عبد الحسين شعبانسجّل التقرير الذي أصدرته مجلّة «الإيكونومست» البريطانية في نهاية عام 2018 أسوأ تراجع لمؤشرات الديمقراطية في العالم، وأشار إلى انحدار العديد من بلدان العالم منذ عام 2016، والتي قسّمها إلى أربع مجموعات؛ وهي:

المجموعة الأولى- الأنظمة الديمقراطية الكاملة؛ وتشمل 19 دولة تتربّع على رأسها الدول الإسكندينافية، وفي مقدمتها: النرويج والسويد، إضافة إلى أستراليا والأورغواي، وتبلغ نسبة هذه الدول إلى دول العالم 11.4%.

أما المجموعة الثانية - فأطلق عليها التقرير «الديمقراطية المنقوصة» أو «المُتصدّعة»، وضمّت 57 دولة، وبلغت نسبتها إلى مجموع دول العالم34.1 في المئة، وقد صُنّفت الولايات المتحدة من المجموعة الثانية، وكذلك فرنسا وإيطاليا والهند و«إسرائيل»، وكانت تونس الدولة العربية الوحيدة، ضمن هذا التصنيف.

المجموعة الثالثة- «الأنظمة الهجينة»، وشملت 39 دولة، ونسبتها إلى دول العالم 23.4%، وهي دول لا يمكن إطلاق وصف الديمقراطية أو الاستبدادية عليها، وإنما هي احتوت على عناصر من هذه وأخرى من تلك، تبعاً لمؤشرات الديمقراطية، التي حدّدها التقرير.

والمجموعة الرابعة- «الأنظمة التسلطية أو الاستبدادية» وعددها 52 دولة، ونسبتها إلى مجموع بلدان العالم 31.1%، وجاء ترتيب البلدان العربية بين المجموعتين الثالثة والرابعة.

وخلُصَ التقرير الذي درس حالة 167 دولة إلى استنتاج مثير؛ مفاده انحسار الديمقراطية؛ حيث لاحظ أن 89 دولة منها تغيّرت مراكزها وترتيبها الديمقراطي بما فيها بعض الأنظمة الغربية، تبعاً للمعايير التي استند إليها؛ وذلك حسب اقترابها أو ابتعادها عن المؤشرات التي وضعها.

ويثير الحديث عن الديمقراطية الكثير من الأسئلة ذات الطابع النظري والعملي في آن، فهل هي «أيديولوجية» جديدة؛ بعد فشل الأيديولوجيات والتجارب القومية والاشتراكية والإسلامية؟ أم هي وسيلة تقوم على آليات وأساليب حكم بغض النظر عن الأيديولوجيات؟ والأمر يتعلّق بالاحتكام إليها؛ لتفعيل إرادة الناس وحريّاتهم وحقوقهم في اختيار ممثليهم بانتخابات حرّة ونزيهة، وفي إطار من المساواة، مع تأكيد حكم القانون، وفصل السلطات، واستقلال القضاء.

وبعد ذلك، هل يمكن تحقيق التنمية بمعناها الإنساني والشامل أو ما يُطلق عليها «التنمية المستدامة» من دون الديمقراطية والحكم الصالح، خصوصاً وأنهما، حسب المؤشرات، رافعتان أساسيتان لتحقيق ذلك مع الالتزام بمكافحة الفساد في إطار من الشفافية والمساءلة؟ ولذلك فإن النكوص في بعض مؤشرات الديمقراطية، يستوجب البحث في وسائل وآليات جديدة لتعزيز جوهرها، وتعميق محتواها، وتوسيع دائرتها؛ لأن النظام الديمقراطي حتى الآن أفضل أنظمة الحكم التي ابتدعتها البشرية، الأمر الذي يتطلّب معالجة الاختلالات والتصدّعات التي ترافق مساره وتجديده باستمرار وفقاً لمتطلبات الحياة المتغيّرة دائماً، علماً بأن تصحيح الديمقراطية ينبغي أن يتم بوسائل ديمقراطية؛ وذلك يحتاج إلى المزيد من التفكير لابتكار أساليب جديدة في طريقة التمثيل على المستوى المحلي والبلدي وتلبية حاجة السكان الأساسية، المادية والروحية.

اعتمد التقرير على 5 مؤشرات لقياس الديمقراطية؛ هي: التعددية الحزبية والانتخابات، وأداء الحكومة، والمشاركة السياسية، والحرّيات المدنية، وثقافة الديمقراطية. ويعد صعود التيارات الشعبوية اليمينية واليسارية وانتعاش اليمين المتطرّف والعنصري وضعف العمل المؤسسي، وارتفاع النزعة الفردية ونكوص الدولة الوطنية أو تعثرها، من مظاهر انحسار الديمقراطية، خصوصاً ويأتي هذا التراجع في ظل ازدياد الهوّة العميقة في توزيع الثروة بين من يملكون ولا يملكون؛ حيث ما يزال 1% من سكان العالم، يملكون أكثر من 80% من الموارد.

وإذا كان تقرير «الإيكونوميست» قد شخّص حالة التراجع الديمقراطي لدول عريقة، فماذا سنقول بالنسبة للعالم العربي؛ حيث النزاعات والحروب الأهلية وصعود موجات الطائفية والنعرات العنصرية واستشراء التعصّب والتطرّف وتفشي ظاهرتي العنف والإرهاب التي ضربت بلداناً بكاملها ليس بعيداً عنها تداخلات إقليمية ودولية.

والسؤال الذي يثور هنا: هل هناك ديمقراطية واحدة أم ثمة توجهات مختلفة وخصوصية لتحقيقها مع مراعاة القواعد والمشتركات العامة؟ وماذا نسمّي الصين التي حققت تنمية هائلة خلال ربع القرن الماضي؟

ويمكننا القول استناداً إلى قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الصادر في 4 ديسمبر/كانون الأول عام 2000 بخصوص الديمقراطية، أنه لا يوجد نموذج عالمي واحد للديمقراطية، وأن الديمقراطية لها طبيعة غنيّة ومتنوّعة تنجم عن معتقدات وتقاليد اجتماعية وثقافية ودينية للأمم والشعوب، وإن جميع الديمقراطيات تتقاسمها خاصيات مشتركة، أي أنها تقوم على أساس المشترك الإنساني للتجربة البشرية الكونية.

وكان «المشروع النهضوي العربي» الذي أنجزه «مركز دراسات الوحدة العربية» وناقشه لأكثر من عقدين من الزمان وضع سبعة مؤشرات للانتقال إلى الديمقراطية، طبقاً للمعايير الكونية مع مراعاة الخصوصية:

أولها الحرّيات العامة وحقوق الإنسان، وثانيها تكريس التعدّدية، وثالثها إقرار النظام التمثيلي (المحلّي والنيابي)، ورابعها فصل السلطات، وخامسها إقرار نظام دستوري يحظى بشرعية شعبية، وسادسها التداول السلمي للسلطة، وسابعها إقرار نظام اجتماعي اقتصادي يتمتع فيه المواطنون بحقوق متساوية وفرص متكافئة.

 

د. عبد الحسين شعبان

 

زهير الخويلدي"إن البشرية لا تطرح على نفسها إلا المهام التي يمكنها حلها وان المهام لا تظهر إلا حين تتوفر الشروط المادية لحلها أو أنها على الأقل في طور التكوين" – كارل ماركس، مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي، مقدمة.

في الوقت الذي تنعم فيه عدة مجتمعات عربية بالاستقرار الشكلي والتعايش الخارجي في ظل أنظمة سياسية تقليدية استمدت مشروعيتها من نفوذ الأمس الأبدي ومن المحافظة على العادات والأعراف والتقاليد الاجتماعية تعيش مجتمعات عربية أخرى مجاورة حالة غليان ومخاض صعب وتتكرر مظاهر العصيان المدني وحركات الانتفاض الشعبي والنزول إلى الشارع والوقفات الاحتجاجية وتتزايد المطالب وترفع الشعارات المعارضة لبقاء المنظومة الحاكمة والمطالبة بالتغيير ورحيل الأجهزة السياسية الفاسدة والاستجابة لإرادة الشعوب ورغبة الجمهور في تحقيق الحلم بمجتمع سوي الذي تنظمه المؤسسات العادلة.

يقود اليسار في بعض البلدان الكثير من المسيرات وينظم التظاهرات ويتعرض مناضليه ومناضلاته للقمع والإيقاف والتنكيل والتهديد وفي بلدان أخرى تتزعم بعض الشخصيات المقاومة التاريخية مشهد الحركات الاحتجاجية وتلتحم بالطلبة والأمواج الشبابية المطالبة بالحرية والكرامة والطامحة نحو انتزاع الاعتراف.

يتحدث بعض المتابعين عن موجة جديدة من الربيع العربي بعد أن انطلقت الموجة الأولى من بر الأطلس الصغير وتركزت في بلد الثورة تجربة ديمقراطية تعددية ناجحة وتداول سلمي على السلطة دون بلوغ الطموح الاجتماعي العادل والمساواة القانونية التامة بين الفئات ولكنها فشلت في دول الأجهزة العسكرية القوية وفي المجالات السياسية القريبة من الدول التقليدية ووجدت الكثير من الاعتراض والالتفاف السريع.

تبدو نوايا المنتفضين صادقة وتوجهاتهم بريئة وإراداتهم سليمة وتظهر معظم الحكومات الكثير من الحيطة وينتابها الكثير من الذعر والتوجس والتخوف من التحركات الشبابية القوية التي عصفت بالشارع وتلتحم بها النخب من المثقفين والموظفين والمفقرين والمعطلين والمحبطين والناشطين والنقابيين والسياسيين.

بيد أن القوى المتربصة بالدول الآمنة وبالشعوب الحرة تهلل بحدوث مثل هذه الاضطرابات وتسارع إلى مناطق التوتر لكي توجهها وتتحكم فيها وتستثمرها لتحقيق مصالحها الخاصة وتسرعها لتطبيق أجنداتها وتساند مطالب المحتجين وتواكب كل تحركاتهم الاجتماعية وتدعمهم إعلاميا وتوفر لهم الإسناد السياسي.

لقد ملت الجماهير الوعود الزائفة والشعارات الرنانة والركوب على القضايا القومية بغية تأجيل المعارك الحاسمة والتنصل من المطالب الحارقة ويئست من التجديد الشكلي والمرور الصوري من نظام إلى آخر وقررت افتكاك زمام المبادرة والانتصار إلى ذواتهم الجمعية المقصية والمشاركة الميدانية والشخصية في الأحداث الساعية إلى إسقاط منظومة حاكمة قديمة وصناعة التاريخ وفتح الآفاق للناس في صنع المستقبل.

حرية أن يعيش المرء حياته كما يشاء وأن يتصرف حسب هواه هي حق طبيعي مشروع يجب أن يتمتع به كل كائن بشري ولكنها تضر بالآخر وتضع المزيد من القيود وتثقل كثيرا على حرية العيش التي نريد. أليست الثورة الشرط التاريخي للتحرر من الاستعباد والطريق الموضوعي للدولة للتخلص من الشمولية؟

لقد عاد شعار الربيع العربي من جديد يلوح بنفسه على مرأى ومسمع الجميع دون مباغتة على الرغم من التعتيم الشديد والرفض الكبير الذي قوبل به وسيطرت على الأجواء العربية حالة من الاستياء والرفض له للحكومات المتعاقبة وفي المقابل تعاظمت رغبة قوية للناس في الاستبدال الفوري وممارسة واقع التجريب السياسي واستنشاق هواء الحرية والعدالة وسعوا نحو توديع الانغلاق والتصلب وتكريس الانفتاح والليونة.

لم يعد المواطن العربي راهنا على يقين من ديمومة العالم في المستقبل ومن استمرارية الحياة السياسية في مجتمعه وذلك للفشل الذي مني به مجهوده المكثف والغزير لتحرير نفسه من براثن السلطة والمجهول.

قد يكون وراء ذلك الوضع المزري العديد من العوامل والكثير من الأسباب المباشرة وقد تكون الهيمنة التي تضطهد الناس على الصعيد السياسي وتخلف الشعور بالغبن والقمع والظلم وقد يكون التفاوت على الصعيد الاقتصادي وما يترتب عنه من احتكار للثروة وتهميش واحتقان وكراهية وحقد بين الطبقات وقد يكون الازدراء على الصعيد الاجتماعي الناتج عن التمركز والإقصاء وما ينتج عنه من عزلة واختناق.

بيد أن التزايد السكاني السريع الذي يرتبط بالنمو الدموغرافي المهم وما يشكله من فئات شابة صاعدة تائقة إلى الحصول على فرص شغل ومواطن أمل تحفظ كرامتها وتحقق بها إنسانيتها يمثل ضغطا هائلا على الحكومات العاجزة عن مواكبة التحولات المجتمعية والفاقدة للتصورات العلمية والبرامج المستقبلية.

بعد ذلك يأتي تهرم الأنظمة الحاكمة ودورانها في خلقة مفرغة وبقاء الأجهزة الإدارية والأطر الرسمية ضمن منطق بيروقراطي يعيد إنتاج السائد وتسرب الشيخوخة الى مختلف الدوائر التنفيذية والتسييرية وتعطل المرافق العمومية وتراجع الدولة عن توفير المنافع المشتركة والاكتفاء بخدمة بعض العائلات.

والحق أن تلبية ضرورات الحياة المادية وصرف بعض المستحقات المالية ومعالجة بعض الإشكاليات العالية لم تعتبر المعالجة الجذرية للأزمة الهيكلية التي ظل يعاني منها النظام السياسي العربي في نسخته الرديئة بل اعتبر مجرد تسكين للأوجاع وتضميد لجراحات الذاكرة وذر الرماد على العيون وتلهية للناس.

من المعلوم أن النظم السياسية العربية قد اتبعت أساليب قمعية في الحكم واعتمدت على استراتيجيات فاشلة وراكمت التجارب الخاطئة وانخرطت في المشاريع المعولمة دون تحفظ وأضاعت الفرصة التاريخية في ركوب قطار التقدم أو على الأقل اللحاق بالركب وأصرت على زرع بذور اليأس والانتفاض في أحشائها.

كما تدخل بعض الأنظمة الدولية المعادية سواء الغربية أو المزروعة غصبا في قلب الوطن العربي على الخط وتستغل خوف الحكام العرب من الربيع العربي وتتظاهر بتقديم العون وتقوم بابتزازها بوعدها بتوفير الحماية والأمن على المستوى الظاهري وتخطط لقلب الموازين لصالحها وإزاحتها من السلطة وتنصيب الموالين لها وإضعاف قدراتها الدفاعية وإنهاك سيادتها والتخطيط لنهب ثرواتها وخيراتها.

في هذا السياق يكثر الحديث عن الثورة والديمقراطية والسيادة والمواطنة وترتفع أسهم الأحزاب السياسية والتعددية والمنظمات الحقوقية وهيئات الرعاية الاجتماعية ويتم توظيف الذاكرة النضالية والثقافة الملتزمة بغية التحشيد والتعبئة والتأطير وترغيب الحشود للنزول إلى الشارع والتعبير عن امتعاضهم وسخطهم.

على هذا الأساس يدافع الناس على المجتمع ويناضل الشباب من أجل حقوق الإنسان والحريات العامة وتشارك المرأة في الحراك الاحتجاجي ويمارس المثقفون دورهم العضوي ويكرس الناشطون طليعيتهم ويطالب العقلاء بالإصلاح والتعديل والإنقاذ والنظام خوفا من الفوضى والانهيار الشامل ونسف المكاسب.

كما تجد القوى الثورية والتشكيلات الديمقراطية والحركات الإصلاحية والمغضوب عليهم من رجال المال ورواد مواقع التواصل الاجتماعي وأذرع الشبيبة الطلابية والهويات الثقافية المضطهدة والنقابات المهنية والشخصيات المستقلة والرموز الوطنية المشهورة الفرصة للالتحاق بجبهة الرفض والمطالبة بالتغيير.

في الواقع يحتاج المجتمع العربي راهنا إلى نحت سردية ثورية جديدة يجدد بها شبابها وينبعث من سباته الأنثربولوجي وينطلق نحو الاستئناف الحضاري والمشاركة في صناعة الكونية وصناعة التقدم المدني.

والحق أن معنى المساواة المعقدة الذي يطالب به مايكل والزار هو أن لا يستبعد ولا يقصى أي مواطن عن مجال اجتماعي أو خير موجود في ذلك المجال الاجتماعي بسبب وضعيته في خير اجتماعي آخر أو مجال اجتماعي آخر ضمن كتابه المثير  دوائر العدالة  والذي قدم فيه مرافعة دافع بها عن المساواة والتعددية. فهل يؤدي الصلح الإداري والموافقة الشاملة لمطالب المواطنين إلى كبح جموح الثورات الشعبية والتقليل من الشعور بالتذمر واستبعاد فرضية العصيان المدني وتمرد الجماهير المفضي إلى إسقاط نظام الحكم؟ ومتى ينصت الجميع إلى نسائم الحرية ويجعلون من زمن الانتفاض أعياد وطنية للخروج من التبعية؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

صائب خليلفي نهاية القرن التاسع عشر، احتل الامريكان كوبا، بحجة "تحريرها" كوبا. جومسكي وصف الحرب بأنها كانت تهدف "لمنع الشعب الكوبي من تحرير نفسه"، لأن ثورة كوبية كانت هناك ضد الاحتلال الاسباني، إلا ان اميركا ارادت إحلال نفسها محل الاسبان، ومنع البلد من الاستقلال. الانتفاضة الشعبانية وما تلاها، يثبت ان هذه السياسة الأمريكية مازالت قائمة، لكنها تطبق في الشرق الأوسط بتوجيه إسرائيلي ولأهداف إسرائيلية بحتة.

في مثل هذا اليوم، قبل 28 عاماً، اندلعت انتفاضة كان يمكن ان يكتب لها ان تكون انطلاق تحرير الشعب العراقي، وفرصته ليبدأ سلطته وسيادته على حياته ومستقبله، لولا أن ذلك "ممنوع" بشكل تام وبات، لتأثيره المتوقع على سياسة إسرائيل. تلك السياسة التي لا ترضى عن شيء سوى التدمير التام لكل دولة عربية بلا استثناء.

لذلك، لم يكن امام بوش الأب، بعد انتهاء "عاصفة الصحراء" باستسلام صدام حسين في خيمة صفوان، سوى نكثه للوعود التي قطعها للشعب العراقي بأن يقف معه في حالة ثورته على الدكتاتور، فلم يكتف بتركه للشعب  العراقي ليواجه مصيره الدموي وحده أمام الوحش الجريح، بل قام بالوقوف مع صدام حسين بمنع المنتفضين من الاستيلاء على أسلحة الجيش العراقي التي كانت تحت سيطرة الجيش الأمريكي، وإدخال نص في اتفاقية خيمة صفوان يحدد بشكل مباشر السماح لصدام باستخدام الطائرات السمتية (وهو ما يحتاجه بالضبط للقضاء على الانتفاضة)، واخيراً تجهيزه بالوقود ليقوم بمجزرته على الشعب العراقي، فقد كان وقود الطائرات والآليات قد نفد منذ وقت طويل.

الإعلام الغربي، كعادته في وصف الجرائم الأمريكية، أشار الى "خطأ" اميركا، ولام بوش الأب لأنه "لم يكمل عمله" بإزاحة الطاغية كما يفترض. إلا ان البعض لم يجد حاجة للتستر وراء حجة "الخطأ". فكتب "فريد زكريا"، والذي كان وقتها مدير تحرير الشؤون الخارجية في مجلة نيوزويك، في مقالته المعنونة "سافل بغداد" (The Villain of Baghdad):

"نعم هناك اغراء بالتخلص من صدام، لكن الحقيقة هي انه يخدم المصالح الامريكية"

ومضى شارحاً فكرته بالقول: "لولا القلق من صدام حسين، لنمت مشاعر العداء لأمريكا في الشوارع العربية".

ويمضي زكريا إلى القول: "لو ان صدام حسين لم يوجد، لكان علينا ان نخترعه. انه مسمار تثبيت السياسة الامريكية في الشرق الاوسط. لولاه لكانت واشنطن تتعثر اليوم في رمال الصحراء."

وكتب أيضا: "ان الشرق الاوسط بوجود صدام مقلم الأظافر، لكن القادر على التهديد، يساعد على تأمين مصالح اميركا"، مؤكداً "ان ادامة تواجد امريكي طويل الامد في الخليج امر صعب في غياب تهديد محلي".

إنها كلمات يجب ان تحفظ عن ظهر قلب، لمن يريد ان يفهم كيف تفكر اميركا وما هي الأخلاقية التي تتحكم بها. ونحن هنا لا نتحدث عن جهة عدوانية متطرفة فيها، بل العكس. فريد زكريا، ليس من صقور الأمريكان، وهو يكشف بهذا التحليل حقائق مهمة، تساعدنا ليس فقط على فهم الدوافع الأمريكية وإزالة وهم التفسيرات الأخرى التي انتشرت عن اسبابها للامتناع عن اسقاط صدام، وإنما ايضاً حول الكثير من الاحداث التي قد تثير الدهشة بدون معرفة هذه الخلفية. الحقيقة هي ان وجود صدام بالشكل الذي وصفه زكريا يخدم، بشكل افضل بكثير من اسقاطه، المخطط الإسرائيلي العام لاستخدام البندقية الامريكية لتدمير البلدان العربية، وخاصة العراق.

فلو انهم ازاحوا صدام في عام 91، لم يكن سيتاح لهم تعذيب الشعب العراقي بالشكل الذي حصل في التسعينات القاسية بالفقر والإرهاب واسقاط القيم والأخلاق استعداداً لاحتلال البلد، تماماً مثلما كان الأمر من مذبحة المطلاع للجيش العراقي المنسحب. وربما لم يكن حينها ممكناً أن يحققوا الفساد والتزوير وانعدام الكرامة الذي أتاح لهم الكثير من التدخل في تحديد تصرفات الحكومة وقراراتها وتحديد شخوصها من الضباط وصولاً إلى رئيس الحكومة في النهاية، وفرض الخاوة على بغداد لتدفعها لعملاء إسرائيل في كردستان والأردن، دون اثارة الاحتجاج الشعبي المتوقع.

لو كان ذلك قد حدث، لربما لم يتمكنوا من إعادة اغراق البلد بالديون وحل الجيش وتعيين قادته الجدد الذين اثبتوا ولاءهم لهم بتسليم المدن والسلاح لداعشهم. ولولا ذلك لربما وجدوا صعوبة في اقناع الكتل السياسية أن يخرجوا عن الدستور لتنصيب عميل لهم يصرح علنا بأنه لا يرى علاقة بين السيادة ووجود قوات اجنبية. رجل يتآمر علنا على النفط ويغرق البلاد في ديون صندوق النقد. لربما لم يتمكنوا من تحويل ثلث أموال العراق إلى عملائهم في كردستان، وتمكينها من تصدير نفطها لسد ثلاث ارباع حاجة إسرائيل، وبدون اية إشكالات.

لو تركوا الشعب يسقط صدام بنفسه، لكان عسيراً أن يبنوا بأنفسهم إعلاماً يبث السموم ليل نهار في الفضاء العراقي، في حرب كيمياوية مستمرة على وعي الشعب منذ 16 عاماً ومازال...

لقد منعوا الشعب العراقي من ان يحرر نفسه، ليس في عام 91 فقط، بل في مناسبات عديدة أخرى، وتعاونوا مع صدام مرات عديدة لكشف وقمع أية محاولة للشعب للتخلص منه. فيجب ان يبقى الشعب في قيوده، حتى يجهزوا له القيد الأكثر شدة وصلابة! إن عدم إدراك هذه الحقيقة عن الأهداف الأميركية، كلف العديدين حياتهم، ومنهم الدكتور راجي التكريتي ورفاقه. ودفع الثمن ذاته المنتفضون الذين صدقوا الوعد الأمريكي بدعمهم إن ثاروا. 

في مقالته تلك، كتب فريد زكريا: "تخيلوا مصير السياسة الامريكية في الشرق الاوسط، بدون صدام حسين وحركاته".

ويمكننا ان نقول اليوم: "تخيلوا مصير السياسة الأمريكية وقدرتها على تنفيذ مهامها الإسرائيلية في العراق، بدون عملائها وفاسديها على رأس سلطته"! "تخيلوا مصير دواعشها بدون عملائهم الضباط على رأس وحدات الجيش العراقي"!

مازالت سلطة اليد الإسرائيلية الضاربة – اميركا، على مختلف المؤسسات العراقية "باقية وتتمدد"، ومازال عملاؤها يحققون الإنجازات التي كان يصعب تخيلها يوما. المزيد والمزيد من ثروة البلد توجه لإسرائيل و "اصدقائها" عن طريق كردستان والأردن، وحرية اميركا في اختيار وتعيين قادة البلد تتزايد بشكل سريع ومقلق، مثلما تزداد ضيقاً، القيود الخانقة التي وضعت على رقبة البلد وحريته ومستقبله، حتى يكاد كل شيء ينهار. وما لم يدرك الشعب خطورة الأمر، وما لم يعتبر اخراج الأمريكان بدأً بقواتهم العسكرية، أولوية أولى لا يجب ان تنافسهم عليها أية اهداف أخرى، وما لم يتم اعتبار كل من يدعوا لبقاء الأمريكان أو يقول انهم ضروريون لحماية العراق، مأجور لا يختلف عن اعضاء داعش في أهدافه، ولا يقل خطراً عن قياداتها، فسينطبق علينا قول الشاعر التركي اليساري ناظم حكمت، إنما بشكل مقلوب، فنكتشف رغم كل ما مررنا به من أيام سيئة، " إن أسوأ الأيام، تلك التي لم نرها بعد!"

 

صائب خليل

 

من أجل تجديد العلاقة بين شعبين وليس بين زعيمين وحسب

يعتقد الكثيرون  من الفلسطينيين ومن مراقبي الشان الفلسطيني ان الاهتمام بالقضية الفلسطينية لدى الشعوب العربية  وكذلك الأنظمة العربية قد انخفض منسوبه خلال العقود الأخيرة وأنا إلى جانب هذا الرأي وأعزوه لعاملين واحد فلسطيني وآخر عربي.

بالنسبة للعامل الفلسطيني فإن انتقال نشاط منظمة التحرير الفلسطينية (م.ت.ف) من بيروت إلى شتى الأقطار العربية إثر الغزو الإسرائيلي لبيروت  صيف عام 1982 قد حد إلى درجة كبيرة إن لم نقل قد أوقف نشاطها "الثوري" ونقله من بؤرة الحراك الثوري آنذاك بيروت إلى  مراكز المدنية العربية حيث اصبح المقر الرسمي للمنظمة تونس. من هناك اصبحت تمارس عملا سياسيا صرفا إلى أن انغمست في عملية تفاوضية انطلقت في مدريد عام 1991 والتي كانت نتيجة مباشرة لما تمخض عنه احتلال العراق للكويت وهزيمته على يد التحالف الدولي الذي شكلته الولايات المتحدة آنذاك. إن التعقيدات التي نشأت منذ بدء العملية التفاوضية والتي استمرت حتى بعد توقيع اتفاقية أوسلو عام 1993 بين م.ت.ف وإسرائيل قد جعلت من الصعب على المواطن العربي أن يفهم ما يجري أما الأنظمة العربية فإن جميعها أيدت العملية عدا العراق (رغم أنه لم يعبر عن معارضته بشكل علني بسبب العلاقة الجيدة مع القيادة الفلسطينية) وسوريا في زمن الأسد الأب التي جاهرت بمعارضتها اتفاق أوسلو.

ومنذ دخول القيادة الفلسطينية إل أرض فلسطين بعد التوقيع على الاتفاقية المذكورة وحتى يومنا هذا جرى الكثير من الشد والجذب بين اسرائيل والطرف الفلسطيني بسبب تراجع اسرائيل عن تنفيذ التزاماتها وفق الاتفاق وسرعت من عملية فرض الوقائع على الأرض من خلال توسيع عملية مصادرة الاراضي الفلسطينية وبناء المزيد من المستوطنات على الأراضي التي يفترض أن تقوم عليها الدولة الفلسطينية أي الضفة الغربية وقطاع غزة  والجزء الشرقي من القدس. هذا الصراع بين الطرفين كان بالنسبة للشعب الفلسطيني ولقيادته  مثابة حرب حامية ومعلنة تشنها اسرائيل عليه وعلى ما تبقى من أرضه بينما كانت بالنسبة للجماهير العربية حربا صامتة لا يعرف موضوعها إلا من يتابع دقائقها.

وبالنسية للعامل العربي ودوره في حرف اهتمام الجماهير عن القضية الفلسطينية فكانت بدايته سنة 1980عندما كانت م.ت.ف لا تزال في بيروت وكان ابرز حدث في هذا الشأن هو اندلاع الحرب العراقية الإيرانية والذي يمكن القول أنه (أي الحدث) مهد الطريق للحرب التي شنتها اسرائيل على لبنان في 1982 لإخراج المنظمة إذ أن تلك الحرب المدمرة للطرفين أشرت بداية إخراج العراق من دائرة التأثير في الصراع العربي الإسرائيلي إذ أصبح الصراع ضد "العدو الفارسي" هو أولوية العراق على المستوى العسكري والفكري والإيديولوجي جندت له كل امكانات العراق المادية والإعلامية والتي انتهت بعد ثمان سنوات كما نعلم بتراجع العراق عن مطالبه (والتي شن الحرب بسببها الحرب) بالسيادة على كامل شط العرب والذي كان قد تنازل عنه لشاه إيران في اتفاقية الجزائر عام 1975 لقاء وقف الدعم الإيراني للحركة الكردية المسلحة وتحول العراق من دولة غنية إلى دولة مفلسة ترزخ بالديون وتعاني مشاكل داخلية عميقة سببها مخلفات تلك الحرب وانخفاض صادرات العراق النفطية إلى مستوى لم يكن يكفي لسد الحاجات الأساسية للشعب.

قبل ذلك وفي الشهر الأخير من عام 1987 اندلعت انتفاضة شعبية فلسطينية شملت كل قطاعات الشعب الفلسطيني وكانت من القوة والعنفوان والاستعداد للتضحية أن دوخت قادة إسرائيل العسكريين قبل المدنيين الأمر الذي دفع الجنرال السابق ورئيس الوزراء الإسرائيلي حينذاك إسحق رابين إلى القول أنه " لا يوجد حل عسكري للانتفاضة". هذا القول مثل اعترافا ربما لأول مرة بمحدودية قدرة القوة العسكرية على فرض حل على قضية شعب واستمرت الانتفاضة متجددة و بزخم لا ينقطع مع كل اطلالة كل يوم حتى أنه نقل عن رئيس الاتحاد السوفييتي آنذاك غورباتشيف أنه سأل الزعيم الراحل ياسر عرفات في لقاء بينهما "إلى متى ستكونون قادرين على الاستمرار على هذا النحو؟" لا أتذكر رد عرفات ولكن الشارع الفلسطيني كان يحيب على هذا السؤال المتشكك في كل يوم جديد.

في صيف 1990 وكانت الانتفاضة لا زالت في ريعانها حتى بعد مرور ثلاث سنوات على اندلاعها تتوتر أجواء الشرق الأوسط مرة أخرى فيما عرف بالأزمة بين العراق والكويت لتنتهي باقدام العراق على احتلال الكويت وتوجيه أنظار الشعوب والحكومات العربية مرة أخرى من فلسطين إلى مكن آخر. ومرة أخرى يخرج العراق خاسرا ومدمرا أكثر من المرة الأولى بفعل الحملة الجوية التي قادتها الولايات المتحدة لضرب البنية التحتية للعراق ونتذكر قول رئيس أركان الجيش الأمريكي آنذاك كول باول عندما قال "سنعيد العراق إلى ما قبل التصنيع" هذا عدا قتل أكثر من مائة ألف جندي عراقي كانوا ينسحبون من الكويت بواسطة القصف الجوي الأمريكي تلك المجزرة المروعة التي سكت عنها الغرب وكذلك النظام العراقي.

وكما نرى فإن الكارثة على الشعب الفلسطيني، عدا نكبة ال 1948 بقيام دولة إسرائيل وتهجير شعب كامل من أرضه،  قد جاءت مرتين من العراق الأولى بسبب الحرب مع ايران وتمهيد الطريق لاحتلال بيروت والثانية بسبب احتلال  الكويت والذي أدى إلى قتل الانتفاضة الفلسطينية ومهد الطريق لفرض التسوية السلمية غير العادلة على الشعب الفلسطيني. جرى كل ذلك تحت غطاء الشعارات التي كان يطغى عليها الحس الشوفيني أكثر بكثير مما كان يطغي عليها الحس بالمتطلبات الحقيقية للوحدة العربية وأولها الوحدة الداخلية وبناء اقتصاد متين يعتمد على نفسه وقبل ذلك تحقيق وحدة الرؤ ى الوطنية عبر وسائل ومؤسسات ديموقراطية وليس عبر حرب التصفيات الجسدية ضد كل صاحب رأي آخر حتى لو كان من نفس الحزب.

ومن بين العديد من القادة الفلسطينيين لم يكن الرئيس ابو مازن (اقول ذلك عن معرفة لم تأت من طرف ثالث) من نوع القادة الذين يدركون متأخرين وقوع الكارثة لذلك كان دائما موقفه بين التحفظ والرفض فيما يخص مغامرات العراق غير المحسوبة والتي انتهت بالخراب له ولجيرانه وللشعب الفلسطيني بشكل خاص.

لقد مثل رحيل نظام عاجز متهرأ في 2003 صدمة للكثيرين الذين كانوا لا يزالون يعيشون أوهام البطل الذي ياتي ليحررهم على حصان أبيض كما وصفه القائد والأديب الفلسطيني الكبيرالراحل توفيق زياد. بالطبع لم يكن الراحل زياد يقصد زعيما بعينه بل كانت دعوة لأن لا تنتظر الشعوب من يأتي ليحررها من الخارج بل أن تاخذ زمام المبادرة بنفسها وهذا ما أدركه الشعب الفلسطيني وعبر عنه في انتفاضاته العديدة.

لقد اعتبر الكثير من العرب أن الاحتلال الأمريكي أطلق  رصاصة الرحمة على الشعب العراقي وليس على نظام ولى  زمنه واصبح العراق بنظرهم لوحة مأساوية من المحزن النظر إليها. ومما زاد من ماساوية هذه الصورة اندلاع العنف الذي وضعه الإعلام الغربي والعربي الخليجي بشكل خاص في إطار حرب أهلية طائفية (بالطبع أريد له وعمل على أن يكون كذلك لولا الدور الحاسم للمرجعية الشيعية). فظهرت القاعدة ومن ثم داعش التي سيطرت على جزء من العراق وظن الكثيرون أن العراق لن يستفيق من كبوته لعقود. لكن العراقيين أثبتوا أن هذه الافتراضات، التي هي تمنيات للبعض، كانت خاطئة واستطاعوا أن يقضوا على التهديد وبدأ العراق باستعادة عافيته الأمر الذي دفع بالكثيرين لأن يعيدوا حساباتهم خاصة الدول التي حرضت على الطائفية ومولت وسلحت الإرهاب.

قال اللواء المتقاعد ومستشار المركز الأوربي لمكافحة الإرهاب عبد الكريم خلف في مقابلة تلفزيونية بثت مؤخرا أن دول الخليج أنفقت 200 مليار دولار على تمويل وتسليح المنظمات الإرهابة وأن  حصة السعودية من التمويل 40 مليار دولار (ثلاثة أضعاف الميزانية السنوية لبلد عربي غير نفطي مثل تونس) وأن مصانع السلاح في أوربا الشرقية (خاصة بلغاريا وبولندا) قد ضاعفت انتاجها من السلاح 15 ضعفا وشغلت 30 ألف عامل إضافي وهي كلها أسلحة ذهبت للمنظمات الإرهابية في العراق وسوريا.

ذلك هو الوجه الآخر للصورة التي أريد لها أن تكون صورة حرب أهلية لا دخل لأحد من الخارج بها في الإعلام الخليجي وكذلك الأوربي.

لقد سبق وأن قام الرئيس محمود عباس بزيارة العراق بعد 2003 على خلفية الاعتداءات التي حصلت على الفلسطينيين المقيمين هناك والتقى القادة العراقيين وتلقى تطمينات بأن ليس هناك اي جهة عراقية منظمة معروفة للحكومة أو للناس هي من قامت بالاعتداءات وحصل ما حصل لبعض الأخوة الفلسطينيين الذين تشردوا على الحدود مع الأردن قبل أن تقوم البرازيل باستضافتهم..

غيرأن زيارة ربيع 2019 تحمل معنى وبعدا مختلفا. فمن الجانب العراقي بدأ البلد باستعادة عافيته كما وبدأ يلعب دورا على المستوى الإقليمي خاصة بعد تولي ابراهيم الجعفري وزارة الخارجية ورأينا مواقفه فيما يخص سوريا وإيران حيث رفض القطيعة مع هذه الدول ورفض اختلاق صراعات لا مصلحة للشعوب العربية بها ولم يرضخ لأي ضغط أمريكي (إن وجد) بالاتجاه المعاكس. وهذا في حقيقة الأمر موقف جميع الزعامات العراقية منذ تاريخ أول حكومة منتخبة برئاسة الجعفري عام 2004 وانتهاء بحكومة الدكتور عادل عبد المهدي الحالية..

أما من الجانب الفلسطيني فإنه يتعرض لتهديد جدي لمستقبله تمثله ما يسمى ب "صفقة القرن" التي رفضها بشكل قاطع دون أن تظهر من الدول العربية مواقف مؤيدة له ورافضة لهذه الصفقة. ويخشى الطرف الفلسطيني أن تمارس عليه ضغوط عربية خاصة من قبل الدول التي تساعد في دعم ميزانية السلطة الفلسطينية أي أن تلجأ إلى الابتزاز المالي. ما الذي يستطيع الجانب العراقي أن يفعله لدعم موقف السلطة الفلسطينية وتعزيز صمود الشعب الفلسطيني؟ هناك الكثير مما يمكن أن يفعله وفي عدة جوانب

سياسيا:

- أن يتبنى ويدعم المطالب الفلسطينية في المحافل العربية والإقليمية والدولية ويؤيد رفضه لصفقة القرن من منطلق "نرضى بما يرضى به الفلسطينيون ونرفض ما يرفضوه"

- يرفض الضغوط ذات الطابع السياسي والمالي التي تمارس على الشعب الفلسطيني وسلطته لتقديم تنازلات ضد مصالحه الوطنية لأنه لم يعد لديه ما يقدمه بعد أن قبل حل الدولتين والمبادرة العربية وأن الضغط يجب أن يسلط على إسرائيل والولايات المتحدة.

ثقافيا:

-- تعزيز التقارب الثقافي من خلال دعوة الكتاب والأدباء والصحفيين  الفلسطيينين للمشاركة في المنتديات الثقافية العراقية ومساعدتهم في طباعة ونشر نتاجاتهم الثقافية والفكرية وبذلك توفر لهم الفرصة لمعرفة ما يدور في العراق عن كثب..

اقتصاديا:

- - دعم ميزانية السلطة الوطنية الفلسطينية والتي تعاني من ضغوط إسرائيلية بسبب قيامها بحجب مستحقات السلطة من أموال الضرائب على البضائع الداخلة لفلسطين .

- - فتح الأسواق العراقية أمام النتجات الفلسطينية الزراعية والمصنعة وإعفاءها من الضرائب

- - تشجيع الاستثمار المشترك لما للفلسطينيين من خبرة ومعرفة في هذا الحقل.

و ليس من المستبعد أن يتعرض القادة العراقيون لضغوط أمريكية  في قضية دعم الشعب الفلسطيني ولكنهم كما في السابق أظهروا  شجاعة في مواقفهم عندما رفضوا تحويل العراق لساحة للنشاط المناهض لسوريا وإيران.إن  التجربة تعلم أن الغربيين يضطرون (ولو على مضض) لاحترام المواقف المبدأية  عندما تكون مبنية على المصلحة الوطنية ذلك أن ما يقدم للشعب الفلسطيني في الظروف الحالية لا يعادل نقطة في بحر مما يقدمه الأمريكيون والغربيون إلى إسرائيل و لاتجد أحد يقول لهم  لماذا تفعلون ذلك فدعم الشعب الفلسطيني شأن عربي وإسلامي خالص يتوافق مع المصلحة ومع الأخلاق والواجب الإنساني و لا يتناقض مع القانون الدولي.

(لقد سمعت ولم أقرأ أن الولايا ت المتحدة قد عرقلت قيام الحكومة العراقية بتحويل  10 ملايين دولار لميزانية السلطة الوطنية الفلسطينية وإذا صح هذا الأمر فيمكن للجانب العراقي والفلسطيني أن يتفقا على آلية ما تتفادى هذه العرقلة وعلى الإعلام العراقي أن لا يسكت على شأن كهذا فلا نسمع به في الفضائيات العراقية غير الحكومية خاصة تلك المعروفة بتأييدها للفلسطينيين).

لقد كانت الكلمات المتبادلة بين الرئيس الفلسطيني والمسؤولين العراقيين ملهمة:

الرئيس أبو مازن: "ونحن جئنا إلى بغداد كوننا نعلم أنها مدينتنا ونعلم معدن الشعب العراقي الأصيل".

رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي: "ستبقى القضية الفلسطينية  هي القضية المركزية لنا جميعا وسنبقى ندافع عن حقنا في دولة فلسطينية على ترابها الوطني وحماية الحقوق الكاملة للشعب الفلسطيني" (لاحظ استخدامه كلمة "حقنا" جاعلا من الحق الفلسطيني حقا عربيا).

النائب الأول لرئيس البرلمان العراقي حسن الكعبي: "ما زلنا كشعب عراقي ننظر لفلسطين على أنها رمز وحدة الأمة العربية".  ثم: " إن موضوع التطبيع مع الكيان الغاصب مستحيل".

 

ثامر حميد

 

محمد العباسيالجولان هي هضبة تقع في بلاد الشام بين نهر اليرموك من الجنوب وجبل الشيخ من الشمال، وهي تابعة إدارياً لمحافظة القنيطرة (كلياً في ما مضى وجزئياً في الوقت الحاضر). تقع هذه الهضبة بكاملها ضمن الحدود السورية، ولكن في حرب 1967 تمكن الجيش الإسرائيلي من احتلال ثلثي مساحتها، حيث لا تزال إسرائيل تسيطر على هذا الجزء من الهضبة حتى يومنا هذا في ظل مطالبة سورية بإعادتها إليها..

أغلب الشعب العربي من السوريين الذين لا يزالون في الجانب الإسرائيلي من الجولان هم من الطائفة الدرزية، وقلة من العلويين.. وجميعهم يندرجون تحت مظلة القانون والقضاء والإدارة الإسرائيلية، رغم أن هيئة الأمم المتحدة لا تزال تعتبر الجولان أرضاً سورية محتلة. الغريب في الأمر أن في 1974 تم الاتفاق على خط هدنة بين "حافظ الأسد" والإسرائيليين مباشرة بعد حرب الـ 1973 بين مصر وإسرائيل وتحرير سيناء. فقد تقدمت حينها الولايات المتحدة بمبادرة دبلوماسية أسفرت عن إبرام اتفاق لفض أي اشتباك محتمل بين القوات الإسرائيلية والسورية، ونص الاتفاق على منطقة للفصل ومنطقتين متكافئتين من القوات محدودة السلاح على الجانبين في المنطقة وطالب بإنشاء قوة مراقبة تابعة للأمم المتحدة للإشراف على تنفيذها. 

وفي السنوات اللاحقة أدت قوة المراقبة مهامها بتعاون الطرفين وظل الموقف على القطاعين الإسرائيلي والسوري هادئا. ومنذ ذلك الحين يتعاون الطرفان بالكامل مع البعثة الأممية مما شجع وفتح الباب لحوالي 20000 مستوطن إسرائيلي للانتقال إلى الجولان وتحويلها بوضع اليد إلى أرض تابعة للكيان الصهيوني في ظل صمت رسمي سوري حتى يومنا هذا، حتى تجرأ "بنيامين نتنياهو " وأعلن منذ حوالي سنة فقط أن هضبة الجولان أرض إسرائيلية وستبقى كذلك إلى الأبد!!

وأنا لست هنا بصدد الخوض في قضية الجولان في ظل الظروف العربية البائسة، ولا نية لي في إثارة قضية الجولان كحجة على نظام الحكم في سوريا.. لكنني أطرح هذه المقدمة المختصرة لأخوض في مسألة إنسانية بحتة.. وضع أهلنا ممن صمدوا في الجولان ولم ينزحوا مع إخوانهم النازحيين حينها ممن إستقروا في إطراف دمشق هرباً وخوفاً من البطش الإسرائيلي.. هل يمكننا اليوم في ظل المآسي التي يعيشها الشعب السوري في وطنهم من بطش النظام السوري تجاههم أن نقول بأن أهلنا في الجولان محظوظين وأفضل حالاً في أرضهم المحتلة؟ هل سيستسلمون أخيراً ويرضون بالإنتماء للدولة العبرية؟ هل سيفقدون الأمل أو بقايا أي أمل في العودة والإنتماء إلى الوطن الأم والعيش في سلام وأمان وحرية و"كرامة"؟

هل ستدفع المآسي الواقعة على أهل سوريا بشكل عام خلال السنوات الأخيرة هؤلاء السوريين الصامدين في الجولان المحتلة أن يختاروا الكنف الصهيوني هرباً بجلودهم من عنف النظام السوري من جانب وسطوة الجماعات الإرهابية؟ فكثير من أهل بلاد فارس مثلاً يتندرون على أيام "الشاه" رغم مساوءه وظلمه.. وكثير من أهل العراق يتباكون على أيام "صدام".. وأغلب أهل ليبيا يتحسرون على دكتاتورية "القذافي".. وكذلك الأمر في أفغانستان بعد "نجيب الرحمن".. وربما هكذا سيؤول إليه الوضع إذا نجح أهل السودان هذه الأيام في تنحية "عمر البشير".. ولكم في بقية ضحايا الأنظمة السابقة في الكثير من دول العالم ممن إنقلبوا على حكامهم ثم ذاقوا الأمرّين ممن ظنوهم مخلصيهم أمثلة صريحة على فداحة الأثمان في طلب الحرية.. وليس العيب في المطالبة بالحريات، لكن العيب يكون دائماً فيمن نسلم لهم رقابنا دون أدنى بُعد نظر!

لذا لن أستغرب كثيراً إذا تحركت جموح من النازحين من هضبة الجولان منذ 1976 ممن استقروا في بعض بقاع سوريا بالمطالبة بالعودة إليها هرباً من المجاعة والقصف والتعذيب في معاقل "الأسد" وأعوانه من المرتزقة الإيرانيين والعراقيين والباكستانيين والأفغان، وطبعاً من المرتزقة من أتباع "حزب الله".. وهرباً من القصف الروسي الوحشي على مدنهم وقراهم ليل نهار، وخوفاً من الجماعات الإرهابية من أتباع الدواعش وأذناب القاعدة.. ولا أظن بأن نظام "بشار الأسد" سيمانع هروب المواطنين السوريين من ديارهم وملاجئهم في الداخل السوري نحو أحضان الكيان الصهيوني، فللنظام مآرب في تهجير غير العلويين وغير الشيعة من الأراضي السورية بكل الوسائل المتاحة.. فها هي تشعل النيران في محال المناطق السنية حول دمشق لإجبار أهلها على النزوح بدعم وتنفيذ الخطط الإيرانية ومطامعها في تحويل سوريا إلى ولاية شيعية خالصة تتبع النظام الإيراني والولي الفقيه.. والغريب أن الكل يعلم بأن النظام السوري العلوي لا يتبع المذهب الشيعي الإثناعشري ولا يؤمن بدين الإسلام ولا أي مذهب بعينه، بل يتبع الفكر البعثي الإشتراكي (المنحرف كلياً عن كل دين).

يقول المفكر والكاتب الفلسطيني "غازي التوبة" في ذلك: "لم يكن حزب البعث طوال الخمسين سنة الماضية "لادينياً" فقط، بل مارس العنف نحو الدين والمتدينين، وحاول اقتلاع الدين من حياة الشعب، واعتبره منبعاً للخرافة والأوهام والسلبية، واعتبره مطيّة للرجعيين والأغنياء، لذلك سخّف كل مقولاته، واعتبر أن الانتقال إلى النهضة والدخول إلى عصر الحداثة يتطلبان محو الدين من حياة الشعب" (الجزيرة.نت 2011).

كذلك كان العنف هو السمة التي ربطت قيادة البعث بجماهير الشعب السوري، فباستمرار كان هناك بطش بفئة من الفئات، سواء كانت طائفة مذهبية أو جماعة سياسية وحزبية، ولم يكن البطش قط تحت المظلة الدينية، بل كانت ضد كل كان يشكل تحدياُ للفئة الحاكمة وحزب البعث. ففي عام 1963 تم البطش بالناصريين، ثم جاء البطش بالإسلاميين عام 1964، وفي 1965 مورس العنف الوحشي من خلال قصف واحتلال المساجد في حماة وحمص ودمشق.. ثم جاء إقصاء الدروز والبطش بهم عام 1966، ثم جاء إقصاء الإسماعيلية والبطش بهم عام 1969، ثم جاء تدمير حماة عام 1982 والتنكيل بالمئات في مجازر هوجاء.. وها هو الآن يعود إلى العنف والقصف والبطش في مختلف المدن وتجاه مختلف جماهير وطوائف سوريا، في درعا وحمص ودمشق وضواحيها وأريافها، واللاذقية وبانياس ودير الزور وإدلب.. بل وها هي مدينة حلب التي صمدت عبر القرون الماضية ضد كل الغزاة والمحتلين من الروم والفرنجة يقاسون الويلات من نظام "بشار" وأزلام الإيرانيين وأتباعهم، ومن قصف الطائرات الروسية بلا هوادة.

وهكذا نعود إلى الحكم بأنه (من سخرية القدر) ربما يكون أهلنا الصامدون في الجولان هم الأوفر حظاً وأمناً في كنف الكيان الصهيوني الغاشم! فهل بلغ بنا اليأس والأسى في أن نرضى بمظالم الصهاينة رغم طول الصبر على شقاء الاحتلال الغاشم وبعد سنوات طوال من التمسك بعروبتنا والأمل في لم الشمل والعودة لكنف سوريا الأم حين نشقى من مآسي حكوماتنا وبنو جلدتنا؟؟ أو كما يقول المثل: "رب ضارة نافعة"!! ومؤخراً، في شهر فبراير الماضي رحل عن الجولان المناضل السوري "احمد القضماني" (ابو مجيد) عن عمر ناهز الـ83 عاما، الذي قضى عمره في النضال من أجل وطنه الأم سوريا، كما عرف بمواقفه الأمميّة المبدئية ومناصرته لفلسطين وقضيتها العادلة.. وقد تعرض القضماني للاعتقال مرات عديدة لمواقفه المعارضة لمحاولات فرض الهوية الإسرائيلية على السوريين في الجولان.. وشارك القضماني في صياغة الوثيقة الوطنية عام 1981 رفضاً لقرار الاحتلال الإسرائيلي القاضي بضم الجولان إلى دولته.

ربما رحل عن الجولان عشرات الأبطال ومات منهم من مات دون أن يرى بريقاً لعودة أرضهم المسلوبة للوطن الأم، غير أن الحلم الإسرائيلي المدعوم أمريكياً لم يمت بعد.. فقد ذكرت صحيفة "يسرائيل هايوم" العبرية قبل أيام، أن الحزب الجمهوري قد بادرا بطرح مشروع قانون ملزم، وليس تصريحي أو إعلاني، أمام مجلس الشيوخ الأمريكي، على أن أي تطرق أمريكي إلى إسرائيل وكل تعاون بين البلدين مستقبلا، سيشمل مرتفعات الجولان، باعتبارها جزء من إسرائيل. وأفادت الصحيفة العبرية بأن الصيغة المقترحة تشير إلى أن الحديث بأن السياسة الأمريكية هي الاعتراف بإسرائيل كدولة ذات سيادة على مرتفعات الجولان، حيث لا يتوقع أن يواجه المقترح معارضة من الإدارة الأمريكية. وأضافت الصحيفة أن مشروع القانون الأمريكي سيستعرض من خلال بنوده ما أسمته الصحيفة بـ"العدوان السوري" منذ إقامة إسرائيل في العام 1948، والتموضع العسكري الإيراني في سوريا في السنوات الأخيرة، كما يذكر القانون أيضا أن رؤساء الولايات المتحدة تعهدوا في السابق بأنهم عندما يضعون موقفاً بشأن قضية الجولان، سوف تؤخذ في الحسبان الاعتبارات الأمنية الإسرائيلية، وأن إسرائيل ضمت الجولان رسميا، في عام 1981 (موقع سبوتنيك عربي).

و قد دفعت الأحداث في سوريا والتهديدات الإيرانية في المنطقة لبحث إمكانية الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان السوري المحتل، إلى واقع عملي، إذ يبدو أن هذا الاعتراف أصبح وشيكاً في ظل التقارير التي تتحدث عن الانتهاء من صياغة مشروع قانون في هذا الصدد وعرضه على الكونغرس الأمريكي للنقاش من منطلق أن لدى الولايات المتحدة الأمريكية "مصلحة أمنية" بشأن ضمان تعزيز سيطرة إسرائيل على الهضبة، وأن هذه المصالح تحتم عليها إعلان اعترافها بالسيادة الإسرائيلية على الجولان بشكل نهائي. وتتمحور المناقشات حول إذا ما كانت هذه الخطوة ستحقق المصالح الأمنية للدولة العبرية وللولايات المتحدة الأمريكية من عدمه.. وقد توصل المجتمعون إلى فرضية أن الاعتراف الأمريكي سيحول دون قيام الجيش السوري مستقبلاً بشن هجوم مفاجئ لاستعادة الهضبة، وسوف يكون عليه الدخول في مسيرة سياسية عبر المفاوضات لاستعادة الجولان في النهاية، لكن الاعتراف الأمريكي بسيادة إسرائيل سيشكل رادعاً سياسياً أيضاً أمام السوريين. وربما لم تهتم أمريكا للتهديدات الإيرانية (الجوفاء) الآتية من بعيد فيما سبق، غير أن التواجد الإيراني في سوريا وعلى مقربة من الحدود الإسرائيلية تضع التهديدات في خانة من الجدية.. لذا لم تكف إسرائيل عن قصف التجمعات الإيرانية في سوريا، وإن كانت من باب التشديد على اقتراب الخطر الإيراني وإثارة الرأي العام في أمريكا على ضرورة التحرك من أجل حماية مصالحها في المنطقة

 

د. محمد العباسي

 

بكر السباتينصرحت الخارجية الأمريكية بأنه من المزمع دمج القنصلية الأمريكية في إدارة دبلوماسية واحدة، ونقل القنصلية التي كانت تعتبر سفارة أمريكية غير رسمية معنية بشئون الفلسطينيين، من القدس الشرقية إلى مبنى السفارة الأمريكية التي نقلت في العام الماضي إلى القدس الغربية؛ ما يعني بأن كل الملفات الفلسطينية التي كانت محجوبة عن السفارة المركزية ستنتهي إليها بعد قرار الدمج.

وأوضحت الوزارة بأن قرار الدمج لا يشير إلى أي تغيير في الموقف الأمريكي بشأن القدس. وكان وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو قد قرر في أكتوبر الماضي إنشاء وحدة دبلوماسية واحدة في القدس، وأعطى إعلان الوزارة اليوم الاثنين 4 مارس 2019 الموعد الرسمي لتنفيذ القرار. وهو قرار قد يبدو ظاهرياً بأنه برقراطي جاء لتوحيد الإدارة الدبلوماسية الأمريكية في القدس، لكنه في الجوهر يعتبر من أخطر القرارات التي يعوّل عليها في تنفيذ مشروع صفقة القرن من خلال تهميش الدور الفلسطيني وضرب استقلاليته في الصميم، وهي الصفقة التي ينتظر استئناف تنفيذها بعد ظهور نتائج الانتخابات الإسرائيلية المقبلة.

وتجدر الإشارة إلى أن السفير الأمريكي ديفيد فيردمان يعتبر من أشد المؤيدين لبناء المستوطنات في الضفة الغربية ومتحمس جداً لضرب الهوية الفلسطينية بكل ما أوتي من صلاحيات.

من جهته اعتبر الدكتور صائب عريقات كبير المفاوضين الفلسطينيين ذلك الإجراء، المسمار الأخير في نعش الدور الأمريكي الراعي لأية مفاوضات قائمة بين الفلسطينيين و"إسرائيل".. وكأن أوسلو لم تدفن منذ البداية ولم يأت الدود على بقيتها؛ لكنه دأب السياسيين في محاولتهم اليائسة بإيقاظ الأموات من سبات الأبدية.. وعليه فقد بيّن عريقات خطورة قرار الدمج منوهاً إلى أنه جاء لتهميش الفلسطينيين باعتبارهم أقلية في بلادهم بحيث لا يجوز التعامل معهم أمريكياً بشكل مستقل، وبدلاً من إجراء اللقاءات مع الفلسطينيين في مبنى القنصلية فإنه بعد تنفيذ القرار سيتم ذلك في مبنى السفارة المركزية في القدس الغربية من باب أنهم أقلية عربية في "إسرائيل"، فتقوم برعاية شئونهم وتتواصل معهم من خلال دولة الاحتلال التي "تحتضنهم". وهذا يعزز يهودية الدولة على وتطمس الهوية الفلسطينية.. ليتم التعامل مع الفلسطينيين كأقلية عرقية أو طائفية وبالتالي حفظ كل الملفات المتعلقة بالشئون الفلسطينية في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة في خزانة السفارة الأمريكية والتعامل معها كملفات إسرائيلية محضة.

إن سوء النية الأمريكية مبيت مسبقاُ، ويمكن إدراجه في إطار السعي الأمريكي وفق رؤية ترامب نحو تثبيت الهوية اليهودية لدولة الاحتلال الإسرائيلي على حساب الحقوق الفلسطينية.. وفي سياق ذلك نذكر بأن أمريكا هي التي أوقفت دعمها المالي للسلطة الفلسطينية، كما سعت جاهدة نحو إلغاء دور الأونروا الداعم للاجئين الفلسطينيين.. وإدارة ترامب بالتحديد تعلنها صراحة بإنها عازمة على تنفيذ أجندة صفقة القرن التي تستوجب تصفية جميع ملفات القضية الفلسطينية بما في ذلك القدس واللاجئين والمستوطنات وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.

وكنت انتظر من صائب عريقات بأن يعلن ما فحواه بأن الحقوق الفلسطينية لا ترتبط بقنصلية هنا أو سفارة هناك.. ولا تستمد قوتها من الراعي أو الخصم، ولا تخيفها صفقة القرن أو متصهين هنا ومطبع هناك، بل تعتمد على مدى تمسك الشعب الفلسطيني بحقوقه المشروعة المعترف بها من قبل المؤسسات الدولية، وثوابته وخياراته بما في ذلك العودة إلى الميثاق الوطني الفلسطيني الجامع، واعتماد خيارات مرادفة للنضال السياسي كالكفاح المسلح ودعم مسيرات العودة كشكل مبتكر من أشكال المقاومة الشعبية.

 

بقلم بكر السباتين

4 مارس 2019

 

 

ضياء الحكيمالقيم الحضارية الحياتية في تغيّر مستمر والصور المرئية منها تبقى للتدوين والتحليل والأختبار والمراقبة والمحاسبة. وإستعراض صورها يُذهل العقل .

يتعلم الأنسان بالصور المرئية أمامه التي هيجزء من هويته وتكشف له مايراه في هوية الأخرين ويتأثر بها . وينتزع حلاوتها ومرارتها نُضج التفكير الشخصي . والمثال عليها اليوم هي صورة الدول المانحة لمساعدة العراق مالياً وتخصيصاتها الوهمية لحكومته بعد إنعقاد مؤتمرها في الكويت يوم 14فبراير 2018 . وبعد سنة من ذلك الألتزام المالي تقف نخبة عدم الإختصاص العراقية الى جانب ممثلي هذه الدول يقدمون شكرهم وإمتنانهم للمنح والقروض الأستثمارية حتى وإن " لم تصل الى أغراضها" في إعادة إعمار المدن العراقية.شغلتني صورة الترحيب وسرعة تشكرات رئيس مجلس النواب دول المنحة المالية التي لايعرف أحدأ صحتها وسبب عدم إعلانها إن كانت حقيقية . كذلك لايعرف أحد المبادرات المتسرعة في إلقاء كلمات الترحيب لوقوف الأشقاء الى جانب العراق في الحرب على الأرهاب .هذه الصورة الحقيقية مرئية للأعين وحقيقتها تبرز في عدم توحيد الكلمة الحكومية ولايمكن أن تزال بشخطة قلم . صورة الدول التي نكلّت وأسهمت في دمار العراق إقتصادياً ومالياًوطالبته، ومازالتتطالب،بدفع تعويضات للكويت تقدر ب 52.5 بليون دولار، دفع العراق منها 41.2بليون دولار وفق ما صاغته الأيدي الدولية المعروفة بالتلوث ومص دماء الشعوب وزادت من إفقار العراق .إنها صور لايمكن إنكارها أو إخفاءها، حتى أن الأمين العام للأمم المتحدة السيد بان أمون طلبوترجى من الحكومة الكويتية تخفيف هذه الديون أو إزالة المطالبة بالمتبقي منها .

 ويبقى الأنسان يتعلم ويحلل بالصور المرئية أمامه بأنواعها، كالوثائق والملفات الورقية الرسمية، القراءة،الزخرفة،الرسم، الأفلام السينمائية،المسرحيات والأعلام السياسي المتلفز وقنواته. كلها صور رحلة سياحيةتنطبع في مخيلة الأنسان وتسير معه حياتياً.

وعندما تدور مخيلة الأنسان بالنظر الى صور أشخاص وتتجاذبنا شخصياتهم يصل تقييمنا لهم على ضوء الصور التي توضح ما إفتعلوه من أزمات وحروب بتحليل هوياتهم وميولهم وعقائدهم السياسية (هتلر وموسيليني وستالين والسادات ومبارك والقذافي وصدام والخميني ) وماإختمر في أذهاننا منها عنهم . لاخلاف على ذلك الخزين من الصور أو من ويبدأ بتقييمها سياسياً وفق الحركة المتحركة المرئية .

ومايهمني هو هوية الدولة العراقية الحالية التيلانرى مكانها بين الدول. وقادته لا يعلمون أن الزمن سبقهم . فالصورة المرئية عنها أنها دولة صراع وخلاف وحروب تتأجج لآتفه الأسباب . العراق ليس من الدول المتقدمة ولكن أقل ومانرجوه ان لا نكون في مؤخرة الدول شعباً وحضارةً وملجأ للتأخر ونشر التفرقة بسببالمتاجرة بالهوية المذهبية والقومية .

خذ الصورة المرئية في موجة التحضير للانتخابات الأمريكية القادمة لعام 2020 وسباق الزمن السياسي حيثيناقش الأمريكيون هوية أو جنسية المرشحين السياسيين وماروته عنهم الهوية السياسية Identity of politics. والمعنى المخفي منها أنها تشمل معرفة مكان وبيئة النشأة وأصل البلد للمرشح وكيف إنتهت بوصول الشخص الى أمريكا ومن يدعم خلفيته.

وعلى الأرجح سينقل الإعلام العربي أو سيهضم هذا المصطلح الأمريكي " الهوية السياسية" بشكل أو بأخر ويتوسع بعضهم في تعريفه بالرسوم الكلاميةوطرق تفسيره وبالأخص في العراق . فأمريكا للعرب هي الخصم والحكم، العدو والصديق في ثنائية غريبة، من حماة دول السيادة والأستقلال، وبنفس الوقت، المُدافع الحريص عن دول الأستبداد والأستغلال والتسلط .

هوية أمريكا السياسية في صورها لم تبدأ ولن تتوقف بالرئيس الأسود أوباما ونشأته وهويته. ولم تبدأ بالزعيم الأسود مارتن لوثر كينغوقبله منذ بدء نقل الرقيق من أفريقيا إليها ولن تتوقف عندها . فوفقاً لنظرية الهوية السياسية، فإن كل طائفة،سلالة، مكون مذهبي أو قومية، تسند نخبة مرشحيها لقيادتها نحو الحياة الأفضل. ويراها البعض بأنها عمل مناهض للقيم الأخلاقية ومنافي للتعاليم الدستورية الديمقراطية وحرية الأعتقاد المعطاة للفرد الأمريكي .  

هوية المرشحين للرئاسة الأمريكية لعام 2020، وبيئة نشأتهم تتغلغل الى العقل الأمريكي بشكل يتدارسه أساتذة الأدارة والعلوم السياسية بدهشة . فهناك أربع مرشحات للرئاسة الأمريكية من النساء ومن هويات أفريقية وهندية ولاتينية وربما ستدخل الحقل مرشحات أخريات ينادين بالأصلاح الديمقراطي وتعايش الأقليات بسبب سوء الأدارة الأمريكية الحالية للرئيس دونالد ترمب وتشويشها للجنسية والقومية والهوية المحمولة .

وفي العراق تتراكم وتتضاعف أزمة الجنسية والقومية والهوية وبيئة نشوء الفرد وأخطاء ما تنادي به أحزاب سياسية داخل قبة المجلس النيابي والحكومة من إختصاصينلم يعترف أحداً منهم مثلاً بأن قطع الطرق العامة مناطقية لأسباب إختلاف الهوية " كركوك وبغداد وديالى والأنبار" ولايكون بصب منصات كونكريتية اسمنتيةداخل شوارع العاصمة. ومع أنهم يمرون بها ويرونها يومياً، لم تعتذر أي شخصية سياسية بأن هذا عمل يعتبره الناس في غاية الغباء. 

وفي المرآة المتشضية اليوم، يناقش أعضاء مجلس النوابكيف سيتم إستعراض وإنتقاء شخصية لشغل وزارة الدفاع والداخلية والعدل بعد أشهر من المزايدات على خلفية هويةونسبوعشيرة وقومية المرشح . بكلمة واضحة إستعراض لعملية "توزيع المناصب"، تاركين الأطار الأهم في الخبرة والسيرة الذاتية وإمكانيات الطاقةالعلمية والأدارية للمرشحوكفاءته .

ثم يأتي إستعراض الدول الناصحة ودورها الأرشادي اللاواجب وللاضرورة له، والتي إنطبع بعضها في مخيلة حكوماتنا المتعاقبة . فالمطلوب من الحكومةضرورة تحويل النصح والأرشاد الى الأجيال الشابة وإدخالها مدارس التعليم، وإبعادها عن ساحة الصراع و التنصل عن معايير حقوق الإنسان. الدول الناصحة تُسيّر برلمان العراق والحكومة تستمع لهذه الدول وممثليها وفق مصالحها . وكذلك الأيدي العربية والأسلامية الخفية الملوثة بالجرائم أوقعت قادة العراق في فخ مخابراتها .

والصور التي ترافقني ويخجلني ذكرها هي تصور بلدي العراق مازال في دور الرضاعة. ويخجلني أيضاً تصور مدينتي بغدادفي دور النقاهة والسعي للتخلص من مرارة الهوية العنصرية والمحاصصة . ويغضب أصدقائي المقربين لإستعمالي بعض العبارات التي لا أقصد أنها تمثلهم وإنما الحالة المزرية التي ألت إليها الأمور بعد سنوات الحروب وماتركته في مخيلتنا جميعاً . والصورة التي نأمل في إبقاءها هي ان نفهم بعضنا بعضاًونهتم لبعضنا أخلاقياً وندرك موقعنا في عالم اليوم .

أخبرني ضابط عراقي مرة وبصحيح قوله " لانحتاج التدريب العسكري الأمريكي، فنحن جيش مدرّب". وها أنا أقول بطليق العبارة اننا " لانحتاج العنف والقتل والجريمة والأرهاب والسرقة والكذب وخلايا السرطان المنتشرة في جسد الدولة العراقية . ونعرف عن آثار الحرب على البيئة الحياتية .فنحن نعرف كل شيئ. فمادمنا نعرف فلنطبق الوجه الحقيقي للهوية كي نخلص من النواقص والثغرات والتعثر والاختناقات الاقتصادية والمالية" .

عقليتنا العراقية المتوارثة (بشكليها الحكومي والشعبي) يحملها أبناءنا في صور مرئية تكتسح مجتمعنا ونرى أمام أعيننا أناس يعيشون تحت خط الفقر والجهل وخيمت على عقول من يتلاقفهم من السياسيين وكأنه أمر طبيعي .خبرة لايمتلكها ممثليهم في تحقيق السلامة العامة للوطن والأخذ بالعامل والفلاح والجندي وصاحب المهنة الى السلام دون تلكؤ أو تغاضي أو تواطئ مع مذهب أو قومية حسب الهوية. فهل يتحقق حلم السلام بحرق الهوية العنصرية رغم عمق هذه الفجوات وتأصل الارهاب وإستمرار التقاتل اليوميومُسببيه ؟

تلتبس الأمور بعدما تكتشف أن خبرة الساسة والمراكز الأعلاميةتركّز على رائحة الهوية وجنسية العراقي لإبقائه في خانة الفشل " عربي كردي شيعي سنيمسيحي أشوري سرياني ألخ ......" . لاحظ المتخصصون وكيفبدأ العد التنازلي في قائمة الأسماء لإختيار وزير مناسب للدفاع والداخلية والعدل وفق الهوية الطائفية البيئية المخزية " المحاصصة " . والكلُ في مجلس النواب العراقي يبدو وكأنه درس علم الحديث وتخصص في علم الولاء لهويته المذهبية والقضاء والفقه وتفوق فيه . فهل سيكون في أستطاعتهم إختيار من يصلح بعد مرور أكثر من أربعة أشهر دون إتفاق ؟

وهنا تصح وقفة التأمل والتساؤل عن الطريق الى السلام وسلامة العراق وأهاليه بكافة مكوناتهم العرقية . لقد خالفوا ما تعلمناه من عطاء وتألق الهويةالوطنية الجامعة الأصيلةلكل المكونات . فالجميع يعرف مايعرفه الأفراد في "عدم الأشراك بالله وعدم إيذاء الناس " وأن الأنسان يعامل بمساواة في حالة التهمة ودون تفرقة في كل الأديان. وكما يقال :

People are of Two types. They are either brothers in faith or equal in humanity 

هذا الألتباس المخزي للهوية يعاود ويُدار للنقاش يومياً لإشغال الناس بعد أن إنفضحت فجوة الفساد المالي والأداري في العراق منذ 14 سنة،لم تعد مخيلة الحكومة والشعب والأعلام المموه تمييز الحقائق عن غيرها . والنتيجة المتوقعة هي سقوط أو صعود البعض سُلم السياسة حسب ما تقرره هوية المذهب . إنها أزمتي وأزمتك . معطياتي ومعطياتك. ثقافتي وثقافتك، كما انها شجاعتي وشجاعتك وأيهما المقبول منها،

 

ضياء الحكيم - باحث ومحلل سياسي 

 

علجية عيشالجزائر اليوم تتخبط في ظل التوتر القائم بين السلطة والمعارضة وغياب الحوار مع الجماهير ومحاولة تبرئة أشخاص هنا ولوم أشخاص هناك، وهي في حاجة الآن إلى حركة لا هي دينية ولا هي سياسية من أجل الدفاع عن الثورة الجزائرية وعن الجمهورية الجزائرية، في إطار مبادئ أول نوفمبر 1954 من أجل الخروج بحل يرضي الشعب ويكون في مستوى طموح الشعب ورأب الصدع والحفاظ على مؤسسات الدولة

مقال الدكتور محمد قماري الذي اعتدت متابعة ما يكتبه، وهو يتحدث عن سقوط المثقفين في مقال له بعنوان: "يسقط المثقفون" نشر في جريدة صوت الأحرار بتاريخ 24 جويلية 2008 عدد 3170، الصفحة 12، تحدث فيه عن موقف حركة الضباط الأحرار في مصر الذي كان مطلبهم الأساسي الإصلاح في بعض المناحي التنظيمية في الجيش وفي السياسة، بعدما نخر الفساد مؤسسة الدولة المصرية في عهد الملك فاروق، هذا الحراك الذي قاده الضابط محمد نجيب كانت نتيجته إبعاده عن السلطة بعد صراع بينه وبين جمال عبد الناصر، حيث لم يعد كما قال هو صوت يعلو عن صوت الزعيم، بل لا يسمح للزعيم أن يسمع صوتا آخر إلا أن يكون رجع صدى لصوته هو، ولا شك أن الدكتور محمد قماري يتذكر هذا المقال، الذي حسب اعتقادي صالح لكل زمان ويتماشى مع كل حدث يقع في الساحة العربية، لأن الأمر يتعلق بعلاقة المثقفين بالثورة، يقف فيها المثقف بين خيارين اثنين هما: إما الموالاة إلى حد يفقد فيها المثقف المبدع حركة التفكير الحرّ، أو يفضل الهجرة التي هي نوع من الانتحار للمثقف .

ولن أدخل في تفاصيل ما كتبه الدكتور محمد قماري الذي احتل مقاله نصف صفحة تقريبا، ولكن يمكن الإشارة أن حركة الضباط الأحرار في مصر تركت أثارها على كل المستويات، ليس في مصر وحدها بل في كل الأقطار العربية، ولعل حركة "رشاد" في الجزائر التي يقودها ضباط سابقون في المؤسسة العسكرية جعلوا من حركة الضباط الأحرار نموذجا، حيث كشفت مصادر عن المسيرة التي سنظمتها حركة رشاد والتي تنطلق من باريس ضد العهدة الخامسة، وهي كما هو معروف تحسب على التيار المعارض للنظام القائم الذي ظل على حاله طيلة 57 سنة، أي منذ الاستقلال إلى اليوم، دون أن يحدث أي تغيير جذري في البلاد، بعد عشرية سوداء كاملة منذ توقيف المسار الانتخابي في بداية التسعينيات، ولكن الشعب الجزائري المحب لبلده آمن بمشروع المصالحة الوطنية الذي وضعه الرئيس السابق اليامين زروال، وجسده الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة، لا لشيء إلا لإطفاء نار الفتنة التي قتلت الآلاف من أرواح الجزائريين في الوسط المدني والعسكري جلهم من الشباب، لكن الأمور كانت تزداد سوءًا يوما بعد يوم ولم تغيير القوانين ولا الدساتير من وضع البلاد، في ظل الأزمة المالية الخانقة، التي دفعت بالشباب إلى الهجرة الغير شرعية، مفضلا الموت عبر أمواج البحر على أن يعيش حياة الذل والعبودية المقننة، تحولت سواحل الغرب إلى محط أنظار السباب من اجل بلوغ الضفة الأخرى، لأن السلطة ظلت تحافظ على مصالحها الخاصة ولم تبادر في التفكير في مصالح الطبقة المحرومة في البلاد والوقوف مع المظلومين والمقهورين، ولم تحقق مجتمع العدالة.

و هاهي السلطة اليوم تستغل مرض الرئيس وعجزه عن مواجهة الشعب وعلى المباشر، لدرجة أنها أصبحت تفكر وتخطط وتقرر في مكانه، وتتكلم باسمه هو، بل أنها تعلن عن ترشحه، وهو لا يقدر حتى على الكلام، إن الحديث هنا ليس على الرئيس كشخص، بل من باب كونه مسؤولا، هذا المسؤول الذي ظل مدة 20 سنة في الحكم، دون أن يتحقق التغيير الذي ينشده المواطن، والقضاء على الفساد ومحاكمة مافيا المال والاقتصاد، وأمام إصرار الموالاة على بقاء الرئيس لعهدة جديدة وهو في حالته المرضية هذه، كان على الشعب أن يختار ويقرر، فكانت المسيرات السلمية التي انطلقت في الفاتح من مارس من يوم الجمعة، قادتها جماهير من الشباب رافعين شعارات عديدة ليؤكدوا أنهم مع الشعب وللشعب وبالشعب، وعلى الشعب أن يقول كلمة الفصل بأن الشعب لا يلدغ من نفس الحجر، والحقيقة أن تمسك السلطة بالرئيس المريض له معنيين لا ثالث لهما، وهو إما الحفاظ على مصالحها وإما أنها مغلوبة على أمرها، لأن قرار ترشيح الرئيس لولاية جديدة جاء من وراء البحار لخدمة أجندات أجنبية، وهذا يعني أن القوة الثالثة التي تركها الجنرال ديغول يوم مغادرته الجزائر في بداية الاستقلال هي التي تسير وتقرر، ولا خيار للشعب في أن يقرر مصيره بيده.

و هنا نعود إلى الدكتور محمد قماري الذي قال يوما أن "العالم غدا عالم بلا رجال"، نعم، هو أمرٌ يحتاج إلى إعادة نظر وأن يطرح السؤال من جديد: هل عقرت الجزائر ولم تعد تنجب الرِّجَال؟ وهي التي أنجبت الأبطال وقدمت أحسن الدروس لنهضة الشعوب الإفريقية وأروع الأمثلة في تحريرها من قيود الإستعمار؟، لدرجة أنها لم تتأقلم مع موجات التغيير التي شهدها العالم، وعجزت على تقديم البديل، بعدما عجزت جبهة التحرير الوطني في تقديم رجل في وزن العربي بن مهيدي، ومصطفى بن بوالعيد، والعقيد عميروش وعبان رمضان ومحمد الصالح يحياوي، واليامين زروال، وبعدما أخلط التكتل الإسلامي أوراق الإسلاميين، واستقطب مختلف التيارات التي تخالف توجهاته وإيديولوجياته، فقد قبل التكتل الإسلامي أن يصافح التيار العلماني من أجل الوقوف ضد مرشح السلطة دون أن يقدم برنامجا سياسيا واقتصاديا يعزز مؤسسات الدولة ويؤسس حكومة راشدة، تكرس الديمقراطية وتحقق العدالة الاجتماعية، وبذلك تحقق شعار: العيش معا في سلام، واليوم والجزائر تتخبط فهي في حاجة إلى حركة لا هي دينية ولا هي سياسية من أجل الدفاع عن الثورة الجزائرية وعن الجمهورية الجزائرية، وفق مبادئ أول نوفمبر 1954، ما نخشاه هو أن يتكرر سيناريو التسعينيات، وتدخل الجزائر في حرب أهلية ثانية، وأن يتكرر معها سيناريو "سانت إيجيديو" لحل الأزمة الجزائرية والخروج من المأزق.

 

علجية عيش

 

عبد الخالق الفلاحأن نجاح السياقات والخطوات الأمنية والعسكرية بتنفيذ المهام الموكلة بنجاح في ضرب الارهاب، في العراق وسوريا،، قياسا بتقلص الرقعة الجغرافية التي يتواجد عليها أعطت أكلها نسبيا، وهذا لا يعني ولا يعكس بالضرورة انتصارا نهائي أو زوالا للخطر والتهديد، انهيار هذه التنظيمات في مواقع ما في هذه البلدان لا يعني الانتهاء التام في الحرب على الإرهاب لأن الحرب العسكرية اذا لم تصاحبها حرب فكرية وإصلاحات اجتماعية وسياسية، وإنتاج ثقافة مضادة، والتقليص من الفقر والهشاشة، والفوارق الاجتماعية، وتأمين ظروف العيش الكريم، من شأن كل تلك العوامل تبقى الامور غير منتهية - بالإضافة طبعا إلى الإيديولوجيا التي تقدم قراءة مغلوطة ومبسوطة ومتطرفة للدين- كما ان انتزاع فتيل الصراعات المشتعلة في الشرق الأوسط، وإيجاد حل عادل لقضايا الدول المتضرر من جراء تلك الممارسات المجرمة  ووقف مخططات تفتيتها و التي ابتليت بهذه المجموعات الخبيثة ومساعدتها ماديا ومعنويا والتي باتت ترزح تحت تهديد انتشار النزعات الطائفية، التي تؤجج التطرف، وتخلق البيئة المناسبة لانتشارها والعمل على استئصال الأيديولوجيا الإرهابية، ونزع كل الأفكار والأيديولوجيات الخبيثة لدى افراد تلك المجموعات، وإدماجهم بالشكل الصحيح في مجتمعاتهم وفق معايير صحيحة  لأن نسبة مهمة من المنتسبين لتلك التنظيمات لا يمكن لها ان تترك هذه الافكار بسهولة. ويقول الفيلسوف الفرنسي جاكوب روغوزنسكي، " عن داعش والإرهاب، " بأن البطن التي أنجبت داعش ما زالت خصبة، في دلالة على أنه حتى وإن تم دحر داعش في موقع ما، فإن الأيديولوجية المتطرفة ما زالت موجودة، وأن ظروف نمائها واستشرائها مازالت قائمة، خاصة مع تعمق الشعور لدى الشباب بالظلم والتهميش والقهر، والخوف من المستقبل، وعدم الثقة بالمحيط الذي يعيشون فيه ".

كما يمكن العمل على تأسيس وحدات متخصصة في دراسة هذه الظاهرة الخطيرة، و تعمل على تجميع كل الوثائق والمصادر والمعلومات الجديدة والقديمة، وذلك بغية فهم التطرف والإرهاب، والسعي إلى محاربته بالاعتماد على الفكرحتى يتم القضاء على هذه الافكار ولا تجعلهم يعصفون بالمنطقة لأن أيديولوجياته مازالت مستمرة .

المجتمع الدولي يحتاج الى تظافر الجهود من اجل تطبيق قانون مكافحة الإرهاب وتسهيل عمل هذه القانون من خلال الزيارات الدورية لبعض الدول المشاركة وربطها بالتقنيات الحديثة والتطور التكنلوجيا لا سيما الجريمة الالكترونية وايجاد عقوبات رادعة لمنع التسلل تحت اي ظرف وخلق فرص تعاون فعال مع المنظمات الرقابية والاقليمية وتشديد عقوبات الجرائم وتجميد منابع الإرهاب، وبلاشك فأن عودة المجموعات  الارهابية الى العراق والأجانب والعرب إلى بلدانهم، تشكلان تحديات كبرى لمرحلة ما بعد داعش، و زوجاتهم اللواتي يشكلن خطرا كبيرا، لأن بعضهن لعبن دورا كبيرا في التجنيد، كما أنهن قد يؤثرن على أطفالهن الذين يشكلون هم أنفسهم خطرا إذا فاقت أعمارهم 6 سنوات، وذلك بسبب التأثير الأيديولوجي والعقائدي، خصوصا أنهم اكتسبوا تجارب ميدانية، حيث يقدر عدد العائدين المنحدرين من الدول الأوروبية بحوالي 5 آلاف شخص وهم في ازدياد، في مقابل ما يفوق 6 آلاف شاب من المنحدرين من منطقة شمال إفريقيا، ما تسبب في خلط أوراق النظام العالمي.

الإرهاب الجديد، خلق أنماطا جديدة من التفاعلات تختلف في بعض جوانبها عما كان معتادا في العلاقات الدولية لأن تلك الجماعات سعت إلى جعل الإرهاب ذا بعد عالمي، وأن هدفها الأساسي هو الترهيب، و قد نجحت بالفعل في ذلك و داعش عملت على خلق نموذج تعليمي خاص بها، يعتمد على أربعة عناصر، هي أولا المسلك التأويلي عبر تأويل النصوص تأويلات متطرفة، وثانيا إغلاق المعنى داخل الوعي واللاوعي، وثالثا ربط الجرح التاريخي بالمقدس، ثم أخيرا خلق مسافة بين الحياة والعصر من جهة والتدين من جهة أخرى، و لم يتم التركيز على النظام التعليمي الذي تبني مناهجه على التحايل في قراءة النص الديني وتأويله وتوليد مفاهيم خاصة بالإرهاب، وهو ما أدى إلى استشراء العنف المتبادل في العالم، بسبب فعل العنف مع داعش وغيرها، وعنف رد الفعل مع القوى العالمية.

ولهذا، فنحن اليوم في مرحلة ما بعد داعش في أمس الحاجة لاعداد  دراسات جديدة لتقوية الفكر والوجدان والتحديات المستقبلية لمواجهة التطرف بكل اشكاله، و تجليات وتحولات التطرف في البلدان وما يمثله من تحديات مستقبلية جوهرية للدول وذلك بعد سقوط وانهيار التنظيمات الارهابية في مراكزه الرئيسة في العراق وسوريا والذي لازال يمثل الخطر المحدق بعد انهيار الخلافة و يحتاج الى تظافر الجهود المشتركة وتحمل المسؤولية وتبني مواقف والاستفادة من هذه التجارب لانها تمثل تحديا للعالم كله و تهديد أمنه واستقراره .

 

عبد الخالق الفلاح –باحث واعلامي

 

عبد الجبار الجبورييبدو أنّ الرئيس ترمب، قد إستعّجل وأعلن القضاء على داعش في سوريا بنسبة مئة في المئة، وهو يدرك أنّ داعش لم ينتهِ بعد، ويشنُّ عملياته الإجرامية على شكل ذئاب جريحة وعصابات منفردة، كما يحصل في صحراء الانبارونينوى وصلاح الدين ليصطاد بها مواطنين يجمعون الكمأ، أو هم يغيرون من الأنفاق التي يختبئون فيها، على قرى نائية جدا كإثبات وجود لاغير، ولكن إستبق الأحداث ليؤكد للعالم، أن أمريكا هي من دحرت داعش، وقضت عليه في العراق وسوريا، ليمهّد لمعركة أكبر، ويتفرّغ لمواجهة إيران وأذرعها في العراق ولبنان واليمن وسوريا، فماهو السيناريو الذي يريد تطبيقه، في مرحلة مابعد داعش، فهناك جملة مؤشرات على الارض، يعمل عليها الرئيس ترمب، ليحقّق أهدافه وإستراتيجيته تجاه إيران، لاسيّما وإنّ إيران وأذرعها يشكلّان تحديّات كبرى للمشروع الامريكي في الشرق الاوسط، وقد أجّلَّ تنظيم داعش الإجرامي تطبيق، وتنفيذ هذا المشروع، الذي توّهم المُجرم بوش الإبن بتطبيقه، حال إسقاط نظام صدام حسين الوطني( ليضرب عدوّين بحجر واحد )، إذ تفاجأ بقوة المقاومة العراقية الباسلة، التي أذلته وأذلت جيشه، حتى إضّطر على سحْبه، الرئيس أوباما نهاية عام 2011، وسلّم العراق لإيران وميليشياتها وأحزابها كما صرح الرئيس ترمب نفسه، و التي أوصلت العراق، الى ماهو عليه الآن، من خراب ودمار وفشل، وأوجدت لنا ظاهرة داعش الارهابية، كرد فعل طبيعي، على حالات الثأر والانتقام والحقد التأريخي على العراق، وقيام حرب طائفية أهلية منذ عام 2006 وللآن، فتركة الرئيس الفاشل أوباما، للرئيس ترمب صعبة جداً، في المنطقة عموما والعراق خاصة، لذلك نرى أن مهمة الرئيس ترمب الآن في العراق، صعبة جدا إن لم نقلْ مستحيلة، في كيفية التخلّص من ميليشيات وأحزاب ايران الحاكمة، وضرورة تحجيمّها، لتنفيذ الصفحة الأصعب، وهي مواجهة إيران وميليشياتها في المنطقة، فبدون الانتهاء من التخلص من الميليشيات الايرانية في العراق، لايمكن التوّجه لإيران وفتح جبهة عسكرية معها، إنطلاقاً من الأراضي العراقية، تماماً كما حصل وأنْ فتحت ايران حدودها للمجرم بوش لغزو العراق، كما إعترف الرئيس هاشمي رفسنجاني وخطيب جمعة قم بطهران، وهكذا كيفما تُدين تُدان، وعلى الباغي تدور الدوائر، إذن وكما نرى ونحّلل الأحداث وإستراتيجية الرئيس ترمب البطيئة، أن الرئيس ترمب عليه إستحقاقات إنتخابية رئاسية، وأوضاعه في داخل امريكا سيئة، مع خصومه في الكونغرس ومجلس النواب، وعليه أنْ يستثّمر فرصة تأريخية لفوزه لدورة ثانية للرئاسة، وهي تحقيق نصر عالمي كبير في الخارج، لينعكس على الداخل، وهذا النصر لايتحقّق إلاّ في أمرّين إستثنائيين هما( القبض على ابو بكرالبغدادي، وإسقاط نظام الملالي في طهران)، وبغيرهما لايمكن للناخب الأمريكي إنتخابه مطلقاً، ويعدوّنه فاشلاً، ولم يحقق أي إنجاز عالمي أونصر في ولايته، وهم ينظرون إليه الآن على أنه يهتم بالسياسة الخارجية أكثرمن السياسة الداخلية، ولنعّد الآن الى الآوضاع في العراق، بعد أعلان الرئيس ترمب نهاية داعش، ففي العراق يجري الآن إنتشار عسكري امريكي كثيف جدا وغير معلن، في قواعد خارج المدن، وانشاء قواعد عسكرية جديدة، في وقت تنكر حكومة عادل عبد المهدي والأحزاب، أي تواجد امريكي في العراق، بينما يستعّد برلمان العراق، للتصويت على إخراج القوات الامريكية كافة من العراق، وهو القرار الذي تصرّعليه إيران بأجنحتها وأحزابها وميليشياتها في العراق، وترفضه الكتل الكردية والسنّية وبعض الشخصيات الشيعية وكتلة النصروزعيمها حيدر العبادي، وأمام هذا الإصرار الايراني، تجيء زيارة الرئيس الايراني حسن روحاني، بالتزامن مع إنعقاد جلسة البرلمان، ليضمن التصويت ويهدد من لايصوت للقرار، باخراج القوات الامريكية من العراق، وكان وزير الخارجية الايراني ظريف بزيارته، قد مَهّد الطريق أمام روحاني، والتقى بالأحزاب والعشائروالشخصيات مبلغهم ترغيب وترهيب القيادةالايرانية، في وقت أبلغتْ الإدارة الأمريكية بكل وضوح وهدّدت الحكومة العراقية، وحكومة الاقليم والأحزاب الكردية، حال التصويت على القرار، (سوف تنسحب أمريكا كلياً من العراق وتترك العراق لمصيره مع عودة داعش وسطوة وهيمنة ايران وميليشياتها)، وعليهم أن يختاروا بين أمريكا وبين أيران وداعش، إذن الآن بدأ الصراع الفعلي بين الطرفين، وساحة الصراع هي العراق، التي منهُ ستنطلق شرارة تحريره من القبضة الايرانية وميليشياتها وأحزابها وإسقاط نظام الملالي، كما ترى وتعلن الادارة الامريكية، لتحقق هدفين بآن واحد، هو تصحيّح( خطأ غزو العراق)، والتخلص من نظام طهران، وتطبيق مشروعه اقامة الشرق الاوسط الكبير، وهذان الهدفان لايتحققان، إلاّ بالتخلص من ايران أولاً، ثم إنجاز (صفقة القرن) مع الدول العربية وفلسطين، وهذاالهدفان يسيران الآن بشكل متوازٍ بنجاح واضح، ولكن لايمكن لصفقة القرن أن تتحق وتنجز، قبل إنجاز طي صفحة إيران، التي تزعزع أمن واستقرار المنطقة، وتقف حائلا أمام تحقيق صفقة القرن بصورة وبأخرى، أعتقد أن قرار انسحاب القوات الامريكية من العراق لن يمرّر أبداً في البرلمان العراقي، وذلك لحصول متغيّرات وإنشقاقات داخل ألأحزاب الشيعية الموالية لإيران، وفشل تشكيل حكومة عادل عبد المهدي بسبب الصراع بينهم، فالبرغم من وساطة حسن نصرالله، مع زعيم التيار الصدري في لبنان للتصالح مع المالكي ورفص الصدر التصالح، فإن إنشقاقاً قوياً يُهدّد بالإحتراب داخل منظمة بدر ضد هادي العامري وجماعته، في وقت أعلن نوري المالكي إعتراضه وخشيته من رحيل القوات الامريكية في هذا الوقت بالذات، وهي كما يعلم الجميع (تقية) لإسترضاء الأدارة الامريكية، التي فتحت وزارة الخزانة الامريكية، تحقيقات في فساد نوري المالكي ووولده وأصهاره، وتعاملاته المصرفية مع بنوك ايران والحرس الثوري، اما تيار الحكمة فتوافقي في الامر، ولم يعلن رأيه الصريح، وربما لايصوّت على القراربضغط وترغيب امريكي له، إذن التصوّيت على القرارسيفشل بسبب الصراعات والخلافات بين أجنحة إيران، وأجنحة أمريكا في البرلمان، وهذا ما يفتح الباب على مصراعيه، لتنفيذ خطوات أسرع، في مواجهة مَن يريد للقوات الامريكية الرحّيل، وربما تحصل مواجهة عسكرية، بين الميليشيات و بدعم ودفع ايراني، ورئيسها الذي سيبلغ الأطراف قراراته اذما فشل التصويت، وزيارة روحاني تدخل في هذا الهدف الأساسي لها، ونعتقد بأن الزيارة ولدتْ ميّتة تماماً، وجرى الماء من تحتها، وقضي الامر الذي كنتم فيه تستفيان، فقرار الحرب أتخذ في وارسو من قبل التحالف الدولي، ومؤشرات هذا واضحة، وأبرزها الاستحضارات العسكرية الأمريكية الهائلة في المنطقة والعراق، والحصار الاقتصادي الأقسى في التأريخ الذي بدأت إيران تترّنح من جرائه، وقرار بريطانيا وضع حزب الله على لائحة الارهاب الدولي، وفرضت عقوبات قاسية جدا على أنصاره، في حين هدّدتْ بريطانيا الحوثيين في اليمن، وقلبتْ عليهم الطاولة يوم أمس، وطلبتْ من الأمم المتحدة ضرورة تنفيذ قرارات مؤتمر السويد فورا، بإنسحاب الحوثيين من الحديدة، وهكذا تعمل فرنسا والمانيا، إذاً هناك إصراروإستعداد دولي، على رحيل نظام طهران، بالحصار الاقتصادي أو بالقوة العسكرية التي جعلت الكّي آخر العلاج، بإعتقادنا جازمين ان الادارة الامريكية والرئيس ترمب لن ينسحب من العراق، تحت أي ظرفٍ كان، ومهما كّلف الادارة الأمر، لأنّ إنسحابها من العراق، يعني هزيمتها في الشرق الاوسط، الذي يمّثل العراق قلب الشرق الاوسط ومن يسيطر عليه يسيّطر على المنطقة والعالم كله ...

 

عبد الجبار الجبوري

 

صائب خليلقبل أيام مرت ذكرى مذبحة المطلاع للجيش العراقي المنسحب من الكويت، فهل كانت مجزرة تلك الليلة الرهيبة للجنود المنسحبين، من أجل اسقاط صدام وإنقاذ الشعب العراقي منه؟ إن الاحداث التي تلت تلك المجزرة لا تؤكد ذلك. فقد قامت الولايات المتحدة بإنقاذ صدام في خيمة صفوان، وباتفاقية تآمرية بينه وبين الأمريكان لسحق العراق تماما، وتحويل صدام إلى الشكل الذي يناسب دوره في ذلك السيناريو للمشهد الجديد. فالمذبحة اختتمت مرحلة من مراحل التآمر الأمريكي الإسرائيلي الطويل الذي بدأ بإدخال العراق في الحرب ضد ايران لتحطيمه اقتصاديا واجتماعيا، ثم ادخاله في الكويت لتحطيم الروابط العربية، واخيراً القضاء المبرم على جيشه، استعداداً كما يبدو لاحتلال البلد عسكرياً بعد سنوات، كما حصل. وفي اثناء ذلك، لم يكن دور صدام  الحفاظ على الدمار العراقي وحجة اميركا في الاستمرار بتجويعه وصولاً إلى النتيجة المرجوة، بل أيضاً تحويله الى "خراعة خضرة" للمساعدة على ابتزاز دول الخليج، وصولا إلى ما انتهينا اليه اليوم.

إننا في المرحلة الأخيرة من مخطط إسرائيلي بتنفيذ امريكي لتحطيم العراق تماما، كجزء مهم من تحطيم العالم العربي والإسلامي. إن أي تصور آخر يفشل في تفسير جميع الأحداث التي مر بها العراق والمنطقة. فحجة التخلص من صدام سقطت حين رفض الاحتلال مساعدة الناس في اسقاطه، بل دعمه لإسقاط انتفاضتهم. وحجة الديمقراطية الواهية اساساً تحطمت على سلسلة من الإجراءات البعيدة عنها، وفكرة مساعدة الشعب العراقي وبناء جيشه واستقلاله تحطمت على حقائق ادخال الامريكان لداعش ودعمهم وانقاذهم في المواقف الحرجة والإصرار الشديد وغير الطبيعي على حل الحشد الشعبي وكأنه المشكلة الأساسية في العراق.

هكذا سقطت كل التفسيرات ولم يبق إلا تفسير واحد: التحطيم التام للبلد والشعب، ورغم ذلك مازالت بعض الغربان تنعق بالدعم الأمريكي، ومازال كتاب من أمثال عبد الخالق حسين، وساسة من أمثال الزرفي ووزير الخارجية ورئيس الحكومة وعمار الحكيم يدفعون البلد نحو الاستمرار في التحطم، ومازال اخرون كان البلد يعتمد عليهم، يكتفون بالصمت أو التصريحات النصفية المضللة أو بعض القنابل الصوتية التي تخدع الناس بأن هناك إجراءات لإنقاذهم وانقاذ البلد من المصير المخطط.

الكثير من الذين مازالوا يجرؤون على الدفاع عن الأمريكان، يلجأون الى القاء اللوم على صدام حسين. ونلاحظ تكاثراً غريباً في التركيز الإعلامي هذه الأيام على جرائم صدام حسين وكأنها تكتشف لأول مرة، وظني انها مكلفة بسحب الأضواء بعيداً عن الأمريكان وهم ينفذون آخر مراحل التدمير بمساعدة عميلهم القديم الذي نصبوه على رئاسة الحكومة بعيدا عن الدستور.

لا بأس ان نكرر هنا للتذكير، اهم الحقائق التي برهنت ان صدام لم يكن سوى احمق يتم نقله من دور إلى آخر في هذه المسرحية الدموية الإسرائيلية التخطيط والأمريكية الاشراف والتنفيذ. وفي اعتقادي أن أوضح الحقائق كانت، إضافة إلى اتفاق خيمة صفوان الذي نص بشكل واضح على اطلاق يد صدام في استخدام المروحيات لقصف الانتفاضة، وفي تجهيزها بالوقود، كانت حقيقة ما جرى بين صدام والسفيرة الامريكية غلاسبي قبيل دخول صدام الكويت.

خدعة ادخال صدام الى الكويت نفذت بالضغط عليه اقتصاديا بزيادة الإنتاج ليهبط سعر البرميل هبوطا مذهلا، ثم اغرائه بدخول الكويت من قبل سفيرة اميركا في العراق أبريل غلاسبي، وقد نشرت عن تلك الحقائق عدة مرات مقالة اقتطف منها ما يلي (مع رابط للمقالة في الأسفل)(1):

"حسب ما نشر في الصحف وقتها عن مقابلة السفيرة الامريكية ابريل غلاسبي مع صدام حسين انها بادرته بالقول:

"لدي تعليمات مباشرة من الرئيس بوش لتحسين العلاقات مع العراق، ونحن نتفهم رغبتكم في رفع اسعار النفط، والذي تسبب في مصادمتكم مع الكويت... وانك قد نشرت قوات كبيرة في الجنوب... لهذا تسلمت تعليمات بسؤالكم، بروح الصداقة وليس المعاكسة ان تخبرونا عن نواياكم. لماذا حشدتم قواتكم بهذا القرب من الحدود الكويتية؟

فشرح صدام لها موضوع الخلاف ومحاولات حله، ثم اضاف: "لكن ان لم نتمكن من الحصول على حل، فمن الطبيعي اننا لن نقبل الموت".

وعن الحل المناسب برأيه اجابها صدام:

- لو اننا تمكنا من الاحتفاظ بكل شط العرب، موضوع حربنا مع ايران، لأمكننا ان نتفاهم مع الكويت. لكن ان كان علينا ان نختار بين الاحتفاظ بنصف شط العرب او العراق كاملاً، فسنضحي بكل شط العرب للدفاع عن حقنا في الكويت، لنحتفظ بالعراق كاملاً كما نرغب به. ما رأي الولايات المتحدة في هذا؟

- ليس لنا رأي في صراعاتكم العربية – العربية، مثل خلافكم مع الكويت، وان الوزير (الخارجية) بيكر وجهني الى توكيد التعليمات التي قدمت الى العراق عام 1960, بأن اميركا ليست مهتمة بمشكلة الكويت"

- (صدام يبتسم)

في اليوم التالي (26 تموز 1990) سأل الصحفيون الناطق الرسمي لوزارة الخارجية الأمريكية : "هل ارسلت الولايات المتحدة اي نوع من الرسائل الدبلوماسية الى العراقيين حول وضعهم لـ 30000 مقاتل على الحدود الكويتية؟ هل كان هناك اي نوع من الاحتجاج تم ايصاله من قبل حكومة الولايات المتحدة؟" فكان جواب مارغريت تاتوايلر:

"ليس لدي اي علم بمثل هذا الاحتجاج".

وقبل يومين من الاجتياح العراقي، اي في 31 تموز 1990, شهد جون كيلي، مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى، امام الكونغرس بأن "الولايات المتحدة ليست مرتبطة بأية التزامات بالدفاع عن الكويت، وانها ليست لديها اية نية للدفاع عن الكويت في حالة مهاجمة العراق لها."

وهكذا سقط صدام في الفخ الذي نصبته غلاسبي له بالتعاون مع مارغريت تاتوايلر وكيلي. وفي الثاني من آب، اي بعد ثمانية ايام من مقابلة غلاسبي، دخل صدام الكويت.

بعد شهر من ذلك تمكن صحفيون بريطانيون من الحصول على شريط ووثائق المقابلة بين غلاسبي وصدام، وقبل مغادرة غلاسبي للسفارة حاولوا مواجهتها بالمعلومات التي حصلوا عليها للتأكد من صحتها:

الصحفي الأول (حاملاً الوثائق بيده): هل هذه الوثائق صحيحة، ايتها السيدة السفيرة؟

(السفيرة غلاسبي لا تجيب)

الصحفي الثاني: " لقد كنت تعلمين ان صدام سيجتاح (الكويت)، ولكنك لم تحذريه ألا يفعل ذلك. لم تقولي له ان اميركا ستدافع عن الكويت. قلت له العكس – بأن اميركا لا علاقة لها بالكويت"...

.....

الصحفي الأول: "لقد شجعت العدوان إذن، ماذا كنت تفكرين وقتها؟"

السفيرة غلاسبي: "من الواضح انني لم افكر، ولم يفكر احد اخر ايضاً، بأن العراقيين سيأخذون الكويت كلها".

الصحفي الأول: "هل تصورت انه سيأخذ "بعضاً منها" إذن؟ كيف يمكنك ان تفعلي ذلك؟؟ صدام قال لك انه ان فشلت المفاوضات فأنه سيتنازل لإيران عن هدفه (شط العرب)، لأجل الحصول على "كل العراق، بالشكل الذي نريده عليه"، وانت تعلمين ان ذلك يعني ان ذلك يشمل الكويت، والذي طالما اعتبره العراقيون جزء تأريخي من بلادهم"!

السفيرة غلاسبي: لا تجيب بشيء وتندفع مبعدة الصحفيين عن طريقها لتغادر...

- "لقد اعطت اميركا الضوء الأخضر للاجتياح إذن. على الأقل فأنت تعترفين انك أعطيت الإشارة الى صدام بأن بعض العدوان امر مقبول – بأن اميركا لن تعارض احتلاله لحقل الرميلة النفطي والشريط الحدودي المتنازع عليه وجزر الخليج (بضمنها جزيرة بوبيان) – مناطق ادعى العراق ملكيتها"؟

لا تجيب السفيرة غلاسبي وتغادر في سيارة ليموزين كانت تنتظرها."

.....

وتبقى صور المطلاع شاهداً على اشد المراحل دموية في تلك المسرحية الوحشية. مازال كل يمثل دوره في مشاهدها، وما زلنا نطيع تعليمات مخرجها، ومازال البلد يتجه إلى خاتمتها التي وضعها "المؤلف". 

724 المطلاع

صائب خليل

.......................

(1) أبريل غلاسبي كذابة

http://al-nnas.com/ARTICLE/SKHalil/25april.htm

 

 

 

عبد الجبار نوريأن ما ورد في لوائح حقوق الأنسان أن "مصدر السلطة هو الشعب" الملاحظ بأستغراب أن جميع الحكومات التي تعاقبت على حكم العراق لم تتجاهل أي مظاهرة حين كان الشارع العراقي ملك الحراك الشعبي في حقبة العهد الملكي في تغيير الحكومات، عكس حكومات ما بعد 2003 أنها تتجاهل صوت الشعب في مطالبه المشروعة، وهم والحال كما قال أحمد شوقي (ورُب مستمعٍ والقلبُ في صممِ)، المتظاهرون في بدأ حراكهم الشعبي منذ 2011 بشعارات وطنية وبمطالب عدة، منها ألغاء مجالس المحافظات، هي مطالب جاءت نتيجة فشل هذه المجالس تحقيق الأهداف المرجوة منها بموجب قانون رقم 21 / 2008 وأصل هذا القانون يرجع ألى القانون رقم 71 /لسنة 2004 الصادر من سلطة الأئتلاف المؤقتة ومرورا بالدستور لسنة 2005 ظهر قانون مجالس المحافظات الغير منتظمة بأقليم المشار أليه أعلاه، وعلى ما أرى في الخارطة السياسية أن هناك توجهاً لجعل مجالس المحافظات "أبدية" في أشارة إلى تأجيل الأنتخابات المحلية لتجديد تلك المجالس .

وبسبب المركزية المفرطة لحكومات ما قبل 2003 وما نتج عن هذه المركزية من أشكالات متعددة دفعت القوى السياسية بأغلب أنتماءاتها أن تأخذ بمبدأ اللامركزية بيد آن القوى السياسية لم تجيد اللعبة حيث العشوائية والتخبط النفعي أتجهت إلى الفيدرالية والتي رحب بها الأكراد وحسب واقع الحال أصبحت كردستان "أصغر من دولة وأكبر من أقليم"

عند تقببم تجربة مجالس المحافظات الغير منتظمة بأقليم أجزم فشلها الذريع في تقديم الخدمات الأساسية والتنمية الشاملة للمجتمع المحلي الذي أنتخبها ضمن تطبيقها للنظام اللأمركزي في السياسة والأدارة، والسبب لهذا النكوص ربما يرجع ألى حداثة التجربة الأدارية في البلاد التي لم تكن موجودة بهذا الشكل الديمقراطي الجديد، وأيضاً لكثرة الأزمات السياسية والأمنية التي يمر بها العراق منذ 2003 ولمرور 15 عاما، وحسب متابعتي لأبجديات سير الأحداث السياسية أرى خيبة هذه المجالس لذا أطرح على المستوى الشخصي : أفضل ألغاء مجالس المحافظات والأكتفاء بمنح الصلاحيات للمحافظ ونوابهُ على أن يكونوا تحت أشراف مجلس النواب الأتحادي ومراقبته ولآن في مجلس النواب أتجاه عام بألغاء عمل المجالس المحلية والأكتفاء بحكومة تنفيذية مع رقابة البرلمان الأتحادي عليها، لذا أصبحت موجة الألغاء في الشارع وعلى مستوى الأعلام العراقي لعوامل النكوص التالية:

-هذه المجالس تابعة أصىلا وفصلا لذات الأحزاب الحاكمة في الحكومة الأتحادية، وتلك المجالس عكست أمراضها في التبعية لأجندات خارجية متعكزة على المذهبية الضيقة والمحاصصة اللئيمة والشوفينية المقيتة وحتى المناطقية المتطرفة والتي أنحدرت لقاع الطائفية الدينية والحزبية الضيقة والعشائرية الجاهلة، وقد ساهمت تلك المجالس بتأخير المحافظات عقوداً من الزمن نتيجة كسل وخيبة أعضائها، مع عدم قدرتها على أنجاز التنمية المنتظرة في شتى المجالات لتعارض صلاحياتها مع السلطات الأتحادية، ومن أحدى مظاهر الخيبة لهذه المجالس المتردية والنطيحة ما شاهدناه في مجلس محافظة بغداد من أحتدام وصراع على المنصب بين الفرقاء من البيت الشيعي، وضع مأساوي وكأن بغداد تنتظر صراع الأخوة الأعداء في معركة لا تنفصل عن كونها معركة شخصية غير سياسية أوسع نطاقا وأبعد مدى لاعبها الرئيسي معسكر الأحزاب والميليشيات الموالية لأجندات أقليمية .

- أن وجودها القانوني قد أنتهى في ديسمبر(كانون الأول) الحالي في تحديد مفوضية الأنتخابات ورئاسة الوزراء موعد الأنتخابات في 22 ديسمبر الماضي وهذا يعني وجودها غير قانوني .

- أن هذه المجالس باتت موطيء قدم للفساد والصفقات السياسية المشبوهة، أن معظم المشاريع في المحافظات وزعت كغنائم بين تلك المجالس وبين الحكومات التنفيذية المحلية التي تمثل المراقبة والتشريع، وبالتأكيد أن العيوب والمساويء التي تعاني منها الحكومة المركزية تجدها جلية وبقوة في مجالس المحافظات لا بل نسبة الفساد في الحكومات المحلية أعلى منه في الحكومة المركزية .

- رواتب ومخصصات 447 عضو في مجالس المحافظات والتي تصل إلى الملياري دينارفي ظل الوضع الأقتصادي المتأزم والعجز في الميزانية وتراكمات الديون الخارجية بوضع لا يحسد عليه البلد نجد أن أعضاء المجالس والبالغين 447 عضو يستلمون شهرياً ثلاثة ملايين لكل عضو حيث أن المجموع الكلي يصل إلى مليار ونصف شهريا، وخُصص لهم نصف مليون للضيافة (شاي وماء)، ونصف مليون آخر لوقود السيارتين المخصصة لكل عضو، فضلا عن وضع 20 جندي للحماية رواتبهم تصل إلى 20 مليون دينار شهريا، وأن رواتب المتقاعدين منهم ولثلاث دورات يستلمون مليونين و800 ألف دينار شهريا، علما أنها لا زالت مستمرة، ان المجموع الكلي يصل إلي ملياري دينار، وهذه الأرقام الخيالية ما هي ألا تحذير للحكومة المركزية من مغبة تعرض العراق إلى أفلاس وشيك وسط دعوات لأستثمار قطاعي الزراعة والصناعة ومشاريع أنمائية التي قد تعالج العجز الكبير في ميزانية المدفوعات (سكاي بريس / تقرير)، وبتأريخ 21 -12 -2018 ورد تقريرلمركز الدراسات الدولية والأستراتيجية الأمريكية عن العراق : العراق مفلس تقريبا، يواجه أزمات أقتصادية خانقة ولديه حكومة من أكثر الحكومات فسادا في العالم، ويخطيء من يعتقد أن بالأمكان أنقاذ العراق مما يعانيه بمشاريع فجة ساذجة شخصية نفعية.. وهنا يقصد بالأشارة إلى أصحاب المشاريع الساذجة والمتهافتة الأصلاحية وتوفيقية مثل مشروع الشيخ جمال الضاري (مشروعه الوطني) والدكتور أياد علاوي (المصالحة الوطنية) والسيد عمار الحكيم (التسوية السياسية) وخميس الخنجر( المشروع العربي) والصدر (سائرون) والدكتور حيدر العبادي (الأصلاح) وهادي العامري (البناء)، وبالتالي هي معركة حول منصب المحافظ ي واقع الحال يفرض علينا أن نؤمن بأن ليس لدينا دولة عميقة وحتى شبه دولة بل طلاب سلطة حولوا العراق لجسدٍ مصاب بالشيخوخة والتكلس الحزبي، وكما قال المهاتما غاندي: (كثيرون حول السلطة قليلون حول الوطن) .

 

عبد الجبار نوري

كاتب ومحلل سياسي عراقي مقيم في السويد

 

ابراهيم أبراشفي إطار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي الممتد عبر التاريخ والمفتوح على المستقبل تشن إسرائيل ومعها الصهيونية العالمية حربا مفتوحة على الفلسطينيين، وإن كانت المواجهات والحروب العسكرية الأكثر إثارة وجذبا للاهتمام بحيث لا يمر يوم إلا ونسمع عن مواجهة عسكرية هنا أو حربا هناك من غزة إلى الضفة والجبهة الشمالية وحتى في العمق العربي، وإسرائيل معنية بتوجيه الأنظار إلى هذا البعد العسكري من الصراع، إلا أن مواجهة وحربا لا تقل خطورة تخوضها إسرائيل وأطراف أخرى ضد الفلسطينيين بأساليب خبيثة وأدوات ناعمة وأحيانا عنيفة قليلا ما يتم الحديث عنها، ونقصد هنا الصراع على الثقافة والهوية والرواية التاريخية .

إسرائيل والصهيونية العالمية ومن يحالفهما ويتبنى رؤيتهما يدركون أن هزيمة الفلسطينيين عسكريا لا يعني نهاية الصراع، لأن موازين القوى غير ثابتة والانتصار العسكري لا ينهي الصراع ما دام الشعب الفلسطيني متمسكا بحقوقه السياسية الوطنية وما دامت غالبية دول وشعوب العالم تؤمن بعدالة القضية الفلسطينية وبالرواية الفلسطينية، لذلك فإن إسرائيل تسعى لهزيمة الرواية الفلسطينية والتشكيك بهوية الشعب الفلسطيني وانتمائه لأرض فلسطين، وتعمل على تكريس روايتها الكاذبة بأنه لا يوجد ولم يوجد عبر التاريخ شعب يسمى الشعب الفلسطيني وأن الفلسطينيين عائلات وقبائل جاءت مهاجرة من بلاد أخرى واستوطنت (أرض إسرائيل) .

استطاعت الحركة الصهيونية من خلال توظيفها للمال والأيديولوجية الدينية استقطاب بعض المستشرقين لتأكيد مزاعمها وهذا غير مستغرب إذا أخذنا بعين الاعتبار الأصول الكولونيالية للاستشراق في بداياته ومكانة التوراة عند بعض الطوائف المسيحية ونفوذ اليهود المالي والعلاقات الاستراتيجية مع الحركة الاستعمارية عبر التاريخ . وقد كشف المفكر إدوارد سعيد في كتابه الاستشراق الصادر عام 1978 المنحى المنحرف لمستشرقي المرحلة الكولونيالية وكيف وجهوا نتائج كتاباتهم وأبحاثهم لخدمة السياسات الاستعمارية والرواية الصهيونية التوراتية بالنسبة لتاريخ فلسطين والشرق بشكل عام، وقد سبق ادوارد سعيد ولحقه كثير من المستشرقين والباحثين الغربيين الذين عملوا على إعادة رواية تاريخ الشرق وخصوصا الشرق الأوسط والإسلام بموضوعية مفندين الرواية الصهيونية ومزاعم المستشرقين الكولونياليين .

لم يسلم المُفندون للرواية الصهيونية بالاستناد على الوثائق وعلم الأثار من أذى الحركة الصهيونية التي اتهمتهم بمعاداة السامية، ونذكر من هؤلاء : البروفيسور الفرنسي توماس تومسون في كتابه (التاريخ المبكر لشعب إسرائيل من المصادر الآركيولوجية المدونة) ( 1992)، والبريطاني كيث وايتلام أستاذ الدراسات الدينية في جامعة ستيرلينغ في سكوتلاندا في كتابه (اختلاق إسرائيل القديمة: إسكات التاريخ الفلسطيني) (1996)، والفرنسي روجي جارودي في كتابه الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية، والإسرائيلي شلومو ساند في كتابه (اختراع الشعب اليهودي) (2008)، والكاتب اليهودي البريطاني جون روز في كتابه (أساطير الصِّهيونية) وآخرون .

للأسف وفي زمن الردة الانحطاط العربي وصعود الإسلاموية السياسية فإن أطرافا عربية وإسلامية وفلسطينية تساند الإسرائيليين في حربهم للتشكيك بالرواية الفلسطينية ودعم الرواية الصهيونية، بوعي وأحيانا بدون وعي، وذلك في السياقات التالية :

1- بعض المطبعين العرب اليوم وخصوصا من الكُتاب وبعض السياسيين يتساوقون مع الرواية الإسرائيلية ويروجونها في سياق محاولاتهم لشيطنة الفلسطينيين عند الشعوب العربية حتى يمكنهم تمرير التطبيع مع إسرائيل دون ردود فعل شعبية كبيرة .

2- بعض جماعات الإسلام السياسي وخصوصا في الدول العربية، وفي سياق الترويج للمشروع الإسلاموي الذي يزعمون، يناصبون القومية والوطنية العداء، وفي السياق الفلسطيني حاربوا المشروع الوطني الفلسطيني والرواية الوطنية الفلسطينية وكل ما يرمز للثقافة والهوية الوطنية، بل إن بعظهم أعلن أنه لا يوجد شعب فلسطيني وأن الفلسطينيين لمم جاؤوا من الجزيرة العربية ومصر وأماكن أخرى !!!!.

3-  بعض الفلسطينيين يعززون الرواية الصهيونية بدون قصد من خلال المباهاة بأصولهم غير الفلسطينية، فتجد بعضهم وخصوصا من العائلات الكبيرة يتفاخرون بأن أصل العائلة من تركيا وآخرون يتفاخرون بأصولهم المصرية أو السعودية أو المغربية أو الأردنية وكأن الأصل الفلسطيني يُعيبهم، وهم في هذا الأمر وكأنهم يقولون بأن الشعب الفلسطيني لمم أو شعب لقيط وليس أصيلا في وجوده على أرضه. ولا أدري لماذا يفترضون أن تشابه أسماء العائلات يعني أن أصلهم من خارج فلسطين وليس العكس ؟ .

أكد المؤرخون والعلماء الموضوعيون المُشار إليهم أعلاه بعدم صحة الرواية التي روج لها المستشرقون اليهود الأوائل والتي تزعم أن الفلسطينيين ليسوا سكان فلسطين الأصليين وأنهم قبائل الببلست جاؤوا من البحر (جزيرة كريت) حوالي عام 1188 ق.م واختلطوا مع قبائل الكنعانيين وعاشوا على الساحل وسُميت فلسطين بهذا الاسم نسبة لهذه القبائل، وأكد هؤلاء بأن الشعب الفلسطيني شعب أصيل تضرب جذوره لآلاف السنين ووجوده سابق لظهور بني إسرائيل . وحتى مع افتراض صحة رواية المستشرقين التوراتيين فإن شعبا يستقر على أرض تسمى باسمه فلسطين وبشكل متواصل منذ عام 1188 قبل الميلاد حتى اليوم هو شعب عريق واصيل بل من اعرق شعوب الأرض، وليس كالدولة المصطنعة التي تسمى إسرائيل والتي لم يكن لها وجود أو يسمع بها أحد إلا خلال السبع عقود الماضية -منذ 1948-.

بالإضافة إلى ما سبق، يزعم بعض الجهلة ومنهم بعض العرب والفلسطينيين بأن فلسطين لم تظهر للوجود إلا مع اتفاقية سايكس - بيكو 1916 وهذه مغالطة كبيرة وما يؤكد ذلك أنه عندما انعقد المؤتمر الصهيوني الأول في بازل في سويسرا عام 1897 أي قبل سايكس - بيكو بسنوات أعلن المؤتمرون أن هدفهم إقامة وطن قومي لليهود في (فلسطين)، وهذا يعني أن هذه البلاد لم تعرف لها مسمى إلا فلسطين، وتواصل الأمر بعد ذلك حيث نجد آرثر بلفور في إعلانه المسمى باسمه عام 1917 وعد اليهود بإقامة وطن قومي لهم في (فلسطين)، وعصبة الأمم أعلنت عام 1922 أن تكون بريطانيا منتدبَة على (فلسطين)، وقرار التقسيم عام 1947 نص على تقسيم (فلسطين)، واليوم فإن حوالي 150 دولة في الأمم المتحدة تعترف بدولة فلسطين وبحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وهذ يؤكد بأن فلسطين والفلسطينيين هم الأصل أما إسرائيل والإسرائيليون فأمر طارئ فرضته توازنات وحسابات دولية استعمارية في مرحلة ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية .

 

أ. د. إبراهيم أبراش

 

 

سامان سورانيلقد عانی العلاقات الدولية في دول الشرق الأوسط من سمة عدم التوازن وقلة الاستقلالية لأنها لا زالت متأثرة بالسياسة الخارجية للدول العظمى. ومن المؤكد هناك عوامل تاریخیة مهمة ساهمت في ترسیم نمط العلاقات الدولية لدول الشرق الأوسط، لا مجال لذکرها هنا، لکن عندما تفشل الدولة في القیام بوظائفها الأساسیة، منها السیطرة وتطبیق أسس الحکم علی كافة أراضیها وإستغلال الموارد الطبیعیة والبشریة والمادیة بشكل یحمي مصلحتها القومیة ومنها عدم إتاحة الفرصة للدول الأخری من السیطرة علیها ونهب خیراتها ومواردها والتحكم في شؤونها الداخلیة والخارجیة، یطبق علیها مصطلح الدولة الفاشلة(Failed State).

هذا المصطلح جدید الی حد ما، حیث تم أستخدمە للمرة الأولى في عهد الرئيس الاميركي، بيل كلينتون، حیث نُعت به الدول التي فشلت في القيام بوظائفها الأساسية، مما جعلها تشكل خطراً على الأمن والسلام العالميين، مثل أفغانستان في عهد طالبان.

هناك في الشرق الأوسط تحولات مهمة تدخل مفاهیم ونظریات جدیدة علی مستوی التحلیل وتهيء أرضیة بروز فواعل وظواهر سیاسیة جدیدة علی مستوی الممارسة، لکنها لا تستطیع أن تؤثر  في البنية الهيكلية للنظام الدولي.

من المعلوم بأن الدولة الفعالة تنفتح علی الخارج، بقدر ما تنفتح في الداخل علی المجتمع والكيانات المختلفة

یقول أستاذ العلوم السیاسیة الأمریکي صاحب مصطلحي القوة الناعمة والقوة الذكية، جوزيف صموئيل ناي، "إن انتقال القوة من دولة مهيمنة إلى دولة أخرى هو واقعة تاريخية مألوفة، ولكن انتشار القوة هو عملية أكثر جدة. وتتمثل مشكلة الدول كافة فى عصر المعلومات العولمي الحاضر في أن أكثر الأشياء تحدث خارج نطاق سيطرة الدول حتى أقواها."

ففي زمن ثورة المعلومات والعصر الرقمي نری بأن الدولة الفاشلة لایرهن علی تصالح الحكومة مع الشعب من خلال بناء دولة القانون والمؤسسات والشفافية والتنمية، وإقامة قواعد إنتاجية حقيقية وإستخدام الموارد لصالح جمیع طبقات المجتمع، عبر خطط تنمویة وبرامج عدالة إجتماعية يستفيد منها كل فرد، ولا یسعی بشكل جاد في التمسك بمقومات الهویة الجامعة، من لغة ودين وتاريخ وحضارة ولا یستخدم القوة الكامنة في كل هذه المقومات الناعمة لتقوية المجتمع ومؤسساتها وسياساتها.

بدلاً عن هذا تنظر الدولة الفاشلة دوماً الی الکیانات الداخلیة والإقلیمیة ودول الجوار كأعداء ومنافسین لا کأشقاء وحلفاء طبیعیین وهذا یؤدي بدوره الی دفع حرکات أو قوی وطنیة للعمل علی هدم بنیانها لغرض تولي موقع المسؤولیة وإعادة بناء الدولة على أسس جديدة.

من صفات الدولة الفاشلة، أنها لاتستطیع لوحدها السیطرة علی حدودها، بل تعتمد على المساعدات التي تأتيها من المجموعة الدولية ولسبب ضعفها تتحول أرضها الی ملاذات آمنة للجماعات الإرهابية والعوامل اللادولتیة الأخری التي تضر بالسیادة.

التطورات والسیناریوهات في الشرق الأوسط لها تأثیرات كبیرة في العالم وفي البیئة السیاسیة والإقتصادیة والأمنیة العالمیة. وقد تستمر الفوضی واللاإستقرار إذا ما لم تسعی القوى الدولية في العمل على التغلُّب على صراعاتها مع دول المنطقة وعلى الصراعات بين هذه الدول وبعضها البعض، وعلى الصراعات داخل هذه الدول.

بالطبع لایمکن الوصول الی مصالحات وطنية حقيقية بناءة وشاملة إذا ما لم یتم التوافق حول صيغ تشمل جميع أطراف الصراع السياسي لإیقاف الإعتداءات والتدمیر المتبادل ونزع فتیل الحرب والتشدد في مواقف الأطراف المتنازعة وبناء الثقة بینهم وإعطاء المصالحة طابعاً مجتمعياً يمهد الطريق أمام إجراءات المصالحة التقليدية، عبر عملية تفاوض وتوافق حول عناصر العدالة، وإجراء إصلاحات مؤسساتیة والعمل علی تطوير علاقات أكثر تجانساً وإعداد بيئة حاضنة للمراجعة الدقیقة والتفكير الخلاق في صياغة علاقة إيجابية أبعد.

القوة هي القدرة على تحقيق النتائج التى نريدها وأن عدم القدرة على تجاوز سلبيات الماضي وعدم الإتفاق حول المصالح الوطنیة العلیا تجعل من التعايش بين الأطراف المتنازعة حالة هدنة مؤقتة غير قابلة للصمود. أما إذا کانت للنزاعات الداخلیة إمتدادات خارجیة فستبقی مسألة التعایش بین الأطراف دوماً محل تهدید. لذا یجب أن تکون لقضیة المصالحة ظهیر أو قناعة مجتمعیة وشعبیة یضمن تطبیق قضیة المصالحة ویحفظ دیمومتها. 

لا تنفع الدولة الفاشلة إستخدام النماذج السياسية المستهلكة والبعيدة عن الشعور الإنساني العميق، المدرك لحكم المأساة وطبيعة الحياة وثقافة الحوار والتعددية والتعايش وقبول الآخر المختلف ولا تنفعها النماذج القائمة علی فلسفة الاقصاء والتهميش وحرب الآخر والداعمة لهواجس وحسابات الربح والخسارة.

إن الذين يتصدرون واجهة الدفاع عن طوائفهم ومذاهبهم ومعسكراتهم بالأفكار السائدة والأنظمة المتحكمة والشعارات الخاوية والمقولات المستهلكة لا يستطيعون القيام بمهام قضية العيش المشترك وبناء الدولة الناجحة والحکم الرشید.

منطق الكشف العلمي يثبت لنا بأن حل المشكلات يخلق مشكلات جديدة ومعالجة الأزمات تولد المزيد من التعقيد والتأزم، لذا نقول للعقول السياسية في الدولة الفاشلة، من أراد النجاح للديمقراطية وتجربة العیش المشترك، عليه أن لا يتعامل مع الحقائق والوقائع علی سبيل التبسيط والتهوين أو التهويل والتضليل أو التلفيق والتزييف وعلیه نبذ الشعارات الخاوية والدعوات المستحيلة والاستراتيجيات القاتلة وعليه أيضاً إستخدام أطر وأدوات في النظر والعمل البعيدة عن مذهب القصر والإستهلاك والعقم وهنا يكمن سر النجاح. 

الطرف الذي ينهض بالعیش المشترك هو من يخلع عباءته الأيديولوجية المقدسة بثوراتها ومقاوماتها وإنقلاباتها وأحزابها وهو من يحسن الإشتغال علی خصوصيته وتحويل هويته للإنخراط في بناء عالم مشترك يتيح التعايش والتواصل، علی نحو سلمي تبادلي في أطر وطنية أو اقليمية أو عالمية، ولنا في إقليم كوردستان وحكومته اليانعة نموذج إيجابي نشيط في بناء مجتمع ديمقراطي سلمي التوجه مزدهر بإنجازاته العمرانية والحضارية.

وختاماً يقول الفيلسوف الإنكليزي النمساوي المولد كارل بوبر (1902-1994): "نحن نعرف بأنه لا يمكن أن يكون لحجة منطقية تأثيرٌ منطقيٌّ على من لا يريد أن يتبنى أسلوباّ منطقياً."

 

الدکتور سامان سوراني

 

بكر السباتيناختراقات متبادلة بين البلدين وإسقاط طائرتين هنديتين داخل الأراضي الباكستانية..

يبدو أن الأوضاع بين الهند وباكستان تسير مرشحة إلى ما هو أسوا في كل الأصعدة على خلفية الهجوم الذي استهدف إقليم كشمير قبل عدة أيام، حيث انتقلت المعركة من مربع المواجهة الكلامية إلى المستوى العسكري، على خلفية الاتهامات الهندية للحكومة الباكستانية بالتورط في الهجوم على حافلة الجنود الهندية ما استلزم منها الرد من خلال هجمات شنها الجيش الهندي على أراض خاضعة للسيطرة الباكستانية.

وعليه فقد أكد مسئولون عسكريون باكستانيون على أن طائرات عسكرية هندية دخلت الأراضي الباكستانية في منطقة كشمير المتنازع عليها وأفرغت شحنة من المتفجرات على أماكن عشوائية حيث سقطت بالقرب من بالاكوت أثناء هروبها من ساحة المواجهة الجوية بعدما دفعت باكستان بطائراتها صوبها، ولا توجد خسائر بشرية أو مادية.

هذا ما صرح به المتحدث باسم الجيش الباكستاني الميجر جنرال آصف غفور على تويتر يوم أمس الثلاثاء مؤكداً على أن الهجوم الهندي واجه رداً فعالاً في الوقت المناسب من جانب القوات الجوية الباكستانية.. حيث لاذت الطائرات الهندية إلى الفرار، واليوم الأربعاء تتجدد الاختراقات الجوية بين البلدين، والباكستانيون يسقطون طائرتين هنديتين كما صرح الجيش الباكستاني.

ويبدو أن المواجهة بين الجارين النوويين مرشح للتصعيد لعدة اعتبارات موضوعية، يمكن تبنيدها على النحو التالي:

أولاً: اتهام الهند الباكستان في أنها الحاضنة لجيش محمد الذي تبنى التفجير الانتحاري الأخير في حافلة الجنود الهندية بإقليم كشمير المتنازع عليه بين البلدين. ما أدى إلى مقتل أربعين جندياً هندياً، وتذرع الهنود في هجومهم بوجود قواعد لهذا الجيش "الإرهابي" على الأراضي الباكستانية.. وهو ما ترفضه الباكستان تماماً.

ثانياً: صحيح أنه حدثت عدة مواجهات بالمدفعية من خلال القصف المتبادل عبر خط المراقبة فى كشمير خلال السنوات القليلة الماضية أثناء تأجج التوترات بين البلدين، لكن انتهاك المجال الجوي نادر الحدوث. لذا تعتبر الباكستان الغارات الهندية على أراضيها انتهاكاً سافراً لسيادة الباكستان ما يستوجب الرد في الوقت والمكان المناسبين وهذا ما تعتبره الهند من جهتها تصعيداً استفزازياُ مؤكدة على أنها ستواصل قصف قواعد جيش محمد في إطار حربها على الإرهاب في كل زمان ومكان.

لذلك دعا رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان إلى عقد "اجتماع طارئ"، من أجل بحث مستجدات الوضع على خلفية "اختراق" القوات الجوية الهندية لخط المراقبة في إقليم كشمير المُتنازع عليه بين الهند وباكستان والذي يعد عملياً خط الحدود.

 وجاء الرد الباكستاني عسكرياً اليوم الأربعاء، وقالت وزارة الخارجية الباكستانية في بيان لها: "نفذت القوات الجوية الباكستانية ضربات اليوم عبر خط المراقبة من المجال الجوي الباكستاني".

وقال الجيش الباكستاني إن طائرات هندية دخلت باكستان رداً على الضربات مضيفاً أنه تم إسقاط طائرتين وأسر طيار.

في هذه الأثناء، قال مسؤول هندي إن طائرات تابعة للقوات الجوية الهندية  اعترضت ما لا يقل عن ثلاث طائرات حربية باكستانية بعد دخولها الجانب الهندي من منطقة كشمير اليوم الاربعاء وأجبرتها على العودة.

ويتصاعد التوتر بين باكستان والهند، بعد الغارة الجوية الهندية التي استهدفت معسكرا للمتشددين داخل باكستان يوم الثلاثاء في بلدة بالاكوت الواقعة في إقليم خيبر بختون خوا في باكستان على بعد خمسين كيلومترا تقريباً من خط المراقبة الذي يعد الحدود الفعلية بين البلدين اللذين خاضا ثلاثة حروب منذ استقلالهما عن بريطانيا في العام 1947. وفي سياق ذلك قالت وزارة الدفاع الهندية يوم أمس إنها ليست لديها أية معلومات عمّا ذكرته باكستان في محاولة هندية لتفريغ محتوى الاتهامات الباكستانية من المسوغات القانونية الدولية ولكن هل فات الأوان بعد تأزم مجريات الأزمة هذا اليوم.

ثالثاً: تداعيات المشهد السياسي في الهند في إطار حمّى الانتخابات الرئاسية المقبلة منتصف هذا العام والتعامل مع الأزمة كورقة  انتخابية، والتي ستأخذ المنطقة إلى كارثة المواجهة المحتملة وانعكاس ذلك عل الجارين الذين يجمعهما تاريخ من الحروب والصراعات على إقليم كشمير منذ عام 1947. ففي سياق ذلك قال رئيس وزراء الهند الحالي ناريندرا مودي العضوٌ في حزب بهاراتيا جاناتا:" بأن الهند في أيادٍ أمينة ولن يسمح لأحدٍ بالمساس به.

 وأخيراً، نحن لا نتمنى انجرار البلدين إلى كارثة حرب لا تبقي ولا تذر، وقد تدمر البلدين الجارين النوويين إذا ما دقت طبولها.. بـل نطالب أطراف النزاع بإعمال العقل، وسحب البساط من تحت أقدام شيطان الحرب الذي يعربد في مناطق النزاع في العالم من أجل الخراب الذي يجلب الغربان. الرهانات على الحرب تتصاعد ولكن ثمة رهانات أخرى على إحكام العقل في تفاصيل المشهد المتأزم بين الهند والباكستان.

 

بقلم بكر السباتين

 

انطلقت في مدينة جنيف السويسرية الإثنين 25  فبراير أعمال الدورة الأربعين لمجلس حقوق الإنسان التابع لهيئة الأمم المتحدة وتتواصل حتى 22  من شهر مارس المقبل وبحضور ممثلي الدول الأعضاء في المنظمة الدولية وبمشاركة عشرات المنظمات الحقوقية المعنية برصد انتهاكات حقوق الإنسان في مختلف دول العالم.

 وتتولى المنظمات الحقوقية سرد الإنتهاكات التي ترتكبها الحكومات ضد المواطنين والمقيمين، عبر المداخلات الشفهية خلال جلسات الحوار اليومية التي تناقش الإنتهاكات المندرجة تحت البند الخاص بها من ضمن 10  بنود ومنها البند السادس الذي يناقش آلية الإستعراض الدولي الشامل لسجل الدول التي يتم استعراض سجلها الحقوقي.

كما وتشكل هذه الدورات فرصة للمنظمات الحقوقية التي تتتمتع بالصفة الإستشارية التي يمنحها المجلس الاقتصادي والإجتماعي التابع لهيئة الأمم المتحدة، تشكل فرصة لعقد الندوات الموازية التي تتناول أوضاع حقوق الإنسان في الدول المعنية بها. ويجري ممثلوا المنظمات الحقوقية لقاءات مع ممثلي بعض الدول الأعضاء في مجلس حقوق الإنسان والبالغة 47 دولة  بهدف تعريف تلك الدول بأوضاع حقوق الإنسان في ظل الأنظمة القمعية.

 ولذا فإن دورات مجلس حقوق الإنسان التي تنعقد ثلاث مرات كل عام، تشكل فرصة ذهبية للمنظمات الحقوقية القطرية والدولية لتوجيه أنظار المجتمع الدولي نحو الإنتهاكات الجسيمة للحقوق الجارية في عدد كبير من الدول في انحاء المعمورة وخاصة في منطقة الشرق الأوسط ووضع المجتمع الدولي امام مسؤولياته لمعالجة تلك الإنتهاكات ومعاقبة مرتكبيها. وتتولى المفوضية الأممية السامية لحقوق الإنسان تنسيق الجهود مع المجلس لمراقبة الأوضاع وتعزيز حقوق الإنسان.

وعلى جانب آخر فإن التدهور المتسارع لأوضاع حقوق الإنسان في العديد من الدول استدعى تطلّع  المنظمات الحقوقية  نحو ممارسة مجلس حقوق الإنسان لدور أكبر للتصدي لهذا التراجع الكبير الذي لم يشهده العالم منذ تسعينات القرن الماضي. وتبدو تداعيات الحرب على اليمن اكبر تحد يواجه المجتمع الدولي بعد ان وضعت تلك الحرب اليمن على حافة المجاعة  مع انتشار الأوبئة وتدمير البنى التحتية مع قرب دخول الحرب على اليمن عامها الرابع.

لكن الرياح جرت على عكس ما تشتهي سفن الضحايا والمنظمات الحقوقية القطرية والدولية منذ أن أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية إنسحابها من عضوية المجلس في العام الماضي وبعد ان أعلنت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عدم إعطاءها أولوية لموضوع حقوق الإنسان، بل إعطاء الأولوية للمصالح الاقتصادية وكما حصل بشكل جلي خلال قضية تصفية الصحفي السعودي جمال خاشقجي داخل قنصلية بلاده في إسطنبول في شهر اوكتوبر الماضي.

ومع إفتتاح هذه الدورة التي شارك في جلستها الإفتتاحية الأمين العام لهيئة الأمم المتحدة أنطونيو غوتيرش ورئيسة الجمعية العامة للأمم المتحدة، وعدد من مسوؤلي الدول ومن بينهم وزير خارجية النروج ووزير خارجية قطر، فقد ظهر جليا بان المجتمع الدولي قد دخل في مرحلة جديدة يبدو وللأسف ان اهم معالمها هو تراجع الاهتمام بالملفات الحقوقية. وقد ظهرت ملامح ذلك في الكلمة الإفتتاحية التي القتها المفوضة الأممية السامية لحقوق الإنسان ميشيلا باشليه والتي خلت من ذكر إنتهاكات حقوق الإنسان في بعض الدول وكما جرت عليه العادة سابقا، لكن باشليه ألقت كلمة تنظيرية وكأن المجتمع الدولي لازال في مرحلة التنظير لحقوق الإنسان بالرغم من مرور سبعة عقود على صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

فيما ولّدت الإجراءات الجديدة للمجلس والخاصة بنشاط المنظمات الحقوقية صدمة لتلك المنظمات، إذ تم تقليص عدد المداخلات التي تشارك فيها كل منظمة تتمتع بالصفة الإستشارية الى 5 مداخلات  بعد ان كانت 12  وعدد الندوات الموازية الى إثنين بعد ان كانت أربع.  وقد أثارت هذه الإجراءات غضب المنظمات الحقوقية التي كانت تأمل في مضاعفة النشاط الحقوقي وليس تقليصه في ظل حالة التردي الجسيم في أوضاع حقوق الإنسان في العالم.

 إن هذا المنحى الجديد للمجلس  يعتبره حقوقيون تشجيعا للحكومات القمعية لإرتكاب المزيد من الإنتهاكات، فالمجلس وبالرغم من أن  قرارته ليس لها  صفة الإلزامية  بل إنها استشارية ولاتخرج عن إطار التوصيات، فإنه بصدد تقليص دوره حتى على صعيد كونه منبرا لايصال  صوات المنتهكة حقوق في شتى أرجاء المعمورة.

إلا ان المجتمع الدولي يبدو أنه لم يعد يطيق سماع آهات المعذبين في السجون أو أولئك الذين يخشون التعبير عن آراءهم أو انتقاد سياسات حكوماتهم أو النسوة اللائي يطالبن بحقوقهن أو العمال المنتهكة حقوقهم أو الأحزاب المعارضة المحظور عملها او المدافعون عن حقوق الإنسان الممنوعون من ممارسة مهاهم او المسقطة جنسياتهم والقائمة تطول.

 فهذا المجتمع بات يرقص اليوم طربا لعقود بيع الأسلحة والإتفاقيات الاقتصادية والنفوذ السياسي والعسكري ولا بأس ان تداس حقوق الإنسان الأساسية بإنتظار تشييع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الى مثواه الأخير في أروقة الأمم المتحدة.

 

 ساهر عريبي

 

 

 

حسن العاصينزعة السيطرة على العالم، والاعتقاد أنهم وحدهم المهيئين لقيادة العالم، كانت وما زالت في العقيدة الأمريكية منذ الاستقلال. ظهرت هذه النزعة بوضوح بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية التي خرجت منها الولايات المتحدة منتصرة، فيما بقية الأطراف إما مهزومة أو منهكة اقتصاديا وعسكرياً واجتماعيا وسياسياً.

هذا الاعتقاد تدعمه القوة، فالولايات المتحدة أول من صنع أسلحة الدمار الشامل، وأول من استخدم السلاح النووي ضد اليابان، وأكثر دولة تمتلك انتشاراً للأساطيل الحربية في البحار والمحيطات، والقواعد العسكرية الثابتة في أرجاء المعمورة. أمريكا تمكنت من إنشاء صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، ومنظمة التجارة العالمية. وأصبح دولارها العملة العالمية، وسيطرت أمريكا على الاقتصاد العالمي. أنشأت الأمم المتحدة مع الحلفاء، وأصبحت المنظمة أداة لتنفيذ السياسات الأمريكية بغطاء قانوني دولي. تغولت أمريكا أكثر بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وزوال القطبية الثنائية. أظهرت الولايات المتحدة أنيابها وتصرفت بغطرسة منفرة مع دول العالم. وحاولت أن تفرض على الجميع ثقافتها وأسلوبها. حيث بدأت مرحلة جديدة، انقسم العالم فيها بين رافض للنظام العالمي الجديد وبين مرحب به، ومنهم حاول الاستفادة من آليات العولمة وتقنياتها الحديثة بما تتضمنه من وسائل اتصال ومعلوماتية دون القبول بمضامين العولمة، لكنهم سقطوا في التبعية.

من رفض النظام الجديد رأوا في العولمة استغلالاً اقتصادياً من أمريكا والغرب، كما اعتبروا أنها عولمة علمانية تتنكر للأديان وتهدد الهوية الثقافية للشعوب المستضعفة، وهي أيضاً بمثابة غزو قومي ثقافي اقتصادي. ومن قبل بالعولمة كان من النخب الثقافية التي تأثرت بالأفكار الليبرالية ونمط الحياة الغربي.

لكن كيف تمكنت الولايات المتحدة من فرض رؤيتها على هذا العالم الشاسع؟ ربما علينا أن نعلم ماهي مصادر القوة التي تمتلكها هذه الإمبراطورية، وتمكنها من قيادة الدول الأخرى، والهيمنة على العالم.

قوة أمريكا الاقتصادية

سوف تظل الولايات المتحدة الأمريكية القوة الأعظم التي تقود العالم خلال الفترة المنظورة القادمة دون منازع. فقد بلغ الناتج المحلي الأمريكي وفقاً لتقديرات صندوق النقد الدولي لعام 2018 نحو 20,4 تريليون دولار، وتجاوز حجم اقتصادها 25,1 في المئة من حجم الاقتصاد العالمي. فيما بلغ الناتج المحلي الصيني نحو 14 تريليون دولار، وبلغت مشاركتها في الاقتصاد العالمي ما نسبته 16,4 في المئة. وجاءت اليابان في المرتبة الثالثة بناتج محلي إجمالي بلغ 5,1 تريليون دولار. ألمانيا في المركز الرابع بناتج محلي بلغ 4,2 تريليون دولار. فيما احتلت بريطانيا الترتيب الخامس بناتج محلي إجمالي بلغ 2,94 تريليون دولار. سادساً حلت فرنسا بناتج بلغ 2,93 تريليون دولار. سابعاً الهند بقيمة 2,85 تريليون دولار. إيطاليا حلت ثامناً بقيمة 2,18 تريليون دولار. البرازيل تاسعاً بقيمة 2,14 تريليون دولار. وعاشراً حلت كندا بقيمة 1,8 تريليون دولار.

تبلغ قيمة إجمالي الاقتصاد العالمي حوالي 79,98 تريليون دولار. تمتلك الولايات المتحدة نحو25,1 في المئة منه، فيما تمتلك الصين نسبة 16,4 في المئة. أي أن أمريكا والصين تمتلكان حوالي 42 في المئة من الاقتصاد العالمي. ويبلغ حجم اقتصاد أكبر عشر دول 73 في المئة من الاقتصاد العالمي، أي حوالي 58,54 تريليون دولار. وأكثر من 150 دولة يبلغ حجم اقتصادها ما نسبته فقط 26,8 في المئة، أي ما قيمته 21,4 تريليون دولار.

بحسب تقارير هيئة الإحصاء الأمريكية فقد بلغ متوسط دخل الفرد في الولايات المتحدة في العام 2018 حوالي 59 ألف دولار سنوياً. بينما ذكر المكتب الوطني للإحصاء في الصين أن دخل الفرد بلغ 4033 دولار سنوياً في العام 2018. وحتى لو أجرينا تعديلاً على القوة الشرائية بين البلدين، ومراعاة التضخم الاقتصادي يظل المتوسط السنوي للأمريكي أعلى من نظيره الصيني بفارق كبير. وتتربع الولايات المتحدة على العرش العالمي بثروة مقدارها 72 تريليون دولار. بينما تمتلك الصين 22 تريليون دولار.

ثم أن الاقتصاد الأمريكي قائم على ريادة الأعمال والابتكار والخلق، وليس اقتصاداً قائماً على الاستنساخ والنقل مثل الاقتصاد الصيني، بينما نلاحظ ابتكارية أقل في الاقتصاد الياباني والأوروبي. وما زالت أمريكا تفرض هيمنتها على ست قطاعات اقتصادية مهمة وهي " الأسلحة، التكنولوجيا، الطاقة، الدواء، الغذاء، النقل". إضافة إلى امتلاكها لعدة علامات تجارية رائدة والمنتشرة حول العالم مثل "كوكاكولا، ما كدونالدز، مايكروسوفت، فيسبوك، غوغل، آبل، جنرال موتورز، شركة بوينغ" وسواها التي تدر عشرات المليارات سنوياً على الاقتصاد الأمريكي. ولا ننسى كون الدولار العملة الأساسية للتجارة العالمية، والعملة الاحتياطية لعدد كبير من الدول.

الهيمنة السياسية

تمتلك الولايات المتحدة الأمريكية شبكة معقدة جداً ومتشابكة من العلاقات تجعلها ذات هيمنة ونفوذ سياسي في العديد من دول العالم، وهذا السطوة لا تعتمد فقط على القوة العسكرية للولايات المتحدة، بل على مصادر أخرى للقوة مثل وسائل الإعلام التي تمتلكها المؤسسات الأمريكية من صحف وتلفزيون وسينما وانترنت وكتب، وامتلاكها لأشهر الصحف والمجلات العالمية، وألمع الصحفيين والممثلين وأشهر البرامج التلفزيونية والتي يتابعها مئات الملايين في العالم. وتبلغ قيمة صناعة نشر الكتاب في أمريكا حوالي 31 مليار دولار سنوياً، وهي ميزانية دولة بحالها.

للولايات المتحدة نفوذاً مهماً داخل المؤسسات الاقتصادية والسياسية الدولية التي تتحكم بها، ومنها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وهما يشكلان أبرز معالم السياسة الاقتصادية العالمية. ثم أن الولايات المتحدة أحد الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن، وأهم عضو في حلف الناتو. وتمتلك الأسطول الحربي الأضخم الذي يجول في المحيطات ويصول. كما أنها تمتلك مقدرة عجيبة لخلق تحالفات وتفاهمات سياسية واقتصادية بالترغيب أو الترهيب، ولديها إمكانية النفاذ إلى ميزانيات بعض الدول، من خلال المساعدات المالية، وترتبط بشبكة العديد من منظمات المجتمع المدني المنشرة في العالم. يكفي أن تدخلها في مناطق كثيرة في العالم يواجه بالصمت من قبل الكثير من الدول، واعتراض خجول من قليل الدول، وهذا بحد ذاته مؤشر بليغ على النفوذ الأمريكي.

هذا لا يعني أن الولايات المتحدة تمتلك مقدرة وقوة خرافية لا يمكن مقاومتها، ذلك أن أمريكا تواجه بعض الممانعات والتحديات من قبل الصين وروسيا وبعض الدول في أمريكا اللاتينية، لكنها إشكاليات يمكن لأمريكا السيطرة عليها بأقل قدر من الأضرار.

ثم التفوق الأمريكي الظاهر في التعليم العالي، فهي تمتلك حوالي 30 جامعة من ضمن أفضل 100 جامعة في العالم، وتمتلك 6 جامعات من بين أفضل 10 جامعات عالمية. وتتصدر القائمة في الإنفاق على الأبحاث والتطوير بالنسبة للدخل القومي حيث بلغت النسبة 2.82 في العام 2018 حسب شركة "فيسول كابيتال ليست" بملغ مقداره 563 مليار دولار سنوياً. فيما الصين بالمرتبة الثانية حيث تنفق ما مجموعه 377 مليار دولار سنوياً، وينفق الاتحاد الأوروبي 346 مليار دولار، واليابان 155 مليار دولار، ثم كوريا الجنوبية 74 مليار دولار.

ولا أظن أن على الولايات المتحدة القلق- لغاية الآن- من محاولات الصين المتواصلة الفكاك عن هذه السطوة الأمريكية، على الأقل في قارة آسيا مرحلياً، بهدف تحدي الاقتصاد الأمريكي في المستقبل. لكن من الآن ولفترة غير قصيرة من الزمن ستظل الولايات المتحدة في موقعها كأكبر قوة عسكرية واقتصادية مهيمنة على العالم، رغم صعود قوى أخرى مثل الصين والاتحاد الأوروبي، وتصاعد نفوذ إقليمي لروسيا بسبب امتلاكها موارد الطاقة.

أمركة العالم

رغم مرور أكثر من مائة عام على خطاب الرئيس الأمريكي "ودرو ويلسون" الذي ألقاه في العام 1916 بمناسبة بداية ولايته الرئاسية الثانية، حيث ينسب إليه مقولة "أن عَلَمَ أمريكا ليس علَمهَا وحدها، بل هو عَلَم الإنسانية جمعاء" إلا أن هذه النبوءة لم تتحقق، ولم يصبح علم الولايات المتحدة علماً للإنسانية، بل أصبح علماً للشر وقتل الشعوب والغطرسة ونهب خيرات الدول. صار وجهاً قبيحاً للعنصرية والتمييز لم تنجح أفلام هوليود في تجميله.

العولمة التي حاولت الولايات المتحدة من خلالها أمركة العالم، هي مشروع استعماري تحدثت أدواته مع تطور الرأسمالية وتركز رأس المال المالي، ترافق مع القفزات الهائلة التي حققها العلم في مجال التقنيات ووسائل الاتصال والتواصل التي تسببت في ثورة المعلوماتية. حاولت الولايات المتحدة نشر وتعميم نظامها وثقافتها وأسلوبها على بقية الدول. لكن هل تمتلك أمريكا حقاً نموذجاً مثالياً يقتدى به لبقية الشعوب؟ الجواب قطعاً لا، على الرغم من قوة أمريكا الاقتصادية والعسكرية. فالولايات المتحدة لم تتمكن للآن من تحقيق الوحدة والاندماج بين مكوناتها الداخلية، وتفتقد إلى جبهة داخلية متماسكة حتى لو ظهر للآخرين أن الأمر غير ذلك. فما تزال العنصرية والتمييز ضد السود والأعراق الأخرى تطل برأسها من قبة المواطن الأبيض. وغالبية المواطنين الأمريكيين يريدون انتخاب الرئيس مباشرة من الشعب بدون المجمع الانتخابي. ثم إن خروج تظاهرات تطالب باستقلال ولاية كاليفورنيا، الولاية الأغنى والأكبر في أمريكا، هو من الأمور التي تعتبر خطوة متقدمة للأطراف التي تطالب بالإصلاح الأمريكي وستنعكس حتماً على النظام السياسي في البلاد. وهناك انقسامات أيديولوجية في الخطاب السياسي الأمريكي حتى داخل الحزب الواحد.

 شكل انتخاب "ترامب" صدمة للعديدين الذين ينظرون له على أنه الرئيس الأمريكي العنصري والمعادي للأديان والأجانب والكاره للنساء، ليضاعف من الإشكاليات الأمريكية الداخلية. وتعتبر مسألة حرية امتلاك المواطنين الأسلحة واحدة من أكثر القضايا التي يختلف حولها الحزبين الرئيسيين في الولايات المتحدة الأمريكية الجمهوريين والديمقراطيين، وتستخدم هذه القضية في المزايدات الانتخابية. وبحسب بيانات موقع هيئة الإذاعة البريطانية فقد وقعت في العام 2016 ما مجموعه 14249 جريمة قتل في الولايات المتحدة، من بينها 9675 بواسطة الأسلحة النارية. ناهيك عن مشاكل القطاع الصحي والتعليمي والضريبي.

هيمنة الولايات المتحدة على العالم ما هي إلا فورة في المسار التاريخي للبشرية، فرضتها القوة العسكرية والاقتصادية والإعلامية لأمريكا، لكن من الواضح أن التاريخ لم ينتهي كما توقع "فوكوياما" ومازال لديه ما يقوله. كما أن الرأسمالية الجديدة بمسميات العولمة وسواها لا تبدو أنها نماذج مؤهلة ليعتنقها الآخرون. إن ممانعة نظام العولمة ورفضه حدث ليس فقط من جانب دول الجنوب الفقير، بل من معظم الدول الغربية الذين أدركوا أن جوهر سياسة العولمة هو تحقيق المصالح الأمريكية، حتى لو تم ذلك على حساب مصالح وحياة مئات الملايين من الشعوب في الشرق والجنوب.

نظام عالمي للأغنياء

العولمة باعتبارها مرحلة من مراحل تطور الرأسمالية، قد ساهم فيها الألمان واليابانيون بمدخراتهم المالية الهائلة، وشاركت فيها الشركات العملاقة متعددة الجنسية، وإن بدا مركز القرار في الولايات المتحدة.

إن المجتمع الأمريكي قائم على الانتقاء والاختيار ولا يستند على تاريخ وذاكرة حضارية، فالولايات المتحدة مكونة من مهاجرين اختاروا قصدياً أن تكون أمريكا مكاناً للعيش. هذا الوضع الفريد يعبر عن خصوصية أمريكا الذي لا يشعر المواطن فيها بأي تناقض بين الوطنية والقومية ونظام العولمة. بينما العولمة شكلت صدمة حضارية للمجتمعات البشرية التي لها تاريخ وذاكرة يشكلان عناصر مهمة في تكوينها الاجتماعي وهويتها الثقافية. فيما الشعوب الأخرى تشعر أن العولمة تسلبها هويتها، يشعر الأمريكيون أن هويتهم الحضارية تكمن في العولمة وليس في الهوية القومية، باعتبارهم كيانات سياسية مجزأة.

إن مقتل العولمة يكمن تماماً في نقطة قوتها، التي ترتكز على مبدأ إلغاء الحدود وحرية التجارة، وفي سعيها إلى إلغاء الهويات الثقافية للشعوب التي تمتلك تاريخياً ثقافيا حضارياً. فلن تقبل هذه الأمم المفهوم الجديد للهوية التي تحاول العولمة فرضه وتعميمه قسراً.

هذه العولمة بدت للكثيرين كارثة لا تبقي ولا تذر، حتى بالنسبة للغرب الذي رأى فيها هيمنة من جانب واحد، تجد من يتبناها. إن المدافعون عن نظام العولمة غالباً ما يخلطون بين التطورات العلمية في مجال تقنيات الاتصال والتواصل والثورة المعلوماتية وتطور وسائل الإعلام، وبين العولمة بأبعادها وأهدافها.

عندما حاولت دول الجنوب طرح مشروع النظام الإعلامي الجديد في منظمة اليونسكو، بهدف كسر احتكار دول الشمال لوسائل الإعلام، رفض الغرب المشروع، وانسحبت أمريكا من المنظمة ورفضت دفع حصتها المالية السنوية.

فشلت العولمة في ردم الفجوة الاقتصادية والثقافية بين دول الشمال والجنوب، والنتيجة استمرار الهيمنة الغربية وتعرض الهوية القومية للشعوب الأخرى لخطر التذويب.

في الوقت الذي تمتلك فيه الدول الغربية آليات انتشار العولمة فإنها تستثمرها لتحقيق أقصى الأرباح، فيما الدول النامية التي لا تنتمي لعصر التكنولوجيا فإنها تعيش داخل قلاع من الفقر والأمية والجوع والمرض والعنف والتخلف.

هذا الواقع الراهن باعتباره امتداداً لماضي الرأسمالية البغيضة، يدلل على مقدار الشقاء الذي تعيش وسطه البشرية في ظل العولمة الدكتاتورية والهيمنة الأمريكية. عولمة تتيح للشركات العملاقة عابرة القارات وللقوى المهيمنة على هذا العالم، أن تدوس على جماجم الفقراء، وتعبرهم عبئاً سكانياً ثقيلاً. إن الخلل القائم حالياً في التوازن الاقتصادي والاجتماعي والحياتي بين دول الشمال ودول الجنوب والشرق، وبحسب التقارير السنوية الصادرة عن هيئات الأمم المتحدة، ومنظمات غير حكومية، يشير تماماً وبوضوح إلى حجم البؤس الإنساني.

 

ماذا عن العرب

في واقع راهن بائس، وصورة شقية عن المستقبل، وبضوء استمرار السطوة الأمريكية عبر العولمة وسواها، والتي تعني ببساطة أمركة وبسط الحلم الأمريكي على العالم، يظهر أن كافة المبررات الأخلاقية التي تسوقها أمريكا والغرب عن حقوق الإنسان والحريات العامة ومبادئ العدالة، ما هي سوى أطماع بثروات الدول الناهضة تختفي بثوب أخلاقي.

ضمن هذا المشهد ماذا بمقدور العرب أن يفعلوا؟ هل يملك العرب أن يرفضوا نظاماً جديداً للعالم يهيمن فيه قطب واحد تدور في فلكه الدول الغربية، ويحققون مصالحهم على حساب الأمم الأخرى؟ وهل تستطيع الدول العربية التملص من سطوة الشركات الضخمة متعددة الجنسيات التي تسعى نحو مراكمة أرباحها من جيوب فقراء الدول النامية؟ وماذا يفعل العرب في نظام يقبل القوي والثري ويقتل الفقير والضعيف؟ وماهي خطط العرب تجاه نظام يستخدم ببراعة فائقة وسائل الاتصال والإعلام والتقنيات الحديثة والبيانات، لشطب الهوية الثقافية والقومية للشعوب، وفرض ثقافة واحدة عليهم؟

من حق العرب الاستفادة من الإنتاج العلمي والحضاري لبقية الأمم والشعوب، كما سبق وأن استفادت أمم أخرى من إنجاز الحضارة العربية سابقاً، وهذا أمر لا جدال فيه. فجميع التقنيات الحديثة هي إنتاج الجهد الإنساني ومن حق البشرية أن تنتفع بها، بما يضمن رفاه واستقرار وأمن المجتمعات.

أن ترتبط بعلاقة مع آليات وأدوات نظام العولمة وتتعامل معها شيء، وأن تقبل مضامين العولمة كأنها قدراً عليك التسليم به شيء آخر تماماً -بظني-. لأن الأول إنتاج فكري وعلمي يسهم في تطور البشرية. أما الثاني هو يقوم على الإلغاء والإقصاء والهيمنة. إنه بمثابة غزو واعتداء امبريالي بوجه معاصر.

ومما لا شك فيه أن الأمة العربية مستهدفة في هويتها واقتصادها وأمنها وتاريخها من قبل النظام الحديث، شأنها في ذلك بقية الأمم النامية. حيث تشير التجربة الاستعمارية التاريخية إلى النتائج الكارثية التي يخلفها إخضاع دول فقيرة من قبل دول عظمى.

هذا النموذج البائس الذي يحاول الغرب فرضه علينا فشل في معالجة مشكلة البطالة وانتشار المخدرات والتلوث البيئي وغيرها في معقل العولمة. نموذج يفرض شمولية كونية وقبعة موحدة، ويحاول توحيد المظهر العالمي، إلا أنه نموذج بائس حضارياً لأنه يعتمد هيمنة القوي على الضعيف، ويلغي الحوار والتواصل الإنساني. ويقدم عالماً ينقسم إلى قسمين، ثري جداً وفقير جداً. يلغي خصوصية الدول والأمم الوطنية والقومية، وتعطيل هوياتها الثقافية، ويحاول أن تسود اللغة الإنجليزية وتتهمش اللغات القومية.

 

القومية والإنسانية

المفكر البريطاني الأمريكي الذي توفي في العام 2018 عن 102 عاماً "برنارد لويس" وارتبط اسمه بالمصائب التي حلت بعالمنا العربي من الاحتلال الأمريكي للعراق مروراً بالحراك الشعبي العربي الذي ابتدأ ياسميناً وجنح حنظلاً، قال عن الشعوب العربية في كتابه "الإيمان والسلطة" الذي صدر في العام 2012 "إما أن نأتي لهم بالحرية، أو نتركهم يدمروننا" وإليه نسبت الخرائط التي كشفت عنها قبل بضعة أعوام وسائل إعلام غربية تظهر فيها دول كبرى في الشرق الأوسط بما في ذلك دولاً عربية، وقد أصبحت ثلاثين جزءًا.

انحاز لويس لإسرائيل والغرب بحكم تنشئته اليهودية، ودعا دوماً للتدخل الغربي لفرض الحرية والديمقراطية على الشعوب العربية والإسلامية. وكانت أفكاره سنداً نظرياً لتيار المحافظين الجدد في الولايات المتحدة. وتعتبر نظرية الفوضى الخلاقة لكوندوليزا رايس وزيرة الخارجية السابقة أحد تجليات هذا الفكر.

 لويس هذا أول من اشتق مصطلح "الأصولية الإسلامية" وأول من ذكر فكرة "صراع الحضارات" عام 1957 قبل "صامويل هنتنغتون". كما روّج هذا المفكر لانتهاء عصر القوميات، فوضع اللبنة الأساسية في المخطط الغربي لغزو المنطقة العربية وسرقة خيراتها ونهب ثرواتها، ثم تقسيمها إلى دويلات طائفية، باسم الديمقراطية تارة، ومحاربة الإرهاب تارة أخرى.

لكنني أعتقد أن القوميات باقية، وسوف تظل ذات شخصية حية ومكونات واضحة لا تزول. إن الافراد ينتمون لقومياتهم طواعية ومستعدون للتضحية من أجلها. ولا يصح وضع القومية في مواجهة الإنسانية التي وجدت قبل وجود القومية، فالإنسانية تخلص القومية من تعصبها وانعزالها. من المهم لأنصار القومية عدم رفض النظام الجديد بالمطلق، وأظن أن على عاتقهم تهيئة المناخات الفكرية لإطلاق حوارات نظرية وإجراء مقاربات فكرية مع دعاة العولمة في الغرب. إن رفض بعض التيارات السياسية والفكرية للتعامل مع آليات وأدوات النظام الجديد بشكل تام، خاصة من قبل القوى الدينية المتشددة التي تدعي دفاعها عن الخصوصية العربية، لا يمكن إلا أن يؤدي إلى مزيد من تدهور الوضع العربي، بينما خصوصية الثقافة العربية تعتمد التراث والحداثة، وترفض الانكفاء والتقوقع، كما ترفض الانصهار في بوتقة الحداثة والعولمة.

نحتاج عربياً إلى ثقافة متنورة لا ترفض الحوار والتواصل مع الآخر، ولا تنعزل عن المشهد الفكري ومواجهة الآراء والمواقف المختلفة بحجة التمسك بالهوية. لا يجب نكران أهمية التواصل الحضاري والتفاعل الثقافي مع الغرب. والخشية من استلاب هويتنا لضعف شخصيتنا القومية، لا ينبغي أن يقودنا إلى رفض وإنكار الآخر، بل على العكس يجب أن يحرض مقدراتنا ويجعلنا ندفع لتشكيل تيار يسعى لإعادة رسم استراتيجيات عربية وفق معايير العصر الحديث، لتكون قادرة على مواجهة تغول رأس المال المالي الغربي، وحتى نتمكن من توظيف التقنيات الحديثة في خدمة الإنسان العربي وتطور مجتمعه، وليس العكس.

تقتات بضعف الآخر

الإمبراطورية العظيمة في العصر الحديث، كيف امتلكت كل هذه القوة؟ بالطبع على حساب قوت الشعوب النامية وسرقة ثروتها. تتمحور العقيدة الأمريكية في أحد جوانبها حول أن تكون أمريكا مملكة كونية، مثل كائن حي ينمو باستمرار ولا يموت. يتغذى اقتصادها على اقتصاديات دول العالم النامي وثرواته، ويقوم بالقضاء على أي اقتصاد يعرض المصالح الأمريكية للخطر. مملكة تعتمد الأساليب المخابراتية الأمنية لإرغام الآخرين على فعل ما تريد، تؤمن بالعنف وتغتال الديمقراطية وإرادة الشعوب، تغتال رموز النهضة والتنمية في أي بلد ناهض. تثير النزعات العرقية والدينية والمذهبية والطائفية، تقوم بتدمير الدول التي تحاول بناء اقتصاد قوي بعيد عنها، وتجند وسائل الإعلام لتجميل افعالها الشنيعة وتبريرها. ترعى الانقلابات العسكرية وتؤسس جيوش المرتزقة لإسقاط حكومات.

لعل نظرة سريعة على الدراسات العديدة التي تجريها دورياً مراكز أبحاث غربية حول الحريات وحقوق الإنسان والاستبداد، تؤكد دون أي ريب أننا نعيش في عالم قميء ومرعب، لم تستطيع كافة القفزات العلمية والاكتشافات المهمة والتكنولوجيا الحديثة أن تجمل وجهه الدميم. بل يبدو أن العالم متجه نحو الانقسام إلى طرفين، أحدهما ثري، قوي، معافى، ديمقراطي، ينعم بالعلم والمعرفة. والآخر فقير، معدوم، ضعيف، مريض، مستبد، يغرق بالجهل.

لقد أجرت مؤسسة "بيرتيلسمان" الألمانية دراسة شارك إعدادها 250 خبيراً من جامعات ومراكز بحثية في جميع أنحا العالم. تمت دراسة حالة الديمقراطية والوضع الاقتصادي وأداء مؤسسات الدولة وأجهزتها في 129 دولة نامية في العالم بين الفترة الممتدة من بداية العام 2015 لغاية نهاية العام 2017. أهم ما فيها أن هناك 69 دولة غير ديمقراطية في العالم، ووجود 50 دولة تقيد الحريات السياسية، منهم 49 دولة استبدادية. وكشفت تقرير مجلة "الإيكونوميست" عن مؤشرها السنوي للديمقراطية والاستبداد لعام 2018، ويأتي ترتيب الدول العربية في تصنيف الدول أكثر استبداد رغم ما تردده الأنظمة بأنها تطبق الديمقراطية وأنها دول ترعي حقوق الإنسان وتتبع النظام المؤسسي حيث جاء ترتيب الدول العربية متذيل القائمة العالمية.

وفيما يتعلق بمؤشرات الاستعباد العالمي فإن التقرير المنشور في موقعهم على الانترنت لعام 2017 فإن من بين أكثر 10 دول استعباداً للبشر، توجد 4 دول عربية. وفي تقرير عن مؤشر الديمقراطية في العالم أنجزته مؤسسة "فريدوم هاوس" الأمريكية، فإن من بين أكثر 10 دول قمعاً للحريات في العالم يوجد 5 دول عربية.

خلال الثلاثين عاماً الأخيرة، تغير وجه العالم كما لم يتغير في ثلاثة قرون. في هذا العالم المتغير المتحول المتغول، متى تفهم رؤوس الأنظمة العربية القائمة أن عليها أن تبدل من أدواتها قبل أن تبتلعهم الموجة الرابعة من الرأسمالية.

 

حسن العاصي

كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدانمرك

 

علاء اللاميتصلح مقالة الباحث الأميركي في معهد واشنطن مايكل نايتس المعنونة "الانخراط الدولي في العراق مرتبط بالوجود العسكري في البلاد" لتكون مقطعا عرضيا نموذجيا لتشريح فن النفاق والإرهاب الفكري الذي يمارسه الباحثون المشتغلون في معاهد وجامعات الغرب وأميركا ضد شعوب العالم! هذا الباحث المُعَرَّفُ عنه (بالزميل الأقدم في معهد واشنطن والباحث المتخصص في الشؤون العسكرية والأمنية للعراق وإيران ودول الخليج) حاول جاهدا ان يجعل إخراج القوات الأميركية والأجنبية مقاربا في نتائجه لحدوث سلسلة زلازل رهيبة، حتى أن بعض المواقع العراقية المشبوهة كموقع " شفق نيوز " نشرت فقرات من المقالة بعنوان (خسائر "فادحة" تنتظر العراق بإخراج القوات الامريكية). 

وبعد ان تنتهي من قراءة مقالة نايتس لا تجد أية خسائر محتملة ملموسة ومباشرة أو حتى غير مباشرة سوى عبارة فضفاضة يلوكها الكاتب باستمرار وهي أن العراق سيخسر الدعم الدولي غير المسبوق التي حشدته له واشنطن خلال حربه ضد داعش.

ولكشف تفاهات وتناقضات هذا "المقطع العرضي" من التفكير العدواني لأغلب الباحثين المشتغلين في مؤسسات ومعاهد الولايات المتحدة سأحاول هنا أن أقتبس بعض الفقرات التي كتبها نايتس وأعلق عليها:

* الفقرة 1: (من المحتمل جدّاً أن يناقش مجلس النواب العراقي قريباً مشروع قانون يتعلق بتنظيم القوات العسكرية الأجنبية في العراق. وهذا شأنٌ عراقي، يندرج تماماً ضمن الحقوق السيادية للبلاد... والأمر الذي هو ذو أهمية قصوى أن العراق يفهم بوضوح ما هي الآثار التي يمكن أن تترتب عن أقواله وأفعاله على التحالف، وما هي المنافع غير العسكرية التي قد يخسرها العراق، إلى جانب انهيار شراكاته العسكرية).

* التعليق1: واضح جدا أن نايتس يستعمل تكتيك العصا والجزرة ببلادة، فهو يعتبر مناقشة موضوع القوات الأجنبية من قبل البرلمان العراقي شأن سيادي عراقي، ويدعو الى احترامه، ولكنه - أيضا وفي الوقت نفسه- يدعو إلى إفهام العراق (وكأن العراق أصيب فجأة بحالة "عصلجة دماغية" فما عاد يريد أن يفهم شيئا)، إفهام العراق ما سوف يترتب على قراره السيادي. وهذا إرهاب محض وتهديد سخيف بل هو يتجاوز التهديد إلى إهانة العراق كشعب وكدولة - منقوصة السيادة أصلاً- حين يقول مثلا (لم يتمتع العراق أبداً على مر التاريخ بمستويات الانتباه والدعم الدولييْن اللذين يحظى بهما منذ اجتياح تنظيم «الدولة الإسلامية» لبعض أراضي البلاد في حزيران/يونيو 2014) ثم يخلص مستنتجا بعنصرية فجة فيقول (من كان يهمّه العراق، قبل عام 2014 وبعده؟)

* الفقرة 2 (أمّن العراق ترتيباً احتياطيّاً قيمته 5.38 مليار دولار من "صندوق النقد الدولي" وتم التعهد بمبلغ 30 مليار دولار في "مؤتمر إعادة إعمار العراق" الذي نظّمه أعضاء التحالف في الكويت في شباط/فبراير 2018).

* التعليق 2: يلمح نايتس أن هذه المبالغ ستكون من ضمن خسائر العراق إذا قرر إخراج القوات الأجنبية من أراضيه. والكذبة هنا شنيعة وبائسة، فمبلغ الخمسة مليارات دولار سجلت كديون لصندوق النقد الدولي، والعراق ملزم بتسديدها سواء بقيت القوات الأميركية أو انسحبت. أما مبلغ 30 مليار دولار من مؤتمر الكويت فهو مجرد أرقام افتراضية وتعهدات لم يستلم العراق منها أكثر من 5% من مجمل المبلغ كما قال خبراء عراقيون وأجانب!

 * الفقرة 3 (بالنسبة إلى قادة الغرب، تشكّل زيارة العراق (مثل الزيارة الأخيرة لملك إسبانيا) استثماراً كبيراً للوقت والجهد والنفقات والتخطيط الأمني. لذلك، تدل هذه الزيارات على الالتزام بمستقبل العراق. ويُظهر الرسم البياني أدناه الاتجاه الرئيسي، وهو الارتباط القوي بين الاهتمام الدولي بالعراق وعلاقته بتواجد "قوة المهام المشتركة")

* التعليق 3: خسارة العراق بتوقف زيارات قادة أوروبا ومنهم ملك دستوري لا يحل ولا يربط، لن تؤثر على العراق أكثر من تأثير زخات أمطار موسمية في منخفض جوي قد يدوم ليومين! ولكن المهم في الأمر بالنسبة للسيد نايتس هو استمرار وجود "قوة المهام الخاصة" التي جاءت للعراقيين بالنصر على داعش كما يريد أن يفهمنا. فماذا بخصوص هذه القوة ؟

* الفقرة 4 ("قوة المهام المشتركة - عملية العزم الصلب" هي الشريك العسكري الأساسي للعراق في الحرب ضد تنظيم «الدولة الإسلامية»، وهي قوة مهام عسكرية بقيادة الولايات المتحدة تشمل ستة عشر بلداً ...فلم يأبه تقريباً أيٌّ من الشركاء الحاليين في "قوة المهام المشتركة" بالعراق على الإطلاق في الفترة بين 2003 و2011، عندما واجهت البلاد محنةً رهيبةً مماثلة. وما أدّى إلى هذا التزايد الهائل في الالتزام العالمي هو الانتشار الفعلي على أرض العراق للقوات العسكرية التابعة لمجموعةٍ من الدول الأوروبية ودول "الناتو" بموجب "قوة المهام المشتركة - عملية العزم الصلب".)

* التعليق 4: ماذا يريد نايتس أن يقول هنا؟ هل يريد القول، إن من واجب العراق أن يبقى على هذه القوات ولا يطالب بسحبها بعد أن تحقق الهدف من وجودها لئلا يخسر جزءا من قوته الدفاعية؟ وإذا كان نايتس يعترف بأن اهتمام الدول الغربية في هذا التحالف كان بسبب وجود قواتها على الأرض العراقية وليس لأية أهداف إنسانية - معاذ الله والديموقراطية الغربية - فلماذا لا يريد نايتس ومن معه ان تُحَلُ المشكلة فتسحب هذه الدول قواتها فترتاح وتريح؟

* الفقرة 5 (العراق بحاجة إلى الدعم المستمر من "قوة المهام المشتركة". أصبح الجيش العراقي الآن أفضل بكثير مما كان عليه عند سقوط الموصل في حزيران/يونيو 2014، بوجود كادر قيادي غير مسيّس. ومع ذلك، تبقى القوات العسكرية العراقية و«قوات الحشد الشعبي» غير مهيأة بشكلٍ مؤسف وتفتقر إلى الموارد البشرية والتدريبات والمعدات المناسبة للتخلص من التمرد الجديد لـ تنظيم «الدولة الإسلامية» في نينوى وكركوك وديالى)

* التعليق 5: عن أي تمرد جديد يتحدث نايتس؟ أيقصد العمليات المتفرقة التي تنسب الى فلول داعش وخلاياها النائمة والتي ليس من المستبعد أن مَن يقومون بها يتلقون الأوامر من القيادة العسكرية والاستخباراتية الأميركية؟ أم عن تمرد داعشي جديد يعرف هو والراسخون معه في العلم تفاصيله؟ في جميع الأحوال، فإنَّ  كلام نايتس  المتناقض هنا يكشف كل شيء: فهو من جهة يسجل (أصبح الجيش العراقي الآن أفضل بكثير مما كان عليه عند سقوط الموصل، بوجود كادر قيادي غير مسيّس)، ولكنه يستدرك ناسفا هذا التقييم بقوله (ومع ذلك، تبقى القوات العسكرية العراقية و«قوات الحشد الشعبي» غير مهيأة بشكلٍ مؤسف وتفتقر إلى الموارد البشرية والتدريبات والمعدات المناسبة)!

فهل يعاني العراق من مشكلة في الموارد البشرية؟ قطعا لا، فالمجتمع العراقي مجيَّش ومسلح –عشائريا ومليشياويا -  بشكل شديد الخطورة ويفوق التصور. أم أنَّ هناك نقصا في التدريبات والمعدات وهذه يمكن معالجتها كما تعالجها جميع الدول من روسيا الى جزر القمر بشراء المعدات واستقدام مدربين من دول كثيرة أخرى غير تلك الدول ذات الماضي العبودي والاستعماري والحاضر المضمخ بدماء الشعوب!

هل هذا الشخص باحث وخبير فعلا أم هو نصاب وخبير في فن الإرهاب والتلفيق الفكري؟

 

علاء اللامي - كاتب عراقي

..................................

رابط النص الكامل لمقالة مايكل نايتس :

https://www.washingtoninstitute.org/ar/policy-analysis/view/international-engagement-in-iraq-is-tied-to-military-presence

 

رائد عبيسكثيرا ما نسمع منذ زمن طويل عن ساسة العراق ورؤساء احزابه، لغة تهديد بكشف المستور، كاختراق الدستور، والتلاعب بمقدرات البلد وهدر خيراته، والاستيلاء عليها، وتأسيس الدولة العميقة، دولة الفساد وتقاسم الكعكعة، والاتفاق على النفاق، وتغيير بوصلة السلطة من سلطة الشعب إلى التسلط عليه، ومن مشروع تأسيس الديمقراطية وتحقق المدنية الى تأسيس المليشيات وعسكرة المجتمع، عبر فيالق من الاتباع والمليشيات بوصاية دينية مرة وعشائرية مرة أخرى وسياسية ثالثة، لا حزب مستقل عن هذه الأمور؛ لان التنافس السلطوي، وصل إلى شطر العائلة، والعشيرة،والمجتمع على نفسه إلى جزيئات مختلفة ومتنوعة ومتلونة، وهذا ظهر في تجربة الانتخابات الأخيرة، ولعبة الاحتواء بلا حياء من قِبلَهم تجاه قضيتهم الانتخابية والتي خُتمت بمحرقة الصناديق وتبديد فكرة التصديق التي كسبها المجتمع وهو ينخدع بهم من جديد، تحت مسميات جديدة ومظهر جديد.

وإذا سألنا، هل المواطن يبحث عن فحوى التغيير والبحث عن المصير عبر هذه القشور التي لُمعت قبل التصويت لهم؟

الفطرية السياسية (السذاجة) مع النفعية، مع الأمل بها، ولد عند المواطن العراقي رغبة بالتحولات الانتمائية من تحقيق ما يصبو إليه بكل لا مبدئية واضحة. وحتى لا نبتعد عن موضوع القضية، نرجع الى مسألة " فتنة الاسرار" التي يدعي كل سياسي مدعي أن لديه اسرار على طرف ما، وان أظهرها سوف تكون فتنة كبيرة وربما ينقسم الشارع العراقي بسببها،لأن مريدي كل سياسي سيتحركون ايضا لكشف مفاسد واسرار الطرف المدعي، وهكذا سوف يكون التوتر له طابع إعلامي وسياسي ينعكس على مزاج المجتمع .

نعم المجتمع وأن أنقسم في تأييد بعضكم على بعض، وبدأت الاصطفافات التأييدية أكبر من حجم البلد بكم،بات من المؤكد أن " فتنة الاسرار" تلعب دور كبير في تغير الأقدار؛ لان المجتمع بات مدجج بالسلاح فضلا عن الطاعة العمياء والحب والولاء والارتزاق الذي زاد الأمر نفاق،وجعل الأمر يدعوا الى الكتمان والمجتمع بقي بالحرمان ؛ لان الكل ساكت عن الكل، والكل يعلم بأسرار الكل، دون جراءة على كشف المستور؛ لأنه يؤدي إلى القبور!.

ومنذ عهد المالكي كان يلوح بكشف ملفات تطيح حتى برجال دين وعوائل دينية متورطة في القضية، ومع ذلك تستر الرجل عن ذلك، بدون معرفة الأسباب هل هو ابتزاز؟ ام أنه تهديد؟ ام أنه تلويح ؟ام أنه تخويف؟!

لا نعلم ذلك، وكل هذا على حساب الوطن، والدستور، والقانون، والأمانة، والمسؤولية، هل هو فعلا خوف من الفتنة ام خوف على المنصب ؟! بعد سقوط الموصل اتضح أنه خوفاً على المنصب وطموحة في الحصول على الولاية الثالثة بل وحتى الحفاظ على الولاية الثانية ؛ لأنه كان في القوت نفسه يلوح بملفات فساد واسرار صفقات ضد شخصيات سنية وكردية، ولكن سكت ايضا للسبب ذاته ! وليس المالكي وحده، بل كل من اقترب من الدائرة السياسية وصولا إلى مركزها أو بلغ منتصفها، امتلك أدلة على كل عناصر الطبقة السياسية، بملفات فساد واسرار الصفقات، والسكوت عن هدر خيرات البلد، والعمولات وغيرها، وما كشفه مشعان الجبوري في تصريحاته ما هي إلا اعتياد أمر قبله الجميع وسكت عنه، بل واتفقوا على مبدأ يحميهم جميعا هو " تجنب فتنة الاسرار" فما نطق به الجبوري مشعان إدانة لكل منهم ولكن سرعان ما أحتويت القضية؛ لأنها في الأصل ليس قضية بل نوع من الابتزاز، (ان لم تعطني من غنائمك سأفضحك)،دعوات للمشاركة في الخيرات!، ومع كل الوثائق المتاحة والموجودة، وبالدلائل الدامغة، لم يتحرك ساكن حول أي قضية، بل لم يدينون الرجل وهو المدين لنفسه !

فما بالك بالساكت تحت ذريعة الخوف، والخجل، والقتل، والخطف، فما بالك بالساكت بحجة أن الله يحب الساترين! فما بالك بالساكت بحجة الحفاظ على وحدة المجتمع ! فما بالك بالساكت بحجة عدم الطعن برموز العراق سواء من كان منهم بخلفية دينية، أو جهادية، أو سبق بالتجربة السياسية، كل هذه المعايير تكفي للحفاظ على عدم وقوع   " فتنة الاسرار " بين الكبار، بالأمس القريب مثلا : كان العبادي يلوح أيضا بنفس ما لوح به المالكي وأنه سوف يكشف بالأيام القادمة ما مسكوت عنه، من حقوق مهدورة للمواطن العراق، وكيف يُلعَب بمقدرات بلده وكيف تضيع، وأنه أعلن أنه سيكون مسؤول امام الله والشعب والوطن، بكشف ما يضر بمصلحته ومصلحة شعبه!

ولكنه سكت ايضا وودع المنصب بسكوته، والمالكي والعبادي كانا كلاهما بموضع قوة ولم يتحدثوا بذلك !!!

اذا كيف يتحدث وهو في موضع ضعف !! وقد كان قد لوح بذلك ايضا البارزاني بكشف حقيقة ما اسماه قيادات بغداد وفسادها وتواطؤها مع من سرق البلد، وايضا لم يفعل ! وهناك من النواب ايضا هددوا بكشف ما عرفوه من سرقات، وصفقات فساد، وخيانة للمسؤولية، وعمولات وغيرها وايضا كثيرا منهم لم يفعلوا ! وان فعل البعض واخلى ذمته، قد سوفوها غيره واضاعوا بذلك كل فرص الامساك بقضية المال العام ومنفعته.

وقالوا أيضا رؤساء هيئة النزاهة جميعهم ومن تولاها ولوحوا بذلك ايضا ولكنهم انصدموا كما هو واضح بصد منيع من حصون الفساد كحصون قاصات سرقاتهم، ولم يفعلوا شيء وبقيت الجهود حبرا على ورق!!

الفساد دولة لها رجالها، نظامها جمهوري وحكمها دكتاتوري صارم، الكل ملتزمة به ومطيع له،لان هناك فضيلة للمطيع ومصلحة متحققة من تلك الطاعة! نعم إن قوة هذه الدولة بكونها دولة ظل لدولة ديمقراطية، باتت تهدد ضعف تجربة دولة الديمقراطية،بل مسختها واضاعتها كفرصة بناء دولة وطن ومواطن،وهذا ما تعمق اعتقاده عند الشعب العراقي، وفقدوا به أمل العودة إلى الأسس الحقيقية لبناء البلد بغطاء واحد، فالدولة العراقية فقدت هويتها وغطاءها الواضح، فلا يمكن أن نسميها مدنية والعمق العشائري يلعب دور بالقرار السياسي، ولا يمكن أن نسميها ديمقراطية والدكتاتورية الفاسدة متحكمة،ولا يمكن أن نسميها اسلامية وهم يحكمون اي الإسلاميون أنفسهم بمنطق المنفعة والغاية تبرر الوسيلة، ولا يمكن أن نسميها دولة علمانية وهي رهينة لقوى دينية،ولا يمكن أن نسميها دولة اشتراكية وهي تؤمن بمنطق التجارة الحرة والاقتصاد الرأسمالي، ولا يمكن أن نسميها دولة بحكم عرفي وفيها قانون مدني مكتوب بلغة التحضر،لا تنسجم الوان كل هذا الواقع مع البحث عن اللون الحقيقي للدولة، بلد بلا طعم ولا لون ولا رائحة،هكذا هي الأحاسيس، من يتذوقك يا بلدي غير سارقيك ؟! من يكتشف بك حلاوة العيش الا ناهبيك؟! من يكتشف الامان بك غير قاتليك؟! من يكشف لك الحقيقة واسرار سارقيك فتنة تقتلك و ابناءك ؟ لكل هذه الأسباب والعلل تبقى الاسرار فتنة والكتمان يعني الحرمان في هذا الزمان، بل بقت سياسة عدم الشفافية حاضرة منذ دعواتها على يد قاتلها ابراهيم الجعفري، لا شفافية بعدم المكاشفة ولا راحة بلا صراحة ولا استقرار بلا قرار، اذ أن قرار غياب العدالة، وضياع الحقوق، والتستر على الفساد وأهله، والسكوت عن السارق وحزبه، وتقسيم موارد العراق على أطراف حكمه، جعل من سياسة التسقيط سياسة يتبعها من يريد أن يكشف حقيقة الأمر، بالأمس تعالت الاتهامات بين احمد ملة طلال وتيار الحكمة وتهديد بعضهم بكشف ما لديهم من وثائق ضد البعض،فضلا عن ألاعيب الابتزاز والتناغم المنفعي بيهم.

الى متى يبقى العراق بلا رفاق حق، مازال البلد يعيش غربته بين أهله، ومازال أهله يعيش غربته، هذا بفعل من أراد وخطط، ونفذ أساليب مسخ الروح الوطنية من أجساد العراقيين، والإبقاء عليهم صرعى في ساحة الصراع والتنافس بين الأحزاب، فمنهم شهيد استجاب لزيف تجنيدهم له، ومنهم من قتل لأنه منتمي لهم،ومنهم قتل لأنه ينتقدهم، ومنهم من افتقر بسبب عدم أنصافه ومغالبته على حقوقه وخيراته .

إذ ان انعدام مكاشفة الشعب، وممارسة الكذب السياسي، والخداع المستمر بالحقانية ومدعياتها، ومحاولة السيطرة على العراق من خلال امساك كل حزب بمحافظة، اذا ما تم تقاسم خيراتها بين أحزابها، هي التي ساعدت على تنامي طفيليات الفساد، هكذا تنامت أحزاب وشخصيات على حساب المرضى، والفقراء، والمساكين، والمجتمع التي تنامت مشاكله بسبب فسادهم وضياعهم للبلد.

الصمت والسكوت أصبح سياسة واقع حال،اذ لا احوال بدون القبول بذلك،وهذا ما تم التسليم به مجتمعياً والانخراط به، فالناقد للمجتمع يجد في كثير من الأحيان الشعب هو من يسهم في تعميق ذلك في كيان الدولة والمجتمع على السواء،وعند التفحص بذلا الأمر نجد أن هذا الشعب هو جمهور الأحزاب المتفقة على الخراب! ما الحل إذا ونحن نعاني المحن ؟ بفعل سلوك من لا سلوك وطني له .

لماذا كل من يملك سرا يتجه هاربا إلى دولة أخرى، ويبقى يلوح بها عبر وسائل الإعلام ؟ ومنهم من يتكلم به بصراحة، ومنهم يلوح بذلك . الى متى اكتشاف اسرار السرقات يعتبر جريمة ؟ شرعت الدولة قوانين تحاول أن تضبط الحالة، فمرة شرعت المساءلة والعدالة، ومرة أخرى هيئة النزاهة، ومرة أخرى قانون الكسب أو محاولة تشريع قانون من اين لك هذا ؟ أو مؤخرا محاولة عادل عبد المهدي بتأسيس المجلس الأعلى لمكافحة الفساد،كل هذه المحاولات، هي تجارب لاختراق اسرار المنظومة الفاسدة، ولكن لا جدوى من ذلك ! ولا حلول يمكن أن ننتهي إليها بهذه الطريقة من السكوت، والتكتم على أسرار الفاسدين، وان كانت مخاوف الفتنة هي الحاضرة على الدوام من تمزق المجتمع، فهذا هو المجتمع يتمزق بسبب السكوت أيضا، أي حل يا قادة بلا قيادة! واي حل يرتجى من الساكت على الفساد والشاهد على عصره و أسراره؟! واي امل من كل هذا السكوت؟! انه خذلان للوطن وأهله

يامن لا وطن لهم سوى موطن فسادهم!!

 

دكتور رائد عبيس

 

بكر السباتينلا يختلف اثنان على أن ما يجري في مصر من إعدامات يعد وصمة عار في جبين القضاء المصري وفق ما ذهبت إليه الآراء عالمياً في كافة الصعد والمستويات.. إنها عمليات تصفية حسابات واغتيالات في قلب المحكمة وعلى رؤوس الأشهاد ساهم في صنعها المستشار حسن فريد.. وهو من أشد المؤيدين لنظام الحكم في مصر، الذي تم تعيينه رئيسا لإحدى دوائر الإرهاب السبعة التي تشكلت عقب انقلاب يوليو 2013 بحجة تحقيق العدالة الناجزة. إذْ يعتبر من أبرز "القضاة الجزارين" كما يصفه نشطاء في مواقع التواصل الاجتماعي، ممن اعتمد عليهم نظام السيسي في مصر خلال الفترة الماضية للنظر في قضايا العنف والإرهاب المتهم فيها معارضو النظام من السياسيين وقيادات جماعة الإخوان.

حسن فريد هو رئيس الدائرة رقم 28 بمحكمة جنايات القاهرة، الذي أصدر السبت الماضي أحكاما قاسية وغير مسبوقة في القضاء المصري بالإعدام والسجن المؤبد والمشدد على المعتقلين في قضية مذبحة فض اعتصام رابعة العدوية والذين يصل عددهم إلى 739 متهما.

وليس مستبعداً ما ذكره أسامه فوزي من تفاصيل في قناته على يوتيوب (ح 1242) بأن هذا القاضي كان قد طرد مسبقاً من الإمارات على خلفية جنحة فساد لتحرشه بإحدى المواطنات ولم يتخلص من تبعاتها إلا بتدخل بعض أبناء الجالية المصرية حينذاك مستشهداً بأسماء بعضهم.

لذلك من الطبيعي أن يحكم هذا القاضي على درة شباب مصر من خريجي الجامعات المتميزين في مجال الهندسة بالإعدام شنقاً، كأنه قطاف الخيبة والحنظل، حصاد الخوف بالترهيب من قبل قيادة ترتعد خوفاً من المجهول الذي يخبئ في أشداقه عواقب ما تفعل بالشعب غير الآمن في زمن الرياء الذي تتحول فيه المحاكم إلى حلبات ملاكمة.. فيُعْدَمُ هؤلاء الأبرياء دون أدلة، فقط لغلق ملف أُثْقِلَتْ حشوتُه بالأكاذيب والتلفيقات للأبرياء، الذين أرغموا على الاعتراف تحت التعذيب بالكهرباء وفق ما صرح به المتهم محمود الأحمدي، مضيفاً وهو يخاطب القاضي بهدوء بأن ما تعرض له من كهرباء تكفي لإضاءة هذه الصالة لعدة أيام.

وأخيراً تم تنفيذ حكم الإعدام شنقا وفق ما أفادت به مصادر قانونية، في تسعة متهمين مدانين باغتيال النائب العام المستشار هشام بركات، في يونيو 2015 أثناء خروجه من منزله في منطقة مصر الجديدة بمحافظة القاهرة، وذلك بعد انتهاء جميع درجات "التقاضي".

ويأتي تنفيذ هذه الإعدامات عقب غضب مصري وعربي وغربي ومطالبات حثيثة بوقفه، وتأكيدات تفيد بأن محاكمة هؤلاء المعارضين المصريين والحكم الصادر عليهم تمّا في ظروف جائرة.

والمتهمون هم: "أحمد طه، أبو القاسم أحمد، أحمد جمال حجازي، محمود الأحمدي، أبوبكر السيد، عبد الرحمن سليمان، أحمد محمد، أحمد محروس سيد، إسلام محمد".

ورداً على هذه الأحكام التي وصفت بالجائرة، دعت "جماعة الإخوان المسلمين" إلى "انتفاضة شاملة" في مصر.

من جهة أخرى تصاعدت احتجاجات منظمات دولية وحقوقية معنية بحقوق الإنسان ضد هذه الإعدامات حيث وصفت في بيانات مستقلة لها، عقوبة الإعدام التي نفذتها السلطات المصرية، الأربعاء الماضي 20 فبراير 2019 بحق تسعة مواطنين، بأنها "عار بحق الإنسانية".

وفي سياق ذلك أكدت منظمة العفو الدولية على أن عمليات الإعدام "عار بحق حياة الإنسان، وتعكس حالة الظلم التي تشهدها الدولة المصرية".

من جانبها صرحت "هيومن رايتس ووتش" و"العفو الدولية"، أن الإعدامات ستؤدي إلى توسيع الشرخ في المجتمع المصري، وأنها لن تحقق للمصريين السلامة والعدالة.

وقالت مديرة حملة المنظمة في شمال أفريقيا، نجية بونعيم:

"شكلت خطوة مصر بإعدام هؤلاء التسعة عاراً بما يخص حق الحياة الإنسان".

وأضافت بونعيم:

"يجب محاسبة أولئك المسؤولين عن قتل النائب العام المصري السابق، لكن إعدام أشخاص تعرضوا لمحاكمة شوهتها ادعاءات تحت التعذيب ليس عدلاً؛ إنما تأتي انعكاساً لحجم الظلم الذي تشهده هذه الدولة".. وناشدت المجتمع الدولي إلى التدخل في هذه القضية واتخاذ مواقف حازمة، وعدم الصمت أمام الإعدامات التي توصف بالجائرة.

إلى ذلك، كتبت ابنة النائب العام الراحل، مروة هشام بركات (بما معناه)، عبر حساب منسوب لها على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، في الساعات الأولى من صباح يوم الأرباء بعد النطق بالحكم، قائلة بأن المتهمين شباب أبرياء ويجب ملاحقة المتهمين الحقيقيين وهذه شهادة حق أمام الله

وهذا في طبيعة الحال مطلب مشروع لِلَجْمِ شهية قضاة النظام المصري وعلى رأسهم المستشار حسن فريد الذي يلقبه النشطاء بالجزار الموالي لنظام لا يهادن ولا يرحم.

 

بقلم بكر السباتين