ابراهيم أبراشالمفاهيم والمصطلحات في كافة العلوم لا تُصاغ أو يتم اعتمادها وترويجها عبثا بل تحمل دلالات وتعبر عن مضامين وخصوصا في مجال العلوم الاجتماعية وعلى رأسها علم السياسة . فهناك فرق مثلا ما بين العنف والحرب والإرهاب والجهاد والدفاع عن النفس والمقاومة مع أنها مصطلحات تطلق على نفس الحدث، كما أن هناك فرق بين السلام والتسوية السياسية الخ، وفي سياق موضوعنا هناك فرق بين أن نقول حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي او نقول الحل الإقليمي، فالمصطلح الاول يعتبر الفلسطينيين طرفا رئيسا في الصراع أما الثاني فيغيبهم ويعتب القضية أقليمية يمكن حلها حتى بتجاوز الشعب الفلسطيني .

وفي الحياة السياسية وخصوصا في الشرق الأوسط هناك مختصون وعلماء مهمتهم كي الوعي عن خصومهم من خلال ترويج مفاهيم ومصطلحات يعتقدون انها مع مرور الوقت ستُرسخ في العقل وتلغي مفاهيم سابقة، وفي هذا السياق سنتحدث عما تروجه أخيرا إسرائيل ومعها الولايات المتحدة الامريكية عن الحل الإقليمي وهو مصطلح خطير ومضلل يضاف إلى ما سبق من مفاهيم ومصطلحات هدفها تغيير طبيعة الصراع في المنطقة، فمن الصراع العربي الإسرائيلي إلى مشكلة الشرق الأوسط إلى صفقة القرن وأخيرا الحل الإقليمي .

إن الهدف الرئيس من وراء ترويج هذه المصطلحات هو تغيير طبيعة الصراع والالتفاف على حقيقته وجوهره كصراع بين الاحتلال الإسرائيلي والشعب الفلسطيني الذي له عنوان وهو منظمة التحرير الفلسطينية، وإحلال دول الإقليم وخصوصا الانظمة العربية ليحلوا محل الفلسطينيين في تسوية مشاكل المنطقة نحيث أن الحل الإقليمي يعتبر القضية الفلسطينية مجرد جزئية أو مشكلة كبقية مشاكل المنطقة وليست جوهر الصراع ومركزه.

لقد ناضل الشعب الفلسطيني عسكريا وسياسيا طِوال مائة عام لمواجهة وعد بلفور 1917 وما ترتب عليه من موجات هجرة لفلسطين، كما قام بثوراته وانتفاضاته سواء قبل النكبة أو بعدها، كل ذلك ليحصل على اعتراف من العالم بأن فلسطين هي حق للشعب الفلسطيني وأن نضاله ضد الحركة الصهيونية ودول الاحتلال الإسرائيلي نضال مشروع، وقد أيدت غالبية دول العالم شعب في مطالبته بحقوقه السياسية وهذا ما تجلى بعشرات القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة ومنظماتها ووكالاتها، ومن أهم هذه القرارات قرار 181 حول تقسيم فلسطين إلى دولة يهودية وأخرى عربية وقرار 194 حول حق عودة فلسطين إلى مدنهم وقراهم التي هُجروا منها بعد حرب 1948، وتوالت القرارات بعد ذلك فما يتحدث عن حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره السياسي على أرضه وحقه في مقاومة الاحتلال، كما اعترفت الجمعية العامة بفلسطين دولة مراقب عام 2012، كما انظمت فلسطيني إلى عشرات المنظمات والوكالات الدولية، ولفلسطين أكثر من مائة سفارة وبعثة دبلوماسية في العالم وهو اكثر مما لدى إسرائيل .

لو كان الإقليم في عافية

الحالة العربية الراهنة غير مؤهلة لاستلام زمام القضية الفلسطينية أو استعادة البعد القومي للقضية، لذا من الخطورة المراهنة الآن على أية مبادرة أو وساطة عربية لتسوية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي .

مع كامل قناعتنا بأن المشروع الصهيوني يتجاوز في أهدافه الاستراتيجية فلسطين، ومع احترامنا وتقديرنا للشعوب العربية المتعاطفة مع عدالة قضيتنا، إلا أنه سيكون من الخطورة استمرار الترويج الخارجي للصراع والتعامل معه رسميا كصراع عربي إسرائيلي أو صراع إسلامي يهودي، لأن ذلك يُظهر إسرائيل كدولة محدودة جغرافيا وسكانيا يهددها أكثر من مليارين من العرب والمسلمين، بينما الواقع يقول بأن القضية الفلسطينية لم تَعد قضية العرب والمسلمين الأولى في ظل فوضى الربيع العربي والأزمة البنيوية والوظيفية التي تهدد وجود الدول الوطنية القائمة .

القول بأن الصراع الدائر على الأرض اليوم ما زال صراعا عربيا إسرائيليا أو صراعا له بعد ديني بين المسلمين واليهود، قد يكون صحيحا في إطار التحليل الاستراتيجي التأسيسي للصراع في وعلى فلسطين أو التوظيف الأيديولوجي والتعبئة السياسية وتحفيز الذاكرة بحقيقة الكيان الصهيوني، كما كان له نصيب من الصحة فيما مضى من الزمن، ولكنه اليوم وبحسابات الواقعية السياسية واستحقاقات السلوك السياسي القائم هو حديث أيديولوجيا وتمنيات ولا يستقيم مع معطيات الواقع .

إن كانت الايدولوجيا مفيدة في بعض السياقات إلا أنه لا يمكن أن تبنى عليها حلول واقعية لا في إطار تسوية سياسية ولا في إطار مواجهات عسكرية . حقيقة الصراع الدائر على الارض اليوم هو صراع وحرب مفتوحة ما بين الشعب الفلسطيني الصغير الخاضع نصفه للاحتلال ونصفه الآخر يعيش في الشتات والذين يتم محاصرتهم من الأنظمة العربية بما لا يقل عن محاصرتهم من إسرائيل نفسها، في مواجهة إسرائيل والحركة الصهيونية واليهودية العالمية المتحالفين مع المسيحية الصهيونية واليمينيون الجدد في الولايات المتحدة الامريكية والغرب .

الخطورة لا تكمن في خلل ابستمولوجي في توصيف الصراع كصراع ايدولوجي قومي أو ديني، بل في طرح مبادرات لتسوية مسألة الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين انطلاقا من معادلة أن الصراع ما زال صراعا عربيا إسرائيليا، أو دفع الأمور نحو حرب دينية مفتوحة ما بين الفلسطينيين واليهود اعتمادا على مقولة البعد الديني للصراع أو الجهاد لتحرير فلسطين .

في ظل غياب الوحدة العربية حتى في حدودها الدنيا وغياب مشروع قومي عربي له عنوان محدد وإستراتيجية محددة أو أي شكل من اشكال الوحدة العربية أو التضامن العربي، وفي ظل غياب مشروع إسلامي متفق عليه وفي ظل ما تشهده المنطقة من تطاحن وصراع بين الدول العربية والإسلامية وبعضها البعض.

إن أية مبادرة تسوية سياسية أو وساطة تتضمن حل الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين يطرحها أي نظام عربي أو إسلامي في هذا الوقت بالذات، لن تكون إلا مبادرة هدفها حل إشكالات هذا النظام نفسه مع إسرائيل والغرب أو محاولة التقرب لهما والتطبيع معهما مستغلا القضية الفلسطينية كمدخل، وستكون مبادرة أو وساطة تساوم على الحقوق الفلسطينية وبسقف أقل من الحد الادنى الفلسطيني بل وأقل مما تمنحه لنا الشرعية الدولية .

نفس الأمر بالنسبة لأي نظام أو حركة تقول بأنها تريد تدمير إسرائيل أو تحرير القدس، فهذه الجهات توظف الدين في القضية الفلسطينية لمصالحها الخاصة وليس لتحرير فلسطين، وهي غير مستعدة لأن تدخل فعليا في أية مواجهة عسكرية مباشرة لا مع تل أبيب ولا مع واشنطن، وإن دخلت في مواجهات فستكون محدودة ومحسوبة لإضفاء مصداقية على أيديولوجيتها .

ليست هذه دعوة لفك الترابط بين فلسطين ومحيطها العربي والإسلامي، فهذان البعدان مكون رئيس للقضية الفلسطينية التي لا يمكن أن تنسلخ عن ابعادها العربية والإسلامية والإنسانية، كما أن نجاح الشعب الفلسطيني في إنجاز مشروعه الوطني التحرري سلما أو حربا مرهون بوجود حالة عربية شعبية ورسمية تتبنى خيار المقاومة فعلا ومستعدة لدفع استحقاقاتها .

لكن وحيث إن الحالة العربية والإسلامية الراهنة، الرسمية منها والشعبية، غير مهيأة لتحمل استحقاقات أية مواجهة جادة مع إسرائيل وواشنطن حتى على طاولة المفاوضات، بل هي حالة ترتد تداعياتها سلبا على القضية الفلسطينية، فعلى الفلسطينيين عدم المراهنة كليا على أي مشروع تسوية أو وساطة تطرحه أية دولة عربية أو إسلامية في ظل الوضع الراهن، وخصوصا أن هناك بعض الأنظمة العربية مستعدة اليوم للتضحية بالمشروع الوطني الفلسطيني وبالشعب الفلسطيني حتى تحافظ على كيانها ومصالحها وتكسب ود واشنطن وتل أبيب .

إن كان العرب جادين في دعم عملية السلام فعليهم التمسك بالمبادرة العربية وعدم توظيف الفلسطينيين للتراجع عنها أو تخفيض سقفها، وعليهم دعم صمود الشعب الفلسطيني على أرضة والمعاملة الكريمة للفلسطينيين المقيمين على أراضيهم أو الذين يمرون عبرها .

لذا على الفلسطينيين استعادة زمام المبادرة ووقف المراهنة على مبادرات أو مشاريع تسوية تسمى عربية أو إسلامية . إن عناصر القوة المتوفرة في الشعب الفلسطيني في حالة إنهاء انقسامه وتوحده حول رؤية وموقف موحد هي أكثر فعالية وتأثيرا على مجريات الصراع من عناصر القوة العربية والإسلامية المتاحة والتي يمكن توظيفها فعليا الآن لمواجهة إسرائيل ومخططاتها، ليس لأن العرب والمسلمين لا يتوفرون على عناصر قوة وتأثير بل لأن هذه القوة محجور عليها أو أن الأنظمة غير مستعدة لتوظيفها في مواجهة إسرائيل وواشنطن فيما هي تتعرض لخطر داخلي يهدد وجودها .

 

إبراهيم أبراش

 

امجد الدهاماتهناك أسئلة يتم تداولها في هذه الفترة حول مفهوم المعارضة السياسية في النظام البرلماني تحديداً لأنه النظام الذي يعتمده بلدنا في عمليته السياسية التي لم تتحول بعد الى حياة سياسية مستقرة بفعل حداثة التجربة وعدم أرساء تقاليد ديمقراطية في الحكم، وسأحاول الإجابة عنها مستعيناً بتجارب الدول العريقة بالديمقراطية عسى أن نستفيد منها.

طبعاً أغلب حكومات النظام البرلماني ائتلافية لصعوبة حصول حزب واحد على أغلبية مقاعد البرلمان خاصة في نظام الانتخاب النسبي، ولهذا تضطر الأحزاب للدخول في تحالفات صعبة لتأليف الحكومة، ومبعث هذه الصعوبة هو التعارض الكبير في برامج وتوجهات الأحزاب، فتتفاوض فيما بينها لفترة طويلة للوصول إلى قواسم مشتركة ونقاط إلتقاء تسهل تشكيل الحكومة، كما حصل في بلجيكا بعد الانتخابات غير الحاسمة في عام (2010) حيث حققت مفاوضات تشكيل حكومة رئيس الوزراء (إليو دي روبو) رقماً قياسياً بلغ (589) يوماً.

وسأذكر بعض هذه الأسئلة:

السؤال الأول: هل من حق حزبٍ ما أشترك في الحكومة ودعم شخص معين لمنصب رئيس الوزراء أن ينسحب منها ويعارض رئيسها؟

أحياناً لا يلتزم رئيس الوزراء باتفاق تشكيل الحكومة أو يتخذ قرارات غير متفق عليها، وعندها يحق للأحزاب الخروج منها وسحب الدعم من رئيسها بل ومحاولة اسقاطه في البرلمان.

في هولندا شكل (يان بيتر بالكننده) حكومة ائتلافية من (3) أحزاب (2003) لكنها سقطت عندما أقترح أحد هذه الأحزاب حجب الثقة عن وزيرة الهجرة.

وفي إيطاليا سحب حزب (حرية الشعب) دعمه من حكومة (ماريو مونتي) عام (2012) بسبب سياساته التقشفية.

وفي قبرص أنسحب الحزب الديموقراطي (2014) من حكومة الرئيس (نيكوس انستاسيادس) بسبب توقيعه على اعلان مشترك مع القبارصة الاتراك.

وفي بلجيكا تم تأليف حكومة من (3) أحزاب برئاسة (شارل ميشيل) عام (2014) لكن التحالف الفلامنكي الجديد انسحب منها بسبب اعتراضه على قبول الحكومة (الميثاق العالمي للهجرة).

اما في اليونان فقد انسحب حزب "اليونانيون المستقلون" عام (2019) من حكومة (الكسيس تسيبراس) اعتراضاً على الاتفاق مع دولة مقدونيا.

بل يحق حتى لحزب الأغلبية الذي ينتمي له رئيس الوزراء ان يسحب ثقته منه ويستبدله بشخص ثانٍ، فقد استقال رئيس الوزراء الإيطالي (انريكو ليتا) عام (2014) بعد ان سحب حزبه الديمقراطي تأييده له.

السؤال الثاني: هل يحق لأحزاب للمعارضة المطالبة بمناصب في الحكومة؟

طبعاً لا يحق للمعارضة المشاركة في الحكومة، ففي هذه الحالة لن تصبح معارضة أصلاً، إلا إذا طلب الحزب الفائز منها ذلك ووافقت المعارضة وهذه حالة نادرة، فعندما أصبح (باراك أوباما) رئيساً للولايات المتحدة عام (2009)، وهو من الحزب الديمقراطي، طلب من (روبرت غيتس) البقاء بمنصب وزير الدفاع رغم انه من الحزب الجمهوري.

السؤال الثالث: هل يحق للمعارضة ان تتظاهر ضد سياسات الحكومة؟

هذا من بديهيات العمل السياسي، فمن حق أحزاب المعارضة استخدام كل الطرق الدستورية والقانونية للإعتراض على الحكومة واسقاطها، فقد تظاهرت الكثير من أحزاب المعارضة ضد الحكومات في الدول الديمقراطية، وهذه بعض الأمثلة:

إيطاليا: تظاهر الحزب الديمقراطي (2010) ضد حكومة (سيلفيو برلسكوني).

اليابان: تظاهر الحزب الديمقراطي والحزب الشيوعي (2015) ضد حكومة (شينزو آبي).

بريطانيا: تظاهر حزب العمال (2016) ضد حكومة (ديفيد كاميرون).

تركيا: تظاهر حزب الشعب الجمهوري (2017) ضد الرئيس (رجب طيب اردوغان).

صربيا: تظاهر الائتلاف من أجل صربيا (2018) ضد الرئيس (آلكسندر فوتشيتش).

أرمينيا: تظاهر حزب العقد المدني (2018) ضد الرئيس (سيرج سركيسيان).

السؤال الرابع: هل المعارضة ضد الحكومة على طول الخط أمْ تساندها أحياناً؟

في بعض المواقف تحصل الحكومة على دعم المعارضة خاصة في قضايا البلد المصيرية أو التي تهم الشعب بشكل عام، اما حكومة الأقلية فيمكنها الاعتماد على المعارضة مقابل إصدار قوانين لصالح ناخبيها، فعندما شكل رئيس الوزراء السويدي (ستيفان لوفين) حكومة أقلية (2014) أعلن أنه سيتعاون مع الأحزاب الآخرى في بعض المجالات مثل (نظام المعاشات التقاعدية، تطوير الطاقة في المستقبل، سياسة الأمن والدفاع)، وفي قبرص دعم حزب (أكيل) المعارض موقف الرئيس من القبارصة الأتراك (2014)، وساند الحزب الاشتراكي الأسباني حكومة (ماريانو راخوي) اثناء ازمة إقليم كتالونيا عام (2017).

السؤال الخامس: هل يمكن ان تتفق الأحزاب على اختيار شخصية مستقلة أو غير فائزة بالانتخابات لرئاسة الجمهورية أو الحكومة؟

نعم هذا حدث في عدة دول اتفقت فيها أحزاب الحكومة والمعارضة على انتخاب شخصية مستقلة لرئاسة الدولة أو الوزراء، مثل: (كارلو تشامبي) رئيس جمهورية إيطاليا (1999)، أبو بكر زين العابدين رئيس جمهورية الهند (2002)، (ماريو مونتي) رئيس وزراء إيطاليا (2011)، (يواخيم غاوك) رئيس جمهورية المانيا (2012)، مهدي جمعة رئيس وزراء تونس (2014)، أمينة فقيم رئيسة جمهورية موريشيوس (2015) ... ألخ.

طبعاً هناك أسئلة أخرى لكن لا يسع المقال لذكرها جميعاً وربما يأتي دورها لاحقاً.

 

أمجد الدهامات - العراق

 

كاظم المقداديثلاثة أعوام على نشر نتائج التحقيق بالحرب على العراق..

تمهيد: شاركت المملكة المتحدة مع الولايات المتحدة وتحت أمرتها مشاركة فعلية غير محدودة في حربين مدمرتين للعراق في عامي 1991 و2003). وقد إستخدمت قواتهما المسلحة أسلحة فتاكة حديثة..لحد اليوم لا توجد إحصائية رسمية دقيقة منشورة عن عدد ضحايا الحرب من الأبرياء العراقيين، لكن الشواهد الشاخصة الكثيرة تدلل على ان الحربين خلفتا أكثر من مليون قتيل وأضعاف هذا العدد من المصابين والجرحى والمقعدين، إضافة الى مئات اَلاف المرضى، وموت الآلاف جراء إستخدام تلك الأسلحة. وما يزال الشعب العراقي يعيش في ظل دمار البنى التحتية والخراب الأقتصادي- الأجتماعي والكوارث البيئية والصحية الرهيبة، التي أرجعت العراق نحو قرن للوراء.

وعدا هذا، نشأ برعاية سلطة الأحتلال نظام هزيل، فاسد ومتهرئ، مبنياً على المحاصصة الطائفية والأثنية وإسئثار أحزاب الإسلام السياسي بالسلطة، وهيمنتها على النفوذ والمال والقوة، وفتح المتنفذون الأبواب مشرعة أمام أتباعهم وأقرباءهم من غير المؤهلين والفاشلين والمزورين والمحتالين والجهلة وسراق المال العام. وإستكملوها بعملية إجتثاث الكفاءات الوطنية المخلصة، ضمن خطة مدروسة لمحاربة كل ما يمت للوطنية بصلة، وتحطيم الدولة وشل مؤسساتها التشريعية والقانونية. والحصيلة:إشاعة الفساد الأداري والمالي، والرشوة، ونهب ثروات العراق، وتدمير الصناعة والزراعة والتجارة، والحط من التربية والتعليم، وتردي الخدمات العامة، وفي مقدمتها الصحة والكهرباء والماء النقي، وتفاقمت معدلات البطالة والفقر والتخلف، بدلآ من إعمار البلد وتحسين الأحوال المعيشية للمواطنين وتأمين الحياة الحرة الكريمة والعدالة الإجتماعية. و بالمقابل إغتنت طبقة طفيلية جديدة من الفاسدين، ، وصارت عصابات السلب والنهب والخطف والإغتيال، المسنودة من مليشيات مسلحة، تصول وتجول وتعيث فساداً دون رادع ولا محاسبة، والقضاء يتفرج. وإستمر إنعدام الأمن والأستقرار، ومنذ 15 عاماً ولحد الآن، تهدر دماء العراقيين كل يوم وتتواصل الفواجع والماَسي والآلام..

وكل هذا دلل بان المستهدف من الغزو والأحتلال ليس النظام الدكتاتوري وأسلحة الدمار الشامل، المبرر الرئيس للحرب، وإنما العراق دولة وشعباً. والمفارقة:لم تجر معاقبة ولا حتى محاكمة دولية للغزاة والمحتلين

لجنة تحقيق بريطانية

يسجل للممملكة المتحدة، ان رئيس وزراءها الأسبق جوردون براون بادر وشكل في 15 حزيران 2009 لجنة للتحقيق بالحرب على العراق برئاسة السير جون تشيلكوت، وإختار أعضاءها بنفسه، وسميت: ,The Iraq war Inquiry أو Chilcot inquiry، وباشرت عملها رسميا في تموز 2009 كلجنة مستقلة مختصة بالتحقيق بشأن مشاركة المملكة المتحدة في الحرب على العراق عام 2003. وقد غطى تحقيقها قرارات الحكومة لفترة 8 سنوات:من صيف عام 2001 الى صيف عام 2009.وأنجزت عملآ كبيراً، راجعت خلاله نحو 150 ألف وثيقة حكومية وقامت بتحليلها، وعقدت أكثر من 200 اجتماع مع مسؤولين حكوميين، وقابلت أكثر من 150 من الشهود، من الشخصيات السياسية والعسكرية والاستخباراتية البريطانية.وكلف عملها خزينة الدولة نحو 9 ملايين جنيه إسترليني. وصدر تقريرها بـ 12 مجلداً، مجموع صفحاته 6 اَلاف صفحة، مؤلفة من 2,6 مليون كلمة.

المحصلة والإستنتاجات

نشرت اللجنة نتائج تحقيقها في 6/7/2016، ومحصلته- كما لخصتها صحيفة "الغارديان": "دولة دمرت (إشارة الى العراق) وثقة تهدمت (بريطانيا) وسمعة تحطمت (بلير) "[1]..

بإختصار، خرجت اللجنة بإستنتاجات مهمة بشأن مشاركة المملكة المتحدة في الغزو، معلنة بان الحرب لم تكن ضرورية، ومبرراتها ليست مقنعة، فلم يشكل العراق وقتها خطراً على المصالح البريطانية، ولم تثبت مزاعم إمتلاكه لأسلحة الدمار الشامل.وإعتبرت عملية الغزو متسرعة ومبنية على معلومات إستخباراتية مغلوطة وغير دقيقة. ولم تكن صحيحة إدعاءات إدارة بلير بأنها تحركت نيابة عن المجتمع الدولي، وإنما بالعكس، فالمحامي العام وقتها اللورد غولد سميث لم يتحدث عن وجود أي أساس شرعي للحرب ضد العراق. وفي هذا الإطار، أسهمت الحكومة في تقويض سلطة مجلس الأمن الدولي عبر المشاركة في تدخل عسكري غير مدعوم منه، وشكلت تجاوزا لبنود عمل الأمم المتحدة بخصوص الحفاظ على الأمن والسلام الدوليين

ومع ان التقرير لم يحسم إن كانت الحرب شرعية أو غير شرعية، وإعتبر رئيس اللجنة ان هذا الأمر يحسمه القضاء. بيد ان التقرير أوحى- بحسب قانونيين- بعدم شرعية الحرب، وان الأدارة البريطانية تجاوزت ما تنص عليه الأمم المتحدة للحفاظ على الأمن والسلام الدوليين.وإعتبرت صحيفة "التايمز" التقرير بمثابة " تقييم نهائي لتجربة عسكرية إنتهت الى خطأ كارثي لعدم وجود التخطيط الأساسي والإجتهاد الواجب"[2].

وتضمن انتقادات لكامل الفريق السياسي والعسكري الذي شارك بلير قرار الحرب، لا سيما وزير الخارجية آنذاك جاك سترو، ورئيس جهاز الاستخبارات (MI6) السير ريتشارد ديرلوف، ورئيس لجنة الاستخبارات المشتركة، السير جون سكارليت، ووزير الدفاع، جيف هون، ووزيرة التنمية الدولية، كلير شورت. وكان سترو قد إعترف بإن "العواقب التي نجمت عن قرار التدخل العسكري ضد العراق ستعيش معي لبقية حياتي".

وأوضح التقرير أن الخطط البريطانية لفترة ما بعد الحرب في العراق كانت غير مناسبة، ولها تداعيات كثيرة..

بيد ان تقرير اللجنة جوبه بأنتقادات موضوعية لكثرة المؤاخذات عليه، أبرزها تجاهل اللجنة لإستخدام القوات البريطانية والأمريكية أثناء غزو العراق لأسلحة مشعة فتاكة، للمرة الثانية، وإهمال حقوق الضحايا المدنيين العراقيين، بالأضافة الى المماطلة في إعلان النتائج، والضبابية، وعدم الحسم في قضايا هامة عديدة ذات علاقة ..

تجاهل إستخدام الأسلحة الفتاكة

تجاهلت لجنة التحقيق إستخدام القوات البريطانية والأمريكية مجدداً في غزو العراق وإحتلاله عام 2003 لأسلحة فتاكة، هي ذخائر اليورانيوم المشعة، المصنعة من نفايات نووية خطيرة، إستخدمتها وجربتها لأول مرة في ميادين القتال " الحية" في العراق في حرب عام 1991، والتي سببت للمدنيين الأبرياء كارثة صحية رهيبة لا مثيل لها في التأريخ الحديث .

علماً بان حكومة بلير أهملت كافة التحذيرات العلمية، بما فيها لمؤسسات علمية بريطانية، مثل هيئة الطاقة الذرية البريطانية (UKAEA). التي حذر تقرير سري لها في عام 1991 المسؤولين البريطانيين من عواقب استخدام ذخيرة اليورانيوم على السكان، وخاصة الاطفال، الذين هم اكثر واخطر تأثراً باضراره، وذلك لمعرفة الهيئة المختصة بان قذائف اليورانيوم عندما تصيب الدبابات والاهداف الاخرى تطلق غباراً ساماً يسبب لمن يتعرض له السرطان، وحتى الركام الذي تخلفه يشكل خطراً على من يقترب منه.

وكانت الهيئة قد قدرت في وقته بان غبار وأتربة اليورانيوم المنضب التى أطلقت في الهواء في منطقة الخليج أثناء حرب 1991 بحوالى 50 طناً مترياً مما سيترتب عليه ظهور 500 ألف حالة سرطان في المنطقة.وفيما بعد قدرت الهيئة وجود 2000 طناً مترياً من هذا الغبار حالياً في المنطقة جراء حربي 1991 و 2003، أى أن كمية الغبار والإشعاعات التى أطلقت في الخليج منذ 1991 تفوق نظيراتها التى أطلقت في الهواء جراء إلقاء قنابل هيروشيما ونجازكى أما خسائر الأرواح في الأخيرة فبلغت حوالى 250 ألف شخصاً، في حين أن أضعاف هذا الرقم قد توفي أو في طريقه للوفاة بسبب الأمراض الخطيرة التى ترتبت على إستخدام الذخائر المحرمة في منطقة الخليج [3][4][5][6].

وكان العالمان الكندي هاري شارما -أستاذ الكيمياء في جامعة ووترلو بأونتاريو في كندا، والأمريكي دوج روكي- أستاذ الهندسة البيئية والفيزياء النووية في جامعة جاكسونفيل في ولاية آلاباما الأمريكية، قد حذرا بإفادتهما أمام مجلس العموم البريطاني عام 1998 من مخاطر إستخدام هذا السلاح الفتاك[7].

ونشر العديد من العلماء المعروفين، مثل أساف دوراكوفيتش وتيد ويمان والكساندرا ميللر وسيغفرت –هورست غونتر ودوج روكي وروزالي برتل وكريس باسبي وروس ميركاريمي وباولا مندوكا وجواد العلي وكارمل موثرستيل وثوماس فاسي ولورين موريه وباريش لاندال وساندرا وايز وهانكه شرويدر وغيرهم كثيرون، في كبريات المجلات والدوريات العلمية المتخصصة، عشرات الأبحاث الرصينة المؤكدة لمخاطر هذه الأسلحة على صحة وحياة البشر.

وأمام المؤتمر الدولي الذي عقد في لندن في تموز 1999 وكرس لليورانيوم المنضب، تحدث العالم البريطاني روجرز كوجهيل ، المتخصص بالبايولوجيا التجريبية، عن العلاقة بين اليورانيوم المنضب وانواع السرطان في العراق، موضحاً بان جزيئاً واحداً من هذه المادة يستقر في العقدة اللمفاوية كفيل بتدمير جهاز المناعة بالكامل.وقال: نحن نعلم انه تم إطلاق نحو مليون قذيفة من اليورانيوم الناضب في حرب الخليج الثانية، ولايزال الكثير منها موجود في الصحراء، الامر الذي ينجم عنه انواع خطيرة من السرطان وتشوهات الاجنة.واكد ان العلاقة بين الاثنين قائمة ظاهرياً من الوجهة البايولوجية[8]

من جهته، أكد الجنرال الفرنسي بيير ماري غالوا ، أثناء شهادته أمام المجلس الوطني الفرنسي عام 2001، ان سلاح اليورانيوم المنضب سلاح فتاك مشابه للأسلحة الكيمياوية المحرمة دولياً وفق بروتوكول جنيف 1925 وميثاق باريس 1993 [9].

وأثبتت دراسة للعالم الفنلندي كيث بافرستوك وزميليه: س. موثرستيل و م. ثورن، ان استنشاق ذرات غبار اليورانيوم المنضب يولد آثارا سمية جينية على الـ DNA، وتنتشر من الرئة إلى أجزاء الجسم عن طريق الدم وتتسبب بأضرارا بالغة في نخاع العظم والنظام الليمفاوي والكلى [10][11].

بافرستوكك كان كبير خبراء الوقاية من الأشعاع لدى منظمة الصحة العالمية، وقد منعت الأخيرة نشر الدراسة، وأعتبر ذلك تواطئاً منها، فترك العمل فيها.

الضحايا.. عسكريون ومدنيون

أثبت العلماء بأن لأشعة (ألفا ) المنبعثة من اليورانيوم المنضب دور كبير في تدمير الحامض النووي (DNA) وفي حدوث الطفرات والسرطانات في الخلايا التي تتعرض لها. حيال هذا حذرت العالمة الأمريكية لورين موريه عقب حرب الخليج بان القليل من الكائنات الحية ستنجو من التسمم الأشعاعي البطيء الذي يشوه الـ DNA وينقل التشوه إلى جميع الأجيال اللاحقة [12].

وأكد العالم البريطاني مالكولم هوبر: بان" الأدلة تتراكم بشأن خطورة اليورانيوم المنضب، حيث يمثل إستنشاق حزيئات غباره خطراً صحياً تعرفه المؤسسة العسكرية منذ عام 1974" [13].

وكشف أحد كبار ضباط الجيش الأمريكي بان البنتاغون يعرف منذ منتصف الثمانينات بأنّ مشاكل جدية سيسببها إستخدام اليورانيوم المنضب [14].بيد ان وزارة الدفاع البريطانية، توافقاً مع البنتاغون وبضغط منه، رفضت الكشف عن اَثار اليورانيوم المنضب الذي إستخدمته القوات البريطانية والأمريكية مجدداً أبان غزو العراق، ولم تسمحا لفريق الأمم المتحدة بدخول العراق ودراسة التلوث ياليورانيوم المنضب [15][16][17].

وأكدت أبحاث علمية ان ما يزيد عن نصف الجنود الامريكيين الذين شاركوا في حرب الخليج عام 1991 , يعانون من اعراض صحية خطيرة وتشوهات خلقية في مواليدهم الى الان [18][19][20]. وبينت عدة دراسات على الجنود الذين تعرضوا الى آثار اليورانيوم في كوسوفو والعراق، أجريت لمعرفة مستويات التلوث باليورانيوم المنضب، ان أعلى تركيز لليورانيوم المنضب في البول للجنود من غير المصابين بشظايا اليورانيوم المنضب تساوي 266ng/ℓ جاءت نتيجة لأستنشاق الهواء الملوث بغبار اليورانيوم المنضب او دخولها عن طريق الجهاز الهضمي , اما المصابين بشظايا ذخائره فأن التركيز كان  24500ng/ℓ [21][22].

في دراسة له بعنوان "إنتشار وتلويث اليورانيوم المنضب لجنود حرب الخليج وأَخرين"، عبر العالم الفيزيائي الأمريكي ليونارد ديتز عن إعتقاده بان الجنود الأمريكيين الذين يعانون من أعراض حرب الخليج هم ضحايا تلك المادة التي نقل الجو إشعاعاتها لهم أثناء قصفهم للعراق، وتدميرهم لدباباته ومعداته العسكرية والإستراتيجية [23][24].

وفي العراق أكدت العديد من الدراسات العلمية الرصينة المستقلة إنتشار على نحو خطير أمراض السرطان والتشوهات الولادية والإسقاط (الإجهاض) المتكرر والعقم (حتى وسط من كانوا قد أنجبوا قبل الحرب) وعلل أخرى كثيرة غير قابلة للعلاج، وسط المدنيين، خاصة في المناطق التي إستخدمت فيها القذائف المصنعة من اليورانيوم المنضب وحواليها أثناء حربي 1991 و 2003. وان استخدام هذا السلاح الفتاك في المناطق الجنوبية من العراق يُعدُ أحد أهم الأسباب التي ادت الى تزايد نسبة الأصابة بالأمراض السرطانية, وخاصة سرطانات الدم والثدي والغدد اللمفاوية، حيث بينت الدراسات تزايد النسبة من 4 اصابة عام 1990 الى 8 اصابة عام 1995 و13 اصابة لكل 100 الف نسمةعام 2005 [25][26][27][28].

إهمال حقوق ضحايا الحرب العراقيين

من أبرز المؤاخذات الجدية ، التي إستحقت الأنتقادات الحادة والأحتجاجات الجماهيرية، عدم إيلاء لجنة التحقيق البريطانية ,The Iraq war Inquiry وتقريرها، الإهتمام المطلوب بالضحايا الأبرياء من المدنيين العراقيين..

المؤلم أن الإعلام العالمي أولى اهتماماً كبيراً بما يتعلّق بطوني بلير في تقرير اللجنة، متجاهلاً أن الضحية الأساسيّة للحرب هي الشعب العراقي وبيئته ومجتمعه وأجيال مستقبله.علماً بان تقرير اللجنة أقر ضمنياً بأن ضحية الحرب في المقام الأول هو العراق، الذي " يبقى مقبرة كبيرة لا يمكن معرفة حجمها"، ومع هذا لم تول اللجنة ولا تقريرها إهتماماً إسوة بما أولته للضحايا البريطانيين ذوي العلاقة. حيال هذا نظمت MedAct org [29] إحتجاجاً جماهيرياً على تقرير اللجنة، معتبرة ان التحقيق لم يكن جدياً، وقد أهملت اللجنة تقرير المنظمة المفعم بمعطيات موثقة عن محنة الضحايا المدنيين الناجمة عن الغزو[30].

الى هذا، كشفت تقارير بان الحكومة البريطانية كانت قد ظللت بشأن المصابين والمتوفين من المدنيين ضحايا أسلحتها، فلم تسجل أعدادهم بناء على رغبة بلير بتقليص العدد قدر الأمكان[31]، ضاربة عرض الحائط بتقارير الطواقم الطبية العاملة في العراق المنبهة لإرتفاع معدلات السرطان والتشوهات الخلقية، والرابطة لها باستخدام أسلحة اليورانيوم [32].

وقد إستغرب الكثيرون في بريطانيا وخارجها ان يعطي تقرير اللجنة الحق لعوائل الضحايا البريطانيين، من قتلى وجرحى ومعوقين، ممن شاركوا بالحرب، بالمطالبة بتعويضات، بينما أنكره على نظرائهم من العراقيين، مستهيناً بجسامة الكارثة الأنسانية والصحية التي سببتها الذخائر المشعة، والتي لخصتها العالمة الأمريكية لورين موريه :" أن المستقبل الجينى للعراقيين على وجه التحديد قد تم تدميره" [33][34]. واكتفى رئيس اللجنة تشيلكوت بالقول في مؤتمر صحفي عقده يوم نشر التقرير:" تسبب الغزو وحالة عدم الاستقرار التي أعقبته بمقتل ما لا يقل عن 150 ألف عراقي وربما أكثر بكثير, معظمهم من المدنيين، ونزح أكثر من مليون شخص عن العراق.وتكبد الشعب العراقي معاناة كبيرة ".. ولم يوص لا بتعويضات للشعب العراقي ولا حتى باعتذار يقدم له، وهو ما انتقده كارني روس- مؤسس منظمة «دبلوماسيون مستقلون» [35]. وأدانه الباحث في الفكر الإستراتيجي بجامعة باريس نبيل نايلي بقوله: ضاقت 2,6 مليون كلمة ولو بجملة يتيمة تعيد إلى ضحايا حرب همجية غير قانونية بعض الاعتبار [36].

لقد واجه المدنيون العراقيون- بتأكيد منظمة MedAct -أفضع الآثار الصحية السلبية للحرب على العراق، وما زالوا يعانون منها. وقد قتل مئات الآلاف من غير المحاربين، وتشرد حوالي 5 ملايين مدنياً، ومعظمهم يعانون بسبب الأضرار الكارثية التي طالت أنظمة الرعاية الصحية [35].

وتساءلت منظمة "ضحايا حرب العراق" (IBC)[37] في عام 2015: متى ستبدي المملكة المتحدة اهتماما جادا في ضحايا العنف في العراق؟[38]. وانضم أعضاء من "مجموعة الصحة عبر السلام"(the Health Through Peace community) الى الاحتجاج السلمي الذي نظمته منظمة MedAct ضد تقرير تشيلكوت، معبرين عن رفضهم له، معتبرين إياه غير جدياً بشأن الضحايا الأساسيين.

إثباتات طلبتها لجنة التحقيق وتجاهلتها

يحسب للجنة التحقيق من بين الأمور الإيجابية دعوتها لمن لديه إثباتات ومعلومات تفيد التحقيق تقديمها لها. فقدمت المنظمة البريطانية MedAct.org تقريراً خاصاً وافياً مكرساً لأضرار النزاع المسلح على المدنيين والبيئة العراقية.وقبل ذلك رفعت لرئيس اللجنة في اَب 2009 رسالة دعت فيها، بإسم "مشروع ضحايا حرب العراق (IBCP) الى ضرورة ان يشكل ضحايا العراق جزءاً من التحقيقات في حرب العراق، مطالبة لجنته ان تأخذ بعين الأعتبار الضحايا العراقيين نتيجة الحرب والأنهيار الذي أعقب الغزو في عام 2003. وطالبته بان يسمح للمنظمة بتقديم الأدلة اللازمة لهذا الموضوع تحديداً. وقالت أيضاً:"ان لجنة التحقيق في حرب العراق تشكل فرصة فريدة، حتى لو كانت متاخرة، للتحقيق في ضحايا العراق بشكل شامل و بتفاصيل دقيقة، وأيضا تقييم طبيعة ومدى الضرر الناتج عن اهمال الحكومة المستمر لهذه القضية..وقالت: ان المصادر الكثيرة توفر لكم- حسب رأينا- فرصة جيدة للتحقيق بشكل شامل وسليم في قضية ضحايا العراق: الحقائق الكثيرة تجبركم على فعل ذلك".

وأوضحت (ميداكت) بان جمع كل الحقائق المتوفرة عن ضحايا العراق كانت النشاط الرئيسي لمنظمة "ضحايا حرب العراق"(IBC) خلال الاعوام الماضية. وبغياب مصدر معتمد اخر للمعلومات عن طبيعة و توزيع الضحايا في العراق، فان البيانات التي تقدمها المنظمة لطاما اشير اليها في مختلف السياقات من قبل مؤسسات مستقلة، من بينها منظمات الاغاثة، منظمة الصحة العالمية، مفوضية الامم المتحدة العليا للاجئين، البنك الدولي، صندوق الدعم الدولي، الجامعات الرئيسية، مؤسسةBBC الاعلامية، صحيفة الايكومنست، وغيرها من المؤسسات الاعلامية في المملكة المتحدة والعالم.

وقدمت الشبكة البريطانية لأسلحة اليورانيوم (UKUWN) [39]، في 8 /7/ 2010 ، تقريراً علمياً وافياً مكرساً لاستخدام المملكة المتحدة لذخائر اليورانيوم المنضب في العراق، شرحت فيه طبيعتها وأصنافها وحجم ما استخدم منها على العراق. وتناولت بالأدلة العلمية القاطعة المخاطر الصحية لإستخدامها، مستندة الى نتائج دراسات وأبحاث علمية رصينة، أثبتت سميتها الكيميائية والإشعاعية على العسكريين والمدنيين، التي تجسدت بـأعراض أو متلازمة حرب الخليج " "Gulf War Syndrome، التي طاولت مئات اَلاف العسكريين، وتداعياتها على عوائلهم، وانتشار الأصابات السرطانية والتشوهات الخلقية وعلل مرضية أخرى غير قابلة للعلاج وسط العسكريين والمدنيين الأبرياء.

ولفتت الشبكة إنتباه لجنة التحقيق الى تكرار إستخدام وزارة الدفاع البريطانية لذخائر اليورانيوم في غزو العراق رغم علمها المسبق بمخاطر إستخدامها، بإعتبارها ذخائر مشعة مصنعة من نفايات نووية خطيرة. وهذا ما أكده البرفسور مالكولم هوبر- أستاذ الكيمياء الطبية بجامعة سندرلاند، والمستشار العلمي لـ "جمعية جنود حرب الخليج الثانية المتقاعدين في المملكة المتحدة"، متجاهلة كافة التحذيرات العلمية، بضمنها لمؤسسات علمية بريطانية معروفة، بشأن سميتها الكيميائية والإشعاعية وأضرارها البيولوجية على صحة وحياة العسكريين والمدنيين-أشرنا لبعضها [40]..

وقامت وزارة الدفاع وحليفاتها بإخفاء البيانات والمعلومات ذات العلاقة.فقد أكدت صحيفة " الإندبندنت" البريطانية في تقرير عنوانه:"الجيش البريطاني كان يعرف بمخاطر اليورانيوم المنضب " أن الوزارة كانت تعرف بان التعرض لأشعاع أسلحة اليورانيوم المنضب يسبب سرطانات الرئة والغدد اللمفاوية والدماغ، وأن التحذير من تلك الأمراض كانت قد أصدرته الطبابة العسكرية البريطانية (حصلت الصحيفة على نصه) وهو يحذر العسكريين من التعرض للغبار الناجم عن إنفجار أسلحة اليورانيوم المنضب. ودلل تقرير الأندبنتدنت على المغالطات الرسمية التي أتبعتها الحكومة البريطانية تجاه نتائج البحوث العلمية بشأن أضرار اليورانيوم المنضب، مستشهداً بالنتائج التي توصل إليها البرفسور مالكولم هوبر، التي أكدت ان اًلاف البريطانيين الذين يسكنون ضمن مدى إنفجارات أسلحة اليورانيوم المنضب، أو يعيشون بالقرب من معامل إنتاج تلك الأسلحة، سيتأثرون بخطر التلوث الإشعاعي.وقد تجاهلت وزارة الدفاع كافة التحذيرات العلمية الأكاديمية وأهملت الحقائق العلمية [41]..

من ردود الفعل على التقرير

كتب النائب العام البريطاني السابق في حكومة توني بلير اللورد موريس في عام 2014 منتقداً التأخير غير المقبول في نشر نتائج تحقيق لجنة تشيلكوت حول حرب العراق ، وإعتبر ذلك فضيحة وطنية. وانه من غير المقبول مواصلة تأخير نشر النتائج [42].

ويبدو ان المماطلة في تأخير نشر التقرير لعدة سنوات صبت في هذا المنحى.فكان من المفترض ان يكون تقرير نتائج التحقيق جاهزا للنشر بحلول نهاية عام 2010 [43]، لكن ذلك لم يحصل.وفي 16/11/2011 أعلن السير جون تشيلكوت أنه لايمكن نشر التقرير قبل صيف 2012 "إذا أردنا للتحقيق ان يكون عادلاً، نظراً للتعقيدات التي ينطوي عليها".وفي 16 /7/ 2012 أعلن مجدداً بانه لا يستطيع ان يقدم تقريراً قبل صيف 2013 [44].وفي كانون الثاني 2015أعلن إرجاء نشر نتائج التقرير إلى ما بعد اجراء الانتخابات العامة في بريطانيا [45].

وكل تلك التأجيلات لم تكن لصالح التحقيق، ولا لصالح ضحايا الحرب، ولم تكن مبرراتها مقبولة، ولا علاقة لها بـ "الأمن الوطني البريطاني"- كما زعموا، مع أن الأمن الوطني قام بتدقيق التقرير- بحسبBBC [46]. وأكد رئيس اللجنة بان التقرير أحيل إلى الأمن الوطني لفحصه لتضمنه كما ضخما من المواد الحساسة [47]..

أما نتائج التحقيق، فلم تكن غير متوقعة للعديد من السياسيين البريطانيين، وجاءت متوافقة واَراء العديد من الشخصيات البريطانية. فقد أعلنت ناتالي بينيت- زعيمة حزب الخضر: " كنا نعرفها، والان تأكدنا منها: الحرب على العراق كانت مبنية على الخداع والكذب.كانت غير قانونية، ولا يمكن تبرريها".وشدد جيرمي كوربين- زعيم حزب العمال: "نحن نعلم أن البرلمان تعرض للتضليل في مرحلة ما قبل الحرب، وعليه أن يقرر كيف يريد أن يتعامل مع هذا الأمر بعد مضي 13 عاما". وأضاف:"على الذين كشفهم تقرير تشيلكوت أن يواجهوا نتائج أعمالهم، أيا كانت" [48][49]..

وأعلنت منظمة "ضحايا حرب العراق" (IBC):" لم نكن نتوقع ان نجد بين نتائج عمل اللجنة العدد الكبير للضحايا، ولا حتى رؤية عوائل الضحايا العراقيين، او إحتياجاتهم ، او كيفية تخفيف معاناتهم [50].

والمفارقة ان تقرير لجنة التحقيق أشار الى عدم وجود نية لدى المملكة المتحدة لتنظيف العراق من تركتها المشعة القاتلة، وتخلت عن مسؤوليتها وواجبها في إزالة المخلفات السامة التي خلفتها هناك، ولا حتى وجوب رصد تأثيراتها على صحة ومستقبل السكان.وأكد دوغ وير- المنسق الدولي للتحالف الدولي لحظر أسلحة اليورانيوم(ICBUW) ان وزارة الدفاع قد أخفت عن لجنة التحقيق وثيقة عسكرية كانت قد أعلنت فيها عام 2003 عن نيتها تنفيذ هذه المهمة[51].وكان البرفسور مالكولم هوبر قد إعتبر مهمة التنظيف واجب قانوني على الملوثين في ظل إصابة الأطفال بالسرطان وحالات تشوه ولادي نراها في العراق منذ إستخدام اليورانيوم المنضب في حرب عام 1991"[52]..

وبموازاة صدور التقرير، تظاهر المئات من معارضي غزو العراق أمام منزل بلير، وأمام "مركز الملكة إليزابيث للمؤتمرات"، حيث عقد السير تشيلكوت مؤتمره الصحفي للإعلان عن خلاصات تقرير لجنة التحقيق، وطالب المتظاهرون بملاحقة بلير " لارتكابه جرائم حرب".

من جهتها، اعتبرت حركة "أوقفوا الحرب" التي عارضت غزو العراق أن " تقرير تشيلكوت اتهام صريح لتوني بلير والمحيطين به، في دفعنا إلى الحرب على العراق". وذكرت الحركة في بيان صدر بعد الإعلان عن نتائج لجنة التحقيق أن "الحركة المناهضة للحرب والملايين الذين تظاهروا ضد قرار الغزو، يطالبون الآن بالعدالة".

إنتهاك للقانون الدولي

تناول تقرير الشبكة البريطانية لأسلحة اليورانيوم (UKUWN) المقدم للجنة التحقيق بالتفصيل المسؤولية والمشروعية وانتهاكات القانون الإنساني الدولي من قبل مستخدمي أسلحة اليورانيوم. وأكد متخصصون ان استخدام تلك الأسلحة بكميات كبيرة جدا هدفَ عمداً مع سبق الاصرار للفتك بالعراقيين وتدمير بيئتهم ، ضاربين عرض الحائط بالقوانين الدولية التي حظرت في البروتوكول الاضافي الاول الملحق باتفاقيات جنيف ( المادة 35) (يحظر استخدام وسائل او اساليب القتال يقصد بها او قد يتوقع منها ان تلحق بالبيئة الطبيعية اضرارا بالغة واسعة الانتشار وطويلة الامد ).

ووفقا للمادة 4 من التعليمات الرسمية، والمادة 7 من قانون المحكمة الجنائية الدولية، فان ما سبق يُعدُ– برأي د. سعاد العزاوي- جريمة ضد الانسانية نتيجة لتأثيراته الصحية الضارة التي لا تميز بين المدنيين والعسكريين، والتي تستمر أضرارها لفترات طويلة بعد الانتهاء من العمليات العسكرية [53].

وإستكمالآ لمواقفها الصلفةحظرت الحكومة البريطانية على قادة الجيش الرد على نتائج التحقيق بشأن حرب العراق، ومنعتهم من إبداء وجهات نظرهم الخاصة للجنود والبحارة والطيارين. وبحسب أوامر الاتصالات التي اطلعت عليها "ديلي تلغراف" مُنعت المقابلات مع القادة، وقدمت إليهم الحكومة توجيهات متفق عليها لتمريرها إلى الجنود [54].

وقامت الحكومة البريطانية بسحب تمويلها لشركة المحاماة البريطانيّة Public Interest Lawyers التي ثبتت وقائع عن جرائم تعذيب وقتل خارج القانون جرت على يد جنود بريطانيين وطاولت مواطنين عراقيّين!

وأعلنت الحكومة البريطانية عن نيتها إلغاء ملف التحقيق في جرائم الجنود البريطانيين بحق آلاف المواطنين العراقيين، وفعلآ أوقفت التحقيق الذي يقوم به "فريق التحقيق في الإنتهاكات في العراق" (IHAT)، الذي شكّلته وزارة الدفاع في عام 2010 للتحقيق في دعاوى سوء معاملة مدنيين عراقيين على أيدي أفراد القوات المسلحة البريطانية خلال الفترة من نيسان 2003 إلى تموز 2009. وقد نظر الفريق بالفعل في ما لا يقل عن 1515 قضية لضحايا الإنتهاكات، منها 1235 اتهاماً بانتهاك حقوق مواطنين ومواطنات عراقيات، بينها اتهامات بالتعذيب والاغتصاب، ونحو 280 دعوى بالقتل خارج إطار القانون. وأعرب مسؤولها الشرطي السابق مارك وارويك لصحيفة "الإندبندنت" في كانون الثاني 2016 عن إعتقاده بأنه "ستكون هناك أدلة كافية لتبرير توجيه اتهامات جنائية.. هناك إدعاءات جادة يحقق فيها الفريق تتضمن القتل.. وأشعر أنه تم جمع أدلة كافية لتقديم قضية قوية أمام هيئة الادعاء لبدء المحاكمة وتوجيه الاتهامات". وأكد وارويك لصحيفة Business Insider البريطانية أنه "قد تتم مقاضاة القوات البريطانية التي قاتلت في العراق خلال الحرب بين 2003 و2011 بتهم ارتكاب جرائم حرب"، مضيفاً أن هناك "الكثير من القضايا المهمة التي تستوجب المناقشة حول ما إذا كانت تُصنّف ضمن إطار جرائم الحرب". وقد أجبرت الصور المنقولة عن الجنود أنفسهم أو شهاداتهم المباشرة وزارة الدفاع على الموافقة على التحقيق والتعاون معه، بعدما انتقدتها محكمة بريطانية لعدم كشفها عن وثائق تفيد بعلم الوزارة بالشكاوى التي تلقتها بهذا الصدد وقت حدوثها.

وكان من المقرر أن يختتم الفريق المكلّف تحقيقاته بنهاية عام 2019، أي بعد 10 أعوام من إنسحاب آخر القوات القتالية البريطانية من العراق. ولم يسفر عمله لليوم عن أية توصيات بمحاكمات، ويواجه انتقادات من حقوقيين جراء تحركه ببطء. غير أن الحكومة البريطانية إستغلت مخالفة قام بها أحد أعضاء الفريق لتعتبر عمل الفريق "ألحق الأذى بسمعة الجيش البريطاني". وبهذه الذريعة أعلن وزير الدفاع البريطاني مايكل فالون في 11 شباط الماضي بأن بلاده "عازمة على وقف التحقيق في جرائم جنود بريطانيين بحق مواطنين عراقيين، خلال مشاركتهم بحرب العراق عام 2003، وستجري احالة 20 ملفاً فقط إلى شرطة البحرية البريطانية".,أما مئات القضايا، التي رفعها ضحايا من المدنيين العراقيين، والتي ستترك من دون حل، فهي ليست مهمة بالنسبة لحماة العسكريين من مرتكبي الجرائم.

إنتقدت منظمة العفو الدولية القرار على الفور، معتبرة، بحق، ان الانتهاكات المقترفة في العراق "ينبغي عدم نسيانها". كما انتقدت احالة 20 ملفاً فقط إلى شرطة البحرية البريطانية. وقالت المنظمة في بيان لها "ان سمعة الجيش البريطاني على المحك، وأي مزاعم ذات صدقية بشأن انتهاكات لحقوق الانسان من قبل القوات البريطانية في العراق وافغانستان يجب أن تخضع لتحقيق مستقل من جهاز مستقل عن الجيش". وأشارت المنظمة إلى أن "القوات البريطانية ارتكبت اموراً فظيعة في سجونها".

وفي تشرين الثاني 2016 أعلنت الحكومة البريطانية بكل وقاحة نيتها التنصل من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الانسان في مدة الحرب، لتمكين عسكرييها من تفادي "ملاحقات تعسفية"، الأمر الذي ندّدت به منظمات الدفاع عن حقوق الانسان. وعلّق الناشط المدني د. كاظم الموسوي: "مهما كانت العراقيل ومحاولات التأجيل، وهي حالة بريطانية بيروقراطية بامتياز، فلن تتقادم الجرائم وستظل تلاحق مرتكبيها ورؤسائهم الذين دفعوهم لارتكابها، كما وتظل سبابات الضحايا مرفوعة ودماؤهم ملطخة جباه قادة الاجرام ومجرمي الحرب الرئيسيين" [55].

مفارقة عراقية ليست مستغربة

مفارقة عراقية أخرى مؤلمة.ففي الوقت الذي هزت فيه نتائج التحقيق البريطاني عن حرب العراق حال نشرها الضمائر الحية للبريطانيين وغير البريطانيين في أرجاء العالم، وطالبوا بتحرك رسمي عراقي عاجل أمام المحكمة الجنائية الدولية، مبدين عزمهم دعمه إنصافاً للضحايا.. لم تهتز ضمائر المسؤولين المتنفذين في العراق، حتى اليوم، وكأن الموضوع لا يعنيهم، وليس من واجبهم المطالبة بحقوق الضحايا العراقيين.

فلماذا ولمصلحة مَن مواصلة السكوت طيلة ثلاثة أعوام كاملة ؟

نعيد ما كتبناه قبل عامين: مثل هذا الموقف ليس جديداً ولا مستغرباً وهو يؤكد مرة أخرى ان من ساهم في تدمير العراق وتحطيم شعبه لا تهمه حقوق الضحايا الأبرياء من أبناء وبنات الشعب العراقي ![56] ..

ان ما تضمنه تقرير اللجنة، الذي صدر قبل 3 أعوام، من معلومات وحقائق تدعو كل مسؤول شريف، وكل عراقي مخلص، وكافة منظمات المجتمع المدني الحريصة، للضغط على الحكومة العراقية، والسلطتين التشريعية والقضائية، والتحرك والعمل المشترك والفعال، بكل قوّة، أمام «المحكمة الجنائيّة الدوليّة»، بالإستناد الى معطيات تقرير «لجنة تشيلكوت» وغيرها، التي أبطلت مبررات الغزو والأحتلال، للمطالبة بكافة حقوق ضحايا غزو العراق، خصوصاً ما اتّصل منها بإستخدام ذخائر اليورانيوم وتداعيات إستخدامها للمرة الثانية في العراق..

 

د. كاظم المقدادي

ستوكهولم، 22/ 7/ 2019

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا عن ثورة 23 يوليو ودورها في تحرير مصر من الاحتلال، وفي هذا المقال نتساءل سؤال آخر : ما أهداف تنظيم الضباط الأحرار؟

كان الهدف الأساسي هو تحرير مصر من الاحتلال، كما كان هذا هو الهدف الأساسي الذي تركزت عليه أفكار الضباط الوطنيين، إلا أنه نتيجة تعرض الجيش المصري منذ بداية الأربعينات لعدة عوامل سياسية جعلت ضباطه الوطنيين؛  وخاصة من جيل الشباب يلجأ إلي العمل السياسي، وهذه المؤثرات هي : معاهدة 1936 التي لم تؤد إلي استقلال حقيقي للبلاد، وحادث 4 فبراير 1942 الذي أرغمت فيه الدبابات البريطانية الملك فاروق أن يعهد بتشكيل الوزارة لمصطفي النحاس بدلاً من "حسين سري"، ويعد ذلك عدواناً علي استقلال مصر، مما جعل الضباط يشعرون أن كرامتهم قد أهينت، فعقدوا عدة اجتماعات لبحث الموقف واتجهت ميولهم لكل من يعادي الاحتلال الإنجليزي،  سواء من اليمين الإسلامي، مثل جماعة الإخوان المسلمين، أو اليسار الإسلامي، مثل حزب مصر الفتاة .

علاوة علي أن هزيمة الجيش في فلسطين وفضائح النظام الملكي كانا يمثلان سبباً مؤثراً في لجوء الضباط الأحرار للعمل السياسي ؛ نعم لقد كان لتلك الهزيمة وكذلك فضائح الملك في لجوء الضباط الأحرار إلي العمل علي خلق رابطة فكرية بين الضباط، كما كانت الأساس الذي بني عليه البكباشي جمال عبد الناصر تنظيم الضباط الحرار في سبتمبر 1949، واستطاع أن يضم إليه الضباط الوطنيين، الذين آمنو بأن خطورة المستعمر لا تكمن في جيوشه، وإنما في العملاء الذين ارتبطت مصالحهم ببقائه وعلي رأسهم الملك، ولذلك كانت خطة الضباط الأحرار انتزاع ولاء الجيش للملك ليكون ولاء الجيش للشعب؛ وقد عبر عبد الناصر عن ذلك بقوله " كنا نحن الشبح الذي يؤرق به الطاغية أحلام الشعب وقد آن لهذا الشبح أن يتحول إلي الطاغية ليبدد أحلامه هو "...وكنا نقول غير هذا كثيراً، ولكن الأهم من كنا ما نقوله أننا كنا نشعر شعوراً يمتد إلي أعماق وجودنا بأن الواجب واجبنا، وأننا إذا لم نقم به فإننا نكون قد تخلينا عن أمانة مقدسة نيط بنا حملها ...ذلك أن الحال الذي ساد بعد ثورة 1919، والذي حدد دوره في الصراع الكبير لتحرير الوطن.

وكلام عبد الناصر لم يأتي من فراغ، وإنما جاء من خلال تأثر الضباط الأحرار أثناء إعدادهم لحركة الجيش في 23 يوليو 1952 بما كان يدور حولهم في الحياة السياسية، وبما تعرضوا له أثناء حرب فلسطين عام 1948، وقد ظهر ذلك واضحاً في منشوراتهم، وفي أهدافهم الستة التي تبلورت حولها أفكارهم ؛ فقد تركزت المنشورات التي كانت تورع علي ضباط الجيش، في المكاتب أو بالبريد، علي مهاجمة الاستعمار وأعوانه، ومثال ذلك هذه الفقرات الذي نقتطعها من منشور صدر عقب حريق القاهرة يوم 26 يناير (كانون الثاني) 1952 جاء فيه : إن الخونة المصريون يعتمدون عليكم وعلي جيشكم لتنفيذ أهدافهم. وهم يظنوكم أداة طيعة في أيدهم للبطش بالشعب وارغامه علي قبول ما يكره .. فليفعم هؤلاء الخونة . إن مهنة الجيش هي الحصول علي استقلال البلاد وصيانته .. وأن وجود الجيش في شوارع القاهرة، إنما هو لإحباط قرارات الخونة التي تهدف إلي التدمير والتخريب.. ولكننا لا نقبل ضرب الشعب ... ولن نطلق رصاصة واحدة علي مظاهرة شعبية ... ولن نقبض علي  الوطنيين المخلصين ... يجب أن يفهم الجميع أننا مع الشعب الآن ... ومع الشعب دائما ... ولن نستجيب إلا لنداء الوطن .

ومن منشور آخر صدر أثناء وزارة أحمد نجيب الهلالي (باشا) جاء ما يلي : توالت مؤامرات الاستعمار الأنجلو امريكي، في الفترة الأخيرة في مصر، لمحاولة القضاء علي الحركة الوطنية، ولصرف أنظار الشعب عن الكفاح المسلح ضد الاستعمار في القناة إلي مشاكل داخلية في القاهرة ... ثم مضي المنشور يفسر ذلك إلي أن انتهي بالقول : إن ما أهداف الضباط الأحرار الكفاح ضد الفساد وضد الرشو والمحسوبية واستقلال النفوذ.. ولكن يجب ألا نتجه إلي ذلك إلا بعد القضاء علي الاستعمار.

هكذا كانت منشورات الضباط الأحرار تحمل هم تحرير مصر من الاستعمار والاحتلال البريطاني، باعتباره القضية الرئيسية التي يمكن بعدها إصلاح المجتمع . ولم تنطلق أفكار الضباط الأحرار إلي بعد ذلك . ولم تتحدث عن القومية العربية . ولم تشر إلي حيوية التضامن العربي . وجاءت الاهداف الستة بمثابة برنامج عام يطلب القضاء علي ثلاثة: الاستعمار وأعوانه من الخونة المصريين، والاقطاع، والاحتكار وسيطرة رأس المال علي الحكم؛ والعمل علي اقامة ثلاثة : عدالة اجتماعية، وجيش وطني قوي، وحياة ديمقراطية سليمة . ولا شيء عن القومية العربية أو الكفاح المشترك ضد الاستعمار.

وبعد أن تم تشكيل هذا التنظيم أراد جمال عبد الناصر أن يقيس قوة التنظيم فبدأ يدخل وبدأت تتجه الأنظار بدخول نادي الضباط بالزمالك الانتخابات لقياس مدي قوتهم وبالفعل كانت هذه الانتخابات تمثل صراعاً بين الضباط الوطنيين، وبين قادة الجيش من عملاء القصر، وعلي رأسهم حسين سري عامر، الذي عينه الملك مديراً لسلاح الحدود بدلا من اللواء محمد نجيب الذي عين قائدا لسلاح المشاة، وهنا قرر الضباط الأحرار خوض معركة الانتخابات، لاختبار مدي قوة تنظيمهم وتأثيره علي ضباط الجيش، لذلك اختاروا اللواء محمد نجيب لترشحه لرئاسة مجلس إدارة نادي الضباط، كما وضعوا اسمه علي قائمة مرشحي الضباط الأحرار، وذلك عندما قاموا بتوزيع يوم 31 ديسمبر عام 1951  بسينما العباسية وذلك عندما اجتمع فيها حوالي 455 ضابط، وهذه الانتخابات أثارت الرأي العام في داخل الجيش وخارجه، حيث لم يكن صراعاً فقط بين محمد نجيب وحسين سري عامر؛ لا وإنما كان صراعاً بين الملك والضباط الأحرار، فالذي يمثل الملك هنا "حسين سري عامر" ؛ أما الذي كان مثل الضباط الأحرار "محمد نجيب"، وفوزه يمثل فوز الضباط الأحرار والعكس صحيح .

ومن هنا كانت الانتخابات شديدة، وقد أسفرت نتيجة الانتخابات عن فوز اللواء محمد نجيب وفوز قائمة الضباط الأحرار، وكان هذا أول انتصار يحققه تنظيم الضباط الأحرار، وبسبب إصرار الملك فاروق علي ضرورة تمثيل سلاح الحدود بعضو في مجلس الإدارة عقدت الجمعية العمومية للضباط اجتماعا مساء يوم 16 يونيو 1952 في حديقة نادي الضباط الأحرار بالزمالك، ويعد أخطر اجتماع عسكري منذ الثورة العرابية ؛ حيث ما قيل فيه يدل علي أن الملك فقد سيطرته علي الجيش، حيث رفضت الجمعية العمومية أن يمثل سلاح الحدود (موالي الملك) في مجلس إدارة النادي، وبذلك خرجت الثورة من الإطار السري إلي حيز العلانية.

وهناك أسباب مباشرة أدت إلي ثورة 23 يوليو 1952 ؛ حيث كما هو معروف أن تنظيم الضباط الحرار تم تشكيله في سبتمبر 1949 وبعد تشكيل التنظيم تم تحديد ميعاد للثورة  عام 1955 . والسؤال لماذا تم اختيار هذا الميعاد لإشعال الثورة ؟

وذلك حتي يستكمل تنظيم الضباط الأحرار بناء هياكله وهذا ليس سهلا حيث وجود أجهزة متعددة للأمن، مثل المخابرات الحربية والبوليس السياسي إلي جانب المخابرات البريطانية والأمريكية . ولكن بسبب حريق القاهرة في 26 يناير 1952 فكر الضباط الأحرار في تقديم ميعاد الثورة 3 سنوات، واختير شهر نوفمبر 1952 موعدا لقيامها، خاصة بعد أن أجبرت حالة الفوضى التي أعقبت حريق القاهرة الملك علي تشكيل أربع وزرات كان رؤساؤها من المستقلين، آخرها وزارة أحمد نجيب الهلالي، ولم تعمر فلم يكد يمضي علي تشكيلها سوي بضع ساعات، حتي قامت الثورة وأذيع بيانها الساعة السابعة والنصف صباحا باسم اللواء محمد نجيب .

وهنا نتساءل : ما العوامل التي عجلت بقيام الثورة قبل أربع شهور؟  لقد عجلت تصرفات الملك فاروق قيام الثورة قبل الاتفاق المعلن عنها في نوفمبر لتكون في يوليو؛ أي قبل أربع شهور والسبب هو إصدار الفريق محمد حيدر القائد العام للقوات المسلحة، وذلك إرضاء للملك قراراً بحل مجلس إدارة نادي الضباط في 16 يوليو 1952 وإعادة الانتخابات. كما وصل إلي أسماع الضباط الأحرار بأن أجهزة الأمن الخاصة بالملك توصلت إلي معرفة 12 ضابطا من بينهم أعضاء لجنة التنظيم، وأنه تم تعيين اللواء إسماعيل بك شيرين وزيرا للحربية لاعتقالهم أو طردهم من الخدمة، ولذلك قرر الضباط أن تكون ليلة 23 يوليو موعداً لقيام الثورة، وذلك حتي لا يتم القبض عليهم بل يتم القبض علي الوزارة الجديدة، وهي وزارة نجيب الهلالي بمن فيها وزير الحربية إسماعيل "بك شيرين"، وبالتالي قامت الثورة في صباح 23 يوليو، وليتخيل عزيزي القارئ لو أن هؤلاء الضباط قد تأخروا ماذا يحدث !! الذي يحدث أنه سيتم القبض عليهم .

وننتقل للحديث عن خطة الثورة، في يوم 22 يوليو 1952 وكان هذا اليوم يوم الثلاثاء الساعة الثالثة بعد الظهر، اجتمع الضباط الأحرار بقيادة جمال عبد الناصر لمناقشة المرحلة الأولي من الخطة والتي تبدأ الساعة الواحدة صباحا وذلك علي النحو التالي، حيث يقوم الفريق الأول من الوحدات المشتركة في الثورة بالتحرك لغلق مداخل القاهرة الشرقية والشمالية وكل الطرق المؤدية إلي المعسكرات وإلي رئاسة الجيش في كوبري القبة . وأما الفريق الثاني من الوحدات فيقوم باحتلال دار الإذاعة والاستوديوهات التابعة لها في شارع الشريفين وشارع علوي، وذلك لإذاعة البيان الأول للثورة الساعة السابعة صباحا . ثم تقوم المجموعة الثالثة من الوحدات مكونة من مجموعة من الضباط القيام بعمليات واسعة لاعتقال كبار قادة الجيش والطيران، وهم في منازلهم لضمان عدم ذهابهم إلي وحداتهم، ومنعهم من إصدار أي أوامر لتحريك أي قوات عسكرية لتتصدي الثورة .

وللحديث بقية !

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

محمود محمد عليأمة أتت في فجر الإنسانية بمعجزة الأهرام، لن تعجز عن الإتيان بمعجزة أخري، أو بمعجزات أمة يزعمون أنها ميتة منذ قرون ويرون قلبها العظيم البارز نحو السماء من بين رمال الجيزة، لقد صنعت مصر قلبها بيدها ليعيش إلي الأبد ".

ولقد كان "توفيق الحكيم" صادقاً في التعبير عن خلود وتجدد روح الأمة المصرية، عندما كتب عبارته الأسطورية تعبيراً عن اندلاع الثورة الديمقراطية الشعبية- ثورة 1919 - في روايته الرائدة عن أسطورة البعث " عودة الروح"، والتي صدرت عام 1935، وقرأها جيل الأربعينات المجيد الذي مهد لثورة الضباط الحرار في 1952، وفي طليعتهم مؤسسها وزعيمها جمال عبد الناصر باعترافه، وهو طالب بالكلية الحربية فظل يمجد طوال حياته توفيق الحكيم الذي أهداه قلادة النيل أعلي وسام في الجمهورية.

وهنا يصعب علي المرء أن يتحدث حديثاً موضوعياً، عن ثورة يوليو في ظل رياح الخماسين  الفكرية والإعلامية التي تزيغ الأبصار وتخدع العقول وتضلل الأفهام، كلما جاءت مناسبة لذكر ثورة يوليو ؛ لكنني من المؤمنين أن " التقية" هنا لا تنفع، فهي إن كانت صالحة للوقاية الذاتية، إلا أنها غير صالحة في مواجهة حركة التاريخ، التي تنظر للأحداث الكبرى والتطورات الأساسية، بمنظار أوسع وأعمق، من منظار الأفراد الذين تشدهم عوامل المصلحة، أو أحاسيس الحب والكراهية، أو عواطف التأييد والمعارضة، أو حملات الدعاية والإعلام.

في هذا الإطار نبدأ بالتوقف أمام الأبعاد الحقيقية لثورة 23 يوليو، حيث نتناولها جزئية جزئية بداية من أول أسبابها أو العوامل التي أدت إلي قيامها حتي آخر شئ من إنجازاتها ووفاة جمال عبد الناصر.

نبدأ بعوامل قيامها، حيث توجد عدة عوامل مجتمعة في سبعة عوامل منها : استمرار الاحتلال البريطاني، وحرب فلسطين 1948، وفساد الوضع السياسي في مصر، وسوء حاشية الملك، انحدار سمعة الملك فاروق في مصر والخارج، والأسلحة الفاسدة، سوء توزيع ملكية الأراضي وسيطرة الإقطاع والرأسمالية.

وبالنسبة للعامل الأول وهو يعد من أشهر العوامل التي أدت للثورة؛ حيث يعول علي أن الاحتلال الإنجليزي ما زال موجودا رغم وجود معاهدة تسمي معاهدة 1936م، ولكن أثبتت الأحداث أن معاهدة 1936 لم تحقق الاستقلال، وذلك لأن : جيش مصر ظل مرابطاَ علي الأراضي المصرية، وسياسة مصر يديرها المندوب السامي منذ الاحتلال 1982، وذلك برغم تغيير اسمه من المندوب السامي إلي السفير البريطاني، والحكومة البريطانية تفرض سيطرتها علي الجيش، بالرغم من تمصيره عقب معاهدة 1936، والتخلص من قائده الإنجليزي "سفنكس باشا"، إلا أنها أرسلت بعثتها العسكرية بحجة تحديث الجيش المصري، بينما كانت مهمتها هي العمل عل استمرار صفعه حتي لا يصبح خطرا علي جيش الاحتلال .

من الواضح إذن من النقاط الثلاثة هي أن معاهدة 1936 فعلا لم تحقق الاستقلال؛ فالجيش الإنجليزية ظل موجوداً بمصر، وأن سياسة مصر لا يزال يديرها المندوب السامي البريطاني رغم تغيير اسمه والحكومة البريطانية تفرض سيطرتها علي الجيش المصري .

وإذا انتقلنا إلي النقطة الثانية من العوامل،  وهي حرب فلسطين سنة 1948، إذ من الملاحظ أنه قد أدت تلك الحرب إلي إثارة السخط في نفوس الضباط المصريين، حيث أرسل الملك فاروق جيش مصر إلي فلسطين لتحريرها من اليهود لكنه أرسله للأسف ليحارب بدون استعدادات وبلا أسلحة لكي يلقي الهزيمة، وأكبر تعبير عن نفسه الجيش المصري في فلسطين مقولة الشهيد أحمد عبد العزيز بأن "ميدان الجهاد الحقيقي في مصر " ؛ أي كأن لسان حاله أننا نحارب في فلسطين خطأ،بينما ميدان المعركة الحقيقي في مصر لمحاربة الملك الفاسد والاحتلال الموجود في مصر، فتحرير فلسطين يبدا من تحرير مصر . وهنا نجد أنه بعد عودة الجيش سنة 1949 من حرب فلسطين بدأ يظهر ما يسمي بتنظيم الضباط الأحرار في الجيش المصري بزعامة اللواء محمد نجيب وقيادة البكباشي جمال عبد الناصر.

أما العامل الثالث ويتمثل في فساد الوضع السياسي في مصر؛ حيث بلغ الوضع في مصر أقصي درجات الانحلال والفساد خاصة في الربع الأخير من عهد الملك، والسبب يعود إلي بطش الاحتلال واستبداد الملك وفساد الأحزاب، والتصارع للوصول إلي الحكم. وكذلك سوء حاشية الملك والتي كانت وصمة عار في جبين حكمه، حيث أساءوا التصرف واستعلوا نفوذهم للثراء غير المشروع، وسيطروا علي الشركات ودوائر المال حتي أصبح نفوذهم أقوي من نفوذ الوزراء. فاستغلوا نفوذهم ليزدادوا ثراء وغني بطرق غير مشروعه وبطرق غير قانونية لدرجة سيطروا علي شركات ودوائر المال أصبح لهم نفوذ قوي أقوي من نفوذ الوزراء . كذلك النقطة الخامسة وهي انحدار سمعة الملك فاروق في مصر حيث تناقل الناس أنباء نزواته بالداخل وانحدار سمعته أثناء رحلاته في الخارج .

وأما العامل السادس والخاص بالأسلحة الفاسدة وهي من أشهر القضايا التي ارتبطت بحوادث جسيمة في تاريخ مصر، أهمها هزيمة مصر في حرب فلسطين عام 1948 م و قيام ثورة يوليو عام 1952 م. ؛ حيث يعد هذا العامل من الأسباب الرئيسية للثورة، حيث أثبتت تحقيقات النيابة العامة النيابة العامة اشتراك بعض رجال حاشية الملك فاروق في صفقات تلك الأسلحة ؛ حيث كانت قد تفجرت القضية في أوائل عام 1950 م بسبب تقرير ديوان المحاسبة مثل الجهاز المركزي للمحاسبات الآن الذي ورد فيه مخالفات مالية جسيمة شابت صفقات أسلحة للجيش تمت في عامي 1948 و 1949 م.

ولما حاولت الحكومة برئاسة مصطفي النحاس الضغط علي رئيس الديوان لحذف ما يتعلق بهذه المخالفات من التقرير، رفض وقدم استقالته، فقدم النائب البرلماني مصطفي مرعي من المعارضة استجواب للحكومة عن أسباب الاستقالة وفضح في جلسة مجلس الشعب يوم 29 مايو 1950 للمجلس المخالفات الجسيمة التي شابت صفقات الأسلحة. و للأسف استخدمت الحكومة الوفدية برئاسة مصطفي النحاس و الملك فاروق كل الوسائل المشروعة و غير المشروعة لإسكات أصوات المعارضة التي أرادت فتح ملفات القضية للوصول إلي المتورطين فيها. و يرجع الفضل إلي احسان عبد القدوس و مجلته روزاليوسف أن أوصلت أخبار هذه الصفقات المشبوهة إلي الرأي العام الذي هاله مبلغ الفساد الذي استشري في كل شئ حتي وصل إلي المتاجرة بدماء جنود مصر في أرض المعركة. ونجحت روزليوسف في تكوين ضغط شعبي كبير اضطر معه وزير الحربية مصطفي نصرت في ذلك الوقت أن يقدم بلاغ للنائب العام لفتح تحقيق فيما نشر بصحيفة روزليوسف عدد رقم 149 بتاريخ 20 يونيو 1950م عن صفقات الأسلحة الفاسدة في حرب فلسطين .

أما أخر جزئية من العوامل وهو سوء توزيع الملكية بسبب سيطرة الإقطاع والرأسمالية علي الحكم، حث يمثل الإقطاع ظاهرة خطيرة جدا قبل الثورة، حيث أدي إلي خلل واضح في توزيع الأراضي الزراعية حيث كان هناك : 12 ألف فرد يمتلكون ثلث الأراضي الزراعية، في حين يمتلك حوالي 3 ملايين فرد ثلثي هذه الأراضي، و27 مالكا من الأسرة المالكة يمتلكون وحدهم 143 ألف فدان والأغلبية من الفلاحين معدومين، ولم يكن هناك قوانين تحمي حقوق العمال أو قوانين للمعاشات أو التأمينات، وكان كبار الرأسماليين يستنزفون جهد العمال وعرقهم.

والسؤال الآن: من الذين يقومون بالثورة، الذين يقومون بالثورة فئة الضباط الأحرار، وبالتالي فهم الذين سيخضون غمار العمل السياسي، ولكن كيف ذلك وقوانين الجيش تمنع ؟ لذلك رأي الضباط الأحرار العمل السياسي داخل الجيش لا بد أن يكون ذو طابعا سريا، حتي لا يقع الذين يمارسونه تحت طائلة القانون. وللحديث بقية !

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

مصطفى محمد غريبفصل الدين عن الدولة: لم تكن تجربة فصل الدين عن الدولة ظاهرة غريبة أو بداية للسير بها في العالم فهناك العشرات من الدول منفصلة عن الدين، من جانب آخر مازالت العديد من حكوماته عبر الأحزاب والتنظيمات السياسية الدينية ومؤسساته ومرجعياته الدينية تتمسك به كحق إلهي مقدس تحت طائلة واحدة عدم ضياع الدولة ومؤسساتها من يدها وابتعادها عن القرارات السياسية ولم تحصر الدين ومؤسساته بدور العبادة في قضايا الإيمان الروحي بل جعلته مرجعاً شرعياً تستمد البعض من التشريعات لإدارة الدولة فقط دون التطبيق  العملي.

ومن اجل معرفة الأمر أكثر وإضافة للفائدة أكثر ضرورة الإطلاع على تجربة العديد من بلدان أوربا وأمريكا وغيرها في هذا المضمار، فتحرير الدولة من الدين هو تحرير الدين من الدولة يجعل النضال ضد الاستغلال الطبقي والمفاهيم الرجعية والظلامية وتحرير العقل من الترهات والأراجيف أكثر وضوحاً بدون التهديد بالعقاب الإلهي وبجهنم الكبرى، وسوف يتحرر عشرات لا بل مئات الملايين من الخوف ومن قدسية الدولة الإلهي كما هو الحال في دور الكنيسة السابق أو الدول التي تديرها المؤسسة الدينية وممثليها، بان الدولة لا تمثل الله كما هي الكنيسة أو الجامع ودور العبادة الأخرى، فدور العبادة والمرجعيات الدينية سيكون لها واجب مهم في تغذية التعاليم الدينية السمحة البعيدة عن التطرف والإرهاب كما حدث في أماكن عديدة ومختلفة في مكوناتها الدينية والمذهبية، ودلت التجربة التي مر بها العالم مع الإرهاب الديني المتطرف وآخرها ما حدث في أفغانستان وطلبان  والدول التي تأسست على أسس دينية وطائفية، ثم تجربة " منظمة القاعدة ودولة داعش الإرهابيتين" في سوريا والعراق، وعندما نخص العراق أكثر لأنه مازال يعاني من الإرهاب والتطرف الديني والطائفي الذي زرعته الميليشيات الطائفية والفكر الظلامي المعادي للحريات والديمقراطية والدولة المدنية ويحتاج إلى نضال مضني للتخلص من المحاصصة البغيضة والطائفية التي برزت أكثر من السابق أبان السنوات ما بعد الاحتلال وسقوط النظام الدكتاتوري .

ولهذا نجد أن لـ " رابعاً في القسم الثاني" أن أحزاب الإسلام السياسي وفي مقدمتها الشيعية  ستعجز عن إقامة الدولة الدينية لأسباب داخلية وخارجية ولا يكفي الوعي الوطني بمفرده الذي يرفض مزج الدين بالسياسة والدولة، فرفض مشروع الدولة الدينية المتطرف لأنه يعتمد على التخلف ونشر الأوهام والترهات التي تخدع المواطن وتبعده حتى عن دينه والعودة به للخلف بعد التطورات العلمية والتكنولوجية الكبيرة التي حدثت في العالم وبخاصة المشروع لا يصاحبه وعي اجتماعي متنور وإبعاد المواطن عن واقعه وما يحيط به من استغلال واضطهاد وتعسف بمجرد ربط ذلك بالمرجعيات والأئمة فمثلاً شهدنا اعتراض احد المعممين على مظاهرات البصرة وطالبهم أن يخرجوا لإلغاء " راس المنصور في بغداد أو تبديل اسم منطقة الزبير في البصرة ...الخ" ولسنا بذكر أسماء عديدة تطالب المتظاهرين " بالكف عن المظاهرات وعدم خروجهم حول الكهرباء " والخدمات الأخرى ، ولا يمكن تحقيق ونجاح مشروعها الديني وان اعتمد البعض منها على الطائفية كتصريحات  نوري المالكي وتصريحات وتصرفات البعض من قادة التحالف الشيعي" وتوجهات المالكي أثناء توليه منصب رئيس الوزراء " وهذا الأمر انعكس على أحزاب الإسلام السياسي في تونس ومصر بالدرجة الأولى ثم البلدان التي قد تنتهج النهج نفسه إضافة إلى الفشل في السودان والتوجهات في الجزائر ، أما قضية استمرار صعود الإسلام السياسي في الانتخابات التشريعية  فهي محكومة بشروط ذكرنا البعض منها، كما تقع على عاتق القوى التقدمية والاشتراكية واليسارية وحتى الليبرالية مهمات عديدة في مقدمتها التعاون فيما بينها لقيام جبهة معتدلة تؤمن بالدولة المدنية الديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية ووفق نقاط مشتركة تقف بالضد من محاولات الهيمنة والتفرد ثم إيجاد آليات أكثر نفعاً للاتصال بالجماهير الشعبية المغررة لرفع وعيها الوطني والاجتماعي والسياسي والانتخابي ثم  تجديد خطابها السياسي  ووضع شعارات واقعية تحظي باهتمام الجماهير وبخاصة تلك الشعارات التي تلامس حياتها المعيشية والاقتصادية، وبدورنا نقر بحقيقة  تاريخية لا يمكن إنكار دور البعض من رجال الدين ومفكريه في قضايا التنوير الوطني والاجتماعي والسياسي ومحاولات العديد منهم الخروج من تسييس الدين وفصله عن الدولة لكن ظلت بحدود معينة بسبب المرجعيات الدينية التي أبقت على التعاليم اللازمة السماوية والمصالح الدنيوية حسب اجتهادها وآراء القيمين على المرجعيات، وكما يبدو إرضاء ولاة النعمة والجاه من الأغنياء المستفيدين من هذه التفرقة وغياب وعي المواطن..

ومن المهمات الأساسية التي يجب النضال من أجلها فصل الدين عن السياسة والدولة ومن منطلق واضح عدم استغلال المرجعيات الدينية والدين وما جاء في أصول الشريعة قبل وأثناء الانتخابات للقفز على السلطة ثم الدولة برمتها مثلما حدث في أول انتخابات تشريعية في العراق ثم ما تلتها من انتخابات أخرى، مما يؤدي إلى  تناقض كبير بين بناء الدولة المدنية وبين التوجهات الدينية السياسية وقد تبرز الطائفية في هذا المضمار واستخدامها في الصراع مثلما هو الحال في العراق أو أي دولة أخرى.

وتبقى آفاق عملية صعود  الإسلام السياسي  وأحزابه محكومة بالظروف لكل بلد من البلدان وبخاصة محدودية تنفيذها لقضايا الجماهير ومطالبها المشروعة،  كما أن العامل الذاتي للقوى الوطنية والديمقراطية وتوسع نفوذه والتفاف الجماهير حوله سوف يساهم بتقوية فرص هذا التيار وبالنتيجة ستنحسر تدريجياً تأثيرات أحزاب الإسلام السياسي والنهج المتطرف لا بل ستجد نفسها مضطرة إلى توافقات فيما يخص برامجها وقبولها بتبادل السلطة سلمياً وهو نجاح كبير للعملية الديمقراطية للتخلص من المفهوم الدكتاتوري لقيادة الدولة والمجتمع،  وتقع على عاتق القوى الوطنية والديمقراطية مهمات النشاط الجماهيري ومدى تأثيرها ونشر برامجها ونشاطها بين الجماهير، وبالتأكيد أن الجماهير ستعرف آجلاً أم عاجلاً أنها أمام حالة مماثلة للماضي ومن هذا المنطلق  ستجري مقارنات على ارض الواقع  مع بلورة الوعي الاجتماعي وفق الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وعندما تدرك الجماهير أن أحزاب الإسلام السياسي عاجزة عن تحقيق مطالبها الأولية في قضايا ذات اهتمام مشترك وفي مقدمتها القضايا المعيشية والبطالة والفقر والخدمات والاستقرار الأمني وتحقيق نوع من العدالة الاجتماعية فذلك من أوليات إيقاف صعود الإسلام السياسي بمفهومه التسلطي لقيادة الدولة.

إن المنعطف التاريخي الذي تجلى بعد فترة من الغموض النسبي  والذي أحدث تساؤلات عديدة عن إمكانية الشعوب والذي لم يتوقعها البعض من الذين كانوا يؤمنون بقدراتها السلمية واستمرارها على التحدي مهما كانت التضحيات وقد أدى هذا المنعطف التاريخي بالنتيجة إلى تغييرات عميقة وتحولات نحو آفاق جديدة من العمل للدفاع عن الحقوق المشروعة وبالذات الحريات العامة والديمقراطية وتحقيق العدالة الاجتماعية في المجتمع، ولم تعد الوعود والخطاب الديني المبني على التهديد بضرورة الاختيار " ما بين الدنيا والآخرة " كمنطلق للتنازل عن الحقوق المدنية والوقوف ضد الاستغلال والفساد الذي يبرر أحياناً بشعار " الذي مكتوب على الجبين لا بد أن تراه العين " أو "لا تفكر لها مدبر" وغيرها من التهديدات والوعود المبنية على التمنيات الخيالية لتحقيق مآرب وأهداف القوى التي تستغل الدين أسوء استغلال ومن خلاله وخلال البعض من المرجعيات الدينية تهيمن على وعي الجماهير لحرفها عن نضالها وصراعها من حياة أفضل وحريات أوسع .

إن التجربة العراقية تعد من التجارب القيمة التي وضعت حداً ما بين الواقع ومتطلبات القوى المتنورة وبين قوى الظلام التي تلبس عباءة التقدم لاستغلال الدين والطائفية، وهي تجربة لا يمكن تجاوز نتائجها وما آلت إليه الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية جراء نهج المحاصصة الطائفي والقومي الضيق الذي كان من أهم أهدافه قيام الدولة الدينية المستبدة بدلاً من الدولة المدنية الديمقراطية، كما أن التجربة عملت وكشفت في الوقت نفسه كمية وحجم الفساد الذي صاحب توجهات البعض من أحزاب الإسلام السياسي والفشل الذريع من إعادة بناء البلاد والتخلص من تركة الماضي وحل المشاكل الآنية التي تجابه الجماهير الشعبية الفقيرة والكادحة

 

مصطفى محمد غريب

 

 

جوتيار تمرنشرت الصحفية راشيل نوير مقالا بعنوان لماذا توجد حكومات فاشلة في عالمنا اليوم؟، وذكرت في مقدمة مقالها ان المجتمعات الكبرى لاتنهض ولاتستقر من دون حكومة، حتى لو كانت هذه الحكومة عاجزة عن تحقيق تطلعات الشعب، وربما يرجع اصل المشكلة الى ان الكثير من هذه الحكومات لاتزال تتناول هموما كانت تؤرق المجتمع في القرن التاسع عشر، ولهذا فان اصلاح هذه الحكومات بات امراً حتمياً قد طال انتظاره، كما اضافت ان اغلب الحكومات في العالم رجعية، لاتواكب العصر الحالي، لكونها لم تزل تعكس هموم المجتمع في ذلك القرن المذكور مثل غلاء الاتصالات وصعوبة انتقال البيانات وصعوبات المعيشة، لذلك نجدها تتالف من وزارات واجهزة ذات هياكل تنظيمية هرمية التسلسل منغلقة على نفسها، تختص كل منها بوظائف محددة، وعلى الرغم من العالم اليوم اصبح اكثر ترابطا، وتسارعت وتيرة التطور، وزاد حجم البيانات بمعدلات غير مسبوقة، لكن حكوماتنا لاتزال تراوح مكانها، وهذا بالضبط ما دفع البعض الى القول بانه من سوء حظنا ان الحكومات الحديثة تشكلت منذ زمن بعيد ولم تعد تصلح للعصر الحديث من عدة نواحي، وبلاشك هذا لم يأتي من الفراغ او الوهم السياسي او حتى منطق الغباء السياسي المعارض دائما لكل الحكومات، انما اتت تلك الاقوال من منطق اخر صميمي متعلق بحركية الواقع الانساني داخل المجتمعات الحديثة والمعاصرة التي لم تعد تهاب من اسم الحكومات على اختلاف نوعياتها واختلاف سياساتها واختلاف الوسائل والاساليب التي تتبعها تجاه شعوبها، وبذلك فان المنطق السائد حول كون الحكومة يمكنها ان تفعل ما تشاء اصبح من الماضي البليد او لنقل اصبح من مخلفات القرن التاسع عشر، وحتى ان كانت قد نضجت في القرن العشرين، الا انها وصلت مرحلة الذبول الذهني والفكري والواقعي في وقتنا الحالي، لكونها لم تعد تمثل تطلعات الشعوب السائرة نحو تعاطي جرعات الوعي، وبما في ذلك محاولات تعاطي الوعي السياسي وان كان الامر مازال مقتصراً على النخبة دون العامة في الكثير من المسائل المتعلقة بالوعي السياسي.

وعلى هذا الاساس تتمخض عن ولادة الحكومات الجديدة عدة تساؤلات تتحكم بمصيرها من حيث تقبل الشعب لهاـ او اضافتها الى قائمة الحكومات اللاموجودة حتى وان كانت موجودة، وحين نقول لاموجودة، نقصد بذلك عدم ثقة الشعب بها، وعدم ايمان الشعب بها كحكومة تمثل تطلعاته،وبذلك يبقى فوبيا عدم الثقة بالحكومة امراً وارداً وسلاحاً ذو حدين، الاول انه يثير في عقل الحكومة الوعي بالمترتبات التي تقتضي وجودها كحكومة تمثل الشعب وتطلعاته، والثاني ان تتجاهل ذلك وتصبح مصدر سخرية وسخط الجماهير وتخلق عصراً جديداً من الفوضى التي وان كانت خلاقة تجاه الحكومات السابقة الا انها قد تتحول الى فوضوية تعبث بالقضية كلها وليس بمصالح وتسلط وجبروت الحكومة فحسب، وهذا بلاشك ما لاتريده الحكومة ولايحتاج اليه الشعب في ظل المتغيرات والتحولات المحلية والاقليمية والدولية.

ولاننا بصدد الحديث عن الحكومات الحديثة والمعاصرة فاننا نجدنا امام واقع ملموس ضمن السياقات السبقية التي تتبناها هذه الحكومات دون النظر الى الواقع بجدية وحكمة، ولعل النظر الى مقررات الجلسة الاولى لاحدى الحكومات المتشكلة حديثا يستوجب منا كواعين للعملية السياسية المحلية والعملية السياسية الاقليمية والدولية معا ان نسلط الضوء على اسباب فشل الحكومات السابقة في تحقيق الحلم المحلي، والحلم المستقبلي ، وحتى الحفاظ على المكتسبات، والتي اصبحت مهددة بالضياع التام، لاسيما مكتسبات الاستفتاء على استقلال كوردستان التاريخي، واعتقد بان امر الحكومة التي اتحدث عنها بات مكشوفاً، لكوني بصدد تسليط الضوء على مقررات حكومة اقليم كوردستان الجديدة، التي خرجت بعد مخاض عسير من صراعات داخلية وخارجية، ناهيك عن صراع استنزف الكثير من قوت الشعب الكوردي، واستنزف الكثير من حياته على المستويات المختلفة الاجتماعية والنفسية والاقتصادية وغيرها، هذه الحكومة الرشيدة التي تشكلت قبل ايام من المفترض انها ولدت من رحم الالم، لتكون نصيرة آلام الشعب، ولكنها للاسف خيبت في اولى جلساتها امال الشعب، بقراراتها التي لم تاتي ابدا لتدعم حقوق الشعب، ولتعيد للشعب ما تم اخذه منه طوال السنوات الماضية من الرواتب التي لااحد يعلم مصيرها، ولا الضرائب التي تراكمت بسبب نظام الادخار الذي اتبعته الحكومة السابقة اكيد في ظل ظروف سياسية اقتصادية صعبة، ولكن هذا لايمنع ابداً ان تتوضح الصورة للشعب عن مصير تلك الاموال التي ادخرتها الحكومة من رواتبهم واستحقاقاتهم الوظيفية، وبدل من ان تبدأ الحكومة الجديدة بمقولة ما ضاع سنعيده اليكم، بدأت باقرار ما يتوجب على الموظف وعلى الشعب فعله لاجلها، وليس ما يتوجب عليها كحكومة ان تفعله من اجل الموظف والشعب، فكانت قراراتها كلها في مصلحة الحكومة في اولى جلساتها، ولم نجد هناك ما يبشر بالخير للمواطن غير ما اقرته باهمية القضاء على الرشوة داخل المؤسسات وعدم الاهمال في سير معاملات المواطنين، وغير ذلك اتى بشكل متهكم لمشاعر الموظفين وعامة الشعب، فالحكومة لم تستطع الا ان تظهر المواطن على انه متسيب لايلتزم بالدوام الرسمي، وان عليه الالتزام بالدوام الرسمي وعدم الخروج من مؤسسته للقيام باية اعمال اخرى اثناء الدوام وغير ذلك من القرارات التي اراها كوجهة نظر شخصية سابقة لاوانها، لكون الحكومة لم تزل تدين للشعب والموظف " كل موظف " بالملايين التي لااحد يعرف مصيرها كما سبق وان نوهت لذلك ناهيك ان الشعب مازال يعيش فوبيا عدم دفع الرواتب، فوبيا الصراعات الداخلية الحزبية، فوبيا عدم الثقة بالحكومة التي تقر واجباتها وتنسى حقوق مواطنيها في اولى جلساتها، ومترتبات نظام الادخار في الاعوام السابقة التي القت بظلالها على حياة الشعب باكلمه، فغالبية الموظفين تراكمت عليهم الديوان، واصبحوا يحتاجون على الاقل لثلاث سنوات اخرى حتى يمكنهم استعادة بعض التوازن لحياتهم المادية والمعنوية .

لم يعد مخفياً على احد ان اسباب فشل الحكومات لم يعد فقط انها لم تزل تعيش على ما بنيت عليها في القرن التاسع عشر فحسب، انما لانها لاتريد ان تتجاوز تلك المرحلة لكون تلك المرحلة تحقق مقاصدها في الحفاظ على الكراسي من جهة، وزيادة ارصدت اموالها في البنوك من جهة اخرى، والشعوب تاتي كامور ثانوية لاقيمة لها امام القيم الاساسية السابقة، وهذا بلاشك ما يخلق اللاثقة، ويخلق عدم التوازن في فرض الواجبات واعطاء الحقوق لاسيما في حالتنا نحن في كوردستان حيث عانينا من تقاعس الحكومتين المركزية في بغداد والمحلية في الاقليم عن دفع مستحقات الموظفين والمواطنين، مع عدم نسيان الانشطة الاستفزازية التي تمارسها الحكومة نفسها محلياً تجاه المواطنين لاسيما فيما يتعلق بالضرائب الخدمية كاجور الكهرباء والماء وغيرها من الضرائب التي تأخذها قسراً من الشعب ولا تعطي املاً بتحسين معيشة الموطن، فحتى الفلاح لم يعد يؤمن بمقدرة الحكومة على احتواء محاصيله التي تذهب نصفها بدون ان يحصل ثمنها، لكون الحكومة الرشيدة وبسبب علاقاتها الخارجية والداخلية مع التجار الذين هم انفسهم جزء من تلك المنظومة لاتستطيع ان تقر مشروع قانون يعطي للبضاعة المحلية الاولوية، فضلاً عن الانتكاسات الاخرى التي كلها تخدم فقط السلطوية وتذبح الشعب بسكين القضية الكوردية وكوردستان اقوى، وهذا كله يدفعنا الى القول مناصرة للشعب مع عدم فقدان الامل بالحكومة بان تعيد ترتيب اوراقها من جديد وتقوم بتقييم مقرراتها قبل اطلاقها اعلامياً، فالشعب ينتظر ان يجد لمعضلته حلاً ولايحتاج الى تمارس الحكومة معها ممارسات تنم عن تسلط ودكتاتورية، فعصر التسلط والدكتاتورية دفن مع الطغاة الذين هم انفسهم كانوا يناضلون ضدهم.

 

جوتيار تمر/ كوردستان

 

للأحزاب الشيعية وجماهيرها و"مثقفيها" عقدة من ثورة الرابع عشر من تموز وقيادتها، وعلى الأخص زعيمها عبد الكريم قاسم. على الرغم من أنّ الثورة أنصفت الشيعة كطائفة بعد أن عانوا الأمّرين منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة حتّى قيام الثورة، ناهيك عن تهميشهم وقمعهم طيلة العهد العثماني وإحتلاله للعراق. ولو توخينا الدقّة أكثر، فأنه ونتيجة لفساد السلطات التي تلت عهد ثورة 14 تموز وإستهتارها بمقدّرات شعبنا ووطننا ومنها سلطة المؤمنين بالله اليوم، فأن هناك من ركب موجة العداء لثورة تموز ونتائجها محمّلين إياها ما آلت إليه أوضاع العراق اليوم، وكأنّ شعب العراق كان يعيش ببحبوحة من العيش الرغيد في ظل النظام الملكي الإقطاعي المرتبط بلندن. ومن هؤلاء أعداد لا بأس بها من "اليساريين" والليبراليين علاوة على البعثيين ، وأعداد كبيرة جدا من الأجيال التي ذاقت مرارة الحروب والحصار والفساد وخصوصا من أهالي الجنوب الشيعة أنفسهم، هؤلاء الذين أنصفت ثورة تموز آبائهم وأجدادهم بعد أن أعادت لهم كرامتهم التي فقدوها في ظل الحكم الملكي وهم يعانون الذل وسياط الإقطاع تلهب ظهورهم.

يحاول الكثير من الناقمين على ثورة الرابع عشر من تموز إظهارها وكأنها أنهت نظاما ديموقراطيا، أو على الأقل نظام يسير بنهج ثابت نحو الديموقراطية. ويتباكى الكثير منهم على مصير العائلة المالكة ومقتلها، والذي هو بالتأكيد أمر مرفوض وجريمة بشعة، محمّلين قيادة الثورة مسؤولية مقتلهم مع سابق إصرار وترصد! على الرغم من أنّ الأحداث التأريخية وهي لا زالت طريّة تشير الى غير ذلك، كما وأنهم يصفون الثورة بالوحشية والهمجية وهنا يلتقون مع رأي السفير الأمريكي بالعراق والديمار ج. غالمان الذي وصف التظاهرات العارمة في بغداد بعد ساعات من إعلان الثورة من أنها "لا تمثّل العراقيين بل رعاعا جمعهم المحرضّون"! (1)

إنّ الذين يهاجمون ثورة الرابع عشر من تموز والتي بلا شك لها أخطائها كأية ثورة أو إنتفاضة أو تحرك جماهيري واسع ويلصقون بها شتّى التهم، يحاولون لي عنق الحقيقة عن طريق فتح أبواب تلك المرحلة بإرهاصاتها وأحداثها العاصفة بمفاتيح اليوم، ناسين أو متناسين أنّ الذين قادوا الإنقلاب العسكري والذي تحول الى ثورة كما سنتاوله لاحقا، هم رجال عسكريون بالدرجة الأولى، رغم تنسيقهم مع عناصر مدنية حزبية من خلال جبهة الإتحاد الوطني. وهؤلاء لا يريدون بالمرّة مقارنة ثورة الرابع عشر من تموز في بغداد 1958 ، مع ثورة الرابع عشر من تموز في باريس 1789 . تلك الثورة التي أنهت النظام الملكي وأعدمت الملك وزوجته والآلاف غيرهما بالمقصلة، والتي كان تأسيس الجمهورية العلمانية الديموقراطية أحد أهم أهدافها، قبل أن تتحول فرنسا بعد نجاح الثورة الى جمهورية إستبدادية عسكرية، وليدفع زعيمها روبسبير حياته تحت المقصلة التي أعدم بها الآلاف من الفرنسيين. ونحن نقارن بين الحدثين في بغداد وباريس، علينا أن نميّز بين الشعبين وتطورهما الفكري والسياسي والعلمي والثقافي، قبل أن نحمّل ثورة تموز ما لا تتحمله للفرق الكبير بين طبيعة الشعبين .

بعد ساعات على إعلان الثورة "إزدحمت العاصمة بالناس- "شرقاوية" وآخرين- والكثير منهم بمزاج قتالي، يوحدّهم شعور واحد: "الموت للخونة وعملاء الأمبريالية". وكان الأمر يشبه موجة المدّ الآتية، التي لفّت أولا، وبعنف، بيت نوري السعيد والقصر الملكي، ثم سرعان ما إمتدّت الى القنصلية والسفارة البريطانيتين وقصور أخرى، وأصبحت مرعبة وساحقة في زحفها الى درجة أن العسكريين الثوريين- القلقين ممّا يحدث- أعلنوا منع التجول، ثم أعلنوا في وقت لاحق بعد الظهر الأحكام العرفية. وبعد أن إنحسرت الحشود في النهاية، وبعد هبوط الظلام، كان تمثال فيصل، رمز الملكية، ملقى مفتتا على الأرض، وكانت صورة الجنرال مود، فاتح - محتل- بغداد ملقاة في الغبار خارج المستشارية البريطانية القديمة المحروقة" (2) من خلال ما جئنا على ذكره، نكتشف ومن مصدر محايد وأكاديمي من أنّ العسكر فوجئوا بالتحرك الجماهيري وشدّته ونتائجه ما دفعهم لإعلان منع التجول وإعلان الأحكام العرفية بعدها، كما نكتشف بؤس أعداء الثورة وبكائهم على الجنرال مود الذي إحتل بغداد، والذي كافأه النظام الملكي المرتبط بلندن بوضع تمثال له في قلب عاصمة بلدهم. 

1035 قاسم1

الزعيم عبد الكريم قاسم يزور المرجع الشيعي الأعلى السيد محسن الحكيم الذي غدر به وبثورته في المستشفى

لم تكن ثورة الرابع عشر من تموز 1958 حدثا فوضويا ولا حدثا آنيا، بل تعود ولكي نضعها في سياقها التأريخي الى تراكم أحداث سبقتها بعقود. فالعراق لم يكن هادئا يوما ولا خانعا يوما لإملاءت الإنكليز وأذنابهم الملكيين، بل كان مرجلا ينتظر ساعة الإنفجار. فالإنتفاضات والإضرابات والإنقلابات العسكرية ، وقصف المناطق الريفية وإحتكار السلطة والتمييز الطائفي في توزيع المناصب. كانت بالحقيقة هي تراكمات كمّية ونوعية لذلك اليوم الذي وجدت فيه الجماهير المسحوقة نفسها في أتون معركة حياة أو موت، فأختارت الحياة وأنطلقت الى قلب المعركة فحسمتها بعد أن أظهرت قوتها في الشارع، ما منع من أي ردود أفعال تذكر من قبل مناصري الملكية وأعوانها وأتباعها على مستوى البلد بأكمله.

في جملة ذات مغزى وقد تفسّر أحداثا تقع بعد عقدين ونصف العقد من تأريخها وصل السياسي العراقي جعفر ابو التمّن بتأريخ الأول من تشرين الثاني /نوفمبر 1933 الى "درجة من الخيبة بحيث أنه ما عاد يؤمن بإمكانية الحصول على السلطة بالطرق الديموقراطية وذلك لقناعته بأنّ العراق كان له إسم الحكم الإنتخابي لا واقعه".(3)

ويبدو أن هذه المقولة لا زالت ولليوم تحمل الكثير من الصحة والديمومة، خصوصا إذا عدنا للإنتخابات التي أجريت يوم 6 كانون الأول/ ديسمبر 1934 والتي تلاعبت حكومة المدفعي الجديدة وقتها "بعمليات الإقتراع وضمنت إنتخاب مرشحيها وأولئك الذي دفعوا مبالغ ضخمة للحصول على كرسي النيابة" (4) . لذا فأن بكاء الإسلاميين وبقية أعداء ثورة تموز تبدو مفهومة والتأريخ السياسي البرلماني العراقي يعيد إنتاج نفسه بنفس الوجه البشع والقبيح، حيث بيع المناصب الوزارية وشراء المقاعد النيابية كما الأمس تجري على قدم وساق وبشكل علني. وقبل الإنتقال الى حدث الرابع عشر من تموز إن كان ثورة أم إنقلاب، دعونا ننهي فظاعات وإستبداد النظام الملكي الذي يتباكى الكثير عليه اليوم، نتيجة إنحسار الوعي ومحاولة الإسلام السياسي عزل شعبنا عن تأريخه، من خلال حدثين.

أولهما إعتراف مضحك مبكي لأحد رجالات العهد الملكي وهو عبد الكريم الأزري النائب والوزير في تلك الفترة إذ يقول "في صبيحة يوم من أيام تشرين الأول سنة 1943 إتصلّ بي قريبي السيد حسين النقيب الرفيعي بالهاتف قائلا لي أهنؤك من صميم قلبي ، فسألته عن ماذا تهنؤني؟ أجابني على فوزك بالإنتخابات النيابية، ألم تسمع الإذاعة؟ فقد ذكرت إسمك بين الفائزين في الإنتخابات النيابية عن لواء العمارة (محافظة ميسان حاليا) .. وقد تبين لي فيما بعد أن ما أنبأني به السيد حسين النقيب الرفيعي كان صحيحا. وإنني قد أُنتخبت عن لواء العمارة، وأنا لا أدري، ولم أراجع أحدا من الناخبين ولا من المنتخبين الثانويين- وكانت الإنتخابات تجري وقتئذ على درجتين- ولا أحدا من رجال الإدارة المحلية ولا حتى وزير الداخلية" ويعلّق الأزري على ذلك " وهكذا جئت الى مجلس النواب عن غير علم ولا رغبة مني وبدون أن أبذل جهدا في ذلك. لقد إنتخبني في الواقع من الأمر نائبا عن لواء العمارة الحكومة ممثلة بوزير داخليتها.. (5)

والحدث الثاني وهو من جنس المضحك المبكي أيضا وهو خسارة السياسي الشيعي جعفر ابو التمن لإنتخابات عضوية المجلس التأسيسي في قطاع الكاظمين وهي منطقة شيعية خالصة فقد "حصل جعفر على 19 صوتا، بينما حصل في نفس المنطقة عبد الجبار الخياط ، المرشّح المسيحي على 32 صوتا، وحصل المرشح اليهودي مناحيم دانيال على 26 صوتا!!" (6) . إن الكارثة من هذه الأرقام وإنتخاب الأزري كبيرة جدا ، وتعتبر مقياسا لفساد النظام الملكي وإستبداده . لكن هذا الفساد والإستبداد اليوم أصبحا دلالة على همجية ثورة تموز وزعيمها، كون الثورة أنهت هذا النظام "الديموقراطي" وفتحت على العراق ابواب الجحيم بنظر الإسلام السياسي ومن على دربهم من بعض اليساريين الناقمين والليبراليين ومن يدّعون العلمانية والمدنية الذين يريدون تحميل ثورة تموز المآل الذي آل إليه العراق وشعبه!!

1035 قاسم2

المرجع الشيعي الأعلى السيد محسن الحكيم مع طاهر يحيى التكريتي (ابو فرهود)

من مجرمي إنقلاب الثامن من شباط الأسود التي قتلت الزعيم عبد الكريم قاسم في يوم رمضاني وهو صائم !!

هل أحداث الرابع عشر من تموز 1958 ثورة أم إنقلاب؟ يقول كارل ماركس في تعريفه لمفهوم الثورة "أن كل ثورة تلغي المجتمع القديم هي ثورة اجتماعية ، وكل ثورة تلغي السلطة القديمة هي ثورة سياسية". ولكي نبسط هذا التعريف الماركسي للثورة، دعونا نعود لما جاء به حنا بطاطو حول أحداث الرابع عشر من تموز إذ يقول: "يجب أن لا يقتصر حقل الرؤيا عندنا على ما سبق أحداث 14 تموز (يوليو) بل أن يشمل أيضا ما تلاها. والواقع أن إلقاء نظرة سريعة على الآثار اللاحقة يكفي لجعلنا نعرف أننا أمام ثورة أصيلة. ولم يكن لظاهرة سياسية سطحية أن تطلق كل تلك المشاعر بهذا العنف، أو لتثير المخاوف أو الآمال بهذه الجدية التي غزت سنتي 1958 – 1959 . والواقع أنّ 14 تموز (يوليو) أتى معه بأكثر من مجرّد تغيير في الحكم. فهو لم يُدّمر الملكية أو يُضعف كل الموقع الغربي في المشرق العربي بطريقة جذرية وحسب، بل أنّ مستقبل طبقات بأسرها ومصيرها تأثّر بعمق. ولقد دمّرت الى حد كبير السلطة الإجتماعية لأكبر المشايخ ملّاكي الأراضي ولكبار ملّاكي المدن، وتعزّز نوعيا موقع العمال المدينيين والشرائح الوسطى والوسطى الدنيا في المجتمع. وتغيّر كذلك نمط حياة الفلاحين نتيجة لإنتقال الملكية من ناحية ولإلغاء أنظمة النزاعات القبلية وإدخال الريف في صُلب القانون الوطني من ناحية أخرى. وصحيح أنّ الثورة لم تتجذّر بالعمق بما يكفي، ولكن هذا ما يميل الى تمييز كل الثورات التي تلعب فيها عناصر الطبقة الوسطى دورا تقريريا تقريبا. وصحيح كذلك أنّ التيه ميّز مسار الثورة وأنها كانت لها تعاقبات صعود وهبوط، ولكن هذا ناجم عن عدم إنسجام الطبقة الوسطى وعن الإنشقاقات في صفوفها وصفوف الضباط الأحرار، الذي هو ذراعها المسّلحة والشرعية القائدة فيها". (7)

لو تجاوزنا هنا الإختلاف في وجهات النظر حول إن كان حدث 14 تموز ثورة أم إنقلاب، وأتّفقنا مع الرأي الثاني الذي يروّج له الإسلاميون وجيوشهم الألكترونية ومعهم آخرون إكتشفوا فجأة أنّ 14 تموز هي سبب مشاكل العراق اليوم، وأنّ النظام الملكي كان ملائكيا في تعامله مع أبناء شعبنا وحريصا على كرامة وإستقلال وطننا وأن إستمراره كان سينقل العراق الى مصاف الدول المتقدمة!! وإتّفقنا معهم أيضا من أنّ ضباطا مغامرين غيّروا مسيرة التأريخ بالعراق بدباباتهم ورشاشاتهم التي أودت بحياة الديموقراطية والتقدم والرفاهية التي كانت من أهم سمات العهد الملكي الزاهر!! فمن حقّنا هنا أن ننظر الى إنجازات هؤلاء الإنقلابيين خلال فترة حكمهم "الكارثية" التي لم تتجاوز الخمسة أعوام وما تركوه لنا ساعة رحيلهم ونقارنها بما تركه لنا البعث الفاشي ساعة رحيله في التاسع من نيسان 2003 وهو على رأس السلطة لثلاثة عقود ونصف، وما نعيشه اليوم تحت ظل العمامة والأحزاب الإسلامية ومعها كل أحزاب المحاصصة التي وصلت الى الخضراء على متن دبابة أمريكية وليس على متن دبابة خرجت من معسكر المنصورية بديالى، سلطة صاحبة أكبر ميزانيات العراق بكل تأريخه والتي بددتها لفسادها وسرقاتها وتهريبها وجرائمها. ستة عشر سنة والأحزاب الحاكمة بالعراق وفي مقدمتها الإسلامية لم تستطع أن تبني عُشْر ما بنته ثورة الرابع من تموز ولن تبني. فهل الضابط الإنقلابي المغامر سبب تدمير العراق، أم الذين قتلوه وثورته من بعثيين وقوميين عربا وكوردا ومراجع دين وزعماء عشائر وبقايا الإقطاع..!!؟

لو تركنا موقف تيارات من العلمانيين والليبراليين والمحسوبين على اليسار من ثورة تموز ومحاولاتهم المستمرة للنيل منها، فإن موقف الإسلاميين منها هو موقف تمليه مصالحهم التي هددتها ثورة تموز بقرارتها. فتدمير العلاقات الإجتماعية المتخلفّة بسلسلة قوانين المرأة والعشائر والإصلاح الزراعي، هدّدت المصالح القديمة الجديدة التي تربط المؤسسة الدينية الشيعية بالإقطاع وملّاكي الأراضي منذ القدم ولليوم. وما شكل العلاقات الإجتماعية المتخلفة اليوم والأحزاب الشيعية على رأس السلطة، وترسيخها لدور العشيرة مقابل دور الدولة التي تهينها المؤسسة الدينية الشيعية بتدخلها المباشر بتركيبتها نتيجة وصايتها على المشهد السياسي بالبلد، الا ترجمة لأهم أسباب معاداة الأحزاب الشيعية و "مثقفيها" ليس لثورة تموز وحسب، بل لكل ما هو مشرق وإنساني في بناء علاقات إجتماعية متجانسة. ففي باب حقوق المرأة مثلا والتي جسدتها ثورة تموز بقرارات ثورية، نرى المثقفين الشيعة يتوارون عن الأنظار عندما يتعلق الأمر بزواج القاصرات وفق المذهب الجعفري، أو إباحة الزواج من الرضيعات وتفخيذهنّ وفق نفس المذهب، ولا يستطيعون الحوار حولهما وخصوصا الزواج من الرضيعة والتي تعتبر شكل من أشكال البيدوفيليا.  ولازال الكثير من "مثقفي" الشيعة يشعرون بدواخلهم بالعار على ما يبدو وهم يرون مرجعيتهم وهي تتحالف مع أكبر الأحزاب فاشية بالعراق لإغتيال ثورة تموز، والتي بإغتيالها دخل العراق الى النفق البعثي المرعب، وليخرج منه مباشرة الى النفق الإسلامي المتخلف .

التأريخ في العراق يكتبه الجبناء والخونة والجواسيس.. لكن الى حين.

 

زكي رضا - الدنمارك

...................

(2) نفس المصدر ص 114 – 115

(3) محمد جعفر ابو التمن ، دراسة في الزعامة السياسية العراقية . د. خالد التميمي ص 331

(4) المصدر السابق ص 349

(5) ثورة في العراق 1958 – 1963 : نقد تجربة الدولة العراقية في العهدين الملكي والجمهوري. جعفر الحسني ص 55 .

(6) محمد جعفر ابو التمن ، دراسة في الزعامة السياسية العراقية . د. خالد التميمي ص 197

(7) العراق الكتاب الثالث لحنا بطاطو ص 116

 

"كعرب علينا إن نصحو لندرك ونحذر ونسعى.. فوشيكا.. سيكون لمستقبلنا بؤسه الخاص.. وزواله الخاص.. وسيكون للعالم منطقه الخاص.. وتطوره الخاص.. وشكله الغير متوقع تمامًا !!!"

استراتيجيات الصراعات متجددة ومتنوعة ماضيا وحاضرا وان بعض الصفات والأنماط الشائعة تظهر إثناء مقارنة استراتيجيات الحروب الماضية بالحروب المعاصرة، ومن أهم محددات التغيير هما كلا من استراتيجيات العولمة والثورة التكنولوجية والتي لهما طابع طويل الأجل وبُعد عالمي، وان اتجاه التشغيل السلبي لهذا الزوج من المحددات يؤدي دورا هاما بأدراك عمل الجيوش والعوامل التقنية والعسكرية المرتبطة مع ظهور أنظمة الأسلحة عالية الدقة وتطور تقنيات الدفاع الاستراتيجي وانتشار أسلحة الدمار الشامل، والتي بها أو بغيرها تضاءلت قدرة منظمات الأمن الدولية على التأثير بشكل كبير بالوضع والأمن الدولي ومنع عواصف الفوضى !!

لجيوش اليوم يتم رسم ووضع استراتيجية الحروب الهجينة لتحتوي النطاق العالمي والطبيعة المستمرة المضمونة الشروط بالمكونات الموضوعية، وان العنصر الأيديولوجي لها يتم تحديده عبر التهديدات والتحديات النابضة، ولذلك هناك مشاريع رؤية عالمية مختلفة جوهريا وكل منها متوهم حالة الانتصار عبر ركب موجات التغييرات الثورية في المجتمعات والشؤون العسكرية، وإن تعريف الحرب الحديثة "حرب حضارات" يعكس بشكل كامل التوجه الرئيسي لاستراتيجية الحرب الهجينة ويعطيها التكامل في الأفكار التي ترمز إلى أعلى أهداف الحرب ومعاني الوجود القومي والحضاري. وليس غريبا إن اكدنا وبينا إن حرب المعاني والعبارات تكتمن في قلب إستراتيجية الحرب الهجينة التي تهدف إلى ضمان التحكم المنهجي المستمر في جميع جوانب حياة الدول والسيطرة على عقلية سكانها، لذلك تمثل وسيلة لتحقيق النصر في الصراعات التي سيكون لها تأثير هام وأحيانًا حاسم على تطور المجتمعات الحديثة، كما وإنها هي التي ستحدد أهداف الصراعات والشكل الضروري والكافي للمشاركات في العمليات الحربية وكذلك ستحدد القضايا المتعلقة باستخدام جميع موارد البلاد لمواجهة الأعداء أو حتى الأصدقاء !!! 

تتميز الحروب المستقبلية الهجينة بظهور محدد جديد يعطي ذلك النوع من الصراعات مكانة وطاقة للإنكار ويتحدد بتحويلها لنماذج جديدة لها ليوصف بشكل كامل من قبل المفهوم الفلسفي التجاوزي، وإن التجاوز ليس أكثر من إزاحة الحدود وعدم وضوحها بما يتعلق بين الحدود والأشياء وبين القيم، ولهذا فان ظاهرة التعدي في عملية تغيير حرب قد تؤدي إلى تشكيل منظور تطوري جديد تماما لضمان تشكيل ظواهر جديدة في المجال العسكري وفهم التجاوز على انه مفهوم اجتماعي وفلسفي بالاعتماد على نظام فلسفي ومعرفي لمحاولة إظهار أن الحرب هي مجموعة تجاوزات للقوانين وتحويل قيامها من الداخل إلى الخارج، وهذا الاستنتاجات له ما يبررها بما يتعلق بقياس مسببات العدوان التي تعرضها الحروب خارج الإطر القائمة في توفير فرص اختراقية لمستويات جديدة للصراع ذات النوعية الجديدة حقا، فيؤدي الانتقال إلى نوعية جديدة لبلورة ظاهرة مبتكرة وبعدا جديدا للحروب، وفي هذه الحالة تكون القائمة المصفوفة لقرون خطية من الحروب هي غير متناسقة مما يعجل الانتقال إلى نماذج جديدة وكافية الهجين والقياس المتكامل والمستقل والمتعدد الأبعاد، وهذا الاتجاه هو عامل مهم يؤدي إلى تغيير في جوهر الأفكار الأساسية وظهور أبعاد جديدة في كنف المواجهات المعاصرة وجنبا إلى جنب مع التحويل التام للصراعات والمظاهر المعروفة فتمتاز بعدد من المزايا فتدفع لفهمها على أنها مجال غير محدد الاحتكاك ولا يمكن الاعتماد على تلك الظاهرة لاعتبار ان مفهوم الاحتكاك في الحروب الدولية اختفى تقريبا وتمركز في الأعمال العسكرية المحلية لذا فحينما يتم تقديم الحساب عنه فستقل درجاته اثر التطورات العسكرية والعلمية المعقدة.

ونظرا للطبيعة المتنوعة للمشاركين في حروب المستقبل الهجين فسيزيد الضغط النفسي والإجهاد مما يزيد احتمالية الأخطاء، ولذا تعتبر الإجراءات في الفضاء السيبراني مصدراً قوياً للتأثيرات المزعجة التي تثير الفشل في أنظمة الحكم والتحكم وستستخدم على نطاق واسع في حروب المعلومات والتصيد والتضليل والإنترنت الموجهة ضد القيادات والأنظمة للمساهمة في ابتكار مناخ من الفوضى والارتباك، ونتيجة للاحتكاك بالظواهر والوقائع التي تبدو ضئيلة على ما يبدو بالمستوى التكتيكي فأنها ستتلقى قوة وقدرة محفز استراتيجي فيمكن لها بذلك أن تؤثر على مسار الحملة العسكرية بأكملها، ولذا يمكن لها أن تكون كآلية محفزة للكوارث التكنولوجية الصناعية في المنشآت المدنية والعسكرية والهجمات الإرهابية على الاتصالات متسببة بعدد كبير من الضحايا، وعادة ما تكون مجاميع مصادر الاحتكاك أكبر من موقعها البسيط لأن بعض أنواع الاحتكاك تتفاعل مع الآخرين مما يزيد من نتائجها المدمرة.

تساهم استراتيجيات حروب المستقبل الهجين في حدوث تحولا كبيرا غالبا ما لا يمكن التنبؤ بها، وعلاوة على ذلك ففيها يتأكد عدم اليقين بالمجاميع الواسعة من المشاركين المؤثرين على عوامل النتائج المهمة، ووفقا لقانون التراكم الديالكتيكي للمظاهر الكمية ففي الصراعات الطويلة هي تؤدي إلى تغيرات نوعية في المجالات الإدارية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والأيديولوجية للحياة العامة للدولة المعتدية وحتى للدولة المعتدى عليها استراتيجيا وتكتيكيا ليتم تلبيسها ونشرها اعلاميا عبر الاستراتيجيات والمفاهيم التي تحدد الأهداف والغايات والأساليب الأمر الذي يتطلب المراجعة أو الاستبدال الكامل لأنها قد تؤدي إلى "تدمير" الأسلحة والمعدات العسكرية والتكنولوجية مما تفقدها أهميتها، ولان مدتها الزمنية طويلة فأن توضيح الفترة الزمنية المحددة للحروب يمثل الحاجة إلى إيلاء اهتمام خاص لظاهرتها في تحليل تحول كل عنصر من مكوناتها وذلك لمنع خراب عناصر المكون الأيديولوجي الرئيسي في سياق حروب المعلومات واخضاعها لأكثر التغيرات الدراماتيكية التي يصعب التنبؤ بها تحت تأثير العوامل الداخلية والخارجية.

وان تساؤلنا حول ما هو الحسم في تطوير إستراتيجية عربية لمواجهة المعارضين الجيوسياسيين فأن طرح ووضع استراتيجيات متطورة لمواجهة حروب مستقبلية لاسيما في المجال الاقتصادي وإجراء عمليات تخريبية فيه تتمثل في إضعاف الاقتصاد ورفض الخضوع لمصالح المعارضين الماليين والاقتصاديين العالميين المسيطرين على الساحة السياسية العالمية، وأهم العوامل المحددة للصراع في المجال الاقتصادي هي التأثير المتكامل على القطاعين المالي والإنتاجي عبر إدراك مجال استهلاك العدو لذا يتطلب ذلك استجابة متكاملة في امر لا يمكن تصوره من دون وجود هيكل السلطة العليا للتنسيق والتخطيط على ضمان تنسيق وتطوير القرارات الهامة وابراز مسؤولية السلطة العليا في الهيئة الإدارية السياسية والعسكرية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، غير إن ذلك يجب أن يستند على تجديد لمستوى نوعي من المؤسسات الاقتصادية للدولة التي تضمن تنسيق الروابط في الزمان والمكان وتناغمها مع إستراتيجية التنمية في البلاد، كما إن الوظائف والمهام لإدارة مركزية تحتاج إلى أن تتكيف مع واقع عصرنا عبر وضع إطار تنظيمي جديد ينظم أنشطتها لجذب الموظفين الأكفاء وأتمتة عمليات التنبؤ والتخطيط ومتابعة القرارات وفرض رقابة صارمة على الموارد المستخدمة بتدابير المحتوى والنطاق لدمج قدرات الإدارة المركزية للاقتصاد وتوفير الوصول إلى مسار التنمية المستدامة وابتكار هامش إضافي للسلامة واستقرار للمؤسسات الوطنية الأخرى.

إن تحسين وظيفة التكامل بنظام الإدارة في الاقتصاد أمر في غاية الأهمية لمنع الصراعات المتولدة من الحروب المستقبلة في المجالين الاجتماعي والاقتصادي لانهما اساس للاستقرار السياسي، وهنا نرى إن الإحساس بحروب المستقبل يتلخص بالسيطرة الكاملة على وعي الشعوب وبالتالي التأثير بحاضرها ومستقبلها، ويتمحور الهدف الرئيس في احكام السيطرة على الوعي العام والفردي واللاوعي لسكان وموظفي وافراد الدول وجيوشها، وعبر ذلك نجد إن الغرض منها يتمركز في استبدال القيم الوطنية والمصالح الوطنية بأخرى كاذبة، وهناك أيضا هدف استراتيجي لتلك الأعمال التخريبية في المجالين الاقتصادي والإعلامي ينطوي على استخدام الأدوات غير العسكرية لكسب السيطرة الكاملة على البلاد وإمكانية تركيعها عبر تأثيرات غير محدودة عليها وعلى مستقبلها.

ونحن كدول عربية هل نحتاج لنموذج عربي استراتيجي للوقوف بقوة تجاه الصراعات العالمية؟ ومن غير أدنى شك إننا نحتاج بشدة للتكيف الناجح لضمان نظام الأمن القومي العربي للتحديات والتهديدات، ويعتمد ذلك إلى حد كبير على القدرة لتوليد معرفة جديدة حول التهديدات المستقبلية، وعلى هذا الأساس يفترض إن تتحدد إستراتيجية الدول العربية وأولويات التنمية لقواتها المسلحة وتوليف اقتصادياتها وثقافتها، وذلك لإنه جدا مطلوب تنفيذ توليفة من المعرفة القائمة لتشكيل مفهوم جديد للصراعات المعاصرة وتجهيز نموذج عربي رسمي لمعارضتها، ولذا يجب بناء النموذج العربي المتمثل في مكافحة حروب المستقبل الهجين والانقلابات والتدخلات الملونة والقدرة على التصرف بسرعة وحسم في النزاعات وبرمجة تهيئات تسمح بتحقيق نتائج هامة مع فاعلية التعامل مع الاضطرابات الصغيرة نسبيا، اضافة إلى ضمان القدرة العربية على التركيز بسرعة على الجهود والموارد المهمة في أكثر الأماكن تعرضًا للتهديدات وهي واجهات المعلومات والمؤسسات الاقتصادية وضمان الأمن الإلكتروني للبنية التحتية الحيوية المعلوماتية، وإجراء استطلاع مستمر وتفاعل وثيق مع هياكل السيطرة العربية السياسية والعسكرية من قبل الدول والقوات المسلحة من أجل تنفيذ استراتيجيات لضمان الإنشاء السريع والاستفادة من تطوير المناطق المهددة، وتوفير وتجهيز الموارد البشرية وبأساليب عالية الجودة والقادرة على ضمان تطوير وتنفيذ إستراتيجية لمواجهة الحروب المستقبلية، وفي الختام يترتب على ما سبق أن الاستخدام لتلك المحددات في تكوين استراتيجيات لمواجهة الصراعات المقبلة تجعل من الممكن تحديد مجموعة من الخصائص المتأصلة في الانواع المعينة لمفاهيم الصراعات قد تسهم في ظهور معرفة جديدة حول طبيعة النزاعات وانعكاساتها المناسبة لخصائص التعارض في الوثائق العقائدية حول ضمان الأمن القومي العربي.

 

بقلم/ الدكتور ميثاق بيات ألضيفي

 

علي ثوينيرصدت خلاف محتدم بين من يمجد ثورة تموز 1958 ومن يحن (نوستالجيا) إلى الحقبة الملكية، وحسبي أنه أمر طبيعي لدى العراقيين الذين دئبوا في تأريخهم الإجتماعي إلى البحث عما يفرقهم ويكرس خلافاتهم، بل ويؤلمهم ويجلد ذاتهم. ومكثت أراقب مايكتب ويعلق من طبقات الوعي وشطط التوجهات وشتات الأهواء والمصالح. وقد أعجبني انمن كان أهله يأنون الفاقة في العهد الملكي يحن على تلك الايام رغم ماكسبه من الثوره فيما بعد، في حالة مازوكية معلنه، ويجد المبرر أن الملكية لو بقين لأصبحنا مثل مملكة السويد والنرويج، وهذا محض هراء، فلكل مجتمع طبيعة في إختيار نظامه السياسي، وأن تلك الممالك تملك ولاتحكم بينما مملكتنا كان عبدالإله ونوري السعيد إنكليز أكثر من الإنكليز، من اثر دونية متلبسة في السجايا.

وثمة واقع يشير إلى أننا اليوم على بعد 62 عام من ثورة تموز و أن عبدالكريم المثير للجدل بل محوره الأساس، مات وشبع موت، وأن من تآمر عليه (وكان آخرهم عبدالغني الراوي مات 2011 في الرياض)، ماتوا جميعا، ولم نجد من يشهد إلا ضمائر حيه وواعية وقصاصات من كتابات هنا وهناك واناس مكثوا وعايشوا وأحتفظوا بذكريات تحتاج إلى تدوين وتحليل وغستنتاج . لقد بدأ موت الرعيل الذي قتل عبدالكريم منذ اليوم الثاني لأنقلاب شباط 1963، حينما تحركت آلة سماوية للإقتصاص منهم وأحد أثر آخر، سواء بالخزي والعار كما الركابي وعلي صالح السعدي أو أخرج من حفرة العار كما صدام، أو لفه الغموض والتكتم كما جل الرعيل الناصري والبعثي وحتى الشيوعي والقومي الكردي. وهكذا فإن تلك الصفحة طويت رغم ألمها وتبعاتها وتأسيسها لما نحن عليه اليوم من ضياع.

الأمر الأهم فيما أريد إيضاحه لمن مع ثورة تموز أو مناهض لها، بأن حركة عبدالكريم ورفاقه كان جموح وطموح ومبادرة أنساقت مع متطلب شعبي عراقي هيئتها إنقلاب عسكري تقليدي وبيان أول يذاع من المذياع، وتحول من ملكية لجمهورية. لكنه سرعان ماتحول إلى ثورة وشعبية بل أججت المشاعر وخلقت حالة من التفاؤل وبادرت للإرتقاء وأيدها جل طبقات الشعب، وبدأت بخطوات للإنقاذ وتنفيذ ما شرعه مجلس إستشاري مكتبي تقليدي، اسمه (مجلس الإعمار) دس المشاريع بورقها الأنيق في مخازن أمينة تسيرها إدارات مترهلة، لمشروع دولة شبه معدوم، فلا مصلحة لأحد في السلطة الملكية بأن يرتقي الجمهور العراقي، بل كان همهم زيادة إمتيازاترالنخب السلطوية وفتات يرمى لمن حولها، وتدوير للكراسي، بفقر وصلت نسبته 95% من العراقيين، و85% أميه ومدن خربه وقرى خاوية هجرها الفلاح هروبا من تعسف الشيوخ. وحسبي أن من يقرأ الأحداث متخيلا واقعها في حينهاوفي ظرفها ضمن الحرب الباردة، ومرحلة تصفية المستعمرات وصعود نزعة التحرر الوطني وسطوع الشعارات الوطنية،  يكون الاقرب إلى تفهمها وإستيعاب حقيقة ما جرى خلاها، بل وسبب للثورة، فعبدالكريم لم يكن يحتاج إلى مال لزهدة أو جاه لتواضعه ولا منصب كونه ضابط سامي، وأسم علم داخل العسكرية العراقية.

ما أثار إستغرابي من خلط العراقيين، أن بعض المحبين للزعيم يمجدون مرجع الشيعة سيستاني، ويروجون للطائفية والتشيع ويمجدون بإيران ويطبلون للمناطقية والعشائرية، وحسبي انه التناشر بعينه . فلم يكن الزعيم عبدالكريم على علاقة طيبة من مراجع ومشايخ وكهنة الدين، الذين تضرروا بوجود سلطة قوية، تهمشهم، وتوقف مدهم (الرجعي) الواقف علانية ضد تنوير المجتمع، ويأتي ضمن تضامن السرمدي مع الإقطاع الذي تضرر بالصميم. ونتذكر بهذا السياق وبشهادة المرحوم المعمار محمد مكية حيث قال بأن محسن الحكيم المرجع الشيعي كان الأكثر عدائية لتاسيس جامعة الكوفة خشية من إنتشار الوعي لدى الشيعة.والأمر الأهم ان عبدالكريم لم يكن طائفيا البته، فهو سني و لم ينحاز لطائفة ضد أخرى، بل أن من أنصفهم وبنى لهم البيوت كانوا من الشيعة الذين أخلصوا له الولاء وحفظوا العهد والذكرى .وهذا يؤكد طبيعة العلاقة بين الشعب و سلطته،، فلايهم بأنها تمت الصلة لأي طائفة ودين، إذا توفر شرط العدل وحقق لهم ما حلموا به من حياة كريمه.

ومن أغرب ما أقرا لشخص مقيم في ببريطانيا محب لعبدالكريم قاسم، لكنه مدافع مستميت عن الأمريكان وعن نوري مالكي.. فلم أدرك بكل ما أوتيت من الجمع مين المتناقضات والمقارنات بأن عبدالكريم لم يكن طائفي متعصب، ولا عميل لمحتل، وسارق وفاسد مثل نوري مالكي ولم يكن يحمل هوى وإنحياز أمريكي. بما يؤكد أن نأي الوعي العام قد أفرز حالة من النزق في الموقف الذي يجمع النقيض مع النقيض، بحالة لم أجد وسيلة لتبريرها، ويحضرني ما قاله المرحوم علي الوردي (إن العقل البشري قادر أن يخلق الحجج التي يتذرع بها لتبرير أي عمل يقوم به مهما كان سيئا).

كان خطأ عبدالكريم الفادح هو التوقيت الخطأ، فقد جاء بوقت غير مناسب لتستوعب مقاصده العقلية العراقية المنحازة للإستحواذ الشخصي والفئوي، والمتقبلة بترحا لإذلال سلطة غاشمه (كما حدث سنين البعث)، وغير المتفهمة لمركزية القرار السلطوي وإستقلاله، وعدم إدراك مديات الحرية الشخصية والعامة، وعدم الإلتزام بل الإطلاع على ما يدور في كواليس السياسة العالمية..

 فقد ناصبة الأكراد العداء كونه لم يحقق لهم مأربهم بالإنفصال المرفوض شعبيا ويدعوه (الحقوق القومية)، وعادوه أهل الموصل كونه ألغى النصاب السابق حينما كانوا يتبوأون مناصب الدولة السامية بغالبها ويأتون بجماعاتهم للهيمنة على دوائر الدولة والعسكرية، ووجدوا بعبدالناصر وتحريضه لهم وإمدادهم بالسلاح سبب في رفضهم لسلطة الثورة. وناصبه جل التركمان العداء كونه سحب منهم الإمتيازات العصمنلية التي سارت وتصاعدت خلال الحقبة الملكية، فكان لبقايا العصمنلية الحضوة والسبق السلطوي، وإن عبدالكريم لم ينصرهم في نزاعم مع الأكراد الذين يهددون وجودهم، فوجدوا جلهم في التوجهات القومية العروبية ضالتهم، وأقلهم أنحاز للقوميين الأكراد نفاقا وتقية . وناكفه العروبيون والناصريون كون لم ينصاع لهم في الوحدة الفورية التي تكسر هيمنة عبدالناصر على العراق وهو حلم سرمدي منذ زمنة الفراعنة لهيمنة مصر على العراق. وقد كانت شعبية هؤلاء في وسط بغداد والأعظمية وغرب العراق والموصل، ويمتد حتى الفرات الأوسط بإيعاز وغمز من المراجع الشيعية التي أرادت أن تحارب الشيوعية (الملحدة) بهم بإيعاز من المخابرات الأمريكية التي يرتبطون بها وتتحكم بهم، ومنهم حتى أكبرهم محسن الحكيم. وعاداه الشيوعيون كونه لم يلتزم بما يريده السوفيت والمخابرات السوفيتيه المهيمنة على القرار الشيوعي العراقي .وتآمر عليه البعثيون الذين مكث مجالهم المعسكرات التي تعج بالضباط التكارته الذن أصبحت الحمية والتعصب التكريتي يعني ولاء للبعث وعبدالناصر وعداء لعبدالكريم، بل أن هذا الرعيل أتصل بالمخابرات الأمريكية منذ بدايات الخمسينات ومنهم صالح مهدي عماش، وصدام تم تجنيده بالقاهرة عام 1959 رغم أنه مدني.

وكان عبدالكريم يظن أن تأييد الطبقات المسحوقة من الشيعة ولاسيما اهل الجنوب ضمانه لسلطته ومتراس يحميه. وهؤلاء كانوا مخلصين لسلطة ورثت إزدراء العصمنلي ثم كراهية العروبيين الذي ساقهم للعنصرية ضد أهل الجنوب ساطع الحصري ورعيله ممن أتى بهم من الخارج فيصل الأول. ولايمكن أن ننسى أن تطبيق قانون الإصلاح الزراعي في الجنوب كان أكثر فاعلية من الشمال، لذا فقد الإقطاع في الجنوب كل إمتيازاتهم بين ليلة وضحاها، فناصبوا عبدالكريم العداء، وكان هاجسهم غير المعلن : كيف يتساوى الشيخ مع الفلاحن الذي كان بالنسبة لهم طبقة أدنى، حينما طبق عبدالكريم قوانين المواطنة وتساوي الرؤوس.

وفي القراءة الإجتماعية، كان عبدالكريم قاسم مطلع على ما كتبه المرحوم علي الوردي (1913-95)، حيث كان يسعى إلى تكريس الإنتماء للأرض ودرء التعصب البدوي الفطري الكاره للمكان، وتنمية الريف وتقريبه من المدينة والإنطلاق بالتعليم إلى مصاف الدول المتقدمة، لذا فإن كان ثورة 14 تموز موئلها قراءات لأفكار الوردي، فإن الإنقلابيين البعثيين في 8 شباط 1963، إستندوا على قراءات الأمريكان لرجلهم الفلسطيني الأمريكي (حنا بطاطو 1930-2005)، الذي فكك عرى المجتمع العراقي وعرى مجهوله وقدمه تفصيليا إلى المخابرات الأمريكية، ليصيغوا خطنهم على ضوء معطياته. ومن المضحك أن أكثر من قرأ يتبنى طروحات بطاطو هم الشيوعيين، على خلفية خداعه لهم بأنه (ماركسي)، رغم أنه بعيد عن الماركسية، بل كان جاسوس على الشيوعيين العراقيين، رغم علميته العالية في إختصاصه بعلم الإجتماع، لكنه كان أقرب للأمريكان من السوفيت، بل أن ماكتبه عن العراق لم يخدم السوفيت أو هكذا بدى، وأن إختيار صدام وإعداده الأمريكي، كان ضمن سياقات ما ورد في نصوص كشف خفايا المجتمع العراقي. وربما يكمن هنا سر تحول الشيوعيين العراقيين من عملاء للسوفيت خلال الحرب الباردة (1947-92) إلى عملاء للأمريكان وخاصة بعد إحتلال العراق عام 2003.وما يحيرني فعلا هو الحمية التي جملها السوفيت على البعثيين وصدام، رغم أنه أمريكي الإعداد والعدة، ونتذكر بهذا السياق أن من أبطل إنقلاب ناظم كزار على البكر وصدام 1973، كانت المخابرات السوفيتية التي أوعزت لعميلها (جيفكوف) في بلغاريا ان يؤخر وصول البكر، فاضطربت الأمور وفشل الإنقلاب(تابعوا إعترافات حامد الجبوري على اليوتوب).

لم يكن عبدالكريم منحاز ضد فئة أو جهة أو حزب أو طائفة أوجماعة ضد أخرى، وهذا ما جعله يواجه جميع الأطراف بممارسة القيم التي أزيلت خلال قرون من المسخ السلاطيني والإحتلالات.أما توجهه الإقتصادي فكان (إشتراكي –ديمقراطي) اي بتطابق تقريبي مع الأحزاب الإشتراكية التي تبعت الأممية الثانية في الغرب، وربما كان قد أطلع على تجربة السويد في ذلك، اي توسيع نطاق الطبقة الوسطى إلى الحد الضامن لتنمية بشرية شاملة دون تأميمات قسرية على طريقة (الإشتراكية العربية) التي طبقها ببلاهة عبدالناصر وعبدالسلام وحطم على أثرها الإقتصادين المصري والعراقي. ولم يتبع بما أرد الشيوعيون من بناء (إشتراكية علمية )، شمولية ومركزية قسرية، والتي أضاعت بعد عقدين أوربا الشرقية وأوصلتها إلى إفلاس بكل شئ. كان عبدالكريم منتمي للجموع المسحوقة والوطن، حتى أن إنشغاله جعله لم يسافر خلال أربع أعوام ونصف من حكمه خارج العراق . ومن المؤكد بأنه لم يكن عميل لأي جهة خارجية، بشهادة حتى اعداءه وكلهم ندموا على قتلهم له حتى عبدالغني الراوي وصدام الذي حاول إغتياله.وحسبما أن الفرقاء السياسيين والأحزاب العراقية بمجملها سارت بإملاء من المخابرات العالمية.

وحري أن نشير إلى ان البعثيين كان أداة طيعة بيد المخابرات الأمريكية، ولهم و(مسؤول حزبي)هو شاه إيران، ونتذكر كيف ان عبدالغني الراوي وحسن النقيب وناظم كزاز توجهوا لأيران دون تردد حينما فشلت إنقلاباتهم، بل أن عبدالغني الراوي (الأخوانجي العروبي الناصري السني) المتعصب كان يحمل جواز سفر إيراني.وأن شاه إيران كان يعلم كل خفايا السلطة العراقية حتى كتب حسنين هيكل بأنه كان على مكتبه عام 1975 ملف كامل ومفصل عن الجيش العراقي، وحسبي أنه لم يأت بوحي من السماء، وإنما من تخابر هذا الرعيل، الممثل في صلب السلطة العراقية. لذا فالمؤامرة كانت أكبر من عبدالكريم قاسم والعراق كدولة ومجتمع وأحزاب، وكان سقوطه أمر مفروغ منه، بل أن الرئيس الأمريكي كندي قال: أن لم تسقط بغداد في شباط 1963، لكان الجيش الأمريكي قد وصل بغداد على اثرها.

العراق اليوم هو ملكي ببرقع جمهوري، فكل الجهات الملكية تجدها ممثلة في الحكم إبتداءا من أحمد جلبي حتى عادل إبن عبدالمهدي المنتفجي. فقد تحول الولاء من تركيا العصمنلية إلى إيران الصفوية، وتغيرت السلطةن من طائفية سنية إلى شيعية، لكن النصاب هو نفسه يكرس عدم الإنتماء للوطن العراقي .نجد المطابقة بين الملكية واليوم بأن الدولة المركزية معدومة تحت رغبة كهنة الدين وشيوخ العشائر وأغوات الأكراد. والتي لها كل المصلح بضعف المركز كي تمارس ما بدى لها.وهذا سبب كاف بأن حفيد محسن حكيم (عمار) وكل طبقات الساسة المعينين اليوم على أسس عشائرية ومشايخيه ومناطقية وطائفية، يناصبون العداء لتأريخ عبدالكريم ومنجزه، بل ينتقمون منه، كونه أضرهم بالصميم قبل ستة عقود، حينما طردهم من الباب فعادوا من الباب كذلك.وهم اليوم يطبقون النموذج الملكي بحذافيره، لذا ولمن يحن على أيام الملكية فهي اليوم مجسد في سلطة العراق، حتى لو أختفى من إطارها الملك الحجازي المستورد الذي حمل بعض العاطفة للعراق، وأبدلوه برئيس كردي مكث كل عمره يبصق على أسم العراق ويناصبه العداء، واليوم يقوده نحو التهلكة.

 

د.علي ثويني

 

كاظم الموسويتسريب الرسائل المرسلة من السفير البريطاني في واشنطن كيم داروك (Kim Darroch) إلى مرؤوسيه في لندن لم يكن سبقا إعلاميا فقط ورد فعل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عليها بتغريداته الفاضحة، تضيف اليها، وتكشف ما وراء الاكمة. اذ أن الرسائل ليست كلمات عابرة أو تقييمات آنية وليست توصيف حال وحسب وانما اعتبرت تقريرا أو تقديرا رسميا نقل وقائع رآها السفير المخضرم وعاشها وعبر عنها من خلال تجربة وخبرة دبلوماسية ليست قليلة. والقصة بتفاصيلها. تسرد خلفيات أخرى وتثير تداعيات تدور في فلك العلاقات بين العاصمتين، لندن وواشنطن، وبين الادارتين المتشابهتين، توجهات وسياسات وتفاهمات وحتى ايديولوجيات. فما حصل لم يكن تسريبات وتغريدات وفضائحا أعلامية وسياسية وانتهى الامر، وانما عكس ايضا تناقض العلاقات واساليب التخادم البيني، بين الدولتين، والمصالح العامة بينهما غير الاستراتيجية الخاصة.

كتب السفير البريطاني في واشنطن في رسائله ومذكراته، التي سربت ونشرتها صحيفة "ميل أون صنداي" البريطانية (2019/7/6) واصفا الرئيس الأميركي، على نحو شديد الصراحة، بأنه "يفتقر إلى الكفاءة"، وإنه "شخص غير مستقر". وإنّ "رئاسة ترامب قد تتحطّم وتحترق وتنتهي بوصمة عار". الرسائل كثيرة يعود بعضها إلى العام 2017. وجاء في إحداها: "لا نعتقد حقا أنّ هذه الإدارة ستصبح طبيعية أكثر، وأقلّ اختلالاً، وأقلّ مزاجية، وأقل تشظيا، وأقل طيشا وحماقة وانعداما للكفاءة من الناحية الدبلوماسية".

في مقابلها، ومنذ نشرها، غرّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب على تويتر (9/2019/7)، واصفا السفير البريطاني في واشنطن كيم داروك بأنه "شخص غبي جدا"، وعلى اثرها تاثرت العلاقات بين الولايات المتحدة وبريطانيا وشهدت توترا، لاسيما بعد وصف الإدارة الأمريكية بأنها "خرقاء وعديمة الكفاءة، ولا تؤدي واجباتها كما ينبغي". وأعلن ترامب قبل ذلك أن الولايات المتحدة "لن تجري بعد الآن اتصالات مع السفير"، وإنه يدعو الحكومة البريطانية الجديدة إلى تغييره. وبعد أن أكد أنه لا يعرف داروك، قال ترامب إنه سمع بأنه "أحمق ومغرور"!.

كما هاجم الرئيس ترامب رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي كذلك، في وقت بدت فيه لندن محرجة، و«أبدت أسفها لتسريب مذكرات سرية». لكن ماي سارعت إلى التعبير عن دعمها لسفيرها أمام تغريدات ترامب، وقال متحدّث باسم الحكومة إنّ «السير كيم داروك لا يزال يحظى بدعم رئيسة الوزراء الكامل»، وهو ما دفع ترامب للهجوم عليها مُجدداً الانتقادات التي وجهها إليها في الماضي بشأن تعاملها مع قضية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وقال ترامب: «يا لها من فوضى تسبّبت فيها هي ونوابها، قلت لها ما الذي يجب أن تفعله، لكنها قررت سلوك الطريق الآخر.. وقامت بذلك على طريقتها السخيفة. إنها كارثة!».

أمام هذا الوضع استقال الدبلوماسي البريطاني وكتب في رسالة استقالته التي وجّهها إلى رئيس السلك الدبلوماسي البريطاني سيمون مكدونالد: “أعتقد أنه في الظروف الراهنة، المسار الواجب اتباعه هو إفساح المجال أمام تعيين سفير جديد”. وأوضح داروك أنه “منذ تسريب الوثائق الرسمية الصادرة عن هذه السفارة، أطلقت تكهنات حول منصبي ومدة ولايتي كسفير”، موضحا أن “الوضع الحالي يجعل من المتعذر بالنسبة لي ان أواصل القيام بواجبي كما أرغب”.

وأعربت ماي عن أسفها لاستقالة داروك. وأعلنت في مجلس العموم “من المؤسف جدا أنه اعتبر أن الضرورة تقتضي أن يغادر منصبه كسفير في واشنطن”. وأضافت ان “الحكومة الجيدة تعتمد على قدرة موظفيها على تقديم النصائح الصريحة والكاملة. أريد أن يتمتّع كافة موظفينا بالثقة اللازمة للقيام بذلك”. وهذا كلام واضح أو رد موجه. بدوره أعرب جيريمي كوربن زعيم حزب العمال المعارض عن “أسفه لاستقالة كيم داروك"  وقال “أعتقد أنه قدّم أداء مشرفا ونوعيا يستحق أن يشكر عليه”.

يعد داروك البالغ 65 عاما من الدبلوماسيين الأكثر خبرة، وقد عمل 42 عاما في السلك الدبلوماسي. وكان قد تولّى منصب سفير بريطانيا إلى واشنطن في كانون الثاني/يناير 2016 قبل فوز ترامب بالرئاسة. وشغل سابقا منصب الممثل الدائم للملكة المتحدة في بروكسل من عام 2007 وحتى العام 2011، ويعتبر من المؤيدين للاتحاد الأوروبي وضد البريكست.

فتحت الحكومة البريطانية، كعادتها الروتينية، تحقيقا لكشف المسؤولين عن التسريب والنشر للمراسلات السرية في صحيفة “ميل أون صنداي”، وتنوي ملاحقتهم قضائيا. كما وعدت بالتحقيق في ملابسات ما جرى، ووصفت الخارجية البريطانية تسريب المذكرات الدبلوماسية بأنه "تصرف مُضر"، لكنها، بالمقابل، لم تنف صحة الوثائق المسربة، بل إن المسؤولين البريطانيين الذين علقوا على الموضوع أبدوا تعاطفاً مع سفيرهم في واشنطن، رغم انتقادهم لتسريب المذكرات، حيث نسب إلى ديفيد غوك، وزير العدل البريطاني، قوله إنه من المهم أن يقدم السفراء نصائح أمينة وصريحة لبلادهم، و"يجب أن نتوقع من سفرائنا قول الحقيقة، كما يرونها". مثله تحدث متحدث باسم وزارة الخارجية البريطانية إن الناس يتوقعون من الدبلوماسيين أن يوفروا للوزراء "تقييما صادقا وصريحا" للأوضاع السياسية في البلاد التي يعملون فيها، ولا يعني ذلك بالضرورة أن يتبنى الوزراء أو الحكومات وجهات النظر هذه، لكننا ندفع لهم ليقولوا الحقيقة. حتى رئيسة الوزراء، تيريزا ماي، أكدت أن لديها "ثقة تامة" بسفير بلادها. بمعنى أن ما جرى بعد التسريب أكد على التسريب وضرره فقط وليس على محتواه ومضمونه ومصداقية السفير فيه، في وصف الرئيس الأمريكي وإدارته وتناقضات سياساته وانتقادها. وهذا أمر ملفت وبيان كاشف للصراعات والتناقضات والتنافس، وما يجري خلف الواجهات والتعاملات والظاهرات.

أعلان راي السفير في الإدارة الأمريكية ورئيسها له أهميته البارزة في فهم ما وصلت إليه الإدارة والرئيس الأمريكي، ويعكس بشكل أو بآخر مواقفا أو اراءا بريطانية معبرة شعبيا وبعض الأوساط الرسمية، وكانت قد توضحت في رفض إستقبال الرئيس الأمريكي اثناء زيارته لندن أو قبلها، والاحتجاج على الكثير من تغريداته حول الأوضاع البريطانية أو بعض المسؤولين البريطانيين، فضلا عن قضايا أخرى.

 

كاظم الموسوي

 

عامر صالحكثر الحديث في ظروفنا الحالية عن ثورة الرابع عشر من تموز للعام 1958والتي اسقطت النظام الملكي وأسست اول جمهورية فتية في تاريخ العراق السياسي المعاصر, ثم أطيح بالثورة في 8 شباط عام 1963 عند استلام البعث للسلطة وبعدها تحول العراق الى مسرح للأنقلابات والمؤمرات العسكرية والمخابراتية والحزبية وكان آخرها قبل الأحتلال الامريكي للعراق هو انقلاب 17 تموز للعام 1968 الذي أتى بالبعث مجددا للسلطة. وكان الحديث عن ثورة تموز يتداوله بصورة خاصة فريقين: فريق انصار الثورة وحلفائها ومؤازيريها يها والذي يرى ان الانقلاب على الثورة سبب في اهدار فرص تاريخية للعراق واستقراره وتقدمه وازدهاره نعاني منها الى اليوم, والفريق الآخر يرى أن في ثورة تموز هو عمل انقلابي عسكري أسس لمسلسل الانقلابات اللاحقة والذي قطع الطريق على التجربة الملكية الناشئة في الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة.

أذا كانت الشعوب هي التي تزكي أنظمتها او تحجب عنها الشرعية فأن ثورة 14 من تموز/1958 تمتعت منذ انطلاقتها الأولى وحتى نهايتها على يد النظام الأنقلابي البعثي الفاشي في 8 شباط/1963 بزخم جماهيري هائل واستعدادات ذاتية للدفاع عنها, ولم يكن موقف الشعب العراقي انذاك موقفا انفعاليا عابرا بل استند الى مجمل المعطيات الأقتصادية والأجتماعية والأنسانية العامة التي كان برنامج الثورة يتبناها ويسعى الى تحقيقها وكانت بمجملها تستجيب لمطالب الشعب العراقي في تحسين ظروف العيش والحياة العامة والسيطرة على ثروات البلاد بعد ان أخذ الفقر والبؤس والعوز والفساد مأخذه في حياة الناس في الحقبة الملكية وبالتالي كانت الثورة استجابة لتفاعلات العوامل الذاتية والموضوعية التي وصلت ذروتها في رحم النظام الملكي. وقد كانت للثورة انجازات كثيرة وأهمها القضاء على الإقطاع وإلغاء قانون دعاوى العشائر وإصدار قوانين عادلة كثيرة مثل قانون الأحوال الشخصية وقانون الإصلاح الزراعي وقانون مجانية التعليم وقانون تأميم النفط وكذلك التطور الملموس في الاعمار والاسكان والصحة وعموم الخدمات قياسا بعمر الثورة التي لم تكمل الخمس سنوات.

ومن اراد ان يطلق تقيما لثورة 14تموز اليوم عليه ان يقيم ذلك الحدث ضمن خصوصية الزمان والمكان الذي وقعت فيه الثوره واعتقد سيسعفنا منهج البحث التاريخي وادواته في وضع الثورة في سياقها الذي نشأت فيه, وبالمقابل أن من يمجد الملكية العراقية اليوم عليه ان لا يتأثر في تقيمه بنموذج مملكة السويد أو الدنمارك او المملكة البريطانية ويتخذها محكات لأضفاء الهالة على المملكة العراقية, فالملكية في العراق كانت تعكس في طبيعتها تحالفات الأقطاع والعشائر مع سلطة الكومبرادور. كما ان الباحث الموضوعي في هذا الشأن عليه ان يقتفي اثر منهجية البحث العلمي الشاملة في الاحاطة بالظاهرة وملابساتها ومراحل تشكيلها, فعندما تنتقد جوانب عديدة في مسار ثورة تموز القصير عليك انسانيا ان لا تبارك الانقلاب عليها وتشجع على سفك المزيد من دماء الابرياء, او تسكت عن عقود لاحقة من الحروب والظلم الاجتماعي التي سببها نظام البعث الى ما قبل سقوطه في 2003 على يد المحتل الامريكي.

اما ما يشار الى الظواهر اللاانسانية التي حدثت في بداية الثورة من سحل وقتل وتعذيب لرموز النظام الملكي فهي ظواهر يندى لها الجبين وغير مقبولة قيميا واخلاقيا وانسانيا وان السلوك الوحشي اتجاه من يعارضك مرفوض جملة وتفصيلا, ولكن للامانة التاريخية وهناك وقائع جرت في العهد الملكي فاقت اضعافا مضاعفة حجم ضحايا ثورة تموز " ان صح التعبير " وان اعداد من سقطوا في ظل النظام الملكي " على سبيل المثال لا الحصر " في مدينة الحي الصغيرة لوحدها عام 1956 أو في سجن الحلة أو في انتفاضة 1948 يفوق ما حدث في 14 تموز. عدا عن المجزرة التي ارتكبت ضد عمال النفط المضربين في كركوك، وعمال النفط في البصرة، ووثبة كانون عام 1948 ضد معاهدة بورتسموث، وانتفاضة تشرين عام 1952 في بغداد، ومجزرة عام 1933 ضد الآثوريين في الشمال والتي ذهبت ضحيتها في اقل التقديرات خمسة آلاف ضحية, الى جانب الاعدامات والتصفيات الفردية للكثير من القيادات السياسية المعارضة والنشطاء السياسيين. الى جانب الرعب اليومي للاجهزة السرية والمخابراتية.

اما اعمال العنف والتصفيات الجسدية لرموز النظام الملكي ولاحقا لرموز اول جمهورية فأنها تعبر جليا عن سلوكيات القطيع الخطيرة في المنعطفات التاريخية واكثرها خطورة تلك التي يغذيها خطاب الثقافة الشوفينية والعنصرية الذي يشدد من قبضة الكراهية واستباحة الدم والتحريض على القتل. ان مرور 61 عاما على ذكرى الثوره واستعصاء أزمة الحكم وعدم المقدرة على حل المعضل السياسي وعدم وجود انجازات في الحاضر جعل الناس اكثر نكوصا وتقهقرا وعودة الى الماضي للبحث في ثناياه بما يشبع رغبتنا في الأنجاز ولعل الأفراط في الحنين الى الملكية واعتبار كل ما حصل فيها هو مثالي ويجب استذكاره وتكراره هو مؤشر لأحباطات الحاضر وعدم القدره في ألتماس افق مستقبل افضل. اما الهجومات هنا وهناك على ثورة تموز فهي اسقاط سيكولوجي بأمتياز في تحميل الآخرين فشل المنظومات السياسية التي أتت ما بعد الثوره الى يومنا هذا حيث خاتمتها الأحتلال الأمريكي واسقاط الديكتاتورية عبر الأحتلال والذي اسقط الدولة ومؤسساتها ولم يسقط النظام ومنظومته الأخلاقيه.

ان البحث المحايد نسبيا في ثورة 14 تموز عام 1958وتناولها في اطار الظروف الوطنية والاقليمية والدولية التي نشأت فيها يضعها في مكانها الصحيح, ولا يمكن لنا ابدا تقيم الثورة انطلاقا اليوم من اسقاط ظروف الحاضر المتغير ومطالبة الثورة ما يجب ان تكون اليوم عليه فهذا مغاير لسنة الحياة المتجددة بدون انقطاع وخاصة في السياسة, ولكن بما لا يقبل الجدل كان قائد الثورة الشهيد عبد الكريم قاسم وطنيا مخلصا ومحبا لشعبه بفطرته الخالصة, اراد الخير للعراقيين ولكن الشوفينية القومية والتعصب الاعمى والاستحواذ على السلطة لم تدعه يكمل مشواره. كل بلاد العالم وخاصة المتحضر منه تحترم ثوراتها الوطنية والتحررية رغم اختلافاتهم في تقييم الاحداث ولكن يبقى الاعتزاز برموزها قائما الى اليوم وكل حسب ادائه ومهمته في ظروف تختلف نوعيا عن ظروف الحاضر. 

بالتأكيد ان الحديث عن عبد الكريم قاسم اليوم في العراق وخاصة بعد سقوط النظام الدكتاتوري ومرور 16 عاما على ما يسمى النظام الديمقراطية في العراق هو الآخر ذو شقين: الاول يدعو الى الاستفادة من دروس الثورة لأصلاح الحياة العامة في العراق والوقوف ضد الاحترابات القومية والمذهبية التعصبية والشوفينية التي حرفت مسار ثورة الرابع عشر من تموز ويدعو هذا الفريق ايضا الى الذهاب بعيدا وجديا في تنفيذ مشروع الاصلاح الشامل في منظومة الحكم الفاسدة ودرء خطر عودة داعش مجددا, وفريق لا يستطيع تجاوز اخطاء الثورة التي حصلت والارتقاء ببدائل التفكير المنتج لأعادة صياغة الحاضر في مستجدات العصر وضروراته وشعارهم دوما: " لو مو عبد الكريم قاسم لكان أحنة هسه بنعيم الملكية ". انها فعلا ازمة فشلنا في استثمار الماضي ايجابيا وصعوبتنا في بناء حاضر ومستقبل افضل.

 

د.عامر صالح

 

بشار الزبيديعن صحيفة (دير شبيغل) الألمانية

نُشر في: 25 فبراير 1959

ترجمة: بشار الزبيدي

أصغى مستمعو الإذاعة العراقية مجدداً وبعد فترة طويلة إلى الصوت المألوف لأحد أعظم أبطالهم الثوريين: انه العقيد عبد السلام عارف. المُنقلب، الذي شاركت كتيبته العسكرية كقوة مهاجمة ضد عرش الملك في بغداد. ولم يكن وقتها يدعوا إلى النضال من أجل الحرية العربية وإنما من أجل إقامة جمهورية العراق. وقد ألقى بطل الثورة خطابا دفاعياً هذه المرة. ولم يكن يصرخ كما هو معتاد في خطبه الحماسية، فكان يحتج بهدوء وبصورة متواضعة ضد اتهامه بالتخطيط لاغتيال رئيس الوزراء العراقي عبد الكريم قاسم، أحد كبار المتآمرين معه في انقلاب يوليو.

عارف الذي حقق النصر مع اللواء قاسم، قد ندد بإخفاقات النظام الإقطاعي المخلوع بعد نجاح الثورة، أصبح بعدها في موضع اتهام وقد بثت إذاعة راديو بغداد تسجيلات من المحاكمة السرية لزعيم العراق الجديد، عبد الكريم قاسم، للـ"الأخ الثوري " عبد السلام عارف.

الضباط المنقلبون، الذين حطموا سلالة بغداد الهاشمية وأعلنوا الجمهورية في 14 يوليو 1958، كانوا في حالة شجار حول سؤالهم عن جدوى نصرهم الذي حققوه؟. سياسة "لا للغرب" الموجهة للنظام القديم صاغوها معًا ؛ فيما قالوا نعم لمنهاج مستقبلي وتحدثوا عن ذلك بآراء مختلفة. وبالنسبة إلى اللواء قاسم، فإن الخلط في كلام عارف كان كافياً للحُكم عليه بالإعدام.

كان الجمهور العربي مذعوراً وهو يستمع لإذاعة راديو بغداد عن خصام الأشقاء الثائرين. وكان هناك تساؤل ما إذا كان عارف حقًا هدد اللواء قاسم بالمسدس أم - كما أكد عارف - أراد فقط الانتحار بدافع اليأس السياسي في عيون رئيسه المتآمر السابق. كانت تهم القتل العمد ضد عبد السلام عارف حزمة إجرائية ضعيفة.

كان العقيد عارف في قفص الاتهام حول تعاونه مع جمال عبد الناصر الذي لم يكونوا اتباعه أمراء إقطاعيين ضعيفين للقوى الاستعمارية الغربية، وإنما كانوا ثوريين يدعون للنضال من أجل الاستقلال العربي.

منذ عام 1952، وعندما اطاح العقيد جمال عبد الناصر بعرش "الملك فاروق"، كان الطريق المصري هو الطريق الوحيد لتحقيق هدف الحرية العربية والاستقلال العربي. وكان عبد السلام عارف يرى ضالته في القاهرة. مع اقتناعه بأن بغداد أصبحت لاعبا في النضال من أجل الروح العربية.

ما قدمه العقيد عارف امام المحكمة العسكرية في بغداد كان عملاً مشرفاً بين الشعوب العربية حتى وقت قريب: أراد عارف قيادة وطنه العراقي إلى معسكر حركة التوحيد والاستقلال العربية، (المعسكر الناصري). كان يدير اتحاد العراق بالتعاون مع الجمهورية العربية المتحدة التي شكلها ناصر.

كان يمكن فرض عقوبة الإعدام بحق عارف بعد تعاونه مع عبد الجمال ناصر. كان عبد الجمال ناصر يريد حشدًا عربيًا مفعمًا بالحيوية ولذلك دعا عارف للوقوف بجنبه.

بعدها صرح رئيس محكمة الشعب العراقي قائلاً:"لقد حررت ثورة 14 يوليو الشعب العراقي وستحرر جميع إخواننا العرب. خاصة الشعبين السوري والمصري ".

اتت التصريحات في ظل هتافات في شوارع بغداد، كانت تُرفع فيها صور جمال عبد الناصر أكثر من صور عبد الكريم قاسم .قبل أن يتم حظر عرض التقارير الإخبارية التي تظهر عبد الجمال ناصر بعد خلافات بين مؤيديه.

كان عبد الكريم قاسم، السياسي المبتدئ، يرفض الرضوخ للزعيم الشعبي الصريح ناصر. وضعت المنظمات الشيوعية السرية في الشرق الأوسط، وبموافقة موسكو، تجاربها في تنظيم ما يسمى تظاهرات الشوارع التلقائية المؤيدة لرئيس الوزراء العراقي غير المدرب عبد الكريم قاسم.

ولإظهار قوتهم، قامت المنظمات الشيوعية بمسيرة تتكون من حوالي 200,000 شخص عبر شوارع مدينة بغداد لحضور جنازة شهداء قتلهم أتباع ناصر. وقدمت الصحف العراقية الشيوعية شعارات لـ "القومية العربية الأصيلة والمتحررة"، فيما كانوا يرون بأن قومية عبد الناصر مجرد "خُرافة مغلوطة".

تردد قاسم لبعض الوقت قبل تسليمه مرسوم إلى رفيقه عارف، الذي كان في البداية نائباً لرئيس وزراء الحكومة الثورية، وأخبره علنًا أنه خائن للقضية التي كانت مشتركة بينهما. وقد أمر قاسم بإعفاء عارف من مناصبه وبتعينه سفيراً للعراق في ألمانيا الغربية في مدينة بون وكانت الخطوة من أجل تطبيق الامتناع السياسي عليه، وبعدما عاد للعراق من مؤتمر سري في القاهرة، أمر عبد الكريم قاسم بالقبض عليه في مطار بغداد. وحتى لا يثقل كاهل "وحدة الجبهة العربية"، انتظر قاسم حتى نهاية يناير لتنفيذ حكم الإعدام ضد عارف وبث المحاكمة السرية.

في هذه الأثناء، وبفضل متظاهريه الشيوعيين، تمكن اللواء قاسم من القضاء ليس فقط على الناصريين والعارفيين في العراق من خلال موجة من الاعتقالات، وإنما أيضًا حزب الاستقلال اليميني من خلال إضعاف وإدانة زعيمهم الأبرز، عدو بريطاينا القديم رشيد عالي الكيلاني.

قام الكيلاني في عام 1941 كرئيس وزراء للعراق بالتعاون مع سلاح الجو الألماني بدعم الانتفاضة الوطنية ضد الانجليز. بعد انهيار حركته اضطر إلى الفرار من بغداد. ومن طهران ذهب إلى ألمانيا، حيث استقبله أدولف هتلر كحليف عربي في الحرب ضد بريطانيا.

بعد الحرب، عاش الكيلاني في المنفى في المملكة العربية السعودية ومصر حتى انقلاب يوليو العراقي، حيث كان على اتصال مع حركة ناصر. ثم اعتقله قاسم بعد عودته للعراق.

لأول مرة منذ بداية النهضة العربية الناصرية، لم تعد الكوكبة السياسية في الشرق مصممة على إبقاء الأنظمة الإقطاعية ذات التوجه الغربي وكان يُعتبر المصري جمال عبد الناصر المصري الممثل الوحيد لمستقبل الشرق الأوسط.

بالإضافة إلى التجديد العربي الذي بناه ناصر على اطراف النيل، ظهر مركز جديد لحركة الحرية في العراق بعد قمع أصدقاء ناصر في العراق. لأن القوى الغربية وبسبب سياسة القوارب الحربية التي تتبعها على قناة السويس وتعلقها القوي بإسرائيل، كان يجب عليها الاعتماد على القوى التي تسعى للهروب من التجديد العربي بسبب قلقها من الثورات الاجتماعية التي يقودها ناصر، وحقيقة أن الاتحاد السوفيتي فقط من يمكنه الاستفادة من القطبية الجديدة للشرق الاوسط.

مع تسليم الأسلحة السوفيتية، وإعلان برنامج مساعدات سوفيتية للعراق، ودعوات من السياسيين العراقيين إلى إقامة علاقات مع موسكو وبراغ وبودابست، أثبتت الحكومة السوفيتية عزمها على دعم عبد الكريم القاسم لتحقيق الاستقلال بمعزل عن المسار المصري.

إن النكسة التي كان يعانيها ناصر على الأقل من الناحية النفسية - بسبب إصرار قاسم على استقلال العراق ستجعل المصري أكثر اعتماداً عليها.

وبسبب صداقة الولايات المتحدة مع إسرائيل، كانت تتوقع موسكو أن تظل الكتلة الشرقية في القاهرة شريك مرحب به أكثر من الغرب.

كتبت صحيفة "Neue Zürcher Zeitung" حول الصراع بين العراق الغني بالنفط ودولة الفلاحين الفقيرة مصر: "وضع ناصر في هذه الظروف لا يحسد عليه بأي حال من الأحوال." وفي المنافسة السلمية بين مصر والعراق شبه الشيوعي، تتمتع بغداد بمزايا واضحة على القاهرة. ولأول مرة، يُمكن اعتبار مناورة ناصر محدودة. "

سعى الجنرال المنقلب قاسم للحصول على دعم رعاته السوفيتيين من أنه يمكن أن يطور استقلاله عن جمال عبد الناصر إلى العمل الحر مع موسكو.

يثق السوفيتيون في جعل قاسم أداتهم، تمامًا كما كان رئيس وزراء الملوك الهاشميين العراقيين، نوري السعيد، الذي قُتل في انقلاب يوليو، طوال عقود هو الشريك الأكثر موثوقية في دبلوماسية الشرق الأوسط البريطانية.

قرر قاسم وضع اثنين من المنظمات الشيوعية التي قدمت له الذراع القوي للقتال ضد الجبهة الناصرية في العراق وهما "ميليشيا المقاومة الشعبية" واتحاد الطلاب تحت سيطرة الجيش، لكن لم يبذل رئيس الوزراء العراقي أي جهد في الأشهر السبعة من حكمه لاتخاذ أي إجراء سياسي آخر بهذا الصدد، بصرف النظر عن عدم رغبته في الارتباط مع ناصر. كان يتصرف مثل الجنرال نجيب الذي عزله ناصر. لم يكن يبدو أن لدى عبد الكريم القاسم أي قرارات أخرى يتخذها منذ أن أرهق طاقته وعزيمته في انقلاب يوليو.

لم تؤدِ أيضا المحاكمات الاستعراضية العديدة المذهلة إلى تصفية ممثلي الماضي، كان قاسم معروف بأنه لا يطبق أي من أحكام الإعدام ضد السياسيين في النظام السابق - كما أن إصلاح الأراضي ,القرار الأساسي للعراق الذي وعد به, لم يُنفذ بعد الثورة مباشرة.

ومع ذلك، فإن السوفيتيين لم يعتمدوا فقط على قاسم المتردد "العائم" الذي لا تزال تجاربه السابقة تنتمي إلى فئة المبتدئين في حنكة الدولة في الشرق الأوسط.

اعتمد الكرملين، الذي قدم دعمه إلى قاسم، على عاملين غامضين في العراق، اللذين تم تنشيطهما بمساعدة سوفيتية خفيفة ويمكنهما في أي وقت القضاء على قاسم إلا وهما (الشيعة والأكراد), إذ يعتبران ورقتان رابحتان لموسكو.

من بين ما يقرب من سبعة ملايين نسمة في العراق، يميل غالبية الشيعة في العراق إلى الوحدة مع إيران، حيث الإسلام الشيعي هو دين الدولة. إنهم يدافعون عن أنفسهم ضد الخوض في البحر السني للوحدة العربية الناصرية، وكانوا يدعمون مسيرة عبد الكريم قاسم المستقلة عن ناصر. ومع ذلك، إذا شعر رئيس الوزراء العراقي في يوم من الأيام بالضغوط من موسكو للوقوف مع القاهرة، فإن الدعاية المعادية للسنة التي يديرها مجموعة من الديماغوجيون الشيوعيين المدربين يمكنها أن تعبئ الشيعة لصالح قاسم.

بالنسبة إلى قاسم فأن قضية الأكراد أكثر إثارة للقلق فهم ليسوا من أصل عربي. وإن دعوة ناصر لتوحيد العرب لا تخصهم أبداً. الأكراد الذين يعيشون في مناطق متفرقة في تركيا والاتحاد السوفيتي وسوريا والعراق وإيران يحلمون بدولتهم. ويمكن أن تصبح هذه الأحلام، بدعم من السوفيات، تهديدًا خطيرًا للعراق.

اتخذت موسكو احتياطاتها: ففي أوائل شهر أكتوبر من عام 1958، عاد الزعيم الكردي الملا مصطفى البارزاني إلى العراق بعد أحد عشر عامًا في المنفى. ولم يقيم البارزاني بين شعبه في شمال العراق، بل في العاصمة بغداد وكان على استعداد للتعاون مع قاسم، كما صرح الكرملين السوفيتي.

عاد البارزاني الذي حصل على لقب قائد في الجيش الأحمر في المنفى السوفيتي، إلى المكان الصحيح حتى وأن كان هناك سياسة أقل تعايشًا للأكراد في العراق.

لعب البالغ من العمر خمس وخمسين عامًا آنذاك دورًا قياديًا في جميع الانتفاضات الكردية ضد حكومة بغداد منذ عام 1930: كان برزاني قائد الجيش الكردي في "الجمهورية الكردية المستقلة"، التي تم تأسيسها بدعم من السوفيتيين بعد نهاية الحرب الأخيرة في شمال إيران، قبل أن يفر من القضاء الإيراني إلى الاتحاد السوفيتي.

كانت لا تزال سمعة البارزاني بين زملائه من القبائل قوية للغاية بعد عقد المنفى، حيث في منتصف ديسمبر من عام 1958 كانت هناك شائعات بأن عبد الكريم قاسم قد وضع العائد إلى بغداد (البارزاني) رهن الإقامة الجبرية, مما أدى إلى اضطرابات بين الأكراد العراقيين.

ناصر الملا مصطفى البارزاني الشيوعيين العرب وعبد الكريم قاسم ضد ناصر. فيما صرح رئيس أكبر حزب شيوعي في الشرق، خالد بكداش من الحزب الشيوعي (المحظور) في سوريا، بأن حركة ناصر العربية تمثل سياسة "البرجوازية القومية"، في حين تتماشى سياسات قاسم مع المصالح الحقيقية للشعوب العربية.

ذكرت صحيفة " Neue Zürcher Zeitung " في يناير 1959: "إن الأحزاب الشيوعية العربية لديها في الأسابيع الأخيرة هدف واحد، وهو تشكيل اتحاد من الدول العربية، التي ينبغي أن تميل إلى الاتحاد السوفيتي ولكن كان الحزب السوري الشيوعي قد عارض بالفعل تشكيل الجمهورية العربية المتحدة سلفاً والسر وراء ذلك، لا شك في أن رأي الشيوعيين العرب أن موسكو ليست مهتمة بجعل جمال عبد الناصر شخصاً مبالغًا فيه, خوفا أن يستولي الأخير على آبار النفط (العراقية)، وقبل كل شيء لأن ذلك من شأنه أن يعطيه فرصة لإقامة إمبراطوريته الخاصة، والتي تعتمد اليوم على مساعدة من الشرق والغرب.

إن إمكانية إنشاء نقطة انطلاق للاتحاد الموالي للاتحاد السوفيتي في العراق، وحتى إدراج سوريا والأردن في هذه الجمهورية ذات التوجه السوفيتي، كانت ربما جزءًا من خطة في موسكو.

في ضوء هذا التوازن السلبي بعد نصف عام من سياسة قاسم، عبرت صحيفة "نيويورك هيرالد تريبيون" عن قلقها بالقول: "لأول مرة منذ اتفاق هتلر وستالين خلال الحرب العالمية على تقسيم الشرق الأوسط، يمكن أن يتحول تهديد النفوذ الشيوعي في أكبر منطقة نفطية في العالم إلى حقيقة".

وعندما استقال ستة وزراء من حكومة قاسم في منتصف فبراير احتجاجًا على الحكم الذي صدر بحق عبد السلام عارف، فسرت مجلة نيوزويك الأمريكية هذه الخطوة على أنها استقالة للسياسيين من التسلل الشيوعي المتزايد باستمرار.

ومع ذلك، فإن الإنجليز، الذين كانوا نشطين بالفعل في الشرق الأوسط قبل أن ينقسم العالم إلى معسكرين شيوعي وآخر غير شيوعي، اكتشفوا أن الأعضاء الجدد في حكومة قاسم، كما كتبت لندن تايمز، كانوا يشعرون بالانجذاب لخطة الاقتصاد الشيوعي ولكن لم يكونوا معجبين مغفلين بالساسة السوفيتيين. وكتبت صحيفة التايمز: "في بلد مثل العراق، لا يمكن المساواة بين روسيا كمصدر للمساعدة وبين الشيوعية كفلسفة سياسية في نفس الوقت".

كان تقف قوى الشرق التاريخية في الحقيقة وراء النزاع الدائر بين العراق ومصر أكثر من الفكرة الشيوعية. إن الاستعداد الذي أظهره قاسم في الشراكة مع الشيوعيين يمكن أن يصطدم في حقيقة أن وراء موقف قاسم ضد ناصر سيكون هناك تطوراً ثقيلاً وطويلاً.

إن التنافس بين بلاد ما بين النهرين وأرض النيل هو أقدم من تاريخ الشعوب العربية نفسها التي تعيش في هذه الأراضي اليوم. وبما أن هناك حركة استقلال عربية، سيبقى هناك توتر بين بغداد والقاهرة.

سياسة الامتناع الذي فرضها آخر رئيس وزراء للعراق، المحافظ نوري السعيد، على بلاده بشأن جميع قضايا الحركة الثورية العربية الجديدة، جعل من مصر لبضع سنوات القوة الوحيدة المفترضة لنهضة الشرق الأوسط. فيما أعاد انقلاب يوليو في العراق علاقة التنافس الطبيعية بين الدولتين في غضون عام.

ومع ذلك، فإن إدانة عارف ومقاتل الحرية القديم الكيلاني، اللذين فقدا الثقة في قوتهما في سنوات طويلة من جرائم نوري السعيد القسرية ولم يشهدا الخلاص إلا بعد بزوغ قوة عبد الناصر ومع ذلك، فقد تحول هذا التطبيع أيضًا من الاتحاد إلى المعارضة العدائية.

غالبًا ما تم وضع العراق في طليعة الكفاح في الشرق الأوسط، مما أبقى للواء قاسم إرثا هائلاً بين شعوب الشرق الأوسط، وهو ما يمكن لسيد بغداد الجديد أن يسخره لقضايا جيل الشباب.

تسيد الهاشميون، الذين سقطوا في بغداد عرش الأردن واحيوا بذلك الأمل في قيام إمبراطورية عربية كبرى. في أكتوبر 1918، انضم فيصل الهاشمي الذي كان حفيده الملك فيصل الثاني البالغ من العمر 23 عامًا والذي قتل في بغداد في يوليو 1958 ,كحليف للبريطانيين في دمشق في الحرب ضد الأتراك. يبدو أن الحلم القديم أصبح حقيقة. ففي هذه المدينة وقبل وصول الأتراك بقرون، حكم هنا "الخلفاء" العالم العربي.

الحلم لم يدم طويلاً وبعد ظهور الرغبات الفرنسية في سوريا، قامت بريطانيا، القوة الوقائية للهاشميين، بنقل عرش فيصل من دمشق إلى العراق. لم يغفر الهاشميون لبريطانيا هذا الانتهاك للوعد المقدم في الحرب.

كان نوري السعيد أمين الأسرة الهاشمية الحاكمة، يرى دائمًا في بريطانيا بأنها تمتلك التفوق الطبيعي في العراق، وبمساعدتهم حاول موازنة الوضع في البلاد، بمشاركة تشكيله من الشيوخ.

نوري السعيد صديق بريطانيا، الذي أوقف نصف الانتفاضات المناهضة لبريطانيا، أراد وضع خططه الخاصة بإعادة تصميم العالم العربي. وقبل سنوات من اهتمام مصر - التي كانت تفكر في استقلالها القومي في ذلك الوقت، قدم نوري في عام 1943 خطة توحيد الدول العربية فيما يسمى "الهلال الخصيب".

لقد دافع العراقيون عن تشكيل دولة اتحادية من العراق و "سوريا الكبرى" - تتألف من سوريا ولبنان وفلسطين والتي ينبغي فيها نقل السياسة الخارجية والدفاعية والاقتصادية إلى مجلس اتحادي دائم. وكان على اليهود الحصول على وطن مستقل داخل سوريا الكبرى.

إن تنفيذ هذه الخطة، التي ألهمت بوضوح السوفيتيون في مشروعهم الأخير لكونفدرالية صديقة للسوفيتيين، مع التركيز على بغداد، وقد أزاحت هذه الخطوة مصر إلى حد كبير من العالم العربي وأشارت إلى التفوق الإفريقي: وهو الطريق الذي يأتي منه (نهر النيل) شريان الحياة لمصر ولم تكن فيه المتطلبات الطبيعية موجودة.

ومع ذلك، لم ترغب مصر بغلق الباب مع خصمها القديم، العراق. كتب الخبير الألماني في الشرق الأوسط فريدريك فيلهلم فيرناو عن فشل مشروع خطة نوري السعيد: " دخول مصر نسف إطار مشروع نوري السعيد. في القاهرة عُقد مؤتمر عام للحكومات العربية وكان برئاسة زعيم حزب الوفد المصري مصطفى النحاس وأبدى العراقيون استعدادهم للتعاون العربي، وأيضاً دول شبه الجزيرة العربية، التي تم استبعادها من مسودة نوري السعيد. في الإسكندرية وبعد المفاوضات التمهيدية المطولة تم إنشاء بروتوكول الإسكندرية لخريف عام 1944، والذي تم على أساسه بعد نصف عام، إنشاء جامعة الدول العربية. "

في جامعة الدول العربية، سرعان ما أصبحت مصر أقوى الأعضاء. وما دام الملك فاروق وحزب الوفد يحكمان في النيل، فقد عملوا من أجل إنشاء جبهة فدرالية تابعة للجامعة. لم ترغب حكومة القاهرة في عرقلة الطريق إلى إفريقيا من خلال التعاون الفعال في العالم العربي. ولذا تبخرت لاحقاً أيضاً خطط الوحدة مع العراق.

وصف فيرناو الجبهات في جامعة الدول العربية: "إن الانقسام بين الحل الألماني الكبير والصغير يجد إلى حد ما نظيره في العالم العربي الحالي". يفكر الفيدراليون في جامعة عربية كبيرة، بما في ذلك أكبر عدد ممكن من الشعوب الناطقة بالعربية وهو ما يشبه الاتحاد المرتخ الذي يصعب تصوره. أراد الاتحاديون في بادئ الأمر جلب الدولة العربية الصغيرة وضمها إلى "الهلال الخصيب".

التزم الزعيم الشعبي جمال عبد ناصر في البداية بالفكرة الفيدرالية المتمثلة في العلاقات العرضية، والتي قدمت ميزة القدرة على سكب الجماهير بشعارات عربية شاملة وفائقة دون أن تترك الخط الثابت لسياسات مصر ذات الوجهين، العربي والإفريقي على حد سواء.

لم يكن ناصر قد خرج عن هذا المسار حتى فبراير 1958، أي بعد أكثر من خمس سنوات من وصوله إلى السلطة في القاهرة: لقد ربط سوريا بمصر، وأطلق عليها اسم "الجمهورية العربية المتحدة". وكانت فقط الدولة الإقطاعية في اليمن مرتبطة بإمبراطورية ناصر الجديدة.

لم يسعد ناصر بالنمو الإقليمي السوري. أدى الاختلاف في المستوى الاقتصادي بين دولتي الجمهورية العربية المتحدة إلى توترات فكانت سوريا مقارنة بمصر تعتبر بلد ثري وزادت هذه التوترات مع إعلان الجمهورية العراقية. فقد كان يشكو السوريون من أنهم دخلوا في اتفاق مع القاهرة، بسبب القلق من الانقلاب الشيوعي، بينما بعد بضعة أشهر، كان من الممكن إقامة علاقة مع الجار العراق، والذي أصبح الآن متحرراً من التبعية الغربية.

أثارت محاولات عبد الكريم قاسم لإعادة تشكيل قوات عراقية تقليدية مناهضة لمصر شائعات عن حدوث تغييرات ثورية جديدة قادمة في الشرق الأوسط. وحتى صحيفة "تايمز" اللندنية الحذرة أبلغت عن وجود انقلاب عسكري مُنتظر في العراق. فيما أكد خبراء الشرق الأوسط البريطانيين: أن في هذا الصراع لا يمكن أن تنتصر موسكو ولا القاهرة.

 

مصطفى محمد غريبالبرنامج والمشروع السياسي: حوالي 16 عاماً من هيمنة أحزاب الإسلام السياسي على السلطة في العراق وبخاصة الأحزاب الشيعية والحزب الإسلامي وحلفاء لهم ، والتجربة التونسية وما جرى في مصر قبل وبعد الإطاحة بحكم الأخوان المسلمين، وما نشهده على الساحة الليبية من صراعات دموية، إضافة إلى الوضع المأساوي الذي شهدته سوريا والمشاريع الإسلامية المتطرفة (القاعدة وداعش) ثم تحول الجماهير في السودان نحو آفاق الديمقراطية ورفض للنهج الذي اتبعه حسن الترابي وبعده البشير، وفشل الحركة الإسلامية في الجزائروالمطالبة بالحكم المدني ، وما نشهده منذ حوالي 40 عام من الحكم الإسلامي في إيران والأزمة العامة وتدني الأجور وزيادة البطالة والفقر وتدني الخدمات والحياة المعيشية السيئة والتوجه العدواني والتدخل في شؤون البلدان الأخرى وخلق الأزمات المتتالية بما فيها البرنامج النووي، كل ذلك يظهر بدأ انحسار تأثير أحزاب الإسلام في الشارع العربي والإسلامي،

وما أثبتته التجربة بان المشروع الذي كانت تراهن عليه أحزاب الإسلام السياسي بتحويل الدين إلى دولة تستأثر بها وتقودها لمصلحة ضيقة على أسس غير ديمقراطية مع إرهاب وعنف لا مثيل لهُ مثلما حدث في عدة تجارب وخير مثال تجربة (الدولة الإسلامية في سوريا والعراق - داعش والقاعدة في أفغانستان) ثم المحاولات الرامية لتحويله من دين روحي إلى دين سياسي همه السلطة لا يختلف عما قبله من مشاريع قومية أو برجوازية باءت جميعها بالفشل .

المشروع الإسلامي باتجاهيه السني والشيعي التي أعدته أحزاب الإسلام السياسي في كواليسها أو كشفت قسماً منه بأنه غير صالح بتاتاً للمنطقة العربية والإسلامية ومتخلفاً عن ركب التغيير الذي حدث في العالم اجمع وفي الحقب الأخيرة على المنطقة العربية والدول الإسلامية، حيث بات شعار الحرية والديمقراطية والحكم المدني شعاراً عملياً واقعياً مرغوباً فيه بما يحمل من معاني وثوابت علمية وإنسانية وحضارية تتمكن الشعوب بواسطته الوصول إلى الأمن والسلام واحترام حقوق الإنسان والمكونات التي تتعايش منذ مئات السنين بينها، وحتى كبح العدوانية الرأسمالية التي يكمن في جوهرها العدوان والاستغلال ونهب خيرات الشعوب بما فيها شعبها المحدد.

وكما اشرنا حول تعثر المشروع الطائفي الإسلامي وما صاحبه من فشل تدريجي ملموس في جميع الجوانب وبخاصة قيادة الدولة والمجتمع، الفشل يعود إلى التناقض ما بين اللاواقع والواقع الموضوعي بين المتطلبات الحياتية والمعيشية والصراع من اجل حياة أفضل وبين الأحلام الرومانسية والوعود الواهية على قاعدة الغيبيات، التناقض بين قطب الأغنياء القدماء والجدد الذين اغتنوا على حساب الدين وهم القلة وبين قطب مئات الملايين من الناس الفقراء المعدمين والعاطلين عن العمل والمستغلين قوة عملهم وفكرهم.

المشروع المذكور منذ بدايته دل على قضايا مهمة كونه

1 ـ المشروع الإسلامي والطائفي لكلا الطرفين ثم الدخول على الخط بالنسبة للتطرف السلفي " القاعدة والتنظيمات التكفيرية والميليشيات الطائفية" ودعم دول الجوار بما فيها سوريا في البداية وغيرهما

2 ـ التطرف الأصولي الشيعي" الميليشيات الطائفية المسلحة التابعة " وتنظيمات علنية وسرية تُدعم من قبل الدولة الإيرانية لتنفيذ أجندتها الخاصة في الدول المعنية والمنطقة " أكثرية أحزاب الإسلام السياسي الشيعي في العراق وأحزاب وتنظيمات عراقية متعددة ثم حزب الله في لبنان وغيره من الأحزاب التي تعمل في السر.

لقد شاهدنا في البداية تصاعد الأصوات الانتخابية لصالح الإسلام السياسي وفق أسباب ذكرناها حول فشل المشروع القومي المتطرف وهذا ما حدث في العراق ثم في تونس وفي مصر والحبل على الجرار..

يبقى أمر في غاية الأهمية، قضية آفاق هذه العملية وهو أمر على غاية من الوضوح ونتيجته الملموسة أمامنا في المشروع الإسلام السياسي الديني الذي كلن يخطط له في العراق، فبعد أن هيمنت أحزاب الإسلام السياسي الشيعي على السلطة وأجراء الانتخابات التشريعية بدأ العد التنازلي للمشروع الديني لأسباب كثيرة منها

1 ــ التناقضات بين الخطاب السياسي الديني وبين الخطاب المدني الديمقراطي .

ــ التناقضات الداخلية بين قوى أحزاب الإسلام السياسي في رحم الطائفية أو مع الطرف الآخر.

2 ـ الصراع بين أحزاب الإسلام السياسي الطائفية وإهمال المطالب الشعبية الملحة.

3 ــ حتمية تطور الوعي الاجتماعي والتطورات على البنية الطبقية والاجتماعية والصراع الطبقي

4 ــ خرق حقوق الإنسان والتجاوز على الحقوق والحريات المدنية والشخصية وعلى منظمات المجتمع المدني وحقوق الإنسان.

5 ــ استمرار تردي الأوضاع الأمنية والاقتصادية والمعيشية والبطالة والفقر وحوالي30% تحت خط الفقر في العراق ونسبة عالية في دول أخرى مثل مصر وسوريا واليمن وسوء الخدمات العامة... الخ

6 ــانتشار الميليشيات الطائفية التي أخذت تضاهي القوات المسلحة من حيث القوة والعدد والسلاح والقيام بمهمات ليس من اختصاصها بما فيها الاعتقال والتعذيب والخطف وحتى الاغتيال.

7 ــ استغلال الدولة لأغراض سياسية دينية واستغلال الدين لتمرير جوهر التوجهات نحو إقامة دولة لا ديمقراطية بقبضة المركزية والقائد المتسلط الفذ، والطائفية الدينية والمذهبية.

وهذا ما يبشر بتداعيات هذه الاتجاهات وتباين المواقف على عمليات الانتخابات القادمة، كما يقال لا مستقبل للقوى التي تضلل الجماهير ولا بد أن ينحسر تواجدها التنظيمي والجماهيري عندما تبدأ قوى الإسلام السياسي بشقيها..

أولاً: أحزاب الإسلام السياسي كلا الطرفين لا تستطيع إقامة الدولة المدنية الديمقراطية بفهمها المدني الديمقراطي ، ولن يتخلى البعض منها عن النهج الطائفي والسلاح.

ثانياً: لا تستطيع تنفيذ وعودها الانتخابية التي أطلقتها في برامجها إلا حسب نظرتها الضيقة وبالعودة إلى أساليب القمع والإكراه والتزوير والرشاوى لشراء الذمم..

ثالثاً: لا تستطيع أيضاً تلبية وتحقيق مطالب الجماهير في قضايا حيوية ومطلبية آنية ومستقبلية وفي مقدمتها العدالة الاجتماعية.

رابعاً: لا تتمكن من إقامة الدولة الدينية وفشل مشروعها الديني ومحاولات لتزاوج القوانين الموضوعية وإخضاعها لبعض أحكام الشريعة والدين

خامساً: البعض من النجاحات في الوضع السياسي لا يمكن أن يحل الإشكال بين المفهوم الديني والمفهوم المدني العلماني ومن الصعوبة بمكان أن تمضي أحزاب الإسلام السياسي في قيادة ونجاح التحولات الاقتصادية نحو الاستقلالية وتحقيق القضايا المطلبية الشعبية، وخير مثال تدني الخدمات وتزايد الفقر والبطالة والأوضاع الصحية والتعليمية السيئة وعدم وجود برامج علمية للتخلص من الأزمات الحادة والتي أصبحت آفة تنهش بحياة ومعيشة المواطن وأمنه مثل أزمة الكهرباء والماء والخروقات الأمنية والفساد المالي والإداري والسرقات والتلاعب بالمال العام والسرقات في المجال النفطي وعدم حل الخلافات مع حكومة الإقليم والمناطق المتنازع عليها بما فيها قضية كركوك، وتزوير الانتخابات والتبعية للقوى الخارجية بما فيها دول الجوار وهناك الكثير من الأزمات والقضايا الأخرى.

" يتبع "

 

حامد الحمدانيلم تكن ثورة 14 تموز 1958 المجيدة حدثاً آنياً على الإطلاق، بل كانت في الحقيقة نتيجة تراكم كمي هائل من التناقضات بين الحاكمين والمحكومين عبر أربعة عقود من الزمن امتدت منذُ الاحتلال البريطاني للعراق إبان الحرب العالمية الأولى حتى قيام الثورة.

لقد خاض شعب العراق خلال هذه الحقبة الزمنية الطويلة صراعاً مريراً ضد الاحتلال البريطاني في بادئ الأمر، وتجلى ذلك الصراع في ذروته في [ثورة عام 1920]، عندما حمل الشعب العراقي السلاح بوجه المحتلين، وأمتد لهيب الثورة ليشمل العراق كله، من أقصاه إلى أقصاه، وقد كلفت تلك الثورة المحتلين خسائر جسيمة في الأرواح والمعدات، وأثقلت كاهل الاقتصاد البريطاني المتعب أصلاً، بسبب التكاليف الباهظة للحرب العالمية الأولى، والتي كان لبريطانيا الدور الأساسي فيها .

وفي نهاية المطاف اضطرت بريطانيا إلى تغيير تكتيكاتها السياسية والعسكرية في العراق ولجأت إلى تأليف حكومة محلية موالية لها، وجاءت بالأمير فيصل ابن الحسين ملكاً على العراق، وجمعت حوله العديد من الضباط الشريفيين الذين خدموا في الجيش العثماني، كان منهم نوري السعيد، وجعفر العسكري، وياسين الهاشمي، وطه الهاشمي، وعلي جودت الأيوبي ومولود مخلص، وبكر صدقي، والعديد من الضباط الآخرين.

كما جمعت بريطانيا العديد من شيوخ العشائر حول النظام الجديد، وملّكتهم مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية، ومنحتهم سلطة واسعة على الفلاحين، وضمتهم إلى المجالس النيابية، ومجالس الأعيان، وبذلك خلقت بريطانيا طبقة حاكمة تعمل لخدمة مصالحها، وتخوض الصراع مع الشعب نيابة عنها، وكانت باكورة تلك الخدمات التي قدمتها الطبقة الحاكمة الجديدة للإمبريالية البريطانية إقرار معاهدة عام 1922، والتي أعطت لبريطانيا الهيمنة الكاملة على مقدرات العراق العسكرية والسياسية والاقتصادية، وجعلت من العراق واحة بريطانية.

وهكذا انتقل الصراع المباشر بين الشعب العراقي والإمبريالية البريطانية إلى صراع مباشر مع السلطة الحاكمة السائرة بركاب الإمبريالية، وخاض الشعب العراقي المعارك المتواصلة مع تلك السلطة، ودفع ثمناً باهظاً من دماء أبنائه البررة من أجل تحقيق طموحه في الحرية والاستقلال ومن أجل حياة كريمة لأبنائه، وتوجيه موارد البلاد لتحقيق مستوى معيشي لائق بدل توجيهها لخدمة المخططات والمصالح الأجنبية قد تجلت تلك المعارك، وذلك الصراع خلال أربعة عقود من الزمن في الأحداث التالية:

1 ـ معركة الشعب ضد إقرار معاهدة عام 1922: التي قيدت العراق بقيود ثقيلة أعطت بموجبها لبريطانيا هيمنة مطلقة على مقدرات العراق، وقد فرضها المندوب السامي البريطاني على المجلس التأسيسي مهدداً إياه بالحل إذا لم يصادق عليها، وقد تصدى الشعب العراقي للمعاهدة بمظاهرات صاخبة، أنزلت الحكومة على أثرها قوات الجيش والشرطة إلى الشوارع، وقمعتها بالقوة المفرطة، ودفع الشعب العراقي تضحيات كبيرة في أول صراع يخوضه ضد الحكم الملكي وضد الهيمنة البريطانية.

2 ـ التصدي لمعاهدة 1930: التي عقدها نوري السعيد والتي كرست الهيمنة البريطانية على العراق من جديد. لقد مهدت السلطة بزعامة نوري السعيد والبلاط الملكي السبيل لإبرام المعاهدة، فاتخذت قراراً بحل المجلس النيابي، أتبعته بإجراءات قمعية لا دستورية، حيث عطلت أكثر من عشرين صحيفة وأحالت العديد من الصحفيين إلى المحاكم، ومنعت الاجتماعات والتجمعات والمظاهرات، وكممت أفواه الشعب، وقامت بأجراء انتخابات مزورة، أسفرت عن برلمان خاضع كلياً لإرادة السلطة والمندوب السامي البريطاني، واستطاع نوري السعيد إبرام المعاهدة المذكورة، على الرغم من رفض الشعب وقواه الوطنية لها، مما عمق التناقض بين الشعب وحاكميه، وتم قمع مظاهرات الشعب بالحديد والنار .

3ـ الاحتلال البريطاني الثاني للعراق عام 1941: على أثر قيام حركة رشيد عالي الكيلاني، وقد خاض الشعب العراقي جنباً إلى جنب مع الجيش العراقي معارك الحرية ضد الاحتلال ودفع ثمناً باهظاً من دماء الشهداء البررة، لكن القوات البريطانية، بما تملكه من أسلحة ومعدات وجيش مدرب، تمكنت من فرض سيطرتها على العراق عسكرياً من جديد.

4 ـ وثبة كانون الثاني المجيدة عام 1948: احتجاجاً على قيام حكومة صالح جبر ـ نوري السعيد بتوقيع [معاهدة بورتسموث] بعد أن أوشكت معاهدة عام 1930 على الانتهاء، واحتجاجاً على الموقف الخياني للحكومة من القضية الفلسطينية وقيام دولة إسرائيل، وطرد السكان العرب من فلسطين والذين لا يزالون إلى يومنا هذا لاجئين في العديد من البلدان العربية والأجنبية، وقد استطاعت تلك الوثبة إسقاط حكومة صالح جبر ـ نوري السعيد.

5ـ وثبة تشرين المجيدة عام 1952: بسبب تردي الأوضاع المعيشية للشعب، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، وانتهاك الحقوق والحريات العامة للشعب، وانتهاك الدستور وتعطيله، وإعلان الأحكام العرفية، وتعطيل البرلمان، وقد أوشكت تلك الوثبة الشعبية على إسقاط النظام الملكي آنذاك لولا إقدام الوصي على العرش عبد الإله إلى إنزال الجيش إلى الشوارع، وقمع الوثبة بالقوة العسكرية.

6 ـ عقد حلف بغداد: الذي ضم كل من العراق وتركيا وإيران وباكستان وبريطانيا بالإضافة إلى ارتباط الولايات المتحدة باتفاقات ثنائية مع هذه البلدان، مما جعلها تهيمن هيمنة مطلقة على الحلف الذي كان موجهاً ضد الاتحاد السوفيتي آنذاك على الضد من مصالح الشعب.

 لقد مهدت حكومة نوري السعيد التوقيع على الحلف بشن حملة شعواء ضد الشعب وقواه السياسية الوطنية، وتصفيته لسائر الحقوق والحريات العامة، وغلق الأحزاب السياسية والصحف، وتعطيل الدستور، وحل البرلمان الذي جرى انتخابه للتو بعد افتتاحه وإلقاء خطاب العرش مباشرة بسبب فوز 11 نائباً من الجبهة الوطنية من مجموع 121 نائباً، وأجرى انتخابات جديدة لبرلمان دعي بـ [ برلمان التزكية] حيث تم منع أي معارض للترشيح في تلك الانتخابات وفاز مرشحو الحكومة بالتزكية دون منافس.

7ـ انتفاضة الشعب عام 1956: على أثر العدوان الثلاثي البريطاني والفرنسي والإسرائيلي بسبب تأميم عبد الناصر لقناة السويس، ودعم حكومة نوري السعيد للعدوان، وقد تصدت حكومة السعيد لتلك الانتفاضة بأقصى درجات العنف الذي مارسته القوات القمعية للسلطة، وفي ظل الأحكام العرفية، والمحاكم العسكرية والسجون التي امتلأت بالوطنيين.

8 ـ قيام جبهة الاتحاد الوطني: التي ضمت الأحزاب الوطنية المعارضة، كل من الحزب الوطني الديمقراطي، وحزب الاستقلال، والحزب الشيوعي، وحزب البعث، والتحالف الثنائي بين الحزب الشيوعي والحزب الديمقراطي الكردستاني بعد رفض الأحزاب القومية انضمام الحزب الديمقراطي الكردستاني للجبهة بسبب فكرهم القومي الشوفيني المعادي للقومية الكردية.

 9 ـ قيام تشكيلات عسكرية معارضة داخل الجيش: وكان أهمها تنظيمات عبد الكريم قاسم، ومحي الدين عبد الحميد، ورفعت الحاج سري، وتنظيم الحزب الشيوعي، وقد توحدت هذه التنظيمات فيما بعد تحت اسم [اللجنة العليا لحركة الضباط الأحرار] عدا تنظيم الحزب الشيوعي الذي أعلن أنه سيساند أي تحرك عسكري لحركة الضباط الأحرار دون تردد، بسبب ظروف تنظيمية خاصة بالحزب، وقد قام بالفعل بدور بارز في تنفيذ وإسناد الثورة، وقد تم التلاقي بين جبهة الاتحاد الوطني واللجنة العليا للضباط الأحرار، وتم الاتفاق على التنسيق بين الجانبين السياسي والعسكري لتعبئة الجماهير الشعبية لهذه الأحزاب لتمارس دورها لإسناد أي تحرك للجيش ضد النظام الملكي .

وبالفعل قامت الجماهير الشعبية بدورها المرسوم خير قيام وقدمت إسناداً فورياً لثورة الرابع عشر من تموز 1958 التي استطاعت بفضل ذلك الإسناد تحقيق النصر الخاطف خلال ساعات معدودة، وتم إسقاط النظام الملكي المرتبط بعجلة الامبرياليين، وإقامة الجمهورية العراقية.

لقد تشكلت في العراق ولأول مرة حكومة وطنية خارجة عن إرادة الإمبرياليين بقيادة الزعيم الشهيد عبد الكريم قاسم، واستطاعت حكومة الثورة أن تقدم إنجازات كبيرة وهامة لا يمكن نكرانها محدثة ثورة اجتماعية حقيقية في حياة الشعب من خلال تصفية النظام الإقطاعي وتحرير الفلاحين الذين يمثلون 75% من أبناء الشعب من عبودية الاقطاعيين، ويمكننا إيجاز أهم الإنجازات لثورة 14 تموز من دون التوسع فيها في هذه العجالة بالتالي:

1 ـ إصدار قانون الإصلاح الزراعي: الذي جرى بموجبه تصفية الإقطاع وتحرير الفلاحين وتوزيع الأراضي عليهم، وعلى الرغم من الثغرات التي حواها القانون والتي استفاد منها الاقطاعيون، لكنه في كل الأحول كانت ثورة اجتماعية غيرت طبيعة المجتمع العراقي.

2 ـ إصدار قانون الأحوال المدنية: الذي صب في خدمة المرأة العراقية التي تمثل نصف المجتمع العراقي وأنصافها، والتأكيد على حقوقها المشروعة التي سلبها منها المجتمع الذكوري، والقانون يمثل جانباً آخر في الثورة الاجتماعية بلا أدنى شك.

3 ـ الخروج من حلف بغداد الذي ربط العراق بالمخططات العدوانية: حيث تم اتخاذ سياسة مستقلة، وبناء علاقات متكافئة مع سائر بلدان العالم وفي المقدمة الإتحاد السوفيتي والمعسكر الاشتراكي، على أساس احترام سيادة واستقلال العراق والمصالح المشتركة.

4 ـ الخروج من منطقة الاسترليني: حيث كان الدينار العراقي مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالباون البريطاني ينخفض كلما انخفض الباون، وهذا ما حدث له خلال الحرب العالمية الثانية مما تسبب في تضخم نقدي، وارتفاع الأسعار، وحدوث أزمة اقتصادية ومعيشية خانقة عانى منها الشعب العراقي أشد المعاناة، وبذلك تحرر العراق من الهيمنة النقدية البريطانية، وتمكن من تنويع مصادر العملات النادرة، واستلام موارده النفطية على أساس سلة من العملات الأجنبية من بينها الدولار الأمريكي وعملات أخرى.

5 ـ معركة النفط مع الشركات الاحتكارية، وصدور القانون رقم 80: الذي تم بموجبه سحب 99، 5 %من المناطق العراقية الحاوية على خزين كبير من الثروة النفطية، بعد أن عجزت حكومة الثورة عن إقناع تلك الشركات باستثمار تلك المناطق بالنظر لحاجة العراق للتنمية الاقتصادية، مما اضطر الزعيم عبد الكريم قاسم إلى إصدار القانون المذكور وسحب تلك المناطق من الشركات الاحتكارية، والإعلان عن تأسيس شركة النفط الوطنية.

لقد وجه القانون ضربة كبرى للمصالح الاحتكارية الغربية، مما أثار حنق وحقد شركات النفط على الثورة وقيادتها، وجعلها تصمم على اغتيال ثورة 14 تموز وقائدها الشهيد عبد الكريم قاسم، وهذا ما تم بالفعل على أيدي عملاء الإمبريالية في حزب البعث وحلفائه القوميين الآخرين في انقلابهم المشؤوم في الثامن من شباط 1963، حيث جرى اغتيال الثورة وقادتها، وقادة الحركة الوطنية والديمقراطية الأماجد، منهم قادة وكوادر وأعضاء الحزب الشيوعي العراقي، وفي المقدمة منهم سكرتير الحزب الشهيد سلام عادل وصحبه الأبرار بأسلوب التعذيب البشع الذي يندى له جبين الإنسانية.

6 ـ توقيع اتفاقية التعاون الاقتصادي مع الإتحاد السوفيتي والمعسكر الاشتراكي: لغرض استكمال تحرره السياسي بالتحرر الاقتصادي، وبناء البنية التحية للعراق من خلال قيام الصناعة الوطنية والمشاريع الحيوية التي يحتاجها العراق، وتحرير التجارة من هيمنة الإمبرياليين وشروطهم المجحفة، وقد استطاع العراق الحصول على قرض من الاتحاد السوفيتي بمبلغ 55 مليون دينار بفائدة بسيطة لا تتجاوز2، 5 % لتغطية نفقات التصاميم والمسوح، والبحوث، وكذلك المكائن والآلات والمعدات، والاستفادة منها خلال 7 سنوات من تاريخ توقيع الاتفاقية.

وبموجب الاتفاقية تعهد الاتحاد السوفيتي بتقديم كافة المساعدات الفنية، والخبراء والاستشارات ونصب المشاريع، وتنفيذها، وتدريب العراقيين للعمل عليها، وقد شملت تلك المشاريع، الفولاذ والأسمدة، والكبريت، والأدوية، ومعامل إنتاج المكائن والآلات الزراعية ومعمل اللوازم والعدد الكهربائية، ومعمل المصابيح الكهربائية، ومحطة إذاعة، مع أربع مرسلات، ومعمل للزجاج، ومعامل للمنسوجات القطنية والصوفية والتريكو، ومعمل للتعليب وبناء سايلوات كونكريتية للحبوب، ومساعدات فنية لتأسيس خمس مزارع حكومية، ومشاريع الري والبزل للأراضي الزراعية، وتأسيس أربعة محطات لتأجير التراكتورات، هذا بالإضافة إلى القيام بأعمال المسح الجيولوجي، وتصليح الأجهزة الجيولوجية، كما نصت الاتفاقية على بناء خط سكة حديد جديد بين بغداد والبصرة.

لقد اعتُبرت تلك الاتفاقية خطوة جريئة من جانب حكومة الثورة لبناء القاعدة الأساسية للاقتصاد العراقي، وتحريره من التبعية للدول الإمبريالية. كما استطاعت حكومة الثورة أن تعقد مع الاتحاد السوفيتي اتفاقية أخرى لتسليح الجيش العراقي والحصول على الأسلحة المتطورة التي حرمه منها الإمبرياليين، وبأسعار تقل كثيراً جداً عن الأسلحة الغربية.

7 ـ إنجازات حكومة الثورة في الحقل الاجتماعي:

كان على حكومة الثورة أن تقوم بالعديد من الإجراءات ذات البعد الاجتماعي المتعلقة بحياة الشعب المعيشية منها:

1 ـ تخفيف الضرائب غير المباشرة عن أبناء الشعب.

2 ـ تخفيض إيجار المساكن، والمحلات التجارية.

4 ـ زيادة رواتب الموظفين والعمال، ووضع رقابة على الأسعار.

5ـ توزيع مئات الألوف من قطع الأراضي السكنية لذوي الدخل المحدود، والموظفين والعمال لغرض بناء دور لهم عليها، وتقديم كل المساعدات الممكنة والقروض بشروط بسيطة لإنجاز بنائها.

6 ـ إلغاء حزام الفقر حول بغداد من الصرائف وبيوت الطين التي أقامها مئات الألوف من الفلاحين الهاربين من جور الإقطاع والعبودية والاستغلال، وقيام الحكومة ببناء مدينتي الثورة والشعلة، وتوسيع مدينة الحرية، وتوزيع آلاف المساكن على هؤلاء المعدمين والبؤساء.

7 ـ فتح معاهد الأيتام والأطفال المشردين، والأحداث الجانحين، والاهتمام بتربيتهم، ونشأتهم نشأة صالحة.

8 ـ تقليص ساعات العمل، وجعلها 8 ساعات، بعد أن كان العمال يعملون من شروق الشمس وحتى غروبها.

9 ـ تشجيع استثمار رأس المال الوطني في المشاريع الصناعية بدلاً من الاستثمار العقاري والمضاربة العقارية.

10 ـ تطبيق قانون الضمان الاجتماعي للعمال الذي صدر عام 1956، ولم ينفذ حتى قيام الثورة

11 ـ فتح مجال الاستيراد والتصدير لكل فئات البرجوازية الوطنية، بعد أن كانت حكراً على كبار الرأسماليين المرتبطين بالنظام السابق.

12 ـ حماية الصناعات الوطنية أمام المنافسة الأجنبية.

13 ـ وضع حد لتهرب كبار الرأسماليين من دفع الضرائب.

14 ـ رفع معدلات التصدير للحبوب والجلود والتمور وغيرها.

15 ـ سن قانون ضريبي جديد، وشمول الإنتاج الزراعي بالضريبة، حيث كان الإقطاعيون لا يدفعون الضرائب عن الإنتاج.

16 ـ إلغاء تكبيل السجناء بالحديد، وتخفيض عقوباتهم إلى خمس المدة.

17 ـ سن قانون مكافحة البغاء، وإنشاء مراكز إصلاح إجبارية لكافة المومسات، من أجل  إصلاحهن، وتوجيههن نحو حياة جديدة ذات بعد إنساني، وتأمين مصدر دخل لهن.

18 ـ توسيع وتطوير كافة الخدمات الصحية، والتعليمية، وبناء الطرق والجسور، والمشاريع الصناعية، قدر توفر الامكانات المادية اللازمة لذلك.

19 ـ تأسيس جامعة بغداد، وتوسيع القبول فيها، من أجل تخريج الكوادر التي يحتاجها الوطن في عملية البناء والتطور والنمو في كافة المجالات الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والصحية وغيرها من المجالات الأخرى.

هذه هي أهم الانجازات التي حققتها ثورة 14 تموز بقيادة الشهيد عبد الكريم قاسم خلال عمرها القصير، والذي تخللته صراعات عنيفة بين القوى السياسية، وتآمر مكشوف ومتكرر من قبل القوى البعثية والقومية، وتحالفها مع القوى الإمبريالية حتى تم لهذه القوى اغتيال الثورة وقادتها، وقادة الحركة الوطنية، وإغراق العراق بالدماء.

 

حامد الحمداني

................

ملاحظة: للإطلاع على المزيد من المعلومات عن ثورة 14 تموز راجع كتابنا [ ثورة 14 تموز في نهوضها وانتكاستها واغتيالها].

 

عبد الجبار نوريتوطئة: تولى السيد عادل عبدالمهدي المنصب في 25 أكتوبر 2018 وطرح برنامجه الوزاري أمام البرلمان ليأخذ مكانهُ على ذمة الأعلام العراقي الذي أثار عليه موجة هستيرية من جدال فرقاء الكتل السياسية والشعبوية والأحزاب السياسية وعموم الجمهور العراقي، وقد لفت نظري حينها إلى تغريدة سوداوية من أحد النواب المشاكسين على صفحات التواصل الأجتماعي مفادها (إن برنامج رئيس الوزراء عادل عبد المهدي لا يتمكن تنفيذهُ تشرشل وكليمينت وروزفيلت وأديناوروبمساعدة هتلر وموسوليني وصدام).

للحقيقة والحق أن البرنامج واسع وشامل ودقيق جاء في 121 صفحة، ويرقى إلى بروستريكا أصلاح أقتصادي أو في خارطة عمل  لأخراج العراق من عنق الزجاجة، وللحقيقة أيضاً أن المنهاج دراسىة مستفيضة أقرب من كونهِ منهاجا مُعداً مسبقاً، وقلتُ حينها  أن مرّتْ الأربع سنوات ولم يخرج (السيد) ورقة الأستقالة من جيبهِ وهو قد أنجز 60% من البرنامج يستحق أقامة تمثال لهُ وسط بغداد بجوار جدارية الحرية لجواد سليم .

لقد جاء البرنامج بخطوات أيجابية ومفيدة حيث أكد على ترشيق مجلس الوزراء في أحداث ثورة جذرية في أبعاد الفاسدين والفاشلين في حرية أختيار الوزراء أي الأبتعاد عن المحاصّة الكتلوية والحزبية، والتأكيد على الهوية العراقية والأبتعاد عن التبعية، وأحسن في ديباجة المنهاج أن المسؤول هو خادم للشعب، وأن السلطة ليست ملكاً لحزب أو عشيرة أو طائفة أو قومية، والأولوية للعلم والمعرفة والفضيلة، وشيءٌ جيد حين ذكر في مقدمة المنهاج الوزاري : أنهاء الفوضى التشريعية وتصفية القوانين وغربلتها لتكون للدولة فلسفة تشريعية واحدة، أعادة تنظيم القضاء بما يحقق أستقلالية القضاء، وأبعاد العراق عن أية منظومة للعقوبات والحصار الأقتصادي، ومكافحة الفساد وهدر المال  العام والخروج من الأقتصاد الريعي، بناء دولة واحدة وليس دويلات متداخلة، أنهاء نظام المناصب بالوكالة والتحايل على القانون، منع الممارسة الخاطئة في حق الأستجواب، منع الحشد والبيشمركة في التدخل والتأثير على السلطات الثلاثة، والتأكيد على حرية الفكر والضميروالعقيدة، ولكن للأسف ليس في العراق المأزوم والمهزوم والمنهوب محكوم بطلاب حكومة لا طلاب دولة منخورة وموبوءة بالمحاصّة الأثنية والطائفية والمناطقية والتي أخذت شكل دويلات المدن الأندلسية، ويظهر أن الكتل السياسية فشلت في تشكيل الكتلة الأكبر عدداً مما يؤهلها بتسمية مرشحها الجديد فأتجهت الأنظار إلى الدكتور عادل عبدالمهدي فهو المرشح التوافقي لتجاوز الأزمات التي تخيم على الوضع السياسي في العراق .

مع هذا وذاك أن المنهاج الوزاري جاء خلال ظروف سياسية معقدة ومتشابكة في الداخل والخارج الأقليمي والدولي بولادة قيصرية ولما يكمل الجنين، بل كان الطرح عجولا في أكل العنب فأكلهُ ( حصرما ) وأطعم الشعب من ذاك الحصرم والذي حصل على درجة أمتحانية 1% من أنجاز المنهاج الوزاري خلال عشرة أشهر من أستيزارهِ لكون المنهاج ملوث بمطبات وهفوات وهنات سياسية وأجتماعية وأقتصادية وأليك بعضها :

- عدم وجود مفهوم العدالة الأجتماعية في البرنامج الحكومي وخاصة في حل مشاكل السكن والنقل والعشوائيات والبطالة والحقوق المدنية./ رائد فهمي

- خلو البرنامج لمبدأ عدم دخول العراق في المنازعات الدولية وسياسات المحاور.

- ولم يتطرق إلى حل الخلافات والمنازعات بين الوقفين السني والشيعي، بل بتوحيدهما بوقفٍ واحد كما كان في السابق .

- ولم يذكر البرنامج إي خطوة بأتجاه تدهور الصناعة في العراق، مع أفتقارالبرنامج لخطة أستراتيجية لتفعيلها عموماً.

- البرنامج لم يشرْ إلى الملف الأمني والخدمي والتربوي في المحافظات المحررة، وأعادة أعمارها وتقديم الخدمات لها .

- البرنامج لم يتطرق لعمل الهيئات المستقلة للرقابة .

- عدم وجود أية أشارة في برنامج عادل عبد المهدي لضرورة محاسبة الفاسدين وأسترجاع المال العام المهرب البالغة عشرات المليارات من الدولارات .

- لم يشر البرنامج لموقف العراق من أعادة أنتشار القوات الأمريكية وبناء قواعد عسكرية لها وكذلك موقف العراق من التواجد التركي في بعشيقة .

- خلوالبرنامج لوضع خطة لأهم أشكالية أقتصادية في ( أحادية ) الجانب الأقتصادي والأعتماد على تصدير النفط الخام وخاصة أن لهُ تخصص أكاديمي في موضوع الأقتصاد .

أهم التحدياتأمام المنهاج الوزاري /

-الأحزاب العراقية وما أكثرها كما وليس نوعاً والفعالة منها أكثر من 50 حزب يتركز جهودهُ على حصد أكبر عدد من الحقائب الوزارية دون الألتفات إلى البرنامج الحكومي المطروح، وأن هذه الأحزاب السياسية أتفقت على المشاركة في الحكم بدون أستثناء تحت خيمة المحاصصة والغريب أنهم يرفضون المعارضة التي هي من أسس البناء الديمقراطي للحكم السليم كما نراهُ في بريطانيا والسويد وعموم دول الغرب .

- تواجه الحكومة من التحديات الضخمة أبرزها أعادة أعمار البلد الذي تدمر خلال الحرب على داعش والتي أستمرت تلك الحرب الشرسة مدة ثلاث سنوات، وضرورة الأهتمام بالبنى التحتية على العموم، ويظهر أن الكتل السياسية فشلت في تشكيل الكتلة الأكبرعدداً مما يؤهلها بتسمية مرشحها الجديد، ومشكلة أعادة هيبة الدولة العراقية والمؤسسة العسكرية بعد أن تراجع دورها بسبب الأحتلال الأمريكي وأنتشار قواعده العسكرية في عموم العراق، وكذا الحال في تواجد ألأحتلال التركي لبعشيقة منذ أربع سنوات والتوسع الأيراني والسعودي في النفوذ والتأثير،

- تحدي أستمرارية حرب الأستنزاف في تتبع الخلايا النائمة وأعوانها في المناطق المحررة، أضافة إلى الحالة الفوضوية المتزايدة في جميع مفاصل الدولة، وعلى العموم أنصافاً لرئيسنا الجديد أنهُ أستلم أرثاً ثقيلاً من اسلافه العبادي والمالكي محتويات هذا الأرث المقرف الممجوج كماً ونوعاً موبوءاً بالأزمات السياسية والأجتماعية ومديونياتٍ ثقيلة خارجية وداخلية أضافة إلى تحسين الخدمات الأساسية التي كانت سبباً في أشعال الشارع العراقي وخصوصاً في البصرة التي توعدت الحكومة بتجديد تظاهراتها بعد أربعينية الحسين برفع سقف مطاليبها إلى طلب حق الأقليم للبصرة .

- شباك المحاصصة المقيتة فالمهدي يجد صعوبات جمّة في تمريرالوزارات السيادية خصوصا وزارتي الداخلية والدفاع،أضافة إلى أن الحكومة (بلا) تربية أي بدون وزير تربية، بأعتقادي سوف يسقط رئيس الوزراء في تلك الشباك اللعينة لكون لا يزال الخلاف قائم على تلك الوزارتين السياديتين لكونها تتوالى الضغوطات على عادل من بعض الأحزاب المسنودة بأجندات أجنبية ولا أخفي عليكم حين أذكرها بالأسم (أمريكا وأيران والسعودية وتركية أردوغان)، أي أن على الساحة السياسية أقطاب وأمبراطوريات مستقتلة وقوية تمتلك السلاح والمال المنهوب الذي أستقر في جيوبهم، والمشكلة هنا مركبة فيها تحدي للمرجعية التي وضعت الخط الأحمر لشخصية الرئيس الجديد في الحزم والتكنوقراط بينما كابينتهُ ليست تكنوقراط عدا ثلاثة منهم فقط، فهو أذاً قد وقع في شباك المحاصصة في أختيار كابينته الوزارية .

- الشبهات التي تدور حول الوزراء الجدد والتي تبيّن أن بعضاً منهم عليه ملفات فساد وآخر مطلوب من المساءلة والعدالة وثمة آخر متهم بتزوير الشهادة وآخرين قد زاروا سجن (بوكا) وشُمل بالعفو، حقاً أنهُ موقف محرج لرئيسنا الجديد هل سيخرج ورقة الأستقالة ؟!أم يحيل أوراقهم ألى مفتي الديار!!!؟

- سيواجه عادل عبدالمهدي طلائع (المقاومة) العراقية ضد الأحتلال الأمريكي سواء كانت من الشيعة أو السنة فهي تهدد البقاء الأمريكي الحليف للعراق – كما تزعم أبجديات الأمبريالية – فكان للتصريح الناري الذي أطلقهُ أحد الكتل وبحضور المبعوث الأمريكي: (سوف نسقط أية حكومة خلال شهرين أذا تدخلت الولايات المتحدة الأمريكية في تشكيلها) والذي ترجم على الواقع في تعرض السفارة الأمريكية في المنطقة الخضراء في العاصمة بغداد لضربات صاروخية مساء يوم 6/9/2018 وتجددت في 8 سبتمبر الماضي في تعرض القنصلية الأمريكية في البصرة وبالتالي سيكون عادل عبد المهدي أمام مسؤولية كبرى في تفهمه أنها رسالة : أن الشعب العراقي حي لا يزال يمتلك روح المقاومة، ويرفض التواجد الأمريكي .

- على الصعيد الدولي سوف تظهر أمام عادل عبدالمهدي مشكلة العقوبات الأمريكية على أيران والتي بدأتْ من يوم 4/11/2018 وكيف سيوفق بين الموقفين الأمريكي والأيراني؟، أضافة إلى نزع أسلحة المجموعات المسلحة العشائرية في وسط وجنوب العراق وكذلك نمو الجماعات الأسلامية المتشددة في غرب وشمال غرب البلاد والتي بعضها أدين بالولاء لداعش أيام أحتلالها لهذه الأجزاء فيحتاج عادل عبدالمهدي لبرنامج كفوء لأعادة الثقة بين الحكومة المركزية وأهالي تلك المناطق .

- معالجة أزمة النازحين داخلياً والمهجرين قسراً والكشف عن المغيبين، ومعالجة الأزمات المستعصية بين الأقليم الكردي والحكومة المركزية وتصفية الخلافات الدستورية التي تلف المناطق المتنازع عليها، وجعل كركوك مدينة للتعايش السلمي بين مكوناتها الأصلية الكرد والتركمان والعرب .

أخيرا وليس آخراً/لا يمكن أغفال أن حكومة عادل عبدالمهدي تواجه ضغوطات وتحديات داخلية وخارجية أضافة إلى تداعيات النزاع الأمريكي الأيراني على جغرافية العراق أنها ليست سهلة ، وبنفس الوقت ليست صعبة خاصة وهو أول رئيس بعد الأحتلال يحصل على تأييد المرجعية التي أوصتهُ بضرب الفساد المالي والأداري بيد من حديد، أضافة إلى تأييد الحراك الشعبي للشارع العراقي له في مكافحة الفساد والمفسدين، ألا أنهُ يبقى ملزماً بتنفيذ 50%  من برنامجه كحدٍ أدنى لأنهُ حدد نفسهُ مع البرلمان والشعب وعليه التقييد بها مما تبقى من عمر وزارته أو أخراج الأستقالة من جيبهِ .

 

عبد الجبار نوري

كاتب وباحث عراقي مقيم في السويد

 

حسام الدجنينقلت قناة روسيا اليوم خبرًا عن مصدر في كتائب الشهيد عز الدين القسام بأن حكومة العدو الإسرائيلي لم تطالب عبر أي من الوسطاء بفتح قضية المفقود ابراهام منغستو مع قضية أسرى العدو منذ اختفائه، ولم يتم إدراجه ضمن ملف المفاوضات نهائيًّا".

والجندي الصهيوني منغستو هو من أصول إثيوبية التي تشهد دولة الاحتلال مواجهات عنيفة معهم نتيجة التمييز العنصري الذي يتعرضون له داخل دولة الاحتلال.

ويهدف تصريح القسام إلى هدفين:

 الأول: التأكيد على عنصرية دولة الاحتلال حتى مع جنودها.

الثاني: تذكير المجتمع الصهيوني بملف الجنود المأسورين لدى المقاومة الفلسطينية مع دخول ذكرى معركة العصف المأكول عامها الخامس. 

وكانت قد نشرت قناة i24 الإسرائيلية قبل عدة أسابيع خبرًا عن دخول وسيط ألماني على خط الوساطة بين حركة حماس و(إسرائيل) للوصول إلى صفقة تبادل أسرى جديدة، مهما كان الهدف من نشر هذا الخبر ومدى صحته، وتوقيت نشره، إلا أنه يطرح ملف بالغ الأهمية على كل المستويات، ولكل الأطراف ذات الصلة. 

ما مفاتيح الصفقة؟ وهل الجنود الصهاينة لدى القسام أحياء؟ وهل البيئة الإستراتيجية مواتية لإبرام صفقة تبادل جديدة؟ وما التحديات التي تقف خلف تعطل الوصول إلى صفقة تبادل في هذا التوقيت؟

أولًا: مفاتيح الصفقة

حماس التي أسرت أربعة جنود إسرائيليين وضعت شرطًا لا نقاش فيه يتمثل في الإفراج عما يقارب 60 أسيرًا فلسطينيًّا تم الإفراج عنهم في صفقة وفاء الأحرار مقابل الجندي جلعاد شاليط وأعادت (إسرائيل) اعتقالهم في انتهاك واضح للاتفاق الذي رعته المخابرات العامة المصرية، وعليه يشكل هذا الشرط المفتاح الرئيس لفتح ملف صفقة تبادل التي يديرها الرجل الغامض في حماس وكبير المفاوضين في ملف التبادل هو عضو المكتب السياسي لحماس، ونائب القائد العام لكتائب الشهيد عز الدين القسام، مروان عيسى "أبو البراء"، هذا الرجل تربطه علاقات حميمة بجهاز المخابرات العامة المصري، وهو من أدار عملية التفاوض التي أدت إلى صفقة وفاء الأحرار برفقة الشهيد أحمد الجعبري، والتي بموجبها تم الإفراج عن أكثر من ألف أسير فلسطيني مقابل الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط عام 2011م بوساطة من جهاز المخابرات المصري.

مفتاح الصفقة بالنسبة لدولة الاحتلال يتمثل في تقديم معلومات حول الوضع الصحي لجنودها، وهو ما ترفضه كتائب القسام، رغم عديد الرسائل التي نشرها القسام وتعطي مؤشرات عن الوضع الصحي للجنود المأسورين لديها.

ثانيًا: الوضع الصحي للجنود الإسرائيليين المأسورين

بتاريخ 1/1/2017م نشرت كتائب القسام فيديو في ذكرى ميلاد شاؤول أرون وتضمن مشهدًا بالغ الأهمية يتعلق بجندي على كرسي متحرك بمعنى أنه شاؤول أو غيره قد يكون مصابًا وليس قتيلًا. ولو عدنا قليلًا لحادثة أسر شاؤول والذي كان برفقة 14 جنديًا صهيونيًا في ناقلة جند تم تفجيرها وأسر شاؤول من داخلها، حيث تقول الرواية الإسرائيلية إن جميع من كان بالمدرعة قد قتلوا، وهذا يزيد من احتمالية أن مجاهدي القسام اقتحموا المدرعة بعد تفجيرها واعتقلوا جنديًا مصابًا وهذا يعزز من فرضية أن المقعد هو شاؤول أرون وليس هدار جولدن، ويبقى ذلك في إطار التحليل، أما الحقيقة الكاملة بيد المقاومة الفلسطينية وعلى (إسرائيل) دفع ثمن الحصول على معلومات كاملة ووافية ودقيقة حول صحة الجنود.

أما هدار جولدن فقد جاء بالأغنية التي نشرتها كتائب القسام عبر موقعها الرسمي بتاريخ 20/4/2017م، تدلل على أن الجنديين على قيد الحياة، فطريقة مخاطبة أمهاتهم، ومشاعر الأمهات تجاه كلمات الأغنية تدلل بأن الحكومة الصهيونية ضللتهم وكذبت عليهم من أجل حسابات حزبية ومصلحية، حتى لا يقال داخل المجتمع الصهيوني بأن نتنياهو ذهب لغزة ولم يستطع دخولها وعاد تاركًا خلفه جنديين على قيد الحياة.

الدليل اللافت على أن هدار جولدن على قيد الحياة كان في الدقيقة 2:43 من ذات الأغنية، ونص الفقرة: "وقعنا في كمين لعين أنا وبتايا ولئيل"، والجملة هنا صيغت بطريقة لا تدع مجالًا للشك بأن هدار يحدث محققيه وعائلته ومحبيه بما حصل معهم في الكمين الذي نجحت كتائب القسام من خلاله في أسر هدار جولدن وقتل من معه.

أما ابراهام مونغستو وهشام السيد فقد دخلا بأرجلهما إلى غزة، ورصدت كاميرات التصوير لحظة دخولهما القطاع، وقد نشرت وسائل الإعلام الإسرائيلية لحظة دخول منغستو عن طريق الساحل.

ثالثًا: البيئة الإستراتيجية ومدى مواءمتها لإبرام صفقة تبادل جديدة

رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو الذي يعاني اتهامات فساد قد تطيح بمستقبله السياسي كما راهن خصومه، نجح وبشكل لافت في تحقيق إنجازات لصالح دولته وبمساندة أمريكية روسية، فمن حدث نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وصولًا إلى الاعتراف الأمريكي في السيادة الإسرائيلية على الجولان، وليس انتهاءً عند عجلة التطبيع التي بدأت الدوران قبل إنهاء الصراع العربي الإسرائيلي في انقلاب واضح على مبادرة السلام العربية التي تم إقرارها في قمة بيروت عام 2002م. وبناءً على ما سبق منحه الناخب الإسرائيلي ثقته في الانتخابات الإسرائيلية في إبريل الفائت والتي حصل فيها على 36 مقعدًا.

رغم الفوز بالانتخابات الإسرائيلية إلا أنه حسب القانون الإسرائيلي يحتاج إلى 60 مقعدًا كي يتمكن من تشكيل الحكومة الإسرائيلية، وهو ما تعذر بسبب انتهازية افيغدور ليبرمان زعيم حزب إسرائيلي بيتنا حول ملف تجنيد الحريديم، والاستراتيجية المتبعة تجاه قطاع غزة. وبناءً عليه قام الكنيست بحل نفسه وقرر الذهاب لانتخابات مبكرة في سبتمبر المقبل.

نتنياهو بحاجة ماسة لمزيد من الإنجازات لتحسن موقعه الانتخابي، وقد يكون أحد أهم الملفات التي لو حدث تقدم فيها هو صفقة تبادل أسرى مع حماس في هذا التوقيت، فهذه الصفقة كافة الأطراف ذات الصلة بحاجة لها على النحو التالي:

(إسرائيل) معنية بعودة جنودها، لضمان تماسك المؤسسة العسكرية والرأي العام، وحاجة نتنياهو وحزبه لتسويق هذا الإنجاز لتحسين موقعه الانتخابي، والإفراج عن منغستو في هذا التوقيت قد يدحض الاتهامات بالعنصرية لـ(إسرائيل) وحكومة نتنياهو على وجه الخصوص.

حماس معنية بالإفراج عن الأسرى الفلسطينيين والعرب، وبذلك تحقق إنجازًا كبيرًا سيسجل لها ويزيد من شعبيتها، ويؤكد صوابية طرحها، وأيضًا صفقة تبادل في هذا التوقيت ستدفع التفاهمات إلى الأمام وسيخفف من الحصار وممكن تجنيب شعبنا ويلات أي مواجهة عسكرية.

3 الوسيط المصري معني بصفقة تبادل تبرد جبهة الجنوب وتضعف فرص اندلاع مواجهة عسكرية على حدودها الشرقية وأثر ذلك على الأمن القومي المصري.

الإدارة الأمريكية خاصة والمجتمع الدولي عامة معنيون بأن تكون البيئة السياسية والأمنية هادئة بما يسمح بتمرير صفقة القرن عبر سياسة الجزرة، ويحقق السلام والاستقرار والهدوء.

رابعًا: أبرز التحديات التي تعرقل الوصول إلى صفقة

هناك تحديات قد تعطل الوصول إلى صفقة لعل أهمها ما يلي:

1- تمسك كل طرف بشروطه.

2- حالة الاستقطاب الحاد داخل (إسرائيل) قد تؤتي بنتائج عكس المتوقع وبذلك تصبح الصفقة مادة للهجوم على نتنياهو وإظهاره من قبل خصومه بأنه الضعيف في مواجهة حماس وقدرته على استعادة جنوده.

3- خشية نتنياهو في التعاطي مع سيناريوهين:

الأول استلام الجنود أحياء فماذا سيقول لعوائلهم وللرأي العام الإسرائيلي الذي أبلغهم بأنهم قتلوا وضغط عليهم لفتح بيوت عزاء لهم.

السيناريو الثاني أن يكونوا قتلى، وهذا يتوقف على حجم الثمن الذي سيقدمه نتنياهو للمقاومة الفلسطينية وأثر ذلك على الرأي العام الإسرائيلي.

4- هناك أطراف لا تريد أن تسجل حركة حماس إنجازات تساهم في تقويتها وتعزز حضورها شعبيًا في ظل تعقيد المشهد السياسي محليًا وإقليميًا ودوليًا.

5- عدم تشكيل عوائل الجنود الصهاينة لوبيات ضغط على حكومتهم، كما قامت به عائلة الجندي جلعاد شاليط، وكان لتلك الضغوط تأثير كبير على دفع نتنياهو استحقاقات الصفقة وثمنها للمقاومة الفلسطينية ممثلة بحركة حماس.

الخلاصة:

أعتقد أن عام 2019م، ممكن أن يشهد تقدمًا في ملف صفقة التبادل، وهو ما يتمناه كل إنسان على هذه المعمورة، ما يريده شعبنا الفلسطيني أن ترسم البسمة على شفاه 6500 أسير وأسيرة فلسطينية قضوا زهرة شبابهم في السجون الإسرائيلية لمقاومتهم ومناهضتهم للاحتلال، وفي نفس الوقت لا أعتقد أن المقاومة ترغب في الاحتفاظ بهؤلاء الجنود إلى مدى الحياه فهي تريد إعادتهم لأمهاتهم مقابل أن يتم دفع الثمن لتلك الصفقة، فطالما البيئة المحلية والإقليمية والدولية داعمة لإبرام تلك الصفقة، فيا ترى ما المعطل الحقيقي لها؟ وكيف من الممكن تجاوز كل التحديات التي تعترض طريقها؟ الفعل الحقيقي هنا لعوائل الجنود الصهاينة ومدى قدرتهم على التحرك في هذا التوقيت الحساس للضغط على الحكومة الإسرائيلية ومساعدة نتنياهو عبر تشكيل رأي عام ضاغط وداعم لإبرام صفقة تبادل وفاء أحرار 2.

 

بقلم/ د. حسام الدجني

 

إن حالات سرقة الحياة الحديثة وزيادة التعقيد والجوانب متعددة الأبعاد للممارسات الاجتماعية والزيادات في معدل تدفقها والتي ترتبط بتضاعف كثافة عمليات المعلوماتية المجتمعية وزيادة معدل تقادم المعلومات تؤدي إلى جلب المخاطر والتهديدات الغريبة للحياة وتغييب المعايير الرئيسة التي يتم عبرها المساعدة بدراسة المشاكل الاجتماعية ليتم التنبؤ بها وحلها، وإذا كانت الإدارة العامة مرتبطة بالإصلاح المستمر للبنى الاجتماعية سواء كانت تتشكل المخاطر والتهديدات لنظام المجتمع عبر وجود أو غياب للمعلومات أو إن هناك زيادة في معدل تقادم المعلومات أو زيادة في كثافة الاتصال في المجتمع فأن اثر ظهور مشاكل أمن المعلومات مرتبط بأخذها من ذلك المفهوم لتبان مجمل الخصائص التقنية والنفسية فيلاحظ أنه أحد مكونات الأمن القومي وله اتجاهين هما حماية المعلومات النسبية وحماية المعلومات الخطيرة والغير مناسبة للعرض العالمي، وبذلك فإن أمن المعلومات موجود إلى حد ما كضمان لجميع أنواع الأمن بدءًا من البيئة وصولا إلى معلومات الأمن القومي والرقمي.

 أن أمن المعلومات هو التأكيد على حماية المعلومات من التهديدات المحتملة الحقيقية والموضوعية عبر السيطرة على الفضاء الرقمي، وتوافر الفرص والظروف والوسائل لصد تلك التهديدات والتي تحدد مستوى أمن المعلومات لكل موضوع لإن المفتاح هو التحكم في المعلومات فضلاً عن توافر القدرات والوسائل لمواجهة التهديدات الناشئة. ومن المهم تطوير فهمنا بأن أمن المعلومات لا يؤثر فقط على مشكلة فعالية سياسة الدولة في ضمان الأمن القومي والدولي في بيئة المعلومات ولا حتى في مشكلة حمايتها أو في مشكلة المواجهة المعلوماتية لمختلف الجهات الفاعلة اجتماعيا، لاننا نرى أن تعريف أمن المعلومات وحمايتها المعلومات يحتاج إلى إعادة التفكير، وكما انه ومن المهم أن نفهم أن ظهور "مجتمع المعلومات" وتنمية المعلوماتية يجلبان معهم تغير سمات الحياة الاجتماعية كزيادة في أهمية المعلومات وسرعتها وتنوعها وتقادمها، وإن نطاق المخاطر والتهديدات التي تنتجها الحداثة والمتمثلة في زيادة السرعة وتنوع المعلومات كبيرة، وأن السرعة والزمنية للوضع الاجتماعي تضاعف وتهور بشكل غير متناسب القدرات البشرية فتتشكل ممارسات جديدة للسلوكيات تهدف إلى ضمان أمن المصالح الذاتية والنفعية ليتم التعبير عن ذلك في نمو مؤقت للأشياء في حياة الناس والوقت والعلاقات الزمنية والوجود الزمني للتنظيم والتعاون ومؤقتية للمعلومات والأفكار والمعاني من أجل البقاء في محاولة حتى لو كانت بلا جدوى لمنع صدمة المستقبل. وهنا يجب على الفرد أن يصبح أكثر قدرة على التكيف بشكل لا نهائي ومعرفة أكثر من أي وقت مضى، كما يجب عليه أن يبحث عن علاقات وطرق اجتماعية جديدة تماما لترسيخها لأن كل الجذور القديمة أصبحت تحت وطأة هجوم الإعصار الرقمي المتخبط.

هذه السمات وغيرها تحدد خصوصيات جديدة للممارسات الاجتماعية وتشكل أشكال جديدة من العلاقات بين الناس، مما يؤكد إن العمل مع انسياب بحار المعلوماتية المتدفقة وتطور المعارف ليست خياراً بل ضرورة وفي ضوئها تحدد الموضوعات الاجتماعية لتحقيق مصالحها وحمايتها بتحديد أو تحوير أشكال العلاقات الأخرى، وادراك أن انتشار سياقات الخبرة وثقافات المعرفة في المجتمع عامل توافقي في نمو المجتمع إن عملنا على تدريج رفع وعيه، وإن الوجود الواسع الانتشار لمثل تلك الثقافات ينطوي على إعادة تجميع للعلاقات الاجتماعية حول وسائل المعرفة بأن الأشياء تحل محل الناس كشركاء في التفاعل وتتوسط بشكل متزايد في العلاقات الإنسانية مما يجعلهم يعتمدون عليها لا إن تحل محلهم كما هو جاري ولا إن تبعدهم وتجزر علاقاتهم بينهم.

 عبر تلك الثقافة الحياتية المختلفة يجب فهم أشيائها كموضوعات للأنشطة المتميزة بالتشابك الاجتماعي بمعناها العرفي مع الثقافات الأخرى لفهم العلاقات وتجاوبها مع المعرفة والمعلوماتية والخبرات والأشياء اليومية، وإن حالة المجتمعات الجديدة ترنو بالمجتمع المعرفي على أنه ليس فقط مجرد مجتمع به عدد كبير من الخبراء والبنى التحتية التكنولوجية والمعلوماتية وتفسيرات المتخصصين بل مجتمع ثقافات معرفية تنسج عضويا في نسيج المجتمع ومجموعات متعددة ومتنوعة من العمليات والخدمات المعرفية فتنطوي فكرته على المرور بانتقال أشكال التواصل الاجتماعي من التكامل الاجتماعي والتنظيمي إلى الأشياء والحاجات كشركاء في العلاقات أو بمكونات البيئة التمكينية، وإن هذا الفهم لا ينكر على الإطلاق حقيقة وجود أشكال معينة من التواصل مع الأشياء وعبرها أصبحت كوسيلة للتغلب على المخاطر والفشل الذي تم التوصل إليه في العلاقات الإنسانية، وبما أن العديد من الأشياء والحاجات والعلاقات في الحياة اليومية تتحول إلى أجهزة عالية التقنية فإن بعض الخصائص يمكن إدخالها فيها لضمان أمن وتنفيذ الفائدة مما يمكن تفسير بعض المتطلبات التي تقدمها الأجهزة والبرامج الرقمية لمستخدميها وكذلك بعض الفرص التي توفرها على أنها أدوات تكفل تجذير النظام الدقيق للحياة في ظل ظروف أمنه أنطولوجيا.

لا تقتصر المعرفة الخبيرة على كمية المعلومات العلمية والتقنية المتاحة فهي تغطي الممارسة الكاملة للقرارات الاجتماعية والجوانب الأكثر خصوصية للشخصية الإنسانية، وإن التنقيح المستمر للمعرفة الحالية للعالم يثير شكوكا جذرية بمرور الوقت أصبحت واحدة من أهم المعايير الوجودية للحداثة العالية وإن تطوير العلوم والتكنولوجيا لا يؤدي فقط إلى زيادة مستوى المخاطر الطبيعية والاجتماعية بل يحد أيضاً من إمكانيات التنبؤ به وتقييمه غير الواضح، وإن التطفل المستمر للمعرفة العلمية في الظروف الاجتماعية والطبيعية ذاتها التي تصفها هذه المعرفة يحول الواقع إلى مجموعة من السياقات والكيانات الاجتماعية المتقلبة والبعيدة عن كل التطلعات السلامية والأمنية. فتطرح هنا تساؤلات من بينها ما هو نوع الأمن الذي يقوم به الشخص والمجتمع استجابة لنمو المعلومات؟ هل يمكننا معالجة الفهم السابق لأمن المعلومات في سياقات مماثلة؟ أم أن الأمر يتعلق بضرورة توفير الأمن في ظروف مجتمع المعلومات والأمن في مواجهة تدفقات المعلومات المتزايدة؟ وفي هذا الصدد أود أن أعرض وجهة نظر مختلفة بشأن رؤية مشكلة أمن المعلومات، فمع زيادة تدفق المعلومات وتقادم المعلومات يقوم المجتمع بتطوير ممارسات اجتماعية جديدة لضمان الحفاظ على الذات ليس فقط في الواقع الرقمي ولكن قبل كل شيء في الحياة العادية، ومن المهم لنا أن نفهم أن المجتمع في سياق الكثافة المتزايدة لتدفقات المعلوماتية يقوم على تطوير ممارسات اجتماعية جديدة ليس فقط على الويب وان أمن المعلومات هو ضمان سلامة بيئة الممارسات الاجتماعية في مواجهة تزايد تدفق المعلوماتية وتقادمها، ولكن هل من الممكن أن يكون ذلك الفهم لأمن المعلومات هو تطوير لتعريف حماية المعلومات؟ وهل يتوافق نهجه عبر السيطرة على الفضاء الرقمي وتوافر الفرص والظروف والوسائل لمواجهة تلك التهديدات؟ أو هل ينشأ تصوّر أوسع لمشكلة أمن المعلومات لتشمل التعريف التقليدي لحمايتها من السرقة المستقبلية كحالة مغيبة ومنفردة وخاصة؟

 

بقلم/ الدكتور ميثاق بيات ألضيفي

 

لم يكن من السهولة بمكان الوصول الى إجابات شافية لمعضلات العدالة فى مرحلة انتقال السلطة lمن الشمولية الى الديمقراطية حيث تطفو على السطح قضايا جوهرية أخلاقيا وقانونيا وسياسيا، وغالبا ما تتنازع الرغبة الأخلاقية بمعاقبة المذنب مع معطيات الواقع السياسي الذى يفرض ارساء دعائم الوحدة الوطنية من جهة مع المتطلبات القانونية للدولة الديمقراطية من جهة ثانية ولذلك يبقى الظفر بالمعركة على السلطة ايسر بكثير من إقامة العدل. من هذا المنطلق يجب على النظام الجديد فى السودان البحث عن صيغة يتلاءم بها مع مجموع الناس الذين سحقهم النظام السابق على مدى ثلاثون عاما وليس أفضل صيغة من تلك التى تسمى العدالة الانتقالية وهى تعنى من بين معانيها الكثيرة التركيز على مزيج من الإنصاف المحدود بضوابط قانونية والاعتراف الرسمي بالحقيقة حيث تبشر سياسات الحق والعدل بان تكون بديلا لنقيضين لا يجتمعان ابدا، العقاب العنيف وسلوان الماضى، فتقدم مقاربة العدالة الانتقالية شيئا من العدالة المتوازنة التى تقوم مقام العدالة الوحشية او الغياب التام للعدل .

فى مختلف الإحداث التى مرت على العالم من جنوب أفريقيا الى ارويا الشرقية لا تزال الأنظمة تبحث عن حلولا لمشكلات اقامة العدل اثناء عمليات التحول الى الديمقراطية وفى هذا السياق يبرز نموذج العدالة الانتقالية كإحدى أليات تسوية الغبن التى وقعت فى الماضى.

توضح لنا عقيدة الديمقراطية خمس أدوات رئيسية لمناقشة القضايا المتعلقة بالعدالة الانتقالية وهى

1: العقد الاجتماعي: وهو اتفاق الافراد داخل الدولة للتخلى عن الحالة الطبيعية الفطرية

(تقابل هنا الحالة التى كان عليها المجتمع فى السودان قبل الثورة) والدخول الى مجتمع ترسى فيه القوانيين التى تحكمهم ويتجلى الإسهام الرئيسى للعقد الاجتماعي فى الديمقراطية بتقديم نموذج للتغيير السياسي السلمى اذا يرسم هذا العقد خاتمة للحالة التى كان عليها المجتمع قبل الثورة ويبدأ فى استشراف عهد جديد بناء على ذلك التوافق بين مكوناته المختلفة وهو امر تقوم به المؤسسات الاجتماعية فى النظام الجديد عبر التبشير باشرا قات المستقبل الجديد ونبذ حالات الماضي البغيض، فمتى ما تواثقت مكونات المجتمع المختلفة على نبذ الماضى واستشراف المستقيل عبر إرساء القوانيين المختلفة هبت الامة وسارت الى الأمام ومتى ما تقوقعت داخل مواضعات الماضى وغطت عينيها عن آفاق المستقبل تراجعت الى الخلف . اذن فلابد من قيام ذلك التواثق بين مكونات المجتمع بعيدا عن التجاذبات السياسية والاختلافات المذهبية، لان ذلك التواثق مركوز على مجرد التعايش داخل الدولة بالتزام المجتمع بالتشريعات والقوانيين البتى تنظم مختلف الاحوال الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وغيرها

ثانيا: سيادة حكم القانون:

تفرض سيادة القانون كثيرا من القيود على أليات الانتقال من الشمولية الى الديمقراطية فسيادة القانون تسمح للدولة التصالح مع ماضيها وذلك بالالتزام بالاجراءت القانونية فى محاسبة النظام القديم، والمساواة فى المعاملة معه،وهو ما يؤدى الى استبعاد الجزاء الدامى الذى ظهر فى كثير من حقب التاريخ . ولهذا فان بعض الديمقراطيات الناشئة تلمست استراتيجيه للتصالح مع الماضى وذلك باللجوء الى العدالة الترميمية للضحايا السابقين عوضا للسعى لمعاقبة الجناة، كإعادة تأهيل الضحايا وتعويضهم ماديا عما قاسوه، ومع ذلك فان المحاكمات الجنائية تعتبر بديل افضل عن الجزاء العنيف بالرغم مما يحيط به من صعوبات محورها الالتزام بسيادة حكم القانون ولا يجب فى كل الاحوال ان تنحط المحاكمات فى دولة ديمقرطية الى مستوى الانتقام السياسى ولكن عددا محدود من المحاكمات السياسية يمكن ان يحقق اغراضا سياسية وأخلاقية بالغة الاثر منها تعزيز شرعية النظام وتلبية مطالب الضحايا باقامة العدالة الجزائية

ثالثا: استخدام القانون

تم تصنيف مقاربات العدالة الانتقالية على التفريق بين استخدام القانون الجنائي او القانون المدنى فى تطبيقهما على الضحية والجلاد فيما يتعلق بالجرائم التى حدثت فى النظام السابق وتجدر الإشارة هنا الى ان هذه المقاربات للعدالة الانتقالية تحمل بين ثناياها تشكيلة واسعة من الأدوات القانونية المناسبة لتسوية حالات الجور التى وقعت فى الماضى ولكن هذه الصيغة مقيدة بضمانات اجرائية لسيادة حكم القانون من جهة وضرورة التوصل الى تسوية سياسية فى النظام الديمقراطي الصاعد من جهة ثانية .

رابعا: المصارحة والشفافية

لابد من التحقيق فى جرائم النظام السابق بواسطة لجان نيابية او مجموعات تقصى حقائق وهذا التحقيق ليس لإغراض المحاكمة والعقاب وانما من اجل الوقوف على حقيقة ما جرى فى النظام السابق، والتوافق على على وقائع التاريخ المشترك يعد شرطا جوهريا للحرية وذلك لان الانظمة الشمولية تسعى جاهدة لإغلاق الحريات بكل أشكالها وتحرم تلك الاجهزة الحوار المفتوح حول المعلومات المتعلقة بالفساد وانتهاك حقوق الانسان على نطاق واسع ولا سبيل لاثبات حقيقة ذلك الظلم الا بمناقشتها علنا بين ابناء الشعب . عليه فان الكشف عن جرائم النظام السابق يؤدى الى شفافية التعامل معها بقدر حجمها ,كما تؤدى من ناحية اخرى مصارحة الشعب بحقيقة تلك الجرائم، لان بناء الدولة يجب ان يقوم على تعرية الحقائق كاملة ليعلم كل افراد الشعب الحجم الحقيقى لمجموع الاخطاء التى كانت تخفى منه وتاثير ذلك المجموع على سير الحياة فى وطنهم

خامسا: العدل والمسؤولية السياسية

تمتاز الديمقراطية بسمعة حسنة لاقامة دولة العدل، فالديمقراطية تحمى الافراد من تعديات سلطات الدولة وتضمن سيادة حكم القانون والمساواة بين افرد الدولة . وقد يجد بعض المسئولين عن جرائم وقعت فى الماضى بعض الثغرات فى النظام القضائي فى عهد الديمقراطية فسيادة حكم القانون ربما تفرض الكثير من القيود على عملية المحاكم – كما اشرنا من قبل – وربما تساعد بعض القوانيين الوطنية فى براءة بعض المسؤليين خاصة فى جرائم حقوق الانسان والقانون الدولى الانسانى ولكن يرى بعض الفقهاء ان القانون الدولى ربما يقدم بعض الحلول لمثل تلك المشكلات، فمن الممكن – مثلا- ان تعتمد الدولة فى طور الانتقال السياسى على المبادئ الدولية المتعلقة ببعض انتهاكات حقوق الانسان حيث تمتاز القواعد القانونية الدولية بالثبات مهما تحولت وتبدلت القوانيين الوطنية فى الدولة وبالرغم من مجال القانون هذا ما يزال قيد التطوير الا انه قد يصبح أداة مهمة تساعد الأنظمة على الاضطلاع بالمسئولية السياسية تجاه افعال اسلافها .

ثمة تحديات كبيرة تواجه الدول التى تريد الانتقال من الشمولية الى الديمقراطية عند تعاملها مع جرائم النظام السابق، فانتهاكات النظام السابق لحقوق الإنسان واستعماله المفرط للقوة وقمعه الصارخ للحرية بكافة اشكالها تستحق شجبا شديد اللهجة وذلك عبر المظاهرات الغاضبة ومع ذلك فان تلك الدول تتقيد بسيادة حكم القانون وتدعوا كافة اطياف الشعب للمشاركة وكفالة حق المساواة، وقد يتفجر طلب إرساء العدالة من الشعب بالتزامن مع فرض القيود القانونية على المحاكمة فتتولد بذلك مشكلات العدالة

قامت بعض الأنظمة مثل جنوب إفريقيا بابتداع سياسات من شأنها إظهار الحق وإقامة العدل وهى مزيج من الإنصاف المحدد بضوابط قانونية والاعتراف الرسمى بالحقيقة وذلك عبر الوسائل القانونية التالية:

بالنسبة للجانى محاكمات القانون الجنائي

تعد المحاكمات الجنائية لمن قام باستغلال السلطة او ارتكب انتهاكات واسعة لحقوق الانسان او قام بتبديد المال العام او الإفساد المالي من ابرز الأمثلة على الإنصاف القانونى، لكن دائما ما تكتنف مثل هذه المحاكمات الكثير من المشكلات القانونية والسياسية، حيث تبرز العديد من الأسئلة مثل من المسئول الحقيقي فى الهرم السياسى أو العسكرى؟ هل يحتفظ الجناة بسلطة تؤثر على الانتقال الى الديمقراطية، هل قام الجناة بإعدام او إخفاء المستندات التى تؤيد ما قاموا به من جرائم، هل آليات القضاء الموجود لها القدرة على محاكمة أولائك الجناة ؟ الى جانب ذلك فانه غالبا ما يتمتع الجناة بأنماط جديدة من الحماية المدنية تضمن لهم الحق فى محاكمة عادلة، كما يواجه الادعاء العام صعوبات فى جمع ادلة على جرائم كانت تتم فى الخفاء وبحماية الاجهزة العدلية التى كانت قائمة

ب: التطهير القانون المدنى \للجانى

يعتبر التطهير الذى يعنى تسريح الجانى او تجريده من بعض حقوقه السياسية ضمن أنماط الجزاء الذى يؤدى الى العدالة والإنصاف فى بعض وجوهه، وقد درجت العديد من الانظمة فى حالة الانتقال الى الديمقراطية على القيام بعمليات التطهير تلك ولكنها يجب ان تتم وفق أسس عدلية وليست سياسية اى أنها يجب ان تتم وفق القانون او المحاكمات المدنية حتى لا تجنح نحو الانتقام الذاتى او تتم وفق الأهواء الشخصية او حتى السياسية ولنا فى تجربة التطهير التى صاحبت قيام ثورة مايو وتجربة التمكين التى صاحبت ثورة الإنقاذ خير معين لتجنب أخطاء التطهير التى ما زالت تعانى منه الدولة حتى ألان

التعويض المادي القانون المدنى الضحية

التعويض المادي هو الوسيلة المألوفة التى تتبعها الجماعة السياسية للتكفير عن خطاياها وتحمل مسؤوليتها عن الآثام التى حدثت فى الماضى وتبدو صعوبة هذا الإجراء فى ايجاد إلية لتحديد الفئات التى تستحق التعويض فعلا ولكنه اجراء متبع ضمن آليات العدالة الانتقالية للوصول الى مبادئ العدل والانصاف

د: إعادة التأهيل القانون الجنائى \ الضحية

لاشك ان الكثير من الناس قد تعرضوا لمحاكمات جائرة وضعوا بموجبها فى السجون وان الكثير من الناس قد تم اعتقالهم بواسطة الاجهزة الأمنية ومكثوا أزمانا طويلة فى معتقلات النظام ولا شك ان أكثر أولائك الناس لم يكن لهم من ذنب الا أنهم قاموا بالتعبير عن أرائهم، كما ان كثيرا من الناس أيضا قد حرموا من مناصبهم ووظائفهم وعانوا من الظلم والقهر، وعليه فانه لابد من تمكين أولائك الناس من المطالبة بحقوقهم المدنية والسياسية كاملة وبالرغم من ان قيمة لعادة التأهيل هى قيمة رمزية فى المقام الأول الا انه يوفر للضحايا سجلا عدليا نظيفا يضمن استعادة الحقوق كاملة

2: المصارحة (البوح بالحقيقة)

يجب ان يتزامن الإنصاف القانونى بجميع عناصره السابقة بما يسمى بسياسة المصارحة وذلك بان تقوم اجهزة النظام الجديد بفضح كل جرائم وممارسات النظام السابق وتتخذ هذه السياسة إشكالا شتى منها المساءلة النيابية ولجان تقصى الحقائق وفتح ملفات الامن والاستخبارات وغيرها ويكون الهدف من ذلك هو اتخاذ خطوات جادة لمساعدة العامة لمعرفة حقيقة جرائم النظام السابق وازاحة التكتم والسرية حيث يفسح بذلك المجال امام مقدار اكبر من المصارحة والشفافية ليكون عظة فى مستقبل الايام لمن يمسكون بزمام الامور فى الدولة.

لابد من الاشارة بعد هذا السرد ان المقاربة الديمقراطية لقضية العدالة الانتقالية تضفى مسحة من العدالة والشرعية على الأنظمة الصاعدة، كما توفر سياسة المصارحة فرصة ثمينة لاستخلاص العبر من الماضى ويبقى فى عالم الغيب ما اذا كان النظام الجديد الصاعد نحو الديمقراطية ستفيد منها ام لا .

مقاربة العدالة الانتقالية فى السودان للانتقال الى الديمقراطية امر ممكن التطبيق على مستوياته الاجتماعية والسياسية والقانونية وهى بديل فعلى لنزعات الانتقام الوحشى من رمز النظام السابق كما انها بديل موضوعى لمسارات الإقصاء العشولئى لكل من عمل فى ظل ذلك النظام، فنزعات الانتقام الوحشى ربما تهدر كثيرا من الحقوق القانونية التى يجب ان يتمتع بها الإنسان داخل دولته ومسارات الإقصاء العشوائى تؤدى لامحالة الى اهدار الطاقات وتشتيت الجهود للسير نحىو التقدم، وعلى كل فان مواضعات الديمقراطية التى نادت بها الثورة من خلال شعاراتها المرفوعة توجب على الناس الالتفات نحو مقاربات العدالة الانتقالية لان التحول من الشمولية الى الديمقراطية عمل شاق يحتاج الى وقت وصبر وكم عانت الدول التى تتمتع بالديمقراطية المستدامة على مدى عهود طويلة من مشقة ذلك الانتقال ولكن صبرها على تلك المشاق هو ما اوصلها اليوم الى تلك الدرجة

  

بقلم: ناجى احمد الصديق المحامى

 

كاظم الموسوياسمان ارتبطا بما سمي بالصفقة او التسوية او الاصح تصفية القضية الفلسطينية. الاول متطابق مع العنوان، وهو الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بكونه تاجرا اصلا وما يعلنه او يعمل عليه حتى ولو كان في السياسة يظل عنده مرهونا بعمله الاساسي، صفقة. اما الثاني فهو ليس فقط صهر الاول ومستشاره الخاص في هذا الشأن، جاريد كوشنر، بل انه مخادع او مكلف بالخداع، في كل ما وظف لاجله او تكلف به او تسلق اليه.

منذ دخل الرئيس الأمريكي ترامب البيت الأبيض وهو وأجهزته يتحدثون عن مشروع أطلق عليه صفقة القرن حول القضية الفلسطينية، وسموه ايضا صفعة القرن، واسماء أخرى كلها تصب في النهاية في تصفية القضية الفلسطينية كاملة. ولكن ترامب أو اجهزته، ووفوده أو ممثلوه لم يعلنوا لحد اليوم تفاصيل مشروعه، صفقته، وكل ما جرى أو حصل هو تسريبات أو بالونات اختبار أو قراءة الوجوه التي تقرأ ما يسرب وينشر. رغم أن خطوات مهمة أجريت واعلنت من جوهر الصفقة أو أشرت إليها. من الاعتراف بالقدس عاصمة للكيان ونقل السفارة الأميركية من تل أبيب إليها، والغاء تسمية اللاجئين عن الفلسطينيين، ومحاصرة وكالة الاونروا، ومحاولة تجفيف مصادرها والغائها،  وغلق السفارة الفلسطينية في واشنطن، ودعم اليمين الصهيوني في الانتخابات الداخلية وليس آخرها قرار سيادة الإحتلال على الجولان السورية. كل هذه الخطوات تمهيدية للصفقة أو مقدماتها عمليا، وإذا عرف العنوان هذا فالمحتوى واضح وما بعده.

سربت مسودة بشكل واسع وعناوين أو مراسلين لها مختلفين، زعما أو وظيفة أو ادعاءا بمعرفة الاسرار والاخبار(!) وفي كل الأحوال فإن مضمون المسودة لا يختلف عن أهداف إدارة ترامب وتنسيقها الصهيوني لتصفية القضية الفلسطينية وتسمين الكيان الصهيوني في المنطقة.

فما سرب من هذه المسودة لا تعرف مصداقيتها يلخص الصفعة ويرسم آفاقها العدوانية اللاانسانية. حيث يستمر العمل بوقائع الاستيطان والاحتلال وقرارات الرئيس ترامب التي تنتهك القانون الدولي وكل الاتفاقيات والمواثيق الدولية بما يتعلق بالقضية الفلسطينية خصوصا. ويتم اعلان كيان بلا أية مواصفات قانونية تحت مسمى فلسطين الجديدة، على اراضي الضفة الغربية وقطاع غزة من دون المستوطنات اليهودية القائمة، ونهب أراض أخرى وتقوم " مصر بمنح اراض جديدة لفلسطين لغرض اقامة مطار ومصانع وللتبادل التجاري والزراعة، دون السماح للفلسطينيين بالسكن فيها. (حجم الاراضي وثمنها يكون متفق عليه بين الاطراف بواسطة الدولة “المؤيدة” ويأتي تعريف الدولة المؤيدة لاحقا، ويشق طريق اوتستراد بين غزة والضفة الغربية ويسمح باقامة ناقل للمياه المعالجة تحت اراض بين غزة وبين الضفة.”

في النقطة الثامنة من المسودة المسربة بعنوان الجداول الزمنية ومراحل التنفيذ عند توقيع الاتفاقية، فحسب النص يتم تفكيك سلاح المقاومة، وإغراء المقاتلين برواتب "وهمية" ووضعهم تحت وصاية دول عربية، مثل القول، بفتح حدود قطاع غزة للتجارة العالمية من خلال المعابر الاسرائيلية والمصرية وكذلك فتح سوق غزة مع الضفة الغربية وكذلك عن طريق البحر . والوعد بعد عام من الاتفاق بانتخابات ديمقراطية لحكومة فلسطين الجديدة وسيكون بإمكان كل مواطن فلسطيني الترشح للانتخابات. أما الاسرى – بعد مرور عام على الانتخابات يطلق سراح جميع الاسرى تدريجياً لمدة ثلاث سنوات. ورفض الكيان حدوده التي أشارت الصفقة الى بقائها مفتوحة، مع إقامة جسر معلق بين ” اوتستراد” يرتفع عن سطح الارض 30 مترا ويربط بين غزة والضفة وتوكل المهمة لشركة من الصين وتشارك في تكلفته الصين 50%، اليابان 10%، كورية الجنوبية 10%، اوستراليا 10%، كندا 10%. امريكا والاتحاد الاوروربي مع بعضهما 10%."(!؟)

ثمة أمور أخرى تعطي انطباعات مختلفة ولكنها تعري النوايا والأهداف والغايات من كل الصفقة التي يراد منها التنفيذ العملي على حساب حقوق الشعب الفلسطيني والوطن العربي. ولا يتغير الامر حين وضعت داخل المسودة إجراءات اقتصادية لتسهيل التطبيق، جسدتها ورشة البحرين، بعنوان: "السلام من أجل الازدهار، الخطة الاقتصادية: رؤية جديدة للشعب الفلسطيني"، في الفترة 25-26 حزيران/ يونيو 2019، لمناقشة التنمية الاقتصادية في "الأراضي الفلسطينية المحتلة" والكيان إلاسرائيلي والأردن ولبنان ومصر. ودعت الخطة الأميركية إلى تأمين استثمارات بقيمة أكثر من خمسين مليار دولار على مدى عشر سنوات، تقدمها دول عربية وأجنبية، ومنظمات دولية، وشركات تجارية من القطاع الخاص. وقد افتتح الورشة مستشار الرئيس الأميركي وصهره كوشنر،  واقفا على منصة أعلى من الحضور. وشاركه ممثلون عن 39 دولة، من بينها دول عربية. كما حضر رئيسا صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، ورجال أعمال وممثلو شركات تجارية واستثمارية دولية. وغاب الشعب الفلسطيني عنها، السلطة والفصائل والقوى السياسية، بوحدة موقف وعزم جماعي، لمعرفته بانها ورشة اقتصادية ليست بريئة، بل هي جزء من تصور يُحِل الاقتصاد مكان الحقوق السياسية المشروعة، ويحوّل القضية الفلسطينية إلى مشاريع اقتصادية واستثمارية لا أكثر؛ مستبعدة القضايا المركزية للصراع كالدولة والسيادة واللاجئين والقدس والمستوطنات والحدود. وانتهت الورشة كخدعة سياسية بعنوان اقتصادي قادها كوشنر، وادعى كذبا بأن الورشة من عمل مئات الخبراء والأساتذة الاقتصاديين، وتبين بعد تدقيق أن المشروع بالكامل مسروق من بحث أكاديمي لجامعة كولومبيا في العام 2010 مستنسخا الشق الإقتصادي فقط وحاذفا الشق السياسي منه. وفي رد لنشطاء فلسطينيين، كتب البرفيسور  دافيد ل. غيليبس،  من مشروع بناء السلام وحقوق الإنسان في جامعة كولومبيا: "لا يوجد أي جديد فيما يسمى "ورشة عمل السلام من خلال الازدهار" لجاريد كوشنر. ففي يناير 2010 ، شاركت في: "Project Palestinian Enterprise"، الذي درس فرص التنمية الاقتصادية في الأراضي الفلسطينية إلى جانب التعاون بين رجال الأعمال الفلسطينيين والإسرائيليين. واضاف: "نحن لا نشكك في أهمية الوظائف والفرص الاقتصادية، ومع ذلك ، يجب أن تتم المحادثات حول التنمية الاقتصادية بالتوازي مع المناقشات حول الدولة الفلسطينية، دولة تعيش بسلام جنباً إلى جنب مع إسرائيل. حسب الدراسة. وختم: قد تكون مبادرة كوشنر حسنة النية، لكن مصابة بالعطب، ويجب أن يحدث بالتوازي مع عملية سياسية جدية، تعالج الأسباب الجذرية للصراع "!.

وهناك وثيقة موقعة من توني بلير ممثل  الرباعية الدولية حول القضية الفلسطينية يقر فيها بهذا البحث الأكاديمي في تاريخه.

كل هذا يفضح القائمين على كل ما سمي أو أطلق عليه صفقة قرن أو ورشة خداع وكذب وانبطاح، لتكون فضيحة قرن أمام العالم.

 

كاظم الموسوي