماً محط اهتمام متزايد للولايات المتحدة . علاوة على كون العراق تمثل ثاني أكبر احتياط للنفط في العالم، أي حوالي 122 برميل على الأقل، بالإضافة إلى أن حقول النفط العراقية تعتبر من أغزر الحقول في العالم، والأكثر قرباً من سطح الأرض، هذا ما يوفر نفقات ضخمة في عمليات التنقيب والاستخراج .

وهنا يؤكد "نعوم تشومسكي" أن الهدف الأساسي من هذا الوجود الأمريكي في الشرق الأوسط، هو السيطرة على احتياطات الطاقة الهائلة الموجودة في العراق، وهذا أمر لا جدال فيه، ويعتبر مصدراً للقوة الاستراتيجية الأمريكية، وبحسب قول فريدمان توماس في مقالة له نشرها في منتصف يناير 2003، قال فيها :"إن النفط هو أحد أسباب الإعداد للحرب ضد العراق، وإذا حاول أي شخص أن يقنعنا بغير ذلك فإنه قطعا لا يحترم عقولنا" .

وهذا ما عبرعنه أيضا المحلل" أنتوني كوردسمان" Anthony Cordesman، في صحيفة واشنطن تايمز في عددها الأول من شهر أوت 2002، حيث قال :" إن أمريكا لن تشن حرباً على العراق بحجة وجود أسلحة دمار شامل أو لمشاركته بعمليات إرهابية، بل كون العراق يملك 60 % من فائض النفط "؛ حيث يعتبر التدخل في العراق ليس فقط من أجل السيطرة على النفط للاستهلاك المحلي الأمريكي، بل هي عناصر ومكونات لخطة أمريكية طويلة للسيطرة والهيمنة على إمدادات النفط والغازلأوربا، واليابان، وآسيا، ومن ثمة على مستقبل الاقتصاد العالمي، وهو المشروع الذي اطلق عليه "هانز مورجينسيو" Hans Morgenthau بـ " الامبريالية غير المحدودة"، في كتابه عليه politais anorongnations، ويرتبط بهذا هدف فرعي هو التأكيد على استمرار دفع ثمن البترول، بالدولار بدلاً من اليورو في السوق المفتوحة .

وفي كلمة ألقاها ديك تشيني– نائب الرئيس جـورج بـوش (الابـن) فـي العاشرمن نوفمبر في معهد النفط في لندن قال فيها: "إنه في العام 2010م سنحتاج إلـى 50 مليـون برميل يومياً، ثم أضاف: "من أين سنأتي بالنفط، النفط ضروري لنا"، وأشار إلى أن عراقاً متعاوناً سيكون حجر الأساس لأمن الطاقة للغرب". وعندما سئل وولفوتيز– نائب وزير الدفاع الأمريكي–بعد غزو العراق مباشرة عن السبب في اجتياح العراق بدلاً من كوريا الشمالية التي اعترفت علنا أن لديها أسلحة دمار شامل قال: "إن العراق يطفو على بحيرة من النفط"، لقد أشار"جيمس بول" المدير التنفيذي لمنتدى السياسات العالمية، قائلاً: "إن السيطرة الفورية على النفط العراقي سـتؤدي إلى زيادة الإنتاج، وبالتالي خفض أسعار النفط،مما يؤدي إلى ربح يصل إلى 29 دولار للبرميـل الواحد، وهذا سيسبب الاستحواذ على تريليونات الدولارات في النفط، وهذا شيء كبيـر يـستحق الحرب .

أما "ريتشارد بيرل" Richard Perle مستشار البنتاجون فقد كتب مذكرة قبل اندلاع الحرب بأيام، حيـث عكست النية الأمريكية الرسمية في البقاء في العراق فترة من الزمن، بحيث يتولد منـاخ، وإدارة عراقية محلية ملائمة لها علاقات جديدة مع الشركات النفطية الغربية، وتؤدي في النهايـة إلـى خصخصة النفط العراقي، وأن تقّتصر علاقة العراق بنفطه من خلال حصوله على نسبة مئويـة يتم الاتفاق عليها بين العراق، ممثلاً بالحكومة الجديدة، ومجموعة الشركات الكبرى المدعومة مـن الولايات المتحدة .

إن الدليل على أهمية النفط العراقي في المخطط الاستراتيجي الأمريكي، تبين بعد سقوط نظام الحكم في عام 2003م، حيث استعانت سلطة "بول بريمر " Paul bremer الحاكم المدني في العراق، بعدد من رجال النفط الأجانب، وتم تعيين "فيليب كارول" Philip Carroll من شركة شل، و"كاري فوكليبر" من شركة إيكسون موبيل ليقودا عملية رسم مستقبل الصناعة النفطية العراقية، فـضلا علـى أن عملية إعادة الأعمار في العراق تذهب حصتها الأكبر للشركات الأمريكيـة النفطيـة .

إضافة لما سبق، فان بعض الأوساط الاقتصادية، ترى بأن سيطرة الولايات المتحدة على نفط العراق، سيؤثر على التفاعلات المستقبلية لمنظمة الأوبك، لأن الولايات المتحدة تعتمد عليهـا في تغطية 46 % من وارداتها، بل سيعطي للولايات المتحدة الفرصة، للسيطرة على سوق الطاقـة العالمي، لسنين طويلة قادمة، ولذلك شكل سيطرتها على النفط، أحـد أهـم ثمـار هـذه الحـرب الاستراتيجية.. وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

عبد الحسين شعبانقبل سنوات خلت أصدرت السلطات «الإسرائيلية» قراراً عسكرياً بمنع البناء على جانبي الجدار العازل الذي أقدمت على إنشائه في المنطقة التابعة للسلطة الوطنية الفلسطينية بمسافة 250 متراً، وقد أصدرت «المحكمة الإسرائيلية العليا» قراراً في شهر يوليو / تموز 2019 يقضي بهدم مبانٍ سكنية تضم أكثر من 100 شقة في وادي الحمص (بلدة صور باهر). وتوجهت الجرافات إلى المنطقة، وهدمت المنازل بعد إنذار السكان بمغادرتها وسط حماس وهتافات من جانب الجنود الذين نفذوا القرار العسكري بفرح غامر، وهكذا تشرّد أكثر من 500 مواطن فلسطيني، كما تعرّض بعضهم إلى الاعتداء، لأنهم رفضوا مغادرة منازلهم.

وتأتي هذه الخطوة وسط تجاهل دولي، ولا سيّما بعد منح واشنطن المحتل «الإسرائيلي» ورقة بيضاء للتصرّف كما يشاء من خلال الاعتراف بسيادته على القدس ونقل سفارتها من تل أبيب إليها كجزء من «صفقة القرن»، إضافة إلى الضغوط التي مورست على السلطة الوطنية الفلسطينية اقتصادياً ودبلوماسياً وإنسانياً وأمنياً.

وإذا كان لمسألة هدم البيوت وإجبار سكانها على مغادرتها جانب إنساني يتعلق بالحق في السكن في أرض آبائهم وأجدادهم وهم أهل البلاد الأصليين، طبقاً لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة حول «حقوق الشعوب الأصلية» الصادر في عام 2007، فإن له أبعاداً قانونية دولية تتعلق بقواعد القانون الدولي المعاصر والقانون الدولي الإنساني والشرعية الدولية لحقوق الإنسان، إضافة إلى النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، لما تشكّله من انتهاكات سافرة من جانب المحكمة العليا «الإسرائيلية»، وهو ما ينبغي متابعته دولياً من جانب الفلسطينيين والعرب، على الصعيد الرسمي أو على صعيد المجتمع المدني ومؤسساته الدولية والإقليمية والعربية.

فالأمم المتحدة تقرّ بأن الأراضي التي احتلتها «إسرائيل» إثر عدوان ال 5 من يونيو / حزيران عام 1967 هي أراضٍ محتلة، بما فيها الضفة الغربية، ومن ضمنها القدس الشرقية، إضافة إلى قطاع غزة، وهذا يعني أن اتفاقيات جنيف لعام 1949 وملحقيها بروتوكولي جنيف لعام 1979 تنطبق عليها، ولا سيّما الاتفاقية الرابعة، وحسب القانون الدولي لا يجوز الاستيلاء على الأراضي طبقاً للاحتلال أو القوة المسلحة، وقد ورد ذلك في مضمون القرار 242 الصادر بعد عدوان الخامس من يونيو / حزيران عام 1967، وهو ما أكدته محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري الصادر في ال 9 من يوليو / تموز عام 2004.

وتحمي اتفاقية جنيف الرابعة الأشخاص الذين يجدون أنفسهم في لحظة ما وبأي شكل كان في حالة قيام نزاع أو احتلال تحت سلطة طرف في النزاع ليسوا من رعاياه أو دولة احتلال، وهكذا تصبح حماية المواطنين الفلسطينيين «تحت الاحتلال الإسرائيلي» واجباً قانونياً على دولة الاحتلال، ويحظر عليها تدمير الممتلكات الخاصة التابعة أو المنقولة التي تتعلق بالأفراد أو الجماعات أو غيرها، علماً بأنه ليس للمحكمة «الإسرائيلية» العليا التي اتخذت قراراً بالسماح بهدم المنازل سيادة على الأراضي الفلسطينية المحتلة.

كما أنه ليس من حق سلطة الاحتلال بناء جدار عازل على أراضٍ لا تعود لها أصلاً، فما بالك إذا كانت محتلة بالقوة العسكرية. وقد زعمت «إسرائيل» أنها تبني هذا الجدار ليكون سياجاً دفاعياً في عام 2000، وكانت الأمم المتحدة قد طلبت في عام 2003 رأياً استشارياً (فتوى قانونية) من محكمة العدل الدولية في لاهاي بشأن بناء الجدار الواقع في الأراضي الفلسطينية، وصدر القرار كما ورد ذكره بعدم شرعية ذلك، ودعت المحكمة «إسرائيل» إلى التوقف فوراً عن أعمال البناء وتفكيكه وتقديم تعويضات عن الأضرار الناجمة عنه.

ووفقاً لنظام محكمة روما الأساسي، فإن هدم البيوت يعتبر من الجرائم ضد الإنسانية، وكل ما يتعلق بإبعاد السكان قسراً أو نقلهم بالقوة والإكراه من مناطق سكنهم هو جريمة حرب، حيث تنص اتفاقيات جنيف على أن «إلحاق تدمير واسع النطاق بالممتلكات والاستيلاء عليها من دون أن تكون هناك ضرورة عسكرية تبرر ذلك وبالمخالفة للقانون وبطريقة عابثة» يُعد جريمة حرب.

وهكذا فإن مثل هذه العقوبات الجماعية ضد السكان المدنيين العزّل يعتبر جريمة حرب مثلما هو جريمة ضد الإنسانية، وهي انتهاك سافر لقواعد القانون الدولي، بما فيها حق الشعب العربي الفلسطيني في تقرير مصيره وعلى أرض وطنه وبناء دولته المستقلة، وعاصمتها القدس الشريف.

وإذا كان هذا الوجه القانوني لعدم هدم المنازل، فإن الوجه السياسي والإعلامي المباشر وغير المباشر لعملية هدم المنازل له علاقة بالانتخابات «الإسرائيلية» التي ستجرى في شهر سبتمبر / أيلول الجاري، وعلى خلفية دعم رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو المتهم بالفساد والمتشبث بالسلطة بوصفه أطول رئيس وزراء حكم «إسرائيل» منذ تأسيسها.

 

عبد الحسين شعبان

 

كاظم الموسويتحاول الأمم المتحدة في ما تصدره من تقارير أن تبريء ذمتها من مواقفها ومواقف مسؤوليها ومنظماتها عما لحق بالشعب اليمني منذ بداية العدوان عليه وتدمير دولته وتفتيت قواه السياسية والتآمر على حاضره ومستقبله. وقد تصب تقاريرها الأخيرة في هذا المسعى أو المحاولة وتكون بكل ما لها وعليها وسيلة رسمية، ارضية لتثبيت نتائج ودليلا لكشف وقائع وكوارث لا تنتهي بنهاية كل تقرير والإعلان عنه في وسائل الإعلام المختلفة، وما فيه من الطرح الخجول بخلط الأوراق فيه لتضييع البوصلة وعدم تحديد وتحميل المسؤولية القانونية والتاريخية. أن شعب اليمن تعرض لمأساة حقيقية تفرجت عليها الأمم المتحدة واسهمت قواها المؤثرة في صب الزيت على نيرانها. وليس عنوان تقريرها الاخير الا شاهد صارخ وإدانة لها اولا ولما حدث وحصل ثانيا. فإن يحمل التقرير عنوان: اليمن: فشل جماعي، مسؤولية جماعية، محاولة أخرى للتهرب من تحمل المسؤولية اساسا ومن ثم توزيعها بهذا الشكل الجماعي ويقدم حالة هروب إضافية من الواقع والوقائع والأحداث. التقرير الاخير نشر إعلاميا في مطلع الشهر، 3 ايلول/ سبتمبر 2019 والذي يكشف وقائع حدثت على الأرض ويحاول التهوين من قدرة المنظمة الدولية على وضع النقاط على الحروف، والابتعاد عن مسؤوليتها القانونية والأخلاقية، واعادة ما حصل سابقا من تغيير اعتباراتها وبياناتها ولائحتها السوداء. ورغم ذلك فإن ما نشر علنا يعري الصورة واطارها ويتطلب من الأمم المتحدة الوقوف أمامه ومحاكمة أسباب ونتائج ما حدث والعمل على وقف الحرب فورا وإعادة بناء الدولة واحترام حقوق الشعب العربي في اليمن كاملة. فما أشير له من أن التقرير "بشأن اليمن يفصّل مجموعة من جرائم الحرب المحتملة التي ارتكبها أطراف النزاع المختلفون خلال السنوات الخمس الماضية، من خلال الغارات الجوية، والقصف العشوائي، والقناصة، والألغام الأرضية، فضلاً عن القتل والاحتجاز التعسفيين، والتعذيب، والعنف الجنسي والجنساني، وإعاقة الوصول إلى المساعدات الإنسانية في خضم أسوأ أزمة إنسانية في العالم" ماذا يعني كل هذا، وماذا أرادت المنظمة الدولية ومنظماتها من نشر هذا التقرير؟!.

 وكأنه أمر جديد أو مستغرب أن يخلص فريق الخبراء البارزين الدوليين والإقليميين المستقلين بشأن اليمن الذي شكّله مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، (في 4 كانون الأول/ ديسمبر 2017، وعيّن السيد كمال الجندوبي (تونس) رئيسا، والسيد تشارلز غارواي (المملكة المتحدة) خبيرا، والسيدة ميليسا بارك (أستراليا) خبيرة. وفي أعقاب تقديم التقرير الأول للفريق إلى الدورة التاسعة والثلاثين لمجلس حقوق الإنسان (A / HRC / 39/43) في أيلول/ سبتمبر 2018، جدد القرار 39/16 ولاية الفريق لمدة سنة أخرى، وطلب تقديم تقرير ثان في الدورة الثانية والأربعين لمجلس حقوق الانسان في أيلول/ سبتمبر 2019). إلى أن الذين تسببوا في الكارثة قد استفادوا من "غياب المساءلة"حول انتهاكات القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان. وبعد كل ما حصل يدعو التقرير إلى وقف فوري لجميع أعمال العنف التي ارتُكبت ضد المدنيين، وشكّلت انتهاكا للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدول، ويطالب الأطراف باتخاذ الإجراءات لحماية المدنيين وضمان العدالة لجميع الضحايا. وهذه أمور مطلوبة ومعلومة ولكن السؤال عنها أو حولها من يقرر ذلك ومن يفترض أن يحسم الأمر وينهي المأساة.

قد يكون من المهم الإشارة  إلى أن التقرير شخّص الأطراف التي تشحن الحرب وتمد القوى المعتدية بانواع الأسلحة وحثّها على الامتناع عن توفير الأسلحة التي يمكن استخدامها في النزاع، ويذكّرها بالتزامها باتخاذ جميع التدابير المعقولة لضمان احترام جميع أطراف النزاع للقانون الإنساني الدولي.

في نقل خبر عن التقرير وضعت وكالة أنباء عالمية عنوانها للخبر: أمريكا وفرنسا وبريطانيا ربما شاركت في جرائم حرب باليمن، مؤكدة ذلك من خلال تقديم العتاد والمعلومات والدعم اللوجيستي للتحالف الذي يلجأ لتجويع المدنيين كأسلوب حرب. وأوصى محققو الأمم المتحدة بأن تفرض كل الدول حظرا على تسليم أسلحة للأطراف المتحاربة للحيلولة دون استخدامها في ارتكاب انتهاكات جسيمة.

قالت ميليسا بارك، خلال مؤتمر صحفي ”من الواضح أن استمرار إمداد أطراف الصراع بالسلاح يطيل أمد الصراع ومعاناة الشعب اليمني“. وأضافت ”ولهذا ندعو الدول الأعضاء لعدم تقديم أسلحة إلى أطراف الصراع بعد الآن“.

من جهته صرّح رئيس فريق الخبراء، السيد كمال الجندوبي، قائلاً: "بعد مرور خمس سنوات على النزاع، لا تزال الانتهاكات ضد المدنيين اليمنيين مستمرة بلا هوادة، مع ضرب عرض الحائط بمحنة الشعب وغياب أي إجراءات دولية لمحاسبة أطراف النزاع". و"يجب على المجتمع الدولي أن يضاعف جهوده لتحرير الشعب اليمني من الظلم المستمر الذي يعاني منه".

وجد الخبراء أسبابا معقولة للاعتقاد بأن الأعمال العدائية التي تقودها أطراف النزاع، من خلال الغارات الجوية والقصف، ما زالت تؤثّر بشكل خطير على المدنيين، وأن جزءاً كبيراً من هذه الهجمات قد يرقى إلى انتهاكات جسيمة للقانون الإنساني الدولي. كذلك، والى جانب الانتهاكات ذات الصلة بسير الأعمال العدائية، اعتقد فريق الخبراء بأن أطراف النزاع المسلح في اليمن مسؤولون عن الحرمان التعسفي من الحق في الحياة، والاحتجاز التعسفي، والاختفاء القسري، والعنف الجنسي، والتعذيب، وسوء المعاملة، وتجنيد الأطفال، وانتهاك الحريات الأساسية، وانتهاك الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وهي ترقى إلى انتهاكات للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي، حسب الاقتضاء. وقد يؤدي العديد من هذه الانتهاكات إلى تحميل الأفراد المعنيين المسؤولية عن جرائم الحرب فيما لو أحيلت الى محكمة مستقلة ومختصة.

حدّد فريق الخبراء، حيثما أمكن، الأفراد المسؤولين على الأرجح عن الجرائم الدولية، وقُدمت قائمة سرية محدثة بأسماء الأفراد إلى مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان. وأضاف السيد الجندوبي قائلاً: "لا يمكن التسامح بعد الآن بشأن الإفلات من العقاب المستشري – عن الانتهاكات والتجاوزات التي ارتكبها جميع أطراف النزاع. يجب تمكين التحقيقات الحيادية والمستقلة لمحاسبة أولئك الذين لا يحترمون حقوق الشعب اليمني. كما يجب على المجتمع الدولي التوقف عن غض الطرف عن هذه الانتهاكات وعن الوضع الإنساني الذي لم يعد محمولاً" (!).

يعترف فريق الخبراء بتفاقم الأزمة الإنسانية الكارثية بسبب أثر الهجمات الشديد والمستمر على البنية التحتية المدنية، مثل المستشفيات، والمرافق المائية، ونقل الغذاء، والمزارع والأسواق، وكذلك حالات الحظر والحرب الشبيهة بالحصار التي تعوّق وصول المساعدات الإنسانية، وغيرها من التدابير المماثلة.

ولعل في قول الجندوبي صرخة لصحوة ضمير: "إن حرمان السكان اليمنيين اللاإنساني من حقوقهم في الأدوية، والماء، والغذاء، يجب أن يتوقف فوراً. ويجب إعطاء الأولوية لبقاء 24 مليون شخص معوزين على قيد الحياة".

في الخلاصة أن شعبا عربيا يتعرض منذ سنوات إلى جرائم ترقى إلى جرائم حرب، ومنها الابادة، كما يبين تقرير الأمم المتحدة، ومازال وضعه المأساوي مستمرا.. ولا أسئلة تكفي للتعبير عنه أو تغطي المحنة..

 

كاظم الموسوي

 

باسم عثمانعودة وتجديد الروح الوطنية والكفاحية للشباب الفلسطيني ومقارعته للمحتل الإسرائيلي الغاصب، كانت ولا تزال تقابلها،حالة التردي والانغلاق في بنية النظام السياسي الفلسطيني الرسمي وديناميكية البنية التنظيمية والبرنامجية للفصائل الفلسطينية على كافة مشاربها الأيديولوجية والسياسية.

ان مقدار التحولات الداخلية السلبية التي حدثت في بنية السلطة الوطنية الفلسطينية يشير إلى ذلك، فالصراع على المناصب جعل السلطة مغيبة للكفاءات الوطنية والشبابية خصوصا، تقويض أسس العمل الجماعي التوافقي والوطني، ضعف الأداء السياسي والمجتمعي، وفشل كل برامج التنمية، الاجتماعية والاقتصادية منها، خيب آمال الفلسطينيين وافقدهم الثقة بقيادتهم الرسمية والفصائلية، حيث ان التدمير الذاتي للمشروع الوطني الفلسطيني وصل ذروته، من خلال استبدال مركزية الصراع مع الاحتلال ومشاريعه التهويدية الى الصراع مع الذات الفلسطينية على" كعكة السلطة" تحت الاحتلال.

ان حالة الانقسام " السلطوية"وضعف بنية الفصائل والقوى السياسية الفلسطينية وانحسار فعاليتها الجماهيرية، و" تسييس" مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية القائمة، والغموض في المواقف السياسية الانتظارية والتسويفية الاستعراضية، أدى ذلك، الى الاغتراب السياسي والاجتماعي للجمهور الفلسطيني عن قضيته وحالته الوطنية، في ظل غياب الرؤية الوطنية الجامعة، وأدوات استنهاضه.

ان آليات التغيير وادواتها وقواها في المجتمعات متغيرة ومختلفة تبعا لظروفها الموضوعية والذاتية، لهذا، لا يمكن التعاطي معها وتعميمها كجملة واحدة، "وصفة سحرية جاهزة"ففي الحالة الفلسطينية،هناك ضرورة لقراءة الواقع والذات قراءة عميقة لاستنباطها وتفعيلها، حيث يتداخل فيها الوطني والحياتي الخدماتي والتوزع الديمغرافي والجغرافي للفلسطينيين، في ظل تجمعات فلسطينية مختلفة الظروف والاحتياجات، ويجمعها فقط، الهم الوطني العام، الى جانب، تداخل التأثيرات الإقليمية والدولية على الواقع الفلسطيني.

اضف الى ذلك، المحدد لمصدر الشرعيات الوطنية والاجتماعية الفلسطينية، تاريخيا، شكل البعد الكفاحي والنضالي التحرري اهم مصادر الشرعية الفلسطينية، مع الاخذ بعين الاعتبار مؤخرا، ارتفاع وتيرة تأثير البعد الحياتي والمعيشي الاقتصادي للتجمعات الفلسطينية على حساب البعد والهم الوطني العام، وهذا ما جعل التجمعات الفلسطينية تتطلع الى ما يؤثر في مسار ظروفها المعيشية، مما اضعف الى حد كبير، من تأثير النخب القيادية الوطنية والتي استمدت شرعيتها من البعد النضالي، لصالح شرعيات محلية اخرى تؤثر في البعد المعيشي والحياتي والاقتصادي للناس.

في ظل هذا الوضع، تآكلت الى حد كبير شرعيات الفصائل الفلسطينية القائمة على البعد النضالي، وبدا ذلك واضحا وجليا، في انحسار الهالة القدسية لقوى اليسار الفلسطيني ومفاعيلها داخل المجتمع الفلسطيني ،اما بالنسبة لطرفي السلطة الفلسطينية الجغرافية (فتح وحماس) الوضع مختلف كليا، (فتح) هي تنظيم السلطة الحاكمة او سلطة التنظيم الحاكم، الذي ارتبط به جمهور واسع من الشعب الفلسطيني مصلحيا ومعيشيا وامنيا، من خلال الوظائف السلطوية والخدمات وتهديد الحريات وما الى ذلك،على غرار ما تمثله السلطة الحمساوية في قطاع غزة، لذلك، فان شرعية هذين الفصيلين (فتح وحماس) "كسلطة وطنية" لم تعد تستمد من الشرعية النضالية او البعد الوطني، وانما شرعيات مصلحة ونظم أمنية واستخدام مسوغات وشعارات وطنية استعراضية.

اليات التغيير:

ما من شك بان الرؤية الوطنية الجامعة والبعد الكفاحي ،لا يزال وسيبقى ما بقيت قضية التحرر الوطني، وكمعطى اساسي لأي عملية تغيير في الحالة الفلسطينية، ولا يمكن لأي قوة سياسية او اجتماعية ان تتجاوز هذا المعطى، وان تحقق تقدما في التغيير والشرعية في الحالة الفلسطينية، اذا اسقطت من اجندتها ورؤيتها السياسية شعار: وحدة الحقوق الفلسطينية كترجمة عملية ووطنية واخلاقية على وحدة القضية الوطنية الفلسطينية جملة وتفصيلا، وهذا المعطى، أي البعد الوطني، قد يكون اهم عامل محبط للتغيير في ذات الوقت؟!!، لان بعض القوى الفلسطينية السائدة قد تتمسك بهذا المعطى فقط استعراضيا واعلاميا، لترمي قوى التغيير المفترضة (فلسطينيا) بتهم تمس تمسكهم بالبعد الوطني الجامع ، والذي لا يتوافق – برأيهم – مع "واقع المتغيرات الإقليمية والدولية"، بهدف الإبقاء على قيادتها وشرعيتها وسلطتها للحالة الفلسطينية.

بالمحصلة نقول: رؤيا وطنية جامعة تتجاوز خصوصية الجغرافيا الفلسطينية    برنامجيا واليات عمل خاصة،و توحدها على اختلاف خصوصيتها وطنيا،من خلال وحدة الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني ،تكريسا وتجسيدا لوحدة القضية الوطنية الفلسطينية، وبدون ذلك، فان الشعب الفلسطيني لن يستجيب لاستراتيجيات التغيير المطروحة، والتي تتجاوز حجر الأساس لكل تغيير شرعي فلسطيني قادم (وحدة القضية من خلال وحدة حقوقها).

في الحالة الفلسطينية تاريخيا،جاء الواقع الموضوعي (بالشرارة):

- نكبة عام ١٩٤٨ شكلت الشرارة فاشتغلت ماكينة التغييرالتي أطاحت بالأحزاب والقوى القديمة التقليدية لتحل محلها قوى وطنية جديدة، وكذلك الامر،حصل بعد حرب حزيران عام ١٩٦٧وفي الوقت الراهن، أوسلو واستحقاقاته المدمرة على الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية، هي الشرارة التي ستحدث التغيير داخل الحالة الفلسطينية ومشروعها الوطني.

ان الشعب الفلسطيني لم تعد تنطلي عليه الأفكار والبرامج الشعبوية، كذلك القوالب الأيدلوجية، فقد سادت منظومة قيم قائمة على المكاسب الفردية والاستئثار والهيمنة وصولا للفساد الاداري والمالي، وأصبحت هذه القيم تحكم سلوكيات الاغلبية من النخب القيادية الفلسطينية، واكثر من ذلك، ادراكالاحتلال لذلك جيدا، فاستخدم هذا الوضع ووظفه بطريقة او بأخرى للتأثير على التوجهات السياسية و"ردة الفعل" لتلك النخب في مركز القرار الفلسطيني و" مطبخه السياسي".

ان امتلاك الوعي الكافي لأحداث التغيير لا يحقق التغيير، رغم اهمية هذا الوعي، ودون ان يقترن هذا الوعي بالإرادة والاستعداد لدفع الثمن الذي يستلزمه هذا العمل ،سيبقى الوعي بالتغيير ترف فكري لا اكثر ولا اقل، وهو حال كل الفصائل الفلسطينية. "إسرائيل" هي المتضرر الاول من اي تغيير في البنية والفكر السياسي الفلسطيني، حيث وصلت الحالة الفلسطينية (سياسيا وتنظيميا) الى مستوى من الانغلاق والتأزم، بما يحقق المصالح الإسرائيلية، وما تسارع وتيرة التهويد والاستيطان الغير مسبوقة، دون ردات فعل من الرسمية الفلسطينية، سياسية كانت ام ميدانية، اكبر دليل على ذلك، ولهذا سيكون العامل الإسرائيلي والامريكي حاضرا في كبح جماح اي تغيير مرتقب في الحالة الفلسطينية الراهنة.

ان التغيير السياسي يصبح حتمية عندما يصبح ضرورة اجتماعية اختمرت الظروف لتحقيقها، اما الأدوات فان القوى المستفيدة من التغيير حتما ستبدعها،

لذلك، لا بد لنا، نحن الفلسطينيون ،من الانتقال وبإرادة سياسية ووطنية عالية، الى مرحلة جديدة ونوعية، مرحلة ما بعد أوسلو، بعد طيه واستحقاقاته، وان نحتكم الى قوة الجمهور الفلسطيني وارادته السياسية، أولا وأخيرا، وألا نقلد ما تمارسه الانتظارية السلطوية الفلسطينية من سياسات ومواقف، شاء من شاء وابى من ابى .

نحن احوج للقيام بمراجعة نقدية وطنية شاملة لكل سياساتنا وبرامجنا وتحالفاتنا الداخلية والخارجية ، والضغط على "طرفي نكبة فلسطين الثانية"، من الانقساميين والانتهازيين، للعودة الى رشدهم الوطني وتغليب مصلحة القضية الوطنية وحقوقها على اجنداتهم الليبرالية والسلطوية الفئوية، ونحو تغيير جذري في وظيفة السلطة وبنيتها وادائها، واعادت الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية ودمقرطة مؤسساتها، وإبراز حالتها الجديدة في تعاملها مع متطلبات وترتيبات الوضع الجديد وروافع الاستنهاض الجماهيري والمجتمعي والمدني، تمهيدا للانتقال الى دولة فلسطين تحت الاحتلال، وبما يضمن الحفاظ على مكتسباتنا السياسية والوطنية الناجزة، والتجديد في طبيعة الخطاب السياسي وادواته، والاقلاع عن "سيمفونية" التوصيفات السياسية الجاهزة والمتكررة وسياسة " اللطم والعويل" على مرارة الوضع الراهن وما الت اليه القضية والحالة الفلسطينية، وابراز الهوية الوطنية الفلسطينية في مرحلتها الراهنة كحركة تحرر وطني ووحدة قضيتها من خلال وحدة الحقوق الفلسطينية.

ان المراجعة النقدية الشاملة للحالة الفلسطينية وادواتها، هو تجديد واغناء لها، وبغض النظر، أكان هذا التغييرُ نتاجًا لمراجعةٍ فكريّة، أمْ نتاجًا لهزيمةٍ سياسية أو انهيار معنويّ، وما هو حقيقته واسبابه، الأهم :هو نتائجه، خصوصا اذا طال هذا التغيير، وحالتنا الفلسطينية بالذات، الموقف من المستعمر وسياساته، ومن ابجديات المشروع الوطني الفلسطيني واولوياته في الكفاح المشروع ضد الاحتلال ومستعمريه.

ان الحدّ الفاصل بين المراجعة النقدية الموضوعية والذاتية البناءة والضرورية لمسيرة العمل والتجربة النضالية من جهة، والاستسلام المطلق للانتكاسات السياسية والانبطاح امامها، هو: القراءة الجيدة للواقع ومفرزاته، وبالتوافق مع الإمكانات والطاقات الذاتية الحاضرة، يعني التجديد البرنامجي وبما يحافظ على الثوابت الأساسية وليس التفريط بها.

لا حلّ وسطيًّا، على المستوى الثقافيّ والنظريّ والايديولوجي، بين المبدئية زمنَ الانتكاسات، وبين الانبطاحية زمنَ الهزيمة،الثبات والاستسلام لا يلتقيان، وبالاتفاق مع رأي (لينين): فإنّ المثقفين "هم أكثرُ الناس قدرةً على الخيانة لأنّهم أكثرُهم قدرةً على تبريرها." لأنهم يهرولون نحو الامتيازات والألقاب على حساب مواقفهم المبدئيّة.

 

د.باسم عثمان - كاتب وباحث سياسي

...............................

تنويه: ولأهمية التغيير والمراجعة النقدية...سنردفه بمقالات أخرى.

 

 

محمود محمد عليمرة أخري نعود ونكمل حديثنا في هذا المقال الرابع عن المخطط الأمريكي لاحتلال العراق 2003،وفي هذا يمكن القول: استغل الرئيس بوش (الابن) فرصة رفض الرئيس العراقي، السماح لمفتشي الأمم المتحدة المنسحبين بالعودة إلى البلد عام 1998م، ليبرز تصعيداً واسعاً على العراق، وحتى في ظل السماح للمفتشين بالعودة، فإن بوش كان مصمماً على تغيير النظام العراقي عاجلا ًأم آجلاً، خصوصاً وأنه اتضح في الفترة الممتدة من عام 1998 م إلى 2002 م، أن الضغط الأمريكي لفحص مواقع الأسلحة العراقية، إنما كان يتخذ كذريعة للحرب .

وفي 5 مايو 2002م قال وزير الخارجية آنذاك "كولن باول"، أن الولايات المتحدة يمكن أن تحاول إزاحة الرئيس العراقي من السلطة، وهذا حتى في حالة إذا تم الاتفاق على عمليات التفتيش على الأسلحة :" إن سياسة الولايات المتحدة بغض النظرعما يفعله المفتشون، هي أن شعب العراق وشعوب المنطقة، ستكون في حال أفضل بقيام نظام حكم مختلف في بغداد، لهذا تحتفظ الولايات المتحدة بخيار أن تقوم بما تعتقد أنه قد يكون ملائماً للتحقق من إمكانية تغيير النظام " .

كما أضاف أمام مجلس الأمن في 5 فبراير 2003 م، محدداً نية الولايات المتحدة في إسقاط النظام العراقي: " نحن نعلم أن صدام حسين مصمم على إبقاء أسلحة الدمار الشامل التي بحوزته، وهو مصمم على صنع المزيد، فإن الولايات المتحدة لا يمكنها المجازفة والمخاطرة بالشعب الأمريكي، لأن صدام يمتلك أسلحة الدمار الشامل لأكثر من شهور أو سنوات ليس بخيار، ليس بذلك في أعقاب هجمات 11 سبتمبر" .

غير أنه من المفارقة أن امتلاك العراق لهذه الأسلحة، لم يثبت مع إعلان مسئولين عراقيين أن حرب الخليج الثانية، والسنوات التالية من الحصار والعقوبات، أجبرت "صدام حسين" على التنازل عن مخططاته العسكرية؛ خاصة مع صدور تقرير رئيس فرقة التفتيش الأمريكي عن أسلحة الدمار الشامل العراقية "دافيد كاى"، الذي أكد فيه صراحة على عدم العثورعلى أية وثيقة تثبت علاقة العراق بتنظيم القاعدة في مجال أسلحة الدمار الشامل .

2- ارتباط النظام العراقي بالإرهاب :

تعد الحرب الأمريكية على العراق عام 2003 م، بمثابة التطبيق الرئيسي والأكثر بروزاً، للمفهوم الاستراتيجي الجديد المتمثل في الحرب الوقائية، والتي تمثل النواة الصلبة لحروب الجيل الثالث؛ حيث بنت إدارة المحافظين الجدد للرئيس بوش الابن موقفها على فكرة أساسية، مفادها أن ضرب العراق عسكرياً، والإحاطة بنظام صدام حسين ترتبط ارتباطاً مباشراً بالخشية من امتلاكه لأسلحة دمار شامل، وبالتحديد أسلحة كيماوية وبيولوجية .

في هذا السياق زعمت إدارة بوش (الابن) أن وجود مثل هذه الأسلحة لدي نظم حكم معادية ودول مارقة، ينطوي على خطورة متزايدة على الأمن القومي الأمريكي، وارتكزت سياستها على اعتبار العراق واحداً من الدول المهددة لها، والتي يناسبها شن حرب وقائية، باعتبار أن الخيار العسكري، يمثل الخيار الفعال والوحيد، بتدمير وإزالة المخاطر التي يطرحها النظام العراقي من قدرات التسلح ودعم الإرهاب، لاسيما وأن الوسائل الأخرى من عقوبات وعمليات تفتيش أثبتت – حسب رأى الإدارة – فشلها وعدم جدواها من الناحية العملية، ليتم بعد ذلك التفكير في وسيلة أفضل تجمع بين القدرة على إزالة التهديد من جهة، وتحقيق الأمن والمصالح الأمريكية من جهة أخري .

وبهذا يمكن القول بأن إدارة بوش (الابن)  أقامت قضيتها للحرب على العراق وفقاً لمفهوم الحرب الوقائية، على عدة مبررات تذرعت بها وهى :

أ- العراق امتلك أسلحة دمار شامل، وكان في طريقه إلى بناء المزيد.

ب- العراق ارتبط بالقاعدة وبالمنظمات الإرهابية الأخرى .

هذان المبرران قدما سبباً وجيها من منظور النخبة الحاكمة في البيت الأبيض من المحافظين الجدد لتغيير النظام العراقي، ومن ثم القضاء على مصدر التهديد، ليبدو المبرر الثالث متمثلاً في أن العراق كان ديكتاتورية مستبدة مطلقة تتطلب التحرر منها .

هذه المبررات كانت متأثرة تأثراً واضحاً بهجمات 11 سبتمبر 2001، فعن طريق الإيحاء بأن أسلحة الدمار الشامل العراقية، قد تنتهى إلى الوصول إلى أيدي الإرهابيين، سعت الإدارة إلى بناء الدعم للعمل العسكري من منطلق الخوف من أن العراق قد يهدد الولايات المتحدة تهديداً مباشراً.

ومن هنا استندت الإدارة الأمريكية بعدة وقائع للربط بين النظام العراقي وتنظيم القاعدة، ومنها وجود علاقة بينهما منذ منتصف السبعينات، وقد عملا معاً سوياً علي تقديم الدعم للجماعات الإسلامية في الجزائر ودول أخري ووجود دليل علي أن النظام العراقي، كان يمول الجماعات الاسلامية عبر شبكات "أسامة بن لادن" والاستخبارات العراقية قدمت مساعدات لوجستية لتنظيم القاعدة/ وكذلك عرض العراق علي "أسامة بن لادن" في عام 1998م استضافته في العراق بعد طرده من السودان .

ومنذ تولى الرئيس بوش (الابن) السلطة، وهو في اتهام مستمر لصدام حسين بارتباطه بتنظيم القاعدة، حيث إنه تبعاً لهجمات الحادي عشر من سبتمبر، أعلن بوش (الابن)  اشتراك الرئيس العراقي فيها، وبدا واضحاً وبصورة متزايدة أن الشخصيات الرئيسية في الإدارة معنية باستغلال الفرصة كذريعة للسعى في النهاية للإطاحة بالنظام البعثي، وقد عبر بوش عن هذه الفكرة في قوله :" نحن نعلم أن العراق والقاعدة لهما اتصالات ذات مستوى ذات مستوى عال تعود إلى عقد سابق من الزمن، فبعض قادة القاعدة البارزين الفارين من أفغانستان، قد ذهبوا للعراق، ومن بينهم زعيم للقاعدة على مستوى من الأهمية الذي تلقي علاجا طبيا ببغداد، والذي خطط للهجمات .. لقد علمنا أن العراق عمل على تكوين أعضاء القاعدة لأجل صنع قنابل الغاز السامة والفتاكة .. العراق يمكن أن يقرر في أي لحظة توفير سلاح بيولوجي أو كيماوي لجماعة إرهابية" .

قام الرئيس الأمريكي بإعلان الحرب على هذا التحدي الأمني الخطير مع حصوله مباشرة على موافقة الكونجرس في 14 سبتمبر 2001م، داعياً بشكل صريح إلى ضرورة استخدام القوة الضرورية والمناسبة ضد الأمم، والمنظمات، أو الأشخاص الذين خططوا وارتكبوا الهجمات  الإرهابية .

وبدأ النظر للعراق على أساس أنه الهدف القادم لهذه الحرب تطبيقا لعقيدة بوش، حيث توالت تصريحات كبار المسئولين في الإدارة حول ضرورة تغيير نظامه، ضمن رؤية استراتيجية عميقة في المنطقة الشرق أوسطية، كما دعا " بول ولفويتز" نائب وزيرالدفاع آنذاك إلى فكرة إنهاء الدول التي ترعى الإرهاب، وكان العراق على رأس قائمة النظم الحاكمة التي تستحق الإنهاء .

كما ظل نائب الرئيس ديك تشينى ووزير الدفاع رامسفيلد يحثان على انتهاج سياسة أكثر تشدداً ضد العراق، إضافة إلى أن رئيس المكتب الاستشاري الدفاعي ريتشارد بيرل، قد أعلن أنه من واجب واشنطن انتهاز فرصة هجمات 11 سبتمبر لإبعاد صدام من السلطة، حتى إذا لم يكن قد لعب دوراً في الهجمات الإرهابية.

3- ديكتاتورية النظام العراقي وضرورة إسقاطه:

إن النظر إلى مسألة تغيير النظام العراقي بقيادة صدام حسين، شكل هاجسا أكبر لدي الإدارة الأمريكية بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وتتويج الولايات المتحدة للنظام الدولي، خصوصاً بسبب الممارسات القمعية والعدوانية التي قام بها صدام، المتمثلة بالأساس في شن حربين إقليميتين كبيرتين الأولى ضد إيران والثانية ضد الكويت، لذلك رأت الإدارة الأمريكية أن نظام صدام حسين، استبد بالسلطة في العراق، وقام بتهديد جيرانه بغزو الكويت، وقبله إيران وقام باستخدام الدمار الشامل ضد شعبه  .

وهنا بدأ الكثيرمن مسئولي البيت الأبيض في فترة حكم بوش (الأب)، ينظرون للنظام العراقي على أنه نظام غير مرغوب فيه، حتى من قبل بلدان الخليج نفسها، فبالإضافة لاستخدامه الأسلحة الكيماوية في الحرب العراقية – الإيرانية، قام بتوظيف أسلحة محظورة ضد أفراد شعبه من المعارضين في مارس 1988م، إلى جانب توظيف القنابل الانشطارية، وكذا غازات سامة من بينها غاز الخردل ووسيط الأعصاب، بما في ذلك ملح الحمض الأزرق المعروف بالسيانيد، التي تسببت في مقتل خمسة آلاف مواطن كردي.

في 26 فبراير 2003م في خطاب ألقاه بوش  في معهد أميركان انتربراي، قال فيه أن هدف الولايات المتحدة في العراق ليس فقط من أجل نزع سلاح صدام حسين، وإنما أيضاً من أجل تغيير النظام العراقي إلى دولة مزدهرة ديمقراطية حقيقية ومستقرة، ومثال في التحول السياسي في الشرق الأوسط والعراق، يمكن أن تكون مثالاً مثيراً حرية الدول الاخرى في المنطقة، ثم توجه إلى الإشارة إلى التجربة التاريخية الأمريكية في تحويل ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية  الثانية .

وقد ورد في مقال لبرهام فولر B.Fuller نائب رئيس مجلس الاستخبارات القومي في وكالة المخابرات المركزية السابق ثلاث مسائل تتعلق بنظام صدام حسين:

أ- هل يريد الشعب العراقي رئيسه فعلاً ؟ ويؤكد أن صدام يضطهد شعبه بأسوأ طريقة أكثر من أي نظام عربي في التاريخ الحديث، من حيث عدد المسجونين، والذين أعدموا وقتلوا، وهذه الحقيقة يعرفها معظم العرب، ولذلك فإن الشعب العراقي في أحسن حال بوجوده خارج نظام حكم رئيسه وحزبه الشمولي.

ب- أن الرئيس جر بلده إلى حربين كبيرتين وغير مبررتين ضد جيرانه، مما أدي إلى مقتل مليون عراقي، فالشعب العراقي ليس بحاجة إلى هذا النوع من المغامرة.

ج- أن الرئيس منع العراق من القيام بدور رئيسي في العالم العربي، بحيث إن توفرت الظروف المخالفة من الحرية والانفتاح للشعب العراقي سوف تصبح دولتهم لاعباً مهماً في العلاقات الدولية عسكرياً، وأيضاً سياسياً واقتصادياً.

بخصوص الملف العراقي يلاحظ أن إدارة بوش قد وضعت تغيير النظام في المقدمة، وفي المركز في سياستها الخارجية وتواصلت مع القوة العسكرية لتحقيق ذلك، وهذا الميل أو النزوع الشديد لإزالة أنظمة معينة بالقوة المسلحة، إنما ينبع من تعاليم المحافظين الجدد، والجزء الصحيح لمضمون العمل الوقائي في نظرهم، هو أن هناك مشكلات سياسية معينة، لا يمكن حلها، إلا من خلال تغيير نظام الحكم، وبالتالي فإن الجهود المبذولة من طرفهم لتغيير سلوك نظام الحكم البعثي في العراق ذو الطبيعة الاستبدادية من خلال المكافآت والعقوبات الخارجية، سوف يكون أقل فاعلية من تغيير الطبيعة الساندة لنظام الحكم.

لقد بدأت الولايات المتحدة بالحديث عن أسلحة الدمار الشامل، وعلاقة العراق بالقاعدة، وذهبت لاحتلاله انطلاقاً من هذين المبررين، غير أنه بعدما ثبت عدم صحة هذا الأمرتحولت إلى موضوع الديمقراطية، وزعمت أنها تريد أن تدخل الديمقراطية للعراق، فطبقاً لنظرية ليدن حول الفوضى الخلاقة،لكى تنتصر الديمقراطية، يجب أن يحصل التغيير فعلاً، في كل من العراق، وإيران، وسوريا.

ولذلك فإن استبدال نظام صدام حسين بالقوة من أجل " تحرير" الشعب العراقي ومنحه" الديمقراطيـة " فهو تكريس لعقيدة بوش الجديدة المتمثلة بـ (الحرب الاستباقية) ؛ أي أن بإمكـان الولايـات المتحـدة استخدام القوة ضد أي دولة تتصور الإدارة الأمريكية أنها معادية، وهذا المبدأ انتهاك لمبدأ حظر اللجوء إلى القوة في العلاقات الدولية، والمادة ٤٢ من ميثاق الأمم المتحدة، تقول بأنه لا يسمح باستخدام القوة وتلك الحرب– الحرب الاستباقية – هـي نظريـاً دفاع عن النفس أو بتخويل من مجلس الأمن حرب اخترعتها إسرائيل وتتعارض مع قواعد الشرعية الدولية، ومع المصلحة الدولية المشتركة المتمثلة أساساً في حفظ السلم والأمن وضمانهما لجميع الدول، ومن المهم هنا تأكيد مبدأ " نية العدوان " بوصفه شرطاً لقيام الحرب الاستباقية لا يمكن تبريـره، ولعل أوضح مثال على ذلك هو إدانة مجلس الأمن وبشدة لهجوم إسرائيل على المفاعل النووي العراقي أوسيراك  عام ١٩٨١، وانطلاقاً مما سبق تعد الحرب الاستباقية على العراق عملاً غير شـرعي،ٍ خاصـة لأنهـا دون تفويض صريح من مجلس الأمن. إن المبررات التي ساقتها الولايات المتحدة لغزو العراق كلها واهيـة وتخفي داخل ثناياها خلفيات وأهدافاً أخرى.. وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا في هذا المقال الثالث عن المخطط الأمريكي لاحتلال العراق 2003،وفي هذا يمكن القول: اتخذ الخطاب الأمريكي الطابع العدائي ضد العراق، وأطلق الرئيس بوش (الابن) علي العراق، وإيران، وكوريا الشمالية، دول محور الشر، وأكد بوش علي الطبيعة العدوانية للعراق، وأنه لابد من إزالة النظام العراقي وكان خطاب الرئيس الأمريكي إبان افتتاح دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2002 من العلامات الفارقة في تطور الخطاب الأمريكي بشأن العراق، وكانت أهم البنود التي وردت في هذا الخطاب :

1- التأكيد علي ضرورة نزع أسلحة العراق غير التقليدية، وإلا فإن عملاً عسكرياً سيكون حتمياً .

2- التأكيد علي أن العراق سوف يكون قادراً علي امتلاك قنبلة نووية خلال عام واحد إذا نجح في الحصول علي مواد انشطارية .

3- اتهام النظام العراقي بالتهرب من التزاماته من الكشف علي مخزونه وبرامجه من أسلحه الدمار الشامل.

4- التأكيد علي أن رفض العراق الانصياع لقرارات مجلس الأمن، يمثل تهديداً لسلطة الأمم المتحدة، وأن واشنطن ستعمل مع غيرها من أعضاء مجلس الأمن علي استصدار قرار جديد بشأن العراق، يهدف الي نزع أسلحة الدمار الشامل .

5- إذا تم اتخاذ تدابير يمكن للأمم المتحدة المساعدة في تشكيل حكومة، تمثل جميع الأطراف في العراق وتنبثق من انتخابات تشرف عليها المجموعة الدولية.

وقد استطاعت الإدارة الأمريكية انتزاع موافقة الكونجرس علي قانون يخول حرية التعاطي مع العراق بما في ذلك استخدام القوة وقد مارست الإدارة الأمريكية، إما بالتهديد، أو بالمهادنة طوال العام 2002 م، فقد أعلن ممثلو الإدارة الأمريكية في أكثر من مناسبة أن الحكومة ليست في حاجة إلي موافقة الكونجرس لشن الحرب علي العراق مستندة في ذلك أن الدستور الأمريكي، يعطي رئيس الولايات المتحدة سلطة القائد الأعلى للقوات المسلحة، وأن القرار الصادر عام 1991 باستخدام القوة العسكرية ضد العراق مازال سارياً، وكذلك القرار الذي تبناه الكونجرس 14 سبتمبر 2001م في أعقاب أحداث سبتمبر، والذي منح الحكومة الأمريكية حق استخدام القوة العسكرية ضد المنظمات الإرهابية،وهذا الوضع ينطبق علي الحالة العراقية بالنظرإلي صلاته بالتنظيمات الإرهابية، ولكن رغم هذه الدعائم كانت الإدارة الأمريكية حريصة علي أن يكون استخدام القوة العسكرية ضد العراق مدعوماً بقرار من الكونجرس، حتي يلقي التأييد الداخلي والخارجي .

وبعد أن فشلت الولايات المتحدة وبريطانيا في الحصول علي قرار دولي يؤيد الحرب علي العراق، اجتمع الرئيس بوش (الابن) ورئيسا الوزراء البريطاني والإسباني في "جزر الأزور" في 17 مارس 2003م، ووجهوا إنذاراً للأمم المتحدة باستصدار قرار للحرب علي العراق، وإلا وسوف يضطروا إلي الذهاب للحرب علي العراق بدون تفويض وكانت الدول الثلاث الأخرى فرنسا، وألمانيا، وروسيا الرافضة لفكرة الحرب، قد أكدت من خلال إعلان مشترك في اليوم السابق، بأن استخدام القوة يجب أن يكون الخيار الأخير، وفي مساء 17 مارس وجه الرئيس بوش إلي صدام حسين إنذاراً نهائياً بمغادرة العراق مع أبنائه خلال 48 ساعة وطالب رجال المخابرات والأمن بأن لا يحاربوا في سبيل نظام في طريقه إلي الموت، وفي المقابل أعلن العراق أنه مستعد للهجوم الأمريكي، وفي 20 مارس 2003 م، شنت الولايات المتحدة وبريطانيا الحرب علي العراق، وفي 9 ابريل 2003م سقطت العاصمة العراقية بغداد في أيدي قوات الاحتلال الأمريكية .

ثانياً: الدوافع المباشرة للتدخل الامريكي في العراق كما أعلنتها الادارة الامريكية:

يمثل موقع العراق الجغرافي حلقة وصل بين أوربا والشرق الأوسط، ويتمتع بأهمية كبيرة لأنه يقع في شمال الخليج العربي، ويكون مع بقية دول الخليج العربي أكبر مصدر للنفط في العالم كله، لـذا كان محط أنظار القوى الاستعمارية التقليدية، منها كبريطانيا، وألمانيا، بشكل خاص وقـوى الاسـتعمار الحديث الممثلة بالولايات المتحدة وبريطانيا .

وقد سعت ألمانيا في القرن التاسع عشر لربط العراق بخط قطار الشرق السريع (برلين– بغداد) في محاولة لمد سيطرتها الاستعمارية على أكبر مخزون للطاقة في العالم، لكن جهودها باءت بالفشـل بعد خسارتها للحرب العالمية الأولى، وجاءت القوات البريطانية فاحتلت البصرة فـي نوفمبر1914م، وأكملت احتلالها للعراق في مايو1917م. ورفض الشعب العراقي قوات الاحتلال واندلعت ثورة عام 1920م، وأرغمت بريطانيا تحت الضغط الشعبي أن تنصب الأمير"فيصل بن الحسين الهاشمي"(1883-1933م) ملكـاً علـى العراق، وبقيت تسيطر على قدرات العراق الاقتصادية والسياسية مـن خـلال مستشـارين سياسـيين وعسكريين، وكانت الكلمة الأخيرة لسفير بريطانيا في بغداد واستمر هذا حتى قيام ثورة يوليو 1958م .

ولم تتوقف محاولات ألمانيا للوصول إلى منابع النفط في العراق، وخاصة أيـام الحكـم النـازي، عندما تسلم السلطة في ألمانيا" أدولف هتلر" Adolf Hitler، الذي أقام علاقات ودية مع الملك " غازي بن فيصل الأول بن حسين بن علي "، وعندما قامت حركة العراق التحررية في أيار 1942م بقيادة "رشيد عالي الكيلاني"، وقف هتلر إلى جانب "الكيلاني"، وأرسل له أسراباً من الطائرات الحربية، ولكنه لم يستطع أن يقدم له الدعم الكافي، لأن الحرب العالمية الثانية، كانت في أوجها، وقد شعرت بريطانيا بخطر وصول ألمانيا إلى منطقة الخليج والسيطرة علـى منـابع الـنفط، فسارعت إلى إسقاط حكومة الكيلاني، واحتلال بغداد من جديد،وأحكمت سـيطرتها عليهـا،وفشـلت محاولات ألمانيا .

أما أطماع أمريكا في التنافس على نفط العراق، فقد بدأت مبكراً، ففي عام 1920م طلبت الولايات المتحدة من بريطانيا في مؤتمر "سان ريمو" San Remo في إيطاليا، ضرورة مشاركتها بنفط العراق والخليج، لكـن بريطانيا رفضت هذا ولم يستطع رئيس وزراء بريطانيا "ونستون تشرشل" Winston Churchil، أن يقاوم الضغط الشديد من رئـيس الولايات المتحدة "فرانكلين روزفلت" Franklin Roosevelt من أجل الحصول على نصيب كبير في نفط الخليج. وحصلت أمريكا على النفط السعودي بموجب الاتفاق بين الملك عبد العزيز وشركة (آرامكو)، وحصلت أيضاَ على الـنفط الإيراني، بعد أن أطاحت بحكومة " محمد مصدق (1880-1967م) "، وإزاحة بريطانيا من الهيمنة على نفط الخلـيج، وقـد سـعت الولايات المتحدة لإيجاد نوع من الأمن الإقليمي في منطقة الخليج منذ إعلان بريطانيا الانسحاب مـن المنطقة، لسد الفراغ الاستعماري البريطاني الأمريكي، فبدأت بمشروع " سيسكو وروجرز " لعـام 1972م. وكان هذا المخطط قد صرح به روستر Rosterوكيل وزارة الخارجية الأمريكية عام ١٩٦٨،عندما أعلن عن إقامة مثل هذا الحلف بين دول الخليج العربي بما فيها العراق؛ وتهدف هذه المخططات إلى :

أ- فصل الأمن الإقليمي الخليجي عن باقي الدول العربية القوية غير المنتجة للنفط، حتى يظل اعتمادها الرئيسي على الولايات المتحدة الأمريكية.

ب-عدم السماح باستخدام سلاح النفط في كل محاولات تسوية القضية الفلسطينية.

جـ - ربط اقتصاديات دول الخليج بالاقتصاد الغربي، وجعلها أسواقاً استهلاكية للبضائع الغربية.

د- تثبيت الطابع الغربي في الثقافة، والإعلام، والمناهج التربوية.

وتبدلت هذه المخططات الاستراتيجية بعد حرب أكتوبر 1973م، فأصبحت الاستراتيجية الأمريكية، تركزعلى أن منطقة الخليج العربي شريان حياة للغرب، خاصة بعد إعلان الحظر الجزئي للنفط، الأمر الذي جعل "هنري كيسنجر" يصرح بـ "أن أي محاولة لفرض حظر نفطي لفترة طويلة، هو عمل من أعمال الحرب ". وقد طورت هذه الفكـرة حتـى أصبحت لا تقتصرعلى ضمان إمدادات النفط فقط بل تأمينه بسعر رخيص .

وبعد انتهاء الحرب العراقية– الإيرانية وخروج العراق عام 1988م منتصراً منهـا، ومـديوناً وجيشه ما زال نسبياً على قدر من القوة، يهدد مصالح الولايات المتحدة في الخليج وأمن إسرائيل، وهنا ارتأت واشنطن أن تجد مبرراً جديداً لقيام حرب جديدة تهدف إلى الخلاص من ترسـانة العـراق العسـكرية، ومحاولة العودة إلى منابع النفط بشكل فعال، فكانت حرب الخليج الثانية 1991م، ولم يكن جورج بوش (الابن) بعيداً عن قرار خوض واشنطن الحرب، فقد كشفت وثائق رسمية أمريكية علاقته بفضائح ماليـة تمس أجهزة المخابرات وأبيه وأخيه، وفضائح شركات النفط أسكتتها حرب الخليج الثانية وحولتها إلى الاتجاه المعاكس .

وما من شك في أن للحرب العدوانية الأمريكية على العراق واحتلاله في ربيع عام 2003م عدة أهداف متشابكة ومتداخلة بعضها ببعض على الصعيد السياسي، والاقتصادي، والعسكري، ومعظـم هـذه الأهداف تلتقي مع الأهداف الإسرائيلية في السيطرة على مقدرات الشرق الأوسط. ويمكـن تلخـيص أهداف الحرب الأمريكية المعلنة على العراق بما يلي:

1- امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل:

تعد ذريعة امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل، حجة قديمة متجددة في سياق الغزو الأمريكي للعرق، وتعود خلفيات هذه القضية إلى سنوات حرب الخليج الثانية، بحجة تجريد العراق من أسلحته الهجومية التي تمكنه من القيام بعدوان جديد على جيرانه بعد امتلاكه الكويت عام 1990م .

فقد بدأت قصة أسلحة الدمار الشامل في العراق تطفو علي سطح الأحداث في شتاء عام‏1990م، عندما أعلن الرئيس العراقي صدام حسين في إحدى خطبه أنه يملك سلاحاً سماه الكيماوي المزدوج‏،‏ وأكد أن هذا السلاح قادر علي قتل نصف سكان تل أبيب‏،‏ كما تحدث أيضاً عن امتلاكه للمدفع العملاق الذي يزيد طول ماسورته علي المائة متر، وتستطيع قذائفه أن تصل إلي أهداف تبعد مئات الكيلومترات‏..‏ وبعد شهور قليلة من هذا التصريح، الذي أدلي به صدام بشكل مفاجئ دون أي مناسبة، غزت جيوش صدام دولة الكويت‏، واتضح لمن يربطون بين الأحداث أن الهدف من هذا التصريح، كان حشد الرأي العام العربي وكسب تأييد الشارع العربي عندما يغزو الكويت،‏ وتخويف الدول الأخرى من قوته العسكرية حتي لا تعترض سبيله عندما يقدم علي مغامرته الطائشة في الكويت‏ .

من المعروف أن نظام صدام حسين كان يمتلك أسلحة كيماوية وبيولوجية، قامت الولايات المتحدة والدول الغربية بمده بتلك الأسلحة أثناء الثورة الإيرانية، وقام باستخدام تلك الأسلحة مرتين، الأولي ضد الأكراد مما أدي إلي مقتل خمسة الاف كردي، والمرة الثانية استخدمها في حربه مع إيران، وقد قامت فرق البحث بالتخلص من مخزون المواد الكيماوية والبيولوجية، حيث أعلن "هانز بليكيس" Hans Blix رئيس فريق الأمم المتحدة للتفتيش عن الأسلحة العراقية والدكتور "محمد البرادعي" المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية في ذلك الوقت بأن العراق أصبح خالياً من أسلحة الدمار الشامل، ورغم هذا الإعلان الرسمي إن الإدارة الأمريكية تلاعبت بالأوراق الرسمية وقامت بتوجيه الاتهامات للنظام العراقي بشراء اليورانيوم من دولة النيجر.

أصدرت الحكومة البريطانية وثيقة تتهم فيها الحكومة العراقية بامتلاك أسلحة دمار شامل، وكانت الوثيقة فيها دلالات علي أن نظام صدام حسين مازال مصراً علي امتلاك أسلحة الدمار الشامل، ويعطيها الأولوية الكبرى والعراق مازال مستمراً في تطوير الأسلحة النووية، وادعي أن العراق قام بشراء اليورانيوم من النيجر وزيف الوثائق الخاصة بذلك، وأن العراق تمتلك صواريخ قادرة علي الوصول إلي إسرائيل وتركيا .

ورغم أن العراق لم يستخدم أسلحته المفترضة في حرب تحرير الكويت، ورغم إعلانه عن تدمير مخزونه من الأسلحة المحظورة، إلا أن الجدل حيال هذه القضية لم ينته على مر السنوات التالية، فالولايات المتحدة أرادت اتخاذ قضية الأسلحة كورقة بيدها كي تستغلها وقتما تشاء في قصف العراق وتهديده والخرق المتكرر لأجوائه الوطنية، أما على الجانب العراقي فإن نظام صدام حسين لم يكن يتعاون مع لجان التفتيش ذاتها، وكان هذا استفزازياً في معظم الأحيان ...... وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

عامر صالحالحديث عن المشاركة السياسية في الحكم حق مشروع لجميع القوى السياسية المؤمنة بالديمقراطية بعيدا عن الأقصاء والتهميش ومصادرة أرادة الغير في صنع القرار، وخاصة بعد عقود من الحكم الدكتاتوري القمعي الذي أنفرد في السلطة، سواء في العراق الذي عانى شعبه الكثير من مصادرة الحريات والتسلط والحروب العبثية، او معظم الدول العربية، وبالتالي اصبح هاجس المشاركة من قبل الشعب في اختيار الحاكم وتقرير طبيعة الحكم بمثابة عطش مزمن وحاجة لا يمكن النتنازل عن اشباعها مهما بلغت شدة الحرمان.

لم تكن مشاركة الشعب في صنع القرار سهلة كما تصورها الكثير بعد سقوط الدكتاتورية في العراق عام 2003 عبر الأحتلال الامريكي، وكذلك لم تكن سهلة هي الأخرى في تجارب ما يسمى "الربيع  العربي" في 2011، وكلا التجربتين العراقية والعربية والتي كان مخطط لها في اذهان شعوبها ان تكون ديمقراطية وبديل عن أنظمة القمع والتفرد، تحولت الى بلدان مستباحة من الفوضى والميليشيات المسلحة، الى جانب الدخول في مشاريع التشرذم الطائفي والديني والأثني والمناطقي والارتهان الى مرجعيات من خارج البلدان تقرر اتجاهات التغير في الداخل وتتحكم في المعادلات السياسية وصنع القرار، رغم ان السائد الشكلي هو ديمقراطية تعددية عبر صناديق الأقتراع.

كانت حمولة الأسلام السياسي من اكثر الحمولات شحنة للتفريغ بعد سقوط الانظمة القمعية الدكتاتورية، وممكن القول انها انفردت تقريبا في رسم ملامح المشهد السياسي على ارض الواقع مستغلة غياب البدائل السياسية الاخرى وضعفها في الساحة السياسية جراء القمع والتهميش طويل الأمد الذي عانت منه من النظم التسلطية، الى جانب ان حركات الأسلام السياسي بعد التغير لجأت الى استخدام السلاح والتكفير لفرض اجندتها السياسية واضطهاد الآخر المغاير لها في التفكير والتضييق عليه. 

وتشهد اليوم الساحة العربية والعراقية صراع يتخذ طابعا دمويا تصفويا بدرجات مختلفة للأستحواذ على السلطة وتوزيع مغانمها والواجهة الاساسية لذلك هو صناديق الأقتراع وادعاء التداول السلمي للسلطة، فمن يحكم منهم يحكم ومن يختلف يدعي المعارضة السياسية، والواجهة لذلك ايضا الديمقراطية التي تسمح بحضور لمفهوم " المعارضة والموالاة ". فهل يؤمن الأسلام السياسي بالديمقراطية الغربية حقا وبالتداول السلمي للسلطة والأيمان فعلا بنتائج انتخابات نزيهة والركون الى آراء الشعوب في تقرير مصيرها. 

أكدت تجربة العراق منذ اكثر من عقد ونصف وتجارب عربية اخرى أن صناديق الأقتراع لا تتجاوز كونها تقنية شكلية للأستحواذ على السلطة واعادة انتاجها، سواء في تجييش الناس صوب صناديق الاقتراع او تزوير نتائج الانتخابات او حرق صنادق الانتخابات وتأسيس مفوضية انتخابات قائمة على أسس من المحاصصة الطائفية السياسية والاثنية لضمان سقف مقبول من النتائج يضمن بقاء الاوضاع كما هي. 

مفهوم الديمقراطية الحقه والتي تبني مجتمع المواطنة ودولة العدل كما ترد: "هي حالة الترابط العضوي بين جملة قضايا ومسائل ومفاهيم ومقولات تشكل نسيجا” ضاما فيما بينها، ويمثل غياب أو سقوط أي منها ثلما و”شرخا” في هذا النسق مما يؤدي إلى إصابتها أي الديمقراطية بتشوه خلقي وعيب وجودي وصولا إلى خواء المضمون على المستوى الواقعي. ليس بخاف أن لا ديمقراطية حقيقية بدون العلمانية ولا ديمقراطية بدون الأنسية أو الإنسانوية والمرجعية الدنيوية التي تجعل البشر وحدهم مصدر المشروعية ومناط الحقوق والواجبات وإذا “مصدر القانون ومناط الحرية المرتبط بجملة تعينات وتجليات وأشكال مثل حرية التفكير والاعتقاد والإيمان  والتعبير والتمثيل وربما حرية وحق أن يكون الشخص ملحدا”، بوضوح إن الحرية لكذلك على وجه اليقين والتأكيد".

" كما تعني حق الإنسان على عقله وذهنه ونفسه وجسده وحريته التي تترتب على هذا الحق دون أن يعني ذلك إيذاء “نفسيا” أو ماديا للغير. وحين نقول الإنسان فلا فرق بين الرجل والمرأة التي يشكل حقها وحريتها وطريقة تفكيرها وأسلوب وجودها وعلاقتها بالشريك وسائر أنماط عيشها المرتبطة بكيانها جزءا لا يتجزّأ ولا يقل من حيث المبدأ عن حق الرجل وحريته ومشروعية وجوده التي تبيح له أن يحيا كما يشاء، لا بل  ويقال أكثر من ذلك، أن لا مشروعية ولا حق ولا حرية للرجل بدون حق وحرية وسعادة المرأة، فكيف هو الحال إذا كان مجتمع الرجال سيبني الحق والحرية والسعادة على أنقاض ودونية وابتذال المرأة".                                          

أن معضلة مجتمعنا الكبرى هي ليست مع أشخاص، بل مع الأسلام السياسي الغير مؤمن بالديمقراطية أصلا، والتي يراها لعبة غربية لا تصلح لمجتعاتنا، وأن الاسلام السياسي مكره على ممارستها في ظل الظروف العالمية الضاغطة والتي لا تقبل إلا بالتدوال السلمي للسلطة وفي ظروف طبيعية وصحية. في عودة سريعة لضبط مصطلح الديمقراطية وماهيته والذي يخدمنا كثيرا في هذا المقال، وهو أن الديمقراطية تعني حكم الشعب، أو الحكم للشعب، وإذا كان للديمقراطية مصطلحات عديدة إلا إن لها مدلولا سياسيا والذي شاع استخدامه في كل الأدبيات والفلسفات القديمة والحديثة وأنها مذهب سياسي محض تقوم على أساس تمكين الشعب من ممارسة السلطة السياسية في الدولة، فالكلمة العليا والمرجعية النهائية إنما هي للشعب ولا شيء يعلو فوقه، فهي تعني أن يضع الشعب قوانينه بنفسه، وأن يحكم نفسه بنفسه، ولنفسه، والحكومة التي تقبلها النظرية الديمقراطية هي الحكومة التي تقر سيادة الشعب وتكفل الحرية والمساواة السياسية بين الناس تخضع فيها السلطة صاحبة السلطان لرقابة رأي عام حر له من الوسائل القانونية ما يكفل خضوعها لنفوذه، وقد تبلورت هذه الفكرة فيما بعد تحت مصطلح السيادة، وقد عرفت السيادة بأنها سلطة عليا مطلقة لا شريك لها و لا ند متفردة بالتشريع الملزم، فيما يتعلق بتنظيم شئون الدولة أو المجتمع، فلها حق الأمر والنهي والتشريع والإلزام بذلك، لا يحد من إرادتها شيء خارج عنها، ولا تعلوها أو تدانيها سلطة أخرى، والسيادة في الفكر الديمقراطي إنما هي الشعب. وتتمثل ممارسة الشعب للسيادة في ثلاث جوانب رئيسية على الأقل هي:

ـ إصدار التشريعات العامة الملزمة للجماعة التي يجب على الجميع الالتزام بها وعدم الخروج عليها، وهذه تمارسه السلطة التشريعية..

ـ المحافظة على النظام العام في ظل تلك التشريعات، وهذه تمارسها السلطة التنفيذية..

ـ حل المنازعات سلميا بين المواطنين انطلاقا من هذه التشريعات، وهذه المهمة تمارسها السلطة القضائية، ويتبين من ذلك أن السلطة التشريعية هي أم السلطات الثلاث. 

وعلى خلفية هذه الرؤى فأن الديمقراطية كفلت الكثير من الحقوق والحريات التي تتحقق بها إنسانية الإنسان كحرية التنقل، والاستقلال في الرأي والتفكير، والمشاركة في القرار السياسي وفي اختيار الحكومة، وفي القدرة على رفض الحكومات وتغييرهم في حالة عدم صلاحيتهم، وفي حق التملك وحق الأمن والأمان، كما يحقق المساواة للجميع أمام القانون، والدعوة إلى الآراء وحرية تكوين الأحزاب، وحق المعارضة للسلطة القائمة، وحق الاقتراع العام، وتنظيم الانتخابات للوصول إلى الحكم، وتداول السلطة بين أفراد الشعب، واعتماد مبدأ الأغلبية في اتخاذ القرارات وسن القوانين.

وفي زحمة هذه الصلاحيات الواسعة للشعب في ظل الديمقراطية الحقيقية يقع الإسلام السياسي في دوامة الصراع النفسي والسلوكي مع القوى الديمقراطية ومع الشعب، كون هذه الأخيرة مصدر كل السلطات وبالتالي تشكل بديلا عن الشريعة الإسلامية ذات الطابع الإلهي، أي كما يفهمه الإسلام السياسي بأن جعل التشريع بيد الشعب هو إلغاء لشريعة الله تعالى، وهذه الخاصية التي تميزت بها الديمقراطية على تعاقب التجارب والأزمان، تعد من الاختلافات الحقيقية بينها وبين الإسلام، انطلاقا من قاعدة الإسلام التي جوهرها هي توحيد الله تعالى، والتي تعني أن يكون المسلم عابدا لله وحده، وذلك بالاحتكام إلى ما شرعه الله تعالى في كلها من صلاة وصيام وحج، معاملات بين الناس وخصومات، وفي شئونه كلها، وبالتالي أن تحل سلطة الشعب مكان سلطة الإلهة أمر غير مقبول جملة وتفصيلا لدى الإسلام السياسي.

في ظل تلك التعقيدات على مستوى قبول الديمقراطية كطريقة في الحكم وكنظام سياسي شامل وليست انتقائي مصلحي يجري صراع شرس بين مكونات قوى الأسلام السياسي من جهة، وبين الاسلام السياسي والقوى المدنية الفتية من جهة اخرى، ويجرى التشبث في البقاء عبر ترقيع ذات الأسلام السياسي وقوى اخرى متحالفة معه لأيجاد مخرج لأزمة البلاد المستعصية، فنجدهم تارة في الحكم وتارة في "المعارضة " عندما يجري الخلاف على توزيع غنائم السلطة، ويتبادلون المواقع عند حاجتهم لذلك، ولا يستغرب المرء من انتشار الفساد الأداري والمالي والميليشيات المسلحة الاجرامية وانعدام االخدمات الاساسية الحياتية حيث انعدام استقرار النظام السياسي.

 

د. عامر صالح  

 

علاء اللاميمع اقتراب ميناء "مبارك" الكويتي العملاق من الاكتمال وقرب تدشينه، ليقطع بذلك الممر المائي العراقي في خور عبد الله أو ليُضَيِّق عليه بشكل خطير، ومع إنشاء الكويت لمنصة بحرية جديدة في منطقة "فيشت العيج" وسط ذلك الخور، وبعد تأخر إنجاز ميناء "الفاو الكبير" في الجانب العراقي بسبب الفساد الإداري والتواطؤ من قبل الإدارات العراقية المتتالية، بعد هذه التطورات، ووصول حالة الحصار البحري الشامل على العراق نقطة اللاعودة، تحركت الحكومة العراقية فقامت بحركة استعراضية متأخرة كثيرا لرفع العتب، وقدمت شكوى رسمية إلى مجلس الأمن.

وقد كشف وزير النقل العراقي الأسبق عامر عبد الجبار عن أن "فيشت العيج" ليست منصة تفريغ كما قيل، بل جزيرة اصطناعية أقيمت بعد طمر مياه وسط الخور تريد الكويت اعتبارها النقطة النهائية لحدودها مع العراق، حتى تقطع الممر المائي عن العراق وتعزله عن ساحله البحري الإقليمي.

الشكوى العراقية قُدِمت بشكل شبه سري، وسكتت الأوساط السياسية والإعلامية العراقية عن هذه التطورات لأسباب لا تخرج أيضا عن دائرة الفساد والتواطؤ. وقد عَلِمَ العراقيون بهذا التطور من صحف الكويت التي بادرت إلى شن حملة إعلامية بعد الشكوى العراقية.

إنَّ الشكوى التي رفعتها الحكومة العراقية، لا تتمتع بأي قدر من الجدوى والمردودية، ولا أفق لها عمليا لحل المشاكل المتوارثة بين البلدين؛ فمجلس الأمن ذاته هو الذي أباح للكويت بقرارته المجحفة خنق العراق بحريا، ومنحها نصف قناة "خور عبد الله"، وهو النصف العميق إذ أن القرار الأممي رقم 833 لسنة 1993 والخاص بترسيم الحدود  لم يقسِّم الخور - الذي لم تستعمله الكويت طوال تاريخها لعدم حاجتها إليه وكان المنفذ الأهم للعراق فقط - بين البلدين حسب خط العمق "التالوك" كما هو معهود عالميا، بل حسب النصف المساحي (العرض المتري)؛ فأعطى للكويت النصف الغربي العميق وترك النصف الشرقي الضحل وغير القابل للإبحار للعراق. كما أن مجلس الأمن هو الذي أعطى الكويت نصف منطقة "أم قصر" العراقية ومنطقة أخرى تحتوي على عدة آبار نفطية من الجانب العراقي، فكيف يمكن لمجلس أمنٍ تسيطر عليه الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا أن ينصف العراق ويرد على شكواه بعدالة ونزاهة؟

إن المشكلة الحقيقية لم تبدأ مع منصة "فيشت العيج" الكويتية الجديدة، بل هي تعود أساسا إلى مجموعة القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة وهي قرارات مجحفة بحق العراق. وقد استقال رئيس اللجنة الأممية الخاصة بهذا الملف كوسوما اتماجا، في العشرين من تشرين الثاني من عام 1992 احتجاجا على انحياز اللجنة (وكانت تضم ممثلي الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والكويت والعراق)، إلى الجانب الكويتي، ولأن اللجنة تجاوزت صلاحياتها بالترسيم الحدودي الذي هو من صلاحيات البلدان ذات السيادة وليس من صلاحيات الأمم المتحدة.

إن الحل الجذري والعادل لهذه المشكلة لا يتم بتقدم شكوى منفردة كالتي قدمتها حكومة عبد المهدي، بل في اجتراح حل حقيقي ومتوازن يعيد الأمور إلى نصابها والحقوق العراقية لأصحابها، ويضمن الأمن والاستقرار للكويت، وهذا لا يتم إلا ببناء جدار عازل على الحدود بين البلدين دون إبطاء وعلى غرار الجدار الأمني العازل الذي بادرت السعودية الى بناء أجزاء منه على حدودها مع العراق.

إن فكرة بناء جدار عازل بين العراق والكويت هي أصلا فكرة ذات منشأ كويتي فقد طالب بها الساسة الكويتيون المعادون لما يسمونه "الشمال الأسود" أي العراق، وقد كرر هذا المطلب قبل أيام السياسي والإعلامي الكويتي د. عايد المناع رداً على الشكوى العراقية!

والحقيقة فإن بناء جدار عازل على امتداد الحدود العراقية الكويتية هو لمصلحة العراق أولا، ومنقذ له من الحصار البحري. كيف ذلك؟  لقد أنفقت الكويت على ميناء مبارك الكبير مبالغ طائلة تصل الى ثلاثة مليارات ومائتين وخمسين مليون دولار حتى الآن. وتبلغ طاقة الأرصفة فيه 1.8 مليون حاوية مجهزة بشبكة سكك حديدية ولا تحتاج إليه الكويت إطلاقا فلديها موانئها العديدة. وإذا ما علمنا أن هذا الميناء الكويتي لا مستقبل له إلا بربطه سككيا بالقطارات مع القناة الجافة السككية العراقية، وإذا ما علمنا أن العراق رفع التحفظ العراقي الرسمي الربط السككي مع الكويت في زمن وزير النقل الأسبق هادي العامري، وإذا ما علمنا أن هذا الميناء الكويتي سيقطع الممر البحري على العراق، وإذا ما علمنا أن ميناء الفاو العراقي الكبير معرقل من قبل إدارات ووزارات الفساد العراقية، فإن الحل الوحيد والمؤقت أمام العراق هو بناء جدار عازل ضخم على طول الحدود العراقية الكويتية وبعرض أربعة أمتار وارتفاع سبعة أمتار ينهي وإلى الأبد التأثير الضار لميناء مبارك الكبير على العراق.

إن هذا أمر يدركه الكويتيون وقد عبر عنه النائب الكويتي السابق الطباطبائي الذي صرح بأن ميناء "مبارك" لا مستقبل له، ويجب نقله إلى مكان آخر، وربما يكون الدافع لزيارة أمير الكويت الأخيرة هو تفادي قرار عراقي برفض نهائي للربط السككي مع الميناء الكويتي. إن حل الجدار الحدودي يفتح الباب واسعا أمام استكمال بناء ميناء الفاو الكبير وربطه بالقناة السككية العراقية الجافة. بمعنى أن الحل ما يزال قائما أمام العراق وهو يكمن في بناء هذا الجدار وفي تسريع إنجاز ميناء الفاو وتوسيعه وتنفيذ مخطط الجزيرة الصخرية في الفاو والتي ستضاعف نطاق الطلة البحرية العراقية الى الضعفين وأكثر وبهذا يخرج العراق من الارتهان والحصار البحري الحالي.

إن بناء الجدار العازل مع الكويت يجب أن يبدأ فورا للضغط على الكويت لوقف تجاوزاتها وحصارها البحري ومن ثم لمراجعة جميع القرارات المجحفة الصادرة بحق العراق بعد اجتياح الإمارة سنة 1990، فهذه القرارات تنص على أنها ممكنة التعديل بطلب من البلدين وباتفاقهما، وهذا هو الحل الوحيد الذي يضمن وصول البلدين الى حلول متوازنة وعادلة تضمن حقوق العراق على أراضيه ومياهه وتضمن أيضا استقرارا وأمنا دائما للكويت. وعلى هذا فنحن اليوم أمام سيناريوهَين اثنين بعد تقديم هذه الشكوى العراقية:

-السيناريو الأول: ستتحرك واشنطن للضغط على الكويت لتتنازل قليلا بخصوص خور عبد الله وربما تطلب منها رفع جزيرة "فيشت العويج" مقابل منحها الربط السككي الدائم مع العراق فتتراجع الحكومة العراقية عن الشكوى، وهذا ليس حلا لأن الكويت ماضية في حصارها البحري، ولهذا فسيكون نصرا للكويت وأميركا بكل معنى الكلمة لأنَّ ربط ميناء مبارك الكويتي بالقناة الجافة السككية العراقية يعني دفنا نهائيا وتدميرا لميناء الفاو العراقي الذي سيحل محله تلقائيا ميناء مبارك الكويتي وستتلاشى الطلة البحرية العراقية!

-السيناريو الثاني هو الذي اقترحناه أعلاه ويتلخص في البدء فورا ببناء الجدار العازل مع الكويت وإنهاء أي أفق لميناء مبارك وتسريع إنجاز الفاو الكبير والبدء بمشروع الجزيرة الصخرية لتوسعته ومضاعفة طاقاته الاستيعابية.

إن بناء الجدار العازل مع الكويت يجب أن يبدأ فورا كوسيلة للضغط على الكويت لمراجعة جميع القرارات المجحفة الصادرة بحق العراق بعد حرب 1990، فهذه القرارات تنص على أنَّ من الممكن تعديلها بطلب من البلدين وباتفاقهما وهذا هو الحل الوحيد الذي يضمن وصول البلدين الى حلول متوازنة وعادلة تضمن حقوق العراق على أراضيه ومياهه.

 أما بخصوص مشروع الميناء العراقي الكبير على الجزيرة الصخرية فهو يقوم على فكرة تشييد جزيرة صخرية في الجزء العراقي من مياه الخليج العربي، ستحتوي على مدينة مساحتها 350 كيلومتراً مربعاً، تمتد داخل البحر بنحو 250 كيلومتراً مربعاً. ويتم تشيَّد تلك الجزيرة من خلال طمر مليار متر مكعب داخل البحر بـ 25 مليون طنٍّ من الحجر.

إن تكاليف الجزيرة الصخرية والميناء والمدينة التجارية والسياحية قربه تصل إلى ثمانية مليارات دولار كحد أعلى، وسيكون الميناء قادرا على تسديدها كلها خلال ستة أعوام تقريبا وبواقع ملياري دولار في العام تقريبا. فلماذا فكر البعض بطرح هذا المشروع على الاستثمار الأجنبي والدولة العراقية بمواردها الهائلة قادرة على تنفيذه، ولماذا الإصرار على رفض وعدم التفكير بميناء الجزيرة الصخرية؟

لماذا لا يجري تطوير المشروع القائم والمهدد بميناء مبارك الكويتي ودمجه بمشروع الجزيرة الصخرية للوصول الى التحرر الكامل للعراق من الحصار البحري والخنق الذي تمارسه دول الجوار عليه؟ ولماذا لا يبحث العراق عن دعم دول الجوار ذات المصلحة بالقناة الجافة العراقية كسوريا والأردن وتركيا؟

إن مشروع الجزيرة الصخرية لن يتأثّر بميناء مبارك الكويتي وهو الحل العملي الوحيد بما أنّ الكويت وإيران غير قادرتين على خنقه، وبتنفيذه يمارس العراق سيادته على أراضيه ومياهه الإقليمية.

يبدو لي أن هناك ثلاثة أسباب مهمة - بين أسباب أخرى - لرفض مشروع ميناء الفاو الكبير على الجزيرة الصخرية أو إهماله وهي :

1- رفض المشروع من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا والكويت وإيران ودول الخليج. لأن هذه الدول لا تريد أن ينهض عراق قوي ومزدهر، بل هي تريد الإبقاء عليه ضعيفا مضطربا مهددا بالتمزق الطائفي والقومي وحركات التمرد الانفصالية والأقلمة!

2- فساد النظام في العراق وتورط كبار المسؤولين فيه بالرشى الكويتية لخنق الميناء العراقي والتنازل عن خور عبد الله، وقد حدثت فضائح عديدة في هذا الميدان تورط فيها وزراء ونوقشت علنا في مجلس النواب العراقي.

3- التنافس الضاري بين الأحزاب والكتل والعوائل السياسية الدينية المهيمنة على الحكومة ورغبة كل منها بالحصول على الحصة الأدسم فيه.

إن البديل الذي نقترحه في السيناريو الثاني أعلاه، كفيل بإعادة الأمور إلى نصابها، وهو حق سيادي ومشروع للعراق وليس فيه أدنى تجاوز على الكويت أو غيرها، لأنه يقام داخل الأراضي والمياه العراقية، فإذا انصاعت قيادة إمارة الكويت إلى منطق الحق والعدل ونقلت ميناءها الى مكان آخر كما اقترح النائب الكويتي وليد الطباطبائي، وأعادت ما تم استقطاعه من أراضٍ ومياه عراقية وفق ترسيم جديد للحدود فخيرا تفعل،  وإلا فليس أمام صاحب الحق، الشعب العراقي، سوى الدفاع عن نفسه وعن مستقبل أجياله، ولكننا ندرك أن دفاعا كهذا لا يمكن ان يُدار وينجز بنجاح من قبل حكام طائفيين فاسدين وتابعين للأجنبي ولهذا فالأمر يبقى رهنا بالمستقبل العراقي القريب!

 

علاء اللامي - كاتب عراقي

 

امجد الدهاماتإنسحاب النواب من احزابهم هو موضوع جدلي تنقسم الآراء حوله، فهناك مَن يرفضه ويعتبره مخادعة وخيانة للمبادئ وعدم وفاء للحزب الذي كان السبب الأساسي بفوز النائب بمقعده البرلماني.

بينما آخرون يعتبرنه تصرفاً صحيحاً ومن حقوق النائب، خاصة في حالة الخلاف حول طريقة إدارة الحزب أو انحراف عن مبادئه أو عدم الرضا عن سياساته، ويستدلون على ذلك بحالات كثيرة حصلت في الدول الديمقراطية ولأسباب متعددة وتم التعامل معها بشكل طبيعي جداً، وآخرها انسحاب النائب (فيليب لي) من حزب المحافظين الحاكم وانضمامه لحزب الديمقراطيين الأحرار المعارض لرفضه سياسة رئيس الوزراء (بوريس جونسون) الخاصة بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي رغم أنه عضو بالحزب منذ (27) سنة، وفي أمريكا ترك النائب (جاستن أماش) حزبه الجمهوري احتجاجاً على سياسات الرئيس (دونالد ترامب)، بل المفارقة أن النائب الأسترالي (فرازير انينج) إستقال من حزبه بعد دقائق فقط من إدائه اليمين الدستورية في البرلمان لخلافه مع رئيسة الحزب.

بل الأخطر عندما يؤدي إنسحاب النواب إلى فقدان حزبهم أغلبيته البرلمانية وبالتالي سقوط حكومتهم، كما حصل في تركيا عندما انسحب (6) نواب من حزب اليسار الديمقراطي الحاكم مما أجبر رئيس الوزراء (بولند أجاويد) على الإستقالة عام (2002)، وكذلك في اليونان عام (2011) حيث إستقال رئيس الوزراء (جورج باباندريو) عندما لم تصوت نائبتان من حزبه على منحه الثقة لرفضهما فكرة إجراء استفتاء على الخطة الاوروبية لمساعدة اليونان.

لكن (نظرية الإختيار العام) لها وجهة نظر أخرى:

بالأصل أن نظرية الإختيار العام (Public Choice Theory) هي نظرية اقتصادية لكن يتم استخدام آلياتها في تحليل سلوكيات السياسيين.

إذ من خلالها يتم تحليل دوافع الناس المتواجدين في الأسواق سواء كانوا تجاراً أو عمالاً أو مستهلكينَ، فالعلماء الدارسون لسلوك هؤلاء الناس يفترضون أن الدافع الأساسي لهم هو تحقيق مصالحهم الشخصية البحتة حتى لو كانوا يدّعون أن أفعالهم في الأسواق هي من أجل مصلحة الآخرين وخدمتهم.

وبتطبيقها على العمل السياسي نجد أن تصرفات السياسيين هي لمنفعتهم الشخصية، بل حتى المصوتين ينتخبون أشخاصاً بعينهم ليقدموا لهم الخدمات، رغم أن الجميع (سياسيين ومصوتين) يعلنون أن عملهم للصالح العام، لكنهم بالحقيقة يواصلون الاهتمام بمصالحهم ويحاولون زيادة منفعتهم الذاتية لا غير، وهذا ليس ذماً لأحد بقدر ما هو توصيف وتحليل لواقع حال، أنها براغماتية صرفة، وهذا هو واقع العمل السياسي بعيداً عن المثاليات والشعارات.

فقد أثبتت التجارب أن السياسيين يتصرفون بنفس طريقة الفاعلين الاقتصاديين (منتجين وعاملين ومستهلكين) في الأسواق، أنهم يعملون على تعظيم فوائدهم الذاتية المحضة بغض النظر عن الشعارات البراقة التي يرفعونها حول خدمة الناس ورعاية مصالحهم.

إذن، وفق هذا النظرية، أن النائب عندما يشعر أن مصلحته الشخصية لا تتطابق مع مصلحة حزبه فأنه ينسحب منه، رغم أنه يحاول تبرير وتجميل هذه الإستقالة وتعليلها بالمصلحة العامة.

بالحقيقة أنه يحاول تجربة طريق آخر للفوز في الانتخابات القادمة!

 

أمجد الدهامات - العراق

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا في هذا المقال الثاني عن الأبعاد الحقيقية للغزو الأمريكي على العراق، وفي هذا يمكن القول: بعد قيام الثورة الإسلامية في إيران عام 1979م، اختارت الولايات المتحدة العراق، ليكون منطقة عازلة Buffer Zone بين الخطر القادم من إيران، واحتياطات النفط في دول الخليج، وهذا ما جعل له أهمية استراتيجية لكل من الولايات المتحدة ودول الخليج علي حد سواء، غير أن غياب سياسة واضحة تجاه نظام صدام حسين في هذه الفترة، أدي الي اتخاذ مواقف متضاربة وغير مؤثرة ساهمت في تشجيع صدام حسين علي ممارسة العدوانية .

إن أول ما قامت به الولايات المتحدة هو استنزاف قدرات العراق المادية والعسكرية، بالعمل على خلق الحرب الإيرانية العراقية عام 1980م،والتي يدعوها المؤزخون بــ "الحرب على العراق الاستثنائية"، وعملت على إطالة أمدها حتى عام 1988م،مما أدى إلى دفع طرفي النزاع،لتقديم التضحيات الجسام المادية والبشرية، خلال الحرب الثماني سنوات، والتي لم يكن الهدف منها العراق فقط، بل وحتى إيران. هذه الحرب التي قدم فيها الطرفان خيرة شبابه ورجاله، إضافة إلى المليارات التي صرفت وحرقت لإدامة هذه الحرب، والتي قدرت بمئات المليارات، وملايين الشهداء، والجرحى، والمفقودين، والمعوقين في الطرفين ، والتي كان من المقدر لها أن تصرف لإعمار البلدين .

كانت أمريكا وحلفاؤها يقدمون العون لكلا الطرفين مادياً، وعسكرياً، وسياسياً ، لغرض إدامة أمد هذه الحرب، وإنهاء الطرفين واستنزاف قدراتهما، حتى خرجا من الحرب، منهوكي القوي، مثقلين بالديون، إضافة إلى عرقلة كل خطط التنمية التي كانت قد توقفت تماماً.

وقبل غزو العراق للكويت اشترى العراق حبوباً وسلعاً أخرى من الولايـات المتحـدة بملايـين الدولارات وبشروط تمويلية مناسبة، وفي ربيع 1990م زار بغداد وفد من كبار أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي واجتمعوا مع "صدام حسين" وهدؤوا من روعه إزاء انتقاد الإعلام الأمريكي لنظامه. وفي شهر يوليو 1990م أعطت السفيرة الأمريكية في بغداد (ابريل جيلسبي) في أثناء اجتماعها مع صدام، انطباعاً بأن الولايات المتحدة، سوف تتعامى عن غزو عراقي للكويت، ورغم تبرير هـذا بأنـه سـوء تفـاهم دبلوماسي، فإنه قد شجع صدام حسين بالاعتداء على الكويت .

وفي الثاني من أبريل عام 1990م اجتاحت القوات العراقية الكويت، وسوغ النظام العراقي غزوه لأسباب تاريخية، ثم اقتصادية، واجتماعية احتاجت إلى كثير من الأدلة وتعرضت للنقض، وأن الكويـت تاريخياً جزءاً من العراق، على الرغم أن بعضهم يرى الكويت جغرافياً جزءاً من شبه الجزيرة العربية، وأن الكويت كانت مستقلة عن الباب العالي "مقر الحكومة العثمانية في الأستانة" منذ عام 1913م ناسين خطورة الأخذ بمبدأ الحق التاريخي ، ومن الأسباب الواهية التي أعلنها النظام العراقي، أن ثورة وطنيـة ضد الأسرة الحاكمة في الكويت (آل الصباح)، كانت قد اشتعلت، وأن "الثوار" قـد اسـتنجدوا بالنظـام "القومي- التقدمي" في العراق من أجل المساعدة، فما كان من الجار، إلا أن لبى النداء فهب للمساعدة، وأن الكويت تاريخياً "جزء" من العراق، وهذا غير صحيح من الناحية التاريخية، لأن الكويت لها صفة مستقلة عن "الباب العالي" في الأستانة منذ عام 1913 م، عندما وقع الإنجليز معاهدة تمنح الحكم الذاتي للكويت والاعتراف بحدودها واستقلالها عن الدولة العثمانية، ومن المبررات أيضاً فقد طرح العـراق شـعار "إعادة توزيع الثروة القومية"، وهذا الشعار ببساطة يعني هيمنة النظام العراقي على مصادر الطاقة فـي الخليج من أجل الخروج من مأزقه الاقتصادي الذي وضع نفسه فيه بعـد انتهـاء الحـرب الإيرانيـة العراقية، ووجه صدام حسين منذ بداية الأزمة نداء إلى العرب والمسلمين، طالباً منهم بلغـة دينيـة لا تنسجم مع منطلقاته القومية أن يهبوا لإنقاذ الأماكن المقدسة في مكة والمدينة من الاحتلال .

بعد غزو القوات العراقية الكويت طالب جورج بوش الأب في كلمتـه فـي الخامس من أبريل عـام 1990م العراق بالانسحاب الكامل وغير المشروط من الكويت، واعتقد صدام أنها خدعة من جانب الرئيس بوش، وأنه يسعى إلى كسب الوقت من خلال الدبلوماسية والمناورات السياسية الأخرى، وعندما أدرك صدام حسين أن الولايات المتحدة جادة في استخدام القوة لطرده من الكويت طبقـاً لقـرار مجلـس الأمـن عام 1990م، حاول التفاوض على الانسحاب في ديسمبر 1991م، وكاد ينجح في آخر لحظة بمسـاعدة روسيا، ولكن حساباته الخاطئة، أدت به إلى الجدال والمماطلة، فبدأت الحملة العسكرية فـي 17 يناير 1991م ، ونجحت الولايات المتحدة في تكوين تحالف عسكري دولي لأكثر من 30 دولة ، واستطاعت طرد القوات العراقية من الكويت وتحريرها، وفضلَّت السياسة الأمريكية إبقاء العراق موحداً، والحيلولة دون تقسيمه إلى دولة كردية في الشمال، مراعاة لتركيا أحد الحلفاء في الناتو، وخوفاً من قيـام دولـة شيعية في الجنوب تساندها إيران وكانت إدارة "بوش الأب"، ترى أن الوقت لم يحن بعد لتغييـر النظـام، وتأمل أن يكون حدوث انقلاب عسكري في العراق بمرتبة أفضل حل تتمخض عنه الأحداث .

جرت حرب الخليج الثانية (1990-1991م) الكوارث على الشعبين الكويتي والعراقي، وجلبـت الدمار للشعب العراقي، على أثر الحصار الدولي على العراق بقيادة الولايات المتحدة، وبتسويغ من الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وشاركت فيه معظم دول العالم، والذي دام من عام 1990م ، حتى عـام 2003م.

وهذا الأمر سوغ لقوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة، استخدام اليورانيوم المخصب، والذي كانت له آثـاره الرهيبـة علـى السكان في العراق، فضلاً عن الكارثة البيئية من جراء حرق آبار النفط الكويتية، والتي قدرت كميتها بما يقرب من أربعة إلى خمسة ملايين برميل في اليوم .

كما أدت الحرب إلى موت الآلاف من الشعب العراقي جراء الحرب والمرض في ظـل ظـروف مأساوية في المستشفيات التي شهدت نقصاً في الأدوية، والأجهزة الطبية، وطعام الأطفال، والحليب، حتـى ماء الشرب. وظهرت أمراض السل، والدفتريا، والبلهارسيا، والكوليرا من جراء سوء التغذية.

ودمرت قوات التحالف التي وصل عددها إلى 430 ألف جندي (معظمهم أمريكيون)، معظم البنـى التحتية للعراق، وقصفت الطائرات الأمريكية الملاجئ المدنية "، مثل ملجأ العامرية في بغداد، إذ قتل فيـه 1500 مدنياً من نساء، وأطفال، ومسنين، وأُحكم الحصار على العراق منذ العام 1991م . ومن جراء الحصار أصبح الدخل الشهري للمواطن العراقي عام 1997م مـا بـين 3000 إلـى 6000 دينار عراقي ، ووصل سعر صرف الدولار إلى 1600 دينار مقابل كل دولار أمريكي، وارتفعت الأسعار للمواد الغذائية ارتفاعاً جنونياً في عام 1998م ، فوصل سعر كيلو اللحـم إلـى 1800 دينـار، وعلبة الحليب المجفف للأطفال وصل سعرها إلى 3000 دينار .

استخدمت القوات الأمريكية لأول مرة في حرب الخليج الثانية ذخائر اليورانيوم المخصـب فـي العراق قدرت بـ 40 طناً، وبعض الخبراء العسكريين قدروها بـ 300 طن، أحدثت مواد سامة، أثرت في نصف مليون إنسان أصيب بعضهم بسرطان الدم ، وبشكل خاص الأطفال .

ومع وصول الرئيس "بيل كلينون" للبيت الأبيض عام 1992م، تغيرت النظرة عموماً للملف العراقي ، بحيث لم يكن للديمقراطيين في ظل إدارته سياسة واضحة إزاء ما قد يشكله النظام العراقي من تهديدات في المنطقة ، خصوصاً ما تعلق بالمصالح الأمريكية في مجال النفط، فقد اكتفت واشنطن بسلسلة من الغارات الجوية باستخدام القنابل والصواريخ، مع الملاحظ أن الرئيس كلينتون قد ركز جهوده أكثر على الوضع الداخلي لدولته، وبسعيه للتفوق في الفترة الجديدة التي أعقبت سقوط الاتحاد السوفيتي، تركيزاً على العولمة، كوسيلة أيديولوجية، تستطيع احتواء كل خطر، يتهدد أمن العالم، وأمريكا بدرجة أولى.

واستمر الإيحاء إلى ضرورة إسقاط النظام العراقي خلال سنوات حكم الرئيس كلينتون، فقد كتب المحافظين الجدد عام 1996م ورقة بعنوان Clean Break مخصصة لإسرائيل ، يقترحون فيها أن تعمل إسرائيل على إزالة جميع أعدائها من السلطة في المنطقة بداية بصدام حسين.

هذا وقد كتب نفس الفريق وهم قادة مشروع القرن الأمريكي الجديد مذكرة إلى الرئيس كلينتون، تطالب بشن الحرب على العراق، والإطاحة بنظام صدام حسين، جاء فيها : الولايات المتحدة لم تعد تستطع الاعتماد على شركائنا في تحالف حرب الخليج، لمواصلة فرض العقوبات، أو معاقبة الرئيس العراقي، حينما يمنع مفتشي الأمم المتحدة، أو يتملص منهم، وأن مقدرة الولايات المتحدة على ضمان، ألا ينتج الرئيس العراقي أسلحة دمار شامل قد تقلص كثيراً، فإذا ما أكسب الرئيس العراقي قدرة إطلاق مثل هذه الأسلحة، فإن سلامة القوات الأمريكية في المنطقة، وسلامة أصدقائنا وحلفائنا ، مثل إسرائيل والدول العربية المعتدلة وقسم كبير من إمدادات النفط العالمية ستصبح كلها في خطر ".

وعلى الرغم من رفض الرئيس كلينتون لهذه المذكرة ، إلا أنها كانت ذات مغزي أكبر، حيث أثبتت الإصرار المتواصل على الرئيس كلينتون لبرهنته الاستعداد للقيام بعمل عسكري ضد الرئيس العراقي، وهذا دليل أكبر على تشكل النزعة الحربية للإدارة الأمريكية تجاه ملف العراق، والتي سرعان ما ظهرت جلية في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر تحت اسم ضرورة تغيير النظام .

وعندما تقلد الرئيس بوش (الابن) الحكم في الولايات المتحدة عام 2000م، استمر في الإيحاء بالرغبة في النظام البعثي بقيادة صدام حسين، وهذا ضمن العديد من المبررات التي أوضحها في سنوات كلينتون فريق المحافظين الجدد، الذين أصبحوا بدورهم أعضاء بارزين في إدارته، حيث تصب كلها في إطار فشل الاحتواء السياسي للنظام العراقي منذ احتلال الكويت عام 1990م، والانتقال بذلك إلى مرحلة الاحتواء العسكري مجسدة في شن حرب مسلحة تقضي على الخطر قبل وقوعه، كما في نظر الإدارة الأمريكية.

وبحدوث هجمات الحادي عشر من سبتمبر على أهم مراكز السيادة الأمريكية العسكرية والاقتصادية ، أبدى الرئيس موقفه ممثلاً في إعلان حرب عالمية على الإرهاب ، قائلاً إنها القضية التي ستحدد سياسته الخارجية وعلاقاته مع العالم الخارجي، وفقا لمبدأ " من ليس معنا فهو ضدنا".

ففي اليوم التالي للهجمات، حصل الرئيس بوش (الابن) على موافقة الكونجرس، كقرار مشترك يجيز له استخدام القوة العسكرية ضد من ساهم أو نفذ الهجمات، واستغلها في قوله بوجود ارتباط بينها وبين النظام العراقي، حيث نجح في خلق ارتباط لا شعوري بين هذه الأحداث وبين النظام العراقي، وفي الحادي عشر من ديسمبر من نفس السنة، حذر الرئيس بوش من أن الدول المارقة التي تملك أسلحة الدمار الشامل، ستكون أولويته التالية في الحرب على الإرهاب، مشيراً بحزم إلى نية استهدافه للعراق؛ حيث قال: " إن الأولوية التالية لأمريكا في الحرب على الإرهاب، هي الحماية ضد انتشار أسلحة الدمار الشامل ووسائل إطلاقها، وتعرف كل دولة الآن، أننا لا نستطيع أن نقبل ولن نقبل دولاً تأوي، أو تمول، أو تدرب، أو تجهز عملاء الإرهاب، سوف نعتبر تلك الدول التي تنتهك هذا المبدأ نظم حكم معادية، ولقد حذرناها، ولسوف نراقبها وتعد مسئولة" .

وقد بدأت تتحدد "عقيدة بوش" حول الهجوم الوقائي بشكل أكبر، خصوصاً في كلمته المشهورة عن حالة الاتحاد في 29 يناير 2002م، عندما أعلن أن العراق ضمن دول محور الشر سيكون الخطوة الثانية للحرب بعد أفغانستان من ناحية مكافحة الإرهاب وانتشار الأسلحة الخطيرة؛ حيث قال:" مثل هذه الدول وحلفائها تشكل محور الشر، فهي تتزود بالأسلحة لأجل تهديد السلم العالمي، بالبحث للحصول على أسلحة الدمار الشامل، هذه الأنظمة تشكل خطراً جسيماً ومتزايداً، حيث إنه بإمكانها تزويد هذه الأسلحة للإرهابيين بإعطائهم وسائل في مستوي كراهيتهم، إمكانهم مهاجمة حلفائنا أو محاولة ممارسة ابتزاز بالتهديد على الولايات المتحدة، وفي كل من هذه الاحتمالات، فإن ثمن اللامبالاة سيكون كارثياً...".

ويشير العديد من المختصين في الأزمة العراقية، إلى أن "العراق أصبح بمثابة الهدف الأول والأقرب في مثلث محور الشر لأسباب عديدة ، فهو يقع في دائرة الحصار السياسي والعسكري بالفعل، ودولته مشلولة ومنكشفة عسكرياً أمام التهديدات الخارجية، وعلاقاته متوترة ببعض دول الجوار" ، وقد صار التهديد العسكري الأمريكي واضحاً ومعلناً بذرائع عديدة، وهو التهديد الأكثر جدية وخطورة منذ حرب 1991م، على الرغم من غياب أي دليل على تورط العراق في أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وفي حين تقوم السياسة الأمريكية، نحو إيران وكوريا الشمالية على أساس الاحتواء السياسي والردع ، فإن العمل العسكري المباشر لتغيير النظام، يعتبر من أبرز عناصر السياسة الأمريكية تجاه العراق .

وقد أشار "كولن باول" إلى هذه الاستراتيجية في حديثه أمام لجنة الموازنة في مجلس النواب في 8 مارس 2002 م، عندما أكد أن الولايات المتحدة لا تخطط في الوقت الراهن لأى هجوم على دول محور الشر باستثناء العراق، الذي أكد الرئيس بوش (الابن) أنه لن يسمح له بتهديد مستقبل أمريكا .

وعلى الرغم من عدم وجود صلة بين العراق وهجمات سبتمبر، فقد سعت بعض العناصر في الإدارة الأمريكية إلى عقد صلة بين صدام حسين وشبكة القاعدة ، واستطاعت إيهام الشعب الأمريكي من خلال كلمة الرئيس بوش (الابن) في موقع مركز التجارة العالمية في الحادي عشر من سبتمبر، وأمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في اليوم التالي، بأن الهجوم العسكري على العراق يعد أمراً مبرراً لتلك الهجمات .

كما أدي فشل الجهود الأممية في إعادة إيفاد مفتشي الأسلحة إلى العراق عام 2001م، ومطلع عام 2002م، إلى تشجيع نزعة صدام حسين على التصدي، لخطط واشنطن التي سعت منذ البداية لاحتواء العراق، عبر العقوبات الذكية ونظام التفتيش الدولي، وأصبح نظام العقوبات يلقي معارضة متزايدة في أنحاء العالم المختلفة، وأخذت دول عديدة تتعامل مع العراق على أثر ذلك تجارياً خارج هذا الإطار .... وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

محمود محمد عليكانت الحرب على أفغانستان عام 2001م، والذي بلورته الإدارة الأمريكية بحرب الخليج الثانية عام 1991م، تنفيذاً لمشروع الهيمنة الأمريكية على نفط العالم؛ حيث كانت أولى خطوات تنفيذ هذا المشروع تنفيذاً البدء بأفغانستان، فهي تشكل أهمية كبيرة للخطط الأمريكية الخاصة بالسيطرة على نفط وغاز بحر قزوين، والتي تشكل المرحلة التالية في استراتيجية الإمبراطورية الأمريكية العالمية، والتي كانت تهدف من ورائها لشيئين :

أ- ضمان السيطرة على أهم وآخر الحقول النفطية.

ب- بغرض عملية عسكرية أمريكية تم من خلالها تطويق عدو سابق ومحتمل في المستقبل هو روسيا .

وبالتالي فقد جاءت أهمية أفغانستان كموقع استراتيجي لشركات النفط الأمريكية في سبيل بناء خط أنابيب عبر أراضيها لنقل النفط والغاز من بحر قزوين، مروراً إلي موانئ المحيط الهندي جنوباً، على أن نفط منطقة قزوين له سوقان رئيسيان: غرباً الأسواق الأوربية، وجنوباً الأسواق الأسيوية، أما الخيار الأول فكان يتطلب نقل النفط عبر أنابيب من الشيشان عبر البحر الأسود، مروراً بمضيق البوسفور إلى البحر المتوسط، إلا أن مضيق البوسفور كان مزدحماً بالناقلات المحملة بنفط البحر الأسود، أضف إلى ذلك أن الأوضاع في الشيشان كانت ملتهبة بالمعارك بين الروس والانفصاليين الشيشان، وهذا أدى إلى تعديل في وجهة النظر، فاختارت الشركات الأمريكية الحل الثاني ببناء خطوط عبر الأراضي الباكستانية والأفغانية.

ففي عام 2001م أي قبل ستة أشهر من هجمات الحادي عشر من سبتمبر، وقع "ديك تشينى " الذي كان يرأس شركة "هالبيرتون" آنذاك عقداً مع شركة نفط أذربيجان في سبيل تطوير قاعدة بحرية لدعم عمليات التنقيب عن النفط في مياه بحر قزوين، فكان هذا هو السبب الحقيقي والمباشر لحرب بوش في أفغانستان، وكانت حلبة لكل من يتابع تقارير الـ "CNN "، والواشنطن بوست، فقد اجتمع السفير الأمريكي مع وزير النفط "عثمان أمين" في نوفمبر 2002م في سبيل استكمال مناقشة الخطط الخاصة بإنشاء خط النفط والغاز عبر أفغانستان وباكستان، وتشجيع باكستان على السعي لبناء محطة تحميل النفط عبر بحر العرب، وبالتالي مثلت السيطرة على أفغانستان جزءاً مهماً من لعبة الإمبريالية وسط آسيا.

بيد أن الرياح أتت بما لا يشتهى السفن، فقد فاجأت الخطط السياسية والحسابات الأمريكية، لاسيما بنفط بحر قزوين، حيث تلاشت الأحلام الأمريكية بالعثور على احتياطات نفطية هائلة يعوضها عن نفط الشرق الأوسط ولو مؤقتاً، فبحلول عام 2003م بدا واضحاً أن التوقعات الخاصة بحجم الاحتياطات النفطية في حوض قزوين، والتي وضعتها وكالة الإعلام والطاقة في واشنطن بحدود 200 مليار برميل كانت توقعات عبثية.

فقد أعلن مدير مكتب السياسات النفطية بوزارة الخارجية الأمريكية "ستيفن ماك" Stephen Mack، أن حجم الاحتياطات المذكورة لا يتعدى 50 مليار برميل، في الحقيقة إن توقعات "ستيفن مان " steven mann مبالغ فيها : فبعد حفر ثلاثة آبار استكشافية مع نهاية الحرب الأفغانية، جاءت التقارير مؤكدة وموضحة، أن منطقة بحر قزوين تضم ما بين 15-20 مليار برميل فقط، وإن كانت غنية بالغاز الطبيعي.

بعدها بدأت الشركات النفطية الكبيرة – وبشكل هادئ– تلغى خططها الخاصة بمشروع خط الأنابيب عبر أفغانستان، بعد أن تبين لها عدم جدوى هذا المشروع الضخم اقتصادياً. هذا الأمر جعل الرئيس بوش الابن ينظر للعراق فجأة، فالعراق يملك أكبر احتياطي نفطي في العالم بعد المملكة العربية السعودية، حيث تبلغ احتياطات العراق النفطية بين 112- 120مليار برميل، أى نحو 11% إلى 12 % من مجمل الاحتياطات العالمية، أضف إلى ذلك أن النفط العراقي يتمتع بميزات ربحية هائلة في الاستثمار في هذا القطاع بخاصة .

فالحقول النفطية الموجودة تعد من أغزر الحقول في العالم وأكثرها قرباً من سطح الأرض، وهذا يوفر نفقات كثيرة في عمليات التنقيب والاستخراج، كما تفيد الدراسات أن معدل إنتاج البئر في العراق يتراوح بين 10 إلى 11 ألف برميل يومياً، بينما متوسط إنتاج آبار النفط في غيرها من الدول لا يزيد عن 4-8 آلاف برميل يومياً. أضف إلى ذلك أن تكاليف إنتاج البرميل للنفط العراقي حوالى 50 سنتاً فقط مقارنة بنحو5,3 دولار في كل من السعودية، والكويت،وإيران .

ومن ثم بدأت إدارة الرئيس بوش الابن تخطط من خلال ما سمي بالاستراتيجية الجديدة، للسيطرة بصورة كاملة على النفط العراقي وأنظمته، بطريقة تسمح لها باستخدامه لاحقاً في صراعها السياسي الاقتصادي مع القوة الرأسمالية المنافسة الأخرى، وهذا إن دل على شئ، فإنما يدل على أن السياسة الأمريكية الخارجية تحرك وتدير القوة العسكرية الهائلة، بسبب اندفاعها وراء المصالح الاقتصادية بالدرجة الأولى، متخفية وراء قضايا ايديولوجية عقائدية متلونة، وبالتالي فقد كانت السياسة الأمريكية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر والحروب التي شنتها بحجة الإرهاب، لم تكن الغاية منها سوي تحقيق مشروع اقتصادي ضخم يهدف إلى فتح أسواق جديدة، أما الشركات الأمريكية الاحتكارية استكمالاً للهيمنة الأحادية على العالم والسيطرة على مقدراته .

وهنا أكد معظم الباحثين أن العراق لم يكن مستبعداً منذ اللحظة الأولى؛ حيث جري حصارها وإضعافها لمدة تزيد على عشر سنوات، فوفقاً لمداولات مجلس الأمن القومي في جلساته الأولى التي بحثت الرد على أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م، طرح وزير الدفاع الأمريكي "رامسفيلد" اقتراحاً بالهجوم على العراق في نفس توقيت الهجوم على أفغانستان، وهو الخيار الذي كانت وزارة الدفاع قد درسته وأعدت له قبل ذلك، وكان اقتراح رامسفيلد امتداداً لحديث "ديك تشينى" نائب الرئيس بوش الابن، والذي يري أن التركيز على "أسامة بن لادن"، أو تنظيم القاعدة لا يكفي، وإنما الأهم هي " الدول والنظم والمؤسسات التي ترعى الإرهاب .

وحينذاك حسم الرئيس بوش الابن القضية:" أفغانستان أولاً، فإذا نجحنا في ذلك ننتقل للمرحلة الثانية، وهكذا جاءت المرحلة الثانية: العراق كمقدمة لدول سبع عدتها تقارير وزارة الخارجية الامريكية، إضافة لدول غير عربية هي: كوبا، وإيران، وكوريا الشمالية.

وهنا أخذت الإدارة الأمريكية تسوق مجموعة من الاتهامات التي شكلت بحسب رؤيتها مبررات قوية، لعملية عسكرية استهدفت الإطاحة بالرئيس العراقي "صدام حسين" الذي أصبح يمثل– بحسب الادعاءات الأمريكية– تهديداً إقليمياً ودولياً، وذلك لامتلاكه برامج تسليحية للدمار الشامل. كما أنه رفض الانصياع لنظام التفتيش المفروض عليه منذ غزوه الكويت عام 1990م، كما حاولت الإدارة الأمريكية إثبات صلة بين النظام العراقي وتنظيم القاعدة الأصولي.

 

ويمكـن تلخـيص أهداف الحرب الأمريكية المعلنة على العراق بما يلي :

1- الادعاء بامتلاك العراق لأسلحة دمار شامل وسعيه، لتطوير أسلحة بيولوجية، وبناء برنـامج لمثل هذه الحرب، وبأن العراق على وشك أن يصنع أول قنبلة نووية.

2- اتهام العراق برعاية الإرهاب، وبأنه يخطط لتزويد المنظمات الإرهابيـة، وخاصـة تنظـيم "القاعدة" بأسلحة دمار شامل، يمكن أن تستخدم في تهديد الأمن العالمي بشكل عام، وأمن الولايات المتحدة بشكل خاص.

3- تهديد العراق لجيرانه، كالكويت، وإيران، وسوريا، وتركيا.

4- إسقاط "صدام حسين" بالقوة العسكرية، من أجل منح "الحرية" للشعب العراقي، وإقامـة نظـام "ديمقراطي" على الطريقة الغربية، يكون نموذجاً يجب أن يحتذى به لدى العديد من دول الشرق الأوسط، إذ سيصبح العراق "واحة للديمقراطية" في المنطقة.

ورغم هشاشة التبريرات المساقة، إلا أن عزم " صقور" البنتاجون استهداف العراق والإطاحة بنظام صدام حسين، أضحي أمراً مؤكداً. جاء في تصريح لمستشارة الأمن القومي "كونداليزا رايس" :" إن الرئيس بوش أعلن بوضوح أن صدام حسين، كان يطرح مشكلة قبل 11 سبتمبر وما زال، إنه نظام سيئ، وسيكون العالم أفضل حالاً وأكثر أماناً، حين لن يعود موجوداً" .

وبالفعل غزت الولايات المتحدة العراق، وأطاحت بنظام صدام حسين في 20 مارس 2003م في عملية أطلقت عليها "تحرير العراق" Iraqi Freedom، لكن الواقع أثبت أن غزو العراق لم يكن يهدف إلى الإطاحة بنظام استبدادي، واستخلافه بنظام ديمقراطي، بقدر ما هدف إلى هدم وإنهاء كيان الوطن العربي؛ حيث كان الهدف الأساسي الذي وضعته الولايات المتحدة في استراتيجيتها في المنطقة، والذي كانت قد خططت له وأعدته منذ سنة 1970م، هو إعادة هيكلة دول المنطقة العربية إلى كيانات صغيرة هزيلة متناثرة القوي، أكثر مما هي عليه الآن قائمة على أسس طائفية، وعرقية، ومذهبية، ودينية، وعنصرية، وعشائرية .

ومن هذا المنطلق ندرس في هذه المقالات كيف تجلت حروب الجيل الثالث في أسمي معانيها من خلال الغزو الأمريكي للعراق؛ حيث نبرز دوافع هذه الحرب؛ وكيف بدأت الاستراتيجية الأمريكية بالتمهيد لضرب القوة العسكرية العراقية، منذ انتهاء الحرب العراقية الإيرانية، وذلك لتحقيق أهداف متعددة، وكيف استطاعت الولايات المتحدة جر العراق إلى حرب ثانية في منطقة الخليج العربي، بعد أن أعطت لنظام "صدام حسين" الضوء الأخضر لغزو دولة الكويت، وكيف استعانت ببعض الدول العربية، من خلال الضغوط الاقتصادية، كذريعة لضرب القوات العسكرية العراقية .

كما نبرز في هذه المقالات أيضاً، كيف تمكنت الولايات المتحدة من حشد غالبية دول العالم، والتأثير في قرارات الهيئة الدولية، لشن الحرب على الكويت، تحت ذريعة تحرير الكويت، وقد شنت الحرب على العراق ودمرت القوات العسكرية العراقية، وبذلك تكون قد حققت أهم أهداف تلك الحرب خدمة لشريكتها الاستراتيجية إسرائيل، وخلال المرحلة التي أعقبت حرب الخليج الثانية، وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي وزوال المعسكر الشرقي، أصبحت الولايات المتحدة القوي الأولى في العالم، وخلال التسعينيات من القرن العشرين، اختلقت الولايات المتحدة الحجج بعدم التزام العراق بالقرارات الدولية المتعلقة بأسلحة الدمار الشامل، وكان هدفها من وراء ذلك إلى إقناع الرأي العالم بحجم الخطر الذي يشكله النظام العراقي على الأمن والسلام الدوليين، تمهيداً للحصول على تفويض قانوني من الهيئة الدولية لغزو العراق. كذلك نكشف في هذه المقالات بأن الحرب الأمريكية على العراق لا تستند إلي أية شرعية قانونية، وخصوصاً بعد أن تأكد خلو العراق من اسلحة الدمار الشامل، وثبت أن لا علاقة له بالإرهاب أو بتنظيم القاعدة... وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

باسم عثمانوزير الخارجية الإسرائيلي في لقائه الاخير مع نظيره السويسري طرح خطة مشتركة "لإسرائيل" وسويسرا للتعاون بهدف إيجاد بديل مناسب لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، يمكن من خلالها إزالة مكانة اللجوء وتبديد حق العودة للاجئين الفلسطينيين، في الوقت الذي أصدر تعليماته ببلورة وثيقة تعرض بديلا لنشاط الأونروا وبالتعاون مع دول أخرى، وادعى أيضا، أن الأونروا تديم مكانة اللجوء الفلسطينية، وتديم الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، كما تديم المطلب الفلسطيني بحق العودة.

 وفي وقت سابق ،هاجم وكالة الأونروا، وزعم أنها "هي المشكلة وليست الحل"، كما ادعى "أن عناصر الأونروا في قطاع غزة تعاونوا ضد إسرائيل مع فصائل المقاومة والتي وصفها بـ"المنظمات الإرهابية".

و(القناة 12 الإسرائيلية) قالت: أنه نظرا للمكانة الخاصة لسويسرا، فإن "الاتفاق على التعاون بهذا الشأن قد يساعد في إحداث تغيير في هذا المجال المصيري"، خاصة وأن سويسرا تعتبر إحدى الدول الداعمة ماليا للأونروا، وقامت مؤخرا بتجميد تحويل الأموال في أعقاب تقارير تحدثت عن فساد داخل الوكالة بإدارة مديرها السويسري.

واتفقا الوزيران – الإسرائيلي والسويسري -على التعاون لفحص البدائل الممكنة لنشاط الأونروا، من خلال إشراك محتمل للولايات المتحدة ودول أخرىوطلب الوزير الإسرائيلي من ادارته في الخارجية الإسرائيلية إعداد وثيقة تعرض البدائل لنشاط الأونروا، حيث عقد الطاقم المكلف عدة جلسات، ويتوقع أن يقدم وثيقة بهذا الشأن في وقت قريب،ضمن اطارزعمه :"أن إقامة وكالة الأونروا هوحالة خاصة في قضية اللاجئين العالمية، وتهدف إلى إدامة قضية اللجوء الفلسطينية، ومطلب حق العودة للاجئين وأنسالهم" الذين يقدر عددهم بنحو 5.3 مليون لاجئ،كما ادعى أنه نشأت فرصة "لتغيير الرواية التي تحكى"، ووضع خطط ملائمة والدفع بها بحيث "تشدد على الجانب الإنساني وتحسين أوضاع اللاجئين في أماكن لجوئهم، بما يتيح إلغاء التفويض الممنوح للأونروا"،هذا جوهرالحراك الدبلوماسي الإسرائيلي دوليا.

في ذات السياق، وعلى الأرض، يؤكد رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو ضمن فعاليات"همروجته الجماهيرية"، العمل بالقانون الإسرائيلي وضم كل المستوطنات في الضفة الغربية والقدس ،ما يمثل إعلان سياسي رسمي بضم الأراضي الفلسطينية المحتلة، حيث تعهد نتنياهو وخلال حملته الانتخابية بضمّ كافة المستوطنات في الضفة الغربية المحتلة عبر فرض السيادة اليهودية عليها، وقال خلال افتتاح العام الدراسي في مستوطنة ألكانا الجاثمة على أراضي المواطنين غرب محافظة سلفيت" تذكروا وأنتم في هذا المكان، أن هذه أرض إسرائيل، أرضنا لن نقتلع من هنا من أي أحد، سنفرض السيادة اليهوديّة على كافة المستوطنات كجزء من دولة إسرائيل".

 هذه التصريحات والمواقف للحكومة اليمينية المتطرفة الإسرائيلية، هي بمثابة اعلان حرب على الشعب الفلسطيني واستمرار النهج العدواني العنصري والتوسعي بتشجيع ودعم من ادارة الرئيس ترامب في محاولة منهم لتصفية القضية الفلسطينية. 

هذا السيناريو "المبرمج والمدروس"، يؤكد ان الشعب الفلسطيني بحاجة إلى خطوات عملية وثورية على الأرض ،وان تبتعد قيادته الرسمية عن السفسطائية الكلامية والإعلامية، وان تتخذ قرارات سياسية وطنية من شانها تعزيز صموده على ارضه وحماية ممتلكاته، وان ترسم له طريق الخلاص الوطني من خلال روافع وطنية وجماهيرية تطلق إمكاناته وقدراته لمواجهة المشروع التصفوي لقضيته وحقوقه المشروعة، لان الخطر الحقيقي القادم، لا يمكن مواجهته بالمواقف الكلامية السفسطائية والخطب الرنانة والشعارات المستهلكة الاستعراضية، كما حصل في البيان "الاستعراضي" لحكومة السلطة، بإلغائها التصنيفات الخاصة بتقسيم أراضي الضفة الغربية الى(ا ب ج)، حيث اعتبرت من تاريخه كل الأراضي تابعة لها، وستبدأ في البناء والاستثمار وفقا للمصلحة الفلسطينية؟؟!!. 

خطوة "استعراضية" إعلامية سلطوية ولكن بدون مقومات وركائز، فقط للاستهلاك الإعلامي، والدليل على ذلك، ان سلطة نتنياهو لم تكلف نفسها مشقة الرد على "مسرحية سياسية" هدفها" الشعبية الوهمية". لان الرد العملي جاء على لسان نتنياهو حين أعلن اول سبتمبر2019 ان مستوطنات الضفة الغربية والقدس هي جزء من " السيادة الإسرائيلية".

هذه القرارات الفلسطينية "الإعلامية" لا تأتي أحادية ومنسلخة عن جملة الموقف والبرنامج الوطني والجماهيري الشامل والمتكامل والمستند الى الاجماع الوطني التوافقي و قرارات هيئاته التشريعية، لأنه حينها لا تكون اكثر من" زوبعة في فنجان"،

خصوصا، ان إعلان نتنياهو بات يمثل بداية جديدة لمرحلة جديدة، سياسة تهويدية ميدانية للأراضي الفلسطينية، خاصة بعد ان تم فرض قوانين جديدة من قبل "الإدارة المدنية" في أساليب التعامل مع السكان الاصليين، وهو ما تتجاهله "القيادة الرسمية"، وبدلا من الذهاب لاتخاذ قرارات فعل عملية و سياسية،خرجت لتشرح أن القرار يمثل خرقا للقانون والاتفاقات، في الوقت الذي بدأ فيه نتنياهو بتنفيذ الخطة الأمريكية "مسبقة الصنع" بطريقته الإسرائيلية الخالصة، محددا "واقع سياسي وميداني" جديد، وما على السلطة الفلسطينية الا التكيف معه ؟!!.

ان موقف السلطة الرسمية الفلسطينية بات واضحا، لا لخطوة تصعيدية في وجه نتنياهو وسياساته، وانما الاستسلام للأمرالواقع، ربما كانت الامتيازات الشخصية و الفئوية البيروقراطية – "امتيازات بطاقات الشخصيات المهمة" – والنفوذ السلطوي لشريحة السلطة، اهم من امتيازات الشعب الفلسطيني وحقوقه!!!!.

أمام هذا المشهد من الحالة الفلسطينية الراهنة، حيث الانقسام الداخلي، وتآكل الشرعيات، وتغييب دور منظمة التحرير، وتعطيل مشاريع إصلاحها وتفعيلها، وغياب البرامج الوطنية التوافقية، ووحدة الحقوق المشروعة ووحدة التمثيل للكيانية الوطنية الفلسطينية كمعادل سياسي ومعنوي في ظل الشتات الجغرافي وتعقيدات القضية الفلسطينية وتشابكها مع بعدها الاقليمي، وانحسارالدورالشعبي والجماهيري وسببه ضعف أداء القيادة السياسي والمجتمعي، تبرز الحاجة الملحة لتبني استراتيجية فلسطينية شاملة، تعمل على استنهاض كل عناصر القوة داخل المجتمع الفلسطيني، وإعادة الاعتبار لقضيته الوطنية.

ان أي استراتيجية وطنية لا بد لها أن ترتكز على فكرة مواصلة النضال والمقاومة الوطنية بكافة اشكالها، بحيث إذا أخفق مسار كفاحي معين، يتوجب تبني مسار بديل، وأن يتأسس برنامج النضال الوطني على فكرة تعزيز صمود الشعب الفلسطيني فوق أرضه، وممارسة كافة أشكال المقاومة، والنضال ضد كل تجليات سياسات الاحتلال الاستيطانية والعنصرية، وأن تتواكب المقاومة الوطنية الفلسطينية في مساراتها الموازية والمتصلة على امتداد جغرافية التواجد الفلسطيني في الداخل والشتات،  

فإذا كان الهدف المعلن لفلسطينيي الأرض المحتلة هو إقامة دولة مستقلة، وكانت مطالب فلسطينيي 48هي المساواة والعدالة وضد سياسة التمييز العنصري، ومطالب فلسطينيي الشتات هي العودة؛ فإن الاستراتيجية الفلسطينية الشاملة، يجب أن تتضمن هذه الأهداف العادلة، وتصوغ برامجها الكفاحية على أساسها، بحيث تحافظ على وحدة الشعب من خلال وحدة حقوقه،لأن تهميش أي فئة من فئات الشعب الفلسطيني داخل الوطن أو خارجه ستؤدي إلى تقويض الهوية الوطنية الجامعة.  

ان قضية اللاجئين، عمومًا، هي جوهرالقضية الفلسطينية، وهم، أي اللاجئين، وبالتحديد طلائعهم في الخارج، الذين أسسوا حركة التحرر الوطني الفلسطيني بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية. وكان شعارها "العودة والتحرير والاستقلال" ، الشعار الطاغي في برامج جميع فصائل العمل الوطني، هذا الحق الاستراتيجي والذي لا يتحقق إلّا في إطار تحرير فلسطين كلها، وإقامة الدولة الديمقراطية العلمانية الواحدة في كل فلسطين التاريخية، ليس ورقة سياسية مطروحة للتنازل اوالمساومة، لا في اطار "حل الدولتين" الميت سريرياً،بسبب تعنت "إسرائيل" والمواقف الامريكية المنحازة واستحقاقات أوسلو، ولا في ترتيبات حل "الوضع النهائي" للمشروع الوطني الفلسطيني. 

لأنه وبعد توقيع اتفاق أوسلو عام 1993، بدأ تهميش حق العودة في الخطاب السياسي الرسمي الذي بدأ يتشكّل، كون الإطار الأمريكي-الإسرائيلي الذي ارتكزت إليه هذه الاتفاقات لم يكن قائما على القانون الدولي فضلا عن أنه تجاهل قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194.الامرالذي يستوجب العمل المنهجي والمكثف على تأصيل هذا الحق في الوعي الشعبي وفِي ثقافتنا الوطنية الجامعة لما يمثله من جوهر اساس للقضية الفلسطينية ، وهو الحق الذي يجمعنا، بخلاف الحلول السياسية المتباينة.

 ان برنامج "سلام اوسلو" كشف بأن الأونروا ليست في منأى عن الوسط السياسي، وإنما متورطة في الترتيبات السياسية المحلية والدولية المتغيرة ، فالتأييد العلني الذي أبدته الأونروا لمفاوضات أوسلو السياسية، وخططها آنذاك والهادفة إلى "حل" نفسها، والخطوات التي اتخذتها لمساعدة السلطة الفلسطينية في بناء مؤسسات "الدولة" قبل حل مشكلة اللاجئين، كشف عن الصلات المعقدة بين المجالين الإنساني والسياسي.

لقد عطلت (أوسلو) منظمة التحرير الفلسطينية وأفرغتها من سلطتها وفعالياتها السياسية، والتركيز السياسي على السلطة واجهزتها على حساب اللاجئين،- رغم الولاء الذي تظهره السلطة الفلسطينية بشعاراتها لحق العودة، فإنها دفنت هذا الحق تحت عناوين سياسية متعددة - ما اسهم في نشوء مزاج سياسي تشاؤمي ولا سيما في أوساط اللاجئين في المنفى، في الوقت، الذي استمرت فيه الاونروا كمؤسسة ترمز إلى المصير السياسي المعلق للاجئي عام 1948 وحقهم في العودة المُهمَل والساقط فعليا بحكم المبادئ الناظمة لاتفاقات أوسلو، ولوجودها كمؤسسة دولية أهمية بالغة في ظل المناخ السياسي الراهن لأن: الاونروا طرف موقع على كافة قرارات الأمم المتحدة بما فيها قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم194 ، وبرزت الأونروا- في ظل غياب جبهة وطنية تحتل فيها قضية اللاجئين مكانة مركزية- كمؤسسة تحافظ على إبراز قضية اللاجئين على الساحة الدولية، وتشير إلى أن ولايتها لا تزال قائمة، والأونروا وفي ظل غياب مؤسسات الدولة، تمثل الخازن الأوحد والأهم للذاكرة الفلسطينية التاريخية لأكثر من سبعة عقود، فقد احتفظت بسجلات اللاجئين منذ مطلع الخمسينيات وجمعت ذاكرة مؤسسية تشهد على هذا التاريخ الجمعي.

ومع ذلك، فهذه الأسباب وغيرها لا تبرئ الأونروا من التلاعب بها سياسيا من قبل القوى الدولية الكبرى ومشاريعها ، وهوما يتطلب موقفا متيقظا من الفلسطينيين حيال توجهات الوكالة وسياساتها وبرامجها الحالية والمستقبلية.

لذلك ، فان الإعلان من قبل السلطة الفلسطينية بانتهاء العمل بالمرحلة الانتقالية واستحقاقاتها، "وليس وقفها" او "تجميدها"، هو الخيار الوطني الصحيح في مواجهة تداعيات المرحلة و مشاريعها المطروحة وجملة تطبيقاتها العملية وهو البديل السياسي الوطني لصفقة القرن الامريكية. 

 ان مواجهة صفقة القرن الامريكية وتطبيقاتها على الطريقة "البنيامينية"، يتطلب التوافق على استراتيجية وطنية شاملة وليست أحادية - (رزمة متكاملة)- تستند إلى حالة وطنية فلسطينية متماسكة وآليات ميدانية فعالة، لتصويب العلاقات الائتلافية داخل منظمة التحرير ومؤسساتها، وإعادة بناء هذه العلاقات على قاعدة الديمقراطية التوافقية والشراكة السياسية ويتطلب من القيادة الرسمية الفلسطينية مغادرة السياسة الانتظارية، وسياسة المماطلة والتسويف والشروع من دون تردد بخطوات فك الارتباط مع سلطات الاحتلال، والتحرّر من قيود أوسلو من البوابة السياسية أولا!! ومن ثم رديفتها البوابة الاقتصادية، رداً فلسطينياً متناسباً مع جرائم الاحتلال الاستيطانية و التهويدية للأراضي الفلسطينية  والصفقات الأميركية المشبوهة، وتحديد العلاقة مع "إسرائيل" باعتبارها دولة معادية تحتل أراضي دولة فلسطين بالقوة، إلى جانب استنهاض المقاومة الشعبية والجماهيرية بكافة اشكالها، وتطويرها إلى انتفاضة شاملة على كل الأرض الفلسطينية، وعلى طريق التحول إلى عصيان وطني شامل، يدفع المجتمع الدولي إلى التدخل لإلزام دولة الاحتلال باحترام قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة بالقضية الفلسطينية.

نحن أحوج ما نكون إلى استراتيجية وطنية كاملة و متكاملة كجزء من سياسة الاشتباك مع صفقة القرن، والدخول في حوار وطني شامل لطي النتائج المرحلية لاستحقاقات أوسلو فلسطينيا، ومتطلبات تدويل الحقوق والقضية الوطنية الفلسطينية وخوض معاركها في المحافل الدولية.

 

د. باسم عثمان

 

سلام كاظم فرجسأتناول بالبحث والتحليل ثيمة صغيرة وردت في مقالة للسيد صائب خليل الراوي ضمن مقالته ذات العنوان اللطيف والمثير (كلمات مصممة لتعمل بلوك لذهنك..).. ولكن قبل ذلك لابد من توكيد وجهة نظري المسبقة في مقالة الاستاذ صائب.. وهي ان المقالة تستحق الاحترام والتقدير وتصلح كنظرية (وليس كفرضية) في مفهوم علم الاجتماع السياسي.. لكنها وياللمفارقة تنطبق عليه هو نفسه  أكثرمن كل الكتاب الذين أعرفهم وأتابع كتاباتهم وأحترمهم !! نظريته باختصار تتعلق  بتعصب المرء لوجهة نظر معينة في السياسة والاجتماع ويقفل عليها  إلى درجة رفض ما عداها مهما امتلكت وجهات النظر الأخرى من موضوعية (وكل ذلك بسبب الضخ الإعلامي كمصدر من مصادر التأثير.) .

وأرد على السيد صائب بالقول: من الطبيعي وليس من المخجل ان يستمريء المرء متبنياته حتى يظن انها مقدسة.. ومن الواقعي رفضه لكل محاولات إقناعه بوجود خلل او خطل فيما يعتقد... ومن يقرأ كتابات عالم الاجتماع علي الوردي يعرف مقدار الشلل الفكري الذي صاحب التطورات الاجتماعية الهائلة التي حدثت في العراق خلال قرنين اوثلاثة قرون من عمر المجتمع العراقي.بسبب ذلك الإقفال الذهني (البلوك). وهناك إصطلاحات شعبوية معروفة.. مثل (جماعة علي وجماعة عمر..) والتي طالت جمهرة واسعة حتى من مثقفي العراق.. ورغم الجهود المبذولة من اليساريين العراقيين والعلمانيين فهذه الثنائية مازالت موجودة وفاعلة. وجرى تأجيجها بفضل الدول التي احتلت العراق على مرا لسنين ومنها الولايات المتحدة.. وثمة  ثنائية عملاء موسكو وعملاء الانجلو أميركا.. وقد سادت في الأربعينات. ثم عملاء موسكو وعملاء عبد الناصر او عفلق السوري في الخمسينيات والستينيات.... وسالت من جراء ذلك دماء.. هذه الثنائيات ونظرية الأستاذ صائب وجد لها مصطلح شعبي هو سائد اليوم وأرجو وان يضيفه السيد صائب لفكرته السديدة.. فكرته التي هو أول ضحاياها دون ان يعلم ربما.. المصطلح الشعبي يتلخص بكلمة واحدة ( قافل..).. وعليه ان هناك جمهرة من الناس قافلة على الشيوعية مثلا.. ولا ينفع معها اي جدال.. وهناك جماعة قافلة على ايران.. وجماعة قافلة على اميركا والغرب الاوربي والحضارة الاوربية.... وجماعة قافلة على السعودية ومتبنياتها وتصوم وتفطر وفق توقيتاتها حتى.. بالنسبة لي أستطيع ان اقول إني قافل على متبنيات  المجتمع السويدي او الدانماركي مثلا الذي يتيح لي ان احترم أعتى خصومي ولا أفكر بهدر دمه كما تفعل اسرائيل مثلا.. بل ربما اكون اول المدافعين عن حقه في قول قولته عندما يشاكسه الفيسبوك ويحجب مقالاته..

انا قافل على افكار ومتبنيات فولتيرمثلا. ولكن على ماذا يقفل السيد صائب ذهنه؟؟.. بإختصار على اشياء جميلة ونبيلة.. لكنها غير واقعية.. وهو في قفلته هذه يغض الطرف عن سلبيات كثيرة لدى من يحبهم.. سيما  سياسات الجمهورية الاسلامية الصديقة.. فيبدو أحيانا وليس دائما مثيرا للشفقة.. سيما في حديثه عن ضغط السكر وضغط الدم  الصاعد في دم مخالفيه.. وفي قولته انه طالما انتقد ايران في اكثر من ست مقالات يكون في غاية الشطط والمحنة وانا متابع جيد لكل تلكم المقالات.. فهو محب بل عاشق جدا لكل سياسات الجمهورية الاسلامية. ولو كنت املك نفوذا لدى الاصدقاء الايرانيين لنصحتهم بمنحه اعلى وسام في حب شعب وحكومة ايران.. السيد صائب خليل في نقده لبعض سياسات ايران وتكتيكاتها ينطلق من نقد المحب الحريص . لا نقد الخصم الكاره و لانقد الاكاديمي الموضوعي. .. بل نقد الثوري الغاضب ..والمذهل انه يقف على يمين سماحة الخامنئي لا على يساره..  هو يطلب منه ومن كل قادة ايران الاسراع في صنع القنبلة النووية .. ولم يمر بذهنه القافل قط.. ان ايران لم ولن تفكر لا في عهد السيد نجاد ولا في عهد السيد روحاني او خاتمي بصنع قنبلة او اسلحة دمار شامل لاسباب دينية وعقائدية معروفة... ما تريده ايران استعمال مالديها من وقود نووي للأغراض السلمية البحتة مثل انتاج الكهرباء وتشغيل المصانع.. الخوف من ايران سببه تقدمها الباهر في صنع الصواريخ البالستية.. ومبالغات اسرائيل واميركا في مخاطر المشروع الايراني. مثل الهلال الشيعي وتمدد نفوذها  بما يهدد دولا مثل السعودية وكل دول الخليج واسرائيل من خلال العقيدة الاسلامية وليس من خلال صنع قنبلة نووية تمتلك اميركا عشرات الاضعاف منها لا تنفعها بشيء مع دول صغيرة وبسيطة مثل كوبا وفنزويلا وتلجأ دائما الى التآمر في مجال الاقتصاد وشراء الخونة من عسكريي دول اميركا اللاتينية . حتى الرئيس الزاهد نجاد..في سعيه لانتاج حدا معينا من الوقود النووي لم يكن لأغراض الحرب. ولم يتجاوز ربع المرحلة الخطيرة والمخيفة لخصوم ايران... لكن السيد خليل في مقالاته المنتقدة والتي طالت حتى سماحة الخامنئي ويحسبها جرأة وخلاف مع سياسة الجمهورية الاسلامية.. هي في حقيقتها طلب الملهوف المحب والقافل على حب ايران.. وانا هنا لا انتقده بل أصف ما هو عليه بالفعل لمحبتي له ولتضييع اوقاتا ثمينة في متابعته.. وباعتباره ممثلا لجمهرة احبها من المثقفين العرب ولكني لا اتفق معها . احبها لأن افكارها نبيلة. ولا اتفق معها لأن افكارها غير واقعية وقد تكون ضارة مضرة احيانا..

والان لنعد الى السؤال الذي ورد عرضا في مقالة الاستاذ صائب (هل حقا ان ايران متفقة مع اميركا حول ما يجري؟؟) الاستاذ صائب تعامل مع هذا السؤال باستهانة وسخرية ساذجة لا تقل عن الطرح الساذج لعامة الناس التي تشك بوجود مثل هذه العلاقة.. وفي استهانته نفي قاطع وقافل ولا يقل (قفالة !!.. ولنبتسم..) عما يقوله أولئك الناس السذج الطيبين او الخبثاء في عرف الأستاذ صائب.. من هنا نحتاج لكي نفهم ونفكك هذه الإشكالية علينا العودة الى مفاهيم سادت في القرن العشرين ولم تستنفذ قوتها وصحتها بعد.. من قبيل.. التخادم بين الخصوم.. و اتفاقات الجنتلمان الملزمة ولكن غير المكتوبة.. ومفاهيم ما يسمى بلعبة الامم.. ومفهوم الخصم الضار في حالة معينة والمفيد في حالات كثيرة..كما ان ثمة حراكات وتغيرات تحتاج إلى تأجيل المبدئية لصالح البراغماتية مؤقتا ولدوافع استراتيجية بعيدة لا يستوعبها المتابع البسيط... هذا ما يقصده البعض في مفهوم الاتفاق .. أما مثل ما صوره الاستاذ صائب بشكل ساذج ورد عليه بشكل اكثر سذاجة مع احترامي له في سؤاله..وقوله(  ان كانت ايران متفقة لماذا تضع صورايخها..في العراق وفي سوريا؟؟ ولماذا تتآمر اميركا فتضربها؟؟)..

من ضمن الاتفاقات التخادمية في التاريخ. اتفاق لينين والمانيا على التنازل عن مقاطعتين مهمتين من دولة روسيا.. وقد وصل الامر بالمناشفة وانصار القياصرة الى اتهام لينين بالعمالة للالمان.. لكن لينين في احد كتبه برر هذا الاتفاق المهين مع دولة امبريالية بحالة فرد يتعرض له اللصوص فبدلا من قتله يتنازل لهم عن بعض ما يملك على امل استرداده يوم ما بعد امتلاك ما يكفي من قوة  بدلا من خنقه وقتله وفقدانه حتى امكانية الثأر..وقد حقق ستالين نبوءته واستعاد مائة ضعف مما فقده جراء ذلك الاتفاق ليس بالقنبلة الذرية التي كانت تمتلكها اميركا وحدها في الحرب الثانية.. بل بتضحيات الشعب والجيش الاحمر السوفيتيان الجسيمة.. كما كرر ستالين ذات عملية التخادم مع المانيا الهتلرية فبالرغم من كل المذابح التي تعرض لها الشيوعيون الالمان والبلدان التي احتلتها المانيا النازية.. كان ثمة اتفاق جنتلمان التزم به ستالين بعدم الدخول في حرب مع هتلر.. وسد اذنيه عن نصائح تشرشل وروزفلت في دخول الحرب معهما...وحين عاتبه تشرشل يما بعد عندما التقيا كحلفاء ... اجابه كانت رسائلك تصلني وهي صحيحة وكنت اصدقها.. لكني كنت في مرحلة  اعداد جيشنا لمثل هكذا حرب مدمرة.. وكذلك فعل ستالين في جمهورية مهاباد الاشتراكية الكردية حين ترك الشيوعيين يذبحون على يد عملاء اميركا جلاوزة الشاه ضمن اتفاق جنتلمان مع اميركا..مقابل حصوله على عشرات الدول التي شكلت فيما بعد المعسكر الشيوعي.. وكان يفكر في نهوض الصين اكثر مما يفكر في دويلة صغيرة مثل مهاباد.. اتفاقات ستالين لم تكن لأن ستالين عميل اميركي !! او امبريالي,, بل لأن علم السياسة.. وليس علم الاخلاق يقول ذلك.. وقد وضعت مقولة ماركس على الرف ( شرف الغاية من شرف الوسيلة..)..

بالنسبة للجارة العزيزة الجمهورية الاسلامية يظن السيد صائب انها يمكنها وبضربة معلم ان تطيح بالتيار الاصلاحي (جماعة روحاني وظريف ).. لصالح  التيارالثوري الذي يمثله بشكل تام الحرس الثوري بكل مقاتليه والمفكرين ورجال الدين المؤثرين وينتهي الامر ولا اعلم الوسائل التي يفكر بها او يقترحها السيد صائب..(ولا أدري هل هو يدري ان المؤثر الحقيقي والفاعل في السياسة الايرانية ووفق الدستور والواقع العملي هو المرشد الأعلى ومجلس حماية وصيانة الدستور وليس رئيس الجمهورية او وزير الخارجية ..)

يعتقد السيد صائب ان احمدي نجاد قد ابعد قسرا.. ويلوم سماحة المرشد على الموافقة على إبعاده.. الدكتور نجاد حكم لمرحلتين وأعطي فرصة كافية.. والسياسة لا تتعلق باشخاص عزيزنا الاستاذ صائب فجناح الدكتورنجاد دخل الانتخابات مدعوما من سماحة المرشد الذي هو القائد الأعلى للجمهورية.. لكن التيار الإصلاحي فاز بفارق ضئيل واستحق ان يأخذ فرصته.. وفوز روحاني جاء على خلفية حصار خانق مفروض على إيران أضر باقتصاده وبشرائح كثيرة وكبيرة ومنها شريحة البازار.( والبازار كان له الدور الأكبر في الثورة الايرانيةعلى الشاه.) كيف تصدق انه يجب غض النظر عن دورهم؟؟ في معرض مقالات السيد صائب يعتقد وببساطة ان سقوط الاتحاد السوفيتي سببه اخطاء غورباتشوف.. وفي هذا يكون الكاتب ابعد ما يكون عن الموضوعية سقوط الاتحاد السوفيتي وتفككه وتفكك كل المعسكر الاشتراكي تقريبا سببه تراكمات اقتصادية ومجتمعية منذ بدايات المؤتمر العشرين للحزب والبراءة من ستالين وتبديد الثروات على أبحاث الفضاء والصناعات العسكرية الثقيلة في سباق محموم مع الاميركان  وتكميم الافواه الناقدة في كل من عهود ستالين وخروشوف وبرجنيف.والخلاف المدمر مع الصين الماوية.. من جراء بيانات المؤتمر العشرين وغيرها.. كل ذلك جعل من الاتحاد السوفيتي عملاقا ضخما بأرجل من عجين.. والمقارنة بين روحاني وغورباتشوف قد تكون صحيحة إذا أخذت إيران بنصائح السيد صائب وليس العكس.. فياللمفارقة!!! روحاني وقبله خاتمي هما حماة المشروع الثوري الحقيقي.. والتفريط بهما لصالح الفكر المتطرف قد يبدو مفيدا لبعض الوقت  ولكن فيما بعد سيكون هناك اكثر من يلتسين وبوتين وسيكون الخاسر الحقيقي الثورة الايرانية الاصلية والاصيلة نفسها والحرس الثوري نفسه وبالتالي الشعوب الإيرانية كلها...

وسيكون جوابي ولست بمتبنيه ولكني أفكك هنا وجهة نظر الناس البسطاء الذين يقولون نعم هناك ثمة اتفاق وأرجو من الأستاذ صائب ان يتعمق فيه في مقالاته المقبلة

الاسباب والمبررات:

اولا المعروف ان يوسف بن علوي وزير الشؤون الخارجية العماني المخضرم هو عراب الزيارة العجيبة لنتانياهو لعمان والتقائه بالسلطان قابوس بشكل واضح وفاضح وكانت ثمة خريطة يشرح فيها لقابوس اشياء واشياء.. السؤال: ما مقدار المبدأية في قبول زيارة هكذا شخص موبوء في كل الاعراف التي يؤمن بها السيد صائب قبل غيره؟؟  بل هو قام بأكثر من ثلاث زيارات لإيران واستقبل فيها بشكل رسمي ؟؟هل هي الواقعية السياسية التي انتهجها كل من لينين وستالين وتشرشل في كل الاتفاقات التاريخية التي نعرف؟؟ ام ماذا.. في الاجابة على هذا السؤال نحتاج الى رجل ( غير قافل) لا ايرانيا ولا امبرياليا.. لكي نفهم..

المبرر الثاني:.. قطر من أكثر الدول التي ساهمت بخلق داعش نكاية بإيران وبالشيعة وبدفع امبريالي معروف.. وآذت السنة والشيعة وكل العراقيين بهذا الابتكار القذر (داعش..).. ومساهمة قطر وفق مصادراميركية قديمة  تفوق مساهمات السعودية وغيرها من الدول.. ما هو سر التقارب القطري الايراني والذي انعكس ايجابيا في تقارب جماعات عراقية سنية وشيعية كانت تتقاتل يما بينها؟؟ هل هو تهيئة لصفقة قادمة كبيرة تكون فيها قطر الممر لصلح خليجي ايراني لينتهي بصلح مع اميركا..

ثالثا: هل في السياسة ما يسمى بأوراق البوكر او الكونكان  يمكن الاطاحة بها من اجل مغانم مستقبلية كثيرة. تشبه مغانم ستالين في تخليه عن شيوعيي ايران ومهاباد.. وتخلي خروشوف عن شيوعيي مصر لصالح اتفاق ظنه مفيدا مع عبد الناصر؟؟

هل استطيع انا او السيد صائب أن نراهن على شيء في السياسة الدولية الحالية بشكل مطمئن.. لكي نجزم إن من يقول بوجود اتفاقات تخادمية ساذج أو غبي أو عميل وان من يقول العكس فاهم وذكي ومخلص ووطني؟؟

ما هو معيار الوطنية في جو ملغوم وقد ثبت فيه خيانات أعظم قادة في تاريخ الشعوب خيانات رأوا فيها مصلحة لشعوبهم دون غيرها وضربوا بعرض الحائط بكل قيم المباديء وشرف الكلمة.؟؟

من اجل ذلك يكون الجواب.. ان الاتفاق بين ايران واميركا ليس بالسذاجة التي يطرحها الاستاذ صائب من خلال ناس بسطاء ويجيب عليها بشكل اكثر سذاجة.. بل ان الاتفاق يشبه تماما ما سماه السيد حسن نصر الله قواعد الاشتباك... لقد قتلت اسرائيل قادة من أكفأ القيادات خلال السنين المنصرمة من كل من حماس وحزب الله.. لكن قواعد الاشتباك بقيت كما هي.. وكلما  انتهكت إسرائيل قواعد الاشتباك. (وهذا ديدنها) يذكرها كل من حزب الله وحماس بقواعد الاشتباك.. وحين قرر السيد حسن نصر الله ان يضرب وحدد الموعد وبدقة.. وكان بإمكانه ان لا يحدد لضمان عنصر المفاجأة لكن شرف الكلمة جعله يلتزم.. وبالرغم من ذلك فقد نوه السيد نعيم قاسم وهو القيادي المهم.. ان الضربة ستكون محدودة ولن تؤدي الى حرب في توضيح لنوعيتها وحجمها ضمانا لعدم حصول دمار هائل في المنطقة وفي الجانين اللبناني والاسرائيلي.. هذا هو معنى الاتفاق عزيزي الاستاذ صائب. لا ما ذكرته وطرحته بشكل بسيط ومستهينا بمن يطرحه... وفي الختام أقدم اعتذاري للسادة القراء والسيدات وللسيد صائب خليل الذي احترم وأحب.. ولكن اختلف معه كثيرا واتفق قليلا.. وكم كنت شامتا به عندما استمعت الى السيدة حنان الفتلاوي والتي طالما دافع عنها وباركها وبرر مقولاتها المعروفة .. اقول كم كنت شامتا بصائب وانا استمع اليها وهي تشيد بانجازات دولة رئيس الوزراء عادل عبد المهدي.( والذي يكرهه السيد صائب بشكل رهيب..). راحت عليك صائب.. كل من وضعت ثقتك فيه يخذلك.. فمتى تتقاعد فتريح وتستريح؟؟؟؟ ابتسم..

 

سلام كاظم فرج

......................

رابط مقالة الأستاذ صائب المنشورة في صحيفة المثقف ..

http://www.almothaqaf.com/a/aqlam2019/939576

 

 

زهير الخويلدي"السياسة هي مجموع الممارسات المنظمة المتعلقة بتوزيع السلطة السياسية"1[1] 

تعيش تونس تجربة ديمقراطية فريدة من نوعها في الوطن العربي ويظهر ذلك بشكل واضح عند الانتقال السلمي والسلس للسلطة من مؤسسة الرئاسة إلى البرلمان دون تسجيل أي اعتراض بل ترحيب من الكل والتوجه لتنظيم انتخابات رئاسية سابقة لأوانها وتوسيع دائرة المشاركة لتشمل عددا هاما من المرشحين.

صحيح أن القوى السياسية المساكة بالسلطة والقوى المعارضة قد اتفقت على احترام الدستور التوافقي وعلى تجنب الصراعات والمشاحنات التي وقعت فيها الكثير من الدول العربية المحيطة التي تشهد انتقالا صعبا ولكن الديمقراطية التونسية التي تتراوح بين النزعة التمثيلية والنزعة التشاركية مازلت لم تبلغ الطريق الواثق للدمقرطة ومازالت لم تتجذر بعد وبقي عودها إلى حد الآن طريا وتتربص به جملة من المخاطر.

من البديهي أن عدد من الدول ومن بينها تونس ليست فقيرة ولا متأخرة وإنما تتضمن عددا من الثروات والموارد المادية والبشرية ويمكنها أن تعتمد على معطى الذكاء والمقدرات الذاتية لكي تحقق استفاقتها ولكن الأنظمة السياسية الفاسدة التي تعاقبت على حكمها هي التي جعلتها تراوح مكانها وفي حالة ركود ولا حل لها سوى قيام نظام ناجع يعبر عن تطلعات شبابها وشعبها ويلبي متطلبات الذهاب نحو المستقبل.

في الواقع تختلف انتخابات 2019 كثيرا عن انتخابات 2014 وعن انتخابات المجلس التأسيسي التي وقع تنظيمها في 2011 من جهة السياق العام الذي تجري فيه ومن جهة الفاعلين المتنافسين المشاركين فيها. على هذا الأساس تواجه الانتخابات التونسية مجموعة من التحديات مرتبطة أساسا بالمعطى السياسي والاجتماعي والاقتصادي والأمني والقانوني ويبرز ذلك بشكل ملحوظ في تخوف المواطن من المستقبل. اذ ما تزال تونس في منطقة جذب بين القوى الإقليمية والدول القوية الغربية ولم تتخلص بشكل نهائي من التنظيمات الإرهابية وتتربص بها قوى الشر من الأنظمة التقليدية الرافضة للحراك الشعبي الديمقراطي.

أضف إلى ذلك تزايد الصراع السياسي على السلطة بين المتنافسين حيث وجهت اتهامات بتلقي المال الفاسد وممارسة الرشوة السياسية بتقديم المساعدات للمحتاجين واستغلال وسائل الإعلام الخاصة للدعاية الحزبية ولما تعددت أساليب التسابق إلى القصر التي يعتمدها المتأهلون إلى المنافسة على رتبة الرئاسة.

كما أفسد المناخ الديمقراطي اكتشاف بعض التزكيات المعادة بالنسبة للنواب وجملة من التزكيات الشعبية للمرشحين للرئاسة التي تمت دون علم أصحابها ولقد تابعت الجهة المعنية بالمسألة الموضوع دون قرار.

بيد أن المنطق القانوني السليم يفرض خلو المسار الانتخابي من التجاوزات وينصص على ضرورة سلامة كل الملفات المتعلقة بالمرشحين والمرشحات من أي إخلال بالقوانين وخاصة التهرب من الأداء الضريبي.

كما أن الأزمة الاقتصادية التي انعكست سلبيا على قيمة العملة ونسبة النمو الاقتصادي ومعدل التضخم وتزايد البطالة وتردي الخدمات العمومية وظهور بوادر أزمة اجتماعية شاملة تهدد بانفجار شعبي جديد.

علاوة على ذلك هناك فراغ نسبي على صعيد اتخاذ القرارات وتنفيذها ومتابعتها في القيادة العليا على إثر التفويض الحاصل في رئاسة الحكومة لأحد وزرائها وانشغال معظم الوزراء الآخرين وغالبية المسؤولين بتنظيم حملاتهم الانتخابية الرئاسية وانخراطهم في إعداد القائمات الحزبية التي يتزعمونها في التشريعية.

على الرغم من تجاوز عدد المسجلين السبعة ملايين بعد الملحق الزمني الذي تم إضافته للفئات الشابة فإن التخوف الكبير يظل مسيطرا أمام إمكانية ارتفاع نسبة العازفين وواقع تزايد المقاطعين ومشاعر اللامبالاة.

  لكن الدولة تعول على نضج وجاهزية مؤسساتها واستقلالية الهيئة المشرفة على الانتخابات والتي أثبتت في المناسبات الفارطة جديتها ونزاهتها باعتراف المراقبين الدوليين وبشهادة جل المشاركين في العملية. ولقد خيّر الاتحاد العام التونسي للشغل عدم المشاركة في السباق الانتخابي وعدم ترشيح أحد المتنافسين وترك المجال لمنظوريه لكي يختاروا من يحقق مصالح الطبقة العاملة ويحفظ وحدة الوطن وسيادته وفي المقابل بادر إلى تكوين مجموعة هامة من المراقبين والملاحظين لكي يسهروا على حسن تنظيم الاحتفال.

والحق أن الناخب التونسي قد يجد نفسه في حيرة أمام حضور أكثر من مرشح للرئاسة والبرلمان من نفس العائلة السياسية سواء كانت دستورية أو إسلامية أو يسارية بسبب الانقسام داخلها والنزاع على الزعامة.

ربما المرة الأولى التي يتقدم فيها أكثر من مرشح في المعسكر اليساري الذي كان يعول على النقابات وفي المعسكر الدستوري الذي يستميل الدولة العميقة وفي المعسكر الإسلامي الذي يراهن على خطاب الهوية. لكن هناك من ترشح من داخل السيستام ويتمتع بحظوظ وافرة ويركز عمله على أصوات فئة الموظفين ومرشحين آخرين من خارج السيستام وهم أقل حظا ولكنهم يتهمون بالشعوبية واستمالة الفئات المهمشة وفيهم من هو موجود خارج الوطن وملاحق قضائيا وفيهم من أودع السجن ووجهت له تهم تتعلق بقضايا التهرب الضريبي وفيهم من أعلن بصراحة نيته تغيير دستور الثورة وإعلان دستور الجمهورية الثالثة.

لذا يمكن تقسيم المرشحين إلى الرئاسية إلى منافسين جديين ومراهنين رمزيين ويمكن التفريق بين جملة من الأصناف: الصنف الأول يتنزل في المد الثوري والحراك الشعبي واستكمال المسار الانتقالي وتمثله الترويكا ووزرائها، الثاني يندرج في خانة الثورة المضادة وينادي بتغيير الدستور وإعادة النظام الرئاسي والحكم المركزي، الصنف الثالث ينتمي إلى الموجة الديمقراطية ويعبر عن نجاح التجربة الديمقراطية في إزالة الخوف عن الناس وبلوغ عدد من الناشطين مستوى من الوعي السياسي الذي يمكنهم من قيادة البلاد.

لقد ظهر شبه إجماع على نقد مراجع الإسلام السياسي والدولة الدينية وتبنت غالبية الأحزاب خطابا حداثيا يناصر الدولة المدنية ووجدت الأحزاب القريبة من التوجه الإسلامي نفسها مجبرة على الفصل بين العمل الدعوي والعمل السياسي واضطرت للتخلي عن ترسانة كبيرة من المفاهيم التعبوية والارتباطات العالمية. كما تزايدت الدعوات لكي يتم تعديل القانون الانتخابي واستبدال أكبر البواقي ونظام القائمات بنظام آخر أكثر مرونة وتمثيلية وتم طرح على طاولة النقاش البرامج الاقتصادية والثقافية للأحزاب وبقية المستقلين.    من هذا المنطلق يجب أن يكون رئيس تونس القادم قريبا من شعبه ومخلصا للسيادة الوطنية ومناصرا قويا للهوية وحريصا على تجاوز معظم الأزمات السابقة ومحبا للثقافة والتنوير وملما بمختلف القضايا الدولية. لقد سلمت تونس الشعلة الثورية للمنطقة العربية ومثلت الاستثناء الايجابي وتشكل إجماع حول المحافظة على المكاسب الديمقراطية والسير في اتجاه الحكم الرشيد المستقر وما يتطلبه من احترام الدستور وتطبيق القانون على قدر المساواة بين  الجميع وإتباع منوال تنموي أكثر نجاعة ونموذج سياسي أكثر مردودية. 

لقد ظهرت للعيان بعض البرامج الانتخابية وقدم المتسابقون بعض الوعود حول إصلاح المنظومة الجبائية والتقليل من المديونية والتعويل على الاستثمار في الإنتاج الفلاحي واستئناف العلاقات مع سوريا والزيادة في الصلاحيات التي يتمتع بها الرئيس وتفعيل التمييز بين السلطات وتدعيم المؤسسات وتأميم الثروات واعتماد نظام العتبة للوصول إلى البرلمان وتعمير الصحراء بالمناطق الخضراء عبر زراعة الأشجار.

لكن ما يلفت النظر أن الحملة الانتخابية للشخصيات المشاركة لم تقدم الجديد ولم تحفل بقدر من الابتكار في الشعارات والطرائق الدعائية والبرامج السياسية ولم تقم بتطوير مشاريعها واستراتيجيات التغيير. كما تظل هذه الوعود مجرد شعارات ايديولوجية وتطلعات مستقبلية بعيدة عن التحقيق وغير قابلة للتطبيق ما لم تتشكل إرادة سياسية وازنة تعتمد على تفاهم كبير وعلى تعاون مثمر بين البرلمان والقصبة وقرطاج. إن المطلوب من الساهرين على الإعداد إحكام التنظيم وعقلنة المشهد عبر تحييد وسائل الاتصال العمومي وتمكين مختلف المرشحين من الوقت الكافي وتوفير تساوي الفرص والحظوظ بالنسبة للمشاركين دون إقصاء مبرمج أو تصفية حسابات وتفادي المجازفة بمستقبل الحياة الديمقراطية والتداول السلمي للحكم. هكذا ترى الديمقراطية أن "فضيلة العدالة بمعنى المساواة تهدف إلى وضع السيطرة تحت رقابة السلطة المشتركة... وهي مهمة بلا نهاية لأن كل هيئة جديدة للسيطرة تنبثق من هيئة سابقة ذات طبيعة مماثلة".

ربما الكل في انتظار يوم 15 سبتمبر 2019 وهو اليوم المفصلي بالنسبة لتونس لكي تعبر عملية الانتقال الديمقراطي نحو ترسيخ الديمقراطية المستقرة والجميع يأمل أن تجري العملية الانتخابية في كنف السلم والأمن والتنافس النزيه وأن يختار الشعب الأصلح وأن ينتصر الأجدر والأقدر على تحمل المسؤولية.  ينتظر أن يحقق أحدهم الفوز في الدورة الأولى أو في الدورة الثانية ولكن يجب أن يوفر الشروط الممكنة للتسابق المدني ضمن تمشي يحترم التعددية ويوفر التسامح والسلم الأهلي ويقبل بروح رياضية النتيجة.  لا نظن أن الشخص الذي سيجمع عليه الناخبون عبر آلية الاقتراع سوف يخالف الدستور ويتنصل من تركيز محكمة دستورية ولن يستكمل بناء المؤسسات الديمقراطية أو لن يدعم اللامركزية والحكم المحلي.

من هذا المنطلق ينتظر الثوريون وصول رئيس من خارج النسق السياسي السائد يواصل التغييرات التي طالب بها الحراك الشعبي وفي المقابل يحرص الموالون على الاستقرار واستكمال المسار الانتقالي بأخف الأضرار واقل التكاليف ضمن الحد الأدني من العدالة الانتقالية وفي اتجاه المحافظة على مكاسب الدولة.

لكن ماذا يمكن أن يغير الرئيس المنتخب في نظام انتخابي نسبي وهو لا يتمتع سوى بصلاحيات محدودة؟ وكيف يمكن تخطي التنافس القوي بين قوى الثورة وبناة الدولة ويتم العبور من زمن الثورة الدائمة إلى منطق الدولة القوية؟ أليست السلطة السياسية هي التي ترضى جماعة تاريخية أن تعيش وفقها على قاعدة العيش السوي وإرادة الفعل المشترك؟ وألا يجب تنقية المناخ السياسي من الفساد والباحثين عن الحصانة؟ وكيف تتحول الديمقراطية التونسية إلى عودة حضارية إلى الذات العربية حيث يقع تخلصيها من التبعية؟ ومتى تعود للدولة هيبتها وللشعب إرادته وللأفراد حريتهم وللمواطنين مشاركتهم وللوطن سيادته الكاملة؟ والى أي حد تكون الانتخابات المزمع تنظيمها في خريف 2019 حاسمة ومفصلية للأفق الديمقراطي؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

.........................

المرجع:

1- بول ريكور، الذات عينها كآخر، ترجمة جورج زيناتي، المنظمة العربية للترجمة، طبعة أولى،2004، ص487.

 

امل ابراهيم الملاحمن الملاحظ أن هناك تزايد في عدد الجمعيات الأهلية  في مصر في الفترة من منتصف التسعينيات وإلى الآن، وتعد هذه من أكثر الفترات زيادة في حجم تلك المنظمات، حيث تقدر نسبة الزيادة من الفترة من بداية الثمانينيات إلى منتصف التسعينيات بحوالي 5%، ولاشك في أن وجود التحرر السياسي والاقتصادي قد شجع الجماعات الاجتماعية المختلفة على تأسيس جمعيات خاصة بها، وإن كانت الدولة المصرية قد نظرت إلى هذا التوسع بصفته توسعاً محفوفاً بالمخاطر من الناحية السياسية، وبالتالي فقد لجأت إلى فرض القيود على المنظمات القائمة من جهة وتشديد إجراءات إشهار المنظمات الجديدة من جهة أخرى، بالإضافة إلى خضوع تلك المنظمات المستمر لوزارة الشئون الاجتماعية.

كما أدى قوة المكون الديني في نشاط المنظمات غير الحكومية إلى زيادة رغبة الدولة في فرض وصايتها وتقييد العمل الأهلي، حيث أن السمة الدينية ارتبطت بقطاع كبير من المنظمات؛ فالمنظمات والجمعيات الإسلامية والقبطية نشطت على المستويين – العلماني والديني- حيث أنها أصبحت لا تتحرك في مجال الدعوة الدينية فقط، ولكن أيضاً في مجالات الرعاية الاجتماعية والخدمات الصحية والتعليمية حيث أن عدد كبير من المساجد والتي أسسها الأهالي تحولت إلى مقار لمنظمات أهلية غير حكومية وهو ما آثار مخاوف النظام من تدخل التيارات   الدينية، وخاصة الإخوان والسلفيين في شئون الدولة الداخلية من خلال السيطرة على مجالس إدارات تلك المنظمات.

ولقد ترتب على ما سبق فرض الدولة للقانون رقم (153) لسنة (1999)، والذى تأثرت نصوصه بالمناخ السياسي والاجتماعي السائد في ذلك الوقت، والذى شهد تدخلاً كاملاً من الدولة في معظم أنشطة المجتمع المدني بمجالاته المختلفة، مما أدى إلى رفع العديد من الدعاوى القانونية من قبل القانونيين بضرورة إعادة النظر في هذا القانون، حيث أنه تضمن نصوصاً وصفها نشاط العمل الأهلي في ذلك الوقت بأنها ستسمح بإحكام قبضة الحكومة على العمل الأهلي، إلى أن أصدرت المحكمة الدستورية حكمها بعدم دستورية القانون رقم (153) لسنة (1999) لسبب شكلي وهو عدم عرضه على مجلس الشورى قبل إقراره، بالإضافة إلى العوار الشديد الذى طال نصوصه، ثم عاد مرة أخرى للعمل بالقانون رقم (32) لسنة (1964) لأكثر من عام ونصف إلى أن تم صدور قانون  رقم (84) لسنة (2002) لتبدأ مرحلة جديدة من عدم الرضا من جانب المؤسسات المدنية على هذا القانون لأنه لا يختلف كثيراً عن سابقه، وظل العمل بهذا القانون حتي عام 2017حيث صدر القانون 70 لسنة 2017 وتم العمل به بالرغم من عدم صدور لائحته التنفيذية حيث كان يطبق القانون 70 لسنة 2017 ولائحة قانون 84 لسنة 2002، وعلي غفلة فوجئ الجميع بإلغاء القانون 70 لسنة 2017 وصدور قانون جديد والموافقة عليه والعمل به وهو القانون 149 لسنة  2019 والذي لم تصدر لائحته التنفيذية أيضا، ولا نعلم ما الذي تخبئه الأيام للجمعيات الأهلية، والجهات الإدارية المنوطة بالإشراف عليها.

وقد جاء حوار رئيس الجمهورية في ملتقى شباب العالم الأخير ليكشف عن رغبته في إعادة  قانون الجمعيات رقم 70 لسنة 2017 للحوار المجتمعي، إيذانا منه بتعديله من قبل مجلس النواب، ولا شك في مدى إيجابية هذه الإشارة في حالة قبولها بتعديلات جدية تنال من السلبيات الموجودة في قانون الجمعيات الأهلية الأخير، والتي تنال من جدية العمل الأهلي بشكل عام والحقوقي بشكل خاص، والتي يغيب عنها بشكل أساسي الهدف من النص الدستوري على حماية الحقوق والحريات العامة في الدستور المصري الأخير، ويكفى لذلك مثلا ما جاء بنص المادة 75 من الدستور المصري بقولها «للمواطنين حق تكوين الجمعيات والمؤسسات الأهلية على أساس ديمقراطي، وتكون لها الشخصية الاعتبارية بمجرد الإخطار»، كما أضافت بعدم جواز تدخل الجهة الإدارية في شئونها.

ومن الزاوية الحقوقية الدولية فإن الحق في حرية التجمع والانضمام إلى الجمعيات أو تكوينها هي الحق في الانضمام إلى مجموعة رسمية أو غير رسمية للانخراط في عمل جماعي. ويشمل هذا الحق، الحق في تشكيل مجموعة أو الانضمام إليها. وعلى النقيض من ذلك، فإنه يشمل أيضا الحق في عدم الإكراه على الانضمام للجمعيات، يشمل «التجمع» الجمعيات ومنظمات المجتمع المدني والنوادي والجمعيات التعاونية والمنظمات غير الحكومية، والجمعيات الدينية، والأحزاب السياسية، والنقابات العمالية، والمؤسسات أو حتى تجمعات شبكة الإنترنت.

ويقر القانون الدولي لحقوق الإنسان أن تكون ممارسة الحق في حرية التجمع السلمى وتكوين الجمعيات خالية من القيود إلا من القيود التي يسمح بها القانون الدولي، ولا سيما القانون الدولي لحقوق الإنسان، الذى لا غنى عنه للتمتع الكامل بهذه الحقوق، وبخاصة عندما يتبنى الأفراد معتقدات أقلية أو مخالفة أو دينية أو سياسية، ويجدد دوما مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة التزامه بتعزيز وحماية الحق في حرية التجمع السلمى وتكوين الجمعيات، من خلال تبنى القرار رقم 16 /21 (أكتوبر 2012)، والقرار رقم 5 /24 (أكتوبر 2013)، ويؤكد هذان القراران وغيرهما على أهمية حرية التجمع السلمى وتكوين الجمعيات، فضلا عن أهمية المجتمع المدني والحكم الرشيد، بما في ذلك من خلال الشفافية والمساءلة، والتي لا غنى عنها لبناء مجتمعات سلمية ومزدهرة وديمقراطية.

 

د. أمل إبراهيم الملاح

 

مدخل عام: لقد مرت على التجربة العراقية المتعلقة بفكرة الدولة والنظام السياسي، منذ احتلاله من قبل الولايات المتحدة وحلفائها حوالي ستة عشر عاما. وهي فترة كافية لكي يجري تقييمها بمختلف جوانبها. الامر الذي يجعل من هذا التقييم ضرورياً من اجل مواجهة الوضع الراهن وآفاقه والاحتمالات المختلفة الكامنة فيه.

فاذا كانت الدكتاتورية العنيفة لسلطة البعث قد ادت الى سيادة "منظومة" القمع والارهاب والخراب، فان الاحتلال ومرتزقته أوغلوا في تخريب وخراب العراق، وادخلوه في مأزق حاد ـأشد خطورة وتعقيدا مما سبقه. بمعنى ، ان النظام العراقي الحالي هو استكمال للدكتاتورية والأكثر توسيعا في مجال التخريب الشامل للدولة والنظام السياسي والمجتمع والقيم. وبالتالي، فان البديل المنشود للعراق لابد ان يستند على تقييم كل تاريخ العراق المعاصر، منذ الاحتلال البريطاني للعراق في الحرب العالمية الأولى حتى الاحتلال الأمريكي للعراق في عام 2003، مروراً بالأنظمة السياسية التي مرت في العراق أو التي مرت على العراق

ذلك يعني، ان هذا التقييم عرضة للتطور المستمر والذي تستدعيه اولا وقبل كل شيئ طبيعة ونوعية وكمية التغيرات الجارية في العراق. وبالتاليئن فان ما اضعه هنا هو تقييم أولي وفي خطوطه الكبرى. ومن ثم فهو قابل للتوسع والتعمق بما في ذلك خروجه الى المدى الإقليمي والعالمي.

النشوء والنمو والفشل والمصير

لقد نشأ ونما "النظام الشيعي" الراهن في العراق في ظل وحماية الاحتلال الأمريكي. وكذلك في ظل التواطؤ الإيراني مع الولايات المتحدة الامريكية في مجرى غزوها للعراق. وترتب على ذلك نشوء نظام سياسي هجين يتسم يقدر كبير من الفساد والتشرذم، بوصفها الملامح الظاهرية لطبيعة التناقضات الجوهرية الكامنة فيه.

ولم يكن هذا معزولا عن العوامل والأسباب القائمة في أساس تكوينه. ومن ثم فيها ينبغي البحث عما نراه وما هو جلي من إشكاليات كثيرة وكبيرة. الامر الذي صنع سبيكة غريبة من حيث نوعيتها والتي يمكن ان نطلق عليها تسمية النظام الشيعي الامريكي الإيراني الهجين. بعبارة اخرى، ان هذا الوليد الهجين هو النتاج "الطبيعي" للزواج الامريكي الإيراني في العراق. وبالتالي، فان الدعاوي العلنية والظاهرية من جانب تلك القوى العراقية ذات الميول الإيرانية عما يسمى بمعاداتها للولايات المتحدة، تنسى كيف انها نفسها كانت وما تزال نتاج هذه العلاقة الخفية والعلنية التي جرى لضم خيوطها قبل وفي مجرى وبعد الاحتلال الامريكي للعراق. فقد كان الزواج الأمريكي الإيراني في العراق يتسم بقدر كبير من الباطنية والسرّية. لكنه مع ذلك معرف من حيث اسبابه الاولية وكيفية نشوئه ونموه واستمراره حتى اليوم، بغض النظر عن الخلافات الكبيرة والصراع العنيف بينهما.

لقد كانت وما تزال هذه الحالة مرتبطة بكيفية التعامل والخصومة بين ايران والولايات المتحدة في الساحة العراقية، التي جعلت من العراق ميدان الاختلاف الاستراتيجي بين الدولتين، بينما ليس للعراق استقلاله الخاص، رغم انه يمثل المحور  والمنطقة الأكثر أهمية بمعايير المصالح الجيوسياسية في المنطقة. الأمر الذي يترتب عليه جملة من الاسئلة الحساسة والحاسمة بالنسبة لمصير العراق وآفاقه، أي الاسئلة الأكثر أهمية فيما يتعلق بآفاق تطوره الذاتي واستقلاله التام واستعادة دوره المحوري في المنطقة. من بينم اهم هذه الاسئلة الآن هي: هل يمكن توقع حدوث طلاق بين ايران والولايات المتحدة الامريكية في العراق؟ ولماذا؟ وكيف؟ وما هي نتائجه؟ وذلك لما له من اثر كبير بالنسبة لمسار "النظام الشسعي" وافاق تطور الدولة العراقية.

وبغض النظر عما اذا سيحدث هذا الطلاق أم لا، فإن الأحداث اللاحقة سوف تكشف كل الأوراق السرية لهذه العلاقة. لكن الامر الجلي والواضح الان هو ان الصراع الأمريكي الإيراني له اثاره المدمرة في العراق.

طبيعة "النظام الشيعي" الحاكم في العراق

ان الصورة الجلية لهيمنة القوى السياسية الشيعية على مقاليد الحكم ما بعد الاحتلال الامريكي تكشف عن فشلها المريع في كافة المجالات والميادين والمستويات. اذ نرى مظاهر الفشل الشامل في الاقتصاد والمجتمع والتعليم والصحة وغيرها من الجوانب المهمة. بمعنى رؤية ملامح ومظاهر الخراب في جميع مفاصل الوجود الفعلي للدولة والمجتمع. بحيث تحول العراق إلى خراب شبه شامل.

ان أسباب الفشل عديدة ومختلفة. الا ان السبب الأساسي يقوم في ان القوى التي اشتركت في العملية السياسية الأمريكية كانت ضعيفة، كما ان همهما الأساسي كان متمحورا حول كيفية "بناء" نفسها وترتيب اوضاعها في السلطة. الامر الذي حدد نفسيتها وذهنيتها في التوجه صوب النهب والسرقة المتنوعة لاموال الدولة. وبالتالي لم يكن هم هذه القوى اعادة بناء الدولة ومرافقها الاساسية. وترتب على هذا الفشل جملة نتائج لعل اكثرها تخريبا وتدميرا هو توسيع وتعميق الهوة بين اطراف العملية السياسية الأمريكية ومحيطها الاجتماعي العراقي. وهي الهوة التي يمكنها ان تبتلع مع مرور الزمن القوى الانتهازية والفاسدة والفاشلة.

لقد ترتب على القوى السياسية الشيعية تحول العراق إلى مأتم وخراب وأرض فساد ونفاق ودجل وشعوذة. انها كشفت في محجرى حكمها السياسي لحد الان بانها لا تمتلك أي برنامج اصلاحي. وان "برنامجها" الوحيد الواضح والجلي هو تفعيل تقاليد واعراف العويل والبكاء على ماض لا علاقة لهم به! زانها خالية تماما وتجهل معنى ومضمون وادوات البناء الاجتماعي للدولة المعاصرة. انها تبكي وتنتحب على مظلومية الحسين بوصفها الوسيلة لاستدرار واستمرار التخرف والتجهيل والتحنيط المبطن للوعي الاجتماعي. من هنا انعدام الهموم الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع. بل انه غير وارد في حساباتها.

ان هذا الخراب المركب، أي ذاك الذي صنع طبقة جديدة من التخريب والتخريف الذي وضعت الدكتاتورية البعثية السابقة طبقاتها الاولية، قد ادى الى ردود فعل متنوعة ومختلفة من قبل القوى الاخرى غير الشيعية.

فقد كان رد السنّة ردا "داعشيا". فقد كانت داعش عهي الرد السياسي السني على وضعهم الجديد. اما الأكراد، بوصفهم قوة هامشية في العراق فقد سعوا بمختلف الاساليب للانهماك المفرط في السرقة والابتزاز و"الانفصال" بفعل ضعفهم الذاتي.

بينما كانت سياسة القوى الشيعية تقوم في فرض هيمنتها عبر تصنيع ما يمكن دعوته بنظام الفساد والإفساد. ومن خلاله جرى ترويض القوى الأخرى. فالقوى السنيّة باتت تخضع للقوى الشيعية عبر ترويضها بقيم الفساد المالي والسلطوي. وينطبق هذا على القوى الكردية. اذ جرى اعادة اخضاعها عبر نفس آلية الفساد والإفساد. الامر الذي جعل من منظومة الفساد المالي والسلطوي "نظام الحكم" في العراق الحالي. وقد كان هذا هو اسلوب تكوين نظام سياسيي لإدارة العراق بقيادة القوى الشيعية عبر ترويض مختلف القوى، وليس عبر تنشيط وبناء المجتمع المدني ونظامه السياسي والاجتماعي والاقتصادي المعقول.

كل ذلك يوصلنا الى استنتاج عام وهو ان القوى السياسية الشيعية في طريقها لتكوين اكبر نظام سياسي فاسد في تاريخ العراق الحديث. وهو "الإنجاز التاريخي" الوحيد للقوى السياسية الشيعية العراقية الحالية. ان هذه الحالة والنتيجة الجلية تعطي لنا امكانية افتراض ان تكون نفس النتيجة في حال تولي الحسن بن علي بن ابي طالب الخلافة بعد ابيه. مع ما ترتب عليه من انعدام وجود الائمة المعصومين والأئمة الاثنى عشر والمهدي المنتظر. وهي الفرضية التي يمحكن رؤية ملامح ما فيها من نتائج ترتقي الى مصاف الرؤية المنطقية والحتمية القائلة، بان "النظام الشيعي" الحاكم في العراق الآن يحمل كل بذور هدمه من الداخل.

ان واقع الفساد والافساد يكمن فيما جرت الاشارة اليه سابقا، الا وهو ان الفاعل الاساسي في "برامج" القوى السياسية الشيعية هو "البناء الذاتي" للحزبية والتحزب. مما ادى الى ان تكون الهموم الكبرى والصغرى محكومة بسرقة اموال الدولة والمجتمع وتوظيفها من اجل مصالحها الضيقة والانانية. وهو امر جلي حالما ننظر الى كمية الموارد المالية التي حصل عليها العراق في ظل حكم الشيعة وكيفية توظيفها ونتائجها الواقعية.

فقد جرى توظيف الموارد المالية للدولة والسياحة الدينية اساسا مكن اجل بلوغ ما يمكن دعوته بإحكام الهيمنة الشيعية. فقد كانت موارد الدولة الاساسية تذهب الى الاحزاب السياسية الشيعية. اما السياحة الدينية ومواردها الهائلة فتذهب كاملة لها ايضا. اضافة الى منظومة التهريب المتنوع للثروات والاموال من خلال التحكم بشبكات سرق النفط وتهريبه، والتحكم بالمنافذ الحدودية والكمارك، والسيطرة غير المباشرة على تجارة المخدرات والمشروبات الكحولية وصالونات القمار والدعارة المبطنة.

ووجد كل ذلك انعكاسه في نوعية وكمية الفساد المميزة للهيمنة الشيعية. من هنا فقر وانعدام التنمية الصناعية والزراعية والخدمات. بينما جرى توظيف المال من اجل الاستحواذ على الفئات الاجتماعية قاطبة عبر تحوي الدولة الى مرضعة ومغذية لهما. وهذا بدوره كان ايضا احدى فنوات السرقة والنهب المبطن لموارد الدولة.  اننا نراه في حجم الترهل والامتيازات في المناصب وطرق توزيع الثروة.

ولعل ظاهرة المشاريع الوهمية والابتزار الملازم لها من بين اكثر النماذج والأساليب قذارة ودناءة في سياسة الاحزاب الشيعية السياسية قاطبة بدون استثناء. ففي حقبة نوري المالكي كان هناك حوالي 4600 مشروعا وهميا، بلغ مستوى السرقة وتبذير اموال الدولة والمجتمع ما يقارب 350 مليار دولار امريكي، حسب ما قالت به اللجنة البرلمانية المالية.

فقد كان الموازنات المالية للدولة في حقبة المالكي كانت كالتالي:

2007 حوالي 42 مليار دولار أمريكي

2008 حوالي 70 مليار دولار أمريكي

2009 حوالي 74 مليار دولار أمريكي

2010 حوالي 84 مليار دولار أمريكي

2011 حوالي 101  مليار دولار أمريكي

2012 حوالي 118 مليار دولار أمريكي

2013 حوالي 115مليار دولار أمريكي

2014 حوالي 150 مليار دولار أمريكي

كما اقترض العراق مبلغ 124 مليار دولار أمريكي من البنوك العالمية. ذلك يعني ان مبلغ انفاق الدولة بلغ خلال هذه الفترة  (2007 -2014) حوالي 943 مليار دولار أمريكي

كيف تم انفاق هذا المبلغ خلال هذه الفترة؟ وما هي المبالغ الفعلية التي انفقت على تطوير الزراعة والصناعة والخدمات والبنية التحتية الأساسية للعراق؟ الاجابة عليها تبدو جلية من خلال لقد اتسمت فترة حكم نوري المالكي بإنفاق هائل وهدر كبير وسرقات وتهريب أموال طائلة، شكلت في كلها أساس القاعدة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية للفساد الذي بات يتحكم في العراق ومصيره.

وخلال هذه الفترة جرى التزاوج بين الدين والسياسة والمال والشعائر الشيعية كغطاء لأكبر عملية فساد وإفساد في تأريخ العراق الحديث. لقد أظهرت الأرقام التي نشرت أخيراً في 17 أيار 2019، المبالغ الهائلة التي تنفق على رئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء والبرلمان، والوزراء والنواب وأعضاء مجلس الحكم، كما هو جلي في رواتبهم وتقاعدهم ومصروفاتهم وامتيازاتهم. وهي ظاهرة اضافة اخرى لمنظومة الفساد والافساد. بحيث جعلت من الطبقة السياسية قوة مستقلة بذاتها ولذاتهاو مهمتها الحفاظ على امتيازاتها، ومن ثم انفصالها شبه التام عن المجتمع. بمعنى بلورة تقاليد الاغتراب الشامل بين السلطة والمجتمع، بين النخبة السياسية والدولة.

كل ذلك جعل من "النخبة الحاكمة" الحالية طبقة متكاملة من اصحاب السرقة والنهب والاحتيال، باختصار طبقة عفنة ومزيفة بكافة المعايير والمقاييس. وترتب على ذلك استحالة الاعتماد عليها فيما يخص تطوير الدولة والمجتمع والانسان. كما انها طبقة غير قابلة للعلاج والاصلاح بفعل المنظومة التي جرى تركيبها وتأسيسها وغرسها بعد الاحتلال الامريكي عام 2003.

ان الإشكالية الكبرى التي تواجه الشعب العراقي في التغيير تقوم في مواجهته لطبقة متداخلة المصالح من اللصوص والانذال التي تحكم العراق وتتحكم به. فمن حيث الجوهر هي ليست فئة سياسية بالمعنى الدقيق لهذه الكلمنة، بل كمية هي عبارة عن عصابات متعددة ومسلحة ذات ارتباطات خارجية عديدة ومختلفة، يجمعها امر مشترك هو نهب العراق بأي طريقة ممكنة وبأسرع وقت، والهزيمة ان حان وقتها.

كما يواجه العراق ازمة بنيوية حادة لعل الترهل الرهيب في عدد الوظائف المرتبطة بالدولة يفوق عددها في الصين! اذ يبلغ عدد الموظفين والمتقاعدين حوالي ستة ملايين وخمسمائة الف شخص (6500000) مقابل ثمانمائة وخمسين الفا ( 850 الف) قبل 2003. مع ما يترتب عليه من انفاق حكومي كارثي ليس بالمعنى الاقتصادي بل والسياسي والاجتماعي والاخلاقي. وذلك لان الوظيفة اصبحت اسلوبا للسرقة والابتزاز والرشوة والمحاباة والحزبية، أي كل ما يعمق الفساد الاخلاقي والاجتماعي ويجعله "منظومة" قائمة بحد ذاته اشبه ما تكون بديدان تنخر الجسد شبه الميت للعراق الحالي.

واذا كما النفط ثروة مهمة بالنسبة لتوظيفها في تطوير الامكانيات الاقتصادية والصناعية والعلمية للدولة، فانه تحول في ظروف العراق الى قوة تعيق التقدم وتكبحه وتعرقل امكانية تطوره التلقائي استنادا الى قواه المنتجة والعلم. فقد كان التحذير من الدولة الريعية سائدا في الأدب الاقتصادي العراقي منذ فترة طويلة جداً. لكنه لم يجد انعكاسه في السياسات الحكومية المتعاقبة. بل على العكس. لقد اصبح الوضع اكثر تفاقما. مما يجعل منه طاقة مخزونة ومأزومة وقابلة للانفجار وصنع الكوارث المميتة للدولة والمجتمع والعراق بحد ذاته.

ان تراكم المشاكل الهائلة في العراق له تاريخه الخاص. غير ان الاحتلال الامريكي قد فاقم هذه المشاكل وتحويلها الى معضلات اشد تعقيدا وتخريبا. ولعل اهم عامل في هذا التعقيد والتخريب هو تصنيع نظام هجين يعمل بآلية التفكيك والنوازع الطردية وتصعيب فكرة ونموج الوحدة الاجتماعية والوطنية العراقية.

فعندما نتأمل هذا التراكم، على الاقل من الناحية الزمنية، فمن الممكن رؤية ملامحه الظاهرية ومن ثم امكاناته الداخلية.

لقد بدأ ذلك بسقوط بغداد يوم 9 نيسان 2003. ثم فترة الحكم العسكري بشخصية جون غارنر. واستمر لفترة قصيرة جداً تكاد لا تذكر. وفيها نعثر على الفشل الأمريكي في حكم العراق. ثم تولية بول بريمر الحاكم المدني من 6 أيار 2003 حتى 28 حزيران عام 2004. وتميزت هذه المرحلة "التأسيسية" لهذا النظام الهجين من خلال صنع شبكة عنكبوتية تكبل العراق. وفيه جرى اشراك الجميع في الغنيمة والخيانة. تصنيع نظام بلا معارضة. اذ بغض النظر عن ملامح الفساد الشامل في الدولة ومؤسساتها ونظامها السياسي بشكل خاص، لا نرى اية معارضة فعلية، باستثناء النمهاترات الكلامية. واشدهم صراخا "بالنقد" اكثرهم فسادا. كل ذلك يكشف عن مرحلة بريمر هي مرحلة تأسيس مقدمات ومقومات الفساد السياسي الذي جعل الجميع بدون استثناء مشتركا بالفساد والافساد.

مجلس الحكم الانتقالي. وحكم اكثر من سنة بوصفها المظهر الحاري لحكم بريمر. لقد جعل من قادة احزاب "العملية السياسية" واجهة للاحتلال ودفاعا عنه.

المرحلة الانتقالية وكتابة الدستور، الذي استمر حوالي سنة واحدة

المرحلة الاولى والثانية لحكم نوري المالكي من 2006 حتى 2014.  وفيها جرى تجذير منظومة الفساد وإدارة المناصب بالوكالة والسرقة المنظمة، والتحزب، والمشاريع الوهمية، وصراع الالسن والمهاترات، والضعف والتفكك في كل شيئ. والاستثناء اللوحيد للثبات هو في توسيع وتمتين خيوط الشبكات المهتمة بالسرقة والمغامرة والابتزاز من أجل السرقة. وهي اتعس وأرذل مراحل ما بعد الاحتلال الامريكي. وقد وضع اجتياح داعش للعراق عام 2014 حدا لحكومة المالكي.

حكومة العبادي من عام 2014 حتى 2018. من أهم انجازاتها العامة الحرب والانتصار على داعش وأعوانها عام 2017. وما لازمه من تحجيم للدور الكردي في السياسية الداخلية والخارجية وإرجاعهم إلى خط ما قبل الاحتلال الامريكي. وهو واقع بكشف عن الوحدة الخفية بين داعش والحركة القومية الكردية بشكل عام واالبرزانية بشكل خاص.

حكومة عادل عبد المهدي عام 2018 جاءت بطريقة تتعارض مع الدستور وتكشف عن صعود روح المغامرة والاحتيال في السياسة الشيعية جميعا. تماما مثلما جرت الاطاحة بالمالكي. وبغض النظر عن مساهمته من جديد في دعم البرزانية ومحاولة نفخ الروح في جثة ميتة، فإن المسار العام هو اجهاض النزعة الانفصالية للأكراد. وهي عملية موضوعية في مجرى تطور الحركة السياسية العراقية.بمعنى انها تجري في موازاة حكم عادل عبد المهدي، لاسيما وانه شخصية عديمة اللون والرائحة والطعم.

كل ذلك يكشف عن بعض ملامح الحقيقة الآخذة في الوضوح والجلاء ألا وهي:

- إن تراكم النظام السياسي الهجين ومنظومة الفاسدة التي تنخر فيه هو النتاج الذي لازم احتلال العراق من جانب الولايات المتحدة الامريكية.

- وبالتالي، فان المسئولية التاريخية والأخلاقية والسياسية تقع على عاتق قوات الاحتلال الأمريكي وحلفائه. ومن ثم مسؤولية كل ما جرى فيه من دمار وتخريب مادي ومعنوي يقع على عاتق جميع الدول التي اشتركت في الحرب على العراق واحتلاله.

-  ان يكشف عن مسؤولية القوى السياسية العراقية الانتهازية والخائنة في العمل من اجل صنع هذا النظام الهجين. ومن ثم فيه جرى وضع قواعد اللعبة الخربة للسرقة والنهب، مع ماة ترتب عليه من توسيع وتجذير الاستعداد للخيانة والعمالة للقوى الاجنبية. بمعنى انه كشف عن القوى السياسية العراقية الحالية جميعا بدون استثناء هي ليست قوى وطنية عراقية.

-  التواطؤ الإيراني مع الاحتلال الأمريكي للعراق

- وأخيرا مسئولية النظام السياسي والأحزاب والقوى التي شاركت في وضع دستور الاحتلال، والذي اضفى على آلية التخريب والتجزئة والسرقة طابع "المادة الدستورية".

الأمر الذي لا شك فيه، هو أن الأحداث التي جرت وتجري في العراق قبل وفي مجرى وما بعد احتلاله من قبل قوات الغزو الأمريكي، وثيقة الارتباط بالأبعاد الوطنية والإقليمية والعالمية في الصراع حوله. وهي حالة قابلة للحل والتعقيد والتأزم بقدر واحد.

إذ يكمن سبب الاستعداد للتأزم والتعقيد أولا وقبل كل شيئ في "العجز العراقي" الحالي في ما يتعلق بقيام حركة وطنية عراقية شاملة. لكنه في الوقت نفسه هو نتاج تداخل قوى عراقية وإقليمية ودولية. ويرتبط هذا بدوره بسبب نمو الدور الإقليمي والدولي في العراق وصراعه العلني والمستتر. اذ تشترك فيه الأن أربعة قوى اساسية يمكن تصنيفها على انها أربعة محاور تتحرك وتتصارع في العراق وحوله بسبب ضعفه الذاتي الحالي. وهي كل من المحور الأمريكي، والمحور الإيراني والمحور السعودي والمحور الروسي.

وتبرز ملامح المحور الامريكي في طبيعة والية السياسة التي يقوم بها. انها تهعدف الى الابقاء على الاحتلال واستغلاله لتنفيذ مهمات المصالح الجيوسياسية الامريكية الاسيوية والعالمية بقدر واحد. من هنا يمكن ملاحظة التغير المستمر في المواقف والأساليب السياسية والثبات من حيث اسسها الاولية. انها تسعى على الاقاء على حالة التفكك وتوسيع مداها كما هو ججلي في عرقلة اية امكانية للتواصل العراقي السوري. واشراك مختلف القى الضعيفة والمستعدة للخيانة الوطنية والقومية كما نراه على مثال استعمال "العامل السني" في تفتيت الوحدة الوطنية والقومية السورية وتدمير الدولة، وتوسيع وترسيخ نفسية الارتزاق والمرتزقة عند الحركات القومية الكردية. وتفعيل الصراع بين الديني والدنيوي والطائفي ووضعه بما في ذلك في اساس الدستور العراقي، ومحاول تنفيذه في سوريا ايضا. اما في مجال السياسة الاقليمية الكبرى تجاه المشرق العربي فتكشف عما يمكن دعوته بعجز الدور الاسرائيلي الإقليمي وضرورة سد هذا العجز عبر الوجود الأمريكي المباشر ودوره في الوضع الإقليمي.

مما سبق نستطيع التوصل إلى بعض الاستنتاجات الجوهرية، لعل أهمها هو

- إن العراق مشروع عراقي وليس إيراني أو سعودي أو أمريكي أو روسي

- ان المشروع العراقي يجري ضمن خضم صراع إقليمي ودولي ضاري.

- العراق هو احد المسارح الكبرى للصراع الجيوسياسي العالمي. ومع سوريا بوصفهما كيانا عربيا جغرافيا وتاريخيا وقوميا وثقافيا واحد تتضح معالم وغايات هذا الصراع الجيوسياسي العالمي.

- إن الكيان العربي العراقي السوري هو صيرورة واحدة بمعايير المستقبل. وإن صعوده وأثره الاقليمي المستقبلي يرتبط بقواه الذاتية اولا وقبل كل شيئ.

- إن العلاقة الأمريكية الإيرانية في احتلال العراق لها اثارها الكبيرة والخطيرة على الوضع الإقليمي والدولي للعراق.

- إن  الأهداف الأمريكية من اعادة التفاوض مع إيران تسعى الى اعادة ترتيب القوة الامريكية التي تعرضت الى تثليم وفشل كبير عبر مساومة إيران على وضعها الإقليمي والدولي. ويجري ذلك عبر مساومة إيران في العراق وسوريا ولبنان واليمن والبحرين والقضية الفلسطينية.

- إن الدلائل والنتائج المترتبة على الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران تكشف عن حجم التعامل الامريكي الإيراني في العراق. الأمر الذي يمكن ان يدفعهما صوب الوصول إلى تسوية بينهما، مع ما يترتب على ذلك من نتائج خاصة على مستقبل العراق.

المواجهة الوطنية لإنقاذ العراق: الطرق والأساليب

غير ان المجرى العام والخاص ونتائجه في العراق تبقى في نهاية المطاف عراقية خالصة. فالعراق لا يمكنه أن يكون مطية لأية قوة اجنبية. فهي حالة لا يسمح بها العراق وأهله وتاريخه وكينونته الثقافية والقومية. إلا أن هذه الصيغة البلاغية العامة تفترض تحرر العراق وعودته إلى نفسه الوطنية والقومية والثقافية. وبلوغ هذه الغاية يفترض الاجابة على خمسة أسئلة أساسية وهي:

- ما هو البديل الممكن والواقعي لهذه الحالة؟

- وهل يمكن اصلاح النظام الحالي من داخل العملية السياسية؟

- وما هي قدرة النظام الذاتية على إصلاح نفسه؟

- وهل يمكن اصلاحه من خارج العملية السياسية؟

- وما هي قدرة الشعب على إصلاح النظام السياسي؟

إن النتيجة العامة التي يمكن استخلاصها من تجربة العراق السياسية في "بناء" الدولة والنظام السياسي والعلاقات الاجتماعية وغيرها تكشف عن أن البدائل لا يمكنها أن تكون اجنبية. من هنا فشل مشاريع المحور الامريكي و"عمليته السياسية" في العراق، وفشل "مشاريع" المحور السعودي في "داعش". وخلل المحور الإيراني، وضعف المحور الروسي. بعبارة أخرى، إن كل المشاريع الاجنبية لا يمكنها العيش في العراق.

كل ذلك يفترض في نهاية المطاف بلورة البديل الوطني العراقي وأساليبه العملية الفعالة، التي تستلزم

- بلورة حركة اجتماعية عراقية تواجه قوى العملية السياسية الفاسدة التي أوصلت العراق إلىهذا  الخراب الاجتماعي الاقتصادي والأخلاقي.

- التغلب على المأزق والعجز الذي تواجهه يفترض قيام حركة وطنية عراقية شاملة.

- ضرورة توحيد القوى المدنية الدنيوية العراقية والعمل على إبعاد القوى الدينية السياسية من سدة الحكم عبر الصراع السياسي البرلماني

- إن ابعاد القوى العميلة والمرتزقة والفاسدة من منظومة الدولة والسلطة يفترض العمل اليومي المباشر وغير المباشر من اجل توسيع وترسيخ فكرة الاصلاح الاجتماعي والمدني.

-  تخفيف المظاهر الشيعية الطائفية في الدولة والمجتمع والثقافة.

- العمل على اقناع الحركات الشيعية التي تورطت في السياسة الأمريكية في العراق وقضايا وملفات الفساد، أن تراجع بصورة نقدية موقفها وسلوكها العملي من هذه القضايا، مع إجراءات فعلية بهذا الخصوص.

- أن تقوم إيران بنقد ذاتي لتواطئها مع الولايات المتحدة في احتلال العراق

- العمل على استعادة الأموال المنهوبة من قبل أطراف العملية السياسية الفاسدة الحاكمة في العراق ومعاقبة كل من اقترف جريمة بهذا الصدد بوصفها جريمة "خيانة وطنية عظمى".

-  العمل على تنشيط ملف التعويضات على احتلال العراق وتدميره من قبل قوات الغزو الأمريكي وحلفائها. ولا يعني ذلك بالنسبة لنا التنازل عن افعال السلطة التي حكمت العراق تحت حراب الاحتلال. إن هذا الموقف يحتوي على شقين في آن واحد. الأول هو تجريم من قام به بتهمة الخيانة الوطنية، والثاني الغاء هذا الاتفاق لأنه يتعارض مع الوقائع والحقائق والأسباب المفبركة، وعدم شرعيته الدولية والقانونية، والنتائج المترتبة على الحرب والاحتلال الامريكي وحلفائه للعراق.

- التحرر من  الحماية الأمريكية لصندوق الأموال العراقية. إن إيداع أموال العراق في صندوق خاص بذريعة حمايتها هو في الحقيقة احد وسائل الولايات المتحدة لتنفيذ أهدافها من استمرار احتلال العراق. إن لهذه الحماية أكثر من وجه متناقض. بمعنى انه في حال رفع الحماية الأمريكية عن صندوق الأموال العراقية، من شأن ذلك أن يعرض الأموال العراقية للتجميد أو المصادرة من قبل المحاكم الدولية التي تقبل شكاوي مختلفة ضد العراق. غير ان الحماية الأمريكية لهذا الصندوق اكثر خطورة من التواجد العسكري الامريكي في العراق. ان حماية الولايات المتحدة لصندوق الأموال العراقي، يجعل العراق مرتهناً تماماً للولايات المتحدة. لقد كان ثمن خروج العراق من البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة يقوم في وضع الأموال العراقية تحت الحماية الأمريكية، وهو يعني ارتهان العراق بصورة تامة للولايات المتحدة، من دون ضرورة جيوش امريكية.

***

يوسف محمد طه

 

عبد الحسين شعبانتستمر أعمال الاحتجاج والتظاهر في هونج كونج منذ أسابيع في أكبر تحدّ للحكم الصيني منذ تسلّمها من بريطانيا في العام 1997. وقضت اتفاقية التسليم، إبقاء هونج كونج على نظامها الرأسمالي لمدة 50 سنة قادمة.

ويعود سبب الاحتجاجات الحالية إلى صدور قانون يجيز تسليم المطلوبين إلى الصين، وتطوّر الأمر للمطالبة بإصلاحات ديمقراطية، علماً بأن هونج كونج «المستعمرة البريطانية» السابقة تُدار وفقاً لمبدأ «بلد واحد بنظامين»، حيث يعطي لمواطنيها حقوقاً لا مثيل لها في الصين، وخصوصاً فيما يتعلق بباب الحرّيات وفي مقدمتها «حرّية التعبير»، علماً بأن رئيسة هونج كونج الحالية كاري لام موالية للصين، ويبلغ عدد سكانه 7 ملايين فقط، حيث يمتدّ أصول نحو 94% منهم إلى قومية الهان الصينية.

وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد حذّر بكين من مغبّة قمع التظاهرات على غرار ما فعلته في ساحة «تيانانمين» العام 1989، معتبراً أن حصول مثل هذا الأمر سيضرّ بالمفاوضات التجارية الجارية بين واشنطن وبكين. وأعرب في تصريحات أخيرة عن أمله في أن تنتهي أزمة هونج كونج سلمياً وتحلّ بطريقة إنسانية،ودعا نظيره الصيني شي جينبينج إلى التفاهم مع المحتجين حول الحلول الممكنة.

وكانت الأزمة بين هونج كونج وبكين قد اندلعت منذ أكثر من شهرين، ولكن بكين صعّدت مؤخراً من نبرتها ضد حركة الاحتجاج وهو ما أعاد إلى الأذهان أحداث ساحة تيانانمين، حيث سقط المئات من الضحايا قتلى وجرحى، بعد أن نزلت الدبابات لسحق حركة تمرّد قادها شباب وطلاب عزل، يطالبون بإصلاحات والمزيد من الحرّيات.

وحتى الآن فإن خيار تيانانمين بالنسبة لبكين غير وارد أو مستبعد على الأقل، على الرغم من حساسية الصين إزاء هونج كونج التي احتلتها بريطانيا في أعقاب حرب الأفيون (1839-1842) وانتظرت طوال هذه الفترة لتعود إليها سلمياً، ومارست سياسة طول النفس والتدرّج لاستعادتها مثلما انتهجت سياسة مرنة ومتميزة منذ عودتها، لأنها لا تريد التفريط بها على الرغم من اختلاف طبيعة الحكم الذاتي وليبرالية النظام الذي تتمتّع به هونج كونج في إطار النظام الاشتراكي الصيني وقواعده المعروفة بالمركزية.

ولذلك وخلال الأزمة الراهنة كشفت بكين عن خطط جديدة لتطوير «مدينة شينزن» وجعلها «مكاناً أفضل» من هونج كونج وفق الإعلام الصيني الذي واجه الأزمة، وكان قد ورد في وثيقة توجيهية رسمية نشرتها الحكومة الصينية بأنها تنوي تحويل مدينة شينزن إلى منطقة رائدة وواجهة لما أسمته «الاشتراكية الصينية».

ونصت الوثيقة على اعتبار أبناء هونج كونج وماكاو العاملين في شينزن والمقيمين فيها مواطنين وأوجدت نظام دخول وخروج ملائماً ومنفتحاً ودون قيود شديدة، بما فيها السماح لحاملي الإقامات من الأجانب بتأسيس شركات علمية وتكنولوجية سعياً لاجتذاب الاستثمارات وتسهيل تمركز الشركات العالمية فيها للحصول على الأفضلية والريادة، وهكذا يُراد أن تتحوّل شينزن من قرية لصيد الأسماك إلى عملاق اقتصادي وبسرعة كبيرة.

وعلى الرغم من أن الوثيقة تضمّنت أهدافاً وخططاً عامة، لكن تأكيدها أنه بحلول العام 2025 ستصبح شينزن إحدى أفضل مناطق العالم لناحية «القوة الاقتصادية ونوعية التطور» جاء لافتاً للنظر، كما شدّدت الوثيقة على أن السلطات الصينية تعتزم تحقيق اندماج أكبر مع هونج كونج وماكاو، وأبدت آمالاً كبرى بأن تقود شينزن الواقعة جنوب الصين العالم بحلول العام 2035، وهذا يعني حسب خبراء في جامعة فيلونج الصينية أن هونج كونج إن بقيت غير جاهزة لاستغلال فرص اللحاق بالتطور في عموم الصين ستكون متخلّفة جداً في المستقبل مقارنة بشينزن التي ستتقدم بوتيرة سريعة جداً، علماً أن شينزن تقع على الجانب الآخر من الحدود مع هونج كونج لما يُعرف بسور الصين العظيم.

لقد تغيّرت «صين ماوتسي تونج» منذ وفاته وانتهاء «ثورته الثقافية» إلى دولة صناعية متطورة خلال أربعة عقود من الزمان فقط، وانتقلت من ضفة التخلف إلى ضفة التقدّم، وذلك بفعل انتهاجها سياسة انفتاحية في الاقتصاد والإدارة والاستثمار، تلك التي وضعتها اليوم منافساً قوياً على الزعامة مع الولايات المتحدة، حيث تحتل المرتبة الثانية في اقتصاد العالم بعد الولايات المتحدة، ولعلّ ذلك سيكون حافزاً جديداً لها في السباق الاقتصادي عبر شينزن وليس وفقاً لخيار تيانانمين.

 

عبد الحسين شعبان

 

منذ ان وضعت الحرب بين اسرائيل وحزب الله فى 2006م أوزارها تواطأ الطرفان معا على قواعد اشتباك أرساها القرار الصادر من مجلس الأمن الدولى تحت الرقم 1701م. حيثيات ذلك القرار كانت تعول على التزام الأطراف بتلك القواعد، كما وكانت تهدف وتأمل الى إرساء سلام مستدام على الحدود اللبنانية مع اسرائيل، لان الذين قاموا بصياغة تلك الحيثيات كانوا يعلمون ان حزب الله هو زراع المقاومة الإسلامية للاحتلال الاسرائيلى لدولة فلسطين، كما كانوا يعلمون ان اليمين الصهيونى لن يترك تلك السكين على خاصرته، ويعلمون تبعا لذلك ان المقاومة الإسلامية واليمين الصهيونى خطان متوازيان لا يلتقيان الا فى اللانهاية، فشددت عبارات القرار على ضرورة التزام كلا الطرفين بمحددات التهدئة وناشدت فى اكثر من موقع على احترام السيادة اللبنانية على اراضيه، كم كررت عبارات التأكيد ايضا على ضرورة احترام الخط ازرق الفاصل بين قوات كلا من الطرفين

لم يكن لرئيس الوزراء الاسرائيلى بنيامين ناتنياهو ليدع حزب الله فى شأنه ابدا، لانه يمثل تهديدا مستمرا ودائما على دولة إسرائيل لرفعه شعار المقاومة المسلحة لتحرير فلسطين من قبضة الاحتلال، ولانه يمثل زراع إيران الطولى فى الشرق الأوسط وإيران فى رأى نتناياهو هى شيطان رجيم لجهة عقيدتها الراسخة بان اسرائيل مكانها البحر وليس على ارض فلسطين الاسلامية، ولأنه الكيان الوحيد الذى يقارع اسرائيل المعارك فهو لا يتورع من شن اى هجوم فى اى وقت وفى مكان من دولة اسرائيل، لهذا فهو مصدر رعب حقيقى على نتنياهو بعد ان قام هذا الاخير بتدجين المقومة العربية وتحييدها من متطلبات الصراع العربى الفلسطينى .

تنص الفقرة الرابعة من قرار مجلس الامن الدولى رقم 1701 على الاتى (يعيد تأكيده وتأيده (اى القرار) الشديد حسب ما أشار اليه فى جميع قراراته السابقة ذات الصلة لسلامة اراضى لبنان وسيادته واستقلاله السياسى داخل حدوده المعترف بها دوليا حسب ما هو وارد فى اتفاق الهدنة العامة بين اسرائيل ولبنان المؤرخ فى 23\مارس\ 1949م ) .

بموجب هذا النص الواضح فانه لا يجوز لإسرائيل انتهاك السيادة اللبنانية وضرب أهداف داخل دولة لبنان وان فعل ذلك يكون قد اخل بالتزامه بموجب تلك الفقرة ويستحق المساءلة والمحاسبة ومن بين نتائج تلك المحاسبة صدور إدانة من مجلس الامن لذلك الفعل وتوقيع العقوبات التي يراها مجس الأمن وفق سلطاته تحت البد السابع .

هذا هو المسار الطبيعي للإحداث المترتبة على هجوم اسرائيل بطائرتين مسيرتين على الضاحية الجنوبية لبيروت ولكن لان إسرائيل وحزب الله على السواء على علم بان شيئا من ذلك لن يحدث سارع كل طرف لتوجيه الامور نحو الوجهة التى تتفق مع سوء نية الطرف الاخر .

سارعت اسرائيل الى القول بان ذلك الهجوم هو دفاع عن النفس لانه كان على مواقع تقوم بانتاج صواريخ دقيقة فى معقل حزب الله فى الضاحية الجنوبية، كما سارع حزب الله من خلال امينه العام حسن نصرالله الى القول بانه سيقوم بالرد على ذلك الهجوم لان إسرائيل ارادت تغيير قواعد الاشتبك التى ارساها القر ار 1701م

وضع ميثاق الامم المتحدة فى المادة 2/4 قاعدة عامة تقضى بعدم استخدام القوة المسلحة او التهديد باستخدامها فى العلاقات الدولية الا انه استثنى من ذلك استعمال القوة فى إطار نظام الامن الجماعى و ممارسة حق الدفاع الشرعى وفق ما جاء فى المادة 51 من الميثاق، وبما ان دولة اتسرائيل تدعى انها هاجمت لبنان فى اطار حقها فى الدفاع الشرعى فاننا سنقوم بتحليل نص المادة (51) من الميثاق والتى جاءت على النحو التالى

(ليس فى هذا الميثاق ما يضعف او ينقص الحق الطبيعى للدول فرادى او جماعات فى الدفاع عن انفسهم اذا اعتدت قوة مسلحة على احد أعضاء الأمم المتحدة وذلك الى ان يتخذ مجلس الامن التدابير اللازمة لحفظ السلم والامن الدوليين)

أوضحت تلك المادة ان الشرط الوحيد لاستعمال حق الدفاع الشرعى هو اعتداء قوة مسلحة على احد اعضاء الامم المتحدة، وبتجاوز ان ليس هنالك قوة مسلحة اعتدت على اسرائيل وان اسرائيل قد مارست حق الدفاع الشرعى بموجب نظرية الحرب الاستباقية التى ارساها الرئيس الامريكى الاسبق جورج بوش بالرغم من انتقادها من معظم فقهاء القانون الدولى الا ان اسرائيل لم تؤكد للمجتمع الدولى بان هنالك مصنعا لتصنيع الصواريخ الدقيقة داخل الضاحية الجنوبية لبيروت وان ما قالته فى هذا الخصوص لا يعدو ان يمون مجرد ادعاءات نفاها حزب الله فى حينها .

بغض النظر عن ما اذا كانت ادعاءات اسرائيل صادقة ام كاذبة فان حزب الله قد تجاوز النتائج القانونية المترتبة على هذا الاعتداء وذهب مباشرة الى الرد العسكري علىه ليغير قواعد الاشتباك الموجودة فى القرار رقم 1701م وبهذا فان الفعل ورد الفعل قد اكتملا تماما ويبقى السؤال الكبير، هل سيكتفى الطرفان بتلك العملية وتتغير بذلك قواعد الاشتباك ويفقد القرار 1701م وجوده؟ ام انها مجرد عملية خاطفة منفردة سيعود الطرفان بعدها اى الالتزام بمحددات القرار 1701م ؟

يرى بعض المراقبين ان قيام نتنياهو بهذا الهجوم فى هذا الوقت اراد ان يرسل من خلالها عدة رسائل الى عدة جهات، اولى تلك الرسائل أراد توجيهها الى ايران ويقول لها نحن قادرون على ضرب زراعكم فى لبنان فى اى وقت وفى اية جهة لاعتقادها بان ايران هى المحرك الرئيسي لكل ما يقوم به حزب الله من ادوار، والرسالة الثانية ارادت توجيهها الى الداخل الاسرائيلى وهو يتوجه بعد ايام الى صناديق الاقتراع ويقول له انا الشخص الوخيد القادر على حمايتكم من صواريخ حزب الله وبالتالى فانا الاقدر على نشر الامن فى داخل لااسرائيل. ويرى – ايضا - بعض المحليين ان الاعتداء على لبنان جاء بايحاء من ترامب الى نتنياهو للقيام بدور ما فى تضييق الخناق على ايران ومنعها من نشر الارهاب الدولى فى العالم كما يعتقد ترامب

على كل فان حسابات الربح الخسارة فى ذلك الهجوم يحددها مدى التوازى الذى يحققه حزب الله اللبنانى مع دولة اسرائيل من حيث القوة السياسية والقوة العسكرية

ليس سرا ان لاسرائيل قوة هائلة لا تقاس بحجم الدولة فمن الناحية السياسية فهى ترتكز على دعم لا محدود من الولايات المتحدة الامريكية والاتحاد الاروبى وهما قوتان عظيمتان من النواحى السياسية والعالم كله يرى ويسمع عن تصرفات اسرائيل فى مجال السياسة الدولية وعلاقات القانون الدولى فهى تتصرف فى هذا المجال بما يوحى انها فوق القانون ويؤكد هذا تعدياتها المستمرة على الفلسطينيين سواء فى نواحى التمدد الاستيطانى او القتل خارج دائرة القانون وكلها افعال ممنوعة فى القانون الدولى . اما من الناحية العسكرية فان اسرائيل تمتلك اكبر واحدث ترسانة قتالية هذا من اجل حفظ توازن القوى فى منطقة الشرق الاوسط وهذا التوازن يضع على عاتق الولايات المتحدة التزام تفوق اسرائيل من النواحى العسكرية على الدوام هذ كله فضلا عن الترسانة النووية التى تنكرها اسرائيل بالرغم من علم كل العالم بها .

بعقد مقارنة بسيطة بين اسرائيل وحزب الله نجد التفوق الاسرائيلى الكبير على حزب الله من الناحيتين السياسية والعسكرية ومع ذلك فان نتنياهو يكاد ان يطير فرحا لان حزب الله شن هجوما داخل اسرائيل ولكنه لم يصب احد بسوء. فحزب الله بالرغم من صغر حجمه وضعف امكانياته بالنسبة لاسائيل الا انه يمثل بعبعا يرتعد منه نتانياهو ويجعله يتبسم وهو يعلن ان حزب الله لم يحدث إصابات فى الأرواح وهو لا يعلم ان مجرد تنفيذ الحزب ضربة داخل اسرائيل فيه نصر كبير ليس لانه

استطاع احداث الهجوم فقط ولكنه استطاع ان يكسر حاجز الرهاب الذى تعيش فيه الامة العربية تماما كما كسر ذلك الحاجز الرئيس انور السادات فى حرب 1973م وازاح اسطورة الجيش الذى لا يقهر.

لعل بنيامين ناتنياهو فى حالة سرور لانه تجاوز تغيير قواعد الاشتباك مع خزب الله بقتله عنصرين من عناصر الحزب وتدمير موقع لتصنيع الصواريخ الدقيقة كما يزعم، مقابل تدمير ألية اسرائيلية واحدة ولكن حزب الله استطاع ان يزيح وهم التفوق الاسرائيلى الذى يفترض عدم الاقتراب من الحدود كما انه اوضح للاسرائليين ان صواريخه يمكن ان تصل الى عمق العمق الاسرائلى وهو اكثر ما يخشاه الشعب الاسرائيلى الذى وضعه نتنياهو تحت دائرة الخوف من فقدان الامن ليجلس هو على كرسى الحكم

لعله من المناسب ان نشير هنا ما يعتقده بعض المحللين من نتنياهو ربما يكون قد سعى لهذا الهجوم لتعزيز موقفه الانتخابى لانه يعلم ان الشعب الاسرائلى يبحث عن من يحقق له الأمن فى مواجهة التنظيمات التى يسميها ارهابية وان هذه التظيمات تسبب رعبا دائما لذلك الشعب بالرغم من صغر ححمها وضعف امكانياتها خاصة وان مثل اصطناع تلك المواجهات قد تكرر اكثر من مرة خاصة عندما تقبل اسرائيل على استحقاق انتخابى ما، فالي متى يظل الاسرائليين يعيشون مرمى صواريخ حزب الله والماقومة الفلسطينية المسلحة ؟ والى متى سيظل نتانياهو منهمكا فى صنع امجاده على اشلاء شعبه ولا نقول اشلاء الشعب العربى لان للعرب فى فلسطين ولبنان والعراق غيرها ثمن لا بد ان يدفعوه حتى تتحر ارض فلسطين كلها من دنس الاحتلال.

 

ناجى احمد الصديق - السودان

 

ابراهيم أبراشفي ظل استمرار الاحتلال والحصار والانقسام وانغلاق أفق الحل السياسي وتوقف الفصائل الفلسطينية عن مقاومة الاحتلال وغياب مشروع وطني موحد، كل ذلك يوفر بيئة مناسبة للفتنة والحرب الأهلية .

مع أننا نتمنى أن تكون التفجيرات الأخيرة في غزة والناتجة عن عمليات انتحارية كما قالت أجهزة حماس مجرد حدث طارئ، إلا أن السياق العام  لمجريات الأحداث والتحولات الثقافية والمجتمعية والسياسية منذ سيطرة حماس على القطاع بالإضافة إلى الوضع العربي والإقليمي وانغلاق أفق المصالحة والتسوية السياسية كلها تشي بعكس ذلك وتنذر بأوقات عصيبة قادمة لسكان القطاع، بل ما هو أكثر من ذلك كاستغلال إسرائيل لهذه الأحداث لتغيير المعادلة السياسية في غزة مع الحفاظ على الفصل بين غزة والضفة .

 كانت الثورة الفلسطينية ومقاومتها للاحتلال البوتقة التي تصهر الشعب الفلسطيني بكل انتماءاته الجهوية والمناطقية والحزبية وتوظفها لخدمة المصلحة الوطنية، ففي قواعد الثورة الفلسطينية في الأردن ولبنان وسوريا وخلال الانتفاضتين تجسدت الوحدة الوطنية بين كل الأحزاب بغض النظر عن أصول منتسبي كل حزب، بحيث كان أبن الضفة مع أبن غزة مع فلسطينيي الداخل والشتات، اليساري والوطني والإسلامي والقومي، اللاجئ والمواطن والفلاح والبدوي، يتشاطرون نفس الموقع ونفس الهدف واختلطت دماؤهم على أرض المعارك وتشاطر شهداؤهم نفس المقابر كما تشاطر أسراهم نفس السجون وجرحاهم نفس المعاناة .

مع تراجع استراتيجية الاشتباك مع العدو، وهي حالة بدأت مع قيام السلطة وتواصلت مع حركة حماس بتوقيعها اتفاقية هدنة، ومع فقدان ثقة المواطنين بالسلطتين وبالأحزاب تفشت العائلية والعشائرية وتشرذم المجتمع حسب الأصول والمدن والقرى وأصبح كثيرون وخصوصاً من الذين انخرطوا بالعمل الوطني طلباً لمصلحة ومنفعة أو للشهرة يبحثون عن انتماءات وهويات فرعية صغيرة يمكنهم من خلالها أن يكونوا قادة مشهورين حيث فشلوا أن يكونوا كذلك على المستوى الوطني .

فهذا ابن قطاع غزة منشغل بهموم ومشاكل القطاع وبحماس وسلطتها ويرى في رفع الحصار وتحسين المستوى المعيشي من كهرباء وعمل الأولوية على الهم الوطني العام، وذاك أبن الضفة مهموم ومتخوف من الاستيطان والمستوطنين والحواجز والاعتقالات، ومستاء من السلطة وممارساتها والقروض البنكية واستحقاقاتها، وأبن القدس بات يشعر وكأن الجميع تخلى عنه وبات شغله الشاغل كيف يحافظ على أمنه الشخصي وبيته وهويته الوطنية .أما اللاجئون سكان المخيمات فأصبحوا وكأنهم عالم مختلف وأصبح المخيم وكأنه دولة داخل دولة، وهذه الظاهرة موجودة وربما بشكل أكثر حدة في قطاع غزة ولكنها مستترة والكل يتجنب الحديث عنها علنا ولكنها تمارَس في بعض المؤسسات والجامعات وتقف خلف كثير من المشاكل .

لم يتوقف الأمر على ذلك بل مع تراجع المصالحة ووقف المقاومة التي كانت توحِد وتجمع من حولها الشعب أطلت الفتنة  برأسها، وكرة الانقسام المتدحرجة مست أيضاً الأحزاب، فتنظيم حركة فتح أصبح تنظيمين إن لم يكن أكثر، وحالات انشقاقات تتزايد داخل حركتي الجهاد الإسلامي وحركة حماس، وأحزاب اليسار تتآكل وتتشرذم، ومؤشرات خلاف بين الجهاد الإسلامي وحركة حماس، ومنظمة التحرير الفلسطينية تراوح مكانها وكأن لا أحد يريدها حتى أهلها، كل ذلك عزز ظاهرة صناعة أعداء داخليين لإخفاء الفشل في مواجهة العدو الرئيسي .

في مثل هكذا بيئة سياسية واجتماعية وأوضاع اقتصادية نبتت جماعات متطرفة تزعم أنها حركات جهادية وأن من حقها مجاهدة إسرائيل ما دام الآخرون توقفوا عن الجهاد !، ووجدت مزاعم هذه الجماعات قبولاً عند البعض وخصوصاً من المستاءين والغاضبين من التنظيمات الجهادية التي أوقفت جهادها،  كما لا نستبعد أن بعضها وجدت دعماً وإسناداً من أطراف خارجية بما فيها إسرائيل، فإذا كانت واشنطن وحلفاؤها صنعوا القاعدة وداعش فلماذا نستبعد أن تصنع إسرائيل دواعشها والأمر لا يحتاج إلا بعض المال والسلاح وشباب محبط وفقير وبعضهم ساقط أمنياً ! .

الجماعات الأصولية المتطرفة التي تقف وراء التفجيرات الأخيرة وبغض النظر عن مسماها، داعش أم القاعدة أم تشكيل جديد، عناصرها فلسطينيون وليسوا مستوردين من الخارج كما هو الحال مع المنخرطين في داعش والقاعدة في سوريا والعراق وليبيا الخ، وهذا يعني أنهم تربوا واكتسبوا ثقافتهم الدينية والسياسية من البيئة التي يعيشون فيها، وهي بيئة تراجع المشروع الوطني التحرري وضعف الانتماء الوطني وفشل الأحزاب وغياب القدوة القيادية، إلا أن حركة حماس بفكرها وثقافتها الدينية تتحمل المسؤولية الأكبر قبل غيرها حيث كفرت وأحلت دم أبناء الشعب والعاملين في الأجهزة الأمنية للسلطة،  وسكتت عن هذه الجماعات بداية لأنها اعتقدت أنهم حلفاء لها في مواجهة منظمة التحرير والوطنيين والعلمانيين، وأن هذه الجماعات ومعها حركة حماس والجهاد الإسلامي يشكلون المشروع الإسلامي العالمي  .

إذا ما استمر قطاع غزة محكوماً بسلطة حماس الدينية، وإذا ما استمرت حماس في توظيف ورقة الدين وفي اصدار الفتاوى جزافاً لتُكَفر هذا وتُحرم ذاك، فستجد من يعارضها ويُنكر عليها احتكار المجال الديني واحتكار الحق بالمقاومة، والحل يكمن في سلطة ومرجعية وطنية واحدة وموحدة في الضفة وغزة، وإذا كانت المصالحة غير واردة ولا محيص عن الانقسام، فلتكن سلطة وطنية في قطاع غزة تقطع الطريق على كل من يريد توظيف الإسلام لخدمة أغراض حزبية مشبوهة، ولتكن هذه السلطة الوطنية في غزة بداية وعاملاً مساعداً للمصالحة الوطنية .

 

إبراهيم أبراش

 

 

علاء اللاميقبل أن نبدأ بتفاصيل الجزء الثاني من هذا الملف، أود التعبير عن قناعتي التالية، والتي عبرت عنها في تعقيب على صفحة أحد الأصدقاء الأعزاء: لا أعتقد أن هناك علاقة للجانب الديني للمرجعيات وإدارات العتبات الدينية والهيئات الشيعية أو السنية بموضوع الرقابة ومكافحة الفساد فلا أحد طالب أو سيطالب بتدخل الدولة في التخصصات والمشمولات الدينية أو الفقهية لهذه الجهات والهيئات والمرجعيات الدينية، ولكن هذه الجهات هي التي أقحمت نفسها في النشاط الاقتصادي، التجاري والصناعي والنقل الجوي والبري والمصارف والكليات والجامعات وبهذا فإنها خرجت عن صفتها وتخصصاتها الدينية وأصبحت مؤسسات اقتصادية لها مالها وعليها ما عليها من ضرائب ومراقبة وغير ذلك، أما أن يكون من حقها النشاط وكسب الأرباح فقط دون رقابة أو ضرائب أو سيطرة للدولة فهذا أمر غير صحيح ومدمر للدولة والمجتمع وللجهات الدينية ومرموزاتها الروحية المعروفة. ربما تعرف رأيي الشخصي بهذا الخصوص وهو أنني أرفض أي تدخل من الدولة في شؤون الهيئات الدينية، مثلما أرفض تدخل الهيئات والشخصيات الدينية بصفتها شخصيات اعتبارية وليس كمواطنين عاديين في الشأن السياسي العام، ولكن حين تصبح رائحة الفساد في مؤسسات اقتصادية تابعة للهيئات الدينية لا تطاق، وتصل ملفاتها الى المحاكم والرأي العام فيجب أن تتدخل الدولة، طبعا هذا في حال وجود دولة وليس دويلات كما هي الحال في عراق اليوم. إن عدم تدخل الدولة سيعني نشوء دويلات مستقلة في هيئة "إقطاعيات دينية" في داخل الدولة الرسمية وينجم عن هذا الإقحام  تضخم في رأسمال وكوادر وبيروقراطية تلك الهيئات والمشاريع الدينية التجارية وهذا أمر لم يحدث في كل تاريخ الدولة العراقية القديمة والحالية ولا في تاريخ التشيع العراقي وغير العراقي!

لنعد إلى موضوع الوقف الشيعي لندرج هذه المقتبسات من تقارير كثيرة بهذا الخصوص، فقد أكدت لجنة النزاهة البرلمانية، في سنة 2016 وجود شبهات فساد كبيرة وهدر مالي في ديوان "الوقف الشيعي" في العراق، استمرارا لمسلسل الفساد المالي والإداري المستشري في العراق. قال مقرر اللجنة جمعة البهادلي في تصريح له (إن هناك أكثر من عشرة ملفات فساد تخص الوقف الشيعي أحيلت إلى هيئة النزاهة تضمنت شبهات فساد مالي وإداري). وكان النائب كاظم الصيادي قد اتهم رئيس الوقف الشيعي علاء الموسوي (وكان يعرف باسم علاء الهندي سابقا) بتزوير شهادة تخرجه وأكد أنه لم ينل حتى شهادة الدراسة الإعدادية، وأنه حصل على منصبه الحالي بشهادات مدرسية وجامعية مزورة.

وتحدثت تقارير تلفزيونية / رابط"1" عن صرف 66 مليون دينار من قبل الوقف الشيعي وبتوقيع رئيسه علاء الموسوي على احتفال وهمي لا وجود له، وعن صفقة شاي "63 طنا" استوردت من أموال الوقف لتوزع على المواكب الحسينية ولم يوزع منها شيء. وقد فشلت محاولة لاستدعاء الموسوي واستجوابه من قبل مجلس النواب بصفته رئيس هيئة رسمية تابعة للدولة هي الوقف الشيعي.

*تجدر الإشارة إلى أن رئيس الوقف الشيعي السابق حسين الشامي أقيل من منصبه على خلفية تهم فساد أخرى تتعلق بشراء أراضي جامعة البكر سابقا لتتحول إلى جامعة "الإمام جعفر الصادق" لتكون تابعة للوقف الشيعي وبثمن زهيد بلغ مليون دولار بينما قيمتها الحقيقية 800 مليون دولار، وقد بيعت أراضي الجامعة للشامي من قبل وزارة الدفاع. ومعلوم أن إغلاق وإنهاء وجود هذه المؤسسة العلمية العسكرية "جامعة البكر للدراسات العسكرية" ومصادرة أرشيفها وبنيتها التحتية، كان من أول قرارات الحاكم المدني الأميركي للعراق المحتل بول بريمر ضمن سلسلة قراراته للإجهاز على الدولة العراقية ومؤسساتها وخاصة العسكرية ومنها حل الجيش وإلغاء هذه الجامعة.

وبصدد ملكية أراضي هذه الجامعة نعلم أن المحكمة الاتحادية العليا كانت قد أصدرت أمرا قضائيا سنة 2011 يوجب إرجاع الجامعة الى ممتلكات الدولة. 

تقع الجامعة في منطقة الوزيرية وسط بغداد، وتبلغ مساحتها 13 ألف متر مربع وقد بيع المتر المربع الواحد بألف دينار أي أقل من دولار واحد!  وبدورها ألغت محكمة التمييز بيع جامعة "البكر" إلى حسين بركة الشامي "2". وقد أقيل الشامي من منصبه كما قيل، ولكنه أصبح "مستشارا ثقافيا" لرئيس الوزراء نوري المالكي ثم اختفى وسافر إلى بريطانيا في ما بعد دون أن يُتخذ بحقه أي إجراء قضائي أو حكومي ولا يعرف حاليا ماذا حل بجامعة البكر للدراسات العسكرية سابقا "جامعة الإمام جعفر الصادق" لاحقا!

* ومن تقرير إخباري نشرته صحيفة "العالم الجديد" تحت عنوان (بالوثائق: رئيس الوقف الشيعي يعين خمسة أصدقاء كـ "خبراء" بـ300 مليون دينار سنويا) رابط "3" نقدم هذه الخلاصات عن الفساد في الوقف الشيعي:

1- حصلت الصحيفة على وثائق صادرة بتاريخ 13 تموز يوليو الماضي، وتوقيع رئيس ديوان الوقف الشيعي (المؤقت) علاء عبد الصاحب الموسوي المعروف بـ(الهندي) تقضي بتعيين كل من الشيخ محمد جبر علوان الكعبي، والشيخ ستار جبار سلمان الجيزاني، والشيخ طاهر جهلول اشيرم الخاقاني، كخبراء ويضيف المصدر من داخل ديوان الوقف الشيعي أن "الموسوي (الهندي) لم يكتف بذلك بل عين خبيرا ماليا وهو يسكن دولة الامارات، فيما عين أيضا مستشارا قانونيا بنفس مقدار الراتب لكليهما". هؤلاء "الخبراء" يكلفون الدولة سنويا 300 مليون دينار كرواتب فقط.

2- إن "رئيس الديوان سكن بعد تعيينه، في بيت بالجادرية وسط بغداد، وصرف على ترميمه 18 مليون دينار من أموال الوقف، الا أنه تحول الى منزل فخم وصف بالقصر، وقام بسحب سلفة مقدارها 150 مليون دينار لترميم ذلك البيت من أجل سكنه، في حين ان حالة البيتين لم تكن بحاجة الى هذا الترميم".

3- يتمتع رئيس الوقف بامتيازات ومخصصات منها حمايات وسيارات، ونثرية (مصاريف الأكل والشرب) قد تصل الى 40 مليون دينار شهريا".

4- يشار الى أن ملفات الفساد في ديوان الوقف الشيعي لم تفتح لغاية الآن على الرغم من "هدر" المليارات خلال الأعوام الماضية على ترميم الجوامع والحسينيات، ومن دون أية متابعة أو مراقبة تذكر.

* فيديو: الموسوي يعترف بوجود مشاكل فساد في مشاريع الوقف الشيعي ويصفه بأنه فساد غير مقصود بل ناتج عن الغفلة وسوء فهم القوانين العراقيين وحين سأله المذيع أن يذكر بعض الأمثلة رفض ذلك/ رابط "4".

* هل قُتل القاضي عزت توفيق جعفر؟ صرح القاضي عزت توفيق جعفر رئيس هيئة النزاهة للصحافة قائلا: كشفنا 270 مشروعا متلكأ في محافظة كربلاء وسيكون عام 2019 عام المساءلة والمحاسبة وكشف الأدوار والمسؤوليات. ومن بين المشاريع التي أشار إليها القاضي جعفر مطار كربلاء وقال القاضي إنه يستعد لنشر تقرير يفضح الفاسدين في شهر آذار القادم وبعد هذا الإعلان زار القاضي العتبة الحسينية فسارع امين العتبة العام مهدي الكربلائي الى إصدار بيان أكد فيه دعمه لجهود محاربة الفساد. وفي تسجيل فيديو رابط "5" قال القاضي جعفر متحدثا إلى الصحافة: إن منظومة الفساد أصبح لها استراتيجيات ولها خطط ولربما تصل إلى مستويات تكون فيها أقوى من الأجهزة المعنية بمكافحة الفساد ولها من القدر على التأثير والتغير أكثر من أجهزة مكافحة الفساد. ولكن القاضي لم يتمكن من إصدار تقريره الكاشف للفساد والفاسدين وتقديمه الى الهيئات القضائية المعنية لأنه قتل في حادث سير مروري قبل تقديم تقريره!

ومن تطورات ملف الوقف الشيعي ورئيسه علاء الموسوي الأخيرة، ما قيل عن محاولة اعتقال علاء الموسوي في شهر تموز الماضي (من قبل قوة أمنية مكونة من 18 عجلة حضرت الى قاطع المسؤولية ضمن محلة 915 قرب جامع عاتكة، وتم مداهمة دار يسكن به رئيس الوقف الشيعي علاء الموسوي واضافت ان "القوة قامت بتفتيش الدار واعتقال الموسوي، فيما ذكرت مصادر صحفية ان "القوة حضرت الى منزل الموسوي، ولم يكن متواجدا فيه)، رابط لوكالة السومرية/ رابط "6".

وفي اليوم التالي قالت الأنباء إن قوات مجهولة الهوية اقتحمت دار الضيافة التي يسكنها الموسوي وجردت حراسها من أسلحتهم وفتشت الدار ثم انسحبت، وصرح الموسوي بعد ذلك فوصف القوة المداهمة بأنها من المجموعات المسلحة السائبة" وأضاف (إن  ما حصل تجاوز على مفصل حساس ويمت إلى المرجعية والناس ونحن ننتظر نتائج التحقيقات من الحكومة، وقدمنا شكوى للحكومة والجهات المعنية) رابط "7". وقد سارعت الجهات الحكومية الى التبرؤ من هذه العملية الأمنية وأمر عادل عبد المهدي بفتح تحقيق عاجل حول ما حدث. وزار وزير الداخلية طاهر الياسري رئيس الوقف ليطمئن عليه ويطمئنه الى استمرار التحقيق في ما حدث، رابط "8". وأصدر عمار الحكيم بيانا شديد اللهجة طالب فيه بإلقاء القبض على عناصر القوة المداهمة! وبعد أربعة أيام على الحادثة صدر تصريح من قيادة الحشد الشعبي استنكرت فيه عملية المداهمة وقالت إنها (أصدرت أوامرها فور حدوث الأمر الى مديرية أمن الحشد للتنسيق مع الأجهزة الأمنية المتخصصة لملاحقة الفاعلين وإلقاء القبض عليهم وتقديمهم للقضاء) رابط "9" ولم يتم الإعلان لاحقا عن اعتقال أحد او عن الجهة التي قامت بعملية الاقتحام والمداهمة لدار ضيافة رئيس الوقف الشيعي علاء الموسوي "الهندي سابقا".

 

علاء اللامي

......................

* الصورة الأولى لكتاب تعيين خبير في مجال التوجيه العقائدي والديني ودعم الحشد العشبي بتوقيع رئيس الوقف الشيعي علاء الموسوي.

* الصورة الثانية لوزير الداخلية طاهر الياسري زائرا رئيس الوقف الشيعي بعد مداهمة دار الضيافة الخاصة برئيس الوقف.

* روابط بمصادر الجزء الثاني:

1- فيديو عن أخبار صفقات الشاي والحفلات الوهمية بتوقيع علاء الموسوي:

https://www.youtube.com/watch?v=INu2canXunw

2- رابط مقالة لعلي عجيل منهل تتحدث عن قرار المحكمة الاتحادية والتمييزية لإبطال عقد بيع وشراء جامعة البكر للدراسات العسكرية 

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=277319&r=0

3- رابط التقرير الصحافي لصحيفة " العالم الجديد"/ بالوثائق: رئيس الوقف الشيعي يعين خمسة أصدقاء كـ "خبراء" بـ300 مليون دينار سنويا

https://al-aalem.com/news/18561-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%AB%D8%A7%D8%A6%D9%82-%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D9%88%D9%82%D9%81-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%8A%D8%B9%D9%8A-%D9%8A%D8%B9%D9%8A%D9%86-%D8%AE%D9%85%D8%B3%D8%A9-%D8%A3

4- فيديو يعترف فيه رئيس الوقف الشيعي الشامي بوجود فساد غير مقصود في الوقف اشيعي:

https://www.youtube.com/watch?v=HLaZ8QtOqok

5- فيديو لخطاب رئيس هيئة النزاهة التي قتل في حادث سير قبل تقديمه لتقريره حول الفساد والذي قال فيه (الدقيقة الرابعة و20 ثانية) إن منظومة الفساد أصبح لها استراتيجيات ولها خطط ولربما تصل إلى مستويات تكون فيها أقوى من الأجهزة المعنية بمكافحة الفساد:

https://www.youtube.com/watch?v=C8dmeyyvypY

6- مجهولون يهاجمون مقر الوقف الشيعي وعبد المهدي يفتح تحقيقا بذلك:

https://www.alsumaria.tv/news/%D9%85%D8%AD%D9%84%D9%8A%D8%A7%D8%AA/311046/%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D9%88%D9%82%D9%81-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%8A%D8%B9%D9%8A-%D9%85%D8%A7-%D8%AD%D8%B5%D9%84-%D8%AA%D8%AC%D8%A7%D9%88%D8%B2-%D9%88%D9%86%D9%86%D8%AA%D8%B8%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AD%D9%82%D9%8A%D9%82%D8%A7%D8%AA-%D9%85%D9%86

7- أنباء عن محاولة اعتقال رئيس الوقف الشيعي في شهر تموز الماضي ولكنه لم يكن موجودا.

https://www.alsumaria.tv/news/%D8%A3%D9%85%D9%86/310938/%D8%A7%D9%86%D8%A8%D8%A7%D8%A1-%D8%B9%D9%86-%D8%A7%D8%B9%D8%AA%D9%82%D8%A7%D9%84-%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D9%88%D9%82%D9%81-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%8A%D8%B9%D9%8A

8- رابط تقرير عن زيارة وزير الداخلية لعلاء الموسوي

https://www.nasnews.com/%D8%A8%D8%B9%D8%AF-%D8%AD%D8%A7%D8%AF%D8%AB%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%88%D9%82%D9%81-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%8A%D8%B9%D9%8A-%D9%88%D8%B2%D9%8A%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%A7%D8%AE%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D9%8A/

9- وزير الداخلية يزور رئيس الوقف الشيعي والحشد يتبرأ من المجموعة التي هاجمت دار الضيافة التابعة للوقف الشيعي:

https://www.nasnews.com/%d8%a8%d8%b9%d8%af-4-%d8%a3%d9%8a%d8%a7%d9%85-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%a7%d8%af%d8%ab%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b4%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a8%d9%8a-%d9%8a%d8%b9%d9%84%d9%82/