محمود محمد عليليس غريبا أن يصدر قرار الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" باعتراف واشنطن بسيادة إسرائيل على مرتفعات الجولان، فقد ارتكب من قبل ترامب نفس الحماقة أو الجريمة عندما أعلن منذ أقل من عام، القدس عاصمة لإسرائيل بقرار منفرد متحديًا كل قواعد القانون الدولى والشرعية الدولية وانتهاك صريح لقرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة.

وبمجرد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بقرب صدور قرار من واشنطن باعترافها بسيادة إسرائيل على مرتفعات الجولان السورية المحتلة، تم رفض القرار عربيًا ودوليا واسعا، حيث أكدت مصر موقفها الثابت باعتبار الجولان أرض سورية محتلة، كما أعلنت سوريا وروسيا رفضهما قرار الرئيس الأمريكي ترامب، واعتبرت بعض الدوائر السياسية الأمريكية أن القرار الأمريكي يناقض سياسات الولايات المتحدة على مدى نصف قرن، وأن قرار ترامب بضم الجولان استهدف إضعاف علاقة اليهود بالحزب الديمقراطي، وإصراره على أن الديمقراطيين يعادون إسرائيل والشعب اليهودي. أيضا رفض الاتحاد الأوروبي سيادة إسرائيل على الجولان، كما رفض القرار كل من الجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجى والبرلمان العربي.

بيد أن هذا الشجب بالكلام فقط لا يكفي ، فهناك أمور أخري يجب اللجوء إليها ، فالتاريخ يشهد علي أن الشعوب العربية كانت لها مواقف جليلة ضد إسرائيل ؛ فمثلا خلال حرب أكتوبر 1973 كان المملكة العربية السعودية قد اتخذت قرار عاجل بحظر تصدير النفط إلى الدول الداعمة للعدو الإسرائيلي، وتخفيض إنتاج النفط بنحو 340 مليون برميل اعتباراً من أكتوبر حتى ديسمبر 1973.

ليس هذا فقط بل وجدنا أيضا الجيش العراقى هو الجيش العربى الذى خاض معركة دامية مع القوات الإسرائيلية، ووقف بجانب مصر وسوريا أثناء الحرب.

كما تدخلت ليبيا هى الأخرى وقامت بنقل الكلية البحرية المصرية إلى أراضيها، وعندما واجهت القيادة المصرية مشكلة تفوق القوة الجوية الإسرائيلية، قامت ليبيا بعمل صفقة طائرات مع فرنسا واستخرجت جوازات سفر تحمل اسم ليبيا للطيارين المصريين حتى يتم تدريبهم داخل فرنسا، وكان للجزائر دور كبير فى المساعدة.

ومن جهة أخري  لا يمكن إنكار الدور العظيم الذى قامت به اليمن فى مساعدة مصر، حيث أغلقت باب المندب مرتين.

كما كان لدولة الإمارات مواقف شجاعة، حيث توجه الشيخ زايد أثناء حرب أكتوبر، بطلب إلى سفير الإمارات المتواجد فى لندن بأن يقوم بحجز جميع غرف العمليات الحرجة المتنقلة وشراء هذا النوع من كل دول أوروبا ليُعالَج فيها الجنود المصريون والسوريون.

أفيقوا أيها العرب، أكملوا مسيرة أجدادكم وآبائكم في حماية الأراضي العربية، أيها القادة، كونوا يدًا واحدة، الأمر لا يحتمل شيئا، لا ننتظر منكم إدانات وشجبا واستنكارا، ننتظر منكم قرارات حاسمة تمنع هذا الطوفان من التوغل والتغلغل داخل أراضينا العربية، فقد قالت "جولدا مائير" رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق ذات يوم: "عندما أحرقنا القدس لم أنم طيلة الليل، وتوقعت أن العرب سيأتون نازحين من كل حد وصوب نحو إسرائيل، فعندما بزغ الصباح علمت أننا أمام أمة نائمة".

أتمنى أن تثبتوا عكس ذلك، ونكون أمة مستيقظة، لا تخشى في الله لومة لائم ولا تهاب أحدًا، كما   أتمنى أن تكون القمة العربية والمنعقدة الآن بدولة تونس الشقيقة يكون عنوانها «القدس عربية.. الجولان عربية».. وأن يتخذ القادة قرارًا بعودة سوريا إلى حظيرة الجامعة العربية ومساندتها عربيًا ودوليا حتى عودة الجولان المحتلة.

نعم أعلم أن الملف غاية فى الصعوبة، ولكن اقتحامه الآن ضرورة قبل أن ينساه التاريخ، هضبة الجولان بموقعها الاستراتيجي الذى يطل على عمق إسرائيل لن تعيده إسرائيل وحلفاؤها بسهولة، لذلك يحتاج الأمر إلى تضامن حقيقي وإلى إجراءات عملية قد تصل إلى حد المغامرة لكى يعرف ساكن البيت الأبيض أن هذا الشرق الأوسط التعيس قد قرر الاستيقاظ من نومه، وقد قرر أيضًا أن يمتلك هذه المرة زمام المبادرة نحو تشكيل ملامح مصيره.

لم أفقد الثقة بعد فى الإمكانيات العربية، ولم أفقد الثقة فى سوريا المناضلة الجريحة، كل الاختيارات الآن موجودة على طاولة العرب، فقط بتحرير القرار تتحرر الجولان. اللهم فاشهد.. اللهم فاشهد .

 

د. محمود محمد علي - مركز دراسات المستقبل

 

 

علجية عيش(الوعود التي لم يحققها الرئيس بوتفليقة طيلة 20 سنة من حكمه)

(أربعة استنتاجات مطلقة تظل جوهرية لجزائر اليوم)

ارتبط حكم الرئيس عبد العزيز بوتفليقة المستقيل من الرئاسة قبل موعد الإنتخابات بالعشرية السوداء التي خلفت الآلاف من الضحايا الأبرياء، لا ذنب لهم سوى أنهم آمنوا بهذا الوطن الذي ضحى من أجله مليون ونصف مليون شهيد، وهاهو الرجل يمضي دون أن يحقق جزءًا من وعوده التي تعهد بها أمام الشعب الذي ما زال يعاني الظلم والحقرة والجهوية والمحسوبية في كل المجالات، إذا قلنا أن فكرة الإستقالة مشكوك فيها لأن الرجل في حالة تفقده القدرة على التفكير واتخاذ القرار، انتهت المرحلة العزيزية وما تزال فئة كبيرة من أبناء الشعب أكثر قهرا وتتألم أكثر من الإستعمار في حقوقها وفي كرامتها، لأنها الأكثر ثورية وكان لها هي أن تتولى القيادة قبل كل شيئ

فالرئيس عبد العزيز بوتفليقة الذي ارتبط اسمه كأصغر وزير للشباب والسياحة وهو في الخامسة والعشرين من عمره، ثم في العام التالي وزيرا للخارجية،  وكان أحد الوجوه الرئيسية التي وقفت وراء حركة عدم الانحياز ومنحت أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية صوتا على الساحة العالمية، كما ارتبط اسمه بالصراع حول الرئاسة بعد وفاة الرئيس هواري بومدين ومن سيخلفه،  اضطر رئيس المخابرات يومذاك قاصدي مرباح أن يفصل بينه وبين العقيد محمد الصالح يحياوي رحمه الله ليختار العقيد الشاذلي بن جديد رئيسا للجمهورية،   ولم يكن لعبد العزيز بوتفليقة  من خيار إلا أن يختار الضفة الأخرى، حيث أنه  لم يعد إلى أرض الوطن حتى عام 1999 خلال صراع مع متشددين إسلاميين سقط فيه ما يقدر نحو 200 ألف قتيل، وفيها تفاوض على هدنة لإنهاء القتال وانتزع السلطة من المؤسسة الحاكمة،  وبدعم من الجيش انتخب بوتفليقة رئيسا للجمهورية، لا يمكن لأيٌّ كان طبعا أن يقيم المرحلة العزيزية بالسلبية كلها، فالرجل أدى واجبه، ولا أحد يمكنه أن يقول أنه معصوم من الخطأ، وإن أخطأ الرئيس في حق شعبه فهو وحده يتحمل مسؤوليته أمام الله والتاريخ، وإن كان الله يرحم فالتاريخ لا يرحم، وستبقى أعمال هذا الرجل تذكرها الأجيال التي شاركت في الحراك الشعبي الذي رسم لوحة سوداء لجزائر بوتفليقة.

لقد شهدت عهداته انتشار الفساد وعرفت الساحة الوكنية ركودا سياسيا واقتصاديا، ولم يتمكن من حل النزاعات الداخلية لحزب جبهة التحرير الوطني وتطهيره من الفساد وهو الذي كان رئيسا للحزب وكان في كامل صحته وقواه العقلية، بالرغم من ذلك حافظت الجزائر على استقرارها بفضل الجيش الوطني الشعبي المرابط في الحدود، ما جعلها تتجنب انتفاضات الربيع العربي التي أطاحت بقادة دول أخرى في المنطقة في العام 2011، غير أن الاحتجاجات على سوء مستويات المعيشة ونقص فرص العمل والخدمات أصبحت شائعة رافقتها البيروقراطية التي أعاقت النشاط في كثير من الأحيان،  لكن الرجل نجح دبلوماسيا من خلال دفاعه عن قضايا العالم الثالث في المحافل الدولية، حيث طالب بأن  تحصل الصين الشيوعية على مقعد في الأمم المتحدة، وندد بنظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، ولعل هذا ما مكنه من تجديد ولايته لعهدة ثانية وثالثة ورابعة، رغم أن خصومه قالوا إن الانتخابات شهدت تزويرا، وكما هو معروف لا يعرف عن الحياة الخاصة للرئيس عبد العزيز بوتفليقة شيء يذكر، إلا أنه كان أقوى رئيس تشهده الجزائر على مدار 30 عاما، لولا المرض الذي جعله طريح الفراش، ونال منه الضعف بعد تعرضه لجلطة دماغية في أوائل 2013  ومنذ تلك السنة لم يطهر الرئيس أمام الشعب  إلا قليلا.

في كل هذا وذاك فالرئيس المستقيل لم يحقق كل وعوده التي التزم بها أمام الشعب الجزائري طيلة 20 سنة حكما، ولعل المتتبعين لتحركات الرئيس يتذكرون خطابه الذي ألقاه في ملتقى الفكر السياسي الجزائري في الفترة بين 1830-1962، قام فيه بمسح شامل للفكر السياسي الجزائري، وقدم فيه أربعة استنتاجات مطلقة تظل جوهرية لجزائر اليوم،  أهمها أن الهوية الوطنية العريقة شكلت العروة الوثقى التي استمسك بها الشعب ومكنته من أن ينجو من عملية منهجية لطمسه،  وان هذه الأمة مطالبة بأن تطرح جلنبا كل انشغالاتها ماعدا انشغالها بمصير الوطن، وفي استنتاجه الثاني  قال أنه مهما كانت طبيعة أو عنف العدوان المسلط على الوطن فإن مآل هذا العدوان النهاية إذا رفضت الأمة الإستكانة وتجندت وقاومت وقبلت بتقديم النفس والنفيس في سبيل التخلص منه، هذا الكلام لم يستوعبه الرئيس وهو قائله، بأنه سيأتي يوم ينقلب عليه الشعب، ويطالب برحيله، وكان على الرئيس أن يستقيل من أول مسيرة سلمية، قبل أن يتأزم الوضع وتصل البلاد إلى حالة انسداد، هي كلها عبر ودروس يجدر بالأمة الجزائرية أن تتدبرها اليوم.

لقد تحدث الرئيس عبد العزيز بوتفبيقة عن الهبّة الوطنية في خطابه من خلال القرار الحر الذي ستتخذه الجزائر دولة وشعبا بكل سيادة، وكان أمله أن تستقي الأمة الجزائرية من ماضيها ما يلزمها من قوة معنوية لتوحيد كلمتها، وضم صفها في خدمة السلم والإلتفاف حول المصالحة بقوانينها القاهرة الوطنية،  في ظل ما يشهده العالم من تغيرات في العمق،  وبينما كانت العولمة تشمل المعمورة  بقوانينها القاهرة، وفي حين كانت حضارة تكنولوجيات الإعلام الجديدة تخوض انطلاقاتها، كانت الجزائر المحترقة بنار المأساة الوطنية شهدت إرهاصات سياسية واقتصادية ي، وقال في خطابه: "إن اليقين الذي يحدوني هو أن المصير الشخصي لكل منّا لا ينفصل ولا ينفصم  عن مصيرنا الجماعي الوطني وسيظل كذلك"، وطالما أن الرئيس مؤمن بأن المصلحة الجماعية هي كل شيئ ما كان عليه أن يقف مكتوف الأيدي وهو يرى حاشيته تتلاعب بمصير الشعب، وهو القائل في خطابه أنه في غياب التماسك الوطني ينبغى تحت رحمة أول ردّة وعرضة لمأساة سواء أتت من الخارج أو من بين ظهرانينا.

إن الجزائر اليوم تواجه تحدي الإعمار الوطني، وماذا تستفيد من تبديد طاقتها  في مناقشات بيزنطية وفي مواجهات إيديولوجية عميقة بل قاتلة، حين تحاول أن تتغذى من مكونات هويتها وشخصيتها الوطنيتين، هذا ما قاله الرئيس بوتفليقة وهو يعرض الخطوط العريضة للهبَّة الوطنية، وكأن وحيا ما نزل عليه لينبئه بما سيحدث في جزائر 2019، لإعادة الإعتبار لسيادة الشعب والإرتقاء بالهوية والشخصية الوطنيتين التي وجب أن تكون مرفوقة بتغذية الأمل الذي يدعم الجهد الوطني، ولعل الحراك الشعبي الذي تشهده الجزائر اليوم هو ثمرة هذه الرؤية،  تَبَدَّدَ فيها الشعور بالإحباط والخيبة والتحرر من التبعية والتخلف المستمر، ويحق للجزائر اليوم أن تفاخر، لأنها استطاعت أن تفك خناق تبعيتها، رغم أن الوعود التي وعد بها الرئيس لم تتحقق كلها في أرض الميدان، هاهي المرحلة العزيزية تنتهي و نسبة  كبيرة من السكان لم يصلها الماء الشروب والغاز الطبيعي وشبكة الكهرباء، انتهت المرحلة العزيزية ونسبة كبيرة من السكان  تنتظر مفاتيح  السكن التي وعد به الرئيس، وما تزال نسبة كبيرة من السكان يعانون من رداءة شبكة الطرقات، والشباب من البطالة، والبحث عن فرص العلاج والتوظيف، شعب يأكل من القمامة ويموت من شدة المرض لأنه لا يملك مالا كافيا للعلاج في الخارج كما يعالج الأثرياء وأرباب الأعمال وأبناءهم ومنهم الرئيس نفسه وحاشيته،  انتهت المرحلة العزيزية وما زالت الجزائر تواجه انتشار المخدرات بين أبنائها من الشباب، وتعاني من مظاهر خطيرة كاختطاف الفتيات والأطفال واغتصابهم والمتاجرة بالأعضاء، كما لم تسمح عهدته بإرساء أسس اقتصاد  مزدهر ومستدام، وما تزال فئة كبيرة من أبناء الشعب أكثر قهرا وتتألم أكثر من الإستعمار في حقوقها وفي كرامتها، لأنها الأكثر ثورية وكان لها هي أن تتولى القيادة قبل كل شيئ، السؤال الذي يبقى يلح على الطرح  هو: لماذا سمح بوتفليقة لحاشيته أن تجعله لعبة بين يديها تفكر وتقرر في مكانه؟

 

علجية عيش

 

بكر السباتين"الكونغرس الفلسطيني الاقتصادي العالمي" ما بين الجديّة والعبث..

قبل الحديث عن الكونغرس الفلسطيني الاقتصادي العالمي لا بد من التنويه إلى أن الشعب الفلسطيني تعب من خفافيش الظلام التي تخرج عليه من رحم الأزمات ليكتشف هذا المغبون آخر المطاف بأنها مجرد هيئات أو منظمات لا تخرج عن نطاق ما يحاك حول القضية الفلسطينية من مؤامرات باتت تتلخص في صفقة القرن.

لذلك يجب ألاّ ينخدع الفلسطيني بالبريق الإعلامي لأي منظمة مستحدثة تبحث لنفسها عن موقع تمثيلي في العمق الشعبي الفلسطيني بدءاً من طرق أبوب المخيمات واستغلال ظروفها أو محاولة اختراق العقل الفلسطيني بإطلاق الوعود من أجل مستقبل مزدهر وحياة رغدة ومستويات معيشية عالية.. وكأن قضيتنا عبارة عن أزمة اقتصادية وإنسانية لا توجد لها أبعاد سياسية وقانونية، دون حديث تلك الجهات عن موقفها من الثوابت الفلسطينية في بياناتها الرسمية وميثاق العمل الذي يبرمج أعمالها ورؤيتها التي تنبعث منها الأهداف بكل مستوياتها.. تلك الثوابت الفلسطينية التي تقوم على مبدأ أن فلسطين تمثل المكان المركزي لحقوق الشعب الفلسطيني.. وهذا بحد ذاته سيسهل على الفلسطيني تقيم تلك الجهات المعنية حتى يدرجها في مكانها الصحيح.. فإما أن تمثل الواحدة منها مشروعاً وطنياً فلسطينياً حقيقياً، يكون من شأنه أن يسهم بفاعلية وبكل طاقاته المتاحة في إحياء منظمة التحرير الفلسطينية واستعادة ميثاقها الوطني من جديد، أو أنها تعتبر جزءاً خفياً من آليات تنفيذ صفقة القرن على المدى البعيد.. حيث تتجلى تلك الثوابت بالموقف من الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي الفلسطينية المحتلة وتنظيفها من المستوطنات، واعتماد خيار المقاومة إلى جانب النضال السياسي الحقيقي، وأن القدس الموحدة عاصمة أبدية لفلسطين.. والمطالبة الحثيثة بحق العودة وحماية الأونروا التي تمثل جزءاً من الهوية الفلسطينية حتى تحرير الأرض والإنسان، والمطالبة أيضاً بفك حصار غزة والتعامل مع القطاع كأرض فلسطينية محتلة أسوة بواقع الضفة الغربية..  ودعم المقاومة فيها بكل أشكالها المتاحة، وحماية سلاحها المقدس وتعزيز موقف مسيرات العودة الرمزية.. كذلك تعزيز روح المقاومة الإيجابية لدى الأجيال الفلسطينية المتعاقبة وعمل برامج مقاطعة اقتصادية من قبل الشركات الفلسطينية للكيان الإسرائيلي المحتل في إطار المقاومة الاقتصادية.. بحيث لا تسهم تلك المنظمة الطارئة في إخماد شعلة الثورة الكامنة في كل فلسطيني شريف، والتي تزداد جذوتها على وقع صاروخ ما تطلقه المقاومة من قطاع غزة نحو تل أبيب، أو بفعل عملية ناجحة ينفذها شاب فلسطيني أعزل مثلما فعل الشهيد عمر أبو ليلى الذي أعاد ملف القضية الفلسطينية إلى مكانته على صعيد عالمي وأوقد النهار في ليلنا المظلم الكئيب.

 وعليه ينبغي على الفلسطيني المستهدف من قبل تلك الهيئات أن يتوخى الحذر الشديد في قبول برامجها والتفاعل معها اجتماعياً وفكرياً قبل اتخاذه قرار الدخول في عضويتها أو رفضها.. لأن مبلغ الخطورة يكمن في عدد تنامي أعداد المنتسبين من الفلسطينيين إلى تلك الجهات المبهمة الأهداف ومن كافة المستويات، الأمر الذي سيكسبها شرعية قانونية، فتصول بيننا وتجول بعد ذلك دون رادع.

قبل أيام عرض علي أحد المثقفين فكرة الانضمام إلى الكونغرس الفلسطيني الاقتصادي العالمي.. الذي سجل كمنظمة فلسطينية أمريكية غير ربحية عام 1995 من أجل مساعدة الفلسطينيين في المجتمع الأمريكي، في تنسيق وتنظيم شؤونهم الثقافية والاجتماعية. واعتبارًا من يوليو 2008، أصبح لدى الكونغرس 21 فرعًا في مختلف المدن الأمريكية كما جاء في موقع إيلاف الإخباري.

ثم انطلق المشروع المسجل أمريكياً؛ لينفذ على نطاق عالمي، بجهود مؤسسه الدكتور عدنان مجلي ليغطي أماكن تواجد الفلسطينيين في إطار 140 جنسية عالمية.. وهو مشروع كنت قد تطرقت إلى فكرة مشابهة به منذ عشرة أعوام من خلال كتابي: "الفلسطينيون عصاميون في تجربة النماء عبر العالم" ولكن رؤيتي التي تضمنها الكتاب تقوم على الثوابت الفلسطينية وتعزيز الطاقة الاقتصادية الفلسطينية لدعم المقاومة بكل أشكالها من أجل خلق لوبي فلسطين عالمي متنفذ على اعتبار أن الشعب الفلسطيني لديه مقومات ذلك بكل اقتدار.. وتطرقت حينئذْ إلى التواجد الديمغرافي الفلسطيني وقدرته التنموية وثقله النوعي في ربوع العالم من خلال دراسة المئات من أبرز الشخصيات الفلسطينية ومشاريعهم الريادية الفاعلة وثقلهم المعنوي في كافة المجالات، وكان من بينهم الدكتور عدنان مجلي الذي لن أشكك في نواياه حتى لو اختلفت جذرياً مع مشروعه الذي لا أتوقع أن يكتب له النجاح لظروف موضوعية وفوق طاقته.. وجاء في كتابي أن "الدكتور عدنان مجلي طبيب فلسطيني نال جائزة رجل العام في الولايات المتحدة لعام 2008، وهو مؤسس ورئيس شركة (ترانز تك) المتخصصة في إجراء الأبحاث والاختبارات لاكتشاف دواء هام وفعال لعلاج مرض الزهايمر. ومن المفيد أن نذكر بأنه وفور الإعلان عن الاكتشاف الجديد RAGE ، وبعد مفاوضات طويلة تمكنت شركة (فايزر لصناعة الأدوية) من توقيع اتفاقية مع شركة (ترانز تك) بقيمة حوالي 155 مليون دولار حصلت بموجبها على الحقوق الكاملة لتصنيع وتسويق الدواء الجديد" (صوت العروبة).

وهذا يعني أن هذا العالم الفذ يتحرك من خلال خبرته الاقتصادية التي شكلت لديه رؤية استشرافية لتعزيز طاقات الفلسطينيين المهدورة عالمياً، وخاصة أنه صارع في أمريكا للحصول على مكانته المتميزة في ظل سيطرة اللوبي الصهيوني على القرار الأمريكي بكل تفاصيله؛ لذلك من الممكن اعتبار أن فكرة الكونغرس الفلسطيني الاقتصادي العالمي إيجابية لو ظلت مندرجة تحت عنوانها الاقتصادي رغم التحديات الكبيرة.. أما أن تتوسع في إطار منظمة فلسطينية تمثيلية شاملة الأهداف فهنا يستوجب ربطها عضوياً بالثوابت الفلسطينية التي تستهدفها صفقة القرن وتسعى لطمسها وإصابة الهوية الفلسطينية في مقتل. فموقع إيلاف لخص أهداف الكونغرس الفلسطيني الاقتصادي العالمي في "تجميع قوى الفلسطينيين في الخارج وفي الداخل الى جانب المؤسسات الفلسطينية وعلى رأسها منظمة التحرير الفلسطينية والرئاسة الفلسطينية".

ولو أمعنت النظر في هذا الهدف لوجدته إيجابياً فيما يتعلق بتجميع قوى الفلسطينيين ودعم منظمة التحرير الفلسطينية ولم يقل بأنه بديل عنها.. ولكنه مقابل ذلك ابتعد عن الثوابت الفلسطينية فيما يتعلق بدعمه للرئاسة الفلسطينية؛ لأن ذلك يعني تأييد هذا الكونغرس للسلطة الفلسطينية التي تعتبر من أخطر مخرجات أوسلو حيث تبين أنها وجدت لحماية أمن الكيان الإسرائيلي من خلال التنسيق الأمني.

في لقائه مع قناة دنيا الوطن الإخبارية تحدث الدكتور عدنان مجلي عن غزة باعتبار أنها مجرد منطقة منكوبة إنسانياً، وتشهد فقط كارثة إنسانية ويعاني شبابها من البطالة وقال بأن الحل يكمن في فتح أبواب التوظيف لهؤلاء الشباب دون الإشارة إلى جوهر الأزمة المتمثل بحصار القطاع من قبل الاحتلال الإسرائيلي وبمساهمة من مصر والسلطة الوطنية الفلسطينية للضغط عليها كي تتخلى المقاومة عن سلاحها النوعي وهذا يعد خروجاً عن ثابت مقاومة الشعب الفلسطيني للاحتلال، وربما تحرج مجلي من الخوض في التفاصيل كون القناة التي أجرت معه المقابلة موجودة في رام الله.

وأضاف بأنه يسعى من خلال الكونغرس الفلسطيني إلى رفع مستوى معيشة فلسطينيي الداخل في ظل اقتصاد مزدهر وكأن الضفة الغربية غير محتلة، حيث تجاهل الحديث عن جوهر القضية القائمة على الاحتلال الإسرائيلي غير الشرعي.. وفي سياق المقابلة أضاف مجلي بأن الكونغرس الفلسطيني يسعى إلى ربط الاقتصاد الفلسطيني بشبكة الاقتصاد العالمي الذي يتواجد فيه الفلسطينيون (كما ذكرت في كتابي أعلاه) من خلال شركات فلسطينية ممتدة عبر القارات من خلال 140 جنسية تكون قادرة على دعم الإنسان الفلسطيني وتثبيته على أرضه. وهذا في الظروف الطبيعية، ولكن في حال القضية الفلسطينية ألا يعد هذا الطرح تكراراً لأهداف صفقة القرن حتى لو افترضنا حسن النية في ذلك.

إن حديث مجلي (العام) دون الخوض في الآليات والتفاصيل وما قد يواجه الكونغرس من تحديات، حول اعتماد الشعب الفلسطيني على نفسه للارتقاء بالاقتصاد الفلسطيني من خلال تنمية مستدامة في القطاعات العشر، وتعزيز الشراكة الفلسطينية بين الداخل والخارج، يعتبر كل ذلك أمراً حيوياً. ولكن في واقع الأمر هل سينجح الأمر دون تحرير الأرض الفلسطينية من نير الاحتلال وفق قرارات الأمم المتحدة المتعاقبة منذ القرار 242.. أو حتى بالقوة!! لأن العلاقة الفلسطينية مع الاحتلال باتت عضوية وفق سياسة الأمر الواقع التي يروج لها القائمون على صفقة القرن، وأي حديث خارج الثوابت الفلسطينية سيقدم الدعم المفتوح إلى تلك الصفقة المشؤومة.. أما فيما يتعلق بالانقسام الفلسطيني الداخلي فقد دعا مجلي إلى قيام حكومة إنقاذ وطني منتخبة وهذا بحد ذاته دخول في السياسة حيث يناقض مجلي نفسه بعد أن قال بأن علاقته مع السلطة وحماس جيدة؛ لكنه ذهب بعد ذلك إلى أن الكونغرس الفلسطيني لا يتدخل في السياسة!! لأن هدفه تنموي واقتصادي فقط.. وهذا بالطبع خروج عن المألوف لأن الاقتصاد يشكل عصب السياسة.. صحيح أنني اعتذرت لصديقي عن قبول عرضه في الانضمام إلى الكونغرس الفلسطيني الاقتصادي العالمي، بذريعة أنني أفضل أن أبقى في مربع الناقد الإيجابي دون التزام جهوي.. وعلى اعتبار أن الكونغرس الفلسطيني لم يتحرر بعد من كنف الغموض..  لذلك على الدكتور عدنان مجلي أن يحدد موقفه الرسمي من الثوابت الفلسطينية أعلاه، وينبغي في سياق ذلك عقد ندوات مفتوحة يشارك فيها خبراء فلسطينيون لمناقشة الممكن والمستحيل في هذا المشروع بعيداً عن التجاذبات الداخلية والخارجية.. وليس على الفينيق الفلسطيني إذا خَرَجَ إلاّ أن يقولَ كلمته العليا وفق ثوابت الحق الفلسطيني المكفول دولياً.. لأن إرادة الشعوب أخيراً هي القول الفصل، وتظل آخر المطاف مرتهنة إلى النوايا في عالم يعاني من أزمة الضمير.. 

 

بقلم بكر السباتين 

 

 

حسن العاصيتنظر الأديان للسحر باعتباره تطاولا على الله وتحدياً لمقدرته، لأنه يدفع باختراق النظام الكوني الذي خلقه الله، ويستعين بالشيطان وبالجن الأشرار المتمردين على الله. فاليهود يعتبرون الجن هم ظلال وأشباح للأجسام البشرية، فيما اللاهوت المسيحي يؤمن أن لا وجود فعلي للجن إلا في الجنون، فقد ظهر فقط في رؤيا يوحنا. أما في الفكر الإسلامي فللجن حضور واضح في القرآن الكريم والكتب الإسلامية. والجن موجود لدى جميع الديانات والمعتقدات، مثل الهندوسية والمندائية. والاعتقاد بالسحر راسخ في القدم، حيث طالما اعتبرت الكثير من الحضارات مثل الحضارة اليونانية والمصرية والصينية، أن الأمراض التي تصيب الإنسان أو الجنون أو الكوارث الطبيعية هي من فعل الجن.

انتشر السحر في كل مكان من بقاع الأرض. بقارة آسيا في إيران والهند والصين وكوريا. وفي أفريقيا انتشر بمعظم الدول تقريباً. الولايات المتحدة وأوروبا ليسوا استثناءًا، ففيهما انتشر كثير من السحر في أمريكا وبريطانيا والدانمرك وروسيا وألمانيا وغيرها من الدول. في مصر بالعصر الفاطمي انتشرت الشعوذة كثيراً، وظهرت شريحة من السحرة والدراويش. في نيجيريا يتفشى اعتقاد لدى العامة أن السحرة بإمكانهم التأثير على كل شيء. في المغرب ترسخت ثقافة السحر عبر قرون، وتعود هذه الثقافة إلى فترة ما قبل الإسلام، حتى أصبح الناس يظنون أن السحرة في المغرب هم الأقدر. في شبه الجزيرة العربية شاع السحر قبل الإسلام، وكان الناس يظنون أن الأنبياء ما هم سوى سحرة. في السودان ذاكرة مشبعة بثقافة السحر الذي امتد إلى كافة مناحي الحياة.

في سبيل تحقيق أهدافه سلك الإنسان دروب المستحيل، مستعيناً بما هو غير مألوف لأن الغاية هي بلوغ الأهداف، فلجأ إلى السحر. فقد كان المستقبل مجهولاً بالنسبة له، والقوة التي تمتلكها الطبيعة عاجزة عن تحقيق ما يتطلع له. كان يريد تبديد العوائق التي تعترض سبيل أغراضه، وكانت تلك مهمة السحر.

عقيدة السحر

لجأ الإنسان قديماُ إلى السحر مراراً وتكراراً، خشية من الغيبيات ولعجزه عن فهم الظواهر الطبيعية. واستعمل السحر لحماية ذاته وعائلته من الأمراض، وكذلك لدرء الكوارث وجلب الحظ. كان للسحرة مكانة اجتماعية هامة جداً، خاصة البارعون منهم. وكانوا بمثابة قوة خفية تساعد الناس على تفسير الغيب غير المفهوم، وكذلك رؤية المستقبل البعيد. وفي مراحل تاريخية ما قبل الميلاد أصبح السحرة كهنة، وصار لديهم عقيدة وتحول السحر إلى علم يمارس يومياً. تعززت مكانة الساحر/الكاهن وأصبح يتخذ قرارات مصيرية لجماعته متعلقة بالحرب والسلم، الانتصار أو الهزيمة، السعادة أو البؤس، المرض أو الصحة، الولادة أو الموت، الولاء أو الخيانة، وسواها من أمور الحياة. ثم تحول الكهنة إلى ما يشبه الدعاة إلى اعتناق فكر أو دين أو مذهب محدد، وبالتالي اكتملت الصورة الكاريزمية للكهنة الذين خلطوا السحر بالكهنوت بالفكر.

في العصور الحديثة تحول عدد كبير من السياسيين إلى سحرة وكهنوتيين، يخاتلون ويخدعون الناس ويدغدغون مشاعرهم عبر خطابات تحمل أبعاداً أيديولوجية دينية أو فكرية بهدف تحقيق المصالح السياسية. لقد اختبرت البشرية الكثير من السحرة السياسيين مثل "أدولف هتلر" و"بينيتو موسوليني" اللذان تمكنا عبر الشعوذة السياسية التأثير العقائدي على شعوبهم، ومن ثم جرهم وجر بعض شعوب العالم نحو الكوارث التي كبدتهم خسائر مادية وبشرية هائلة. تكرر المشهد في عدد من الديكتاتوريات العربية وفي أمريكا اللاتينية. فكيف تنجر الجماهير مثل القطيع خلف أشخاص يمتلكون هذا النوع من الكهنوت السياسي، ولماذا تصاب بصيرة الناس بالعماء الذي يحول دونهم والحقيقة.

ما يحصل اليوم في كثير من الأماكن، خاصة في العالم العربي وشرق الأوسط، ما هو إلا نوع من أنواع الكهنوت السياسي والشعوذة الفكرية، جعلت معظم الشعوب العربية تنقاد صاغرة إلى مصير مجهول، تحدد معالمه أطماع السحرة السياسيين.

الكهنوت الغربي

كثيرون من قادة الدول والأحزاب والمنظمات استعانوا بالسحرة والمنجمين لمعرفة صحة خطواتهم ومواقفهم، ومحاربة المتربصين بهم. من أبرز هذه الأسماء في الغرب الرئيس الفرنسي السابق "فرانسوا ميتران" الذي كان يأخذ بنصائح أشهر منجمات فرنسا "إليزابيث تيسييه"، وكان يستشيرها في اجتماعه الأسبوعي معها، في كافة أمور الحكم ومنها تعيين رئيس الوزراء. حتى أن ميتران سأل عشرة منجمين عن شخصية الرئيس العراقي السابق "صدام حسين" بعد احتلاله للكويت.

الرئيس الأمريكي السابق "جورج بوش" الأب استشار العرافة "كريستين داغوي" في تحديد موعد بدء عملية "عاصفة الصحراء" لتحرير الكويت. أيضاً الرئيس الأمريكي السابق "رونالد ريغان" ربطته علاقات قوية بالكثير من السحرة والمنجمين، وعين ثلاثة منهم مستشارين له في البيت الأبيض. الرئيس الأمريكي السابق "جيمي كارتر" اعترف أن عرافة مصرية تنبأت له بالرئاسة من ستينيات القرن العشرين.

الرئيس السريلانكي السابق "ماهيندا راجاباكسا" دعا إلى انتخابات مبكرة في العام 2015 بناء على نصيحة من عرّافه الخاص، لكنه خسر في الانتخابات، مما دفع بالعراف المشعوذ للهرب.

الرئيس البورمي السابق "تان شوى" كان مصاباً بهوس السحر وأعمال الشعوذة، فقام بنقل العاصمة من مدينة "يانجون" إلى قرية "نيبيدوا" التي لا تتوفر على المياه والكهرباء، فقط لأن المنجمين أخبروه أن حكومته سوف تسقط إلى لم يقم بنقل العاصمة.

كما أن الرئيس الفرنسي السابق "نيكولا ساركوزي" وزوجته عارضة الأزياء الشهيرة "كارلا بروني" كانا يتعاملان مع العرافات والمنجمين، وكان ساركوزي يستشير المشعوذين حول علاقاته مع بعض النساء.

حتى الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" يستعين بالسحرة لإدارة دفة الحكم، فقد ذكرت صحيفة "ذا صن" البريطانية أن مجموعة كبيرة من الساحرات الروسيات اجتمعن في موسكو بناء على طلب من الرئيس، من أجل مساعدته على هزيمة أعدائه والذين يكرهون روسيا.

أما في كوريا، بعد التحسن النسبي في العلاقات بين الكوريتين، قامت كوريا الجنوبية بدعوة عدد من سحرة كوريا الشمالية، للمشاركة في مسابقة دولية استضافتها مدينة "بوسان".

رئيس "هايتي" السابق الديكتاتور المخلوع "جان كلود" الذي توفي عام 20014 في منفاه، بنى مملكة سيئة السمعة اشتهرت بالفساد وانتهاك حقوق الإنسان، في أفقر بلد بنصف الكرة الغربي. هذا الرجل الذي ورث الحم عن أبيه وكان عمره 19 عاماً، كان يعاني من الهوس بالسحر والشعوذة. امتلك مجموعة من كبار السحرة الذين يحضّرون ما يسمى السحر الأسود، للسيطرة على الرعية والأتباع، وكان يطلق على رجال أجهزته الأمنية السحرة المتنقلون.

حتى أن السحر دخل ميدان الاحتجاجات السياسية. تم استخدام السحر وسيلة لاستهداف قادة سياسيين للاحتجاج على مواقفهم. في العام المنصرم قامت مجموعة من ساحرات نيويورك بتشكيل حلقة طقوس كان الهدف منها الانتقام من "بريت كافانو" الذي عينه الكونغرس الأمريكي رئيساً للمحكمة العليا، بالرغم من اللغط الذي أثير حول تورطه بقضايا تحرش جنسي ضد النساء. وصنعت الساحرات تعويذة كي يفشل القاضي بمهامه. نفس النساء استهدفن الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" بتعويذة لرفض سياساته.

في بداية أربعينيات القرن العشرين، تجمع عدد من الساحرات البريطانيات لصنع تعويذة لعنة تستهدف أدولف هتلر". وفي أواسط الستينيات خلال الحرب الأمريكية على فيتنام، حاول عدد من المتظاهرين الأمريكان محاصرة مبنى وزارة الدفاع الأمريكية لإقامة طقس سحري، كانت غايته أن يقتلع المبنى ويدفعه نحو السماء. رئيس جنوب أفريقيا السابق "جاموب زوما" اعترف بمذكراته أنه كان يمارس السحر ضد السكان البيض خلال فترة حكم الفصل العنصري.

الشعوذة العربية

في المشهد العربي الصورة كارثية. بعصر الثورة المعلوماتية تنتشر بمعظم الدول العربية ثقافة السحر والشعوذة، وتجد شرائح اجتماعية واسعة لديها إيمان مطلق بالغيبيات، حيث يسود هذا الاعتقاد ليس فقط بين أوساط الفئات الفقيرة الأقل وعياً وتعليماً، إنما دخل السحر إلى القصور الرئاسية في بعض الدول العربية، وإلى مكاتب الوزراء والمدراء العامين، الذين يصدقون أن للسحرة والمشعوذين قوة خفية عظيمة تمكنهم من الحفاظ على مواقعهم، وتدحر أعمال الخصوم. من أجل هذا تزدهر أسواق السحر والسحرة والدجل والشعوذة في العديد من الدول العربية والأفريقية.

معظم رجال نظام الرئيس المصري الراحل "جمال عبد الناصر" كانوا مفتونين بالسحر والجن، وهو ما دفع عبد الناصر نفسه كي يشير إلى صحافة الغيبيات، في الخطاب الذي ألقاه بمناسبة تأميم الصحافة، وكان يقصد بذلك المقالات التي كان يكتبها عدد من كبار الصحفيين والكتّاب عن جلسات تحضير الأرواح.

يذكر "رياض المالكي" وزير الثقافة والإرشاء القومي للإقليم الشمالي "سوريا" في حكومة الجمهورية العربية المتحدة 1958 "حكومة الوحدة" بين مصر وسوريا، في ذكرياته، أن بعض الوزراء المصريين في دولة الوحدة كانوا يقيمون جلسات تحضير الأرواح في القاهرة، مع عدد من الوزراء السوريين. وأضاف أن الجميع كان مؤمناً أن هذه قضية "علمية" لا شك في جديتها تسهم في إيجاد حلول لكثير من العقد المستعصية في شؤون الحكم.

في العام 1971 على أثر قيام الرئيس المصري الراحل "أنور السادات" بما سمي انقلاب القصر ضد رجال عبد الناصر، نشرت الصحف المصرية مقالاً صادماً كتبه "محمد حسنين هيكل" تناول انشغال كبار معاوني عبد الناصر بقضايا الشعوذة والسحر لاكتشاف مستقبلهم السياسي، وعن كيفية التصرف مع السادات. ليس هذا فقط. الكارثة أن رجال عبد الناصر كانوا يعقدون جلسات سحر وتحضير أرواح بهدف تحرير سيناء من الاحتلال الإسرائيلي. الرئيس السادات حصل على أشرطة لهذه الجلسات قامت بتسجيلها الأجهزة الأمنية المصرية، ثم أرسلها لهيكل الذي نصحه الأديب "توفيق الحكيم، بعدم نشرها، لأنه لو فعل لاتهم بالجنون.

الرئيس عبد الناصر ذاته كان مهتماً بالدجل والسحر كما ذكر الصحفي المصري "حلمي سلام". والسادات كان يستخدم الشعوذة كي يتقرب من عبد الناصر. وأشار حلمي أن الجلسات كانت تعقد في منزل المشير " عبد الحكيم عامر".

أحد الضباط الأحرار، والمستشار السياسي لعبد الناصر، ونائب رئيس وزراء بعهد السادات، اسمه "حسن التهامي" كان إنساناً متديناَ ومستقيماَ، انقلب لاحقاً وتحول إلى مشعوذ، وأخبر الجميع أن الحجاب كشف عنه. سافر هذا الرجل مع السادات للتوقيع على اتفاقية كامب ديفيد. قيل إنه أمضى ليلة كاملة وهو يتصل بالسماء، وتلقى رسالة سماوية أبلغته أن السادات على الطريق الصحيح يسير.

الرئيس السوداني السابق "جعفر النميري" الذي قام بإعدام قيادة الحزب الشيوعي السوداني، واغتال زعيم الحزب الجمهوري، وقصف بالطائرات الحربية أنصار الإمام المهدي واعتقل كافة رموز الحراك السياسي، كان مفتوناً بالسحر والتنجيم وقراء الطالع. وكلما سمع باسم ساحر أو ساحرة أحضروها إلى القصر الرئاسي لقراءة طالعه، ولمعرفة مصيره في الحكم. هذه الهواجس التي تلبست النميري كانت نتيجة بطشه واستبداده وكثرة خصومه. حتى بعد الانتفاضة التي أطاحت بحكمه العام 1985 لجأ إلى القاهرة، دفع ملايين الدولارات للسحرة كي يعود إلى السلطة، لكنه لم يعود.

أحد المشعوذين السودانيين تنبأ للرئيس السوداني الحالي عمر البشير، الذي وصل إلى الحكم العام 1989، أنه سيحكم السودان 31 عاماً و25 يوماً.

الرئيس المصري السابق "حسني مبارك" كان لديه عرّافة رئاسية، كثيراً ما يستمع إلى ما تقوله، حيث كانت قد أخبرته بحضور "سوزان مبارك" أنه عائلته سوف تحكم مصر، ونصحته بتوريث الحكم للابن.

علاقة مبارك مع السحر والشعوذة قديمة بدأت منذ كان ضابطاً في السودان بنهاية الخمسينيات من القرن العشرين. هناك التقى مبارك بساحر سوداني أخره أنه سيصبح رئيساً. بعد تعيينه نائباً للرئيس السادات، رصدت الأجهزة الأمنية المصرية تردد حسني مبارك كثيراً على إحدى الشقق في مصر الجديدة، ليتضح بعدها أنه كان يزور إحدى العرافات المصريات الشهيرات، وتبين لأجهزة الأمن أن هذه السيدة تسافر بطائرات خاصة يرسلها أمراء وأثرياء عرب كي تقوم بقراءة الطالع لهم.

الدجل السياسي

الأمة العربية ابتليت بأحزاب قومية عوراء، ويسارية حولاء، وقوى مذهبية وطائفية تعاني ارتجاجاً دماغياً، كافة هذه الأطر والجماعات تعاني من جمود عقائدي وفكري وفلسفي، في عالم غير ثابت ويشهد تحولات ومتغيرات متتالية. هذا التمترس الفكري خلف نظريات ورؤى لم يعد لها وجود إلا في خطابات تلك القوى التي تسببت في شقاء الشعوب العربية. ومن أكثر المواقف التي تثير جدلاً لدى هؤلاء، أن كل دولة أو حزباً أو هيئة أو جماعة أو فرداً يقترب من السياسة الغربية في أي شأن كان فهو عميل وخائن وذيل للإمبريالية. وكل طرف يتساوق مع السياسة الروسية ويشد الرحال إلى موسكو هو وطني وتقدمي. هنا لا تستطيع القوى القومية واليسارية العربية أن تدرك أن من يصنع السياسة الروسية هم المافيات الاقتصادية والرأسمال المالي، ولا يصنعها "تشي جيفارا" شأنها في ذلك شأن صناع السياسة الغربية، ولا تختلف عنهم في شيء. إن هدف السياسة الروسية توسيع مناطق نفوذها لبسط السيطرة السياسية لتحقيق الغايات الاقتصادية، وهي تقوم بالتنسيق مع الغرب ومع الولايات المتحدة، ومع إسرائيل أيضاً في الكثير من المواقف والقضايا التي تهم منطقة الشرق الأوسط، والتي تمس المصالح والأمن القومي العربي بشكل مباشر. الفاجعة هو أن الأنظمة العربية التي تتدعي العداء للإمبريالية تسعى نحو التقرب من الولايات المتحدة، وحين ترفض الأخيرة، تقوم الدول القومية العربية بطلب التوسط لدى الإدارة الأمريكية، من دولة عربية أخرى تكون عادة متهمة بأنها دولة رجعية امبريالية. هذا يظهر عمق الأزمة والعهر السياسي لتلك الدول والأحزاب القومية واليسارية، التي لديها مقياس مراوغ للوطنية والعمالة، وهي أول من يخترقه.

إن الشعوب العربية قد أصيبت بالتخمة من الخطابات الثورية والمواقف الانفعالية والشعارات الرنانة لمعظم الأنظمة العربية وقادتها، وغالبية الأحزاب اليسارية والقومية، ولم تعد الكاريزما السياسية لأي زعيم عربي قادرة على التأثير في قناعات الناس، رغم أن الأنظمة العربية لا تكل ولا تمل من ممارسة أنواع ومستويات متعددة من السحر السياسي الموجه للجماهير الشعبية، بهدف التنفيس عن الاحتقان المزمن الذي أصاب غالبية الشعوب العربية.

ما يؤلم حقاً أن هذه الأنظمة العربية تزاود بمواقفها على حساب قضايا الأمة الهامة ومستقبلها، وخاصة قضية الشعب الفلسطيني وتقوم بالمتاجرة بعذاباته، دون حتى أن تكلف نفسها مشقة سؤال الفلسطينيين إن كانوا يريدون الحياة أم الاستشهاد، وينسون أن الشعب الفلسطيني صاحب أعدل وأقدس قضية عرفتها البشرية، قد أدرك الدرس جيداً بشكل مبكر، وخرج من معابد هؤلاء الكهنة السياسيين، وأن نضالاته وتضحياته لا يمكن أن يشطبها خطاب ناري من زعيم عربي، ولا أن يزيدها فخراً

السحر السياسي

تنتعش أسواق الدجل في بعض المجتمعات الأفريقية والعربية وسواها، ويصبح كثير من المسؤولين الحكوميين مصابين بهوس السحر والدجل. ويزداد الطلب على الشعوذة خلال الأزمات السياسية والاجتماعية والكوارث الطبيعية. فتلجأ كثير من الشخصيات النافذة في هذه الدول من وزراء ومدراء بنوك وشركات ورجال أعمال وفنانين وشخصيات عامة إلى شيوخ السحر. غاية هؤلاء إما طلب العون لكف يد السلطات التي تلاحقهم عادة بتهم الفساد المالي والإداري والرشاوي والاختلاس، وإما رد كيد المتربصين لهم من حسّاد وأعداء.

ويتوافد السياسيين في هذه الدول على معابد السحرة والدجالين دورياً، ويستعينون بخدماتهم خاصة في فترة الاضطرابات السياسية والاجتماعية والأمنية والانقلابات العسكرية.

التكوين العلمي والمعرفي الضحل، والبنية النفسية الضعيفة، نقص الثقة بالنفس، وغياب مهارات التواصل، عدم وجود ميزة الحضور والشخصية الكاريزمية لمعظم قادة العالمين العربي والأفريقي، إضافة إلى إدمانهم ممارسة السلطة، والتمسك المرضي بكرسي الحكم، يجعلهم يهرعون للسحرة والدجالين خوفاً من فقدان المنصب وضياع الامتيازات التي يوفرها.

ينسى معظم الزعماء والقادة العرب وسواهم المصابون بجنون العظمة، العدو الحقيقي ويتوهمون أعداءًا بسبب الذهان السياسي، ويصرفون على البارانويا السياسية أموالاً طائلة. لا تستغربون الاستقالات أو الإقالات المفاجئة التي تحصل في الدوائر العليا في بلد ما، فقد يكون خلفها سحرة ومشعوذين، بات حضورهم في دوائر القرار يتسع، بل أصبحوا هم الحكام الفعليين.

من مشرقه لمغربه

إن الخرافات والأساطير تجد صدىً عند العقل العربي، ولا أكون مبالغاً لو ذكرت أن معظم الشعوب العربية بكافة شرائحها الاجتماعية وتنوعها الاقتصادي والتعليمي، إلا وتجد في وعيهم شيء من الخزعبلات تختزنها الذاكرة الموروثة. في الواقع إن لكل أيديولوجية أدوات خرافية توظفها الأنظمة والحكام للحفاظ على طاعة الرعية، وعدم انفلاتهم من السلطة المركزية. فنجد لكل قطيع راع يسعى لتآلفه الداخلي.

يعود افتنان الناس بالسحر والأسرار لرغبتهم الدفينة في معرفة القدر والمستقبل. فيحصلون على هذه المعلومات من السحرة والمشعوذين لقاء أموال طائلة. حيث جاء في تقرير نشرته صحيفة المدينة السعودية في العام 2014 أن العرب ينفقون ما قيمته 7,5 مليار دولار سنوياً لقضايا ترتبط بالسحر والتنجيم وقراء الطالع، وفك السحر الأسود، وجلب المصلحة، وإحداث ضرر بالآخرين.

حين تعصف بالناس المصائب ويمرون بظروف كارثية كما يحصل في البلاد العربية، يلجأ البشر حينها إلى كل ما هو روحاني وغيبي، لذلك تماماً تتسع في بلادنا أكثر من سواها، ظواهر السحر والدجل والشعوذة قراءة الطالع والفنجان والكف وورق اللعب وغيرها. وترى السحرة والمنجمين ينتشرون للاحتيال على الناس البسطاء الذين ينتظرون أي بارقة من الأمل يتمسكون بها، حتى لو كانت كذباً وخداعاً، علها تزيل كربهم وتداوي الضنك. إن الغالبية العظمى من معتقدي السحر هم من الناس الذين يعجزون عن إيجاد تفسير علمي لبعض الحالات التي لا يتمكن العلم والطب من فهمها وعلاجها، فيلجؤون إلى الشعوذة والدجل.

لا تتوفر بيانات ولا أرقام بحثية حول انتشار السحر عربياً، لكن في البحث وجدت دراسة يتيمة أصدرها المركز القومي للبحوث والدراسات الجنائية المصري، تفيد أن في مصر يوجد حوالي 300 ألف ساحر يقومون بتحضير الأرواح، و300 ألف مشعوذ يدعون أنهم قادرين على علاج المرضى والممسوسين بالجان، عن طريق القرآن والإنجيل. وأن هناك دجالاً واحداً لكل 120 مواطناً مصرياً. وما يزيد عن 50 بالمائة من النساء المصريات يؤمن بالسحر والشعوذة، وهن دائمات التردد على الدجالين. وحوالي 40 بالمائة من المثقفين من الجنسين لهم علاقة بأعمال السحر والتنجيم والشعوذة.

في المغرب تنتشر "الشوافات" و"الفقهاء" في كافة الأحياء والمدن. وهناك يمارس ما يمكن أن نسميهم أباطرة السحر الأسود أفعال الشعوذة وترويض الجن بشكل احترافي، بعضهم يفضل العيش في قرة صغيرة بعيداً عن أعين الأجهزة الأمنية، ويمتهنون الإمامة، ومنهم من يعيش في المدن الكبيرة بأرقى الأحياء. سحرة مغاربة وأفارقة يتحكمون بالعوالم السفلية في مدن كثيرة أهمها، الدار البيضاء، الرباط، مراكش، ومدينة الصويرة التي يعيش فيها أشهر ساحر يهودي في العالم، هو الحاخام "حاييم أزلغوط"

للسحر في المغرب خارطة تحدد أنواعه وشيوخه. فمن سحر "الخدمة، التهييج، التقاف، التراجيم، طي الأرض، الإخفاء" الذي يقوم به الفقهاء المغاربة، إلى سحر "الكبالا" ويمارسه الحاخامات اليهود المغاربة، وسحر "الفودو" الأفريقي وهو الأخطر، الذي يشتغل به بعض الأفارقة المقيمين في المغرب، حتى لسحرة الخليج وخاصة العمانيون مكاناُ هناك.

دساتير الجان

في العالم العربي الشقي لا شيء يبدو منطقياً، حتى السياسة تظهر كأنها نوع من الفانتازيا الكوميدية، يتقدم القائد فيها على أنه يجيد فعل كل شيء، بدءًا من قيادة دراجة هوائية، إلى الركوب فوق ظهر شعب كامل طوال عقود. هذه البهلوانية التي تشكل سمة هؤلاء السياسيين، يبدو الخيال معها قاصراً عن الإلمام بحقيقتها، وعن إدراك حقيقة عوالم الجن والسحر وتحضير الأرواح في السياسة، التي باتت شيئاً عادياً ومقبولاً، لعل الكشف عن بعضها-كما فعلنا هنا- يعطينا بعض الدلائل عن سؤال تخلفنا الحضاري.

الأمر الملفت، أنه في العصر الذي نشهد فيه قفزات علمية هائلة في مختلف ميادين الحياة، فإننا في ذات الوقت نلاحظ عودة لأعمال السحر وللخرافة والشعوذة.

نحتاج في المنطقة العربية إلى تفكيك الكثير من جدران المناخات الثقافية والفكرية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية السائدة في معظم الأنظمة العربية، بهدف تحقيق بعض التغيرات تفضي إلى الخروج من مستنقع الفكر الغيبي الأسطوري، والمضي نحو دروب العلم والعقل والمعرفة والتكنولوجيا، والتعامل مع معطيات القرن الحادي والعشرين بقدر أعلى من العقل والثقة، لكي نتمكن من بناء أجيال وشعوب لا تستمرئ الذل والخضوع.

لم يغيب الجن والسحر والشعوذة من المطبخ السياسي العربي، ولا تتم مقاربة الأحداث الهامة الكبرى دون اللجوء إلى تحضير الأرواح والكهنوت السياسي. وهكذا أصبحت كتب السحر والجن والطلاسم "البيان في علم الكهان" و"الجان الأحمر للزعيم الأفخر" دساتيراً للأنظمة العربية، والمجلد الرابع " السر السابع للشعب الخاشع" مرجعياتهم الفلسفية.

 

حسن العاصي

كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدانمرك

 

ابراهيم أبراشما يجري في القطاع وعلى حدوده الشمالية مع إسرائيل والجنوبية مع مصر: تصعيد عسكري إسرائيلي، مفاوضات حول هدنة طويلة المدى، سيطرة حماس على المعابر الحدودية، استبعاد منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني عما يجري، مسيرات على الحدود تحت مسمى (مسيرات العودة)، إفقار مبرمج لأهالي القطاع الخ، كلها أمور مرتبطة مع بعضها البعض تُشير إلى تهيئة لعملية أو صفقة كبرى .

لو كانت المفاوضات غير المباشرة وربما المباشرة ما بين حركة حماس وإسرائيل تدور حول مجرد تهدئة ما كان الأمر يثير أي قلق، ولكننا أمام مفاوضات متعددة الأطراف حول هدنة تتجاوز المفهوم العسكري المحض وتنزلق لموضوعات سياسية تمس قضايا مصيرية لمجمل القضية الفلسطينية وتتجاوز بكثير تحسين الوضع الإنساني في قطاع غزة .

حتى مسيرات العودة، التي تغير مسماها لمسيرات العودة وكسر الحصار وتداخلها مع ذكرى يوم الأرض، تم تفريغها من فكرتها الأولى لتصبح ورقة مساومة في صفقة هدنة مذلة . فخلال مسيرات (حق العودة) على الحدود طوال عام وهي المسيرات التي أدت بحياة أكثر من 260 شهيد وآلاف الجرحى وحتى اثناء المسيرة الكبرى في الثلاثين من مارس، لم تتوقف المفاوضات المباشرة وغير المباشرة بين حركة حماس والوفد الأمني المصري وميلادينوف ممثل الأمم المتحدة ودولة قطر وإسرائيل، وطوال المفاوضات لم يتم التطرق لحق العودة على لسان أحد وكان كل الحديث يدور حول الهدنة ووقف المسيرات على الحدود مقابل مساعدات مالية واقتصادية لقطاع غزة ولحركة حماس !!!.

بالرغم من استمرار حركة حماس برفع شعار عدم الاعتراف بإسرائيل وشعار المقاومة واستمرار حالة من الاشتباك العسكري المحسوب بدقة على حدود القطاع، إلا أن ما يجري من مفاوضات غير مباشرة بينها وبين إسرائيل تحت عنوان التهدئة سيجر حركة حماس وفصائل المقاومة في قطاع غزة، بوعي من قيادات أو تيار في حركة حماس وربما بدون وعي من القوى السياسية الأخرى، لمربع فصل غزة عن الضفة مما يعني تحييد قطاع غزة عن الصراع مع إسرائيل وترك الضفة والقدس للاحتلال وتجاهل فلسطينيي الشتات وحق العودة، مقابل بعض المساعدات من وقود وغذاء وتحسين ساعات الكهرباء وبضعة ملايين لرواتب موظفي حماس لأشهر معدودة، ووعود بعيدة المدى بتسهيلات أخرى كالميناء والمطار ورفع الحصار، وهي وعود لن تنَفذ إلا بثمن أكثر فداحة وإذلالا كتجريد القطاع نهائيا من السلاح الذي تزعم إسرائيل أنه يهدد أمنها وتكريس فصل غزة عن بقية الوطن .

قد يتساءل البعض لماذا التشكيك بتهدئة تتفاوض عليها الفصائل الفلسطينية وقد سبق للرئيس الراحل أبو عمار أن طالب بها كما كانت مطلبا للرئيس أبو مازن ؟وهل المطلوب استمرار إسرائيل بقتل الفلسطينيين وتدمير بيوتهم في قطاع غزة ؟ولماذا التشكيك بتهدئة قد ترفع الحصار عن قطاع غزة ؟ .

لن تعوز الذين باتوا اليوم من أشد الداعين للهدنة مع العدو الأدلة والبراهين من النصوص الدينية وحتى من القانون الدولي والشرعية الدولية لدعم موقفهم بعد أن كانوا سابقا يكَفِرون ويخَوِّنون الداعين لها، كما أنهم سيفسرون ما نقوله وكأنه تشكيك بالمقاومة وبمسيرات العودة وبأننا ننحاز لطرف على حساب طرف آخر .

العقل والمنطق يستدعي تفحص السبب في سعي حركة حماس في غزة لهدنة الآن وكانت ترفضها سابقا، وخصوصا أن الشعب الفلسطيني لم يُنجز شيئا من مشروعه الوطني بل تراجع هذا المشروع كثيرا بعد فشل عملية التسوية وتكثيف إسرائيل لعمليات الاستيطان والتهويد وإعلان القدس عاصمة لإسرائيل والحراك الأمريكي لفرض تسوية تتعارض كليا مع مصالح الشعب الفلسطيني، ومحاصرة السلطة الوطنية ومحاولة تقويضها في الضفة الغربية الخ، وبالتأكيد تتحمل منظمة التحرير وحركة فتح جزءا من المسؤولية عما آلت إليه الأمور، وفي نفس الوقت فإن الذين ناوءوا المنضمة ونهجها التفاوضي ورفعوا شعار المقاومة بديل عن نهج التسوية والمفاوضات فشلوا أيضا في تحقيق ما فشل فيه الفريق الأول بل حتى في تحقيق الحد الأدنى مما وعدوا به الشعب .

ولمزيد من تحكيم العقل والمنطق نتساءل ومن حق كل وطني فلسطيني وكل عربي ومسلم مؤمن بالحرية وبعدالة القضية أن يتساءل، هل قطاع غزة كيان مستقل قائم بذاته، وبالتالي يجوز لحركة حماس المسيطِرة عليه بالقوة العسكرية الاتفاق على هدنة مع إسرائيل بمعزل عما يجري في الضفة والقدس ولا نريد القول بما يجري في فلسطين 48 التي قامت الثورة الفلسطينية بداية من أجل تحريرها ؟أليست الضفة والقدس محتلتان والعدوان متواصل هناك بشكل أبشع مما يجري في غزة ؟وكيف لحركات تسمي نفسها حركات مقاومة أن توقف المقاومة والجهاد بينما كل فلسطين محتلة والقدس تُهَوَد وتُدَنس ؟وهل حلت غزة محل فلسطين ؟وهل خرجت غزة من ساحة المواجهة مع العدو وهي التي كانت تاريخيا شوكة في خاصرة العدو؟.

إن كانت حركة حماس تعمل على إنجاح مشروعها الإخواني لإقامة إقليم –قاعدة في قطاع غزة بعد فصله عن بقية فلسطين ليكون نواة دولة الخلافة المنشودة وهو الأمر الذي يعتبره الوطنيون هزيمة لمشروعهم الوطني فيما تعتبره حركة حماس انتصارا لمشروعها الإخواني، وإن كانت حركة الجهاد الإسلامي تتقاطع مع حركة حماس حتى الآن، إلا أنه من غير المفهوم موقف الفصائل الوطنية في قطاع غزة حيث موقفها مثير للحيرة ويبدو أنها في حالة إرباك ما بين غضب على حركة فتح والسلطة تراكم عبر السنين وتحالف ميداني مع حركة حماس تقول إنه تكتيكي وفرضته خصوصية الحالة في قطاع غزة .

في الوقت الذي تصطف فيه هذه الأحزاب مع حركة حماس في قتال إسرائيل إلا أنها غير متوافقة معها في مشروعها الإخواني ولا ندري موقفها من دولة غزة، لذا مطلوب منها أن تحدد موقفها ووظيفتها ودورها في حالة تثبيت هدنة طويلة المدى وتكريس انفصال غزة عن الضفة، وهل ستبقى جديرة بحمل اسم فصائل مقاومة وجهاد إن أوقفت مقاومتها للاحتلال ؟.

حتى تحقق الهدنة مصلحة وطنية يجب أن تكون في الإطار الوطني وليس لخدمة أجندة حزبية ضيقة أو خارجية، ويجب أن تكون ملزِمة لإسرائيل وفي إطار استراتيجيه وطنية شمولية تشمل الضفة والقدس وغزة من منطلق أن الاستيطان والتهويد في الضفة والقدس عدوان لا يقل عن العدوان العسكري على قطاع غزة، وبالتالي يجب ربط الهدنة العسكرية بوقف الاستيطان في الضفة والقدس، وفي حالة عدم التزام إسرائيل بوقف عدوانها في الضفة والقدس وغزة يكون كل الشعب وفصائله المسلحة في حِل من أمرهم بحيث يكون من حقهم العودة للمقاومة في الضفة والقدس وغزة، سواء كانت مقاومة عسكرية أو شعبية شاملة. 

بدون ذلك وبدون تدارك الأمر بمصالحة ولو جزئية تقطع الطريق على صفقة الهدنة وصفقة القرن، فإن مفاوضات الهدنة التي تجري اليوم برعاية مصرية وقطرية ودولية، والخفي منها أخطر مما هو مُعلن، ستؤدي لترسيم حدود بين غزة وإسرائيل ومصر وبالتالي إخراج قطاع غزة من ساحة العمل الوطني .

وأخيرا نُذَكر بأن وقف إطلاق النار واتفاقات الهدنة بعد حرب 48 وإن كانت تحولت لحدود دولية، إلا أنها لم تستقر طويلا ولم تحقق السلام لأن الذين وقعوا عليها لم يكونوا ممثلي الشعب الفلسطيني .

 

د. إبراهيم أبراش

 

نجوى السودةبقلم: الكاتب جوناثان كوك

ترجمة: نجوى السودة

نقل السفارة الأمريكية إلى تل أبيب

حينما قام الرئيس دونالد ترامب بنقل السفارة الأمريكية في العام الماضي إلى أورشليم المُحْتلة، فإنه بفعلته هذه قد حطم أي أمل في إقامة دولة فليسطينية، ناهيك عن أنه إخترق القانون .

دهس ترامب في الأسبوع الماضي بقدميه فوق كل الصفحات البالية المهلهلة .بالطبع قام بذلك، عبر تويتر .

كتب ترامب يقول، في إشارة إلى جزء كبير من الأراضي السورية التي سيطرت عليها إسرائيل في عام 1967:"بعد 52عاما آن الأوان للولايات المتحدة أن تُسَلِم بالحقيقة كاملة، وهي أن إسرائيل لديها من القوة أن تهيمن على مرتفعات الجولان، تلك المرتفعات التي لها أهميتها الإستراتيجية والأمنية لدولة إسرائيل وإستقرار المنطقة ."

قامت إسرائيل في عام 1967بطرد 130000سوريا من مرتفعات الجولان، تحت ستار الستة أيام حرب، وبعدها ب14عاما تلت أحكمت سيطرتها عليها –في خرق للقانون الدولي . لم يتبق إلا عدد ضئيل من الدروز السوريين الذين يعيشون من جراء عملية التطهير العرقية . وتزيد إسرائيل الطين بلا بممارساتها الغير شرعية في المناطق الفلسطينية المُحتلة، حيث قامت إسرائيل بنقل المستوطنين والأعمال التجارية إلى الجولان .

حتى اللحظة، لم تعترف أية دولة بالممارسات الإبتزازية التي تقوم بها إسرائيل .في عام 1981، صرح أحد الأعضاء بالأمم المُتحدة  ، بأن الجهود التي تقوم بها إسرائيل والولايات المُتحدة لتغيير طبيعة الجولان ماهي إلا ممارسات" باطلة وملغاة قانونيا ."

بدأ خلال الشهور التي مضت، رئيس الوزراء الإسرائيلي باتخاذ خطوات تصعيدية وجهوده لكي يبدد تلك الفترة الطويلة وأن يكسب الرأي العام العالمي في صفه كدولة عظمى .

قام نتنياهو بإتخاذ تحركا أرعنا حينما قام بشار الأسدبمساعدة روسيا- حيث بدأ في عكس مسار المناطق التي خسرتها سوريا، تلك المناطق التي كانت قد عانت خلالها الدولة حربا طوال ثماني سنوات . جرت الحرب إلى مزيد ممن يقومون بالأدوار .قامت إسرائيل نفسها بإستغلال الجولان كقاعدة شنت من خلالها عمليات سرية ساعدت بها المعارضين للأسد في الجزء الجنوبي من سوريا، ومن بين هؤلاء مجاهدين الدولة الإسلامية .حاولت إيران وميليشيا حزب الله بلبنان، في نفس الوقت، أن تٌقلص من مناورات إسرائيل العسكرية نيابة عن الرئيس السوري .

إن وجود إيران مُقترن بكيفية تبرير نتنياهو حاجة إسرائيل للإستحواذ بصفة دائمة على الجولان، فيما يطلق عليه مِصَد حيوي ضد الجهود التي تسعى إليها إيران ل"تستغلها كسُدَّة لتُدَمر بها إسرائيل".

قبل ذلك، حينما كان الأسد يخسر لدى أعدائه، قام الزعيم الإسرائيلي بجعل القضية ذات طبيعة مختلفة.بعدئذ، أثار جدلا بأن سوريا كانت تنشطر وأن رئيسها لن يظل في مكانه إذا ما حاول أن يستصلح الجولان .

إن المنطق الذي يلجأ إليه في الفترة الحالية لم يعد مقنعا عن منطقه فيما سبق .إن روسيا والأمم المتحدة أحرزتا تقدما في إقامة منطقة منزوعة السلاح على الجانب السوري في المنطقة العاذلة للقوات مما يؤكد أنه لن يكون بمقدور إيران أن تنشر قواتها بالقرب من مرتفعات الجولان .

في مقابلة لنتنياهو وترامب بواشنطن مساء الإثنين، قام الرئيس بتحويلها في تويتة له إلى قرار تنفيذي.

إن إختيار الوقت له مغزاه .وتلك محاولة أخرى وقحة من جانب ترامب حيث تطفل وتدخل في الإنتخابات الإسرائيلية ، في 9 إبريل . سوف يمد نتنياهو بنقرة إصبع جبارة تحفزه في كفاحه ضد إتهامات الفساد والإتهامات المُوجهة له من الحزب المُنافس .

سوف يكظم نتنياهو غبطته بالكاد بعد هذه التويتة من ترامب، مُطلقا عليه وكما ورد في التقارير :"إنك صنعت تاريخا !"

غير أنه في الحقيقة لم يكن هذا جموح .لقد كانت إسرائيل تنتهجان هذا النهج لفترة .نجد أن الحزب المسيحي يدعم الإحتفاظ بالجولان .أعلن في العام الماضي السفير الإسرائيلي السابق لدى الولايات المتحدة، ميشيل أورين والذي يحظى بثقة نتنياهو خطة لمضاعفة مساحة المستوطنة الآهلة بالسكان أربعة أضعاف عددها، في غضون عقد من الزمان .أعلنت الخارجية الأمريكية في الشهر الماضي ختم الترحاب بالخطة بما فيها مرتفعات الجولان حينما أعلنت عن ذلك لأول مرة في القسم الخاص ب"إسرائيل"في تقريرها السنوي حول حقوق الإنسان .في هذا الشهر، قام السيناتور الجمهوري ليندسي جراهام بجولة جهارا نهارا في مرتفعات الجولان، صاحبه في تلك الجولة نتنياهو ودافيد فريدمان، سفر ترامب لدى إسرائيل . ذكر جراهام أنه وزميله تيد كروز سوف سوف يمارس الضغط من خلال اللوبي لدى رئيس الولايات المتحدة لكي يُغيروا معالم المنطقة .

في نفس الوقت، إن ما قام به ترامب قد إخترق القانون الدولي علنا .وفي هذا الشهر إستطاع المسئولون المقربون، أن يحولوا دون دخول الولايات المتحدة محكمة العدل الدولية، في لاهاي، الذين يستجوبون الولايات المتحدة الأمريكية على جرائم الحرب التي إرتكبتها في أفغانستان . لقد كانت المحاولات التي قامت بها المحكمة الجنائية ؛لكي تقد كلا من الولايات المتحدة وإسرائيل محاولات مبدئية، وضئيلة .أيا كان ما كان يغزله نتنياهو حول الحاجة إلى تحاشي تهديد إيران، فإن إسرائيل لديها أسبابا أخرى أكثر صرامة لإحكام سيطرتها على الجولان . إن المرتفعات غنية بثروتها المائية مما يجعل سيطرة إسرائيل على بحر جاليلي حتمي، وهي بحيرة عريضة مياهها عذبة لها أهميتها الحيوية في منطقة تواجه نقصا مستمرا في المياه يزداد يوما بعد يوم.1200كيلو مترات مربعة من الأراضي المسروقة تم إستغلالها بوحشية، من إنماء حقول العنب والتفاح إلى صناعة السياحة، التي تشمل في الشتاء، منحدرات الجليد التي تغطيها بجبال هيرمون .

كما نوهت إلى ذلك منظمة حقوق الإنسان، من المستفيد، فإن شركات إسرائيل والولايات المتحدة تُقيم أيضا مزارع الرياح التجارية لكي تبيع الطاقة .

هذا وقد كانت إسرائيل تتعاون في هدوء تام مع شركة الطاقة العملاقة جيناي بالولايات المتحدة لاستكشاف الإحتياطي من البترول تحت سطح الجولان . يمتلك زوج إبنة ترامب، ومستشاره، جاريد كوشنر إستثمارات بجيناي .إلا أن إستخراج البترول سوف يكون أمرا صعبا، إذا لم تتمكن إسرائيل من إثارة الجدل بشكل يمكن تصديقه بإحكام هيمنتها على المنطقة . لعدة عقود مارست فيها الولايات المتحدة ضلعا أعوجا بصفة مستمرة لتتدخل كقناة في المحادثات الثنائية بينهما تقوم فيها بالدور المزدوج الشامل والمؤيد .أيد باراك أوباما، من ثلاث سوات مضت التوبيخ الذي تلقاه نتنياهو من مجلس الأمن حينما أقر نتنياهو عزمه أن إسرائيل لن تتنازل عن الجولان .لقد منح ترامب ضوءا أخضرا لإسرائيل لكي يحكم قبضته عليها بصفة دائمة . بصرف النصر عن ذلك، أيا كان مايقوله، فإن القرار لن يؤدي إلى الأمن لإسرائيل، أو لإستقرار المنطقة .في الحقيقة، فإن ما يقوم به ترامب لن يُقَدِم أو يُؤخِر فيما يتعلق ب"صفقة القرن "-التي أطالت المدى في خطة السلام لتُنهي الصراع الإسرائيلي –الفلسطيني ، حسبما إشاعة، ربما يُكشف عنها النقاب بعد الإنتخابات الإسرائيلية . بدلا من ذلك، فإن إعتراف الولايات المتحدة الذي سوف يجعل إسرائيل تتثبث بحقها، الحق الذي قد ظلت سنينا تصرخ من أجل أن تضم مساحات شاسعة من الضفة الغربية ومن ثم تؤدي إلى آخر مسمار في نعش الحل الذي تراه الدولتان . إن حق إسرائيل يمكن أن يتم الجدال حوله الآن بصورة معقولة :"إذا ما قبل ترامب سيطرتنا غير الشرعية على الجولان، لم لا ألم نسطو أيضا على الضفة الغربية؟"

 

تحياتي نجوى السودة

 

 

سامان سورانيبالرغم من إنقضاء حکم تنظیم داعش علی الأرض بعد أن نجحت قوات الپێشمەرگة لإقليم كوردستان دحرهم والإنتصار علیهم أولاً وبعد إعلان قوات سوريا الديمقراطیة (قسد) التي يقودها الكورد والتي تدعم من قبل التحالف الدولي بقيادة واشنطن بتاريخ 23 أذار/مارس 2019 علی دحر آخر معاقل التنظيم في باغوز شرق سوريا ثانياً، هناك ثمة إجماع من قبل خبراء في شؤون التنظيمات الإرهابية بأن المنتمين الی هذا التنظيم مازالوا يمثلون تهديداً عالمياً.

وهناك تقارير صحافية تظهر بأن تنظيم داعش يخطط لهجمات في أوروبا عبر مجموعاته "النائمة" في تلك البلدان، والتي يطلق عليها اسم "خلايا التمساح". إذن البركان خامد الآن، لکنه يُمكن أن يَنْفخُ بأي لحظة.

لقد إستمر تنظيم داعش منذ ولادته الی حین التغلب علیه عسکرياً بهجمات إرهابية منظمة تارة وجهنمية ووحشية أعمی تارة أخری علی مناطق في كوردستان والعراق وسوريا، مزّق الأجساد ودمّر الممتلکات وأستهدف کل شيء يخص الشأن الإنساني والحضاري، يعجز اللسان عن ايجاد كلمات تناسب شجبها بسبب تلك الفلسفة البربریة التي وقفت ورائها والتي لا ولن ترید شیئاً سوی إلحاق الدمار بالحضارة والتحضر وإفساد التعايش السلمي والتقدم علی هذه السكينة.

بإیمانه التام بفلسفة الموت، التي تفضل الموت على الحياة، وهي فلسفة كاذبة عنصرية تستند الى المبدأ المتوحش الداعي الى قتل المواطنین الأبریاء لمجرد كونهم مواطنین أبریاء یریدون أن یعیشوا في سلام ووئام مع عوائلهم وذویهم، لأنهم لیسوا "مجاهدین في سبیل العدم" ولأنهم لیسوا جبناء مثلهم، أراد داعش أن يستولي علی أرض المنطقة ويفرض علی إستمرار خلافته.

فلسفة داعش هي فلسفة مجرمي الحرب وغايتها هي القتل والدمار. أما هدف المنتمين الی هذا التنظيم من الأجانب والمحليين، الذين هم ثمار الأبله الثقافي وسلّموا أوراقهم وشهاداتهم الی مرجعهم أو شيخهم أو أميرهم، الذي بدوره يختم علی عقلهم ويعمل علی قولبتهم، لكي يخلقوا ويمارسوا بعملياتهم الإرهابية سيناريوهارت الأكثر همجية ووحشية، فهو واضح للعیان، إنهم یریدون النیل من المواطن والدولة والمدینة والمجتمع، مدفوعین بعقلیة الثأر والإنتقام من کل من لایشبههم أو لایفکر علی شاکلتهم، هدفهم المراهنة على انفجار ضغائن المكونات المحلية على بعضها ومحاولة يائسة لزعزعة أمن واستقرار المنطقة بأكملها وضرب الأخوة والتعايش السلمي بين البشر جمعاء، یتعاملون مع هویتهم الدینیة أو القومیة بأقصی الغلو والتطرف والإنغلاق ، کعُصاب نفسي هو مصدر للتوتر والتشنّج ، کمتراس عقائدي لشن الحرب علی الغیر، أو کخطاب فکري للنبذ والاقصاء، یستغلون البائسین والمهووسین في مشاریعهم الهمجیة، إنهم یخططون لفعلتهم المتحجرة والأحادیة والعدوانیة والاستبدادیة هذه‌ في السرّ وتحت الأرض، لکنها تمارس تحت سمعنا وبصرنا، وکما تُعمّم نماذجها في الجوامع والمدارس أو عبر الشاشات والقنوات.

یتصور أصحاب الارهاب من الدواعش (أنظر مثلاً الی إبراهيم السامرائي، الذي سمی نفسه “أبو بكر البغدادي”، إلە وخلیفة عصابة الأشرار، وکذلك أتباعه) أنفسهم خلفاء الله وسادة الخلق وخیر الأمم، أو أنهم ملاك الحقیقة وحراس الإیمان، سائرون علی النهج القویم وحدهم دون سواهم، یدّعون بأن الشرائع القدیمة تنطوي علی أجوبة وحلول للأسئلة ولمشکلات العصر، یمارسون الوصایة علی الناس وینطقون بإسمهم زوراً وتشبیحاً، یصادرون قرار الناس ویتحکّمون بأعناقهم وأرزاقهم ویشنون الحرب الإرهابیة نیابة عنهم.

 إنهم لایعترفون بقرار الآخرین في اختیار نمط حیاتهم، بوصفهم مبتدعین ضالین أو کافرین مرتدین. فهُم یستخدمون العنف والإرهاب، قتلاً وتصفیة أو استشهاداً وانتحاراً ، مدفوعین بعقلیة الثأر والأنتقام من کل من لایشبههم أو لایفکر مثلهم ، تحت دعوی سخیفة ومزیفة، هي إنقاذ "الأمة الاسلامیة" في العالم من رجس الجاهلية.

الأفكار الأصولية والسلفية أصدرت مارکة الحجاب والدم والتضحية وعملت  ليل نهار ضد صناعة التنمية والمدنية والحضارة، بقمعها الحريات الفردية وإرجاع أسباب المصائب والکوارث والجهل والفقر في مجتمعاتها إلی الغزو الثقافي الغربي أو إلی العولمة والأمرکة وبإستراتيجيتها القائمة علی الرفض والإقصاء وإرادة التأله والتفرد هي التي تثمر البربرية والهمجية الحديثة والمعاصرة، حيث يتم القتل وتمزيق الأجساد وتدمير الممتلكات بأعصاب باردة وضمير جامد وبعقلية أخروي أو عسكري إرهابي بصفة المناضل والمجاهد والمدافع عن الهوية والثوابت.

فبدل السعي والعمل بمفردات نسبية علی نظريات ثورة الاتصالات والمعلومات قام أصحاب الفکر السلفي الأصولي والقومي الشوفيني بتهافتهم في مواجهة کتاب "نهاية التاريخ" لفرنسيس فوکوياما بتأليف مجلدات مبنية علی لغة الغلو والتهويم اللاهوتي والتشبيح النضالي والعقائدي لتحقيق إستراتيجيتهم التدميرية.

إن أتباع داعش هم ثمرة الأوامر الدينية والحكومات الدينية والمرجعيات الغيبية والشعارات الأحادية والثوابت الأبدية، وسوی ذلك من المشاريع الشمولية، التي يدعي أصحابها إمتلاك مفاتيح الحقيقية المطلقة، لممارسة الوكالة الحصرية علی الهويات والقضايا المصيرية، خرجوا من جين ثقافة الأصولي الإرهابي، الذي يدعي إنقاذ أمة الإسلام بالعودة الی أنماط ونماذج بائدة يستحيل تطبيقها إلا بزرع الرعب وزعزعة الأمن وسفك الدماء وتدمير معالم الحضارة والعمران.

نقوله هنا وبمنتهی الصرائحة، لاینفع دحر هؤلاء الإرهابیین والإنتصار علیهم عسکریاً فقط، علینا تعبئة كافة القوى الحية في إقليم کوردستان من أجل محاربة هذا الفكر ونقصد بالقوة الحية العلماء والكتاب والصحافة ووسائل الاعلام وقادة الراي. فبتضافر جهود الجميع یمکن إرجاع هذا الفكر الى الوراء ليحل محله الفكر الواعي المتزن.

من لا یحترم إرادة الكيانات والشعوب في اختيار من يتولى أمورهم وفي اختيار التشريعات لتدبیر أمورهم لایرید معالجة حقيقية لظاهرة الإرهاب.

فعلّة كل شيء تكمن في مفهومه بالدرجة الأول من هنا نری الحاجة الی مساءلة مفهوم‌ الإنسان لتفكيكه وإعادة بناءه.

إذن علاج الإرهاب يبدأ من معرفة الإنسان لنفسه معرفة حقيقية تضعها في مكانها الصحيح، بحيث يرى الإنسان نفسه من خلال الآخر ويخرج على قوقعته التراثية، لكي يفهم المجريات على الساحة الكونية ويسهم في المناقشة العالمية الدائرة حول المعضلات ويفتح أفاق الحوار، ويتجنب سياسة الإقصاء ويجتهد في سبيل القبول بالرأي والرأي الآخر.

وختاماّ: "مآل كلّ حدٍّ أقصى: أن ينتج ضدّه.

 

الدكتور سامان سوراني

 

نجوى السودةبقلم: الكاتب آندري فلتشك

ترجمة: نجوى السودة

جريدة البحث حول العالم

لو عدنا بالزمان مائة عام، لن نتخيل مسلمين يدخلان مقهى أو مركبة مواصلات عامة، ومن ثم يفجران أنفسهما، ويقتلان العشرات من الناس .أو مذبحة في مجلة بباريس يروح ضحيتها فريق عمل المجلة !لم يكن هنك أشياء من هذا القبيل .

حينما تتاح لك الفرصة وتقرأ ذكريات إدوارد سعيد، أو تتحدث مع كبار السن من الرجال والنساء في شرق أورشليم، يتضح لك الأمر، حيث أن الغالبية العظمى من المجتمع الفلسطيني إعتاد أن يكون علمانيا أو معتدلا تماما .

مجتمع يشغل نفسه بالدنيا، والثقافة، حتى الموضة لم يهملها، أكثر من إهتمامه بالعقائد الدينية .

نفس الشئ يمكننا أن نقوله عن المجتمعات الأخرى والكثيرة المسلمة، بما فيها تلك التي بسوريا، والعراق، وإيران، ومصر، وإندونيسيا .

وخير شاهد على ذلك الصورة الفوتوغرافية القديمة التي تنطق بذلك .لذلك من الأشياء المهمة جدا أن تدرس الصور القديمة مرارا وتكرارا، بعناية .

إن الإسلام ليس دينا وحسب ؛إنه حضارة عظيمة، حضارة من أعظم الحضارات على وجه الأرض، حضارة قد أثرت إنسانيتنا بالإنجازات العظيمة، العلمية، والمعمارية، وبالإكتشافات التي لاحصر لها في مجال الطب .لقد كتب المسلمون شعرا شديد الروعة، وألفوا موسيقى جميلة.لم يكتف المسلمون بذلك كله، بل أنهم قاموا بتطوير بعض المباني المجتمعية في العهود الأولى، من بينها الجامعات الأولى التي ظهرت على وجه الأرض، مثل جامعة القرويين بالمغرب .

كانت فكرة "مجتمعية" شئ مألوف لدى العديد من السياسين المسلمين، كما أنهم لم يدعوا الغرب يتدخلون بوحشية، بالإطاحة بالحكومات ذات الجناح اليساري ووضعوا على العرش حلفاء فاشيين في لندن، وواشنطن وباريس ؛نقريبا في كل الأقطار الإسلامية، بما فيها إيران، ومصر، وإندونيسيا، ومن المرجح أنهم الآن يقومون بذلك بقيادة مجموعة من القادة العلمانيين والمعتدلين بشدة .

كان هناك من القادة المسلمين الذين يجابهون ويقفون سدا لوقف سيطرة الغرب  على العالم، ومن الأمثلة الرائعة على ذلك الرئيس الإندونيسي، أحمت سوكارنو، الذي كان مُقربا من الأحزاب والنظريات الشيوعية . ألف سوكارنو حركة معادية للإمبريالية، حركة غير الموالين، والتي أُعلن عنها في مؤتمر باندونج في إندونيسيا عام 1955.

كان هذا يتناقض تماما مع الأصولين والنخب المسيحية، والتي أحس بها الغالبية العظمى منها في وطنه من الحكام الفاشيين والمُستعمرين ، من الملوك، والتجار، كبار رجال الأعمال في حكومة الأقلية .  كان شئ غير مستساغ بالنسبة إلى الإمبراطورية،  وجود حكام مسلمين يحكمون الشرق الأوسط يتمتعون بشعبية وتقدم أوبلدا مثل إندونيسيا، البلد الغني بموارده.إذا ما استخدم هؤلاء الحكام ثروتهم الطبيعية لكي يحسنوا حياة شعوبهم، فما الذي سوف يتبقى للإمبراطورية ولشركائهم؟ كان من الحتمي أن تتوقف بأي وسيلة .كان لابد أن ينقسم المسلمون على أنفسهم، وأن يُخترق من الأصوليين ومن المُعادين للشيوعية، ومن قِبَل هؤلاء الذين لايؤلون أدنى إهتمام برفاهية شعوبهم .

إرتبطت كل الحركات الأصولية الإسلامية في أي مكان من العالم، الموجودة حاليا، بالوهابية، وهم طائفة شديدة العداء للتغيير ، وشديدة الرجعية في رد فعلها، وتتولى زمام السيطرة على الحياة السياسية في المملكة العربية السعودية، وقطر وحلفاء آخرين يشدون من أزرهم من حلفاء الخليج من الغرب .

ونقتبس من هنا قول الدكتور .عبد الله محمد سيندي :

"من الأشياء التي لاتقبل شك من الناحية التاريخية أنه بدون عون من بريطانيا ما كانت الوهابية ولا لآل سعود قائمة .إن الوهابية هي في الأصل فكرة من وحي بريطانيا .وعن طريق آل سعود خطهم الدفاعي وأيضا من يدعمونهم بالولايات المتحدة، قدمت الولايات المتحدة للوهابيين الدعم بصورة مباشرة وغير مباشرة بغض النظر عن الهجمات الإرهابية التي وقعت في 11سبتمبر، 2001.

إن الوهابية حركة تتسم بالعنف ، يمينية، تكره التجديد والتغيير للغاية، جامدة، متطرفة، رجعية، جنسية، وغير متسامحة ... "

منح الغرب الوهابيين الدعم الكامل في الثمانينات .قاموا بتوظيفهم، وتمويلهم وتسليحهم، بعد أن تورط الإتحاد السوفيتي في أفغانستان ومن ثم حرب مريرة إستمرت من عام 1979حتى 1989.

نجم عن هذه الحرب، إنهيار الإتحاد السوفيتي، وأُنهكته إقتصاديا ونفسيا .

كان المجاهدون، الذين يحاربون السوفيت بالإضافة إلى جناح الحكومة اليساري في كابول، يتلقون العون والتمويل من الغرب وحلفائهم .

جاء المجاهدون من كل حدب من العالم الإسلامي، جاءوا ليحاربوا في "حرب مقدسة"ضد الشيوعية .

طبقا للأرشيف بوزارة الخارجية الأمريكية :

إن من يُطلق عليهم المجاهدين العرب والمجاهدين الأجانب كانوا يرغبون في الجهاد ضد الكفرة الشيوعيين .كان من أبرز هؤلاء الشاب السعودي المدعو أسامة بن لادن، الذي توسعت جماعته في نهاية الأمر وعُرِفت بالقاعدة .

إن الإسلام الأصولي نشأ وتم تلقيحه بالأفكار في مختلف بلدان العالم الإسلامي المختلفة، عن طريق الغرب ومن بينهم القاعدة، ليس هذا فقط

بل يدعمون الأحدث منهم، أو مايعرف حديثا، ب(الدولة الإسلامية) .إن الدولة الإسلامية هي جيش إرهابي تمخض في"معسكرات اللاجئين "على حدود سوريا/تركيا وسوريا /الأردن، كانوا يتلقون التمويل المادي من الناتو ومن الغرب ليحاربوا حكومة بشار الأسد (العلمانية).

 

تحياتي نجوى السودة

 

عبد الحسين شعبان«إن من ينزل عن هضبة الجولان، يكون قد تخلّى عن أمن «إسرائيل»، ذلك ما قاله إسحاق رابين رئيس الوزراء «الإسرائيلي» الأسبق الذي اغتيل في 4 نوفمبر/ تشرين الثاني 1995، بعد أن احتلت «إسرائيل» 80% من مساحة هضبة الجولان السورية في عدوان 5 يونيو/ حزيران العام 1967، والتي حرّرت سوريا جزءاً منها في حرب أكتوبر/ تشرين الأول 1973، (100 كم) بما فيها مدينة القنيطرة .

إن إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، «إسرائيلية» الجولان يعيد إلى الأذهان مقولة رابين، وإصرار السياسة «الإسرائيلية» طيلة ما يزيد على نصف قرن على تهويد الجولان، وضمها نهائياً إلى «إسرائيل». ويأتي موقف ترامب مستفزّاً للمشاعر الإنسانية، والاعتبارات الأخلاقية، ولقواعد القانون الدولي بعد قراره في 14 مايو/ أيار 2018 نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، باعتبارها عاصمة لدولة «إسرائيل»، الأمر الذي يؤكد الخطة المنهجية المتصاعدة في تأييد الاحتلال « الإسرائيلي»، والتنكّر للحقوق العادلة والمشروعة للشعب العربي الفلسطيني، وفي مقدمتها حقه في تقرير المصير وإقامة الدولة المستقلة وعاصمتها «القدس».

وتتنكّر واشنطن بإجراءاتها تلك ل «الشرعية الدولية»، فضلاً عن القواعد العامة للقانون الدولي المعاصر، بما فيها قواعد القانون الإنساني الدولي، خصوصاً اتفاقيات جنيف لعام 1949 وملحقيها بروتوكولي جنيف لعام 1977، حيث كان مجلس الأمن الدولي أصدر قراراً رقم 476 بتاريخ 30 يونيو/ حزيران 1980 يعلن فيه بطلان الإجراءات التي اتخذتها « إسرائيل» لتغيير طابع القدس، ثم أعقبه بقرار رقم 478 بتاريخ 20 أغسطس/ آب من العام نفسه، يقضي بعدم الاعتراف بقرار الكنيست بشأن ضم القدس.

كما أصدر مجلس الأمن الدولي قراره رقم 497، الذي اتخذ بالإجماع في 17 ديسمبر/ كانون الأول 1981، الذي يدعو دولة «إسرائيل» إلى إلغاء قرارها بضم مرتفعات الجولان، ويعتبر فرض قوانينها وسلطاتها وإدارتها على مرتفعات الجولان السورية المحتلة ملغى وباطلاً، ومن دون فعالية قانونية على الصعيد الدولي.

ومن المفارقة أن يأتي إعلان ترامب «إسرائيلية» الجولان متزامناً مع الذكرى السادسة عشرة للحرب الأمريكية على العراق واحتلاله في العام 2003، واستمرار معاناة شعبه المتعاظمة والمركّبة، فضلاً عن تزايد التدخلات الإقليمية والدولية في شؤونه، فضلاً عن انفتاح الباب على مصراعيه لنشاط المنظمات الإرهابية فيه، وفي مقدمتها تنظيما القاعدة، ووريثها «داعش». وعلى مستوى التوقيت يأتي إعلان ترامب عن «إسرائيلية» الجولان كأنه خشبة خلاص لنتنياهو الذي تدهورت سمعته وفقد الكثير من شعبيته لاتهامه بالفساد، واحتمال مثوله أمام القضاء، كما يأتي هذا الإعلان قبل 20 يوماً من الانتخابات «الإسرائيلية».

لقد مارست «إسرائيل» خلال احتلالها الذي استمر نحو 52 عاماً سياسة تطهير عرقي لتغيير الواقع القومي والتركيب السكاني للجولان، ورفضت الانسحاب إلى ما وراء خطوط الهدنة، مستخفّة بقرارات مجلس الأمن الدولي، خصوصاً القرار 242 لعام 1967 والقرار 338 لعام 1973 ومتجاوزة على مبدأ أمر من مبادئ القانون الدولي الذي لا يجيز الاستيلاء بالقوة على أراضي الغير.

وكانت «إسرائيل» اعتبرت الجولان منذ اليوم الأول «منطقة عسكرية مغلقة يحظر على الناس دخولها» ثم أقامت المستوطنات عليها، آخذة في الاعتبار أهميتها الاستراتيجية، ابتداء من سفوح جبل الشيخ (قرب بانياس) وبمحاذاة خط وقف إطلاق النار (في 10 يونيو/ حزيران 1967) حتى القنيطرة، وانتهاء بحدود الشواطئ الشرقية لبحيرة طبريا (جنوب غربي الجولان). واستهدفت بذلك إقامة «بناء دفاعي» يضمن الحفاظ على مصادر المياه، ومنابع نهر الأردن، وتوفير الحماية لمستوطنات وادي الحولة والجليل، وهو ما تضمنه مشروع إيغال آلون الذي نشره في مجلة الشؤون الدولية (الأمريكية) على شكل مقالة في أكتوبر/ تشرين الأول 1976.

ولذلك شرعت في اتخاذ طائفة من الإجراءات المتدرّجة لمحو الطابع العربي للجولان، ابتداء من حل المجالس البلدية وإلغاء القوانين السورية وإبدالها بقوانين «إسرائيلية» (بعد قوانين الاحتلال)، وتغيير العملة، وفرض الرسوم، وتغيير رخص السيارات والإجازات الخاصة، وفرض منهج تعليمي « إسرائيلي» عنصري، وجميع ما يتعلق بالبريد والبرق والهاتف، وكل ما من شأنه تغيير طابع المنطقة قانونياً وإدارياً وفعلياً، لاسيّما استبدال هويّة الأحوال المدنية السورية ببطاقات «إسرائيلية»، ثم أقدم الكنيست بعد مرور 14 عاماً على احتلال الجولان إلى إصدار قرار بضمها إلى «إسرائيل»، خلافاً لقواعد القانون الدولي، وما يسمّى بالشرعية الدولية .

وتبرر «إسرائيل» تمسكها بهضبة الجولان بثلاث قضايا مركزية وحيوية لا تريد التخلي عنها، وهي تجمعها في عناوين رئيسية هي: الأمن والمياه والأرض، فالجولان خزّان مياه ومصدر للثروة المائية لا تريد التخلي عنه، وحسب رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو، هي مصدر أساسي للأمن المائي، وهذا الأخير مصدر حيوي للأمن الغذائي، وبالتالي فهي عمق استراتيجي لأمنها لا غنى عنه.

 

عبد الحسين شعبان

 

عبد الجبار نوريمنذ قرنٍ من الزمن لتأسيس الدولة العراقية وسوء الطالع والشؤم كان نصيبه من الكوارث المرعبة والمأساوية من توسونامي الفيضانات المرعبة وفايروسات الطاعون والغزوات والحروب والمجاعة وهوس الأنقلابات العسكرية وصراع الأطماع بين الدول العظمى على الأستئثاربمصادر الطاقة وتعاقب الحكومات المستبدة التي نشرت ثقافة الممنوع في الكلام والتعلم وحتى الحلم ربما تحاسب عليه!؟ وأصبحت الأبتسامة عملة نادرة في زمن القحط الأخلاقي، فأخذ منا الزمن كل شيءعدا الدموع التي تنساب عفويا وحتى في الأفراح لندرتها وشحتها وهل ننسى مجزرة سبايكرأم مجزرة حلبجه أم تفجير الكرادة أم نكبة جسر الأئمة أم وجع جرح غرق العبارة التي أبت أن تعبر للضفة الثانية فكان عزاؤها شموليا لكون جرحها بسعة جغرافية هذا البلد المنكوب .

وللأسف الشديد أن سياسيي السلطة أو " أخوة يوسف " أحرقوا مراكبهم ويتصرفون بهوس أقرب إلى الجنون في تدوير بضاعتهم المسجاة منذ عقدٍ ونيّف، وبالمحصلة التراجيدية المأساوية يبرز: {الفارق بين توقعات الشعب ومآلات العملية السياسية لسببين : بساطة الوعي وعدم الشفافية ---- لا المسؤول يصارح شعبهُ بحقيقة ما يجرى ولا الفرد يدرك ما وراء الأحداث فتتوالى الخيبات والمفاجآت }المفكر العراقي ماجد الغرباوي .

بل بالتمام والكمال نجد أن تلك الفواجع توظّفْ سياسياً بسلاح (التسقيط السياسي) بأعتبارهِ ظاهرة أجتماعية معناه الحط من قدر وقيمة الشخص ومكانته الأجتماعية والسياسية والدينية والعلمية والتأريخية فهو أسقاط ونفي الخصائص الحسنة والمرغوبة في هذا المجال أو ذاك لدى المجتمع، ويرتبط مفهوم التسقيط بمفاهيم متقاربة مثل البهتان والزور والكذب والأفتراء والأدعاء يكون دوافعه ربما الغيرة والحسد أو ضريبة نجاح وبالمحصلة تمثل نوعاً من الحرب الباردة بين الأطراف المتنافسة وبالتالي فهو نوعٌ من الصراع السلمي يمكن (عقلنته) بثوابت الدين والقانون والعرف الأجتماعي والمباديء الخيرة المتفق عليها عرفاً والتي بعض منها من موروثات الوثائق الأممية الناطقة بحقوق الأنسان وحرياته، أن من معطياتها المستلبة أنها تطيح بالسلم المجتمعي خاصة عندما تطال رموز وقامات نجومية لها بصمات في الذاكرة الأدبية والثقافية، وقد تتطور إلى فتنة والتي هي أشد من القتل كما هو مذكور في ثوابتنا الدينية فيظهر هذا السلاح الذي ينعدم فيه الضمير والوازع الأخلاقي والولاء للوطن( بميكافيلية) مقيتة مما يثير القلق وسط كبار السياسيين هو التعرض إلى حملات ( تسقيط ) ونشر الغسيل المكلل بفضائح خصوصا في وسائل التواصل الأجتماعي التي أصبحت منصّة مرعبة لنشر وثائق وصور وكاريكاتيرات تهاجم أولئك السياسيين بمختلف التهم قد تصل ربما إلى كسر العظم عندها يركبون شياطينهم ليخوضوا حرباً باردة ضد بعضهم البعض والغريب عندما تشتعل أوارها في الحزب الواحد والكتلة الواحدة شيعية شيعية وسنية سنية وكردية كرديه بهذه الأتجاهات المشبوهة والقذرة، وأن ساسة العراق وقعوا أخيراً على وثيقة شرف تنظم سير الأنتخابات التي شددت في فقراتها وموادها إلى أحترام المتنافسين والأبتعاد عن أساليب التشهير والتجريح وأن تتركز الحملات الأنتخابية على الأبعاد الأستراتيجية للترويج عن مصالح العراق العليا، إلى أن أغلب الكتل السياسية لم تحترم ميثاق الشرف الأنتخابي والذي أثر بالسلب على مزاج الناخب مما أضعف الأقبال على عملية التصويت الأنتخابي بشكل مؤثر وواضح، لا بل أتمكن أن أقول : أن هذا النوع من الصراع السياسي أفقد المواطن ثقتهُ بالمؤسسات كافة، وأصبح  التوظيف السياسي لمجمل نكباتنا الموجعة تستثمر بسلاح التسقيط السياسي وفقاً لسياسيين أفتقدوا أدارة الحكم بقوة المنطق بل نهجوا معكوسها بمنطق القوة الغاشمة حيث تهتدي بعقلية المؤامرة والأزمة والتلاعب ببعض القوانين بالطريقة التي توافق مصالحها، فهذه بعض الأساليب :

- أسلوب الأستبعاد والأقصاء السياسي بين أفراد المجتمع مرشح أم ناخب تكمن في غياب الضوابط والمعايير الأخلاقية والمهنية، وأن سياسة أبعاد الخصوم وأجتثاثه بهذه الطريقة غير ديمقراطية والتي شبهها البعض ب(مجزرة سياسية)، وحسب قناعتي فيما إذا كان الأستبعاد مبنيا على قواعد السلوك الأنتخابي فهو أمرٌ أيجابي مقبول في العرف الديمقراطي فيما إذا تجنبنا المفردات الجارحة والأتهامات  الجزافية الباطلة .

- عقلية المؤامرة والأزمة: نعترف بأن وطننا بلد الأزمات والمؤامرات لتعدد الأعداء من كل حدبٍ وصوب من أحزاب السلطة والكتل التي بيدها مصادر القرار وأعداء أقليميين من دول الجوار وأعداء دوليين وعلى رأسهم المحتل الأمريكي وبعض دول الغرب وصب تدخلهم في زعزعة السيادة العراقية كزيارة ترامب لقاعدة الأسد بالخفاء وتصريحات مستشار المرشد الأيراني علي أكبر ولايتي من بغداد في نهاية 2018 :قال {أنهُ لا يمكن السماح للبراليين والشيوعيين والعلمانيين لحكم العراق}

- فتنتشر الأشاعة بسرعة فائقة تسري كالنار في الهشيم بوسائل الأعلام وصفحات التواصل الأجتماعي والتي أطرتْ تلك الفواجع بأطار المؤامرة للتذكير فقط ما جرى من فواجع عند نفوق ملايين الأسماك في صلاح الدين والأنبار يطرحون علينا حكاية تسميم غلاصم الأسماك، وكارثة موت آلاف الدونمات من محصول الطماطة الزبيرية برش مادة سميّة في تلك المزارع، وتسهيل دخول داعش إلى الموصل لأسقاط المالكي وربما اليوم قد نُسجتْ خيوط سيناريو فاجعة غرق عبارة الموصل للأطاحة بالعاكوب، أنهُ شيءٌ مضحك عندما يكون خطابنا الأعلامي بهذه التفاهة المقرفة والساذجة.

- سياسة التلاعب ببعض القوانين التي تنشط في وقت الأزمة وأصبحت ملازمة للبرلمان وقد شاهدنا في الدورة السابقة للبرلمان تمرير ثلاثة قوانين في صفقة واحدة أو كما يحلو لبعض النواب الفايخين تسميتها في (سلّة واحدة ) وهي نفس سياسة الصفقات التي تعتمد الكثير منها على التسقيط، وأعتمدت عند بعض المرشحين جزءاً مهما من حملاتهم الأنتخابية وخلال تلك المعركة الأنتخابية يتضح أنفاق غير متوازن لأن الأحزاب الكبيرة والرؤوس المعروفة في الأوساط السياسية أستولت على الشوارع وشاشات التلفزة وفرق أخرى صغيرة تتجول الأزقة وتطرق الأبواب للدعوة لأنتخاب مرشحيهم وأخرى تتجه نحو مزاد شراء أصوات الناخبين مقابل 100-200 دولار للصوت الواحد وكل هذا التلاعب الغير مشروع يجري تحت عدم الألتزام بمعايير مفوضية الأنتخابات

- الألتجاء إلى أستعمال الفيس بوك وبشكلٍ كبير بل ربما بجيوش ألكترونية مملوكة لجهات وأحزاب سياسية بل وصل الأمر ألى التعرض لأعراض بعض المرشحين والمرشحات مما يضطر البعض منهم ألى الأنسحاب خوفاً من تعاظم الأستهداف ليصل إلى التصفية الجسدية ويرجع سبب الأهتمام بوسيلة التواصل الأجتماعي سهولة أستعماله من عموم الشعب بل غالبيته وأيضا أنها بعيدة من سطوة الملاحقة القانونية بسبب أتساعها وكثرتها أضافة إلى أنها غير مكلفة

 

عبد الجبار نوري

كاتب وباحث عراقي مقيم في السويد

 

رائد عبيستعد الديمقراطية في المجتمعات المتخلفة أحد الأنظمة الفوضوية، بل تعد ايضا أداة لتطبيق نظرية الفوضى الخلاقة التي تختلق كل فوضى من شأنها أن تنتهي إلى فوضى أخرى تفرز منها. وهذا يعني أن الفوضى التي تعني موضوعياً انعدام الترتيب والخراب، فهي ذاتيا تعني خلاف ذلك، تعني هناك نظام داخلي جعل منها أن تكون فوضى،مثل اي شيء يحمل النظام بالقوة وليس بالفعل، فهناك ايضا اشياء تكمن بداخلها فوضى بالقوة وليس بالفعل، إي أن هناك استعداد للأشياء فوضوي وهناك استعداد للفوضى أن تنظم ذاتها. مثل أي شيء منظم ثم يبعثر، كالكتاب المرتب في صفحاته فهو في ذاته مرتب، ولكن الفعل الخارجي يعمل على احداث الفوضى فيه كتمزيقه مثلا او نثره في الهواء،وهناك أشياء لا يمكن أن ننتهي بها إلى نظام بل هي فوضى بحد ذاتها، مثل حبات الرمل في الصحراء، فهي غير مرتبة لتكون شكلا الا بتدخل عامل ما. فالديمقراطية تسمى نظام ولكنها تتضمن الفوضى داخليا فهي تختزن الفوضى وهي نظام بالقوة وفوضى بالفعل، اذا لماذا يُراد للديمقراطية أن تكون نموذج نظام حكم لكل البلدان ؟ ولماذا يطلبها حتى من يعرفها؟ ربما تكون رغم فوضاها وانعدام النظام فيها، نموذج خلاص عند المجتمعات من الأنظمة الديكتاتورية أو الملكية، وكأنها تختار الفوضى طواعيتاً على النظام الاجباري، ربما هي طبيعة بشرية تميل نحو ذلك؟ ولكن هذا مؤكد فهناك اقوال وحكم وروايات تؤكد ذلك. مثلا يقول علي عليه السلام : النفوس تميل إلى سوء الادب. وهناك مقولة : من امن العقوبة أساء الأدب. فهناك نفوس تجنح باتجاه الإساءة وقلة الأدب، والكشف الصريح عن رغبات الذات، وميولها وإطلاق العنان لها. فالديمقراطية التي تعني الحرية،بل نيل الفرد قدر كبير من الحرية دون مسائلة، مادام لا يتعارض مع حرية الأنظمة في الحكم او حرية الناس. اذاً هناك فوضى ذاتية ناتجة من الفعل الذاتي من تلك الحرية المتاحة للأفراد والتي تتفق مع طبيعة النظام الديمقراطي لأنه يتيحها ذلك. الإنتروبيا أصناف واشكال وانماط،منها ما هو قوي، ومنها ما هو متوسط، ومنها ما منخفض، ولكل منهم إمكانية تنظيم و عدم تنظيم،مسيطر عليها و غير مسيطر عليها. تحت رقابة السلطة ورعايتها أو بعيدة عنها، بحسب سياستها. هذه الأنماط من الفوضى تشمل المجتمع ايضاً، فهناك مجتمع منتج وقريب ومحب للفوضى القوية، وهناك مجتمع منتج للفوضى المتوسطة، وهناك مجتمعات فيها من الفوضى ما هو منخفض، وهذا يرجع إلى الضوابط الأخلاقية، والعرفية،والقيمية، والدينية، والقانونية، أو حتى الفطرة البشرية التي لها علاقة بكل منهما. اذا كل هذه النماذج لها ما يقربها من السلطة وأنظمة الحكم، سواء كان دكتاتوري أو ديمقراطي أو اشتراكي أو ملكي، كل نوع من هذه الأنظمة يستفاد بقدر ما من الفوضى، والفوضى عندما تكون تحت رعاية السلطة تكون فوضى منظمة،  وليس ما تحويه هذه الكلمة من معاني ظاهرية، فكلمة الفوضى لم تعد تعبر في مكنونها عن نفسها، بل تعبر عن نقيضها. وهذا هو ما يمكن أن يستثمر فيها وبها.

ما الفوضى اذا؟ الفوضى هي فوضى لمن يراها وليس لمن يقصدها، فعادة ما نجد اشياء فوضى بحكم تقييمنا، ولكنها في الواقع نظام، فكل ما يقصد وان كان فوضى فهو نظام في أصله. مثل فعل الرسام الذي يسقط الالوان بشكل فوضوي ولكنها تنتهي نظام مقصود بحد ذاته. أما الفوضى الذي نعدها فوضى في منظارنا وهي في الواقع نظام معتمد عند السلطة، لأنها تقصد الفوضى بموضوعها وليس بذاتها. وبناءً على ذلك فنحن نقيم المجتمعات بحسب نماذج الفوضى فيها، فهناك مجتمعات فوضوية متخلفة لم تصل لها الحضارة والمدنية بعد،مثل الأقوام وسكان مناطق مختلفة من جنوب أميركا وسكان الغابات أو سكان جنوب افريقيا وصحاريها والمجتمعات غير المتعلمة والجاهلة، وهناك مجتمعات تملك الفوضى رغم مدنيتها وحضاريتها، بل أحدثت فيها الفوضى المدنية نفسها، مثل العواصم المزدحمة في العالم بالسكان والشوارع، وغيرها من أنماط الحياة التي تظهر الاناقة، ولكنها تستبطن الفوضى أو تظهرها في بُعدٌ ما. وهناك مجتمعات تأخذ من الاولى والثانية اي من التخلف السلوكي البربري أو الجاهلي ومن عوالم الحضارة ومدنيتها، وهذه المجتمعات هي من تسمى مجتمعات العالم الثالث، فأي نوع من الفوضى موجود في العالم الثالث؟! وهذا النموذج أيضاً على الرغم من وحدته لكنه متفاوت.

المجتمع العراقي واحد من بلدان العالم الثالث، وهو حديث عهد بالديمقراطية والتجارب السياسية المتضمنة فيها. اذا هو يحتوي على فوضى مزدوجة اجتماعية وسياسية، فوضى مُختلقة فيه من ناحية وطبيعية من ناحية أخرى، خلفت نماذج أخرى من الفوضى في قطاعات البلد المختلفة من اقتصاد وتربية وتعاليم وغيرها...فقد تم استثمار هذان النموذجان من الفوضى من قبل مهندسي الفوضى في هذا البلد فلديهم فوضى مجتمعية جاهزة للاستخدام،وفوضى بحاجة إلى برامج وخطط وافكار واستراتيجيات ومديات أخرى، ومن هذه المديات هي علاقة الفوضويين بالدول الأخرى الإقليمية أو الدولية، لاستثمار الفوضى أفضل استثمار في هذا البلد وعلى هذا المجتمع .

وهذا واضح جدا في كل الملفات الخدمية والسياسية وغيرها،  والذي يظهر هذه الفوضى هو سوء الإدارة التي أودت بالبلد إلى الانهيار الذي يتم تداركه بالعادة بأستنزاف وانهيار جديد! يتمثل بقروض خارجية او تعويض الصناعة المحلية بالمستور، وغيرها من المشاكل والإشكاليات الفوضوية المستوطنة في المنهاج الحكومي، إزاء ملفات حساسة بالبلد، وهذه الإشكاليات ساعدت الأحزاب والحكومات الحزبية، وليس الوطنية على وجودها وتعميقها، وترسيخ أسسها في كيان الدولة والمجتمع، فالدولة الفوضوية هي نتاج مجتمع فوضوي،تجده يميل مع النظام اذا اتفق مع مصلحته، ويختلف معه اذا تعارض مع مصالحه، وهذا ما يزيد الفوضى الإدارية في كل سياسيات مؤسساتنا الحكومية وغير الحكومية، والذي يتمثل بتقاطع الصلاحيات وتضارب الكتب الرسمية، وسوء التعامل مع المواطنين، وغياب التنظيم، والأتكيت، وأساليب المدنية وغيرها من التفاصيل الجزئية التي تظهر الفقر وانعدام المعرفة في إدارة كل ملفات الدولة ومؤسساتها، فنجد أن اغلبها تدار بجهل وتخلف فضلا عن أسليب البداوة، والغلضة، والتقصير، والتسويف، وعدم الاحترام، وكل شيء يترك أثراً وقناعةً بإن ما يجري في العراق يعد فوضى بكل مقاييس السوئية والخراب، ولكن لا احد يتصدر لمعاقبة من يتسبب بذلك تعمداً او جهلاً، فالانتروبيا العراقية منظمة، ومدارة من قبل مؤسسات حكومية وغير حكومية اقليمية ودولية،  تسعى بشكل أو بأخر إلى الاستحواذ على خراب هذا البلد وجعل من حكومته حكومة باهتة وعاجزة عن معاقبة المسيء وتنظيم البلد بعيداً عن نظريات الفوضى وأفكارها.

 

الدكتور رائد عبيس

 

عباس علي مرادكلّنا نعلم انه ولسنوات عديدة، الإنحدار المتدرّج غير الاأخلاقي في الهجوم على الأقليات، والرسائل المبطّنة التي نعلم أنها كانت تحدث. أنا أعلنها بصراحة، وأريد منكم جميعاً أن تسمّوا الأشياء بأسمائها.

بيل شورتن زعيم حزب العمال والمعارضة الفيدرالية الاسترالية، لوسائل الاعلام، الاثنين 18/3/2019

هل يختلف العالم الذي نعيش فيه اليوم عن الماضي؟!

الجواب، بالإيجاب طبعاً العالم مختلف كلياً، وهناك تقدّم على عدة مستويات والإختلاف الأكثر بروزاً هو سرعة وصول المعلومات عبر وسائل التواصل الإجتماعي وعدم المقدرة على إخفاء الحقائق رغم استمرار العمل لتشويه ولي عنق الحقيقة الذي كانت تتحكم بها وسائل الإعلام التقليدية وحتى منصات التواصل الإجتماعي التي تحرص على حذف ما قد يتعارض مع مصالح المهيمنين عليها. لكن الشيء الوحيد الذي لم يتغيّر هو خطاب الكراهية ونزوع البشر نحو العنف والذي يثقل تاريخ البشرية بجرائم يندى لها الجبين.

العمل الإرهابي الذي نفذه الأسترالي برينتون تارنت في نيوزيلاندا الجمعة 16/3/ 2019 لم يأتِ من فراغ، لكن من الواضح أن خطاب من الكراهية سواء المبطّن المقروء من خلال المغيب في النص أو الصريح الذي يجاهر بمواقفه كان له تأثيره على تارنت. هذا عدا عن المواقع الإلكترونية التي تغذي هذه النزعة لدى المتطرفين الذين يعتقدون بتفوّق العنصر الأبيض كما لا يخفى أن داعش لم يوفّر وسيلة إلا واستعملها لنشر فكره المتطرّف ونشر وحشيته بقطع الرؤوس وإحراق الناس أحياء وغيرها وهو نفس الأسلوب الذي استعمله تارنت عندما نفّذ عمليته الارهابية ضد مصلين عزل.

إن العالم يقف على مفترق الطريق حيث يجب التمييز بين حرية التعبير وخطاب الكراهية المبطّن والصريح والذي بدأت معالمه تظهر في الخطاب السياسي وبدون قفازات بعد وصول دونالد ترامب إلى الحكم في الولايات المتحدة الاميركية.

السياسيون الأستراليون غير محصّنون ضد هذا الخطاب رغم إلغاء أستراليا سياسة أستراليا البيضاء في أوائل سبعينيات القرن الماضي لكن ومن أجل مكاسب سياسية وإنتخابية استعمل هذا الخطاب في الماضي وفي عدة محطات إنتخابية خصوصاً بعد وصول جان هاورد الأحراري إلى رئاسة الوزراء عام 1996  منها على سبيل المثال لا الحصر.

في العام 2001 وأثناء الحملة الإنتخابية حين ربطت حكومة الأحرار وعمداً بين عملية 11 أيلول وطالبيى اللجؤ ومنذ ذلك الحين والطرف السياسي المحافظ في أستراليا يرسل رسائل مبطنة ضد المسلمين.

وفي العام 2007 استُهدفت الجالية الصينية بنفس الأسلوب حيث كانت القشة التي قسمت ظهر البعير وخسر رئيس الوزراء أنذاك جان هاورد الإنتخابات ومقعده النيابي. وفي نفس العام تمّ القبض على بعض ناشطي حزب الأحرار ليلاً يوزعون دعاية إنتخابية على بريد المنازل في مقعد ليندزي المتأرجح قبل 3 أيام من الإنتخابات تتضمن رسائل كراهية ضد المسلمين وحزب العمال. إستمر الأمر على هذا المنوال من خلال استهداف شهادات الذبح الحلال والمطالبة بمنع البوركا وهجرة المسلمين.

فرايزر آننك يستعمل تعبير النازيين "الحل النهائي" لوقف هجرة المسلمين،  وقد هنّأ بعض أعضاء مجلس الشيوخ من حزب الأحرار آننغ على تصريحاته وكان آننغ قد طالب أيضاً بعودة سياسة أستراليا البيضاء التي ألغِيت سبعينات القرن الماضي. وبعد مجزرة نيوزيلندا حمل آننغ الضحايا مسؤولية ما حصل لهم.

النائب الأحراري جورج كريستنسن خطب في مهرجان المتطرفين البيض.

مارك ليثام الزعيم السابق لحزب العمال الفيدرالي والذي كاد أن يصل إلى رئاسة الوزراء والذي تحوّل إلى حزب أمة واحدة العنصري وترأس فرع ولاية نيو سوث ويلز وفاز بمقعد  في مجلس الشيوخ عن الحزب في إنتخابات الولاية الأخيرة، دعى إلى الفحص الجيني للسكان الأصليين للتأكد من صحة إنتمائهم للحصول على مساعدات الضمان الإجتماعي، عدا عن عدائيته المستحدثة ضد المهاجرين والمسلمين.

بيتر داتون وزير الداخلية وتصريحاته عن الخطأ الذي إرتُكب في ثمانينيات القرن الماضي والسماح بدخول المسلمين اللبنانيين إلى أستراليا والتي رفض رئيس الوزراء سكوت موريسن إدانتها.

داتون نفسه إتّهم ورئيس الوزراء الأحراري السابق ملكوم تيرنبول العصابات الجنوب سودانية بأنها تهدّد الأمن في مدينة ملبورن وذلك أثناء الحملة الإنتخابية في الولاية العام الماضي للنيل من مصداقية حكومة العمال.

كوري برانبي الذي انشقّ عن حزب الأحرار وشكّل حزب المحافظين له خطاب كراهية صريح ومبطّن ضد الهجرة والمسلمين.

بولين هانوسن زعيمة حزب أمة واحدة والتي وصفت المسلمين بالمرض الذي يجب التلقيح ضده، ارتدت البرقع  ودخلت به إلى قاعة البرلمان للمطالبة بمنع ارتداء البرقع.  وكانت هانسون طالبت بتشكيل لجنة تحقيق ملكية بالإسلام وطبيعته. وها هي محطة الجزيرة تنشر تقرير(26/3/2019) عن زيارة لقياديين من حزب أمة واحدة للولايات المتحدة ويطالبون لوبي السلاح الأميركي بالتبرع للحزب بمبلغ 20 مليون دولار لتغيير ميزان القوى في البرلمان الأسترالي من أجل تعديل قانون حيازة الأسلحة في أستراليا. وأثناء الإجتماع قال ستيف ديكسن زعيم حزب أمة واحدة في كوينزلند :"اننا نستورد العصابات الأفريقية" الذين يقومون باغتصاب النساء والسرقة ويهاجمون البيوت بمضارب البيسبول ويسرقون السيارات ونحن ممنوع علينا الدفاع عن بيوتنا. ومع ذلك ما زال حزب الأحرار يرفض وضع حزب أمة واحدة في آخر قائمة الأصوات التفضيلية في الإنتخابات  الفيدرالية القادمة!

لوك فولي زعيم حزب العمال السابق في نيو سوث ويلز والذي خسر منصبه بسبب قضية تحرش جنسي كان قد حذر من هجرة المواطنين البيض من غرب سدني.

مايكل دايلي الزعيم الحالي لحزب العمال في نيو شوث ويلز والذي خسر الإنتخابات الأخيرة في الولاية بعد تسريب شريط فيديو له وهو يتحدث عن أخذ الأسيويين الوظائف واضطرار الشباب الأسترالي المغادرة إلى الارياف.

العام الماضي اضطر حزب العمال إلى سحب إعلان إنتخابي لم يُظهر فيه سوى مواطنون من خلفية انكلوسكسونية في بلد يعتزّ بتعدديته الثقافية والتي اصبحت كلازمة تتردد على السنة السياسيين.

جان هاورد رئيس الوزراء الأحراري السابق قال نحن من نحدّد من يدخل إلى بلادنا ولا نريد من يرمون أبنائهم في البحر، هذا الإدعاء الذي ثبت بطلانه لاحقاً. وكان هاورد نفسه اتّهم الدكتور محمد حنيف بالإرهاب بعد تفجيرات لندن، تلك الاتهامات التي تبيّنت أنها بدون أرضية وتم تبرئة حنيف بعد ان كان تمّ طرده من أستراليا.

هاورد مؤخراً وبعد إدانة الكاردينال جورج بيل بالاعتداء الجنسي على الاطفال قدم شهادة حسن سلوك للمحكمة عن بيل وكذلك شكك بنزاهة القضاء مجموعة من الاعلاميين ابرزهم  اندرو بولط وميرندا فاين وكان رئيس الوزراء الاسبق طوني ابوت قد اتصل بالكاردينال بيل للأطمئنان عنه بعد إدانته!

رئيس الوزراء سكوت موريسن كانت له مواقف متقدمة بعد إعتداء نيوزيلندا، اضطر للدفاع عن سمعته بعد أن أثيرت مسألة طرحه استغلال  الشعور المعادي للمسلمين من أجل قضايا سياسية، واعترف أن الموضوع أثير فعلاً في العام 2010 داخل اجتماع حكومة الظل ولكن ليس كإستراتيجية إنتخابية لربح المزيد من الأصوات بل لمكافحة الظاهرة. وحسب إستطلاع للرأي أجرته صحيفة سدني مورننغ هيرالد 23/3/2019 وجد ان 63% من المستطلعين لم يصدقوا ادعاءات موريسن. من جهة ثانية إعترف موريسن بوجود ظاهرة  الإسلاموفوبيا في أستراليا والتي يتأثّر بها بعض أفراد في حزب الأحرار، ودعى موريسن إلى مكافحة هذه الظاهرة سواء في المجتمع أو في الحكومة. وقبل عامين كان رئيس الوزراء الأحراري الأسبق طوني ابوت استبعد وجود ظاهرة الإسلاموفوبيا، علماً أنه هو من دعى إلى إعطاء الأولوية  لللاجئين العراقيين والسوريين من المسيحيين.

موريسن كان قد إتّهم اللاجئين بأنهم يجلبون معهم أمراض السل والسفلس وهذا ماعاد وكرره نائب رئيس الوزراء مايكل ماكورماك العام الماضي عند مناقشة مشروع قرار إحضار اللاجئين من جزر ناورو ومانوس للعلاج في أستراليا بوصفه اللاجئين بالمغتصبين والقتلة والعالة على الآخرين.

وفي العام الماضي صوّت نواب حزب الأحرار إلى جانب مشروع قرار تقدّم به حزب أمة واحدة يقول " لا بأس في أن تكون أبيضاً" قبل أن تعود الحكومة وتتراجع  تحت ضغط حزب العمال مبررة التصويت بعدم فهم المشروع!

ولا يخفى الدور الذي يلعبه الإعلام بالتحريض ضد الإسلام والمسلمين بخطاب مليء بالكراهية والإحتقار خصوصاً إعلاميين أمثال اندرو بولط  وآلن جونز الذي تبرع  مؤخراً ب10000 دولار لحملة مارك ليثام الإنتخابية.

ما تقدّم وغيره يندرج ضمن خطاب الكراهية المبطن والصريح والذي يبني عليه أمثال برنتون تارنت أفكارهم داخل مجموعات يمنية متطرّفة تعتقد بتفوق العرق الابيض. هذا ما حذّر منه نائب مفوض الشرطة السابق في نيو سوث ويلز نيك كالداس في مقالة في صحيفة سدني مورننغ هيرالد 18/3/2019 معتبراً أن هناك دروساً يجب تعلمها من إعتداء نيوزيلندا أولها أنه على القوى الأمنية واجهزة الإستخبارات  واجب ان لا تتخلّى عن مراقبة اليمين المتطرّف من أجل التصدي للتهديد الاكبر المتمثّل بالإسلام الأصولي الراديكالي المتطرّف.

يقول أحد المعلقين السياسيين الأستراليين، في أستراليا يكفي أن تستعمل تعبير عدم التساهل ب"حماية الحدود" الكلمتين السحريتين حتى تصل الرسالة المشفرة إلى من يعنيهم أن الحكومة ماضية في سياستها المتشدّدة تجاه اللاجئين والتي يشكل المسلمين أكثيرتهم.

المشكلة التي تواجه الأقليات لا يمكن إنكارها  وخصوصاً الإسلاموفوبيا وهذا ما اعترف به رئيس الوزراء سكوت موريسن. ولكن يجب علينا ان لا نطمر رؤوسنا في الرمال كالنعامة ونتغاضى عن البلاء الذي ابتليت به الجالية العربية والإسلامية وهو داء قيادات الجالية سواء الدينية أو الدنيوية حيث أن معظمهم من الإنتهازيين وقصيري النظر وعديمي الثقافة الاجتماعية والسياسية وبعيدون كل البعد عن مشاكل المجتمع الأوسع بما فيها الجالية العربية والإسلامية، حيث تتسع الهوة بينهم وبين الأجيال الشابة المولودة في البلاد لأن خطابهم لا يحاكي الواقع.

إذن، بين مطرقة ما يسمى قيادات الجالية وسندان السياسيين ووسائل الإعلام حصل هذا الشرخ داخل المجتمع، فظهرت جماعات إسلامية متطرفة كالذين خرجوا للقتال في سوريا والعراق، وجماعات عرقية تعتقد بتفوق العنصر الأبيض وبغزو المهاجرين واللاجئين وبوجوب طردهم والمثال الصارخ هو الأرهابي برنتون تارنت الذي نفّذ العملية الإرهابية في كرايس تشرش.

من هنا تبرز أهمية دعوة زعيم المعارضة الفيدرالية بيل شورتن المثبتة في مقدمة المقال لأننا كمواطنون وبغض النظر عن الخلفية الثقافية التي نحملها يجب أن نحافظ على بعضنا البعض، ونستشهد بالحديث النبوي الذي إستشهدت به رئيسة وزراء نيوزيلندا جاسيندا آردن " مَثَلُ المؤمنين في تَوَادِّهم وتراحُمهم وتعاطُفهم مثلُ الجسدِ إذا اشتكى منه عضو تَدَاعَى له سائرُ الجسد بالسَّهَرِ والحُمِّى".

أخيرا، لا يعاب المرء بلون بشرته أو بخلفيته الثقافية أو أثنيته أوعقيدته سواء الدينية أو الوضعية، إن ما يعيب المرء هو إنحرافه عن القيم الإنسانية التي تجمع كل أطياف البشر تحت جناحها. وفعلاً يجب أن يكون هناك نقاش وحوار جاد وهادف حول كل المواضيع والقضايا التي تواجهنا كأستراليين. وحتى لا ينحرف هذا النقاش عن أهدافه بحجة الدفاع عن حرية التعبير، يجب الفصل الكليّ بين حرية التعبير وخطاب الكراهية  أو تبرير إرهاب البعض من خلال ربط  الإرهاب بلون أو دين أو إثنية وهذا هو التحدّي الحقيقي ولا يجب ان يكون العنف البربري خياراً بأي شكل.

 

عباس علي مراد

 

هادي جلو مرعيعبر مئات من السنين تعرض العراق الى غزوات وحروب وفتن مصدرها خارجي، وإحتلالات من دول كبرى بعيدة وقريبة كانت كلها تذهب الى سجلات التاريخ لتحفظ، لكنها لم تتمكن من قهر العراق كدولة حضارية عظيمة متفق من دول عدة على ضرورة تدميرها، وإلحاقها بدول أخرى كحديقة خلفية، أوكتابع ذليل ومستصغر لاقيمة، ولاوجود له، ولاتأثير إلا في ظل التابعية لهذا المشروع وذاك، دون تغافل إندفاع عراقيين كثر للإنغماس في مثل هذه المشاريع كموظفين أذلاء يطويهم التاريخ، ثم يعود العراق الى هيبته  ووجوده وتأثيره.

لم يمارس العرب دور المحتل مع العراق كبريطانيا، أوتركيا، أوأمريكا، وغيرها من بلدان كانت تذل وتهان على الطريقة العراقية، ثم تغادرغيرمأسوف عليها، وكان العرب في الغالب مايزالون رغم غيرة بعضهم منه، ومن وجوده الحضاري الضارب في عمق التاريخ يحاولون التقرب منه، والإنتفاع من قدراته التي وصفها الأسلاف بأوصاف تليق بهذا البلد ورجالاته، فهو رمح العرب، وهو بلد الرجال الرافضين للذل والهوان والثائرين والمتمردين والناقمين على العبودية، ويكفيه  فخرا أن المسلمين إختاروه كمنطلق لفتح الشرق، ونشر الإسلام في أقاصي الأرض كما إن عليا إبن أبي طالب إختاره ليكون عاصمة الدولة العربية الإسلامية في الكوفة، ثم إختاره خلفاء بني العباس ليكون عاصمة العالم التي هي بغداد.

يتحرك العراق اليوم في مساحة مفتوحة، وممكنة من العلاقات الثنائية مع دول عربية وأجنبية، وربما من المفيد التحرك أكثر نحو علاقات متعددة، ومحاورإقتصادية، والتخلص من طريقة العمل بالوكالة والتابعية، وبناء دولة مؤسسات حرة تحتفظ بعلاقات مع الجميع، ونفي كل رغبة لدى أي دولة بتحجيم تحركات بغداد، وربطها بمحورعربي، أوإقليمي يعطلها، ويمنع تحقيق مكاسب لها، وأن يكون العراق مع الجميع، وليس ضد أحد، ولاأداة بيد أحد، ومثلما يرفض الحصار على إيران فيجب أن ينفتح على دول في الخليج والمنطقة العربية عموما والغرب كذلك. فالتخلف ليس من شيمتنا، والتردي والفساد والإنهيار الإقتصادي لايليق بنا، وإذا ماإستجابت بغداد لضغوط من دول عربية، أوإقليمية لتحجيم تحركاتها وعلاقاتها بالطريقة التي تريد، فهذا يعني أنها عاصمة لبلد لاسيادة له، ولاقرار وطني مستقل، وإن من يحكمهم أشخاص موظفون ومنفذون لأجندات ويستحقون وصف العملاء.

سيكون لعامل اللغة دورمهم  في ترسيخ حماية العراق من التحول الى دولة هامشية، فاللغة العربية برغم ماتعرضت له من إنتكاسات لكنها حافظت على وجودها في تمتين العلاقة مع العرب، بينما إستفاد منها غير العرب للتواصل مع الدين الإسلامي بوصفها أداة التمكين الأولى، كما إن غير العرب كشعوب ينفرون من العرب والعراقيين، ولديهم رغبة في الإحتفاظ بخصوصيتهم، ويخشون من وجود العراقيين كعامل تأثيرسلبي على نقاء الحضارة التي يحاولون الحفاظ عليها، والإنتصار بها، ولهذا فإن التواصل السياسي والإقتصادي والثقافي مع العرب يمكن أن يحقق نتائج إيجابية سريعة خاصة وإن الدول العربية المؤثرة يمكن أن تكون الواسطة بين بغداد والغرب، ويكفي ماخسرناه في الماضي، ويكفي إنتظارمالايأتي أبدا، فالعرب يهابوننا، ويحتاجون إلينا، ويمكن أن نستغلهم، وغير العرب يرون فينا أتباعا وأدوات، وينفرون منا، ولايريدون أن نؤثر في نقاء حضارتهم العظيمة  كمايرونها..

 

هادي جلومرعي

 

محمد سعد عبداللطيفالوصایا الهاشمیة فی مَهَبّ الریح مَاذَا ینتظر جَلاَلَةُ الْمَلِك عَبْدِ اللَّهُ بَعْدَ عَوْدِه نتنیاهو مِنْ رِحْلَتِه إلی واشنطن هَل یغیر مَوْقِفِه وتصریحاته مِن الوصایا علی أَوْقَاف الْقُدْس بَعْد تصریحاته عشیة عَوَّدَتْهُ مِن زیارة عَمِل لواشنطن هَذَا الْأُسْبُوع وَمَا هِي الضغوط الَّتِي یتعرض لَهَا فی تسویة مِلَفّ الْقُدْس وقضایا الْحُدُود وَتَصَاعَد مِلَفّ الجیوسیاسیه فی الْمِنْطَقَة وَهَل حفید الشریف حسین تَعْلَم الجغرافیا السیاسیة فی مَرَاحِل الدِّرَاسَة فی الْغَرْب یستطیع أَن یتعامل مَع الْمِلَف الشَّائِك فی جغرافیة الْأُرْدُن بِالنِّسْبَة لصفقة الْقَرْن ، ویجب علی السَّاسة والحکام أَن یتعلموا ویعرفوا شیٸاً عَن الجغرافیا والتاریخ 

وعلی مراکز الدراسات الجیوسیاسیة إبْرَاز وأهمیة مَوْقِع الْأُرْدُن الجغرافي فی الصِّرَاع الدَّائِر وَمَنْ خَلْف الکوالیس عَن وَطَن بدیل علی الْأَرَاضِي الأردنیة بِحُجَّة عَامِلٌ دیمغرافي وَبَشَرِي واقتصادي وثقافي وَإِن أَبْنَاء غَرَّب نَهْر الْأُرْدُن وَشَرْقِه شُعَب وَاحِد وتاریخ وَاحِد یستطیع الاندماج فی دَوْلَةٍ وَاحِدَة علی حِسَاب الْمَشْرُوع الصهیوني الجدید ، 

مَوْقِفٌ الْأُرْدُن مَوْقِفٌ صَعُب بین مُفْتَرِق طُرُق بین حَالَة حَرَاك شَعْبِيٌّ ضِدُّ الْفَقْر وَالْفَسَاد وَالثَّوَابِت الوطنیة وعلیها وَاجِبٌ ودورًا وطنیًا فی دَعْم القضیة الفلسطنیة وَهَذَا ظَهَر فی الزیارة التی قَامَ بِهَا الْمَلِك إلی مدینة الزَّرْقَاء عَقِب عَوَّدَتْهُ مِن واشنطن حیث الکثافه السکانیة للفلسطينیین لیخاطب کل الشُّعَبِ عَن الضغوط التی یتعرض لَهَا لِقَبُول الاِسْتِسْلاَم وَعَبَّرَ عَن دهشته للداعین والداعمین لصفقه الْقَرْن ، 

ففی الْعَامِ الْمَاضِي وفی زیارة نتنیاهو إلی أمریکا صَرَخ فی وَجْهِ الْعَالِم فی مٶتمر أییباك ضِدّ الْمِلَف النَّوَوِيّ الإیراني وَطَالِب الْعَالِم وخاصةً عَالِمِنَا الْعَرَبِيّ بِتَحَالُف سِنِي إسرائیلي أمریکي ضِدّ إیران وَالْآن ، وَقَد نَجَح فی الضَّغْط علی أمریکا بِفَرْض عُقُوبَات اقتصادیه علی ایران وَخُرُوج امریکا مِن اتفاقیة (لُوزان 5 +1) هل ینجح هَذِهِ الْمَرَّة فی رِحْلَتِه هَذَا الْأُسْبُوع ویطالب أمریکا  بِالِاعْتِرَاف بالجولان أَرْضًا إسرائیلیه  بَعْد اعْتِرَافِهَا بالقدس عاصِمَة وَنَقَل سفارتها ،   ویهودیة الْقُدْس وَإِعْلَان القومیة فی ظِلّ رئیس أمریکي  شعبوي  ضِدّ أی مَصَالِح عربیة فی الْمِنْطَقَة وَضِدّ قَرَارَاتٌ ومعاهدات دولیة بِاعْتِرَاف أَن الْجَوْلَان وَالْقُدْس وکل مَا قَبْل یوم خَمْسَةً مِن یونیة /حزیران /عام 1967/  أَرْضًا عربیة  مَاذَا ینتظر الشُّعُوب العربیة مِن خیانة علنیة للقضیة المرکزیة لکل العرب  

فی هَذَا الْأُسْبُوع صَدْر کتاب عَن الکاتبة (۔۔وارد ۔۔ )عن مُسَوَّدَة عَن صَفْقَة الْقَرْن وَتَبَادُل الأراضی فی الْأُرْدُن والسعودیة وکما حَدَث بین مِصْر والسعودیة فی جزیرتي تیران وصنافیر  وتوسیع أراضی فلسطنیة علی حِسَاب الْأُرْدُن لتکون  وَطَن بدیل للفلسطنیین وَتَشْمَل خَطِّه (کوشنر) مِصْر وَلُبْنَان والأردن ! رَغِم نَفْي الْمُتَحَدِّث للبیت الأبیض عَمَّا صَدْر فی کتاب المٶلفة الکاتبة وَارِدٌ الإنجلیزیة ۔ هَذَا الکتاب  ینصف انْزِعَاج جَلاَلَةُ الْمَلِك فی تصریحاته الأخیرة (لَن أغیر مَوْقِفِي مِنَ الْقُدْس وَهُو یخاطب الشَّعْب شَعْبِيٌّ مَعِي)

هَل سیکون مصیر الْمَلِك مصیر عرفات  إذَا رَفَض التسویة النهائیة وَقَدْ ظَهَر بوادرها فی خِتَام أَعْمَال مٶتمر الرِّبَاط الأخیر  

وماهو  نِقاطٌ الْخِلَاف الذی یلعبه مُحَمَّدُ بْن سلمان  ضِدّ الْأُرْدُن لیلعب  دُور الشرطی فی الْمِنْطَقَة ویتطلع  أَن یصبح مَلِكِ الْعَرَب حتی وَلَو کان علی حِسَاب الدَّم العربی والسعودیة أیضا  هَل یختفي جَلاَلَةُ الْمَلِك عَبْداللَّه مِن الْمَشْهَد السیاسي وتکون نهایة الحکم الْهَاشِمِيّ الذی صَنَعَه الْغَرْب عَقِب الْحَرْب العالمیة الثانیة مِن سیکس بیکو  جدید  وَرَسْم حدود  جدیدة  للخریطة السیاسیة إمَام تمریر صَفْقَة الْقَرْن ; 

أَوَّلَ أَمْس کان مَشْهَد تَشَابُك الاید  مَع الرٸیس المصری وَالْعِرَاقِيّ والاردني رِسَالَة عَن مِحْوَر جدید ینتظر الرُّبَاعِيّ لَه سوریا لیکون اللَّعِبِ مَع الکبار  ضِدّ الْحَلِف السني  الصهیوني ، وَضِدّ الضغوط الخلیج عَنْ مَوْقِفٌ الْأُرْدُن ، لتلعب الجغرافیا  السیاسیه فی کتله متجانسه دوراً بارزاً وتأثیر علی السیاسة الخارجیة للاردن 

فی غیاب دُور الْمُفَاوِض المثقف الْعَرَبِيّ للجغرافیا السیاسیة وتاریخ الیهود  الیوم مِن ناحیة أنثروبولوجیا  أَن الیهود المعاصرین الذین یدعون الانْتِماء أصلاً إلی فلسطین لیسوا هُم أَحْفَادٌ الیهود الذین خَرَجُوا مِنْهَا فی فَتْرَة مَا قَبْل المیلاد وَهُمْ مِن الذین اعتنقوا الیهودیة فی الْقَرْن الثَّامِنَ عَشَرَ مِن الامبراطوریة الْخَزَر التتریة وَقَد تَعَلَّمْنَا ذَلِكَ مِنْ أُسْتَاذِي الْعَالِم الدکتور  جَمَال حَمْدَان وَمَن کتاب  القبیلة الثَّالِثَة عشر  للکاتب أرثر کرستلر  

رغم  النکبة عَام 1967 م رَفَض الزعیم جَمَال عَبْدِ النَّاصِرُ بَعْد شهرین مِنْ رِسَالَة حَمْلِهَا الرئیس الیوغسلافي تُوت من  الرٸیس  الامریکي  إلی الزعیم نَاصِر بالانسحاب مِن سیناء وَفَتْح الْقَنَاة وَالسَّمَاح بِمُرُور السُّفُن الإسرائیلیة مِنْ مَمَرّ تیران رَفَضَ أَن یکون   الْحِلّ منفرداؑ ویکون  شَامِلٌ بِمَا فیه الْقُدْس وَالجَوَلاَن وَقَدْ وَافَق علی روجرز فقط  لکسب الْوَقْت لِنَصْب حائط  الصواریخ وفی خِطَاب نَاصِر فی إِسْتاد الخُرْطُوم عَام 1968  م قَال لیست سیناء مشکلة فی إعَادَتُهَا ولکن المشکله  خُرُوج مِصْرَ مِنَ الصِّرَاع الْعَرَبِيّ الإسرائیلي هُوَ الْمُطّلِب الوحید لامریکا  حقاً نَحْتَاج إلی زعیم یفهم الجغرافیا السیاسیة هَل جَلاَلَةُ الْمَلِك عبدالله  رَغِم الْحَالَة الاقتصادیة والضغوط الخارجیة یظل علی ثوابته الوطنیة ، 

وَتَسْقُط نظریة الحل  الْمُنْفَرِدِ مِن کامب دیفید الی وَادِي عربة 

 

مُحَمَّد سَعْد عَبْد اللطیف 

کاتب وَبَاحِث فی الجغرافیا السیاسیة

 

مهدي الصافيكنت انتقد بشدة تصل حد الرفض المطلق لاي عذر او حجة او مسوغ اخلاقي، ان يقدم بعض الاشخاص وبالاخص النساء بالتعبير عن المعاناة الشخصية او الفئوية عبر التعري في شوارع المدن احتجاجا على التهميش او الاقصاء او التمييز او العنف الاجتماعي او الظلم والفساد عموما، ولكنني اجد نفسي الان متضامنا مع كل المظلومين في العالم، ولن انتقد او اعترض يوما على تلك المواقف العلنية المباشرة الصعبة حتى لو كانت حرقا او انتحارا، مع انني ثابت على موقفي الشخصي الرافض (الذي لن يكون معلنا) لتلك الظواهر، الا انها فعلا هي تعبير كبير عن حالة الياس والاحباط والفشل، الذي قد يصل اليه الانسان في ظروف معينة قاسية جدا، لعدم قدرته على ايصال صوته بالطرق الطبيعية السليمة...

خيبة الامل في بلادنا بعد٢٠٠٣ليس لها حدود، فشل، وجهل، وغباء وتخلف، ونفاق وانتهازية، وفساد، وعنف اجتماعي وجرائم ارهابية وجنائية، وانحراف عقائدي وطائفي وديني(لخ.)، تتراكم المأساة والاخفاقات والانتكاسات وكأنها قدر حتمي اصاب هذه الامة او هذا البلد، لايرى اي امل يلوح في الافق، الكل واقع تحت تأثير دائرة الفساد والعجز والشلل السياسي والاداري والديني والاجتماعي، لا الدولة ولا الاحزاب ولا شيوخ العشائر او القبائل، ولا حتى المراجع او الفقهاء او رجال الدين عموما لديهم رؤية او خطوة او تحرك جاد لانقاذ البلاد والعباد من كارثة الفوضى العارمة، امر صادم وخطير في نفس الوقت، ترى سقوط الدولة والمجتمع في شراك وشباك الفاسدين ويجرفون كالغرقى في موسم الفيضانات، دون ان يردع هؤلاء الاوغاد احد، فهم في قمة التحالفات الشيطانية وذروتها، اجتمعوا واتفقوا وقرروا ان يكون كل شيء تحت ايديهم وتصرفهم، هكذا هم اوصلوا النموذج البائس للديمقراطية الرأسمالية الى نهايتها الحتمية، فكانوا اخر التجارب والامثلة العملية الفاشلة، تماما كما يفعل وحوش الرأسمالية في امريكا، ولهذا نقول للعالم ان مانطرحه في نظرية ديمقراطية النخب هي بمثابة الحل الاكثر واقعية لطبيعة المجتمعات المتغيرة، كي لاتعود الافكار العنصرية واليمينية المتطرفة الى الواجهة من جديد، لتكون سببا محتملا لاندلاع حرب همجية عالمية ثالثة .

اما بخصوص اهمية دور النخب والطبقات السياسية والمثقفة الوطنية في انقاذ البلاد، فهي تكاد تكون مغيبة او شبه معدومة، لان واحدة من اهم مقومات بقاء الفساد السياسي هو اشاعة التخلف والجهل والاهمال والتقصير، ونشر ثقافة اللامبالاة وعدم الاكتراث والالهاء بكل مجالات الدولة والمجتمع، لابقاء الشعوب اسيرة دوامة الازمات والمشاكل والاحداث اليومية المتشعبة، مما يجعل من مهمة المؤسسات الثقافية المدنية المستقلة، والمحاولات النخبوية الشخصية لانقاذ البلاد مهمة شاقة جدا.

خيبة الامل لاتتعلق فقط بالاداء السياسي، وانما بالوضع الوطني العام، وبعجز المجتمعات المتاخرة عن ايجاد مناضلين ثوريين يبرزون للواجهة كقادة اصلاحيين حقيقيين، وبتراجع ثقافة المجتمع، وزيادة نسبة التسرب من المدارس، وانتشار الامية في عصر الحضارة الالكترونية، والفقر والعوز والحرمان، هذه الكوارث الوطنية يمكنها ان تنهي وتحطم مستقبل اي دولة او شعب في العالم، فهم لايمكنهم استيعاب معضلة ومرحلة ان يكون المزاج الشعبي العام كئيبا وحزينا ومثبطا، وغارقا بالمأسي وقصص الموت المجاني، فكيف بهم ان يتنبؤا بالنتائج، ولهذا لايشعر الناس بحجم الكارثة الا بعد ان تنتشر وتعم الاضرار في كامل جسد الامة، حتى بات الانتحار ظاهرة خطيرة في بلادنا، وكذلك تعدد واتساع دائرة ردات الفعل المتطرفة او الحادة، كالتفكير بالهجرة، او بالعزوف عن الاسلام، او انتشار ظاهرة الالحاد، الخ.

الكل يتحمل مسؤولية مايحدث، فالفاسد في بلادنا لايختلف عن الشخص المستجدي البخيل، لايكل ولايمل عن السرقة وخزن الاموال الحرام، وهو ايضا لايرحم في سرقاته وفساده طفلا او شيخا او مريضا او نازحا، يسرق كل مايخطر او يمر على ذهنه العفن او مايقع امام عينيه، المسؤولية ليست عبئا ثقيلا دائما، بل هدف وغاية وامل، مثلما تبني الامم والشعوب اوطانها بضمير حي، وتتعامل مع ثروات بلدانهم بحرص وبحكمة وعقل وعلم ومنطق، على شعبنا ان يفهم ذلك الامر بشكل واضح وجلي، الذي سيتساوى تحت مظلته الجميع دون استثناء، الوطن هو بيت الشعب الكبير، بكل ماتحمل تلك العبارة من معنى، لابد ان

يلمس ويرى الشعب ان الدولة تقوم بالفعل على خدمته وخدمة ابناءه والجميع دون استثناء...

الانتكاسة كبيرة، لأن الحمل والاثار والتركة كبيرة ايضا، فبعد رحيل الاستعمار عن بلادنا، وانهيار الانظمة الدموية الدكتاتورية المستبدة، ثبت ان اكثر ماتواجهه الامة هو التراجع الحضاري القديم والحديث، لاهم في عربة الحضارة القديمة، كي نقول ان السير لازال بطيئا، ولاهم كذلك مع عجلات الحضارة الالكترونية المسرعة، امة تائهة وغائبة عن الوعي لعدة اسباب، منها خارجية(تركة الاستعمار وهيمنة الامبريالية العالمية على الانظمة العميلة لها في المنطقة، وغياب الاخلاق الانسانية والقوانين والاعراف السياسية في التعاملات الدولية)، واخرى داخلية منها مادية، وكذلك عقائدية وفكرية وتراثية، وبدوية، وقبلية، ومعنوية شخصية، لاهوية ولا عنوان، ولا اسم ولاحتى اشارة تمييز، اختلطت الالوان، ثم صارت الامة كما يصفها اعداءها (الاسلامفوبيا)لون واحد "الفوضى ....."...

لاحل لانتكاسة الوطن غير الثورة الداخلية للانسان، بالتخلص من كل المخاوف والخطوكط الحمر العقائدية او التراثية، عبر اعادة اثارة الاسئلة الدفينة والقلقة، اخراج كل مابداخله من تساؤلات بسيطة كانت ام عميقة، او حتى الساذجة منها، يقرأ ويبحث ويفكر ويناقش ويسأل ويجادل، وان يتخلص كليا من نظام التبعية تحت اي ظرف او مسمى او سبب كان، الجدل والنقاش المعرفي العميق غذاء الفلسفة، والفلسفة غذاء الفكر، والفكر غذاء الروح الانسانية العظيمة...

قبل ان تفكر الامم والشعوب بالتغيير والنهضة السياسية والاجتماعية والثقافية عليها ان تحدث ثورة معرفية داخل كل فرد، اعادة انظمة التعليم المجاني، ودعم المؤسسات الثقافية، والعمل على توفير المكتبات العامة في المدن والمحافظات والقرى، وفي جميع المدارس والمؤسسات التعليميةبالمعرفة ونشر الثقافة والوعي يمكن ان يبحر الناس الى شاطئ الامان والازدهار بسهولة وبزمن قياسي، لا ان تغرق في وحل التراث الديني المنحرف، وفي الازمات، والفتن الطائفية، وقصص التاريخ المشكوك بمصداقيتها، فيصبح كالدرويش على سبيل المثال كل ايام السنة، لا هم عنده غير الاعمال والافعال والممارسات والجلسات الدينية او الطائفية، وكأن الحياة لاطريق فيها غير طريق الدين والعقائد والشرع والقضاء والقدر، والحدود والجهاد، والطقوس والشعائر  (الخ)، تجد اغلب الناس مشغولة بالافكار والاساطيراللامعقولة، وبالامنيات البعيدة عن الواقع، كاقامة المجتمع الاسلامي، وتطبيق احكام الشريعة من الحلال والحرام والحدود، وليس البحث عن اليات تطبيق النظام والدستور والقانون، والتطور العلمي والتكنولوجي، وهي بالطبع من اهم ضروريات الحياة المعاصرة، مع العلم ان الله عزوجل لم يقل ابدا عليكم اقامة محاكم شرعية في الارض، او بناء هكذا مجتمعات دينية مغلقة، انما عليكم بناء مجتمع انساني متطور، قال تعالى في سورة الحجرات: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)

هذه المتاهات لايمكنها ان تسعف الدول او الشعوب الفاشلة او المتراجعة حضاريا على النهوض مجددا واللحاق بركب الحضارة العالمية، اذ هي بحاجة الى مراحل انتقالية متعددة، بالمسير في مشوار طويل مليئ بالعقبات والعثرات والصعوبات حتى تتمكن من وضع اولى خطواتها بالاتجاه الصحيح، بناء الانسان اولا، ثم الدولة والمجتمع ثانيا...

نؤكد دائما على ضرورة فهم نظرية بناء الدولة الحديثة، التي لايكون فيها للفساد والنفاق والانتهازية اي مكان او وجود مؤثر، فالسفينة المخروقة لايمكنها ان تنقذ احدا وسط البحر او توصله الى بر الامان، فكيف ان كان بناءها بهيئة عبارة الموصل (الغارقة)..عبارة الفاجعة....

 

مهدي الصافي

 

قبل النظر فى التمييز بين المفاهيم (العنف – الصراع – الارهاب - الحرب) هنالك ملاحظة اساسية لا بد من الاشارة اليها وهى ان كل هذه الظواهر تستند الى دينميات (محركات) مشتركة، احد اهم هذه المحركات هو الصراع حول المصالح ) كتاب لماذا يثور الناس

لم يعد يخفى على احد ان المصالح بمختلف اشكالها هى من يحرك – فى عالم اليوم- كل الاحداث التى تدور حول العالم بحيث انه من شىء يحدث صغر ام كبر الا وتجد من خلفه مصلحة ما لشخص ما او لدولة او منظمة او اى كيان اخر، ولعبة المصالح هذه ربما تؤدى فى معظم الاحيان الى فجوة تظهر على اثرها مشكلات كثر وضحايا كثر قصد من قام بالحدث الى ذلك ام لم يقصد ومن بين ما يعنينا اليوم نحن المسلمين هذه النزعات المتطرفة نحو كراهية الإسلام، لانها أصبحت تتغلغل فى المجتمعات الغربية بشكل متسارع من جهة ولان وسائل التعبير عنها اصبحت اكثر دموية من اى وقت مضى من جهة اخرى  وبين تغلغلها المتسارع ودموية التعبير عنها أصبح المسلمون مهددين ليس فى اعمالهم ا وفى سكناهم بل فى وجودهم على أراضى المهاجر فى أوروبا وغيرها، وحادثة (كريست شيرش) هى اكبر دليل على سرعة تغلغل الكراهية وعلى دموية التعبير عنها

يرى عالم السياسة الامريكى تيد جور ان السبب فى فى حالات التعبير العنيف عن الأفكار والمعتقدات هو الفجوة بين الحاجات وتحقيقها، كما يرى الكثير من علماء  السوسيولوجيا ان الحرمان النسبى مسئول عن معظم حالات العنف والعصيان وحرب العصابات  وبالنظر الى ما يتعاطاه الشباب فى الدول الغربية عن الارهاب وعلاقته بالإسلام، تتكون لديهم عقيدة اساسية وهى انهم مستهدفون من الإسلام كقومية عرقية وكمعتقد دينى مسيحي او يهودى وكشعب اوروبى ذو نقاء عرقى معروف، وكل تلك الأشياء كانت نتييجة حتمية ومباشرة للافكار ظلت تصل الى اسماعهم من قادة الرأى وقادة السياسة على السواء.

لم تكن كلمة الإرهاب والموجودة فى المعاجم العربية والاروبية منذ وقت بعيد ذات اثر على مجمل سير الحياة فى الدول العربية الإسلامية ا وفى العالم الغربى، فالبرغم من وجود إعمال العنف من قتل وتدمير على وجه هذه الأرض منذ بدأ الخليقة إلا ان العالم فى ذلك الوقت لم يكن بحاجة الى وصم من يقوم باعمال العنف بانه ارهابى وذلك انه لم تتبلور مصالحة الدول الغربية فى ربط ذلك العنف بدين معين او بقومية معينة، ولكن مع تتطور سير الحياة وجد بعض المفكرين اليهود ان لا سبيل الى لجم الاسلام والعرب الا بتأليب كل العالم ضدهم .

جاء على لسانالأستاذ\ هانى السباعي ان اول من ادخل كلمة إرهاب فى قاموس عالمنا الاسلامى هم العصابات اليهودية فى فلسطين المحتلة وكان هدفهم من اجل إلصاق تهمة الإرهاب العرب والاسلام هو إنشاء منظومة عالمية تقف ضد انتفاضة الفلسطينيين من اجل التحرير وهو عين ما اشار اليه الكاتب د.لبيب قمحاوى فى صحيفة راى اليوم حينما قال ان ربط الإرهاب بالإسلام والعرب كان هدف امريكا والغرب منذ البداية لان ذلك من شأنه فتح الباب على مصراعيه امام التدخل فى شئون الدول العربية . ومن ثم واصلوا تطوير مفاهيم الارهاب وتعميمها وشيطنتها إعلاميا بواسطة الاعلام الامريكى الغربى  ومن ثم ربطها بالعرب كعرق وبالإسلام كدين.

لم يكن التخويف من الإسلام او (الاسلاموفوبيا) وليدا للحظات عابرة جنح فيها بعض المتطرفين من المسلمين الى استعمال العنف للتعبير عن احتجاجهم لما يرونه مظالم قام بها بعض دعاة التطرف الغربين، كما لم يكن نتاجا لانسداد قنوات التواصل بين الإسلام وغيره من الأديان، وإنما كان محصلة لحملة مسعورة منظمة امتدت لالاف السنين ذكا أوارها قادة الفكر والسياسة فى الغرب على الاسلام كدين وعلى المسلمين كطائفة، فحينما يتحدث ترامب عن توحيد العلم تجاه ما سماه بالاسلام العنيف يقدح فى نفوس الكثير من الناس الخوف من الاسلام وحينما يعلن وزير الداخلية الايطالى انه لن تكون هنالك مساجد جديدة زاعما ان تخصيص ارض لهذا الغرض يثير غضب المواطنين الايطاليين، يحرض من حيث يدرى او لا يدرى على الخوف من الاسلام، ولم تكن تلك الحملة ذات هدف فكرى محدد او صراع معتقدى معين او حتى حماية حقوق الإنسان والديمقراطية التى يتشدق بها الغرب فى كثير من الأحيان وانما كان هدفها الأول والأخير إضعاف الإسلام كدين وإضعاف المسلمين كطائفة، لانهم يعتقدون بان الاسلام ستكون له الغلبة وان المسلمين ستدين لهم الأرض، ويحدثنا فى هذا الخصوص الدكتور الالمانى ( يورجن تودينهومر) فى كتابه (الصورة العدائية للاسلام ) حيث يقول: (ان الغرب مثله فى ذلك مثل غيره من تحالفات القوى الاخرى لم تكن تعنيه ابدا حقوق الإنسان والديمقراطية – كل ما يعنيه هو مصالحه الخاصة لذلك فالربط بين الإسلام والإرهاب تمثل بالنسبة له أهمية سياسية وإستراتيجية بعيدة المدى)

لنا وقفة نحن المسلمين لابد منها بعد الحادثة الإرهابية المروعة فى مسجد النور فى كريست شيرش بنيوزلندة ليس لانها فجعت العالم الحر بأسره بازهاق خمسين روحا من شخص واحد فى طرفة عين وليس لانها هدفت الى فتق النسيج الاجتماعي المتين فى تلك البلاد، بل لانها نتيجة حتمية لما ظل يمارسه الساسة والمفكرين فى الغرب منذ زمن بعيد نحو غرس الخوف المفزع نحو الإسلام ، كما انها جريمة تهدد بشكل مباشر وجود الإسلام والمسلمين فى المهاجر الغربية مما يلزمنا بالحضور القوى على كل منابر الفكر ومنصات السياسة منذ الان والى ان يرعوى أولئك الذين يزكون نيران التخويف من الاسلام من قادة الفكر والسياسة فى الغرب، والحضور الذى نعنيه هنا ليس حضور افراد او منظمات وانما حضور دولة بكامل هيبتها وحضور تكتلات بكامل وزنها وحضور اعلام بكامل ثقله وأول من يقود ذلك الحضور هم زعماء الامة العربية والاسلاميه بالترويج المباشر لسماحة الإسلام امام نظرائهم فى دول الغرب لان بعض ولائك النظراء هم من قاد حملات الاسلاموفوبيا دون ان يلجمهم احد، ليس الادانة وحدها ما يصحح الصورة لدى متطرفى المعتقد من المفكرين والسياسيين، وليست البيانات ما  تصحح المفاهيم لدى متهمى الآسلام  ومستهدفى المسلمين ولكن الفعل  المشترك دون خشية هو وحده ما يزلزل الارض تحت اقدام الحانقين على الاسلام والحاقدين على المسلمين، لان الفعل المشترك هو ما يعطى الإحساس بالقوة والتضامن، وليس الذى جعل تركيا تقف الى جانب سوريا – رغم العداء بينهم- من تصريحات ترامب بشأن الجولان بأكبر من تلك المجزرة الكبرى فى يوم الجمعة بمسجد النور فحرى بالأمة الإسلامية ان تتضامن كلها فى وجه هذا التطرف، وحرى بها ان تجتمع كلها تحت قبة واحدة، الشيعى منها والسنى لمواجهة هجوم المتطرفين من عتاة الصهيونية وغلاة اليمين المسيحى على الاسلام، وليت قادة الدول الاسلامية ودعاة الفكر الاسلامى تواثقوا على نزع الصورة النمطية للمسلم فى اذهان الغرب، لان لدى اذهان الغرب صورة مفزعة للمسلم صنعها قادة السياسة ودعاة الفكر على السواء .

 

بقلم الاستاذ ناجى احمد الصديق - السودان

 

ملاحظات سريعة حول تناقض الخطاب الرسمي والإعلامي الغربي اتجاه الأحداث الإرهابية

بعيد الهجوم الإرهابي الذي استهدف صحيفة "شارلي إيبدو" بباريس؛ والذي أدانه العالم من شرقه إلى غربه وخاصة المسلمون منهم، لأنه اعتداء على الحق في الحياة، وقتل للأنفس البريئة بدون وجه حق، تداعى رؤساء العالم ووزراء حكوماتهم والتحق بهم رؤساء كثير من الدول العربية والإسلامية وعدد كبير من السياسيين والمثقفين والإعلاميين والفنانين العرب للمشاركة في مسيرة عالمية بباريس، تعبيرا عن إدانتهم الشديدة لثقافة القتل وسفك الدماء، ورفضا للإرهاب الذي وصفوه تعسفا ب "الإسلامي" رغم أنهم يدركون أن الإسلام بريء من الفعل وصاحبه بنصوص القرآن والسنة وأفعال الصحابة والإجماع...

لقد كان الإجماع الدولي على رفض الإرهاب أمرا محمود، لأن قتل الأبرياء جريمة إنسانية تجرمها كل الديانات والشرائع والقوانين والنظم البشرية، أيا كان فاعله وأيا كانوا ضحاياه دون تحيز أو تسييس أو عنصرية.

لكن مع مرور الأيام وتعدد العمليات الإرهابية في مختلف دول العالم، بدا للعيان أن الساسة والإعلام الغربيين لا يتعاملون بنفس الوضوح والصرامة مع بعض الأحداث الإرهابية خصوصا إذا كانت البلاد التي تقع فيها عربية أو إسلامية أو كانوا الضحايا مسلمون أو كان الفاعل مسيحيا أو يهوديا أو لا دينيا، حيث كانت معظم وسائل الإعلام الغربية تستبق الأحداث وتعلن أن الفاعل إما "مختل عقليا" أو "يعاني من مشاكل نفسية و اجتماعية"، بل إن بعضها كان يصف الأحداث ب"الفردية" أو "المعزولة" وفي أجرإ الحالات ب "الإجرامية"، تهربا من وصفها بالإرهابية، لأن العمل الإرهابي في نظر معظم السياسيين ووسائل الإعلام الغربية اختصاص حصري على المحسوبين على الإسلام والمسلمين بأي شكل من الأشكال ولو من جهة البلد الأصلي أو الاسم أو اللغة أو اللون.

قبل أيام قليلة أقدم مواطن أسترالي الجنسية على تنفيذ هجوم إرهابي مدبر بعناية فائقة على مسجدين قبيل صلاة الجمعة، أسفر حسب آخر المعطيات عن استشهاد مالا يقل عن واحد وخمسين مصليا وجرح العشرات بعضهم في وضعية حرجة، غير أن المجرم هذه المرة فوت على السياسيين والإعلام الغربي المعادي للإسلام والمسلمين وصفه ب "المختل العقلي" أو الذي يعاني من "المشاكل نفسية" أو "العقد الاجتماعية"، لكونه وثق لكل مراحل الهجوم وأصدر بيانا صريحا وواضحا يعلن فيه عداءه العقدي والحضاري والتاريخي للإسلام والمسلمين، بل إنه خط على رشاشه أسماء شخصيات ومعارك وتواريخ لها علاقة بتاريخ الحروب الصليبية وخاصة تلك خاضتها الجيوش الأوروبية المسيحية ضد الإمبراطورية العثمانية، وقيل بأنه كان يحمل شعار "قادمون إلى إسطنبول" مما يدل على أن منفذ الهجوم الإرهابي ينتمي إلى تنظيم صليبي متطرف وعنصري وليس فردا كما سيسعى البعض إلى إظهاره.

إن هذا العمل الإرهابي رغم بشاعته، لم ينل من الإدانة والرفض من قبل رؤساء السياسيين والإعلام الغربي الذي يشهد له الكثير بالحرية والمصداقية مقارنة منع نظيره العربي، ما لقيته أحداث إرهابية سابقة، لسبب بسيط في نظرنا هو أن الضحايا مسلمون والجاني مسيحي متطرف، كما أن وصف الهجوم رغم همجيته لم يرق إلى الأوصاف التي نعتت بها اعتداءات باريس ولندن وبروكسيل...حيث تحقق الإجماع على تسميتها ب"الإرهابية" - وهي كذلك- بينما تم تحاشي وصف ما جرى بنيوزيلندا ب"العملية بالإرهابية" حيث اكتفى الكثير بوصفه ب"المسلح"أو"الإجرامي" أو "المروع".

فالدم المسلم كما يبدو من خلال معظم ردود الأفعال الرسمية الغربية، أرخص من الحبر الذي يكتبون به بياناتهم، حيث جاء حديث البعض منهم عاما وملتبسا في وصف ما جرى، بينما دعا البعض إلى تجاوز الحدث والتركيز على "الإرهاب الإسلامي" كما صرح بذلك وزير الداخلية الإيطالي.

إن الحادث الإرهابي الذي وقع بمسجدي نيوزيلندا وراح ضحيته أزيد من خمسين مسلما لاجئا من جنسيات مختلفة، يؤكد بالملموس ازدواجية الخطاب الخطاب السياسي الرسمي الغربي اتجاه الاعتداءات المنظمة ضد المدنيين العزل من جهة، كما يبين الوجه القبيح لبعض وسائل الإعلام الغربية، ذلك الوجه الذي يلبس الإسلام والمسلمين كل أعمال العنف الفردية التي ترتكب في كل بقاع العالم والتي يكون ضحيتها مواطنون غربيون وتصفها ب"الإرهابية" حتى قبل أن تظهر التحقيقات الأولية لأجهزة المخابرات والأمن والقضاء، بينما تتحاشى وصف الأعمال المسلحة والمنظمة التي يكون ضحاياها مسلمون ب"الإرهابية" رغم اعتراف الأجهزة المخابراتية والأمنية للدول التي تحصل فيها بطابعها "الإرهابي".

لنتوجه في الأخير بالسؤال إلى الذين سارعوا إلى باريس للمشاركة في المسيرة العالمية لرفض الإرهاب والتطرف- الذي ألصقوه بالإسلام والمسلمين قسرا- و رفع شعارات "أنا شارلي" و" كلنا شارلي إيبدو": ألا تستحق الأرواح البريئة التي أزهقت بدم بارد داخل "المسجدين" أن تشعلوا الشموع من أجلها وترفعوا شعارات مشابهة للتي رفعتموها في ساحات باريس وبروكسيل ولندن، مثل: "أنا مسجد النور" و"كلنا نيوزيلندا" أم أن الدم الغربي المسيحي واليهودي أغلى من الدم المسلم؟.

وختاما نؤكد أن سفك الدماء البريئة له اسم واحد هو "الإرهاب" أيا كان فاعله وأيا كانوا ضحاياه، سواء حدث ذلك في مسجد أو ملعب أو كنيسة أو حفل أو ساحة عامة... دون أن نخلط "الإرهاب" ب "مقاومة المحتل"؛ التي تستمد شرعيتها من القوانين الإلهية والبشرية على مدى التاريخ.

 

بقلم الدكتور: بوجمعة وعلي

أستاذ باحث – المغرب

 

عبد الحسين شعبانانتقلت الكرة من ملعب لندن إلى ملعب بروكسل بعد منح البرلمان البريطاني موافقته لحكومة تيريزا ماي 14 مارس /آذار الجاري على تأجيل موعد الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، وذلك بعد أن كان مقرراً حسم الموقف يوم 29 مارس /آذار الجاري. ويتوقع أن تعيد رئيسة الوزراء تيريزا ماي طرح خطتها ل «بريكست» للتصويت أمام النواب للمرّة الثالثة. وكانت قد حذّرت من التأجيل الطويل الأمد (21 شهراً) كما يطالب بعض النواب. وحسب الآلية القانونية التي تؤطر الانسحاب، فهي تتمثل بالمادة 50 من اتفاقية لشبونة التي تتطلب موافقة دول الاتحاد بالإجماع (27 دولة).

ويأتي هذا الانسحاب على خلفية الاستفتاء الذي جرى يوم 23 يونيو/حزيران 2016، حيث صوّت 51.9% لصالحه، وقد وافق قادة الاتحاد الأوروبي على تنظيم اتفاقية «بريكست»، وذلك في اجتماعهم في بروكسل (بلجيكا) في 25 نوفمبر/تشرين الثاني 2018، لكن الاختلاف بين الحكومة ومجلس العموم أدخل العلاقة البريطانية - الأوروبية في مأزق جديد.

وكانت غالبية أعضاء مجلس العموم البريطاني قد رفضت اتفاق ماي (للمرّة الثانية) بشأن تنظيم «بريكست». وعلى الرغم من قرار التأجيل، فإنها اعتبرته لن يحلّ الأزمة، بل يزيد من تفاقمها، وعبّرت عن مخاوفها إزاء الانسحاب دون تنظيم اتفاق خلال زيارتها إلى شرق إنجلترا بقولها: ادعموه (أي الاتفاق) وسوف تغادر المملكة المتحدة الاتحاد الأوروبي أو ارفضوه ولن يعلم أحد ما الذي سيحدث؟ وهو الأمر الذي ظلّت تردّده طيلة العام الماضي كلّه. كما أنها حاولت في ستراسبورغ انتزاع تنازلات جديدة من قادة الاتحاد الأوروبي لتعزيز موقفها ولكن دون جدوى، باستثناء التعهدات في مسألة الحدود مع جمهورية إيرلندا. ويبرّر أصحاب قرار القفز من سفينة الاتحاد الأوروبي بأن تأثير بريطانيا سيعود بقوة في المستوى العالمي بعد فشل المعالجات التي أدارها الاتحاد الأوروبي لنحو عقد ونيّف من الزمان، خصوصاً في ظلّ الأزمة الاقتصادية والمالية العالمية التي تعاظمت في العام 2008 وتركت أثرها الثقيل في بريطانيا، وما زالت تبعاتها ماثلة حتى الآن، بارتفاع معدلات البطالة وسعر الفائدة والتضخم الاقتصادي، ناهيك عن مشاكل الأمن واللاجئين ومحاربة الإرهاب.

وقد وضعت تلك السياسات العديد من البلدان والشعوب الأوروبية أمام اختيارات قاسية، حيث لم تتمكّن الدول الصغيرة أو «أسواق الأطراف» من تحقيق معدلات نمو اقتصادي، وهو ما دفع سكان العديد من هذه البلدان للبحث عن عمل في البلدان المتقدمة مثل بريطانيا بسبب برامج الضمان الاجتماعي، وهكذا شهدت بلدان مثل بولونيا وهنغاريا واليونان وقبرص وغيرها انتقالاً واسعاً إلى بريطانيا، في حين ظلّت سويسرا خارج دائرة الاتحاد، لكنها امتلكت اقتصاداً أفضل ونمواً بمعدلات أعلى وبطالة أقل وعملة قوية، فما الحاجة إذاً لانضمام بريطانيا للاتحاد الأوروبي؟ وما الفائدة التي ستجنيها؟

وإذا كان دعاة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يتوقّعون تحسّن أوضاعها على المستويين العام والفردي، ولاسيّما على المدى الطويل، فإن هناك تقديرات عكسية متشائمة باحتمال سوء الأوضاع الاقتصادية وتردّي الحالة المعيشية خلال الخمسة عشر عاماً القادمة مقارنة بالبقاء في الاتحاد الأوروبي، وحسب جريدة «الفايننشال تايمز» فإنه منذ الاستفتاء في يونيو/حزيران عام 2016 ولغاية ديسمبر/كانون الأول عام 2017، فإن الدخل القومي البريطاني انخفض بما يعادل 350 مليون جنيه استرليني في الأسبوع، خصوصاً بانخفاض ثقة المستهلك وتراجع الإنفاق إلى أدنى مستوى.

وسيبقى الجدل والنقاش مفتوحين، سواء اتّخذ القرار النهائي أم لم يتّخذ، وسواء حصل استفتاء جديد أم لم يحصل، فاللوحة لا تزال معقدة وغامضة وملتبسة والتكهنات بشأنها متضاربة ومتعاكسة، والزمن كفيل بتبيان أي الخيارات كان صائباً وأيها كان خاطئاً؟ وهو ما ستقرّره السياسة اللاحقة، ولاسيّما صناديق الاقتراع التي ستعكس مدى قناعة البريطانيين من عدمها.

وقدّم الأوروبيون بعض التنازلات لإقناع أعضاء مجلس العموم البريطاني للمصادقة على الاتفاق المبرم بين بروكسل ولندن، وأبدوا استعدادهم لإضفاء طابع ملزم عليه، لاسيّما ما يتعلق بتفادي الحساسية بشأن جمهورية إيرلندا (العضو في الاتحاد)، ولعل من ضمن أهدافهم الحفاظ على اتفاق السلام بين بريطانيا وإيرلندا وأحزاب إيرلندا الشمالية الموقع عام 1998 والمعروف باسم «اتفاق الجمعة العظيمة» أو اتفاق بلفاست، إضافة إلى التبعات الاقتصادية والمالية، على كل بلد وعلى الاتحاد ككل، لاسيّما وقد أخذت الثقة تتزعزع بقدرته على الاستمرار بالحيوية والطموح الذي بدأه. وقد اعتبر بعض أعضاء مجلس العموم مثل ذلك «العرض» «فخّاً» يُبقي بريطانيا ضمن الاتحاد على الرغم من انسحابها، ولذلك طلب سقفاً زمنياً لنفاذه.

لا شكّ في أن ماي وأنصارها وخصومها والأطراف جميعاً في لحظة أزمة، بل إنهم في مأزق كبير، فإن ما حصل سيعرّض سفينة الاتحاد الأوروبي لعواصف هوجاء جديدة قد تأخذها بعيداً في التخبط دون مرسى قريب، خصوصاً بعد شحوب الكثير من الآمال التي عوّلت عليها.

 

د. عبد الحسين شعبان

 

محمد فتحي عبدالعالفي تاريخ مصر حوادث لا تنسي فلقد كان بعضها  الشرارة لاحداث تغييرات جذرية في الشأن السياسي المصري ومن هذه الحوادث  البارزة حادثة مقتل سردار الجيش المصري وحاكم السودان العام السير لي ستاك عام ١٩٢٤ حيث وصفها الزعيم  سعد زغلول  ورئيس الوزراء وقتها بأنها: اكبر الحوادث أثرا وأسوؤها شؤما فهجمت هذه النازلة علي البلاد فأزعجتها وهزت أرجاءها هزا عنيفا وكنت أول المهزومين بهجومها وأول المتطيرين من شرها !!!!!... حيث قام مجموعة من الجماعات السياسية المسلحة والتي كانت يعج بها المجتمع المصري انذاك حيث كانت الرغبة ملحة في التخلص من احتلال انجليزي بغيظ جاثم علي الجسد المصري وهذه الجمعيات الوطنية المسلحة وبعضها كان تابعا لاحزاب وجماعات كانت شديدة الكثرة والتعقيد في تركيبتها واتصالاتها مما جعل مسألة تتبعها والوصول اليها مسألة صعبة في كثير من الاحيان وترتب علي هذا التنوع  وغياب الزعامة الروحية الرشيدة أنماط متعددة من الزعامة فقد كان كل فرد من هذه الجماعات يعتبر نفسه زعيما حتي وان لم يتحلي بالقدر المناسب من الحنكة والقدرة والممارسة السياسية ..كانت المجموعة التي اغتالت السيرلي ستاك  مؤلفة من عدة شبان في مقتبل العمر أولهم عبد الفتاح عنايت الطالب بمدرسة الحقوق وكانت مهمته في العملية أعطاء اشارة البدء عند خروج السردار من مبني وزارة الحربية والثاني كان عبد الحميد عنايت الطالب بمدرسة المعلمين مرابطا عند شارع القصر العيني وكان  موكلا اليه القاء قنبله لتخويف المارة وتأمين الهروب اما محمود راشد فكان في السيارة المعدة للهرب بينما كان المنفذين ثلاثه هم ابراهيم موسي وعلي ابراهيم وراغب حسن ..

كانت نتائج هذا الاغتيال وخيمة حيث اعتبر الجنرال اللنبي حادث السردار ثأرا ينبغي القصاص له بأقصي درجات الشدة والحزم فقاد مظاهرة عسكرية من خمسمائة جنديا من حملة الرماح حاصرت مجلس الوزراء ومقدما لسعد باشا زغلول انذارا شديد اللهجه بسرعة القبض علي المنفذين واقامة جنازة رسمية له يسير فيها الوزراء ورئيس الوزراء بالملابس الرسمية ودفع دية السردار وقدرها نصف مليون جنيه  وانسحاب القوات المصرية من السودان وكانت هذه المظاهرة هي بروفة اولي لحادث ٤ فبراير ١٩٤٢الشهير والذي حوصر فيه الملك ذاته واعتداءا صارخا علي السيادة المصرية حيث كانت مصر قد  حصلت وقتها علي استقلالها بموجب تصريح ٢٨ فبراير ١٩٢٢ وصدر دستور ١٩٢٣ .

كان سعد في موقف لا يحسد عليه وهو الذي اتي الي الوزارة بعد اول انتخابات ديموقراطية في تاريخ مصر واخرها !!!! فقال قولته الشهيرة : إن الرصاصات التي قتلت السردار هي رصاصات وجهت الي صدري أنا  ..قبل سعد دفع دية السردار كما وجه بيانا للأمة ناشد فيه المصريين بأن كل من يعرف شيئا عليه ان يقدمه الي ادارة الامن العام وليعلم كل فرد أن هذه تعد عملا وطنيا وخدمة جليلة البلاد ويعلمون ان الالتجاء الي العنف والاجرام أكبر خيانة للوطن ولقضيته المقدسة !!!! ولاحظ سيدي القاريء بدقة كلمات زعيم الامة  والتي تنفي بوضوح معرفة سعد زغلول بهذا الحادث قبل وقوعه وهو السياسي المخضرم الذي يعي أن مثل هذا الحادث قد يطيح بمستقبله السياسي الي غير رجعه خاصة واذا علمنا أن المستهدف في الاساس كان الجنرال اللنبي ذاته ولكن الحراسة المشددة من حوله حالت دون تنفيذ المخطط واتجهت الانظار الي السيرلي ستاك كهدف اسهل في اصطياده  مما يجعل استحالة معرفة سعد بهذا الحادث قبل وقوعه أمرا منطقيا تماما !!!

في هذه الخطوب لابد وأن نبحث عن الشرفاء من الوطن وهو الوصف الذي عادة ما تطلقه الانظمة علي حلفائها من الانتهازين الحالمين بالمناصب والمحافظين عليها ايضا فيتباروا في صب اللعنات علي الجناة الذين اودوا بحياة ستاك  وعبثوا بأستقرار الدولة المصرية ومنهم حشود من النواب ورجال الدين وحتي  نقابة الممرضين المصرية ولك ان تتخيل ان نقابة التمريض انشئت في مصر عام ١٩٧٦ لتعرف كم الكيانات الوهمية وغير الوهمية التي كانت تتسابق لخطب ود الانجليز في مصابهم الفادح !!!! ...

 رفض سعد  باقي المطالب الانجليزية فأحتل الانجليز جمرك الاسكندرية ووضعوا ايديهم علي ايراداته فتقدم سعد زغلول باستقالته والذي اعتبر حادث السردار حادثا مدبرا ضد وزارته لانه الخاسر الوحيد منها وتولي احمد زيور تشكيل الحكومه والتي اصبح وزير الداخلية فيها اسماعيل صدقي ...

كانت ملابسات الحادث تدفع بأتجاه القيد ضد مجهول حيث ان الحادث لم يترك خلفه دلائل كافيه لتحديد الجناة سوي سائق السياره الاجرة التي استقلها الجناة حيث وجدوا ان ايراده زائد جنيها واحدا عن ايراده المفترض بحسب عداد السيارة وكان اكرامية من الجناة ..كما شهدت هذه الفترة حملة اعتقالات موسعة شملت عدد من نواب حزب الوفد ابرزهم محمود فهمي النقراشي وعبد الرحمن فهمي وقد تمخض عن هذه الاعتقالات اعتراف احد المعتقلين وهو محمود اسماعيل الموظف بوزارة الاوقاف والذي طلب مقابلة وزير الداخلية شخصيا!!!

لكن المفارقة التي قلبت الحادث رأسا علي عقب كانت خروج محمد نجيب الهيلباوي المدرس بالجمعية الخيرية الاسلامية والذي قبض عليه في حادثة محاولة اغتيال السلطان حسين كامل والذي قبل الحكم تحت الوصاية البريطانية فحكم عليه في البداية بالاعدام ثم خفف الحكم الي الاشغال الشاقة المؤبدة  والطريف هو الطريقه التي تمكن بها البوليس من القبض علي الهلباوي حيث أشعل القنبله التي القيت علي السلطان  بفتيل سيجارته ونظرا لان السجائر كانت تصنع بالطلب فقد كان يكتب علي كل سيجاره الحروف الأولي من اسم صاحبها مما جعل مسألة الوصول اليه غاية في السهولة  وذلك بأستجواب صاحب مصنع السجائر!!! ومع تولي وزارة سعد زغلول خرج بعفو الا انه خرج بغير الوجه الذي دخل به حيث بدلته سنوات السجن من وطني الي شخص اخر كاره للوطنيين والذين نسوه في سجنه كما وجد اغلب زملائه قد سبقوه في الترقيه...

وتتضارب الروايات حول أما تجنيد الهلباوي وهو في السجن بواسطة مستر انجرام الانجليزي وسليم ذكي باشا الظابط وقتها وحكمدار العاصمة فيما بعد او أنه من بادر الي الذهاب الي المخابرات البريطانية وفي كل الاحوال فقد أختار الهلباوي  ان يوجه سهام غضبه الي الحركة الوطنية وان يقبض المكافأة التي رصدتها الحكومة وقدرها عشرة الاف جنيه خاصة بعد مقابلته لمحمود فهمي النقراشي  زميله السابق في الكفاح والذي أصبح يشغل وظيفة وكيل وزارة الخارجية في حكومة سعد وصب جام غضبه علي سعد ومتهما أياه أنه يكرهه لان أسمه علي أسم غريمه العتيد -قاصدا ابراهيم الهلباوي- !!!!!

 وبحدس الهلباوي شعر ان الحادث لابد  وان له صلة  بشفيق منصور المحامي والوفدي البارز والذي نجح تحت مظلة الوفد مرتين وأصبح نائبا عن باب الشعرية وهو أحد الضالعين في حادث محاولة اغتيال السلطان والتي دخل في أعقابها  الهلباوي السجن وبالفعل صدقه حدسه ففي مكتب شفيق التقي بصيد ثمين كان المفتاح لهذه القضية الغامضة...

فقد صادف في مكتب شفيق  الاخوين عنايت وقد كان شقيقهما الاكبر محمود سجينا معه في نفس القضية ولكنه نفي الي مالطة ثم عاد الي القاهرة بأفراج صحي بعدما تدهورت صحته ثم لم ليبث ان توفي بعد فترة وجيزة ..بالطبع كان تواجد الشقيقان مثيرا لريبة الهلباوي ولكن  لصغر سنهما ودهاء الهلباوي استطاع الايقاع بهما ومعرفة كل شيء بل وأقناعهما بالهروب الي طرابلس ومعهما الاسلحة التي أستخدمت في  قتل السيرلي ستاك وفي طريقهما عبر القطار المتوجه من الاسكندرية الي مرسي مطروح استطاع البوليس القبض عليهما بمعاونة الهلباوي وقدم الجميع الي المحاكمة ...قبض الهلباوي الثمن وهو عشرة الاف جنيه ليكمل بهم تعليمه في اوروبا !!!!

كانت المحاكمة مثيره فقد أعترف الاخوان عنايت بشجاعة علي دورهما في قتل ستاك بينما أنبري محاميهما في التأكيد ان الاخوين مرضي بجنون الوطنيه لطلاق أبيهما من أمهما وزواجه بأخري !!!!؟؟؟

أما محمود راشد فقد أنكر تماما صلته بالحادث وأنه لا يعرف حتي ذبح فرخه !!! وكذلك ابراهيم موسي والذي رفض الاعتراف ورفض أي مساعدة من زملائه لبناته الاربع...

اما شفيق منصور المحامي فقد ارتعدت فرائسه وصار لا يكف عن البكاء كما أدلي بأعتراف كامل علي شعبتي القاهرة والاسكندرية المشاركتين في أحداث العنف والاغتيالات في هذه الفترة وحينما أدخل الي غرفة الاعدام راح يتوسل في مشهد انساني محزن: يا باشا عايز أشوف أهلي .يا باشا عايز اشوف أختي أنا في عرضك !!!

ومن تفاصيل الحادث الي الزعامة وسنتوقف عند الهلباوي الذي أصبح رمزا للخيانة في مصر والسؤال هل حينما لايجد الزعيم المساندة والاعتراف بالجميل فيتحول للنقيض هل يتحمل الزعيم تبعة ذلك وحده ؟!! ان الزعامة تتولد بقدرات ذاتية نابعة من ايمان الشخص بفكرة وبقضية تستحق التضحية والفداء  هذه حقيقة لا يمكن انكارها فلربما قادته الزعامة الي فقدان حياته ثمنا لفكرته  ولقد عبر سيد قطب عن هذا المسار بقوله ( كلماتنا ستبقى ميتةً لا حراك فيها هامدةً أعراساً من الشموع ، فإذا متنا من أجلها انتفضت وعاشت بين الأحياء ) ولكن هناك أيضا عوامل خارجيه تسير جنبا الي جنب هذه العوامل الداخلية الذاتية تدعم فكرة الزعامة وتبقيها حية وتبعث الامل مجددا كلما كانت الظروف عصبية من حول الزعيم ...فالاعتراف بالجميل وتخليد الذكري واحياءها دوما هي دروس لم نستوعبها في عالمنا العربي فيما وعاها الفكر الغربي حولنا وحافظ عليها  فالزعيم الفعلي ونعني بالزعامة الفعلية الزعامة التي تصنع الاحداث وتنخرط في المشهد علي الارض وتتجشم المخاطر في التطبيق  وليست الزعامة الخطابية التي تمارس دورها عن بعد والفرق شاسع فالزعامة الفعلية تبذل الحياة لتهب من حولها الحرية وهي خطوة ليست ابدا بالسهلة  ومع ذلك لا يلتفت لها أحد ولا يتذكرها أحد ولا يعترف بجميلها أحد فيما يعتلي الانتهازيون المقدمة حاصدين للمناصب وصنوف التكريم...والهلباوي وغيره ممن يمتلأ بهم أوطاننا كانوا ضحية غياب المردود المجتمعي لخدماتهم الجليله فبعضهم  أخنار الانزواء والعزلة وبعضهم انقلب علي كل المعاني الوطنيه المخلصة داخله وصار يلعن كل القيم الوطنية ولقد كان الشاعر أحمد مطر رائعا حينما نقل لنا أبعاد هذه الصورة عبر أبيات بديعة فيقول :

أبي الوطن

أمي الوطن

رائدنا حب الوطن

نموت كي يحيا الوطن

يا سيدي انفلقت حتى لم يعد

للفلق في رأسي وطن

ولم يعد لدى الوطن

من وطن يؤويه في هذا الوطن

أي وطن؟

الوطن المنفي..

أم الوطن؟!

أم الرهين الممتهن؟

أم سجننا المسجون خارج الزمن ؟!

نعود الي المصير فقد حكم بالاعدام علي جميع المتهمين في القضية فيما خفف الحكم علي عبد الفتاح عنايت الي الاشغال الشاقة المؤبدة بأمر ملكي نظرا لحداثة سنه ولانه لم يشترك في اطلاق النار .كانت سنوات قاسية عليه حصل خلالها علي شهادة عليا في القانون بتشجيع من الدكتور محجوب ثابت طبيب اول جامعة فؤاد الاول والذي سعي في تسهيل كافة اجراءاته ولكنه خرج من السجن عام 1944 بعدما امضي تسعة عشر  عاما ودون تدخل أو مطالبات شعبيه او حزبية بأطلاقه ..خرج يحمل بضع أوراق يحكي فيها قصته وقصص العديد من الوطنيين الذين ضحوا بحياتهم في صمت  دون مقابل ..

 

د. محمد فتحي عبد العال

......................

المصادر :

 موسوعة رجال ونساء من مصر للمعي المطيعي

في أعقاب الثورة المصرية ثورة 1919 لعبد الرحمن الرافعي

ملفات الاهرام يوميات حادث حزين للدكتور يونان لبيب رزق

جمال بدوي –المصور شاهد عيان علي الحياة المصرية

يسقط الوطن –قصيدة لاحمد مطر

 

 

كاظم الموسويمتابعة التصريحات الأخيرة لمسؤولين أمريكيين أو عراقيين عن مصير "داعش" في العراق خصوصاً، وفي المنطقة عموما  يخرج باستنتاج أن التنظيم لم ينته وان الأقوال السابقة عن هزيمته والقضاء عليه من المسؤولين أنفسهم أو من هو بوزنهم كانت أقوالا في شبك. وفي الواقع هي اخبار كثيرة وتحتاج إلى تدقيق وقراءة جدية، وبالرغم من كثرتها وتكرارها، فهي تكشف عن جوهرها وتفضح مصادرها وادوارهم في صناعة التنظيم وتوظيفه والاستهداف منه، حيث يتفق كثير من المحللين السياسيين والدارسين للتنظيم أنه صناعة أجهزة مخابرات دولية، وتمويل عربي خليجي، منذ البداية او استثمار له في ظروفه وتطورات وجوده وتعدد مسمياته وعناوينه والمهمات التي نفذها أو مازال التعويل عليه فيها لاسيما في التهديدات والاختراقات الأمنية والاستمرار في تشكيل بعبع متأهب وانذار قائم، أو بالأحرى ان برنامج استخدام التنظيم متواز مع المخططات الإمبريالية والصهيونية في المنطقة عموما. ولعل التصريحات الأخيرة مؤشر له أو تؤشر إلى ما سيأتي في قادم الأيام. كما أن الترابط بينها يدل عليها أو يرسم الصورة الواقعية لتجديد عنوانه أو أفعاله أو إخطاره.

اخر ما صرح به قائد القيادة العسكرية المركزية الأمريكية جوزيف فوتيل، (7/3/2019) أن "مقاتلي داعش" الذين يخرجون من الباغوز في سوريا ما يزالون متطرفين، معتبرا أن انتهاء المعركة ضد التنظيم مايزال بعيداً. وقال فوتيل خلال جلسة استماع في الكونغرس، إن "من يخرج من الباغوز لم يعلن ندمه لانضمامه لداعش". وأن "جهود التحالف متواصلة في حرب داعش في العراق وسوريا"، وأضاف فوتيل أن «ما نشهده اليوم ليس استسلاما لتنظيم داعش كمنظمة، بل هو قرار محسوب من المتطرفين للحفاظ على سلامة أسرهم، ولكنهم فى انتظار الوقت المناسب للتحرك مجددا». وقال فوتيل "إنّ المرحلة المقبلة من الصراع ستكون مع «منظمة مفككة» يختبئ قادتها ولكنها تعمل بالفعل". وأكد "أننا سنشهد اعتداءات متدنية المستوى واغتيالات وهجمات بعبوات ناسفة".

في كلام المسؤول العسكري الأمريكي مؤشرات تدل على أن الدور الأمريكي في استمرار التهديد وخطورته لم ينته في مخططات الدوائر المستثمرة له أو المساهمة في بقائه ومخاطره. وهذا ما يؤكده مسؤولون عراقيون ايضا. فمثلا دعت وزارة البيشمركة في حكومة إقليم كردستان العراق إلى "التأهب لحرب جديدة مع تنظيم داعش الوهابي". حيث قال الأمين العام للوزارة الفريق جبار ياور في تصريحات على هامش حضوره ملتقى السليمانية السادس الذي انطلق يوم (2019/3/6) بمشاركة العديد من الشخصيات العالمية والعراقية: إن تنظيم داعش لا يزال موجودا من الناحية الفكرية و لابد من حرب جديدة مع التنظيم".

ودعا ياور الأطراف التي تناهض تنظيم داعش، إلى التأهب لحرب جديدة مع التنظيم المتشدد، مضيفا أن "داعش إذا كان قد انتهى من الناحية الميدانية والعسكرية، لا يزال موجودا من الناحية الفكرية". وأضاف أنه "يتعين علينا نحن الأطراف المناهضة للتنظيم خوض حرب جديدة معه، وهي الحرب الفكرية، وأن نضع آلية لها مع التحالف الدولي".

في مقارنة ما ورد في كلمات المسؤولين الرسميين يتوصل الأمر إلى أن تنظيم "داعش" الارهابي مستمر، ولم ينته، لا عسكريا ولا فكريا، وان ما يحدث من أعمال إرهابية تتحدث عنه، وان ما يشابه تلك الكلمات تبث بين حين وآخر تؤكد على ما سبق، أو تضع مشاركاتها في التعريف والتوضيح، الذي لم يعد مخفيا أو سريا، بل بات أكثر من معلن ومعروف لكل ذي بصر وبصيرة.

تنظيم داعش منذ إعلان اسمه هذا، عام 2013 في سوريا، وفرت له أجهزة ومؤسسات محلية ودولية كل ظروف إقامته وظهوره وديمومته. فلا يعقل أو يجهل أو يسكت عنه رغما أو رغبة، أن يحصل التنظيم على امكانيات تقنية إلكترونية ويصدر إعلاما له وينشر أخباره وجرائمه وتنقلها عنه الفضائيات المتخادمة معه أو مع مصادره، ولا يحسب لها حساب، أو تسأل عنها وتحاسب عليها وتحاكم بسببها، لاسيما وأن المصادر معروفة والوسائل معلومة والإجراءات مع غيره مسموعة ومرئية ومقروءة بلا حدود أو قيود.

أما تمويله فالاحاديث طويلة عنه، ولكن اخر ما صدر عن مسؤول عراقي عنه يضيف صفحة الى السجل المعروف. حيث طالب القيادي في التيار الصدري حاكم الزاملي، باسترداد 50 طنا من الذهب و400 مليون دولار من الإميركان، داعيا حكومة بغداد إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لعدم تفاقم الوضع الأمني. وذكر الزاملي ( وكالات 2019/3/8) ان "عصابات داعش سرقت 50 طنا من الذهب و400 مليون دولار عندما سيطروا على عدد من المصارف والبنوك في الموصل والأنبار وصلاح الدين عند احتلالها عام 2014، مطالبا الحكومة بالضغط على الإميركان لاستردادها بعد أن سيطروا على مدينة الباغوز السورية". وأضاف الزاملي، إن "على القوات العراقية المطالبة بالقيادات الأمنية والعسكرية الكبيرة لداعش الذين القت القوات الإميركية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) القبض عليهم، لافتا إلى ان اغلب تلك القيادات العراقية والأجنبية، مطلوبون للقضاء العراقي ومتورطون بدماء الأبرياء." وأوضح، إن "ما تم تسليمه للقوات العراقية من الدواعش هم من الجرحى والمعاقين والمقاتلين المنكسرين العاجزين عن الصمود والقتال"، مشيرا إلى أن داعش ينقل مقاتليه الذين لا يمكن الاستفادة منهم في القتال مرة أخرى في العراق أو سوريا أو دولة أخرى". ودعا الزاملي القوات الأمنية والمحققين العراقيين إلى تدقيق مستمسكات الدواعش والتحقق من أوراقهم الثبوتية حيث تم تغير وتزوير عدد كبير من اسمائهم وألقابهم، مؤكدا ان على الحكومة العراقية اتخاذ إجراءات عاجلة لضمان عدم تفاقم الوضع الأمني.

استمرارا لما سبق ذكرت افتتاحية صحيفة الفايننشال تايمز (2019/3/8) ان "الخلافة انتهت لكن شبح تنظيم الدولة الإسلامية لا يزال حيا". وهو كلام بمعلومات لا خبرا، او اعتراف مسبق واستقراء محسوب أو مطلوب. ووضحت الصحيفة "وحشية التنظيم المبنية على الذبح والاستعباد، الذي يرفضه غالبية المسلمين في العالم" وادعت او اشارت إلى أسباب تعرف جيدا عوامل إنتاجها. وكشفت معلومات عن أن عناصر التنظيم انسحبت لشن ضربات إرهابية أو نقل عملياتها إلى بلدانها الأصلية. وذكرت الصحيفة أن الدول الغربية والمجاورة للمنطقة العربية تغافلت تأثير "داعش" في اضطراب النظام العالمي. لاسيما في تهديد العنف المسلح ومأساة موجات اللاجئين المتوجهين إلى أوروبا في 2015-2016، التي غذت بذور الشعبوية في أوروبا.

في الختام "داعش" لم ينته بعد، أو أن موجات أخرى منه قادمة، وهنا لابد من الانذار والحذر قبل فوات الاوان.

 

كاظم الموسوي