يقوم السياسيون والمثقفون المؤدلجون بأسوأ المهام والوظائف في الجماعات البشرية، إنهم من يعطي الأوامر بالذبح والقتل والموت لمن يعتبرونهم أفراد الجماعة التي "يمثلوها" أو ينصبون أنفسهم "قادة" متوجين ومستحقين لها، إلى جانب الأوامر بالنهب المشروع لأفراد جماعتهم الأضعف أو الجماعات الأخرى التي تقع تحت رحمتهم وكل أشكال التنمر الأخرى بالضعفاء والعاجزين عن الدفاع عن أنفسهم الذين يضعهم حظهم العاثر في طريقهم .. يقوم المثقفون المؤدلجون فقط بتبرير كل تلك المزاعم بالسيادة والحق الحصري بالسلطة وتبرير كل تلك الجرائم وتطهير ضمير ساداتهم والجماعات التي يدعون الدفاع عنها وتمثيلها من الجرائم والدماء والأهوال التي صنعتها أيديهم .. قتل الملايين بيد ستالين وماو وخوجه وقبلهم لينين وتروتسكي وغيرهم من قادة البروليتاريا وآباء الشعوب المتآخية .. على سبيل المثال لا الحصر وبسبب ثقة ستالين المبالغة بتطمينات هتلر ونتيجة أخطائه التكتيكية خاصة في السنوات الأولى من "حربه الوطنية العظمى" أسر وذبح ملايين الشباب الروسي دون أي معنى .. في ستالينغراد كان متوسط عمر كل جندي سوفيتي يقوده مصيره إلى هناك يتراوح بين يوم وثلاثة أيام .. في غاليبولي عند أبواب استانبول أخبر مصطفى كمال (أتاتورك فيما بعد) جنوده أنه لا يأمرهم أن يقاتلوا بل أن يموتوا ليعطوا فرصة لتعزيز الدفاعات المنهارة بالإمدادات المنتظرة .. لن أحدثكم عن الامبراطور الياباني الذي أرسل آلاف مؤلفة من شباب بلاده في موجات انتحارية مجنونة بلا جدوى ولا خصمه ماك آرثر الذي كان بين خيار إرسال آلاف الشباب الأمريكان لموت عبثي أو آلاف المدنيين اليابانيين لموت مشابه .. سخر العفيف الأخضر من انتصارات أكتوبر التي كلفت آلاف الشباب العربي واليهودي المتحمس حياتهم فقط بهدف تحريك الوضع السياسي الراكد .. لا أعرف كم يدرك السياسيون ومثقفوهم ذلك لكن وظيفتهم هي أكثر الوظائف فتكا وإثارة للرعب وإنتاجا للآلام والمآسي بين البشر من أي شيء آخر، أكثر بكثير من كل طواحين الهواء التي يقولون أنهم يحاربوها .. أن تكون سياسيا ومثقفا مؤدلجا يعني أن تزعم أنك وحدك دون كل خصومك، وأولا وقبل أي شيء، دون أي إنسان آخر على هذه الأرض، من يملك الحق في إصدار أوامر قتل ونهب وسحل وقمع ليس فقط خصومك، بل كل إنسان .. أنك وحدك تملك الحق في "قيادة" كل الآخرين، أن تأمرهم، تسجنهم، تعفو عنهم، تجبرهم على السخرة، تمنحهم، تحرمهم، تأمرهم بقتل خصومك أو من يعارضك أو الموت في سبيل ذلك .. أنك وحدك تملك الحق في أن تحدد من سيعيش وكيف .. أنك وحدك من يعرف، ليس هذا فحسب، بل الوحيد الذي يعرف كل شيء، الوحيد الذي لا يخطئ ولا يأتيه الباطل من أمام ولا من خلف، الوحيد المخول بإصدار أحكام التكفير والتخوين والردة والخيانة العظمى وشيطنة الآخر وتجريد كل خصومك بل كل من لا يشبهك من إنسانيتهم التي تحصرها بك وبجماعتك المزعومة وساداتك، الوحيد الذي يجب على الجميع أن ينصتوا له، فقط أن يستمعوا ويطيعوا، أنك وكل ما تقوله وتقدسه ومن تخدمهم، أنكم الوحيدون الذي يمنع انتقادهم ومناقشتهم .. المهمة الموضوعة أمام المثقفين العضويين أو شعراء القبائل وفق مصطلحاتنا العربية، هو تبرير ذلك كله ..    

 

مازن كم الماز

 

 

علاء اللاميالفرق بين الرئيس الروسي الذي خرج لتوه فائزا من استفتاء "شعبي" يكرس رئاسته كأي دكتاتور انقلابي في العالم الثالث حتى سنة 2036 ويضمن تصفير فترات رئاسته السابقة، وبين القائد الاشتراكي الأممي الذي قاد ثورة أكتوبر 1917 وأسس الاتحاد السوفيتي فلاديمير لينين، فرق وكبير وواضح جدا: فبوتين اعتبر المبدأ اللينيني الذي يحترم حق الشعوب في تقرير مصيرها سواء في الانضمام الى اتحاد دول اشتراكية أو في الانسحاب من هذا الاتحاد قنبلة موقوتة وخطأ يجب ألا يتكررفي دولة الاتحاد الروسي أما لينين فقد أصرَّ على وضع هذا المبدأ في دستور اتحاد الجمهوريات السوفيتية سنة 1922 ورحل عن عالمنا بعد أقل من عامين فلم يمهله الموت ليرى تطبيق مبدأه هذا على أرض الواقع. ثم بدأت الكارثة الستالينية التي حولت الاتحاد إلى سجن للشعوب وبقي المبدأ اللينيني حبرا على ورق.

إن رفض بوتين الرأسمالي القومي لمبدأ لينين في ضمان حرية الشعوب انضماما إلى وانسحابا من الدول الاتحادية يقود بالضرورة الى الاضطهاد القومي وسحق تطلعات الشعوب الصغيرة باسم الاشتراكية أو الرأسمالية، أما مبدأ لينين فيعبر بكل وضوح عن الأممية والإنسانية في أرقى صورها وأسماها وضمان حرية الشعوب كل الشعوب في تقرير مصيرها بنفسها. أما الأسوأ من البرجوازي القومي بوتين فهم أولئك الاشتراكيون المزيفون الخونة (الأشبه بالفجل الأحمر فهو أحمر القشرة وأبيض الباطن) والذين ينحازون إلى محتلي وغزاة بلدانهم ويشاركونهم في احتلالها وترسيخ مشروعها السياسي الرجعي والطائفي في تلك البلاد المحتلة.

*هنا رابط تقرير إخباري ورد فيه (قول بوتين، في مقابلة مع برنامج تلفزيوني، أن الدستور السوفيتي تضمن الطرح اللينيني حول الحق في انفصال الجمهوريات عن الاتحاد. وقال بوتين، "هذه هي القنبلة الموقوتة التي وضعت عام 1922 أثناء تشكيل الاتحاد السوفيتي". وشدد بوتين على أن هذه القاعدة تكررت في الدساتير اللاحقة للاتحاد السوفيتي. وقال: "بالطبع، يجب أن نتجنب مثل هذه الأشياء"). رغم أنني لا أميل إلى تصنيف نفسي أيديولوجيا ولا "أعتبرني" لينينيا، ولكن الإنصاف واجب أمام سيرة ثوري كبير مثل لينين. ومن طريف ما شاهدته قبل فترة بخصوص لينين أن مؤرخا روسيا قال في برنامج "رحلة في الذاكرة" قبل فترة ما معناه أن فلاديمير لينين كان الروسي الوحيد او شبه الوحيد في قيادة الحزب البلشفي حين قاد ثورة أكتوبر سنة 1917 أما رفاقه الآخرون فكانوا "متروسين/ على صيغة مستعربين" أي من أصول قومية أخرى غير روسية، ورغم ذلك كان لينين هو الأكثر عداء وكرها بين رفاقه للشوفينية القومية الروسية والأقوى تضامنا مع ضحاياها من أبناء الشعوب الأخرى المضطهَدة والمظلومة.

*وبالمناسبة، تحية إلى الحزب الشيوعي في روسيا الاتحادية بقيادة زوغانوف الذي دعا أعضاءه وأنصاره إلى التصويت بلا على استفتاء بوتين ولم يرضخ له كما ترضخ "أحزاب الفجل الأحمر" هنا وهناك للزعماء الدول حتى لو كانوا من حلفاء غزاة أوطانهم وخدامهم ...

 

علاء اللامي

...........................

رابط الخبر عن تصريح بوتين:

https://arabic.rt.com/russia/1131135-%D8%A8%D9%88%D8%AA%D9%8A%D9%86-%D8%AA%D8%AD%D8%AF%D8%AB-%D8%B9%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%82%D9%86%D8%A8%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D9%82%D9%88%D8%AA%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B3%D8%AA%D9%88%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D9%81%D9%8A%D8%AA%D9%8A/

 

محمد سعد عبداللطيفمن يحارب من؟

تُعتبر منطقة الشرق الأوسط الكبير الممتد غربا حتي افغانستان وتركيا وشمال إفريقيا. ساحة الاختبار على المستوى الدولي في ما يتعلق بفعالية المساعدة الأمنية . التي تُقدمها القوى العالمية والإقليمية. التي ساهمت تلك المساعدة الأمنية في شدة وتكرار الحروب بالوكالة – مثل تلك القائمة الآن في ليبيا واليمن وسوريا والعراق – وفي عسكرة الجهات الفاعلة الحكومية وشبه الحكومية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. ففي ثمانينيات القرن المنصرم .وفي نهاية الحرب الباردة كانت  المساعدة الأمنية هي جوهر التنافس على التفوّق العسكري والاستراتيجي والأيديولوجي وحتى الاقتصادي في الشرق الأوسط. لكن على الرغم من الأهمية الواسعة والمتنامية للمساعدة الأمنية للمنطقة وللمنافسة داخلها بين الجهات الفاعلة العالمية والإقليمية، كانت المساعدة الأمنية موضع قدر قليل نسبيًا من التحليل المقارن. وبالمثل فالجهود المبذولة لتقييم العلاقات بين الأهداف الاستراتيجية وبين الأساليب التشغيلية لمزودي المساعدة الأمنية وتأثيراتها النسبية على المستفيدين. حاولت الولايات المتحدة وبكل الأساليب التنافس بطرد الوجود السوفيتي السابق في الشرق الأوسط .وكانت البداية  في مصر والقرن الأقريقي .وجاء عام 1979م .تنقلب موازين القوة والتنافس مع ظهور النواة الاولي لتنظيم القاعدة .من رحم الأحداث إقتحام الحرم المكي فجر أول يوم في السنة الهجرية 1400 .وقيام الثورة الإيرانية .وتوقيع اتفاقية السلام بين (مصر وإسرائيل) وطرد الوجود السوفيتي من مصر .وتولي صدام حسين مقاليد الحكم في العراق .والحرب الأهلية في لبنان .واشتعال حرب افغانستان الاهلية .كل ذلك ساعد علي صراع لصالح الأمريكان وحليفة الاستراتيجي اسرائيل .ومع انهيار  حائط برلين وانهيار وتفكك حلف وارسو. كانت المنافسة آحادية لصالح الأمريكان .ظهر منافس أخر من رحم الثورة الأسلامية في إيران (ولاية الفقية) ضد الهيمنة الأمريكية .وظهور قوة جديدة مع تولي الرئيس بوتين الحكم .

فمن المعروف أن منافسيها الرئيسيين في المنطقة في تقديم المساعدة الأمنية – أي روسيا وإيران – ساعدا وكلائهما على تحقيق نجاحات ملحوظة في ميدان المعركة. فالمنافس الأول، روسيا ساعد في سوريا وبشكل مطرد في ليبيا؛ والمنافس الثاني "إيران" ساعد في سوريا وكذلك في لبنان من زرع وكيل لة من ( حزب اللة) كذلك فصائل في العراق تنتمي الي المذهب الشيعي، وإلى حد أقل في اليمن من جماعة الحوثيين . بالإضافة إلى ذلك، يبدو أن روسيا أنجزت، بدرجات متفاوتة، عددًا من أهداف المساعدة الأمنية التي حددتها وكالة أبحاث الكونجرس. فدورها المحوري المتزايد في المنطقة، والذي يعتمد إلى حد كبير على قدرتها الظاهرة كمزود للمساعدة الأمنية، إلى جانب الدبلوماسية المُحنكة، مكناها من إدارة التحديات الأمنية الإقليمية في المشرق والمغرب الكبير، مثل تلك التحديات التي تنطوي عليها العلاقات (التركية العربية) من خلافات مع تداعيات ثورات الربيع العربي ، وبناء روابط مؤسسية وشخصية مع النخب العسكرية والسياسية ليس في سوريا وحدها ولكن أيضًا في مصر والسودان والجزائر. وهذا إلى جانب نجاحات مماثلة في بلدان أخرى، من الممكن لهذه الروابط في المستقبل أن تمكنّ روسيا من إقامة تحالفات غير رسمية تمارس عليها على الأقل نفوذًا كبيرًا.

من الواضح أن الولايات المتحدة وروسيا وإيران اختارت مناهج مختلفة للمساعدة الأمنية في الشرق الأوسط لها تبعات هائلة على بناء الدول والاستقرار ولكم مازالت الأوضاع في مناطق غير مستقرة ..

على الجانب الآخر، فيما يتعلق بالدولة المنافسة للولايات المتحدة، سواء في الشرق الأوسط أو في مناطق الصراع الساخنة في أوروبا، فإن لروسيا توجهات تحكمها أوضاعها الداخلية، وطموحات الرئيس بوتين، وما تملكه من قدرات على تحقيق ما تريده لتواجدها خارج حدودها. وتستند سياسات روسيا تجاه منطقة الشرق الأوسط إلى كون هذه السياسات، جزءاً من معادلة علاقتها بالولايات المتحدة، - قرباً أو تباعداً - وارتباط ذلك بحرص روسيا على أن تستعيد وضع القوة العظمى الذي كان لها في فترة وجود الاتحاد السوفيتي. وإن كانت عودة روسيا إلى المنطقة تسير في مسار مختلف عن المسار السوفيتي السابق، وبمبادرات تختلف عن سياسات الولايات المتحدة، والغرب عامة. وإلى جانب هذا الهدف، فإنها تريد التوسع في العلاقات مع دول المنطقة، خاصة ما يعود عليها بمنافع اقتصادية.

في هذا الإطار كان تدخلها عسكرياً في سوريا، والذي استغلت فيه حالة السلبية التي سادت الموقف الأمريكي خاصة تجاه توسع شبكات الإرهاب الخارجية في الأراضي السورية.

ولكن الكثير من المراقبين يرون أن التدخل العسكري الروسي في سوريا، يمثل حالة استثنائية، ولا يتوقعون أن يتكرر في حالات أخرى في المنطقة، وهي تدرك أنها لن تكون في وضع المنافسة مع الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.

ولا شك في أن الأبواب المفتوحة أمام روسيا في المنطقة، لخلق علاقات سياسية واقتصادية، يساعد عليها ما كان قد انتاب الولايات المتحدة من تردد في الوفاء بالتزاماتها التاريخية تجاه أمن بعض دول المنطقة، وإنتاجها سياسات تمثل إغراقاً في التحيز ل«إسرائيل» على حساب القضايا العربية، وتزايد لهجة المطالبة بأن تتحمل دول المنطقة أعباء ما تقوم به الولايات المتحدة من تحركات ومواقف، كانت تقوم بها في الماضي وهي تعلم أنها إذا كانت تحمي مصالح دول المنطقة، فإنها تدعم مصالح الأمن القومي الأمريكي في الوقت ذاته.

في هذه الأدبيات السياسة الخارجية  الأمريكية، باعتباره تسهيلاً للعلاقات الفعالة بين المسؤول الرئيسي والوكيل، وبالتالي تسهيلاً للمساعدة الأمنية، يمتاز بأهمية خاصة في الشرق الأوسط، وهو وجود "مؤسسة حكم شرعية وفعالة نسبيًا". تشير وكالة أبحاث الكونجرس إلى أن "الجهود الأقل فعالية التي أجراها بناء قدرة الشريك كانت تتم إما أثناء النزاعات والحروب (المواقف التي تتنافس فيها أطراف معارضة على الحكم) أو في البلدان التي يكون فيها الحكم الشرعي ناشئًا نسبيًا. "  وهذا ظهر في سمال العراق في دعم الأكراد ومحاربة الدولة الاسلامية ( داعش) في نفس الوقت تساعد بالدعم اللوجستي  فصائل جهادية شمال سوريا .  ففي فترة حكم  الرئيس أوباما طالبت الدول العربية بفتح مجال الحريات والانتخابات الحرة وملفات حقوق الانسان شرط المساعدات الامنية . لذلك كانت الخارجية الأمريكية في حالة تخبط من اندلاع الثورات العربية . من الاكتفاء  بتصريحات فقط بضبط النفس . وكان يقلق الجانب الامريكي أن "الفساد والكسب غير المشروع لدى الشريك يمكن أن يعوقا فعالية بناء قدرة الشريك بشكل كبير. توجد أدلة قليلة تفيد بأن فعالية بناء قدرة الشريك يمكن أن تكون فعالة من دون وجود شريك راغب وقادر على أرض الواقع. ومع الأحداث الجارية في المنطقة وانتشار وباء فيروس كورونا والسياسة الشعبوية من الرئيس ترامب .هل صعود الصين وقوي اقليمية أخري في العالم؟  سيخلق وضع أخرمن حرب عالمية باردة وصراع في الشرق الأوسط من أطراف أقليمية .

 

محمد سعد عبد اللطيف

كاتب مصري وباحث في الجغرافيا السياسية

 

نبيل احمد الاميرﻧُﺰﻳﺢ اليوم ﺍﻟﺴﺘﺎﺭ ﻋﻦ أهم قراءة او أهم رؤية يتحدث عنها العالم الأول وهي نظرية ﺍلمليار الذهبى التي بموجبها سيتم إفناء 6 مليارات إنسان من على كوكب الأرض بطريقة أو بأخرى .

ﺇن ﻣﻦ واجب النخب الواعية التي تستطيع إستقراء المستقبل من خلال قراءة الأحداث ذات ﺍﻷﻫﻤﻴﺔ ﺍﻟﺒﺎﻟﻐﺔ ﻋﺮﺽ هذه ﺍلقضايا ﺍﻟﻬﺎﻣﺔ ﺍﻟﺘﻰ ﺗﺘﺼﻞ ببقاء البشرية على هذا الكوكب على كل الناس ﻭﺫﻟﻚ ﻟﻠﻮﻗﻮﻑ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺤﻘﺎﺋﻖ ﻭﺗﺒﺼﻴﺮ ﺍﻟﺠﻤﻴﻊ ﺑﻤﺎ ﻳﺠﺐ ﺃﻥ يعرفونه اتجاه أنفسهم وأوطانهم .. ﻭﺇﺫﺍ ﺗﺄﻣﻠﻨﺎ ﻫﺬا موضوع المليار الذهبي ﺳﻨﺠﺪ ﺃنه ﻣﻦ أهم ﺍلموضوعات ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺴﺎﺣﺔ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻴﺔ ﻭﺍﻟﺘﻰ ﻳﺠﺐ ﻋﻠﻴﻨﺎ ﺍﻟﻮﻗﻮﻑ ﻋﻨﺪﻫﺎ ﻭﻋﺮﺿﻬﺎ ﻭﺗﺤﻠﻴﻠﻬﺎ ﺗﺤﻠﻴﻼ ﺩﻗﻴﻘﺎ حتى نحقق الامن والامان للبشرية على الارض.

على كل إنسان أن يستيقظ ويفكر ملياً ويفهم ﻣﺎﻳدور ﺣﻮله .. فان عدد سـكان الارض هو حوالي سبعة مليـارات نسمة .. يعتقد البعض أن موارد الأرض الطبيعـية لا تستطيع تلبية احتياجات هذه المليـارات السبعة القابلة للزيادة .. لذلك يعتقد البعض أيضاً انه يوجد منهم حوالي مليـار شخـص فقط يحق له أن يعيش على الأرض ويستهلك وينتج براحة ورفاهية، اما الـ 6 مليارات انسان الآخرين فلا مكان لهم في دورة الحياة، ويجب التخلـص منهم بطريقة أو بأخرى .. وبالتأكيد المليـار المقصود بالبقاء ليس الأفارقة .. بل هو الجنس الابيض من بعض الأوربيين والأمـريكان على إعتبارهم الأكثر ذكاء وتطـور وتحضر.

يقول ثعلب السياسية الأمريكية هنري كيسنجـر وزير الخارجيـة الأمريكية الأسبق في إحدى مـقالاته (نحن اليوم نعيش في عصر المـليار الذهبي بالفـعل، ولكننا لا نحتاج لقتل الستة مليـارات الأخرى، يكفي أننا ننهب ثرواتهم ونحرص على إبقائهم متخلفـين، ونأخذ منهم ما نريد دون مقـابل ... أما تقليص عدد السكان فيجب ان تكون الأولوية للأهم في السـياسة الخارجـية تجاه دول العـالم الثـالث).

ﺍﻥ ﻧﻈﺮﻳﻪ المليار الذهبى ﻣﻮﺟﻮﺩﻩ من ﺳﻨﻴﻦ .. فـ ﺍﻟﻤﻠﻴﺎﺭ ﺍﻟﺬﻫﺒﻲ ﺃﻭ ﻣﻠﻴﺎﺭ ﺍﻟﺬﻫﺐ كما يحلو للبعض ان يطلق عليه، ﻫﻮ ﻣﺼﻄﻠﺢ ﺷﺎﺋﻊ ﻓﻲ ﺭﻭﺳﻴﺎ ﻭﺍﻟﺒﻼﺩ ﺍﻟﻨﺎﻃﻘﺔ ﺑﺎﻟﺮﻭﺳﻴﺔ ﻟﻺﺷﺎﺭﺓ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺪﻭﻝ ﺍﻟﺼﻨﺎﻋﻴﺔ ﺍﻟﻐﻨﻴﺔ (ﺩﻭﻝ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ﺍﻷﻭﻝ) .. حيث ﻳﻐﻠﺐ على ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻨﻈﺮﻳﺔ ﺳﻤﺔ ﺍﻟﻌﻨﺼﺮﻳﺔ والأنانية ﺍﻟﺠﻨﻮﻧﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻟﻢ ﺗُﺮى ﻣﻦ ﻗﺒﻞ ﻓﻲ أي ﺍﻟﻨﻈﺮﻳﺎﺕ .

ببساطة ﺗﻘﻮﻝ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻨﻈﺮﻳﺔ كما اسلفت سابقاً وبإيجاز أن المليارات السبعة من البشر يجب إختزالها الى مليار واحد يعيش على كوكب الأرض برفاهية .. يتمتع بموارد الأرض وتكون كافية له، وبالتالي نتخلص من مشاكل الفقر والجوع وسوء التخطيط والادارة .. لأن المليار الباقي هو مليار النخبة الذهبي الذي يمتلك مواصفات خاصة لا يمتلكها الآخرون .

السؤال المطروح هنا هو ..

ما مصير المليارات الباقية من البشر ؟

الجواب هو .. إبادة وإزالة أمم وقوميات كاملة من البشر، وﺍﻟﻌﺮﺏ ﻫﻢ أول الأجناس ﺍﻟﻤﺴﺘﻬﺪفة ﺑﺎﻻﺑﺎﺩﺓ ﻓﻲ ﻣﻨﻄﻘﺔ ﺍﻟﺸﺮﻕ الأوسط، ﻟﺼﺎﻟﺢ ﺃﺟﻨﺎﺱ ﻭﺃﻋﺮﺍﻕ ﺃﺧﺮى ستبقى وهي اليهودية وجزء من الفارسية والتركية والإﻧﺠﻠﻮ ﺳﺎﺳﻜﻮﻧﻴﺔ .. ﻭﺫﻟﻚ ﻋﺒﺮ ﺗﺤﺎﻟﻒ ﺻﻬﻴﻮ ﻣﺎﺳﻮﻧﻲ ﻋﺎﻟﻤﻲ، ﻳﺤﺎﻭﻝ ﻫﺪﻡ ﺟﻤﻴﻊ ﺍﻻﻧﻈﻤﺔ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ على ﺍﻟﺨﺮﻳﻄﺔ بالمنطقة، ﻟﺼﺎﻟﺢ ﻗﻮﺓ ﻛﺒﺮى وحكومة موحدة يتم العمل عليها بمطابخ الصهيونية الماسونية العالمية .

إن الهدف من ﺍﻟﻤﻠﻴﺎﺭ ﺍﻟﺬﻫﺒﻲ هو ﺻﻨﻊ ﻣﺤﻮﺭ ﺟﺪﻳﺪ لقوى اﻠﻤﺆﺍﻣﺮﺓ ﺍﻟﻜﺒﺮى ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺤﺎﻭﻝ ﺗﺪﻣﻴﺮ ﺍﻻﻧﺴﺎﻧﻴﺔ ﻭﺗﺨﺮﻳﺐ ﺣﺎﺿﺮﻫﺎ ﻭﻣﺤﻮ ﻣﺴﺘﻘﺒﻠﻬﺎ، ﻟﺼﺎﻟﺢ الدولة الصهيونية ماسونية التي ستحكم ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ويكون مقرها ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻔﺮﺍﺕ ﻭﺍﻟﻨﻴﻞ كما جاء في كتب اليهود المقدسة .. حيث سيتم التخلص من ﻣﻠﻴﺎﺭﺍﺕ ﺍﻟﺒﺸﺮ ﻟﺼﺎﻟﺢ ﺍﻟﻤﻠﻴﺎﺭ ﺍﻟﺬﻫﺒﻲ ﺑﺎﺳﺘﺨﺪﺍﻡ ﺍﻻﺳﻠﺤﺔ ﺍﻟﺴﺮﻳﺔ ﺍﻟﻜﻬﺮﻭﻣﻐﻨﺎﻃﻴﺴﻴﺔ ﻭاﻷﻭﺑﺌﺔ ﺍﻟﻘﺎﺗﻠﺔ ﺍﻟﻤﻮﺟﻬﺔ ﻋﺒﺮ ﺷﺮﻛﺎﺕ ﺍﻻﺩﻭﻳﺔ ﺍﻟﻜﺒﺮﻱ ﻭﻣﻨﻈﻤﺔ ﺍﻟﺼﺤﺔ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻴﺔ (ﺍﻟﻤﺎﺳﻮﻧﻴﺔ)، ﻭﺑﺎﺳﻠﺤﺔ ﺍﻟﻤﻨﺎﺥ ﺍﻟﻘﺎﺩﺭﺓ على ﺻﻨﻊ ﺍﻟﺘﺴﻮﻧﺎﻣﻲ ﻭﺍﻟﺰﻻﺯﻝ ﺍﻟﻤﺪﻣﺮﺓ، ﻭﻣﺤﻮ ﻛﻞ ﺍﻻﺩﻳﺎﻥ ﻭﺍﻟﻘﻀﺎﺀ على فكرة ﺍﻹﻳﻤﺎﻥ ﺑﺎﻟﻠﻪ ﻣﻦ على ﻭﺟﻪ ﺍﻻﺭﺽ .

ﺍﻟﻤﻌﺮﻭﻑ ﺃﻥ ﻣﺨﻄﻂ ﺍﻟﻤﺎﺳﻮﻧﻴﺔ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻴﺔ ﻗﺎﺋﻢ على ﺍﻓﺘﻌﺎﻝ ﺍﻟﺤﺮﻭﺏ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻴﺔ ﻭﺍﻟﻨﺰﺍﻋﺎﺕ ﺍﻟﻄﺎﺋﻔﻴﺔ ﻭﺍﻟﺪﻳﻨﻴﺔ في العديد من مناطق العالم، ﻭﻧﺸﺮ ﺍﻷﻭﺑﺌﺔ ﺍﻟﻘﺎﺗﻠﺔ ﺍﻟﻤﺼﻨﻌﺔ ﺩﺍﺧﻞ ﻣﻌﺎﻣﻞ ﺗﺎﺑﻌﺔ ﻟﻠﻤﺨﺎﺑﺮﺍﺕ ﻻﻣﻴﺮﻛﻴﺔ ﻭﺍﻟﻐﺮﺑﻴﺔ، ﻭﺍﺳﺘﺨﺪﺍﻡ ﺃﺳﻠﺤﺔ ﺍﻟﺘﻼﻋﺐ ﺑﺎﻟﻤﻨﺎﺥ ﻭﻗﺼﻒ ﺍﻟﻘﺸﺮﺓ ﺍﻻﺭﺿﻴﺔ ﻟﺼﻨﻊ ﺯﻻﺯﻝ ﻣﺪﻣﺮﺓ، ﺑﻬﺪﻑ ﺇﺑﺎﺩﺓ الـ 6 ﻣﻠﻴﺎﺭ ﻣﻦ ﺍﻟﺒﺸﺮ ﻟﻜﻲ يبقى على ﺍﻻﺭﺽ ﻣﻠﻴﺎﺭ ﻭﺍﺣﺪ ﻓﻘﻂ ﻳﺴﻬﻞ ﺣﻜﻤﻪ ﻋﻦ ﻃﺮﻳﻖ ﺍﻟﺤﻜﻮﻣﺔ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻴﺔ ﺍﻟﻤﻮﺣﺪﺓ .

إن استخدام اسلحة التلاعب بالمناخ وقصف القشرة الارضية تتلخص فى (مشروع هارب) الذى يُنفذ بالفعل اليوم على أرض الواقع .

ﻧﺤﻦ ﻻ ﻧﺒﺎﻟﻎ ﺃﺑﺪﺍ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻧﻘﻮﻝ ﺃﻥ ﺍﻟﺒﺸﺮﻳﺔ ﺃﻣﺎﻡ ﺧﻴﺎﺭ ﺍﻟﻔﻨﺎﺀ ﺃﻭ ﺍﻟﻤﻘﺎﻭﻣﺔ . ﻭﺇﻥ ﻣﺎ ﻳﺠﺮﻱ ﻓﻲ ﻓﻠﺴﻄﻴﻦ ﻭﺍﻟﻌﺮﺍﻕ وسوريا وليبيا ومصر والمغرب العربي وبعض مناطق العالم الأخرى ﻟﻴﺲ ﻣﺠﺮﺩ ﺍﻧﺤﺮﺍﻓﺎﺕ ﻳﻤﺎﺭﺳﻬﺎ بعض الشواذ او المهاويس ﺑﺎﻟﻘﺘﻞ ﻭﺍﻟﺘﺪﻣﻴﺮ .. ﺑﻞ ﺇﻥ ﻣﺎ ﻳﺠﺮﻱ ﻫﻮ ﺗﻨﻔﻴﺬ ﺩﻗﻴﻖ ﻟﺴﻴﺎﺳﺔ ﺇﺑﺎﺩﺓ ﺭﺳﻤﻴﺔ ﻭﻣﻌﻠﻨﺔ أصبحت ﺗُﻤﺎﺭﺱ ﻣﻦ ﻏﻴﺮ ﺗﺰﻭﻳﻖ ﺃﻭ ﺃﻗﻨﻌﺔ .

لا شك ان كل ما يحدث ماهو الا تنفيذ لأهم واخطر مخطط ماسونى عالمى، ﻭﺇﻥ ﻛﻞ ما يحدث من خيانات وعمالة وتدمير وإبادة ﻫﻮ ﻣﻦ ﺑﺎﺏ ﺇﻋﻄﺎﺀ ﻓﺮﺻﺔ ﻟﻠﻌﺪﻭ ﻟﻴﻤﻜﻦ ﻧﻔﺴﻪ ﻋﻠﻰ كوكب ﺍﻷﺭﺽ ﻟﻴﺘﻤﻜﻦ ﻣﻦ ﺫﺑﺤﻨﺎ ﺑﺴﻬﻮﻟﺔ ﺃﻛﺒﺮ .

ﺗﻔﻴﺪ ﺑﻌﺾ الدراسات وﺍﻟﺤﺴﺎﺑﺎﺕ ﺍﻥ ﺍﻟﻤستوى العالى ﻟﻤﺴﺘﻮﻯ ﺍﻟﻤﻌﻴﺸﺔ ﻳﻤﻜﻦ ﺗﻮﻓﻴﺮﻫﺎ ﻟﺠﻤﻴﻊ ﺳﻜﺎﻥ ﺍﻷﺭﺽ ﺑﺸﺮﻁ ﺍﻥ ﻻ ﻳﺰﻳﺪ ﻋﺪﺩﻫﻢ ﻋﻦ ﻣﻠﻴﺎﺭ ﻧﺴﻤﺔ ﺗﻘﺮﻳﺒﺎ . ﻭﻣﻌﺮﻭﻑ ﺍﻥ ﺣﻮﺍﻟﻲ ﻣﻠﻴﺎﺭ ﺷﺨﺺ ﻳﻘﻴﻤﻮﻥ ﺍﻟﻴﻮﻡ ﻓﻲ ﺍﻟﺪﻭﻝ ﺍﻟﻤﺘﻄﻮﺭﺓ ﺻﻨﺎﻋﻴﺎ مثل ﺍﻟﻮﻻﻳﺎﺕ ﺍﻟﻤﺘﺤﺪﺓ ﻭﻛﻨﺪﺍ ﻭﺑﻠﺪﺍﻥ ﺍﻭﺭﻭﺑﺎ ﺍﻟﻐﺮﺑﻴﺔ ﻭﺍﻟﻴﺎﺑﺎﻥ ﻭﺍﺳﺘﺮﺍﻟﻴﺎ .. ﻭﻗﺪ ﺟﺮﺕ ﺍﻟﻌﺎﺩﺓ ﻋﻠﻰ ﺗﺴﻤﻴﺔ ﺳﻜﺎﻥ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺪﻭﻝ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺸﻜﻞ ﻧﻮﺍﺓ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﺍﻟﺮﺃﺳﻤﺎﻟﻲ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻲ بـ ” ﺍﻟﻤﻠﻴﺎﺭ ﺍﻟﺬﻫﺒﻲ ” .

إن ﺍﻟﺴﻤﺔ ﺍﻷﺳﺎﺳﻴﺔ ﺍﻟﻤﻤﻴﺰﺓ ﻟﻬﺬﺍ ﺍﻟﻤﻠﻴﺎﺭ ﺍﻟﺬﻫﺒﻲ ﻫﻲ ﺍﻟﻤﺴﺘﻮﻯ ﺍﻟﺮﻓﻴﻊ ﻟﻠﺮﺧﺎﺀ ﻭﺍﻹﺳﺘﻬﻼﻙ ﺍﻟﺸﺨﺼﻲ .. وﺗﺒﻴﻦ ﺍﻹﺣﺼﺎﺋﻴﺎﺕ ﺍﻥ ﺳﻜﺎﻥ ﺑﻠﺪﺍﻥ ” ﺍﻟﻤﻠﻴﺎﺭ ﺍﻟﺬﻫﺒﻲ ” ﻳﺸﻜﻠﻮﻥ 15% ﺗﻘﺮﻳﺒﺎ ﻣﻦ ﺍﻟﺒﺸﺮﻳﺔ، ﺍﻻ ﺍﻧﻬﻢ ﻳﺴﺘﻬﻠﻜﻮﻥ 75% ﻣﻦ ﻣﻮﺍﺭﺩﻫﺎ ﻭﻳﺮﻣﻮﻥ ﻓﻲ ﺍﻟﺒﻴﺌﺔ ﺍﻟﻤﺤﻴﻄﺔ ﺑﻬﻢ 75% ﺍﻳﻀﺎ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﻔﺎﻳﺎﺕ .

ﻭﻗﺪ ﺍﺧﺘﻠﻔﺖ ﺍلأﺭﺍﺀ ﻓﻲ ﺗﻘﻮﻳﻢ ﺩﻭﺭ ﺍﻟﻤﻠﻴﺎﺭ ﺍﻟﺬﻫﺒﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ﺍﻟﻤﻌﺎﺻﺮ .. فـ ﺍﻟﺒﻌﺾ ﻳﻌﺘﻘﺪ ﺍﻥ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﺍﻟﺬﻱ يعيش ﺑﻤﺴﺘﻮﻯ ﺭﻓﻴﻊ ﻭﻳﻌﻴﺶ ﺣﻴﺎﺓ ﺍﻟﻬﻨﺎﺀ ﻭﺍﻟﺮﺍﺣﺔ ﻭﺍﻟﻌﻤﺮ ﺍﻟﻄﻮﻳﻞ ﺍﻧﻤﺎ سيكون ﻗﺪﻭﺓ ﻟﻠﻌﺎﻟﻢ ﺑﺄﺳﺮﻩ، ﺑﻞ ﻫﻮ ﺍﻳﻀﺎ ﻗﺎﻃﺮﺓ ﺍﻟﺘﻘﺪﻡ لتطوير الانسان ورقيه .

وﻣﻦ أجل ﺍﻹﺑﻘﺎﺀ ﻋﻠﻰ ﻣﻠﻴﺎﺭ ﻭﺍﺣﺪ .. فـ ﺃﻧﺎ ﻣﺘﺄﻛﺪة ﻣن ﺃن ﻓﻲ ﺣﺎﻝ ﺣﺼﻮﻝ ﺣﺮﺏ ﻋﺎﻟﻤﻴﺔ ﺛﺎﻟﺜﺔ، ﻭﺍﺳﺘﺨﺪﺍﻡ ﺍﻟﺴﻼﺡ ﺍﻟﻨﻮﻭﻱ، ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻨﺘﺎﺋﺞ ﺳﺘﻜﻮﻥ ﻛﺎﺭﺛﻴﺔ ﺑﻜﻞ ﻣﺎ ﺗﺤﻤﻠﻪ ﺍﻟﻜﻠﻤﺔ ﻣﻦ ﻣﻌﻨﻰ، ﺑﻐﺾ ﺍﻟﻨﻈﺮ ﻋﻦ ﺍﻟﻘﻴﻤﺔ ﺍﻟﺮﻗﻤﻴﺔ ﻟﻸﺿﺮﺍﺭ .. فإن ﺍﻟﺤﺮﺏ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻴﺔ ﺍﻟﺜﺎﻧﻴﺔ ﻗﺪ ﺃﺑﺎﺩﺕ ﻣﺎ ﻳﻘﺎﺭﺏ ﺭﺑﻊ ﻣﻠﻴﺎﺭ ﻣﻦ ﺍﻟﺒﺸﺮ، ﺃﻱ ﻣﺎ ﻳﻌﺎﺩﻝ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻮﻗﺖ %2 ﻣﻦ ﻋﺪﺩ ﺳﻜﺎﻥ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ، وﻫﺬﺍ ﺍﻟﻜﻼﻡ ﻛﺎﻥ ﻗﺒﻞ ﺳﺒﻌﻴﻦ ﻋﺎﻣﺎً، ﻭﺷﺘﺎﻥ ﻣﺎ ﺑﻴﻦ ﺍﻷﻣﺲ ﻭﺍﻟﻴﻮﻡ !!

ﺧﻼﺻﺔ القول ﺃﻥ ﻫﻨﺎﻙ ﻧﻈﺎﻡ ﻋﺎﻟﻤﻲ ﺟﺪﻳﺪ ﻳﺘﻢ ﺍﻟﻌﻤﻞ من اجل الوصول اليه ﺑﺠﻤﻴﻊ ﺍﻟﻮﺳﺎﺋﻞ ﺍﻟﻤﻤﻜﻨﺔ، ﻭﻋﺼﺮ ﺟﺪﻳﺪ ﺗﺘﻢ التهيئة ﻟﻪ ﻛﻞ ﻳﻮﻡ ﻭﻓﻲ ﺟﻤﻴﻊ الجوانب .. سينتهي ﺑﺤﻜﻮﻣﺔ ﻋﺎﻟﻤﻴﺔ ﻣﻮﺣﺪﺓ، وﻋﻤﻠﺔ ﺍﻗﺘﺼﺎﺩﻳﺔ ﻭﺍﺣﺪﺓ، وﺩﻳﻦ ﻭﺍﺣﺪ، ﻣﺪﻋﻮم ﺑﺜﻮﺭﺓ ﻋﻠﻤﻴﺔ عالمية .

يعتقد البعض أن الانفتاح على العالم ما هو إلا سبيل للرفاهية، ونحن كنا معهم بلا شك، لكن مانراه اليوم هو غير ذلك، فهناك الكثير من الكوارث والأمراض المستعصية والأوبئة الغريبة والجماعات المتطرفة والحروب الطائفية والدينية والأهلية، وكأن هذا العالم يتعرض للاغتيال الوجودي الذي قرأناه في كتاب فريدمان العام 2005 .

وبما أن الدول العربية بما يعتريها من هزات وثورات وأوبئة وأمراض مستعصية وأزمات اقتصادية ومشاكل إجتماعية وغير ذلك، وبما أنها جزء لا يتجزأ من هذا العالم، توجب علينا قراءة بعض النظريات الحديثة مثل نظرية المليار الذهبي، حيث ستستشعر ذلك الخطر المحدق بجميع دول العالم الثالث ومنها الدول العربية، حيث يتحدث الجميع اليوم عن العالم الجديد والشرق الاوسط الجديد وخارطة جديدة ونظام عالمي جديد .. والذي ما هو إلا دلالة على مايتم التخطيط له بالغرف الصهيونية والماسونية سيظهر للعلن قريباً .. وأن منطقة الدول العربية ماهي إلاّ عبئ كبير على العالم المتقدم أو مايسمى بالعالم الأول .

ما قمت بطرحه من خلال مقالي هذا ماهو الا نبذة مختصرة عن مخطط المليار الذهبى التى تسعى الماسونية الصهيونية العالمية لتحقيقه .

 

رؤية وقراءة لـ / د. نبيل أحمد الأمير

 

قاسم حسين صالحكنّا كتبنا منشورا اثر اغتيال الراحل هشام الهاشمي قلنا فيه (ان احزاب الأسلام السياسي تحولت الى الفاشية). وقد لامنا محبون وعتب علينا اصدقاء وانتقدنا معلّقون لأنهم فهموا الفاشية بأنها تعني القتل فقط، ما اضطرني الى ان اوضح بأن مفهوم الفاشية (وقصتها معروفة لدى اكثركم) برزت اكثر في ايطاليا عام 1920 اثر تظاهرات قام بها عمّال حاولوا الاستيلاء على وسائل الانتاج، وقيام موسوليني بتشكيل فرق مسلحة لأرهاب الأشتراكيين والشيوعيين.

 والفاشية، تعني سياسيا: الاستفراد بالسلطة، وتعني اقتصاديا الأستفراد بالثروة، ولا اظن احدا يختلف على أن احزاب الآسلام السياسي في العراق انفردت بهما طوال 17 سنة.. وانها تعدت حزب موسوليني بان نهبت المليارات وافقرت شعبها واضطرت اكثر من خمسة ملايين عراقي لمغادرة الوطن.. خوفا او تخلصا من حياة حولوها الى بؤس وشقاء وخيبات.

ويقولون، ما تكتبه يادكتور قاسم (تهم باطلة مستهلكة، وكان عليك الانتظار لحين اثبات التهمة، وان القضاء هو الذي يحسم الأمر).

والحق معهم.. ولكن دعكم من مقتل الهاشمي، ونسال:كم عدد قتلى (شهداء الكلمة) زمن حكم احزاب الاسلام السياسي.. كم من الأكاديميين؟ من الأطباء( 4500 هاجروا دون رجعة)؟ من المثقفين.. من قبل كامل شياع وبعده؟.وكم عدد الأعلاميين الذين قتلوا بدءا من طالبتي أطوار بهجت وعشرات بعدها؟.وكم قتلى تظاهرات اكتوبر/تشرين 2019 الذين (ارادوا وطن) وطالبوا بمحاسبة فاسدين حولوا حملة الشهادات الجامعية الى عمّال مسطر؟

ويقولون ان ممارسة هذه الأحزاب للقتل .. تهمة تحتاج الى أدلة.. ولهم نقول:

 في تظاهرات تشرين 2019، استخدمت حكومة أحزاب الأسلام السياسي قواتها الأمنية بأصنافها المتعددة، القوة المفرطة بما فيها الرصاص الحي، و اعلنت اللجنة الوزارية المكلفة بالتحقيق ان عدد القتلى في اول ثلاثة اسابيع بلغ 157 بواقع 149 مدنيا وثمانية عسكريا.. تبعهم في 25 تشرين /اكتوبر تسعون شهيدا وأكثر من الف جريح.. (وزاد عددهم فيما بعد على 700 شهيدا واكثر من عشرين الف جريحا)

وفي لقاء ممثلة الامم المتحدة للسيد علي السيستاني (11 نوفمبر 2019)، أدانت المرجعية الدينية عدم جدية الاحزاب والحكومة في تلبية مطالب المتظاهرين، وحذّرت قائلة: اذا فقدت السلطة قدرتها على الاصلاح فلابد من طريق آخر.. في تهديد صريح يوحي بانه يتضمن اجراءا يتفادى به تدخلا خارجيا او تدويل القضية العراقية.

وفي خطبة الجمعة (11 تشرين اول 2019)، حمّلت المرجعية الدينية على لسان الشيخ عبد المهدي الكربلائي، الحكومة العراقية مسؤولية اراقة الدماء، وامهلتها مدة اسبوعين لكشف الجناة ومحاسبتهم.. ولم تفعل. تلك ادلّة من مصدر موثوق محترم لا يحتاج الى المزيد.

 وما كنّا نحن الذين وصفناهم بالحيتان، بل مرجعيتهم الدينية التي باركتهم في البدء، ولما ولغت هذه الأحزاب باكبر جريمة فساد في تاريخ العراق والمنطقة، وبح صوتها من نصحها لهم.. تركتهم.ودليل (أقبح) أن قادة هذه الأحزاب يتبادلون تهم الفساد علنا.. بينهم معممون!

 وشهادة مشعان الجبوري: (لا بو عكال ولا ابو عمامه ولا الافندي ولا لجنة النزاهة، كلنا نبوك نسرق من القمة الى الأدنى).. ولم يحاسبه قضاء احزاب الاسلام السياسي على اعتراف هو سيد الأدلة.واعترافات الراحل احمد الجلبي الذي ذكر رقما مهولا يبني العراق سرقته احزاب الأسلام السياسي، ودفع حياته ثمنا كما اشيع، وتوكيد (بومبيو) بامتلاك هذه الأحزاب (840) مليار دولار!

 ان كانت احزاب الاسلام السياسي غير متورطة في كل هذا فانها مسؤولة بالكشف عن القتلة، لأن السلطة بيدها، ومسؤولة عن ارواح الناس، وصمتها ادانة لها.. فلماذا سجّلت ضد مجهول؟ ومتى كان القضاء مستقلا زمن حكمها؟.وكيف لمن يدّعي انه يقتدي بالأمام علي ويقول علنا (لديّ ملفات للفساد لو كشفتها لأنقلب عاليها سافلها)، ويعلم أن الحاكم هو المؤتمن على مال الرعية، ومن يسكت عن محاسبة فاسدين ينهبون المليارات ويفقرون الملايين يكون قد خان الذمة.

والفاشية تعني التعصب والدوغماتية.. ولكم ان تتذكروا أن زعيم اكبرها الذي تولى حكم العراق ثمان سنوات صرح علنا (صارت عدنا وما ننطيها!)، وان قادتها اعتبروا (العلمانية) كفرا والحادا.ولكم ان تتذكروا كم عدد الضحايا الابرياء الذين فقدناهم بين 2006 و2008 لأسباب تعصبية سخيفة (لأن اسمه عمر او حيدر او رزكار!).

بهذه المعاني.. نعم.. احزاب الأسلام السياسي في العراق تحولت الى الفاشية.. ولا اعني بذلك صيغة الأعمام بجميع المنتمين اليها (وعن هذه تحديدا اعتذر وما كنت أقصد).. ولكن اقصد قيادات فيها حماة لفاسدين ولديها افراد مسلحون مهمتهم القتل، وارتباطات بميليشيات تعتبر من لا يؤمن بعقيدتها فهو عدوها.. وان من يعارضها بمنطق العلم تعتبره زنديقا!

والسلوك الفاشي كانت قد انتهجته الاحزاب الدينية والجماعات الاسلامية بدءا من الخلافة الأموية، واعتمده العديد من خلفاء المسلمين، واحزاب علمانية ايضا.. فلماذا استفزهم المنشور عن كشف حقيقة يدعمها اكثر من دليل وثقناه، بينها أن السلوك الفاشي يثير الرعب وتوقع الشرّ وقلق الخوف من المستقبل.. يعيشها العراقيون من سبعة عشر عاما؟!.

أخيرا

 هناك اتهامات كثيرة وخطيرة تطال تاريخ الراحل هشام الهاشمي (1973- مدينة الفجر- ذي قار)، بما فيها تغييره للقبه ومذهبه.. وأخرى تخص ارتباطاته الأخيرة. وسواء كانت صحيحة ام مزيفة، فاننا ندين القتل السياسي ضد اي انسان مهما كان، وضد أي حزب يمارسه تحت أي مسمى، وضد أية سلطة تمارس السلوك الفاشي بكاتم الصوت، او اختطاف مثقفين سلاحهم الكلمة، آخرهم توفيق التميمي ومازن لطيف.. كنا رجونا قادة احزاب الآسلام السياسي بمذكرة حملت توقيع اكثر من 300 شخصية وطنية.. وما استجابت.

 ان لم يكن ما جرى في العراق سلوكا فاشيا (سياسيا، اقتصاديا، فكريا، أمنيا، وسيكولوجيا).. فعلى الذين لاموا وعتبوا وانتقدوا ان ينحتوا لنا مفهوما او مصطلحا ينطبق على سلطة احزاب الاسلام السياسي في العراق يزيل عنها (تهمة) الفاشية.

 

أ. د. قاسم حسين صالح

 

 

عامر صالحفي ظل احتدام الصراع المتزايد والعنيف من اجل مشروع دولة المواطنة يقدم العراقيون المزيد من الشهداء والضحايا النوعية من الاوساط الفكرية والسياسية والثقافية والتي ناضلت من اجل اعادة بناء الدولة العراقية، دولة المواطنة التي افرغ محتواها جراء عقود من القمع والدكتاتورية وتلتها سنوات ما بعد 2003 حيث انهارت مؤسسات الدولة العراقية وتصدع المنظومة القيمية والاخلاقية والسياسية، واصبح القول الفصل للدولة العميقة، دولة الميليشيات المسلحة والمجاميع الأجرامية والقتلة المأجورين من حملة العقائد المتحجرة والسلوكيات المنحرفة، والتي لا ترى في الأختلاف في الرأي والجمال وتنوع الافكار إلا عدوها اللدود والذي يجب تصفيته رموزه بشرعها الخاص المعادي للحياة والوجود الانساني القائم على ستة الاختلاف والتنوع.

ولكي يبقى العراق أسيرثقافة القبح والتفرد في الرأي وثقافة الكراهية التي طالما نخرت بالجسد العراقي وأقحمته في متاهات فقدان الأمل والمستقبل وغياب دولة القانون، حيث يكون فيها المواطن العراقي عموما والمثقف بشكل خاص هدفا سهلا ومستساغا للتصفية الجسدية والقمع الفكري، وأحلال ثقافة اليأس المتراكم واعادة انتاج ثقافة البقاء لحملة السلاح المنفلت والميليشيات المشرعنة وغير المشرعنة وحملة كواتم القتل، وتحويل الدولة الى حاضنة للموت والفناء اليومي، بعيدا عن مهمتها الأصل في حماية المواطن وأمنه وسلامته ودعم التكافل الاجتماعي وتعزيز السلم المجتمعي. 

لقد أقدم خفافيش الظلام المسلحة بأغتيال الدكتور هشام الهاشمي، المحلل السياسي والخبير الأمني، مساء يوم الأثنين الماضي قرب منزله ولاذوا بالفرار، ويعتبر مراقبون عراقيون، أن اغتيال الهاشمي وفق ما أظهرته كاميرات المراقبة، يكشف مدى ترهل أجهزة الدولة الأمنية، في ظل سهولة تحرك منفذي الجريمة في شوارع بغداد، خاصة وأن التوقيت كان متزامنا، مع بدء ساعات حظر التجول، المفروض للحيلولة دون تفشي وباء كورونا، ويضع هؤلاء علامات استفهام كبيرة، أمام كيفية تحرك منفذي الجريمة بهذه السهولة، ثم تمكنهم من الانسحاب والعودة من حيث أتوا بنفس السهولة، بعد تنفيذ جريمتهم النكراء.

والشهيد الدكتور الهاشمي ولد في بغداد عام 1973، هو مؤرخ وباحث في الشؤون الأمنية والاستراتيجية والجماعات المتطرفة، ومختص بملف تنظيم داعش وأنصارها. متابع للجماعات الإسلامية العراقية منذ عام 1997، عَمِل في تحقيق المخطوطات التراثية الفقهية والحديثية، مع أن تحصيله الأكاديمي بكالوريوس إدارة واقتصاد - قسم الإحصاء. وتم اعتقاله وحكم عليه بالسجن من قبل نظام صدام حسين، وقد خرج من السجن عام 2002، وبعد عام 2003 انصرف إلى العمل في الصحافة، وبدأ يشارك في كتابة التقارير والوثائقيات مع الصحف والقنوات الأجنبية، وبدأ يكتب مدونة عن خريطة الجماعات المسلحة في العراق، ولم يكن يوماً عضواً في الجماعات المتطرفة، لا سيما أنصار الإسلام وتنظيم القاعدة وفروعها وداعش . الجماعات المتطرفة تحكم على الهاشمي بأحكام مختلفة، منها الردة والعمالة بسبب مواقفه المناهضة لهم، يعد الهاشمي أول من أماط اللثام عن قيادات تنظيم الدولة - داعش في كُلٍ من العراق و سوريا، حيث افصح عن أسماء ومعلومات تخص قيادات التنظيم وآلية عملهم. وقد ساهم من خلال قدراته الفكرية والتحليلية في تقديم خدمات مهمة للحكومات العراقية أسهما في تفكيك تنظيم داعش من الداخل، ويعتبر الشهيد من صناع القرار والرأي العام في قضايا مختلفة. 

ولدى الدكتور عدد من المؤلفات هي: عالم داعش، ونبذة عن تاريخ القاعدة في العراق، وكتاب تنظيم داعش من الداخل، ولديه اكثر من 500 مقال وبحث منشور في الصحف والمجلات العراقية والاجنبية عن الجماعات المتطرفة. وقد عمل في عدة مراكز ابحاث، أبرزها: 

مدير برنامج الأمن الوطني ومكافحة الإرهاب في مركز آكد للدراسات والابحاث الاستراتيجية، ومستشار أمني لمرصد الحريات الصحفية العراقي، ومستشار أمني لنقابة الصحفيين العراقيين، وعضو فريق مستشارين لجنة تنفيذ ومتابعة المصالحة الوطنية في مكتب رئيس الوزراء، وعضو اللجنة العلمية لمؤتمر بغداد لمكافحة الأرهاب، ومحاضر لمادة مكافحة الأرهاب في الأكاديميات الأمنية، وباحث زائر في مركز النهرين للدراسات الاستراتيجية وعضو ملتقى النبأ للحوار وغيرها.

ونددت كل من الأمم المتحدة والولايات المتحدة وبريطانيا ودول اخرى باغتيال هشام الهاشمي، ودعت ممثلة بعثة الأمم المتحدة في العراق هينس بلاسخارت في تغريدة الحكومةَ العراقية لتحديد الجناة بسرعة وتقديمهم للعدالة واعتبرت اغتياله عمل خسيس. والهاشمي هو أحد أبرز المحللين السياسيين والأمنيين العراقيين، ولديه العديد من المقالات في مراكز أبحاث عراقية، وهو أحد أبرز الشخصيات العراقية حضورا في منصات التواصل الأجتماعي، ولديه العديد من المتابعين، ويعد من المؤثرين في مسار الرأي العام العراقي.

وقد غرد الدكتور الشهيد هشام العديد من التغريدات لعدة ايام وحتى يوم استشهاده، وبالتأكيد سيغضب وينتقم من شملته التغريدات ضمنا ولم يحترم حرية أبداء الرأي، وابرز هذه التغريدات هي:

الحراك التشريني، بما فيه النخب المعارضة، التي ترفع شعار السلمية، عليها تنظيم نفسها سياسيا للتنافس انتخابيا عبر وسائل الديمقراطية، ومن يرى تأييد الحراك بدون تنظيمه فهو يسعى الى حراك فوضى ووهم، بدون حراك منظم سياسي وقوي ستأكل النخب السياسية الفاسدة الحراك أصلا وفصلا.

"أكثرُ الشباب الذين يطبلون للسياسيين الفاسدين هم باحثون عن فتات وبقايا طعام من موائدهم وأموالهم التي سرقها الفاسدون، لا يعرفون شيئا لحظة التطبيل لسلطة الفاسد، فلا ناقة لهم فيها ولا جمل. وإنّما أنفُسَهم يظلِمون".

‫"مشكلة القوى السياسية التي خسرت مكاسبها باستقالة عادل عبد المهدي، أن معظم الخاسرين من الأحزاب السياسية، فقدوا قدرتهم على التفكير المتوازن. وأصبح الانتقام والعبثية والوهم، رأس الحربة لمهاجمة الكاظمي الذي ساهموا بمنحهِ الثقة والمشروعية من خلال تفاهمات سباعية البيت السياسي الشيعي".

"السياسي الفاسد حينما يقارن مع صديقه الشيطان، قد لا يبدو صديقه على ما هو عليه، ربما نقارن بين سياسي فاسد ومخلوق ورع. سياسي برلماني ينتمي لحزب عنده هيئة اقتصادية مستحوذة على منفذ حدودي وميناء بحري، يزعم أن بيته في البصرة بدون خط كهرباء المولدة الأهلية، ورع كاذب وكذب مكشوف".

"إن قدرة الدولة على فرض سيادتها الداخلية ترتبط بصورة رئيسية بالحد التدريجي من تأثير الفصائل والاحزاب الهجينة، من دون الدخول بصدامات عنيفة ومعارك تكسير عظام لإنهاء وجودهم، ولكن الخطوة التدريجية تكمن في احتواء كيانهم لإصلاحه، وتفكيك نواتهم الصلبة بفتح حوار قانوني وطني، ومن ثم معالجة المتمرد بفرض القانون ولو بالعنف".

تأكدت الانقسامات العراقية ب: 1 ـ عرف المحاصصة الذي جاء به الاحتلال" شيعة، سنة، كرد، تركمان، اقليات " الذي جوهر العراق في مكونات. 2 ـ الاحزاب المسيطرة" الشيعية، السنية، الكردية، التركمانية .." التي ارادت تأكيد مكاسبها عبر الانقسام. 3 ـ الاحزاب الدينية التي استبدلت التنافس الحزبي بالطائفي.

وكذلك ظهوره قبل استشهاده بيوم في احدى الفضائيات متحدثا عن المليشيات المنفلتة وعدمية جدوى صواريخ كاتيوشا التي يقذف بها بين الحين والآخر على مختلف المناطق ولا تصيب الاهداف المعنية بل تلحق الضرر بالمنازل السكنية والاطفال"حسب قوله". الى جانب علاقاته المقربة والاستشارية من رئيس الوزراء الحالي قد اثار ضغن وكراهية من لا يرغب الاستماع لرأي الآخر.

لقد كان اغتيال الخبير الامني والمحلل الاستراتيجي والباحث الدكتور هشام الهاشمي" حسب حديث لأحد السياسين" " ليس فقط جريمة بشعة لشخصية تميزت بمعارفها الواسعة والعميقة بشؤون الجماعات المسلحة المتطرفة والارهابية، ورؤيته الرصينة والمتوازنة للاوضاع السياسية وانحيازه الفكري لخيارات الاعتدال وارساء اسس الدولة مدنية القائمة على المواطنة ولجرأته في التعبير عن افكاره وتشخيص المخاطر التي تتهدد امن البلاد واستقراره ومصادرها، وانما هو حدث صادم يحمل رسائل سياسية تحمل تحذيرا جديا لاكثر من جهة وتمثل تحديا للحكومة ورئيسها ولمنهجه".

وما يؤذي الذات الانسانية ان يكون لدى بعض اوساط "مثقفة" أن  ادانة الجريمة عمل خجول وحذر، ومغلفا برؤى مريضة محتواها" ان الضحية هو نتاج للأوضاع العامة وبالتالي متوقعة هذه العمليات وستزداد، وعلينا معالجة القضية في اطار الصراع الاقليمي والدولي، بل اعتبرها البعض جريمة ارتكبتها اسرائيل وامريكا لتأجيج الصراع الطائفي مجددا"، انها محاولات بائسة للتخفيف من هول الجريمة المرتكبة بحق الخبير الامني والسياسي، بل واعطاء الضوء الاخضر للقتلة بارتكاب مزيدا من الجرائم. لقد اهتز الرأي العام العالمي الرسمي والشعبي لأغتياله، ولم يهتز بعض من الضمائر" المثقفة ".

لقد كان اغتياله نكسة لحرية التعبير، بل ان الهاشمي كان احد رموزها، وقد عانى العراق ومنذ 2003 بفقدان الكثير من الاعلاميين والصحفيين وقد بلغ عددهم اكثر من 240 ضحية في مختلف التخصصات الاعلامية والصحفية والثقافية، حتى صنفت المنظمات الدولية العراق ضمن الدول الخطرة على ارواح الصحفيين والاعلاميين وغيرهم، الى جانب ما استثهد مؤخرا وفقط في احتجاجات اكتوبر الماضي والتي بلغ عددهم اكثر من 700 شهيد وآلاف الجرحى والمعوقين والمغيبين واالمعتقلين، وفي صفوفهم الكثير من يعمل في الصحافة والاعلام.

وكانت أصوات الشعب قد تعالت، مطالبة بكبح جماح الجماعات المسلحة في الشارع العراقي، وضبطها في إطار سلطة الدولة، وقد طالب نشطاء عراقيون إبان انتفاضة تشرين الأول/أكتوبر الماضي، بالكشف عن مرتكبي عمليات اغتيال واختطاف الناشطين، التي زادت بصورة كبيرة في ذلك الوقت، وكانت تتم بنفس الطريقة في العاصمة بغداد، وعدة مدن ومحافظات أخرى، منها كربلاء والنجف والناصرية. 

تبقى الدروس المستخلصة من استشهاد الهاشمي كما غيره تثير تساؤلات مشروعة لدى الناس والرأي العام، ولعل ابرزها: هل ينجح الكاظمي في منع عودة عمليات الاغتيال للشارع العراقي كما تعهد، واين دور الحكومة الحالية وجهودها في الكشف عن قتلة محتجي اكتوبر وهل سيتم الكشف عنهم فعلا أم اللعب في الوقت الضائع، وهل تمتلك الحكومة اجهزة امنية واستخبارتية حيادية تعمل بدون مساومات وضغوط، هل ستنحدر نحو الأسوء حرية التعبير على خلفية اغتيال الهاشمي ويعود الخوف انتاج نفسه اضعافا بسبب عدم العثور على الجناة المجرمين، وهل هناك سقف زمني لفك الارتباط بالدولة العميقة وجماعاتها المسلحة. انها مهمة ليست سهلة في وجه مصطفى الكاظمي اذا اراد يبدء فعلا بخطوة الآلف ميل ولكن هناك شعب سيقف معه وعلى افتراض صدق نوياه. المجد والخلود لروح الشهيد هشام الهاشمي شهيد الكلمة الحرة والخزي والعار للقتلة الجبناء.

 

د.عامر صالح

 

 

جاسم الصفارالمرحلة التي أعقبت سقوط حقبة الدكتاتورية الصدامية في العراق القت الضوء على مظاهر اجتماعية ربما كانت قد تبلورت ملامحها في المجتمع العراقي في فترة حكم الدكتاتور المقبور صدام حسين منذ ثمانينات القرن الماضي وترسخت بعد هزائمه المتوالية في حروبه العبثية، وسأحاول في هذه المقالة المتواضعة ان ألقي حزمة ضوء على بعضها دون التعمق في دراسة أسبابها، مكتفيا بدل عن ذلك بمقارنات، على هدي الحكمة الروسية "كل شيء يعرف بالمقارنة".

بعد انهيار حكم الطاغية واحتلال بغداد من قبل القوات الامريكية، خرج العراقيون الى الشوارع، بعضهم يعبر عن فرحته بنهاية حكم صدام والبعض الاخر خرج ليحرر غرائزه بمخالفة النظام العام، كتعبير عن التحرر من عقدة الخوف التي زرعتها الدكتاتورية في نفوس المواطنين، تمثلت بأعمال عبثية كالإساءة لمن تواجد في الشوارع صدفة من رجال الشرطة، أو بالمخالفة المتعمدة لنظام مرور العجلات وما الى ذلك من اعمال وضعت خطأ تحت يافطة الحرية.

أما الجزء الاكبر من الذين نزلوا الى الشوارع في تلك الايام، وهم غالبا من المتأقلمين مع نظام البعث والذاعنين له ظاهريا، فقد انشغلوا باقتحام مؤسسات الدولة ونهب محتوياتها من اثاث وتحفيات ووسائل نقل وانتاج وكل ثمين وقع بين ايديهم ولم يردعهم شيء عن سرقة اثار العراق وشواهد تاريخه العريق لبيعها والاستفادة من ثمنها.

 اما الاحزاب المعارضة للنظام السابق، او التي ادعت فيما بعد معارضتها، سواء الدينية منها أو الطائفية او السياسية المساندة للمحتل، فقد انشغلت بوضع يدها على مصادر ثروات العراق الطبيعية والعقارات المملوكة من قبل النظام السابق او رموزه التي لاذت بالفرار. هكذا استبيح العراق وكسرت "أرجله واذرعه" لكيلا يتعافى ولا يسعى ثانية نحو التطور كما حصل في دول اخرى مرت بفواجع كارثية في القرن الماضي كألمانيا واليابان وغيرها.

اصبح العراق في ظل نظام المحاصصة الاثنية والطائفية والحزبية الذي صمم المحتل قواعد عمله، عاجزا عن بناء اقتصاد قائم على الانتاج الصناعي والزراعي وبالتالي عاجز عن مواجهة أي ازمة مالية قد يمر بها العالم وتنعكس على اقتصاده اضافة الى كونه لم يعد يملك مقومات لمواجهة الكوارث الطبيعية والوبائية، لذا ذعر العراق من احتمال نقص موارده المائية بسبب السدود التي اقامها جيرانه على منابع نهري دجلة والفرات كما تملكه الرعب في مواجهة التهديد بانهيار سد الموصل على نهر دجلة سواء لأسباب تكوينية تخص القاعدة التي شيد عليها او بعد تهديد عصابات داعش الارهابية بتدميره.

 أما بالنسبة لمواجهته للأوبئة فقد كشف العراق عن عجز شبه مطلق وجهالة وفوضى في ادارة الازمة الصحية الناتجة عن انتشار وباء فيروس الكورونا. هذا بينما اليابانيون، على سبيل المقارنة، في حالة استعداد تام لمواجهة أي كارثة محتملة، وهم يتوقعون دائمًا حدوث شيء سيئ. لذلك لم تلاحظ في ردود فعلهم على الأزمة الحالية المتمثلة بانتشار وباء فيروس الكورونا، ذعر وهستيريا، ولكن هناك رغبة في حل المشكلة. لذا يفكر اليابانيون الآن وهم يواجهون تهديد فيروس الكورونا، على سبيل المثال، "هل سنكون قادرين على عقد الألعاب الأولمبية العام المقبل؟"، أي انهم واثقون من نتيجة المواجهة ولكنهم قلقون من ان تطول فترة هذه المواجه بحيث تعطل جدول استعداداتهم للتهيؤ للألعاب الاولمبية.

إن ما حدث أثناء مأساة فوكوشيما -1 عندما تعرضت اليابان لكارثة بيئية (تطورت بعد زلزال اليابان الكبير في 11 مارس 2011 وعطلت مفاعل فوكوشيما 1 النووي) يعبر بجلاء عن التركيبة النفسية لسكان اليابان. واجه المجتمع الياباني موحدا تلك الكارثة المصيرية بصبر وعمل دؤوب لتجاوز الازمة بأقل خسائر ممكنة مع الحفاظ على ملكية الافراد والمجتمع، لذا لم تحصل عمليات هجرة غير منظمة ولا اعمال نهب وفوضى وتدمير كما تعودنا على ملاحظتها في مثل تلك الظروف في دول اخرى.

وتجدر الاشارة الى حدث كارثي اخر مرت به اليابان في عام 1995 بمواجهتها لعملية تخريبية قامت بها جماعة أوم شنريكيو التي نفذت عملية هجوم الغاز السام في مترو طوكيو والتي ما كان من الممكن تفكيك هذه العصابة الدولية واعتقال افرادها دون التضامن الكبير بين المجتمع الياباني واجهزة الدولة الامنية. مثل ذلك ما كان ليحصل في العراق بسلطته الدكتاتورية وشعبه المغلوب على امره، ولنا في حادثة "أبو طبر" مثالا.

هناك عدة أسباب. بادئ ذي بدء، تعيش اليابان في مجتمع غير ديني يتبنى معظم سكانه الشنتوية، وهي ليست ديانة بالمعنى المعروف عن الديانات، وما نشر عنها بعد القرن السادس عشر يشير الى انها مجموعة تعليمات وتقاليد. هذا مهم، لأنه في الشنتوية، كما في الكونفوشيوسية، ليس الاله هو الرقيب على تصرفات الانسان، ولكن المجتمع والناس. فإن لم يتعلم الانسان الفرد كيف يجعل من المجتمع هدفا أسمى، فلن ينجح في شيء.

في ألعراق، منذ انتشار الديانات، واخرها الاسلام، أصبح الرقيب على تصرفات الناس هو الله القدير والمبصر. وليس في ذلك من ضير، لولا ان كهنة الديانات والقيمين عليها وهبوا أنفسهم صفة المتحدث باسم الله وقرروا أن المعيار الوحيد للحساب في الاخرة هو مدى الالتزام بنصوص دينية انتقوها وفسروها كل على هواه، فاختلفوا وخالفوا اصول الدين ومغزى الرسالة الربانية.

لذا، فبينما نعيش اليوم في مجتمع ينظم شؤون افراده فيه قانون "وضعي" ليس من صنع الله، وان لم يتعارض مع ارادته، نجد من بين القيمين على الديانات، من يدعو لخرق تلك القوانين والتحايل على اليات تنفيذها. فالله بالتالي، حسب تفسيرهم لا يحاسب المخلوق على خرق قانون لم ينزله عليهم. لذا فبما أن أجهزة الدولة هي التي قامت بتشريع تلك القوانين، تقع عليها وحدها مسؤولة تطبيقها، وهي التي ستحاسب المواطنين على خرقهم لها. وبالنتيجة فان تمكن "المؤمن" من خداع او كسب رضى رجل الشرطة، أو أن تمكن من خرق القانون بعيدا عن انظار رجل الشرطة فانه في حل عن العقاب و"لا ذنب عليه ولا هم يحزنون"، أو كما يقول الروس "ليس لصا من لم يقع في قبضة القانون".

 في سياق مواجهة وباء فيروس الكورونا في اليابان يعتبر تجاوز التعليمات الصحية لحماية المجتمع بأسره والخروج بدون قناع واق ودون قفازات، عمل متهور وحماقة لا يمارسها الا نفر قليل من اليابانيين. فبالالتزام بالتعليمات يدرك الفرد ان المساهمة في اجراءات تحمي المجتمع ستمنحه اضافة الى الحماية الاجتماعية وعدم الازدراء من الاخرين فإنها ستمنحه شعورا بالنضج والمسؤولية.

نحن نستنكر اساليب الرقابة والترصد للمخالفين للقانون، لأننا لا نثق بالسلطات. لكن هذا أمر طبيعي في اليابان. حيث لا تعتبر قوى الامن عدوا مسلطا على المجتمع، بل وسيلة دعم للنظام الاجتماعي. فالشرطة في اليابان دليل المواطن ومعينه على تجاوز أي ضائقة يمر بها. فتعزيز الثقة بين المواطن واجهزة الدولة يلعب في اليابان دورا اساسيا في حفظ النظام العام، وبالطبع لا يمكن بناء هذه الثقة مع اجهزة سلطة استبدادية، فلا امان في ظل الاستبداد، كما ان الاستبداد يقوض تماما الرابط بين المجتمع والفرد الذي تقوم عليه تعاليم الشنتوية والكونفوشيوسية.

مشكلتنا هنا في العراق هي في اننا مختلفون مع أنفسنا، لدرجة اننا لم نعد مجتمع واحد بل مجتمعات متناقضة الارادات والرغبات، يشعل نار فرقتها "ممثلو ورموز" الديانات والطوائف والقوميات والاحزاب المتناسلة منها. بينما في اليابان، الفكرة مختلفة: "الكل يابانيون"، لا تفرقهم في ذلك أي انتماءات فرعية. والكل جزء من امة يابانية واحدة، أقيمت على عجل. البعض في اليابان يضحك من فكرة أن الناس من هوكايدو لا يفهمون الناس من أوكيناوا. انهم جميعا شيدوا دولتهم بكل مثلها واعرافها الاخلاقية والسلوكية الموحدة التي يدافع عنها الجميع ولا يختلفون في ادانة من يخرج عنها او يسيء اليها.

ذهبت الى غير رجعة تلك الحقبة من الزمن، والتي استمرت حتى بداية القرن الماضي، حين كان اليابانيون يعتبرون أنفسهم الافضل من بين الشعوب الاخرى وكانوا مستعدين للموت من أجل الإمبراطور والوطن، لتقضي الحرب الكونية على عقدة التفوق وأصبح اليابانيون يجدون متعة في حقيقة أنهم وسط شعوب اخرى مختلفون بلون بشرتهم وطول قامتهم او بطريقة تفكيرهم ولا يضعون لتلك الاختلافات صفات التفضيل بأي شكل من الاشكال. وفق هذه الثقافة الاجتماعية يعيش اليابانيون اليوم بدون تفوق وعدوان.

اليابان تتجنب أي تصعيد سواء مع جيرانها او مع الدول البعيدة عن حدودها، هذا رغم انها تشعر بالهلع عندما يتعلق الامر بكوريا الشمالية بسبب التهديدات التي لم تتوانى كوريا الشمالية عن التصريح بها، كما انها تشعر بالحذر الشديد من الصين رغم ان الصين لا تظهر أي نوايا عدوانية تجاه اليابان، والسبب، على ما يبدو، يكمن فيما تمثله الصين من قوة عظمى تربطها بأمريكا، الحليف الرسمي لليابان، علاقات معقدة ومتشنجة في الفترة الاخيرة. ولكن على العموم فإن اليابان ليست مستعدة حاليًا لوضع يفرض عليها شد الاحزمة وتقديم التضحيات. وبالمناسبة، فان اليابان لم تكن قط بلدًا غنيًا، وتجربتها في الرفاهية قصيرة جدًا، تبدأ من ستينات القرن الماضي. وقد يمنح هذا اليابان قدرة أكبر على تحمل الازمات المالية التي تجتاح العالم دوريا.

 

د. جاسم الصفار

 

كاظم الموسويبعد تمديد الاتحاد الأوروبي عقوباته المفروضة على الدولة السورية سنة اخرى، تصر الإدارة الأمريكية على تنفيذ استمرار احتلالها لمنابع النفط السورية وتصعيد قرارها في العقوبات والحصار، باسم حماية المدنيين في سوريا. في الوقت الذي يناشد الأمين العام للأمم المتحدة غوتيرش برفع كل العقوبات..

وليس اخرها ما يُسمى "قانون قيصر" الأمريكي الذي يوسع العقوبات، بحيث لا تقتصر على الأشخاص والكيانات التابعة للحكومة السورية وحسب، بل أيضا حميع الجهات التي تتعامل معها من مختلف أنحاد العالم وفي مقدمتها الشركات الروسية والإيرانية. ويعتبر مراقبون هذا القانون الذي بدأ العمل به في 17 حزيران/ يونيو 2020  حالة فريدة من عقوبات شاملة، ربما لم يعرف العالم مثيلا لها منذ نهاية الحرب الباردة في ثمانينات القرن الماضي. اي انه قرار ابادة لشعب وانتهاك لكل القوانين الدولية والأعراف الانسانية، وطغيان القوة والتواطؤ والاذعان غير المبرر. وعمليا تعرض الشعب السوري إلى ازمات اقتصادية وفقدان القدرة الشرائية، وثمن الطعام والدواء، وحتى المواد الأساسية لم تعد في المتناول الاعتيادي، وكذلك تضاعفت اسعار الكثير منها خلال الأيام التي سبقت القانون ومهدت له من قبل أطراف عدة أبرزها أصحاب القانون وسياساتهم العدوانية المعروفة على الأرض. وحتى الامم المتحدة وبرنامج الغذاء حذرا من تهديد المجاعة لملايين السكان في سورية وانعكاس العقوبات على لبنان ايضا.

معروف ما يحدث بسبب الحصار، وكتبت كما غيري كثيرا عنه، وقبل ما يقارب عقد من الزمان، نشرت مقالا لا يزال موضوعه مستمرا، إذ أن كثيرا ما يجري من استخدام قرار الحصار على بلدان بدعوى عقوبة تأديبية أو إجرائية ولكن لا ينظر إلى عواقبه الإنسانية والأخلاقية على شعب ذلك البلد وأهميته الواقعية وجدواه العملية. وطبيعي يصدر القرار باستهداف الحكام والمسؤولين عن الممارسات التي تستدعيه، حسب أصحابه، إلا ان المتضرر الرئيسي منه هو الشعب، ولاسيما الطبقات الفقيرة والمتوسطة منه، وهي الضحية المنسية في مثل هذا القرار. لقد فرضت الإمبراطوريات الاستعمارية مثل هذا القرار على شعوب كثيرة لمختلف الأسباب، ونفذ واسعا في عالمنا العربي. والجديد في الأمر في الفترة الأخيرة، وفي عالمنا العربي خصوصا، ان إصدار مثل هذا القرار تم بصمت او تواطؤ حكومات عربية أو بعض مسؤوليها، وأحيانا تتقدم به بعض الحكومات العربية ضد اخرى بذرائع مختلفة وتسعى إلى تدويله بجهود مستغربة حقا، بينما لا تحاول ان تبذل أي جهد، مقارنة بغيره من القرارات المتخذة سلفا أو التي تتعلق بالقضايا المركزية، وأولها قضية الشعب الفلسطيني العادلة. مما يعني ان محاصرة شعب عربي تتم بأيد وبموافقات عربية رسمية. لان الوقائع تقدم ان عواقبه الأساسية تصيب الشعب وفئاته الفقيرة اساسا، فمن أضرار الحصار المباشرة التأثير على التمتع بالحق في الحياة، الذي هو أصل كل حقوق الإنسان، واستمرار الحصار في بعض البلدان يؤدي إلى المجاعة. وهذا انتهاك صارخ آخر لحق الحياة. كما ان الوصول إلى هذا الهدف أسلوب من أساليب الموت البطيء لا يختلف عن التعذيب المحرم دوليا. ويؤدي المهمة هذه بأشكال معروفة، وقد يكون هذا الأمر المبرر لصاحب قرار الحصار، بحجة انه يوصل إلى صناعة أوضاع مأزومة بين الحكام والمحكومين، من خلال زعزعة الأسس الاقتصادية للدولة وإنتاج حالات سخط وغضب تنعكس على الحكم وتتطلب التغيير منه. وحتى هذا الهدف يرد عليه بأنه مصادرة لحق المواطن في تقرير المصير، وتدخل في إرادة الشعب في اختيار حكومته واليات الديمقراطية الحقيقية. وتعكس تداعيات الحصار المباشرة أيضا على حريات المواطنين في العيش الكريم والإجبار على اضطرار النزوح أو الهجرة إلى مناطق اخرى قد لا تكون مؤمنة لحياة لائقة، أو تفتيت النسيج الاجتماعي وتشتيت المجتمع.

عانى الشعب الفلسطيني كثيرا من قرارات الحصار والعقوبات الأخرى، سواء من دولة الكيان الإسرائيلي مباشرة أو بالواسطة من أنظمة وحكومات عربية، توكلت بالمهمة بشتى السبل، واغلبها باتت معلومة ومخجلة ليس لأصحابها فقط وإنما للساكتين عنها والراقصين أمام غيرها بحماس منقطع النظير.

أما العراق فقد احتل بعد حصار دام ثلاثة عشر سنة. تكبد فيه الشعب العراقي ما يكفي دروسا لغيره، وعبرة لمن يريد ان يبرز دوره في مثل هذا القرار. ونتائج هذا الحصار وما رفعته تقارير دولية وكتب مؤلفة عنه تعطي تذكيرا وافيا لمن يعنيه أمر الحصار وقراره الذي يسعى إليه بنفسه أو بتكليف من غيره. ولابد من النظر بجدية وبمعيار قانوني وإنساني إلى ان الحصار عمليا قرار ينتج إبادة جماعية وجرائم حرب. وتتحمل الجهات التي تقرره مسؤوليته فيه، وتلك التي تضعه وسيلة لتبرير تدخلاتها في شؤون غيرها لمصالح لا تخدم الشعوب التي تعاني منه، ولا تصل في نهاية الأمر الى الاستقرار السياسي والأمن والسلم والتنمية وحقوق الإنسان. وينبغي محاكمة القرار وأصحابه بما ينتجه من أضرار بالغة، قد لا تحقق الأهداف التي تستدعيه أو تبرره ظرفيا.

لقد تضررت في العراق مثلا القطاعات الأساسية، الصناعية والزراعية والثقافية والصحية والبيئية وغيرها. ورغم أن قرار الحصار، وخصوصا ما يتعلق بالمواد الغذائية والأدوية، لم يتضمن أية قيود أو صعوبات لحصول العراق عليها، إلا أن تجميد أموال العراق وبيروقراطية إصدار الموافقة من مجلس الأمن، واستخدام الولايات المتحدة حق النقض على نطاق واسع.. كانت تلك الإجراءات والممارسات من المعوقات الرئيسية التي منعت وأخرت تصديرها وحرمت الشعب العراقي. إضافة إلى ذلك ترتب من جراء الحصار تدمير النسيج الاجتماعي المدني العراقي، وتحويل حياة الشعب العراقي إلى كفاح يومي من اجل توفير الغذاء والماء الصالح للشرب والدواء والأمن والاستقرار. شهدت عليها التقارير الدولية ومؤلفات خبراء دوليين، من بين ذلك، تقرير لجنة برنامج الغذاء الدولي التابع للأمم المتحدة (W.F.P) في 29 أيلول/ سبتمبر 1995 ذكر ان 2,4 مليون طفل عراقي تحت سن الخامسة كانوا في خطر سوء التغذية الحاد. وأشارت منظمة الفاو (F A O) في كانون الأول/ ديسمبر 1995 إلى أن 567,000 طفل عراقي ماتوا بسبب وتأثير قرار الحصار كعقوبة اقتصادية، وأنه بحدود 12 في المائة من أطفال بغداد ضائعون و28 في المائة منهم معوقون و29 في المائة منهم تحت الوزن نتيجة لنقص الأجهزة الطبية. وفي 26 كانون الثاني/ يناير 2000 تقدم المدعي العام السابق للولايات المتحدة رمزي كلارك بمذكرة لمجلس الأمن لوضع نهاية للعقوبات إذ أقر بأن "عدد الوفيات بسبب العقوبات، يجب أن يصدم ضمير كل إنسان حساس".

هذه الأدلة بعض وثائق الأمم المتحدة الرسمية، وهي من جهة اخرى، يمكن أن تستخدم للحكم على أعمال الأمم المتحدة ومدى تطابقها مع ميثاقها، وأحكام القانون الدولي والإنساني والإعلان العالمي لحقوق الإنسان. إذ أن الحصار ونظام العقوبات والقصف العشوائي يمثل مخالفة واضحة للمواد (48، 51، 54) لاتفاق جنيف لسنة 1977، وللمواد (2، 3، 4) من اتفاق الإبادة الجماعية ومبادئ محكمة نورمبيرغ لسنة 1950. فضلا عما يمثله من مخالفة لأحكام ميثاق الأمم المتحدة وحقوق الإنسان التي تتباكى عليها إدارات الإمبراطوريات الاستعمارية القديمة والجديدة. ومما يؤسف له في عالمنا العربي ان هذه الجرائم تنجز بأموال عربية وانقسامات في القرار العربي والمواقف العربية والاستخدام للمصالح الإستراتيجية المعادية للعرب أساسا.

 

كاظم الموسوي

 

 

عبد الجبار العبيديالكاتب والناشروالمعلق وحتى المؤرخ – كُلٍ منهم - مدعو لان يكتب أو ينشر لقول الحقيقة وليس لكسب رضى السلطة، ولا لشراء العواطف.. ولا للتقرب السياسي من الأمتيازات.. ولا لاظهار التدين او الوطنية دون يقين، بعد ان أصبح المواطن العراقي مهددا بنفسه ووطنه وما يملك.. ومقتل المفكر الوطني الهاشمي مثالاً.. أنما يكتب وينشر ويبث ويدون بما يعتقده ويراه حسب قناعته وعلمه بالحق ودون أنحياز، أميناً في تحقيقه للمصادرالموثوقة التي يكتب أو ينشر أو يبث منها على الصحة.. فالكتابة والنشر والبث الفضائي والتعليق والتدوين أمانة تاريخية.. ذاك أملنا فيه.. ليدخل التاريخ..؟

التاريخ كما نعلم هو وصف لما وقع ويقع، وهو حوار الزمن، والحوارهو اساس بناء المعرفة، لذا من يَكتب ويقرأ التاريخ يجب أن يكون دقيقا محيطاً بكل ما يرد ويقرأ، بفكر منفتح، مناقشاً للحدث بنقدٍ عميق، ليكون تدوينه صحيحاً وصادقاً.. متجنباً أبداء الاحكام والأراء الشخصية القاطعة على القدر والأستطاعة. وهذا ما افتقدناه عند غالبية المؤرخين والفقهاء العرب والمسلمين الذين عاصروا القرون الأولى لظهورالأسلامً حتى الدولة الحديثة، وتركوا لنا من النصوص الموضوعة التي كانت سببا في الفُرقة والتمزق ولا زالوا مُعتمدين.. حتى اصبحنا نحتاج اليوم الى عنوان الرحمة والشفقة عليهم وعلينا أجمعين.. بعد ان جعلونا نمشي بخطوات ثابته للخروج من التاريخ.. وهكذا تتكرر اليوم الحالة الخاطئة في عصر الكتابة والنشر والفضائيات والتعليق المملوكة لبعض الكُتاب والناشرين والسياسيين الذين استولوا على اموال الناس وسلطة الدولة دون قانون.. فهل نبقى ننتظر القادمين..؟

التاريخ في حاجة دائمة الى أعادة نظرفيما يُكتب فيه.. فالنظرة النقدية تحتم علينا تفحص الثوابت حتى في مواجهة الشخصيات العظيمة التي رافقت الاسلام منذ البداية كالخلفاء الراشدين الذين احطناهم بهالة التقديس قبل ان ننقب في تاريخهم تنقيب الدارس للحدث مبحراً فيه.. والفترات التي عاشوا فيها والاحداث التي عاصروها والقرارات التي أتخذوها.. فمن زمانهم حدثت الفُرقة والتقسيم الذي لا زلنا نعاني منه اليوم.. لدرجة ان العقل الجمعي العربي بقي احادي التفكير مُهلك.. حتى اصبح الفكر الاسلامي من جراء هذا التوجه مصدر قلق لامة تنحدر نحو التدمير.. كل هذا حدث ويحدث اليوم تحت صمت رهيب بحجة القُدسية والعصمة التي لا اصل لهما في التاريخ والدين.. فوقعنا في خطأ التقدير..

.. وتعاد الكَرة اليوم في أراء من كتبوا ويكتبون من المُحدثين العراقيين والعرب في أوربا والعالم الذين وقفوا بجانب المعارضين الفاسدين والمزورين بعد2003 في عراق العراقيين.. والذين برروا لهم كل خيانة وطنية وتخريب مقابل الامتيازات والمحاصيل.. ناهيك عن غالبية مؤيديهم وناهبي ثروة الوطن الذين تخلواعن قيم الاخلاق والشرف والدين.. هؤلاء كلهم دون استثناء يجب ان تعلن هوياتهم لتقديمهم لمحكمة التاريخ غداً- وعلنية ليعرف الشعب من تأمر عليه ومن سرق امواله وباع وطنه وقتل شبابه وعلمائه ومفكريه خدمة للأخرين في وقت اصبح العراقي ووطنه في غياهب التاريخ.. تتناهبه الشياطين.

فهل يعلم من يدعي الوطنية والدين، ان التوجه في الكتابة النقدية بسند وحوار رصين لا يقلل من شأن هذا او ذاك.. بقدر ما يهدف الى أعادة قراءة النص الديني والتاريخي وابعاد المشكوك فيه منه ومنهم.. وقراءة ما خلف السطورلكل من كتب وتصدر المشهد القديم والحديث وتَقصد التدمير . فنحن اليوم نغرق مادام كبار مسئولينا يؤيدون السرقة والخيانة الوطنية والقتل والتزوير ويهملون قتل المواطنين والتغليس على الجرائم وحرق المحاصيل.. كما في قيادات حزب الدعوة والحزب الاسلامي ومليشياتهم المجرمة و قبلهم حزب البعث والقاسميين والعارفيين.. فمن اين يأتينا الاصلاح والتصحيح.. اذن؟

المؤرخون والفقهاء الأوائل والحاليون.. لم يدركوا ان الزمن يلعب دورا في عملية التغيير.. لا بل ان هناك منهم من طمس حقائق وفضائل، وأظهر أخرى لا تستحق.. ومشى الناس على أخذ ما وجدوا كما هو اليوم.. فأذا بأبطال التاريخ والفقهاء الثبت يوارون في غياهب التجهيل.. وينزوون في ظلام الليل البهيم كما في أبي ذر وعمربن عبد العزيز (ت101 للهجرة).. وغيرهم يشاد بهم، ويُعلى من شأنهم، ويضاف اليهم ماليس لهم ولا زالوا معتمدين... نعم أننا لازلنا نعيش في عصر الأمويين والعباسيين.. والبعثيين والاسلاميين اليوم.. كما في مُسلم والبخاري والمجلسي في بحار الأنواروأبن هشام في السيرة والطبري في دلائل الامامة اليوم، وزنادقة الكلمة من المُحدثين، الذين أوجدوا لنا سلمان رشدي في الآيات الشيطانية، والناسخ والمنسوخ، ونظريات الجرح والتعديل، وحكاية عبد الله بن سبأ.. ومختار العصر.. وأخذناها وبعد ما ننطيها.. و7*7.. ومرجعيات الدين.. وكلها اساطير وضعت للتناحر السياسي والتي ولدت لنا كارثة نظريات التمذهب الطائفي المخترعة بدلاً من الأبتكاروالتحديث والتي لا أصل لها في القرآن والأخلاق والدين.. فدقوا اسفين الفرقة الطائفية بين العراقيين ليسودوا على الدولة والناس بعد ان وقف معهم كل المتخلفين والسراق والمصلحيين.. وشرعنة مؤسسة الدين..

اما المُحدثون فهم من تربع على سلطة الدولة وسرق الملايين ومن سخروه من كُتابهم ضعاف النفوس واستخدامهم الفضائيات الاعلامية للتشوية.. وخطب العتبات الدينية في التدليس مثالاً.. انهم سراق المال العام وباعة الوطن وخائني الثوابت الوطنية في الحدود والثروة المتحصلة من زيارات العتبات والاوقاف الاسلامية وغيرها كثير... حتى تمكنوا من وطن العراقيين بعد ان باعوا الشرف والضمير والدين تساندهم فئات المنتفعين.. ومكنوا رؤوساء المليشيات المجرمة وعصابات الدين وهم جملة من الفاسدين.. من التحكم في امور المواطنين بأسم الجهاد والدفاع عن حقوق العراقيين.. وتلك كذبة كبرى يريدون تمريرها على التاريخ من جديد.. فالتاريخ لا تمرر عليه أكاذيب السياسيين.. فأين هتلر وموسليني وصدام حسين.. وخامنئي الجريمة والأسلاميين.

هنا تغيرت الحالة وضاعَ أمل العراقيين في التغيير، فكان مقتلنا وتوقفنا عن التقدم الحضاري.. فلماذا لا يُحاسبون؟ وأين الوعود الدولية والمعارضة الكاذبة الفاسدة التي سلمتهم الوطن دون قانون..؟ فهل الوطن هو ملك أمريكا لتسلمه للأيرانيين؟.. واليوم يخرج علينا نائب منتحل وغبي في مجلس النواب العراقي يؤيد التزويرالذي مارسته سلطات الدولة والمتنفذين، وأخر يؤيد مليشيات التدمير وثالث يقف مع الفاسدين . اما يكفي ان وصوله للبرلمان جاء بالتزوير.. وقانون العفو العام الذي صاغه البرلمان بقيادة المجرم سليم الجبوري لانقاذ السراق والمجرمين من عقاب القانون.. وتلك جريمة لم يسبقها قانون يدافع عن المظلومين؟ كما هم الهاربون السارقون الذين بنوا امبراطوريات المال الحرام دون ملاحقة القانون ولا زالوا يحكمون كما في الاحزاب الاسلامية.. وروساء الجمهورية والوزراء ومجلس النواب وغالبية المسئولين.. فأين الرئاسات الثلاث والمدعي العام والمحكمة التي اصدرت احكامالقوانين.. وصيانة الدستور والقانون؟ نعم.. نحن نعيش اليوم في عصر اللاقانون.. فلهذه الدرجة لا يخافون الله وهاهي الكورونا والطاعون يَفتكون.. كما حلَ بعادٍ وثمودٍ وقوم نوح وهود.. أقرأوا القصص القرآنية ايها المتجبرون.. ان الله يقص عليكم نبأهم بالحق.. الا تتفكرون..؟

.. نحن ندق ناقوس التنبيه اليوم في عالم شغل عن كل شيء الا عما يربطه بالملهيات والمغريات التي تمسكت بها القيادات الجديدة الظالمة والباغية والطاغية والرخيصة والتي باعت القيم والمعتقدات والثوابت الوطنية مقابل المكاسب والامتيازات والسيطرة على ممتلكات المواطنين والدولة بدون وجه حق وقانون، ونقول لسلطة الدولة التي رافقت احتلال التغيير.. مثلك لا يهدد ويتوعد ويتراخي ويتراجع.. وأنما عليه ان يقدم لانتزاع الوطن او الوقوف بجانب الشعب ضد الطامعين والفاسدين والمخربين لكن فاقد الشيء لا يعطيه.. والا هل من المعقول ان نقبل منكم التغيير ليُسلم الوطن للاخرين الحاقدين على العراقيين منذ القديم.. والى الدواعش الكافرين بالله والقيم والمُثل من الاخرين.. لنأتي بهم لمحاكمتهم ونحن نعلم انهم قاتلون، ولدينا الآلاف من المغيبين بدوافع الطائفية والعنصرية ولا ندري اين هم اليوم وعند أي فصيل من المجرمين..؟؟ أم نحن الصانعون؟

نعم.. اذن لابد من القيام بالبحث والتدقيق والحوار الجاد بين المثقفين المخلصين في اصول الحقوق والقوانين – ان وجدوا- التي صنعتها السلطة كقوانين الدرجات الخاصة والوكالات والأيفادات الباطلة والعفو العام والمصارف المزيفة وخيانة بيع العملة التي يتزعمها الكافرون بالوطن.. وايقاف تنفيذ بعض مواد الدستور كما في المادة 18 رابعا.. وقانون تسجيل المواليد الباطل والزيارات العاشورية التي يقودها فارسي لئيمم والتي مهدوا بها لتغيير ديموغرافية الوطن وتفكير أدمغتهم لصالح المجاورين.

لذا على الحاكمين ان يقدموا اجابات شافية ووافية لكل الاسئلة التي يطرحها الوطن عليهم.. فالدستور يكتب من أجل تقرير حقائق ثابتة، ويسمح لفتح باب التفكير والمناقشة والحوار في اتجاه سليم لتصبح الثوابت الوطنية توفي على الغاية من كتابتها او تدوينها في دستور رصين لا يخترق من قبل الاعداء والفاسدين.. حتى تضع مؤسسة الدولة مشكلة الانسان العراقي وأحواله وماضيه ومستقبله موضع درس عميق ليوفي على الغاية من كتابته.

نعم.. علينا اليوم مراجعة كل ما كتب حديثاً في ظل فوضى التغيير لنصحح ما يحتاج الى تصحيح، وتصفية ما يحتاج الى تصفية مما شابه من عدم الدقة وسوق الاخبار والادعاءات المفبركة – وهي اصلاً منتحلة - على عواهنها، مما اسيءَ لحاضرنا والى الدين والاخلاق معاً بعد ان سيطر رجل الدين المُتخلف والسياسي الخائن بخُرافاتهم على عقول المواطنين.. حتى أورثونا الخطأ التاريخي في الُقدسية والعصمة والتقية والمهدي المنتظر والأفضلية التي اصبح الفكاك منهما صعبا اليوم في بلد ورثت حكمه المليشيات الأجنبية المنفلتة والمؤتمرة بأوامر الاعداء من أصحاب الثأر القديم، قاتلة ومغيبة الابرياء من المواطنين لمجرد وقوفهم مع الحق الوطني كما في المشذوب والشحماني واليوم في الهاشمي المفكر الرصين.. والآلاف من المغيبين والمعتقلين دون محاكمة قانونية وكأننا نعيش في عصر الغابة السوداء ومحاكم التفتيش.. تحكمنا الوحوش التي لاتشبع من لحوم الفرائس والمساكين.. وغيرهم كثير؟ يساندها اعداء الوطن من الفاسدين السارقين لأموال الناس والمزورين من قادة احزاب الاسلام السياسي الباطلين. .أنظر مقابلة علي الاديب وزير التعليم العالي السابق الدعووي الفاسد على كوكل.. مع برنامج بالحرف الواحد.. ستذهل مما يقولون..؟ انهم يعتقدون ان الوطن لهم وهم السادة والمواطنين هم العبيد.. وكأننا نعيش في عهد الجاهليين..؟ مع الاسف في يوم من الايام كنا نتعاطف معهم وهذه ندامة لن يغفر الله لنا فيها ابداً يوم كنا نعتقد بهم انهم من المخلصين..

نعم.. نعم نحن ورثنا تراثا ميتا فاقدا لشرعية القوانين لم ترث امة اخرى مثله منذ عهد الأولين.. كما في شروط الخلافة وحقوق الافراد وواجباتهم التي كتبت بطريقة استطرادية، فسموه بفقه الخلافة وما هو بفقه على الاطلاق بعد ان خلت منه الخلافة الناقصة من التعريف العلمي لها حتى تركت الموضوع بلا تحديد بطريقة دون نظريات عامة تناسب اهميتها العملية، فلم يكتبوا لنا في دراسة تنظيم الخلافة.. ولا في سلطة رئيس الدولة، ولا في تحديد مدتها ومدى سلطانها، ولا في حقوق الناس.. فكان عليهم ان يعلموا انها ليست رئاسة دولة ولا نظام حكم ولا دين.. وانما سلطة وعبيد.. فأين مبدأ وحدة الأمة "هذه أمتكم أمة واحدة وانا ربكم فأعبدون الأنبياء 92".. التي جعلها القرآن مجرد شرطا قابل للتحقيق لتشمل الجميع دون تفريق.

نعم.. انهم اجادوا في الشرعيات المزورة والقدسيات المخترعة (قُدس سره) والقرآن يرفض التقديس وكتمان الاسرار أنظر: (الآية 174 من سورة البقرة).. واحاطوا انفسهم بهالة التقديس حتى تحول الحاكم الى ما شابه حكم لويس الرابع عشر حين قال " الدولة أنا".. لذا تحولت الخلافة منذ البداية الى مُلك مستبد وراثي، يستمد سلطته من الله كما قال المنصورالعباسي(ت158للهجرة): "انما أنا سلطان الله في أرضه أطيعوني ما أطعت الله.. " وفي هذه الحالة مخالفة لنظام الشورى.. ولا ندري اية شورى يقصدون..؟ حتى بقيت السلطة بيد رئيس الدولة دون مشاركة الرأي العام فيها.. وهكذا حالت دون ضبط نظم الحكم في الاسلام بتعبير دقيق.. ولا زالت مطبقة الى اليوم وهذا عامل مهم من عوامل تخلف الامة وتقهقرها.. حتى اصبحت الحقائق توحي بأن اصحاب اللا ديانات افضل منهم بألف مرة في التحقيق.. كما في اليابان والصين..

لقد بقي ذلك المجسد الباطل متمثلاً في موضوع النزاع والتخاصم بين بني أمية وبني هاشم.. ليتلقفه فقهاء المذاهب المنحازة ليطبقوه في نظريتي الشيعة والسُنة الوهميتين والمذاهب المخترعة المتعددة وكأننا نتمي لأديان لا دين واحد منزل من السماء كما يدعون.. وأفضلية لمن يحكم، وانا أقرا القرآن فلا أجد دليلاً واحداً على المذهبية والافضلية لاحد في حكم الدولة.. وأنما الافضلية للكفاءة والاخلاص للوطن ولا غير.. "ان الله لا يحب الخائنين والمزورين والمعتدين والفاسدين وبآيات حدية لا تقبل التغيير ".. وابتكروا لنار الوقف الشيعي والوقف السُني السارقين لاموال الناس.. زيادة في الفساد والفرقة والتخريب.. والمحاكم الشرعية التي كل منها تحكم بفقه مُغاير للأخرليفرقوا بين المواطنين حتى دمروا المرأة وحقوقها وجعلوها لمن ملكت ايمانهم من اصحاب نظريات الجنس وذكورية الرجل وهم أفسق الفاسقين، وانا أقول : اذا اردت ان تعرف مدى تقدم المجتمع عليك ان تنظرالى وضع المرأة فيه.. وبدستور رصين لا يفرق بين المواطنين كما في الدول المتقدمة اليوم.

وملخص القول ان لا دستور كتب ولا قوانين وضعت، لا البارحة ولا اليوم.. ولا قواعد لتولي الخلافة نفذت ولا قوانين خدمت المواطنين دونت.. انما جاءت كتاباتهم على ما ارادت السلطة ولا غير.. وكما نرى السلطة اليوم تنفرد في المال والمنصب بمحاصصة عنصرية دون مراعاة لحقوق الشعب، وبطائفية مقيتة لا أصل لها في الحقوق والدين حتى ثبتوها بمحاصصةحكومية دقت الأسفين.. هنا دق ناقوس الخطر في حين استغل التفسير الباطل للنص مؤيدا من فقهاء البلاط.. أليس من حقنا اليوم ان نقول ان اسلامنا اليوم هو غير اسلام محمد (ص) ويحتاج الى تصحيح وفصل الدين عن السياسة بعد ان وضعوا الفقه الاسلامي بطريقة استطرادية لا تنفع الأمة والمواطنين؟.. نعم علينا ان لا نعترف باسلامهم اليوم بالمطلق.. بعد ان ضيعوا الأصول.. تحت شعار "الاسلام صالح لكل زمان ومكان".. دون اخضاع النص للتاريخ؟ فاذا كانت هذه هي نتائج الدين التي لا تتغير.. فنحن لسنا بحاجة الى دين كما في الشعوب الاخرى التي تقدمت وهي بلا دين .

لقد تمثلت الشرعية الدينية حسب ما وردت في النص المقدس.. بالأمانة أثناء أداء العمل وتسلم المسئولية.. والشجاعة في الصدق في مطابقة الحقيقة :" ان الله هو الحق".. وتوقد الذهن والفطنة لمن يُختار للمهمة ليستطيع محاورة المعارضين يقول الامام علي(ع) لأخيه عقيل :اسمع يا عقيل ان المسئولية أمانة وانت لست بقادر عليها السيوطي في تاريخ الخلفاء ص204"هذا هو الاسلام؟.. وليس اعتماد من هب ودب من الجهلة والمارقين ان يصبح وزيرا او سفيرا او اميرا كما هو اليوم.. والموقف الصارم من قوانين العدالة والتفريق بين المواطنين يقول عمر بن الخطاب (رض): " كيف استعبدتم الناس وقد ولدتهم امهاتهم احراراً "مهما كانت الظروف والاحوال.. فمن لم يكن متمكنا من هذه الشروط عليه ان يبتعد عن مسئولية الدولة.. لقوله تعالى:"يا أهل الكتاب لا تَغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله الا الحق.. النساء 171". فالدولة ليست ملكا للخارجين على القانون وللمغتصبين للحقوق ولأولادهم النشاز وللمتأمرين مع الاعداء على الوطن.. وللمليشيات القاتلة للمواطنين، وللذين يدعون القُدسية بلا سند من الرابضين في القصورمن اصحاب الدولة الملائكية الباطلة كما في ابراهيم الجعفري اللعين.. وآكلي اموال الناس بالباطل كما في دولة الفساد والمحاصصية التي تزعمتها الاحزاب الاسلامية الحامية للتزوير.. وها هم اليوم ينادون بالاصلاح ومحاربة الفساد وما دروا انهم هم الفاسدون وهم يدرون ويدرون أنهم يدرون.. حتى اصبح موتهم المادي والمعنوي والاخلاقي اليوم.. اكيد..

بهذا التوجه الخاطىء الفاقد للشرعية الدينية والقانونية.. نحدد قانون العقوبات، والبيعة والحقوق، وقوانين التجنيد والجهاد، والعَلَم الرسمي للدولة، وحقوق المرأة المهدورة، والمتحف والسياحة، والبطالة العامة، والاعتراف بالمنظمات العالمية والفِرق والمذاهب.. والتعليم والتقويم والصحة والرعاية الاجتماعية التي ما عرفنا قانونا لها عند المسلمين.. والحاليين.. سوى مواد مثبتة دون تطبيق.. والا هل يعقل ان تموت الصناعة والتجارة وتسرق العملة الصعبة ويحرق الانتاج الزراعي بتقصد في بلادنا ترضية للأخرين والدولة في سبات التغليس.. فالاوطان وثرواتها لا تباع لانها مُلك المواطنين.. فهل هؤلاء يستحقون حكم وطن..؟ الا في دولة اللاقانون..؟ولكن لا عتب على من باع الوطن للأخرين..؟ فاين القسم واليمين..

.. ان من شروط من يتولى السلطة يجب ان يكون امينا في تطبيق القانون والدستور.. ملتزما القَسَم والامانة دون تحييد..؟نعم.. أسلام الفقهاء يجب ان يتغيراليوم بعد ان اصبح جزءً من الماضي.. وعلينا بتطبيق قوانين علمانية في كل الوطن العربي.. لتتماشى مع النص بصحيح فلم يعد يصلح النص الديني الحالي بتفسيره الناقص قانونا للتطبيق؟ ولكن كيف يتغير وهم الحاكمون اليوم.. لايتغير الا بالوعي والأخلاق؟ فمن اين نأتي بهما في سلطة اللاقانون.. وفي مجتمع الجهالة.. والمنهج المدرسي الخاطىء الكبير؟

مشكلتنا اليوم.. علينا ان نحرص على استيفاء الجانب الشرعي في حكم الدولة أولاً.. ثم نبدأ بالتفكيرفي شئون المجتمع على اساس من الفكر غير المقيد بنص او مذهب ديني معين.. بل بالعقل المتعطش الى المعرفة والبحث العلمي والقانوني وتجارب الأمم التي سبقتنا، فهي اصل كل كشف صحيح.. ونلغى النص الديني في هوية المواطنين (مسلم وغير مسلم) ونُحرم قانون المذهبية في التفريق (شيعي.. سُني) ليستبدل بالنص الوطني (عراقي).. ونعيد كتابة الدستور الناقص، ونلغي قانون العفو العام الحالي الحامي للخيانة وسرقة المواطنين..

على رئيس البرلمان – ناقص الخبرة القانونية - ان لا يورط نفسه في امور هو لا زال غضاً يجهلها في تطبيق الشرعية الوطنية لحداثته في معرفة اسس الحكم الصالح بعد ان ساندته المصادر النفعية الاخرى لمنصب لا زال هو غضا عليه.

اما الجيش فهو عماد الوطن وسياجه الحامي – كا ن حلهُ جريمة - فلا يجب ان تدخله مليشيات العقائد المنحازة لمذهب او دين.. لذا يجب دمج الحشد الشعبي الذي جاء بفتوى دينية منتهية الصلاحية اليوم بالجيش - دون قيادة مستقلة- وابقاء الجيش الواحد لكل العراقيين.. ونزع الرتب العسكرية من ضباط الدمج والمزورين في وطائف الدولة العليا، ومنع استعمال العقائد المؤدلجة في القوات المسلحة لتجنب الفرقة في قيادات الجيش والانتماء للوطن..

والتوجه دون أبطاء في الغاء الشهادات العلمية المزورة(10 آلاف شهادة علمية مزورة لدى المسئولين وبأعترافهم) وحصر السلاح بيد الدولة والغاء قانون العشائر المتخلف الذي جعل من شيوخهم - اصحاب ما ملكت ايمانهم – دولا ومتنفذين.. وتطعيم السفارات بالكفاءات دون المحاصصة والتفريق.. ومراقبة مناهج المدرسة الجديدة التي بنيت على المذهبية وخاصة في المدارس والمعاهد والجامعات الأهلية.. وألغاء المرتبات المضخمة دون قانون.. ومساوات المتقاعدين وخاصة اصحاب الشهادات العليا الذين يُعاملون بالمحاصصية والمذهبية اليوم بقصد وتفريق. والحمايات الفارغة والباطلة.. للذين لا يستحقون" من امثال"حميدة ام اللبن وطكطوك"، والأيفادات الباطلة للجهلة ومن هب ودب للمسئولين وهم بلا مسئولية.. لكي نُبقي الحق والقانون للجميع دون تفريق.. ونبقي العِلم والرأي الأخر هو الاساس.. ونختار الأكفأ في مناصب الدولة دون النظر الى الطبقة او المذهب او التنظيم.. وتنظيم العلاقة القانونية بين المركز والأقليم المتنمر على المركز.. فالتغيير ما جاء لرواد المنطقة الغبراء المختبئين من الجماهيركثعالب الأدغال في الغابة السوداء.. ومن ينتمي اليهم بل جاء بعد نضال الجماهير وكل المواطنين.. كل هذا يجب ان يدون في الدستور.. وبمواد ثابتة غير قابلة للتآويل..

علينا ادارة الدولة بطريقة منطقية عقلية، والخروج من المنطقة الخضراء حصن الخونة والمارقين الخائفين من الشعب.. وما علموا ان من يعيش في الخوف لا يكون حراً ويبقى جائعا على الدوام.. والمساواة في رواتب الموظفين والمتقاعدين والغاء الدرجات الخاصة الباطلة للمقربين، فالدولة ليست ملكا لخونة الثوابت الوطنية والتزوير.. وبذلك ننقل مركز الثقل السياسي والاجتماعي من الخيال والتصرف الفردي الى الواقع الحقيقي.. ومن النظري الى العملي دون تفريق .

وهكذا يكون الجزاء على قدر المواهب والجهد المبذول ومستوى ذلك الجهد من الدقة وعدمها ونصيب العلم والخبرة والأمانة في العمل.. ويكون الموظف من اصحاب العفة، لا يقبل هدايا الاخرين كما حصل لبعض المسئولين في مفاوضات الثوابت الوطنية التي باعوا فيها الكل بالبعض.. بحيث يكون للانسان العراقي – دون تمييز- له حرية التصرف والتعاقد والامان والكرامة والمروءة والقول في الحق.. حتى لا نُبقي معوز واحد في الدولة يستجدي الأخرين شرط ان تكون الحقوق.. مكفولة بنص قانوني واخلاقي في التطبيق..

اعتقد بهذه الشروط المعقولة سنكسب المعركة في النهاية.. في الوعي الخلقي للمجتمع حتى يتدرج و يصبح التفكير المجتمعي في دائرة التحسن والتقدم.. عقيدة عند الجميع..؟ هكذا تقدمت الدول.. بعد ان تم فصل سلطات الدولة وحقوق الناس.. وفصل السلطة الدينية عن سلطة السياسة.. وكسب المجتمع حرية الحركة، وحرية العمل، وحرية الرأي والقول دون رقابة الا ما يُخالف القانون..؟ ولكن اين لنا من مُغير.. نقول للسيد الكاظمي أضرب ولا تخشى الخرافيش او تسلمها للشعب ليتصرف مع الخائنين.. لكن يبدو أنه مثل السابقين.. معاذ الله ان كان مثلهم..

نحن نحترم شجاعة من يقول الحقيقة.. أو بعضها.. فعليك ان تطلب الحق وان قل..؟

 

د.عبد الجبار العبيدي

 

في حديث لإحدى وسائل الإعلام الألمانية، يقول كان دوندار Can Dündar، رئيس التحرير السابق لصحيفة "جمهوريت" التركية الواسعة الإنتشار: "بالنسبة لمنتقدي أردوغان، تعد ألمانيا واحدة من أخطر الدول في أوروبا. لكنه يتساءل: في بلد كألمانيا، كيف أن يكون ذلك ممكناً؟ وإن الجواسيس الأتراك في ألمانيا يؤمنون بسلطة أردوغان وعقيدته.. وقال، في مدينة مثل برلين، لا يمكنني التحرك بحرية وأمان، وبالتالي فأنا تحت حماية الشرطة في بعض الأحيان".. في تركيا، حُكم على كان دوندار في عام 2015 بالسجن لمدة طويلة، الاتهام: خيانة أسرار الدولة. لكنه تمكن من الهرب إلى الخارج ويعيش منذ عام 2016 في ألمانيا. لم يكن دوندار الضحية الوحيدة للجواسيس الأتراك في ألمانيا، لكنه من أبرز الضحايا. 

وفيما التجاذبات حول موضوع المعارضة التركية وقضايا اللاجئين، أيضا الخلاف حول المسائل السياسية، الإقليمية والدولية، بين الطرف الأوروبي وبشكل خاص ألمانيا، العضو الفاعل فيه، وتركيا، موضع جدل عقيم. تمكنت الدولة التركية واجهزتها الأمنية مع مرور الوقت من بناء شبكة من الجواسيس والمخبرين والقوميين في ألمانيا، يمكنهم أن يحولوا الحياة إلى جحيم، لأي شخص يتجرأ لأن يعبر عن انتقاد للرئيس أردوغان. حتى أصغر مشاركة على "الفيسبوك" يمكن أن تكون بؤرة اهتمام أحد العملاء البالغ عددهم في ألمانيا كما تشير المعلومات المتوفرة بـ 6000 عنصر، يعملون في دائرة الخدمة السرية التركية تحت مظلة "معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا" MIT. وتتحدث بكثافة وسائل الإعلام الألمانية مؤخراً، عن خطورة نشاط الجواسيس الأتراك وتخطيطهم لاختطاف المعارضين الذين غادروا تركيا وحصلوا في الآونة الأخيرة على اللجوء في ألمانيا والبالغ عددهم 31 ألف. ويقول: الخبير المتخصص في شؤون المخابرات إريك شميدت ـ إينبوم  Erich Schmidt-Eenboomعن هذا العدد الهائل من المخبرين السريين في دولة واحدة مثل ألمانيا، أنه "رقم ضخم". ويضيف: من إن معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) موجود في ألمانيا ونشاطه أكثر فاعلية من جهاز الخدمة السرية الأمريكية .(CIA)

تعمل المخابرات التركية إلى حد كبير دون رقابة من قبل المؤسسات الأمنية والهيئات الديمقراطية، وتقدم تقاريرها من داخل وخارج تركيا مباشرة إلى الرئيس التركي. يستخدم أردوغان معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا للتجسس على المنتقدين لسياسته وملاحقتهم واعتقالهم، خاصة إذا كانوا قادمين لفترة قصيرة إلى تركيا كأتراك ألمان. ويبدو أن هناك صلة وثيقة بين جهاز MIT السري وجمعية مسجد ديتيب Ditib مع حوالي 1000 مسجد آخر في ألمانيا. وكان 19 إماماً يعملون بالفعل في مسجد "ديتيب" يتجسسون بشكل منظم لأنقرة، وهو ما اعترفت به الحكومة التركية في عام 2017 وخلق ضجة سياسية وإعلامية. غادر على أثرها الأئمة ألمانيا بعد انفضاح عملهم، وتم إيقاف جميع التحقيقات بهذا الشأن.

يستغل الرئيس التركي أردوغان أزمة "الجائحة" واستراحة البرلمان بسببها، لتكثيف الإجراءات ضد المعارضين وتشديد الضغوط عليهم في الشوارع. وتشير التقارير الأمنية والإعلامية، إلى تعرض منتقديه أيضا، إلى مراقبة معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا MIT عند دخولهم فرع بنك تركي أو وكالة سفر.. يقول خبير المخابرات إريك شميدت: "يتنصل الجواسيس المقنَّعون كموظفين في كثير من الأحيان من تسهيل تحويل الأموال وحركات السفر لمن يخضعون للمراقبة". ويتم تقديم تقارير إذا قام الأتراك الألمان بزيارة وطنهم تركيا. وفي أسوأ الحالات، يتم القبض عليهم بمجرد دخولهم البلاد أو لا يسمح لهم بمغادرة تركيا إلى أجل غير مسمى. كما حدث لتورجوت أوكر، الرئيس الفخري لجمعية "الجالية العلوية" الذي ينتظر العديد من المحاكمات الكيدية في تركيا منذ أكثر من عام، بسبب تهم ملفقة منها "الدعاية الإرهابية وإهانة الرئيس". غير أن الحكومة الفيدرالية لا تلتزم بواجب الحماية القانونية الكافية لهؤلاء المواطنين ومتابعة شأنهم للحيلولة دون وقوع ما يعرضهم للخطر.

المثير للاستغراب، أن العديد من الجواسيس والمخبرين ليسوا مسجلين على قائمة رواتب المخابرات التركية. في تقديسهم العميق للرئيس التركي، يشعرون بوضوح أنهم مدعوون أخلاقياً للتجسس وخيانة مواطنيهم في ألمانيا. بيد أن العديد من المهاجرين الأتراك لا يشعرون بالالتزام للدولة الألمانية ومفهوم القانون والديمقراطية. وهو أحد أسباب فشل الحكومة الألمانية في سياسة الاندماج. ومما يزيد الطين بلة، أن الحكومة الفيدرالية الألمانية لا تفي بواجبها الكافي في الحماية، وهو ما ينبغي أن تتحمله إزاء جميع مواطني هذا البلد دون تمييز. يطالب شميت- إينبوم يإلزام الدولة التركية وجهازها الاستخباري في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا MITإلى وقف نشاطاته بشكل واضح. طالما لم يحدث ذلك، قد لا يشعر منتقدو أردوغان في ألمانيا بالأمان وحرية التحرك. وسيستمر الضغط لملاحقة واضطهاد شخصيات المعارضة وخاصة المثقفين وأصحاب القلم واليساريين من قبل نظام أردوغان في الداخل والخارج وبوتيرة مرتفعة. كما سيستمر تعرضهم إلى الملاحقة بتهمة الارهاب عبر الإنتربول. تقول: السياسية اليسارية ورئيسة المجموعة البرلمانية الألمانية التركية من أصول تركية، سيفيم داجديلين Sevim Dagdelen، "تواصل كيفية اضطهاد المواطنين الأتراك عن طريق المزاعم الإرهابية العنيفة، غير مقبول، لأنهم ببساطة يمارسون حقوقهم الأساسية مثل حرية التعبير أو حرية التجمع التي يكفلها الدستور. إلا أن الحكومة الألمانية لا تملك استراتيجية معترف بها لنفسها حماية المواطنين بشكل فعال من تعسف نظام أردوغان".. وفي تقرير صادر عن وزارة الخارجية الألمانية، يُظهر كيف يضطهد نظام أردوغان معارضيه بلا هوادة. ويتحدث التقرير الذي كتبه مسؤولون من وزارة الخارجية الاتحادية، يتكون من 34 صفحة، يمكن تلخيصها على النحو التالي: تركيا دولة ظالمة. لا تتوانى في أية فرصة متاحة عن "إنتهاك حقوق الانسان" "إستغلال المنابر الدينية" للدفاع عن سياسة أردغان والحزب الحاكم، "تقييد الحريات الأساسية" تقنين "التطهير" و "إساءة استغلال السلطة القضائية لمصالح السلطة الشخصية" والأخطر "التدخل السياسي في عمل الجامعات". وتبين الوثيقة أيضاً، أن النظام التركي يضطهد خصومه لمجرد انتقادهم سياساته. وحدها هذه، تظهر بوضوح لماذا يأتي، أكثر من أي وقت مضى، المزيد من اللاجئين الأتراك إلى ألمانيا لطلب اللجوء السياسي. وتشير الوثيقة إلى أن 75٪ من طلبات اللجوء يتم الاعتراف بها - وهي القيمة ألا أخلاقية التي لا تحققها سوى الدول غير العادلة.

 

عصام الياسري

 

عبد السلام فاروقفى الآونة الأخيرة تعالت الصيحات التى تنذر باقتراب نهاية العالم..وجاء وباء كورونا ليرفع وتيرة تلك الصيحات.. والناس فى قلق وخوف وترقب وتساؤل: ما الذى قد يحدث غداً؟ ولا جواب يشفى قلقاً حول غَيبٍ حُجِبَ عن الكافَّة.

إن هذا الرعب والفزع لدى الناس له مبررات: كمتوالية الحروب والكوارث خلال السنوات الأخيرة الماضية، ومتوالية الظواهر الكونية الغريبة. ومتوالية الموت الذى استحرَّ فى الناس بالدانات والقنابل والفيضانات والسيول والحرائق والزلازل، ثم بالوباء. وكل هذا حدث فى التاريخ مثله وأكثر. وكان التفسير مماثلاً: أننا فى انتظار النهاية. فما الجديد؟ إن كل إنسان فى انتظار نهاية محتومة ومكتوبة منذ الميلاد. وقد اختصر الشاعر القديم المسألة كلها فى بيت شعر: (مَن لم يمت بالسيف مات بغيرهِ.. تعددت الأسبابُ والموتُ واحد). والوباء أثبت أنه لا يُعجِّل من نهاية أحد ولا نهاية العالَم.. هناك قصة المريض الفرنسي التسعينى الذى أصيب بالوباء هو وزوجته، ثم خرجا معاً بعد ثلاثة أيام وقد عوفىَ كلاهما. ومريض مصرى دخل المستشفى للعلاج من كورونا فمات بالسكتة. وفى كل مائة مصاب يموت ثلاثة ويعيش الباقون. وهناك 15 دولة لم يدخلها الوباء، وآلاف القرى والمدن والجزر لم يعرف الوباء لها طريقاً.

إن الوباء أسهم، رغم كل ما أهلكه من رئات، فى خلق رئة جديدة للكون، ودفع الناس لاكتشاف عالم جديد يعمه الهدوء والنظافة والاتساع والرحابة. وهو ما قد يجبر الدول المتقدمة المتنصلة من دورها البيئى على أخذ قضايا البيئة مأخذ الجد.

عودة الضمير

يعتبر البعض أن كتاب (الربيع الصامت) لمؤلفته "راتشيل كارسون" والصادر عام 1962 وترجمه للعربية الدكتور أحمد مستجير، هو البداية الحقيقية لخلق الوعى العالمى بقضية البيئة؛ فمنذ صدور ذلك الكتاب بدأت جهود العلماء والمثقفين تؤتى ثمارها بالتفات الساسة وقادة الفكر لهذه القضية واعتبارها من القضايا العالمية المحورية. هكذا انعقد المؤتمر العالمى الأول للبيئة فى ستوكهولم عام 1972، واستمر انعقاد نسخ أخرى من هذا المؤتمر كل عدة سنوات مع استمرار المشكلة البيئية وتفاقمها ! ما يجعل تلك المؤتمرات تبدو بلا جدوى. نشأ من خلال تنامى الحراك البيئي العالمى ما يُدعَى "بالضمير البيئى"، أى الاستشعار المشترك لتلك القضية الخطيرة لدى القادة والحكام. وهو ما كان سبباً مباشراً فى ظهور منظمات حكومية ومستقلة تدعو للالتفات إلى قضايا قد تحدد مصير البشرية لأهميتها القصوى وخطورتها: كقضية التغير المناخى، وتأثير التجارب العسكرية والإشعاع النووى، والاحترار الكونى تأثراً بالاتساع المضطرد لثقب الأوزون، وموجات تسونامى المهلكة تزامناً مع الانهيارات الثلجية فى القطبين.

قضايا أخرى بدأت فى التوالى والتتابع، دون وجود حلول آنية، فالعقلية الأنانية ما تزال هى المسيطرة والمتغلبة على الضمير العلمى والبحثى المتألم والمنذر بكوارث ما نزال نطالع أخبارها من حين لآخر! فأين يكمن الخلل؟ ولماذا لا تسهم المؤتمرات العالمية المتكررة واللقاءات المتعددة لقادة العالم المتقدم فى تحجيم المشكلة ؟ وما السبب فى أنهم غير قادرين على التوصل إلى حلول قطعية ناجعة ؟ هناك سر !

إن مدى اتساع الفجوة الحضارية والأيديولوجية محكوم بسرعة تصرف الدول الصناعية الكبري التى تسببت فى تعاظم المشكلة البيئية وبروزها بالأساس؛ بفضل رعونتها فى التعدى على النظام البيئي المتوازن  بعوادم المصانع والمخلفات النووية والصيد الجائر للحيوانات والقطع الجائر للغابات وتفتيت الجبال الرواسي بحثاً عن المعادن الثمينة والثروات. هناك عشرات القضايا البيئية التى اختفى ذكرها فى زحام كوارث بيئية لها صدى عالمى أكبر، رغم أنها قضايا شديدة الأهمية والتأثير على صحة الإنسان العضوية والنفسية، مثل قضية تلوث المياه بالمخلفات الآدمية والصناعية، والضوضاء، والتصحر، والنباتات المعالجة وراثياً، والمبيدات الكيماوية المسرطنة، والملوثات الكيماوية التى يتعرض لها عمال المصانع. كلها قضايا مجتمعية مزمنة شديدة الأهمية يختفى ذكرها أمام كوارث البيئة أو جرائم الإنسانية ضد الطبيعة.رغم أن فاتورة العلاج البيئى مكلفة، إذ تبلغ تكلفة معالجة تلوث الهواء وحده ما يزيد عن 200 مليار دولار!

ومقابل تلك الحرب التى يشنها الإنسان على الكوكب، تعلن الطبيعة ثورتها وغضبتها فى شكل متوالية من الكوارث. هذا ما بَدا خلال العقدين الأخيرين.. ففى عام 2004 حدث زلزال تسونامى سومطرة الذى قتل أكثر من 283 ألف شخص، وزلزال جاوة فى 2006 الذى دمّر نحو 135 ألف منزل وقتل ما يزيد عن 5500 إنساناً! ناهيك عن الأعاصير والفيضانات والسيول التى لا يختفى ذكرها من أشرطة الأخبار فى الفضائيات.

لقد سجلت أمريكا نحو 40 كارثة طبيعية مدمرة فى الفترة من 1974 حتى عام 1980تضرر من جَرّائها أكثر من نصف مليون نسمة. هذه الأرقام تضاعفت خلال العقد الأخير بينما أمريكا نفسها تنسحب من اتفاقاتها العسكرية والبيئية. فالإشكالية الأكبر أن الغرب يشهد صعوداً لليمين المتطرف، وظهوراً لزعامات لا تعبأ بقضايا البيئة ومستقبل الإنسانية. وهنا مكمن الخوف.

يذكر علماء الإيكولوجى أن طائفة من علماء القرن التاسع عشر أطلقوا صيحة جديدة فى علوم الاجتماع تُدعَى "الحتمية الجغرافية"، ومعناها التسليم بأن الأوضاع المناخية والجيولوجية تفرض على الناس نمطاً محدداً من الحياة الاقتصادية والسلوكيات وأسلوب الحياة. تلك الحتمية اختفت اليوم من الكتابات الإيكولوجية بعد أن أثبتت الدراسات الأكثر عمقاً أن العامل الجغرافى هو مجرد رقم بين عوامل أخرى شتى تحكم نمط الحياة البشرية فى مكان ما؛ عوامل سياسية واجتماعية واقتصادية كثيرة. أى لا حتمية هناك، بل تغير وتطور وتباين.

وفى كتابات "كارل ماركس" كلام عما يُدعَى "الحتمية الاقتصادية" تبريراً للماركسية وتمريراً للمبادئ الشيوعية فى إدارة النظم الاقتصادية والسياسية. ومع انهيار الاتحاد السوفيتي وأفول الشيوعية ماتت الحتمية الاقتصادية المدّعاة. وباتت المرونة الاقتصادية هى السائدة.

والأحداث المعاصرة ذات الطابع الغرائبي المخالف لما عهدناه فى الكلاسيكيات التاريخية تشهد على موت "الحتمية التاريخية": أن التاريخ يكرر نفسه فى حلقات متماثلة متشابكة. وهو الادعاء الذى أثبت الحاضر خطأه، وأن هناك تاريخ جديد تتم كتابته اليوم على أسس مختلفة.

غير أن هناك حقيقة واحدة نعرفها ونوقن بها، هى حقيقة التوازن الطبيعي للكون. وأن هناك سنن كونية فوقية لإحداث مثل هذا الاتزان. حتى أن نظرية "الاحترار الكونى" القائمة على أن ثقب الأوزون المتسع يتسبب فى ارتفاع درجات حرارة الأرض تواجه اليوم نظرية مضادة يتزعم مزاعمها "إيان بليمر" فى كتابه"العلم المفقود" حيث يدعى أن ثلاثين عاماً من الارتفاع البطئ فى درجات الحرارة تم محوها فى بضع سنوات من الانخفاض السريع لها. والدليل ما حدث فى عام 2008- أكبر موجة باردة واجهت الأرض منذ عدة عقود، حيث سجلت مؤشرات الأرصاد الأمريكية فى مينيسوتا وبنسلفانيا رقماً قياسياً جديداً فى درجات الحرارة بلغ (-40 درجة مئوية) ! وفى اسكتلندا وانجلترا  أغلقت العواصف الثلجية الطرقات والمدارس،  وتسببت تلك العواصف فى موت 60 شخصاً فى الصين، كما دمرت نحو نصف محصول الأرز فى فيتنام. كانت أطول موجة باردة مرت على العالم، وتكررت هذه الموجة فى 2012، فهل تمثل موجات الابتراد المتتالية نوعاً من التوازن الكونى فى مواجهة الاحترار الذى تسبب فيه الإنسان؟!

إن الادعاءات القائلة بتناقص سلة الطعام وندرة المياه وتقلص الموارد أمام تضاعف سكان العالم، تواجهها مُكتشفات حديثة لعوالم جديدة فوق الأرض فى ثنايا الجبال والكهوف، وتحت الأرض مثل تلك القارة التى أشار إليها العالم الطبيعى "وليم ويب" الذى اكتشف الغابة المطرية (كانوبي) عام 1917. وجاءت الاكتشافات الحديثة لعالم الأعماق لتؤكد وجود هذه القارة على مسافة 1000 متر من سطح المحيط! فأمام غياب الحتميات يأتى التوازن كحقيقة حتمية وحيدة ومؤكدة.

 

عبد السلام فاروق

 

 

 

مرة أخرى، يسبب كتاب: الإفشاء "الغرفة التي حدث فيها: مذكرات البيت الأبيض" لجون روبرت بولتون، مستشار الأمن القومي السابق للولايات المتحدة ضجة كبيرة في واشنطن، إذ يصف دونالد ترامب، الذي كان يعمل معه في غرفة عمله لمدة عام ونصف تقريبا، حيث "يحدث ما يحدث" بأنه غير مطمئن ومرتبك. إحدى المحاكم رفضت أمرا زجريا من قبل حكومة الولايات المتحدة. إذ رفض قاضي المقاطعة الأمريكية قبل أيام محاولة الحكومة وقف إطلاق كتاب مستشار الأمن القومي السابق، جون بولتون. في هذا العام الانتخابي المهم للغاية، شكل انتكاسة كبيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وبررت القاضية رويس لامبرث القرار قائلة: إن الحكومة لا يمكنها أن تثبت أن مثل هذا الأمر يمكن أن يمنع "أضرار لا يمكن إصلاحها". كما أنه من العبث تأخير النشر الآن، بعد كل شيء.

من هو بولتون؟ محامي أمريكي، ومعلق سياسي ودبلوماسي سابق، شغل منصب سفير الولايات المتحدة الخامس والعشرين لدى الأمم المتحدة من 2005 إلى 2006، ومستشار الأمن القومي السابع والعشرين للولايات المتحدة من 2018 إلى 2019. كان جون بولتون أحد أهم المسؤولين الحكوميين في الولايات المتحدة. وقد عمل سابقاً في عهد الرئيس رونالد ريغان وجورج بوش وابنه جورج دبليو بوش. يعتبر بولتون متشدداً وصقراً. دعا إلى اتخاذ موقف أكثر صرامة تجاه دول مثل كوريا الشمالية وروسيا وسوريا مما اتخذه ترامب في بعض الأحيان سنداً قوياً. على الأقل في أعقاب الصراع مع إيران، اكتسب سمعة بأنه "همسة حرب ترامب". في يونيو من العام الماضي، بعد إسقاط طائرة أمريكية بدون طيار، تخلى الرئيس عن الضربات العسكرية التي طالب بها بولتون ضد طهران، ووصفها بأنها "أكثر القرارات" غير العقلانية التي اتخذها الرئيس على الإطلاق.

في كتابه الجديد The Room Where It Happened: A White House Memoir، الذي تم توفيره مسبقاً للعديد من وسائل الإعلام الأمريكية، أدلى بولتون بمزاعم خطيرة ضد الرئيس الأمريكي. يتعلق المقطع الأكثر إشكالية لترامب بكيفية تعامل الولايات المتحدة مع الصين. وفقا لبولتون، طلب ترامب من الرئيس الصيني شي جين بينغ في قمة مجموعة السبع في اليابان في يونيو من العام الماضي دعمه في إعادة انتخابه. يمكن للصين مساعدة المزارعين الأمريكيين، على سبيل المثال، الذين لعبوا دوراً مهماً في نتائج الانتخابات في نوفمبر، عن طريق شراء فول الصويا والقمح. من ناحية أخرى، أشار ترامب إلى شيء للموافقة على بناء معسكرات للأويغور الذين تحتجز الصين مليوناً منهم، وتم انتقادها رسمياً على المستوى الدولي. كتب بولتون: "من الصعب حقاً تحديد أي قرار هام لترامب خلال فترة وجودي في البيت الأبيض لم تكن مدفوعة باعتبارات تتعلق بإعادة انتخابه".

الصورة التي يواصل بولتون رسمها لترامب مدمرة، لكنها وان كانت أشد نفاقاً، بالكاد تشكل خطورة على الرئيس الحالي ـ كتب: يبدو أن المعرفة الجيوسياسية لترامب محدودة. مرة سأل، على سبيل المثال، ما إذا كانت فنلندا جزءاً من روسيا، وما إذا كان غير مدرك لوضع بريطانيا كقوة نووية. أو رأيه من إن فنزويلا هي في الواقع جزء من الولايات المتحدة، ولهذا السبب فإن الغزو "رائع". بالإضافة إلى إشارته كيف أصر ترامب على تقديم هدايا للحاكم الكوري الشمالي كيم جونغ أون - بما في ذلك قرص مضغوط موقّع لأغنية إلتون جون "روكيت مان".. في تغريدة له، وصف دونالد ترامب الكتاب بأنه "مجموعة من الأكاذيب والقصص الملفقة". وأن العديد من التصريحات الموضوعة هي "خيال محض" وبولتون "كاذب" يهدف إلى جعله يبدو سيئاً.   إن الكشف كما قال بولتون سيؤدي إلى أزمة حكومية خطيرة في العديد من البلدان التي تديرها الديمقراطية. ومع ذلك، من غير المرجح أن يكون ترامب الآن في وضع صعب. من وجهة نظر ألمانية، وهي دولة انتهت فيها الوظائف السياسية بسبب الشعارات ذات النطاق الضيّق. لكن النظام السياسي في الولايات المتحدة، الذي يشجع عمليا تقسيم السكان، وهذا بالكاد يمكن فهمه. هو أرض مثالية لرئيس يخطط لإدارة بلاده على غرار المستبد، ويضع مشاعره الشخصية فوق مشاعر شعبه. على أية حال، وبسبب "الكشف"، بالتأكيد لن يكون الرئيس الأمريكي في حالة استياء من ناخبيه الأساسيين.

خلال فترة ولايته، ظهرت العديد من الأعمال المثيرة من قبل المطلعين أو الصحفيين، في ظل الظروف الفوضوية في البيت الأبيض - والتي بقيت جميعها بعد موجة قصيرة من السخط دون عواقب للرئيس. حتى من إجراءات العزل التي تم فيها تأكيد الادعاءات عملياً، والتي يمكن العثور عليها أيضاً في كتاب بولتون، نجا ترامب، لأنه متأكد من دعم أتباعه. ومن المرجح أن يهدأ رد الفعل المنعكس الذي تجاوزه ترامب على طول الخط بالفعل مرة أخرى. لكن، ستظل تصريحات بولتون تؤثر على الحملة الانتخابية؛ إذ أظهرت استطلاعات الرأي أن جو بايدن، المرشح الديمقراطي للرئاسة في طليعة الناخبين.. إنما في حال فوز المرشح الذي حصل على أصوات أقل من منافسه، فإن النظام الانتخابي الأمريكي، غير معني للاعتراف، وإن كان لا بد، فكان يجب أن يكشف ذلك منذ عام 2016 على أقصى تقدير.  

 

عصام الياسري

 

ابراهيم أبراشأنا عربي وأفتخر بعروبتي

الأمة العربية، العالم العربي، الوحدة العربية، حركة التحرر العربية، القوى التقدمية العربية، الحركة القومية العربية، المشروع القومي العربي، التضامن العربي، النهضة العربية، المصير العربي المشترك، الأمن القومي العربي، القيادة العربية المشتركة، الفكر القومي العربي، الجماهير العربية، العدو الصهيوني، الامبريالية الأمريكية عدو للأمة العربية، الحرية والاستقلال ورفض التبعية....

هذه بعض المصطلحات التي كانت طوال عقود تلهِب مشاعر الجماهير العربية وتتبوأ مكان الصدارة في العقل والخطاب السياسي العربي، وتتواتر في خطابات القادة العرب وتمنح شرعية لكثير منهم، كما تتضمنها مناهج التعليم ويتم التعبير عنها بكل صنوف الثقافة والآداب من أناشيد وأغاني ومسرح وشعر ورواية، وفي ظلها كان يجتمع الملوك والرؤساء وتُعقد المؤتمرات والندوات وتصدر حولها مئات وآلاف الكتب والمجلات وحولها تُكتب الرسائل الجامعية الخ، كلها تلاشت وغابت تدريجياً عن الخطاب السياسي العربي الرسمي والحزبي والشعبي وحتى عن مناهج التعليم حيث تتخرج أجيال لا يعرفون شيئاً عن هذه المصطلحات وما تعبر عنه وتُحيل إليه، كما غاب المفكرون والمثقفون القوميون كما الأحزاب القومية، إلا القليل ممن يؤمنون بهذه المصطلحات وما توحي بها من آمال وطموحات لأمة عربية تمتد من المحيط إلى الخليج والأدهى من ذلك وجدنا من ينعى العرب والعروبة ويتبرأ منهما ويُنظِّر للطائفية والمذهبية والإسلاموية المتطرفة.

في زمن الآمال القومية والإحساس بوحدة الانتماء والحال والمصير كان المواطنون العرب يتابعون ما يجري في بقية الدول العربية وكأنها تجري في بلادهم فيفرحون لفرحهم ويحزنون لحزنهم، أما اليوم فالعرب أصبحوا أعداء بعضهم البعض، ومنهم من يستعين بغير العربي لمقاتلة جاره العربي، بل تشذر وتشظى المجتمع الوطني حتى أصبح السوري يقاتل السوري والعراقي يقاتل العراقي واليمني يقاتل اليمني والليبي يقاتل الليبي والفلسطيني يعادي الفلسطيني الخ، كما أصبح اهتمام كل شخص يقتصر على ما يخص أبناء مذهبه أو طائفته بل وأحياناً عشيرته وعائلته، وأصبح الولاء للطائفة والمذهب والجماعة العرقية ولجماعات الإسلاموية السياسية أقوى من الولاء للأمة وللدولة الوطنية .

كان كل من يحارب الاستعمار وإسرائيل أو يعلن عن مواقف معادية لهما يسمو في نظر جماهير بلاده كما يعتبر بطلاً قومياً عربياً تُرفع صوره في المسيرات والمظاهرات وتُعلق على جدران البيوت وتسمى الشوارع باسمه، أما اليوم فلم يعد العرب وإسرائيل أعداء للعرب من وجهة نظر غالبية الأنظمة العربية وأصبح الخطاب تجاههما مسالم ويروم كسب ودهما كما نشهد تغيير أسماء شوارع تحمل أسماء قادة عرب تاريخيين أو وقائع وأحداث قومية عربية ليحل محلها أسماء لرموز طائفية ومذهبية وعرقية ومحاولات لتشويه الزعماء القوميين ونعتهم بأسوأ الصفات كالدكتاتورية والفساد بل والعمالة أحياناً.

كان المثقف والكاتب في أي بلد عربي يكتب عما يجري في أية دولة عربية دون أية حساسية أو إحراج أما اليوم فأصبح من المحظور أن يكتب أو يتحدث كاتب أو مثقف عربي عن بلد عربي آخر وإن كتب فبحذر وإلا اعتُبر ذلك تدخلاً في الشؤون الداخلية ومؤامرة خارجية.

في زمن المد القومي العربي والآمال العربية وقبل أن يفعل الزمن في العرب مفاعيله المدَمِرة كان العرب يأملون بالوحدة الشاملة ويرفضون التبعية وإن تواضعوا دعوا لوحدة متدرجة تبدأ بخمس تجمعات وحدوية: اتحاد المغرب العربي واتحاد المشرق العربي واتحاد دول حوض النيل واتحاد دول الخليج العربي، ويضعون شروطاً للتعامل مع أمريكا والغرب، أما في زمن الردة والانهيار والذي تسارع مع فوضى ما يُسمى الربيع العربي فقد تبيَّن كم كانت الطموحات كبيرة وأدوات وفرص تحقيقها محدودة، فلم تفشل فقط كل مشاريع الوحدة الشاملة وحتى الجزئية، بل أصبحنا نسمع من يشكك بوجود أمة عربية ومشروع قومي عربي وكل المفاهيم والمصطلحات المُشار إليها أعلاه، حتى الدولة الوطنية والتي كان القوميون يسمونها (القُطرية) آخذة بالتفكك وتمزقها الطائفية والمذهبية والإثنية، أما شعار وطموح الحرية والاستقلال ورفض التبعية فأصبح مثار سخرية حيث أنظمة عربية هي التي تناشد وتطلب من الغرب أن يقيم فيها قواعده العسكرية ويوقع معها اتفاقات أمنية وتستجدي شركاته وتفتح لها أراضيها لتمرح وتسرح كما تشاء دون اعتبار لا للأمن القومي العربي ولا للأمن الوطني ولا لحماية الاقتصاد الوطني ومصير بلدانهم، أما إسرائيل العدو المصيري والوجودي للعرب فبات كثير من الأنظمة والجماعات تسارع الخطى نحو التطبيع معها وكسب ودها .

في زمن ما قبل الردة وانهيار الآمال والتطلعات القومية كانت دول الجوار تحترم العرب أو تخشى الاعتداء عليهم أما اليوم فقد تطاولت عليهم وتتدخل في شؤونهم الداخلية بل وتحتل أراضيهم وتهدد أمنهم، ولم يعد الأمر مقتصراً على إسرائيل بل يشمل إيران وتركيا وأثيوبيا، هذا بالإضافة إلى الهيمنة الغربية بحيث لم تعد هناك دولة إلا وبها قاعدة عسكرية أمريكية أو روسية أو فرنسية أو بريطانية.         

نعلم الخلل الداخلي عند القوميين وأصحاب المشروع القومي من قادة وأحزاب ومثقفين وقد كتبنا وكتب كثيرون عن الموضوع، ونعلم ونلمس أن بعض العرب تآمروا على بعضهم البعض وعلى شعوبهم بقدر تآمر الآخرين عليهم، ولكن يجب ألا ننسى أو نتجاهل الدور الخارجي وخصوصاً الأمريكي والغربي في إفشال كل التجارب الوحدوية العربية والتآمر على الزعماء والقادة القوميين وغيرهم ممن أرادو بناء دولهم بعيداً عن الوصاية الغربية، كجمال عبد الناصر ومحمد أنور السادات والملك فيصل وصدام حسين ومعمر القذافي وهواري بومدين وياسر عرفات وحافظ الأسد.

بالرغم من كل أخطاء زعماء وأحزاب مرحلة المد القومي والوطني، وهي كثيرة ولا شك، إلا أن الحل لا يكمن في التخلي عن حلم وأمل الوحدة العربية والمشروع القومي حتى في حدودهما الدنيا، بل يجب النضال للعودة لهما ولكن بعقلية جديدة ونهج جديد يحررهما مما علق بهما من أخطاء في التنظير وفي الممارسة، وإن كان يحق للكرد والأمازيغ مثلا أن يستنهضوا هويتهم وثقافتهم القومية ويعتزون بها، وهذا حق لهم ولا شك، فالأولى أن يستنهض العرب هويتهم وثقافتهم ويفتخرون بها ويسعون للوحدة وهم الغالبية العظمى من سكان المنطقة وتتوفر فيهم كل شروط ومستلزمات القومية من لغة وعادات وتقاليد وتاريخ مشترك.

لسنا بحالمين وخياليين وغير واقعيين إن تحدثنا عن العرب والعروبة والمشروع القومي العربي حتى وإن بدى هذا الحديث نشازاً في ظل تفشى العداء للعرب والعروبة وانتشار النزعات الطائفية والمذهبية وحالة الحرب المعممة في المنطقة، وعلى المثقفين والكُتاب العرب الذين يسخفون الأمة العربية والعروبة وحلم الوحدة العربية أن يسألوا أنفسهم، من هم وماذا سيكونون إن تخلوا عن هويتهم العربية؟ وهل يقبلون أن يكون حال العرب كحال جماعات الغجر أو (البدون) أو كما يصفهم البعض جماعات بدوية غازية؟. وإن كانت العروبة والمشروع القومي العربي أكذوبة ووهم فهل تحققت في المنطقة بدائل أفضل كهويات وثقافات وكيانات سياسية وطنية أو إسلامية؟ ولماذا تحن غالبية الشعوب العربية وحتى من أصحاب القوميات الأخرى لزمن ما قبل فوضى ما يسمى الربيع العربي ولزمن القادة القوميين والوطنيين بالرغم مما كان به من سلبيات؟ وهل أثبت الحاضر بأن مَن كان الخطاب القومي التحرري يصنفهم كأعداء للأمة العربية، كإسرائيل والولايات المتحدة ودول الغرب ودول الجوار، أنهم اليوم حلفاء وأصدقاء صادقين؟.  

وأخيراً أقول أنا عربي وأفتخر بعروبتي، وأن أكون فلسطينيا أو عراقيا أو مصريا أو يمنيا أو مغربيا الخ لا يتعارض مع الانتماء للأمة العربية، ويجب الحذر من توظيف أخطاء زعماء وقادة مرحلة المد القومي العربي لتسخيف وتدمير الهوية القومية العربية وحلم الوحدة العربية بل أيضاً لتدمير الدولة الوطنية وإفساح المجال للشعوبية والطائفية والمذهبية والجماعات الإسلاموية وللدول الأجنبية بما فيها دول الجوار وعلى رأسها إسرائيل لتتحكم بشعوب ومقدرات الأمة العربية.

 

إبراهيم أبراش

 

في أحدى مقالاتي السابقة والتي كانت بعنوان الاستبداد الصغير، أشرت الى ظاهرة ثقافية تسود في مجتمعنا وهي الاهتمام بالظواهر بصيغتها النهائية الكبيرة دون الاهتمام بالمقدمات الصغيرة والتراكمات التاريخية التي تجمعت وانتجت تلك الظاهرة.

اليوم اردت ان اتناول ظاهرة النهب والسطو على اموال الآخرين سواء أكانوا افراداً او دولة . الفساد المستشري يدمر كيان الدولة بشكل منهجي ومستمر والكل يشكو ويتذمر من ذلك الفساد.

الفساد لم يعد محصوراً باحزاب او قادة سياسيين او قبليين ، بل يشترك فيه افراد من كل القطاعات ومن كل المستويات . موظفون في المؤسسات الصحية وفي البلديات ودوائر الطابو والبنوك والشرطة والجيش والاحوال المدنية والمرور والنفط والصناعة والزراعة الخ... لايكاد يوجد قطاع نظيف للأسف .

وهذا ما يتحدث عنه الإعلام وبعض السياسيين في لقاءات تلفزيونية وتصريحات وبالتالي لايحتاج الى اثباتات قد يطالبني بها البعض وبشكل مضحك.

السؤال هو: لماذا تتفشى هذه الظاهرة دون رادع ديني او اخلاقي او قانوني؟

سوف نعود الى التاريخ الحديث ونبدأ بما يعرف بفرهود اليهود الذي وقع في شهر حزيران من عام 1941 بعد الفوضى والتوتر الذي ساد بعد فشل حركة رشيد عالي الكيلاني .

وبموجب ماتوصلت اليه اللجنة التحقيقية الحكومية التي شكلت لهذا الغرض فأن معظم مرتكبي حوادث الاعتداء والقتل والنهب والسلب كانوا من الجنود وقد شاركهم لاحقاً وغض النظر عن فعلتهم افراد من الشرطة والانضباط العسكري اضافة الى بعض الاهالي والاعراب الذي شاركوهم ذلك نتيجة التشجيع والانفلات.

الغريب ان بعض الجيران والمعارف شاركوا في تلك الاعمال مع ان البعض تطوع لحماية عدد من العوائل اليهودية .

كانت عائلة جدي تسكن في منطقة ابو سيفين وكانوا شهودا على الاحداث ووفروا الحماية لعدد من اليهود .

المؤلم انه لا الطبقة السياسية شعرت بخطر هذه الاعمال التي شجعت اليهود على الهجرة لاسرائيل مع انهم عراقيون ولا الناس ارتدعوا بقيم الدين او الاخلاق او حقوق الانسان !!

بل ان عددا من الاغاني ظهرت تمجد ايام الفرهود وتتمنى عودته مثل اغنية: 

(حلو الفرهود كون يصير يومية...) !!

ويذكر الدكتور سندرسن باشا طبيب العائلة المالكة في وقت الفرهود في مذكراته ، انه كان خارج بغداد وعند عودته الى بيته بالسيارة وقبل الوصول الى البيت لاحظ ان العشرات من الغوغاء يدخلون ويخرجون الى بيته وهم يحملون كل مقتنياته من أثاث وسجاد وملابس. ويذكر انه حزن بشكل خاص لانه شاهد مجموعة منهم يحملون ثلاجته التي تعمل بالنفط على رؤوسهم كما تحمل الجنازة. ويقول انهم سوف لن يستطيعوا تشغيلها ولذلك سوف تستخدم كدولاب فقط.

وحينها أمر سندرسن السائق بالابتعاد عن البيت خوفاً على حياته.

عملية النهب الثانية حصلت عند سقوط الحكم الملكي بانقلاب عام 1958 ، حيث هاجم الناس قصر الرحاب المتواضع الذي هو القصر الملكي ونهبوا كل مااستطاعوا .. بل ان جاراً لنا ( وكان يعمل مصوراً) كان يتباهى بانه انتزع قطعة من المرمر الاخضر من احد جدران القصر لانه وصل متأخراً ولم يحصل على شيء سوى هذه القطعة من المرمر. واستطعت بصعوبة القاء نظرة عليها حيث كنت طفلاً صغيراً ، وكانت بحجم كف اليد وكانت عائلته تتباهى بهذه الغنيمة وقائلين انها حجر ثمين وتحفظوا عليها بشدة !!

توقفت عمليات النهب لغاية نهاية السبعينيات عندما صدرت قرارات بترحيل العوائل ممن كان يعرف بالتبعية الايرانية . كانت اجهزة الامن تداهم المنازل وتخرج ساكنيها دون السماح لهم باصطحاب شيء من امتعتهم .

الذي يحز في النفس ان بعض الجيران أخذوا يسطون على المنازل الفارغة وينهبون مافيها قبل ان تأتي اجهزة الامن لتبيع الموجودات بالمزاد . كان معظم الجيران يتسابقون ويتنافسون لشراء الاشياء ويتحدثون عن ذلك باعتزاز باعتباره مكسباً.

لماذا لم يقاطعوا ذلك المزاد ؟ لماذا لم يستنكفوا عن المشاركة في ذلك العمل المخزي؟

الا توجد اعتبارات للجيرة والعشرة؟ هل كان النظام يجبرهم على حضور المزاد؟

بعد هذه المهزلة وقعت حرب ايران وبدأ مسلسل نهب المدن الايرانية كقصر شيرين والمحمرة وغيرها . وكذلك نهب السفن المحملة بالبضائع والغارقة في شط العرب من قبل بعض الضباط.

انتهت حرب ايران وجاء احتلال الكويت وهنا بدأت اضخم عملية نهب رسمي وشعبي حيث كان العديد من الناس يتحدثون عن مكاسبهم من الذهاب الى الكويت والاسعار البخسة للاشياء التي حصلوا عليها. مع انها اموال حرام ومغصوبة.

جاء الحصار وساء الوضع المعيشي وبدأت الرشوة والفساد تظهر بالتدريج ووصلت الى الاجهزة الامنية الحساسة حيث كانوا يصدرون جوازات سفر للاشخاص الممنوعين من السفر مقابل مليوني دينار. السرقات من الدوائر والشركات كانت شائعة.

المضحك اننا في وزارة التخطيط كنا نعاني من سرقات منتسبي شرطة النجدة الذي كان مركز اتصالاتهم في اعلى بناية وزارة التخطيط وكانوا يستخدمون نفس المصاعد التي نستخدمها حيث كانوا يمشطون مكاتبنا بعد نهاية الدوام ويأخذون حتى الاقلام والقرطاسية وادوات صنع الشاي ولم يكن الوزير يستطيع عمل شيء لمنعهم .

ذلك يذكرني بما حصل في المانيا بعد الحرب العالمية الاولى وانهيار العملة وسيادة الفقر حيث كان الموظف يقضي معظم وقته بالتفكير في مايمكن له سرقته من الدائرة لكي يبيعه مساءً في سوق تسمى حرفياً (سوق الحرامية)..

جاء الاحتلال الامريكي عام 2003 وحصلت اكبر عملية نهب للمؤسسات العامة وحتى الخاصة والبنوك والشركات ..وهذه كانت تحظى بتغطية اعلامية مناسبة ربما لتعميق الانكسار النفسي لدى الشعب العراقي عندما يرى سلوك ابناء جلدته المشين.

بعد ذلك حصل نوع من المأسسة لعمليات النهب وجرى توزيع الغنائم والاسلاب بين المنتصرين على الشعب العراقي !!! لقد تصرفوا بعقلية الغزاة في القرون الوسطى وقبائل ماقبل التاريخ ..انتصروا على الشعب العراقي وهزموه والآن لهم الحق بتقاسم ثروته..الذي يبعث على الاسى ان قطاعات واسعة من المجتمع اصبحت جزءً من عملية السلب والنهب بدل الوقوف بوجه الغزاة الغرباء وكما بينت ذلك في بداية المقالة .

الخلاصة : يبدو ان عقلية الغزو والنهب البدوية المتخلفة لازالت متغلغلة في الثقافة وفي اللاوعي لدى قطاع من المجتمع ..من يقرأ عن تاريخ القبائل في جزيرة العرب وكيف كانت تغير على بعضها البعض وتسلب وتغتصب النساء وتأخذهم سبايا يشعر بخجل وألم حقيقي.

ختاماً اود ان اقول بأن البعض قد يرى ذلك نشراً لغسيل قذر ومحرج، وأقول لهؤلاء السادة يجب كشف الحقائق المؤلمة وادانتها لان ذلك اول خطوة على طريق العلاج.

كما أن الحديث عن الفساد لايعني ان المجتمع العراقي برمته كان مشتركاً او مباركاً لها .

العراق فيه الى جانب اللصوص اناس من انبل ماخلق الله واطيب ماخلق الله ولكن وجود عشرة بالمئة من الفاسدين يكفي لتشويه صورة المجتمع وتدمير القيم والمعايير.

منظمات المافيا نسبتها متواضعة في المجتمع لكنها تتحكم في كل شيء في بعض الدول او المدن. تتحكم في الاقتصاد والسياسة والقانون .

 

د. صلاح حزام

 

عزام محمد مكي "إن امريكا هي الدولة الأولى في العالم التي مرت مباشرة من مرحلة البربرية الى مرحلة الانحطاط"

الاديب الايرلندي الساخر أوسكار وايلد


 

" لقد تعلمنا العنف منكم"

هذا ما صرخت به ناشطة امريكية من اصول افريقية بوجه النظام الامريكي ردا على قتل مواطنها ’جورج فلويد’

وتستمر هذه الناشطة بهتافاتها المعبرة صارخة:

"لاتتحدثوا عن النهب...

النهب صنعتكم..

امريكا نهبت اصحاب البشرة السوداء..

امريكا نهبت السكان الاصليين...

عندما قدمتم أول مرة...                                          

فالنهب هو ما صنعتموه ... وتصنعونه..

وانتم علمتومونا اياه..

لقد تعلمنا العنف منكم..

العنف هو ما تعلمناه منكم"

العنف، النهب والعنصرية تجري في شرايين النظام الامريكي منذ ان وطأت اولى اقدام المستوطنيين الاوربيين اراضي البلاد التي اُطلق عليها لاحقا (أمريكا).  لقد بدأو بالعنف مع بداية التطهير العرقي لسكان البلاد الاصليين.

النظام الامريكي تركب ليمثل مجتمع المستوطنين القادمين من اوربا المشبعة بعنصريتها. بدأت حياة هؤلاء المستوطنين في هذه البلاد بممارسة العنف الاستئصالي.  والتاريخ وثق كيف قام هؤلاء المستوطنون برد جميل قبائل السكان الذيم قدموا لهم الطعام مرحبين بهم.  لقد نقلوا لهم اوبئة اوربا ليقضوا عليم ويحتلوا ارضهم الخصبة.

1605 عزام

ان العنف الذي مارسه هؤلاء الاوربيون ضد (الهنود الحمر) هو نفسه الذي ورثوه من ممارسته ضد سكان افريقيا.  ومن امثلة هذا العنف العنصري هو مقتل ما يقارب العشرة ملايين من سكان الكونغو على يد الذي اصبح ملك بلجيكا لاحقا (ليوبلد الثالث).

لقد استخدم المستوطنون الاوربيون مختلف وسائل العنف من اجل ابادة سكان البلاد الاصليين فمن القتل الى حرق المدن والقرى والمزارع الى تسميم المياه واخيرا استخدام (الحرب الجرثومية!)ضد القبائل.

ولم تقتصر عمليات الإستئصال العنصري على مجموعات من المستوطنيين الهمج وانما اصبحت ضمن عمل ممنهج مستند على اوامر وتعليمات من إدارات المستعمرين المختلفة تطورت مع مرور الزمن لعمليات تصدر من خلال قوانين من اعلى الهيئات الادارية(في عام 1830 سن الكونغرس الامريكي قانون ترحيل الهنود الحمر قسرا).

واحدة من ابشع الاحداث التي سجلها التاريخ الحديث والمعبرة عن همجية وعنصرية المستوطنيين الاوريين ضد الشعب الذي رحب بهم وآواهم هو شنهم للحرب الوبائية ضد مختلف قبائل الهنود الحمر وفي مختلف مناطق تواجدهم.  فقد ذكر  الأمريكي " Henry F. Dobyns" في كتابه " Their Number Become Thinned" في الجزء الخاص بأنواع الحروب الجرثومية التي أبيد بها الهنود الحمر، بان عدد الحروب الجرثومية التي شنها المستعمرون الاوربيون ضد قبائل الهنود الحمر تُقدر بالعشرات منها 41 حرباً بالجدري ،4 بالطاعون،17 بالحصبة، والكوليرا وغيرها كثير.

وقد توثقت بعض من هذه الحروب الجرثومية ضد شعوب الهنود الحمر من خلال الرسائل المتبادلة بين القائد الإنجليزي العام اللورد "جفري أمهرست" و المرتزق السويسري " هنري بواكيه"، حيث طلب الاول من الاخير استخدام البطانيات الموثة بجراثيم الجدري الى الهنود الحمر.

وشملت عمليات الابادة حملات تهجير القبائل الى اماكن غير صالحة للسكن البشري او استخدامهم في اعمال السخرة القاسية وحرق قراهم.  لقد اطلق هنود "السينيكا" على "أبي الجمهورية الأمريكية" جورج واشنطن لقب "هدام المدن".  فقد ادت العمليات التي امر بها الى تهديم 28 مدينة من أصل 30 مدينة كاملة لهنود السينيكا وحدهم من البحيرات الكبرى شمالاً وحتى نهر الموهوك وفي فترة قياسية لا تزيد عن خمس سنوات.  وقد حدث الشئ نفسه لمدن الهنود في مناطق أخرى.

لقد ادت عمليات الابادة هذه الى مقتل ما لايقل عن 18 مليون انسان من الهنود الحمر.  والعملية مستمرة....ولا يشابهها في العصر الحديث سوى ما يقوم به المستوطنون الصهاينة في فلسطين (ذاك الجرو من ذاك الجلب!)

1606 عزاملقد استولدَ هذا العنف الهمجي نفسه داخل مجتمع المستوطنين انفسهم ليمارسوه ضد بعضهم البعض.  إن اقويائهم لم يقتنعوا بما قرصنوه من اراضي سكان البلاد وانما بدأوا بسرقة المسروق من ضعفائهم.  وقد عكست افلام الكاوبوي الهوليوودية كيف قامت عائلات المستوطنيين الثرية بتكوين العصابات المسلحة لا لحمايتها فقط وانما لاستخدامها لتخويف العوائل الاخرى لاجل تهجيرها والاستحواذ على اراضيها.  ومن هذا نتجت عملية تمركز الثروات بأيدي عوائل محددة في مجتمع المستوطنيين. هذه الثروات التي تحولت الى شركات كبرى ليس للزراعة وانما ايضا سكك حديد ومناجم وبترول وصناعات اسلحة وغيرها عديد.

ويتطور العنف العنصري مسيره متمثلا بتجارة الرقيق.  حيث قام عدد من عنصري اوربا بتشكيل العصابات التي تقوم بالتغلغل في غابات افريقيا لاجل اصطياد شباب وشابات افريقيا وحتى أسر كاملة ليتم شحنهم بالسفن الى قارة امريكا.  هنالك يتم بيعهم حيث يٌسخرون كرقيق في الأعمال الزراعية وغيرها من مشاريع.  وقد وثق الكاتب الامريكي ذو الاصول الافريقية (اليكس هيلي) في كتابه (جذور)، معاناة الافارقة الذين تم سلبهم من موطنهم ليوضعوا في الاغلال الحديدية ويشحنوا بالسفن الى الجانب الآخر من المحيط.  تبدأ معاناة الانسان الافريقي من لحظة اصطياده من قبل عصابات مدربة وبمساعدة خونة باعوا ضمائرهم من اجل حفنة (دراهم)، ليوضع في الاغلال.  يتم بعد ذلك تجميعهم رجال ونساء واطفال في مخيمات على الساحل ليتم شحنهم تحت ضرب السياط والركل والقتل للمتمرد. يوضعون بعد ذلك في عنابر السفن مثل البضائع ليبقوا كذلك طوال فترة التي تستغرقها السفن للوصول الى الجانب الآخر. في هذه السفن يتعرضون للجوع والعطش والامراض بالاضافة الى عمليات الاغتصاب. يعتبر (ادوارد كولستون) احد اهم تجار الرقيق في بريطانيا.  لقد قامت شركته (Royal African Company) بين 1680 و1692 بنقل حوالي 84000 من رجال ونساء واطفال افريقيا الى الكاريبي ومنه الى بقية امريكا.  حوالي 19000 من هؤلاء البشر فقدوا حياتهم اثناء النقل.  لقد تمت مكافئة هذا التاجر بعد وفاته بتسمية شوارع وحدائق وجامعات في بريطانيا باسمه وخاصة في مدينته (بريستول) عدا اقامة نصب له .  وقد قام المتظاهرون ضد العنصرية في مدينة بريستول في 07 حزيران 2020 على أثر مقتل جون فلويد الذي تم خنقه حتى الموت من قبل الشرطة الامريكية،  بإنزال تمثال تاجر الرقيق (ادوارد كولستون) المقام  في بريستول والقاءه في النهر مما اثار غضب الحكومة البريطانية.

 لقد تتبع اليكس هيلي في كتابه معاناة جده  الاكبر (كونتا كينتي) لحظة نهبه من قبيلته في غامبيا ووضعه في السفينة ونقله الى امريكا. لقد استغرقت رحلة السفينة عدة اشهر وهو مع الاخرين المتكدسين على بعضهم  في عنبار السفينة (القبر) محاطين ببرازهم وبولهم يعانون من الجروح المتقيحة التي اصبحت تجذب الفئران الضخمة عدا القمل والبراغيث. يواصل هيلي تتبع حياة جده وكيف رفض تغير اسمه ومحاولاته المتكررة للهرب والتي ادت الى قطع مقدمة قدمه من قبل مالكه الابيض حتى لايستطيع الهرب مرة ثانية. مع سفر هيلي خلال حياة جده الاكبر وفروع عائلته يكشف المعاناة التي قاساها الافارقة في ظل العبودية.  فقد نص القانون على ان الزنجي يستحق:

- القتل اذا حاول الهرب

- 20 جلدة اذا اُمسك دون تصريح سفر

- 10 جلدات اذا نظر الى الابيض في عينه

- 30 جلدة اذا رفع يده ضد مسيحي

لقد حاول المستوطن الاوربي انتزاع انسانية الافريقي من خلال تحويله الى بضاعة لمن يدفع اكثر واذا مرض او هرم يُترك ليموت.  كانوا رهن يمين المالك الابيض نساء ورجال.

وهكذا تشكلت التركيبة الجديدة للإدارة في الولايات المتحدة الأمريكية-نظام الامبريالية الامريكية- على دماء وعظام ومعاناة ودموع العشرات من الملايين من سكان امريكا الاصليين والافارقة الذين نُهبوا من بلدانهم.

ولكن هل اكتفى المستوطنون الاوربيون بهذا النهب الممنهج الذي من خلاله بنوا ما ادّعوا انه (الحضارة) الامريكية.  الجواب الواضح لذلك هو تصدير القرصنة الامريكية الى خارج الحدود. لقد غزوا العالم حيث نقلوا تعطشهم للدماء الى كل انحاء العالم حيث تكون لهم مصالحهم الاستراتيجية. حيث يكون لهم ولهم وحدهم فقط حق النهب والاستحواذ على خيرات وموارد شعوب هذه العوالم واستعبادهم. فبدأو ببلدان امريكا اللاتينية حيث حولوها (حسب مبدأ مونرو) الى حديقتهم الخلفية حيث انتعشت تجارة المخدرات والجنس، حيث يقضي فيها رأسماليها المتخمين عطلات نهايات الاسبوع .

انتقلوا بعد ذلك الى جنوب شرق آسيا بدءاً بالفلبين.  وكما خدعوا شعوب أخرى وعدوا سكان الفلبين بمساعدتهم بالتحرر من الاستعمار الاسباني.  وحالما اندحر الأسبان بعد الضحايا الكثيرة التي قدمتها المقاومة الفلبينية، قرر الرئيس الامريكي آنذاك (وليام ماكينلي) عدم اعطاء الفلبين لسكانها متحججا بقوله ان الله قد أوحى له بذلك (نفس الشئ تكرر مع جورج بوش الابن في سبب غزوه العراق، بان الله قد اوحى له بالذهاب لانقاذ الشعب العراقي). وتستمر الهراوة العسكرية الامريكية في تجوالها المدمر في المنطقة عبر اساطيلها لينتج عنه حروب مدمرة في كوريا ادى الى تقسيمها، وحروب في فيتنام ادت الى ابادة جماعية للبشر والطبيعة من خلال قنابل طائرات ال B52 والحرب الكيمياوية التي لازالت آثارها تظهر على البشر والحيوانات والنباتات.  وهنا يجب ان لاننسى الانقلاب الدموي الذي خططت له المخابرات الامريكية في اندنوسيا الذي راح ضحيته الملايين من البشر. والسبب هو وجود حكم وطني وديقراطي لكن ليس على الشاكلة التي تتماشى مع القرصنة الامريكية. وان الشيء بالشيء يذكر فأن الانقلاب العسكري الدموي الذي نفذته ايضا المخابرات المركزية الامريكية في تشيلي بتوجيه مباشر من سيء الصيت (كيسنجر) كان ضد حكومة الحزب الاشتراكي برئاسة الشهيد سلفادور الليندي الذي تم انتخابه ديمقراطيا على الطريقة الغربية. لقد قاد هذا الانقلاب العسكر الدكتاتور (بينوشيه) الذي سبب في مقتل واعتقال وتعذيب مئات الآلاف من مواطني تشيلي.  وكذلك لنتذكر الانقلاب العسكري والدموي الذي خططت له المخابرات المركزية الامريكية وكالعادة مع مساهمة نشطة من الادارة البريطانية، للاطاحة برئيس وزراء ايران (محمد مصدق) في اواسط خمسينات القرن الماضي.  ايضا محمد مصدق جاء للحكم من خلال برلمان منتخب ديمقراطيا لكنه كرجل وطني اراد استرجاع ثروة بلاده النفطية.  فمشكلة هذا القائد الوطني انه اراد الوقوف ضد قرصنة ثروة شعبه. والنتيجة هي الاطاحة به وسجنه والاتيان بالشاه الديكتاتور (مع سافاكه) الدموي. 

ولم تمضي سوى سنوات قليلة لتعيد وكالة المخابرات المركزية الأمريكية تجربتها مع ايران لتقوم بالتخطيط لانقلاب شباط الاسود الدموي ضد نظام ثورة 14 تموز الوطنية والاتيان بنظام البعث لأول مرة. لقد جاء هذا الانقلاب ردا على محاولة النظام الوطني لاسترجاع بعض من ثروة العراق التي كانت يُستحوذ عليها من قبل الشركات الغربية.  وقد علقت إحدى الصحف البريطانية عقب نجاح الانقلاب بقولها ( لقد سالت دماء كثيرة في هذا الانقلاب ... ولكن حمدا لله لم تسل ولا قطرة نفط واحدة).  نعم كان هذا صحيح تماما لقد راح ضحية هذا الانقلاب مئات الآلاف من العراقيين قتلى في الشوراع او في السجون تحت التعذيب  في قصر النهاية وغيرها من المعتقلات.  التعذيب الذي كان يقوم به سفلة مثل صدام حسين واياد علاوي وكثير غيرهم ممن لازالوا يتنفسوا الهواء.

البشر مقابل اللابشر

قد يظن من قرأ المادة اسابقة بأني قد خرجت عن الموضوع الرئيسي الذي هو العنف والنهب العنصريين في اميركا.  ولكني تصوري يصر بان الموضوع واحد.  إن ممارسات المستوطنيين الاوربيين العنصرية في النهب والقرصنة هي استمرار لممارساتهم ضد الهنود الحمر وضد الافارقة الذين تم نهبهم من بلادهم ليسخروا من اجل ثراء المستوطن الابيض. 

ان ممارساته هذه نابعة من رؤيتهم للعالم حيث يعتبرون بانهم (البشر) لهم الحق فقط بالتمتع بالحياة وثروات الارض، وما على بقية العالم (اللابشر) الا العمل على خدمتهم. ان نظرتهم الى بقية العالم (اللابشر) ليس اكثر من لحم لاقيمة انسانية لها.

وانا هنا أُذكر بمثال لايمكن لأحد نسيانه خاصة من كان واعيا في العيش في العراق خلال تسعينات القرن الماضي. ففي الحرب على العراق التي قادتها امريكا ضد العراق بحجة تحرير الكويت من قبضة صدام (مع العلم بان امريكا هي بالذات من اعطت الضؤ الاخضر للمهووس صدام بالقيام بأحتلال الكويت) تم تدمير جميع البنى التحتية للعراق التي لم تجلب الضرر سوى للشعب العراقي.  وعندما انتفض الشعب العراقي ضد الديكتاتور اعطوا الضوء الاخضر لصدام لإغراق الإنتفاضة بالدم التي نتج عنها المقابر الجماعية المعروفة.  بعد هذا الدمار الماحق الذي لحق بالناس العاديين لحقه حصار اقتصادي وحشي لم يسبق له مثيل.  حيث حُرم البشر في العراق من ابسط مقومات الحياة عدا الخراب الذي لحق بمنشئات الكهرباء والماء والصرف الصحي ونقص الادوية الذي أثر اكثر ما أثر على الاطفال. والشئ الذي يجب ان لايُينسى هو استخدام سلاح اليورانيوم الذي سمي (تلطيفا) بالمُنضب. لقد تم استخدام 500 طن في حرب الخليج1991  ولكن في الغزو الامريكي 2003 تم استخدام ما يقدر 2000 طن من اليورانيوم.  هل هناك حاجة للتذكير بالعواقب التي يجابهها الشعب العراقي  من جراء التعرض لهذا السلاح المفترض انه محرم دوليا.  ولكن لماذا هذا الاستخدام الماحق ضد الشعب العراقي الذي ليس له ذنب فيما قام به الدكتاتور الفاشي صدام في غزو الكويت.  ان الشعب العراقي هو اول ضحايا نظام صدام الفاشي فهل كان يُعاقب على ذلك. فلماذا قصف بغداد وبقية المدن والجسور والبنى التحتية اذا لم يكن الغرض اركاع الشعب.  هنا اتذكر وزير في الحكومة البريطانية (مع العلم انه من المحافظين) كان من المعترضين. حيث سأل رئيس الوزراء قائلا انه عندما قصف الجيش الجمهوري الايرلندي مقر اجتماع المحافظين (وكانت النية لاغتيال تاتشر)، هل ذهبنا لقصف مدينة دبلن؟ فلماذا نقصف مدن العراق إذن. الجواب الواضح والغير معلن يكمن في  (كيف ينظرون لنا؟).  نحن بالنسبة لهم (اللابشر).  وعلينا ان نتعلم بانهم الاسياد ونحن وبقية شعوب الله عبيد لهم.  والمثال الاكثر وضوحا والصارخ هو ما صرحت به مادلين ألبرايت سفيرة الولايات المتحدة الامريكية الى الامم المتحدة ايام حصار التسعينات والتي اصبحت بعد ذلك وزيرة للخارجية الامريكية في كنون ثاني 1997 .  في عام 1996 اي بعد خمسة سنوات من فرض الحصار على الشعب العراقي، تم تسجيل وفاة ما يقارب 600 الف طفل عراقي كنتيجة مباشرة  للحصار.

ففي مقابلة مع السفيرة مادلين ألبرايت في برنامج 60 دقيقة على قناة CBS News في آيار 1996، سألتها المذيعة " لقد سمعنا بوفاة اكثر من نصف مليون طفل عراقي كنتيجة مباشرة للحصار وهذا أكثر من عدد الوفيات في هيروشيما".  فكان جوابها وبكل برود "نعم انه اختيار صعب ولكن  الثمن يستحق ذلك".  بمعنى أن أهداف السياسة الأمريكية تستحق التضحية بنصف مليون طفل عراقي.

هل هناك اوضح من هذا الموقف العنصري؟  فبالنسبة للادارة الامريكية فان نصف مليون اوحتى الملايين من البشر هم لاشيء تجاه اهدافهم السياسية في النهب والاستحواذ.

لو كان الامر متعلق بشخص صهيوني مستوطن تعرض لحجارة من متظاهر فلسطيني يرفض سلب ارضه، فلكم ان تتصوروا ما سيكون عليه موقف هذه السيدة الرقيقة المشاعر.

ويستمر الكاوبوي الامريكي ومعه (جروه) الادارة البريطانية في التصعيد ضد الشعب العراقي حصارا وقصفا لينتهي في الحرب المباشرة ضد الشعب العراقي من خلال غزو 2003 وما نتج عنه من استكمال التدمير والقتل الممنهج. 

فهل من المستغرب بعد كل هذا العنف العنصري التدميري للعراق شعبا وبنى تحتية ان تنهض حركة مقاومة مسلحة من رحم الشعب العراقي ضد الاحتلال الامريكي، في الوقت الذي انخرطت النخب والاحزاب المعارضة لنظام صدام في العملية السياسية للمحتل الامريكي وتحت قيادة الحاكم الامريكي، التي انتجت نظام طائفي مهد لصراعات طائفية مفتعلة.  واستمرالاحتلال في تغوله  في اضهاد الشعب العراقي بكافة مكوناته.  استطاعت هذه الفصائل المقاومة وبامكانيات بسيطة وبدعم من محور المقاومة من اجبار المحتل على اخراج قواته العسكرية المقاتلة تحت جنح الظلام. وعندما عاد الاحتلال من شباك داعش وكادت بغداد تسقط، بقيت نفس القوى السياسية المحتارة من يسارها الى يمينها، في صراعاتها على المكاسب والمغانم مع تواطؤ الكثير من القوى السياسية مع الهجمة الداعشية بتوجيه من المحتل، استنهضت فصائل المقاومة الاسلامية العراقية قواها لمقاومة داعش.  استطاعت هذه الفصائل من تحشيد القوى الشعبية لتكوين الحشد الشعبي الذي استطاع  مع دعم محور المقاومة من دحر داعش والانتصارعليه رغم المؤامرات عليه من قبل الاحتلال وادواته الداخلية.

وهكذا يتضح الحبل السري الذي يوحد الشعوب كافة في صراعها ضد سياسات التمييز العنصري والنهب الاستحواذي القرصني للنظام الامبريالي. هذا الصراع الذي يستوجب توحيد جميع القوى الوطنية في جميع الساحات في تضامن اممي فريد في نوعه في تنوع مراجعياته وخلفياته الفكرية والقومية والسياسية ما دامت كلها تصب في مقاومة الحصار العنصري الاستكباري الذي يريد خنق الشعوب.  فلنا هنا مثال ساطع في إستطاعة ايران على كسر الحصار الامريكي  المزدوج ضد ايران الدولة الاسلامية وضد فنزويلا اليسارية.  ولنا مثال هنا في العراق وهو الحشد الشعبي، المشروع الوطني الذي استطاع من اعادة لحمة الوحدة الوطنية من خلال امتزاج دماء مختلف طوائف واعراق الوطن في تحريره من داعش وفي اكمال مسيرة التحرير من ربقة الاحتلال.

يجب ان لا يوجد فيتو على اية فصيل او جماعة او حزب تقاوم مشاريع الاحتلال الصهيوامريكية بحجة مرجعيتها الفكرية او الدينية او غيرها ما دامت بوصلتها الوطن وتحرره.

ليكن تحرير الوطن وسعادة شعبه هو المحور وهو البوصلة!

 

عزام محمد مكي

 

ليس من شك في ان الادعاءات الأمريكية ضد الصين بنشر وباء فيروس الكورونا، ما هي الا استمرار للحرب الاقتصادية بينهما. هذه الحرب التي لم تبدأ بعد انتخاب الرئيس دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة الامريكية بل سبقت ذلك بعقد من السنين، على وجه التقريب. أي ان موقف الولايات المتحدة الامريكية من الصين بدأ بالتغير قبل وقت طويل من وصول ترامب الى السلطة ولكن ما كان يخطط في السر ظهر فجأة الى العلن في زمن ترامب الذي وان لم يكن هو سبب تدهور علاقة بلاده بالصين، الا انه هو من كشف النوايا الحقيقية لبلاده تجاه الصين. 

إن ذروة العلاقات الإيجابية بين الصين والولايات المتحدة، والتي كانت قائمة على التعايش الاقتصادي الوثيق بين البلدين، بدأت بالتراجع في عهد الرئيس جورج دبليو بوش، الذي، أطلق تصريحات غير ودية تجاه الصين، جرى التخفيف من حدتها في نهاية عهده. والحقيقة، هي انه في نهاية عهد الرئيس جورج دبليو بوش، لم يكن الشخص الرئيسي الذي حدد سياسة الولايات المتحدة فيما يتعلق بالصين هو وزير الخارجية أو رئيس البنتاغون، بل وزير المالية هنري بولسون، الذي دعا إلى علاقات اقتصادية وثيقة مع الصين.

ومع انتخاب باراك أوباما رئيسا للولايات المتحدة الامريكية في عام 2009، والذي تزامن مع الأزمة الاقتصادية العالمية، تغير كل شيء. لم يتحدث أوباما عن علاقات بلاده الاقتصادية بالصين بغلاظة مثل ترامب، ولكنه في الواقع، هو الذي بدأ في بناء سياسة التصدي للطموحات الاقتصادية الصينية. فكان مشروعه الآسيوي الرئيسي، الشراكة عبر المحيط الهادئ، يهدف بشكل صريح إلى العزلة الاقتصادية والتجارية للصين.

لم تدرك الصين وقتها ما كان يعد لها، واستهانت بجدية مشروع لجم نشاطها التجاري، لولا ان يحل ترامب رئيسا للولايات المتحدة الامريكية، بعد براك اوباما، ليكشف عن ان مخططات الولايات المتحدة الامريكية تنطوي على إجراءات ملموسة، عندما تم الإعلان في عام 2017 عن ان الصين هي المنافس الاستراتيجي للولايات المتحدة. والذي أزعج الصين هو ان تصريحات ترامب لقت اجماعا عند الحزبين الديمقراطي والجمهوري. غير ان ترامب، ولأغراض انتخابية، تمكن فيما بعد من ايجاد تفاهمات تجارية مع الصين، كان لها بوضوح طابع الهدنة المؤقتة (وليس السلام).

فليس خافيا ان سياسة الرئيس الامريكي دونالد ترامب، بقرب انتهاء دورة حكمه الاولى، اصبحت محكومة في المقام الأول بالحملة الانتخابية المقبلة، لذا فان الاتفاقات التجارية مع الصين كانت لتعفيه عن فرض رسوم اضافية على البضائع الصينية مما قد يؤثر سلبا على المستهلك الامريكي ويضعف تأييد الناخبين له. ولكن هذا كان قبل انتشار وباء فيروس الكورونا الذي أثر سلبا على اداء الاقتصاد الامريكي وكشف عجز ادارة ترامب عن مواجهة ازمة انتشار الوباء.

لذا لم يكن امام ترامب الا ان يلعب ورقة الفيروس الصيني، كما يسميه، ليحمل الصين تبعات ما جرى في بلاده متهما اياها بالتستر على انتشار الوباء في مراحله الاولى مما منح فيروس الكورونا فرصة الانتشار بسهولة خارج حدود الصين. ولو افترضنا انه لم يكن هنالك وباء فيروس الكورونا فان الاقتصاد الامريكي كان هو الورقة الرابحة لترامب، حيث أظهر السكان في بداية عام 2020 درجة عالية من الرضا عن الوضع الاقتصادي وسياسات ادارة ترامب في هذا المجال. يضاف الى ذلك فشل محاولة اقالة ترامب في كانون الثاني/يناير التي رفعت من حظوظ ترامب بالفوز في الدورة الانتخابية القادمة.

الآن تغير الوضع بشكل كبير. بعد ان وجه الوباء ضربة قاسية للاقتصاد الامريكي وأدى الى تدني شعبية ترامب مقارنة بمنافسه الديمقراطي جو بايدن. على اعتاب الانتخابات، أيقن ترامب أن "كل شيء كان على ما يرام حتى ظهور هذا الفيروس الصيني اللعين". لذا، لم يعد لدى ترامب أي سبب لتليين مواقفه من الصين. على العكس، من المفيد له الآن أن يثبت أنه لولا العدوى الصينية، لكان كل شيء رائعًا في الولايات المتحدة.

ولكن على ماذا يمكن لوم الصين؟ من الواضح أنه لا توجد دولة، بما في ذلك الصين، تريد أن تكشف عن أخطائها، التي يمكن ان تكون قد ارتكبت في المرحلة الأولى من تفشي المرض. ففي البداية كان من الصعب فهم حجمه، لذلك تصرف الصينيون كما لو كانوا امام عدوى عادية يسهل مكافحتها بالوسائل التقليدية المتوفرة، حتى أدركوا أنهم امام وباء جديد شديد الخطورة.

الا ان الاعلام الامريكي والموالي له لم يتوقف عند حدود اللوم عن خطأ يمكن تبريره، وتجاوز ذلك الى حد اتهام الصين بتصنيع الفيروس في مختبراتها البكتريولوجية في ووهان، وهي بالتالي تتحمل مسؤولية مباشرة عن ظهور هذا الوباء وانتشاره في ارجاء العالم، وتبعا لذلك فإنها، أي الصين، تتحمل المسؤولية كذلك عن كل الاضرار التي تسبب بها انتشار وباء فيروس الكورونا. ولكن هذه لم تكن سوى اتهامات مبنية على افتراضات لم يثبت صحتها، وهنا يتناسى مروجي هذه الاتهامات ان هنالك افتراضات أكثر واقعية تشير بأصابع الاتهام الى حلف الناتو وامريكا.

في مقال سابق كتبته عن وباء فيروس الكورونا، ونشر في صحيفة (المدى) اشرت الى وجود 11 مختبرا للابحاث البكتريولوجية على الاراضي الاوكرانية منتشرة في مناطق قريبة من روسيا تدار من قبل خبراء امريكان. وقد اشيع وقتها بأنها لمساعدة اوكرانيا في تطوير انتاجها الزراعي! وعند الاستفسار رسميا من قبل بعض النواب الاوكرانيين ومنظمات مجتمع مدني اوكرانية عن مهام هذه المختبرات والهدف من الابحاث التي تجرى فيها، أجابت وزارة الصحة الاوكرانية في رسالتين متعاقبتين احداها تناقض الاخرى.

في الرد الاول أكد وزير الصحة الاوكراني بانه " لا توجد على الاراضي الاوكرانية مختبرات بيولوجية امريكية"، ثم عاد الوزير في رده التالي ليعترف بوجود تلك المختبرات ولكنه أكد ان " المختبرات الأمريكية لا تقوم بأنشطة اقتصادية في أوكرانيا"! يمكن تجاوز الرد الاول مبررين ذلك بتسرع السيد الوزير او مكتبه بالرد دون علم منهم بوجود تلك المختبرات ولكن بعد ان تأكد من وجودها فما معنى ذكره للأنشطة "الاقتصادية"؟

بطبيعة الحال، لا تشارك المختبرات البيولوجية الأمريكية في أوكرانيا في "الأنشطة الاقتصادية" ومن تقدم بالاستفسار كان يعني بالتأكيد مشاركتها في انشطة اخرى، منها استخباراتية ومنها تطوير الأسلحة البكتريولوجية واختبار بعض الفيروسات الضارة في السلاف الأوكرانيين.

مثال اخر في نفس السياق من جورجيا. فقبل وقت طويل من تفشي فيروس الكورونا في ووهان الصينية، ساورت روسيا شكوكا بنشاط امريكي في تطوير الأسلحة البيولوجية على الاراضي الجورجية. فمنذ افتتاح المختبر البيولوجي الممول من الولايات المتحدة، والذي أطلق عليه اسم لوغار، تيمنا بالسناتور الامريكي ريتشارد لوغار وهو يقع بالقرب من العاصمة الجورجية تبليسي، أعربت الحكومة الروسية مرارا وتكرارا عن شكوكها بشأن أنشطة المختبر مؤكدة ان سبب قلقها هو أن واشنطن لا تكشف عن نوع البحوث التي تجريها بالقرب من الحدود الروسية. واتهم السفير الروسي لدى منظمة الأمن والتعاون في أوروبا ألكسندر لوكاشفيتش الامريكان صراحة بأنهم يستخدمون المختبر لإجراء تجارب طبية لخلق "طفرات فيروسية وتصنيع أسلحة بيولوجية".

ختاما، لابد من التأكيد على أنى لم أكن بصدد الدفاع عن الصين ولا شيطنة الانشطة البيولوجية الامريكية ولكن التأكيد على ان الشفافية في الانشطة الخاصة بالأبحاث العلمية المدنية هي السبيل للاطمئنان على مستقبل البشرية وضمان استقرار وديمومة تطورها الاقتصادي والاجتماعي، والبحث عن الحقيقة لن يكون بافتراضات وتكهنات تبتكر لتكون مطية لأغراض سياسية. ولا بأس هنا بالتذكير بالمثل القائل " ان كان بيتك من زجاج فلا ترمي الاخرين بالحجارة".

 

د. جاسم الصفار

 

معمر حباراسترجعت الجزائر 24 جمجة من بين 536 جمجة لأسيادنا الشهداء رحمة الله عليهم ورضوان الله عليهم، وبمناسبة الذكرى 58 لاسترجاع السّيادة الوطنية. فكان حدثا عظيما في تاريخ الجزائر:

أوّلا: اعتذار لأسيادنا الشهداء:

1- نقدّم اعتذارنا لأسيادنا الشهداء رحمة الله عليهم ورضوان الله عليهم جميعا على مافرّطنا في جنبهم وتركناهم دون التدخل لإنقاذهم من أيدي المستدمر الفرنسي طيلة 144سنة من الزمن.

2- مايجب ذكره في هذا المقام والجزائر تحتفل بمرور 58 سنة على استرجاع السّيادة الوطنية، أنّ أسيادنا الشهداء من أصحاب الجماجم كان لهم الفضل والسّبق في مقاومة الاحتلال الفرنسي واندلاع الثّورة الجزائرية واسترجاع السّيادة الوطنية. ولذلك يضلّ فضلهم علينا عظيما وكبيرا ولا نستطيع ردّه أبدا لعظمتهم وعلو شأنهم.

ثانيا: التهنئة والشكر لكلّ من ساهم في استرجاع جماجم أسيادنا الشهداء:

3- هنيئا للجزائر ولرجال الجزائر الذين استطاعوا استرجاع الدفعة الأولى من 24 جمجمة لأسيادنا الشهداء رحمة الله عليهم ورضوان الله عليهم جميعا في انتظار الدفعات الأخرى في أقرب وقت.

4- نتقدّم بالشكر والامتنان للخبراء الجزائريين الذين استطاعوا أن يحدّدوا هوية 24 جمجمة لأسيادنا الشهداء من الناحية العلمية. وهو عمل جليل يستحقّ كلّ التقدير والتشجيع.

5- أتقدّم بالشكر للجزائر وللقائمين على الجزائر الذين اختاروا يوم 5 جويلية وهو يوم من أيام الله تعالى لاسترجاع جماجم أسيادنا الشهداء، والاحتفال برجوعهم ودفنهم في مثل هذه الأيام المباركة بما يليق بهيبتهم العظيمة ومكانتهم الجليلة.

6- كلّ الشكر والتّقدير والاحترام للجيش الوطني الشعبي الذي أرسل طائرتين حربيتين لمرافقة الطائرة العسكرية التي ستحمل معها جماجم أسيادنا الشهداء. وأسيادنا الشهداء الذين استشهدوا لأجل الجزائر وهم الان "فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ" يستحقون كلّ التّقدير والاحترام ويحاطون بحراسة في السّماء من قبل الجيش الوطني الشعبي قبل أن يوضعوا في روضتهم الشريفة بتقدير واحترام وحراسة.

ثالثا: الاستدمار الفرنسي من خلال جرائم قطع الرؤوس وسرقتها:

7- سمعت ظهر اليوم لمختص جزائري في التّاريخ يقول: يوجد 4000 جمجمة في متحف فرنسا الذي يطلقون عليه اسم "الإنسان!". وسمعت البارحة لمختص جزائري في الطب الشرعي يقول: يوجد 536 جمجة جزائري. أعدمها الجلاّدون السّفاحون الفرنسيون المجرمون وفصلوا رؤوسها الشريفة عن أجسادها الشريفة وحرموهم من الدفن الكريم.

8- الجماجم بالنسبة لفرنسا المحتلّة المجرمة تعتبر قطع أثرية تزيّن بها رفوف المتاحف الفرنسية، وفرصة لجلب المال والزوار وهم يتمتّعون بالجماجم. والجماجم بالنسبة للجزائر والجزائري تمثّل وحشية المستدمر الفرنسي الذي فصل الجماجم عن الجسد الطاهر الشريف، وسرقتها فرنسا المحتلة عبر البواخر لتمنع أهلها وأصحابها من رؤية كلّ مايحي الجهاد ضدّ الاحتلال الفرنسي، لأنّ الشهيد في نظر المحتل الفرنسي أخطر عليها حين يكون بين يدي ربّه من وهو حي يرزق.

9- من طبع الاستدمار الفرنسي الإمعان وإذلال الجزائريين عن طريق سرقة الجماجم أي فصلها عن أجسادها الطاهرة. وزرع الرعب والفزع، وأنّ فرنسا المحتلة التي فصلت جماجم أسيادنا الشهداء عن أجسادهم الطاهرة لقادرة أن تفصل جسد الجزائريين كلّهم إن عادوا لفمحاربة الاستدمار الفرنسي. وتجعل جماجم أسيادنا الشهداء لعبة يتسلى بها الزوار والسياح ليهان الرمز الأعلى وهو الشهيد لدى أعين الجزائريين، ويتمّ بعدها الاستخفاف بكلّ من تسوّل له نفسه مقاومة ومحاربة الاستدمار الفرنسي.

10- فرنسا المحتلة واصلت التعذيب وقطع الرؤوس والإهانة والإعدام والرمي من الطائرة وتحريض الكلاب المدرّبة على نهش لحوم الجزائريين والاعتداء عليهم جنسيا والاغتصاب أمام الزوج والأب والأخ وحرق الجزائري حيا والكهرباء والأنبوب والقارورة. وهذه وسائل ظهرت فيما بعد خاصّة أثناء الثورة الجزائرية. إذن، الاحتلال الفرنسي لم يتوقف يوما عن التعذيب والإهانة ووقطع الرؤوس والاغتصاب ضدّ الأحرار من الجزائريين والجزائريات.

11- فرنسا المجرمة المحتلة أعدمت 536 وفصلت رؤوسهم الشريفة عن أجسادهم الشريفة لقصد ماتسميه "البحث العلمي؟ !"، وكذا الإهانة وبثّ الرعب والفزع.

12- المقصود بـ "البحث العلمي؟ !"، هو إثبات أنّ الجزائري يعود أصله للرومان، مايعني أنّ الجزائر في نظر الاستدمار الفرنسي رومانية وبالتّالي فهي قطعة فرنسية. ثمّ لتثبت أنّ هناك فئة في الجزائر يعود أصلها للرومان عكس إخوانهم الجزائريين. ولتثبت نظريتها في التفريق وبثّ العداوة بين الإخوة الجزائريين وتمزيق الوطن الواحد باسم عنصريتها واستدمارها في التفريق والتقاتل بين أبناء الوطن الواحد.

13- بالإضافة إلى 536 جمجمة لأسيادنا الشهداء. فرنسا الاستدمارية المجرمة لم تتوقف يوما عن قطع الرؤوس الشريفة عن أجسادها الشريفة بل استمرت وإلى آخر أيامها من احتلال الجزائر. ومن يقرأ عن التعذيب في أواخر الثورة الجزائرية وبأقلام فرنسية يدرك هول التعذيب الذي لحق بالجزائريين حتّى بعد إعلان إطلاق النار في مارس 1962. إذن قطع رؤوس الجزائريين لم يتوقف، والعبث بأجساد وجماجم أسيادنا الشهداء لم يتوقف منذ سنة 1830، تاريخ احتلال الجزائر.

14- فرنسا الاستدمارية المجرمة حرمت أسيادنا الشهداء من حقّ الدفن. وهذا أبسط حقوق الإنسان. والسبب في ذلك أنّ الجزائري في نظر المستدمر الفرنسي ليس إنسان ولا يستحقّ بالتّالي الدفن كإنسان.

15- فرنسا الاستدمارية المجرمة وضعت أرقاما لجماجم أسيادنا الشهداء. فالجزائري في نظر المستدمر الفرنسي لايعدو كونه رقما يضاف للموتى، ورقما يضاف للإعدام، ورقما يضاف لآلة التعذيب الجهنمية، ورقما يغتصب أمام زوجه وابنه وأبيه والنّاس أجمعين، ورقما تنهب ممتلكاته ويطرد من بيته وحقله، ورقما لايحق له العيش الكريم، ورقما يطرد لكاليدونيا، ورقما يرمى من الطائرة، ورقما تطلق عليه الكلاب المدرّبة لتنهش جسده الكريم وتغتصبه. ويمكنك أيّها الزميل الكريم أن تضيف قائمة الأرقام التي تحضرك الآن.

رابعا: جماجم لا رفات:

16- من الأخطاء الشائعة التي لاتليق بعظمة أسيادنا الشهداء القول: "24 رفات" والحقيقة القول: "24 جمجة". والسّبب في ذلك أنّ "الرفات" تعني أنّ 24 ماتوا موتة عادية وعثرنا عليهم بعد قرن ونصف من الزمن أي لايختلفون في شيء عن الذين ماتوا موتة طبيعية، وهذا مايرمي إليه الاستدمار الفرنسي. وحين نقول 24 جمجمة -في انتظار الباقي-، فهذا يعني أنّ الاستدمار الفرنسي بوحشيته أعدم أسيادنا الشهداء ثمّ فصل الجماجم الشريفة عن الأجساد الطاهرة الشريفة. وهنا يفهم القارئ والسّامع والأجيال الحالية والقادمة أنّ الاستدمار الفرنسي انتهك حرمة أسيادنا الشهداء رحمة الله عليهم ورضوان الله عليه وفصل الجماجم بوحشية وحقد دفين عن الأجساد الطاهرة الزكية.

17- استعمل رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون مصطلح "رفات" التي تدل على أنّهم ماتوا موتة طبيعية عوض مصطلح "جماجم" التي تدل على وحشية الاستدمار الفرنسي. ولو كنت ناصحا لنصحت رئيس الجمهورية باستعمال مصطلح "جماجم" والابتعاد عن استعمال مصطلح "رفات" للأسباب المذكورة أعلاه.

18- شرعت فرنسا المحتلّة للجزائر في قطع رؤوس الجزائريين منذ سنة 1830 أي منذ بداية الاستدمار الفرنسي للجزائر.

19- شملت جريمة قطع رؤوس الجزائريين كلّ مناطق الجزائر ودون استثناء.

20- قطع الاستدمار الفرنسي رؤوس الرجال والنّساء والأطفال والصغيرات في سن 7 سنوات كما ذكر الأستاذ سعيدي مزيان.

21- كانت الغاية من قطع رؤوس الجزائريين وحسب الأستاذ مزيان سعيدي بثّ التفرقة ونشر العداوة بين إخواننا وأحبّتنا وأعزّائنا "القبايل" وإخوانهم وأحبّتهم وأعزّائهم الجزائريين.

22- كان الاستدمار الفرنسي يفتخر بجرائمه كفصل رؤوس الجزائريين عن أجسادهم الطاهرة الزكية. وبعد اكتشاف أدوات التصوير أصبح يقوم بتصوير رؤوس الجزائريين أمام وسائل الإعلام ويعتبر ذلك من البطولة والشجاعة.

23- كان كلّ فرنسي محتلّ مجرم يقطع رؤوس الجزائريين ينال منحة في سبيل ذلك ويرقى لأعلى الرتب، وينال رتبة جنرال ومنهم من نال رئيس الجمهورية الفرنسية المحتلة لجرائمهم بالجزائر المحتلّة.

24- شارك الأطباء المجرمون الفرنسيون الذين رافقوا الاحتلال الفرنسي في جريمة وضع رؤوس الجزائريين المفصولة عن أجسادها الشريفة بمواد تسمح ببقائها سليمة في انتظار أن تصل لفرنسا المجرمة، خاصّة وأنّ عملية سرقة جماجم أسيادنا الشهداء تتمّ بعد عام من جريمة القتل وفصل الرأس. مايدل على إخضاعها للتجارب طيلة مدّة بقائها في الجزائر المحتلة وتحت إشراف الأطباء المجرمون المحتلون الذين شاركوا الجنود الفرنسيين المجرمين.

25- قامت فرنسا المحتلّة بجريمة الإعدام والغدر بأسيادنا الشهداء ثمّ بجريمة فصل الرأس الشريف عن الجسد الشريف ثمّ جريمة الاستحواذ على الجماجم طيلة قرن ونصف من النصف ثمّ جريمة الزور والكذب واعتبار جماجم أسيادنا الشهداء من التراث الفرنسي. إذن هي جرائم متعدّدة في ملف واحد كجماجم أسيادنا الشلف. كيف بالجرائم الأخرى؟.

خامسا: جرائم فرنسا من خلال بعض الكتب:

26- جماجم أسيادنا الشهداء لدى المحتل الفرنسي لاتعدو أن تكون سلعة تسرق كما سرقت من قبل فرنسا المحتلة خيرات الجزائر وحملتها إلى موانئ فرنسا عبر 5 سفن، ناهيك عن الأموال المسروقة التي موّلت بها احتلال الجزائر. وقد جاء ذلك بالتفصيل الدقيق جدّا في كتاب "LA MAIN BASSE SUR ALGER " .

27- القارئ لكتاب "حتمية الاستعمار الفرنسي" لأستاذ فرنسي لايحضرني الآن اسمه، يقرأ الهدايا التي كان يرسلها الجنرالات المجرمون بعد اقتحامهم وتدنيسهم لكلّ قرية جزائرية ثمّ يبيدونها عن آخرها، ومتمثّلة في : برميلا من الأذان التي قطعوها من النساء الجزائريات الطاهرات وهي ملطّخة بالدماء، وتحمل الأقراط التي تتزيّن بها المرأة الجزائرية.

28- بالإضافة إلى الإعدام وفصل رؤوس أسيادنا الشهداء عن أجسادهم الطائرة، سبق للاستدمار الفرنسي أن نبش قبور الجزائريين في بدايات الاحتلال الفرنسي 1830-1833، وأخرج عظام أسيادنا وسرقها ليحوّلها لفرنسا المجرمة لاستخدام عظام الجزائريين في مواد منزلية -لاتحضرني الآن بالضّبط-.

29- الذي يقرأ كتاب: "الديوان الإسبرطي" للأستاذ: Abdelouahab Aissaoui، دار ميم للنشر، الجزائر، الطبعة الأولى، السداسي الثاني، 2018، من 387 صفحة. يذكر من خلاله طريقة سرقة عظام الجزائريين من المقابر الجزائرية وسرقة جماجم الجزائريين وكيفية المحافظة عليها بإشراف الطبيب الفرنسي المجرم. وأعترف أنّي لم أستوعب حينها المسألة. والآن أستوعبها جيّدا بعد استرجاع جماجم أسيادنا الشهداء. فكلّ الشكر للأستاذ عبد الوهاب عيساوي على الإشارة لهذه النقطة.

30- حين تفتخر فرنسا المحتلّة المجرمة بسيّدنا الأمير عبد القادر تقول عنه وبلسان قادتها الذين أجرموا والذين عايشوه وحاربوه: "الأمير عبد القادر لايقطع الرؤوس مثلنا". وهي التي دفعت عنه تهمة قطع الرؤوس حين كان أسيرا لدى فرنسا المجرمة في سجن "لامبواز"، كما جاء في كتاب:

 ANTOINE Adolphe DUPUCH « ABD-EL-KADER L’LLUSTRE CAPTIF DU CHATEAU D’AMBOISE», Fondation EMIR ABDEELKADER, Edition DAHLAB, ALERIE, Contient 113 Pages.

سادسا: ما أعظم الجزائر وهي تنحي لأسيادنا الشهداء:

31- الجزائر تنحني إجلالا وتعظيما لجماجم أسيادنا الشهداء لأنّهم صنعوا الحرية واستشهدوا لأجلها، وقدّموا أنفسهم الطاهرة الزكية لنعيش الآن بحرية ونكتب عن عظمتهم. فلهم منّا كلّ الانحناء والاحترام والتقدير الذي يليق بجلالة قدرهم وعظمة مكانتهم.

32- وإنّه لمن الخصال العظيمة أن ينحني المرء لأسيادنا الشهداء. فلولاهم لبقيت الرؤوس إلى الآن ذليلة منكسرة للمستدمر. وبفضلهم بقيت الرؤوس عالية شامخة تأبى الذل وترفض التبعية لأحد. رحمة الله عليهم ورضوان الله عليهم جميعا.

33- من عظمة الثورة الجزائرية أنّ سيّدنا الشهيد حين يلتحق بربّه فرحا مسرورا، تزغرد النّساء ولا تبكي. مايجعل المستدمر في غضب شديد: كيف يفرحون لموت رجالهم ونحن الذين كنّا نبغي نشر اليأس والقنوط والاستسلام بإعدام وقطع رؤوس رجالهم.

34- من عظمة الثورة الجزائرية أنّ سيّدنا الشهيد رضوان الله عليه حين يلتحق بمقعده الشريف، نقول حينها: ربحنا واحدا واثنين وعشرة ومائة. ولا نقول خسرنا واحدا واثنين وعشرة ومائة. والسبب أنّ الشهيد الذي يصعد للسّماء يضاف للمولود الذي ينزل من السّماء، فكلاهما إضافة ولا يمكن بحال اعتبار الشهيد خسارة خاصّة وأنّ الشهيد حيّ يرزق ويضاف للمولد الحي وليس الأموات.

سابعا: فضل الزوايا وأسيادنا الصوفية في محاربة الاستدمار الفرنسي:

35- أسيادنا الشهداء رحمة الله عليهم ورضوان الله عليه الذين فصل الاستدمار الفرنسي المجرم رؤوسهم الشريفة عن أجسادهم الشريفة كانوا من أبناء الزوايا وانطلقوا من الزوايا لمحاربة الاستدمار الفرنسي منذ اليوم الأوّل للاحتلال.

36- كانوا من أسيادنا الصوفية وأسيادنا الأشاعرة رحمة الله عليهم ورضوان الله عليهم، كما كان من قبل سيّدنا الأمير عبد القادر رحمة الله عليه ورضوان الله عليه من أبناء الزوايا والصوفية والأشاعرة.

37- لانفرّق بين سيّدنا الأمير عبد القادر الذي حارب الاستدمار الفرنسي طيلة 17 سنة من زهرة شبابه، وأسيادنا المجاهدين الذين جاؤوا من بعده وحاربوا الاستدمار الفرنسي بما استطاعوا، وأعدمتهم فرنسا المجرمة، وفصلت رؤوسهم الشريفة عن أجسادهم الشريفة، وحرمتهم من الدفن في وطنهم الجزائر الذي ماتوا لأجله، وسرقت فرنسا المجرمة جماجمهم الشريفة واستحوذت عليها طيلة قرن ونصف قرن من الزمن.

38- تعاملت فرنسا المجرمة مع مختلف أنواع المقاومة التي انطلقت من الزوايا وبقيادة أسيادنا الصوفية والأشاعرة بوحشية بالغة بعد استسلام الأمير عبد القادر رحمة الله عليه. وكانت ترى أنّه لايوجد في الجزائر من هو في مستوى الأمير عبد القادر ليواجهها. ولذلك وقّعت المعاهدات مع الأمير عبد القادر فقط –أقول فقط- ولم توقّع مع غيره. ولذلك لم تترك أدنى فرصة لبروز أسيادنا المقاومين وحاربتهم في المهد، وأعدمتهم، وفصلت رؤوسهم الشريفة عن أجسادهم الشريفة.

39- لم تكن فرنسا المجرمة تتوقع أنّ الأمير عبد القادر رحمة الله عليه سيستلم ويسلّم سيفه بالبساطة التي لم تكن تحلم بها. وكان الاستسلام مشجعا لفرنسا الاستدمارية لمواجهة المقاومة التي بعثت بعد الأمير عبد القادر بوحشية بالغة، وتمثّل ذلك في إعدام قادة المجاهدين وفصل رؤوسهم الشريفة عن أجسادهم الشريفة.

40- حين تيقنت فرنسا المجرمة أنّ الثورة التي كانت ضدّها وأنّ قادة المجاهدين خرجوا من الزوايا. علمت حينها أنّ المجتمع الجزائري يعتمد على الزوايا والفقيه. فضيّقت على الزوايا، واستولت على الأوقاف، وحرمتهم الزكاة، وأحرقت الحقول التّابعة لهم، وأرهقتهم بالضرائب حتّى يستسلموا لها، واشترت بعض الذمم الصغيرة، ورفعت الأدنى، وقدّمت كلّ وضيع، وأهانت كلّ رفيع ، وجعلت عالي القوم أسفله، وغرست عبر مدارسها الاحتلالية جيلا ينافس الفقيه الجزائري الأصيل ويزاحمه، وتستبدله بأساتذة وقضاة وأئمة يدعون للاحتلال، ويبرّرون للنهب والسّطو. وكلّ هذا لتشويه وإهانة واحتقار وتهميش الزوايا وأسيادنا العلماء. مايدل على عظم مكانة الزوايا وأسيادنا العلماء الذين قادوا المقاومة ضدّ الاستدمار الفرنسي منذ اليوم الأوّل للاحتلال.

41- من شدّة حقد وبغض الاستدمار الفرنسي ضدّ الزوايا والعلماء، أعدمت فرنسا المجرمة أسيادنا قادة المقاومة وفصلت رؤوسهم الشريفة عن أجسادهم الشريفة نكاية في الزوايا التي انطلقوا منها، وفي علماء وفقهاء الزوايا الذين حاربوا وظلّوا يحاربون الاستدمار الفرنسي.

ثامنا: الشكر لمصر ولكلّ من ساهم في دعم الجزائر أيّام الاستدمار الفرنسي:

42- علمت أنّ من بين 24 جمجة لأسيادنا الشهداء رحمة الله عليهم ورضوان الله عليهم. يوجد جمجمة سيّدنا الشهيد موسى بن الحسن المصري الدرقاوي. وهو مصري الجنسية انتقل من مصر للجزائر ودافع عن الجزائر واستشهد في سبيلها رحمة الله عليه ورضوان الله عليه.

43- أعترف أنّ معلوماتي عن سيّدنا الشهيد الدرقاوي ضئيلة لاتسمح لي أن أدلي بدلوي.

44- لم تكن يومها حدود ولا تفرقة بين الشعوب. والجزائر تحتضن الجميع وتعرف قدر من يموت في سبيلها. فترسل له طائرة عسكرية تحمله، و3 طائرات مقاتلة تحميه، وأفضل الضباط يحملونه على أكتافهم، وأفضل المظليين ينزلون من السّماء إكراما له، وتضع له البساط الأحمر الذي يوضع للرؤساء والملوك ليسير فوقه وهو المعزّز المكرّم فوق أكتاف الرجال.

45- كلّ الشكر والتحية والإجلال لسيّدنا الشهيد موسى بن الحسن المصري الدرقاوي الذي استشهد في سبيل الجزائر، ولكلّ من ساهم في نصرة الجزائر ومدّ العون للجزائر أيام الاحتلال الفرنسي وإبّان الثورة الجزائرية.

46- بلغني من زميل مصري أنّ عائلة سيّدنا الشهيد موسى بن الحسن المصري الدرقاوي أحياء يرزقون في مصر العزيزة على أنفسنا. وعليه أطلب من رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون أن يرسل دعوة لـ: "أحد أفراد عائلة سيّدنا الشهيد الدرقاوي بمسقط رأسه دمياط" عبر الطرق التي يراها مناسبة، وتكريمها في الجزائر، عرفانا من الجزائر لكلّ من قدّم لها مساعدة أيّام جمر الاستدمار ونار الاحتلال الفرنسي.

47- نظلّ نكرّر شكرنا لكل من خدم الجزائر وقدّم لها يد المساعدة واستشهد بأرضها ومات في سبيلها.

تاسعا: جرائم حركى الأمس وجرائم الحركى الجدد:

48- الحركى وأسيادهم من الفرنسيين الجلاّدين السّفاحين المجرمين توأم في الغدر والقتل وفصل الرؤوس الشريفة عن الأجساد الشريفة.

49- التعذيب كان بيد الفرنسي المحتل المجرم السّفاح. وبيد الحركي المجرم. وكلاهما كان يتفنّن في تعذيب الجزائريين والجزائريات.

50- التعذيب يشرف عليه المجرم الفرنسي المحتل والحركي المجرم. ويختلف الأمر في نوعية ودرجة التعذيب. وفي مكانة الجزائري المعروض للتعذيب. ونوعية المعلومة المراد انتزاعها من الجزائري. و"السمكة" إن كانت "كبيرة" بتعبير السّفاحين الجلاّدين المجرمين الفرنسيين.

51- الاحتفال بعودة جماجم أسيادنا الشهداء تتطلب -فيما تتطلب- إعادة النظر في بعض "الجماجم الحية" التي مازالت ترفض التوقيع على قانون تجريم الاستدمار الفرنسي، وتسليط أقصى العقوبات عليها وإلحاقها بالبليدة والحراش فذاك مكانها المناسب وليس الوزارة ولا البرلمان.

52- إنّ الخائن الجزائري والمجرم الفرنسي الذي كان من وراء فصل جماجم أسيادنا الشهداء عن أجسادها الطاهرة الزكية منذ 144 سنة من الزمن هو نفسه الخائن والمجرم الجزائري الذي مازال يرفض التوقيع على قانون تجريم الاستدمار الفرنسي ولا يخشى العقاب لأنّه يتمتّع بالحصانة حتّى قلدت الجارة تونس الجزائر في عار عدم التّوقيع على قانون تجريم الاستدمار الفرنسي.

53- أستغلّ الفرصة وأطالب بفتح تحقيق بشأن تأخير استلام جماجم أسيادنا الشهداء، ومعاقبة كلّ جزائري كان من وراء تأخير استلام جماجم أسيادنا الشهداء لحدّ الآن، ومهما كانت وظيفته ورتبته ومنزلته وقرابته.

54- أطلب من الخبراء الجزائريين الذي أشرفوا على تحديد هوية 24 جمجمة لأسيادنا الشهداء رحمة الله عليهم ورضوان الله عليهم أن يواصلوا عملهم الجليل في تحديد هوية الجماجم الجزائرية الحية الخائنة التي مازالت ترفض التوقيع على قانون تجريم الاستدمار الفرنسي، وليتفضّلوا مشكورين بنشر قائمة الجماجم الجزائرية الخائنة كما فعلوا حين نشروا أسماء جماجم أسيادنا الشهداء. وبهذا يكتمل عملهم العظيم في حقّ الجزائر والجزائريين.

 

معمر حبار

الشلف - الجزائر

 

 

محمد بنيعيش1) حينما تتحول الفضيلة إلى رذيلة والغاية إلى وسيلة والعامل إلى عميلة والباسل إلى بصطيلة فتلكم هي المشكلة التي ليست لها تعديلة. وأستسمح عن هذا السجع الثقيل والممل لأنه نابع من فرط تأثير الأكاذيب وسيطرة الوهم والتأويل. فقد أصبحت الفرامل غير مكبوحة والحناجر غير مبحوحة والأوجه شبه مكلوحة وما لها مندوحة. . .

هناك مشكلة تاريخية وفلسفية حيرت المفكرين في حل لغزها وأصبحت مضرب المثل في جلد الذات والآخر وذلك من خلال الكلية الكاذبة محورها:"كل الكريتيين كذابون".

ومجمل القصة أن أحد الكريتيين (سكان جزيرة كريت) راح يشيع مقولة عن مواطني جزيرته مؤداها:"أن كل الكريتيين كاذبون". وهذه المقولة توقعنا كما يذهب الكثير، إن التزمنا بقانون الثالث المرفوع، في مأزق لا نحسد عليه:

-فهو إن كان كاذبا فإن قوله هذا يكون صادقا (له ما لهم لأنه منهم)

- أما إن كان صادقا فإن قوله هذا يكون كاذبا (له ما ليس لهم مع أنه منهم، وهذا تميز له عنهم). . .

وهكذا يمتزج الصدق بالكذب ويلتحم الخطأ والصواب ويصبح التمييز والفصل بينهما أمرا غير ممكن. وهكذا تصبح مقولة الكريتي صادقة وكاذبة، صائبة وخاطئة في نفس الوقت، وتصبح إعادة النظر في قانون الثالث المرفوع أمرا واجب التنفيذ. على حد تعبير بعض الباحثين.

لكن في نظرنا أن عند هذا الحكم والتعميم بكلية الكذب قد أغفل جانب موازي له في باب المنطق، وهو ما يعرف بالكلية الناقصة المبنية على الاستقراء الناقص والتي مثلوا لها ب:"كل حيوان يحرك فكه الأسفل عند المضغ" لكنه بعد اكتشاف التمساح تبين أنه يحرك فكه الأعلى عند هذه العملية"ومن ثم فإن الكلية لا يمكن اعتبارها كاذبة وإنما هي ناقصة . ونقصها ناتج عن عدم استيعاب كل الظاهرة واستقرائها كاملة، فيكون الاستثناء خارجا عن هذا الشمول. ويكون حينئذ أن الرأيين صحيحان سواء عند المضغ بالفك الأعلى أو المضغ بالفك الأسفل وبهذا يحل الإشكال. وعلى هذا فقد يكون الكريتي الذي حكم على غيره صادقا بالرغم من أنه منهم لأنه لم يدخل نفسه في عدهم، ولربما يكون قد تميز عنهم بأخلاق وصفات جعلته يخرج عن هذه الدائرة المزيفة ويراها من خارج أو من أفق غير الذي عليه قومه. أو لربما يكون قد حدث له ما جرى لجُحا لما كان بصدد عد الحمير، فمرة يراها عشرة حينما يكون مترجلا، ومرة يراها تسعة حينما يكون راكبا إحداها، وما أكثر الراكبين على الشعوب والدول الصغيرة أيضا !والذين يخطئون العد والإحصاء أو يكذبون فيه، فتضيع بذلك الحقوق والواجبات ويلغى الآخر حتى لا يحسب له وجود أو حضور !!!.

2) وقد نجد في الإسلام مقاربة لهذا الموضوع بوجه أو آخر وذلك من خلال قول النبي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم:" إذا قالَ الرَّجُلُ: هَلَكَ النَّاسُ فَهو أهْلَكُهُمْ". ويفسر بأن:" مَعناها: أَكثَرُهم هَلاكًا، وهوَ الرَّجلُ يُولعُ بعيبِ النَّاسِ، ويَذهبُ بنَفسِه عُجبًا، ويَرى له فَضلًا عَليهِم. ورِوايةُ الَفتْحِ مَعناها: هوَ جَعَلَهم هالِكينَ لا أَنَّهم هَلَكوا في الحَقيقةِ".

والمعنى من خلال الحديث والتفسير أنه يحيل الكذب على القائل لا على المقول فيه. أي أن الكريتي هو الكاذب ابتداء، لأنه يسقط حاله على غيره ويعمم الأمر إذا لم يكن متميز عنهم بمزية حقيقية وفضل مستحق فوق مستواهم .

ومن هنا فإنه قد تطرح قضية مهمة جدا في باب دعوة الرسل والأنبياء حينما يصدعون بدعوتهم ويصفون قومهم بالضالين والفاسدين والظالمين وما إلى ذلك وينادونهم ب"ياقوم" مع أن أولئك الرسل من نفس أولئك القوم ولكنهم لا يندرجون ضمن الصفات التي وصفوهم بها، وبهذا فيكون الرسول أو الولي أو المصلح الديني المستبصر على دراية شاملة بقومه حتى يحكم عليهم بما يناسبهم، ومن ثم تنتفي عن هؤلاء المصلحين صفة الكذب وما يتبعها من مظالم هم بعيدون عنها كل البعد بالرغم من مجاورتهم لقومهم ما دام هناك أمل في التغيير :" حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُنجي مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ". وهنا وقع التمييز حقا وصدقا وواقعا حتميا.

وهذا المشهد هو الذي من خلاله يمكن تحديد مفهوم سلطة الكذب، التي إن هي عمت أدت إلى كذب السلطة ضرورة، لأن السلطة القائمة حينئذ تكون مبنية على المرعن الأخلاقي والنفسي، حيث إذا عم الحرام -كما يقول بعض الفقهاء - جاز التعامل به. فتصبح عملة الكذب مما يجوز تصريفه في الأمور الحياتية العامة والسياسية خاصة، وذلك على نهج الميكيافلية التي تسخر الشعوب بشكل مزركش ومتناغم مع الكذب والإلهاء، وبالتالي تعميم هذه الخصلة حتى تصبح مُودَة أو طرازا نمطيا للمجتمع يعمل على تزييف كل شيء . فحتى العمل الديني الروحي، الذي من المفروض أن يكون هو مركز الصدق ومرجعيته الأصيلة، سيصبح رياء ومظاهر ومساومات ومركبة لتحقيق الأهداف والأجندات كما يصطلح عليه سياسيا.

والأكثر غرابة في هذا الأمر هو أن استعمال سلطة الكذب عند السلطة، أية سلطة عبر العالم الواقعي أو الافتراضي، قد تنقلب صفتها عليها نفسها فتصبح هي بدورها فريستها، وستكذب فتصدق كذبها، وهو ما نراه في البرلمانات عبر العالم وعند العرب خصوصا يستوي فيه الحزب المعارض كما الحزب الحاكم بنفس اللهجة ونفس التهمة ونفس النهمة، تماما كما يحكى عن أشعث الطماع لما اجتمع عليه الصبيان وحاصروه بصياحهم وهتافاتهم، ولكي يخرج من مأزقه هذا قال لهم :اذهبوا إلى تلك الدار الكبيرة عند مفترق الطرق فهناك يوزع الجوز مجانا، وكان غرضه تفريقهم وصرفهم عنه بهذه الكذبة، فما أن سمع الصبيان توزيع الجوز بالمجان حتى هرعوا مسرعين نحوها. وبعد هنيهة تساءل أشعث الطماع مع نفسه بحكم جشعه وطمعه المفرط قائلا:لم لا يكون فعلا هناك جوز وربما لوز وكرز يوزع حقيقة ؟فلحقهم أسرع من البرق عسى أن ينال حظه من كذبته التي أوهم بها نفسه !!!

3) وهكذا تحكمت سلطة الكذب في البداية فنالت من الصبيان المستغفلين ما نالت ثم انتقلت عدواها ووباءها إلى كذب السلطة ومصدرها البالغ والمسؤول، أي سلطة العقل المدبر للإجراء السليم واتخاذ القرار المناسب للمصلحة ومقتضيات الواقع فأصبح هو بدوره في دائرة التوهم، ومصيدة في شبكته العنكبوتية تحاصره بخيطها الواهن مع ترك الفضاء الموهم بالحرية من خلال تلك المنافذ الصغيرة، التي إن مر بها الرأس اصطدم بها الجدع أو اشتبك وتوحل.

ولنا فيما جرى ويجري في العالم العربي خصوصا عبرة من سلطة الكذب وكذب السلطة، وكيف أن شعوبا دمرت بلدانها بنفسها وبمعولها ومعول غيرها تحت سلطة الكذب لكي تؤسس لكذب السلطة، فانظروا إلى ليبيا مثلا وقسوا حالها في زمن المرحوم العقيد معمر القذافي، بالرغم من إيجابياته وسلبياته المتناغمة والطريفة، مع ما كانت عليه قبل من استقرار ونعيم ورخاء تروا العجب العجاب، وتروا الأشاعث الطماعين الآن يلهثون ويتقاتلون على بترولها وخيراتها نهارا جهارا وبغير حياء ولا خباء، بعدما كانت ليبيا مصونة عن العبث والعابثين شعبا وثروة وثورة . وانظروا إلى العراق وما ذهب من عز أهلها وما دمر من منشآتها ومقدراتها العلمية والعسكرية والتنموية بعدما كانت بلد الشموخ برئيسها ورجالها ونسائها النشامات كما كان يصفهم الشهيد صدام حسين رحمه الله تعالى، وانظروا إلى سوريا وقسوا حالها الجميل والمتكامل من قبل على ما آلت إليه من دمار وعار شنار بعد الثورة المشؤومة والمدعمة بأكاذيب الإعلام وأكاذيب المفتين والفتانين والمحرضين والطامعين والشامتين من غربيين، وأمهم الكاذبة أمريكا وربيبتها الصهيونية، وخليجيين متخمين، وكاذبين على أنفسهم أو هي كذبت عليهم، لا يستحقون أن تذكر أسماؤهم هنا. فضاعت سوريا وجوعت وحوصرت وما اليمن السعيد من قبل أيضا منكم ببعيد، وضاعت أو ضاقت آمال فلسطين والفلسطينيين المستضعفين والصامدين، بل ضاعت أو كادت أن تضيع القدس الشريفة بفعل رعونة الكذب والتكاذب وسلطة ترسيخ الأكاذيب حيث الصفقات والفقاعات والنكبات !.

وقس على هذا من حال المغرب العربي الذي لم يعد له وجود سوى على المخيلة والخريطة المهلهلة والمتداخلة، بعدما اختلقت لتفكيكه، ولتحقيق أطماع توسعية واهية بواسطة دولة جارة شقيقة تعاني الشقيقة، قضية الشعب الصحراوي المزعوم من أجل إقامة دويلة وهمية ودمية ملعوب بها، ثم قطع أوصاله عن وطنه الأم ودولته العريقة المملكة العلوية المغربية . مع أن هؤلاء الصحراويين في الجنوب بمقوماتهم العرقية واللغوية والعرفية قد كانوا بالأمس القريب ومازالوا تربطهم أواصر البيعة والولاء واللغة والدين والتاريخ والجغرافية التي لا يماري فيها إلا كاذب أو طامع، وهي أشهر من نار على علم، ومع ذلك استنزفت فيها الأموال والدماء بغير مبرر ولا طائل بسبب الأكاذيب المفتعلة وبإصرار صبياني متهور من طرف جار السوء ومطامعه المفضوحة والموبوءة والمستهجنة أسوأ من أطماع أشعث الطماع. مع أنه كان من المفروض أن يكون التعاون هو سيد الموقف بين الجارتين حيث التكامل الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والتاريخي، وحيث رسوخ روابط الأخوة الأسرية والمصير المشترك للمنطقة وتكوين أكبر سوق اقتصادية وقوة عسكرية وتنمية حضرية وثقافية لا يضاهيها أي تجمع أو تكتل عبر العالم ككل. . . بل حتى بعض الصحراويين وخاصة من الجيل الجديد قد لُعب بهم وأثخنوا كذبا وأُلّبوا ضد وطنهم وبني جلدتهم فصاروا يناصرون وهم الانفصال عبر القنوات المشبوهة والمغرضة ويعقون أصلهم ويساقون إلى مقصلة الاستغلال والتحريض سوقا وهم لا يدرون أين مصلحتهم من مضرتهم سوى أنهم: قيل لهم ويقال عنهم، ووعدوهم وواعدوهم وأوعدوهم وأطمعوهم، ومن هنا كان وصفهم بالمغرر بهم أولى !.

ونحن في زمننا، ككل شبيه بكلية الكريتي، قد أصبحنا على هذا المنوال من الأكاذيب والانسياق لها أو أسوأ، نكاد نقول هلك الناس وما هم بهالكين، ونكاد نعمم حكم الكريتي إن كان صادقا على أهل جزيرته، وذلك نظرا لسلطة الكذب التي عمت المثقف والأمي والفقير والغني والحاكم والمحكوم والبائع والمشتري، وعمت البرلمانات والتصريحات الحكومية الموالية منها والمعارضة، وعمت القنوات والإعلام ومنابر التواصل الاجتماعي بأنواعه إلا ما رحم الله، فافتقدنا تلك الفضيلة الذهبية والعملة الناصعة السامية القائمة على صدق المبادئ والثبات عليها. والغريب بل العجيب في الأمر أن سلطة الكذب قد طالت كبار الباحثين والمفكرين والمحللين الموضوعيين بالرغم من حرصهم على النزاهة وطلب شرف الحقيقة، ومع ذلك فهم يستدرجون ويجرون جرا إلى التسليم بالكذب سواء على المستوى السياسي أو الطبي أو المذهبي بل حتى على مستوى الشعبذة والسحر والخرافة وما إلى ذلك، ولم لا؟ فالكذب إذا التبس بالصدق ولو مرة واحدة فسيميل بالطبع إلى صفة إبليس اللعين الذي قد يصدق مرة ويكذب ألف مرة، وتلك سلطته على الكاذبين والطامعين . . . فمرة نكذب في السياسة ومرة نكذب في التجارة ومرة نكذب في العلم والفتوى، ومرة نكذب في الشهادة والقانون، ومرة نكذب في الطب و الأوبئة والأمراض والعلاج، ومرة نكذب في الفقر والغنى، ، بل نكذب في الموت والحياة، ومرة نكذب في الكذب نفسه، أي أصبحنا كذابين أكثر من الكذب نفسه، فهل من مخرج لنا معشر البشر من هذا المأزق حتى يستقيم المنطق السليم لدينا وتعود للعقل سلطته وللدولة هيبتها وللمجتمع التحامه وللعلماء مصداقيتهم ؟نرجو ذلك في زمن ما. . .

 

الدكتور محمد بنيعيش

شعبة الدراسات الإسلامية

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

 

كاظم الموسويمثل آلاف المواطنين في المدن الامريكية خصوصا تظاهر الآلاف من المواطنين في المدن البريطانية منذ الأسبوع الأول من شهر حزيران/ يونيو، كما هو الحال في مدن وعواصم أوروبية وخارجها. وعبّر المتظاهرون عن وعي واضح عاكسين فيه مشاعر التضامن الانساني مع الضحية الجديدة/ الرمز الامريكي جورج فلويد، وكل الضحايا، في كل مكان. وقدمت التظاهرات اعلانا صريحا ضد العنصرية والفاشية والاسلامفوبيا، التي تمارسها سلطات رسمية في الولايات الامريكية والدول الاوروبية، عموما.

لهذا جاءت هذه التظاهرات بحشود كبيرة.. عشرات الالاف من المواطنين، جابوا الشوارع رغم تحذيرات المنع وخرق قرارات جائحة الكورونا من الاغلاق التام والابتعاد الفردي، ومعها الطقس الممطر ، وكانت تمثل صرخة ضمير إنساني لم يستطع صبرا أو  صحوة ضمير لم يقدر على الصمت كثيرا. في لندن توجهت التظاهرات مباشرة الى مبنى السفارة الامريكية في بنايتها الجديدة، على نهر التايمز، مطوقة المبنى باعدادها الكبيرة ولافتاتها المعبرة. وكانت أبرز لافتاتها تحمل العبارة المشهورة "حياة السود مهمة او تعني الكثير"، وهذا شعار واسم حركة تدافع عن الحقوق والحريات، في الولايات المتحدة الأمريكية وتوسعت عبر العالم، ولافتة تحمل عبارة "لا أستطيع أن أتنفس" التي كان يرددها جورج فلويد قبل وفاته بدقائق، وكذلك لافتة تحمل شعار "العدالة لجورج فلويد".

اضافة الى المسيرة للسفارة الامريكية توزعت التظاهرات والاحتجاجات في اكثر من منطقة في العاصمة لندن، واستمرت زمنيا ببرنامج متواصل، في بكهام، في جنوب لندن، وفي حديقة البرلمان، المقابلة لبناية البرلمان في وستمنستر، كتب المتظاهرون شعارات وكلمات منها  كلمة "عنصري" على تمثال ونستون تشرشل، وزير المستعمرات ورئيس وزراء الاستعمار البريطاني، المنتصب في مدخل الحديقة، مواجها البرلمان. وفي ميدان (الطرف الأغر) بوسط لندن جثا المحتجون على ركبهم مرددين كلمات الضحية الاخيرة، "لا أستطيع التنفس". كما حملوا لافتات "لا عدالة.. لا سلام" و "لا مكان للعنصرية"،  والشعارات الاخرى، ورافعين قبضاتهم رمزا لروح الاحتجاج والغضب الشعبي والتحدي. وأصبحت هذه الحالة صورة احتجاج صامت وتعبير كامل عن  إدانة العنصرية وأساليب السلطات الرسمية الفاشية في التعامل مع الضحايا.

وابرز حدث في تلك التظاهرات البريطانية ما حصل في مدينة بريستول، حيث أسقط المتظاهرون تمثال تاجر "العبيد" البارز في القرن السابع عشر إدوارد كولستون، كما وصفته شبكة البي بي سي الإخبارية، وألقوا به في نهر أيفون. وكان كولستون (توفي عام 1721) عضوا في الشركة الأفريقية الملكية التي كانت وراء المتاجرة بحياة أكثر من 80 ألف رجل وإمرأة وطفل من أفريقيا إلى الأمريكتين. وله ممتلكات واثار دالة عليه في أماكن أخرى من المدينة. ينبغي متابعتها وازالتها من الواجهات. ونبهت هذه الخطوة/ المبادرة الوعي الشعبي إلى ضرورة إزالة أية آثار ذات دلالة للفترات المظلمة في تاريخ البشرية، ومنها التماثيل أو الاسماء والمسميات للشوارع والمناطق، وكل ما يتعلق بهذه الجرائم التاريخية. سواء في بريطانيا أو الغرب عموما. وهو ما صرح به عمدة لندن صادق خان ودعا إلى تنفيذه للتخلص من كل آثار الرق وتجارته ومراجعة تماثيل العاصمة ومعالمها والاسماء والعناوين. وتم فعلا رفع اول تمثال للتاجر الاخر روبرت ميليغان، الذي تاجر بحياة الأفارقة في القرن الثامن عشر الميلادي، من أمام متحف لندن دوكلاندز.

عند سقوط التمثال، في بريستول، جثا أحد المتظاهرين بركبته على رقبته، ممثلا ومكررا مشهد الحدث الأمريكي، الذي نقلته الشاشات والفيديوات، للمواطن الأعزل جورج فلويد، المقيد اليدين والممدد على وجهه، على الارض، وقيام شرطي أمريكي بعنصرية ووحشية، بقتله، بعد أن ركز ضغط ركبته على رقبة الضحية لأكثر من ثماني دقائق وهو يصرخ تحته "لا أستطيع التنفس"!. وكان نقل هذه الحادثة عبر وسائل التواصل الاجتماعي والفضائيات وغيرها مؤثرا جدا، إضافة الى فضح الجريمة وعرضها أمام العالم. وحركت الصورة المؤلمة والسلوك الوحشي كل هذه التظاهرات والحراك الشعبي الاحتجاجي، في الولايات المتحدة الأمريكية وخارجها. ليس لهذه الحادثة وحدها وانما لتاريخ طويل من الاضطهاد والقمع والعنصرية والتمييز العرقي.

تظاهرات بريطانيا باعدادها الكبيرة وظروفها الحرجة بينت استمرار روح التضامن الإنساني والغضب الشعبي من سياسات الادارات الاستعمارية والراسمالية المتوحشة وممارساتها العنصرية، تاريخيا وحاليا، واعادت للشارع سلطته في الاحتجاج والتحدي. قدمت صورة إنسانية اخرى تدين العنصرية وتدعو لمحاكمة مرتكبيها في كل مكان، لا عدالة.. لا سلام. حيث انكشفت العنصرية كممارسة سياسية وتمييز عنصري وتكريس هوية عرقية في هذا الوقت من القرن الواحد والعشرين.. وهو ما يعني ويدل بأن جريمة عنصرية كهذه لن تمر مرور الكرام، بل تستعيد كل التاريخ المظلم، وتكشف كل الصفحات السوداء في تاريخ الغرب، في هذه القضية وفي تاريخها ومستقبلها. وهو ما حرك مشرعون امريكان لإزالة تماثيل لرموز امريكية في بنايات البيت الأبيض والكونغرس وغيرهما، مارسوا هذه السياسات واعتبروا حينها من ابطال تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية.

الخطوات التي جرت في التظاهرات، السلمية الاحتجاجية، ينبغي أن تتواصل في محاكمة التاريخ، واسقاط كل الرموز والتماثيل والعناوين التي تؤشر وتذكر بكل الذين شاركوا في جرائم العنصرية، ومعاداة المهاجرين والأديان. ورغم قوانين الغاء " العبودية" وانتهاء صفحات منها، الا أن الممارسات الفعلية مازالت تكرسها، رسميا وفي التعامل والسلوك الإداري أو الوظيفي وحتى في التعليم والنشاطات العامة. وحين ينفجر الغضب الشعبي بهذا الشكل ازاء ما حصل لجورج فلويد في مدينته الأمريكية، وكل الولايات، وإعادة الذكريات المرة والحزينة والكارثية من تاريخ لا يمكن التسامح معه والنسيان لاحداثه القاسية وعديد ضحاياه الكثر، يصبح العمل على التغيير الكامل مطلوبا دون تهاون أو تمهل أو انتظار. أن التمييز العنصري والعرقي في هذا القرن لا يمكن قبوله أو السكوت عليه. ففي الوقت الذي تتعالى الاصوات من أجل الحقوق العامة والمساواة والعدالة للجميع من سكان الكرة الأرضية يكون هذا الفعل الشنيع منبوذا واجراما مدانا وعنفا فاشيا، ولابد من ان تكون المعاقبة عليه شديدة بما يردع تكراره أو إعادته أو السماح له.

صحيح ان جورج فلويد ليس اول ضحية لجريمة العنصرية ولكن بعد هذه التحركات الشعبية في العالم والغضب العارم فليكن اخر ضحية في هذا الزمان. كما ردد المتظاهرون في انحاء العالم، وليس في الولايات الامريكية والمدن البريطانية فقط، لا عنصرية بعد الان. وليكن درسا معلنا لكل السلطات في جميع أنحاء العالم، وفتح صفحة جديدة في تاريخ البشرية، يسجل التاريخ الآن بدايتها، وبعدها يجري العمل بثقة وصدق لبناء علاقات وقيم إنسانية يتمناها جميع البشر.

 

كاظم الموسوي 

 

 

سليم الحسنيالكاظمي ليبرالي متمسك بهذا المنهج، نسج علاقاته الوثيقة مع السياسيين الأمريكيين والأوربيين منذ أكثر من خمس وعشرين عاماً، وقد كانت علاقاته متشعبة مع الجمهوريين والديمقراطيين، مع الحمائم والصقور في واشنطن، ساعده على ذلك الدكتور كنعان مكية صاحب العلاقة الأكثر وثاقة بالسياسيين الأمريكيين. كما حافظ الكاظمي على علاقاته القديمة مع الإسلاميين، ووازنها مع بعض السياسيين السنة، وأبقى الحرارة مستمرة مع القيادات الكردية.

هذه الخلطة الصعبة من العلاقات كانت تحتاج الى السير بين المتناقضات، وقد استطاع الكاظمي أن يقطعها في ظل الأجواء المتقلبة والحساسيات المفرطة، من دون مشاكل ومن غير متاعب. يعود السبب الى أنه رسم لنفسه دور الإداري وليس السياسي.

لا أدري إن كان قد اختار هذا الدور نتيجة التفكير أم بشكل تلقائي. لكنه في هذا الاختيار تخلص من التقاطعات الحادة التي كانت تطبع كل السياسيين والمعارضين بدءاً من القيادات وانتهاءً بأبسط منتسب حزبي. نجى الكاظمي من التصنيفات الحادة عندما دخل النشاط السياسي المعارض لنظام صدام، بشخصية الإداري الذي يتولى مهمات إعلامية.

مرّ الكاظمي على ثلاث شخصيات مهمة في حياته، تركت كل واحدة أثرها في بناء شخصيته.

كانت بدايته بعد الهجرة الى إيران مع الحاج كاظم (مهدي عبد المهدي) القائد الكبير الذي كان يثق به الشهيد محمد باقر الصدر أكثر من غيره في شؤون العمل المعارض ضد نظام صدام. والبطل الذي قضى حياته معارضاً صلباً عنيداً يصطحب الموت معه في تنقلاته الدائمة بين مقراته الحدودية وبين مناطق العراق في أشد الظروف حراجة. لم ينم على سرير مريح أو يأوي الى بيت هادئ، كانت حياته معارضة وكفاح ومبادئ، رحمه الله برحمته الواسعة، فقد توفي بعد فترة قصيرة من إطلاق سراحه حيث قضى أكثر من عامين معتقلاً عند القوات الأمريكية. (كتبتُ عنه عدة مقالات، وسأكتب عنه أكثر بعون الله).

انضم مصطفى الكاظمي في بداية شبابه الى تشكيلات الحاج كاظم، وتأثر بشخصيته وشجاعته، وخاض معه بعض التجارب الجهادية القتالية، وكان من رفاقه في تلك الفترة الشهيد أبو أيمن والشهيد أبو ثائر الناصري.

لكن الكاظمي لم يستمر على ذلك فترة طويلة، فقد ترك إيران الى أوروبا واستقر في السويد، وهناك وجد استاذه الذي كان يتردد عليه قبل ذلك في طهران، وهو الأستاذ غالب الشابندر المحطة الثانية في حياة الكاظمي.

طبيعة العلاقة والتتلمذ على يد الشابندر تجعل صاحبه ينفتح على آفاق الفكر الإسلامي، وتجعله أيضاً يبحث عن مجال جديد يختاره في التفكير والعمل. تأثر الكاظمي بمنهج استاذه أكثر من تأثره بفكره. وقد غمره الشابندر بأبوة روحية طاغية، وإن كان يختلف عنه في التوجهات والآراء والعلاقات بشكل كبير جداً، يصل الى حد الاختلاف الشديد. ولا يشعر الشابندر بعقوق تلميذه وابنه، فشخصيته المتمردة، وهذا التشابك المعقد والغريب بداخله، يجعله يرتاح حين يتمرد عليه أحد تلامذته، فهو يراه عندئد قد نجح في اختيار الطريق.

انطلق مصطفى الكاظمي بعد ذلك الى آفاق أوسع في العلاقات، فكانت محطته الثالثة مع كنعان مكية. وهنا وجد الكاظمي نفسه أمام عالم جديد يختلف عن السابق، فهناك شخصيات تدخل وتخرج على صانعي القرار، ورجال يشتركون في مهمات كبيرة في المعارضة والعلاقة مع الدوائر السياسية الإقليمية والدولية.

إهتم كنعان مكية بالكاظمي بسبب قابلياته الإدارية، فلقد كان صاحب مشروع سياسي لكنه لا يجيد إدارته، ويعترف مكية بذلك ويصرح بعدم قدرته على الإدارة، لأنه مهتم بتوجهاته الفكرية السياسية.

تأثر مصطفى الكاظمي بالتوجه الليبرالي لأستاذه الجديد كنعان مكية، وتأثر أيضاً بالنقلة الفكرية التي يرويها مكية عن حياته، فقد بدأ معجباً باليسار، وسار مع الماركسية يقرأها ويدرسها، لكنه بعد سنوات من هذا الاهتمام لم ترق له، فتخلى عنها ليصبح ليبرالياً متمسكاً بالفكر الليبرالي بشكل تام.

شجّعتْ تجربة كنعان مكية في التحول من الماركسية الى الليبرالية، مصطفى الكاظمي للتحول من الإسلامية الى الليبرالية. فصار يجد شخصيته وهويته وتطلعاته من خلال منظارها. لكنه احتفظ بقدر من القديم الذي نشأ عليه. تلك هي توجهاته الشيعية وخصوصاً ما يتعلق بجانبها الطقوسي حول عاشوراء وثورة الامام الحسين عليه السلام.

الكاظمي الليبرالي الشيعي، ورئيس الوزراء الإداري وليس السياسي، يتولى مسؤولية خطيرة صعبة. وبالنسبة له فأن الصعوبة أمامه تتوزع على مشكلتين أساسيتين:

الأولى: يتحمل مسؤوليتها بنفسه، وتتعلق في فريق العمل. وهذه صارت محور الكلام في توجيه النقد اليه من أطراف عديدة. فقد اختار معظم فريقه من العلمانيين منسجماً مع توجهه الليبرالي.

الثانية: هي المشكلة الأعظم التي تطبع الحياة السياسية، وهي الصراعات الحادة بين الكتل والأحزاب والقيادات. ويتركز عمل هذه القوى على ابتزاز رئيس الوزراء، فمساندته لابد ان تكون مقابل مناصب ودرجات وظيفية مهمة يقدمها لهم. وأيضاً يجب عليه أن يسكت عن ملفات الفساد ولا يقترب منها.

مصطفى الكاظمي، الشيعي الليبرالي المقرب والمدعوم من أمريكا، أمامه عدة مهام صعبة: إخراج القوات العسكرية الامريكية من العراق. محاربة الفساد بجدية وسرعة. انقاذ الدولة المنزلقة نحو الانهيار من السقوط في قعر الوادي.

المهمة صعبة، وفي نفس الوقت لا تقبل الأعذار والتبريرات.

 

سليم الحسني