عبد الجبار الجبوريلم تعدّ للمتابعين والمراقبين التكهنات مجديّة، فالأمور أصبحت واضحة مثل عين الشمس، بعد جملة من الوقائع والاحداث والتصريحات، بأن العراق هو الساحة الاولى للحرب القادمة، طالت مدة حدوثها أم قصرت، وإن الادارة الامريكية تمّهد الآن لهذه الحرب عن طريق هجمات إسرائيل لمعسكرات، ومواقع الحشد الشعبي والحرس الثوري في العراق وسوريا، وإن إيران تقاتل أمريكا الآن بميليشيات تنتسب للحشد الشعبي في العراق وسوريا واليمن ولبنان حزب الله، وما نراه اليوم من مناوشات بين اسرائيل وايران، ماهي إلاّ قصف تمهيدي لحرب أطول في المنطقة، تشرف عليها وتقودها أمريكا، وتحالفها الأوروبي والعربي، لمواجهة إيران، التي تعدها راعية الارهاب الاولى في العالم، هي وأذرعها وميليشياتها وأحزابها في المنطقة، إذن الحرب حتمّية كما لايراها البعض سابقاً، والآن يراها (محتملة)، ولكن دعونا نقلب صفحات التسريبات والتصريحات بين الطرفين، لنتحقق مّما نقول ونحلّل برؤية المراقب والسياسي، لابرؤية المتحامل، فالحرب كارثة ودمار، ولامنتصر فيها، ولكنها عندما تكون دفاعاً عن وطنٍ، يراد له أن يُستباح ويدمّر، تكون المقاومة والتضحيات واجبة، فالحرب بين أمريكا وايران ليست نزهة، ولاتعدّ واجبة للعراقيين بقدر ماهي تدمّير لبلدهم، وجعل العراق ساحة لتصفية حسابات، العراقيون ليسوا طرفاً فيها ولاسبباً من أسبابها، فلماذا نقف مع طرف ضد طرف آخر، وهل التفرّج يُنجينا من كوارثها، الذي ستحدثه على ارض العراق، بالتأكيد سيكون الضحية والخاسر الاكبر هو شعب العراق، بكل قومياته وأطيافه، وهل يحتاج العراقيون مزيداً من الحروب، بعد الذي جرى لهم من غزو أمريكي همجيّ وحشّي، وإحتلال إيراني طائفي قومي وعنصري، أحرق الاخضر واليابس في العراق من أقصاه الى أقصاه، التصريحات العراقية لقادة العملية السياسية والاحزاب، كلهم يرفضون الحرب على أرض العراق بالعلن، وينتقدون الطرفين، ولكنهم يقفون مع ايران ويدعمونها في السرّ، حيث خرج علينا السيد عمار الحكيم يوم أمس قائلاً(نرفض اي يكون العراق مخزن لأي سلاح أجنبي في العراق غير السلاح العراقي، (هنا يقصد ايران)، كما نرفض تكون سماء العراق مسرحاً للعمليات العسكرية (ويقصد إسرائيل)، هكذا تكون (تقية السيد عمار)، فلماذا لايسمّي الأشياء بمسمياتها، إذا كان حريصاً على وحدة وسيادة العراق وأرضه، ثم تأتي تصريحات أحد قادة الميليشيات التابعة لإيران، الصادمة والمحرجة للاحزاب والحكومة، والتي يُعلن فيها صراحة، وقوفه بجانب إيران والولي الفقيه ورهن إشارتهاليقاتل معها ولها، بل ويذهب أكثر من ذلك فيهدّد بجعل من في السفارة الامريكيةرهائن عنده، وقصف المعسكرات والقواعد في العراق، وهكذا تصريحات تمهّد للحرب بالإنابة عن ايران، إذ سبقه نائب قائد الحشد الشعبي ابو مهدي المهندس، بتهديد تنصل منه قائد الحشد الشعبي السيد فالح الفياض، وقال (كلام المهندس لايمثل رأي الحشد وانه رأيه شخصي)، إن الطرفان الامريكي والايراني، يعملان بإتجاهين معاكسين في تصريحاتهما، لكي يصلا الى لحظة الحرب المتمناة من الطرفين، للانقضاض على بعضهما، فطلب الرئيس ترمب وموافقته على لقاء روحاني بلا شروط مسبقة، هو فخّ لإيران ولكسب الشارعين الامريكي والايراني معاً، كما يتصوره قادة ايران الذي رفضته فوراً، طالبة إبداء حُسن النيّة أولاً، برفع العقوبات الاقتصادية أو جزءاً منها، والعودة الى الإتفاق النووي، وهذا ما ترفضه الادارة الامريكية في الوقت الحاضر وتصرُّعلى تنفيذ الشروط ال12 والقبول بها أولاً، هذا السجال العقيم، هو لكسب الوقت وإنهاك الطرف الايراني إقتصاديا، وخنقه حصارياً، كما يحصل مع باخرة النفط(غريس ادريانا) التي تجوب الموانىء العالمية، دون أن تلقى من سمح لها بتفريغ حمولتها، ال2 مليون طناً من النفط، في وقت تتصاعد جميع الإحتمالات للحرب بين إسرائيل وحزب الله بين آونة وأخرى، خاصة بعد تهدّيد حسن نصرالله لإسرائيل بردٍ فوريٍ قاس جدً، لضربها معسكرات حزب الله وقتل قادته في العراق وسوريا، وتدمير المركز الاعلامي التابع لحزب الله وقتل من فيه، فماذا بقي إذن، بقي الموقف العراقي، الذي تحشد فيه الميليشيات التابعة لإيران عسكريا، وتتحضّر لضرب المصالح الامريكية في المنطقة كلها، وليس في العراق فحسب، من خلال الدعوة للتطوّع والتدريب والقتال، وتوجيه الصواريخ المزودة لها من ايران الى اهداف امريكية، ووجود مخازن السلاح الايراني في معسكراتها السرية، والتي قصفت قسم منها الطائرات الاسرائيلية قرب قاعدة بلد الجوية، ومنطقة الدورة ببغداد وآمرلي وغيرها، في وقت تقف حكومة عادل عبد المهدي موقف الضعيف العاجز، عن إتخاذ أي موقف مضاد للميليشيات والحشد الشعبي، وقد فشل عبد المهدي في تنفيذ قراره بدمج وحل الحشد الشعبي، والذي صرح بعد القرار مباشرة، زعيم منظمة بدر هادي العامري رافضاً القرارجملة وتفصيلاً، وقائلا له مامعناه بالضبط (القرار أنقعه وإشرب ماءه)، وفعلاً حصل هذا ونسي عبد المهدي القرار، ولم يعد يتحدث فيه، وبلع الطعم مراً، إذن الموقف الرسمي والحكومي، هو الموقف الاضعف والافشل، من رئيس الجمهورية الذي ذر الرماد في العيون بأن (العراق ينأى بنفسه عن لغة المحاور) و(إن العراق يرفض ان يكون ساحة حرب)، في حين تتجوّل الطائرات الاسرائيلية والامريكية وغيرها، سماء العراق وتقصف (براحتها) أهدافها وتعود دون أي تصريح ولو خجول، إننا لسنا بدولة مؤسسات، وأنما بدولة ميليشيات تحكم وتتحّكم بالقرار العراقي كله، ويديره من طهران الولي الفقيه، هذه هي الحقيقة التي لايريد الإعتراف بها، من هو يمسك بزمام السلطة في العراق، خشية على مصالحه أو خوفاً من بطش الميليشيات له، ليبقى العراق في قلب العاصفة ألآن، وقاب قوسين أو أدنى من حربٍ لاتُبقي ولاتذر، وقودها شباب لحرب لاناقة لهم فيها ولاجمل، فقط من أجل عيون دولة (الأرجنتين)، أليست هذا هو مربط الفرس، من الهمبلات والتهديدات التي تطلق هنا وهناك، وعندما تطلق رصاصة الحرب تهرب وتختفي، هذه الاصوات النشاز وتهرب الى جحورها، ياجماعة (مو هيج الحجي)، هذه أمريكا وشفتوها شسوت بغزوها للعراق، إحسبوها صح، وإنقذوا ما تبقى من العراق، فلا أحد سيقف معكم الجميع، سيتخلّى عنكم، كما تخلّى العرب عن العراق، وادخلوا الجيوش الامريكية من اراضيهم، وتم غزوه وتدميره، بلى فالعراق تريدونهأنتم وقادة إيران، أنْ يكون ساحة حرب، لتصفية حسابات إقليمية، وإبعاد الحرب عن داخل ايران، ونحن لسنا طرفا فيها، فلا نقبل هذه الحرب على أراضينا، فلتذهب أمريكا وتقاتل إيران داخل الاراضي الايرانية، ولتذهب إيران وتقاتل أمريكا على أرضها، وتقصف قواعدها العسكرية ومصالحها في المنطقة، و(إجفونا شركما)، فما فعله الطرفان بالعراق، يجعل كلُّ عراقي شريفٍ، يرفض جعل العراق ساحة حرب أخرى، لصالح جهة بعينها، لسنا حطباً لكم أيها الأوغاد، نحن شعبٌ عريقٌ، وحضارات عريقة منذ الأزل، العراق باقٍ رغم أنفِ أعدائه، واحداً موحداً بشعبه وأرضه، غير قابل للقسمة والتقسيم، والتاريخ يشهد بذلك، والاحتلالات التي تعرّض لها، تشهّد بذلك، وآخرها الاحتلالان الأمريكي والإيراني، ما يجري الاعداد له امريكيا وايرانيا هو الذهاب الى الحرب، رغم دعوات التفاوض والتسويف الايراني والرفض الخجول وتضليل الرأي العام بعدم القبول ماهو الا لكسب الوقت، ولكن الاعداد للحرب من الطرفين هو الاقرب الى الحقيقة ولو يتأخر بعض الشيء إنطلاقتها، وربما تكون أزمة الباخرة سبباً في إندلاعها، الآن هي ترسو في مياء طرطوس، بعد أن رفضت تركيا واليونان وغيرها استقبالها وتفريغ حمولتها، ويبقى السؤال الأبرز والاهم، هل العراق في قلب العاصفة أم في عينها، نقول بكلّ تأكيد العراق في قلب العاصفة وليس في عينها، والدليل هي المعطيات على الارض، وكما ترّونها بلا رتوش....

 

عبد الجبار الجبوري

 

عامر عبدزيد الوائليجزء من مخططات التقسيم الفاشلة

الحشد الشعبي القوة الوحيدة التي تمتلك ثلاث شرعيات معا هما الشرعية العقائدي كونها صادرة عن حاكم شرعي وبهذا أخذت بعدا عقائدي، والشرعية الشعبية كونها استجابة شعبي عندما خرجت الجماهير بشكل شعبي عفوي وبعدا قانونيا عبر موافقة المجلس التشريعي . رغم هذه التشريعات الثلاث؛ الا أن هناك تشكيك محلي من قبل القوى الإرهابية والانفصالية وإقليميا تحالف طائفي وصهيونيا والاحتلال .

إلى ماذا يشير هذا الاتفاق للأعداء على الصعيد الثلاث المحلي والإقليمي والدولي، يشير إلى أن الحشد الشعبي له مكانه مهمة في صد المخططات الاقلمية والتي تستهدف وحدة العراق ككيان سياسي وشعب وموقفه المهم في الإقليم في وقف التفكيك الداخلي على أسس طائفية وعنصرية  عرف البعض من القوى في الإقليم أمر ضروري في توازن الإقليم والحيلولة من تغول بعض الدول في الإقليم على الصعيد الخليجي هذا ما أدركته بعض دول الخليج متأخرا مثل: الإمارات والكويت التي عرفت متأخرا أن العراق ضروري في التوازن الإقليمي عربيا وخليجيا .

صحيح الحشد الشعبي رغم شرعيته؛ إلا انه يبقى صاحب تحالفات إقليمية مع فصائل المقاومة ودول المقاومة التي كان لها الأثر في صد الإرهاب واستدعاء العداء من قوى داخلية وإقليمي تحاول تصوير هذه القوى بوصفها (مليشات) وتحاول اسقاط الصفات (الطائفية) وتخوينها من اجل تسويغ قتلا واستباحت دماء أبنائها العراقيون وتضحياتهم الشريفة من اجل بقاء العراق موحد .

ولعل هذا النفس ما نلمسه في إخبار ضرب مواقع التابعة للحشد  طبيعة الخبر وصياغته من قبل إعلام القوى المتحالفة ضد الحشد والعراق بشكل عام اذ جاء في لندن - الخليج أونلاين (خاص): قولها " في الوقت الذي يواصل رئيس وزراء دولة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تلميحاته بوقوف طائرات "إسرائيلية" وراء الضربات التي طالت مواقع مهمة لمليشيا "الحشد الشعبي" في العراق مؤخراً، تواصل الصحافة العبرية ومختصون بالشأن الإسرائيلي تأكيد استهداف طائرات إسرائيلية هذه المواقع." أن طبيعة صياغة الخبر بأسلوب وكأنها تسوغ الضربات بالقول: وبحسب تسريبات وصلت إلى "الخليج أونلاين" في وقت سابق، ومعلومات أدلى بها مطلعون، فثمة أسلحة إيرانية مخزنة في مواقع للحشد الشعبي بالعراق، ونُقلت إلى مواقع سرية، فالإشارات تدل على أن المواقع المستهدفة لها ارتباط وثيق بإيران.

حيث نلمس هذه الصياغة التي تظهر الخبر وفية (مليشات، اسلحة ايرانية)، نسمي العدو الصهيوني الدولة العبرية او الاسرائلية وهي صياغات تعبر عن سياسة تطبيع تعترف بهوية يدعيها الكيان ظلما وعدوانا اليهودية والاسرئلية) وكأنه غير مؤكد في وقت اعترفت احدى القنوات الامريكية بعد طول صمت مريب اذ عن قناة الحرة الامريكية التي نقلت:" أظهرت صور أقمار صناعية التقطتها شركة تحليل بيانات إسرائيلية ثلاثة مواقع في العراق تعرضت لهجمات في الفترة الأخيرة، والتي يعتقد البعض أن إسرائيل تقف خلفها.

وقالت شركة "إميدج سات إنترناشونال" في تحليلها للصور إن المواقع الثلاثة كانت تحتوي على مخازن هي على الأرجح لصواريخ وأسلحة متطورة.

وأظهرت إحدى الصور موقع قاعدة بلد الجوية التي تعرضت لهجوم يوم الثلاثاء الماضي، وقالت الشركة إن الهجوم أسفر كما يظهر في الصورة عن تدمير حاويات شحن كانت بها، بحسب الشركة."

فالخبر من حيث الصياغة يحافظ على الجانب الموارب والإشارات التي تعبر عن مستوى من التخطيط الاستراتيجي؛ إلا أنها في توصيفاتها إلى الموقع تحاول و كأنها تؤكد الادعاء الكيان الصهيوني وكأنها ضمنا تسوغها كونها ضربه استباقية .

لكن ايضا قنوات أمريكية أكدت الخبر إي ضرب الكيان للمواقع اذ: (عن صوت العراق: جاء خبر تاكيد): ذكرت صحيفة نيويورك تايمز الأميركية أن اسرائيل شنت ضربة واحدة على الأقل على مستودع للأسلحة في العراق.ونقلت الصحيفة عن مسؤول كبير في الاستخبارات في الشرق الأوسط أن اسرائيل قصفت قاعدة تقع في شمال بغداد في تموز/يوليو الماضي، بينما قال مسؤولان أميركيان أن الدولة العبرية شنت عدة ضربات في العراق في الأيام الماضية الأخيرة.

وتعرضت أربع قواعد يستخدمها الحشد الشعبي الذي يضم فصائل شيعية موالية لإيران ومعادية للوجود الأميركي في العراق، إلى انفجارات غامضة خلال تموز/يوليو الماضي."

وجاء أيضا في الخبر:

(وقصفت اسرائيل مرات عدة أهدافا إيرانية في سوريا. لكن توسيع هذه الحملة لتشمل العراق، يمكن أن يضر بالعلاقات بين واشنطن وبغداد.وكان نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس المدرج على اللائحة السوداء للولايات المتحدة بسبب عدائه العنيف للوجود الأميركي، اتهم القوات الأميركية الأربعاء بأنها “المسؤول الأول والأخير” عن الهجمات التي جرت “عن طريق عملاء أو بعمليات نوعية بطائرات حديثة”.)

(واتهم المهندس الأميركيين “بإدخال أربع طائرات مسيرة إسرائيلية” الى العراق ل”تنفيذ طلعات جوية تستهدف مقرات عسكرية عراقية”، مهددا بأن يتعامل الحشد الشعبي مع أي طائرات أجنبية تحلق فوق مواقعه بدون علم الحكومة العراقية، على أنها “طائرات معادية”.)

الصياغة للخبر تعكس مرجعية واحدة في توصيف الخبر وتسويغ الضربات وتاكيد لغة التخوين للحشد وربطه بقوى اقليمية، الا أن صياغة الخبر وربطه بالتصريحات والتحليلات تعكس رؤية ومنهج واحدة من قبل الجهة الناقلة للخبر وطبيعة الصياغة فهي لا تستعرض معلومات فقط بل تؤكد تفسيرات محددة تجعلها في المركز وفي نفس الوقت تظهر المسؤول عن الحشد وكانه خارج عن الشرعية لكونه يرفض الاحتلال وهذا امر لاعلاقة لها بالشرعية لان الاحتلال وحلفائه لايمثلون شرعية . لكن من ناحية ثانية الخبر يحاول نقل اقول قادة الحشد التي يبدو انها تدرك أن هناك تعاون خفي بين الامريكان والعدوان الصهيوني؛ الا أن صياغة الخير تحاول تاكيد التبريرات الأمريكية وتتهم الحشد وتصريحاته بالمواقف العنيفة .

إلا أن الحادث يبين أن العراق يفترض محمي من قبل القوات الأمريكية وفق الاتفاقية التي عقدها الطرفان وما جاء في الخبر يشير الى تلك المسؤولية التي تم حصرها فقط (أن الوجود الأميركي في العراق هو لدعم جهود البلاد ضد الجهاديين)

طبعت تلك الصياغة توحي بالكثير من الارتباطات السرية وتحيلنا إلى أن وجود الصهيوني هو قريب من وجود داعش من حيث المهمة والغاية فهو مجرد لاعب في خطاطه إستراتيجية كبيرة ممكن محاولة إنارة بعض جوانها من خلال استعراض قراءتين  للحدث الأولى عربية والثانية عراقية

القراءة العربية جاءت " عن صحيفة الدستور الأردنية كتب: عريب الرنتاوي "

الباحث فى البداية يحاول تاصل الحدث بالرجوع الى تصريحات تاتياهة إذ (في 9 يوليو الماضي قال نتنياهو في تهديد صريح لإيران: إن على "طهران أن تتذكر بأنّ طائرات F-35 الأمريكية التي تمتلكها إسرائيل تستطيع أن تصل إلى كل مكان في الشرق الأوسط، وإيران أيضاً).

فالمقال يردف بالقول: (خطورة تلك الهجمات كانت واضحة للمليشيات التابعة لإيران في العراق، ما دفعها إلى تغيير مواقعها العسكرية وإخلاء بعض معسكراتها الرئيسية، بحسب مصادر  مقربة من الحشد الشعبي، تحدثت لـ"الخليج أونلاين" في يونيو الماضي." فالكاتب يعتمد نفس اللغة في توصيف الحشد وهي لغة تعكس مرجعية معينة عربيا

المهم في المقال تقديم التأويل الأتي: (ثلاثة أسباب تدفع إسرائيل وتشجعها على تنفيذ ضربات جوية ضد أهداف تتبع "الحشد الشعبي" في العراق: (1) انتخابات الشهر المقبل، أيلول/سبتمبر، حيث سيخوض نتنياهو أخطر، وربما آخر، معاركه السياسة والشخصية، فهو إما أن يعود رئيسا لحكومة إسرائيل، أو ينتهي خلف القضبان ربما بقية حياته. (2) الدعم غير المشروط واللامحدود الذي يتلقاه وتتلقاه حكومته اليمينية المتطرفة، من قبل إدارة اليمين الشعبوي/الإنجيلي في الولايات المتحدة برئاسة دونالد ترامب، ما يعزز الشعور لدى هذه الحكومة بقدرتها على مقارفة أية جريمة من دون حساب أو عقاب. (3) حاجة المؤسسة الحربية الإسرائيلية المستمرة، لبناء وإعادة بناء صورتها الردعية التي تتآكل مع كل معركة لا تظفر بها، شمالا أو جنوبا، وحرص القائمين عليها على إحياء نظريات قديمة بدا أنها بالية بعض الشيء: " الجيش الذي لا يقهر" و"الذراع الطويلة.").

هذه التعليلات تبدو عامة وكثيرا ما وردت في الإعلام العربي إما  الأمر الثاني هذه الإشارة إلى الدعم أنصار إسرائيل في أمريكا أو من المسيحيون الصهاينة الذين عبروا عن صياغة جديدة بين المسيحية والصهيونية على خلق تحالف يقوم على توحيد الصفوف إزاء عدو مشترك هو الإسلام لكن من يمثل الإسلام هنا ؟ 

إلا إن الكاتب يحاول توقع الردود:(أما الاعتداءات، لاسيما في حال تواصلها، فقد يترتب عليها نتائج ثلاث، هي:  (1)استدراج مواجهة عسكرية أمريكية – إيرانية، ووضع حد لحالة التردد والإحجام عن المواجهة التي تهيمن على "مزاج" إدارة ترامب. الحشد الشعبي اتهم واشنطن وتل أبيب بالمسؤولية والتواطؤ وتوعد بالرد، الرئاسات الثلاث شددت على رفضها السماح بتحويل العراق إلى ساحة "حروب الوكالة". واشنطن تنصلت من أية مسؤولية، ولكن هيهات أن تقنع أحدا بذلك. (2) إحداث اختلال كبير في المعادلات الناظمة لعلاقات القوى والمكونات العراقية، وضرب التوازن الهش بينها، وتهديد العملية السياسية، وزيادة حدة التوتر بين الكيانات المختلفة، لاسيما في ضوء اختلاف مواقع ومواقف كل منها، وتباين أولوياته واختلاف تحالفاته الإقليمية والدولية.(3) استدراج العراق مجددا إلى حلبة الصراع العربي – الإسرائيلي. إن حدثت المواجهة بين "الحشد" أو بعضه، وبين إسرائيل و/أو الولايات المتحدة، فقد لا تبقى قوى سنيّة عربية عديدة على الحياد، وقد لا يظل الحشد في أذهان عراقيين مجرد مليشيا شيعية، بل قد ينظر إليه البعض، كما ينظر إلى حزب الله، بوصفه حركة مقاومة لإسرائيل. لن يضير الحشد الشعبي بضع ضربات جوية وبضع مستودعات أو مقرات أكلتها نيران الصواريخ الإسرائيلية، بل العكس تماما هو الصحيح؛ فالحشد قد يتقوى بهذه الضربات، وقد يكتسب غطاء وطنيا. وإسرائيل، والأهم الولايات المتحدة، لن تحققا أرباحا تذكر، بل الأرجح أن تجنيا المزيد من الخسائر  لكن رهانا كهذا، سيسقط حال استمرت العدوانية الإسرائيلية على انفلاتها، وإن لم تتدخل الولايات المتحدة على نحو خاص، لكبح الشهية العدوانية الإسرائيلية المفتوحة على المزيد من المعارك والمواجهات.)

إما القراءة الثاني لي المحلل السياسي وفيق السامرائي

فى البداية نجد السيد وفيق السامرائي وهو رجل متخصص فى الاستراتيجية يستبعد مسوغات التي قدمها العدو ولاعلام المرتبط به دوليا واقليميا ومحليا، لكن السيد السامرائي يقول معلقا:(كل ما قيل عن أن مستودعات الحشد تحوي صواريخ بطريقها الى لبنان بعيد عن المنطق السليم، فمحطات الخزن الوسطية كهذه تخالف كل منطق استخباراتي، لأنها؛ تختصر فقط أقل من 20% من الزمن المطلوب للتنقل إلى سوريا، ومكشوفة، وتحرج اصدقاء إيران العلنيين (والمتسترين وهم كثيرون) في العراق.)

إلا إن السيد وفيق السامرائي يرجع الضربة إلى مواقف الحشد كونه وقف ضد تقسيم العراق وهذا يتعارض مع إرادة إسرائيل وحلفائها في الداخل والداعين إلى الانفصال ولديهم مليشيات زوال الحشد  أو إضعافه يمنحهم التفوق محليا . لكن يبقى إن إسرائيل هي القوى الأولى الداعية إلى تفكيك العراق  بحسب وفيق السامرائي "): هدف إسرائيل:" هدف استراتيجي إسرائيلي (ويخدم مصالحها طبقا /لمخلفات/ الصراع ورؤية أطراف فيها، وهي رؤية تحتاج إلى مراجعة عقلانية، والعراق أهم من أصدقاء محكوم مستقبلهم بالفشل). ثم يقول: (وتقسيم العراق لن يمر بسلام (قطعا) وسيؤدي إلى اسوأ (حروب) إقليمية أهلية ودولية لن يسلم منها ومن تداعياتها أحد بشكل وآخر، وفي المحصلة العراق باق وسيتعافى.)

في الختام أن الإحداث تؤكد أن ضرب الحشد ليس بالأمر المهم؛ لأنه أيضا لا يساهم بإضعافه بقدر ما يؤكد نجاح عربيا؛ بأنه أصبح أكثر تأثير في المنطقة وله أثره في الصراع وهو اثر مهم ولا يمكن تحجيمه .

 

د. عامر عبد زيد الوائلي

 

مهدي الصافي- انهيار النظام الرأسمالي وتذبب اسواق الاسهم، وتكرار حالة الركود الاقتصادي، وتعثر مشاريع الشراكة والتبادل التجاري الدولي، وزيادة نسبة البطالة، وعجز الموازنات المالية لخزائن اغلب الدول الاقتصادية، انطلاق مشروع طريق الحرير الاسيوي الاوربي، مشاكل الهجرة واللجوء ...

- فشل نموذج النظام الديمقراطي الراسمالي الامريكي

- التراجع الحضاري العالمي

- صعود اليمين المتطرف في اوربا وامريكا...

يقال ان تاريخ هيمنة القوى الامبراطورية يعيد نفسه، فهي تسير بشكل تصاعدي لعقود حتى تصل القمة، ثم تبدأ بعدها رحلة التراجع والانهيار، فاسحة المجال لقوى امبراطورية اخرى تأخذ مكانها، او يدخل العالم في المرحلة الباردة، مرحلة توازن القوى او تعدد الاقطاب...

مايحدث بعد نهاية الحرب الباردة (مجيء بوش الاب للبيت الابيض .. وقيادة حرب الخليج ١٩٩٠)

تخبط واضح في مسألة تثبيت القيادة الامريكية المطلقة على النظام العالمي الجديد "القرن الامريكي"، حيث سرعان ماعادت ونهضت روسيا من تركة غورباتشوف الثقيلة بزمن قياسي لافت، وتصاعدت معها وتيرة الصناعات والاكتشافات الالكترونية الدقيقة في دول شرق اسيا وتحديدا في الصين، الا ان عودة الانتعاش الاقتصادي للدول التفطية بعد حروب الخليج، احدث نقلة نوعية في جميع المجالات والقطاعات الصناعية الحربية والمدنية،

استغلت اغلب هذه الدول (روسيا والصين وايران وتركيا) النفطية والصناعية التورط الامريكي في منطقة الشرق الاوسط (حرب احتلال العراق عام٢٠٠٣، اسقاط حكومة طالبان، وبداية تطبيق مشروع الشرق الاوسط الجديد)، والانخراط المباشر في هذه الملفات المعقدة، لاعادة بناء منظومة الاكتفاء الذاتي التنموية، العلمية والاقتصادية والصناعية، ومارست حصارا وضغوطا عسكرية كبيرة ضد التواجد الامريكي في هذه البقعة والمساحة الجغرافية صعبة، الحيوية والمهمة جدا (تبدأ من البحر المتوسط، سوريا ولبنان، وصولا الى البحر الاحمر في اليمن، الذي قيل عنه بالهلال الشيعي، بخضوع مضيق هرمز وباب المندب لقدراتهم العسكرية المؤثرة)،

اعتمدت فيها الادارة الامريكية الحالية على حلفاء اقليميين لايملكون الا المال (دول الخليج العربي)، في حين ان الهيمنة الاقليمية المطلقة في المنطقة هي بيد ايران وتركيا فقط،

بعد ان تحولت تركيا الى المعسكر الروسي بشكل جزئي، او اخذت موقفا متذبذبا في منطقة الابتزاز، تعقدت قدرات واشنطن في اعادة القوة والهيبة للاذرع الامبراطورية البعيدة (مع تعذر بناء منظومة الدفاع الامريكي في اوربا، وبعض جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق، ومع بداية التصدع ايضا في منظومة الاتحاد الاوربي، بطلب بريطانيا في الخروج منه) ، وابتعاد المانيا القطب الاكثر تأثيرا في هذا الاتحاد عن القطار الامبراطوري الامريكي الخارج عن السيطرة (ولهذا كانت خطابات ورسائل ترامب المتشنجة ضد المانيا وحتى فرنسا سواء المتعلقة بتمويل حلف الناتو، او في مايتعلق برغبته في استكمال عملية الخضوع الكامل من قبلهم لسياساته الاقتصادية او حتى المشاركة في مخططات اعادة فرض القوة الامبراطورية حول العالم) ...

العلم والابتكار والمعرفة قد تكون احد اهم الاسس المعتمدة فيها هو الخيال العلمي المنطقي (اي الذي يستند للاسس العلمية الاولية المكتشفة)، وهذا الامر لم يعد حكرا على امة او شعب او دولة دون غيرها، فاسواق التكنولوجيا والصناعات التقنية متاحة للجميع، ولا يمكن ان تخضع كما حصل سابقا مع العراق فترة الحصار الاقتصادي للمراقبة والمحاصرة والمنع الدولي، فحدود العالم البرية والبحرية والفضائية اصبحت شبه مفتوحة تكنولوجيا (الاقمار الصناعية، شبكات الاتصالات الدولية الالكترونية)، اضافة الى ان الامم وشعوب منطقة الشرق الاوسط هي تعد حضاريا من اذكى الامم، ولاينقصها سوى الاستقرار الامني والسياسي، من هنا شعرت الدوائر المغلقة في الولايات المتحدة الامريكية (وقسم من دول الاتحاد الاوربي) ان التطور التكنولوجي الاسيوي (بالاخص العسكري، وزيادة الرغبة في الدخول الى الصناعة النووية من باب الحاجة لتغطية الاستهلاك المتزايد في الطاقة)، قد يشكل تهديدا حقيقيا لمصالحها الامبريالية او التجارية في المنطقة،

لهذا عادت للتدخل مجددا في ملفات المنطقة (سوريا والعراق وايران)، وقامت ايضا بالغاء الاتفاق النووي الدولي مع ايران، واتجهت الى محاصرة روسيا والصين تجاريا واقتصاديا، مع ان ادارة ترامب اعلنت اكثر من مرة انها ستنسحب من المنطقة (يقال ان ترامب قال لاردوغان سوريا لك بعد ان حدد مهلة الانسحاب)، وكأنه على مايبدوا اعادة ترتيب الاولويات الامبراطورية التي غفل او عبرها ترامب دون ان يعرف او يدرك اهميتها، تماما كما يعتقد ان السلاح النووي قد يوقف الاعصاير والعواصف والكوارث الطبيعية قبل ان تصل بلاده....

رفسة الامبراطور واضحة بالتخبط السياسي والاقتصادي والتجاري، بتحول ادارة ترامب الى ادارة فوضوية بامتياز، لاتوجد سياسة او برامج وخطط استراتيجية واضحة (هناك تسريبات كثيرة حول هذا الامر من قبل العديد ممن كان يعمل معه، اخرها تصريح السفير البريطاني المستقيل لدى واشنطن كيم داروتش)، وحالة رد الفعل الانفعالية ضد التصاعد والازدهار الاقتصادي الصيني (زيادة التعرفة الكمركية والضرائب الجديدة الاخرى المفروضة على البضائع الصينية المستوردة)، المؤثر في الاقتصاد الامريكي، وبقية دول العالم اكثر مما يضر هذه الدولة المتكاملة (حيث نشر تقرير صادر عن مركز دراسات الولايات المتحدة الامريكية في جامعة سدني حول القدرات الصاروخية الصينية الدقيقة التي تشكل تهديدا مباشرا لجميع القواعد الامريكية في غرب المحيط الهادئ) ، مما يجعل من هذه الحركات (الرفسات) البهلونية بلا فائدة، وكأنها استعراض في مسرح للسيرك او العبث الممل...

يقال ان المصريين واجهوا مدافع نابليون بالسلاح الابيض، وقد حاول صدام عام١٩٩١، ان يواجه الترسانة الحربية الامريكية الذكية

 بالسلاح الاسود (النفط وحرق الابار..وحديد خردة الاسلحة الغبية المتهالكة القديمة )، وفي كلتا هاتين المعركتين كانت النتيجة محسومة لصالح القوى الامبراطورية الامبريالية،

اما معارك اليوم فهي مختلفة تماما، فالجميع بات يملك الاسلحة الذكية الموجهة بالليزر او بالكنترول، والقادرة على تقليل نسبة الخطأ في اصابة الاهداف المعادية الى الصفر احيانا، اذ لم تعد هذه الدول (النامية او الناشئة) بحاجة الى صرف ملايين او مليارات الدولارات لصناعة الطائرات الحربية الضخمة المكلفة، بل صار بالامكان ارسال الطائرات المسيرة (قليلة التكلفة، سهلة الصنع والحمل والاخفاء والانطلاق، الخ.)

لاصابة ابعد الاهداف (بمافيها حاملات الطائرات العملاقة المتواجدة في البحار والمحيطات البعيدة نسبيا عن

 المياه الاقليمية ) ...

الحضارة الالكترونية- الفضائية رفعت الحواجز العلمية بين اغلب دول العالم، ومن المعروف ان الامبراطوريات لايمكنها ان تفرض اذرع الهيمنة الا في محيط الدول المتخلفة البائسة الفاشلة، ولكن ماذا عساه ان يفعل ترامب لروسيا والصين والهند وايران وتركيا والمانيا وكوريا الشمالية وامريكا الجنوبية وبقية الدول النامية، لاشيء غير ان يستمر بارسال رفساته المتكررة المشتتة هنا وهناك للعالم، لعله يصيب او يعيد القوة لامة انتهى على مايبدوا دورها الريادي في قيادة العالم المتحضر...

المعارك والحروب وصناعة الفتن وزيادة رغبة فرض الهيمنة الامبراطورية على العالم، دليل واضح عن ان الامم والشعوب لم تصل بعد الى مرحلة الحضارة الانسانية، الحضارة التي لاتنظر الى الانسان والكون والطبيعة والحياة عموما كمادة موضوعية قابلة للتغيير والتحول والخضوع تبعا لسلطة الاقوى، انما من منظار الاخلاق والقيم والمثل والمعارف الانسانية الراقية، بعيدا عن حدود الجغرافية والهويات التاريخية او الخصوصيات الدينية او الاثنية، فقد زالت الحواجز واصبحت الارض ملك البشر، وصار تغير المناخ والتلوث البيئي وحرائق غابات الامازون شأن دولي عام...

لم يعد بمقدور شعب ما او امة معينة قادرة ان تعيش بمعزل عن الشعوب والامم الاخرى، هذه هي كما نعتقد بدايات الدخول في مرحلة بناء اسس الحضارة الانسانية القادمة....

لاينفع لرفسات الخيل المصابة غير رصاصة الرحمة

 

مهدي الصافي

 

باسم عثمانالمقاومة الشعبية الفلسطينية عنوان لحديث غالبية الأوساط الفلسطينية،الثقافية والسياسية والجماهيرية، ويعود ظهور هذا المفهوم إلى تجارب عالمية في نضال الشعوب ضد مستعمريها (تجربة غاندي والمؤتمر الافريقي)، ولم يكن طرح خيار المقاومة الشعبية ذو الطابع السلمي وليد اللحظة في الحالة الفلسطينية؛ إذ كان مطروحاً طيلة المرحلة الماضية؛ وكان أساسيًا في الانتفاضة الأولى عام1987؛ إلاّ أن الزخم الذي حظيت به المقاومة المسلحة إبان انتفاضة الأقصى حشر هذا الخيار في زاوية هامشية، وأضعف فاعلية الدعوة إليه، في ظل أشكال العدوان الإسرائيلي القمعية والعنيفة التي مورست ضد الفلسطينيين.

وبدأ خيار المقاومة الشعبية يستعيد زخمه وأهميته في الآونة الأخيرة؛ وذلك في ظل غياب المقاومة المسلحة في الضفة الغربية، وحالة التهدئة السائدة نسبياً في قطاع غزة؛ ما جعل المقاومة الشعبية القاسم المشترك والحل التوافقي المتاح، في هذه المرحلة الحساسة من تاريخ القضية الفلسطينية.

وبالتزامن مع الجمود و الموت السريري الذي تمر به "عملية السلام" المزعومة، وتعثر المفاوضات؛ بسبب إصرار الاحتلال الاسرائيلي على مواصلة التوسع الاستيطاني والتهويدي للأراضي الفلسطينية المحتلة؛ كان لزامًا على القيادة الفلسطينية اللجوء إلى خيارات أخرى من المقاومة: شعبية ودبلوماسية مقبولة دوليًا، لكسر هذا الجمود الذي رافق سياسة الاحتلال الإسرائيلي القائمة على انهاء القضية الفلسطينية ومرتكزاتها؛ وللتأكيد على حق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال وسياساته.

ان خيار المقاومة الشعبية السلمية؛ يهدف الى ممارسة الضغط على قيادة الاحتلال، من خلال إعادة تفعيل الحراك الشعبي والجماهيري، الذي يشكل عامل إزعاج حقيقي لسياسات ومخططات الاحتلال، والذي وقف عاجزًا أمام هذا النوع من المقاومة.

ويهدف إتّباع هذا النهج من المقاومة إلى محاولة تحريك المجتمع الدولي وتفعيل قراراته الدولية ذات الصلة بالقضية الفلسطينية، وبهدف إعادة العمل على المسار التفاوضي الفلسطيني – الإسرائيلي، والتدخل لتليين المواقف الإسرائيلية المتشددة، وحشد التأييد الدولي لمناصرة القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني. 

اما على صعيد الاحتلال الإسرائيلي، فإنه لا يُخفي خشيته من اعتماد هذا الخيار الوطني؛ إذ إن قدرته على إسباغ الشرعية على قمع المقاومة السلمية، أضعف من قدرته على مواجهة المقاومة المسلحة؛ فذلك يعني نزع الصفة الأخلاقية والإنسانية عن المواجهة غير المتكافئة التي يستخدم فيها الاحتلال أدوات القمع والقتل ضد الفلسطينيين، وضد الحجر الفلسطيني المجرد.

وإذا حاولنا التمعن في مبررات المقاومة الشعبية؛ نلاحظ عدة أسباب أهمها:

- ضرورة استنهاض البعد الجماهيري الفلسطيني والعربي لمساندة القضية الفلسطينية ومواجهة الاحتلال في ظل انشغال اغلب دول المنطقة في ترتيب بيتها الداخلي نتيجة الهزات العنيفة التي اصابت المنطقة برمتها.   

- ضرورة إبقاء روح المقاومة حية ومتقدة في نفوس الفلسطينيين.

- ضرورة إحراج الاحتلال الاسرائيلي دولياً، والعمل على تشويش وإرباك مخططات التهويد والاستيطان؛ فكل يوم يمر دون فعل كفاحي فلسطيني يُنقص قدرة الفلسطينيين على مواجهة مخططات وإجراءات وجرائم الاحتلال، ويجعل مهمتهم في كبح التوغل الإسرائيلي على الأرض والمقدسات أكثر صعوبة.

- الخروج من مأزق تناقض البرامج والأجندات الفصائلية والفئوية، عبر التوافق على برنامج عملي – ميداني لمواجهة سياسة الاحتلال، يلقى تأييداً وتجاوبًا من الجميع، ويضمن قبول ومشاركة الفصائل الفلسطينية دون استثناء.

 لقد حققت المقاومة الشعبية لغاية الآن، وفي ظل ما يجري، الكثير من الإنجازات على صعيد مقاومة الاحتلال والتصدي لسياساته العنصرية و الاستيطانية و التهويدية للأراضي الفلسطينية المحتلة، و فرضت نفسها على عناوين الصحافة العالمية، وعززت الرأي العام العالمي ضد سياسة  الاستيطان الاستعماري الإسرائيلي وخطورته على تحقيق السلام وإقامة الدولة الفلسطينية.

لقد قدمت المقاومة الشعبية السلمية، ونموذجها المثالي( مسيرات العودة) رمزية وطنية و كفاحية عالية جدا وأسلوب متقدم للمقاومة الشعبية الوطنية، يظهر أن الاستمرار في مقاومة الاحتلال بطريقة سلمية وبأقل الخسائر، يشكل إزعاجًا وتحديًا كبيرًا لقوات الاحتلال وللمستوطنين الغاصبين ودحر مخططاتهم و تفكيكها. 

 لهذا كله، فإن مسيرات العودة كنموذج متقدم لأشكال المقاومات الشعبية و الجماهيرية، تكتسب أهمية فائقة ليس - لكونها تشكل العمل الجماهيري، الذي يوحد الحركة النضالية الفلسطينية، في المناطق المحتلة، وفي الشتات، رغم حالة الانقسام و التي اظهرت الحالة الفلسطينية منشقة على نفسها، إدارياً، وسياسياً، وتدور في ظلالها ابشع الحروب والتراشقات الإعلامية التي الحقت الضرر بالحركة الوطنية الفلسطينية، وشوهت مشهدها أمام الرأي العام الفلسطيني و العربي و العالمي، لما فرطت من رصيدها النضالي و تضحياتها الوطنية الجسيمة - بل لكونها تمثل جسر العبور للأمان الوطني الذي تخطى حالة الانقسام في النظام الرسمي الفلسطيني، ووضعه في سياقه الطبيعي المتمثل في صراعات سلطوية و فصائلية، رافضة كل محاولات تجييشها في خدمة اطراف المعارك الانقسامية.

 مع كل الادراك و الوعي لتعقيدات و خصوصية المرحلة الراهنة للحراك الوطني الفلسطيني و حاضنته العربية، شكلت مسيرات العودة كمقاومة شعبية رداً صاخباً و مناسبا على كل محاولات شطب حق العودة، ومحاولات إعادة تعريف اللاجئ الفلسطيني، و نزع الصفة القانونية والاممية عنه، من خلال محاولات فرض الحصار على وكالة الاونروا و تجفيف منابعها المالية، ونقل خدماتها إلى الدول المضيفة و تحولها الى جمعيات خيرية إنسانية.

ولعل ما أعطته مسيرات الغضب الجماهيري - مسيرات العودة - فاق كثيرا توقعات المشاركين، وأكثر توقعات المراقبين، وأحدثت "هلعا سياسيا – أمنيا واقتصاديا" لقادة الاحتلال الإسرائيلي، حيث جسدت الملحمة الكفاحية يوم 14 مايو 2018، بسقوط عشرات الشهداء ومئات الجرحى، ردا على قرار ترامب بنقل سفارة بلاده الى القدس،  عنوانا وطنيا و كفاحيا لشعبنا المقاوم فوق ارضه.

لقد تجلت المقاومة الشعبية الفلسطينية في أروع صورها عندما هبت الجماهير الفلسطينية، وفي مقدمتها أبناء مدينة القدس، لمواجهة قرار سلطات الاحتلال الإسرائيلي إغلاق المسجد الأقصى المبارك في الرابع عشر من تموز 2017م وللمطالبة بإزالة البوابات الإلكترونية والممرات الحديدية والجسور والكاميرات الذكية، وغيرها من الإجراءات الإسرائيلية التي أعقبت عملية الإغلاق؛ إذ سارع المواطنون إلى تنظيم المسيرات والاعتصامات والمرابطة وإقامة الصلوات على عتبات المسجد الأقصى؛ وكان باب الأسباط العنوان الأبرز لهذه المقاومة الشعبية السلمية، وقد صمد المواطنون الفلسطينيون صمودًا أسطوريًا وملحميا دون الالتفات للاختلافات الفصائلية والفكرية رغم لجوء جنود الاحتلال إلى العنف والعنجهية في محاولتهم فض اعتصام المواطنين ومرابطتهم في محيط المسجد الأقصى.

ومن أساليب المقاومة الشعبية ايضا، اهمية المقاطعة الاقتصادية للاحتلال و منتوجاته، التي تعدّ خطوة تدق مساميرها في نعش الاحتلال دون عنف؛ فالشعب الذي يريد مقاومة عدوه مقاومة مستمرة وجادة يبدأ أولًا بالمقاطعة الاقتصادية التي تلحق ضررًا فادحا باقتصاد الاحتلال، وتشجع المنتج المحلي الذي يعتبر أحد أركان استمرار المقاومة؛ ما يحتم ضرورة نشر الوعي الوطني الذي يرسخ المسؤولية الفردية والجماعية لدى أبناء الشعب الفلسطيني لتغليب القيم الوطنية على القيم الاستهلاكية.

الحرب ليست خياراٌ، دون أن نسقط معها كل إمكانات الرد أو المواجهة في نقطة تصعيد محدودة، اوعدوان غاشم من قبل طغمة الاحتلال على القطاع في غزة، او على المقاومة الفلسطينية، وكما ان "الرد الحربي" ليس خيارا، ايضا "وقف المسيرات"-  النموذج الامثل للمقاومة الشعبية -، هو خيارا تدميريا سياسيا ومعنويا، وكأنه إعلان هزيمة لا أكثر، وهو ما تسعى له "أطراف الحصار" لكسر روح الشعب الفلسطيني ليس في القطاع فحسب، بل في كل أماكن تواجده.

لقد بدأت مسيرات العودة بهدفٍ معلن، يتمحور حول رسالة واضحة محددة إلى المجتمع الدولي، بان قرارات الأمم المتحدة حول حق العودة للاجئين الفلسطينيين لا زالت حبراً على ورق، وأنه المسؤول عن إفلات الاحتلال من العقاب في الوقت الذي ما زال الشعب الفلسطيني مناضلاً ومقاتلاً لنيل حقوقه. لذلك عملية المراجعة باتت أكثر من ضرورية، لضمان استمرار مسيرات العودة في سياق أهدافها التي أعلنت لدى انطلاقتها، ولاستعادة استهدافاتها السياسية والإنسانية و القانونية، بعيداً على توظيفها الفئوي و الفصائلي، ولضمان المسيرة الكفاحية الوطنية الجامعة والتوافقية، وبما ينسجم مع تطلعات شعبنا الفلسطيني و حقوقه المشروعة.

ان الإبداع الفلسطيني المقاوِم تجلّى بأبهى صوَره في ابتكار أسلوب المقاومة الشعبية السلمية،و التي تهدف الى أن يأخذ اللاجئ الفلسطيني زِمام المبادرة في تطبيق حق العودة المكفول له دولياً و قانونيا، والتأكيد على منطق الثوابت الفلسطينية التي تُعزّز الوعي المقاوِم لدى الجماهير الفلسطينية، و التي نجحت بالتأكيد في إعادته إلى ساحات الوجدان الفلسطيني، والوعي العربي، والضمير العالمي، بعد أن ظنّ نتنياهو أن الصمت العربي لن يعلو على أصوات احتفالاته مع الجميلة "إيفانكا ترامب" بنقل السفارة الأميركية إلى القدس.

الأمر الذي يتطلّب الحفاظ على ديمومة استمراريتها كفعل شعبي كفاحي، مع الحرص الدائم على تقييم أدائها، ومراكمة إنجازاتها، وعدم التسرّع بقطف ثمارها، وقراءة مُتجدّدة للبيئة السياسية المواكِبة لها، كل ذلك من خلال وحدة المشاركة الفلسطينية في القرار الوطني تجسّيدا للوحدة الوطنية الشاملة و البرنامج السياسي التوافقي، مع الالتزام بالخطاب العقلاني الموجّه لحاضنة المسيرات الشعبية.

يجمع التحليل السياسي الفلسطيني او يتفق بشكل عام على ان مسيرات العودة شكلت تحولاً استراتيجياً مهماً، لأنها شكلت تطوراً جديداً في استمرارية قدرة الفلسطينيين على تبني أسلوب او مفهوم كفاحي شعبي- ميداني لمواصلة الاشتباك مع جيش الاحتلال وترسانته العسكرية وتطبيقات "صفقة القرن" المزعومة.

ان معالجة الثغرات والأخطاء لكل المقاومات الجماهيرية وصولاً لتطويرها وتوسيعها لتمتد إلى كل ساحات تواجد شعبنا، شكلا من اشكال الانتفاضة الشعبية العامة و وصولا الى العصيان الوطني الشامل، ما تعززه نقاشات وطنية عميقة لتحويل (مسيرات العودة و كل الروافع الوطنية والمجتمعية)، الميدانية منها و السياسية الدبلوماسية، إلى مقاومة مستمرة في وجه كل مخططات التسوية" لتلاقح" اليمين المتطرف الامريكي- الاسرائيلي.

نحن أحوج ما نكون الى استراتيجية وطنية لمواجهة خطر الاستيطان الاسرائيلي، الذي بات يشكل تهديدا وجوديا للشعب الفلسطيني كجزء من سياسة الاشتباك مع صفقة القرن الامريكية، والدخول في حوار وطني شامل لطي صفحة الانقسام ومتطلبات فك الارتباط بدولة "الاحتلال الإسرائيلي" والغاء استحقاقات أوسلو و ليس تجميدها فقط، وايضا متطلبات تدويل الحقوق والقضية الوطنية الفلسطينية وخوض معاركها في المحافل الدولية.

 

د. باسم عثمان

 

ابراهيم أبراشالقرارات الأمريكية المتسارعة الداعمة لإسرائيل والمعادية للشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة وآخرها شطب الخارجية الأمريكية اسم أراضي السلطة الفلسطينية من مواقعها وقبلها رفض الاعتراف بالواقع القانوني الدولي للضفة وغزة كأراضي محتلة، واعترافها بالقدس عاصمة لدولة الكيان الصهيوني، وعشرات القرارات والمواقف الأخرى داخل الأمم المتحدة وخارجها، ناهيك عن الدعم المالي والعسكري والاقتصادي غير المسبوق في تاريخ العلاقة بين الطرفين، ليست عفوية أو أحداثا عابرة .

هذه المواقف والسياسات لا تعبر فقط عن مغالاة الرئيس ترامب في انحيازه لإسرائيل بسبب توجهاته الدينية والأصول اليهودية لصهره كوشنير بل تميط اللثام عن حقيقة العلاقة بين إسرائيل والصهيونية العالمية من جانب وواشنطن والغرب عموما من جانب آخر، كما تُعد مؤشراً على تحولات استراتيجية كبيرة في السياسة الأمريكية سيكون لها نتائج خطيرة على الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وعلى كل صراعات المنطقة، أيضا تكشف عن أزمة عميقة لدولة الكيان .

ما يجري اليوم مع القضية الفلسطينية وفي المنطقة العربية يؤكد صحة الأدبيات الأولى للحركات القومية العربية والوطنية والتقدمية منذ ظهور وعد بلفور 1917، التي شخصت العلاقة بين ظهور الحركة الصهيونية ودولة إسرائيل والمصالح الاستعمارية في المنطقة، حيث أكدوا على تداخل المصالح الاقتصادية والإستراتيجية والأبعاد الدينية بين الطرفين وأن إسرائيل لن تكون إلا أداة لتنفيذ السياسات الغربية لزرع الفتنة في المنطقة والعمل على تقسيمها وتفتيتها والهيمنة على خيراتها، ولهذا فلن تترك الحكومات الغربية إسرائيل لوحدها بل سيدعمونها وسيمدونها بكل ما تحتاجه حتى تبقى متفوقة على العرب أجمعين .وهكذا بعد بريطانيا العظمى المؤسِسة الأولى لدولة الكيان استلمت الولايات المتحدة الأمريكية المسؤولية في دعم وحماية إسرائيل والمشروع اليهودي الصهيوني التوراتي .

استمر الوعي والإدراك الشعبي والرسمي العربي بحقيقة وطبيعة الصراع مع التحالف الغربي الإسرائيلي قائماً وعززته الممارسات العدوانية والمؤامرات بدءاً من حرب 1948 ثم العدوان الثلاثي على مصر 1956 وبعده عدوان 1967، ومؤامرات لا تنتهي لزرع الفتنة وإجهاض كل محاولات وحدوية عربية،  إلا أن تغلغل فكر التسوية السياسية والمراهنة على أنه يمكن تفكيك العلاقة بين إسرائيل والغرب وخصوصاً واشنطن ويمكن المراهنة على هذه الأخيرة بأن تكون وسيطاً نزيهاً لحل الصراع العربي الإسرائيلي، والمراهنة أيضاً أن تكون إسرائيل دولة سلام وتقبل الاعتراف ولو بجزء من حقوق الشعب الفلسطيني وتقبل الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة عام 67، كل ذلك ثبت أنه مجرد وهم تغذى من حالة العجز وليس من تحليل علمي وموضوعي للواقع  .

هذا التحول بدأ على إثر حرب أكتوبر 1973 وأتى أكله مع توقيع اتفاقية سلام بين مصر وإسرائيل في كامب ديفيد 1979، وتعززت هذه المراهنات العربية لاحقاً في مبادرة الأمير فهد أو مبادرة فاس 1982 ثم مؤتمر مدريد 1991 وتلتهما المبادرة العربية للسلام 2002 . أما فلسطينياً فإن التفكير بحل وسط مع الإسرائيليين فتعود جذوره إلى 1971 عندما طرح الفلسطينيون مشروع الدولة الواحدة التي يتعايش فيها المسلمون والمسيحيون واليهود، إلا أن التحول الأبرز كان في دورة المجلس الوطني في الجزائر 1988 عندما تم القبول بدولة فلسطينية على أراضي الضفة وغزة واعتماد قرارات الأمم المتحدة كمرجعية لأية تسوية سياسية .

بغض النظر عن مدى صواب هذه المراهنات في حينها فإن ثلاثة عقود  تقريبا من المراهنة على موقف أمريكي محايد وعلى استعداد إسرائيلي للسلام كافية لتُعيد التأكيد على حقيقة الصراع كصراع بين الشعب الفلسطيني والأمة العربية ومعهما أحرار العالم من جانب، وإسرائيل والحركة اليهودية الصهيونية العالمية وحكومات غربية وخصوصا الولايات المتحدة الأمريكية من جانب آخر، وما جرى ويجري في عديد الدول العربية تحت مسمى الربيع العربي والتدخل العسكري  الإسرائيلي من خلال ضرب مواقع في سوريا والعراق ولبنان واليمن يؤكد هذا التحالف، والذي للأسف تشارك فيه بعض الأنظمة والجماعات العربية بوعي أو بدون وعي .

في ظل هكذا تحولات استراتيجية في الموقف الأمريكي وفي النظامين الدولي والإقليمي وفي ظل ضعف ردود الفعل الفلسطينية والعربية والإقليمية والدولية فإن مفهوم السلام والمراهنة عليه بالصيغة والآليات السابقة تحتاج لوقفة مراجعة وخصوصاً من الطرف الفلسطيني المُستهدف الرئيسي الأول من المشروع الصهيوني لأن الأنظمة العربية والإسلامية أخرجت نفسها من دائرة الصراع، وخصوصاً أننا سنشهد قريباً خطوات إسرائيلية أكثر خطورة قد تصل لضم الضفة أو أجزاء كبيرة منها، فأي سلام أو تسوية سياسية سيكون بعد ذلك ؟ وما سيزيد الأمر صعوبة أن الاستمرار في حالة ألا حرب وألا سلم يخدم إسرائيل وواشنطن ولا تخدم الفلسطينيين المنقسمين على ذاتهم والفاقدين للبوصلة . 

إن كانت المواقف الأمريكية الأخيرة الداعمة لإسرائيل تؤكد على قوة التحالف بين الطرفين إلا أنها تكشف في نفس الوقت بأن إسرائيل، وبالرغم من كل ما تملكه من قوة عسكرية بما فيها نووية، عاجزة عن حسم الصراع لوحدها كما هي عاجزة عن تركيع الشعب الفلسطيني ودفعه للاستسلام كما هي عاجزة عن جر الشعوب العربية لمربع التطبيع معها والاعتراف بها، لذا فإنها تلجأ لواشنطن لتقوم بما هي عاجزة عن القيام به،  حتى في هذه الحالة فإن صمود الشعب الفلسطيني واستمرار إيمان الشعوب العربية والإسلامية بعدالة القضية الفلسطينية ورفضها لإسرائيل كدولة احتلال وكإيديولوجية يهودية صهيونية كفيلان بإفشال، ولو نسبياً، كل السياسات الأمريكية والإسرائيلية .

 

إبراهيم أبراش

 

 

مصطفى محمد غريبالسلاح غير المنضبط بيد أفراد أو عصابات مافيا أو ميليشيات على شكل تنظيمات سياسية يعني دولة داخل دولة مهما حاول البعض التشبث بمسوغات وحجج لتمرير هذا الوضع الشاذ في الدولة، لا يوجد أي تفسير يبرر وجود السلاح بيد قوى أو أشخاص لا يخضع للدولة ولا يلتزم بالقوانين المرعية، العراق يعيش هذه الحالة المرعبة التي تحدثت عنها عديد من الجهات ذات الاختصاص ووسائل إعلام محلية وخارجية، ويحس المرء من متابعته أن هناك لغزٌ أو سرٌ يحيط بصيرورة الدولة العراقية وتشعباتها التي تدل أن هناك دولة أخرى تعيش في أعماق الدولة المركزية.. ويا للهول عندما يجد المتابع أو الباحث أن معالم الدولة السرية داخل الدولة الرسمية تؤشر أول ما تؤشر استحالة القضاء على الآفات التي تحيط بمكونات الدولة ومشاريعها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية لوجود مؤسسات أمنية سرية تعتمد على قوى سياسية دينية تدير الدولة الرسمية بأشكال متنوعة وضعت لذر الرماد في العيون وإخفاء معالم وأدلة كيفية التشابك ما بين مؤسسات الدولة الرسمية ومع الدولة السرية ذات التراث الميليشياوي والمافيوي المتحالف من قوى سياسية داخلية وبقيادة قوى خارجية معروفة، والهدف استمرار الهيمنة وتمرير المخططات التي تخدم مصالح الفئات الأكثر تطرفاً والأكثر فساداً ليتسنى لها تقديم ما يمكن تقديمه للقوى الخارجية عن..

1 ـ طريق استغلال موارد البلاد وبخاصة في مجال النفط

2 ـ استغلال وضع العراق واستغلال أسواقه

3 - إخضاع المواطنين تحت طائلة من الحيل والأساليب بما فيها استغلال الدين والطائفية لخداع وعيهم وتمرير جملة من الأكاذيب والخدع

4 ـ الهيمنة على قسم من المنافذ الحدودية

التوجه الموما إليه يمر عبر أساليب كثيرة

- فكري وثقافي أيديولوجي حيث يستخدم التراث الديني مع فبركة الحوادث التاريخية

- عنفي يعتمد التصفيات الجسدية الفردية والجماعية وسياسة العنف والاضطهاد

أن كلما قيل وقال ويقال عن أوضاع العراق بعد عام 2003 الكارثية صحيح ومترابط لكن العلة الكبرى أو المرض الخبيث الأكبر هو انتشار التنظيمات الإرهابية وانتشار الميليشيات الطائفية المسلحة والسلاح وضعف الدولة والحكومات التي جاءت عن طريق الانتخابات التشريعية غير النزيهة، وعندما نشخص ضعف الحكومة علينا أن لا ننسى المحاصصة الطائفية البغيضة التي ولدت بسبب الاحتلال وتدخل بعض دول الجوار، والطامة الكبرى الأخرى هو الفساد الذي بدء من المهد ليصبح مارداً يعيث تدميراً بمقدرات وطاقات البلاد ويمنعها من التنمية والاستقرار، بهذا فقد نشطت الدولة العميقة على قاعدة الميليشيات الطائفية المسلحة والفساد وأصبحت تضاهي لا بل هي أكثر قوة وسعة من الدولة المركزية التي تلمسها بالشكل الذي تراه (رئيس جمهورية، ورئيس وزراء ووزراء ، ومجلس نواب وأجهزة أمنية وتربويه وصحية وهيئات قضائية ...الخ) ولم تكن على خطأ الممثلة الخاصة للامين العام للأمم المتحدة في العراق جينين بلاسخارت عندما نشر موقع الأمم المتحدة الرسمي يوم الأربعاء 22 / 5 / 2019 مضمون كلمتها أمام المجلس انه "ليس سرا بأن السلطات والمؤسسات والآليات والأنظمة في العراق تواصل الكفاح أمام مشاكل متجذرة بعمق تعيق غالبا تنفيذ الاستجابات العاجلة والقوية من الحكومة للاحتياجات الملحة مثل إعادة الأعمار والتنمية والأمن".  هذا يدل على مدى تأثير الدولة السرية التي على ما يبدو لا تعيق فحسب بل تمنع الاستجابات للبناء ونعني بالبناء جميع مرافق ومفاصل الدولة الرسمية ولم تستثني الممثلة الصراع الإقليمي الذي بدأت مظاهره الخارجية  تظهر بشكل ملموس" بوادر صراع إقليمي فيه" ونوهت عن انتشار السلاح بيد المافيا المنظمة والميليشيات المسلحة، والإرهاب داعش حيث أشارت إن "تنظيم داعش لا يزال لديه نشاط في العراق وأن هنالك مخاوف من عودة التظاهرات في العراق بسبب مشكلة نقص الخدمات " طوال 16 عام والميليشيات المسلحة تتصرف وكأنها دولة .

إذن كلما يقال عن الاستقرار وبناء الدولة المدنية يعيش في بودقة الفكرة الطائفية التي تفسر قيام دولة المؤسسات الدولة المدنية هي النهاية الحتمية للمشروع الطائفي الذي فشل بشكل علني إلا انه نجح إلى حدود معينة بتكوين الدولة التي تعيش داخل الدولة الرسمية، دولة للميليشيات وللمحاصصة والتعتيم على أساليب وطرق الفساد وإبقاء الأوضاع الاستثنائية على حالها  مثل تردي الخدمات، البطالة ، عدم وجود فرص عمل للعاطلين وبخاصة الخريجين وعدم السماح بتطوير القطاع الخاص والاستمرار على أحادية الاقتصاد العراقي على أسس الاقتصاد الريعي المعتمد على قطاع النفط لتسهيل عمليات السرقة ومنع أي مساع جدية لحل الخلافات مع حكومة الإقليم وعدم الاستقرار الأمني ومنع أي تشريع يحد من تصرفات ومخططات الميليشيات ويساعد بطريقة معينة  بعدم القضاء على الإرهاب وبخاصة داعش لكي يكون ورقة في أيدي من يريد الاستغلال ومثلما أعلن عنه من حوادث وتحركات في مناطق عديدة من البلاد وبشهود وإثباتات محلية وأممية، لهذا أشارت الممثلة الخاصة للامين العام إلى واحدة من الكوارث التي عمت البلاد والإقليم حيث أكدت أن  انتهاكات جسيمة ضد السكان الإيزيديين  في سنجار " رأيت الدمار المروع، الناجم عن داعش قبل نحو خمس سنوات. للأسف لم يتغير الكثير منذ تحرير سنجار. الكثيرون ما زالوا يعيشون في خيام على سطح الجبل الذي فروا إليه مع بداية حملة الإرهاب" وإذا ما تابعنا أوضاع ما بعد التحرير فسوف نجد الكوارث قد عمت ليس الإقليم ومناطقه فحسب بل أكثرية المناطق التي احتلت من قبل داعش وهناك قوى سياسية وميليشيات  تدير أكثرية المناطق وتلعب بمقدرات المواطنين، تمنع النازحين من العودة إلى مناطقهم مثل جرف الصخر وسهل نينوى ومناطق أخرى تحت طائلة الحلم الشوفيني بالتغيير الطبوغرافي والسكاني ولكن على أساس طائفي وتختص به البعض من ميليشيات طائفية منضوية تحت ظل الحشد الشعبي الذي بدأت بعضا من قواه تصطدم في ما بينها حول الاستمرار في بقاء دولة الميليشيات داخل الدول المركزية والاستمرار على السيطرة عليها وما أثير عن التفجيرات الأخيرة في مخازن أكداس وعتاد السلاح لبعض أطراف الحشد الشعبي إلا دليل عن ما قلناه عن دولة العمق فليس في العالم وبخاصة في الدول المستقرة نسبيا  مخازن سرية تكدس فيها الأسلحة في المناطق السكانية  ومن كل نوع حتى الصواريخ المتطورة، هذه التفجيرات التي شملت مناطق بغداد وصلاح الدين وديالى ومناطق أخرى وبدلاً من إجراء تحقيق دقيق لمعرفة الأسباب نجد بعض القيادات تعزوها إلى قضايا شبه هلامية منها اتهام إسرائيل والولايات المتحدة وقوى خارجية مما أثار لغطاً حتى بين قيادة الحشد الشعبي ورفض تصريحات أبو مهدي المهندس من قبل رئيس الحشد الشعبي فالح الفياض إن " ما صدر عن أبو مهدي المهندس لا يمثل الموقف الرسمي لهيئة الحشد الشعبي حول مسؤولية استهداف مخزن الحشد " إلا أن ما يثير الاستغراب لم يصدر أي بيان أو شارة أو توضيح من قبل القائد العام للقوات المسلحة ومن الحكومة ،وتؤدي هذه الاتهامات أو غيرها  بدون دليل مادي إلى تشنج في العلاقات مع الولايات المتحدة الذي يأتي لصالح إيران وهو أمرٌ متفق عليه، وقد يكون هناك ردة فعل عشوائية ومخطط لها لضرب البعض من مواقع ومصالح أمريكية تؤدي إلى عواقب وخيمة فيضيع راس الخيط كما يقال، وتطمس الحقائق ولينتقل الصراع على الساحة العراقية وعند ذلك يتحقق تقاسم السلطة عسكرياً وبخاصة نحن على يقين بان بعض فصائل الحشد الشعبي ترفض قرارات الحكومة لا بل تستهين بها ولنا أمثلة غير قليلة وجاء ذلك أيضاً على لسان النائب عبد الخالق العزاوي حيث قال أن " السبب الرئيس وراء تمرد فصائل الحشد على الحكومة هو سعيها لإشغال مساحة أمنية تتجاوز المساحة التي تشغلها الأجهزة الحكومية في إطار خطة باتت معروفة لتشكيل دولة عميقة داخل الدولة العراقية ما يجعل استتباب الأمن والاستقرار أقرب إلى المستحيل"

أما قضايا منع قوات الجيش العراقي  من الدخول إلى بعض المناطق فهي كثيرة وعديدة ونشرتها حتى وسائل الإعلام بشكل تفصيلي مع ذكر المواقع ولا نحتاج إلى التكرار.

إن الدولة العراقية مهددة تماماً إذا لم تكن بالاضمحلال كي تبرز الدول السرية في مكانها وبشكل تدريجي أو ستبقى عبارة عن يافطة يتحكم فيها كل من هب ودب بما فيها القوى الخارجية ،والهجوم على الجيش العراقي هو أول الطريق لتحقيق الهدف وجعل الحشد الشعبي يحتل مكان الجيش العراقي، هنا تبدأ المأساة وسوف تتوسع أكثر إذا بقت الأمور والمخططات على حالها، ولهذا للإنقاذ يحتاج الأمر إلى التصدي الحازم للمخطط المذكور وردع القوى التي خلف هذا التوجه والوقوف بحزم من اجل الحفاظ على العراق مستقلاً حرا والبداية حل المشاكل بخصوص حكومة المحاصصة والتفاهم لحل النزاعات والمشاكل مع الإقليم لتمتين وحدة البلاد والالتفات لتحسين واقع الخدمات ومحاربة الفساد والفاسدين ومنع أي تدخل خارجي في الشؤون الداخلية للعراق .

 

مصطفى محمد غريب

 

معمر حبارعقب الاتّفاق المبرم ما بين المجلس العسكري السوداني والسّاسة في السودان حول المرحلة الانتقالية برعاية سعودية وإماراتية وإفريقية وغربية طالب على إثرها حزب FFS الجزائري من الجزائر أن تقلّد السودان في مسعاه وتدخل مثله إلى مرحلة انتقالية دون انتخاب ونقلت الصحف الفرنسية بدورها البيان وروّجت له عبر صفحاتها وعبر الفضائية الفرنسية النّاطقة بالعربية التي أقامت حصّة لذات الشأن وطرحت على مجموعة من الأساتذة والساسة والإعلاميين في السودان حفظهم الله ورعاهم: هل يمكن للجزائر أن تتخذ من السودان مثالا يقتدى به في إقامة مرحلة انتقالية دون انتخاب؟ والجزائري المتتبّع يرى الآن أنّ "الحل؟ !" السوداني لا يمكنه وفي ظلّ المعطيات أدناه أن يكون نموذجا لما تعيشه الجزائر من أحداث منذ 22 فيفري 2019 للأسباب التّالية:

أوّلا مقدمة:

1- نقدّر المجتمع السوداني ونحترم اختياراته التي ارتضاها لنفسه ولوطنه العزيز ونتمنى له كلّ التوفيق ونظلّ على عهدنا بأن لا نتدخل في شؤون السودان ولا الغير.

2- بعض ساسة الجزائر الذين يفضّلون "الحلّ السوداني" الملطّخ بالدماء والتدخل الأجنبي إنّما يسعون بذلك إلى تحقيق أحلامهم المتمثّلة في الاستحواذ على الجزائر وخيراتها دون المرور عبر الصندوق.

3- كلّ ما يهم بعض ساسة الجزائر تمكينهم من حكم الجزائر دون المرور عبر الصندوق ولذلك رحّبوا بالحالة السودانية التي تقفز على الصندوق.

ثانيا الجيش الشعبي الوطني الجزائري الذي يحقن الدماء والجيش السوداني:

4- من حسن حظّ الجزائر أنّ الجيش الشعبي الوطني لم يقلّد جيش السودان لأنّ الجيش السوداني قتل المتظاهرين وأسال دماء إخواننا السودانيين حفظهم الله ورعاهم بينما الجيش الشعبي الوطني مازال على عهده ووعده يحقن دماء الجزائريين ويحفظ أرواحهم وممتلكاتهم ويرافق مسيراتهم وهم في الجمعة 27 باحترافية عالية ولم يمسّ أحدا بسوء رغم ما سمعه مؤخّرا.

5- نظلّ على عهدنا نقف إلى جنب الجيش الشعبي الوطني وقادة الجيش الشعبي الوطني مادام الجيش الشعبي الوطني وقادته على عهدهم الذي قطعوه للجزائريين من حقن الدماء وصون الأرواح وحفظ الممتلكات والدفاع عن الحدود.

6- الجيش الشعبي الوطني الجزائري يرفض اللّعبة السياسية -لحدّ الآن- ويصرّ على حقن الدماء وإجراء الانتخابات بما يضمن انتخابات نزيهة دون تدخل الإدارة المتمثّلة في وزارة الداخلية والولاية والدائرة والبلدية ومن يمثّلهم من كبير أو صغير.

7- الجيش الشعبي الوطني الجزائري قوي متماسك عريق محترف يملك عقيدة حقن الدماء وصون الأعراض وحماية الحدود والممتلكات ولا يخضع لقوى عربية أو أعجمية أو غربية ولا يحتل أراضي الجار والبعيد ولا يستعين بالغير ضد الإبن والجار ولم يشارك في سفك دماء إخواننا اللّيبيين واليمنيين والسّوريين والعراقيين والسودانيين كما تفعل الجيوش العربية والأعجمية والغربية. إذن لا يمكن بحال مقارنة الجيش السوداني - بشهادة إخواننا السودانيين حفظهم الله ورعاهم - بالجيش الوطني الشعبي الجزائري وبالتّالي "الحل؟ !" السوداني لا يمكنه أن يكون حلاّ للجزائر.

8- الجيش السوداني تحت رحمة سلاطين آل سعود وأمراء الإمارات ودول كثيرة لا يمكنه بحال أن يرد لها طلب ناهيك عن مواجهتها والجيش الشعبي الوطني لم يتدخل في شؤونه أحد من الكبار ناهيك عن الصغار وظلّوا يحترمونه ولا يتدخلون في شؤونه وهذه من أعظم ما يميّزه لحدّ الآن.

9- الجيش السوداني رضي باللّعبة السياسية وساسة السودان رضوا باقتسام الكراسي على حساب الصندوق والدماء.

10- الجيش السوداني ضعيف هزيل مفكّك تتجاذبه قوى خارجية ونعرات داخلية وحروب من الإبن والجار لذلك رضخ للمال السّعودي لأجل قتل إخوانه اليمنيين ورضي من قبل بإقامة قواعد عسكرية تركية على ترابه ليواجه بها جاره وأخيه المصري بغضّ النظر عن طبيعة العلاقة ودرجة التوتر.

ثالثا التدخل الأجنبي في السودان:

11- أقوى الدول لحدّ هي المملكة السّعودية باعتبارها تملك المال من جهة ومازالت بحاجة إلى 5000 جندي سوداني يساعدها في الحرب ضدّ الجار والأخ اليمني.

12- الإمارات باعتبارها تملك المال.

13- مصر باعتبارها الجارة للسودان ولا يمكن للسودان - الآن - أن يستغني عن مصر رغم ما يعرف عنهم من اختلافات تتعلّق بالمياه والحدود.

14- إثيوبيا باعتبارها الوسيط الناجح وأزعم أنّ إثيوبيا تسعى لإقامة قدم في السودان لربح حليف يساعدها في الحدّ من النفوذ المصري خاصّة في ملف المياه أو ملفات أخرى لا نعرفها لحدّ الآن.

15- الاتحاد الإفريقي باعتباره من الرافضين للانقلابات العسكرية وتجميد عضوية كلّ نظام يقوم على الانقلاب العسكري وناجح في وساطاته ويملك أدوات الضغط.

16- غياب الجامعة العربية لضعفها وفضائحها وأزعم أنّ السّعودية حين تتمكّن من ملف بعينه تتعمّد إزاحة الجامعة العربية والأمين العام للجامعة وبعض الدول العربية يفضّلون الصّمت والانسحاب.

17- حاولت تركيا أن تستحوذ على السودان لمنافسة مصر والضغط عليها والإطلالة على السّعودية عبر المنفذ البحري الذي كانت تحلم به عبر القاعدة العسكرية التي مازالت تمثّل الحلم التركي وأزعم أنّ السرعة السّعودية في تلبية مطالب السودان بسخاء ودهاء وخداع يعود لأحد أسبابه لغلق الطريق أمام الحلم التركي.

18-  حاولت قطر أن تستحوذ على السودان عبر المال لكن في ظلّ هيمنة المال السّعودي والقبضة المصرية والدعم الإفريقي لاأعتقد حاليا أنّ قطر سيكون لها دور في السّودان.

19-  كلّ الدول التي ذكرناها والتي لم نذكرها تعاملت مع السودان بدهاء وخداع ومكر.

20- الإتّفاق أصلا وضعته السّعودية وإذا استمرّ الوضع على حاله أي سيطرة السّعودية والإمارات ومصر على الوضع السوداني فلا أعتقد -في المنظور القريب والمتوسط- أنّ تركيا ستسطيع إحياء أطماعها وأحلامها في السودان.

21- من قواعد الاتحاد الإفريقي أنّه يجمّد عضوية كلّ دولة عضو قامت على أساس انقلاب عسكري ولا ترجع إلاّ بإجراء الانتخابات بغضّ النظر عن طريقتها. المسألة ليست في خروج دولة كالمغرب من الاتحاد الإفريقي فلكلّ دولة الحقّ في الانسحاب ولا يمنع الاتحاد ذلك والسؤال لماذا رجعت؟ وهل تستطيع دولة في الاتحاد الإفريقي أن تنسحب كلية وإلى الأبد من الاتحاد الإفريقي بما فيها الدول الكبرى كجنوب إفريقيا ونيجريا؟ والإجابة كلا. حين نتحدّث عن ضغط الاتحاد الإفريقي نتحدث عن الضغط بالمفهوم الإفريقي وليس بمفهوم الدول التي تملك حقّ النقض والصواريخ العابرة للقارات. أؤكد من جديد غير نادم ولا آسف كلّ الدول التي تتعامل الآن مع السودان تريد الاستحواذ عليه ومنع منافسها من الاقتراب منه ولا أستثني أحدا وهذا ما يميّز الدول فالدول لا تعطي بسخاء ولا تثبت قواعد عسكرية ولا تتعامل بدهاء وخداع بالمجان.

رابعا الخاتمة:

22- لا يمكن بحال أن يكون "الحل"؟ !" السوداني حلاّ للجزائر لأنّه "حلّ" يقفز على الصندوق.

23- بني "الحلّ" السوداني على الدماء والتدخل الأجنبي ولا يمكن أن تكون الدماء والتدخل ممّا تقتدي به الجزائر.

24- حفظ الله إخواننا في السودان ووفقّهم الله لصالح السودان العزيز علينا والسودانيين الكرام.

 

معمر حبار

 

محمود محمد عليفي هذا المقال السادس نعود ونكمل حدثنا عن البعد الحقيقي لعزو الولايات المتحدة لأفغانستان وذلك عقب أحداث 11 سبتمبر مباشرة، وفي نناقش: البعد الثالث وهو البعد الاقتصادي، وفي هذا نقول: في عام 1994م أصدر البيت الأبيض وثيقة بعنوان "استراتيجية الأمن القومي للارتباط والتوسع ”" National Security Strategy For Reengagement and Enlargement ” والتي تتحدث عن إمكانية اسـتخدام نفط بحر قزوين من أجل تنويع مصادر الإمداد بالطاقـة في سبيل تقليص الاعتماد الأمريكي على بترول الخليج العربي، وذلك من خلال تشجيع منتجين ومصدرين جددين للأسواق الأمريكية، فالاعتماد على بترول الخليج وحده أمر محفوف بالمخاطر في ظل التوترات التي تعيشها المنطقة آنذاك .

ومـن هنـا جاء الاهتمام الأمريكي بمفهوم "أمن الطاقة، وبالتـالي برز بترول بحر قزوين باعتباره البديل الأمثل، حيث تـشير تقديرات وزارة الطاقـة الأمريكيـة إلى أن الاحتياطيـات المحتملة، لنقط بحر قزوين تـصل إلى 200 برميل، وهو رقم يقترب كثيراً مما لدى السعودية صاحبة أعلى احتياطي نفطي في العالم (69 مليار برميل)، أما من حيث التوزيع فإن مجموع ما تنتجه ثلاث دول هي أذربيجان، وقازاقستان، وتركمنستان، يصل إلى 5 ملايين برميل يومياً، في حين يتركزالقدر الأكبر من الاحتياطيات النفطية في كازاخـستان وأذربيجـان، وإلى حـد أقـل أوزبكستان، وتشير تقديرات عدة إلى أن أكثر من نـصف الثروة النفطية المحتملة في المنطقـة يقـع في كازاخـستان، وبتقديرات الحكومة الأمريكية يتوقع بلوغ الإنتاج النفطي في كل من كازاخستان وتركمنستان وأوزبكستان بحلـول عام 2010م إلى مستوى 5.4 مليون برميل إذا ما أزيلـت العقبات السياسية.

ومن هذا المنطلق يمكن القول بأن الغزو الأمريكي لأفغانستان لم يكن مجرد رد فعل تلقائي على هجمات الحادي عشر من سبتمبر، لأن التحضيرات وخطط العمليات العسكرية، كانت مجهزة من قبل، فالغزو كان سيحصل تحت أي مسوغ لأهمية وضع أفغانستان في الجغرافيا السياسية لأوراسيا الذي هو عبارة عن محيط للثروة النفطية التي تتصارع عليها القوي الإقليمية والدولية، لأن المنطقة تحتوي على 60 % من الناتج العالمي، فالسيطرة على أفغانستان ستفتح الطريق إلى آسيا بعيدا عن السيطرة الروسية، بالإضافة إلى التحكم في التوازنات الإقليمية في المنطقة من خلال مراقبة نمو القوي النامية التى تعد بمثابة تهديد للمصالح الأمريكية في العالم (الصين، روسيا، الهند)، أضف إلى ذلك تأمين أنابيب النفط والغاز الآتية من آسيا الوسطي عبر أفغانستان وحماية المشاريع الكبري، فيما يخص إنشاء أنابيب نفط جديدة، مثل: مشاريع شركة "أتوكال" في تركمانستان ونقل النفط عبر أنابيب متوجهة إلى المحيط الهندي عبر أفغانستان، بهدف الالتفاف على روسيا وإيران، من أجل نفط بحر قزوين دون الاعتماد عليها .

كما يلاحظ أن هناك ارتباطاً مادياً ومعنوياً بين الغزو الأمريكي لأفغانستان، وبين مضامين السياسة الخارجية الأمريكية وانعكاس ذلك على أمن المنطقة، وخاصة القوقاز، فقد احتلت هذه المنطقة أهمية كبيرة منذ منتصف عقد التسعينيات من القرن الماضي في مرتكزات السياسة الأمريكية، وأعلنت الأخيرة أن هذا الإقليم يمثل عمقاً حيوياً لمصالحها الاستراتيجية، وأنها تتطلع إلى تطوير الديمقراطية، وخلق اقتصاد السوق الحرة، واحتضان السـلم والأمـن والتعـاون، وإدمـاج هـذا الإقلـيم بمنظومـة الأمـن الجماعيـة الدوليـة، فوجـود الولايـات المتحـدة فـي أفغانستان حمل ويحمل بين طياته هدفاً استراتيجياً، ضد دول الجوار (القوقاز) من أجل احتواء روسيا وإقصاء إيران ومراقبة الصين، وتغطية تحتية قائمة على التعددية الجيوسياسية في القوقاز من جنوبه وانتهاءً بشماله وإنشـاء منظومـات لممـرات نفطيـة أورو- آسـيوية لا تمـر عبـر الأراض الروسـية والإيرانيـة والصـينية، وبـذلك تتوجس روسيا خيفة من أن الولايات المتحدة تهدف إلى طردها من دائرة تنمية الطاقة القوقازية، ولذا لا غرو أن نجد هناك تلاقياً للمصالح الايرانية – الروسية ضد تنامي النفوذ الأمريكي في القوقاز وبحر قزوين .

وتمثل موارد الطاقة في منطقة القوقاز وبحر قزوين مصدراً هاماً للطاقة الرخيصة، كما يقلل الاعتماد على نفط الخليج العربي في إطار المسعى الأمريكي لتنويع مصادر الطاقة من النفط والغاز الطبيعي، ومن أجل هذا الغرض قام البيت الأبيض في عام 1994 بإصدار وثيقة بعنوان (استراتيجية الأمن القومي للارتباط والتوسيع)، وقد نصت هذه الوثيقة على إمكانية استخدام نفط وغاز بحر قزوين من أجل تنويع مصادر الطاقة، مما يؤدي إلى تقليل الاعتماد الأمريكي على مصادر الطاقة من منطقة الخليج العربي، وقد ذكرت تقارير وكالة الطاقة الدولية كيف تطورت مراحل سيطرة الشركات الأمريكية على موارد الطاقة في المنطقة، وذلك على النحو التالي :

1- ففي /24/ 10 1993 تم الاتفاق بين الحكومة الأذرية والكونسورتيوم الذي يضم عدد شركات النفط المحلية والدولية والأمريكية على استثمار حقلي Chirag-Azeri وقد بلغت حصص بعض الشركات الأمريكية في هذا الكونستوريوم، مثل شركة أمكو Amoco حوالي 17.1% وكان نصيب شركة يونيكال Unocal حوالي 15 % وشركة بانازول Penzoil حوالي 9.81 % من المشروع.

2- في /14/ 08 1994 قام الرئيس الأذربيجاني بزيارة واشنطن واتفق على توقيع ثلاث عقود مع كل من الشركات الأمريكية Exxon - Mobil-Chevron، بالإضافة إلى توقيع اتفاقية تعاون مع شركة Amoco الأمريكية هذه الاتفاقية تتيح للشركة الحق الاستثنائي في إجراء المباحثات وقد نص حول حقل Inam، وقد نص العقد الأول على استكشاف واستثمار حقلApshereon جنوب بحر قزوين والذي بموجبه حصلت شركة Chevron على 30 %من المشروع والحق في ممارسة عملية التنقيب، أما العقد الثاني فيهتم بالتنقيب في حقل Tagiev.Z بواسطة شركتينExxon- Aioc، حيث تحصل كل منهما على 50 %من أسهم المشروع، أما العقد الثالث فتم توقيعه بين شركتين Aioc -Mobil بخصوص حقل Ogaz الموجود شرقي باكو وينص هذا المشروع على تكافؤ المساهمة بين الشركتين الأمريكيتين والأذربيجانية، لكنه يعطي الحق في مباشرة عملية المشروع إلى شركة "موبيل" الأمريكية .

3- وفي 2/12/1995 بدأت شركة Caspian International Company في عملها في أذربيجان، حيث قامت بعملية استكشاف في حقل "كاراباخ" وهي شركة أمريكية مشتركة وفي الفترة 6-9/4/1997 عقد مؤتمر في دالاس حول منطقة بحر قزوين .

4- عرضت فيه شركة "هوستن" Houston أكبر مجموعة من التقارير والخرائط وقواعد البيانات حول منطقة بحر قزوين، وفي 11/ 05 /1998 قامت وكالة الطاقة الأمريكية بعقد مؤتمر حول احتياطات الطاقة في منطقة بحر قزوين وأجرت مسحا استراتيجياً للمنطقة، وفي 11/ 05 /1998 وضعت شركة "سوكار (Socarتقريراً حول كمية الغاز الطبيعي القابلة لاستخراج وقدرتها بحوالي 15 مليار م3 وفي 20/5/1998، شركة قدمت "First Exchange Crop" (FEC) عدة مشاريع استثمارية في بحر قزوين وخاصة في كل من كازاخستان وأذربيجان وتركمنستان .

5- وفي يومي 25- 26/ 06/ 1998 عقد مؤتمر دولي في مركز التجارة العالمي في نيويورك من أجل بحث مشاكل النفط والغاز الطبيعي وخطوط أنابيب نقل الغاز الطبيعي في منطقة بحر قزوين، وفي 13/ 11 /1998 وافقت الولايات المتحدة الأمريكية على تمويل مشروعات البنية التحتية اللازمة لصناعة النفط والغاز الطبيعي في تركمنستان .

6- وفي 11/ 10/ 1999 شرعت شركة "شيفرون" Chevron الأمريكية بالتباحث مع حكومة كازاخستان على صفقة شراء 25 % من استثمارات حقل تنجيز "Tengiz "وفي 02/ 11 /1999، قامت الولايات المتحـدة الأمريكية بتقديم منحة تقدر قيمتها بـ 425 ألف دولار لدراسة إمكانية إنتاج وتطوير حقول الغاز في أذربيجان حيث تقوم بهذه الدراسة شركة Enron .

يتضح لنا من العرض السابق لنشاط الشركات الأمريكية في منطقة القوقاز وبحر قزوين مدى اهتمام الولايات المتحدة الأمريكية في السيطرة على موارد الطاقة في المنطقة، كما أنها لم تكتف بتواجد شركاتها النفطية في المنطقة، بل سعت إلى السيطرة على منابع النفط والغاز الطبيعي في المنطقة، بالإضافة إلى رغبتها في السيطرة على أنابيب نقل النفط والغاز الطبيعي إلى الأسواق العالمية، حيث قامت بتنويع طرق تصدير النفط والغاز الطبيعي عبر عدة دول حول منطقة بحر قزوين، وقد جاءت هذه السياسة بهدف التحكم في سيطرة روسيا وإيران على موارد الطاقة في المنطقة .

وهنا يمكن القول بأن حقق الغزو الأمريكي لأفغانستان عدة مكاسب اقتصادية للولايات المتحدة أهمها:

أ- السيطرة على نفط بحر قزوين:

إن أحد الدوافع الرئيسية الغزو الأمريكي لأفغانستان هو السيطرة على منطقة قلب آسيا المليئة بالنفط، بما يضمن تنويع مصادر الطاقة العالمية وتقليل الاعتماد الأمريكي على نفط الخليج العربي الذي يصعب السيطرة عليه حيث يعد بحر قزوين ثالث أكبر احتياطي للنفط والغاز الطبيعي في العالم، لاسيما وأن الفريق السياسي الجمهوري الذي أدار الحملة العسكرية الأمريكية على أفغانستان، هو نفسه الذي خاض- قبل عشر سنوات- الحرب في الخليج من أجل النفط (آل بوش – ديك تشينى- كولن باول)، ومن ثم يجيئ تحالف بوش – تشينى السياسي من خلفية تحالف المصالح البترولية .

وجدير بالذكر أن معهد النفط الأمريكي في واشنطن والذي يعتبر صوت شركات النفط الرئيسية اعتبر إقليم بحر قزوين الغنى بالنفط بديلاً لنفط الشرق الأوسط، وتختلف التقديرات المتنوعة في تقييم حجم الاحتياطات التي يمتلكها بحر قزوين من النفط والغاز، وإن اتفق الخبراء على أن المنطقة تأتى على الصعيد العالمي بعد منطقة الشرق الأوسط وقبل بحر الشمال، من حيث الاحتياطات وفقاً للتقديرات التي قدمتها إدارة معلومات الطاقة الأمريكية فإن حجم الاحتياطي النفطي المؤكد لبحر قزوين يصل إلى 10 بلايين برميل والاحتياطي المحتمل بليون برميل، كما تتميز المنطقة بوجود كميات كبيرة من الغاز الطبيعي، حيث يصل الاحتياطي المؤكد للغاز الطبيعي إلى 170,4 تريليون متر مكعب، وقد بلغت صادرات منطقة بحر قزوين من النفط خلال عام 2001م حوالى 920 ألف برميل سنوياً .

إن هاجس السيطرة على منابع النفط عالمياً غدا متحكماً في توجهات السياسة الخارجية للولايات المتحدة، ومن ثم مبرراً لغزو أفغانستان التي وإن افتقرت في ذاتها إلى الثروة النفطية، إلا أنها تقع على تقاطع طرق تصدير هذه الثروة صوب الغرب .

2- دعم مصالح شركات النفط الأمريكية:

يمكن القول بأن مصالح شركات النفط الأمريكية قد شكلت ضغطاً متزايداً على الإدارة الأمريكية، للقيام بدور قيادي أكثر في دول جنوبي القوقاز وآسيا الوسطي، لا سيما في ظل تنامى مصالح شركات النفط الأمريكية منذ النصف الثاني في عقد التسعينيات، وكان لزاماً على الولايات المتحدة ترجمة هذه المصالح الواسعة إلى أهداف سياسية، بما يكفل حصول الشركات الأمريكية على أكبر حصة ممكنة من كعكة بحر قزوين النفطية، وهنا لنا أن نؤكد على أهمية "موقع أفغانستان" في إطار هذا التحرك الأمريكي للسيطرة على نفط منطقة بحر قزوين التي غدت بيئة مواتية لتنافس اقتصادي محتدم بين بعض الشركات النفطية العالمية في الولايات المتحدة، وأوروبا، وروسيا، والخليج، وآسيا التي تتولي مشروعات إنتاج النفط في جمهوريات آسيا الوسطي، وتوصيله إلى الأسواق العالمية .

ولعل أبرز الحالة الدالة على مثل هذا التنافس المحتدم أو الصراع بالأحرى، تلك التي طرفاها الأساسيان شركة "بريداس" الأرجنتينية من جانب وشركة "يونكال" الأمريكية من جانب آخر من أجل مد أنبوب مشترك من تركمانستان إلى أسواق الغاز في شبه القارة الهندية، وإلى مجمع لتصدير النفط بالقرب من كراتشي في باكستان لأن هذا الأنبوب المشترك كان من المفترض أن يمر عبر إقليم غرب أفغانستان الى كانت تسيطر عليه طالبان في ذلك الوقت .

وبإلإضافة إلى ذلك فقد تم إعلان الحرب الأمريكية على أفغانستان بعد أسبوع من إعلان "شيفرون وتكساكو" (وهما من كبري شركات النفط الأمريكية) عن اتحاد بينهما في هيئة كاتل بلغ حجم ميزانيته 100 مليار دولار واحتياطاته الصافية 11,5 مليار برميل من النفط وإنتاجه 2,7 مليون برميل من النفط ويدخل حقل "تنكيز" النفطي في كازاخستان والذي لا يبعد كثيراً عن أفغانستان في إطار شبكة الإنتاج النفطي لهذا الاتحاد، وهو ما يعد مسوغاً إضافياً لاحتلال أفغانستان . وللحديث بقية !!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

محمود محمد عليفي هذا المقال الخامس نعود ونكمل حدثنا عن البعد الحقيقي لعزو الولايات المتحدة لأفغانستان وذلك عقب أحداث 11 سبتمبر مباشرة، وفي هذا نقول: هذه الحقائق جعلت من الصين العائق الاستراتيجي الأكبر أمام مشروع الهيمنة الكونية للولايات المتحدة باعتبار " التحدي الأصعب"، لأن الصين خلافاً للاتحاد السوفيتي، ليست دولة عسكرية جبارة، تقوم على اقتصاد ضعيف، وإنما لها اقتصاد قوي يبنى قوة عسكرية مؤثرة . هذه التحولات الجيوبوليتيكية الهائلة التي بعثها الصعود الصيني في آسيا الوسطي، أثارت قلقاً عميقاً لدي الحكومات الأمريكية، مما دفع إلى تشكيل مفاهيم ثلاثة بين: التشدد، الحل الوسط، واللين في مقاربة العلاقات الصينية – الأمريكية .

وتبرز إلى السطح في خضم النقاشات الدائرة، ضرورة احتواء الصين، ليس بمفهوم الاحتواء السائد في الحرب الباردة، ولكن بالعمل على كبح جماح النفوذ الصيني في المجالات الجيوسياسية في آسيا الوسطي، عن طريق توسيع التحالفات القديمة في الشرق الأقصى مع اليابان، وتطوير العلاقات مع دول آسيا وزيادة الوجود العسكري في مناطق مثل آسيا الوسطي.

وتأتى آسيا الوسطي على رأس المجالات الجيوسياسية المهمة وإحدى مناطق الضغط المهمة في حالة الصراع مع الصين، فهي تشكل قاعدة مهمة وقريبة من أقاليم التوتر الصيني (التبت) مثلاً، وهو إقليم قد يُعد أحد مفاتيح التدخل ضد الصين في المستقبل، وتدخل هذه الاستراتيجية في حسابات سياسة التطويق الأمريكي للصين من الغرب، لمنع التمدد الاستراتيجي الصيني في آسيا الوسطي، كمنطقة مهمة في حسابات أمن الطاقة للصين، التي باعتبارها واحدة من أهم موارد الطاقة للاقتصاد الصيني. فالتواجد الأمريكي عسكرياً في المنطقة يفرض التحكم في خطوط نقل إمدادات الطاقة نحو الصين .

وتتلخص الأهداف الاستراتيجية الأمريكية من احتوائها للصين في نقطتين أساسيتين:

النقطة الأولي: استغلال التماس الجغرافي بين الصين وآسيا الوسطي، لتشكيل نوع من العزل الاستراتيجي لمنع التمدد الصيني نحو الغرب بعدما أحكمت التطويق من الشرق وجنوب شرق، حيث اليابان وكوريا الجنوبية، لتشكيل تحالف استراتيجي مع الصين، لمجابهة أمريكا الخطر المشترك .

النقطة الثانية: باعتبار آسيا الوسطي حسب النظرية الأوراسية – الأمريكية محوراً جيوبوليتيكياً حاجباً للموارد ومعيقاً للتمدد الاستراتيجي للاعبين الاستراتيجيين، فإن الاستراتيجية الأمريكية في آسيا الوسطي، تسعي إلى حجب موارد المنطقة عن الصين، خاصة النفط، والغاز، واليورانيوم المفاتيح الأساسية للاقتصاد الصيني، فالتحكم في النفط والغاز القادم من آسيا الوسطي، عامل أساسي في استكمال حلقات احتواء الصين من الغرب، عن طريق الانتشار العسكري، وتعزيز التحالفات مع الدول المحيطة بالصين.

العنصر الثالث: محاصرة إيران: ما بعد الاحتواء المزدوج:

تهدف الولايات المتحدة الأمريكية من خلال حضورها العسكري المباشر في آسيا الوسطي، والذي أتاحته ترتيبات ما بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، والحرب العالمية علي الإرهاب إلي استكمال حلقات الاحتواء المزدوج (السياسة التي كانت بدأتها إدارة الرئيس بيل كلينتون لاحتواء إيران والعراق) لمحاصرة إيران من الجهة الشرقية، بعدما أنهت احتواءها للعراق، واحتلاله وإيجاد موطئ قدم للقوات الأمريكية علي حدود إيران الغربية؛ حيث القوات الأمريكية في العراق والخليج العربي، وفي الوقت الذي تسعي فيه الولايات المتحدة إلي دمج مصالحها في الشرق الأوسط بمصالحها في آسيا الوسطي وأوراسيا، من خلال استراتيجية الاحتواء الشامل، ومشروع الشرق الأوسط الكبير، الذي يمتد علي مساحة جغرافية من المحيط الأطلسي إلي شرق أفغانستان، وتظل إيران الدولة الوحيدة المنتمية إلي المنطقة، والتي تنهج سلوكاً في سياستها وأدوارها الإقليمية مغايراً للمعايير الأمريكية، فحسب بريجينسكي، فإن إيران هي دولة مشاغبة جيو سياسياً ومصدر تشويش استراتيجي، وهي بمثابة القاسم المشترك لكل مشاكل الولايات المتحدة، بالرغم من كونها دولة محورية جيو سياسية في الرؤية الاستراتيجية الأمريكية. ويستدل المسؤولون الأمريكيون علي مدي تهديد إيران للاستراتيجية الأمريكية من سيل الاتهامات الموجهة ضد إيران، والمتمثلة في رعاية الإرهاب ومعارضة العملية السلمية وتخريب الجهود الدولية لإحلال السلام في الشرق الأوسط، علاوة علي سعيها لامتلاك السلاح النووي وتطويرها لأسلحة الدمار الشامل.

وفقا للتصور الاستراتيجية الأمريكي، فإن الولايات المتحدة تسعى إلى تعميق عزلة إيران الخارجية من خلال تحجيم الصلات الاقتصادية بينها وبين دول العالم عن طريق فرض عقوبات اقتصادية ومالية على الأطراف المتعاملة مع النظام الإسلامي في إيران، وقد سنت الولايات المتحدة لهذا الغرض قانون داماتو في 1996م، والذي مدده الكونجرس في عهد إدارة بوش الابن لمدة 5 سنوات أخري، ويقضي بفرض عقوبات على أية شركات تستثمر أو تتعامل مع إيران، وهو ما يمليه التواجد الأمريكي في آسيا الوسطي، فقد عارضت الولايات المتحدة الأمريكية كل مشاريع النفط والغاز التي تمر عبر الأراضي الإيرانية والقادمة من آسيا الوسطي وبحر قزوين، كما تهدف الولايات المتحدة الأمريكية إلي إشغال إيران بنفسها وبمشكلاتها الداخلية من جراء سياسة التطويق والحصار من الشرق والغرب، حتي لا تكون مصدر أذي في الخارج، وعندما نترجم ذلك الي مصطلحات السياسة، فإن ذلك يعني – ضمناً- إنشاء أطراف شريرة مستقلة، وهذا من مصطلحات الحرب الباردة، تتعاون معها الولايات المتحدة لاحتواء الخصوم الأكثر تهديداً، وفي حالة إيران، تسعي الولايات المتحدة إلى إحاطة إيران بخصوم من ذات المصفوفة الحضارية، وهى الدول الإسلامية للجوار الإيراني من الجهات الثلاث: تركيا في الشمال الغربي، والعراق في الغرب، وباكستان، وأفغانستان، ودول آسيا الوسطي في الشرق والشمال الشرقي، وهى كلها دول إسلامية سنية المذهب مقاومة لإيران وهى دولة شيعية المذهب. فالغاية هي أن تكون إيران محاطة بأطراف شريرة سنية، من أجل إثارة الانقسامات، وإثارة حرب أهلية إسلامية، وذات الأمر تقوم به الولايات المتحدة في الخليج عن طريق التهويل من الخطر الإيراني وبرنامجه النووي والهلال الشيعي المتشكل في الشرق الأوسط، وقد أفضي ذلك إلى تشكل ما تسميه السياسة الأمريكية محور الاعتدال العربي في مواجهة محور التطرف الإيراني .

وتتلخص الأهداف الأمريكية من احتوائها لإيران عبر آسيا الوسطي في النقاط التالية:

1- تحجيم الصلات الاقتصادية والتجارية بين الجمهورية الإسلامية في آسيا الوسطي والجمهوريات الإسلامية الإيرانية .

2- استكمال حلقات الطوق الأمريكي على إيران ومحاصرتها من الشرق، بعد ما تم لها ذلك من جهة الغرب والخليج العربي .

3- مراقبة التوجهات الإيرانية نحو آسيا وأوراسيا، من خلال التحرك الإيراني النشط على المحور الصيني- الروسي.

4- نزع ورقة الطاقة ونقل الإمدادات النفطية والغازية من آسيا الوسطي وبحر قزوين عبر إيران، باعتبارها تمثل الممر الجغرافي الأكثر أماناً والأقرب والأقل تكلفة.

5- الاحتواء الفكري لإيران.

بناء على ما سبق يتبين لنا أن ساحة الحرب على الإرهاب تقع في آسيا الوسطي (بالقرب من بحر قزوين)، حيث إن تلك البقعة تشكل أهمية كبري، وعمقاً استراتيجيا للولايات المتحدة لكونها تقع في منطقة تتوسط تقاطع التهديد الثلاثي (الصين، وروسيا، إيران)، ولمنع هذا التهديد من الظهور، تبنت الولايات المتحدة سياسة الحرب الاستباقية، بهدف التواجد المباشر بالقرب من هذه الدول، ومؤشر ذلك التوسع العسكري السريع الذي تقوم به واشنطن على مدي آلاف الأميال التي تمتد من البلقان إلى حدود الصين، هذا التوسع أحاط بالقوقاز ووسط آسيا والشرق الأوسط وشبه القارة الهندية من "كامب بوندستيل" Camp Bondsteel في كوسوفو بعد حملة حلف الأطلسي عام 1999م، إلى قاعدة بيشكك الجوية في قيرغيزستان بعد التواجد الأمريكي في أفغانستان، ويعمل الأمريكيون على إنشاء حضور عسكري في أماكن لم يكونوا فيها من قبل . بالإضافة إلى وجود 13 قاعدة جديدة في تسعة بلدان تحيط بأفغانستان أنشأت بسرعة مما جعل جنوب روسيا مسرحا أمريكيا للمرة الأولى.

بالإضافة إلى دول شرق أوربا التي تشكل حاجزاً أمام احتمال أي توسع روسي مستقبلي، فإن دول وسط آسيا، أو دول القوقاز، وبحر قزوين، تتميز إلى جانب أهميتها كحاجز، بثروة نفطية من شأنها توفير عنصر القوة الاقتصادية لمن يهيمن عليها، وهى قوة لم يقم الاتحاد السوفيتي السابق باستغلالها، أو لم يكن قادراً على ذلك، كذلك فإن هذه الدول الأسيوية الإسلامية الجديدة هي دول ليست متقدمة، وهى مصنفة عالمياً ضمن ما يعرف بالعالم الثالث، وفي هذا المجال ومقارنة مع دول الشرق الأوسط التي تصنف كذلك من دول العالم الثالث، ولذلك أصبحت المنطقتان تنتميان جيوبوليتيكيا إلى مستطيل يمتد من جنوب روسيا مكون من دول غنية بالنفط والغاز، ولا تملك الأموال ولا التكنولوجيا ولا القدرة السياسية والاقتصادية للسيطرة على ثرواتها ومقدراتها، وبهذه الصورة تتكشف خلفيات الأهداف الأمريكية منها ما كانت معلنة وغير معلنة، والتي تسعى من خلالها لتمرير سياساتها وطرح مبررات تدخلها في أماكن كثيرة من العالم وتحديداً في العراق لأحكام السيطرة على منطقة الشرق الأوسط، وأفغانستان بوابة الدخول إلى منطقة آسيا الوسطي والتواجد العسكري بالقرب من الأعداء القائمين أو المحتملين، وبهذه الصورة تكون الولايات المتحدة، قد نفذت أهدافها الاستراتيجية العالمية من المنظور العملي، وذلك تحقيقاً لجانب التخطيط النظري، والتى رسمها المفكر الاستراتيجي " الفرد ماهان" Alfred Maha (1840-1914م)، التي تنص على:" إن من يحكم شرق أوربا، يسيطر على منطقة القلب، ومن يحكم منطقة القلب يسيطر على الجزيرة العالمية، يسيطر على العالم كله ".

فإمساك الولايات المتحدة على هذه المواقع الجغرافية الهامة، وسيطرتها على ثرواتها الواعدة من نفط وغاز وغيرها، تكون قد أنهت سيطرتها العسكرية المباشرة على العالم، بحيث لا تبقي قارة أو إقليم يخلو من الوجود العسكري الأمريكي المباشر، مما يعنى أن مسألة التفكير الروسي، للعودة إلى المياه الدافئة والشرق الأوسط أمر صعب التحقيق حالياً، وأن نهوض المارد الصيني مستقبلاً أصبح بعد التواجد العسكري الأمريكي، بالقرب منه في حكم المهمة الصعبة، كذلك للحد من الدور الهندي الصاعد، وبات الرهان على باكستان رهاناً محفوفاً بالخطر الكبير، بعد أن أصبحت هدفاً تحت السيطرة المباشرة للجيوش الأمريكية.

ولكن وفي ظل هذا الوضع الجديد الذي يحقق للولايات المتحدة حرية التحرك باتجاه استكمال التحكم والسيطرة على أهم مناطق العالم (قلب العالم) والمعرفة بغالبها تقع ضمن أراضِ عربية وإسلامية، والتي لم يكن للولايات المتحدة السيطرة عليها عسكرياً، لولا ظروف استثنائية تمثلت بفرصة أحداث 11 سبتمبر 2001م وانطلقت مع الحرب على الإرهاب.

والسؤال المهم الذي يطرح نفسه هنا هو: هل ستستمر تلك الظروف التي تعانى منها شعوب العالم الإسلامي، نتيجة غطرسة القوة الأمريكية وانفرادها في القرار الدولي، وغزوها للعراق ومن قبلها أفغانستان ودعمها للاحتلال الاسرائيلي وتشريد شعبه، وتدخلاتها المستمرة في الشؤون العربية والإسلامية؛ بمعنى هل من الممكن للإدارة الأمريكية الجديدة برئاسة "باراك أوباما" Barack Obama بإجراء تبديل أو على الأقل تعديل في استراتيجية أو عقيدة إدارة بوش الابن تجاه قضايا العالم الإسلامي أم ستبقي الأمور على ما هي عليه؟ وهل بالإمكان التكهن بحصول مفاجآت غير متوقعة في الشؤون الداخلية والخارجية للولايات المتحدة؟ .

خلاصة القول إن الهدف الأسمى من غزو الولايات المتحدة لأفغانستان من الناحية العسكرية، يتمثل في وضع موطئ قدم في منطقة آسيا الوسطي، وهو ما يعمد على إفساد طبخة التضامن الروسي – الصيني والعمل على التقارب بين موسكو وواشنطن، خاصة لما لهذه المنطقة من أهمية لروسيا في السيطرة على نصف القارة الأوربية وعلى مد نفوذها إلى أجزاء متعددة من الشرق الأوسط وشرق آسيا، ولم يكن غزو أفغانستان مجرد فعل تلقائي، باعتبار أن منطقة أوراسيا عبارة عن محيط من الثروة النفطية، فاختيرت أفغانستان لتكون نقطة ارتكاز وقاعدة أمريكية لعملياتها العسكرية في أوراسيا، ويبقي الدوافع الخفية لذلك، هو مواجهة تحديات نمو الصين في أوراسيا وتمدد علاقتها النفطية مع دول الجمهوريات الإسلامية، وكذا إبعاد الجار الروسي وتقزيم دوره في المنطقة، وإحكام السيطرة على قواعد اللعبة الدائرة بين شركات متعددة الجنسيات في مجال النفط، والغاز والخدمات البترولية التي تنتمي لعدة دول غربية وروسية وهندية، لكن بالرغم ما خطط له في شن الضربات الاستباقية في إطار" الحرب العادلة "، إلا أنها عجزت عن احتواء ذلك الخطر الذي يمثل تحولاً في منطق الحرب ودلالتها، وعدم التحكم الذكي في الوضع بفتح جبهة جديدة لنفوذ قوي أخري صاعدة خاصة روسيا والصين، لذا عمدت أمريكا في فتح جبهة جديدة في علاقتها مع القوي الإقليمية خاصة تركيا محور القارة الأوراسية فما وراء ذلك التقارب – الأمريكي في المنطقة... وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

ضياء الحكيممتى ستدرك الأحزاب السياسية المذهبية الدينية أنها خلفت التشويه والتخلف لشعوبها؟ لماذا تكرر هذه الأحزاب أخطاء الماضي بأرتكاب أخطاء جديدة وتخترق أسس إصلاح الدولة؟

كل شيئ يسير بمعايير إرادة إلاصلاح داخل الدول والعراق يستحق أن يعيد أناقته بالأصلاح . والمفروض ان عملية التغيير في الدولة تتم على مراحل، يترأسها بعيون فاحصة، مسؤولون عن تقدمها أو تأخرها بمراقبة أفضل الخدمات اليومية ويبادلون شعوبهم برابطة الصدق بالصدق . الفرصة لفتح باب الأناقة والجمال أمامنا تتطلب خطوات جريئة صادقة وضوابط تتخذها وترتأيها الدولة وتغذية فائدتها لكل الطبقات الشعبية وبمشاهدة مؤشرات ماذبل ذبل وما تخلف تخلف. فالأمرُ ليس متروكاً للسماء ونحن نسير ولا نرى ما أمامنا إلا معايير جمال الدول الأخرى وطبيعتها الخلابة وعناية حكوماتها بأفرادها صحياً وعلمياً وإجتماعياً . أرى مرور الوقت وهو يمر سريعاً ولانرى إلا صراخ المأذن للتوبة . وأنت ترى بالتلفونات الذكية ماأثقلتكم حكومات بناء المتاريس والعقبات السياسية الدستورية وحكومات " تعطيل العمل بالعطل".

ذاق أهل العراق الطعم المر من الأحزاب السياسية على إختلافها وإختلاف توجهاتها وعقائدها وتجاعيدها وأقوال قادتها. وها نحن اليوم أمام واجهة العلم والتعلم في كيفية إدارة الوطن من العتبة الأولى. 

كثيراً ما طرحنا على الطبقة السياسية التي تقود الوطن سؤال السائل: ماهو الوجه الواحد الذي يميز أرض دولتنا ودستورها؟ وظهرت أمامك أوجه عديدة مختلفة التوجه والتجاعيد الزمنية وإنهالت على المواطن عشرات الأجوبة في التفسير والتغطية الإعلامية، أغلبها، سياسية عقائدية دينية مذهبية قومية، رافقها نوعية مبطنة من أيديولوجية الصراع بين جيل يطمح في ترتيب أناقة الدولة وسلامتها وعطائها الفكري وجيل من مشايخ الشيوخ وساسة السياسة القابعين في مقراتهم وهم يرون أن أناقة وكرامة الدولة ينبغي أن تبقى مع أتربتهاعلى حالها السابق بتغييب ماهو قادم وجديد ولاتحتاج المضي في التغيير .

العراق في تحليل مجتمعي دقيق تسوده أحزاب رفعت بقيمها البالية الى السماء وأنزلها الله بقوة ولعن قادتها أشد لعنة . العراق مراقد ومقامات وأضرحة وهمية كريهة الشكل والمنظر أضيفت لها ألوان الاكاذيب والخداع والغش في السنوات القليلة الماضية لتمرير تجارة كسب المال من الفقراء والسذج .

ليتهم يعلمون ضياع الوقت والطاقات بتوريط العراق في المزيد من خلق الذريعة للكراهية العنصرية المذهبية (داعش) . ليتهم يعلمون الخدمات السرية التي قدمتها وكالة الأستخبارات الأسرائيلية الى داعش وحث أفرادها على الصلاة والتعبد والجلوس في المساجد والمقامات والأضرحة وذبح من لايؤمن. المسلحون من أفراد وشخصيات داعش أدخلوا على مقاتليهم الطاعة التامة لنبذ الحياة الدنيا والاختلاف على دنيا الأخرة . حالتان مميتتان لامفر منهما كرستهما لهم أجهزة المخابرات، فياليتهم يعلمون . ألم يبدو لنا واضحاً أن إسرائيل تغدق على " مقاتلي داعش بالمال والسلاح وتعتني بالجرحى المصابين منهم في مراكز ميدانية طبية خصصت لهم ؟ ألم يبدو لك واضحاً لماذا لم يقم تنظيم داعش بأي عمل عسكري ضد المستعمرات اليهودية جنوب سوريا والجولان؟ وهل مازال خافياً كيف أشغلت إسرائيل العراق وسوريا ولبنان بنشر قوات داعش وإيصالهم للمدن والقرى كي تضيّع على هذه الشعوب فرص التقدم وتُشغل جيوشهم وبعثرة طاقاتهم في قتال طائفي مرير؟

لقد جاء الدور للإصلاح وحان الوقت للعمل والبناء . فمن هو القائم به؟ المقترح هو حل وإبعاد كل الأحزاب السياسية بقرار جماعي متفق عليه وتشكيل حزب واحد بمسمى (حزب الإصلاح المدني المنهجي) وينضوي تحت راية كتابة نص دستوره ممن يؤمن بستقبل العراق والطريق الأصلح لأنهاء الأحزاب جميعاً ومن دون تمييز عنصري بين القوميات والمذاهب .

الصورة البارزة المعطاة عن أناقة دولنا وتقدمها الحثيث تجابهه عقليات أقامت لنفسها أحزاباً إعتقدت أنها أسهمت و تُسهم بتقدمه بينما يتنقل وجهائها في ربوع بلدان أوروبية وأمريكية ويلتقطون الصور والتصوير والفيديوات وما يرافقها من بيانات ساذجة عن نية العمل لاحقاً . الوطن يستحق الحرص والحماية والأصلاح المبرمج ونبذ الأرهاب. ويستحق مواطنوه العيش من أجل جيلهم وجمال ارضهم . فهل في الأستطاعة أن تستوعب أفكارنا وأعمالنا مكاناً واسعاً له، ونلقي في السواقي البالية جيوش الظلام التي حاربته.

أتحب إزدهار وطنك؟ فإخضراره وعذوبة مياهه يبدأ بك. يبدأ عندما يتوافد السواح إليه وهم في إطئنان وسلام يعاودونا السلام ونعاودهم بالسلام والسلام عليكم وعلى وطنكم الزاهر المرفه .

 حقيقة الحقيقة هو ما يجثم على صدورنا من تفاعلات نفسية سلبية أصبحت العنوان السائد والمهيمن على طبيعة العلاقات بين أناس يرون الحياة خدعة حزبية، فطنة شيطان برلماني، أو عبودية لرب إفتراضي سطره للبشر من قاد عقيدة مضللة.

ماذا ستربح أية دولة بعقيدة تعم وتُسندها القصص والأساطير والرويات وتتحالف مع الآخرين ضد دولة مسلمة وجارة، أيا كانت مبادئ وعقيدة تلك الدولة ؟

الخطأ الجسيم ترتكبه دول بحق جمالية دينها وتأريخها وأجيالها، وتسهم بصورة مباشرة ببرامج ومشاريع تستنزف منها ثرواتها وطاقاتها وما أهلك مواطنيها بدعاوى عقائدية أو مذهبية أو دينية تحبب الطائفية وترفع شأن التعادي والقتل المباح.

ويبدو أن هذه الدول تابعة قابعة ومأسورة الإرادة والمصير ومقيدة بأحزابها السلطوية، وأنها تمضي على سكة المسموح به من حرية التعادي والتقاتل والإحتراب والدمار وعمومية التأخر الماثل أمامهم ولاتراه أعينهم . هذه الأحزاب الملوثة بأحقاد الماضي تقدم خدمة مجانية للاعداء والمستغلين وتخشى أن نكون أمة واحدة ذات قدرات إعتصامية بمعاني وقيم الإسلام الحقيقي، ويأتي في مقدمتها حق السلام والجيرة وأسسهما وأهميتهما في بناء الحياة الأقوى والأفضل والأعز. فالدولة عمل وإصلاح تدونُ أناقته المؤشرات ببيانات مكتوبة.

 

ضياء الحكيم

باحث وكاتب سياسي

 

 

 

عبد الخالق الفلاحكل الانظمة السياسية الوطنية اسماً وعملاً أيا كان نمطها وخلفية تشكيلها تبحث عن تعزيز شرعيتها والتي تشير الى التزام النظام الحاكم أو السلطات بالقوانين والدستور في ادارة الشأن العام ، و تعني توافق المبادئ العامة والأيدلوجية والافكار والاطار المؤسساتية لتأتي بالنظام السياسي الحاكم والمقبول  وفق القوانين الدستورية المناسبة والمتطابقة مع ارادة وطموحات الجماهير"إلأ في العراق" فلا تنتهي الصراعات المتفاقمة،والانسدادات التي يعيشه شعبه على كل الأصعدة بالحلول الترقيعية وبالتسميات او في الارتفاع فوق الرؤية الوطنية وليس من موقع الضد السياسي او الفكري العقلاني المفقود اساساً انما من اجل السباق للحصول على جزء من الكعكة و فشلت جهود "محتكري السياسة "في تكوين قيادة وطنية موحدة سليمة النوايا تحقق ارادة الجماهير ، لها ثقل سياسي واضح المعالم، تستند الى مشاريع استراتيجية وأهداف واضحة تسعى الى بناء الوطن ، نابعة من تاريخه الكبير، حريصة على لملمت شتات القواعد الجماهيرية للشعب في ظل امة واحدة رغم اختلاف مكوناتها العرقية والقومية والاثنية ،وبعيدةً عن التناحر على السلطة بتسمياتها الحزبية والمذهبية والمناطقية، و تعمل وجل اهدافهم  التفكير بالمصالح الشخصية الضيقة، وحسابات الربح والخسارة ،متنافسة ومتنازعة على حصص المسؤولية والقادة الذين لم يصلوا بعد الى حالة من القناعة السياسية وادراك مفهوم الديمقراطية الجديدة إلى الان وأن غالبية القوى السياسية هي لا تؤمن بشرعية المؤسسات أو السلطات الحاكمة ، مما سبب الاعتقاد بالفشل الذي يشمل إلى حد كبير كافة القوى السياسية وبأن السلطة تعاني من العديد من الازمات والانقسامات وانهيار التحالفات بسرعة والتي بالامكان رصدها على مدى الاعوام الماضية دون الكبير من العناء. وغياب مفهوم المعارضة لان " المعارضة السياسية الحقيقية لها علاقة وثيقة بالديمقراطية فهي تُعد جزء أساسي وشرعي من النظام السياسي الجماهيري، حتى قيل " لا معارضة بدون ديمقراطية، ولا ديمقراطية بدون معارضة موجهة فعالة ، ولا سياسة أصلا دون تعددية ومن التعددية تنبثق المعارضة والتنافس، فحيوية المجتمعات تعود من بعض الجوانب إلى التعددية السياسية وإلى المعارضة النشطة حيث تكون نداً للحكومة ومعارضاً لها، وبديلاً عنها و فلا يمكن أن يكون هناك تداول سلمي للسلطة ما لم تكن هناك تعددية سياسية حرة تؤمن بوجود المعارضة في إطار المجتمع والنظام السياسي الديمقراطي والعكس صحيح. ومن غير الممكن للديمقراطية كبنية وآليات وقواعد أن تنضج وترسخ على مستوى الممارسة السياسية، إلا في ظل بنية ثقافية تقوم على المساواة وحرية العمل السياسي للقوى والتنظيمات السياسية المختلفة".

ان المعارضة الوطنية الحقيقية والصادقة هي التي  عليها تقويم عمل الحكومة ووضعها في مسارها الصحيح أذا وجدت أن هناك أنحرافا عن خط سيرها وعن ما طرحتها ونادت بها قبل تسلمها قيادة الدولة. وتتمثل الإستراتيجية بالوسائل التي تختارها لتحقيق أهدافها ، وتختلف طبيعة الإستراتيجية المتبعة بأختلاف طبيعة النظام السياسي القائم ، فقد تلجأ المعارضة الى حاله المنافسة الحادة  فتدخل في منافسة نزيهة معها "اي الحكومة " مما يدفعها لتقديم أعلى درجات العطاء والأداء ليس على الصعيد السياسي فحسب بل على كل الأصعدة والذي يصب في النهاية في مصلحة الوطن الممزق والمتردي سياسيا وأجتماعيا وأقتصاديا ودينيا وأمنيا والمواطن المظلوم يعاني الامرين . المعارضة الوطنية بعيدة عن  التلفيق والأكاذيب ولا تتحالف إلأ مع الداخل ولا تضع يدها بيد قوى خارجية أقليمية أو دول معروفة بمواقفها السلبية والعدائية وغير الطيبة تجاه بناء الوطن و خشية كل حزب على معسكره او يخشى من منافسية في ذات المعسكر وبالعكس من ذلك  فان جولة حوارات الحلول التي ترسم معالم المستقبل مسألة غاية في الصعوبة والتعقيد ولا تقرر مسار ومستقبل العملية السياسية المليئة بالثغرات والافخاخ وحساب الامتيازات ، أما أذا كانت المعارضة خارج النظام السياسي فأن هدفها الأساسي هو السعي لإسقاط الحكومة والحل محلها ، او من الناحية النظرية قد يرى البعض خطأً أن الدخول في المعارضة قد تكون مشروعة أو لديها القدرة في ادارة البلد رغم تمزق قواه وعدم تناسق التيارات السياسية بسبب الاختلافات الشكلية لا الجوهرية وعدم المصداقية او ضعف بنيتها التنظيمية والظنون لذلك فإن مطالبتها فى حالة عدم الاستجابة لطلباتها بحجة ان ذلك التيار مهمش رغم مشاركته في ادارة الحكومة  بشكل واخر وعلى مستويات مختلفة .. والأهم من هذا وذاك هو أنها لم تحدد هوية الحكم فهل هي دولة ديموقراطية او بيروقراطية ذات مرجعية فى ظل حكم أصولي ورفض البعض الآخر بأنه شرط على المضي فيها مرتهناً بالاعتراف والإقرار بمشروعه وانه هو الحريص على طبيعة الحكم وهويته ومحاربة الفساد في ظل الصراع على الغنائم والمكاسب وإثارة المشاكل الأمنية والعشائرية والطائفية كما نشاهده اليوم في الكثير من مجالس المحافظات حيث يتم اختيار المحافظ على اساس الربح – الربح لحساب الكتل المنضوية فيها. بذلك فان هذه الخطوة  (المعارضة) تحسب على المعارضة السلبية التي " تهدف إلى اسقاط العملية السياسية والتمسك بالمناصب لاغير وإثارة الشارع، وتصعيد الوضع الأمني فقط ولا غاية غيرها وهم جزء مهم من الاخفاق الحكومي ،

وبالاساس ابتزاز لانها تنظر الى الامور بعين واحدة ومن يذهب باتجاه المعارضة الواقعية يجب ان تكون خارج التشكيلة الحكومية وتسمى  بالمعارضة الإيجابية التي ترى بعينين فترى الأعمال الصحيحة النافعة للوطن والمواطنين وتؤيدها، وترى الأعمال السيئة والخاطئة فتعمل على بيان خطئها وخطرها و تصحيحها وتؤشر مواطن الخلل والفساد بكل مصداقية بعيدا عن المجاملات وتدعم الخطوات الاصلاحية التي تدعم دولة المواطن وليس دولة المسؤول والفوضى والمناصب التي تنفجر فيما بينها بين حين واخر ولن تتحقق الغاية الاساسية من هذا المفهوم وفق اي رؤية مغايرة ، وأن القوى التي تدعي المعارضة الحالية هي في بداية الطريق ولا تملك قواعد محكمة لها في الشارع مع الاحترام لها رغم التطبيل والتهويل الاعلامي لانها بنيت على وعود ومناصب ومزايدات وافتقارها الى التثقيف ، كما أنها مختلفة فيما بينها على نفسها ومنقسمة ومن ثم فهي لا يمكن لها أن تقوم على هذه الخطوة او تقوم بمهامها في تحقيق مطالب الجماهير رغم كل الجهود التي تسعى إليه و أن تفعل ما يمكن أن يتحقق أو يكون فى متناول اليد ومن الصعب تحقيق الاستقرار وتوضيح ملامح المرحلة القادمة والنظام السياسي القادم والحد من العنف وعاجزة على ان تستعد للخطوة القادمة إلأ بالتوافق المعهود والذي يعمل به منذ عام 2003"هذا لك وهذا لي "و أحتكار السلطة وتركيزها في يد فئة قد تكون عشائرية اواجتماعية ونخبة سياسية ضيقة على الرغم من الامكانيات والعقول والخبرات النيرة الوطنية التي يمتلكها العراق مستعدة للعمل بما يلبي  طموحات كل مكوناته ولكن تعارض الآراء وتعـدد المصالح الانية والشخصية تمنع النهوض بالواقع السياسي والاقتصادي للدولة العراقية في الاعتماد على الكفاءة والتخصص في ادارة المؤسسات والدوائر الرسمية والشبه الرسمية  . وهناك من لا يؤمن بأحقية راي المواطن في الحكم ومن ثم بمفهوم القيادة الجماهيرية اصلاً .

 

عبد الخالق الفلاح – باحث واعلامي

 

محمود محمد علينعود ونكمل حدثنا في هذا المقال الرابع عن البعد الحقيقي لعزو الولايات المتحدة لأفغانستان وذلك عقب أحداث 11 سبتمبر مباشرة، وفي هذا نقول: أقامت الولايات المتحدة قاعدة جوية أمريكيـة في قيرغيزستان، وصفها قائد الحملة الأمريكية علـى أفغانـستان "تـومى فرانكس" Tommy Franks بأنها قاعدة نقل جوى رئيسية، ويتمركز فيها ثلاثة آلاف جندي أمريكي، بالإضـافة إلى طـائرات مقاتلـة وطائرات دعم أخرى. وقد بدأت الولايـات المتحـدة في بداية يناير 2002م،في تعزيز تلك القاعدة علـى أسـاس مذكّرة تفاهم بين البلدين حصل الأمريكيون بموجبها على حقوق سيادية في هذا البلد، منها إدخال أسلحة وإعفاء من التفتيش وتمتع المواقع والمـواطنين الأمـريكيين بالحـصانة الكاملة وعدم إخـضاعهم للقـوانين المحليـة والـسماح للمواطنين الأمريكيين بالدخول والخروج من قيرغيزستان ببطاقات الهوية، مما جعل أحد جنـرالات الاسـتخبارات الروسية ويدعى " فاسيلي ليوفوف " يتحـدث عـن "تحويـل قيرغيزستان إلى بلد محتل "، كما أعيد تجهيز مطار "ما نـاس" لاستقبال ثلاثة آلاف خبير عسكري أمريكي وعدد كـبير من الأجهزة والطائرات الأمريكية . وتكتـسب القواعـد الأمريكية العسكرية في قيرغيزستان أهمية خاصة مع كونهـا تقام في مناطق قريبة من الصين، ولهـذا سـيكون بوسـع الولايات المتحدة استخدام هذه المرتكزات للإشراف علـى المناطق الغربية وعلى الحدود الهندية الباكستانية.

أما طاجيكستان، والتي كانت تعد أقرب حليف لروسيا في المنطقة، فقد أخذت تعزز علاقتها مع الولايـات المتحدة الأمريكية، فوافقت على وضع قاعدة "كولياب" الجوية الواقعة على بعد 100 كيلو متر من الحـدود الأفغانيـة، تحـت تصرف القواعد الأمريكية والفرنسية، كما وافقت علـى نشر ما يقرب من 4000 عسكري أمريكـي وأوروبي في تلك القاعدة، في الوقت الذي طالب الرئيس الطـاجيكى "إمام على رحمانوف "، موسكو بـدفع 200 مليـون دولار سنوياً لقاء وجود قاعدة روسية في أراضي بلاده . وكانـت الولايات المتحدة قد ألغت الحظر الذي فرضته سابقاً علـى تصدير السلاح إلى طاجيكستان مما يوحي بأنها تريـد أن تشارك في إعادة تجهيز القوات المسلحة الطاجيكية تمهيـداً لتقليص الاعتماد على روسـيا.

هذا بالإضافة إلى القواعد الأخرى وسط آسيا مثل قاعدة "دييجو جارسيا" في المحيط الهادي بالمشاركة مع القوات البريطانية، والتي تعد قاعدة دعم لأسطولها ولجيشها في وسط آسيا وقواعدها الجوية في اليابان (كادينا بأوكيناوا وميساوا ويوكوتا)، و(قاعدة أنجرليك الجوية في تركيا )، بالإضافة إلى قواعد في كوريا الجنوبية وفي الفلبين، وفي أوربا الشرقية هناك قواعد بويدز وكرزيسنى الجوية في بولندا، وقاعدتي بيرمير وجراف إجناتيف الجويتين في بلغاريا، بالإضافة إلى قاعدتين أرضيتين وهما مركز آيتوس اللوجستى ونوفو سيلو، ومرفأ البحر الأسود كونستانزا في رومانيا.

وكان هدف الولايات المتحدة من ذلك هو الاحتفاظ بقواعد عسكرية قرب الدول المناوئة لها لتسيطر من خلالها واشنطن على مختلف السياسات في آسيا الوسطي والقوقاز بالذات لتذويبه في حيز جيوسياسي واستراتيجي واسع يمتد حتى الوطن العربي ومنطقة الخليج العربي، بقصد الهيمنة على أوراسيا، وهذا يعنى أن احتلال أفغانستان يمثل بداية حلقة السيطرة على الشرق الأقصى،ويحد من أي توسع لنفوذ روسيا أو الصين، ويؤدي كذلك إلى توسيع النطاق العسكري والسياسي لحلف شمال الأطلسي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية.

ولا شك في أن التواجد الأمريكي في آسيا الوسطي من خلال تلك القواعد العسكرية نقل الاستراتيجية الأمريكية من مرحلة الدبلوماسية الهادئة إلى التواجد العسكري المباشر بعد أحداث 11 سبتمبر2001م، بعدما انتهي التقييم الاستراتيجي للفرص والمزايا والمخاطر والتهديدات التي تنطوي عليها المنطقة،

والذي دفعها إلى قمة أولويات الانتشار الأمريكي، بوصفها منطقة جيواستراتيجية مهمة في لعبة الصراع العالمي على منطقة النفوذ وموارد الطاقة.

وعليه فقد وجدت الولايات المتحدة في أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 م الفرصة سانحة، لتحقيق مراميها الاستراتيجية في التحكم في موازين الطاقة العالمية ليس فقط عن طريـق السيطرة على منابع النفط، ولكن أيضاً عن طريق إيـصال موارد بحر قزوين إلى البحار المفتوحة، ومنها للأسواق العالمية عبر طرق آمنة ومضمونة؛ حيث وفرت الحرب الأمريكيـة المزعومة ضد الإرهاب للجيوش الأمريكية التواجد في آسيا الوسطى، عن طريق القواعـد العـسكرية في تركمنـستان، وأوزبكستان، وأفغانستان، ومن ورائهم باكستان، فضلاً عن التواجد المسبق في دول القوقاز "أذربيجان، جورجيا.

وبالتالى يمكن تلخيص الأهداف الموسومة بالاستراتيجية لأمريكا في المنطقة تميزا لها عن الأهداف الظرفية والتكتيكية (نشر الديمقراطية، محاربة الإرهاب، وتثبيت دعائم الاستقرار، منع النزاعات والحروب الاثنية وتطبيق حقوق الإنسان...) في العناصر الثلاثة:

العنصر الأول : عزل روسيا : من السلام الساخن إلى الحرب الباردة الجديدة :

تشكل روسيا ما بعد الاتحاد السوفيتي المصدر الثاني للقلق الاستراتيجي الأمريكي على مستقبل مشروع الهيمنة الأمريكية على العالم، إذ لا تزال روسيا بمثابة الثقب الأسود واللغز المحير في المشروع الاستراتيجي الأمريكي للهيمنة الشاملة على عالم ما بعد الحرب الباردة، بالرغم من تراجع الدور الروسي في العقد الأخير من القرن العشرين على الساحة العالمية، إلا أن التطورات الداخلية التى حدثت في روسيا، ومنها وصول "فلاديمير بوتن" Vladimir Putin إلى سدة الرئاسة سنة 1999م، حفزت روسيا على النظر إلى ما وراء أفقها الداخلي وأثبتت السياسة الروسية في السنوات التالية وفي علاقاتها الخارجية على عودة منظورة للدب الروسي إلى لعبة الصراع الدولي بعدما انقضت فترة السلام الساخن التي أعقبت نهاية الحرب الباردة. وقد استشعرت الولايات المتحدة هذه التوجهات فسارعت إلى تبنى استراتيجية لعزل روسيا جيوسياسياً عن طريق منعها من العودة إلى مناطق نفوذها السابق في أوربا الشرقية والقوقاز وآسيا الوسطي كشرط أساسي لأية علاقات أمريكية – روسية، الأمر الذي دعا إليه " هنري كيسنجر" بضرورة احتضان روسيا كجزء من النظام العالمي الجديد بشرط أن تفهم عملية مشاركتها المتعبة . وعليها أن تعي أنها ليست مخولة بأن يتم تسليمها مناطق النفوذ التي طمع بها القياصرة والمسؤولون في الحزب الشيوعي على طول حدود روسيا الشاسعة لمدة 300 عام، فإذا أزمعت روسيا أن تكون شريكاً جاداً في تشييد نظام عالمى جديد، فعليها أن تستعد للامتثال لضوابط الاستقرار، ومن ضوابط الاستقرار تسليم مناطق نفوذها وعدم العودة إلى سياسة الأخ الأكبر والتخلي عن حديقتها الخلفية.

أرادات الولايات المتحدة أن تعيق عملية بناء قوة روسيا كلاعب استراتيجي في منطقة أوراسيا، وعملت بكل قوة على حرمان روسيا من ثلاث ركائز هى : أوكرانيا، وأوزبكستان، وأذربيجان، فأوكرانيا تطل على البحر الأسود الذي يؤدي إلى المضايق التركية، ويقف النفوذ الأمريكي في أوكرانيا حائلاً أمام النفوذ الروسي ومساعيه لنشر الأساطيل، وفي هذا الشأن تسعى الولايات المتحدة عبر الأبواب الخلفية لإقناع تركمنستان بقبول بناء خط ترانز- خزر المتجه للشواطئ الأذربيجانية لكى تقلل من الفوائد الروسية وتقلص فرص نجاح موسكو في السيطرة على مصدر حيوي مثل   الغاز.

ويقول بريجنسكي:" إن هدف الولايات المتحدة ينبغي أن يكون دائماً الحفاظ على التعدديات الجيوستراتيجية في منطقة أورآسيا بكل ما تعنيه من خصوصيات ثقافية وخطوط تماس عقائدي. فالحفاظ على التعدديات الجيوسياسية يمنع نشوء تحالف كيانات معادية للولايات المتحدة، وعلى واشنطن أن تبحث عن شركاء استراتيجيين يساعدونها في بناء أمنى الأوراسي – الأطلسي على المدى البعيد".

وتنطوي استراتيجية عزل روسيا من خلال التواجد العسكري في آسيا الوسطي على اعتبار هذه الأخيرة تشكل قاعدة مثالية لتهديد روسيا بالاقتراب من حدودها الجنوبية وإحاطتها بكماشة تستكمل حلقة النفوذ الأمريكي من جهة أوكرانيا، فإذا عزمت روسيا على تحدي الدور الأمريكي السياسي والعسكري، فإن هذه المنطقة هي الأصلح لإيذاء روسيا لتوفر مجموعة من الذرائع والتبريرات للتدخل في هذه المنطقة وشؤونها فقد خلقت الإمبراطورية السوفيتية المنهارة عدداً كبيراً من المشكلات الإقليمية التي تصلح للاستغلال، فهناك النزعات الحدودية والقومية وتصاعد دعوي الاستقلال والانفصال القومي والديني، وهي عوامل لها امتدادات واسعة داخل العمق الروسي نفسه، وجيوسياسياً مهدت الولايات المتحدة من خلال آسيا الوسطي، إلى بناء عائق استراتيجي نحو التوجهات الروسية في آسيا حيث الهند والصين، وينم ذلك عن مخاوف أمريكية عميقة من تشكل حلف استراتيجي أو مثلث استراتيجي بين روسيا والصين والهند، وهو الذي دعا إليه الرئيس الروسي" فلاديمير بوتن" عند زيارته كل من الصين والهند في عام 2004م.

فهكذا تحالف لا شك أنه يشكل أكبر قيد على التحرك الأمريكي لعزل روسيا على ثلاثة أعمدة رئيسية:

أ- هو إقامة تحالفات وعلاقات سياسية مع دول الجوار الروسي خاصة في القوقاز وآسيا الوسطي وأوربا الشرقية.

ب- توسيع المظلة الأمنية لحلف الطاقة بمنع روسيا من التحكم في خطوط نقل النفط وعبر الممرات السوفيتية السابقة .

وتتلخص عملية عزل روسيا ضمن استراتيجية الاحتواء العالمي أو الاحتواء الشامل، إنه بالمزج بين الوسائل الاقتصادية والوجود العسكري المباشر علي حدود روسيا سوف يزيح كل أوهام روسيا بشأن احتمالية قيام نوع من الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة الأمريكية يتيح لها أن تضم دول الجوار إلي دائرة نفوذها أو تشارك في أي شكل من أشكال التحالفات المضادة "المشكلة للحد من التفوق الأمريكي في أوراسيا ". لذا يتعين علي الولايات المتحدة الأمريكية أن تتبع سياسة تقديم معضلة البديل الوحيد أمام روسيا، علي أن تعمل-في الوقت ذاته – علي الحيلولة دون قيام أي تحالف محتمل مع الصين وإيران ضد هيمنتها، وقد ساعد ذلك علي جعل روسيا تبعد اهتمامها وتركيزها عن جمهوريات آسيا الوسطي، ويمكن للولايات المتحدة من تنفيذ لاستراتيجيات في أوراسيا دون أي عقبات تذكر، وذلك فيما يمكن اعتباره أساساً استراتيجيا في الاحتواء العالمي من جهة أخري، وقد كشفت أزمة القوقاز الأخيرة بين روسيا وجورجيا علي صحة التحليلات التي تري في الأزمة الأخيرة بوادر حقيقية علي عودة الحرب الباردة بين روسيا وحلف شمال الأطلسي والولايات المتحدة، قاعدة انطلاقها هي السيطرة علي آسيا الوسطي والقوقاز وهو ما دفع بوسائل الإعلان والتحليلات السياسية الدولية إلي الحديث عن حرب باردة جديدة بين الولايات المتحدة وروسيا .

كما سعت الولايات المتحدة لتطويق روسيا عبر عدة وسائل من أبرزها تشجيع حالة عدم الاستقرار السياسي الداخلي للولايات والأقاليم التي تحاول الانفصال عنها، وبالتالي تفتيت الوحدة الوطنية الروسية، إضافة إلى منعها من إعادة البناء الاقتصادي وتنشيط اقتصادها، مما يؤهلها لاستعادة النفوذ السوفيتي ولتنهض كقوى عظمى وهو مسعى الحكومة الروسية الحالية، ويتأكد ذلك من خلال توجهاتها نحو استعادة نفوذها على الجمهوريات السوفيتية السابقة، ومنها جمهوريات وسط أسيا وتطوير اقتصادها بالاعتماد على ما تمتلكه هذه الجمهوريات من موارد معدنية (نفط وغاز)، وهو ما تعارضه الولايات المتحدة، لأجل ذلك اتبعت الولايات المتحدة عدة وسائل لمنع روسيا من الوصول إلى هذا الهدف، ويأتي في مقدمة تلك الوسائل هو اختراق الجمهوريات السوفيتية السابقة، ومنها جمهوريات وسط أسيا، والهيمنة، والسيطرة عليها لقطع الطريق أمام روسيا، وكذلك أثارت النعرات الأثنية والانفصالية في الداخل الروسي لإضعافها وتفتيتها.

العنصر الثاني: احتواء الصين في مثلث الاحتواء الشامل:

أما الصين صاحبة أكبر عدد سكان في العالم والموقع الجغرافي المهم، والتي تطرح نفسها كقائدة لآسيا، وأن أي محاولة لمنعها من هذه القيادة، قد يؤثر على الولايات المتحدة أكثر من الصين، لأنها ستفتح الباب أمام روسيا من جديد، أو على أقل تقدير سيدخل الطرفان في صراع، أو حتى حرب لا تخدم الطرفيين، الأمر الذي دفع بالولايات المتحدة لاستخدام أسلوب جديد مع الصين، يختلف عن الأدوات التي استخدمتها مع روسيا، وتمثل هذا الأسلوب باستغلال العلاقات المتوترة مع جيرانها، مما يبعث برسالة إلى الصين، بإمكانية أثارة الاضطرابات مع الدول المجاورة، وبالتالي يفتح الباب واسعا" أمام التدخل الأمريكي ضد الصين، مما قد يؤثر في نهاية المطاف على الاقتصاد الصيني.

ويمثل الصعود الصيني المطرد والمتنامي اقتصادياً، وعسكرياً، وثقافياً هاجس التفكير الاستراتيجي الأمريكي، ومبعث القلق الشديد في الأوساط الأكاديمية دوائر التخطيط الأمريكية لفترة ما بعد اختفاء الاتحاد السوفيتي عن مسرح العلاقات الدولية والسياسة العالمية، إذ لم تعد الصين ذلك العملاق النائم كما درجت الأدبيات السياسية وصفه، بل أضحي ذلك التنين الأصفر ذو الرؤوس الاقتصادية والمالية والعسكرية المخيفة، والذي استحق به لقب زعيم آسيا بدون منازع، فبعد قرون من السبات تهب الصين، لتقف على قدميها لتحتل المرتبة الأولي في العالم، كأسرع معدل للنمو، والمرتبة الثانية كثاني أكبر وأوسع اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة، وكثاني أكبر مستورد ومستهلك للطاقة في العالم، وثاني أكبر دولة في الانفاق العسكري السنوي.. الخ ... وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

محمود محمد عليفى سبتمبر 1996م استولت حركة طالبان علـى كابول وهرب رباني وشاه مسعود نحو الشمال إلى "وادى بانجشير" معقل مسـعود، واسـتهلت قوات طالبان دخولها كابول باقتحام مقر بعثـة الأمم المتحدة فى كابول والقبض على الرئيس الأسبق نجيب الله وأخيه وشنقتهما علنًـا في شوارع كابول.

ويشير المحللون إلى أن الولايـات المتحـدة قدمت الدعم لحركة طالبان منذ بداية ظهورها رغبة منها فى أن تسيطر الحركة على أكبـر مساحة ممكنة من الأراضي الأفغانيـة وتقـوم بترحيل الأفغان العرب المقيمين على الأراضي الأفغانية، وبعد استيلاء طالبان على السلطة أقدمت على بعض الأفعال التى اعتبرتها الولايات المتحدة غير مقبولـة، مثل إعدام الرئيس الأسبق "نجيب الله "، وفـرض الحجاب على النساء وإلغاء عمل المرأة خارج المنزل، ورفض تسليم أو إبعاد أسامة بن لادن الذى تعتبره الولايات المتحدة المسـئول الأول عن أعمال استهدفت رعايـا أمـريكيين مثـل انفجار الخبـر والظهـران وأخيـرا تفجيـر سفارتيها في نيروبي ودار السلام في أغسطس عام     1998م  .

ومع اسـتمرار مـا اعتبرتـه واشـنطن تجاوزات من الحركة في مجال حقوق الإنسان، وخوفاً من أن تمثل طالبان نموذجـاً أصـولياً متشدداً، وجهت واشنطن انتقادات حادة للحركة، ودعت للدخول في مفاوضـات تضـم جميـع الفصائل الأفغانية، وقيام حكم فيدرالي يتـيح للأعراق المختلفة مساحة واسعة مـن الحكـم الذاتي، وإعادة تقسيم البلاد إدارياً علـى أسـس عرقية، وتحويل كافة السـلطات الفعليـة إلـى الأقاليم المختلفة فى الدولـة، وعـودة الملـك المخلوع ظاهر شاه إلى السـلطة علـى رأس حكومة موسعة .

ومثلما ظهرت حركة طالبان على المسرح السياسي الأفغاني بشكل مفاجئ، فإنها سقطت بصورة مفاجئة أيضاً، فحين تعرضت الولايات المتحدة في الحادي عشر من سبتمبر 2001 م، لهجمات مست أحد برجي مركز التجارة العالمية، ومبنى وزارة الدفاع (البنتاجون) في العاصمة واشنطن، عقب هذا الحدث وجهت الولايات المتحدة أصابع الاتهام إلى " أسامة بن لادن" الذي كان موجودا في تلك الفترة في أفغانستان تحت رعاية حكومة طالبان، فطالبت بتسليمه إلى المحاكمة، لكن الحكومة الأفغانية رفضت ذلك لعدم ثبوت الدلائل القوية التي تقر فعلا بما قام به .

حينها صرح الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن بتاريخ 20 سبتمبر 2001م، أي بعد وقوع الاعتداءات بتسعة أيام يقول فيه بلهجة الغاضب والمحذر في أن واحد:" على أي دولة في أي منطقة في العالم أن تختار منذ الآن فصاعداً، إما أن تكون معنا أو مع الإرهابيين، وأضاف أيضاً مخاطباً نظام طالبان بتسليمه جميع المسؤولين عن تنظيم القاعدة : " عليهم أن يسلموا الإرهابيين أو يتقاسموا معهم مصيرهم" .

من خلال هذا التصريح يتضح أن الرئيس الأمريكي كان يقصد الإرهابيين الموجدين داخل الأراضي الأفغانية، ومن يدعمهم كحركة طالبان، في إشارة واضحة إلى ضرب نظام طالبان والقضاء عليه، وعلى صعيد الطرف الآخر قام أسامة بن لادن بتوجيه الاتهام، بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 قائلاً: "إن ما تشعر به اليوم الولايات المتحدة يعد شيئاً صغيراً مقارنة بما ذقناه لعشرات من السنين، إن امتنا ذاقت الذل والهوان لأكثر من 80 عاما " وأضاف قائلاً :" إن أمريكا وحلفاءها يرتكبون المجازر ضدنا في فلسطين، والشيشان، وكشمير، والعراق وهجمات الحادي عشر من سبتمبر لم تستهدف النساء ولا الأطفال، إن الأهداف الحقيقية كانت الرموز العسكرية والاقتصادية " .

وعقب هذا التصريح الذي دل على أن  لأسامة بن لادن علاقة بأحداث الحادي عشر من سبتمبر بالولايات المتحدة سواء عن قريب أو بعيد، أصدر مجلس الأمن الدولي بالإجماع يوم 28 سبتمبر القرار 1373 الذي اعتمد بموجبه الفصل السابع من ميثاق هيئة الأمم المتحدة، والذي نص على صلاحيات واسعة لمجلس الأمن في فرض قرارات ملزمة، لجميع الدول الأعضاء لمكافحة الإرهاب، وتجميد النشاطات المالية للمنظمات الإرهابية، وضرورة تنظيم وتنسيق التعاون وتبادل المعلومات الاستخباراتية، هذا القرار الذي أعطي للولايات المتحدة شرعية التدخل العسكري في أفغانستان وهجوماً شاملاً على الأراضي الأفغانية .

وقبل أن يبدأ الهجوم على طالبان عرضَ الرئيس الأمريكي بوش الابن على طالبان عدة نقاط على طالبان في 20/ سبتمبر/2001، وهي :

- على طالبان أن تسلّم جميع أعضاء القاعدة لأمريكا.

- على طالبان أن تطلق سراح جميع السجناء الأجانب وتسلمهم للولايات المتحدة الأمريكية (44) .

- على طالبان وبأسرع وقت إغلاق جميع مراكز التدريب للمقاتلين.

- السماح لأمريكا بأن تصل إلى مراكز تدريب “الإرهاب”، وتحقق بشأن ذلك.

وبعد شهرين من الهجوم على برجي التجارة العالمي في نيويورك، بدأ الهجوم العسكري الأمريكي- البريطاني على أفغانستان، بعدما رفضت حركة طالبان تسليم "بن لادن" للسلطات الأمريكية، فأمريكا ادعت أن تنظيم القاعدة الذي يقوده بن لادن، كان وراء أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م، وطالبت حركة طالبان بتسليمة لأمريكا، لكن الحركة بدورها طالبت أمريكا بتقديم أدلة ووثائق تثبت تورط "بن لادن" في هذه الأحداث، ورغم أن أمريكا لم تقدم أي دليل مقنع يثبت ادعاءاتها تلك، شنت هجومها العسكري واسع النطاق على أفغانستان .

ففي الساعة 8,20 ليلاً بتوقيت العاصمة كابول من يوم الأحد السابع من أكتوبر عام 2001م، أقلعت المقاتلات الأمريكية من حاملة الطائرات المستقرة في (بحر عمان)، وقاذفات القنابل من جزيرة (جزيرة ديبوغارسيا) الواقعة في المحيط الهندي، وأغارت على منطقة (جلال آباد) الجبلية الواقعة في محافظة "تنكرها " وقصفتها بالقنابل والصواريخ . وفي نفس الوقت سمع صوت مهيب لخمسة وعشرين انفجاراً على أقل تقدير في العاصمة كابول تسببت في قطع التيار الكهربائي عنها.

وفي الأسبوع الثاني للعمليات الحربية الأمريكية في أفغانستان، أعلن المسؤولون في وزارة الدفاع (195) الأمريكية أن بعض وحدات القوات الخاصة الأمريكية المتشكلة من: مغاوير القوات البرية، وأصحاب القبعات الخضر، والوحدة المعروفة بالخنازير البحرية Seals والمارينز، وقوات مكافحة الإرهاب (الدلتا) قد دخلت الأراضي الأفغانية، علماً أن بعض وحدات الجيش الأمريكي الخاصة، كانت قد استقرت في شمال أفغانستان بصورة سرية قبل الهجوم الجوي والصاروخي على أفغانستان.

وبدعم من هذه القوات تمكنت (قوات التحالف الشمالي الأفغاني) من السيطرة على عدد من المدن الأفغانية ومنها: مدينة مزار شري، وإخراج قوات الطالبان منها، وعلى أثر اشتداد الهجمات التي تعرضت لها قوات الطالبان، تراجعت إلى المدن الجنوبية، وتمركزت في قندهار.

وفي المرحلة الثانية من العمليات العسكرية التي تحمل اسم (ثبات الحرية) استقرت (قوات المارينز الأمريكية) بالقرب من مدينة قندهار، ووفرت هذه القوات غطاءً ودعما للهجوم البري لقوات تحالف الشمال الأفغاني المدعوم بالغطاء الجوي الأمريكي على مدينة قندهار. وبعد شهرين من بدء الهجوم (الأمريكي – البريطاني) على أفغانستان، وبدأت قوات طالبان تسلم نفسها بالتدريج، بينما توارت قياداتها إلى جهات مجهولة.

وبعد 33 يوماً من الحملات الجوية الشديدة، ظهرت آثار الانكسار على (قوات حركة طالبان) المستقرة في الجبهات الشمالية لأفغانستان، كما إن القصف المتواصل والمكثف بواسطة طائرات الــ (25-B) العملاقة من جهة، والتحرك العسكري لقوات الجبهة الشمالية المعارضة لطالبان من جهة أخري، أدي إلى انسحاب طالبان من مدينة مزار شريف.

استمرار الحملات العسكرية على هذه الوتيرة من الشدة والكثافة، أدي إلى انسحاب قوات طالبان من إحدى عشرة محافظة في الشمال والوسط، والتراجع إلى المناطق الجنوبية، حيث انتشروا في المحافظات البشتونية، مثل: قندهار، وهلمند، وكندوز (قندوز) وفي مرتفعاتها، هذا الارتباك الواضح في أداء قوات طالبان أمام الهجوم العسكري يعكس بجلاء الضعف العسكري لهذه الحركة، وهو ضعف يمكن إرجاعه إلى انقطاع الارتباط بين القائد الأعلى والقوات.

بعد أن حققت الولايات المتحدة انتصارها المرحلي على أفغانستان، وبعد أن تم انسحاب طالبان من مواقعهم الاستراتيجية وافقت الفصائل الافغانية بالإجماع على اختيار (حامد كرزاي) رئيساً للحكومة الانتقالية، وذلك أثناء انعقاد مؤتمر بون بألمانيا، والذي عقد في الخامس من ديسمبر ٢٠٠١م، وقـد تـولى "قرضـاي" رئاسة الحكومة المؤقتة لمدة سـتة اشـهر فـي بادئ الامـر، وفـي حزيـران العـام 2002م جـرت انتخابـات فـي أفغانستان تم انتخاب (كرزاي) رئيسا للدولة، وطمأن الولايات المتحدة الأمريكية بأنه سيكرس ولايته للتصدي لأمراء الحرب والإرهاب ودعي المجتمع الـدولي لمسـاعدته فـي مهمتـه المتمثلـة بتـوفير حيـاة أفضـل ومحاربـة ظاهرة الحرب الإرهاب وكل أشكال القمع .

وهذا الأمر أكد نية الولايات المتحدة في التواجـد طويـل الأمد في تلك المنطقة، هذه النية التي كشفت عنها الممارسة الأمريكية على أرض الواقع؛ حيث بدأت في تعزيز تواجدها العسكري وتمديده إلى مناطق أخرى، بعدما انتهت الحملـة على طالبان، هذا بالإضافة إلى تـصريحات العديـد مـن المسئولين الأمريكيين التي تؤكد نية التواجد طويل الأمـد، فمثلاً صرح السفير الأمريكي في روسيا "ألكسندر فيرشيو" Alexander Vershbo، في مطلع يناير، أن حكومة بلاده تنوى - بعد إنجاز مهمتـها في أفغانستان "- مـساعدة دول آسـيا الوسـطى في تطـوير الديمقراطية، إن الوجود الأمريكي لا يجوز اعتباره خطرا لأنه يؤدى إلى الاستقرار والديمقراطية "، كذلك أكد نائـب وزيـر الخارجية الأمريكي "لين باسكو " Lynn Pascoe في منتصف يناير 2002م، رغبة بلاده في "علاقات طويلة الأمد في مجال الأمن " مـع دول آسيا الوسطى، وقال إن واشنطن تريد "تعزيز الديمقراطية في المنطقة".

كذلك أكدت مـساعدة وزيـر الخارجيـة الأمريكي "إليزابيث جونز" Elizabeth Jones أثنـاء زيارتهـا لطاجيكـستان وقيرغيزستان في نهاية يناير 2002،" أن الوجود الأمريكي في بعض دول آسيا الوسطى سيستمر لسنوات " (وكان قـد سبق تلك التصريحات تصريح أكثر دلالة في هذا الشأن لأنه صدر عن وزير الخارجية الأمريكي كولين باول أثناء زيارته لدول آسيا الوسطى في ديسمبر 2001م، حين قال إنه يريد التطلع إلى ما وراء أزمة أفغانستان، وكيفية تطوير علاقات واشنطن مع تلك الدول، موضحاً حرص الولايات المتحدة على إرساء الديمقراطية داخل الأنظمة الحاكمـة في هـذه المنطقة، وانتهت تلك الدلالات القاطعـة علـى نيـة التواجد الأمريكي الدائم في آسيا الوسطى بزيـارة وزيـر الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد إلى تركمنستان في 26 أبريل 2002م، ثم كازاخستان في 28 أبريل  2002م.

البعد الثانى: البعد العسكري:

بعد انهيار الاتحاد السوفيتى ودخول العالم في حقبة القطبية الأحادية، تمكنت الولايات المتحدة من اللعب في الحديقة الخلفية للنفوذ الروسي منذ تسعينيات القرن الماضي؛ حيث تدخلت القوات الأمريكية في البلقان ضد حليفته صربيا الأرثوذكسية بعد تفكيك يوغسلافيا في تسعينيات القرن الماضي، وفي شرق أوروبا انفرط عقد النفوذ الروسي، وبدأت دول المنطقة تسعى إلى دخول الاتحاد الأوربي، مثل بولندا، والمج، ورومانيا، وبلغاريا، والتشيك، بالإضافة إلى دول البلطيق إستونيا ولاتفيا وليتوانيا.

ثم ظلت الولايات المتحدة تتقدم في مناطق إرث الاتحاد السوفيتي السابق، واستطاعت أن تشعل الثورات على أنظمة موالية لروسيا فيما عرف بالثورات الناعمة، البرتقالية والمخملية والوردية، واستطاعت الولايات المتحدة في النهاية أن تحيط بموسكو من كافة أقطارها، وبدأت الولايات المتحدة بعد ذلك في تضييق الخناق على روسيا التي حاصرتها المشكلات السياسية والعسكرية والاقتصادية، لتضع الولايات المتحدة موطئ قدم لها على معظم حدودها في بولندا، وألمانيا، وأوكرانيا، وجورجيا، وتركيا، وأوزبكستان، وقيرغيزستان.

لم تكن أطماع الولايات المتحدة الأمريكية في منطقة بحر قزوين وليدة لأحداث الحادية عشر من سبتمبر، وإن كانت تلك الأحداث سبباً قوياً لبدء تحركها تجاه تلك المنطقة، حيث إن منطقة بحر قزوين تعتبر من أهم الأهداف الاستراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية.

ويعتبر التحرك الأمريكي ضد الغزو الذي قام به الاتحاد السوفيتي السابق على أفغانستان في نهاية السبعينات من القرن الماضي أحد مظاهر الاهتمام الأمريكي بتلك المنطقة.

لذا استغلت الولايات المتحدة الأمريكية أحداث 11 سبتمبر 2001م وما بعدها من أجل تحقيق أحد أهدافها الاستراتيجية في منطقة آسيا الوسطى، حيث تصر على دعم التواجد العسكري الدائم في دول المنطقة بدعوى القضاء على الإرهاب، كما تسعى إلى توسيع حلف الناتو، بحيث يغطي دول المنطقة، وذلك من أجل حصار القوى الكبرى، مثل روسيا، والصين، وإيران، وتوفير أجواء أمنية وعسكرية وسياسية توفر أرضية مناسبة للسيطرة الغربية والأمريكية على منابع النفط والغاز في منطقة بحر قزوين، وقد أتاحت أحداث 11 سبتمبر 2001م الفرصة أمام الولايات المتحدة الأمريكية، لفعل ذلك من خلال إرسال قواتها العسكرية إلى أفغانستان للقضاء على حركة طالبان. أما الهدف الرئيسي لهذه القوات هو دعم الهيمنة ومصالح الولايات المتحدة الأمريكية في الدول التي كانت بعيدة عن سيطرتها في السابق، وتمهيداً لقيامها باستغلال ثروات هذه المنطقة.

وتحت ظلال دخان الحرب على الإرهاب في آسيا الوسطي؛ وبالأخص أفغانستان، قامت الولايات المتحدة بتأمين حضورها العسكري ونشر وجودها المباشر، ففي ديسمبر 2001م قام وزير الدفاع الأمريكي الأسبق (دونالد رامسفيد) بعمل زيارة لأذربيجان الهدف منها بحث سبل التعاون في المجال العسكري معها، حيث أكد في هذه الزيارة أن بلاده مهتمة بالتعاون العسكري مع دول المنطقة من أجل ضمان توافر حالة الأمن والاستقرار لديها، ثم جاء الإعلان عن نشر قوات أمريكية في جورجيا في فبراير 2001م بهدف تحقيق حالة من الاستقرار الأمني والاجتماعي والسياسي، محاولة حسم المهام الاستراتيجية والجغرافية في المنطقة.

وبالفعل تم تنصيب القواعد العسكرية، وكذلك نصب منظومة الدرع الصاروخية في بولندا والتشيك، وأضحى التواجد العسكري الأمريكي وراء البحار هو أحد أعمق مرتكزات الاستراتيجية العسكرية الأمريكية؛ حيث تحتاج الولايات المتحدة إلى قواعد ومحطات في أوربا وشمال شرق آسيا، وكذلك إلى تأسيس شبكة قواعد دائمة من أجل توفير الإمكانية العسكرية اللوجستية، لتحريك القوات الأمريكية لمسافات واتجاهات مختلفة ضمن الإطار الجيواستراتيجي لها، كما يتضح من خلال القواعد العسكرية الأساسية في وسط آسيا في كل من باجرام، قندهار، خوست، لورا، مزار شريف، (أفغانستان)، والقواعد الأخرى الموجودة في أوزبكستان، وفي قيرغيزستان، وطاجيكستان .

أما أوزبكستان وافقت على تأجير قاعدة آباد الجوية إلى الولايات المتحدة الأمريكية لمدة 25 عاماً، كما قامت الولايات المتحدة بعد فترة وجيزة من حملتها في أفغانـستان بنشر نحو 1500 من جنودهـا في أوزبكـستان، كمـا توصلت إلى اتفاق مع أوزبكستان يقضى بمـنح الجـيش الأمريكي مرونة في العمل مـن القواعـد العـسكرية في أوزبكستان، مقابل أن تـضمن واشـنطن حمايـة أمـن أوزبكستان، بالإضافة إلى إعادة فتح الحـدود الأوزبكيـة الأفغانية وفتح جسر استراتيجي بين البلدين.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

رياضـالسنديمقدمة المترجم: هذا مقال كتبه كل من فيليب س. زان وهو محامي، خريج كلية القانون في جامعة نيويورك، ومحاضر في جامعة جورج ميسن بولاية فرجينيا، بالإشتراك مع واليتا كانون وهي أميركية آشورية تعيش في شيكاغو، ولدت عام 1919 وتبلغ من العمر حالياً 99 سنة. وتعمل في اللجنة التوجيهية لمنظمة الديمقراطيين الإشتراكيين في أميركا DSA في شيكاغو. وقد قمنا بترجمته أثناء البحث في القضية الأشورية نقدمه لقراء العربية.

ترجمة المقال:

في عام 1930، وقّع الملك جورج الخامس ملك بريطانيا العظمى وفيصل ملك العراق، معاهدة دخلت حيز النفاذ عند انضمام العراق إلى عصبة الأمم. فقد تم قبول العراق في العصبة بتاريخ 3 أكتوبر 1932. وفي ذلك التاريخ، وعملا بالمعاهدة المبرمة بين بريطانيا العظمى والعراق، فقد انتهى الإنتداب البريطاني على العراق. وتوقفت مسؤولية بريطانيا القانونية - وليس المسؤولية الأخلاقية - عن الأقليات في العراق. وبعد الإعلان عن التوقيع على المعاهدة الأنغلو - عراقية حيث كان من المقرر أن ينتهي الانتداب البريطاني، بدأت عصبة الأمم تتلقى تقارير عن انتهاكات والتماسات للانتصاف من الطائفة الآشورية. وكان القلق هو أن الظروف بالنسبة للآشوريين في العراق سوف تزداد سوءا بمجرد أن تسلم بريطانيا السلطة إلى العراقيين. قد تكون هذه هي الفرصة الأخيرة لإنشاء وطن للآشوريين أو توفير الحماية لهم. وكانت المعاهدة الأنغلو - عراقية لعام 1930 صامتة تماما بشأن حماية الأقليات. وقد أدرج الدستور العراقي ضمنا مفهوم " حماية الأقليات "، وأصرت الحكومة العراقية على إنها ستلتزم بهذا التوجيه. بينما يسجل التاريخ، بطبيعة الحال، أنها لم تفعل ذلك.

الالتماسات (الطلبات) الآشورية الخمسة

وفي عامي 1931 و1932، تلقت عصبة الأمم ما لا يقل عن خمس التماسات من الجماعات الآشورية". وقد شكل توقيت الالتماسات والإنهاء الوشيك للانتداب البريطاني في العراق مشكلة أساسية لعصبة الأمم. ولأن الانتداب البريطاني يخضع لعصبة الأمم، فإن تقديم التماس ناجح يمكن أن يؤدي إلى قرار من مجلس عصبة الأمم يوجه بريطانيا إلى اتخاذ بعض الإجراءات فيما يتعلق بالأقلية الآشورية. ولكن بمجرد انتهاء الانتداب البريطاني في العراق، أصبحت الالتماسات المقدمة إلى العصبة موضع جدل. ولا يوجد للعصبة سلطة أن تأمر الحكومة العراقية بالقيام بأي شيء فيما يتعلق بها. وفي 24 سبتمبر 1932، أوعز مجلس عصبة الأمم إلى لجنة الولايات بمراجعة الالتماسات والوثائق ذات الصلة، بما في ذلك ردود الحكومتين البريطانية والعراقية. وأصدرت لجنة الولايات تقريرا أشارت فيه إلى أن السلطة الإلزامية البريطانية في العراق قد انتهت. وقد وصف التقرير المقدم إلى المجلس في 3 كانون الأول/ديسمبر 1932، بعد شهرين من انتهاء السلطة الإلزامية في بريطانيا، هذا المأزق، مشيراً إلى "الطبيعة الحساسة لمهمة [لجنة الولايات] من وجهة النظر الدستورية". ولا يمكن القيام بأي شيء، حتى لو كان المجلس يميل إلى القيام بشيء ما، ورفضت الالتماسات رسميا.

وكان الإلتماسين الأوليين مؤرخين في 20 و23 تشرين الأول/أكتوبر 1931. جاء هذين الإلتماسين من ممثلي الآشوريين في العراق بمن فيهم مار ايشاي شمعون الثالث والعشرون، بطريرك كنيسة المشرق. وطلبوا فيهما نقل الآشوريون في العراق إلى إقليم تحت حكم إحدى الدول الغربية أو، في حالة تعذر ذلك، إلى سوريا، التي لا تزال الانتداب الفرنسي. ولم تعترض بريطانيا ولا العراق على هذه الفكرة، ولكن لم يتطوع أي بلد لأخذ الآشوريين. وجادلت بريطانيا بأن إنشاء وطن ليس ضرورياً لأنه بمجرد تخلينا عن الآشوريين في سعيهم لإقامة وطن مستقل؛ فإنهم سيصبحون جزءا متكاملا و"مفيدا" من العراق. وفي وقت لاحق، سيتم اكتشاف بأن فكرة نقل الآشوريين إلى إقليم جديد تحظى بجديَّة أكبر (انظر أدناه).

وسعى الالتماس الثالث إلى الاعتراف بالآشوريين كأمة داخل العراق وإنشاء منطقة آشورية داخل العراق عن طريق إعادة رسم حدود العراق مع تركيا لتشمل داخل العراق المناطق التركية التي عاش فيها اللاجئون الآشوريون في العراق قبل طردهم من تركيا. وفي حالة عدم القيام بذلك، طلبت العريضة إقامة وطن خاص داخل الحدود القائمة للعراق، يتكون من كامل منطقة العمادية بالإضافة إلى الأجزاء المتاخمة من زاخو ودهوك وعقرة، للاجئين الآشوريين من تركيا في العراق. ونص الالتماس على أن تعترف الحكومة العراقية بسلطة مار شمعون الزمنية والدينية على المِلّة. ولأن سلطة مار شمعون امتدت على أتباع كنيسة المشرق، فإن السجل ليس واضحاً ما إذا كان القصد هو منح مار شمعون سلطة على الآشوريين من الطوائف الأخرى أو ما إذا كان التماس الاعتراف بالحقوق والحصول على وطن ينطبق فقط على الآشوريين الذين كانوا أعضاء في كنيسته. استغلت الحكومة العراقية هذا الارتباك: فنوري السعيد، رئيس الوزراء العراقي، عندما كان من المناسب القيام بذلك، قد فسَّر تعبير "الآشوريين" على أنه يعني فقط أعضاء كنيسة المشرق. وقد أتاح له ذلك الاحتجاج بأن الالتماسات ذات الصلة بالغت إلى حد كبير في أعداد الآشوريين. ويبدو أن التحليلات اللاحقة، بما في ذلك تلك التي استندت إليها سياسات الحكومة الأميركية، قد فامت على هذا الأساس، ويبدو إنها وقعت في هذا الفخ.

كما طالب الالتماس كذلك، إعطاء مار شمعون الحق في تعيين نائب في البرلمان العراقي. وينص القانون العراقي بالفعل على انتخاب نائبين مسيحيين في البرلمان من قبل لواء الموصل. وحجّة نوري السعيد ضد اقتراح نائب إضافي مفيدة: فالقانون العراقي يحدد نائباً واحداً لكل 000 20 ذكر؛ وكان هناك 73,000 مسيحي في الموصل، أو، إن السعيد ضمنَّهم، حوالي 36500 من الذكور، لذلك فإن إستحقاقهم كان نائبان فقط، كما إحتجّ بأن ذلك "أكثر من كافي". وعلى هذا الأساس فإن مسيحيي الموصل ممثَلون بالفعل بشكلٍ كافٍ. فالآشوريون ليسوا الطائفة المسيحية الوحيدة في لواء الموصل. ففي الواقع هم يبلغوا حوالي ربع السّكان المسيحيين. فهناك أيضاً مسيحيون كلدانيون وأرمن وسريان أرثوذكس وسريان كاثوليك". وعندما وجد العراقيون أن من المناسب تقسيم تلك الأقلية الكبيرة نسبياً إلى مجموعات منفصلة صغيرة ذات مصالح مختلفة، فعلوا ذلك. وادعى السعيد أن "الآشوريين" لا يشكلون سوى ربع المسيحيين البالغ عددهم 73 ألف مسيحي في الموصل، أي حوالي 18 ألف مسيحي.

ليس من الواضح ما إذا كانت هذه الأرقام تشمل لاجئين آشوريين من تركيا. وعلى أية حال، ونظراً إلى أنه لم يتم إجراء أي تعداد بين نهاية الحرب العالمية الأولى وإنتهاء الانتداب، فإن أرقام السعيد هي في أحسن الأحوال تخمينات موضوعية تماماً. وكان الرد البريطاني على هذا الالتماس هو أن الالتماس يمثل آراء الآشوريين المطرودين فقط من تركيا وليس الآشوريين الأصليين في العراق. وأعربت المملكة المتحدة عن قلقها من أن منح اعتراف خاص للآشوريين من شأنه أن يعرض الوحدة الوطنية للعراق للخطر. وأكدت أنه لا توجد أراضٍ غير مأهولة بما فيه الكفاية لإقامة وطن آشوري داخل العراق، ولكنها وافقت على أن تكون المنطقة المطلوبة من تركيا داخل العراق. وبالمقابل، وبطبيعة الحال، رفضت تركيا الحدود المقترحة كما رفضت أيضا السماح للآشوريين بالعودة إلى ديارهم.

أما الالتماس الرابع، والمؤرخ 21 أيلول/سبتمبر 1932، فقد وقَّع عليه 58 شخصاً يدعون أنهم يمثلون 395 2 أسرة. وتشير الوثيقة البريطانية التي قدمت هذا الالتماس إلى أنها جاءت من الأسقف إيوالاها مطران برواري بالا والعمادية الذي كان الأول على قائمة الموقعين. واعترض هذا الالتماس على الالتماس الثالث، بحجة أن مار شمعون لا يمثل جميع الآشوريين، وأن الآشوريين، اللاجئين والسكان الأصليين على حد سواء، ممتنين للحكومة العراقية. وفي معرض الرد أو تقييم هذا الالتماس، فإن بريطانيا والعصبة، انساقا بسرعة إلى تعريف نوري السعيد الضيق جداً للآشوريين كأعضاء في كنيسة المشرق إلى ما يجب أن يكون تعريف أوسع بكثير، وربما واسع بما فيه الكفاية ليشمل جميع الناطقين باللغة السريانية في العراق. وهنا خدم مصالح العراقيين في النظر إلى الطائفة الآشورية ككل واتخاذ المعارضة الآشورية لإمتيازات مار شمعون الخاصة كدليل على رضا عامة الآشوريين عن حكومة العراق وعدم رضاهم العام عن مار شمعون. إنها سياسة فَرِّق تَسُد.

أما العريضة النهائية، والمؤرخة في 22 سبتمبر 1932، فهي الأخرى مقدّمة من مار شمعون وتدعي أن للآشوريين الحق في المطالبة بمنازلهم الأصلية أو البدائل المناسبة من المملكة المتحدة، التي حارب الآشوريون من أجلها في الحرب العالمية الأولى. وتطلب إعادة مقاطعة هكاري أو إعادة التوطين على غرار ما هو مطلوب في الالتماس الثالث. وأشار الالتماس إلى أن الآشوريين صوتوا لصالح العراق في استفتاء لواء الموصل بناء على توصية العصبة في عام 1925 الخاصة بمنح الآشوريين حكما ذاتيا محليا. إنه قمع للهوية العرقية الآشورية.

وعلى العموم، فقد رفضت الحكومة البريطانية الخلافات العرقية بين الآشوريين والأكراد، وفضلت النظر إلى الآشوريين بدلاً من ذلك على أنها مجرد أقلية مسيحية تحتاج إلى التخلي عن مطالبها بالوطن وتصبح جزءاً من النظام السياسي في العراق. وكتب السير فرانسيس همفريز، المفوض السامي البريطاني في العراق في نهاية فترة الإنتداب: لا ينبغي إيلاء أهمية كبيرة للخلافات الطائفية المحلية، التي كثيرا ما يوجد تفسير لها في بعض المسائل أو الحوادث التافهة البحتة. ... تقارير [أي، من التهديدات المحتملة للطائفة الآشورية] لا يمكن إلا أن تعمل على إثارة العداوات الدينية، لإبعاد الحكومة العراقية، وزعزعة الآشوريين أنفسهم، الذين تعتمد آمالهم في الرفاه في المستقبل على دمجهم في النظام السياسي في العراق، وقبولهم كرعايا مخلصين للملك فيصل، والعيش في سلام مع جيرانهم.. ولا يشارك الجميع هذا الرأي، بالطبع. وفي معرض التعليق على معاهدة العراق إلى جمعية غروشيوس في عام 1931، فقد كتب س. غ. فيسي - فيتزجيرالد، إن السلطة المكلفة بالقانون الدولي والشريعة الإسلامية، أنه بمجرد أن تصبح المعاهدة مع العراق نافذة المفعول وبضمنها الإنتداب فإنه "ستتوقف مسؤوليتنا أمام مجلس العصبة. ولكن هل سيكون علينا أن نتوقف عن أن نكون مسؤولين أخلاقياً؟

وفي تموز/يوليه 1933، غادر نحو 800 رجل أُسَرهُم في العراق إلى سوريا، معتقدين أن الفرنسيين سيقدمون لهم الأرض التي لم يوفرها العراقيون والبريطانيون. وكانوا يخططون لجلب عوائلهم بمجرد استقرارهم. وقد عبروا الحدود إلى سوريا في 22 يوليو/تموز، لكن الفرنسيين أمروهم بالعودة إلى العراق. وعندما عبروا عائدين إلى العراق، اشتبكوا مع مفارز الجيش العراقي. وقد قُتل العديد منهم؛ وعاد نحو 500 شخص إلى سوريا ثانية، حيث اعتقلتهم السلطات الفرنسية. وفي نهاية المطاف، سمح الفرنسيون لهؤلاء الآشوريين بالعيش في منطقة الخابور، حيث أصبحوا مجتمعاً زراعياً مكتفياً ذاتياً. وفي الشهر التالي، في 11 آب/أغسطس 1933، ذبح العراقيون الآشوريين في سميل. ربما نجا 1500 آشوري، معظمهم من النساء والأطفال. وقد أرسلت الحكومة العراقية هؤلاء إلى معسكر في الموصل. واعترفت العصبة بأنها ارتكبت خطأً وقررت توفير موطن جديد للآشوريين "الذين يرغبون في المغادرة أو الذين لم يتمكنوا من الاندماج بسلام في الدولة العراقية". وعُينت لجنة لمعالجة هذه المشكلة. ونظرت في نقل الآشوريين إلى منطقة نهر پارانا في البرازيل؛ أو غويانا البريطانية؛ أو سوريا. وقد أصبحت پارانا مستحيلة عندما أصدرت البرازيل قانوناً يحدُّ من الهجرة. واعتُبرت غويانا البريطانية غير مناسبة لإعادة التوطين على نطاق واسع. التي تركت سوريا. وبحلول ذلك الوقت، كان المزيد من الآشوريين قد انضموا إلى 500 لاجئ في الخابور. بيد أن الأتراك والعراقيين عارضوا التوصل إلى تسوية دائمة في الخابور، لأنها كانت قريبة جداً من الحدود التركية والعراقية. وفي نهاية المطاف، وافقت السلطات الفرنسية في سوريا على السماح بتسوية آشورية دائمة في الغاب. وسيتم نقل الآشوريين في الخابور إلى الغاب، وسيُسمح لأي آشوري ينشّد الانتقال إلى الغاب بذلك. وسيكون جيرانهم مسيحيين آخرين، وسيدير حكومتهم جزئيا حاكم فرنسي.

انهيار حل الغاب Gap

وافق 24 ألف آشوري في الموصل على الذهاب إلى الغاب. وأعرب ثمانية آلاف آخرين في الموصل عن اهتمامهم. كما أراد الآشوريون في بغداد وكركوك الذهاب. وتوضح الأعداد الكبيرة المعنية أن الآشوريين الذين يخططون للانتقال إلى الغاب لم يكونوا مجرد لاجئين آشوريين من تركيا، وليس فقط أعضاء في كنيسة المشرق، بل يجب أن يكونوا أشوريين من جميع الطوائف. وفي عام 1935، أفادت العصبة بأنها مستعدة لنقل الآشوريين من العراق الذين يرغبون في المغادرة، وأن لديها الأموال اللازمة للمضي قدما في الخطة. ولكن في نيسان/أبريل من عام 1935، أعلنت فرنسا أنها ستطلب إنهاء الانتداب الفرنسي في سوريا. وفي ظل غياب سلطة الإنتداب الفرنسية في سوريا، فإن خطة التوطين في منطقة الغاب كان محكوم عليها بالفشل.

وأدى الاستياء العربي السوري من إدخال أقلية مسيحية أخرى داخل سوريا إلى معارضة الخطة: فلا توجد حكومة سورية تدعم توطين الآشوريين في الغاب. وفي 4 يوليو 1936، وافقت العصبة على التوصية التي قدمتها لجنتها لإعادة توطين الآشوريين بالتخلي عن خطة توطين الآشوريين في الغاب. وأصبحت مستوطنة الخابور دائمة، لكنها لم تتمكن من دعم عشرات الآلاف من الآشوريين الذين خططوا للذهاب إلى الغاب. ولم يقدم الخابور سوى القليل من الأمن لأن الأكراد والبدو داهموا المستوطنة بانتظام. وأخيراً، دعت العصبة الآشوريين في العراق إلى "الاندماج في الشعب العراقي كمواطنين عاديين في الدولة العراقية". وسرعان ما انساقت العصبة مع الكارثة التي بدأت تلوح في الأفق في أوروبا، وبذلك أصبحت العصبة نفسها غير معنية بالموضوع.

 

ترجمة: د. رياض السندي

..................................

المقال الأصلي:

The League of Nations and the Quest for an Assyrian Homeland

Phillip C. Zane and Waleeta Canon

الرابط: http://www.aina.org/articles/lfnaqfah.htm

الرابط:

 

 

محمود محمد علينعود للمرة الثانية نكمل حديثنا عن الاحتلال الأمريكي لأفغانستان في 2001 وأبعاده الحقيقية، وذلك عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وفي هذا يمكن القول: عندما أطيح بشاه إيران في ديسمبر 1979م، فقدت واشنطن أهم خلف لها وأهم موقع متقدم في المنطقة ضد الاتحاد السوفيتي، ناهيك عن المنشآت العسكرية والالكترونية ومحطات الرصد التي أقامتها في إيران لمواجهة موسكو.

وفي السادس والعشرين من ديسمبر عام 1979م، قرر الاتحاد السوفيتي غزو أفغانستان عسكرياً؛ وذلك بهدف دعم الحكومة الأفغانية الصديقة للاتحاد السوفيتي، والتي كانت تعاني من هجمات الثوار المعارضين للسوفييت، والذين حصلوا على دعم من مجموعة من الدول المناوئة للاتحاد السوفييتي من ضمنها الولايات المتحدة الأمريكية، والسعودية، وباكستان، والصين، هذا من ناحية، ومن ناحية أخري التمدد نحو الجنوب والوصول إلى المياه الدافئة. ولهذا عندما أطيح بنظام "شاه إيران" في ديسمبر 1979م وقيام نظام الجمهورية الإسلامية في إيران، واختلال التوازن السياسي في المنطقة لغير صالح أمريكا، استغل الكرملين هذه الفرصة وأقدم على احتلال أفغانستان عسكرياً .

وهنا قامت الإدارة الأمريكية بتشكيل ائتلاف في الكونجرس الأمريكي سمي بقوات الضربة الأفغانية، وكان الهدف من إنشاء هذه القوات هو الثأر من السوفييت والانتقام منهم على ما فعلوه في فيتنام؛ حيث كانوا قد دعموا ثوار الفيتكونغ Viet Cong الذين ألحقوا الهزيمة بالقوات الأمريكية وكبدوها خسائر فادحة في الأرواح والمعدات، وحسب وجهة نظر الأمريكيين، فإن أفغانستان تعد أنموذجا للثأر من الشيوعيين .

وقد استخدمت الولايات المتحدة لأول مرة في تاريخها الحرب بالوكالة A proxy war؛ حيث استقطبت المجاهدين الأفغان، وقامت بتسليحهم خلال الحرب، كما قدمت وكالة المخابرات الأمريكية (CIA)، أحدث أنواع الأسلحة التي يمكن للأفراد الأفغان استخدامها ضد الطائرات السوفيتية، واعتبرت الولايات المتحدة أن دعمها لأفغانستان هو أفضل فرصة للانتقام من السوفييت ودورهم في فيتنام. واعتبر قادة الـ " CIA "، أن أفغانستان ستشكل فيتنام الولايات المتحدة ضد الاتحاد السوفيتي؛ خصوصاً وأن الاتحاد السوفيتي كان يضم ست دول مسلمة في آسيا الوسطي، وللعديد منها حدود مع أفغانستان .

وكان "قلب الدين حكمتيار" أحد قادة الأفغان، من الذين يعملون مع المخابرات الباكستانية التى كانت مرتبطة في تلك السنوات بتعاون مع الـ" CIA "، وفي عام 1986 بدأت الـ "CIA " بإرسال صواريخ "ستينغر"، وهي أحدث الصواريخ المضادة للطائرات في ذلك الوقت إلى الأفغان، لإسقاط الطائرات السوفيتية .

وأشارت التقارير العسكرية الأولى إلى الصعوبات التي واجهت السوفييت أثناء القتال في المناطق الجبلية، فالجيش السوفييتي لم يكن معتاداً على ذلك الشكل من القتال، ولم يحظ بتدريب لمواجهة حرب غير نظامية وحرب عصابات، وكانت آلياتهم العسكرية، وخاصة السيارات المصفحة والدبابات ليست ذات كفاءة في كثير من الأحيان، وعرضة للهجمات في البيئة الجبلية، وتم استخدام المدفعية الثقيلة بشكل مكثف أثناء قتال قوات الثوار.

وعلي هذا الأساس عمل " زبجنيو بريجينسكي" Zbigniew Brzezinski (مستشار الأمن الأمريكي للشئون الخارجية في عهد الرئيس جيمي كارتر) مع الإدارة الأمريكية لتوريط الاتحاد السوفيتي عسكرياً في الوحل الأفغاني، ولتغدو أفغانستان بالمقابل بمثابة "فيتنام سوفيتية " تثأر فيها الولايات المتحدة من هزيمتها في "فيتنام الأمريكية" بدعم سوفيتى يومها. وهكذا كانت أفغانستان " الفخ الفيتنامي" للسوفييت فيها، وقد نصبه الأمريكان ببراعة فائقة، كان من الصعب على السوفييت التخلص منه بسهولة بعد وقوعهم فيه .

هكذا تم إعداد أفغانستان من قبل واشنطن لحرب مروعة دامت 12 عاماً ضد الاتحاد السوفيتي، لم يكن الشعب الأفغاني قد طلبها أو أرادها، وقد كانت حكومة كابول في ذلك الوقت تعد البلاد إلى حكم علماني إصلاحي، أما الولايات المتحدة، فكانت تسعي كما سبق القول إلى تحويل أفغانستان إلى فيتنام للسوفييت هذه المرة، لكى تراق دماء الروس فيها، مثلما أريقت دماء الأمريكيين في فيتنامهم، ولم يكن يهم واشنطن كثيراً أن تتحول أفغانستان إلى دولة إسلامية أصولية متطرفة وهو ما كانت تعادي إيران الإسلامية بعد سقوط الشاه بسببه، بقدر ما يهمها أن ينتشر هذا المد الأصولي الإسلامي إلي جمهوريات الاتحاد السوفيتي في آسيا الوسطي ويقلب الأوضاع على موسكو، ولم يكن الأمريكيين يجرؤون على استخدام تعبير"الإرهابيين" في وصف هؤلاء المتمردين الإسلاميين، حين كانوا يسقطون بقذائفهم طائرة مدنية في أفغانستان ويزرعون المتفجرات في المطار .

تمكن المجاهدون الأفغان – وبدعم من قبل الولايات الأمريكية المتحدة، وبريطانيا، ودول أخرى من دحر قوات الاحتلال السوفيتي، وحملها على الانسحاب من أفغانستان؛ حيث تكبدت موسكو خسائر عسكرية كبيرة وعلاقات دولية متوترة. وكان المحاربون غير النظاميون الأفغان يتم تسليحهم وتمويلهم وتدريبهم بشكل رئيسي من قبل الولايات الأمريكية المتحدة، والسعودية، وباكستان.

وفي عام 1992م تولت حكومة المجاهدين السلطة في أفغانستان، وذلك بعد أن تمكنوا من السيطرة على العاصمة كابول، وهنا بدأت هذه الحكومة تعلن عن أهدافها الأيديولوجية التي تقوم عليها تنظيم القاعدة الذي أسسه "أسامة بن لادن" و"أيمن الظواهري"، والذي يتطلع – شأنه شأن تنظيمات أخرى معنية بـ "الجهاد العالمي" – إلى نشر الدين الإسلامي، وإقامة نظام الخلافة الإسلامية؛ أي السلطة القائمة على الشريعة الإسلامية وفرضها على جميع دول المعمورة، ويستند تنظيم القاعدة عقائدياً إلى التيار السلفي السني الذي يعتبر فترة صدر الإسلام عصراً ذهبياً يجب إحياؤه واستعادته في العصر الحالي، وبحسب مفهوم القاعدة يتعين على أي مسلم المشاركة في الجهاد، لاستعادة مركز الإسلام الذي يليق به. ويستهدف الصراع "الكفار" الذين لا ينتمي إليهم "غير المسلمين" فحسب، بل أيضاً الأنظمة العربية والإسلامية التي لا تسير على نهج الإسلام الصحيح؛ بمعنى أنها تميل إلى الغرب (وإسرائيل) وتسعى لاعتماد طريقه. ويعتمد تنظيم القاعدة، مبدأ الحرب الشاملة التي لا هوادة فيها ضد أعدائه، وبالتالي فإنه يرى جواز اللجوء إلى جميع الإجراءات لبلوغ أهدافه، ومنها استخدام الأسلحة غير التقليدية، وإصابة المدنيين بمن فيهم النساء والأطفال.. إلخ .

وحين بدأ هؤلاء المجاهدون يمارسون السلطة في أفغانستان، نجد أنهم عجزوا عن القيام بتشكيل حكومة شرعية وموسعة ومستقرة في كابول، فزيادة طمع أحزاب المجاهدين في السلطة، وقلة تجربة هؤلاء المجاهدين في الحكم، وعدم وجود برنامج لديهم لإدارة الدولة، وعدم تربية كادر سياسي لهذا الأمر، والأكثر من ذلك انفصال القوة البشتونية القوية بقيادة "حكمتيار" عن قوات المجاهدين الطاجيك؛ كل ذلك أدي إلى عدم الاستقرار في أفغانستان، وإضعاف حكومة المجاهدين.

علاوة على أن تركيبة المجاهدين لم تكن تركيبة موحدة ومتجانسة، إنما كانت تمثل خليطاً غير متجانس، فخلال فترة الجهاد ضد الاحتلال السوفيتي تشكلت المجموعات الجهادية، بحيث إن كلاً منها يمثل أو ينتسب إلى شريحة من شرائح المجتمع الأفغاني، تختلف عن بعضها البعض من ناحية الانتماء القومي واللغة. وكانت هذه المجموعات قد اتخذت من باكستان وإيران مقراً لها قبل ذهابها إلى كابول، والمجموعات السنية كانت في باكستان والمجموعات الشيعية كانت في إيران.

وحينما شارفت حكومة "نجيب الله" الشيوعية على السقوط أكد الشيعة على مشاركتهم بنسبة 25% في حكومة المجاهدين، علما بأن المجموعات الشيعية الثمانية كانت قد توحدت في حزب واحد بعد فترة من الصراع والاقتتال فيما بينها، وهو (حزب الوحدة).

حكومة المجاهدين منحت الشيعة عدداً من الوزارات، لكن جناحاً من حزب الوحدة بقيادة "عبد العلي مزاري" قائد حزب الوحدة لم يقبل بهذه الحصة، واتخذ موقفاً معارضاً للحكومة، واستقر في إحدى جهات العاصمة على الرغم من أن حكومة المجاهدين كانت تحظى بالتأييد والدعم الشعبي، إلا أنها بسبب اختلافات المجموعات الجهادية القومية والسياسية، لم تتمكن من وضع برنامج سياسي مشترك لإدارة الدولة، فالمجموعات السنية الشيعية الثمانية، فعلى الرغم من أنهم توحدوا في حزب الوحدة بمساعدة إيران، إلا أنهم لم يتخلوا عن خلافاتهم، فبعض أجنحة (حزب الوحدة) بزعامة "مسعود أكبري زاده" تعاونت مع حكومة المجاهدين، أما البعض الآخر بقيادة (عبد العلي مزاري) فقد امتنع عن التعاون مع هذه الحكومة.

وعليه واجهت حكومة المجاهدين التي كانت ترفض أن تكون أداة بيد باكستان – مشاكل كثيرة، فالحزب الإسلامي بقيادة حكمتيار، الذي كان يعتبر نفسه ممثلاً عن البشتون أمطر العاصمة كابول بالصواريخ، كما إن الأجهزة الأمنية الباكستانية وبالتعاون مع أمريكا والسعودية وظفت كل قدراتها وإمكاناتها من أجل دفع هذه الحكومة إلى الانهيار من الداخل .

فمع مجئ "برهان الدين رباني" اتخذت الحرب الداخلية أبعاداً أكثر خطورة، ونتيجة لهذه الحرب ولعدم الاستقرار السياسي لم يستطع المجاهدون تشكيل حكومة موسعة، ووطنية، ومستقرة . وإثر هذه الحروب الداخلية – التي استمرت حوالي أربع سنوات والتي شاركت الولايات المتحدة وباكستان في تأجيجيها، فقد المجاهدون شرعيتهم السياسية يوماً بعد آخر، وفي ظل هذا الوضع استشرت حالة انعدام الأمن، والفوضى، وراحت تزداد مظاهر السرقة والاعتداء، على أموال الناس وأعراضهم من قبل بعض الجماعات شبه العسكرية المحسوبة على المجاهدين؛ كما أن الحكام المحليين يفرضون بالقوة ضرائب عالية على الناس في المناطق التي تقع تحت سيطرتهم، والوضع الاقتصادي والتجاري للبلد ازداد تدهوراً وسوءاً . ويمكن أن نلخص العوامل التي أدت إلى الفوضى الداخلية التي عمت البلاد في عهد حكومة المجاهدين في النقاط التالية:

1- عدم وجود حكومة مقتدرة وذات تجربة في كابول.

2- احتدام الحرب الطويلة بين المجموعات الجهادية، وانعدام أمن العاصمة كابول بسبب استمرار الحملات الصاروخية.

3- وجود مشاكل أمنية كثيرة يعانى منها الناس وعدم اتباع رجال الحكومة للقوانين والمقررات الوطنية.

ومن هذا المنطلق أدركت الولايات المتحدة ومعها باكستان بأنه لا بد من التخلص من حكم المجاهدين في أفغانستان؛ فلم يكن وجود دولة إسلامية مستقلة لها أهداف ومحفزات ثورية، إلى جانب الجمهورية الإسلامية في إيران قابلاً للتحمل بالنسبة للولايات المتحدة.

ولهذا فكرت الولايات المتحدة في أفغانستان بمشروع جديد تتمكن فيه من كسر شوكة المجاهدين وإلحاق الهزيمة بهم، لكن تحقيق ذلك ليس بالأمر الهين، لأن هؤلاء ألحقوا الهزيمة بأكبر قوة عالمية على وجه الأرض، وهي الاتحاد السوفيتي، لذلك لجأت الولايات المتحدة إلى ضرورة التخلص من نظام المجاهدين في أفغانستان عن طريق مبدأ فرق تسود، فلجأت إلى بث الفرقة بين نظام الجهاديين والعمل على زعزعة استقرار حكمهم؛ حيث أخذت الولايات المتحدة مع باكستان ينسقان سياساتهما في ذلك الوقت إزاء أفغانستان وكليهما تريدان إضعاف نفوذ الجمهورية الإسلامية الإيرانية في أفغانستان، لأن "برهان الدين ربانى"، و"أحمد شاه مسعود"، كانا من الطاجيك الذين يتكلمون اللغة الفارسية . ثم إن مجموعتين من المجاهدين ترتبطان بعلاقات جيدة مع إيران، وتتمتعان بنفوذ كبير في حكومة كابول هما: الطاجيك وبعض الفصائل الشيعية، وهذا الوضع لم يرق للولايات المتحدة وباكستان والسعودية، ولذلك أقدمت هذه الدول على رصد الأموال الطائلة من أجل إيجاد تيار جديد يمكن أن يتحرك ضد هذا الوضع، ويخالف إيران من الناحية المذهبية والقومية واللغوية .

وكان هذا التيار الجديد هو " حركة طالبان"، وكلمـة "الطالبـان"، تعنى باللغة المحلية الأفغانية طلبة المدارس الشرعية الأهليـة الأفغانيـة، وهـى جمعية دينية تفرعت عن جمعية دينية باكستانية هي جمعية علماء الإسلام، ويطلق لفظ طالـب على المتعلم في هذه المدارس، ولفظ الملا على من يكمل النصاب التعليمي ويتلقـى إجـازة للتدريس، ويعلن أفراد الجماعة أن نشـأتها جاءت كرد فعل تلقائي للاقتتال بـين فصـائل المجاهدين، مما أدخل الـبلاد في دوامـة لا متناهية من الاقتتال .

وأهم المبادئ التي تتبناها الجماعة وتعتبرها تمييزاً لها عن باقي الفصائل هي:

1- إقامة حكومة إسلامية على نهج الخلافة الراشدة.

2- قلع جذور التعصبات الإثنية والقبلية.

3 -التركيز على الحجاب الشرعي للمـرأة والإلزام به ..

4-أسلمة اقتصاد الدولة والاهتمام بالتنميـة في جميع المجالات.

5 -تكوين هيئات للأمر بالمعروف والنهـى عن المنكر.

وقد شـاب ظهـور الحركـة نـوع مـن الغموض، إذ تناقلت الصحف الباكسـتانية فـى سبتمبر 1994م بصورة غامضة أنبـاء إنقـاذ قافلة باكستانية مكونة من 30 شاحنة متوجهـة إلى وسط آسيا على يد مجموعة مـن طـلاب مدارس الشريعة. وفى يناير 1995م أعلن عن أن طلاب تلك المدارس قـد اسـتولوا علـى مقاطعة قازانى فى شرق البلاد . وبحلول مارس 1995م كانت طالبـان تسـيطر علـى ثلـث الأراضي الأفغانية وأصـبحت قواتهـا علـى مشارف كابول وهزمت قوات حزب الوحـدة الشيعي وقتلت قائدهم على مزارى . أما حكمتيار فقد أخلى مواقعه فى جنوب كـابول وهـرب ناحية الشرق . ونجحت قوات شاه مسعود فـى البداية فى إبعاد قوات الطالبان عن العاصـمة إلا أن الطالبان تقـدمت مـرة أخـرى نحـو كابول .. وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

مصطفى محمد غريبيحتدم النقاش حول أهمية الدولة المدنية والحكم المدني التي لها ثوابت وطنية وديمقراطية وسياسة مستقلة تعتمد على مؤسسات قانونية وإنسانية وتستمد شرعيتها من المواطنين الذين يرون فيها الكيان المعتمد على السلطات الثلاث المعتمدة في إدارة الدول وتحديد أهدافها الوطنية والمطلبية وعلاقاتها بالمجتمع الدولي، وهي السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية والسلطة القضائية، وبدون هذه السلطات تفقد الدولة مصداقية مدنيتها وعدم تمثيل الشعب بجميع مكوناته، الدولة المدنية هي الهدف الإنساني الذي يسعى إليه الإنسان السوي والمسالم وتسعى له الأحزاب والمنظمات السياسية الوطنية والديمقراطية ومنظمات المجتمع المدني التي تتبنى مشروعاً وطنياً ديمقراطيا يؤسس مشروعية حقوق الإنسان والتخلص من لغة عسكرة المجتمع تحت طائلة من المسوغات منها تبادل السلطة سلمياً ونبذ فكرة الحلول العسكرية والانقلابات الدموية ولهذا نجد في أكثرية البرامج والمشاريع التي قدمتها القوى الوطنية وفي مقدمتها الحزب الشيوعي العراقي قبل الاحتلال وسقوط النظام الدكتاتوري تؤكد على الديمقراطية وحق تقرير المصير وفق معايير إنسانية وحضارية ووفق الظروف الموضوعية والذاتية، وبما أن الدولة المدنية مشروع للقوى المدنية بمختلف مشاربهم وأفكارهم وأيدلوجياتهم على الرغم من وجود وجهات نظر متباينة حول قضايا مستقبلية لكن ما يجمعهم هو قيام الدولة المدنية التي تقوم على أسس واضحة في مقدمتها استقلالية السلطات الثلاث وفصل الدين عن الدولة والانتقال السلمي للسلطة حسب قوانين الانتخابات والقوانين التي تختص بديمقراطية العلاقات السياسية التي تعتمد النضال السلمي من اجل تحقيق المطالب المشروعة المنصوص عليها في الدستور الدائم.

كما أن هناك الكثير من القضايا الملازمة لعملية البناء والإصلاح وعدا ذلك لا يمكن أن تسمى بالدولة المدنية. كان المؤمل بعد سقوط النظام الدكتاتوري التوجه نحو هذا الهدف لإنقاذ البلاد من الشرور التي تحيط بها وبخاصة تركة (35) عاما من الحكم الفردي الإرهابي ومن تركة الماضي التي نشأت منذ تأسيس الدولة العراقية، ولم يكن بخلد القوى الوطنية الديمقراطية أن ذلك سيكون عن طريق احتلال البلاد وتدمير الدولة بالكامل بل كان السعي أثناء نضالها الطويل هو العمل السياسي السلمي في أكثر الأحيان ما عدا السنين التي شهر الحزب الشيوعي العراقي السلاح بسبب استهتار ودموية حكم حزب البعث الذي أغلق كل الطرق أمام العمل السياسي السلمي المعارض كم قامت العديد من القوى الوطنية والقومية العربية والكردية بحمل السلاح إلى جانب النضال السياسي من اجل التغيير لإقامة الدولة المدنية الوطنية الاتحادية بدلاً من دولة البعث الاستبدادية التي خلقت ظروفاً غاية في التعقيد على

1 - المستوى الوطني الداخلي سياستها القمعية واستئثارها بإلغاء إي هامش للعمل المعارض بما فيها السلمي الذي يعتمد على أسس تبادل السلطة سلمياً بدون اللجوء للعنف والسلاح.

2 -على المستوى القومي والعالمي بسبب حروبها المتواصلة واستخدام الأسلحة المحرمة دولياً في الداخل والتدخل في الشؤون الداخلية للبلدان الأخرى تحت طائلة من الحجج في مقدمتها التضامن القومي المتطرف وبحجة الدين أو الطائفية المقيتة ثم اللعب على ورقة القضية الفلسطينية واستغلالها من اجل المصالح الضيقة التي تهدف إلى البقاء في السلطة ومحاربة أي قوى معارضة.

أن العودة إلى مجريات ما حدث بعد الاحتلال وتكليف أحزاب الإسلام السياسي منذ البداية بمهمات قيادة الدولة وبدعم من الإدارة الأمريكية والدول المتحالفة معها دفع التوجه نحو مشروع إقامة الدولة الدينية التي تعتمد على السلف والأصول وهذا التصور الذي كان يعشش في أدمغة البعض من المفكرين الإسلاميين الناشطين والتنظيمات الطائفية الدينية السياسية على إذكاء وهم قيام الدولة الدينية على غرار ما سبقتها من دول متخطين روح العصر والتطورات التي حدثت على العالم اجمع بما فيها مفهوم تشابك الكنيسة في الماضي مع الدولة في أوربا أو الدول المسيحية لحين حدوث فصل الدين عن الدولة والسياسة، والعجز الذي حدث في تلك المفاهيم بعد رؤيا علمية باستحالة بناء الدولة على أسس دينية مع ما يجري من تطورات واكتشافات علمية واقتصادية وسياسية ومفهوم قضايا حقوق الإنسان وحقوق المرأة والطبقة العاملة ونقاباتها وباقي منظمات المجتمع المدني.

إن الذي حدث من تطورات في العراق على البنية الطبقية والسياسية الاجتماعية والثقافية جعلت المواطن يدقق في الخطابات التي طرحت من قبل أكثرية القوى التي دخلت العملية السياسية مع استشراف رؤيا جديدة فيما يخص العلاقة بين هذه الأحزاب وتعاليم الدين ما بين القوى التي قامت بإطلاق الوعود ومنها وعود بعدالة توجهاتهم الدينية وارتباطها بشكل عملي بمتطلبات الحياة الاعتيادية المعيشية والاقتصادية وبين الوعد الخالد بتحمل شقاء الدنيا طمعاً في الجنة الموعودة أو استغلال أسماء الأئمة ومن هذه الرؤيا أن القائمين على أكثرية الأحزاب والدولة ومرافقها سعوا من اجل جمع الثروات بمختلف الطرق حتى غير الشرعية ومنها الاستيلاء على المال العام بدون أي ضمير ولا الانتظار الموعود بالجنة ولا أي اعتبار للائمة إضافة إلى ما جرى على نمط قيام الدولة التي كان المفروض وبعد مرور أكثر من (16) عاما تنتقل لإنجاز واستكمال شروط بناء العراق وفي مقدمة هذا البناء الخدمات العامة" كهرباء وماء والصحة والتعليم والأمن " والتقليل من البطالة وإيجاد فرص عمل للخريجين وبقية العاطلين على العمل واستكمال بناء أجهزة الدولة التي انهارت بعد الاحتلال وفي مقدمتها الأجهزة الأمنية المستقلة الوطنية، لكن الأوضاع سارت بالاتجاه المعاكس فلا بناء الدولة أنجز معالمه بشكل صحيح ولا الفساد قضي عليه إضافة إلى ما حدث من خروقات أمنية كبيرة وقيام عدداً من التنظيمات الإرهابية وفي مقدمتها داعش ثم انتشار الميليشيات الطائفية المسلحة القديمة والجديدة وأصبح إلى جانب الفساد والاستئثار بالسلطة وانتهاج سياسة التزوير والتزييف في الانتخابات وغيرها ثم الهاجس الأمني المنفلت الذي أدى بحياة الالاف من المواطنين إضافة إلى التهجير والهجرات والنازحين جراء الحروب الداخلية ومنها احتلال داعش لثلث العراق ثم التحرير بعد سنين من القتال والتضحيات المريرة ، طوال هذه الفترة لعبت وما زالت تلعب البعض من التنظيمات الطائفية المسلحة دوراً في تأجيج النزعة الطائفية والتشجيع على العنف ثم الاستخفاف بقرارات الدولة وعدم الالتزام بما يصدر عنها بخصوص انتشار الأسلحة خارج إطار الدولة واستغلت هذه التنظيمات فتوى الجهاد الكفائي التي أطلقها السيد السيستاني والذي قال عنها جابر المحمداوي وهو رجل دين مستقل يعمل في تدريس المذهب الشيعي في النجف إن "فتوى الجهاد الكفائي ضد داعش واضحة، وتعني بأنها مؤقتة وليست دائمة" وان السيد السيستاني ليس مع وجود قوة عسكرية خارج إطار الدولة كما رفض مشاركتهم في السياسة والانتخابات، وحسب قول المحمداوي لم يكن السيد السيستاني متحمساً لقرار البرلمان بتحويل الحشد إلى قوة مستقلة "

وهكذا تحولت الفتوى بدون أي اعتراض علني واضح من" طواعية قتال الإرهاب " إلى دمج تنظيمات وميليشيات طائفية مسلحة اتفقت فيما بينها على "الحشد الشعبي" (للعلم نحن لسنا بالضد من الحشد الذي التزم بالفتوى نصاً وروحاً وندعم الجهود المخلصة للتخلص من إرهاب داعش) وعلى الرغم من جميع الجهود لجعله تحت قيادة القائد العام للقوات المسلحة ودمجه بالقوات العسكرية الحكومية مثل الجيش والشرطة ...الخ فقد رفضت الفكرة واستبدلت بجعل الحشد الشعبي قوة عسكرية مستقلة نسبياً عن الجيش والشرطة وقد " رفضت تنفيذ الأمر الديواني الذي أصدره رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي القاضي بدمج الفصائل المسلحة ضمن تشكيلات وزارتي الداخلية والدفاع" وهناك أراء من قبل البعض من قيادة فصائل منظمة للحشد الشعبي ومنها النجباء حيث صرح يوسف الناصري معاون زعيم النجباء في حديث على التلفزيون بان الجيش العراقي " مرتزق " ودعا إلى حله واستبداله بالحشد الشعبي مما أثار حفيظة الكثير واعتبروا تصريحه إساءة للجيش وطريقاً لتسهيل أمر الحشد الشعبي لينتقل إلى شبيه الحرس الثوري الإيراني، واستنكرت قيادة العمليات المشتركة في الجيش العراقي هذه التصريحات التي أطلقها يوسف الناصري ورد الفريق الركن عبد الأمير رشيد بار الله نائب قائد العمليات المشتركة إن تصريحات يوسف الناصري "غريبة ومفاجئة"، ووجه للجيش "تهما قاسية تطعن بوطنيته وعليه الاعتذار " وأشار النائب عبد الخالق العزاوي " إن فصائل الحشد الشعبي ترتبط بأحزاب وقوى سياسية ولا تنفذ القرارات التي يصدرها عبد المهدي، وأن الكثير من هذه الفصائل أعلنت أنها ترفض الانصياع لأوامر الحكومة" وخير مثال ما حدث في منطقة جرف الصخر وسهل نينوى ومناطق أخرى امتنعت بعض فصائل الحشد الشعبي تسليمها للجيش وأبقتها تحت سيطرتها على الرغم من قرارات الحكومة المركزية، وبين النائب عبد الخالق تمرد فصائل الحشد يهدف " لإشغال " مواقع أمنية اكبر مساحة من الأجهزة الأمنية الحكومية توضح حيثيات خطته "لتشكيل دولة عميقة داخل الدولة العراقية ما يجعل استتباب الأمن والاستقرار أقرب إلى المستحيل" وهذا الأمر يتناقض مع الدولة المدنية ولا يمت بصلة إلى دولة ذات سيادة تقوم على مؤسسات قانونية واضحة .. من الجهة الثانية عادة القوى الإرهابية وعلى رأسها داعش لشن هجمات والقيام بالاغتيالات في أماكن عدة وذكرت الصحف من بينها فاينانشال تايمز في 15 / 8 / 2019 وتهديد تنظيم داعش مازال " قائماً في سوريا والعراق " وأشار تقرير الصحيفة المذكورة وجود ما بين "14 و18 ألفا من مقاتلي التنظيم ما زالوا في سوريا والعراق .. وتذكر فاينانشال تايمز إن "التقرير الذي أعتده البنتاغون يأتي وسط قلق من أن تتسبب تحولات جيوسياسية في الشرق الأوسط في تقويض الانتصارات التي تحققت حتى الآن" ضد تنظيم داعش

أمام هذه الصورة التي تبدو أكثر من مأساوية بالنسبة لاستتباب الأمن فان الدول العراقية تبدو في مهب الريح وسط هذه العواصف المتتالية وهنا تظهر استحالة بناء الدولة المدنية إذا لم يجري إصلاح الأمور بشكل سريع ومسؤول وقد ظهر القلق على المصير في تساؤلات المرجعية الدينية جاء على لسان ممثل المرجعية العليا في كربلاء السيد أحمد الصافي في خطبة الجمعة " تعب وتعب وتعب بات المواطن يفكر بمغادرة البلاد، ولماذا الدولة لا تربي الشعب على احترام القانون، فالبلاد تتجاذبها الرياح يميناً وشمالاً والجميع يتفرج". نُذكر السيد الصافي ليس الجميع يتفرج بل أولئك المهيمنين على السلطة بعيداً عن متطلبات القوى الوطنية والديمقراطية منذ زمن غير قليل وقبل ما جاء على لسان السيد أحمد الصافي مؤخراً.

 

مصطفى محمد غريب

 

صائب خليلرفض الكثير من القراء ما ذهبت اليه في الحلقة الأولى من المقالة (1) من مؤشرات على ان حكومة روحاني تحاول التقرب من أميركا، وانها وقعت اتفاقاً نوويا سيئا. واعتبر هؤلاء أن ما فعله روحاني لا يكفي لمثل هذا الحكم القاسي.

يجب ان نتذكر اولاً ان تأثير الأشخاص يعتمد على بيئتهم، فيختلف هذا التأثير حسب تلك البيئة حتى لو تشابهت نوايا هؤلاء. فمثلاً يمكننا بسهولة ان نرى ان كل من صدام حسين وجورج بوش يحتقران القانون وقد عمل كل منهما على اضعافه، لكننا لا نتوقع من بوش ان يفعل ما يفعله صدام. وهذا قد لا يكون بسبب الفرق بين شخصيتيهما بالدرجة الأولى، بل بين البيئتين وما تسمحان به. ورغم ذلك فهما متشابهان في موقفهما من القانون.

وهناك طريقة لا تكاد تخطئ للفحص: انظر تأثير الشخص على بيئته. هل كان القانون اقوى ام اضعف بعد حكم بوش؟ كان اضعف كثيرا، تماما مثلما هو الأمر مع صدام.

لذلك فأن مقارنة "التأثير" تدلنا على الشخص اكثر مما تدلنا مقارنة الأفعال بحد ذاتها، وأرى أن هذا مبدأ عام جدير بالتذكر في التحليل السياسي. فهو يستطيع ان يخلص الذهن من الكثير من التشويش الذي تسببه الحقائق التفصيلية والشكلية الأقل أهمية.

بهذا المنظور يجب ان نحلل “تأثير” السيد "حسن روحاني" على إيران وتوجيه سياستها. وأنا اعتقد انه من ضمن الإيرانيين الذين يسعون لتقريب إيران من الخندق الأمريكي، رغم أنك لن تجده يهتف لأميركا، لأنه ببساطة لن يستطيع ان يفعل ذلك في ايران حتى لو أراد. فهناك قوى مهمة في ايران تقف على النقيض من ذلك. هل يريد روحاني سياسة إيرانية اقرب الى اميركا وعلاقة اقوى معها رغم كل شيء؟ أنا اعتقد ذلك، وفي هذه المقالة التي نشرت جزءها الأول قبل أيام وانشر هنا جزءها الثاني، أحاول ان ابين وجهة نظري.

في الجزء الأول تحدثت عن الاتفاق النووي السيء، وهنا سنتحدث عن تأثير حكومة روحاني في دفع الاقتصاد الإيراني نحو ما تتمناه اميركا. وفي الحلقة الثالثة الأخيرة – او الملحق، سنتحدث عن بقية المواضيع مثل الموقف من التفاوض مع اميركا، والموقف من العراق، وتفسير التصرفات الإيرانية في هذين الموضوعين على ضوء ازدواج السلطة هذا في ايران.

في الجزء الأول بينت اننا يجب ان لا نخلط كل ايران في كتلة واحدة حين نحلل أي موقف لها، بل ان نتساءل: أي ايران هي التي تدفع بذلك الاتجاه؟ هل الموقف بضغط من الحكومة ام من المعارضة؟

صراع حكومة تجار البازار وأحمدي نجاد

لفهم السياسة الاقتصادية لإيران، علينا ان نتذكر اننا نتعامل مع الحكومة التي يساندها تجار البازار، وان هذه الحقيقة اهم بكثير من كل العمائم التي تجدها فوق رؤوس أعضاء الحكومة. وفي هذا لا يختلف الإيرانيون عن غيرهم من شعوب الأرض. فالتاجر الناجح الذي وصل الى القمم، هو التاجر المتناسق مع أخلاقية التجارة والذي استطاع ان يزيح اية أخلاقية أخرى عن طريقها. هؤلاء تجمعوا واختاروا روحاني. والنتيجة كما هو متوقع، توجيه الاقتصاد لصالح الأثرياء وعلى حساب الفقراء، رغم كل توصيات الإسلام بالعكس.

وقد بدأ صراع التجار من اجل "اقتصادهم" قبل استلامهم السلطة، فخاضوا معارك مريرة مع رئيس الفقراء احمدي نجاد وضغطوا عليه واستخدموا السيد الخامنئي في ضغوطهم، والذي استجاب لهم كثيرا للأسف الشديد، بل انه مع مجلس صيانة الدستور، حمى روحاني من غضب الشارع فمنع نجاد واعوانه من الترشيح ضدهم في الانتخابات الماضية، وهو خطأ هائل، بل خطيئة أتمنى ان يكون السيد الخامنئي قد ادرك حجمها، وهو يملك من الأمانة ما يتيح له مراجعة نفسه في رأيي.

في مقالتي قبل عامين "إيران التي تمنع نجاد من الترشح لا تستحق الثقة" (2) والتي كتبتها، في يوم الانتخابات الإيرانية السابقة، كتبت أن العداء الشديد للسيد نجاد امر طبيعي من حكومة البازار التي تحظى بدعم عائلة تاجر الفستق الفاسدة، رفسنجاني وامثاله،

فتلك الحكومة الباحثة عن حرية الربح، لن تحب من "يعطي حتى النساجات الفقيرات في بيوتهن القروية النائية، الحق براتب تقاعدي!"

ورغم ان روحاني قد تاجر ببيع ما قام نجاد بتحقيقه من أوراق ضغط نووية لفك الحصار عن ايران، وحصل على دعم الغرب كثيراً، فإنه لم يحصل الا على تسهيلات محدودة لبيع النفط ووعود بالإفراج عن بعض المبالغ المحتجزة، (لم يتم تنفيذ معظمهما كما نعلم اليوم). وكان بإمكان نجاد لو أراد، ان يبيع هذه الأوراق أيضا ويظهر بمظهر من حقق "إصلاحا" اقتصاديا، لكن اخلاقيته المختلفة منعته من هذه المتاجرة. (انظر مقالاتي حول نجاد (3)

وكما هو متوقع، فشل روحاني في إدارة الشئون الاقتصادية في البلاد، فازداد التضخم رغم التنازلات وهبطت الرواتب خاصة بالنسبة للفقراء، ومازالت العقوبات قائمة ولم تلتزم أمريكا والغرب ببنود الاتفاق

كان أول عمل قامت به حكومة روحاني هو محاولة ترتيب اتهامات اختلاس ضد نجاد لكنها فشلت في تقديم أي دليل. وليس هذا غريباً، وقد وضع الرئيس نجاد على الطاولة جرداً بممتلكاته عند استلامه الرئاسة وكانت عبارة عن بيت صغير(4) في أحد أحياء طهران الفقيرة وسيارة بيجو موديل 1977 (5) رغم انه كان يشغل منصب رئيس بلدية طهران، والذي لو أستلمه لص من التجار "الإصلاحيين"، لجعل منه تجارته الكبرى. واشترط نجاد على كل وزير يتعين لديه أن يقدم كشفاً بممتلكاته، وألا يخرج من الوزارة أغنى مما دخلها!

عندما جاء نجاد الى السلطة، كان "الإصلاحيون" رفسنجاني وخاتمي، قد اورثوا ايران نظاماً اقتصاديا شديد الفساد، فواجه الرجل صراعاً مريراً لدحره. فنسمعه يقول: "لقد بذلنا جهدنا من اجل نظام للضريبة يعمل بالحاسبات من اجل تسجيل الدخل لكل مواطن ونحسب الضرائب على أساس ذلك، لكن كلما حاولنا أن نطبق النظام، ترتفع الأيادي معترضة عليه."(6)

كذلك صارع نجاد المصارف وبضمنها الحكومية واتهمها بأنها تقدم قروضاً مشكوك بصحتها إلى بعض الشخصيات المحددة، بينما يعاني المواطنون الإيرانيون العاديون، وأشار إلى أن الحكومة سعت إلى وضع القواعد لمنع التلاعبات المصرفية والفساد، لكن كان هناك اعتراضات وتم إلغاء القواعد.

على إثر ذلك انتفض رجال الدين وتجارهم. وبلا حياء كان لاريجاني يصرخ بمراوغات غريبة: "العدالة لا تتطلب توزيع الأموال.. توزيع الأموال يضر بالعدالة.."!!

أما أية الله محمد رضا مهدوي كاني فدعا صراحة رجال الدين أن "لا يخافوا من رجل واحد". وساند الدكتور حسين تبريزي إلغاء الدعم عن المواد الأولية، دون شرط وقال غاضباً: "يجب أن نتحرك في جميع المجالات نحو لبرلة الاقتصاد. الحكومة الحالية (حكومة نجاد) تتجرأ على القول بأنها لا تؤمن بمبادئ حرية السوق!" (7)

فتخيلوا أي نظام إسلامي يمكن ان يأتي من مجموعة تعتبر عدم الإيمان بمبادئ السوق "كفراً" يجب عدم التجرؤ عليه!

هذه المواجهة الشرسة تبين بوضوح ان إيران ليست واحدة، ومن يحاول ان يتخيلها كذلك سواء كان يراها وحدة واحدة منزهة او ذاك الذي يراها وحدة واحدة شريرة، فهو واهم بلا شك، وليس سوى كسول يمتنع عن التفكير.

أخلاقيات ليبرالية

ويمكننا أيضا ان نشاهد هذا التناقض بأجلى صوره بين ايران التي يشغل رئيسها وقته بزيارة كل قرية في ايران ليبحث أحوال الفقراء ويعود لها ليراجع ما تم تحقيقه من انجاز، وبين ايران التي تزدهر فيها صناعة السيارات الفارهة وغيرها من رفاهيات الأثرياء والتي لا تؤشر الا على زيادة الفوارق الطبقية بشكل شديد، وتشجيع الأثرياء على المزيد من الجشع والسرقة، للحصول على ذلك الترف الإضافي.

ويمكننا أيضا ان نلاحظ ان استخدام النساء في الدعاية لتلك السيارات هو ابعد ما يكون عن مكانة المرأة في مجتمع إسلامي. صحيح أنهن ما زلن يضعن قطعة قماش صغيرة على شعرهن، لكن كل ما عدا ذلك، لا يختلف عن طريقة امتهان المرأة من قبل السوق الرأسمالية.(8)

الاحتجاج

كل هذا لم يكن ليمر بلا احتجاجات، فالرأسمالية أساسها السرقة، ولا بد للمسروق ان يحتج، فكانت التظاهرات. الكاتب الايراني محمد مجيد الأهوازي، يكتب عن تلك المظاهرات ويقول انها انطلقت من مدينة مشهد لأن هناك 160 الف عائلة مشهدية خسرت اموالها في مشروع شانديز السكني الذي وصفه بأنه أكبر عملية نصب واحتيال، تورط فيها مسؤولون في النظام لم تتم محاسبتهم، وخسر أهالي مشهد أموالهم وحلمهم بالحصول على السكن.

إضافة الى ذلك أعلنت أكثر البنوك الايرانية في مدينة مشهد افلاسها وفقد الناس أموالهم.

وقد زاد الأزمة انخفاض المداخيل السياحية وارتفاع الاسعار وازدياد البطالة، فازداد الادمان في المدينة. وكتب ان مدناً أخرى تعاني من ذات المشكلة الاقتصادية.(9)

الاقتصاد مسألة مركزية في تحديد مدى علاقة حكومة اية دولة مع الولايات المتحدة. فهذه الأخيرة قد تتساهل بالكثير من الأمور إن كان الاقتصاد يسير في الطريق الذي تريده اميركا. فبعد خلق الطبقة المستفيدة من تلك العلاقة، فالأمر لن يحتاج عادة إلا لبعض الضغط والتنسيق وبعض الوقت.

اتهامات من الداخل الإيراني

ولسنا وحدنا من استشعر ان هناك اموراً مقلقة في حكومة روحاني. فقد صرح عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في مجلس النواب الإيراني، محمد جواد قدوسي، أن كبير المفاوضين النوويين الإيرانيين ونائب وزير الخارجية للشؤون القانونية والدولية، عباس عراقجي، يسعى لتحقيق أهداف الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل.

وحسب وكالة «الباسيج» للأنباء التابعة للحرس الثوري، أشار محمد جواد قدوسي إلى أن بعض مواقف الفريق المفاوض النووي الإيراني تتطابق مع أهداف العدو، وأكد أن عباس عراقجي يسعى لتحقيق أهداف واشنطن وتل أبيب، في رده على تصريحات كبير المفاوضين النوويين الإيراني الذي قال «إنه لأجل إلغاء العقوبات المتبقية على إيران يجب إجراء جولة جديدة من المفاوضات مع واشنطن».

واتهم قدوسي بأن عراقجي ينسق مع غرف الفكر في الولايات المتحدة.(10)

وسواء كان هذا الكلام دقيقاً في تفاصيله أم لا، فهو يكشف ان الشق ليس صغيراً.

الخطر حقيقي – السوفييت مثالاً

النقطة الأخيرة التي نود الإشارة اليها هي التساهل العام وعدم الإحساس بالخطر الذي يمثل أصدقاء ايران ومن يثق بثورتها الإسلامية ويعتقد انها حصينة من الضرر، وانها منيعة من مصير الاتحاد السوفيتي لأسباب عقائدية. لكن هذه الثقة ليس لها أساس. فعندما يعرض الاقتصاد لأخطار الليبرالية وحرية السوق فكل شيء ممكن.

في مقالة بعنوان "أصواتٌ من عالمٍ ينهار" (11) ينقل عامر محسن عن المؤرّخ نيال فيرغسون إنّه، حتى سنة 1987، لم يكن أحدٌ من المراقبين يرى الاتحاد السوفياتي في طريق السقوط أو يتخيّل أنه سيتفكّك خلال سنواتٍ قليلة. الانهيار حصل بسرعةٍ مدهشة؛ خلال أقلّ من عامين على إطلاق «البريسترويكا»، كان الاقتصاد السوفياتي مشلولاً وفي حالة انهيار، وماليّة الدولة في عجزٍ هائل، والعملة تخسر من قيمتها كلّ يوم.

لم تكن "المقاطعة والحصار" ولا سباق التسلح الذي فرض عليه حسب الباحث كريس ميلر، ولا كذلك التخفيض الشديد لأسعار النفط الذي تسببت به المملكة العربية السعودية، هي ما اسقط الاتحاد السوفيتي واقتصاده، بل هي إصلاحات غورباتشوف وفشلها الذريع، فخلال أقلّ من عامٍ على إطلاق «الإصلاحات السوقيّة» كانت سلسلة الإنتاج في الاتحاد السوفياتي قد توقّفت، وأغلب المصانع لا تعمل أو لا تجد من يزوّدها بالمواد الأوليّة، والدولة في عجزٍ كبيرٍ وهي تطبع العملة لتغطّيه (انظر ميلر: «الصراع لإنقاذ الاقتصاد السوفياتي: ميخائيل غورباتشوف وانهيار الاتحاد السوفياتي»، منشورات جامعة كارولينا الشمالية، 2016).

ومثلما رقص الشباب الإيراني على وعد المواد الاستهلاكية وبزيادة مساحة الشعر التي ستتمكن الشابات من اظهارها في حكم روحاني "الإصلاحي"، فأن الكثير من الناس، وخاصّة الفئات المثقفة في موسكو ولينينغراد، كانوا فرحين بسياسة الانفتاح السياسي التي انتهجها غورباتشوف، وانتشر الاعلام المؤيد لمبادئ السوق بشكل كبير. لكن الصفوف كانت تزداد طولاً أمام المتاجر، والرفوف فارغة، والإنتاج وصل إلى حدّ الشلل. إنها الحالة الكارثية المعتادة التي تصلها معظم الحكومات التي تتبع خطوات "الإصلاحات الاقتصادية" التي تفرضها المؤسسات المالية العالمية على من تستطيع من حكومات العالم، أو في حالة ان يسيطر على تلك الدولة حكومة تتبع تلك السياسة لمصالحها التجارية، او الاثنين معا.

في الاتحاد السوفيتي، تحولت الازمة بسرعةٍ فائقة، إلى انهيار لإمبراطورية عمّرت أكثر من سبعين سنة، وجُبلت بدماء وتضحيات وعمل الملايين من النّاس. جيلٌ كاملٌ أبيد في الحرب، ولكنه هزم ألمانيا النازية ورفع علمه في برلين، جيلٌ ثانٍ أمضى حياته في العمل والبناء، انهت «البريسترويكا» احلامهم بالوطن الذي عملوا لأجله.

يتبع: ملحق للمقالة حول تأثير ازدواجية السلطة في ايران على العلاقات الإيرانية العراقية وتفسير بعض غرائبها، وكذلك اختلاف خطاب التفاوض والرفض تجاه الولايات المتحدة.

 

صائب خليل

.......................

(1) روحاني – هل يكون غورباتشوف الثورة الإسلامية في ايران؟ 1- الاتفاق النووي السيء

https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/2513256562064731

(2) إيران التي تمنع نجاد من الترشح لا تستحق الثقة

http://www.almothaqaf.com/index.php?option=com_content&view=article&id=916835&catid=287&Itemid=139

(3) مقالات للكاتب حول احمدي نجاد كتبت بعد انقضاء فترة حكمه.

صائب خليل: اليساري نجاد وداعاً 1- صديق شعبه

http://almothaqaf.com/index.php/qadaya/75833.html

اليساري نجاد وداعاً 2- سياسته الخارجية – لم الشمل الإقليمي

https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/533337530056654

اليساري نجاد، وداعاً 3- الحرب النفسية والتشهير

https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/534155919974815

(4) بيت احمدي نجاد

https://www.youtube.com/watch?v=CCxWNxg4yCk

(5) Ahmadinejad car peugeot 504 - YouTube

https://www.youtube.com/watch?v=LpSCQsduyRo

(6) Ahmadinejad versus the Technocrats

http://www.aei.org/publication/ahmadinejad-versus-the-technocrats/

(7) Ahmadinejad retreats in clash over Iran’s budget

https://www.wsws.org/en/articles/2010/04/iran-a02.html

(8) Iranians reveal reverse-engineered Lamborghini Murcielago SV - YouTube

https://www.youtube.com/watch?v=_uN1nK50-xA

(9) تغريدات - الكاتب الايراني ك محمد مجيد الأهوازي

https://www.facebook.com/adnan.akif.503/posts/1786985114668668

(10) مسؤول أمني إيراني: ظريف يخدم أهدافا أمريكية

http://www.alquds.co.uk/?p=568349

(11) عامر محسن: أصواتٌ من عالمٍ ينهار

https://www.al-akhbar.com/Opinion/270426/أصوات-من-عالم-ينه

 

علجية عيش (نابليون اعتبر اليهود الورثة الشرعيين لفلسطين ودعا إلى تسليم مملكة القدس لهم)

الجغرافيا الدينية واحدة من العوامل التاريخية التي تشكل رؤية الغرب للإسلام والمسلمين عامة، فالهجرة كانت عاملا قويا في الدفاع عن "السامية" وساهم الإرث التاريخي المعقد والإعلام المتطرف وتصاعد الأزمات الاقتصادية في العالم، في ارتباط دين أو مذهب بمنطقة معينة، إلى درجة أن بعض الأقليات اعتقدت أن احتلالها الأراضي العربية ليس احتلالا، بل هو ملكه الضائع تريد استعادته، فإسرائيل جعلت من القدس عاصمة لها، اعتقادا منها أنها صاحبة الأرض أو الملك، في إطار مشروع تهويد القدس

تمثل إسرائيل اليوم في الجغرافية الدينية جيل اندمج مع المجتمع، بعدما أخذ وقتا طويلا ليتغير، بحكم ما يملكه من مقومات اقتصادية جعلته أكثر قوة، وبدا البحث عن استعادة هويته وإثبات ذاته، حيث تعتبر أرض فلسطين في الجغرافية الدينية الفضاء الذي وجب أن يسكنه اليهود ويقيمون فيه طقوسهم الدينية، ويشكلون فيه مملكتهم المقدسة، حيث عملت الحركة الصهيونية بكل الوسائل التأثير على الدولة العثمانية وإجبارها على تسليم أرض فلسطين لليهود، ونشأ صراع كبير حول مسألة معاداة السامية، وقد وجهت نظرية معاداة السامية نظرتها العدائية والعنصرية، وساهم عنصر "المصاهرة" التي تمت بين اليهود والأوربيين في انتشار اليهود،  ومن المؤكد أن إسم اليهود يدل على مجموعات بشرية يعيش جزء كبير منها حالياً في فلسطين، ويتواجد الجزء الآخر منهم في شتى البلدان والدول الأوروبية، وأما الصهيونية فهي تعود إلى جبل صهيون، الذي يقع جنوب غرب مدينة القدس، وتُعتبر تلك البقعة بالذات أحد أهم المناطق المقدسة عند اليهود، لأنها في اعتقادهم المكان الذي بنى فيه سليمان هيكله ونقل إليها تابوت العهد.

 تجمع العديد من لكتابات أن اليهود كانوا يعيشون نوعا من الإنغلاق فيما يطلق عليه اسم "الغيتو" ضمن أوطانهم في اوروبا، وقاموا بتزوير التوراة وما جاء على لسان ابرهيم عليه السلام حول مسألة الأرض وتوريثها لنسله من بعده،  وكرسوه في كتبهم السوداء حتى الوقت الحاضر،، وبات الحديث عن أرض الميعاد أمرا واقعا بالنسبة ايهود العالم، وتم اختيار فلسطين، لأ نها تقع حسب الإعتقاد الديني بين النيل والفرات، لقد ظهرت أولى دعوات إعادة اليهود إلى أرض فلسطين (ارض الميعاد) عام 1921 على يد محام انجليزي شهير اسمه هنري فينش في مؤلفه (العودة العالمية الكبرى)، وصدرت كتب في  ومؤلفات تدعو إلى عودة اليهود منها كتاب بعنوان: نداء إلى اليهود للدكتور جوزيف بريستلي، وكراسي: خطاب ودي لليهود صدر عام 1787، وكتاب علامات الأزمنة للكاتب والكاهن الإنجليزي جيمس بيشنو عام 1794، وكاتب آخر اسمه ريتشارد برذرز وهو ضابط بحرية بريطاني، أاصدر كتابا يدعو فيه إلى ( تجديد مملكة إسرائيل) وكتب اخرى ذكرها فيليب سيمون ورفائيل ميرجي في كتابه بعنوان ماهير كهانا وغلاة التطرف الأصولي اليهودي.

ومثلما ظهرت دعوات في بريطانيا لعودة اليهود إلى أرض فلسطين، ظهرت دعوات أخرى في فرنسا ايام نابليون، فقد تطلع الفرنسيون لتنزظيغ هذا المشروع لصالحهم من خلال كراس بعنوان: (إعادة تاسيس الدولة اليهودية)، وقد وجه نابليون نفسه نداء إلى يهود العالم في 22 ماي 1799 أثناء حصاره مدينة عكا في حملته على بلاد الشام، يدعوهم إلى الإنضواء تحت لوائه والقتال من أجل إعادة تأسيس مملكة القدس القديمة وتسليمها لليهود الورثة الشرعيين لفلسطين، لليهود بفرنسا وتم تشكيل مجلس أعلى وعقد مؤتمرا لبيهود بفرنسا وتم تشكيل مجلسا أعلى لهم، ثم جاء مشروع تشرشل لتوطين اليهود في فلسطين عندما كان قنصلا لبريطانيا في دمشق وضابط أركان جيش الحلفاء، ووجه نداءً إلى يهود أوروبا عام 1842 يدعوهم فيها إلى استيطان فلسطين، وكان للولايات المتحدة الأمريكية نصيب من هذا الإهتمام، فقد كتب الرئيس ألمريكي جون آدمز لصديقه الكاتب والصحفي اليهودي مردخاي مانويل نوح عام 1881 عبر في رسالته عن أمله في أن يرى اليهود في ارض يهودا مرة أخرى أمّة مستقلة، وظهرت في امريكا حركات تبشر بعودة اليهود إلى بلدهم (المزعوم)  ومنها حركة المورمون  والأوفنست والسبتين، ومارست هذه الحركات كل اساليب الدعاية للترويج بوجود الأمة اليهودية وابدية العداء للسامية والتفرد العرقي، ورفعت شعار أرض إسرائيل لشعب إسرائيل

 و المتتبع لمسيرة اليهود في التاريخ العربي أو الإسلامي يقف على أن اليهود كانوا يعيشون في أريحية، إذ كان الكثير منهم يتولون مناصب عليا في بلاط الخلفاء في العصور الاموية والعباسية وفي الاندلس ثم في عصور الانحطاط وحتى في عصور الفاطميين والمماليك والعثمانيين، واستطاعوا من أن يخلقوا لهم مكانة، حيث ما تزال حارات اليهود في معظم البلاد العربية، فنسمع عن يهود سوريا ويهود مصر والعراق، واليمن، ويهود تونس ويهود الجزائر  والمغرب، ولهم معابدهم ومقابرهم الخاصة، فالقدس تعتبر من أهم مدن العالم ولذا ترى إسرائيل أن فلسطين ( القدس) هي ممكلة اليهود، ولا أحد ينازعهم فيها وتعمل منذ قرون على ترحيل اليهود إلى فلسطين، حسب الأرقام، اليهود اليوم يسيطرون على أكثر من 85 بالمائة من أرض فلسطين، ولذا فهي ترى (أي إسرائيل) أن من حق اليهود ممارسة طقوسهم الدينية في المسجد الأقصى، ويحاول الإسرائيليون اليوم طمس كل ماهو عربي في أرض فلسطين وإلغاء التاريخ العربي والوجود العربي ككل، وإضفاء على فلسطين الطابع اليهودي، حتى تصبح الجغرافية الفلسطينية كلها يهودية، بدليل ان إسرائيل قامت بتغيير اسماء الشوارع والحارات من أسماء عربية إلى اسماء عبرية،  وشيدت جدار الضم والتوسع الصهيوني حول القدس، والذي من بين أهدافه تسريع حركة المستوطنين، وتشجيعهم على السكن في المستوطنات ضمنها، إلى جانب تجسيد فكرة "يهودية الدولة"، وعزل كل من هو عربي مسلم خارج الحدود التي تريد إسرائيل رسمها بعد الانتهاء من بنائه.

 

 جل الدراسات اثبتت أن العلاة بين الجغرافية والدين لها عواقب وخيمة على الممارسات، خاصة لدى الشباب، فالحروب والصراعات عبر التاريخ كان لها بعدا دينيا، تولدت عنها حالات تطرف و أشعلت الحرب بين الجماعات، ثم توسع هذا البعد الديني وأعطيت له صبغة سياسية، أي صراع على السلطة، فارتفعت معاداة السامية والإسلاموفوبيا في أوروبا، والعرب المسلمون اليوم أمام تحديات كبرى للحفاظ على جغرافيتهم الدينية بحكم ما يمتلكونه من عبء تاريخي ثقيل يتصل بالاستعمار والصراع الدائم مع إسرائيل، كما يتحمل الإعلام جزءاً كبيراً من المسؤولية، كونهم فتحوا الباب على مصراعية للهجرات الإسرائيلية باسم التبادل الثقافي، مع ما يشهده التطور التكنولوجي وثورة المعلومات، حيث أضحى الفضاء الإلكتروني بفضل الإنترنت أحد العناصر الأساسية التي تؤثر على الرأي العام، و القیام بعمليات حشد وتعبئة حول العالم، مما مكن اليهود من الإندماج في البيئة العربية.

 

علجية عيش

 

 

محمود محمد عليشكلت أحداث 11 سبتمبر 2001 م علامة فارقة في الوضع السياسي والجيوستراتيجي في العالم، بوصفها من أهم الحوادث في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية، لدرجة أن هناك من وصف الهجوم الذي تعرضت له أمريكا بأنه "الحرب العالمية الثالثة الصغر والقصر"، لأنها لم تستغرق ساعة من الوقت، لكنها كانت الأكثر كثافة من جهة الخسائر والأكثر تأثيراً من جهة التداعيات؛ كما صدرت العديد من المواقف عن محللين ومثقفين من مختلف العالم تراوحت ما بين الإدانة للهجمات، ومواقف أخري تساءلت عن ماهية الأسباب الحقيقية لهذا الحدث العظيم الذي وقع في أمريكا ؟ منها ما قدمه البروفسور الأمريكي "نعوم تشومسكي" Noam Chomsky من تفسير واضح لتلك الأحداث بقوله :" إن هجمات 11 سبتمبر تنطوي بالتأكيد على قطاعات مروعة، لكن يجدر بالأمريكيين أن يدركوا أنها ليست سوي رد فعل على فظاعات لا تقل عنها حجماً ترتكبها السياسة الخارجية الأمريكية منذ نصف القرن الماضي، فقد قامت الولايات المتحدة باللجوء إلى القوة في جميع أنحاء العالم تقريباً... ولا ننسي تدخل الولايات المتحدة في تيمور الشرقية وأمريكا الوسطي وفيتنام، وكم يثير دعمها لإسرائيل موجة استياء في مجمل العالم الإسلامي.

وفي نفس الاتجاه يقول الكاتب الإسرائيلي " أوري أفنيري" Uri Avnery، الذي يكتب بهذا الصدد بصحيفة معاريف 16/9/2001 م بقوله ": لقد أثارت أمريكا غضباً شديداً في أنحاء واسعة من العالم وليس فقط بسبب قوتها، ولكن بسبب الطريقة التي تستخدم فيها القوة في قتل أحلامهم، ويكرهها أعداء العولمة ويتهمونها بالمسؤولية عن الفجوة المتسعة بين الأثرياء والفقر في العالم، ويكرهها ملايين العرب بسبب دعمها للاحتلال الإسرائيلي، وبسبب معاناة الشعب الفلسطيني وتكرهها جماهير المسلمين بسبب دعمها للسيطرة اليهودية على المقدسات الإسلامية في القدس. إن السياسة الأمريكية، هي المسؤولة عن خلق الأرضية الصالحة لتفريغ المتطوعين الممتلئين، بالعداء والحقد والمستعدين للتضحية بكل شئ وأثمن شئ، بما في ذلك النفس البشرية انتقاماً من الأمريكي حفار قبورهم، ومروع أطفالهم، وقاتل أحلامهم .

وفي تحد جرئ يري تشالمرز جونسون Chalmers Johnson بأنه ": سيكون من الخطأ أن  نعتقد في الولايات المتحدة، أننا لا نستحق أي لوم من جراء ما حدث في 11 سبتمبر ".، ويضيف تشالمز " المغتالين الانتحاريين .. لم يهاجموا أمريكا"، كما يصر قادتنا السياسيون ووسائل الإعلام، بل إنهم هاجموا السياسة الخارجية الأمريكية . كان 11 سبتمبر بالنسبة لــ تشالمز، ضربة مرتدة حصدت فيها الولايات المتحدة جوائز سياستها الإمبريالية تجاه العالم الثالث، بما في ذلك دعمها لإرهاب الدول .

وكيف ما كانت الآراء والمواقف والاتجاهات من أحداث 11 سبتمبر رسمية كانت أو شعبية، وحتى ثقافية، إلا أنها أدت إلى بعث نظرية (صراع الحضارات)، على اعتبار أن هذه الأحداث تمثل تجسيداً مادياً حياً، لصراع بين جماعات بشرية مختلفة في العقيدة، والحضارة، والدين، وعليه فقد أصبح النظام الدولي بعد الحادي عشر من سبتمبر، عبارة عن صورة لهم تتربع عليه الولايات المتحدة، لتصبح القطب الوحيد في العالم، حيث بدت السياسة الأمريكية، وكأنها تستهدف إعادة تشكيل العالم، وبدأ الآخرون وكأنهم في حالة استكانة واستسلام، ولكن – في الوقت نفسه – كانت هنالك بوادر مقاومة تنبئ، أن الشكل النهائي لما بعد سبتمبر لم يتحدد بعد .

وهنا يرى" هنري كيسينجر" Henry Kessinger وزير الخارجية الأمريكي الأسبق أن اتجاهات العلاقات الدولية بعد أحداث 11 سبتمبر2001م هي:

الاتجاه الأول: مثلت أحداث سبتمبر نقطة تحول في صياغة النظام العالمي للقرن الحادي والعشرين، حيث إنها أدت بصورة واضحة إلى تعزيز المكانة العالمية للولايات المتحدة، ودفعت القوى المنافسة، مثل أوربا الموحدة، واليابان، وروسيا الاتحادية، والصين، والهند، إلى التعاون بصورة وثيقة مع الولايات المتحدة الأمريكية، وهي مسألة لم تكن متوقعة قبل هذه الهجمات، مما أدى لبناء علاقات شراكة بين هذه الأطراف والولايات المتحدة، ويرى كيسنجر أن هذا الوضع أدى للمرة الأولى خلال نصف قرن أن تكون الولايات المتحدة لا تواجه خصماً استراتيجياً، أو أي بلد وحيد أو متحالف، يستطيع أن يصبح منافساً لها للولايات المتحدة، بل إن الدول الكبرى أصبحت ترى أن الخطر الذي يتعرضون له جميعاً لا يأتي عبر الحدود، وإنما من الخلايا الإرهابية المزروعة داخل بلدانهم، أو من النزاعات الإقليمية، مما يعني أن الجغرافيا السياسية قد شكلت اتجاهاً جديداً في العلاقات الدولية، حيث أصبحت محور ارتكاز في السياسات الدولية وسياسة الولايات المتحدة بشكل لم يسبق له مثيل في العلاقات الدولية منذ الحرب العالمية الثانية، وبينما كانت السياسة الأمريكية تميل إلى الانفرادية قبل هذه الهجمات، فإن الهجمات أقنعت الجميع بأن الإرهاب أصبح يمثل خطراً داهماً، وأن أياً من هذه القوى لا يملك بمفرده الوسائل الكفيلة بمواجهة هذا التهديد مهما كان الاختلاف كبيراً حول المدبرين الحقيقيين لأحداث 11 سبتمبر2001م، وقد اعتبر البعض هذه الأحداث أولى حروب القرن الجديد.

الاتجاه الثاني: إن أحداث الحادي عشر من سبتمبر كانت القشة التي قصمت ظهر البعير في العلاقات العربية مع الغرب؛ خاصة مع دول أعمدة النظام الإقليمي العربي، رغم أنها قد أيدت الولايات المتحدة في حربها ضد الإرهاب وأدانت أحداث سبتمبر، ولكن سيطرة التيار المحافظ المتطرف أيديولوجياً، واللوبي الصهيوني على الإدارة الأمريكية، والتحكم في القضايا الاستراتيجية الأمريكية والسياسة الخارجية، من خلال وزارة الدفاع ومجلس سياسة الدفاع الذي تشكل في أغسطس 2001م، ليقدم تصوراته الاستراتيجية، وتولي التخطيط الاستراتيجي الأمريكي والدولي، وقضايا أسلحة الدمار الشامل، وكل هذه التحركات الأمريكية، أدت لإضعاف دور العرب في هذه الحرب ضد الإرهاب، وذلك لاتهام الولايات المتحدة للأنظمة العربية في سوريا، والعراق، والسودان بدعم الحركات الإرهابية، فقد أفرزت أحداث سبتمبر حالة من الاصطفاف خلف مواقف الولايات المتحدة، باعتبارها القطب الأوحد والأقوى، ومارست الدول الغربية، بالإضافة للولايات المتحدة ضغوطاً كبيرة على الأنظمة السياسية العربية لتفكيك الحركات الإرهابية وحصارها والقضاء عليها .

الاتجاه الثالث: وهذا المسار يعرف بمسار العزلة الأمريكية على الساحة الدولية، إثر انحسار موجة التعاطف العارم معها بعد الحدث، فالتحالف الدولي ضد الإرهاب، أصبح هشاً، ولم يعد بإمكانه تأمين الوقوف الآلي مع الوحش الأمريكي المنفلت من كل قيود وضوابط .

لقد أثرت تلك الأحداث علي جميع المجالات الاجتماعية، والسياسية، والعسـكرية، والاقتصـادية، سـواء داخل الولايات المتحدة، أو خارجها، ولعل أبرز التداعيات، كان حين حشدت الولايات المتحدة القوات العسكرية الكبيرة، لشن حملة عسكرية باستخدام الوسائل العسكرية الكافية، بهدف تدمير معاقل الإرهاب في أفغانستان، حيث تعتقد الولايات المتحدة أن حركة طالبان وتنظيم القاعدة يقفان وراء أحداث التفجير؛ خاصة بعد أن رفضت الحركة تسليم "أسامة بن لادن"، الذي اعتبرته الولايات المتحدة مسؤولاً عن أحداث الحادي عشر من سبتمبر، واعتبرته طالبان غير مسؤول لعدم تقديم الأدلة التي تثبت تورطه. وتطورت الأحداث بعد ذلك عندما سحبت المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة اعترافهما بحكومة طالبان بتاريخ 22 سبتمبر 2001، لتبقي باكستان الدولة الوحيدة التي تعترف بحكومة طالبان، ثم لتبدأ الحملة العسكرية بتاريخ 8 أكتوبر عام 2001 من خلال ضربات جوية مركزة استمرت حتى تاريخ الثامن والعشرين من أكتوبر 2001، ومن ثم الحرب البرية، حيث حققت الحملة أهدافها المعلنة من خلال تدمير قواعد تنظيم القاعدة وعزل طالبان من الحكم، وفي 13 نوفمبر 2001 سقطت العاصمة كابل في يد قوات التحالف، ولم ينته هذا الشهر حتى سقطت مدن أفغانستان من يد حركة طالبان، بعد أن وقع الكثير من عناصرها في الأسر، لتنسحب بعدها إلى الجبال، معلنة أن الهدف من الانسحاب، هو تفادى تكبيد الشعب الأفغاني خسائر كبيرة في أرواح المدنيين، ولتنظيم صفوف قواتها، واستعدادها للمعارك الجديدة مع القوات المحتلة .

لذلك لم يكن غزو أفغانستان مجرد رد فعل تلقائي علي هجمات 11 سبتمبر 2001، لأن التحضيرات وخطط العمليات العسكرية كانت مجهزة من قبل. فالغزو كان سيحدث تحت أي مبرر لأهمية وضع أفغانستان في الجغرافيا السياسية للنفط والغاز الطبيعي لمجمل المنطقة الممتدة من الصين إلي ألمانيا، وهو الحوض الضخم المسمى أوراسيا؛ بمعنى آخر تكمن مقاصد التدخل الأمريكي في أفغانستان في هدف قصير المدى، وهو إسقاط نظام طالبان واستئصال شبكة القاعدة، وهدف آخر بعيد المدى وهو التموقع الاستراتيجي في قلب منطقة آسيا الوسطي .

وهنا ندرس في هذا المقال الأبعاد الحقيقية وراء الغزو الأمريكي لأفغانستان، وكيف استغلت الولايات المتحدة أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001م، لتحقيق أهدافها في منطقة آسيا الوسطي، وهى تصر على تواجدها العسكري للقضاء على الإرهاب، والحركات المتطرفة، وتقوم كذلك بتوسيع حلف الأطلسي، ليشمل دول المنطقة، وإيجاد أجواء أمنية، وسياسية، وعسكرية، توفر بيئة مناسبة للسيطرة، ولقد قامت بدعم وجودها في منطقة آسيا الوسطى من خلال تواجدها العسكري بدعوى حماية أمن الطاقة والحفاظ على استثماراتها  ؛ ولن يتحقق هذا الأمر إلا من خلال رصد الأهداف الأمريكية في أفغانستان، في إطار الحملة الأمريكية لمواجهة الإرهاب منذ الغزو الأمريكي لأفغانستان واحتلاله عام 2001م، وذلك الكشف عن معرفة الأهداف الأمريكية خلال تلك الفترة .

ومن هذا المنطلق يمكن القول بأن الغزو الأمريكي على أفغانستان، قد أخذ ثلاثة أبعاد، يمكن توضيحها بشئ من التفصيل على النحو التالي:

البعد الأول: البعد السياسي:

شكلت أفغانستان على مر تاريخها محطة فاصلة في عمليات الصراع بين قوي النفوذ والسيطرة والتسلط في العالم، وقلما عرف بلد من بلدان العالم تلازماً متداخلاً بين الجغرافيا والتاريخ، مثلما عرفته أفغانستان، وهذا ما دفع الرحالة الإيطالي "ماركو بولو" Marco Polo (1254-1324م)، إلى وصف أفغانستان بأنها "سقف العالم". كما وصفها الكاتب المصري الكبير "محمد حسنين هيكل"، قائلاً بأن "أفغانستان بلد معتقل في موقعه، ومعتقل في تاريخه" .

وأفغانستان بلد ذو طبيعة جبلية ويتمتع بموقع استراتيجي مهم وقد تعرض لهجمات العديد من القوي الكبرى على مدي قرون، بدءاً بقوات "الإسكندر المقدوني"، ومروراً بقوات "نادر شاه أفشار" (التركماني) (1698-1747م)،  ثم الإمبراطورية البريطانية العظمي وبعدها الاتحاد السوفيتي، ومنذ القرن التاسع عشر الميلادي فصاعداً، تحول هذا البلد إلى منطقة حائلة بين إمبراطورية بريطانيا العظمى، وإمبراطوريه روسيا القيصرية ومستعمراتهما في آسيا الوسطي وشبه القارة الهندية، وكانت القوي الكبرى تتصارع فيما بينها من أجل الاستيلاء على أفغانستان أو توسيع دائرة نفوذها فيها .

وخلال حرب الخليج الأولى أدركت الولايات المتحدة أهمية مكانة وموقع أفغانستان؛ حيث أدركت أنها تمثل بالنسبة لها معبراً نحو آسيا الوسطي معروفة ولا تخفي على أحد، فهي تربط المنطقة بطريقين بريين- أحدهما يمر من قندهار نحو الجنوب الغربي، والآخر يمر من كابول نحو الشمال، وكلا الطريقين يبدآن من باكستان، وينتهيان بآسيا الوسطي، بعدما يقطعان الأراضي الأفغانية. والولايات المتحدة كانت تريد فتح هذه الطرق وتفعيلها، لكنهم على ما يبدو لا يريدون، أن ينتفع الشعب الأفغاني بالأرباح المالية لعوائد هذه الطرق!، ولذلك كانوا يخططون لإقامة حكومة أفغانية ضعيفة غير قادرة على العمل بشكل مستقل بحيث لا يمكن الاستغناء عنهم .

لذلك عملت واشنطن بالاتفاق مع نظام شاه إيران (قبل الثورة الإسلامية الإيرانية) بالضغط على أفغانستان ورشوتها لإبعاد النفوذ السوفيتي عنها . ففي عهد "محمد داوود خان" (1909-1978م) في السبعينات، حاول شاه إيران بتكليف من واشنطن، إقناع نظام حكم داوود، باستبدال الدعم السوفيتي بمبلغ 2 مليار دولار تدفعها واشنطن لأفغانستان كمساعدات اقتصادية، وحث شاه إيران داوود على الانضمام إلى منظمة التعاون والتطور الإقليمي، التي شكلتها إيران وباكستان وتركيا التي نددت بها أفغانستان، واعتبرتها امتداداً لحلف المعاهدة المركزية (سينتو) Central Treaty Organization- Cento، الذي حاولت واشنطن تأسيسه في الخمسينات (حلف بغداد كان جزءاً منها) لمواجهة موسكو، وفي السبعينات كان "السافاك" The Savac جهاز مخابرات شاه إيران) من الناشطين داخل أفغانستان في رصد الضباط الشيوعيين داخل الجيش والحكم .  وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

 

حسن الحضريالنظام الحاكم في أي مكان وزمان، ما هو إلا ثلة من جموع الدولة أو الشعب، فلا يمكنه الاستمرار إلا في ظل سياسة تعمُّ أفراد وجماعات ومؤسسات تلك الدولة، وهذه السياسة ربما كانت تطبيقًا لمنهجٍ –على اختلاف طبيعته- وربما كانت قوة غاشمة لا هدف لها إلا فرض السيطرة -على اختلاف درجات نجاحها في ذلك- ومهما اختلفت السياسة فلا بد لها من فكرٍ تعمل من خلاله، وبحسب طبيعة ذلك الفكر، ومدى التزام تلك السياسة بتطبيقه؛ يكون نجاحها أو فشلها.

وفي سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- مواقف كثيرة، يُضرب بها المثل في طريقة والتزام وتطبيق الفكر الصحيح، الذي يعبِّر عن النضج السياسي، ويؤتي ثماره المطلوبة، التي تتمثل في إثبات المصداقية، وفرضِ الهيبة والاحترام؛ ومن ذلك -على سبيل المثال- قصة عبد الله بن أُبي ابن سلول، حين قال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل؛ فقال عمر: ألا نقتل يا رسول الله هذا الخبيث؟! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يتحدث الناس أنه كان يقتل أصحابه» [أخرجه البخاري (4/ 183)]، وقد كان بإمكان النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يترك عمر –رضي الله عنه- ليقتل ذلك المنافق، لكنه -صلى الله عليه وسلم- يبني أمَّة، فلم يترك مجالًا لسوء الظن مِن قِبَل أعداء الإسلام، فإِعمال الفكر أمرٌ ضروري قبل استخدام القوة وإن أتيحت.

وحين ننظر إلى واقعنا المعاصر، الذي تدهورت فيه أحوال العالم العربي والإسلامي، وضعُفت أنظمته الحاكمة عن النهوض من كبواتها التي طال أمدها؛ نجد الفجوة الواسعة بين سياسات هذه الأنظمة وبين أهل الرأي والحكمة من العلماء والمفكرين، تلك الفجوة التي تنْفذ منها الأفكار الخبيثة، التي تقذف حممها في أوعية أنظمة سياسية وجدت نفسها تدير الأمور دون أن تدرك شيئًا من معنى السياسة، التي جاءت لتمارسها، سواء أكان مجيئها بطريقة مشروعة، أم بأسلوب الغلبة والقهر.

إن الأنظمة السياسية يجب أن تدار من خلال فكرٍ واعٍ، قادرٍ على قراءة الأحداث قراءة صحيحة، ولديه القدرة على استنباط العِبَر من الماضي، والإفادة منها في الحاضر، واستشراف  المستقبل، والإعداد الجيد له؛ وتلك هي الأنظمة القوية، التي تستطيع الحفاظ على إمكاناتها ومقدَّراتها، وقد قصَّ علينا القرآن الكريم قصة بلقيس ملكة اليمن، وذكر لنا حصافتها، في قوله تعالى (قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (33) قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (34) وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ) [النمل: 33- 35]؛ فهي لم تلجأ إلى التعامل من منطلق القوة، رغم توافرها في جيشها؛ لكنها ساست الأمر بفكرٍ واعٍ، كان من نتائجه هدايتها إلى الحق وإسلامها هي وقومها.

والأمر الملاحَظ من خلال الشواهد التاريخية؛ أن أهم عوامل الضعف السياسي تكمن في التخبط الفكري في قراءة الواقع، الذي يؤدي بدوره إلى الفشل الذريع في التعامل معه، وكذلك في استنباط العواقب، وبالتالي عدم القدرة على التعامل معها عند وقوعها؛ ولا يمكن لعوامل القوة الأخرى أن تعالج ذلك الضعف السياسي، إلا إذا كان في مقدمتها قوة الفكر وجدِّيَّته، سواء أكان الأمر يتعلق بالسياسة الداخلية أم بالسياسة الخارجية؛ فربما توافرت لبعض الأنظمة عوامل القوة، لكنها لا تحسن استغلالها، حيث يتربص المنتفعون وذوُو المصالح، الذين يسعون إلى الارتماء في أحضان السلطة، واستغلال مقدَّراتها في تحقيق أهدافهم الخاصة، التي تعود بالضرر على الآخرين، وهم حين يسعون إلى تحقيق ذلك إنما يسعون من خلال فكرٍ خبيثٍ، يقوم على التوجُّه بمقدَّرات دُوَلِهم إلى الطريق الذي يصلون به إلى غاياتهم، فنجد الإمكانات والمقدَّرات متوافرة في تلك الدول، ورغم ذلك تعاني من الجهل والتخلف، الذي يرسم صورة حقيقية لضعف أنظمة الحكم القائمة؛ بينما نجد دولًا أخرى لا تتوافر لديها مقوِّمات التقدم، لكن تسير أنظمة الحكم بها في تيار الفكر الصحيح، الذي يصطنع تلك المقوِّمات اصطناعًا، وما على النظام السياسي القائم إلا تنفيذ تلك الخطط وتطبيقها بصورة صحيحة، تعود بالنفع على مؤسسات الدولة وجماعاتها وأفرادها.

ومما سبق نلاحظ أن علاج الضعف السياسي ليس بالأمر العسير؛ لكنه يتوقف على مدى استعداد الأنظمة السياسية نفسها لتقبُّل ذلك العلاج، الذي يوفره لها العلماء والمفكرون غير الانتفاعيين.

 

حسن الحضري

عضو اتحاد كتاب مصر