ليس الشأن عسكريا بحتا، لكنّ كل شيء يحمل وجها من وجوه القمع سيجلب إلى المخيلة العسكر. العسكر الذين شوّهت صورتهم بإرادتهم، أو بإرادة غيرهم، حتى ما عادت الشعوب العربية في هذا الزمان تطمئن حين يذكرون. لكن للعسكرة معاني مختلفة، ولعل في تلك الوجوه شيئا يستحق أن يُجلب إلى هذه المشرحة.

يطيب لي استذكار بعض معاني "العسكرة" في شروحات المعاجم العربية، ومنها معجم المعاني، والجامع، والوسيط، والتي تتّفق على معنى يكاد يكون وحيدا، فعَسكر الليل: اشتدّت ظلمته، وعسكر الشيء: جمعه، وعسكر القوم: تجمّعوا، والعسكر: الجيش ومجتمعه، وانجلت عنه عساكر الهموم: زال همّه. ومن هنا أستطيع أن أجد لي ملاذا ومتّكأ فيما سأتطرق إليه.

كورونا، أو كوفيد 19 هذا المتجبّر الذي سقط على رؤوسنا، وفي مراتعنا مثل شيطان رجيم، يتقوّل الناس في شأنه الكثير، فها هو قد تعسكر، وتجنّد لأذيتنا، ولاضطراب أرواحنا، ولبلبلة عيشنا، وكأننا لا يكفينا ما يجري من حكم العسكر الذين وطئوا الرّقاب، وقطعوا الألسنة، وانسلّوا مثل الطواعين في دمائنا، ليأتي كورونا ويُعسكر ويزيد الهموم هموما، كورونا الذي غدا اليوم سيّد المنصّات السياسية، والاجتماعية، والأدبية، والفنية، حتى لم يخل بيت من مُحاول اتّقاءه، ولم يخلُ لسان من التنّدر به سبّا وقذفا، وتهكّما، كورونا الذي بات عِرضُه مشاعا للجميع، فهو المتزعّم، والزعيم الأوحد الذي يتشارك الجميع في تناوله، رؤساء، ملوك، وساسة، وسواد شعب، أثرياء، فقراء، مؤمنون، كفّار، قوّادون، وعاهرات، مخاتيرُ، وأبناء شوارع، مجرمون، وقضاة، متعففون، ووضيعون. الجميع يتناولونه، والكلّ ليسوا بمنأى منه حين وصوله إليهم، ومناولتهم المناولة الأولى، والأخيرة في أصول ديارهم، فليس التّحصّن بالكراسي مانعا، وليس التحصّن بالمال حائلا، وليس الالتجاء بدور العبادة، أوالمواخير سدّا، وحاجزا، فهو الكاسر للرقاب، وهو المثير للرّعب، وهو المعطّل لساعة الكون في دقائقها، وفي ثوانيها.

كورونا يعرّي الأقنعة، فكم من ساسة يتزعّمون العالم، ويعيثون فيه فسادا يبدون في هذا المشهد مثل أي مخلوق طبيعي يصيبه الخوف، فيعبر عنه بالارتعاش، وبالدّموع أحيانا، وبمشاعر استعصبها من قبل، وإذ به يفيض حبا وحنانا، وكم من ساسة وقنّاصين استمرؤوا مرار الشعوب، وإذ بهم أمامه يتساقون الألم كؤوسا مترعات، فلم تستطع الأبراج العاجية، ولا القصور الذهبية، ولا البيوت المزخرفة، أو البيضاء، منع إصابتهم به، شأنهم في ذلك شأن الفقير عاثر الحظّ المرميّ فوق الأرصفة، والمعتقل السجين الذي رفع يوما صوته جاهرا بالحق، فأودع غياهب السجون ظلما وعدوانا. كرونا يعرّي الأقنعة، فكم من مخادع بنى حياته على الغش، وثراءه على أقوات المحرومين، والجياع يسقط طريح الفراش، يتذلّل طالبا رحمة سلبها من مسكين، ويستجدي شفاء من خالق لم يعره التفاتا. العروش تنهار، والأقبية تلمؤها الظلمات، فلا من عارف متنبئ متى تكشف الغمة، ولا من كاهن متبصّر يقرأ لنا الطالع في الفناجين، ولا من سبّحات طويلة يدليها مسترجلون على الدين تزلّفا وتقرّبا وخداعا تستطيع أن تسكب نقطة مضيئة في سطر ينهكه الجفاف.

كورونا الأعجوبة التي وهبوها شكلا جميلا، تاجا ماسيا في إشارة ذكية إلى تسلّطها على الهامات والرؤوس بلا تفرقة، أو تمييز. كورونا الفايروس المعدّل، المعدّل، المطوّر، المتطوّر، كم من مخابئ سرية كانت بها أيدي المخرّبين، ولصوص الحياة تعيث فسادا، وهي تقهقه طويلا فيما ستنشره، وما ستشيعه في البشرية التي خضعت لحكم العسكر طويلا حتى لذّ لها استعباده، فغفلت، وتغافلت عن نكباته، ومآسيه.

أول الحريق ما إن شبّ تحت حكم العسكر، حتى أتى على الأخضر، واليابس، وللتّعاضد، والتّناصر تنادى المتيقّظون، بينما طاب للغافلين النوم في العسل.

كوفيد 19 يشبّ اليوم، فهل من يقظة جديدة، أو لعلها ستكون سباتا عميقا؟!

 

بقلم أمان السيد

كاتبة مقيمة في أستراليا

 

عادل بن خليفة بالكحلةالمقدمة: يعتقد الثوريون الكوبيون أن «لا رافعة لتنمية الثروة أفضل من ديمقراطية جذرية»[1]، وهي في تأويلهم «اجتماع حيث كل الأعضاء هم المشاركون النشيطون ويأخذون بأنفسهم القرارات التي تهم الطائفة الوطنية، ومنهم الذين يُدَبِّرون إنتاج الخيرات وتوزيعها»[2]. وهم يقدّرون أن الانبثاق التاريخي للخير الجَمْعِي لا يكون إلا باقتصاد سياسي قائم على الجَمْعي، أي على تدبير جمعي للقدرة على الإنتاج وإعادة الإنتاج جمعيًّا للاجتماعيّ في سياق عالمي مفروض من الخارج الإمبريالي في أكثر الحالات.

هذا هو التحدّي القائم في وجه كل إعادة هيكلة اقتصادية واجتماعية، كالتي في كوبا، وفي وجه مصير الثورة الكوبية نفسها.

إن كوبا هي دولة قادرة على المقاومة منذ حوالي 60 سنة، أي منذ عام 1959، في اقتصاد حرب مفروضَةٍ مِن الإمبريالية، فُرِض مِنْ قِبل حصار مِنْ أقوى الحِصارات في التاريخ، وكانت ضحية اعتداءات وضغوط وعَرْقلات، استطاعت تطوير نَمط تدبير اقتصادي، متكيّفٍ مع حاجاتها اليومية الخاصة و ذي طموح في التقدم الاجتماعي.

ولقد كان هدف الحصار المعلنِ مِنْ قِبل فَارضيه هو « تفجير الثورة الكوبية من الداخل باختلاق صعوبات ونقائص اقتصادية «تمنعها من تلبية حاجات شعبها، ومنها الأجور الجيدة، آملين أن امتداد الحصار يجعل هذا الشعب خائب الأمل فيُسهِّلُ الانقلاب على الحكومة الثورية»[3].

كانت الأضرار الاقتصادية المباشرة التي عُوقبت بها على كوبا تتجاوز 82 مليارًا من الدولارات، بمعدّل 1782 مليون دولار في السنة؛ وكانت الخسائر المباشرة المنجرّة عن الحصار: استحالة الحصول على تمويلات أو استثمارات من الخارج من أجل الإنتاج الصناعي، علاوة على كُلفة مقاومة الأعمال الإرهابية التي موَّلتها الولايات المتحدة الأمريكية مِنْ حِمَاها[4].

1- انهيار المعسكر السوفياتي يكيِّف الذكاء المقَاوَميّ:

لم تنتظر دولة كوبَا أن ترفع الولايات المتحدة حصارها، لحَلّ مشكلاتها الداخلية بِجدّيّة، فَهناك دائما نقد داخلي مستمر للتجربة الثورية. وهي تعيش اليوم مرحلة جديدة من التغييرات، جَعَلَهَا فيدال كاسترو عام 2007 تَحْتَ مقولة «الشفّافية الأخلاقية» قائلا: «الثورة هي أن لا نكْذب أبدًا». وقد دَعَا في عام 2008 إلى مكافحة استغلال «العامل المخلص مِنْ قِبَلِ الذي ليس كذلك»[5]، جاعلا السرعة في الإنجاز والخلاَّقية هدفين. فالمطلوب لديْه هو إعادة هيكلة الاقتصاد الكوبي في ميداني العمل والتمويل، لرفع الإنتاجية وتحسين توزيع الثروة.

عِلاوة على السعي للزيادة في الإنتاج الغذائي، يَسْعى برنامج الإصلاح إلى التقليص من الإفراط في التشغيل بالقطاع العام المكلّف جدًّا والذي لا يُساهم إلا في الرفع من البطالة المقنَّعة، بإعادة هيكلة العمل، وذلك بالترخيص في تطوير تجارات خاصة في 178 منطقة، والرفع من عدد تراخيص العمل للحساب الخاص، وتَتْجِير الأنشطة الخاصة، وفرض ضرائب متصاعدة على عاملين مستقلين والمقاولات الصغيرة الخاصة[6].

لا تريد الثورة الكوبية أن تكون مِثالا للعالَم بجعل الصحة والبحث العلمي والتعليم، الرَّافعات الكبرى للتنمية لا تكاليف للتقليص. وقد تكيّفتْ بذكاء اقتصادي مع آثار انهيار المعسكر السوفياتي في التسعينيات من القرن العشرين. فلقد بادر الحزب الشيوعي الكوبي بتبجيل شكل من أشكال التنمية البيئية، الذي أصبح اليوم معروفا أكثر. إنها- تقريبا- الدولة العالم- ثالثية الوحيدة التي تعيش تنمية مستديمة، لتكون التنمية الاقتصادية والتقدم الاجتماعي وحماية البيئة، ممكنة، بشرط التحرّر من الرأسمالية.

2- إقتصاد بيولوجي وأمن غذائي:

لقد نذرت الجزيرة نفسها للفلاحة البيولوجية. فعام 1989، بسقوط حائط برلين، خسرت كوبا مزوّدَها الأول بالنفط والمعدات الفلاحية، والأسمدة الكيمياوية والمبيدات، وخسرت حرفاءَ مُنْتَجاتِها الذين كانوا يمنحونها أثمانا قارّة، وخسرت أسواقًا ثابتةً و واسعة، خاصة في السكر إذ كانت تتسلم 85% من إنتاجه؛ بينما كان الحَظْر الإمبريالي يستمر. وبذلك تهاوت التجارة الخارجية إلى 75%، والقدرة الشرائية إلى 50%، فكانت الأزمة الاقتصادية 5 سنوات متتالية.

ولكنَّ ذلك قَدَحَ ذكاءَ الكوبيين عوض التمرّد على نظام شرعي: دستورًا وأداءًا شعبيا. فمن أجل تلبية الحاجات الغذائية، كان اندفاع السكان في فِلاحة الثمار والخضر. وكانت آلاف الحدائق ذات الفلاحة العضوية تَيْنع « على قِطع صغيرة من الأرض، وعلى الأسْطْح، وبين المَنازل، وعلى مَسَارب الماء القديمة، و وسط الميادين البُور»[7]، أي في أقل فُرْجَةٍ تُركت شاغرةً. وكان الاندفاع في تربية الحيوانات الصغيرة: الدجاج، والأرانب، والبَطّ والخنازير. فلقد كان الفاعلون الأولون- عَفْويًّا- في حركة الفلاحة البيئية هم الفلاحون أنفسهم. لقد جرَّبوا ممارَسات عديدة، ثمّ صَادَقوا عليْها، ونَشروها.

كانت تعبئتهم وتعبئة المجتمع المدني هما اللّتان ألهمتَا الدولة، لا العكس. إنّه شعب ذكيّ، ومتكيّف، وغير سلبيّ. وهكذا يقود الشعب دولته ويُدبِّرُ الأزمةَ نحو نهايتها.

لقد أصبح إنتاج الغذاء مسألة أمن قومي. فمُنذ تسعينيات القرن العشرين اصبحت تنمية المَحَلَّة هاجسًا جماعيًّا، انطلاقا من الموارد الفلاحية من أجل الاستهلاك المحلي. كانت الدولة توزع الميادين لمن يريد فلاحتها، وتطوّر فلاحةً مَؤُونِيّة وبيولوجية، ذات جِوَارٍ، دون نَفطٍ أي دون اعتماد على الجرَّارات، في عودة إلى الجرِّ الحيواني؛ ودون أسمدة كيمياوية ولا مُبيدات، في إعادة اكتشاف للإرث الفلاحي ومضادات الحشرات الطبيعية والصراع البيولوجي. فهي ثورة خضراء حقيقية، تَعَمَّمت إلى درجة أن سائق التَّكْسِي أصبح يعرف تفاصيلها[8]. فكوبا تطوّر فلاحة ما بعد صناعية، وتبرهن أنَّ هذه التقنيات يمكن أن تغذّي السكان. وبذلك تضاعفت اليد العاملة الفلاحية إلى 10 أضعاف. والكثير من العسكريين القدامى والموظفين والعمَّال عادوا إلى الفلاحة، إذْ كان عددٌ منهم فلاحين، وأصبحت كل مدرسة تُفَلِّحُ بَقْلِيّاتِها، ولكل إدارة حديقتُهًا، موفرةً خُضَرَهَا لمطابخ المشتغلين.

ونشأت الفلاحة الحَضَريّة دون ماضٍ، فأصبح للجزيرة قرابة 400 ألف مُسْتغَلَّة فلاحية حَضريَّة، تغطي حوالي 70.000 هكتار من الأراضي، مُنتجِةً أكثر من 1.5 مليون طن من الخُضَر، والعاصمة هافانا توفر 50% من الثمار والبُقُول البيولوجية لسكانها الـ2.200.000.

وتحولت الضيعات الإنتاجية للدولة شيئا فشيئًا، إلى تعاضديات لتوفير المؤُونة للمستشفيات والمدارس وروضات الأطفال، وصَار الإنتاج حُرَّ البيع في الأسواق. «وأصبح الجامعيون والباحثون والمهندسون الفلاحيون مساهمين في ذلك لنشر تقنيات الفلاحة البيولوجية؛ وشبكة كبيرة من الدكاكين تبيع البذور وأدوات البستنة بأثمان منخفضة، وموفرة نصائح الخبراء»[9]. وهكذا كان سقوط المعسكر السوفياتي نافعًا، بوجوهٍ ما، لإعادة خلق كُوبا الثورية.

3- النجاح الطِّبابي والصحّي: امتياز مُقَارَنيّ كوبي:

نِسْبة الأطباء في كُوبا: طبيبٌ 1/150 مواطنًا من جملة السكان، والنسبة التي تطلبها منظمة الصحة العالمية: طبيب 1/800 مواطنٍ، وهي أعلى نسبةً في العالم. وهذا ممّا يؤكد أساسية الصحة والطّبابة في المشروع العَدالي الكوبي منذ بدايته. وتضم كوبا 25 كلية طبّ، ومنه معهد أسسّه كاسْترو عام 1999 لتكوين الأطبّاء القادمين من العالم الثالث.

إثر انتصار الثورة الكوبية، جَعل فيدال كاسترو (وكذلك الطبيب تْشي غيفارا) من الطبابة والصحة أحد دعامات الاقتصاد الكوبي، ومنذ البداية كانت هذه الدِّعامَة قائمة على مبدإ العالمية، مِنْ مُنتجات «تصدير الثورة الكوبية».

عام 1960، أرسلت كوبا بِعثتها الطِّبِيّة إلى الشيلي إثْر زلزال ضخم. كانت العلاقات بحكومة أَلِسَّنْدْري حادة، ولذلك كانت البعثة تعني الطّابع الإنساني لأطروحة «تصدير الثورة»، ومِنه تصدير الثورة الطِّبابية.

وفي عام 1966، كان 58 طبيبا كوبيًّا في بعثة إلى الجزائر إثر الاستقلال الوليد لمساعدة الحكومة الثورية هناك على إرساء النظام الصحي الجديد.

وبفضل تمويل روسيا والكوميكون، استطاعت كوبا الثورية الانطلاق في بناء البحث الطبي. ورغم سقوط المعسكر السوفياتي، أثْبت الهيكل الطِّبابي الكوبي (بحثا واستشفاءًا وصناعةً دوائية وصحةً عامة) أنه أصبح منذ ما قبل لحظة ذلك السقوط ذا رِبْعةٍ[10] ونضجٍ واعتماد على الذات، إذ استمر إرسال الفرق الطبيّة إلى آسيا وإفريقيا. ولمَّا عجزت الطِّبابة الفرنسية والأمريكية على معالجة الإيبولا في إفريقيا الغربية عام 2000، كانت الطِّبابة الكوبية منتصرة[11]. واستمرَّ تدفق الطلبة من العالم الثالث، بل من الغرب نفسه، إلى كليات الطبّ الكوبية (24 ألفَ طالبٍ من 116 دولة).

أصبح المُنتَجُ الطِّبابي والدَّوائي الكوبي سلعةً ذهبية تقايض بها الدولة المحاصَرة بسِلَعٍ ضروريةٍ وحاجية، وهو المُنْتَجُ الثاني تصديرًا. فوفرت فينزويٍلاَّ النفطَ للجزيرة، وموَّلت تجديد مصفاة سِيَانْفُوغُوس، التي أنْشئت بأجهزة سوفياتية وهُجِرتْ بسقوط الاتحاد السوفياتي. وكُوبَا تابعة لفينزوِيلاَّ بقرابة 60% من احتياجاتها النفطية. وقد أُرْسِل حوالي 20 ألف طبيب كوبي بموجب اتفاقية تعاون بين دولتي كوبا وفينزويلاّ؛ بينما استقبلت البرازيل عام 2013 حوالي 6000 طبيب مقابلَ تجديدٍ برازيلي لـ5 مطارات بالجزيرة وأكبر ميناء تجاري بها (صَنْ مُورْيَال). ولإفريقيا الجنوبية أيضا شراكة هامة في هذا السياق[12]. وبسبب الهجرة الكبيرة للأطباء مِن تلك البلدان، كان الحضور الأطِبَّائي الكوبي هُناك محلَّ استقبال جيّد، والنجاح الأطبّائي الكوبي يحفّز ذلك.

وبفضل التعاون الطّبابي الكوبي، في العالم (40.000 طبيب كوبي في العالم حسب كْلِيمون جَرّي و75.000 حسب جون كيرك، أي 20% من إجماليّ الأطباء الكوبيين)، كان الأمن النفطي النسبي، بالأقل قبل تراجع الاقتصاد الفينزويلّي نِسبيًّا، وكان تطوّر النشاط السياحي. وقد ازداد التصدير الدوائي الكوبي لنجاعة المُنتج الدوائي الكوبي[13]. ولقد أثبت الطبيب الكوبي وَطَنِيته، فلم تؤثر فيه الدعاية الأمريكية ولا الإغراء المالي، فلم يقْطع ولاَءَهُ لدولته ولم يغيّر جنسيته.

ولقد كان لكُوبا انتصارات طِبابيّة هامة في الأمراض السرطانية. عام 2013، حوّلت الدولة الفرنسية جزءًا من الدَّيْن الكوبي إلى صندوقٍ استثماريّ في القطاع الطبيّ، وهُناك تعاون بين المقاولة الدوائية الفرنسية ومختلف معاهد الجزيرة للصناعة الدوائيّة لتطوير لِقاح ضدّ كُبَاد «ب» الحادّ، وضد فيروس حُمَّى الضّنك، وبعض الأدوية لسرطان الرئة. وبعد 4 أشهر فقط من عودة العلاقات الأمريكية- الكوبية، تحوّل حاكم نيويورك إلى معهد رُوزْوَال پارك ضدّ السرطان، مِن أجل تحديد الأهداف من اتفاقية أمريكية طويلة المدى مع مركز علم المناعة الخَلَوي بكوبا.

إن القطاع الطبّي رافعةُ نمّو هام لكُوبا، وهي تستثمره امتيازًا مُقَارَنيًّا إذ توظف رَيْعَهُ حتى في قطاعات أخرى، ومنها السياحة، وخاصة السياحة الاستشفائية، خاصة أن أسعار العلاج أرخص بكثير من أسعار القارتيْن الأمريكيّتين جميعا. والسياحة الطّبابية، هي خير تعويض عن السياحة الترفيهية التي تتطلب رؤوس أموال ضخمة.

يفسّر فيدال كاسترو الانتصار الطِّبابي الكُوبي بقوله: «أين السرّ؟ في الحقيقة إن رأس المال الإنساني يستطيع أكثر من رأس المال النقدي. لا يَسْتَتْبِعُ رأسُ المال الإنساني مَعارِفَ فحسب، ولكنْ أيضا، بل أساسًا، الضميرَ والأخلاقيةَ والتضامنَ، والمشاعرَ الإنسانية فعلا، وروحَ التضحية، والقدرةَ على الفِعل كثيرا بالقليل جدًّا»[14].

ولقد كان الطبيب تْشِي غيفارا ذا خلاَّقِيّة طِبابية إذْ كَتَبَ مِنْ رِحم مقاومته العسكرية للإمبريالية الأمريكية ولعمالتها العسكرية الجنوبية مقالاً خلاَّقيًّا عن «الصحة في تنظيم جبهة الغِوَار»[15]، ولقد كانت صحة الطبقات الشعبية لدى القائديْن الكارِزْميّيْن، غيفارا وكاسترو، هاجسًا حاضرا دائما.

الخاتمة:

كِتاب مَرْتَا هَرْنيكر[16]: كوبا دكتاتورية أم ديمقراطية؟ لم يكن مؤلَّفًا نظريًّا، بل كان حصيلة زيارة ميدانية لكُوبا في بداية السبعينيات، مَانحة الكلام للناس هناك، في المجالس والمقاولات والصناعات ولجان الدفاع الثورية والمحاكم الشعبية، وغيرها. وقدْ عَايَنَتْ مناقشة الناسِ القوانين والمخططات الاقتصادية.

ومن المَعْلوم أن الدول الإمبريالية الغربية تدعو الآخرين إلى «ديمقراطية»، وتَلْمِز الدولة الكوبية بعدم الديمقراطية، ولكنها لا تحترم الرأي العام لديها، ولا الاستفتاءات الشعبية، ولا قول الشارع (المظاهرات الضخمة). فلقد عزم مجلس العموم البريطاني على عدم دخول الجيش البريطاني في الحرب على ليبيا، مَثلا، ولكنَّ الحكومة لَمْ تُعِرْ ذلك هَامِّيَّة. ونحن نَعلم أن الانتخابات الأمريكية كثيرًا ما تَشوبُهَا التلاعبات والغشّ المُعْلَن عنه أثناءها، ولكنْ تسيرُ الأمور وِفْق ما يريدُه المهيمنون في الاقتصاد والإعلام والإدارة والفنّ.

 

عادل بن خليفة بالْكَحلة

(أستاذ تعليم عالٍ، باحث أنثروبولوجي، الجامعة التونسية)

.........................

[1]. . Rivera Lugo (Carlos), « Le modèle Cubain » , http://www.tlaxcala- int.org/article.asp?reference=2706 03/12/2010, p1 ,

[2] . Rivera Lugo (Carlos), « Le modèle Cubain » , http://www.tlaxcala- int.org/article.asp?reference=2706 03/12/2010, p1 ,

[3] .  م. س.

[4] . الحِمَى: Le Territoire، Territory  (اِستعمل ابن خلدون هذا المصطلح في تمميِيزه بين حِمى الدولة وحِمى القبيلة...، بِمَفْهَمَته الخاصة)، ونحن نستعمله في سياق مَفْهَمِي مختلف.

[5] . م. س، ص 3.

[6] . م . س، ص 4.

[7] .  Basset (Frédérique), «Cuba : Le socialisme et le développement durable », https://www.initiative-communiste.fr/articles/ .p 2.

[8] . م. س، ص 2.

[9] . م. س، ص 2.

[10] . الرِّبْعة: Autonomie، Autonomy.

[11] . Jarry (Clément), « La médecine, un avantage comparatif Cubain », Admin M2IESC, 27 janvier 2017, p2.

[12] . Kirh (John M.), « Le secret de l’internationalisme médical Cubain », https://www.legrandsoir.info/le-secret-de-l-internationalisme-medical-cubain-temas.html

[13] . لا وُجود للتجربة الطبابّة والمنتَج الدوائي الكوبيّيْن بتونس لقرار إمبريالي!!

[14] . م. س.

[15] . غيفارا (أرْنستو تْشي)، الأعمال الكاملة، م.م، ص 634، 635 و636.

[16] . Harnecher (Marta), Cuba : Dictature ou démocratie ?, Ed. Maspéro, Paris, 1976.

 

بكر السباتينمن هو الشهيد النيكاراغوي الأممي باتريك أرغويلو وإلى أين تمتد هذه السلسلة التي قضى أفرادها نحبهم من أجل فلسطين!

يتساءل كثيرون حول موت اليسار العالمي إزاء موقفه من القضية الفلسطينية.. وللإنصاف فشعلة اليسار إن انطفأت نسبياً في ظل السياسات الدولية المتقلبة التي تراهن على الموقف الأمريكي الداعم للاحتلال الإسرائيلي، فإن تاريخه النضالي ظل ملهماً في السياق التاريخي منذ انطلاقة منظمة التحرير الفلسطينية في ستينيات القرن الماضي التي أنيطت بها مهمة تحرير الأرض والإنسان وترسيخ الهوية الوطنية وتحديد ملامح الشخصية الفلسطينية بأبعادها المعنوية والقانونية، المنظمة التي ضمت تحت جناحيها الحركات الفلسطينية المناضلة بكل أطيافها. وما دمنا نتحدث في سياق هذا المقال عن إسهامات اليسار في النضال الفلسطيني من منطلق إنساني، فإننا سنخص بالذكر الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ودورها في تأليب اليسار العالمي على الاحتلال الإسرائيلي، وموقفها السياسي الثابت من اتفاقية أوسلو، ودعمها لخيار المقاومة على صعيد المواقف الرسمية، بعيداً عن تفاصيل منظومتها الفكرية الماركسية المتأرجحة بين الماوية الصينية الفلاحية واللينينة العمالية السوفيتية.

 نريد أن نتحدث بعفوية عن تعويم القضية الفلسطينية إنسانياً في عقل اليسار العالمي، حينما حمل "البندقية" متماهياً مع القضية الفلسطينية إلى درجة التمازج بالدم كما حدث في العقدين السادس والسابع من القرن المنصرم.. هنا نتحدث عن علاقات اشتباكية فردية خرجت من عباءة اليسار بكل التفاصيل انطلاقاً من تجربة جيفارا الأممية التي ظلت إلى الآن على تماس إيجابي مع حقوق الشعب الفلسطيني المستهدفة من قبل مؤامرة صفقة القرن.

يقول المناضل الأرجنتيني الأممي أرنستو تشي غيفارا:

"أينما وُجِد الظلم فذلك هو موطني"، وطبّق غيفارا هذه المقولة حرفياً وعملياً، فجنسيته الأرجنتينية لم تمنعه من المشاركة في الثورة الكوبية، ثم التحريض على ثورة الكونغو "كينشاسا"، إلى أن اعتُقِل في بوليفيا وأُعدِم هُناك.

ولم يمنع إعدامه بطريقة وحشية تمدد فكرته ومقولته التي أصبحت منهجا عالميا في تعاطي اليسار العالمي مع الثورات أينما وجدت وفي المركز منها الثورة الفلسطينية. والمعروف بأن تفاعل اليسار في أمريكا الوسطى مع القضية الفلسطينية من خلال الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين كانت له مخرجات إيجابية تفاعلية متبادلة، فمقابل مشاركته للنضال الفلسطيني على صعيد فردي أو من خلال الدعم السياسي، كانت هناك مساندة فلسطينية يسارية للثورات في دول يتواجد فيها حضور فلسطيني متميز مثل هندوراس والسلفادور وتشيلي والأرغواي ونكرراغوا، ربما لاعتبارات إنسانية وأيدلوجية، أو بسبب التواجد الفلسطيني الفاعل في القارة اللاتينية بحيث وصل إلى سدة الحكم في بعض الدول قيادات سياسية يسارية واقتصادية ذات أصول فلسطينية..  وخاصة "الجبهة الساندينية لتحرير الوطن" التي شارك فيها بعض القادة من أصول فلسطينية بفاعلية واقتدار.. والتي أطاحت بالدكتاتور المدعوم من أمريكا، أناستازيو سوموزا دي بايل في 1979 منهين بذلك حكم سلالة سوموزا، وأسسوا حكومة ثورية بدلا منها. بحيث امتد الحكم الثوري من 1979 إلى 1990.. وهذا يعني بأن بداية حكمهم صادف بداية العدوان الإسرائيلي الأول على لبنان بقيادة شارون.. حيث أنهيت قواعد اليسار العالمي في لبنان مع خروج الثورة الفلسطينية من بيروت عام 1982 بعد احتلال لبنان من قبل الجيش الإسرائيلي وتشرذم اليسار اللبناني الذي كان يشكل الحليف الأقوى لمنظمة التحرير الفلسطينية في إطار القوات الفلسطينية المشتركة.

وفي سياق موقف اليسار العالمي تجاه القضية الفلسطينية نستذكر الكلمة التي ألقاها مندوب فيتنام وأوردها حنا ميخائيل أبو عمر في مجلة شؤون فلسطينية في عام 1973؛ إذ يصف مندوب فيتنام العلاقة قائلا:

"إنه لشرف عظيم لنا أن نكون بينكم أيها الثوار الفلسطينيون الغالون علينا والذين نعتبركم أشقاء لنا ورفاق سلاح في خندق واحد في نضال مشترك. على الرغم من أن فيتنام وفلسطين تبعدان كثيراً عن بعضهما البعض من الناحية الجغرافية فتقع الواحدة في الشرق الأقصى والأخرى في الشرق الأوسط، إلا أن المسافة لا تهمنا مطلقاً ونشعر دائماً أننا قريبون من بعض إذ نناضل من أجل القضية نفسها ألا وهي الاستقلال والحرية وضد عدو واحد الذي هو الإمبرياليون الأميركيون المعتدون وخدمهم في تل أبيب كما في سايغون. إن دعمنا بدون تحفظ للنضال العادل الذي يخوضه الشعب العربي الفلسطيني ضد الإمبرياليين والصهاينة الإسرائيليين المعتدين هو بالنسبة لنا مسألة مبدأ ثوري".

ومن هنا يمكن فهم العلاقة بين الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ممثل اليسار الفلسطيني الرئيسي، وكل من الجيش الأحمر الياباني والجيش الإيرلندي السري.

والجدير بالذكر أن الشهيد وديع حداد كان من أكبر الملهمين لليسار العالمي الثوري، ناهيك عن كونه أحد مؤسسي الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والذي يصفه رفاقه برائد "العنف الثوري" في تاريخ المقاومة الفلسطينية، وفي مذكراته قائمة بأسماء فدائيين قدموا من أميركا اللاتينية وضحوا بحياتهم من أجل الالتحاق والقتال في صفوف الثورة الفلسطينية تحت المبدأ الذي أشار إليه القائد الثوري الملهم أرنستو تشي غيفارا.. ومنهم على سبيل المثال، النيكاراغوي الأممي باتريك أرغويلو الذي استشهد في أثناء عملية اختطاف طائرة "العال" الإسرائيلية التي كانت متجهة من لندن إلى تل أبيب، في سبتمبر 1970. كذلك المناضل الأممي الفنزويلي إيليتش سانشيز، المعروف بـ "كارلوس الثعلب". ولد كارلوس في أسرة فنزويلية ثرية ودرس المرحلة الجامعية في موسكو  عاش فترة من صباه في لندن قبل انتقاله إلى لبنان، مدفوعاً بتعاطفه الشديد مع الشعب الفلسطيني وقضيته وانضمامه هناك إلى صفوف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.

وكان قد قاد عدداً من عمليات العنف الثوريّ في أوروبا في فترة السبعينيات، تحت قيادة وديع حداد، بدءاً من محاولة اغتيال جوزيف سييف، رئيس محلات "ماركس أند سبنسر"، لكونه صهيونياً داعماً للاحتلال الإسرائيلي، وصولاً إلى احتجاز وزراء النفط في الدول الأعضاء في منظمة الدول المنتجة والمصدرة للنفط (أوبك) في السبعينات الماضية عام 1975 أثناء اجتماع لهم في فيينا والذي احتجز خلاله هو وخمسة آخرون 70 شخصاً بينهم 11 وزيراً للنفط واختطافهم تحت تهديد السلاح ونقلهم إلى الجزائر، علاوة على ارتكابه عمليات قتل أخرى عدة في أماكن مختلفة من العالم ومن ضمنها مجموعة ارتكبها في فرنسا التي تمكنت شرطتها السرية من إلقاء القبض عليه بالتعاون مع الحكومة السودانية ونقلته إلى فرنسا حيث جرت محاكمته بتهمة قتل شرطيين فرنسيين عام 1975م وحكم عليه بالمؤبد.

 يضاف إلى قائمة وديع حداد، العديد من أسماء مَنْ تدربوا في معسكرات الفدائيين في الأردن ولبنان، وكانوا يعرفون ب "السوبر يسار" وهم ممن ساهموا في تشكيل أنوية اليسار في بلدانهم.. مثل فرانكو فونتانا والمعروف باسم جوزيف إبراهيم، وهو مقاتل إيطالي ينحدر من بولونيا الإيطالية، انضم لصفوف المقاومة الفلسطينية في مخيمات لبنان في سبعينيات القرن الماضي، وانتمى إلى الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين وكان متخصصاً في قصف الكاتيوشا. توفي عام 2015 في لبنان، وعند محاولة نقله إلى بلده الأصلي فوجئوا بوجود وصية له بدفنه في فلسطين، فإن تعذر ذلك، طلب دفنه في إحدى مخيمات الشتات، وهو ما حصل فعلا، حيث دفن في مقبرة شهداء مخيم شاتيلا. وقد زرت المقام إبان زيارة قمت بها مع وفد من منظمات حقوق الإنسان إلى حارة حريك جنوب بيروت إبان حرب تموز عام 2006.

ولا ننسى أيضاً تسويوشي، أوكودايرا، وياسويوكي ياسودا، وكوزو، أوكاموتو، وهم مقاتلون يابانيون من منظمة الجيش الأحمر الياباني، حيث نفذوا عملية مطار اللد النوعية عام 1972 وقتلوا وجرحوا العشرات، وكانت العملية مشتركة مع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وقادها إعلامياً الشهيد غسان كنفاني. وكان الناجي الوحيد من العملية هو "أوكاماتو" الذي أطلق سراحه في تبادل الأسرى عام 1985 والذي اختار العيش في مخيمات لبنان.

وهناك أيضاً بادر ماينهوف، وأولريكا ماينهوف وهي من أعضاء الجيش الأحمر الألماني الذين ساهموا مع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بخطف عدد من الطائرات في أوروبا للمطالبة بإطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين من سجون الاحتلال الإسرائيلي في سبعينيات القرن الماضي.

ولعل الموقف اليساري قد تجاوز الدور التشابكي في إطار الكفاح المسلح، نحو استغلال الفن في سياق الوعي وتوضيح جوهر القضية الفلسطينية وأنسنتها، وتجلى ذلك في أهم التجارب اليسارية المتمثلة بتجربة رسام الكاريكاتير العالمي كارلوس لاتوف، البرازيلي من أصل لبناني.. وكان فناناً مناضلًا من خلال رسوماته التعبيرية، ويذكرني هذا الفنان المناضل بالفنان الفلسطيني العالمي ناجي العلي الذي تعرض للاغتيال في لندن والذي تفرق دمه على خصومه.. ولم يكن هذا التشابه متجلياً في التقنية والأسلوب، حيث اعتمد ناجي العلي على الفطرية التعبيرية جامعاً بين النقد الاجتماعي والسياسي في إطاره الثوري، بل في اعتماد القضية الفلسطينية كمصدر إلهام لرسوماته التي اتخذت بعدها الإنساني، حيث يرتبط عدد كبير من رسوم لاتوف بالصراع العربي الإسرائيلي حيث انصب اهتمامه به، بعد أن زار المنطقة في أواخر 1990.. ولم يحظى بزيارة بيروت في أتون الصراع المباشر مع العدو الإسرائيلي الذي حسم أمره عام 1982.. وقد أثارت تلك الرسوم موجة انتقادات عالمية لانتهاجها لغة التحريض ضد اليهود الصهاينة في إطار الحركة العالمية لمقاومة العولمة. وفي سلسلة "كلنا فلسطينيون"، تمكن هذا الفنان العالمي الفذ من أنسنة القضية الفلسطينية من خلال مناغمة الوجع الفلسطيني مع قضايا الإنسان في كل زمان ومكان. وكان الشهيد غسان كنفاني أحد أكبر ملهمي اليسار في العالم قد فتح بوابة الأنسنة والحوار المفتوح مع الآخر حتى نيل الحقوق المشروعة، من خلال رواية "عائد إلى حيفا" التي ربما تكون في نصها عملاً أدبياً روائياً، إلا أنها تحمل في طياتها تجربة جرح غائر لوطن مسلوب، وعذاب إنسان عانى قهراً وظلماً وحرماناً وتشرداً، إلا أنه دائماً وأبداً يحمل أمل العودة إلى ذاك الوطن الساكن في الوجدان. فبطلا الرواية سعيد س. وزوجته صفية العائدان إلى مدينتهما حيفا التي تركا فيها طفلهما منذ عشرين سنة تحت ضغط الحرب، يكتشفان بأن ابنهما قد شب في عائلة يهودية، والذي وضعته الظروف بين خيارات إنسانية صعبة بين أم فلسطينية أرغمت على تركه، وأخرى يهودية اعتنت به وربته فاختار الثانية. فيكتشفان أن "الإنسان في نهاية المطاف قضية"، وأن فلسطين ليست استعادة ذكريات، بل هي صناعة للمستقبل بكل تفاصيله وتناقضاته.. وهي من أشكال أنسنة القضية الفلسطينية، لذلك وبالعودة إلى الفنان كارلوس لاتوف، والذي ربما يكون قد تأثر بالتجربة الكنفانية، من خلال إظهاره العديد من الجماعات المضطهدة الشهيرة، بما في ذلك اليهود في غيتو وارسو، أو السود من جنوب إفريقيا خلال الفصل العنصري، والأميركيين الأصليين، والتبتيين في الصين، فيعرف الواحد منهم عن نفسه في سياق رسوماته المؤثرة، قائلاً: "أنا فلسطيني " وذلك في محاولة منه لتوضيح أن معاناة الفلسطينيين هي نفس معاناة المضطهدين في جميع أنحاء العالم عبر التاريخ. ولطوف رسم أيضاً سلسلة من الرسوم الكاريكاتورية التي تصور رئيس الوزراء الإسرائيلي أرئيل شارون، ورئيس الولايات المتحدة جورج دبليو بوش، والرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا بالإضافة إلى رئيس الوزراء البريطاني توني بلير، من بين غيرهم من السياسيين، وحوشاً ونازيين.

وللتذكير، فإن القضية الفلسطينية قبل معاهدة أوسلو المرفوضة جماهيريا، كانت ملهمة لليسار العالمي، وبدا في سياق ذلك أن بوسع الشهيدين غسان كنفاني ووديع حداد أن يستقطبا اليسار العالمي لتعزيز الموقف النضالي الفلسطيني بجدارة واقتدار خلافاً لما هو الحال عليه اليوم في ظل يسار عالمي متراخي، وفاقد لبوصلته.

 اليوم يحاول من بقي على قيد الحياة من هؤلاء الأبطال أن يحفزوا على النضال من خلال الحديث عن تجربتهم النضالية العظيمة.. وأذكر في سياق ذلك المناضلة الفلسطينية ليلى خالد وقد شاركتنا منتصف العام الماضي ندوة ثقافية نظمتها دار الندوة تحت التأسيس بالتنسيق مع دارة آل أبو بكر تحت عنوان “راية المقاومة من جيل إلى جيل” بإدارة د سمير أيوب في مقر الدارة الكائن في الجاردنز، بمشاركة نخبة من المناضلات والمناضلين منهم الأسرى السابقين: الراحة تريزا هلسة، نواف الزرو وليلى خالد ورسمية أبو عودة، وكانت لي مشاركة بالإضافة للدكتور محمد سمحان.. وهذا يدل على أن انخفاض صوت اليسار لا يعني دفن التجارب النضالية الحية في الرماد دون استخلاص العبر منها وإخراج العقل العربي من غيبوبة الاستلاب.. لأن الفينيق الفلسطيني يستمد حياته بعد أن ينفض الرماد عنها، من تلك التجارب العظيمة التي صنعها مناضلون حقيقيون شرفاء في إطار سلسلة قضى أفرادها نحبهم من أجل فلسطين!

 

بكر السباتين..

13 أبريل 2020

 

 

محمود محمد عليمصائب قوم عند قوم فوائد، فالضرر الذى يلحق بطرف قد يكون له فائدة كبيرة عند أطراف أخرى. هكذا تقول التجربة الصينية.. عندما عصفت أزمة جائحة كورونا بالعالم ظهرت أغلب مساوئ الأنظمة الحاكمة في مختلف البلدان من جهة، ومساوئ النظام العالمي القائم منذ عقود من جهة أخرى في التعاطي الداخلي والخارجي في مثل هكذا أزمات عابرة للحدود الجغرافية والسياسية والاقتصادية، حتى اقترب النظام العالمي من حالة شبه فوضوية غير مسبوقة وشلل تام على المستوى الاقتصادي والسياسي والتعليمي والتنقل والعمل، فضلاً عن فشل نظام الرعاية الصحي للدول المتقدمة في احتواء الأزمة أو التقليل من خطرها داخل بلدانهم أو مساعدة الدول الأكثر فقراً وتخلفاً للوقوف بوجه هذه الجائحة العالمية ، وذلك كما قال باسم حسين الزيدي في مقاله بعنوان التكافل الإنساني والنظام العالمي الجديد .

وقد تنبئ وزير الخارجية الأمريكي الأسبق والدبلوماسي المخضرم "هنري كيسنجر"-  (عراب السياسة الخارجية في حقبة الحرب الباردة) ، أن تغير جائحة كورونا النظام العالمي للأبد، وأن تستمر تداعياتها لأجيال عديدة؛ وفي مقال له بصحيفة "وول ستريت جورنال"، قال  كيسنجر إن الأضرار التي ألحقها تفشي فيروس كورونا المستجد بالصحة قد تكون مؤقتة، إلا أن الاضطرابات السياسية والاقتصادية التي أطلقها قد تستمر لأجيال عديدة..

واعتبر كسينجر أنه "لا يمكن لأي دولة، حتى وإن كانت الولايات المتحدة، أن تتغلب على الفيروس بجهد وطني محض، وأن التعاطي مع الضرورات المستجدة الآن ينبغي أن يصاحبه وضع رؤية وبرنامج لتعاون دولي لمواجهة الأزمة"، مضيفا أن "الإخفاق في العمل على المحورين في آن واحد قد تترتب عليه نتائج سيئة"..

كما لفت كسينجر في هذا المقال إلي ملمح أن راه مؤشراً علي تغييرات قد تطرأ علي النظام العالمي، وهي أن القادة في العالم يتعاملون مع أزمة فيروس كورونا إلي حد كبير علي أساس وطني ، بينما آثار فيروس كورونا لا نحدها حدود ولا تقيدها قيود ، ما يجب أن يكون وليس بكائنا حتي الآن هي رؤية عالمية تقوم علي التعاون في مواجهة الوباء وسيواجه العالم في رأيه ما هو أسوأ من تفشي الفيروس إذا لم يحدث ذلك ، فهل تشاءم كسينجر أكثر مما يستدعيه الظرف الراهن.. لن يبدو الأمر كذلك في رأي أكثر الدول تضرراً من تفشي الوباء.. كيسنجر ختم مقاله بـ "ان التحدي التاريخي الذي يواجه قادة العالم في الوقت الراهن هو إدارة الأزمة وبناء المستقبل في آن واحد، وأن الفشل في هذا التحدي قد يؤدي إلى إشعال العالم".

وها هو منطق كسينجر يتقاطع في بعض جزئياته مع رؤية رئيس الوزراء الإسباني " بيدرو سانتشيز" ؛ حيث يري أكبر قائد دولة أوربية متضررة، من حيث أعداد المصابين أن الأمر يستدعي في أوربا بناء اقتصاد حرب وتدعيم قدرة الأنظمة الاقتصادية علي الصمود، ودعا سانتشيز إلي تدخل نقدي أوربي يشمل تشارك الديون بإصدار ما سميت بسندات كرونا، لمساعدة الدول الأكثر تضرراً وتأثرا بالفيروس علي تمويل جهودها لدرء التداعيات الاقتصادية المدمرة .

تتقاسم إيطاليا الرؤية مع إسبانيا وتطالبان مع الكبار القارة " ألمانيا وفرنسا" بإقرار الآلية الجديدة هذه التي ستمكنهما باعتبارهما أكبر بلدين متضررين من الوباء من تمويل جهودهما عبر أسواق المال تحت مظلة الاتحاد الأوروبي.. البارز حتي الآن في المواقف الأوروبية إزاء هذه المطالب هو رفض من ألمانيا وهولندا بالدرجة الأولي ، فبرلين تري فيها مجرد محاولة من دول جنوب القارة لاستغلال معدلات فائدة علي القروض المنخفضة التي لا تتمتع دول موازنتها متوازنة مثل ألمانيا.. إنه جدل الأزمة ومحاولات السباق ما بعد الأزمة..

لقد كشفت حقبة كورونا أن العالم ليس متضامنا في أحوج حالاته للتضامن، فلا منظمة الأمم المتحدة، ولا الاتحاد الأوروبي برهن علي وجود عقد مشترك، وقد ضرب الوباء أعتي اقتصادات العالم، وأفضل نظمه الصحية.. ألم تكن الولايات المتحدة الأمريكية علي مدي العقود السبعة الماضية ممسكة بدفة القيادة العالمية.. متأهلة للتدخل في الأزمات الكبرى وتقديم الدعم والعون لحلفائها في أوقات الشدة والمحن.. لكنها اليوم تنكفئ علي نفسها.. مغلقة أجوائها وحدودها.. تاركة حلفاءها يخوضون وحدهم معركة غير متكافئة مع عدو غير تقليدي وغير مرئي.. هذا العدو آثاره بادية للعيان.. لا تتوقف عند الخسائر في الأرواح، بل تهدد بانهيار الاقتصاد وتقويض أسس النظام العالمي كما عرفناه.. فهل تطوي أزمة كورونا صفحة التفرد الأمريكي المطلق في قيادة العالم ؟ وهل تحمل حقاً في ثناياها بذور نظام عالمي جديد تتحول فيه القيادة شرقاً ؟

تحولات كثيرة تحدث في جميع مناحي الحياة تقريبا ، بينما ملايين الناس محاصرين في عزلة اختيارية أو اجبارية خوفا من تفشي العدوي.. ويتساءلون كيف سيكون شكل العالم بعد انحسار الجائحة ؟ ومن سيقودها ؟... تأثير كورونا إذن لن يقف عند آثاره الصحية، بل سيتجاوزها ليعيد التشكيل في الاقتصاد والسياسة بطريقة قد تنتهي بتشكيل نظاماً عالمي جديد لم تظهر ملامحه بعد بشكل واضح..

لكن مجلة فورين بولسي الأمريكية رسمت معالمه الرئيسية من خلال مقالات نشرتها لـ 12 مفكراَ ومختصاً عالمياً.. ويمكن نوضح أبرز ما تضمنته تلك المقالات : مثل مد عادي اكتسح وباء كورونا حياة البشر، وبينما هو كذلك يحصد الأرواح، وينهش الأجساد، فإنه يصيب في الآن نفسه مفاصل الاقتصاد العالمي، ولا يستثني قيم السياسة، ولا الاجتماع، والأمن، وسائر منجزات المجموعة الإنسانية منذ الحرب العالمية الثانية.. باختصار تنذر هذه الجائحة الكونية بعواقب هائلة علي النظام الدولي وتوازناته والندوب التي ستخلفها تجعل العالم بعد كورونا مختلفا عما قبلها..

استشرافاً لتلك التحولات المتوقعة سألت مجلة فورين بولسي 12 من كبار المفكرين والباحثين في السياسة والاقتصاد ورغم تباين خلفياتهم الفكرية ، فقد تقاطعت الخلاصات الرئيسية لمعظمهم وأبرزها تعزيز دور الدولة القومية التي ستشتد قبضتها علي نحو يصعب معه تخليها لا حقا عن الإجراءات الاستثنائية المتخذة للسيطرة علي الوباء ، وقد تكون تلك التدابير علي حساب الحريات والحقوق ، كما ستهتز فكرة العولمة بعد اخفاقها في توفير بديل فعال للدولة الوطنية خلال جائحة كورونا، وإن كان ثمة من صيغة لاستمرار تلك العولمة فانتقال محورها من الولايات المتحدة إلي الصين ، وهذا بالنسبة لعدد من المفكرين سيعني تسريع تحول مركز الثقل الدولي من الغرب إلي الشرق بعد أن أظهرت دولاً مثل كوريا الجنوبية وسنغافورة والصين قدرات أفضل علي إدارة الأزمة من الدول الأوربية والولايات المتحدة.. وثمة من ذهب إلي حد القول بنظام عالمي جديد أقوي مصداقية للتعاون المشترك ، وأكثر قدرة علي التكيف السريع مع الأزمات الطارئة..

لقد أخفقت واشنطن في اختبار القيادة في ضوء ما اُعتبر تخاذلاً منها نحو أوربا والعالم وميزان القوي بعد كورونا لن يقوم علي التفوق العسكري ، وسيتعزز هذا الاحتمال أكثر إذا أُعيد انتخاب ترامب لأن الولايات المتحدة ستكون قد عاشت عزلة 8 سنوات وهي مدة كافية حسب الخبراء لتغيير النماذج علي المستوي العالمي.. اقتصاديا ستقوض جائحة كورونا المبادئ الأساسية للتصنيع العالمي بتقليص سلاسل التوريد متعددة الأطراف والمراحل التي كانت تهيمن علي الإنتاج..

وفي ظل الإنكفاء المتوقع تتقلص الوظائف وترتفع البطالة ما قد يُحدث قلاقل اجتماعية؛ لاسيما في البلدان النامية.. كان من المرجح أن تودي الأزمة إلي إضعاف التكامل الأوروبي بعد فشل الاتحاد في مواجهة الوباء بشكل جماعي.. وإذا كانت تلك السيناريوهات تبدو مجرد احتمالات فإن الوقائع التي يشهدها العالم هذه الأيام تمنحها صدقية أكثر...

فها هي البورصات العالمية تتهاوي كما لم تتهاوي من قبل.. وكذلك أسعار النفط والمعادن بسبب وقف كثير من المصانع في أنشطتها.. وبينما أساطيل الطائرات المدنية رابضة علي الأرض إلي أجل غير مسمي.. تنهار السياحة.. وتتدني التجارة الداخلية والمبادلات البينية والدولية.. فيما تتعزز تدابير الحظر والعزل وإغلاق الحدود وتعطيل حركة السفر عبر العالم..

يبقى الآن انتظار ما بعد الأزمة لتحديد أطر الصراع ومآلاتها بين أصحاب النظام العالمي الحالي وبين من يدفعون نحو نظام جديد قد يكون أكثر عدلا من سلفه..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقل بجامعة أسيوط

 

بشار الزبيديكانت الثورة النيكاراغوية التي مضى عليها حوالي 41 عاماً واحدة من أعمق العمليات الثورية التي حدثت في أميركا اللاتينية والتي قادها عمال المزارع والفلاحين والطبقة الفقيرة في المدن والتي امتدت من ١٩٧٨ إلى ١٩٩٠. وقد حققت ثورة نيكاراغوا انتصاراً هاماً بتدمير الحرس الوطني القمعي وهزم دكتاتور البلاد  "أناستازيو سوموزا "

ولمن لا يعرف نيكاراغوا فهي دولة تقع في أميركا الوسطى. تحدها من الشمال هندوراس ومن الجنوب كوستاريكا ويحدها من الغرب المحيط الهادي ومن الشرق البحر الكاريبي وجغرافيا تعتبر أكبر دولة في أميركا الوسطى. عاصمتها ماناغوا ونظام الحكم فيها جمهوري رئاسي. يبلغ عدد سكانها حوالي ٦ مليون نسمة وعملتها تُدعى "كوردبا نيكاراغوا". تشتهر نيكاراغوا بسلسلة من البراكين النشطة الموازية لساحل المحيط الهادئ، ولهذا السبب يُطلق عليها أيضاً "أرض الألف بركان".

لقد عانت نيكاراغوا في القرن العشرين من التدخلات العسكرية الأميركية، التي حددت سياسات البلاد لفترة طويلة. حيث كان هناك تواجد عسكري أميركي قوي في نيكاراغوا أمتد من عام ١٩١١ إلى عام ١٩٣٣ وقام وقتها الأميركان بتشكيل الحرس الوطني في نيكاراغوا ووضعوا على رأسه الديكتاتور أناستازيو سوموزا غارسيا. وبعد انقلاب عسكري في عام ١٩٣٦ تم التصديق عليه من خلال انتخابات مزورة، ليُصبِح سوموزا رئيساً البلاد. حكمت سلالة سيموزا الدكتاتورية نيكاراغوا من عام ١٩٣٧ إلى أن تمت الإطاحة بها في عام ١٩٧٩. اتسم حكم أُسرة آلـ سوموزا بعدم المساواة والفساد السياسي،وكانت الولايات المتحدة الأميركية تدعم الحكومة السيموزية وجيشها آنذاك. سيطرت حكومات سوموزا على البلاد واحتكرت البنوك وشركات النقل الجوي والبحري والبري. واستحوذت على إنتاج المنسوجات والسجائر والأسمدة والزيوت والنحاس والحمضيات والبيوت الجاهزة والأسمنت وغيرها من المنتجات والموارد. وفعلوا ذلك بمساعدة الشركات الأميركية.

1444  نيكراغوا 1

 وقبل صعود سلالة سوموزا للحكم، أدار السلطة في نيكاراغوا أدولفو دياز، وهو زعيم نصبته مشاة البحرية الأمريكية. كان دُمية أميركية , إذ كان سكرتير سابق لشركة تعدين أمريكية. ومن عام ١٩٢٧ إلى عام ١٩٣٣، قاد الجنرال أوغستو سيزار ساندينو النضال ضد الإمبريالية الأمريكية وحكومة دياز.

لم تهز هذه الثورة حكومة دياز فحسب، بل هزت أيضًا بُنية الدولة الضعيفة وبفضل الدعم الهائل من الفلاحين، حالت حرب ساندينو دون توطيد أُسس الدولة، وتطورت الأزمة وأجبرت واشنطن على اللجوء إلى تدخل عسكري واسع النطاق في نيكاراغوا من أجل إنقاذ ما تبقى من جهاز الدولة شُبه المُعطل.

كان الهدف الرئيسي للأميركان هو إعادة بناء دولة قومية قوية في نيكاراغوا. للقيام بذلك، كان من الضروري تدمير جيش ساندينو بالكامل وتصفية الفلاحين الذين دعموه، واغتيال ساندينو نفسه، الذي كان يُعرف في ذلك الوقت باسم "جنرال الرجال الأحرار". لذا أعادت حكومة الولايات المتحدة بناء جهاز الدولة في نيكاراغوا من خلال إنشاء الحرس الوطني، ودعم سوموزا في خدمة الإمبريالية الأميركية.

في بداية الستينيات كان هناك انقسام بين الأوليغارشية المتحالفة مع حكومة سوموزا والبرجوازية التي استفادت من التوسع الاقتصادي بشكل مركزي في قطاعات التصدير الزراعي والصناعات الزراعية والقطاعات المصرفية، التي أصبحت حكومة سوموزا عائقا لها. بدأ هذه الأنقسام الأخير في اتخاذ موقف معارض متزايد لحكومة سوموزا التي لم تقدم سوى القليل من المساعدات.

تحت تأثير الثورة الكوبية، تأسست جبهة ساندينيستا للتحرير الوطني في عام ١٩٦١ من قبل توماس بورخيه وكارلوس فونسيكا أمادور وسيلفيو مايورخا. كانت منظمة قومية برجوازية صغيرة شنت حرب عصابات ضد نظام سوموزا وقد استخدمت هذا التكتيك كاستراتيجة أساسية لإسقاط حكم سوموزا.

1444  نيكراغوا 2

بوادر الثورة:

خلال السبعينيات من القرن الماضي، خرجت تظاهرات جماهيرية في نيكاراغوا في عامي ١٩٧٣ و ١٩٧٤، وتم إخمادها بقسوة من قبل السلطة. بين عامي ١٩٧٥ و ١٩٧٦، أصبح القمع الحكومي أكثر دموية وسقط مؤسس جبهة ساندينيستا للتحرير الوطني كارلوس فونسيكا أمادور ضحية هذا التحرك قبل أن ترتفع حدة غضب الثوار من جديد في ايلول ١٩٧٧. في كانون الثاني ١٩٧٨، قُتل الصحفي الشهير بيدرو خواكين شامورو ليتحول الموقف بعد هذه الحادثة إلى التصعيد.

في ايلول من نفس العام، شنت جبهة ساندينيستا هجومًا عسكريًا  في مدن مختلفة من نيكاراغوا. ثم جاء الهجوم المضاد الذي قام به الحرس الوطني Guardia Nacional وحشيا وإنتهى بمذبحة قُتل فيها ١٠ آلاف عامل وشاب وطالب. لكن هذه النكسة المشؤومة لم تضعف القوى الثورية المُعارضة في نيكارغوا التي بدورها وسعت تحركاتها الجماعية على الرغم من بطش عصابات نظام سوموزا. في فترة السبعينات كان الثوار النيكاراغويين يتصرفون بشكل منفرد قبل أن يتم توحيدهم بضغوط من فيدل كاسترو الذي عرض عليهم الدعم مقابل اندماجهم.

في هذا السياق كان الهدف من الثورة في نيكاراغوا حل العديد من القضايا الهيكلية:

أولاً : سعت الثورة إلى تحقيق التحرر الوطني من الإمبريالية، التي شكلت كل جانب تقريبًا من تاريخ نيكاراغوا.

 ثانياً : سعت إلى حل مسألة الأراضي. حيث كانت تمتلك عائلة سوموزا  وحدها أكثر من ٢٢ ألف كيلومتر مربع من الأراضي الصالحة للزراعة، وتركزت مساحات كبيرة أخرى من الأراضي في أيادي قليلة من الأغنياء في الوقت الذي كان يعيش ملايين الفلاحين في فقر مُدقع.

 ثالثًا :كان على الثورة مواجهة نظام سوموزا الديكتاتوري، الذي اندمج مع الدولة نفسها.

كانت الثورة النيكاراغوية بحاجة إلى إنجاز تلك المهام الهيكلية والديموقراطية، ولكن من أجل تحقيق أهدافها، كان عليها أن تتجاوز تلك المهام. إن الرأسماليين وحتى الليبراليين المعارضين لدكتاتورية سوموزا، كانوا غير مُستعدين للانفصال عن الإمبريالية ومصادرة أملاك عائلة سوموزا لأنهم استفادوا كثيرًا من هذه العلاقة. كانت هذه مهمة يجب أن تتولاها الطبقة العاملة.

شكلت المسألة المتعلقة بالأراضي وكذلك النضال ضد الإمبريالية، للفلاحين - غالبية سكان نيكاراغوا، دورًا مهمًا في حل هذه المهام الديموقراطية. في هذا السياق، كان من الضروري إقامة تحالف ثوري بين الطبقة العاملة والفلاحين تحت القيادة السياسية لحزب العمال الثوري. لن يكون هذا التحالف ممكنًا إلا من خلال المعارك الدؤوبة ضد تأثير البرجوازية الليبرالية، بما في ذلك أولئك الذين يعارضون ديكتاتورية سوموزا.

بهذا المعنى، وبمجرد وصولها إلى السلطة كقائد للثورة الديموقراطية ضد الإمبريالية وإصلاح الأراضي، ستجد البروليتاريا نفسها في مواجهة الحاجة إلى تحويل حقوق الملكية البرجوازية - أي الحاجة إلى مصادرة البرجوازية - وتحويل الثورة الديموقراطية مباشرة إلى ثورة اشتراكية. من هذا المنظور واستراتيجية الثورة الدائمة يمكن تحليل الثورة النيكاراغوية.

1444  نيكراغوا 3

اختمار واشتعال الثورة النيكاراغوية:

بدأت الجماهير في الأشهر الأولى من عام ١٩٧٩،  في الانتقال إلى المسرح السياسي بإضرابات عامة واحتلال الأراضي وأعمال شغب في المدن ضد النظام السوموزي. في ٤ تموز، أعلنت المنظمات الشعبية وجبهة ساندينيستا للتحرير الإضراب العام الذي شل الدولة وأدى إلى أعمال شغب في الأيام اللاحقة. لكن ما يعطي الموقف نُقطة تحول حاسمة هي الحركة التمردية العفوية، ونتيجة لذلك ظهر ما يُسمى بــ "المناطق المُحررة" في أحياء الطبقة العاملة الرئيسية في العاصمة ماناغوا واعتبارًا من ١٠ تموز ١٩٧٩ دخلت نيكاراغوا في ثورة شعبية عارمة.

كانت الإمبريالية الأميركية في مواجهة حقيقة أن الوضع سيخرج عن السيطرة فتوجهت إلى منظمة الدول الأميركية لإخفاء التدخل المباشر. اقترحت الولايات المتحدة الأميركية إرسال "قوات حفظ السلام"، وهو إجراء لم يحظَ بدعم دولي وبذلك بدأ الديكتتاور انستازيو سيموزا بعزل نفسه أكثر وتلقى دعم فقط من ديكتاتوريات أميركا اللاتينية في ذلك الوقت. كان أمل الأميركان هو أن يقمع سوموزا بقسوة العمال والفلاحين ويسحق الثورة وبعد ذلك يتم تشكيل نظام برجوازي جديد. في حزيران تم تشكيل حكومة انتقالية، تحت مُسمى المجلس العسكري لإعادة الإعمار الوطني في نيكاراغوا، والتي تولت السيطرة على الدولة في مرحلة سقوط سيموزا الوشيك. وكان أعضاء هذه الطغمة العسكرية فيوليتا تشامورو (أرملة الصحفي بيدرو خواكين تشامورو) وألفونسو روبيلو كاليخاس ودانييل ممثلان عن الطبقة البرجوازية وأورتيغا ومويسيس هيرنان، ممثلان عن جبهة ساندييستا للتحرير الوطني؛ وسيرجيو راميريز، الذي عمل كوسيط وممثل الطبقات الوسطى. وقد اعترفت حكومات أميركا اللاتينية بهذه التوليفة العسكرية وكانت الخطة ضمان وجود الحرس الوطني في داخل الحكومة الجديدة ودمجه مع قوات حرب التحرير الساندينيستية.

خلال الانتفاضات التي تلت هجمات الحرس الوطني المضادة، نشأت الميليشيات الشعبية بشكل عفوي، ولكن تم دمجها لاحقًا بأوامر من جبهة ساندينيستا للتحرير.أدت الانتفاضات العفوية والمقاومة الحية للسكان والهجمات التي شنتها جبهة التحرير إلى قيام الحرس الوطني  فقط بمهام الدفاع الصارم عن ثكناته والدفاع عن المقر الخاص بالقائد سوموزا ليترك سيموزا في النهاية السلطة وشكل هروبه في ١٧ تموز ١٩٧٩ المرحلة الأخيرة من انهيار النظام.

بعد هروب سوموزا ووفقًا لاتفاق سابق كان على فرانسيسكو أوركويو نائب رئيس حكومة انستازيو سوموزا نقل السلطة لصالحه في المجلس العسكري الحاكم ودعا فصائل المعارضة إلى إلقاء السلاح وأكد أنه سيبقى في السلطة  حتى انتخابات ١٩٨١ لكن الثوار رفضوا ذلك وهاجموا مقر سوموزا، واستعادوا عشرات الآلاف من الأسلحة المُصادرة منهم، وقسموها فيما بينهم وواصلوا نظالهم. وبذلك انكسر الحرس الوطني التابع لانستازيو سوموزا في ١٩ تموز ١٩٧٩ وغزت قوات جبهة التحرير العاصمة وقامت بتنصيب المجلس العسكري، الذي تألف منهم مع أعضاء من المعارضة.

نتائج الثورة وتبِعاتها:

وصل عدد ضحايا الثورة في المرحلة الأولى إلى ٤٠ ألف  قتيل و ١٠٠ ألف جريح. طوال السنوات الثلاث السابقة، نفذت الطبقة العاملة النيكاراغوية إضرابات عامة، وعشرات من الإضرابات الجزئية. حدث هذا خلال الفترة التي كان فيها المحرك المركزي للإنتاج يتألف من عمال المدن والبروليتاريا الزراعية والفقراء وشبه البروليتاريين في الريف والفلاحين الفقراء. وكان العديد من الثوار هم مقاتلين من جبهة ساندينيستا وقد اعترف زعيم جبهة التحرير اومبرتو أورتيغا بقوله: "كانت حرب العصابات هي التي دعمت الجماهير"، وليس العكس. وفي نهاية المطاف حصل إضرابًا شمل مئات من العمال المسلحين في الأحياء وفي الريف، وبعد انتصار الثورة، وجهت بعض القطاعات التروتسكية نفسها حصريًا نحو تشكيل نقابات مستقلة، وهي قضية لم تتسامح معها قيادة جبهة التحرير النيكاراغوية، حيث حاولت تنظيم كل شيء تحت هياكلها وقيادتها السياسية الخاصة.

من المهم أيضاً تسليط الضوء على مشاركة التروتسكيين في هذه العملية. نظم التروتسكيون لواء سيمون بوليفار الأممي للقتال من أجل الثورة. تم الترويج لهذه الفصيل من قبل حزب العمال الاشتراكي في كولومبيا، وهو منظمة بقيادة الأرجنتيني التروتسكي ناهويل مورينو. تتكون من حوالي 110 مقاتل من دول مختلفة ولكن بشكل رئيسي من كولومبيا، دخلت نيكاراغوا في أوائل يونيو. وقُتل منها ثلاثة مقاتلين بطوليين بسبب سعيهم لتنظيم نقابات مستقلة، وتم طرد أولئك الذين ليسوا نيكاراغويين من البلاد من قبل جبهة التحرير النيكاراغوية، وتم تسليمهم إلى الشرطة البنمية على الحدود وترحلوا بعد ذلك إلى بلدانهم.

المجلس العسكري لإعادة الإعمار الوطني: جبهة التحرير والمعارضة البرجوازية:

إن المفارقة الكُبرى في هذه الثورة هي أن ممثلي الرأسمال كانوا حاضرين في الحكومة الحاكمة وفي الوزارات وفي الجهاز الإداري للدولة، وفي البنك المركزي.

تألف مجلس الدولة من 30 عضوًا " معينون بشكل مباشر من قبل المنظمات والمجموعات الاجتماعية والاقتصادية التالية في الدولة":

1- مجاميع من جبهة التحرير الوطنية (ساندينيستا) التي ضمت: الحركة الشعبية المتحدة، والحزب الليبرالي المستقل، ومجموعة الاثني عشر، وحزب الشعب المسيحي، وحزب العمال النيكاراغوي، وجبهة العمال، واتحاد الصحفيين الإذاعيين،

2- مجاميع من أئتلاف الجبهة المعارضة الذي ضم: حزب المحافظين الديمقراطي، والحزب الاجتماعي المسيحي النيكاراغوي،والحركة الديمقراطية النيكاراغوية، والحركة الدستورية الليبرالية، والحزب الاشتراكي النيكاراغوي، والاتحاد العام للعمل المستقل، واتحاد اتحاد النقابات العمالية .

3- مجاميع من المجلس الأعلى للمؤسسات الخاصة الذي ضم: معهد التنمية النيكاراغوي،وغرفة الصناعات النيكاراغوية،والغرفة التجارية النيكاراغوية،واتحاد المنتجين الزراعيين النيكاراغويين، وغرفة البناء النيكاراغوية.

خلال هذه العملية، تمت تقريبًا مُصادرة قطاع انستازيو سوموزا بالكامل، وتم تأميم البنوك ونظام التأمين وأنظمة التعدين والسيطرة على القطاع المالي وعلى الصادرات وتوزيع السوق الداخلية. كما تم إحراز تقدم كبير في مشاريع مثل حملات محو الأمية الضخمة، وإنشاء نظام الصحة العامة ومصادرة الأراضي المتروكة. في غضون ذلك، قدمت الحكومة الجديدة تنازلات كبيرة للصناعيين من أجل الحصول على ائتمان دولي ودمج البرجوازية المعادية لسوموزا في مهمة "إعادة الإعمار الوطني". استمرت الملكية الخاصة في السيطرة على التنمية الاقتصادية، واقترحت الدولة مشروع الاقتصاد المختلط. ثم بدأ نزع سلاح السكان وتعزيز الجيش، جيش ساندينيستا الشعبي.

ومع ذلك، استقال القطاع البرجوازي القديم، الذي كان في البداية جزءًا من المجلس العسكري. وبدلاً من ذلك، حل قطاع آخر مكانه بقيادة رافائيل كوردوبا، عضو المحكمة العليا ورئيس ( الحزب الديموقراطي المحافظ)، وأرتورو كروز، الموظف السابق في بنك التنمية للدول الأميركية. أدت التناقضات العظيمة للثورة إلى العديد من التغييرات في الطغمة العسكرية وسيطرت جبهة ساندينيستا بشكل أكبر على الحكومة ولكن دون تغيير توجهها الاستراتيجي نحو التعاون الطبقي.

لكن إحدى الضربات التي تعرضت لها ثورة نيكاراغوا جاءت من كوبا وسياسة فيدل كاسترو. ففي خطاب رسمي، أكد كاسترو أن نيكاراغوا لن تكون كوبا جديدة وقال : "هناك  العديد من علامات الاستفهام ويريد العديد من الناس إظهار أوجه التشابه بين ما حدث في كوبا وما حدث في نيكاراغوا. لهذا السبب رد النيكاراجويين بشكل رائع على تصريحات ومخاوف عبر عنها بعض الناس بأن نيكاراجوا أصبحت كوبا جديدة:  لا، نيكاراغوا أصبحت نيكاراجوا جديدة، وهذا أمر مختلف تماماً ".  وقال كاسترو إن البرجوازية لا يجب مصادرتها وأن الثورة يجب ألا تنتشر. كان لهذا عواقب وخيمة في إبقاء نيكاراغوا معزولة وإبطاء العمليات الثورية الجديدة في أميركا الوسطى.

مقاومة التمرد العسكري و"السلام" المعاديان للثورة:

كانت أهمية أميركا الوسطى بالنسبة للإمبريالية ليست اقتصادية فحسب، بل جغرافية سياسية بشكل أساسي، خاصة في سياق الحرب الباردة ودور الاتحاد السوفييتي الإقليمي الذي تم إنشاؤه من قبل كاسترو. وهذا هو السبب في أن الولايات المتحدة كانت مُصممة على سحق الثورة في نيكاراغوا، التي لو امتدت، لكانت قد امتدت إلى أميركا الوسطى بأكملها، كما حدث سلفا في السلفادور.

بعد أن أصبح ريغان رئيسًا للولايات المتحدة الأميركية في عام ١٩٨١، أطلقت إدارة ريغان سياسة تدخلية علنية تمثلت في ثورة مضادة للثورة النيكاراغوية ووقع الرئيس ريغان على دعم سري للقوات المُناهضة لجبهة ساندينيستا للتحرير الوطني. تم تشكيل عصابات الكونترا في نيكاراغوا وتم تعزيز التواجد العسكري في أميركا الوسطى وبدأ الهجوم المضاد ضد الثوريين في نيكاراغاوا عن طريق ما يُسمى بـ  ( حرب الكونترا contrarrevolución). وتحقيقا لهذه الغاية، تحولت هندوراس إلى مهبط للطائرات الأميركية، وكمقر محلي لفرقة الكونترا ووكالة المخابرات المركزية والبنتاغون. لقد شُنت واحدة من أكثر الحروب تعقيدًا ودموية ضد الثورات في تاريخ أميركا اللاتينية. لقد دمرت الحرب نيكاراغوا وقادتها إلى أزمة اقتصادية حادة. وقد ساء الدمار بفعل عمليات الكونتراس، مما أدى إلى تدمير البنية التحتية في أماكن هامة مثل بويرتو كورينتو. تسبب التضخم المفرط البالغ 30 ألف في المائة سنويا في إحداث دمار في اقتصاد العمال.

بحلول عام ١٩٨٢، بدأت قوات الكونترا في تنفيذ اغتيالات لأعضاء حكومة نيكاراغوا، وبحلول عام ١٩٨٣ شنت قوات الكونترا هجومًا كبيرًا وكانت وكالة المخابرات المركزية الأميركية تساعدهم في زرع الألغام في موانئ نيكاراغوا لمنع وصول شحنات الأسلحة الأجنبية للثوار. تضررت الثورة بشدة جراء القصف الذي طال المجالات الرئيسية للاقتصاد. طالبت حكومة الساندينيستا من الجماهير تقديم التضحية في مهام الدفاع وإعادة الإعمار في البلاد. استجابت الجماهير للدعوة لكن البرجوازية قاطعت الاقتصاد. وبدلاً من اتخاذ تدابير عميقة ضد البرجوازية، مثل المصادرة العامة لأصحاب الأراضي وغيرها من الإجراءات المعادية للإمبريالية، قدمت قيادة الساندينيستا تنازلات أكثر فأكثر. استفاد الكونتراس من استياء الفلاحين الفقراء واستخدموهم لتشكيل قاعدة اجتماعية.

ثم جرت لأول مرة انتخابات في نيكاراغوا عام ١٩٨٤. أعلن المراقبون الدوليون أن الانتخابات كانت حُرة ونزيهة، على الرغم من إدانة إدارة ريغان الأميركية لها والتشكيك بها وقد فاز فيها دانييل أورتيغا (الرئيس الحالي لنيكاراغوا)،من جبهة ساندينيستا للتحرير الوطني. ثم كانت هناك مُبادرة لتسوية النزاعات العسكرية التي ابتلت بها أميركا الوسطى لسنوات عديدة وبسبب الصعوبات في هزم الثورة النيكاراغوية عسكريًا، بدأت الإمبريالية في الجمع بين الهجوم العسكري وسياسة التفاوض واتفاقات "السلام". وهكذا، في عام 1983، تم إنشاء مجموعة كونتادورا، المكونة من حكومات كولومبيا والمكسيك وبنما وفنزويلا. كان هدفهم التوصل إلى اتفاقيات "سلام" لتفكيك العمليات الثورية لأميركا الوسطى. وتم تقسيم المهام بهذه الطريقة: أن تهجم مجاميع الكونترا بالأسلحة وتتفاوض مجموعة كونتادورا في نفس الوقت بأوراقها الدبلوماسية.

في أيار ١٩٨٦ تم عقد اجتماع قمة "Esquipulas I"، حضره رؤساء أميركا الوسطى الخمسة. في ١٥ شباط وخلال عامي ١٩٨٦ و ١٩٨٧، أُنشئت "اتفاقية إسكويبولاس"، التي اتفق فيها رؤساء دول أميركا الوسطى على التعاون الاقتصادي وإطار الحل السلمي للصراعات. ثم انبثق "اتفاق إسكويبولاس الثاني" ووقعه الرؤساء الخمسة في غواتيمالا  في ٧ آب ١٩٨٧. حددت اتفاقية إسكيبولاس الثانية عددًا من التدابير لإقامة المصالحة الوطنية، وإنهاء الأعمال العدائية، وتعزيز الديموقراطية وإجراء انتخابات الحرة، وإنهاء جميع المساعدات للقوات غير النظامية، وعمل مفاوضات بشأن حصر السلاح ومساعدة اللاجئين وإجراء تحقيق دولي وتقديم جدولاً زمنياً لتنفيذ البنود. ولم توقع بنما على هذا الاتفاق، التي كانت أحد أهم القواعد العسكرية الأمريكية.

استسلمت حكومة جبهة الساندينيستا لكل هذه المفاوضات ووضعت الكونترا والبرجوازية على قدم المساواة مع الآلاف من المقاتلين والعمال والفلاحين الفقراء الذين يقاتلون من أجل تحريرهم الوطني في السلفادور بقيادة جبهة التحرير الوطنية فارابوندو مارتي. مع إيقاف أي عمل للمقاتلين السلفادوريين على أراضيها، عقدت الحكومة المزيد من الاتفاقات مع قطاعات الكونتراس، وكذلك مع البرجوازية المضادة للثورة نفسها. يبدو أن اتفاقات Esquipulas II قد تم نسيانها في مرحلة انتقال السلطة بين الرئيسين الأميركيين ريغان وجورج بوش الأب، ولكن في شباط 1989، استأنف أورتيغا المفاوضات لمناسبة اجتماع رؤساء أميركا الوسطى الخمسة في مدينة كوستا ديل سول السلفادورية.

من خلال عدم الوفاء بالمطالب الأساسية التي دعت إليها الثورة النيكاراغوية، مثل الثورة الزراعية، ومصادرة ملكية البرجوازية والتحرير الوطني، فقدت حكومة ساندينيستا مكانتها في خضم أزمة اقتصادية وتخريبية أثارتها حرب الكونترا الأميركية.

قررت حكومة نيكاراغوا تأجيل الانتخابات إلى شباط 1990 وقبول التعديلات المقترحة لعام 1988 وقبلت خطة انتخابات عامة يمكن أن يشارك فيها كل من قام بتمويل الثورة المضادة وتنظيمها بشكل طبيعي. في شباط 1990، عانت جبهة الساندينيستا من هزيمة ثقيلة من قبل الأحزاب البرجوازية حيث ترأست فيوليتا تشامورو ائتلافًا انتخابيًا ضخمًا شمل حتى الحزب الشيوعي في نيكاراغوا. أدت هذه الهزيمة إلى تسريع عملية المفاوضات، مما أدى إلى توقيع "اتفاقات السلام" في السلفادور وغواتيمالا. وكان الهدف الرئيسي وراء المفاوضات هو تفكيك ثورات أميركا الوسطى.

كانت الإمبريالية الأميركية عامل محوري في تشكيل نتائج الثورة في نيكاراغوا. على الرغم من أنها لم تنخرط في التدخل الكلاسيكي، فقد نظمت ومولت حربًا كبيرة مناهضة للثورة، أجبرت دولة نيكاراغوا الضعيفة على استخدام موارد بشرية ومادية كبيرة لمواجهتها. وعلى الرغم من وجود قاعدة عسكرية في بنما، إلا أن الولايات المتحدة بنت قاعدة جديدة في هندوراس كوسيلة لتدمير الثورة النيكاراغوية. من هناك بدأ الهجوم على نيكاراغوا ومن هناك، قُصفت الهياكل الاقتصادية الهامة مثل بويرتو كورينتو. ثم جاءت سياسة "السلام" المعادية للثورة.

ومع ذلك، من المهم أيضًا فهم الدور الذي لعبته الستالينية والكاستروية في هذا السياق، وكذلك دور القيادات القومية البرجوازية الصغيرة في المنطقة.

بذل أعضاء الستالينية والكاستروية جهودا شاقة لاحتواء ثورة أميركا الوسطى. لقد حاولوا حصر كل خطوة في إطار الدولة الوطنية التي تفرضها الإمبريالية الأمريكية. تم الاتفاق على نزع سلاح المقاتلين وإقامة الانتخابات من قبل لجان التفاوض التي شاركت فيها قيادة جبهة ساندينيستا، قيادة جيش العصابات السلفادوري تحت رعاية كاسترو والدبلوماسية السوفيتية، والحكومات البرجوازية في أميركا اللاتينية والولايات المتحدة الأميركية.

وحتى بعد سنوات من الكفاح البطولي في نيكاراغوا، الذي قُتل خلاله ما يقرب من 300 ألف إنسان، بقي النظام الإمبريالي يحكم في أميركا الوسطى. إن امتداد وانتصار ثورة أميركا الوسطى ووحدتها في اتحاد مع كوبا - كان يمكن أن يكون أحد أفظع الضربات للإمبريالية الأميركية.

 

بقلم: بشار حاتم

 

نيرمين ماجد البورنولقد قيل "ما فائدة الثمار اذا تركت تذبل على أغصانها أو سقطت في أحواض أخرى" بهذه العبارة ننعي أنفسنا بالأبحاث والرسائل العلمية التي تتكدس فيها رفوف المكتبات في الجامعات والمؤسسات دون الاستفادة منها بل أصبحت في طي النسيان للزينة والبهرجة بكمية الأوراق والمشاركات والمؤتمرات والأبحاث المنشورة في المجلات العلمية، والسؤال أو بالأحرى الأسئلة التي ينبغي أن تطرح، ولا نمل جميعاً من طرحها هي: ما مصير هذه الأبحاث المتكدسة والتي يشكو أصحابها من غياب الوعي والاهتمام الحقيقي بالجهد المبذول والعلم! وهل يوجد من بين الأبحاث مواضيع جديرة بالتطبيق! والى متي ستبقي الأبحاث نائمة في سباتها بأدراج الكليات! ومن المسؤول عن دفع الطاقات والعلماء للهجرة والاستقرار في الخارج!

رب ضارة نافعة كما يُقال، لقد كشفت أزمة كورونا في العالم مدي أهمية الصحة والتعليم والبحث العلمي وأنهم هم الاستثمار الأمثل، وان البحث العلمي ليس ما ينقص الوطن العربي وإنما التنظيم والاهتمام بالطاقات الفذة والمبدعة والعمل على تطويرها واستثمارها وتحفيزها وتقديم المساعدات والحوافز المشجعة، وتشجيعهم على اكمال الدراسات العليا من خلال المنح لما لها من تأثير ايجابي في تعزيز مكانه الانسان وكذلك بالنفع الذي سيقدمه للبلد سواء بالمشاريع والاختراعات العلمية أو بمواصلة مسيرة التدريس، تعد بحوث ومشاريع التخرج من الانجازات العلمية والمعرفية والفكرية والابداعية فهي تقدم الحلول للمشكلات الواقعية التي يعاني منها المجتمع عن طريق المعالجة العلمية الدقيقة لهذه المشكلات فضلا عن خلق جيل من الشباب الواعي لأزمات المجتمع واحتياجاته، واذا دققنا النظر في الوقت الحاضر نجد أن الجهات المسؤولة عن التعليم لم تبادر حتى الى النظر في كيفية الاستفادة من الأبحاث والأوراق المتكدسة فوق بعضها البعض والتي تراكم فوقها الغبار وركنتهم مجموعين في الادراج والرفوف، بل وللأسف اعتبرت البحث العلمي ترفا فكريا وعلميا فأهملته ولم تخصص له مبلغ مالي في ميزانيتها لتطوره ولترقي به مما سبب الكثير من الفوضى بل وعملت على وضع العراقيل أمام الباحث من خلال عدم تزويده بالمعلومات الكافية لبحثة وبعض المؤسسات ترفض سفر الباحث وعملت على عرقلته وتهميشه من خلال اجبارها الباحث ان يقدم ورقة استضافة من جامعة خارج بلده وهنا تكمن المشكلة ان الكثير من الجامعات ترفض التوقيع على تلك الشروط وترفض استقبال الباحث مما يسبب للباحث الاحباط والشعور بالملل من البحث مما يدفعه للتفكير في الهجرة الى الخارج" هجرة العقول" لكي يجد البيئة الحاضنة والمعززة لمواهبه وقدراته والعلمية المناسبة له في الدول الغربية، وبعد ذلك نلومهم لماذا هاجروا وتركوا بلادهم، ولكن لماذا الإهمال الكبير في الأطاريح والطاقات والمجهودات التي تقدم والتي يطمح المتقدم بها في استشراف مستقبل أفضل وعدم الاستفادة من البحوث بل أغلبها تبقي مهملة على رفوف الوزارات والمكتبات والمجهودات تضيع هباء منثورا وتذهب سدى والغرض منها يكون فقط للحصول على ترقية وراتب أعلي والحصول على لقب علمي للفشخرة والتباهي.

ان البحث العلمي مفردة جميلة أو حلم يبحث عمن يحققه ويرسم أفاقه ويصيغ لمساته ويضع أهدافه ولكن لماذا هذه العراقيل والأشواك أمام مسيرة تقدم البحث العلمي، نحن نعاني من فجوة كبيرة ما بين المؤسسات والجامعات والمجتمع وهذه الفجوات بحاجة الي تجسير للتقارب لتحقيق الأهداف والتي بالتالي تفيد مؤسسات المجتمع من الابحاث الأكاديمية على النحو المطلوب، ولكن تعجز كل دولة عربية لوحدها عن القيام بالمهمة الملقاة على جامعاتها مهما كانت امكاناتها فالوطن العربي بحاجة الى مشروع نهضوي ذو استراتيجية تعليمية بحثية مشتركة والي تطبيق وتنفيذ واشراف ومتابعة، وذلك من خلال الاستفادة من أساليب وطرائق التدريس ومن النجاحات ومن الوسائل والتقنيات المستخدمة، ولإعطاء البحوث التربوية المنجزة ما تستحقه من أهمية يجب العمل على إعادة عرضها بالطريقة الرقمية، وتزويد المؤسسات التعليمية بنسخ منها عن طريق أقراص مدمجة، وحث المؤطرين على مناقشتها مع الأساتذة في إطار لقاءات تربوية ودروس تطبيقية حتى لا تضيع جهود باحثين تربويين ممن راكموا تجارب واسعة.

هناك مشكلة كبيرة يعاني منها المجتمع العرب وهي أن مخرجات العملية التعليمية عديمة القيمة، وأن التدريس يقوم على أساس التلقين والحفظ، حيث يلجأ الباحث أو طالب الدراسات العليا بطرح موضوع ما وجمع قدر كبير من المعلومات تؤيد فكرته لينال الشهادة وفي بعض الاحيان يرغم الباحث على فكرة بحثية لان المشرف أرغمه على قبول العنوان لكي يسجل ويحصل على الدرجة وينتهي موضوع البحث الى رفوف المكتبات، والغريب أنه وبفضل التطورات والمستحدثات التكنولوجية وبعد ظهور الفضاءات المفتوحة أصبحت المعلومة متاحة لدرجة التخمة اذ أصبحت المعلومة متاحة بنقرة زر للتحميل وللنسخ وللسرقة ولكن لا أحد مهتم بالموضوع وكأن التعليم والبحث العلمي أضحي شيء هامشي. اذن يستلزم تغيير فلسفة العملية التعليمية و اعتماد منهج قائم على المخرجات وفكرتها هي أن المعلومة متوفرة ولكن كيف نستفيد منها والاعتماد على الذكاء الاصطناعي، والخلاص من النظام التعليمي التقليدي لأنه يسبب الانفصام ما بين السوق وبين النظام التعليمي وبالتالي يصدر لنا حمله الدكتوراه ضمن صفوف العاطلين عن العمل.

حلت أزمة كورونا وكشفت لنا أن النظام التعليمي يعيش خارج بوتقة التاريخ والمؤسف في الأمر أن أغلب أساتذة الجامعات معرفتهم بالحاسوب ضعيفة جدا وهذا يدل على أنهم غير مدركين للتطورات الجارية في مجالهم عالميا، لذا يجب على المؤسسات التعليمية العمل على تطوير كادرها من خلال الدورات والورشات لكي يجيدوا استخدام والتعامل مع وسائل العصر الحديث لانهم لو بقوا على نفس الوتيرة بالتعليم التقليدي سيكون ضررهم أكثر من نفعهم، ويجب الاستفادة من المؤتمرات العلمية التي تناقش التجارب والمشاكل المتعلقة في البحث العلمي بالوطن العربي والتي تخرج بقائمه حلول تطبق فعليا، وضرورة العمل على النظرة الاستشرافية الدائمة المتجددة للتطورات التكنولوجية على المدي القصير والمتوسط وقراءة التغير المستمر في العالم قراءه واعية وتحديث البنية الأساسية واستثمار في الموارد البشرية، وزيادة الدعم المالي لمؤسسات البحث العلمي، وتقديم المنح السخية لبرامج البحث العلمي والتطوير، واستثمار البحوث العلمية استثمارًا حقيقيًا في خدمة المجتمع، لأن ازدهار المجتمعات والأمم لا يتم بمنأى عن اصلاح منظومة التربية والتعليم واستثمار في العنصر البشري كدعامة للنهضة الفكرية.

 

د. نيرمين ماجد البورنو

 

احمد عواد الخزاعيهل سيجبر فيروس كورونا العالم الرأسمالي على إعادة النظر في أبجدياته الاقتصادية؟

كورونا الذي انتقل من الصين الاشتراكية مهد هذا الفيروس إلى أوربا الرأسمالية، ليطرح تحديات ليست على المستوى الصحي فقط، بل  على جميع المستويات، ويثير تساؤلات جدلية حول مدى صلاحية النظم السياسية والاقتصادية التي تدير اللعبة عبر هذا العالم الذي جعلته هذه الأزمة يبدو صغيرا جدا، ووضعت البشرية في قارب نجاة واحد.

في عام 1989 نشر الكاتب الأمريكي المولد، الياباني الأصل فوكوياما مقالا في مجلة ناشينال افيرز بعنوان (نهاية التاريخ ) استنتج فيها إن الديمقراطية الليبرالية هي نقطة النهاية في التطور الاجتماعي والثقافي والاقتصادي للإنسانية، والشكل النهائي للحكومات، وفي عام 1992 ميلادي طور نظريته هذه بإصداره لكتاب بعنوان (نهاية التاريخ والإنسان الأخير) وسع فيه مفهوم هذه النظرية، بقوله إن انهيار الاتحاد السوفيتي وانتهاء النظام الشيوعي وما جر هذا الحدث من تداعيات كبيرة على المستوى العالمي كانتهاء الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي، ونشوء عالم أحادي القطب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، أدى هذا التطور إلى توقف التاريخ أي إن التاريخ لم يعد يشكل محورا مهما كون الحوادث المهمة والخطرة التي تحركه قد توقفت، كانت نظرية نهاية التاريخ والإنسان الأخير رؤية جديدة بمنظور رأسمالي غربي مقابل نظرية كارل ماركس (المادية التاريخية) والتي يرى فيها ماركس، إن التاريخ سينتهي عندما ينتهي الصراع الطبقي، وتنتصر الطبقة العمالية لتقود العالم، بعد أن يتلاشى النظام  الطبقي فيه واختزل فوكوياما جميع التحديات والكوارث والأزمات الاقتصادية والأوبئة  والتقاطعات وصراع النفوذ والمصالح في العالم، ومحاولة بعض الشعوب المضطهدة من استعادة حريتها ووجودها، بالصراع الذي كان قائما بين المعسكر الاشتراكي والمعسكر الرأسمالي، وغاب عنه إلى إن هنالك صراعا جديدا يحمل ملامح مختلفة عن شكل الصراع الذي كان قائما قبل انتهاء الحرب الباردة، سيأخذ إبعادا ثقافية واقتصادية وعقائدية، والذي أطلق عليه الكاتب الأمريكي صاموئيل هنتجتون.. (صدام الحضارات) في مقال نشره في مجلة فورين اميرز عام 1993بعنوان (صراع الحضارات)، وجاء هذا المقال ردا على نظرية فوكوياما، وأشار فيه إلى إن عالم ما بعد الحرب الباردة سيشهد صراعا بين الغرب وأمريكا من جهة، والإسلام والصين واليابان والهند من جهة أخرى، وأن ما سيحكم العلاقة بين هذه الحضارات هو الصدام على أساس الاقتصاد والثقافة والهوية، وما يشهده العالم اليوم هو بوادر هذا الصراع الذي اخذ منحى أكثر رعباَ وشمولية حين أشار المتحدث باسم الحكومة الصينية إلى احتمالية أن يكون الجيش الأمريكي وراء انتشار فايروس كورونا في الصين.. لكن بغض النظر عن من يقف وراء هذا الوباء فقد أثبتت الصين بنظامها الاشتراكي الذي تهيمن عليه الدولة بشكلها الأبوي نجاحه في هذا التحدي الخطير والمفصلي الذي تمر به الإنسانية جمعاء، وانه كان الأنجع في التصدي لانتشار هذا الوباء والسيطرة عليه، عبر إدارة الدولة ومؤسساتها الاشتراكية الفاعلة لجميع مرافق الحياة في الصين، بخلاف أوربا الرأسمالية التي تواجه تحديا كبيرا وخطيرا في مواجهة هذا الوباء، عبر نظام اقتصادي وسياسي غير قادرة على الإدارة والتحكم بطريقة شمولية، وهيمنة المصالح الفردية الرأسمالية على مواجهة هذا الوباء، وهذا ما نوه إليه الرئيس الفرنسي ماكرون في قمة السبع التي عقدت منتصف 2019 بقوله، (نحن لا شك نعيش حاليا نهاية الهيمنة الغربية على العالم، فكنا معتادين على نظام عالمي منذ القرن الثامن عشر يستند إلى هذه الهيمنة الغربية، ولا شك في أن هذه الهيمنة كانت فرنسية في القرن الثامن عشر بفضل عصر الأنوار، وفي القرن التاسع عشر كانت بريطانية بفضل الثورة الصناعية، وبصورة عقلانية كانت تلك الهيمنة أمريكية في القرن العشرين.. لكن الأمور أخذت في التغير والتقلب بسبب أخطاء الغربيين في بعض الأزمات.. وتابع ماكرون: نحن عملنا معا في لحظات تاريخية، كذلك هناك بزوغ قوى جديدة، وهي قوى اقتصادية وليست سياسية، بل دول حضارية تأتي لتغير هذا النظام العالمي، وتعيد النظر في النظام الاقتصادي بصورة قوية، ومنها الهند والصين وروسيا، حيث تتميز تلك البلدان بإلهامها الاقتصادي الكبير، وأن الصين وروسيا قد اكتسبتا قدرة في العالم، لأن فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة كانت ضعيفة).

هذه الرؤية التي كانت تمثل نبوءة لحال النظام الرأسمالي العالمي، إذا ما تعرض لتحديات هي اكبر من آلياته، وهذا ماحدث بالفعل، فهاهي أوربا التي تستهلك أكثر من خمس موارد الكرة الأرضية، تتحول إلى بؤرة لهذا الوباء وتجد نفسها مكبلة بقوانين ونظم اقتصادية وطموحات ومصالح فردية تحول دون احتوائه بطريقة أكثر فعالية، كما فعلت الصين الاشتراكية.. وبغض النظر عما ستؤول إليه الأمور في قادم الأيام، فأن فيروس كورونا قد وجه صفعة قوية للنظام الرأسمالي العالمي، ونظرياته القائم عليها، منذ عصر الثورة الصناعية إلى انتهازية دونالد ترامب، مروراً بجون لوك وادم سمث.

 

احمد عواد الخزاعي

 

علاء اللاميمقارنةً بخطاب المكلف الأسبق محمد علاوي، يبدو خطاب التكليف الذي ألقاه مصطفى الكاظمي إنشائيا وفارغا من أي مضمون إيجابي، فقد خلا حتى من التعهدات اللفظية المعهودة في خطابات مسؤولي النظام وهذا ما يؤكد أن الكاظمي سيكون أسوأ من عادل عبد المهدي بفعل وظيفته المخابراتية وعلاقاته العميقة مع الاحتلال الأميركي منذ سنوات عديدة، وبفعل الشروط الإيرانية التي يبدو أنه أجبر على الموافقة عليها ليسمحوا له بالوصول الى رئاسة الحكومة ويسحبوا الحظر الذي وضعوه على اسمه في البداية وهددوا على لسان أحد الفصائل الولائية بـ "إحراق العراق إذا وصل الكاظمي الى الرئاسة" على خلفية اتهامهم له بالتورط في عملية اغتيال الشهيدين أبي مهدي المهندس وضيفه الرسمي سليماني من قبل القوات الأميركية في العراق. ولكن حلفاء طهران العراقيين سكتوا بعد أن وافق الكاظمي على بعض شروطهم كما يظهر من سياق الأحداث. سنناقش هنا خطاب الكاظمي باختصار:

1- لم يقل المكلف أي شيء بصدد نوعية الحكومة التي سيشكلها، وهل ستُشكل على مبادئ المحاصصة الطائفية الحزبية كالسابق أم الطائفية التكنوقراطية كما تعهد محمد علاوي، أم أنها ستكون مستقلة طائفيا وحزبيا؟ عوضا عن ذلك اعتمد الكاظمي الإنشاء الفارغ من أي مضمون فقال (ستكون حكومة خدمات، خادمة للشعب بالأفعال وليس بالأقوال!)، أي أنه قفز على موضوع نوعيتها ولاذ بالإنشاء والعبارات العامة. إن هذا السكوت يعني بكل وضوح أنها ستكون حكومة محاصصة حزبية وطائفية معا وبالتوافق بين أنصار إيران وأنصار أميركا داخل الأروقة الداخلية للنظام وإن الكاظمي سيكون دمية تحركها الأصابع الخارجية والداخلية من خلف الستار.

2- قال الكاظمي إن (السيادة العراقية ستكون خطاً أحمر) مواصلا استعمال لغته الإنشائية الفقاعية، فهو أكد على رفض المساومة على السيادة ولجأ الى الكلام عنها وكأنها واقع حال تارة أو وكأنها تتعلق بالماضي لا بالحاضر تارة أخرى، حين قال (العراق بلد عريق يمتلك قراره السيادي والحكومة ستكون ساهرة على السيادة الوطنية). الكاظمي لم يقل كلمة واحدة عن الوجود العسكري الأجنبي المفروض، وخاصة الأميركي والتركي، ولم يتطرق إلى تجميع القوات الأميركية في ثلاثة قواعد كبرى، أو إلى طلب واشنطن قبل يومين من الحكومة العراقية العودة الى اتفاقية الإطار الاستراتيجي والتفاوض على أساسها لتقرير مصير هذا الوجود!

كما أن الكاظمي لم يتعهد أو يشر الى قرار برلمانهم القاضي بوجوب إخراج القوات الأجنبية من الأراضي العراقي. مكررا العبارة الشعبوية الفارغة "العراق للعراقيين".

3- أكد الكاظمي على ضرورة (حصر السلاح بيد الدولة عبر إجراءات حاسمة وجعله من اختصاص الدولة وليس الأفراد والجماعات)! نعم، هنا، كان الكاظمي واضحا جدا، وتكلم عن إجراءات حاسمة، فلماذا؟ الجواب، هو لأنه من رجال السفارة الأميركية، وقد جيءَ به لهذا المنصب لتنفيذ هذا المطلب أو الهدف الأميركي تحديدا، وضرب الفصائل المليشياوية المسلحة الحليفة لإيران، مع ما يستتبع ذلك من احتمالات صدام مسلح واضطرابات بين حكومته والفصائل الولائية ولسان حالهم يقول: ليقتل العراقيون بعضهم بعضا وتتفرج قواتنا عليهم ثم تجني السفارة النتائج في الختام!

وبما أن الكاظمي لا يمتلك أي خطة متكاملة لتنفيذ هذا الهدف الخطر كما يبدو، وليس بيده سوى استعمال العنف والسلاح الحكومي والأميركي، فسيكون هذا الأمر محفوفا بالمخاطر وقد يؤدي بالبلد إلى الانزلاق في اقتتال أهلي طويل ومدمر.

3- وعن الاقتصاد، تعهد الكاظمي بتوسيع الاقتصاد القائم على الاستثمارات، وطرح وعودا توحي وكأنه باقٍ في الحكم لأربع سنوات أو أكثر، وليست حكومة انتقالية عمرها عام واحد أو يزيد قليلا.

4- ثم تكلم الكاظمي عن حقوق ودماء العراقيين، وهنا جمع شهداء مواجهة داعش بشهداء انتفاضة تشرين، وكأنه يريد أن يرضي جمهور الانتفاضة التشرينية من جهة وجمهور المليشيات الولائية معا، وقد دأب على تسمية الانتفاضة التشرينية بـ "ساحات التظاهر وحقوق العراقيين"، ولكنه لم يقل كلمة واحدة عن محاسبة قتلة المتظاهرين!

هذا يعني بوضوح أن الكاظمي وافق على مطلب كتل وأحزاب ومليشيات الفساد بعدم فتح هذا الملف الخطر والمهم والذي يتعلق بأرواح أكثر من سبعمائة شهيد من المتظاهرين السلميين العزل. وليس من المستبعد ان يكون الكاظمي قد وقع لزعماء الكتل النيابية على تعهد خطي كان محمد علاوي قد رفض التوقيع عليه بخصوص مكافحة الفساد فأسقطوه! أما الكاظمي فقد قال عن مكافحة الفساد عبارة قصيرة وإنشائية كالمعتاد في نهاية كلمته هي "إن مكافحة الفساد والفاسدين مهمة وطنية"!

الخلاصة: إن حكومة الكاظمي ستكون استمرارا أسوأ لحكومة عادل عبد المهدي، وستكون حكومة محاصصة طائفية وحزبية لصوصية يتحكم بها رؤساء الكتل النيابية الفاسدون، وأن الموقف منها شعبيا سوف لن يختلف عن الموقف الذي اتخذه المنتفضون من حكومة عادل عبد المهدي حتى إسقاطها بالكفاح السلمي بمجرد أن تنتهي جائحة "كورونا".

* لقد جِيءَ بالكاظمي لتنفيذ هدف أميركي مركزي وهو تجريد الفصائل المسلحة الموالية لإيران من السلاح، ولكن بشروط واستثناءات قد تتوضح لاحقا اقتضتها شروط التوافق غير المباشر بين واشنطن وطهران، والمرجح أن الكاظمي لن ينجح بتنفيذ هذا المطلب وقد يغرق البلد والجنوب والوسط خصوصا في اقتتال دموي. ولكن إيران وأنصارها وافقوا عليه مضطرين وبعد أن وافق على بعض شروطهم!

 أما دماء شهداء انتفاضة تشرين ومطالب المنتفضين باستعادة الوطن المستقل وبالعدالة الاجتماعية ومكافحة الفساد والفاسدين وإنهاء نظام المحاصصة الطائفية والانتقال الى دولة المواطنة فهذه كلها أمور لا علاقة للكاظمي ولمن جاء به بها، ولا أهميته لها عند الكاظمي وأسياده بل هم على الطرف النقيض والعداء لها.

إن على "أولاد" السفارة الأميركية المندسين في صفوف الانتفاضة أن يكفوا بعد الآن عن ترويجهم السخيف للكاظمي أو غيره لمجرد أنه سيحاول ضرب خصومهم في المليشيات الولائية حتى لو أحرق العراق، وأن يتوقفوا عن الرهان على سفارة العدو الأميركي التي بصقت عليهم وتوافقت مع إيران بشكل غير مباشرة للإتيان بالكاظمي! أما أتباع إيران فيكفيهم عارا انهم وافقوا صاغرين على من اتهموه بالأمس بأنه مسؤول عن اغتيال سليماني وأبو مهدي المهندس لأن أسيادهم وافقوا على ذلك وسمحوا به!

وأخيرا، وبعيدا عن أصدقاء السفارتين الأميركية والإيرانية، سيكون من حق المنتفضين الوطنيين الاستقلاليين العراقيين أن يحتفلوا برحيل عبد المهدي القناص ويطالبوا باعتقاله، وأن يستعدوا لإسقاط حكومة خليفته العميل المخابراتي مصطفى الكاظمي متمسكين بشعارهم المركزي: لا للاحتلال الأميركي لا للهيمنة الإيرانية!

ومعهم أكرر لاحل إلابحلها!

*معلومات عن رئيس الوزراء المكلَّف مصطفى الكاظمي:

الاسم الثلاثي: مصطفى عبد اللطيف مشتت / ولد ببغداد سنة 1967.

*حاصل على شهادة "الإجازة" البكلوريوس من كلية أهلية غير معروفة تدعى "كلية التراث الجامعة".

* كاتب صحافي متواضع الإمكانيات وغير معروف كثيرا في الوسط الثقافي العراقي والعربي، عمل ككاتب عمود صحافي ورئيس تحرير مجلة لم يسمع بها الكثيرون تدعى "الأسبوعية" وصاحب امتيازها برهم صالح، وبعدها عين مديراً لتحرير قسم العراق في موقع "مونيتور" الأمريكي.

*عمل مديرا لمؤسسة الذاكرة رفقة العميل العار كنعان مكية وكان قياديا في حزب المؤتمر الوطني الذي أسسه اللص الدولي أحمد الجلبي.

* ألف كتاباً واحدا هو "مسألة العراق -المصالحة بين الماضي والحاضر" يقول من اطلع عليه إنه محض إنشاء لا قيمة علمية له وتظهر ركاكته من ركاكة عنوانه. وقد قام موقع قناة "العالم" الإيرانية بفصل عنوان الكتاب ليجعل منه كتابين عن طريق الخطأ أو ربما بسبب فرط الحماسة في الترويج للكاظمي!

* عين رئيسا لجهاز المخابرات بقرار من رئيس الوزراء المتهم بمحاباة واشنطن حيدر العبادي قبل أربع سنوات. وتقول قناة بي بي سي البريطانية إنه (نسج، خلال توليه هذا المنصب، الذي أبعده عن الأضواء، روابط عدة مع عشرات الدول والأجهزة التي تعمل ضمن التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة). وأضافت بي بي سي في تقريرها إن الكاظمي (لديه علاقات مع كل اللاعبين الأساسيين على الساحة العراقية: علاقة جيدة مع الأمريكيين، وأخرى عادت إلى مجاريها، مؤخراً، مع الإيرانيين/ تقرير إخباري بتاريخ 9 نيسان 2020).

* هو صهر مهدي العلاق القيادي في حزب الدعوة والأمين العام السابق لمجلس الوزراء والمستشار الشخصي لاحقا لعادل عبد المهدي. عمل شقيقه صباح عبد اللطيف مشتت مستشارا لرئيس الوزراء حيدر العبادي، ويعمل شقيقه عماد عبد اللطيف مشتت أيضاً مستشاراً لدى مجلس رئاسة الوزراء.

 

علاء اللامي

...........................

* رابط خطاب مصطفى الكاظمي:

https://www.youtube.com/watch?reload=9&v=_y0dGo8qQUA

 

 

نايف عبوشلا ريب أن الثورة العلمية والتقنية والمعلوماتية، التي شهدها العالم مؤخراً، أفرزت الكثير من المعطيات الإيجابية، لعل في مقدمتها تقليص المسافات، واختزال الزمن، واختراق الحدود بين الدول،مما أتاح الفرصة أمام حرية حركة الأفراد، والأموال، والسلع، والمعلومات،والتقنيات، بيسر وسهولة،ودون قيود، في قفزة نوعية، لم تكن معهودة في عالم اليوم، من قبل، بحيث أضحى العالم اليوم قرية كونية واحدة.

وفي ظل هذه التطورات المتلاحقة، فقد سارعت مراكز المال الكبرى، والاحتكارات الدولية، في الدول الصناعية، لتوظيف معطيات العولمة المفتوحة لصالحها، والإنتفاع منها في كل المجالات المتاحة للتعامل، وفي المقدمة منها بالطبع، الاقتصاد، بما اتاحته من حرية السوق، وتيسير سبل انتقال الأموال، وتبادل السلع، والمعارف بين الدول،حيث شرعت تلك المراكز تنظر إلى كوكب الأرض برمته كسوق واحدة، مفتوحة أمام بضائعها بلا قيود، في ضوء ما افزرته الثورة التقنية والمعلوماتية من وسائل اتصال، وتسهيلات، ألغت كل المعوقات والحواجز، لتصب في صالحها بالدرجة الأولى.

 وقد أتاحت تلك المعطيات للمؤسسات المالية الدولية، التي تهيمن عليها الدول الصناعية الكبرى،كالبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، ومنظمة التجارة العالمية( الكات)، فرصة مثالية، لإعادة صياغة، وتنظيم الاقتصاد العالمي، والتحكم في رسم السياسات الاقتصادية للدول النامية، والفقيرة بشكل خاص، بما يخدم مصالح تلك المراكز على نحو لا مثيل له .

وهكذا أدت ظاهرة العولمة الاقتصادية الراهنة، إلى هيمنة الشركات المتعددة الجنسيات، على اقتصادات البلدان النامية، من خلال الاستحواذ على مواردها المعدنية وخاماتها المحلية، والتحكم في أسعار ما تطرحه لأسواقها من سلع مصنعة، وتصفية نشاطات المصانع، والشركات الوطنية، مما أدى إلى تعطيل، وتصفية الكثير منها، وتسريح العاملين فيها، الأمر الذي خلق بطالة سافرة في تلك الاقتصادات الناشئة، وعطل العمل في كثير من المجالات.

وتجدر الإشارة إلى أن ما تقدم من تداعيات، يمكن تلمسه في منعكسات إيجابية لصالح عولمة الاقتصاد، تجسدت في تركز الثروة، وتراكم عوامل القوة الاقتصادية، والتفوق الصناعي، وهيمنة صناعة المعلوماتية، في أسواق دول المراكز الصناعية الكبرى بشكل واضح، في مقابل ما أفرزته من حالة سلبية، تجسدت بعولمة افقار حاد، وتدني اداء ملموس في اقتصادات البلدان النامية،فلم يعد لها ثمة فرصة سانحة للحضور المقتدر، والمنافسة المتكافئة، حتى بمعايير الميزات النسبية، في ساحة عولمة اقتصادية جامحة، تهيمن على فضائها، الشركات العابرة للحدود، وتمسك بتلابيبه بكل سطوة .

وهكذا، أصبحت العولمة الاقتصادية، بما هي ظاهرة هيمنة في عالم اليوم،مدعاة للإمتعاض، بما تمنحه من فرص تراكم الأرباح، ومضاعفة فائض القيمة لمالكي الرأسمال، وأصحاب القدرات العلمية والتقنية الرديفة، آلية فعالة بيد الدول الصناعية الكبرى، وشركاتها العابرة للقارات، في سواءً في الصراع الدائر فيما بينها على المصالح، أو في ممارسة الضغط على البلدان النامية،بل وحتى البلدان الواعدة في الفرصة، بقصد ارغامها على التكيف، ومجاراة ما تمليه عليها من سياسات تبعية جائرة، تخدم مصالحها، وتضاعف من أرباحها، وتراكم ثراءها، على حساب افقار اقتصادات تلك البلدان، وخلخلة بناها الاجتماعية، والهيمنة على مقدراتها السياسية، وما تسببه لها من اضطرابات، وعدم استقرار .

 ولعل تفجر جائحة وباء فايروس كورونا، بهذا الشكل المأساوي المرعب مؤخراً، والذي انطلق من الصين منذ اكتشاف الفيروس فى أواخر العام ٢٠١٩، ليجتاح العالم كله، ورغم كل ما يلف أسباب انتشاره من غموض مريب حتى الآن، إلا أن الاتهامات المتبادلة بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية، قد تشي بشكل أو آخر،بان الفايروس ربما يكون ناجما عن ما يشبه حربا جرثومية غير معلنة بينهما، كما يرجح البعض. فالصين من جانبها اتهمت جنودا امريكان، بإدخال الفايروس إليها، بينما اعتبر الامريكان من جانبهم، انه فايروسا صينيا، وعبروا عنه بفيروس الصين، امعانا منهم في وثوقية الإتهام .

وبغض النظر عما إذا كان الفايروس قدرا محتوما، وأنه انتشر بشكل طبيعي، أم أنه كان مستحدثا، ومعدلا جينيا، بقصد التوظيف في الصراع بين القوى الكبرى على المصالح، والاستفادة منه، لأهداف سياسية أو اقتصادية او اجتماعية، فإن انتقال الفايروس السريع من الصين، ليغزوا العالم بهذا الشكل المفزع والمريب، والذي عطل حركة الحياة، وأعجز العالم الصناعي عن الوقاية منه، أو طرح علاج عاجل لمواجهة انتشاره، قد هز قيم الديمقراطيات الغربية المهووسة بحقوق الإنسان، زيفا، بعد أن مرغ هذا الوباء تشدقها بالقيم والمثل الانسانية، بصديد تداعيات هذه الكارثة المأساوية، وكشف بؤس الانهيار الأخلاقي والاجتماعي، لقيم الهيمنة الاقتصادية الجامحة، وانحطاط ممارسات الأحادية القطبية المتوحشة.

 

نايف عبوش

 

 

 

تنشغل دول العالم بوباء الكورونا المنتشر بشكل تتطلب مجابهته تظافر جهود البشرية لكونه فايروس جديد لاتتوفر ادوية العلاج او الوقاية منه وادى كل ذلك الى الشلل والكساد الاقتصادي ولجأت دول اوربا التي تعاني من اكبر عدد من الاصابات والوفيات - بعدما تمت السيطرة على انتشاره في الصين- الى اجراءات العزل الوقائي والبقاء في المنازل وتم توفيرالمعونات والرواتب اللازمة لمساعدة ذوي الدخل المحدود  ولكن ما الذي قام العراق بتوفيره صحيا او معاشيا؟

لقد حل وباء الكورونا في العراق لتزداد معاناة العراقيين في نفس وقت انخفاض اسعار النفط الذي يعتبر المصدر الوحيد تقريبا لمعيشة العراقيين بسبب السياسات المستهترة للحكومات العراقية المتعاقبة منذ الغزو والاحتلال الامريكي عام 2003 حيث تنعدم اية مشاريع او خطط حقيقية للنهوض بالقطاع الصناعي او الزراعي بل بالعكس هناك اصرار حقيقي على ابقاء العراق بلدا ريعيا لا يخطط او يهتم بتنويع موارد اقتصاده او بناء الاسس  والهيكلية المطلوبة للنهوض المستقبلي .

اثبتت حكومات المحاصصة الطائفية القومية على فشل وفساد قل نظيره في دول العالم واصبح الاعتراف به تحصيل حاصل ووصلت القوى الاسلاموية الحاكمة الى ادنى درجات الفشل والتخبط وبالرغم من انتهاء مفعولية حكمها نجدها تفشل منذ استقالة افشل رئيس وزراء باضوه لنا قبل اربعة اشهر حتى في اختيار بديل له ونجد على الساحة مرشح مكلف مشابه واقتراح بديل عنه من نفس الطينة السيئة وهم بعيدين كل البعد عن الصفات التي حددتها انتفاضة تشرين في ان يكون من خارج رحم المحاصصة الفاسد وان يتعهد باجراء انتخابات نزيهة خلال هذا العام وان يقوم بمحاكمة قتلة شهداء الانتفاضة الذين تجاوز عددهم السبعمائة شهيدا اضافة لالاف المعوقين والمختطفين والمسجونين الذين يتعرضون للتعذيب البشع ، كما ان عمليات الاغتيال المجرمة لم تتوقف وكان اخرها الاغتيال الجبان للشيهدة انوار جاسم مهووس وابنها في دارهم بمنطقة السيمر بالناصرية دون ان يرف جفن للاجهزة الامنية المخترقة من قبل المليشيات المشبوهة العاملة بتوجيهات من خارج الحدود والتي تصادر مع الاسف سمعة ودور الحشد الشعبي وتضحياته في القضاء على عصابات داعش الاجرامية .

عودة الى المرشح المكلف بتشكيل الحكومة عدنان الزرفي والخارج من عباءة حزب الدعوة اود ان اتسائل ما هي انجازاته اثناء وجوده كمحافظ للنجف لسنوات طويلة فهل قام بمحاربة الفساد ام تمكن من بناء مشاريع خدمية او انتاجية في المحافظة واين كان من سرقات آل الحكيم الذين امتلكوا مساحات واسعة من المحافظة ، كما انه متهم بملفات فساد كبيرة كان اخرها اقالته كمحافظ وتقديمه للنزاهة من قبل رئيس الجمهورية السابق فؤاد معصوم كما انه لا يخفي ولائه للامريكان وهو ايضا متهم مع اخيه  وفق اعترافات منشورة بالقيام بعمليات اغتيال ولكن العراق بلد العجائب والغرائب .

اما الاسم الثاني المطروح فهو مصطفى الكاظمي وهو عنصر مغمور كان بعمل كاتب  في صحيفة لبرهم صالح وصعد ليتعين مديرا للمخابرات من قبل حيدر العبادي وتشير احدى الروايات الى انه تم تعيينه بخدعة من عناصر عراقية امريكية تقمصوا دور ضباط استخبارات امريكية احدهم حوكم وسجن لاحقا  بتهمة التزوير ويقبع الان  في السجن في امريكا حيث اوهموا العبادي بان الاستخبارات الامريكية هي التي تطلب تعيينه بهذا المنصب ليقوم بتنفيذ ذلك دون سؤال او جواب ! الم نخبركم ان العراق هو بلد العجائب والغرائب .

عندما تحل الذكرى المريرة للغزو والاحتلال الامريكي ينبغي بدون شك التذكير بان الامريكان هم الذين يتحملون المسئولية الاساسية عن كافة المأسي التي حلت بالعراق منذ ذلك اليوم وطيلة السبعة عشر عاما الماضية بل وقبل ذلك عن سنوات العصارالجائر ودعم حكم صدام الجائر وحروبه العدوانية ضد ايران والكويت وبالبرغم من الدور الامريكي السلبي فان دول الجوار وغي مقدممتهم ايران استفادوا من ضعف الحكومات الطائفية  المتعاقبة لتتدخل في شؤون العراق واصبح اليوم سرا معلنا كون ان العصابات التي تحكم العراق طيلة هذه السنوات لم يشكلوا اية حكومة الا بالحصول على الضوء الاخضر من امريكا وايران وهي بعيدين كل البعد عن تمثيل اية مصلحة وطنية عراقية بل هم مجموعة من السراق وقطاع الطرق الذين يتقاسمون نهب ثروات العراق وقد ازدادت خصوماتهم بسبب شحة واردات النفط التي يبدو انها متوفرة للحرامية ولكنها شحيحة في مجال توفير ابسط متطلبات العيش اليومي لملايين المحتاجين من ابناء الشعب وخاصة في ظل وباء الكورونا .

ان الامل بالخلاص من هذة الفئات الطفيلية الفاشلة العاجزة الفاسدة التي لا ترغب بالاعتراف بفشلها وتواصل عنادها وتشبثها بالحكم لن يتم الا على ايدي شبابنا الثائر الباسل الذي اثبت بسالته ووضوح ونضوج مطاليبه العادلة والذي سوف يعود بعد انتهاء ازمة الكورونا بعزيمة اشد واصرار اقوى ليخلص العراق من  كوارث وعذابات استمرت اكثر مما ينبغي ولوضع حد لعمليات تزوير ارادة الناخب العراقي عبر انتخابات نظيفة وباشراف ومراقبة دولية فعالة لاختيار ممثلين حقيقيين للشعب العراقي بعد تشخيص مصادر الفساد والنهب وتقديم المتورطين الكبار لمحاكمات عادلة لاسترجاع بلايين الدولارات المسروقة والبدء باعادة بناء دولة ديمقراطية مدنية عصرية تخدم الشعب العراقي وتحقق طموحاته في توفير حياة كريمة من التعليم والصحة والخدمات اللائقة وفرص العمل والضمان الاجتماعي .

 

محمـد الموسـوي

 

كان دور الدولة في ادارة جوانب الحياة المختلفة موضوعا للنقاش والاختلاف بين العديد من الفلاسفة والمفكرين والسياسيين على مدى قرون لعل اكثر بداياتها وضوحا هي تلك التي تضمنها كتاب افلاطون:الجمهورية .

حيث ناقش الادوار التي ينبغي على الدولة القيام بها لضمان الازدهار والرفاه في  الجمهورية، وقد حدد بعض المهام الحصرية للدولة والتي لايجب ان تناط باي جهة أخرى.

وتجنبا للاطالة، نقفز الى حقبة ابن خلدون الذي تحدث عن هذه القضية في كتابه المشهور بمقدمة ابن خلدون (مع ان المقدمة هي احد اجزاء الكتاب وليس الكتاب كله. اذ ان اسم الكتاب هو: كتاب العبر، وديوان المبتدأ والخبرفي ايام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الاكبر).

في زمن ابن خلدون الذي عاش في القرن الرابع عشر(1332 م - 1406 م)، لم تكن الدولة الحديثة معروفة وكان الحكم المطلق للملوك والسلاطين . لذلك فهو يقدم النصائح للحاكم الذي يطلق عليه الامير ونظام الحكم الذي يطلق عليه الامارة.

لقد دعى الحاكم الى عدم الجمع بين التثمير والامارة، لان في ذلك مفسدة لكليهما. وهو يقصد الجمع بين الحكم وبين النشاط الاقتصادي.

فعندما يكون الحاكم تاجرا في السوق وهو الذي يشرع القوانين، فانه سوف يشرع القوانين بشكل متحيز وبما يخدم مصالحه مما ينزع عنها النزاهة والبحث عن المصلحة العامة.لكنه شدد على وظيفة الحاكم في ضبط الاسواق ونزاهة التجارة ومحاربة الغش.

في العصور الاحدث،نشأ اتجاهان فيما يتعلق بدور الدولة:

- الاتجاه الذي يمثله الشيوعيين والفوضويين: والذي دعى الى الغاء الدولة باعتبارها حامية للمصالح الطبقية وممثلة لها ويجب الغائها بسبب غياب الطبقات وانتفاء الحاجة لدورها..احد اساتذتنا الكبار رحمه الله استخدم تعبيرا مميزا  في حديثه عن الغاء الدولة بالقول: ان الدولة سوف تذوي بسبب انتفاء الحاجة الى خدماتها.

- الاتجاه الذي يمثله الفكر الاقتصادي الكلاسيكي: والذي حرم على الدولة اي دور اقتصادي وحدد وظائفها بالادارة والامن الداخلي والخارجي.

وبما أن الاتجاه الاول لم يجد له تطبيقا فعليا في الحياة واستمر باعتباره مادة نظرية فقط تمثل اتجاهات فلسفية لاغير، فأن الاتجاه الثاني سيكون محور البحث فيما يتعلق بالتطورات التي حصلت فيه.

استمرت الدول الرأسمالية باعتماد النظرية الاقتصادية الكلاسيكية وادواتها لغاية الازمة التي تسمى بالكساد العظيم في الثلاثينيات. وكان من بين فرضيات الفكر الكلاسيكي الاقتصادي ان السوق وحدها كفيلة بتعديل اوضاع السوق واعادتها الى التوازن من خلال ماكان يسمى ب (اليد الخفية) وبالتالي لاضرورة لتدخل الدولة.

لكن الاحداث اثبتت ان اليد الخفية لم تعمل وتفاقمت الازمة واوشكت توقعات كارل ماركس ان تتحقق عندما قال ان النظام الراسمالي سوف ينهار بفعل تناقضاته الداخلية.

وهنا جاء التكييف من ضمن منظومة الفكر الراسمالي نفسها حينما اصدر الاقتصادي البريطاني الكبير جون ماينارد كينز كتابه المشهور: النظرية العامة للاستخدام والفائدة والنقود في عام 1936 والذي احدث تغييرا جوهريا في الفكر الاقتصادي عندما اعطى موقعا مركزيا للاقتصاد الكلي ضمن النظرية الاقتصادية.

دعى كينز،من اجل اخراج الاقتصاد من الازمة، الى ان تتدخل الدولة عن طريق أقامة المشروعات العامة والتي تعني الانفاق العام على مشاريع البنية التحتية بشكل اساسي من اجل توفير وظائف تسحب العمال من دائرة البطالة وحصولهم على دخول تسمح لهم بالانفاق على شراء السلع والخدمات. ذلك سوف يؤدي حتما الى ارتفاع الطلب وتحريك عجلة الاقتصاد وتشغيل المشاريع المتعطلة كليا او جزئيا.

اضاف كينز الى ذلك نظرية اخرى تعرف بنظرية المضاعف الكينزي التي تشرح كيف ان الانفاق الابتدائي من قبل الدولة سوف يتضاعف كتاثير نهائي على الدخل القومي (بموجب صيغة رياضية يمكن حسابها وتوقع النتائج عند توفر بعض قواعد البيانات الاحصائية اللازمة لذلك).

ولازالت الدول الراسمالية تتبنى المنهج الكينزي للتعامل مع ازماتها، حيث اصدرت الولايات المتحدة في ازمة العام 2008 حزمة انقاذ بمبلغ 750 مليار دولار لغرض ضخها في الاقتصاد وانعاشه (مع ان ميزانيتها كانت تعاني عجزا حادا نتيجة حرب ألعراق والتكاليف الباهضة لتلك الحرب، الا انها لجأت للاصدار النقدي الذي هو مقابل مصطلح طبع العملة الذي يسود في اوساط مجتمعاتنا).

يلاحظ ان ضخ هذه المبالغ الضخمة يذهب لانقاذ الشركات الخاصة ومنعها من الانهيار مع انه يمثل دينا عاما يتحمل عبئه المجتمع باكمله.

يترافق ذلك التبني المستمر للمنهج الكينزي اثناء الازمات مع تضييق دور الدولة في مختلف القطاعات لاسيما الصحة والتعليم والنقل وشبكات ألأمان الاجتماعي.

وللحقيقة التاريخية، فان صعود الاتجاه اعلاه الداعي الى تحديد دور الدولة والى الخصخصة، بدا بشكل فعال في العام 1980 عندما صعد اليمين الجديد ممثلا بالسيدة مارغريت ثاتشر كرئيسة لوزراء بريطانيا ورونالد ريغان كرئيس للولايات المتحدة الامريكية.

وبالعودة الى الاحداث الجارية حاليا في العالم، نجد ان الدول الرأسمالية الكبرى والاتحاد الاوربي اعلنت عن حزم انقاذ ضخمة وصلت الى التريليونات من الدولارات من اجل تجاوز آثار الازمة الحالية التي عمقتها ظاهرة فايروس كورونا.

ومن جديد، تعلن هذه الدول عن هذه التخصيصات مع انها جميعا تعاني من عجز في ميزانياتها، مما يعني انها سوف تلجأ الى الاصدار النقدي مرة اخرى.

بمعنى آخر ان نظام السوق الراسمالية يستعير فكرة التدخل الحكومي،التي تعتبر من افكار وتوجهات اليسار في العادة، لغرض الخروج من الازمة ثم العودة او الاستمرار بسياسة تقليص دور الدولة في مختلف النشاطات.

ماحصل اثناء ازمة الوباء الحالي (كورونا 19) هو انكشاف هذه الازدواجية والاصرار غير المبرر على اقصاء الدولة ممثلة بالقطاع العام عن الميادين التي تتعلق بحياة الناس ومنحها لشركات القطاع الخاص الباحثة عن الربحية.

الجانب المهم في هذه القضية هو المتعلق بصورة العالم بعد انتهاء الازمة الحالية، لاسيما العالم الراسمالي الذي يقود العالم باكمله تقريبا من الناحية الفعلية.

لقد عانت دول كبرى كان يحسب لها حساب في ميدان التكنولوجيا والتطور العلمي والقدرات الاقتصادية من نقص حاد في مستلزمات بسيطة يمكن انتاجها من قبل دول نامية !!

امريكا وبريطانيا وفرنسا وايطاليا لاتستطيع سد حاجتها من الكمامات والمعقمات !!!

تطلبها من الصين بالملايين والمليارات وتستجيب الصين لكل الطلبات وتبدأ بالتجهيز مع حاجتها لتلك المواد لسد احتياجات عدد سكانها الهائل.

طلب الرئيس ترامب من شركات كبرى كانت تعتبر فخر الصناعة الامريكية وبموجب قانون الانتاج الحربي ان تنتج اجهزة تنفس لكنها ابلغته انها تحتاج الى عدة اشهر للبدأ بذلك.

لماذا تمكنت الشركات الصينية من الاستجابة السريعة؟

في الاقتصاد تسمى هذه الظاهرة: مرونة الجهاز الانتاجي والقدرة السريعة للاستجابة لحاجات السوق.

هل تفتقر الشركات الامريكية الى المرونة؟ ام انها تعتبر الانتاج الذي يطلبه الرئيس غير مجدي اقتصاديا؟ وماذا عن التزامها الاجتماعي ؟ هل تعتقد الشركات ان عليها التزامات اجتماعية في ظل الراسمالية المتوحشة؟

الصين فيها اقتصاد خليط بين القطاع الحكومي والخاص ولكن الدولة لها حضور قوي وحاكم في المشهد الاقتصادي.

هل حققت الصين ماكان يفكر فيه الكثيرون حول نظرية الالتقاء والوصول الى نظام اقتصادي يأخذ مزايا نظام السوق ومزايا النظام المخطط (نظام السوق-الخطة)؟

بعد وفاة ستالين بدأت عملية اصلاح متواضعة في الكتلة السوفيتية للاستفادة من بعض مزايا نظام السوق  بعد ازالة التحريم الايديولوجي الذي فرض على استخدام ادوات السوق باعتبارها لاتنسجم مع فلسفة النظام الاشتراكي الذي كان يراد له ان يكون خطوة باتجاه النظام الشيوعي. وفي العام 1975 بدأت عملية اصلاح اوسع كان من ابرز منظريها (الاستاذ ايفساي ليبرمان) الاستاذ في جامعة خاركوف.

كانت الحجة الاساسية لدى هؤلاء ان الفكر الانساني،بما فيه الفكر الرأسمالي، هو نهر يتدفق ومن حق الجميع ان يأخذ منه مايحتاج اليه.

وهكذا نشأ تيار فكري يتحدث ان التقاء بين النموذج الاشتراكي والراسمالي في نقطة ما بحيث يأخذ كل منهما مزايا الآخر. كان (الاستاذ كالدور) من ابرز المتحدثين عنه .

تيار الالتقاء نشأ متأثرا بالنظرية الكينزية التي دعت الى تدخل الدولة وكسر التقاليد الاقتصادية الكلاسيكية من جانب وتيار الاصلاح الجديد في المعسكر الاشتراكي،من جانب آخر.

نجاح الصين الواضح في توفير احتياجاتها واحتياجات الآخرين من المستلزمات، بل وحتى في ادارة الازمة، وفشل الدول الراسمالية الواضح في التنبؤ بالازمة او التصرف السريع بطريقة استباقية والتخبط في السياسات والمعالجات، كل ذلك لايمكن ان يمر دون تاثير في طريقة تفكير الجمهور والنخب السياسية التي عليها ان تكيف خطابها وتعيد تقييم مواقفها الايديولوجية تجاه مفردات مثل القطاع العام والخصخصة ودور الدولة في ادارة النشاطات ذات العلاقة بحياة الناس المباشرة.

كيف سينعكس ذلك على مكانة اليمين في المشهد السياسي ؟ تقليديا يساند اليمين الاعتماد على القطاع الخاص والمبادرة الفردية وتقليص برامج الضمان الاجتماعي، هل سوف يستمر اليمين في ذلك المنهج الايديولوجي؟

التجارب السابقة ترجح حصول هذا التوجه:

 توني بلير طرح افكاره حول ما اسماه (الطريق الثالث) والتي استعار فيها الكثير من توجهات حزب المحافظين لان استغراق حزب العمال في افكاره التي كانت تعتبر يسارية والتي تساند القطاع العام وبرامج الضمان الاجتماعي، لم تنسجم مع مزاج المجتمع الذي كان يميل الى قبول سياسات حزب المحافظين اليمينية.

غوردن براون رئيس الوزراء البريطاني خلال الازمة المالية العالمية عام 2009 (وهو من حزب العمال)، اصدر كتابا بعنوان (مابعد الانهيار) يتحدث فيه عن اسباب الازمة وظروفها ومادار من مناقشات حولها بين قادة الدول الرأسمالية الكبرى.

يقول براون في كتابه:

 انا مقتنع بالحقيقة القائلة ان الاسواق تحتاج الى شيء لاتستطيع هي بمفردها ان تخلقه، انها تحتاج الى أخلاق حميدة. الاخلاق لايمكن ان تصنعها الاسواق. انها تصنع في العوائل والمدارس والمجتمعات . انها تؤسس من قبل العادات والتقاليد والمعايير الاخلاقية. انها تروج من قبل القادة الدينيين وقواعد السلوك الموضوعة ومن قبل الآباء. انها ترتكز على وجود حس اخلاقي يتوسع باستمرار.

ويقول ايضا: نحن نتفق دائما مع من يقول ان الاسواق تعمل للمصلحة العامة، لكننا نقول انها لاتنسجم دائما وبشكل تلقائي مع مقتضيات المصلحة العامة.

ان الخلل والخطأ ليس في السوق بل في العقيدة التي تؤمن بأن الاسواق لوحدها هي كل مانريد. الاسواق يجب ان تكون حرة  ولكنها يجب ان لاتكون متحررة من القيم.

ختاما نقول:

سوف تتم مراجعة القضايا التالية بشكل مؤكد:

- دور الدولة

- دور القطاع العام

-  ثقافة الخصخصة

- نمط العلاقات الدولية

- سوف يتغير المشهد السياسي وتوزيع النفوذ السياسي بين قوى اليمين واليسار ضمن الدولة الواحدة.

- سوف تراجع الاحزاب سياساتها وعقائدها الاقتصادية والاجتماعية

 

د. صلاح حزام

 

كاظم الموسويمنذ انتصار الثورة الوطنية الديمقراطية في كوبا وقفت واشنطن ضدها وعملت على محاربتها بكل المجالات، ولا سيما تشديد الحصار الإقتصادي والسياسي، وحاولت بشتى الأساليب إسقاط القيادة التي كان فيديل كاسترو والحزب الشيوعي على راسها وتحالفاتها مع البلدان الاشتراكية وطليعتها الاتحاد السوفيتي حينها، ولكن الجزيرة الصغيرة استطاعت الصمود والتحدي ايضا، رغم محدودية إمكاناتها وهي تبعد عن الولايات المتحدة الأمريكية عشرات الكيلومترات، وتمكنت بعدد سكانها الذي بقي صامدا على أرضها الان، بحوالي أحد عشر مليون مواطن، الوقوف شوكة في خاصرة الجارة المعادية الكبرى، فيما يسكن ما يقارب السبعين في المئة من سكان فلوريدا، الولاية الأمريكية المواجهة لكوبا، من الكوبيين المعارضين للسلطات الكوبية. (ما يقارب مليون ونصف المليون كوبي في فلوريدا، وأقل منهم بقليل في كاليفورنيا ونيويورك)، وفي هذه الظروف المعقدة تطورت جمهورية كوبا وقيادتها وبنت لنفسها استقلالها وقدراتها الإنسانية التي فاضت للمساعدات والتضامن الإقليمي والدولي. وعاشت كوبا تحت استمرار عقوبات الحصار مع مختلف الإدارات الأمريكية وتهديدات عصابات المعارضة الكوبية المدعومة من الأجهزة الأمريكية المعادية لكوبا، دولة وخيارات وطنية ومنهجا امميا.

تمتلك كوبا، في مجال الطب والبحث العلمي فيه، واحدة من أعلى النسب بين الطبيب والمريض في العالم حيث تبلغ 82 لكل 10000 شخص، وهي نسبة مميزة في الخدمات الصحية عالميا. ودعمت مؤخرا في ما يتعلق بالفايروس الجديد الذي اجتاح العالم وشغل الناس، فارسلت فرقًا طبية ومساعدات لأكثر من 50 دولة حول العالم بما في ذلك إيطاليا وإيران التي شهدت آلاف الوفيات بسبب تفشي جائحة الكورونا. وضمن التنسيق والتطورات العالمية لوقف انتشار الفايروس واقرار منظمة الصحة الدولية بهذه الأخطار وحاجتها كغيرها من الدول للتعاون والتضامن الدولي قامت بما يمكنها من دور ومساعدة، وانتظرت هي الاخرى من يساعدها ويوفر لها ما ينقصها من معدات وأدوية ومستلزمات صحية.

إضافة الى الحصار التاريخي الأمريكي لم يتوقف الرئيس الامريكي الحالي دونالد ترامب من تصعيد العقوبات وتشديد الحظر على الشعب الكوبي. ومنذ وصوله إلى البيت الأبيض، اتخذ ترامب سلسلة من الإجراءات المتصاعدة ضد الجزيرة، لعل أهمها السماح برفع دعاوى في المحاكم الأميركية للمرة الأولى ضد الشركات الأجنبية التي تستخدم ممتلكات تعتبرها هي لاغراضها  مصادرة من السلطات الكوبية، عن طريق رفع التعليق في إبريل/نيسان الماضي عن البند الثالث في قانون هلمز- بورتون، المعلّق منذ بداية فرض الحظر على كوبا، واستمر كذلك خلال جميع العهود الرئاسية الأميركية. رفع التعليق هذا، لم يغضب فقط الأميركيين المهتمين بالتجارة مع كوبا، بل كندا ودول الاتحاد الأوروبي، الذين هددوا بالاحتكام إلى منظمة التجارة العالمية، فيما اعتبرته الجزيرة الصامدة محاولةً لخنقها. وحسب صحيفة المورننغ ستار البريطانية يعتقد أنها كلفت 1.2 مليار دولار سنويًا في المبيعات والصادرات المفقودة، بينما تقدر الحكومة الكوبية أن الحظر كلف الجزيرة نفسها 753.69 مليار دولار على مدى ستة عقود. ولكن بدلاً من تخفيف العقوبات الأمريكية الصارمة، صعد ترامب الأعمال العدائية داعياً الدول إلى رفض الدعم من كوبا، التي أرسلت فرقًا طبية الى جميع أنحاء العالم للمساعدة في جهود احتواء انتشار  الكورونا.

 زادت واشنطن في قرارات الحظر الامريكية بمنع وصول المساعدات الطبية لكوبا، واعتبرتها الصحيفة البريطانية ووسائل إعلام أخرى شاهدا لوحشية الغرب المتوحش. ودليلا صارخا كشف بممارساته وقوانينه وحشية لا تتلاءم مع الزمن المعاصر وتتناقض مع كل المفاهيم الإنسانية الأساسية، فبدلا أن تقدم هي المساعدات الإنسانية منعت وصول مساعدات إنسانية مرسلة من بلد آخر لكوبا. وكانت مؤسسة علي بابا الصينية قد تبرعت بأكثر من مليوني قناع و400.000 مجموعة تشخيص سريع و 104 أجهزة تهوية لمحاربة انتشار الفايروس التاجي. وكانت الإمدادات موجهة ل 24 دولة في المنطقة بما في ذلك الأرجنتين والبرازيل وشيلي وإكوادور  والدومينيكان وبيرو. لكن واشنطن منعت وصوله إلى الجزيرة الاشتراكية تحت تبرير قوانين الحصار الأمريكي. الأمر الذي دفع وكالة مكافحة المخدرات الكوبية الى انتقاد استمرار الحصار الاقتصادي الأمريكي وانتهاك حقوق الإنسان بعد وقف وصول هذه المساعدات الطبية الحيوية من الصين، واتُهمت الوكالة واشنطن بالتعامل ب "وحشية الغرب المتوحش" ، واستخدام اندلاع جائحة الكورونا كفرصة متاحة للإستعمار الأمريكي في تنفيذ خططه العدوانية ضد دولة كوبا.

كما اتهم مدير حملة التضامن مع كوبا روب ميللر الولايات المتحدة الأمريكية "بوحشية الغرب المتوحش" باستخدام جائحة الكورونا كفرصة "لمحاولة خنق الثورة الكوبية" .  وهو أمر فشلت في القيام به منذ أكثر من 60 عامًا. وقال: "من ناحية أخرى ، تظهر كوبا مرة أخرى إنسانيتها وأمميتها من خلال تقاسم خبرتها الطبية في جميع أنحاء العالم للجميع بغض النظر عن البلد أو اللون أو الثروة أو العقيدة". واضاف "أحث الجميع على الانضمام إلى الدعوة المتزايدة لإنهاء الحصار الإجرامي، مؤقتًا على الأقل، للسماح لكوبا بالمساعدة في كسب المعركة ضد الفيروس في الداخل والخارج". وسبق ان وقع أكثر من 15000 مواطن أمريكي على عريضة تطالب الرئيس الأمريكي برفع الحظر عن  دولة كوبا، الذي تم تطبيقه منذ عام 1962 في مخطط استعماري لخنق الاقتصاد والإطاحة بالحكومة الثورية.

تتميز كوبا عن غيرها في المجال الصحي خصوصا، حيث يذهب أكثر من 28000 طالب طب كوبي من بيت إلى بيت لرفع مستوى الوعي حول فايروسات الكورونا وفحص السكان. وأعلن في كوبا رسميا عن  إصابات مؤكدة بفايروس كورونا ، مع وفيات تم الإبلاغ عنها ، لكن ظلت مخاوفا من إصابة ما يصل إلى 3000 شخص مع أولئك الذين يشتبه في إصابتهم بالفايروس للعلاج في مرافق العزل التي تديرها الدولة. وهي تجري اختبارًا سريعًا مع 100000 مجموعة في البلد. كما تجرى الاختبارات على جميع الموجودين في مراكز العزل ودور العجزة والمسنين  لأنهم الأكثر عرضة للانتشار السريع للمرض.

كل هذا التقدم والتطور في هذا الجانب بالذات، إضافة الى الجوانب الأخرى، هو من عوامل قوة كوبا وصمود الجزيرة، وخصوصا في تضامنها ودعمها  الانساني ورغم كل جهود واشنطن لتشويه جهود الإغاثة التضامنية الدولية، وحصارها ومنع الدول من دعمها، ظلت كوبا تكافح من أجل دعم مواطنيها والعاملين في المؤسسات الصحية ودول تحتاج التضامن والمساندة في العالم، فاضحة وحشية الرأسمالية الأمريكية ورئيسها ترامب ومعلنة إنسانية كوبا وقيادتها ونموذجها الصامد. وبقيت كلمات فيديل كاسترو عن ارسال أطباء للشعوب وليس قنابلا خالدة تردد مع الوفود الكوبية الطبية.

 

كاظم الموسوي

 

عبد السلام فاروقتتفاوت توقعات العلماء والباحثين حول مصير فيروس كورونا "كوفيد19"ومآلاته ؛ فمنذ اكتشاف الفيروس فى ديسمبر 2019 بالصين، وحتى اليوم، أكثر من مائة يوم الآن مرت على بداية ظهور الوباء الذى استشرى فى الصين، وفتك بثلاثة آلاف مواطن صينى، قبل أن يخترق الحدود ويتفشى فى الجهات الأربعة .

وفيما يؤكد كثير من الخبراء والمراقبين أن منحنى الوباء سيشهد تراجعاً خلال شهور أو أسابيع، يتحفظ البعض الآخر أمام تفاؤل تكذِّبه الأرقام التصاعدية المخيفة فى أوروبا وأمريكا بعد الانحسار الجزئى فى آسيا، والتصاعد البطئ فى باقى القارات.

يستند الفريق المتفائل إلى شواهد أهمها: 1- انحسار موجة المد الأولى للوباء فى بؤرته الأم فى ووهان الصينية ..2- ارتفاع درجات الحرارة، وأن الأبحاث التى أجريت أكدت قدرة شمس الصيف القائظ على قتل الفيروس وشل قدراته الوبائية. 3- ما يتوالَى من تصريحات شبه يومية عن لقاحات تجريبية أو علاجات مبدئية فى طور التجريب قبل تصنيعه وتدويله.

 أما الفريق المتشائم فيستند لشواهد عكسية: 1- أن سرعة انتشار المرض فى بؤرته الجديدة الأوروبية تدعو للقلق، وبخاصة أعداد الوفيات التى فاقت ما حدث فى البؤرة الأولى. 2- أن بعض البلدان ذات الانتشار السريع للمرض تتمتع بالفعل بدرجات حرارة مرتفعة نوعاً، ولم تؤثر حرارة الشمس على حجم العدوى. 3- رغم التصريحات الإعلامية حول العلاجات والأمصال من كبريات الدول وشركات تصنيع الدواء العالمية، لم تعلن منظمة الصحة العالمية حتى اليوم عن علاج أو لقاح مؤكد ضد فيروس كورونا، ولحين ظهور مثل هذا اللقاح يظل انتشار الوباء رهناً بسلوكيات البشر .

دعنا نكن متفائلين، وننحاز للفريق الأول . هنا سيظل السؤال : هل سيبقى العالم بعد انحسار كورونا المُفترَض كما كان قبله، أم أن العالم سيتغير تغيراً جذرياً، وللأبد؟

أفاعيل كورونا

استطاعت جرثومة ضئيلة فى حجم الذرّة أو أقل .. أن تفعل ما لا تستطيعه أعتى الجيوش .. بل إنها أخضعت تلك الجيوش نفسها لقوانين الوباء!

ففى نحو أربعة أشهر أعلنت حكومات الدول العظمى الطوارئ، وأغلقت الحدود، وحظرت الطيران والتجوال، ومنعت الاستيراد . وهو ما لم يمنع تفشى الوباء إلا بنسبة .. فاستمر الفيروس فى أفاعيله : فأجبر الناس على الاختباء، وأجبر المتاجر والنوادى والمسارح على إغلاق أبوابها، هكذا استشرى الهلع، وانهارت البورصات، وأفلست الشركات، وتلقت أسواق المال ضربة قاصمة لم تتلق مثلها منذ عقود.

أكثر من هذا أن يتجاوز التأثير المدى .. فلا الاقتصاد وحده، ولا الصحة العامة، ولا السياحة والتنقل . بل بات للفيروس، بلا أدنى مبالغة، تأثير عميق ودائم على السياسة العالمية، وعلى خارطة المصالح والتحالفات الدولية . تلك الصورة العجيبة التى رسمها الفيروس الفتاك بريشته الغارقة فى دماء ضحاياه، ليست صورة تخيلية سريالية، بل هى حقائق أفرزتها أزمة عالمية لم يتوقع مدى تبعاتها أحد . لكن الأرقام والحقائق تتحدث ..

نزيف البشر والموارد والأموال

حتى يومين مضيا تجاوز عدد حالات الإصابة المؤكدة بفيروس كورونا المليون مصاب،وقفز عدد الوفيات إلى ما يزيد عن 85 ألف حالة . والأرقام القادمة من الدول التى تشهد تزايداً مضطرداً فى عدد الإصابات تقول أن هناك طفرة جديدة خلال الموجة الثانية لكورونا تعدت موجته الأولى، وأن التضاعف العددى أمسي بمتوالية هندسية لا بمتوالية حسابية كما كان بالأمس القريب! وهو ما ينذر بتجاوز نقطة اللاعودة، إلا أن يتوصل العلم لعلاج فعال.

منذ نحو عشر سنوات أو يزيد، حدث انتشار واسع وسريع لفيروس أنفلونزا الطيور ثم أنفلونزا الخنازير فى أعقابه. إلا أن تأثيرهما فى الاقتصاد العالمى لم يقترب من معشار ما حدث اليوم فى حالة فيروس كورونا!

فى الصين، ومع بدء الأزمة، انهارت البورصة انهياراً سريعاً أدى لانسحاب كبريات الشركات الدولية من أسواق المال، وهو ما استطاعت الصين استثماره جيداً كما اتضح مؤخراً .. وفى أوروبا وأمريكا أدّى التوتر والاضطراب الشعبي والحكومى إلى حدوث سلسلة من الأزمات الاقتصادية غير المتوقعة : اختفت البضائع من المتاجر، وتضاعفت أثمان السلع فى الأسواق الموازية، وفنيت الموارد خلال أيام وأسابيع، واتضح أن المخزون الاستراتيجى لدى تلك الدول الكبري أقل كثيراً من المطلوب، وأن البلد الوحيد المستعد لتوفير متطلبات تلك الدول من السلع والموارد هو الصين! كل هذا بخلاف التأثيرات الأكثر عمقاً وفداحة على أسواق المال، والشركات متعددة الجنسيات، وقطاعات النقل والسياحة والصناعات الثقيلة والتجارة الدولية . وهو ما اضطر تلك الدول للتدخل بدعم مباشر لتلك القطاعات كى لا تنهار فجأة فتنهار معها الدولة . وهو ما يفسر ما أعلنه ترامب من إقرار تريليوني دولار دعماً للأزمة، منها 50 مليار لدعم صناعة الطائرات!

تلك السياسة الاضطرارية للدول الكبري أفرزت فجوة اجتماعية هائلة، بين أثرياء تدعمهم الحكومة الرأسمالية للمرور من الأزمة، وفقراء ينسحقون من مرورها الثقيل.

سياسة الفوضى أو فوضى السياسة

بطبيعة الحال هناك من استند لنظرية المؤامرة لتفسير كل شئ، معتمداً على مقولة كونداليزا رايس حول فكرة الفوضى الخلاقة .. تلك التى يخلق منها كل مُدَّعٍ رأياً يفسر به كل كارثةٍ وأزمة.

 ومنذ أن جاء على لسان ترامب لفظ "الفيروس الصينى" فى إشارة لكونه "صناعة صينية"، والاتهامات المتبادلة بين الصين وأمريكا لم تنتهى.

آخرها يؤكد أن الفيروس ليس فيروساً، وأنه غاز سام بثته أمريكا فى تجربة سرية بأفغانستان سابقاً ! وهو الادعاء الذى يضع كل معامل ومختبرات العالم فى دائرة الاتهام بالمشاركة فى مؤامرة كونية ما!!

فهل حقاً تنطبق نظرية الفوضى الخلاقة على وباء كورونا ؟ أم أن حكومات الدول الكبري مرتبكة فعلاً وقد وقعت فى الفخ الذى أسقطت فيه أعداءها سابقاً؟

ولو أن نظرية المؤامرة تسري على هذا الوباء. فمن هو المنتفع الأكبر من حدوث مثل تلك الكارثة العالمية ؟ الشركات الكبري أفلست، وأمريكا تعرَّت وانكشفت، والاتحاد الأوروبى تفسَّخ إلى دويلات حيرَى لا تدرى ما تفعل، فمن هو المستفيد؟

بعد سقوط اتحاد اليورو..متى ينهض من جديد؟

بعد خضوع أنجيلا ميركل للعزل الصحى، وتسارع وتيرة الوباء فى إيطاليا وأسبانيا.. أقرَّ المصرف المركزى الأوروبي خطة بقيمة 750 مليار يورو لا لدعم فقراء أوروبا، وإنما لدعم بعض شركات صناعة السيارات والطائرات مثل فولكس فاجن وإيرباص وأليطاليا!

الفكرة هنا أن أوروبا تحارب من أجل البقاء . فبعد عدة ضربات منهكة : الأزمة الاقتصادية 2008، ثم خروج بريطانيا وتداعيات "بريكست"، ثم تدفق اللاجئين وتفكك الناتو، وانقلاب ترامب على حلفائه الأوروبيين .. جاءت الضربة القاضية بهذا الوباء الذى ضرب اقتصاد أوروبا فى مقتل.

إيطاليا استغاثت بحلفائها الأوروبيين، فجاءها المدد من الصين ! فيما أصم حلفاؤها آذانهم . حيث كل دولة مشغولة برعاياها! وقد أعلنها رئيس صربيا فى وجوه قادة أوروبا صريحة مدوية : " أن التضامن العالمى وهم، وأن التحالف الأوروبى أضحى شبيهاً بقصة خرافية من قصص العجائز!" .

انجراف تيارات الفن والثقافة والفكر

على الصعيد الفلسفى وضع كورونا لنفسه بصمة غائرة، سوف تدوم لسنوات تالية..

بدا هذا واضحاً جلياً منذ اللحظة الأولى التى اندفع فيها كل شخص نحو معتقداته يفندها أو يتمسك بـأهدابها .

وعقب كل كارثة عالمية كانت تحدث مثل تلك الموجات الفكرية العاتية التى تجرف معها كل فكرة قديمة وتضع مكانها فكرة أخرى جديدة .

ربما لا تظهر بوادر تلك الفلسفات أثناء المعمعة .. وإنما بعد انقشاع الغبار، وصفاء السماء، ووضوح الصورة بجلاء وبكل تفاصيلها ومفارقاتها الدرامية.

بعد كورونا سوف يكون هناك تيار فنى وثقافى وأدبي مختلف ومغاير لما مضى . ودور السينما والمسرح التى توقفت سوف تجد لها موضوعاً دسماً تعمل عليه لسنوات أخرى قادمة .

لعبة النفط والدم

فى خضم تلك الأزمات المتتالية، أتى قرار السعودية بزيادة إنتاجها من النفط للحدود القصوى، مع تخفيض السعر إلى مستويات دنيا . والحجة هى الحاجة العاجلة للسيولة . بينما على الشاطئ الآخر تلقفت أمريكا القرار لسد فجوة تمويلية لديها، عن طريق تخزين النفط بكميات كبيرة، ثم بيعه بعد ارتفاع أسعاره والاستفادة بالأرباح الهائلة الناتجة من فارق السعر.

إلا أن هناك لاعب آخر استطاع الاستفادة من تلك اللعبة، وهو الصين كونها دولة مستوردة للنفط، وهى لا تستورده لتخزينه، بل لإدارة مصانعها وماكيناتها الجبارة التى تعمل ليل نهار بلا انقطاع لتوفير منتجات تكفى العالم، لا الصين وحدها!

لقد تأكد لدى خبراء الاقتصاد من خلال مراقبتهم للوضع العالمى، أن التوقف الجزئي للماكينة الصينية أضر بالاقتصاد العالمى ضرراً جسيماً . وأن الجزء الأعظم من متطلبات السوق العالمى يأتى من الصين، ولا توجد دولة تستطيع أن تحل محلها اليوم للقيام بتلك المهمة .

وفى مقال بمجلة "فورين أفيرز" أشار المحرران الأمريكيان (هنري فاريل وأبراهام نيومان) لدور الصين فى تمويل المساعدات الإنسانية لدعم العالم أجمع، وأن استغاثة إيطاليا لم تلق استجابة إلا من الصين، التى كانت مستعدة بآلاف الأجهزة والمعدات والآلات والملابس والفرق الطبية المجهزة، بخلاف ما أرسلته الصين لإيران وصربيا . بينما سحب الاتحاد الأوروبى يده، وانزوت أمريكا تبحث شأنها الداخلى.

عزلة أمريكية .. انفتاح صينى

فى نفس المقال المشار إليه .. تحدث الكاتبان الأمريكيان عن الآثار الجيوسياسية للوباء. متخذين من أمريكا والصين محوراً لرؤيتهما التحليلية ..

ففى مقارنة بين كفاءة إدارة الأزمة لدى الصين، وتباطؤ المؤسسات الأمريكية أكد الكاتبان أن ثقة الجمهور بكفاءة القيادة الأمريكية تزعزعت، وأن أساليب ترامب الفردية ونزوعه الدائم للعمل بمعزل عن المجتمع الدولى أربك العمل المؤسسى الأمريكى القائم على جمع التحالفات، والإجماع أو الالتفاف الجماهيري، ثم قدرة أمريكا اقتصادياً وتكنولوجياً على تجاوز الأزمات والكوارث . وهو ما لم يحدث فى حالة كورونا . بل على العكس، بدت استجابة أمريكا بطيئة فاترة، وأن الصين تحركت بسرعة للاستفادة من الثغرات التى نشأت من أخطاء الإدارة الأمريكية لتملأ الفراغ وتضع نفسها فى قيادة العالم لمواجهة الكوارث وفى مقدمتها وباء كورونا!

تلك رؤية المراقبين الأمريكيين التحليلية حول ما أفرزته الأزمة حتى الآن .. فماذا عن المستقبل ؟

خريطة جيوسياسية جديدة

الجميع تضرر من مغبات الوباء .. لكن العالم ينتظر ليشهد من يقف على قدميه أولاً..

كان غريباً أن الحكومات التى اتخذت إجراءات صارمة مبكرة سريعة، لم تكن من بينها حكومات دول الغرب الكبري! ففى حين أغلقت روسيا حدودها البرية مع حليفتها الصين، وألغت تأشيرات دخول الأجانب، ووضعت قطاع الخدمات الصحية فى حالة تأهب قصوى، وأغلقت مؤسسات التعليم حتى منتصف أبريل، ووضعت قوانين صارمة لاحترام شروط الحجر الصحى .. أدى التراخى فى أداء الحكومات الغربية إلى تحول أوروبا إلى بؤرة ثانية للوباء، هى أكبر وأخطر من البؤرة الأولى.

معنى هذا أن النموذج الأمثل لإدارة الأزمات لم يكن الغرب ولا أمريكا . بل الصين وروسيا وكوريا الجنوبية . وأن التجربة العملية أثبتت جاهزية تلك الدول على التعامل مع الأزمات، بل وتقديم نفسها كداعم قوى للدول الأخرى الأقل قدرة على إدارة الأزمة والتعامل مع تبعات الوباء.

الأهم من هذا وذاك أن الصين باتت فى صدارة الدول التى خرجت من محنتها أقوى وأكثر حنكة واستعداداً، كما أنها عوضت خسائرها المادية، وهى على وشك تحويل تلك الخسائر إلى مكاسب هائلة، خاصةً فى ظل تعطش الأسواق العالمية للبضائع الصينية التى تمتاز بالوفرة وقلة التكلفة.

الحكومات قبل الشعوب شهدت عملياً كيف أن تشبثها بالحلفاء الأوروبيين ومن ورائهم أمريكا القائد الأوحد للعالم، هو تشبث بأوهام أثبتت التجارب مدى زيفها.

كل الطرق تؤدى إلى الصين

الصين لعبت دور البطولة باقتدار ..

عندها بدأ الوباء، وعندها انتهى أو أوشك.

خرجت الصين من التجربة تلملم خسائرها وتستجمع شتاتها، فيما غاصت أقدام أوروبا وأمريكا أكثر فى عمق الأزمة التى يبدو أن تأثيرها على الغرب أشد وأدوم.

استطاعت الصين من الاستفادة من أخطاء الدول الأخرى خاصةً أمريكا .

فإذا كان الوباء مؤامرة أمريكية كما يدعى أصجاب نظرية الفوضى الخلاقة، فلاشك أن السحر انقلب على الساحر، وباتت أمريكا هى الخاسر الأكبر..

بينما بدا أن كل طرق النجاح تؤدى إلى الصين!

 

عبد السلام فاروق

 

إني أعتبر أن الاستعداد لانتقاد روسيا وستالين هو الاختبار (الحقيقي) لأمانة المثقفين (اليوم)، إنه الشيء الوحيد من وجهة نظر المثقف الأدبي الخطر فعلا – جورج أورويل، 5 أغسطس آب 1944

أقبل أن تنتقد أي نظام، أن تشتم أي حاكم، أن تدعو رعايا أي نظام للثورة عليه، لأنك دائما على حق في كل كلمة تقولها ضدهم، لا يستحق الحراس وسجونهم إلا ذلك .. يمكن أن تكون الكورونا علامة على أزمة النظام الرأسمالي، أو أنظمة ما، أو كل الأنظمة القائمة والتي قامت وستقوم كما يعتقد أمثالي، لن تجد عندي سوى التصفيق والهتاف لكل دعوات إسقاط أي نظام، النظام الذي يعني ممارسة القمع والقهر والإجبار، تقسيم البشر إلى حكام ومحكومين، وتلقين وفرض السمع والطاعة ….. لكن أجدني مضطرا لأهمس كلمتين للشباب الذين يتداولون اليوم ببعض الحماس ما يقوله أبطال تلك الدعوات لإسقاط الأنظمة القائمة، أولئك الذين يتصدرون نقد ما هو قائم ويطرحون أنفسهم بدائلا أفضل عنه، من يقدمون أنفسهم أبطالا للحرية والعدالة والمساواة الخ: سادة جدد .. اسألوهم: هل يجرؤ أحدهم على أن يحدثوكم كيف تصرف معلميهم وأساتذتهم في أزمات مشابهة للكورونا اليوم، كيف واجه لينين وتروتسكي وستالين وماو وخوجة وإيل سونغ كوارث عامة كالمجاعات التي لم تتوقف في الاتحاد السوفييتي منذ عشرينيات القرن الماضي حتى أربعينياته أو في الصين ومؤخرا في كوريا الشمالية، كيف واجه هؤلاء انتفاضات الخبز والجوعى، كيف واجه خلفاء محمد، أسلاف إسلاميينا الذين ما زالوا يتحدثون ك"ثوريين" في سوريا ومصر، جوع رعاياهم، إخوتهم في الدين، حتى الموت وانتفاضات هؤلاء بحثا عن كسرة خبز والتي كان آخرها سفربرلك المجزرة العالمية الأولى التي اعتبرها رجال الدين في الدولة العلية جهادا مقدسا .. لنبدأ بلينين الذي كتب في مارس آذار 1912 معلقا على المجاعة التي ضربت روسيا القيصرية وقتها: "قد تفشل مواسم الحصاد في أي مكان لكن فقط في روسيا يؤدي ذلك إلى مصائب فاجعة، إلى جوع ملايين الفلاحين" .. "ثلاثون مليون إنسان مجبرون على العيش على الكفاف . يبيع الفلاحون ممتلكاتهم، قطعانهم، كل شيء يمكن بيعه، مقابل لا شيء تقريبا . إنهم يبيعون بناتهم – وهذه ردة إلى أسوأ حالات العبودية . تكشف الكارثة الوطنية على الفور الجوهر الحقيقي لنظامنا الاجتماعي "المتحضر" المزعوم" … "هذه عبودية ملايين الكادحين لحساب غنى ورفاهية وطفيلية العشرة آلاف الذين في الأعلى" .. يمكنكم التنبؤ ببقية كلام لينين في عام 1912، تكاد كلماته تتطابق مع كلمات ثوريينا اليوم عن ضحايا الكورونا والرأسمالية العالمية والعنصرية والأنظمة الاستبدادية وما بعد الحداثة الخ الخ .. لكن بعد ست سنوات فقط على مقاله الأول سيتحدث لينين بلغة أخرى عن نفس الملايين الجائعة .. في رسالته إلى عمال بتروغراد الجائعين في 22 مايو أيار 1918 لم يعد الفلاحين الذين يموتون جوعا يستحقون الشفقة أو الرثاء أو التضامن، لقد أصبحوا اليوم "برجوازيين، غولاغ أو فلاحين أغنياء أو متوسطي الحال، من يعترضون تطبيق احتكار الدولة للحبوب ويعطلون توزيع الدولة لها"، "تعارض البرجوازية (أي الفلاحون أو الغولاغ الكلمة المفضلة عند اللينينين لوصف هؤلاء الفلاحين) أسعار الحبوب الثابتة لأنهم يتكسبون من بيع الحبوب، بأن يحصلوا على مائة ماثتي روبل أكثر عن كل بود قمح"، "إنهم يعطلون احتكار الدولة وتوزيعها للحبوب باللجوء إلى الرشوة والفساد" .. هل تتوقعون مثلي أن هذا بالضبط كان رد القيصر وزبانيته ومرتزقته على مجاعة 1912 بل رد اي نظام على الكوارث التي تلحق برعاياه .. هل تتوقعون أن يختلف تفسير القيصر لفساد جهازه الإداري ولا حتى بكلمة أو حرف عن هذا التفسير اللينيني لفساد نظامه ورفاقه .. ماذا كان في جعبة لينين يومها للملايين التي تتضور جوعا ؟: "أولا احتكار الدولة للحبوب أي الحظر المطلق لأي متاجرة خاصة بالحبوب (خارج الدولة)، التسليم الإجباري لكل الحبوب الفائضة للدولة بسعر ثابت"، "التوزيع العادل والملائم للخبز تحت سيطرة دولة العمال" .. "كروسيد (تعني هذه الكلمة في الأصل حملة صليبية لكنها تستخدم اليوم كمرادفة للحرب الشاملة أو لحملة صارمة الخ) عامة يقوم بها العمال الأكثر تقدما إلى كل مراكز إنتاج الحبوب والنفط … كروسيد عامة لزيادة إنتاجية العمل عشرة مرات، لمساعدة الأجهزة المحلية للسلطة السوفيتية في مجال الحسابات والسيطرة، للتخلص من المتربحين والمخادعين بالقوة المسلحة" … بكلمة: عسكرة كاملة للمجتمع وللعمل، تحويل المصانع والمجتمع إلى جيش عرعرم يسير وفق "انضباط حديدي"، الكلمة المفضلة عند لينين بعد 1917، تدابير تتخذ دون أية رحمة، ترى ألم يكن هذا هو رد القياصرة قبل لينين على المصائب التي كانت تلحق بروسيا، أليس هذا بكل بساطة هو سلوك وموقف أية سلطة من أية كارثة تصيب رعاياها .. كم اختلف كلام لينين فقط في عدة سنوات وكيف أصبح يتحدث تماما مثل القياصرة الذين سبقوه، ليس فقط أنه كان قد أصبح واحدا من العشرة آلاف الذين انتقلوا إلى الأعلى والذين لا يتضورون جوعا أبدا، كان لينين قد أصبح رئيس هؤلاء العشرة آلاف، قيصر روسيا الجديد، لهذا بدأ بالحديث تماما كما فعل كل القياصرة الذين سبقوه .. لا يشبه لينين 1918 قياصرة روسيا السابقين بل لقد أصبح أيضا يردد كلام رجال الدين الذين سبقوه عبر التاريخ .. "من لا يعمل يجب ألا يأكل"، هكذا قال الحواري بولس في رسالته الثانية إلى أهل سالونيك قبل أن يرددها معه لينين في رسالته لعمال بتروغراد الجائعين في عام 1918 والتي ضمنت بعد ذلك في الدستور السوفيتي في عام 1918 و1936 .. بالنسبة لمن هم في الأعلى، الذين يأكلون دون أن يعملوا، يجب على الآخرين أن يعملوا كي يأكلوا .. في وقت لاحق سيسخر تروتسكي من النظام الذي ساهم في تشييده: "المبدأ القديم، من لا يعمل يجب ألا يأكل، استبدل بمبدأ جديد، من لا يطيع يجب ألا يأكل" .. لكن كلا المبدئين ليسا جديدان أبدا، لقد قامت عليهما كل سلطة منذ فجر التاريخ، مهما ادعت من شعارات أو إيديولوجيات أو اديان .. لوح لينين بقبضته كثيرا في رسالته إلى عمال بتروغراد الجائعين، مرددا كل سطر تقريبا عبارة "بلا أية رحمة"، كانت ماكينة القتل البلشفية قد انطلقت منفلتة من عقالها وهي التي ستلتهم في نهاية المطاف جزءا من العشرة آلاف الذين في الأعلى أنفسهم في إطار الصراع على السلطة وقمع كل صوت مخالف .. كان البلاشفة كاشتراكيين ديمقراطيين قد واقفوا على قرار مؤتمر الأممية الثانية في كوبنهاغن عام 1910 الداعي لإلغاء عقوبة الإعدام، رفع يومها لينين وزينوفييف وتروتسكي وكامينيف وراديك ولوناتشارسكي أيديهم بالموافقة على هذا القرار، وفي عام 1917 عندما حاولت حكومة كيرينسكي تطبيق عقوبة الإعدام بحق الخونة والمجرمين والفارين من المعركة رفض هؤلاء ذلك بقوة ولا حتى بحق أعتى المجرمين، وعندما انعقد المؤتمر الثاني للسوفييتات بعد أكتوبر تشرين الأول 1917 والذي يفترض أنه أصبح السلطة الحاكمة في البلاد كان من أول قراراته إلغاء عقوبة الإعدام حتى في الجبهة، لكن هذا لم يكن سوى حبر على ورق بالنسبة للسلطة الجديدة .. يصف مارتوف المنشفي اليساري في منتصف عام 1918 كيف قام البلاشفة بقتل وإعدام الأسرى وكل من يستسلم لقواتهم، وهم عزل من السلاح وحتى بعد "منحهم الأمان" على حياتهم، كيف قتلوا خصومهم والأسرى أو المستسلمين ضربا أو رميا بالرصاص أو مزقوهم إربا دون أن يلقى القتلة أي عقاب، وكيف قامت عصاباتهم بقتل "أعداء الثورة" دون محاكمة ودون تمييز بين رجل ومرأة وطفل، لقد أصبح حتى من الصعب معرفة من يعطي أوامر القتل الذي أصبح أمرا سهلا ما أن يوصم شخص ما بأوصاف مثل معادي للثورة وما شابه .. ليست كلمات الثورة المضادة وأعداء الثورة بريئة كما تبدو، الفارق هو أن هؤلاء لم يصبحوا سادة بعد .. شعر مارتوف يومها بالفزع لأن كل هذا كان يجري باسم الاشتراكية وباسم العمال الروس وفي مخالفة صريحة لقرار مؤتمر السوفييتات بإلغاء عقوبة الإعدام .. بعد الإعدام دون محاكمة قرر البلاشفة، العشرة آلاف الجدد الذين أصبحوا في الأعلى، الذين يأكلون دون أن يعملوا، أن يستخدموا المحاكم لتبرير همجيتهم تماما كما فعل أي حاكم عبر العصور، فاستحدثوا محاكم الثورة الاستثنائية، التي يقدم لنا مارتوف مثلا عن أحد ضحاياها: ألكسي شاتسني الضابط في أسطول البلطيق والذي عين آمرا له بأمر من تروتسكي والذي تمكن من إخلاء سفن الأسطول من هلسنكي إلى كرونشتادت كيلا تقع بيد البيض الفنلنديين قبل أن تتوتر علاقته بتروتسكي فيأمر بالقبض عليه ومحاكمته بتهمة التآمر على السلطة السوفيتية ويعدم بعد ذلك .. لم يكن ستوبيلين جلاد القيصر نيكولا ولا كرينسكي من ألقى القبض على شاتسني وأعدمه بل تروتسكي .. ليست هذه مفارقة بل نكتة تمارسها كل الأنظمة .. منع شاتسني من الدفاع عن نفسه ومن استدعاء شهود الدفاع، بينما اكتفت "محكمة الثورة" بالاستماع فقط لشاهد الإثبات الوحيد: ليون تروتسكي، نفس الشخص الذي اتهم شاتسني وأصدر الأمر باعتقاله .. نكتة أخرى تخص كل الأنظمة في كل العصور: سيلقى تروتسكي نفس مصير شاتسني وكثيرين من أمثاله دون أن يتمكن من الدفاع عن نفسه، سيموت بنفس الأداة التي أنشأها وبرر همجيتها عندما كان من العشرة آلاف الذين في الأعلى .. بعد عامين على هذه المحكمة المسرحية كتب تروتسكي الذي كان ما يزال أحد أبرز العشرة آلاف الذين يأكلون دون أن يعملوا كتابا رد فيه على معلمه ومعلم لينين السابق "المرتد" كاوتسكي (سلمان رشدي البلاشفة) دافع فيه بشراسة عن الإرهاب الذي مارسه هو ورفاقه من العشرة آلاف الجدد الذين أصبحوا في الأعلى، كان اسم الكتاب الشيوعية والإرهاب .. برر تروتسكي إرهاب السادة العشرة آلاف الجدد، لكن ما هي الجريمة التي استحق عليها الضحايا الجدد كل ذلك التنكيل والعقاب وأخذ آهاليهم رهائن الخ الخ: كانت جريمتهم هي معارضة البلاشفة .. تماما كما يردد الإسلاميون اليوم وكما فعل السادة دائما، ولهذا قد لا يبدو غريبا ألا يجد كثير من الماركسيين مشكلة في إرهاب الإسلاميين، أنك إذا عارضتهم وانتقدتهم علنا فأنت مجرم مستحق لأشد عقاب .. الفضاء السياسي ليس إلا ساحة معركة لا تنطبق عليها قوانين الحرب التي استحدثتها البشرية مؤخرا، بل تنطبق عليها قوانين الحروب الهمجية منذ أقدم العصور التاريخية، يجب سحق العدو دون رحمة، دون أي اعتبار لأي قيم أو أي شيء، كل شيء مباح في الحرب، هذا هو القانون المقدس للدولة ومن هم على رأسها على مر العصور .. أما الإعلام فهو مجرد سلاح آخر في هذه الحرب لذلك فإن حرية الخصم في التعبير والإعلام غير ممكنة أبدا، يجب حرمان العدو من هذا السلاح، يجب إخراس كل من ينتقد، أولا خارج العشرة آلاف الذين في الأعلى ثم بينهم بهدف بقاء العشرة آلاف الذين في الأعلى هناك إلى الأبد أو لأطول فترة ممكنة .. عندما تساءل كاوتسكي عن الفرق بين الأساليب الإرهابية للبلاشفة عن أساليب القياصرة السابقين عنهم أجاب تروتسكي: "الفرق هو أن إرهاب القيصر كان موجها ضد البروليتاريا … أما قواتنا الخاصة فإنها تقتل أصحاب الأرض والرأسماليين والجنرالات الذين يريدون إعادة النظام الرأسمالي" .. لا يحق لك أن يكون لك رأي مختلف عن العشرة آلاف الذين في الأعلى، ألا يبدو هذا مألوفا .. في 1918 كان الفلاحون الذين يتضورون جوعا قد أصبحوا "برجوازيين وغولاغ" بنظر لينين وتروتسكي، وكان لينين وتروتسكي يعتقدان جازمين أن كل المشاكل يمكن حلها بالمسدسات، بالكرابيج، بالسجون، بالأوامر، بفرق الإعدام والتعذيب، بالمدافع والدبابات .. قتل تروتسكي بنفس السلاح الذي صممه وأطلق له العنان في قتل كل مخالف .. ما الذي كان يمكن أن يكون بحوزة لينين أو تروتسكي أو ستالين أو ماو اليوم للمنهكين من الكورونا وانعدام الأمل ومصائب الرأسمالية: عسكرة العمل، إرهاب الجميع، قتل كل مخالف، إخراس كل الأصوات، تماما كما يحدث اليوم في المناطق المحررة والحرة من سوريا وليبيا، وتماما كما كان يحدث تحت حكم القذافي والأسد .. والآن ماذا عن إخوتي الإسلاميين الذين يتصدرون المعارضة الثورية في مصر وسوريا وربما في أماكن أخرى أيضا: يرى هؤلاء الإخوة نقلا عن نبيهم وأساتذتهم أن لله جنود لا تروها منها الجوع والمرض وهي تكون إما عذابا للكفار والمرتدين والمشركين أو ابتلاء وامتحانا للمؤمنين وكما قال محمدهم أن أشد الناس ابتلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل فالأمثل فيبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان دينه صلبا اشتد بلاؤه الخ الخ .. إنهم مسؤولون فقط عن ارتداء النساء للحجاب أو النقاب، عن رجم الزناة، عن التزامك بالصلاة وقتل كل من يشتم الرسول وجباية الجزية من أتباع الصليب وسبي نسائهم أما طعامك وشرابك ومرضك فمن الله وعلى الله .. تذكروا فقط كيف أخذ الإخوان المصريون يرددون نفس ترهات نظام مبارك ومن سبقه بحق معارضيهم وبحق كل من كان يحتج على فشل سياساتهم وفسادهم .. لم يمكن أبدا التفريق بين خطابهم في السلطة وبين خطاب النظم المتتالية التي حكمت القاهرة، كانوا قد أصبحوا من العشرة آلاف الذين تسلقوا إلى الأعلى وكانوا يتحدثون تماما ككل السادة والطغاة الذين سبقوهم إلى هناك .. قيل سابقا احذر عدوك مرة واحذر "صديقك" ألف مرة، أيها الشباب: احذروا كل جماعة من البشر تفترض أنها وحدها تملك الحقيقة المطلقة وبناءا على ذلك تمنح نفسها صلاحيات فوق العادة، صلاحيات لم يحصل عليها حتى أسوأ الطغاة في التاريخ: تقرر من يمكنه أن يعيش ومن يجب أن يموت، من يتكلم ومن يصمت إلى الأبد، تجبر الجميع على العمل وتسمح لهم بتناول الطعام فقط إن سمعوا وأطاعوا، ولا تقبل بأي نقد أو بادرة احتجاج أو معارضة .. ينتقد معظم "المثقفين" اليوم ستالين، لكن الأمانة، الجرأة والبصيرة كانت تعني أن يفعلوا ذلك في اليوم الذي انتقد فيه أورويل ستالين ورفاقه واعتبر ذلك معيار الإخلاص والأمانة الحقيقية عند المثقف .. فعل أورويل ذلك قبل سنوات من موت الزعيم وعشرات السنين على موت ديكتاتورية البلاشفة، عندما كان الجميع أو الأكثرية تمتدح القاتل والطاغية وتغض البصر عن كل جرائمه .. مرة أخرى وأخيرة، ايها الشباب: احذروا "أصدقاءكم" المهووسين بالسلطة الذين يعتقدون جازمين أن كل شيء يمكن حله بالسوط والمسدسات والقنابل والسجون وأقبية التعذيب ومعسكرات العمل العبودي، كي توفروا على أنفسكم والآخرين المزيد من الموت والجوع والمرض والألم والأكاذيب.

 

مازن كم الماز

.......................

أقوال لينين، تروتسكي ومارتوف منقولة عن الأصل الانكليزي

 

محمود محمد عليعندما غزت كورونا القارة الأوروبية لم يكن أحد من الأوربيين يتصور أو يعتقد أن تلك الجائجة يمكن أن تحدث في أراضيهم.. ربما أقنعهم بذلك أن معظم الأوبئة مثل «زيكا» و«إيبولا» وُلدا وماتا على الأراضي الفقيرة ولم يخرجا منها.. لكن يبدو أن «كورونا» قد تعلّم درس العولمة جيدًا، وقرر أن ينظر إلي العالم علي أنه يمثل قريةً صغيرة لا معنى لوضع الحدود بين بيوته.. لذا دخل الفيروس أوروبا بلا سابق إنذار، وبات مصدر تهديد للمواطن الأبيض وغير الأبيض.. لقد قتل الآلاف من الناس، وعطل سلاسل التوريد، وأوقف الاقتصاد الأوروبي، وتسبب في إغلاق مدن بأكملها. في جميع أنحاء أوروبا.. أصبحت المطارات فارغة .. والمكاتب مغلقة.. والشوارع خاوية كأنها مدينة أشباح... أحدث الفيروس أزمة غير مسبوقة اجتاحت دول أوروبية كبرى ؛ مثل إيطاليا وإسبانيا وفرنسا وألمانيا ؛ فقد راح آلاف الأوروبيين ضحايا لتفشي كورونا.. وإزاء هذا الوضع الكارثي المتدحرج من شمال إيطاليا إلى إسبانيا وفرنسا وغيرها، وتحول القارة القديمة إلى بؤرة انتشار للفيروس القاتل، والاستنتاج أنه لن تخرج أي دولة من الأعضاء سالمة من هذا التسونامي الصحي والاجتماعي والاقتصادي.

بيد أن الأمر لم يتوقف عند حد الخسائر البشرية أو الاقتصادية، إذ إنه أضحي يهدد أيضاً استمرارية كيان بحجم الاتحاد الأوروبي، ذلك أن عدداً من الممارسات والقرارات التي اتخذتها عدة دول ألقت بظلالٍ من الشك على مدى جدوى استمرار هذا التكتل ؛ خاصة عندما رفعت شعار " لا تضامن أوروبي"؛ وهنا بات المحللون يتساءلون: هل يخرج الاتحاد من نفق «كورونا» المُظلم كيانًا واحدًا محتفلًا بانتصاره الجماعي على الوباء؟ أم يخرج من النفق ممزقًا إلى دوله المختلفة، كل دولة تحتفل بفوزها منفردةً على الفيروس وتشتكي «خذلان الأحبة» من باقي دول الاتحاد؟!

ناشدت إيطاليا الاتحاد الأوروبي بإعطائها إمدادات طبية لمواجهة الجائحة التي تهدد وجودها، لكن الرد الأوروبي تعامل مع إيطاليا كأنها دولة أفريقية.. الاستجابة الأوروبية جعلت "ماتيو سالفيني"- أبرز يميني متطرف في إيطاليا مقبولًا؛ فقد عقّب سالفيني قائلًا: "عندما يكون الآخرون في شدة.. فعلى إيطاليا أن تدفع.. أما إذا وقعت إيطاليا في شدة فإنهم يغلقون حدودهم ومحافظ أموالهم".. وفي هذا السياق، شنت الصحف الإيطالية هجوماً عنيفاً على الاتحاد الأوروبي غداة قرار بإرجاء اعتماد تدابير قوية في مواجهة التداعيات الاقتصادية لتفشي وباء كورونا المستجد.. وكان رئيس الوزراء الإيطالي جوسيبي كونتي قد أكد أن الاتحاد الأوروبي قد ينهار بسبب تلك الجائحة، منتقداً غياب خطة موحدة لمواجهة وباء كورونا، مضيفا: ".. على أوروبا أن تظهر قدرتها على مواجهة فيروس كورونا، لأن إيطاليا تؤدي دورها"... كما هدد سيادته خلال قمة الاتحاد الأوروبي التي نظمت عبر الفيديو الأسبوعين الماضيين بعدم التوقيع على الإعلان المشترك في حال لم يعتمد الاتحاد تدابير قوية، وذلك بعدما رفضت ألمانيا ودول شمال أوروبية أخرى مناشدة تسع دول، من بينها إيطاليا الأكثر تضرراً، من أجل الاقتراض الجماعي من خلال سندات كورونا للمساعدة في تخفيف الضربة الاقتصادية للوباء.

وعقب حديث رئيس الوزراء الإيطالي أخذت الصحف الإيطالية تهاجم الاتحاد الأوروبي بشراسة ؛ حيث اختارت صحيفة "فاتو كوتيديانو" الإيطالية عنوان "كونتي يقول لأوروبا ميتة أن تذهب إلى الجحيم". كما عنونت "لا ريبوبليكا" ذات الخط السياسي المؤيد للاتحاد الأوروبي تقليدياً، "أوروبا قبيحة ، وبدورها، اعتبرت  صحيفة "كورييري ديلا سيرا" أنّه "في حال افتقد الاتحاد الأوروبي إلى اتفاق، فإنّ هذا يعني أنّ المشروع الأوروبي نفسه قد انتهى.

وعلى خلفية "تباطؤ" دول الاتحاد في دعم إيطاليا ظهرت أربعة سيناريوهات ذات دلالات عميقة؛ الأول كان مشهد المدرعات والعربات الروسية التي تجوب شوارع إيطاليا حاملة على متنها مساعدات وأطقم طبية؛ والثاني هو مشهد الأطباء الكوبيين الذين وصلوا إلى إيطاليا أيضاً والترحيب الهائل الذي قوبل به أطباء الدولة التي تفرض أمريكا عليها حظراً منذ عقود، والثالث هو مشهد تقبيل الرئيس الصربي لعلم الصين اعترافاً منه بدعمها ومساندتها لبلاده، والرابع هو مشهد هل ينهار الاتحاد الأوروبي؟.. ونتيجة هذه الأزمة بدأ الايطاليون باستبدال أعلام الاتحاد الأوروبي بأعلام روسيا والصين؛ حيث نُشر على مواقع التواصل الاجتماعي فيديو لمواطن إيطالي يقوم بنزع العلم الأوروبي، ثم يدخل إلى أحد الأبنية ويخرج حاملاً علم روسيا، ثم في نهاية الفيديو يحمل ورقة كُتب عليها، شكراً بوتين، شكراً روسيا.

والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل أزمة كورونا تعجل بإنهيار الاتحاد الأوروبي كما تنبأ بذلك رئيس وزراء إيطاليا؟

اعتقد أن الأزمة التي يمر بها الاتحاد الأوروبى خلال الفترة الراهنة، بسبب أزمة فيروس كورونا والخلاف الكبير بين دول إيطاليا وفرنسا وألمانيا حول تقديم مساعدات للدول الأوروبية التي تعرضت لأزمة كورونا وأثرت على اقتصادها لن تؤدى في النهاية إلى انهيار الاتحاد، ولكن قد تؤدى إلى خروج إيطاليا من الاتحاد الأوروبي علي غرار إنجلترا أو تؤدي إلي وجود تعديل في اتفاقية بروكسيل التي بمقتضاها تم إنشاء الاتحاد.. إن الانهيار غير وارد للاتحاد الأوروبي ، وذلك لأن سلطات الاتحاد الأوروبى محددة وفقا لاتفاقية بروكسيل، حيث إن دور المفوضية الأوروبية هو التنسيق بين الدول الأوروبية لتقديم مساعدات لبعضها حال تعرضت لزلازل أو أعمال إرهابية أو لكارثة، علاوة علي أن البند رقم 222 من اتفاقية بروكسيل ينص على أن الدول الأوروبية عليها تقديم المساعدات للدول الأعضاء المنكوبة بسبب كوارث، وفيروس كورونا يعد من تلك الكوارث.

إن الخلافات الدائرة حالياً حول عدم تقديم مساعدات كافية لإيطاليا بسبب فيروس كورونا لن يؤدى إلى تفكك الاتحاد، لأن الأمر يحتاج إلى تعديل بعض البنود بما يسمح بإلزامية تقديم المساعدات، وأن فرنسا وألمانية المختلفان الآن حول تقديم مساعدات لإيطاليا حريصين للغاية على بقاء الاتحاد الأوروبي.. وكان الاتحاد الأوروبى رفض أن يتحمل تبعات الأزمات الاقتصادية التي تنطوي على تفاقم فيروس كورونا، فقد كان هذا هو رد الاتحاد على طلب إيطاليا الذى تزعمه ألمانيا، على عكس فرنسا التي أكدت ضرورة إرسال مساعدات مالية لإيطاليا لمواجهة الأزمة التي تتعرض لها والتي تدمر اقتصادها.

ورغم ما يروج من حديث عن احتمال خروج دول أخرى من "الاتحاد الأوروبي" مثل إيطاليا عقب أزمة جائحة "كورونا"، ترى ورقة بحثية نشرها مركز المستقبل للأبحاث والدّراسات المتقدّمة في أبوظبي بدولة الإمارات العربية المتحدة "، أن هذه التحليلات "غير دقيقة في تناولها، لأنه من المبكر جدًّا الحكم على هذا الأمر وتداعياته على الكيان الأوروبي".. وتقول الورقة التي أعدّها الباحث باسم راشد إنّ "حالة الغضب الشعبي في دول الاتحاد الأوروبي مثلًا لم تنعكس سوى في تصرفات فردية، ولم تعبر عن توجه عام داخل المجتمع الإيطالي حاليًّا، خاصة مع قيام ألمانيا بعلاج المواطنين الفرنسيين والإيطاليين الذين يعانون من أمراض الجهاز التنفسي التي يسببها فيروس كورونا في المستشفيات الألمانية".. وتضيف ورقة مركز المستقبل أنّ حالة الاستياء على المستوى الرسمي في إيطاليا وإسبانيا والبرتغال بسبب رفض الاتحاد سندات كورونا "لا تعبر عن رغبة تلك الدول في مغادرة الاتحاد بشكل فعلي، لكنها تستخدم تلك النبرة في خطابها للضغط على الاتحاد الأوروبي للاستجابة لمطالبها".. وتذكر الورقة أنّ أزمة فيروس "كورونا" كشفت محدودية دور الاتحاد الأوروبي في التعامل مع الأزمة، وفقًا لحدود صلاحياته المنصوص عليها في معاهدات تأسيس الاتحاد، ووفقًا لمدى التزام الدول الأعضاء بتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه في بروكسل لإدارة الأزمة بشكل مشترك.

ويزيد الباحث باسم راشد مدقّقا: "يمكن القول إن الاتحاد الأوروبي، على عكس ما يُشاع، يقوم بالدور المنوط به في التعامل مع أزمة كورونا، وهو الدور الذي فرضته عليه معاهدات الاتحاد الأوروبي، والصلاحيات الممنوحة له في بعض الملفات كالصحة وغيرها؛ بيد أن ما قد يُؤخذ عليه في التفاعل مع الأزمة هو بطء الإجراءات والقرارات التي تم اتخاذها، والتي كان من الممكن لو تم اتخاذها مبكرًا إنقاذ القارة العجوز من إحدى أخطر الأزمات التي تواجهها مؤخرًا".

وترى الورقة أنّ من أهمّ ما تنبع عنه "الانتقادات" عدم فهم "الخط الفاصل بين دور الاتحاد وأدوار الدول الأعضاء طبقًا لمعاهدات تأسيس الاتحاد، خاصة في بعض الملفات؛ وذلك لأن الاتحاد ككيان فوق- وطني له سلطة التنسيق بين الدول الأعضاء، وصلاحية إبداء النصيحة والرأي وليس فرض قراراته عليها"، كما حمّل جزءا من مسؤولية الانتقادات المعبّر عنها لـ "التّلاعب بسياسة مدح الحكومات الوطنية في حالة الإنجاز، وانتقادِ الاتحاد في حالة الفشل والأزمة"، وهو التوجه الذي يقول إنّ بعض الساسة اعتادوه "للحصول على دعم مواطنيهم بالاعتماد على عدم الفهم الجمعي الكافي لحدود دور الاتحاد ومحدوديته".

وتذكّر الورقة بامتلاك الاتحاد الأوروبي سلطات محدودة للتصدي لمثل هذه النوع من الأوبئة بشكل عام، لأن الدول الأعضاء هي التي تشرف على القطاع الصحي، ويمكن للمفوضية الأوروبية فقط تنسيق ودعم الدول الأعضاء في مجال الصحة، وتقديم توصيات وإعطاء المشورة، من خلال الدور عبر – الحكومي؛ فيما تظلّ الحكومات الوطنية حرة في اعتماد هذه التوصيات.

كما توضّح الورقة أنّ الدور الثالث للاتحاد، بعد الدورين الحصري والمشترك، هو "الدور الداعم للدول الأعضاء فقط؛ إذ تقع السلطة النهائية في اتخاذ القرار على عاتق الدول الأعضاء، والذي تندرج تحته أزمة كورونا، لأن دور الاتحاد فقط هو دعم الإجراءات الوطنية في المجالات الاجتماعية كالصحة"، علما أنّ دول الاتحاد الأوروبي "مازالت مترددة في تسليم السلطات الصحية إلى المستوى فوق الوطني، خاصة أن السياسة الاجتماعية مجال يتضمن عادة ميزانيات وطنية كبيرة، تظل عرضة للتغييرات في الحكومة والائتلافات السياسية".

وتخلص الورقة في ختامها إلى أنّ بعض الحكومات الوطنية تريد تحميل الاتحاد الأوروبي مشاكل إخفاقها الداخلي في مواجهة أزمة كورونا، وتنتقده لعدم القيام بدور غير منصوص عليه في المعاهدات الأوروبية ولا تسمح به حتى الدول الأعضاء، ثم تضيف: "صار التوجه العام داخل بعض المؤسسات الأوروبية في الوقت الحالي هو المطالبة بتمكين الاتحاد الأوروبي ككيان فوق وطني في ملفات مثل الصحة وغيرها، خاصة أن أزمة كورونا قد أظهرت ضعف سلطات الاتحاد على الدول الأعضاء، بعدما قامت بعض الدول الأوروبية بوضع نفسها أولًا؛ فاشترت وخزّنت الأدوية على المستوى الوطني، ما زاد من صعوبة وصول هذه المنتجات إلى دول في أمسّ الحاجة إليها، وأدى إلى انتشار المرض في سائر أوروبا".. وبالتالي، ترى الورقة أنّه قد أضحى من الضروري لمكافحة مثل هذا النوع من التهديدات: "إعادة النظر في المعاهدات الأوروبية بما يُعطي مزيدًا من السلطات للاتحاد الأوروبي لممارسة دوره بفعالية أكبر، ومزيدًا من الصلاحيات لتعزيز المواجهة "المشتركة" لأي أزمة".

واعتقد أن ما ذهبت إليه ورقة "باسم راشد" تحمل الكثير من الصدق ، وأكبر دليل علي إعادة النظر ما اتخذه الاتحاد الأوربي كما خلص إليه الورقة السابقة ما حدث خلال الخميس الماضي، حين قدمت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، اعتذارات لإيطاليا على تأخر رد فعل الاتحاد بشأن تفشي وباء كوفيد-19 ، وذلك في رسالة نشرتها الصحف الإيطالية .. ووجهت المسؤولة الأوروبية رسالة مباشرة إلى الإيطاليين، جاء فيها: "أقدم لكم اعتذاراتي.. نحن معكم"، وكتبت في صحيفة "لا ريبوبليكا" "اليوم أوروبا تتحرك وتقف إلى جانب إيطاليا.. لكن الأمر لم يكن دائما كذلك.. وتابعت فون دير لاين "علينا أن نقر أنه في بداية الأزمة حيال الحاجة لرد أوروبي مشترك لم يفكر كثيرون إلا بمشاكلهم الوطنية.. وأعلنت أن الاتحاد الأوروبي سيخصص حتى 100 مليار يورو للدول الأكثر تضرراً بدءً بإيطاليا للتعويض عن تراجع مداخيل من سيعملون ساعات أقل.. وأضافت أن أوروبا اتفقت أيضاً على "منح قروض مضمونة من كل الدول الأعضاء ما يثبت التضامن الأوروبي.. وننتظر ما تسفر عنه الأيام المقبلة من تداعيات فيروس كورونا علي الاتحاد الأوروبي .. وللحديث بقية إن شاء الله.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقل بجامعة أسيوط

 

 

سامان سورانيبالرغم من أن الأزمات العالمية هي بمثابة محرکات ضاغطة تحمل في طیاتها فرصاً للتغيير ، تساعدنا علی الإنتقال الی عالم جديد، نشعر اليوم بأن فیروس کورونا المستجد تغير ثقافتنا السیاسية، بعد أن تخطت حصیلة الإصابات المعلنة من قبل الجهات الرسمية في العالم عتبة المليون.

فمن يری هذا العالم داخل الکل الأنطولوجي الكوني يعمل بفکرة التضامن المجتمعي العابر للحدود وینتصر في مواجهة الخطر الداهم. فالمؤمن بفلسفة تضامن الشعوب بإعتبارها درس جوهري لازم للحياة، یهتم بالحوكمة الجيدة ويتعامل بحرفية و مهارة عالية مع أسوأ التهديدات.

إن تعامل حکومة إقلیم كوردستان وإستجابتها الجدية مع فیروس کورونا المستجد، بعد تفشي هذه الجائحة بدایةً في کل من الصين و إیران، وذلك بأستخدامها إستراتیجية فاعلة وتدابير إستباقية لمواجهتها عن طريق قیامها بحملات توعية صحیة وتطبيق تدابير المتابعة والسيطرة المرنة، أثبت هذه الحکومة للمنطقة والعالم ، رغم قلة خبرتها في التعامل مع أزمة تفشي هذا الوباء، أنها قادرة علی قيادة شعب الإقلیم بشکل عصري و یمکنها إنقاذه من هذا التهديد الراهن لإیصاله الی بر الأمان،  حیث أستطاعت خلال فترة زمنیة محددة تهیئة شعب كوردستان، بعد عقد مؤتمرات صحفية يومية والتواصل المستمر وبعد نشرها لمعلومات جاهزة من غرف إعلامية و مراکز لتحلیل بیانات مستمدة من مدن وأقضية و نواحي الإقلیم، للتجاوب بشکل إیجابي مع أسلوب أحتواء تلك الأزمة. لایمکن التقليل من شأن الإنجازات الإيجابية لرئیس حکومة إقلیم کوردستان و طاقمه الوزاري في هذه الفترة الحرجة، رغم إمکانيتهم المالية والتكنولوجية والصحية المحدودة،  لأنهم بجدیتهم وشفافيتهم تمکنوا من تعزيز الأمن الصحي وتمهيد الطريق لتقوية العلاقة بین کافة مکونات المجتمع الكوردستاني و رفع معنوياتهم تجاه مفهوم المواطنة وحب الوطن، وهکذا التزم الأکثرية الساحقة بالعزل الذاتي والحجر الصحي، وهذا مادعی منظمة الصحة العالمية للإشادة بمساعي الإقلیم نموذجه الناجح في التصدي لهذه الأزمة، رغم وجود قيود كثيرة ومعروفة تعيق عمل هذه الحکومة، إذا ما تم مقارنتها بدول إقلیمة أو متقدمة في العالم.

بالتأكيد سوف تشرق شمس عالم مابعد كورونا علی الأفق، و سوف تتبلور ملامح جديدة تعيد النظر في طبيعة العلاقات بين الدول والشعوب وتخلق أشکال جديدة من المنظمات والمؤسسات الدولية یمکن أن تقوي قبضة الحکم الرشيد و سيادة ظروف مستقرة والقدرة على التأقلم والاستجابة للمتغيّرات المختلفة وتعزز مفاهيم الإنسانية والعدالة الإجتماعية وحب الوطن والإنسان والطبيعة.

نتمنی أن تستمر حکومة إقلیم كوردستان القوية بعد خلو الإقلیم من كورونا في ترسيخ ثقافة الابتكار في بيئة العمل المؤسسي وتقوم بإعادة تحريك الاقتصاد الداخلي وتنويع الأنشطة الاقتصادية وتعميم التطبيقات الذكية المميزة بقيادة كفاءات وطنية وفقاً لمعايير الإبداع والابتكار والتميز العالمية واقتصاديات المعرفة وخفض النفقات وزیادة السيولة بيد الناس وخلق الثقافة التي تمكن الحفاظ على صحة وسلامة العاملين والمتعاملين وتأمين رواتب منتسبي الحکومة والحد من غلاء السلع، لتخرج من هذا الإختبار بنجاح وأمتیاز.

وختاماً: "العقل يملي عدم المبالغة في الحديث عن الخطر؛ فلا يزال الفيروس مقلقاً، والشيء العقلاني الواجب القيام به هو الاستجابة بطريقة محسوسة للتهديد. أي نشر فلسفة الاعتدال، مما يعني القيام بالأشياء بالطريقة الصحيحة، لا المبالغة فيها أو التقصير في القيام بها."

 

الدکتور سامان سوراني

 

 

محمود محمد عليشهد التاريخ الإسلامي، العديد من الأوبئة التى ضربت الممالك الإسلامية وحصدت الكثير من الأرواح، وكان لكل وباء قصة وأثر كبير فى الأمة الإسلامية، سواء على المستوى الاجتماعى أو السياسى، ومع تفشى فيروس كورونا "كوفيد 19"، أصبحت النظرة للماضى وكيف عانى العالم من انتشار الوباء، وكيف حاربوه، وعدد الضحايا الذين ماتوا بسببه، وسيلة البعض لمحاولة فهم كورونا ذلك الفيروس الغامض القاتل، ومن بين الأوبئة التي ضربت الأمة كان وباء الفناء الكبير والطاعون الأعظم.

وتعرضت بلاد الشام في عصر دولة المماليك الأولى عام 748هـ/1347م لطاعون اجتاح معظم مناطق بلاد الشام ومصر وأوروبا ولشدة فتكه وسعة انتشاره أطلق عليه اسم " الفناء الكبير" أو " الطاعون الأعظم"، وأفنى سكان مدن دمشق وحلب وصفد والقدس والكرك وعجلون وبيت المقدس ونابلس والسواحل وجنين والرملة وعربان البوادي، استمرت الطواعين تفتك في منطقة بلاد الشام  ومصر خلال فترة المماليك الجراكسة منذ قيامها عام 784هـ /1382 م وحتى قبل بثلاثة سنوات، وذلك بحسب دراسة بعنوان "الأوبئة (الطواعين) وأثارها فى بلاد الشام فى عصر المماليك الجراكسة"  لمبارك محمد الطراونة.

وبحسب الدراسة كما يقول مبارك محمد الطراونة ؛ أنه منذ اعتلى السلطان "برقوق" عرش السلطنة المملوكية عام 784هـ/1382 م وبدأ حكم دولة المماليك الجراكسة أصيبت مدينة دمشق بالطاعون الذي حصد العديد من سكانها. وأعقبه عام 787هـ/1385م وباء عم مدينة حلب وضواحيها أهلك الكثير من البنات والنساء حتى ربت أعداد الموتى على ما يزيد على الألف . وبعد مرور ثلاثة أعوام على خلو بلاد الشام من الأوبئة أصيبت المنطقة عام 490هـ / 1388 م بأوبئة وأمراض كثيرة تفشت في غزة والقدس وحلب، . وقدرت أعداد الوفيات في مدينة دمشق وحدها باستثناء الضواحي بخمسـة آلاف شخص.

وانتشر في حلب عام 795هـ/1392 م ما أطلق عليه لعظم تأثيره اسم الفناء العظيم كما يقول مبارك محمد الطراونة ؛ حيث كان يحصد يوميا من الرجال والنساء والأطفال ما يقدر بخمسمائة إنسان، وبحصيلة نهائية من أول انتشار الوباء وحتى نهايته بـ 150 ألف شخص داخل مدينة حلب، ومائتين وعشرة آلاف شخص من نواحي حلب وقراها، واستمر الوباء يفتك ببلاد الشام حتى عام 796 هـ /1394م فأصاب بيروت وشمال الأردن والأغوار وغزة وأدى إلى هلاك أعداد كبيرة من الأطفال والصبيان وكبار السن.

وبعد انقطاع مدة تسع سنوات عاد " الفناء العظيم " ليفتك بالمنطقة في عام 805 هـ/1402م وافني أعدادا كبيرة من السكان في معظم بلاد الشام. وبعد انحسار الوباء مدة سبع سنوات " 812 هـ/1409  م تفشى الطاعون في كل من حمص وحماة وطرابلس، وأمات أعدادا كبيرة من، وقد أحصى المقريزي في كتابه "درر العقود" من توفي في مدينة حماة من الصبيان مدة  الناس ثلاثة أشهر بسبعة آلاف صبي. واستمر الوباء يفتك ببلاد الشام؛ حيث عم طرابلس وحوران، ودمشق وضواحيها، كما انتشر في بداية عام 813 هـ / 1410م ببلاد فلسطين وعجلون ونابلس، ولم ينقض العام حتى مات "خلق كثير جدا، وانتهى تأثيره في مدينة دمشق عام 814هـ /  1411م بعد أن قضى على ما يقرب من خمسين ألفا "غير مما لم يعرف ويحصى ".

وفي عام 816 هـ /1413 م تفشت الأمراض الكثيرة في دمشق، وانتشر الوباء الذي وصف بالعظيم في كل من حلب وحماة وما كاد يتعافى السكان من آثاره وويلاته مدة ثلاثة أعوام حتى وصلت جراثيمه إلى مدينة دمشق عام 819هـ / 1416م، وكانت الوفيات كثيرة قدرت  بحوالي مائتين شخص يوميا، وانتقلت عدوى الوباء إلى كل من مدن القدس وصفد وطرابلس  وقدر ابن الصيرفي أعداد المتوفين في بلاد الشام بستة وثلاثين ألفا وبلغ من توفي في مدينة  طرابلس وحدها في عدة أيام حوالي عشرة الآف فرد.

أٌطلق على الطاعون الذي أهلك أعدادا كبيرة من الشباب عام 825 هـ / 1422م اسم طاعون الشباب، وقد كان ابتداؤه من مدينة حلب على شكل وباء انتشر في كل من حمص وحماة، ومن كثرة عدد الوفيات كادت بلاد الشام أن تخلو من أهلها،وازدادت أعداد الوفيات في العام التالي 826هـ/1423م، وبخاصة في مدينة حلب؛ إذ بلغت أكثر من خمسمائة شخص في اليوم الواحد معظمهم من الأطفال، وبمرور عدة أشهر على ابتدائه انتشرت عدوى المرض في مدينة حماة ومات فيها خلائق لا تعد، وانتقلت العدوى بعدها إلى دمشق وأماتت من أفراد عائلاتها إعدادا كبيرة جدا؛ فقد ذكر المقريزي أن أعداد من توفي بصالحية دمشق وحدها يزيد على خمسة عشر ألف إنسان، وأحصى من كان يسجل في ديوان دمشق من الموتى فكانوا ثمانين ألفا منهم ست الآف بنت عذراء، وبمعدل مائة شخص يوميا طيلة انتشار الوباء . كما استمر الوباء في الانتشار في معظم مدن بلاد الشام، فوصل غزة التي كان يموت فيها يوميا أكثر من مائة إنسان معظمهم من الأطفال والخدم والنساء حتى خلت الدور منهم، وأما الرملة فكان يموت منها يوميا خمسون فردا، وبلغ عدد الموتى في مدينة القدس ثلاثين شخصا، ووصل بلاد الخليل والكرك كما يقول المقريزي حتى "تلاشى أمر مدينة الكرك وخربت قراها.

وفي الأعوام 831هـ /1428م، و823هـ /1429م، و833هـ /1430م تفشت الأمراض والأوبئة بين أهل بلاد الشام وبخاصة مدن دمشق وحمص وحماة .وكانت شديدة التأثير والفتك في كل من غزة والرملة والقدس وصفد، ومات بسببها خلائق شتى أغلبهم من الأطفال والشباب، ووصف المقريزي وباء عام 833هـ /1430م بأنه يشبه النزلات التي تنحدر من الدماغ إلى الصدر، وتكون أكثر فتكا بالأطفال والشباب ويموت المصاب في أقل من ساعة من غير ظهور أعراض المرض علية.

عاد الوباء ليعم معظم منطقة بلاد الشام في عام ٨٣٨هـ/١٤٣٤م واستمر السكان يعانون من نتائجه السيئة عليهم حتى عام 841 هـ /1437 م؛ إذ اشتد تأثيره وعظم فتكه مبتدئا من مدينة حلب؛ حيث حصد ما يقارب ثمانمائة إنسان، ثم انتقل إلى حماة وكان يميت يوميا مائتي شخص، وأما في حمص فكان عدد الجنائز الخارجة منها يوميا ما بين عشرين إلى ثلاثين جنازة، وخاصة من الوافدين إليها من العراق، وانتشر في مدينة دمشق وطرابلس الرطبة وصفد والغور والرملة وغزة، ولكثرة الأموات في غزة التي بلغت اثني عشر الفا، فر نائبها إلى ظاهر البلد وبنا له مخيما إلا أنه توفي فيه، ويذكر المقريزي أن الوباء فتك بسكان بلاد الشام وبخاصة من الأطفال والبنات والرقيق الإماء حتى كادت البيوت تخلو منهم في جميع بلاد الشام بأسره.

ثم عاد الطاعون من جديد عام841 هـ /1437م ليفتك بمدينة حلب، ووصف بأنه طاعون عظيم لم تعلم وفياته اليومية , ففي عام 852 هـ /1447م اشتد تأثير الطاعون في مدينة حلب وتوابعها وانتشرت جراثيم الوباء البكتيرية في مياه خندق القلعة بحلب، مما أسرع في انتشار المرض في كل من  الكلاسة وبانقوسا، وفي أغلب قرى مدينة حلب، وبلغت الوفيات في القرى القريبة من حاضرة المدينة وضواحيها نحو الخمسمائة نسمة وبقي تأثيره في منطقة حلب وقراها وتوابعها حتى عام 853 هـ/ 1448م، وقدرت المصادر التاريخية أعداد الوفيات اليومية بما ينوف على الألف فرد.

وما أن استهل عام 863 هـ /1459م حتى فشا الطاعون في بلاد الشام مبتدئا بمدينة حلب وضواحيها وأهلك فيهما ما يزيد على مائتي ألف إنسان، وأخذت العدوى تنتقل إلى المدن والقرى المجاورة حتى شمل البلاء معظم مناطق بلاد الشام مدنها وقراها وبواديها، وكان تأثيره كبيرا في مدينة غزة حتى وصف بأنه أباد معظم أهلها، وتجاوزت أعداد الموتى فيها في اليوم الواحد سبعمائة إنسان .. وواصل انتشاره في بقية المدن الشامية وتركز تأثيره عام 864 هـ/1459 م  في القدس، وتوفي بمدينة دمشق "ما لا يحصي.

ولم يمض عقد من رفع البلاء الذي حل بسكان بلاد الشام من الطاعون السابق حتى عاد من جديد ليهلك معظم البلدان الشامية وبخاصة مدينة دمشق التي زادت جنازاتها على ألف جنازة، وأما القدس وما حولها فلكثرة الوفيات تركت الجثث في العراء مدة ثلاثة أيام ولم يتمكن حفارو القبور القيام بواجب الدفن، وتطوع الناس لحمل الجثث على السلالم والأبواب لتوارى التراب. وما كاد الناس يأمنون الوباء حتى يعود على فترات متقطعة في الأعوام 881هـ /1476م، و882هـ/ 1477م حتى بلغت الوفيات اليومية في مدينة دمشق دون ضواحيها ما بين ألف إلى ألف وخمسمائة.

وبعد أن خلت حلب من الأوبئة والطواعين منذ عام 863هـ / 1459م فتك بسكانها طاعون 897هـ / 1491م أباد العديد من أهلها، ثم عم بقية بلاد الشام بخاصة دمشق التي قدرت عدد الجنائز التي خرجت منها ألف جنازة ومنها تفشى بضواحيها وقراها، ولشدة فتكه بالضواحي، والقرى كان يخرج من القرية التي تعداد سكانها العشرون رجلا تسع جنائز في اليوم الواحد واستمر الطاعون إلى عام 898هـ/ 1492 م بعد أن أصاب غزة والقدس والرملة والخليل، وكانت الوفيات في مدينة غزة أربعمائة فرد يوميا.

وفي بداية القرن العاشر الهجري / أواخر القرن الخامس عشر الميلادي هلع أهل الشام لكثرة المتوفين من طاعون 902 - 903هـ /1496 - 1497 م حتى هرب أهل دمشق من المدينة إلى الضواحي، وتوفي ببيروت خلق كثير، ولم ينقطع إلا بعد أن أفنى العديد من الأطفال والعبيد والجواري.

وبعد انتهاء آثار الطاعون تفشت العديد من الأمراض المعدية بين السكان، وهي نوع من أنواع الحميات أو الجدري أو الجرب في عامي 904 هـ/1498م، و 909 هـ /1503م وخاصة في بيروت، وفي عام 917هـ / 1511م أصاب الناس مرض الجدري ومن ثم الجرب ومن أعراضه شدة الحكة التي كانت تمنع الناس من النوم والجلوس، واستمرت الأوبئة منتشرة بمنطقة بلاد الشام حتى رفعها الله عن الناس عام 919هـ/1513م.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقل بجامعة أسيوط

........................

المراجع

1-  محمد عبد الرحمن " الفناء العظيم" وباء فتاك ضرب دولة المماليك الجراكسة.. هل سمعت عنه؟ (مقال منشور باليوم السابع المصرية).

2- مبارك محمد الطراونة : الأوبئة (الطواعين) وآثارها الاجتماعية في بلاد الشام في عصر المماليك الجراكسة  (784-922هـ) /1382-1516م)، المجلة الأردنية للتاريخ والآثار، المجلد 4، العدد 3، 2010م.

 

عادل بن خليفة بالكحلةأمريكَا يكفي! لقد وحّدتنا الكورونا!

مقدمـة:

هل يمكن للولايات المتحدة الأمريكية أن تكون هي ناشرة الكورونا؟؟ هاهي الصين تتهم أمريكا رسميّا باختراع الفيروس بواسطة عسكريين أمريكيين نشروه بسوق للحيوانات البحرية في يوهان أثناء الألعاب العسكرية العالمية في أكتوبر 2019. ألم تسمح لنفسها باستعمال سلاح دَمارٍ شامل هو القنبلة النوّوية على اليابان اثناء الحرب الإمبرياليّة الثانية؟ ألم تستعمل النّاپالِم في فيتنام ضدّ الثورة عليها هناك؟ ألم تزوّد «إسرائيل» بأسلحة دمار شامل ضدّ المقاومة العربية؟! هل ستكون الكورونا أكثر فتكًا ممّا فعلته الولايات المتحدة طيلة العصر الحديث ضدّ الإنسان والبيئة داخل حدودها (حجم الفقر والتشرد والاختلال الصحي) وخارجها؟! أليست الرأسمالية نفسها، وصلت إلى طور رأسمالِية الاستثمار في الكوارث (إنتاجًا لها ثم إنقاذًا، إذ في الإنقاذ كما في الإنتاج ربح اقتصادي وصيدلاني ودَوائي) [آنظر: أنتوني لوينشتاين، رأسمالية الكوارث: كيف تجني الحكومات والشركات العالمية أرباحًا طائلة من ويلات الحروب ومصائب البشرية؟، عالم المعرفة، الكويت، نوفمبر 2019].

لن أناقش مدى قوّة القرائن الصينية والإيرانية التي قد تصل إلى قوّة الدليل، ولكنني أريدُ أن أجُوس خلال الشخصية القاعدية للدّولة العميقة الأمريكية، أي أن أفكّك إبِسْتِميّتها: هل داخل هذه الإبِسْتميّة فيروسات يُمكن أن تنتج فيروس الكورونا فما دونه وما أخطر منه؟؟ هل إنّ ما قاله شاعرنا محمود درويش «أمريكا هي الطاعون. والطاعون هو أمريكا» يمكن أن يَجد مِصدَاقية في البحث الإبِسْتمي؟!

ربّما نجد إجابة عن هذا السؤال إذا فككناه: ماهو «العقل» الذي أنتج الولايات المتحدة الأمريكية؟ هل فيه فيروس كورونا؟ هل دَاخِلهُ أسلحةُ دمارٍ شامل مخياليةٌ قابلةٌ للتحوّل و اقعيّا؟!

وإذا كان ذلك كذلك، ما أثره إذا اكتشفته كل شعوب العالم؟ أيْ ما آثاره على مستقبل الإنسانية؟؟

1- تأسيس الولايات المتحدة هو تأسيس بروتستنتي- صهيوني:

عام 1831، كان المسلمون خارج الحياة العالمية، ولم يكونوا يمثلون أيّ خطر إيجابي أو سلبي. ولكنْ في ذلك العام، يكتب جورج بوش (الجدّ الأكبر للأبواش المعاصرين): «حياة محمد» ليصف فيه النبي والمسلمين بأسوإ النعوت: «أعراق مُنْحّطة» «حشرات»، «جرذان»، «أفاع». ودعا فيه اليهود إلى «ضرورة العمل من أجل تجميع يهود العالم في فلسطين»، وإلى ضرورة «استعمال وسائل الدمار الشامل لإفناء السارَزِن» (أي «العرب» و«المسلمين» في التعبير الصليبي أثناء حروب الفرنجة)، قائلا: «ما لَمْ يتمّ تدمير إمبراطورية السَّارَزِن، فلن يتمجَّد الرب بعودة اليهود إلى وطن آبائهم وأجدادهم». ولذلك لم يكن غريبًا أن يعلن حفيده جورج بوش الابن «حملة صليبية». كان بوش الجدّ الأعلى مبشرّا بالصهيونية وأسطوريّتها في وقت لم يكن فيه يهوديّ واحد صهيونيًّا.

فلقد كان تأسيس أمريكا نفسه تأسيسا للصهيونيّة. فهي ليست إلا الفهم البروتستنتي- البِيُوريتاني التطبيقي «لفكرة إسرائيل التاريخية في أدبيّات تلك الإسرائيل [الولايات المتحدة]»، بتقمّصٍ لإسرائيل الأسطورية الأولى، وبتقمّص لأبطالها ووقائعها وأبعادها الدينية والسياسية. وبذلك أنتجت الميثولوجيا القديمة ميثولوجيا حَداثية.

ولذلك سمَّى المستوطنون الأوائل أنفسهم «إسرائيليين» و«عبرانيين» و«يهودًا»، وأطلقوا على ما يُسمّى اليوم «نيو إنكلند»: «أرض كنعان»، و«صهيون»، و«إسرائيل الجديدة». فكتب جورج فوكس (1624-1691): «أن تكون يهوديًّا باللحم والدم لا يعني شيئا. أما أن تكون يهوديّا بالروح، فهذا يعني كل شيء. وكتب السّناتور بِيفَرْدج عام 1900: «إن الله اصطفى الأمة الأمريكية بين كل الأمم، وجعلها شعب الله المختار» وذلك من أجل قيادة العالم وتخليصه من شروره». وكانت لغة التدريس في جامعة هارْفارد هي «اللغة» «العبرانية» عند تأسيسها عام 1936، رغم عدم وجود هذه اللغة، فليس هناك إلا السريانيّة، وما العبرانية إلا إحدى لهجاتها.

هاهو كلنتون يصرّح أمام «الملائكة» (قادة الكيان الصهيوني) أن كاهنه الذي ربّاه أوصاهُ: «إذا تخليت عن إسرائيل فإن الرب سيغضب عليك»، وقد علَّمه أن «إرادة الله تقضي بأن تكون إسرائيل- كما هي في العهد القديم- لشعب إسرائيل إلى الأبد». وهذا الرئيس بوش الإبن كان يقرأ كل صباح عِظات مبشرّ عسكري شارك في الحملة على فلسطين عام 1917. وهاهو ترامب بعد زيارته للسعودية يزور حائط المَبكى، ويبكي أمامه مع ابنته، مؤديا طقوسًا يهودية بصحة حاخام، مرتديا القلنسوة اليهودية، وهو أوّل رئيس أمريكي يفعل ذلك، وأول مَنْ يعترف عمليًّا بالقدس عاصمة للكيان وبالمستوطنات، وسيادته على الجولان السوري (الذي كاد حافظ الأسد يحرّره كله عام 1973 لولا خذلان السادات، كما جاء في وثائق هيكل)... وفي ذلك تسبب في إراقة دماء جديدة للشعب الفلسطيني، وتكريس للتدمير الأمريكي الشامل للوطن الفلسطيني والوطن العربي والإسلامي منذ عام 1948... وهاهو تْرامْب ينظر إلى السماء في 22/8/2019 قائلا: «أنا الشخص المختَار من الرب ليواجه الصّين» (بِي بِي سِي نيوز).

إنّ البروتستنتية الصهيونية تتبنى العهد القديم برمّته، وخاصة أسفاره التاريخية (إذ أنّ أسفاره الشعرية- العرفانية ليست عنصرية، بل تُدِينُ اليهودَ أحيانا كثيرة). فلقد بدأت الصهيونية بروتستنتية، قبل أن تنتشر  لدى كثير من اليهود، ولدى بعض المسلمين. ولكنْ للصهيونية «المسيحية» و(حاشا مسيح الرحمة، ذلك الحكيم السوري العظيم أن يكون ذا عصبيّة عنصرية) كانت سبَّاقة بكثير من القرون على الصهيونية اليهودية. ولتلك الصهيونية «المسيحية» تغليب للعهد القديم على العهد الجديد، بل للأسفار التاريخية (التكوين، الخروج، يشوع، الملوك...) على الأسفار العرفانية (أيوب، المزامير، الأمثال، إرميا...).

وتلك الأسفار التاريخية أسفار تحمل عصبية عنصرية- تدميرية خطيرة، نستغرب إلى حدّ الآن من عدم تنصّل الكنيسة العربية منها، وخاصة الكنيسة الفلسطينية (أول كنيسة في التاريخ العالمي) وتبرّئِها منها. فكل فلسطين، حسب سفر يشوع «مَوْهوبة لبني إسرائيل» ، «من صحراء النقب في الجنوب إلى جبال لبنان في الشمال، ومن البحر المتوسط في الغرب إلى نهر الفرات في الشرق، بما في ذلك بلاد الحِثّيّين» .

وإنها لفضيحة أن لا يمزق المسيحي العربي تلك الصفحات إلى حدّ اليوم، فلماذا نلوم الدّولة العميقة الأمريكية على إيمانها بها؟!!

ودون ذنب جَنَتْهُ أرِيحَا (أقدم مدينة في العالَم) مع «بني إسرائيل»، قادَهم يَشوع في أبشع أسطورة بالعالم، «ودَمَّروا المدينة، وقضوا بحدّ السيف على من فيها من رجال ونساء وأطفال وشيوخ، حتى البقر والغنم والحمير»، ونهبوا «كل غنائم الفضة والذهب وآنية النحاس والحديد» . وكذلك كان الأمر بكل المدن الفلسطينية، مثل مدينة عاي التي «أحرقوها بالنار» و«قتلوا كل مَنْ فيها» ...وهذا كله لم يحدث في التاريخ السوري، فلمْ يدوِّنه أحد من المؤرخين السوريين في هذا العصر وما بَعْدَه، ولكنه يتحقق إذا آمن به اليهودي أو «المسيحي» الصهيوني. وها إنه تحقق أوّلاً مع دولة «الإسرائيل» الإنكليزية- السَكصونية (التي اصبح إسمها: الولايات المتحدة الأمريكية) ثم مع ابنتها «دولة إسرائيل» منذ عام 1948.

لقد شرب الپيوريتاني الأمريكي من دِماء البشر (ومنهم الفلسطينيون) في مخياله قرونًا عديدًا، ثم مَارَس ذلك قرونًا عديدة مع الهندي- الأحمر ومع الإفريقي الأسود، ثم مع الفلسطيني والعربي منذ عام 1948، وقبله الفيلپيني. فلماذا لا يشرب اليوم من دم الصيني ودم الإيراني (الذي هدّد الرئيس المؤمن ترامپ قبل بضعة أشهر بشرب دم مقاماته الدينية، فكان شُرْبُ كورونا من دم الوافدين إلى قُمْ بعد زمن وجيز) «حتى تدرك جميع الشعوب أنّ يد الرّبّ [ربّ أمريكا] قوية» ، الذي يقول لـ«يشوع» الأمريكي: «ولن يقدر أحدٌ أن يُقاوِمك كل أيام حياتك، لأني سأكون معك» .

فلتُعْلن الولايات المتحدة الأمريكية براءتها من سفر «يشوع» ومن الصهيونية حتى لا نشك في أنها أرادت قتل الشعبين الصيني والإيراني بالكورونا، فأفلت منها الفيروس وانتشر في جميع أنحاء العالَم!!

2- الولايات المتحدة تدمِّر الشعب «الهندي الأحمر» بالحرب الوبائية لكي تتحقق:

يجب أن نعترف بأننا لم نتواصَل بَعْدُ مع هذا الشعب النبيل. ومن أبرز الأدّلة على ذلك أننا لا نعرف إلى حدّ الآن ماذا سمَّى هذا الشعب نفسه، بل نُسمّيه ونَصفُه بما سمَّاه و وَصَفه المحتل المدمِّر الأوروبي.

باعتبار أنّ أمريكا هي «أورشليم» الجديدة، فلقد أباحها إله إسرائيل المتعطش للدم «الكنعاني» (أي للدم غير «الإسرائيلي»)، للإسرائليين الجُدُد، أي للبيض المستوطنين للقارّة. وهذا «رسول الحرية» الرئيس جِفَّرْسون يقول عن هؤلاء الحمر: «سنفنيهم ونمحوا آثارهم من هذه الأرض» في ترديد لصوت إله «إسرائيل» وهو يحرّض «يسّوع» الأمريكي.

كانت الولايات المتحدة الأمريكية وريثة «إسرائيل» أعظم ممارس للدمار الشامل في التاريخ البشري. «فلقد أبادت 400 شعب أحمر، أي قرابة 112 مليون إنسان، بواسطة التقتيل المَّادي، والترحيل بالقوّة تحت الثلوج وعلى الصخور وعلى امتداد أميال سحبًا، وبواسطة التجويع والمحاصرة، والغدر، والقَنْص، والتدمير الاقتصادي (إتلاف المحاصيل...)، وخاصة سلاح الدمار الشامل الخطير: السلاح الجرثومي» . وذلك بنشر الأوبئة بين «الهنود الحُمْر» نشر الجدري، ببطّانيّات وملابس و«هدايا» من مستشفيات البيض التي تؤوي مرضى الجدري...وهكذا دفعت أمة الحُمْر الثمن غاليا لوداعتها وجنوحها للسلام باستمرار، فحتى حربهم كانت شريفة إذ كانت الحرب في دينهم الفطري- التوحيدي – الأرواحيّ حربًا استعراضية، أي كانت من أجل إثبات التفوّق؛ كما دفعت الثمن غاليا لتحالف بعضها مع البيضِ ضد بعْضها الآخر.

لقد تفطّن الحُمر إلى هذا السلاح الجرثومي عديد المرات، ولكن ثقافتهم المفرطة في التسامُحية كانت دائما «توقِعهم» في «خطئهم» السابق. وفي السبعينيات من القرن العشرين اكتشفت الطبيبة «الهندية- الحمراء» كُوني أُوري في سجلات المستشفى الذي تعمل فيه نسبة مرتفعة جدّا من نساء جنسها الذين أُخْضَعن للتعقيم بعد يوم أو يومَيْن من وَضْعِهن . يقول جيمس بولدين، النائب بالكنغرس بين 1934 و1939: «إنّ قدر الهندي الذي يواجه الإنكلو- سَكْصُونيّ هو نفسه قدر الكنعاني الذي يواجه الإسرائيليَّ».

هاهي الولايات المتحدة تسمّي أسلحتها : «هوك» و«أپاتْشي» باسم الزعماء الهنود الذين قهرتهم وقتلتهم. وهاهخي تُسمِّي «سياتل» باسم الزعيم الذي أطردَتْ قبيلتِهِ مِن ذلك الفضاء. وهاهو المناضل الهندي- الأحمر إيغل يقول عام 1996 عن الإبادة الصهيونية في فلسطين: «هذه واحدة من الإبادات الكثيرة التي واجهناها وسيواجهها الفلسطينيون (....). إنّ جلادنا المقدّس واحد» .

ولم يكن توطين السود بالولايات المتحدة إلاّ تعويضًا عن هنودٍ حمرٍ رفضوا أن يكونوا عبيدًا لدولة «إسرائيل» الجديدة. ولم يكن وصول إفريقي واحد إلى الشاطئ الأمريكي إلا مقابل مقتبل مائات من السود أو غرقهم أو موتهم من الوباء على الطريق، من ساحة القتال على الأرض الإفريقية إلى جزيرة غورو السّينغالية فأمواج الأطلسي المظلمة.

3- الولايات المتحدة تنتصر على الثورة الفيلپينية بالحرب الوبائية:

مِن مُفَارقات الدهر الإمبريالي أنّ المستعمِر يقتل المستعمَر ثم يمشي في جنازته، سواءًا كان إسمه فرنسا أو إيطاليا أو بريطانيا أو هولندة...

هذه الولايات المتحدة الأمريكية تُواجَهُ بمقاوَمة «فيلپّنية» بين عَامي 1899 و1902، كادت تنتصر، وفي لحظة إمكانية انسحاب القوّة الأمريكية المحتلة، كان قرار الإدارة الأمريكية عام 1900 بـ«هجوم مدمِّر للهَيْضة [الكوليرا] والجدري والدُّوزنطارِيا والمَلاريا والسل، وغيرها من الأمراض المميتة (..)» . لم يكُنْ المنكوب المستعمَرُ ليعْلَم ذلك «إلاّ مِن تحت اللْحُود» (كما يقول الأديب محمود الدُّوعاجيّ)، أي لما أفرج الأرشيف الأمريكي عن هذا السّرّ في الخمسينيات من القرن العشرين.

والأدْهَى، أنّ المستعمِرَ الأمريكي بَعْد أن كان محلّ حقد الشعب «الفيلِپّيني»، أصبح محل عشق (وليس محلّ حب عادي)، إلى درجة تناسِي لغة المستعمر السابق (الإسبانية) والإقبال على لغة المستعمِر/«الصديق العظيم» الجديد، بل تَخَلِّي منطقة أمان الله (مَانيلاَّ) وغيرها عن دينها السابق، والإقبال على دين المستعمِر/«الصديق العظيم»: الپروتستنتيّة التي أصبحت دين الأكثرية، بعد أن كان دين «أمان الله» السابق هو دين محمد. وذلك أن القاتل، بَادَر في نفس الوقت إلى مدّ السكان بالدّواء واللّقاح المناسِبَيْن الناجعيْن مستدخلاً لأوّل مرّة الطبابة الأوروبية الحديثة ليتخلى المقتول طوعًا عن طبابته التقليديّة، الموروثة، إذْ أصبحت «كلها» في تمثله «غير صالحة». وبذلك أصبح القاتل، محييًا للموتى، إلاهًا قديرًا، أخرج الفيلِپّينيين من «الخرافة» و«التخلف»، مُدخلاً إيّاهم في عصر «العقل والعلم»، كما يرى المؤرخِون والمثقفون الفيلپّنيّون الحَداثيّون ، في تمثّل مطلق لمذكّرات القائد الأمريكي «وُرْشِسْتر»، الذي بَعْد أن وصف الثورة عام 1899 بـ«البسالة» و«الجرأة» و«الدهاء العسكري» و«الروح الانتصارية»، أصبح يصفها عام 1900 بـ«الأدوات المسرحية» يُحركها «مُخرج» أمريكي «يتقهقرون في فوضى هائلة» ، ثم انبرى ليصف قيادته المظفرة لحربه ضدّ الهيضة «المسرحية»- «القَرَهْ- قُوزِيَّة». عندها «أصبح» المقاوِمُ «عدوًّا» لشعبه الفيلپّيني، بينما «أصبح» المحتل الأمريكي «صديقًا عظيمًا» شافيا ومنقذا، في عيون الفيلِپينيين.

فمالم يستطيع المحتل الأمريكي أن ينجح فيه، حققته الهيضة، فرَّ سكان «أمان الله» (مانيلاَّ) إلى الغابات، هربًا من الوباء، ودخلت القوّات المحتلة إلى المدينة دخول المنتصرين، ولكن إلى مدينة دون سكان. وكانت قبضة الوباء أكثر كثافة وفتكا بالأراضي التي يهيمن عليها رجال المقاومة . وهنا أعلن زعيم المقاومة (ميكائيل مَلْوار)، الاستسلام دون شروط، فالمجاعة فتكتب بشعبه ورجاله، وكذلك الموت المتسارع، بل إن أصابع اتّهام الكثيرين من شعبه أصبحت متجهةً إليه، إذ قَبِلوا في ذلك الإشاعات الأمريكية.

مدَّ العسكريُّ الأمريكيُّ الفيلپّينيَّ، الجائع الموبوء، بالدّواء والطعام معًا، وكانت دهشة الفيلپّني عظيمة أمام نجاعة الأمريكيّ و«كرمه» و«ذكائه الإلهي». لم يكن الجيشُ الأمريكيُّ وحده متجاهلاً قامعًا لطبّ الشعب الفيلپّيني الموروث ، وقد كانت بعض الأدوية العلاجية الموروثة ناجعة نسبيّا، كالمستخلصة من شجرة «لَلْما تُونِج» ، بل إنّ الشعب نفسه قد انصاع لهذا التجاهل، مع ما يعني ذلك من انطماس الكثير من الخِبرات التاريخيّة التي ليسها لها آثار جانبيّة كالطّب الأوروبي الحديث. ولم يكن الحجر الصحي الأمريكي المفروض، مجرد إجراء استشفائي، بل كان أيضا في الوقت نفسه، حظر تجوال على شعب مقاوِم، ذكيّ جدّا في مقاومته. وكان أيضا عمليّة إعادة تهيئة نفسية وثقافية وجسدية لشعب «آخر»، حتى يصبح شعبا «ذليلا»، «مِطواعًا»، قاطعًا مع أصوله الثقافية؛ وخاصة نخبته، وطال التدمير حتى أسلوب العِمارة والسّكن، بتعلّة القضاء على الوباء. وقد قَمع القائد العسكري «وُرْشُسْتِر» الأطبّاء التقليديين بعنف، والذين أصابوا الكثيرَ من النجاحات عام 1905، وخاصة المَلِكة الطبِيبَة في منطقة «تَيْتَاي» .

4- العالَم ما بعد الكورونا ليس كما قبله: نريد بشرية متسامحة متضامنة اليوم:

- أيها السادّة! لِتَكن إيطاليا بعد تعافيها من الكورونا ليست إيطاليا قبلها، وإلا فستكون غبيّة. ها قد وجدت الاتحاد الأوروبي وبريطانيا والولايات المتحدة لا يلتفتون إليها، وهاهي تجد روسيا والصين وكوبا صديقات لها. سيكون الإيطاليون أغبياء إذا تركوا القواعد الأمريكية على أراضيهم وإذا بقوا منخرطين في حلف شمال الأطلسي وإذا بقوا مُعادين أغبياء لروسيا والصين وأمريكا الجنوبية المقاوِمة ولإيران ولفلسطين المصْلوبة منذ الاحتلال البريطاني.

- أيها السادّة!.. ليَكن المسلمون بعد تعافيهم مِنْ هذه الأزمة غير المسلمين قبلها. ليتخلوا عن أفكارهم المتعصبة ضدّ الأديان والمذاهب الأخرى. ليتخلوا عن عصبياتهم التي مزقتهم أشلاءًا. لِيَتخلَّ الإخوان المسلمون عن تحالفهم مع السلفيّة الجهادية التي بَنَتْ كِيانات أپارْثايدْ في سوريا والعراق، متسبِّبين بذلك التحالف في دمارٍ شامل لَنْ تندمل جراحه بين يوم وليلة. ليعُدْ المسلمون (متديّنين وعلمانيين) فهمَهم للإسلام دين «الرحمة للعالمين» و«الجنوح للسلم» و«الأمْر بالعَدْل والإحسان» و«الدخول في السلم كافّة» (حتى في سورة الغضب: سورة التوبة)! ليتخل المسلمون عن تبعيتهم الاقتصادية والثقافية والسياسية وليقتدوا بالأمم العظيمة (كوريا، الصين، إيران، روسيا، كوبا...) التي رغم جراحاتها لم تكن عدوانية وانتقامية دون إسقاطات عنصرية ومذهبية و«دينية، بل بادَرتْ إلى نجدة الملهوفين في إسبانيا وإيطاليا!

- أيها السادّة! لِيتحلَّ المسيحيون في العالَم، وخاصة العرب منهم (لأنهم هُم الذين كانوا أتباع المسيح الأوائل) بالشجاعة، ولينظفوا كتابهم المقدَّس من كل دَنَسِ العصبية العنصرية التدميرية، وإلا لا حق لهم في الانخراط في حرب المقاومة الشعبية في «أريحا» والوطن الفلسطيني! أخرجوا كيان «إسرائيل» من الكتاب المقدّس قبل إخراجه من الأرض! فوجودُهُ «المقدّس» في ذلك الكتاب هو الذي صنع فيروسات التدمير الشامل الأمريكي لشعوب العالم...

لنقرأ معًا، بخشوع المتدينين كلمات الزعيم الهندي الأحمر (سياتل) عام 1845:

«يقول السيد الأبيض [الأمريكي] إن الزعيم الكبير في واشنطن يُهدي إلينا تحيّات الصداقة والنوايا الطيبة، (..) ليست به حاجة إلى صداقتنا، فأبناء شعبه كثيرون (..) أمّا أبناء شعبي [فقد أصبحوا] قليلين مثل شجرات متناثرة في سهل كنسته العاصفة.

وقد بعث الزعيم الأبيض العظيم (..)  إلى شعبي رغبته في شراء أرضنا مقابل أن يوفر لنا عيشا مريحًا، وهذا يبدو عادلا في الحقيقة، لأن الإنسان الأحمر لم يعد له حق يستحق الصون (..) ولأننا لم نعد في حاجة إلى أراضٍ فسيحة (..)، ونحن أيضًا قَمِيئون باللوم (..). عندئذ سيكون [الزعيم الأمريكي أبًا حقا، ونحن سنكون أبناءه. ولكنْ أيمكن لمثل هذا أن يحدث؟! [لا]... فربّكم ليس ربنا. إنّ ربكم يحب شعبكم ويكره شعبي. إنّ ربكم يجعل شعبكم أقوى يومًا بعد يوم، وقريبًا ستملؤون المدى. أمّا أبناء شعبي فيضمحلّون مثل مَدٍّ ممعن في الانحسار(..) فكيف لنا أن تكون إخوةً إذن؟! (..) ربما يكون زمان أُفُولكم لما يزل بعيدًا، لكنه قادم دون ريب (..) فحتى الإنسان الأبيض لن يَقْوَ على القدر المشترك. وربما سنصبح إخوّة [آنئذ] بعد كل شيء (...) ».

ولنرتل معًا ما قاله سياتل لشعبه: «بعث الرئيس من واشنطن رسالة يعلمنا فيها عن رغبته في شراء أرضنا، ولكنْ كيف يمكن شراء السّماء أو الأرض أو بيعهما؟! هذه الفكرة غريبة علينا. كل جزء من هذه الأرض مقدّس عند شعبي (..) نحْن جزء من هذه الأرض، وهي جزء منا. الأزهار العَطرة إخوتنا. والدببة والغزلان والنسور إخواننا. كل خيال في مياه البحيرات الصافية تخبر عن ذكريات في تاريخ شعبي. ورقرقة المياه صوت أجدادي».

لنرتل معًا ما ختم به سياتل : «حافظوا في أذهانكم على ذاكرة الأرض، كما كانت عندما استلمتموها. حافظوا على الأرض لجميع الأطفال وأحبّوها كما يحبّنا الله جميعا. نحن واثقون من أمْرٍ واحد، أنّ الله واحد (..) لذلك نحن إخوّة في نهاية المطاف».

أيها الموسيقون، ألا تستحق كلماتُه أنْ تُلَحَّنَ في سنفونية عظيمة! رحِمهُ الله تعالى!!

خاتمــــة:

1- هذه الأرض ذاهبة في تاريخ الانقراض، وهذه البشرية التي عليها كذلك، بسبب تعاظم غطرسة الإمبريالية التي طال أمدها كثيرًا جدّا، وبسبب قصور الشعوب النائمة التي طال نومها وتبعيّتها كثيرًا جدّا.

2- لتكن الكورونا موقظةً لنا. فنتحد جميعًا، من أجل عالَم تضامني، عَدَالي، إنساني، ومن أجل أديان ومذاهب تسامحية، تحب الله إلاهها الواحد وإنسانه المكرَّم.

3- اتضحت الصورة. كما قال الشاعر الأمريكي الأسود: إمامُو بَرَكة، «أمريكا- هذه- يجب أن تسقط». وذلك بثقافة جديدة، متجددة، ثقافة الوحدة الإنسانية، ثقافة التبرّئ من الإمبريالية والصهيونية والتفاوت الاجتماعي ورأسمالية النهب والقتل والابتزاز وأخلاقية القهروالكوارث. لنقُلْها جميعًا، كل شعوب الأب آدَمَ التي وحّدتها الكورونا: «أمريكا يَكفي! نحن آتّحدنا!!».

 

د. عادل بن خليفة بِالكَحْلة

(باحث أنثروبولوجي، الجامعة التونسية)

 

محمود محمد عليبعد بضعة أسابيع من تفشي فيروس كورونا المخيف حول العالم، يكاد الناظر للمشهد العالمي أن يشعر أننا لم نعد نعيش في "قرية صغيرة" أفرزتها العولمة؛ إذ ثبت أنّ العولمة لا تزال غير مكتملة الأسس، لحين انضواء كل الدول والمجتمعات تحت لواء القيم المشتركة للإنسان الحافظة لكرامته وحقوقه الإنسانية بالعيش بصحة جيدة خالية من السموم ومخاطر الأوبئة.. وبالتالي تبقي العولمة وسهولة التنقل والانفتاح بين الدول التي تتباين أنظمتها السياسية والصحية وتعاملها مع "الإنسان" ومواطنيها نقمة دولية تحتاج إعادة النظر بها، وليكن كما قال بديع يونس) في مقاله بعنوان كورونا والعولمة و"المؤامرة") " كورونا درساً مهما في العلاقات الدولية" .

إن ما رأيناه في الأيام والأسابيع الأخيرة في واقع الأمر من ضحايا كورونا ترك انطباعاً سياسياً أولياً حول مدى هشاشة النظام الدولي العالمي، من حيث علاقة دول العالم بعضها ببعض، إذ تبدو الشكوك أول الأمر وآخره هي المتحكمة في المشهد وليس الثقة بين الأمم والشعوب.. وهنا ظهرت مجموعة من المقالات التي تنعي العولمة، مثل "تفش عالمي يغذي رد الفعل العكسي ضد العولمة"، و"انتشار الفيروس قد يعجل بالانهيار الكبير للعولمة"، و"هل ينهي فيروس كورونا العولمة كما نعرفها؟.

ذكرت وكالة أنباء "بلومبرج" الأمريكية في تحليل، أن الإجابة باختصار هي: لا.. لن يقضي فيروس كورونا على العولمة- على الأقل لن يحدث ذلك إذا ما تحدثنا عن العولمة على أنها أمر أكبر من مجرد سلاسل التوريد عبر القارات وسفن الحاويات الضخمة.. بيد أن تقويض إشعارات الوفاة المبكرة، الناجمة عن الفيروس، هو التحدي الذي تشكله إدارة العولمة في ظل تحول موازين القوى العالمية.. إن العولمة في حاجة لإدارتها؛ خاصة بعد تراجع نفوذ الولايات المتحدة، غير العسكري، والذي ظهر واضحاً في مواجهة تفشي وباء كورونا والذي رفضه الرئيس ترامب في طور الاندلاع عندما نظر إليه علي أنه كذبة حزبية، علاوة علي أنه كان قد رفض تماماً في وقت سابق الأهمية الملحة لقضية التغير المناخي، كما اعتبر المنظمات متعددة الأطراف التي جرى تأسيسها من أجل التأقلم مع العولمة، سواء كانت الأمم المتحدة أو منظمة التجارة العالمية، انتهاكات لسيادة أمريكا، وليست سبيلاً لتعزيز النفوذ الأمريكي، وزيادة تقاسم الأعباء، وبالتالي أسقط ترامب كل الشعارات الأمريكية التي جسدها كسينجر في كتاباته ؛ ففي المنظور الأمريكي للعالم يومها لم تكن السياسة الخارجية مهمة بقدر ما كان غرس مبادئ مشتركة.. ألم يقل هنري كيسينجر في كتابه "النظام العالمي" إنّ الولايات المتحدة "ستصبح غير مستغنى عنها لدفاعها عن نظام القيم الذي أسسته أوروبا"، ويقصد كيسينجر أنّ "سلام ويستفاليا" أرسى أولى الشروط من النظام العالمي المعاصر بحسب خبراء في العلاقات الدولية. وبحسب كيسنجر، فإنّ "الرؤية الأمريكية تسعى لبلوغ السلام عبر نشر مبادئ الديمقراطية".

إنها إذاً حالة انعدام الثقة بين دول العالم لا سيما الأقطاب الكبرى، وقد تجلت في الشهرين الماضيين، وبدا أيضاً أن هناك تبعات تتعلق بحال ومآل الدولة العصرية بشكلها  الويستفالي .. ماذا نعني بذلك؟

لقد أكدت أزمة كورونا فشل ما ذهب إليه عالم الاجتماع السياسي مارشال ماكلوهان من أن العالم بات قرية صغيرة، فإذ بنا نجد أنفسنا بمواجهةِ "حارة كونية"، سواء عبر الانتقال من قارة إلى قارة، ومن موضع إلى آخر حول الكرة الأرضية جسمانياً، أو على  صعيد التواصل المعلوماتي والمعرفي عبر نقرات خفيفة على  الفارة، أو بلمسات على الهواتف الذكية.. كما أكدت فشل ما ذهب إليه أيضا "كوفي عنان" عن العولمة بأنها تعني انسياب الأفكار والمهارات والأموال، بحيث تصبح عابرة للحدود مخترقة للقارات؛ أي أنها تعنى سقوط الحواجز بين الشعوب وتشير إلى درجة من الانفتاح بين الأمم.

إن كورونا أظهرت بأي مقدار هو العالم قرية كونية بالفعل، ولكن هذه «الكونية» ليست بمنجاة من المخاطر الآتية إليها من أحد مراكزها أو أطرافها، ما كانت ستعرفها لو ظلت مجرد قرية.. ليس هذا فقط بل أعادت كورونا العالم إلي سيرته الأولي .. دول مغلقة حدودها في وجه بعضها بعضاً.. دول أقرب إلى الجزر الصغيرة المترامية بعيداً.. إن كرورنا أكدت أن البشرية قد عرفت طوال قرون خلت أنواعاً مختلفة من الأوبئة الفتاكة كالطاعون والجدري والكوليرا والسل، ولم يكن العلم قد تقدم إلى هذه الدرجة التي هي عليه الآن، كما لم تكن الأمصال الحديثة قد وجدت طريقها إلى البشرية، وفي ذلك الإطار كانت الأوبئة محلية أو في أسوأ الأحوال إقليمية، فما كان يضرب أوروبا، حكما لم يكن يؤثر في آسيا أو إفريقيا، ناهيك عن أمريكا الجنوبية أو الشمالية، فقد كان العالم وقتها جزراً منعزلة بعيدة عن بعضها بعضاً وذلك كما قال إميل أمين في مقاله كورونا.. علامة فارقة في طريق العولمة.

صحيح أن عدد من ماتوا ويموتون كل يوم منذ أن أُعلن عن اكتشاف «كورونا» لا يعدّ شيئاً مهولاً قياساً لما كان يحدث قبله من حالات وفاة في مختلف البلدان؛ خاصة منها كثيرة السكان، أو التي تعاني الفقر وتدني الخدمات الطبية، فضلاً عن ضحايا الحروب المدمرة، أهلية كانت أو بين الدول، وضحايا المجاعات والقحط والكوارث الطبيعية كالفيضانات والحرائق وغيرها.. لا نرمي البتة إلى التقليل من خطر «كورونا» الذي يجتاح البلدان، بلداً وراء آخر، ويستنفر العالم كله لمواجهته، وتعمل المختبرات ليل نهار للوصول إلى لقاح يمنعه وعلاجات تشفي منه، ولكننا لا يمكن أن نغفل عن أن الماكينة الإعلامية العالمية، غير الملامة على كل حال، تساهم بحصة كبيرة في بث الهلع غير المسبوق جراء الفيروس.

إن فيروس كورونا، وصل إلى كل مكان وقطع التواصل في العالم. وهو عملياً فعل أمرين متعاكسين: من جهة طبّق العولمة بالكامل، وإن كانت عولمة الخوف. ومن جهة أخرى، جعل العزل أمراً واقعاً بين القارات، ثم بين البلدان، ثم داخل كل بلد، من دون أن تنتج تجربة العزل ما انتجته تجربة إديسون، إذ يروي إدموند موريس في كتابه "إديسون"، أن المخترع العظيم قال "لم أسمع صوت عصفور منذ كنت في الحادية عشرة، لكن الصمم أبعدني عن ضجيج العالم للتركيز على ما أريد اختراعه.

إن وباء كورونا أجبر العالم على التخلي موقتاً عن "فن الحياة"، لا مسارح، لا مباريات رياضية، لا ندوات ثقافية، لا مطاعم، لا مقاهٍي، لا صلوات، ولا حتى تبادل السلام بالأيدي أو التقبيل. فالعالم اليوم يواجه عدواً لا يعرفه، ولا يراه، ولا يعرف من أين يأتيه. وكل التطورات في العلم والتكنولوجيا والأجهزة الكاشفة عجزت عن التغلب على جرثومة من حشرة صغيرة. فالطبيعة ليست فقط أقوى منا حين تضربنا بالزلازل وسواها بل أيضاً أذكى منا.

وهذا ما يختصره العالم الفيزيائي فريمان دايسون في جامعة برنستون بالقول، إن "الطبيعة لديها دائماً مخيّلة أكثر مما لدينا، وجمال العلم هو أن كل الأشياء المهمة لا يمكن التنبؤ بها". وقبل قرون في العالم العربي، قال النّفري إن "العلم المستقر هو الجهل المستقر" وذلك كما قال رفيق خوري في مقاله كورونا.. عولمة الخوف والخسائر والتخلي عن "فن الحياة".

لذلك لم نكن نعلم أنه سوف يأتى يوم يجرى فيه تطبيق العولمة على النحو الذى نراه الآن بعد ظهور فيروس كورونا، الذى قلب العالم رأسًا على عقب وحبس الأسر فى منازلهم، وأوقف الطيران الدولى والداخلى وأدى إلى تجميد السياحة وإلغاء الحجوزات، وإغلاق المدارس والجامعات والنوادى والفنادق، بل الكنائس والمساجد، لقد أصبحنا أمام مشهد غير مسبوق فى تاريخنا الذى عشناه، ولا أظن أن لما نراه اليوم سابقة مثيلة.. نعم إنها حرب عالمية ثالثة ولكن دون جيوش أو طائرات أو بوارج، ولكن بفيروس صغير تدخل فى الخطط الشخصية لكل البشر بغير استثناء، ولم يفرق بين دول غنية وأخرى فقيرة، ولا بين الشمال والجنوب أو الشرق والغرب، فالفيروس الذى بدأ ظهوره من الصين دار حول العالم بأسره وضرب إيطاليا على نحو مؤلم كما نالت إيران وكوريا الجنوبية ودول أخرى نصيبًا من ذلك الوباء اللعين.. فيروس كورونا أثبت سرعة انتشاره مستفيداً من نظام العولمة الذي حوّل الكرة الأرضية إلى "قرية كونية" ؛ بحيث سهّل انتقال الأشخاص، وهي الحرية التي سهّلت بدورها انتشار الوباء من دون حاجة إلى الحصول على إذن أو تأشيرة، بدليل أن الوباء بدأ في منطقة محددة من الصين، ثم انتقل خلال أيام إلى باقي أنحاء العالم عابرا للقارات.. المفارقة هنا هي أن العولمة بأبعادها السياسية والاقتصادية والثقافية كانت تخدم أنظمة رأسمالية دولية، ويتم توظيفها لخدمة مآرب ومشاريع تصب بشكل خاص في مصلحتها على حساب الفقراء من دول وشعوب، ولكن مع فيروس كورونا انتفت أي فروقات طبقية وساد ما يمكن تسميته "اشتراكية المرض" بحيث أصبح الفقير والغني ليسا بمنأى عن هذا الوباء، ولم تكن الأنظمة ومن يمثلها في هرمية السلطة بعيدة عن مخاطره. وبذلك أصبح الوباء عابراً للطبقات الاجتماعية بكل متدرجاتها وتصنيفاتها وذلك كما قال محمد الجبور في مقاله كورونا واشتراكية المرض.

إن فيروس «كورونا» كشف لنا أنه لم يعد قضية محاصرة فيروس ما زال مستعصياً على التشخيص والعلاج، وإنما ما واكبه من انهيار في البورصات العالمية بما فيها البورصة الأمريكية، ومن بعدها أسعار النفط، ونشب خلاف بين روسيا والسعودية بعد انسجام، أصبح الأمر كما لو كانت هناك «سلسلة» من الأحداث الخطرة التي يعقبها أحداث أكثر خطورة، أصبحت الولايات المتحدة المزدهرة على حافة انكماش اقتصادي، وبدا العالم على شفا " الكساد " .. الفيروس عرض قلب العالم الصناعي في الصين إلى اختبار كبير فقد تراجعت معدلات النمو الصينية، وأصبحت صناعات العالم التي تعتمد على الصناعة الصينية في حالة شلل.. انهيار الصناعة العالمية قلل الطلب على النفط، وعلى التجارة العالمية .. فيروس «كورونا» أصبح نوعاً من «نوبة الصحيان» الضرورية للعالم أنه مهما نجحت الدول في بناء الأسوار فإنه لم يعد ممكناً للدول وحدها التعامل مع سلسلة الأحداث الخطرة الممثلة في «الاحتباس الحراري»، والتي أدت إلى كوارث زراعية في العديد من الدول نتج عنها وفق تقارير دولية إلى وفاة 815 مليون مواطن نتيجة ضعف أو قلة الغذاء، وذلك كما قال د. عبد المنعم سعيد في مقاله فيروس كورونا والعولمة وأشياء أخرى.

اليوم، ووسط الرعب المتزايد عن مصير العالم في ظل انتشار كورونا المستجد، لا يخلو الحديث عن التغيرات التي سيشهدها العالم في مرحلة ما بعد كورونا، لأنه ما من شك، أن "الجندي كورونا"، مثله مثل أي أزمة وبائية أو حرب عالمية تقليدية ستهز العالم بأسره، من شأنه أن يغير مفاهيم ونماذج العمل (في البنى التحتية والفوقية)، التي ما كانت لتتغير من مرحلة لأخرى، لولا ضرورة الأزمة واستحقاقاتها العملية بإنتاج مفاهيمها الخاصة في طبيعة علاقات التبادل والأولويات، لذلك ومن باب الاعتقاد، أن دول العالم وخصوصاً الغنية منها، واتحاداتها العالمية الاحتكارية العابرة للقارات، ما كانت لتخرج من عنق الزجاجة ونظام عملها القديم – الاحتكاري والاستغلالي- لتبحث جدياً في كيفية اعتماد أنظمة وأنماط عمل جديدة في كافة ميادين الحياة بأولوياتها المستحقة، لولا الأمر الواقع الذي أحدثه فيروس كورونا و"مفاعيله" على الصعيد المجتمعي الدولي، والذي عجزت عن تبنيه واستبصار نتائجه، كبرى الاجتماعات الدولية للدول الصناعية والغنية، في ما يتعلق بحقائق: (الانبعاث الحراري وتلوث البيئة، الاستغلال الجائر لموارد الطبيعة، التعاون الدولي للحفاظ على البحار والمحيطات وثرواتها، احترام الإنسان لقيمته الإنسانية في الحرية والعدالة الاجتماعية، استباحة سيادة الدول الفقيرة وجعلها سوقاً استهلاكية لمنتوجاتهم. الخ) في نظام عالمي تبادلي استغلالي يقوم على "عولمة الغني والفقير، القوي والضعيف.. لذلك، فيروس كورونا يضع النظام العالمي السائد أمام صحوة الصدمة، وفرض عليه مناقشة كل إجراءاته وأنظمة عمله وأولويات اهتماماته، وانه- أي كورونا - صاحب القرار في التغيير الحتمي لمجموع النظم الاقتصادية العالمية، ومنظومتها السياسية والاجتماعية والثقافية وذلك كما قال د. باسم عثمان في مقاله حسابات " كورونا"... بين العولمة والأصالة.

لكن الدرس الذي نتعلمه من فيروس كورونا الجديد ليس أن العولمة قد فشلت، بل الدرس هو أن العولمة هشة، على الرغم من فوائدها أو حتى بسببها، وعلى مدى عقود، أدت جهود الشركات الفردية الدؤوبة للقضاء على الإسراف إلى توليد ثروة غير مسبوقة. لكن هذه الجهود قللت أيضاً من حجم الموارد غير المستخدمة - ما يشير إليه الاقتصاديون بـ"الركود" - في الاقتصاد العالمي ككل. في الأوقات العادية، غالباً ما ترى الشركات الركود كمقياس للقدرة الإنتاجية الراكدة أو حتى المهدرة. لكن الركود القليل جداً يجعل النظام الأوسع هشاً في أوقات الأزمات، ويستبعد نظام منع حدوث الفشل..  ونتيجة لكل ذلك، دقّت أزمة "كورونا" مسماراً في نعش العولمة، وبمجرد أن تهدأ حالة الذعر والقلق، فإنّ من يعتقدون أن سياسات الانفتاح والعولمة أمام انتقال البشر والسلع أمر جيد، سيحتاجون إلى الدفاع عن آرائهم بطريقة مقنعة... وننتظر ما تسفر عنه الأيام المقبلة!!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقل بجامعة أسيوط

 

حسن العاصييبدو أن المقاييس على وشك الانقلاب، بعد أن تم سجن البشرية في المنازل بعملية تدجين حديثة، بذريعة اتقاء بطش السيد كورونا المنتشر في كافة المدن والقرى والميادين. الخطوة القادمة هي تحرير الحيوانات المعتقلة منذ عقود في أقفاصها الباردة بسجون تسمى "حدائق الحيوانات"، المنتشرة في مختلف أماكن المعمورة، لتفسح المجال والمكان أمام الإنسان، ليدخل تلك الزنازين/الأقفاص فور خروج "الحيوانات" منها، لتحل الحدائق الخاصة بالبشر وأجناسهم وما يشبههم، ثم تأتي الحيوانات التي استعادت حريتها و"حيوانيتها" الفطرية، لتزور القاطنين الجدد، وترمي لهم حبات الفستق، وقشر الموز، والأرغفة اليابسة. ثم تبتسم وهي تلتقط الصور التذكارية مع الإنسان القابع خلف القضبان.

هذه الصورة كانت عبارة عن رؤية سريالية طريفة، لمعت في ذهني حين اصطحبت صديقاً حلّ ضيفاً علي ذات يوم إلى حديقة الحيوانات الضخمة في المدينة التي أقيم فيها. أصوات الحيوانات في الأقفاص التي تحاصرنا جعلتني في مقاربة صامتة حول صوت الإنسان، والأدوات التي طورها عبر ملايين السنين بهدف الاتصال الاجتماعي، والتعبير بالكلام عن مخاوفه وحاجاته الأساسية. في تطور كان يفترض به أن يحقق التحولات التي تجعل حياة الإنسان أكثر رفاهية وأمنا. فيما كان صديقي في تلك اللحظات منشغلاً بتمثيل دور السائح، الذي يوزع الابتسامات يميناً وشمالاً، ويلتقط عشرات الصور.

لكن تلك الأفكار التي كانت مجرد هذيان فيما مضى، هي اليوم أقرب ما تكون إلى أن تصبح واقعاً حقيقيا، بعد أن خلت الشوارع والساحات والمتنزهات من البشر، وخلت مراكز التسوق من روادها المستهلكين، بعد أن كانت تشكو الاكتظاظ، نتيجة هوس الإنسان في التملك والشراء. وبعد أن تحولت كبرى العواصم إلى مدن أشباح لا وجود لمظاهر الحياة فيها، نتيجة العزل الطبي، والحجر الصحي التي فرضته الأنظمة السياسية على المواطنين، في محاولة لاستيعاب تقدم انتشار وباء "كورونا" والسيطرة عليه.

قرود بشرية

بالعودة إلى أصوات الحيوانات، نعم تمتلك تلك الحيوانات التي وضعها البشر في الأقفاص لغة، ورغم شيوع فكرة أن الإنسان حيواناً ناطقاً، إلا أنني أرى أن الإنسان حيواناً مثل باقي الحيوانات. فقط هو مختلف عن الأرنب، تماماً مثلما تختلف البطة عن الفيل، والجمل عن الذئب. لكن الإنسان قطعاً لا يتميز عن سائر الحيوانات بالنطق. ذلك أن جميع تلك الحيوانات هي مخلوقات ناطقة. وعجزنا عن فهم وإدراك ما تقوله لا يعني أنها غير ناطقة. فالذئب حين يعوي يقول شيئاً بفهمه باقي القطيع، مثل نقنقة الدجاج، وكذلك سائر الحيوانات.

مع مرور الوقت بعد تلك الزيارة أصبحت مقتنعاً أن النطق الذي كان يظن البعض، أنه شيئاً يتميز به ابن آدم على سواه من المخلوقات، مجرد ذريعة ابتدعها البشر لإظهار قبحهم في علاقتهم مع بقية المخلوقات من حيوانات وما شابه. بل أكثر من ذلك، فقد تحول "البشر" في العصر الحديث إلى نموذج هجين عن القردة، وبتنا لا نرى ولا نسمع ولا نتكلم. وابتكرنا قرداً رابعاً لا يشعر، وخامساً لا يرحم، وسادساً متوحشاً، وفي كل يوم نبتكر قرداً جديداً.

لقد فعل الإنسان كل ما يجعله يستحق هذا المصير العبثي. عبر توحشه وتغوله وأطماعه، وقسوته غير المبررة على مر العصور. نلتفت حولنا، فنجد أطفالاً يأكل الذباب عيونهم، يذهبون إلى المدارس نصف عراة ونصف جائعين. تتنافس على طفولتهم أسواق العمالة الرخيصة، وتتلقفهم ورشات وحقول الكبار، وهم في سن اللعب والتشكل. أطفال في دول فقيرة ونامية تراهم يشيخون في فترة المراهقة، تائهون ومهمشون في الأطراف، يبتلعهم ازدحام المدن في عصر العولمة و"الحداثة". ولا أحد يدرك معاناتهم، ولا نسمع صوتاً "بشرياً ينطق نصرة لطفولتهم التي لم يتعرفوا إليها.

التهميش أصبح ظاهرة عميقة ولافتة، بالغة التأثير في الحالة الدولية وقبيحة. هي ظاهرة لا تقتصر على المجتمعات التي تعاني من مشكلات اقتصادية وسياسية واجتماعية، بل تشمل أيضاً جميع المجتمعات والدول، سواء تلك الغنية أو الفقيرة، الدول التي تشهد صراعات أو الأخرى المستقرة نسبياً، الدول التي تحكمها أنظمة استبدادية أو تلك الأقل استبداداً. وهي ظاهرة تطال تداعياتها غالبية الدول، الإقليمية منها أو الدول الأوروبية، التي يفر إليها الناس من بلادهم نتيجة تعرضهم للتمييز والقهر والجوع.

ثم مكابدة مئات الملايين من البشر في مختلف بقاع الأرض، خاصة في الدول الفقيرة ودول الجنوب والدول النامية، لتبعات الجوع والفقر والفاقة وضنك الحياة، ونسب الأمية والبطالة المرتفعة، وضعف الرعاية الصحية والاجتماعية، وازدياد التفاوت الطبقي والحضري بين أبناء القطر الواحد، واتساع الفجوة باضطراد بين الأغنياء والفقراء. يزداد الأمر قبحاً حين تغيب في هذه الدول، الحريات العامة، ويجري إعدام الديمقراطية السياسية والاجتماعية. ويتحول القضاء والمؤسسات اللاهوتية إلى دور إفتاء للزعماء السياسيين، ويصبح الإعلام أداة كذب وتلفيق وتشويه وسلاحاً ناعماً فتاكاً وعصرياً. وتسود قوانين الطوارئ بذريعة الدفاع عن الإنسان والأوطان. ويبدو الوضع كارثياً بممارسة القمع والإرهاب واعتماد سياسة تكميم الأفواه. ويتم اغتيال الكلمة الحرة الجريئة، ويتحول المثقفون إلى بوق لتمجيد الأنظمة. ومع هذا الخراب لا نسمع نطقاً.

في الحالة العربية

أجيالاً كاملة في العالم العربي تعاني فراغاً مريراً. فراغاً في الأيديولوجيات، في القيم، في الفكر، في المعتقد، في الثقافة، في العلم، في تقاليد الحرية، وفي مختلف القطاعات. فراغاً نمى واتسع حتى احتل ضمائر العباد من الخواص والعوام. ولا أحد ينطق.

أمة تعيش حالة الهزيمة الشاملة. أوطان تُسرق وتُصادر من القوى العظمى في مرحلة الاستعمار وما بعده، وفي عصر العولمة وما بعدها. عجز عربي رسمي لم تعد تغطيه لا ورقة توت ولا إبرة صنوبر. غيبوبة غير مبررة من الأحزاب والقوى الشعبية العربية، التي تُكثر من إقامة المؤتمرات وإصدار البيانات، دون أية أفعال حقيقية لها ولا لمنظمات المجتمع المدني، ولا لعموم المثقفين، لتعرية الأنظمة ووضع الحقائق أمام أعينها، فيما المرجعيات السياسية العربية مصابة بتورم في المفاصل، وبعضها يعاني الموت السريري. والمؤسسة الدينية طوعتها المنظومة السياسية وأخضعتها لمصالحها، فتحول بعض رجال الدين من دعاة إلى متآمرين. ولا أحد ينطق.

في فلسطين، إذا لا زلتم تذكرونها، والتي كنتم تقولون عنها فيما مضى أنها قضيتكم المركزية، فيها شعب كامل يُذبح منذ قرن كامل، وتحاصرهم قبائل ابناء العمومة، وصمتكم سيد المشهد.

الخراب الذي اتسع في المشهد العربي، والحطام الذي يكبر في كل يوم، والأعمدة التي تتداعى، وتهوي معها جميع معاني الإنسانية، لا نجد معها من يجرؤ على مواجهة هذا السيل الجارف، ولا حتى على الأنين. فقد سلمنا جميعاً بأنه لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، فهانت علينا أنفسنا، وهانت علينا انهياراتنا وهزائمنا، وبتنا لا نسأله رد القضاء، بل اللطف به.

البشرية لا تتعلم

منذ أن وجد الإنسان، وجد التوحش والجشع والشره، وجد الاضطهاد والاستبداد، وجد التسلط والتعسف. مع الإنسان نشأت الصراعات والحروب وعرف الكون العدوانية والجور والطغيان، وما زالوا خلّاناً أصدقاء أوفياء للإنسان المعاصر. ورغم أن الظلم والقهر وغياب العدالة كانوا ولا يزالوا سبباً لحدوث الثورات الاجتماعية عبر العصور، إلا أن البشرية لا تتعلم بسهولة.

ولما كان ذاك غير ذلك، فمن الجلي أن الإنسان لا يتميز عن الحيوان بالنطق.  لكن يا ترى هل يتميز عنه بالكتابة؟ سؤال وجيه. وهل نستطيع القول إن الإنسان حيوان يكتب؟ أنا شخصيا أعرف حيوانات كثيرة امتهنت الكتابة لاستبدال الفكر بشبيهه، واستبدال المنفعة بالمفسدة، والزلال بالآسن، والفصيح بالقبيح، وتحويل جميع القيم السامية إلى سلوكيات ساقطة.

في الأمس اثناء انتظاري لشراء الطعام من المكان الوحيد بالمدينة لبيع الدجاج المشوي، التقيت مصادفة بصديق لي ينتظر مثلي للحصول على بعض الدجاج لعائلته، وجدته شاحباً يطيل النظر في الدجاجات التي تدو داخل القفص الزجاجي بلونها الذهبي.

 حين سألته السبب، أجاب دون مقدمات وبدأ يفسر لي أسباب الاضطرابات الخيالية التي بدأ يعاني منها مؤخراً، وجعلته يتصور غضب ونقمة الفراريج على البشر، وهم يشاهدون الناس تُقبل على التهام كميات كبيرة من الطيور المسكينة دون شفقة أو رحمة.

بعد قليل لاحظت أن الهواجس قد استبدت بصديقي إلى درجة أنه أصبح يتخيل أن تلك الدجاجات التي ننتظر أخذها والعودة بها للمنزل لالتهامها، قد استعادت حياتها، وشقت عصا الطاعة، وغادرت القفص، وانهالت علينا جميعاً نقراً بمناقيرها الحادة، انتقاماً لما يفعله البشر بأبناء جلدتها منذ الأزل.

وعبثاً حاولت مع الصديق لإقناعه بهشاشة وسخافة هواجسه، وذكرته بصديق قديم لنا يعشق أكل الدجاج المشوي في كل مساء. ولو أن الدجاج كان حقاً قادراً على الانتقام، لكن هو خصمها الأول لا غيره. ورغم إنه لا يزال يفتك بدجاج الكون، فما زال حياً يرزق، ويأكل الدجاج كل ليلة.

غير أن صديقي المسكين كان مقتنعاً بفداحة الجرم الذي ارتكبته أسنانه بحق الدجاج الضعيف. لذلك أخبرني أنه قرر طلب المغفرة والتوبة عن أكل تلك الطيور، لعله يكّفر عن جرائمه السابقة بحق الدجاج.

 تركني وغادر مسرعاً دون دجاج مشوي. حصلت أنا على دجاجتي، وعدت لبيتي دون شعور بالندم.

نحتاج كثيراً من الخجل

قد تكون الفلسفة التي توصل لها صديقي مفادها أن الحيوانات مخلوقات أرقى من البشر. وبظني لن يجد صعوبة في تدعيم رأيه وموقفه بالحجج والبراهين. فالحيوانات عادة تدير ظهرها للطعام حين تشبع، بعكس الإنسان الذي يسعى نحو الاستحواذ على كل شيء.

ثم هل سمعتم يوماً عن حيوان يشترط فيك أن تكون ثرياً وتمتلك منزلاً فخماً ووظيفة مجزية ليكون زوجاً لك أو صديقاً؟ لا بالطبع، فهذه سمات البشر وأخلاقهم، فالحيوانات لا تبتغي سوى المحبة من قلب يبادلها الحب.

ودون أن يدري، أعادني صديقي إلى حيث كنت قد بدأت. فيبدو أن الانقلاب في المقاييس قادم لا محالة. ذلك أن "الحيوانات" بظني غير قادرة على تحمل كل هذا الإجحاف الذي يلحق بها نتيجة وحشية البشر. لذلك فإنها سوف تتمرد عاجلاً أم آجلاً، كي تنتقم لنفسها وتحقق العدالة، وتضع الإنسان في أقفاص باردة موحشة وتحشره فيها. ثم تأتي في أوقات فراغها كي تتفرج عليه وهي ترتدي النظارات الشمسية وتحمل الكاميرات، وتطلق ضحكات فرحة.

في هذه الفترة العصيبة من عمر البشرية، وهي تواجه عدواً مجهولاً أسموه "فيروس كورونا" يبدو أنه ليس مهماً الآن ـ من وجهة نظري ـ نقاش العديد من الأفكار والرؤى والتحليلات والتخمينات والنظريات التي اجتهد أصحابها في تقديم تفسير لما يحصل. بدءًا من نظريات المؤامرة، إلى نظريات صراع القوى العظمى، ونظرية الانتقام الإلهي، وسواهم.

 لكن باعتبار أن البشر ليسوا الوحيدون الذين يعيشون مع الحيوانات في هذا الكوكب الأزرق. حيث يضم كوكب الأرض نحو 8,7 مليون كائن حي، حيواني أو نباتي. منها 6,5 مليون كائن يعيشون على اليابسة، فيما يعيش في المياه 2,2 مليون كائن، بحسب دراسة أمريكية تم نشرها في صحيفة "بلوس بيولوجي" العلمية PLOS Biology Journa وهذه الكائنات تحتاج إلى الغذاء والهواء والماء، فإن ما جرى قد يكون سلاح الطبيعة، سلاح الأرض الأم في علاقتها المتأزمة مع الإنسان المتغول، في حربها مع البشرية التي عاثت في الأرض جنوناً وفجوراً.

الدرس المهم هنا أن كثيرون من الناس في هذا العالم هم أسوأ وأقبح من المخلوقات التي نتفرج عليها داخل أقفاصها. إذ أنهم حولوا باختلالهم وقسوتهم وجشعهم، أماكن كثيرة في هذا العالم إلى حدائق حيوان. فلازال الإنسان رغم مجتمعه المدني، أكثر توحشاً من أي حيوان.

 

حسن العاصي

باحث وكاتب فلسطيني مقي في الدنمارك