نجوى السودةالكاتب: أندري فلتشك

المترجمة: نجوى السودة

ما أدهشني أن ما من أحد يقول ذلك، يكتب عنه، ويصرخ في كل حدب وجانب :- ليست فنزويلا، وكوبا، ونيكارجوا، وإيران هم من في اشد الحاجة إلى "تغيير نظام الحكم ".إنها الولايات المتحدة الأمريكية، إنه الإتحاد الأوروبي ؛في الواقع، الغرب كله .إن الموقف حرج .

لقد أصاب الغرب جنونا ؛ لقد جن جنونه في الكلام، طار عقله ؛هائج مائج يعيش الناس هناك حالة من الروع الشديد لدرجة تمنعهم حتى مجرد النطق بذلك وأن يعبروا عنه .

دولة تلو دولة تتهاوى، وتدمرت مؤسساتها، وتعرضت للمهانة، وتعيش فقرا تُعَامل قارات بأكملها كما لو كان يسكنها أطفال صغار عديمي الشعور بالمسئولية، أطفال يتعقبون ويسيرون على نهج مراهقين ساديين، من خلال حكام يحكمون القبضة في أيديهم، ويئنون في خبل سيماهم على وجوههم :" تصرفوا كما نريد، نفذوا مانطلبه منكم، إلخ !" إنه في الحقيقة لشئ يدعو إلى السخرية، إلى الإكتئاب إلا أنه.. ما من أحد يضحك فالناس يرتجفون، ويلهثون، ويصرخون، ويستجدون، إلا أنهم لا يتقيأون مما يحدث لهم . أرى هذا في كل مكان حولي في مكان عملي:في آسيا، وفي أمريكا اللاتينية، وفي الشرق الأوسط .

لماذا كل هذا؟

يجري هذا لأن دول أمريكا الشمالية وأوروبا هم أصحاب القرار النهائي إما ان تذعن لنا وأن تنبطح أمامنا، وإلا سوف نكسر جناحيك، وسوف ننتهك حرمتك، وإذا ما باء أي شئ آخر بالفشل، فإننا سوف نغتال زعماءك وكل من يقف سدا في طريقنا .

إن مايحدث لا يدعو إلى الضحك، هل تراه كذلك ؟وخاصة عندما نضع في إعتبارنا أنه يحدث تقريبا في كل الدول الُمسماة بأمريكا اللاتينية، وللعديد من الدول الأفريقية ولدول بالشرق الأوسط، وللعديد من الدول في قارة آسيا .

يقومون بكل هذا في "حرفية" وسادية باقتدار ولهم طقوسهم التي يستخدمونها ما من أحد حتى الآن عارض وطالب "تغييرنظام الحكم" والأسلوب الذي يتبعونه في الحكم، ما من أحد حتى الإتحاد السوفيتي بقوته ولا الصين، و لا أفغانستان الدولة ذات الفخار والعزيمة .

ربما تكون الدول الوحيدة التي تُقاوم حتى الآن هي كوبا، وفنزويلا، وكوريا الشمالية وسوريا .تُقاوم هذه الدول وتكرث كل مواردها لكي تعيش؛ولقد عشن، و إن كان الثمن باهظا .

ما زال الضحايا يصرخون .قليل من الدول المستقلة تحافظ على التعبير عن ثورتهن .مع ذلك فإنه على المدى البعيد، ما من تحالف عظيم يجمعهم، تحالف يكون على أهبة الإستعداد ليحارب ويدافع فيه كل دولة عن الأخرى :"واحد للكل، الكل واحد ."

حتى حالة "التمرد"الحالية بالأمم المتحدة ما من أحد قد قالها صراحة أو أن قدم إقتراحا في جدية يعرض فيه أن القانون الدولي ينبغي أن يُطبق على كل دول العالم، دون تمييز .

يتحدث الناس عن " السلم " يستجدي العديد منهم قطاع الطرق كي "يتوقفوا "، " أن يرحموهم " أن يأخذون الرأفة بهم إلا انه، لم تكن أوروبا ولا شمال أمريكا قد أظهرتا أي رأفة، على الإطلاق، على مدى الزمان، وطوال قرون غابرة . إلق نظرة على الخريطة مع بداية القرن ال20، فعلى سبيل المثال :كان العالم كله مستعمرا، ومنهوبا، ومُستعبدا .

أما الآن فالكل يتحرك نحو هذا الإتجاه .إذا لم يتوقف الغرب عما يقوم به، فإن كوكبنا سوف يفنى .ودعونا نكون واقعيين :إستجداء، والمجادلات المنطقية، والإرادة القوية لن تحول واشنطن دون هذا، وباريس أو لندن من عبودية وسلب البشر حقوقهم . أما الآن كله يتحرك نحو نفس الإتجاه .إذا لم يقلع الغرب، فإن كوكبنا سوف يفنى .دعونا نكون واقعيين :إن الإستجداء، والجدال المنطقي، والإرادة القوية لن يجدي مع واشنطن، وباريس أو لندن عن عبودية ونهب البشر . إن أي إنسان ينبغي أن يكون لديه بعض المعرفة الأولية عن تاريخ العالم.وإلا فلماذا يزال العالم لم يستطيع أن يزيف بعض حالات المقاومة الحقيقية ؟هل فنزويلا هي القشة التي سوف تقصم ظهر البعير ؟وإن لم تكن فنزويلا، على إعتبار أن فنزويلا آيلة للسقوط ؟، هل هي نيكارجوا، كوبا أم إيران، من عليهم الدور ؟هل هناك أي شئ يمكن أن يدفع الناس كي تتخذ موقفا ؟

هل ما نفعله جميعا هو أن نظهر سلبيين بأي حال من الأحوال، إن فنزويلا الإشتراكية، لقد قدمت بالفعل الكثير للعالم فنزويلا التي إستطاعت أن تخلق رؤي جميلة وأفكارا لكرتنا الأرضية، فنزويلا التي على وشك أن تتحول إلى كومة رماد، حينئذ، هل يسطون على كل أحلامها، مواردها وحريتها ؟ هل نحن كل هؤلاء الجبناء ؟هل هذا – ما صار عليه بالفعل حالنا ؟ هل نحن جبناء وبهائم، أنانين، وخانعين، وعبيد؟

كل هذا ببساطة؛ هل لأن الناس في حالة مروعة لا يقدرون على مواجهة الإمبراطورية، هل لأنهم يؤثرون أن يتواروا ويدعوا أن ما هو واضح وضوح الشمس، ليس له وجود في الواقع ؟

من أجل هذا، دعني أنطق بهذا، بغية على الأقل أن لا يدعي قرائي ترف أنهم لم ينعموا بمعرفة ذلك :"إن هذا العالم قد يزداد توحشا يوما بعد يوم وأنه تسيطر عليه زمرة من الفاشيين في دول الغرب .ليس هناك "ديمقراطية "تسود هذا العالم، لأنه ليس هناك أدنى إحترام للقانون الدولي في عواصم أمريكا الشمالية وأوروبا . لقد عاد الإستعمار بكامل عنفوانه . إن الإستعمار الغربي يسيطر الآن سيطرة تامة تقريبا على على العالم بأكمله ."كما أن الإستجداء –خذ كلامي ثقة – الإستجداء والحديث عن السلام لن يؤتي ثمارا .خلال الحرب العالمية الثانية، كان على الفاشية أن تقلع عن ممارساتها . ولو لم تتوقف، لكانت قد إبتلعت كوكب الأرض عن آخره . في السالف، لقد لقي بالفعل عشرات الملايين من البشر حتفهم دفاعا عن الحرية وعن الإنسانية .نعم، حاولت بعض الدول أن تُسوي النزاعات وأن تُجري المحادثات مع ألمانيا النازية، لكن كلنا يعرف إلى أين وصلت . أما الآن فالموقف هو نفس الشئ .بل ربما أسوأ، ربما أكثر سوءا ؛لأن الغرب لديه أجندته من الأسلحة النووية الفتاكة :حيث يسيطر على عقول البشر في كل أنحاء الكرة الأرضية عن طريق "وسائل الإعلام "، والتعليم.ولأن المواطنون في الغرب، الآن، قد تم غسيل أدمغتهم أكثر عن ذي قبل، عن الألمان والإيطاليين في أواخر الثلاثينيات وبداية الأربعينيات ؛حيث غسيل الأدمغة أكثر، وترويعها أكثر، وإخضاعها وسيرها وفق نظام يضعونه أكثر .

أنظر نظرة جدية :- هل هؤلاء الناس الذين يكتبون المقالات الآن عن "السلام "، والتي يجادلون فيها الغرب عن من على حق ومن على باطل، هل هم بالفعل يفكرون جديا في أن يتحركوا ضد أحد من هؤلاء كترامب، مثلا، أو بومبيو، أو روبيو؟

هل يؤمن هؤلاء الكتاب أن واشنطن سوف تُقْلع عن إغتيالها لملاييين البشر في كل أنحاء العالم ؟أو أن المستعمر الجديد سوف يتوقف عن نهبه وسلبه بعد أن يدرك الكونجرس، ومجلس الشيوخ الأمريكي أنهم يسيرون في الطريق الخطأ من التاريخ؟

 إن هذا التساؤل ليس تساؤلا بلاغيا .إنني جاد :إنني أطلب إجابات !

هل "التحركات نحو السلام "الذاخرة بالمجادلات تستطيع أن تُوقف زحف الغرب ؟ نعم أم لا؟

هل يوقنون أن بومبيو أو ترامب سوف يضرب جباههم فجأة ويجعلهم يصرخون :"هل أنتم في الإتجاه الصحيح! "ويستدعون قواتهم، وسفاحيهم ومرتزقيهم كي يرجعوا إلى ثكناتهم ؟

إذا كانت الإجابة بلا، ما الذي تعتقد الحركات نحو السلم التي يتزعمها زعماء من أمريكا الشمالية والغرب، يقومون به، ومن ثم، لم كل تلك الآلاف من الصفحات المُهدرة ؟

هل نحن ندنو من تمساح على أهبة الإستعداد كي يلتهم طفل برئ، ثم يُحاول بعد ذلك أن يتباحث معه ؟هل، تفعلون شيئا، بجدية ؟هل تظنون أن هذا سوف يتوقف، هل سيهز ذيلا، هل سيجعلهم يذرفون دموعا ويجعلهم يدعون ما يفعلون ؟ إنني أميل أحيانا إلى أن أعتقد ان "حركات السلم "في الغرب يقومون بعمل أشياءا أسوا. إنهم يخترعون آمالا وهمية، ويتصرفون كما لو كانت الإمبراطورية هي كائن له روح، ويفهم في المنطق.إنهم يُضخمون التهديد :والخطر .

إنهم يميلون إلى تحليل تهديد الغرب من وجهة نظرغربية، مستخدمين منطقا غربيا .إنهم يتوهون في تفسير مدى الفزع الذي تثيره الفاشية، وأن البهيمية يجبأن تُواجه وأن تُحارَب.

لا يمكن لأي إنسان أن يُجري محادثات مع مجموعة من الدول مُلطخة أيديها بدماء 80%من كوكب الأرض إن كان هذا مقدرا أن يحدث، فسوف يصير أضحوكة وسوف يكون مجرد إذلال لكل من سعى مخلصا أن يُوقف سفك الدماء .

تحتاج فنزويلا في هذه اللحظة إلى التضامن معها .تحتاج إلى تقديم العون مباشرة، وإلى التحرك على أرض الواقع ؛ لا بالكلام و من ثم يمكن أن يحدث ذلك مع العديد من الدول الأخرى .

على العكس من ذلك، فإن ما يحدث هو أنهم يضعون أيديهم في ماء بارد لا ينتهي متنمنين لهم أفضل الأمنيات ونعي لموتاهم الذين راحوا في عمر الزهور .

 

تحياتي /نجوى السودة

 

كاظم الموسويأعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مؤخرا أن قواته قضت على تنظيم داعش الإرهابي، قائلاً: «تم القضاء عليه مئة في المئة»، خلال مراسم تسلّم رئيس الأركان الجديد مهامه، في فرجينيا، وشكر رئيس هيئة الأركان المشتركة للجيش الأمريكي، الجنرال جوزيف دنفورد، على جهوده في القضاء على تنظيم داعش خلال مؤتمر صحفي عقده في العاصمة واشنطن، وكشف عن مصير مسلحي تنظيم داعش الأكثر خطورة، والذين يتواجدون في سجون قوات سوريا الديمقراطية “قسد” شرقي الفرات،  مؤكداً "إن بلاده نقلت عدداً من مسلحي التنظيم الأكثر خطورة إلى خارج سوريا، دون تحديد الوجهة". وأضاف "أن الولايات المتحدة انتصرت على تنظيم داعش، لذلك على أوروبا استعادة مواطنيها من أفراد التنظيم المحتجزين في سوريا".

والجدير ذكره هنا ما غرد به الصحفي الأمريكي، ديفيد إغناطيوس الذي يعمل في صحيفة “واشنطن بوست” عبر حسابه في “تويتر”، 2019/10/9 أنه بالتزامن مع الهجوم التركي على شرق الفرات، بدأت خلايا ومجموعات تابعة لتنظيم داعش بالتحرك في مدينة الطبقة بريف الرقة، وشهدت أيضا مناطق واسعة من شمال شرقي سوريا هجمات متكررة وعنيفة لخلايا التنظيم خلال اليومين الماضيين. وكتب الكاتب الصحفي باتريك كوبيرن مقالا بعنوان "الفراغ الذي تركته الولايات المتحدة شمالي سوريا يوفر حاضنة لتفريخ عناصر لتنظيم الدولة الإسلامية". وضح فيه "إنه من السخرية أن يقول ترامب إن تركيا ستكون مسؤولة عن اعتقال عناصر تنظيم الدولة الإسلامية القابعين رهن الاحتجاز في معسكرات التنظيمات الكردية المسلحة مثل واي بي جي حيث أن مستشار التحالف المحارب للتنظيم سابقا بريت ماكغورك اتهم تركيا قبل ذلك بأنها رفضت التعاون مع التحالف في جهوده لمحاربة التنظيم علاوة على أن أكثر من 40 ألف ارهابي أجنبي دخلوا سوريا للانضمام إلى التنظيم عبر أراضيها".

وذكرت صحيفة "واشنطن بوست"، أن القوات الأمريكية تسلمت من الفصائل الكردية عشرات من أبرز المعتقلين "الدواعش"، بمن فيهم بريطانيان اثنان، لمنعهم من الهروب من السجون الواقعة شمالي سوريا. ونقلت الصحيفة عن مصادرها، إن "العسكريين الأمريكيين تسلموا نحو 40 معتقلا يعتقد أنهم من القيادات البارزة في داعش، وبينهم البريطانيان ألكسندر كوتي والشافعي الشيخ، وهما عضوان من مجموعة كانت تضم أربعة مسلحين أطلق عليها بيتلز نسبة إلى الفريق الغنائي البريطاني الشهير، بسبب لكنتهم البريطانية". وسبق أن احتجز الرجلان وتقرر تسليمهما للمحاكمة في الولايات المتحدة بتهمة تورطهما في عمليات قتل وتعذيب عشرات الرهائن الغربيين، بينهم أمريكيون، أمام عدسة الكاميرا. وكان زعيم خلية "بيتلز" محمد موازي، المشهور باسم "الجهادي جون"، قد قتل في ضربة جوية استهدفته في سوريا في تشرين الثاني/ نوفمبر عام 2015، بينما اعتقل العضو الرابع في المجموعة آين ليسلي ديفيس في تركيا وأدين هناك بتهمة الإرهاب.

وحسب الصحيفة، فإن "القوات الأمريكية نقلت كوتي والشيخ إلى العراق، بعد أن بدأ الأكراد بسحب بعض قوات حراسة معتقلات الدواعش بشمال شرق سوريا، لتوجيهها إلى جبهات القتال ضد القوات التركية، ما أثار مخاوف من احتمال هروب الدواعش من سجونهم".

واتهمت قوات سوريا الديمقراطية الجيش التركي باستهداف أحد السجون التي يحتجز فيها مسلحو "داعش"، في شمال شرق الأراضي السورية، خلال عدوانه في ما أطلق عليه "نبع السلام"، ضد القوات الكردية هناك بدعوى "محاربة الإرهابيين" وإقامة ما يسمى "منطقة آمنة" على طول الحدود التركية السورية.

 اعتراف ترامب في تغريدته عن نقل الولايات المتحدة بالفعل اثنين من داعش مرتبطين بقطع الرؤوس في سوريا إلى خارجها، وكشف قناة "الحرة" الأمريكية عن مصدر بوزارة الدفاع أن العنصرين "يحملان الجنسية البريطانية ونقلا إلى مكان سري في العراق"، وتاكيد شبكة "سي إن إن" الأمريكية، أن العنصرين هما "ألكساندا آمون كوتي" و"الشافي الشيخ" اللذين كانا عضوين في خليّة الإعدامات، وكذلك شبكة (إيه بي سي نيوز) الأمريكية، اضاف هذا الاعلان والكشف الى إن الهدف هو نشر مخاوف من أن يؤدي عدوان عملية "نبع السلام"! التي تنفذها تركيا الى هروب سجناء لداعش في السجون الخاضعة لسيطرة تنظيم "ي ب ك"  الكردي.

كل ما سبق ذكره يؤكد أن الإرهابيين المعتقلين في سجون تحت سيطرة الفصائل الكردية المتحالفة مع الولايات المتحدة الأمريكية والمدعومة منها عسكريا وسياسيا،  هم تحت إشراف الإدارة الأمريكية، والرئيس الأمريكي ترامب نفسه على اطلاع على الأمر كله، وتدير أجهزته كل ما يتعلق بهم من حيث العدد والمكان والاسماء ودرجات الخطورة والسيّر الذاتية لكل ارهابي. كما أن الصورة التي تنشر تبين أن الإرهابيين الموجودين حاليا هم حصة الرئيس الأمريكي وادارته، وكما هي سياساته تتناقض في الأرقام التي تعد عدد المعتقلين منهم، أو المنتشرين في المناطق التي احتلتها في الأراضي السورية. وتتضارب الأرقام بين المسؤولين الأمريكيين، حسب الأهداف التي ينشدونها من تضخيم الإعداد أو التقليل منهم، بينما الخبراء الآخرون، ولاسيما المتحدثون بالعربية، عربا أو مستشرقين، فيطرحون أرقاما متناقضة ايضا، إذ تتراوح الأرقام بين أربعين الفا، أو احد عشر الفا، كما تتناقض أعداد المنتسبين لكل دولة من الدول المشاركة في ما سمي بالتحالف لمحاربة تنظيم داعش من مواطنيهم المرسلين منهم أو الهاربين من سلطاتهم والمنتمين للتنظيم الارهابي. وليس مستغربا في كل الاحوال أن هناك من يستعمل الأرقام لإثارة المخاوف أو التبشير بعودة التنظيم. فقد رأى الكاتب ديفيد اغناطيوس في ما نشره في صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية ان الرئيس الأميركي دونالد ترامب فتح الباب أمام كابوس حقيقي يتمثل بعودة تنظيم "داعش" الإرهابي، بعد موافقته على بدء عدوان تركي شمال شرق سوريا.

وأضاف الكاتب أن الخطر لا يكمن فقط في الخلايا النائمة، بل يتمثل بمقاتلي "داعش" الذين اعتقلتهم "قوات سوريا الديمقراطية - قسد" البالغ عددهم حوالي 11,000 مقاتل، محذرا من أن هؤلاء قد يحاولون الفرار في اية لحظة. ووصف الكاتب التصريحات التركية حول ضبط الوضع الأمني في مخيمات احتجاز ارهابي"داعش" بـ"الفارغة"، مذكرا أن "العديد من الإرهابيين قد وصلوا إلى سوريا عبر تركيا". وحذر الكاتب من أن "الأوضاع قد تتفاقم في حال عدم التحرك بسرعة". فاين قول ترامب بالقضاء على داعش؟!.

تختلف الأرقام والاعداد لكن من الواضح أن سجناء التنظيم الارهابي هؤلاء هم حصة ترامب والورقة التي سيلعب عليها في استمرار توتر الأوضاع وعدم الاستقرار، وربما يضعه تهديدا بلون أو اسم اخر يخيم على المنطقة الساخنة في الأيام المقبلة.

 

كاظم الموسوي

 

عبد الحسين شعبان.. المنظور والمستور وما بينهما

ليس من المجدي البحث عمّن أطلق "الشرارة الأولى" لحركة الاحتجاج التشرينية في العراق، فما إن اندلعت الشرارة حتى سرت مثل النار في الهشيم لتصل إلى السهل كلّه، فحالة الاحتقان والغضب عبّرت عن عمق الأزمة التي تحيط بالعملية السياسية التي ابتدأت بعد الاحتلال الأمريكي للعراق في العام 2003.

وسرعان ما توسّعت حركة الاحتجاج لتّتخذ شكل هبّة شعبية غير منظّمة، شارك فيها فتية وشبّان جلّهم بعمر الـ 20 عاماً، ومن غير المحسوبين على الأحزاب السياسية المشاركة في السلطة، خصوصاً في ظل استفحال البطالة التي تصل حسب التقديرات الرسمية إلى أكثر من 30% وفي بعض المحافظات إلى نحو 50% من القوى العاملة. ويقدّر أن ربع السكان يعيشون دون خط الفقر، أي بأجور لا تزيد عن دولارين في اليوم، وتفشي الفساد على نحو غير مسبوق، ناهيك عن استمرار نظام المحاصصة الطائفي - الإثني، وانفلات حيازة السلاح واستخدامه بأسماء مختلفة.

إن الطبيعة العفوية للتظاهرات والصفة الاستقلالية للمحتجين هي حالة جديدة تعكس عمق الهوّة بين الأحزاب والتيارات والكتل السياسية، ولاسيّما الحاكمة والمشاركة من جهة، وبين الشارع الذي يضم الأغلبية الصامتة من المواطنين المستلبين والمطحونين والذين فقدوا الأمل في إمكانية إصلاح الأوضاع وتحسين ظروفهم المعاشية، من جهة أخرى.

ولأن السلطة واجهت الحركة الاحتجاجية بالعنف والقمع واستخدام القوة المفرطة، منذ الدقائق الأولى، كما اعترفت لاحقاً، فإن ردود فعل الحركة الاحتجاجية اتجهت إلى حرق عدد من مقرات الأحزاب التي اعتبرتها مسؤولة أو مشاركة في المسؤولية التي وصلت إليها البلاد، الأمر الذي طرح شعارات من قبيل تغيير الحكومة وإقالة رئيس الوزراء وحلّ مجلس النواب وإجراء انتخابات مبكّرة، فضلاً عن النقمة على بعض القوى الإقليمية، حيث ارتفعت بعض الهتافات ضد إيران والقوى المدعومة منها.         وكانت بعض شعارات الهبّة الشعبية ذات طبيعة وجدانية من قبيل "نريد وطناً" و"نازل آخذ حقي" و"هيهات منّا الذلة".

وعلى الرغم من عفوية الشعارات وعدم وجود قيادة موحدة أو هيئة تنسيقية أو تنسيقيات معروفة لإدارة حركة الاحتجاج، فإن الشعارات الوطنية العابرة للطائفية والعرقية كانت هي الجامعة، وهكذا ترفّع هؤلاء الفتية والشبان الذين نشأت أغلبيتهم الساحقة في ظل الحصار الدولي الجائر والاحتلال فيما بعد، من التخويض في المستنقع الطائفي أو الإثني، وتجنبوا كل ما له علاقة به.

ومثلما كان آباؤهم وأخوانهم الأكبر سنّاً يحلمون بتغيير يزيح الدكتاتورية ويحقق طموحاتهم في حياة كريمة، فقد كان هؤلاء يحلمون بعراق جديد ينعمون فيه بالأمن والأمان ويتمتعون فيه بالحدّ الأدنى من الحياة الحرّة الكريمة مثل سائر الشعوب والأمم،  فإذا بحيتان الفساد يسرقون حتى أحلامهم ويبدّدون ثروات البلاد لحساباتهم الشخصية، ويتبخّر نحو تريليون دولار (ألف مليار دولار) هي واردات النفط للسنوات المنصرمة، دون أن يتحقّق لهم شيئاً يُذكر على صعيد التنمية بجميع أركانها، وما تزال الخدمات وبشكل خاص الصحية والتعليمية والبلدية دون مستوى الحد الأدنى.

حين يقول المحتجون أنهم يريدون "وطناً"، فهذا يعني شعور قلق وعدم طمأنينة وذلك بسبب التمييز والاستغلال والنهب، الأمر الذي يعني تعاظم الشعور بذبول الهويّة أو تبدّدها وتشويهها، فالوطن يعني وجود مواطنة ومواطنون لهم الحقوق مثلما عليهم الواجبات، ويخضع الجميع للقانون، وحسب مونتسكيو : فالقانون مثل الموت لا يستثني أحداً، وستكون المواطنة مبتورة وناقصة ومشوّهة مع الفقر والعوز والحاجة والجهل والأمية.

يمكن القول بكل بساطة إن هدف حركة الاحتجاج هو تحقيق مواطنة سليمة ومتكافئة وتوفير فرص عمل وإنهاء للفساد ومساءلة المفسدين والحصول على حزمة الخدمات الضرورية ، لاسيّما في العمل والصحة والتعليم والسكن وغيرها، ومثل تلك القراءة لا تلغي التداخلات والاختراقات والتجاذبات التي حصلت لاحقاً، والتي نسب بعضها إلى ضلوع قوى أجنبية لإحداث "فتنة عراقية" تم احتواؤها بطريقة ناعمة حسب مصادر حكومية ، وهو أمر يحدث، لكنه ليس مبرراً لاستخدام القوة المفرطة في مواجهة شعب أعزل وتظاهرات سلمية، كانت حصيلتها أكثر من 120 قتيلاً وما يزيد عن 6 آلاف جريح بحسب التقديرات الرسمية بمن فيهم من القوى الأمنية.

ويمكن استخلاص بعض الاستنتاجات الجديدة من خلال الإضاءة على الأزمة الراهنة:

أولا- تكاتف الطبقة السياسية الحاكمة والمشاركة في الحكم، فلم تنحاز أي منها  لجانب الحركة الاحتجاجية، على الرغم من تأكيد جميعها إن مطالبها عادلة ومشروعة، بل أن بعضها يزعم أنها مطالبه التي سبق أن رفعها ودعا إليها، لكنه لم يقف معها وظل موقفه يتراوح بين الرفض والسخط والتشكيك أو لعب دور المتفرج وأحياناً الناصح.

ثانياً - أظهرت الحركة الاحتجاجية أن الصراع الأمريكي- الإيراني على الأرض العراقية قوياً ومؤثراً، وعلى الرغم من حدّته فيما يتعلق بالعقوبات الأمريكية على إيران ومحاولة العراق تجنّب الانخراط فيها أو النأي بالنفس كما يقول بعض ساسته، فإنه ليس بعيداً عنها، سواءً أراد أم لم يرد، وحتى لو كانت رغبة رئيس الوزراء والفريق الحاكم تجنب تأثيراته أو لعب دور توفيقي فيه كما هي زيارة عبد المهدي إلى الرياض، فإنه  لن يتمكن من لعب مثل هذا الدور فالقرار لا ينبع من رغبة بقدر ما يعكس توازن القوى على الساحة العراقية. فالعراق نصفه لطهران، بحكم امتداداتها ونفوذها السياسي والمذهبي والأمني وارتباط مجاميع سياسية بها ، ونصفه الثاني لواشنطن بحكم "اتفاقية الإطار الاستراتيجي" التي ظلّت تحكم العلاقات الأمريكية- العراقية منذ العام 2008 ولحد اليوم، وترتب هذه الاتفاقية التزامات على العراق بما فيها التزامات سياسية وعسكرية وأمنية واقتصادية وعلمية وغيرها، ناهيك عن ذيول عملية الاحتلال منذ العام 2003.

ثالثاً- إن السياق الذي سار عليه رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، وهو رجل معتدل وصاحب خبرة، لم يختلف كثيراً عن السياقات التي سبقته إليها الحكومات السالفة ، حيث ظلّ مرهوناً لتوازنات ضاغطة عليه، فلم يستطع بحكم نظام المحاصصة وضع حلول ومعالجات سليمة اقتصادية واجتماعية وثقافية  عاجلة لمعالجة الأزمة البنيوية التي يعاني منها العراق منذ الاحتلال الأمريكي ، وظلّ أسيراً لتلك التوازنات التي دفعته إلى دست السلطة، ولعلّ بعضها يرغب في دفعه خارجها بعد أن أصبح وجوده فيها أمر واقع.

رابعاً-  تم اختيار عادل عبد المهدي من خارج البرلمان وضمن صفقة سياسية توافقية لعبت فيها مرجعية السيستاني الدور الأكبر وبموافقة إيرانية ودون اعتراض أمريكي، وقد كان "مرشح تسوية"، حيث كانت المنافسة في الجولة الأخيرة بينه وبين فالح الفياض، لكن حظوظه كانت أوفر من الآخر الذي تولى منصب مستشار الأمن الوطني ومسؤولاً عن "الحشد الشعبي"، وهو جيش موازٍ للجيش النظامي، حتى وإن أُخضع لنظامه، لكن تشكيلاته كانت متمايزة عنه، وقد تأسس عقب احتلال داعش للموصل بعد 10 يونيو (حزيران) 2014 وتمدّده في محافظات صلاح الدين والأنبار وأجزاء من ديالى وكركوك وصولاً للعاصمة بغداد.

خامسا- إن الهبّة الشعبية هي امتداد لهبّات سبقتها، وإذا كانت هذه المرّة في المناطق ذات الأغلبية الشيعية مثل الحلة والديوانية والنجف وكربلاء والعمارة والناصرية والبصرة وغيرها، إضافة إلى بغداد ، فإن حركة الاحتجاج في المناطق ذات الأغلبية السنية سبقتها في أواخر العام 2012 وما بعدها، حيث عانت تلك المناطق من كل ما تعاني منه المناطق الشيعية، إضافة إلى التهميش والعزل والإقصاء والتمييز، والجميع عانوا من نظام المحاصصة والفساد وضعف مرجعية الدولة على حساب المرجعيات الأخرى.

وقد شهد العراق حركة احتجاجات سلمية واسعة منذ العام 2011 تلك التي اندلعت برفع مطالب شعبية عامة خارج دائرة الاصطفاف الطائفي والإثني . ووصلت في العام 2015 إلى اقتحام " المنطقة الخضراء" وصولاً إلى البرلمان، حيث تم العبث ببعض ممتلكاته، وهكذا لم تنجُ الحكومات المتعاقبة في عهد المالكي والعبادي واليوم عبد المهدي من الاحتجاجات الصاخبة.

سادساً- كانت حكومة إقليم كردستان الأكثر وضوحاً في موقفها السلبي من حركة الاحتجاج ، لاسيّما للدعوات التي ارتفعت لإقالة عبد المهدي، وازدادت خشيتها من دخول السيد مقتدى الصدر رئيس "كتلة سائرون" على خط الأزمة، حين دعا  في تغريدة له إلى استقالة حكومة عبد المهدي والذهاب إلى إجراء انتخابات مبكرة، وكان بيان قد صدر بعد لقاء مسعود البارزاني رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني ود.أياد علاوي رئيس كتلة الائتلاف الوطني العراقي، أكّد فيه الجانبان على دعم حكومة عبد المهدي، خصوصاً وإن الكرد وحكومة الإقليم لم يجدوا أكثر منه مرونة في الاتفاق على تسوية المشاكل  العالقة، والتي قد تمهّد الطريق أمام معالجة موضوع النفط  وغيره من المسائل العقدية.

وإذا كانت حركة الاحتجاج لم تتمكّن من الاستمرار بذات الزخم بعد نحو أسبوع من المواجهة غير المتكافئة، لاسيّما عدم وجود ظهير سياسي يقف خلفها، ناهيك عن استخدام القوة المفرطة ضدها، أو احتواء بعض مطالبها بإجراءات تجميلية أو تهديئية، لكنها من جهة أخرى عمّقت الشرخ بين الشارع والحكومة وبين الشارع والأحزاب السياسية التي يتهمها المحتجون بأنها أسّ الفساد، وهو أمر قد يتكرّر إذا لم تكون الحلول سليمة والوعود منجزة وسريعة.

لقد اضطرّت الحكومة على لسان رئيس الجمهورية برهم صالح الاعتراف باستخدام القوة المفرطة ضد المحتجين، وطالبت بمحاسبة المسؤولين عن ذلك، وخصوصاً بعد اقتحام مدينة الصدر وسقوط عدد من القتلى، وكمعالجة عاجلة وسريعة لاحتواء الأزمة أصدرت الحكومة 17 قراراً صادق عليها البرلمان لامتصاص الغضب الشعبي، وبعض تلك الإجراءات مؤقتة وليست أكثر من حقنة مورفين مهدّئة : رواتب لمدة 3 أشهر للعاطلين ووعود بتمليك قطع أراضي وإيجاد فرص عمل وبرامج تدريب وقروض للشباب وضرب المفسدين (إحالة نحو 1000 ملف فساد إلى القضاء) وغير ذلك، لكنها لم تطفئ غضب الشارع.

وكانت الحكومة قد لجأت إلى بعض الإجراءات العقابية للحدّ من تأثير حركة الاحتجاج مثل التعتيم الإليكتروني وقطع الانترنيت واعتقالات ومداهمات لبعض المشاركين في الحركة أو الذين حاولوا اختراقها، وضع حواجز وتقطيع شوارع وطرقات للحيلولة دون وصول المحتجين إلى أماكن التجمع الرئيسية، إلا أن الحركة الاحتجاجية وإن خفّت نبرتها استطاعت من بلورة المطالب الشعبية الرئيسية وإعادة صياغتها وأجبرت الحكومة على التراجع، خصوصاً حين تعمّق كشف المنظور وأزيح الستار عن المستور، وما يزل جدار الأضداد ينذر بالمزيد من التباعد بين الحكومة والمجتمع، ناهيك عن أن صراع الأضداد يزداد اتساعاً، ولاسيّما بين طهران وواشنطن.

 

عبد الحسين شعبان

أكاديمي وأديب عراقي

 

عبد الرزاق العيسىانضمام العراق الى اتفاقية حظر الأَسلحة الكيميائية

منظمة حظر الأَسلحة الكيمياوية (OPCW)

بعد 12عاماً من المفاوضات، اعتمد مؤتمر نزع السلاح اتفاقية الاسلحة الكيميائية في جنيف بتأريخ 3/9/ 1992م. وهذه الأتفاقية تتيح التحقق الصارم من امتثال الدول الاطراف لها وفتح باب التوقيع على الاتفاقية في باريس في 13/1/  1993م  وبدأ تنفيذها في 29/4/ 1997م . وتعدّ اتفاقية الأَسلحة الكيميائية أَول اتفاق على نزع السلاح يجري التفاوض بشأنه في إِطار متعدد الأَطراف وينص على القضاء على فئة بأكملها من أَسلحة الدمار الشامل، في ظل رقابة دولية تطبق على الصعيد العالمي .

وعلى سبيل التحضير لبدء تنفيذ هذه الاتفاقية، شكلت لجنة تحضيرية لمنظمة حظر الأَسلحة الكيميائية، وأُنيط بها تهيئة إِجراءات مفصلة للتنفيذ، وإيجاد الهياكل الأَساسية اللازمة للوكالة المنفذة الدائمة المنصوص عليها في الاتفاقية . وحددت مدينة لاهاي  في هولندا مقراً لهذه المنظمة . وبدأ تنفيذ الاتفاقية في 29/4/ 1997م، عندها أُنشئت رسمياً منظمة حظر الأَسلحة الكيميائية وموقع الأَمانة الفنية لهذه المنظمة في (لاهاي) بهولندا . وقد انضم الى الاتفاقية حتى عام 2019 بحدود 189 دولة تمثل ما يقرب من 98 في المائة من سكان العالم . ومهمة منظمة حظر الأَسلحة الكيميائية تنفيذ أَحكام الإِتفاقية، وإيجاد نظام شفاف ذي مصداقية للتحقق من تدمير الأَسلحة الكيميائية ؛ ومنع تجدد ظهورها في أَية دولة عضو ؛ وتوفير الحماية والمساعدة ضد الأَسلحة الكيميائية ؛ وتشجيع التعاون الدولي في الإِستخدامات السلمية للكيمياء ؛ وتحقيق العضوية العالمية في المنظمة . ولابد من الإشارة الى أن اتفاق العلاقة بين الامم المتحدة ومنظمة حظر الأَسلحة الكيميائية، الذي إعتمدته الجمعية العامة في أيلول/سبتمبر 2001م، هو الذي ينظم التعاون بين هاتين المنظمتين .

انضمام العراق الى اتفاقية حظر الأَسلحة الكيميائية

في 30 تموز 2007 صادق مجلس النواب على قانون انضمام العراق الى اتفاقية حظر الأَسلحة الكيميائية وفي العامين 2007و2008 وقبل انضمام العراق رسمياً الى الاتفاقية الكيميائية وفي مرحلة التحضيرات للتوقيع والانضمام اقامت المنظمة ورشتي عمل خاصة بالخبراء العراقيين في اعداد الاعلان الاولي، وقد شارك فيها خبراء السكرتارية الفنية للمنظمة فضلا عن المراقبين من خبراء الولايات المتحدة وبريطانيا واليابان نتج عنها اكمال الاعلان الاولي الذي ضم اكثر من 200 صفحة .

وفي 12 شباط 2009 أصبح العراق دولة طرف في الاتفاقية. وعلى وفق الاتفاقية ترتب على العراق عدد من الالتزامات لتنفيذ أَحكامها، في مقدمتها:

- الإِعلان عن جميع الأَنشطة المتصلة بالأَسلحة الكيميائية إِبتداءً من عام 1945م .

- تدمير الأَسلحة الكيميائية والمرافق والمخازن والمواد والمعدات التي أُستخدمت في تصنيع الأَسلحة الكيميائية العراقية بموجب المادة الاولى/الإِلتزامات العامة / الفقرتين 2و4 .

- تقدم الدولة الطرف الى المنظمة في موعد لا يتجاوز 30 يوماً من بدء نفاذ الاتفاقية إِعلاناتها الخاصة بالأَسلحة الكيميائية وأماكن خزنها ومرافق تصنيعها بموجب المادة الثالثة .

- تقدم خطتها العامة لتدمير الأَسلحة الكيميائية التي تمتلكها أو توجد في حيازتها بموجب المادة الثالثة .

- تخضع المواقع التي تخزن أو تدمر فيها الأَسلحة الكيميائية جميعها لتحقق منهجي عن طريق التفتيش.

- في 12اذار 2009 قدم العراق اعلانه الاساسي الى السكرتارية الفنية لمنظمة حظر الاسلحة الكيميائية.

تشكيل اللجنة الفنية والاستشارية لتصفية بقايا برنامج الاسلحة الكيميائية العراقي

في 28 نيسان 2010 وباقتراح من هيئة الرقابة الوطنية بتشكيل لجنة فنية من الجهات العراقية، صدر الأَمر الديواني (83) لسنة 2010 بتشكيل لجنة فنية لتنفيذ التزامات العراق بموجب المادة الثالثة / الفقرة1/أ/5  من إتفاقية حظر الأَسلحة الكيميائية، بوضع خطة لتصفية محتويات مخزنين من بقايا ملوثة من البرنامج الكيميائي السابق، واللذين غُلِقا من قبل اللجنة الخاصة التابعة للأمم المتحدة عام 1994م. وفي 6تشرين الاول 2010 صدر قرار مجلس الوزراء (364) لسنة 2010 والمتضمن المصادقة على توصيات اللجنة الفنية المشكلة بموجب الأمر الديواني (83) لسنة2010 لغرض تحقيق متطلبات تنفيذ التزامات العراق بموجب المادة الثالثة الفقرة 1/أ/5 من اتفاقية حظر الأَسلحة الكيميائية، واستثنى القرار الفقرة (4) من التوصيات والمتعلقة بتشكيل الهيكل التنظيمي للمشروع والموازنة المستقلة وخول وزير العلوم والتكنولوجيا اتخاذ الإجراءات اللازمة لتنفيذ التوصيات، والتي نصت على تشكيل لجنة استشارية تتولى متابعة تنفيذ مشروع تصفية محتويات مخازن منشأة المثنى (الملغاة) وتحديد المبالغ المطلوبة واصدار الخطط الخاصة بعملية التصفية .

في 15 كانون الاول 2010 أَصدر مجلس الأَمن الدولي القرار 1957(2010) حيث أَبدى ترحيبه بانضمام العراق الى اتفاقية حظر الأَسلحة الكيميائية وقرر أن ينهي التدابير المتعلقة بأسلحة الدمار الشامل بموجب الفقرات 8و9و10و12و13 من القرار 687(1991) والفقرة 3من القرار 707(1991) وان يستعرض في غضون سنة التقدم الذي أحرزه العراق فيما يتعلق بالتزاماته في اطار اتفاقية الاسلحة الكيميائية .

في 14نيسان 2011 صدر قرار مجلس الوزراء (119) لسنة 2011، الذي تضمن ما يأتي :

اولاً: المصادقة على توصيات الاجتماع الثاني للجنة تصفية مخازن منشأة المثنى (الملغاة) .

ثانياً: خصصت وزارة المالية وبالتنسيق مع وزارة العلوم والتكنولوجيا مبلغ قدره 69،609،000،000 مليار دينار تمول حسب مراحل العمل لسنة 2011 والسنوات الثلاثة اللاحقة، ليس بضمنه الاجهزة والمعدات التخصصية التي يجري التفاوض مع بعض الدول الاطراف لغرض الحصول عليها بشكل مساعدات .

 

أ.د. عبد الرزاق عبد الجليل العيسى

 

 

عدنان ابوزيدلا يكفي تبني المشروع الديمقراطي في طروحاته النظرية، إذا لم يجد مسلكا له على أرض الواقع، فتكون نتيجة الفشل، اما فوضى سياسية واجتماعية، وانقسام مجتمعي خطير يصل الى تقسيم البلدان، أو انقلابات عسكرية، تعيد ترتيب، خرائط النفوذ، وتتحكم بطريقة استبدادية في مستقبل البلدان.

حين تجنح الديمقراطية عن مسارها، أو يُساء استخدام أدواتها، فانّ الفرصة مواتية لوصوليين وأفراد غير مناسبين، او متزمتين، يستغلون الميكانيكيات الديمقراطية لتنفيذ مشروع القبض على مقاليد السلطة.

اختبارات كثيرة تبرهن على انّ الديمقراطية تصبح أداةَ خطرة بيد من يسيء استخدامها كما في ألمانيا في الاربعينيات من القرن الماضي، بتسلق هتلر السلطة، على سلّم ديمقراطية قائمة على دستور ليبرالي، واستغلاله الحريات المتاحة وانهيار الاقتصاد واتساع هوة الفقر والفساد، والشعور الشعبي بالخذلان من التعددية السياسية، لتدمير النظام السياسي، وقد سهّل ذلك على الحزب النازي اقناع الناس بان الديمقراطية داء، لينفرد في مقاليد الحكم.

أوصلت الديمقراطية الصربية الرئيس سلوبودان ميلوسيفتش الى الحكم، بعد تأجيج المشاعر القومية، مطلقا حربا من أجل التطهير العرقي، مكرّسا هيمنة الحزب الواحد.

في فنزويلا، كرّس الرئيس هوجو شافيز، سلطة فردية، وسعى الى تعديل الدستور لتأمين رئاسة مدى الحياة.

في زيمبابوي، سار الرئيس موجابي على سكة الديمقراطية للوصول الى الكرسي، حتى اذا بلغه صار صاحب الصوت الأوحد في بلاده، مهمّشا دور الاحزاب، ومعطلا آليات الديمقراطية.

الديمقراطية الفاشلة فرصة سانحة للعسكر في الوثوب الى السلطة، كما في تجربة تشيلي. ففي العام 1970 وصل الزعيم الاشتراكي سلفادور الليندي إلى رئاسة تشيلي في انتخابات حرة، لكن الطامحين الى الحكم من سياسيين وعسكر استولوا على السلطة في 1973، وحاصرت دبابات أوغستو بينوشيه القصر الرئاسي بالدبابات، مطالباً الليندي بالاستسلام.

في العراق، لم يكن بناء نظام ديمقراطي بعد الاجتياح الامريكي في 2003 سلسا، إذ كادت الحرب الاهلية الطائفية ثم الإرهاب، أن تفتك بالوليد الديمقراطي. وإذا كانت البلاد نجحت في وأد الخطر، فان الفساد وسوء الإدارة لا يزالان يهددان التجربة العراقية بالفشل، أو في عدم صعودها الى أمام، على أقل تقدير.

في لبنان، لم تنجح الديمقراطية اللبنانية في تقديم نموذج ناجح ومستقر، فانزلقت البلاد الى حرب أهلية، وانفتحت الأبواب أمام التدخلات الخارجية، وراهنت الاحزاب على الولاءات الاقليمية، ما جعلها بعيدة الى الان عن مربع الاستقرار السياسي.

 الديمقراطية التركية، هي أقدم ديمقراطية في الشرق الأوسط، الا انها كانت حذرة من العسكر، ومن القوى الدينية المتشددة، على الدوام. وقد أدى ذلك الى انقلاب مفاجئ على رجب طيب إردوغان العام 2016، وقبل ذلك كان انقلاب 1980 الذي برّر تحركه في فوضى الاقتتال بين الجماعات القومية واليسارية.

وتبدو ديمقراطية تركيا، أكثر نضوجا من غيرها على رغم العثرات، ومن ملامح نجاحها ان إردوغان الذي مُنِع من مزاولة السياسة مدى الحياة بسبب إلقائه قصيدة يقول فيها بأن الإسلام هو مرجعيته، يشغل حاليًا منصب الرئاسة، بعد 11 سنة قضاها في منصب رئيس الوزراء.

الديمقراطية الباكستانية، متّهمة بتوفير ساحة لصراع مرير دائم بين الحكم المدني والعسكري، وبين القوى الليبرالية والدينية، لذلك ظلت الدولة على الدوام امام تهديد تحوّلها الى دولة دينية أو دكتاتورية عسكرية.

الدول الديمقراطية "الحقيقية" هي أقلية اليوم بين دول العالم، إذ أن نسبتها لا تتعدى ثلث دول العالم، لاسيما وان التجارب تفيد بان الديمقراطية ليست الخيار الأفضل دائما للشعوب التي تمزقها الحروب، وتوجهّها حساسيات مذهبية وقومية مفرطة، ويغيب الوعي عن أفرادها، ويتدنى مستوى التعليم بينهم، فضلا عن ارتفاع نسب الفقر، والمنظومة الاجتماعية القائمة على الاقطاعيات، والفوارق الطبقية، والقوى العشائرية، وغياب ثقافة التعددية وانحسار دور الطبقة الوسطى.

 

عدنان ابو زيد

 

محمد عمر غرس اللهيعد وصول قيس سعيد (الرئيس السابع للجمهورية التونسية) - لقصر قرطاج بخطابه الذي تقدم به للإنتخابات - حدثاً ملفتاً يتطلب النظر والتحليل، فالرجل قادم من خارج المؤسسة الحزبية التقليدية وتم أختياره وفق الإنتخابات الرئاسية، وهو أستاذ جامعي في مجال القانون تعرفه قاعات الجامعات التونسية في تونس العاصمة وسوسة متخصصاً في القانون الدستوري، قدم خطاب في حملته الإنتخابية معبراً عن مسار جديد في الخط السياسي التونسي الرسمي فيما يتعلق بالسيادة الوطنية، والموقف من القضية الفلسطينية، وما يتعلق بالعلاقة مع الكيان الصهيوني الغاصب، كما قدم وبشكل ملفت لغة عربية قوية وسليمة بعيدة عن التلهيج والفرنسة، كل هذه السمات تبدو مهمة ولافت في ما نتوقعه من تأثير يحدثه هذا الرئيس القادم في زمن يبدو حيوي، وهذا سيكون له معنى عربياً بكل تأكيد، دعونا نرى

إننا بالنظر للحدث المهم في تونس لسنا في وارد الحديث عن الخوارق السياسية او ظهور السياسي السوبرمان، ولكننا أمام توقع تأثير الخط الذي بدا عليه الرئيس الجديد، والذي يمتح من مسيرته السياسية في مجال القانون وخطابه الانتخابي المميز والواضح والذي حمل الجديد (كرئيس) في التعبير بصوت سياسي جديد من طراز مختلف هو اليوم في قصر قرطاج – رئيساً - وما يمكن أن يتوقع منه في إحداث تغيير وتطوير يمس الوضع الوطني التونسي خاصة في الأعماق المهمشة، وأيضا ما يعبر عنه من الرؤية الشعبية التونسية فيما يتعلق بالقضايا الإستراتيجية أمام الوضع العربي المتردي، وتصحيح الدور التونسي الرسمي حياله.

 في الحقيقة أن وصول (قيس سعيد) لقصر قرطاج في تونس يقول شيئاً مهما في الداخل والخارج، ويمكن لنا  أن نتوقع تغيرات إيجابية داخلية وخارجية فهو وصل بإنتخابات نظيفة مرضي عنها شعبياً وبطريقة مشروعة وفق النظام السياسي التونسي وهو ما يعطيه مشروعية وقوة وفاعلية تحريك وإحداث تغيير إيجابي حقيقي، وفي ذلك ثمة تحديات تواجهه يمكن حصرها في:

تحديات داخلية:

أولاً: تحديات أساسية وحاسمة متعلقة بإمكانية تحريك عجلة التنمية نحو الدواخل والأعماق المهمشة وكسر الطبقية الجغرافية والمناطقية التي تعرفها تونس، تلك المناطق الفقيرة المعدومة التي تعيش في الظل سوى حول المدن الكبرى أو في الجنوب التونسي، من حيث ضعف البنية التحتية وإنعدام أماكن الشغل وفرص العمل، خاصة الأسر الفقيرة والنساء العاملات في الفلاحة والقطاعات الوسطى من الشباب المهمش في الدواخل التونسية، وهو أمام تحدي يحقيق توازنات تنموية وتساوي الإنجاز بين الجهات التونسية، وذلك بالفكاك من سطوة رجال الأعمال وتأثيرهم على الخط السياسي وإتجاهات التنمية وتوزيعها الجغرافي، الأمر الذي يساهم في تجفيف منابع إستغلال الشباب في حروب  الجيل الرابع، ويوقف نزيف الهجرة إلى الخارج، ويحدث إنتعاش حيوي في الأعماق التونسية.

ثانياً: تحديات متعلقة بإحداث تطوير إيجابي في بنية المنظومة السياسية في تونس، وحلحلة المنظومة العميقة التي تجذرت وتمكنت عبر الزمن، وهي التي تشكل البيئة التي تؤثر في تونس على المدى الأعمق والأبعد، وهي مكونة من شخصيات تاريخية مخضرمة لها أتباعها في العمق ذات نزوع له تأصيله يعتمد أحياناً على الأرث البورقيبي، وله شبكته التي تنسج خيوطها وفاعليتها في مفاصل الدولة وهي الأكثر تاثيراً في الأوقات حاسمة خاصة في التنسيق مع الغرب والولايات المتحدة تحديداً، فبالمعنى الذي ظهر عليه قيس سعيد في خطابه الانتخابي وسيرته الذاتية - يبقى هذا الرئيس الجديد أمام تحدى: إما أن تحتويه هذه المنظومة عبر خطوطها العريضة فيتوافق معها ويسير في إطارها العام مع السماح له بهامش التعبير والمناورة، او يستطيع هو حلحلتها وبالتالي يتمكن من فنح الباب لتنويع هذه المنظومة من الواقع التونسي الذي عبر هو عن الكثير من تجلياتها بطريقة او أُخرى من الطيف التونسي المتنوع (تنوعات القوميون العرب والقوى الوطنية الشعبية بتنوعاتها والإتحاد التونسي للشغل) بالإستفادة من وصول شخصيات تمثل العمق  التونسي بمعناه العربي والقومي للبرلمان التونسي (حركة الشعب – المثقف الصافي سعيد – سالم الابيض .. وغيرهم)، فهل ينجح بصنع معنى لهذا الطيف يكون له تأثيره العميق والمستمر سياسياً وإقتصادياً، وهل يستطيع أن يلعب دور المايستروا بجعل كل ذلك معتبراً في الخط العريض للسياسة التونسية الرسمية داخلياً وخارجياً، متسقاً مع ما كان يقوله أثناء الحملة الإنتخابية فيما يتعلق بقضايا الأُمة العربية والعروبة والتطبيع وموقفه الواضح الجلي من القضية الفسطينية بشكل يبدو جذري، وحلحلة إتجاه الدور التونسي الخفي (دور الجهاز السياسي العميق والأمني والعسكري المتحالف والمتسق مع القفاز القطري - دور حركة النهضة واذرعها) في ما يجري في ليبيا، وأيضا الأكثر إثارة وأهمية موقفه من قضية اللغة العربية التي دأب على التعبير بها فصيحاً عربياً مفوها يبدو واضحاً في مواجهة سطوة وتمكن فرانكوفونية.

ثالثاً: تحديات متعلقة بتهذيب دور الإسلامويين خاصة الشبكة المرتبطة والقريبة من الجهاز السري لحزب النهضة ونفوذ ودهقنة الغنوشي وإرتباطاته، فيما يتعلق بدورها التكاملي مع (الأردوغانية) والدور القطري وإرتباط ذلك بما يتم فعله في المنطقة العربية  خاصة في ليبيا وسوريا (لا أحد يضمن أن  لايتم القيام بنفس الدور في الجزائر حال إستهدافها فالذي غدر ليبيا وسوريا يمكنه فعل ذلك مع الجزائر دون أدنى شك حيث أن هؤلاء الفاعلون لا يتوبون ولا يرتدعون)، فالإسلامويين منذ عام 2011م في تونس تغلغلوا بفعل فاعلية حزب النهضة وقدرته التنظيمية وشبكته المتينة والمستندة على القدرة والمهارة الفائقة في (العمل السري) والتقية والقدرة على التخفي والبراغماتية كاسلوب تمكين وتمكن، ولذا فالرئيس (قيس سعيد) سيواجه عاجلاً ام أجلاً تلك الشبكة من خلال دوره السياسي والذي بين هو خطه فيما قاله وصرح به، وهو ما يبدو مختلفاً مع مسيرة النهضة ودورها الإقليمي، فهي كانت ولازالت فاعل ولاعب كبير في منظومة الإسلامويات في المنطقة العربية من خلال علاقتها بلندن والدوحة وإسطنبول.

رابعاً: تحديات إنتشال والمساعدة في فكاك الإسلام التونسي الشعبي المحلي المتجذر من يد وسيطرة الجماعات المنظمة، وإعادة الإعتبار لدور جامع الزيتونة بعيداً عن الجماعات الإسلاموية العابرة للحدود، تلك الجماعات التي بحكم تطور حروب الجيل الرابع تقع غالباً في حبائل اللعبة الدولية عبر تحالف المال والاعلام والفتوي واللعبة الدولية، فتونس التاريخية في مسالة الإسلام والدفاع عن الثقافة العربية الإسلامية لها السبق شعبياً في لعب دور إيجابي في محيطها في قضايا الإصلاح الفكري وتهذيب سلوك المجتمع ونفوذ الأوامر والنواهي القرأنية، الأمر الذي يعد حيوي وضروري في إنتشال هذه المقدرة التونسية من أيادي الشبكات العالمية التي تسيرها غالباً إدارة أعمال في إطار اللعبة الدولية حتى دون أن يعي الكثير من البسطاء من المنتمين للحركات الإسلاموية.

التحديات الخارجية:

أولاً: تحديات متعلقة بالدور التونسي في الفضاء العربي فتونس التاريخية لها تأثير في مسيرة الأمة العربية منذ القدم، وهي في المغرب العربي دُرة العروبة المكنونة، حيث يبرز تحدي إستعادة إيجابية هذا الدور والذي للأسف كان (رسمياً)  في اللحظة العربية الحرجة – منذ عام 2011م - متسقاً بل واداة مكملة لدور القفاز القطري خاصة في ليبيا، الأمر الذي لم تعهده تونس التاريخية حيث تم (الغدر بليبيا) عبر المنظومة السياسية والأمنية والعسكرية التونسية (يمثلها الباجي وأخرون متجذرون في المطبخ السياسي التونسي – الجنرال رشيد عمار ممثلاً للجيش – والجهاز الأمني العميق) بالمشاركة في إتخام ليبيا بالأسلحة بل وفتح منفذ غير قانوني على الحدود الدولية وإدخال (أطنان الأسلحة القطرية) وفتح القواعد العسكرية والمواني لإستقبال تلك الأسلحة وتسهيل عبورها للجارة ليبيا، الأمر الذي سبب ولا يزال يسبب أضرار بالغة لازالت مستمرة على ليبيا المجتمع والدولة والنسيج الإجتماعي.

ثانياً: تحدي الموقف من الشراكة الإستراتيجية التونسية مع الولايات المتحدة، فهذه الشراكة تفسر في إطار سلوك الولايات المتحدة في المنطقة العربية، في إطار أدارة أميركا للوظيفية السياسية للأنظمة العربية في سياق هذا السلوك، فمن خلال موقف الرئيس الجديد من العلاقة بالكيان الصهيوني الغاصب (التطبيع كمصطلح ومعنى)، تتضح ملامح سياقه السياسي وما يتوقع منه، وهو ما سيكون حتماً مطروحاً في مسالة هذه الشراكة الإستراتيجية مع الولايات المتحدة والدور الوظيفي المرسوم لها، سوى فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية وما يتعلق بما يجري في منطقتنا العربية والذي في الكثير منه من ضمن حروب ا لجيل الرابع التي تلعب بها أيادي الغرب.

ثالثاً: تحدي تصحيح العلاقة مع سوريا، فالمرتزقة من الشباب التونسي الذين حفزتهم ونظمتهم وسفرتهم الجماعات الإسلاموية من تونس (رغم رفض تونس الشعبية العميقة لذلك) عبر جهازها السري  والذي لم يكن بالتأكيد بعيداً عن أعين جهاز الأمن التونسي القوي والمعروف بفطنته وحرفيته وقدرته العالية على ضبط الأمن، فالأف الشباب من تونس تم نقلهم لقتال الليبيين والمشاركة في الحرب عليهم، وأخرون عبرها إلى سوريا بفعل فاعل يعرفه الأمن التونسي القوي جيداً، وشاركوا في قتل وتهجير وتدمير سوريا وشعبها.

رابعاً: تحدي الدور التونسي المطلوب في المغرب العربي، فتونس عنصر فاعل وقوي وله تقديره وإحترامه بين إخوته في المغرب العربي، وتحريك عجلة التكامل في المنطقة يعد عاملاً حيوياً خاصة وأن تونس تحضى بعلاقات أخوية متينة مع كل بلدان المغرب العربية، وتونس الشعبية والدولة وخدماتها ترتبط اقتصادياً بكل جدارة بليبيا والجزائر في السياحة والعلاج، وهو مايعد تكاملاً مهما نجحت تونس في إنجازه حقق لها فؤائد إقتصادية ومالية معتبرة، وهذا في المغرب العربي يحسب في طريق وحدة المنطقة وتكاملها فنحن شعب واحد واسرة واحدة وبنية تحتية واحدة.

أن المتوقع من وصول الرئيس قيس سعيد يعد تفاؤلاً مهماً بالنظر لما يمثله من خلال خطابه ومسيرته المهنية وطريقة وصوله للرئاسة وأيضاً المقدرة التونسية الواعية، وهذا المتوقع أيضاً مرتبط بأهمية تونس في أُمتها العربية فتونس شعبياً دائماً تُحدث الفرق ولها تأثير كبير في محيطها عبر نخبها وإعلامها ووعي شعبها وقطاعاتها الشعبية من طلاب ومحامين وأكاديميين معتبرين في دنيا البحث العلمي والإنتاج الفكري، وإتحاد تونسي للشغل وأيضاً من خلال الكثير من السياسيين البارزين، إنها تونس والحدث فيها لا تؤطره الحدود ولا يغلق عليه باب، فتونس نسيج عربي متين متواصل مع قضايا أمته في عمقها في دمها ولحمها، ونحن الليبيون من بين بقية العرب الأكثر إرتباطاً بتونس فهي منا ونحن منها (ليبيا وتونس أشبه حالة عربية باليمن الشمالي واليمن الجنوبي سابقاً)، فما يحدث في تونس يُخصنا ويتعلق بنا ويؤثر فينا بطريقة او أُخرى، ورئيسها هو رئيسنا نحن أيضاً حتى وإن لم نضع أوراقاً في صناديق الإنتخاب لإنتخابه.

والله من وراء القصد

 

د. محمد عمر غرس الله

كاتب ليبي مقيم ببريطانيا

 

"لابد أن تكون للقدرات الثلاث مجتمعة.. القدرة على الملاحظة.. والقدرة على التفكير.. والقدرة على البوح والمطالبة... مجملا لجميع وسائل تطوير القوى الحياتية وتطبيقها.. إذ لا أحد يعرف مديات قوة قدراته.. حتى يختبرها!!!"

  بادئ ذي بدأ لن أخجل ولن أجامل فإنا اشك واشكك بالفرضية المشاعة حول إن كل استطلاع للرأي العربي العام يمكن أن يكون له معنى أو أية مصداقية، وبعبارة أخرى اشكك في حقيقة وجود إنتاجا للرأي العربي أو بإمكانية التعبير عنه أو حتى بإتاحة ذلك للجميع، وأرى أنه من الممكن إثبات أن في بال الحكام جميع الآراء العربية العامة ليست مهمة على الإطلاق، وأن حقيقة جمع الآراء بأستطلاعات الرأي هي ليست أكثر من إنتاج أعمال فنية مزيفة لا معنى لها، وببساطة ليست هناك فرضية صريحة حول وجود إجماع حول القضايا، وغالباً ما يتم تحدي استطلاعات الرأي العام بطابع السؤال عن تمثيلية العينات، وأعتقد أنه نظراً للحالة المأساوية الراهنة للواقع العربي وكذلك للوسائل التي تستخدمها برامج تلك الأستطلاعات فإن هذا الاعتراض لا أساس له من الصحة لأنه لا يتم إجراء العمليات بصدق بحيث يتم طرح الأسئلة الكلاسيكية بطرق مائعة وماكرة أو استخدام حيل الزيف في صياغتها، وغالباً ما يتبين أن الإجابة مشتقة من شكل بناء الأسئلة وحتى الإشكاليات الخاصة التي يقام بها ذلك النوع من التنظيم ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالظاهرة وتخضع لنوع معين من النظام الاجتماعي الوالي والتابع والمنتفع من الأنظمة الحاكمة.

بعالمنا العربي تخضع الإشكاليات التي تقترحها دراسات الرأي العام للمصالح السياسية المرتبطة بإبراز حكمة وعبقرية الحاكم، وبذلك سيمحق بشدة كل من معنى للأسئلة وللإجابات ويفضح هدف نشر النتائج!! إن استطلاعات الرأي العام في أشكاله الحالية هو أداة حمقاء للعمل السياسي، ولعل أهم وظائفها غرس الوهم القائل بأن هناك رأي عام باعتباره حتمية يتم الحصول عليها فقط من خلال إضافة آراء فردية، الغرض منها إخفاء حقيقة بؤس ويأس وضياع الرأي الشعبي العام، وعبره تأمل الأنظمة الحاكمة للتأثير الأساسي على تسطير فكرة وجود رأي داعم لها بالإجماع وذلك محاولة منها لإضفاء الشرعية على سياساتها، ولإحكام خروج نتائج ترضيها فهي تعمد على وضع وفرض فلسفة خفية للتصويت على استطلاعات الرأي العام وإذا ألقينا نظرة عن قرب فسنجد أن النسبة المئوية لأولئك الذين لا يجيبون على الاستبيانات أعلى بشكل عام بين الإتباع والمواليين مقارنة بالمشكوك في ولائهم لها، وأن الفرق في هذا الصدد هو الأكثر أهمية إذ أن الأسئلة الأكثر طرحًا تكون سياسية وكلما كانت مسألة الاستبيان أقرب إلى مشاكل المعرفة والإدراك ازداد الفرق في حصة "غير مجاب" بين الأكثر تعليما والأقل تعليما  وبين الأقل أو الأكثر خضوعا، وكلما تناولت الاستطلاعات قضايا النزاع وعقدة التناقضات الدينية والوطنية كلما زاد التركيز على السؤال عن أي فئة معينة من الناس تستطلع، وكلما ازدادوا عددا سيجتمعون خوفا ورعبا على حصة لم تتم الإجابة، لذلك لن يقدم الاستطلاع سوى تحليل بسيط للإحصائيات وستبرز به بقوة حصة "بدون إجابة"، فيتم تعريف المعلومات على أنها الاحتمالية فيما يتعلق بتلك الفئة للحصول على رأي وكاحتمال مشروط للحصول على رأي مؤيد للنظام الحاكم.

إن أحد أكثر الآثار الضارة لدراسة الرأي العربي العام هو بالتحديد أن الناس مطالبين بالإجابة على أسئلة لم يطلبوها هم أنفسهم أو أنهم يخشون ويتهربون من الإجابة عليها ولنأخذ على سبيل المثال أسئلة تركز على القضايا الأخلاقية سواء كانت تتعلق بصرامة الآباء أو العلاقات بين المدرسين أو الطلاب أو التوجيه التربوي أو الدراسي وما شابه، في كثير من الأحيان ينظر إليها الناس على أنها مشاكل أخلاقية وكلما انخفض مستوى هؤلاء الناس في التسلسل الهرمي الاجتماعي كلما انخفضت فاعلية الأسئلة، وقد تكون تلك الأسئلة تطرح نفسها كقضايا سياسية للناس حين يكون الاستطلاع للطبقات العليا فتتحول الاستجابات الأخلاقية إلى استجابات سياسية تشيد بالنظام السياسي وتمجد بالزعيم الحاكم وأخلاقياته وذلك بمجرد فرض مستويات ووجهات نظر لطبقات عليا والتي دوما ما تكون من اشد الطبقات ولاء للأنظمة السياسية للمنافع المادية والتسلطية التي كسبتها بوجودها.

بعالمنا العربي وعلى النقيض من كل العوالم الأخرى فيتم تصميم الاستبيانات بطريقة تجعل الناس لا يسألون ولا يفكرون أو حتى لا يعتبرون أنفسهم مشاركين أو مهتمين في السياسة أو قريبين منها، وذلك يكشف عن اختلاف خطير للغاية في فن نوعية الاعتماد على نوع المجموعة الاجتماعية إذ إن الشرط الأول للحصول على إجابة ملائمة لمسألة سياسية هو القدرة على تمثيلها على وجه التحديد والثاني هو القدرة على تطبيقه على فئات سياسية بحتة والتي قد تكون بدورها ملائمة إلى حد ما أكثر أو أقل تطوراً، وإن كتلة الأجوبة التي تعتبر إجابات سياسية تتم في الواقع وفقا للطبقة العرقية غير إن ذلك ليس من المستحيل تطبيقه في عالمنا العربي إنما الحق نقوله انه لا يمكننا أصلا التفكير بوجوده أو حتى الحلم بعمله!!! وبالتالي قد تكتسب تلك الاستطلاعات المزيفة معنى مختلفا تماما عندما يتم عرضها وبحثها وتحليلها على أوضاع المجال والحياة السياسية.

في رأيي ينبغي التشكيك في أهمية الإجابات على معظمها لان السلسلة الأولى منها تسيء وتؤثر على الابتكار في العلاقات الاجتماعية وتكون في مستوى ارتفاع مكانة المستجيب في التسلسل الهرمي الاجتماعي وتفوق مستوى التعليم، وعلى العكس من ذلك فإن الأسئلة التي تؤثر على أنواع التغيرات الفعلية في علاقات القوة بين الطبقات كلما زاد رفض المجيبين أكثر كلما كان المدعى عليه أعلى في التسلسل الهرمي الاجتماعي، وبكل بساطة وخلال استطلاع الرأي العربي العام، لا الأسئلة التي تطرح في الواقع يتم تنفيذ تفسير الإجابات لهها بغض النظر عن الإشكالية التي تنعكس حقا في إجابات فئات مختلفة من المجيبين وان المشاكل المسيطرة هي فكرة تدور لتعطي قائمة بالأسئلة التي طرحتها مؤسسات المسح أي المشاكل التي تهم في المقام الأول أولئك الذين يريدون أن يكونوا على علم بوسائل تنظيم أعمالهم السياسية فيتم استيعابهم بشكل غير متساو من قبل الطبقات الاجتماعية المختلفة، وإذا كانت استطلاعات الرأي العام تفهم بشكل سيئ حالات الرأي المحتملة فإن السبب هو وضع مصطنع يتم فيه تسجيل آراء الناس بواسطة صناديق الاقتراع وفي الأزمات تتكون حالات الرأي عبر توجيه الشعوب بآراء متشعبة وآراء مدعومة من قبل مجموعات سياسية تابعة للنظام بصور فردية أو فوضوية وبالتالي فإن الاختيار بين الآراء يعني الاختيار بين المجموعات التابعة للحاكم، وهذا هو مبدأ تأثير التسييس الناجم عن فحوى وامتداد الأزمات. وكما إن هناك آراء تشكلت وحشدت وانضغطت بجماعات حول النظام في إشكال واضحة من المصالح المتقاطعة، ولذلك فأن الاستطلاعات هي ليست آراء حقيقية، وبياناتها ونتائجها ليست مقبولة وذلك حينما يطلب دوما من المشاركين فيها أن يختاروا موقفًا بين الآراء المُصاغة، وما إن يتم ذلك عن طريق الجمع الإحصائي البسيط للآراء المنتجة حتى يتم بهذه الطريقة إنتاج وإعلان النتائج والتي هي بجملتها منافية للوقائع ومناقضة وشاطبة لحقيقة الرأي العام. وإن حقيقة عزف الشعوب عن التعبير أو عدم الإصرار عليه تتضح عبر حقيقة أن همة الاستعدادات للعديد من الفئات الاجتماعية والإرهاب والإرعاب السياسي المتعمد ازائها يمنعها من الوصول لوضعية طرح الرؤية الصريحة لها أي أنها غير مكتملة وغير متمكنة لكنها تدعي تماسك التعبير وحاجة الاستجابة العامة، وأن الناس الذين ليس لديهم رأي سيختارون في جو من الأزمات وعن طريق الصدفة، لذلك أوقن وأؤكد أن الرأي العربي العام الصريح لا وجود له ومحدد في الكبت الحاد والصمت المفجع والرأي المكبوت حد النهاية.

 

بقلم/ الدكتور ميثاق بيات ألضيفي

 

باسم عثمانوليست خيارا سياسيا!!!

ما يغيب عن غالبية المنشورات الحزبية الفصائلية والإعلامية السياسية على منصات الاعلام وداخل اروقة الصالونات الأدبية التوصيفية،ان الانتخابات الفلسطينية (التشريعية والرئاسية) المزمع اجراؤها، انها تحتاج وبالدرجة الأولى الى الإرادة السياسية لأصحاب القرار الفلسطيني في الضفة والقطاع، وتحتاج أيضا الى التوافق الوطني على الإجراءات الإدارية لإنجازها و ترتيبها ونجاعتها،حتى لا تتحول الى كارثة وطنية – بقصد او بدون قصد – من انقسام سياسي اداري الى انفصال اداري وجغرافي سياسي تتكرس فيه الكانتونات الجغرافية الفلسطينية (في الضفة وغزة والقدس)، وبالنتيجة، خدمة مجانية ميدانية لأهداف المشروع الأمريكي – الإسرائيلي وتجلياته السياسية  في عناوين صفقة القرن الامريكية.

وما يغيب أيضا عن التفكير الفلسطيني الرسمي، ان هذه الانتخابات المركبة : الدستورية الإدارية والسياسية الوطنية، هي اجراء مركب: إداريا و سياسيا، تتعلق برافعتي الحالة الفلسطينية بشقيها: منظمة التحرير الفلسطينية كائتلاف وطني عريض تمثيلي وسياسي، والسلطة الفلسطينية باعتبارها احدى مكونات الحالة الوطنية الفلسطينية ومعنية بدورها الإداري الخدماتي الجغرافي لجزء من الشعب الفلسطيني المتواجد على ارضه المحتلة، والتي تتمايزعن دور ومهام منظمة التحرير الفلسطينية كاطار تمثيلي – سياسي لحركة التحرر الوطني الفلسطيني لإنجاز استحقاقات مشروعها الوطني في الحرية والاستقلال، في حين ان  السلطة تمثل الأداة الوطنية واحدى إنجازات الأخيرة (م.ت.ف) على طريق تحقيق السيادة الوطنية.

هذا الموقف ينطلق في تعاطيه من الانتخابات من مجموعة حقائق:

الحقيقة الأولى: ان السلطة الفلسطينية ليست كيان سيادي سياسي، طالما هي تحت الاحتلال، وهي ليست ممثلة لعموم الفلسطينيين (إداريا وسياسيا ووطنيا) و لطالما تقتصر في ادارتها ورعايتها على الفلسطينيين المتواجدين في الضفة والقطاع والقدس، وهذه الإدارة لشؤون الفلسطينيين في الداخل الفلسطيني  تعكس نفسها بصورة او بأخرى، على صمود شعبنا وادواته الوطنية والاجتماعية لإنجاز مشروعه الوطني، لذلك، فهي ادارة مهمة بالمفهوم الوطني وتعكس معطى سياسي في معركتنا الوطنية السياسية، لهذا، فان بنية السلطة وتركيبتها وان كانت ليست سياسية فهي تؤدي لنتائج سياسية .

الحقيقة الثانية: ان شعبنا يدرك تماما انها انتخابات تحت سقف الاحتلال، وهي انتخابات إدارية من جانب، وسياسية من جانب اخر، لمكونات الحالة الفلسطينية بشقيها (منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية)، لذلك، لا بد من انتاج ومن خلال التجديد الانتخابي لإدارة ذاتية ملتزمة بثوابت شعبنا الوطنية وحقوقه المشروعة - معطى وطني- لأفشال أهداف المشروع السياسي للاحتلال الإسرائيلي وتجلياته الميدانية من خلال تعزيز صمود شعبنا على ارضه و الحفاظ على الثوابت الوطنية، ومن حيث المبدأ، كل مؤسساتنا المدنية والوطنية والاجتماعية تحت سقف الاحتلال (البلديات، الجامعات، التعليم، الصحة ..الخ)، لذلك،لا مبرر للتعاطي مع المنطق الانتقائي مع ما هو تحت سقف الاحتلال وبما يخدم رؤى حزبية ضيقة، ورفض ما هو تحت سقف الاحتلال ولنفس الغاية، الا اذا كان ذلك يكرس الهروب الى الامام من استحقاقات الهم الوطني وتعبيراعن الإفلاس والاستسلام والانبطاح السياسي.

الحقيقة الثالثة : والمهمة والتي يجب ان لا تغيب عن بالنا وتحليلاتنا السياسية، ان الانقسام في الحالة الفلسطينية أيضا مركب : هو انقسام اداري سلطوي من جانب، وانقسام سياسي وطني من جانب اخر، الأول سبيله الوحيد للخلاص منه :هو اجراء الانتخابات الادارية  في الضفة والقطاع والقدس، والثاني سبيله الوحيد للخلاص منه : هو بأطلاق باكورة الحوار الوطني الفلسطيني لإنتاج الرؤية الاستراتيجية الوطنية الفلسطينية التوافقية استجابة لمتطلبات عودة النهوض الوطني الفلسطيني مجددا، وبما يعزز من مكانة منظمة التحرير وصدارتها وقيادتها للمشروع الوطني الفلسطيني وإنجاز مهامها كحركة تحرر وطني .

إن تنفيذ أي من هذه الاستحقاقات الوطنية يتطلب القيام بالخطوات الآتية:

- على الرئيس الفلسطيني الإعلان عن موعد إجراء الانتخابات، إثر انجاز لجنة الانتخابات المركزية للمشاورات التي تقوم بها وتقديم تقريرها، ضمن الحدود الزمنية المحددة في بنود المحكمة الدستورية.

- ان يدعو الرئيس الفلسطيني هيئة تفعيل وتطوير مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية والمكونة من الأمناء العامين للفصائل الفلسطينية وأعضاء اللجنة التنفيذية ورؤساء المجالس التشريعية الفلسطينية وشخصيات وطنية واجتماعية ومدنية لتفعيل المؤسسات ولبلورة رؤية وطنية توافقية للأجماع الوطني واستراتيجيته المقاومة.

- الاتفاق على اعتماد النظام الانتخابي النسبي الكامل لإتاحة الفرصة لمشاركة كافة أطياف الفصائل والقوى السياسية والاجتماعية الفلسطينية وضمان تمثيلها في التشريعات الفلسطينية وفقا لحجمها النسبي في المجتمع الفلسطيني، أو: اعتماد نظام انتخابي على مستوى الدوائر، والذي قد يتيح مشاركة قوائم المستقلين في الدوائر لضمان وصول شخصيات محلية مستقلة قد لا تكون لها فرصة لإقامة قوائم على مستوى الوطن، أو: اعتماد نظاماً انتخابياً نسبياً مختلطاً، بحيث يتم انتخاب نصف مقاعد المجلس التشريعي "البرلمان" عبر قوائم على مستوى الوطن، والنصف الثاني عبر قوائم على مستوى الدوائر.

- التعهد من قبل " سلطتي طرفي الانقسام الإداري والسياسي في الضفة والقطاع" بضمان حرية ونزاهة الانتخابات، وضمان احترام نتائجها والتسليم بها.

-تكليف لجنة الانتخابات المركزية بالتحضير للانتخابات ووضع الخطط الكفيلة بمنح المصداقية للعملية الانتخابية وتعزيز نزاهتها وشفافيتها من خلال وجود هيئات رقابة دولية تحظى بثقة الاطراف الفلسطينية، سواء أكانت من هيئة الامم المتحدة أو من أطراف فلسطينية أو عربية أو إسلامية ومنظمات اجنبية.

نحن احوج إلى بلورة استراتيجية وطنية متماسكة وعلى أعلى المستويات للبحث في كيفية مشاركة الجميع وبدون استثناء في هذه الانتخابات، وتوفير ضمانات فعلية لإنجاز هذا الاستحقاق الوطني بشقيه الإداري والسياسي، وميدان الاتفاق على هذا من خلال حوار وطني عام وشامل يقوده الرئيس عباس ويشارك فيه أعضاء اللجنة التنفيذية ورئيس المجلس الوطني الفلسطيني والامناء العامون لفصائل العمل الوطني وشخصيات مستقلة، هذا هو الإطار الوحيد الذي يمكن من خلاله أن نصل إلى تفاهمات تمكننا من اجراء الانتخابات في الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة، وغير ذلك، ستقودنا الانتخابات بدون الإجراءات والاليات التمهيدية لها ولنجاحها، الى كارثة وطنية يصعب التنبؤ بنتائجها.

ان نجاح أنجازهذا الاستحقاق الوطني -وهو ليس خيارا سياسيا تكتيكيا بالمناسبة -في الإرادة السياسية الفلسطينية الخالصة، ولا يحتاج الى مكياج الاجندات والتكتيكات الاستعراضية والفئوية الفصائلية، قالها الشعب الفلسطيني وسيقولها مجددا:" لقد بلغ السيل الزبى".

 

د. باسم عثمان

كاتب وباحث سياسي

 

عبد الحسين شعبانيعتبر بعض الباحثين أن مصطلح "الترامبية" هو تعبير عن تيار فكري آخذ بالتبلور منذ تولّي الرئيس دونالد ترامب الإدارة في البيت الأبيض، وهو ليس عابراً أو ظرفياً، وإنما هو امتداد موضوعي لتراكم طويل الأمد في السياسة الأمريكية، في حين يراها آخرون أنها ردّ فعل سياسي طارئ ومؤقت ومرهون بوجود الرئيس ترامب على رأس السلطة في الولايات المتحدة.

وثمة سؤال آخر يتمحور حول جوهر "الترامبية"، أهي وليدة التطورات الجديدة والشاملة في الأوضاع الدولية، خصوصاً بعد تراجع دور الولايات المتحدة عقب غزو أفغانستان 2001 واحتلال العراق 2003 وفشل سياساتها لمواجهة "الإرهاب الدولي"؟ أم هي محاولة شعبوية لرئيس امتهن التجارة وسعى لوضع السياسة في خدمتها، لاسيّما برفع أكثر الشعارات رنيناً وصخباً متجاوزاً على ما هو مألوف من سياسات تقليدية اعتادت عليها واشنطن؟

وبعد ذلك فهل أصبح الوقت كافياً لتحديد الملامح الأساسية للترامبية سواءً أكانت تياراً فكرياً جديداً أم نهجاً سياسياً ارتبط بالرئيس الخامس والأربعين وسُجّل ماركة تجارية باسمه؟ ثم ما هي خصائص الترامبية وسماتها داخل منحى السياسة الأمريكية وانعكاساتها عالمياً، لاسيّما مستقبل العلاقات الدولية؟ الأمران جديران بالدراسة والتأمل بغض النظر عن "المصطلح" وما يمكن أن يتضمّنه من حمولة فكرية أو سياسية، إذْ يبقى جزءًا من ظاهرة نحاول التعرّف على ملامحها الأساسية:

الملمح الأول-  البزنس، "العمل التجاري" حيث يمثّل جوهر الترامبية فكراً وممارسة، لأنها تقوم على فلسفة توظيف السياسة في خدمة التجارة، وعلى الرغم من أن عدداً من الرؤساء جاءوا من ذات المهنة، لكن ترامب أخضع السياسة للبزنس، وهو لم يتصرّف أكثر من كونه "رجل أعمال" في حين أنه رئيس أكبر دولة في العالم، وقد مضى بسلوكه التجاري شوطاً بعيداً حدّ التطرّف بإخضاع السياسة والعلاقات الدولية  لاعتباراته.

الملمح الثاني- إعادة القرار في السياسة الخارجية إلى البيت الأبيض، بالدرجة الأساسية، وإضعاف ما سواه من مراكز مؤثرة، مثل وزارة الخارجية ووزارة الدفاع "البنتاغون" والمخابرات المركزية الأمريكية CIA، ويدلّ على ذلك الإقالات أو الاستقالات لعدد من كبار المسؤولين والأركان في اتخاذ القرار، وربما كان أهمهم وزير خارجيته جيم ماتيس.

الملمح الثالث- إملاء الإرادة على الحلفاء طبقاً لقاعدة امتثالهم له ومشاركتهم "الحيوية" في تنفيذ القرار الأمريكي، سواء كان ذلك يتّفق مع مصالحهم أو لا يتّفق ، وقد أجرى العديد من الرؤساء الأوروبيين تعديلات على سياسة بلدانهم الخارجية تبعاً لمواقف واشنطن ، حتى وإن عبّروا عن تبرّمهم منها.

الملمح الرابع- التخلّي عن قيم الثقافة الأمريكية للحقوق والحريّات التي كانت واشنطن تتباهى بها تقليدياً وأخذت تضيق ذرعاً من انفتاحها، وخصوصاً إزاء المهاجرين، فأغلقت الأبواب وحاولت بناء أسوار لمنع الهجرة.

الملمح الخامس- العزلة والانقسام والتفرّد في السياسة الخارجية، وقد ازدادت واشنطن تدخّلاً بشكل مباشر في اختيار قيادات المنظمات الدولية، فترجّح كفّة هذا وتحول دون وصول ذاك في تصرّفات فجّة ومنفّرة للدبلوماسية الدولية.

وأخذ المجتمع الدولي ينظر بعين عدم الثقة للسياسة الأمريكية وقراراتها المتفردة فيما يتعلق بالانسحاب من عدد من المنظمات والمعاهدات الدولية مثل: اتفاقية الشراكة التجارية عبر المحيط الهادئ (يناير/كانون الثاني/ 2017) وهي أولى الاتفاقيات التي انسحب منها ترامب، واتفاقية باريس للمناخ (يونيو/حزيران/2017) والانسحاب من اليونسكو (اكتوبر/تشرين الأول/2017) والاتفاق بشأن الملف النووي الإيراني (مايو/أيار/2018) والانسحاب من مجلس حقوق الإنسان (19 يونيو/حزيران 2018) وتجميد المبالغ المخصصة للأونروا (آب أغسطس/ 2018) والانسحاب من معاهدة نزع السلاح النووي مع روسيا ( 1 فبراير/شباط/2019) والموقعة مع الاتحاد السوفييتي السابق والاتفاقية الدولية لتنظيم الأسلحة التقليدية (26ابريل/ نيسان/ 2019) وغيرها.

الملمح السادس – ضعضعة التوازن الدولي بخلق الفوضى، لاسيّما بتشجيع الهويّات الفرعية وتفتيت الدول والبلدان وفرض الحصارات وإضعاف الثقة بميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي والاتفاقيات والمعاهدات الدولية  بما يزعزع أركان النظام الدولي ويشيع جواً من التوتر وعدم الاستقرار، بما فيه منع أي تقاربات أو تحالفات سواء تخصّ الأصدقاء أو الخصوم، ولعل الموقف من البريكست والاتحاد الأوروبي، ناهيك عن الموقف من الصين وروسيا خير مثال على ذلك.

الملمح السابع-  الرهان على التهديد بالقوة حتى وإنْ لم تستخدمها، حين تلجأ في الكثير من الأحيان إلى الضغوط الاقتصادية للتأثير على سياسات الدول، العدوّة والصديقة لابتزازها، من خلال هيمنة الشركات الكبرى والسيطرة على الموارد وفرض العقوبات الاقتصادية: روسيا والصين وتركيا وإيران وكوريا وسوريا وقبل ذلك العراق، متجاهلة مصالح الشعوب وما ينجم من ردود فعل بسبب ذلك.

الملمح الثامن – التناقض والتخبّط القائم على المنفعية والذرائعية، خصوصاً بنفي حق الشعوب بتقرير مصيرها والمثال الأصرخ هو فلسطين، حيث تنكّرت الترامبية لسياسات الرؤساء السابقين بمن فيهم: أوباما وجورج دبليو بوش وكلينتون، فقامت بنقل سفارتها إلى القدس، وأعلنت عن "إسرائيلية" الجولان السورية "بحكم الأمر الواقع"، وفي الحالين ثمة تعارض صارخ مع قرارات مجلس الأمن وما يسمّى بـ"الشرعية الدولية".

 

عبد الحسين شعبان

باحث ومفكر عربي

 

كاظم الموسويهدا الحراك الشبابي الغاضب في العراق بعد اسبوع من التظاهر اليومي وقدم تضحيات جسيمة تجاوزت الأرقام المعلنة، عكست أساليب عنف تفضح النوايا والغايات التي تفاعلت في إدارة البلاد والعلاقة بين السلطات والشعب. وفي الوقت نفسه لا يعني هذا أن الأمور ختمت وان الغضب الشعبي بعد تلك الدماء سيسكت أو يتوقف نهائيا مهما وعد أو اغري بإصلاحات لا تتحقق عمليا أو واقعيا وتظل وعودا كسابقاتها من الحكومات السابقة التي تركت المطالب المشروعة، بعد ان اعترفت بها لفظيا، دون تنفيذ فعلي، بل زادت في اعمال الفساد والعرقلة فيها، ولاسباب لم تعد سرية، ومنها التدخلات الأجنبية.

لقد أعلن رسميا عن استشهاد مئة وأربعة مساء اليوم السابع 2019/10/7 وزاد في الليل إلى مئة وعشرة شهداء، وعن إصابة ستة آلاف وزاد العدد إلى ستة آلاف وخمسمائة مواطن عراقي، مدني وعسكري، وهناك من يضع ليس شكا في ما اعلن وحسب بل يعلن أرقاما أخرى تتجاوز المعلن. وهي في كل الاحوال ارقام مجزرة دموية لا يمكن الصمت عليها أو تمريرها دون المطالبة بمحاكمة وكشف المرتكبين لها والمنتهكين لابسط الحقوق المشروعة والمتفق عليها قانونيا ودستوريا وإنسانيا.

بلغ السيل الزبى ولم تعد الوعود المعسولة مقبولة أو قادرة على إرضاء المحرومين والمحتاجين والجائعين فعليا لا قولا أو تعليقا إعلاميا. رغم اسراع الرئاسات الثلاث في بغداد، (الجمهورية، مجلس الوزراء، مجلس النواب)، إلى الاجتماع والخطاب وتقديم برامج عمل إصلاحية لملاقاة المطالب التي رفعتها تظاهرات الغضب الشعبي، والى اتخاذ قرارات عاجلة  لمعالجة المطالب وتوفير إمكانات وقدرات، مما يستدعي أسئلة عنها، لماذا لم تتوفر قبل ذلك وكانت أغلب المطالب معروفة ومرفوعة في الحراك الشعبي في الفترات السابقة، أو السنوات السابقة. وهل ستنفذ بأكملها ام ستكون كسابقاتها، اقوالا بلا افعال، محاولات شراء وقت وتعليق الاحتجاجات الشعبية أو تجزئتها؟.

وسائل العنف التي واجهت الحراك الشعبي الاخير، كشفت قسوة مفرطة وتعاملا عدائيا لا يمكن أن يعبر عنه بشكل محايد، رغم الحديث عن طرف ثالث أو جهات مشبوهة وموجهة من جهات لها مصالح بإثارة العنف واستفزاز الحراك الشعبي وإثارة النقمة على الجهات السياسية الرسمية أو المشتركة معها في العملية السياسية. وهي ايضا وفي كل الأحوال يجب أن  تحاسب وتسجل كجرائم جنائية لا تمر مرور الكرام. وايقاف الاعتداء والتهرب او الإفلات من العقاب.

الهدوء والقرارات والوعود امام اختبار، تتطلب إعادة النظر والاستفادة من دروس التجربة الماضية، وعدم تكرار أو المراوحة والقفز على الأسباب  والمبررات والنتائج والتداعيات. والاهتمام الجدي بكل ما يصدر من مسؤولين، أو نواب، أو اعلاميين ممارسين. مثلا تصريح نائبة برلمانية، يستدعي التوقف عنده ووضعه في مواجهة السلطة والتشريع والمسؤولية. إذ أعلنت النائبة عن تحالف النصر هدى سجاد، يوم الثلاثاء 2019/10/8  أن الأرقام المعلنة حول ضحايا المظاهرات غير دقيقة ويفوق الإحصائيات المعلنة. (أليس هذا كلاما مسؤولا ويقتضي الدليل والمساءلة؟!)

وقالت هدى لشبكة رووداو الإعلامية، إن "الإحصائيات الرسمية المعلنة من قبل الحكومة العراقية حول أعداد الضحايا غير دقيقة بعد أن استقبلت مستشفى واحدة فقط في العاصمة بغداد أكثر من 100 شهيد وعدد كبير من الجرحى". مشيرة إلى أن القمع والاستهداف العشوائي الذي طال شباب العراق سيدفع بالبلاد نحو مزيد من التصعيد. وأضافت أن المحاصصة وعدم توزيع ثروات العراق بشكل عادل من الأسباب الرئيسة وراء تدهور الأوضاع يوماً بعد يوم منذ 2003 ولغاية الآن. مؤكدة أن المعالجات الحكومية لجميع أزمات العراق غير مدروسة وعقّدت المشهد السياسي والأمني والاقتصادي.

من جهتها وخلال فترة حراك الغضب وفي إطار التعاون والتنسيق المتواصل، لم تتوقف اللقاءات والاجتماعات بين الرئاسات الثلاث، ولاسيما بين رئيس مجلس الوزراء عادل عبدالمهدي، ورئيس مجلس النواب محمد الحلبوسي، ومناقشة الجهود المبذولة للإستجابة للمطالب المشروعة ولماورد من مكتب المرجعية الدينية العليا في خطبة الجمعة، والطلبات التي سلمها المتظاهرون في ضوء اللقاءات المباشرة والإتصالات التي اجريت مع ممثليهم، والتنسيق بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، كما "جرى التباحث حول حزمة الإصلاحات والقرارات الأولى التي أعلنتها الحكومة والإستمرار بتقديمها وصولا الى تطمين أبناء الشعب على حرص السلطتين التنفيذية والتشريعية على الإستماع للمطالب المحقة والإستجابة لها ، الى جانب بحث الخروقات والإعتداءات التي ادت الى وقوع شهداء وجرحى من المتظاهرين وأفراد الأجهزة الأمنية، وتركيز الجهود على حفظ الأمن والإستقرار بعد عودة الأوضاع الى طبيعتها في بغداد والمحافظات " كما ورد من مكتب رئيس الوزراء يوم 2019/10/8.

مع كل ما حصل، يضاف له، وما يمكن الإشارة إليه باسف، يقع في تمكن جهات لها مصالح في إثارة الفوضى وإشاعة عدم الاستقرار في العراق من نشر شعاراتها واهدافها بقوة في ظروف أو هوامش الحراك الشعبي وتصويره وكأن الحراك خرج من اجل ما أرادته وخططت له وليس احتجاجا مطلبيا له دوافعه الواقعية، وعملت على تشويهه باقتراف جرائم واحداث تلفت الإنتباه وتسحب زوم الكاميرا اليها، كجرائم القناصة وحرق المباني الحكومية أو الحزبية ورفع شعارات لا علاقة لها بالمطالب المشروعة النابعة من تعثر أو تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي دفعت الى الاحتجاج والتظاهر وتصاعد الحراك الشعبي. لقد نجحت تلك الجهات وامثالها ايضا باستغلال إمكاناتها الإعلامية من تمرير ما خططت له وجعلت أوساطا اعلامية وسياسية تزعم بمعارضتها او نقدها للسلطات المتنفذة في الدولة من تكرار وترديد الشعارات والفيديوات الممنتجة باتقان وتقنية فنية متطورة وإعادة توزيعها وارسالها ونشرها بغفلة أو بغباء حماسي مريب. الأمر الذي يفضح وعي وادراك تلك الأوساط، افرادا أو مجموعات، ودورها ايضا في تعريض الوطن ومستقبل الشعب إلى إخطار إضافية وتدمير متسلسل.

هدأ الحراك الشبابي في العراق. وكانت تضحياته جسيمة ولم يعد بعد الإنكار والاختفاء من وقائع ما حصل مطلوبا، بل لابد من البحث عن سبل التغيير الحقيقي وانهاء المظالم واستثمار الثروات لخدمة الشعب والانطلاق، ولو متاخرا، بمشروع وطني ديمقراطي تقدمي يحفظ حقوق الإنسان وكرامته ويشرع لبناء دولة القانون والعدالة الاجتماعية والحريات والسيادة والاستقلال الوطني.

 

كاظم الموسوي

 

زهير الخويلدي"العصفور الذي تخلص من قفص الاستبداد وحلق في سماء الحرية لن يعود لكي يرضى بالفتات"

تشير التقديرات الأولية التي قدمتها مؤسسات سبر الآراء وقبل الإعلان الرسمي عن النتائج من طرف الهيئة المستقل العليا للانتخابات إلى تقدم المرشح الثوري الأستاذ الجامعي قيس سعيد بنسبة تفوق السبعين في المائة من أصوات الناخبين والناخبات في الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية التونسية سابقة لأوانها.

من المعلوم أن الأستاذ الناجح قد بنى في حملته الانتخابية الصامتة مجموعة من الأفكار التوجيهية الثورية مثل الكتلة التاريخية والحكم المحلي ومقاومة التطبيع وإعادة الاعتبار للأدوار الاجتماعية للدولة المدنية. كما أصر على فرض إرادة القوانين واحترام الدستور والتصدي للتهرب من العدالة وأكد على أهمية استمرارية مؤسسات الدولة في تقديم الخدمات العمومية للمواطنين على غرار الصحة والتعليم والشغل.

لقد ساندت القوى الثورية والمنظمات المهنية والأحزاب المحسوبة على تونس الجديدة المرشح قيس سعيد ولكن الفئة الاجتماعية التي حسمت الموقف ومثلت الخزان الانتخابي الداعم للأستاذ منذ الدور الأول هي الفئة الشابة وخاصة المتخرجين من الجامعة والمعطلين عن العمل والفصائل النشطة في الحركة الطلابية.

لقد رفض الأستاذ التمويل العمومي لحملته الانتخابية وكان زاهدا عن تلقي المساعدات واكتفى بجملة من التبرعات الرمزية من المجموعات المتطوعة التي قامت بالدعاية له منذ سنوات وجعلته يتصدر نوايا التصويت وفضل البقاء بعيدا عن وسائل الإعلام وقريبا من الناس واكتفى بتنظيم حوارات شعبية في المناطق الداخلية نظمها عدد من الجمعيات التي تنتمي إلى المجتمع المدني وابتعد بنفسه عن التجاذبات السياسية وأعلن في الكثير من المرات بقائه في وضع الاستقلالية وفسحه المجال للناس لكي يبلوروا بأنفسهم مبادراتهم التشريعية ويصوغوا مطالبهم وانتظاراتهم وينتخبوا ممثليهم بصيغة تشاركية للحكم.

لقد مثل صعود أستاذ القانون الدستوري المتقاعد إلى كرسي الرئاسة في تونس مفاجأة مدوية وحقق انتصارا ساحقا على الكثير من الوجوه المحسوبة على النظام القديم وعلى وجوه تنتمي للدولة العميقة وأعلن نهاية السيستام وتفكك المنظومة القديمة وقدم دفعا جديدا للمسار الثوري والانتقال الديمقراطي.

صحيح أن بعض القوى الديمقراطية المحسوبة على التيار الديني والقومي قد ساندت المرشح الثوري ولكن اليسار التونسي انقسم حوله فسانده البعض وهاجمه البض الآخر وبقي فريق ثالث في وضع الحياد ولكن الأهم من كل ذلك أن بعض المناضلين اللاسلطويين هم الذين ساندوه ووقفوا معه منذ الدور الأول.

لقد دافع الأستاذ في المناظرة التلفزية التي وقع تنظيمها لأول مرة في العالم العربي بينه وبين منافسه عن حرية التعبير وحرية التفكير وطال ببعث مؤسسة فداء تعتني بأسر الشهداء والجرحى ووعد ببعث مجلس أعلى للتربية والتعليم يعيد للتعليم دوره التربوي ونصح بتدريس الفلسفة للأطفال لوقايتهم من الإرهاب.

لقد كان الأستاذ المعبر عن لسان حال المضطهدين والثوار وظل وفيا للشهداء والجرحى الذين شاركوا في الانتفاضة الجماهيرية ضد الاستبداد ومنحه أكثر من ثلاث ملايين من الناخبين ثقتهم في الدور الثاني وبيّن أن شعار "الشعب يريد" الذي رفعه في حملته هو القاعدة الذهبية التي طبقها لكي يتمكن من قلب الطاولة على منافسيه وتجميع أكبر عدد ممكن من المستقلين والمثقفين والمتحزبين والإقلاع بتونس نحو الحرية. لكن هل يقدر الرئيس الفائز على السير بثبات بالجمهورية التونسية نحو التقدم والتنمية والتطور المنشود؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

علي جابر الفتلاويكنت أتابع الانتخابات التونسية من خلال قناة الميادين، وقبل يوم الصمت الانتخابي ظهر قيس سعيّد مرشح الرئاسة التونسية مع منافسه نبيل القروي في مقابلة تلفزيونية، قال قيس سعيّد كلمته التي عبّرت عن موقفه من القضية الفلسطينية: إنّ مشكلة العرب ليست مع اليهود، معتبرا أن مسألة التطبيع مع اسرائيل خيانة عظمى. نقلت الخبر أيضا قناة روسيا اليوم وأضافت القناة نقلا عن قيس سعيّد: إن العرب يعيشون (حالة حرب مع كيان محتل وغاصب)، متعهدا بعدم السماح لحاملي جوازات السفر الاسرائيلية بدخول تونس. وقد استرعت مواقف سعيّد من القضية الفلسطينية، اهتمام الفلسطينيين وإعجابهم على مواقع التواصل الاجتماعي، ووصفه البعض بأّنه: (مرشح الفلسطينيين إلى الرئاسة التونسية).(1)

 قول قيس سعيّد أنه لن يسمح لحاملي جوازات السفر الاسرائيلية بدخول تونس. لم يأتِ من فراغ، بل إشارة إلى الحكومة التونسية السابقة التي سمحت بدخولهم وهتفوا أمام الاعلام تحيا اسرائيل، هذا الفعل المشين أثار غضب الشعب التونسي ونقمته لأن شعب تونس مؤيد للقضية الفلسطينية وللمقاومة ضد الاحتلال.

موقف قيس سعيّد من القضية الفلسطينية العلني، جعل الشعب التونسي يتجه نحوه في انتخابات الجولة الثانية في 13/10/2019م، بل دفع موقفه الوطني تجاه فلسطين الشعب التونسي ليشارك بنسبة أعلى من الجولات الانتخابية السابقة، إذ تجاوزت نسبة المشاركة 57 بالمائة، موقف قيس سعيّد من فلسطين، هو مفتاح وسرّ فوزه في الانتخابات التونسية وبنسبة عالية؛ وهذا مؤشر على أن الشعب التونسي يتبنى القضية الفلسطينية بشكل واسع وقوي. والواقع أن الشعوب العربية والاسلامية جميعا يتبنون القضية الفلسطينة، لكن حكامهم هم من خان قضية فلسطين إلّا ما ندر نذكر حكومة إيران التي تقف بقوة مع الشعب الفلسطيني، ونضاله ضد المحتل الصهيوني، رغم العقوبات التي فرضت بسبب هذا الموقف الشجاع.

 سمعت كلمة قيس سعيّد عن فلسطين، فقلت مع نفسي أن هذا الرجل هو مَنْ يفوز بالرئاسة التونسية! لماذا؟ الأمر واضح لكل متابع.

 من خلال متابعة الأحداث في تونس، والثورة الشعبية عام (2011م)، وهروب رئيس تونس السابق (زين العابدين بن علي) إلى السعودية، ظهرت مؤشرات كثيرة تفصح عن وعي الشعب التونسي تجاه القضية الفلسطينية، وحماسته في دعم المقاومة ضد الكيان الصهيوني المحتل، رغم وجود بعض الاصوات النشاز داخل حكومة تونس ما بعد (زين العابدين بن علي)، التي سارت باتجاه التطبيع مع إسرائيل، لكنّ هذه الأقلية مرتبطة مع نظم عربية تسعى للتطبيع، تنفيذا للمشروع الامريكي الصهيوني في هذا الاتجاه.

قول قيس سعيّد: التطبيع مع اسرائيل خيانة عظمى، كان في رأيي مفتاح فوزه في الانتخابات الرئاسية التونسية، وبعد الانتخابات عبّر عن امنيته في أن يكون العلم الفلسطيني حاضرا جنبا إلى جنب مع العلم التونسي. 

موقفه من القضية الفلسطينية جعل الشعب التونسي يتجه نحو قيس سعيّد، خاصة طبقة الشباب التي قاطعت انتخابات الجولة الأولى، والانتخابات البرلمانية التي سبقت الجولة الثانية للانتخابات الرئاسية، جاء في النتائج المعلنة في يوم 14/10/2019م، أنّ (قيس سعيّد) فاز بنسبة72.71 بالمائة، وهذا مؤشر ايجابي يظهر أن جيل الشباب العربي واعٍ، ومنهم شباب الشعب التونسي، لم ينسوا فلسطين ونكبتها، ولم ينسوا معاناة الشعب الفسطيني، رغم محاولات الحكام العرب للتطبيع مع اسرائيل، ووضعهم البرامج الخبيثة التي يريدون من خلالها تصفية قضية الشعب الفلسطيني، إمتثالا لسيدهم الأمريكي والصهيوني، الشعب التونسي حسم الموقف لصالح قيس سعيّد بعد تعرفه على أفكاره فيما يخص القضية الفلسطينية.

فاز قيس سعيّد لأنه انتصر لفلسطين وشعبها المظلوم، فمن هو قيس سعيّد؟

قيس سعيّد ولد في 22 شباط 1958م، سياسي وأستاذ جامعي، مختص في القانون الدستوري، اشتهر باتقانه اللغة العربية، له مداخلات أكاديمية مميزة للفصل في الاشكاليات القانونية المتعلقة بكتابة الدستور التونسي بعد الثورة، دخل غمار الانتخبات بتمويل ذاتي بسيط، إذ أنه رفض المنحة المقدمة من الدولة للقيام بالحملة الانتخابية لأنها في رأيه من مال الشعب، هو استاذ في الجامعة التونسية، وشغل منصب الأمين العام للجمعية التونسية للقانون الدستوري بين عامي 1990و1995 شغل منصب رئيس قسم القانون في جامعة سوسة، كان خبيرا قانونيا في جامعة الدول العربية والمعهد العربي لحقوق الانسان، كان عضوا في لجنة الخبراء التي دعيت لتقديم تعليقاتها على مشروع الدستور التونسي عام 2014م، متزوج وله ثلاثة أولاد، زوجته هي اشراف شبيل قاضية ومستشارة بمحكمة الاستئناف، ووكيل رئيس المحكمة الابتدائية بتونس.(2)

 

علي جابر الفتلاوي

........................

المصادر:

(1): موقع: قناة روسيا اليوم، www.arabic.rt.com   نشر في 13/10/2019م.

(2): موقع: وكيبيديا، الموسوعة الحرة، www.wikipedia.org نشر 14/10/2019م.

 

 

عامر صالحتمر الكثير من الدول الديمقراطية المستقرة بحالات من الانحسار والمراوحة في المكان بسبب عدم الاستجابة السريعة لمطالب المواطنين، ولكن تتم الاستجابة تدريجيا او دفعة واحدة حسب طبيعة المطالب وحجمها ومقدرة الحكومة على تمثلها وامتصاصها لأغراض تنفيذها، وقد يكلف ذلك الأتيان بحكومة جديدة قادرة على استيعاب وتنفيذ المطالب، وقد ينعكس ذلك على اعادة تشكيل الخريطة السياسية للقوى السياسية في البلاد الذي تجسده ضرورة اعادة الانتخابات البرلمانية وما يصحبها من اعادة اصطفاف للقوى السياسية. 

العراق هو من البلدان التي لا تنطبق عليه سنة الحياة الديمقراطية في استيعاب متغيرات الحياة اليومية والتي تفرز الكثير من المطالب التي تستدعي المزيد من اعادة اصطفاف القوى السياسية، ومع كل انتخابات او اصطفاف جديد  فهو ينتج نفس التحالفات السياسية التي انتجها كل مرة، والتي في جوهرها تدافع عن الفساد وتحميه ولا علاقة لها بالاستجابة لظروف الحياة المتغيره بدون انقطاع، وبالتالي نحن امام منظومة سياسية تشتغل خارج اطار الزمان والمكان الذي تعمل فيه، ومن هنا يأتي اغتراب المواطن عن النظام السياسي وانعدام ثقته به. 

بعد سقوط الدكتاتورية عام 2003 لم تكن القوى السياسية راغبة في المشروع الوطني العراقي، وقد بنيت العملية السياسية على اساس تراكمي، من اخطاء الاحتلال الامريكي، الى جانب أرث الدولة السابق القمعي، توظيف الورقة الطائفية والاثنية في بناء العملية السياسية، الى جانب تدني اداء النخب السياسية والتي لا تمتلك تجربة في بناء الديمقراطية، بل ان معظمها غير مؤمن بالديمقراطية والتداول السلمي للسلطة اصلا، الى جانب الفساد الاداري والمالي الناتج من طبيعة النظام، وقد زاد الامر تعقيدا هو الارهاب بمختلف اشكاله، وكانت داعش تلك الخلاصة لما جرى، وكذلك تدخل الدول الاقليمية وعبثها في القرار العراقي وارتهانه لمصالحها الضيقة. واذا كان هناك من انجاز يذكر" من بركات الاحتلال " هو التدوال السلمي للسلطة، ولكن حتى هذا تم تجاوزه والاستعاضة عنه بحرق صناديق الاقتراع وتزوير ارادة الناخب وفرض ارادة اخرى لا تنسجم مع مبدأ التداول السلمي للسلطة.

الحالة العراقية تمثل نموذجا للأحباط المزمن، فمع سقف عالي من التوقعات وبعد عهود الاستبداد والدكتاتورية والحروب والحصارات الداخلية والخارجية وجوع مطبق، تولدت لدى المواطن العادي امال عريضة بحياة رغيدة وبمرحلة سياسية يلتقط فيها انفاسه ويعوض ما فاته، وخاصة بعد انفتاحه على العالم الخارجي بكل ما فيه من مغريات وطموحات يدفع العراقي بنفسه للمقارنة مع الآخر خارج الحدود" وهو يمتلك كل الامكانيات المادية والاستعدادات النفسية "، ولكن عندما يجد نفسه محاطا بكم كبير من المشكلات وضغط يومي من الخطابات السياسية والاعلامية التي تشعره بالعجز والاحباط مضافا لها تدني قدرات جهاز الدولة وتراجع امني وضياع سلطة القانون وأستشراء الفساد وتنامي سلطة العشيرة، وانتشار المليشيات المسلحة وحملة السلاح الفردي والعصاباتي، فان حصاد ذلك سيكون خطيرا على الحالة النفسية للفرد تزيده احباطا وتفقده الثقة بالزعامات والاحزاب السياسية وخاصة الطائفية السياسية، التي استغلت المشاعر البدائية للمواطن واستخدمته لتجييش المشاعر السلبية وتوظيفها في خدمة الصراعات الطائفية وتشديد قبضة خطاب الكراهية للآنتقام والانتقام المتبادل بين مكونات المجتمع الواحد.                                                                                      

أن تأزم الاوضاع المستديم يستنهض مشاعر الغضب والقلق والخوف والتوتر والظلم والقهر والضياع والشعور بعدم الأمان، ببعضها البعض، وتختلط بكل ما هو سلبي في حياة الفرد، توصله بكل تأكيد، ورغماً عنه، إلى حالة ذهنية تسمح للإحباط واليأس أن يحتل أوسع مساحاتها، وتشعره بالعجز التام، وتبعده مسافات ومسافات عن تحقيق آماله، فتتقطع به سبل النجاة. حالة الإحباط هذه التي تواجه الإنسان وتقف حائلاً أمام تنفيذ رغباته وتقتل فيه روح الطموح، تنتزع منه، في الوقت نفسه، أسباب الخوف وتحرره من هيمنتها، وتحول الوجه السلبي للإحباط إلى وجه آخر إيجابي وفعال، ينفجر ليصنع غدا آخر حين يجد هذا الفرد نفسه وسط حشد كبير يشترك معه في مشاعره وأهدافه. عند ذاك يتحول الإحباط من قوة سلبية ساحقة ومدمرة للفرد، إلى قوة إيجابية جبارة تدفع نحو التغيير.

أن الجماهير حين تعاني من الفقر طويلا وتستشعر الظلم أو الطغيان أو إهدار الكرامة قد تسكت لبعض الوقت ولكنها عند نقطة تنفجر انفجارا قد يبدو مفاجئا ولكنه ليست كذلك، فتتحول إلى قوة مدمرة للسلطة، وقد يمتد أثره إلى ابعد من السلطة، فالغضب الجماهيري يكون مثل الطوفان لا يعرف احد إلى أين سيتوقف ومتى، فبركان الغضب الخالص يسعى نحو التدمير والتغير ولا يوجد ميزان حساس في هذه الظروف يوازي بين قدرة تدمير النظام الحاكم ومؤسساته القمعية المرفوضة وبين قدرة التميز لحدود التغير المطلوب، ويزداد حدة أكثر عندما تنعدم القيادة الميدانية للأحداث، أي أن الانفجار يحدث في بدايته كبراكين غضب دون ترتيب سابق ودن هدف محدد غير الانتقام ممن قهرها وأذلها وجوعها وخدعها.

أن الثورات والانتفاضات والاحتجاجات اليوم لا ينطبق عليها المفهوم التقليدي المنظم سلفا كما كان يحصل في عقود خلت، حيث الأحزاب تقرر مسبقا مستوى النضج الذاتي للبدء بالأفعال الثورية، تعقبها " ساعة الصفر "، فالأمر اليوم معكوس تماما، حيث تبدأ الجماهير دون سابق إنذار بإعلان انتفاضها واحتجاجها ثم تطلق دعوتها للأحزاب والقوى السياسية للالتفاف حولها، فالجماهير هي القائد الميداني للأعمال الثورية، أما دور الأحزاب فيأتي متأخر نسبيا عن الحدث ليحول مشاعر الثوار إلى برامج سياسية ملموسة كما يضفي على مسحة الغضب الثوري بعدا أكثر منطقية من خلال ارتباطه بأهداف مصاغة ومقننة " على افتراض توفر حالة النضج السياسي لدى الأحزاب من خلال تمثل قيم الوطن والمواطنة باعتبارها مصلحة عليا".

إذا كانت الثورة الاجتماعية تعرف بأنها ذلك التغير الجذري، الذي يشمل البنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية كافة، وتشكل تغييرا جذريا شاملا في المجتمع يؤدي إلى أحلال تشكيلة اجتماعية اقتصادية بأخرى أرفع مستوى وأكثر تقدما. وأنها تغيير جذري للنظام القديم، وإقامة نظام جديد ومؤسسات جديدة. أي إنها في الإطار العام قفزة للمجتمع من مرحلة إلى أخرى أكثر تقدما وتطورا ورقيا، فأن عوامل إحداثها اليوم يفوق حصرها في عوامل الفقر فقط، وان كان شرطا لازما لها، ولكن الثورة اليوم هي فعل مركب تتضافر فيه الكثير من العوامل في عالم متغير بدون انقطاع، فليست كل من جاع ثار على أوضاعه القائمة، وقد يكون هذا التعقيد في أسباب الثورات اليوم هو احد العوامل الأساسية التي جعلت الأحزاب السياسية تتأخر عن الحدث نسبيا، أما أهم ابرز عوامل الثورات فيمكن إيجازها فيما يأتي: الفقر وسوء توزيع الثروات وانعدام فرص العمل والتشغيل؛ انتشار الفساد المالي والإداري وتأصله في الكثير من المجتمعات وهو جلي في الحالة العراقية؛ الانخراط الواسع في منظومة الاتصالات العالمية الحديثة واستعمال الوسائط الرقمية بكفاءة عالية وخاصة المنتديات الاجتماعية مثل الفايسبوك والتويترر واليوتوب وتشكيل منظومة من الاتصال الجماعي والإعلام الشعبي الموازي والمهدد لأعلام السلطات القمعية؛ الانفجار السكاني الهائل وارتفاع نسبة المواليد والتي تصل في الدول العربية إلى أكثر من 3% " وخاصة في العراق " وهو نذير بمزيد من الفقر والمعاناة في ظروف عدم التوزيع العادل للثروات مما يخلق حالة من الوعي المتوقع بمخاطره كما تشكل فئة الشباب الكتلة الأكبر في التركيبة السكانية وذات المصلحة الأساسية في التغير؛ ازدياد الوعي والحماس اللازمين للتغير والذي يدفع صوب المزيد من الغليان الشعبي والغضب العام وتولد الاستعدادات الكبيرة للتخلص من النظم السائدة وإتباع كافة الوسائل بما فيها غير المعقولة والانفعالية والتي شوهدت في الكثير من التجارب؛ حالات اليأس الشديد من القيادات السياسية والدينية وتعويل الشباب على أنفسهم في قيادة التغير بعد المزيد من الإحباط والوعود الكاذبة في تحسين ظروف العيش والحياة الحرة، والحالة العراقية اليوم نذيره بمزيد من الانتفاضات الشعبية الناتجة من ضنك العيش وفقدان الثقة بالسياسين وخاصة بعد مرور ستة عشر عاما على التغير دون جدوى؛ توظيف الموروث الفكري والسياسي والثقافي المناهض للفقر والحرمان وانعدام الديمقراطيات، ويشكل فكر اليسار الديمقراطي والقوى الوطنية قوة جذب نحو التغير لا يمكن التقليل من شأنها وقد بدأت ملامحها تتضح في الحالة العراقية رغم الصعاب والتعقيد.

أن السياقات السيكولوجية التي يختمر فيها التغير الثوري تمر بمراحل تكاد تكون محكمة ، وقد تتداخل فيما بينها استنادا إلى عوامل التعجيل" العامل الذاتي ومستوى التنظيم "، فهي مراحل تجسد علاقة القهر والاستبداد بين الحاكم المتسلط والإنسان المستضعف أو المقهور، وبالتالي فهي علاقات نفسية معقدة، وقد يبدو للبعض أن الأنتفاضة العراقية مثلا هي محض احداث متفرقة " كبطالة الخريجين وأزاحة العشوائيات وغيرها " وان كانت هي شرارة "، ولكن نحن نعرف أن النظم التعسفية والظالمة والمستبدة لا تسقط بزلة لسان أو بخطأ ثانوي تقوم به، بل أن سقوطها يمر عبر تراكمات نفسية ـ اجتماعية يترك أثره البالغ في انضاج الأنتفاضة الاجتماعية، ثم يأتي الحدث المفاجأة ليقرر ساعة صفرها القاتلة، أما ابرز المراحل النفسية والاجتماعية التي يمر بها الفرد المواطن بالمتسلط الحاكم والتي تعكس بمجملها جانبا من الوجود، فأشير إليها بتصرف والتي ذكرها الدكتور مصطفى حجازي في كتابه " التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور " فهي ما يأتي:

ـ المرحلة الأولى: الرضوخ والقهر خلال هذه المرحلة، التي تدوم فترة طويلة نسبيا، يشكل زمن الرضوخ والاستكانة أو الفترة المظلمة من تاريخ المجتمع، عصر الانحطاط، وتكون قوى التسلط في أوج سطوتها، وحالة الرضوخ في أشد درجاتها. وأبرز ملامح هذه المرحلة هو اجتياف (أستدخال) عملية التبخيس التي غرسها الحاكم المتسلط في نفسية الجماهير، فيكره الإنسان نفسه ويوجه عدوانيته تجاه نفسه وتجاه أمثاله، ومن ثم يقوم بإزاحة هذه العدوانية ليمارسها تجاه من هو اضعف منه. ومن الملامح الأخرى هو الإعجاب بالمتسلط المستبد وتضخيم تقديره، فيعطيه حقا شبه إلهي في السيادة والتمتع بكل الامتيازات، وبالتالي تنشأ علاقة رضوخ " مازوخي " من خلال الاعتراف بحق المتسلط بفرض سيادته، وتنشأ في هذه المرحلة مجموعة من العقد التي تميز حياة الإنسان المقهور أو المضطهد أهمها: عقدة النقص، وفقدان الثقة بنفسه وبأمثاله، والتي تجعله يحجم عن كل جديد، ويتجنب كل تجربة قد تساهم في تغير وضعه، لذلك فهو لا يحرك ساكنا، وإنما ينتظر ذلك البطل المخلص الذي سينتشله مما هو فيه، وهذا ما يمهد الطريق للتعلق بالزعيم الفرد، تعلقا يغري بالتسلط والدكتاتورية، إن هذه الأفكار تجعل عملية التحديث تجابه بمقاومة شديدة تحبط البرنامج التنموي. أما عقدة العار فهي تجعل الإنسان يخجل من ذاته، ويعيش وضعه كعار وجودي يصعب تحمله، فيتمسك بالمظاهر لتشكل غطاء لبؤسه الداخلي، ولابد للمتسلط دورا في تحويل انتباه الإنسان المقهور من حالة الذل والقهر التي يعيشها إلى أمور ثانوية، وبذلك يحمي المتسلط نفسه من ثورة المقهورين. وأخيرا وليس آخرا يعاني المقهور من اضطراب الديمومة، حيث أن طول المعاناة وعمق القهر والتسلط الذي فرض عليه ينعكس على تجربته الوجودية للديمومة على شكل تضخم في آلام الماضي، وتأزم في معاناة الحاضر وانسداد آفاق المستقبل، ويتفاعل هذا مع عقدة النقص وعقدة العار، مما يغرق الإنسان في ضعفه وعجزه واستسلامه إزاء قوى تتحكم في مصيره، ويحس انه لا قدرة له على مجابهتها.

ـ المرحلة الثانية: الاضطهاد وفيها يبدأ الإنسان بتحويل حالة الغليان العدوانية التي كانت موجهة ضد نفسه إلى الآخرين ، بعد عدم تمكنه من كبتها بالآليات التي استخدمها في المرحلة الأولى. انه يحول عدوانيته إلى الذين يشبهونه، أن جوهر هذه العملية هو التفتيش عن مخطئ يحمل وزر العدوانية المتراكمة داخليا، وبذلك يتخلص من شعوره بالذنب ومن عاره وعقد نقصه ويصبها على الآخر، متهما إياه " بشكل توهمي " أنه يحسده ويريد أن يؤذيه، وهكذا يصبح العدوان عليه مبررا فهو دفاع عن النفس ليس إلا. إن هذا التفريغ والتحويل للمشاعر السيئة الداخلية تجاه الآخر المقهور مثله ينفع مؤقتا في تخفيف التوتر الداخلي للإنسان المقهور، لكن ذلك يفشل في تخليصه وإراحته على المدى البعيد، مما يجعله ينتقل إلى المرحلة الثالثة.

ـ المرحلة الثالثة: التمرد والمجابهة عندئذ يصبح العنف المسلح وغير المسلح هو السبيل ليتخلص الشعب من عقدة النقص والجبن والخوف التي غرسها الحاكم المستبد في عروقه، وهو يحقق بذلك ذاته وينفض عن نفسه الكسل والجهل والاتكالية، وقد يكون العنف والغضب في البداية معيقا لإمكانية التفكير والتنظيم، ولكنه يفتح المجال لكل الاحتمالات، فأما إعادة دورة العنف أو الانطلاق إلى رحاب التغير السلمي الهادئ والتأسيس لمرحلة قادمة ذات صبغة تقدمية، وهذه الاحتمالات وثيقة الصلة بمن يقود عملية التغير.

ونحن إذ نقف إلى جانب انتفاضة اكتوبر العراقية، والتي تجاوزت الشعارات المطلبية الى التغير الشامل، فنحن بأمس الحاجة إلى دور مميز للفكر والسلوك الاستراتيجيين الذي يغيب كل الغياب عن ساحة الصراع والاحتجاجات، حيث لا تزال قراءتنا للأحداث قراءة انفعالية وذات صبغة إيديولوجية متحيزة، ولكنها صادقة لأنها صادرة من الأعماق في الرغبة للإصلاح الجذري، وتصل بعض الأحيان إلى نمط من القراءة الانتقامية، لأننا نحمل "عقدة الثورة " والتي قد تصل الأمور إلى أبواب موصدة، وهي قراءة نافخة في الجماهير، ولكنها لا تحمل البديل المطمئن، وهذا ما يعزز فسحة الفراغ السياسي والذي قد يؤدي إلى فقدان بوصلة التغير وانحرافها عن أهدافها المتوخاة، وأختزل بما اقصد به بقول نجيب محفوظ: " أن الثورة يخطط لها الدهاة وينجزها الشجعان ويغنمها الجبناء".

ومن هنا يجب فهم انتفاضة اكتوبر العراقية في اطار السياق الذي نشأت فيه، والذي ينعكس اساسا في اكثر من عقد ونصف من فشل تجارب الاسلام السياسي واستحواذه على السلطة وحتى على صناديق الاقتراع، مغيبا ارادة شعب في اختيار الافضل، ومستخدما كل وسائل الترهيب والتزوير والكذب والخداع التي افسدت الديمقراطية في العراق قبل ولادتها. لقد تعرض شعبنا الى كبت طويل الامد مما سبب احباط مستحكم وقد تنتج عنه المزيد من دورات الغضب المشروع. 

 

د. عامر صالح  

 

 

محمد سعد عبداللطيفحقوق الاقلیات ۔ وحقوق الأنسان

 قضية الأقليات العرقية والدينية والمذهبية واللغوية بشكل عام تتسم بدرجة عالية من الحساسية، فی بلدان الشرق الأوسط، وينظر لها رغم أهميتها على أنها مسألة خطيرة، لذلك فإن هذا الموضوع الشائك يحتاج لكثير من الدقة،والرٶية،والموضوعية والانضباط، خاصة في ظل المرحلة الحالية  التي تشهدها عملیة (نبع السلام) فی شمال سوریا من حرب یطلق علیها البعض تطهیر عرقی من حاله من السجال والجدل حول فحو عملیة ( نبع السلام) الترکیة ۔۔ وفی ظل المتغییرات المتسارعة فی سوریا ۔۔ وخروج القوات الأمریکیة من مناطق تمرکزها فی تل الأبیض وشرق الفرات، لا نعلم عن فحو المکالمة الهاتفیة التی جرت مع الرٸیسین (ترامب واردوغان) والأنسحاب المفاجٸ للآمریکان ۔ وإعطاء الضوء الأخضر للقوات الترکیة ۔ ومع التنسیق السابق مع روسیا وایران ۔۔ وتفاهمات بینهم فی غیاب الدور السوري والعربي ۔ قوات الجیش السوری الوطني او کما یطلق علیها الحر تحت قیادة ترکیا غطاء للعملیات ۔ وأکراد تطلعوا الی دور أکبر ولکن الحلیف تخلي عنهم ۔ یواجه مصیرهم ۔ المحتوم ۔ بین مطرقتین قوات بشار وقوات طیب اردوغان الترکیة ۔۔ الأکراد أخیرا تفتح ممرات للقوات السوریة فی مناطق نفوذها وتحت سیطرتها ۔۔ إن حقوق الإنسان بظننا لا تستقيم دون احترام قيم الوحدة والتماثل، ولا يمكن أن تكون مفاهيم حقوق الإنسان قضايا انتقائية على الطريقة الأمريكية، لأن البشر مختلفون منذ الأزل وسوف يظلون كذلك، لكن تجمعهم الإنسانية، فمن يقول: أن العرب مختلفين فقط عن الأكراد على سبيل المثال، بل هم أنفسهم مختلفين كعرب فيما بينهم؟

وكذلك حال المسيحي واليهودي والآشوري والتركماني والأرمني والشيعي والعلوي، جميعهم مختلفون عن الآخرين لكنهم أيضاً مختلفين فيما بينهم بنواحي عديدة.

كل هذه الاختلافات بين ما يسمى الأكثرية والأقلية، وبين مكوناتهما هو اختلاف طبيعي وموضوعي وإنساني، لكنه يفترض المساواة أخلاقياً وقانونياً، فلولا هذه الاختلافات لما كانت هناك حاجة إلى المساواة، فالاختلاف يستدعي ويتطلب مساواة سياسية واجتماعية وحقوقية أمام سلطة القانون في دولة مدنية حديثة، دولة المواطنة التي ترعى جميع مكوناتها دون تمييز.وماهو مصیر إدلب بعد عملیة نبع السلم !؟ إن الشرق الأوسط يواجه صراعات شبيهة بنمو النزعة القومیة داخل اوروبا فی مطلع القرن العشرین وتطلع الأقلیات الی الاستقلال والانفصال ۔ ولكنها أكثر اتساعا.

 أن النزاعات الداخلية والدولية تقوى بعضها البعض، وأن الصراعات السياسية والطائفية والعشائرية والاقليمية والايديولجية والمصالح القومية تختلط بعضها البعض،تتفاقم مسألة الاقليات في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وشهدت السنوات الأخيرة تزايداً ملحوظاً في أعمال العنف السياسي وعدم الاستقرار في هذه المجتمعات، وفي الغالب فإن أهم أسباب تفجر العنف يعود إلى فشل الأنظمة السياسية في المنطقة في إجراء مقاربات موضوعية وديمقراطية لهذه الإشكالية التاريخية، وبالتالي عجزت هذه الحكومات عن تقديم حلول جذرية لهذه القضية بدلاً من المحاولات المستمرة لاحتوائها وتجاهل الأسباب الموضوعية الكامنة وراء تصاعد العنف، وهناك أسباباً أخرى متعلقة بظهور خطاب قومي متطرف ومتشدد لدي بعض قادة الأقليات يدعو إلى الانفصال عن الدولة الأم، ويتبنى العنف في مواجهة الدولة، ويحرض على عدم الاستقرارالسياسي، الأمر الذي يولد خطابات متطرفة من الجانب الأخر، وهو ما يدخل هذه المجتمعات في دائرة الفوضى والفشل۔

 ظهور الأقلیات قدیما

 ۔ومع قيام دولة الخلافة العثمانية ظهرت الدولة المركزية العسكرية وبدأت قضية الاقليات بالظهور وأخذ بعض أركان دولة الخلافة في تسييس هذا الموضوع الذي تعمق أكثر مع انهيار الخلافة العثمانية وظهور النظام الرأسمالي الذي ابتدع نظام حماية الأقليات، وجاء الاستعمار الاوروبي لتنتشر سياسة فرق تسد.

إن مرحلة الاستعمار في العالم العربي شهدت تأثر المنطقة ببعض إنجازات الثورات الاوروبية، ومنها قضايا حقوق الإنسان التي تم سنها في الدساتير الأوروبية، وتعامل الاستعمار مع الأقليات بصورة تظهره على أنه حامي مصالحهم ووجودهم کما حدث فی شمال سوریا من الوجود الأمریکي، وفي بعض الدول حاول المستعمر دمجهم قومياً عبر تشريعات، لكن الأكثرية الإسلامية رفضت وتصدت لهذه المحاولات بسبب رفضها أساساً الاستعمار على أراضيها وبالتالي رفضها لأي سياسات يحاول فرضها عليهم، ثم أن الأكثرية المسلمة رفضت أيضاً محاولات الاستعمار في تغريب المسيحيين الشرقيين، هذا الأمر خلق نوعاً من التصادم بين المجتمعات العربية المسلمة التقليدية، وبين الأفكار الغربية الديمقراطية، وهو ما أدى إلى تعقيد مسألة القوميات، ووضع العراقيل أمام الحلول الديمقراطية لاندماج هذه الأقليات بمجتمعاتها، وهكذا ظلت الدول العربية بعد حصولها على الاستقلال السياسي دولاً تضم مجتمعات تعاني من أزمات معلقة مربكة وملفات مفتوحة لا تتوفر ظروف معالجتها وإغلاقها، وأهمها قضية الأقليات، وهكذا وجدت هذه المجتمعات أنها غير قادرة على القيام بثورة ديمقراطية تؤسس لمعالجة جذرية سلمية وعصرية وديمقراطية لقضية الأقليات، وهذا واحد من أهم الأسباب التي جعلت من هذه الإشكالية في العالم العربي أزمة طائفية طاحنة تلخص أزمة الأمة، وتحتوي فتيلاً إشتعل في لحظة ويحرق اليابس والأخضر  وما بقي من الأخضر في عموم المنطقة سوف یشتعل فی ای لحظة فی منطقة آخری .لقد طرح ملف الأسری من بقایا الدولة الأسلامیة (داعش) تحت سیطرة اکراد سوریا من الجانبین الأمریکی والترکی ومصیرهم فی حالة سقوط الأکراد تحت سیطرة الأتراك ۔۔رغم ان الغالبیة فی منطقه شرق الفرات من أهل السنة اکرادا او عرب لیحمل الدین السلاح فی خدمة الأهداف السیاسیة، وحالیا العملیات التی تجری شرق الفرات تستهدف المدنیین والقضاء علیهم بسبب انتماٸهم العرقی والطاٸفي بعیدا عن حقوق او الالتزامات الدولیة مبررة بذلك الأمن القومي ومتطلبات البقاء

ففی الحالة السوریة التی تفککت فیها الدولة وأصبحت ساحة للتنافس بین القوي المحیطة والتی عادة ما تحافظ علی قوتها وسطوتها دون مراعاة لحقوق وکرامة الإنسان ۔۔لقد اصبح صراع قومي عرقی دینی طاٸفی وجغرافی فی الشرق الأوسط ۔وقد ظهر کتل مکونة من نظام مذهبي تطلق علیها الکتلة السنیة وکتلة تقودها ایران فی الحرب الداٸرة فی سوریا من فصاٸل شیعیة وحزب الله وحماس ۔ ومع ظهور النعرات الإنفصالیة والقومیة مع ظهور عصر الإرهاب الانتحاری والقتل علی الهویة ۔ وأنتشار الفوضي فی مناطق متفرقة فی بلاد العرب والصراع الإقلیمی ۔یهدد مناطق شاسعة فی العالم کما هدد بها طیب اردوغان للاتحاد الاوروبی بفتح الحدود امام المهاجریین۔۔

إن العناصر المتشابكة والتعقيدات التاريخية في مسألة الأقليات تشكل واحدة من أهم الصعوبات أمام أي باحث يتناول هذا الموضوع بالدراسة والتحليل، ويضعه أمام تحديات وخيارات دقيقة، فإما أن تكون مع الليبرالية الجديدة في الدفاع عن حقوق الإنسان بشكل عام، وحقوق الأقليات بشكل خاص، من خلال تبني براغماتية منفعية مقترنة مع دوغمائية لا تريد أن ترى إلا جانب واحد من الموضوع، وإما وأن تکون فی مواجهة التحدیات، وأن تکون صراعات ترتیب المجتمات البشریة، بما یتوافق مع المفاهیم الجدیدة لشرق أوسط جدید ۔ وبذلك تجد نفسك متهما بتجاهل حقوق الأقلیات إن حقوق الإنسان بظننا لا تستقيم دون احترام قيم الوحدة والتماثل، ولا يمكن أن تكون مفاهيم حقوق الإنسان قضايا انتقائية على الطريقة الأمريكية، لأن البشر مختلفون منذ الأزل وسوف يظلون كذلك، لكن تجمعهم الإنسانية، فمن يقول

 أن العرب مختلفين فقط عن الأكراد على سبيل المثال، بل هم أنفسهم مختلفين كعرب فيما بينهم؟

وكذلك حال المسيحي واليهودي والآشوري والتركماني والأرمني والشيعي والعلوي، جميعهم مختلفون عن الآخرين لكنهم أيضاً مختلفين فيما بينهم بنواحي عديدة.

كل هذه الاختلافات بين ما يسمى الأكثرية والأقلية، وبين مكوناتهما هو اختلاف طبيعي وموضوعي وإنساني، لكنه يفترض المساواة أخلاقياً وقانونياً، فلولا هذه الاختلافات لما كانت هناك حاجة إلى المساواة، فالاختلاف يستدعي ويتطلب مساواة سياسية واجتماعية وحقوقية أمام سلطة القانون في دولة مدنية حديثة، دولة المواطنة التي ترعى جميع مكوناتها دون تمييز. ۔

 

 محمد سعد عبد اللطیف

کاتب وباحث فی الجغرافیا السیاسیة

رٸیس القسم السیاسي نیوز العربیة

 

ابراهيم ابوعتيلهوتصر تركيا الأردوغانية على عدوانها المباشر والصريح على الجمهورية العربية السورية، فلم يكفها كل ما قامت به طيلة السنوات الثماني الماضية من مؤامرات استهدفت كيان الدولة السورية ارضاً وشعباً ونظاماً وبنية تحتية مستقدمة من أجل ذلك كل ما أمكنها من عصابات العالم المتلحفة بالظلامية الدينية المتطرفة وتلك المرتبطة بالصهيوأمريكية الإمبريالية لتدمير كل وجوه الحضارة السورية العريقة، فسهلت لهؤلاء الظلاميين وبدعم البترودولار العربي، عملية التدريب والتسليح وتوفير كل ما يلزم من مال لهؤلاء المرتزقة الإرهابيين مع ضمان تلقي العلاج عند الإصابة في مستشفيات كيان العدو الصهيوني ....

لم تكن تركيا وحيدة في عدائها لسوريا العربية، فلقد تحالفت من أجل ذلك مع العدو الرئيسي للعرب فكان هناك تفاهمات وتنسيق ودعم مباشر من الصهيونية وأمريكا ومن يسير في ركبها من القارة الاستعمارية العجوز كفرنسا وبريطانيا وألمانيا وغيرها، كما وقف الإخونج وقوفا مباشراً مع تركيا ومع تدمير سوريا موظفين من أجل ذلك دولار الغاز ودولار النفط ....

ومع تكالب كل أعداء الحرية والعروبة ومع تحقيق الظلاميين والإرهابيين بعض اهدافهم من دمار استهدفوه وخططوا له مرحلياً، ظن التركي من خلاله اقترابه من نيل ما يريد تحركه في ذلك شهوة تقسيم الوطن السوري وتشكيل كيان عدو جديد في شمال شرقي سوريا يحكمه الأكراد الوافدين لسوريا كلاجئين بعد هروبهم وطردهم من تركيا في عشرينات القرن الماضي برعاية ودعم مباشرين من أمريكا والعدو الصهيوني ومستغلين في ذلك انشغال الجيش العربي السوري بمقاتلة ودحر الظلاميين المرتزقة من أرض سوريا والتي سجل فيها الجيش السوري انتصارات أذهلت كل الأعداء .

وما أن اقتربت ساعة التحرير الشامل والنهائي والهزيمة المطلقة لحلفاء الإرهاب والظلام حتى تأهبت تركيا لمنع ذلك من خلال الوقوف بقوة مع حثالات العالم البشرية التي تجمعت في محافظة إدلب ساعية إلى منع الخلاص منهم مستغلة في ذلك شهوة القيصر بوتين وهدفة باختراق حلف شمال الأطلسي بتعزيز علاقاته بتركيا الذي يسعى أردوغانها لتسجيل انتصارات تعيد البريق للاتاتوركية العثمانية على حساب دول الجوار .. فتم تأخير عملية تحرير إدلب وايقاف زحف الجيش العربي السوري ولو مؤقتاً .

ولما استشعر أردوغان بقرب فشل كل مؤامراته على سوريا العربية ... عاد مرة أخرى بوجه جديد وأكثر عدوانية،  فكان أن قام بعدوانه على شمال سوريا بحجة إقامة منطقة " آمنة " ينقل إليها اللاجئين السوريين المتواجدين في تركيا، متذرعاً بمنع الإرهابيين من دخول تركيا علماً بأن غالبية هؤلاء الإرهابيين قد جاؤا من خلال تركيا وبغطاء منها، وليس مستغرباً أن يستغل أردوغان من دربتهم تركيا من الارهابيين والخارجيين عن الدولة السورية تحت مسمى " الجيش الوطني الحر " ليكون هذا الجيش في مقدمة أعداء وطنهم السوري ...

وهاهي تركيا وعملائها يقومون بالعدوان على الشمال السوري بعد أن سكتت عما يجري في تلك المنطقة لسنوات عديدة، منفذةً في ذلك رغبة أمريكا والصهاينة الذين وظفوا الكرد في تلك المنطقة لمحاربة الدولة السورية بهدف إقامة كيان لقيط لهؤلاء الكرد متناسين في ذلك أن هؤلاء الكر قد قدموا من تركيا كلاجئين بعد ثورة سعيد بيران 1925 حيث استضافهم الوطن السوري ومنحهم حق المواطنة فقاموا بطعنه فاتحين في ذلك المجال للعنصريين من الأكراد القادمين من شمال العراق وايران وتركيا للتواجد معهم موهمين العالم بكثرة تعدادهم وبحقهم المزعوم بخلق دولة قومية لهم في شمال سوريا كما حاول قبلهم البرازانيين الصهاينة بأن يفعلوا في شمال العراق ..  فتركيا هنا وبعدوانها تستهدف كما سبق تقسيم الوطن السوري واستمرار الحرب على سوريا بوجه جديد تحقيقاً لأطماع الأتاتوركيين العثمانيين ومن جهة ولمنع قيام كيان للكرد قد ينمي ويزيد الوعي القومي للكرد في مناطقهم الأصلية في جنوب شرق تركيا وهي المنطقة التي يتوجب أن تقام بها الدولة الكردية ففيها يتواجد أكثر من 25 مليون كردي ومنها قدم الكرد لسوريا فلا جذور تاريخية للكرد في سوريا وجذورهم إن صحت تقع في جنوب شرق تركيا ....

ومن المفارقات التي احدثها العدوان التركي:

- أن تقوم أمريكا بسحب قليل من قواتها من شمال سوريا كي تسهل العدوان التركي ومنع أي احتكاك بين أمريكا وتركيا موهمة العالم بمعارضتها للعدوان التركي.

- قيام الكثير من الدول التي أيدت الإرهابيين بشجب واستنكار العدوان التركي رغم كونهم مؤيدين للجيش الحر التي تستخدمه تركيا في حربها .

- استمرار الإخونج في دعم كل ما يستهدف تدمير سوريا بقيام هؤلاء بدعم العدوان التركي .

- قيام دول الجامعة العربية باستثناء قطر باستنكار العدوان على سوريا العربية بكلام وعبارات معسولة رافضين حتى الآن إعادة سوريا إلى تلك الجامعة ودخول الصومال " المنهار" إلى التحالف الداعم لتدمير سوريا برفضها لبيان الجامعة العربية حول الموضوع .

- استمرار دول أوروبا العجوز بدعمها للكرد ورفضها للعدوان التركي على سوريا ليس دعماً لسوريا بل دعماً لإنشاء كيان كردي في تلك المنطقة .

- تباكي الصهاينة علناً على حق الكرد في قيام دولة لهم واعتراض الصهاينة على قيام حليفهم أردوغان بالعدوان على تركيا .

- عدم وضوح الموقف الروسي ومحاولة بوتين تسويق أفكار للمصالحة " المستحيلة " بين الكرد والاتراك من جهة وبين الأتراك وسوريا من جهة أخرى .

- قيام بعض الكرد باللجوء للدولة السورية ساعين إلى دعمها في مواجهة العدوان التركي .

ومهما قيل، فكما فعلت الدولة السورية وكما فعل الجيش العربي السوري .. فإن منطق الأحداث والتجارب خلال السنوات الثماني الأخيرة يؤكد وبما لا يدع مجالاً للشك بأن المشروع الكردي والتركي والصهيوني والأمريكي والإخونجي والدولار الغازي / النفطي سيفشل وسيتحطم على صخرة الصمود العربي السوري .

 

ابراهيم ابوعتيله - الأردن

 

 

علي المرهجلطالما كانت المرجعية الدينية العليا في مقدمة من يوجه لهم النقد في حال خذلان الحكومة للشعب من كل الأطراف: الحكومية، أو الجماهير المؤيدة لتدخلها، أو الرافضة لهذا التدخل، وهي بين هذه النيران تحتسب، فهي بكلا الحالات مُتهمة، فإن صمتت قالوا أنها تخلت عن مسؤولياتها في النُصح والإرشاد، وإن طالبت الأطراف المتصارعة لاتخاذ خطوات عملية للإصلاح وتحاور الأطراف المُتنازعة، وطالبت بوجود أصحاب اختصاص مستقلين من الذين عُرفوا بالنزاهة للنظر في حال المجتمع ومساعدة الحكومة على اتخاذ خطوات عملية في مُحاربة الفساد قال البعض عنها من أطراف الحكومة أو الجماهير المُحتجة وهل نحن نعيش تحت ظل دولة (ولاية الفقيه) وأظنها حيرة ما بعدها حيرة!، ولكنها قالت قولتها وليجتهد من يجتهد في تأويل خطابها وأنا من بين هؤلاء، فلست من المؤيدين لتدخل رجل الدين في السياسة، ولكن طبيعة الحال في مجتمعنا وما آل إليه المآل، بعد أن (ضيعت الحكومة صول جعابها) أو بوصلتها، وبما أن أغلب المُتظاهرين هم من الذين يحترمون مقام المرجعية العليا، أجد أن لخطاب المرجعية تأثير في التهدئة وقبول لدى كل أطراف النزاع.

لا أظن أن الحكومة تستمع لتوصيات المرجعية وتسير على هديها كما يدعي رجالاتها، فلو كان الأمر كذلك لما أظهر خطاب المرجعية تململه من رتابة الاجراءات الحكومية نحو الإصلاح ومحاربة كبار الفاسدين.

سأوجز خطاب المرجعية الذي وضعته بفقرات أهمها: 

ـ مطالبتها السلطة بالتعجيل بعملية الإصلاح الذي راهنت عليه بوصفه ضرورة لا محيص عنها، فحذرت الحكومة بأن الاحتجاجات ستعود في وقت آخر بأشد وأوسع من هذا بكثير إن لم تتخذ خطوات عملية وسريعة لمعالجة الموقف.

ـ دعوتها للسلطات الثلاث لاتخاذ خطوات عملية واضحة في طريق الإصلاح الحقيقي، عبر العمل واتخاذ إجراءات واقعية يستشعر أهميتها وفاعليتها المواطن البسيط.

ـ تحذيرها الكتل الكبيرة من مغبة المحاصصة والبحث عن المكاسب الآنية للحزب أو الجماعة ودعتها للتخلي عن مصالحها الحزبية.

ـ مطالبتها السلطات القضائية والرقابية بتفعيل دورها بعملية الإصلاح الشاملة عبر عبر فتحها لملفات كبار الفاسدين ومحاسبتهم.

ـ تحميل الحكومة مسؤولية الخراب بسبب تهاونها في محاسبة الفادسدين الكبار من الذين تلاعبوا بأموال الدولة وأثروا على حساب المال العام. يعني باختصار دعوة المرجعية لتفعيل قانوان (من أين لك هذا؟). (يعني سياسي معارض جان ما عنده قمري صار بالسلطة صار ملياردير، وعنده هو وأهله وأهل أهله عدهم أرصده خيالية وشركات، إمنين جابها، من نضاله ـ مثلاً) (عمت عيني على الحُسين "ع" وإخرب بيتي على جيفارا "رض")! ماتا ميتة الشرفاء، ولم يرث أتباعهما سوى رثاؤهما والبكاء، ولا أقصد المُدَعين الأفاقين الذين يلهجون بإسم الثوار ليل نهار ويتباكون على الحُسين في الليل ويسرقون أموال الفقراء في وضح النهار!.

ـ تأكيدها على تشكيل لجنة تكنوقراط مستقلة من المعروفين بالكفاءة العالية والنزاهة التامة للتحقيق في الفساد على أن تُتاح لها الاتصال مع كل الأطراف الحكومية وغير الحكومية لا سيما المتظاهرين.

ـ برأت المرجعية نفسها (ومن حقها ذلك) لأن الحكومة لم تأخذ بتوصياتها المستمرة لمعالجة أحوال الفقراء والخريجين وأصحاب الشهادات بايجاد فرص عمل لهم، ولكن الحكومة تغافلت عن توصياتها لتدارك الأمور قبل فوات الأوان، فكان ما كان. (حكومة تُعرف طُرق التغليس والتدليس على وفق المثل القائل (أذن من طين وأذن من عجين)، يعني بحسب آي الذكر الحكيم: "صُمٌ بُكمٌ عُميٌ فهم لا يرجعون" لأنهم في "ظُلمات لا يبصُرون"، فهم صُمٌ عن الحق فلا يسمعونه "بُكمٌ"، ولا يرون طريق الهدُى وصلاح لأنهم "عُميٌ"، فقد "ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلال لا يُبصرون" (البقرة/179) "إولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مُهتدين" (البقرة/16) وهو تفسير لقوله تعالى في سورة البقرة: "صُمٌ بُكمٌ عُميٌ فهُم لا يرجعون" (البقرة/18) أو "صُمٌ بُكمٌ عُميٌ فهُم لا يعقلُون" (البقرة/171).

ـ رفضها لاستخدام العنف الحكومي ضد الحركات الاحتجاجية ومطالبتها للمحتجين بالتهدئة لانتظار خطوات الحكومة العملية.

يحمل خطاب المرجعية رسالة واضحة للحكومة بأنها فشلت في اتخاذ خطوات جادة للإصلاح، بل وحملتها مسؤولية الدم المراق للمتظاهرين، وإن كان في خطابها ألم لما آلت إليه الأمور، ولكنها طالبت الحكومة بأكثر من خطبة منذ تظاهرات البصرة أيام العبادي، ولكن الحكومة (منطيتها إذن الطرشة).

ما يُلفت النظر ويستحق التقدير في خطاب المرجعية أنها لم تُشكك بمصداقية مُطالبة المُحتجين والمتظاهرين، ولم تتهمهم بأنهم مدفوعون من جهات خارجية، بل حمل الخطاب بين طيَاته دفاعاً عن حقهم بالتظاهر وتقريعاً للحكومة على إفراطها باستخدام العُنف، بل ومطالبتها بمحاسبة قادة الأجهزة الأمنية الذين لم يلتزموا بتوجيهات القيادة العامة للقوات المُسلحة التي أكد رئيس الجمهورية أن لا أحد منه طُلب منه ردع المُحتجين بالرصاص الحي!.

لم يأت خطاب المرجعية على ذكر وجود جهة مُندسة اخترقت الأجهزة الأمنية، الأمر الذي يعني في حال الاعتراف بوجودها الاعتقاد بفشلها وعدم قدرتها على إدراة ملف أمني بمساحة لا تزيد على كيلو مترين، فالأولى مُحاسبة قادتها.

يحمل خطاب المرجعية تعاطفاً مع مطاليب الجماهير المُنتفضة، الأمر الذي يعني رفضها للغة التخوين للجماهير التي استخدمها بعض المسؤولين الأمنيين الذين توعدوا وعربدوا على أنهم يعرفون بحجم (المؤامرة) قبل أحداث 1/10، وكان خطابهم ممجوجاً ويدل على قصر وعيهم الأمني، فإن كان من يرأس أكبر جهاز أمني يعرف بوجود (مؤامرة) ولم يتخذ إجراءات لوقاية الدولة وحماية شباب التظاهرات الذي هم أم الأمة القادم، فهو آثم، وينبغي محاسبته ومحاسبة كل من له دراية بتبعاتها ويدعي نباهة!.

في ذات الوقت حمَل خطاب المرجعية مجلس النواب مسؤولية تقعاسه عن اقرار قوانين وتشريعات تُساعد الحكومة على التعجيل في برنامجها الحكومي، بل وفي عدم محاسبتها للحكومة باتخاذ خطوات عملية لتقليل البطالة وتشغيل الشباب العاطلين.

يحمل خطاب المرجعية بين طياته شعوراً بالحسرة والتألم من أفاعيل الأحزاب الكبيرة التي لم يرتق قادتها لمستوى الحدث والشعور بمسؤوليتهم التاريخية عن هذا الشعب، فكانوا ولا زالوا في واد وناخبيهم في واد آخر!، لتُخبرهم (المرجعية) أن (الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك) وهذه الاحتجاجات مؤشرات خطيرة أو ناقوس خطر يدق لتنبيهكم أنكم ذاهبون بالبلد إلى الدرك الأسفل، فتهادوا واستكينوا وخففوا الوطئ لأن أديم الأرض من أجساد أجداد هؤلاء الصبية والشبيبة سقتها دماؤهم، وهي بتحصيل الحاصل دماء أهليكم فتريثوا ولا تستهينوا بدمائهم لأنها سقتنا وسقتكم كرامة النفس وعزتها. إنهم ابناء المدن الفقيرة ومُدن العشوائيات إن كان يصح عليها الوصف بأنها مدُنٌ. إنهم أبناء الخايبات (أمهاتنا) الثكلى اللواتي تستحي أرض الرافدين من فرط عطائهنَ، فتريث أيها الجندي أو شرطي الأمن وتمعن وأنعم النظر في وجوه هؤلاء الصبية ستجد ملاحة وجوه أمهاتنا وطيبتهنَ التي من فرط شعورك بالخطر تناسيت ملامح وجوههن السمراء التي ولدننك وحملنك وصبرنَ على شقاوتك وتمردك مثل أخيك المتظاهر الذي لم تسطع لا أمي ولا أمك وقف اندفاعه وحماسته لأنه يروم العيش بكرامة، وأظن أنك لا ترتضي لنفسك ولا له أن يعيش بذلة (فهيهات منَا الذلة) تلك مقولة تربيتما عليها أنت وأخيك المُحتج الصادق في تضحيته بنفسه بعد أن لم يجد من يحتضنه لا أنا ولا أنت ولا "حكومة أبوية" تشعر بألمه وعوزه. (جا إذا أنت خويه العشت ضيمه ما تحس بيه منو يحس بيه أمريكا لو إسرائيل، لو دول الجوار، خويه (ما حك جلدك غير ظفرك) و(الظفر ما يطلع من اللحم) وهذا الشاب المُحتج هو ظفرك فدعه يحك بقايا الصدأ في حكومتنا لعلها تستفيق ولا تخليه يطلع عن طور الأمل بحياة أفضل تحت خيمة هذا الوطن الذي لا نستظل إلَا بظله، فساعده ولا تقتص منه، ولا إتكلي (مؤامرة) ولا أنفي وجودها، ولكن لا تجعل أخيك يقع في حبالها فتقتص منه، على قاعدة (الوقاية خير من العلاج)، وإن لم تستطع الوقاية فعليك تحمل الأذى إن كان في رفض الظلم والخروج على حاكم فاسد أشر تعدَه أذى، فاصبر على أخيك لدرء مفسدة أو فتنة ولو إلى حين على قاعدة (جلب المصالح ودرء المفاسد)، ففي كسب الشباب جلب للمصالح، وفي قتلهم وضربهم شر معلوم، وفي التجاوب معهم والتعاطف مع مطالبهم خير محتوم، فكيف تسنى لك ترك الخير واستبداله بالشر، ولا كسب لك فيه معروف، والقاعدة الفقهية تقول:"درء المفاسد مُقدم على جلب المصالح"!. ولا أظن أن فيما حصل في ردع المتظاهرين ما يُنبئ عن تطبيق واع لهذه القاعدة الفقهية. ولا أجد فيما حصل من رد فعل غير محسوب لكثير أو قليل من الأجهزة الأمنية على احتجاجات الجماهير سوى عمل غير مدروس كاد أن يؤدي إلى فتنة لولا وجود بقية حكمة مكنونة ظهرت بوادرها في خطاب رئيس البرلمان الشاب الذي داعب قلوب الشباب المتظاهرين واقترب من وجدانهم في تركه للتنظير وكتابة الخطاب، ليقول ما في قلبه كشاب قريب من طموحاتهم وآمالهم، وقد خفف بعض من غلوائهم، ولكنه ليس سلطة تنفيذية فما طرحه يبقى مقول للتخدير لا فعل للتغيير.

اعترفت المرجعية في خطابها بضعف السطات القضائية والرقابية في اتخاذ خطوات عملية في مُحاسبة كبار الفاسدين، فلو حاسبت هذه الجهات عدد قليل من رؤوس الفساد لما وصل الحال لما نحن عليه الآن.

ا. د. علي المرهج

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا في مقالنا الثاني عن بزوغ حروب الجيل الرابع؛ حيث يكون حديثنا منصبا عن الرأي الثاني، ويتمثل في الكيفية التي من خلالها الولايات المتحدة الأمريكية إلي الحرب غير المتماثلة بديلاً عن الحرب النظامية، وفي هذا يمكن القول: في أواخر تسعينيات القرن الماضي قررت الولايات المتحدة الأمريكية أن تغير من نمط إدارة الحروب الدائرة في العالم؛ حيث اكتشفت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون)، بأن نموذج حرب الناتو "Nato -model" المبنى على القطاعات الضخمة المزودة بالآليات، غير فاعل إلى درجة كبيرة أمام قوات العصابات المدعومة من قبل الأهالي، وهذا جعل الولايات المتحدة الأمريكية تبحث عن نموذج آخر مؤسس على عدم توريط الجيوش الأمريكية في اشتباكات عسكرية مباشرة، وبالتالي أهمية الاعتماد على قيمة ومنطقية القوات الخفيفة (Lighter Forces) التي كانت منبوذة في السابق من قبل ألوية الجيوش التي تزحف عبر الأنهار والوديان على سكان القرى، وبالتالي التخلص من "الفشل العسكري" وتقليل المخاطر البشرية والاقتصادية لأي تدخل من قبل الجيوش الكبرى .

وهنا بدأ كثيرون من صناع القرارات في الولايات المتحدة يتحدثون عن الحرب غير المتماثلة والحرب طويلة الأمد، حيث ستشارك الولايات المتحدة - تحت مظلة هذه النماذج من الحروب- في أنشطة مكافحة الإرهاب في منطقة واسعة من العالم الإسلامي لفترة طويلة جداً. وبدا صراع الند للند peer-to-peer conflict قد عفى عليه الزمن؛ حيث أشار بعض المحللين الأمريكيين إلى أن الحروب التي شاعت في السابق أصبحت لا تتضمن دولًا، وإنما جماعات غير وطنية، وبالتالي لن تكون هناك حرب نظامية، فإن من أطلقوا هذا الرأي لم يدركوا طبيعته الراديكالية، ونادراً ما كان يُنظر إلى سياسة الدفاع الأمريكية التي أخذت به على أنها غير ملائمة. وإذا كانت الولايات المتحدة ستشارك بشكل رئيسي في عمليات مكافحة الإرهاب في العالم الإسلامي على مدى السنوات الخمسين المقبلة، فمن الواضح أننا في حاجة إلى قوات عسكرية مختلفة جداً عما نملكه اليوم.

كما أدرك صناع السياسات الأمريكية بأنه في ظل الظروف المناسبة قد تستطيع "العصابات" أن ترجح الكفة أمام "الجيش التقليدي"، حتى لو كان الأخير يمتلك مميزات خارقة في الجو، أو البحر، أو في القدرة النارية؛ حيث وصف "ماوتسي تونج " Mao Zedong حرب العصابات بأنها:" عندما يتقدم العدو فإننا نتراجع، وعندما يخيم "نناوش"، وعندما يتعب "نهاجم"، وعندما يتراجع "نطارده"؛ بمعني أن نضرب العدو طالما كان ضعيفاً، وأن نتجنبه عندما يكون قوياً، وأن نطارده عندما ينسحب، وأن نناور عندما يتقدم. فذلك ينسجم مع التفكير السليم" .

وكما يقول الباحث الأمريكي "روبرت تابر" Robert Taber (المتخصص في حرب العصابات) عن حرب العصابات بأنها:" حرب ثورية"، تجند سكاناً مدنيين أو على الأقل جزءاً من السكان، ضد القوى العسكرية للسلطة الحكومية، القائمة شرعياً أو المغتصبة".

وقد وازن أفضل الخبراء الأمريكيين بين مجموعتين من الثوابت .. وأدركوا بأنه "في مجال الحرب لابد من الأخذ في الاعتبار ليس بالتقييم أو الفوارق النوعية فحسب (مثل النواحي المعنوية، ودور السكان المحليين ... إلخ) ولكن باحتمالية وجود صفات عسكرية مختلفة بالكلية عن بعضها البعض، قد تؤثر على طرفي معادلة التكافؤ والتماثل" .

إن في حرب العصابات، نجد أن الطرفين لا يستخدمان نفس الأدوات أو استراتيجيات القتال، ولا يخضعان لمعايير التوازن السائدة، فحسب تلك الحرب، لا يوجد مسرح عمليات يلتقى فيه المحاربون بأية صورة، ويستخدم كل طرف أسلحة غير متماثلة، وقد لا تكون هناك علاقة بين الفعل ورد الفعل فيها، كما أن "الخطط المستخدمة خارج نطاق التصور ويحكمها ـ تفكير يوسوس به الهذيان والجنون، ولا يؤدى إليه العلم، أو توازن القوة مهما كانت دقة حساباته، فلا يوجد تقيد بمبادئ الحرب، وإنما بأفكار تنتج عنه عن مصادفات يتم تحويلها لخطط مدروسة، وتحيط بعملياته أقصى درجات المخاطرة، ويتم كل شئ فى سرية شديدة، ويختلط فيها ما هو مادى بما هو نفسى، كما يتمتع العدو ـ فى هذا النوع من الحروب بإرادة قوية، وتنظيم حديدي، وصبر شديد، وروح عالية، وقدرات رفيعة، تجعل تحقيق أهدافه ممكنة، حتى لو بدت وكأنها ضرب من الجنون" .

وقد وصل تطور مفهوم حرب العصابات في التفكير الأمريكي إلى مستوى اقتراح استراتيجيات محددة للتعامل مع هذا النوع من الحرب، كتعظيم قوة الإدراك النظري لما يمكنني أن يحدث استناداً على مبدأ عام يرتبط بالتفكير بنفس الصورة غير التقليدية (المجنونة) التي يفكر العدو بها، والتغاضي عن المراسم التقليدية التي طالما حكمت التحرك المضاد، كتشكيل التحالفات واستشارة الدول، وتقدير الحساسيات، والاتجاه مباشرة إلى فرض الأمر الواقع، مع تخيير الدول بين الانضمام إلى ما يتم، أو يجدون أنفسهم في الجانب الآخر، يضاف إلى ذلك "تدعيم أساليب الاستخبارات الموجهة، والعودة إلى بعض الأساليب التقليدية كنشر الجواسيس، ثم تغطية مواقع الانكشاف في الأراضي الأمريكية بسد كل الثغرات التي يمكن النفاذ منها، واتباع أساليب جديدة في التعامل مع مسألة الأمن الداخلي، على أساس تخفيف القيود المفروضة على أجهزة الأمن تجاه المجتمع" .

ولذلك أدرك المتخصصون في الشؤون العسكرية الأمريكية أن: " تكتيك رجل العصابات يختلف عن تكتيك الجندي المضاد للعصابات، لأن دوريهما مختلفان، منهما قوتان متنافرتان، تشنان حربين متعارضتين، في سبيل أهداف متضادة. ويبحث الجندي الحلول المضادة للثورة عـن كل حل عسكري، يتمثل في إبادة رجال العصابات، لكنه معاق بعقبة سياسية واقتصادية، فهو لا يستطيع أن يبيد الشعب ولا واحداً من أجزائه الهامة. أما رجل العصابات، فإنه يرغب في اهتراء عدوه العسكري، ويستعمل تكتيكياً مناسباً لهذا الغرض، وهدفه الرئيسي سياسي، ويتمثل في تسعير حريق الثورة في صراعه، وتحريض الشعب كله، ضد النظام، وإظهار عيوب هذا النظام، وعزله، وتقـويض اقتـصاده، واسـتنزاف موارده، وإثارة تفككه. إن حرب العصابات في جوهرها سياسية واجتماعية. أما وسائلها فهي سياسية بمقدار ما هي عسكرية أمـا هدفها فسياسي بالكامل تقريباً، ونستطيع أن نقول انطلاقاً من مقولة "كلاوفيتز" Clausewitz: إن حرب العصابات استمرار للسياسة بواسطة صراع مسلح، وفي درجة معينة من نموها، تصبح ثورة، عندها تغدو أسنان التنين آكلة لكل قوتها، إن حرب العصابات تعادل حرباً ثورية، إنها امتداد للسياسة باستعمال السلاح، وطالما أن أولئك المكلفين بالصراع ضدها لا يفهمونها، فلن يجدوا أية وسيلة استرتيجية أو تكتيكية لتحقيق النصر. أما إذا فهمها أولئك الذين يقودونها، فإنها لن تخيب مطلقاً، مهما كانت الظـروف، لأن الحـرب الثورية لن تبدأ إلا عندما تتوافر ظروف نجاحها " .

واعتبر الباحثون في الشؤون العسكرية الأمريكية أنّ " الطرف الضعيف، في الحرب غير المتماثلة، يستخدم المجتمع كغطاء له، ويعتمد عليه في الإمدادات اللوجستيّة، ويقوم انطلاقا منه بشنّ هجماته ضدّ الطرف الأكثر قوّة، ما يتسبّب بامتداد العنف داخل المجتمع. من هنا، فبداية هذه العمليّة هي حرب العصابات ونهايتها الإرهاب الدولي كما يحصل حاليًا، ومن نتائج الحرب غير المتماثلة حصول إبادة جماعيّة، أو حرب أهليّة، أو اندحار العدو (جنوب لبنان نموذجا) " .

ومن جهة أخري فإن الجهد الرئيسي لحرب العصابات، هو أن " إثارة تمرد السكان، الذين لا يمكن لأي نظام في دولة ما، أن يدوم طويلاً دون موافقتهم. فرجل العصابات هادم للنظام القائم، لأنه ينشر الأفكار الثورية، وتعطي أفعاله قوة إلى عقيدته، وتبين السبيل نحو التغير الجذري، ومن الخطأ أن نعتبره منفصلاً عن مرقد استنبات الثورة. إنه يخلق من المناخ الـسياسي الذي تصبح فيه الثورة ممكنة، ويمثل هذا المناخ التعبير وعنصر الاستقطاب للإرادة الشعبية في مثل هذا التغيير" .

ولذلك يري "روبرت تابر" بأنه "عندما نتكلم عن رجال العـصابات، يتداعى في أفكارنا معنى النصير السياسي، فهو مدني مسلح، وسلاحه الرئيسي ليس البندقية أو الساطور، بل علاقته مع الجماعة، مع الأمة التي يقاتل ضمنها وفي سبيلها، والانتفاضة أو حرب العصابات، عبارة عن فعل يحث على تغيرات من الثورة المضادة، أي الطريقة التي تتم بها مقاومة الثورة: فهما وجهان لعملة واحـدة، ومن الضروري ألا نخلط بينهما، أو بين عواملهما، بسبب تماثلهما. وبسبب الطبيعة السياسية للصراع، وتفاوت الوسائل التي بحوزة المعسكرين، وخاصة بسبب التناقض التـام لأهدافهما السياسي، فإن التكتيكات الأساسية المطبقة في حرب العصابات، غير قابلة للتطبيق من قبل الجيش الذي يقاتل العصابات، ولن تكون قابلة للتطبيق، وبشكل محدود جداً، إلا من قبـل (الاختصاصيين) العاملين في القوات الأمريكية الخاصة، التي يمكن أن تحاول تقليد تكتيكات العصابات" .

ويستطرد " تابر" فيقول:" إن الأسباب تامة الوضوح، فرجل العصابات يمتلك المبادرة فهو الذي يبدأ الحرب، ويقرر أين ومتى يضرب. وعلـى عـدوه العسكري أن ينتظر مستعداً لمواجهته في كل مكان، ويجد جيش الحكومة نفسه، قبل وبعد بداية الحرب، في موقف الدفاع بسبب دوره كشرطي مكلف بحراسة الممتلكات العامة والخاصة، ويجب أن نبين منذ الآن، بأن الشعب يشكل مفتاح الصراع كله، وبالواقع، ومهما بدت الفكـرة مغيظـة للمحللين الغربيين، فإن الشعب هو الذي يقود الصراع. فرجل العصابات ينتمي إلى الشعب، بنفس المقدار الذي لا يستطيع فيه جندي الحكومة أن ينتسب إليه (لو لم يكن النظام قد فقد محبة الشعب لما انـدلعت الثورة). إن رجل العصابات يقاتل بمعونة الجماهير الشعبية المدنية، التي تشكل تمويهه، ومنـابع إمـداده، ومصدر تطوعه، وشبكة اتصالاته، ومصلحة استخباراته، الموجودة في كل مكان والشديدة الفعالية" .

إذن في حرب العصابات تستخدم أساليب ووسائل وأدوات مختلفة (قنابل ذريّة، خطف طائرات، رهائن، ألغام، تفخيخ، عمليّة استشهادية، عمليّة انتحارية)، كما أنه" لا يوجد مكان محدّد لمسرح العمليّات، وحتّى الفترة الزمنيّة قد تمتدّ عدّة سنوات، وكذلك نمط الحرب لا يقتصر على مسرح العمليّات داخل دولة معيّنة، بل يشمل مصالحها ورعاياها في العالم بأسره" .

وهنا تصبح حروب العصابات أو الحرب غير المتماثلة حرباً بين طرفين غير متكافئين تماماً، وتمثل التفافاً واضحاً على قوة الخصم وقدراته يتم تفاديها وتحويلها إلى نقاط ضعف، ففي حين أنه من المرجح أن تنجح المؤسسة العسكرية الأمريكية المتفوقة على سبيل المثال، في مواجهة أي مؤسسة عسكرية تقليدية لدولة أخرى، " فيما يخص التكيف مع التقنيات الجديدة، فإن المستقبل ربما يكون من نصيب الأطراف التي لا تتبع لدولة، وجهات ليس لها صفة التي قد تسهل لها الثورة التكنولوجية والمعلوماتية، إمكانية الحصول على أسلحة، ربما تكون رخيصة وعالية التقنية، تستطيع بها تحييد القدرات المتفوقة لجيوش دول عظمى" . لقد ارتقى هذا التهديد وانتقل من مرحلة خطف الطائرات، واحتجاز الرهائن، واستخدام المتفجرات العادية إلى مرحلة الهجوم المباشر بأساليب وأسلحة غير متوقعة ووسائل إلكترونية متطورة، وقد يصل الأمر إلى حد "استخدام الأسلحة البيولوجية أو الكيميائية، بهدف إحداث خسائر مادية وبشرية جسيمة" .

هذه الأطراف أو المجموعات التي لا ينطبق عليها وصف دولة، حيث لا إقليم لها، ولا سكان، ولا عقد قيادة، سيكونون أعداء غير تقليديين من نوع جديد؛ حيث يتمتعون بالمرونة، وبالترابط الشبكي، لا تحكمها هياكل تنظيمية محددة، ولا تعمل في إطار نسق عسكري واضح، ولا يمكن توقع أفعالها، أو ردود أفعالها، ولا تدور عملياتها على مسرح محدد، وهو سياق مختلف تماماً عن السياق التقليدي للحرب، وسيمثلون أكبر التحديات التي تواجه الدول والمنظمات الدولية في المستقبل وليس الأعداء التقليديين. ففي الوقت الذي يمكن لهذه المجموعات اللا تناسقية الآن استخدام إجراءات لاتصل إلى حد الحرب التقليدية، "مثل شن هجمات باستعمال أشكال شبكية متلائمة مع عصر المعلومات؛ حيث تستطيع الآن مجموعات صغيرة ومتنافرة أن تربط نفسها وأنشطتها شبكياً وتنسيق أعمالها عبر الإنترنيت فإن الطرف الثاني – الدول – لا يزال يعتمد على بنيات هرمية سلمية لا تناسب بشكل جيد التعامل مع هذه الشبكات ذات الطرد المركزي" .

وإذا أمعنا النظر في هذا النموذج، فسنجد أن الولايات المتحدة المتفوقة تستخدم كل الأسلحة الممنوعة في تلك اللحظة التاريخية ضد حركة المقاومة الفيتنامية . ومن الناحية العملية، لا يمكن للثوار ككتلة أن يصمدوا أمام هذه الآلة العسكرية، ولكن تبقي أمام المستضعفين استراتيجية واحدة: "وهي إطالة أمد الحرب، وزيادة تكاليف بقاء الخصم، فاستخدموا أسلوب حرب العصابات، وحروب الكر والفر، وحروب الغازات، والهجوم المضاد بمجموعات صغيرة . وقد كان بإمكان العملاق الأمريكي الضخم أن يدهس أي قوة تواجهه- وإن كانت كتلة كبيرة – ولكن عندما تكون الهجمات من مجموعة من البراغيث التي تلسع الأجسام الكثيرة. وهكذا، استمرت عملية لي الذراع أو العض المتبادل . وكانت الحرب حرب إرادات، وجهت فيها الولايات المتحدة كل آلاتها الإعلامية والدعائية وكل إجراءاتها لإقناع الطرف الآخر- وهم الفيتناميون – باستحالة تحقيق أهدافهم وحتمية هزيمتهم " .

ثم ماذا كانت النتيجة؟! انتصر الطرف الأضعف علي الطرف الأقوى، لم يعد الفيل قادراً علي الصمود، وأصبحت تكلفة البقاء أكبر بكثير من الفائدة من البقاء وانتصرت الإرادة، ولم تنكسر نفسية الفيتناميين. من أين جاءت هذه النتائج التي قلبت المعادلة ؟! إذا اتفقنا علي أن "الولايات المتحدة حاربت الفيتناميين بنسبة 20 % للحرب النفسية، 80 % لحرب الآلة، فقد استطاعت المقاومة الفيتنامية قلب المعادلة، بحيث أصبحت 80 % حرباً نفسية، و 20 % حرب آلة، لأنه إذا ما تم كسر إرادة الخصم، لم يعد هناك حاجة إلي استخدام الأدوات . فالأدوات فقط من أجل إقناع الطرف الآخر بعدم جدوي المحاولة، بحيث يقع في روعه الشعور بعقم المقاومة وحتمية الهزيمة" .

ومن فكرة حرب العصابات بزغت فكرة حروب الجيل الرابع فى أواخر حكم الرئيس بوش الابن، وأوائل حكم الرئيس أوباما كتعويض لحروب الجيل الثالث التي فشلت بسبب تكاليفها المادية الباهظة؛ حيث "أخذت الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها في الاستمرار نحو تحقيق مخططها لتفتيت الوطن العربي الذي بُني من قبل، ولكن بصورة جديدة هنا وهي إثارة الفتن، وتقليب الشعوب ضد مؤسسات الدول المستهدفة، وإثارة حالة من الفوضى العارمة، بحيث تدمر الدولة نفسها بنفسها، من خلال إنهاك مؤسساتها وإرباكها والسعي لتحطيم اقتصادها، مستغلين بذلك الانفلات الأمني الحادث، ثم سقوطها لإعادة البناء بما يلائم المصالح الأمريكية والغربية" .

وتستعين أمريكا بأعوان لها من الداخل علي مقدرة عالية لاستقطاب أكبر عدد من التابعين الذين تستقطبهم، من خلال سيطرة العمليات السيكولوجية علي العقول وتأثيراتها، فتكون بمثابة قنابل تغزو العقول لاجتذاب أكبر عدد ممكن من المتبنين لهذا الفكر المدمر، وهذا "ما يعرف بالأسلحة الذكية، وتعد وسائل الإعلام المأجورة والعميلة أهم آليات التنفيذ" .

من كل ما سبق يتضح لنا أن حرب العصابات تمثل شكلاً خاصاً من أشكال القتال يدور بين قوات نظامية، وبين تشكيلات مسلحة تعمل في سبيل مبدأ بالاعتماد على الشعب أو جانب منه، وتستهدف تهيئة الظروف الكفيلة بإظهار هذا المبدأ أو هذه العقيدة إلى حيز التطبيق... وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

 

باسم عثمانهواجسها ومخاوفها من تداعيات تحرير إدلب، دفعها لاستعجال تأزيم الأوضاع ولقبولها بما كانت ترفضه، ولاستعجال استنساخ الكيان الإسرائيلي شمالا ًوشرقا ًبالنكهة التركية والانفصالية، ودَعَتها "منطقة اّمنة"، رغم التكريد والتتريك على غرار التهويد، ورأت في انفصالييها وأردوغانها، عكاز بقائها اللاشرعي على الأراضي السورية، والذي رأى نفسه ضامنا ً للحلم العصملي، وراّه السوريون عدوا ًوقحا ًضامنا للإرهاب والاحتلال البائد لا محالة، واعتبروها فرصة لاستلاب السيادة ولإبراز العضلات بالوكالة، لكنهم بَدوا تائهين وربما سيتحولون إلى نادمين، فهذه سوريا ليست مشاعا لعربدتكم وأوهامكم.

ان الغزو التركي على شمال سوريا ما كان ليحصل لولا الضوء الأخضر الأمريكي الذي أعطاه ترامب لاردوغان بالانسحاب الأمريكي من الشمال السوري، ولولا الخلل في العلاقات الدولية التي نسفتها السياسة الامريكية الخرقاء وتدخلها السافر في شؤون الدول دون مراعاة للأعراف و القوانين الدولية.

ان السياسة أحادية الجانب التي تمارسها أمريكا ضد شعوب العالم و سيادة أراضيه، في تجاهل تام للشرعية الدولية وهيبة مؤسساتها، وهو ما جعل اردوغان يتجاهلها و يعلن جهارة عن نيته بغزو بلد جار دون أي رادع كما تفعل الإدارات الامريكية و الكيان الإسرائيلي.

اللافت للانتباه، ان العدوان التركي على الأراضي السورية جاء تحت ذريعة محاربة " داعش" الإرهابية، بينما الواقع يقول، ان المدن التي يقصفها الجيش التركي بكل أنواع الأسلحة الثقيلة و الخفيفة، مثل راس العين وتل ابيض، هي من حررت أراضيها من بطش واحتلال "داعش" لها.

في البداية لم يكن السوريون يعرفون الكثير عن مّا سُمى “قوات سورية الديمقراطية” ولا عن أهدافها، لكن الأيام كشفت نوايا مطلقي هذا المشروع المشبوه و يقوم على الطاعة العمياء للسيد الأمريكي، وبادعاءات محاربة الإرهاب، فقد رأى العالم كله مرور وعبور الإرهابيين وإمداداتهم عبر مناطق سيطرة ميليشيات “قسد”، وكان لهم “شرف” حضور حفلات نقل الدواعش عبر الحوامات الأمريكية إلى غير جبهات، لكن الرئيس ترامب حافظ على ذريعة وجود وتسليح ميليشيات “قسد”، والتي احتفظت بدورها عبر مخاوفها من العدو التركي و حججها المزعومة ب ”حقها بالدفاع عن نفسها” ومناطق “احتلالها”.

الدّور التركيّ “الاردوغاني” في سوريّا:

1- استغلّت تركيّا علاقاتها مع العالم الغربيّ (أمريكا والاتّحاد الأوروبيّ ولاحقاً روسيّا)، في محاولتها الأخذ بزمام المبادرة في “الأزمة السّوريّة”، واعتبار نفسها لاعباً قويّاً، يُحسب لها حسابها في كافّة معادلات الحلّ النهائيّ، من خلال استغلالها للجوار الجغرافيّ.

2– طرح نفسها كدولة إقليميّة مؤثّرة وذات أهميّة استراتيجية بالنسبة لمصالح الدّول الغربيّة.

3– استخدام ذريعة “متطلّبات الأمن القوميّ التركيّ” للجم أيّ تحرّك دوليّ أو إقليميّ يقف في طريق اطماعها السياسية، مستغلة الورقة الكردية ( كمسمار جحا) في حسابات اجندتها الإقليمية.

4– التسهيل للعناصر المتطرّفة الارهابية القادمة من كافّة أصقاع العالم، باستخدام أراضيها ممرّاً لهم للوصول إلى سوريّا، ودعمها بكافّة أسباب القوّة العسكرية والانتشار.

5– استنزاف الاقتصاد السّوريّ، بفتحها المجال أمام المجموعات المسلّحة بسرقة ونهب المصانع والمنشآت الصناعيّة السّوريّة، ونقلها وبيعها في تركيّا.

6– بعد حشر تركيّا أهدافها ودورها في سوريّا بمحاربة “الكرد”، غدت أداةً طيّعة بيد القوى الفاعلة، تبتزّها في العديد من القضايا والتي تعاملت معها بمبدأ “الصفقات”.

7– غياب أيّ توجّه استراتيجي تركيّ يذهب باتّجاه استقرار المنطقة وإزالة أسباب التوتّر، على العكس تماماً، تميّز الدّور التركيّ بتصعيد العنف وخلق صراعات هامشيّة بما تطيل من عمر” الأزمة في سوريا ”.

8-الإصرار غير المجدي في فرض رؤيتها على المجتمع الدّوليّ، وانكشاف حجم النفاق الذي تمارسه، من خلال دعوتها إلى حلول مجتزأة، لا ترقى إلى مستوى إنهاء “الأزمة السورية” بالطرق السلميّة.

9– خيبة الأمل الأمريكيّة، في توظيف الدّور التركيّ في كبح محاولات تمدّد قوى اقليمية في المنطقة، وانقلاب تركيّا على التّحالف الدّوليّ في محاربة تنظيم “داعش”، والالتفاف إلى محاربة “الكرد” وهندسة القوى الحليفة لها وفق هذه الذّهنيّة والتوجّه.

 الحقيقة السورية:

الدولة السورية أعلنت عن موقفها الرافض لأي مشروع تقسيمي، وتحذيرها لكل من "تسول له نفسه النيل من وحدة أرض وشعب الجمهورية العربية السورية تحت أي عنوان"، وتأكيدها مرارا ً أن "طرح موضوع الاتحاد أو الفيدرالية يشكل مساسا ًبوحدة الأراضي السورية"، وأنه "يتناقض مع الدستور والمفاهيم الوطنية والقرارات الدولية" وأنه " لا قيمة ولا أثر قانوني له"، واعتبرته عملا ًداعما ً للإرهاب، وأنه يصب في خانة إضعاف سوريا، وأنها ترى في أي تواجد لا شرعي ”عسكري” على أراضيها هو مجرد احتلال.

لكن هذا لم يردع الانفصاليين، واستمروا في العمل على تكريس الانفصال، وأقاموا هياكل الجسم الفيدرالي – التقسيمي، واستولوا على كافة مصادر الثروات المتنوعة على امتداد الشرق السوري، وبنوا بأيديهم القواعد الأمريكية، وحفروا الخنادق حول القواعد الفرنسية، وقاموا بتنفيذ كل ما من شأنه خدمة المشروع الأمريكي-الصهيوني.

ولعبت الإدارة الأمريكية على الحبلين التركي والانفصالي، ومضت في استغلالهما إلى أبعد مدى، فقد رفضت “المنطقة الاّمنة التركية” على مدى ثمان سنوات، ورفضت سحب السلاح الأمريكي من أيدي الانفصاليين، وحافظت على النقيضين، فالأتراك يتمسكون بادعاءات “امنهم القومي” وبمنع قيام أي شكل سياسي لكيان كردي لطالما دعاه الرئيس أردوغان بالإرهابي، فيما يمضي الانفصاليون تحت العباءة الأمريكية بتكرار مخاوفهم من عدوان تركي يجتاح مناطقهم من خلال علاقة تكافلية لم يعد بالإمكان إخفائها.

ومن الواضح أن مطالبة كلا الطرفين التركي والانفصالي بإنشاء المنطقة الاّمنة، أنهما يتفقان على اغتصاب الأرض السورية لكنهما يختلفان حول السيطرة، فأردوغان يريدها مناطق نفوذ تركي ولا يمانع بالإبقاء على مناطق الإدارة الذاتية وبهيمنة المكون الكردي من باب “الرشوة”، فيما يريدها الانفصاليين منطقة اّمنة بقرار دولي أو أمريكي تمنحهم أحقية السيطرة عليها وإدارتها.

واذا صحت الانباء عن دعوة ما يسمى " الإدارة الذاتية الكردية" لروسيا للقيام بدور الضامن في حوار مع الحكومة السورية، ستكون خطوة في غاية الحكمة يقوم بها الاكراد، رغم انها جاءت متأخرة جدا، فلا خيار امام الاكراد الذين غدرت بهم أمريكا واصبحوا ضحية للأطماع "العثمانية" الجديدة،الا العودة الى حضن الوطن، و الوقوف الى جانب الجيش العربي السوري من اجل سحب البساط من تحت اقدام الطامعين الجدد بارض و ثروات الشعب السوري.

وكما يبدو ان اردوغان وقع في الفخ الأمريكي الذي نصب له،مدفوعا بحفنة من الأوهام "العثمانية" الجديدة وهو في سكرة اطماعه، والتي ستاتي عليه و على حزبه وتنهي حياته السياسية الى الابد، وكل الشعارات التي ترفعها تركيا حول دعمها للشعب الفلسطيني ومساندتها للشعوب العربية الثائرة ضد الظلم والاستبداد أو دعمها لما يسمى نهج "الإسلام المعتدل"... الخ،لا يمكنه اخفاء مطامعها ورغبتها بالهيمنة وكراهيتها وحقدها التاريخي الموروث للعرب وللمشروع القومي العربي، وأنها عضو في الحلف الأطلسي، وتدخلها في الشؤون الداخلية للدول العربية ودعمها لجماعات "المعارضة" فيها يؤكد ذلك، كما أن أطماعها في سوريا ليست جديدة وقضية لواء اسكندرون السوري الذي تحتله تركيا ما زالت حاضرة.  

في الوقتٍ الذي تراقب فيه واشنطن الاندفاعة السورية – الروسية نحو تطبيق بنود اتفاق (سوتشي) بالقوة العسكرية، وربما إلى أبعد من ذلك فتحرير إدلب بات “قاب قوسين او أدنى”.

سوريا ليست فقط مهد الحضارات القديمة و طريق الحرير،هي الرقم الصعب الغير قابل للقسمة لا في أوهام الطامعين ولا في اجندات الانفصاليين  الانتهازيين، قالتها دمشق و ستقولها " يا خوف عكا من هدير البحر".

 

د. باسم عثمان

كاتب وباحث سياسي

 

عامر صالححمل رجل الدين، علي السيستاني، يوم، الجمعة أمس، الحكومة العراقية والأجهزة الأمنية مسؤولية مقتل متظاهرين وعدم حمايتهم في الاحتجاجات الدامية التي شهدتها البلاد، الأسبوع الماضي، وأودت بحياة أكثر من مئة شخص وآلاف الجرحى ومئات المعتقلين. ويعتبر السيستاني المرجعية الدينية العليا للشيعة في العراق، وقال ممثله عبد المهدي الكربلائي، خلال خطبة صلاة الجمعة في كربلاء، إن "الحكومة وأجهزتها الأمنية مسؤولة عن الدماء الغزيرة التي أريقت في مظاهرات الأيام الماضية"، محددًا مهلة أسبوعين للسلطات كي تعلن نتائج تحقيقاتها. 

وأضاف الكربلائي أن ما حصل عبارة عن "مشاهد فظيعة تنم عن قسوة بالغة فاقت التصور وجاوزت كل الحدود"، معتبرا أن الحكومة مسؤولة "عندما تقوم عناصر مسلحة خارجة عن القانون، تحت أنظار قوى الأمن، باستهداف المتظاهرين وقنصهم، وتعتدي على وسائل إعلام معينة بهدف إرعاب العاملين فيها".

بعيدا عن الجدل المستديم والدائر على أشده بخصوص التعقيدات الناتجة من زج الدين والمرجعيات الدينية في السياسية في الوضع العراقي ما بعد سقوط النظام الدكتاتوري في عام 2003 وما جلبه هذا التدخل من آثار سببت في خلق مزاج غير مواتي لبناء عملية سياسية بعيدة عن زج الدين في دهاليز السياسه، الى جانب اشتداد الطائفية السياسية والأحتقان الجغروطائفي، وأشتداد ساعد الاحزاب الاسلاموية، نرى ان خطبة الجمعة اليوم 11-10-2019 جسدت بوضوح كافي ادانة الحكومة العراقية واجهزتها الأمنية والعسكرية في ارتكابها إراقة الدماء بين شباب انتفاضة أكتوبر، كما طالبت الحكومة بالتحقيق العاجل ومعرفة كل التفاصيل ومن هو المسبب لذلك او ما اسمته المرجعية" بغزارة الدم "، كما اعطت المرجعية الشرعية الكاملة لأحتجاجات الشباب المطلبية بعيدا عن التهم الجاهزة الموجه لهم من قبيل العمالة و تنفيذ اجندات خارجية ورأت في مطالبهم كل الحق، كما أكدت المرجعية انها لم تقف ولا تدعم اي حزب بعينه من الأحزاب الحاكمة.

نعتقد ان هذا الخطاب وبفعل تأثر شرائح اجتماعية فيه اعطى قوة دفع اضافية للمحتجين في الأصرار على انتزاع حقوقهم والكشف عن مرتكبي جرائم القتل والقنص، وأكد عدم وقوف المرجعية الى جانب الحكومة، ومطالبتها بمحاسبة مرتكبي الجرائم، وهذا يعني لدى الشرائح المتأثرة بالمرجعية وخطبها الدوريه سقوط لشرعية افعال الحكومة واحزابها الحاكمة اتجاه المحتجين، وقد يجد موقف المرجعية انعكاساته في استمرارية زخم الأحتجاجات واتساعها في الذهنية المؤمنة بالمرجعية والمساهمة في احتجاجات اكتوبر العراقية. بالتأكيد ان خطاب المرجعية لا يخلو من محاولات امتصاص غضب الشارع الذي يلقي اللوم علبها في عدم وضوح موقفها من الحكومة وضبابيته في مناسبات كثيره وخاصة ان المرجعية لها اليد الطولى في تصميم النظام في بداياته الأولى.

نرى اليوم أن المرجعية وبعد كل الدماء التي سالت والتي سببها الصراعات الطائفية السياسية ونظام حكم بني على اساس المحاصصة الطائفية والاثنية المريضة والذي لا يستجيب لأبسط مستلزمات العيش الكريم، وساهمت المرجعية في ترسيخه ووضع لبناته الاولى بالاتفاق مع قوى الاحتلال الامريكي والاحزاب الاسلاموية الطائفية، ان المرجعية اليوم مسؤولة اخلاقيا ودينيا وشرعيا عن الدماء التي تراق. ومن هنا جاء خطاب المرجعية يوم الجمعة منتفضا على ما هو سائد وعبثي ومنتهكا لكل الحرمات الدينية والانسانية، وبغض النظر عن توقيته ودوافعه ومديات سقفه، إلا انه يشكل محاولة لردع السلطات الحكومية المتمادية والمستهترة بالدم العراقي.

ولعل ابرز ما ورد في خطاب المرجعية هو: ادانتها ورفضها للأعتداءات التي تعرض لها المتظاهرون وكذلك عدد من القوات الامنية، وصفها للمتظاهرين بأنهم سلميون، حديثها عن سقوط آلاف بين جرحى شهداء في بغداد والناصرية والديوانية وغيرها،  تأكيدها بأطلاق النار على متظاهرين سلميين، اعتداء على قنوات فضائية ووسائل اعلامية لمنعها من نقل ما يقع من احداث في ساحات التظاهر، تحميلها الحكومة وأجهزتها الأمنية مسؤولية الدماء الغزيرة التي أريقت في مظاهرات الأيام الماضية، سواء من المواطنين الأبرياء أو من الأجهزة الامنية، تأكيدها مسؤولية الحكومة عن قيام بعض عناصر الأمن باستخدام العنف المفرط ضد المتظاهرين، ولو بسبب عدم انضباطهم وانصياعهم للأوامر، مطالبتها بقوة للحكومة والجهاز القضائي بإجراء تحقيق يتسم بالمصداقية حول كل ما وقع في ساحات التظاهر، ثم الكشف أمام الرأي العام عن العناصر التي أمرت أو باشرت بإطلاق النار على المتظاهرين أو غيرهم، وعدم التواني في ملاحقتهم واعتقالهم وتقديمهم إلى العدالة مهما كانت انتماءاتهم ومواقعهم، تأكيدها مجددا على وجوب المضي في المشروع الإصلاحي من مكافحة الفساد المالي والإداري وتحقيق درجة من العدالة الاجتماعية، والذي شرطه أن يتم فرض هيبة الدولة، وضبط الأمن وفق سياقاته القانونية، ومنع التعدي على الحريات العامة والخاصة التي كفلها الدستور، تأكيدها الانحياز للمظلومين والمحرومين من أبناء الشعب، بلا تفريق بين انتماءاتهم وطوائفهم وأعراقهم، تأكيدها عدم انحيازها إلا إلى الشعب، وعدم دفاعها إلا عن مصالحه، وعدم مداهنتها لأحد أو جهة فيما يمس المصالح العامة للشعب العراقي.

بالتأكيد لا اريد القول هنا انها بداية القطيعة بين الاحزاب الاسلامية الحاكمة والمرجعية الدينية في النجف، حيث تتداخل وتشابك المصالح بين عناصر وقيادات من الاحزاب الاسلامية وبين عناصر ورموز من العاملين في المرجعية، وهذا نوع من تشابك المصالح وتداخلها بين الاسلام السياسي وبحثه عن شرعية للبقاء عبر استمالة رموز من المرجعيات، ولكن اقول ان هول الاحداث وما يجري للعراق من خراب شامل وضع المرجعية امام اعلان حالة الطلاق مع الاحزاب الحاكمة" ولو جزئيا " وعلى مرأى ومسمع من الشعب، فهي تبرئة لازمة نفسيا، رغم انها ليست الحل، وانما الحل بيد الشعب وحده صاحب المرجعية الوحيدة في التغير الشامل ونقل العراق الى مصافي الدول المتحضرة، يحترم فيها الدين والسياسة ". وما دامت هناك تأثيرات للمرجعية الدينية في عقول الكثير فأن موقف المرجعية اليوم يضيف الى طاقات الشباب المنتفض طاقات مضاعفة نحو التغير الشامل لنظام الفساد والمحاصصة الطائفية والاثنية.

 

د. عامر صالح

 

بكر السباتينتستمر العمليات العسكرية التركية شرق الفرات وسط تضارب في المواقف الدولية إزاءها.. فقد أعلنت وزارة الدفاع التركية يوم أمس الجمعة، القضاء على 219 عضوا لحزب العمال الكردستاني ووحدات حماية الشعب الكردية منذ بدء عملية “نبع السلام” العسكرية في شمال سوريا، في حين قتل ستة أتراك وأصيب ستة عشر آخرون جراء سقوط قذيفة هاون أطلقت من الجانب السوري على مركز مدينة أقجة قلعة الحدودية التركية حسب البيانات التركية.

وفي سياق متصل أعلن كل من، جبهة العمل الوطني لأكراد سوريا، وتجمع السوريين الأكراد الأحرار، عن دعمهما لعملية “نبع السلام” التي أطلقتها القوات التركية والجيش الوطني السوري شرقي نهر الفرات.

جاء ذلك في بيان مكتوب بشأن العملية العسكرية شمالي سوريا ضد قوات سوريا الديمقراطية الكردية متهمة إياها بممارسة الظلم في حق الشعب السوري من العرب والأكراد، وبأنه يجند الأطفال والشبان في صفوفه تحقيقاً لغايات خبيثة في المنطقة، مشيراً إلى أنهم أجبروا العديد من السكان على ترك منازلهم في المدن التي احتلوها، بينما تم اعتقال التنظيم لكثير من الأكراد وممارسته لانتهاكات حقوق الإنسان في المنطقة.

بالمقابل قالت قوات سوريا الديمقراطية الكردية إن الضربات الجوية والقصف التركي خلَّف مقتل تسعة مدنيين في شمالي شرقي سوريا منذ أن بدأت أنقرة هجومها في المنطقة، كما أعلنت عن مقتل اثنين وعشرين من مقاتلي المليشيات التابعة لتركيا وخمسة جنود أتراك وتدمير خمس آليات تابعة للجيش التركي.

وقد توعد الأكراد بالرد على عملية الأتراك العسكرية الجديدة بـ "حرب شاملة". وفي محادثة مع "نيزافيسيمايا غازيتا"، أكد عضو المؤتمر الوطني الكردي، فرحات باتييف، أن قوات كردستان السورية ليس لديها خيار سوى الدفاع. ووفقا له، فإن مهمة القيادة التركية هي احتلال الأراضي من محافظة إدلب إلى محافظة دير الزور. و"هذا تكرار لقصة قبرص، التي تم تقسيمها إلى الجمهورية التركية لشمال قبرص وقبرص نفسها"، وقال لـ"نيزافيسيمايا غازيتا": "في حالتنا، الحديث يدور عن إنشاء جمهورية شمال سوريا التركية".

وقد دفعت العملية العسكرية في الشمال السوري عشرات آلاف الأسر إلى النزوح من منازلهم، وقالت مصادر أهلية أن عدد كبير من الأسر باتت بلا مأوى وتمكث بالعراء وإن أعداد النازحين تزداد بشكل كبير ما ينذر بكارثة إنسانية خطيرة.

إن دخول تركيا الأراضي السورية عسكرياً لم يكن اعتباطياً فقد تهيأت له تركيا جيداً، ويجيء ذلك لعدة أهداف تتجلى فيما يلي:

أولاً: ضرب الأكراد وعمل مناطق آمنه لسد منافذ الدعم اللوجستي إلى المنظمات الإرهابية كداعش والحزب العمالي التركي المتمركز في تلك المناطق المحاذية للحدود التركية السورية إلى جانب القوات السورية الديمقراطية الكردية.

ثانياً: إعادة اللاجئين السوريين إلى بلادهم وتحديداً منطقة العمليات العسكرية التي تضم قرى كثيرين منهم، حيث غادروها بسبب الحرب الأهلية السورية، وخاصة أنهم باتوا يحرجون موقف أردوغان الداخلي والإقليمي.

ثالثاً: وبناءً على تحقيق الهدفين السابقين، يتمكن حزب التنمية والعدالة ممثلاً برئيسه رجب طيب أردوغان من استعادة شعبيته في الانتخابات الرئاسية المقبلة، وخاصة أن ما يقلق الحزب هو بروز منافسين في المعارضة التركية ومنشقين من داخل الحزب نفسه، باتوا يطرحون معضلة اللاجئين كأحد أخطاء الرئيس أردوغان، لذلك يسعى الأخير بسرعة لسحب هذه الورقة وتحويلها لصالحه.

رابعاً: وهناك سبب آخر تجتمع عليه كل من إيران وسوريا وتركيا ويتمثل بقطع الطريق على العدو الإسرائيلي من استكمال مشرعه في تعزيز استقلال الدولة الكردستانية الموحدة التي تضم كردستان العراق وشرقي الفرات. فالخبراء العسكريين الإسرائيليين يشرفون على بناء حزب الحياة الكردي "البيجاك" المرتبط وجدانياً واستراتيجياً مع الأكراد شرق الفرات. إن كردستان الكبرى من شأنها لو كتب لها النجاح أن تشكل خطراً داهماً على تلك الدول الإقليمية وخاصة أن الدعم اللوجستي الإماراتي متوفر.

وتجدر الإشارة إلى أن عملية “نبع السلام” لم تأت من باب العمل الإنساني كما يروج لها الإعلام التركي، لأن أردوغان نفسه هو من هدد أوروبا قبل أيام بطرد اللاجئين السوريين في حال لم يدفع الأوربيون ثمن إقامتهم في تركيا، وكثير منهم تم اعتقاله واقتياده عنوة ورميه في ادلب سوى أصحاب الرساميل من السوريين الذين أسهموا في إنعاش الاقتصاد التركي. أي أن أردوغان أخذ يمارس لعبة شن حرب خارجية محسوبة؛ لدعم موقفه في الداخل وحرف أنظار الشعب والنخبة عن الأزمات الداخلية التي تواجه حكمه مؤخراً، حيث لم يعد يجديه نفعاً من الناحية الجماهرية في أنه يعتبر المنقذ لتركيا حيث جعلها مزدهرة فدخلت البلاد بعهده في منظومة دول العشرين ودول نادي باريس الست؛ فالشعب يهمه أكثر تداعيات الوضع الراهن المتأزم بسبب أزمة اللاجئين السوريين في تركيا، وخطر حزب العمال الكردستاني المتمركز شمال سوريا، وعليه فإن نتائج العمليات المحتملة ستحقق له ذلك، كونها ستؤدي إلى أبعاد القوات الكردية المسلحة عن حدود تركيا وتعيد اللاجئين إلى ديارهم.

ويركز خصوم أردوغان إعلامياً على أنه من سعى وعمل على تقويض قوة وسلطة الحكومة المركزية السورية والجيش السوري في مناطق الشمال السوري برمته ناهيك عن شرق الفرات لا بل ساهم في جلب خطر التنظيمات الإرهابية التي يسعى لمواجهتها في هذه العملية الاستراتيجية.. وخاصة بروز القوات المسلحة الكردية التي يقول أردوغان اليوم أنها تهدد الأمن القومي التركي. وإيغالاً في الخطأ فهو يجحفل في حملته قواتٍ محسوبة على المعارضة السورية ما يعني أن الخاصرة التركية ستظل ملتهبة، حيث سيحل سكان آخرون محل أبناء المنطقة، ومن ثم سيتم تسليمها أمنياً وعسكرياً لتلك القوات السورية المحلية التي تتبع لتركيا، والرهان على ذلك يعد قصر في الرؤية الإستراتيجية لأنه لا ثوابت في السياسات الاستراتيجية في إقليم تتحكم به القوى الإقليمية، وقد يؤدي ذلك إلى عودة داعش ومثيلاتها مدعومة من السعودية والإمارات والعدو الإسرائيل المتمركز في كردستان العراق.

وفي سياق متصل فقد توالت المواقف الدولية ما بين مؤيد أو معارض لهذه العملية التي ترى تركيا بأنها ستحفظ الأمن القومي التركيا، وهي عملية محدودة، فقد أيدت قطر العملية العسكرية التركية. وبعض الدول الكبرى أيدت العملية بصمت، من خلال الانتقاد الخجول للعملية التركية العسكرية شمال سوريا ضد الأكراد على نحو ما فعلت كل من روسيا وإيران وربما سوريا نفسها، على اعتبار أن العملية جاءت من باب تحقيق الأمن القومي التركي ومحاربة الإرهاب وتنسجم مع اتفاقية أضنه التي أبرمت عام ١٩٨٦ بين البلدين، ويجيء هذا التأييد المبطن من قبل تلك الدول؛ لتلاقي المصالح في هذه الضربة العسكرية الموجعة.. ولكن هل تتساوى حسابات البيدر والحقل اعتماداً على التحالفات في الحروب التي تتبدل فيها موازين القوى والاستراتيجيات، والتي تتقلب فيها النتائج والمفاجآت، وهذا لا تثير الاطمئنان. ولا أستبعد أمريكا من هذا السياق رغم مناصبتها العداء لأردوغان على أرضيّة صفقة صواريخ "إس 400" الروسيّة، كونها هيأت للعمليات العسكرية شرق الفرات بانسحابها ميدانياً.

وكان مجلس الأمن قد فشل في تحديد موقفه من العمليات العسكرية التركية في العمق السوري، لتوافق الرأيين الروسي والأمريكي الداعمين للعملية بطريقة غير مباشرة، حيث لم يتمكن أعضاء المجلس من الاتفاق على بيان رسمي بشأن العملية . حيث أفادت وكالة "أسوشيتد برس" بأن الاجتماع المغلق لمجلس الأمن شهد اختلافات في مواقف الدول لم تسمح بإصدار البيان. فقد أفادت مصادر دبلوماسية لوكالة "الأناضول" التركية بأن الخلاف الرئيسي كان حول عبارة "الإدانة" للعملية العسكرية، مشيرة إلى أن الولايات المتحدة وروسيا عارضتا البيان. وأكدت المندوبة الأمريكية الدائمة لدى الأمم المتحدة كيلي كرافت، بشأن الموقف الأمريكي في أن الرئيس دونالد ترامب "كان واضحاً للغاية" حول أن الولايات المتحدة لم تدعم بأي شكل من الأشكال القرار التركي بشن العملية العسكرية. وهذا بحد ذاته ليس إدانة. إلا أنه لم يمنع من تلويح الكونغرس الأمريكي بفرض العقوبات ضد تركيا والتي لن تكون مجدية، لأن البنك المركزي التركي بادر إلى سحب احتياطي الذهب التركي من نظام الاحتياطي الفدرالي الأمريكي في عام 2017، حيث بلغ 28.7 طن من الذهب.

وعلى صعيد أوروبي، قال وزير الدولة الفرنسي للشئون الأوروبية إميلي دي مونتشالين إنه سيتم بحث فرض عقوبات محتملة على تركيا في قمة الاتحاد الأوروبي الأسبوع المقبل.

وقالت السويد إنها ستستعى للحصول على دعم على مستوى الاتحاد الأوروبي لفرض حظر على تصدير السلاح إلى تركيا خلال مباحثات الاثنين. غير أن ذلك قد يكون أيسر للتنفيذ على مستوى الدول، حسبما قال دبلوماسي أوروبي في بروكسل.

لكن المعارضة الأشد لهذه العملية العسكرية الضخمة على صعيد عربي جاءت من الموقف الإماراتي والمصري؛ ربما لثأر مبيت مرده موقف أردوغان المؤيد لقطر.. (الموقف السعودي المعارض تحول إلى مؤيد للخطوة التركية ربما من باب المراوغة والتكتيك لتنأى بنفسها عن الشبهات مستقبلاً، أو لضغوطات خارجية تعرضت لها المملكة، من أمريكا مثلاً).

وفي محصلة الأمر يطرح السؤال نفسه فيما لو تعلمت تركيا من التاريخ بأن الحرب ليست نزهة وحساب البيدر لا يساوي حساب الحقل وأنها قد تكون وقعت في فخ أراده لها الخصوم لذلك تراوحت مواقفهم ما بين مؤيد أو متفرج ساكت عن إبداء الرأي أو رافض.. فخ يستهدف شخص أردوغان لاستنزاف قواته.. فليس مستبعداً على سبيل المثال وهذا وارد في حروب المنطقة، وصول صواريخ بالستية إلى القوات الكردية بوسعها ضرب العمق التركي، وإصابة مدن مثل اسطنبول وأنتاليا ومرسين في مراحل يكون فيها الجيش التركي في العمق السوري.. فالأيادي الخفية تنتظر دورها في هذه المواجهات المنتظرة! وأعداء تركيا يبحثون عن أدوار لهم وخاصة السعودية التي تباكت على الأكراد ووعدت بالوقوف إلى جانبهم، وبالطبع الطريق الوحيد لتقديم هذا الدعم الموعود سيكون بالسلاح وربما بالمقاتلين من الجماعات التي تدعمها السعودية. هذا إذا أدخلنا في حساباتنا الدور الإسرائيلي والإماراتي في دعم القوات الكردية في إقليم كردستان، حزب الحياة الكردي "البيجاك" المرتبط وجدانياً واستراتيجياً مع الأكراد شرق الفرات.

إن ورطة تركيا ستكون وخيمة فيما ذهبت إليه في هذه العمليات العسكرية الكبيرة، ولعل أبسط مخرجاتها ستؤدي إلى إحراج موقف أردوغان أو إسقاط نهجه المختلف عليه داخلياً فيما يتعلق بالسياسة الخارجية، ولا نريد أن نقول باحتمالية سقوطه إذا فشلت العملية لأن من يتربص به في تركيا لن يسكت إلى الأبد.

المستنقع السوري الذي تتوغل فيه تركيا متخم بالمفاجآت، والحرب سجال.. يوم لك ويوم عليك! اسألوا التاريخ القريب البعيد.

 

بقلم بكر السباتين..

12 أكتوبر 2019