محمد عمر غرس اللهإن قوى الوعي الثاقب الفارق في أمتنا العربية مدعوة لأن تضع مواجهة ومقاومة المشروع - الذي يدمر أمتنا - في سياق التحرر العربي من العراق وسوريا إلى اليمن وليبيا ومرتكزاً على مقاومة الأمة في فلسطين المغتصبة، سياق المقاومة الكبرى لهذا المشروع الذي يريد إستكمال طريقه بتدمير مصر والجزائر وإدخالهما في فتنة وركوبها كما فعلوا بالعراق وليبيا واليمن وسوريا.

أن السياق العربي في مقاومة الهجمة الغربية وربيبتها في المنطقة والأنظمة الوظيفية التي تعضدها، هو الذي يمكنا من فهم ما يجري تحديداً وهو الذي يمكنا من فهم التقاطعات واللعبة ومراحلها وتنوعها وأشكالها.

أنها روح إرادة ومقاومة عربية للهجمة الشاملة على أمتنا، وسياق التحرر العربي هو المعيار الحقيق الذي يعطي معنى واضح وشامل وحقيقي وفعلي عن إرادة الأُمة العربية العظيمة التي إستهدفها هذا المشروع ليحرف طريقها نحو معارك جانبية يتحول فيها الكيان الغاصب ومشروعه ومن ورائه إلى حليف (تحويلنا قومية سنية متحالفة مع الكيان الغاصب).

هذا المشروع يستهدف أمتنا تدميراً وحرباً خاصة وجديدة تعتمد على سيطرة وسطوة التلفزيون على القطاع العريض من الناس، المشروع الذي يعمل على القتل الإجتماعي والديموغرافي، والقتل الإقتصادي نهباً ماليا للأرصدة المالية ورصيد الذهب الوطني والعربي، وسرقةً وحرقاً وتدميراً وتجريفاً لما أنجزناه طوال سبعون عاماً بعد الإستقلال.

أننا لسنا قبائل تبحث عن مغانمها القبلية المريضة الغشيمة التافهة، ولسنا مناطق تبحث عن مغانمها المناطقية الموهومة الغبية، إننا قوة تحرر عربي واحدة إمتداد لكفاح ونضال عمر المختار وسلطان باشا الأطراش وللأمير عبد القادر الجزائري وجمعية العلماء المسلمين الجزائريين وجبهة التحري الوطني الجزائري، إمتداد لجهاد أحمد الشريف السنوسي وعبد الحميد بن باديس والشيخ ماء العينين والدغباجي وعلي الشنطة ومحمد فكيني وعبد النبي بلخير ومحمد بن عبد الله البوسيفي وخليفة بن عسكر وأحمد عرابي والطاهر أق انتلا وكاوسن وصنبير والشيخ الكنتي والشيخ الأنصاري... وعبد القادر وأبيه موسى الحسيني... الخ.

أمتداد لمقاومة الشعب الفلسطيني البطل، أمتداد لعبد الناصر، وإمتداد للضباط الوحدويين الأحرار، إمتداد تاريخي لقوى التحرر العربي على إمتداد الخريطة العربية، اليوم في المعارك التي تخوضها القوات المسلحة العربية الليبية والجيش العربي السوري والجيش المصري، وما يمثله الجيش الشعبي الوطني الجزائري والجيش الموريتاني ..الخ في مواجهة الذين يسعون لتفتيتنا أكثر وأكثر عبر ( تحالف الشعوبية، المال والإعلام والفتوى واللعبة الدولية) وبالجماعات المسلحة وقطعان الإسلامويين بداعشهم وبغداديهم وصلابيهم وغنوشيهم وأردوغانهم والتنظيم العالمي للإخوان المسلمين وتفرعاته وبناته وأخواته ومن لف لفهم من (قطرائيل) وبرنار ليفي وعزمي بشارتهم وقناة جزيرتهم وأخواتها وبناتها من مجموعة فضائيات التلفزيونية المكرسة لتويه الأمة وإدخالها في فتن داخلية، ومراكز اللعبة الدولية القذرة وكينيستها في تل أبيب وأذرعه وإمتداداته والمرتبطين به وبمناهجه.

أن مقاومتنا اليوم مقاومة عربية شاملة مترابطة في أمتنا من المحيط إلى الخليج، وهي ليست مقاومة طائفية ولا قبلية ولا مناطقية، ولا يجب أن ننجر نحو تتفيه والحط من روح الإرادة العربية، وحشرها في ثنايا القبلية والمناطقة والجزئيات والإقليمية التي يريدها لنا مركز المال وقوى الهيمنة.

فالمقاومة العراقية الباسلة تحتاج منا تدوين وتقديم وكتابة تاريخها النضالي في مواجهة الإحتلال الأمريكي البريطاني الظالم، بوعي ثاقب ولا يجب أن نقبل التعمية عليها وتصنيفها بأوصاف شعوبية ومناطقية ومذهبية يصنعها مركز العلاقات العامة لقوى الإستعمار الجديد والهيمنة، وهذا ما يجب أن نفعله بوعي ثاقب وفارق في تنوع مقاومتنا على الخريطة العربية.

أن إرادة المقاومة في أمتنا واحدة المعنى والمدلول والروح والمنطلقات فيما يجري في العراق ليبيا وفي سوريا واليمن ولبنان قوى تحرر عربي واحدة تستخدم ما أمكن من الإمكانيات، تواجه الظلم والهيمنة واذرعه وأدواتها، مقاومة مترابطة روح أمة عربية واحدة وجسد واحد يواجه تعدد أنماط من الحروب وأجيالها المتطورة الخبيثة، حتى وإن تباينت طرق مقاومتنا، فإنها في العمق واحدة المعنى والإرادة، منبعاً واحد ومصدراً واحد وإرادةً عربية واحدة.

اللهم فأشهد اللهم قد بلغت

 

د. محمد عمر غرس الله

باحث ليبي مقيم ببريطانيا

 

 

عامر صالحالمعارضة بشكل عام هي الفطرة الأنسانية التي تجسدها صراع الأضداد في السلوك والظواهر الأنسانية المختلفة، السياسية منها والاجتماعية العامة وطبعا البيولوجية التي تكمن فيها اسرار سنة التطور والارتقاء في النوع البشري والانساني بشكل خاص، فالمعارضة تنشأ في رحم المكونات الاولى الجنينية سواء في المادة الجامدة أم الحية، ولعل في مخاض ولادة الطفل من رحم أمه تشكل جزء من ملامح تلك الظاهرة الغريزية، التي تجسدها محاولات الطفل الوليد في الخروج الى عالمه الجديد وبين آلية الاحتفاظ به في الأرحام، ولكن الجديد بمواصفات تقدمية يفرض نفسه وينطلق الى رحاب عالمه الأوسع.

في السياسة وحيث المعارضة السياسية تشكل ركنا جوهريا في أي نظام نظام سياسي  إن كان مستبدا دكتاتوريا قمعيا أم نظام ديمقراطيا تعدديا، ففي النموذج الآول يكون دور المعارضة السياسية الأساسي هو لأسقاط النظام بعد ان تستنفذ مقومات وجوده وصلاحيته للبقاء خارج اطار الأصلاحات الممكنة التي تنقله نقلة جذرية صووب الأفضل، أما في النموذج الثاني حيث المعارضة السياسية الديمقراطية التي تستهدف اصلاح النظام الديمقراطي القائم بوسائل سلمية متاحة عبر موازين القوى السياسية واعادة تشكيلها في مؤسسات الدولة وخاصة البرلمانية منها وعبر استخدام الجماهير والشارع للضغط على الحكومة في الأستجابة للمطاليب الشرعية، في تحسين ظروف العيش والارتقاء بمستويات االحياة نحو الأفضل استنادا الى المعايير الدولية في حدودها المعقولة والدول المرجعية في التقدم والرقي الاجتماعي وفي الاستناد ايضا الى الامكانيات والموارد التي يمتلكها البلد.

في العراق وما بعد عام 2003 أي بعد سقوط الدكتاتورية بآلية الأحتلال الأمريكي حيث أسس نظاما سياسيا قائم على المحاصصة الطائفية السياسية والأثنية العرقية أخل بأنتاج نظام سياسي قائم على اساس الحكم والمعارضة ورفع شعار " الجميع يحكم " ويتقاسم كعكة المحاصصة أو العراق الغنيمة، وهكذا نشأ نظام سياسي شاذ عن اصول اللعبة الديمقراطية يتقاسم مغانم السلطة ويعيد انتاج نفسه عبر انتخابات برلمانية طال الشك بمصداقيتها في كل الدورات الأنتخابية وتوجتها سوءا وعدم شرعية الأنتخابات البرلمانية الأخيرة من ضعف المشاركة في الأنتخابات الى التزوير وحرق صناديق الأقتراع.

جميع القوى السياسية العراقية وخاصة الأسلاموية والأثنية منها الغير مؤمنة بالديمقراطية اصلا والتي وجدت في تلك البيئة السياسية المريضة ملاذا لأعادة انتاج نفسها عبر الترهيب والترغيب والتحايل، هذه القوى مجتمعة وجدت  نفسها في سلة الحكم والمغريات السلطوية وتقاسم النفوذ، اما معارضتها المفتعلة فهي جزء من اساليبها لأمتصاص نقمة الشارع الغاضب وغير المتسامح مع الفساد مستندة تلك القوى الى جمهور قطيعي غير معارض بالمعنى السياسي وممتثل لأوامر مرجعيته، فتراه مرة ممتعض منتفض وتارة أخرى خانع مستكن ينتظر نتائج الصفقات الطائفية والأثنية لكي يتلقى الأشارة بالهدوء المؤقت بأنتطار الحصول على المزيد من الغنائم وليست الحقوق المشروعة.

في النظم الديقراطية الحقة المعارضة مثلها مثل الحكومة فهما وجهان لعلمة واحدة تجسدها الديمقراطية والتدوال السلمي للسلطة وهي حكومة الظل المرتقبة عند تراكم اخطاء الحكومة، فالمعارضة هي ملجأ المواطن الآمن عند الاحساس بالظلم وانتهاك الحقوق وعدم تحقيق المطالب العادلة، والمعارضة السياسية هي حجر الاساس في النظم الديمقراطية والذي افتقده العراق بفعل نظام المحاصصة البغيض والذي افرغ مفهوم الديمقراطية من محتواها الأنساني وحول الصراع على السلطة صراع غابة يسيطر فيه المسلح والمليشياوي وتدخل الأجندة الخارجية لتقرير مستقبل العراق وشعبه.

واليوم حيث لاجديد يذكر في معالجة اوضاع العراق ومعاناته في ظل حكومة عبد المهدي وفي محاولة للتملص من المسؤولية التاريخية تنطلق دعاوى التمويه تحت عباءة المفهوم الجديد للمعارضة التي ابتدعها الأسلامويين على شاكلة "معارضة تقويمية" و"معارضة دستورية" تخفي ورائها ممارسة الضغط لأعادة توزيع غنائم السلطة، فعادل عبد المهدي لم يأتي من كوكب آخر بل أتت به القوى الغير راضية عنه اليوم والتي تروم معارضة حكومته، وجميع القوى التي ستعارضه لم تكن بعيدا عن الفساد وملفاته الشائكة او تقاسم النفوذ في السلطة ابتداء من اصغر موظف الى الوزير وصعودا الى قمة هرم جميع السلطات.

ان الأزدواجية الأخلاقية السياسية التي يمارسها الأسلام السياسي هي محاولات بائسه للظهور بمظهر المتقن والمتعفف لأدارة فن الصراع في الأزمات وتناسوا أن هم انفسهم من أسقط مفهوم المعارضة السياسية من خلال اللجوء الى التوافق سيئ الصيت والذي تم اختيار عادل عبد المهدي على اساسه، وحين يشتد البؤس الأجتماعي والأقتصادي وتسيئ الأحوال العامة فأن الأسلامويين يستنفروا كل قواهم للظهور بمظهر المدافع الأمين عن مصالح الشعب والوقوف معه بواجهات المعارضة ذات المسميات المختلفه ولكن محتواها المعطل لأرادة الأصلاح الجذري هو واحد. أن الأصلاح السياسي والدستوري الشامل هو المدخل للحفاظ على العراق وطنا صالحا للجمبع اما عدا ذلك فأن الجميع ذاهبا الى الجحيم وسيبقى العراق آمنا بما تبقى من الشرفاء.

 

د.عامر صالح

 

 

عبد الجبار نوريمن (معطيات) زمكنة الأزمة: تعزيزات عسكرية أمريكية إلى منطقة الخليج حاملة طائرات حديثة من طراز U.S.S لنكولن وقاذفات B52العملاقة وأضافة 1800 من المارينز المدربين جيداً في مستنقعات فيتنام، ومن مديات ما ظهرت على ساحة الجيوبولتيك السياسية :أستعمال ترامب ثلاثة خيارات لمواجهة أيران { الأول العسكري والتصعيد السياسي والحصار الأقتصادي }، في الأتفاق النووي نصّ على أستخدام (المعرفة النووية السلمية) وهي قضية واضحة وشفافة وتعتبر حق من حقوق الأمم الصاعدة التي تبحث عن الأصلاح والبناء كما هو اليوم عند الأمارات والسعودية والتي وصلت لمراحل متقدمة بدون أعتراض من أي أحد، وتعتبر ورقة رابحة لدى أيران، وهناك أنقسام واضح بين حلفاء أمريكا بشأن كيفية التعامل مع هذه الأزمة، ظهور دخان الأزمة قبل أشتعالها من حلفاء أمريكا المدللين أسرائيل والسعودية والأمارات المعادين لأيران أصلاً وعندما أشتدّ وطيس الأزمة أخذت جانب الصمت وعدم المبالات !!!، تراجع بوادر التوتر، وتضارب التصريحات الرسمية حول الرغبة بالحوار، واشنطن لا تطلب تغيير النظام  في أيران بل (وقف التجارب النووية)، وهنا يجب أن لا ننسى الحضور العسكري والسياسي القوي الروسي لآدارة الرئيس الروسي بوتين، اضافة إلى الصعود الكاسح للأقتصاد الصيني وتجارتها الواسعة والتي سوف تحتاج إلى المضايق وبحار آمنة حينها ربما تدخل إلى الخطوط الحمر ليس بالضرورة أن تقاتل بل تظهر تأثيراتها في العلاقات التجارية والدبلوماسية مع دول المنطقة وقد تصطف لجانب دول الحرب، ومن المعطيات المتوقعة أرتفاع أسعار النفط بنسبة 2% ما يساوي : 2-62دولار.

من خلال هذه المعطيات السياسية والأعلامية تبرز(ثلاث) سيناريوهات متوقعة في ظل التهديدات المتصاعدة بين الطرفين :

 الأول-/أن طهران تمتلك ماكنة وترسانة عسكرية متميّزة كماً ونوعاً، وبرنامج للصواريخ البلاستية وهي واحدة من أكبر ترسانات الصواريخ البلاستية في الشرق الأوسط بعيدة المديات ربما تصل ل2000 كم أي أبعد من أسرائيل 1200 كم، وإلى كافة قواعد أمريكا في المنطقة، وتمتلك أيران 24 جامعة لتدريس وتدريب في العلوم العسكرية وتقنياتها الحديثة، مع جغرافية واسعة وسكان يقارب 90 مليون نسمة، وتأييد شعبي مؤدلج دينياً تتصل بمشيمة ولاية الفقيه لديها خيارات مفتوحة في : خروقات بعض بنود الأتفاق النووي : في زيادة حجم تخصيب اليورانيوم ورفع نسبة التخصيب .

الثاني: الأنسحاب من الأتفاق والعودة إلى العمل النووي الواسع في ظل نصب عشرات الآلاف من أجهزة الطرد المركزي مع أستئناف العمل في مفاعل (آراك) النووي .

الثالث: الأنسحاب من ميثاق (الأنتشار النووي) الذي تكمن خطورته السماح بتطوير قنبلة نووية، ومن أبرز هذه المعطيات {أستراتيجية طهران: لا حرب --- ولا تفاوض مع المقاومة والصبر والصمود بوجه الأمبريالية الأمريكية المتغطرسة عدوة الشعوب} وتكتيكاتها مبنية على أبقاء فوبيا أيران كقوة ضاربة مع تفادي الوقوع في شراك الحرب  وهي العوامل الرئيسة في صمود أيران على مدى 40 عاماً حسب أعتقادي .

-  أذرع أيران في المنطقة وهو الواقع الذي يفرض نفسه في الخارطة الأقليمية .

ومسارات هذا الموضوع الشائك يقودنا إلى (أسباب) ظهور الأزمة بين الطرفين :

- فوبيا وقوع هجوم أيراني في الشرق الأوسط .

- ربما التأريخ يعيد نفسه في أستعمال الأدارة الأمريكية نفس النموذ ج الأستخباراتي الخاطيء الذي أستعمله الأبن بوش في حربه على العراق .

- أمتناع أيران أمتثالها لبعض الألتزامات الواردة بالأتفاق النووي لعام 2015 بين أيران والقوى العالمية الست (أمريكا، روسيا، الصين، فرنسا، ألمانيا بريطانيا) لكبح الطموحات  النووية الأيرانية مقابل تخفيف العقوبات الأقتصادية .

- تصنيف الحرس الثوري الأيراني تنظيماً أرهابياً مما أثارحفيظة أصحاب القرار السياسي الديني الراديكالي والذي زاد في الطين بلة فرض عقوبات ثقيلة في وقف صادرات النفط الأيراني

- ثم تهديدات ترامب لا يبدو عليها الجدية فهو هدد مرارا وتكراراً وبقوة مهوسة كوريا الشمالية وسوريا وأفغانستان وداعش في العراق ولكنها تبخرت حيث لا تزال داعش تلعب ورقة حرب العصابات ، والتطور النووي في كوريا الشمالية تراوح مكانها .

- أضافة إلى القلق السياسي الذي تعيشه المنطقة في تصعيد عسكري وسياسي وخطابي متشنج من الحرس الثوري الأيراني وحركات جهادية للحوثيين بتصعيد أستهداف مناطق حدودية سعودية بطائرات مسيّرة كل هذا شارك في تصعيد الأزمة والتواجد العسكري لكلا الطرفين .

- أن السلم العالمي مهدد طالما واشنطن تنفرد بالقرارات السياسية، وأن واشنطن حرقت القرار2231 بخروجها وتبعتها أغلب حلفائها

أخيراً/الذي نراه على الأفق القريب والبعيد أن كلا الطرفين في حالة أستعراض القوة وأبراز العضلات ويرفع من الخطاب السياسي بخطوات محسوبة مع عدم المساس بالخط الأحمر الذي هو الحرب الذي ينتظر خطأ أحد الطرفين ليشتعل عود الثقاب في برمي بارود المنطقة، ولأن أيران تدرك جيداً قوة الأمبراطورية العسكرية الأمريكية وقدراتها الهائلة الأنتصار عليها عصياً وبشبه المستحيل، وتدرك أمريكا قوة الترسانة العسكرتارية الأيرانية وصواريخها البلاستية وآلاف رجال الضفادع وخمس غواصات ومساحة واسعة وشعب بتعداد 90 مليون نسمة أضافة إلى كل هذا (أذرع أيران) في الخارج القريب بالتحديد الأقليمي وكذلك الخوف من أرتفاع أسعار النفط، فأبرز تداعياتها المرّة هي حرب أقليمية واسعة وكبيرة، والذي يمكن قوله { الذي يفكر بالحرب من الطرفين فهو معتوه وأحمق، ورهانات الأعلام الغربي والعربي الذي يراهن على (الوساطة) فهو خاسر --- (فالحرب كذبة والمفاوضات كذبة كبيرة)، ولأن التأريخ الأمريكي أعاد صفحاته ليذكرنا بأمريكا الأمس وهي تلقي بكل ثقلها في حرب خليج الخنازير ضد كوبا في أوائل الستينات من القرن الماضي التي سميّتْ ب(أزمة الصواريخ النووية) وقد حبس العالم أنفاسهُ آنذاك مترقبا بحذرٍ شديد أندلاع حرب عالمية ثالثة تكون هذه المرّة (نووية) وبالتالي لم تحدث أية حرب ورجع كلٌ من كنيدي وخروشوف لتناول وجبة كافيار كما تخيّل الأعلام الحربي من أجل الطرافة .

 

عبدالجبارنوري

 

محجوب النصيبيجملة التنقيحات المزمع ادخالها على القانون الانتخابي قسمت الاعبين السياسيين الى مجموعتين

- الداعمون لهذا القانون يرونه حماية للديمقراطية وحجتهم حماية الديمقراطية وتأمينها من اي حرف (في الانتقال الاحتوائي هل يمكن الحديث عن ديمقراطية.)

-  الرافضون له يعتبرونه عملية اقصاء سياسي للتخلص من "منافسين جديين" اظهرت استطلاعات الرأي تقدمهم الكبير على البقية.

 وسط هذا الجدل غاب القانون في تفاصيله وأُدْخِلت الواجهة الخارجية للبناء السياسي (الشعب) في حالة من الارباك زادت في نفورهم من العملية الانتخابية

 التنقيحات المعروضة لمصادقة مجلس النواب تتعلق باضافة بعض الفصول وزيادة بعض المطات على القانون الانتخابي يمكن تلخيصها في:

- لا يقبل الترشح للانتخابات التشريعية لكل شخص أو قائمة تبين للهيئة قيامه أو استفادته خلال الاثني عشر شهر التي تسبق الانتخابات بأعمال تمنعها الفصول 18 و19 و20

- الاستظهار ببطاقة عدد 3 خالية من السوابق العدلية، أو وصل الاستلام على ان تقوم الهيئة بالتثبت من خلوها من السوابق

- القيام بالتصريح بالمكاسب والمصالح والتصريح السنوي بالضريبة على الدخل للسنة المنقضية

- رفض ترشح من يثبت لديها تعمده اعتماد خطاب: لا يحترم النظام الديمقراطي ومبادئ الدستور والتداول السلمي على السلطة أو يدعو للعنف والتمييز والتباغض بين المواطنين أو يهدد النظام الجمهوري ودعائم دولة القانون

والجهة التي تقدمت بهذا المشروع هي الحكومة اي الاداة التنفيذية لمنظومة الحكم والمتوافقة مع الاداة التشريعية

هذه التنقيحات لم تتعلق بنظام انتخابي نسبي يعرف الجميع هناته ومواطن ضعفه واهمها :

أ‌- انه نظام محكوم بالخوف من العودة التسلط سواء دكتاتورية الفرد والحزب الواحد او التسلط الديني

ب‌- انه جاء نتيجة لفترة تاريخية غير مستقرة اقتضت تقديم تنازلات في صياغته

ت‌- أنه لا يسمح بتحقق جوهر العملية الانتخابية وهي معاقبة الطرف او الاطراف الحاكمة في حال فشلها ولا يمكن من اقصائها بل يثبت عكسيا تواجدها

ث‌- انه وان سلمنا ببعض النجاحات السياسية فانه ادى الى تفاقم الازمة الاجتماعية والازمة الاقتصادية اللتين ادتا الى ثورة 17 ديسمبر 2010

ج‌- التنقيحات لم تمس بجوهر المشكل بل توجهت الى منع بعض الاطراف بالقانون من الترشح واستبعادهم من السباق المنحصر في واجهات الفشل.

لا يخفى على احد ان الجهة المقدمة للمشروع ومسانديها استفادت من الاشهار السياسي واعتمدت خطابا لا يحترم النظام الديمقراطي وحرضت احيانا على فريق مختلف معها وتهجمت واستعملت خطابا يدعو الى العنف ولم تحترم الدستور

ولا يخفى ان القروي كان جزءا من ذلك وحتى لا نوغل في التاريخ لنقل بداية من 2014 حين ساند حمة الهمامي ثم الباجي قائد السبسي في الدور الثاني ثم التحق بتنفيذية نداء تونس وانه فتح منابر قناته لقطع الطريق على المختلف المنافس السياسي وانه وجد من المساندة من الذين يطلبون اقصاءه في مخالفته للقوانين وفي صراعه مع نقابة الصحفيين والهايكا ثم في شبهة التهرب الضريبي لقناته والقضية المرفوعة ضده من منظمة انا يقظ

كما لا يخفى على احد حدة خطاب الكراهية والتحريض الذي تعتمده عبير موسي وهجومها المتواصل على القوى الرافضة لنظومة الاستبداد بصرف النظر عن موقعها اليوم في المشهد السياسي. بل انها تجاهر برفضها للدستور وتتوعد التوانسة بدستور جاهز ليكون منحة الحاكم ان صعدت للشعب .فلماذا هذا التغير في المواقف؟ هل اصبح القروي وعبير موسي خطر  على الديمقراطية؟ هل اصلا هؤلاء معنيون بالديمقراطية ليدافعوا عنها

الصراع على اشده في الواجهة الداخلية للبناء السياسي.و الاطراف المشكلة لهذا البناء تعلم جيدا ان مراكز القوة لن تتغير وستظل بيدها وحدها ولابد لها لضمان مصالحها ان تشق طريقها في ظل ضعف الخطاب السياسي للمعارضة بخطاب سياسي "شعبوي" عنيف احيانا يعلي من شأن بورقيبة وبن علي عند الحديث عن لقمة العيش والامن وهو ما افتكه منهم القروي وعبير موسي لذلك لابد من تصفيتهم بحجة الديمقراطية وبمباركة شعبية

الحقيقة ان ذلك كان واردا في السنوات الثلاث الاخيرة على الاقل ولو شعرت الاطراف المقدمة للمشروع والداعمة له بان هذين الشخصيتين يمثلان خطرا عليهم لتم سحقهم من زمان ولكن لانهم "زريعة منظومة الحكم" وهم في جانب ما سند لها فانها حاولت اقتياد المعارضة وطيف واسع من التوانسة الى ذلك .

المشكل ان المتسابقين هم انفسهم والنتائج معدة سلفا او لنقل محسومة في ذهنية النظام السياسي: الحكم له ولمن والاه ولا مجال ليخرج منهم.بقي ان الاتفاق بين مراكز القوة حول الشخصية الجامعة لهذا الطيف الحامي للفساد لم يتم لاسباب تتعلق بطبيعة ونمط الحزب اليوم وعلاقته بالدولة.-مبحث ثان-

من المعلوم ان "النظام الانتخابي ليس الا منهجية اجرائية مضبوطة بقانون لغاية تحويل اصوات الناخبين إلى مقاعد في المجالس المنتخبة وطنيا أو جهويا أو محليا" وان اصندوق الانتخابي ماهو الا الخطوة الاخيرة في الديمقراطية تسبقها خطوات ثلاثه مبادئ لا غنى عنها وهي

- تنظيم عمل مؤسسات الحكم استنادا للقانون

- اعتماد مبدأ التداول السلمي

- تنظيم علاقة الحكم بالمواطنين على أساس المواطنة

و النظام السياسي القائم لم يلتزم بذلك حيث فقط خصائصه الواجب توفرها في كل نظام فلا هو امتلك سلطة عليا في المجتمع ولا انظمته وقوانينه وقراراته اصبحت ملزمة بل اصبح تأثيره على المجتمع سلبيا حيث غابت  القواعد القانونية والسياسية والمجتمعية التي تحكه وفقد واستقلاليته الذاتية النسبية عن بقية الانظمة الفرعية الاخرى من انظمة المجتمع وزاد ان اصبح عاجزا عن التفاعل معها خاصة الاقتصادية منها والاجتماعية وهو ما جعله يتحرك خارج بيئته وفارق أي امكانية للتواصل معها وبالتالي فحديثه عن حماية الديمقراطية بقانون هو اول من يعتدي عليه كذبة

 نفس النظام السياسي فاقد لكل وظائفه فهو عاجز عن تحقيق اهداف المجتمع والدولة في الرفاهية والامن الاجتماعي وغير قادر على تجميع طاقات المجتمع للبناء بل انه يفتتها ويزيد من تقسيمها .هذا التفتيت والتقسيم افقده اية امكانية لدمج عناصر المجتمع وتوحيدها لتغزيز قوة الدولة بما يضمن مصالحها ويحقق اهدافها ولم يعد في الوارد تحقيق العدالة والمساواة بين المواطنين فكان ان فقد اية امكانية لمطابقة الممارسة السياسية بالقواعد القانونية والسياسية الرسمية وبالتالي اصبح كل النظام السياسي موضع تساؤل من حيث مشروعية كل العملية السياسية

ان هذه التنقيحات لا علاقة لها لا بالاقصاء ولا بحماية الديمقراطية بل هي صراع داخلي بين نفس اللاعبين الذين لم يتفقوا بعد على الشخصية الضامنة لمصالحهم خاصة وان الاسناد المالي والاقتصادي تفرق دمه بين الشخصيات المؤثثة لمشهد فاسد وان الامر لا يعدو محاولات تمركز متجددة حول السلطة من قوى النظام القديم وحلفائها ومن القوى التي التحقت بهم في انتخابات 23 اكتوبر مدخلا لدفع الناس الى صندوق انتخابي حقيقته ديمقراطية شكلية[عملية انتخاب قانونية وشفافة] تؤمن استمرار سيطرة قوى متنفذة تتعارض مصالحها والاصلاحات الاجتماعية - السياسية العميقة

 

 بقلم محجوب النصيبي - سيدي بوزيد

 

مصطفى محمد غريبفي البداية نُذَكر أننا لم نفوت أي فرصة سانحة إلا وناقشنا بقاء الإرهاب من عدمه بعدما أعلنت الحكومة العراقية عن هزيمة داعش العسكرية وتحرير الموصل والعديد من المناطق التي احتلها بسبب تهاون سياسة وعجرفة رئيس الوزراء الأسبق، وأكدنا بصريح العبارة أن القضاء على داعش لا يعني هزيمته عسكرياً وعدم وجوده في العراق لان الإرهاب أصبح شاملاً حتى في دول الجوار، ونوهنا أن الطريق الوحيد للانتصار يعتمد طرقاً عديدة منها إصلاح حكومي شامل مع العمل على اجتثاث الفكر الإرهابي والعنفي وهذان المسلمتان لهما شروطاً عملية وعلمية .

-الإصلاح الحكومي أول ما يتطلب التخلص من المحاصصة الطائفية والتوجه الجاد لمحاربة الفساد وفرض القانون ثم العمل على إصلاح القطاعين الصناعي والزراعي لإيجاد فرص عمل للعاطلين عن العمل وبخاصة الشباب والنساء، ومن اجل استتباب الأمن من الضروري التخلص من السلاح المنتشر في يد الميليشيات الطائفية المسلحة لأنها تشكل جزء لا يتجزأ من الإرهاب بشكل عام

- اجتثاث الفكر الظلامي الإرهابي بشقيه السلفي و الأصولي يتطلب وضع برامج تربوية تعتمد على الأسس الوطنية والفكر الإنساني واعتماد الإنسان في عملية البناء والتعمير.

إن الإرهاب بكل أصنافه وألوانه ينمو ويترعرع في ظروف تكاد أن تكون مشابهة في الدول التي لا تحترم حقوق الإنسان في العيش والحرية والديمقراطية، إن ألد أعداء الإرهاب والقوى الظلامية هو الفكر التقدمي التنويري والقوى الوطنية الديمقراطية والحريات العامة والشخصية، حرية التنظيم والرأي والمعتقد والانتماء، ولهذا يلتقي الإرهاب على نهج الفكر الظلامي المعادي للقيم التقدمية الإنسانية مع القوى والميليشيات الطائفية والقومية المتطرفة ذات الأفق الضيق والأخيرة تعتبر نفسها حاملة سيف العنف القومي العنصري تحت طائلة من الأفكار والتوجهات الشوفينية

لقد عانى العراق حقباً غير قليلة من إرهاب الدولة ومؤسساتها الأمنية منذ العهد الملكي وانقلاب 8 شباط الدموي 1963 ثم طوال (35) من الحكم الثاني للبعث بقيادة صدام حسين بعد انقلاب 1968 وهذا الإرهاب تنوعت طرقه وأساليبه فكان، نعم (35) من الدكتاتورية والإرهاب والحروب والكيماوي والأنفال والسجون والمعتقلات والإعدامات والاغتيالات لإخضاع أكثرية الشعب واعتباره قطيعاً من الغنم الجاهزة للقتل والدمار.

1 - إرهاب فكري، بث الإشاعات، التهديدات، والملاحقات، المراقبات لطرق حياة العائلة وعلاقاتها ومستواها المعيشي وانتماءات أفرادها وملاحقتهم في أماكن سكناهم وعملهم.

2 إرهاب جسدي، الاعتقالات التعذيب والسجن لفترات قصيرة وطويلة والمحاكمات الصورية والإعدامات والاغتيالات ...الخ

3 إرهاب معيشي اقتصادي، منع العمل والمحاربة في الرزق والمعيشة أو التعاون بالتهديد والوعيد أو تقديم المغريات للعمل تحت ظل السلطة وأجهزتها الأمنية

4 إرهاب جماعي لخلق حالة من الرعب والخوف والشك وعدم الثقة في مجالات العمل والسكن ومن خلال العلاقات العامة وحتى العائلية منها .

بمجرد سقوط النظام الدكتاتوري في 2003 تنفس أول وهلة الكثير من الذين اكتووا بنار الدكتاتورية والإرهاب والتعسف والملاحقات و راحوا يتطلعون إلى وضع سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي أفضل، لكن سرعان ما انطفأ هذا البصيص من الأمل بإعلان احتلال العراق بعدما كانت الولايات المتحدة الأمريكية قد أعلنت التحرير والتخلص من الأسلحة المحرمة دولياً وإسقاط النظام الدكتاتوري لتحقيق الحريات والديمقراطية، ثم سرعان ما وضحت الأمور أكثر بتعيين حاكم أمريكي مدني " بريمر " من قبل قوات الاحتلال والإدارة الأمريكية، ثم مجلس حكم انشأ على أساس محاصصة طائفية وقومية ضيقة، وهنا تحركت قوى الإرهاب متمثلة حينذاك بفلول حزب البعث والنظام بجانب منظمة القاعدة الإرهابية، فلول النظام سرعان ما قامت بتأسيس منظمات مسلحة بأسماء مختلفة بحجة محاربة الاحتلال بينما نلاحظ في الجانب الثاني قدوم ميليشيات تأسست في إيران أعقبتها قيام ميليشيات طائفية مسلحة هدفها الرئيسي تدمير النسيج الاجتماعي وتبني التصفيات والاغتيالات إضافة إلى شعارها الديماغوغي محاربة الاحتلال وإخراجه من البلاد (للعلم أن الاحتلال ساهم في تسليم السلطة لهم).

إن الحديث عن الجيل الثالث لداعش الذي جاء على ألسنة العديد من المسؤولين وعلى رأسهم أياد علاوي صحيح كل الصحة لان التحركات المشبوهة والنشاطات التي تتبع في العمل الإعلامي والتنظيمي والحربي تدل على التكتيك الذي اتبع من قبل قيادة داعش خطط له حتى قبل هزيمة التنظيم عسكرياً بالاعتماد على تشكيل خلايا نائمة تنتظر الأوامر في الوقت والساعة المحددة وقد جرت تغييرات كبيرة على قوام التنظيم ووضع قيادات من الكوادر غير المعروفة إعلاميا على راس التشكيلات ووفق خطوط تنظيمية منفصلة وتعمل بالآليات جديدة من حيث التعاون والتنسيق، ولاحظنا خلال الفترات اللاحقة تحركات ونشاطات ملموسة تراوحت بين المواجهات المسلحة والاغتيالات والعبوات الناسفة والنشاط الإعلامي للوصل لتحقيق هدف يكون حاسماً في العودة القوية مثل السابق، (مع اعتقادنا أن التنظيم الإرهابي داعش لن يعود بالزخم والسيطرة نفسها لكن الأعمال الإجرامية الأخيرة المتفرقة في العاصمة وامتدت إلى مناطق واسعة)، هذا الشكل من الإرهاب يكمله الشق الثاني الموجود في جوهر الميليشيات الطائفية المسلحة التي تستغل العلنية في " الحشد الشعبي " وهي تمارس دور الإرهاب والعنف بشكل رسمي وأحياناً سري وهو حافز للقوى الإرهابية للعودة والعمل بالسرعة الممكنة، ومن هنا تكمن خطورة الإرهاب بشقيه السلفي والأصولي مهما ادعت الميلشيات الطائفية من ادعاءات بخصوص العميلة السياسية، وبمجرد الإطلاع على التصريحات والتهديدات والأعمال العنفية المسلحة نؤمن أن الطابع الفعلي لهذه الميليشيات لا يختلق عن توجهات الإرهاب بشكل عام، والاختلاف الوحيد هو بالأسماء دون الأهداف التي تعتمد الأعمال الإرهابية التي تكلف بها وتمارسها على الواقع وتعتمد التصفيات وإلغاء الآخر، ولهذا نجد الجيل الثالث ليس محصوراً بداعش فحسب لكنه موجود في التنظيمات المسلحة الأخرى وهي عودة لا بد منها وإحدى أسبابها الرئيسية عدم الالتزام بفتوى المرجعية حول "الدفاع الكفائي" حيث جاء على لسان السيد أحمد الصافي ممثل المرجع الشيعي الأعلى في العراق في بيان المرجعية العليا ونشرته أكثرية وسائل الإعلام "في مثل هذه الأيام قبل خمس سنوات انطلق من هذه المدينة نداء المرجعية الشيعية العليا بفتواها الشهيرة بوجوب الدفاع الكفائي لكل القادرين على حمل السلاح وضرورة الانخراط في القوات الأمنية " وبدلاً من ذلك قام البعض من استغلال الفتوى بشكل مقلوب وأسس على ضوء ذلك الحشد الشعبي من تنظيمات وميليشيات من مكون واحد تقريباً، أما لبعض التفجيرات والأعمال الإجرامية الأخيرة نفت مصادر عديدة كون الهجمات الإرهابية من قبل داعش وأشير في هذا الصدد في تقرير خصص لهذا الموضوع أن "التحقيقات أشارت إلى استخدام سيارات حكومية في تلك الهجمات، تمكنت من اجتياز نقاط التفتيش وحواجز الجيش العسكرية والوصول إلى تلك المناطق واستهداف مواطنين فيها" مما يؤكد صحة المعلومة التي انتشرت بان هناك تنظيمات لميليشيات طائفية مسلحة خلف هذه الهجمات التي كانت بحوالي (42) عملية بين إطلاق الرصاص والعبوات الناسفة وإطلاق قذائف الهاون على المناطق السكنية والقرى، ثم ممارسة الاغتيالات المباشرة وقيادة عمليات التهريب وتكاد أن تكون نصيب ديالى حصة الأسد من هذه الهجمات والتفجيرات والمصادمات المسلحة، وهذا ما أشار له هادي العامري في مؤتمره الصحافي في مدينة بعقوبة الأحد 9/8/2019 حيث لم يتهم داعش مباشرة بل كان اعترافاً باتهام تورط تنظيمات طائفية مسلحة وأوضحَ ضمن العديد من التوضيحات أننا "نخشى من بعض الجهلاء وأمراء الحرب أنهم يريدون إعادتنا إلى الطائفية مرة أخرى" وتأكيداته العديدة حول رفض الطائفية!! " حسب أجوبته " وتوجساته من ردات الفعل بتنوع التفجيرات بين المناطق الشيعية أو السنية وهي عبارات مؤلمة عن ما جرى للعراق ومحافظاته ومدنه من تقسيمات طائفية حتى في السكن، وأشار هادي العامري "لم أدعم أي إنسان متهم بالطائفية، ويجب أن توجه كل جهودنا باتجاه محاربة الإرهاب، ويجب اعتقال كل من يحاول إعادتنا للمربع الأول!!"، إلى جانب ذلك لم تهدأ جبهة داعش الإرهاب من الإعمال الإرهابية وبنوعية جديدة ومناطق متفرقة من البلاد.

إن الجيل الثالث الذي اخذ بالتحرك يتحين الفرصة تلو الفرصة ويقوم بنشاطات متفرقة وصولاً لاستكمال المهمات التي تجعله أكثر قوة وهيمنة والذي يعتمد الإرهاب والعنف حقيقة وليس من استنباطات الخيال كما يحاول البعض الهروب من الحقيقة والسبب يعود حصراً بسبب السياسة الخاطئة وغير المستقرة من قبل الحكومات المتعاقبة ودور الفساد في العملية السياسية وعدم المباشرة في معالجة مخلفات الحرب على داعش وبخاصة المدن والمناطق المدمرة وعدم إعادة النازحين وتعويضهم للمباشرة في دورة الحياة الاعتيادية، وتبقى المسألة مرتبطة بمدى جدية الحكومة في الإصلاح والتغيير والتوجه لبناء المناطق المحررة وإنهاء المحاصصة التي خربت العراق.

 

مصطفى محمد غريب

 

المفهوم العام للعقوبة هو إنزال جزاء مادي او معنوي جراء ارتكاب فعل او سلوك إجرامي حرمه القانون،او الامتناع عن فعل امر به القانون من قبل شخص طبيعي اعتباري. العراق البلد الوحيد في العالم على امتداد تاريخ منظمة الأمم المتحدة الذي تعرض لجميع أشكال العقوبات الدولية الواردة في ميثاق المنظمة وعقوبات إضافية مستحدثة وهنا سأتحدث عن موضوع العقوبات الدولية كإشكالية قانونية وليس الأساس السياسي لاتخاذها بسبب التصرفات الحمقاء والرعناء احيانا من قبل حكام الدول في كل زمان ومكان . 

أنواع العقوبات التي وردت حصرا في الفصل السابع من ميثاق المنظمة وهي عقوبات ملزمة وتنفذ بالقوة اذا استدعى الامر وهي :

١- سياسية سلب سيادة الدولة .

٢- اقتصادية تتمثل بالحصار والمصادرة والمنع وفرض تعويضات .

٣- عسكرية باستخدام القوات الجوية والبرية والبحرية المادة ٤٢ .

٤- عقوبات تبعية الحرمان من استخدام الحقوق المشروعة

وقد نفذت هذه الأشكال من العقوبات وبأقسى تطبيق بحق العراق والعراقيين من ١٩٩٠-١٩٩٤ بواسطة ٢٩ قرار من مجلس الأمن . ابتدا بالقرار ٦٦٠الذي ادان العراق بخرقه للسلم والأمن الدوليين باحتلال الكويت وطالبه الانسحاب منها، وقد رفض صدام الانسحاب فاعقبه القرار ٦٦١ الذي فرض العقوبات الاقتصادية الشاملة وألزم حتى الدول غيرالأعضاءالتقيد بالعقوبات . وفي القرار ٦٩٢ انشا صندوق الأمم المتحدة للتعويضات وفي القرار ٧٠٥ قرر استقطاع ٣٠٪؜ من صادرات العراق النفطية وتخصيصها للتعويضات، وتبعه بالقرار ٧٠٦ سمح به للعراق بتصدير محدود ومشروط لنفطه لغرض سد الاحتياجات الإنسانية . وتصرف مجلس الأمن كحاكم فعلي مطلق الصلاحية وأصبح العراق مسلوب السيادة بالكامل . وذهب المجلس ابعد من ذلك ولأول مرة في تاريخ العلاقات بين الدول رسم الحدود بين العراق والكويت بموجب القرار ٧٧٣ واقر نتائج اللجنة الدولية لرسم الحدود بين البلدين بقراره ٨٣٣، مما الحق أضرار جسيمة بالعراق يعاني منها لحد الان ولا زالت الكويت أيضا تستوفي التعويضات لحد الآن .

العقوبات الدولية:

لقد اوردت نموذج العراق والعقوبات التي تعرض لها بموجب القانون الدولي كمدخل لاستعراض ما يجري حاليا في العلاقات الدولية وخاصة في فرض العقوبات تحت واجهة ظاهرة انحسار دور القانون في العلاقات الدولية وما يجري حاليا وما يقوم به مستر ترامب ! الرئيس الأمريكي يدلل بوضوح على انكفاء القانون الدولي وركنه على الرف .

فقد بدأت الولايات المتحدة الأمريكية تتصرف خارج إطار القانون فتهدد وتتوعد وتنزل عقوبات بارادة منفردة اتجاه الجميع ابتدا من حديقتها الخلفية امريكا اللاتينية وخاصة فنزولا وكوبا ... الخ وصولا الى الشرق الأوسط وخاصا العراق وإيران وسوريا ولبنان واليمن ...الخ وعبر البحار الى الصين وروسيا، وحتى الأوروبيون حلفاءها في الحلف الأطلسي والترابط المالي الواسع أصبحت تحت صوت العقوبات الأمريكية بل ابعد من ذلك تحولت اوربا وكندا وأستراليا ونيوزيلاندا في مستوى دول تابعة الى امريكا وهذا يعني ان الدول بشكل عام أضحت بين منقوصة السيادة بل احيانا مسلوبة ومعدومة السيادة، وهذا الامر ينطبق في السلوك الأمريكي على منظمة الأمم المتحدة وباقي المنظمات الدولية فقد فقدت حتى الاتفاقيات الدولية حرمتها وقيمتها القانونية، فالانسحاب من الاتفاقيات والمنظمات الدولية بجرة قلم من مستر ترامب .

وتجاوز الامر بعدم احترام قرارات مجلس الأمن في العديد من القضايا الدولية ومنها فلسطين والجولان المحتل بل وتجاوز حتى العرف الأخلاقي عندما يصف الرؤساء الأمريكان الذين سبقوه بانهم اغبياء، كما تحول الى حلفاءه العرب وهم بالدرجة الاولى حلفاء اقتصاديين مثل السعودية ويصفها عمليا بالبقرة الحلوب ويهين حكامها علنا .

 اما الموقف من العراق فيبدو ان مستر ترامب لا يزال متمسك بان العراق بلد محتل وتابع، ويتجاهل ان العراق استعاد سيادته بموجب قرار مجلس الأمن رقم 1546 في عام 2004 كما وقع البلدان الاتفاقية الأمنية عام 2011 .

ان الإصرار على زيادة عدد القوات المسلحة من قوات تدريب الى قوات مقاتلة بالإضافة الى انتشار القواعد العسكرية من اقليم كوردستان الى الوسط والجنوب، كل ذلك يدلل ان العراق هو المقصود وليس إيران، لان العراق يشكل الحلقة الأهم والأخطرفي السياسة الاستراتيجية في المنطقة فهو الممر البري والجوي المباشر والمضمون الى كل من سورية ولبنان، ولا سيما وجود قوى سياسية ومسلحة مهمة تدعم إيران وتأمن الطريق، طالما ان هذا الطريق يشكل تهديدا مباشرا للجوهرة الاسرائيلية في المنطقة، وهي عقدة الأهم في الاستراتيجية الخارجية الأمريكية، وهي مقبلة على الشروع بتنفيذ صفقة القرن .

اما التعامل مع إيران فباب التفاوض مقترح ومفتوح ولا يحتاج الى كل هذاالحشد العسكري غير المسبوق في المنطقة، وهو لا يحتاج ولا يعتمد على حجم القوات الأمريكية في العراق، فلدى امريكا قواعد عسكرية مهمة جدا، في سبع دول مجاورة (تركيا، البحرين، الكويت، قطر، الامارات، السعودية والأردن فحدود معينة وحتى في سورية بالإضافة الى إسرائيل بكل ترسانتها من الأسلحة النووية والمعدات .

وهذه القواعد على أتم استعداد لأي عمل عسكري، ولذلك اعود وأقول ان كل هذه الجعجعة العراق هو بيت القصد .

معالجة أخفاقات الشرعية الدولية :

 سبل معالجة الإشكالية المطروحة

لكي يسًود القانون ويصبح فوق الجميع ويتحول المجتمع الدولي الى مجتمع قانون ومؤسسات، لان ما هو سائد في النظام الدولي سيطرة وسيادة قرارات مجلس الأمن الوطني الأمريكي وبشكل خاص في مجال العقوبات، وإذااستمرالامر على هذه الشاكلة، فسنعود بالعلاقات الدولية الى ما قبل قيام عصبة الامم اَي أنعدام السيادة واستعمال القوة بدون قيود والاستعمار المباشر، ولمعالجة الوضع والعودة لسيادة القانون واحترام سيادة الدول والتعايش السلمي والتعاون في جميع المجالات وتبادل المنافع، وحل مشاكل المجاعة في العالم وندرة المياه والصحة والتعليم والقضاء على التخلفبدل التركيز على الحروب وتجارة الأسلحة، فلا بد من :

١- ان تستعيد الدول وتحترم سيادتها ومنع قانونياً،اَي تجاوز عليها، وهذا فرضه القانون .

٢-اعادة احترام المنظمات الدولية والالتزام بقرارتها .

٣- الاتفاق بين جميع الدول بالتخلي تدريجيا عن الدولار كوحدة لتصفية الحسابات بين الدول، واستخدام سلة عملات، وطريقة اخرى التعامل بالعملات الوطنية الخاصة في المعاملات الثنائية بين الدول .

٤- إصلاح ميثاق منظمة الامم المتحدة وخاصة معالجة حق الفيتو لانه ليس حق في الواقع بل تجاوز على المبادئ التي قامت عليها المنظمة الدولية وهو خرق فاضح لمبدأ المساواة في السيادة وتم تثبيت ذلك في :

١- المادة ٢ تقوم الهيئة على مبدأ المساواة في السيادة بين جميع أعضاءها .

كما ثبت ذلك قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة عام ١٩٧٠ اعتبار مبدأ السيادة من الركائز الاساسية لعلاقات التعاون بين الدول .

وفي خطاب للمستر تشرشل في مجلس العموم البريطاني في فبراير ١٩٤٥ قال ( اذا كان على الامم العظمى صيانة السلم فان من واجبها ان تحترم العالم لا ان تسيطر عليها) .

وأعقبه تصريح الرئيس الأمريكي ترومان في مؤتمر سان فرانسسكو (لا يحق للأمم التي خرجت من الحرب ظافرة قوية ان تسيطر على العالم بل من واجبها توحيدالإنسانية نحو السلام الدائم) .

 

د . نوري ألطيف

١- أستاذ القانون الدستوري والقانون العام دراسات أولية وعليا سابقا في جامعات (المستنصرية، بغداد،الجزائر) UCK لندن والجامعة العالمية للعلوم الاسلامية لندن .

٢- رئيس قسم الدراسات العليا في معهد الحقوق والعلوم الإدارية جامعة الجزائر المركزية .

٣- عميد كلية القانون والفقه المقارن – الجامعة العالمية للعلوم الاسلامية .

 

محمد عمر غرس اللهتلعب تركيا بقيادة أردوغان دوراً لافتاً فيما يجري في الأُمة العربية، فالأذرع التركية تعبث على إمتداد الخريطة العربية، ولها تقاطعات سياسية مع الكثير من الدول العربية نتيجة لهذه الأذرع، فللأردوغانية الدور الكبير والقذر فيما يجري في سوريا من دمار وهي معبراً وخطوط إمداد للمرتزقة وعشرات الأف الإرهابين وشكلت قاعدة رئيسية للحرب منذ ثمان سنوات، ولتركيا الدور الكبير فيما يجري في ليبيا منذ بدء الأحداث فيها، ولم توفر موبقة إلا وقامت وتقوم بها من قصف بالطيران (2011م) وما تلا ذلك من شحن للأسلحة والإرهابيين ونهب الأموال وإحتظان الأدوات محلية التي تعبث بليبيا وإستقرارها وسلمها الأهلي وتنهب أموالها.

وفي نفس السياق، لتركيا الأردوغانية خصوماتها وتدخلاتها السياسية العميقة مع جمهورية مصر العربية، وحاولت إبان حكم عمر البشير للسودان الحصول على موطء قدم في خاصرة البحر الأحمر ومصر عبر جزيرة سواكن، ولها تقاطعاتها مع الإمارات العربية المتحدة، ولها خصوماتها مع المملكة العربية السعودية، وهي توزع هذه الخصومات كل صباح بتبجح وصلف لا حدود له.

في الحقيقة والعمق الذي لا يلاحظه العامة – وهو الأهم في مشروع الهمينة الأردوغانية - نجد إن كل عمليات زعزعة إستقرار الدول العربية يشغل هذه الدول ويضرب إقتصادها المالي والصناعي والزراعي، ويحقق لتركيا الأردوغانية جني مكاسب مالية وإقتصادية عالية، مستخدمة أسباب وأدوات متنوعة منها دعم الجماعات المسلحة الإرهابية بأنواعها من داعش وتفرعاتها وتنوعاتها من أنصار شريعة ومليشيات محلية والتي تهجر السكان وتقتل وتهجر الأُسر والمواطنين وتخرب المدن والقرى ، وأيضاً تدمير المزارع والإنتاج الزراعي وتحرق المحاصيل الزراعية وتقوم بتهريب الأموال، حيث يمكن – كل ذلك - الأردوغانية من تخريب وسرقة المصانع (مصانع مدينة حلب كلها تقريبا)، الأمر الذي يحقق لها ضرب الإنتاج المحلي والإقتصاد الناهض للدول العربية، وبالتالي هيمنة تدفق المنتجات التركية بأنواعها ويمكنها من الهيمنة الإقتصادية عبر الشركات وعبر الهيمنة على السوق المحلي العربي في كل شيء تقريباً.

وفي ذلك نرى إستهدافها المفضوح للإقتصاد السوري أحد أهم أوجه الحرب على سوريا، وأيضاً الهيمنة على السوق الليبي عبر فتحها خطوط مع الجماعات المسلحة التي تسيطر على المواني والمطارات الليبية تصدر لها وعبرها كل شي، وترسل لها الأسلحة والذخائر والمتفجرات والعربات القتالية ومسدسات كاتمة الصوت والذخائر النوعية والطائرات المسيرة عن بعد للقصف والقتل بكل ما يوفر لها من أموال، كما نرى الأردوغانية تتعمد بشكل مفضوح صنع خصومة مع مصر والتدخل في الشأن المصري الداخلي وتحويل ذلك لمشروع سياسي أردوغاني وكانه الوصي على المنطقة وشعوبها.

وهكذا أصبحت تركيا أردوغان توفر حماية وملاذ ومركز تجميع وتغطية وتعويم ووجهة مميزة للجماعات الإرهابية بأنواعها (إسلاموية – مليشياوية) بما يحمله أفرادها من أموال وذهب تم ويتم نهبه، مثلما فعلوا بسوريا ومثلما حصل ويحصل مع ليبيا التي يتم تهريب أموالها بكل العملات وسبائك الذهب بتسهيلات في المواني والمطارات التركية لجماعات معينة وأفراد متنفذون صارت تركيا ملاذهم آمن يشترون العقارات ويودعون الملايين في البنوك التركية التي تعد الملاذ والمعبر المالي للفساد والصفقات والإعتمادات الوهمية ونهب الأرصدة اللليبية من الذهب والعملات.

هذا ويساعد الأردوغانية هذه تحالفها مع قطر ودورها القذر، وإدارتهم لأدوات محلية في كل دولة عربية مرتبطة بالاخوان المسلمين والجماعات الإسلاموية بتنوعاتها في مصر وسوريا وتونس وليبيا، كما أن الإخوان المسلمين – حزب النهضة وتفرعاته - في تونس والغنوشية (نسبة لراشد الغنوشي) توفر دعم إقليمي للأردوغانية وموطء قدم كمنظومة تتكامل ومترابطة تعضد بعضها، وتوفر عموما جماعة الإخوان المسلمين في المنطقة نفوذ للأردوغانية على الشأن المحلي العربي، ففي ليبيا نجد أذرعها تبسط سيطرتها على مدن ليبية بمليشياتها ويشمل ذلك نفوذها على أفراد قياديين في البنك المركزي الليبي بما يمثله من (كنز مالي كبير من إحتياط عملات ورصيد الذهب) الأمر الذي يعطي للأردوغانية المكاسب الإقتصادية العالية جداً، بشكل مباشر وغير مباشر.

وفي الحقيقة نجد أردوغان يلعب لعبته السياسية على الراي العام العربي، عبر ضرب السلم الأهلي بإختلاق وتظهير حالة (عثمانية تركية) للطرق على وجود أسر وعائلات ومجاميع سكانية من أصول تركية وتشجيع بروزها وأخذها لشكل أقلية (ألغارشيا) تسيطر على المجتمع (مثلما يفعلون في ليبيا) والإتكاء على مشاعر مزيفة بإرتباط هؤلاء بتركيا الحالية عبر سلخهم من المجتمع الذي إندمجوا فيه كلياً بالمصاهرة  والدين واللغة والتاريخ والعمل الوطني، وهو ما قام وجاهر به - على سبيل المثال - (علي الصلابي) في بداية الأحداث في ليبيا في فبراير عام 2011م، حتى أصبح خطاب العداء للبداوة والعرب والعداء لعروبة بلداننا أمراً مجاهراً به وحديث سياسي يومي يتم دفعه للظهور وإعطائه مدى سياسي وإجتماعي وتلتقي في ذلك كل منظومة (الشعوبية التي إستأسدت على الأمة في الربيع العربي)، الأمر الذي يعد أحد أسلحة تفتيت بلدانن ومجتمعاتنا وصنع عداء محلي وتقاتل إجتماعي (قتل إجتماعي لوحدة المجتمع العربي) حتى يتم إعاقة قيام إرادة سياسية عربية – بكل مدلولها - تمثل السيادة الوطنية ويرهن البلاد وإقتصادها ويجعلها تحت الهيمنة، ويوفر أدوات غبية مريضة ترى في الأردوغانية تحقيق لذاتها.

كما تستخدم الأردوغانية توهيم دعم القضية الفلسطينية بإختلاق فرقعات موسمية تكتيكية ببعض التصريحات والمواقف الدعائية الكلامية، بينما في الجانب الستراتيجي يبقى التحالف بين تركيا والكيان الصهيوني الغاصب قوياً بكل تفاصيله في المجالات الإقتصادية والعسكرية والإستخباراتية حيث تمثل الشركات التركية أحد أهم أذرع هذا التعاون، وفي العمق يصب كل ما تفعله تركيا الأردوغانية - في سوريا وليبيا وما تشنه من حملات وهجوم على مصر - في مصلحة هذا الكيان الصهيوني الغاصب ويساعده بشكل ما مرتبط بنوع وحجم وعمق التعاون التركي الصهيوني.

هذا ويستخدم أردوغان (بيع الكلام للرأي العام) عبر رفع شعار الإسلام في سياساته للتأثير على الرأي العام العربي وهو سياسياً أبعد ما يكون عن قيم الإسلام، فهو على سبيل المثال: لا يلتزم سياسياً حتى بأبسط القيم الإسلامية والأوامر والنواهي القرأني، ويتضح ذلك وهو يغطي إنتشار اللواط (المثلية الجنسية) بالرغم من الأمر الإلهي الواضح في هذا المرض والإنحراف، ورعايته للعلاقات الستراتيجية مع الكيان الصهيوني الغاصب وكل التكامل العسكري والإقتصادي معه في الصناعة والتنسيق والزيارات التي وضع فيها أكاليل الزهور على قبر هرتزل ولقاءاته بالقيادات الصهيونية المجرمة، وحربه الظالمة على الشعب العربي السوري - بتوفير الدعم والمعبر والتمويل للجماعات الإرهابية والمرتزقة - وتدمير مدنه وقراه وسرقة مصانعه من حلب وتهجير الملايين والمساهمة في قتل الأطفال والنساء والشيوخ، وحربه أيضاً على الشعب العربي الليبي ونهب أمواله وخيراته وتسليط ودعم الجماعات الإرهابية الشعوبية عليه، وكل دعمه لجماعة الإخوان المسلمين وتفرعاتها وما تفعله في مصر الجماعات المقاتلة في سيناء.

هذا الأردوغان وضع صورة إعلامية تمرر مشروعه بدأها في تركيا بأنشاء قصر عثماني وحرس عثماني وإستخدم إيحاءات عثمانية لها دلالة معروفة وواضحة، وفي ذلك يمرر مشروعه في المنطقة العربية عبر أذرع الأخوان المسلمين التنظيمية والإعلامية لتحقيق الهيمنة السياسية على المنطقة العربية، حيث يمارس سطوة عالية على هذا التنظيم ومشاريعه ويستفيد منه إقتصادياً وسياسياً.

أن تركيا الأردوغانية (الحالة المتلبسة زوراً بالإسلام المراد لها أن تنتشر) خادمة صريحة وضمنية للصهيونية بما تفعله في الأمة العربية، فأردوغان يلعب ويحاول أن يصنع لنفسه شكلاً عثمانياً عصرياً - مسنوداً بعضويته في حلف الناتو واللعبة الدولية القذرة - عبر اللعب على وتر الإسلام بالتوازي مع العلاقة المميزة والتعاون المشترك عسكرياً وإقتصادياً مع الكيان الصهيوني الغاصب الذي يحقق له أردوغان - في حربه على سوريا مثلاً - ما يريده ويحقق استراتيجياته من تفكيك سوريا لمصلحة هذا الكيان الغاصب والأمر نفسه ينطبق على بقية البلدان العربية في ليبيا وما يضمره لمصر.

سابقاً - قبل الربيع العربي - لم يكن المسئول التركي (أردوغان او الذين قبله) يجرؤ أن يقوم بذلك في وجود قادة عرب لهم حضورهم السياسي وكاريزميتهم وترايخيتهم في مشروع الإرادة العربية، فقد كان يبدو أمام الشخصية السياسية العربية (عبد الناصر -القذافي -صدام حسين – حافظ الأسد – الملك فيصل ... الخ) فيما يتعلق (بالقومية والإسلام) غر سياسي يقف في الصفوف الأخيرة ويلتمس التقرب منهم، فالشخصية السياسية العربية القوية - بغض النظر عن إختلاف وجهة النظر في هذه الشخصيات - معبرة إلى حداً ما عن الإرادة السياسية العربية المستقلة ومكانتها الإقليمية، ولذا ساهم هذا الأردوغان في التحضير لإسقاط ليبيا وغدرها والحرب عليها، كما ساهم بقوة في الحرب على سوريا وغدرها وسرقها أيضاً، وهو اليوم عدوأ لدود يوزع خصوماته على الخريطة العربية في كل إتجاه، وهو اليوم ضد أي زعيم عربي - في مصر او المملكة العربية السعودية -  يمكن أن يمثل حتى  مجرد تصور للندية او مانعاُ له من الهيمنة على المنطقة العربية بأي شكل من الأشكال، فهو ضد وجود وقيام إرادة العربية مستقلة وبعيدة عنه (مهما كان شكلها) ويعتقد بإمكانية ممارسة الأستاذية السياسية على المسئول العربي وعلى التجاذبات العربية وعلى الإقتصاد العربي وكل ذلك يتم لمصلحة الإقتصاد التركي، ولذا نراه في خصومة حادة مع مصر وما يجري في البحر المتوسط بين تركيا ومصر ليس سوى تجلي سياسي من تجليات محاولات أردوغان الهيمنة السياسية والإقتصادية على المنطقة لمصلحة هيمنة الإقتصاد التركي على البحر المتوسط وموارد الدول العربية في سوريا ومصر وليبيا تحديداً.

إننا أمام حالة لابد أن نعي كنهها ونعرف تفاصيلها وطرق عملها وأدواتها ومساراتها، وعلينا كعرب وإن إختلفنا وتقاطعت أرائنا ومواقفنا في توجهاتنا السياسية ومهما كان رأينا الكلي او النسبي في أنظمتنا ومهما حصل من خلافات وحتى حروب ومنافسات عربية بينية هي من طبيعة الحياة، علينا أن نتساءل حول حقيقة وأبعاد وكنه هذا الدور التركي وعمقه وحقيقته وأردوغانيته، ولا يجب أن نسمح لتركيا أردوغان أن تهيمن علينا وتتدخل في الشأن الداخلي للدول العربية وتقوم بتخريب سلمها الأهلي وتدمير ما أنجزته، ولا يجب أن نسمح لتركيا أردوغان أن تمنع قيام إرادة عربية سياسية وإقتصادية، ولا يجب أن نسمح بأن تصبح الأردوغانية وإذرعها وأدواتها وحلفائها - من غنوشية وشعوبية وإسلاموية ومليشياوية - هي المُعُبر عن منطقتنا كوصية على الأمة العربية تنهبها وتعبث بها وتنشر الحروب فيها وتدعم الإرهاب والإرهابيين والجماعات المسلحة وتنقل الأسلحة والذخائر  والطائرات المسيرة عن بعد للجماعات الشعوبية الإرهابية.

 وعلى قوى التحرر العربي أن تمتلك الوعي في اللحظة الفارقة، وتعي المعركة وطبيعتها وتقاطعاتها والإستراتيجي والتكتيكي فيها، فأنا وأخي على ابن عمي وأنا وابن عمي على الغريب، ونحن جميعا مدعوون للعمل معاً لمواجهة الأفة الأردوغانية المريضة وأذرعها وأذنابها وشركاتها (خصوصاً) بتجفيفها وحرمانها من أي موقع في بلداننا، وفضح مشروعها وتوضيح خطوطها بالعمل على قطع أذرعها الإقتصادية وهزيمة الجماعات المرتبطة بها.

والله من وراء القصد

 

د. محمد عمر غرس الله

باحث ليبي مقيم ببريطانيا

 

علاء اللاميبدأت عملية كتابة الدستور العراقي النافذ بعد عامين تقريبا على الاحتلال الأميركي من قبل لجنة أطلق عليها "لجنة كتابة الدستور". ففي 8 مايس –أبريل سنة 2005 قامت "الجمعية الوطنية الانتقالية" والتي تم تشكيلها تحت إشراف الحاكم المدني الأميركي، بتشكيل تلك اللجنة من 55 عضوا على أساس المحاصصة الطائفية والقومية وبواقع 28 عضوا من الشيعة و15 عضوا من الكرد، و8 أعضاء من العرب السنة وما تبقى خُصص للإقليات الصغيرة. وقد ترأس اللجنة همام حمودي وهو رجل دين شيعي يحمل شهادة البكلوريوس في علم النفس. وتقرر لاحقا إضافة 15 عضوا من ساسة العرب السنة بعد احتجاجهم على الإجحاف الذي حاق بهم في هذه المحاصصة، إنما دون أن يكون للأعضاء المضافين حق التصويت. كان أعضاء اللجنة من الساسة الحزبيين والشخصيات التي أيدت الاحتلال ودخلت غالبيتها العراق بعد سقوط النظام السابق. وقبل تشكيل هذه اللجنة، كانت سلطات الاحتلال قد وضعت قيد التطبيق وثيقة تدعى " قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية"، وستكون هذه الوثيقة الأميركية ضمن وثائق أخرى أرضية ومرجعا لمسودة الدستور العراقي الجديد. لم يعرف مِن بين أعضاء لجنة كتابة الدستور مَن كان له إلمام في الفقه الدستوري و الشؤون القانونية، باستثناء عضوين أضيفا لاحقا على "حصة" العرب السنة في اللجنة وهما الأستاذان الجامعيان والقانونيان الدكتور ضامن العبيدي والدكتور مجبل الشيخ عيسى. وقد تم اغتيالهما بعد خلافات حادة في اللجنة حول موضوع الأقاليم والدولة الاتحادية، التي كان الساسة الكرد يصرون عليها إصرارا منقطع النظير. وقد اعتمد الساسة الكرد على الخبير الأميركي النافذ بيتر غالبريث لإمرار مواد دستورية تحقق أهدافهم المعلنة وغير المعلنة. وكنا قد توقفنا عند ما قام به هذا الخبير في مقالة في الأخبار – عدد 10 مايس – آيار 2013 وغيرها. ولعل أخطر مادة دستورية تمكن غالبريث من إمرارها هي المادة 115، والتي يمكن اعتبارها مفتاح تفتيت العراق. و هذا نصها (كل ما لم ينصُّ عليه الدستور في الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية، يكون من صلاحية الأقاليم والمحافظات غير المنتظمة في إقليم، والصلاحيات الأخرى المشتركة بين الحكومة الاتحادية والأقاليم تكون الأولوية فيها لقانون الأقاليم والمحافظات غير المنتظمة في إقليم في حالة الخلاف بينهما). هذه المادة لم تكن واردة أصلا في أفكار ومطالب الزعامات الكردية، بل وضع بذرتها هذا الخبير الأميركي  حين أقنع الزعماء الأكراد بأن يعتمدوا معادلة دستورية معاكسة لما هو معهود دستوريا مفادها: ليست بغداد الاتحادية هي من تمنحهم الصلاحيات بل هم من يطرحون الصلاحيات على بغداد فإن حدث خلاف كان الحق لهم وليس لبغداد بموجب نص دستوري.

وإذا ما أضفنا  إلى ما تقدم، المواد العديدة الخاصة بتسهيل تشكيل الإقليم من محافظة واحدة فأكثر، إضافة إلى المادة الخاصة بشروط تعديل الدستور والتي تجعل التعديل أقرب إلى المحال تكون الدائرة قد أغلقت تماما وأصبح تقسيم العراق مسألة وقت لا أكثر. لقد وضع الساسة الكرد، عبر وكيلهم غالبريث، وبدعم من سلطات الاحتلال وقانونها المؤقت ثبتوا ما بات يعرف بـ "فيتو المحافظات الثلاث" والذي بموجبه يسقط أي تعديل دستوري إذا رفضه الناخبون في ثلاث محافظات خلال استفتاء شعبي عليه.  كل هذا يعني بوضوح أن الزعامة الكردية باتت تمارس ما يمكن أن نسميه  "الدكتاتورية  الدستورية" ضد محافظات العراق العربية الأربعة عشرة الأخرى وكركوك المختلطة باسم محافظاتها الثلاث أربيل والسليمانية ودهوك، ولم يكن تحقيق ذلك ممكنا لولا تواطؤ الزعامة الإسلامية الشيعية المتحالفة مع الزعامات الكردية لتهميش غريمها الطائفي المقابل "العربي السني". كما ساعد الموقف المتقلب الذي اتخذته  قيادة الإخوان المسلمين "الحزب الإسلامي" على إمرار الدستور خلال الاستفتاء حين طلبوا من جمهورهم  التصويت لمصلحة الدستور في الساعات الأخيرة.

لقد تم تسهيل وتسفيه عملية تشكيل الأقاليم بموجب الدستور العراقي بشكل مقصود ومفضوح. فقد نصت المادة 119 على الآتي (يحق لكل محافظة أو أكثر تكوين إقليم بناء على طلب بالاستفتاء عليه، يقدم بإحدى طريقتين: أولاً. طلب من ثلث الأعضاء في كل مجلس من مجالس المحافظات التي تروم تكوين الإقليم. ثانياً، بطلب من عُشر الناخبين في كل محافظة من المحافظات التي تروم تكوين الإقليم) ثم يحسم الأمر باستفتاء شعبي يكفي الفوز فيه بالأغلبية البسيطة ليتشكل الإقليم رسميا. ويتمتع الإقليم عند قيامه بصلاحيات دولة شبه مستقلة منها:

أولا: وضع دستور للإقليم / المادة 120.

ثانيا: ممارسة سلطات التشريع والتنفيذ والقضاء/ المادة 121/ أولاً.

ثالثا: سلطة تعديل تطبيق القوانين الاتحادية/ المادة 121 /ثانياً.

وهناك مواد أخرى تؤكد السياق التفتيتي والتقسيمي للدولة العراقية.

كما نجح واضعو هذا الدستور في التلاعب بهوية العراق الحضارية العربية والشطب عليها، وتم اعتبار العراق بلدا "متعدد القوميات والأديان والمذاهب وهو عضو مؤسس وفعال في الجامعة العربية / مادة3". وهذه هي المرة الأولى في التاريخ العالمي التي يتم فيها الشطب على هوية شعب وبلد لأن فيه أقليات لا تتجاوز نسبتها كلها 15% من مجموع السكان، أما فرنسا فتبقى هويتها فرنسية رومانية رغم أن نسبة الباسك والسلت وسكان الجزر والمسلمين المغاربيين تفوق المواطنين غير العرب في العراق، وإيران تبقى هويتها فارسية رغم أن نسبة الفرس قد لا تصل إلى 60 بالمائة وفق بعض التقديرات شأنها شأن تركيا تقريبا.

أما بصدد المحاصصة الطائفية وإقامة دولة الطوائف فالواقع أن الدستور خلا من أية مادة ترد فيها كلمة "الطائفة" ومشتقاتها ولكن هذه الكلمة استبدلت بكلمة أخرى لها المعنى نفسه وهي "المكون" ومشتقاتها، ولم ترد في مواده عبارة "محاصصة طائفية" بل استخدمت عبارات أكثر أناقة من قبيل "توازن المكونات". ولم يكن ذلك كرها بكلمة "الطائفية" أو خجلا منها، بل لأن كلمة مكون أدق تعبيرا، فالكرد لا يعتبرون أنفسهم طائفة بل قومية، رغم إنهم في غالبيتهم من المسلمين السنة! وهكذا تكرست مفردة "المكونات" كبديل للطوائف، بوصفها حجر الأساس لدولة المكونات الطائفية التي جاء بها الاحتلال الأميركي ودافع عنها الحكام الجدد. وثانيا، فهذه القضية المتعلقة بالمكونات وضرورة ضمان توازنها عبر حكم المحاصصة ذكرت في الدستور الاحتلالي سبع مرات : مرتين في ديباجة الدستور، وهي ديباجة تقطر طائفية صريحة، وخمس مرات في مواد دستورية تأسيسية ومهمة جدا منها المادة "12" الخاصة بعلم الدولة وشعارها ونشيدها الوطني فهذه المرموزات التأسيسية والسيادية كما يقول الدستور الاحتلالي يجب أن ترمز إلى مكونات الشعب"، والمواد: (9) أولا، و(12)أولاً، و(49)أولاً، و(125) و(142) أولا.

لقد أثبتت تجارب الشعوب طوال التاريخ أنه لا يمكن لممثلي طائفة واحدة، حتى لو كانت تشكل أكثر من نصف عدد السكان، كما هي الحال في العراق، أن تحكم أو تهيمن على الحكم بأحزابها ذات الصبغة والبرامج الطائفية الدينية لأنها ستنتج، لا محالة، بنية فوقية وآليات حكم وأيديولوجية دولة طائفية على شاكلتها وتنتج أيضا نقيضها الطائفي المقابل. وها نحن نشهد كيف تحول العراق من مجتمع تعددي ومتنوع إلى بلد طارد للتنوع والتعدد المكوناتي ونابذ لجميع الأقليات القومية والدينية الصغيرة رغم الكلام الإنشائي الجميل الذي يله جبه زعماء الطوائف. وحتى الطائفة الثانية في البلاد أي "العرب السنة"، فقد بدأ الكثيرون منهم يفقدون الأمل في الحياة الطبيعية ويتركون البلاد السائرة نحو الوحدانية الطائفية. ولعل محاولة إقامة إقليم البصرة التي يروج لها هذه الأيام بقوة هي محاولة أخرى ولن تكون الأخيرة على طريق تفتيت وإزالة العراق الواحد الموحد!

نقطة أخرى مهمة وتلعب دورا حافزا ومشجعا لتعميم المطالبة بتحويل المحافظات إلى أقاليم وتتمثل بالمكاسب المادية والسياسية الهائلة التي حصلت وتحصل عليها زعامة الإقليم الكردي، واستجابة حكومات بغداد لطلباتها دون نقاش، وخصوصا في عهد الحكومة الجديدة برئاسة عبد المهدي حيث ارتفعت نسبة الإقليم من الموازنة الاتحادية من 13 بالمائة في عهد العبادي إلى أكثر من 20 بالمائة ودون تسليم ما يجب على الإقليم تسليمه من نفط يستخرج فيه، ويحدث هذا في وقت لا تحصل المحافظات الأخرى - وخصوصا المنتجة الأولى للنفط كالبصرة - حتى على نسبتها المقررة والمنخفضة جدا قياسا لحصة أية محافظة في الإقليم من الموازنة العراقية السنوية. إن إنهاء هذه الطريقة في التعامل بين بغداد وأربيل ستزيل هذا الحافز التقسيمي القوي الذي يدفع المواطنين والزعامات السياسية في المحافظات إلى المطالبة بالأقلمة، ولكن الحل الحقيقي والجذري ليس هنا فقط، بل في إعادة كتابة الدستور الاحتلالي وإطفاء فتائل التقسيم والقنابل الموقوتة الكثيرة الأخرى فيه من قبل مؤتمر تأسيسي في عراق مستقل ومتحرر من القوات العسكرية الأجنبية، خصوصا أن شعار "المؤتمر التأسيسي" ليس جديدا في المشهد السياسي العراقي فقد رفعته قوى وشخصيات وطنية بعد أيام قليلة من الاحتلال الأميركي للعراق وقد منحه ويمنحه الواقع صدقية ونجاعة يوما بعد آخر.

 

علاء اللامي - كاتب عراقي

 

ابراهيم أبراشما آل إليه الحال الفلسطيني منذ انقلاب حركة حماس على السلطة قبل اثنى عشر عاما يدفع للتساؤل عن حقيقة ما جرى ويجري في النظام السياسي، وهل بالفعل أن الخلاف يكمن في صراع ما بين مشروع مقاومة عنوانه حركة حماس ومشروع تسوية تمثله منظمة التحرير الفلسطينية وعلى رأسها حركة فتح ؟وإن كان الأمر كذلك فماذا أنجزت حركة حماس وأين وصل مشروعها للمقاومة؟ ولماذا تواصل حماس عدائها لمنظمة التحرير وخصوصا لحركة فتح بينما تتحالف مع النائب محمد دحلان وجماعته في الوقائي، في حين أن الرئيس أبو مازن هو الذي سمح وأصر على مشاركة حماس في انتخابات يناير 2006 والتزم بنتائجها وكلف السيد إسماعيل هنية بتشكيل الحكومة، بينما بررت حركة حماس انقلابها بأنه حسم عسكري مع جماعة في السلطة وفي حركة فتح معادية لها ورافضة لفوزها في الانتخابات التشريعية وقد حددتهم آنذاك بالاسم بأنهم محمد دحلان وجماعة الوقائي ؟ولماذا تهادن مع إسرائيل بينما تقطع مع منظمة التحرير والسلطة والرئيس أبو مازن؟.

قد يقول قائل إن ما تنزلق إليه حركة حماس وبعض الأحزاب في قطاع غزة اليوم وبالرغم من التباعد الزماني واختلاف الظروف الموضوعية عربيا ودوليا، يستحضر ما جرى مع منظمة التحرير وخصوصا حركة فتح من انتقال من مربع المقاومة إلى مربع السلطة وتحويل المقاومين والمجاهدين إلى موظفين ينتظرون الراتب من أي كان، والمراهنة على حل من خلال تسوية سياسية تحافظ على وجودهما في السلطة، أية سلطة .

فلماذا يتم انتقاد حركة حماس لعدم تحقيقها برنامج المقاومة وما رفعته من شعارات وتوقيعها هدنة مع إسرائيل ,ما دامت منظمة التحرير نفسها بدأت كحركة مقاومة وآل أمرها لسلطة ومشروع تسوية سياسية بل وتنسيق أمني مع إسرائيل ؟ .

لماذا انتقاد حركة حماس لحصولها على أموال من قطر وغيرها عبر دولة الاحتلال، فيما السلطة تتلقى الأموال من جهات خارجية بما فيها قطر وتركيا وأمريكا وأوروبا، كما كانت وإلى وقت قريب تتلقى من إسرائيل أموال المقاصة مباشرة ؟ .

لماذا انتقاد حماس لأنها تريد سلطة خاصة بها في قطاع غزة بينما لمنظمة التحرير سلطتها في الضفة وتتفرد وحدها بتشكيل الحكومة ؟.

كل ما سبق من تساؤلات ومقارنات صحيحة نسبيا من حيث الظاهر ومن حيث الصيرورة، ولكنها تحتاج لتمحيص من حيث السيرورة والأهداف والتداعيات الاستراتيجية .المنظمة توقفت عمليا عند سقف من التنازلات التي تمثل الاجماع الوطني في منظمة التحرير كما تم التوافق عليها في المجلس الوطني في الجزائر 1988 –دولة على حدود 1967 عاصمتها القدس مع حق عودة اللاجئين الفلسطينيين، بينما حماس دخلت الحياة السياسية والمقاومة المسلحة لخدمة مشروعها الإسلاموي الإخواني بهدف تأسيس دولة -إقليم قاعدة- في قطاع غزة ولو على حساب المشروع الوطني التحرري، وما زالت تواصل هبوطها السياسي عن الشعارات التي أطلقتها بداية ظهورها، فالهدنة مثلا التي وقعتها مع إسرائيل لا تقل سوءا من اتفاقية أوسلو نفسها، وعندما تعلن أنها لن تقاوم إسرائيل إلا إذا قامت هذه الأخيرة بمهاجمة قطاع غزة أو استهدفت قيادات حماس فهذا معناه اعتراف بدولة الكيان، حتى وإن كان اعترافا واقعيا أو ضمنيا .

لا شك أن اتفاقية أوسلو واعتراف منظمة التحرير بإسرائيل والتنسيق الأمني معها والفشل في إدارة مفاوضات التسوية وفي إدارة ملف الانقسام كلها أخطاء زعزعت وأربكت المشروع الوطني بل شكلت ما يشبه حالة انقلاب على منطلقاته الأولى، إلا أنها لا تبرر الخطايا التي تمارسها حركة حماس بدءا من الانقلاب الدموي إلى ما تمارسه اليوم، كما أن منظمة التحرير اعترفت بأخطائها وتعيد حساباتها بكل ما له علاقة باتفاقية أوسلو، بينما لا يبدو أن لدى حركة حماس الربانية استعداد لمراجعة حساباتها والاعتراف بأخطائها .

منظمة التحرير تقوم بمسؤولياتها الوطنية والمالية لكل الشعب الفلسطيني حتى في الشتات في مخيمات لبنان وسوريا وغيرها، والسلطة والحكومة في رام الله تمثل غزة والضفة وتقوم بمسؤولياتها المالية تجاه الطرفين بما هو ممكن ومتاح، بينما حركة حماس هي التي انقلبت عليهما وترفض المشاركة فيهما تقول على الملأ بأن أموال حماس لحماس، فكيف تكون أموال حماس لحماس وحماس حزب حاكم أو حزب السلطة، إنها بهذا القول تعترف بأنها لا تمثل الشعب الفلسطيني وليست مسؤولة عنه ؟! .

عندما انتخب الشعب حركة حماس عام 2006 كان يراهن بأن الحركة ستصحح أخطاء المنظمة وتضع حدا لفوضاها وفسادها وتُعيد القضية الفلسطينية إلى أصولها كقضية شعب في مرحلة تحرر وطني ويمارس حقه في المقاومة المسلحة أو الجهاد على كامل ربوع الوطن المُحتل من أجل تحرير كل فلسطين من البحر إلى النهر، إلا أنه سرعان ما انجلت الصورة وتبين أن هدف الحركة تأسيس إمارة للإخوان المسلمين في غزة من خلال فصل غزة، وقد كشفت خطابات قادتها وممارساتها ذلك .

لا يعني ما سبق أننا نمنح شهادة براءة أو حسن سلوك سياسي لمنظمة التحرير والسلطة الوطنية أو نشيطن حركة حماس، فقبل أن تنقلب حماس على منظمة التحرير والمشروع الوطني انقلبت السلطة الفلسطينية عليهما من خلال اعترافها بإسرائيل وتراجعها عن الميثاق وقد تحدثنا عن ذلك في أكثر من مقال ومقابلة http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=135399&r=0.

كان من الأجدر أن تتعلم حركة حماس ومن يواليها من الفصائل الأخرى من التجربة المتعثرة لمنظمة التحرير بدلا من تحويل الفلسطينيين وخصوصا في قطاع غزة إلى حقل تجارب لنهج وسياسة الإخوان المسلمين الفاشلة ولأصحاب الأجندة الخارجية الذين يوظفون القضية الفلسطينية لخدمة مصالحهم الخاصة أو لصالح واشنطن بالوكالة، ولكل مغامر أو منتفع يطمح لسلطة أو جاه ولو على حساب المشروع الوطني والحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وعلى حساب معاناة وجوع أهل غزة .

مع كل ذلك ما زال بيد حركة حماس وفصائل المقاومة في قطاع غزة ورقة قوة وهي عدم اعترافها بإسرائيل رسميا وامتلاكها السلاح وغزة التي تأبى إلا أن تكون وطنية فلسطينية تأبى الاستسلام، بالإضافة إلى أزمة منافسها الوطني -المنظمة والسلطة وحركة فتح، وهي ورقة تُشهرها حماس في وجه منتقديها والمشككين بها وما زالت تحصِّن حركة حماس وتجمع من حولها مؤيدين وأنصار في داخل الوطن وخارجه، كما أنها ورقة استراتيجية تصب في صالح الشعب الفلسطيني إن تم توظيفها بشكل صحيح .

فهل ستحافظ حركة حماس على هذه الورقة أم أنها ستخسرها في صفقة الهدنة واستمرار مراهنتها على الإخوان المسلمين وأصحاب الاجندة الخارجية ورفضها للمصالحة؟ .

في مؤتمر بعنوان (التحولات في الحركات الإسلاميه) نظمه مركز الجزيرة للدراسات في الدوحة يوم الخامس والعشرين من سبتمبر 2016 اعترف السيد خالد مشعل بالأخطاء التي ارتكبتها الحركات الإسلامية بما فيها حركة حماس من خلال سيطرتها على السلطة في القطاع، وما بعد هذا الاعتراف جرت أحداث كثيرة كلها تؤكد خطورة انقلاب حماس وتداعياته الخطيرة على القضية الفلسطينية وعلى حركة حماس ذاتها وكيف أصبحت ألعوبة بيد كل من يدفع لها مال، فهل ستعترف حركة حماس في غزة بالخطأ قبل فوات الأوان وخصوصا أن دورها الوظيفي بدأ ينفذ بالنسبة لإسرائيل وقد تُقدم إسرائيل على عدوان كبير يُعيد ترتيب الأوضاع في قطاع غزة بما تشتهي صفقة ترامب ؟.

 

إبراهيم ابراش

 

منذ نهاية العهد الملكي نهاية الخمسينات يعاني الناس في  هذا البلد من (سوء الحظ) أن صح التعبير وازداد الموضوع حدة في نهاية سبعينات القرن الماضي، فاغلب بلدان العالم تسير نحو الامام (تتقدم) ألا هذا البلد فهو مستمر بالتراجع .في دول تقع في مجاهل افريقيا انتقل الناس من الغابات الى عصر الزراعة وعصر القرى ثم المدن وهم يعملون الآن في عصر الوحدة الافريقية وكثير من دولهم بدأت بتحقيق انجازات واضحة والكثير من الدول الاخرى والتي تسمى نامية حققت قفزات في نظمها الاقتصادية والخدمية والتربوية والادارية والسياسية وحتى الاجتماعية .الكثيرمن الدول انتقلت من العالم الثالث الى الثاني والاول ثم الى العالم الرقمي (الديجتال) ألا العراق فقد انتقل من العالم الثالث الى العالم الأمي (لا رقم لعالمنا).الامارات نحن ساعدناها في انشاء جامعتها والاردن نحن ساعدناها في انشاء كلية الاركان لضباطها .وفي معاهدنا وكلياتنا تدرب قادة بعض الدول فمعمر القذافي وعلي عبدالله صالح وحسني مبارك تدربوا فيها.الان وياللكارثة نرسل جنودنا وضباطنا وشرطتنا الى دول الجوار ليتم تدريبهم .في السبعينات والثمانينات كان الخليجيون والاردنيون واليمنيون يأتون للدراسة في جامعاتنا ويتعالجون في مستشفياتنا .واليوم يذهب مريضنا للعلاج في الاردن ولبنان والهند وتركيا وايران ولحالات بسيطة جدا كعلاج الاسنان.كنا نصنع الملابس (والجواريب تحديدا) ولكن حتى الجواريب نستوردها الآن . كنا نصنع ماركات متميزة من الملابس كبناطيل كاسكو التي يتذكرها جيل السبعينات والثمانينات واحذية باتا وطباخات وثلاجات ومجمدات عشتار المتميزة وراديوات وتلفزيونات قيثارة  الرائعة وباصات ريم وجرارات عنتر، كنا نصنع الزجاج والسمنت والاسمدة والبتروكيمياويات والمنسوجات والسجاد والاغطية والالبان والمعلبات الغذائية ودبس اي اي المشهور والكجب والصاص ويشهد معمل تعليب كربلاء وديالى على ذلك.كنا نصنع مواد الغسيل والصابون والشامبو وصابون الركي العراقي او غار الحسني وغار العيسى الذي اختفى، كنا نصنع الاطارات والبطاريات من ماركة بابل والديوانية،  كنا نصنع السكائر من ماركة بغداد وسومر الذهبي والشخاط الذي اصبحنا نستورده ايضا .بينما تغرق اسواقنا اليوم  بمنتجات من كل دول العالم .اين نحن الان؟ عندما كنا نصنع احتياجاتنا كانت الصين تحبو على سلم الدول النامية وكانت كوريا لم تدخل بعد في سجل المصنعين المعروفين،  وكان مواطنو ماليزيا لايزالون في الغابات وفي سفن الصيد وكان الاماراتيون يبحثون عن اللؤلؤ في سواحل الخليج او يقيمون في الصحاري ويتنقلون على ظهور الجمال . كان المواطن العراقي  يجوب المطارات بجواز سفره القوي وبديناره الذي يساوي (3، 3) دولارا ويعود محملا بأكياس الهدايا من الاسواق الحرة.كانت السياحة في دول اوربا الشرقية (التي اصبحت الان ضمن الاتحاد الاوربي) اسهل من الذهاب الى اي محافظة.كانت رحلات طائرات الخطوط الجوية العراقية تمخر عباب سماء دول اوربا بشكل معتاد .وكان من المعتاد ان تقضي العائلات المتوسطة من الموظفين كالمدرسين والموظفين والكسبة وصغار التجار عطلاتهم الصيفية في هذه الدول او في لبنان وحتى لندن وباريس وبون وفي بعض الاحيان يذهبون في سياراتهم الخاصة .كان لنا نظاما اداريا ينافس اي دولة متطورة. وفجأة وبمجرد دخولنا في النفق المظلم الذي بدأ في 1958 بأسقاط النظام الملكي بدأ مسلسل الجحيم المستمر ثم ثني عليه بأستلام الدكتاتور الضرورة في نهاية السبعينات للحكم للتحول اوضاع العراق وحياة مواطنيه الى سلسلة من الكوارث المتلاحقة من حروب وحصار ثم احتلال لننته الى مرحلة تفكيك مؤسسات الدولة وتحويلها الى هياكل للفساد .كان الحصار(الفترة من 1990 الى 2003) من اسوأ الفترات التي مر بها المجتمع العراقي والتي دمرت البنية الاقتصادية والتربوية والاجتماعية للمجتمع واذا اجتمعت الحروب والحصار فان الفساد هو الوليد اللقيط الناتج عنهما ثم تلاهما الاحتلال ليصبح تفكيك الدولة ومؤسساتها هو الهدف التالي والذي تحقق بنجاح منقطع النظير. بعد الاحتلال تم وضع برنامج لتفتيت اواصر المجتمع العراقي من خلال بث وتشجيع فكرة الاقليات العرقية والدينية والطائفية وضرورة تشكيل احزاب وجمعيات ومنظمات على هذا الاساس وليس على اساس وطني لغرض حصولهم على حقوقهم الفئوية وقد ساعدت مخلفات وسلبيات النظام السابق على توجه الكثير من الناس بهذا الاتجاه، اعتقادا منهم بأن ذلك هو الحل الصحيح لمشاكل هذا المجتمع بينما الهدف الحقيقي من وراء ذلك هو المبدا الاستعماري المعروف (فرق تسد) . كما أن ضخ  الكثير من الشخصيات المتعصبة والمتطرفة قوميا او دينيا او طائفيا او عشائريا في الفعاليات السياسية والاجتماعية و في الاحزاب والمنظمات ادى الى ارتفاع صوت الفئة على صوت الوطن و ادى الى تداول مشاريع الاقلمة والفدرلة والكونفدرلة والتبشير بها من قبل سياسيين نافذين ومجموعات كثيرة . والان هل ان ذلك كله ضمن نظرية المؤامرة ام مجرد صدفة او سوء حظ ؟... اجيبوني الان هل ثمة شك؟

 

احمد مغير

 

محمد توفيق علاويلقد عاد الهدوء النسبي الى منطقة الخليج العربي بسبب موقف ايران واميركا لسحب فتيل الازمة، وتبادل التصريحات الايجابية والرسائل والوفود بين الطرفين وتدخل اكثر من دولة للوصول إلى اتفاق، ولكن كما تطرقنا في مقال سابق فهذه النتيجة لا تصب في مصلحة اسرائيل، وإن هذه الفرصة قد لا تتكرر لإسرائيل لتدمير البرنامج النووي الايراني بل تدمير كامل البنى التحتية لإيران من منشآت عسكرية ومصانع عسكرية ومدنية ومنشآت النفط ومحطات توليد الطاقة الكهربائية والسدود المائية والجسور وغيرها.

وأٌذكر القارئ الكريم ببعض ما ورد في المقال اعلاه لتوضيح الصورة والوصول الى تصور لما يمكن ان يحدث خلال الايام والاسابيع القادمة، هل ستقوم حرب شاملة؟ ام حرب محدودة؟ ام لازال المجال متوفراً لتلافي حدوث نزاع مدمر على المستوى الاقليمي والعالمي؟ :

المخطط الاسرائيلي في توجيه ضربة عسكرية مفردة لايران

لقد كانت اسرائيل مستعدة عام 2009 ان تشن هجوماً على ايران لضرب كافة المنشآت النووية الايرانية، وانتشرت هذه المعلومات على نطاق واسع ضمن الدوائر السياسية العالمية،  ولكن ما اوقف العملية هو الخشية من ردة الفعل الايرانية وعدم نجاح الضربة في تحقيق الهدف الرئيسي في القضاء على البرنامج النووي الايراني.

 السيناريو المثالي لاسرائيل 

اما الآن فان الفرصة مؤاتيه بشكل مثالي لإسرائيل في تجنب المواجهة مع ايران بشكل منفرد  ودفع اميركا للقتال نيابة عن اسرائيل وإشعال حرب بين الولايات المتحدة وايران للقضاء شبه الكامل على البرنامج النووي الايراني، فإسرائيل بكل ما تملك من قوة فلا يمكن ان توجه ضربة لإيران تبلغ عشر (10/1) ما يمكن ان تحققه الولايات المتحدة الامريكية بترسانتها العسكرية المهولة حيث ستكون وسيلتها الاساسية للقتال هي  الطائرات والقنابل الموجهة والصواريخ والبوارج الحربية، ولكن قوة ايران ايضاً لا يستهان بها، على مستوى البوارج الحربية والصواريخ الموجهة، وقد تتمكن ايران من قتل المئات من الجنود الاميركان ولكن أي ضربة مؤذية للقوات الامريكية ستواجه بعنف اشد من قبل القوات الامريكية القادرة على التدمير شبه الكامل للبنى التحتية الايرانية من منشأت عسكرية ومنشآت نفطية ومحطات توليد الطاقة الكهربائية وقاعدة صناعية واسعة من الصناعات العسكرية والمدنية.

الفرصة الاخيرة لاسرائيل

إن هذه الفرصة لا يمكن ان تتكرر لإسرائيل، فرئيس الولايات المتحدة هو دونالد ترامب، ومستشار مجلس الامن القومي الامريكي هو جون بولتن ووزير الخارجية الامريكية مايكل بومبيو، ومستشار ترامب لشؤون الشرق الاوسط هو زوج ابنته اليهودي جاريد كوشنر؛ ولا يوجد اي ضمان لاسرائيل ان يعاد انتخاب دونالد ترامب في نهاية فترة حكمه بعد سنة ونصف وايجاد مثل هذه التركيبة المؤيدة بشكل شبه مطلق لإسرائيل ومخططاتها في المنطقة.

مخططات الموساد الاسرائيلي

لا يمكن لإسرائيل ان تفرط بهذه الفرصة الذهبية لإشعالها حرباً امريكية ايرانية، لذلك لا يمكن لاسرائيل ان تقبل خروج ايران من هذا التصعيد لا غالبة ولا مغلوبة؛ فهل سيسعىالموساد لاشعالها حرباً امريكية ايرانية حتى وإن لم يكن البلدان ايران والولايات المتحدة الامريكية راغبان بالحرب؟؟؟

فعلى سبيل المثال عندما ارادت اسرائيل شن هجومها على لبنان في 6 حزيران 1982 قامت بتجنيد ثلاثة فلسطينيين من منظمة (مجموعة ابو نضال) لمحاولة اغتيال السفير الاسرائيلي في بريطانيا (شلومو ارجوف ) في لندن، وشنت هجومها الكاسح والواسع على لبنان الذي خططت له قبل عدة اشهر، بعد ثلاثة ايام فقط من محاولة الاغتيال، وهناك امثلة اخرى تكشف عمليات الموساد في تغيير مسيرة الاحداث العالمية لمصلحة اسرائيل:

- لقد تم اغتيال الرئيس جون كندي عام 1963 وضلت عملية اغتياله لغزاً حتى نشرت جريدة هاآرتس الاسرائيلية مقالاً بتأريخ 2 ايار 2019 كشفت فيه أن الرئيس جون كندي كان يرفض رفضاً قاطعاً تصنيع اسرائيل للقنبلة النووية وخطط لإرسال قوات امريكية لتفكيك مفاعل ديمونا، ولكن بعد اغتياله جاء جونسون فغض طرفه عن المفاعل النووي الاسرائيلي، والبرنامج النووي الاسرائيلي.

- ومن ثم اغتيال روبرت كندي  الذي كاد ان يصل الى سدة الرئاسة الامريكية عام 1968، وذلك انه كان يشكل خطراً على اسرائيل لانه كان يعرف من كان مسؤولاً عن اغتيال اخيه، وتم الامر على يد شاب فلسطيني (سرحان بشارة سرحان) مع العلم انه لم يكن معادياً لقضية فلسطين، لابعاد الشبهة عن الموساد بشكل كامل.

- قضية ايلي كوهين العميل اسرائيلي الذي وصل الى اعلى المراتب في الدولة السورية (حيث كان مرشحاً لمنصب رئيس البلاد) في ستينات القرن الماضي، ولم يتم كشفه إلا بالصدفة.

- اكتشاف العميل الاسرائيلي (محمد شوربة) عام 2014 في اخطر اجهزة حزب الله وهو جهاز امن حزب الله الذي جنده جهاز الموساد الاسرائيلي حيث كشف الكثير من اسرار الحزب للموساد الاسرائيلي.

اعلاه خمسة نماذج من مئات النماذج من قدرات الموساد الاسرائيلي في التغلغل والتخطيط وتغيير مسيرة الاحداث العالمية لما يحقق مصلحة اسرائيل.

 السيناريو المحتمل للموساد الاسرائيلي

ذكرت صحيفة معاريف الإسرائيلية إن جهاز الموساد هو الذي حذّر الولايات المتحدة من هجوم سيستهدفها، وقد علقت وكالة بي بي سي (BBC) البريطانية على هذا التحذير بتاريخ 8 ايار 2019 متسائلةً عن من اوصل هذا الخبر الى الموساد الاسرائيلي من دون اعطاء الجواب، وهنا يمكننا ان نجيب بالتالي:

هناك احتمالان، الاول ان يكون جهاز الموساد قد استقى هذه المعلومات بطرقه الخاصة؛ والاحتمال الثاني هو ان الموساد بقدراته وامكانياته قادر على ان يوجه ضربة شديدة وموجعة للاميركان في المنطقة على يد اشخاص تابعين في الظاهر لايران ولكن موجهين من قبل الموساد بشكل مباشر او غير مباشر، وهذا الاحتمال الاقوى، بل هو من طبيعة جهازالموساد طبقاً لما ذكرناه من امثلة، ولعل تفجير السفن الاربع مؤخراً في الفجيرة هو على نفس السياق.

الحرب القادمة

الآن بدأت تتضح معالم سيناريو الحرب المحتملة؛ اما اسبابها ففي كل جريمة في العالم اول ما يحاول ان يفتش عليه المحققون هو الطرف المستفيد. اعتقد ان معالم هذه الخطة قد اصبحت واضحة؛ ولكن يبقى التساؤل هل سيتم جر اميركا الى حرب في المنطقة لا تبقي ولا تذر، لا تتحقق اي مصلحة لأميركا بل ستكون مدمرة لدول الخليج والعراق ولبنان بل ستمتد آثارها السلبية لكافة دول العالم؟

والتساؤل الثاني؛ ان قامت اميركا بضربة محدودة للبرنامج النووي الايراني فهل  سترد ايران رداً محدوداً؟ ام ستقوم برد عنيف وستستخدم كافة اذرعها في العراق ولبنان وستوجه ضربة موجعة لدول الخليج وسيكون ذلك بداية لحرب عالمية شاملة؟

هذا ما ستكشفه الايام القادمة ونسأل الله ان يجنبنا من الويلات المتوقعة وان يتم ترجيح منطق العقل على منطق التهور والانفعال من دون حساب النتائج ......

 

محمد توفيق علاوي

13 يونيو 2019

 

صائب خليللا شك ان عبد المهدي كان يتمنى من كل قلبه ان لا تحرجه كردستان اكثر، وان تكتفي بكل النهب الذي وفره لها من خلال العديد من الإجراءات، وبضمنها تعيين وزير المالية الكردي. ولا شك ايضاً ان كل أعضاء مجلس النواب كانوا يأملون ويتمنون أن لا تقسوا كردستان عليهم أكثر وتفضحهم امام الناس مكتفية بما ملأوا به الموازنة من نصوص محتالة لمضاعفة حصتها، إضافة الى التغاضي عن عشرات المليارات من الديون الرسمية التي بذمتها والأمور الأخرى اللاشرعية كقوات البيشمركة وموارد الحدود وغيرها، وان تكتفي بالفارق بين ما تنتجه من نفط وما طالبت حكومة عبد المهدي به، والذي يقدر رسمياً بـ ربع مليون برميل في اليوم، وبشكل غير رسمي يقدره خبير النفط حمزة الجواهري بأنه قد يصل الى 650 الف برميل في اليوم (أي ان الكلي 900 الف برميل \ يوم).

حسب الموازنة، فأن كردستان ستحرم من نصف مخصصاتها (وليس كلها) ان لم تسلم أي نفط. فهل يستحق الفارق ان تحرج توابعها بهذا الشكل؟ لنحسبها معا:

نشر الأستاذ ماجد علاوي مقالة تقدم بعض الأرقام التي تمكن من استخلاصها من الموازنة (علماً بأن الموازنة هذا العام قد نشرت بشكل بي دي اف مصور، اي بطريقة يكاد يستحيل فيها البحث عن أي رقم وأي شيء، ولا أظن ان الأمر عفوي). وسوف نستعين بهذه الأرقام لحساب حصة كردستان في الحالتين، (عدا السرقات غير الرسمية وهي اكثر من ان نعددها هنا).

لدى كردستان خياران: الأول ان تسلم 250 الف برميل في اليوم، فتكتفي بحقها النظامي مضافاً اليه كمية النفط الزائدة التي تستخرجها وتقدر بين 250 الف الى 650 الف برميل في اليوم والتي اتاحتها لها الموازنة والحكومة بدون أي مبرر، ان تستولي عليها وتتصرف بها. والثاني هو ان لا تسلم الـ 250 الف برميل وتستولي على كل ما استخرجت، ولا تحصل من حقها إلا على نصفه، الذي اتاحته لها الموازنة بشكل مثير للعجب، وهو دفع بغداد لرواتب كردستان!

بموجب الخيار الأول فأن مبلغ الموازنة الخاضع للحصة (أي المبلغ المخصص للتوزيع على المحافظات والإقليم بعد طرح التكاليف السيادية المشتركة) يبلغ 83,254 تريليون دينار. ولحساب حقيقة حصة كردستان، منها، يجب طرح قيمة الموارد غير النفطية البالغة 11,828 تريليون دينار، لرفض الإقليم تقديم ما يحصل عليه منها إلى الموازنة

وبذلك يكون صافي مبلغ الموازنة المخصص للتقسيم: 83,254 – 11,828 = 71,426 تريليون دينار.

وهنا يجب ان نلاحظ:

أ- حسبت تقديرات معدل تصديرات الإقليم خلال عام 2019 فكانت 500,000 (نصف مليون) برميل باليوم، وهو مطالب بموجب الميزانية تسليم مبيعات 250,000 (ربع مليون) برميل باليوم منها. بهذا تكون الحكومة - من خلال الميزانية - قد أضفت الشرعية على استيلاء الإقليم على ربع مليون برميل، وقيمة هذه الكمية تبلغ 6.04 تريليون دينار.

ب- (والكلام للأستاذ ماجد) كانت رواتب البيشمركة (قوات مدنية – مليشيا – شكلتها الأحزاب القومية الكردية ولا تخضع للقيادة العامة العليا العراقية بل وقد اشتبكت مع الجيش العراقي بالسلاح خلال عملية فرض الأمن واستعادة السيطرة على المناطق التي سيطرت عليها خلال الاجتياح الداعشي ومنها محافظة كركوك وحقول نفطها في تشرين الأول 2017.ع.ل) في الميزانيات السابقة تدفعها حكومة الإقليم من الحصة المقررة لها في الميزانية، أي يجب أن تكون من ضمن حصة الإقليم البالغة9.783 ترليون دينار في الميزانية. ولكن الذي حدث هو أن الحكومة حولت دفع رواتب البيشمركة والبالغة 842 مليار (0.842 ترليون) دينار وجعلتها تدفع من ميزانية وزارة الدفاع في بغداد.

ج- وبذلك فأن الإقليم يأخذ من الناحية الفعلية:

أولا: 9.783 ترليون تخصيصات الميزانية.

ثانياً: 6.040 تريليون من النفط الذي يبيعه الإقليم، .تنازلت عنها حكومة عبد المهدي ووافق عليها البرلمان.

ويكون مجموعهما : 15,823 وليس ال9.783 ترليون المنصوص عليها في الموازنة

وتكون نسبة حصتها : 15,823 \ 71,426 = 22% وليس 12,67% المنصوص عليها في الموازنة.

وإذا حسبنا

ثالثاً: 0.842 تريليون رواتب البيشمركة التي صارت تدفعها وزارة الدفاع والتي لا يوجد لها أية سيطرة عليها أو مبرر لها، كجزء من الحصة وليس النفقات السيادية العامة، يكون المجموع الفعلي لما يقبضه الإقليم من واردات العراق في الخيار الأول، أي بتسليم حصته من النفط، 16.665 تريليون دينار، ، وتكون نسبة حصة كردستان 16.665 \ 71,426 = 23,3 %

وسواء اعتبرت البيشمركة جزء من الجيش العراقي (ولا اظن ان هناك كردي او عراقي يعتبرها كذلك) فموازنة كردستان اكبر بكثير مما نصت عليها الموازنة ونسبتها اعلى بكثير.

لكن هذه النسبة لم ترق لساسة كردستان، فهناك مال إضافي تتيح لها نصوص الموازنة السطو عليه، اذا اختارت الخيار الثاني.

الخيار 2- أن تمتنع عن تسليم حتى الربع مليون برميل المطلوب منها، وتصدر كامل النفط المستخرج لحسابها، أي 500 الف برميل في اليوم.

وهنا تحسب كردستان ان الحكومة في هذه الحالة، لن تسلمها كل حصتها وإنما فقط رواتب الموظفين.

وهناك خلاف كبير حول عدد الموظفين ورواتبهم حيث تتراوح الأرقام الكردية نفسها بين 682 ألف و حتى 1,4 مليون موظف، أي أكثر من الضعف! وهذا الفرق يشرح وحده المهزلة ومدى إمكانية الثقة بحكومة كردستان وارقامها بالنسبة لكل شيء!!

دعونا نأخذ المبلغ الذي تحدث عنه عبد المهدي بدون الدخول بالتفاصيل، حيث قال ان تلك الرواتب تساوي نصف المبلغ المخصص لكردستان (المخصص نظريا، أي 9.783 وليس الفعلي 16.665 )، وبذا فأن كردستان ستأخذ النصف وتخسر النصف الآخر، أي انها ستخسر 4,891,5 ترليون دينار، وتكسب سعر الـ 250 الف برميل في اليوم الإضافية، أي 6,040 مليار دينار، أي انها ستربح الفرق البالغ 1,148,5 ترليون دينار.

وفي هذه الحالة تصبح حصتها 16,665 + 1,148,5 = 17,813,5 ترليون دينار.

وتكون نسبتها من الموازنة 17,813,5 \ 71,426 = 25% وليس 12,67%

 

وإن اعتبرنا جزافاً ان البيشمركة جزء من الجيش العراقي الاتحادي أي تحت سيطرة رئيس الوزراء، وبذلك تحتسب كلفتها ضمن الكلفة السيادية، فأن حصة كردستان ستعتبر:

17,813,5 - 0.842 = 16,970,5 ترليون دينار

وتكون النسبة 16,970,5 \ 71,426 = 24% تقريباً ، وليس 12,67% كما نصت الموازنة، بل ضعفها تقريبا!!

لا عجب إذن في ان تختار كردستان السرقة التي توفر لها مبلغاً اكبر، ولا أتصور أن الأمر ليس مخططاً تماما وأن عبد المهدي الذي يظهر دهشته لموقف كردستان (أو بقية الشلة التي كتبت الموازنة)، كان يتوقع منها موقفاً آخر حين تركوا لها اختيار ان لا تقدم الربع مليون برميل مع بقية السرقات المعتادة.

لكن من الواضح أيضاً، اننا حتى لو لم نحسب السرقات التي اشتهرت كردستان بها مثل موارد الحدود والنفط المهرب إلى تركيا وما يسمى النفط المهرب الى الداخل، ولو صدقنا كل ارقام كردستان كما قدمتها كردستان، ولو التزمت كردستان فوق ذلك بحصة الـ 250 مليون برميل، فأن الـ 250 الف برميل الأخرى ستعطيها افضلية أكثر من 6 ترليون دينار. من الذي يحق له ان يتبرع بهذا المبلغ؟ الدستور يقول ان حصة الموازنة توزع حسب نسبة السكان. وكردستان تقول ان نسبة سكانها 12,67 %. فمن اين اتى النواب بالحق ليتبرعوا لها أموال الناس ليصل ما تستلمه ضعف حصتها؟ لو أنهم كتبوا في الموازنة ان لكردستان 24% أو 22% لثار الناس واحتجوا، ولكن ما الفرق؟ ما الفرق ان تعطي شخصاً أموالاً أو تعطيه جزءاً منها بشكل نفط أو بضاعة بقيمة تلك الأموال؟

 

صائب خليل

 

سامان سورانيمن الواضح أن ثورة الإنترنت والتحولات الرقمیة في عصر العولمة والمعلومة والصورة دخلت في خلایا وأنسجة هذا العالم وأثرت علی جمیع جوانب حیاة البشر، بما في ذلك العلاقات الدولية. إذ إنها تحولت بفضل وسائل الإعلام الرقمیة الی دبلوماسية وأداة تستخدم في السیاسة الخارجیة.

کلنا نسبح الیوم في فضاء سبراني إلکتروني، هذا الفضاء غیر بتقنیاته وثوراته وتحولاتە خارطة العلاقات بكل شي، بالكائن والحادث، بالمکان والزمان، بالحاضرة والذاکرة، بالفکر والحقيقة، لذا تعتبر الدبلوماسية الرقمیة في هذا الزمن التقدمي التصاعدي علم يجب تعلم قواعده، وهي فن يتعين الوقوف على أسراره.

لقد أستخدم دونالد ترامب لغة التغریدات الإلکترونیة کأداة لأعلان إنسحاب بلاده من الإتفاق النووي ومن ثم بدأ بالحصار الإقتصادي ضد إیران لیتبعه حصار عسکري، بعد ذلك قام بتصنیف الحرس الثوري الإيراني کمنظمة إرهابية، ما شكل ضربة مؤلمة للنظام الايراني.

ثم أعلن بعده بأرسال حشد قوة بحرية وجوية ضاربة، تنفيذاً لاستراتيجية "الضغوط القصوى" علی إیران، بأعتباره خطر علی العالم أجمع. التعزیزات العسکریة الأمریكية المرسلة الی منطقة الشرق الأوسط تضم حاملة الطائرات "أبراهام لنكولن" وخمس سفن حربية أخرى، بالإضافة الی نشر قاذفات استراتيجية من طراز "بي ٥٢" في قاعدة العيديد القطرية التي يتمركز فيها نحو عشرة آلاف جندي أمريكي، إعادة نشر بطاريات صواريخ باتريوت، ك وتعزيز تلك القوات بسفينة هجومية برمائية

بحسب المعلومات العسکریة المنشورة تملك الولایات المتحدة الأمریکیة قواعد عسکرية في المنطقة يعود تاریخ تمرکزها الی فترة حرب الخلیج الأولی عام ١٩٩١. منها قاعدة للأسطول الأمريكي الخامس في البحرين، ومقر الجيش الأمريكي الثالث في الكويت الذي يوجد فيه ١٦ ألف جندي أمريكي، وقوات أخرى في قاعدة الظفرة في الإمارات فيها حوالي ٥ آلاف جندي، إلى جانب قواتها الخاصة في اليمن، هذا بالإضافة إلى أن لديها اتفاقية لاستخدام موانئ ومرافق ومطارات عُمانية. تقود الدبلوماسية الحديثة في عالمنا الحالي ومنذ الحرب العالمية الثانية الساحة الدولية. فالحرب هي أعلى درجات الدبلوماسية، یمکن أعتبارها وسيلة من وسائل التفاوض عندما يتوقف الشكل الطبيعي للتفاوض، ويصبح غير نافع في إيجاد حلول مناسبة. وللحروب أسباب یمکن تلخیصها كالآتي: "الدفاع عن الوجود، جلب مصالح عظيمة، فرض أمور لا تستقيم الحياة إلا بها".

بالحروب الدبلوماسية تستطيع كل دولة أن توطد مركزها وتعزز نفوذها فى مواجهة الدول الأخرى. لذا قام الرئیس دونالد ترامب بتشکیل فریق یسمی "مجموعة العمل الإيرانية"، یرأسه براين هوك، مدير التخطيط في وزارة الخارجية، بهدف تقدير الموقف وإعداد الخطط والبدائل المختلفة لتنفیذ إستراتیجیة تقلل من التهدیدات ولاهجمات المحتملة ضد القوات أو المصالح الأمریكیة.

الهدف القريب من الضغط على إیران هو إلغاء دورها الإقليمي وإلزامها حدودها الوطنية، وأن هذا المعنى ورد في تغریدات الرئیس دونالد ترامب وعلى لسان مستشارە في الأمن القومي جون بولتن ووزير خارجيته مایك بومبیو، الذي هدد بالعمل الجاد علی تصفير صادرات النفط الإيرانية كلياً وتجفيف منابع إيرادات طهران من النفط لحين الامتثال لمطالب واشنطن ولكي تقوم حکومة طهران بکبح برنامجها النووي واختباراتها للصواريخ الباليستية وتدخلها في العڕاق وفي الصراعات الدائرة بسوريا واليمن.

فالعمل الدبلوماسي يشتمل على دراسة أرض العمليات والعدو ومقارنة القوات والأسلحة بمقارنة نقاط القوة والضعف فى إمكانيات القوة الشاملة، وبحث مجال المجهود الرئيسي، وتقدير الموقف وإعداد الخطط والبدائل المختلفة.

أما الدبلوماسية فإنها، کما یفسرها الفیلسوف توماس هوبر، أداة تابعة للحرب وتعد لها حيث تستخدم لتقنين عملية الاستسلام دون قيد أو شرط . بحسب رأیه ليس هناك مفاوضات وإن كانت فتكون تافهة وشكلية لان الهدف هو إجبار الخصم.

 

الدکتور سامان سوراني

 

كاظم الموسويخلال فترة قصيرة شهد الملف السياسي الأمريكي إلايراني تموجات وتناقضات وتبدلات مفارقة في الأغلب الاعم، فيما كشف عن استخدام الأزمة لأكثر من هدف سياسي واستراتيجي. فمنذ حملته الانتخابية شن الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب حملة معادية وهجوما متنوعا ضد الجمهورية الإسلامية في إيران، وخاصة حول الملف النووي والاتفاق عليه بين الدول الكبرى والتوقيع عليه ومصادقة مجلس الامن الدولي والأمم المتحدة، وهو ما قام به بهذا الشأن، بعد توليه زمام السلطة في كانون الثاني/ يناير 2017، اعلن في8  حزيران/ مايو 2018، انسحاب بلاده من الاتفاق حول برنامج إيران النووي وفرض لاحقا مجموعة عقوبات قاسية على الجمهورية الإسلامية، بالإضافة إلى تصنيف الحرس الثوري الإيراني تنظيما إرهابيا، الخطوة التي ردت عليها طهران بإدراج القوات الأمريكية في المنطقة على قائمة الإرهاب الإيرانية. وهذا إعلان صريح للحرب تحت غطاء إعادة النظر فيه والتفاوض من جديد حوله ووضع شروط جديدة ومن ثم عقوبات متصاعدة لخنق الشعب الايراني والدعوة إلى إسقاط النظام واتهامه بدعم الإرهاب. ومن ثم خطا الرئيس الأمريكي خطوة أخرى بإقالة ابرز المساعدين له من الشخصيات الواقعيية والعاملة من أجل سياسات أمريكية خارجية متوازنة ومتوافقة، كوزير الخارجية السابق ريكس تيلرسون وحتى وزير الحرب جيمس ماتيس، وتكليف أو تعيين ما يسمون بصقور الحرب كجون بولتون من جماعة المحافظين الجدد، أو وزير الخارجية مايك بومبيو، مدير المخابرات السابق، وامثالهما.

معروفة مواقف المساعدين الجدد لترامب، من ايران، فبولتون يعلن دائما عداءه لطهران وعمله لإسقاط النظام فيها وتشديد الحصار عليها والعقوبات لخنق الشعب الايراني وتجويعه ودفعه للتمرد والمطالبة بإسقاط النظام. وخرج وزير الخارجية بومبيدو بقرارات وتوجيهات تطالب طهران بتنفيذها والاذعان لها، وهي شروط عرفت باسمه عن الإدارة الأمريكية والتي تتلخص في عداء سافر لإيران، وصولا إلى ما يطلق عليه بسياسة حافة الهاوية، وتوقع شن حرب وعدوان امريكي على طهران. ومن ثم ارسال حاملة طائرات وقاذفات وبوارج حربية للخليج والسواحل العربية القريبة من السواحل الإيرانية، وتسمين القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة بإعداد ومعدات أخرى. مع الحديث عن تصريحات لترامب تقول بأنه بانتظار اتصال من طهران للتفاوض وترك رقم هاتف عند الإدارة السويسرية التي تمثل واشنطن في طهران.

في مقال بصحيفة الغارديان البريطانية تساءل الكاتب سايمون تيسدال عما إذا كانت الولايات المتحدة على شفا حرب مع إيران، وقال إن الأحقاد القديمة بين البلدين وما يتوافر لديهما من أسلحة تفاقم فرص اندلاع هذه الحرب. وقال الكاتب إنه في الوقت الذي يتحدث فيه صقور الإدارة الأميركية عن تهديدات إيرانية وشيكة دون دليل ملموس كما سبق أن حصل قبل اندلاع حرب العراق يلاحظ أن المتشددين هم الأعلى صوتا أيضا في المشهد الإيراني. ولاحظ الكاتب أن البيت الأبيض بدأ يصنع بعبعا دوليا جديدا هو إيران، وأنه دخل مرحلة اتخاذ قرار إن كان سيهاجمها أم لا.

وفي إطار توقعات الحرب، نشرت مجلة نيوزويك الأميركية مقالا للكاتب توم أوكونور تساءل فيه عما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على دحر الأسطول العسكري الإيراني، مؤكدا أن من يتابع استعراض القوة الذي تقدمه إيران سيعرف أن هذه الحرب لو اندلعت فلن تكون سهلة أبدا. وأوضح الكاتب “صحيح أن الولايات المتحدة تعد أكبر قوة عسكرية بحرية في العالم ولها صولات وجولات في المناورات البحرية، لكن سجلها في المواجهات الحربية الفعلية كان حافلا بالسقطات، ولو تمت المواجهة مع البحرية الإيرانية فستكون مميتة لا محالة”. ولفت إلى امتلاك إيران قوتين بحريتين، الأولى سلاح البحرية التقليدي والثانية أسطول النخبة التابع للحرس الثوري الإيراني، وأن تلك السفن مزودة بصواريخ يقال إنها جاهزة للتعامل مع أحدث الأسلحة الأميركية، لكن بعض المراقبين يستبعدون امتلاك طهران هذه القدرات، حسب مقاله.

ويأتي هذا الحديث أيضا في ظل ما ذكرته وسائل إعلام سعودية عن أن الرياض ودولا خليجية أخرى وافقت خلال اجتماع عسكري في البحرين على إعادة نشر قوات أميركية على اراضيها. وكان الرئيس الأمريكي قد هدد إيران، محذراً من تداعيات تهديد الولايات المتحدة. موضحاً على حسابه الخاص على تويتر،:" إذا كانت إيران تريد الحرب، فستكون نهايتها الرسمية، لا تهددوا الولايات المتحدة مرة أخرى!".

رغم كل التصعيد وتوسيع حدود التوتر والاتهامات بين الطرفين، وتوظيف الإعلام الأمريكي وحلفائه في البلدان العربية المتخادمة معه، وشحن المناخات السياسية والإعلامية بطبول الحرب، رغم ذلك تغيرت الوجهة السابقة لسياسة ترامب وادارته، اذ أعلن الرئيس الأمريكي، بعد كل ما سبق،  أن الولايات المتحدة لا تسعى لتغيير النظام في إيران، بل إلى منعها من امتلاك ترسانة نووية. وقال ترامب، خلال مؤتمر صحفي عقده مع رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي في طوكيو: "لا أتطلع إلى الإضرار بإيران إطلاقا، بل إلى دفعها للقول: لا للأسلحة النووية". وعاد ترامب في تصريحاته على ما يبدو إلى نفس الاستراتيجية التي سبق وأن استعان بها تجاه كوريا الشمالية العام الماضي، قائلا: "أعتقد أننا سنبرم صفقة... أعتقد أن لدى إيران قدرات اقتصادية هائلة، وأتطلع إلى السماح لهم بالعودة إلى مرحلة سيستطيعون فيها إظهار ذلك". ووصف ترامب الإيرانيين بأنهم "شعب عظيم"، مشيرا إلى أن إيران يمكن أن تكون دولة عظمى مع نفس القيادة، وتابع: "لا نتطلع إلى تغيير النظام، وبودي أن أوضح ذلك. نتطلع إلى غياب السلاح النووي".

 أشار ترامب أثناء اجتماعه مع آبي، إلى علاقات جيدة جدا تربط رئيس الحكومة اليابانية وبلاده عموما بإيران، مرحبا بسعي طوكيو إلى الاضطلاع بدور الوسيط بين واشنطن وطهران. وقال: "رئيس الوزراء كان قد بحث معي هذه المسألة وواثق بأن إيران تريد التفاوض. وإذا أرادوا التفاوض فإننا نريد أيضا. سنتابع ما سيحدث، ولا يرغب أحد، وأنا بالدرجة الأولى، أن تحدث أمور مرعبة"!

تحولات ترامب حول إيران وسحب بوارجه وسفنه من قرب حدود إيران ليست بدون اسباب وتداعيات وعواقب فرضتها، ورغم أن الحرب خدعة، لابد من الإنتباه للتحولات، والعمل لبناء بيئة آمنة في المنطقة واحترام الأمن والسلام الإقليمي والدولي.

 

كاظم الموسوي

 

حسام الدجنيماذا لو ارتدينا قبّعة صانع القرار في تل أبيب، وفكّرنا في حصر كافة الخيارات للتعاطي مع ملف غزة..؟ وبناءً عليه تبدأ  فصائل المقاومة المناورة على قاعدة القدرة على توظيف المكسب والخسارة في الصالح الوطني العام.

هنا لابد من الوقوف عند أهمية قطاع غزة بالنسبة لإسرائيل، فهذه المنطقة الجغرافية التي تبلغ مساحتها 360كم2، ويسكنها 2 مليون ونيف نسمة، وتطل على ساحل شرق المتوسط وهي منطقة تعوم على الغاز الطبيعي، وحدودها مع سيناء المصرية ما يقارب 14 كم، بينما حدودها مع دولة الاحتلال 40 كلم تقريباً.

هذه المنطقة ذات الكثافة السكانية الكبيرة، وصت معدلات الفقر فيها إلى أكثر من 53% لعام 2017م حسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، وهذه النسبة في ارتفاع لا سيما بعد الإجراءات العقابية التي فرضتها السلطة الفلسطينية على قطاع غزة، ومؤشرات البطالة هي الأعلى لا سيما بين الشباب، وهو ما يترتب عليه حالة من الإحباط تسود بين الأوساط الشبابية.

صانع القرار في إسرائيل يراقب حركة النملة في قطاع غزة، في ظل حكم حركة حماس التي بوجود حكمها تطورت البنى العسكرية لفصائل المقاومة، وهو ما يشكل تهديداً كبيراً على إسرائيل.

وفق ما سبق وغيرها يبقى السؤال ما هي خيارات إسرائيل للتعاطي مع قطاع غزة...؟

أولاً: خيار التحكم عن بعد

أعادت إسرائيل انتشارها في قطاع غزة عام 2005م، ولم تنسحب منه كما تدعي، أو كما يحاول أن يوصفها البعض، وربما جوهر خطة فك الارتباط التي قام على تنفيذها أرئيل شارون هو التخلص من عبء الكتلة الديموغرافية في قطاع غزة، وتركها تلقى مصيرها، والتحكم عن بعد في مداخل ومخارج قطاع غزة، وهذا السيناريو هو الأقل كلفة بالنسبة لإسرائيل، وهو ما تعمل عليه الآن: تفتح المعابر متى شاءت وتغلقها متى تشاء، وهذا السلوك ينطبق على كل شيء بما يرسخ معادلة الهدوء مقابل الهدوء، مع استمرار الحصار والانقسام الذي يمس بجوهر الوعي الجمعي ويدفعه نحو الهجرة أو التدجين أو الهزيمة الداخلية عند البعض.

لا أحد يختلف أن الحصار هو الوجه الآخر للحرب، أي الحرب الناعمة غير المكلفة بالنسبة له، ومن وجهة نظري هو أخطر من الحرب المسلحة، لأنه يستهدف كل شيء حي في غزة، ويهتك في عضد المناعة لدى المواطن الفلسطيني.

بالمناسبة تطبّق إسرائيل هذا التوجه مع الضفة الغربية، وحالة الاحباط لم تعد غزاوية، بل بات الجميع يدرك أن مشروعي المقاومة والتسوية مستهدفان عند إسرائيل، كونهما يمثلان مرتكزات المشروع الوطني الفلسطيني الذي يقوم على العودة والتحرير ولتحقيقهما نحن بحاجة للتفاوض والمقاومة بكل أشكالها.

ثانياً: خيار الضربات العسكرية

بالإضافة إلى خيار التحكم عن بعد تعمل إسرائيل ضمن مبدأ حرب الاستنزاف، وهي تهدف من الجولات القتالية تحقيق ثلاثة أهداف:

- المساس بفصائل المقاومة واستنزافها مالياً وعسكرياً.

- المساس بالحاضنة الشعبية للمقاومة من خلال المساس بالمدنيين في بعض المواجهات العسكرية.

- توحيد المجتمع الإسرائيلي الذي يتوحد على الدم العربي، في ظل التباينات والتناقضات التي تهدد وحدة تركيبته المجتمعية.

 ثالثاً: خيار الاحتواء والجزرة

هناك أصوات داخل إسرائيل تتبنى هذا الخيار، وجوهره رفع كامل للحصار والسماح للغزيين بأن يكون لهم ميناء ومطار وتنمية، وبذلك تصبح المقاومة تمتلك مقدرات تدفعها لعدم الدخول في حرب خشية من المساس فيها.

محاذير هذا الخيار بالنسبة لصانع القرار في إسرائيل هو أنه سيعزز لدى الوعي الجمعي الفلسطيني بأن المقاومة انتصرت وأنه بالقوة ممكن تحقيق النتائج، وانعكاس ذلك سلباً على مستقبل السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية ودورها الأمني الوظيفي.

 رابعاً: خيار اعادة احتلال غزة

بعض أقطاب اليمين يكررون الحديث عن ضرورة احتلال قطاع غزة، وهو ما يرفضه الكثيرون، انطلاقاً من أن هذا الخيار ممكن أن نسميه الخيار الأسود بالنسبة لإسرائيل، فالاحتلال يعني تحمل مسئولية قطاع غزة، وربما ترى إسرائيل نفسها مضطرة للتعاطي مع سيناريو ضم قطاع غزة لإسرائيل، ويضعف هذا الخيار الإجابة على التساؤلات التالية:

- هل تحتمل إسرائيل فاتورة الخسائر البشرية في الطرفين؟

- من سيحكم قطاع غزة بعد حماس؟

- ماذا بعد احتلال قطاع غزة التي انسحبت إسرائيل منه عام 2005م، وأقر الكنيست قانون القومية الذي يهدف للتخلص من غير اليهود في الداخل الفلسطيني المحتل.

 خامساً: خيار دفع غزة باتجاه الحكم المصري

هناك تسريبات تتحدث أن صفقة القرن تؤسس لدولة غزة على حساب سيناء، ولكن إسرائيل الخيار الأمثل بالنسبة لها يتمثل في رمي غزة تحت الإشراف المصري، وأجزم أن هذا التوجه ترفضه مصر وفلسطين على حد سواء.

 

الخلاصة: في ضوء الخيارات السابقة، وغيرها من الخيارات بات من الضروري البحث في التعاطي مع الخيارات السابقة على النحو التالي:

1- وحدة الموقف الفلسطيني في هذا التوقيت بالذات ضرورة تقتضيها المصلحة الوطنية العليا، بعيداً عن كل التحديات التي تعترض تحقيقها.

2- توحيد جهود الشعب الفلسطيني وعدم السماح لإسرائيل في التعاطي مع غزة والضفة والقدس وفلسطينيو 1948م كملفات منفصلة ومستقلة، ينبغي أن تتوحد الجبهات والأدوات في كافة أماكن التواجد الفلسطيني ومن يناصر العدالة الدولية.

3- زيادة فاتورة الاحتلال عبر تكثيف مسيرات العودة السلمية في مناطق التماس مع الاحتلال،  مع ضرورة استثمار التفاهمات أمام العالم للتأكيد على أن إسرائيل هي من تدفع المنطقة نحو الانفجار.

4- ضرورة تفعيل منظمة التحرير الفلسطينية مع الدعوة لعقد الإطار القيادي المؤقت بما يعزز من صدارة جهة واحدة تمثل الكل الوطني في مواجهة التحديات.

5- التفكير الجاد في دراسة خيار الدولة الواحدة الديمقراطية بعد تآكل حل الدولتين.

6- عين إسرائيل على سواحل شرق المتوسط حيث الغاز وعليه ينبغي أن تكون عين المقاومة والقيادة الفلسطينية في الدفاع عن موارد الشعب الفلسطيني بكل الوسائل والسبل.

7- يجب أن لا نبحث عن خيار المواجهة العسكرية ولكن في نفس الوقت لا نخشاها، وعليه لابد من تدمير نظرية الهدوء مقابل الهدوء.

8- التقاضي الدولي مسألة بالغة الأهمية ينبغي دراستها لمواجهة الحصار والجرائم الصهيونية ضد شعبنا الفلسطيني.

9- لابد من استثمار الدور الصيني الجديد بعد مبادرة الحزام والطريق وتوجهات الصين الجديدة في المنطقة، وكذلك الدور الروسي وغيره من الدول الصديقة للشعب الفلسطيني.

10- تستطيع وحدات التفكير دراسة كافة الخيارات الإسرائيلية في التعاطي مع غزة، ووضع الرؤى في كيفية تمرير وتعزيز الخيار الذي يخدم المصالح الوطنية العليا وهو يستوجب صياغة استراتيجية وطنية تنسجم وطبيعة المتغيرات والتحديات.

 

د. حسام الدجني

كاتب ومحلل سياسي فلسطيني

 

عبد الحسين شعبانأعادني اجتماع نابولي لحقوقيي البحر المتوسط إلى عقود خلت، كان فيها لكلمة التضامن وقع شديد وتأثير فاعل، ولا سيّما في الأوساط الحقوقية والقانونية، وتحسب لها السلطات ألف حساب، وخصوصاً لردود الأفعال التي قد تترتّب عليها داخلياً وخارجياً. وكان للتضامن الدولي دوره الكبير في تغيير اتجاه أو التراجع عن خطوة أو التوقف عن إجراء يتعلق بقضايا سياسية أو تحسين معاملة لسجين رأي أو إطلاق سراح معتقل أو غير ذلك.

وقد روى لي المناضل الفلسطيني الراحل تيسير قبعة يوم كان سجيناً في الأرض المحتلة، مدى التأثير والتأثّر الذي حصل في تعامل سلطات الاحتلال معه، جرّاء الحملة التي انطلقت في عواصم عالمية وعربية لتوضيح مصيره ومن ثم المطالبة بحرّيته، كما كانت حملة التضامن العالمي وراء القوة المعنوية التي امتلكها نيلسون مانديلا الذي استمر حبسه 27 عاماً، خصوصاً في «اللحظة السحرية» حين كان يعلم فيها انطلاق حملات تضامن حقوقية معه، وكان لسلوكه الإنساني اللاحق دور كبير في سيادة قيم التسامح والسلام والتعايش وعدم الانتقام أو الثأر أو الكراهية.

ويمكنني القول: إن التضامن أصبح حقاً من حقوق الإنسان في البلدان التي يكون فيها الرأي العام صوتاً مسموعاً، خصوصاً بصدور قرار الأمم المتحدة رقم 55 لعام 2005، بخصوص الحق في التضامن، سواء كان مع الشعوب أم مع بعض الجماعات والقوى أم مع الأفراد، وهو ما يتطلّب إجراءات وقائية وأخرى حمائية، ووضع استراتيجيات لمنع حدوث الانتهاكات والتجاوزات.

وبقدر ما أصبح التضامن ضرورة لا بدّ للمجتمع الدولي من الاضطلاع بها، فإن بعض تطبيقاته امتازت بالتوظيف السياسي، والأمر شمل الضحايا واللاجئين والمهمشين والبيئة والأوبئة والأمراض والحروب والاتجار بالبشر والمخدرات وتجارة السلاح والتعصب والتطرف والعنف والإرهاب. وبعد انتهاء الحرب الباردة في أواخر الثمانينات وهيمنة قطب واحد على العلاقات الدولية، ضَعُفَ دور التضامن وتأثيره، وتصدّعت جبهة المتضامنين، وخشي الكثير منهم من التشويه الذي يمكن أن يلحق به، كما لم تعد الحكومات تعيره الأهمية ذاتها التي كان يحتلها يوم كانت تأخذ بنظر الاعتبار حجمه وامتداده، بما يؤثر في سياستها الداخلية ومواقفها إزاء بعض القضايا الدولية، حتى اعتُبِرَ من يتضامن مع المقاومة ويدافع عن حقوق الشعب العربي الفلسطيني العادلة والمشروعة «إرهابياً» أو يُحسب على ملاك «الإرهاب»، ولا سيّما بعد تشويه صورة التضامن وإلصاق التهم جزافاً بمن يتضامن، وتلك مفارقة حقيقية.

ولعلّ أبرز وأهم حملة تضامن بعد انهيار جدار برلين في ال 9 من نوفمبر / تشرين الثاني عام 1989 والإطاحة بأنظمة أوروبا الشرقية، وتحلّل الاتحاد السوفييتي، كانت عشية الحرب على العراق (عام 2003)، والتي شملت أكثر من عشرة ملايين إنسان وعشرات العواصم والمدن الأوروبية، وكانت مطالبها الأساسية منع الحرب وحماية السكان المدنيين الذين عانوا من الحصار لنحو 12 عاماً، فضلاً عن زيف ادعاءات القوى والبلدان التي تريد شنّ الحرب بزعم وجود أسلحة دمار شامل، وعلاقة نظامه الديكتاتوري السابق بالإرهاب الدولي، والسعي لإيجاد نظام ديمقراطي بديل عنه.

وعلى الرغم من محاولات التضليل والخداع التي كانت تمارس بأشكال مختلفة للحيلولة دون أن يصل التضامن إلى مبتغاه، فإن الكثير من الحقائق باتت جلية وواضحة، الأمر الذي سيعيد إلى التضامن بريقه الباهر وصورته البهية، سواء على الضحايا أو على المرتكبين، وذلك لعدة دلالات:

أولها: أن حملات التضامن حتى وإن لم تؤتِ ثمارها في اللحظة المعينة، لكنها تشكّل رصيداً مستقبلياً يمكن المراكمة عليه، لتأكيد عدالة القضية التي يتضامن معها العالم.

وثانيها: أن التضامن معيار أخلاقي لرفض الظلم والدعوة إلى تحقيق العدالة بغض النظر عن الموقف السياسي، مثلما هو تعبير عن شراكة إنسانية وصداقة قائمة أو محتملة لما يتركه فعل التضامن من تأثير في النفس.

وثالثها: أن الشعوب والحركات والأفراد الذين يُتضامن معهم يشعرون بالقوة في مواجهة التعسف، لأنهم ليسوا وحدهم في المعركة.

ورابعها: أن الأطراف المرْتكِبَة حتى وإن أظهرت عدم اكتراثها بأصوات التضامن وازدراءها للحملات التضامنية، لكنها لا بدّ أن تعيد حساباتها، والمسألة مرتبطة بتصاعد حركة التضامن وامتداداتها لتصل إلى داخل صفوفها، وهو ما لا يمكن تجاهله إلى ما لا نهاية.

ولذلك كان إعلان نابولي الذي صدر عن اجتماع حقوقيي البحر المتوسط منسجماً مع المعايير الأربعة، حين أكّد على حقوق الشعب العربي الفلسطيني، وفي المقدمة منها حقه في تقرير المصير، وعلى احترام الإرادة الحرة لشعوب المنطقة، وعلى تصدّيها للإرهاب الدولي، وحقها في التنمية المستقلة، وإدانته وشجبه سياسة الرئيس الأمريكي ترامب، بشأن اعتبار القدس عاصمة ل «إسرائيل»، خلافاً لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 478 لعام 1980، أو اعتبار الجولان السورية «إسرائيلية» بالضد من القرار رقم 497 لعام 1981، كما اعتبر الإعلان «إسرائيل» بممارساتها العنصرية بؤرة حرب مستمرة وخطراً على السلم والأمن الدوليين. وفي ذلك فعل من أفعال المواجهة لتأكيد عدالة القضايا الإنسانية، وترابطها على المستوى الكوني.

 

عبد الحسين شعبان

 

مهدي الصافيعندما يذكر العالم ان الحياة هي الصراع او الصدام الدائم بين الحضارات، هو بالطبع مايقصد به الصراع التاريخي الازلي بين الخير والشر (تجسد كما يقال في بداية الخلق بقصة هابيل وقابيل)، وهو بالحقيقة ايضا صراع بين الحاكم والمحكوم، بين السياسة القذرة التي تمارس وتنتهج عمدا وتتبع كل السبل الوضيعة والانحرافات الرخيصة والاختراقات والمراوغات والتعميات والتغطيات والالاعيب من اجل المنافع الذاتية (الشخصية) لمنظومة الطبقة او الاسرة او المجاميع الحاكمة تجاه الطبقات المحكومة..

من هو الحاكم؟:

هو يبدأ من قمة هرم السلطة السياسية ثم تنزل الى المستويات السيادية الادنى، تحت سلطة المسؤول او المدير او الرئيس او رب العمل، وتبدأ ايضا تلك الظاهرة بالدوران في الفضاءات او في بقية السلطات المتداخلة، كالسلطات الدينية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية او التجارية الخ.

ففي كل تلك المجالات هناك حاكم ومحكوم، رئيس ومرؤوس، مدير وموظف، تاجر وكاسب، اقطاعي وفلاح، معلم او استاذ وطالب او تلميذ، غني وفقير، مجرم وضحية، سيد وعبد، قائد ومقود او مقاد، الخ.

هذه السلطات الاستبداية التاريخية التي تمثل كما نعتقد جوهرعالم محور الشر، هي سلطات تتفاوت نسبة تأثيراتها القذرة تبعا للظروف والبيئة والموروث واحيانا الاديان، وكذلك تزداد وتتسع دائرتها وحجمها وفقا للطبيعة الثقافية والمستويات العلمية للامم والشعوب المختلفة، ولكن ان ترى ان في الحضارة الغربية العلمانية (فضلا عن بقية دول العالم) انتشار كبير للمصالح التجارية والاقتصادية التي تديرها العوائل والاسر الثرية او المتوسطة الدخل، فهذا يعني ان النزعة السلطوية الاستبدادية في الميدان التجاري كبيرة جدا ومتزايدة، بل وفي اوج مستوياتها، تدفع بالناس ان تبتعد عن تلك الضغوطات والمسؤوليات والاملاءات والرقابة الروتينية المقرفة لاصحاب المصالح الرأسمالية الكبيرة تجاه الطبقة العاملة، وكأنه مجتمع حيتان واسماك بشرية ضعيفة، وهي اكبر دليل على حالة الحرب المستمرة بين قوى الشر والخير (اي الحاكم والمحكوم) ...

من هو المحكوم؟:

كما ذكرنا سابقا هم ادوات ومادة والات وعجلات ووسائل ووسائط بشرية تستغلها السلطات الحاكمة نحو اهدافها الخاصة، هم غالبية المجتمعات الانسانية، بدأت تلك القصص منذ اساطير الحضارات القديمة، وتفاعلت بقوة مع ماجاءت به الاديان جميعها، هي رسالة متوارثة متجذرة عن اساليب الطاعة والخضوع والاستسلام التام من قبل المحكوم تجاه الحاكم (الاله في الحضارات القديمة، الخالق عزوجل الذي حولته الاديان الى اله ارضي بعد ان تجاوزت عظم وكبر المسافة الهائلة بين الخالق الحقيقي والاله البشري)، اي ان المشكلة الاكبر المتوارثة التي واجهتها البشرية منذ القدم ولازالت هو سلطة الحاكم (الاله او الامبراطور او الملك او الرئيس او المسؤول الخ.) الارضي المستبد، الذي لايتوقف ولايحده حد من استخدام واستحضار اية حجج واعذار واساليب شرعية او غير شرعية، اخلاقية او غير اخلاقية، منطقية انسانية علمية او العكس، لبسط النفوذ والهيمنة والاستحواذ المطلق على مقدرات ومصائر الشعوب والعالم برمته، لاهم لهم سوى ان تتسلط قوى الشر وان تمر افكار الحاكم الكوني المطلق فوق رؤوس المحكومين (المجتمعات البشرية)، بما فيها المجتمعات المتحضرة الحديثة.

لازالت اللغات والاساليب والاهداف والصراعات والمحاولات الاستبدادية هي النموذج العالمي المطبق في حركة المجتمعات والدول الحديثة...

قد يطرح سؤال مهم عن الحلول العلمية الواقعية التي يمكن لها ان تجد مخرجا جوهريا لمثل هكذه اشكالية معقدة لازالة تلك الافة الكونية المستحكمة، هل يمكن ان تتخلى الدول والمجتمعات الانسانية عن فكرة الحاكم والمحكوم، والتي عادة ماترد بمثل شائع "وهل يمكن للسفينة ان تبحر دون قائد او قبطان"، الجواب نعم ولا...

اذا نحن نبحث عن منطقة الوسط بين محور الخير والشر، التي تعد مرحلة التغيير والانطلاقة الحديثة لتعريف ووضع مفاهيم اخلاقية واقعية جظيدة تسيطر على اليات عمل السلطة، وتفضح او تحارب قوى الهيمنة والاستبدادا، في منطقة حدود الانقاذ الانساني، تأخذ بيد البشرية بعيدا عن محور الشر، قريبا من محور الخير، ولكن كيف يمكن ان تطبق تلك النظرية او الطريقة الانسانية الاخلاقية وسط تلك الجذور الاستبدادية التاريخية المتوارثة، وماهي السبل الكفيلة والقادرة على قطع او تقليل امتداد اذرع شبكات الاستعلاء الطبقي الرأسمالي المدمر، لاشك ان اولى تلك الخطوات هي تمر عبر وسائل تقليل اساليب الهيمنة الشبه مطلقة في السياسة والتجارة والاقتصاد والتربية والتعليم والانظمة والقوانين المحلية والدولية (كألغاء هيمنة النقد الدولي اي الدولار والبنوك الراسمالية على اقتصاد الدول الناشئة او النامية، عبر عولمة الاقتصاد بطرق اخلاقية انسانية وليست عبر اساليب لي االاذرع وطرق الحرب والمنافسة والصراع السوداء) الخ.

من المفترض ان اوربا وامريكا تمثل النماذج القدوة في مجال ردم الهوة بين الحاكم والمحكوم بعد نهاية الحرب العالمية الثانية او الحرب الباردة، لكنها شهدت تراجعا ملحوظا بعد ان اصبحت تلك الفجوة الطبقية الهائلة في المجتمع الرأسمالي (الاثرياء المتحالفين مع الديمقراطية الرأسمالية اي مع الطبقة السياسية) بين الاثرياء والطبقات الاجتماعية الاخرى واسعة جدا، فقد سجلت ووصلت ثروات بعض اثرياء العالم ارقاما فلكية غير مسبوقة في تاريخ البشرية منذ بدء الخليقة، وكأنها عودة تدريجية لطبيعة حياة المجتمعات في القرون الوسطى، امبراطور وامبراطورية كنسية يدور حولها الحرس والرعايا والخدم...

مما تسبب بشكل واضح بعودة الثقافة العنصرية للمجتمعات المتحضرة نسبيا، وكذلك صعود المد اليميني المتطرف، الذي يصور على انه الوسيلة الوحيدة لمواجهة تلك الظواهر السلبية المؤثرة، فتصرف الانظار عن حقيقة المشكلة الرئيسية والازمة المالية الخانقة والصراع بين الاثرياء والفقراء، بالتضخيم والترويج لمشاكل جانبية ثانوية، وجعلها مادة للتصعيد الاعلامي الكبير (الاسلامفوبيا، او كعلاقة المهاجرين بالامن والاقتصاد، واذكر حتى ايران تلك الدولة المتوسطة الحجم على المستوى الدولي كانت ترمي اعباء الحصار والفشل الاقتصاظي والفساد المالي على رقاب المهاجرين الفقراء من الافغان والعراقيين المقيمين لديها، الذين لايأخذون من خزينة الدولة تومان واحد، فالافغان يعملون في مهن منقرضة، واما العراقيين فهم يعيشون على الحقوق الشرعية، والحوالات والمساعدات المالية التي تأتي لهم من الخارج، وكلاهما مصدر بسيط لكنه مؤثر في تعزيز الاقتصاد الايراني المحاصر وليس العكس)، او العمل من خلال الاعلام (الميديا) لاثارة قصص وقضايا ومناسبات كبيرة لشغل الراي العام وحرف مسار وعيه واحتياجاته الطبيعية، هذا التفاوت الطبقي بات يهدد الانظمة الديمقراطية العريقة، ويحعلها مجرد روتين دوري يهيمن عليه اصحاب القرار الرئيسي في ادارة تلك اللعبة، لعبة السياسة والمال،

ولهذا بات يسمع ان ضغط العمل يسبب الكثير من الامراض النفسية للموظفين والعمال، مما ادى بالتالي لتحريك المختصين في منظمة الصحة العالمية لاضافة مرض ضغط العمل اي الارهاق الوظيفي او المهني الى قائمة الامراض الدولية (تعرف بأنها متلازمة ناتجة عن الاجهاد المزمن في مكان العمل لم يتم التعامل معها بنجاح..منظمة الصحة العالمية)، وهو نوع من حالة الاستعباد الرأسمالي للموظفين والعمال المهرة بغية زيادة نسبة مؤشر الارباح المستمرة...

الرأسمالية الامبريالية (تحالف السياسة والمال) هي الطاغوت الحقيقي في العصر الحديث، تجرف كل شيء يقع امامها، بشر وحجر وثروات، لم تعد الاخلاق والقيم والمبادئ الانسانية معيار وهدف الامم والشعوب الحية، حروب وازمات وفتن تدار بالوكالة، ومشاهد وصور  جثث الاطفال والضحايا المنتشرة فوق سطح الارض والبحر لايمكنها ان توقض ضمير الانسانية العالمي الذي اماتته او حجبته الارادة السياسية القذرة لطواغيت العصر...

لماذا لايمكن ان يعيش الانسان خارج دائرة مفهوم الحاكم والمحكوم؟ لان الثقافة او ايديولوجيا الحكم والموروث والاديان لاتسمح لاية ثورة معرفية اخلاقية انسانية ان ترى النور، او ان تنقذ البشرية من قيود الحاكم المطلق (النظام السياسي، الاعراف العادات والتقاليد، الرأسماليين، الانظمة الادارية والقوانين التشريعية الخ.) العالمي او المحلي،

من هنا تجد ان تلك الظواهر الاجتماعية المخفية او الذائبة في الحياة العامة (لانها تمثل الظاهرة المصطنعة العامة التي لايمكن الانفكاك منها لعدم القدرة على ايجاد البديل) تتجدد وتتطور وتنتج بأستمرار، اي حتى داخل منظومة الطبقات المحكومة تتولد فيها ظاهرة الحاكم والمحكوم، لكن بالطبع تكون بدرجات متفاوتة اقل نفوذ واضعف قوة واصغر مساحة، هي نتاج كما قلنا الثقافة الانسانية العامة...

يجري الحديث احيانا عن وجود منظمات وجماعات سرية تمثل طبقة اثرياء العالم الغربي (وامريكا)، هي المتحكمة بالماكنة التكنولوجية والاعلامية والاقتصادية اوالمالية، بأنها هي من يقف وراء عالم الشر، تدير كافة الصفقات التجارية والتحولات او الانقلابات والتغييرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية العالمية الكبيرة، تحت نظرية الاستحكام او التحكم الحديدي بمقدرات وحياة المجتمعات البشرية ومستقبل الاجيال القادمة، وفق قناعة رأسمالية وضيعة تعتبر ان اصحاب الثروات هم عباقرة العالم، سواء كان ذلك يتم بعقولهم الذاتية او عبر تسخير المال لشراء العقول المفكرة والعلمية والاكاديمية، وهناك بالفعل مساحة كبيرة متاحة لهم بالتبرع والدعم المالي لمراكزالبحوث والاستطلاع والدراسات وكذلك بعض والجامعات والمؤسسات العلمية تحت نظام الاعفاء من دفع الضرائب السنوية، تثبت لهم خيوط التحكم عن بعد بما يحدث او يخطط له لتنفيذه تبعا لمراحل مختلفة وفقا لبرامج مسبقة، هذه القدرات الهائلة التي تمتلكها القوى الرأسمالية تسمح لهم بالسيطرة والتحكم بطريقة الكترونية قانونية سهلة وسريعة جدا على جميع شعوب العالم وليست بلدانهم فحسب (البنوك والمصارف والمؤسسات المالية والتجارية الدولية)، من هنا يرى الناس كثرة خروج الاساطيل والقواعد العسكرية للقوى العظمى من اراضيها او موانئها، والتجول في بحار ومحيطات واجواء الدول الاخرى، والضغط بأستمرار على اقامة قواعد دائمة لها في نقاط محددة، تسمح لهم بحرية الحركة والمراقبة والابتزاز او الاعتداء...

هكذا سياسات قذرة تنظر الى الامم والشعوب والحضارات والثقافات والحدود والثروات والاجواء والبحار والمحيطات والسيادات الدولية مجرد ارقام وهوامش تقع في مرمى نيران القوى الرأسمالية الامبراطورية، ادت بالنتيجة الى مانطلق عليه بالتراجع الحضاري الانساني، اذ كيف يسمح في اوربا وامريكا اشاعة ثقافة الكراهية الهمجية، (وصعود المد اليميني المتطرف)، وان يصبح الشارع مليء بالجهلة المتخلفين، وتبعد عنه لغة وثقافة التسامح والتعايش السلمي المشترك، وسياسة قبول الاخر، الخ.

بالطبع ستكون هناك عقبات كثيرة وكبيرة امام اية محاولات جماهيرية عالمية تخرج لرفض هذا التراجع اللامعقول والغير منطقي للحضارة مع تقدم العلوم والتكنولوجيا الحديثة، في هذه القرية الكونية او عالم التواصل الالكتروني الحضاري، الذي وحد البشرية في النظرة الاخلاقية الانسانية للعالم، ولكن على اقل تقدير انها تعرف العدو الحقيقي الذي يتربص بها، ويحاربها في كل تفاصيل حياتها اليومية، وهي جزء مهم من مشروع او مقترح الحلول المتاحة امامه، والتي لابد ان تتبناه النخب الانسانية المفكرة والمثقفة والمبدعة، وكذلك جميع الطبقات الاجتماعية المتوسطة والفقيرة، وكأنهم في ساحة حرب كونية اخلاقية انسانية، تعيد الحقوق الى تلك الطبقات المظلومة التي سخرتها القوى الرأسمالية البشعة لمصالحها ومنافعها ورفاهيتها، الموغلة في الاسراف والبذخ والتبذير، ليس على غرار النظرية الاشتراكية التقليدية، انما على اساس العدالة الاجتماعية بين جميع طبقات المجتمع، وان تبقى الدولة ومؤسساتها واجهزتها الحكومية الديمقراطية هي الاب او الراعي العام او الدستور الاعلى للدولة والمجتمع والقطاع العام...

لا يمكن التخلص من ثقافة الحاكم والمحكوم الا بالديمقراطية الدستورية التنموية النخبوية المؤسساتية، وباشراك الشعب في القرارات والمشاريع المصيرية التي تخص سياسة واقتصاد وامن الدولة والمجتمع (الحروب، نظام الضريبة، التجارة الحرة، القطاع الخاص، التعليم، عولمة الاقتصاد، الخ.)، وبتطبيق اسلوب او نظرية اقتصادية جديدة تضع حدا لثروات الاثرياء، بحيث انها لاتصبح بمقدار موازنة او خزينة دولة او ولاية او محافظة كاملة، الخ.

كن حاكما ومحكوما في نفس الوقت، عندها ستشعر حتما ان جميع مؤسسات واجهزة الدولة هي بالفعل في خدمة المجتمع وليس في خدمة المسؤول او صاحب رأس المال...

 

مهدي الصافي

 

احمد سليمان العمريفي حين أنّ الإقتصاد هو الآلية الأولى والأكثر نجعاً في صناعة القرار، فقد يكون أيضاً القنبلة الموقوته لتدمير الشعوب بإعتباره سبباً مهماً وراء الصراعات السياسية الأساسيّة بين الأمم، وهذا واضح بجلاء بين الدول وعلاقتها ببعض و التأثير أو خلق أي قرار من شأنه تلبية مصالح دولة ونهضتها أو الإضرار بها من خلال سطوة المال الذي تسعى لتحقيقه الحكومات والجماعات على حد سواء.

فإذا أُطّر المال بالقرار السياسي والتنفّذ العسكري صار هو القوة الوحيدة التي قد تسيطر على العالم بلا منازع، والأمثلة كثيرة وواقعنا هو الدليل الأكثر قرباً من هذا الزعم.

ما بات يُعرف بـ "صفقة القرن" المقترحة من الإدارة الأمريكية، التي سبق وذكر بعض بنودها المفوّض الأمريكي المسؤول عن الخطة الأمريكية للسلام في الشرق الأوسط وكبير مستشاري البيت الأبيض وصهر الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب"، "جاريد كوشنر" والمبعوث الأمريكي للسلام، "جيسون غرينبلات" في 17 أبريل/نيسان 2019م من هذا العام أنه سيتم إعلان خطة السلام في أوائل يونيو/حزيران الحالي.

مؤتمر المنامة

في هذا السياق، تحتضن المنامة عاصمة دولة البحرين يومي 25 و26 يونيو/حزيران الحالي مؤتمر خطة السلام الأمريكية الموسومة بـ " السلام من أجل الازدهار". لقد أتى اختيار المنامة تحديداً دوناً عن الدول العربية لدعم ملك البحرين حمد بن عيسى بن سلمان آل خليفة لإسرائيل ووزير خارجيته الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة، رغم فقر موقفه خليجياً.

ويستهدف المؤتمر جذب الإستثمارات إلى فلسطين والمنطقة بشكل عام، تزامناً مع تحقيق السلام الفلسطيني الإسرائيلي، وذلك في أول فعالية من قِبل الولايات المتحدة الأمريكية في الجزئية الأولى من المشروع.

 ولقد أعلنت دول حليفة للولايات المتحدة في الشرق الأوسط وفق تقرير لوكالة "رويترز" للأنباء موافقتها على المشاركة في المؤتمر

 كالسعودية والإمارات، ونية إسرائيل المشاركة بعد تسلّمهم دعوة الولايات المتحدة، هذا مع إحتمالية مشاركة كُلّ من مصر وسلطنة عُمان من خلال مبتعثين.

بالإضافة إلى نية الدوحة بالمشاركة رغم تصريحها بوجود تحديّات إقتصادية وأخرى جيوسياسية مراعية بذلك المصلحة العليا للشعوب العربية.

في ذات الوقت يقوم "كوشنير" مع وفدٍ أمريكي رفيعٍ بزيارة إلى الأردن والمغرب والقدس لحشد الدعم الذي بدا يتضح بعدم مشاركة كثير من الأطراف المحورية إقليمياً ودولياً، وأخرها موقف جلالة الملك عبد الله، ملك الأردن بعد لقائه الآخر في عمّان تجاه مؤتمر البحرين الذي اتّسم بالتحفّظ والضبابية مع الضرورة لإقامة الدولة الفلسطينية، بإعتبارها بوابة الحلول لمشاكل المنطقة، وبتنسيق دائم ومستمر مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس واتفاق الجانبين على أهمية الموقف الفلسطيني. 

رفْض الشارع العربي للمؤتمر

أثناء وصول " كوشنر" الأربعاء للعاصمة الأردنية عمّان ووقع احتجاجات شعبية تتفاقم رفضاً للخطة الأمريكية، وما يترتب عليها من تنسيق عربي في البحرين.

رغم هذا وذاك فإنّ الحكومة الأردنية ما زالت لم تعلن رسمياً عن مشاركتها أو عدمها في المؤتمر حتى اللّحظة، هذا مع رواج كثير النظريات من محلليين سياسيين أردنيين وغير أردنيين بمشاركة الأردن تارة وعدمها، وحيناً آخر مشاركة مقرونة بتقديم ذرائع وتبريرات، مع مطالبة الملك عبد الله الثاني إنصاف القضية الفلسطينية وموقف الأردن الثابت بضرورة الإعتراف بدولة عادلة للشعب الفلسطيني وعاصمتها القدس الشرقية على حدود 1967م.

تزامناً مع إنهاء " كوشنر" زيارته للرباط التي لم تأتِ مخرجاتها إلّا بتصريحات حول تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين المغرب والولايات المتحدة، دون التطرّق لخطة السلام التي حضر من أجلها الآخر. حسب الوكالة الرسمية المغربية.

كما وأبدت السلطة الوطنية الفلسطينية رفضها الشديد للمؤتمر. وأكّد ذات الرفض كبير المفاوضين الفلسطينيين، صائب عريقات ضرورة مراعاة مصالح الفلسطينين أولاً، مطالباً الساسة العرب العدول عن مواقفهم في المشاركة إحتراماً لمشاعر إخوتهم في فلسطين. كما قابل رجل الأعمال الفلسطيني المعروف بشار المصري المشروع بالإحْجام والإِسْتِنْكَار.

تتفاوت المواقف الدولية بين الرفض والإنتقاد والقبول، ففي الوقت التي ترفض فيه الأمم المتحدة المشاركة في الشق الإقتصادي للمؤتمر، أكّدت الصين وروسيا ضرورة البقاء على إقامة دولتين كحل أساسي وعادل ورئيس في المنطقة.

قمم السعودية الثلاثة

كخطوة تمهيدية لمؤتمر البحرين، عقدت السعودية يوم الخميس الموافق 30 مايو/أيار السالف القمّة الخليجية الطارئة، لما سمّي بمواجهة التدخلات الإيرانية، تلتها في نفس اليوم قمّة عربية طارئة، لبحث الموقف العربي وتوترات الخليج. كما وعقدت بعدها بيوم الدورة الرابعة عشرة لمنظمة التعاون الإسلامي برئاسة السعودية، حيث شارك رئيس الوزراء القطري الشيخ عبد الله بن ناصر آل ثاني، حيث بدت زيارته في الوهلة الأولى نقلة نوعية في العلاقات السعودية القطرية، وهي الزيارة الأولى التي يقوم بها مسؤول قطري للسعودية منذ اندلاع الأزمة الخليجية قبل عامين، إثر قرار قطع العلاقات مع الدوحة الذي تبنته السعودية والإمارات والبحرين بالإضافة إلى مصر.

تمحورت أهم النتائج لمنظمة التعاون الإسلامي في توجيه إتحاد علماء المسلمين رسالة للقادة العرب، تزامنت مع انعقاد القمتين في مكة، فيها مطالبة حثيثة لإنقاذ المنطقة من حرب مدمرة وإطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين.

لقد أتى عقد القمم في مكة توظيفاً رخيصاً للدين في كسب الجموع العربية والإسلامية لصفّ السعودية، بعدما نجحت الأخرى في الحصول على التأييد العربي والخليجي. كما وتعمّدت السعودية في مؤتمرات القمّة الثلاثة فى الأيام الأخيرة من شهر رمضان المبارك بمكة المكرمة وبجوار بيت الله الحرام إسقاط الضوء عليها وحشد القدر الأكبر عبر البيانَيين الختاميَّين للقمّتَين ليلة الخمس والجمعة الموافق 30 و31 مايو/أيار، في سبيل كسب الرأي العربي والإسلامي العام ولعب دور الضحية من خلال الاعتداءات - وهي مشروعة للرد - من قبل "الحوثيين وإيران. 

مخرجات قمم مكة الثلاث

لم تبعد مخرجات القمتين عن التنديد بالموقف الأيراني والتأكيد بحجم خطورته على المنطقة، وضرورة العمل العربي الإسلامي الجماعي لحماية البلاد من تدخل إيران، بإستثناء الموقف السوري الذي أقرّ شرعية الوجود الإيراني على أرضه. في الوقت ذاته حذّر الرئيس العراقي برهم صالح من تبعات الأزمة الإقليمية والدولية مع إيران التي تنذر بالتحول إلى حرب شاملة، إن لم نحسن إدارتها.

أحد أهم المخرجات الحقيقية لقمم مكة الطارئة الثلاث هي الإرهاصة حول تفاقم التوتر في العلاقات السعودية الإماراتية مع قطر من خلال التصريحات التي تقدّمها الدوحة وتفاعل السعودية معها سلباً، فيما يتعلق ببعض البنود مع السياسة القطرية، كخلق لغة حوار مع إيران، بدل دعم آلية التصعيد، والإحساس بالإمتعاض جرّاء تجاهل القمتين القضايا المحورية كفلسطين. بالإضافة إلى تصريح وزير الخارجية القطري حول إنهاء إقرار بياني القمتين العربية والخليجية قبل انعقادهما ودون الرجوع إلى الدول الإعضاء أو طرح قضايا القمتين معهم.

قد يكون التصريح الأخير هو الفتيلة الأكثر مساهمة في إشعال نار الخلاف مجدداَ بين الفريقين.

كلّ ما يدور في القمم العربية والإسلامية لا يدخل أبداً قيد التنفيذ، وخاصة بما يتعلق بالقضية الفلسطينية المحورية، والشاهد على هذا هو تعمّد الإحتلال الإسرائيلي حماية المتطرفين اليهود أثناء الإقتحامات السافلة لحرمة المسجد الأقصى، التي صادفت يوماً بعد إنتهاء القمم الثلاث.

بند آخر في غاية الأهمية أتى أيضاً بعد إنتهاء القمم بأيام، ألا وهو إلتهاب الشارع السوداني والخطوات العسكرية التصعيدية القمعية الوحشية التي يُقدِم عليها المجلس العسكري لفض الإعتصامات التي تطالب بتسليم السلطة للمدنيين في الخرطوم.

فهل لقاء عبد الفتاح السيسي مع عبد الفتاح البرهان - ولهما في تشابه إسميهما نصيب - وتزامن إنقضاء القمم العربية والإسلامية والسبل الإجرامية التي تتبعها قوات الدعم السريع السودانية التي راح ضحيتها لغاية اللحظة ما يزيد عن 100 قتيل عد الجرحى جاء عَرَضاً؟

 هل هذا هو المؤشر على النصح السيسي والتأييد السعودي الإماراتي الذي ما زال يحصل عليه الآخر حتى الآن؟

وللمراقب أنّ يقرأ العامل الزمني والتقارب السياسي العسكري السوداني المصري المشترك، بالإضافة للمواقف السعودية الإمارتية الراهنة والداعمة.    

فهل أتى هذا كله محضاً للصدفة؟ أم أنّه الدليل على مسرحية القمم العربية وحجم تبنيها الحقيقي للقضية الفلسطينية ومعها القضايا التي لا تتجاوز الجزيرة العربية؟

ماذا فعلت الدول العربية والمنظمة الإسلامية تجاه الانتهاكات الإستفزازية الصريحة؟ علّ هذا كلّه يؤكد الزعم القطري حول قمم مكة الثلاث!

مطالبة السعودية والإمارات لعقد القمم والنتائج التي خَلُصت إليها ورشات العمل قد تنقسم إلى شطرين وبتوسع وتفصيل سيتجاوز الأكثر:

الشطر الأول لموقف السعودية، الحليف الأقوى للولايات المتحدة الأمريكية هو حجم الضغوطات التي تمارسها الحكومة الأمريكية متمثلة برئيسها "دونالد ترامب" لضم الدول العربية لموقف السعودية من أجل المشاركة في مؤتمر المنامة الذي يعني بالضرورة الموافقة المبدئية  لتمرير "صفقة القرن".

الشطر الثاني هو إيقاظ الشبح الإيراني من جديد في منطقة الخليج لجعل المنطقة في أجواء من التوتر والقلق الدائمين وبصورة أكثر تشنجاً وأبعد عمقاً ونفعاً لأمريكا من خلال تصعيد تصريحات الإدارة الأمريكية لتنذر بحرب جديدة.

 وهو الذي تدندن عليه جميع الحقبات الحكومية الأمريكية منذ 70 عام في كل مرة تحتاج لضخ المال لخزينتها، ولا يختلف "ترامب" ووزير خارجيته "مايك بومبيو" ومستشار الأمن القومي "جون بولتون" عن أسلافهم في هذه السياسة القديمة المجبر على تصديقها جميع الدول النفطية وعلى رأسها السعودية والإمارات العربية.

في ظلّ هذه الظروف فأني أرى أنّ السياسة الأمريكية تسير بالإتجاه الصحيح من حيث كم الخوف الذي تخلقه إدراة "ترامب" في دول الخليج، حتى لا يكون لها ملجأ غير أمريكا، وبالتالي لا يقتصر الحضور العسكري في المنطقة على استنزاف مقدراتها، بل تتجاوز لتصل إلى تطبيق أجندة إسرائيلية تفرضها الحكومة عليها مقابل الحماية الوهمية، بالإضافة إلى ما ورد عن وزير الخارجية مؤخراً في فرضية رفض خطة السلام، التي ستسبّب حرج للدول المتبنية للمشروع.

هذا هو حال مصدر القوة الكائن في الإقبال والإحجام والكرّ والفرّ، رضي الله عن الصحابي البطل خالد بن الوليد.

إذن، تداعايات القمم الثلاثة التي دعت إليها السعودية هي الخطوة المبدئية البديهية التي فرضتها التجهيزات العسكرية الأمريكية في المنطقة، مع استمرارية التصريحات الصحفية الخطيرة بين الطرفين والتهديد بنشوب حرب دامية تنذر بفناء دول الخليج لتصل للمنطقة بأسرها.

هذا النوع من التزايد و التَضَخُّم و تَعَاظُم الأزمة المصطنعة أدخل دول الخليج بحالة هيستيرية جعلتها على أتمّ الجاهزية لتقديم أي ثمن مقابل البقاء.

يقول المثل العربي: "اكسر في اليمين واجبر في الشمال" بما معناه، الترغيب والترهيب، إلّا أنّ لسان الحال يقول أنّ أمريكا وإسرائيل وروسيا في الجبهة الأخرى كسروا اليمين والشمال حتى لا يبقى لنا غير الإذلال والإستسلام بإسم السلام. 

وهذا كلّه يتم تسويقه تارة بإسم الغيرة على الدين وأخرى اللُّحمة القومية العربية.  

 

أحمد سليمان العمري

 

ضياء الحكيممن دروب المنفى بعد عام 2003، رجعوا وتسّيدوا نيابياً وفكرياً ويريد الشعب أن يفهم توجهاتهم السياسية وشركائهم بعد سقوط دكتاتورية العنف ودخول العراق بطش العنف الجديد. 

لايجدي الأسف لتجربتنا السياسية بعد أن تصدرتها المرارة  والإجحاف الذي رافق مجرى الحياة اليومية والشعور العام بأننا على شفا حفرة سقوط  جديدة كوننا محاطون بعقول واهية تتخبط في حديثها وسلوكها في ظاهرة لا تُبشر بظهور النور وإدامته.

أستحالة في فهم التنافس المسلح بين مركزية الحكم الدولة وحرية المحافظات . فهي في أساسها إستحالة مكررة بين أحزاب ومليشيات وتكتلات غير مفهومة السلوك و تحمل تسميات وطنية سياسية واعدة ( دولة القانون، حركة التغيير الإتلاف الوطني، المؤتمر الوطني، تحالف القرار، متحدون، سائرون، تيار الحكمة والبناء، الأصلاح، الوفاق الوطني،الفضيلة، والديمقراطي الوطني الكردي، حركة التغيير الكردية،  وأحزاب  أخرى متزمتة حديثة التشكيل).

ستمر عشرات السنين قبل إجتياز عقبات إستحالة العمل المتزمت نظراً لجلوس قيادات فقيرة الفكر على مقعد المذهب والقومية المفضلة ويجلس المنافقون في ظلها على سجادة الكسبة. وقد أذهلني التصادم المذهل بين وجاهة رجل الإعلام من جهة  والنائب القانع بأنه يمثل " أزمة كل زمان " ويعطي إجابات معكوسة مشاكسة لاتمثل غيرالخدمة الشخصية .

شخصيات تتبادل ليل نهار سخافة وتعارض معلومات والحديث عمن سرق ونهب وقتل وحرائق وإنقطاع كهرباء وتلوث مياه الأنهر، ثم يطلبون من الله عونه ومساعدته في إخماد هذه النيران التي تأكل المجتمع .

فلنتكلم عن اللجنة النيابية عندما تُخترق الأسس الحقيقية للعمل والرقابة ويعلم بها نائب ويقول نصاً " ان ايران قامت برشوة ستة من القيادات الدينية العراقية وكافئتهم ب 800 مليون دولار أمريكي "، دون أن يبادر بتقديم أسمائهم الى هيئة قضائية عليا للنيل منهم . 

فعلاً أذهلتني إجابات نائب يبرر سرقاته ولايظن انه مشارك فيها ويُسمّم الأجواء دون مسؤولية. وقد أدهشت هوس إجاباته المتلفزة مقدم البرنامج وتقديمه لأسئلة محددة له بكل أدب ووضوح . ولوحظ أن ألأهمية القصوى لأمثاله هو التعريف بعمله وبلورة صورته السياسية وإنفرادية  تصرفاته اللا دستورية والتباهي بها  تلفزيونياً . وأثارت من إستمع الى غطرسته وتبريراته والوقت الثمين الذي يطلبه لتناقضات إجابته المتلفزة الحية في برنامج تلفزيوني على الهواء، أثارت وأغاضت الأنسان العراقي المثقف.  فن سياسي يتعارض فيه مايطرح على برلماني من أسئلة وإجابات مذهلة منه يرددها بشيطنة لاهداية فيها والعياذ بالله، حيث يبدو أن الدجل وفنونه لاحدود له ولاخلاص منه . فن نيابي جديد اسمه " رأيت الشيطان وتركته يُسمم الأجواء بحرية ". 

دعونا نصل الى حقيقة الأزمة التي بدأت منذ عام 2003. فهناك " أزمة لكل زمان" . فالعراق في حاجة الى غيث لا غيض والى الوعي لا الغيبوبة . ومعشر العشائر البرلمانية العربية والكردية  هي الأزمة الحالية في ندرة الخدمات البرلمانية ورائحة العملة النقدية الصعبة وسهولة المسؤول وبراعته في جبايتها " بالدولار الأمريكي، الجنيه الإسترليني، واليورو" وتحويلها بإسمه . فكلمة صعبة تعني سهلة وكلمة ديمقراطية دستورية تعني إستحواذ مادي. لقد تغيرت كل المفاهيم الأخلاقية للخدمة العامة . والأنسان هو الشيطان الرجيم  ويرتكب جرائم الرذيلة ويتفاخر بها . سبقهم في تحويل العملة الصعبة - السهلة صدام ومبارك و زين العابدين والقذافي والبشير وأودعوا ما استطاعوا  من أموال في مختلف المصارف الاجنبية . فهل زاد الله من أجرهم وباركهم بإفقار شعوبهم ؟

قد تفوق آلاراء المبعثرة  الحقائق وتفلح في طمس السرقات  أحيانا، وقد تتفوق رؤيا الإنشغال بالسياسة والوصول الى درجة نائب برلماني في لجنة اللاعمل البرلمانية. وقد يستطيع أن يطغي نائب بمنصبه، ولفترة،على بعض مفاهيم المسؤولية الجماعية بمفاهيم الأنفرادية وإختلاق فوضى لا تلاحق بسهولة .

وبعد، فقد إنخرط في حقل السياسة المذنب والخائن والجاني والسارق والفوضوي والمجادل للجدل والمناكفة والمزايدة لا العمل والخدمات المتوقفة. مرحلة سياسية جديدة أوصلت بالبعض الى الإعتقاد بعدم الحاجة الى إخفاء طمع السرقة مادام الوصول إليها بحجة قانونية مبتدعة . كما أن إخفاء أسماء المشاركين في  الفساد وملفاتهم إنتقائية لا تتطلب سوى الإشارة إليهم دون تقديمهم للقضاء .

علينا أن نحذر من يفضح بلسانه وهوجه، زملائه في الوسط السياسي والمعارضة وهو منهم، بل في وسطهم ويعتبرونه فوضوي يستخدم مفردات سوقية رخيصة بلا حياء. شخص يكسر ويجبر ويفهم نفسه ولايفهم الآخرين . أعوذ بالله من أنسان يزهو بنفسه   و يتعاطى  الرشوة الإبتزاز  ويبررها لنفسه . الواضح أن مخيلة مثل هذه الشخصيات السياسية لا تتجه الى الناحية الأدبية والقانونية والقيم الأخلاقية، ولا تؤخذ بها على محمل الجد والتعريف بالجهة الممولة للسرقات والجهة المنفذة والجهة الرقابية.

شخص يناقض القوانين وهو في اللجنة القانونية ويستخف بها  بمغالطات لا عد لها. إجابات منفعلة ومراوغة تختمر في ذهنه كذكاء وقدرة . أمراض زمنية متخثرة في عقله لايستطيع الأعتذار عنها . يحثُ بخفية وسرية الأغنياء خارج العراق على التبرع له بالعملة الصعبة كي يمثلهم عند إنتخابه. فلا تظن أن قيمة الأنسان بمبادئه، فإما أن يتمسك بها  أو يصبح إنسان يخلو من حب الناس ويلعن معارفه ويتلفظ بأسوء الألفاظ  عنهم لأنه برلماني وله حصانة . وقدّم وآخر الأفكار الإستراتيجية وعما سيحدث بين ايران وأمريكا دون أي معرفة بالعلوم العسكرية وملابساتها وخفاياها .   

الفساد المالي يعشعش فوقه فساد الأفكار ويدق الأجراس . والسياسة الرقابية القانونية ليست تلميحات إستهزاء وإشارات ومعرفة بقائمة الفاسدين فقط وإنما الإجراءات المتخذة. ورسالتي هذه تخاطبكم، كمؤمنين مسلمين، وفي يدكم  ملفات لجنايات وسرقات  ملئت رئاسة مجلسكم النيابي. فلا تساوموا السراق بل قدموهم للقضاء الرسمي وليس المسلسل التلفزيوني .

كتبت سابقاً عن الصرعات الدولية المميزة التي  تأخذ بك تاريخياً وحاضراً الى سقوط دول الشكليات وأزمة كل زمان التي لاتُميز نوعية نظامها وأين يسير . وتأخذك أيضاً الى مجادلة سياسية إستراتيجية الى دول تُضيّق أو توسّع ثغرة المفهوم العام للحالتين .

هذه الرؤية الجديدة  لمن وضعوا أجيال العراق في خيبة دائمة وأمنيات لم تتحقق . إنها سياسة تداول و دوران العملة النقدية الصعبة والحديث عنها لاحقاً .

 

ضياء الحكيم

باحث ومحلل سياسي

 

عباس علي مرادبعد انقشاع غبار الحملة الإنتخابية وانتصار الإئتلاف (الأحرار- الوطني) وتشكيل سكوت موريسن حكومته الجديدة وانتخاب انطوني البانيزي زعيماً لحزب العمال والذي بدوره شكّل حكومة الظل، بدأت الحياة السياسية بالعودة إلى طبيعتها ولكن ليس من دون تحديات سياسية إقتصادية إجتماعية وثقافية وغيرها لكل من الحكومة والمعارضة.

أول الغيث، الكباش حول حرية الصحافة بعد مداهمة الشرطة الفيدرالية الأربعاء 5/6/2019 لمكاتب هيئة البث الوطني (أي بي سي)، وقبل ذلك منزل الصحافية آنيكا سميثرست من نيوز كورب، ومساءلة الإعلامي  بن فوردهام الذي يعمل في إذاعة (تو جي بي) بحجة نشر معلومات تمسّ بالأمن القومي، أيّد رئيس الوزراء إجراءات الشرطة معتبراً أنها مؤسسة مستقلة، بينما كان موقف المعارضة مغايراً وطلبت توضيحاً من الحكومة، حيث أدان زعيم المعارضة أنطوني البانيزي بشدة مداهمة منزل الصحافية ووصفه بالعمل "الفظيع".

رئيس الوزراء سكوت موريسن الذي ربح الإنتخابات عكس كل التوقعات، يملك من رأس المال السياسي ما يخوله أن يقول لزملائه في الحزب بأن الكلمة الفصل له، وهذا التعبير كان موريسن قد استعمله أثناء الحملة الإنتخابية، بالإضافة إلى ذلك فإن رئيس الحكومة أكثر إطلاعاً على وضع الإقتصاد الوطني والمالية، فإن موريسن كرئيس للحكومة التي تقرر طبيعة السياسية الأسترالية لثلاث سنوات قادمة يعتبر بوضع أفضل من زعيم المعارضة، إلا إذا عادت ودبّت الفوضى التي عطّلت الحياة السياسية الأسترالية خلال السنوات العشر الأخيرة من التنافس على الزعامة الحزبية سواء عند العمال والائتلاف (الأحرار- الوطني).

أما المعارضة والتي منيت بهزيمة إنتخابية مدوّية تجنبت الصراع على تقاسم نتائج الهزيمة، وسارعت إلى لملمة جراحها وإستطاعت تجنب القطوع  الأول بانتخاب انطوني البانيزي زعيماً للحزب بدون منافس، والذي سارع إلى تشكيل حكومة الظل التي تساوت فيها عددياً مقعاد النساء والرجال مع بعض التعديلات لإرضاء الأجنحة الحزبية، وقد تم توزير زعيم المعارضة السابق بيل شورتن الذي كلّف الإشراف على حقيبة  التأمين للخطة الوطنية للمعاقين.

خاض بيل شورتن الإنتخابات تحت شعار الوحدة الحزبية والفريق المتجانس، وهذا ما أكده زعيم الحزب الجديد الذي قال بأنه التزم بسياسية الحزب خلال السنوات الست الماضية وبالمقابل فإنه يطلب من بيل شورتن أن يعامله بالمثل!

 تسرّبت أخبار نقلتها جريدتي (ذي سدني مورننغ هيرالد والايج 30/5/2019) عن حلفاء شورتن عن نيته العودة إلى قيادة الحزب رغم أن الناخبين قد رفضوه في الإنتخابات الاخيرة وإنتخابات عام 2016 ، وقد وصف الناطق باسم السيد شورتن هذا الخبر "بالهراء". وكانت ديبرا نايت مقدمة برنامج "اليوم" على القناة التاسعة قد حذّرت انطوني البانيزي من أن منصبه في خطر قائلة:  "عليك الإنتباه لأن هناك تقارير تتحدث عن أن شورتن أخبر حلفاءه عن نيته العودة إلى زعامة الحزب".

الجدير ذكره أن العلاقة الشخصية بين الرجلين لم تكن في أحسن حالاتها منذ عام 2013 بعدما تنافسا على قيادة الحزب وقتذاك حيث حظي البانيزي بدعم القواعد الحزبية، بينما استطاع شورتن التغلّب عليه بأصوات أعضاء مجلس الحزب (الكوكس) بموجب النظام الإنتخابي الحزبي الذي عدّله رئيس الوزراء الأسبق كيفن راد عام 2013 للحد من التحديات على زعامة الحزب.

إن سياسية البكاء على الأطلال لن تجدي نفعاً، وقد يكون درس الخسارة مناسبة للحزب لإعادة النظر في سياسته من أجل استرجاع الناخبين الذين هجروه  حيث يقدّر عددهم  بمليون ونصف  منذ إنتخابات عام 2007 والتي فاز فيها الحزب بزعامة كيفن راد بأغلبية ساحقة كما قالت شبكة سكاي نيوز، ولكن كبير المحللين السياسيين في صحيفة ذي سدني مورننغ هيرالد ديفيد كرو يشكك في تلك الأرقام لكنه يؤكد أن هجرة الناخبين لحزب العمال ليست وهماً (س م ه 30/5/2019)، وقد بلغت نسبة الأصوات الأولية التي صوتت للحزب في الإنتخابات الأخيرة 33.3% وهذا ما يدركه البانيزي ويعمل عليه.

ان مشكلة استياء الناخبين ليست وقفاً على ابتعادهم عن الحزبين الكبيرين، حيث ربحت حكومة موريسن أخيراً الإنتخابات بالنسبة الأدنى من الأصوات منذ بدء العمل بنظام التصويت الإلزامي عام 1922 حيث كانت نسبة المقترعين يومذاك 55% وحسب (س م ه 1/6/2019 ص11) فإن الناخبين الشباب يديرون ظهورهم للديمقراطية حيث كانت نسبة التصويت القانونية وغير القانونية أقل من 91% بالإضافة إلى ان 1.5 مليون ناخب لم يقترعوا بالمطلق. 

البانيزي الذي ينتمي إلى جناح اليسار في الحزب يدرك ان الحزب يجب أن يدار من الوسط، وهذه هي السياسية التي عمل بها في الماضي وينوي الإستمرار بها كزعيم للحزب لاعتقاده بأنها سياسة بناءة سواء داخل الحزب أو للناخبين وقطاع الأعمال الكبيرة والصغيرة والمؤسسات المدنية مع المحافظة على القيم الحزبية، وقد حدد نقاط القوة بسياسية الحزب في الصحة والتعليم  وقال أنه برغم أهمية هذين القطاعين فإن الإنتخابات الفيدرالية يجب أن تخاض لتربح على أساس الإقتصاد الوطني كما قال حيث تأمن الوظائف، مبتعداً عن سياسية سلفه الطبقية ومقترباً من سياسية الحكومة التي ركّزت حملتها الإنتخابية على هذا القطاع وقال :"حزب العمال يدعم النمو الإقتصادي كعنصر رئيسي في سياستنا لأن الوظائف دائماً تأتي أولا، ثانياً وثالثاً في سلم الأولويات من سياسة هذا الحزب العظيم".

تواجه حزب العمال وزعيمه في المرحلة القادمة تحدايات أخرى منها الحزبية، الشعبية والعمرية (المتقاعدين والشباب)، والفروقات بين الولايات والمدن والريف التي لا تقل أهمية عن تأمين الوظائف والموازنة بين هذه التحديات التي تتفاوت بين ولاية وأخرى كالمناجم في كوينزلند، وتحديات ثقافية إجتماعية خصوصاً في ما يتعلق بقضايا حرية الأديان والتي لعبت دوراً مهما في الإنتخابات الأخيرة (غرب سدني)، وقضية الإحتباس الحراري التي كانت لها دور في زيادة عدد الناخبين الذين صوتوا لصالح العمال في المدن وفي ولاية فكتوريا، بالإضافة إلى إعادة النظر بالسياسة الضريبية والتي شكلت العامود الفقري في الحملة التخويفية منها المفبرك كالضريبة على الأموات، أو الحقيقية التي شنّها سكوت موريسن والحكومة على سياسية الحزب الضريبية، كالضريبة على دخل المتقاعدين، اقتطاع بعض الأرباح على رأس المال أو وقف العمل بالإستثمار السلبي (النيغتف كيرنغ) للمنازل القديمة. يبدو أن البانيزي يتريّث باتخاذ أي موقف من مسألة الضرائب أقله في الوقت الحاضر خصوصاً ان الإنتخابات على مسافة ثلاث سنوات من الآن.

وبنظرة إلى توزيع المقاعد النيابية بين الريف والمدن نرى أن نسبة 82% من مقاعد العمال في المدن بينما تتدنى هذه النسبة إلى 69% عند الائتلاف.

هذا من جهة، أما من جهة أخرى وفي هذا العالم الذي يتغيّر بسرعة وتتغير معه الخريطة الإقتصادية خصوصاً في ظل الحرب الباردة التجارية بين الولايات المتحدة الحليف الاستراتيجي لأستراليا، وبين الصين الشريك التجاري الأول، فكيف لأستراليا أن تستطيع الموازنة بين الحليف والشريك حتى لا يتأثر الإقتصاد الأسترالي الذي ينعم بنمو مستمر منذ 28 عام؟! مع العلم إن بوادر التباطئ بدأت تظهر في النمو الإقتصادي والتي بلغت 1.8% وهو أدنى معدل نمو سنوي منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008، مما دفع البنك المركزي لخفض سعر الفائدة الرسمي الثلاثاء 4/6/2019 بنسبة 25 من واحد بالمئة لأول مرة منذ 3 سنوات، وكان البنك المركزي تردد في خفض نسبة الفائدة قبل الإنتخابات خشية تسييس الأمر والتأثير على نتائج الإنتخابات. وكانت نسبة العاطلين من العمل قد ارتفعت من 5% إلى 5.2% في الربع الأول من العام 2019،  مع إستمرار تراجع أسعار المنازل في المدن الرئيسية خصوصاً سدني وملبورن، مما يؤثر على توقعات الحكومة بتحقيق فائض بالميزانية الذي توقعته (7.1 مليار دولار العام المالي القادم)، وهذا ما قد يؤدي إلى تزويد العمال بالذخيرة السياسية والتصويب على عدم مصداقية الحكومة في ما يتعلق بسياستها الإقتصادية والمالية.

إن استمرار وحدة الحزب متوقفة على إداء البانيزي وفريقه الذي شكّله بالإتفاق وبتنازلات متبادلة بين الأجنحة، والتي تعطي الإنطباع وينظر إليها من قبل الناخبين أنها تتحكم بالحزب بدون محاسبة ولمصالح لا صيغة تمثيلية لها كما تقول الكاتبة في صحيفة ذي صن هيرالد جاكلين مالي. هذا ما أدى إلى الإطاحة بزعامة كيفن راد عام 2010 لأنه لا ينتمي إلى أحد الأجنحة القوية في الحزب، وهي نفس الأسباب التي أدت إلى وصول بيل شورتن إلى زعامة الحزب عام 2013 لأنه ينتمي إلى أحد الأجنحة القوية.  

هنا لا بد من التساؤل عن الدور الذي سيلعبه شورتن وهل سيلتزم بقواعد العمل الحزبية التي تفاخر بها أثناء قيادته للحزب، وهل كان من الأفضل ان يترك السياسة أو على الاقل ان يتراجع إلى المقاعد الخلفية ؟

على شورتن أن يردّ الجميل للحزب ورفاقه الذين تعاونوا معه خلال فترة زعامته وترك السياسة، لأن بقاء الزعيم السابق للحزب، أي حزب، مقدمة لمرحلة من عدم الإستقرار. هناك شواهد من التاريخ الحديث، جان هاورد والذي اطلق عليه مرة (مستر17%) واندروا بيكوك الذي عاد هاورد وانقلب عليه، أو مؤخراً مالكوم تيرنبول طوني أبوت في حزب الأحرار، أو كيفن راد وجوليا كيلعاد من حزب العمال.

أخيراً، هل تغيرت الخريطة السياسية الأسترالية بعد الإنتخابات الأخيرة (18 أيار) أم "ستعود حليمة لعادتها القديمة" كما يقول المثل، في ظل حكومة ربحت الإنتخابات دون أي سياسة جديدة غير المحافظة على الوضع القائم، وتعتبر نفسها بأنها حصلت على تفويض شعبي، ومعارضة لا يمكن الحكم على إدائها وكيف ستقارب القضايا التي كانت إحدى الأسباب لخسارتها الإنتخابات، وكيف ستعمل على ترميم الوضع السياسي للفوز بثقة الناخبين في الإنتخابات القادمة مع المحافظة على قيم الحزب التقدمية. بإعتراف زعيم  المعارضة الجديد أنطوني البانيزي نفسه قد يكون فريقه الجديد ليس كافياً لربح الإنتخابات القادمة، لكنه يؤسس لبداية ولإنطلاقة جيدة.

الشيء المفروغ منه سواء بالنسبة للحكومة او المعارضة، أن الطبيعة تكره الفراغ. فلننتظر لنرى "إن غداً لناظره قريب ".

 

عباس علي مراد