صائب خليلكيف نفسر ما يجري بين أيران وأميركا من تحدٍ وتبادل للتصعيد الإعلامي والسياسي والعسكري؟ هل هناك منطق في ان تعلن إيران من خلال المرشد الأعلى أنها لن تتفاوض ابداً، فتغلق الطريق امام نفسها للتوصل الى حل مع قوة تفوقها بهذا الشكل الحاسم وان تبدو مصممة على الاصطدام بها؟ ومن الناحية الأخرى، لماذا تخاطر اميركا بحرب قد تربحها، ولكن بتكاليف عالية وبتداعيات اقتصادية وسياسية لا يمكن التكهن بها؟ لماذا تتحمل كل تلك التكاليف قبل ان يكون هناك مسع جدي للتفاوض والقبول بحد أدنى يحفظ ماء الوجه لإيران مثلا؟

هل هذا كله مجرد تهور احمق من الجانبين، ام أن وراءه حسابات معينة؟

نعم هناك حسابات، بل ونظرية سياسية عميقة ايضاً، ولها اسم هو "نظرية الألعاب"! (1) والسيناريو الذي يجري بين الطرفين ليس سوى احد اكثر السيناريوهات المعروفة لهذه النظرية ويسمى (chicken) (يعني "الدجاجة" في الترجمة الحرفية، لكن كلمة "جبان" تعبر عنه بشكل أفضل)، ويتبع الطرفان قواعد هذا السيناريو العلمي بكل دقة! 

قبل كل شيء، نظرية الألعاب ليست نظرية عن الألعاب، بل هي نظرية للبحث عن الخيار الأفضل، عندما يواجه المرء أو الدولة، خيارات مختلفة في "سيناريوهات" معينة، وكيف يمكن حساب نتائج القرار لاختيار ما يعطي أفضل المردودات. وللنظرية تطبيقات في السياسة والحرب وكذلك الاقتصاد وعلم الاجتماع. كما اني قرأت واحداً من اجمل الكتب، كان يتحدث عن اتباع الحيوانات لقواعد تلك النظرية (بدون وعي طبعا) في تصرفاتها، واختيار الخيار الذي يضمن لها البقاء أكثر من غيره.

لا يمكن تحديد بداية النظرية، لكن تطويرها بدأ في القرن الثامن عشر ثم تطورت في بداية القرن العشرين وبكثافة في الخمسينات منه. وقد حصل باحثان في الاقتصاد والبيولوجي على جائزة نوبل عام 2014 لتطبيق النظرية في مجالي علمهما.

تستخدم نظرية الألعاب منظومات رياضية لحساب الاستراتيجية الأنسب لاختيار الخيار "الرشيد". والفكرة الأساسية هي الإجابة عن السؤال: ما هو الاختيار الأفضل بالنسبة لك، إذا علمت أن المقابل سيرد عليك أيضا باختياره الأفضل؟ وطبيعي ان المقابل سيحسب أيضا ما سوف تختاره كرد على رده. وهكذا تصبح الحسابات معقدة.

سيناريو "الجبان" يمثل تحدياً بين جانبين على من سيجبر الآخر على ان يكون "الجبان". ويمكنك تخيل سيارتان تسيران بسرعة نحو بعضهما في شارع مفرد. والتحدي بين السائقين هو: من سيبقى على الطريق ويتحدى للنهاية ومن سوف "يجبن" ويخرج من الطريق ليتجنب الاصطدام؟

كل من اللاعبين سيحسب الاحتمالات الأربعة التالية: ان ابقى على الطريق ويخرج خصمي، فأكسب الرهان. أو ان اخرج ويبقى خصمي فأخسر الرهان لكني ابقى على قيد الحياة. أو ان أخرج ويخرج خصمي في نفس الوقت وتكون النتيجة تعادلا. أو ان ابقى ويبقى فنصطدم ببعضنا ونخسر حياتنا.

اللاعب الأول سيفكر: المنطق يقول انه يجب ان أخرج لأن احتمال الخسارة في الحالة الثانية اكبر بكثير. لكنه سينتبه أن اللاعب الثاني سيفكر بنفس الطريقة ولا شك انه سيخرج أيضاً. إذن لماذا لا استغل الفرصة وابقى على الطريق وافوز، مادمت اعلم بشكل اكيد ان المقابل سيخرج؟

لكن ماذا لو فكر اللاعب المقابل بنفس طريقتي ورفض ان يخرج؟ عندها سنخسر حياتنا! إذن لن ابقى .. يجب ان اخرج.. لكن الآخر سيفكر أيضا انه يجب ان يخرج.. لم لا ابقى إذن؟... وهكذا يصل اللاعب انه لا توجد طريقة منطقية لاتخاذ قرار، وان الطرفين سيكونان مستعدين للخروج في آخر لحظة، لكن من سيخرج قبل الثاني؟ هذا هو السؤال.

ما هي الاستراتيجية الأنسب إذن لتحقيق أفضل فرص الفوز واقل الخسائر؟

رغم الوضع الغامض، يمكن تحديد مبدئين صحيحين في كل الأحوال: المبدأ الأول هو أن يحاول اللاعب أن يبقى على الشارع إلى آخر لحظة ممكنة، ولا يخرج منه إلا قبل "حافة" الاصطدام، بأمل ان يصاب المقابل بالرعب ويخرج قبله. وهذا المبدأ هو أساس سياسة "حافة الهاوية". وقد عرفت "سياسة حافة الهاوية" بأنها: "فن دفع العدو الى حافة الحرب، دون ان تشعل تلك الحرب". وبالطبع فالأمل هو بإرهاب الخصم ودفعه لتقديم التنازلات.

كذلك كانت سياسة حافة الهاوية تكتيك فعال في الحرب الباردة، والتي شبهها الفيلسوف الانكليزي برتراند رسل بلعبة "الجبان". وهكذا عاش الاتحاد السوفيتي والغرب على حافة الحرب لمدة 50 عاما. وقد اشتملت على فترات كان التوتر على اشده، وخاصة في ازمة الصواريخ الكوبية 1962، حيث تبادل كل من كندي وخروتشوف تصعيد التهديدات بأن حربا نووية قادمة، دون ان يفعلا تهديداتهما. وكذلك كان الأمر في الحرب الكورية التي بدأت عام 1950 وكادت ايضا ان تصل الى الحرب الذرية. كذلك كانت هناك ازمة مماثلة في مشكلة برلين.

إن عدنا الى سيناريو السيارات، فالمبدأ الثاني الذي سيزيد من الآمال بإرهاب المقابل لـ "يجبن" هو التحضير قبل الانطلاق بزرع اليأس والخوف في قلب المقابل مسبقا. وهنا نجد أن افضل فكرة ان يحاول اللاعب ان يتظاهر بالتهور والجنون وان الحياة لا تهمه، وان يحاول ان يستعرض تهوره امام خصمه فيشرب الخمر بشراهة قبل السباق ويضحك بسفاهة. فهذا سيدفع بالآخر الى اليأس من إخافة مثل هذا الشخص الفاقد للمنطق والاتزان.

وفي الواقع، لكي تكون سياسة حافة الهاوية فعالة، يجب ان يقوم الطرفان بتصعيد تهديداتهما وافعالهما بشكل مستمر. لكن التهديد يجب ان يمتلك المصداقية ليكون مؤثراً. لذلك، ربما اكثر ما سيدفع المقابل لقبول الهزيمة والخروج، ان يقوم اللاعب بنزع عجلة القيادة ويرميها من الشباك أمام الخصم القادم نحوه! فهذا يجعل الخصم يفهم ان المقابل لن يعود قادراً على الخروج حتى لو أراد ذلك! فلا يبقى امام الخصم الا القبول بالخروج وخسارة الرهان لضمان حياته. وهنا نلاحظ امراً غريبا، وهو أن تقليل اللاعب لخياراته قد يكون استراتيجية جيدة للفوز، لأنه يصبح منيعاً عن تأثير الخوف والتهديد، مادام لا يستطيع الخروج حتى لو أراد.

من الطبيعي أنه من الممكن ان تخرج الأمور عن سيطرة الطرفين. لكن هذه الحقيقة نفسها تستعمل كجزء من التهديد لإرهاب المقابل باعتبار اللاعب متهوراً لا يهتم للمخاطر حتى تلك التي لا يسيطر عليها. وهذا يفسر الى حد ما، سعي القوتان العظميين سابقاً (أميركا والاتحاد السوفيتي) إلى سباق التسلح رغم المخاطر التي هددت الحياة على الارض بالفعل. (من الظلم هنا ان نعامل الطرفين بالتساوي، فمن المؤكد ان أميركا هي من كان يدفع باتجاه سباق التسلح وكان السوفييت يركضون وراءها).

إن عدنا الى حاضرنا، نرى أن المواجهة بين أميركا وإيران تطبيقاً مباشرا لهذه الاستراتيجيات. ولنلاحظ قبل ذلك ان ترمب نفسه تجسيد لشخصية اللاعب الذي يتظاهر بالتهور التام والحماقة لإرهاب الآخرين ودفعهم الى "الجبن" وتقديم التنازلات. وبالفعل حصل الأمريكان على العديد من المكاسب بهذه الطريقة، ليس من السعودية فقط، وإنما ايضا من اليابان ومازالوا يسعون للمزيد من الدول الاخرى. والحقيقة اني فكرت بالكتابة عن هذه الستراتيجية منذ تولي ترمب الحكم، لكن الظروف والأولويات حالت دون ذلك.

المجابهة الحالية بين أميركا وإيران (الوصف الاصح هو العدوان الأمريكي على ايران، لكننا لن نهتم هنا بقضايا الحق، إنما فقط بتحليل استراتيجيات الفوز) تتميز بقيام الأمريكان بخطوات توحي للمقابل بوجود عزم اكيد لدخول المعركة، مثل استقدام حاملة الطائرات "يو أس إس أبراهام لينكولن" إلى مضيق هرمز ووصلت مقاتلات "بي.52" و"أف.35" إلى قاعدة العديد في قطر، وكذلك سحب الولايات المتحدة موظفيها غير الاساسيين من العراق، وسحب أكسون موبايل لموظفيها العاملين في العراق، اضافة الى التصريحات التي يطلقها ترمب بين الحين والآخر بتهديد شديد القسوة غالباً. أما الحديث عن امكانية الاتصال والتفاوض وغيرها فربما الغرض منها ان تعطي مصداقية اكبر للتهديد، حين يمتلك مرونة ظاهرية، وفوائد اخرى.

كذلك نجد ان هناك تلميحات واضحة في الصحافة الغربية للاستفادة من سمعة ترمب بالتهور من اجل تثبيت صورة اللاعب الذي لا يمكن اخافته، بهدف بث الخوف في صفوف الإيرانيين لدفعهم لتقديم التنازلات، رغم ان تلك التلميحات قد تبدو وكأنها نقد للولايات المتحدة، لمن لا يعرف اصول اللعبة. ولنلاحظ بشكل جانبي أن الرئيس الكوري الشمالي كيم جونغ أون ودونالد ترمب يتسابقان في تقمص دور اللاعب المجنون الذي لا يمكن حساب وتوقع تصرفاته، فهذه صفاة ممتازة لردع العدو. وقد وصف أون بأنه شخصية غامضة ذات اندفاعات سريعة تخترق الخطوط الحمر متجاوزاً جده كيم إيل سونغ، وأبيه كيم جونغ إيل.

أما إيران فلنلاحظ ليس فقط اقوال قائد الحرس الثوري والعسكريين الآخرين، إنما ايضا تصريحات السيد الخامنئي. انه يحاول طمأنة الإيرانيين اولاً فيقول : من خلال تصرفاتهم واشاراتهم يريدون القول : ربما تنشب الحرب. يريدون ان يعظموا حجم شبح الحرب، وربما يريدون ان يخيفوا الشعب او بعض الجبناء فيه. الخيار الآخر هو المفاوضات.. لن تكون هناك حرب!"

ثم يبدأ السيد الخامنئي الهجوم الإعلامي الإستراتيجي للسيناريو أعلاه فيقول ".. ولن نتفاوض! هذا الكلام ليعلم الشعب الإيراني بالأمر. وهو ليس مجرد كلام وادعاء وشعارات وأمنيات"!(2)

وهذا اشبه ما يكون بتحطيم مقود السيارة والقاءه خارجاً! فليس من السهل ان يتراجع المرشد الأعلى عن كلامه!

كذلك لا يمكن فهم قصف الحوثيون للمنشآت النفطية السعودية إلا كتهديد إيراني واثبات مصداقية أنها على استعداد "للعض" إن هي ضربت او تهددت بالخنق.

لكن هذه المجابهة تتميز باختلافين مهمين عن مجابهة سيناريو "الجبان"، والاختلافان في غير صالح ايران. الأول هو ان "السيارتين" المتقابلتين ليستا متساويتا الحجم، بل هي بين شاحنة كبيرة وسيارة صغيرة!

والاختلاف الثاني المهم هو ان من يقود سيارة أميركا هي إسرائيل، اكثر مما هي اميركا. وهذا يجعل اميركا اخطر من الحالة الاعتيادية. فمن الصعب ان تخيف إسرائيل بتهديدها بتحطيم سيارة شخص آخر!

الجواب عن المشكلة الأولى هو انه بالرغم من أن السيارة الصغيرة ستتحطم في حالة الاصطدام، إلا انها لن تعجز عن ان تسبب خراباً ما في الشاحنة، مثل ان تتلف إحدى عجلاتها (متمثلة باضطراب داخلي بسبب الخسائر وكذلك إحساس الناس بلا أخلاقية الدولة التي ينتمون إليها، وكراهية وقلق متزايد لأميركا من قبل جميع الناس في العالم، الخ) . وهذا يعني ان الشاحنة لن تكون في مواجهة بقية التحديات بالقوة الحالية، لذلك يجب ان تحسب حسابها بدقة. وهذا المبدأ ما اسميته في مقالة سابقة بمبدأ كلب الحراسة الذي يتحدى الذئب الأقوى منه، مهددا إياه بإصابته بجرح يجعله اقل قابلية على الحياة بعد المعركة.(3)

أما المشكلة الثانية التي تواجهها ايران، فهي قيادة إسرائيل لـ "سيارة" أميركا بالريموت كونترول، مما يؤمن عدم خسارة اسرائيل المباشرة. وهذه المشكلة يمكن ان تحل من قبل إيران بتوجيه التهديد بالضربات نحو صاحب القرار الذي يمسك بمقود تلك السيارة من بعيد، أي إسرائيل، وليس الذي يجلس خلف المقود ويتظاهر بأنه من يقود! إلى القائد الحقيقي يجب ان يوجه التخويف والتهديد وإلا فهو بلا فعالية كبيرة.

هذا الفيديو المهم(4) يبين وعي تلك الحقيقة من قبل بعض المسؤولين الامريكان حيث يتساءل المحاضر لماذا يريد نتانياهو وليبرمان ومؤيدوهم في هذا البلد (أميركا) توريط اميركا في الامر؟ ويرى ان تفسير ذلك من الناحية الانتهازية سهل، حيث من الأفضل لك ان تهدر دماء حلفائك وثرواتهم بدلا من دمك وثرواتك. وإضافة الى ذلك فأن إسرائيل لا تريد شرعية القوة العظمى. وكذلك لا يريد الإسرائيليون ان يلعنهم العالم ويعزلهم اكثر مما هم معزولين، وربما بشكل مدمر. أما اميركا التي هاجمت العديد من البلدان، فهي ملعونة مسبقا واكثر من نصف العالم يكرهنا مسبقا، وسينظر العالم لنا إن هاجمنا ايران، على انه استمرار لهذا العدوان فقط. إسرائيل تريدنا ان نسقط النظام الإيراني بسرعة، ولا يهمها كيف سيمكننا التعامل مع 75 مليون شخص يختبئون في مناطق وعرة،  ومعهم نصف العرب، يسعون لقتل كل أميركي يجدوه. قد نجد انفسنا في مشكلة اكبر حتى من مواجهة حرب عامة في المنطقة وربما حربا كبرى في الشرق الأوسط .. والدولة التي بدأت كل هذا والتي تملك علاقة غير المتوازنة مع أميركا جعلت من هذا الأمر ممكنا، هي إسرائيل. انتهت اقتباسات الفيديو.

ويدرك المسؤولون الإيرانيون حقيقة الوضع، وإدارة إسرائيل للقرار الأمريكي، رغم انها تحاول التزام الصمت نسبياً وتعمل من تحت الطاولة في هذه الأيام، وعلى العكس من كل الفترات السابقة. ونرى العديد من المسؤولين الإيرانيين يؤكدون فههم للموقف، مثل رئيس اللجنة النووية في البرلمان الإيراني الذي قال: " قبل أن يهدأ غبار أي هجوم على إيران ستضرب الصواريخ الإيرانية قلب تل أبيب". وكذلك نجد السيد نصر الله يعبر عن نفس الموقف في اكثر من مناسبة فيقول مؤخراً: "بالحسابات وليس بالشعارات... قرار ترامب سيكون بداية النهاية لإسرائيل"!

ما الذي سيحدث؟ إنه سؤال صعب بل مستحيل التوقع، لكننا أردنا هنا ان نوضح الاستراتيجيات التي تقف خلف التهديدات والتحركات التي يقوم بها كل طرف، لتكون مفهومة للمتابع ويعلم ان وراءها منطقها، فلا يضيع في تناقضاتها الظاهرية مع منطق الأشياء البسيط.

 

صائب خليل

......................

(1) نظرية الألعاب

https://en.wikipedia.org/wiki/Game_theory

(2) السيد #الخامنئي لن نتفاوض ولن تكون هنالك حرب مع الامريكان

https://www.youtube.com/watch?v=kNRUZFJiPjc

(3) صائب خليل - كيف تنتصر إيران في معركتها؟ - خوف الأقوى من الجرح

https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/2354542911269431

(4) فيديو: إسرائيل تلعب بأوراق اميركا

https://www.facebook.com/Gov.Citizen/videos/401668687092509/

 

تتسارع الأحداث في منطقة الشرق الأوسط منذ ان أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إنسحاب بلاده من الإتفاق الذي وقعته مجموعة دول 5+1 مع ايران حول برنامجها النووي في عهد إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك اوباما في العام 2015، واضعا بهذا الإنسحاب الإتفاق في حالة موت سريري. كان توقيع الإتفاق ثمرة  لجهود تفاوضية استمرت لعدة سنوات وساهمت فيها سلطنة عمان بشكل فاعل، لينهي ازمة عمرها 12عاما حول برنامج ايران النووي.

وأثار التوقيع على  الإتفاق حينها موجة من الإرتياح في العديد من دول العالم وخاصة الدول الأوروبية التي سارعت لتوقيع اتفاقيات اقتصادية مع ايران. فيما أثار حنق وغضب دول اخرى في المنطقة وخاصة السعودية واسرائيل. إلا أن دونالد ترامب أعاد الأزمة الى المربع الأول عندما   أعلن العام الماضي الإنسحاب من الإتفاق واصفا إياه ب“الكارثي“ معلنا  إعادة العمل بالعقوبات الاميركية المرتبطة بالبرنامج النووي للنظام الايراني، ومحذرا بفرض عقوبات شديدة على  كل بلد يساعد ايران في سعيها الى الاسلحة النووية  بحسب قوله. لتبدأ بعد ذلك مرحلة جديدة من التعاطي الأمريكي مع هذا الملف أبرز سماتها تشديد العقوبات والتلويح بالحرب.

الحصار

توّج الرئيس الأمريكي إعادة فرض العقوبات على ايران والتي تشمل المعاملات المصرفية، بإعلانه حظرا على شراء النفط الإيراني دخل حيز التنفيذ أوائل الشهر الحالي بهدف تصفير صادرات ايران النفطية، في محاولة لمحاصرة ايران اقتصاديا وإجبارها على اعادة التفاوض حول برنامجها النووي. ويعوّل ترامب في ذلك على هذه العقوبات لأنها تحرم ايران من 40٪ من عائداتها مما ينعكس سلبا على الإقتصاد الإيراني الذي يعاني من التضخم ومن انهيار في العملة، على امل أن يؤدي ذلك الى إنفجار شعبي، إضافة الى  تقليص  التمويل الإيراني  لحلفاءها في المنطقة وخاصة في سوريا ولبنان وبعض الفصائل العراقية.

 لكن شكوكا تساور العديد من المراقبين بل وحتى إدارة اترامب نفسها  حول مدى فاعلية هذا الحصار الإقتصادي ونجاحه في إجبار ايران على الجلوس على طاولة المفاوضات.  فتجربة الأربعين سنة الماضية وهي عمر الجمهورية الإسلامية، أثبتت فشل سلاح العقوبات بل إنه جاء بنتيجة عكسية، إذ حققت ايران في ظل العقوبات تقدما في مختلف المجالات ومنها المجال النووي حيث نجحت في تخصيب اليورانيوم الى مستويات فاقت النسب المطلوبة لتشغيل المفاعلات النووية التي تنتج طاقة كهربائية، كما وان النفوذ الإيراني تعاظم بشكل كبير  في المنطقة برغم الحصار.

لكن الإدارة الأمريكية  وبرغم كل ذلك عادت مرة أخرى لإستخدام هذا السلاح بعد أن زادت من فاعليته ليشمل النفط وصادرات المعادن  ليصبح أشد حصار يفرض على الجمهورية ومنذ ولادتها قبل أربعة عقود. ومن جانب ايران فإن تجربتها غنية في كيفية التعاطي مع العقوبات والإلتفاف عليها والبحث عن مخارج، إلا كل ذلك أصبح رهنا بعوامل خارجية ومنها الصراع الإقتصادي الأمريكي الصيني الذي قد يقلب معادلة الحصار رأسا على عقب فيما لو دخلت الحرب الإقتصادية بين أمريكا والصين مرحلة حرجة تدفع الصين الى خرق الحصار ومعاودة شراء النفط الإيراني وبذلك تفتح ثغرة في جدار الحصار قد تتوسع اذا مانضمت لها دولا اخرى.

 وفي هذا الخضم يبدو عامل الوقت حاسما، فإن إدارة ترامب تسعى  لقطف ثمار الحصار خلال الأشهر القليلة القادمة التي تسبق الإنتخابات الرئاسية الأمريكية المقرر إجراؤها في العام المقبل، ولذا فإنها ستمنع اي محاولة لكسر الحصار خلال الشهور القليلة المقبلة. ومن جانبها فإن ايران تعي ذلك وستحاول الصمود واستيعاب آثار هذا الحصار على امل حصول متغيرات دولية أو على اسوأ التقادير الإنتظار وحتى نهاية العام المقبل بانتظار خسارة ترامب للإنتخابات.

الحرب

ولذلك فإن الخشية الأمريكية من أن لا يؤدي الحصار الى فتح ثغرة في جدار الصمود الإيراني، دفعت الإدارة الأمريكية الى التلويح هذه المرّة بخيار الحرب، وهو خيار ليس نظري أو تهويلي او تخويفي، بل هو خيار واقعي يتبناه صقور إدارة ترامب وعلى رأسهم مستشار الأمن القومي بولتون، إلا أنه  يبقى الخيار الأخير فيم لو فشل خيار العقوبات في تحقيق أهدافه أو في حال إقدام ايران وحلفاؤها على تصرف يستدعي ردّا عسكريا.

 فالولايات المتحدة تبدو اليوم أكثر جدية من أي وقت مضى لخوض الحرب مع ايران. فقد إتخذت إدارة ترامب سلسلة إجراءات تصعيدية، بدأت بتصنيف الحرس الثوري الإيراني كمنظمة ارهابية وانتهاءا بإعادة انتشار قواتها في الخليج ومرورا بإرسال حاملة الطائرات ابراهام لنكولن وقاذفة B52 الى المنطقة. مما يوحي بالإستعداد الأمريكي لشن الحرب أو على أقل التقادير تصعيد الحرب النفسية ضد ايران وبما يجبرها على البقاء في حالة تأهب قصوى لأمد غير محدود وبما يؤدي لإنهاكها إذا ما اخذ بنظر الإعتبار العقوبات الإقتصادية، وهو الواقع الذي أجبر الرئيس الإيراني حسن روحاني على الإعتراف بان ايران تمر بظرف تاريخي حساس ومنذ نشأة الجمهورية الإسلامية.

الشروط الأمريكية والمفاوضات

لقد وضعت الولايات المتحدة وعلى لسان وزير خارجيتها جورج بومبيو 12 شرطا للتوصل الى اتفاق جديد مع ايران. وعند النظر الى تلك الشروط فيمكن تقسيمها الى مجموعتين، الأولى تهدف الى تحجيم قدرات ايران العسكرية سواء النووية منها او الصاورخية واما المجموعة الثانية فتتمحور حول تقليص النفوذ الإيراني المتعاظم في المنطقة. وتتضمن هذه المجموعة وقف دعم ”الجماعات الإرهابية في منطقة الشرق الأوسط“ ووضع حد لدعم فيلق القدس ونزع سلاح فصائل الحشد الشعبي في العراق والتوقف عن دعم الحوثيين في اليمن والإنسحاب من سوريا وأخيرا وهو المهم ”وضع حد لتصرفات ايران المعادية لإسرائيل والدول الحليفة لواشنطن في منطقة الشرق الأوسط“.

لقد اختصر وزير الخارجية الأمريكي تلك الشروط بكلمتين وهي ان على ايران ”تغيير سلوكها“  وهذا يشمل سلوكها في المنطقة وكذلكك برامجها لتطوير قدرتها الذاتية. وعند النظر الى هذه الشروط فمن الطبيعي أن يكون رد الفعل الإيراني الأولي عليها هو رفضها وهو ما أكد عليه المرشد الإيراني وكذلك كبار المسؤولين وفي مقدمتهم الرئيس روحاني ووزير الخارجية ظريف. إلا انه وبرغم هذا الرفض فإن مراقبين استشفوا من وصف المرشد للمفاوضات بالسم ! أنه ترك الباب مفتوحا أمام إمكانية إجراء مفاوضات مع الإدارة الأمريكية في تكرار لتجربة إنهاء الحرب العراقية الإيرانية قبل ثلاثة عقود.

فالجلوس على طاولة المفاوضات يبعد على الأقل شبح الحرب ويخفض التوتر في المنطقة ويمنح ايران فرصة للتوصل الى إتفاق جديد يفضي الى رفع العقوبات عن كاهلها وإن كان بتقديم تنازلات كبيرة. فالجمهورية تمر بمرحلة حساسة ومصيرية من تاريخها وهي ميتعدة للتضحية ببعض المكاسب من أجل الحفاظ على هذا الكيان الذي تجاوز مصاعب ومؤامرات كبيرة ومنذ تأسيسه في العام 1979. لكن الإدارة الأمريكية تبدو في عجلة من امرها لإنهاء هذا الملف وعدم التسويف فيه. فمن ناحية تقع إدارة ترامب تحت ضغط الإنتخابات الرئاسية المقرر إجراءها اواخر العام المقبل  ومن ناحية ثانية فإنها بصدد تمرير أكبر صفقة لحل قضية فلسطين فيما بات يعرف بصفقة القرن.

صفقة القرن

بدأت التسريبات عن ما بات يعرف اليوم بصفقة القرن منذ العام 2016 وبعد تولي ترامب الرئاسة، عبر بعض وسائل الإعلام الأمريكية والإسرائيلية التي تحدثت عن مشروع لحل شامل للنزاع العربي الإسرائيلي تعتزم الإدارة الأمريكية طرحه على اطراف النزاع في المنطقة. وبحسب تلك التسريبات الإعلامية فإن صهر الرئيس جاريد كوشنر يعتبر مهندس هذا الطرح الذي بدأت إدارة ترامب بتهيئة الظروف لتسويقه.

 نجحت هذه الإدارة خلال الفترة الماضية في توفير بعض مقدمات هذا التسويق، وأبرزها هي تحالفها الوثيق مع كل من السعودية والإمارات ودعمها لسياساتهما في المنطقة وخاصة في اليمن وفي منطقة الشمال الأفريقي. كما وانها اعلنت أن القدس عاصمة أبدية للدولة العبرية إضافة لإعلانها أن الجولان جزء لا يتجرأ من اسرائيل. واما الأخيرة فأعلنت من جانبها أنها دولة يهودية، وبذلم اتضحت الثوابت الإسرائيلية والأمريكية التي لا يمكن التفاوض حولها في أي صفقة.

بدأت اول ملامح صفقة القرن بالظهور بشكل جلي عندما أعلنت إدارة ترامب عزمها عقد ورشة إقتصادية في البحرين خلال شهر يونيو المقبل تهدف لدعم مشاريع إعمار المتناطق الفلسطينية، واصفة هذا الإعلان بانه يمثل الخطوة الأولى لتمرير صفقة القرن!. فهذه الصفقة تقوم على إقامة كيان فلسطيني بلا جيش و يخضع للحماية الإسرائيلية واما القدس فمدينة مشتركة يتوقف فيها كل من الفلسطينيين والإسرائيليين عن شراء الأراضي، وإلغاء حق عودة ملايين الفلسطينيين و إستقطاع مساحات من أرض سيناء لإقامة مطار ومنشآت أخرى  وأخيرا تخصيص مئات المليارات من دولارات   المانحين لإعمار المناطق الفلسطينية، ويتولى ذلك كل من دول الخليج والإتحاد الأوروبي.

لكن تمرير هذه الصفقات يواجه عقبات على أرض الواقع وخاصة في العراق وسوريا. فمحاولات إسقاط النظام في الأخيرة فشلت فشلا ذريعا بالرغم من الدعم المنقطع النظير الذي قدمته السعودية وحلفاؤها لفصائل المعارضة السورية، كما وان مشروع داعش فشل فشلا ذريعا في العراق وكنتيجة لذلك ولدت قوة عسكرية جديدة في المنطقة هي الحشد الشعبي، واما في اليمن فإن الحرب السعودية على اليمن لم تفشل فقط في إعادة عبد ربه هادي منصور الى صنعاء، بل إن السعودية وبعد مرور أكثر من أربع سنوات من الحرب فإنها أصبحت في مرمى صواريخ الحوثيين.

إن هذه الصورة تكتمل بهيمنة حزب الله على لبنان وفي تحالف الفصائل الفلسطينية في غزة مع ايران وهو ما يؤكد وبما لايدع مجالا للشك بان صفقة القرن لا يمكن تمريرها في ظل هذا الوضع، فهذه الأطراف التي تحتفظ بعلاقة وثيقة مع ايران ستسعى بكل ما اوتيت من قوة لتعطيل هذه الصفقة وهي تمتلك اوراقا رابحة  تلعب فيها في المنطقة. وفي ظل هذه المعادلات فإن إدارة ترامب وجدت ان العقبة الإيرانية هي الوحيدة التي تقف بوجه هذا المشروع وهو ما يستدعي تجاوز هذه العقبة الكأداء عبر سياسات الحصار والتلويح بعصا الحرب.

فكانت أولى ثمار هذه السياسات هو الإعلان عن ورشة المنامة الإقتصادية التي لايبدو أن هناك في الأفق معرقلا لها، فإن نجاحها يضع صفقة القرن على مسارها المرسوم من قبل أمريكا واسرائيل وبإمضاء من حلفائهما في المنطقة. ولذا فمن الواضح ان المستهدف من هذا التصعيد ضد ايران ليس برنامجها النووي، بل هو منعها من عرقلة صفقة القرن التي ستفتح صفحة جديدة في تاريخ المنطقة وعلى مقاس أمريكا وإسرائيل. فهذه الإدارة عازمة على تمرير هذه الصفقة سواء عبر النجاح باحتواء ايران او عبر شن الحرب عليها.

 فهذه الصفقة يقف خلفها  صقور الإدارة الأمريكية واللوبي اليهودي الأمريكي الذي لا يجرؤ صناع القرار الأمريكيين على معارضته بشقيهم الجمهوري والديمقراطي. وهكذا تبدو ايران أمام خيارات أحلاها مر فإما السماح بتمرير صفقة القرن وإما مواجهة تبعات عرقلتها الكارثية. ولايبدو أن ايران بصدد المسارعة  لتبني الخيار الأول  فمازل الوقت مبكرا لذلك، ولكن بقاء الوضع على ماهو عليه سيؤدي في النهاية الي تمرير الصفقة في ظل التهديد الأمريكي الحالي لإيران برد قاس فيما لو أقدم أي من حلفاؤها في المنطقة على تهديد المصالح الأمريكية أي بتعبير آخر المساس بصفقة القرن المقدّسة!

 

ساهر عريبي

 

عباس علي مرادمنذ العام 2016 تاريخ الإنتخابات الفيدرالية السابقة وكل استطلاعات الرأي والتي بلغ عددها 56 إستطلاعاً كان حزب العمال المعارض يتقدم على الحكومة بنسب تراوحت بالحدى الأقصى بين 54-46 والحد الأدنى 51- 49 وهذا ما كانت عيله صباح يوم السبت الماضي 18/5 يوم الإنتخابات العامة.

بسبب تلك الإستطلاعات دارت معركة سياسية منهكة داخل حزب الأحرار الذي تخلص من رئيس الوزراء مالكوم تيرنبول في شهر آب من العام الماضي، وكان تيرنبول قد إنقلب على طوني أبوت عام 2015 بسبب إستطلاعات الرأي أيضاً.

لكن وبعد إغلاق صناديق الإقتراع السادسة مساء السبت 18 أيار وبدء فرز الأصوات بدأت الأرقام تفيد بتقدم حزب الأحرار وحليفه الحزب الوطني، وقبيل منتصف الليل كانت النتائج تخطئ كل إستطلاعات الرأي السابقة حين ظهر زعيم المعارضة الفيدرالية أمام مناصريه في مدينة ملبورن معلناً خسارة حزبه الإنتخابات ومهنئاً سكوت موريسن وأعلن عن عدم نيته البقاء في منصبه أو الترشح لشغله من جديد ولكنه سيحتفظ بمقعده في البرلمان.

من جهته رئيس الوزراء سكوت موريسن والذي كان ينتظر مكالمة زعيم المعارضة كما يقضي البروتوكول أطلّ على محازبيه في مدينة سدني ليعلن عن الإنتصار المعجزة كما سماه في خطاب النصر.

ومن هنا يأتي السؤال كيف حصلت المعجزة، وهل صحيح أن هناك من معجزات أو خطاء من حزب العمال أو إداء أفضل من تحالف الأحرار- الوطني؟

حزب العمال قدم للناخبين برنامجاً إنتخابياً طموحاً ووعد بتغير في النظام الضريبي يشمل تخفيض نسبة الضريبة على أرباح رأس المال من 50% إلى 25% وحصر الإستثمار السلبي المعروف ب(النيغتيف غيرينغ) بالمنازل الجديدة فقط من تاريخ فوزه بالإنتخابات. ووعد الحزب ايضاً باقتطاع تقديمات مالية لبعض المتقاعدين المعروفة ب (فرنكن كريدت) وكان الحزب ينوي فرض ضرائب على معاش الإدخار التقاعدي كل ذلك من أجل تأمين الأموال المطلوبة للتعليم والصحة والبنى التحتية. ووعد الحزب بتخفيض نسبة انبعاث الكربون بالجو إلى 50% حتى العام 2030 للحد من التغيرات المناخية من خلال الحد من استعمال الفحم في إنتاج الطاقة حيث كان الحزب يعارض مبدئياً افتتاح المنجم المعروف باسم آداني في ولاية كوينزلند والإستثمار في قطاع الطاقة المتجددة. من ضمن البرنامج الطموح وعد حزب العمال بمساعدة مرضى السرطان بتغطية كلفة العلاج 100% بالإضافة إلى تقديم مبلغ بقيمة 2000 دولار في عامين للمتقاعدين كمساعدة في علاج أمراض الفم والأسنان ووعد الحزب برفع أجور العاملين في قطاع رعاية الأطفال بنسبة 20% خلال فترة حكمه الأولى بالإضافة إلى ورصد الحزب مبلغ يفوق المليار دولار لشراء الأراضي لبناء خط قطار سريع يربط ولاية كوينزلند ونيو سوث ويلز وولاية فكتوريا. وتعهّد الحزب في خطته أيضاً بصرف مبالغ كبيرة لتمويل خطة كونسكي لتحسين إداء المدارس الرسمية والخاصة قرابة 20مليار دولار ومن ضمن الخطة وعد العمال بإعادة الإعتبار للمدارس المهنية الرسمية (التيف) وبتأمين أماكن لأصحاب الدخل المحدود ودعم مالى لحصولهم على شهادات تخولهم دخول سوق العمل للحد دخول من دخول اليد العاملة الأجنبيةوالتي تعهّد الحزب بالتشديد في استقدامه للبلاد الا اذا كان هناك نقص لا يمكن تأمينه من اليد العاملة المحلية.

وعلى الجانب الثقافي والوطني تضمّن برنامج العمال إجراء استفتاء للإعتراف بالسكان الأصليين في الدستور واستفتاء آخر لتحويل أستراليا إلى جمهورية واستفتاء ثالث لتعديل المدة الزمنية للدورة الانتخابية من 3 سنوات الى اربع.

أما الحكومة فقد بنت حملتها الإنتخابية تحت شعار إدارة الإقتصاد وإيجاد المزيد من الوظائف وإعادة الفائض للميزانية ووعدت بتخفيضات ضريبية وتعديل النظام الضريبي ابتداءاً من عام 2023 بحيث تصبح نسبة الضرائب 30% للمداخيل التي تتراوح بين 40 ألف إلى 200 ألف دولار سنوياً. ولم تقدّم الحكومة خطة للحدّ من الإحتباس الحراري مكتفية ببرنامجها المعروف بالتدخل المباشر والذي يكلف الخزينة قرابة 3 مليار دولار سنوياً والذي تدفع بموجبه للشركات لتشجيعها للحد من انبعاث الكربون في الجو متعهدة في نفس الوقت الإلتزام بمقرارات مؤتمر باريس بهذا الخصوص والعودة إلى مستوى الإنبعاث في العام 2005. وكانت الحكومة قبيل أن تتحوّل إلى حكومة تصريف أعمال هرّبت مشروع قرار منح الرخصة وإعطاء الضوء الاخضر لبدء العمل في منجم آداني الذي سبق ذكره في ولاية كوينزلند. وفي حملته الإنتخابية وعد سكوت موريسن بمساعدة مشتري البيت الأول لدفع التأمين المالي الاولي ب15  % من هذا المبلغ ورصد لهذا البرنامج مبلغ 500 مليون دولار إبتداءاً من العام القادم.

وعلى الجانب السياسي كيف سارت الحملة الإنتخابية والتي استمرت لخمسة أسابيع حيث عمد رئيس الوزراء سكوت موريسن ولكسب المزيد من الوقت إلى  تأخيرها إلى آخر اسبوع من المدة القانونية المتبقّية من عمر حكومته.

حزب العمال والذي كان يقوده بيل شورتن الذي كان يأتي دائماً متأخراً عن رئيس الوزراء في استطلاعات الرأي كمفضل لشغل منصب رئاسة الوزراء وهو لا يملك الكاريزما المطلوبة، واعتمد في خطابه على تقديم نفسه بأنه يرأس فريقاً متماسكاً جاهزاً للحكم بعكس الحكومة التي اشغلت خلال السنوات الست الماضية بالفوضى والصراعات الداخلية والإنقلابات، وقدمت 3 رؤساء للوزراء خلال تلك الفترة (ابوت، تيرنبول وموريسن) ووعد الناخبين بعدالة أكثر التي جعلها كشعار لحملته الانتخابية ولكنه أخفق في عدة مناسبات في شرح برنامج الحزب الإنتخابي وهذا ما إعترفت به نائبته تانيا بليبرسك.

من جهته رئيس الوزراء قاد حملة إنتخابية بإسلوب رئاسي وركّز على أنه لا حاجة للتغيير، وتميزت حملته بالتخويف من برامج العمال وحصر الأمر بنفسه حيث توارى إلى الخطوط الخلفية وزراء ونواب الحكومة ولم يظهروا لى وسائل الاعلام وكان  موريسن يردد دائما

The bill Australia can't afford

بمعنى الفاتورة التي لا يمكن أن تتحملها أستراليا أي أن يصبح بيل شورتن رئيسا للوزراء باللعب على الكلام على إسم بيل شورتن والتي كان لها صدى واسعاً وانتشرت كالنار في الهشيم على ألسنة المتضررين من برامج حزب العمال.

وركز موريسن أيضا على مسالة الثقة بمن يكمنه تأمين الوظائف وإدارة الإقتصاد وحماية الحدود.

بالإضافة إلى الحملة الحكومية كانت بعض الأحزاب اليمينية الصغيرة تحذّر من سياسات حزب العمال، حيث أنفق الملياردير كلايف بالمر مبلغ 60 مليون دولار على حملة حزبه أستراليا المتّحد والتي تجاوزت ما أنفقه الحزبين الكبيرين مجتمعين ولم يحصل على أي مقعد سواء في مجلس الشيوخ أو مجلس النواب، لكنه أمّن الفوز للأحرا ر والوطني في ولايتي كوينزلند وغرب أستراليا بتداول الأصوات التفضيلية معهما وهذا ما فعله أيضا حزب بولين هانسون أمة واحدة.

وبعد هذه النتائج بدأت التحليلات، وحاول البعض تشبيه الإنقلاب في مزاج الناخبين ومخالفة إستطلاعات الرأي بما حصل في الولايات المتحدة بانتخاب ترامب، او كما حصل في بريطانيا بعد الإستفتاء على البركزيت وخروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي، لكن ذلك وبإعتقادي لا ينطبق على ما حصل في الإنتخابات الاسترالية حيث تراجعت لا بل اختفت من الحملة الإنتخابية قضايا الهجرة واللاجئين خصوصاً بعد الجريمة الإرهابية التي وقعت في نيوزيلندا والتي نفّذها مواطن أسترالي، وكان هناك اتفاق ضمني بين الحزبين الكبيرين على تحييد القضية، ولكن رئيس الوزراء كان يقارب الموضوع تحت شعار حماية الحدود وهو الكود السري لهذا الموضع، علما ان ترامب ومؤيدو خروج بريطانيا من الأتحاد الأوروبي لجأوا الى أسلوب التخويف من المهاجرين ومن المسلمين والمكسيكيين.

الدليل الآخر على عدم إمكانية المقارنة حيث لعبت قضايا محلية دوراً مهماً في المعركة الانتخابية هو خسارة رئيس الوزراء الأسبق طوني أبوت (أحرار) مقعده بعد معركة إنتخابية ضارية في مقعد وارنغا لصالح المرشحة المستقلة زالي ستيغل التي قادت حملتها الإنتخابية تحت شعار مكافحة التغييرات المناخية، ومن الادلة أيضاً رفض الأستراليين الخطاب المعادي للصينيين الذي قاده كلايف بالمر رئيس حزب أستراليا المتّحد الذي لم يفز بأي مقعد كما تقدم، بالإضافة إلى خسارة النائب العنصري فرايز آننغ مقعده في مجلس الشيوخ والمعروف عن آننغ انه يجاهر بالعودة إلى سياسة أستراليا البيضاء ووقف هجرة المسلمين.

وهناك أدلة أخرى كتصويت سكان ولاية كوينزلند لجانب الحكومة خوفاً من خسارة وظائفهم في قطاع المناجم، وأحد هذه الأدلة أن ثلث الناخبين (أكثر من 4 مليون) أدلوا بأصواتهم قبل يوم الإنتخابات حيث يسمح القانون بذلك بداعي السفر أو المرض، وهذا إن دلّ على شيء فإنه يدلّ على نسبة كبيرة من الموطنين غير مهتمة بما يقوله السياسيين  واعتبرها بعض المحللين كمرض للديمقراطية وسينظر الحزبين بتخفيض تلك المدة من 3 أسابيع الى أسبوع واحد.

ماذا بعد الإنتخابات والإنتصار المعجزة؟ كيف سيكون المشهد السياسي؟ وكيف سيعالج العمال تداعيات الخسارة؟ وكيف سيحكم سوكت موريسن؟ وكيف سيقود الحزب الذي مزقته الخلافات حتى إلى ما قبل الانتصار المعجزة؟!

العمال بدأوا البحث عن زعيم جديد، وبدأت تطل برأسها الخلافات بين جناحي الحزب اليمين واليسار، وحتى تاريخه قدّم ترشيحه كلاً من انطوني البانيزي من جناح اليسار وكريس بوين من جناح اليمين الذي سحب ترشيحه بسبب دعم قياديين بارزين من جناح اليمن لألبانيزي. وكانت تانيا بليبرسك نائبة رئيس الحزب من جناح اليسار سحبت ترشيحها رغم أنها تحظى بدعم جناح اليمين ونقابات العمال وتتردد أسماء اخرى تنوى المنافسة على المنصب ويختار زعيم الحزب بالإنتخاب من الأعضاء الحزبيين ومجلس قيادة الحزب "الكوكس" ، وقد برزت انتقدات شديدة لبيل شورتن لمحاولته لعب دور سلبي في اختيار خلفه بسبب تشكيكه بمواقف البانيزي أثناء الحملة الانتخابية.

رئيس الوزراء والذي إعتبرإنتصاره تفويض شعبيّ، بدأ مشاورته لتشكيل حكومته الجديدة بعد أن أمّن أكثرية في مجلس النواب ولم يعد بحاجة إلى أصوات النواب المستقلين ماذا سيقدم للناخبين وما هو هو موقف الأحزاب الصغيرة والمستقلين الذين يملكون ميزان القوى في مجلس الشيوخ الذي يسيطر فيها الأحرار والحزب الوطني 34 مقعداً وهم بحاجة إلى39 صوت لتميرير مشاريع القوانين.

ويبقى السؤال الوجيه كيف سيواجه موريسن وحكومته القضايا الملحّة والوفاء بوعوده الإنتخابية من التخفيضات الضريبية إلى تخفيض أسعار الطاقة وهل سيمكنه الإستمرار في تجاهل قضية التغييرات المناخية وهل المحافظة على الوضع كما هو سيؤمن الوظائف التي وعد بتأمينها خلال السنوات الثلاث القادمة (مليون و250 ألف وظيفة) في وقت بدأت ترتفع نسبة البطالة مجاوزة نسبة 5% حيث وصلت إلى 5.2% خلال الربع الأول من العام الحالي. وبرزت نية البنك المركزي تخفيض الفائدة بنسبة ربع من واحد بالمئة لتحفيز الإقتصاد المتباطئ وكان البنك المركزي توقع تراجع النمو الاقتصادي من 3.3% الى 2.2% في السنة المالية الحالية وهذا ما بدأ ظاهراً للعيان في قطاع البناء وتراجع أسعار المنازل خصوصاً في سدني وملبورن، وهناك قضية جمود المعاشات المستمرة منذ اكثر من ست سنوات، وإعادة الفائض للميزانية الذي وعد به في ميزانية نسيان الماضي لانه بدون تحريك عجلة الاقتصاد وتحفيزه لا يمكن الوفاء بوعوده الانتخابية، وحول هذا الموضوع يقول الخبير الاقتصادي ومحرر الشؤون الاقتصادية السابق في صحيفة "الفايننشل رفيو" الن ميتشل ان موريسن إستطاع ربح الانتخابات بحماة انتخابية بأسلوب قديم في وقت نحن بأمس الحاجة لنوع جديد من الحكومات.

يبقى من المهم أن نشسير إلى أن مؤسسات إستطلاع الرأي والتي تضرّرت سمعتها، بدأت بالعمل على إعادة النظر في جمع معلوماتها لتماشي العصر الإلكتروني والرقمي وشبكات التواصل الإجتماعي.

أخيرا، هناك ملاحظة مهمة وملفتة للنظر أن سكوت موريسن هو أول رئيس وزراء أسترالي يستعمل بارك الله أستراليا.

 

عباس علي مراد

 

ليس غريبا إن ذكرنا إن المجتمعات الغربية أضحت ذاتها تشعر بخيبة أمل كبيرة من الديمقراطية، وتلك الأزمة جعلت من المفيد العودة إلى الأصول الأيديولوجية والنظرية لذلك النظام السياسي والاجتماعي لمحاولة إيجاد وفهم أسباب تدهوره، كما ومن الممكن بناءً على تاريخ نظريتها يتم تقييم حدود الاستدامة والمرونة لنظامها وإدراك ما علاقتها بالعالم العربي؟ إن أبسط تعريف لها أنها ديمقراطية مبنية على المبادئ الليبرالية الساعية لتحقيق أهدافها التي لا تستند فقط على الاقتراع العام وانتخابات السلطة ولكن أيضًا على ضمانات محمية لما يسمى بالحرية السلبية أي حماية حرية الإنسان من تدخل الدول والأفراد بحقوقه السياسية والإنسانية والمدنية والحق في الملكية والحرية الشخصية وحرية التعبير والضمير. ومن المهم بالنسبة لنا أن نميز بين الليبرالية باعتبارها مجموعة من الأفكار حول الحرية الشخصية وحقوق الإنسان، والديمقراطية التي تقوم على مبدأ سيادة أو إرادة الشعب بأسره أو أغلبيته، ومع إن الليبرالية والديمقراطية مترابطين ولكنهما في جوهرهما هما أبعد ما يكونا عن التطابق ففي الديمقراطية يمكن إجراء انتخابات غير ليبرالية ويمكن أيضا تأكيد بعض المبادئ الليبرالية في الأنظمة غير الديمقراطية.

يتيح لنا هذا التمييز أن نرى بعض الأسباب والآليات المهمة لصعوبات تطبيق الديمقراطية الليبرالية ليس فقط في الغرب ولكن في جميع أنحاء العالم، ما نراه اليوم ليس أكثر من انتفاضة الشعوب ضد الليبرالية وهو مظهر من مظاهر عدم التطابق الحاد بين الديمقراطية والحرية، ولقد ظهر التناقض بين مبدأ الحرية الشخصية ومبدأ السيادة الشعبية منذ البداية الأولى لتشكيل المفهوم لضمان استقلالية الفرد وحريته وحماية القانون له، ولكن كيف يمكن تحقيق ذلك حقًا في ظروف الاستبداد أو في ظروف الانتصار المطلق للسيادة الديمقراطية؟ إن قيمة الديمقراطية ليست أنها قوة الجميع بل لإنها حرية الجميع، ونحن نختارها ليس لأنها مليئة بالفضائل ولكن لتجنبنا الطغيان، وإن فهمها قبل كل شيء يكون الضامن للحريات الإنسانية وهي أساس الأفكار الحديثة حول نظام الديمقراطية الليبرالية غير إننا رأينا كيف أن الأشكال المتطرفة لتدمير الحرية الشخصية والحياة نفسها تصيب وتتدهور جرائها فلذلك أظهرت أنها ليس فقط هشة ولكن أيضًا اظهرت إمكانية أن تصبح نقيض لماهيتها تمامًا.

يبدو حاليا أن الديمقراطية قد انتصرت وانتشرت في جميع أنحاء العالم لتصبح حقل مشكلة آخر وهو الحقل الرئيسي للاهتمام بهشاشتها والبحث عن طرق لتقويتها وهذا هو موضوع النقاشات الحديثة حول أزمتها الهشة وغير المستقرة والتي تحتوي على إمكانات التناسخ في الاستبداد والفوضى وتدمير الحريات، ولذلك فإن المهمة العملية ليست صنع ديمقراطية غير قابلة للتدمير بل تأمينها ضد حماقة المطلق من المشرعين وضد غليان العواطف الإنسانية المدنية والعسكرية وبعبارة أخرى لا نريد اختراع آلة حركة دائمة وإنما آلة مزودة بجهاز للحماية من الخداع.

إذن ما الذي يمكن أن يحمي ويقوي الديمقراطية الليبرالية؟ تعود جميع الخلافات المستمرة المتعلقة بأساسياتها وآفاقها بطريقة أو بأخرى إلى شخصية مكتشفها وهو المنظر الرئيس والمُنور الفرنسي جان جاك روسو (1712-1778 م) وهو الذي اكتشف بوضوح وبدون هوادة فكرة وجود شعب يتمتع بالسيادة والذي يقوم نتيجة للعقد الاجتماعي بإنشاء جمهوريته الخاصة على أساس الإرادة المشتركة وفق جمهورية تتمتع بأعلى سيادة ، والناس هنا هم الذين يتمتعون بالسلطة العليا وهذا هو المثل الأعلى للديمقراطية الغير مباشرة حيث يحكمها جميع المواطنين كما أنهم يضعون قوانين لأنفسهم، وفي حالة السيادة الشعبية فكل واحد يعطي عزم شخصيته وكل قوته للقيادة العليا للإرادة المشتركة ويقبل الشعب معًا كل عضو كجزء لا يتجزأ من الكل ولا توجد سلطة أو إرادة على سيادته، ولا يمكن أن يكون هناك قانون أساسي ملزم له ككل وحتى العقد الاجتماعي ليس ملزماً له, فيتمتع ذو السيادة بالحرية كما أن كل جزء منه وكل شخص فيه يفترض إن يكون حر، وإذا كان الشخص لا يريد أن يطيع القانون العام وأن يكون حراً فإن الشعب له الحق في إجباره على أن يكون طائعا وحراً، ولذلك فإن الشعب صاحب السيادة التي تم إنشاءها بواسطة الإرادة الحرة له لحماية الحرية العامة والخاصة أي أن افراده يمثلون شيئًا وحيدًا وغير قابل للتجزئة.

بالإشارة إلى الأزمة الحالية للديمقراطية في الغرب وفي جميع أنحاء العالم، فلا يوجد شيء ايجابي جديد في الأساس حول هذه الأزمة إذ كانت هناك دائمًا وستظل هناك قوى تدافع عن الاستبداد وتقييد الحريات والعزلة والإملاء الإيديولوجي والحمائية والمجتمع التقليدي المغلق بدلاً من التحديث المفتوح، وقد كانت تلك القوى ولا تزال خارج التوليف الثابت للثقافات والأيديولوجيات السياسية الرئيسة بالنسبة للإجماع الديمقراطي الليبرالي بمجرد أن توسع نفوذها، ومع كل هذا حافظ الناس دائمًا على حقهم في قول آرائهم والاحتفاظ بما يحق لهم، وعلاوة على ذلك فإن النظرة المتشائمة لآفاقها ليست هي النظرة الوحيدة الممكنة ومنظورها متفائل أكثر من المحتمل لأنها ترتبط بحقيقة أن هناك شروطًا أساسية للانتقال إلى مستوى جديد من التطور الديمقراطي مع الأخذ بالاعتبار في المقام الأول المستوى العالي من التعليم والثروة والوعي.

اما نحن كعرب فنعيش في حالة من التوازن المتجمد والركود في المستنقعات السياسية وعندما تكون الدولة غير قادرة على قمع المجتمع المدني، والمجتمع المدني أضعف من أن يفرض إرادته على الدولة يصبح الأساس المنطقي الأيديولوجي لذلك التخلف هو الأيديولوجية التقليدية لـلمسار الخاص والتي تجعل من غير الممكن شرح وتبرير حال النخبة والركود للإثراء المتهكم والمتهور، والعامة تلتهم بغيضها للبقاء على قيد الحياة، ولذا فإن أهم شيء بالنسبة لقضية الحرية ليس وجود الديمقراطية بل وجود مجتمع مدني، والديمقراطية لظهورها تحتاج إلى مجتمع مدني قائم بالفعل كأساس وضرورة.

 

بقلم/ الدكتور ميثاق بيات ألضيفي

 

عبد الجبار الجبورييتوهم البعض بأن الادارة الامريكية جاءت بجيوشها وحاملة طائراتها، التي تحمل رؤوساً نووية وبوارجها وصواريخها، وفتح قواعدها العسكرية ال(30)، التي تطوق ّإيران، وأحدث طائرات الجيل الخامس(الدرون)، و طائرات البي 52 واف 16 و35، والتي تكلف الخزينة الامريكية بليون دولار يوميا ناهيك عن تأهب وتحشّد الترسانة الفرنسية والبريطانية والعربية في الخليج العربي ومصروغيرها، أقول يتوّهم من يعتقد أن أمريكا جاءت بهذه الأساطيل (لقضاء نزهة) في مياه الخليج العربي وباب المندب ومضيق هرمز، نعم ليست نزهة في ضوء القمر، ولكنها جاءت لوضع حدّ لتوسع المدّ الفارسي، وتفكيك وتفتيت المشروع الايراني الكوني الديني التوسعي، الذي أعلن عنه قادة طهران وذيولهم، بأن الهلال الشيعي لابد وأن يكتمل ليصير بدراً، وهاهو البدر الشيعي في سماء العراق وسوريا واليمن ولبنان ويتجه نحو البحرين والكويت والامارات والسعودية وغيرها، وبات يزعزع أمن وإستقرار المنطقة والأهم أخذ يشكل تهديداً للاستراتيجية الأمريكية ومشروعها الكوني، في إقامة الشرق الاوسط الكبير الذي أخذ يتجه نحو الأفول بسبب تغوّل المشروع الإيراني وتوسعه، وتهديدات الإرهاب الذي تدعمه وتغذيه وترعاه إيران في المنطقة إذن وبضوء هذه المعطيات المتجسدة على الارض لابد من القيام بتقويض وإنهاء هذا المشروع، بأسرع ما يمكن مهما بلغت التضحيات، والتي آخرها إستخدام القوة العسكرية المفرطة لإنهائه، فكيف تدير الادارة الامريكية عملية الحرب على ايران، هل تستخدم الاستراتيج أم التكيك للوصول الى الإستراتيجي، لنرَ، فقد فرضت الادارة الامريكية حصارها الاقتصادي الاقسى في التاريخ كما اعلنت منذ البداية وما صدقها البعض المتوهم، ثم اعطت دولا اعفاءات لفترة محددة وإنتهت الفترات وبعدها أعلنت (تصفير) تصدير النفط وهو (مقتل) النظام الايراني وهاهي فعلت (وصفرّت) تصدير النفط، وسط جعجعة وتهديدات حكام طهران، وقادة الحرس الثوري وذيولها في المنطقة وهاهي الإستراتيجية الامريكية تسجل أعلى درجات النجاح، كيف، فقد إستطاعت ان تقنع وترهب الدول الاوربية بخطر وتهديدات النظام الايراني ونجحت ونرى التحالف الامريكي لحقت به فرنسا وبريطانيا والمانيا، وإستطاع الرئيس ترمب أن (يحيّد) الصين، ويرشي روسيا وبوتين ويوعدهم بإطلاق يدها في سوريا، وبناء قواعد عسكرية بحرية وبرية، على الاراضي السورية في طرطوس وحميميم، وهكذا فعل مع أردوغان وتركيا في إدلب وشمال سوريا، وظلَّ النظام الايراني أعزلاً، إلاّ من الميليشيات التابعة له كحزب الله والحوثيين والميليشيات العراقية، التي تتوّعد المصالح الامريكية بالوّيل والثبور وتوّجه صواريخها نحو أهداف أمريكية داخل العراق، إذا نشبت الحرب على إيران، إذن فمَنْ يمنع الادارة الامريكية، من إستخدام القوة العسكرية الهائلة التفوق ضد طهران وميليشياتها ولكن ليست الادارة الامريكية بهذه السذاجة كي تتوّرط وتستخدم قوتها العسكرية شديدة التفوّق بليلة وضحاها، وهي ترى أكبر التحديات أمامها في العراق والمنطقة، ألا وهي الميليشيات العراقية وحزب الله كما أعلن ماك بومبيو بنفسه وإعترف بأن الميليشيات، تعدّ أكبر التحدّيات التواجه الادارة الامريكية في العراق، وعليها مواجهتها بكلِّ الطرق وتفكّيكها وحلّها ودمجها أو إستخدام القوّة ضدّها لتفكيّكها، وذلك بالضغط على حكومة عادل عبد المهدي، أو تخييّرها بين الخندق الأمريكي والخندق الإيراني ولاحياد في ذلك، لذلك تسعى الادارة الامريكية وبكل قوتّها ونفوذها على أوروبا والصين وروسيا والدول العربية بالترهيب والترغيب، أن تتفادى (الحرب على ايران)، كما تصرّح، وأنما تستخدم الحلّ الأمثل لها، وهو إجبارها على الإستسلام والخضوع للشروط الامريكية ال12 بالحصارالأقتصادي القاتل أولاً، وجعل الحلّ العسكري في آخر المطاف، أو كما يقال الكي آخر الدواء وهو ما قد أدخلته الادارة الامريكية في حساباتها وجهزّت له، ترسانتها وبوارجها وأحضرتهم لهذا الغرض، إذا فشل الحصار التأريخي الأقسى عليها ولهذا تستخدم إيران إستراتيجيتها المعروفة (التسوّيف والمماطلة والعناد) تارةً، وتأخذها العزة بالإثم التهدّيد وإستخدام وَهْم القوّة، بنشر صواريخها في شوارع المدن الإيرانية لتخويف أمريكا وحلفائها الدول الخليجية، أو بتفجير بعض السفن في الفجيرة، وإستخدام طائرات مسيرة للحوثيين لقصف حقول النفط السعودية، وهكذا تتصّاعد حدةّ التهديدات الايرانية، وترفض التفاوض الذي عرضته الادارة الامريكية بل ذهبت اكثر من هذا وأخذت تهدّد الدول الاوربية بإلغاء الاتفاق النووي معها، والعودة الى تخصّيب اليورانيوم المنضّب، في حين تتواصل الاستعدادات الامريكية في احكام الحصار وتنفيذه بأقسى مايكون، متخذة التحوطات والاستعدادات، في مواجهة غلق مضيق هرمز من قبل ايران الذي يشكّل العّصب الاقتصادي العالمي، إذن نحن أمام سينارهات متعدّدة الرؤوس، في معالجة الأزمة مع حكام طهران، ولدى الادارة الامريكية البدائل في إخضاع حكام طهران للشروط الامريكية، بعد أن أحكمت السيطرة على خنق إقتصادها التي تريد إيران الإفلات منه بطرق ملتويّة ومفضوحة أمريكيّا كالتعامل مع العراق وإستخدامه بديل مؤقت لتصدير نفطها وحصر التجارة معها وطلب إستثنائه من الغاز والكهرباء، أي ترى العراق ولاية تابعة لها ومنقذها من الحصار، بل ومنقذها من الضربة العسكرية، وذلك بالإعتماد على أذرعها التي تخوّف العالم بها وهكذا نعتقد أن التكتيك الامريكي الناجح في مواجهة ايران وتغوّلها، وقطع مواردها الإقتصادية والمالية كفيل بتركيعها واخضاعها لشروطها قبل الإجهاز على نظامها وإسقاطه بالضربة العسكرية القاتلة، كهدف إستراتيجي لها ومن هذا التحليّل الإستراتيجي لفكرة إسقاط نظام الملالي، يكون التكتيك الامريكي مدخلاً أساسياً، لتحقيق الهدف الإستراتيجي وهوإسقاط النظام وتسليم الحكم للمعارضة الإيرانية بأقرب فرصة وهي جاهزة ومتوحدة في رؤيتها، ومتناغمة مع الادارة الامريكية لإستلام السلطة وتخليص الشعب الايراني الذي لايريد رؤية وجه ملالي طهران المتخلف في الحكم ولكن علينا الإعتراف بحقيقة مُرّة يجب تذوق مرارتها، وهي أن العراق سيكون ساحة الحرب العالمية الثالثة، إذا ما إندلعتْ هذه الحرب وظلَّ حكام طهران على عنادهم، راكبين رؤوسهم، حتى يتجرّعوا كأس السمّ ثانيةً، على يدّ اليانكي الأمريكي هذه المرّة نعم الحرب على ايران بين التكتيك والإستراتيج كما ترون، وهي سياسة أمريكية مزدوجة، في مواجهة التغوّل الإيراني البغيض، الذي أصبح يرعى الارهاب العالمي، ويهّدد به دول المنطقة على حساب تنفيذ مشروعه الديني الكوني التوسعي، وما يجري في العراق ولبنان واليمن وسوريا، من قتل وتهجّير الملايين، ماهو الاّ نتاج لتدخل ايران وميليشياتها وحرسها الثوري لإقامة الإمبراطورية المزعومة التي يهدّد بها ويحلم بها حكام وملالي طهران، كما كان يهدّد ويحلم الإرهابي أبو بكر البغدادي بقيام دولة الخلافة الاسلامية في العراق والشام.نعم التكتيك الأمريكي الذي تمارسه الادارة الامريكية، هو أحد أقصر الطرق لأسقاط نظام الملالي وهذا مانراه في نداءات الرئيس ترمب، للتفاوض والحوار مع إيران، قبل أن ينفلت عقال القوة العسكرية، نحو الهدف الإستراتيجي، وعندها لاتفيد حكام طهران تفجيراتهم في السعودية والامارات وتحرشاتهم في العراق بقصف السفارة الامريكية وغيرها أو بإستعراضات وهم القوة وقوة الوهم، بعرض الصواريخ الباليستية، في شوارع طهران والمدن الاخرى.

 

 عبد الجبار الجبوري

 

نبيل عودةتواصل إسرائيل إنكار مسؤوليتها عن تهجير أبناء الشعب الفلسطيني من وطنهم، وتتجاهل أنها قامت بهدم قراهم (أكثر من 520 قرية) لمنعهم من العودة ولخلق واقع جديد.

لم يحظ الكثير من العائدين بعد أحداث حرب 1948 بهوّيات زرقاء، مما كان يعني تعرضهم للطرد من الوطن، أو القتل كمتسللين، أو الحصول على هوية حمراء تعني أنهم مقيمون (أو "ضيوف" حسب الصيغة الرسمية) وليسوا أبناء هذا الوطن.

شهد تاريخ الأقلية العربية معارك بطولية ضد التهجير، قام بها وقادها بالأساس الشيوعيون العرب، بمنع الشاحنات المحملة بالمزمع طردهم من التحرك، وذلك بإلقاء أنفسهم أمام عجلاتها، ونظموا معارك قضائية من أجل الحصول على الهوية للعائدين (الذين عادوا كمتسللين إلى وطنهم).

اشتهر وقتها المحامي الشيوعي حنا نقاره، أطلق عليه الناس لقب "محامي الشعب"، كانوا ينشدون له الأهازيج الوطنية فرحا بتحصيله للهويات عبر المحاكم الأمر الذي كان يعني البقاء في الوطن وعدم اعتبار الفلسطيني "متسللا" (أو ضيفا) مرشح للطرد وراء الحدود، كذلك تحديا للحكم العسكري الذي فُرض على العرب الفلسطينيين الباقين في وطنهم مقيدا تنقلهم داخل وطنهم.

من تلك الأهازيج النضالية:

طارت طيارة من فوق اللية الله ينصركو يا شيوعية (اللية اسم مكان في الجليل)

حنا نقاره جاب الهوية غصبا عن رقبة ابن غريونا (بن غوريون – أول رئيس لحكومة إسرائيل)

تطورت ثقافة شعبية غنائية كجزء من النضال والصمود ضد التشريد، منها على سبيل المثال وليس الحصر، حسب مذكرات الشاعر والمناضل حنا إبراهيم (كتابه: ذكريات شاب لم يتغرب) انه كانت تمنح هويات حمراء لمن يُعتبرون "ضيوفا" (بالتعبير الإسرائيلي) أي المرشحين للطرد من الوطن. أما "غير الضيوف" فكانوا يحصلون على هوية زرقاء. يذكر حنا إبراهيم أغاني التحدي التي كانت تنشد في حلقات الدبكة ومنها:

يا أبو خضر يلا ودينا الزرقات والحمرا ع صرامينا (أبو خضر هو اسم شرطي مارس العنف ضد العرب، والزرقات والحمر هي الهويات)

هذا وطنا وع ترابه ربينا ومن كل الحكومة ماني مهموما

يقطع نصيب ال قطع نصيبي لو انه حاكم في تل أبيب

توفيق الطوبي وإميل حبيبي والحزب الشيوعي بهزو الكونا (توفيق واميل من أبرز قادة الحزب الشيوعي)

ويتلقف الشبان الكرة ويعلو نشيد المحوربه (نوع من الغناء الشعبي الفلسطيني) :

لو هبطت سابع سما عن حقنا ما ننزل

لو هبطت سابع سما عن أرضنا ما نرحل

هذه لوحة عن واقع صار تاريخا ولكنه نوسطالجيا نضالية أيضا، نفتقدها اليوم بهذه القوة، وهذا الصمود وهذا الالتفاف الشعبي السياسي.

ما جعلني أورد هذه اللوحة، هو التأكيد أن الهجرة لم تكن خيارا فلسطينيا، بل جريمة إنسانية، لم تكشف بعد كل تفاصيلها، وكل مخططاتها في الفكر الصهيوني، الذي يجتهد اليوم لإنكار الحقائق، بل وتزويرها بدون خجل، حتى تلك التي وردت في السجلات الرسمية للدولة.

اليوم نواجه واقعا مختلفا، الأقلية العربية الباقية في وطنها أعادت بناء نفسها ومؤسساتها، تجاوزت صعاب ومخاطر هائلة، شكلت علامات سؤال كبيرة حول بقائها في وطنها وعززت بقاءها في وطنها.

رغم مصادرة الأرض (ما تبقى للعرب في مناطق 48 أقل من 3.5% من الأرض)، إلا أنها لم تستسلم، أصبحت أقلية متعلمة وأبناءها يملئون الجامعات والكليات، عدد الأكاديميين تنامى بأرقام هائلة، من أعداد لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة، إلى أكثر 80 ألف أكاديمي اليوم، عدا الطلاب الجامعيين.

الأكثر من ذلك، 60-70% من الفتيات العربيات، اللواتي ينهين الثانوية يتجهن للدراسة العليا. آلاف كثرة جدا من الطلاب العرب من إسرائيل يتعلمون في جامعات الأردن، آلاف أخرى في مختلف أنحاء العالم، عدا الآلاف داخل الجامعات والكليات المحلية.

إن المسؤولية عن هجرة الفلسطينيين، أو طردهم من وطنهم بأساليب تعتبر جرائم حرب، كشفها أيضا مؤرخين يهود شجعان أمثال ايلان بابه، كنت قد كتبت سابقا عن قرار رئيس الحكومة، بناء على طلب مدير الأرشيفات، استمرار إغلاق أرشيفات العقدين الأولين بعد حرب 48 لعشرين سنة أخرى، لأنها تشمل تفاصيل "كشفها الآن يلحق الضرر بدولة إسرائيل" حسب تعبير مدير الأرشيفات وهو بالتأكيد يعرف ما يقول.

اعتقد أن تمديد الإغلاق، جاء ايضا لمنع استغلال المفاوض الفلسطيني لوثائق رسمية تثبت أن تهجير الشعب الفلسطيني من وطنه، كان بسبب ارتكاب مجازر، لا تقل بشاعة وربما تفوق تفاصيل مجزرة دير ياسين (منطقة القدس) ومجزرة قرية الصفصاف، الواقعة على زنار جبل الجرمق، مما دفع الفلسطينيين، الفاقدين لأي حماية من الانتداب البريطاني أو من الجيوش العربية، للهرب من وطنهم أو تعرضهم للمجازر الجماعية.

هناك روايات كثيرة عن عشرات المجازر، بعضها كشف عنه مؤرخين يهود.. وقد يكون المخفي أعظم، بعد كشف من أصدر الأوامر وطرق تنفيذ المجازر!!

إن الهجرة واللجوء إلى دول الجوار، لم يكن خيارا فلسطينيا، إنما خطة جهنمية إجرامية، لم تكشف كامل تفاصيلها، ولا يمكن لأي مفهوم إنساني سليم أن يعتبر تلك الأحداث مجرد صراع على أرض. بل هي تصفية عرقية من أسوأ الأشكال التي عرفتها البشرية، وحسب المستشرق ايلان بابه بدأت قبل إقامة دولة إسرائيل، وهذا ما يكشفه في كتابه الهام: "التطهير العرقي في فلسطين".

في إسرائيل يحاول اليمين العنصري إنكار النكبة، بل وإقرار قانون يمنع المواطنين العرب من تخصيص يوم 15 أيار من كل عام لذكرى النكبة، لكن هذه المحاولات، جعلت النكبة راسخة أكثر، ليس في الذاكرة الجماعية للعرب فقط، بل في كشف الموضوع أمام العديد من اليهود في إسرائيل الذين يجهلون تفاصيل حرب 48 وماذا تعني النكبة، لدرجة أن محرك البحث في غوغل شهد ارتفاعا هائلا في البحث عن كلمة "النكبة" باللغتين الانكليزية والعربية. أي أن التفكير العنصري بمنع ذكرى النكبة عن أبناء النكبة، قاد إلى تعميق مفهوم النكبة وتفاصيل ما جرى وقاد إلى النكبة. بل وأكثر من ذلك، الخوف من ذكرى النكبة للعقول العنصرية المريضة، ترجمت برد صهيوني، إذ أصدرت عناصر حركة تسمي نفسها "إم ترتسو"(إذا شئتم) كتيب جيب من 70 صفحة، أشبه بتوراة للمتطرفين، يحمل العنوان: "نكبة خرطه– الكتيب الذي يقاتل من أجل الحقيقة" ("خرطه" بالعامية الفلسطينية تعني "كذبة" وهي من الكلمات التي اخترقت العبرية).

الكتيب يحاول أن يشوه (او يزور) حقائق التاريخ، لمؤلفيه الصحفي ارئيل سيجال واحد مؤسسي حركة "ام ترتسو" ايرز تدمور، في محاولة (مهزلة) لإقناع القراء (اليهود بالأساس) بأن العرب الذين يرون أنفسهم ضحايا النزاع الفلسطيني-إسرائيلي، هم بالأساس المعتدين، أي الضحية هي المعتدية حسب مفهوم العقل الفاشي المريض لمؤلفي الكتيب.

حيفا نموذجا/ الحقائق اقوى من الكذب

من النماذج التي يقدمها الكتيب فصل بعنوان: "هم تركوا-حيفا نموذجا"، في هذا الفصل يذهبون لإنكار الطرد المخطط للعرب من حيفا، باعتمادهم على كتاب بروفسور أفرايم قارش: "تلفيق التاريخ الإسرائيلي"، يواجهون به من يعرفون بالمؤرخين الجدد، الذين حسب نص الكتيب، يقومون بكشف الحقيقة المؤكدة بسجلات الدولة أيضا، التي على أساسها نفذت القوات اليهودية (الهجناه) سلسلة من المذابح المروعة، خدمة لسياسة موجهة من أعلى، لطرد الفلسطينيين أو التصفية العرقية لمن لا يهرب".

النموذج الذي يقدمه المؤلفان، هو وصف احتلال مدينة حيفا في حرب 1948، كنموذج للادعاء أن الجانب الإسرائيلي، لم يتبع تلك السياسة التطهيرية، "وإن المسؤولية عن نتائج الحرب ومشكلة اللاجئين، هي مسؤولية القيادات العربية".

هل اختار المؤلفان مدينة حيفا نموذجا بالصدفة لتبرير الموقف الصهيوني؟

العديد من المؤرخين اليهود لم يلتزموا بالحقائق حول ما دفع مواطني حيفا للهرب من وطنهم. لذلك ما يقدمه المؤلفان في الكتيب ليس جديدا، لا يتناقض طرحهم مع بعض الأبحاث التي نشرت في كتب سابقة والتي يميزها إخضاع البحث لنوايا سياسية، تهدف مع سبق الإصرار على دعم رواية كاذبة تتجاهل سبب دفع عرب حيفا للهرب. هذا ليس مستهجنا في الكثير من المؤلفات التي تتجاهل الحقائق لحساب الرؤية السياسية أو الفكرية المسبقة.

بالطبع لا أحد سيحاسب المؤلفان على اعتماد أبحاث تتجاهل حقائق ووثائق ما جرى في حيفا وعلى رأسها وثائق ارشيف دولة اسرائيل. الحقيقة هنا حتى ليست نسبية، إنما مشوهة تماما. بالطبع القانون في إسرائيل لا يمنع تشويه التاريخ، بل هو موضوع شرعي تماما، رغم تناقضه مع الوثائق الرسمية والكتب الصادرة حتى من وزارة الدفاع الاسرائيلية نفسها.

صحيفة "هآرتس" العبرية، التي عرضت ما جاء في الكتيب، ذهبت لتفحص الحقائق من أشخاص (عرب) عاصروا تلك المرحلة ولم يهاجروا يعيشون اليوم في حيفا. توجهت إلى نادي للمسنين العرب في وادي النسناس في حيفا والذين تشكل النكبة جزء من سيرة حياتهم، رواياتهم مليئة بصور الطرد من الوطن بتهديد السلاح وبإطلاق النار على الناس، كلهم يتذكرون الخوف الذي ساد بين الهاربين الفاقدين لأي بديل آخر.

حسب التقديرات كان عدد سكان حيفا العرب حوالي 63 ألف مواطن، حيفا كانت ضمن المنطقة التي خصصت لدولة اليهود حسب قرار التقسيم للأمم المتحدة، بسبب أعمال العنف التي سادت هرب الكثيرون وظل في حيفا أقل من 20 ألف مواطن عربي.

يقول أحد كبار السن في تقرير هآرتس، أن الحياة أضحت غير محمولة بسبب تواصل إطلاق النار ومواصلة القصف على العرب دون تمييز بين مسلحين ومواطنين غير مسلحين، وانه في الأحياء العربية تعرض كل من يسير في الشارع لنيران القناصة والرشاشات.

حسب مصادر إسرائيلية، بعد "الانتصار" في حيفا، لم يجد الجيش إلا كمية قليلة جدا من السلاح، لا تشكل أي تحد للأسلحة الموجودة بأيد القوة العسكرية اليهودية، ولا يشكل أصحاب هذه الأسلحة قوة عسكرية بأي مفهوم عسكري بسيط.

حسب تقديرات البريطانيين، بلغ عدد الهاربين من العرب عن طريق البحر بين 12 و14 ألف إنسان، والهاربين برا أكثر من 6000 شخص، لكن المصادر اليهودية تدعى أن عدد الهاربين كان بحدود 5000 شخص فقط، بينما عدد الذين بقوا في حيفا من العرب كان بحدود 20 ألف عربي، فأين اختفى 40 ألف حيفاوي عربي؟

كانت النار تطلق، حسب الشهادات الشخصية، على البيوت العربية مما حول ميناء حيفا إلى المكان الأكثر أمانا للمواطنين العرب، ذلك لأن الميناء بقي تحت الإدارة البريطانية لضمان انسحاب جيشها من فلسطين، بعد تسليمها لليهود طبعا!

بيني موريس المؤرخ اليهودي وصف في كتابه "نشوء مشكلة اللاجئين الفلسطينيين" الصادر عام 1991، أي قبل أن يتراجع ويروّج الروايات الرسمية للحركة الصهيونية (وهي تتناقض مع تسجيلات الأرشيف الاسرائيلي الصهيوني نفسه)، وصف بوضوح كبير تطور الأحداث، كتب: "أُعطيت أوامر لقصف ساحة السوق (في حيفا)، كان في السوق اكتظاظ كبير عندما بدأ القصف، سبّب رعباً كبيراً، اندفع الجمهور إلى الميناء دافعين رجال الشرطة (البريطانية) وسارعوا لركوب السفن وبدأ الهروب من المدينة". بيني موريس تراجع فيما بعد عن روايته في كتابة "1948" الصادر عام 2010.

رغم أن روايته عن قصف السوق هي رواية جزئية جدا، لكن مؤرخاً يهودياً آخر هو تسادوق ايشيل، في كتابه "معارك الجيش في حيفا" الصادر عام 1978 عن وزارة الدفاع الإسرائيلية، يذكر تفاصيل أكثر. ايشيل كان مجندا في الجيش، الكثير من تفاصيل المعركة في مدينة حيفا يقدم وصفها في كتابه كونه مصدر أول وشاهد ومشارك فيها، يصف أحداث 22 نيسان 1945 بقوله:" في ساعات الصباح الباكر أعلن مكسي كوهن لأركان الفرقة أن العرب يستعملون مكبرات صوت ويدعون الجميع أن يتجمعوا في ساحة السوق بسبب احتلال اليهود لشارع ستانتون ومواصلة تقدمهم نحو مركز البلد. مع وصول هذه المعلومة صدرت الأوامر لقائد كتيبة عسكرية هو ايهود الموج، ان يقصف براجمات قطر 3 انشات (أي 75 مليمتر) التي كانت مجمعة قرب مستشفى روتشيلد (المستشفى يجلس عمليا فوق الأحياء العربية الأساسية لحيفا) منطقة السوق في حيفا، رغم تجمع الكثير من الناس (غير المسلحين) في السوق. بدأ القصف وتساقطت القنابل وسط الجمهور، انتشر الرعب الكبير، انطلق الناس إلى الميناء، اندفعوا نحو القوارب للهرب من حيفا وقد تواصل القصف المتقطع خلال اليوم كله على المدينة (القصد على الأحياء العربية) مسببة رعبا وانهيارا في صفوف الأعداء"، كما جاء في الكتاب.

السؤال: لماذا محت إسرائيل فيما بعد من كتب التاريخ موضوع قصف حيفا وانتشار الجثث في الشوارع، ودفع أهلها للرعب والهلع العظيم، والهروب الكبير رغم أن المدينة لم تكن تملك السلاح لمواجهة الاحتلال اليهودي؟ بل وجرى القصف أثناء مفاوضات عربية يهودية بمشاركة ضباط بريطانيين، لتسليم حيفا بدون قتال؟

ما تكشف عنه الحقائق الرسمية، يبين أن القصف والقتل جرى أثناء قيام ممثلي الجمهور العربي في حيفا بمفاوضات مع قادة حيفا اليهود، حول شروط وقف إطلاق النار، حسب شهادات كثيرة كان رئيس بلدية حيفا وقتها شبتاي ليفي، يؤمن بإمكانية التعايش المشترك، دعا قادة الجمهور العربي للاستسلام ودعوة السكان للاطمئنان والبقاء في حيفا.

جاء في تقرير أرسله مراسل يو بي: "أن العرب وافقوا على شروط الاستسلام اليهودية، وعليه بدأ الفيلق العربي والمتطوعين العراقيين بمغادرة المدينة".

لكن كما تبين واصلت القيادة العسكرية اليهودية (الهجناه)، المطلعة على سير المفاوضات لوقف إطلاق النار واستسلام حيفا بدون قتال، قصف الأحياء العربية.

هناك وثيقة صدرت من أركان فرقة الجنرال كرمل (قائد جيش الهجناه في حيفا)، تقول البرقية: أن العرب في حيفا توجهوا إلى الجنرال (موشيه كرمل) ورئيس البلدية شبتاي ليفي، بطلب، عبر وسيط بينهم وبين الجيش (الهجناه) لقبول وقف إطلاق النار. بل وأرفق بالوثيقة، التي أرسلت للقيادات العليا، نصا بالإنكليزية، حسب ما صيغ من الجيش (الهجناه) وذكرت الوثيقة انه:" يسود في أوساط العرب رعبا شديدا ومقاومة ضعيفة جدا".

مصادر أخرى تقول إن القصف لاحق المواطنين العرب الهاربين لأبواب الميناء، مما اضطر الجنود البريطانيين إلى التهديد بالرد على القصف اليهودي إذا لم يتوقف، في حالات أخرى فتح الجنود البريطانيون، النار على مقاتلي الهجناه بسبب إطلاقهم النار على المواطنين العرب الهاربين.

كانت سياسة القيادة العليا مواصلة الضرب، ما لم يوقع الاتفاق، رغم أن برقياتها أشارت إلى انهيار كامل للقيادة العسكرية العربية في المدينة. وجاء في تقرير للهجناه انه:" بما أن العرب لا يستطيعون تنفيذ شروط الاستسلام، من الأفضل إخلاء مدينة حيفا تماما من سكانها العرب". لذلك، كما بات معروفا، تواصل القصف أيضا أثناء اجتماع قادة الجمهور العربي مع القيادة اليهودية ومشاركة ضباط بريطانيين في الاجتماع أيضا.

قبل 66 سنة ظهر في تقرير مراسل يو بي الذي نشرته صحيفة عبرية هي "دافار" وذلك بعد انتهاء المعارك، أن ممثلي الجمهور العربي يدعون أن اليهود أخلوا باتفاق وقف إطلاق النار في حيفا، وسببوا موجة جديدة من الرعب في أوساط آلاف المواطنين العرب الذين سارعوا بالهرب من حيفا. يواصل التقرير: أن اليهود يعترفون بأحاديث خاصة، انه أثناء المعركة وبعدها، تجاوز "بعض الناس" (هل يعنون جنود يهود؟) الانضباط، وكان هناك انفلات وأعمال نهب وبطش وإطلاق نار على المواطنين العرب ولكن الآن توقف ذلك "!!"

إن محاولة نفي أو تقليل مأساة تهجير عرب حيفا، لن تفيد، لأن الحقائق، والشهادات الحية، بما فيها وثائق وكتب تأريخ إسرائيلية كتبها يهود أنفسهم ومنهم قادة معارك، تثبت أن التهجير كان سياسة رسمية لإخلاء البلاد من العرب.

لست مؤرخا، ولكن هناك الكثير ما يستحق أن يجمع خاصة من الذاكرة التاريخية لكبار السن، وهي بمجموعها تشكل جزءا من الحقيقة التاريخية التي يحاول اليمين في إسرائيل أن يشوّهها وينفيها. بل ويذهب اليمين بعيدا لإقرار قانون ينفي حق شعبنا بتذكر مأساته القومية الكبرى-"النكبة" التي أفقدتنا وطننا وشتت شعبنا في أقطار عديدة، حيث يواجه الرفض والمذلة.

هناك موضوع يستعصي عليَّ فهمه، وهو تجاهل أحزابنا ومؤسساتنا وجمعياتنا الأهلية المتخصصة لمثل هذه النشاطات التي تحاول أن تزيّف حقائق التاريخ، وتخلق تبريرات مصطنعة وتفسيرات مشوهة لنكبة الشعب الفلسطيني وتهجيره من وطنه.

صحيفة عبرية قامت بتفنيد الكذبة، وتساءلت: " لماذا أُخرج حدثُ "قصف حيفا" من كتب التاريخ الرسمية؟"

 السؤال المقلق أين الجواب العربي، اين الرواية العربية ووثائق ما ارتكب في حيفا وغير حيفا؟ من يهتم بجمع الروايات الشخصية حفظا على الذاكرة الجماعية؟

انا لست مؤسسة، ومثل هذا العمل يحتاج إلى وقت وجهود جماعية كبيرة. لا تنقصنا الجمعيات الأهلية، ولا المؤسسات الرسمية أو شبه الرسمية والسؤال ما الذي يشغلها؟ ما هي أولوياتها؟ متى سنصحو لتسجيل الروايات الشخصية أيضا حتى لا تضيع الذاكرة ولا يصير المقتول قاتلا أو منتحرا!!

رسالة من معاصر للنكبة: من 70.000 فلسطيني حيفاوي بقي فقط 3566

بعد نشر مقالي وصلتني رسالة من استاذ حيفاوي عاصر النكبة بتفاصيلها وهو مطّلع على مجريات النكبة في حيفا. وطلب مني تصحيح بعض المعلومات لأهميتها ومنها يتبين ان نكبة حيفا وأهلها العرب كانت أكبر وأعمق، واليكم المعلومات الجديدة:

في نسيان عام 1948 بدأت قوات الهاغاناه بطرد السكان العرب من ضواحي المدينة المختلفة. ولتمنع التشريد أصدرت القيادة العربية في حيفا منشورًا لأهالي المدينة يحثّهم على الدخول والبقاء في منازلهم، بدل التجمع في الشوارع أو ترك المدينة، لكن تحت وابل الرصاص والقذائف بدأت عملية هروب جماعية. دفعت قوات الهغاناه نحو 35000 عربي الى ميناء حيفا، هناك انتظرتهم سفن بريطانية حيث نقلتهم الى لبنان. يقدر أن 10% من اللاجئين الفلسطينيين في لبنان أصلهم من حيفا. وهرب الكثيرون عن طريق البر الى الجليل، وحتى الى منطقة جنين (الكثيرون من سكان مخيمي جنين ونور الشمس هم من حيفا، ومن القرى المجاورة). بضع مئات من العرب المسيحيين التجأوا الى الكنائس، والتي لم يهاجمها اليهود خوفًا من الرأي العام في أوروبا والولايات المتحدة... في- 22 نيسان 1948 سقط الحصن الفلسطيني الأخير في المدينة – بيت النجادة (مقر حركة الكشاف العربي) في حي الحليصة على يد الكتيبة الـ- 22 من الهاغاناه

في 23 نيسان وقعت مدينه حيفا تحت الاحتلال الاسرائيلي. من 70,000 فلسطيني بقي فقط 3,566 عربيا.

 

نبيل عودة

 

امجد الدهاماتكان عالمُ الأرصادِ الجويةِ (Edward Lorenz) يجري عمليةً حسابيةً بالكومبيوتر للتنبؤِ بالطقسِ، وبدلاً من أن يدخلَ بالجهازِ العددَ (156.642135) كاملاً، اختصرهُ الى (156.642)، ومع أنَّ الفرقَ قليلٌ جداً بين العددينِ، وهو فقط (000.000135)، إلا أنَّهُ حصلَ فرقاً هائلاً بالنتيجةِ، فأستنتجَ أنَّ الاحداثَ الصغيرةَ تتطورُ وتكبرُ لتصبحَ احداثاً ضخمةً جداً، فأطلقَ على ما حدثَ نظريةَ تأثيرِ الفراشةِ (Butterfly Effect Theory).

إنَّ (تأثيرَ الفراشةِ) مصطلحٌ مجازيٌ لوصفِ الاحداثِ وليس تفسيراً لها، إنّهُ يصفُ الظواهرَ ذاتَ الترابطاتِ والتأثيراتِ المتبادلةِ التي تنجمُ عن حدثٍ أولٍ، قد يكونُ بسيطاً في حدِ ذاتهِ، لكنه يولّدُ سلسلةً من النتائجِ والتطوراتِ المتتاليةِ التي يفوقُ حجمُها حدثَ البدايةِ، في أماكنَ وأزمانَ لا يتوقعُها أحدٌ، وكما قالَ الشاعرُ: "ومُعظَمُ النارِ مِنْ مُستَصْغرِ الشَرِرِ".

ويُعبرُ عن هذهِ النظريةِ مجازياً بالقولِ: (إنَّ رفرفةَ جناحِ فراشةٍ في البرازيلِ قد تنتجُ عاصفةً بالصينِ)! ويوجدُ مثالٌ مشهورٌ: اثناءَ الحربِ العالميةِ الأولى وتحديداً يوم 1918/9/28 عثرَ الجنديُ البريطانيُ (Henry Tandey) على جندي الماني جريح، لكنهُ أشفقَ عليه ولم يقتلْهُ، لقد كانَ الجريحُ هو (هتلر)!

لو أنَّ (Tandey) قتلَ (هتلر) لما حصلَتْ الحربُ العالميةُ الثانيةُ بنتائجِها الكارثيةِ، إنَّ ما قامَ به الجنديُ كانَ (حركةَ فراشةٍ) أدتْ الى (عاصفةٍ) كبيرةٍ.

وهناك مثالٌ آخر: إنَّ صفعةَ الشرطيةِ التونسيةِ فادية كامل للشابِ محمد بو عزيزي يوم 2010/12/10 أدتْ الى (الربيع العربي) وما تبعهُ من أحداثٍ في تونس، مصر، ليبيا، سوريا، واليمن، كانت الصفعةُ (حركةَ فراشةٍ) انتجتْ (عاصفةً) ضخمةً.

القيادةُ حسب نظريةِ تأثيرِ الفراشةِ:

يمكنُ للقائدِ الذكيِ الاستفادةُ من هذهِ النظريةِ واستثمارِها بطرقٍ كثيرةٍ، أهمُها الطرقُ الثلاثُ التالية:

أولاً: القائدُ يلمحُ ويشخّصُ حدثاً ما، حتى ولو كان بسيطاً، فيستثمرهُ ليصنعَ منهُ عاصفةً كبيرةً:

وهذا ما فعلتْهُ السيدةُ (Rosa Parks) في مدينةِ (Montgomery) الامريكيةِ، فقد كانَ يُوجدُ قانونٌ للفصلِ العنصري بينَ ركابِ الحافلاتِ يجبرُ السودَ على الجلوسِ في المقاعدِ الخلفيةِ ويخصصُ الاماميةَ للبيضِ، ولكنَ في يومِ 1955/12/1 جلسَتْ (Parks) على مقعدٍ اماميٍ، ورفضتْ أنْ تُخليَهُ ليجلسَ عليهِ شخصٌ ابيضٌ، وكانَ هذا الرفضُ هو رفرفةُ جناحِ الفراشةِ التي أطلقتْ عاصفةَ (حركةِ الحقوقِ المدنيةِ) المطالبةِ بالمساواةِ بينَ الأعراقِ في امريكا.

 

ثانياً: القائدُ يلمحُ ويشخّصُ احداثاً بسيطةً وعفويةً تقعُ مع شخصٍ آخرَ في مكانٍ ما وزمانٍ ما، ويستثمرُ هذا الحدثَ ليصنعَ منهُ عاصفةً كبيرةً:

لقد كانَ اعتقالُ السيدةِ (Parks) هو حركةُ الفراشةِ بالنسبةِ للدكتورِ (Martin Luther King)، فقدْ قادَ نضالُ السودِ في (حركةِ الحقوقِ المدنيةِ) التي أدتْ الى الغاءِ قوانينَ الفصلِ العنصريِ في 1964/7/2

ثالثاً: القائدُ يلمحُ ويشخّصُ احداثاً بسيطةً وعفويةً ليضعَ أساساً يتحولُ بمرورِ الزمنِ الى عاصفةٍ كبيرةٍ مستقبلاً:

في عامِ (1894) أرادَ الزعيمُ الهنديُ (Mohandas Gandhi) مغادرةَ دولةِ جنوبِ افريقيا والرجوعَ لبلدهِ الهند، لكنَ عندما قررتْ الحكومةُ العنصريةُ منعَ غيرِ البيضِ من المشاركةِ بالانتخاباتِ قررَ البقاءَ، فكانتْ هذهِ حركةُ الفراشةِ خاصتَه، وفعلاً بدأ كفاحَه السلميُ في مواجهةِ السلطةِ البيضاءَ، واستمرَ على نفسِ النهجِ في الهندِ، فأصبحَ نضالهُ السلميُ المبنيُ على نظريةِ اللاعنفِ (Ahimsa) ملهماً للعديدِ من القادةِ والشعوبِ الذينَ يناضلونَ للحصولِ على حقوقِهم سلمياً.

طبعاً حتى الشعوبُ يمكنُها استثمارُ هذهِ النظريةِ، وهذا ما فعلَهُ شعبُ المانيا الشرقيةِ السابقةِ، فعندَما عقدَ ممثلُ الحكومةِ الشيوعيةِ Gunter Chabowski)) مؤتمراً صحفياً يوم 1989/11/9 وتسرّعَ بالإجابةِ عن سؤالٍ حولَ موعدِ السماحِ للمواطنين بالسفرِ خارجَ البلادِ وقالَ: (حالاً - Immediately)، أستثمرَ الناسُ هذا الخطأ (حركةَ الفراشةِ) وهرعوا نحوَ جدارِ برلين وحطموه، وتطورتْ الاحداثُ لتكونَ (عاصفةً) قلعتْ الأنظمةَ الشيوعيةَ في أوربا الشرقية.

وتكررَ الامرُ في صربيا يوم 2000/10/5 اثناءَ حكمِ الرئيسِ (Slobodan Milosevic)، حيث كانتْ (حركةُ الفراشةِ) هي قيامُ أحدِ المواطنينَ باقتحامِ مبنى التلفزيون بواسطةِ (بلدوزر)، الامرُ الذي أدى الى اندلاعِ (ثورةِ البلدوزر) التي أصبحتْ (عاصفةً) أطاحتْ بالدكتاتور.

ستراتيجيةُ القطِ الميتِ:

طبعاً العملُ وفقَ نظريةِ (تأثيرِ الفراشةِ) ليس سهلاً، فالأمورُ ليستْ ورديةً دائماً، والحياةُ مليئةٌ بالمصاعبِ، ويوجدُ دائماً مَنْ يحاولُ العملَ بالضدِ ووضعِ العراقيلِ باستخدامِ طرقٍ كثيرةٍ من أهمِها ستراتيجيةُ القطِ الميتِ (Dead Cat Strategy) وهي من أهمِ طرقِ إلهاءِ الناسِ عن واقعِهم، وتؤكدُ على أنَّ تقديمَ قضيةٍ تافهةٍ أو خبرٍ غيرِ مهمٍ بشكلٍ درامي، أو بقدرٍ كبيرٍ من الإثارةِ أو الصدمةِ من شأنهِ أن يلفتْ انتباه الجميعَ، بعيداً عن القضايا المهمةِ والملحةِ.

فيتمُ تضخيمُ حدثٍ بسيطٍ وهامشي وربَّما مفتعلٍ، بواسطةِ الإعلامِ و(Social Media)، وتحويله الى (قطٍ ميتٍ) من الحجمِ الكبيرِ يجذبُ انتباه الناسَ، ويصبحُ نقطةً محوريةً للنقاشِ الحادِ يشتركُ فيه الجميعُ لينشغلوا عن قضاياهم المهمةِ المتعلقةِ بحياةِ المواطنِ وأمنهِ، وتنميةِ البلدِ واستثمارِ ثرواتهِ، وتحقيقِ العدالةِ الاجتماعيةِ، ... ألخ، التي يتمُ تحويلُها الى (فأرٍ صغيرٍ) في حفرةٍ عميقةٍ يتمُ ردمُها بالعديدِ من قصصِ القططَ الميتةِ، وبهذا يتحققُ الهدفُ النهائيُ، بالحديثِ عما يُرادُ الحديثُ عنهُ والابتعادُ عما يُرادُ تجاوزُه ونسيانُه.

وقد كتبَ عنها وزيرُ الخارجيةِ البريطاني السابقِ (Boris Johnson): "هناكَ شيءٌ واحدٌ مؤكدٌ تماماً حولَ رمي قطٍ ميتٍ على طاولةِ غرفةِ الطعامِ، هو أنّ الجميعَ سوفَ يصرخُ: (هناكَ قطٌ ميتٌ على الطاولةِ)، بمعنى آخر، سوفَ يتحدثونَ عن القطِ الميتِ - الشيءُ الذي تريدُ أنّ يتحدثوا عنهُ - ولنْ يتحدثوا عن مشاكلِهم وقضاياهم".

لكنَّ أفضلَ ردٍ على هذهِ الستراتيجيةِ هو عن طريقِ:

نظريةِ البجعةِ السوداءِ:

كان الاوربيون يعتقدونَ بأنَّ كلَ طيورِ البجعِ ذاتِ لونٍ أبيضَ، ومن المستحيلِ وجودِ بجعٍ أسودَ اللونِ، لكن عندما اكتشفَ الهولنديُّ (Willem Janszoon) قارةَ أستراليا عام (1606) وجدَ فيها طيورَ بجعٍ سوداءَ، فأصبحتْ عبارةُ (البجعِ الأسودِ) تعني أنَّ المستحيلَ ممكنُ التحققِ.

وفي عامِ (2007) نشرَ المفكرُ (Nassim Taleb) كتابَهُ (The Black Swan)، يؤصلُ فيهِ لنظريةِ (البجعةِ السوداءِ) التي يمكنُ تلخيصُها بما يلي:

أن الأحداثَ الكبرى في التاريخِ، والتي كان من المستحيلِ توقعُها، قد حدثتْ فعلاً، وبشكلٍ مفاجئٍ وغيرِ متوقعٍ، مثل: اختراعُ الراديو، نشوبُ الحربين العالميتين، تفجيراتُ 11 سبتمبر، وغيرُها، وتتميزُ هذهِ الاحداثُ بثلاثِ ميزاتٍ:

1- لها عواقبٌ شديدةُ التأثيرِ.

2- تقعُ خارجَ نطاقِ التوقعاتِ المألوفةِ.

3- طبيعتنا تجعلْنا نجدَ تفسيراتٍ لها بما يجعلُها قابلةَ للتوقعِ.

أي أنَّ فكرةَ هذهِ النظريةِ ليستْ التنبؤَ بالأحداثِ، بلْ تفترضُ أنَّ الاحداثَ التي لا يُتوقعُ حصولُها وتبدو وكأنَّها من المستحيلاتِ، من الممكنِ ان تتحققَ فعلاً.

وفقَ هذهِ النظريةِ يمكنُ استثمارُ الأحداثِ البسيطةِ (حركة الفراشة) لخلقِ (بجعةٍ سوداءَ)، بعد التخلصِ من (القططِ الميتةِ).

والمثالُ الرومانيَّ هو الأبرزُ: فقدْ قالَ الدكتاتور (Nicolae Ceausescu): "إنَّ احتماليةَ حدوثِ ثورةٍ في رومانيا نفسُ احتماليةِ انَّ أشجارَ الصنوبرِ تثمرُ الإجاصِ"!

لكن عندما قررتْ الحكومةُ يوم 1989/12/15 نفيَ القسِ المعارضِ للنظامِ (Laszlo Tokes) من مدينةِ (Timisoara) تظاهرَ الآلافُ لمنعِ السلطاتِ من تنفيذِ قرارِها، وتطورتْ الاحداثُ الى ثورةٍ أطاحتْ بالنظامِ خلالَ أسبوعٍ واحدٍ فقط، وبالنهايةِ تمَّ اعدامُ الدكتاتورِ وزوجتهِ.

كانَ نفيُ القسِ هي (حركةُ الفراشةِ) ووعودُ الرئيسِ هي (القطُ الميتُ) لكنَّ النتيجةَ كانتْ (بجعةً سوداءَ)!

 

أمجد الدهامات - العراق

*aldhamat1@yahoo.com

 

حسن العاصيكشفت صورة التقطت ببروكسل ونشرت عام 1958 وهزت ضمير البشرية، الوجه الذميم للغرب الاستعماري العنصري. الصورة كانت لطفلة من أصول أفريقية بعمر ثمانية أعوام، تم وضعها مع أطفال مثلها من أصحاب البشرة السوداء في أقفاص تسمى حدائق الحيوان البشرية. كما أصابت كلمات "ونستون تشرشل" الزعيم البريطاني التي نشرت العام 1992 الرأي العام الأوروبي والعالمي بالصدمة، حيث جاء في مفكرته التي كتبها حين كان وزيراً للداخلية أن "النمو الشاذ المتزايد لطبقات ضعاف العقول يشكل خطراً قومياً وعرقياً على أوروبا، ويجب وقف هذا الرافد الذي يغذي نهر الجنون".

لقد مضت عقود على مكافحة العنصرية في الولايات المتحدة وأوروبا، وعلى الرغم من صدور التشريعات والقوانين ضد التمييز العنصري، فما زلنا لليوم نرى الصدامات والحوادث والاعتداءات العنصرية في العديد من المدن الغربية. إذ أن للعنصرية جذوراً عميقة دفينة في النفوس وفي الوعي الغربي بصورة لا يمكن السيطرة عليها بشكل تام في بعض الأحيان، رغم التقدم الديمقراطي والعلمي والحضاري للغرب.

في الولايات المتحدة تشتعل حرب عنصرية بطريقة إرهابية ضد الأمريكان من أصول أفريقية، وضد القادمين من دول أمريكا اللاتينية بصورة أقل، مما يدفع للتساؤل عن أسباب تواصل سياسة التمييز العنصري في الولايات المتحدة. يجري استهداف وتهميش السود بصورة رئيسية في جميع القطاعات، ونسبة البطالة لديهم ضعف نسبتها بين البيض، ودخلهم المالي أقل بنسبة الثلث، ونسبة الفقر في أوساطهم أكثر بثلاث مرات من البيض، ونسبة الاعتقالات بينهم أكثر بأربع مرات.

إن العنصرية والكراهية والاعتداءات ضد السود في أمريكا، وضد اللاجئين والأجانب في أوروبا وضد الأعراق الأخرى غير الأوروبية، يعد انقلاباً على الديمقراطية، وارتداداً عن قيم العدالة والمساواة، ونكوصاً حضارياً وإنسانياً للمجتمعات الغربية. ورغم كل ما أنجزه الغرب من تقدم علمي وتطور في مختلف الأصعدة، لكن ما يجري من اختلالات اجتماعية وإشكاليات اقتصادية وتناحر طبقي، لا ينفصل عن الطبيعة البغيضة للرأسمالية ولا عن مجمل السياسات البرغماتية التي تتبعها.

سياسة العنصرية

العنصرية قد تكون قانونية ومحمية بالدستور، حيث يتم تحديد العلاقة وشكلها بين فئات مجتمعية معينة بالدولة من خلال الدين أو العرق أو الطائفة. نجد في بعض الدول تشريع قوانين الاختلاف المتعلقة بالحقوق والواجبات. ويجري ذكر الدين والمذهب على بطاقات الهوية الشخصية للأفراد لغايات عنصرية وفرض نمط مختلف من التعامل. كما توجد عنصرية فكرية وثقافية ترتبط بالعادات والتقاليد والأعراف في المجتمع، وهذا يظهر حين يقوم المجتمع بنبذ مجموعة من المواطنين، أو شريحة اجتماعية أو طائفة من الناس تختلف بثقافتها عن الأغلبية. وقد يكون الدافع للعنصرية أسباب فردية وشخصية، حيث يقوم فرد ما بكراهية فئة أو جماعة ما، ويبدي التصرف العنصري العدائي تجاه هذه الجماعة بناء على أسباب تتعلق به شخصياً، أو لدوافع ترتبط به.

المادة العشرون من اتفاقية حقوق الإنسان الدولية التي أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة العام 1966 تنص على "حظر أية دعاية للحرب، وتحظر أية دعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية تشكل تحريضا على التمييز أو العداوة أو العنف". ونجد نصوصاً مشابهة في دساتير جميع الدول التي تعاقب على الكراهية والعنصرية والتحريض الديني والعرقي إن تم داخل أراضيها، ومع ذلك نجد بعض الدول تقوم ببث الكراهية وتصنع الخوف من الآخر، وتنشر التفرقة وإثارة التناحر والصراعات، في دول أخرى لغايات ما، وخلق الفوضى والعبث، ثم تساعد على ظهور متطرفين ينشرون القتل والحرق، وفي توقيت مناسب تتدخل هذه الدول لإعادة ترتيب أوضاع المنطقة وحل النزاعات، بشكل يحقق لها سيطرتها ومصالحها.

الدول الغربية ذاتها التي تؤمن بحق مواطنيها في العيش بحرية وكرامة وعدالة اجتماعية، وتجتهد لتوفير الرفاهية لشعوبها، حتى لو كانت على حساب الشعوب الأخرى -الأقل أهمية ومنفعة- تقوم في سعيها للسيطرة على مقدرات الأمم ومن ضمنها الأمة العربية، على استحداث وسائل استعمارية حديثة غير تقليدية، حيث تقوم بتوظيف التكنولوجيا المتطورة وثورة البيانات في تطوير هذه الأدوات. لقد أسهمت التقنيات بإيجاد الحروب التي تستعمل القوة الناعمة كسلاح فتاك يستهدف العقول، عبر نشر الشائعات وبث الأكاذيب وتلفيق الوقائع، ضمن خطط ممنهجة مرسومة بدقة موجهة إلى شرائح اجتماعية محددة، لإشعال الفتن وإثارة النعرات الطائفية والعرقية والمذهبية، بهدف إشغال الناس عن أزماتهم وحجب رؤية ما يحدث بهدف السيطرة عليهم. ولكي تتمكن الدول الغربية وبالتعاون مع بعض الأنظمة العربية المستبدة من إحكام السيطرة على الشعوب، يقومون بتغذية الخطاب الديني والسياسي والطائفي والعرقي المتشدد لتتسع دوائر الكراهية.

أضلاع العنصرية

في بداية التسعينيات من القرن العشرين، مع انتهاء الحرب الباردة، عاد الاستعمار الغربي للمنطقة العربية مرة أخرى عبر تصدير السلع والبضائع، ثم لاحقاً عبر الاستهداف الثقافي. وفي الوقت الذي كانت فيه الدول الأوروبية تسعى جاهدة لتنفيذ سياسات الاندماج التدريجي، وتحقيق نوع من المساواة، قامت الحرب العرقية الدينية في يوغسلافيا، ثم انعطفت أوروبا من توجهها نحو دول الجنوب في شمال أفريقيا، ودول الضفة الأخرى من المتوسط، التي كانت سياسة معتمدة من قبل الاتحاد الأوروبي، وتوجهت نحو دول الشرق الأوروبي، وبدأت في سياسة إسقاط الحدود فيما بين بلدان القارة. وأخذت معها تتوافر الظروف لعودة العنصرية على شكل اصطفاف سياسي واقتصادي وثقافي.

 أبرز هذه الظروف هو التكتل فيما بين الدول الأوروبية على حساب التقارب مع الضفة الأخرى المتوسطية. لم يخصص الاتحاد الأوروبي سوى خمس مليارات يورو لتطوير وتنفيذ اتفاق برشلونة لتطوير العلاقة مع دول المتوسط، بينما صرفت أوروبا عشرات المليارات لإدماج دول أوروبا الشرقية، وذلك بسبب الفهم الضيق والنظرة الفوقية العنصرية لدول الاتحاد الأوروبي.

فتح الحدود بين دول أوروبا الغربية المتطورة ودول شرق أوروبا أحدث تفاعلاً سلبياً في المجتمع الأوروبي أدى إلى تصاعد العنصرية وتمدد الأفكار اليمينية المتشددة، التي لم تعد تقتصر على خطاب بعض الأحزاب الأوروبية العنصرية في فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبريطانيا، بل أصبح للعنصرية أبعاداً اجتماعية واقتصادية، حيث ثارت حفيظة العديد من المواطنين الغربيين على الأيادي العاملة الرخيصة القادمة من دول أوروبا الشرقية التي تسببت بفقدان الكثير من الناس لوظائفهم، وهو ما أحدث تنافساً وصراعاً وتناحراً وأجواءً من الكراهية، استغلتها الأحزاب اليمينية ووظفتها في خطاباتها الانتخابية لبث الكراهية وتحقيق نسب مرتفعة من الأصوات. وتصاعدت الحملات التي تحذر من خطر الأجانب والمهاجرين الذين يهددون قيم وهوية أوروبا، ويزاحمون أبناءها على أرزاقهم، وهو الخطاب المغذي الفعلي والحقيقي للعنصرية. إن التغيرات التي تحصل في الدول الأوروبية تعود أساساً إلى التحولات البنيوية الاقتصادية والاجتماعية في تلك الدول ذاتها، فيما لا ذنب للمهاجرين واللاجئين فيها، ومن يزاحم وظائفهم هي العمالة الرخيصة القادمة من شرق أوروبا، ومن ينافس منتجاتهم وأسواقهم هم الأمريكان والصينيين.

صعود الصين كقوة اقتصادية قادرة على المنافسة، أحدث خللاً بميزان التجارة العالمي الذي كان دوماً يصب في المصلحة الأمريكية، فأصبحت الصين تزاحم أمريكا في أوروبا وأفريقيا، وهو ما اثار مشاعر الكراهية ضدهم في الغرب الذي مازال ينظر للصين باستعلاء وفوقية عنصرية.

وحتى تكتمل اضلاع المثلث التي وقفت عليه العنصرية وأظهرت أنيابها، لا بد من التذكير بالأفكار والنظريات العنصرية التي أعقبت انهيار المعسكر الاشتراكي، حيث أصبح الإسلام العدو الأيديولوجي الجديد للغرب، وخرجت علينا نظريات نهاية التاريخ وصراع الحضارات التي أشعلت حروباً وخلقت ظروفاً جديدة صار معها العربي والمسلم يثيران الريبة والخوف في الغرب، بدأت بعدها حملات الكراهية ضد المسلمين والمهاجرين، توجت بتشريع حزمة من القوانين للتضييق على الحريات، وقيام اليمين المتشدد باستثمار هذه المستجدات للإمعان في تشويه صورة الإسلام والمسلمين والعرب والمهاجرين واللاجئين في الذهنية الغربية عبر وسائل الإعلام.

العنصرية الطاغية

ما الذي جعل العنصرية والكراهية تفرض حضورها الشنيع القوي، في حين كان الاعتقاد السائد أنها دُفنت مع انتهاء الحرب العالمية الثانية، وأن العالم قد أقبل على مرحلة تتسم بالسلام والإنسانية.

ما حصل هو أن العنصرية لم تندثر في حقيقة الأمر، لكنها تراجعت بدءًا من خمسينيات القرن العشرين في أوروبا، على الصعيدين الثقافي والقانوني بفعل التشريعات والدساتير الحديثة التي تعتمد العدالة والمساواة، وظلت العنصرية تبدي ممانعة في الولايات المتحدة حتى بداية السبعينيات. وفي الوقت الذي حقق فيه الأمريكيون من أصل أفريقي تقدماً اقتصادياً وثقافياً نسبياً في الولايات المتحدة، تبين أن في الدول الأوروبية يوجد سقف لتطور الأعراق غير الأوروبية، حيث لا يمكن تصور وصول رئيس وزراء أو رئيس دولة أوروبية من أصل أجنبي غير أبيض.

العنصرية كانت واحدة من سمات فترة ما بعد انتهاء الحرب الباردة. مرحلة انهيار الشيوعية، وسقوط الحدود الجغرافية في أوروبا، وبروز قوى دولية وإقليمية جديدة، ثم أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، وما تبعها من حروب واضطرابات وصراعات في أكثر من بقعة في العالم.

العنصرية والكراهية الغربية بسبب اللون والعرق والدين ونوع الجنس باقية وتفرض وجودها في كثير من المناسبات. وعلى سبيل المقاربة فإن السلطات الفرنسية تنظر للفرنسيين السود من "جزر الأنتيل" و"غوادلوب" كأجانب حتى اليوم بسبب لون بشرتهم، بالرغم من كونهم فرنسيين منذ حوالي أربعة قرون. وهذا يؤكد أنه على الرغم من مرور ثلاث أرباع القرن على انتهاء الحرب العالمية الثانية، والقضاء على الأفكار والأحزاب النازية والفاشية، وكتابة دساتير حديثة، لم يكن كافياً للقضاء على الفكر والسلوك العنصري وعلى ثقافة الكراهية في عدد من الدول الأوروبية. وهذا يفسر في أحد أوجه إشكالية إخفاق سياسات الاندماج الأوروبية، وانتكاس قضية المواطنة، مما جعل الأجانب واللاجئين وخاصة الأبناء الذين ولدوا في أوروبا، يشعرون بحالة مريعة من التهميش والإقصاء والتمييز العنصري.

تطل العنصرية والكراهية برأسها القبيح حيث أصبحت ظاهرة كونية بمسميات متعددة، وصل الأمر إلى مرحلة المجاهرة بصلافة عن نظريات حول تقسيم العالم إلى قسمين، الشمال ويتكون من العرق الأبيض النافع الراقي حضارياً، والجنوب البائس الأدنى عرقياً، وتمت صياغة هذه الأفكار بنظريات عن صراع الحضارات، وابتداع الحروب لأسباب عنصرية. لم تعد خافية على أحد، تلك النظرة العدائية المرعبة للأجانب في الدول الغربية، نظرة كراهية مركبة تتعدد في مستوياتها وتتدرج على أساس الوضع الاجتماعي والدين والعرق واللون ونوع الجنس. وسقطت جميع القيم الأخلاقية والدعوات للاندماج وتقريب المسافات، أمام الخطاب الإعلامي اليميني المتشدد الذي يرفع شعار "الآخرون هم سعير جهنم".

كافة القوانين والتشريعات والعقوبات التي أصدرتها الدول الغربية ضمن سعيها لمواجهة العنصرية والعقاب لمرتكبها، وجميع حملات التوعية المجتمعية للأفراد للتنبيه من مخاطرها، وابتداع أساليب متعددة لمعالجتها، واستحداث وسائل مختلفة للتبليغ عن العنصرية وتحصيل حقوق الضحايا، إلا أن هذا لم يمنع من اتساع وتمدد الكراهية والعنصرية التي اشتعل فتيل لهيبها بصورة مرعبة خلال الأعوام الماضية.

اللافت أن العنصرية والكراهية لم تعد فقط فكراً وثقافةً للأحزاب والجماعات اليمينية المتشددة، بل أصبحت أيضاً خطاباً انتخابياً للعديد من الأحزاب الأوروبية التي تروّج شعارات معادية للأجانب لحصد الأصوات. وهذا ما تؤكده الانتخابات التي حصلت في العديد من البلدان الأوروبية خلال الأعوام المنصرمة.

جرائم الكراهية

وهي الجرائم التي يتم ارتكابها على أساس ديني أو عرقي أو جنسي أو لغوي أو على أساس الجنسية أو المظهر الجسدي، أو الإعاقة أو الانتماء لحزب أو جماعة أو طبقة اجتماعية، أو على أساس لون البشرة أو نوع العمل. ويمكن للجريمة أن تأخذ شكل الاعتداء الجسدي أو اللفظي. وقد زادت هذه الجرائم التي يقوم بارتكابها متشددون وعنصريون في دول أوروبية ضد العرب والمسلمين واللاجئين بنسبة أربعمائة في المئة خلال الثلاث أعوام الماضية

في فرنسا معقل الحرية والعدالة والمساواة، تتنامى خطابات العداء للمسلمين بصورة مرعبة، خاصة بعد الهجمات الإرهابية التي ضربت العاصمة بعض المدن الفرنسية في الأعوام الماضية. انتشرت عبارات "أيها العرب اخرجوا من بلادنا" و"العرب القذرون". كما دعت زعيمة اليمين المتطرف "ماري لوبان" إلى إعادة تفعيل عقوبة الإعدام لمواجهة ما أسمته الأصولية الإسلامية. وتزايدت الهجمات ضد أفراد الجالية المسلمة هناك، وتكرر مشهد حرق المصاحف والاعتداء على الجوامع في أكثر من مدينة فرنسية.

في بريطانيا أصدرت مؤسسة حقوقية تدعى "تل ماما" تقريراً في العام 2017 تضمن تزايد مقلق في معدل حوادث الكراهية والاعتداء على المسلمين واللاجئين في عدة مدن بريطانية. وكشف التقرير الذي أعدته المؤسسة بعد دراسة استمرت ثلاث أعوام عن 1084 جريمة كراهية تضمنت اعتداءات وهجوم عنيف وتهجم على المساجد، إضافة إلى مئات الإساءات عبر شبكة الانترنت.

في اسكتلندا وقعت هجمات بدوافع عنصرية على المسلمين والعرب عقب كل عمل إرهابي كانت تتعرض له بعض المدن الأوروبية. تم تسجيل 67 جريمة كراهية خلال العام الماضي، أبرزها حريق متعمد لمركز ثقافي إسلامي، والاعتداء على صاحب متجر، وتوجيه الإساءات عبر الانترنت إلى الوزير في الحكومة الأسكتلندية حمزة يوسف.

في الولايات المتحدة معظم جرائم الكراهية تتوجه نحو الأمريكيين من أصل أفريقي، ونحو اليهود والمثليين على التوالي، إلا أن الجالية العربية تحصل على نصيبها من حملات الكراهية، وقد تصاعدت نسبة هذه الجرائم خلال الأعوام الماضية. وبحسب الإحصاءات التي يصدرها مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي فقد بلغت نسبة جرائم الكراهية ضد العرب حوالي 16 في المائة من إجمالي الجرائم التي يكون سببها الرئيسي الدين والعنصرية والكراهية.

في ألمانيا شهدت بعض مقاطعاتها احتجاجات واسعة ضد الإسلام وضد اللاجئين، خاصة تلك التي نظمتها حركة "بيديغا" اليمينية المتشددة، وقد تخلل إحدى تلك المظاهرات قتل مهاجر أريتيري.

الكراهية الغربية

ظاهرة تمدد الفكر اليميني المتشدد والقومي العنصري في أوروبا والولايات المتحدة وأستراليا، أصبحت عبئاً مقلقاً في تلك المجتمعات تستوجب مواجهتها. حيث لأسباب دينية وعرقية ومنفعية، تتصاعد في العديد من الدول الغربية خطابات وحملات الكراهية ضد الإسلام والمسلمين و العرب وضد اللاجئين والمهاجرين وضد الغجر مواطني دول شرق أوروبا الفقيرة.

بولاية "ميتشغان" في الولايات المتحدة الأمريكية قام قس في الكنيسة المعمدانية يدعى "تيري جونز" بحرق القرآن الكريم في العام 2010 تزامناً مع الذكرى التاسعة لهجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول على الولايات المتحدة. تضمنت أقواله في المحكمة أن المصحف يشجع على الأعمال الإرهابية، وأصر على تمسكه بحقه في التعبير وفقاً للدستور الأمريكي. وقام أيضاً عدداً من الأمريكيين المتطرفين بحرق نسخ من كتاب القرآن الكريم أو تمزيقها للتعبير عن كراهيتهم للإسلام.

في مدينة "فينليس" الفرنسية طالب رئيس بلديتها "روبرت تشادون" بحظر الإسلام في فرنسا. واعتبر أن الحل الوحيد لمشاكل فرنسا هو حظر الدين الإسلامي.

الاب الروحي للحركة الجديدة المعادية للعرب والمسلمين في الولايات المتحدة "ديفيد هورويتز" يقود حملة كراهية شديدة لتشويه صورة العرب والسود في أمريكا. حيث يعتبر أنه لا يوجد مكان أكثر عنصرية من مجتمع السود. يقول إن في الشرق الأوسط يوجد الشر ويوجد اليمين. ويهاجم في خطاباته اليسار الراديكالي الذي لا يقل خطورة -برأيه-عن الفكر الإسلامي المتشدد.

الضيفة الأساسية في محطة "فوكس نيوز" الأمريكية من أصل لبناني "بريجيت غابريل" واحدة من أشد أعداء العرب والمسلمين في الولايات المتحدة. تتبنى خطاب وحملة كراهية متشددة حاقد على الإسلام بسبب التعصب الديني. هي ابنة أسرة مارونية من قضاء مرجعيون واسمها الحقيقي "نور سمعان" رحلت إلى إسرائيل ثم غادرت إلى أمريكا حيث أنشأت منظمة "افعل من أجل أمريكا" المناهضة للإسلام. قالت ذات مرة أن بإمكانها نسف 1400 عام من التاريخ الإسلامي خلال بضع دقائق.

رئيس ومؤسس حزب الجبهة الوطنية الفرنسية المتطرف "جان ماري لوبان" قاد عبر مسيرته السياسية-ولا زال- حملات كراهية عنصرية متشددة ضد العرب والإسلام لأسباب دينية وعرقية. ذكر مرة أنه يفضل رؤية الأبقار على رؤية العرب لذلك اشترى بيتاً في الريف. وفي تصريح عنصري آخر له قال إنه كان سوف يمارس التعذيب في الجزائر لو طُلب منه ذلك. ابنته " مارين لوبن" التي تترأس الحزب منذ العام 2011 بعد أن قامت بتنحية والدها، لا تقل عنصرية وتعصباً وتشدداً وكراهية للعرب والإسلام واللاجئين من والدها.

ومن أقصى المشرق ظهر علينا رئيس الوزراء الأسترالي السابق "توني أبوت" في مقال نشرته صحيفة "ديلي تلغراف" البريطانية، دعا فيه الدول الغربية لأن تعلن تفوق الثقافة الغربية على الثقافة الإسلامية، لأن الثقافات غير متساوية بحسب ما يرى. وأضاف أن الفكر الإسلامي لم يعرف يوماً حالة من الإصلاح.

رئيس الوزراء الإيطالي السابق "سليفيو بيرلسكوني" الذي تلاحقه العدالة بتهم الفساد، اعتبر أن الحضارة الإسلامية دونية وأن الحضارة الغربية تتفوق عليها. وكذلك فعل رئيس وزراء المجر الذي أطلق تحذيراً أن اللاجئين المسلمين يهددون الهوية المسيحية لأوروبا.

 تتصاعد حملات الكراهية ضد الإسلام والعرب وضد اللاجئين بصورة عامة، أثناء التحضير وخلال الحملات الانتخابية، ويجري التشديد على التعارض القائم بين الثقافة الغربية المتطورة وبين الثقافة الإسلامية، وثقافة اللاجئين البدائية. الرئيس الأمريكي الحالي "دونالد ترامب" اعتبر اثناء حملته الانتخابية، أن الإسلام في أمريكا مشكلة ويجب التخلص منها. وصل الأمر به أن اتهم الرئيس السابق "باراك أوباما" بأنه ليس أمريكياً لأنه من أصول مسلمة. وما زال للآن يهدد ويتوعد بإغلاق الحدود أمام المسلمين، وفي وجه رعايا بعض الدول لأسباب عنصرية متشددة تتعلق بالكراهية.

 المترشح الرئاسي الجمهوري "بن كارسون" الطبيب المتقاعد من أصول أفريقية، ذكر أن أي مسلم لا يصلح أن يكون رئيساً للولايات المتحدة، واعتبر ذلك لا ينسجم مع الدستور الأمريكي، على الرغم من علمانية الدستور هناك. وشبّه كارسون اللاجئين السوريين الهاربين من الحرب بأنهم "كلاب مسعورة". فيما يعتبر الجنرال "روبرت ديز" صاحب كتاب "الأمم المرنة" أن محاولة استرضاء المسلمين من خلال وصف الإسلام بأنه دين محب للسلام هو أمر غير حكيم.

في ألمانيا طالب "زيغمار غابرييل" نائب المستشارة الألمانية وقف تمويل المساجد من الخارج، واعتبر أن العديد من اللاجئين ومن المسلمين هم إرهابيين محتملين. فيما ذكر رئيس قائمة الحزب الديمقراطي الاجتماعي الألماني في البرلمان أن المساجد في أوروبا تنشر الفكر الوهابي.

أثارت هذه التصريحات العدائية وسواها التي تحض على الكراهية، بعض ردود الفعل الغربية المعارضة، لكن ظاهرة العداء للإسلام والعرب واللاجئين تتنامى بصورة مرضية، لم تعد تنفع بكبحها، التصريحات الإيجابية الخجولة والمتواضعة من بعض الشخصيات والأطراف الأوروبية. لكن غير المفهوم والكارثي هو حالة الصمت والتجاهل واللامبالاة التي تبديها الدول العربية والاسلامية تجاه هذه الظاهرة، وكأنها لا تعنيهم بشيء، بل أحياناً يجري التعتيم على هذه الظاهرة من قبل بعض وسائل الإعلام العربية، لأسباب تعتبرها بعض الأنظمة العربية مصالح عليا!

الانتحار الجماعي

لقد شهد القرن الواحد والعشرين انتشاراً واسعاً لظاهرة الكراهية والعنصرية والعقل الإقصائي بسبب تصاعد العنف السياسي والفكري والعقائدي والمذهبي والاجتماعي، وبسبب تمدد التطرف والأفكار المتشددة، مقابل تراجع قيم التسامح والتعايش، وانحسار الأفكار التي تدعو إلى التعايش والعفو وقبول الآخر. إن كان جوهر الديمقراطية المعاصرة هو الإيمان بقيم التسامح والتعايش وقبول الآخر المختلف. فإن تصنيع الكراهية والخشية من الآخر أحد أبرز أدوات الجيل الرابع للتكنولوجيا والثورة المعلوماتية، وذلك عبر استخدام آليات ناعمة من خلال التحكم والتوجيه بوسائل الإعلام المتنوعة، والسيطرة على وسائل التواصل الاجتماعي، واختراق منظمات المجتمع المدني.

إن الحياة بطبيعتها تتطلب التعدد والتكامل والتنوع بكافة أطيافه، وهذا يتعارض من منطق الكراهية والعنصرية والإقصاء، جميعنا كبشر متساوون في كل شيء، نتوق كلنا للحقيقة -وهي نسبية بذاتها- لكن هذا الشغف لا يعني أن أحداً أو جماعة أو عرقاً يمتلك الحقيقة، فهي مقسمة بيننا، لذا كل منّا يدركها برؤيته، وهذه الرؤى جميعها تشكل الحقائق النسبية في سيرورة تاريخية. أن يدعي أحد ما أو جماعة أو عرق أو أمة ما أنها تمتلك الفلسفة والحقيقة والعقل، فهذا القول يناقض منطق التاريخ بل منطق الحياة ذاتها، ومن هنا تبدأ بذرة الاستعلاء والاقصاء والكراهية والعنصرية، لأن من يؤمن بأنه الأفضل وأنه يمتلك العقل والحقيقة يفترض أن من لا يؤمن بما آمن به فهو معاد ويجب إبعاده وتهميشه. بهذا فإن الكراهية والعنصرية كامنة في كل فكر أحادي.

حيث تجنح الممارسات الديمقراطية عن درب الحرية، تتحول إلى عشب يقتات به وحوش الكراهية. وإن أعرض الفكر عن إنسانيته وأخلاقه، يصبح ناراً تلتهم الشرق والغرب. وما لم يجري مواجهة الكراهية ومعالجة مسبباتها ودوافعها، والتصدي بحزم لكافة الأفكار والجرائم العنصرية، وترشيد الخطاب الديني والسياسي، فإن البشرية سوف تنحدر إلى مستويات متدنية وبدائية. إن البديل الطبيعي لصناعة التعايش والحياة هو الانتحار الجماعي.

 

حسن العاصي

كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدانمرك

 

نور الموسويالمقدمة: مفهوم الحصار الأقتصادي للدول، يتخذ أبعاد عديدة، فيما يتعلق بممارسة أدوات الضغط من قبل الدول والكيانات ذات السلطة المتجبرة، قبال أطراف لا تكن الولاء والخضوع، لتلك القوى ذات السلطان والسطوة !!!

أن القانون الدولي لم يقتصر في قواعده التنظيمية على تنظيم العلاقات بين الدول ذات السيادة المطلقة بل لعب دوراً مهماً في تنظيم العلاقة بين مختلف أشخاص القانون الدولي، اليوم تجتاح النظام الدولي حالة فوضى . فيما يتعلق بالقرارات الشرعية والسياقات القانونية للشرعية الدولية، المتمثلة بالأمم المتحدة .... ومن ضمنها المعاهدات والأتفاقات الدولية ذات الطابع الأنساني، والتي تعد مصدر رئيسي من مصادر القانون الدولي المعاصر .

المشهد المرتبك الذي يغطي مساحة واسعة من بؤر التوتر والأزمات، وبالأخص منطقة الشرق الأوسط (مصدر الطاقة) التي تعيش على صفيح ساخن ! الصورة التي نعيش حيثيات تفاصيلها، والتي أعدت إعداداً ذكياً في مطبخ الدراسات الأستراتيجية والأستشرافية، ذات النوايا الأمبريالية الرأسمالية، والتي تنسجم الى حد ما على الآلة التي عزف عليها { توماس فيردمان} بنظريته الأقتصادية وأنشاء شركات عابرة للقارات وتوحيد الثقافات وصهرها في بوتقة الغرب وأمريكا . 

وتجسداً لذلك المشروع التي بشرت به ! كونداليزا رايس وزيرة الخارجية ومستشارة الأمن القومي الأمريكي السابقة ... بمشروع (الفوضى الخلاقة) وما تمخض عنه حروباً، أشاعة الطائفية والعنصرية.. تهجير، ودول فاشلة ! لا تقوى على توفير الحد الأدنى من العيش الكريم للمواطن . ومصداق ذلك يتجلى بشكل واقعي في سوريا، العراق، ليبيا، اليمن .

كل ذلك مستوحى من أطروحة المنظِّر الأمبريالي الصهيوني (برنارد لويس) والذي أقره الكونكرس الأمريكي سنة 1983 والذي يطلق عبارته المشهور (ضرب العرب بين أعينهم بعصى غليظة) وتحطيم مجتمعاتهم بمطارق تفتيت كيان الأسرة والروابط العائلية، وبلقَنة بلدانهم !، وأبعادهم من التكنولوجيا والتقدم العلمي ؛ لأنهم يشكلون خطر على الحضارة الغربية !

وتحويل أسرائيل الى دولة أمبريالية كبرى، وجعل الدول التي حولها خاضعة خانعة فاقدة السيادة والقرار المستقل !، وهذا ما أكده الكولونيل الأمريكي المتقاعد « رالف بيترز » في مجلة القواعد المسلحة الأمريكية، خطة جديدة بعنوان حدود الدم !! والتي تنص على تقسيم الدول المحيطة بالكيان الصهيوني، الى دويلات متناحرة، على أسس طائفية وعرقية، لكل من سوريا، العراق، اليمن، تركيا، وأيران ....

 

من نافلة القول تعود بنا الذاكرة الى نزيف الدم العراقي والأبادة الجماعية التي تعرض لها العراق، من خلال القرارات الدولية المجحفة التي صِيغت بتأثير صهيوأمريكي، وبأسم الشرعية الدولية، المتعلق بالقرار 661 في 6 آب 1990 الذي يتعلق بالعقوبات الدولية والجزاءات الأقتصادية الألزامية، وأنتهاء بالقرار 678 الذي يسمح لأستخدام جميع « جميع الوسائل اللازمة » لأعادة الأمن والسلم الدوليين . هذا المفهوم الى اليوم، مورد نقاش قانوني في أوساط فقهاء القانون الدولي، المتعلق بالوسائل اللازمة، أذ فُسرت حسب المزاج الأمريكي ! بالقوة... وفعلاً لم يمنح مجلس الأمن الأذن لترجمة مصطلح « الوسائل اللازمة » الى الخيار العسكري .

كما أشار المدعي العام الأمريكي سابقاً« رامسي كلارك » إن الحصار الأقتصادي هو سلاح شامل وجريمة ضد البشرية، في روح محاكمات نورمبرغ « د .فيوليت واغر، الأمينة العامة للجنة العربية لحقوق الأنسان »

ترامب والشرعية الدولية:

أستهل ترامب بداية تسنمه الحكم، بالأنسحاب، من حزمة من المعاهدات والأتفاقات الدولية التي أقرتها الأمم المتحدة ومؤسساتهاالشرعية، وهذا التعارض الصارخ للقرارات والأجراءات الشرعية، بعث حالة القلق والحيرة في ألاوساط الدولية والمؤسسات الشرعية من أتخاذ تلك الممارسات التي لا تنسجم مع القانون الدولي المعاصر، والتي لا تصب في صالح الأسرة الدولية لتحقيق الأمن والسلم الدوليين، ويتمثل ذلك بالنقاط التالية:

- الانسحاب من الأتفاق الدولي، الذي وقعته الدول الكبرى مع أيران وبتصديق الأمم المتحدة، في 14 تموز لعام 2015 حول البرنامج النووي الأيراني، معتذراً بمبررات واهية ليس لها رصيد قانون مقنع.

- الأنسحاب من أتفاقية باريس الخاصة بمكافحة « تغير المناخ » التي وقعها سلفه، باراك أوباما عام 2015 .

- أنسحبت أمريكا من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم الثقافية « اليونسكو » بتاريخ 2017 أكتوبر .

- كما أعلن ترامب أنسحابه، من مجلس حقوق الأنسان، التابع للأمم المتحدة .

- كما أعلنت أمريكا أنسحابها من معاهدة الصداقة المبرمة في عهد حكم الشاه الأيراني، محمد رضا بهلوي .

- وفي يناير عام 2017 أنسحب ترامب، من أتفاقية الشراكة التجارية التي تضم أستراليا، بروناي، كندا، شيلي، اليابان، المكسيك، سنغافورة، وهذه الأتفاقية تمثل حوالي 40 % من إجمالي الأقتصاد العالمي .

- قرار ترامب بأتخاذ القدس عاصمة للكيان الصهيوني، ونقل السفارة الأمريكية الى القدس المحتلة، يعد ذلك تجاوز للشرعية الدولية، وعلى ضوء ذلك، عقد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، أجتماعاً طارئاً بتاريخ 7 ديسمبر 2017، نص القرار « إن قرارالأعتراف بالقدس كان أنتهاكاً لقرارات الامم المتحدة والقانون الدولي » .

- أتخذ ترامب قراراً في 25 أذار 2019 يعترف بسيادة أسرائيل على هضبة الجولان السورية التي أحتلتها 1976 أذ يعتبر قراراً مخالفاً للشرعية الدولية ، وهذا الأجراء يخالف قرار مجلس الأمن 497 لعام 1981 الذي صدر بالأجماع، والذي أكد على عدم الأعتراف بضم أسرائيل للجولان السوري .

مواثيق الشرعية الدولية:

أما فيما يتعلق بالقرارات والمواثيق الدولية، التي تحث على أستخدام الوسائل السلمية، لحل المنازعات الدولية، وتعرف المنازعات الدولية؛ « الأدعاءات المتناقضة بين شخصين دوليين، أو أكثر ويتطلب حلها طبقاً لقواعد تسوية المنازعات الدولية الواردة في القانون الدولي » (د. سهيل حسين الفتلاوي، القانون الدولي العام في السلم، ص 641)، والتي ندرجها تباعاً، والتي تعتبر من المباديء المستقرة في القانون الدولي المعاصر، وهو مبدأ متفرع عَن مبدأ التراضي المرتبط أرتباطاً وثيقاً بمبدأ« تسوية المنازعات الدولية بالوسائل السلمية » .

ترامب يرفض الأصغاء، ويتنكر الى ميثاق الأمم المتحدة والقرارات الدولية، التي تحث على أتباع الوسائل المشروعة، ومن ضمنها الأتفاقات الدولية والتي تم التوقيع عليها من قبل أمريكا والمشار الى بعضها سلفاً . وندرج المعطيات التي تقرها الشرعية الدولية المتعلقة بالحصار الأقتصادي ضد ايران .

أولا: ميثاق الأمم المتحدة ينص في المادة الأولى / 1 « حفظ السلم والأمن الدولي، وفقاً لمباديء العدل والقانون الدولي، لحل المنازعات الدولية التي قد تؤدي إلى الأخلال بالسلم » ترامب يرتكب مخالفة شرعية بحق الشعوب والدول من خلال التدخل السافر في الشؤون الداخلية، ويزرع الحروب والنزاعات في مساحات واسعة من الكرة الأرضية، وبالأخص أقليم الشرق الأوسط، وأيران تحتل الصدارة.

ثانياً: أمريكا خالفت مبدأ فض المنزاعات بالطرق السلمية، التي تحث عليه، المادة 33 من القانون الدولي وبدورها تؤكد « لا يحق لأية دولة أن تتحلل من إِلتزاماتها بالطرق الملتوية، ولا بالقوة بل عبر الوسائل الحضارية » . ترامب يمارس وسيلة الحصار الأقتصادي ضد الشعب الأيراني، بأستخدام الطرق الملتوية وهذا الأجراء المخالف للقانون الدولي، كما أن هنالك وسائل أخرى لفض النزاعات، هو مبدأ التشاور، عقد المؤتمرات الدولية، أو عرض النزاع على أحد الأجهزة المختصة في منظمة الأمم المتحدة . (د. عبد الكريم عِوَض خليفة، القانون الدولي العام، ص 335).

ثالثاً: إِرتكبت أمريكا مخالفة مواثيق حقوق الإنسان، التي وردت في الميثاق الدولي لحقوق الانسان « المادة 62 / 2 » أنعكس الحصار الأقتصادي للشعب الأيراني على حقوقه الإنسانية، التي ضمنتها اللوائح الشرعية وبشكلٍ خانق .

رابعاً: إجراء ترامب تعسفي، يخالف النص الوارد في ديباجة ميثاق الأمم المتحدة (الديباجة تعتبر أحد مواد الميثاق) . « ترقية الشؤون الاقتصادية والاجتماعية للشعوب » ما يتعرض له الشعب الأيراني، هو خنق ومحاصرة الحالة الأقتصادية والإجتماعية . كما تنص الديباجة على أحترام الألتزامات الناشئة عن المعاهدات وغيرها من مصادر القانون الدولي، الأنسحاب من الأتفاق النووي الأيراني، يعد مخالفة واضحة للقانون الدولي .

خامساً: يمتلك الشعب الأيراني وحكومته، الحق الشرعي في الدفاع عن حقه السيادي السياسي وأنمائه الأقتصادي، وفقاً للوائح القانون الدولي، إنسجاماً مع ما جاء في العهدين الدوليين، الخاصة للحقوق الأقتصادية والأجتماعية والثقافية والخاصة بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966 والنافذة لعام 1976 في المادة الاولى، وكذلك في إطار إحترام حقوق الإنسان والشرعية الدولية، تلك التي تم تأكيدها في الأعلان العالمي لحقوق الأنسان الصادر في العام 1948.

التعويضات القانونية:

الحصار المفروض على ايران منذ نجاح الثورة ! حصار ظالم، وايران تتمتع بتمثيل شرعي في الأسرة الدولية، تُمارس ضدها اليوم حصار أقتصادي، ومن قبل دولة واحدة، تمتلك وسائل البطش، ولها تأثير على القرارات الدولية من خلال اللوبيات الصهيونية ، الأضرار التي لحقت بها جسيمة ومن حقها المطالبة بالتعويضات طبقاً لقرارات ولوائح القانون الدولي .

 - يستندون فقهاء القانون الدولي الى معاهدة السلام التي أبرمت نهاية الحرب العالمية الأولى، والتي أشارت الى التعويضات، والتي بدورها شكلت أساساً ومرجعاً قانونياً لتعويض الأضرار « الجزء الثامن من أتفاقية فرساي لعام 1919 » .

- كما أن هنالك حكم أممي أصدره مجلس الأمن بشأن تدمير أسرائيل لمفاعل تموز النووي العراقي السلمي عام 1981 أذ أقر مجلس الأمن قراراً برقم 487 لسنة 1981 « حق تعويض العراق، تدفعه أسرائيل، التي أعلنت مسؤوليتها عن تدمير المفاعل النووي العراقي » .

- استوفت الأمم المتحدة تعويضات من العراق قيمتها 350 مليار دولار، بسبب أجتياح العراق للكويت .

ايران أمتلكت تراكم كيفي ونوعي، في مجالات شتى، البعض يتعلق بالجانب الأمني والأقتصادي ولعبت دوراً مميزاً في مجال الدبلوماسي والعلاقات الدولية، وبالأخص في مجال أدارة فن التفاوض، وتشهد بذلك مؤسسات الدراسات والبحوث العالمية . ايران تدير الأزمة اليوم بكل أحترافية، وستخرج منتصرة بكل الحسابات، والايام القادمة تحمل بشائر الخير للأقليم والمنطقة .

«ويمكرونَ ويمكر ُالله ُواللهٰ ُ خيرُ الماكرينَ »

 

د . نور الموسوي

 

الخوف والخداع غالباً ما يرتبط بمساقات السلوك الشخصي وحتى السياسي، ومفهوم الخداع يمكن استخدامه أيضًا لتمكين قوى سياسية مختلفة ومجموعات وأحزاب وتحالفات لإظهارها قوة أو نفوذ أكبر مقارنة بقواها الفعلية والمتوفرة، ويقوم عدد من علماء السياسة وعلماء النفس السياسيين بتطوير إستراتيجية خداعية كأحد آليات ووسائل التأثير السياسي، وعلى عكس الخداع والاستفزاز يتميز هذا النوع من الخداع بدرجة عالية من الاقناع بصوابه وانفتاحه على النتيجة المرجوة، وتتجلى عناصر الخداع في استخدام الكلمات والعبارات المتواجدة في أي هيكل أيديولوجي وخطاب سياسي في المفردات السياسية العادية وغالبًا ما يستخدم كمصطلح للإشارة إلى الإجراءات السياسية غير المعقولة.

 الساسة المتمرسون قادرين على تضليل خصومهم بشكل مصطنع يؤثر على مشاعرهم ويستفزهم، وبفضل ذلك التأثير فإنهم إما يميلون إلى جانبهم أو يكتسحوهم من الساحة السياسية، وغالبًا ما تهدف الأنشطة الهدامة إلى تغيير رأي الشعوب بشأن سياسة معينة وتتغير سيكولوجية الناس وسلوكهم في المجتمع وتقييمهم للسياسي الذي دعموه لسحب جزء كبير من الناس إلى جانبهم. وغالباً ما يؤثر السياسيين الذين يتعاملون مع التأثير النفسي على العقل الباطن للشعوب لذلك فإن العناصر الأكثر شيوعًا لذلك التعرض من أجل الخداع المصطنع تتمثل في التأثير على المشاعر الوطنية والتأثير على العواطف والمجالات الغريزية المختلفة وخلق الصور النمطية الزائفة من الإدراك والتفكير، وبشكل عام يميل السياسيين إلى الخداع بشكل مباشر وغير مباشر ويروجون المعلومات الكاذبة ليتم ذكرها مرارا وتكرارا في وسائل الإعلام وإذا ثبت أن هذه الأكاذيب منطقية فإن أوهام الشعوب عيرها ستكون أكثر انجذابا للخداع. ومن أجل خلق مظهر الموضوعية والدقة غالبًا ما يلعب السياسيين أو يتلاعبون بالأرقام والحقائق عبر نشر بيانات البحوث الاجتماعية والتي غالبًا ما تكون تلك البيانات غير موثوقة أو يتم تنفيذها بشكل غير صحيح من قبل ذوي التفكير المغامر ومع مثل ذلك التلاعب يمكن نشر تصنيفات السياسيين والتي بدورها يمكن أن تؤثر أكثر وتخدع الرأي العام أكثر، فيخيف بعض السياسيين الشعوب بالخرافات والحكايات التي اخترعوها من أجل خلق الاكتئاب وعدم الراحة العاطفية وتحييد قدرة الناس على التفكير المنطقي والعقلاني في تقييم المعلومات المقدمة لها فيكون بذلك التحايل أسهل بكثير وأكثر كفاءة ليتصرف السياسي بشكل غير مباشر على التصرف والتحكم بوعي الناس معلنا بمكر عن وجوده وطريقة حياته وإنسانيته ويظهر في البرامج الترفيهية ويستثمر الأموال في تصوير أفلام عن نفسه ويقوم برشوة الصحفيين في الصحف والتلفاز ووسائل الإعلام الأخرى هادفا ليس فقط للترويج لنفسه وسياسته وإنما أيضًا لنشر الشائعات والثرثرة عن خصومه وعن نفسه. والان لم يعد للمثالية والشخصية القويمة محل في عالم السياسة لذا لابد من إن يبتكر الساسة فضائح اخلاقية وسياسية لتحقيق شهرة كبيرة لأنفسهم ولذا أصبح تنظيم الفضيحة الآن منهجية متطورة تتيح لهم أيضا تأمين عالمهم من عواقبها وفي نفس الوقت استخدام الموقف لزيادة مستوى تصنيفهم السياسي.

مع مثل تلك التلاعبات يكون السياسي مثل المتخيل الذي يستخدم الحيل المختلفة والتمريرات الخادعة والتغيير واستبدال أللأعيب وما دام الناس ما زالوا يحتفظون بالقدرة على الاعتقاد فإنهم يستسلمون للاستفزازات، مما يدفع السياسيين إلى التكهن بالكثير من المشاكل والمطالب وآمال الشعوب، وإن مثل هذه المضاربة لها هدف شخصي أو جماعي أناني، وان أسهل طريقة في هذه الحالة هي رمي الطين على خصومك وتقديمهم في صور مزيفة، وأحيانًا يكون هذا التحايل مثيرًا للسياسيين لدرجة أنهم يطلبون من خصومهم الحصول على إذن لمواصلة هذا الخداع أو الغفران عندما يتم حل الصراع السياسي أو إكماله، وإن غوغائية الساسة هي أولاً وقبل كل شيء تزويرا للحقائق واحتيالا بشكل متعمد مما يسمح هذا الخداع للديماغوجيين لتشتيت الانتباه بتحقيق النتائج المرجوة دون الكشف عن نواياهم الحقيقية. وعادة ما يتم فهم التلاعب في السياسة على أنه عمليات احتيال وكذلك توفير أنظمة للتأثير النفسي موجهة إلى إدخال مفاهيم وهمية، والتلاعب بحد ذاته ينطوي بالفعل على خدعة لأن الهدف الرئيس في ذلك هو الوهم المصطنع للتأثير على الرأي العام، فيتم ذلك من أجل تغيير وجهات نظرها وسلوكها السياسي في الاتجاه الصحيح. ونتيجة لذلك فإن بعض الجماعات الاجتماعية لديها وعي ذاتي أناني وفي بعض الحالات إعجاب بالنفس السياسي الأمر الذي يؤدي إلى تخيلات حول تفردها مما يؤدي في النهاية إلى عدم الحساسية والأنانية وقصر النظر فيما يتعلق بالطبقات الاجتماعية الأخرى، وهنا يجدر بنا التساؤل بحثا عن حلول في كيفية مقاومة التلاعب؟ وما الذي يجب علينا القيام به حتى لا يتلاعبوا بنا؟ ولهذا نرى إننا إن رفعنا مستوى النشاط السياسي للشعوب أثناء الانتخابات وبعدها ورفعنا الرفاه الاقتصادي وحققنا التنمية الثقافية والانفتاح في الحكم وكسبنا رؤية لتنوع هياكل تنظيم الحياة الاجتماعية وطورنا التواصل الإعلامي، وجراء ذلك سيكون من الصعب تضليل جمهور كبير لكن تحقيق كل ذلك هل هو ممكن ؟؟!!

اللعبة عادة ما تنطوي على التقليد غير إن اللعبة السياسية هي لعبة بلا قواعد، فيحاول الكثيرين إنشاء هذه القواعد لكن التاريخ يظهر أن الجميع لا يتبع اية قواعد في تلك اللعبة وربما ذلك هو السبب في أن السياسات غالبا ما تكون غير متوقعة ومع ذلك فهي لعبة والقدرة على الخلط في هذه اللعبة كما في جميع الألعاب تحتل مكانًا خاصًا، وإن السياسي المخادع جيدًا هو الذي يمتلك ثقافة الخداع وخدعته يجب أن لا تكون واضحة ومقنعة ومستخدما لمناورات الغش ويجيد القدرة على إخفاء النوايا الحقيقية كما يجيد القدرة على تضليل الاصدقاء قبل الأعداء، ومن الواضح أن كل هذه العناصر قد تكون أكثر فاعلية إذا كان لدى السياسي بعض المعلومات المخفية ونظرًا لأن الشخص المتحايل هو الذي يملك سر التركيز يتصرف بثقة ولذا فإن السياسي الذي يمتلك أسرار سيخدع الآخرين بالمعلومات المخفية بدقة وبدون كشف العواقب.

وهنا نؤكد إن الناس هم من يخترعوا لأنفسهم أساطيرهم مما يخلق أوهام ومواقف مختلفة والسؤال الأهم هنا من الذي يأتي بتلك الأساطير؟ الناس أم تأتي من الساسة؟ إن الوهم الذاتي والأوهام وخلق الأساطير مدمجة في الناس كرد فعل دفاعي لصعوبات العالم الخارجي، كما إن السياسيين أنفسهم يحولون برامجهم وخطبهم في وسائل الإعلام لمخادعة الناس والذين أنفسهم سيكونون سعداء بالخداع ويساعدهم الساسة في ذلك عن ترويج وتدفق الخداع بالشكل الصحيح والوقت الصحيح. ومن أجل إدراك التلاعب نحتاج إلى معرفة ماذا ومع من يتم التلاعب إن لم نتمكن من رؤية هيكل وعناصر مواد المناولة وفهم تنظيم الخداع والأوهام الاصطناعية والتي هي المهنة الرسمية للمخادع الذي إن لم يعرف كيف يخدع فهو بمثابة طائر لا يستطيع الطيران، ومن المعروف أن الدماغ البشري من الناحية الجراحية هو العضو الأقل حساسية لذلك يتم إجراء جراحة المخ في بعض الأحيان دون تخدير وهذه الخاصية ترجع إلى حقيقة أن النهايات العصبية التي هي حاملة للحساسية والألم غائبة عن الدماغ والنهايات العصبية تنشأ فقط في الدماغ كونه الجسم الحاكم لكنه غير حساس للتأثيرات الخارجية، ولذلك يمكن مد تشبيه بنية الدماغ إلى القادة السياسيين فنعطي قانون الخلايا العصبية في السياسة ولهذا فأنه وكلما اقترب السياسي من السلطة كان أقل حساسية تجاه الناس، وهذا هو السبب في أن العديد من القادة السياسيين يفقدوا الحساسية ويتمتعون بصفات وامتيازات السلطة فيفشلوا في خدمة أوطانهم ولذلك يتحولوا إلى مخادعين للشعوب.

 

بقلم/ الدكتور ميثاق بيات ألضيفي

 

عبد الجبار الجبوريماتشهده منطقة الشرق الاوسط من تحشيدات عسكرية أمريكية ودولية هائلة، وتكدّس البوارج وحاملات الطائرات والصواريخ الذكية وطائرات الشبح والب52، إضافة الى إستعدادات عسكرية إقليمية عربية وإسرائيلية وإيرانية، يؤكد أنّ حرباً عالمية ثالثة ستعلن بين لحظة وأخرى، بل ربمّا نقول بدأتْ فعلاً، بعد قصفت أيران وأذرعها موانيء الفجيرة في الإمارات، وحقول الضَّخ النفطية السعودية، وتهديدات جدية لأذرعها وميليشياتها في العراق، وإستعدادها ضرب السفارة الامريكية وبعض القواعد العسكرية وغيرها، وتهديد قائد الحرس الثوري، كردستان العراق بالقصف بالصواريخ إذا إنطلقت عمليات عسكرية من اراضي الاقليم، إذا ماذا تبقى من هكذا عمليات واستفزازات وتهديدات ايرانية، تذكرنا بفترة ماقبل بدء الحرب الايرانية على العراق، عندما قصفت طهران المراكز الحدودية والاقضية والمدن واسقط العراق طيار ايراني داخل حدود العراق اثناء تنفيذ مهمة قصف عسكرية، هكذا بدأت تلك الحرب التي دامت 8 سنوات تجرع في نهايتها الخميني كأس السمّ العراقي، فهل يتجرع خامنئي نفس الكأس اليوم، نعم الحرب حتمية في الشرق الاوسط، وساحتها العراق وسوريا ولبنان واليمن، وستقاتل ايران بميليشياتها في هذه الدول، التي تعول عليهم بنسبة 100%، وتريد أن تبقي ساحة المعركة داخل هذه الدول، وتمنع إنتقالها الى الاراضي الايرانية، وقد زوّدت إيران هذه الاذرع المسلحة جميع أنواع الاسلحة، بما فيها الصواريخ الباليستية، إذن علامات الحرب لم تعدّ خافية، رغم أن الكثير من المراقبين والسياسيين يقولون، أن لايمكن لامريكا الدخول في حرب مع إيران، وما يجري من تحشدات عسكرية امريكية، ماهي إلاّ تمويّه لهدف ثانٍ في المنطقة، أو من باب أن امريكا وايران أصدقاء، وكلاهما شارك في احتلال اللعراق، وتخادما فيه، وهذه مغالطة وقصر نظر، وكما قال عراب السياسة الامريكية هنري كيسنجر قبل سنوات (من لم يسمع طبول الحرب وهي تقرع في الخليج العربي فهو أصم وأبكم وأعمى)، نعم طبول الخرب تدق بقوة في الشرق الاوسط، ومشروع برنارد لويس قادم بقوة على ايران، ولكن لنقلي الضوء على إرتدادات الحرب وخطرها على المنطقة برمتها، ففي العراق، التي ستكون إنطلاق شرارة الحرب منه، وتكون أرضه ساحتها أولاً، الادارة الامريكية (أبلغت رعاياها بمغادرة العراق ومنعت الامريكان دخول العراق، لوجود تهديدات حقيقية لهم تقوم بها وتنفذها ميليشيات تابعة لايران هي اعلنت وهددت بنفسها أنها تحت إشارة المرشد الاعلى، وكما يقول المثل العراقي (المبلل لايخاف من المطر) فالعراقيون اصبحت جلودهم مدبغة من الحروب ولايهمهم حدوثها، بل العكس تماماً النسبة الغالبة من العراقيين وبنسبة 90% تريد وتتمنى هذه الحرب، لأنها أنكوت بنيران إيران وميليشياتها منذ الاحتلال ولحد الآن، بل يرى العراقيون أن إيران هي من يحتل العراق والخلاص منه لايتحقق إلا بهذه الحرب، فالملايين المهجّرة والنازحة، ومئات الآلاف من الشهداء، والحرب الطائفية التي شهدها العراق، بداية الإحتلال، كان لإيران وحرسها وفيلق القدس وميليشياتها المسلحة الطائفية اليد الطولى، وهي السبب الرئيسي لظهور ظاهرة تنظيم داعش الارهابي، وإحتلاله المدن الغربية، بسبب السياسة الطائفية في القتل والتهميش والاقصاء والذبح على الهوية بولايتي نوري المالكي، والتي تعدّ الاسوأ في تاريخ العراق، ولهذا يتمنى العراقيون سقوط ملالي طهران، وزوال حكمهم، الذي أذاق العراقيين الويل والثبور، وزرع بذور الطائفية المدمرة، وهاهو يزرع المخدرات في كل بيت، في وسط وجنوب العراق، لتدمّير ماتبقى من الشعب العراقي، إذن العراق ساحة حرب نتمنّاها مضطرّين ركوبها، لا طائعين، أما في سوريا والدول الخليجية والسعودية واليمن، فأعتقد ستكون الحرب أشدّ قسوة، وستسخدم إيران فيها جميع مالديها من أسلحة تدمير، وستقوم بحماقات وكوارث إنتقامية، لأنها غير قادرة على مواجهة الالة الحربية الامريكية والغربية المتفوقة، والتي تبدو قوة إيران أمامها لاشيءعلى الاطلاق، وهذا هو مغزى أن تكون الحرب سريعة وخاطفة وباهضة الثمن لإيران، كما صرّح وزير الخارجية الامريكي ماك بومبيو، نعم الحرب فرض وليس خيار، وإيران ستفرض عليها الحرب وستركع لها، وستقبل بكل شروط أمريكا ال12 في نهاية المطاف، ولكن بعد فوات الأوان، وحينما يسبق السيف العذل، لأن عنادها وعنجهيتها ورفضها الشديد لنداءات الدول الكبرى، بضرورة تفادي الحرب، وتنفيذ قرارات مجلس الامن والامم المتحدة، وسحب الحرس الثوري وفيلق القدس من الدول العربية وعدم دعم الارهاب، والتوقف عن زعزعة امن وإستقرار المنطقة والعالم، مما جعل الدول الاوربية والصين والدول العربية، وأغلب دول العالم ضدّها، بل ومشارك في إسقاط نظامها أو يتمنى إسقاطه، في وقت يعلنون قادتها أن التوسع الايراني، وتنفيذ المشروع الالهي الكوني لإقامة الامبراطورية الفارسية، وعاصمتها بغداد، هو الهدف الاسمى لإيران، وظهور المهدي المنتظر، وهذا المشروع الماثل امام العالم يتجسّد في سيطرة إيران بنفوذها القوي في العراق واليمن ولبنان وسوريا، ممّا يجعل العالم، وفي المقدمة منه الإدارة الامريكية، تصرُّ على تحجّيم وإنهاء الدور الايراني التخريبي في المنطقة، وحتى روسيا الحليف القوي لإيران قد تخلت عنها، لأن مستقبل مصالحها الإستراتيجية مع أمريكا، وليس مع إيران، نعم حرب عالمية ثالثة قائمة الآن إعلامياً، وعسكرياً، طرفاها أمريكا وتحالفها وحلفاؤها، ومع إيران وأذرعها وميليشياتها، فلمن ستكون الغلبة، هذا سيعتمد على سرعة وطريقة الحرب، والاسلحة المستخدمة فيها، وطبيعة المعركة هل تكون معارك جيوش، أم معركة تكنولوجيا وصواريخ وطائرات وتدمير معسكرات، وقواعد ومقرات قيادة ومفاعلات نووية، نعم أعتقد الخيار الثاني هو ما ستطبقه امريكا في الحرب على الارجح، وقد أعدّت لها، أحدث الطائرات الدرونز والشبح والب52والصواريخ الذكية التي لاتخطيء الهدف، وربما يسأل أحدنا هل ستتغير جغرافية المنطقة السياسية، ونقول بكل تأكيد لابد من تغيير جيوسياسية الارض، في منطقة الشرق الاوسط، وزوال نظام الملالي، الذي تصرّ الادارة الامريكية على إسقاطه بكل الطرق، ومهما بلغت التضحيات، فالرئيس دونالد ترمب امام مفترق طرق في الانتخابات المقبلة، ولابد له من عمل خارجي يؤهله الفوز الاكيد في الانتخابات الرئاسية، وليس أمامه سوى، (صفقة القرن) التي في طريقها الى التشكّل، و(إسقاط نظام طهران)، هذان الحدثان سيكونان سبباً في فوز الرئيس ترمب لولاية ثانية، وبغيرهما سيخسر الانتخابات، إذن خيار الحرب هو الاقرب لترمب والأهم له، إضافة الى أن تغذّية الارهاب ودعمه وتغوّله على يدِّ حكام طهران، جعل من العالم كّله يقف ضدها، ويريد زوال حكم ملاليها، هذا هو المشهد الآن، وكل من يرى خلاف ذلك، لم يستقريء سياسة أمريكا، ومشروعها في إقامة شرق أوسط كبير، على مقاسها وبقيادتها، نعم ستطير عمائم في المنطقة بيض وسود، وستتغّير أنظمة فاسدة، وستتقسم دول متجبّرة وطاغية، وستزهق أرواح بريئة، كما أزهقت إبان إحتلال العراق، من قبل أمريكا وإيران، ومازالت تزهق بسببها وبدعمها، ولكن سيتخلص العالم من أنظمة دموية متعطّشة للدّماء، هكذا هي الحروب ونتائجها وإنعكاساتها، على مستقبل الشعوب المتطلعة نحو الحرية والامان، نعم الشرق الاوسط يعيش حرباً عالميةً ثالثةً لانتمناها، ولكنْ نحتاجها لتحرّرنا، ومن أجل مستقبل أوطاننا وأجيالنا، لعنة الله على الحروب وعلى مشعليها .....

 

عبد الجبار الجبوري

 

كاظم الموسويتنتقل هجمات التخلف وتعبيرات الجهل من بلد عربي الى اخر، أو تنتشر في أغلب البلدان في أن واحد، وكانها، او هي فعلا وباء معد، ينتشر باسرع من البرق. فبعد تهديد عدد من النشطاء في اكثر من مدينة عربية بالقتل او المنع من انجاز فعاليات ثقافية او تضامنية مع القضايا العربية العادلة، كالقضية الفلسطينية، تواصلت بطرق واساليب متشابهة او مختلفة. اذ لم يعد هناك فرق بينها من حيث التوجه والهدف منها. بل وصلت الى اعتقالات مفتوحة في عدد من بلدان اخرى، اي تحولت الى ظواهر قاتمة وحالات مستعصية واوضاع لا تطاق ولا يمكن التعبير عنها او توصيفها. الى درجة اصبحت حتى الكتابة عنها ليست كافية ولا تشفي روح التضامن المطلوبة كاضعف الايمان.

في الاغلب تستهدف هذه الهجمات والحملات مشاغلة الغلابة، الذين ينامون ويستيقطون تحت خط الفقر المدقع، وتحاول ابعاد النظر عن الوقائع الجارحة والحقائق المؤلمة. فبدل ان تنشغل الحكومات باسباب الفقر ونسبه المرتفعة في اكثر من بلد نفطي، كالعراق، اجل العراق.. الثري في ثرواته المادية والبشرية، الغني بين غيره من البلدان المحيطة به، وتفكر في سبل التخلص من الفقر ومعالجته جذريا، ومعرفة دوافع أو الرد على سؤال، لماذا سال ويسيل عليه لعاب الامبرياليات المتوحشة التي ارسلت وترسل له قواتها العسكرية "للتدريب والاستشارة" و"الاقامة" حول منابع الطاقة والخيرات الاخرى؟!، وتعمل بمسؤولية وجدية للتغلب على هذه الكوارث، وتقدير احتياجات المواطنين الفقراء وتحسين اوضاعهم، والتوقف هنا بعد كل هذا في السؤال ايضا، لماذا يجري كل هذا دون ان يثير غضبا او احتجاجا او صرخة شعبية تسمع المستعمر والمحتل والغاصب ما لا يحب ان يسمعه منها. كما حصل مع تصريحات باهتة لنائبة نائبة، كررت مفرداتها دون توقع او ترو او انتباه، واعادت ما حصل مع غيرها من الدوران حول مفردات محددة ومستلة من نص او خطاب واعتبار الرد عليها واجبا والهجوم المتخلف والجهل مهمة ووظيفة. اخطأت النائبة واعتذرت ونشرت اعتذارها في الصفحة الاولى من الجريدة التي يصدرها حزبها الشيوعي. وفي الاعتذار فضيلة لها ورذيلة لمن يحاسب على مفردة ويمارسها فعليا في رده واسلوبه وافعاله.. فالتخلف ليس كلمة عابرة ولا وصف حال عام او خاص.. في العراق خصوصا.. التخلف قضية اساسية وفعلية في الحال والمشهد والواقع.. معكوس عمليا في نقص الخدمات الاساسية والاصرار عليه. في الحرمان والفقر والظلم والقمع والاستغلال والقهر والاستبداد وتناقض الصورة بين اللفظ ومعناه، بين القائم والمتخيل، بين الواقع المؤلم والحقيقة الغائبة، بين الخداع والامل المنشود.. متخلف من ينكر التدهور في القيم والوقائع اليومية المنظورة والمخفية.. متخلف من يسكت على الفساد والانحدار في مقارنة الخطط والتنفيذ على الارض.. متخلف من يرضى على كل ما حصل ويحصل في الوطن، من استعمار جديد بمسميات جديدة.. اليس هذا تخلفا وعكس التقدم والتطور؟! والا ماذا يمكن ان تسميه؟!. لماذا العراق وغيره من بلدان الوطن العربي في اعلى قوائم المنظمات الدولية المهتمة في قضايا الفساد وانعدام الشفافية؟!. ولماذا تقارير المنظمات الدولية المدافعة عن حقوق الانسان والحريات العامة تقدم معلومات وارقاما مذهلة عن الانتهاكات والارتكابات في هذه البلدان؟!. هذا هو التخلف بعينه، ولابد من وعيه كاملا، وادراكه عميقا، والرد عليه بما يناسبه، اذ لا يمكن ان يستمر او يقبل برضى او باكراه. هذه الطاقات الكبيرة، هذه الجموع المحتشدة يجب ان تتوجه بشكل سليم وتوجه صحيح.. ضد التخلف المانع للتقدم، ضد التخلف القامع للتطور، ضد التخلف الحاجز للتغيير. كيف يصمت العراقي وهو لا يجد قوت يومه، ولا بيت ملكا له ولا عمل منتجا عنده ولا ضمان لديه ولا مدرسة كاملة لابنائه ولا مشفى جاهزا لعلاجه ولا شارعا معبدا ومنتظما لسيره ولا كهرباء كافية ولا ماء نقيا للشرب والاستخدام البشري، فاي حالة هذه وبماذا توصف او تقارن؟!.

نواصل الحديث عن العراق مثالا لغيره، في الأرقام والإحصاءات ما يذهل الإنسان حقا، وقد لا يصدق بها لولا النتائج القاسية. فالبطالة عن العمل بين الشباب، وخاصة أبناء الجنوب، ما يقارب الاربعين بالمئة منهم، حسب تقديرات دولية،  ورغم تقليلها بما تصدره الوزارات والمؤسسات الرسمية بادنى من هذه النسبة ولكنها تظل فروقا ليست كبيرة، مما يبقى مؤشرا خطيرا ومؤلما، فكيف لا يحرك كل هذا هؤلاء الذين سنوا ألسنتهم واسنانهم على مفردة عابرة، وصفت الحال الذي لا يراد له أن يوصف أو يقرا كما هو ويثور الناس عليه أو يجب أن يثور الناس عليه، فيقادوا إلى غيره وإلى المكان الخطأ ورفع الشعار الاخطا وتنفيذ الفعل الخطيئة والهروب الى خراب الامل الباقي في بلد يجرح من كل الجوانب وترسم له صور وخطط التفتيت والتدمير والطوفان.

من فضائح الفيديوهات المنشرة، تصريحات نواب برلمان سابقين وحاليين، يشيب لها الولدان كما يقال. أحدهم يعترف في أكثر من مقابلة عن قبوله الرشوة وأنه وأمثاله مرتشون علنا وبملايين الدولارات، وليس الدنانير، (الدولار الواحد الان أكثر من ألف  دينار)، وآخر يتحدث عن فضائيين في أكثر من مؤسسة، تخصص لهم رواتب شهرية وتدفع لهم كل ما يحصل عليه الموظف الموجود عمليا، وارقامهم ليست قليلة بكل الاحوال، ويشخصهم ويشير إلى موقعهم وآخر يشرح تفاصيل عن سيارات الهمر التي اشتريت على الورق وانهيت خدمتها على الورق وسعرها بالملايين ايضا، كما كشف عن مشروع بناء اربع مستشفيات وتخصيص رواتب لموظفيها وادويتها وتجهيزاتها الأخرى شهريا وهي غير موجودة اصلا، على الورق فقط، فهل يقبل هذا دون أن تقلب الدنيا ويُحاسب المجرمون الفاسدون الناهبون لهذه الثروات والمبذرون لأموال الدولة والميزانية العامة والساكتون عليهم والساترون لهم والغاضون النظر عن النهب والفساد والمحسوبية والجرائم التي تدور في فلكها.. هذه الجرائم تعلن رسميا في الفضائيات ولا تتحرك تلك الجموع التي هاجمت وبالأعمال التي نفذت، لاسترداد حقوقها وثروات بلادها. أنها جريمة وتخلف وجهل حقيقي. مطلوب أن يستمر ويبقى كي يستمر الفاسدون والمجرمون والناهبون لثروات الشعب وممتلكات المواطنين وعلى حساب الجموع الفقيرة التي تدفع إلى ما لا تسترد به أملها في وطن حر وشعب سعيد. وهذه الصورة تكاد تتكرر في الأغلب الاعم في ارجاء الوطن العربي. أنها حالة مزرية مؤلمة ولات ساعة ندم.

 

كاظم الموسوي

 

ابراهيم أبراشإحياء الشعب الفلسطيني للذكرى 71 للنكبة يؤكد أن حرب 1948 أو ما تسمى النكبة ليست مجرد هزيمة عسكرية أو سياسية للجيوش العربية أمام العصابات الصهيونية، ولم تكن مجرد جولة من الجولات التي خاضها الشعب العربي الفلسطيني وما زال ضد الحركة الصهيونية وإسرائيل، أو حالة شبيهة بالمعارك التي تخوضها الشعوب المقهورة وحركات التحرر ضد مستغليها وقاهريها، بل كانت وما زالت أعظم وأخطر جرائم الحرب والتطهير العرقي، حيث أدت حينها إلى شطب اسم دولة فلسطين من على خارطة العالم وإحلال اسم " دولة " جديدة مصطنعة محلها –إسرائيل-، بالإضافة إلى تداعياتها المدمِرة على المجتمع الفلسطيني سياسيا واجتماعيا ونفسيا .

وَقّعُ النكبة الأليم والشكل الصادم للنكبة، وخيانة بعض العرب حتى من الذين شاركوا في الحرب، للشعب الفلسطيني أثر على نفسية الشعب ومداركه، حيث كانت النكبة ومشاهدها المأساوية حاضرة بقوة في وجدان وذاكرة القادة الاوائل للثورة الفلسطينية المعاصرة وهم يهيئون لإعادة استنهاض الشعب والهوية الوطنية والرد على الهزيمة التي تسببت فيها سبعة جيوش عربية ودفع ثمنها الشعب الفلسطيني .

في هذا السياق تحدث القائد الفتحاوي كمال عدوان عن النكبة وتأثيرها : "بفعل النكبة أصبح الفلسطينيون شعباً تائهاً مشرداً، يعاني الأمرين في معسكرات للتجمع تتناثر في الأقطار العربية و فاقداً وعيه وفكره، يعيش في ذهول بسبب الحركة السريعة التي تطورت بها الأحداث من حوله " ( فتح الميلاد والمسيرة : حديث مع كمال عدوان " شؤون فلسطينية، العدد 17، يناير 1973 ) .

كان وقع النزوح واللجوء قاسياً رهيباً حيث زعزع أسس المجتمع الفلسطيني وأحدث اضطراباً في قيمه ومعتقداته، كانت الضربة قاسية على النفس، جارحة للإحساس، أن يتحول الإنسان فجأة من مواطن كريم في وطنه إلى لاجئ يعامَل كمواطن من درجة ثانية شيء لا يطاق. لقد تحول الشعب الفلسطيني بفعل النكبة إلى شعب مفكك البنية الاجتماعية، فاقد لعملية التفاعل والتواصل الاجتماعي بين أفراده وطبقاته، هذه العملية التي تشكل الأساس الضروري في تشكيل القاعدة التي تنبع منها القيم والأفكار والمبادئ وعلى أرضيتها تصاغ أسس التعامل وأهداف المستقبل.

في أرض الغربة أصبحت مهمة غالبية الفلسطينيين البحث عن لقمة العيش وما يسدون به رمقهم، في المنفى عاش اللاجئون في ظروف تنظر إليهم فيها الحكومات العربية كحمل ثقيل، ومصيبة نكراء وقعت عليهم وعلى حد قول الشاعر الفلسطيني محمود درويش " منذ أن ألقت حراب الاحتلال الإسرائيلي بالفلسطيني " ضيفاً" على إخوته العرب – هكذا سموا اللاجئ في البداية – قدموا له كل الوعود التي لا تتحقق وظل مطارداً بما هو أكثر من التمييز، كان موسوماً بالعار، إنه متهم ومطارد ومشار إليه أنه لاجئ، أنه التائه الجديد "، فكيف يمكن لإنسان دون مأوى ودون أمل ودون مستقبل، جائع عار، مطارد، أن يفكر بشيء غير لقمة العيش؟

كانت هموم الفلسطيني " التائه " متواضعة محدودة في نظر الإنسان العادي لا تتعدى تأمين المأوى ولقمة العيش ورد المهانة، ولكنها بالنسبة للفلسطيني كانت بمثابة رحلة طويلة مع العذاب والمعاناة، فلا الأقطار العربية كانت مهيأة لاستقبال اللاجئين الفلسطينيين ولا الأمم المتحدة مهتمة جدياً بهذه القضية بالإضافة إلى غياب القيادة الفلسطينية المسئولة. (شفيق الحوت، الفلسطيني بين التيه و الدولة، بيروت،1977)،

كانت المعاناة أكثر وطأة وقسوة، عندما كانت أصابع الاتهام تشير على الفلسطيني بأنه مسئول عن نكبته وبأنه باع أرضه لليهود !! وقد حاولت بعض الأنظمة العربية زرع مثل هذا الوهم عند جماهيرها لتسقط عن نفسها مسؤولية ما حدث في حرب 48، ومارست على الإنسان الفلسطيني كل أنواع القهر والاضطهاد، وقتلت كل بارقة أمل أمامهم، وجعلتهم مجرد أرقام في سجلات المخابرات ومكاتب وكالة غوث اللاجئين.

ضمن هذه الظروف والأوضاع تشكلت نفسية الإنسان الفلسطيني "لاجئ" أبغض كلمة في قاموس اللغة العربية على قلب الإنسان الفلسطيني، بما أضحت توحي به من معاني القهر والسحق والإذلال، نفسية تفشت فيها روح إتكالية، أفقدت الفلسطيني الرغبة في عمل أي شيء وفقد الأمل في تحقيق أي شيء، وتفشت اللامبالاة، التي جعلت الفلسطيني رقماً مهمشاً في مجريات الأحداث، وكأن ما يجري حوله لا يعنيه، فقد الثقة بنفسه وبمن حوله، وأصبح يعيش حالة من الإحساس بفقدان الأمان المستمر والدائم، والذي عززته حالة التسلط التي مارستها عليه بعض الأنظمة ومعاملته كمواطن من درجة ثانية، الأمر الذي ولَّد لديه عقدة الاضطهاد، وسياسياً فرض واقع الغربة والتشرد على من كان نشيطاً سياسياً من الفلسطينيين، أن يعيش حيلة اللجوء السياسي التي تُحيل الحياة إلى معاناة وقلق رهيب، كفيلة بتشويه أحاسيس كل مناضل يحترم نفسه، وتدمير إيمانه بالغد وتشويه نظرته إلى الوجود . (كمال ناصر، " مذكرات لاجئ سياسي، " شؤون فلسطينية العدد 44، ابريل 1975) .

ضمن هذا الجو المُحبط لكل شيء غرق الفلسطيني في متاهات الشك، فأصبح يشك في كل شيء، وهي حالة نفسية من الصعب على الفرد أن يُكوِن قناعة تامة وثابتة حول أية أيديولوجية، أو فكر أو موقف، والكفيلة بتدمير كثير من القيم التي تربى عليها، وفي الوقت نفسه تجعل من الصعب عليه فرز قيم جديدة وقناعات جديدة، ويبقى موقفه سلبياً يتابع الأخبار والأحداث التي يصنعها أو يصنعها له غيره . (فتح، الميلاد والمسيرة : حديث مع كمال عدوان)

أما جورج حبش القائد المؤسس لحركة القوميين العرب ولاحقا للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، فيتحدث عن تأثير النكبة قائلا : "لقد شعرت بالإهانة في أحداث 1948، فقد أتى الإسرائيليون إلى اللد وأجبرونا على الفرار، إنها صورة لا تغيب عن ذهني ولا يمكن أن أنساها، ثلاثون ألف شخص يسيرون، يبكون، يصرخون من الرعب، نساء يحملن الرضع على أذرعهن والأطفال يمسكون بأذيالهن والجنود الإسرائيليون يشهرون السلاح في ظهورهن، بعض الناس سقط على قارعة الطريق وبعضهم لم ينهض ثانية، لقد كان أمرا فضيعا ما أن ترى ذلك حتى يتغير عقلك وقلبك، فما الفائدة في معالجة الجسم المريض عندما تحدث مثل هذه الأمور، يجب على الإنسان أن يغير العالم، أن يقتل إذا أقتضى الأمر، يقتل ولو أدى ذلك إلى أن نصبح بدورنا غير إنسانيين " . (باسل الكبيسي، حركة القوميين العرب، دار العودة، بيروت، ص:77 ) .

وما زالت النكبة حاضرة فينا وأضيف لها نكبة الانقسام، فهل ستفجر النكبة الجديدة ثورة كما فعلت النكبة الأولى ؟ .

 

د/إبراهيم أبراش

 

بكر السباتينسيناريوهات لمعرفة من يقف وراءها..

التفجيرات التي حدثت فجر الأحد الماضي في الفجيرة وضعت كل المواقف التي يتخذها المتصارعون في المنطقة على المحك.. سواء كانت أمريكا وحلفائها بمن فيهم "إسرائيل" أو إيران وحلفائها بمن فيهم جماعة الحوثيين. فبعد حدوث الانفجار في السفن التجارية الأربع قبالة سواحل إمارة الفجيرة لم توضح الإمارات ملابسات ما جرى أو تتهم طرفاً بعينه، ووفق ما صرح به وزير الطاقة والصناعة السعودي خالد الفالح فأن التفجيرات استهدفت ناقلتي نفط سعوديتيين من بين السفن التي تعرضت للهجوم، بينما كانت إحداهما في طريقها لتحميل النفط من ميناء رأس تنورة السعودي، ومن ثم الاتجاه إلى الولايات المتحدة لتزويد عملاء أرامكو" وهذا بحد ذاته سيضع الموقف الأمريكي على محك الأزمة رغم أن الهجوم لم يسفر عن أي خسائر في الأرواح أو تسرب للوقود في حين نجمت عنه أضرار بالغة في هياكل السفن المستهدفة في هذا الهجوم الغامض في هذا الوقت الحساس الذي سيبدو للعيان بأنه شرارة قد تشعل فتيل الحرب بين إيران وأمريكا لتزامنه مع التهديدات المتبادلة حول إغلاق مضيق هرمز القريب من ميناء الفجيرة، بين الطرفين. 

وعليه فإن من أهم ملامح توخي الحذر الشديد من قبل الإمارات والابتعاد عن البروبوغاندا هو تلميحات وسائل إعلام إماراتية إلى مسارعة مواقع إعلامية إيرانية بتداول أنباء عن تعرض السفن الأربع لتفجيرات فجر الأحد، دون أن تتهم طهران مباشرة بالتورط في ما جرى بالمنطقة الاقتصادية للإمارات واقتصار الحديث على انفجارات قوية هزت ميناء الفجيرة النفطي الواقع في الساحل العماني قريباً من مضيق هرمز والذي يقع ضمن منطقة الخطر الحوثي الذي يقود مواجهات مسلحة حول ميناء الحديدة في جنوب اليمن.

ولخطورة هذا الحدث المباغت؛ فقد دعت الإمارات في بيانها الرسمي حول الحادث المجتمع الدولي على القيام بمسؤولياته لمنع أي أطراف تحاول المساس بأمن وسلامة حركة الملاحة البحرية. 

ومن الطبيعي أن تندد بالحادث الكارثي جميع دول العالم بما فيها إيران التي اعتبرت نفسها من أكبر المتضررين، حيث وصفت إيران الهجمات بـ "المقلقة" وقال المتحدث باسم الخارجية عباس موسوي في بيان له إن "الأحداث في بحر عُمان مقلقة ومؤسفة" ودعا إلى إجراء تحقيق في الهجمات، محذرا من "مغامرة لاعبين خارجيين" لعرقلة أمن الملاحة.

وللوقوف على حل هذا اللغز الذي أثار حيرة المحللين الاستراتيجيين في العالم، دعونا نستقرئ تداعيات المواقف علنا بذلك نقترب من الجهة التي تقف وراء هذا الحدث الذي من الممكن أن يكون الشرارة الأولى لحرب ضروس لا تبقي ولا تذر في منطقة ملتهبة تجتمع فيها مصالح الخصوم الجيوسياسية، وتخضع للمجهر الأمريكي الذي رغم حدقة عينه المتسعة والمنداحة وفق التطورات؛ إلا أنه غوفل بهذه الانفجارات التي تكمن في جوهرها تحديات أمريكية حقيقية لا يستهان بها من شأنها أن تدفع بالمقامر الأمريكي ترامب لاتخاذ موقف قد يكون هو الأخطر في مرحلته الرئاسية التي تجمعت فيها كل الرهانات في منطقة الربح والخسارة، التي همشت كبرياء الدول في إطار الميكافللية القائلة بالغاية تبررر الوسيلة.. وبالطبع الغاية الأمريكية ستذهب بنا إلى رؤية ترامب القائمة على الربح المادي ولو جاء ذلك على حساب مبادئ العلاقات البينية بين الدول المحكومة بالقانون الدولي، وهو ما سيجعل الحسابات الأمريكية أكثر توازناً إذا تبين لها بأن الخسارة المالية هائلة وتميل إلى الخسارة غير المحتملة. 

ولكن البعض يرى بأن رؤية ترامب فيما يتعلق بمصالح الكيان الإسرائيلي ستتغير من باب كونها ذات أولوية في سياسة بلاده الخارجية والاستراتيجية، ما جعل البعض يتهم الموساد بتنفيذ عملية التفجيرات لصالح إشعال الحرب في المنطقة بسبب دعم إيران للمقاومة في جنوب لبنان المتمثلة بحزب الله، وفي غزة المتمثلة بالجهاد الإسلامي وحماس المدعومتين من طهران وخاصة أن الأخيرة صفعت نتنياهو في المواجهات الأخيرة بسبب صواريخ القسام ذات التقنيات الإيرانية ناهيك عن تلقيها الدعم المالي المفتوح من إيران.. هذا إذا علمنا أيضاً بأن ضرب إيران في العمق هي استراتيجية إسرائيلية؛ بسبب محاولات طهران الدؤوبة في انتاج التكنلوجيا النووية، والتي على هذا الأساس جيش نتنياهو حلفاءه في منطقة الخليج العربي للتصدي لما أسماه بالخطر الإيراني من خلال صفقة القرن.. وقد تكون الموساد استعانت بالمنظمات الإرهابية كداعش في تنفيذ المهمة.. وهذا بحد ذاته سبب وجيه لاتهام تل أبيب بالوقوف وراء الحادث.

وما يعزز ذلك ما صرح به يوم الأحد الماضي لجريدة (الصاندي تايمز) البريطانية، الأمريكي"براين هوك" الذي عينه ترامب مبعوثاً خاصاً لإيران والمكلف بإدارة "فريق عمل حول إيران"  وهو أحد أهم داعمي الكيان الإسرائيلي في الدائرة السياسية المحيطة بترامب، حيث قال ما يؤكد دور الكيان الإسرائيلي في دفع الموقف بين إيران وأمريكا نحو المواجهة على الأرض:

"إن لدى إدارة الرئيس دونالد ترامب هدفين مرتبطين، أولهما التوصل إلى صفقة جديدة ستخلف الاتفاق النووي المبرم في عام 2015 بين طهران ومجموعة "5+1" والذي انسحبت منها الولايات المتحدة من جانب واحد في العام الماضي.

وشدد المبعوث الأمريكي على ضرورة أن يكون ذلك الاتفاق الجديد شاملا، (طبعا بما يتناسب وتطلعات نتنياهو الاستراتيجية) كي لا يقتصر على برنامج إيران النووي فقط بل ويطال برنامجها الصاروخي".

أما بخصوص الهدف الثاني وهو متطلب إسرائيلي بامتياز، فأشار هوك إلى دعم إيران لحركتي "حماس" و"الجهاد الإسلامي" الفلسطينيتين و"حزب الله" اللبناني" وجماعة الحوثيين في اليمن وفصائل شيعية مسلحة في العراق، وقال: "في حين نعمل على تحقيق الهدف الأول، نزعزع أيضا سياسات إيران الخارجية".

وقال هوك ما يؤكد على النوايا الأمريكية التي تخالف رؤية ترامب القائمة على الربح والخسارة، وهو مؤشر للتطلعات الإسرائيلية في الأزمة الأمريكية مع إيران، إنه لا يشعر بأي قلق إزاء احتمال تحول التصعيد القائم بين واشنطن وطهران إلى نزاع مسلح، مضيفاً إلى أن الإجراءات التي تتخذها واشنطن دفاعية حصرا وليست سوى "رد فعل على العدوان الإيراني". ورغم ذلك فموقف ترامب المقامر يجبُّ عادة ما يخالف رؤيته في الربح والخسارة.. لذلك لا يمكن ضمان موقفه إذا استشعر بأن الأزمة ستكبد بلاده خسائر مادية لا يتمناها، وربما يوقف التصعيد ويتنازل كما فعل مع كيم إيل جونغ، رئيس كوريا الشمالية. 

أما إيران وبعيداً عن تنديدها بالحادث، فلها نصيب الأسد في الاتهام بتنفيذ هذا الهجوم الذي يبدو أنه نفذ بواسطة فرقة كوماندوز أو ضفاضع بشرية انطلاقاً من الفجيرة نفسها.

هذا إذا علمنا بأن عملاء إيران وخلاياها النائمة في هذا الإمارة التي لا تنسجم مع محمد بن زايد وخاصة أن ابن حاكمها الدكتور راشد بن حمد الشرقي غادر إلى لندن قبل أشهر،ومن هناك طلب اللجوء السياسي إلى قطر مصرحاً بأن الفجيرة تعاني من الغبن الذي أصابها من القيادة الإماراتية، أي أن الظروف في تلك الإمارة مهيأة لأي نشاط استخباري ضد أبو ظبي من منطلق الصراع غير المعلن بينها وبين الإمارات الشمالية ومنها الفجيرة التي بوغت ميناؤها بهذا الهجوم الغامض، والذي يتسم بخلطه لكل الأوراق في منطقة الخليج العربي برمته.

فالسلطات الإيرانية تعيش هذه الأيام حالة من التحدي غير مسبوقة، ويبدو أنها غير عابئة بالتهديدات الأمريكية الاستفزازية من بينها إرسال حاملة الطائرات العملاقة أبراهام لينكولن إلى مياه الخليج الى جانِب عددٍ من طائرات بـ 52 القاذفة العملاقة.

ونتذكر أيضاً ما قاله رجل الدين البارز آية الله يوسف طبطبائي نفلاً عن وكالة الطلبة الإيرانية (نجاد) قوله في مدينة أصفهان في وسط البلاد: "أسطولهم ذو المليار دولار يمكن تدميره بصاروخٍ واحد".. وعزّز هذا الموقف الجنرال أمير علي حاجي زادة، قائد القوات الجوية في الحرس الثوري عندما هدد باستهداف حاملة الطائرات لينكولن، وقال: "إنّ هذه الحاملة التي تضم نحو خمسين طائرة حربية وستة آلاف عسكري كانت تُشكل تهديدًا في السابق لإيران، أما اليوم فهي مستهدفة بصواريخنا وزوارقنا، وباتوا اليوم فرصةً لنا ومثل قطعة اللحم بين أسناننا".

وفي الخفاء، وربما دون علم القيادة السياسية للبلاد ما عدا الرئيس‘ فمن الممكن قيام بعض الأجهزة الاستخبارية الخاصة سراً بتنفيذ هذه المهمة وانتظار النتائج على الأرض لتحويل أنظار ترامب نحو واقع الخسائر التي تنتظرة من جراء سياساته التصعيدية ضد إيران بتحريض من اللوبي الصهيوني في أمريكا.

فإيران كما يبدو تريد توجيه رسالة ذات مضمون ينسجم مع عقلية ترامب المقامر، وكأن اللعبة أخذت طابع عض الأصابع فمن تراه يتحمل أكثر..

دعونا نستعرض بعض البيانات التي قد تهم ترامب أكثر في سياق هذه الأزمة وتداعيات ما بعد الهجوم على السفن في الفجيرة..

فبحلول الساعة 06:24 بتوقيت غرينتش من يوم الأحد الذي حدث فيه الهجوم وفق بيانات سعودية، بلغت العقود الآجلة لخام القياس العالمي برنت 71 دولارا للبرميل، مرتفعة 0.5% مقارنة مع سعر الإغلاق السابق.

وبلغت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأميركي 61.73 دولارا للبرميل مرتفعة 0.1%مقارنة مع سعر التسوية السابقة.

والسعودية والإمارات تقعان في المركز الأول والثالث بين أكبر المنتجين على الترتيب بمنظمة البلدان المصدرة للنفط (أوبك) وهما جزء من سياسة التعويض النفطي من جراء تصفير الإنتاج الإيراني والفنزويللي للنفط.

وأخيراً.. الرهانات ما زالت مفتوحة على كل الاحتمالات.. ومهما خسر الجميع في هذه التصعيدات فإن الرابح الوحيد هو الكيان الإسرائيلي الذي يعمل جاهداً مع حلفائه لدفع الأمور نحو المواجهة العسكرية.. وهذا من متطلبات تحقيق صفقة القرن..

 

بقلم بكر السباتين

تحليل استراتيجي..

 

حمزة الجواهرياقترحت كتلة سائرون قانون صندوق المواطن لتوزيع بعضا من الثروة النفطية على المواطنين وذلك باستقطاع نسبة10% من عائدات النفط ووضعها بصندوق توزع سنويا بشكل متساو على جميع العراقيين.

حقيقة ما يصيب المواطن شيء بسيط يكاد لا يسد الرمق، ولكن تبقى مشاكل العراق كما هي والتي سنأتي على حجمها الكبير. وصحيح أن العراقيين جميعا يملكون النفط وفق المادة111 من الدستور، ولكن المادة تشير إلى أن كل النفط تعود ملكيته للعراقين جميعا وليس 10% فقط، وهذه مخالفة للدستور. أضف إلى ذلك أن العراق يعاني من العديد من المشاكل الأقتصادية والاجتماعية والسياسية المرتبطة موضوعيا ببعضها البعض بحيث لا تستطيع تفكيك الاقتصادي عن الاجتماعي أو السياسي بحيث يحتار المرء من أين يبدا، وغالبا ما ينتهي العراقي إلى استنتاج نهائي وهو أن الأمر ميؤس منه تماما، وهذا ما يزيد من حالة الإحباط حد القنوط والتشاؤم المطلق.

بجرد بسيط لنرتب مشاكلنا في العراق حسب الأهمية في الترتيب:

1- الفساد مستشري بكل أنواعه والذي له مؤسسات ومافيات وسلاح وعيون مفتوحة في كل الأوقات،

2- والاقتصاد العراقي ريعي ويعتمد على عائدات النفط تقريبا بالكامل،

3- لا توجد برامج حقيقية للتنمية المستدامة في العراق.

4- لا يوجد قطاع خاص يدعم الدولة بإنتاجه وفي جميع القطاعات الاقتصادية في البلد.

5- وحتى النفط المورد المالي الوحيد للدولة فإنه يعاني من هروب المستثمرين منه رغم اهتمام العالم به، ولكن حين يصل المستثمرون للعراق ويواجهون الحقيقة المرة وهي أن البيئة طاردة للاستثمار يعودون خائبين في حين نحن بأمس الحاجة لأموالهم ومشاريعهم الاستثمارية.

6- البضائع المستوردة تغزوا العراق ولا تستطيع الدولة حماية المنتج المحلي ولا حماية المستهلك لأن التجار بجبروتهم وعلاقاتهم قد عطلوا جميع القوانين التي تحمي المنتج المحلي والمستهلك معا.

7- القانون بشكل عام معطل، فهو لعبة بيد المافيات الحزبية وغيرها من مافيات وعصابات الجريمة المنظمة.

8- العشيرة هي التي تحكم في البلد وقوانينها هي الأقوى.

9- نظام التعليم فاشل بكل معنى الكلمة.

10- النظام الصحي أكثر فشلا.

11- ولدينا بطالة عالية جدا،

12- وفقر شديد في مناطق عديدة من العراق،

13- وهجرة من الريف للمدينة شوهت معالم المدن ولوثت الثقافة المجتمعية، وحرمت الأرض من الفلاحين بحيث اتسعت الأراضي البور.

14- مدن كأنها الأطلال في كل جغرافية العراق بالكامل وبنى تحتية مخربة وخدمات فقيرة جدا.

كل هذه الأمراض التي تبدو مستعصية وأكثر بكثير من ذلك موجودة في العراق.

لذا اعتقد أن هذا القانون يعتبر هدرا لعائدات النفط بنصه الحالي خصوصا وأن العديد من الشرائح الاجتماعية التي بحاجة إلى دعم مالي هي اصلا مدعومة حاليا من قبل الدولة، لذا اعتقد أن علينا تحويل هذا الاستقطاع من عائدات النفط لبناء دولة جديدة تختلف عن الدولة التي نعيش بها.

ببعض التفصيل نقترح ان يقوم هذا الصندوق في البداية بتمويل مشاريع استثمارية صغيرة ومتوسطة في مجال الزراعة والصناعة والخدمات والسياحة وغيرها، فلو أخذنا القطاع الزراعي على سبيل المثال، يمكن أن يتم دعم الفلاحين من قبل الصندوق، وذلك من خلال تأسيس تشاركيات زراعية وتخصيص أرض من المساحات الواسعة التي تملكها الدولة وتشغيل الفلاحين الذين تركوا أراضيهم مع نخبة من المهندسين الزراعيين والكوادر الزراعية وغير الزراعية المتوسطة التي يحتاجها أي مشروع استثماري ودعمهم بالمكننة الزراعية والأسمدة وغيرها من المستلزمات على أن يسدد المشروع الاستثماري كل المبالغ التي صرفت عليه مع نسبة معقولة من الأرباح تعود لتمنية الصندوق نفسه. بعد تسديد الكلف يجب أن تعود ملكية المشروع بالكامل للعاملين به وتبقى الدولة تراقب عمل المشروع بطريقة ما لضمان استمراريته على وفق قانون يشرع لهذا الغرض. وبنفس الأسلوب يطبق هذا الأمر في باقي القطاعات الاقتصادية الأخرى.

لنذهب إلى بعض التفاصيل وأعطي مثال على آلية التطبيق:

إن نسبة 10% من عائدات النفط تعني من7 إلى8 مليار دولار سنويا على وفق الأسعار الآنية والتوقعات المستقبلية لأسعار النفط و وتوقعات الإنتاج العراقي.

يمكن اختيار مجموعة من الاقتصاديين والمخططيين الاستراتيجيين يعملون لصالح الصندوق لوضع خارطة استثمارية لمشاريع الصندوق وتوزع المشاريع بشكل عادل على المناطق العراقية، وأن لا يتم الموضوع بشكل عشوائي أو بتدخل من سياسي أو أي جهة أخرى.

إن كلف المشاريع الصغيرة لا تزيد عن5 مليون دولار، بالمتوسط3 مليون دولار، أما المشاريع المتوسطة من5 إلى50 مليون دولار، بالمتوسط25 دولار. وهذا يعني إنشاء أكثر من800 مشروع صغير وأكثر من200 مشروع متوسط سنويا، المجموع1000 مشروع، يمكنها تشغيل على الأقل20 ألف إلى30 ألف عامل ومهندس ومهندس زرعي وحقوقي ومحاسب وإداري وفني من مختلف الاختصاصات عدا الوظائف الأخرى في التعليم والصحة والخدمات والتجارة، بحيث يمكن أن نتوقع أن التشغيل سيكون ما بين30ألف إلى 40إلف من العاطلين سنويا بعد فترة تدريب قصيرة لأن مثل هذه المشاريع لا تحتاج إلى خبرات كبيرة وفترات تدريب طويلة.

ويجب أن لا ننسى أن المشروع الواحد قد يسترجع كلفته مع الأرباح بظرف خمسة سنوات إلى سبعة على أبعد تقدير من خلال مراجعة مشاريع القطاع الخاص من هذا النوع،

أن هذه الأرقام ستتضاعف عدة مرات بالعشر سنوات الأولى بعد صرف 70 إلى 80 مليار دولار، وإن تشغيل العاطلين عن العمل قد يصل أكثر من مليون شخص وعدد المشاريع ستكون أكثر من 20 ألف مشروع لأن النمو سيكون على شكل متوالية هندسية سواءا بالنسبة لعدد المشاريع أو عدد العاملين، ويصبح حجم الصندوق أكثر من200 مليار دولار. بعد ذلك يمكن الإنتقال للمشاريع الكبيرة ومن ثم للمشاريع العملاقة.

ما تقدم مجرد مثال على آلية التطبيق وذلك على وفق خارطة استثمارية ترسم على أسس علمية توزع بها الثروة بشكل عادل على السكان والمناطق وتأخذ بنظر الاعتبار المحرومية السابقة للمناطق.

آنذاك يمكن تخصيص صندوق للمواطن لتوزيع الثروة بالتساوي على وفق المستجدات.

بهذه الطريقة:

1- يمكن خلق قطاع خاص تشاركي واسع ومنظم.

2- بهذا الصندوق أو الصناديق يمكن توجيه المال العام نحو التنمية المستدامة والحقيقية ويمكن تنمية الصناديق لتصبح أكبر بحيث تخدم مشاريع إنتاجية واسعة وذلك لخلق قطاعات إنتاجية حقيقية تدر عادات للصننديق والدولة.

3- مثل هذه المشاريع يمكنها امتصاص جميع أنواع البطالة في الدولة بشكل تدريجي وبفترة قصيرة نسبيا.

4- مثل هذه المشاريع التشاركية يمكن أن تعيد خلق قيم العمل الراقية والشفافية والبعيدة عن الفساد كون جميع العاملين بأي مشروع هم أصحاب المصلحة المباشرين لذا سيقطعون يد الفاسد والمفسد على حد سواء في حال تجرأ على ملكيتهم الخاصة.

5- بظرف عقد من الزمن وبظل إدارة حكيمة للصندوق من قبل مختصين يمكن ان نقول لدينا قطاع خاص منتج ومتطور.

6- يمكن أن يساهم مستقبلا بخلق مدن جديدة للعاملين بمثل هذه المشاريع.

7- يمكن لمثل هذه المشاريع ان تساهم بالهجرة المعاكسة من المدن للريف والتخفيف على المدن الكبيرة ويمكن ان نستطيع القضاء على العشوائيات في مدننا الكبيرة.

8- بوجود مثل هذه التجمعات البشرية والمشاريع يمكن تطبيق الضريبة بشكل صحيح لتكون احد مصادر تمويل الدولة.

9- في حال تشكلت هذه التجمعات البشرية المتنوعة الأصول ومن مناطق مختلفة من العراق سوف ينتهي تلقائيا دور العشيرة وستتحول المرجعية لهؤلاء إلى القانون والقضاء وفي الحالات البسيطة للنقابة أو الإتحاد المهني كإتحادات الفلاحين أو العمال او غيرها.

10- بهذه الطريقة ستخرج تلقائيا جميع الأحزاب من التلاعب بالمال العام وتتضائل سطوتها على الدولة والمجتمع بحيث تضطر أن تتحول إلى أحزاب تنتهج النهج العلماني حتى لو كانت بمسميات دينية.

نلاحظ هنا كم هو عدد الأمراض التي تمت معالجتها من تلك التي سميناها أمراضا مستعصية في العراق؟

بالطبع هذا يعتبر اقتراح أولي على أسس حسابية بسيطة وعلمية، لكن يمكن إغناءه عن طريق النقاش بين المختصين في المجال الاقتصادي والتخطيط والمهندسين والمهنيين من مختلف الاختصاصات. بمعنى أن تتبناه مجموعة من الخبراء وتعمل عليه لينضج ويقدم للدولة كمشروع إصلاحي حقيقي وليس مجرد إنشاء، وأن يتم تنفيذه بأياد أمينة وخبيرة ونزيهة.

 

حمزة الجواهري - بغداد

 

كاظم الموسوييفاجأ الحراك الشعبي العربي الجديد المراقب البعيد، ولكنه يؤكد للمراقب عن قرب أن استمرار الاستبداد والفساد والتخلف الاقتصادي والسياسي يولد ما وصلت إليه الشعوب العربية، سواء أواخر العقد الأول من هذا القرن، أو مطلع نهاية العقد الثاني. رغم أن كلا المراقبين لا يخلوان من المعطيات والوقائع وربما الحقائق المرة. وفي كل الأحوال فإن واقع الحال هو المصدر الرئيس لما سبب الحراك الشعبي العربي الجديد وعلينا قراءته ايضا، كما سبق لنا مع ما سبق. وليس المهم هنا التسميات أو ما يردد من عناوين قد لا تتطابق مع الحال الا في التوصيف الإعلامي. أو تثير اغراءات مكبوتة عند أكثر من طرف من أطراف الواقع العربي أو من يريد له أن يكون.

ما يجري من حراك جديد في السودان والجزائر خصوصا هذه الأيام، وما يتداعى منه في خارج هذين البلدين، ينطق بما يوصل إلى أن الأجيال الشابة الجديدة في الوطن العربي مستعدة للتضحية والفداء ولتقديم أمثلة على ضرورة التغيير والتواصل مع المتغيرات المحيطة أو البعيدة عنها، بحثا عن مكان لها في أوطانها لا في المهاجر والمنافي. فإذا مرت موجة التغييرات عند جيرانهم، في تونس ومصر اولا وانتكست في غيرها، مثل اليمن وليبيا، وتراجعت في بلدان اخرى، الا أن الواضح أن ما جرى تم في جمهوريات عربية، حكمتها سلطات انتقلت بها أو واصلت الانتقال والانقلاب من الاستعمار والاحتلال إلى رحاب التحرر الوطني ولكنها كما هو واضح لم تنجز كل المهمات المطلوبة، أو خيبت الامال باستمرارها في التحكم في السلطة والتشبث بها، (الرئيس السوداني حكم30  عاما، والجزائري 20  عاما) وممارسة أساليب ديكتاتورية وتسلط وإستبداد. الأمر الذي حولها الى موضوع التغيير والانقاذ منها لإعادة الامل لهذه الشعوب والبلدان في التحرر والتنمية والتقدم.

تمكنت هذه السلطات بالذات من بناء اجهزة دولة عميقة دون التفكير بتاسيس مؤسسات دولة حقيقية قادرة على الوقوف بقدراتها وطاقاتها وامكانياتها الكبيرة. والتي تنكرت حتى لبياناتها الاولى أو لخطبها السياسية الاولى. كما فسحت المجال لتكوين طبقة سياسية حاكمة، حاشية لا يهمها غير مصالحها الأنانية المباشرة، حتى لو كان لها اسم حزب أو مجلس شعب أو حكومة رسمية، تحيط بموقع الرئيس وتثرى من خلال علاقتها به عبر وسائل الفساد والاختلاس والنهب والاحتكار والتضخم الفردي على حساب الأغلبية الشعبية والطبقات الاجتماعية التي هي وقود الثورة والدولة والحاضر والمستقبل في هذه البلدان عموما. والابشع فيها رضاها عن نفسها وانكار توحشها واستهتارها بحقوق الإنسان والمواطن وكرامته. بل قبول التمييز عن الشعب والابتهاج بتكديس الثروات ورفع نياشين المناصب والالقاب والتصديق بها دون إدراك الفروق الطبقية والاجتماعية والاقتصادية والتغيرات في المجتمع التي أحدثتها أو سببتها والعمى امام التحولات الإقليمية والدولية. وهذه عوامل كامنة أو ظاهرة تتجمع وتتراكم وتتفاقم وتغلي كالمرجل أو أشد منه في المجتمع.

أن عدد سكان السودان والجزائر يبلغ أكثر من أربعين مليون مواطن لكل منهما، وحوالي او أكثر من نصفهم من الأجيال الشابة، دون سن الخامسة والعشرين عاما، واغلبهم بلا عمل منتج ولا قدرات اقتصادية كافية للعيش الكريم، وترى الأغلبية منهم أمامها كيف يتم تبذير ثروات بلادها والفساد والافساد والتسلط والإستبداد لمجموعات الرئيس والسلطة المتمثلة به، عمر البشير وعبد العزيز بوتفليقة. وكل منهما تجاوز الحد الاقصى بامكانياته في الحكم والعدل والبناء، مع بعض الأوصاف أو الترتيب في درجات الحكم والمواقف والقرارات الوطنية أو السياسية لكل منهما.

ليس بالضرورة التشابه الكامل بين الحالتين، لكن هناك ما يجمع بينهما أو يربط عوامل الأوضاع المشتركة والدفع في إشعال الحراك الشعبي الجديد، وصعود تموجاته ومطالبه واستمراره. ووصول الأمر لدى الحراك الى المطالبة الصريحة بتغيير النظام كاملا، وليس الاطاحة برأسه وحده، كما حصل الان. وكان أبرز تشابه بين البلدين هو تدخل قيادة القوات المسلحة في ضبط ادارة النظام والحفاظ على الأمن والسلم الأهلي بحدود ما اهلها ليس للتدخل وفرض رؤيتها وحسب، بل ومحاولة فرض الأمر الواقع الجديد على المشهد السياسي وطبيعة التغيير.

محاولات القيادات العسكرية في فرض رؤيتها، سواء دستوريا أو جذريا، كما تعلن احيانا، تصب كلها في محاولات التهدئة  الداخلية وربما الخارجية بحدود التأثر والتأثير أو التداخل والتكليف. ولكل منها ثمنه الشعبي والوطني. إلا أن استمرار الحراك الشعبي السلمي يفرض نفسه ايضا ويدفع الى الاصغاء الى مطالبه المتصاعدة والسعي إلى التغيير الجذري في حدود المصالح الوطنية والقومية وإعادة بناء دولة حديثة مستفيدة من دروس الماضي وتجارب الحراك الشعبي العربي.

حصل في تونس ومصر في الحراك والثورة الشعبية إزالة رؤوس السلطة وإجراء خطوات إيجابية أولية في عملية الإصلاح والتحديث ولكن التجربة التاريخية لهما ومازالت أمامنا لم تنجز الأهداف الأساسية من الثورة والتغيير، بل ثمة ردة أو انتكاس صريح، حتى لما كان أو أسوأ منه، مما يعني ضياع الفرص والتضحيات وغياب المسؤولية وتحملها شعبيا وقوى سياسية شاركت أو أسهمت في الحراك وأهداف التغيير.

لعل ابرز ما يضعف الحراك الشعبي العربي الأساسي، ويوفر مناخات ارتداد عن الثورة والتغيير، باي أسلوب من الاساليب المطروحة، ويكاد يعطل سير الحراك وتضييع التضحيات الشعبية من أجله، يكمن في عدم تبلور قيادة سياسية معلنة من الحراك الشعبي واتفاقها على برامج عمل الحراك الشعبي وانجاز الأهداف المنشودة منه، والاستفادة من الطاقات والقدرات الشعبية، الشبابية والمرأة والقاعدة الثورية في المؤسسة العسكرية والأحزاب السياسية المعارضة والقادرة على وضع كفاحها الوطني التاريخي في خدمة الحراك الشعبي وأهدافه في التغيير الديمقراطي البناء. وهنا قد يختلف الوضع في السودان مثلا عن الجزائر. حيث تتوفر هيئة سياسية معلنة مكونة من نقابات وشخصيات وطنية معروفة وقوى سياسية، تموضعت تحت عنوان، قوى إعلان الحرية والتغيير، لها امتداداتها الشعبية وقدراتها على التحشيد الشعبي وإدارة النضال الوطني ورفع الشعارات المرحلية والإصرار على الأهداف الأساسية من كل الحراك الشعبي والخطوات المحققة عمليا الى الآن، وهي ساعية لأخذ دور القيادة والتعبير عن إرادة الحراك والتغيير. ومازالت الجزائر تخطو في هذا الاتجاه، مع رؤية القيادة العسكرية الهادفة إلى تفعيل الدستور ومراحل الإصلاح وتشابك القدرات والطاقات في مرحلة صعبة من الحراك الشعبي العربي الجديد. ولابد ان تصب كل الخطوات الجارية في النهاية لعملية تغيير مطلوبة في هذين البلدين ومستقبل الحراك الشعبي عموما، في بناء دولة ديمقراطية مدنية وسيادة حكم القانون والمواطنة.

 

كاظم الموسوي

 

سؤال مطروح على الدوام أثناء الأزمات التي تعصف بها وتخرج منها غالبا منتصرة وبصعوبة!.. القراءات والتحليلات التي تخرج من الخبراء والمختصين والتي يستند البعض منها على أسس بحثية راسخة لم تصل في نتائجها حد اليقين المطلق في توقع انهيار وشيك للرأسمالية الغربية التي هي الأكثر تطورا في عالم اليوم!.

لاشك في وجود دراسات وكتب ومقالات تجيب عن هذا السؤال الخطير ولكن لا بأس في اضافة هامش بسيط للراغبين بطريقة سلسة تقرب الاجابة الى الأذهان دون الخوض في التفاصيل التي تبعد قراء هذا الزمان من الخوض فيه !.

في تاريخ الرأسمالية المعاصر عدة أزمات ولكن أبرزها أعوام 1929 و1987 و2008 والتي نتجت عن انهيار البورصات والبنوك في الغالب مما جعل أسس ذلك النظام العتيد يهتز بقوة دون ان تطيح به من عرش الزعامة العالمية!.

الرأسمالية المعاصرة تختلف كليا عن الرأسمالية البدائية التي سادت في القرن التاسع عشر وما قبله والتي اخرجت لنا خصمها الرئيسي: الاشتراكية، بمذاهبها المختلفة وعلى رأسها الشيوعي بفروعه المتعددة أيضا !.

لقد كانت الرأسمالية ومن قبلها مرحلة الاقطاع، متوحشة بشكل مرعب صورته لنا مصادر التاريخ والادب والفن بتفاصيل دقيقة حتى رأينا قوة وقسوة ردة الفعل المأساوية وبخاصة من النظم الشيوعية في العالم جراء ما حدث، والطرفان خلقا بالفعل مآسي لا يمكن التغاضي عنها، ولكن تلك الرأسمالية جددت نفسها وحصنت داخلها من الخلل والعيوب وعلى مراحل طويلة من خلال قبول الكثير من الآراء والأفكار التي خرجت من الخصوم قبل المناصرين لها، فقبلت الديمقراطية كوسيلة لتداول السلطة و الليبرالية كمنهج متاح للجميع والاشتراكية الديمقراطية كطريقة تخفف من شدة وقسوة الطبقات المهيمنة على المجتمع، بل وصل الأمر إلى قبول الكثير من التطبيقات النظرية والعملية الاقتصاد الماركسي من قبيل وضع الخطط المستقبلية للتنمية وحل المشاكل العالقة لفترة طويلة ناهيك عن الطارئة منها وما قام به كينز عندما وضع نظريته العامة عام 1936 التي أخرجت العالم الرأسمالي من أزمته آنذاك هو شيئا طبيعيا عندما استعان ببعض الأفكار الواردة في أدبيات الفكر الاشتراكي وطورها والتي أنتجت في النهاية دولة الرفاهية الاجتماعية والخدمات العامة والوفرة الاقتصادية والتي تقارب المفاهيم الاشتراكية ودعوتها في بناء مجتمع مثالي خال من الاستغلال والفقر والجوع!.

في المقابل هاجم مناصري الاشتراكية وخاصة الشيوعيين منهم كينز وامثاله واتهموه بالسرقة والرجعية الخ من الاتهامات الجاهزة!.

حصنت النظم الاشتراكية نفسها من قبول الآراء والمعتقدات المخالفة لمرتكزاتها النظرية واعتبروا كل من يخالف ذلك الطريق هو خائن للمسيرة والمبادئ، متجاهلين قوة وخطورة التطور التاريخي التي تكسر حالة الجمود والانعزال بمعاول التأثيرات الخارجية والمعارضة الداخلية المتنامية!.

لم تقبل النظم الاشتراكية بالليبرالية والديمقراطية ولا حتى برأسمالية محدودة مع عداء غير مبرر للعقائد والأديان والحريات الفردية مما جعل نهايتها المأساوية شبه حتمية بينما خرجت الصين من تلك الحالة المزرية بقبول الرأسمالية ولو تحت ستار اقتصاد السوق الاشتراكي، بينما هي في الحقيقة رأسمالية خالصة ولكن بغطاء اشتراكي رقيق! و استمرت في نهجها المعادي لليبرالية والحريات الفردية وان خفت حدة المعاداة عما كانت عليه قبل الانفتاح نهاية عام 1978 وبذلك فتحت طريقا جديدا للنظم الاشتراكية مثل فيتنام وغيرها للخلاص من حتمية السقوط الذي وقع فيه الاتحاد السوفييتي وبلدان أوروبا الشرقية !.

كانت النظم الرأسمالية في الغرب أكثر تطورا في جميع النواحي من البلدان الاشتراكية، واستفادت تلك البلاد من التراكم المالي والوفرة الاقتصادية الطويلة من خلال استعمارها أغلب بلاد العالم المتخلف لقرون عديدة، واستمرت في الهيمنة الواقعية عليها بعد انتهاء ذلك الاستعمار ففرضت نظم موالية في غالبيتها كانت ديكتاتورية فاسدة، سارت في طريق التبعية الكاملة ولنا في البلاد العربية نموذجا مثاليا على تلك التبعية الاقتصادية والثقافية بل وصل الأمر الى طلب الحماية العسكرية من الثورات الداخلية فضلا عن التهديدات الخارجية !.

استمرت الاستثمارات الاجنبية في العالم المتخلف لصالح الغرب الرأسمالي بل ونمت بشكل كبير مستغلة وجود الأيدي العاملة الرخيصة ووجود كم هائل من الموارد الطبيعية مما ساعد على توفيرها في السوق العالمية بأسعار متدنية، مع انفتاح اسواقها امام المنتجات المصنعة في العالم الأول بأسعار باهظة كما استضاف أيضا ملايين المهاجرين بغية تشغيل الماكينة الاقتصادية الضخمة التي تأثرت بسبب كارثة الحرب العالمية الثانية ، ولكن بعد عقود من الزمن أصبحت تمثل لهم مشكلة بسبب الخلل في التركيبة السكانية واختلاف العادات والتقاليد وغيرها والشعور بعدم الحاجة للمزيد !.

في المقابل لم يكن ذلك متاحا للنظم الاشتراكية بسبب القيود النظرية والعملية على الاستثمار الخارجي والاستغلال الاقتصادي لموارد الشعوب الأخرى مما حرمها من مصدر مالي وفير تشوب حوله الشكوك الاخلاقية في مصادره!.

من أبرز طرق النجاة للاقتصاد الرأسمالي هي استغلال الفوائض المالية الضخمة للانظمة والأفراد من الدول النامية وابرزها الدول العربية النفطية التي استثمرت أغلب أموالها في الاقتصاد الغربي بسبب محدودية حاجتها لها نتيجة قلة عدد السكان مع ضخامة في الإنتاج النفطي والغازي لتلبية الرغبات الغربية في إغراق السوق العالمية وعدم السماح للمنافسين والخصوم من الاستفادة من مواردهم أيضا، كذلك الثروات الشخصية الضخمة للحكام والأفراد والتي تجد ملاذا آمنا في الغرب مما يجعلها مصدرا آخر يضاف الى الفوائض الرسمية المستثمرة! وقد انقذت تلك الفوائض النقدية الاقتصاد الرأسمالي من أزماته المتعددة وخلقت فرصا كثيرة للعمل حرمت منها البلدان النامية! بينما منعت النظم الاشتراكية السابقة نفسها من تلك المصادر لأسباب معروفة.

استغل الغرب الرأسمالي التطور العلمي الكبير الذي اجتاح العالم واستعمال التكنولوجيا بكثافة في تنمية الإنتاج وتطوير الخدمات وخلق فروع جديدة في الاقتصاد واستغلال حالة شراهة الاستهلاك لدى الأفراد نتيجة توفر السيولة لديهم وتنميتها بشكل مستمر، من خلال ضخ المزيد من السلع والخدمات واغلبها غير اساسي للحاجات اليومية دون ادنى اعتبار للبيئة والموارد الطبيعية المتضائلة مما رفع حجم الاحتجاجات العالمية التي وقفت بقوة ضد تلك الظاهرة وأدت في النهاية الى تطوير بدائل للطاقة والموارد الطبيعية وتحديث نوعية السلع لتحد من مشاكل البيئة المتنامية، وقد أدى ذلك الى استغلال أمثل للطاقة وتطوير فروع الطاقة البديلة والموارد الاخرى من خلال خفض الكلفة وقد خلق هذا الوضع فرصا عديدة للعمل وكأي ظاهرة جديدة، أخرجت اعدادا اخرى من سوق العمل، وهذه الحالة تكررت مرارا بعد التطور الرقمي الكبير والذي ظهر للعلن بعد نهاية الحرب الباردة عام 1990، فظهر الكمبيوتر والانترنت والذكاء الصناعي والشبكات الاجتماعية والمهنية والمعلومات مما ساعد على نمو قطاعات اقتصادية جديدة وخلق فرصا اضافية للعمل لم تكن بمستوى حالة الاستغناء عن الأيدى العاملة التي فقدت وظائفها جراء التطور الجديد مما جعل حجم البطالة يزداد في الاقتصاديات الرأسمالية ولم يتم خلق فرص عمل جديدة في فروع الإنتاج القديمة والتي تحتاج الى كثافة في اليد العاملة بسبب هجرة الاعمال نحو البلاد النامية التي لديها جيوشها كبيرة من العاملين بأجور متدنية للقيام بذات الوظائف التي تحتاج اليهم وهذا ادى الى حصول تشاؤم عالمي منذ منتصف التسعينيات من تحول 80%من الافراد القادرين على العمل في العالم الى عاطلين بينما يبقى 20% فقط يقومون بذات الوظائف التي يحتاج اليها الاقتصاد العالمي، وقد شاع ذلك الرأي في بداية ظهور تيار العولمة والانفتاح نهاية القرن الماضي ولكن بعد مرور عقد من الزمن لم تتحقق تلك التنبؤات المتشائمة واستمر النمو في القطاعات المختلفة بسبب التطور الاقتصادي في الشرق الاقصى وجنوب شرق اسيا وكذلك في بعض البلاد في افريقيا وامريكا اللاتينية مع بقاء وجود نسبة كبيرة من العاطلين الذين لا يجدون وظائف تناسبهم مما يفرض عليهم القيام بوظائف ثانوية اغلبها غير منتج او خدمي!.

في المقابل تطورت القطاعات المالية والمصرفية وتضخمت بشكل كبير حتى فاقت الحجم الطبيعي وحدثت حالات فساد وخداع وتهرب ضريبي ساهمت في نمو هذه الظاهرة الغريبة أدت في النهاية الى انفجارها الخطير في ازمة 2008 المالية والتي خرجت الدول الرأسمالية منها بمديونيات ضخمة نتيجة الاستدانة واضطرت الى اتباع سياسات ضخ المزيد من الأموال في الاقتصاد بغية عدم الوقوع في حالة الكساد التي سادت العالم بعد أزمة عام 1929، فساعد ذلك في انقاذ العالم من كارثة اقتصادية طويلة.

ساهمت النظم الضريبية المتطورة في خفض الفوارق بين الطبقات الغنية والفقيرة وتلبية حاجات المجتمع وهذا أدى الى توسع في الخدمات الاجتماعية وخلق دولة الرفاه التي تعرضت الى هزة كبيرة في منتصف السبعينيات من القرن الماضي فتعرضت اقتصاديات الدول الرأسمالية الى ازمات تبعه ركود طويل وضع اللوم في أغلبه على ارتفاع سعر النفط ، ولم تخرج منه إلا بعد نجاح أنصار الليبرالية الجديدة في تسلم إدارة الحكم في أمريكا وبريطانيا في الثمانينات والتي كانت تدعو الى خفض الضرائب على الشركات وتخفيض حجم الخدمات ورفع القيود وتجميد الأجور وبيع القطاع العام الخ من الإجراءات المعروفة بغية دعم الاستثمار وتطوير الاقتصاد مما أدى إلى زيادة في النمو وفي توسع الفوارق بين الطبقات الغنية والفقيرة ولم يوقف تلك الظاهرة إلا الانهيار المالي في عام 1987 والذي أجبر الجميع الى مراجعة في السياسات المنفذة منذ سنوات بغية الخروج من المأزق الجديد والذي خلقته دعاوى منع الدولة من التدخل إلا في حالات الضرورة القصوى !.

أدى انهيار الكتلة الشيوعية في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي الى حدوث شعور ساد العالم بنهاية التاريخ وحتمية انتصار الاقتصاد الرأسمالي الذي كان حينها يعاني من الركود، فجعل ذلك الشعور مع تخفيض في حجم الموارد المخصصة للإنفاق الدفاعي وعديد العاملين في الأجهزة الأمنية والعسكرية في خلق طوق النجاة للاقتصاد الرأسمالي من جديد الذي نهض في العقد الأخير من القرن الماضي مع توفر مصادر الطاقة الرخيصة واتباع سياسات تحرير التجارة العالمية بغية تخفيض التكلفة وتوفير الموارد في حدوث نهضة جديدة.

يسود العالم الآن النظام الرأسمالي بصوره المتعددة وان كان يخضع للدول الغربية المتطورة اقتصاديا والأزمات الناشئة عنه هي طبيعية لأن كل نظام اقتصادي واجتماعي قدره ان يواجه متغيرات قد تفوق القدرة المتاحة في التناغم معه مما يؤدي إلى حدوث مشكلات آنية تستدعي إجراءات للخروج من آثارها السلبية ولكن المشكلة الرئيسة التي تواجه الاقتصاديات الرأسمالية الآن هي صعود التيارات اليمينية المتطرفة والتي اكثرها يدعو الى الانعزالية وفرض القيود على التجارة والاستثمار والتعاون والتشدد لحماية الاقتصاديات المحلية من آثار العولمة والتحالفات الخارجية!.

قد تسبب تلك السياسات الجديدة في نمو لبعض الدول مثل أمريكا ولكنها في النهاية سوف تضعف حلفائها في الخارج وتسبب لهم مشكلات اقتصادية سوف ترتد لاحقا على الدول التي حققت نموا على حسابها بفضل إجراءات الحماية!.

مشكلات الاقتصاد الرأسمالي سوف تستمر وبخاصة حالة البطالة والتي سوف تتوسع بسبب تسريح المزيد من العمال والموظفين نتيجة للتطور التكنولوجي الذي يجبر الشركات والمؤسسات على استخدامها لتوفير الموارد نتيجة للمنافسة الشديدة مع الآخرين، ولكن استمرار النمو الاقتصادي في الكثير من الدول النامية وبخاصة ذات الحجم السكاني الكبير مثل الصين والهند واندونيسيا والبرازيل وأفريقيا وأمريكا اللاتينية سوف يؤدي الى ابقاء الرأسمالية مهيمنة بشكل كبير على العالم حتى تتاح له حينها الخروج من هذا النظام الاقتصادي بطريقة سلسلة قد تحفظ الشكل ولكن يختلف المضمون او بالعكس وحسب المتغيرات الدولية .

 

مهند السماوي

 

رائد الهاشميالأمن الغذائي ويقصد به (مدى قدرة بلد ما على تلبية احتياجات مواطنيه من المواد الغذائية الرئيسية) من منتجاته الخاصة أو عبر الاستيراد من الخارج أو الإثنين معاً، وأصبح الأمن الغذائي من أهم المواضيع التي تهتم بها المنظمات الأممية والدولية والانسانية والحكومات لما له من أهمية كبيرة وتماس مع حياة الانسان، ويعتبره الكثير من المراقبين من أهم المعايير التي تستخدم لتقييم أداء الحكومات فكلما ارتفعت معدلات الأمن الغذائي في بلد ما كلما كان أداء حكومته جيداً والعكس صحيح، لذا وجب على كل حكومة تدّعي الوطنية وحبّها لشعبها أن تولي الأمن الغذائي جُلّ اهتمامها وتسخّر له كل الأدوات اللازمة لتحقيقه ورفع معدلاته وذلك باختيار الشخصيات الكفوئة والتي تمتلك الخبرات الطويلة في هذا المجال واعداد الاستراتيجيات العلمية لتحقيقه على أرض الواقع وتوفير الأموال الكافية والدعم الكامل لتحقيق الاستراتيجية الموضوعة لتحقيق الاكتفاء الغذائي لمواطنيها.

ويكون الأمن الغذائي غير مكفولاً في حالات عديدة منها عدم تمكن الدول وخاصة الفقيرة التي تعتمد في زراعتها بشكل أساس على الأمطار فعندما تقلّ الأمطار أو تنعدم يعمّ الجفاف فلاتتمكن من تغذية سكانها ولا مواشيها وبما أنها فقيرة وإمكانياتها محدودة فإنّها تكون عاجزة عن استيراد وتعويض النقص من الخارج فتحدث المجاعات وتنتشر الوفيات والأمراض والأوبئة وتُهدد حياة سكانها، وهنا تلجأ لطلب المساعدات من الدول الأخرى أو من المنظمات الأممية، وفي حالات أخرى يحدث الخلل في الأمن الغذائي عندما تحدث الكوارث الطبيعية أو الحروب الكبيرة أو يحدث بسبب سوء الإدارة الحكومية لملف الغذاء.

لو تمعنّا جيداً في حالة بلدنا العراق لوجدنا أن جميع المقومات الاساسية متوفرة لتحقيق الأمن الغذائي وتحقيق الإكتفاء الغذائي للسكان لأن الله سبحانه وتعالى قد حبانا بأرض خصبة وتربة نموذجية  صالحة لزراعة مختلف المحاصيل الزراعية والمياه متوفرة بشكل كبير حيث تشق أرض البلد من شماله الى جنوبه نهرين عظيمين هما دجلة والفرات وكذلك وجود عدد كبير من الروافد تروي مساحات شاسعة من الأراضي وكذلك توفر المياه الجوفية في معظم مناطق العراق ومياه العيون المنتشرة في مناطق شمال العراق، ولو أخذنا المقومات الأخرى لتحقيق الأمن الغذائي لوجدناها متوفرة ايضاً فالأيدي العاملة التي تعمل في الزراعة متوفرة وبكثرة ورأس المال متوفر باعتبار العراق من الدول الغنية بالنفط وموارده المالية كبيرة، إذاً هناك مشكلة عندما يحدث خلل في الأمن الغذائي في بلدنا مع توفر كل هذه المقومات الأساسية، ولمعرفة هذه المشكلة لانحتاج الى بحث كبير أو تحليل معمّق فالمشكلة واضحة وجليّة وهي تتلخص بسوء الأداء الحكومي لملف الأمن الغذائي وعدم وجود النيّة الحقيقية لتحقيق ذلك، حيث لو توفرت النيّة الحقيقية للحكومة لإدارة هذا الملف بشكل صحيح لوضعت في أجندتها خطط تنموية سليمة للنهوض بالقطاع الزراعي والعمل بجدية على الاستغلال الأمثل للمقومات المتوفرة لتحقيق الأمن الغذائي للبلد أي أن القضية تحتاج لفن الإدارة العلمية السليمة لهذا الملف وباختصار شديد على الحكومة أن تختار في البداية الكفائات العلمية المتخصصة في المجال الزراعي وتضعهم على رأس المناصب القيادية لهذا الملف وأن تعمل على تخصيص جزء غير قليل من ايرادات الموازنة العامة للنهوض بالقطاع الزراعي والعمل على دعم الفلاح العراقي بشكل كبير والبحث عن أسباب هجرة النسبة الكبيرة من الفلاحين من الريف الى المدينة وتركهم مهنة الزراعة والعمل على معالجة هذه الأسباب وهي واضحة ومعروفة للجميع فالفلاح يحتاج الى دعم حكومي في عدة أمور منها توفير المكننة الحديثة من وسائل الانتاج لغرض تحقيق الزيادة في كمية الإنتاج ويحتاج الى المبيدات الزراعية واستيراد الحبوب والبذور لتحسين المنتوج وزيادته ويحتاج الى قروض ميسرة لاستصلاح الأراضي الزراعية التي عانت من إهمال كبير طوال السنوات الماضية ويحتاج الى حماية منتوجاته من منافسة مثيلاتها التي تدخل البلاد بلا قيد أو شرط وأسعارها دائماً أقل من أسعار المنتجات المحلية ما يتسبب بخسارة كبيرة للفلاح العراقي الذي يضطر الى التوقف عن الانتاج وترك مهنته الرئيسية ،وكذلك على الحكومة أن تسعى  الى تحسين الظروف المعيشية في الريف بتوفير وتحسين الخدمات الأساسية من كهرباء وماء صافي وطرق وخدمات صحية وتعليم وغيرها من الأمور الاساسية التي يحتاج لها كل انسان طبيعي.

إنّ كل ماتقدم من خطوات هي ليست بمستحيلة ولايجوز التحجج بالأوضاع الحرجة التي يمرّ بها البلد ومشاكل اقتصادية وعجز في الموازنة لأننا لانطلب من الحكومة تحقيقها كاملة خلال عام واحد مثلاً ولكن عليها أن تخطط بشكل سليم وترسم الأهداف العلمية الصحيحة للنهوض بالقطاع الزراعي وبعدها تشرع فوراً لتحقيق هذه الأهداف المرسومة والتي لو طبّقت بشكل صحيح فإن النتائج ستكون جيدة وواضحة وسنتمكن في ظرف عدة سنوات من تحقيق نسبة كبيرة من الأمن الغذائي للبلد ولوفرنا ملايين الدولارات من الأموال التي تنفق على استيراد السلع الغذائية الرئيسية من الخارج ولوفرنا ملايين الفرص من العمل ولأعدنا التوازن بين الريف والمدينة ولقللنا من هجرة الفلاح الى المدينة ولحققنا نسبة عالية من الاستقرار في بلدنا ولتمتعنا بخيرات أرضنا المعطاء ولحققنا الأمن الغذائي المنشود للمواطن العراقي.

 

رائد الهاشمي

 

بالنظر إلى الطبيعة الاجتماعية الغامضة للفساد والتي لا يُنظر بموجبها إلى الوعي العام الفردي والجماعي على الدوام كظاهرة سلبية مما يستدعي الحاجة إلى استخدام التثقيف باعتباره الوسيلة الرئيسية لمكافحة الفساد عبر التعليم والذي مجاله يقع إلى حد بعيد عن التنظيم القانوني الصحيح فلذلك يستوجب تطوير القواعد التنظيمية والقانونية لتعليم الأطفال والشباب بما في ذلك مكافحة الفساد وتنمية محو الأمية القانونية وبناء الوعي القانوني وتنشئة جيل الشباب وتركيز الأهتمام الوثيق بالوقاية من التطرف والتغاضي عن الحاجة إلى الإنذار المبكر بالفساد بغرس حصانة مكافحته, وتزويد المؤسسات التعليمية بالموظفين ذوي الاختصاص القادرين على التطبيق الشامل للطرق التربوية المتقدمة وإجراء دورات تثقيفية وقائية لمكافحته بالإضافة إلى الحاجة إلى اعتماد العاملين التربويين للتعرف على التشريعات القانونية للمكافحة وممارسات تطبيقها.

واحدة من المشاكل النظرية والمنهجية والتطبيقية الرئيسة لضمان تعليم مكافحة الفساد هي تعديل التوصيات المنهجية المتقدمة والتطبيقية لتشكيل وجهة نظر عالمية لمكافحته وتحليل محتوياته بما يكشف عن نظرة مشوهة للفساد وتطوره، وتشكيل الأسس التنظيمية والقانونية والإيديولوجية لتعليم الأطفال والشباب بتبني مجموعة غير مسبوقة من القوانين التشريعية التي تنظم مجال العلاقات الاجتماعية وإدراج القوانين والأفعال التنظيمية بما فيها الاستراتيجيات والخطط والبرامج والأسس المعيارية التي تنظم إجراءات مكافحة الفساد القانونية. وإن الطبيعة الاجتماعية الغامضة للفساد التي لا ويُنظر إليها غالبا على أنها ظاهرة سلبية فهي تحدد سلفًا أقصى قدر من الاستقرار والقدرة على التكيف والتكاثر والتحول وإن الاعتراف بالمقبولية كونها مفيدة للبعض مادياً ولربما اجتماعيا يشكل مهمة مستعصية للتمييز بين مظاهره، فضلاً عن الجمع بين مقاربات صراع لا يمكن التوفيق بينها وبين الإدراك الإيجابي. كما ويمكن اعتباره ظاهرة ذات نطاق ونظام أوسع من مجرد كونه الجريمة لكونه اعمق من إن يكون مزيج من الانحرافات الأخلاقية والسلوك الملوث إنما يصل إلى إن يكون مجموعة من الأعمال الإجرامية  المهددة للأمن والفكر الوطني والقومي.

 هناك أسس لتطبيق التكتيكات والاستراتيجيات المتقدمة للاستجابة المبكرة والاستباقية لتحديات الفساد، وايضا هنالك ميل متزايد نحو الفساد المتعمد للمسئولين دون سن الثلاثين، والذي يرجع بشكل كبير إلى إدراجه العملي المبكر في برامج الفساد لأنه وما لا يقل عن 25٪ من الطلاب في مؤسسات التعليم العالي في اغلب دول العالم كانوا قد أعطوا الرشاوي. وإن تحليل ما تقدم يسبب مخاوف معقولة بشأن عدم تطوير الإطار التنظيمي والقانوني لتعليم الأطفال والشباب بما في ذلك مكافحة الفساد مع تجزئة الأحكام القانونية وفقدانها للاتساق وإن مجال التعليم يقع إلى حد بعيد عن نطاق التنظيم القانوني السليم، فلذا وللوقاية الفعالة من الفساد فنحن نؤمن بأنه لا يجب إن يقتصر الأمر على مراقبة كاملة للبرامج المقدمة لمكافحة الفساد ورفع التشريعات من أجل تحليل تنفيذ أحكامه وتحديد أوجه القصور وتقديم المقترحات للتغييرات والتعديلات الضرورية، وإنما أيضا متابعة ومراقبة إنفاذ القانون وإدخال تغييرات تنظيمية لتشكيل نظام الدول للتعليم ومكافحته للفساد ومن الضروري زيادة فعالية الدعم التنظيمي عبر التثقيف والتدريب عبر تعزيز دور وكالات إنفاذ القانون وتغيير التسلسل الهرمي لموضوعات تدابير التثقيف والتعليم والتوعية للانتقال إلى المهمة ذات الأولوية للهيئات التنفيذية للدول والحكومات المحلية في تحالف مع المؤسسات الحكومية والمنظمات العامة. ومن الضروري تنظيم الموظفين وتوفير الدعم لهيئة التدريس من قبل المتخصصين القادرين على الاستخدام الشامل للطرق التربوية المتقدمة وإجراء الدورات التعليمية الوقائية وقد أصبح المجتمع العلمي أكثر وعيًا بالقيود المفروضة على تخصصات التدريس وإجراء الأبحاث داخل فرع واحد للحصول على تدريب عالي الجودة لمكافحة الفساد فيتطلب أخصائيين ليس لديهم فقط معرفة قانونية وإنما أيضًا معرفة حقيقية وتخصصية في مجمل علوم التربية وعلم النفس وعلم الاجتماع.

وليس غريبا إن تكون المشاكل النظرية والمنهجية والتطبيقية لضمان تعليم مكافحة الفساد للجيل الأصغر عملية طويلة ومنظمة ومنهجية لتشكيل وتطوير الشخصية، فتتطلب بعض الأقسام والأحكام تعليم النظرة إلى مكافحة الفساد بين تلاميذ المدارس والطلاب إعادة تفكير حاسمة ويستوجب نظام متطلبات البرنامج التعليمي للتعليم الابتدائي العام للتعديل والذي من المرجح له أن يثير مسألة تعليم وتطوير سمات الشخصية التي تلبي متطلبات مجتمع المعلومات ومهام بناء المجتمع المدني، غير إن الفساد جوهري بأي مجتمع في إطار النظام الحالي للعمل التربوي بالمؤسسات التعليمية العربية والتي لم يتم فيها تحديد مهمة تعليم مكافحة الفساد، وليس من قبيل المصادفة أن حل المشاكل الخطيرة التي نشأت لتعليم الناس وخاصة الشباب يتطلب تعبئة أجهزة الدول بأكملها ونظام المدارس والتعليم العالي ومؤسسات المجتمع المدني بغض النظر عن مدى تأثير البيئة الاجتماعية على الشخص وبغض النظر عن مدى إغرائه للواقع الاجتماعي لرؤية المسؤول الفاسد والخط الفاصل بينه وبين المواطن صاحب التفكير الصحيح أصبح غير واضح بشكل متزايد، وعلى المجتمع العربي إن يحزم بذاته وعبر التعليم بجميع مؤسساته ومراحله للمكافحة الفعلية وألا يعتمد فقط على تأرجح التدفق الطبيعي للعمليات التصحيحية.

 

بقلم/ الدكتور ميثاق بيات ألضيفي

بوجمعة وعليلم نكن نتوقع ونحن في أسوأ حالات الضعف والوهن التي تعيشها الأمة، أن تصل الأمور بكثير من الأنظمة العربية إلى هذا الحد غير المسبوق من الغد والخيانة والعمالة، وأن تنحدر إلى هذا المستوى من الانحطاط والسفالة السياسية والأخلاقية اتجاه قضية الشعب الفلسطيني الذي يعاني ويلات الاحتلال الصهيوني منذ ما يزيد عن سبعين عاما، تلك القضية التي كانت إلى وقت قريب القضية الأولى للعرب والمسلمين، يرددونها كثيرا في دهاليز وكواليس مؤتمراتهم واجتماعاتهم ولقاءاهم وخاصة في منظمة المؤتمر الإسلامي وجامعة الدول العربية والأمم المتحدة وغيرها.

إن تغيير كثير من الأنظمة العربية لسياستها الرسمية وحتى الشعبية اتجاه القضية الفلسطينية من حالة التبني والدعم والمساندة السياسية والاقتصادية في المحافل الوطنية والإقليمية والدولية إلى حالة الإنكار والجحود بل والعداوة والتهجم على القضية وأصحابها وخاصة فصائل المقاومة، إلى درجة تخوين بعضها ووصفها بالصهيونية كما حدث مع حركة حماس، هو في الحقيقة سقوط لآخر أوراق التوت الشفافة أصلا على عورات الأنظمة العربية التي كانت دوما منافقة تظهر دعمها وولاءها للقضية في العلن  بينما تكيد لها المكائد في الخفاء  وهو الأمر الذي انفضح لدى الجميع. بل الأكثر من ذلك والأخطر هو يتحول ذلك الدعم الذي كان معظمه شكليا للشعب الفلسطيني إلى دعم صريح وحقيقي ومادي للكيان الصهيوني المحتـل، والذي وصل أوجه في يسمى إعلاميا بصفقة القرن  بزعامة الرئيس الأمريكي "ترامب"، والتي ما تزال تفاصيلها الدقيقة غير معلنة إلى حد الآن،  رغم بعض التسريبات التي تلخصها في أن سيناء المصرية التي اشترتها أمريكا بالأموال الإماراتية والسعودية  ستكون هي الوطن البديل للشعب الفلسطيني الذي سيهجر مرة أخرى من الضفة الغربية، مما سيقبر حسب مخططي الصفقة حلم العودة لملايين من لفلسطينيي المخيمات والشتات، لكن وعي الشعب الفلسطيني ومقاومته ستفشلان هذه الصفقة كما أفشلت كل المخططات السابقة.

قبل أيام من حلول شهر رمضان المعظم وكالعادة قبل كل عيد أو مناسبة دينية، بدأ الكيان الصهيوني عدوانه الغاشم على قطاع غزة حيث نفذ قواته العسكرية مئات الغارات الجوية والمدفعية على أهداف معظمها مدنية (مساكن، عمارات، مقرات إعلامية...) أسفرت لحدود كتابة هذا لمقال عن استشهاد العشرات وجرح المئات. هذا العدوان الهمجي ردت عليه فصائل المقاومة بإطلاق مئات الصورايخ على مدن غلاف غزة وبعض الأهداف العسكرية التي تمكنت المقاومة من إصابتها إصابات مباشرة (ناقة الجند، جيب عسكري...)، غير أن سلطات الاحتلال وكعادتها تمارس التعتيم والتكتم عن الخسائر التي تكبدتها قواتها العسكرية والتي يبدو أنها ستكون كبيرة.

غير أن الجديد في هذا العدوان الصهيوني على القطاع هو الانحياز الواضح والصريح لكثير من الشخصيات السياسية ووسائل الإعلام السعودية والإماراتية للكيان الصهيوني، إلى درجة أن بعضهم وصف حركات المقاومة الفلسطينية وخاصة حركة حماس بأنها "صناعة صهيونية" مما يظهر التحول الجذري لسياسة بعض الأنظمة العربية اتجاه القضية الفلسطينية. أما مصر التي تربطها بفلسطين وخاصة غزة علاقات تاريخية وجغرافية واجتماعية فما تزال مصرة على تشديد الحصار على الشعب الفلسطيني بغزة وفصائله المقاومة ولا تفتح معبر رفح البري إلا لماما وللحالات الإنسانية، وذلك من أجل تشديد الخناق الاقتصادي عليها في أفق إجبارها على قبول التنازلات التي من شأنها تصفية القضية الفلسطينية وهو الأمر الذي لم ولن يتحقق لها بإذن الله  في صمود الشعب الفلسطيني الذي ينظم مسيرات العودة في كل أسبوع.

أما الشعوب العربية فهي ليست أفضل حالا من الشعب الفلسطيني، الذي يقاوم الاحتلال منذ عشرات السنين ولا يزال رغم التواطؤ الدولي والخيانة العربية والضعف الإسلامي. ذلك إن معظمها تعيش على ماسي الثورات المضادة التي تدعمها أنظمة الشر العربي بتعبير الرئيس التونسي السابق "منصف المرزوقي" بالمال والسلاح والدعم السياسي في المحافل العربية والدولية . فالشعب المصري يعيش تحت أتون انقلاب عسكري أعاد مصر إلى الوراء عشرات السنوات من الناحية السياسية والاقتصادية والحقوقية. في حين ما يزال الشعب التونسي يقاوم عودة النظام البائد، وما تزال ثورته محاصرة لم يكتب لها النجاح النهائي بعد، أما الشعب اليمني فهو غارق في مأساة حرب أهلية ذكتها السعودية والإمارات بما يسمى "عاصفة الحزم"، وهي العاصفة التي أغرقت البلاد في الفوضى وجعلتها يعيش أسوا كارثة إنسانية في العصر الحديث  حسب تقارير المنظمات الإنسانية والأمم المتحدة. بينما يعيش الشعبين الجزائري والسوداني على إيقاع ثورة شعبية عارمة  أسقطت رؤوس الحكم الاستبدادي في البلدين، غير أن ثورتهما معرضة لمخاطر عديدة أهمها سرقة العسكر لها   في ظل دخول السعودية والإمارات ومصر بشكل مباشر وصريح على الخط  من أجل إفشالها. أما الشعب الليبي ورغم اقتلاعه لنظام معمر القذافي الذي جثم على صدور الليبيين أربعين سنة فهو ما يزال يخوض هو الأخر حربا ضارية بين قوى ثورة فبراير 2011  وقوى الثورة المضادة بقيادة الجنرال المتقاعد خليفة حفتر المدعوم بالمال الخليجي والسلاح الفرنسي والرضا الأمريكي والصمت الغربي، والمعركة ما تزال مستمرة وتزداد شراسة يوما بعد يوم في ظل إصرار حفتر على السيطرة على العاصمة طرابلس. أما ما تبقى من الشعوب العربية فهي غارقة في مشاكلها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية كلبنان والمغرب أو تحت وطأة في أنظمة شمولية كالشعوب الخليجية.

أمام هذا الوضع المتأزم على مختلف الأصعدة كتب على غزة العزة أن تقاوم وحدها العدوان الصهيوني الغاشم المدعوم سياسيا وإعلاميا من أمريكيا وأوروبا، بينما ظل الأعراب بين متفرج ومحاصر ومساوم.

 

د. بوجمعة وعلي