صالح الطائييكذب من يدعي عدم وجود انهيار حقيقي في العلاقة التاريخية بين الناس والأديان، وواهم جدا من يرى أن التثقيف الإلحادي لن يؤثر على منظومة الدين على المدى البعيد، فالانهيار كان قد بدأ منذ زمن طويل بتسارع يتناسب مع مراحل التبدل الفكري وولادة المنظومات الحديثة، ولكنه تحول اليوم إلى سيول جارفة ستقتلع أكثر أشجار الحقيقة رسوخا، وتُجرِّد الأرض من رونقها، وتجرف التربة الصالحة للإنبات، فالتثقيف الإلحادي الذي تقوده منظمات دولية جبارة مدعومة ماديا وإعلاميا بمؤسسات هي الأعظم في التاريخ بدأ يؤتي أُكله، ويؤسس له قواعد في قلوب وجيوب شرائح مهمة من المجتمع ولاسيما طبقتي الشباب والبسطاء السذج.

ونحن إن كنا سكتنا بالأمس عما كان يقال، طالما أنه محدود التأثير بسبب عدم قدرته على الانتشار الواسع، يجب علينا اليوم أن نحذر من أثر تكرار الأقوال التي تنتقص من الدين والشريعة جهاراً على مسامع شبابنا عبر وسائل التواصل والانترنيت، فالنكوص والقهقري باتا أمران في متناول الجميع، وأعداد المرتدين والمتحولين بدأت تتفاقم بشكل خطير، وأؤكد هنا أننا لا نتخوف على الدين منهم لأنهم أضعف من أن يؤثروا على عقيدة تدعمها السماء، ولكننا نتأسف على حالهم وما سيئول إليه أمرهم بعد أن يخسروا الدنيا والآخرة، وبعد أن يتقدم بهم العمر فيجدون أنفسهم وحيدين ضائعين.

إن عملية الانكفاء لم تعد بمثل تلك الصعوبة القديمة المعهودة بسبب التبدل الكبير في وسائل النشر، فإذا رافقها عجز عن تطبيق الأحكام الرادعة ولو بمستواها الأدنى، أي الرد عليهم وليس قتلهم أو استتابتهم أو مضايقتهم أو سلبهم حريتهم، فسيكون التحول في متناول يد الجميع وسنخسر كفاءات؛ نتحسر عليها بعد حين. وهذا واقع ملموس فقد كنت قبل أيام أقرأ مقالا بعنوان "القصيمي من الوهابية إلى الإلحادية" بقلم الأستاذ داود السلمان(1) تحدث عن انكفاء القصيمي من تشدد السلفية إلى عالم الإلحاد المفتوح على مصراعيه.

والقصيمي لمن لا يعرفه هو: عبد الله بن علي النجـدي القصيمي (1907- 1996م ـ 1416هـ)، كان والده شيخا متزمتا وسلفيا متشددا، فنشأ على عقيدة أبيه في السلفية المتشددة، ثم سعى لتطوير قدرات سلفيته ودعمها بالعلم، فوفد إلى العراق لمتابعة تعليمه في مدرسة الشيخ أمين الشنقيطي، في منطقة الزبير التابعة للبصرة، ثم التحق بالمدرسة الرحمانية بنفس المنطقة، ومن ثم رحل إلى الهند ومكث فيها عامين، وبعدها عاد إلى العراق والتحق بالمدرسة الكاظمية، ثم رحل إلى دمشق، ومنها إلى القاهرة وانتسب إلى جامعة الأزهر؛ التي فصلته بسبب تشدده يوم لم يكن للسلفية موطئ قدم في مصر مثلما هي عليه اليوم. فبعد كم المؤلفات والمحاضرات والخطب والتوصيات والحوارات التي قام بها لدعم سلفيته، توقف القصيمي فجأة، واستدار 180 درجة، وأعلن كفره وإلحاده بكل الأديان، ووظف خبراته العلمية ليدعم منهجه الإلحادي الجديد، فألف كتبا إلحادية تُكفِّر جميع المذاهب الإسلامية، منها: "لئلا يعود هارون الرشيد" و"الإنسان يعصي لهذا يصنع الحضارات"، وبدأ ينتقد الفكر والتراث الديني بشكل قاسٍ جداً، وهذا ينبيك بقدرة التبدل التي تنجح باقتلاع سلفيٍ جامدٍ من جذوره اليسارية المتطرفة جدا لتلقي به إلى أقصى اليمين المتطرف.! ويعني هذا أن من الحقائق التي لم ندرك حجمها بعد، ولم نُعطها حيزا تستحقه في تفكيرنا أمران مهمان الأول تسارع وتيرة انتشار الإلحاد بين الشباب. والثاني ولادة تيار جديد يعتقد أن ثقافة البحث عن الإيمان خارج المحراب أجدر من الارتباط بتقليدية المسجد وأبوته القاسية. وهما كلاهما ثقافتان غزتا ساحاتنا الفكرية بشكل خطير، وأن هذا التبدل أنتج خطا موازيا لخط الإيمان ومنافساً له.

والذي أراه ان الذي تسبب في انهيار المنظومات التقليدية الدينية والحياتية، والاستهانة بالمقدس، وطغيان ثقافة المدنس، هو تبدل المفاهيم وتغير المصطلحات؛ الذي وُلِدَ من الانفتاح الأخلاقي المرافق لتنوع الآراء، ودفقة الشجاعة الزائفة المكتسبة من الاختباء خلف لوحة مفاتيح الحاسوب، بعد أن غُيبتْ وأُغلقتْ ساحاتُ المواجهة العلنية الأولى التي كان المُجالد يحسب لها ألف حساب قبل أن يتخطى عتبتها ليخوض غمار المساجلة مع علماء كبار.

فالجنسية غير الطبيعية على سبيل التوضيح كانت فاحشةً متفقٌ عليها في كل الحضارات والأديان بما في ذلك حضارتنا المعاصرة، وكانت تسميات مثل: "المنحرفين" و"الشواذ" تعطي ذات المعنى المتفق والمُتعارف عليه، نجدها اليوم قد تحولت إلى معنىً آخر بعيداً عن مضمونها المصطلحي واللغوي والأخلاقي المتداول تاريخياً؛ بعد أن تغير مصطلحها،  وأُنِّقْ وجُمِّل لتصبح: "المثلية" بكل ما يوحيه هذا المصطلح من معانٍ خادشة بعيدٌ ظاهراً عن معنيي الشذوذ والانحراف التقليدي، وأصبح التحدث عنها لا يخضع للتابو الأخلاقي التاريخي بعد أن تحشدت قوى ظلامية داعرة لتوحي للشاذ بأن ما يمارسه هو حق من حقوقهِ مثل أي حقٍ آخر، تُقره الحياة المعاصرة وتُدافع عنه، وهو الأمر الذي دفع المنحرفين إلى تأسيس اتحادات ومنظمات وجمعيات محلية ودولية، غطى موقفها قانون الأمم المتحدة والقانون الوضعي لبعض دول الغرب، وهي قوانين أباحت ممارسة تلك الأفعال، واتخذت جانب الدفاع عنها، وخصص دعاتها جوائز للمتميزين من دعاة المثلية والمناضلين من أجلها، ومن ذلك ما قدم من دعم للفتاة المصرية "شروق العطار" بنت الخامسة والعشرين، التي ما إنْ تقدمت بطلب للجوء إلى المملكة المتحدة، حتى قبل طلبها، ثم منحت جائزة أفضل شاذة مهاجرة، لأنها تعمل للدفاع عن حقوق المثليين في بلادها الأم مصر(2). في وقت مات فيه آلاف المهاجرين الباحثين عن لقمة عيش غرقا في البحار والمحيطات دون أن يلفتوا انتباه رعاة تلك القوانين والمشرفين عليها.

ومثلها الشاذة المصرية الأخرى "سارة حجازي" المدافعة عن حقوق المثليين في كندا؛ التي انتحرت مؤخراً لأنها فشلت في تحقيق الفوز في مغامرتها اللاأخلاقية المنحرفة.

ولا تقف المهاترة عند هذه الحدود فالدول التي تريد الدفاع عن موروثها صارت تتهم بأقبح التهم، وتجعل من نفسها عرضة للانتقام. فبعد أن وصف الرئيس البولندي "اندجيه دودا" في خطاب ألقاه أثناء حملته الانتخابية المطالبة بحقوق المثليين بأنها أيديولوجية أكثر تدميرا من الشيوعية، اتهم حزبه حزب العدالة والقانون أن لديه أجنده مناهضة للمثليين، وفي تقرير أصدره الفرع الأوربي للمؤسسة الدولية للمثليين والمثليات ومزدوجي التوجه الجنسي والمتحولين جنسيا وثنائيي الجنس (ILGA Europe)  وُصفت بولندا بأنها أسوأ دول الاتحاد الأوربي أداء فيما يتعلق بحقوق المثليين، وهذا يؤثر كثيرا على درجات تقييمها داخل الاتحاد، وبالتالي يؤثر على الدعم المقدم لها مما يوقعها في مشاكل تجبرها على التخلي عن منهجها. كل ذلك لأن الرئيس تجرأ وقال في أحد خطابات حملته الانتخابية في مدينة "بجيغ" جنوبي البلاد إن: "الأهل مسؤولون عن تربية أطفالهم الجنسية" وأنه "لا يمكن لأي مؤسسة أن تتدخل في الطريقة التي يختار الأهل أن يربوا بها أولادهم"(3)، وهذا يعني أن الدول بدأت تفقد سلطاتها المحلية لصالح سلطة الحكومة العالمية الواحدة التي تسعى إليها الماسونية والصهيونية.

ونحن حينما نجد أنفسنا واقفين أمام مثل هذا الامتحان الدولي العسير، مع علمنا بقلة عددنا، وضعف حالنا، وتفشي الجهل والأمية الثقافية بين صفوفنا، لا يعد أمامنا سوى النضال باستماتةٍ من أجل الحفاظ ولو على بقايا الموروث الإنساني الطاهر الذي تركه لنا ديننا وعروبتنا، ولا بأس أن نساير العصر وفق ضوابط الدين لكي نوقف الانهيار، ونتصدى للهجمات المرتقبة.

 

صالح الطائي

....................

الهوامش

(1) ينظر: صحيفة المثقف، الرابط:

  http://www.almothaqaf.com/index.php?option=com_content&view=article&id=947208&catid=327&Itemid=123.

(2) وكالات الأنباء ومنها بي بي سي 19 نيسان 2018.

(3) المصادر نفسها.

 

جواد غلوم"نعيم الكهرباء الغائب عني في جحيم الإقامة الجبرية بسبب الكورونا السافلة"

اعترف - دون أن أكون مفاخرا أحدا - بأنني قد أكون من القلّة القليلة جدا من المحظوظين في بلاد مابين النهرين أو قل القهرين - وسيان هذان الاسمان - ممن لم يتأثروا بهموم الكهرباء وانقطاعاتها وشجونها في عراق الحضارات والمرارات معا مذ حللت في ارضي العام  /2004    بعد غربة طويلة في المنافي البعيدة والقريبة .

لم انشغل بتصريحات مسؤولينا السياسيين "الصادقة جداً" الذين صيّروا ماء البحر "طحينة" كما يتندر الأشقاء المصريون  ومواعيدهم التي فاقت مواعيد عرقوب في التسويف والتأجيل والآمال الوردية الخادعة بان الكهرباء ستصل الى بيوتنا ومصانعنا وبقية المرافق الحيوية المعتمدة اعتمادا كليا على الطاقة الكهربائية وسوف يتم تحسين الطاقة الكهربائية خلال الشهور المقبلة والحاضرة وحتى السالفة ؛ فقد استشرفنا المستقبل وعشنا الحاضر ومِلْنا برقابنا حتى الى الماضي نتوسل اليه كي يعيدنا الى سابق عهدنا ولكن دون جدوى رغم الميزانيات الهائلة التي صرفت والتي فاقت الأربعين مليار دولار المخصصة لإعادة التيار الكهربائي متواصلاً .

غير ان هذا المبلغ الضخم جدا والذي قد يفوق ميزانية عدة دول مجاورة؛ أقول ان تلك الثروة التي لا تخطر على البال غيّرت مسارها الى جيوب السحت والمآل الحرام والصفقات المريبة والعقود الوهمية والأجهزة الرخيصة من المواد الاحتياطية العليلة ذات المناشيء الرثة التي لا تقاوم هجير قيظنا الذي يمتدّ حتى نهاية أيلول وربما يأخذ أياما طويلة من تشرين الأول .

ولا ننسى بعض التصريحات السابقة التي صارت أضحوكة الناس يتفكهون بها ومفادها ان العراق في طريقه الى تصدير الكهرباء الى دول الجوار وغير الجوار باعتبار ان الطاقة الكهربائية الهائلة عندنا لا يمكن تخزينها .

ذكرتُ بان طاقة الكهرباء لم تفارق مسكني ما يربو على ست عشرة سنةً دون ان ادفع درهما واحداً فقد أكرمني جاري النبيل الموسّر الملاصق لي بعشرة أمبيرات من مولّدته الكبيرة الخاصة به فور ان وطأت قدماي بيتي ولم يعبأ برفضي استحياءً ولكنه أصرّ على مساعدتي وتحمّل حتى مصاريف ايصال الاسلاك من جيبه الخاص .

والحق اني كنت مستمتعا سعيدا بما وهبه لي هذا الجار  النادر في وقت الأزمات والويلات الكبيرة حتى نسيت ما يعانيه أبناء وطني من شحة أطايب ومنافع الكهرباء .

ولأن دوام الحال من المحال فقد عزم جاري على الانتقال الى مسكنه الجديد والذي شيّده مؤخرا البعيد عني شأوا طويلا وفعلا قام بنقل مولدته المعطاء مع أجزاء أخرى من أثاثه ؛ فما كان مني الاّ أن أعيش شظف الظلام والحرّ اللاسع هذا الصيف واغرق أمَدا طويلا بالعرَق الذي اخذ يتصبب من جسمي فاضطررت مرغما الى التوجه لصاحب المولّدة التي تغذي قسما من الحيّ الذي انا فيه واطلب منه سبعة امبيرات لكنه اعتذر متذرعا بان مولدته لا تتحمل قدرات أكثر وهي تعمل بأقصى طاقتها ولم تنفع توسلاتي ورجائي للتعاطف معي وتغذية بيتي بالطاقة الكهربائية .

واضطررت الى مراجعة مسؤول مولدة أخرى ابعد قليلا منه من حيث المسافة وحصلت على خمسة امبيرات ولذا تحتم عليّ ان اشتري خمس حزمات من الأسلاك واستأجر سُلّما بغية ايصال التيار الكهربائي الصعب المنال الى بيتي وهكذا كان بعد ان ذقتُ مشقة التعب الشديد صعودا ونزولا على السُلّم وحدي دون مساعد يؤازرني ويخفف عني حتى أوصلت الأسلاك لمغذَّي المولدة بشقّ الأنفس .

من يدري ربما يفيض العراق بالكهرباء في السنوات القريبة اللاحقة بعد ان تمسكه أيدٍ امينة وتدلّه الى مصادر الضوء وتنير ربوعه ومصانعه وبيوتاته وربما تُزيد من انارة عقله وثروته ولكن حتما سيكون هذا التنوير بأيدٍ غير هذه الايدي التي تقودنا الان لتنجينا من الهوّة العميقة التي تكاد تقبرنا الان .

سبحان الله مغيّر الاحوال فمن سرّه زمن ساءته أزمان ، كحالي حين افتقدت نعيم الكهرباء يوم رحيل جاري الأكرم الذي كان جنبي وكذا رحيل ساستنا العاجزين المارقين من بلادي كلها ؛ بثرواتها الهائلة والتي لم نلمس منها حتى مجرد فانوس خافت الضوء فكيف نريد من مسؤوليها إيصال التيار الكهربائي العسير المنال .

ما أصدق فقيهنا أحمد بن حنبل حينما سُئل: كيف تعرف الكاذبين فأجاب بلا تردد:

الأمر بسيط جدا يكفي ان تنظر نظرة عابرة الى مواعيد عهودهم هل أنجزت أم بقيت في خانة التسويف والتأجيل والعجز وربما العمد على عدم إنجاز أي شيء يرقى بأهليهم لغايةٍ سيئة في نفوسهم .

 

جواد غلوم

 

كان يوصف وحتى الأمس القريب برجل ليبيا القوي! يحرز الانتصارات العسكرية على الجماعات المسلحة في الشرق الليبي، يتقدم نحو معاقل حكومة الوفاق المعترف بها دوليا، في منطقة الهلال النفطي وفي سرت وفي الجنوب الليبي، لتقف قواته على تخوم العاصمة طرابلس معلنا بدء معركة تحريرها في نيسان من العام الماضي

خيّل للكثير من المراقبين داخل ليبيا وخارجها، أن طرابلس توشك أن تقع في قبضته كما وقعت من قبلها درنه بعد حصار دام لعدة شهور.

نجح في السيطرة على ترهونة وأجزاء من العاصمة، وكانت قاعدة الوطية الجوية في قبضته، لكن الرياح جرت على عكس ما تشتهي سفن حفتر!

 فقد تحول  بين ليلة وضحاها من قائد عسكري كان قاب قوسين أو أدنى من أن ينصب نفسه حاكما مطلقا لليبيا، وموحدا لها كما فعل بسمارك في ألمانيا،  يطمح لأن ينهي انقساما لم تشهد له البلاد مثيلا من قبل، حكومة في الغرب الليبي  معترف بها دوليا بقيادة فائز السراج ومقرها طرابلس، وأخرى في الشرق بقيادة عبدالله الثني، مع انقسام في المؤسسة العسكرية والنفطية وحتى في  المصرف المركزي، مؤسسات منشطرة نصفين، لكنه تحول إلى قائد مهزوم يبحث في القاهرة عن طوق نجاة من هزيمة قاسية تنتظره في سرت ولربما في الهلال النفطي بل وحتى في معقله  الرجمة في الشرق الليبي؟

فمالذي حصل؟ ومالذي قلب الأمور رأسا على عقب في وجه المشير خليفة حفتر قائد الجيش الليبي كما يحلو لأنصاره  تسميته أو اللواء المتقاعد قائد ميليشيا الكرامة كما يصفه خصومه؟  نسج حفتر  شبكة من العلاقات الإقليمية والدولية المتناقضة! أراد ان يجمع النقائض ناسيا بان النقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان! أدار المعركة السياسية بعقلية العسكر فأفل نجمه سريعا قبل أن يبزغ في كل سماء ليبيا.

لعب حفتر داخليا على وتر محاربة الجماعات المتطرفة، في وقت أصبحت فيه هذا الجماعات متهمة بالإرهاب عالميا واقليميا، فحاربها وقضى عليها في بنغازي وفي درنه، لكنه وفي ذات الوقت استعانة بجماعة سلفية تدعى المدخلية  لتحارب معه ضد جماعات إسلامية أخرى!

  محاربة ”الإرهاب“ كانت قاسما مشتركا جمع حفتر بعدد من الدول الإقليمية! وأولها مصر. فمصر التي صنفت جماعة الأخوان المسلمين كجماعة إرهابية منذ الانقلاب الذي قاده الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي ضد رئيس مصر المنتخب الراحل محمد مرسي، اعتبرت ان القوى الحاكمة في طرابلس امتدادا لجماعة الأخوان وكذلك القوى التي كانت تسيطر على مدينة درنة القريبة من الحدود المصري.

وجدت  القاهرة في معركة حفتر ضد هذه القوى،  استمرار لمعركتها لتصفية تنظيم الأخوان، فكانت حليفا وداعما لحفتر وللشرق الليبي. وبعيدا عن ليبيا وعلى ضفاف الخليج، تقود دولة الإمارات حربا شعواء ضروس ضد الأخوان داخل البلاد وخارجها، ففي الداخل اعتقلت ما يعرف بمجموعة 94، وتشمل قائمة المتهمين قضاة وأكاديميين ومحامين وزعماء طلابيين، متهمة بالقرب من جماعة الأخوان.

واما خارجيا فالإمارات  حليف للسيسي، بل وصل عداؤها للاخوان إلى حد مد الجسور مع نظام الرئيس بشار الأسد نكاية بالمعارضة السورية التي يمثل الأخوان وتفرعاتهم عمودها الفقري المدعوم من الغريم التركي.

فكان حفتر خيار الإمارات في هذه المعركة في المغرب العربي، فتحت له مصاريع المساعدات المالية والعسكرية  التي مكنته من تحقيق انتصارات، ماكان ليهدأ بال محمد بن زايد حاكم الإمارات إلا بتتويجها بسيطرة حفتر على طرابلس ومن بعدها مصراته معقل اسلاميين الذي يمد حكومة الوفاق في طرابلس بالرجال.

ألقت الإمارات ومصر و(السعودية) من طرف خفي بثقلها خلف معركة حفتر للسيطرة على طرابلس، كي تمهد الطريق لإضعاف الأخوان في المغرب العربي بدأ من تونس. كان أحد الأهداف بالإضافة إلى استهداف الأخوان هو تعويض هذا التحالف لخسائره المتتالية في شرق قناة السويس.

فهذا المحور لم ينجح  في حسم الحرب في اليمن لصالحه رغم مرور أكثر من خمس سنوات عليها، ولم ينجح في تركيع قطر عبر حصارها، وهي التي قلبت المعادلة عليه بتحالفها مع تركيا وبتقاربها مع إيران وبتجاوزها للحصار.  كما خسر هذا التحالف المعركة مع إيران مع إحجام ادارة اميركية عن شن حرب عليها كما كانت السعودية والإمارات تمني النفس. فولى هذا المحور وجهه صوب غربي قناة السويس ممنيا النفس بتعويض خسائره التي مني بها في شرقا.  لكن الصراع الإقليمي المتداخل ضمن معادلات دولية قلب الطاولة رأسا على عقب وسأعود لذلك لاحقا.

 دوليا وثق حفتر علاقته بفرنسا على حساب روما التي اعتبرها داعمة لغريمه فائز السراج. نجح حفتر في دق إسفين بين إيطاليا وفرنسا! وإلى الحد الذي توترت فيه العلاقات بين باريس وروما،  فروما التي تعتبر ليبيا إرثا لها، لا تريد لأحد منافستها في الاستثمار في ثروات البلاد النفطية او في مشاريعها.

لكن فرنسا استغلت حالة الانقسام بين الشرق الليبي وغربه والأزمة الحكومية في إيطاليا، فوقفت خلف الشرق في مواجهة الغرب المدعوم من روما وأعلنت باريس عن مبادرة في خضم الأزمة الحكومية الإيطالية استضافت عبرها الفرقاء الليبيين وبضمنهم حفتر والسراج في العام الماضي. صراع مصالح  وقفت الولايات المتحدة متفرجة فيه ولم تتدخل إلا بالقدر المتعلق بمحاربة التنظيمات التي تصفها ادارة ترمب بالإرهابية، لكن  هذه إدارة  أعلنت وبكل وضوع أن روما هي المخولة في إدارة الملف الليبي.

موقف أملته عدة عوامل اهمها ان ليبيا من مناطق تقاسم النفوذ الأوروبي وليس الأميركي، واما العامل الآخر فهو مكافئة ترمب للجماعات اليمنية الشعبوية التي جلست على سدة الحكم في روما.

 وهكذا  تمدد حفتر  إلى سرت التي حررتها قوات ”أفريكوم“ الأمريكية من قبضة تنظيم الدولة (داعش) بمشاركة قوات تابعة لحكومة الوفاق . لكن حفتر دخلها فاتحا، ملحقا هزيمة بحكومة الوفاق  دون أي معارضة من الولايات المتحدة الأميركية التي  تعترف بحكومة الوفاق ممثلا شرعيا لليبيا! كان السكوت الأميركي شعرة معاوية التي لم ترد قطعها مع حفتر الذي  مكث في الولايات المتحدة ردحا من الزمن حتى نال جنسيتها وسط إدعاءات بقربه من الاستخبارات الأميركية .

واما اللاعب الدولي الأكبر في ليبيا والمستعمر السابق أي روما فلزمت الصمت لإن هاجس الإرهاب كان يقلقها أكثر من حفتر! وسط حديث عن دعم فرنسي عسكري حظي به حفر خلال معاركه التي انتصر فيها.

لكن حفتر لم يكتف بالدعم الإقليمي والفرنسي بل يمم وجه صوب موسكو! أراد إحياء العلاقات التي كانت تربط روسيا بنظام القذافي التي توثقت بعد نزاعه مع الولايات المتحدة. أصبح حفتر مرحبا به في البوارج الحربية الروسية الراسية في البحر المتوسط مستقبلا من مسؤولين روس من بينهم وزير الدفاع، فيما كانت تفرش له السجادة الحمراء في الكرملين.

تحرك أثار الريبة والقلق أوروبيا وأميركيا! جاء في خضم توتر للعلاقات مع موسكو بسبب أزمة أوكرانيا وفي ظل تصاعد الصراع في سوريا التي تدعم موسكو نظامها. فالإتيان  بأسطول روسي او إقامة قاعدة عسكرية روسية في ليبيا قبالة السواحل الأوروبية امر مثير للقلق في ظل هذا الأجواء وخاصة بعد الغاء الإدارة الأمير كية لاتفاقية الصواريخ متوسطة المدى ولاتفاقية الجواء المفتوحة مع موسكو.

بقيت القوى الدولية مشلولة في ليبيا سواء فرنسا أو إيطاليا واما اللاعبين الإقليميين بالامارات والسعودية ومصر فهم لن يخرجوا عن الفلك الأميركي الذي يضبط إيقاعهم كلما انحرف مسارهم.  فلا المستعمر السابق الداعم لحكومة الوفاق يرغب في الدخول في مواجهة مع حليف مدعوم من فرنسا وروسيا، ولا فرنسا هي الأخرى تريد الدخول في مواجهة مع إيطاليا العضو في الاتحاد الأوروبي التي تسعى باريس للحفاظ عليه، كبرلين التي عقدت مؤتمرا خرج بمقررات ترضي روما وباريس، لكن  الأطراف المتصارعة لم تلتزم به واهمها  وقف إطلاق النار.

ولكسر الجمود وفي طل الحصار الذي عانته الوفاق،  توجه رئيسها نحو أنقره في خطوة مدروسة قلبت المعادلات عندما وقع معها اتفاقا أمنيا وبحريا. اتفاق أتاح لتركيا أن تجد موطن قدم لها في ليبيا وسط صمت اوروبي ودعم خفي من إيطاليا. فتركيا العضو في حلف الناتو مقبولة أوروبيا ومن بعض الأطراف الليبية وهي أكثر مقبولية لدى باقي الشعب الليبي قياسا بإيطاليا وفرنسا.

دخل حفتر في لعبة المحاور! فعندما تضع نفسك في محور معادي للإسلاميين فلا تتوقع ان يقف المحور  المناصر لهم متفرجا! وعندما تستعين بروسيا فلا تتوقع أن تسكت عنك اوروبا او الولايات المتحدة!

قلبت تركيا المعادية مدفوعة بعوامل أيديولوجية وقومية ومصالح استراتيجية. فكانت الهزيمة المنكرة التي منيت بها قواته في طرابلس بعد مرور أكثر من عام من محاصرتها.

وبعد ان وقع الفأس في الرأس عاد حفتر إلى القاهرة طالبا العون فكان العرض المصري مدروسا! ستبقي في سرت ولكن إنس طرابلس! رد لم يروي ظمأ حفتر  فهناك خارطة جديدة ترسم في ليبيا اليوم! فحكومة الوفاق التي كان يسميها حفتر ومناؤوها بحكومة الفرقاطة، لأن مقرها كان في البحر قبل عدة اعوام وبعد اتفاق الصخيرات!  ربحت اليوم معركة العاصمة التي يقطنها اغلبية الشعب الليبي وأصبحت رقما صعبا في أي معادلة سياسية، فهي تحاصر مدينة سرت اليوم، و تتمتع بشرعية دولية.

وهكذا  فشل حفتر في معركة طرابلس التي كان حسمها لصالحه يشكل بوابة لبسط نفوذه على كل التراب الليبي. قد تكون آخر معركة في حياته العسكرية والسياسية، فالهزيمة لها أب واحد كما يقال،  وبات واضحا ان الشرق يحمله إياها وكما ظهر من المواقف الأخيرة  لرئيس برلمان طبرق عقيلة صالح.

تاه حفتر في خضم تحالفاته الإقليمية والدولية في عالم يعج بالمتغيرات السياسية التي تستدعي إعادة قراءة المشهد السياسي دوليا وإقليميا باستمرار، موهبة يفتقر لها حفتر الذي يجيد قراءة المتغيرات على أرض المعركة وإلى الحد الذي ينسحب فيه من طرابلس ويترك مواقعه لمناوئيه، لكنه يضيع البوصلة في المعارك السياسية التي أسفرت  قرائته الخاطئة لها عن إلحاق هزائم به قد تضع حدا لمشواره العسكري والسياسي!

 

ساهر عريبي

 

 

سامي عبد العالبأيِّ معنى تصنعُ الشعوبُ اعداءها، وهل استجابتها للعداء واحدةٌ أم أنَّ هناك اختلافاً؟! هل ثمة عداء عام بالصدفة دون قصدٍ، وما خطورة أنْ تعادي قوةٌ ما ( كالدولة التركية) شعباً ضارباً في التاريخ(مثل الكُّرد في العراق وسوريا)؟! وداخل الدائرة: هل الصُور المتبادَّلة للأطراف تترك آثارها أم تستثير ركاماً غابراً من الأخيلة؟! وهل العداء محتمل أم أنَّه مفتوح، بلا شروطٍ؟! ومن أين تأتي لامحدودية العداء( الصراع ) في تجارب أو غيرها؟!

تفترض الأسئلة أفكاراً مغموسةً بتجارب تاريخية هي الأبعد تحت تصورات العداوة. مثلها مثل التقرحات الجلدية الذي تنبئ عن الأمراض أكثر مما تُظهِر، وتشكل علامةً لما يحدث. فالتصور التقليدي للعداء أنَّه بين طرفين(أو أكثر) حيث هناك ما يضر كيانهما، ويتبادلان صوراً كريهة تُشْهر أمام الاخرين. وأنَّ الأمر قد يخبو بانتهاء ما يدعو إلى ذلك سواء أوقعت مواجهاتٌ أم أفعالٌ خفية.

لكن العداء غير المحتمل يأتي من مجهولٍ آخر، مجهول الطبائع عميقة الجذور(داخل الحياة والتاريخ) ومجهول الاحداث التي يصعب معرفة أبعادها. ولا يتولَّد أي عداء في العراء، لكنه يرتهن بتحولات الثقافة وتفاعلها مع الصراع ويسكن فراغاته الساخنة بلا تباطُؤ. وقد يتسع المجال لمَنْ يملأ فراغاً بهيئة منطبقة على(عدوٍ ما). والمجهول له وقع أبعد وأكثر غرابة من أي شيء آخر، لأنه يثير الدوافع والاكراهات التي تشكل الاحساس المشترك بما هو معبَّأ تجاه أغيار، في تلك المرحلة بألف ولام التعريف( الاغيار). كلُّ (غير) لا يجد مكانه منا دون أن يمس كيانا عمومياً يتعامل مع وجودنا على ذات المستوى. وهذا أحد أسباب عمل ما هو سياسي عام في المجتمعات الإنسانية.

العداء والحب

إنَّ إنساناً مسيَّساً( بغرائزه ورغباته) لا يفرق بين العداء والحب كنمطين للعيش والانتماء. الاثنان جزء لا يتجزأ من طبيعة الوجود في مستواه الأعلى والأدنى معاً، بل ربما يخترقان كافة المستويات بشكلٍّ مُحيرٍ. الحياة الإنسانية من تلك الزاوية لم تخطو نحو المستقبل كثيراً (ولا خطوة واحدة)، فلم تختلف عن حفريات الصراع الدموي لدى القبائل والجماعات البدائية منذ آلاف السنوات. العنف جهازٌ إنساني كامل الأهلية والحساسية والتداعي والتبعات المدمرة كنسيج طاغٍ في كياننا الحي، والأخير لم يتطور حديثاً ولا راهناً أكثر من أسلافه الغابرين.

هذا الوضع بارز حتى بصدد مفاهيم الدولة الحديثة مثل: السلطة والسيادة والوطن والقوة والحرب. فالدولة لا تُفرِّق بين الحب والعداء حين يتعلق الأمرُ بالدفاع عن كيانها وحين يتم الدخول في حروب. وقد يرتكب البشر باسمها أعمال إبادة جماعية وتطهير عرقي وأكل لحوم البشر مثلها مثل أي كيان بدائي دموي منقرض. فيجرى التأكيد أنَّ حب الدولة(وضمنياً المجتمع) يقتضي بذل الروح والنفس أمام اعدائها.

لدرجة إنَّ السرديات الوطنية وترانيم السلام الرسمي للدول والأهازيج التي تقال في الأحداث السياسية هي معزوفات حربية معاصرة على أنغام ونوتات موسيقية قديمة. وحتى عندما ترسم صورة الأعداء(وإنْ كانوا من جسد الشعب الواحد) فلا تنحصر مظاهر دلالته في شكل ما يأخذ اسمه، إنَّ العداوة تتلون على نحو قاس ومشوَّه في أبنية المجتمعات والدول وتنضح عبر الأفعال والخطاب والأفكار الجارية.

تحتوي ثقافة الشعوب على تناقضات صراعية لا حدود لها، تمثل مناطق زلقة في حاجة دوماً إلى تماسك بفضل أهداف معينة. والمجتمعات القويَّة هي التي تستطيع إدارتها بشكل خصب لصالح آفاق الناس والزمن. ومنها يكون العداءُ وضعاً زلقاً قابلاً للاستعمال طبقاً للأحداث وحرق المراحل التاريخية. وإلاَّ ما الذي يدفع– على سبيل التوضيح-  نظام "طيب أردوغان" إلى اللعب بالتوترات الساخنة بين الكرد والترك. فهناك اهتزاز ساخر لصورة السلطان العثماني وهناك تناقضات داخل المجتمع التركي إلى حد الأزمات المتعاقبة التي لا يكاد يستفيق منها النظام الحاكم، وهناك تدهور اقتصادي وتعقد السياسات الاقليمية نتيجة فشل مشروع الخلافة فوق الشعوب الاسلامية المنكوبة. فكان استراتيجياً أنْ يعلن السلطان حربه الضروس على الإرهاب في شخص الكرد، ويعيد تشغيل ماكينة العدو الخارجي لالتئام جروح الداخل.

دوماً فإن دول الحدود بين القارات والثقافات والامبراطوريات ومناطق النفوذ وطرق التجارة (دول المعابر مثل تركيا) لديها فرص كثيرة لمكاسب رمزية ومادية وقرصنة للفرص. وبين ليلة وضحاها قد تعود لديها أشباح القرصنة المخيفة وتنسح حولها الأساطير والمعارك الوهمية. فتركيا كانت نقطة عبور جيوسياسي لتوسعات الشرق الإسلامي قديماً إلى أوروبا على ظهر الدولة العلية( الدولة العثمانية)، ومع مرور الزمن لم يخبو هذا الحلم المتجدد في أحداق النظام التركي. وإذا كانت الدولة العثمانية رجل أوروبا المريض، فهي بمنطق العبور أرادت الالتحاق بالاتحاد الأوروبي على صهوة الجغرافيا والسياسية.

والمفارقة توضح التلاعب بظلال الخلافة العثمانية في الشرق العربي وكذلك بإنعاش أحلامها الأوروبية استناداً إلى زخم الماضي. وتلويحاً بذلك يستغل السلطان العثماني المتأخر جغرافيا العبور بواسطة اللاجئين، حين هدد باستعمالهم لصالح الفوضى، ومن قبل حين استعمل جاليته التركية بألمانيا وأوروبا أثناء انتخابات الرئاسة التركية!! فقد خرجت مظاهراتهم تأييداً لنظامه منددين بعدم قبول الاتحاد الأوروبي لتركيا وبمواقف ألمانيا من السلطان.

غير القابل للاحتمال

الآن علينا التفرقة بين صعيدين للعداء:

1- الصعيد الفردي حيث تكون العداوة مرهونة بأفعال أو بعلاقات متوترة بين الأفراد. وربما تكون بفضل تصرف يضع الآخر في إحراج ومأزق بالنسبة للمحيطين به. ولهذا التصرف مجال التكرار، فمالم يتكرر لن يترك أثراً يوغر الصدر تجاه الفاعل. وربما التفاعل اليومي يحرك ما هو كامن تحت السطح ويجعل الأفراد أطرافاً في عملية هوجاء من التدافع والمراوغة.

2- الصعيد الجمعي وهو ما يمثل معضلة تتحدى أية نهاية وحدود، فليس من عداء كبير بحجم وجود أناس تجاه أعداء أو أغيار إلاَّ إذا كان هؤلاء الأغيار وضعوا أنفسهم مرار في خانة العدو. والعدو بألف ولام التعريف مهم لكسر القيود والحواجز، لأن التصنيف يشكل بعداً تاريخياً بالضرورة. كل عداء بهذا المعنى الحدي يستند على إبراز ذاته خيالياً أو لا يكون.

ولذلك لا يفرغ العداء وجوده إلاَّ في صورة حروب طاحنة. والحروب ليست فرديةً بحالٍّ ولن تصبح لأنها تنشب باندفاع وشراسة. وبمقدار أصالة الحرب بالنسبة لوجودنا الإنساني، فالعدو باستمرار غير قابل للاحتمال، إنه المستحيل الذي لا يتعين بسهولة، وقد لا يأخذ ظروفه التاريخية على نحو واضح. رغم أشكاله التي قد يأخذها ويتقمصها بفعل التخيل.

فالسلطان العثماني (أردوغان) يحرص مراراً  على الباس الكرد عباءة الشيطان(أي شيطان وما هو؟!)، وكذلك لا يترك شاردة ولا واردة إلاَّ ويتحسس الفكرة حتى لو نال الكرد بعضاً من رياح التغير. وكأنَّه يتحسس ما يخص الدولة التركية من أجل الزج باسم الكرد فيما لا مجال له. وبالطبع التراث الديني للخلافة العثمانية كان حاضراً عبر الخوف من الآخر وإقصائه ولو كان أحدَ خيوط المجتمع المنتمي إليه. لأنَّ فكرة السلطة الجامعة بمنطق اللاهوت تستدعي المراقبة الكلية على حدود معينةٍ تفترضها داخلياً وخارجياً. وعليه سيذهب السلطان ليوسع نطاق الحدود أو يقلصها حسبما يريد، وليس الوضع جغرافياً على خريطة واضحة المعالم والأقاليم، لكنه خاضع لرؤية السلطة وآليات الحكم السائد.

دون مبالغةٍ أحياناً تعادي الشعوب شعوباً أخرى بناء صور انفعالية عامة يعاد إنتاجها، ولكن ليس العداء هنا قدراً طارئاً بالصدفة كلما اتفق، فنحن نختار اعداءنا كما نختار أصدقائنا. وإذا كنا نتخلص من اصدقائنا مع ترهل العلاقات الإنسانية وذوبان نقاط التماس بيننا، فلم يعثر البشر حتى الآن على مبرر لتذهب العداوة. وهي كذلك لها طابع الإلحاح، و رغم وجود ملابسات وظروف تعلها بهذا المعنى إلاَّ أنها غير قابلة للتبرير. فعادة الأعداء لهم مواقفهم التي تستحق العداء وإن كانت غير صحيحة، كما أن العداء هو الذي يجعلنا ننزف ونفرغ ما نكره ولا نقوى على احتماله.

لكن في المقابل تستجيب الشعوب لمشاعر العداء بقدر ما تملك من تراث ومن ثراء الحياة، ولا تبدي انفعالاً عاماً تجاه كيانات أخرى دون أن تسأل ثقافتها: ماذا سيحدث؟ كيف سنعادي الآخرين؟ وماذا نفعل إزاء ذلك؟ وهل من منفذ وكيف ستصبح العداوة في المستقبل؟

من هنا تبدو ورطة تركيا السياسية وشعبها مع الاعتداء على الكرد لا حدود لها. ففي كل الأحوال لن يسلم الأردوغان من اعتباره عدوا غير قابل للنسيان، والكرد بحكم العمق التاريخي لثقافتهم يدركون ما معنى العدو. فعليك ألاَّ تعادي جذوراً خارج الأوضاع المؤقتة لأنها ستمتد إليك أينما تذهب. والأرض مهما قويت وامتدت، فالجذور تستطيع شقها من الداخل. ومهما يكن صدى الأحداث، فالأشياء التي تترسب هي الأكثر تأثيراً على المدى البعيد. إن شعباً كالكرد لدية قدرة تاريخية على امتصاص الأحزان والأوجاع دون تفريطٍ، وإفشال الحضور دون احتواء وتجذير الأعماق بلا تسطيح.

وليس يدرك من هم الكرد سوى الآخرين، قال هتلر" أعطني جنديا كردياً وسلاحاً ألمانياً.. وسوف أجعل أوروبا تزحف على أناملها..". يبدو أنَّ بعض القول يكشف موضوع الخطاب دون وجود تماس فعلي بين القائل والموضوع( المتحدث عنه). وليس ما يجعلنا نصغي لهتلر إلاَّ بوصفه فاهماً لأمورٍ تخص شعباً من الشعوب. فالإصغاء من منطلق هتلر كان لمعنى أبعد، لكن لماذا اختار هتلر حصراً إذا صحت المقولة؟

مقولة أخرى لصدام حسين تسائل ممارسات نظامه إزاء الكرد، وما إذا كانت الدلالة واضحة في سياق القول أم لا، يقول صدام:" في كل نقطة دم كردية يولد مجاهد..." ورغم أن صدام لم يتعايش مع الكرد، لكنه أثبت المعنى أثناء صراعه معهم بالتضييق والتصفية الجغرافية والتاريخية والإنسانية. وقد خرج صدام من المعادلة الصفرية حين انتهى نظامه نهاية فاجعة( نهاية غير قابلة للاحتمال أيضاً)، أي نهاية غريبة من الهول والرعب الأكبر في تاريخ العرب ومنطقة الشرق الأوسط عندما دمرت أمريكا شعباً متحضراً هو العراق، وبات الكرد أشد صلابة وتمرداً، ومقولة صدام لا تحدد القائل بقدر تأكيدها لخلاصة التجربة التاريخية للكرد.

إنَّ شعباً بهذا التكوين ليس أكثر من "عدو لا يحتمل"، و" العدو غير المحتمل" لا يهادن، ولكنه يضع نفسه نداً لندٍ من أول وهلة، يقف في وجه العواصف والأعاصير، يتعايش مع الموت وهو يعلم أنه لا يختلف عن الحياة بكثير أو قليل. وهذا يفسر جلَّدْ الكرد في البيئات السياسية القاسية والطاردة للحياة التي عاشوا فيها.

لأنَّ البيئة الطبيعية الوعرة( الجبال والوديان والصخور) تتبادل وجوداً حيوياً مع مروضيها من البشر. كما يقول أبو القاسم الشابي: " من لم يعتد ركوبَ الجبال... عاشَ أبد الدهر بين الحفر". والكرد من تلك الجهة ليسوا قاطني الجبال الصخرية، لكنهم جزء من حقيقتها، هم جبال في صورة بشرية، جبال تروض جبالاً، وصخور تناطح صخوراً. النقش واحد، النسيج مشترك، الصلابة ممتدة ونافذة الحركة، فالحقيقة تتبادل المعاني والطرائق تسري بين الشقوق والأخاديد في الحياة بجميع مكوناتها.

ذات مرةٍ تعليقاً على أحداث الشرق الأوسط في وقته، قال هنري كسينجر وزير خارجية أمريكا: " لا يوجد رجال.. ولم أجد رجالاً في حياتي أكثر عناداً من رجال الكرد".... لماذا اختار كسينجر – الثعلب الدبلوماسي- لفظ "عناداً" كوصفٍ، حيث يعد الكلمة حفرية مهمة في شعب الكرد، وهي مثل الندوب التي يحفرها الزمن مع مرور الوقت؟، لأنَّ الشعوب ذات الجذور الثقافية البعيدة لا تنحني بسهولة، لا تتلقف كلمات التسلية للسير في الركاب والتواطؤ مع المآرب والمصالح، إنما لديها ميراث طويل مع عمليات الإقصاء والاغتيال المعنوي والسياسي. بجانب ذلك تبقى شعوباً صامدة  في وجه التحولات ومميزة بأسلوبها في الحياة. وهذا أمر جدير بالتقصي، لأن نمط الحياة الشاقة يؤثر على المعتقدات والأفعال بلا شك، لكنه إزاء الآخرين يصبح لائقاً لتحديد ماذا يكون الفعل وما ينبغي التعامل به بما يناسب.

يعمق الزعيم الكوبي فيدل كاسترو الفكرة قائلاً: الأتراك حمقى لأنَّهم احتلّوا يوما ما مناطق كرديةً شعبها لا يمل ولا يضعف...". والحُمق ليس له علاج من جهة الحكمة منه ولا التعلُّل به، غير أنَّه سياسياً لا يعتبر حُمقاً لكونَّه سقوطاً تاريخياً إزاء طرفٍ صعبِ المراس، طرف يقف في وجه الترك ويسبب لهم حرجاً من واقع الثقافة والممارسات العامة. هكذا لن يكون العداء محتملاً بحالٍّ، لأنه أصبح شكلاً مجرداً وراء كيان لا يخضع لمعايير ملموسة رغم حدوده المتعارف عليها. وصورة الكرد خيال ثقافي أتٍ منذ أزمنة بفضل تجارب سياسية مع الاستبداد والاستعمار ولاهوت الدول الوطنية وصراعات الدول المجاورة، ومع حروب نائية لم تنبت في بيئات كردية، مثل زعماء الكرد كصلاح الدين الذي تواجد بمصر وأدار الصراع مع جيوش الحملات الصليبية( القداسة والهالة التاريخية).

الموت والحياة

على العمق الثقافي، تجيئ دلالة مقولات الكرد في الأمثال العامة:"  الموت أفضل من الهزيمة...  Mirin çêtire ji revê". العبارة تحدد أنَّ الصراع متعلق بالموت في اعماق البشر، وهو لا ينتهي إلاَّ بهذه الطريقة. إذن ما يجعل العداء هنا غير قابل للاحتمال كونه مفتوحاً على المجهول. وهو ما يجعل التحديد بدوره أمراً غير ممكن بحالٍّ. الموت حين يتكلم لن ندرك ماذا سيحدُث ولن نفهم ما سيقال ولا نستطيع التوقع بالمستقبل!!

كل الاحتمالات واردة، كل التناقضات آتية، كل ما يجري سيجري مستقبلاً بلا تبرير. إنه الغموض المتسع بحجم الثقب الأسود الذي يلتهم أي وجود واضح. وطالما ساد الموت إزاء الواقع فالميتات تتساوى، وسيشكل دافعاً لكي يحارب الإنسان طوال الحياة حتى الرمق الأخير، لأن المقابل هو الهزيمة التي لا يرغبها إطلاقاً. ومن ثم يبدو الموت انتصاراً لا فناء بموجب أن الهزيمة حياة ذليلة فاقدةٌ لمضمونها الإنساني، بينما الموت امتثالاً لقناعة ثقافية خاصة.

يقول ونستون تشرشل- رئيس الوزراء البريطاني-:" يجب ضرب الكرد والأفغان بالسلاح الكيماوي"... لماذا سيكون الموت هو مصير الكرد والأفغان؟ لأنَّ الموت هو المقابَل بموتٍ يفضله أحد طرفي المعادلة دون الهزيمة. والمصير الدموي الذي يترصده تشرشل للكرد، يظهر كم هو حجم التصور الذي يثيره شعب لمن يهيمن على تلك المنطقة من العالم. إنَّ الإبادة الجماعية - بموجب المقولة - أمر غير محتمل، لأنَّ الكرد والأفغان غير محتملين بالضرورة. والشعبان ليس لهما غير ابداء المقاومة والدفاع عن كيانهما بطريقةٍ غير قابل للاحتمال كذلك.

أولاً: إنَّ غير القابل للاحتمال أمر وارد دوماً مثلما تكون العداءات المفتوحة على المستقبل أمراً متاحاً هي الأخرى. وفي هذا الإطار سيكون احياء الصراعات بين الشعوب الباب المشرَّع على المجهول، بل يمثل شقاً نافذا بعمق المجتمعات.

ثانياً: الزعم بـوجود" الصراع التاريخي" في حالة أو أخرى زعمٌ ملتبس وغير مبرر وهو لون من تعضيد فكرة "غير المحتمل" حتى للطرف الأضعف وتمكين الأقوى منه. كما ردد الرئيس الأمريكي أنَّ الصراع بين الكرد والتُرك صراعٌ تاريخي عمره من مئات السنوات. في محاولة من القوة الأكبر في عالم اليوم لتبرير عدم جدوى التدخل ولعق التهديدات التي أطلقها ترامب بأنه سيدمر الاقتصاد التركي لو أقدمت تركيا على اجتياح شمال سوريا.

وبخاصة أن ترامب وضع علاقته بالكرد على فوهة "غير القابل للاحتمال"، فلقد كانوا هم الجنود الأبرز الذين قاوموا الدواعش واجهزوا على بقايا تنظيم الدولة الإسلامية عبر قوات سوريا الديمقراطية. وهناك شهادات أمريكية وأوروبية من مراكز البحوث والمنظمات الدولية بأنَّ جنود الكرد أكثر ديمقراطية ومدنية من سواهم وهم أصدقاء أوفياء لمن يحاربون بجانبهم وهم أكثر استيعاباً للتقنيات والتكنولوجيا العسكرية ويحافظون على الحقوق الإنسانية مقارنة بطوائف وفصائل الصراع في المنطقة!!

لذلك ما فعلته أمريكا لا يخرج عن سياساتها غير القابلة للاحتمال أيضاً، فلا شيء ثابت لديها كقوة سياسية عولمية، فهي تتلاعب بالقوى الإقليمية ولو كانت وفيةً لها. إن القوى العولمية الأكبر غير مألوفة فيما تفعله ولا تحدد إطاراً إلاَّ وتحطمه متى أرادت. يقول رئيس أمريكي سابق – رونالد ريجان –  عن الكرد: " هكذا قدر الكرد، حيث الدول الغربية استعملوا الكرد للوصول إلى غاياتهم، فالكرد كالنيران القوية، وعلينا إشعال هذه النيران متى نشاء وفي الوقت المناسب".

ثالثاً: تعميم الصراع أحد وجوه غير القابل للاحتمال، لأنَّه سيتحول إلى طواحين للغرائز والكراهية التي تأكل الأخضر واليابس. والتعميم بصدد الكرد سيثير دوافع عميقة لديهم حين يصبح كيانهم الخاص هو المهدد، وكأنَّ تركياً تقول إننا سنقضي على الكرد، سنستأصل جذورهم من الأساس. وما يرتبه أردوغان هو حقاً اقتلاع للكرد من وجودهم التاريخي، اقتلاع ثقافي ونزع البذور من الأرض والتلاعب في التكوين الديموجرافي لأصحاب الثقافة والحياة.

وهو ما سيفتح كل مجالات الصراع على مصراعيه دون ضابط ولا رابط. عبر بعض أعضاء البرلمان التركي من أصل كردي عن همجية ما فعله أردوعان، وأنَّه يمثل دولة قتل وإبادة جماعية كما فعلت بالأرمن، معتبرين الترك شعباً محتلاً لتركيا ذاتها، لأن هناك أصولاً مغولية وشيشانية للمهاجرين الترك في بداية الدولة. وهو ما جاء كرَّد فعل كردي من القبيل غير المحتمل، ويبرهن على معانٍ غير متوقعه، حتى أن آخرين في البرلمان نفسه هتفوا بضرورة قتل الكرد ونزع أنفاسهم من الحياة!!

رابعاً: إن تحول الصراع إلى لاشيء، إلى عدم، حتى لو في مداه البعيد أمر غير قابل للاحتمال. فماذا لو انتهت الحرب التركية ولم تُحل مسألة الكرد بتركيا ولا سوريا؟ فليس هناك ضامن ديموجرافي ولا سياسي ينهي المسألة الكردية. إنما الزمن سيجعل " ذاكرة الكرد" أكثر شراسة، وستشرب الأجيال القادمة كراهية الترك أينما حلوا. فالطرف الأصيل( الكرد) لا يدير صراعاً بل يكْره على مغادرة وجوده وحياته. ولعل مظهر الأطفال وهم يشرَّدون ويرَّحلون ويقطَّعون إرباً بالصواريخ هو صناعة لجنون القادم لا محالة. ماذا ينتظر الترك من أطفال حُرموا من آبائهم وأمهاتهم ومن أوطانهم؟! ماذا سيكون حال الأطفال وهم يكبرون على مشاهد الأشلاء وتفجير الرؤوس وتمزيق الأجساد؟!

خامساً: فتح جبهات الصراع يقضي على عقلانية التواجد معا كشعوب حرة، كتنوع ثري في العيش والسلوك، وإذا ضاع العقل بمعناه العام لن يكون سوى الخبل السياسي وراء الغبار. والغريب أن الكرد أولوا عناية للعقل بما يليق بتبجيلهم للحياة ورقيها. يقول المثل الكردي: "العقل ليس حنطةً حتى يتمُّ كيله" Hiş ne genime ku werê pîvan ....، فالعقل هو تثمين الأشياء بما يناسب وجودها، وليس تُعلف الحنطة إلاَّ الحيوانات السائمة. كما أن الحنطة لا قيمة لها، الكميات الكبيرة لا مقابل لها إلاَّ بضع نقود. هذا بخلاف الأشياء الثمينة كالعقل ... جرام منه يساوي ذهباً مضاعفاً.

سادساً: زحزحة أو تأجيل الصراع لوقت تالٍ يسمح بظهور غير القابل للاحتمال مرة تاليةً. لأنَّ تهجير الكرد من مناطق تواجدهم وتسكين آخرين مكانهم إنما هو احتقان جديد لن يفرغ إلاَّ في المستقبل خلال حروب وكراهيات بين المهجرين والسكان الجدد. وهو ما يعني وضع فخاخ في أنسجة المجتمع السوري لن يستطيع تجنبه لاحقاً، لأنه قائم على اغتصاب الأرض والحقوق وتجريف المجتمعات.

سابعاً: سياسات الكذب إحدى وجوه "غير القابل للاحتمال"، لأنها معدومة الأساس ومطلِّقة العنان لأي شيء ولو كان مفجعاً. وسيكون رد الفعل عليها من نفس جنس الكذب، فميدان الصراع انتقل – في معركة الكرد والترك- إلى ساحة الخطاب الاعلامي والسياسي الأهوج. وبالتالي التبريرات والمقولات الخادعة من قبل فضائيات الجزيرة والقنوات التركية والإخوانية عمل خرافي وسك عالم من المجازات وصور الحروب واللامبالاة تجاه القتل والدماء وتدمير الإنسانية. الكرد أنفسهم يرددون:" لا تُبنى الأوطان بالأكاذيب..." Bi derewa bajar ava nabin. ولو أخذ الكذب يوماً شكل حملة حربية تبيد من يقف بطريقها، فنهايته هي تدمير الذات بما يلائم صوته المرعب!!

 

سامي عبد العال

 

سامان سورانيما نلاحظه منذ سنوات على الساحة السياسية في الإقلیم هو تفشي ظاهرة الشعبوية، التي من الممکن إن تعمق وإتسع مدی إنتشارها وإزدات تفاعلها في الساحة السياسية أن تؤثر بشکل سلبي علی مستقبل الکيان السياسي في الإقلیم.

لکن بسبب هشاشتها وعدم إمتلاکها لأسس إيدیولوجية متینة أو ثقل عقائدي أو عقلاني قوي لاتستطیع آفة الـ "Populism" أن تصيغ لنفسها كأية أيديولوجيا أخرى مساراً سياسياً واضحاً أو تضع حلول أو مبادرات في عالم السياسة والمجتمع والاقتصاد وجوانب النشاطات البشرية الأخرى.

إن رؤیتها السياسية والمجتمعية غير المترابطة تقتصر علی نطاق محدود جداً من القضايا التي تتبناها على الأصعدة المختلفة، لذا نراها عندما توضع علی محك الواقع متانثرة المفاهيم أو غیر متناسقة ووأحياناً متناقضة، تسعی دوماً الی خلق حالة من فصام أو تناشز في المجتمع بهدف الفصل بين قطبين، إحدهما متناغم معها وآخر معادٍ لها.

الشعبوييون ينظرون الی قضايا الوطن ومصير الشعب بمنظار نسبي ضيق وفق معادلة "الأبيض والأسود" والعداء السافر مع الآخر المختلف معهم فكراً وعملاً.

ولعدم قدرتهم علی التصالح في التعامل السياسي يقومون بإثارة مشاعر الشعب وجلب إنتباهه، وهم يمیلون الی المبالغة والتوسع في إستخدام اللغة الدارجة والبسيطة، تلك التي يتقبلها ويفهمها ويتأثر بها رجل الشارع البسيط وبالشكل الذي يثير مشاعر الخوف والكره والغضب ضد الآخر المختلف، الذي يقف ضد مشروعهم ويسعی الی إبطال سحرهم المؤقت.

 

خطابهم المسموع والمقروء علی قنواتهم التلفزيونية الرخيصة أو علی صفحاتهم الألکترونية المستغلة للإنترنت والتقنيات المتعلقة به بهدف التشهير بالرموز القومية بطريقة متعمدة ومتكررة وعدائية أو علی الشبکات الإجتماعیة البعيد عن أسس التغيير أو الإصلاح ذات أطر متینة يدور في فلك التغيير من أجل التغيير، غير مهتم بالعواقب المحتملة لهذا التغيير.

أصحاب هذا المشروع الطُفيلي، المأجورين عادةً من قبل جهات داخلية وخارجية معادية لقضية شعب كوردستان ونموذجه السياسي الناجح في المنطقة، لاينظر بارتياح إلى المؤسسات الرسمية، لديه سيطرة طاغية علی أتباعه، يتعامل بشكل أبوي صارم وموجه له، يطرح نفسه علی أنه الحامي والراعي لمصالح تلك الفئة التي يقودە أو التي يدّعي تمثیله، حیث يخلق لنفسه صورة علی أنه شخصية من عامة الشعب، قولاً وفعلاً.

لو أمعنا النظر الی الهیاکل التنظيمية لأحزاب وتنظيمات وحراکات الشعبوية، نراها بسيطة، فهي عادة تقاد بشكل مرکزي من قبل صاحب المشروع أو الحلقة القريبة والمحيطة به، حیث تتخذ القرارات فیها بشکل مائل الی التفرد.

وعند تسلم الأحزاب والحراکات الشعبوية مواقع مسؤولية اتخاذ قرارات نراها تواجه الحرج، لأنها لاتستطيع أن تحقق من خلال تلك المواقع مطالب جماهيرها، لذا تسعی بعد صياغة شعارات تضخم مخاوف الشارع في مواقفها وتصريحاتها اليومية الی توجيه أسباب فشلها إلى جهات جديدة تتصارع معها.

إقلیم کوردستان، الساعي الی بناء کيان دولة، الذي يعيش بسبب الأزمة الإقتصادية والصحية في ظروف لا يمكن ان نجد مثيلاً لها في اي بقعة من العالم،  بحاجة الی التركيز على وحدة الصف والتکاتف المجتمعي والسعي في مکافحة الفوضى السياسية ومشاريع القوی السلبية، التي تعمل علی تغذية مشاعر الخوف والارتياب بين المجتمع وداخله، ليجعلنا أشد انقساماً ويزيد من مستوى الخطاب السام والسلوكيات السامّة التي أفسدت المجتمع الكوردستاني وشلت جزئياً قدرتە الجماعية على التصرف بكفاءة. علینا الاعتماد على الذات في توفير ما يمكن ان نهيء به الارضية المناسبة لتحقيق الاماني والاهداف السامية وتعديل المسار والإستعانة ببوصلة الواقع ورفع العراقيل أمام تحقيق تلك الأهداف والأماني المقدسة، الذي قدم شحب كوردستان الكثير من اجلها.

نعم الجماعات الشعبوية تعمل علی نخر الکیان السياسي للإقلیم وهي تندفع بتلهف نحو ملذات السلطة في حال إذا توفرت لها فرصة،  لکنها لاتقدر. والوقت وحده هو ما سيقنع من يؤيدون حراکهم حالياً بفشل مقترحاتهم ويکشف عن خواء جعبتهم وسقوط کل شعاراتهم.

 

الدکتور سامان سوراني

 

موسى فرجالنزعة الصفرية عند العراقيين صحيح إنها لم ترد في معجم لسان العرب لابن منظور، ولا في معجم العين للخليل بن أحمد الفراهيدي ولكنها مستخدمة من قبل عدد غير قليل من الكتاب العرب يصفون بها طريقة تفكير العراقي، ويقصدون بها إن موقف العراقي دائماً حدي وعلى طريقة عادل إمام يبيض يسود...

هذه الأيام وفي حمى المظاهرات المناهضة للعنصرية التي تجتاح الولايات المتحدة ومعظم الدول الأوربية إثر مقتل المواطن الأمريكي جورج فلويد خنقاً تحت ركبة ضابط الشرطة الأمريكي وتحت وقع الصيحات المنددة بالعنصرية والتمييز تجتاح العالم حمى إسقاط المتظاهرين تماثيل ونصب رموز العنصرية ‏والإتجار بالرقيق...‏ففي أمريكا بدأوا بتمثال كريستوفر كولومبس الذي اكتشف القارة الأمريكية فأسقطوه أرضاً، ومن ثم أثنوا على تمثال الرئيس الأميركي جيفرسون ليطرحوه أرضاً هو الآخر في فيرجينيا، وفي بريطانيا داسوا تمثال بالأقدام، وغطوا آخر بالملاءات، وسحبوا ثالث وأغرقوه في اليم ...‏ وفي بلجيكا أسقطوا تمثال الملك ليوبولد الثاني...

ومع إن قضية إسقاط التماثيل لم تكن جديدة في العالم فقد أُسقطت تماثيل القادة السوفيت في أوكرانيا عام 2013، ورومانيا عام1990 وأثيوبيا عام 1991 وفنزويلا عام 2004، إلا إن العراقيون هم الروّاد في هذا المجال عندما أسقطوا تمثال مود عام 1958 ولم تسبقهم إلى ذلك سوى المجر التي أسقطت تماثيل القادة السوفيت في عام 1956، وفي عام 2003 عبث صبية بغداد وعموم بلاد ما بين النهرين بتماثيل صدام...وسلوك العراقيين في عمليات السحل وتعليق الأجساد قائمة على قدم وساق منذ أمد بعيد وهو ما يؤكد صفرية التفكير العراقي ...

قبل عام 2003 كنت في ذهابي وإيابي بين بغداد والسماوه أمرّ على صديق عزيز جداً في الحلة لأقضي معه ساعة أو ساعتين لأواصل رحلتي...كان صديقي الحلاوي الأثير بعثي قديم ومنشق على البعث بعد وصول صدام للسلطة لهذا السبب لا أفوت ذهاباً أو مجيئاً دون المرور عليه لأجد صدره مفتوحاً لنمارس حفلة شتم صدام والبعث براحتنا كان صديقي فيما مضى وفي منتصف الستينيات يشغل منصب مدير بلدية الحلة لكنه إنتهي به المطاف ليتخذ من دكان للعطارة مصدراً للرزق بعد انشقاقه على البعث ولكن والحق يقال فإن صاحبي خلص عمره منشق فالآن ورغم أنه سيد عميدي وبإمكانه وضع عمامة ليغتني لكنه أيضا منشق على المعممين ، في احدى المرات وبينما كنا نجلس في الدكان نشتم على راحتنا أقبلت طفلة لا يتجاوز عمرها 6 سنوات وهي تحمل قبضة من أراق نقدية فئة 50 دينار طبع وناولتها لصديقي وقالت له : عمو أريد بيضه ... وعندما ناولها البيضة وأراد أن يضع النقود في الدرج أمسكت يده القابضة على النقود فتفاجأ وبحلق في وجهي ظناً منه إنه ارتكب خطأً قلت له : الله عليك ذاك نضالكم الطويل مارستموه حتى تسوون البيضه أم الفلسين بهذه القبضة من الدنانير...؟ ضحكنا حتى أبتلت وجناتنا...

قال: أحچيلك شغله، قلت تفضل، قال: بردة تشرين 1963 اعتقلونا وأخذونا لسجن الفضيليه ...منو لكَينا كَدامنا ...؟ الشيوعيين اللي أحنا معتقليهم قبل ذلك... بطريقنا للسجن حسبنا أنه راح تصير مشكله ويا الشيوعيين من ندخل للسجن بس تفاجأنا الشيوعيين من دخلنا عليهم بطابور أستقبلونا بأغنية: سبحان الجمعنا بغير ميعاد ...تسامرنا وحچينا والعذيبي تنسم، سبحان الجمعنا بغير ميعاد، صديقي ذكر لي اسم المطربه بس آنا نسيته...

 قبل أشچم سنه كتبت مقاله ذكرت فيها حكاية صديقي الحلاوي وما قاله عن أغنية تسامرنا وحجينا لزهور حسين وچان تجيني قذيفه صفريه من صديقي الأثير دكتور عدنان الظاهر من أعماق ألمانيا ومن ضفاف نهر الراين وهو يقول: شلون تكَول أغنية تسامرنا وحچينا لزهور حسين ...؟ لا يابه هاي الأغنيه للميعه توفيق شداتحچي أنت ...؟ آنا ما واكَف على أرض صلبه وأوثق الأسماء مثل دكتور رشيد الخيون ، رأساً رفعت الرايه البيضا أمام هجوم صديقي الظاهر واعتذرت ، قبل اشجم يوم كتب لصديقي وقلت إن الفوضى بالعراق مثل نهر أرسطو لا يمكنك دخوله مرتين ...بعد ما دزيت الرساله أنتبهت احتمال عبارة النهر لأفلاطون وانا كتبته لأرسطو وراح أتعرض لقذيف صفريه عراقية مثل قذيفة صديقي دكتور عدنان الظاهر ، رحت للكَوكَل أتأكد من قضية النهر لكَيته لا لأرسطو ولا لأفلاطون وإنما لهيراقليطس ، كتبت لصديقي معتذراً وذكرت له شغلة الأغنيه فكتب لي : بس لمعلوماتك أغنية تسامرنا وحچتنا لا لزهور ولا للميعه وانما لوحيده خليل ...! كَلتله: دكَلّه للظاهر يمعود بوكتها چان سوا علي منع سفر وچان حالني جنحه...

قبل أسابيع صادف ذكرى تحرير الفاو وهمين عبر العراقيون عن نزعتهم الصفريه فالبعثيين ترسوا الفيسبوك زرق ورق محتفلين بالمناسبه ‏ويصوروها إنجاز لصدام، ومن يعارضهم يعتبرونه فاقد للوطنية وسليل العماله، ‏والآخرين شجبوا المناسبه ورفضوا الاحتفال بها لأن ضحايا تحرير الفاو بلغ عديدهم 50 ألف ‏عراقي ويقولون عمن يحتفل بالمناسبة أنت بعثي أبن بعثي وسليل صدام ، آنا ‏الفقير لله كَلت يجماعه الحچي مو هيچي لازم نفصل بين قضيتين: تحرير أرض ‏عراقية وهي مناسبة تستوجب الاحتفاء بها ، وفقدان 50 ألف عراقي لأرواحهم مناسبة ‏تستوجب الشجب والإدانة لصدام ونظامه اللذان تسببا بها في أصلها وختامها‏، قبلها بحوالي شهر مرت مناسبة 9/ 4 وهمين بعضهم أعتبرها تحرير واحتفل ‏بها والبعض الآخر اعتبرها احتلال ولبس السواد ...وكَلنا يجماعه مو هيچي الحچي‏‏...لازم نفصل بين قضيتين سقوط نظام صدام نحتفي به واحتلال العراق نحزن ‏بسببه...اليوم نفس الشغله راح تجي 14 تموز وهمين بعضهم يريد يشيطن 14 تموز وقيادتها لأنها تسببت بسحل نوري والوصي وانقتل فيها ملك شاب يعود نسبه إلى الهواشم من قريش، والبعض ‏الآخر يريد يحتفل بيها باعتبارها خلصته من نفوذ الإقطاع وبعض من شيوخ العشائر الذين كانوا يحلقون شوارب أتباعهم ويضطهدون الناس بأكثر مما فعل الضابط الأمريكي بجورج فلويد المواطن الأمريكي الأسود ... وهمين آنا الفقير لله أكَول يجماعه الحچي مو هيچي لازم ‏نفصل بين قضيتين، نظام نوري سعيد ندينه بأبلغ عبارات الإدانة والغوغاء الذين ‏قاموا بالسحل وقتل الملك الشاب ندينهم ونستنكر فعلتهم، ولكن أن نشيطن 14 تموز ‏وقيادتها لأمر لم يقترفونه وإنما نوري سعيد هو من هيأ الأرضية لحصوله ...هذا ‏لا يجوز وكافي عاد لازم نطلع من النزعه الصفرية في تفكيرنا...وتفضلوا شوفوا بعد 62 سنه من إسقاط العراقيين لتمثال مود ستانلي الشعوب بدأت بإسقاط تماثيل رموز العنصرية وفي هذا لم نكن إلا الرواد في هذا المنحى وعود اللي يعتقد هذي الشغله تتعارض مع قيم الحفاظ على الجمال فليذهب إلى ما يكل أنجلو ودافنشي اللذان صنعا الجمال ويمر بطريقه على فان كوخ الذي يصنع من القمامة لوحة مبهرة تشد الأنظار ....

 

موسى فرج

 

 

ابراهيم أبراشبسبب غياب أي بديل للديمقراطية وللانتخابات كآلية عملية لتطبيقها استمرت الانتخابات قضية محورية في بناء الأنظمة السياسية بما يتوافق مع تلمس، ولو نسبي، لتطلعات ورغبات الشعب ومؤشراً على إمكانية خروج الأنظمة السياسية من مربع الدكتاتورية والاستبداد إلى فضاء الديمقراطية، وهذا ما نلمسه من خلال توجه العالم نحو الأخذ بالانتخابات كنهج للخروج من الأزمات السياسية الداخلية بالرغم من فقدان العملية الانتخابية بريقها الأول.

إلا أن الانتخابات لوحدها لا تؤسَس نظاماً ديمقراطياً كما أن من ينتخبهم الشعب ليسوا بالضرورة حكامه أو أنهم الأفضل، فغالبية دول العالم تقريبا تمارس الانتخابات بمستوياتها المتعددة ولكن قلة منها يمكن تصنيفها كأنظمة ديمقراطية حقيقية.

إشكال الديمقراطية وعلاقتها بالانتخابات لا يقتصر على الدول الغربية بل هو إشكال تواجهه دول العالم الثالث ودول أخرى مثل الصين الشعبية وروسيا الاتحادية، فجمهورية الصين الشعبية حتى اليوم تمارس الانتخابات حيث يتم انتخاب مجلس الشعب المكون من حوالي 3000 نائباً بالاقتراع السري غير المباشر عن طريق نواب مجلس الشعب المنتخبين بدورهم من طرف الشعب، بالرغم من أنها سياسياً تخضع لنظام الحزب الواحد (الحزب الشيوعي)، كما نذكِّر هنا أن الزعيم النازي أدلف هتلر وحزبه النازي وصلا للسلطة عن طريق الانتخابات. أيضاً كانت دول المعسكر الاشتراكي الخاضعة لنظام الحزب الواحد (الحزب الشيوعي) تمارس الانتخابات وبشكل دوري قبل انهياره رسميا 1991، وما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي فإن المسار (الديمقراطي) والآلية التي تجري فيها الانتخابات في روسيا الاتحادية تجعلنا أمام نموذج مختلف للديمقراطية أو ما يمكن تسميتها أنظمة هجينة.

أما في العالم العربي وقبل فوضى ما يسمى (الربيع العربي) فقد جرت تجارب انتخابية، بدأت منذ الاستقلال، بل وما قبله في بعضها، لم تصاحبها ممارسة ديمقراطية ولم تؤدي إلى دمقرطة المجتمع والنظام السياسي بل كانت واجهة مضللة لشرعنة حكام ونخب سياسية مفروضة على الشعب، أو أدت لمزيد من تأزم النظام السياسي وإثارة الفتنة، وكان كثير من القادة يمارسون السلطة بذريعة أنهم يتوفرون على شرعية انتخابية، وكانوا بالفعل يفوزوا بانتخابات ويحصلوا على أكثر من 90% من الأصوات.

وما بعد اندلاع الاحتجاجات الشعبية شهدت عديد الدول العربية انتخابات عامة تحت ضغط الحراك الشعبي كتونس ومصر وليبيا وسوريا واليمن والسودان ولكنها لم تنجح في انجاز انتقال ديمقراطي كامل حتى الآن. أيضاً الانتخابات اللبنانية عام 2018 وكيف كرست الطائفية السياسية وأدت إلى شبه انهيار للدولة حيث خرجت الجماهير ضد النخب السياسية المنتَخَبة وضد الطائفية السياسية أو (الديمقراطية الطائفية). وهناك الانتخابات في العراق بعد الاحتلال الأمريكي 2003 واسقاط حكم صدام حسين، حيث تم اعتماد نموذج (الديمقراطية الطائفية) ولم تأخذ عبرة من النموذج اللبناني المأزوم. وفي فلسطين أيضاً جرت انتخابات في يناير 2006 أدت لمزيد من تأزيم النظام السياسي ثم إلى الانقسام.

لا نقلل من اهمية ما جرى ويجري في النماذج المُشار إليها وغيرها في دول الجنوب ويمكن وضعها بتحفظ في سياق ارهاصات تحول ديمقراطي وبداية واعدة حيث الشعب ونخبه السياسية ارتضوا مبدأ الاحتكام إلى صناديق الانتخابات، ولكن الخشية أن تتحول الانتخابات الموجهة والمُتحكم فيها من طرف طوائف أو فئات مالية نافذة إلى هدف بحد ذاته ويتم تجاهل بقية حلقات ومتطلبات العملية الديمقراطية وتتحول الانتخابات إلى ملهاة للشعب.

 وهنا نذكر أن المشروع الأمريكي للشرق الأوسط الكبير 2004 ثم الجديد 2006 كان يضع في سلم أولوياته إشراك كل الأحزاب بما فيها جماعات الإسلام السياسي في الحياة السياسية من خلال الانتخابات، ومن المعلوم أن الشرق الأوسط الجديد كان يتضمن (الفوضى الخلاقة) التي نظرت لها كونداليزا رايس والرئيس أوباما، وكانت فوضى الربيع العربي من مخرجاتها أو أحد تجلياتها.

الانتخابات والديمقراطية، أية علاقة؟

المبدأ في الانتخابات في سياقها الدلالي والتداولي الديمقراطي أن تقوم على مبدأ حق الشعب باختيار من يحكمه في حالة وجود أكثر من حزب أو شخص أو جماعة تسعى للوصول إلى السلطة، فيختار الشعب الأفضل والأجدر بالحكم سواء تعلق الأمر بانتخابات الهيئات المحلية أو الانتخابات التشريعية أو الانتخابات الرئاسية، ومن هنا اقترن مصطلح الانتخابات بالديمقراطية التي تعني حكم الشعب أو حُكم مُرَاقب من الشعب وبرضاه .فبما أن الديمقراطية تعني حكم الشعب وحيث لا يمكن عملياً ومنطقياً أن يحكم كل الشعب فكانت آلية الانتخابات ليختار أو ينتخب الشعب من ينوب عنه لتولي السلطة والحكم .

وهكذا نلاحظ في السنوات الأخيرة ومن خلال الممارسة تراجع وهج الديمقراطية بالصورة الرومانسية والمثالية التي خلقت اعتقادا بأن الديمقراطية ومن خلال العملية الانتخابية ستجسر الفجوة ما بين الشعب والطبقة السياسية بل ستحقق حكم الشعب، كما ستحقق شرط المواطنة بحيث ستتلاشى الطبقية والعرقية والطائفية حيث الانتخابات لا تعترف بهذه الانتماءات، كما أن الانتخابات بالضرورة ستجلب الأفضل.

هذا التراجع لم يقتصر على الدول حديثة العهد بالديمقراطية، بل حتى في الدول العريقة في أخذِها بالديمقراطية وما تشهده الولايات المتحدة الأمريكية من اضطرابات ومظاهرات ضد العنصرية على إثر مقتل جورج فلويد يوم 25 مايو 2020 وامتداد الاحتجاجات لعديد الدول الديمفراطية الغربية يستحضر للنقاش والبحث المسألة الديمقراطية ومدى نجاح النظم الانتخابية في بناء أنظمة سياسية ديمقراطية تحقق شرط المواطنة والحرية والمساواة.

انفكت العلاقة الحتمية أو التلازم بين الانتخابات والديمقراطية، وفقدت الانتخابات جاذبيتها في الحياة السياسية لأسباب متعددة منها: صيرورتها لعبة الطبقة السياسية المهيمنة والناخبين الكبار، وبسبب قوة حضور الدولة العميقة التي هي فوق العملية الانتخابية أو لا تؤثر فيها كثيراً، أيضا انشغال الشعوب بالأزمات الاقتصادية المحلية والدولية وتزايد وتيرة الهجرة واللاجئين وتزايد الاضطرابات السياسية والحروب الأهلية في أكثر من منطقة في العالم.

كل ذلك جعل من المستساغ والمقبول أن يتساءل البعض حول جدوى الانتخابات عندما لا تؤدي لتجديد الطبقة السياسية أو تسمح بتغول المال السياسي والنيوليبرالية واليمين المحافظ بل وبعض مظاهر الطبقية والتمييز العنصري كما هو الحال في الولايات المتحدة الأمريكية وفي إسرائيل، أو عندما يصبح الأمن القومي بل ووجود الدولة في بؤرة الخطر، سواء في زمن الحروب أو في وقت الأزمات الكبرى الطارئة كما هو الحال هذه الأيام في ظل تفشي وباء الكورونا؟.

دمقرطة الانتخابات

حتى تحقق الانتخابات أهدافها كآلية لتحقيق الديمقراطية والتعبير عن إرادة الشعب يجب أن تتوفر فيها عدة متطلبات أو شروط وهي: -

1- التوافق المُسبَق على ثوابت ومرجعيات النظام السياسي.

حيث سيكون من الصعب بل من المستحيل تداول السلطة بين أحزاب ببرامج متناقضة ومختلفة حول الثوابت الوطنية أو ثوابت النظام السياسي، مثل طبيعة النظام السياسي ملكي أم جمهوري ،برلماني أو رئاسي، حدود الدولة وشكلها إن كانت دولة بسيطة أو فدرالية أو كونفدرالية، نظامها الاقتصادي رأسمالي أو اشتراكي، العلاقة بين الدين والدولة هل هي دولة دينية أم علمانية الخ ،وهذه الثوابت والمرجعيات غالباً تكون واردة في دستور الدولة الذي يُلزم الجميع ،وعلى من يفوز بالانتخابات أن يحكم بما ينص عليه الدستور ،وفي حالة غياب التوافق على هذه الثوابت والمرجعيات يتم إجراء استفتاء شعبي عليها.

ومن هنا يمكن تفسير تعثر الانتخابات والعملية الديمقراطية برمتها في الدول التي تشهد حروباً أهلية حيث يكون المجتمع والأحزاب السياسية منقسمة انقساماً حاداً وعميقاً حول شكل الدولة ومضمونها وهويتها وحدودها ومرجعيتها الدينية، أيضاً في مناطق السلطة الفلسطينية الخاضعة للاحتلال حيث الاحتلال يتنافى مع سيادة الشعب وحريته في اختيار من يحكمه ومع إمكانية تأسيس نظام فلسطيني ديمقراطي.

2- تداول السلطة.

التفويض الذي يمنحه الشعب للجهة الفائزة بالانتخابات لا يكون أبدياً بل لمدة محددة ينص عليها الدستور وخلالها يراقب الشعب من فوضَهم بالسلطة ،فإن كان راضياً عنهم جدد انتخابهم مرة أخرى وإن نكثوا بعهودهم وببرامجهم الانتخابية أنتخب الشعب غيرهم ،وهنا يجب التأكيد بأن اللجوء للانتخابات العامة وتداول السلطة لا يعني بالضرورة أن من هم في السلطة فاشلون أو فاسدون بل هو سعي دائم للأفضل ولتوزيع عادل للسلطة بين الجميع ومحاولة تجنب الدكتاتورية والاستبداد والفساد في حالة طال أمد الحاكم أو الحزب الحاكم في السلطة ، وهكذا يجري التداول على السلطة دون حرمان أحد من حقه بأن يكون حاكماً ومحكوماً .

3- تجديد الطبقة السياسية الحاكمة.

التداول على السلطة يفقد معناه إن لم تؤدي الانتخابات لتجديد الطبقة السياسية ورفدها بفاعلين جُدد، وهذه مهمة وإن كانت منوطة بالأحزاب نفسها من خلال ديمقراطية وانتخابات داخلية إلا أنها أيضاً مسؤولية الشعب والمجتمع المدني الذين عليهم الخروج من حالة السلبية التي تجعل دورهم مقتصراً على التصويت لنفس الأحزاب المتحكمة بالنظام السياسي ولنفس الأشخاص الذين سبق تجربتهم.

4- التنافس بين برامج سياسية والحد من المال السياسي .

غياب البرامج السياسية أو عدم اهتمام المواطن بها إن وجِدت ،ظاهرة أصبحت عامة تتميز بها الانتخابات في الدول العربية التي شهدت انتخابات عامة ،ويعود السبب لفقدان المواطن الثقة بالأيديولوجيات والشعارات وخصوصاً إن كانت الأحزاب المتنافسة نفسها التي هيمنت على المشهد السياسي طوال عقود . الخطورة تكمن في حلول المال السياسي محل البرامج السياسية في عملية استقطاب أصوات الجمهور الانتخابي ،وهذا سيؤدي إلى أن تكون مخرجات الانتخابات رديئة وفاسدة .

5- ثقافة الديمقراطية لا تقل أهمية عن صناديق الانتخابات

ثقافة الديمقراطية تتضمن: عدم اللجوء للتزوير، احترام القانون، الاعتراف بالآخر كشريك وطني، الاعتراف بنتائج الانتخابات، عدم اللجوء للعنف لحل الإشكالات السياسية، ممارسة حرية الرأي والتعبير كحق لجميع المواطنين، كما تمتد ثقافة الديمقراطية إلى داخل الأحزاب السياسية وفي المؤسسات التعليمية وفي داخل الاسرة، مثلا يكون من غير المفهوم والمقبول أن يطالب حزب معارضة بتداول السلطة أو تقييد مدة ولاية الرئيس بينما رئيس الحزب وهيئته القيادة على في مواقعهم القيادية لعشرات السنين وبعضهم منذ تأسيس الحزب ! .

6-  سرية الانتخابات ونزاهتها

التعبير الحر عن إرادة المواطنين يتطلب سرية الانتخابات ونزاهتها وخصوصاً عندما تسود ثقافة الخوف، الخوف من السلطة وعقابها لمن لا يصوت لحزبها أو رئيسها، وهذا ما ينتشر في الأنظمة الدكتاتورية وجديدة العهد بالديمقراطية أو تكون الطبقة السياسية الحاكمة مجبرة على الاحتكام لصناديق الانتخابات. والخوف يكون من الاعتقال أو من فقدان الوظيفة والراتب إن تم التصويت للخصم السياسي. ونزاهة الانتخابات مرتبطة بمدى وجود ثقافة الديمقراطية، وهي تتطلب تجنب التزوير واستغلال فاقة الشعب لشراء صوت المواطن مقابل مبلغ من المال أو مساعدات عينية مثل وجبة غذائية أو وليمة، أو وعد بوظيفة.

7- الانتخابات والحكومات التي لا تحكم

يُفترض أن الانتخابات تؤدي لاختيار الشعب لمن يحكمه وبالتالي يتوافق المعنى اللغوي لكلمة الديمقراطية (حكم الشعب) مع واقع الممارسة، حيث إن من ينتخبهم الشعب يصبحوا الحكام الفعليين ومنهم تتشكل الحكومة أو على الأقل فإن الهيئة التشريعية المنتَخَبة تراقب أعمال الحكومة وفي استطاعتها حل الحكومة وقتما تشاء.

لكن في الواقع وخصوصا في الأنظمة التي تنهج الديمقراطية الشكلية أو تزعم بأنها ديمقراطية لمجرد قبولها بمبدأ الانتخابات فإن الحكومات فيها لا تحكم بالفعل والانتخابات لا تؤدي بالضرورة إلى صيرورة ممثلو الشعب في البرلمان حكاماً فعليين، وخصوصا عندما تتحكم السلطة القائمة في الآلية الانتخابية من خلال القوانين الانتخابية أو التزوير أو التواطؤ وتوزيع المغانم والمصالح مع الأحزاب والنخب السياسية ،حيث تستمر الطبقة السياسية غير المنتخبة المشكلة من الرئيس وبطانته من مستشارين وقادة جيش بحكم البلاد ويقتصر دور من انتخبهم الشعب على إضفاء الشرعية على هذه الطبقة السياسية وممارسة رقابة شكلانية على الحكومة واقتراح مشاريع قوانين غالبا لا يتم الموافقة عليها أو يجري تحويرها وتكييفها بما ينسجم مع مصالح الطبقة الحاكمة ،أما الناشطون والمناضلون فغالبا يتم استيعابهم في مؤسسات الدولة العميقة بالإغراءات المالية، فينسلخوا عن الشعب الذي انتخبهم وينسوا كل وعودهم وبرامجهم الانتخابية ويصبحوا من المدافعين عن النظام بمبررات الواقعية السياسية أو المصلحة الوطنية العليا ! .

الخلاصة

ولأن الديمقراطية أقل الأنظمة سوءا كما قال رئيس وزراء بريطانيا الأسبق ونستون تشرشل وهي مقولة صالحة حتى في زماننا، ولأن المفكرين السياسيين والتجربة السياسية للشعوب لم يتوصلوا لأداة أفضل من الانتخابات للتعبير عن إرادة المواطنين، تبقى الانتخابات النزيهة وبالاشتراطات المُشار إليها الآلية الأكثر نجاعة للمشاركة الشعبية ومعرفة إرادة الشعب ولكنها تحتاج لتطعيمها بالحِكامة والحكم الصالح وتعزيز مفهوم المواطنة من خلال القضاء على العنصرية والشعوبية والطبقية وسلطة المال.

 

إبراهيم ابراش

 

 

محمد عمر غرس اللهبعدما تم إستهداف الدولة القائدة للعمل العربي (مصر) وإزاحتها عن قيادة الإرادة السياسية العربية، وبعدما تم تشويه كل ما يتعلق بــ(عبد الناصر) طوال خمسون عاماً، وفي ذلك تم إستهداف الدول والأنظمة السياسية التي كانت تحاول أن تكون في مسار أرداة الإستقلال العربي بعيداً عن الإستعمار القديم، والتي وصل للسلطة فيها تنوع التيارات القومية والعروبية، تفتقد الأمة العربية - اليوم - رافعة العمل العربي، والإستناد إلى ألإقليم القاعدة الضرورة الحيوية للعمل العربي، حيث كانت قد لعبت القاهرة مركزاً حيوياً لحركة التحرر العربي، ثم تلتها رفيقاتها بغداد ودمشق وطرابلس، والجزائر وصنعاء، التي وصل للسلطة فيها تنوع التيارات القومية والعروبة، هذه الدول التي كانت تحاول أن تكون في مسار أرداة الإستقلال العربي وبعيداً عن نفوذ الإستعمار والارتباط به والدوران في فلكه، حيث تفتقد الأمة العربية اليوم، الدولة رافعة العمل العربي، وألإقليم القاعدة الضرورة الحيوية للعمل العربي (كما يصفه المفكر نديم البيطار).

أننا نرى الأمة اليوم مستباحة، لفقدانها المشروع الذي تم التحالف عليه ومهاجمته وتشويهه، وحرقه معنوياً، وهذا المشروع يفتقد اليوم أيضاً الدولة القاعدة (الرافعة)، بفعل حروب دول الهيمنة وأدواتها في المنطقة، هذا المشروع العروبي كانت قد أضرت به أيضاً معاركه البينية القاتلة وخصوماته الإنفعالية، والتي وصلت إلى حد، أن قاتل بعض القوميين العرب في معارك ليست واجبة، وقاتلوا مع شوارزكزف على العراق عام 1990م، ثم مع منذ عام 2011 م يقاتلوا صفاً واحداً مع الناتو يد بيد، ومع التنظيم العالمي للإخوان المسلمين، والقاعدة وداعش، والجماعات الإسلامية لإسقاط ليبيا، وتدمير سوريا، وتحالف البعض منهم مع الحرب الظالمة على اليمن، وهم بتحالفون اليوم مع تركيا على سوريا وليبيا وفي إستهدافها مصر ، ويصمتون على تمدد الأذرع التركية في المغرب العربي

اليوم وبسبب التيه واليتم السياسي، تتقسم قوى الأمة بين (العباءة الإيرانية)، و(العباءة التركية)، العرب الغساسنة والعرب المناذرة الجدد، وها هي إيران اليوم تناصر تركيا في هيمنتها على ليبيا، بعدما ناصر تركيا عرب أخرون وجيران وأشقاء، يعقدون التحالفات مع أردوغان عشية إعلانه ليبيا أرث عثماني وإرسال قوات تركية للحرب على شعبها، وظهر أشقاء يأتمرون بأمره، بل ويتبجحون بأن تركيا هي التي حررت العرب (كما يقول راشد الغنوشي رئيس البرلمان التونسي ورئيس حزب النهضة).

أنه التيه، واليتم السياسي الذي وصلت له الإرادة السياسية العربية ووقعت فيه اليوم، فلا رؤية عربية ومشروع لمقاومة مايجري، والتنظيمات التاريخية غارقة في وهم كيل المديح للماضي وجعل ذلك برنامج عمل، وغارقة في خصوماتها البينية التاريخية الناتجة عن صراعات الحكم والسلطة وخصومات الحكام.

وفي هذا اليتم والتيه، ظهرت حالة مستفحلة ضد العرب والعربية والعروبة، فبمجرد أن تكتب جملة (الأمة العربية) أو تذكر  (القومية العربية)، تنبري لك الخلايا النائمة، تترك الداعي والمدعي وكل ما يجري، وتصب جام غضبها عليك وعلى العروبة والأمة والعربية، تنكرها وتجرمها وترفضها، وكأن أردوغان التركي ليس قوميا وكمالياً تركياً، وكأن إيران ليست أمة لها مركزيتها تبحث عن مصالحها وتعبر عنها بإرادتها السياسية.

أن ما يجري - في أمتنا اليوم - تجليات ونتيجة لحرب شعواء على عواصم الفعل العربي طوال سبعون عاماً من الإستقلال ومحاولات إقامة إرادة عربية موحدة، فالدول والأنظمة والعواصم العربية التي ناصبت عبد الناصر العداء - وشنت عليه وعلى تيار العروبيين الحروب تاريخياً، والتي عملت بمعية الغرب ووفق إستراتيجياته، وساهمت على تدمير سوريا وتشريد شعبها وعملت على تدمير ليبيا وإسقاطها ونهبها،  والتي تشن للعام الخامس حربا ظالمة على الشعب اليمني - تقف اليوم عاجزة أما تركيا وإيران، مبحوحة ضعيفة تراقب طائرات تركيا تسرح وتمرح من شمال العراق الي حدود ليبيا الغربية.

لقد أُكلت هذه الدول والأنظمة يوم أكل الثور الأبيض، لم تستطع اليوم أن تقوم بالدور الذي كانت تدعيه وتقول إنها أولى به، هي أعجز من تقدم خطاب سياسي وفكري او تظهير مشروع عربي الإرادة، وهي اليوم أقل من أن تدير إرادة سياسية مستمدة من الإرادة العربية ومركزيتها القومية يلتف حولها العرب، وهي أقل بكثير من أن تعبر عن مصالح الأمة، وتكون صوتها وسلاحها، وكرامتها، فهي مرتهنة بيد الغرب نفط وأرصدة وارادة سياسية، ومستباحة الجغرافيا.

وهكذا نتيجة لفقدان العرب - كأمة - النظام السياسي القائد والرافد للعمل العربي والمشروع المدرك، حيث تم تجريد الأمة من هذا المعامل الحيوي، حتى صارت الأمة بين خيارين، أما تركيا، أو إيران، حتى المقاومة لم تعد تنهل من مداها العربي، بسبب غياب المشروع، والأقليم القاعدة، والعاصمة العربية الملاذ، وبسبب غياب الدولة التي تكون مركز إنطلاق للعمل العربي وحاضنته، كما فعلت القاهرة طول منتصف القرن الماضي، وكما فعلت بقية عواصم التيار العروبي في طرابلس ودمشق وبغداد.

كما تفتقد الأمة اليوم، القدرة على المبادرة والمبادئة في التنظم للعمل للعمل العربي لإستعادة مركزية إرادة المقاومة ببعده العربي (بقت التنظيمات حبيسة الماضي وما علق بالمربعات الحزبية والتنظيمية القديمة التي أُستهلكت)، رغم وضوح ما يجري ومجاهرة أعداء الأمة بمشروعهم، وإستئساد قوى الهيمنة الدولة، وأذرعها وأدواتها من جماعات إسلاموية بتنوعاتها من أخوان مسلمين وداعش، وقاعدة، وجماعات قبلية وشعوبية، التي تسيطر على عواصم عربية اليوم، تحت إشراف المخابرات الدولية ومبعوثي الأمم المتحدة.

أنه اليُتم وتيه، الفردي، واليُتم والتيه الحزبي والتنظيمي، حيث لم تنبري النخب لمواجهة الواقع بالتنظيم عربياً بالآليات جديدة تتعامل مع الواقع الجديد وتواجه تحدياته، وتتعامل مع المستجد من حروب الجيل الرابع، هذه الحرب الجديدة التي جعلت من المواطن العربي جندي في جيش العدو يتقدم صفوف الغزاة (مطلينين وباندا و زواف) جدد، جنود يقاتلون أهاليهم أخوتهم، ويمسحون ويفتحون الطريق أمام هيمنة الدول الأخرى وتحقيق مصالحها.

إنها دعوة لقوى الأمة العربية، الحية والفاعلة للتنادي، والتنظم، وتجاوز المربعات القديمة، وإعتبارها أرث يستفاد منه فكر وتجربة سياسية ونضالية، وهي دعوة ضرورة ومُلحة لبناء وتنظيم أشكال مقاومة جديدة عصرية تتعامل مع عصر الهيمنة الجديد وفق التحدي الوقتي اليوم (بكل أنواع أسلحته الفكرية والإعلامية والقتالية)، بالإستفادة من التجارب السابقة التي يجب التحرر من سلبياتها وخصوماتها وتقاطعاتها، والتحرر مما علق بها من جمود وتخشب، وتطوير أليات النضال والكفاح، بما يتناسب والعصر والمرحلة والتحدي الذي يواجه الأُمة اليوم.

أننا كحركة تحرر عربي قادرون على ذلك، والأمة لم تعدم الرجال الأفذاذ الأذكياء المخلصين المدركين، كما فعل رجال الأمة في بداية مواجهة الإستعمار الأوروبي، وكما فعل الرجال منتصف القرن الماضي، أولئك الرجال الذين قدموا العمل الفكري والتنظيمي، وقاوموا، حتى تم الإستقلال وتم إجلاء الإستعمار وإجتثاثه وطرد قواعده العسكرية، فأمموا النفط وقناة السويس، وطردوا الغزاة والمستوطنين، بل وأجبروا هذا الإستعمار على الإعتذار، وتقبيل يد ابن الشهيد الشيخ المجاهد عمر المختار، الرجال الذين تنظموا وأداروا معركة طرد فرنسا من الجزائر بعد إحتلال ظالم دام 133 سنة، الرجال الذين فاجأوا القواعد الأمريكية والبريطانية والفرنسية، الرجال الذين فاجأوا الأنظمة العربية النائمة في أحضان وزارات المستعمارات الأُوروبية، وقوضوها.

أنها دعوة -  لحركة التحرر العربي -  للعمل بطريقة جديدة وتمثل الحالة النضالية في زمنها ووقتها ويومها بالفعل المطلوب والمناسب والمكافيئ، فالتنظيمات القديمة أدت ما عليها، وإستنفذت مداها، وهي لها ظروفها، وعلينا - كحركة تحرر عربي - أن نبقيها أرث وتجربة يستفاد منها ونتعلم منها، وعلينا اليوم أن نتحرر مما علق بها مع الزمن الذي إستهلكها وحول نضالها لمجرد حنين للماضي ونشر للصور والخطابات، وعلينا اليوم كحركة تحرر عربي واحدة في أطار الأمة العربية، أن ننتقل لطور جديد من التنظم والتنظيم وأسلوب العمل والفعل، علينا أن نبني تصورنا الجديد للمقاومة الفكرية والسياسية من مخاض واقعنا اليوم وما يجري، وعلينا أيضاً أن  نبني ونؤسس تصورنا أيضا حتى للحالة القتالية ونوع المقاومة وطرقها،  وعلينا أن نتحرر من قيود تنظيماتنا القديمة التي ظهرت وعملت في ظروف مختلفة، ووجب تجاوزها، والإنتقال لطور تنظيمي جديد يتناسب مع ما يجري اليوم.

إننا - كحركة تحرر عربي -  بحاجة لنوع جديد من الحيوية والتنظم والعمل، لمواجهة المستجد التاريخي، الذي جد علينا كحلقة جديدة من حلقات الإستعمار الجديد، فها هي تركيا تسرح وتمرح من العراق حتى طرابلس الغرب في ليبيا، وها هي القواعد الأجنبية تبنى على أرضنا من جديد جهاراً نهاراً، وها هي الوصاية والتدخل الجنبي والهيمنة، وها هي المهانة تلحق بنا حتى تم وصفنا بأننا أرث للأمبراطوريات التي إنهارت على الأشهاد.

اللهم أشهد أللهم قد بلغت ..

للمزيد في هذا الموضوع، أنظر مقالي: (في إنتظار المجهول: بنيوية العجز ووهم النضال بالنوستالجيا)

 

د. محمد عمر غرس الله

 

 

كاظم الموسويمَن َيقلب الصورة؟، كيف يصبح الحمقى اهم من الحائزين على جائزة نوبل؟. ماذا تفعل وسائل الاتصال الحديثة؟، ومن يسمح لهؤلاء الحمقى ان يصدقوا أنفسهم ويصروا على "اهميتهم "؟!. اسئلة تثار ويعرف الجواب احيانا، ومرات يصمت عليه مجاملة أو تحابيا أو تغافلا، وفي النهاية تصب في خيانة الثقافة والزمن والإنسان وجمال الحياة.

هذه ليست طرفة او امرا عابرا، بل انها اخذت تشغل حيزها من القراءة والقراء، وتزيد في قتامةالصورة المنشودة من الثقافة والمعرفة والعلم!.

لهذا ليس غريبا ان يكتب الكاتب الايطالي امبيرتو ايكو، قبيل رحيله، ان ادوات مثل تويتر  وفيسبوك منحت حقا لكلام لفيالق من الحمقى.. ممن كانوا يتكلمون في البارات فقط، بعد كأس من النبيذ دون أن بتسببوا باي ضرر للمجتمع ، وكان يتم اسكاتهم فورا، أما الان فلهم الحق بالكلام مثلهم مثل من يحملون جائزة نوبل، انه غزو البلهاء!.

غزو البلهاء، الحمقى، العنوان الذي استعيره من هذا الكاتب ولم اجد له بديلا. واعلم ان المسالة هنا لا تتعلق طبعا بحرية التعبير  ولا بحق الكلام او القول، وانما ارتباطها في المعنى والمدلول، والجوهر والهدف، والغاية والقدرة والابداع والفكر.. وترتبط بالوعي، وبالوعي النقدي، والقدرات والملكات الابداعية، فليس كل فقيه متفقه، كما ليس كل من كتب اسطرا صار كاتبا او "مفكرا"!، بمزاجه ورغبته والحاجه الى تعريف نفسه أو الطلب من "حاشيته" التهويل له وتسعبر او تسليع الإعلان عنه وتسويقه، وحتى من نشر كتابا او علق صورته على صفحة فيسبوك اسما علما او خبيرا استراتيجيا في الاداب والفنون والتقانة والعلوم الاخرى. رغم أنه قد يكون مختصا في شأن ما أو قد يكون خبيرا في أمر ما ولكن ليس فيلسوفا أو مبدعا في الاداب والفنون والمعارف العامة، او كاتبا هاويا او محترفا. .وهذه نظرة في هذا المجال الذي كتب عنه الكاتب الايطالي.

فاذا وسعنا النظر واتجهنا صوب منظمات اخرى ولا سيما من يسمون انفسهم او يختار لهم الاسم، اعضاء ناشطين فيها، كمنظمات "لافتة" حقوق الانسان، والتي تتناقض حتى مع الاسم الذي تحمله، هي كمنظمة اونشطاؤها البارزون. وقد كشفت محاكم بريطانية قبل سنوات فضائح لبعض هذه المسميات واصحابها، وعرف من اسس بعضها علنا وبالاسم، اجهزة مخابرات انظمة رجعية متخلفة في الوطن العربي ولم يخجل ادعياؤها منها، واستمروا باسماء ومسميات وحفلات اخرى.. وكشفت وسائل اعلام عن دور نشطاء معروفين بالعمل في اجهزة مخابرات دول قمعية دكتاتورية في الوقت الذي يكرمون به باسم حقوق الانسان. فيا لماساة هذه الحقوق، والمفردات الجميلة مثلها، وكم حمل او وضع على صدره اوسمة باسمها وهي بعيدة.. بعيدة جدا عن إي معنى لها..

مسكينة حقوق الإنسان، مسكينة الحرية، كم جميلة هذه الكلمات؟!، وكم ارتكب باسمها من جرائم أو محرمات أو فضائح مخزية؟!.

اصبحت هذه الوسائل والطاقات والمنظمات كما هو البترول في البلدان العربية، نعمة ونقمة. نعمة للتواصل والتثقيف والاثراء الروحي والمعنوي والمادي، ونقمة في استخدامها من قبل بعض الناس والدول للتجهيل والتدليس والتضليل وغسل الأدمغة وكي العقول، والنزعة الطاووسية المدفوعة الثمن أو التكلفة مسبقاً.

وفي التجارب اليومية هناك كثير من الامثلة والشواهد والوقائع والقصص التي تكشف وتقول قولها. لكل الاسباب، هذه وغيرها، لم افتح صفحة لي في هذه الوسائل رغم اهميتها ومعرفتي بها لكني اثرت التريث وتجنب زلات الاعدقاء المتربصين، وحاولت ان أكون الناصح الأمين.. وكما يبدو ان لكل شيء وجهين، وقد يتغلب احدهما على الاخر، وهذا اختبار غير معلوم أو عبور خطر قد يؤدي إلى ما لا يحمد عقباه.. والله اعلم!.

قال صاحبي: نصحت بعضا من هؤلاء ان يطالعوا ويقراوا ويجدوا قبل ان يكتبوا وينتقدوا ويصدروا احكاما واوصافا ليست في محلها او بعكس مرادها الا اذا كانت هذه غايتها وهدفها. فليس من الصحيح أو الجميل أن تكتب نصا حافلا بأخطاء نحوية أو لغوية، وليس من المناسب الا تحترم قواعد اللغة التي تكتب بها، فهذه ليست عيبا لغويا وحسب، بل وعيب أخلاقي ايضا، ويجب الحرص على التعلم والتثقيف قبل خوض الغمار.

واضاف صاحبي: وبلغ الامر ببعض ان اشتري له كتبا واهديها له وانصحه .. وضاعت النصيحة والهدية والنوايا الحسنة.. وفي وصف مثل هؤلاء قال العرب قديما وهو ما ينطبق عليهم اسم الحمقى، والحمق داء لا دواء له:

لقد أسمعت إذ ناديت حيًا *** ولكن لا حياة لمن تنادي

لقد أذكيت إذ أوقدت نارًا  *** ولكن ضاعَ نفخُكَ في الرمادِ

وهذا الرماد هو ما يغلب في الكثير من واجهات النشر، وحتى في مواقع إلكترونية أو مجموعات الواتسآب أو التويتر أو الانستجرام أو أمثالها. وهي ليست فضيحة وحسب وليست منفردة وتمر، بل صارت حالة مرضية أو وبائية قد تغطي على المطلوب والمقصود والمفيد فعلا.

أمام هذه الحالة القائمة والخطيرة لابد من قوانين عمل وضبط واشراف وتقدير واحترام للثقافة والفنون والآداب والأخلاق الحميدة، عكس ما تقوم به هيئات بعض الوسائل، والفيسبوك أو التويتر من خطوات قمع سياسية فكرية تخدم مصالح استعمارية ودول معادية لحرية الكلمة والرأي والتعبير. وباتت الأمور أكثر من واضحة ومعروفة ولابد من وقفة ضمير وإحساس عال بالمسؤولية الثقافية والاجتماعية والأخلاقية..

تتطور التقنية وتتنوع الوسائل الاتصالية ولأن اغلبها بالمجان في الاستخدام لها فلم يعد الأمر محصورا أو مقيدا. إذ اتاحت الثورات التقنية المجالات رحبة أمام الجميع وتركت للمستخدم استعمال عقله وقدراته في الإبداع والتطوير والتحديث والتنوير. وتلك هي القصة والموضوع، حيث يتوجب ضبط الامور واحترام حقوق الشبكة العنكبوتية والقارئ وزمنه والاستفادة منها في ما يقدم للمجتمع من كل ما ينفعه ويطوره، لا العكس منه، كما يفعل البلهاء.

 

كاظم الموسوي

 

محمد ابوبطهكان العالم كله يتوقع قبام حرب عالمية ثالثة! ولكن كان السؤال المحير

من سيكون مع من وضد من؟!

وكيف ستكون الحرب؟!

نووية أم تقليدية أم حرب فضاء؟!

لم يخطر ببال أحد أن تكون حرباً بيولوجية كما أفلام الخيال العلمي!

فحروب الخيال العلمي يظل الصراع فيها بين تخليق فيروس قاتل بهدف إبادة مدينة او مدن من جهة وبين جهة تحاول منع تخليق الفيروس من ناحية وتخليق علاج فعال من ناحية اخري وتظل الحرب قائمة بين الطرفين مدة الفيلم إلي أن يتم قتل محاولة تخليق الفيروس بعد ان يتم اكتشاف دواء فعال في نفس الوقت ليكون انتصار البطل الامريكي غالباً انتصاراً مزدوجاً!!

ولكن الحرب العالمية الثالثة التي يعيشها العالم أجمع الآن اصابت الاقتصاد العالمي إصابة بالغة!فلأول مرة في التاريخ يتم قطع المواصلات بجميع أشكالها براً وبحراً وجواً بين دول العالم المختلفة وهو ما لم يحدث أثناء الحربين العالميتين السابقتين!

كما انه تم فرض حظر التجوال ووقف الانشطة الاقتصادية والرياضية والسياحية داخل الدول ذاتها طواعية وهو ما لم يحدث سابقاً ايضاً!

يعيش الحرب حرباً عالمية بمعني الكلمة ولكنها أكثر إضراراً بإقتصاديات الدول جميعاً من الحربين السابقتين!

لذا فمن المرجح ان إحدي القوي العظمي قد حاولت تخليق فيروس من أجل تدمير اقتصاد دول كبري او ذات ثقل اقتصادي دولي أو إقليمي!وبعد أن تم تصنيع الفيروس تم تهريبه او هروبه من السيطرة ليحدث ما لم يكن في الحسبان لتكون حرباً عالمية بمعني الكلمة ولكنها حرباً شرسة علي جميع دول العالم!

ولكن من الملاحظ ان هذه الحرب تم توجيهها للولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي وايضا دول الخليج البترولية ومعها إيران!

فقد هبط البترول الامريكي لاول مرة في التاريخ تحت الصفر ليكون سعره سالب ٣٧ دولار !

توقفت المصانع وتوقف الطيران والبواخر علي مستوي العالم لتصل البطالة لأعلي مستوياتها علي مستوي العالم!

كما أنه من الملاحظ ايضاً ان الدول المتقدمة وبالتحديد دول الاتحاد الاوروبي كانت الأكثر تأثراً بأضرار انتشار الفيروس ومعها دول الخليج البترولية التي أصابها الفيروس في مقتل بهبوط اسعار البترول وتوقف حركة الشحن البحري تماماً ليصاب اقتصادها في مقتل!

إنها الحرب العالمية الثالثة ليبقي السؤال المهم!

من بدأ شن الحرب؟!

الصين أم الولايات المتحدة الأمريكية؟!

لماذا حددت هاتين الدولتين بالذات ؟!

لأن الصراع الدولي بين الدولتين كان علي أشده في الفترة الأخيرة للسيطرة علي الاقتصاد العالمي! وليس لمصلحة اي دولة اخري الدخول في صراع مع الصين او امريكا!

فلا توجد دولة ثالثة تستطيع دخول الصراع بينهما!

كل الدول الاوروبية تابعة بصورة او بأخري مهما كانت قوتها!

ودول الخليج كلها تتبع امريكا!

أما روسيا فليست من القوة الاقتصادية التي تمكنها من الدخول في مواجهة مباشرة مع إحدي الدولتين!

لا يبقي سوي أن إحدي الدولتين هي من سعت نحو تصنيع هذا الفيروس الخطير لتشن حرباً بيولوجية علي الدولة الاخري!

ويتبع ذلك سؤال خطير !

من الذي بدأ تخليق الفيروس ؟!

خطورة السؤال تكمن في أن من بدأ الحرب لابد وأن يملك العلاج لهذا الفيروس ويريد ان يحقق من خلفه مكاسب مادية تعوض خسائره الاقتصادية التي تكبدها ليشن هذه الحرب!

هل بدأتها الصين في معامل ووهان؟!

أم بدأتها أمريكا وأرسلته مع عملائها الصينيين إلي ووهان؟!

يرجح العالم الآن أنها الصين وقد أعلنها الرئيس الامريكي ترامب أكثر من مرة! وتداولتها وكالات الإعلام الدولية وكأنها تردد أغنية علي العالم أن يحفظها أن الصين هي التي خلقت وصنعت الفيروس في معامل ووهان!

ولكن ما قاله ترامب واتهامه للصين بالتحديد وليس روسيا أو أي دولة أخري!

وما قاله في بداية الجائحة بأمريكا ان الوفيات ستصل إلي ستين ألف ضحية للفيروس!

عندما نربط تصريحات ترامب قبل الأزمة وأثنائها نكتشف أن ترامب يحاول إلصاق التهمة بالصين ومن ثم نفيها عن امريكا

وعندما يصرح ان ضحايا الفيروس سيكون ستين ألفاً تقريباً!

كأنه يعلن للعالم انه سيعمل علي اكتشاف علاج للفيروس مهما كلفه الأمر ومن ثم أصدر أمراً بتخصيص مئات المليارات لاكتشاف علاج للفيروس !

كأنه يريد أن يخبر العالم أنه سينفق مئات المليارات لاكتشاف علاج للفيروس ومن حقه بعد اكتشاف العلاج ان يعوض هذا الإنفاق الضخم من إنتاجه وتسويقه عبر العالم!

هذا يرجح أن امريكا هي من قامت بتخليق وتصنيع الفيروس كما أنها أيضاً هي من اكتشفت العلاج مع تصنيع الفيروس ذاته!

لذا نجد أن رد فعل ترامب قبل وخلال الأزمة يرجح بدرجة كبيرة أن الولايات المتحدة الامريكية هي من قامت بتخليق الفيروس في معاملها وهي من نشرته عبر العالم بدءًا من الصين لتوجه الاتهام للصين اولاً وتشغل الرأي العام العالمي بذلك وتبعد عن نفسها شبهة تخليق الفيروس وشن الحرب العالمية الثالثة علي العالم أجمع!

وليس هذا بغريب عن الولايات المتحدة الامريكية التي لم تتردد في ضرب اليابان بالقنبلة الذرية في الحرب العالمية الثانية دون اي رادع إنساني أو أخلاقي!

فهذه فلسفة أمريكا منذ قيامها!الحرب حتي آخر مدي وتغطية ذلك بإعلام يروج لها أنه دفاع عن النفس وليس إعتداء!

منذ إبادة سكان الأرض الأصليين وتصويرهم في الافلام أنهم وحوش يستحقون الموت والتنكيل بهم!حتي ان المشاهد العربي نفسه كان يصفق لرعاة البقر وهم يقتلون الهنود الحمر!

حتي إلقاء القنبلة الذرية علي هيروشيما ونجازاكي صوروها في الافلام أنها بطولة فذة! وصفق لهم العالم في الأفلام ووسائل الإعلام!

وما أشبه الأمس بالبارحة تشن امريكا الحرب علي الصين وتحاول إقناع العالم أن الصين من خلقت وصنعت الفيروس في معامل ووهان!!

ولكني وبالتحليل والمنطق والتاريخ ارجح أن تكون الولايات المتحدة الامريكية ومنذ بداية حكم ترامب قد خططت لهذه الحرب البيولوجية وكانت الصين الهدف الاول ودول الاتحاد الاوروبي الهدف الثاني ثم كانت دول الخليج البترولية الهدف الثالث في هذه الحرب التي شنتها بحبكة سينمائية متقنة ولتعلن أنها ستعيد فتح الانشطة الاقتصادية لتتبعها دول الاتحاد الاوروبي والدول الاخري!

وتلقي بورقتها الاخيرة لتشغل العالم عن الحرب الأصلية!

وتشتعل المنصات الاجتماعية بمقتل امريكي من اصل افريقي!والغريب لم يفكر احد ولماذا قالوا من اصل افريقي وليس من اصل لاتيني نسبة لأمريكا اللاتينية؟!

ولكن الإعلام الامريكي هو من اشعل هذه التغطية ببراعة وهلل العالم الساذج ان امريكا ستنقسم وستنهار وهذه الاسطوانة التي انزلقت فيها وسائل الإعلام الدولية ومنصات التواصل الاجتماعي!!

لتثبت الولايات المتحدة الامريكية أنها ما زالت القوة العالمية الاولي!

شنت حرباً عالمية ثالثة ولكنها حرباً بيولوجية وجرت إليها الصين ووضعتها في موقف المدافع عن نفسها!

وألهت العالم كله بمقتل امريكي من اصل افريقي!!

إنها الولايات المتحدة الامريكية قاتلة الهنود اصحاب الارض الاصليين والتي ألقت القنابل الذرية علي اليابان انتقاماً لتدمير بيرل هاربور لتنهي الحرب العالمية الثانية لتصبح القوة العظمي وتنهي بريطانيا العظمي

ثم تشن الحرب العالمية الثالثة بيولوجيا وتوجه للعالم كله ضربة قاصمة وتضع الصين موضع الاتهام!

 

بقلم: محمد أبو بطه - مصر

 

عدي عدنان البلداويعندما قررت امريكا سنة 2003م شن حربها على العراق للاطاحة بنظام الحكم فيه بذريعة امتلاكه اسلحة الدمار الشامل والنووي والكيمياوي، شهد العالم حينها تظاهرات كبيرة بلغت في العاصمة الايطالية روما وحدها ثلاثة ملايين متظاهر ضد الحرب الامريكية على العراق وشاركهم في باريس ولندن وفيينا وعواصم ومدن اخرى في العالم بلغت حوالي 600 مدينة، وفي تعليقه على هذه التظاهرات الضخمة، قال الرئيس الامريكي حينها جورج بوش ان هذه التظاهرات لن تستطيع ايقاف الحرب اذا اندلعت ..

واندلعت الحرب وسقط نظام الحكم الواحد في البلاد ولكن الحال لم يكن كما وصفه الرئيس الامريكي قبيل الحرب حين قال ان العراق بعد صدام حسين سيكون عراقا نموذجياً في الرخاء والديمقراطية، واكتشف العراقيون ذلك مبكراً، حين خرجوا  في الشهر الرابع من عام 2003م، متظاهرين في مدينة الناصرية احتجاجاً على الرعاية الامريكية لاجتماع تعقده المعارضة العراقية من اجل تشكيل حكومة انتقالية ..

وبعد هذه التظاهرة بأيام خرج آلاف العراقيين في بغداد احتجاجاً على التواجد الامريكي في العراق، وتشكلت اول حكومة انتقالية وصفت بأنها حكومة تكنوقراط، ثم تشكل البرلمان في 2005م وانبثقت عنه اول حكومة ومرت اكثر من عشر سنين ولا يزال المشهد السياسي العراقي تحت الرعاية الامريكية، ولا يزال الناس في البلاد يتظاهرون مطالبين بتحسين ظروف معيشتهم، يفتشون في بلادهم عن وطن، وكأن العملية الانتخابية اصيبت بالعقم، فما عادت تنجب حكومات تنهض بواقع الناس الى الأفضل، ليس في العراق وحسب، ففي لبنان الحال نفسه، استقال رئيس الحكومة سعد الحريري كما استقال رئيس وزراء العراق عادل عبد المهدي واختير رئيس جديد للجزائر على اثر تظاهرات عارمة رفضت ترشيح بوتفليقة لولاية جديدة، ولا يبدو ان واقع الحال في العالم العربي يمكنه ان يلحظ او يرقب تغييراً على المدى القريب، كما لا يبدو ان بوسع العالم العربي اعادة نهضته من جديد، ويبدو ان المشهد ذاته في بلدان اخرى حول العالم، فعلى الرغم من مأساوية حادثة موت جورج فلويد الامريكي من اصول افريقية وخروج تظاهرات كبيرة في حوالي اربعين ولاية تنديداُ بالعنصرية، قال الرئيس الامريكي ترامب تعقيباً على الأحداث التي رافقت التظاهرات في مينيابولس المدينة التي شهدت موت جورج فلويد : لو كان هناك مزيداُ من الصرامة لما حصل ذلك .. وشكك في صحة الفديو الذي ظهر فيه شرطي يدفع (بافالو) الرجل السبعيني ويلقيه ارضاً ثم يتركه ينزف دون ان يسعفه ..  في سويسرا ( خيمة العالم ) كما وصفها الاديب الرحالة جواد الساعاتي رحمه الله، خرجت تظاهرة من حوالي عشرة الاف شخص تنديداً بالعنصرية وقالت احدى المتظاهرات وهي من اصول افريقية انها تعيش في سويسرا منذ اربعين سنة ولا تزال تشعر بوجود العنصرية ..

في فرنسا اسهمت حادثة موت (فلويد) في نفوس الفرنسيين ذكرى موت (اداما تراوري) الشاب الفرنسي من اصول افريقية الذي مات بالطريقة نفسها التي مات بها فلويد وهي الخنق حسب ما افاد به التقرير الرسمي لوفاة اداما بعد اعتقاله من قبل الشرطة الفرنسية في تموز 2016م ..

توجهت التظاهرات الأمريكية والأوربية الى محاكمة تاريخ العنصرية، فحكمت بازالة الاف التماثيل والنصب العائدة لأشخاص اقترنت اسماؤهم بالعنصرية والعبودية .. فما هو المدى الذي يمكن ان تبلغه هذه التظاهرات .؟

تمتلك شعوب العالم لغة مفهومة لا تحتاج الى ترجمة، كانت ولا تزال الرابط بين الناس على اختلاف الوانهم واديانهم والسنتهم، انها الإنسانية، التي كانت وراء خروج فتيات سويديات في ستوكهولم في 2013م في تظاهرة تضامن مع امرأة محجبة تعرضت للإعتداء من قبل شخص في احد ضواحي المدينة  بسبب حجابها، وكانت وراء التغريدات والضجة الكبرى على مواقع التواصل الاجتماعي على اثر صورة طفل سوري قضى غرقاً وجرفته المياه الى الساحل التركي عند منتج بودروم في سبتمبر 2015م معتبرة اياها دليلاً على موت الضمير العالمي، مندّدة بما يتعرض له الشعب السوري جرّاء الحرب التي يخوضها الكبار على الأراضي السورية والتي كانت وراء تهجير ملايين العوائل وموت كثيرين غرقاً وهم يبحرون صوب الغرب بحثاً عن الحياة التي صادرتها صفقات التجار الكبار والتي لم تنته بعد مرور سنوات على هذه الحادثة المفجعة، اذ لا تزال الحرب قائمة حتى مع اجتياح كورونا العالم، الذي لم تمنع خطورته مواطنين امريكيين من ان يطالبوا في حملات اعلامية الحكومة الامريكية رفع حصارها عن ايران فترة الوباء، لأن الناس هناك يتعرضون الى الموت اكثر من غيرهم بسبب وطأة الحصار، وفي بريطانيا جمع ناشطون اكثر من عشرة الاف توقيع على مذكرة الكترونية يطالبون فيها الحكومة البريطانية الرد على استمرار العقوبات الإقتصادية الأمريكية على ايران، واجابت الحكومة بأن الحصار لا يتعارض مع ارسال المعونات الطبية اللازمة وهو ما عدّه مواطنون جواباً غير مقبول ..

في الغرب مثقفون ارتقت الإنسانية بثقافتهم الى تقبل الآخر في فضاء انساني لا يفرق بين عربي واعجمي، بين ابيض واسود، بين غني وفقير، فعمل الانسان هو هويته وعطاؤه هو رأس ماله، وفي الشرق مثقفون على نفس المضمون الذي يتمتع به المثقف الغربي، وعلى هؤلاء يمكن ان يقوم مشروع النهضة العالمية قبالة مشروع النظام العالمي الجديد القائم على انتاج عملاء وموظفين وخبراء يعملون في السوق العالمي الكبير ..

(عليكم ان تدفعوا) هكذا كان الرئيس الامريكي ترامب مباشراً وهو يخاطب حكّام العربية السعودية، انه النظام العالمي الذي يستخدم تقنياته للإستثمار في الشخصية العربية واعادة تأهيلها على وفق ثقافة الأقوى، ونجحت السياسة العالمية الى حد كبير في رسم  خطوط  سياسية عربية موالية لها في خارطة الشرق، وهذا واضح من واقع ادارات الانظمة العربية لشؤون مجتمعاتها المسكونة بالفقر والجوع والبطالة وبراميل النفط، لكن الجماهير العربية كانت ولا تزال تشكل معوّقاً امام نجاح المشروع الغربي، وهذا ما زاد من معاناة الناس امام ضعف ادراك الانظمة الحاكمة القائم وعيها اساساً على اتصالها المستمر بالسياسات العالمية المتمثلة بالثقافة الغربية حيث العنصرية والانانية والقوى الكبرى والاقتصاد المهيمن على ادارة العالم الذي لا يستثني  في صفقاته الكرامة والهوية والمقدّس، فعلى الرغم من تظاهرات تشرين في 2019م في بغداد ومحافظات الجنوب المطالبة بحقوقها والتي اسفرت عن اكثر من 500 شهيد وآلاف الجرحى واكثر من 200 معاق والتي نتج عنها اقالة الحكومة، اقدمت الحكومة التالية لها على اخضاع رواتب المتقاعدين الى استقطاعات تراوحت من 10 – 15%، وكان رد رئيس الحكومة العراقي على ذلك لا يختلف في اجوائه عن رد الرئيس الامريكي على احداث منيابولس، كلاهما كان ردّاً رقمياً أمنياً لا وجود للقيم الانسانية فيه، فهل تستطيع شعوب العالم تغيير واقعها ومواجهة هذا النظام العالمي المادي ..؟

لو اعلنت شعوب العالم تضامنها الجماهيري لقيام نهضة عالمية، فهل تستطيع مواجهة مشروع رقمنة الوجود البشري الذي يجري الحديث عن استكماله خطواته النهائية خلال العقد المقبل من السنين ..؟

اذا اخذنا بنظر الإعتبار ان امن الدول اصبح بصورة أو بأخرى مرتبطاً بالأمن الإفتراضي وهو ما جعله يحتاج الى اتقان الأمن الالكتروني الإفتراضي، ومع الإتقان أو التدرب أو الإحاطة تظهر النوايا المبطنة سواء كانت ايجابية ام سلبية، فقد كشفت تقارير عن محاولات تجسس قامت بها دول على اخرى وذكرت احدى الصحف الامريكية ان اي هجوم اسرائيلي على ايران سيكون مشفوعاً بهجمات الكترونية مثل الفيروسات والتشويش على الرادرات .. وبسبب احد الفيروسات الألكترونية تعرض حوالي 30 الف جهاز حاسوب متصل بشبكة ارامكو السعودية بعرقلة انتاج قرابة 9 ملايين برميل يومياً الى السوق العالمية، ويترتب على هذه الفيروسات الالكترونية تبادل الإتهامات بين الدول التي تشهد توتراً في علاقاتها، فعندما تعرضت الأجهزة الإيرانية الى فيروسات اوقفت العمل في مرفأ (خرج) ومئات من اجهزة الطرد المركزي في معامل تخصيب اليورانيوم توجهت الإتهامات الى امريكا واسرائيل، كما ذكرت شركة روسية ان فيروس (Gauss) الذي ظهر في لبنان وفلسطين واسرائيل، قادر على سرقة المعلومات الشخصية من الأجهزة التي يخترقها، والعملية Titan التي قامت بها امريكا تسببت بسرقة بيانات مصرفية حساسة اتهم بها البنك اللبناني الكندي بتبييض الأموال لصالح حزب الله وادّى الاتهام الى اغلاق المصرف.. وتعرضت المصارف الامريكية الى هجوم لم تستطع السلطات منعه قامت به جهة اطلقت على نفسها (مقاتلوا القسام الالكترونيين)، كذلك تقوم الصين حسب تصريحات امريكية بالتجسس على شبكات الكترونية حكومية ةمراكز ابحاث وشركات وغيرها في الولايات المتحدة الامريكية، هذا يعني ان خطراً حقيقياً محدقاً بنا يتهدد عالمنا في حال نجح النظام العالمي من ادارة شؤون الناس والسيطرة المطلقة على الجنس البشري عن طريق العالم الافتراضي تارة بتقديم لقاج جماعي شامل يعطى لكل مواطن لحمايته من الإصابة بالأوبئة والفيروسات مثل كورونا الذي يذهب بعضهم الى انه بداية المرحلة العلنية للنظام العالمي الجديد، ولأن فرض الأمن الملزم لجميع المشتركين والمتصلين بالشبكات العالمية امر لا يزال فيه كثير من الثغرات ويحتاج الى صياغات قانونية تلزم الجميع وتكون موضع رضاهم ايضاً لكي لا يحصل اختراق خطير يهدد امن وسلامة مجتمع ما في اي مكان في العالم . ان الإهتمام بالأمن الالكتروني لا يجب ان يقف عند حدود نشاطات هيئات دولية وسياسية، انه بحاجة الى اشتراك هيئات ومنظمات اجتماعية لأن الأمر يتعلق بحياة المواطن وسلامته كما تعلقه بأمن البلاد وسيادة الدولة .. ان الدخول الى حياة الناس الخاصة عن طريق توفير العلاج واللقاح والرعاية الصحية واعادة برمجة الأجهزة المناعية يعدّ مدخلاً خطيراً ومثيراً في الوقت نفسه، فالإنسان بفطرته محب لعافيته، محب لسلامته، محب لامواله واولاده، والنظام العالمي الجديد يدخل الى الناس عبر هذه البوابات، يستقطبهم اليه ليحكم سيطرته على الجنس البشري، فقد اوضح بعض المختصين ان جهات متنفذة تستثمر اموالها في سوق العالم السياسي والإقتصادي والثقافي والأمني والصحي ستقترح نظاماً الكترونياً يكفل للمواطن ضماناً صحياً يراقب بياناته الطبية ويعيد برمجة جهازه المناعي بشكل يضمن له الوقاية من كورونا وغيره من الفيروسات ولشد الناس الى هذه المقترحات او العروض يجري هنا وهناك حديث عن اطوار منوعة لفيروس كورونا واجيال منه واحتمالات الاقامة الطويلة للفيروس وهو ما يتقاطع مع حاجة الناس الى الحركة والعمل مما يضطرهم لمواصلة حياتهم بوجود الفيروس، واستخدم بعضهم اصطلاح (مناعة القطيع) في دعوة الناس الى التعايش مع الفيروس وتأتي بعد مرحلة العرض هذه، مرحلة الفرض، حيث سيفرض على الطلبة مثلاً اخذ اللقاح كشرط من شروط العودة او الالتحاق بالمدرسة، وقد يفرض على المسافر اخذ اللقاح بالإضافة الى تأشيرة السفر (الفيزا) ليسمح له بصعود الطائرة، وقد يصبح اللقاح من متطلبات التقديم على الوظيفة، أو المنحة الدراسية، أو المعونة المالية، أو القرض المصرفي، أو الترشيح الى الانتخابات، أو من شروط تجديد هوية الناخب، أو شرطاً يضاف الى تحليل الدم  لإستحصال الموافقة الطبية على الزواج، أو شرطاً ملزماً للأم الحامل كي تضمن اتمام ولادتها في المستشفى، وغيرها من التوقعات التي تضمن للقائمين على هذا المشروع سيطرة مطلقة على جميع او اغلب سكان الأرض، ومما صرح به احد الخبراء ان الشريحة الالكترونية المقترحة كلقاح تستطيع التحكم باعصاب المواطن والتأثير على خلايا الدماغ، فهل تحتاج البشرية في عمومها الى نهضة عالمية موحدة في ارجاء الأرض لمواجهة مشروع التلاعب بهوية الإنسان وتحويله الى مجرد شيء؟ وإعادة النظر في السياسة العالمية وهيمنة الاقتصاد على صناعة القرار والتعامل مع الشعوب على انها صفقات وعروض ومشاريع تخضع لقوانين السوق الذي تديره الاموال الطائلة؟.

 

عدي عدنان البلداوي

 

 

ابراهيم أبراشالقرار العربي الأول برفض التطبيع مع إسرائيل كان ينطلق من مبدأ أن إسرائيل عدو للأمة العربية ومحتل لأرضها، وهذا القرار لم يظهر بعد حرب 1967 واحتلال إسرائيل للضفة الغربية وقطاع غزة وسيناء والجولان وقرارات قمة الخرطوم (لا صلح ولا اعتراف ولا مفاوضات مع إسرائيل) بل سابق لذلك حيث يعود لقرار اتخذته جامعة الدول العربية عام 1950 يدعو لمقاطعة إسرائيل ،وقد تم كسر هذا القرار عملياً عندما وقعت مصر اتفاقية سلام مع إسرائيل علم 1979 ثم تلتها منظمة التحرير الفلسطينية 1993 مع توقيع اتفاقية أوسلو وبعد عام الأردن في اتفاقية وأدي عربة، ثم جاءت المبادرة العربية للسلام 2002 التي قالت بأن وقف المقاطعة واستعداد العرب للاعتراف بإسرائيل والتطبيع الكامل معها مرهون بانسحاب هذه الأخيرة من الأراضي العربية المحتلة عام 67 وقيام الدولة الفلسطينية على حدود 67 مع إيجاد حل عادل لقضية اللاجئين الفلسطينيين .

بهذه الاتفاقات وضمن هذا المسار لم تعد إسرائيل رسمياً عدواً لهذه الأنظمة والكيانات السياسية، بل تحولت لشريك في عملية السلام التي انطلقت في مدريد 1991 تحت شعار (الأرض مقابل السلام). بالرغم من أن إسرائيل لم تلتزم بعملية السلام وواصلت احتلالها واستيطانها بل انتقلت من مرحلة الاستيطان إلى مرحلة الضم، كما جرى مع الجولان وما يجري مع الضفة الغربية والتنكُر الكلي لحق العودة ولقيام دولة فلسطينية مستقلة استمر التطبيع والمطبعون مع دفعهم بمبررات واعذار للتطبيع بعيداً عن المبدأ الأول الذي يقول بأن إسرائيل عدو للأمة العربية.

 وفي هذا السياق كان يوسف العتيبي سفير الإمارات في واشنطن واضحاً في مقالته في جريدة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية يوم الجمعة 12 يونيو عندما تحدث عن العلاقة بين بلاده وإسرائيل ورغبة الإمارات في مزيد من التطبيع، وأن ينشر سفير دولة عربية وهو على رأس عمله مقالاً في أهم الصحف الإسرائيلية وبغض النظر عن مضمون المقال يعتبر بحد ذاته حدثاً مهماً لاًن ما يكتبه السفير يعبر عن موقف بلاده.

إذا تجاوزنا إدانة السفير لحزب الله ووصفه بالجماعة الإرهابية واتهام حركة حماس بالتحريض دون ان يتهم أو ينتقد الكيان الصهيوني الذي يمارس الاحتلال ويواصل الاستيطان، والاحتلال أسوأ وأخطر أشكال الإرهاب، وتجاوزنا مقارنته دولة الإمارات بإسرائيل وهي مقارنة غير مفهومة ومسيئة لدولة الإمارات، فإن الملفت للانتباه فيما كتبه وهو بيت القصيد من المقال، أنه طرح مبادرة جديدة للتطبيع تمثل انقلاباً على المبادرة العربية للسلام وذلك عندما وضع معادلة جديدة عبر عنها عنوان مقالته (إما الضم أو التطبيع). بينما معادلة المبادرة العربية تقوم على قاعدة (التطبيع مقابل الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي العربية المحتلة وقيام الدولة الفلسطينية).

ما طرحه العتيبي معناه أن الاحتلال الإسرائيلي والاستيطان ورفض قيام دولة فلسطينية ليست عقبات أمام التطبيع، والمشكلة فقط في ضم أراضي فلسطينية، وبالتالي إذا ما تراجعت إسرائيل عن الضم أو مررته بدون إعلان أو بالتجزئة فالإمارات ستُطبِّع مع إسرائيل أو بالأصح ستواصل مسار التطبيع الذي بدأته منذ سنوات .

الموقف الجديد لدولة الإمارات من التطبيع والذي عبر عنه العتيبي سبقته ممارسات تصب في خانة التطبيع وتبليغ رسائل حسن نية تجاه إسرائيل، منها ما ذكره السفير كحضوره للمؤتمر الذي عقده ترامب بحضور نتنياهو للإعلان عن صفقة القرن وأخرى معروفة ولم يذكرها كتسيير خط طيران بين الإمارات وإسرائيل وبعضها علاقات خفية ذات طبيعة أمنية، هذه العلاقات التطبيعية أو التطبيع المتدرِج لا تقتصر على الإمارات فقط بل هناك قطر وسلطنة عُمان وجوقة من الكتَبَة والمثقفين دعاة التطبيع وبعض هؤلاء لا يكتفي بالدعوة للتطبيع مع إسرائيل ومدحها بل يتطاولون على الشعب الفلسطيني وتاريخه النضالي؟ .

ما يجرى من تطبيع في الفترة الأخيرة يستدعي التوقف عند القضايا التالية: -

1- موجة التطبيع الجديدة تأتي في وقت تشهد فيه إسرائيل تشكيل أخطر حكومة يمينية وفي الوقت الذي تواصل فيه بناء المستوطنات وحصار قطاع غزة واستمرارها في سجن آلاف الفلسطينيين، وفي ظل غياب أية تحركات جادة للتسوية السياسية.

2- يتزامن التطبيع مع حملات تشويه للشعب الفلسطيني وتاريخه النضالي، وتراجع الدعم سواء للسلطة الفلسطينية التي تحاصرها إسرائيل حيث ترفض الدول العربية تفعيل شبكة الأمان التي وعدت بها لدعم السلطة، أو لفصائل المقاومة المسلحة حيث يتم اتهامها بالإرهاب من طرف الدول المطبِعة وأبواقها الإعلامية.

3-  غموض موقف جامعة الدول العربية صاحبة المبادرة العربية للسلام وما إن كانت موافقة على ما يجري من تطبيع، وهل ما زالت متمسكة بمبادرتها؟ وإلى متى ستبقى شاهد زور ومجرد متفرج على ما يجري سواء للقضية الفلسطينية أو في العالم العربي بشكل عام؟ ولماذا تتحرك وتتدخل كل دول الجوار بالإضافة إلى الدول الغربية في الشؤون العربية وتهدد وجود ومستقبل دول عربية كما هو الحال في ليبيا وسوريا بينما لا حضور للجامعة العربية حتى كصاحبة مبادرة سلمية؟.

4- غموض الموقف الرسمي الفلسطيني مما يجري، وما إن كانت القيادة الفلسطينية راضية عن موقف وسلوكيات الدول المطبِعة وخصوصاً الإمارات وقطر؟ ولماذا لم نسمع أي تصريح رسمي حول الموضوع؟. ضعف السلطة وغياب موقف حازم أو واضح على أقل تقدير من السلطة بالإضافة إلى الانقسام هو ما يشجع هذه الدول على التطبيع، ويشجع بعض الأفراد الإمعات من أشباه الكتبة والمثقفين على التطاول على الشعب الفلسطيني.

5- نحذر من حسن النية تجاه إسرائيل الذي تبديه بعض الدول العربية الراغبة بالتطبيع، لأن إسرائيل لا تهدف من التطبيع أن تصبح دولة عادية كبقية دول المنطقة وتعيش معها بسلام، بل تريد من التطبيع أن تنهي الوجود الوطني للشعب الفلسطيني كهدف أول ثم الهيمنة والسيطرة على المنطقة العربية إن لم يكن على الشرق الأوسط. إن إسرائيل التي تسعى لأن يعترف العالم بها كدولة يهودية لا يمكنها أن تكون دولة سلام واستقرار في عالم عربي وإسلامي.

6- التطبيع حتى الأن محصور في النطاق الرسمي، ذلك أنه وبالرغم من الأصوات الشاذة من بعض الأفراد العرب من صحفيين وغيرهم الداعية للتطبيع وبالرغم من انشغال الجماهير العربية بمشاكلها وهمومها الداخلية إلا أن غالبية الجماهير العربية ما زالت تؤمن بعدالة القضية الفلسطينية وترفض الاعتراف أو التعايش مع إسرائيل كما ترفض المزاعم الرسمية التي تقول بأن القضية الفلسطينية تستنزف مال وجهد العرب.

 

إبراهيم أبراش

 

وعد عباس (24 شباط - 13 حزيران)

هذا المقال هو متابعة واستقراء لأعداد المصابين بفيروس كورونا في العراق وسياسة الحكومة في التعامل مع الأزمة الناتجة عنه، ومدى قناعة الشعب بها، ودرجة تنفيذه لقراراتها، ومدى صحة اتهام الحكومة للشعب المتضمن "انتشار الوباء في العراق كان بسبب عدم التزام الشعب بإجراءات حظر التجول المفروضة"

في 24 شباط 2020م اُعلِنَ عن تسجيل أول حالة إصابة بالفيروس المستجد في العراق لطالب دراسات دينية إيراني في محافظة النجف(1) وفي يوم 27 من الشهر ذاته قررت اللجنة المشكلة وفق الأمر الديواني رقم (55) لسنة 2020 تعطيل المدارس والجامعات وفرض حظر على كافة أشكال التجمعات بما فيها المركبات التي تقل أكثر من أربعة ركاب، وفي 5 آذار أعلنت وزارة الصحة عن تسجيلها 35 إصابة جديدة، وبقيت الإصابات قليلة لم تتخطَ حاجز العشرات إلا بضع مرات حتى يوم 20 أيار، إذ أعلنت وزارة الصحة عن تسجيلها 113 إصابة جديدة، واستمر العدد يتصاعد، حتى بلغ في يوم 29 أيار 416 إصابة، وفي 3 حزيران 781 إصابة، وفي 6 حزيران 1252 إصابة، وما زال العراق إلى يوم كتابة هذا المقال (13/6/2020) يسجل حالات إصابة تتعدى حاجز الألف يوميا .

المستغرب في الأمر:

إن العراق استمر بتسجيل حالات قليلة لمدة أكثر من 85 يوما (24/2/2020 – 20/5/2020) وكان من المفترض أن تزيد حالات الإصابة بشكل كبير ومتسارع لأن الفيروس كما وصلَ إلينا من معلومات ينتقل بصورة سريعة جدا، ومن المفترض أن يصبح العراق بلداً موبوءً خلال أسابيع قليلة، خاصة في ظل عدم التزام الشعب بقرار حظر التجول والإجراءات الوقائية، وانتقال تجمعاته من المقاهي والملاعب إلى البيوت، والحدائق والمقاهي والملاعب البعيدة عن الأعين، لكن وعكس كل التوقعات، وعكس كل ما حدث في دول العالم، لم ينتشر الوباء في العراق إلى الحد الذي كان متوقعا له .

ولنا أن نقارنه بما حدث في إيطاليا مثلا، فبعد أن سجَّلت وزارة الصحة الإيطالية إصابتين بالفيروس في 31 /1/2020م(2)، وصلَ عددُ الإصابات فيها حدَّأً مرعبًا خلال أقل من شهرين، ففي 24/3/2020م قاربَ عدد المصابين فيها (70 ألفاً) والمتوفين (6820) وفاة(3) والسيناريو ذاته تقريبا حدث في اسبانيا وايران والولايات المتحدة الأمريكية، مع الأخذ بعين الاعتبار حقيقة أن شعوب تلك الدول أكثر ثقافة ووعيا وتمسكا بالحياة والتزاما بالتوصيات خاصةً وانَّهم أكثر ثقة من شعبنا بحكوماتهم، بل هناك دول أخرى قريبة حدث فيها السيناريو ذاته كقطر والسعودية .  وإليكم المنحنى الوبائي في العراق الذي أعددته باستعمال برنامج Excel والذي يعد غريبا إذا ما قورن بالمنحنيات الوبائية في بقية الدول :

1668 كورونا 1

المنحنى الوبائي في العراق لمدة أكثر من شهرين (24 آذار – 31مايو 2020م)

1668 كورونا 2

 المنحنى الوبائي لمدة 13 يوما الأخيرة في العراق (1 حزيران – 13 حزيران 2020)

ولكم أن تقارنوه بالمخططين التاليين الذين يمثلان الموقف الوبائي في دولتي السعودية وقطر، إذ يبدو المنحنى الوبائي في العراق أكثر ثباتا ولأقل تصاعدا .

1668 كورونا 3

المصدر : الموقع الرسمي لمركز الإحصاء التابع لمجلس التعاون الخليجي

إذن: كيف بقي العراق يسجل حالات إصابة قلائل لمدة قاربت الثلاثة أشهر؟

ولماذا ازداد عدد الإصابات بعد رمضان مباشرة؟ وما سر الثبات في المنحنى الوبائي؟

خلية الأزمة العراقية وجهَّت اللوم إلى الشعب بالدرجة الأولى، وقالت "أن هذا التزايد قد حدث بسبب رفع الحظر العام وإقرار الجزئي في رمضان، مع عدم التزام المواطنين حتى بالحظر الجزئي خلال الشهر الفضيل، وامتناعهم عن تطبيق الإجراءات الوقائية المتمثلة بارتداء الكمامات والقفازات والتباعد الاجتماعي، فضلاً عن أن الزيادة الحالية حدثت بسبب زيادة المختبرات والمتدربين عليها الذي أدى بصورة تلقائية إلى زيادة النماذج (العينات) المفحوصة، إضافة إلى قيام مديريات الصحة بعمليات التحري النشط في البحث عن المصابين"، والحقيقة أن هذه التبريرات غير صحيحة وغير مقنعة للأسباب التالية :

أولاً/ لم يلتزم العراقيون بحظر التجول الشامل ولا الجزئي منذ أول إصابة في العراق، ولم يلتزموا بالإجراءات الوقائية منذُ اليوم الأول لدخول الفيروس وإلى الآن، وكل الذي حدث أنهم انتقلوا من التجمهر في النوادي والمقاهي والمساجد إلى التجمع في البيوتات والساحات والمقاهي البعيدة، فما الذي أخَّرَ انتشار الفيروس إذن ؟! وتجدر الإشارةُ هنا إلى أن التجمع في تلك الأماكن أخطر من المقاهي  والملاعب والدوائر الحكومية التي تم إغلاقها، وكان المفترض أن تتسبب بزيادة الحالات وانتشار الوباء، لأنها: 

أ‌- أماكن مغلقة وضيقة ورطبة وباردة يسهل فيها انتشار الفيروس مقارنة بالبيئات المفتوحة كالملاعب والساحات .

ب‌- لها تماس مباشر مع العوائل بما تضمه من مرضى وأطفال ومسنين، خاصة وأن المصاب سيستعمل أفرشة المنزل ووسائده، وأوانيه .

ت‌- لم يتم في العراق حجر المناطق أو الشوارع أو البيوت الموبوءة، بل لم يتم حتى عزل المحافظات، وكل الذي حدث حبر على ورق، إذ أن الرشاوى والوساطات والاستثناءات والطرق النيسمية مباحة وتسير الأمور فيها بشكل طبيعي، وحتى التجار لم يكونوا يخضعون لأي فحص خلال تنقلهم من محافظة لأخرى .

ثانياً/ عندما تتبعتُ أعداد النماذج المفحوصة وقارنتها بعدد الإصابات، لم أجد دليلا على أن الزيادة في عدد الإصابات كانت فقط بسبب زيادة النماذج المفحوصة، ففي 10 أيار تم فحص (2233) نموذجا وكان عدد الإصابات (88) إصابة، بينما في 15 أيار تم فحص (2921) عينة وكان عدد الإصابات (50) إصابة فقط . وفي 26 أيار تم فحص (4920) نموذجا وكان عدد الإصابات (216) إصابة فقط بينما في 27 أيار تم فحص (4014) نموذجا وبلغ عدد الإصابات (287) !!!، وللقارئ الكريم أن يعود إلى المواقف الوبائية اليومية ويقارن بين أعداد العينات المفحوصة والإصابات في كل يوم، ليجد أن دورها كبير لكنه ليس حاسما أو حيدا .

وإذا سلَّمنا جدلًا بما تقوله وزارة الصحة من أن هناك أعداد كبيرة مصابة لم يتم الكشف عنها، فإن هذا يقودنا إلى نتيجة مفادها أن الفيروس ليس خطيرا بالدرجة التي يستحق معها كل هذا التهويل والتوقف لعجلة الحياة، وإلى نتيجة أخرى هي أن الوفيات الآن تشكل نسبة 2.9% من الأعداد المعلنة، فإذا قلنا بوجود أعداد أخرى كبيرة غير مكتشفة فهذا يعني أن نسبة الوفيات تصل إلى ما دون 2%.

الفرق بين الحكومتين (المستقيلة والجديدة) :

تولى الدكتور جعفر صادق علاوي منصب وزارة الصحة في حكومة السيد عادل عبد المهدي، وعايش أزمة كورونا منذ أول إصابة سجلت في العراق ولمدة (75) يوما تقريبا (24/2/2020م – 8/5/2020) تم خلال وزارته فحص (122941) نموذجا، وتأكَّدَ إصابةُ (2603) شخصا أي ما يعادل 2% من النماذج المفحوصة، وشفاء (661) حالة أي ما يعادل 63.8% من مجموع المصابين .

أما الدكتور حسن التميمي فقد تسلم مهام وزارة الصحة في حكومة السيد مصطفى الكاظمي بتاريخ 9/5/2020م، أي منذ 35 يوميا تقريبا، تم خلال هذه الفترة الوجيزة فحص (237009) نموذجا، تأكَّدَ إصابةُ (16347) شخصا منها، أي ما يعادل 6.8%، وبفارق 4.8% عن الوزير السابق، وبلغت حالات الشفاء (5854) أي ما يعادل 35.8%، وهي أقل مقارنة بالحالات في زمن الوزير السابق.

حالات الوفاة تشعرنا بالطمأنينة!:

اليوم 13/ 6 / 2020 بلغ عدد الإصابات الكلي في العراق (18950) إصابة منذ تسجيل أول إصابة فيه بتاريخ 24/2/2020م، وبلغ مجموع الوفيات (549) حالة وفاة، أي أنها تشكل نسبة 2.9% من مجموع الإصابات، فإذا استبعدنا الوفيات التي تسجل بسبب الفساد المالي والإداري الذي يشهده العراق كونه في ذيل التصنيف الدولي كأحد أكثر الدول فساداً في العالم(4) وما ترتب عليه من سوء النظام الصحي، وفساد الموظفين في الدوائر أجمع، ستصل النسبة إلى ما دون 2% وربما أقل بكثير، ولا بد من الإشارة هنا إلى أن فضائح كثيرة نُشِرت من قبل أطباء وممرضين ومسؤولين بشأن تسجيل حالات وفاة اعتيادية على أنها كانت بسبب الفيروس .

أما إذا أخذنا بقولهم بوجود أعداد هائلة غير مكتشفة، فهذا يعني تناقص النسبة المئوية للوفيات إلى ما دون 1%، سيما وأنهم يدققون في الوفيات ويتأكدون ما إذا كانت بسبب كورونا أو غيره .

1668 كورونا 4

مخطط دائري يوضح نسبة الوفيات وحالات الشفاء والراقدين في العراق

وفي الوقت ذاته لا ينبغي التركيز على الوفيات فقط، بل تجب ملاحظة حالات الشفاء إذ بلغ مجموعها الكلي (7515) حالة شفاء، أي ما يعادل 39.6% من مجموع الإصابات وهي في تزايد مستمر .

مقارنة مع المملكة العربية السعودية :

اخترتُ المملكة العربية السعودية من دون بقية البلدان لأنها جارة لنا، وتعدادها السكاني (حوالي 33 مليون نسمة) قريب من تعدادنا (حوالي 38 مليون نسمة)، ومناخها يكاد يشبه مناخنا، وعايشت الفيروس بنفس المدة التي عايشناه فيها وبفارق أسبوع واحد فقط .

بلغ المجموع الكلي لعدد الإصابات في المملكة السعودية (123237)(5) منذ تسجيل أول إصابة مؤكدة بفيروس كورونا في 2/3/2020م(6)، أما مجموع الوفيات فبلغ (932)(5) حالة وفاة، أي ما يعادل (0.8%) من مجموع الإصابات، فيما بلغ مجموع حالات الشفاء (82476)(5) حالة شفاء، أي ما يعادل (66.9%) من مجموع الإصابات .

أما العراق فقد بلغ المجموع الكلي للإصابات فيه (18950) إصابة منذ تسجيل أول إصابة مؤكدة في العراق في 24/2/2020م، أما مجموع الوفيات فبلغ (549) وفاة، ما يعادل (2.9%) من مجموع الإصابات، فيما بلغت حالات الشفاء (7515) حالة، ما يعادل (39.6%) من مجموع الإصابات . 

1668 كورونا 5نلاحظ مما سبق أن النسبة المئوية للوفيات في دولة السعودية أقل من نسبة الوفيات في العراق بنسبة (2.1%)، وأن النسبة المئوية لحالات الشفاء في السعودية أكبر منها في العراق بنسبة (27.3%) وهذه فروق كبيرة ترجع إلى مجموعة من الأسباب أهمها تخلف النظام الصحي في العراق مقارنة بنظيره السعودي، إضافة إلى التلاعب والمبالغة بأعداد الإصابات والوفيات من قبل جهات لها مصلحة في ذلك، وهذا ليس قولي بل قول مجموعة كبيرة من الأطباء والممرضين وشهادة كثير من الناس، فضلا عن الرعب الذي يمارسه الأطباء والممرضون جهلًا بالجانب النفسي في ردهات العزل، وكثرة أعداد المعرضين للوفاة بالفيروس في العراق بسبب النسبة المرتفعة للأمراض المزمنة كالسكري وغيره كنتيجة طبيعية لسوء الوضع الأمني والمعيشي في البلاد .

لماذا لم يطبق العراقيون التوصيات؟

ما زالت الحكومة والإعلام، والمثقفون، والناشطون يدعون المواطنين إلى الالتزام بحظر التجول والإجراءات الوقائية، وما زال العراقيون يتجاهلون ذلك تمام، ولا نية لهم بتطبيقه في ظل استغراب الحكومة والكثير من المتابعين للشأن العراقي، فإذا كنتم تبحثون عن الأسباب فهي :

الشعب العراقي من الشعوب الفطنة المتيقظة حسب رأي العديد من العلماء، ومنهم الجاحظ والدكتور علي الوردي، وهو شعب لا يصدق كل ما يقال له من حكومته، بل ينتقدها باستمرار ويثور ضدها، وهو – الشعب – يتابع اليوم الأخبار من حوله، فهذا الرئيس الأمريكي يعقد الندوات والمؤتمرات مع الكثير من الجماهير دون إجراءات وقائية، وذلك وفد من وزير التعليم العالي يحظر قبل أيام عزاء أحد منتسبيه في كركوك ويتصافح الوفد مع عشرات الحاضرين دون أي إجراءات وقائية، وغيرها الكثير من الحوادث، كما أنه يلاحظ حالات الشفاء الكثيرة والوفيات القليلة، ويتابع الفضائح التي ينشرها الناس والمختصون عن التضخيم في أعداد الوفيات والإصابات، ويعرفُ أن هناك أمراضا أشدَّ فتكا من كورونا وأكثر انتشاراً كمرض السرطان الذي لو كانت الحكومة تملك كل هذا الحرص على شعبها لاتخذت ولو خطوات بسيطة للسيطرة عليه بمعالجة التلوث البيئي الذي أخذ أشكالا مختلفة، فقرنها مباشرة بالتظاهرات، واستنتج أن هذا الحظر ليس حرصا على الشعب، بل خوفا من التظاهر وحرصا على المناصب .

ولا ينبغي أن ننسى حقيقة أن العراقيين ليسوا كتلك الشعوب المرفهة المترفة المتمسكة بالحياة، بل أنهم يعيشون حياة خالية من المعنى مليئة بالضغوط والمحبطات، والموت عندهم لم يعد ذلك الحدث المرعب كما كان .

أما الفقراء فإضافة إلى الأسباب السابقة، هم يقتاتون من عملهم اليومي، وانقطاعهم يوما واحدا يتسبب لهم بمشكلة مالية وربما الجوع في أحيان كثيرة، يقابله عدم جدية الحكومة تقديم العون لهم حتى خلال هذه الأزمة .

استنتاجات:

1- المنحنى الوبائي في العراق يبدو ثابتا وليس تصاعديا كما هو الحال في دول أخرى دخلها  الوباء في تاريخ مقارب لدخوله العراق.

2- زيادة عدد الإصابات في الأسبوعين الأخيرين يعود بشكل كبير إلى زيادة عدد النماذج المفحوصة .

3- من الخطأ إرجاع انتشاره إلى عدم التزام العراقيين بالتباعد الاجتماعي والإجراءات الوقائية، كونهم لم يلتزموا بها منذ اليوم الأول وإلى الآن، أي أن الفيروس منتشر قبل هذين الأسبوعين وبدأوا يكتشفونه الآن بعد زيادة النماذج المفحوصة .

4- وجود الكثير من الحالات غير المكتشفة بسبب قلة النماذج المفحوصة يدل على أن الفيروس ليس خطيرا إلى الدرجة التي يصورها الإعلام، بل هناك الآلاف يصابون ويتعافون دون أن يعلم بهم أحد .

5- فحصت الوزارة الجديدة خلال 35 يوما، ضعف ما فحصته الوزارة المستقيلة خلال 74يوما .

6- زيادة عدد الوفيات في العراق، وقلة حالات التعافي فيه مقارنة مع دولتي السعودية وقطر بسبب الفساد المالي والإداري والتلاعب بالنسب وتخلف النظام الصحي، وسوء التعامل مع الحالة النفسية للمريض، وكثرة الأمراض المزمنة والخطيرة لدى العراقيين كالسكري وضغط الدم والسرطان وغيره مقارنة ببقية الدول

7- عدد النماذج المفحوصة في المملكة العربية السعودية يعادل أربعة أضعاف النماذج المفحوصة في العراق، إذ بلغ عددها في المملكة (1.106.398) حتى 14/6/2020م، أما في العراق فقد بلغت إلى هذا التاريخ (369.870) .

8- تتراوح نسبة الإصابات يوميا بين (1% - 12%) من العينات المفحوصة، أما نسبتها من جميع النماذج المفحوصة فبلغت (5.26%) .

توصيات:

1- لا بد من تخفيف إجراءات الحظر وإعادة الحياة إلى طبيعتها مع إلزام الناس بالإجراءات الوقائية قدر المستطاع ووفق مبدأ الثواب والعقاب، كون بقاء الوضع على ما هو عليه الآن سيرهق الدولة، ويرهق الفقراء ويؤدي إلى مشكلات نفسية واجتماعية وأمنية كثيرة، أي أن يتحمل المواطن مسؤولية نفسه، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الفيروس لا يشكل خطرا على النسبة الأكبر في المجتمع .

2- نوصي بالعناية بالجانب النفسي والمعنوي في التعامل مع المرضى، وخاصة ممن يعانون من أمراض نفسية مسبقًا، أو أمراض جسدية خطيرة أو مزمنة .

3- زيادة عدة النماذج المفحوصة والإسراع بعمليات التحري وفتح المختبرات وتدريب الكوادر .

ختامًا:

حاولتُ أن يكون الكلام واضحا ومفهوما للجميع، واستعملتُ النسب المئوية والمخططات لتحقيق هدف الفهم، وأحب أن أختتم المقال بما قاله لي أحد الفقراء بالعامية: (أموت بكرونا أحسن مما اموت بالجوع، لو يمنون الناس عليه بالمسواك)

 

وعد عباس

................

المصادر:

(1) سكاي نيوز – عربية في 24 شباط / فبراير 2020م . https://www.skynewsarabia.com/middle-east/1324062

(2) أخبار اليوم، 31 كانون الثاني / يناير 2020م . https://www.akhbaralyawm.com/219644

(3) D.W العربية، 24/3/2020م، عنوان الخبر (كورونا.. ارتفاع أعداد الإصابات والوفيات عالميا وإيطاليا تتصدر)

(4) وكالة يقين للأنباء، 29 يناير 2020م،

 https://yaqein.net/reports/241295

وكالة سكاي برس 24 يناير 2020م، عنوان الخبر (من بين الاشد فسادا .. العراق يحتل مرتبة كارثية .. حقائق واسباب صادمة)

(5) الصفحة الرسمية لمنظمة الصحة العالمية، المكتب الإقليمي لشرق المتوسط، 13/6/2020م .

(6) وكالة سكاي نيوز عربية، 2 شباط 2020، https://www.skynewsarabia.com/technology/1325245 .

(7) كل الأرقام والإحصاءات مأخو ذة من الموقع الرسمي لوزارات الصحة في الدول المذكورة في البحث، ومن الموقع الرسمي لمنظمة الصحة العالمية – المكتب الإقليمي لشرق المتوسط .

 

 

محمود محمد عليهناك كتاب لفريد هاليداي بعنوان "ساعتان هزت العالم"، وهذا الكتاب هو شرح لتفاصيل أحداث الحادي عشر من سبتمبر .. قصدت الاستشهاد بهذا الكتاب لأقول : إذا أردنا أن نؤلف كتاباً نتناول فيه لحظة مقتل جورج فلويد علي يد الضابط الشرطي لقلنا " تسع دقائق هزت الولايات المتحدة الأمريكية"، بحيث نبدأ كلامنا فنقول : عندما أعلن مينيابوليس الصمت لمدة 8 دقائق و46 ثانية علي روح جورج فلويد .. صمت السكان المدة التي استمر فيها الشرطي بالضغط علي رقبة فلويد حتي فارق الحياة .. تجمع السكان عند النصب التذكاري الذي أقيم لفلويد وأمام لوحة جدارية رسمت له.. هذه اللوحة تعلن للجميع هذا القول " إذا زلزلت الولايات المتحدة الأمريكية زلزالها، وأخرج  الديمقراطيون أثقالها.. فهل تكون النهاية هنا لترامب؟!".

وهنا نقول كمحللين بأن هذا الحادث يحمل أكثر من سياق .. السياق الأول أن الدولة  الأمريكية برئاسة ترامب فعلت ما يجب أن تفعله، وهذا غريب للغاية رغم كل هذه الاحتجاجات فإن الدولة الأمريكية تصرفت إزاء هذا الحادث بما يتناسب مع الحدث، حيث أول شئ فعله الرئيس ترامب أنه تواصل مع شقيق جورج فلويد، وأعرب عن أسفه وأبلغه بتعازيه  .. السياق الثاني الذي فعله ترامب أنه أحال الضباط المتسببين في مقتل فلويد للتقاعد والمحاكمة .. السياق الثالث أن هناك ضباط شرطة أمريكيين آخرين تضامنوا مع الحركة السلمية المعادية لهذا الضابط ..

ما فعله الرئيس ترامب بعد ذلك أنه أعلن أن العدالة ستأخذ مجراها في هذا الموضوع بأقصي ما يمكن .. وعلي الرغم من ذلك فالموضوع أخذ منحي ثقافي واجتماعي وتاريخي، وقد أسفر هذا المنحي علي أن السود أكثر عرضة للقتل بشهادة صحف أمريكية أخذت تظهر الأرقام المتوفرة للحوادث التي تطلق فيها الشرطة النار على الناس وتقتلهم، أن فرصة مقتل الأمريكيين من أصول أفريقية بإطلاق النار من قبل الشرطة أكبر بكثير مقارنة بعددهم من إجمالي عدد سكان الولايات المتحدة..

لم تكتف تلك الصحف بذلك بل أكدت بأن رغم أن الأمريكيين من أصل أفريقي يشكلون أقل من 14 في المئة من السكان حسب إحصائيات عام 2019 الرسمية، إلا أنهم كانوا يمثلون أكثر من 23 % من بين كل 1000 حالة إطلاق نار أدت إلى القتل على يد الشرطة. وهذا الرقم ثابت تقريبا منذ عام 2017 في حين انخفض عدد الضحايا البيض منذ ذلك الحين.

والسؤال الذي نود أن نطرحه الآن: لماذا حدثت هذه التداعيات عقب مقتل جورج فلويد؟

تاريخيا يقال أن عام 2020 هو ذلك العام الذي ستحتفل فيه الولايات المتحدة علي مرور 150 سنة علي تحرير العبيد في أمريكا علي يد الرئيس العظيم "إبراهام لينكولن"، والذي قام بتحرير العبيد في أمريكا، وهذا الحدث العظيم لم يعطي للسود حقوقا كاملة ..

علاوة علي حدث آخر وهو أنه منذ 56  سنة نجح السود في نقل الحقوق المدنية إليهم، لكن للأسف كانت حقوقاً منقوصة غير كاملة .. وبالمثل منذ أعوام 2016 وحتي 2018 وما يليه في كل عام كان يوجد هناك حادث عنصري في أمريكا باستمرار .. أضف إلي ذلك  أن هناك شخصيات سمراء حكمت أمريكا، مثل باراك أوباما، وكولن باول رئيس الأركان،وكوندالزرايس مستشارة الأمن القومي .. الخ وشخصيات كثيرة كانت في قلب الإدارة والسلطة في أمريكا .. علي الرغم من ذلك كله إلا أن المجتمع الأمريكي يشعر بأنه لا تزال هناك تفرقة عنصرية وأن الملونينن يعانون، بل وأن السود لديهم مشاكل كبيرة جداً؛ وخاصة من ذوي الأصول الأفريقية نتيجة هذا الوضع ..

وهنا اكتشفت أمراً مهماً جعل الأحداث الأخيرة في الولايات المتحدة الأمريكية تصبح بهذه القوة، وهي متعلقة بالسياسة، ألا وهو الصراع الحزبي في الولايات المتحدة، فالولايات المتحدة الآن تختلف عن الولايات المتحدة بالأمس التي كنا نقول من خلالها الرأي والرأي الآخر ..

يقال في بعض الحالات إذا صار الخلاف الحزبي عنيفاً فإن هذا يؤدي ليس فقط إلي خلاف سياسي؛ بل يؤدي إلي تقسيم المجتمع، بل وتقسيم الدولة الأمريكية في بعض الأحوال، ولذلك كان ينبغي أن تكون هناك أسس ثابتة وطنية ومبادئ عامة للقوي السياسية المتصارعة ..

إن ما جعل الولايات المتحدة الأمريكية تنجح فيما مضي هو ما يمكن تسميته بـ " الهندسة السياسية " (علي حد تعبير الصحفي المبدع أحمد المسلماني) للولايات المتحدة الأمريكية، فأمريكا يوجد بها حزبان كبيران لا يوجد بينهما، والحزبان مرشحين للرئاسة، وكلاهما يمثلان جناحين في حزب واحد .. والحزبان يلعبان سياسة بطريقة واحدة، وفي نفس الملعب، وفي نفس الحدود ..

الرئيس ترامب يعد أول رئيسي أمريكي متمرد علي ما أطلقنا عليه بأنه يوجد به نوع من " الهندسة السياسية " .. فقد جاء نقيضا للبيت الأبيض، وجاء نقيض واشنطن، ويريد أن يعيد تغيير الخريطة الأمريكية .. كل هذا أدي إلي بروز اليسار المتشدد ضده (خاصة من الاشتراكيين والفوضيين) .. وهنا وجدنا الرئيس ترامب يتهم اليسار المتشدد له من أمثال منظمة "أنتيفا" بأنها منظمة إرهابية، وهذا مما فاقم من الموقف الاحتجاجي ..

يضاف لهذا الموقف أيضاً وهو أن الحزب الديمقراطي له الأغلبية في واشنطن العاصمة، ولهذا السبب وجدنا خلال الأيام الماضية ولاية واشنطن هي من أكثر الولايات الأمريكية اشتعالاً بالاحتجاجات .. فالتاريخ يقول أن 94 % أعطوا أصواتهم لهيلاري كلينتون من واشطن .. وبالتالي الرئيس ترامب أصبح بلا شعبية في العاصمة الفيدرالية واشنطن لأنها عاصمة ديمقراطية .. أما المكان الذي وقع فيه الحادث وهو مينيابوليس هو أيضاً مكان ديمقراطي، وبالتالي فهو معادي للرئيس ترامب ..

كذلك الحكام في الولايات الأمريكية الفيدرالية يوجد بها حكام جمهوريين وحكام ديمقراطيين .. الحكام الديمقراطيين تقاعسوا عن وهذا هو اتهام الرئيس ترامب لهم؛ حيث تقاعسوا عن استدعاء الحرس الوطني وهو الذي كان عليه أن يضبط الأمور في البداية، تقاعسوا في أمور كثيرة أخري يصعب سردها بالتفصيل ..

لماذا هذا التقاعس وكان هذا هو نفس سؤال ترامب لهم؟

والإجابة تتمثل في أن موضوع الديمقراطي أو الجمهوري لم يكن موضوعاً سياسياً إزاء حادثة مقتل فلويد، وإنما أضحت الأمور تمثل مشكلة وطنية متعلقة بأن يكون المواطن الأمريكي جمهورياً أو ديمقراطياً .. إذن واشطن تؤجج الاحتجاجات لكونها ديمقراطية .. وهنا يمكن القول : أليس من الرشد والحكمة أنه مهما يكن الصراع السياسي الموجود بين الجمهوريين والديمقراطيين، والذي بدا واضحاً في حدوث الفوضي،وكم السرقة،  وأعمال الشغب التي حدثت أن تدفع الديمقراطيين للتحدث بحكمة، وذلك بأن ينددوا بما حدث، وهذا ما جعل ترامب نفسه يتهم الديمقراطيين بأنهم مؤيدين للشغب والأحداث التي حدثت، ويريدون أن تستمر تلك الصورة بهذا الشكل لتصل صورة لجميع الأمريكيين أن الرئيس الأمريكي غير قادر علي أن يحتوي هذه الأمور، وبالتالي تصبح الأمور مشتعلة، وهذا ربما لا يصب في صالح الديمقراطيين ؟

لسان العقلانية  والعقلاء يقول بأن الوضع المثالي في أي نظام سياسي، هو أن يحدث ذلك، وهو أن يكون هدف الحزب الديمقراطي أمريكا أولاً، وكذلك  الجمهوري أيضاً.. لكن في الواقع؛ وبالذات في السنوات الأخيرة، ومع حدة الإعلام، والسياسة، ووسائل التواصل الاجتماعي، أضحي الهدف الرئيس لهذين الحزبين هو الوصول إلي السلطة فقط، وأصبح هذا الشعار للأسف وهو أن " السلطة فوق الدولة" و" السلطة أولاً" ..

أحد معايير الحياة السياسية في الولايات المتحدة الأمريكية حاليا، أن الديمقراطيين لا يهمهم الآن إلا إسقاط الرئيس ترامب بأي شكل كان، وقد بذلوا من قبل كل المحاولات (سواء كان منها الغالي والنفيس) لتحقيق ذلك لكنهم فشلوا ؛ فمثلا بذلوا كل المحاولات ألا يجيئ ترامب، لكنه جاء فجاء! .. بذلوا كل المحاولات ألا يبقي فبقي! .. بذلوا كل المحاولات أن يًحاكم، فنجا من المحاكمة! ..

في اعتقادي لو تمكن ترامب خلال الشهور القادمة أن يستتب الأمن وتهدأ الأمور، فإنه بلا شك سيصبح رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية لفترة ثانية.. لكن الديمقراطيون يقولون لو نجح ترامب لفترة ثانية فإن فترة حكمة القادمة ستكون حاسمة في حكم أمريكا ؛ بسبب أن هناك وباء عالمي، وأزمة اقتصادية عالمية، وحرب باردة مع الصين، وحرب سابقة مع روسيا وبالتالي سيفشل ..

يعتقد كل الديمقراطيين الآن بأن حادث مقتل فلويد تعد هي الأفضل بالنسبة لهم للإطاحة بترامب، حيث أن : كورونا مع التظاهرات (والاحتجاجات) كفيلان بأسقاط حكم ترامب وعدم وصوله للسلطة مرة أخري ..

وهنا يؤكد أكثر المحللين أن هذا الأمر ربما يحمل أكثر من سيناريو .. السيناريو الأول وهو أن الديمقراطيين قد ينجحوا وبالتالي لا يتمكن ترامب من النجاح في الانتخابات لفترة المقبلة .. والسيناريو الثاني وهو أنه لو حدث أن توصل ترامب لعلاج قوي يقضي علي كورونا ربما يستطيع أن يتجاوز بهذا الأمر وينجح في الانتخابات .. والسناريو الثالث وهو أن العنف لو زاد أكثر من ذلك سيصب في مصلحة الرئيس ترامب؛ لأنه سيُنظر لهذا الأمر من كل العقلاء بأن هذا أمر غير مبرر ويجب أن يدان وبالتالي يحق للرئيس ترامب استخدام القوة لضبط الحياة الأمريكية..

يبدو أن الجميع أدركوا هذا السيناريو، وهنا وجدنا أن الأمور بدأت تهدأ، وأضحت تحت السيطرة .. وننتظر ما تسفر عنه الأيام القادمة .. وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوكط

.......................

المراجع

1-   فريد هاليداي: ساعتان هزتا العالم (كتاب)

2- مساء dmc - أحمد المسلماني يحلل: أمريكا أين؟ وإلى أين؟ (يوتيوب).

3- BBc عربي : مقتل جورج فلويد: كيف يُعامل السود أمام القانون في الولايات المتحدة؟ (تقرير).

4- 8 دقائق هزت العالم (يوتيوب)

 

 

كاظم الموسوييجتهد د.عقيل الناصري في قراءاته في التاريخ العراقي المعاصر، مختصا بفترة ثورة 14 تموز/ يوليو 1958 وزعيمها عبد الكريم قاسم، كما ينحت بعض المفردات التي يواصل فيها من سبقه في هذا المضمار، كالراحل الكبير هادي العلوي، فيحاول ان يميز في كتبه مصطلحات، منحوتة من المفردات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية والنفسية، خصوصا، في مفردة واحدة. كما يحاول هو في البحث في اختصاص التاريخ السياسي ونشر العديد من الكتب التي اصبحت مصادر او من بينها لتلك الفترة الحرجة من تاريخ العراق المعاصر، من خارج اختصاصه الدراسي والتعرف او الامتياز به. واصبح الموضوع الذي تناوله مدار همه واهتمامه ومعرفته واختصاصه، وسجل له الاصرار عليه والتماهي مع سيرته ومسيرته. وكمثقف عربي  يعيش خارج وطنه الاول ويكتب في التاريخ السياسي ويراجعه ويجتهد فيه يتميز في وفائه للبحث ومحاولة التجرد من الذاتية العاطفية والضغوط السياسية وغيرها. ولانه في منفاه الاوروبي الليبرالي لم يخضع الى ضغوط الكتابة المنحازة او المسيسة برقيب رسمي، بل نجح جاهدا في البحث الموضوعي او ما استطاع اليه سبيلا.

هذه الخصال تميز الباحث الجاد وتسجل له. وقد تمكن منها في تحريك اسئلة عن التاريخ السياسي في العراق المعاصر. كيف نقرأه وكيف نفهمه، وكيف ندرس حركته وشروطه وتحولاته وتاثيرات العوامل الموضوعية والذاتية عليه، وكيف اخيرا نقدمه لقارئ قد يكون عاش فترته او ساهم فيها او لم يعشها ولم يشترك في احداثها؟، وهو المؤمل او المرجو من فائدة الكتاب والتاليف والبحث. وهو  ما عمل عليه الباحث الناصري في كتبه العديدة التي نشرها. والمنشود من غيره السير على منوالها او في طريقها، بحثا عن الحقيقة والمصداقية والامانة والنزاهة الاخلاقية والسياسية والتاريخية طبعا.

في هذا الكتاب اقترب الباحث في قراءاته من الجوانب الفكرية والصراعات الايديولوجية في زمن الثورة وفي شخصياتها الفاعلة فيها. وهو منحى مهم وخطير في الوقت ذاته. لان الوضع في العراق وفي صفحات تاريخه السياسي لها من الحساسيات ما يثير الحذر والترقب من اساليب البحث وكتابة التاريخ في جوابنها الموضوعية او الذاتية، العاطفية الشخصية او الانحيازات السياسية والحزبية. وثورة 14 تموز/ يوليو 1958 في العراق، احدثت قطعا تاريخيا ومرحليا وفتحت صفحة جديدة في التاريخ السياسي العراقي، وارست منعطفا كبيرا في وجدان الشعب والطبقات الشعبية والفقيرة منها. وبلاشك القيادات التي اسهمت فيها، العسكرية والمدنية، والادوار التي قامت بها الاحزاب السياسية والحركة الوطنية عموما، والتحولات التي انجزت ومديات التغيير والتقدم فيها وبعدها تعكس طبيعتها واستمرارها او نكوصها، والظروف والقدرات التي استوعبت العملية الثورية وتبنت فعاليتها.. هذه كلها تقتضي قراءات ودراسات اكثر من مرة ومن اكثر من باحث واحد او لجان بحث وتاليف اكاديمي ومؤسسي. وبلاشك انها مواضيع حيوية للبحث والرؤيا التاريخية الجديدة التي تدرسها في تاريخيتها الزمنية وتداعياتها المستمرة منها والى ما بعد زمنها او مرحلتها التاريخية. وما يميزها في البحث الجديد هو حيويتها وراهنيتها وبقاء اثرها وتاثيرها في بصمات وصفحات التاريخ السياسي للشعب العراقي. حيث ان التاريخ السياسي ليس دراسة او قراءة الماضي وحسب او تسجيل الاحداث التي انتهت او سير القيادات وحسب او تدوين ما كان وما برح وما انفك من الاحداث والمواقف الانسانية والقضايا التي تمس الحركة السياسية والوطنية ونضالاتها الكفاحية ضد الظلم والجور والاستبداد والدكتاتورية، وبالتاكيد ضد الاحتلال والغزو وانتهاكات حقوق الانسان وكرامته. وما احدثته الثورة وقياداتها احدث بمقابله ردات فعل عدائية لها من الاطراف التي تضررت منها والقوى الدولية التي لعبت لعبتها في اجهاضها وتخريب مشروعها الثوري. وهو ما تتطلبه مسؤولية الباحث في القراءة والبحث والتطوير المعرفي والثقافي لتلك الفترة ومسيرتها وصيرورتها. فالثورات ليست قاطرة وحسب بل وانها افاق معرفة وتحول وتجديد للكثير من المواضيع التي يعتمد عليها البحث التاريخي والسياسي خصوصا.

اختص الباحث د. عقيل الناصري في موضوعه هذا وبذل جهوده في استيعابه، حدثا وتجربة وقيادات وادوارا، ودقق في جوهرها وضميرها وقرأ تطوراتها وتغيراتها، وتمكن من جمع ما يتوفر من علم بها، من مصادر عدة، عربية ومترجمة، ونبش في اسرارها وفرسانها، وتعلم منها جميعا طريقه في البحث والكشف والنقد والمحاججة. فتداخل في صفحات التاريخ السياسي وقدر قيمته وجهده. وهو يدرس ويؤرخ ويفكر، في الحدث وجوهره وفي الرجل ومعدنه، في طبائع العمران واختيار الزمكان ودور القائد في التاريخ. أي ان الباحث الناصري تمعن في معرفته لموضوعه وتاريخه وتوثق منها في الاسناد والرؤية وفي ابعاده الماضوية والمستقبلية ووضع ما توصل اليه على مشرحة البحث والدليل للاقناع والجدل فيه او العلم فيه والاقتداء بايجابه او نوافعه والاعتبار من سلبه او نكساته.

فالنقد البناء والتقويم في صفحات التاريخ مهم في مهمته التربوية والفكرية والثقافية عموما لما لها من اهمية وجدوى كبيرتين، ولما لها من دور في صناعة التاريخ، ليس الماضي ووقته وليس الحاضر وزمنه، بل لهما وللمستقبل وعصره. والتاريخ علم وصناعة، لهذا فله عدته وشروطه وارتباطاته، وهو سبيل الى التفكير والمعرفة، وسؤال مفتوح للفكر والفلسفة والتفاعل السياسي.

بعد كل هذا لابد لي من الاشارة لملاحظتين فيما قرات في هذا الكتاب، هما اعتماد المؤلف لمصدر واحد في تاريخيته للحدث الثقافي العراقي المعاصر، وهذا المصدر مجروح في شهاداته التي اصدرها والدوافع التي حركته اليها، وفي كل الاحوال لا يمكن للبحث الناجح ان يستند لراي واحد، وهذه من اواليات البحث. والاشارة الثانية تتعلق بخلط واضح وعدم تمييز في المفاهيم الفكرية والايديولوجية والسياسية، فيما يتعلق بمفاهيم القومية والعروبة، وفي استخدامه الايجابي لنقائضهما، القومانية والعروبية، لاسيما في مجال العسكر ومن ثم الحركة السياسية. اذ ان القومية كمفهوم سياسي ايديولوجي حديث، مرتبط بالهوية والانتماء والتميز عن الاخر المشترك في الوجود والتاريخ. بينما العروبة مفهوم اشمل واوسع منه كهوية جامعة ومعبرة عن المشترك في الوجود والتاريخ. كما ان التوصيف ينبغي ان يتطابق مع النتائج والعمل وليس بالتسميات والرغبات الفردية.

ان كتابات د. عقيل الناصري واهتماماته تقول لمن يقرأها ما يريده منها وما يتطلبه البحث وترسم مسارها كما هو في صفحات التاريخ السياسي في العراق.

 

كاظم الموسوي

.........................

(من تقديمي لمؤلف الدكتور عقيل الناصري: عبد الكريم قاسم، من ماهيات السيرة، من أوجه الصراع السياسي في الجمهورية الاولى، الصادر عن دار سطور للنشر والتوزيع، بغداد 2017، والكتاب هذا هو السادس من سلسلة كتب صدرت للمؤلف بالعنوان الرئيس؛ عبد الكريم قاسم، من ماهيات السيرة، وبعناوين فرعية لمضمون كل منها.)

 

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا حول أزمة سد النهضة الإثيوبي التي تفاقمت ووصلت إلي حد التعنت الإثيوبي، وهنا في هذا المقال نحاول أن نركز حول الاجتماع الثلاثي الذي يجري حالياً في الخرطوم، وهنا نقول : تحتضن الخرطوم جولة محادثات سودانية، مصرية، أثيوبية، رابعة بشأن سد النهضة، ودعت مصر أثيوبيا لعدم اتخاذ خطوات أحادية، وحذرت بأن الإخلال بالاتفاقات، قد يؤدي إلي تأزيم الموقف في المنطقة برمتها، من جانب آخر قال نائب رئيس هيئة الأركان الأثيوبية بأن بلاده ستدافع بقوة عن مصالحها .. والسؤال الآن : ما مستوي الأمان المعقود علي الجولة الجديدة من المحادثات الثلاثية بشأن سد النهضة، وما دلالات إعلان أثيوبيا أنها ستواجه أية تهديدات وستدافع بالقوة عن نفسها وعن مصالحها ؟

إذن تجري في الخرطوم جولة رابعة من الاجتماعات بين مصر والسودان وإثيوبيا بشأن سد النهضة بمشاركة ممثلين عن الولايات المتحدة والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوربي بصفتهم مراقبين، ولا تبدو الأطراف المتفاوضة متفائلة جداً في ظل ارتفاع نبرة الخلاف، لا سيما بين مصر وإثيوبيا، حيث أكدت مصر تعثر مفاوضات «سد النهضة»، وقالت القاهرة إن «إثيوبيا قدمت مقترحاً مثيراً للقلق، يتضمن رؤيتها لقواعد ملء وتشغيل السد»، مشيرة إلى أن «الموقف الإثيوبي مؤسف وغير مقبول، ولا يعكس روح التعاون".

وساد الترقب حتى ساعة متأخرة من مساء السبت الماضي الموافق الثالث عشر من شهر يونيو الجاري، لما ستسفر عنه النتائج الختامية لمباحثات وزراء الموارد المائية في الدول الثلاث، بهدف حسم «القضايا الخلافية»، وتسوية النزاع المحتدم منذ نحو 9 أعوام، والتي أعلنت القاهرة مشاركتها فيها، وفق مهلة زمنية محددة كان مقرراً أن تنتهي أمس.

وقال المتحدث باسم وزارة الموارد المائية والري المصري محمد السباعي، قال إنه ليس متفائلاُ بتحقيق أي تقدم يذكر في المفاوضات الجارية حول سد النهضة، وذلك بسبب استمرار ما سماه التعنت الإثيوبي، الذي ظهر جلياً علي حد تعبيره خلال اجتماعات وزارات الموارد المائية في مصر، والسودان وإثيوبيا، وأوضح السباعي أنه في الوقت الذي أبدت فيه مصر مزيداً من المرونة، خلال المباحثات، وقبلت بورقة توفيقية أعدها السودان، وتصلح لأن تكون أساساً للتفاوض، قدمت إثيوبيا اقتراحاً وصفه بالمثير للقلق، يتضمن رؤيتها في قواعد ملئ سد النهضة وتشغيله، ووصف المسؤول المصري اقتراح إثيوبيا بالمخل من الناحيتين، الفنية والقانونية، وقال إنه يؤكد مجدداً بأن إثيوبيا تفتقر للإرادة السياسية للتوصل لاتفاق عادل حول السد، ويكشف عن نيتها لإطلاق يدها في استغلال الموارد المائية العابرة للحدود، دون أي ضوابط ودون الالتفات إلى حقوق ومصالح دول المصب، التي تشاركها في هذه الموارد المائية الدولية".

ويثير «سد النهضة» الذي بدأت إثيوبيا 2011 بناءه على النيل الأزرق بتكلفة 6 مليارات دولار، مخاوف السودان ومصر بشأن ضمان حصتيهما من مياه النيل. ويخشى كل من مصر والسودان من أن يحتجز الخزان، الذي تبلغ طاقته الاستيعابية القصوى 74 مليار متر مكعب، إمدادات المياه الأساسية السنوية للنهر.

وقد أكد متحدث «الموارد المائية والري» أنه «في الوقت الذي تسعى فيه مصر والسودان للتوصل لوثيقة قانونية ملزمة، تنظم ملء وتشغيل السد وتحفظ حقوق الدول الثلاث، فإن إثيوبيا تأمل في أن يتم التوقيع على ورقة غير ملزمة، تقوم بموجبها دولتا المصب بالتخلي عن حقوقهما المائية، والاعتراف لإثيوبيا بحق غير مشروط في استخدام مياه النيل الأزرق بشكل أحادي، وبملء وتشغيل (سد النهضة) وفق رؤيتها المنفردة".

وتؤكد القاهرة «تمسكها بالاتفاق الذي انتهى إليه مسار المفاوضات، التي أجريت في واشنطن؛ لكونه اتفاقا منصفا ومتوازنا، ويمكن إثيوبيا من تحقيق أهدافها التنموية مع الحفاظ على حقوق دولتي المصب".

وفيما يخص «الورقة الإثيوبية»، قال السباعي إنها «لا تقدم أي ضمانات تؤمن دولتي المصب في فترات الجفاف والجفاف الممتد، ولا توفر أي حماية لهما من الآثار والأضرار الجسيمة، التي قد تترتب على ملء وتشغل السد»، مضيفاً: «تنص الورقة الإثيوبية على حق أديس أبابا المطلق في تغيير وتعديل قواعد ملء وتشغيل السد بشكل أحادي، في ضوء معدلات توليد الكهرباء من السد، ولتلبية احتياجاتها المائية، دون حتى الالتفات إلى مصالح دولتي المصب أو أخذها في الاعتبار»، لافتاً إلى أن «(الورقة الإثيوبية) محاولة واضحة لفرض الأمر الواقع على دولتي المصب، حيث إن الموقف الإثيوبي يتأسس على إرغام مصر والسودان، إما على التوقيع على وثيقة تجعلهما أسيرتين لإرادة إثيوبيا، أو أن يقبلا بقيام إثيوبيا باتخاذ إجراءات أحادية، كالبدء في ملء السد دون اتفاق مع دولتي المصب.

وتشدد مصر على «ضرورة أن تمتنع إثيوبيا عن اتخاذ أي إجراءات أحادية، بالمخالفة لالتزاماتها القانونية، وخاصة أحكام اتفاق إعلان المبادئ المبرم في 2015".

وكشف المتحدث باسم وزارة الموارد المائية والري عن بعض أوجه العوار في هذا الطرح الأثيوبي الأخير، ومنها ما يلي:

أولاً: في الوقت الذي تسعى فيه مصر والسودان للتوصل لوثيقة قانونية ملزمة تنظم ملء وتشغيل سد النهضة وتحفظ حقوق الدول الثلاث، فإن أثيوبيا تأمل في أن يتم التوقيع على ورقة غير ملزمة تقوم بموجبها دولتي المصب بالتخلي عن حقوقهما المائية والاعتراف لأثيوبيا بحق غير مشروط في استخدام مياه النيل الأزرق بشكل أحادي وبملء وتشغيل سد النهضة وفق رؤيتها المنفردة.

ثانيا: إن الطرح الأثيوبي يهدف إلى إهدار كافة الاتفاقات والتفاهمات التي توصلت إليها الدول الثلاث خلال المفاوضات الممتدة لما يقرب من عقد كامل، بما في ذلك الاتفاقات التي خلصت إليها جولات المفاوضات التي أجريت مؤخراً بمشاركة الولايات المتحدة والبنك الدولي.

ثالثاً: إن الورقة الأثيوبية لا تقدم أي ضمانات تؤمن دولتي المصب في فترات الجفاف والجفاف الممتد ولا توفر أي حماية لهما من الآثار والأضرار الجسيمة التي قد تترتب على ملء وتشغل سد النهضة.

رابعاً: تنص الورقة الأثيوبية على حق أثيوبيا المطلق في تغيير وتعديل قواعد ملء وتشغيل سد النهضة بشكل أحادي على ضوء معدلات توليد الكهرباء من السد ولتلبية احتياجاتها المائية، دون حتى الالتفات إلى مصالح دولتي المصب أو أخذها في الاعتبار.

وكانت السودان قد أشارت (الخميس) الماضي الموافق الحادي عشر من شهر يونيو الجاري، إلى أن «الدول الثلاث اتفقت على تبادل الرؤى إزاء القضايا الخلافية، بما يمكن من تقريب وجهات النظر، وصولاً للتوافق بشأن تلك القضايا"؛ حيث كان رئيس وزراء السودان، عبد الله حمدوك، قد تقدم بمبادرة لنظيريه المصري والإثيوبي لاستئناف المفاوضات الثلاثية للوصول إلى اتفاق شامل ومُرضٍ، يحقق مصالح الدول الثلاث. وعقدت المباحثات عبر «الفيديو كونفرانس» خلال الفترة الممتدة من 9 إلى 13 يونيو الجاري. وكانت المفاوضات قد توقفت في فبراير الماضي بين الدول الثلاث، إثر رفض إثيوبيا توقيع مسودة اتفاق أعدته الولايات المتحدة والبنك الدولي حول ملء أديس أبابا "سد النهضة"، قبل أن تعلن عزمها ملء بحيرة السد في يوليو (تموز) المقبل "دون اتفاق".

وكان نائب رئيس هيئة الأركان الإثيوبي "برهان جولان " قد قال إن بلاده ستدافع بقوة عن نفسها وعن مصالحها في سد النهضة وطالب برهاني مصر بعدم تبني ما سماها " سياسة الحروب "، كي تتدفق المياه لمصلحة البلدين، وجدد رفض بلاده، التفاوض بشأن السيادة علي سد النهضة، مؤكداً أحقيتها في الاستفادة من مياهها، فقال نائب رئيس الأركان الإثيوبي، إن بلاده قادرة عن الدفاع عن مصالحها، ومواجهة أي تهديدات، ووصف الرؤية المصرية بشأن سد النهضة، وصفها بالمضطربة وأن القاهرة تبنت سياسة العداء لبلاده.. وننتظر ما تسفر عنه الأيام المقبلة..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقل بجامعة أسيوط

 

 

عامر صالحملاحظات سايكوسياسية

أستمعت وشاهدت المؤتمر الصحفي الذي عقده رئيس الوزراء العراقي الجديد مصطفى الكاظمي بتاريخ 11ـ06ـ2020 وهذا هو المؤتمر الأول بعد توليه المنصب خلفا لرئيس الوزراء السابق عادل عبد المهدي الذي قدم استقالته على خلفية الاحتجاجات الشعبية العارمة، والداعية الى إحداث تغيرات جذرية في العملية السياسية الى جانب البعد المطلبي والمتمثل في تأمين الخدمات العامة، والتي اندلعت في الاول من اكتوبر في العام الماضي، وقد راح ضحيتها الألوف من الجرحى والمئات من الشهداء الى جانب الألوف من الاعاقات المنتهية الفير قابلة للشفاء.

لم يكن رئيس الوزراء الجديد في حديثة الصحفي منظرا من الطراز الكلاسيكي خلافا لسابقه، ولم يكن أنشائي الحديث او مسترسلا كسابقيه في حديث ممل ومجتر ولم يتحدث عن انجازات متسقبليه خيالية تضع العراق في موقع خارق غير موقعه الموضوعي الواقعي، بل تحدث عموما بلغة بسيطة تضعه في احتمالين، قد يكون الرجل غير متمكن على الارتجال والطلاقة اللغوية والفكرية، او قد يكون الرجل قد اختار خطابا موجها الى الشارع العراقي والى المنتفضين بشكل خاص وعامة الناس، ليضعهم في تصور دقيق عن الوضع العام وليؤكد للناس على اصراره وقدراته الكامنة ومجازفته لأختراق قواعد اللعبة السياسية المحاصصاتية التي اعتاد عليها السياسيين منذ 2003. وقد لاحظت في الرجل بعض التوقفات في النطق ولا اعرف إن كانت ناتجة من عيوب لغوية أم من لحظات انفعال وغضب مشروع.

في خطابه يستدرك المرء حجم المهام الكبرى التي وضعت في عهدته وفي مقدمتها محاربة الفساد الذي انهارت على خلفيته مؤسسات الدولة واعلنت افلاسها كليا بعد العجز المالي وهبوط اسعار النفط وازمة كورونا، وعجز الدولة عن قدرتها في توفير الرواتب للأشهر القادمة. كان الرجل في حديثة للأعلام اقترن بمشاعر دفينة واحساس بعمق الأزمة وهو رجل المخابرات السابق الذي يعرف ذلك قبل غيره، ويعرف جيدا اعدائه واصدقائه وحجم المعارضة التي وقفت ضد توليه منصب رئيس الوزراء، الى جانب أن الشارع العراقي المنتفض منذ الاول من اكتوبر ضل متوجسا ويتعامل مع مصطفى الكاظمي عن بعد، بل هناك من لا يثق به اصلا بأعتباره نتاجا وخيار طوارئ أقدم عليه نظام المحاصصة عند ختياره وخوفا من عواقب الفراغ السياسي وتداعياته الجماهيريه والتي قد تعصف بالطبقة السياسية الحاكمة بل وبنطام المحاصصة برمته.

وعلى الرغم من جرأته الواضحة وتحديه وتأكيده ان هدفه الأسمى هو خدمة الشعب العراقي الذي يستحق الأفضل" حسب قوله " وتأكيده انه مستعد للتضحية بحياته، بل اشار بوضوح ان جهات تستهدف تصفيته بالقتل ولكنه جاهز لكل الاحتمالات، كما طالب الشعب العراقي بدعمه والوقوف الى جنبه في محاربة الفساد واجتثاثه، وبالتأكيد فأن خطابة استقبل شعبيا بين الشك ونصف اليقين، وخاصة انه لم ينجز لحد الآن أي مطلب من مطالب المتظاهرين، ولكن وعوده وتلويحه بمقدرة كامنة للمواجهة وكذلك هو من يقرر ساعة الصفر قد ينعكس بظلال ايجابية على الشارع، رغم ان الشارع العراقي قد اصابه الملل واليأس وسمع الكثير وبالتالي ان تزرع الثقة بشعب محبط خلال 17 عاما من الوعود أمر ليست هين وخاصة ان مصطفى الكاظمي لم يكن خيارا شعبيا من ساحات التظاهر، وهو ايضا نتاج لعملية سياسية ديمقراطية لا تتجاوز شرعيتها 20% من الشعب العراقي، فيها القول الفصل للجماعات والاحزاب المسلحة داخل البرلمان.

ومما يؤكد بعض من نزاهة الرجل هو استقلاليته النسبية عن الاحزاب السياسية والطائفية منها بشكل خاص، ثم نزعته المدنية والعلمانية وكونه ناشط مدني سابق وفاعل مع المنظمات العالمية المعنية بحقوق الانسان والديمقراطية وعمل في الصحافة في خدمة قضية العراق ونضال الشعب من اجل الديمقراطية وضد الديكتاتورية، الى جانب كون الرجل غير مرغوب فيه من قبل الاحزاب الاسلاموية وكذلك من المليشيات الطائفية المسلحة وسبق له وأن أتهم في المساهمة في اغتيال سليماني والمهندس بالتخطيط مع القوات الامريكية، الى جانب الصراع المستميت من قبل الاحزاب المليشياوية برفضه رئيسا للوزراء، في مقابل ذلك طبعا وفي الجانب الآخر هو التأييد والدعم الدولي والاقليمي لتوليه منصب رئاسة الوزراء، والذي يمكن ان يوظف لمصلحة بناء الدولة المدنية في الاستفادة من الدعم الخارجي.

نجاح حكومة السيد الكاظمي في تحقيق المطالب والاستحقاقات الوطنية المطلوبة منها على صعيد تلبية مطالب المتظاهرين، وتحقيق الاستقرار السياسي على الصعيد الوطني ومحاربة ظواهر الفساد وعدم الاستقرار بشكل عام، ولو بشكل جزئي. قد تكون البداية الحقيقية في بذرة إصلاح العملية السياسية وتصحيح مسار الديمقراطية العراقية، ومعالجة أداء النظام السياسي الحالي، فالأنتخابات القادمة وقانونها ومفوضيتها هي الشاغل الأهم للتأسيس لمرحلة انتقالية سياسية تحمل بذور الصحة والتفاؤل في اعادة بناء العملية السياسية في العراق على اساس المساهمية الفعلية والنزيهة للشعب العراقي بعيدا عن الترهيب واستخدام السلاح وحرق صناديق الأقتراع وضمان مساهمة اوسع للشعب العراقي في انتخاب ممثليه.

كما يشكل ملف الفساد الاداري والمالي من اصعب الملفات امام حكومة السيد مصطفى الكاظمي، واذا ما تمتع بشجاعة كافية ومقدره استثنائية في البدء بفتحه فأنه يشكل بارقة أمل للعراقيين لأسترداد اموالهم المنهوبة. وللتذكير فقط وفي أول جلسة للبرلمان العراقي من فصله التشريعي الثاني، والتي عقدت في 9 من مارس/آذار للعام 2019، كشف رئيس الحكومة المستقيل عادل عبد المهدي "خارطة للفساد"، شملت 40 ملفا، غالبها في مفاصل ومؤسسات الدولة. وشملت القائمة: "تهريب النفط، ملف العقارات، المنافذ الحدودية، الجمارك، تجارة الذهب وتهريبه، السجون ومراكز الاحتجاز، النقاط الأمنية الرسمية وغير الرسمية، المكاتب الاقتصادية بالمؤسسات والمحافظات والوزارات، تجارة الحبوب والمواشي، الضرائب والتهرب منها، الأتاوات و الكومشن (العمولة)، مزاد العملة والتحويل الخارجي، التقاعد، ملف السجناء، ملف الشهداء، المخدرات، تجارة الآثار، الزراعة والأسمدة والمبيدات،  تسجيل السيارات والعقود والأرقام،  الإقامة وسمات الدخول".

وتضمنت أيضا: " الأيدي العاملة الأجنبية، الكهرباء، توزيع الأدوية، توزيع البطاقة التموينية، الرعاية الاجتماعية، السلف المالية المصرفية، التعيينات، بيع المناصب، العقود الحكومية، تهريب الحديد والخردة وغيرها، الامتحانات وبيع الأسئلة، المناهج التربوية وطباعة الكتب،  المشاريع المتوقفة، المشاريع الوهمية، القروض المالية، شبكة الاتصالات والإنترنت والهواتف النقالة، الإعلام والمواقع الإلكترونية، شبكات التواصل الاجتماعي، ملف النازحين، الاتجار بالبشر".

تُضاف هذه القطاعات الأربعين الرئيسية إلى الكثير من ملفات الفساد المُكتشفة بالأساس سابقا، لكن لم يتم تفعيل الأدوات والمؤسسات القضائية والتنفيذية لمتابعتها. تقدر الحكومة العراقية تلك الملفات بحوالي 13 ألف ملف للفساد، يقدر المتورطين فيها بقرابة مليون مشتبه، بين فاسدين ومتعاونين ومرتشين ومعطلين للقانون العام. تتراوح دائرة المؤسسات والإدارات المتورطة بها من التعليم والقضاء، وتمر بالتهريب والرشاوي، ولا تنتهي بوزارتي النفط والدفاع، اللتان تُعتبران من أكثر وزارات العراق فسادا على الإطلاق. خارطة الفساد هذه تعكس بوضوح استباحة العراق شعبا وأرضا ووطنا ومواردا للعيش. فلا نستغرب عنما تشير الأرقام الدولية بأن موقع العراق هو بالمرتبة 166 من أصل 176 دولة على سلم الدول في مستوى الشفافية في العالم. أي أن العراق من أكثر الدول فسادا في العالم. وقد بلغ ما أهدره العراق وخسره شعبه ما بعد 2003 يقدر بتريليون و400 مليار دولار.

وبالتأكيد أنها للكاظمي خطوة المليون ميل لمحاربة الفساد في العراق، ولكن البداية تؤسس لضمانات لاحقة في السير قدما لمحاربته، أنه عمل ليست هين وبسيط فقد تحدى أستعراضيا الذين سبقوا الكاظمي ولم يتمكنوا، وقد كانوا اكثر اذعانا لمنطق المحاصصة الطائفية والقومية والأثنية، ولعل في الكاظمي وطاقمه ما يستطيع فعله والتأسيس له، وهو وبفعل قصرالمدة المتبقية له ليست مطالب بحلول سحرية، ولكن اقدامه على خطوات عملية ملموسة ستضعه امام فرص تاريخية وتوقعات بتلاحم ميداني من المتظاهرين معه، وتلك هي سنة التغير نحو الأفضل: أن تبدأ الآن خير من أن لا تبدأ ابدا. وختاما لقد تحدث الكاظمي في مؤتمره الصحفي عن رواتب وامتيازات السجناء والمعتقلين في زمن النظام السابق والشهداء وضحايا الارهاب وكذلك ازدوواجية او اضعاف الرواتب التي تستلم الى جانب الفضائيين في قطاعات الدولة والعمل على معالجة ذلك جذريا، وهي جميعيها بالتأكيد جزء من سوء التشريع ومصالح المشريعيين ونواياهم الحزبية والطائفية، ولكنها جزئية بسيطة في اطار الفساد الآعظم الذي يجب البدء في مكافحته على طريق اجتثاثه.

 

د.عامر صالح

 

بليغ حمدي اسماعيلعنوان هذا المقال إما أن يدفعك فضولك المعرفي لقراءته، أو تعتقد أنه يتناول حكاية تاريخية منسية، وهو ليس الاختيار الأخير بالقطع، و قد يبدو العنوان غريباً بعض الشئ، لكنني لم أر مواضعة تصلح لوصف تحرك بعض القوى والتيارات الدينية في بعض دول الشرق الأوسط لجعلها دولة راديكالية محضة في السنوات المقبلة . ولقد سئمت من بعض الأقلام والأصوات المرتفعة بالسرادقات الثقافية هذه الأيام والتي تؤكد أن الفكر الليبرالي يريد فصل الدين عن السياسة فصلاً تاماً مطلقا وأن الأنظمة العربية الحاكمة والسائدة ترنو إلى هاوية سحيقة بفضل السياسات المدنية حسب زعم تلك التيارات وأصحابها.

ولأنه لا يعلم الغيب إلا الله وحده كما جاء في القرآن (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ )، وقوله تعالى (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) ورغم ذلك فبعض هذه القوى وتلك التيارات التي أزعم أنها صهيونية الصنع والتكوين والتأهيل والإعداد  تتيقن شيئاً غير موجود من الأساس، وطالما سمعت منهم هذه الدعاوى تذكرت مقولة الزعيم الهندي غاندي حينما قال : " إذا فقدت السياسة عن الدين فقدت معناها، كل طفل في مدرستنا يدري الأنظمة السياسية في الهند، ويعرف أن بلاده تتقد بإحساسات جديدة وبآمال جديدة ولكننا أيضاً في حاجة إلى الضوء الثابت المستقر ضوء الإيمان الديني " .

ويفزعني ما أقرأه وأتابعه من أصحاب بعض هذه الفرق التي انتشرت بشراسة في حشايا الشرق الأوسط التي وراءها خفايا هذه الحملة الشرسة تجاه الليبراليين والليبرالية تلك الكلمة التي تعني إعلاء العقل والحرية بغير مجون أو فسق أو عري أو فساد كما يزعمون أننا نريد فصل الدين برمته وقواعده وأركانه ودعائمه المتينة عن حياتنا وتفاصيلها اليومية .

ولكن نريد لوطننا العربي الكبير الذي لا يزال يمر بفترة مخاض خريف ثائر نسبيا على فترات متقطعة  أن تحكمه مرجعية توافقية وليست قمعية كما الوضع فيما يسمى بتنظيم الدولة، هذا سيجعل بالقطع أحد المتشددين ينبري بالهجوم بأن الدين سلطة قمعية، وفي هذا خلاف واضح وجلي طالما شددنا عليه كما يشددون هم على هوائنا ومائنا وموسيقانا أيضا.

لابد من التفرقة الحاسمة بين الدين كسلطة رادعة تحمل أوامر ونواهي شرعية لا يمكننا الفكاك منها، لأن الدين عميق ومتغلغل في الوعي الجمعي لدينا مسلمين بطوائف شتى سنة وشيعة أم أقباط متمثلين في الكاثوليك والأرثوذكس والبروتستانت، وبين الفكر الديني وخطابه الذي يتأرجح بين التشدد البغيض، وبين الاستنارة والاجتهاد والتجديد المقبول. فالدين يأمرنا بصلاة زكاة وصيام وحج و ممارسة فضائل سلوكية ومعاملات توجه حياته الفردية والاجتماعية .

وهذا كله لا يستطيع عاقل تجاهله، لكن الخطاب الديني المعاصر والمواكب لإحداثيات الحراك المجتمعي العربي صوب المدنية الذي يشهده الوطن العربي لا يزال يدفع الناس دفعاً لقبول مرجعيات توجه فكره وحياته بغض النظر عن احتياجاته، والزعم أنه خطاب ذو مرجعية دينية . وهذا خطأ واضح وكبير، فهو خطاب مصبوغ بلون ورائحة الدين لا جوهره الخالص، وهو خطاب قائم على فكرة تطويع النص الديني الثابت لخدمة أغراض وأهواء خاصة .

وحينما تظهر أصوات معارضة لهذا الخطاب المدجج والمدغدغ للقلوب والأسماع وربما العقول، نجد من يصادر علينا الرأي بأن ما نسطره من أوجه اعتراض هو مرض عضال يصيب النخبة فقط لأننا غير قادرين على الاتصال بالجماهير والمواطنين .

وهكذا تبدو الصورة في أذهان أصحاب هؤلاء الذين يصرون على تشديد ملكهم وسط ما تعاني منه بعض الدول العربية كالعراق الممزق ولبنان المشتتة واليمن الذي لم يصبح سعيدا وليبيا التائهة من مشكلات تبدأ بالإجابة عن سؤال ماذا سنفعل براهننا الآني وتنتهي بالفوضى التي أصبحت شعاراً لهذه الأوطان المفتتة نسبيا وسط صراعات حزبية وطائفية، وكأننا حينما وقف الثائرون في الميادين التاريخية بهذه البلدان يعلنون في صراحة بأن الشعب يريد إسقاط النظام، لم يكونوا على وعي وعمق دراية، بل النظام ليحل محله الفوضى.

وكم أنا أسخر جلياً من الكثير من المفكرين وأرباب التوجهات الليبرالية في الوطن العربي بل الشرق الأوسط الكبير؛ لأنهم شغلوا أنفسهم بقضايا ألقاها التيار الديني بمسمياته المتعددة في طريقه، فنسيوا الطريق ونسيوا المهمة ونسيوا الهدف وراحوا يتيهون بين الصيدليات بحثاً عن علاج للقضايا الوهمية التي فجرها الخطاب الديني مثل الدستور أولاً، لا بل الانتخابات، لا بل حقوق المرأة العربية، لا بل البحث عن شرعية المبادئ الدستورية، وغير ذلك من القضايا والظواهر السياسية التي أرهقت المواطن العربي منذ سنوات مضت .

بينما القوى والتيارات التي لا تريد بالوطن العربي دولة مدنية حضارية تشدد ملكها في زوايا ومناطق شتى، ومن خلال وسائل وقنوات اتصال تقليدية ألفوها وألفناها على مر عهود وعقود طويلة، لعل أبرزها إلقاء التهم والتخوين ونزع الوطنية بالإضافة إلى سرد القصص والحكايا العجيبة التي تؤيد فكرتهم في اقتناص السيادة، وهم بذلك لا يفطنون إلى كارثة محققة، فماذا سيحدث إذا ما هب الناس ثانية كما هبوا في وجوه الأنظمة الحاكمة المنصرمة حتى أسقطوها، فهل بصنيعهم المرتقب يكونوا قد ثاروا ضد النظام أم ضد الدين نفسه؟ .

وأنا شخصياً لا أظن أن التثوير يكون ضد الدين أبداً، فالفطرة لا ترفض سلطة إلهية فوقية توجه السلوك والقيم والمعتقدات الشخصية، ولكن تأبى وتمقت وجود مرجعية لم يشارك المرء فيها و لا تحمل صدى لأحلامه ومطامحه الفريدة والاجتماعية .المرء لا يهرب بعيداً عن دين يرقى بسلوكه وفكره وآليات حياته اليومية، لكنه يهرب بعيداً عن سلطة تتحدث باسم الخلافة، وهي على الشاطئ الآخر تشدد ملكاً عضوضاً، بالطبع لا أصير فيه وزيراً أو ملكاً أو حتى شاعره ..

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

أستاذ المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية المساعد

كلية التربية ـ جامعة المنيا

 

حسام الدجنيأولاً: خيارات (إسرائيل)

ثلاثة آراء يتمحور المجتمع الإسرائيلي حولها فيما يتعلق بالضم:

الأول: الضم الجزئي، يتبناه نتانياهو ويرى أن الفرصة مواتية لتحقيقه، وجوهره فرض السيادة على ما يقارب 30% من مساحة الضفة الغربية (منطقة الأغوار).

الثاني: الضم الكلي، ويتبناه جزء كبير من المستوطنين وجوهره يقوم على ضم كافة المستوطنات بالضفة.

الثالث: يرفض الضم انطلاقاً من خشية هؤلاء بأن يؤدي قرار الضم لنتائج عكسية، بحيث يرون أن المناطق التي يتحدث عنها نتانياهو هي تحت السيطرة الصهيونية، وعليه فإن مثل هكذا خطوة ممكن أن توحد الفلسطينيين، وتحيي القضية الفلسطينية التي حسب تقديرهم بأنها تراجعت بشكل كبير نتيجة ظروف ذاتية وموضوعية.

وفقاً لما سبق فإن خيارات الحكومة الائتلافية في (إسرائيل) يحكمها أربعة محددات:

- مدى جدية الأطراف الرافضة لقرارات الضم، وهنا سيكون العين على جدية خطوات الرئيس عباس وقدرته على تحريك الضفة وغزة والقدس، والذهاب باتجاه محكمة الجنايات، وقيادة حراك دبلوماسي إقليمي دولي مؤثر.

- حقيقة الموقف الأمريكي المنقسم ما بين تأييد الخطوة وما بين أن تكون خطوة الضم مرتبطة بعملية سياسية مع الفلسطينيين لتنفيذ صفقة القرن.

- حقيقة الموقف الأوروبي وماهية الخطوات التي يستطيع الاتحاد على تنفيذها وأثرها على دولة الاحتلال.

- الموقف العربي وتحديداً الأردني وهل ممكن أن يؤدي قرار الضم لإلغاء اتفاق وادي عربة بين المملكة و(إسرائيل)، انطلاقاً من المخاطر التي سيترتب على قرار الضم على الأمن القومي الأردني، لأن الخطوة التي تلي الضم ستكون ترانسفير تجاه الأردن (الوطن البديل).

في تقديري إن أدركت الحكومة الصهيونية بأن المحددات الأربعة قائمة وحقيقية فأعتقد أن نتانياهو ربما يؤجل خطوة الضم، ولكن حسب قراءتي لمجريات الأحداث، فإنني أعتقد أن أغلب المحددات السابقة تبقى تسير ضمن السياق الإعلامي ولم تصل لمرحلة التنفيذ والتأثير الفعلي، وهو ما يعزز خيار الضم الجزئي، وتبقى الكرة في ملعب الدبلوماسية الفلسطينية لتحريك هذه المحددات الأربعة.

ثانياً: خيارات عباس.

يدرك الرئيس عباس أكثر من غيره مخاطر الضم وصفقة القرن والاستيطان على القضية الفلسطينية، ووفقاً لذلك اتخذ قرارات تاريخية أهمها التحلل من كافة الاتفاقيات مع (إسرائيل).

نعم، اتخذ قرارات هامة، ولكن الأهم ما هي القدرة الفلسطينية لتنفيذ هذه القرارات، أعتقد أنها شبه معدومة، فالسلطة الفلسطينية مرهون دعمها وديمومتها واستمراريتها بدورها الأمني والوظيفي الذي قادت أطراف دولية وإقليمية رسم مساراته، وعليه عند أول خطة لتنفيذ القرارات ستتوالى الأزمات الداخلية، فلا أعتقد إن إقامة سلطة تحت الاحتلال أو اعلان دولة تحت الاحتلال ممكن أن يكون مؤثر في ظل نظام غابت عنه العدالة وسادت ازدواجية المعايير على مؤسساته الدولية على قاعدة البقاء للأقوى وليس لصاحب الحق.

وفقاً لما سبق فإن خيارات الرئيس عباس ستتمحور حول:

1- الحراك الناعم، عبر توظيف القوة الناعمة السياسية والإعلامية وغيرها لمواجهة قرارات الضم، واتخاذ خطوات لترسيخ مؤسسات الدولة تحت الاحتلال.

2- الحراك المختلط وجوهره المزاوجة بين القوة الناعمة والقوة الخشنة عبر دفع الشارع لنضال سلمي تستطيع القيادة الفلسطينية السيطرة والتحكم عليه.

3- التضييق غير المباشر على غزة عبر خطوات جديدة لدفع غزة نحو الانفجار في وجه الاحتلال كورقة قوة يوظفها ويستثمرها الرئيس دون دفع أثمان مباشرة.

4- الحراك الخشن، وأن يذهب الرئيس بحل كامل السلطة ودفع الشعب لانتفاضة شعبية عارمة، وهذا أضعف الخيارات لأنه لا ينسجم وشخصية الرئيس عباس، ويتعارض مع جماعات المصالح.

ثالثاً: خيارات حماس

حركة حماس تتأمل المشهد وتنظر إليه ضمن مسارين:

الأول: سعيدة لفشل مشروع التسوية، وتراجع مهندسه الأول عنه (محمود عباس) ما يؤكد صوابية طرحها ونهجها وبرنامجها.

الثاني: قلقة في التعاطي مع تداعيات قرارات الرئيس.

هذا التناقض الذي تعيشه الحركة من وجهة نظري، لا تعيشه حماس وحدها بل الحركة الوطنية الفلسطينية ككل، حيث نجحت (إسرائيل) منذ زمن في تقسم الفلسطينيين إلى خمسة أقسام هي: (قطاع غزة -القدس - الضفة الغربية - فلسطينيو 1948م - الشتات والمنافي).

وأشغلت (إسرائيل) كل منطقة بهمومها، وزاد الانقسام الفجوة بين المناطق الخمسة، حتى أصبح كل طرف متمسكًا بمكتسبات وهمية يخشى عليها من خصومه السياسيين، وهو ما أصاب القرار الفلسطيني بنوع من الاضطراب والتناقض، وأصاب الرأي العام الفلسطيني بحالة من الإحباط وعدم الاكتراث، وهذه المرحلة الخطرة التي نعيشها عي السبب المباشر في تجرؤ العالم على مشروعنا الوطني، وحقوقنا السياسية.

وفق ما سبق فإن خيارات حماس للتعاطي مع قرارات عباس سأجملها وفقًا للأكثر ترجيحًا:

1- الانتظار والترقب: جوهر هذا الخيار يتمثل في فحص مدى جدية الرئيس في الانتقال من مرحلة النظرية إلى مرحلة التطبيق، وتمتلك حماس في الضفة المحتلة مؤشرات قياس تستطيع من خلالها فهم توجهات عباس وإلى أي اتجاه يسير، فإن كان صادقًا في حديثه فهذا يعني تطابقًا في المواقف وعليه أتوقع أن تنتقل حماس إلى الخيار الثاني الذي سأسرده بعد قليل، ولكن قبل الذهاب لا بد من وضع بعض المؤشرات التي تعكس جدية الرئيس في تنفيذ قراراته وقدرته على التنفيذ في ظل وجود جماعات مصالح قوية ترى في هذه القرارات تهديدًا مباشرًا على مصالحها، وتطمح في خلافة عباس في حال حققت نجاحًا في إفشال تنفيذ هذه القرارات، ومن أهم هذه المؤشرات خمسة:

- تعاطي الأجهزة الأمنية مع مناطق (ج) ومع اقتحامات (إسرائيل) لمناطق (أ) المتكررة.

- ملف المعتقلين السياسيين في الضفة، والعلاقة مع قطاع غزة.

- الملف الاقتصادي والتحرر من اتفاقية باريس الاقتصادية.

- محكمة الجنايات الدولية وجدية السلطة في تقديم ملفات قضائية ضم جرائم الاحتلال.

- القبضة الأمنية الفلسطينية على المقاومة الفلسطينية شعبية كانت أو مسلحة.

2- الدعم والمساندة: في حال وجدت حماس أن الرئيس جاد في تنفيذ خطواته فإن فرص الدعم والمساندة والتحالف معه ستكون قوية، وهو ما يعيد الاعتبار للمشروع الوطني الفلسطيني عبر وحدة ميدانية وجغرافية ستكون الرد الأقوى والأنسب على ما يجري من مشاريع تصفوية للقضية الفلسطينية.

3- خيار قطف الثمار: ويقوم هذا الخيار على ترك عباس يلقى مصيره ويتحمل نتائج ما زرعت يداه، ويقطف الثمرة وحده بحلوها ومرّها، وهذا الخيار حتى وإن كان له وزن فإن نتائجه وخيمة على المشروع الوطني، وعليه أرى أنه أضعف الخيارات.

 

د. حسام الدجني

كاتب ومحلل سياسي فلسطيني

 

 

العربي بنحماديفي حقبتي بورقيبة وبن علي لم تكن هناك انتخابات يتوفر فيها الحد الادنى من المقاييس الدولية المعلومة. فالتجمع الدستوري الحاكم في فترة زين العابدين  وسلفه الحزب الدستوري تحت حكم بورقيبة كانا يفوزان في الانتخابات بنسب تقترب من 100 في 100.

 والواقع انه لا غرابة في ذلك، فمن لم يمارس الديمفراطية داخل حزبه الحاكم لا يمكن ان يتبرع بها لمنافسيه.

 لكن رغم ذلك، شهدت فترة السبعينات والثمانينات وفي بداية عهدة بن علي انتعاشه في الاعلام الحزبي المعارض والمستقل، الى جانب حركية سياسية وجمعتيه لا بأس بها، وذلك نتيجة نضالات الحركة اليسارية والقومية وبعدها الاسلامية والديمقراطية.

 غير انه في كل مرة تقع فيها انتخابات تُجهض آمال وتموت احلام اجيال ناضلت من اجل نظام ديمقراطي وانتخابات حرة، كما تضعف الاحزاب المعارضة وتتهمش ويصبح البعض منها يدور في فلك الحزب الحاكم، فيما يلتجأ البعض الى السرية على غرار الحركة الاسلامية المنتشرة انتشارا واسعا. وفي آخر عهد بن علي أصبح التضييق على الحريات عاما وشاملا.

فمات نظامه في النفوس والقلوب وحدثت ثورة الكرامة سنة2011 التي لم تكن لها قيادة سياسية معلومة، لكن تحقق الاهم، تحققت ديمقراطية فعلية وانتخابات تستجيب، الى حد كبير، للمقاييس المتعارف عليها دوليا خاصة في انتخابات 2011 مباشرة بعد الثورة.

لكن السؤال المطروح: وماذا بعد؟ اين نحن من أحلامنا؟ هل تحقق بعض من شعارات الثورة المتمثلة في الشغل والكرامة؟ هل فُتحت الملفات الكبرى الخاصة بتطوير الاقتصاد والصحة والتعليم بالخصوص؟ هل تخلصنا من عقلية الحزب الحاكم المهيمن على مقدرات البلاد والعباد؟

فبعد انتخابات 2011 ، حكمت النهضة ذات التوجه الاسلامي مع حزبين ليبراليين ذي توجه اجتماعي، فانتهت التجربة الى فشل، لسبين هامين، اولهما ضعف او انعدام هيكلة حزبي التكتل والمؤتمر شريكي النهضة في الحكم، ثانيهم هو نزعة الهيمنة لدى النهضة التي لم تتوانى عن اختراق حزب المؤتمر، بالخصوص، وفي فترة ما، هددت المرزوقي بعد ان زكته رئيسا على الدولة، وذلك، بسحب الثقة منه بعد ان تجرأ على انتقادها في رسالة وجهها الى مؤتمر حزبه، ذكر فيها نزعة الهيمنة في الحزب الاسلامي على دواليب الدولة.

وبعد انتخابات 2014، حكمت النهضة مع الباجي الذي تصدر حزبه، نداء تونس، صدارة الانتخابات التشريعية رغم نُعته من طرف، انصار النهضة، بالخصوص، ب"نداء التجمع" ، والمقصود هنا حزب التجمع الحاكم الذي وقع حله بعد الثورة. لكن اصبح النداء، فيما بعد، الحليف الاستراتيجي للنهضة والتقى الخطان المتوازيان بعد ان انذر الراحل الباجي زعيم النداء استحالة التقاء النهضة والنداء.

ربط الغنوشي علاقات وطيدة مع الباجي وابنه المرشح الطبيعي لخلافة ابيه، وفهم الباجي ان التخلص من الرافد اليساري للنداء والمستقلين، الذين وراء التصويت المفيد، سوف يحظى برضي النهضة و يخدم طموح ابنه. فتفكك النداء وضعف وتفردت النهضة بالباجي وذهبت آماله ادراج الرياح، وبعد وفاته فر ابنه الى خارج البلاد بعد ان فقد الحماية.

وفي انتخابات 2019 ورغم تحصل النهضة على المرتبة الاولى فإنها فشلت في تشكيل حكومة وألت الامور الى رئيس الدولة صاحب الشرعية الواسعة  الذي عين شخصية لا تحظى بالأجماع لكنها نالت رضا مجلس الشعب، بما في ذلك حركة النهضة التي هي مكون اساسي في تشكيلتها، لكن حركة النهضة لم تهضم فشلها في تشكيل حكومة بقيادتها كما تعللت بان حركة الشعب شريكها في الحكم قد صوت ضد التدخل الاجنبي بليبيا واساسا التدخل التركي، فأعادت الى الاذهان مطالبتها بتشكيل حكومة موسعة يكون قلب تونس الحاصل على المرتبة الثانية في الانتخابات طرفا فيها.

 ومن غرائب الدهر ان النهضة بنت حملتها الانتخابية على شيطنة هذا الحزب الذي زُجّ برئيسة في السجن لأسباب متعلقة بالفساد ولم يُطلق سراحه الا قبل فترة قصيرة من الانتخابات الرئاسية!! التي ترشح فيها وخسرها امام قيس سعيد الرئيس الحالي الذي فاز فيها بفارق شاسع.

وهكذا ففي حقبة غياب الديمقراطية كما في حضورها تتصرف الاحزاب الكبيرة نسبيا بعقلية واحدة وهي عقلية الهيمنة على السلطة، كما لم يتخلص الافراد من عقلية الطمع في السلطة بعد ان تقلصت عقلية الخوف منها نسبيا.

اما عن وعود الاحزاب الانتخابية فلم يتحقق منها شيئا يذكر.

ان نعمة الحرية مكسب ثمين للشعب التونسي تحققت بالدموع والدماء، غير ان هرطقة السياسيين وصراعاتهم العبثية وصراخهم قد يُفرغ هذا المكسب من محتواه وجدواه ويدعو الناس المطالبة بحكم قوي، وهو ما نلمسه لدى العديد من الناس. 

 

  العربي بنحمادي