باسم عثمانثمة حاجة ماسة إلى نسق سياسي جديد تحدد مساره قيادة سياسية جديدة تمثّل جميع الفلسطينيين ولا يقتصر تركيزها السياسي والتمثيلي على جغرافية الضفة الغربية وقطاع غزة، وسيتطلب ذلك الابتعاد عن إطار أوسلو والتزاماته وسياسة "الامرالواقع" الحمساوية، وإعادة التفكير بالرؤية السياسية والاستراتيجية الفلسطينيتين، وكذلك بدور المؤسسات الوطنية والمدنية، ليتسنى للفلسطينيين جميعا، أن يتحوّلوا إلى لاعبين سياسيين مُنظمين وأكفاء يتصدرون المقاومة الوطنية والمجتمعية ضد المشروع الكولونيالي الاستيطاني الإسرائيلي.

ان الإنكار المتعمد للرسمية الفلسطينية لأثار أوسلو ونتائجه التدميرية (فلسطينيا)، فاقم المشكلات الناجمة عنه، لأنه من الأساس تمت صياغته على هامش وكواليس الرؤية والاجماع التوافقي الفلسطيني،ولم تجر الرسمية الفلسطينية اية مراجعة نقدية له، فضلاً عن أن ذلك أفضى إلى تكلّس العقل السياسي الفلسطيني السائد، الذي كفّ عن البحث عن خيارات بديلة، ناهيك عن إشاعته البلبلة في إدراكات الفلسطينيين الجمعية، بما فيها إدراكاتهم لمصيرهم المشترك ولعلاقتهم بقيادتهم التمثيلية.

 ورغم الإقرار الشعبي الفلسطيني ومثقفيه بضعف منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسساتها الوطنية والتمثيلية، الا انهم لا زالوا يعتبرونها كيانا حيويا ووطنيا (شرعيا وتمثيليا)، وهي المفتاح الرئيسي لإحياء المشروع الوطني الفلسطيني وتجديد مؤسساته، بالترابط مع كل ما هو نقابي واجتماعي ومدني داخل المجتمع الفلسطيني،حيث ان السلطة الفلسطينية – رغم ادارتها للجزئية الجغرافية - أخذت بالضمور والانحسار السياسي والوطني وهي تبذل جهدها اليوم لتقديم الخدمات الادارية العامة والمحافظة على سيولتها النقدية وامتيازاتها الشخصية،ولكنها فشلت فشلا ذريعا في رعاية جيل جديد من المواهب والكفاءات الشبابية تنمويا ووطنيا، وثمة دلائل واضحة كل الوضوح على هجرة الأدمغة والكفاءات والشباب الفلسطيني من ميدان المواجهة (الوطنية والاقتصادية).

هكذا نموذج للقيادة الفلسطينية الحالية والتقليدي هو شكلٌ من أشكال السلطة المركزية "الأبوية"، حيث يدور في فلك هيكل السلطة في السياسة الفلسطينية الداخلية شخصٍ أو فصيل سياسي واحد تساعده وتسانده شبكة من "المحسوبيات" والمنتفعين، هذا التمركز السلطوي في يد فاعل سياسي مركزي واحد أدى إلى فشل وتجميد كل المؤسسات الفلسطينية الحالية في عملها الديمقراطي بالنيابة عن الشعب الفلسطيني، وأدى إلى تهميش الفاعلين السياسيين الفلسطينيين الآخرين وإقصائهم عمدًا، ما تسببَّ في احداث هوة واسعة بين القيادة الفلسطينية والنخبة التي تدعمها من جهة، وبين سائر مكونات الشعب الفلسطيني من جهة أخرى.

اليات التجديد المؤسسي:

لمعالجة قضية تمركز السلطة الإدارية والسياسية بيد شخص او فصيل واحد ينبغي تطبيق اللامركزية في النظام السياسي الفلسطيني، وان ينصب التركيز والاهتمام على المجتمعات المحلية الفلسطينية داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة والشتات،في سياق الدعوة المطلبية الوطنية الملحة لفصل منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسساتها الوطنية والتشريعية عن السلطة الفلسطينية ومؤسساتها الإدارية والخدماتية، حيث الأولى ذات طابع وطني تمثيلي عام لكل الشعب الفلسطيني داخل الوطن المحتل والشتات،في حين الثانية ذات طابع اداري خدماتي لجزء من الشعب الفلسطيني المتواجد في الضفة والقطاع.

في ذات الأولوية الوطنية،فإن التمكين من القدرة على مساءلة ومحاسبة الحكومات الفلسطينية واداراتها هي متطلب وطني ايضا لأي نظام وطني وسياسي فاعل، خصوصا في سمة حالتنا الفلسطينية الراهنة كحركة تحرر وطني، وهو ما يتطلب بالضرورة من مساءلةٍ عامودية تنطلق من المحليات المجتمعية والمدنية الجغرافية للتشتت الفلسطيني عبر آليات من قبيل هيئات تشريعية محلية فاعلة وبانتخابات حرة ونزيهة ومنتظمة لمجموع هيئات ومؤسسات السلطة ومنظمة التحرير،وهذه المساءلة العامودية لا بد لها ان تترافق مع نُظمٍ وادوات أفقية داخلية ايضا للمساءلة والنقد، لضمان أن المؤسسات الفلسطينية تعمل بشفافية تامة بلا فساد أو تعسف في استخدام سلطتها الادارية والسياسية.

الفصل بين السلطات:

إن نموذج النظام السياسي الفلسطيني الحالي في أمس الحاجة إلى إصلاح وتجديد من خلال الفصل بين السلطات الوطنية التمثيلية عن الإدارية الخدماتية (السلطة ومنظمة التحرير)،لأنه لا يجوز بالمطلق ان يتولى الرئيس عباس (رئاسةَ منظمة التحرير الفلسطينية ورئاسةَ السلطة الفلسطينية ورئاسةَ حزبه السياسي، ويُمسِك أيضًا بزمام السلطة التشريعية في غياب المجلس التشريعي الفلسطيني،ويتخذ بمفرده القرارات السياسية بشأن حاضر الفلسطينيين ومستقبلهم)، وما لهذا النموذج من آثارٌ كارثيةٌ على القضية الفلسطينية وحضورها الوطني والإقليمي والدولي. ولإنهاء سيطرة السلطة الفلسطينية (الإدارية) على منظمة التحرير (التمثيلية السياسية) يجب فصلهما عن بعض كليا (مؤسسات ورئاسة) ومن المقترحات المطروحة أن يتولى الرئيس الفلسطيني رئاسة منظمة التحرير الفلسطينية بينما تكون السلطة الفلسطينية بقيادة رئيس الحكومة ومسؤولةً أمام هيئةٍ تشريعية، ولا بد أيضًا، من تغيير دور ومهام السلطة الفلسطينية من سلطة تشريعية إلى هيئة تكنوقراط تنفيذية مهنية مهمتها توفير الخدمات الأساسية للشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة وتدير شؤونه اليومية.

في الوقت الذي ندرك فيه تماما،ان التغيير والتجديد سيصطدم بعقبات كثيرة،وجود الاحتلال وسياساته القمعية والاستيطانية –التهويدية، الانقسام السياسي والجغرافي والاداري بين (الضفة وغزة)، فساد النخبة الفلسطينية النيوليبرالية الجديدة القابضة على الحكم هي وشبكة المحاسيب والمنتفعين والمعارضين اصلا لمجموع الاصلاحات المطروحة والتي من شأنها أن تنزع مَنهم امتيازاتهم السياسية والاقتصادية،اضف الى ذلك،المعارضة الخارجية لأي تغيير وتجديد على مستوى الهرم القيادي الفلسطيني والتزاماته التي تخدم سياساتهم واجنداتهم، وفتور الفلسطينيين السياسي وفقدانهم الثقة في أهمية المشاركة في اية عملية سياسية حاضرة ومستقبلية نتيجة خيبة أملهم في القيادات الفلسطينية السابقة وما ستنتجه اية عملية تجديد وتغيير في النظام السياسي الفلسطيني القادم،وهنا أهمية العمل على التحفيز وتجديد الثقة بالعودة مجددا الى التفعيل السياسي وانخراطهم في مجموع العملية الوطنية، والتحدي الأخير يكمن في الصعوبات التقنية التي يفرضها تشتت الشعب الفلسطيني جغرافيًا ومكانيا، وفي هذا الصدد، قد توفر الأدوات التكنولوجية والرقمية المبتكرة وسيلةً ممكنةً للتغلب على حواجز الجغرافيا والتشتت المكاني،وتوفير مساحة أوسع لكل الشعب الفلسطيني داخل الوطن والشتات بإسهاماته من خلال حقه المشروع بانتخاب ممثليه وقيادته، وهكذا نفسح الطريق مجددا امام جيل الشباب ليُحدِثَ طفرة نوعية في العملية الوطنية فيما ظل لفترة طويلة جدًا مبعد قسريا عن أداء فاعليته الوطنية واقصاءه عن المشاركة في مؤسسات السلطةً السياسية المركَّزة في يد شخصيات محدودة في السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير، حيث ثمة كادر شبابي ومهني فلسطيني ذو قدرة وكفاءة عالية وتوجهات ورؤى سياسية وطنية جذرية، ولكنهم مشتتون بحكم الجغرافيا والإرادة السياسية السلطوية، المطلوب اذا، نظامٌ سياسي مؤسسي يضم قيادات سياسية وطنية وكفاءات شبابية مهنية ذات وجهة استراتيجية وطنية واجتماعية واضحة وتتبنى اللامركزية في عملها.

ان تشتت الشعب الفلسطيني جغرافيًا وتنوع برامجه الوطنية والاجتماعية المحلية، كفيل بتحقيق هذا التمثيل الديمقراطي من خلال التوافق المحلي في الآراء أو الانتخابات واعتماد النموذج الأمثل للفلسطينيين وهو الديمقراطية الشعبية أو الشعبوية التي تمثلها منظمات المجتمع المدني،ما يعزز قدرة الفلسطينيين على التعبئة السياسية والوطنية على كل المساحة الجغرافية لتواجده وتكوين روابط وطنية واجتماعية تجمعهم، لما يمثل هذا النموذج الساحة الحقيقية لأبداء الرأي والتفاعل المجتمعي الفلسطيني، على نقيض النماذج الوطنية الراهنة والقائمة على نهج الأحزاب السياسية التقليدية ونهج السلطة الفلسطينية والتي هي عرضة لقمع الاحتلال الاسرائيلي والانقسام والشخصنة والفساد السياسي.

أن تغيير الوضع الحالي يحتاج إلى بناء قوة ضاغطة، والعمل بكافة الأشكال لخلق تغيير وطني ديمقراطي اجتماعي،والتركيز على أهمية الحراكات الشعبية والمبادرات التي شهدتها الساحة الفلسطينية خلال السنوات الماضية، رغم أنها كانت تركز على قضية مطلبية واحدة، وسرعان ما ينتهي هذا الحراك حال تحقيقها، ما يستوجب البحث في ضرورة ربطها بتصور شامل وحراك عام،والتركيز ايضا على اهمية بناء تحالفات بين التجمعات الجغرافية الفلسطينية ضمن الأطر المهنية والنقابية والمدنية، إضافة إلى استمرار العمل ضمن أشكال النضال المختلفة، مثل حركة المقاطعة والمقاومة الشعبية والجيوش الإلكترونية، والتوجه إلى المحاكم الدولية لمحاسبة "إسرائيل" على جرائمها بحق الفلسطينيين العزل، ورفع ملف القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني الى المحافل الدولية ليتحمل المجتمع الدولي مسؤولياته القانونية والاممية تجاه الشعب الفلسطيني

الية الانتخابات:

الحقيقة الأولى: ان السلطة الفلسطينية ليست كيان سيادي سياسي، طالما هي تحت الاحتلال، وهي ليست ممثلة لعموم الفلسطينيين (إداريا وسياسيا ووطنيا) ولطالما تقتصر في ادارتها ورعايتها على الفلسطينيين المتواجدين في الضفة والقطاع والقدس، وهذه الإدارة لشؤون الفلسطينيين في الداخل الفلسطيني تعكس نفسها بصورة او بأخرى على صمود شعبنا وادواته الوطنية والاجتماعية لإنجاز مشروعه الوطني، لذلك، فهي ادارة مهمة بالمفهوم الوطني وتعكس معطى سياسي في معركتنا الوطنية السياسية، لهذا فان بنية السلطة وتركيبتها وان كانت ليست سياسية فهي تؤدي لنتائج سياسية .

الحقيقة الثانية: ان الانقسام في الحالة الفلسطينية مركب: هو انقسام اداري سلطوي من جانب، وانقسام سياسي وطني من جانب اخر، الأول : سبيله الوحيد للخلاص منه :هو اجراء الانتخابات الادارية في الضفة والقطاع والقدس، والثاني : سبيله الوحيد للخلاص منه : هو بأطلاق باكورة الحوار الوطني الفلسطيني العام لإنتاج الرؤية الاستراتيجية الوطنية التوافقية استجابة لمتطلبات الصمود والمواجهة.

 إن تنفيذ أي من هذه الاستحقاقات الوطنية يتطلب القيام بالخطوات الآتية:

- ان يدعو الرئيس الفلسطيني هيئة تفعيل وتطوير مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية والمكونة من الأمناء العامين للفصائل الفلسطينية وأعضاء اللجنة التنفيذية ورؤساء المجالس التشريعية الفلسطينية وشخصيات وطنية واجتماعية ومدنية الى دورة اجتماعات فورية، لتفعيل المؤسسات وبلورة رؤية وطنية توافقية للأجماع الوطني واستراتيجيته المقاومة.

- الاتفاق على اعتماد النظام الانتخابي النسبي الكامل لإتاحة الفرصة لمشاركة كافة الفصائل وأطياف القوى السياسية والاجتماعية الفلسطينية وضمان تمثيلها في التشريعات الفلسطينية وفقا لحجمها النسبي في المجتمع الفلسطيني، أو: اعتماد نظام انتخابي على مستوى الدوائر، والذي قد يتيح مشاركة قوائم المستقلين لضمان وصول شخصيات محلية مستقلة قد لا تكون لها فرصة لإقامة قوائم على مستوى الوطن، أو: اعتماد نظاماً انتخابياً نسبياً مختلطاً، بحيث يتم انتخاب نصف مقاعد المجلس التشريعي "برلمان الحكومة" عبر قوائم على مستوى الوطن، والنصف الثاني عبر قوائم على مستوى الدوائر.

- تكليف لجنة الانتخابات المركزية بالتحضير للانتخابات ووضع الخطط الكفيلة بمنح المصداقية للعملية الانتخابية وتعزيز نزاهتها وشفافيتها من خلال وجود هيئات رقابة دولية تحظى بثقة الاطراف الفلسطينية، سواء أكانت من الهيئات التابعة للأمم المتحدة أو منظمات إقليمية ودولية.

ما احوجنا إلى بلورة استراتيجية وطنية متماسكة وعلى أعلى المستويات للبحث في كيفية مشاركة الجميع وبدون استثناء في هذه الانتخابات،وتوفير ضمانات فعلية لإنجازهذا الاستحقاق الوطني بشقيه الإداري والسياسي، وميدان الاتفاق على هذا من خلال حوار وطني عام وشامل،الإطار الوحيد الذي يمكن من خلاله أن نصل إلى تفاهمات تمكننا من اجراء الانتخابات بمسؤولية وطنية عالية، وغير ذلك، ستقودنا الانتخابات بدون تفاهماتها وأدوات نجاحها الى كارثة وطنية يصعب التنبؤ بنتائجها.

ان نجاح انجازهذا الاستحقاق الوطني منوط في الإرادة السياسية الفلسطينية الخالصة، ولا يحتاج الى مكياج الاجندات الخارجية والتكتيكات الاستعراضية الفصائلية.

 

د. باسم عثمان

كاتب وباحث سياسي

 

 

علي المؤمنالشيعة والكرد والسنة شركاء في الوطن والنظام السياسي والحكومة، ولا يتشكل البرلمان والحكومة ومجلس القضاء إلا بتشاركهم، ولا يتم تشريع قانون إلا بموافقتهم جميعاً، ولا يتم تخصيص موازنة إلا برضاهم معاَ.

هذا هو مقتضى الديمقراطية التوافقية، أحببناها أو كرهناها.

تبلغ النسبة التقريبية للمكونات العراقية في مناصب الدولة، من مدير عام وحتى رئيس الجمهورية على النحو التالي:

-        ٥٠ % للشيعة

-        ٢٥ % للسنة العرب

-        ٢٠ % للسنة الكرد

-        5  % للأقليات.

وتبعاَ لذلك فإن نسبة الفساد والفشل في الدولة تتوزع على الأحزاب الشيعية والسنية والكردية كل حسب نسبته في الدولة، فتتحمل الأحزاب الشيعية ٥٠ %  و السنية ٢٥%  و الكردية ٢٠%  من نسبة الفساد والفشل في الدولة.

وتبعاَ لذلك أيضاَ، فإن أية عملية جماهيرية للتغيير، والقضاء على الفساد والفشل، ومحاكمة حيتان السرقات، و إقامة نظام سياسي عادل، وحكومة شريفة قوية أمينة كفوءة؛ ينبغي أن تشارك فيها المكونات الثلاثة.

وإن أي تغيير في النظام السياسي وفي الدستور وفي قانون الأحزاب وفي قانون الإنتخابات وفي قانون النفط والغاز وفي قانون الموازنة، وفي نسب المحاصصة المكوناتية، لايتم إلا بموافقة كتل المكونات الثلاثة معاً.

فلا يمكن - مثلاَ- أن يكون الوزراء والنواب والقضاة والوكلاء والمدراء الشيعة أقوياء وأمناء وأكفاء وشرفاء ومستقلون، بينما المسؤولون السنة والكرد ضعفاء فاسدون عملاء حزبيون. والعكس صحيح.

لنأتِ الى الجانب العملي، بعيداَ عن الشعارات والانفعالات والإتهامات المعلبة، و عن ضوضاء وسائل التواصل الإجتماعي.

أمامنا السلوك الجمعي للتظاهرات الحالية ومطاليبها، وأغلبها واقعية ومحقة، لكنها غير جامعة، أي أنها عملياَ تقتصر على التغيير في إطار مكون واحد، وتستهدف عملياَ أحزاب مكون واحد، و تعمل على تطهير مؤسسات الدولة من الفاسدين المنتمين الى مكون واحد.

والحال، أن هذا الهدف الأحادي لن يحقق بتاتاَ أي تغيير في واقع الدولة ومؤسساتها؛ لأن المسؤولين الشيعة يسيطرون فقط على نصف مفاصل الدولة.فلو تم استبدال جميع المسؤولين الشيعة الفاسدين الفاشلين بآخرين نزيهين أكفاء، فهذا يعني أن النصف الجيد الجديد سيتشارك مع النصف السيء القديم في إدارة مؤسسة واحدة. علماً أن النصف الكردي السني لا يستطيع رئيس الوزراء الشيعي أو الاحزاب الشيعية استبداله، بل تستبدله أحزابهم الكردية والسنية فقط، لأن هذه النصف من المناصب حصة أحزاب السنة والكرد حصراً، وهي التي ترشح من يشغلها، ولايمكن للشيعة وضع من يرونه مناسباً فيها.

صحيح أن التظاهرات المطلبية السلمية ترفع شعارات وطنية وتنادي بالتغيير على مستوى الدولة برمتها، وليس لها أهدافاَ طائفية. وهذه حقيقة لا غبار عليها. لكن شئنا أم أبينا فإن هذه التظاهرات تحصل داخل المكون الشيعي، وضد الأحزاب الشيعية حصراً، وليس لها دالة أو سلطة أو تأثير على الشريكين السني والكردي.

فلتفترض أن التظاهرات المطلبية الحالية لأهل الوسط والجنوب، ستقضي على الفاسدين من الأحزاب الشيعية، وتمهد لتشكيل حكومة جديدة من الأكفاء النزيهين غير الحزبيين وغير المنتمين للكتل السياسية، فهل هذا ممكن في ظل اشتراك الفاسدين أنفسهم من الأحزاب الكردية والسنية في الحكومة الجديدة؟

ذلك أن المجتمع السني والمجتمع الكردي الشريكين في الوطن، لم يتحركا جماهيرياَ ضد أحزابهم وسياسييهم، ولم يطالبا بتغييرهم، ما يعني قناعة الشركاء الكرد والسنة ببقاء سياسييهم أنفسهم في الدولة والحكومة العراقية القادمة.

بل أن إعلام الشركاء يحرض، بأساليب ذكية حرفية غير مباشرة، على ( الثورة) في بغداد والمحافظات التسعة، وعلى محاكمة السياسيين الشيعة والقضاء على الأحزاب الشيعية والحشد وفصائله، دون أن يتطرق مطلقاَ الى ضرورة الحراك والتغيير والثورة في المحافظات الستة الكردية والسنية. وهو خطاب وسلوك طائفي عنصري، لا يلتقي بالأهداف الوطنية للتظاهرات، لكنه يؤثر فيها.

إن إشكالية الحراك الوطني الشيعي الحالي، تكمن في كونه حراكاً منفرداً، و يهدف الى التغيير والبناء الجديد للدولة والحكومة بمفرده، ويستهدف عملياً الأحزاب الشيعية والسياسيين الشيعة والفساد في المكون الشيعي حصراً، إذ لا يمكن لهذا الحراك منع الأحزاب الكردية والسنية الحالية برموزها وسياسييها ومرشحيها أنفسهم، من المشاركة في النظام والحكومة الجديدة القادمة، وهم يحتلون 50% من مناصب الدولة العراقية، من مدير عام وحتى رئيس الجمهورية.

ولنكن واقعيين أكثر ..

إذا استطاعت التظاهرات الحالية في محافظات الوسط والجنوب، تشكيل حكومة جديدة، وإبعاد الأحزاب الشيعية المشارِكة في الحكم: "الدعوة" و"المجلس الأعلى" و"التيار الصدري" و"الحكمة" و"بدر" و فصائل المقاومة والحشد، إلّا أن قيادة التظاهرات ستكون مجبرة حتماً إلى إشراك الأحزاب الكردية والسنية نفسها: الحزب الديمقراطي الكردستاني والإتحاد الوطني الكردستاني وحركة التغييرالكردية والحزب الإسلامي و حزب النجيفي وحزب علاوي وحزب الكربولي وحزب أحمد الجبوري وحزب الحلبوسي وحزب المطلق وحزب خميس الخنجر.

كما ستُجبر قيادة التظاهرات أيضاً على أن يكون رئيس الجمهورية عضواَ في أحد الحزبين الكرديين الرئيسين، و أن يكون رئيس البرلمان عضواَ في أحد الأحزاب السنية الرئيسة.

وسبب هذا الإجبار هو أن الدولة لن تقوم، والنظام لن يأتلف، والحكومة لن تتشكل ألّا بوجود الأحزاب الكردية والسنية الحالية نفسها، بقياداتها ومسؤوليها ومرشحيها أنفسهم. ومن يقول ذلك، فعليه أن يعي جيداً حقيقة الخارطة السياسية العراقية وحقيقة الشراكة الوطنية من جهة، وموقع هذه الاحزاب (الكردية والسنية) في الواقع السياسي الإجتماعي للمكونين الكردي والسني، على اعتبار أن هذه الاحزاب هي ـ حتى الآن ـ خيارات جماهير الكرد والسنة، وهذا حقهم الديمقراطي، ولا سلطة لأبناء محافظات الوسط والجنوب على جماهير محافظات الغربية ومحافظات الشمال؛ لكي يفرضوا عليهم نائباَ أو وزيراَ أو مديراَ كردياً أو سنياً في المؤسسات الإتحادية.

وقبول قيادة التظاهرات الحالية بخيارات الأحزاب الكردية والسنية نفسها في التشكيلة الحكومية القادمة، وفي مؤسسات الدولة، يعني أن هدف التظاهرات ليس شاملاَ جامعاَ لكل الوطن، بل هدفه القضاء على الأحزاب الشيعية فقط، وليس كل الأحزاب العراقية، وأن المطلوب هو رأس السياسيين الشيعة وأحزابهم وفصائلهم فقط. أما السياسيين السنة والكرد فلا مشكلة في بقائهم.. كما هم، وكأنّ الاحزاب الكردية والسنية ليس شريكاّ أساسياً في النظام السياسي والحكومة منذ 2003 وحتى الآن، بنسبة 45 % للكرد والسنة، و50 % للشيعة، وكأنّها لا تتحمل بنفس النسبة مسؤولية الفساد والفشل في الدولة والحكومة.

أما إذا كانت قيادة التظاهرات تستهدف كل الفاسدين والفاشلين في كل الأحزاب العراقية، وإصلاح كل النظام السياسي ومؤسساته، فما هي الآلية والإجراءات التي استخدمتها منذ اليوم الأول للتظاهرات، وستستخدمها في المستقبل حيال الإصلاح على صعيد الأحزاب الكردية والسنية المشاركة في الحكم؟ وكذا الحلفاء الخارجيين الداعمين لها، كأمريكا والسعودية وقطر والأردن وتركيا؟

فالأليات التي طبّقتها قيادة التظاهرات ضد الأحزاب الشيعية وممثليها في الحكومة واضحة ومكررة، كالشعارات واللافتات والبيانات التي تذكر أسماء هذه الأحزاب ومممثليهم، والمطالبة بحلها، ومحاسبة قادتها ومسؤوليها، والإعتراض على علاقاتها مع الحليف الخارجي (إيران)، وشتم هذا الحليف، وحرق ومهاجمة المكاتب والمؤسسات التابعة لهذه الاحزاب، وغيرها من الإجراءات المعروفة.

بل، الأكثر من ذلك، أن قيادة التظاهرات ستفشل قطعاً في إقناع الأحزاب الكردية والسنية بالتعديلات الدستورية و بإصلاح النظم والقوانين والتشريعات التي يجب تمريرها وتطبيقها، كمقدمة للتغيير، لأن للمكونين الكردي والسني مطاليبهما الخاصة واستحقاقاتهما المناطقية والقومية والطائفية. وبمراجعة سريعة لتصريحات السيد مسعود بارزاني ونيجرفان بارزاني وقادة الإتحاد الوطني الكردستاني والسيد أسامة النجيفي وقادة الحزب الإسلامي وغيرهم، سنفهم بسهولة، أن الاحزاب الكردية والسنية تعتبر أن التظاهرات الحالية هي مشكلة شيعية ـ شيعية لا شأن لهم بها، وأن ما يعنيهم فقط هو الحفاظ على مصالح أحزابهم وحصصهم في السلطة والثروة.

وبالتالي، لا إمكانية مطلقاَ في الإصلاح والتغيير في العراق، دون الإصلاح والتغيير في إطار الاحزاب السنية والكردية الأساسية الشريكة، و إلا ستبقى الأوضاع كما هي، حتى وإن جئنا بمسؤولين شيعة من جنس الملائكة. وحينها لن تمثل الحكومة القادمة إرادة الحراك الحالي، ولن تكون هذه الحكومة حكومة وطنيين مستقلين أكفاء.

وعليه، ينبغي أن تشمل المطالبات الشعبية كل الطبقة السياسية من كل ألوان الطيف العراقي، بصورة عملية، وليس بالشعارت فقط، ، بعيداَ عن التمييز الطائفي والقومي، لأن الجميع أبناء هذا الوطن، ويتحملون مسؤولية متكافئة تجاهه.

 

د. علي المؤمن

 

محمد مسلم الحسينيينفصم العقد حينما يتقطع وينحل وتنفصم شخصيّة الإنسان حينما يتشوش عقله ويفقد توازنه وتواصله بواقعه حيث يدخل حالة الوهم، وتنفصم المجتمعات حينما تنقسم على نفسها وتسقط في ضالة الإستقطاب والتمحور على أطراف الخير أوالشر والصح أوالخطأ. يحصل الإنفصام بشكل عام تحت تأثير حوافز ومسببات داخليه وخارجيه تتباين في شدتها وميكانيكية تأثيراتها. أهم أسباب إنفصام المجتمع وتحلله وتمحوره وإضطرابه هو إنحراف قادته وأولياء الأمر فيه.

منذ تولى الرئيس الأمريكي " دونالد ترامب" زمام الحكم والمسؤوليه في الساحة السياسيه الأمريكيّه، بل ومنذ حملته الإنتخابيه التي سبقت ذلك، أظهر هذا الرجل، ومن خلال خطاباته المثيره للجدل وشعارات المغالاة والتعصب التي أطلقها، طبيعة سياساته وإراداته وأفكاره التي بنيت على أسس العنجهيه السياسيه والعنصريه والأنانيه المرضيّه وجنون العظمه وقلب الحقائق ونقض المواثيق والأعراف. هذه السيره ورغم إستقطابها للكثير من الشرائح الأمريكيّه غير أنها حفزت حالة الرفض والإستنكار والتذمر عند الغالبيه. المبالغه في جوهر التصرف الذي إنتهجه "ترامب" شجع على خلق حاله من الإستقطاب والتمحور في آراء الأمريكيين مما خلق هوّه تتسع يوما بعد يوم بين أنصار الحزبين الرئيسيين في أمريكا وهما الحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري. هذا التمحور إتسم ببث حالة عدم الثقه بين الحزبين ونشر بذور الكراهيه والحقد!

خلال دراسه بحثيّه قام بها حديثا المركز غير الحزبي للإستطلاع الإنتخابي الأمريكي المسمّى بمركز " بيو" للدراسات والأبحاث، أظهرت نتائجه المستقاة من آراء (9895) ناخب أمريكي بأن أكثر من نصف الجمهوريين يعتقدون بأن الديمقراطيين عديمو الأخلاق وأقل من نصف الديمقراطيين بقليل يعتقدون بأن الجمهوريين عديمو الأخلاق! بينما يعتقد أكثر من 60 بالمئه من الجمهوريين بأن الديمقراطيين غير وطنيين، في حين يرى ثلاثة أرباع الديمقراطيين بأن الجمهوريين متعصبون ومنغلقون على أنفسهم. كما بينت هذه الدراسه بأن غالبية الأمريكيين يشعرون بأن الفوارق بين الحزبين صارت واسعه وكبيره الى الحد الذي جعل أكثر من 80 بالمئه من الأمريكيين يشعرون بأن الأمر أصبح مدعاة للقلق وأن الخلافات صارت شعارت تفرقه ناريه قد تخرج عن نطاق السيطره بين الحزبين! هذا القلق لا يدعو لتخفيف التوتر بين الطرفين بل أن كل طرف ينظر بعين الغضب والإشمئزاز لسلبيات الطرف الآخر وإن كان الديمقراطيون أقل تعصبّا في هذه النظره من الجمهوريين.

قبل مجيء "ترامب" للحكم لم يكن التمحور بهذه الصوره ولم يكن الإشمئزاز والتذمر بين الحزبين قد وصل الى حالة الكره العميق والإتهام بخرق الوطنيه، إنما يلتزم كل حزب بآرائه ورؤاه دون أن يطعن برؤى وسيرة الحزب الآخرأويتهمه بالضلالة والخيانه. الديمقراطيون إعتمدوا على ركيزة التنوع العرقي وعدم الإكتراث بالتقاليد الدينيه والأعراف الجنسيه التقليديه وإنتهجوا سياسة التساهل مع المهاجرين وحازوا على إستقطاب الناخبين من سكان المناطق الحضريه والساحليه في أمريكا. بينما كان توجه الجمهوريين على عكس ذلك، فهم من العرق الريفي الأبيض المحافظ الذي يخشى هجرة الأجانب ويخاف النخب الحضريه. وهكذا ورغم إختلافات الرؤى بين الحزبين فأن ثلثي الأمريكيين لا يرون وجود لفوارق حقيقيه واسعه بين الحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري في العقود السابقه على عكس حال هذا اليوم.

أهم الأسباب التي حركت روح الإنفصام في المجتمع الأمريكي هي سياسات ترامب المتطرفه والغريبه في شؤون عديده وأهمها: النهج الدكتاتوري المتمثل بسياسات التمسك بالسلطه وخرق الدستور والقوانين والأعراف ومحاولة سحق الرأي الآخر. أشارت أفعال "ترامب" ومنذ تسلمه الحكم، الى تحوّل خطير في السياسه الأمريكيه المعتمده وذلك حينما عادى وتجاهل أسس الدوله العميقه المتمثله بالسلطه القضائيه ومراكز الأمن كالـ ( أف بي آي) و (سي آي أيه) وقادة الجيش والإعلام وغيرها.  تخليه عن الحلفاء والأصدقاء الكلاسيكيين من الأوربيين وغيرهم وتقربه ممن كانوا يعتبرون أعداءا تأريخيين لأمريكا أمثال روسيا ورئيسها "فلاديمير بوتين"  وكوريا الشماليه ورئيسها "كم جونغ أون". سياساته في البحث عن مصادر التسقيط لغرمائه السياسيين الأساسيين وخصوصا تلك التي بحث ويبحث عنها في دول خارجيّه كروسيا وأوكرانيا والتي تعتبر سابقه ليس لها مثيل من قبل!. ميوله العنصريه وتصريحاته بين الحين والحين بهذا الشأن وأفعاله اللاإنسانيه ضد المهاجرين. محاولاته المحمومه في إلغاء قوانين شرعت من قبل في الرعايه الصحيّه وسبل معالجة متطلبات المناخ. سياساته المخالفه لتطلعات العالم في التجاره الحره من جهة وإخلاله بالمعاهدات العالميه والمواثيق الدوليه من جهة أخرى. كل هذه الأمور وغيرها لم تغضب الشريحه الكبرى من المجتمع الأمريكي وحده فحسب إنما أغضبت الحلفاء والأصدقاء في الخارج قبل الأعداء والمنافسين. رغم كل هذه السياسات غير المألوفه والأخطاء الستراتيجيه والفضائح التي إرتكبها ويرتكبها دونالد ترامب، بقيت قاعدته الصلبه في المجتمع الأمريكي والمتمثله بالبيض المحافظين والمسيحيين الأنجيليين متماسكه ومخلصه له! وهذا ما حفز حالة الإستقطاب والتمحور والإنفصام في كيان الهرم الأمريكي.

في بدايات أيام حكم "ترامب" حذر السناتور الجمهوري الأمريكي الراحل "جون ماكين" من خلال وصيّته التي كتبها للأمريكيين قبل وفاته، قال فيها بأنّ : " على الأمريكيين ألآ يتخندقوا خلف الأسوار ولا يستسلموا للقبليه السياسيّه"، حيث كان القصد مفهوما من وصيّته التي يعني فيها مخاطر الإنزلاق صوب الإنقسام بسبب السياسات المتطرفه التي إنتهجها "ترامب" منذ بداية عهده. وهكذا فقد حصل ما كان يخشاه، حيث إتجه الجمهوريون صوب اليمين المتطرف وأغمضوا أعينهم وسدوّا آذانهم عن مقالب "ترامب" وخطاياه وبقوا يناصروه ظالما ومظلوما. هذا الموقف العنيد من الجمهوريين  دفع بعض الديمقراطيين،  وكردة فعل معاكسه، صوب أقصى اليسار!. هذا الإستقطاب والتمحور الواضح  بين الحزبين بدأ يقوّض مبدأ ومنهج الحزبين المتبع عبر مسيرة التأريخ الأمريكي وقوّض أسس وحدة الشعب المألوفه وخلق إنشقاقا مجتمعيّا يتزايد حجمه مع الزمن!

أهم علامات الإنفصام في المجتمع الأمريكي المتماسك هو إنقسام الرأي بصلاحيّة "دونالد ترامب" في حكم البلاد، حيث لم يستطع بعد فوزه بزمام الحكم أن يوحد شعبه خلفه فبقى رئيسا لمناصريه دون الآخرين! فوزه في إنتخابات عام 2016م كان مفاجأة للجميع حيث أن السواد الأعظم من إستقراءات الرأي كانت تشير الى فوز غريمته بالإنتخابات "هيليري كلنتون"! . حينما تبينت تفاصيل التدخل الروسي في روح الإنتخابات، بدت خيبة الأمل عند الديمقراطيين واضحة جليّه حيث يرون بأن السلطه قد سحبت من تحت أقدامهم وأن الرئيس "ترامب" يعد رئيسا غير شرعيّا!. الملاحقات القضائيه التي أجراها  المحقق الخاص "روبرت مولر" وما تمخض عنها، إضافة الى قضايا التحقيق الأخرى التي لاحقت وتلاحق "ترامب" في شؤون مخالفات دستوريه وقانونيه وسياسيه وأخلاقيه مستمره وخصوصا فضيحته الأخيره مع أوكرانيا في البحث عن خطايا لغريمه الديمقراطي الأبرز في إنتخابات عام 2020م "جون بايدن"، خلقت جوا متشنجا بين أنصار هذا الرئيس ومناهضيه وصلت حد التصادم. الدفاع المستميت لأنصار "ترامب" عنه والرفض القاطع لمناهضيه له بسبب تخطيه للحدود الحمراء في السياسه الأمريكيّه وتقاليدها، خلق جوا متشنجا بين الطرفين حد التحدي مما يوحي بأخطار لا يعرف مداها !

التطرف في أفكار المجتمع يصنعه في الغالب أو على الأقل يحفزه قادة ذلك المجتمع وأولياء أمره، وذلك بالضرب على أوتار حساسه تمس المشاعر والأحاسيس سواء كانت عنصريه الطابع أو عرقيه أو دينيه أو طائفيه أو إقتصاديه أوغيرها. إنقسام المجتمعات وتفككها ظاهره ليست جديده في التأريخ حيث لعب الساسه في داخل المجتمع كما لعبت جهات خارجيه سواء كانت قوى أو حركات أو دول أدوارا هامه في صنع حالة التفكك والإنقسام في المجتمعات.  لعبت أمريكا  دورا كبيرا في تمزيق الشعوب وتفكيكها من خلال تغذية وتحفيز وإثارة النعرات والتباينات الإجتماعيه والسياسيه في كثير من دول العالم خدمة لمصالحها وإراداتها السياسيّه والإقتصاديّه. أمريكا هي من تعاني اليوم من هاجس الإنقسام والإنفصام بسبب قائد متعصب متطرف ساعدته تدخلات أطراف خارجيه للوصول الى سدة الحكم، فهل يدور التأريخ حول نفسه! أم أن السحر قد ينقلب على الساحر؟ وهل مدنيّة أمريكا وعظمتها في طريق الإنهيار أم أن حكماء السيّاسه الأمريكيّه سيتصدون ويصححون المسار في نهاية المطاف!؟ هذا ما سنشهده في قابل الأيام ......!

 

د. محمد مسلم الحسيني - بروكسل

 

مادونا عسكركلّنا فاسدون ونستحقّ المحاسبة والمحاكمة من قمّة الهرم إلى أسفله، من الطّفل الّذي لم يولد بعد، لكنّه يحمل جينات الفساد، إلى الشّاب المفعم بالحياة المنطلق نحو الحرّيّة دون وعي، إلى الشّيخ المضمّخ بذاكرة الحروب  والانقسامات وتخلّف عن غرز الوعي والاختبار، إلى رجل الدّين السّاكت عن الحقيقة الّذي يجنّد النّاس لتحقيق مآربه وتنفيث حقده، إلى المعلّم الّذي لا يؤدّي واجبه كمعلّم ومربٍّ ويستهتر بجيل كامل ثمّ يطالب بحقوقه، إلى الموظّف الإداري الّذي يقبل الرّشوة ويحتقر المواطن وينتهك كرامته من أجل عمليّة إداريّة بسيطة، إلى العامل البسيط والآخر المتخصّص، إلى الشّرطيّ المرتشي، إلى الّذين يدّعون الثّقافة وينشرون الغباء والتّفاهة والسّطحيّة، إلى الإعلام مقتنص الفرص الّذي يصحو فجأة على حرّيّة التّعبير بقدر ما يناسبه الواقع، إلى النّاخب المرتشي بحجة الجوع والفقر، إلى النّاخب الطّامح بالحصول على جنسيّة، إلى عبّاد الزّعماء المنجرّين كالغنم في قضيّة واهمة، إلى مدّعي كسر الحواجز الطّائفيّة المتربّصة بدمهم، إلى الغارقين حدّ الموت بالجهل والجلوس في المقاهي ينظّرون ويتبجّحون كلّما التقطوا جملة من هنا وهناك، إلى مدّعي الإيمان الّذين يكذبون على أنفسهم، إلى المتملّقين الّذين يحدّثوننا عن حرّيّة الرّأي والتّعبير، إلى المتحايلين على القانون وهم ذاتهم يطالبون بالقوانين، إلى المسؤولين المسعورين الّذين لم يهبطوا من الفضاء، بل أولئك الخارجون من النّاس إلى النّاس، إلى شعب صحا فجأة على المطالبة بالحقّ والحرّيّة والتّغيير وأرادها في الشّارع.

الشّارع وسيلة، وعندما يصبح غاية حوّل المجتمع بأكمله إلى فوضى مدمّرة يستفيد منها كلّ فاسد. الشّارع العنيد الّذي بنفسه أوقد المهرجانات الانتخابيّة وناضل من أجل أن يبقي زعيمه لأنّه يحقّق له مصالحه. الشّارع الّذي هو حقّ للجميع بحكم "حرّيّة التّعبير"، ويسمح لأيّ كان أن يستغل الظّروف ويحقّق شرّه، ويستعيد أمجاد الحربّ ويقف عند تقاطع الطّرقات ليمارس بشاعة قديمة دفينة في نفسه. الشّارع وسيلة لا أكثر، وعندما يصبح مترعاً بالنّاس بحجّة استرداد الوطن يمسي مغارة يأوي إليها اللّصوص. وغالب الظّنّ أنّ اللّصوص بيننا في ساحات الفوضى.

ثمّة خيط رفيع بين المطالبة بالحقّ ومصادرة حقّ الآخر، وخيط رفيع بين المطالبة بالحقّ والاتّجاه نحو الفوضى، بين أن تتظاهر وتحتجّ وتصادر الرّأي الآخر وتنتهك كرامته، بين الصّراخ والتّعبير عن الذّات. لا يمكن لشعب غارق في الجهل السّياسي أن يستفيق فجأة على الوعي به.  ولا تستفيق الحكمة في مدّة زمنيّة قصيرة. فالحكمة مسيرة وعي طويلة يبنيها كلّ أفراد المجتمع. 

الحقيقة في التّفاصيل الّتي لا نراها أو لا نريد أن نراها، في الطّيش المستشري وعدم الدّقة وملاحظة ما يتسرّب خلسةً. الصّورة جميلة ومبهرة  لكنّها لا تدلّ على التّحضّر؛ لأنّ التّحضّر يكمن  في الوعي والشّعوب لا ترتقي إلّا بالوعي وبمقوّمات الجمال. والوعي هو غير النّهوض من النّوم؛ إنّه البناء المتمدّد بأساساته الصّلبة في عمق الأرض والمرتفع المحلّق بقوّة العقل وضبط النّفس. التّسامح المفرط جميل، لكنّه تسامح يترادف ومبدأ غضّ النّظر إلى حين.

 أن تكون مثقّفاً لا يعني أنّك تختزن المعلومات وتعيد إنتاجها وتعبّر عنها في الإعلام. أن تكون مثقّفاً يعني أن تعي ما تقول أوّلاً، وتحدّد مقدّمات لنتائج وتسعى لتحقيق الأهداف بالفعل لا بالقول والصّراخ في الشّوارع. أن تخطّط بصمت، وتركّز على ما يدور حولك وتتعمّق في التّحليل لا أن تجترّ ما يقوله فلان وعلّان. 

أن تكون مواطناً حقيقيّاً يعني ألّا تدوس على أخيك المواطن وتنتهك كرامته لأنّك "ثائر". أن تدرك أنّ الوطن ليس مجموعة شعارات وهتافات، وإنّما عمل دؤوب وجدّ واجتهاد وبناء للفكر، لتحارب بالفكر لا بالغريزة. أن تفهم أنّ الوطن ليس مقهىً تثرثر فيه تحت غطاء النّدوات والاجتماعات المعزّزة للوعي. لماذا لم تُقَم هذه النّدوات في الجامعات والمدارس لدرء خطر الجهل والنّفاق والظّلاميّة؟ لماذا لم يُبنَ الوعي لعقود طويلة لبناء مجتمع أفضل لا يوصل أشباه مسؤولين؟ أين كان الواعون المثقّفون الوطنيّون؟ ونتساءل: ما الّذي أيقظ هذا الشّارع؟ ومن يحقّ له أن يتظاهر ويحتجّ ويعترض؟ وما هي نسبة المطالبين الصّادقين؟

كلّنا فاسدون؛ أمام الضّمير الحيّ الّذي يتهجّى الوضوح والحقيقة. أمام العقل المدمّر الّتي تظهره الحقيقة الكامنة في التّفاصيل. أمام الكبت المتفجّر والتّخوين الّذي يهدّد العقلاء. أمام الوقت الضّائع هباءً الّذي سينتج جيلاً عقيماً، لأنّ الثّورة أوّلاً وأخيراً ثورة العقل والفكر، والتّغيير تقوم به النّخبة لا العوام. وعلى مرّ التّاريخ نشهد للتّغيير على أيدي الأفراد العاقلة النّقيّة الّتي حدّدت أهدافها وحقّقتها بجهد وجدّ.

كلّنا فاسدون ونستحقّ المحاكمة؛ فمن يجرؤ على محاسبة نفسه والوقوف أمام ضميره وأمام نفسه ويتبيّن أنّ الوضع الرّاهن يحتاج للعقل، وللعقل فقط، لا للعواطف الجيّاشة والحماس العنيد والصّراخ الّذي يصمّ الآذان ولا يسمح للعقل أن يتصرّف؟

من أراد التّغيير فليبدأ بنفسه أوّلاً.

 

مادونا عسكر/ لبنان

 

عبد الحسين شعبانأسفرت مباحثات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع نظيره التركي رجب طيب إردوغان في سوتشي عن اتفاق من 10 نقاط أهمها تسيير دوريات مشتركة على تخوم " المنطقة الآمنة" للحدود السورية التركية كما نصّ الاتفاق على بدء تسيير دوريات للشرطة العسكرية الروسية والقوات السورية النظامية على الجانب السوري من الحدود، على أن تكون مهمتها الأساسية سحب القوات الكردية والأسلحة من المنطقة المحاذية للعمليات التركية " نبع السلام"، لتبدأ بعدها موسكو وانقرة المحافظة على الوضع في المنطقة الحدودية .

وبموجب الاتفاق يلتزم الجانبان "وحدة سوريا وسيادتها" مع "تلبية متطلبات الأمن الوطني التركي"، وذلك بالتأكيد على "اتفاق أضنة" وأن تكون موسكو الضامن الأساسي لتطبيقه، مع التأكيد على أن الهدف الأساسي يتمثّل في "إخلاء سوريا من الوجود العسكري الأجنبي". واستمرت المباحثات التي كان مقرراً لها نحو ساعتين ، لستة ساعات، الأمر الذي يعكس صعوبة التوصل إلى اتفاق، فضلاً عن الملفات المعقدة والصعبة التي تم بحثها، وهي تتلخص في 3 ملفات أساسية:

أولها- الموقف من إنشاء المنطقة الآمنة.

وثانيها- مساعي موسكو لفتح قناة حوار مباشرة بين أنقرة ودمشق.

وثالثها – الموقف من إبقاء الولايات المتحدة جزءًا من قواتها في مناطق شرق الفرات السورية لحماية المنشآت النفطية.

ووصف الرئيسان بوتين وإردوغان الاتفاق في مؤتمر صحفي مشترك عقب توقيعهما بأنه "اتفاق مصيري" ومهم للغاية، وذلك بعد أن تم تلاوته بالروسية والتركية من قبل وزيري خارجية البلدين. وقال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، إن موسكو سوف تحتاج إلى معدات قتالية وتقنيات عسكرية لتنفيذ الاتفاق، وذلك في إشارة إلى احتمال إقلاع موسكو عن توجهها السابق القاضي بتقليص وجودها العسكري في سوريا، أما وزير الدفاع الروسي شويغو فقال أن أمام الولايات المتحدة ساعات محدودة للوفاء بالتزاماتها للانسحاب من سوريا.

وتحاول موسكو "إملاء الفراغ" بعد انسحاب واشنطن، في رسائل مزدوجة، أولها – التحذير من الفراغ الذي قد يستغله الإرهابيون، وثانيها- توفير شروط مطلوبة للأمن والسلام على الحدود ومنع الإرهابيين الاستفادة من التطورات الجديدة.

وثالثها – تطمينية للأكراد بالتأكيد على أهمية تعزيز الحوار بين دمشق وبينهم لأنهم جزء من الدولة السورية والنسيج الوطني السوري ويجب أن تراعى حقوقهم ومصالحهم، ورابعها- بخصوص استمرار عمل " اللجنة الدستورية" التي يفترض أن تعقد اجتماعاتها في جنيف.

أما إردوغان فكانت رسائله هي أن بلاده  ملتزمة بمبدأ وحدة وسلامة الأراضي السورية، وذلك بتأكيده "وليس لدينا أي أطماع في أراضي الغير" وإن الهدف هو "دحر الإرهابيين" و"إعادة اللاجئين السوريين" وأنه خطط لإعادة نحو مليون لاجئ سوري إلى "المنطقة الآمنة".

وتزامن إعلان "اتفاق سوتشي" اقتراح وزيرة الدفاع الألمانية أنغريت كرامب كارنباور لإنشاء منطقة آمنة في سوريا برعاية دولية لحماية المدنيين وضمان استمرار التصدي لتنظيم "داعش" الإرهابي، وقالت أنها اتفقت مع المستشارة أنجيلا ميركل على عرض الاتفاق على دول حلف شمالي الأطلسي خلال اجتماعه في بروكسل.

ويتضمن الاقتراح الألماني مشاركة فرنسا وبريطانيا، إضافة إلى تركيا وروسيا في " قوة دولية" للانتشار في شمالي سوريا، وهو الأمر الذي اعتبر إرباكاً لحلفاء حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي الحاكم الذي تنتمي إليه وزيرة الدفاع، وبدا وزير الخارجية الألماني  هايكو ماس متفاجئاً لأنه اعتبر عملية نبع السلام التركية "غزواً" وإنها تتعارض مع قواعد القانون الدولي.

وحتى الآن  فمن الصعب التكهن بما ستؤول إليه العلاقات السورية – التركية وما إذا كان الحوار المباشر الذي يقترحه الروس سيفضي إلى النتائج المطلوبة، خصوصاً وإن العديد من القضايا العقدية ما تزال قائمة منها ما يتعلق بالمنطقة الآمنة ومنها ما يتعلق بمصير الأكراد وحقوقهم القومية السياسية والدستورية والموقف من حزب العمل الكردستاني PKK ومسألة الإشراف على المناطق النفطية بشمال سوريا، وكل ذلك يتطلب التزامات من الأطراف الأساسية، سواء أكانت روسيا أم تركيا أم الولايات المتحدة أم الاتحاد الأوروبي أم الكرد أم دمشق ، إضافة إلى الأمم المتحدة وقراراتها وكانت اتهامات سورية حكومية قد وجهت إلى إردوغان شخصياً بسرقة  المعامل والنفط والقمح وأنه اليوم يريد سرقة الأرض.

وقد رافق قمة بوتين – إردوغان إشارات اقتصادية مهمة، حيث تم الاتفاق على استخدام "الروبل" الروسي و"الليرة" التركية في التعامل الاقتصادي بين البلدين بدلاً من العملات الأجنبية، وخصوصاً الدولار، وتم بحث آلية مالية لتشبيك النظام المصرفي في البلدين ، كما اتفق البلدان على بناء محطة الطاقة النووية بمساعدة روسية واستمرار التعاون بشأن مشروع السيل التركي للغاز، وفي المجال العسكري استمرار التعاون بخصوص "صواريخ إس 400"، ويبقى الموضوع الأساسي هو الإرهاب والمقصود تركياً "حزب العمال الكردستاني" وسورياً وروسياً جميع المجاميع الإرهابية ، بما فيها داعش وجبهة النصرة " جبهة تحرير الشام" وأخواتها، وهو أمر مختلف عليه فيما يتعلق بإدلب ووجود الجماعات الإرهابية والمسلحة.

 

عبد الحسين شعبان - باحث ومفكر عربي

 

كاظم الموسويتنتشر اخبار تحمل اخطارا جدية على الشعب والوطن العراقي دون أن تثير غضبا أو تمر هكذا بدون احترام لسيادة البلاد واستقلاله. وكأن هناك صمتا مريبا من كل الجهات والأطراف الحاكمة في العراق ومن القوى السياسية ايضا ومن الأطراف التي تمارس تلك الأخبار مستبيحة العراق دون أي اعتبار للقانون الدولي أو السلوك الإنساني أو العلاقات أو الاحترام المتبادل.

من هذه الأخبار، خبر يتعلق بتهريب مسلحي الدواعش المسجونين في الشمال السوري، مع ارسال قيادات منهم الى العراق، وخبر نقل الجنود الامريكان من سوريا إلى العراق، وخبر تصريح وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو عن ستراتيجية حماية أمن الكيان واعطائه الضوء الأخضر للهجوم على اي بلاد او قوة تعتبرها ضد امنها، في صحيفة إسرائيلية.

كعادته تناقض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مؤخرا باعلانه أن قواته قضت على تنظيم داعش الإرهابي، في قوله: «تم القضاء عليه مئة في المئة»، ولكنه كشف عن وجود مسلحي تنظيم داعش الأكثر خطورة، مع الذين يتواجدون في سجون قوات سوريا الديمقراطية “قسد” شرقي الفرات،  مؤكداً "إن بلاده نقلت عدداً من مسلحي التنظيم الأكثر خطورة إلى خارج سوريا، دون تحديد الوجهة". وأضاف "أن الولايات المتحدة انتصرت على تنظيم داعش، لذلك على أوروبا استعادة مواطنيها من أفراد التنظيم المحتجزين في سوريا". فكيف انتصرت ومازال التنظيم في السجن المهدد بتركه مفتوحا وممرات للهرب منه، هذا فضلا عن المرسلين أو الموضوعين في اليد، والمنقولين من مكان إلى آخر.

كانت صحيفة "واشنطن بوست"، قد ذكرت أن القوات الأمريكية تسلمت من الفصائل الكردية عشرات من أبرز المعتقلين "الدواعش"، بمن فيهم بريطانيان اثنان، لمنعهم من الهروب من السجون الواقعة شمالي سوريا. ونقلت الصحيفة عن مصادرها، إن "العسكريين الأمريكيين تسلموا نحو 40 معتقلا يعتقد أنهم من القيادات البارزة في داعش، وبينهم البريطانيان ألكسندر كوتي والشافعي الشيخ، وهما عضوان من مجموعة كانت تضم أربعة مسلحين أطلق عليها بيتلز نسبة إلى الفريق الغنائي البريطاني الشهير، بسبب لكنتهم البريطانية". وسبق أن احتجز الرجلان وتقرر تسليمهما للمحاكمة في الولايات المتحدة بتهمة تورطهما في عمليات قتل وتعذيب عشرات الرهائن الغربيين، بينهم أمريكيون، أمام عدسة الكاميرا.

منذ إحتلال العراق عام 2003  والمشروع الصهيو امريكي هو الهيمنة على المنطقة وتنفيذ اهداف الإمبريالية الأمريكية المعروفة. ومنذ إعادة القوات الأمريكية إلى العراق تحت مسميات مختلفة، منها التدريب، دون حساب الموقف الرسمي أو الشعبي العراقي. فحسب مصادر إعلامية، ليست بعيدة عن أصحاب الأخبار، تحاول الولايات المتحدة الأمريكية إعادة نشر قواتها العسكرية في العراق، "للسيطرة على الشريط الحدودي بين العراق وسوريا، لمنع تسلل المسلحين وفصائل الحشد الشعبي، ونقل الأسلحة الإيرانية إلى سوريا عبر الأراضي العراقية"(!). فمنذ اول إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في 19  كانون الأول/ ديسمبر 2018، سحب قوات بلاده بشكل مفاجئ من سوريا، "وصلت وحدات من الجيش الأمريكي إلى الأراضي العراقية بعلم الحكومة العراقية، ليتجاوز عدد القوات الموجود بالبلاد 30 ألف جندي".(!) ويقول مصدر مطلع على شؤون الجيش الأمريكي في العراق لـ «عربي بوست»، إن «الآليات العسكرية للقوات الأمريكية وصلت إلى قاعدة عين الأسد بمحافظة الأنبار غربي العراق، الواقعة بالقرب من الحدود السورية». وأضاف: «لقد تم نقلها عبر شركات تسمى الكمبول، من الكويت إلى الأنبار، عبر البصرة». وقال إن الشركات التي تعمل مع الجيش الأمريكي نقلت مدرعات وسيارات عسكرية ومدافع وأسلحة ثقيلة أخرى. و"لفت إلى أن عملية النقل تمت بعلم وموافقة الحكومة العراقية". وإعاد ترامب إعلانه مؤخرا وصرح وزير البنتاغون مارك اسبر إنه من المتوقع ذهاب ألف جندي سحبوا من سوريا إلى غرب العراق. وذكر الوزير الأمريكي بحسب وكالة "سبوتنك" (2019/10/20), أن القوات في غرب العراق ستركز على المساعدة في الدفاع عن العراق، وقتال تنظيم "داعش"، مؤكداً أن وقف إطلاق النار في شمال شرق سوريا متماسك بشكل عام. وتابع مارك إسبر، قائلا: إنه من المتوقع انتقال كل القوات التي تنسحب من شمال سوريا، والتي يبلغ عددها نحو ألف جندي إلى غرب العراق، لمواصلة الحملة ضد مقاتلي تنظيم داعش وللمساعدة في الدفاع عن العراق. وأوضح للصحفيين وهو في طريقه للشرق الأوسط: إن الانسحاب الأمريكي ماض على قدم وساق من شمال شرق سوريا.. إننا نتحدث عن أسابيع وليس أياما، والخطة الحالية هي إعادة تمركز تلك القوات في غرب العراق، قائلاً: "إن عددها يبلغ نحو ألف فرد". وكانت اخبار اليوم التالي تؤكد انتقال القوات ومعداتها إلى العراق.  (اعلن مصدر رسمي عراقي عدم قبول العراق بتواجد القوات الامريكية الجديدة، وهناك اخبار عن وصول قوات أخرى من منطقة الخليج إلى غرب العراق).

في اللقاء الذي اجرته صحيفة "جيروزاليم بوست"، الإسرائيلية مع وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو استعرضت واياه السياسة الامريكية في "الشرق الأوسط"، فأكد الوزير التزام بلاده وإدارة البيت الأبيض بأمن الكيان إلاسرائيلي. وقال الوزير الأمريكي في مستهل المقابلة: "لقد كان موقف إدارتنا واضحا للغاية بشأن هذه القضية. يحق لإسرائيل التحرك من أجل الحفاظ على أمن مواطنيها. هذا هو ما تقوم به الدولة القومية - إنه ليس حقها فحسب بل هو واجبها". (وهذا ضوء أخضر بلا رتوش أو مواربة!. وسبق منحه وتم قصف مواقع عسكرية والحشد الشعبي في العراق).

وحاول بومبيو في الوقت ذاته تبديد المخاوف من أن رحيل القوات الامريكية من شمال سوريا، سيسمح لإيران بنقل الأسلحة إلى سوريا ولبنان بسهولة أكبر. ورفض بومبيو الادعاء بأن الولايات المتحدة منحت فعليا إيران السيطرة على المعابر الحدودية العراقية السورية. وأكد بومبيو: "الرئيس ترامب ملتزم بمواصلة السياسة الأمريكية الرامية إلى محاربة داعش. نحن نعلم أن هذا مجال حاولت إيران من خلاله نقل الأسلحة إلى سوريا ولبنان، وأنها تهدد إسرائيل، وسنبذل كل ما في وسعنا للحد من هذه المحاولات والرد عليها".

ماذا بعد؟!، هل هناك أوضح من هذه الأخطار القادمة الى العراق أو التي وصلته؟!، ومتى التصدي لها ولماذا هذا الصمت عليها؟!. أنها أخطار جدية ولها تداعياتها ولابد من الحيطة والمواجهة قبل أن يقع الفاس بالرأس..

 

كاظم الموسوي

 

تركزت كل شعارات الحراك الشعبي في العراق ولبنان على تصفية مظاهر الطائفية السياسية ومحاصصاتها المدمرة وانتشار السلاح خارج مؤسسات الدولة وانتقالها إلى الميليشيات الطائفية وغير الطائفية، إضافة إلى مطاليب تتعلق بالعدالة في التوزيع والنهب المنفلت والفساد العارم وغيرها من المطاليب الاصلاحية في الانتخابات وقوانينها. ولكن فات على هذا الحراك إلقاء الضوء على الظاهرة الجديدة التي تسللت إلى المشهد السياسي في البلدين وحتى في بلدان أخرى، ألا وهي ظاهرة "الدولة العميقة" التي لا تخضع ولا تدار من قبل القوانين السارية في البلدين، وهي التي "تشرع" الفساد والنهب وتشيع القمع والارهاب بعيداً عن أية رقابة أو مسائلة. هذه الدولة العميقة تدار من جهات اقليمية وخارجية ، وما على بيادقها في العراق ولبنان ودول أخرى إلاّ تحقيق مآرب أجندة هذه الجهات في بلداننا. ولعل أصدق تعبير وأكثر دليل على ظاهرة  الدولة العميقة هو ما صرح به علي خامنئي "مدير الدولة العميقة في ايران"، أخيراً في خطاب له أعطى الضوء الأخضر لـ "بيادقه" في العراق وايران بالتحرك لسفك دماء الشبيبة المطالبة بالاصلاح وانهاء حراكهم.

في خطابه ، اصدر خامنئي توجيهاته قائلاً : "أوصي الحريصين على العراق ولبنان أن يعالجوا أعمال الشغب وانعدام الأمن الذي تسببه في بلادهم أمريكا والكيان الصهيوني وبعض الدول الغربية بأموال بعض الدول الرجعية"!!!. ولا ندري ما هي صلاحيات المسؤول الأول في السلطة الايرانية عن إصدار مثل هذه التوجيهات لمواطني دول أخرى؟؟؟ وما أن صدرت هذه التعليمات حتى شن بلطجية أدوات الدولة العميقة في بيروت والعراق للقيام "بغزواتهم" ضد شبيبة الحراك الشعبي في البلدين وأحرقت خيمهم وقتلت قناصيهم العشرات من العراقيين المنتفضين. إن ممارسة هذه الدولة العميقة سبق وأن مارستها طغمة الدولة العميقة في ايران منذ الأيام الأولى التي اعقبت سقوط النظام الشاهنشاهي في ايران عام 1979. وقتها قامت أدوات الدولة العميقة من البلطجية باشهار اسلحتهم المتنوعة وهراواتهم وبدراجاتهم البخارية وتحت حراسة قوى الأمن الايرانية بالهجوم على مقرات جميع الأحزاب السياسية الايرانية التي شاركت في الثورة ، ناهيك عن الهجوم على المظاهرات التي كانت تنظمها هذه الأحزاب لطرح مطاليبها. ولكن منذ ذلك التاريخ وحتى الآن لم يهدأ الشارع الايراني من الحراك المشروع ولم تترد الدولة العميقة غير الخاضعة لأية مجوزات قانونية في استباحة هذا الحراك المشروع الذي يكفله الدستور الايراني وقمع أية مسعى شعبي، وحتى لقوى من داخل المؤسسة الحاكمة" للاصلاح وارساء دعائم دولة القانون.

ومن أجل تحقيق هذا الهدف، قامت أدوات الدولة العميقة تدريجياً وضمن خطة مبرمجة بتأسيس وأرساء دعائم قواتها المسلحة الضاربة والقمعية وراحت في الأيام الأولى للثورة بالسطو على مخازن الأسلحة وبعض المرافق الاقتصادية، لتتجه لاحقاً صوب تشكيل فصائل مسلحة بأسم حزب الله، مستغلة الدين والمذهب، لتتحول إلى وحدات مسلحة تارة باسم "الحرس الثوري" وتارة باسم "التعبئة"(البسيج) مستغلين ظروف الحرب التي أعلنها صدام حسين ضد الشعب الايراني. وما أن انتهت الحرب حتى خرجت عن مهمة صد العدوان الخارجي وتحولت هذه المؤسسات إلى قوى قمعية ومالية ضخمة بيد الدولة العميقة تتحكم برقاب الناس وشؤونهم ووزعت أدواتها على كل مرافق الدولة المدنية والعسكرية، وخاصة في اقتصاد البلاد عامة من الصناعة النفطية والى الطرق وغيرها من المؤسسات والصناعات الستراتيجية في ايران، مستفيدة من الاقتصاد الريعي الذي شق طريقه بقوة في المجتمع بعد الثورة الايرانية. وقامت الدولة العميقة بتهميش الجيش الرسمي والشرطة الايرانية لتتحول جميع مقدرات البلاد الأمنية وحتى القضائية والمحاكم بيد "الحرس الثوري والبسيج". ولم يعد للمؤسسة المنتخبة من قبل الشعب، كرئيس الجمهورية حسن روحاني ولا مجلس الشورى الايراني أية قيمة وتأثير في إدارة الدولة.

وقد استهوت هذه الممارسة الايرانية التيارات الدينية المتطرفة التي أخذت تتسلم الدعم والعون من أقرانهم في أيران. وعلى هذا المنوال تشكل حزب الله في لبنان وفي دول أخرى. وقد استغل حزب الله الاعتداءات الاسرائيلية المتكررة ضد الشعب اللبناني ليعلن نفسه المدافع "الوحيد" عن هذا الشعب، وراح في البداية يشن الحرب ضد كل تيار لبناني يعلن مقاومته للاعتداءات الاسرائيلية ( الحزب الشيوعي اللبناني وحركة أمل وبعض الفصائل الفلسطينية) كي يستحوذ هو ويحتكر هو ولا غيره "شرف" المساهمة في التصدي للعدوان الاسرائيلي بهدف تحقيق نفس الممارسة الايرانية وتشكيل الدولة العميقة التي سرعان ما رفعت صور الخميني وخامنئي في أنحاء لبنان وراحت تسيطر على منشئآت اقتصادية وخدمية وتحول حزب الله إلى جانب قوته العسكرية، إلى قوة اقتصادية في لبنان ، بل ولديه منشئات اقتصادية خارج لبنان. 

ولا يختلف الأمر كثيراً عندنا في العراق. فمنذ اللحظات الأولى لإنهيار الطاغية صدام حسين، طلت على العراقيين بدعة " الحواسم"، هذه الفئات الدينية المتعصبة التي لم تبق على مؤسسة عسكرية أو اقتصادية ونهبها لتتحول بعد ذلك إلى ميليشيات مسلحة بشتى أنواع الأسلحة التي خاضت منذ الأيام الأولى لإنهيار النظام المواجهة المسلحة تارة بدعوى مواجهة الاحتلال الأمريكي أو الصراع على الغنائم مع أقرانها من الميليشيات أو الصدام مع القوات الأمنية العراقية التي شرع بتشكيلها بعد انهيار النظام السابق. وبين ليلة وضحاها توفرت لهذه الميليشيات قدرات عسكرية ومالية جراء النهب والسطو على أملاك المواطنين والعون القادم من خارج الحدود ودول الاقليم (ايران والسعودية وقطر وتركيا وحتى سوريا). وقد توفرت لبعض هذه الميليشيات امكانيات كبيرة عندما استقرت في ايران، حيث توفر العون المالي إضافة إلى البشرية من خلال تشكيل فصائل مسلحة باشراف ايراني من "التوابين"؛ أي الأسرى البعثيين وغيرالبعثيين العراقيين الذين وقعوا في الأسر الذين أعلنوا "توبتهم"وانخرطوا في تشكيلات متنوعة مثل "فيلق بدر" وغيرها. فإذا كانت ذريعة تشكيل هذه الميليشيات هي مواجهة الاحتلال الأمريكي، إلا ّ أن نشاطها استمر وبدعم ايراني مكشوف حتى خروج القوات الأمريكية إثر التوقيع على الاتفاقية الأمنية العراقية الأمريكية في حكومة المالكي. واستمرت هذه الميليشيات بنشاطها المتنوع  بعد الاتفاقية غي الاغتيالات السياسية والسطو لتنتهز الفرصة بعد هجوم داعش على العراق لتتحول إلى ما سمي "بالحشد الشعبي الرسمي" الذي أقر مجلس النواب قانونه وكان ذلك أحد أخطاء مجلس النواب الكثيرة. ومن أجل إضفاء صفة "العصمة" على هذا التشكيل، شرع بإضفاء القدسية عليه ليصبح الحشد الشعبي "المقدس" الذي لا يمكن عندئذ توجيه أي نقد أومسائلة له من قبل الشعب. وبالرغم من تحريم النشاط السياسي للقوات المسلحة على اختلاف صنوفها ومن ضمنهم الحشد الشعبي الذي اعتبر جزءاً من القوات المسلحة العراقية حسب القانون الذي شرعه مجلس النواب، إلاّ أن قادة الحشد شاركوا بنشاط في انتخابات مجلس النواب باسمائهم متجاهلين الدستور العراقي الذي ينص على منع العسكريين من النشاط السياسي. واستغل قادة الحشد هذا الموقع لينتقل بعضهم إلى مواقع حساسة في الجيش والقوة الجوية والشرطة الاتحادية ومكافحة الارهاب لتعزيز مواقعه وتأثيره في القوات المسلحة العراقية، ولا يخلو ذلك من مطلب ايراني وضغوط بعض الكتل السياسية الطائفية والنخب المسيطرة على الحشد. وفي الحقيقة والواقع فإن الحشد تشكيل مستقل غير خاضع بتسليحه وكل نشاطه للقائد العام للقوات المسلحة والحكومة ياستثناء الرواتب التي تدفعها وزارة المالية لمنتسبي هذا التشكيل. فالتشكيل حر في علاقاته مع الدول الخارجية واستلام المعدات والذخيرة منها وليس من وزارة الدفاع العراقية. وفي انتفاضة اكتوبر الشعبية أفصح الحشد عن حقيقته عندما فتح النار على المتظاهرين السلميين العزل وأودى بحياة المئات منهم  دون أي قرار من قبل القيادة العامة للقوات المسلحة. وهكذا تشكلت لدينا أيضاً "الدولة العميقة" بكامل قوامها لا من أجل خلق الاستقرار وإدارة عجلة التنمية وبناء الدولة الديمقراطية الحديثة، بل من أجل إرساء دعائم دولة الاستبداد الديني. فهل يعي العراقيون الذين ذاقوا الأمريم من الاستبداد البعثي وغيره من أنواع الاستبداد المقبت، هذا الخطر الداهم؟

 

عادل حبه

 

بكر السباتينالحريق في لبنان سيعقبه الفرج.. الحراك اللبناني يغير قواعد اللعبة الطائفية ويقوض أحلام زعماء الطوائف في تثبيت اتفاق الطائف، الذي يقنِّن التقاسمَ الطائفي في الدولة اللبنانية ويشرذم طاقاتها باتجاه المحاصصة في المداخيل حتى أتخمت الطوائف على حساب الشعب المغبون المتعثر في أحواله المعيشية، واندلقت كروش زعماء تلك الطوائف وترهلت التنمية المستدامة في لبنان. صحيح أن المقاومة المتمثلة بحزب الله في الجنوب اللبناني، هي خط أحمر بالنسبة لمعظم اللبنانيين، والتي في نظر مؤيديها تعتبر مع الجيش اللبناني، صمام الأمان الضامن لأمن الجنوب اللبناني وحمايته من الأطماع الصهيونية التمددية التي تحلم بضفاف الحاصباني، لكن إسقاط الطائفية أيضاً سيعزز من قوة لبنان وتماسكه وتسرِّع من عجلة التنمية المتعثرة.. فلكل عنوان تفاصيله.. واليوم يرفع لبنان عنوان التغيير والإصلاح ومحاربة الفساد بعيداً عن الطائفية البغيضة، من أجل لبنان قوي يحكمه قادة يتمتعون بالكفاءة ويحسنون التصرف في الأزمات كي تناط بهم مهمة إنقاذ لبنان.. وفتح الطريق أمامه نحو المستقبل.

لذلك يواصل اللبنانيون احتجاجاتهم في لبنان.. وتشهد البلاد شللا كاملا بعد ثلاثة عشر يوما من خروج المتظاهرين إلى الشوارع، حيث اتسمت بقطع طرقات رئيسية وتسببت بإغلاق المصارف والمدارس والجامعات، للمطالبة بإسقاط الطبقة السياسية برمتها، والسير وراء شعار لا للطائفية نحو لبنان يقوم على الكفاءات وانتخابات مدنية غير فئوية.

ومنذ 17أكتوبر، تكتظ الشوارع والساحات في بيروت ومناطق عديدة من الشمال إلى الجنوب، بالمتظاهرين في إطار حراك شعبي عابر للطوائف على خلفية مطالب معيشية ومحاربة الطغمة الفاسدة التي تتعامل مع لبنان كمزرعة يتقاسمون مخرجاتها مع زعماء الطوائف الذين ينتمون لأجندات خارجية، منها التي تقف ضد العدو الإسرائيلي وفق الأجندة الإيرانية كحزب الله وحركة أمل، والتي تتهمها الأطراف الأخرى باستحواذها على القرار اللبناني، وأخرى تستقطبها أجندة صفقة القرن والتي تحركها السعودية في لبنان مثل سعد الحريري وربما سمير جعجع قائد القوات اللبنانية، ناهيك عن وليد جنبلاط الزعيم الدرزي المشهور بتقلباته، وبعضهم ما لبثوا في ارتباط وثيق مع أحلام فرنسا الفرنكفونية مثل الكنيسة المارونية وبعض من لهم مصالح مباشرة مع فرنسا. وعليه فقد ظل لبنان رهينة لهذا التقاسم الذي وضعه المتظاهرون على محك الاختبار.

من جهتها قدمت الحكومة برنامجاً إصلاحياً طارئاً لإنقاذ البلاد ولكن لم ينفذ منه شيئاً بعد مرور أكثر من أسبوع على طرحه، وهذا ما جعل الاحتجاجات تتصاعد وترفع من سقف مطالبها المشروعة؛ لذلك قال الحريري في كلمة للشعب اللبناني، يوم الثلاثاء الماضي إنه "وصل إلى طريق مسدود"، ألحقها بعبارة توحي بأنه يقف مع مطالب الحراك الشعبي ربما لإنقاذ صورته المهترئة في عيون الشعب، قائلاً: "ولابد من صدمة لإحداث تغيير في البلاد".

صحيح أن رئيس الوزراء سعد الحريري قدم استقالة حكومته إلى الرئيس ميشال عون، يوم الثلاثاء الماضي بغية نزع فتيل الأزمة لكن الاحتجاجات ظلت مستمرة ولو بحدة أقل

ورغم ترحيب المتظاهرين باستقالة الحريري والهتافات المؤيدة للاستقالة في الميادين، إلا أنها لم تلبي كل مطالبهم والتي ارتفع سقفها إلى تغيير النظام السياسي في البلاد بعيدا عن المصالح الفاسدة والطائفية.. وأنها ضد الفساد وتطالب بحكومة فاعلة تعالج الأزمة الاقتصادية، مما أصاب البلاد بالشلل التام. أي أن النظام اللبناني برمته هو المستهدف.. ورغم ذلك ومع تراجع حدة الاحتجاجات أعيد فتح الطرق الرئيسية المغلقة يوم الأربعاء عقب استقالة الحريري، بناء على طلب الجيش، لكن بعض الطرق ظلت مغلقة.

ووفقا للدستور فقد طلب عون من الحريري الاستمرار في تسيير الأعمال لحين تشكيل حكومة جديدة، لأن مغادرته مكتب الرئاسة سيضع لبنان في أزمة حكومية عانت البلاد طويلاً للخروج منها ومن ثم تشكيل هذه الحكومة الهزيلة والمتصدعة حتى جاء الشعب ليوقظها من سباتها الطويل في جحر الطائفية والفساد بدون هواء يعيد إلى التنمية المستدامة الحياة.

مقابل كل ذلك، فإن اللبنانيين تعلموا من تجارب الربيع العربي الذي أحبطها الانتظار والتراخي حتى سقطت الشعوب العربية في أشداق السلطات المتربصة بها وأهلكتها الأجندات المتصارعة، فاستعادت الطغم الفاسدة قواها وتمددت في الدولة العميقة لكل قطر؛ وتجاوزاً لهذا المصير المحتمل؛ فقد عادت وتيرة الاحتجاجات في لبنان إلى التصعيد من جديد، حيث تداول مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي على نطاق واسع دعوة للاعتصام أمام مصرف لبنان وأمام مقرات حكومية صباح اليوم الخميس الموافق 31 أكتوبر 2019، وهو الأمر الذي قد يؤثر على قرار استئناف عمل البنوك يوم غد الجمعة.

وكانت جمعية مصارف لبنان أعلنت أن البنوك ستستأنف عملياتها العادية وتستقبل العملاء ابتداءً من يوم الجمعة، منهية إغلاقاً استمر أسبوعين.

وفي سياق متصل، شدد بيان من قيادة الجيش على الحق في الاحتجاج السلمي، ولكن "في الساحات العامة فقط"، وحث المتظاهرين على المساعدة في إعادة الحياة إلى طبيعتها.

وقبل وقت قليل من إعلان الحريري، اعتدى مهاجمون بالعصي والحجارة على موقع التجمع الرئيسي للمتظاهرين في وسط بيروت. وعمد عشرات المعتدين على تكسير وإحراق الخيم التي نصبها المحتجون في ساحة رياض الصلح في وسط بيروت وهاجموا متظاهرين كانوا لا يزالون في المكان. وهرعت قوات الجيش إلى منطقة الحدث، وطوت الصفحة بتقديم الحماية للمتظاهرين الذين ثمنوا ذلك، واتهم البعض أنصار حزب الله وحركة أمل بافتعال الحادث، وربطوا ذلك بما فهم من خطاب السيد حسن نصر الله بأنه تهديد للحراك، بينما ارتدت سهام الاتهامات -من جهة أخرى- إلى مدسوسين ينتمون لأجندات سعودية تسعى لخلط الأوراق، وضرب الحراك من خلال حث المتظاهرين على الاصطفافات الطائفية خلافاً لما تنادي بها الحناجر حيث أجمعت على إسقاطها وقطع الطريق على أجندات مثيري الفتن الطائفية لصالح مدنية "لبنان" وطن الجميع، وإنعاش الديمقراطية الحقيقية التي تقيدها المحاصصة الطائفية، والبحث عن الكفاءات اللبنانية التي سيناط بها إنقاذ البلاد الذي عصفت ببنيته الاقتصادية والسياسية هذه الانتفاضة الشعبية القائمة على مطالب مدنية صرفة، وهذا بدوره سيعيد لبنان إلى مكانته بين الدول بعيداً عن الفساد الناجم عن التقاسم الطائفي وإهدار المال العام والتسيب في توظيف القروض الممنوحة للبنان من قبل صندوق النقد الدولي الذي أدى إلى إغراق البلاد في ديون أدرجته ضمن الدول الأكبر مديونية.. حتى وصل به الحد وفق شروط الجهات المانحة لفرض ضرائب على الوتسأب، وكانت الشعرة التي قسمت ظهر البعير، إذ انفجر الشارع اللبناني إزاءها لتفتح ملفات الفساد. وتراكمت الأسئلة في العقول، وأخذت الهلوسة السياسية زعماء الطوائف إلى منطقة الارتباك التي كسر فيها حاجز الخوف..

وللعلم فإن الاحتقانات بدأت في لبنان منذ نشوب حرائق الغابات في بيروت فكشفت المستور وعرت شبكات الفساد في الدولة العميقة. ويبدو أن ما خفي منها كان أعظم لذلك تستمر الاحتجاجات غير أبهة بالتهديد ولا الوعيد أو العنتريات مجهولة المصدر.. فالشعب يمتلك الآن زمام الموقف ويستعد للتغيير بعد أن غير قواعد اللعبة الطائفية في لبنان المأزوم من أخمص القدمين حتى الرأس، فأصيب الشعب المغبون برهاب الطائفية وفزاعة الأمن والأمان التي ترفرف فوق قلاع الطوائف.. والآن تأخذه اليقظة إلى التغيير والتحرر من الخوف.. ورهانات المستقبل قائمة على ذلك.

 

بقلم بكر السباتين..

 

بكر السباتيندور الجزائريين في إسقاط الأجندات التي تستهدف وحدة البلاد.. وأسئلة أخرى!

قبل الخوض في تفاصيل المشهد الجزائري الراهن، يجب طرح السؤال الأهم عمّن يحكم البلاد في ظل غموض يكتنف المشهد ويعقد الرؤى فيه، فلا بد من جولة سريعة في عمق الدولة الجزائرية العميقة من خلال التداعيات التي رافقت حكم الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة في مراحله الأربع.

المشهد السياسي الجزائري متخم بالأسئلة العاصفة التي تدور في حلقة مفرغة.. أسابيع من المظاهرات الحاشدة، كسر من خلالها الجزائريون سلمياً حاجز الخوف والصمت، مطالبين برحيل النظام.

ويتذكر الجزائريون في ذات السياق آخر خطاب وجهه إليهم بوتفليقة بمدينة سطيف في مايو 2012 بمناسبة إحياء ذكرى أحداث 1945، حيث قال بأن الوقت قد حان بالنسبة إلى جيله للتخلي عن السلطة وتسليم مقاليد الحكم. لكنه تراجع عن تصريحاته، ليترشح لولاية رابعة في انتخابات 17 أبريل 2014.

وكان كثيرون اعتبروا يومها الخطاب إشارة واضحة أراد من خلالها بوتفليقة تسريع عملية نقل السلطة من النظام الذي يحكم الجزائر منذ استقلالها في 1962 إلى الجيل الجديد. لكن الأحداث أثبتت العكس بحيث أن الرجل استمر في حكمه حتى أبريل 1999 ليستعد بعد أن هزمته الأمراض لخوض السباق من أجل ولاية خامسة بالرغم من وضعه الصحي، الأمر الذي جعل خصومه يصفونه بالرئيس المختطف.

والجدير بالذكر أن تاريخ الدولة العميقة الفاسدة في الجزائر مرتبط بتاريخ بوتفليقة نفسه الذي لم يكن كله ناصعاً، فقد غادر الجزائر قبل مسيرته الرئاسية عام 1981، على خلفية أتهامه بعدة عمليات اختلاس جرت ما بين عامي 1965 - 1978 وصلت إلى 6 ملايين سنتيم آنذاك (الدينار الجزائري = 100 سنتيم) حيث صدر أمر قضائي بتوقيفه حسب (جريدة المجاهد 1983)، وقد أثيرت حينها قضية ارتباطه بالفساد ثم أسدل الستار على تلك القضية. وفي العام 1986 عفى عنه الرئيس الشاذلي بن جديد آنذاك بضغط من المنظومة الفاسدة التي كما يبدو كانت تهيء بوتفليقة لدور مستقبلي مرموق لربط سلطاته المحتملة بمصالحهم الخاصة، ولم يعد بوتفليقة بعد قرار العفو إلى الجزائر إلا في يناير 1987.

شهدت فترة رئاسته الأولى مشاكل سياسية وقانونية ومشاكل مع الصحافة وخرق حرياتها لصالح الصحفيين والحقوقيين، وفضائح المال العام مع بنك الخليفة وسياسة المحاباة في الحقائب الوزارية والصفقات الدولية المشبوهة حيث التلاعب في المناقصات من أجل شركات الاتصلات للهواتف المحمولة وقد انتعشت الأحوال المالية للبطانة الفاسدة التي هيأته لاستلام الرئاسة ودعمته في كل مراحل حياته.

ولكن يحسب لبوتفليقة وبعد أحداث القبائل باعتبار الأمازيغية لغة وطنية وهو مشروع فرنسي كان يهدف الرئيس الفرنسي ديغول ضرب الوحدة الثقافية الجزائرية ونقل أزمة البربر إلى عمق الجزائ . وفي سياق الإصلاحات الجذرية شرع الرئيس بوتفليقة في برنامج واسع لتعزيز الدولة الجزائرية من خلال إصلاح هياكلها ومهامها ومنظومتها القضائية ومنظومتها التربوية، واتخاذ جملة من الإجراءات الاقتصادية شملت على وجه الخصوص إصلاح المنظومة المصرفية بقصد تحسين أداء الاقتصاد الجزائري مما مكن الجزائر من دخول اقتصاد السوق واستعادة النمو ورفع نسبة النمو الاقتصادي.

وباشر في مسار تشريعي للوئام المدني حرص على تكريسه عن طريق استفتاء شعبي نال فيه أكثر من 98% من أصوات الناخبين.

إذن كيف هبطت مؤشرات التأييد الشعبي لبوتفليقة مؤخراً؟

كان بوتفليقة أحد المترشحين لمنصب رئيس الجمهورية بعد أن قدم ملف ترشحه للمجلس الدستوري رغم تراجع صحته بعد إصابته بعدة جلطات أثرت على مستوى أدائه حتى بات قليل الظهور وصار متوارياً خلف منظومة الفساد التي اتخذته واجهة لحكمها الفعلي إلى درجة أن البعض وصفه بالرئيس المختطف... لذلك قامت المظاهرات العارمة مناهضة لعهدته الخامسة ما جعله يتراجع. في يوم 11 مارس 2019 معلناً عن تأجيل الانتخابات الرئاسية لعام 2019 التي كان من المفترض ان تجرى في شهر أبريل الماضي ليعلن في سياق ذلك إنه لن يترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة. وأرغم بوتفليقة حينذاك على الاستقالة يوم الثلاثاء 2 أبريل 2019 وذلك قبل أسابيع قليلة من نهاية عهدته في 28 أبريل؛ بسبب المظاهرات الشعبية التي عُرِفَتْ بـالحراك، حيث خرجت المظاهرات العارمة خلال ستة أسابيع في كل يوم جمعة رافضة لسلطة بوتفليقة ومناهضة لمقترح التمديد أو التأجيل.. لا بل رفع الشعب من سقف مطالبه نحو إسقاط النظام برمته وهو ما جعل أفعى الدولة العميقة لتطل على المشهد الجزائري كي تواجه الموقف حتى تمنع الخطر المحدق من مداهمة الدولة العميقة التي ينخرها الفساد.. لذلك تم التحضير لفترة انتقالية تنتهي بانتخاب رئيس جديد من أجل تخفيف حدة الاحتقانات السياسية والأمنية بين طرفي المعادلة في الأزمة الجزائرية الراهنة، المتمثلة بالاحتجاجات الشعبية في مواجهة الدولة بكل مؤسساتها..

ومنذ 22 فبراير والحركة الاحتجاجية غير المسبوقة في الجزائر مستمرة للمطالبة برحيل "النظام".ورغم تعامل القوات الأمنية مع الموقف بحذر؛ إلا أن مديرة مكتب منظمة حقوق الإنسان في الجزائر حسينة أوصديق نددت بـ"تصعيد" الإجراءات الأمنية في الأسابيع الأخيرة وعدّت ذلك انتهاكاً صارخاً للحقوق التي يكفلها الدستور الجزائري.

وألغيت الانتخابات الرئاسية التي كانت مقررة في بداية يوليو الماضي بسبب عدم تقدم مرشحون. فيما حددت السلطات المؤقتة موعداً جديداً للانتخابات كما ذكرنا سالفاً، وذلك طبقاً لما يريده قائد أركان الجيش الفريق أحمد قايد صالح وهو من البربر، الذي بات الرجل القوي بعد استقالة بوتفليقة. فيما عين عبد القادر بن صالح رئيساً مؤقتاً للبلاد إلى حين إجراء الانتخابات القادمة.

وفي سياق متصل، دعا رئيس الجزائر المؤقت، عبد القادر بن صالح، مساء اليوم الثلاثاء، الجزائريين إلى التوجه إلى صناديق الاقتراع لانتخاب رئيس جديد، في الانتخابات الرئاسية المقررة في 12 ديسمبر القادم.

والسؤال الذي يطرح نفسه هو من يحكم في الجزائر اليوم في ظل غياب الرئيس بوتفليقة؟ فالسلطة غامضة ومعقدة، ولا تقوم على محددات واضحة، حتى يستطيع المحللون تفكيك المشهد السياسي الجزائري وإعادة تجميعه وفق رؤية واضحة، وهذه محاولة لفعل ذلك.

إذن لنستعرض الأطراف المهمة في مؤسسة الحكم الجزائرية، وهي على النحو التالي:

أولاً: مؤسسة الحكم الرئاسية

يمكن أن نختصرها في آل بوتفليقة، الذين يتمتعون بنفوذ اقتصادي وسلطوي كبير جداً، فأحد أشقاء الرئيس تولى منصباً وزارياً مرموقاً، وشقيقه الآخر ومستشاره المقرب سعيد بوتفليقة كان ينظر إليه على أنه الرئيس القادم..كونه كان يتدخل في تعيين المسؤولين في الدولة ولديه علاقات واسعة مع رجال الأعمال المتنفذين.. ولكن لارتباطه بقضايا فساد كبيرة مثل: قضية سوناطراك.. وقضية الطريق السريع (شرق- غرب)، أصبح مرفوضاً من قبل الشعب الجزائري الذي أخذ يمسك بخيوط اللعبة في الجزائر حتى الآن.

ثانياً: مؤسسة الجيش

بدأت سطوة الجيش تظهر جلية حينما قام بإلغاء الانتخابات الجزائرية عام 1991 والتي حققت فيها الجبهة الإسلامية للإنقاذ فوزاً مؤكداً مما حدا بالجيش الجزائري لمنع الجبهة من الفوز في الانتخابات البرلمانية في البلاد. ما أدى إلى نشوب الحرب الأهلية الجزائرية أو العشرية السوداء بين الجيش الجزائري وفصائل متعددة تتبنى أفكار موالية لـ الجبهة الإسلامية للإنقاذ والإسلام السياسي، حيث بدأت الجماعة الإسلامية المسلحة بسلسلة من مذابح تستهدف الأحياء أو القرى بأكملها بلغ ذروته في عام 1997، وتسببت المجازر في إجبار كلا الجانبين إلى وقف إطلاق النار عام 1997. وفي هذه الأثناء فاز الطرف المؤيد للجيش بالانتخابات البرلمانية. ثم استقرت الأحوال في الجزائر عام 1999 بعد انتخاب رئيس جديد للبلاد، وصدور قانون العفو الجديد.

ويقود هذه المؤسسة الفريق أحمد قايد صالح قائد أركان الجيش ونائب وزير الدفاع.. ويرى معارضوه أن حصوله على هذا المنصب جاء من خلال دعم الدولة العميقة التي يعتبر أحمد قايد صالح جزء من منظومتها الفاسد’.. أيضاً لمقايضتة حماية بوتفليقة من أعدائه مقابل حصوله على هذا المنصب المرموق.

ثالثاً: جهاز المخابرات

كان على رأس أعداء بوتلفيقة الذين يتربصون به ، الفريق محمد مدين.. المعروف برئيس جهاز المخابرات (1990- 2015) وهو شخصية خلافية ينتقده الكثير من المعارضين ويرون فيه اليد القمعية للسلطة في الجزائر ويلقبونه برجل السياسات القذرة ويتهمونه إلى جانب الجنرال محمد العماري وخالد نزار بارتكاب جرائم ضد الإنسانية واغتيال المعارضين والسياسيين والفنانين والكتاب في مرحلة التسعينات.

ولحماية نفسه أمر بوتفليقة بحل جهاز المخابرات، واستبداله بما يعرف بمديرية المصالح الأمنية عام 2016 الملحفة برآسة الجمهورية..

وفي سياق متصل، فإن جهاز المخابرات مع الجيش الجزائري يشكلان الصندوق الأسود الكبير الذي يحفل بأسرار الدولة العميقة بكل تفاصيلها..حيث يتهمان بالهيمنة على السلطة بالتنسيق مع قوى خارجية مثل الإمارات التي تربطها مع الفريق أحمد قايد صالح علاقات وطيدة نجمت عنها مصالح خاصة مشتركة.

رابعاً: رجال الأعمال المعومين إماراتياً

وتضم نخبة من رجال الأعمال المقربين من بطانة الرئيس السابق بوتفليقة، مثل: عائلة بوتفليقة والفريق محمد قايد صالح، بالإضافة إلى قائد المخابرات السابق محمد مدين. ناهيك عن رجال الأعمال: العربي بالخير، خالد نزار، محمد العماري.

وكانت صحيفة "لوموند أفريكا" الفرنسية قد تناولت في عدد الجمعة (22 مارس 2019)، موضوع العلاقات المالية المتشابكة بين أصحاب النفوذ في الجزائر والإمارات، والذي نُشر تحت عنوان "الدبلوماسية العنيفة التي تتبعها الإمارات"، وترجمه "الخليج أونلاين".

وكشفت الصحيفة أن "صالح" هو المتحكم في ميزانية سنوية ضخمة مخصصة للتسلح تقدر بـ11 مليار دولار، وهو مرحَّب به في الإمارات، التي حشرت نفسها ضمن مشروع تعاون بين الجيش ومجموعة "مرسيدس بنز" الألمانية.

كما أن مجموعة "توازُن" الإماراتية وقّعت مؤخراً على اتفاق ضمن المشروع الجزائري-الألماني لدعم الصناعات الميكانيكية داخل وزارة الدفاع الجزائرية التي يشغل "صالح" منصب نائب وزيرها، وفق الصحيفة.

أثرياء الجزائر أودعوا ثروات بمئات الملايين من الدولارات في بنوك الإمارات، فمثلاً الإخوة كونيناف، المخلصون لـ"صالح" والمقربون منه أيضاً، أوجدوا لأنفسهم جذوراً في هذه "الجنة الضريبية الإماراتية".

ويمكن القول إن ما نُسج من روابط مالية مشبوهة في كل من الجزائر وأبوظبي يفسر الحلف الصلب الذي نشأ بين عائلة بوتفليقة وقايد صالح في مواجهة التحركات الشعبية منذ اندلاعها، في فبراير الماضي، بحسب "لوموند أفريكا".

وبحسب الخليج أونلاين.. ف"بالإضافة إلى المعلومات الخاصة بتضمين موريتانيا ميناء نواذيبو للسعودية، فقد تحدثت المصادر "عن مشروع إقامة قاعدة عسكرية سعودية و(إماراتية) في الصحراء" ويفترض أن يقوم المشروع بالقرب من الحدود الليبية الموريتانية الجزائرية المشتركة.. ومن المؤكد أنه مشروع أمريكي إماراتي صهيوني لتكثيف النشاط الإسرائيلي في موريتانيا أسوة بما يحدث من تنسيق بين الأطراف المذكورة، في إقليم كردستان العراق. والمعروف أن دولة الجزائر مستهدفة وثمة نويا صهيونية فرنسية تذهب باتجاه خلط الأوراق وضرب الجزائر في العمق وتقسيمه بين عرب وبربر وإغراق البلاد بالفوضى كما هو الحال عند الجارة لليبية أو سوريا كنموذج يمكن القياس عليه.

وأخيراً لا بد من تصميم الشعب الجزائري على إسقاط الدولة الجزائرة العميقة التي تمتص كل مقدرات الدعم المطلوب لخطط التنمية المستدامة، فبدون ذلك ستظل الجزائر مزرعة خاصة للمتنفذين الفاسدين الواقعين في قبضة الإمارات التي تمثل واجهة العدو الإسرائيلي في المغرب العربي، وإذا لم يتدارك الشعب الجزائري الموقف فإن احتمالية نشوب الحريق في الجزائر واردة.. ما دامت عناصر حدوثه متوفرة في المشهد الجزائري.. فالرهانات على مستقبل الجزائر مقيدة بتقري الشعب الجزائري لمصيره وسحب البساط من تحت أقدام الطغمة الفاسدة التي تقيم شبكاتها في الدولة العميقة.

 

بقلم بكر السباتين

29 أكتوبر 2019

 

 

ابراهيم أبراشأدرج البعض الحراك الشعبي خلال الأشهر والأيام الأخيرة في لبنان والعراق والجزائر والسودان كامتداد لما جرى في نهاية 2010 وبداية 2011 في تونس ومصر وامتداد لأحداث سوريا واليمن وليبيا أو بصيغة أخرى كجزء من (الفوضى الخلاقة) الأمريكية التي تم تسميتها زورا بالربيع العربي .

صحيح أن هناك أوجه شبه من حيث أنه حراك شعبي في مواجهة الأنظمة القائمة التي انكسرت هيبتها ولم تعد من المقدسات الوطنية وكسره حاجز الخوف، ولكن هناك خصوصيات وفروق نابعة من خصوصية البنية الاجتماعية و التجربة التاريخية لكل بلد، الأمر الذي يجعل ما يجري في هذه البلدان خارج سياق فوضى (الربيع العربي)، حتى بالنسبة للتحركات الشعبية الأخيرة نجد أوجه تباين بينها فلكل بلد ربيعه الخاص .

فبالنسبة للبنان فإن الحراك الشعبي المندلع للأسبوع الثاني والذي كانت شرارته حزمة من القوانين الحكومية التي تمس جيوب المواطنين الذين يعانون بالأساس من تدهور خطير في مستوى المعيشة يخفي أسباباً عميقة ومعقدة وله خصوصيات لبنانية وأبعاد متعددة ومنها:

1- البعد الطائفي حيث الجماهير واضحة في مطالبها بإسقاط الطائفية والمذهبية والمحاصصة وكل الطبقة السياسية، فالحراك يشكل إرهاصات ثورة ضد نظام طائفي مذهبي بكل ألوان المذاهب والطوائف وتحميله مسؤولية إفقار الشعب وفساد مؤسسات الدولة وفقدانها هيبتها .

2- غياب جماعات الإسلام السياسي حتى الآن عن المشهد، بل يقف حزب الله وجماعات إسلاموية أخرى حذراً من الثورة ومتخوفاً من وجود أطراف خارجية تحركها ووقوفه إلى صف الحكومة والنظام، وهناك أخبار عن حراك شعبي مضاد يقوده أو يحركه حزب الله .

3- تأكيد المتظاهرين على تمسكهم بالديمقراطية وبالدولة المدنية القائمة على المواطنة .

4- بالرغم من غياب مواقف دولية واضحة وخصوصاً من طرف واشنطن والغرب مما يجري في لبنان إلا أن الجيوبولتيك اللبناني يثير تخوفات من قدرة الشعب اللبناني على النأي بنفسه عن التدخلات الخارجية .  

5- مصدر التخوف الأكبر ليس من التدخلات الخارجية أو تدخل الجيش بل من الميليشيات الحزبية المسلحة التابعة للتحالف الحكومي سواء تعلق الأمر بحزب الله أو الأحزاب المسيحية، وهذه الميليشيات تملك من القوة أكبر مما لدى الجيش اللبناني وفي استطاعتها تفكيك بنية الجيش النظامي وافتعال حرب أهلية .

ومن هذا المنطلق فإن الحراك الشعبي اللبناني يأتي محصلة تراكمات تجمع ما بين تردي الوضع الاقتصادي والتجربة التاريخية السياسية للنظام السياسي اللبناني وأزمة نظام ديمقراطي تحاصصي أو توافقي بين الطوائف، أكثر مما هي امتداد لفوضى الربيع العربي، وخصوصاً أن لبنان سبق أن شهد أحداثاً اتسمت بالدموية وأخذت طابع الحرب الأهلية كما جرى عام 1958 وخلال الحرب الأهلية من 1975 حتى مؤتمر الطائف 1989 .

حتى نفهم ما يجري في لبنان لا بأس من معرفة طبيعة النظام الطائفي اللبناني والسياق التاريخي لظهوره، وقبل الاستطراد فقد جاء في سياق تعريف الموسوعة السياسية للطائفية بأنها "الطائفية نظام سياسي اجتماعي متخلف، يرتكز على معاملة الفرد جزءاً من فئة دينية تنوب عنه في مواقفه السياسية، ولتشكل مع غيرها من الطوائف الجسم السياسي للدولة". ظهر الكيان اللبناني عام 1920 فهو كبقية بلاد الشام من صناعة سايكس –بيكو، وكما أن بريطانيا المنتدبة على فلسطين ألزمت نفسها بوعد بلفور الذي يمنح دولة لليهود في فلسطين فإن فرنسا التزمت بأن يكون لبنان الكبير دولة للمسيحيين وخصوصاً للموارنة الذين كانوا يشكلون أغلبية السكان بحيث تكون القسمة أو المحاصصة في مختلف المناصب 6 للمسيحيين وخمسة للمسلمين وبقية الطوائف، وهكذا فإن الميثاق الوطني غير المكتوب الذي تم التوافق عليه عام 1943 قام على أساس تقاسم طائفي بين المسلمين والمسيحيين داخل المؤسسة التشريعية وبالنسبة لبقية المناصب الكبرى بحيث يكون رئيس الدولة مسيحي ماروني ورئيس الوزراء مسلم سني ورئيس مجلس النواب مسلم شيعي ورئيس أركان الجيش درزي الخ .

في مؤتمر الطائف 1989 الذي جاء بعد الحرب الأهلية طرأ تغيير طفيف بحيث تم الاعتراف بأن تكون النسبة 50% لكل طرف داخل المجلس النيابي، مع استمرار المعادلة الطائفية ووعود بتجاوزها لتتحول لبنان من ديمقراطية طائفية قائمة على المحاصصة إلى ديمقراطية حديثة تلغي الطائفية، ولكن هذا لم يحدث وبقيت الطائفية السياسية معززة بطائفية اجتماعية تجاوزتها كل المجتمعات المتحضرة، واستجد على الوضع بروز الدور السياسي الكبير للطائفة الشيعية وخصوصاً مع ظهور حزب الله في الثمانينيات الذي جمع ما بين احتكار تمثيل الطائفة الشيعية ومحور المقاومة الذي يتجاوز جنوب لبنان إلى كل لبنان وإيران وسوريا والعراق وفلسطين .

لعقود كان يُضرب المثل بلبنان الذي استطاع التوصل لصيغة تعايش ما بين الطوائف في إطار (ديمقراطية طائفية أو ديمقراطية المحاصصة)، وإلى اندلاع الحرب الأهلية 1975، وباستثناء أحداث 1958، استطاع لبنان العيش باستقرار مع ازدهار اقتصادي وثقافي وانفتاح على كل دول العالم، حتى الوجود الفلسطيني الكبير في المخيمات الناتج عن حرب 1948 لم يخل كثيرا بالتوازنات السياسية الداخلية .

هذه الصيغة وصلت لطريق مسدود وبدلاً من أن تشكل ديمقراطية المحاصصة الطائفية مرحلة انتقالية نحو ديمقراطية المواطنة النافية للطائفية والمذهبية تعززت الطائفية وأصبح النظام السياسي كما يقول المعارضون رهين لشيوخ الطوائف بحيث تم توزيع ثروة لبنان والمناصب السياسية بين شيوخ الطوائف وأزلامهم، فعندما تُسند وزارة لطائفة تصبح مِلكاً أو ضيعَة للطائفة وخصوصا لرجالاتها الكبار ومن حق من تختارهم الطائفة أن يستمروا في مواقعهم دون محاسبة أو عقاب، بل أصبحت كل طائفة وكأنها دولة داخل دولة لها مناطق نفوذها وميليشياتها المسلحة ومنافذها وعلاقاتها مع الخارج، وأصبح الانتماء للطائفة أكبر وأهم من الانتماء للوطن المُفترض، أما الدولة فتحولت إلى شاهد زور أو كيان رمزي يحمي الطائفية والطوائف ورجالاتها وامتيازاتها وكل محاولاتها للتنمية الشمولية كانت تصطدم بمصالح الطوائف وعلاقاتها وتحالفاتها الخارجية كما تم تغييب القانون بسبب الوساطة وتدخلات الطوائف، أما غالبية الشعب من غير أبناء عائلات قادة الطوائف وميليشياتهم فأصبح يعتاش على الفتات الذي تتركه لهم المحاصصة الطائفية .

وأخيرا، قد تستطيع الجماهير التي خرجت في شوارع المدن اللبنانية إسقاط الحكومة وقد تصل الأمور إلى تغيير قواعد دستورية، أما إسقاط وإلغاء الطائفية وإن كان هدفاً نبيلاً فإنه يحتاج لتغيير جذري في بنية وثقافة المجتمع اللبناني، وإذا ما تمكن اللبنانيون من إسقاط الطائفية السياسية فهذا سيكون انجازاً يُحسب للشعب اللبناني وسيمهد الطريق لإسقاط الطائفية السياسية والمذهبية في كل العالم العربي وخصوصاً في العراق وسوريا .

 

ابراهيم أبراش

 

رياضـالسنديمدخل: لطالما يطرح هذا السؤال هذه الأيام، لماذا قامت الثورة في العراق الآن؟ وتحديداً في الأول من شهر تشرين الأول/أكتوبر 2019، وبعد مرور 17 عاماً من سقوط النظام السياسي السابق، وإقامة نظام ديني تقوده في معظمه أحزاب دينية شيعية، إلى جانب أحزاب كردية، وفصيل مسيحي أشوري، وعدد من السُنّة الملتحقين بهم بتشجيع أمريكي على دخول هذا النظام.

ورغم التبجح بإقامة نظام ديمقراطي إلاّ إن الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003 لم يستطع أن يقيماً نظاما سياسياً متوازناً ومنسجماً، بل قسَّم الشعب العراقي الموحد إلى أربع مكونات بشرية، هي: (الشيعة، الأكراد، السنة، والأقليات) ليسهل السيطرة عليها. وألقى أسباب الفشل في ذلك على التوجه الشيعي الموالي لإيران، والذي إستلم السلطة فعلياً بعد سنة واحدة فقط من حكم إنتقالي أقامه الحاكم المدني الأمريكي تحت مسمى "مجلس الحكم".

- إنسحاب أمريكي من العراق

وبمغادرة بريمر عام 2004، وبإنسحاب القوات الأمريكية من العراق عام 2009، وقع العراق فريسة لإيران لتستخدمه ورقة رابحة في مفاوضاتها وتعاملها مع إيران مستغلة التقارب المذهبي والهيمنة على المرجعية الدينية والأحزاب السياسية الموالية لها، وأصبحت مقدرات هذا البلد الغني نهباً لكل الطامعين من دول أجنبية وأحزاب وأشخاص فاسدين.

- السقوط في فخ التمرد والقمع

الثورة نتيجة وليست سبباً، وهي كالولادة تمر بمخاض طويل، وقد رأى العراق حلم في الديمقراطية يتبدد، منذ الأيام الأولى للإحتلال الأمريكي. ونتيجة لذلك، ثارت المحافظات ذات الأغلبية السنية مثل الأنبار وديالى وكركوك والموصل مطالبة بتحسين الأداء الحكومي وتقديم الخدمات وإعطاء الحقوق، إلا إنها جوبهت بقسوة وقُضيّ عليها بإتهامها بالإنضمام للجماعات الإرهابية الجهادية السُنيّة مثل القاعدة وغيرها، فدفعت ثمناً باهضاً ثم أخضعت تماماً لإيران من خلال جماعات سنية موالية دُعيت (سُنّة السلطة أو سُنّة المالكي)، فداروا حول الفلك الإيراني.

أما الموصل، وهي أعرق تلك المدن وأصلبها، فقد تعاون الجميع ضدها من خلال تسهيل دخول تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، فقد كانت غاية الأمريكان إحراج السلطة الشيعية الموالية لإيران في العراق، فيما وجدت فيها إيران ذريعة لسحق قلعة المعارضة التاريخية ضدها، بينما وجدت تركيا في ذلك، طريقة للإنتقام من جزء عزيز إنفصل عنها برغبته عام 1925 وفقاً لقرار عصبة الأمم المعروف في قضية الموصل. ونظراً لتظافر كل تلك العوامل الدولية القوية، سقطت المدينة في حزيران 2014 بيد داعش التي لم تخرج منها إلا بعد 3 سنوات متواصلة من الحرب على الإرهاب وفق خطة الأرض المحروقة التي إنتهت عام 2017، بكلفة بشرية ومالية باهظة جداً. ضاعت فيها ميزانية عام 2014 بأكملها ولا يوجد حتى الآن ما يفسر أسلوب صرفها. ولحقتها مليارات 3 سنوات أخرى قدرت ب 450 مليار دولار أمريكي، ناهيك عن التضحيات البشرية الهائلة. وخرجت إيران منتصرة أوباما من خلال إنشاء قوة مسلحة مؤلفة من عدد كبير من الميليشيات زادت عن 250 فصيلاً متنوعاً، من بينها ميليشيات مسيحية وأشورية وشبكية وحتى يزيدية، وكلها تعمل وفق فتوى المرجع الديني الشيعي (السيستاني – إيراني الأصل) وكلها -حتى المسيحية منها- تبحث عن يزيد الخليفة الأموي الثاني (647م – 683م) قاتل الحسين بن علي، للإنتقام منه. في حركة مجنونة أعادت العراق الحضاري إلى الوراء لأكثر من 13 قرناً بأكملها. فتعطلت الدولة وأصيبت مرافقها ومؤسساتها وصناعتها وزراعتها ومدارسها ومستشفياتها بالشلل شبه التام. فسادت الفوضى عموم العراق، مع إستثناء طفيف في أقليم كردستان العراق المختلف مذهبياً والقائم على أساس قومي.

- رغبات قديمة من زمن الإستعمار البريطاني

وقد وجد الأكراد في سقوط الموصل بيد داعش، وإنشغال الحكومة المركزية بمحاربتها، فرصة ذهبية لطالما تمناها مؤسس الحركة القومية الكردية في العراق مصطفى البارزاني منتصف القرن التاسع عشر، فأعلن ابنه مسعود رئيس إقليم كردستان العراق الأستفتاء الشعبي الكردي على إستقلال كردستان العراق تمهيداً لإنفصاله عن دولة العراق في 25 سبتمبر 2017. فثارت إيران وهاجمت محافظة كركوك الغنية بالنفط والعزيزة على قلوب الأكراد، ولم تتدخل الولايات المتحدة لحمايتهم بل تخلت عنهم تماماً، فإضطروا هم إيضاً إلى الانضواء تحت النفوذ الإيراني، وكانوا أخر الفرسان الذين بقوا يقارعون النفوذ الفارسي في العراق، مقابل إستعادة مكتسباتهم من الحكم الشيعي والحفاظ عليها. وبسقوط مقاومة الكرد لإيران خلت الساحة للأخيرة بشكل كامل.

- أحلام كسرى

وكانت إيران قد توصلت إلى إتفاق نووي مع الولايات المتحدة والدول الخمس الكبرى عام 2015 مستفيدة من نفوذها في دول الهلال الشيعي (العراق-سوريا-لبنان) حتى قارب أن يصبح بدراً، على حد وصف المندوب الأمريكي برايان هوك. وأخذ النظام الإيراني يفتخر بهيمنته على أربع عواصم عربية بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء، مستذكراً مملكة كسرى فارس، ورفعت صور خميني وخامنئي فيها علانية، وبكل وقاحة.

إلا إن هذه الفوضى قادت -كما أرادت مهندستها كوندليزا رايس- إلى ظهور حركة وعي قومي متمرد للواقع المختلف، تبلور من خلال وسائل التواصل الاجتماعي والمؤتمرات والمؤلفات والأنشطة المختلفة، فنما جيل جديد لم يشهد قسوة البعث ولم يقبل تخلف الحكم الشيعي. وساعد على تنامي ذلك، هو تغيّر الإدارة الأمريكية، ومجيء رئيس جديد مغاير تماماً في توجهاته نحو إيران، فألغى الاتفاق النووي في مايو/أيار عام 2018، وألحقها بعقوبات متتالية قاسية.

- أسباب ثورة العراقيين

إزاء تغيير الرياح الدولية، وجد العراقيون أنفسهم منقسمون مجتمعياً، عراة من الحقوق ومتخلفون عن الحضارة، ولم يبقى من مكونات الشعب وفرسانه من لم يسقط سوى الشيعة العرب في العراق، فثارت أول محافظة شيعية جنوب العراق وهي البصرة عام 2018 وأحرقوا القنصلية الإيرانية في 7 سبتمبر من ذلك العام، وردّت إيران من خلال عملائها في العراق بحرق القنصلية الأمريكية بعد أيام. وقمعت حركة الإحتجاجات تلك، إلا إنها لم تخمد، بل بقيت جذوة النار تحت الرماد، لتندلع مجدداً في الأول من تشرين الأول/أكتوبر 2019، فدفعت في الأسبوع الأول منها أكثر من 130 قتيلاً وأكثر من 7000 جريحاً، ونظراً لمصادفة مناسبة دينية شيعية هي أربعينية الحسين، فقد تقرر تأجيلها إلى يوم 25 من ذلك الشهر، لتنطلق بشكل أقوى ويسقط خلال اليوم الأول منها 40 قتيلاً، و2312 جريحاً.

ويمكن تحديد الأسباب التي قادت إلى ثورة العراقيين، وكما يلي:

1- الإنحراف عن المعايير الصحيحة والصورة النمطية وتنامي عدم مقبولية الشعب لهذا النظام، فلكل شيء قياساته وحدوده في العموم، أما الإستثناء فلا يبنى عليه. وعلى سبيل المثال، عندما يجري الحديث عن طبيب، فإن الذهن ينصرف تلقائيا إلى شخص درس الطب ويعالج المرضى، أما أن يكون الحديث عن طبيب يعمل في تصليح السيارات، فهذا يشكّل صدمة وإستهجانا وحتى إستهزاءاً، لأن الأمر على خلاف المعتاد، وخارج السياق الطبيعي. وهذا ما حدث في العراق، فقد رأينا عدد كبير من هذه الحالات، وما زال الشعب يردد بأن نوري المالكي كان يبيع السِبَحْ في سوريا، قبل أن يبح وزيراً للخارجية، وكان لدينا في الخارجية سفير يدعى (ح. صالنصة) لأنه كان يصلح صالنصات السيارات قبل أن يصبح سفيراً. ويمكن تعداد ألاف الحالات من هذا القبيل.

2- غياب الولاء الوطني: معظم الذين دخلوا العراق بعد سقوط النظام السياسي السابق، هم من حملة الجنسيات الأجنبية، ولا حاجة لتعداد هؤلاء، ولكن يكفي القول إنه ومنذ عام 2003، لم يتقلد منصب رئيس الجمهورية أو رئيس الوزراء أو وزير الخارجية شخص عراقي حتى يومنا هذا. وفي وزارة الخارجية فقط، هناك 60 سفيراً يحملون جنسيات أجنبية (بضمنهم وزير الخارجية الحالي) من بين 84 سفيراً. وظلّوا متمسكين بجنسياتهم الأجنبية لضمان طريق هروب آمن عندما تسوء الأحوال.

3- التراخي والتهاون أمام التأثيرات الخارجية والسعي لفرضها ضد إرادة الشعب: تعرّف سيادة الدولة بأنها الحق والقوة لهيئة ما لكي تحكم نفسها بنفسها، بدون أي تدخّل من مصادرٍ أو هيئاتٍ خارجيّة. ومنذ سقوط النظام السابق على يد القوات الأمريكية، فقد العراق سيادته وقدرته على حرية التصرف، وإتخاذ قراراته بحرية ودون تدخل خارجي. لذا فإن التاثيرات الأجنبية أصبحت واضحة في العراق، وفي مقدمتها التأثير الأمريكي والإيراني، ودول أخرى بالدرجة الثانية. وكما الحاكم الأمريكي بول بريمر ديكتاتوراً أكثر من صدام حسين بثلاثة أضعاف، واليوم يتحكم قاسم سليماني قائد فيلق القدس الإيراني بكل قرارات مؤسسات الدولة في العراق.

4- إشاعة الفساد والرشوة وبيع المناصب والتزوير: بغياب القانون يظهر الفساد، ومنذ بداية الغزو الأمريكي للعراق تم تغييب القانون، فإنتشر الفساد، وكانت الطبقة السياسية التي إستلمت الحكم منذ 2004، طبقة من اللصوص وحثاله البشر في معظم دول المهجر، ومنحتهم السلطة الحكم القدرة على إختلاس المال العام وضمان عدم المحاسبة، لذا لم يقدم أي فاسد للمحاكمة طيلة 17 سنة، بل حتى الذين كانت تسلمهم الشرطة الدولية للعراق يتم الإفراج عنهم بوقت قصير جداً. والتقديرات الأولية لحجم الفساد وهدر أموال الدولة والثروة القومية بلغت أرقاما فلكية قدرتها بعض المصادر ب (تريليون وأربعمئة مليار دولار) خلال 11 سنة الماضية فقط. أما تزوير الشهادات فقد قدّرت الشهادات المزورة بحدود 3000 شهادة، يحملها المسؤولون الذي لم يتلقوا تعليمهم في شبابهم خارج العراق.

5- فرض الدين كسياسة وليس كعبادة: يلعب دورا كبيرا وخطيرا في حياة الشعب العراقي. وقد وجد السياسيون ضالتهم فيه، فجرى توجيهه الوجهة التي تخدم مصالحهم. ومعظم الأحزاب التي نشأت خارج العراق، قامت على أساس ديني. مثل حزب الدعوة الإسلامية، والمجلس الإسلامي الأعلى، والحب الإسلامي وغيره. كما أن المؤسسة الدينية قد وجدت مجالا كبيرا للتدخل في السياسة العامة، لذا فالمشهد العراقي ملئ برجال الدين من كل الأديان والمذاهب والطوائف وهم يمارسون السياسة بطريقة بشعة، تذكّرنا بالعصور الوسطى. ومن البديهي أن ينشروا أفكارهم القديمة وتصوراتهم الغيبية ويفرضونها على الناس، وهذا ما ولّدَ كرهاً للدين ورجاله في العراق.

6- إنعدام الخدمات وموت حركة البناء: طيلة 17 سنة لم تستطع سبع حكومات من أن تحسنَّ خدمة الكهرباء رغم إنفاق أكثر من 60 مليار دولار عليها، وهكذا خدمة الماء الصحي والصالح للشرب. ولم تستطع هذه الحكومات حتى من بناء مبنى لسكنهم، وما زالوا يقيمون في القصور الرئاسية التي بناها وتركها صدام حسين.

7- إشاعة الجهل والمرض والتخلف: من البديهي أن السياسي المتخلف سيكرس التخلف والجهل، وزادهم حقدهم على العراق، وبتوجيه من إيران على تدمير مؤسسات الدولة العلمية والصحية، وتردي الواقعين التعليمي والصحي، مما دفع وزير الصحة إلى الإستقالة في سبتمبر 2019.

8- توزع السلاح على الأحزاب والمليشيات وعدم حصره بيد الدول: بعد القرار الأمريكي بحَل الجيش العراقي، قامت المجموعات المسلحة الموالية لإيران والتي ساعدت على إنشاءها من أسرى الجنود العراقيين الشيعة مثل قوات بدر وغيرها، وزادت من عددها بعد سقوط الموصل، واليوم هناك أكثر من 250 ميليشيا مسلحة تمارس الإرهاب بحجة حفظ النظام. ويكفي القول إن هناك 7,5 مليون قطعة سلاح خفيف ومتوسط لدى الشعب، مقابل 700 ألف قطعة سلاح فقط لدى الأجهزة الأمنية والعسكرية.

9- ضياع الحقوق واختلال ميزان العدالة الاجتماعية، وإنعدام المستقبل للشباب: كل هذه العوامل مجتمعة قادت إلى ضياع حقوق العراقيين، وفقرهم إلى جانب الإثراء الفاحش للطبقة السياسية الأجنبية عن البلاد، والتي حتى عوائلها وأبناءها تقيم في خارج العراق، فزادت البطالة الى أكثر من 30% من الشعب، وزادت نسبة الفقر إلى أكثر من ذلك، وغابت العدالة الاجتماعية، وإنعدمت الفرصة أمام الشباب، ولم يعد هناك ضوء في نهاية النفق، وأصبح المستقبل مظلم أمامهم، ولم يبقى غير طريق الثورة الذي أعاد للعراق هيبته، وإستعاد الشعب العراقي وعيه وحسَّه الوطني، فإنكشفت عدم وطنية الحكومة والبرلمان ورئيس الجمهورية، فتواروا عن الأنظار، وهربوا بعيداً عن المقر الحكومي، وسافر الكثير منهم إلى البلدان التي جاءوا منها، وبذلك دخل هذا النظام السياسي في العراق مرحلة الموت السريري في إنتظار الموت الرحيم.

تحية لثوار العراق.

 

د. رياض السندي

دكتوراه في القانون الدولي - كاليفورنيا

مسؤول ملف حقوق الإنسان في بعثة العراق

لدى الأمم المتحدة سابقاً - جنيف

 

"ليس هنالك شعبا.. يدرك مدى قوة قدراته.. حتى يختبرها!!"

هل الاحتجاجات الشعبية هي مؤسسة جديدة للسيطرة على الساسة وعزلهم والقبض على مجمل الحياة السياسية العربية؟ ام هي بديل للسياسات الفاسدة؟ ولما الشعوب فقدت ثقتها بالساسة وسياساتهم واحزابهم وشعاراتهم؟ وان كانت المؤسسة السياسية مستاءة من الاحتجاجات للغاية فلما كانت تنادي بالحرية وتسمح للشعوب بأن تنتخب وتصوت؟ وهل تحتج الشعوب من أجل لا شيء؟ ومن بعض ماذا يريد الطرفين؟ وما الذي وراء هذه الموجة الجديدة من السخط الصاخب المتكون في الغالب من الشباب الساعي من أجل المطالبة بمستوى معيشة فعلي وانساني وحقيقي عبر التجمعات الجماهيرية في الساحات والشوارع بما في ذلك التجمعات الالكترونية الافتراضية وتوحيدهم ليس فقط من خلال برنامج مشترك ولكن بالاتجاه الذي يعتقدون أنه يجب إن تكون عليه مجتمعاتهم.

أوبئة الانظمة السياسية الفاسدة اجبرت الشعوب على رفض صمتها واعلاء صوتها احتجاجا ووجعا وكانت كل مظاهرة غاضبة بطريقتها الخاصة ولأسبابها المحلية الخاصة لكن الاحتجاجات تطورت إلى ظاهرة عربية موحدة غيرت الكثير من أفكارنا حول الحاضر وشكل المستقبل، وامتازت الاحتجاجات ببصمة وطنية ذات أعمال جماعية انضم إليها مئات الآلاف من الأشخاص وتسببت بتعاطف كبير من الجمهور العام واستحوذت على خيال العديد من الشباب ولربما المستقبل الجديد ستملئه الحركات الثورية إذ تم توجيه التقنيات والوسائل الرقمية والفكرية على توسيع إمكانات الاتصالات الجديدة للنجاح في حرية التعبير الحقيقية عن الذات. وقد أظهر المحتجين عداءً مفتوحًا للمؤسسات الطاعنة بالفساد وأعربوا عن أنعدام ثقتهم في الحكومات، ومالوا إلى التحرر وإلى الوصول للمؤسسات الحكومية والتمثيل فيها وتمثلوا بجيل جديد من المتمردين يسعون إلى الاستغناء عن المؤسسات القائمة والتي لم يثقوا اصلا بها، ومع انهم كانوا غير مهتمين بالاستيلاء على السلطة ولم يكن تمردهم ضد الحكومة لكنه سيكون لبعض احتجاجاتهم نجاح في إلهام الخيال ضد المؤسسات وأثارة الخوف من الفوضى مما سيسمح للحكومات بتصوير دوافع المحتجين كتهديدات مباشرة للنظام والقانون العام.

كيف يمكننا أن نفهم كل هذه الاحتجاجات؟ وهل هي اشارات إلى وجوب التغيير الجذري في مجمل اشكال وانواع الحيوات السياسية؟ أم أنها ليست أكثر من انفجارات للرأي العام وسرعان ما سيصمت؟ ولماذا نشأت الاحتجاجات في الدول الديمقراطية على قدم المساواة مع الدول غير الديمقراطية؟ وما الذي يجعل سياسات التقويض جاذبة بوضوح في العديد من المجتمعات المختلفة؟ أن موجة الاحتجاج اجتاحت الديمقراطيات على قدم المساواة مع الغير ديمقراطية، وسارع كثيرون إلى التشكيك في الاحتجاجات على أنها غير مستقرة، وبدت الإجابات كأنها مستعارة من سيناريو شائع، ولم تكن أي حكومة تشعر بالخجل لاستخدام البوليس ولا حتى الجيش لردع المحتجين وازاء ذلك من السهل أن نفهم لماذا يلغى مواطني الدولة التي ينتمون إليها الحق في انتخاب قادة الأحزاب السياسية فعلياً وتوجيه احتجاجات الشوارع لتكون مصدرا للتحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وحتى ان قامت انتخابات جديدة فستتحول النخب إلى الشعارات والوعود والانتخابات كفرصة للتلاعب بالناس بدلاً من الاستماع إليهم بينما ارى ان يستخدم المحتجين غضبهم ورفضهم كفرصة للمظاهرات السلمية الاحتجاجية الرافضة للفواجع الحياتية التي تمر بها بلادهم وليس كأداة لتشكيل السياسة، وإن النخبة الداعمة والجماهير المتظاهرة هما متحدتين بأمر الاستغلال فالنخب تستغل العبة السياسية كفرصة للتلاعب بالناس بدلاً من الاستماع إليهم، بينما على المحتجين استغلال واطالة فرصة المظاهرات لتغيير اوضاع حياتهم والمطالبة بكامل حقوقهم وليس كأداة لتشكيل السياسة.

هناك حقيقة لا يمكن تغاضيها وهي ان السياسة الديمقراطية مستحيلة بدون تردد دائم بين الدرامية المفرطة وابتذال المشاكل التي تواجهها، كما وتفقد السياسات قوتها إذا فشلت في تبسيط لا تضخيم الشعور بالأزمات وفي ذات الوقت عليها غرس المشاعر الصادقة بالتفاؤل بأن الأزمات مهما كانت سيئة وطويلة فيمكن حلها، وإذا كان الأمر للشعوب على المحك هو البقاء على قيد الحياة فلا يمكن للمرء أن يتوقع أن تصل اللعبة السياسية إلى الهدف، وان لم يتم تحديد أي شيء في عرس الديمقراطيات الزائف فلما يزعج الجميع أنفسهم بالذهاب إلى مراكز الاقتراع؟ ومع إن السياسات لم تفقد القدرة على تصوير خيال الناس غير إن هناك شك واسع الانتشار بأنهم أصبحت لعبة غش، وإن انخفاض نسبة المصدقين بها في إلى جانب اندلاع الاحتجاجات السياسية الجماهيرية هو مظهر واضح للأزمة، وأصبحت الديمقراطيات بنظر الشعوب المقهورة فكرة ثانوية لا تنتج أغلبية وتفويضاتها السياسية لم تعد قادرة على تشكيل أغلبية واضحة وولايات سياسية ثابتة فتتفاقم المشكلات بسببية الأحزاب والتي حتى لو كانت في السلطة فمن الصعب عليها الوفاء بوعودها لعدم الرغبة ولفسادها، وإن الأثر المتناقض لفقدان الدراما في البرلمانات هو تحولها إلى طقوس بالية لا اكثر.

يوسع الاحتجاج الفرص التصحيحية غير إن الديمقراطيات العربية محبطة ولم تعد تضمن التغيير وبذلك فقدت دورًا محوريًا في السياسات لأن الشعوب لم تعد تؤمن بأن حكوماتها تحكمها حقًا ولأنها لم تعد تعرف من يتحمل المسؤولية عن مصائبها، وكلما أصبحت مجتمعاتنا أكثر شفافية كلما كان من الصعب على الشعوب تحديد أين توجه غضبها؟ نحن نعيش في مجتمع من "المذنبين الأبرياء" حيث تفضل الحكومات إعلان عجزها لا بأسها وقوتها، فما هي الروح المضادة للاحتجاجات والطبيعة المناهضة لسياسة القوة؟ وهل حققت او ستحقق الإحتجاجات هدفها أم أنها ستفشل؟ هل يمكن انتهاج أداة أفضل للتغيير الجذري نحو الإصلاح؟ هذه الأسئلة ليست سهلة الإجابة لانها وببساطة تبدو احتجاجات اليوم وكأنها تمارين اثباتية لوجود وبيان دور العلامات التجارية لشركات الفيسبوك و تويتر وغيرهما، وعلى الرغم من أن الاحتجاجات لم تطلب السلطة إلا أنها طرحت إستراتيجية فعالة لتوسيع الحقوق والفرص المدنية في عصر العولمة في عالم تكون فيه الحكومات أضعف من ذي قبل إذ تكون الشركات أكثر حركة والأحزاب السياسية غير قادرة على بناء هوية سياسية حول رؤيتها للمستقبل. ومن المميزات أن المتظاهرين قرروا في كثير من الحالات تعطيل النظام العام وليس الإضراب، ولم تكن الشخصية المركزية للاحتجاجات عاملاً أو طالباً بل كانت مواطنة مثالية وكانت ناجحة في التأثير على السياسات عبر الحدود الوطنية وفي تقويض الشعور بالأمن بين النخب وتمكنت من إظهار شدة المشاعر العامة بشكل فعال، كما وأظهرت الاحتجاجات أن التغيير ممكن حتى من دون التمسك بشيء ملموس وأكدت على إمكانية التغيير وتركت المستقبل مفتوحًا، كما أنها صنعت جماعة مع المشاركين وبنت هويتهم السياسية على أساس نشاط الاحتجاج، غير اننا لا ننسى أن رجال السياسة والإعلام وفي كل مظاهرات واينما حدثت فهم يصورونها كلاما لا فعلا على انها نقطة تحول وكخيار يحدد مصير الجيل القادم للأمة... فهل حقا هي كذلك !!!

 

بقلم/ الدكتور ميثاق بيات ألضيفي

 

امجد الدهاماتيمكن تقسيم علاقة الشباب بالسياسة إلى عدة أنواع، أهمها:

الممارسون للعمل السياسي: هم أعضاء في أحزاب سياسية ويحضرون اجتماعاتها وتجمعاتها ويشاركون في حملاتها الانتخابية ويتولون مناصب عن طريقها، ولكنهم بشكل عام أقلية لا تتناسب مع حجم الشباب العددي ومطالباتهم وطموحاتهم العالية، خاصة أن العمل الحزبي هو الممر الإلزامي للعمل السياسي في أي بلد ديمقراطي.

المهتمون بالعمل السياسي: الشباب الذين يهتمون بالشؤون العامة ويدافعون عن حقوق الشعب عن طريق التظاهرات والاعتصامات والنشاطات الأخرى، ولهم مواقف مؤثرة في الانتخابات حتى عندما يقاطعونها، وأكثرهم غير منتمين تنظيمياً.

الهامشيون بالعمل السياسي: وما أكثرهم! وهم الشباب الذين لا يهتمون بالشأن العام أصلاً، لكنهم يتفاعلون عندما لخدمة مصالحهم فقط، (مثلاً: يتظاهرون لزيادة رواتبهم ومخصصاتهم أو يستغلون نتائج تظاهرات الآخرين للتسجيل على منحة الحكومة للعاطلين عن العمل!).

وبما أن الشباب هم النسبة العددية الأكبر في المجتمع، وهم الطريق الحصري لمستقبل أفضل للبلد، فلابد أن يشاركوا بالعمل السياسي بفاعلية أكبر ويمكّنوا أنفسهم ويؤهلوها للقيادة في المجالات السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، الثقافية، ... ألخ، مع الأخذ بنظر الاعتبار أن (التمكين) عملية طويلة تتمثل في مشروع وطني متكامل يبدأ من البيت مروراً بالمدرسة والجامعة ويتكامل مع مشروع حكومي مخطط له ومدروس وطويل الأمد يهدف بالنهاية إلى زيادة عدد المنتمين للنوعين الأول والثاني وتقليل، قدر الإمكان، من المنتمين للنوع الثالث.

ولهذا تعمل الكثير من دول العالم، وبطرق متعددة، على زيادة مشاركة الشباب في العمل العام لضخ دماء جديدة وأفكار مبتكرة في مفاصل العمل الحكومي والحزبي، وتجنب الشباب الحلول اليائسة مثل الهجرة أو الإنتماء لتنظيمات إرهابية ومليشياوية.

ومن أهم هذه الطرق:

أولاً: تخصيص (كوتا) للشباب في البرلمانات والمجالس المحلية وهذا موجود في (15) دولة، مثل: كينيا، رواندا، مصر، المغرب، الفلبين.

ثانياً: تخصيص (كوتا) للشباب في المفاصل القيادية للأحزاب السياسية، مثل: الحزب الليبرالي النيكارغوي يخصص (%40) للنساء والشباب، الحزب الليبرالي الكندي يخصص (%40) للشباب، والحزب الاشتراكي الهنغاري يخصص (%20) للشباب.

ثالثاً: خفض سنّ الترشح للانتخابات البرلمانية والمحلية، وكما يلي:

1- هناك (59) دولة تسمح للشباب بعمر (25) بالترشح للانتخابات، مثل: إيطاليا، اليونان، مصر، الجزائر، ليبيا، لبنان.

2- أما رومانيا، تونس، جزر القمر، جيبوتي، فتسمح للشباب بعمر (23) سنة بالترشح للانتخابات.

3- كما توجد (62) دولة عمر الترشح للانتخابات فيها هو (21) سنة، مثل: روسيا، إيرلندا، البرازيل، فنزويلا، بوركينا فاسو، المغرب، إندونيسيا، ماليزيا.

4- وهناك (51) دولة تسمح للشباب بعمر (18) سنة بالترشح للانتخابات، مثل: ألمانيا، بريطانيا، كندا، أستراليا، أوغندا، كينيا، تايلند، تركيا.

5- أما دولة تيمور الشرقية فيكون عمر المرشح للانتخابات فيها هو (17) سنة.

بل أن اليونان سمحت للشباب بالتصويت بعمر (17) سنة، وفي النمسا ومالطا بعمر (16) سنة، وهناك دول عينت شباب بمناصب وزارية.

بالنهاية يبقى الموضوع بيد الشباب أنفسهم، كما فعلها قبلهم شباب فرنسا اثناء تظاهراتهم الشهيرة في آيار/ 1968: حيث كان شعارهم: «لا تعطيني حريتي، سأتولى الأمر بنفسي».

نعم لن يعطيكم أحد شيئاً بل يجب ان تأخذوه بأنفسكم، والبداية من شعاراتكم: «نريد وطن» و «نازل أخذ حقي».

 

أمجد الدهامات - العراق

 

نجوى السودةالكاتب: أندري فلتشك

المترجمة: نجوى السودة

ما أدهشني أن ما من أحد يقول ذلك، يكتب عنه، ويصرخ في كل حدب وجانب :- ليست فنزويلا، وكوبا، ونيكارجوا، وإيران هم من في اشد الحاجة إلى "تغيير نظام الحكم ".إنها الولايات المتحدة الأمريكية، إنه الإتحاد الأوروبي ؛في الواقع، الغرب كله .إن الموقف حرج .

لقد أصاب الغرب جنونا ؛ لقد جن جنونه في الكلام، طار عقله ؛هائج مائج يعيش الناس هناك حالة من الروع الشديد لدرجة تمنعهم حتى مجرد النطق بذلك وأن يعبروا عنه .

دولة تلو دولة تتهاوى، وتدمرت مؤسساتها، وتعرضت للمهانة، وتعيش فقرا تُعَامل قارات بأكملها كما لو كان يسكنها أطفال صغار عديمي الشعور بالمسئولية، أطفال يتعقبون ويسيرون على نهج مراهقين ساديين، من خلال حكام يحكمون القبضة في أيديهم، ويئنون في خبل سيماهم على وجوههم :" تصرفوا كما نريد، نفذوا مانطلبه منكم، إلخ !" إنه في الحقيقة لشئ يدعو إلى السخرية، إلى الإكتئاب إلا أنه.. ما من أحد يضحك فالناس يرتجفون، ويلهثون، ويصرخون، ويستجدون، إلا أنهم لا يتقيأون مما يحدث لهم . أرى هذا في كل مكان حولي في مكان عملي:في آسيا، وفي أمريكا اللاتينية، وفي الشرق الأوسط .

لماذا كل هذا؟

يجري هذا لأن دول أمريكا الشمالية وأوروبا هم أصحاب القرار النهائي إما ان تذعن لنا وأن تنبطح أمامنا، وإلا سوف نكسر جناحيك، وسوف ننتهك حرمتك، وإذا ما باء أي شئ آخر بالفشل، فإننا سوف نغتال زعماءك وكل من يقف سدا في طريقنا .

إن مايحدث لا يدعو إلى الضحك، هل تراه كذلك ؟وخاصة عندما نضع في إعتبارنا أنه يحدث تقريبا في كل الدول الُمسماة بأمريكا اللاتينية، وللعديد من الدول الأفريقية ولدول بالشرق الأوسط، وللعديد من الدول في قارة آسيا .

يقومون بكل هذا في "حرفية" وسادية باقتدار ولهم طقوسهم التي يستخدمونها ما من أحد حتى الآن عارض وطالب "تغييرنظام الحكم" والأسلوب الذي يتبعونه في الحكم، ما من أحد حتى الإتحاد السوفيتي بقوته ولا الصين، و لا أفغانستان الدولة ذات الفخار والعزيمة .

ربما تكون الدول الوحيدة التي تُقاوم حتى الآن هي كوبا، وفنزويلا، وكوريا الشمالية وسوريا .تُقاوم هذه الدول وتكرث كل مواردها لكي تعيش؛ولقد عشن، و إن كان الثمن باهظا .

ما زال الضحايا يصرخون .قليل من الدول المستقلة تحافظ على التعبير عن ثورتهن .مع ذلك فإنه على المدى البعيد، ما من تحالف عظيم يجمعهم، تحالف يكون على أهبة الإستعداد ليحارب ويدافع فيه كل دولة عن الأخرى :"واحد للكل، الكل واحد ."

حتى حالة "التمرد"الحالية بالأمم المتحدة ما من أحد قد قالها صراحة أو أن قدم إقتراحا في جدية يعرض فيه أن القانون الدولي ينبغي أن يُطبق على كل دول العالم، دون تمييز .

يتحدث الناس عن " السلم " يستجدي العديد منهم قطاع الطرق كي "يتوقفوا "، " أن يرحموهم " أن يأخذون الرأفة بهم إلا انه، لم تكن أوروبا ولا شمال أمريكا قد أظهرتا أي رأفة، على الإطلاق، على مدى الزمان، وطوال قرون غابرة . إلق نظرة على الخريطة مع بداية القرن ال20، فعلى سبيل المثال :كان العالم كله مستعمرا، ومنهوبا، ومُستعبدا .

أما الآن فالكل يتحرك نحو هذا الإتجاه .إذا لم يتوقف الغرب عما يقوم به، فإن كوكبنا سوف يفنى .ودعونا نكون واقعيين :إستجداء، والمجادلات المنطقية، والإرادة القوية لن تحول واشنطن دون هذا، وباريس أو لندن من عبودية وسلب البشر حقوقهم . أما الآن كله يتحرك نحو نفس الإتجاه .إذا لم يقلع الغرب، فإن كوكبنا سوف يفنى .دعونا نكون واقعيين :إن الإستجداء، والجدال المنطقي، والإرادة القوية لن يجدي مع واشنطن، وباريس أو لندن عن عبودية ونهب البشر . إن أي إنسان ينبغي أن يكون لديه بعض المعرفة الأولية عن تاريخ العالم.وإلا فلماذا يزال العالم لم يستطيع أن يزيف بعض حالات المقاومة الحقيقية ؟هل فنزويلا هي القشة التي سوف تقصم ظهر البعير ؟وإن لم تكن فنزويلا، على إعتبار أن فنزويلا آيلة للسقوط ؟، هل هي نيكارجوا، كوبا أم إيران، من عليهم الدور ؟هل هناك أي شئ يمكن أن يدفع الناس كي تتخذ موقفا ؟

هل ما نفعله جميعا هو أن نظهر سلبيين بأي حال من الأحوال، إن فنزويلا الإشتراكية، لقد قدمت بالفعل الكثير للعالم فنزويلا التي إستطاعت أن تخلق رؤي جميلة وأفكارا لكرتنا الأرضية، فنزويلا التي على وشك أن تتحول إلى كومة رماد، حينئذ، هل يسطون على كل أحلامها، مواردها وحريتها ؟ هل نحن كل هؤلاء الجبناء ؟هل هذا – ما صار عليه بالفعل حالنا ؟ هل نحن جبناء وبهائم، أنانين، وخانعين، وعبيد؟

كل هذا ببساطة؛ هل لأن الناس في حالة مروعة لا يقدرون على مواجهة الإمبراطورية، هل لأنهم يؤثرون أن يتواروا ويدعوا أن ما هو واضح وضوح الشمس، ليس له وجود في الواقع ؟

من أجل هذا، دعني أنطق بهذا، بغية على الأقل أن لا يدعي قرائي ترف أنهم لم ينعموا بمعرفة ذلك :"إن هذا العالم قد يزداد توحشا يوما بعد يوم وأنه تسيطر عليه زمرة من الفاشيين في دول الغرب .ليس هناك "ديمقراطية "تسود هذا العالم، لأنه ليس هناك أدنى إحترام للقانون الدولي في عواصم أمريكا الشمالية وأوروبا . لقد عاد الإستعمار بكامل عنفوانه . إن الإستعمار الغربي يسيطر الآن سيطرة تامة تقريبا على على العالم بأكمله ."كما أن الإستجداء –خذ كلامي ثقة – الإستجداء والحديث عن السلام لن يؤتي ثمارا .خلال الحرب العالمية الثانية، كان على الفاشية أن تقلع عن ممارساتها . ولو لم تتوقف، لكانت قد إبتلعت كوكب الأرض عن آخره . في السالف، لقد لقي بالفعل عشرات الملايين من البشر حتفهم دفاعا عن الحرية وعن الإنسانية .نعم، حاولت بعض الدول أن تُسوي النزاعات وأن تُجري المحادثات مع ألمانيا النازية، لكن كلنا يعرف إلى أين وصلت . أما الآن فالموقف هو نفس الشئ .بل ربما أسوأ، ربما أكثر سوءا ؛لأن الغرب لديه أجندته من الأسلحة النووية الفتاكة :حيث يسيطر على عقول البشر في كل أنحاء الكرة الأرضية عن طريق "وسائل الإعلام "، والتعليم.ولأن المواطنون في الغرب، الآن، قد تم غسيل أدمغتهم أكثر عن ذي قبل، عن الألمان والإيطاليين في أواخر الثلاثينيات وبداية الأربعينيات ؛حيث غسيل الأدمغة أكثر، وترويعها أكثر، وإخضاعها وسيرها وفق نظام يضعونه أكثر .

أنظر نظرة جدية :- هل هؤلاء الناس الذين يكتبون المقالات الآن عن "السلام "، والتي يجادلون فيها الغرب عن من على حق ومن على باطل، هل هم بالفعل يفكرون جديا في أن يتحركوا ضد أحد من هؤلاء كترامب، مثلا، أو بومبيو، أو روبيو؟

هل يؤمن هؤلاء الكتاب أن واشنطن سوف تُقْلع عن إغتيالها لملاييين البشر في كل أنحاء العالم ؟أو أن المستعمر الجديد سوف يتوقف عن نهبه وسلبه بعد أن يدرك الكونجرس، ومجلس الشيوخ الأمريكي أنهم يسيرون في الطريق الخطأ من التاريخ؟

 إن هذا التساؤل ليس تساؤلا بلاغيا .إنني جاد :إنني أطلب إجابات !

هل "التحركات نحو السلام "الذاخرة بالمجادلات تستطيع أن تُوقف زحف الغرب ؟ نعم أم لا؟

هل يوقنون أن بومبيو أو ترامب سوف يضرب جباههم فجأة ويجعلهم يصرخون :"هل أنتم في الإتجاه الصحيح! "ويستدعون قواتهم، وسفاحيهم ومرتزقيهم كي يرجعوا إلى ثكناتهم ؟

إذا كانت الإجابة بلا، ما الذي تعتقد الحركات نحو السلم التي يتزعمها زعماء من أمريكا الشمالية والغرب، يقومون به، ومن ثم، لم كل تلك الآلاف من الصفحات المُهدرة ؟

هل نحن ندنو من تمساح على أهبة الإستعداد كي يلتهم طفل برئ، ثم يُحاول بعد ذلك أن يتباحث معه ؟هل، تفعلون شيئا، بجدية ؟هل تظنون أن هذا سوف يتوقف، هل سيهز ذيلا، هل سيجعلهم يذرفون دموعا ويجعلهم يدعون ما يفعلون ؟ إنني أميل أحيانا إلى أن أعتقد ان "حركات السلم "في الغرب يقومون بعمل أشياءا أسوا. إنهم يخترعون آمالا وهمية، ويتصرفون كما لو كانت الإمبراطورية هي كائن له روح، ويفهم في المنطق.إنهم يُضخمون التهديد :والخطر .

إنهم يميلون إلى تحليل تهديد الغرب من وجهة نظرغربية، مستخدمين منطقا غربيا .إنهم يتوهون في تفسير مدى الفزع الذي تثيره الفاشية، وأن البهيمية يجبأن تُواجه وأن تُحارَب.

لا يمكن لأي إنسان أن يُجري محادثات مع مجموعة من الدول مُلطخة أيديها بدماء 80%من كوكب الأرض إن كان هذا مقدرا أن يحدث، فسوف يصير أضحوكة وسوف يكون مجرد إذلال لكل من سعى مخلصا أن يُوقف سفك الدماء .

تحتاج فنزويلا في هذه اللحظة إلى التضامن معها .تحتاج إلى تقديم العون مباشرة، وإلى التحرك على أرض الواقع ؛ لا بالكلام و من ثم يمكن أن يحدث ذلك مع العديد من الدول الأخرى .

على العكس من ذلك، فإن ما يحدث هو أنهم يضعون أيديهم في ماء بارد لا ينتهي متنمنين لهم أفضل الأمنيات ونعي لموتاهم الذين راحوا في عمر الزهور .

 

تحياتي /نجوى السودة

 

كاظم الموسويأعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مؤخرا أن قواته قضت على تنظيم داعش الإرهابي، قائلاً: «تم القضاء عليه مئة في المئة»، خلال مراسم تسلّم رئيس الأركان الجديد مهامه، في فرجينيا، وشكر رئيس هيئة الأركان المشتركة للجيش الأمريكي، الجنرال جوزيف دنفورد، على جهوده في القضاء على تنظيم داعش خلال مؤتمر صحفي عقده في العاصمة واشنطن، وكشف عن مصير مسلحي تنظيم داعش الأكثر خطورة، والذين يتواجدون في سجون قوات سوريا الديمقراطية “قسد” شرقي الفرات،  مؤكداً "إن بلاده نقلت عدداً من مسلحي التنظيم الأكثر خطورة إلى خارج سوريا، دون تحديد الوجهة". وأضاف "أن الولايات المتحدة انتصرت على تنظيم داعش، لذلك على أوروبا استعادة مواطنيها من أفراد التنظيم المحتجزين في سوريا".

والجدير ذكره هنا ما غرد به الصحفي الأمريكي، ديفيد إغناطيوس الذي يعمل في صحيفة “واشنطن بوست” عبر حسابه في “تويتر”، 2019/10/9 أنه بالتزامن مع الهجوم التركي على شرق الفرات، بدأت خلايا ومجموعات تابعة لتنظيم داعش بالتحرك في مدينة الطبقة بريف الرقة، وشهدت أيضا مناطق واسعة من شمال شرقي سوريا هجمات متكررة وعنيفة لخلايا التنظيم خلال اليومين الماضيين. وكتب الكاتب الصحفي باتريك كوبيرن مقالا بعنوان "الفراغ الذي تركته الولايات المتحدة شمالي سوريا يوفر حاضنة لتفريخ عناصر لتنظيم الدولة الإسلامية". وضح فيه "إنه من السخرية أن يقول ترامب إن تركيا ستكون مسؤولة عن اعتقال عناصر تنظيم الدولة الإسلامية القابعين رهن الاحتجاز في معسكرات التنظيمات الكردية المسلحة مثل واي بي جي حيث أن مستشار التحالف المحارب للتنظيم سابقا بريت ماكغورك اتهم تركيا قبل ذلك بأنها رفضت التعاون مع التحالف في جهوده لمحاربة التنظيم علاوة على أن أكثر من 40 ألف ارهابي أجنبي دخلوا سوريا للانضمام إلى التنظيم عبر أراضيها".

وذكرت صحيفة "واشنطن بوست"، أن القوات الأمريكية تسلمت من الفصائل الكردية عشرات من أبرز المعتقلين "الدواعش"، بمن فيهم بريطانيان اثنان، لمنعهم من الهروب من السجون الواقعة شمالي سوريا. ونقلت الصحيفة عن مصادرها، إن "العسكريين الأمريكيين تسلموا نحو 40 معتقلا يعتقد أنهم من القيادات البارزة في داعش، وبينهم البريطانيان ألكسندر كوتي والشافعي الشيخ، وهما عضوان من مجموعة كانت تضم أربعة مسلحين أطلق عليها بيتلز نسبة إلى الفريق الغنائي البريطاني الشهير، بسبب لكنتهم البريطانية". وسبق أن احتجز الرجلان وتقرر تسليمهما للمحاكمة في الولايات المتحدة بتهمة تورطهما في عمليات قتل وتعذيب عشرات الرهائن الغربيين، بينهم أمريكيون، أمام عدسة الكاميرا. وكان زعيم خلية "بيتلز" محمد موازي، المشهور باسم "الجهادي جون"، قد قتل في ضربة جوية استهدفته في سوريا في تشرين الثاني/ نوفمبر عام 2015، بينما اعتقل العضو الرابع في المجموعة آين ليسلي ديفيس في تركيا وأدين هناك بتهمة الإرهاب.

وحسب الصحيفة، فإن "القوات الأمريكية نقلت كوتي والشيخ إلى العراق، بعد أن بدأ الأكراد بسحب بعض قوات حراسة معتقلات الدواعش بشمال شرق سوريا، لتوجيهها إلى جبهات القتال ضد القوات التركية، ما أثار مخاوف من احتمال هروب الدواعش من سجونهم".

واتهمت قوات سوريا الديمقراطية الجيش التركي باستهداف أحد السجون التي يحتجز فيها مسلحو "داعش"، في شمال شرق الأراضي السورية، خلال عدوانه في ما أطلق عليه "نبع السلام"، ضد القوات الكردية هناك بدعوى "محاربة الإرهابيين" وإقامة ما يسمى "منطقة آمنة" على طول الحدود التركية السورية.

 اعتراف ترامب في تغريدته عن نقل الولايات المتحدة بالفعل اثنين من داعش مرتبطين بقطع الرؤوس في سوريا إلى خارجها، وكشف قناة "الحرة" الأمريكية عن مصدر بوزارة الدفاع أن العنصرين "يحملان الجنسية البريطانية ونقلا إلى مكان سري في العراق"، وتاكيد شبكة "سي إن إن" الأمريكية، أن العنصرين هما "ألكساندا آمون كوتي" و"الشافي الشيخ" اللذين كانا عضوين في خليّة الإعدامات، وكذلك شبكة (إيه بي سي نيوز) الأمريكية، اضاف هذا الاعلان والكشف الى إن الهدف هو نشر مخاوف من أن يؤدي عدوان عملية "نبع السلام"! التي تنفذها تركيا الى هروب سجناء لداعش في السجون الخاضعة لسيطرة تنظيم "ي ب ك"  الكردي.

كل ما سبق ذكره يؤكد أن الإرهابيين المعتقلين في سجون تحت سيطرة الفصائل الكردية المتحالفة مع الولايات المتحدة الأمريكية والمدعومة منها عسكريا وسياسيا،  هم تحت إشراف الإدارة الأمريكية، والرئيس الأمريكي ترامب نفسه على اطلاع على الأمر كله، وتدير أجهزته كل ما يتعلق بهم من حيث العدد والمكان والاسماء ودرجات الخطورة والسيّر الذاتية لكل ارهابي. كما أن الصورة التي تنشر تبين أن الإرهابيين الموجودين حاليا هم حصة الرئيس الأمريكي وادارته، وكما هي سياساته تتناقض في الأرقام التي تعد عدد المعتقلين منهم، أو المنتشرين في المناطق التي احتلتها في الأراضي السورية. وتتضارب الأرقام بين المسؤولين الأمريكيين، حسب الأهداف التي ينشدونها من تضخيم الإعداد أو التقليل منهم، بينما الخبراء الآخرون، ولاسيما المتحدثون بالعربية، عربا أو مستشرقين، فيطرحون أرقاما متناقضة ايضا، إذ تتراوح الأرقام بين أربعين الفا، أو احد عشر الفا، كما تتناقض أعداد المنتسبين لكل دولة من الدول المشاركة في ما سمي بالتحالف لمحاربة تنظيم داعش من مواطنيهم المرسلين منهم أو الهاربين من سلطاتهم والمنتمين للتنظيم الارهابي. وليس مستغربا في كل الاحوال أن هناك من يستعمل الأرقام لإثارة المخاوف أو التبشير بعودة التنظيم. فقد رأى الكاتب ديفيد اغناطيوس في ما نشره في صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية ان الرئيس الأميركي دونالد ترامب فتح الباب أمام كابوس حقيقي يتمثل بعودة تنظيم "داعش" الإرهابي، بعد موافقته على بدء عدوان تركي شمال شرق سوريا.

وأضاف الكاتب أن الخطر لا يكمن فقط في الخلايا النائمة، بل يتمثل بمقاتلي "داعش" الذين اعتقلتهم "قوات سوريا الديمقراطية - قسد" البالغ عددهم حوالي 11,000 مقاتل، محذرا من أن هؤلاء قد يحاولون الفرار في اية لحظة. ووصف الكاتب التصريحات التركية حول ضبط الوضع الأمني في مخيمات احتجاز ارهابي"داعش" بـ"الفارغة"، مذكرا أن "العديد من الإرهابيين قد وصلوا إلى سوريا عبر تركيا". وحذر الكاتب من أن "الأوضاع قد تتفاقم في حال عدم التحرك بسرعة". فاين قول ترامب بالقضاء على داعش؟!.

تختلف الأرقام والاعداد لكن من الواضح أن سجناء التنظيم الارهابي هؤلاء هم حصة ترامب والورقة التي سيلعب عليها في استمرار توتر الأوضاع وعدم الاستقرار، وربما يضعه تهديدا بلون أو اسم اخر يخيم على المنطقة الساخنة في الأيام المقبلة.

 

كاظم الموسوي

 

عبد الحسين شعبان.. المنظور والمستور وما بينهما

ليس من المجدي البحث عمّن أطلق "الشرارة الأولى" لحركة الاحتجاج التشرينية في العراق، فما إن اندلعت الشرارة حتى سرت مثل النار في الهشيم لتصل إلى السهل كلّه، فحالة الاحتقان والغضب عبّرت عن عمق الأزمة التي تحيط بالعملية السياسية التي ابتدأت بعد الاحتلال الأمريكي للعراق في العام 2003.

وسرعان ما توسّعت حركة الاحتجاج لتّتخذ شكل هبّة شعبية غير منظّمة، شارك فيها فتية وشبّان جلّهم بعمر الـ 20 عاماً، ومن غير المحسوبين على الأحزاب السياسية المشاركة في السلطة، خصوصاً في ظل استفحال البطالة التي تصل حسب التقديرات الرسمية إلى أكثر من 30% وفي بعض المحافظات إلى نحو 50% من القوى العاملة. ويقدّر أن ربع السكان يعيشون دون خط الفقر، أي بأجور لا تزيد عن دولارين في اليوم، وتفشي الفساد على نحو غير مسبوق، ناهيك عن استمرار نظام المحاصصة الطائفي - الإثني، وانفلات حيازة السلاح واستخدامه بأسماء مختلفة.

إن الطبيعة العفوية للتظاهرات والصفة الاستقلالية للمحتجين هي حالة جديدة تعكس عمق الهوّة بين الأحزاب والتيارات والكتل السياسية، ولاسيّما الحاكمة والمشاركة من جهة، وبين الشارع الذي يضم الأغلبية الصامتة من المواطنين المستلبين والمطحونين والذين فقدوا الأمل في إمكانية إصلاح الأوضاع وتحسين ظروفهم المعاشية، من جهة أخرى.

ولأن السلطة واجهت الحركة الاحتجاجية بالعنف والقمع واستخدام القوة المفرطة، منذ الدقائق الأولى، كما اعترفت لاحقاً، فإن ردود فعل الحركة الاحتجاجية اتجهت إلى حرق عدد من مقرات الأحزاب التي اعتبرتها مسؤولة أو مشاركة في المسؤولية التي وصلت إليها البلاد، الأمر الذي طرح شعارات من قبيل تغيير الحكومة وإقالة رئيس الوزراء وحلّ مجلس النواب وإجراء انتخابات مبكّرة، فضلاً عن النقمة على بعض القوى الإقليمية، حيث ارتفعت بعض الهتافات ضد إيران والقوى المدعومة منها.         وكانت بعض شعارات الهبّة الشعبية ذات طبيعة وجدانية من قبيل "نريد وطناً" و"نازل آخذ حقي" و"هيهات منّا الذلة".

وعلى الرغم من عفوية الشعارات وعدم وجود قيادة موحدة أو هيئة تنسيقية أو تنسيقيات معروفة لإدارة حركة الاحتجاج، فإن الشعارات الوطنية العابرة للطائفية والعرقية كانت هي الجامعة، وهكذا ترفّع هؤلاء الفتية والشبان الذين نشأت أغلبيتهم الساحقة في ظل الحصار الدولي الجائر والاحتلال فيما بعد، من التخويض في المستنقع الطائفي أو الإثني، وتجنبوا كل ما له علاقة به.

ومثلما كان آباؤهم وأخوانهم الأكبر سنّاً يحلمون بتغيير يزيح الدكتاتورية ويحقق طموحاتهم في حياة كريمة، فقد كان هؤلاء يحلمون بعراق جديد ينعمون فيه بالأمن والأمان ويتمتعون فيه بالحدّ الأدنى من الحياة الحرّة الكريمة مثل سائر الشعوب والأمم،  فإذا بحيتان الفساد يسرقون حتى أحلامهم ويبدّدون ثروات البلاد لحساباتهم الشخصية، ويتبخّر نحو تريليون دولار (ألف مليار دولار) هي واردات النفط للسنوات المنصرمة، دون أن يتحقّق لهم شيئاً يُذكر على صعيد التنمية بجميع أركانها، وما تزال الخدمات وبشكل خاص الصحية والتعليمية والبلدية دون مستوى الحد الأدنى.

حين يقول المحتجون أنهم يريدون "وطناً"، فهذا يعني شعور قلق وعدم طمأنينة وذلك بسبب التمييز والاستغلال والنهب، الأمر الذي يعني تعاظم الشعور بذبول الهويّة أو تبدّدها وتشويهها، فالوطن يعني وجود مواطنة ومواطنون لهم الحقوق مثلما عليهم الواجبات، ويخضع الجميع للقانون، وحسب مونتسكيو : فالقانون مثل الموت لا يستثني أحداً، وستكون المواطنة مبتورة وناقصة ومشوّهة مع الفقر والعوز والحاجة والجهل والأمية.

يمكن القول بكل بساطة إن هدف حركة الاحتجاج هو تحقيق مواطنة سليمة ومتكافئة وتوفير فرص عمل وإنهاء للفساد ومساءلة المفسدين والحصول على حزمة الخدمات الضرورية ، لاسيّما في العمل والصحة والتعليم والسكن وغيرها، ومثل تلك القراءة لا تلغي التداخلات والاختراقات والتجاذبات التي حصلت لاحقاً، والتي نسب بعضها إلى ضلوع قوى أجنبية لإحداث "فتنة عراقية" تم احتواؤها بطريقة ناعمة حسب مصادر حكومية ، وهو أمر يحدث، لكنه ليس مبرراً لاستخدام القوة المفرطة في مواجهة شعب أعزل وتظاهرات سلمية، كانت حصيلتها أكثر من 120 قتيلاً وما يزيد عن 6 آلاف جريح بحسب التقديرات الرسمية بمن فيهم من القوى الأمنية.

ويمكن استخلاص بعض الاستنتاجات الجديدة من خلال الإضاءة على الأزمة الراهنة:

أولا- تكاتف الطبقة السياسية الحاكمة والمشاركة في الحكم، فلم تنحاز أي منها  لجانب الحركة الاحتجاجية، على الرغم من تأكيد جميعها إن مطالبها عادلة ومشروعة، بل أن بعضها يزعم أنها مطالبه التي سبق أن رفعها ودعا إليها، لكنه لم يقف معها وظل موقفه يتراوح بين الرفض والسخط والتشكيك أو لعب دور المتفرج وأحياناً الناصح.

ثانياً - أظهرت الحركة الاحتجاجية أن الصراع الأمريكي- الإيراني على الأرض العراقية قوياً ومؤثراً، وعلى الرغم من حدّته فيما يتعلق بالعقوبات الأمريكية على إيران ومحاولة العراق تجنّب الانخراط فيها أو النأي بالنفس كما يقول بعض ساسته، فإنه ليس بعيداً عنها، سواءً أراد أم لم يرد، وحتى لو كانت رغبة رئيس الوزراء والفريق الحاكم تجنب تأثيراته أو لعب دور توفيقي فيه كما هي زيارة عبد المهدي إلى الرياض، فإنه  لن يتمكن من لعب مثل هذا الدور فالقرار لا ينبع من رغبة بقدر ما يعكس توازن القوى على الساحة العراقية. فالعراق نصفه لطهران، بحكم امتداداتها ونفوذها السياسي والمذهبي والأمني وارتباط مجاميع سياسية بها ، ونصفه الثاني لواشنطن بحكم "اتفاقية الإطار الاستراتيجي" التي ظلّت تحكم العلاقات الأمريكية- العراقية منذ العام 2008 ولحد اليوم، وترتب هذه الاتفاقية التزامات على العراق بما فيها التزامات سياسية وعسكرية وأمنية واقتصادية وعلمية وغيرها، ناهيك عن ذيول عملية الاحتلال منذ العام 2003.

ثالثاً- إن السياق الذي سار عليه رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، وهو رجل معتدل وصاحب خبرة، لم يختلف كثيراً عن السياقات التي سبقته إليها الحكومات السالفة ، حيث ظلّ مرهوناً لتوازنات ضاغطة عليه، فلم يستطع بحكم نظام المحاصصة وضع حلول ومعالجات سليمة اقتصادية واجتماعية وثقافية  عاجلة لمعالجة الأزمة البنيوية التي يعاني منها العراق منذ الاحتلال الأمريكي ، وظلّ أسيراً لتلك التوازنات التي دفعته إلى دست السلطة، ولعلّ بعضها يرغب في دفعه خارجها بعد أن أصبح وجوده فيها أمر واقع.

رابعاً-  تم اختيار عادل عبد المهدي من خارج البرلمان وضمن صفقة سياسية توافقية لعبت فيها مرجعية السيستاني الدور الأكبر وبموافقة إيرانية ودون اعتراض أمريكي، وقد كان "مرشح تسوية"، حيث كانت المنافسة في الجولة الأخيرة بينه وبين فالح الفياض، لكن حظوظه كانت أوفر من الآخر الذي تولى منصب مستشار الأمن الوطني ومسؤولاً عن "الحشد الشعبي"، وهو جيش موازٍ للجيش النظامي، حتى وإن أُخضع لنظامه، لكن تشكيلاته كانت متمايزة عنه، وقد تأسس عقب احتلال داعش للموصل بعد 10 يونيو (حزيران) 2014 وتمدّده في محافظات صلاح الدين والأنبار وأجزاء من ديالى وكركوك وصولاً للعاصمة بغداد.

خامسا- إن الهبّة الشعبية هي امتداد لهبّات سبقتها، وإذا كانت هذه المرّة في المناطق ذات الأغلبية الشيعية مثل الحلة والديوانية والنجف وكربلاء والعمارة والناصرية والبصرة وغيرها، إضافة إلى بغداد ، فإن حركة الاحتجاج في المناطق ذات الأغلبية السنية سبقتها في أواخر العام 2012 وما بعدها، حيث عانت تلك المناطق من كل ما تعاني منه المناطق الشيعية، إضافة إلى التهميش والعزل والإقصاء والتمييز، والجميع عانوا من نظام المحاصصة والفساد وضعف مرجعية الدولة على حساب المرجعيات الأخرى.

وقد شهد العراق حركة احتجاجات سلمية واسعة منذ العام 2011 تلك التي اندلعت برفع مطالب شعبية عامة خارج دائرة الاصطفاف الطائفي والإثني . ووصلت في العام 2015 إلى اقتحام " المنطقة الخضراء" وصولاً إلى البرلمان، حيث تم العبث ببعض ممتلكاته، وهكذا لم تنجُ الحكومات المتعاقبة في عهد المالكي والعبادي واليوم عبد المهدي من الاحتجاجات الصاخبة.

سادساً- كانت حكومة إقليم كردستان الأكثر وضوحاً في موقفها السلبي من حركة الاحتجاج ، لاسيّما للدعوات التي ارتفعت لإقالة عبد المهدي، وازدادت خشيتها من دخول السيد مقتدى الصدر رئيس "كتلة سائرون" على خط الأزمة، حين دعا  في تغريدة له إلى استقالة حكومة عبد المهدي والذهاب إلى إجراء انتخابات مبكرة، وكان بيان قد صدر بعد لقاء مسعود البارزاني رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني ود.أياد علاوي رئيس كتلة الائتلاف الوطني العراقي، أكّد فيه الجانبان على دعم حكومة عبد المهدي، خصوصاً وإن الكرد وحكومة الإقليم لم يجدوا أكثر منه مرونة في الاتفاق على تسوية المشاكل  العالقة، والتي قد تمهّد الطريق أمام معالجة موضوع النفط  وغيره من المسائل العقدية.

وإذا كانت حركة الاحتجاج لم تتمكّن من الاستمرار بذات الزخم بعد نحو أسبوع من المواجهة غير المتكافئة، لاسيّما عدم وجود ظهير سياسي يقف خلفها، ناهيك عن استخدام القوة المفرطة ضدها، أو احتواء بعض مطالبها بإجراءات تجميلية أو تهديئية، لكنها من جهة أخرى عمّقت الشرخ بين الشارع والحكومة وبين الشارع والأحزاب السياسية التي يتهمها المحتجون بأنها أسّ الفساد، وهو أمر قد يتكرّر إذا لم تكون الحلول سليمة والوعود منجزة وسريعة.

لقد اضطرّت الحكومة على لسان رئيس الجمهورية برهم صالح الاعتراف باستخدام القوة المفرطة ضد المحتجين، وطالبت بمحاسبة المسؤولين عن ذلك، وخصوصاً بعد اقتحام مدينة الصدر وسقوط عدد من القتلى، وكمعالجة عاجلة وسريعة لاحتواء الأزمة أصدرت الحكومة 17 قراراً صادق عليها البرلمان لامتصاص الغضب الشعبي، وبعض تلك الإجراءات مؤقتة وليست أكثر من حقنة مورفين مهدّئة : رواتب لمدة 3 أشهر للعاطلين ووعود بتمليك قطع أراضي وإيجاد فرص عمل وبرامج تدريب وقروض للشباب وضرب المفسدين (إحالة نحو 1000 ملف فساد إلى القضاء) وغير ذلك، لكنها لم تطفئ غضب الشارع.

وكانت الحكومة قد لجأت إلى بعض الإجراءات العقابية للحدّ من تأثير حركة الاحتجاج مثل التعتيم الإليكتروني وقطع الانترنيت واعتقالات ومداهمات لبعض المشاركين في الحركة أو الذين حاولوا اختراقها، وضع حواجز وتقطيع شوارع وطرقات للحيلولة دون وصول المحتجين إلى أماكن التجمع الرئيسية، إلا أن الحركة الاحتجاجية وإن خفّت نبرتها استطاعت من بلورة المطالب الشعبية الرئيسية وإعادة صياغتها وأجبرت الحكومة على التراجع، خصوصاً حين تعمّق كشف المنظور وأزيح الستار عن المستور، وما يزل جدار الأضداد ينذر بالمزيد من التباعد بين الحكومة والمجتمع، ناهيك عن أن صراع الأضداد يزداد اتساعاً، ولاسيّما بين طهران وواشنطن.

 

عبد الحسين شعبان

أكاديمي وأديب عراقي

 

عبد الرزاق العيسىانضمام العراق الى اتفاقية حظر الأَسلحة الكيميائية

منظمة حظر الأَسلحة الكيمياوية (OPCW)

بعد 12عاماً من المفاوضات، اعتمد مؤتمر نزع السلاح اتفاقية الاسلحة الكيميائية في جنيف بتأريخ 3/9/ 1992م. وهذه الأتفاقية تتيح التحقق الصارم من امتثال الدول الاطراف لها وفتح باب التوقيع على الاتفاقية في باريس في 13/1/  1993م  وبدأ تنفيذها في 29/4/ 1997م . وتعدّ اتفاقية الأَسلحة الكيميائية أَول اتفاق على نزع السلاح يجري التفاوض بشأنه في إِطار متعدد الأَطراف وينص على القضاء على فئة بأكملها من أَسلحة الدمار الشامل، في ظل رقابة دولية تطبق على الصعيد العالمي .

وعلى سبيل التحضير لبدء تنفيذ هذه الاتفاقية، شكلت لجنة تحضيرية لمنظمة حظر الأَسلحة الكيميائية، وأُنيط بها تهيئة إِجراءات مفصلة للتنفيذ، وإيجاد الهياكل الأَساسية اللازمة للوكالة المنفذة الدائمة المنصوص عليها في الاتفاقية . وحددت مدينة لاهاي  في هولندا مقراً لهذه المنظمة . وبدأ تنفيذ الاتفاقية في 29/4/ 1997م، عندها أُنشئت رسمياً منظمة حظر الأَسلحة الكيميائية وموقع الأَمانة الفنية لهذه المنظمة في (لاهاي) بهولندا . وقد انضم الى الاتفاقية حتى عام 2019 بحدود 189 دولة تمثل ما يقرب من 98 في المائة من سكان العالم . ومهمة منظمة حظر الأَسلحة الكيميائية تنفيذ أَحكام الإِتفاقية، وإيجاد نظام شفاف ذي مصداقية للتحقق من تدمير الأَسلحة الكيميائية ؛ ومنع تجدد ظهورها في أَية دولة عضو ؛ وتوفير الحماية والمساعدة ضد الأَسلحة الكيميائية ؛ وتشجيع التعاون الدولي في الإِستخدامات السلمية للكيمياء ؛ وتحقيق العضوية العالمية في المنظمة . ولابد من الإشارة الى أن اتفاق العلاقة بين الامم المتحدة ومنظمة حظر الأَسلحة الكيميائية، الذي إعتمدته الجمعية العامة في أيلول/سبتمبر 2001م، هو الذي ينظم التعاون بين هاتين المنظمتين .

انضمام العراق الى اتفاقية حظر الأَسلحة الكيميائية

في 30 تموز 2007 صادق مجلس النواب على قانون انضمام العراق الى اتفاقية حظر الأَسلحة الكيميائية وفي العامين 2007و2008 وقبل انضمام العراق رسمياً الى الاتفاقية الكيميائية وفي مرحلة التحضيرات للتوقيع والانضمام اقامت المنظمة ورشتي عمل خاصة بالخبراء العراقيين في اعداد الاعلان الاولي، وقد شارك فيها خبراء السكرتارية الفنية للمنظمة فضلا عن المراقبين من خبراء الولايات المتحدة وبريطانيا واليابان نتج عنها اكمال الاعلان الاولي الذي ضم اكثر من 200 صفحة .

وفي 12 شباط 2009 أصبح العراق دولة طرف في الاتفاقية. وعلى وفق الاتفاقية ترتب على العراق عدد من الالتزامات لتنفيذ أَحكامها، في مقدمتها:

- الإِعلان عن جميع الأَنشطة المتصلة بالأَسلحة الكيميائية إِبتداءً من عام 1945م .

- تدمير الأَسلحة الكيميائية والمرافق والمخازن والمواد والمعدات التي أُستخدمت في تصنيع الأَسلحة الكيميائية العراقية بموجب المادة الاولى/الإِلتزامات العامة / الفقرتين 2و4 .

- تقدم الدولة الطرف الى المنظمة في موعد لا يتجاوز 30 يوماً من بدء نفاذ الاتفاقية إِعلاناتها الخاصة بالأَسلحة الكيميائية وأماكن خزنها ومرافق تصنيعها بموجب المادة الثالثة .

- تقدم خطتها العامة لتدمير الأَسلحة الكيميائية التي تمتلكها أو توجد في حيازتها بموجب المادة الثالثة .

- تخضع المواقع التي تخزن أو تدمر فيها الأَسلحة الكيميائية جميعها لتحقق منهجي عن طريق التفتيش.

- في 12اذار 2009 قدم العراق اعلانه الاساسي الى السكرتارية الفنية لمنظمة حظر الاسلحة الكيميائية.

تشكيل اللجنة الفنية والاستشارية لتصفية بقايا برنامج الاسلحة الكيميائية العراقي

في 28 نيسان 2010 وباقتراح من هيئة الرقابة الوطنية بتشكيل لجنة فنية من الجهات العراقية، صدر الأَمر الديواني (83) لسنة 2010 بتشكيل لجنة فنية لتنفيذ التزامات العراق بموجب المادة الثالثة / الفقرة1/أ/5  من إتفاقية حظر الأَسلحة الكيميائية، بوضع خطة لتصفية محتويات مخزنين من بقايا ملوثة من البرنامج الكيميائي السابق، واللذين غُلِقا من قبل اللجنة الخاصة التابعة للأمم المتحدة عام 1994م. وفي 6تشرين الاول 2010 صدر قرار مجلس الوزراء (364) لسنة 2010 والمتضمن المصادقة على توصيات اللجنة الفنية المشكلة بموجب الأمر الديواني (83) لسنة2010 لغرض تحقيق متطلبات تنفيذ التزامات العراق بموجب المادة الثالثة الفقرة 1/أ/5 من اتفاقية حظر الأَسلحة الكيميائية، واستثنى القرار الفقرة (4) من التوصيات والمتعلقة بتشكيل الهيكل التنظيمي للمشروع والموازنة المستقلة وخول وزير العلوم والتكنولوجيا اتخاذ الإجراءات اللازمة لتنفيذ التوصيات، والتي نصت على تشكيل لجنة استشارية تتولى متابعة تنفيذ مشروع تصفية محتويات مخازن منشأة المثنى (الملغاة) وتحديد المبالغ المطلوبة واصدار الخطط الخاصة بعملية التصفية .

في 15 كانون الاول 2010 أَصدر مجلس الأَمن الدولي القرار 1957(2010) حيث أَبدى ترحيبه بانضمام العراق الى اتفاقية حظر الأَسلحة الكيميائية وقرر أن ينهي التدابير المتعلقة بأسلحة الدمار الشامل بموجب الفقرات 8و9و10و12و13 من القرار 687(1991) والفقرة 3من القرار 707(1991) وان يستعرض في غضون سنة التقدم الذي أحرزه العراق فيما يتعلق بالتزاماته في اطار اتفاقية الاسلحة الكيميائية .

في 14نيسان 2011 صدر قرار مجلس الوزراء (119) لسنة 2011، الذي تضمن ما يأتي :

اولاً: المصادقة على توصيات الاجتماع الثاني للجنة تصفية مخازن منشأة المثنى (الملغاة) .

ثانياً: خصصت وزارة المالية وبالتنسيق مع وزارة العلوم والتكنولوجيا مبلغ قدره 69،609،000،000 مليار دينار تمول حسب مراحل العمل لسنة 2011 والسنوات الثلاثة اللاحقة، ليس بضمنه الاجهزة والمعدات التخصصية التي يجري التفاوض مع بعض الدول الاطراف لغرض الحصول عليها بشكل مساعدات .

 

أ.د. عبد الرزاق عبد الجليل العيسى

 

 

عدنان ابوزيدلا يكفي تبني المشروع الديمقراطي في طروحاته النظرية، إذا لم يجد مسلكا له على أرض الواقع، فتكون نتيجة الفشل، اما فوضى سياسية واجتماعية، وانقسام مجتمعي خطير يصل الى تقسيم البلدان، أو انقلابات عسكرية، تعيد ترتيب، خرائط النفوذ، وتتحكم بطريقة استبدادية في مستقبل البلدان.

حين تجنح الديمقراطية عن مسارها، أو يُساء استخدام أدواتها، فانّ الفرصة مواتية لوصوليين وأفراد غير مناسبين، او متزمتين، يستغلون الميكانيكيات الديمقراطية لتنفيذ مشروع القبض على مقاليد السلطة.

اختبارات كثيرة تبرهن على انّ الديمقراطية تصبح أداةَ خطرة بيد من يسيء استخدامها كما في ألمانيا في الاربعينيات من القرن الماضي، بتسلق هتلر السلطة، على سلّم ديمقراطية قائمة على دستور ليبرالي، واستغلاله الحريات المتاحة وانهيار الاقتصاد واتساع هوة الفقر والفساد، والشعور الشعبي بالخذلان من التعددية السياسية، لتدمير النظام السياسي، وقد سهّل ذلك على الحزب النازي اقناع الناس بان الديمقراطية داء، لينفرد في مقاليد الحكم.

أوصلت الديمقراطية الصربية الرئيس سلوبودان ميلوسيفتش الى الحكم، بعد تأجيج المشاعر القومية، مطلقا حربا من أجل التطهير العرقي، مكرّسا هيمنة الحزب الواحد.

في فنزويلا، كرّس الرئيس هوجو شافيز، سلطة فردية، وسعى الى تعديل الدستور لتأمين رئاسة مدى الحياة.

في زيمبابوي، سار الرئيس موجابي على سكة الديمقراطية للوصول الى الكرسي، حتى اذا بلغه صار صاحب الصوت الأوحد في بلاده، مهمّشا دور الاحزاب، ومعطلا آليات الديمقراطية.

الديمقراطية الفاشلة فرصة سانحة للعسكر في الوثوب الى السلطة، كما في تجربة تشيلي. ففي العام 1970 وصل الزعيم الاشتراكي سلفادور الليندي إلى رئاسة تشيلي في انتخابات حرة، لكن الطامحين الى الحكم من سياسيين وعسكر استولوا على السلطة في 1973، وحاصرت دبابات أوغستو بينوشيه القصر الرئاسي بالدبابات، مطالباً الليندي بالاستسلام.

في العراق، لم يكن بناء نظام ديمقراطي بعد الاجتياح الامريكي في 2003 سلسا، إذ كادت الحرب الاهلية الطائفية ثم الإرهاب، أن تفتك بالوليد الديمقراطي. وإذا كانت البلاد نجحت في وأد الخطر، فان الفساد وسوء الإدارة لا يزالان يهددان التجربة العراقية بالفشل، أو في عدم صعودها الى أمام، على أقل تقدير.

في لبنان، لم تنجح الديمقراطية اللبنانية في تقديم نموذج ناجح ومستقر، فانزلقت البلاد الى حرب أهلية، وانفتحت الأبواب أمام التدخلات الخارجية، وراهنت الاحزاب على الولاءات الاقليمية، ما جعلها بعيدة الى الان عن مربع الاستقرار السياسي.

 الديمقراطية التركية، هي أقدم ديمقراطية في الشرق الأوسط، الا انها كانت حذرة من العسكر، ومن القوى الدينية المتشددة، على الدوام. وقد أدى ذلك الى انقلاب مفاجئ على رجب طيب إردوغان العام 2016، وقبل ذلك كان انقلاب 1980 الذي برّر تحركه في فوضى الاقتتال بين الجماعات القومية واليسارية.

وتبدو ديمقراطية تركيا، أكثر نضوجا من غيرها على رغم العثرات، ومن ملامح نجاحها ان إردوغان الذي مُنِع من مزاولة السياسة مدى الحياة بسبب إلقائه قصيدة يقول فيها بأن الإسلام هو مرجعيته، يشغل حاليًا منصب الرئاسة، بعد 11 سنة قضاها في منصب رئيس الوزراء.

الديمقراطية الباكستانية، متّهمة بتوفير ساحة لصراع مرير دائم بين الحكم المدني والعسكري، وبين القوى الليبرالية والدينية، لذلك ظلت الدولة على الدوام امام تهديد تحوّلها الى دولة دينية أو دكتاتورية عسكرية.

الدول الديمقراطية "الحقيقية" هي أقلية اليوم بين دول العالم، إذ أن نسبتها لا تتعدى ثلث دول العالم، لاسيما وان التجارب تفيد بان الديمقراطية ليست الخيار الأفضل دائما للشعوب التي تمزقها الحروب، وتوجهّها حساسيات مذهبية وقومية مفرطة، ويغيب الوعي عن أفرادها، ويتدنى مستوى التعليم بينهم، فضلا عن ارتفاع نسب الفقر، والمنظومة الاجتماعية القائمة على الاقطاعيات، والفوارق الطبقية، والقوى العشائرية، وغياب ثقافة التعددية وانحسار دور الطبقة الوسطى.

 

عدنان ابو زيد

 

محمد عمر غرس اللهيعد وصول قيس سعيد (الرئيس السابع للجمهورية التونسية) - لقصر قرطاج بخطابه الذي تقدم به للإنتخابات - حدثاً ملفتاً يتطلب النظر والتحليل، فالرجل قادم من خارج المؤسسة الحزبية التقليدية وتم أختياره وفق الإنتخابات الرئاسية، وهو أستاذ جامعي في مجال القانون تعرفه قاعات الجامعات التونسية في تونس العاصمة وسوسة متخصصاً في القانون الدستوري، قدم خطاب في حملته الإنتخابية معبراً عن مسار جديد في الخط السياسي التونسي الرسمي فيما يتعلق بالسيادة الوطنية، والموقف من القضية الفلسطينية، وما يتعلق بالعلاقة مع الكيان الصهيوني الغاصب، كما قدم وبشكل ملفت لغة عربية قوية وسليمة بعيدة عن التلهيج والفرنسة، كل هذه السمات تبدو مهمة ولافت في ما نتوقعه من تأثير يحدثه هذا الرئيس القادم في زمن يبدو حيوي، وهذا سيكون له معنى عربياً بكل تأكيد، دعونا نرى

إننا بالنظر للحدث المهم في تونس لسنا في وارد الحديث عن الخوارق السياسية او ظهور السياسي السوبرمان، ولكننا أمام توقع تأثير الخط الذي بدا عليه الرئيس الجديد، والذي يمتح من مسيرته السياسية في مجال القانون وخطابه الانتخابي المميز والواضح والذي حمل الجديد (كرئيس) في التعبير بصوت سياسي جديد من طراز مختلف هو اليوم في قصر قرطاج – رئيساً - وما يمكن أن يتوقع منه في إحداث تغيير وتطوير يمس الوضع الوطني التونسي خاصة في الأعماق المهمشة، وأيضا ما يعبر عنه من الرؤية الشعبية التونسية فيما يتعلق بالقضايا الإستراتيجية أمام الوضع العربي المتردي، وتصحيح الدور التونسي الرسمي حياله.

 في الحقيقة أن وصول (قيس سعيد) لقصر قرطاج في تونس يقول شيئاً مهما في الداخل والخارج، ويمكن لنا  أن نتوقع تغيرات إيجابية داخلية وخارجية فهو وصل بإنتخابات نظيفة مرضي عنها شعبياً وبطريقة مشروعة وفق النظام السياسي التونسي وهو ما يعطيه مشروعية وقوة وفاعلية تحريك وإحداث تغيير إيجابي حقيقي، وفي ذلك ثمة تحديات تواجهه يمكن حصرها في:

تحديات داخلية:

أولاً: تحديات أساسية وحاسمة متعلقة بإمكانية تحريك عجلة التنمية نحو الدواخل والأعماق المهمشة وكسر الطبقية الجغرافية والمناطقية التي تعرفها تونس، تلك المناطق الفقيرة المعدومة التي تعيش في الظل سوى حول المدن الكبرى أو في الجنوب التونسي، من حيث ضعف البنية التحتية وإنعدام أماكن الشغل وفرص العمل، خاصة الأسر الفقيرة والنساء العاملات في الفلاحة والقطاعات الوسطى من الشباب المهمش في الدواخل التونسية، وهو أمام تحدي يحقيق توازنات تنموية وتساوي الإنجاز بين الجهات التونسية، وذلك بالفكاك من سطوة رجال الأعمال وتأثيرهم على الخط السياسي وإتجاهات التنمية وتوزيعها الجغرافي، الأمر الذي يساهم في تجفيف منابع إستغلال الشباب في حروب  الجيل الرابع، ويوقف نزيف الهجرة إلى الخارج، ويحدث إنتعاش حيوي في الأعماق التونسية.

ثانياً: تحديات متعلقة بإحداث تطوير إيجابي في بنية المنظومة السياسية في تونس، وحلحلة المنظومة العميقة التي تجذرت وتمكنت عبر الزمن، وهي التي تشكل البيئة التي تؤثر في تونس على المدى الأعمق والأبعد، وهي مكونة من شخصيات تاريخية مخضرمة لها أتباعها في العمق ذات نزوع له تأصيله يعتمد أحياناً على الأرث البورقيبي، وله شبكته التي تنسج خيوطها وفاعليتها في مفاصل الدولة وهي الأكثر تاثيراً في الأوقات حاسمة خاصة في التنسيق مع الغرب والولايات المتحدة تحديداً، فبالمعنى الذي ظهر عليه قيس سعيد في خطابه الانتخابي وسيرته الذاتية - يبقى هذا الرئيس الجديد أمام تحدى: إما أن تحتويه هذه المنظومة عبر خطوطها العريضة فيتوافق معها ويسير في إطارها العام مع السماح له بهامش التعبير والمناورة، او يستطيع هو حلحلتها وبالتالي يتمكن من فنح الباب لتنويع هذه المنظومة من الواقع التونسي الذي عبر هو عن الكثير من تجلياتها بطريقة او أُخرى من الطيف التونسي المتنوع (تنوعات القوميون العرب والقوى الوطنية الشعبية بتنوعاتها والإتحاد التونسي للشغل) بالإستفادة من وصول شخصيات تمثل العمق  التونسي بمعناه العربي والقومي للبرلمان التونسي (حركة الشعب – المثقف الصافي سعيد – سالم الابيض .. وغيرهم)، فهل ينجح بصنع معنى لهذا الطيف يكون له تأثيره العميق والمستمر سياسياً وإقتصادياً، وهل يستطيع أن يلعب دور المايستروا بجعل كل ذلك معتبراً في الخط العريض للسياسة التونسية الرسمية داخلياً وخارجياً، متسقاً مع ما كان يقوله أثناء الحملة الإنتخابية فيما يتعلق بقضايا الأُمة العربية والعروبة والتطبيع وموقفه الواضح الجلي من القضية الفسطينية بشكل يبدو جذري، وحلحلة إتجاه الدور التونسي الخفي (دور الجهاز السياسي العميق والأمني والعسكري المتحالف والمتسق مع القفاز القطري - دور حركة النهضة واذرعها) في ما يجري في ليبيا، وأيضا الأكثر إثارة وأهمية موقفه من قضية اللغة العربية التي دأب على التعبير بها فصيحاً عربياً مفوها يبدو واضحاً في مواجهة سطوة وتمكن فرانكوفونية.

ثالثاً: تحديات متعلقة بتهذيب دور الإسلامويين خاصة الشبكة المرتبطة والقريبة من الجهاز السري لحزب النهضة ونفوذ ودهقنة الغنوشي وإرتباطاته، فيما يتعلق بدورها التكاملي مع (الأردوغانية) والدور القطري وإرتباط ذلك بما يتم فعله في المنطقة العربية  خاصة في ليبيا وسوريا (لا أحد يضمن أن  لايتم القيام بنفس الدور في الجزائر حال إستهدافها فالذي غدر ليبيا وسوريا يمكنه فعل ذلك مع الجزائر دون أدنى شك حيث أن هؤلاء الفاعلون لا يتوبون ولا يرتدعون)، فالإسلامويين منذ عام 2011م في تونس تغلغلوا بفعل فاعلية حزب النهضة وقدرته التنظيمية وشبكته المتينة والمستندة على القدرة والمهارة الفائقة في (العمل السري) والتقية والقدرة على التخفي والبراغماتية كاسلوب تمكين وتمكن، ولذا فالرئيس (قيس سعيد) سيواجه عاجلاً ام أجلاً تلك الشبكة من خلال دوره السياسي والذي بين هو خطه فيما قاله وصرح به، وهو ما يبدو مختلفاً مع مسيرة النهضة ودورها الإقليمي، فهي كانت ولازالت فاعل ولاعب كبير في منظومة الإسلامويات في المنطقة العربية من خلال علاقتها بلندن والدوحة وإسطنبول.

رابعاً: تحديات إنتشال والمساعدة في فكاك الإسلام التونسي الشعبي المحلي المتجذر من يد وسيطرة الجماعات المنظمة، وإعادة الإعتبار لدور جامع الزيتونة بعيداً عن الجماعات الإسلاموية العابرة للحدود، تلك الجماعات التي بحكم تطور حروب الجيل الرابع تقع غالباً في حبائل اللعبة الدولية عبر تحالف المال والاعلام والفتوي واللعبة الدولية، فتونس التاريخية في مسالة الإسلام والدفاع عن الثقافة العربية الإسلامية لها السبق شعبياً في لعب دور إيجابي في محيطها في قضايا الإصلاح الفكري وتهذيب سلوك المجتمع ونفوذ الأوامر والنواهي القرأنية، الأمر الذي يعد حيوي وضروري في إنتشال هذه المقدرة التونسية من أيادي الشبكات العالمية التي تسيرها غالباً إدارة أعمال في إطار اللعبة الدولية حتى دون أن يعي الكثير من البسطاء من المنتمين للحركات الإسلاموية.

التحديات الخارجية:

أولاً: تحديات متعلقة بالدور التونسي في الفضاء العربي فتونس التاريخية لها تأثير في مسيرة الأمة العربية منذ القدم، وهي في المغرب العربي دُرة العروبة المكنونة، حيث يبرز تحدي إستعادة إيجابية هذا الدور والذي للأسف كان (رسمياً)  في اللحظة العربية الحرجة – منذ عام 2011م - متسقاً بل واداة مكملة لدور القفاز القطري خاصة في ليبيا، الأمر الذي لم تعهده تونس التاريخية حيث تم (الغدر بليبيا) عبر المنظومة السياسية والأمنية والعسكرية التونسية (يمثلها الباجي وأخرون متجذرون في المطبخ السياسي التونسي – الجنرال رشيد عمار ممثلاً للجيش – والجهاز الأمني العميق) بالمشاركة في إتخام ليبيا بالأسلحة بل وفتح منفذ غير قانوني على الحدود الدولية وإدخال (أطنان الأسلحة القطرية) وفتح القواعد العسكرية والمواني لإستقبال تلك الأسلحة وتسهيل عبورها للجارة ليبيا، الأمر الذي سبب ولا يزال يسبب أضرار بالغة لازالت مستمرة على ليبيا المجتمع والدولة والنسيج الإجتماعي.

ثانياً: تحدي الموقف من الشراكة الإستراتيجية التونسية مع الولايات المتحدة، فهذه الشراكة تفسر في إطار سلوك الولايات المتحدة في المنطقة العربية، في إطار أدارة أميركا للوظيفية السياسية للأنظمة العربية في سياق هذا السلوك، فمن خلال موقف الرئيس الجديد من العلاقة بالكيان الصهيوني الغاصب (التطبيع كمصطلح ومعنى)، تتضح ملامح سياقه السياسي وما يتوقع منه، وهو ما سيكون حتماً مطروحاً في مسالة هذه الشراكة الإستراتيجية مع الولايات المتحدة والدور الوظيفي المرسوم لها، سوى فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية وما يتعلق بما يجري في منطقتنا العربية والذي في الكثير منه من ضمن حروب ا لجيل الرابع التي تلعب بها أيادي الغرب.

ثالثاً: تحدي تصحيح العلاقة مع سوريا، فالمرتزقة من الشباب التونسي الذين حفزتهم ونظمتهم وسفرتهم الجماعات الإسلاموية من تونس (رغم رفض تونس الشعبية العميقة لذلك) عبر جهازها السري  والذي لم يكن بالتأكيد بعيداً عن أعين جهاز الأمن التونسي القوي والمعروف بفطنته وحرفيته وقدرته العالية على ضبط الأمن، فالأف الشباب من تونس تم نقلهم لقتال الليبيين والمشاركة في الحرب عليهم، وأخرون عبرها إلى سوريا بفعل فاعل يعرفه الأمن التونسي القوي جيداً، وشاركوا في قتل وتهجير وتدمير سوريا وشعبها.

رابعاً: تحدي الدور التونسي المطلوب في المغرب العربي، فتونس عنصر فاعل وقوي وله تقديره وإحترامه بين إخوته في المغرب العربي، وتحريك عجلة التكامل في المنطقة يعد عاملاً حيوياً خاصة وأن تونس تحضى بعلاقات أخوية متينة مع كل بلدان المغرب العربية، وتونس الشعبية والدولة وخدماتها ترتبط اقتصادياً بكل جدارة بليبيا والجزائر في السياحة والعلاج، وهو مايعد تكاملاً مهما نجحت تونس في إنجازه حقق لها فؤائد إقتصادية ومالية معتبرة، وهذا في المغرب العربي يحسب في طريق وحدة المنطقة وتكاملها فنحن شعب واحد واسرة واحدة وبنية تحتية واحدة.

أن المتوقع من وصول الرئيس قيس سعيد يعد تفاؤلاً مهماً بالنظر لما يمثله من خلال خطابه ومسيرته المهنية وطريقة وصوله للرئاسة وأيضاً المقدرة التونسية الواعية، وهذا المتوقع أيضاً مرتبط بأهمية تونس في أُمتها العربية فتونس شعبياً دائماً تُحدث الفرق ولها تأثير كبير في محيطها عبر نخبها وإعلامها ووعي شعبها وقطاعاتها الشعبية من طلاب ومحامين وأكاديميين معتبرين في دنيا البحث العلمي والإنتاج الفكري، وإتحاد تونسي للشغل وأيضاً من خلال الكثير من السياسيين البارزين، إنها تونس والحدث فيها لا تؤطره الحدود ولا يغلق عليه باب، فتونس نسيج عربي متين متواصل مع قضايا أمته في عمقها في دمها ولحمها، ونحن الليبيون من بين بقية العرب الأكثر إرتباطاً بتونس فهي منا ونحن منها (ليبيا وتونس أشبه حالة عربية باليمن الشمالي واليمن الجنوبي سابقاً)، فما يحدث في تونس يُخصنا ويتعلق بنا ويؤثر فينا بطريقة او أُخرى، ورئيسها هو رئيسنا نحن أيضاً حتى وإن لم نضع أوراقاً في صناديق الإنتخاب لإنتخابه.

والله من وراء القصد

 

د. محمد عمر غرس الله

كاتب ليبي مقيم ببريطانيا

 

"لابد أن تكون للقدرات الثلاث مجتمعة.. القدرة على الملاحظة.. والقدرة على التفكير.. والقدرة على البوح والمطالبة... مجملا لجميع وسائل تطوير القوى الحياتية وتطبيقها.. إذ لا أحد يعرف مديات قوة قدراته.. حتى يختبرها!!!"

  بادئ ذي بدأ لن أخجل ولن أجامل فإنا اشك واشكك بالفرضية المشاعة حول إن كل استطلاع للرأي العربي العام يمكن أن يكون له معنى أو أية مصداقية، وبعبارة أخرى اشكك في حقيقة وجود إنتاجا للرأي العربي أو بإمكانية التعبير عنه أو حتى بإتاحة ذلك للجميع، وأرى أنه من الممكن إثبات أن في بال الحكام جميع الآراء العربية العامة ليست مهمة على الإطلاق، وأن حقيقة جمع الآراء بأستطلاعات الرأي هي ليست أكثر من إنتاج أعمال فنية مزيفة لا معنى لها، وببساطة ليست هناك فرضية صريحة حول وجود إجماع حول القضايا، وغالباً ما يتم تحدي استطلاعات الرأي العام بطابع السؤال عن تمثيلية العينات، وأعتقد أنه نظراً للحالة المأساوية الراهنة للواقع العربي وكذلك للوسائل التي تستخدمها برامج تلك الأستطلاعات فإن هذا الاعتراض لا أساس له من الصحة لأنه لا يتم إجراء العمليات بصدق بحيث يتم طرح الأسئلة الكلاسيكية بطرق مائعة وماكرة أو استخدام حيل الزيف في صياغتها، وغالباً ما يتبين أن الإجابة مشتقة من شكل بناء الأسئلة وحتى الإشكاليات الخاصة التي يقام بها ذلك النوع من التنظيم ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالظاهرة وتخضع لنوع معين من النظام الاجتماعي الوالي والتابع والمنتفع من الأنظمة الحاكمة.

بعالمنا العربي تخضع الإشكاليات التي تقترحها دراسات الرأي العام للمصالح السياسية المرتبطة بإبراز حكمة وعبقرية الحاكم، وبذلك سيمحق بشدة كل من معنى للأسئلة وللإجابات ويفضح هدف نشر النتائج!! إن استطلاعات الرأي العام في أشكاله الحالية هو أداة حمقاء للعمل السياسي، ولعل أهم وظائفها غرس الوهم القائل بأن هناك رأي عام باعتباره حتمية يتم الحصول عليها فقط من خلال إضافة آراء فردية، الغرض منها إخفاء حقيقة بؤس ويأس وضياع الرأي الشعبي العام، وعبره تأمل الأنظمة الحاكمة للتأثير الأساسي على تسطير فكرة وجود رأي داعم لها بالإجماع وذلك محاولة منها لإضفاء الشرعية على سياساتها، ولإحكام خروج نتائج ترضيها فهي تعمد على وضع وفرض فلسفة خفية للتصويت على استطلاعات الرأي العام وإذا ألقينا نظرة عن قرب فسنجد أن النسبة المئوية لأولئك الذين لا يجيبون على الاستبيانات أعلى بشكل عام بين الإتباع والمواليين مقارنة بالمشكوك في ولائهم لها، وأن الفرق في هذا الصدد هو الأكثر أهمية إذ أن الأسئلة الأكثر طرحًا تكون سياسية وكلما كانت مسألة الاستبيان أقرب إلى مشاكل المعرفة والإدراك ازداد الفرق في حصة "غير مجاب" بين الأكثر تعليما والأقل تعليما  وبين الأقل أو الأكثر خضوعا، وكلما تناولت الاستطلاعات قضايا النزاع وعقدة التناقضات الدينية والوطنية كلما زاد التركيز على السؤال عن أي فئة معينة من الناس تستطلع، وكلما ازدادوا عددا سيجتمعون خوفا ورعبا على حصة لم تتم الإجابة، لذلك لن يقدم الاستطلاع سوى تحليل بسيط للإحصائيات وستبرز به بقوة حصة "بدون إجابة"، فيتم تعريف المعلومات على أنها الاحتمالية فيما يتعلق بتلك الفئة للحصول على رأي وكاحتمال مشروط للحصول على رأي مؤيد للنظام الحاكم.

إن أحد أكثر الآثار الضارة لدراسة الرأي العربي العام هو بالتحديد أن الناس مطالبين بالإجابة على أسئلة لم يطلبوها هم أنفسهم أو أنهم يخشون ويتهربون من الإجابة عليها ولنأخذ على سبيل المثال أسئلة تركز على القضايا الأخلاقية سواء كانت تتعلق بصرامة الآباء أو العلاقات بين المدرسين أو الطلاب أو التوجيه التربوي أو الدراسي وما شابه، في كثير من الأحيان ينظر إليها الناس على أنها مشاكل أخلاقية وكلما انخفض مستوى هؤلاء الناس في التسلسل الهرمي الاجتماعي كلما انخفضت فاعلية الأسئلة، وقد تكون تلك الأسئلة تطرح نفسها كقضايا سياسية للناس حين يكون الاستطلاع للطبقات العليا فتتحول الاستجابات الأخلاقية إلى استجابات سياسية تشيد بالنظام السياسي وتمجد بالزعيم الحاكم وأخلاقياته وذلك بمجرد فرض مستويات ووجهات نظر لطبقات عليا والتي دوما ما تكون من اشد الطبقات ولاء للأنظمة السياسية للمنافع المادية والتسلطية التي كسبتها بوجودها.

بعالمنا العربي وعلى النقيض من كل العوالم الأخرى فيتم تصميم الاستبيانات بطريقة تجعل الناس لا يسألون ولا يفكرون أو حتى لا يعتبرون أنفسهم مشاركين أو مهتمين في السياسة أو قريبين منها، وذلك يكشف عن اختلاف خطير للغاية في فن نوعية الاعتماد على نوع المجموعة الاجتماعية إذ إن الشرط الأول للحصول على إجابة ملائمة لمسألة سياسية هو القدرة على تمثيلها على وجه التحديد والثاني هو القدرة على تطبيقه على فئات سياسية بحتة والتي قد تكون بدورها ملائمة إلى حد ما أكثر أو أقل تطوراً، وإن كتلة الأجوبة التي تعتبر إجابات سياسية تتم في الواقع وفقا للطبقة العرقية غير إن ذلك ليس من المستحيل تطبيقه في عالمنا العربي إنما الحق نقوله انه لا يمكننا أصلا التفكير بوجوده أو حتى الحلم بعمله!!! وبالتالي قد تكتسب تلك الاستطلاعات المزيفة معنى مختلفا تماما عندما يتم عرضها وبحثها وتحليلها على أوضاع المجال والحياة السياسية.

في رأيي ينبغي التشكيك في أهمية الإجابات على معظمها لان السلسلة الأولى منها تسيء وتؤثر على الابتكار في العلاقات الاجتماعية وتكون في مستوى ارتفاع مكانة المستجيب في التسلسل الهرمي الاجتماعي وتفوق مستوى التعليم، وعلى العكس من ذلك فإن الأسئلة التي تؤثر على أنواع التغيرات الفعلية في علاقات القوة بين الطبقات كلما زاد رفض المجيبين أكثر كلما كان المدعى عليه أعلى في التسلسل الهرمي الاجتماعي، وبكل بساطة وخلال استطلاع الرأي العربي العام، لا الأسئلة التي تطرح في الواقع يتم تنفيذ تفسير الإجابات لهها بغض النظر عن الإشكالية التي تنعكس حقا في إجابات فئات مختلفة من المجيبين وان المشاكل المسيطرة هي فكرة تدور لتعطي قائمة بالأسئلة التي طرحتها مؤسسات المسح أي المشاكل التي تهم في المقام الأول أولئك الذين يريدون أن يكونوا على علم بوسائل تنظيم أعمالهم السياسية فيتم استيعابهم بشكل غير متساو من قبل الطبقات الاجتماعية المختلفة، وإذا كانت استطلاعات الرأي العام تفهم بشكل سيئ حالات الرأي المحتملة فإن السبب هو وضع مصطنع يتم فيه تسجيل آراء الناس بواسطة صناديق الاقتراع وفي الأزمات تتكون حالات الرأي عبر توجيه الشعوب بآراء متشعبة وآراء مدعومة من قبل مجموعات سياسية تابعة للنظام بصور فردية أو فوضوية وبالتالي فإن الاختيار بين الآراء يعني الاختيار بين المجموعات التابعة للحاكم، وهذا هو مبدأ تأثير التسييس الناجم عن فحوى وامتداد الأزمات. وكما إن هناك آراء تشكلت وحشدت وانضغطت بجماعات حول النظام في إشكال واضحة من المصالح المتقاطعة، ولذلك فأن الاستطلاعات هي ليست آراء حقيقية، وبياناتها ونتائجها ليست مقبولة وذلك حينما يطلب دوما من المشاركين فيها أن يختاروا موقفًا بين الآراء المُصاغة، وما إن يتم ذلك عن طريق الجمع الإحصائي البسيط للآراء المنتجة حتى يتم بهذه الطريقة إنتاج وإعلان النتائج والتي هي بجملتها منافية للوقائع ومناقضة وشاطبة لحقيقة الرأي العام. وإن حقيقة عزف الشعوب عن التعبير أو عدم الإصرار عليه تتضح عبر حقيقة أن همة الاستعدادات للعديد من الفئات الاجتماعية والإرهاب والإرعاب السياسي المتعمد ازائها يمنعها من الوصول لوضعية طرح الرؤية الصريحة لها أي أنها غير مكتملة وغير متمكنة لكنها تدعي تماسك التعبير وحاجة الاستجابة العامة، وأن الناس الذين ليس لديهم رأي سيختارون في جو من الأزمات وعن طريق الصدفة، لذلك أوقن وأؤكد أن الرأي العربي العام الصريح لا وجود له ومحدد في الكبت الحاد والصمت المفجع والرأي المكبوت حد النهاية.

 

بقلم/ الدكتور ميثاق بيات ألضيفي