بالنظر إلى الطبيعة الاجتماعية الغامضة للفساد والتي لا يُنظر بموجبها إلى الوعي العام الفردي والجماعي على الدوام كظاهرة سلبية مما يستدعي الحاجة إلى استخدام التثقيف باعتباره الوسيلة الرئيسية لمكافحة الفساد عبر التعليم والذي مجاله يقع إلى حد بعيد عن التنظيم القانوني الصحيح فلذلك يستوجب تطوير القواعد التنظيمية والقانونية لتعليم الأطفال والشباب بما في ذلك مكافحة الفساد وتنمية محو الأمية القانونية وبناء الوعي القانوني وتنشئة جيل الشباب وتركيز الأهتمام الوثيق بالوقاية من التطرف والتغاضي عن الحاجة إلى الإنذار المبكر بالفساد بغرس حصانة مكافحته, وتزويد المؤسسات التعليمية بالموظفين ذوي الاختصاص القادرين على التطبيق الشامل للطرق التربوية المتقدمة وإجراء دورات تثقيفية وقائية لمكافحته بالإضافة إلى الحاجة إلى اعتماد العاملين التربويين للتعرف على التشريعات القانونية للمكافحة وممارسات تطبيقها.

واحدة من المشاكل النظرية والمنهجية والتطبيقية الرئيسة لضمان تعليم مكافحة الفساد هي تعديل التوصيات المنهجية المتقدمة والتطبيقية لتشكيل وجهة نظر عالمية لمكافحته وتحليل محتوياته بما يكشف عن نظرة مشوهة للفساد وتطوره، وتشكيل الأسس التنظيمية والقانونية والإيديولوجية لتعليم الأطفال والشباب بتبني مجموعة غير مسبوقة من القوانين التشريعية التي تنظم مجال العلاقات الاجتماعية وإدراج القوانين والأفعال التنظيمية بما فيها الاستراتيجيات والخطط والبرامج والأسس المعيارية التي تنظم إجراءات مكافحة الفساد القانونية. وإن الطبيعة الاجتماعية الغامضة للفساد التي لا ويُنظر إليها غالبا على أنها ظاهرة سلبية فهي تحدد سلفًا أقصى قدر من الاستقرار والقدرة على التكيف والتكاثر والتحول وإن الاعتراف بالمقبولية كونها مفيدة للبعض مادياً ولربما اجتماعيا يشكل مهمة مستعصية للتمييز بين مظاهره، فضلاً عن الجمع بين مقاربات صراع لا يمكن التوفيق بينها وبين الإدراك الإيجابي. كما ويمكن اعتباره ظاهرة ذات نطاق ونظام أوسع من مجرد كونه الجريمة لكونه اعمق من إن يكون مزيج من الانحرافات الأخلاقية والسلوك الملوث إنما يصل إلى إن يكون مجموعة من الأعمال الإجرامية  المهددة للأمن والفكر الوطني والقومي.

 هناك أسس لتطبيق التكتيكات والاستراتيجيات المتقدمة للاستجابة المبكرة والاستباقية لتحديات الفساد، وايضا هنالك ميل متزايد نحو الفساد المتعمد للمسئولين دون سن الثلاثين، والذي يرجع بشكل كبير إلى إدراجه العملي المبكر في برامج الفساد لأنه وما لا يقل عن 25٪ من الطلاب في مؤسسات التعليم العالي في اغلب دول العالم كانوا قد أعطوا الرشاوي. وإن تحليل ما تقدم يسبب مخاوف معقولة بشأن عدم تطوير الإطار التنظيمي والقانوني لتعليم الأطفال والشباب بما في ذلك مكافحة الفساد مع تجزئة الأحكام القانونية وفقدانها للاتساق وإن مجال التعليم يقع إلى حد بعيد عن نطاق التنظيم القانوني السليم، فلذا وللوقاية الفعالة من الفساد فنحن نؤمن بأنه لا يجب إن يقتصر الأمر على مراقبة كاملة للبرامج المقدمة لمكافحة الفساد ورفع التشريعات من أجل تحليل تنفيذ أحكامه وتحديد أوجه القصور وتقديم المقترحات للتغييرات والتعديلات الضرورية، وإنما أيضا متابعة ومراقبة إنفاذ القانون وإدخال تغييرات تنظيمية لتشكيل نظام الدول للتعليم ومكافحته للفساد ومن الضروري زيادة فعالية الدعم التنظيمي عبر التثقيف والتدريب عبر تعزيز دور وكالات إنفاذ القانون وتغيير التسلسل الهرمي لموضوعات تدابير التثقيف والتعليم والتوعية للانتقال إلى المهمة ذات الأولوية للهيئات التنفيذية للدول والحكومات المحلية في تحالف مع المؤسسات الحكومية والمنظمات العامة. ومن الضروري تنظيم الموظفين وتوفير الدعم لهيئة التدريس من قبل المتخصصين القادرين على الاستخدام الشامل للطرق التربوية المتقدمة وإجراء الدورات التعليمية الوقائية وقد أصبح المجتمع العلمي أكثر وعيًا بالقيود المفروضة على تخصصات التدريس وإجراء الأبحاث داخل فرع واحد للحصول على تدريب عالي الجودة لمكافحة الفساد فيتطلب أخصائيين ليس لديهم فقط معرفة قانونية وإنما أيضًا معرفة حقيقية وتخصصية في مجمل علوم التربية وعلم النفس وعلم الاجتماع.

وليس غريبا إن تكون المشاكل النظرية والمنهجية والتطبيقية لضمان تعليم مكافحة الفساد للجيل الأصغر عملية طويلة ومنظمة ومنهجية لتشكيل وتطوير الشخصية، فتتطلب بعض الأقسام والأحكام تعليم النظرة إلى مكافحة الفساد بين تلاميذ المدارس والطلاب إعادة تفكير حاسمة ويستوجب نظام متطلبات البرنامج التعليمي للتعليم الابتدائي العام للتعديل والذي من المرجح له أن يثير مسألة تعليم وتطوير سمات الشخصية التي تلبي متطلبات مجتمع المعلومات ومهام بناء المجتمع المدني، غير إن الفساد جوهري بأي مجتمع في إطار النظام الحالي للعمل التربوي بالمؤسسات التعليمية العربية والتي لم يتم فيها تحديد مهمة تعليم مكافحة الفساد، وليس من قبيل المصادفة أن حل المشاكل الخطيرة التي نشأت لتعليم الناس وخاصة الشباب يتطلب تعبئة أجهزة الدول بأكملها ونظام المدارس والتعليم العالي ومؤسسات المجتمع المدني بغض النظر عن مدى تأثير البيئة الاجتماعية على الشخص وبغض النظر عن مدى إغرائه للواقع الاجتماعي لرؤية المسؤول الفاسد والخط الفاصل بينه وبين المواطن صاحب التفكير الصحيح أصبح غير واضح بشكل متزايد، وعلى المجتمع العربي إن يحزم بذاته وعبر التعليم بجميع مؤسساته ومراحله للمكافحة الفعلية وألا يعتمد فقط على تأرجح التدفق الطبيعي للعمليات التصحيحية.

 

بقلم/ الدكتور ميثاق بيات ألضيفي

بوجمعة وعليلم نكن نتوقع ونحن في أسوأ حالات الضعف والوهن التي تعيشها الأمة، أن تصل الأمور بكثير من الأنظمة العربية إلى هذا الحد غير المسبوق من الغد والخيانة والعمالة، وأن تنحدر إلى هذا المستوى من الانحطاط والسفالة السياسية والأخلاقية اتجاه قضية الشعب الفلسطيني الذي يعاني ويلات الاحتلال الصهيوني منذ ما يزيد عن سبعين عاما، تلك القضية التي كانت إلى وقت قريب القضية الأولى للعرب والمسلمين، يرددونها كثيرا في دهاليز وكواليس مؤتمراتهم واجتماعاتهم ولقاءاهم وخاصة في منظمة المؤتمر الإسلامي وجامعة الدول العربية والأمم المتحدة وغيرها.

إن تغيير كثير من الأنظمة العربية لسياستها الرسمية وحتى الشعبية اتجاه القضية الفلسطينية من حالة التبني والدعم والمساندة السياسية والاقتصادية في المحافل الوطنية والإقليمية والدولية إلى حالة الإنكار والجحود بل والعداوة والتهجم على القضية وأصحابها وخاصة فصائل المقاومة، إلى درجة تخوين بعضها ووصفها بالصهيونية كما حدث مع حركة حماس، هو في الحقيقة سقوط لآخر أوراق التوت الشفافة أصلا على عورات الأنظمة العربية التي كانت دوما منافقة تظهر دعمها وولاءها للقضية في العلن  بينما تكيد لها المكائد في الخفاء  وهو الأمر الذي انفضح لدى الجميع. بل الأكثر من ذلك والأخطر هو يتحول ذلك الدعم الذي كان معظمه شكليا للشعب الفلسطيني إلى دعم صريح وحقيقي ومادي للكيان الصهيوني المحتـل، والذي وصل أوجه في يسمى إعلاميا بصفقة القرن  بزعامة الرئيس الأمريكي "ترامب"، والتي ما تزال تفاصيلها الدقيقة غير معلنة إلى حد الآن،  رغم بعض التسريبات التي تلخصها في أن سيناء المصرية التي اشترتها أمريكا بالأموال الإماراتية والسعودية  ستكون هي الوطن البديل للشعب الفلسطيني الذي سيهجر مرة أخرى من الضفة الغربية، مما سيقبر حسب مخططي الصفقة حلم العودة لملايين من لفلسطينيي المخيمات والشتات، لكن وعي الشعب الفلسطيني ومقاومته ستفشلان هذه الصفقة كما أفشلت كل المخططات السابقة.

قبل أيام من حلول شهر رمضان المعظم وكالعادة قبل كل عيد أو مناسبة دينية، بدأ الكيان الصهيوني عدوانه الغاشم على قطاع غزة حيث نفذ قواته العسكرية مئات الغارات الجوية والمدفعية على أهداف معظمها مدنية (مساكن، عمارات، مقرات إعلامية...) أسفرت لحدود كتابة هذا لمقال عن استشهاد العشرات وجرح المئات. هذا العدوان الهمجي ردت عليه فصائل المقاومة بإطلاق مئات الصورايخ على مدن غلاف غزة وبعض الأهداف العسكرية التي تمكنت المقاومة من إصابتها إصابات مباشرة (ناقة الجند، جيب عسكري...)، غير أن سلطات الاحتلال وكعادتها تمارس التعتيم والتكتم عن الخسائر التي تكبدتها قواتها العسكرية والتي يبدو أنها ستكون كبيرة.

غير أن الجديد في هذا العدوان الصهيوني على القطاع هو الانحياز الواضح والصريح لكثير من الشخصيات السياسية ووسائل الإعلام السعودية والإماراتية للكيان الصهيوني، إلى درجة أن بعضهم وصف حركات المقاومة الفلسطينية وخاصة حركة حماس بأنها "صناعة صهيونية" مما يظهر التحول الجذري لسياسة بعض الأنظمة العربية اتجاه القضية الفلسطينية. أما مصر التي تربطها بفلسطين وخاصة غزة علاقات تاريخية وجغرافية واجتماعية فما تزال مصرة على تشديد الحصار على الشعب الفلسطيني بغزة وفصائله المقاومة ولا تفتح معبر رفح البري إلا لماما وللحالات الإنسانية، وذلك من أجل تشديد الخناق الاقتصادي عليها في أفق إجبارها على قبول التنازلات التي من شأنها تصفية القضية الفلسطينية وهو الأمر الذي لم ولن يتحقق لها بإذن الله  في صمود الشعب الفلسطيني الذي ينظم مسيرات العودة في كل أسبوع.

أما الشعوب العربية فهي ليست أفضل حالا من الشعب الفلسطيني، الذي يقاوم الاحتلال منذ عشرات السنين ولا يزال رغم التواطؤ الدولي والخيانة العربية والضعف الإسلامي. ذلك إن معظمها تعيش على ماسي الثورات المضادة التي تدعمها أنظمة الشر العربي بتعبير الرئيس التونسي السابق "منصف المرزوقي" بالمال والسلاح والدعم السياسي في المحافل العربية والدولية . فالشعب المصري يعيش تحت أتون انقلاب عسكري أعاد مصر إلى الوراء عشرات السنوات من الناحية السياسية والاقتصادية والحقوقية. في حين ما يزال الشعب التونسي يقاوم عودة النظام البائد، وما تزال ثورته محاصرة لم يكتب لها النجاح النهائي بعد، أما الشعب اليمني فهو غارق في مأساة حرب أهلية ذكتها السعودية والإمارات بما يسمى "عاصفة الحزم"، وهي العاصفة التي أغرقت البلاد في الفوضى وجعلتها يعيش أسوا كارثة إنسانية في العصر الحديث  حسب تقارير المنظمات الإنسانية والأمم المتحدة. بينما يعيش الشعبين الجزائري والسوداني على إيقاع ثورة شعبية عارمة  أسقطت رؤوس الحكم الاستبدادي في البلدين، غير أن ثورتهما معرضة لمخاطر عديدة أهمها سرقة العسكر لها   في ظل دخول السعودية والإمارات ومصر بشكل مباشر وصريح على الخط  من أجل إفشالها. أما الشعب الليبي ورغم اقتلاعه لنظام معمر القذافي الذي جثم على صدور الليبيين أربعين سنة فهو ما يزال يخوض هو الأخر حربا ضارية بين قوى ثورة فبراير 2011  وقوى الثورة المضادة بقيادة الجنرال المتقاعد خليفة حفتر المدعوم بالمال الخليجي والسلاح الفرنسي والرضا الأمريكي والصمت الغربي، والمعركة ما تزال مستمرة وتزداد شراسة يوما بعد يوم في ظل إصرار حفتر على السيطرة على العاصمة طرابلس. أما ما تبقى من الشعوب العربية فهي غارقة في مشاكلها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية كلبنان والمغرب أو تحت وطأة في أنظمة شمولية كالشعوب الخليجية.

أمام هذا الوضع المتأزم على مختلف الأصعدة كتب على غزة العزة أن تقاوم وحدها العدوان الصهيوني الغاشم المدعوم سياسيا وإعلاميا من أمريكيا وأوروبا، بينما ظل الأعراب بين متفرج ومحاصر ومساوم.

 

د. بوجمعة وعلي

 

بكر السباتينقبل الحروب المتوالية على قطاع غزة كانت ما تسمى ب"إسرائيل" هي صاحبة المبادرة في الحروب ضد العرب منذ نكبة فلسطين عام 1948 وهو ذات التاريخ الذي بات يعرف إسرائيلياً بيوم الاستقلال، وعيدها القومي الذي يأتي بمثابة ذكرى نكبة فلسطين لدى الشعب الفلسطيني.. ومن هذا التضارب في مفهومي الجاني والضحية لهذه الذكرى الأليمة يجدر بنا التنويه إلى عدم تطابق مفهوم استقلال المحتل الإسرائيلي لا بالشكل ولا بالمضمون مع المنطق التاريخي.. لأن الاحتلال يعتبر شكلاً من أشكال الاستعمار الاحتلالي والذي لا يتوافق مع مفهوم الاستقلال الذي يتحقق كما هو مدرج في كل المفاهيم (الفكرية والسياسية والأخلاقية والقانونية) من خلال طرد المحتل وليس بترسيخ كيانه على حساب الضحية.

حتى لو احتصلت دولة الاحتلال على الشرعية القانونية من قبل منظمة الأمم المتحدة بطرق احتيالية، كما هو واقع الحال مع الكيان الإسرائيلي الذي جيّش كل دول العالم؛ لفرض نفسه كدولة لها حقوق في الأمن والسلام وبالتالي تحويله الضحية إلى مجرد جماعات إرهابية معتدية علي حياضه، وتسعى فوق ذلك لتخريب وتقويض الأمن والسلم العالميين.

ف"إسرائيل" تتذرع بأنها منحت كل ما تستحقه الضحية من حقوق خلال معاهدة السلام "أوسلوا" التي كانت المدخل نحو سلب الفلسطينيين ما تبقى من حقوقهم الشرعية بفلسطين المحتلة، بدءاً بالقدس التي نقل ترامب سفارة بلاده إليها نهاية العام المنصرم، وحق العودة إلى الديار السليبة، وسلب الأرض من خلال بناء المستوطنات في تسابق مع الزمن لفرض سياسة الأمر الواقع على الأرض، وتهديد الوجود الفلسطيني الديمغرافي داخل الخط الأخضر باعتماد الهوية اليهودية للدولة رسمياً، لا بل وتحويل سلطة أوسلو الفلسطينية التي تمخضت عن معاهدة السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين إلى مجرد بيدق يتحرك وفق المصالح الإسرائيلية، وحولت أجهزتها الأمنية إلى ذراع أمني إسرائيلي من خلال اتفاقية التنسيق الأمني معها، لا بل حولت رئيسها محمود عباس إلى مدخل للتنازلات الفلسطينية خلافاً لبنود معاهدة أوسلو المشؤومة.. والأهم من كل ذلك أن هذه الاتفاقية الجائرة ألجمت البندقية الفلسطينية بإلغاء خيار الكفاح المسلح.. وهو خيار ينسجم مع المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، التي تقر بمشروعية حق الدفاع عن النفس.

وأخيراً زادت أطماع دولة الاحتلال الإسرائيلي بمحيطه العربي من خلال علاقات تطبيعية مع الدول العربية في وضح النهار، ومن ثم توجيه الضربة القاضية للقضية الفلسطينية من خلال تصفيتها نهائياً تمهيداُ لصفقة القرن المتعثرة، والادعاء بأن الكيان الإسرائيلي الهش هو الضامن للأمن القومي الخليجي ضد العدو الجديد المتمثل بإيران (التي تقود اليوم محور المقاومة المتربص ب"إسرائيل")، وذلك في إطار صفقة القرن التي خطط لها صهر ترامب اليهودي كوشنر بدعم أمريكي مفتوح.. لتأتي تلك العقبة الكأداء المتمثلة بالمقاومة وعلى رأسها حماس والجهاد الإسلامي في غزة، فتبعثر كل الأوراق وتبادر إلى تغيير قواعد الاشتباك لتمتلك أخيراً زمام المبادرة بثقة واقتدار.. فتستعيد بذلك حق الشعب الفلسطيني بالدفاع عن نفسه من خلال الكفاح المسلح، غير آبهة بانتقادات كثير من الدول الكبرى التي جيرت لصالح المحتل الإسرائيلي منذ عام النكبة.. وقد تحررت هذه المقاومة من دعاية أن المحتل الإسرائيلي بات أمراً واقعاً، مؤمنة في الوقت نفسه بأن القوة العسكرية لهذا الكيان لا تمنحه الحق باحتلال فلسطين، لا بل أن القوة هي الخيار الوحيد نحو تحقيق النصر أو على الأقل فرض حالة من التوازن التكتيكي الرادع.. فكان قطاع غزة هو الاختبار الموضوعي الذي فرضه العدو عليها.. وقد استطاعت المقاومة التي تتشكل من كافة الفصائل الفلسطينية بقيادة حماس، تحييد القوة الإسرائيلية الضاربة أرضاً وجواً وبحراً من خلال حفر الأنفاق التي حولت مدينة غزة المحاصرة إلى أخرى تحت الأرض.. وتمكنت من تصنيع منظومة متقدمة من الصواريخ بدعم مالي وتقني من إيران وحزب الله. وبفضل قوتها الضاربة تمكنت المقاومة من إعادة نظرية الأمن الإسرائيلي إلى حالة الصفر وجعلت الإسرائيليين دون غطاء حيث عجزت القبة الحديدة عن حماية الأجواء الإسرائيلية من خطر صواريخ المقاومة الداهم، وأصبحت الملاجئ مفتوحة للإسرائيليين في إطار حالة التأهب والطوارئ المستمرة التي سادت المدن الإسرائيلية جنوب البلاد، ما انعكس ذلك سلبياً على الاقتصاد الإسرائيلي بفعل تعطل الأعمال كما حدث مؤخراً.. وهروب مئات الآلاف من الإسرائيليين إلى الشمال.. وتعطلت المدن الصناعية في دائرة الاشتباك ناهيك عن تعطل سكة الحديد وخاصة بين أسدود وريمون وبئر السبع. لقد حدث ذلك في أتون اختبار غزة ميدانياً وصولاً إلى المواجهة الأخيرة التي فرضت المقاومة فيها شروطها على نتنياهو من خلال الوسيط المصري.. وهنا نستطيع أن نقول بأن المقاومة استطاعت تطبيق نظرية الردع التكتيكي مع المحتل الإسرائيلي بأنفة واقتدار.. وللعلم فنظرية الردع هي إحدى نظريات إدارة الصراع التي تستند أساساً على الأدوات العسكرية، لذلك كثيراً ما يقرن البعض مصطلح الاستراتيجية بمصطلح الردع، لذا بات مصطلح "إستراتيجية الردع" من المصطلحات الشائعة الاستخدام سواء في مجال التخطيط العسكري أو العلاقات الدولية.

وتستند نظرية الردع على افتراض مفاده أن القوة هي أفضل علاج للقوة، فقوة الدولة هي العامل الأساسي لكبح جماح الآخرين، فعندما يتحقق لدولة ما تفوق في القوة فإنها تستطيع فرض إرادتها على الدول الأخرى، ولا يكبح جماحها إلا قوة أخرى مضادة لها أو متفوقة عليها. صحيح أن قوة المقاومة لا يمكن مقارنتها بالقوة العسكرية والسياسية الإسرائيلية، ولكن في حسابات الردع القائمة على الربح والخسارة فإن قوة صواريخ المقاومة تمكنت من تحويل الإسرائيليين إلى أهداف سهلة في عمق كيانهم المكشوف لها.. ومنطقياً فإن حصار قطاع غزة الخانق لم يمنع أن يتحول الكيان الإسرائيلي برمته إلى منطقة غير آمنة ما استوجب على قيادة هذا الكيان عدم استسهال التورط في حروب طويلة مع المقاومة في غزة بكل فصائلها وخاصة حركة حماس التي تمرست على توظيف القوة الصاروخية لصالح التكتيك السياسي في وجه كل التحديات.. ولعل ما جرى مؤخراً يترجم ما قلناه في سياق هذا المقال..

وأخيراً يمكن تلخيص معاناة الكيان الإسرائيلي أمام المستجدات الميدانية الأخيرة التي ذهبت خيوطها إلى يد المقاومة باقتدار وثقة. فقد أصيب نتنياهو بخيبة أمل كبيرة وهو يرى جيش بلاده الذي لا يقهر يقف عاجزاً في حسم ولو معركة واحدة مع المقاومة المحاصرة كلياً في قطاع غزة الضيق.. إنه نتنياهو ذاته الذي أوهم دول الخليج العربي بأنه الضامن لأمنهم القومي فتأتي المقاومة المحاصرة لتضرب دولته الهجينة في العمق بصواريخ متقدمة ذات تقنيات عالية وتمطر غروره بأكثر من 700 صاروخاً زلزلت كيانه الذي بدا أكثر هشاشة.. ثم يذهب إلى الوسيط المصري كي ينقذه من براثن غزة المحاصرة التي لا تتنفس إلا عزة وكرامة.. ليس هذا فحسب؛ بل تمرغت كرامته في الأرض حيث تحول إلى مادة للسخرية داخل كيان دولته الزائل وفي مواقع التواصل الاجتماعي على صعيد العالم.. وكأن الرسالة التي تتسلل إلى قلبه الواجف تقول له: احزموا امتعتكم وارحلوا إلى أوطانكم التي جئتم منها.. فهذا في المحصلة ردع تكتيكي وليس آخر المطاف ما دامت فلسطين محتلة.. أما عن حلفائه العرب فالضربة كانت موجعة أكثر.. فلم تعد صواريخ القسام في نظرهم كرتونية بل دويّها كذّب كلّ دعاياتهم الرخيصة.. لقد أذعن نتنياهو أخيراً لمطالب الفلسطينيين التكتيكية.. وأقول بدوري لنتنياهو: النصر للمقاومة وإلى اللقاء في جولة أخرى.. فهل لك عين أن تدعي بضماناتك للأمن الخليجي بعد هذه النكسة.

 كنت أيضاً أطمع بسماع رأي محمود عباس عن جولة حليف السلطة نتنياهو الخاسرة في غزة.. فأقول له: أما من سبيل للإجماع على خيار المقاومة ووضع الطريق السياسي في سياقه الصحيح بعيداً عن سكة صفقة القرن الفاشلة.. وإلا فهل ثمة ما تبقى لديك من حياء ما دمت لا تراهن إلا على عدو سلب الشعب الفلسطيني من خلال سلطتك معظم حقوقه!! عجبي!

 

بقلم بكر السباتين

 

 

 

عبد علي عوضيبقى ألعامل ألإقتصادي ألسلاح ألماض لفرض إرادات بعض الدول ذات النزعة ألتسلطية وفي مقدمتها ألولايات ألمتحدة ألأمريكية. وأصبحت ظاهرة تطبيق ألعقوبات ألإقتصادية بحق ألشعوب المحكومة وليس ضد أنظمتها ألحاكمة، تمثل ألمؤشر ألرئيسي للسياسة ألخارجية ألأمريكية تجاه تلك الدول ألعاقّة/ حسب المفهوم ألأمريكي/ ألسائرة خارج ألمدار ألأمريكي. ونتذكر جيداً ألحصار ألإقتصادي ألذي فُرِض على ألشعب ألعراقي وليس على رأس النظام البعثي العبودي الدموي وزمرته. وألنتيجة ألرئيسية لذلك ألحصار هي موت نصف مليون عراقي وغالبيتهم من ألأطفال مع إنتشار ألأمراض ألفتاكة ألتي كانت سابقاً غير موجودة في ألبيئة ألعراقية.

في هذه ألأيام، يتكرر سيناريو فرض ألعقوبات ألإقتصادية على إيران من قِبَل الولايات ألمتحدة بسبب برنامجها ألنووي. وفي ظل ألظروف ألسياسية ألدولية وألإقليمية ألمتوترة، تسعى إيران لإيجاد مخرج وحَل للتخلص من تأثيرات ألحصار ألإقتصادي، وألحلقة ألضعيفة في ذلك ألصراع هو ألعراق! ... حيث أنّ ألطرفين ألأمريكي وألإيراني يحاولان تصفية حساباتهما على ألأرض ألعراقية، وليس بألشيء ألمهم للدولتين ألخسائر ألتي سيتكبدها ألعراق على ألصُعُد ألبشرية وألإقتصادية وألسيادية. وأبواب ألعراق تبقى مفتوحة للصراعات ألإقليمية، ويعود سبب ذلك إلى ولاءات بعض القوى السياسية العراقية المشاركة في السلطة إلى ألولايات ألمتحدة ودول ألخليج وأخرى إلى إيران وثالثة حتى لإسرائيل!.

لقد أعلنَت إيران من جانبها عن ألنيّة بتأسيس مصرف إيراني عراقي سوري... وألذي لا يدرك خطورة نشاط ذلك ألمصرف، عليه أن يعلم بأن دور المصرف يتركز في ألإشراف على ألتجارة ألبينية بين الدول ألثلاث وبعملاتها ألوطنية/ خارج هيمنة ألدولار/، أي ألإستمرار بإغراق ألسوق ألعراقية بألمنتجات ألإيرانية بوتائر أسرع من السابق ... وهنا، يُطرح ألتساؤل ألتالي: ألعراق غير قادر على تصدير أية منتجات صناعية أو زراعية، أي أنّ ألميزان ألتجاري سيكون لصالح إيران، وبألتالي يتوجّب على ألعراق أن يسدّد ما بذمته لإيران بألدينار ألعراقي، وسيؤدي هذا ألإجراء إلى نقل كميات كبيرة من الدينار الورقي/ ألذي يمتلك غطاءً ذهبياً/ إلى إيران، ثمّ سينتج عن ذلك شحة كمية ألنقد/ الدينار ألعراقي/ ألمخصصة للتداول النقدي الداخلي وتسديد مختلف ألإلتزامات ألمالية ألداخلية، وحينذاك سيُجبَر البنك المركزي العراقي على طباعة كميات إضافية من ألدينار ألعراقي لضخها إلى ألسوق، وسينجم عن ذلك هبوط ألقوة ألشرائية للدينار وألتي بدورها ستنعكس على القدرة ألشرائية للمواطن، أي حدوث حالة التضخم ألنقدي[ زيادة كميات الورق النقدي مع بقاء ألإحتياطي ألنقدي ألإستراتيجي ثابت من دون زيادة]...  وألقاعدة ألتي يلتزم بها المصرف المركزي حول السياسة النقدية تتمحور بألحفاظ على الغطاء الذهبي للدينار، أي إستقرار سعر ألصرف، ولن يتحقق ذلك إلاّ بعدم ألتورّط بما تريده إيران لجَر العراق إلى هاوية ألإنهيار ألمالي وألإقتصادي!... هذا من جانب، ومن جانب آخر، فإنّ الشروع بتأسيس البنك الثلاثي، سيؤدي إلى غضب ألإدارة ألأمريكية على العراق، ألتي ربما ستتخذ إجراءات عقابية ضد العراق – كوضع اليد على أرصدة العراق لدى البنك الفدرالي ألأمريكي-  لكون الوظيفة ألأساسية لذلك البنك هي إفلات إيران من العقوبات ألإقتصادية ألأمريكية. ومن أنشطة إيران ألأخيرة هو إفتتاح مكتب لشركة النفط ألأيرانية في بغداد، ونعلم جيداً أن هكذا نوع من الشركات تُستغَل للتغطية على النشاطات السرية ألإيرانية ألمتمثَلة بالتدخل في ألشؤون ألسياسية وألإقتصادية وألإجتماعية ألعراقية، إضافةً إلى التنسيق مع الجانب العراقي/ حسب ما تطمح إليه إيران/ لتسهيل تسويق النفط ألإيراني.

إنّ رئيس الوزراء العراقي عبد المهدي، متخصص بألمالية ورافع لواء ألإقتصاد أللبرالي وأللبرالية ألجديدة وصاحب المكرمات بحق إقليم كردستان من خلال إطلاق العنان لحكومة ألإقليم بإستهتارها وإستخفافها وإصرارها على عدم تسليم عائدات النفط المصدَر من حقول ألإقليم إلى ألحكومة ألإتحادية، يعلم بخطورة تنفيذ ما تريده إيران، لكون ذلك ألإجراء سيدّمر ألإقتصاد ألعراقي الريعي ألذي بدوره يعاني من ألتدهور وألإنهيار. يحاول عبد المهدي أللعب على عدة حبال والمهم أنه يبقى على كرسي رئاسة الوزراء غير مكترث بما سيحل بألعراق من كوارث مدمّرة، والصورة ألمخزية لإدارته حالياً تتمثل بظهور ألمحاصصة بأبشع صورها ... الذنب ليس ذنبه، إنما ذنب أولئك الفاقدين للبصر وألبصيرة ألذين يدّعون الوطنية، هُم رشّحوه لرئاسة الوزراء كشخصية مستقلة ... نعم إنه شخصية مستقلة لحد ألنخاع !؟.

 

د. عبد علي عوض

 

 

صائب خليللو أراد حزب إسلامي أن يخون قضيته بشدة خيانة الحزب الشيوعي لقضيته، لتوجب ان يخرج ممثليه في التلفزيون ويعلنوا أنهم لا يؤمنون بوجود الله وأنهم قرروا العودة لعبادة "هبل"! فهذا هو المقابل لموقف الحزب الشيوعي حين يتغنى ممثلوه في مجلس النواب وفي التلفزيون باقتصاد السوق!

ثم تخيلوا ان "الحزب الإسلامي" هذا يتجرأ على الاحتفاظ باسمه بعد هذا الإعلان! 

لا عجب أن الحزب الذي تؤمن قيادته باقتصاد السوق، لم يبذل أي جهد على الإطلاق للترويج لا للمبادئ الماركسية ولا حتى الاشتراكية، وترك الساحة ليلعب بها الاعلام الأمريكي الرأسمالي ليزيف الاقتصاد ويزور حتى التاريخ بدون أي رد يساري أو ماركسي. بل اني سمعت قياديا شيوعياً مرة يقول بشكل عابر "..إحنا الليبراليين"! فلا غرابة أن نلاحظ اليوم جهل ثقافي سياسي مطبق على المنتمين للحزب الشيوعي، فيما يختص بالاشتراكية والماركسية، خاصة الجدد منهم.

ولعل معظمهم لا يدرك الفرق بين الماركسية والليبرالية، فربما كان كل ما يعرفه معظم شيوعيو الزمن الأخير، انهم هم والليبراليون ضد الإسلام. لذلك فهم يهتمون ويحتفلون بأياد جمال الدين وأحمد القبانجي، اكبر بكثير من اهتمامهم بماركس وكل نظرياته، فهذان المحتالان يرفعان علماً مزيفاً مثل "الشيوعيين الجدد": هما ايضاً يكفران ويبقيان عمامتهما فوق رأسيهما!

وهكذا تركت الساحة الاقتصادية والثقافية لليبرالية الجديدة واكاذيبها لتسرح بها، أما الماركسية وملحقاتها، وكل الجهد العلمي الهائل الذي بذل فيها، فتنضوي في الزاوية كاليتامى بعد موت أهلهم!

يمكنني ان أقول بكل ثقة ان هناك العديد من الناشطين اليساريين قاموا كل بمفرده بأكثر مما قام به الحزب كله في هذا المجال! واتحدى الحزب ان يكون قد غطى اية قضية أو تابع تطورات أي بلد، من وجهة نظر يسارية، حتى العراق!

هذه خيانة وليست تغيير وجهة نظر، مادمت تحمل ذات الإسم. وهي خيانة جذرية لأن تلك المبادئ هي سبب وجود الحزب ومعناه، مثلما الانقلاب على الأصنام معنى الإسلام ووجوده.

موقف الحزب من الاحتلال، لا يقل خيانة ولا يختلف عن مواقف البعض من اشد الذيول الأمريكية المعروفة. فالموقف الذي عبر عنه رائد فهمي بـ "ضرورة استكمال تجهيز القوات المسلحة" قبل اخراج القوات الامريكية، هو ذات موقف عمار الحكيم، ولن يمانع حتى مسعود البرزاني أو صالح المطلك من تبنيه. فكل ما على الامريكان ان يفعلوه لكي يبقوا، هو ان لا يسمحوا بـ "استكمال استعداد القوات المسلحة العراقية"، وما أسهل ذلك!

هيفاء الأمين، التي يدور زوجها في صفحات الفيسبوك باحثاً عن فرصة للدفاع عن إسرائيل، تورطت أمس حين اندفعت لتتغزل بحضارة كردستان وتؤكد تخلف الجنوب، متجاهلة أن كردستان استولت على أراض وحقول نفط وحصلت على موازنة تعطي الفرد ضعف ما تعطيه بقية انحاء العراق، بفضل تواطئ الحزب الشيوعي قبل غيره. وتناست فوق ذلك ان كردستان المتحضرة بقي رئيسها فوق فترته الدستورية طويلا وانها منعت رئيس برلمانها من دخول أربيل وان فيها اعلى نسبة جرائم شرف في العالم، وان ثرواتها النفطية تسرق بالتواطؤ مع بغداد وأن الحزب هو من يوزع الدخل.. الخ!

وطبعا لا حاجة لهيفاء للاعتذار أن تفسيرها لـ "التخلف" لم يكن مادياً، يرجع الأمر الى انعدام الخدمات المقصود من قبل الطبقة السياسية الأمريكية التي تشكل هي اليوم جزءاً منها وتمتدحها، بل اعادتها فقط الى "الموروث"، وكأن التخلف لا يقاس بعدد المدارس والمستشفيات قبل كل شيء.

ونذكر أن الأمين أحدثت ضجة كبيرة في أول ظهور لها على التلفزيون بعد انتخابها، حيث استضافتها قناة "الحرة" الأمريكية، فصرحت بأنها بصدد تشكيل تجمع سياسي "واسع" لأن "الجميع يضع العراق فوق كل شيء"! والصدمة في هذا التصريح هو أن "سائرون" وصل الى مقاعده عن طريق اتهام كل الطبقة السياسية بالفساد، وتوعد بـ "شلعهم" و "قلعهم" جميعاً، ولكن ما ان انتهت الانتخابات حتى صار "الجميع يضع العراق فوق كل شيء"! كيف؟ وكيف تحولت السعودية، "المليئة بالموروث المتخلف" واداة الإرهاب الأمريكية والقتل والحكومة العشائرية الأكثر تخلفا ووحشية في العالم، حيث لا يستطيع ملوكها "فك الخط"، إلى موضوع امتداح وغزل لـ "النائبة" الشيوعية الجديدة؟ وكيف صار "الموقف الأميركي" داعماً لاستقلال العراق، حسب هذرها؟!! إن أعضاء الحزب الشيوعي "المؤمنين" بقيادتهم، لم ولن يطرحوا مثل تلك الأسئلة المزعجة.

جماهير الحزب لا تهتم هي الأخرى بمبادئ الحزب. لذلك نرى همهمات الاعتراض تقتصر على التحالف مع الإسلاميين ولا أثر للاعتراض على "حرية السوق" أو الانتماء الى تجمعات إسرائيلية، أو بقاء القوات الامريكية المحتلة!

إهمال الشيوعيين الجدد للمبادئ الاقتصادية والسيادية جعل اخلاصهم ينصب على الشخص الذي يقود الحزب، فصار رمزاً تعتبر اية محاسبة له هجوماً على "الحزب". لقد صرحت هيفاء قبل فترة وجيزة أن الحزب الشيوعي "لم يعد حزبا للعقيدة"(1) وكانت صادقة تماما هذه المرة. لكنها كان يجب ان تكمل انه لم يعد "شيوعيا" أيضا، بل ربما لم يعد حزباً بالمعنى السليم للحزب.

فقد كشفت خلافات بين الدكتور حسان عاكف وقيادة الحزب وجود خلل خطير في التزام قيادته بالمعايير الحزبية مثل الشفافية والصدق والديمقراطية والنظام الداخلي للحزب.

فبين عاكف ان جاسم الحلفي قد ادخل الحزب في عضوية تحالف " بدون قرار من اي جهة حزبية"!(2) وفي مقالة أخرى أوضح أنه "جرى التنازل عن رئاسة التحالف...لان السيد مقتدى الصدر اصر على ذلك كما اشار الرفيق السكرتير." متسائلا: "أليس غريبا ان يقرر حزب عمره اربعة وثمانون عاما، الدخول في تحالف سياسي وتسليم قيادة هذا التحالف الى حزب عمره شهرين؟" مبينا أن التنازل عن القيادة بصراحة لم يتم ابداً في تاريخ الحزب.

وأوضح "انفراد الرفيق (السكرتير) بالتوقيع على التحالف قبل الحصول على موافقة اللجنة المركزية، ناهيك عن اخذ راي رفاق الحزب ومنظماته." إضافة الى تنازلات كثيرة.(3)

ولو كانت كوادر وجماهير الحزب حريصة على حزبها، لشعرت بخطورة الخلل عليه، ولكانت ممنونة لمن كشفه، ولهبت لحماية حزبها، ولأصرت على معرفة ما جرى والضغط لإجبار القيادة على معاقبة المخالفين وضمان عدم تكرار ذلك.

لكن ما حدث كان العكس وكان الشيوعيون أحرص على اسكات من يتكلم واتهامه بالتخريب، من حرصهم على اصلاح الخلل وشكر من كشفه. فمن الواضح أن ما يمثل الحزب عندهم ليس المبادئ الماركسية والأنظمة الأساسية والتاريخ العريق، بل يختصر في من يجلس على أعلى كرسي في الحزب، ويصبح رمزاً يجب حمايته بغض النظر عما فعل ويفعل.

لم يكن الحزب اشد من خان مبادئه فقط، بل كان ايضاً عملياً أول الخونة بعد 2003، حين سارع في اول حكومة، لتحالف يقوده أخسأ بعثي متوفر في الساحة، أحد جلادي قصر النهاية، واحد عملاء السي آي أي والعديد من المخابرات الغربية (ولا شك الإسرائيلية) حسب اعترافه بفخر!

في وقتها فسرنا الأمر على انه "حماقة عجيبة"، لكن فيما بعد تبين اننا نحن الحمقى. فقد تابع "الشيوعيون الجدد" مسيرة “مبادئهم الجديدة” بالتحالف مع البوق الإسرائيلي الصريح مثال الآلوسي .. وكائن مشبوه ومثير للاشمئزاز هو فائق الشيخ علي..  واحتفظ الحزب على طول الخط بعلاقة تبعية قبيحة مع الإقطاعي الكردي، وجحش صدام السابق، الذي مكن الأخير من اغتيال كوادر الحزب في أربيل، مسعود البرزاني.

وبقي الحزب يدافع عن مسعود بكل صلافة بحجة "القضية الكردية" رغم ان كردستان تحت سلطته، هدمت قرى عربية، ونهبت نفطا وتوسعت ضعف مساحتها على حساب عرب العراق، والحزب ثابت في دعمه لـ "القضية الكردية". لكن الكذب افتضح حين اختلف مسعود مع "القضية الكردية" وحطم ديمقراطيتها ودستورها وسرق نفطها، ولم نر الحزب يقف معها! فمثلما فضل الحزب الشيوعي تبعيته لمسعود على العراق والعرب والعدالة والإنسانية وعلى كرامته، فضلها على "القضية الكردية" أيضا.

وإذا كان فساد الأحزاب الدينية يتركز في القمة مع جمهور محتج ولكن يسير وراءها كالقطيع، فأن جمهور ومثقفي الحزب الشيوعي منسجمين بشكل عام مع هذا الانحدار المخجل. وقد كتبت عن أحد المحسوبين على مثقفي "اليسار الجديد"، الذي هب منتفضاً على تهديد هادي العامري بأنهم سيسقطون أية حكومة تفرضها اميركا (صدقنا حينها، فلم يكن هادي العامري قد حول نفسه إلى نكتة بعد) فكتب حسين كركوش مقالة نارية محتجاً بشدة على هذا التصريح، وكأنه السفير الأمريكي ذاته، طالباً من قرائه "أن يتوقفوا مليا عند دلالات هذا التحذير المثير للفزع"! وبالطبع لاقت المقالة استحسان "الرفاق"! 

حسين كركوش، مثال جيد لمن مازالوا يسمون انفسهم "مثقفين يساريين" وفي كتاباته نجد كل الأحاييل التي يسوقها راس مراوغ لتمويه تراجع جبان واظهاره على أنه "تطور" و"فهم جديد" للعالم. وفي كل مناوراته تلك، فهو لا يفقد بوصلته التي تتجه في النهاية لما يخدم تبريره لضرورة التخاذل للمشروع الأمريكي.

فعلى العكس من الموقف المتناهي في تخاذله أعلاه، يمكن لكركوش ان يصبح اكثر ثورية وشراسة من المقاومة اللبنانية ذاتها، مادام بالإمكان تحويل هذه الشراسة في النهاية لتوجيه صفعة للمقاومة على تخاذلها في اتفاق الجرود! لمن يريد المزيد من مهزلة مثقفي "اليساريين الجدد" التي يمثلها كركوش، هذا الرابط الذي يحتوي قائمة ببعض مقالاته(4)

من مقالة لي في العام الماضي: " في مناقشاتي مع العديد من الشيوعيين – واقصد هنا المنتمين للحزب على وجه التحديد، لم اشعر بوجود أي اعتراض على تحالف حزبهم (مع ذيول إسرائيل وعملاء السي آي أي)! فأين وكيف ومتى فقد هؤلاء الشيوعيون احساسهم بالظلم والخطر الإسرائيلي والامريكي؟ هل هو موقع "الحوار المتمدن" الذي شخصته منذ سنوات كموقع إسرائيلي بحت – منذ العدوان على لبنان 2006 و الحرب على غزة 2008، حيث وقف الموقع بشكل واضح تماما مع إسرائيل ومع من يحظى برضا إسرائيل من العرب، وانهى الموقع الشك، بإعلانه تلفون الموساد لمن يعرف اية معلومات عن الجندي الإسرائيلي الأسير شاليط! هذا الموقع كان قد صمم حسب ما لاحظت نحو هدفين: الأول تحويل بوصلة العداء والخطر، من اميركا وإسرائيل إلى الإسلام وخاصة ايران، وجعل هذا العداء تهويشياً وليس جدليا قدر الإمكان. والهدف الثاني هو الإساءة إلى مبادئ الشيوعية واليسار تحت حجة "تطويرها". وقد كان للموقع كتابه المتخصصون في هذين الاتجاهين."(5)

وهنا أيضا، ورغم كل ما كشفناه عن حقيقة هذا الموقع، فقد استمر الشيوعيون بمتابعته وكأن شيئا لم يكن!

في 2013 كان الحزب يستعد لتحالفه مع مثال الآلوسي فكتبت محذراً، وكأنني اتحدث مع أطفال لا يعرفون أبسط المبادئ واي شيء عن التاريخ، وليس مع أعضاء حزب سياسي عريق:

"ألا تحتل إسرائيل اراض عربية؟ ألا توجه إسرائيل الإهانة والتمييز العنصري والقتل ضد العرب؟ ألا تحتقرهم علناً وتعمل على إبعادهم عن أرضهم؟ لو كانت تلك الدولة العنصرية موجهة ضد السود أو ضد الكرد، اما كنتم ستملؤون الدنيا ضجيجاً ضدها؟ فلماذا عندما تكون ضد أهلكم يصبح التعامل معها ومع عملائها “طبيعياً” لا يثير شعوراً لديكم؟

دعونا من فلسطين، وهي مأساة إنسانية كبرى، وانظروا إلى بلادكم. هل تأمنون أن تدخل إسرائيل هذه البلاد؟ أنظروا إلى مصر التي تنازلت وقبلت صداقتها وصداقة أميركا لعقود طويلة، ما هي نتيجة تلك الصداقة غير الخراب التام والاختراق التام وتحطيم بنية المجتمع؟ ألم يكن عداء إسرائيل والحروب معها، أقل كلفة على مصر من صداقة إسرائيل وأميركا؟ هل تدخل هاتان الدولتان بلداً ولا تسيطران على مقاليد السلطات فيه في كل شيء؟

ولماذا تتصورون أن إسرائيل ستعامل العراقي بأفضل مما عاملت المصري أو الفلسطيني؟" (6)

لكن ما كان قد كان، والاختراق اكبر مما تخيلنا وأعمق بكثير. 

آخر خيانات "الشيوعيون الجدد" لقضيتهم، تطل برأسها هذه الأيام، فقد سارع الحزب الى تحالف جديد يضم اهم الشخصيات الإسرائيلية في العراق(7)، وعلى رأسها مثال الآلوسي طبعا. فقد تبرع الحزب العريق بإنقاذ هذا المنبوذ الذي عجز حزبه ان يحصل على مقعد واحد، ليعود في الدورة التالية بأصوات الشيوعيين، تماما مثل الكائن المدعو فائق الشيخ علي. ولم يتردد مثال الآلوسي بإعلان مشاريعه لدفع العراق الى إسرائيل، ولا دعوته لترامب ليتحالف معه، حتى حين كان الأخير يصرح بعزمه محاصرة نفط العراق وسلبه. وقد كرر الآلوسي قبل فترة قصيرة من تأسيس التجمع دفاعه عن إسرائيل والدعوة للتطبيع معها سخر من القدس وفلسطين واعتبرهما "أكذوبة عروبية وإسلاموية"!(8)

ما موقف الحزب من هذا؟ لا موقف للحزب من هذا! فلم يعرقل هذا الكلام الترحيب بمثال في التحالف الجديد، مما يشير إلى ان الحزب يراه منسجماً معه.

بقية أعضاء التجمع ليسوا أفضل من الشيوعي او الآلوسي، فـ "الطيور" على اشكالها تقع. فإضافة إلى البرزاني المعروف بعلاقاته الإسرائيلية وبيعه ثلاثة ارباع حاجة إسرائيل من النفط العراقي المسروق لها، هناك "الاتحاد الوطني الكردستاني"، الذي تديره بالوراثة، هيرو الطالباني صديقة تسيبي ليفني، وهي تعد ابنها “قباد” المعروف بعلاقاته باللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، لوراثته.

وهناك المزيد من "المفاجآت" في هذا التجمع. هذا حزب "التجمع الجمهوري العراقي" بقيادة زوج ابنة الجنرال الأمريكي جي كارنر! "سعد عاصم الجنابي"(9) ، احد اساطين المال المنهوب والمقاولات التي حصل عليها من والد زوجته، وأخطبوط مد اذرعه باتجاهات مختلفة حيثما يوجد المال. إنه صاحب قناة الرشيد التلفزيونية والمتهم بسرقة أرشيف الإذاعة والتلفزيون وتسليمه لكردستان ومنها الى إسرائيل ويقال انه كان شريكا تجاريا لحسين كامل قبل هرب الأخير من صدام، وأترك البحث عنه أكثر لمن يشاء على النت.

ترى ما الذي كان سيحدث لشهداء الحزب مثل فهد أو سلام عادل لو راوا نتيجة تضحياتهم، وتأملوا إنجازات حزبهم و"العز" الذي يرفل فيه في عيده الـ 85؟

لا ندري، ولا ندري ما هي المهمة الموكلة إلى أعضاء هذا التجمع من قبل من يحرك الخيوط من بعيد. لكن دعونا نتفاءل لعل معجزة تحدث ويصحو ضمير مازال حتى اليوم ينام نومة أهل الكهف. قولوا معي: "اللهم اجعلها آخر الخيانات".

 

صائب خليل

.......................

(1) هيفاء الأمين: لم يعد حزبا للعقيدة

https://www.facebook.com/haifa.alamin11/posts/377732989488551

(2) حسان عاكف: "جوانب من المسار"

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=587740

(3) حسان عاكف:" الانعطافة المفاجئة "

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=589894

(4) صائب خليل - اليسار في يومه العاشر... 1- ما الذي أرعب حسين كركوش

 https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/1980352675355125/

(5) صائب خليل - متى وكيف فقد الشيوعي العراقي الإحساس بظلم وخطر أميركا إسرائيل؟

https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/1859010107489383

(6) القوى الديمقراطية والآلوسي .. تحالف إنتحاري جديد؟

http://www.almothaqaf.com/index.php?option=com_content&view=article&id=81692

(7) الإعلان عن انبثاق "تجمع القوى المدنية الوطنية"

https://www.iraqicp.com/index.php/sections/orbits/19345-2019-04-27-20-28-43

(8) مثال الالوسي يصف القدس بـ (الكذبة الكبرى) ويعتبر نفسه جسراً بين العراق واسرائيل...!

https://www.youtube.com/watch?v=IUxi0yPtAkk

(9) سعد عاصم الجنابي رئيس التجمع الجمهوري العراقي -

https://www.youtube.com/watch?v=V3N68aSebz8

علاء اللامي: التحالف الجديد مع حزب المتصهين مثال الآلوسي لطخة عار على جباه مَن تحالفوا معه!

 http://www.albadeeliraq.com/ar/node/1957?fbclid=IwAR16W-QqKKcO3OB7dZDa0PqnVtXKCof80vCpid0vzBvJSKoPnRbsGaR2Yg8

 

 

 

كاظم الموسويليس أمرا جديدا اعتراف الإدارة الأمريكية أو مؤسسات فيها بدور الجمهورية الإسلامية في إيران بمحاربة الإرهاب وحماية جيرانها من انتشاره، وتقديم مساعدات كبيرة في هذا الشأن. ولكنها ولاسيما تحت إدارة الرئيس الحالي دونالد ترامب ومساعديه الحاليين، سواء مستشار الأمن القومي جون بولتون أو وزير الخارجية مايك بومبيو، وبعض مستشاريه الآخرين ينكرون علنا ويعترفون سرا أو بينهم واطراف أخرى. كما هو الحال في ما صرح به السفير الإيطالي السابق في بغداد ماركو كارنيلوس، (سبوتنيك 2019/04/21) عن اعتراف المسؤولين الأمريكيين وإقرارهم خلال لقاءاته بهم بأن الدعم الإيراني هو الذي أنقذ العاصمة بغداد وأربيل من السقوط بيد تنظيم "داعش" الإرهابي.

وقال كارنيلوس في حوار مع صحيفة "إيران فرونت بيج"، "لقد عقدت عدة لقاءات مع المسؤولين الأمريكيين وأقروا خلال الاجتماعات أنه لو لم يكن الأمر يتعلق بالتدخل الفوري لإيران في العراق في عام 2014 فإن بغداد وأربيل كانت ستسقط بيد تنظيم "داعش" الارهابي"، كما نقلت وكالة "فارس" وعنها غيرها من الوكالات الاخبارية. وأضاف أن "المسؤولين الأمريكيين يدركون تمام الإدراك الدور الذي لعبه أحد كبار قادة الحرس الثوري وهو الجنرال قاسم سليماني في منع وقوع بغداد بيد عناصر داعش"، وأشار الدبلوماسي الإيطالي إلى أن "سليماني أصبح معروفا الآن على نطاق واسع كقائد لقوة النخبة وآثاره ليست فقط في العراق وسوريا ودول الشرق الأوسط فحسب بل في أي بلد يعاني من أزمة، وهو الآن رمز للدفاع عن المظلومين في العالم". وتابع كارنيلوس، إنه "من خلال تجربتي كدبلوماسي سابق في بغداد، دعاني نظرائي الأمريكيون إلى ترتيب لقاء مع الدبلوماسيين الإيرانيين في العراق لكن الجانب الإيراني يرفض دائما تلك الطلبات"، رافضا الكشف عن مزيد من التفاصيل بشأن ذلك.

هكذا هم المسؤولون الامريكان، وهذه هي شهادة إدانة من حليف لهم يوضح فيها ازدواجية مواقفهم وتناقضات قراراتهم. وما تقوم به الإدارة الأمريكية ورئيسها ووزير خارجيتها ومستشار أمنها القومي خصوصا في تصريحاتهم وقراراتهم في العمل على خنق إيران وشعبها لأهداف لم تعد مخفية، تصب في خدمة مخططات سياستهم الصهيو غربية في حماية القاعدة العسكرية الاستراتيجية لهم في منطقتنا العربية وتدمير كل قوة مستقلة وسيادية في اي بلد في المنطقة. ولعل ما حصل في تدمير جيوش البلدان التي كانت تسمى بلدان الطوق واشغالها بما يبعدها عن الإستعداد الكامل للدفاع عن نفسها من ارهاب القاعدة الاستراتيجية ومشاريعها العدوانية وتخادمها مع الهيمنة الإمبريالية وتفتيتها البلدان وتجزيىء الاوطان والشعوب، جزء من تلك السياسات. ولهذا قامت إدارة ترامب بما قامت به ضد ايران، من الإنسحاب من الاتفاق الدولي حول الطاقة النووية الى إصدار قرارات الحصار والخنق للشعب الإيراني وصناعة عدو منه للمنطقة وتمرير التطبيع مع الكيان الصهيوني وإعلانات عن تحالفات وجيوش مشتركة معادية علنا لإيران وحلفائها في المنطقة.

تسهيلا أو تقديما لهذه الخطوات نشطت الرحلات المكوكية للمسؤولين الامريكان للعواصم العربية والكيان الاسرائيلي وغيرها وبدأت سياسات واشنطن وخططها العدوانية معلنة ولكنها رغم كل ضغوطها وهجماتها لم تحقق الأهداف المرسومة لها، بل أنها مازالت تتعثر في خطواتها الاولى، الا أنها تمكنت من ضبط بعض العواصم العربية للتخادم معها، سرا وعلنا. ولعل الاكثر تراجيديا هو استثمار الإعلام الموجه وعمليات غسل الأدمغة والتشويه الصريح للوقائع والحقائق، وترديدها في وسائل الإعلام العربية المتخادمة مع المخططات الصهيو غربية أو المؤجرة لها أو التابعة لها مباشرة، من مواقع إلكترونية إلى مراكز دراسات أو تحت هذه اللافتة الى الفضائيات، وما أكثرها اليوم، إضافة إلى استخدام وسائل التواصل الاجتماعي المعروفة.

اعترف وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو في مقابلة إعلامية أنه حين كان مسؤولا عن إدارة الاستخبارات المركزية كان يكذب ويخادع ويسرق وهذا جزء من المجد الأمريكي. وهذا التصريح ليس جديدا ايضا ولا تبريرا وانما هو دليل آخر على نهج وسياسة الإدارات الأمريكية واهدافها، وهو يضيف حجة إلى من لم يقتنع بعد، أو مازال مراهنا على السياسات الإمبريالية أو مرتهنا بشكل أو بآخر بها، بوعي منه أو بجهل، بقصد منه أو مخدوعا منها، يضيف شهادة واضحة بلسان مسؤول امريكي لا يزال في الوظيفة ولايزال يمارس كل ما قاله وفعله. وهذا التصريح دفع الصحفي الأمريكي الذي استمع لهذا الهراء الأمريكي/الشهادة الناطقة، الى القول، هذه ليست سيرة وزير خارجية هذه سيرة شيطان. فهل هناك أكثر من هذا بعد؟!.

لقد كانت تصريحات السفير الايطالي توضيحا أوليا فقط، وأن ضمير هذا الرجل هو الذي كشف ما وراء الأسطر من تصريحاته، وهي بكل الاحوال شهادة منه ودليل مثبت، آخر يفضح ما قاله الوزير في اعترافاته الشخصية التي اعتبرها مجدا لبلاده. أن سياسة الكذب والخداع والتهويل هي جزء أو هي رأس جبل الجليد، أو بعض الفضائع والجرائم التي ارتكبتها الإدارات الأمريكية ومارستها في تاريخها المظلم، سواء داخل الولايات المتحدة الأمريكية أو خارجها.

وليس آخرها ما يرسم ويخطط ضد الشعب الايراني والمنطقة، فكل الإجراءات والقرارات الأمريكية تستهدف اكثر من هدف لها، وتسعى إلى تحقيق اكثر من اعلاناتها أو تصريحات مسؤوليها العلنية. والا فلماذا كل هذا الهجوم والحملات المتواصلة على صعد مختلفة ومحاولات زرع الرعب والخوف والفتنة وعدم الاستقرار، ليس في بلد واحد وحسب، ليس في إيران وحدها بل في المنطقة كلها، وقد تكون تهديدات شمول العقوبات والاعفاءات وامثالها من الاساليب الارهابية فاتحة لما بعدها، او صورة اخرى لفرض الهيمنة، بصلف وعجرفة، لا تمتثل للقواعد والقوانين الدولية ولا للاعراف والاتفاقيات المعروفة. واية قراءة للسياسات والمخططات توصل إلى ان أهدافها أبعد منها، وعلى شعوب المنطقة الإنتباه والحذر من الانجرار ورائها، وعدم فقدان مصيرها ومستقبلها وثرواتها وربما أبعد من ذلك.

 

كاظم الموسوي

 

ابراهيم أبراشيأخذ علينا البعض أننا متفائلون دائما بالرغم من المشهد السوداوي للوضع الفلسطيني، وأننا نبدو وسطيين أحيانا في انتقادنا لطرفي المعادلة الفلسطينية –منظمة التحرير الفلسطينية وحماس- وتحبيذنا لعدم قطع شعرة معاوية ما بين حماس والمنظمة وما بين غزة والضفة وما بين الداخل والخارج، بالرغم من انتمائنا ودفاعنا عن المشروع الوطني .

لسنا هنا في وارد الدفاع عن موقفنا الشخصي، ولكن يهمنا توضيح طريقة مقاربتنا السياسية لبعض الأمور التي يختلط ويلتبس فهمها عند البعض، وهي مقاربة تستلهم التجربة التاريخية للشعوب ومبادئ المدرسة العقلانية في علم السياسة مع الأخذ بعين الاعتبار خصوصية الحالة الفلسطينية، كما تنطلق من المصلحة الوطنية العامة والتي لا تتطابق دوما مع المصالح الحزبية حتى وإن ادعت الأحزاب أنها تعبر وتمثل المصلحة الوطنية .

1- بالنسبة للتفاؤل السياسي

كتَبنا وتحدثنا كثيرا عن أن حالة التراجع وتراكم أزمات واستعصاءات القضية الوطنية لا يعود لنقص في عدالة القضية في مقابل عدالة المشروع الصهيوني، فهذا الأخير يمر بمفارقة أنه يعيش في أزهى مراحله من التفوق العسكري في مقابل أضعف مراحله من فقدان الشرعية وانكشافه عند الرأي العام العالمي، كما لا تعود لتقصير من الشعب واستسلامه للأمر الواقع، بل لخلل في أداء النخب الفلسطينية وانهيار النظام الإقليمي العربي ومتغيرات النظام الدولي واختلال في موازين القوى لصالح إسرائيل، وهذه كلها أمور واقعة ولا شك ولكنها مؤقتة وليست قدرا أو حتمية تاريخية، خصوصا أن القضية الوطنية لا تخص الجيل الحالي لوحده بل مِلك للأجيال القادمة كما أن مصيرها غير مرتبط بالنخب السياسية الراهنة .

وعليه فالمثقف أو رجل الدولة الذي يريد أن يشتغل بالسياسة من موقع المسؤولية الوطنية، عليه أن يتعامل مع القضية الوطنية برؤية تاريخية استراتيجية لا أن ينهار ويستسلم أمام أحداث عابرة، وعليه أن يكون دوما متفائلا مبشرا بغد أفضل، مقاوِما لحالة الاحباط واليأس، وألا يُخضع مقارباته الفكرية أو نهجه السياسي لحسابات المصلحة الشخصية أو الحزبية .

في هذا السياق تحضرني مقولة المفكر الايطالي أنطونيو غرامشي (تشاؤم العقل وتفاؤل الإرادة) فإذا كان الواقع يدعوا لليأس وخصوصا عند العامة فإن مسؤولية المثقفين والنخب الوطنية الواعية تبديد هذه الحالة بتوعية الشعب بأن الواقع حالة غير ثابتة، ومن هنا يأتي دور الإرادة في تغيير هذا الواقع، والإرادة متوفرة عند الشعب الفلسطيني وعند أحرار العالم .

2- أما بالنسبة لما تبدو أنها وسطية في الموقف .

بالرغم من أننا عبرنا، فكرا وممارسة، عن انتمائنا الوطني لمنظمة التحرير وللمشروع الوطني وهو انتماء يَحَتم علينا وعلى كل فلسطيني اتخاذ موقف معادي لإسرائيل و لكل من يؤيدها ويدعمها في سياساتها العدوانية ضد الشعب الفلسطيني وحقوق المشروعة، إلا أن الأمر يختلف نسبيا في الموقف من الخلافات الداخلية، فحركة حماس مثلا لا تعتبر عدوا لمنظمة التحرير بل خصما حتى وإن اشتدت خصومته وشارفت تخوم العداوة .

في حالة كالحالة الفلسطينية حيث الاحتلال يهدد الكل الوطني وحيث كلا طرفي المعادلة الفلسطينية – المنظمة وحركة حماس - في حالة هدنة والبحث عن تسويات سياسية مع إسرائيل، فإنه من الجريمة أن يدعو البعض لحرب أهلية أو اللجوء للسلاح في حسم الخصومات الداخلية .

نقول هذا مع معرفتنا بالدور الذي تلعبه حركة حماس خارج سياق المشروع الوطني وما ألحقته من خراب في الساحة الفلسطينية وخصوصا بعد أن تورطت الحركة بالمشروع الإسلاموي العالمي الذي فشل على مستوى العالم العربي وأصبحت تتصرف بردود فعل استفزازية وتمارس الهروب إلى الأمام، بالإضافة إلى دورها في تمرير مخطط فصل غزة .

بالرغم من كل ذلك، فإن المصلحة الوطنية من وجهة نظرنا تتطلب التعامل بعقلانية والبحث عن مخارج وحلول سياسية على قاعدة الالتقاء وسط الطريق ومبدأ لا غالب ولا مغلوب، حتى نجنب الشعب الانزلاق نحو حرب أهلية مع حركة حماس المدججة بالسلاح والمسنودة من شبه تحالف إقليمي ودولي بما فيه إسرائيل يريد استمرارها في حكم قطاع غزة ليس حبا بحركة حماس أو بالشعب الفلسطيني بل رغبة في تدمير المشروع الوطني وتكريس فصل غزة عن الضفة .

3- صعوبة إقصاء طرف للطرف الآخر

 من الصعب في الوقت الراهن إقصاء طرف للطرف الآخر بالقوة، وليس من المصلحة الوطنية محاولة ذلك، فلا منظمة التحرير تستطيع الآن الإقصاء التام لحركة حماس من المشهد، ليس بسبب العوامل المُشار إليها أعلاه فقط بل أيضا لأن حماس تمثل أيديولوجيا دينية ما زالت فاعلة في المجتمع ولها مؤيدين وأنصار داخل الوطن وخارجه يؤمنون بها وهؤلاء لا يمكن تجاوزهم بسهولة .أيضا لا تستطيع حركة حماس إقصاء منظمة التحرير لأن لهذه الأخيرة تاريخها النضالي ويعترف بها الشعب وكل دول العالم بأنها تمثل الشعب الفلسطيني، ولأن حركة حماس فشلت في أن تكون البديل لا على مستوى البرنامج الوطني ولا على مستوى النهج والسلوك السياسي .

الطريقة الوحيدة لانتصار طرف على آخر لا تتأتى إلا من خلال صناديق الانتخابات، وحتى في هذه الحالة فالانتصار يُحسب للشعب عامة أكثر مما يُحسب للحزب الفائز .

4- الحفاظ على شعرة معاوية

لكل ما سبق فإننا أمام خيارين :إما الاستسلام للتشاؤم والإحباط والاستسلام لواقع الانقسام وفصل غزة عن الضفة وتجاهل أهلنا في الشتات وربما الانزلاق نحو حرب أهلية، أو رفض ذلك وتفعيل الإرادة الوطنية ونشر روح التفاؤل بالمستقبل والحفاظ على شعرة معاوية ما بين الطرفين، وخصوصا أننا نسمع أخيرا تصريحات من الطرفين تدعو للتفاؤل . أيضا كيف تستقيم دعوة البعض وتحريضهم على قطع شعرة معاوية مع الخصم السياسي الداخلي فيما الطرفان يربطهما بإسرائيل (حبل من مَسَد) .

وأخيرا، هناك دوما ما يمكن عمله للخروج من المطبات والمنعطفات المصيرية الصعبة، ومما يمكن عمله للحفاظ على ما هو أكثر وأمتن من شعرة معاوية في العلاقة ما بين غزة والضفة، وفي هذا السياق ندعو للتفكير جديا بما طرحناه سابقا وهو فلسطين دولة اتحادية، وهذا أفضل من الفصل النهائي ومن بقاء الأمور على حالها من علاقة عدائية بين كيانين فلسطينيين متعاديين، وربما كيان واحد في غزة تتصارع على حكمه كل القوى السياسية .

 

د/ إبراهيم ابراش

 

بذلت السعودية ومنذ إعلانها فرض الحصار على قطر في شهر يونيو من العام 2017، بذلت جهودا محمومة لحمل الدوحة على رفع راية الإستسلام والرضوخ لمطالب دول الحصار بعد أن قررت معاقبة قطر لدورها الكبير في وقوع ماعرف بثورات الربيع العربي. وبعد مرور قرابة العامين فإن آفاق حل هذه الأزمة تبدو قاتمة اليوم أكثر من أي وقت مضى بعد أن حققت السعودية مكاسب في الأونة الأخيره وعلى حساب قطر . ويعود هذا التشاؤم الى ان السعودية والإمارات ألقت بكامل ثقلهما لحسم هذا الملف لصالحهما مستخدمة كافة الأوراق ومنها ورقة تحجيم الدور القطري في منطقة الشمال الأفريقي بعد أن  فشلت فشلا ذريعا على هذا الصعيد  وحتى الأمس القريب، نظرا لأن دول الشمال الأفريقي إختارت الوقوف على الحياد في الأزمة التي اندلعت بين كل من السعودية والإمارات والبحرين ومصر من جهة وقطر من جهة أخرى على خلفية إتهام السعودية لقطر بدعم الإرهاب وزعزعة استقرار المنطقة والعالم العربي!

فشل سعودي

ففي ذلك العام  أكدت الحكومة التونسية  على حيادية البلاد في الأزمة الخليجية،  رافضة عرضا استثماريا سعوديا يقدر بـ 800 مليون دولار بالرغم من الظروف الإقتصادية الصعبة التي تمر بها تونس. وفي ليبيا بقيت الهيمنة لحكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليا والتي تحتفظ بعلاقات وثيقة مع قطر وتركيا، فيما تنامت العلاقة بين الجزائر وقطر بعد أن استثمرت الدوحة أكثر من ملياري دولار في مشروع للحديد في الجزائر. وفيما يتعلق بالسودان فقد سعت قطر الى توثيق علاقاتها من خلال ضخ استثمارات ضخمة فيها وإقامة  مشاريع كبيرة في ميناء بورتسودان.

نجاح سعودي

لكن هذا الصورة إنقلبت مؤخرا وبشكل متسارع  بعد أن بذلت  السعودية والإمارات جهودا ضنية لتغيير المعادلات السياسية والعسكرية في تلك البلدن بعد ان نجحتا في قلب المعادلة على حكومة الأخوان في مصر والذي شكل ضربة موجعة لقطر منذ الإطاحة بحكم الرئيس محمد مرسي وتولي عبدالفتاح السيسي مقاليد الحكم ليصبح ركنا أساسيا في التحالف السعودي الإماراتي، وليلعب دورا في دول الجوار وخاصة ليبيا والسودان وبما يصب في مصلحة هذين البلدين وبما يحجم الدور القطري.

فقد نجح  التحالف السعودي الإماراتي في قلب المعادلة السياسية في تونس التي تراجع فيها دور حركة النهضة، فيما ثبتت السعودية أقدامها فيها مستغلة المتاعب الإقتصادية التي تعاني منها تونس التي تعرض إقتصادها الذي يعتمد على القطاع السياحي الى ضربة موجعة من الجماعات الإرهابية في العام 2013 ولم يتماثل الى الشفاء حتى اليوم.  وجاءت زيارة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان الى تونس عقب وقوع جريمة اغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده في اسطنبول، وتبعتها زيارة الملك السعودي سلمان بن عبدالعزيز، لتعزز من النفوذ السعودي في البلاد وعلى حساب النفوذ القطري المتمثل بحركة النهضة.

وأما في ليبيا فإن خليفة حفتر الذي يقود قطعات من الجيش في الشرق الليبي نجح وبفضل الدعم الإماراتي والمصري من توسيع رقعة سيطرته على ليبيا لتمتد الى سبها جنوبا ولترنو عيونه نحو الغرب وخاصة العاصمة طرابلس ليصبح حاكم ليبيا الأوحد في حال نجاح عملياته العسكرية للسيطرة على العاصمة. ولم يكن لحفتر أن ينجح في السيطرة على بنغازي وسبها والهلال النفطي والتقدم نحو العاصمة لولا الدعم الإماراتي والسعودي.

وفي السودان فإن تطورات الأوضاع فيها استثمرتها دول الحصار   خير استثمار إذ وقفت الى جانب المجلس العسكري الذي أطاح بالرئيس السابق عمر البشير راكبا موجة التظاهرات الشعبية، فقد  تبرعت له الإمارات ب 250 مليون دولار مما يوحي بان السودان هي الأخرى سقطت في قبضة التحالف الإماراتي السعودي. ومع إندلاع التظاهرات الشعبية في الجزائر واستقالة بوتفليقه، فيبدو أن الأمور تتجه فيها لصالح السعودية خاصة وان المال السعودي هو أمضى سلاح بيد المملكة التي تكسب بها رضا الكبار وتشتري به الحلفاء.

 ويبدو اليوم أن غبرة الصراع مع قطر قد اوشكت على الإنجلاء ولم يعد لقطر من حليف سوى تركيا، التي تراجع فيها الحزب الحاكم امام المعارضة خلال الإنتخابات البلدية الأخيرة وهو تطور مثير لقلق الدوحه، ولايستبعد ان المال السعودي لعب دورا في ذلك لأن التحالف السعودي الإماراتي لايرغب برؤية أردوغان وحزبه القريب من جماعة الأخوان المسلمين  على سدة الحكم في بلد مهم ومؤثر في المنطقة كتركيا، القادره على قلب معادلة الصراع لصالح قطر او على الأقل عدم استسلام الأخيره.

الدوافع

وهنا لابد من الإشارة الى الدوافع الكامنة وراء هذا التحرك السعودي في منطقة الشمال الأفريقي واولها ان السعودية بصدد تعويض خسائرها في منطقة شرق السويس، فقد منيت سياساتها بهزائم ذريعة في كل من سوريا ولبنان والعراق، بعد ان فشلت في قلب المعادلة لصالحها في تلك البلدان، كما وان الحرب في اليمن هي الأخرى منيت بفشل كبير ولم تحقق أهدافها المعلنة بالرغم من انها كلفت السعودية عشرات المليارات من الدولارات لكنها ظلت عاجزة عن حسم المعركة لصالحها بالرغم من تفوقها العسكري على اليمن.

وأما الدافع الثاني فهو هاجس جماعة الأخوان المسلمين الذي يشكل أكبر مصدر قلق لحكام الإمارات الذي وضعوا استراتيجية لإستئصال هذه الجماعة من المنطقة، وعدم ترك مساحة لعملها سوى في السجون وإلا فإن المقابر نصيب أعضائها. ويلاحظ بان معظم دول الشمال الأفريقي التي استهدفتها السعودية والإمارات كانت ولازال بعضها يخضع لحكم جماعات قريبة من الإخوان المسلمين . وفي حال بسط تحالف الحصار هيمنته على تلك البلدان وبانتظار حسم الصراع في الجزائر، فإن الأوضاع في المنطقة تتجه نحو القضاء على جماعة الأخوان التي ترتبط بعلاقات وثيقة مع الدوحة.

 وأما الدافع الثالث فهو محاصرة قطر وتحجيمها ولربما ابتلاعها بعد القضاء على عناصر قوتها الخارجية.  وتبدو العقبة الوحيدة اليوم امام التحالف السعودي الإماراتي هي تركيا، الحليف الكبر للسعودية، التي أصبحت هدفا للسعودية بسبب تحالفها مع قطر ولهيمنة حزب العدالة والتنمية  المرتبط بجماعة الأخوان على حكومتها، ولكونها أضرت بسمعة السعودية كثيرة خلال ازمة خاشقجي. ولا شك بان السعودية تراهن على الإنتخابات التركية المقبلة  لإحداث تغيير في البلاد، لكن هذا الهدف يبدو بعيد المدى، فالأنتخابات المقبلة ستجرى في العام 2023  ولايعتقد بان السعودية ستنتظر حتى ذلك العام، بل ستبذل مافي وسعها لضرب الإقتصاد التركي الذي بدا بالترنح إثر العقوبات الإقتصادية التي فرضتها إدارة الرئيس ترامب.

الخيارات القطرية

إن مما لا شك فيه ان  هذه التطورات  تثير قلق قطر بشكل كبير، التي لن تقف مكتوفة الأيدي وهي تخسر قلاعها في المنطقة واحدة تلو الأخرى، فيما تتمدد السعودية في المنطقة وعلى حساب النفوذ القطري في الوقت الذي تسعى فيه  أيضا لترميم علاقاتها مع الجارة الشمالية العراق.  ولاتبدو الخيارات أمام قطر واعدة، فهي لايمكن أن تعول على تركيا التي قد تتدهور فيها الأوضاع في أي لحظة كما وان الحليف الأمريكي لايبدو انه موثوق به في ظل هذه الإدارة التي لا يهمها سوى المال السعودي!

واما ايران المحاصرة بالعقوبات الإقتصادية وتواجه شبح الحرب فلن تربط قطر مصيرها بها.

وهكذا تبدو الصورة واضحة وهي أن التحالف السعودي الإماراتي يسعى الى تركيع قطر للقبول بشروطه التي وضعها لرفع الحصار وإنهاء الأزمة، ويتسلح هذا التحالف بدعم الإدارة الامريكية وبالعلاقة الوثيقة مع اسرائيل والتي قد تصل الى مستوى التحالف غير المعلن. ولذا فإن قطر تقف أمام خيارات صعبة تبدو فيها قاتمة أكثر من أي وقت مضى، فالإستسلام للسعودية يعني تحول قطر الى تابع لها وكما هو عليه الحال مع البحرين بل وأسوأ بكثير. واما استمرار صمودها ومع الأخذ بعين الإعتبار هذه التطورات فلايبدو أنه سيكون لصالح قطر، التي قد تغري هذه الإنتصارات السعودية  باجتياح قطر وبضوء أخضر امريكي مماثل لتحرك حفتر في ليبيا او بإحداث انقلاب فيها.

أوراق خاسره

وفي هذا الخضم فإن أبواب المجتمع الدولي  اغلقت بوجه قطر للتوصل الى حل دبلوماسي للأزمة نظرا لأن هذا المجتمع وخاصة الولايات المتحدة اتخذت قرارا بالوقوف الى جانب السعودية، التي قدمت لترامب 460 مليار دولار طالما افتخر ترامب بأخذها باعتبارها حقا امريكيا مقابل الحماية الأمريكية للسعودية!  وحتى لو قدمت قطر للأدارة الأمريكية مبلغا أكبر منه فإن امريكا لن تتخلى عن أكبر بلد منتج للنفط في العالم. واما الخيار العسكري فيبدو بعيدا جدا وخاصة فيما يتعلق بالورقة الروسية، إذ لايمكن لقطر ان تستعين بروسيا كما فعلت سوريا، مع وجود قاعدة العيديد الأمريكية في البلاد. وأما الورقة الإسرائيلية فلم تعد مؤثرة بعد أن وصلت العلاقات بين دول الحصار والدولة العبرية الى حد التحالف غير المعلن تحت ذريعة مواجهة الخطر الإيراني المزعوم.

أوراق قطرية رابحة

إلا انه وبرغم كل ذلك فإن هناك اوراقا رابحة مازالت بيد قطر واولها  ورقة إنسحابها من مجلس التعاون الخليجي وهي ورقة ذهبية ستثير حفيظة السعودية والإمارات اللتان تقودان المجلس وقد تفضي الى إنفراط عقد هذه المنظومة، خاصة وان هناك دولا مستاءة من الهيمنة السعودية الإماراتية على المجلس مثل الكويت وعمان إضافة الى ان هذه المنظومة ابتعدت عن الهدف الذي أسست من اجله وتحولت الى منظمة للعدوان وحصار احد أعضائها وليس للتعاون. وأما  الورقة الأخرى الرابحة بيد قطر فهي الورقة العراقية. فهذه الجارة الشمالية   سارعت  السعودية الى تغيير  سياساتها إتجاهها بعد أن بدا وبشكل جلي أن الأوضاع داخل العراق قد تغيرت  وبما يبشر بان بلاد الرافدين بدات تستعيد عافيتها وموقعها الطبيعي في المنطقة.

إن الإنسحاب القطري من مجلس التعاون وتقوية العلاقات مع العراق سيسهم في ولادة منظومة خليجية جديدة يقودها العراق وقطر ولاشك بان مجرد التلويح بهذه الورقة سيثير قلق السعودية والإمارات ويدفعهما الى إعادة النظر في حساباتهما فيما يتعلق باستمرار محاصرة قطر الذي قد يقوض الهيمنة السعودية على دول الخليج العربية فضلا عن أنه مكلف إقتصاديا للسعودية، إذ ان ديمومة النفوذ السعودي في منطقة الشمال الأفريقي وتحجيم الدور القطري مرهون بتدفق المال السعودي الى تلك المنطقة وبغير ذلك فستنقلب دول تلك المنطقة على السعودية بين ليلة وضحاها وتذهب جهود السعودية وحلفاؤها ادراج الرياح!

 

ساهر عريبي

 

عبد الجبار الجبورييبدو أن جميع حبال الوّد، قد تقطعّت بين الولايات المتحدة الامريكية ونظام الملالي في إيران، بعد أن كانت (سمناً على عسل) في العراق وسوريا، فجميع الادلة تؤكد أن الطرفين ذاهبان الى المواجهة العسكرية، والادلة كثيرة وغزيرة، فإيران تحشد فصائلها وميليشياتها وحرسها الثوري وفيلق القدس وحزب الله والحوثيين وأتباعها في المنطقة، وتعتمد عليهم كليا في المواجهة المحتملة، في حين نرى التحضيرات والاستعدادات العسكرية الامريكية والاعلامية والسياسية الهائلة، قد أفصحت التفوّق الاكبرلها قبل بدء المعركة، وإذا ما قارّنا القدرة العسكرية لدى الطرفين، لانرى أية مقارنة بينهما، نضيف الى هذا التفوّق التكنولوجي، التحشيد الامريكي العالمي ضد طهران، وتشكيل تحالف عسكري واقتصادي عالمي وعربي يحدث لأول مرة في التاريخ، بقيادة الولايات المتحدة الامريكية، سبق هذا التحالف إجراءات أمريكية وتحذيرات للدول الاوربية، مع تفاهمات وصفقات عسكرية واقتصادية مع روسيا والصين، ومن الاجراءات الغاء الاتفاق النووي الايراني، وفرض حصار إقتصادي خانق، هو الاقسى في التاريخ، بموافقة وقبول ولو (على مضض)، أغلب الدول الاوربية، وهذا مايؤكد نجاح السياسة الامريكية الخارجية في عهد الرئيس ترمب، واعلان امريكا القطب الاوحد في العالم، وإن حلم القرن الامريكي الواحد والعشرين قد تحقق على الارض، إذن من هنا أصبح إسقاط النظام الايراني في متناول اليد، وإن إسقاطه مسألة وقت لاأكثر، فهل تشنّ الادارة الامريكية حرباً عالمية ثالثة على إيران، وتدخل جيوش التحالف الدولي الى الاراضي الايرانية، أعتقد هذا لن يتم، رغم الاستعدادات الامريكية العسكرية الغير مسبوقة في المنطقة، من إرسال البوارج الحربية، وحاملات الطائرات النووية، وتوجيه الصواريخ الذكية العابرة، وإنشاء قواعد عسكرية كثيرة في العراق، ووصول الجيش الامريكي لها، وآخره الجيش الاحمر المختص بإسقاط الانظمة، إضافة الى فتح القواعد العسكرية في دول الخليج وحول ايران، ناهيك عن تحضيرات لصواريخ درونز الدقيقة التهديف، والاستعداد لتعطيل جميع أجهزة المعسكرات والقواعد والمفاعلات النووية، والصواريخ الباليستيدية الايرانية، نعم هذه إستعدادات أمريكا لاحدود لها، التي وصفها قائد الجيوش الوسطى الامريكية بأنها ستكون (حرباً تفوق الخيال)، لدقتها وسرعتها، إذن الحرب حتمّية وقريبة جداً، وربما بعد الثاني من مايس، موعد إنتهاء الاعفاءات للدول، وقطع تصدير النفط الايراني وتصفيره تحسم إيران موقفها إما بقبول الشرط ال 12 المهينة والاستسلام وإما مواجهة الحرب، ولكن كيف يكون شكل الحرب، خاطفة أم طويلة، مدمّرة للمنطقة والعراق، أم ستكون داخل ايران فقط، جميع المؤشرات تقول أن الحرب ستكون خاطفة، بعد إنهيار الاقتصاد الايراني لدرجة مخيفة، وهذا مايسهل الاجهاز على النظام، وإسقاطه بدون إطلاق صاروخ واحد، ولهذا تريد إيران أن تستبق الاحداث، وتستقوي بأذرعها في العراق ولبنان وسوريا، لاشغال الهجوم عليها، ثم تهدّد بغلق مضيق هرمز، لإحراج حلفاء أمريكا في الخليج العربي والصين والهند وغيرها، ممّن يعتمد على النفط العربي، هذا فيما يخص الاستعدادات الايرانية، وماذا عن العراق والفصائل المسلحة التي توالي إيران وتتبع لها، وماذا عن الحشد الشعبي ودوره في المعركة، وماذا عن حكومة عادل عبد المهدي، وماذا عن الاحزاب الاخرى كالحكمة والدعوة وغيرها ممن يتبعون الولي الفقيه ويأتمرون بأمره، هل يتفرجون على النظام الايراني، وهم يدركون أنه زائل لامحالة وبإصرار أمريكي ودعم دولي، خاصة وإن الادارة الامريكية، قد هددّت حكومة العراق وأحزابها، أن أي دعم لإيران سيكونون في خندق ايران، وتفرض الادارة الامريكية حصاراً مشابهاً لحصارها على إيران، وتسحب الدعم الامريكي والدولي والاقليمي عن العراق، وتجّمد جميع أموال العراق في البنوك الدولي وتقطع المساعدات عنه، إذن اوضاع العملية السياسية في العراق هي وأحزابها يقرره موقف حكومة عادل عبد المهدي واحزاب ايران، تجاه ايران، واصرار الادارة الامريكية على تغيير بوصلة حكومة العراق وفصلها عن طهران بأية طريقة، حتى لو بتغيير جذري للعملية السياسية وطرد الاحزاب الموالية لايران، وهذا ما تحضّرله الادارة الامريكية منذ فترة طويلة، ودعمت مؤتمرات للمعارضة العراقية في واشنطن ومشيغان وهولندا وغيرها، كبديل محتمل لحكومة غير تابعة لايران، إذن ومن هنا نرى ان اسوأ ايام الاحزاب الايرانية الطائفية تعيشها الان، التي دمرت وسرقت وهجّرت وقتلت أبناء العراق، من أجل عيون حكام طهران، وهناك منهم من قفز من السفينة الايرانية الموشكة على الغرق، وهناك من يهّدد امريكا بالويل والثبور، والدوس على رأس ترمب إذا تجاسر وهاجم ايران كما صرحت نائبة دولة القانون، فيما أعلن قادة الحشد الشعبي هادي العامري وابو مهدي المهندس تحديهم لامريكا وعدم السماح لها بمهاجمة ايران، وانهم مع الخندق الايراني وتحت امرت النظام وولي الفقيه، بشكل علني وواضح وامام العالم، وأعلنت فصائل أخرى وميليشيات عراقية، أنها ستستهدّف القواعد والجنود الامريكان في العراق والمنطقة، هكذا إذن تعتمد إيران على أذرعها في المنطقة في القتال نيابة عنها، فهل تنجح وتنفذ تهديدات الحشد الشعبي وقادته والميليشيات والفصائل في مواجهة الجيش الامريكي في العراق، ومعرقلة تقدّمه للاراضي الايرانية، كما تخطّط إيران وحرسها الثوري، وهل تسمح الادارة الامريكية وتسكت، على مثل هكذا تهديدات علنية وتغض النظر، لتعرض قواعدها وجنودها في العراق الى الموت، دون أن تحسب لهم حساب، هل ستسكت أمريكا عن هكذا تهديدات مباشرة، نعتقد أن جميع هذا التهديدات، لن تلقى أذنا صاغية لدى الادارة الامريكية، ولن تخيفها وتحسب لها حساب على الارض، لأن الجيش الامريكي يتجوّل في بغداد والمحافظات، وقواعده تنتشر بكل العراق، ولن يتجرأ أحد أنْ يمسّ شعرة لجندي أمريكي (لأن الرَّد سيكون ماحقاً)، كما قال قائد الجيوش الوسطى ماكينزي قبل يومين، وإنها جعجعة فارغة كما وصفها جون بولتن أمس، بمعنى جميع الإحتمالات والسيناريوهات، التي تعوّل عليها إيران وأذرعها، قد وضعت لها الادارة الامريكية حلولاً عاجلة ًلافشالها ومواجهتها، خاصة وأن العالم وصل الى حقيقة أن النظام الايراني يشكّل خطراً حقيقياً على زعزعة وإستقرار العالم بأسره، وأنه هو من يغذّي ويدعم الارهاب كله، والأدلة كثيرة على هذا، منها ما تمّ إكتشاف خلايا ايرانية للحرس الثوري، تشرف على عمليات إرهابية واسعة في أوروبا وأمريكا، أثبتت تورط النظام الايراني بالإشراف عليها وتنفيذها، كما حصل في اكثر من عاصمة اوروبية، منها باريس ولندن وامستردام وبرلين وغيرها، إذن وكي لانستبق الاحداث، نقول أن مانراه الآن من تصعيد خطيرفي منطقة الشرق الاوسط ، يشي بحرب عالمية ثالثة، طرفاها أمريكا وايران، وساحتها العراق وسوريا وإيران، والتصريحات النارية من كلا الطرفين، والتهديدات المباشرة تؤكد حقيقة واحدة، أن الحرب لابد منها في المنطقة، بعد هزيمة تنظيم داعش الارهابي في العراق وسوريا، ولابد من قصقصة أجنحة النظام الايراني في المنطقة، حسب الإستراتيجية الامريكية التي وضع بنودها الرئيس دونالد ترمب، وما عملية وضع الحرس الثوري وفيلق القدس وحزب الله، وبعض الميليشيات العراقية على لائحة الارهاب الدولي، إلاّ خطوة تمهيدية لتفكيك قوة ايران، وتغيير نظامها، بعد أن أصبحت تشكّل خطراً حقيقياً على أمن وإستقرار العالم، بتغولها وتوسعها، ودعمها وتمويلها للارهاب الدولي، لهذا فالمعركة حتمية مع النظام الايراني، ولاحياد لمن يفكر في الحياد، بالنسبة للأحزاب والحكومة العراقية فإمّا مع خندق أمريكا وإمّا مع خندق إيران ...       

 

عبد الجبار الجبوري

 

رائد عبيسيحدثنا التاريخ البشري عن صراعات محتدمة، ومعارك شرسة، وحروب طاحنة، خلفت ملايين البشر قتلاً، وسبياً، وحبساً، وتعذيباً، وإبادة، وذلك من أجل القيادة، وبما أن رمزية الدول من رمزية حاكمها وسيادتها من سلامته، تبقى الشعوب تنصاع الى هذه الفكرة السائدة في أوساطهم الاجتماعية، حتى أصبحت عقيدة عند كثير منهم وهم الأكثر استعداد معها لحمل السلاح للدفاع عن دولتهم، وحاكمهم، وفكرتهم، اي أن الأمر لم يعد بطاعة حاكم فقط، وان كانت طاعته مفروضة وواجبة إلا أن هناك التزامات ذاتية، هي من تدفع هذا المجتمع المؤمن بذلك الى تبني فكرة التصدي لأي دفاع وان غاب الحاكم. هذه الفكرة كانت موجودة في التراث الاسطوري، انتقلت إلى الفكر الشعبي الفلكلوري، وبعدها اقتربت من الفكر السياسي الثوري، وبعدها اصحبت جزء من عقيدة الدولة ودينها. حتى باتت الدولة وحكوماتها هي من تدافع عنها، وتقنع من ليس له قناعة بها، بل أصبحت جزء من سياساتها الإعلامية في التحشيد لأي معركة أو حرب.

فالزعامات لها عدة أشكال منها الزعامة الدينية، والزعامة العشائرية، والزعامة السياسية، والزعامة العسكرية. إذ أن ما هو غائب عن هذا التصنيف هو الزعامة الثقافية أو الزعامة العلمية، فالمجتمعات لا تعير اي اهتمام لهذه الزعامات في الغالب، وان كان تأثيرها محدود على المجتمعات وتوجيهاتهم، بمعنى أنها ليس محرك فاعل على الدوام كما في الزعامات التي ذكرنا.

تقدير قوة المجتمعات يأتي من تماسك هذه الزعامات مع بعضها للحافظ على الدولة وكيانها، إذ أن لا مجتمع يخلوا من هذا التصنيف للزعامات وان كانت تسيطر أحدهما على الأخريات وتغلب عليها الا أن أي صراع بينهما يهدد استقرار الدولة. ولكن لابد من اتفاق، وان كان اتفاقهم على مصلحة أو مفسدة وهو بالنتيجة يجب أن يكون كذلك.

كل الدول التي نالت استقرارها مدة من الزمن كان اما بسيطرة واحدة من الزعامات وسكوت الأخرى اختياراً أو اجباراً، أو كانت هناك مشاركة في السلطة بينهما، وعندما تضعف الدول، وتبدأ بالتلاشي، والانهيار، والانحلال، فإن هذا يعني أن هناك علاقة متخلخلة ومتقاطعة بين هذه الزعامات وجمهورها.

هذا الكلام ينصرف على كل الأنظمة الحاكمة ودولها، والاستشهاد بها يطيل المقال وكلنا نملك أدلة على ذلك، فيبقى أن نستشهد بالعراق كمثل حاضر في همنا اليومي ونحن نرى كل زعامة تريد أن تقود الدولة بطرف ما، ويبدأ هذا الأمر من التصريحات الإعلامية وحتى فكرة الانفصال بتأسيس أقاليم، إذ بات العراق بسبب ذلك دولة باهتة المواقف بسبب حرية التصريحات الشخصية من هذه الزعامات، وتطبيل اتباعها لها مشجعة على ذلك. فمرة تصريح رجل دين من على خطبة جمعة، أو منبر ما، ومرة شيخ عشيرة يهدد بغلق آبار النفط، ومرة بسياسي يختزل مكونة ليتحدث باسمه، ومرة مسؤول في الدولة و الحكومة يصرح خارج صلاحياته، محدثين بذلك أزمات داخلية وخارجية العراق في غنى عنها والسبب ؛ هو ضعف سلطة الدولة، وعدم اتفاق هذا الزعمات على إدارة موحدة بموقف موحد، لإدارة الدولة بطريقة تحفظ سيادة العراق واستقراره الداخلي والخارجي.

ونحن نشهد تتصارع هذه الزعامات على إدارة الدولة، وتنافس الحكومة في اتخاذ مواقفها إزاء الأحداث، حتى باتت كلمة الدولة الفصل غائبة عن المشهد وان كانت فلا احد يعترف بها،فأصوات الزعامات التي قوتها الدولة في يوم ما من أجل حماية الدولة والحكومة، لا تستطيع بعد أن تضعفها أو تخضعها لسيطرتها أو إسكاتها على أقل تقدير، وهذا هو الضعف بعينة.هذا الضعف ينتج عنه ما أسميناه "فتنة الزعامات المتحاربة والمتصارعة" ونرى أن الديمقراطية كنظام يوفر هذا الجو من الاختلاف الذي يطول السجال فيه، فتبقى البلدان في حالة من اللا استقرار الداخلي نتيجة ضعف سلطتها، ونحن نرى كيف اثرت الزعامات الجاهلة التي لا تكترث لمصلحة البلد وأهله على استقرار العراق منذ عقود مضت، حتى بات الأمر ببعض هذه الزعامات البحث عن اتفاقيات مع دول الجوار من أجل تقوية قراراتها ومواقفها الداخلية، او التفكير بالانفصال الجغرافي، كما في قضية كردستان، أو فكرة إقليم البصرة التي كثر الحديث بها والدعوة اليه، أو طرحة فكرة إقليم الفرات الأوسط، ومثل هذه الأفكار والمشاريع طرحت كثيراً بدفع وتشجيع من زعماء الأحزاب، أو العشائر، أو رجال دين، أو تأثير دول إقليمية.

ومن اجل تنفيذ هذا الطموح وتحويله إلى واقع لبعض الزعامات فلا تترد في اعلان رغبة الإقتتال و الحرب، بل واحداث كوارث وإبادة مع شرائح المجتمع المعارضة لهذه الفكرة،لا سيما إن كان بها طاعة لهذا الزعيم الذي يأمر بذلك. ففكرة الإبادة من أجل القيادة حاضرة عند أتابع هذه الزعامات، وهنا تكمن خطورة اختزال المجتمع بزعيم أو الزعيم بمجتمع بمعنى إحداث تأثير مغناطيسي بينهم وبين الزعيم اين ما يتجه أو يأمر أو يقود .فالمجتمع واستقراره مهدد متى ما تهدد وجود هذه الزعامات وكرامتها و رمزيتها.

 

الدكتور رائد عبيس

 

ضياء الحكيمغنى وفقر العدالة المهزوزة في عالم تعرض لهزات دنيوية جعل العدالة الحقيقية في مأزق ووضع قضاة تطبيقها في مواقف تعمُها فوضى الإقرار والخوف من إصدار الأحكام الصحيحة. 

التسويف والتأجيل والقسوة والتحقيق قبل الإحالة والأعفاء والأفراج والأقرار وإسقاط التهم مازالت من أُسس العدالة التي أُدخلت الى المجتمعات في عالم مشوه بالأطماع والمصالح الشخصية.   فمن خنق العدالة الإنسانية؟ 

لنرجع الى الوراء تاريخياً نجد أن خنق العدالة  لم يبدأ بسلطة واحدة . ونجد بإختبار ماقاله بن خلدون " العدل أساس المُلك " وأقوال أخرى تعود بنا الى معرفة عميقة عن أسس الحكم العادل والحكم الجائر والساكت عن الحق شيطان أخرس ؟ فسلطة القاضي هي إمتلاك تصحيح الأمور المعوجة وتخويله بقوانين قيادة بسط حكمه في القضايا الإجرامية منها والسياسية والأجتماعية . العدالة والمحاكم العليا وسلطات برلمانات الدول والمحاكم العسكرية المقامة بعد الإنقلابات العسكرية والمحاكم الشعبية وأحكامها العرفية  كلها تداخلت في تقييم الأدلة الباطلة  بتدخل البرج الأعلى للحاكم وبلاطه الملكي ومستشاريه وتسفيه التحقيق وخنقه والتفريط بالحقوق المدنية. ومختصرها كما نرى اليوم أن كل السلطات القانونية مُخترقة .

 تسميم أجواء العدالة تراه في دولة الديمقراطية أمريكا حيث معظم القضاة يخدمون الرجل المهيمن على البيت الأبيض ومن يعارض يتم عزله . وفي صراع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وتشهيره بسلطة مجلس النواب والمحكمة العليا وعزله للمدعي العام الأمريكي والقضاة ورئيس مكتب التحقيقات الفدرالي ووضع محاميه الشخصي مايكل كوهين في السجن يعطيك الفكرة عن مجرى العدالة البائسة . 

الترابط التاريخي للعدالة يشهدها العالم بسيكولوجية الأقوى وتوزيع فهمه الشخصي والطبقي والعنصري والقومي لها عند إنزال العقوبة بأفراد. بكلمة أخرى " العدالة محاصرة " والقضاة بجببهم وصداريهم وقبعاتهم يتنفسون بصعوبة بسبب العطل الذي أصاب روح العدالة كما قال بعض السياسيين في الكونجرس الأمريكي . وسجن العدالة في دولة كإسرائيل مثلاً وضع الشعب الفلسطيني محاط بالجدران وخنقه  داخل ممتلكات أرضه.   

في العراق ظهرت  شخصيات معوجة الفكر والقرار ولم تفهم من العدالة إلا أسوأ مضامينها كالأعدام والرمي بالرصاص وجز الرؤوس دون محاكمة. أحدهم البغدادي و مؤخراً "واثق البطاط ومليشياته المسماة جيش المختار" وتهديده بهمجية لأي معارض بقلع عيونه وقطع جماجم معارضيه . أهي قراءة مستقاة من أقول الحجاج؟ فالحجاح بن يوسف الثقفي (41 - 95 هـ) وفي خطبة محببة للبعض قال لأهل العراق نصاً " إني أرى رؤوساً قد أينعت وحان قطافها، وإني لقاطفها " كما أشار إلى سيفه وقال: والله لآخذن صغيركم بكبيركم، والحرُ بعبدكم، ثم لأرصعنكم رصع الحداد الحديدة، والخباز العجينة ".

مخاطر حقيقية تعصف بشرعية العدالة  في عالم مشوه بالأطماع والمصالح الشخصية وقبول البعض إنفرادية حكم البلاط الملكي وعدم الإصطدام بالملك أو الرئيس . والنقد الحالي هو وضع سلطة الرجل القابض للحكم نفسه في موضع القضاة. وبموجب هذه الفهم  بدأ القضاة رحلة العدالة  بفردية لاتستسيغها إلا المواقع السلطوية للسياسي والحاكم والقاضي، ولعبه كل أدوار (عدالة حكم العدالة). والملاحظ علاقة السلطة القضائية ووزارات العدل انها تشهد إضطراباً في أداء قسم الولاء للعدل وإبداء الرفض القاطع لتدخل السلطة الفردية وتسببها في سحق حقوق الأنسان التي أقرتها له منظمة حقوق الانسان الدولية عام 1948 .

حصار السلطة العليا في الدولة وقبضتها على القضاء الماثل للأنحناء والخوف من قسوة الطبقة السائدة المتنفذة وبطشها  يصبح (العدل أساس الحكم) مجرد شعار .

 

ضياء الحكيم - كاتب وباحث سياسي

 

ابراهيم أبراشمن موروثات الثقافة السياسية العربية وإلى وقت قريب أن موقف الرفض، بكل أشكال حمولته الأيديولوجية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، يتضمن حكم قيمة إيجابي يصنف صاحبه كرجل المبدأ والمدافع عن الشعب وقضاياه، إلا أنه ثَبُت بالممارسة أن خطاب الرفض لا يعبر عن موقف وطني أو بطولي إن لم يكن مصحوبا بإستراتيجية وطنية لمواجهة ما يتم رفضه، وهذا ينطبق على الذين يرفضون صفقة القرن قولا وينفذونها سلوكا.

يبدو أن كثيرا من الأنظمة والأحزاب الفلسطينية والعربية التي تعلن رفضها لصفقة القرن تمارس عمليا ما يساعد على تنفيذها، وبالتالي يصبح خطاب الرفض أداة تضليل لتمرير الصفقة القرن ما دام الرفض غير مصحوب بما يَعيق التنفيذ الفعلي للصفقة وهو جار منذ سنوات، بل يمكن القول إن كلا من السلطة الفلسطينية وحركة حماس ساعدتا، يوعي أو بدون وعي، في التأسيس للصفقة .

النخب السياسية من خلال مواقفها المتوقفة عند تخوم الرفض اللفظي لصفقة القرن دون أن تُجهد نفسها بإبداع طرق ووسائل خلاقة لمواجهتها تتحول إلى شاهد زور وتُعيد انتاج الفشل، معتقدة أن التمترس وراء خطاب الرفض سيمنحها شهادة بالوطنية وسيبرئها من المسؤولية .

هذه المواقف والسلوكيات البائسة للنخب ليس سببها أن الطريق مغلقة وليس بالإمكان أبدع مما كان كما تُرَوِج وتبرر موقفها ونهجها، بل لأنها تعلم بأن أي نهج وطني حقيقي سيفتح المجال للمراجعة والمحاسبة وإعادة النظر في شبكة المصالح الشخصية والحزبية التي تراكمت طوال سنوات من وجودها في السلطة، وهذا قد يهدد وجودها في السلطة سواء في الضفة أو غزة .

استمرار النخب السياسية في الحديث عن التمسك بالثوابت وعدم التنازل عنها وتأكيدها على رفض صفقة القرن، لا يُسقط المسؤولية عنها ويجب عدم السماح لهذه النخب بإدعاء البطولة لمجرد أنها تقول بتمسكها بالثوابت وعدم التنازل وتزعم رفض الصفقة، فالشعب لم ينتخبها أو يقبل بتسيدها عليه لأنها تقول بالتمسك بالثوابت وبالحقوق الوطنية أو ترفع شعار المقاومة والرفض، بل لاستعادة هذه الحقوق وإفشال صفقة القرن بفعل مقاوِم على الأرض، وفي هذا السياق يمكن فهم لماذا واشنطن وتل ابيب استبقتا الأمر وفرضتا الهدنة مع فصائل المقاومة في قطاع غزة قبل طرح صفقة القرن .

نعلم أن البعض سيقول ليس هذا وقت إثارة المشاكل الداخلية وأن المطالبة بالتغيير الآن قد يُضعف القيادة الفلسطينية أو يشكك بها ويشكك بالمقاومة وفصائلها كما سيُبعِد الأنظار عن المخاطر التي تهدد القدس ومجمل القضية، وبالتالي المطلوب الآن من وجهة نظر هؤلاء أن يتوحد الفلسطينيون لمواجهة صفقة القرن، وهذا كلام صحيح وطنيا ويندرج في سياق ما يجب أن يكون .

ولكن، لسنوات والشعب صابر وصامت على الوضع الداخلي حتى لا تنزلق الأمور لفتنة داخلية توظفها إسرائيل، كما أنه دائما يجد أعذارا للسلطتين أو يقنع نفسه بهذه الاعذار .لكن دعونا نتساءل بصدق : هل النخب السياسية الراهنة مؤهلة لإحداث اختراق، سواء في مجال التسوية السياسية وخصوصا بعد أن صرح الرئيس أبو مازن قبل أيام في اجتماع وزراء الخارجية العرب 21 أبريل الحالي أن إسرائيل لم تلتزم بأي اتفاق سلام وأن نتنياهو لا يريد السلام مع الفلسطينيين ؟أو اختراق في مجال المقاومة وقد وقَّعت فصائل المقاومة في غزة هدنة طويلة المدى مع إسرائيل ؟أو اختراق في مجال المصالحة الوطنية وقد استمرت حوارات المصالحة كحوار الطرشان طوال عقد من الزمن ؟ .

أيضا كيف تتوحد هذه القوى دون أن تبدأ عملية تغيير ومراجعة داخلها كخطوة أولى، مثلا أن تُعيد منظمة التحرير ترتيب وضعها الداخلي حتى بدون ممن هم خارجها من الفصائل، وتعمل على تنفيذ قرارات المجلس المركزي بشأن إعادة النظر بالاعتراف بإسرائيل وبالتنسيق الأمني، أيضا أن تعيد حركة حماس حساباتها في المراهنة على الإخوان المسلمين والدعم الخارجي وبمخططها لصناعة دولة غزة، ومراهنتها على استمرارية الدور الوظيفي المسنود لها إلى ما لا نهاية . ومن جهة أخرى، هل توحيد حالات مأزومة داخليا ومتعادية مع بعضها البعض سيُنتج حالة وطنية قادرة على مواجهة تحديات المرحلة ؟.

إن استمر حال النظام السياسي على ما هو عليه من انقسام وتشرذم، وحتى تحافظ النخب الحاكمة على وجودها في المشهد السياسي، وحتى لا تخسر مصالحها ... لا نستبعد في هذه الحالة أن تجد بعض المكونات السياسية تبريرا لقبولها لأية تسوية جديدة سواء كانت صفقة القرن أو غيرها دون شروط، تحت ذريعة منح فرصة جديدة للسلام أو محاولة تَجَنُب ما هو أسوء ! أو تحت عنوان التكتيك والمناورة .

إن أخشى ما نخشاه في هذا السياق أن يحدث تواطؤ ضمني بحيث تستمر واشنطن في تأجيل الإعلان عن صفقة القرن –وقد لا يتم طرحها بالفعل بعد رمضان - مع استمرار تنفيذ الصفقة على أرض الواقع كما هو جاري، في المقابل تستمر النخب السياسية الفلسطينية في إعلان رفضها لصفقة القرن أو الهروب نحو تشكيل هيئات ولجان لمواجهتها وكأن الصفقة مشروع مستقبلي وليس واقعا يتم تنفيذه منذ سنوات، وفي هذه الحالة تحقق واشنطن مخططها عمليا وتستمر النخب السياسية الحاكمة الفلسطينية والعربية في إدعاء البطولة من خلال إعلان رفضها للصفقة .

 

د. إبراهيم ابراش

 

لا نعلم على مدى تاريخ امريكا الطويل ان رئيسا يقيم المواقف السياسية الرسمية بمنطق الربح والخسارة مثل ما يفعل الرئيس الحالى دونالد ترامب، ولعله من نافلة القول ان لعمله السابق للرئاسة كرجل إعمال دوره البارز فى هذه المقوله ولكننا يجب ان نقر بان الى ذلك العمل السابق يرجع الفضل فى ان الرئيس الامريكى يسير نحو مبتغاه دون تردد ويرمى مباشرة تجاه الهدف ولا يهمه بعد ذلك ان كان ما فعله هدفا صحيحا ام شابته شائبة .

ها هو الرئيس ترامب يرمى مجددا تجاه دعم محور الاعتدال فى الدول العربية ويستعمل اقصى ما يتيحه  له الدستور الامريكى وهو استعمال حق النقض لابطال القرار الذى اصدره الكونغرس بغرفتيه مجلس النواب ومجلس  الشيوخ والقاضى بوقف الدعم عن التحالف العربى الذى تقوده السعودية فى اليمن .

ظهر على سطح العلاقات الامريكية العربية كثيرا من التوترات  على خلفية انحياز الرئيس الامريكى لاسرائل على وجه العموم ولرئيس الوزراء بنياميين ناتنياهو على وجه الخصوص ، وابدت كثيرا من الدول العربية على انفراد وجامعة الدول العربية على اجتماع استياءها الواضح من ذلك الانحياز على الجملة ومن بعض القرارات التى اتخذها على وجه التفصيل، ولم يبد الرئيس ترامب اى تاثر باستياء تلك الدول بل ظل يدفع ما وسعته الحيلة نحو تصفية القضية الفلسطينية وهو هدفه الذى ظل يسير نحوه بجد منذ توليه سدة الرئاسة فى البيت الأبيض . فى خضم هذا التوتر بين الدول العربية الرئيس الامريكى دونالد ترامب اوجد البيت الابيض ما يمكن ان يكون عصا وجزرة لبعض الدول العربية لمسانتدته فى هذا السجال العنيف لتطبيق الحل الذى اجترحه هو لتسوية النزاع فى الشرق الاوسط والذى يمثل فى رأيه الوضع الامثل لاسرائيل فى قيام دوله قوية تستحوز على كل منافذ العداء لها فى الضفة الغربية والجولان كما يمثل الوضع الامثل لدولة فلسطينية منزوعة السلاح والسيادة تقبع على ركن قصى ولها عاصة فى قرية صغيرة تسمى ابوديس.

وجد البيت الأبيض فى ايران وحلفاءها فى لبنان واليمن ضالته المنشودة ووجه لها ما فى جعبته من اتهامات بالارهاب حتى وصل الأمر الى ان تتجه دول الخليج العربى بكلياتها لمحاربة المد الشيعى الذى تصورته  وحشا سيبتلعا كاملة فى يوم ما ، ظل الرئيس دونالد ترامب يدفع بقوة نحو شيطنة ايران وحلفائها وتصويرهم بانهم منبع الارهاب الدولى فى العالم الى ان انتهى الى اعتبار جيش ايران باكمله منظمة إرهابية  وهو وصف اسبغه بطبيعة الحال الى جيش حزب الله فى لبنان وجيش الحوثيين فى اليمن  وبذلك ارضي دول الخليج من جهة انها تكن عداءا مستحكما لايران منذ وقت طويل ، ومع ذلك فان الرئيس الامريكى لم يدع فرصة فى اظهار العداء لإيران الا واقتنصها فى حينها حتى بات من اكثر الرؤساء الذين اوقعوا على ايران اشد العقوبات .

نتوجه بالنظر الى جهة اخرى من علاقة دونالد ترامب ببعض الدول العربية والتى تمثل محور الاعتدال فى التعاطى مع القضية الفلسطينية وهذا الجهة تتعلق بالدور الذى يرتجيه دونالد ترامب من تلك الدول فى موقفها من صفقة القرن المرتجاة ، ، حيث تمثل تلك الصفقة رؤية الرئيس الامريكي  كما تمثل فى راى كثير من المراقبين تصفية نهائية للقضية الفلسطينية التى باتت تؤرق مضجع ترامب شخصيا من جهة وعوده التى قطعها فى حملته الانتخابية كما باتت تؤرق معظم دول العالم ومن بينها بعض الدول العربية ،ويود كيثرا من الناس ان يرى هاجس النزاع الفلسطينى الاسرائيلى المتطاول قد بانت له نهاية .

ما كان للرئيس الامريكى ان يقدم خدماته للدول العربية بالمجان، بالإضافة الى انه رجل اعمال لا يؤمن الا بحسابات الربح والخسارة نجد انه جاهر فى اكثر من مناسبة بانه يجب ان يتغاضى الثمن عما يقوم به من اعمال او عما يحققه الاخرون من فائدة نتيجة لسياساته او أفعاله ولهذا فانه لا يقوم بمحاربة ايران وحزب الله اوجماعة الحوثى خدمة مجانية من اجل عيون الدول التى تستفيد منها ، كما انه لا يحارب بنى جلدته ويستعمل ضدهم الفيتو الرئاسى لانه كما يقول (محاولة غير ضرورية وخطيرة لإضعاف سلطاته الدستورية وان القرار يعرض حياة المواطنين الامريكيين وإفراد قوات الشعب المسلحة الشجعان للخطر) اللهم الا ان يقصد بالمواطنين الامريكيين اولائك الموجوديين فى دول الخليج والذين يمكن ان تطالهم  الصواريخ الحوثية .

اذن ما هو الثمن الذى يرجوه دونالد ترامب من استعمال حق الفيتو ضد قرار الكونغرس بوقف الدعم عن دول التحالف العربى ؟؟

صفقة القرن التى ينتظرها العالم بأسره هى محور كل ما يقوم به الرئيس ترامب مع الدول العربية والاسلامية ، ومراهنته على نجاح تلك الخطة هى ما يدفعه لتهيئة المناخ فى الشرق الأوسط سواء بالعصا التى يلوح بها فى وجه حماس والسلطة الفلسطينية على السواء او بالجزرة التى يبديها لبعض الدول ذات التأثير الاقتصادي على المنطقة ، ونزعم ان قرار ه باستعمال حق الفيتو ضد قرار وقف الدعم هو من قبيل الدين الذى يرجو ان تسدده له الدول المستفيدة من هذا القرار ، وليس هذا الامر ببعيد عن ما جاء فى صحيفة القارديان من ان الخطة التى أعدها زوج ابنه الرئيس الامريكى كوشنر تقوم على رؤية ضخ استثمارات مالية ضخمة من السعوديين والدول العربية الثرية وسيتم استخدام المال هذا لشراء الفلسطينيين وإقناعهم عن التخلى عن مناطق واسعة فى الضفة العربية )

كل ما نخشاه هو فعل الرئيس الامريكى تجاه القضية الفلسطينية لان جميع ما صدر عنه حتى اليوم يشى بان للرئيس ترامب خطة واسعة لتصفية القضية الفلسطينية جبرا على الفلسطينيين والعرب اجمعين وان عقلية التاجر هى التى تقوده نحو تحقيق هذا الهدف لانه يؤمن بقانون القوة لا بقوة القانون ويتماهى تماما مع مستشاره للأمن القومي بولتون الذى يقول ان القانون الدولى خلق للضعفاء لهذ يجب ان نأخذ به حتى وان كان فى صالحنا حتى لا يأتى الضعفاء ليحتجوا به علينا فى يوم ما.

 

بقلم الأستاذ ناجى احمد الصديق - السودان

 

مهدي الصافيلم يعد التاريخ او الحضارة او النتاجات والانجازات العلمية، والابداعات الثقافية والفنية او الايديولوجيات والاطروحات الفكرية هي معيار رئيسي مهم، يعتمد في تقييم الامم والشعوب الفاعلة في الساحة الدولية، انما لغة القوة والهيمنة العسكرية والسياسية والاقتصادية، سباق الاستحواذ ووضع الاقدام والاعلام على الارض (برا وبحرا وجوا) بين القوى العظمى يمتد في كل الاتجاهات والمجالات والقارات، لم يعد هنك فراغ كما نعتقد في الكرة الارضية خارج اطار التنافس، واسلوب بسط النفوذ والسيادة العالمية، قد لايكون واضحا للكثيرين ان اساس هذا التقسيم والتوزيع الامبريالي بدء مع نهاية الحرب العالمية الثانية (عندما تقاسمت القوى العظمى الدول الهامشية فيما بينها ووضعت يدها على مصائر الشعوب وثرواتها، واستخدمت عصا الامم المتحدة لتلك الظاهرة الامبراطورية العالمية، وحق النقض الفيتو في مجلس الامن الدولي)، ثم توسعت المفاهيم الجديدة لنزع السيادة للدول الهامشية اثناء حرب الاقطاب الدولية (المعسكر الرأسمالي والاشتراكي)، ولكنها اخذت منحى انفرادي متطرف مع نهابة الحرب الباردة، اي مع انهيار الاتحاد السوفيتي والمعسكر الاشتراكي بعد حرب الخليج الثانية١٩٩٠، ودخول الاساطيل والبوارج الامريكية منطقة الخليج العربي، وفي بحر الصين الجنوبي (واخيرا البحر المتوسط)، وانشاء قواعد دائمة لها في عدة دول (وبدأت تتحدث عن نشر القوات، وتنفيذ مخطط نشر الدرع الصاروخي في اوربا وجمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق)، لم يدرك البعض سابقا ان مفهوم النظام العالمي الجديد (القرن الامريكي الجديد)يعني بطريقة مباشرة نشر الامبريالية الرأسمالية بالقوة (وبصورة علنية) في العالم، الا ان عودة القوة الروسية (روسيا بوتين)الى الساحة الدولية، وبداية صعود التنين الصيني العالمي على مسرح التأثير الاقتصادي الدولي، واتجاه تلك الدول الى انتزاع الدول الهامشية في المنطقة من انياب السيطرة الامريكية، ومساعدة الدول النامية والناشئة على التقدم سريعا في مجال الصناعات التكنولوجية الحربية والنووية والمدنية، ونجاح برامج وخطط التنمية الاقتصادية والعلمية والاجتماعية، اعادت مرة اخرى اسلوب الحرب الباردة الى الواجهة ، ولكن بصورة اكثر حدة من السابق، اي تقريبا بعد احداث هجمات ١١سبتمبر الارهابية في امريكا، وكأنها عملية مدروسة بعناية تم تطبيقها او الحاجة اليها وفق خطط مسبقة، فجاءت حرب الخليج الثالثة (حروب خارج اطار الشرعية الدولية، اسقاط حكومة طلبان افغانستان، وكارثة حرب احتلال العراق٢٠٠٣)، لتكمل مخطط التمدد الاستعماري،

لماذا بدأت الحرب في افغانستان ثم العراق؟

، يبدوا ان الامر ايضا معد بطريقة مدروسة خبيثة ، حيث تدفق الافغان العرب وغيرهم من كل اصقاع الارض بعشرات الالاف على بلاد الرافدين، فقد عبدت جميع الطرق والمعابر الحدودية المجاورة للعراق ، وفتحت لمرور الارهاب الاسود، اضافة الى الارضية الخصبة والفراغ الشامل الذي تركه الاحتلال لهم في بغداد والمناطق الغربية الممتدة حتى حدود سوريا والاردن وتركيا، اقترب الارهاب سريعا من حزام بغداد (ازدادت التدهور الامني وبدا الاقتتال الطائفي حتى مرحلة سقوط الموصل بعد اندلاع الاحداث الارهابية في سوريا) ، تطورت الامور والمسارات والازمات والاحداث السياسية في عموم المنطقة بعد اعلان الصفحة الاخرى من مشاريع الهيمنة الامريكية العالمية على موارد الشعوب ومقدراتها مع بداية الاعلان عن مشروع الشرق الاوسط الجديد،

فكما هو معروف ان هذه الدول المعنية بهذا المشروع ، لم تكن مستقلة يوما ما في قراراتها وسياساتها الخارجية وحتى الداخلية (عدا ايران بعد عام١٩٨٠)، بل كانت خاضعة تابعة للاقطاب الدولية العظمى المؤثرة في القرارات الدولية والاعتبارات الامبريالية المتعلقة بتلك الدول، وهي مسلوبة الارادة تماما في مجالات التنمية والاصلاحات السياسية والاقتصادية، (اي بمعنى اخر لو ان اي دولة من هذه الدول اتجهت الى مشاريع اصلاح اجهزة الدولة ومؤسساتها وانتقلت سلميا الى النظام الديمقراطي سيتم حتما اجهاض تلك التجربة بكل الوسائل والاساليب والطرق المتاحة قبل وحتى بعد الحرب الباردة)، فما هو مطلوب من هذه الدول (الهامشية وفقا لنظرتهم الامبريالية الاستعلائية)ان تتبع النموذج الديمقراطي الامريكي-الاوربي الجاهز، والا سوف لايكون هناك اي معنى اعتباري للقوى الامبراطورية العظمى عندما لايكون لها القدرة على التدخل في صناعة قواعد الهيمنة الدائمة لها في تلك الاطراف الاقليمية البعيدة عن سيطرتها.......

كيف تفهم شعوب الدول الهامشية معنى السيادة:

لاخيار امام الامم والشعوب الحية في مواجهة هذه التصرفات والتدخلات السافرة في شؤون بلدانهم الداخلية غير اعلان الثورة الدائمة ضد طواغيت العصر داخليا وخارجيا، ولكن كم من ثورة سجلت لها نجاحات في تلك المواجهات الخاسرة مسبقا (قليلة، وتعد على عدد الاصابع ولازالت تنزف جراء الحصار والعزلة الدولية لها)، فالشعارات تشبه الاهازيج العربية العراقية التي تنفخ في معنويات هابطة لاتقوى على مواجهة اضعف ازمة او سلاح الكتروني موجه عن بعد، ولهذا نؤكد ان زمن الشعارات والانفعالات قد ولى مع تطور سلاح القوى العظمى النوعي ، اذ لابد ان تتغير نظرة الشعوب المضطهدة منذ عقود الى تلك الحقائق الواقعية والموضوعية المعززة والمسندة بالادلة والشواهد والتجارب العلمية والعملية التاريخية، عليها ان تقتنع تماما من انها تواجه اخطبوط وشبكات امبريالية رأسمالية واسعة تمتلك ادوات المراقبة والمتابعة والملاحقة الالكترونية الكونية المتقدمة عليها وعلى العالم بأسره، تخترق السيادة الوطنية والخصوصيات المحلية بالقوة كما ذكرنا، هذا يأتي مع تراجع وتدهور الاوضاع السياسية والاقتصادية والمعاشية والعلمية لشعوب تلك الدول الفاشلة،

مع الغياب الطويل للدساتير الوطنية الحديثة ، ولمفهوم التداول السلمي للسلطة، وانعدام الرؤيا والاليات والاسس

المنطقية الضرورية المهمة في بناء دولة المؤسسات، وكذلك اتساع الهوة والفجوة بين المسؤولين والاحزاب الحاكمة من جهة وبين الشعوب المتعبة والمنهكة او المنهارة معنويا، هذه الاخفاقات والانتكاسات والصراعات يمكن ان تكون سلاح داخلي موجه، تستخدمه القوى الخارجية لاختراق وتدمير وانتهاك سيادة الدول المستقلة متى شاءت وتحت اية ذرائع مصطنعة (كما حصل في العراق وليبيا وسوريا واليمن الخ.)،

الصراخ والتباكي على السيادة والخصوصيات والهويات الوطنية والثقافية في حين ان بلدك (بل كل مجالات الاختراق)تنتهك سيادته علنا وبشكل يومي تقريبا، لافائدة منه ولن يجدي نفعا، وانتم ترون منذ عقود ان اوربا (وكذلك امريكا، تفتح ابوابها للهجرة واللجوء) تفتح ابوابها امام المعارضين السياسيين والمهاجرين ، وبالاخص من تلك الدول الجامدة (دول العالم الثالث)، والناس مستمرة بالهرب من جحيم الفساد والفشل والجهل والدكتاتورية التي تعاني منه بلدانهم ومجتمعاتهم، وكأنها اصبحت فلسفة سياسية عندهم (اي الغرب) لكنها مكشوفة للبعض "اي انها اذا ارادت ان تدخل دولة ما في عنق الزجاجة ومشروع الابتزاز او الاسقاط الطويل الامد استقبلت منه المعارضة واللاجئين كلا حسب اهميته"

لاسبيل امام تلك المواجهات التاريخية المتوارثة الحتمية البشعة (لعبة الهيمنة الامبراطورية على العالم او الشعوب القريبة منها واعتبارها حدائق خلفية لهم)، غير لغة العقل والعلم والمعرفة والسيادة الشخصية للمواطن في ارضه وبلده وامام حكومته ونظامه السياسي، عبر اثبات الوجود في مختلف المجالات، ببناء منظومة البحث والتقدم والابتكار والانجاز العلمي والتنموي، والابتعاد كليا عن التقوقع والانكماش التراثي الاجتماعي والتربوي التاريخي ، والجري سريعا مع منظومة الازدهار الحضاري الالكتروني العالمي (على غرار تجربة اليابان وكوريا الجنوبية بعد الحرب العالمية الثانية)، والترفع قليلا عن العصبيات العرقية والقبلية والطائفية، والبدء بمرحلة فهم جديدة للدين والطوائف والاعراق، ومسألة الحاجة الملحة الى التفكير السياسي الحضاري السليم في بناء امة موحدة قوية داخل دولة ناجحة، بدلا من حالة القشل والدخول في دوامة تفكك المجتمع والدولة تحت سيطر المافيات والمليشيات والجماعات الدموية العنيفة،

عدا ذلك فهي تعد لعبة خاسرة لهذه الشعوب المنكوبة المغلوب على امرها، التي لازالت بعض قواها وانظمتها الثورية تعتقد ان حمل السلاح والمواجهة هي الطريق والسبيل الوحيد لانتزاع وفرض السيادة الوطنية الشاملة على الارض، ليس الامر تراجعا او استسلاما او قبولا بسياسة ولغة الامر الواقع، انما خيارات النجاح وبقاء هذه الدول الهامشية الفاشلة موحدة قليلة، بل تكاد تكون شبه معدومة، مالم يتم علاج خلل واسباب الفشل الداخلي والتهميش الدولي، اذ تعد تجربة ايران والهند وتركيا من النماذج العالمية الناجحة نسبيا في الابتعاد جزئيا عن دائرة التهميش الدولي لها، لاسباب عديدة منها قوة تماسك الامة التاريخي (وهذه عوامل حضارية تراثية تاريخية قد لايكون لها وجود في تجارب الشعوب والامم الاخرى او لعلها ضعيفة او مغيبة او مهمشة)، كذلك تمتلك موارد وعوامل اقتصادية وتجارية ومالية وتنموية شاملة ، ولديها رغبة في الاكتفاء الذاتي، وبعقلانية تجربة الاستثمار ، بتقسيم فرص وحصص القطاعات الاقتصادية (توزيع المشاريع بين القطاع الخاص الاستثماري مع القطاع العام )، والتحرر من قبضة الرأسمالية الامبريالية والديون الخارجية وشروط صندوق النقد والبنك الدولي بالتدريج، الخ.

الامم والشعوب العريقة ليست هامشية، انما الظروف الاستعمارية التاريخية حطمت ارادة هذه الامم في استعادة المبادرة للنهوض مجددا من كبوتها، وبمحاولتها طرح نظرية بناء دولة الامة اواسط القرن الماضي، فجعلتها عرضة لطاحونة الامبريالية الحديثة ، تخضع لشروط التقسيم الجغرافي الاقتصادي بين القوى العظمى، على سبيل المثال لم يكن امام سوريا وايران غير التحالف الاستراتيجي مع روسيا لمواجهة التحديات الامريكية والاوربية في المنطقة، هذه الشروط او الضرورات الموضوعية المتعلقة بتلك التحالفات هي من جهة اخرى تعتبر كسر للسيادة الوطنية بمفهومها الرسمي وحتى الشعبي العام (بالنسبة لسوريا اما ايران فهي في قائمة الانتظار)، الا انها تذهب او تختفي مع شعارات الثورة والمواجهة والتحدي الصمود والتضحيات الجسيمة، الا ان الحقائق لايمكن تلوينها اوتزييف صورتها الى الابد، تماما كما يفعل الاسلاميين الحمقى في المعارك وساحات القتال من انفعالات وحسابات غيبية فارغة، الامور لاتحسب هكذا خارج اطار العقل والمنطق، بل وفقا للمعطيات والعوامل والاسباب الموضوعية للمواجهة او الاستسلام المشروط، حتى لايصبح الحال والامر كثور هائج ينطح حائطا اسودا امامه حتى الموت ظنا منه انه باب الخروج....

السيادة وسبل رفع التهميش لاتأتي بالتمني والانتظاروالاعتماد على الاخرين انما بالعمل الجاد ليل نهار من اجل اثبات الوجود التاريخي والحضاري بين الامم والشعوب الاخرى

 

مهدي الصافي

 

ابراهيم أبراشمنذ ظهور الثورة الفلسطينية المعاصرة منتصف الستينيات وكلما تعرضت لأزمة أو لانتكاسة إلا ونسمع بأن القضية الوطنية تمر بمنعطف مصيري وخطير أو بمرحلة فارقة، لدرجة أن البعض نعى الثورة الفلسطينية أو بشَّر بنهايتها أكثر من مرة .

في (أيلول الأسود) 1970 اندلعت مواجهات مسلحة بين الفدائيين الفلسطينيين وقوات الجيش الاردني ومُنيت قوات الثورة الفلسطينية بهزيمة على يد الجيش الأردني واعتبر البعض أن ما جرى في الأردن يعني نهاية العمل الفدائي ونهاية الثورة الفلسطينية .

أعادت منظمة التحرير لملمة قواتها وانتقلت قواتها إلى لبنان ونسبيا إلى سوريا، وخلال وجودها في لبنان حققت منظمة التحرير انجازات سياسية مهمة كالاعتراف بمنظمة التحرير ممثل شرعي ووحيد وقبول عضويتها كمراقب في الأمم المتحدة 1974 وتثبيت حضورها دبلوماسيا عبر العالم، وفي لبنان تم تفعيل وتطوير المؤسسات السياسية والعسكرية للمنظمة وتمتين علاقاتها مع القوى التقدمية والوطنية في لبنان ومع حركات التحرر الوطني عبر العالم، وعسكريا أعادت بناء قواتها ومارست نشاطا عسكريا فاعلا في مواجهة إسرائيل انطلاقا من جنوب لبنان الخ .

إلا أن هذه الانجازات أقلقت إسرائيل وأطرافا عربية ولبنانية فكانت الحرب على لبنان ودخول بيروت 1982 وما تبع ذلك من خروج المقاومة من بيروت ومن طرابلس 1983، وعندما سوئل أبو عمار وهو على ظهر السفينة إلى أين ستذهب قال إلى القدس، ومع ذلك أعلن البعض عن نهاية الثورة الفلسطينية .

من مقر القيادة في تونس أعادت منظمة التحرير ترتيب أوراقها بعيدا عن نقاط التماس مع فلسطين المحتلة وتبعثُرَ قواتها في العراق واليمن والجزائر وقيود على تواجدها في تونس .كانت مرحلة تونس صعبة على القيادة الفلسطينية فخلالها كانت مضطرة للتعامل مع بيئة عربية ودولية متغيرة حيث تم عقد قمة فاس ومبادرة الملك فهد وبدايات التجاوب العربي مع فكر التسوية السياسية، وزادت الضغوط على القيادة الفلسطينية، ووصل الأمر لمحاولة تجاوز المنظمة في القمم العربية وتم إعادة الحديث عن عودة الوصاية العربية على الشعب الفلسطيني .

لم ينقذ منظمة التحرير إلا الانتفاضة الأولى 1987 التي أكدت على تمسك الشعب بمنظمة التحرير وبالثوابت الفلسطينية ورفض محاولات الالتفاف على المنظمة وتجاوزها، إلا أن دفقة الانعاش التي مدتها الانتفاضة للمنظمة لم تستمر طويلا حيث دهمت حرب الخليج الثانية 1990 الجميع وأصبح رأس المنظمة مطلوبا من واشنطن وتل أبيب ومن دول عربية، لاتهامها زورا أنها تدعم صدام حسين، وبدأت مسيرة حصار منظمة التحرير ومحاولات تصفية الثورة الفلسطينية .

لتتجنب المنظمة مخطط تجاوزها وتصفيتها تجاوبت مع الضغوط العربية والأمريكية وولجت عملية التسوية السياسية بشكل متدرج، بداية من دورة المجلس الوطني في الجزائر 1988 حيث تم الانتقال من الشرعية التاريخية للحقوق الفلسطينية إلى الشرعية الدولية وقبول فكرة حل الدولتين بحيث قَبِل الفلسطينيون بدولة على الأراضي المحتلة عام 1967، إلى أن آل الأمر لاعتراف منظمة التحرير بإسرائيل قبل ان تنسحب هذه الأخيرة من شبر واحد من الأرض، وتوقيع اتفاقية أوسلو 1993 بسقف سياسي أقل مما ورد في قرارات المجلس الوطني، وكان تأسيس السلطة الفلسطينية 1994 .

حاول الرئيس أبو عمار أن يجعل من السلطة نواة للدولة الفلسطينية المنشودة، إلا أن عدة أسباب أحبطت مسعاه وآلت الأمور لاقتحام الضفة الغربية ومحاصرة الرئيس 2002 في المقاطعة ثم تسميمه ووفاته 2004، وأعتقد كثيرون أن القضية الفلسطينية دخلت من جديد في حالة موت سريري وتنتظر من يطلق عليها رصاصة الرحمة .

انتخب الشعب الرئيس أبو مازن 2005 ولكن ما أن تولى مهامه حتى قررت إسرائيل تنفيذ مخطط الفصل الأحادي والخروج من غزة خريف 2005 وهو مخطط كان مُعد مسبقا، وفي السنة الموالية فازت حركة حماس بمشروعها الإسلامي المُعارض لمنظمة التحرير وللمشروع الوطني بالانتخابات التشريعية، وبعد عام حدث الانقلاب وسيطرت حماس على القطاع يوم 14 يونيو 2007 .

كان من الممكن لهذه الأحداث الثلاثة المتعاقبة -2005، 2006، 2007- والمُخطط لها مسبقا أن تنهي أيضا القضية الوطنية لو أن الرئيس أبو مازن تجاوب مع دعوات البعض حتى من داخل حركة فتح بإعلان غزة إقليم متمرد وقطع كل علاقة مع القطاع، إلا أن للرئيس استمر بتقديم ما على السلطة من التزامات تجاه قطاع غزة وأبقى شعرة معاوية مع غزة من خلال الدخول في حوارات مصالحة استمرت من 2009 إلى 2017، ولكن بدون جدوى .

بالرغم من أن القضية الفلسطينية في غالبية هذه المنعطفات أو الأحداث كانت تمنى بهزائم وانتكاسات سياسية تهدد بدمار ونهاية المشروع الوطني، إلا أنها كانت تستعيد توازنها نسبيا، ليس لأن الفلسطينيين استعادوا التوازن العسكري مع العدو أو أن خصومهم تراجعوا عن مواقفهم العدائية أو أن النخب السياسية راجعت حساباتها وصححت أخطاءها وقوَّمت نهجها وأخذت العبرة مما جرى ، بل لعدالة القضية الفلسطينية وقوة الفكرة الوطنية، أيضا لأن الشعب الفلسطيني لم ينساق مع مشاريع التسوية ووقف في مواجهة كل من يسعى من الأحزاب للمساومة على الحقوق الثابتة .

الآن وفي ظل ما يُشاع عن صفقة القرن الأمريكية وصفقة الهدنة في غزة وعن تطبيع عربي مع إسرائيل ومحاولة تصفية السلطة في الضفة، فأن كثيرين يتحدثون عن المنعطف المصيري واللحظة الفارقة ويروجون لنهاية القضية الفلسطينية كما كان يحدث في كل المنعطفات السابقة .

بالرغم من خطورة ما يجري اليوم وحتى لو طرح ترامب صفقته بموافقة أطراف عربية وربما فلسطينية فهذا لا يعني نهاية القضية الوطنية، لأنها ليست ورقة مساومة بيد أي حزب من الأحزاب الفلسطينية او نظام من الأنظمة العربية، وإن كانت الصفقة ستؤسِس لدويلة غزة ففي غزة 2 مليون فلسطيني فقط فيما الفلسطينيون 12 مليون، فما هو مصير 10 مليون آخرين في فلسطين وخارجها ؟وهل الشعب الفلسطيني وخصوصا فلسطينيو غزة سيقبلون الانسلاخ عن قضيتهم الوطنية ؟ .

إن أية اتفاقات أو تفاهمات يتم توقيعها لن يكون مصيرها أفضل من مصير اتفاقات التهدئة السابقة أو مصير اتفاقية أوسلو، ولتأخذ حركة حماس العبرة من تجربة منظمة التحرير، فبالرغم مما قدمته المنظمة من مبادرات حسن النية والرغبة في السلام، إلا أن إسرائيل وواشنطن لم تتجاوبا لأنهما لن تقبلا بحل أقل من تصفية المقاومة والقضية الوطنية كليا .

فهل حركة حماس مستعدة لتقديم أكثر مما قدمت منظمة التحرير وأن تقبل بما كانت ترفضه المنظمه؟. حتى وإن قَبِلت حركة حماس فالشعب الفلسطيني في الوطن والشتات لن يقبل وسيعود مجددا كالسابق لينهض كطائر الفينيق من وسط الرماد ويُعلن عن استمرار الثورة والنضال ضد إسرائيل ومن يتساوق معها حتى تحقيق حلمه بالحرية والاستقلال .

 

د. إبراهيم أبراش

 

 

موسى فرجالدستور مصمم للانفصال وليس الأقاليم وخراب البصرة سببه الفساد

أولا: هل تستحق البصرة إقليماً...؟

نعم.. وتستحق أن تكون العاصمة الاقتصادية للعراق وللأسباب التالية:

1- عدد سكان البصرة أكثر من أربعة ملايين نسمه...

2- معظم عائدات العراق من النفط تأتي من البصرة...

3- البصرة هي المنفذ البحري الوحيد للعراق ...

4- لها حدود مشتركه مع دول الخليج وإيران وعلاقات تاريخية مع معظم دول آسيا...

ثانياً: هل يوجد نص دستوري يستوعب مطالبة البصرة بإقليم إداري يختلف عن نموذج إقليم كردستان...؟

لا يوجد ...

والنص الدستوري الوحيد الذي ينظم قضية الأقاليم في العراق بموجب دستور عام 2005 النافذ هو النص المتعلق بإقليم كردستان ولا يوجد غيره والدستور لم يتضمن مستويات أو أشكال مختلفة للأقاليم تستوعب ما يتم المطالبة به من قبل بعض الأطراف تحت مسمى " الإقليم الإداري"...

ثالثاً: النص الدستوري الخاص بإقليم كردستان وواقع تطبيقه...؟

1- توزيع الاختصاصات بين السلطة الاتحادية وسلطة الإقليم:

تضمن الدستور ثلاثة مستويات من الاختصاصات وكمايلي:

المستوى الأول: الاختصاصات الحصرية التي تختص بها الحكومة الاتحادية وحددت بموجب المادة 110 من الدستور وتشمل:

- رسم السياسة الخارجية والتمثيل الدبلوماسي...

- انشاء القوات المسلحة وادارتها ...

- رسم السياسة المالية والكمركية...

- وفي الوقت الذي ضيق فيه الدستور العراقي اختصاصات السلطة الاتحادية وحصرها في 3 مواد بـتسعة بنود لا أكثر، فإن الدستور الألماني مثلاً خصص لذلك 17 مادة والمادة 73 تحتوي على (11) بندا في حين أن المادة 74 تتضمن 26 بندا، وفي الدستور الهندي فأن قائمة اختصاصات السلطة الاتحادية تتضمن 97 بندا 1 ...

- وفي أغلب الدول الفيدرالية فإن:

- الدفاع والجيش وشرطة الحدود اختصاص اتحادي تختص به الحكومة الاتحادية.

- الشرطة الاتحادية لها العلوية على شرطة الإقليم والأمن الاتحادي له العلوية على الأمن المحلي...

- القضاء الاتحادي له العلوية على القضاء المحلي ...

- السياسة الخارجية من اختصاص الحكومة الاتحادية ...

- التمثيل الدبلوماسي من اختصاص السلطة الاتحادية ...

- التصديق على الاتفاقيات من اختصاص السلطة الاتحادية ...

- الكمارك والمنافذ الحدودية من اختصاص السلطة الاتحادية ...

- رواتب الموظفين الحكوميين والمتقاعدين من اختصاص السلطة الاتحادية ...

في حين أنه وبموجب الدستور العراقي وعلى قلتها ورغم أنها حُددت بأضيق الحدود فإن سلطة اقليم كردستان لم تحترم اختصاصات السلطة الاتحادية الواردة في المادة 110 من الدستور فجيش كردستان "البيشمركة" لا سلطة للقائد العام للقوات المسلحة عليه، أما السياسة الخارجية والتمثيل الدبلوماسي فقد صارت وزارة الخارجية الاتحادية والسفراء يمثلون الإقليم بدلاً من تمثيلهم للعراق، في حين لا تقبض حكومة بغداد من المنافذ الحدودية للإقليم درهماً...

- وفي أهم جانب تتوقف عليه حياة الشعب العراقي أعني القطاع النفطي فقد كانت الكارثة:

ففي الوقت الذي نصت فيه المادة 111من الدستور على أن: "النفط والغاز هو ملك كل الشعب العراقي في كل الأقاليم والمحافظات" والذي يفترض معه أن تكون ادارة القطاع النفطي وفي كافة مراحله اختصاص حصري للسلطة الاتحادية ...فقد جاءت المادة 112 لتجعل الفقرة أولاً منها إدارة الثروة النفطية سلطة مشتركة بين الحكومة المركزية وبين الأقاليم والمحافظات المنتجة لتقول في الفقرة ثانياً من نفس المادة أن:" رسم السياسات الاستراتيجية للنفط والغاز تتم بالاشتراك بين الحكومة المركزية للنفط وبين الاقاليم والمحافظات المنتجة معا" الأمر الذي جعل إدارة إقليم كردستان تستأثر بإدارة هذا الملف وتمارس أخطر وأبشع أنواع الابتزاز فيه وهي في الوقت الذي تغتصب فيه  أكثر من استحقاقها من الموازنة العامة فإنها تقوم ببيع النفط وتهريبه دون أن تسدد للخزينة العامة أقيامه ...

المستوى الثاني: اختصاصات مشتركة بين الحكومة الاتحادية والإقليم حددتها المادة 114 من الدستور وتشمل: "الكمارك، الطاقة الكهربائية، البيئة، التنمية، التخطيط، الصحة، التعليم والتربية، الموارد المائية الداخلية"... وحقيقة الأمر بشأنها هو الآتي:

- تم افراغها من محتواها وتم التفريط بها لصالح الإقليم بنص الفقرة ثانياً من المادة 121 التي جعلت من قانون الإقليم له الأولوية على القوانين الاتحادية فيما يتعلق بالاختصاصات المشتركة حيث قالت: "يحق لسلطة الاقليم تعديل تطبيق القانون الاتحادي في الاقليم في حالة وجود تناقض أو تعارض بين القانون الاتحادي وقانون الاقليم بخصوص مسألةٍ لا تدخل في الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية".

المستوى الثالث: كل ما عدا الاختصاصات الحصرية الواردة في المادة 110 من الدستور تركها الدستور للإقليم بموجب المادة 115 منه...

2- فرض العلوية لإرادة الإقليم على الدستور:

المادة 121/ثانياً: "يحق لسلطة الاقليم تعديل تطبيق القانون الاتحادي في الاقليم، في حالة وجود تناقض أو تعارض بين القانون الاتحادي وقانون الاقليم بخصوص مسألةٍ لا تدخل في الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية" وجعل الأولوية لقوانين الإقليم على قوانين الحكومة الاتحادية عند تعارضمها...

وهي حالة شاذة ينفرد بها دستور العراق:

فدستور ألمانيا الاتحادية الصادر عام 1949 ينص في المادة 31 منه على الآتي: "يعلو التشريع الاتحادي على تشريعات الولايات الاتحادية"...

ودستور روسيا الاتحادية لعام 1993 ينص في المادة 76 على الآتي: "لا يجوز أن تتعارض القوانين والقوانين التشريعية المعيارية الاخرى الخاصة بالكيانات المكونة للاتحاد الروسي"...

- أما دستور سويسرا لعام 1999 النافذ فقد نصت المادة 49/1 منه على الآتي: " تكون للقانون الاتحادي اولوية على قانون المقاطعات"...

3- جعل الوصاية للإقليم على الدستور وجعل الأخير مرتهن للإقليم:

المادة 126 / رابعاً من الدستور: " لا يجوز اجراء اي تعديل على مواد الدستور من شأنه أن ينتقص من صلاحيات الاقاليم التي لا تكون داخلة ضمن الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية الا بموافقة السلطة التشريعية في الاقليم المعني وموافقة اغلبية سكانه باستفتاء عام "...

4- لم يضمن الدستور إلزام سلطات الاقليم باحترام اختصاصات السلطة الاتحادية...

رابعاً: هل يصلح نموذج إقليم كردستان للبصرة أيضاً...؟

أبداً ...وللأسباب التالية:

1- إقليم كردستان يمثل حالة خارج مفهوم النظام الفيدرالي المعروفة في العالم وهو بحده الأدنى شكل من الكونفدرالية يضمن لساسة الكرد الاستقلال عمليا عن العراق واستنزافه والعمل على اضعافه طيلة وجودهم ضمنه والانفصال بدولة مستقلة عنه متى أرادوا ولولا وقوف تركيا وإيران ولأسبابهما الخاصة ضد قيام دولة كردستان لكانت نتيجة استفتاء ايلول 2017 الانفصال الحتمي ولكانت توجد دولتين متجاورتين أحداهما إسرائيلية الهوى وأخرى إيرانية الولاء...

2- النص الدستوري المشار إليه نشأ أصلاً بصفقة إذعان فرضت بتواطؤ من ساسة الشيعة الذين لم يكونوا في حينه واثقون من حكمهم للعراق فكانوا يخططون لإقليم شيعي يتمتع بنفس السقوف التي بني عليها نموذج إقليم كردستان كي يتيح لهم الانفصال عن العراق متى ما قرروا ذلك ...

3- ومثلما كانت فكرة الإقليم في أذهان الكرد تمتد لفترة الحكم الذاتي عام 1971 وتستند الى انفصال كردستان عمليا عن العراق منذ عام 1991 فإن فكرة الإقليم الشيعي ماثلة في ذهن ساسة الشيعة منذ انتفاضة آذار عام 1991 وترسخت في مؤتمرات المعارضة التي سبقت سقوط نظام صدام والباعث عند كلاهما الانعتاق من الظلم والهدف عند كلاهما الانفصال بدولة مستقلة...

4- ورغم أن سقوط نظام صدام قد شكل فرصة نادرة لبناء نظام حكم مدني ديمقراطي في عراق موحد وبالتالي زوال الأسباب الملجئة للانفصال فإن  ساسة المحاصصة والفساد وبتشجيع من الأمريكان سحبوا العراق الى مستنقع نظام حكم المكونات الطائفية لتستمر مساعي ساسة الشيعة باتجاه المطالبة بإقامة الإقليم الشيعي "اقليم الوسط والجنوب" وعلى غرار إقليم كردستان بالضبط ولم تتوقف لتتماهى معها مطالبات ساسة السنة بإقامة الإقليم السني وهكذا كانت المطامع الشخصية والفئوية في السلطة والنفوذ تتغلب على وحدة العراق وسلامته عند أطراف الاسلام السياسي بشقيه السني والشيعي...

5- إلا أنه وبسبب تمسك العراقيين بوحدة العراق أُحبط الإقليم الشيعي الذي طالب به ساستهم مثلما أحبطت مطالبات ساسة السنة بإقليم سني...

6- وبدلاً من ذلك برزت أمام ساسة المكونات والمحاصصة مشكله جديدة تتمثل بخطل تصورهم انقياد المكونات لهم حيث ثبت أن انقياد الشيعة لساستهم غير مضمون ومن الممكن أن تنفرط طاعة الشيعه كل محافظة على حده فتركزت مطالبات البصرة لإقليم خاص بها تقابلها مطالبات صلاح الدين بإقليم خاص بها...ولكن هذه المرة لم يكن الباعث الانعتاق من الظلم القومي أو الديني أو المذهبي وانما في ظاهره الانعتاق من فساد ذوي القربى من نفس المكون وفي حقيقته سعي الفاسدين الى عدم الاكتفاء بنهب مقدرات المحافظات وإشاعة الفساد والفوضى والخراب فيها بل الانفراد بها والمغامرة بها في بازار الولاء لدول الجوار...

7- فكانت النتيجة أن ساسة المحاصصة والفساد قد ارتكبوا الحماقتين معاً واجترحوا الخطيئتين معاً فلا هم حرصوا على وحدة العراق ولا هم ضمنوا دولة شيعية موحدة لهم في العراق ومثلهم زملاءهم من السنة الذين بات احتكامهم على دولة سنية موحدة بحكم الخيال بل وحتى الكرد فقد عصف حكم العوائل بإقليمهم في أكثر من مناسبه وفي أكثر من مره كانت القطيعة بين السليمانية واربيل قاب قوسين أو أدنى، ورغم ادعاءات الحزبين الحاكمين في كردستان فقد فشلا طيلة حكمهما بتوحيد الإقليم وواقع الإقليم بمنطقتين باتت من الرسوخ ما لا يمكن لأي كردي أن يتجاهله ...

8- التصميم الشاذ لإقليم كردستان الذي كرسه دستور المحاصصة والفساد مكن ساسة الإقليم من الاستفادة مرتين من الثروة النفطية، الاولى عبر نسبة الـ (17%) من الموازنة الاتحادية ومعروف انها تفوق استحقاقهم بنسبة الثلث، والثانية استئثار الاقليم بواردات النفط المستخرج ليس من محافظات الإقليم فقط بل نفط كركوك والموصل أيضاً مقابل دعم هذا أو ذاك من ساسة المحاصصة والفساد في معاركهم البينية للاستحواذ على السلطة والحكم ...

9- فكان انعكاس ذلك بالتفاوت الفاضح في معدلات الفقر بين محافظات إقليم كردستان من جهة ومحافظات الوسط والجنوب من جهة أخرى وكمايلي:

- في عام 2016 بلغت نسبة الفقر في العراق 30% مقارنة بنسبة الفقر في إقليم كردستان البالغة 15%...

- ووفقاً للتقرير الذي أعده الجهاز المركزي للإحصاء وتكنولوجيا المعلومات، بإشراف اللجنة الوطنية العليا لسياسات تخفيف الفقر فإن نسبة الفقر في محافظة أربيل 3%، وفي السليمانية 3%، وفي دهوك 9%... في حين تبلغ نسبة الفقر في البصرة وذي قار 34% ، وميسان وكربلاء 37%، وواسط 40%، وبابل 41%، والمثنى 49%...

- وتشير الإحصائية الدولية إلى أن “5 % نسبة الأطفال الفقراء في كردستان، و50 % نسبة الأطفال الفقراء في المحافظات الجنوبية...

ولسنا هنا ضد انخفاض نسب الفقر في محافظات كردستان وأية منطقة في العراق أو انخفاض نسبة الأطفال الفقراء في كردستان ونتمنى أن تخلو مناطق العراق كليا من الفقر ولا يقع طفل واحد من بين أطفاله بين براثن الفقر والعوز ولكن أن تكون على حساب بقية أبناء الشعب فهذا ما نرفضه وموارد العراق يجب أن تتوزع بشكل عادل على ابناء الشعب العراقي لأنها ملكهم كما نص على ذلك الدستور ...

10- وقد درج نواب إقليم كردستان على الادعاء بأن سبب ارتفاع  معدلات الفقر في المحافظات الجنوبية عما هو قائم في محافظات كردستان يعود الى استشراء الفساد في محافظات الوسط والجنوب بينما لا وجود له في محافظات الإقليم  ونحن لا ننفي هذا ولكن المسؤولين في كردستان ليسوا أقصر باعاً في الفساد من زملائهم في الوسط والجنوب ...

خامساً: مم تشكو البصرة وماذا يلزمها حقاً...؟

البصرة عندما تطالب بالإقليم فلأنها تعاني من الفقر والبطالة وانعدام الخدمات ولكن هذه ليست مشكلتها وحدها دون غيرها بل مشكلة كل المحافظات والعراق برمته وبما في ذلك العاصمة بغداد وسببها استشراء الفساد والمحاصصة والفوضى والتخلف...

- ويكذب القائمون على امر البصرة عندما يقولون إن سبب الفقر والبطالة وانعدام الخدمات هي المركزية وشحة الصلاحيات الممنوحة لهم فالسمة الغالبة في عراق المحاصصة ومنذ عام 2003 هي الفوضى السياسية والادارية الضاربة أطنابها في كل العراق وليست المركزية أما في البصرة بالذات فإن المعضلة التي تواجهها اليوم هي سيطرة المافيات والجريمة المنظمة على كل مرافقها ومقدراتها...

- ويكذب القائمون على أمر البصرة عندما يقولون ان سبب الفقر والبطالة وانعدام الخدمات هو التقتير بالتخصيصات فالأموال التي ضخت للبصرة منذ عام 2003 تبني ثلاث بصرات وليست بصرة واحدة ويكفي أهل البصرة يقيناً ضياع الترليونات من الأموال المخصصة لهم في مئات المشاريع الوهمية...

والأموال التي نهبت من قبل ساسة المحاصصة والفساد في العراق على مدى 15 سنة من حكمهم تفوق ما تم انفاقه في العراق على مدى قرن من الزمان ومنذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة...

- ويكذب السفهاء من ساسة البصرة عندما يرددون ترهات من قبيل أن البصرة طالبت بعد انتهاء الحكم العثماني بالانفصال عن العراق فمذ وجد العراق كانت البصرة والكوفة جناحاه اللذان يطير بهما...

- وعندما ينساق السفهاء خلف التحريض الواضح من خارج الحدود لانفصال البصرة فلأن الكويت تريدها منطقة عازلة تفصلها عما تراه في العراق من تهديد دائم والسعودية تريدها وشقيقتها الأحواز جبل من نار يفصلها عن شرور إيران في حين تريدها أيران بوابة لها على العراق "الشيعي" حالها حال الأحواز المنسلخة عن جسد العراق لتقترب بحدودها الى أمارات الخليج ...

- وعندما يردد الفاسدين من ساسة البصرة ادعاءات موقع كوهين الإسرائيلي القائلة بأن البصرة ستتحول الى دبي عندما تنفصل عن العراق تحت حكمهم فالبصرة منذ عام 2003 لم يحكمها أشخاص من تكريت أو الحويجة بل حكمتها أحزاب الفضيلة والدعوة والمجلس الأعلى وسراكيلهم وحواشيهم في البصرة وهم بالذات من حول البصرة الى مكب للمخدرات وميدان لسرقة وتهريب النفط وساحة للفوضى العشائرية والأمنية ومركز لحكم المافيات والعصابات وأفرغوها من كفاءاتها قتلاً وتشريداً وإقصاء...وعندما يطالبون لها بإقليم انفصالي على غرار اقليم كردستان يكون تحت حكمهم هم بالذات فإن مئال البصرة إما الغرق في الفساد والفوضى أكثر أو اللحاق بأختها أمارة خزعل في الأحواز...

ما الذي تحتاجه البصرة حقاً...؟

البصرة يلزمها تصدر كفاءاتها من أبناءها من غير الفاسدين وذيول أحزاب الفساد والمحاصصة أولاً وعندما يتحقق ذلك فإن البصرة جديرة بالإقليم الإداري وليس الإقليم الانفصالي وهو ما يتطلب تعديل الدستور الحالي أساساً بما يضمن تعديل النصوص الخاصة بالإقليم أو على الأقل تضمين الدستور لنصوص تستوعب أقاليم فدرالية تغلق كل المنافذ على القوى الشريرة الرامية إن بعمالتها أو جهلها تقسيم العراق، وكذب موقع كوهين فمستقبل البصرة أبعد ما يكون عن حال دبي عندما تستمر عصابات الفساد والجهل والتخلف بالهيمنة على ادارتها ولا يغير من ذلك كونها محافظة أو إقليماً ولكن البصرة عندما تدير شؤونها كفاءاتها الحقيقية والنزيهة من أبناءها في ظل نظام حكم صالح في العراق ستتقدم على هونك كونك وليس مجرد دبي ...

 

موسى فرج

.....................

الدكتور عماد كاظم دحام الشبلي -علم الاختصاص التشريعي للأقاليم والمحافظات غير المنتظمة بإقليم في دستور جمهورية العراق لعام 2005، بحث مقدم من قبل الدكتور عماد كاظم دحام الى مؤتمر (الاصلاح التشريعي طريق نحو الحكومة الرشيدة ومكافحة الفساد) الذي اقامته مؤسسة النبأ للثقافة والاعلام وجامعة الكوفة/كلية القانون 25-26 نيسان 2018.

 

صادق السامرائيالتشبث بكرسي الحكم عاهة سلوكية عربية، لا مثيل لها إلا فيما قل وندر في المجتمعات الغائرة بالتخلف والإنحطاط، والتي تفوقت بعض دولنا على العديد منها .

فالحاكم العربي يتمسك بالسلطة ولا يمكنه أن يتصور نفسه خارج تابوت الكرسي، مما يجعله ينتهي إلى مصير مشين ومذل.

والصورة تتضح في بعض الدول أكثر من غيرها، ففي العراق إنظلقت هذه المتوالية الدامية منذ إبادة الحكم الملكي عن بكرة أبيه، وتواصلت بعنفوان رهيب، ومآل عجيب.

وفي ليبيا حصل الذي حصل وإنتهى قائدها في مأساة ، وما جرى لحاكم اليمن بعد عقود من الإستبداد، وكيف خرب البلاد ودمر العباد وتمرغ بنهايته، وقبلها مصر التي ما تزحزح عن كرسي الحكم فيها الرئيس إلا بعد فوات الأوان، وفي سوريا المشهد واضح للعيان، وفي تونس القصة كُتِبَتْ وألهمت، والجزائر تغلي، وأخيرا ما إنتهى إليه الكرسي في السودان والبقية ستأتي وقد آن الأوان واشتدَ الغضب.

ترى لماذا يتشبث الحاكم العربي بالكرسي؟

أولا: فوق الدستور والقانون

ربما ينفرد الحاكم العربي بهذه الصفة فهو الدستور والقانون بل فوقهما، وفي عرفه أن القانون عبارة عن كلمات يمكنه أن يكتبها أو يمحوها أنى يشاء ويرغب، وهذه المتعة التحكمية والقبضة اللذائذية المهيمنة على ما فيه من المطمورات، تدفعه إلى إحكام قبضته على الكرسي والإمعان الشرس للإقامة فيه رغم كل التحديات، لأنه يربط مصيره بالكرسي، الذي يتساوى مع حياته، وروحه، فلا معنى لوجوده دون الكرسي.

ثانيا: الإمتيازات المطلقة

الحاكم العربي يعيش في فضاءات المطلق ولا يمكنه أن يقارن نفسه بأحدٍ سواه، وبما أنه في كينونة مطلقة فأنه سيعبّر عن المطلق في كل شيئ، وسلوكه سيدلل على ذلك ويبرهنه بالفعل الملموس والمتكرر، لكي يتحسس إرادته المطلقة ويده التي لا يمنعها أي شيئ من الوصول إلى ماتريد، أي أنه يعيش في حالة إنفلات رغبوي يسوّغ له ما لا يجوز لغيره، ومما يساهم في ذلك المراسيم والبروتوكولات اليومية للحاكم التي توهمه بأنه هو ولا غيره أحد.

ثالثا: التحرر من الرقابة والمحاسبة

الرئاسة أو السلطة مسؤولية محكومة بضوابط وقوانين وتخضع للرقابة والمحاسبة، لأنها أمانة وتفويض للحفاظ على حقوق الوطن والمواطنين، لكنها في العرف العربي، أن الحاكم هو الذي يُحاسب فهو المنزه وكل ما عداه يكون مسؤولا أمامه وليس أمام القانون، فهو الذي عليه أن يراقب ويحاسب وفقا لمعايير رؤيته، وما تمليه عليه تصوراته للحكم وأجندات البقاء في الكرسي.

رابعا: وَهمُ العظمة

هذا الوهم الفاعل في الكرسي يغذيه المدّاحون والمتملقون ووعاظ الكراسي من المدعين بالدين، والمنتفعون من الحاكم الذي يهبهم مما لا يملك، فهناك نزعة غريبة عند الناس المحكومين، فكلما زاد حرمانهم وإستعبادهم تنامت آليات تعظيمهم للحاكم، وكأنهم يسقطون عليه ما فيهم من الاحلام الفنتازية والتصورات الرغبوية النابعة من شدة القهر والحرمان، ولهذا يتشامخ عليهم الحكام، ولا يشعرون بمرارة ما يعانونه ويتضورون منه.

خامسا: ضيق الأفق

الحاكم العربي عموما يتميز بضيق الأفق وعدم الإطلاع على ما يحصل في الدنيا من تطورات ومستجدات على جميع الأصعدة، فهو منغمس بالتبعية والإستهلاكية والإستقواء بالآخرين، ولا تجد عنده همة العمل والثقة بالوطن والشعب، وإنما يعتاش على الآخرين، ووفقا لهذا المنظور فأن ما يقوم به من نشاطات محدودة تبدو في وسائل إعلامه على أنها عظيمة، وما هي إلا ضحك على الذقون وخداع للشعب المسكين المبتلى بالغارقين في كرسي مشؤوم.

سادسا: الحاشية

هي الحلقة التي تحوم حول الكرسي، وما يهمها مصالحها ومنافعها بأنواعها، ولهذا فأنها ذات أساليب خداعية وتضليلية تغذي الحاكم بما يعزز منافعها وتبعد عن وعيه ما يتعارض معها، والعجيب في الأمر أن معظم الحكام العرب يتوهمون المعرفة ولا يستشيرون ذوي الكفاءة والخبرة، وإنما يريدون الجهلة والمخادعين الذين يصفقون لكل عبارة يقولونها، ويوهمونهم بأنهم لا ينطقون عن الهوى، وأن كل ما يقولونه يجب أن يكون مشاريع للعمل ومنطلقات للقوة والرقاء.

سابعا: الشعب

الشعب يساهم بقوة في إدامة الحاكم في السلطة، وذلك بإستكانته وإستلطافه للصعاب، والإرتهان بالحاجات والتلذذ بالمكابدات الأليمة، وفي عرفه إنها تعبّد له طريق الوصول إلى جنات النعيم، والسعادة الأبدية، فالدنيا دار شقاء وعناء وبلاء، ولا يمكنها أن تكون غير ذلك.

ومن الظواهر التي يصعب تفسيرها أن الشعب قد يستكين للحاكم لعقود وكأنه في سبات، حتى تأتيه اليقظة فيستفيق بغتة من نومة العدم والضياع والألم.

ثامنا: المصالح

أعمار الحكام العرب تتناسب طرديا مع قدرتهم على إدامة المصالح الإقليمية والعالمية، وكلما كانوا أوفياء ومنفذين ماهرين لها طالت أعمارهم التسلطية، وحالما تنتهي المهمة يتساقطون وينسفون من مواقعهم، التي تألهوا فيها وتضخموا حتى أصابهم الغرور القاتل، والنرجسية النكراء، وإذا بهم يتهالكون كالعصف المأكول، وهم في ذهول.

تاسعا: الغيبية

هذا التصور يملي على الحاكم كأنه موجود بإرادة ربانية، وربما يعتقد بأنه الذي يعمل على تطبيق شريعة الرب، وأنه المصطفى لتنفيذ مهمات السماء، فتراه يقدم على الفتك بالآخر ويحسب ذلك غضب الله على الضحية، التي لا مناص من تنفيذه وإحلاله بها، لكي يتوافق مع إرادة ربه الذي لا يعرفه حقا.

عاشرا: التملكية

التيقن بأن الوطن بما فيه وعليه ملك صرف للحاكم يبدو واضحا في سلوكه وخطاباته، وكيف ينظر للناس من حوله، فهو المالك وبيده مصير البلاد والعباد، وعليهم أن ينفذوا ويترجموا منطق " السمع والطاعة"، وإلا فأن الذي لا يتبع ولا يخنع يكون ضد الوطن ومن الخونة والمتآمرين.

حادي عشر: الأمية

والمقصود بها الأمية السياسية والسلوكية والفكرية، وعدم القدرة على إستيعاب ما يتصوره الآخرون ويرونه ويترجمونه في أجنداتهم التفاعلية مع الدول، وهذه الأمية توهم الحاكم بأنه يدري ومتمكن، وأن ما يدور من حوله لا يستحق الإهتمام، فهو فوق الجميع، لأن الأمية تدفعه إلى تصور المعرفة المطلقة، فيتلذذ بها ويتمسك بما يعززها وهو الكرسي.

ثاني عشر: إنتفاء قيمة الإنسان

الواقع العربي بدلائله وأوضاعه العامة يبرهن على أن الإنسان بلا قيمة وهو رقم وحسب، ولهذا فأن الحاكم لا يعير أي إهتمام لما يتصل بالمواطن، فهو رقم يمكنه محقه وجمعه وطرحه وضربه ببعضه، ولا يعنية ما يريد أو يطالب به، فعليه أن يستسلم ويرضى ويحمد ربه ويتوسل للكرسي، لكي يمنّ عليه ببعض حقوق إنسان أو حيوان، وهذا السلوك من قبل المواطنين هو الذي يغذي نزعة الإستبداد والإستعباد عند الحاكم، ويدفعه للتمادي بالإستحواذ على كل شيئ والإقامة الأبدية في الحكم.

ثالث عشر: القوة المزعومة

الحاكم العربي يصاب بعاهة إمتلاك القوة المطلقة، وأنه المهاب المطاع ولا يمكن لأحد مهما تصور أن يقترب من عرشه العظيم، فأجهزته القمعية بالمرصاد لأي مناوئ ومتطلع إلى لمس قوائم الكرسي العتيد، فتجده يمعن بالظلم وبناء المعتقلات والسجون، التي يذيق فيها الناس صنوف العذاب الشنيع، وبهذاه الأساليب يرى أن كل شيئ في قبضته المطلقة، ويغفل أن القبضة لا تدوم، فيقبض عليه الذين كان قابضا عليهم.

رابع عشر: الإنقطاعية

الحكام العرب منقطعون عن الواقع اليومي للمواطنين ويعيشون في صوامعهم، وتحت منظومة المراسيم والضوابط الرئاسية، التي تحركهم وكأنهم آلهة متعالون عن الناس، فيرونهم كما يتصورونهم أو كما يصورنهم لهم، فتراهم يتكلمون بلغة وكأنهم يخاطبون مخلوقات في عوالم أخرى، وهذه الإنقطاعية تمنعهم من التفاعل الحقيقي مع الواقع الجماهيري، وتمنحهم الزهو والخيلاء الذي سيطيح بهم عندما تصطدم رؤوسهم بصخرة الواقع المقيم.

خامس عشر: الإنجازية

قيمة الحاكم بما ينجزه ويقدمه لشعبه ووطنه، وهذه قاعدة معمول بها في الشعوب كافة إلا الشعب العربي، فأنه لا يأبه لهذا الموضوع ويكون الحاكم عنده عبارة عن موجود لتغذية عواطفه، والتعبير عما فيه من المكبوتات وبالكلمات وحسب، لأنه ميال لإتباع القول وإعتباره هو الإنجاز، فالقول عنده أصدق من العمل الواضح المبين، ولهذا ترى الحاكم يمعن بخطاباته الفارغة وشعاراته الوهمية، والناس تحتفي به وتنتمي إليه وتريده وتفديه بالروح وبالدم، وتسعى لتأبيده في الكرسي، وهو يصدّق ذلك ويعمل على تحقيقه، حتى تتساقط الأقنعة وتتكشف الأستار.

سادس عشر: التبلدية

العلاقة القائمة ما بين المقربين للحاكم والحاكم تصيبه بتبلد الأحاسيس والمشاعر، فيفقد قدرات التفاعل مع ما يجيش في دنيا الناس، ويزداد بلاهة وتبلدا مع الأيام حتى لتجده يتكلم وكأنه من أصحاب الكهف الذين ناموا عدة سنين وإستيقظوا، فيبعث بخطاباته إلى الشعب وكأنه الغريب عنهم والبعيد عن معاناتهم وما يشعرون، والمشكلة أنه يؤمن بأنه على حق وأنه يعمل على تخقيق أمانيه التي هي أماني الشعب بالقطع والأمر.

سابع عشر: الدوغماتية

الحاكم العربي يرى أنه يمتلك الحقيقة المطلقة، ولا يمكن لأحد أن يعترض عليه أو يناقشه، والناس من حوله أما معه أو ضده، وبهذا يضع نفسه في محنة خداعية وتضليلية تقضي عليه آجلا أم عاجلا، لأن الناس لا تريد أن تخوض معركة خاسرة، ولهذا تجدها تبدو على أنها مع الحاكم وهي في حقيقتها ضده، وهذا ما تحقق في بعض الدول وبانت تداعياته وكأنه القنبلة الموقوتة والكمين الأمين.

ثامن عشر: التألهية

الحاكم العربي يتأله ويتصور بأنه إله، بمعنى أن قوله هو القول السديد، وهو المعصوم من الخطأ، وهو الذي جاء من عالم بعيد، وكأنه يريد القول بأنه يحكم بتفويض إلهي أو أن أمه أو أبوه من الآله، أو أنه نصف إله، وهذه المشاعر والأحاسيس متوارثة عبر العصور الغابرة، التي كانت أنظمة الحكم فيها ذات آليات إلهية أو متصلة بالآلهة، ومعنى ذلك أن وجود الحاكم في الكرسي بأمر إله، وهو الذي جاء به وهو الذي سيأخذه بعيدا عن الكرسي عندما يشاء.

أي أن وجوده في الكرسي قدَري!!

تاسع عشر: المديح

سلوك المديح عربي بإمتياز، فلا يوجد حاكم في الدنيا يتلقى مديحا مثل الحاكم العربي، وخصوصا من الشعراء والكتاب وأدعياء الدين، وغيرهم من رؤوساء العشائر والقبائل والرموز الأخرى، فالعرب تستشري فيهم عاهة المديح، لأنها كانت ومنذ العصور القديمة الوسيلة السهلة للفوز بالعطايا والحصول على المال من ذوي الجاه والسلطان.

وهذا المديح خدعة كبرى يتوهم بموجبها السلطان بأنه في حرز وأمان، وأن الشعب يحبه ويريده على الدوام.

عشرون: الكبرياء المرير

المشكلة العسيرة التي تنفرد بها الكراسي العربية هو تمدد الأنا الحاكمة وتماهيها بالوطن والشعب، فيحسب الحاكم أنه هو الوطن والشعب معا، وأي تعارض معه أو رفض له يعني عدوانا على الوطن والشعب، وتصبح صورته تمثل الوطن وتتفوق على أي رمز، ولهذا تكون صوره في كل مكان، ويفرضها على خارطة الوطن، فتصبح مجسمة بكينونته البدنية، ويتحول إلى مقياس أو معيار للوطنية والإخلاص والتفاني والتضحية، ومَن ينال منه ينال من الوطن والشعب ويُتّهَم بالخيانة العظمى.

وهناك المزيد من العوامل الأخرى الفاعلة في تنمية سلوك التوحد مع الكرسي والإدمان عليه، وتعزيز الغطرسة، وشدة الإلتصاق به، ويمكنها أن تكون بايولوجية أو مصحوبة بتغيرات عضوية في الأدمغة الكرسوية.

ويبقى إحترام الدستور والقانون والإنسان من ضرورات الحياة المعاصرة التي لا أولوية قبلها ولا سلطان.

فهل سنتجاوز مرحلة الخنوع والإذعان، وننطلق أحرارا في مملكة الإنسان؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

عبد الجبار نوريأمريكا اليوم تختلف عن الأمس برئيسها المهوس ترامب الرقم 45، ربما كان الأسلاف من 44 وما دون ينظرون إلى معادلة الحقل والبيدر مع الشعوب المقهورة بالقبول بالمقسوم فأما الحقل أو البيدر، لكون كان هناك توازن دولي بوجود منظومة الأتحاد السوفييتي والدول الحُرة التي في فلكها مع وجود البعض من (النداوة) في جبين قادة العرب، واليوم في غياب ثقل الموازنة وفقدان تلك قطرة الماء اليتيمة من على جبين أصحاب القرار السياسي العربي والهرولة المذلة في عار التطبيع مع المغتصب للأرض العربية لهذا أستقوى ترامب بأحادية قطب الرحا، فأخذ يتعامل مع الخلايجة وعموم العرب بمصادرة الحقل والبيدر .

ماذا تريد واشنطن؟! ترك صراعات المنطقة للقوى العربية الحليفة للتخفيف عن الجيش الأمريكي، وتمكن واشنطن من أحتواء الدول العربية الخليجية الثرية بالمال النفطي وتوجيهها إلى التطبيع مع أسرائيل، وترويج لسوق السلاح وردت أمريكا لهذه الدول أسلحة الدمار الشامل والمحرمة دولياً حيث باعت للنظام السعودي 3-1 مليار دولار في حربها على اليمن .

وهوبالحقيقة تحالف أمني في الشرق الأوسط (مقترح) تشكيلهُ قبل أجتماع عُقد يوم الأحد الماضي في الرياض وهو دفعة جديدة في أطار السعي لأحياء الجهود التي يقودها البنتاكون لجمع الحلفاء العرب في معاهدة أمنية سياسية للتصدي لتوسع النفوذ الأيراني وللحد من نفوذ روسيا والصين المتزايد في المنطقة، بالأضافة إلى التوجه الأمريكي الجديد التمحور حول الأنسلاخ من المنظمات الدولية والتخلي عن ألتزاماتها التي كلفت الخزينة الأمريكية عقوداً، بشعار: أمريكا أولا يتضمن تخفيف الأعباء الأقتصادية عن الخزينة وتحميل الشركاء الحلفاء أكبر قدر ممكن من تلك الأعباء، فهو مجرد أقتراح ولكن بدرجةٍ (محمومة) من قبل صقور الكونكرس الأمريكي وبأتفاق الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وخاصة اليمينين منهم، وهو بالحقيقة يمثل نسخة عربية من حلف شمال الأطلسي (الناتو) وهوربما يعتبره الأعلام اليميني المتطرف في واشنطن  وتل أبيب (هندسة أستراتيجية لأدارة ترامب في أحتواء أيران) وهو بالحقيقة وسيلة لحلب البقرة الخليجية النفطية تحت ذريعة تعزيز قدراتها الدفاعية أستعدادا لمواجهة البعبع الأيراني عسكريا، والتمدد الروسي الصيني من الناحية التجارية والأقتصادية، ويضم هذا التحالف ثمان دول هي أمريكا والسعودية والأمارات والكويت والبحرين وقطر وعمان وكذلك الأردن .

وأرى أن هذا التحالف سوف يجد صعوبة في بلورتهِ، وقد لا يرى النور ولا يمرْ وذلك :

-لأنسحاب مصر من التحالف يوم الخميس 11/4/ 2019 بدليل أنّها لم ترسل وفداً إلى الأجتماع الذي عُقد يوم الأحد في الرياض ويمثل هذا الأنسحاب ضربة لمساعي أدارة الرئيس دونالد ترامب لأهمية مصر ذات التأريخ  العريض وصاحبة أكبر جيش في الشرق الأوسط لأجل أحتواء النفوذ الأيراني وكذلك لتشككها في جدية المشروع الذي هو مجرد أقتراح فالأنسحاب المصري يمثل أحدث أنتكاسة لمبادرة أنشاء هذا التحالف في الشرق الأوسط وقد أبلغتْ قرارها للولايات المتحدة الأمريكية .

- أضافة إلى مجهولية وغموض الذي يحيط تجدد ولاية ترامب للأربعة سنوات المقبلة وأخذت الفكرة تتعقد لمعطيات الساحة الدولية في الغضب الدولي الذي أعقب مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي في أكتوبر 2018 وأشارت أصابع الأتهام التركية والدولية ألى ولي العهد السعودي محمد بن سلمان .

- المقاطعة الأقتصادية والسياسية لقطر بقيادة السعودية من الصعوبة أنسجام قطر مع حلفائها الذين أوصلوا المقاطعة لحد كسر العظم وأن الحلف يزج بدول الخليج بحربٍ أقليمية وهذا ما لا يتفق مع توجهات قطرالسلمية مع أيران شريكتها في حقول تصدير الغاز السائل .

- تجاهل الحلف المزمع تأسيسهُ للخطر الصهيوني وهو أحد أهم العوامل المؤثرة في تعجيل ووأد هذا التحالف المسخ، وأن هذا الحلف يفتقد الدعم الشعبي خصوصاً في مصر والأردن المتعبة أقتصادياً، وهو أساسا حلف طائفي يثير النزعات  الطائفية التي أحرقت نارها المجتمع العربي لسنين طويلة كالحرب الأهلية اللبنانية مدة 15 عام والحرب الطائفية في العراق بين 2006- 2014، بأعتقادي أن تأسيس هذا الحلف في هذا الوقت الملغوم والمأزوم هو بمثابتة بث الضبابية على الحماقات السياسية للرئيس ترامب في نقل سفارتها إلى القدس تمهيدا لجعلها عاصمة للكيان المغتصب وكذلك سيادة أسرائيل على الجولان السورية المحتلة مما زادت  سخط شعوبها والرأي العام العالمي .

- أن مثل هذا التحالف المحتوي على فقرات جديدة تخالف روح التحالفات التأريخية ربما تزج بالمنطقة إلى ما حدث قبل الحربين الكونيتين بحمى تأسيس المحاور تزج بالمنطقة لحروب عبثية حرائقها تلتهم الأوطان وشعوبها .

- أحتدام التناقضات العربية وصعوبة تحديد مصادر التهديد هل هي أيران أم داعش الأرهابي أم أسرائيل أم من جماعات محلية خارجة عن سلطة  الحكومات المركزية أم أعداء اللوبي الأمريكي الكثر في العالم ؟ .

- ومن الأسباب المؤثرة والقوية أزمة الخليج مع قطر وفرض دولها حصاراً خانقاً عليها براً وبحراً وجواً خلقت بؤرة من العداء شعبيا وحكوميا من المستحيل خروج مثل هذه الفكرة وخصوصا في تحالف عسكري، وأساس هذا العداء المستحكم يرجع إلى أنخفاظ مستوى الثقة المتبادلة بين الدول الأعضاء، لطبيعة تحديات الدول العربية العسكرية، وأختلاف تلك الدول في العلاقات مع أيران، فالدول المتشددة والكارهة لأيران هي السعودية والأمارات والبحرين أما عمان والكويت وقطر فلهم علاقات جيدة مع أيران .

- وللحلف تداعيات خطيرة على أمدادات الطاقة الخليجية والأيرانية للأسواق الآسيوية، فاتورتها ثقيلة على المنطقة وأنهُ يدفع إلى المزيد من الصراعات وخلخلة الأستقرارفي المنطقة لدى (بعضها) نظم ديمقراطية حافظت على الأمن في زمن الحرب الباردة .

 

عبدالجبارنوري

 

حسام عبد الحسينتهدف الولايات المتحدة الامريكية الى السيطرة على العالم وإدارة إمكانياته الإقتصادية والبشرية، والسطو المالي والعسكري على الشعوب المعدومة، ومحاربة كل الحكومات والشعوب التي تحاول الخروج عن الطاعة، وضرب الحكام التابعين لها كلاً بوقته، كما حدث في ٢٠٠٣ واسقاط حكم البعث، رغم دفع ثمن الأخطاء التي ارتكبتها ادارة جورج بوش الابن في حينها، فبحسب تقرير نشرته مجلة "The National Interest" فإنه بتاريخ ٢٦ ايلول عام ٢٠٠٢، نشرت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، خطابا حمل توقيع ٣٣ باحثا في العلاقات الدولية عارضوا فيه الغزو الأمريكي للعراق.

وبحسب المجلة فان الكلمات المعاد نشرها، قدمت أسبابا قوية على ان احتلال العراق في ظل حكم صدام حسين لا يخدم المصلحة القومية الأمريكية، في الوقت الذي حذر فيه الباحثون من ان ذلك سيؤدي لنشر حالة من عدم الاستقرار في منطقة الشرق الاوسط، وبالفعل الوضع الامني والسياسي في المنطقة يزداد سوءاً، خصوصا العراق الذي يريدونه اداة لضرب واشعال الصراع في المنطقة، حيث بدأت بالزرقاوي والقاعدة وداعش الى اعادته الى ما يسمى بالحاضنة العربية عن طريق التدخل السعودي وابقاء التدخل الايراني، لخلق حالة صراع عنيف يقضي على ثروات وطاقات الشعب العراقي المحروم، وعدم تركه لحالة من الاستقرار المجتمعي.

إن العراق الذي لم تتأسس فيه دولة بالمعنى القانوني والسياسي الى الان، والطبول الاعلامية التي تدعي استقلاليته عن الرؤوس الاقليمية والدولية ليس الا نفخ في اناء مثقوب، ولتهدئة الشارع الساخن في ظل الوضع الراهن.

الهدف الامريكي من غزو العراق واسقاط البعث الفاشي، اعتبر صناعة حقبة جديدة في الشرق الاوسط، لان وقائع الاحداث اليوم افرزت تطورات ومتغيرات كبيرة في المنطقة تصب في مصلحة الحكومة الامريكية، من الجانب المالي بداية الى توسع النفوذ اخراً. وهذا ما شهده العراق في الاونة الاخيرة بعلاقته مع السعودية التي تبرعت بالاموال من اجل بناء المدارس والمستشفيات والمدينة الرياضية وغيرها، حيث تمثل هذه الاموال الموقد في اشعال نار الحرب والدمار الاقتصادي.

لذا على الشعب العراقي ان يعي قوة ذاته، ويتعلم من الثورات الشعبية التي حطمت اعظم السلطات القمعية، كالحراك الشعبي في الصين وفيتنام وكوبا سابقاً، والسودان والجزائر الان، وان ينطلق من فهم الصراع السعودي الايراني بانه ليس معركته، بل ضد حياته الكريمة وحرياته واستقلاله، وعليه عدم الانجرار وراء الحيل الاعلامية والخطابات الوهمية.

الدورات المتعاقبة في الحكومة العراقية اثبتت فشلها ووعودها الزائفة، واصبح من السذاجة تصديق كلامها واعلامها، والشعب العراقي اليوم امام امل التغيير في الانتخابات، وهي بمرور الوقت وتكرارها بانت كذبتها وزيفها وتزويرها الصريح، او رفض العملية السياسية بالكامل، عن طريق الاحتجاج الجماهيري المنظم، وهذا الخيار القائم في المستقبل القريب، لتفرض الارادة الجماهيرية نفسها على اهداف امريكا ونفوذها.

 

حسام عبد الحسين

 

عباس علي مرادلا شك أن كل الحملات الإنتخابية تتمحور حول قضايا المستقبل، وأستراليا التي يتوجه مواطنوها إلى صناديق الإقتراع في 18 أيار 2019 تشهد حملة إنتخابية تستعمل فيها كل الأساليب منها السلبي ومنها الإيجابي للفوز بثقة الناخبين.

سبق تحديد موعد الإنتخابات إعلان  حكومة الأحرارعن ميزانيتها السنوية للعام المالي 2019 -2020 التي قُدمت لأول مرة في شهر نيسان منذ تأسيس الفيدرالية، وأغدقت الحكومة العديد من الوعود سواء كانت تخيفضات ضريبية أو وعود ببناء المزيد من البنى التحتية او تحقيق فائض بالميزانية بمبلغ قدره 7.1 مليار دولار وغيرها من الوعود خصوصاً التركيز على زيادة الوظائف وإدارة الإقتصاد.

المعارضة الفيدرالية لم تتأخر في الرد حيث دخلت المزاد الإنتخابي بوعود منها القديم والتي أعلنت عنها خلال السنوات الماضية كوقف العمل بالتخفيضات الضريبية، الإستثمار السلبي  "النيكتيف غيرنغ" والتي يستفيد منها اقل بقليل من 8% من المواطنين حيث لم يعد بمقدور المواطنين الإستفادة من هذا النظام إلا في حال شراء منازل أو شقق جديدة وستستمر المعارضة في حال فوزها بالحكومة بإعطاء التخيفضات للأشخاص الذين اشتروا منازلهم قبل إقرار القانون، وكذلك تخفيض نسبة الأرباح على رأس المال من 50% إلى 25% وغيرها. كما أطلقت المعارضة وعوداً جديدة أبرزها تقديم الدعم المالي للمصابين بأمراض السرطان حتى لا يتحمّلون أية نفقات إضافية.

نحن في بداية الحملة الإنتخابية، ولا شك أن سباق الوعود الإنتخابية سيستمر حتى فترة الصمت الإنتخابي التي تسبق الإنتخابات، يضاف إلى ذلك الحملات الدعائية حيث برزت النبرة العدائية في الخطاب والإتهامات بالكذب وعدم الوفاء بالوعود سابقاً من أجل النيل من مصداقية الطرف الآخر.

يبقى للناخب وحده الحكم على إداء السياسيين حيث أن نسبة ثقة المواطنين بالطبقة السياسية في أستراليا تدنت إلى أدنى مستوى لها في تاريخ أستراليا الحديث فوصلت إلى ما دون الخمسين بالمئة، بينما كانت تتجاوز 90% في سبعينيات القرن الماضي، وطبعاً للمواطن أسبابه خصوصاً بعد الصراع المرير على المستوى القيادي داخل حزب الأحرار في السنوات الست الماضية والتي ما تزال تداعياتها ظاهرة للعيان سواء في إداء الحكومة او في تدني شعبيتها في كافة استطلاعات الرأي منذ انتخابات العام 2016 (52 استطلاعاً)  حيث هجرتها قاعدتها الشعبية إلى الأحزاب الصغرى او المستقلين.

اليوم تحاول الحكومة استعادة وعيها السياسي وتقديم الوعود وأنها ستضع الماضي خلفها وانها ستكون حكومة لكل الأستراليين. هذا الكلام لم يقنع حتى بعض السياسيين الأحرار المخضرمين الذين فضّلوا الإنسحاب  وعدم المنافسة للبقاء في الحياة السياسية أبرزهم (وزيرة الخارجية السابقة جولي بيشوب، وزير الصناعات الحربية السابق كريستوفر باين، وزيرة أماكن العمل السابقة كايلي اودوير) وكانت النائبة السابقة جوليا بانك قد انشقت عن الحزب بعد معاناتها مع زملائها قبل الإنقلاب على مالكوم تيرنبول كما قالت.

حسب خبير استطلاعات الرأي المستقل جون ستيرتن فإن اجراءات الحكومة ووعودها المالية ما هي الا نوع من اليأس السياسي لأنها حكومة مأزومة وان هذه الخطوة جاءت متأخرة (سدني مورننغ هيرالد 6/4/2019 ص 36 قسم التحليلات السياسية).

حزب العمال والذي كان قد عانى من أزمة مماثلة ما بين عامي 2010 و2013 استطاع خلال السنوات الست الماضية أن يقدّم نفسه على انه مؤهل لأن يقود البلاد في المرحلة المقبلة حيث ظهر موحداً خلف رئيسه وقدّم سياساته للمواطنين على مراحل خلال السنوات الماضية سواء المتعلقة بتغيير النظام الضريبي أو سياسية الحد من الإنبعاث الحراري أو تطوير النظام التعليمي.

إذن، الحملة الإنتخابية انطلقت، وكما قال رئيس وزراء حكومة تصريف الأعمال سكوت موريسن إن هذه الإنتخابات ستحدّد مستقبل البلاد ليس للسنوات الثلاث القادمة، إنما للسنوات العشر القادمة قاصداً تخويف المواطنين من إنتخاب حزب العمال. في الحقيقة أن الإنتخابات القادمة مختلفة فعلاً لأنها المرة الاولى التي يبرز فيها الفرق بين سياسات العمال والأحرار الذين ما زالوا غارقين في شعارات الماضي التي أكل الدهر عليها وشرب مثل مقولة أن الأحرار يحسنون إدارة الإقتصاد بكفاءة أكبر، وهذا ما لم يثبت خلال السنوات الست الماضية التي ارتفعت فيها نسبة الدين العام من 13% إلى 19% بالاضافة إلى أن العمال قد انقذوا أستراليا من الأزمة المالية الي وقعت عام 2008 و2009 حيث بقيت أستراليا الدولة الوحيدة من الدول المتقدمة إلى جانب كندا بمنأى عن تداعياتها السلبية! ومن قال أن الإستثمار في التعليم والصحة لا يعتبر جزء من ادارة الإقتصاد؟!

أخيراً، إن استمرار تقدم العمال في استطلاعات الرأي دون انقطاع منذ عام 2016  وشعار العدالة الإجتماعية الذي رفعه بيل شورتن رئيس حزب العمال كعنوان لحملته الإنتخابية على صوابيته وأهميته لا يمكن أن يشكل بطاقة دخول مجانية لشورتن إلى اللودج، لأن الحملة السلبية التي تشنّها الحكومة والتخويف من وصول شورتن وسياسته الضريبية إضافة إلى أية هفوة أو خطأ يرتكبه العمال قد يكلفهم الإنتخابات كما حصل في نيو سوث ويلز مع مايكل دايلي الذي خسر الإنتخابات ومنصبه، وقبل ذلك كان جان هيوسن زعيم حزب الأحرار قد خسر الإنتخابات التي لا تخسر لصالح بول كيتنغ العمالي عام 1993 لأنه لم يستطع وقتذاك شرح خطته الضريبية جي أس تي وتأثيرها على سعر قالب الحلوى .

حتى الآن يحاول الزعيمان اللذان يفتقدان للكاريزما الشخصية الإلتزام بالحملة المضبوطة الإيقاع من قبل الأستراتيجيين داخل الحزبين من أجل إلحاق أكبر ضرر سياسي بالخصم وصولاً إلى يوم الحسم، وقد رأينا كيف رفض بيل شورتن الإجابة الثلاثاء 16/4/2019  عن أسئلة الصحافي من القناة العاشرة جوناثان لي عن خطته للحد من الانبعاث الحراري وكلفتها الاقتصادية.

يبقى أن نشير إلى أن الفائز سوف يواجه مجلس شيوخ قد يكون عدائياً إلا في حال حصول حزبي العمال والخضر على 39 مقعداً لتمرير السياسات المتعلقة بالضريبة والتغييرات المناخية التي يتوافق عليها الحزبين.

بالختام، نتمنى أن تكون الإنتخابات القادمة بداية جديدة لعهد من الإستقرار السياسي في البلاد والذي يشكل هاجس لمعظم الناخبين الذين سئموا من الإنقلابات السياسية، فهل هناك من يستطيع أن يعدنا بذلك؟!    

أما بالنسبة للوعود الإنتخابية فلا شك أننا سنرى المزيد والمزيد منها في الأيام والأسابيع القادمة، لكن العبرة تبقى في الإيفاء بها وما إذا ما كان الوضع المالي يسمح بذلك لأن ما قبل الإنتخابات ليس كما بعدها، وإن غداً لناظره قريب!

 

عباس علي مراد