علاء اللاميكارثة الاقتراض والديون في لبنان اليوم والمكسيك بالأمس والعراق غدا: مشاهد صادمة ومحزنة من لبنان نقلتها وسائل الإعلام اليوم عن تداعيات الأزمة الاقتصادية والاجتماعية الخانقة التي يعاني منها الشعب اللبناني الشقيق وخاصة طبقته الكادحة والمُفقَرة؛ حيث قفزت نسبة الفقر من 37 بالمائة في العام الماضي إلى 45 بالمائة في العام الجاري. وقد ابتلى هذا الشعب - مثلما ابتلى شعبنا العراقي - بنظام حكم محاصصة طائفية رجعية منذ قيام دولته المستقلة بل وحتى قبلها وخلال العهد العثماني. وظهرت هذه الأيام أزمة شحة الخبز، وامتدت طوابير الانتظار طويلة أمام المخابز، وانتشرت ظاهرة مقايضة الملابس والأغراض الشخصية ومهود الأطفال بالغذاء، وهذا ما ينتظر العراقيين أيضا من سياسة الاقتراض المتفاقمة عندنا.

* تفاقمت سياسة الاقتراض بلبنان في عهد رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري منذ بداية التسعينات، حيث قفزت ديون الدولة من بضعة مليارات دولار في بداية التسعينات من القرن الماضي إلى قرابة تسعين مليار دولار اليوم. وبعد تسجيل كل التضامن والتمنيات الطيبة للشعب اللبناني بالخروج من هذه الأزمة بسلام وبنظام حكم ديموقراطي يرسل نظام حكم الطائفية السياسية الى مزبلة التاريخ ففيها يكمن جذر مصائبه، سأحاول هنا أن أدقق في تفاصيل وخلفيات الموضوع ونوثقها بمصادرها ففيها الكثير من العبر والدروس للعقلاء الحريصين على كرامة شعبهم وسيادته واستقلاله، أما المقولة التي يكررها لصوص الحكم الطائفي عندنا في العراق والتي تقول (العراق بلد نفطي ولا تضره القروض والديون) فهي مقولة متهافتة لا تخفي لصوصيتهم ويفضحها هذا السؤال: ولماذا يقترض أصلا بلدٌ عائدات نفطه كانت حوالي مائة مليار دولار سنويا؟ ثم إذا كان لبنان بلدا غير نفطي وحدث فيه ما حدث، فما قولكم بتجربة المكسيك - رابع أكبر منتجٍ للنفط في نصف الكرة الغربي بعد الولايات المتحدة وكندا وفنزويلا- وسوف نتوقف عند هذه التجربة بعد قليل؟ هنا جرد موثق بالمصادر عن موضوع ديون لبنان التي وضعته كدولة على حافة الانهيار وألقت بشعبه في حالة مجاعة وهو لبنان الذي يعرفه الجميع بخيراته الهائلة:

1- قفزت ديون جمهورية لبنان من بضعة مليارات (بضع وبضعة بين ثلاثة وتسعة في اللغة العربية) قبل وزارة رفيق الحريري الأولى سنة 1992، إلى قرابة 90 مليار اليوم: قال رئيس الوزراء اللبناني حسان دياب إن الدين العام في لبنان وصل إلى أكثر من 170 بالمئة من الناتج المحلي الاجمالي مما يعني أن البلاد على وشك أن تكون الدولة الأكثر مديونية في العالم. وتابع (لقد أصبح الدين أكبر من قدرة لبنان على تحمله، وأكبر من قدرة اللبنانيين على تسديد فوائده). وكنتيجة لذلك، ارتفع الدين العام من بضعة مليارات دولار في بداية التسعينيات إلى أكثر من 90 مليار دولار حالياً، رابط رقم 1. وللعلم فإن عدد سكان لبنان في التسعينات كان بحدود ثلاثة ملايين نسمة وفي سنة 2012 كان أربعة ملايين وربع مليون نسمة.

2- في عام 2005 وهي السنة التي اغتيل فيها رفيق الحريري كانت قيمة الدين الخارجي للبنان بحدود 38.5 مليار دولار ومصدر آخر يقدرها بحدود 22.7 مليار دولار، وربما كان الرقم الأول يشمل الديون الخارجية والداخلية. ثم ارتفعت – الديون الخارجية على الأرجح - الى 32 مليار و600 مليون سنة 2012.

* وارتفاع معدلات التضخم، وزيادة معدلات الفقر، التي قدرها رئيس الوزراء اللبناني بنحو 40% من السكان فيما تذهب تقديرات أخرى إلى أنها بلغت 45 بالمائة من السكان. رابط رقم 2:

3-سعر الدولار كان 1500 ليرة سنة 2005 الآن سعره 8000 ليرة فصاعدا. رابط رقم 3.

4- ترك رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري ثروة تقدر بنحو 6 مليارات دولار، مقسمة بين أصول مالية، وشركات مالية وبنوك، بالإضافة الى عقارات، وقصور، موزعة بين لبنان وخارجه. ثروة عائلتي الحريري وميقاتي توازي أجور 3 ملايين لبناني. رابط رقم 4.

5- حين تمّ اغتيال رفيق الحريري عام 2005، كان حجم الدين العام يقدّر بنحو 38.5 مليار دولار. أما اليوم، يبلغ الدين العام 86 مليار دولار، أي بزيادة قدرها 47،5 مليار دولار. رابط رقم 5. وقد أدرجت الأرقام كما وردت في مصادر رغم عدم تطابقها التام مع محاولة تفسير عدم التطابق هذا.

*هامش: قد يقول البعض أن لبنان بلد غير نفطي ولذلك تعرض لهذه المأساة، بسبب الاقتراض وهذا الكلام غير صحيح، فالدول النفطية ليست بمنأى عن ذلك وخير مثال على ذلك المكسيك وهي رابع أكبر منتجٍ للنفط في نصف الكرة الغربي بعد الولايات المتحدة وكندا وفنزويلا. وقد وصلت إلى حافة الإفلاس والانهيار الاقتصادي في ثمانينات القرن الماضي ففي 22 آب/أغسطس من العام 1982، تلقت المراكز المالية العالمية ونحو ألف دائن برقية تبلغهم بأنّ المكسيك وصلت إلى واقع التخلّف عن سداد الدين. كان الدين المكسيكي قد وصل إلى 86 مليار دولار والفوائد على هذه الديون الى 21 ملياراً. وهنا بادرت الولايات المتحدة إلى منح جارتها الجنوبية قروضاً مرحلية بعدة مليارات دولار وبشروط قاسية. ثم بادر صندوق النقد الدولي وقدم بعض المساعدات والقروض ولكن في مقابل إجراء إصلاحات قاسية دفع ثمنها الفقراء ومحدودو الدخل. الرابط رقم 6.

* وأخيرا، إذا كانت الحالة المأساوية اللبنانية قد انتجت بضعة مليارديرات هم رفيق الحريري وأولاده سعد وبهاء وفهد، والأخوان ميقاتي "نجيب وطه"، إضافة إلى بعض زعماء الطوائف الآخرين من المليونيرية، فكم مليارديرا ومليونيرا ستنتج الحالة المأساوية العراقية بعد أن فاقت المبالغ المنهوبة من قبل زعماء الطوائف والعرقيات منذ الاحتلال الأميركي وحتى الآن مبلغ ترليون دولار وفق بعض التقديرات، وهل سيتركهم الشعب العراقي يفرون أحياء ليستمتعوا بما نهبوا وسرقوا من ثروات بلادهم وقوت أطفالهم؟ ولاحل إلابحلها ...

 

علاء اللامي

.....................

 * ستة روابط لتوثيق المعطيات أعلاه:

* رابط 1: قفزت ديون لبنان من بضعة مليارات قبل وزارة رفيق الحريري الأولى إلى قرابة 90 مليار اليوم:

https://www.swissinfo.ch/ara/reuters/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86-%D9%8A%D9%82%D9%88%D9%84-%D8%A5%D9%86%D9%87-%D9%84%D8%A7-%D9%8A%D8%B3%D8%AA%D8%B7%D9%8A%D8%B9-%D8%B3%D8%AF%D8%A7%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%88%D9%86-%D9%88%D9%8A%D8%B3%D8%B9%D9%89-%D9%84%D9%85%D9%81%D8%A7%D9%88%D8%B6%D8%A7%D8%AA-%D9%84%D8%A5%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%87%D9%8A%D9%83%D9%84%D8%A9/45602672

*رابط رقم 2 : ارتفاع معدلات التضخم، وزيادة معدلات الفقر، التي قدرها رئيس الوزراء اللبناني بنحو 40% من السكان.

https://www.aljazeera.net/ebusiness/2020/3/9/%D8%A5%D8%AF%D8%A7%D8%B1%D8%A9-%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86-%D9%84%D8%A3%D8%B2%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%A7%D8%B1%D8%AC%D9%8A

*رابط رقم 3/ سعر الدولار كان 1500 ليرة سنة 2005 الآن سعره 8000 ليرة فصاعدا.

https://www.alsumaria.tv/news/%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A%D8%A7%D8%AA/350090/%D9%87%D8%B0%D8%A7-%D9%85%D8%A7-%D9%8A%D8%AD%D8%B5%D9%84-%D8%A8%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86-%D8%A3%D8%B2%D9%85%D8%A9-%D8%AE%D8%A8%D8%B2-%D9%88%D9%85%D9%88%D8%A7%D8%B7%D9%86%D9%88%D9%86-%D9%8A%D9%82%D8%A7%D9%8A%D8%B6%D9%88%D9%86-%D8%A3%D8%BA%D8%B1%D8%A7%D8%B6

*رابط رقم 4: ترك رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري ثروة شخصية تقدر بنحو 6 مليارات دولار:

https://www.alaraby.co.uk/economy/2017/6/15/%D9%87%D8%B0%D9%87-%D9%87%D9%8A-%D8%A5%D9%85%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D8%B7%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D9%8A%D8%B1%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A9

*رابط رقم 5: حين تمّ اغتيال رفيق الحريري عام 2005، كان حجم الدين العام يقدّر بنحو 38.5 مليار دولار:

https://www.nidaalwatan.com/article/14753-%D8%A3%D8%B1%D9%82%D8%A7%D9%85-%D9%88%D8%AD%D9%82%D8%A7%D8%A6%D9%82-%D8%A3%D8%B9%D8%A7%D8%AF-%D8%A5%D8%B9%D9%85%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%84%D8%AF-%D9%88%D8%AD%D9%82%D9%82-%D9%85%D8%A7-%D8%B9%D8%AC%D9%85%D8%A7-%D8%B9%D8%AC%D8%B2-%D8%B9%D9%86%D9%87-%D8%A7%D9%84%D8%A2%D8%AE%D8%B1%D9%88%D9%86%D8%B1%D9%81%D9%8A%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D9%8A%D8%B1%D9%8A-%D8%AF%D9%81%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D9%85%D9%86

*رابط رقم 6: عن ديون المكسيك رابع أكبر منتجٍ للنفط في نصف الكرة الغربي بعد الولايات المتحدة وكندا وفنزويلا، والتي أوصلتها الديون الى حافة الانهيار وأعلنت حالة العجز عن السداد:

https://arabic.euronews.com/2020/03/07/apart-lebanon-which-countries-decided-not-to-pay-foreign-currency-debt-in-the-past

 

كاظم الموسويفضحت جائحة كورونا/ فايروس كوفيد-19 امورا كثيرة. كانت اغلبها مخفية بقصد او باهمال او بينهما، وكشفت حجم التناقضات في تطوراتها، وسعة التباينات في أحاديث المختصين فيها، ومدى الفجوات في تصريحات المسؤولين السياسيين عنها.. وهي كلها تقع في اطار التوحش الرأسمالي وخطط الهيمنة الإمبريالية والاستعمار الغربي أساسا. عرفتها هذه البلدان وانتشرت فيها او عن طريقها إلى بلدان أخرى وتوسعت داخلها منتقلة من مصادرها  التي إذاعتها أو روجت لها  واختلفت عليها، تاريخيا والان امام انظار العالم، بالصورة والصوت، والارقام والاحصائيات، والأدلة  والإثباتات.

من بين الأمور الفاضحة، ما جاء في تصريحات شخصيات مسؤولة في اوروبا عن فشل ما كانوا يطمحون له من ادارة الاتحاد الاوروبي، وفي اسباب تشكله وتجمعه واتحاده، لا سيما في التضامن والتعاون والمساعدات في ظروف الازمات والجائحات، مثل الكورونا، وان تكون هذه القيم والأعراف اقوى وأشد حماية وتفانيا وتبرعا وتضحية لتمتين عرى الاتحاد وتقديم الدليل عليه، بينما عمليا ما حصل وشوهد كان من الفضائح الكبيرة والابتعاد غير المبرر عن الانسانية والاخلاق العامة وابسط الحقوق والواجبات الاعتيادية، لاي منظمة او تجمع اتحادي، محلي أو اقليمي او دولي.

كانت رسالة السيدة الايطالية، التي نشرت بصوتها وبكلماتها في اغلب وسائل الاتصال والإعلام، نموذجا واضحا وصريحا في خطابها المسؤولين الغربيين وفضح محاولات عزل بلدها وتركها لمصيرها وحيدة. في الوقت الذي انهال عليها الدعم والاسناد من بلدان من خارج الاتحاد الاوروبي، من الصين وكوبا وفيتنام وروسيا. فكيف تحول هذا الاتحاد ومعانيه العامة إلى وهم، وصار فضيحة كورونية امام المجتمع والراي العام المحلي والدولي؟.

اما الدولة العظمى، جارة كندا، فلم ترع خطر الكورونا وتماهلت ادارتها واستصغرت الجائحة وخلالها ارتفعت أعداد المصابين فيها الى ما يعادل ارقام كل بلدان اوروبا. وتحولت فجاة الى فضيحة أخرى بلا شك او ادعاء.. لم تتستر المزاعم والغطرسة وابتلت بكل أسباب الكورونا ومخاطرها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وحتى الاخلاقية.اضافت لها تداعيات العنصرية وممارساتها أبعادا أخرى في فضيحة الكورونا وما فعلته واقعيا على الأرض.

وعرت الكورونا الانظمة الغربية، انظمة الدول الرأسمالية، الاغنى في العالم والتي تقود اقتصاديات العالم وسياساته في المؤتمرات والمنتديات والاجتماعات، وأثبتت هذه الانظمة انها عاجزة عن توفير الخدمات الصحية ووسائل الرعاية وادوات المعالجة وخبرات الطب والوقاية والاهتمامات الانسانية.. بل ان مسؤولين فيها اعلنوا ودعوا صراحة بتوديع اعزاء وخسارة اهل ودمار مجتمع.. فاين المزاعم والادعاءات التي تتشدق بها الأبواق الموالية عن حقوق الإنسان والديمقراطية والتنوع الحضاري والثقافي وعن العدالة والإنسانية اخيرا؟، ومن هي الدول المتقدمة والمتخلفة اذاً؟، وما هي المعايير في ظل الجائحة وانتشارها الواسع والسريع؟ وهذا ما عرف وظهر وصار معلوما ومفهوما.، أما ما اخفي أو ستر عن الانظار، الله وحده الاعلم.

ومثلها فضيحة اخرى في التفاصيل، عن الرواتب والمنح والجوائز والهبات والصفقات، بين من يخدم فعلا المجتمعات ومن يسليها او يلهيها لزمن ويتركها في أيدي وقوانين وإجراءات اخرى.. فما يحصل عليه العاملون في مجالات الصحة لا يمكن باي شكل من الاشكال مقارنته بما يحظى به الرياضيون والفنانون.. وقد احسن بعض الاخيرين بالتبرع وتقديم المساعدات للاولين في هذه الجائحة.. وهذه تقع ايضا ضمن إطار فضائح الكورونا، وهي التي لفتت الانتباه وسلطت الاضواء، رغم ادراك القيمة المادية والمعنوية لكل من القطاعات الاجتماعية ومواقعها في البناء الاجتماعي وعمران الدول. حيث نشر فيديو لباحثة اجتماعية من جنوب أوروبا تتحدث بالارقام عن ما يكسبه الرياضيون والفنانون في أوروبا والعاملون في الصحة، وتقول لو يضاعف ما بدر على الأطباء والمساعدين لكانت الخدمات والإعداد لها والتجهيزات والمعدات افضل واحسن مما يحوّل في العطاء والهبات لغيرهم.

 وتطرق الفضائح ابواب الصعيد الثقافي ايضا، كما في عودة التفكير في كثير من الطروحات التي غزت العالم، من "نهاية التاريخ" الى"صراع الحضارات"، وفشل الافكار  الاشتراكية والانتصار النهائي لللبرالية المنفلتة ومن ثم العولمة المتوحشة وغيرها... وغيرها من هذه الأمور. فصاحب مقولة نهاية التاريخ عاد وصحح رأيه وتخلى عن هذه الفكرة كما نشر واعلن، من ضرورة عودة دور الدولة في التخطيط والتنظيم السياسي والاقتصادي والاجتماعي والإداري، كما عاد الحديث عن الاشتراكية والماركسية، التي كانت، أو حولت وعمل على أن تتحول الى سبة واتهامات، كما كانت في عهود سالفة. وقد تكون هذه فضيحة ثقافية، لكن لها ارتداداتها، فالدول التي توصف باوصاف تخالف واقعها ووقائعها وتتهم بشتى الاسماء التي تثير الاستنفار منها وحتى كراهيتها،  ظهرت هي الأكثر حرصا وقدرة في حماية شعوبها من الكورونا وضبط أخطارها واضرارها، وتقديم المساعدات والتعاون غير المحدود للبلدان التي انتشرت الكورونا فيها وبقيت وحدها تقاومه وتواصل العمل ضده. وفي الوقت نفسه كشفت هذه الدول عن هيبة سلطاتها وقدرات كبيرة في ضبط الامور والإجراءات والوقاية والحماية الصحية، فضلا عن جهودها في تحجيم الخطر والعمل على صناعة العلاجات والادوات والأدوية وما تحتاجه المستشفيات في هذه الظروف الصعبة. فأرسلت كوبا والصين وروسيا الأطباء والأدوية والخبرات الى أكثر الدول المتضررة في اركان الكرة الأرضية واعطت مثالا إنسانيا جديرا بالاحترام والتقدير. ولم تشك هذه الدول من أزمة الكورونا كما حدث في غيرها، ولم تخف إمكاناتها وطاقاتها لخدمة الإنسان وصراعه ضد المرض وتداعياته أو تطوراته. وكانت إداراتها جديرة بمواقعها وخططها في المواجهة الشاملة، ليس للفيروس وحسب، بل لما اضطرها من إجراءات اخرى، كما حصل في الاغلاق الكامل للمؤسسات العامة والخاصة، أو الابتعاد الاجتماعي أو غيرها، وتوفير البدائل الممكنة التي تعوض في المجالات الاخرى، كاستمرار التعليم من البيوت أو تيسير الحجر الصحي الناجح وغيرها من الخدمات الاجتماعية والإنسانية التي يستدل بها وتضرب الامثال عنها.

فضحت الكورونا ما ذكر وغيره الكثير وكشفت أن هناك كثيرا من الاوهام التي عشعشت وترسخت ولكنها تساقطت كأوراق الخريف، في بلدانها وأمام شعوبها، ولم تفدها هيمنتها الاستعمارية أو عولمتها المتوحشة ومخططاتها ومشاريعها العدوانية التي ما انفكت تعيدها وتسعى إلى العودة بها بأسماء أخرى.

 

كاظم الموسوي

 

حسام الدجنيأيهما أقرب لقطاع غزة مواجهة عسكرية مع الاحتلال الصهيوني، أم صفقة، وهل الصفقة تقتصر على صفقة تبادل للأسرى أم ستكون أشمل وأعمق لتشمل بالإضافة لصفقة التبادل، تهدئة طويلة بموجبها يسدل الستار عن سنوات من الحصار الصهيوني.

سأنطلق في قياس الوزن النسبي لمستقبل غزة القريب ضمن تحليل حسابات الربح والخسارة للأطراف ذات العلاقة المباشرة في صناعة الأحداث، وهم بالدرجة الأولى حماس وإسرائيل و بالدرجة الثانية السلطة الفلسطينية ومكونها الرئيس حركة فتح.

أولاً: حركة حماس وإسرائيل وتقاطع حسابات الربح ضمن سيناريو الصفقة.

تتقاطع المكاسب بين الفاعلين الرئيسين حماس وإسرائيل في:

1- تحييد قطاع غزة من مواجهة عسكرية مصلحة لحماس ولإسرائيل فالأولى تعاني من حصار قاسي أنهك الحجر والشجر في قطاع غزة، وكل الأطراف لا تستطيع توقع نتائج الحرب وتداعياتها، أيضاً تريد إسرائيل أن تتفرغ لمعركة الضفة الغربية والقدس وتمضي في الضم دون تداعيات.

2- إتمام صفقة تبادل بموجبها تتمكن حماس من الافراج عن مئات الأسرى في السجون الصهيونية، وتتمكن إسرائيل من إعادة جنودها المأسورين لدى كتائب القسام.

ثانياً: حركة حماس وإسرائيل وتقاطع حسابات الخسارة ضمن سيناريو الصفقة.

تهدئة طويلة ستساهم في نهضة قطاع غزة وعزل الرئيس محمود عباس وهو ما سيمكن إسرائيل من الانفراد بالرئيس محمود عباس وبذلك ستظهر حماس أنها وإسرائيل تحققان هدفاً مشتركاً وستتهم ضمنياً أنها متواطئة في تمرير خطة الضم أمام الشعب الفلسطيني، وسيظهر نتانياهو أنه يقوض عملية السلام، وينصاع أمام القوة العسكرية التي تنتهجها حماس.

ثالثاً: موقع السلطة الفلسطينية وحركة فتح من المشهد.

العلاقة بين السلطة الفلسطينية ممثلة بالرئيس محمود عباس وحركة حماس متوترة وأزمة الثقة بين الطرفين كبيرة، كما هي العلاقة بين الرئيس عباس ونتانياهو في الفترة الأخيرة، وعليه فإن مصلحة السلطة حتى وإن لم تعلن، إلا أنها ستكون سعيدة في حال دفعت حماس نحو المواجهة مع إسرائيل في المرحلة المقبلة، وإبعاد سيناريو الصفقة، حيث تخشى السلطة بأن تصبح حماس بديلاً محتملاً في المرحلة المقبلة لاسيما في قطاع غزة، وأن توجه أموال المقاصة عبر طرف ثالث لقطاع غزة مباشرة لشراء الهدوء، وتمرير الصفقة الشاملة التي تدعمها أطراف محلية وإقليمية ودولية.

وعليه فإن أدوات السلطة في تحقيق هذا الهدف كثيرة وأهمها:

-  دعم مجموعات صغيرة مسلحة في غزة لإطلاق قذائف نحو الاحتلال الصهيوني.

- زيادة وتيرة العقوبات على قطاع غزة لدفع الناس نحو الانفجار، وهو ما سيدفع حركة حماس لتحويل هذا الانفجار نحو إسرائيل كما صرح في أكثر من مناسبة رئيسها في غزة يحيى السنوار.

- شيطنة إعلامية لحركة حماس لدفعها نحو تبني خيار المقاومة المسلحة لمواجهة الضم كمدخل لتحسين صورتها واستعادة شعبيتها.

الخلاصة: في تقديري أن حركة حماس ومعها جزء من فصائل المقاومة ستعمل على تعزيز سيناريو خيار الصفقة الشاملة لا سيما صفقة تبادل للأسرى والتي تدعم البيئة الاستراتيجية لكافة الأطراف انجازها خلال عام 2020م، ولكن في تقديري قد يكون نتيجة لمواجهة عسكرية محدودة ستندلع في حال اتخذ نتانياهو قرار الضم، فلا أعتقد أن حركة حماس المقبلة على انتخابات داخلية في يناير/2021 والتي تعتبر رأس حربة المقاومة في فلسطين ستسمح لإسرائيل بتحييد قطاع غزة وتمضي في قرارات الضم، وعليه فإنني أرى المشهد بأن تذهب حماس في اتجاهين:

- تعزيز مقاومتها العسكرية والشعبية في الضفة الغربية كرد على صفقة القرن.

- الرد على قرارات الضم من قطاع غزة سيكون متدرجاً ما بين السياسي والدبلوماسي والقانوني والشعبي والعسكري، بحيث ترسم حماس لوحة نضالية كما رسمتها بدماء أكثر من ستين شهيداً في 14/5 تاريخ نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وتكون حوارات وقف اطلاق النار مستندة على سيناريو الصفقة.

وفي خلاصة الخلاصة أقول: كم أتمنى أن لا يكون نمط التفكير عند قيادة شعبنا كما جاء في هذا المقال، وأن أكون مخطئاً في محاكاة المشهد، لأنني أؤمن أن المدخل الرئيس لمواجهة الضم يتمثل في ثلاثة خطوات:

1- وحدة وطنية قولاً وفعلاً.

2- أن نعمل على تحويل الضم من تهديد للمشروع الوطني إلى فرصة عبر إصلاح منظمة التحرير الفلسطينية واعادة التوافق على برنامج وطني جوهره تبني خيار الدولة الواحدة الديمقراطية، وإعادة بناء نظامنا السياسي وفقاً لهذا الخيار.

3- أن تكون مقاومة الضم ليست استعراضاً ولا مادة للسجال السياسي والمناكفة الاعلامية بل نتاج لإستراتيجية وطنية متوافق عليها بين كافة الأطراف، وتكون راشدة قادرة على إحداث تحول في الموقف الصهيوني والدولي.

في الختام، أكرر أن فرص انجاز صفقة تبادل في هذا التوقيت قوية، وعلى كبير المفاوضين الفلسطينيين مروان عيسى استغلال الفرص عبر تحريك الوساطات الاقليمية والدولية، وأستند إلى أربعة مؤشرات تدعم ذلك:

-  الحكومة الائتلافية في إسرائيل ووجود غانتس الذي يقع على عاتقه مسئولية أخلاقية كونه كان رئيساً للأركان عندما تم أسرهم.

- الحراك الميداني الشعبي داخل دولة الاحتلال المطالب بعودة الجنود الصهاينة المأسورين لدى حماس يدعم ذلك.

- الواقع الصعب الذي يعشه أسرانا، وحجم الوعود في الآونة الأخيرة من قبل قيادات حماس للأسرى بقرب موعد الحرية.

- حاجة المقاومة لإنجاز كبير في هذا التوقيت من شأنه أن يحشد همم الشعب الفلسطيني للتحلل من كافة الاتفاقيات التي كبلت الوعي الجمعي الفلسطيني، والعودة إلى المسار السليم المتمثل في المقاومة بكافة أشكالها.

في الختام: ما سبق كتبته قبل مؤتمر السيد أبو عبيدة الناطق اسم كتائب القسام يوم الخميس الفائت، وجوهر كلمة أبا عبيدة: إعلان الضم بمثابة إعلان حرب، وهو ما يعزز مسار السيناريوهات السابقة، حيث أن قطاع غزة وفقاً للمتغيرات الأخيرة سيكون أمام:

1- تراجع نتانياهو عن قرارات الضم لا سيما أن وفداً أمريكياً رفيع المستوى في إسرائيل اليوم لمناقشة حيثيات الضم وتداعياته، وعليه فإن سيناريو الصفقة سيزداد.

2- موجة تصعيدية محدودة تنتهي بالصفقة، ومدخل الصفقة الشاملة يبدأ بصفقة تبادل للأسرى.

3- حرب شاملة سيكون لها نتائج على حالة الأمن والاستقرار الاقليمي والدولي وهو ما تعمل الأطراف الدولية والاقليمية والمحلية على تحييده.

 

 د. حسام الدجني

كاتب ومحلل سياسي فلسطيني

 

حسين سرمك حسنيمكن القول إن الحكومة الفرنسية تساعد شركات الأدوية في الاستفادة من وباء كورونا. كيف اختفى مليار ونصف قناع من مخزونات وزارة الصحة؟ الممرضات يستخدمن أكياس القمامة لعدم توفر الملبس الطبية.

بيبي إيسكوبار

ترجمة: حسين سرمك حسن

تمهيد من الدكتور بول كريج روبرتس:

هيدروكسي كلوروكوين لعلاج مرضى فيروس كورونا: هل حاكم نيفادا ورئيس فرنسا يتقاضون رواتبهم من شركات الأدوية ؟

المتربحون من الفيروس التاجي أسوأ من المتربحين من الحرب

يتم تدمير فرنسا عمدا. هل شركات الأدوية قتلة جماعيون؟

هل يحدث نفس الشيء في الولايات المتحدة؟

هل حاكم نيفادا ورئيس فرنسا يتقاضون رواتبهم من شركات الأدوية؟

وقد دعاني إلى هذا السؤال تقارير إخبارية تشير إلى أنهم يمنعون استخدام العقاقير المضادة للملاريا كلوروكوين وهيدروكسي كلوروكوين لعلاج مرضى الفيروس التاجي. وفقا للخبراء، فإن الأدوية المضادة للملاريا فعالة إذا تم استخدامها في وقت مبكر بما فيه الكفاية في العدوى. لكن هذه الأدوية رخيصة ولا يوجد ربح فيها.

في يوم الثلاثاء فقط، حصلت مستشفيات نيويورك على إذن فيدرالي لمنح المرضى المصابين بأمراض شديدة مزيجًا من هيدروكسي كلوروكين وأزيثروميسين على أساس "الرعاية الرحيمة"

وفقًا للخبير الرائد في العالم، ديدييه راؤول، يفوت الأوان لإعطاء الأدوية المضادة للملاريا في المرحلة الأخيرة من العدوى.

يقول أنتوني فوسي أنه لا يوجد دليل جوهري على أن الأدوية فعالة، لكن الصينيين وديدييه راولت، اللذين يبرزان أكثر بكثير من فوسي، يقولون عكس ذلك.

ديدييه راولت أستاذ علم الأحياء الدقيقة والأخصائي العالمي الرائد في علاج الأمراض المعدية. وهو مدير معهد العدوى IHU Mediterranee. لقد كان جزءًا من تجربة سريرية شفي فيها هيدروكسي كلوروكين وأزيثروميسين 90 ٪ من حالات Covid-19 إذا تم إعطاؤها في وقت مبكر جدًا.

المقالة:

يمكن القول أن ما يحدث في خامس أكبر اقتصاد في العالم يشير إلى فضيحة تواطؤ كبيرة تساعد فيها الحكومة الفرنسية شركات الأدوية Big Pharma على الاستفادة من انتشار وباء كورونا. المواطنون الفرنسيون المطلعون غاضبون للغاية.

سؤالي الأول لمصدر باريس الجاد الذي لا يرقى إليه الشك، اختصاصي القانون "فوجري بوجولت"، كان حول علاقات الاتصال بين الماكرونيين وشركات الأدوية وخاصةً حول "الاختفاء" الغامض - على الأرجح السرقة الكاملة - لجميع مخزون الكلوروكين الذي تمتلكه الحكومة الفرنسية.

تحدث البروفيسور المحترم كريستيان بيرون عن السرقة مباشرة في إحدى القنوات الإعلامية الفرنسية قناة LCI الإخبارية 24/7 "أعلنت الصيدلية المركزية للمستشفيات اليوم أنها تواجه تمزقًا كاملاً في المخزونات، وأنها نُهبت" (اختفى الفيديو على شبكة الانترنت وعلى اليوتيوب- المترجم) .

من خلال مساهمة من مصدر آخر مجهول، من الممكن الآن وضع جدول زمني يضع في المنظور الذي تشتد الحاجة إليه الإجراءات الأخيرة للحكومة الفرنسية.

لنبدأ مع إيف ليفي، الذي كان رئيس INSERM - المعهد الوطني الفرنسي للصحة والأبحاث الطبية - من 2014 إلى 2018، عندما تم تعيينه كعضو استثنائي في مجلس الدولة لإدارة ماكرون. وصل 12 شخصا فقط في فرنسا إلى هذا المنصب.

ليفي متزوج من أغنيس بوزي، التي كانت حتى وقت قريب وزيراً للصحة في عهد ماكرون. تم تقديم بوزي بشكل أساسي مع "عرض لا يمكنك رفضه" من قبل حزب ماكرون لمغادرة الوزارة - في منتصف أزمة الفيروس التاجي - والترشح إلى عمدة باريس، حيث تم هزيمتها بلا رحمة في الجولة الأولى في 16 مارس.

ليفي لديه نزاع جائر مع البروفيسور ديدييه راولت - متخصص في الأمراض المعدية وغالبًا ما يتم الاستشهاد به في مرسيليا. حجب ليفي ملصق INSERM من مركز أبحاث IHU (مستشفى - معهد جامعي) المشهور عالميًا الذي يديره راؤول.

من الناحية العملية، في أكتوبر 2019، ألغى ليفي حالة "المؤسسة" لمختلف مراكز IHUs حتى يتمكن من تولي أبحاثهم.

A picture taken on February 26, 2020 shows French professor Didier Raoult, biologist and professor of microbiology, specialized in infectious diseases and director of IHU Mediterranee Infection Institute posing in his office in Marseille, southeastern France. - Raoult reported this week that after treating 24 patients for six days with Plaquenil, the virus had disappeared in all but a quarter of them. The research has not yet been peer reviewed or published, and Raoult had come under fire by some scientists and officials in his native France for potentially raising false hopes. (Photo by GERARD JULIEN / AFP)

(الأستاذ الفرنسي ديدييه راولت، عالم الأحياء وأستاذ علم الأحياء الدقيقة، متخصص في الأمراض المعدية ومدير معهد IHU Mediterranee Infection Institute، في مكتبه في مرسيليا، فرنسا)

كان راؤول جزءًا من تجربة سريرية، حيث شفي هيدروكسي كلوروكين وأزيثروميسين 90 ٪ من حالات كورونا إذا تم اعطاؤه مبكرًا جدًا. (يقع الاختبار المبكر والكبير في قلب الاستراتيجية الكورية الجنوبية الناجحة الآن)

يعارض راولت الإغلاق التام للأفراد الأصحاء والناقلين المحتملين - وهو ما يعتبره أسلوب "العصور الوسطى" بمعنى عفا عليه الزمن. إنه يؤيد إجراء اختبار مكثف (نجح، إلى جانب كوريا الجنوبية، في سنغافورة وتايوان وفيتنام) ومعالجة سريعة بهيدروكسي كلوروكوين. يجب أن يقتصر الحجز فقط على الأفراد الملوثين.

يكلف الكلوروكين يورو واحد لعشرة أقراص. ولكن هناك تلاعبات شركات الأدوبة الباحثة عن الربح والتي تموّل INSERM بشكل حاسم، وتشمل "البطل الوطني" شركة سانوفي Sanofi – التي تفضل البحث عن حل أكثر ربحية. تقول شركة Sanofi في الوقت الحالي إنها "تستعد بنشاط" لإنتاج الكلوروكين، ولكن هذا قد يستغرق "أسابيع"، ولا يوجد ذكر للسعر.

وزير يفر من تسونامي

إليك الجدول الزمني:

في 13 يناير / كانون الثاني، صنفت أغنيس بوزين، التي لا تزال وزيرة الصحة الفرنسية، الكلوروكين على أنه "مادة سامة" ستكون من الآن فصاعدًا مُتاحة بوصفة طبية فقط. خطوة مذهلة، لمادة أنه تم بيعها على الرف (بلا وصفة) في فرنسا لمدة نصف قرن.

في 16 مارس، أمرت حكومة ماكرون بإغلاق جزئي. لا توجد نظرة خاطفة على الكلوروكين. في البداية، لا يُطلب من الشرطة ارتداء الأقنعة ؛ معظمها تمت سرقته على أي حال، ولا توجد أقنعة كافية حتى للعاملين في مجال الصحة. في عام 2011، كان لدى فرنسا ما يقرب من 1.5 مليار قناع: 800 مليون قناع جراحي و 600 مليون قناع للمهنيين الصحيين بشكل عام.

ولكن بعد ذلك، على مر السنين، لم يتم تجديد المخزونات الاستراتيجية، لإرضاء الاتحاد الأوروبي وتطبيق معايير ماستريخت، التي حددت العضوية في ميثاق النمو والاستقرار للبلدان التي لم يتجاوز العجز في ميزانيتها 3٪ من الناتج المحلي الإجمالي. كان جيروم سالومون أحد المسؤولين في ذلك الوقت، وهو الآن مستشار علمي لحكومة ماكرون.

في 17 مارس، قالت أغنيس بوزين إنها علمت أن انتشار كورونا سيكون تسونامي كبيرًا، ولا يوجد نظام صحي في فرنسا يواجهه. وتقول أيضًا إنها كانت تدرك أن انتخابات بلدية باريس "لن تجري" وأنها كانت في النهاية "حفلة تنكرية".

ما لم تقله هو أنها لم تعلن للجمهور في الوقت الذي كانت تتهيّأ فيه لأن التركيز السياسي الكامل لآلة ماكرون السياسية كان على الفوز في "الحفلة التنكرية". لم تعني الجولة الأولى من الانتخابات أي شيء، حيث كان كورونا يتطور. تم تأجيل الجولة الثانية إلى أجل غير مسمى. كان عليها أن تعرف عن كارثة الرعاية الصحية الوشيكة. ولكن كمرشحة لآلة ماكرون، لم يتم الإعلان عنها في الوقت المناسب.

بتتابع سريع:

ترفض حكومة ماكرون تطبيق الاختبارات الجماعية، كما تُمارس بنجاح في كوريا الجنوبية وألمانيا.

تصف لوموند ووكالة الصحة الحكومية الفرنسية بحث راؤول على أنه أخبار مزيفة، قبل إصدارها تراجعا عن تصريحها.

كشف البروفيسور بيرون على قناة LCI الإخبارية 24/7 أن مخزون الكلوروكين في الصيدلية المركزية الفرنسية قد سُرق.

بفضل تغريدة من إيلون موسك، يقول الرئيس ترامب إن الكلوروكوين يجب أن يكون متاحًا لجميع الأمريكيين. المصابون بالذئبة والتهاب المفاصل الروماتويدي، الذين يعانون بالفعل من مشاكل في الإمداد بالعقار الوحيد الذي يقدم لهم الراحة وهو الكلوروكوين، أشعلوا وسائل التواصل الاجتماعي في حالة من الذعر.

يأخذ الأطباء الأمريكيون وغيرهم من المهنيين الطبيين خزن الدواء لاستخدامهم الشخصي وللمقربين منهم، وتزوير الوصفات الطبية للإشارة إلى أنها مخصصة لمرضى الذئبة أو التهاب المفاصل الروماتويدي.

المغرب يشتري مخزون الكلوروكين من شركة سانوفي بالدار البيضاء.

باكستان تقرر زيادة إنتاجها من الكلوروكين المراد إرساله إلى الصين.

تتجاهل سويسرا الإغلاق التام لسكانها؛ وتتجه للاختبار الشامل والعلاج السريع ؛ وتتهم فرنسا بممارسة "سياسات العرض".

كريستيان استروسي، عمدة نيس، بعد أن عالج نفسه بالكلوروكين، دون أي مساهمة حكومية، يتصل مباشرة بـ Sanofi حتى يتمكنوا من توصيل الكلوروكين إلى مستشفيات نيس.

بسبب بحث راؤول، بدأ أخيرًا اختبار الكلوروكين على نطاق واسع في فرنسا، تحت إشراف – كما هو متوقع - INSERM، الذي يريد "إعادة تشكيل التجارب في المراكز الطبية المستقلة الأخرى". سيستغرق هذا على الأقل ستة أسابيع إضافية - حيث يفكر المجلس العلمي لقصر الإليزيه الآن في تمديد فترة الإغلاق الكلي لفرنسا إلى ... ستة أسابيع.

إذا أثبت الاستخدام المشترك لهيدروكسي كلوروكين وأزيثروميسين فعاليته بالتأكيد بين أشد المرضى خطورة، فقد يتم تقليل الحجر الصحي في مجموعات مختارة.

تخضع الشركة الفرنسية الوحيدة التي لا تزال تصنع الكلوروكين للتدخل القضائي. وهذا يضع اكتناز الكلوروكين والسرقة في منظور كامل. سيستغرق الأمر وقتًا حتى يتم تجديد هذه المخزونات، مما يتيح لشركات الأدوية  الفرصة للحصول على ما تريده: حل بأرباح عالية.

يبدو أن مرتكبي سرقة الكلوروكين كانوا على علم جيد جدًا بالذي سيحصل.

ممرضات مكيّسات

إن سلسلة الأحداث هذه، المدهشة لدولة متطورة من مجموعة الدول السبع فخورة بخدماتها الصحية، هي جزء من عملية طويلة ومؤلمة متأصلة في العقيدة النيوليبرالية. أدى التقشف المدفوع من الاتحاد الأوروبي ممزوجًا بدافع الربح إلى موقف متساهل جدًا تجاه النظام الصحي.

كما أخبرني بوجولت، "كانت مجموعات الاختبار - قليلة جدًا - متاحة دائمًا ولكن في الغالب لمجموعة صغيرة مرتبطة بالحكومة الفرنسية [المسؤولون السابقون في وزارة المالية، والرؤساء التنفيذيون للشركات الكبيرة، والأوليغارشية، ووسائل الإعلام وأباطرة الترفيه]. نفس الشيء بالنسبة للكلوروكين، الذي فعلت هذه الحكومة كل شيء لجعله غير قابل للوصول للسكان.

لم يسهّلوا حياة البروفيسور راوولت - فقد تلقى تهديدات بالقتل وخاف من "الصحفيين".

ولم يقوموا بحماية المحزنات الحيوية. منذ أن كان الوضع تحت حكومة هولاند، كان هناك تصفية واعية لمخزون الأقنعة - التي كانت موجودة بكميات كبيرة في جميع المستشفيات. ناهيك عن أن قمع أسرة المستشفيات ووسائل المستشفى تسارعت في عهد ساركوزي".

ويرتبط هذا بالتقارير الغاضبة من المواطنين الفرنسيين عن الممرضات اللائي يضطرون الآن لاستخدام أكياس القمامة بسبب نقص الملابس الطبية المناسبة.

في الوقت نفسه، وفي تطور مذهل آخر، ترفض الدولة الفرنسية عرض المساعدة من المستشفيات والعيادات الخاصة - التي تكون فارغة تقريبًا في هذه المرحلة - حتى عندما طالب رئيس جمعيتها، لامين جاربي، بمبادرة الخدمة العامة هذه: "أطلب رسمياً أن نتقدم بطلب لمساعدة المستشفيات العامة. مرافقنا جاهزة. يجب أن تعلّمنا الموجة التي فاجأت شرق فرنسا درساً ".

يؤكد بوجولت أن الوضع الصحي في فرنسا "خطير للغاية وسيزداد سوءًا بسبب هذه القرارات السياسية - غياب الأقنعة، والرفض السياسي لاختبار الأشخاص بشكل كبير، ورفض الوصول المجاني إلى الكلوروكين - في سياق الكرب الشديد في المستشفيات. سوف يستمر هذا وسيكون العوز هو القاعدة "

بروفيسور مقابل رئيس

في تطور متفجر يوم الثلاثاء، قال البروفيسور راؤول إنه لم يعد يشارك في المجلس العلمي لماكرون، على الرغم من أنه لم يستقل منه تمامًا. يصر راؤول مرة أخرى على إجراء اختبار شامل على المستوى الوطني للكشف عن الحالات المشتبه فيها، ثم عزل وعلاج المرضى الذين كانت نتائجهم إيجابية. باختصار: النموذج الكوري الجنوبي.

هذا هو بالضبط ما هو متوقع من مراكز IHU في مرسيليا، حيث يواصل المئات من السكان الانتظار في طابور للاختبار. وهذا يرتبط بالاستنتاجات التي توصل إليها خبير صيني كبير في كورونا، زانغ نانشان Zhang Nanshan، الذي قال إن العلاج بفوسفات الكلوروكين كان له "تأثير إيجابي"، حيث كان المرضى يختبرون سلبيًا بعد حوالي أربعة أيام من العلاج.

وقد أكد راؤول على النقطة الأساسية: استخدام الكلوروكين في ظروف خاصة جدًا، للأشخاص الذين تم اختبارهم مبكرًا جدًا، عندما لا يكون المرض متقدمًا بعد، وفقط في هذه الحالات. إنه لا يدعو الكلوروكين للجميع. هذا بالضبط ما فعله الصينيون، إلى جانب استخدامهم للإنترفيرون.

لسنوات، كان راؤول يطالب بمراجعة جذرية للنماذج الاقتصادية الصحية، لذلك تعتبر العلاجات والأدوية التي تم إنشاؤها في الغالب خلال القرن العشرين، إرثًا في خدمة البشرية جمعاء. "هذا ليس هو الحال"، كما يقول، "لأننا نتخلى عن الدواء غير المربح، حتى لو كان فعالا. لهذا السبب لا يتم تصنيع المضادات الحيوية تقريبًا في الغرب".

يوم الثلاثاء، منعت وزارة الصحة الفرنسية رسميًا استخدام معالجة كورونا على أساس الكلوروكين الذي أوصى به راؤول. في الواقع، لا يُسمح بالعلاج إلا لمرضى كورونا النهائيين، مع عدم وجود إمكانية أخرى للشفاء. هذا لا يمكن إلا أن يعرض حكومة ماكرون لمزيد من الاتهامات بعدم الكفاءة على الأقل - يضاف إلى غياب الأقنعة والاختبارات وتتبع الاتصال وأجهزة التهوية.

قال راؤول يوم الأربعاء، معلقاً على الإرشادات الحكومية الجديدة، "عندما يكون تلف الرئتين مهمًا للغاية، ويصل المرضى المستشفيات من أجل الإنعاش، لم يعد لديهم فيروسات في أجسامهم. لقد فات الأوان لمعالجتها بالكلوروكين. هل هذه هي الحالات الوحيدة - الحالات الخطيرة للغاية - التي سيتم معالجتها بالكلوروكين بموجب التوجيه الجديد من قبل [وزير الصحة الفرنسي] فيران؟ " إذا كان الأمر كذلك، أضاف بسخرية، "عندها سيكون بمقدورهم القول بيقين علمي أن الكلوروكين لا يعمل"

لم يكن راؤول متاحًا للتعليق على مقالات وسائل الإعلام الغربية التي تشير إلى نتائج الاختبارات الصينية التي تشير إلى أنه مخطئ بشأن فعالية الكلوروكين في التعامل مع الحالات الخفيفة من كورونا.

وأشار الموظفون بدلاً من ذلك إلى تعليقاته في نشرة IHU. يقول راؤول هناك أنه من "الإهانة" أن نتساءل عما إذا كان يمكننا الوثوق بالصينيين في استخدام الكلوروكين. "إذا كان هذا مرضًا أمريكيًا، قال رئيس الولايات المتحدة: "نحن بحاجة إلى علاج المرضى بهذا الدواء، فلن يناقشه أحد ".

ويضيف أن هناك "عناصر كافية في الصين، لذا اتخذت الحكومة الصينية وجميع الخبراء الصينيين الذين يعرفون الفيروسات التاجية موقفًا رسميًا "يجب أن نعالج بالكلوروكين. "بين اللحظة التي نحصل فيها على النتائج الأولى ومنشور دولي مقبول، لا يوجد بديل موثوق به بين الناس الأكثر دراية في العالم وهم الصينيون. لقد اتخذوا هذا الإجراء لصالح الصحة العامة".

بشكل حاسم: إذا كان لدي فيروسات تاجية، يقول راؤول أنه سيتناول الكلوروكين. بما أن راؤول قد صنفه أقرانه على أنه الخبير العالمي الأول في الأمراض السارية، أعلى بكثير من الدكتور أنتوني فوسي في الولايات المتحدة، أود أن أقول أن التقارير الجديدة تمثل مصالح شركات الأدوية.

لقد تم تشويه راؤول وشيطنته بلا رحمة من قبل وسائل الإعلام الفرنسية التي يسيطر عليها عدد قليل من الأوليغارشيون المرتبطون ارتباطًا وثيقًا بالماكرونية. لم يكن من قبيل المصادفة أن الشيطنة قد وصلت إلى مستويات جيليت جاونز (السترة الصفراء)، خاصة بسبب الهاشتاج المشهور للغاية #IlsSavaient ("كانوا يعرفون")، والذي تؤكد فيه السترات الصفراء أن النُخب الفرنسية قد "أدارت" أزمة كورونا لحماية أنفسهم أثناء ترك السكان بلا حماية ضد الفيروس.

هذا يرتبط بالتحليل المثير للجدل من قبل الفيلسوف الكراك جورجيو أغامبين في عمود نُشر قبل شهر، حيث كان يجادل بالفعل بأن كورونا يُظهر بوضوح أن حالة الاستثناء - على غرار حالة الطوارئ ولكن مع اختلافات مهمة للفلاسفة - أصبحت طبيعية تماما في الغرب.

لم يكن أغامبين يتحدث كطبيب أو طبيب فيروسي بل كمفكر رئيسي، باتباع خطوات فوكو ووالتر بنجامين وهانا أرندت. مشيرا إلى كيف تحولت حالة الخوف الكامنة إلى حالة من الذعر الجماعي، والتي من خلالها يقدّم "كورونا" مرة أخرى الذريعة المثالية، وصف كيف "في دائرة مفرغة منحرفة، يتم قبول تقييد الحرية الذي تفرضه الحكومات باسم الرغبة في الأمن الذي أحدثته نفس الحكومات التي تتدخل الآن لإرضائه ".

لم يكن هناك حالة من الذعر الجماعي في كوريا الجنوبية وسنغافورة وتايوان وفيتنام - نذكر أربعة أمثلة آسيوية خارج الصين. تم تطبيق مزيج شاق من الاختبار الشامل وتتبع الاتصال بمهنية هائلة. وقد نجحت. في الحالة الصينية، بمساعدة الكلوروكين. وفي جميع الحالات الآسيوية، بدون دافع ربح غامض لصالح شركات الأدوية.

لم يظهر حتى الآن المسدس الدخاني الذي يثبت أن نظام ماكرون ليس فقط غير كفؤ للتعامل مع أزمة كورونا بل يسحب العملية أيضًا حتى تتمكن شركات الأدوية من الحصول على اللقاح المعجزة، بسرعة. لكن نمط تثبيط الكلوروكين هو أكثر مما تم تحديده أعلاه - بالتوازي مع شيطنة راؤول.

تم نشر Asia Times Financial الآن. ربط الأخبار الدقيقة والتحليلات الدقيقة والمعرفة المحلية بمؤشر ATF China Bond 50، وهو أول مؤشر عالمي قياسي لمؤشرات السندات الصينية عبر القطاعات. اقرأ ATF الآن.

ملاحظة: التمهيد مأخوذ من مقالة الدكتور بول كريغ روبرتس:

Hydroxychloroquine to treat Coronavirus Patients: Are the Nevada Governor and President of France in the Pay of Big-Pharma?

By Dr. Paul Craig Roberts

Global Research, March 29, 2020

أعلاه ترجمة لمقالة:

Why France is hiding a cheap, tested virus cure

The French government is arguably helping Big Pharma profit from the Covid-19 pandemic

By PEPE ESCOBAR

Asia Times Financial

MARCH 28, 2020

 

 

علاء الخطيبتحظى الورقة الايرانية بأهمية بالغة في الانتخابات الامريكية باعتبارها الورقة الرابحة للرئيس ترامب ولربما للرئيس القادم، فملف العلاقات الامريكية الايرانية شائك التعقيد، وذو مكانة في السياسة الامريكة في الشرق الاوسط، اذ تعتبر الولايات المتحدة ان ايران تعرقل الكثير من خططها في هذه المنطقة الحيوية من العالم. لذا تسعى الى ايجاد حل لهذه المعضلة المزمنة، كما ان ايران تعتبر السياسة الامريكية معادية لها وتحابي اسرائيل على حساب دول المنطقة مما يسبب التوتر وعدم الاستقرار، كما تعتبرها سبب ازمة العلاقة بينها وبين الدول العربية في محيطها الاقليمي .

الرئيس ترامب وبعد ازمة التظاهرات والانتفاضة الداخلية على سياسته، شعر بأن الحلقة بدت تضيق شيئاً فشيئاً عليه، و تنحسر فرص فوزه بولاية ثانية كما كان يأمل، فقد اشارت استطلاعات الرأي لمعهد غالوب ان شعبية ‫ ترامب ازدادت الى 43% قبل خمسة اشهر الا انها تراجعت الى 35% بعد الاحداث الاخيرة في امريكا، وتقدم منافسه الديمقراطي بايدن عليه بـ 18 نقطة .

‫ وبعد التظاهرات التي اندلعت في الولايات الامريكية إثر مقتل جورج فلويد على يد شرطي امريكي، وتزامناً مع المواجهة مع الصين ومنظمة الصحة العالمية واتهامها بمحاباة الصين، لجأ الرئيس الى رفع الكتاب المقدس لكسب المتدينين الانجيلين، إلا إنه لم ينجح في هذه الخطوة، فقد هاجمه رجال دين كثر واعتبروا ذلك عمليه استغلال الدين من اجل مكاسب انتخابية .

لم يتوقف سيد البيت الابيض عن محاولاته لكسب الاصوات وتحسين صورته قبيل الانتخابات وعزم ان يلعب بالورقة الايرانية لدغدغت مشاعر الداخل الامريكي، حين أطلقت طهران سراح الجندي في البحرية الامريكية مايكل وايت الذي قضى 683 يوماً في سجونها، قال ترمب : يسعدني ان أعلن ان المخضرم مايكل قد غادر ايران وسيعود الى منزله، واعتبر ذلك نصراً لسياسته مع ايران، كما شكر ايران على هذه الخطوة وأكد على امكانية التوصل لاتفاق معها وكتب على صفحته بتويتر (شكراً إيران، هذا يُظهر أنّ التوصّل إلى اتّفاق أمر ممكن)، وكرسالة تهدئة لطهران سحب منظومة الباتريوت من المنطقة، وخفف العقوبات عليها التي ادت الى استلام ايران 400 مليون دولار ثمن تصدير الكهرباء للعراق و سمح باتفاق لتصدير الكهرباء لمدة عامين واتفاقات اخرى.

 كما اطلقت الولايات المتحدة سراح العالم الايراني مجيد طاهري، وتبادل الطرفان رسائل ايجابية من خلال تغريدات ظريف _ ترامب على تويتر. وفي خطوة اخرى لاثبات حسن النية غضت امريكا الطرف عن السفن الايرانية المتجه الى فنزويلا وسوريا لتحقق ايران نصراً اعلامياً في فنزويلا.

وربما كان غض الطرف لتمهيد الطريق للايرانيين للدخول معه بمفاوضات وتهيئة الاجواء من خلال ارضاء الداخل الايراني .

 و كل ذلك كان من اجل الحصول على نصر دبلوماسي وتعزيز دور الرئيس الامريكي في الداخل مع قرب الانتخابات الامريكية في نوفمبر الماضي.

 دعا ترامب ايران للحوار. ولوح بامكانية التوقيع على البرتوكول الاضافي، من جانبها لم تمانع ايران او ترد هذا العرض، ولكنها اشترطت التوقيع بعد الانتخابات الرئاسية الامريكية.

الشرط الايراني ازعج ترامب واعتبره استغلال لوضعه المتدهور شعبياً، وقام بمحاولة ثانية لجر ايران لطاولة المفاوضات من اجل تحقيق نصر دبلوماسي في هذا الملف، وظلت ايران مصرةٌ على موقفها . فقام بزيادة الضغظ وفرض عقوبات اضافية عليها لاجبارها على الجلوس مع الجانب الامريكي، مستغلاً الظرف الاقتصادي والصحي الذي تمر به ايران، الا أن ازمة الثقة بين الطرفين حالت دون ذلك.

 محاولات ترامب لانقاذ نفسه والخروج من ازمته لا زالت مستمرة، فقد اعتبر ترامب ان فوزه في الانتخابات القادمة اصبح عسيراً وتوقع خسارته كما قال لاحد الصحف الامريكية، وعلل ذلك بطريقة التصويت عبر البريد الالكتروني.

 لكن مما زاد الطين بله هو صدور كتاب لمستشار الامن القومي جون بولتون الذي فضح تصرفات الرئيس، واخفاقاته واحاديثه السرية. واعقب ذلك صدور كتاب لـ ابنة أخيه ضده . وتوالت الصفعات الداخلية للرئيس من خلال التصريحات التي ادلى بها عمدة بوسطن وفنانون ومثقفون امريكيون كبار ضده.

فلم يبقى لدى ترامب سوى الورقة الايرانية، وهي الورقة الاقوى التي يستطيع فيها المناورة لرفع مناسيب شعبيته. فاستخدم نظرية العصا والجزرة فقام بفرض عقوبات على ايران وحلفائها حزب الله وسوريا (قانون قيصر) وبالمقابل قام بتقديم اغراءات من اجل الوصول الى غايته . فالمفاوضات العراقية الامريكية والعرض الذي قدمه للبنان مؤخراً، كلها اوراق يلعب بها الرئيس للوصل الى الضفة الايرانية وتحقيق الفوز. لكن ترامب يواجه عناداً واصراراً ايرانياً على عدم اعطائه فرصة للخروج من ورطته ..

لكنه لم يستسلم للواقع وواصل محاولات الضغط ولكن هذه المرة عن طريق السيد بومبيو وزير خارجيته لتسويق برابغاندا فوبيا ايران كخطوة استباقية قبيل الانتخابات الامريكية . فقام بتحذير الاوربين بطريقة التهويل الاعلامي من الخطر الايراني، وينشر خارطة مزعومة من تمدد ما أسماه  الارهاب الايراني على اوربا، وذلك تزامناً مع اقتراب فترة نهاية حظر بيع السلاح لايران في اكتوبر القادم الذي فرضه مجلس الامن، كما حث المجلس على اتخاذ خطوات جادة في طريق تمديد الحظر على ايران، وعد مراقبون هذه الخطوة بانها خطوة تحريضية من اجل انقاذ رئيسه ترامب التي انحدرت شعبيته بشكل كبير وبعد ان اصبحت حظوظه في ولاية ثانية صعبة جداً مع ما تمر به الولايات المتحدة من ظروف بسبب جائحة كورونا والتظاهرات التي عمت المدن اثر مقتل جورج فلويد على ايدي شرطي امريكي . وذكر وزير الخارجية الامريكية في تغريدة له على موقعه امس ان توريد السلاح الى ايران سيزيد من فرص انتشار الارهاب على حد زعمه، كما أعرب وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، عن أمله في أن يمدد مجلس الأمن الدولي حظر السلاح المفروض على إيران، وذلك بعد ساعات من نشره خريطة تظهر المخاطر المرتبة على رفع الحظر، ولا سيما على الدول الأوروبية.

 كل ذلك يشير بوضوح الى افلاس ترامب وعدم تمكنه من اللعب في الورقة الايرانية.

ولكن ثمة من يقول ان الانتخابات الامريكية لا تحكمها اللحظة الزمنية، بل هي منظومة متكاملة، فقد ايقظ ترامب مشاعر البيض وهم يمثلون ثلثي نفوس امريكا كما وفر  ملايين فرص العمل، واوقف الهجرة ودفع الاقتصاد الامريكي بقوة، ولا ننسى حاجة اسرائيل لوجوده. وهذه كلها عوامل يجب ان تأخذ بالحسبان، لكن هناك عوامل مهمة اغفلها اصحاب هذا الرأي وهي ان ترامب ليس الرئيس الوحيد الذي دعم اسرائيل،  فدعم الدولة العبرية من ثوابت السياسة الامريكية سواء كان ترامب  في السلطة ام غيره .

اما ايقاظ مشاعر البيض، لا اعتقد انها نقطة مهمة وجوهرية، كون اغلب خصوماته سواء كانت مع من عمل معه أو مع السياسيين الاخرين هي مع البيض‫، وهؤلاء لهم جمهورهم في الشارع الانتخابي، اضف الى ذلك الخصومة التي دخلها مع وسائل التواصل الاجتماعي تويتر والفيسبوك والصحافة، وهؤلاء حتما لن يكونوا الى جانبه في حملته الانتخابية ان لم يكونوا ضده .

‫ ففي كل الاحوال ستبقى الورقة الايرانية طوق النجاة لتحقيق ما يصبو اليه الرئيس ترامب فهل تتحقق؟ .

 

علاء الخطيب

 

 

عدنان عويددولة الحزب الواحد في سياقها العام، هي الدولة التي يقرر سياستها الداخلية والخارجية حزب واحد يعتبر القائد للدولة والمجتمع، حتى ولو وجد إلى جانبه أحزاب أخرى تلتقي معه في المواقف الفكرية أو الأيديولوجي بحطوطها الاستراتيجية.

إن الدولة ذات الحزب الواحد، تعني الاسم الذي يطلق عليها، بحيث تصبح سلطة الدولة ومؤسساتها في جميع أغراضها الفعالة جهازاً للحزب. وبذلك يستطيع الحزب استخدام سلطته العليا ليعطي إرادته صفة قانونية. وبهذا يستطيع ليس فرض الوحدة الشكلية على المجتمع فحسب، وإنما قمع أولئك الذين يعارضون سياسة الحزب أيضاً، أو الخروج عن نهجه العام، وفي مثل هذه الأجواء يمكن اعتبار الانتقاد لسياسة الحزب مؤامرة، وأي محاولة لتصحيح وضع ما في هذه السياسة خيانة. وهذا يعني أن سلطة الدولة (الحزب) تشعر دائماً أنها تواجه خطراً خفياً من الداخل وحتى الخارج، ولكي تحمي نفسها من هذا الخطر تقوم الحكومة أو السلطة دائماً بفرض مراقبة صارمة على من هم داخل تنظيمها أو خارج هذا التنظيم، وذلك باعتمادها وبدرجة عالية على الأجهزة البوليسية السرية أو الأمنية، ومن يوظف لصالح هذه الأجهزة من أعضاء الحزب أو الكوادر الإدارية أو المواطنين، الأمر الذي يخلق جواً من الشك وعدم الثقة ما بين طرفي المعادلة الحزب والدولة من جهة،  والشعب من حهة ثانية. فممارسة القمع والوصاية على الشعب يجعلان كل مواطن على درجة عالية من الحذر أمام أهله وجيرانه وأصدقائه وكل ما يحيط به، هذا في الوقت الذي يُعطى الكثير من العناصر الحسودة والغيورة والأنانية وحتى المدانة سلوكيا الفرص في قيادة الدولة والمجتمع، بغية استخدام مهارتهم المشبعة بالأنانية والحقد والكراهية ضد الشعب وضد من يضنون أنهم أساؤوا لهم أو ينافسونهم في مراكزهم خدمة للدولة والمجتمع من الأفراد الطامحين او حتى الغيورين على مصلة البلد.

والدولة ذات الحزب الواحد، ينتهب قادتها إغراء مستمر لاجتياز حدود حرية الآخرين أو إقصائه، الأمر الذي سيدفع الدولة إلى الدكتاتورية أو الشمولية. والحكام في مثل هذه الحالة كي يغطوا شهوة السلطة لديهم واستمراريتها، كثيراً ما يركزون على الخطابات المشبعة بالقيم الايجابية مثل حرية الشعب وعدالته وسعادته وتنميته ومصالحه وأمنه، وغير ذلك من شعارات بعيدة كثيراً عن ممارسة معانيها الجوهرية. وهذه السلوكية للدولة الشمولية وحزبها، غالباً ما تفرض الطاعة العمياء على أعضاء الحزب نفسه، وحتى على أفراد المجتمع لقبول سياسات الحكومة أو الحزب، ويأتي في مقدمتها تمجيد سياسة التسويات الاجتماعية التي يريدها الحزب بين مكونات المجتمع وكأنها تمجيداً للوحدة الوطنية والديمقراطية. والخطر في مثل هذه الحالة، هو أن العادات والقيم والسلوكيات تنموا بما تتغذى عليه، فضلاً عن أنها معدية، وخطورتها عندما تتحول هذه السلوكيات المشينة إلى نمط حياة، يمثلها شلة، أو شلل من الانتهازيين والوصوليين والفاسدين، ولكننا لا نعدم في المقابل أثناء الأزمات وجود رجال شرفاء يدافعون عن قيم ومبادئ الحزب والدولة الحقيقية التي أوصلته إلى السلطة، أما في غياب الأزمات فالسلطة تتحول كما قلنا إلى مرتع يستغله الوصوليون والمنافقون الذين يشتهون قوة السلطة لذاتها خدمة لمصالحهم الأنانية، بعد أن يتخلى الكثير من أعضاء الحزب عنه عند أول أزمة يتعرض لها الحزب والدولة، وغالباً ما يتحول الكثير من أعضاء هذا الحزب الشمولي إلى مضاد لسياسته. أو ما يعرف سياسياً بمضاد للثورة.

أما أكبر عيوب نظام الحزب الواحد، هو أن الناس الذين هم من خارج تنظيم الحزب القائد (المستقلين)، إذا ما أرادوا أن يمارسوا نشاطاً في الحياة السياسية لهذا الحزب الشمولي، فيجب عليهم أن يتنازلوا عن ضمائرهم إلى هذا الحزب الحاكم، أي يمارسون دوراً سياسيا بعيداً إلى حد ما عن قناعاتهم، وهذا أقرب إلى خيانة ضمائرهم وما يعرفون من حقائق كثيرة قد غيبها أو زيفها نظام الحزب الواحد ورضوا السير في ركاب هذا الزيف، لخدمة لمصالح أنانية ضيقة.

إن من أكبر عيوب نظام الحزب الواحد، هو الاقصاء الدائم لحملة العقل الناقد والتنويري والعلماني  داخل تنظيم هذا الحزب الواحد أو خارجه، والفسح في المجال واسعاً لمثقفي السلطة، من أصحاب التفكير الوضعي او الديني معا. علماً أن نظام الحزب الواحد كثيراً ما يدون في أدبياته ودساتير الدول التي يحكمها قيم التقدمية، والعلمانية، والعقلانية، ودولة المؤسسات، وحرية الشعوب، واحترام الرأي والرأي الآخر، وتأمين رفاهية المواطنين. ولكن المشكلة هنا، أن ما يقوم الحزب بتطبيقه عبر مسيرته في قيادة الدولة والمجتمع من سياسات غالباً ما تكون بعيدة عما يطرحه في هذا الاتجاه، وغالباً ما تفرض سياساته كما أشرنا في موقع سابق عن طريق الإكراه وليس الإقناع، أي التطبيق يأتي بصيغة أوامرية من الأعلى وفقاً لما تراه القيادة المتحكمة بالقرار السياسي والاقتصادي والثقافي. أي أن القرار غالباً ما يتمركز إقراره برجل جماعي هو الحزب من جهة، ومن جهة أخرى، أن هذا الرجل الجماعي ذاته يعود ليتمركز في رجل فرد هو قائد هذا الحزب الذي تصبح بيديه عملياً كل السلطات على مبدا مقولة لويس الرابع عشر: (أنا الدولة والدولة أنا). وهذا ما يحد من ممارسة الحرية والديمقراطية إن كان على مستوى الحزب أم على مستوى الشارع السياسي الشعبي، ويشكل بالتالي عامل إرباك لعمل الدولة والحزب معاً، وهذا الإرباك يتجلى واضحاً في كثرة التغيير على مستوى كوادر الدولة والحزب بسبب سيادة الأوامرية في التطبيق أولاً، ثم فقدان المبادرة لدى هذه الكوادر وخوفها من وقوعها في الأخطاء أثناء عملها ثانياً، والأهم من الجهة الثالثة سيادة وانتشار الفساد بكل أشكاله لانعدام المراقبة والقدرة على المحاسبة من قبل الجهات المختصة، التي غالباً ما يخترقها الفساد هي ذاتها.

وبناءً على كل ذلك فعند أول حراك اجتماعي ضد نظام الحزب الواحد، نجد الهتافات والشعارات التي تطالب برحيل القائد الكاريزما، قبل أي شيء آخر لأنهم يعرفون بأنه عندما ركز السلطات الأساسية في يده أصبح هو وحده المسؤول عن كل الأخطاء الواردة أو الحاصلة في الدولة والحزب والمجتمع، وبالتالي فرحيله يعني رحيل النظام السياسي القائم كله، وهذا ما تجلى واضحاً في العراق صدام، وليبيا القذافي، وتونس زين العابدين، ومصر حسني مبارك، والجزائر بوتفليقة، والسودان البشير. والشيئ المحزن أنه مع رحيل هؤلاء القادة دخلت البلاد في مآزق سياسية واجتماعية وأيديولوجية واقتصادية، حولت الدولة ذاتها إلى دولة فاشلة، والسبب هو غياب روح وتجذير دولة المؤسسات تحت مظلة قيادة الدولة الشمولية سابقاً.

 

د.عدنان عويد

كاتب وباحث من سورية

 

 

قاسم حسين صالحذكرت (شفق نيوز) ان السيد نوري المالكي اجتمع في (16/6/2020) برئيس مجلس الوزراء السيد مصطفى الكاظمي، ودعا حكومته (لاتخاذ معالجات سريعة تجاه القضايا الامنية والصحية والاقتصادية، وتوفير بيئة مناسبة لاجراء الانتخابات. وشدد على اهمية حماية المجتمع من استهداف قيمه واخلاقه والحفاظ على القيم االمجتمعية والاسلامية من اجل الحصول على نظام سياسي متين وعملية سياسية مستقرة قادرة على تجاوز الصعوبات المركبة والمتراكمة، وتوحيد الجهود من اجل تحقيق مصلحة المواطن).

ولأن من عادتي ان استطلع الرأي في مثل هكذا حدث، فقد توجهنا عبر وسائل التواصل الأجتماعي بهذه التساؤلات:

- من أعلى منصبا في الدولة.. المالكي ام الكاظمي؟.وبحسب التقاليد الرسمية.. من يزور من؟

- بأية صفة يوجه السيد المالكي ما يشبه التعليمات لرئيس وزراء العراق؟

- كيف يلتقي من يعدّه العراقيون المسؤول عن اشاعة الفساد، مع الكاظمي القائل: (سأحدد ساعة المعركة مع الفاسدين وسيزعل مني الكثير وانا الشهيد الحي).

- ما خفايا هذا اللقاء والمالكي اعلن من البدء معارضته لتولي الكاظمي رئاسة الوزارة؟

نرجو ان تكون الأجابات موضوعية بعيدة عن الانفعال، وكما هو معتاد في هذه الصفحة التي تعتمد الأسلوب المهذب.. سيتم حذف أي تعليق فيه اساءة شخصية او مفردات نابية .

شارك في الأجابة (317) بينهم أكاديميون ومثقفون واعلاميون، توزعوا في اجاباتهم على اربعة مواقف نوجزها في الآتي:

الأول.. لصالح السيد الكاظمي، اليكم نماذج منها:

 - ابتهال خلف الخياط: ارى ان الكاظمي هو السيد حتى وان كان هو الذي ذهب إليه .

ماحصل في ثمان سنوات من حكم المالكي وحجم التخريب وعمقه في العراق وماحصل بالذات في الموصل كل هذا وضعه الكاظمي أمام المالكي ليعلن له ان الملف سيبدأ به.

- علي فاضل الحمامي: الكاظمي لم يزل يسير في الطريق الصحيح ولا يريد أن يهاجم عش الفساد الآن لأنه سيخسر المعركة.

- صباح الغراوي:أعتقد زيارة الكاظمي للمالكي.. هي محاولة تحيّد لشّر محتمل من الثاني لما يمثله وكتلته من ثقل في مجلس النواب، ومحاولة اقناعه بقراراته بما يخص رواتب السجناء السياسين والرفحاويين.

- خشية الكاظمي من زعل الكثير، يعني ان الفساد استشرى، وأن فضحهم او محاسبتهم ستثير حفيظة المالكي والذين سبق وتبجحوا بمحاسبة الفاسدين، وما قاله احد رموز حزب الدعوة الذي تولى رئاسة الوزارة وصرّح انه سيضرب بيد من حديد على الفاسدين. الحق، يجب ان يقال.. ان الكاظمي لو اراد ضرب الفاسدين سيقف معه كل شريف نظيف اليد، وعليه ان يحسب انهم كثيرون ويباركون كل ضربة تقسم ظهر الفساد دون خوف او خجل للرجل الذي قال انا الشهيد الحي.

- د.نهى الدرويش: الكاظمي يسعى لانهاء المشاكل بطرق ذكية وسلمية لان الاوضاع لا تحتمل عنف. زيارته للمالكي لا تعني خضوعه له بل ربما عرض عليه اعادة اموال العراقيين او تفاوض معه على امور خفية. الاتهام على السلوك الظاهري فيه اجحاف.

-د.هاني الحديثي: الكاظمي امامه خياران امام المالكي، ان ينفذ الاجندة الايرانية، او يواجه الطوفان.

 الثاني.. لصالح السيد المالكي .. اليكم نماذج منها:

- د جاسم الخالدي: المالكي له ثقل سياسي وزعيم له تاثيره الواضح وثقله في العملية السياسية.

 - عادل المعموري: المالكي ما زال يمّني النفس بالعودة الى سدة الحكم.. الرجل يعتبر نفسه مستشارا ويملك من الحنكة ما يجعل كل سياسي يأخذ المشورة منه.

-طه عباس: هذا يبين شيئا واحدا فقط، أن الحكم والكلمة الأخيرة للمالكي، وأن ادعاء الكاظمي بمحاربة الفساد كلها اكاذيب كسابقيه من حكام هذه المنظومة الفاسدة، و ياريت كلامي غير صحيح.

- شهدان صالح: المالكي هو الآمر والناهي ورئيس الوزراء بس بالاسم، والدليل تراجع الكاظمي عن بعض القرارات بعد اجتماعه بالمالكي مع الأسف.( في 20 /6، صرّح الكاظمي بأنه لا تراجع عن قرارات رواتب رفحا والذين يتقاضون اكثر من راتب).

الثالث.. لصالح (الدولة العميقة )

- كريم الدهلكي: لا زالت الدولة العميقة هي من تتحكم بالقرار السياسي، والكاظمي يعرف اللعبة.

 - ريا أسامة: الدولة العميقة أستاذنا الفاضل ولا حل ليوم الدين اذا لم تسقط الدولة العميقة.

- د عبد الحسين احمد الخفاجي: كلما افل نجم الدولة العميقة يعني هناك توتر وخلاف بين اميركا وايران والعكس بالعكس.

لؤي الزبيدي:مسالة طبيعية جدا فالمالكي هو رئيس وزراء الدولة العميقة وهي الحاكم الفعلي في العراق عبر هيمنتها على القضاء والسلطات التشريعية والميلشيات المسلحة.

مواقف متضادة:

-عبد الحسن الشمري: الكاظمي مرعوب من المالكي والا ما موقع المالكي في الدولة ليزوره الكاظمي.

- د.عبد الوهاب الوزني: قبول الدعوه يعدّ ضعفا من رئيس وزراء ودليل على عدم مصداقيته، والكلام الدائر هو يتصف بالتهديد باسقاط حكومته اذا ضرب مصالح تخص احزابهم.

- عادل صالح: كنا نعتقد ان اول رأس سيطيح به الكاظمي هو (مجرم العصر)، اما الان فقد خسر الكاظمي سياسيا وجماهريا بعد هذال اللقاء، ذبح الكاظمي نفسه بنفسه، نقطة راس السطر.

- منال.. :بعد الصدمه سوف اعيش خيالا خصبا واتمنى ان الكاظمي يمهد و يخطط ويتكتك ليستدرج ويضرب الفساد والفاسدين.

-فؤاد بندر:المنظومه السياسيه في العراق تفتقر إلى ابسط انواع اللياقه والتهذيب في اللقاءات السياسيه وعدم الاهتمام بالقواعد المهنيه.لا أعتقد أن لقاء الرئيس السابق والرئيس اللاحق فيه مصلحه للعراق والعراقيين، كلاهما يشربان من منبع واحد.

-محمود ابو هدير: اليوم نسمع ونرى العجب العجاب من يزور من ومن ينصح من؟. من هو المالكي حتى يفرض سطوته. المالكي لن ولم يصلح ان يكون قدوة للاخرين بسبب اخطائه الجسيمة. ولكن يبدو اننا بدانا نحس بموجة احباط جديدة، واعتقد زيارة الكاظمي للمالكي غير مبررة وفيها ما يؤشر على ان هناك اتفاقات ربما جرت خلف الكواليس لاعادة الاعتبار لشخص المالكي الذي يدير مفاصل الدولة العميقة، والدليل اجتماعه بالمحافظين ولا اعرف من سمح له بذلك.

- مها الراوي: كان المفروض، المالكي يزور الكاظمي لكون الكاظمي رئيس وزراء والمالكي رئيس حزب او كيان سياسي. وأرى ان ايران وبعد مقتل سليماني تبغي تخفيف تدخلها في العراق حاليا بصوره مباشرة من اجل تخفيف العقوبات المفروضة عليها، لهذا دفعت المالكي بالتدخل لكونها تعتبر ولاء الكاظمي لامريكا، وانا اعتقد انه لا ولاء له لامريكا ولا لايران وانما ولاءه لمصالحه الشخصية.

تحليل الحدث:

يواجه السيد الكاظمي تحديات خطيرة ما واجهها احد من قبله، فهو استلم خزينة خاوية من سلفه السيد عادل عبد المهدي، والعراق مدين للبنك الدولي وهذا يعني ان البلد ضعيف سياسيا ايضا، وتصاعد الأصابات والوفيات في الموجة الثانية لفايروس كورونا وتهديد النظام الصحي، وتضاعف نسب البطالة والفقر، وتهديد امني يطال المنطقة الخضراء، وتعدد المليشيات وعدم قدرة الدولة بالسيطرة على السلاح، وعودة متظاهري انتفاضة تشرين، و(دكات!)عشائرية في البصرة وميسان وبغداد.. وخطر يتهدد حياته من القوى السياسية الشيعية السبعة التي رشحته!.

 وضع معقّد سياسيا، امنيا، اقتصاديا، صحيا، مجتمعيا، وسيكولوجيا.. يواجهه السيد الكاظمي.. ومع ذلك اختار ان يبدأ بأخطرها واكثرها الحاحا جماهيريا.. الفساد.. مدركا بأنه سيكون امام خيارين:اما ان ينتصر في معركته على الفاسدين ويكون المنقذ والمخّلص والبطل الذي سيدخل التاريخ السياسي للعراق الذي خلا من الابطال القادة من سنين، واما ان يكون (الشهيد الحي).

 وكان هذا التصور هو الذي شاع عنه بين اغلب العراقيين لغاية اجتماعه بالسيد المالكي.فقد اصاب الكثيرين بالأحباط واعادهم لسيكولجيا توالي الخيبات، واعيد ليكون بنظرهؤلاء كالسيد العبادي الذي وعد بضرب الفاسدين بيد من حديد وما ضرب، لأنه(العبادي) ادرك ان المسؤولين الكبار باجهزة الدولة وقيادات الكتل السياسية متورطة كلها بالفساد، مبررا خذلانه بخطابه بجامعة بغداد ( 27 / 11/ 2017 ) بأن (الفساد مافيا، يملكون المال، فضائيات، قدرات، يستطيعون ان يثبتوا انهم الحريصون على المجتمع، وهم الذين يحاربون الفساد، ولكنهم آباء الفساد وزعماء الفساد).

وبافتراض ان الكاظمي وظّف لقاءه بالمالكي ليثبت انه رئيس مجلس الوزراء والحاكم الفعلي للعراق، وأنه اراد تحييد مصدر شر.. لكن الحقيقة المؤكدة ان كليهما يخشى الآخر.فالمالكي يخشى الكاظمي ان يبدأ بمحاسبة الفاسدين وفق قانون (من اين لك هذا) وعندها سيكون اول من يستدعى بوصفه رئيس وزراء لثمان سنوات هادن فيها الفاسدين باعتراف صريح (لديّ ملفات للفاسدين لو كشفتها لأنقلب عاليها سافلها).والكاظمي يخشى المالكي لقوته السياسية وتغلغل اعضاء حزبه(الدعوة ) في مؤسسات الدولة.. وقد يكون كلاهما يستخدمان الآن (سيكولوجيا الكيد) حيث يمتلك المالكي خبرة سياسية اعمق فيما يمتلك الكاظمى خبرة مخابراتية اخطر.

الدولة العميقة:

 يشير هذا المصطلح الى وجود اجهزة حكم غير منتخبة او منتخبة هي التي تتحكم بمصير الدولة: (قوة عسكرية، مخابرات أمنية، مؤسسات بيرورقراطية، مافيات، احزاب حاكمة.. )تهدف الى الحفاظ على مصالحها بكل الوسائل المشروعة وغير المشروعة بضمنها خلق الأزمات والتسقيط السياسي والاخلاقي والقتل او التهديد بالتصفية.

ويرى كثيرون ان العراق تحكمه في الظل (الدولة العميقة)، مبررين ذلك بان العملية السياسية بعد 2003 اثبتت غياب رؤية واضحة لمفهوم الدولة، وتكريس مفهوم المحاصصة الطائفية والقومية بتأسيس مجلس الحكم، وانفراد احزاب الأسلام السياسي بالسلطة والثروة.

ومع ان الدولة العميقة في العراق ليست بقوة التنظيم والفعل مقارنة بدول اخرى، وان الأرادات الأجنبية اقوى تاثيرا وتوظيفا لقوى الدولة العميقة، فان مجريات الاحداث تشير الى ان (حزب الدعوة) هو احد اهم اركان الدولة العميقة.. ما يعني ان السيد نوري المالكي هو (الحاكم) الظل في العراق.

ولأن نظام الحكم السياسي لا يحتمل ان يكون له حاكمان، فان الأشهر القادمة ستقرر من هو الذي يحكم العراق.. الكاظمي ام المالكي.. ما لم تكن هناك صفقة تسوية و(وثيقة شرف!) قد ابرمت بين (الحاكمين)!

 

أ. د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

امين عام تجمع عقول

 

 

 

عبد الحسين شعبانمقدمة: بدخول "قانون قيصر" الأمريكي حيّز التنفيذ في 17 حزيران (يونيو) الجاري تكون سوريا قد واجهت موجة جديدة من موجات الحرب الناعمة، ولعلّ هذه الحرب ستأخذ أبعاداً أكثر خطورة وإيلاماً ضد الشعب السوري الذي ذاق الأمرّين ما يزيد على تسع سنوات، فما بالك إذا ما استمرت الحرب الناعمة والحصار الاقتصادي لفترة طويلة، علماً بأن هذه العقوبات شاملة والتهديدات المصاحبة لها جادّة، وهو ما  سيتسبب بأضرار لا حصر لها ليس على صعيد الحاضر المنظور، بل على صعيد المستقبل أيضاً؛

والأمر لا يقتصر على سوريا وحدها، بل سيشمل جارها وشقيقها " لبنان" الذي سيكون عرضة لأضرار قد لا تقل عن الأضرار التي ستلحق بها، علماً بأن المنفذ البري الوحيد للبنان إلى العالم هو سوريا، لذلك فإن هذه العقوبات ستشمل لبنان بشكل مباشر أو غير مباشر، وهو ما سينعكس سلباً وبصورة مروعة عليه، غير أنه يعيش مأزقاً حقيقياً وضائقة اقتصادية شديدة، لاسيّما بانهيار سعر الليرة وأزمة المصارف وارتفاع أسعار السلع، ناهيك عن أوضاع صحية خطيرة في ظل انتشار وباء كورونا، إضافة إلى تجاذبات إقليمية ودولية مؤثرة وضاغطة بما فيها تهديدات "إسرائيل" المستمرة، ولذلك فإن تطبيق هذه العقوبات سيؤدي إلى تهديد عموم دول المنطقة ويزيد من استمرار أزمة النازحين واللاجئين وتصدّع النسيج الاجتماعي وارتفاع موجات التعصّب ووليده التطرّف والعنف، والنشاطات الإرهابية الدولية، لتنظيم داعش وأخواته. فما هي الحرب الناعمة؟ وماذا يعني استمرارها ؟وكيف السبيل لمواجهتها؟ وهو ما سنحاول تسليط الضوء عليه، من خلال تجربتي العراق وسوريا وتكرار سيناريو بغداد في دمشق.

في مفهوم الحرب الناعمة

إذا كانت الحروب امتداداً للسياسة لكن بوسائل أخرى، حسب المفكر العسكري الاستراتيجي "البروسي" كارل فون كلاوزفيتز (1780- 1831)، فإن الهدف من الحرب مثلما هو من السياسة يقوم على جعل العدو ينفذ إرادة عدوّه. ويعدّ كتاب كلاوزفيتز "عن الحرب"  من أشهر أعماله وقد تم نشره بعد وفاته وأمضى بالاشتغال عليه 12 عاماً، وقد جاء على ذكره انجلز ولينين وهتلر وأيزنهاور، باعتباره كتاباً لا غنى عنه لفنون الحرب وعلاقتها بالسياسة، وكانت فصولاً منه تدرّس في المدارس العسكرية وكجزء من العلوم الحربية والسياسية.

لقد سار  كلاوزفيتز على خطى المفكر والفيلسوف الستراتيجي الصيني صن تزو  (المولود في 551 قبل الميلاد والمتوفي 496 قبل الميلاد) صاحب الدراسات العسكرية والتي نُشر قسم منها في كتاب "فن الحرب" والذي يعتبر هو الآخر مرجعاً أساسياً في هذا المجال، وتزو هو القائل: إن تحقيق مئة نصر في مئة معركة مهارة، ولكن قمة المهارة حين تتمكن أن تُخضع عدوّك دون قتال.

ولعلّ الحروب غير العسكرية قد تكون أكثر خطراً وأشدّ إيلاماً وأكثر مكراً، لاسيّما إذا استمرّت لفترة طويلة، وهو ما نطلق عليه " الحرب الناعمة"  Soft War، بما فيها " الحصار الاقتصادي" و" نظام العقوبات" المفروضة على الشعوب والبلدان بسبب تعارض سياساتها مع مصالح القوى المتنفّذة في المجتمع الدولي.

وتصيب الحروب غير العسكرية أي التي تلجأ إلى الوسائل الناعمة النسيج الاجتماعي وتؤدي إلى تمزيق وتفكيك الروابط والعلاقات بين الفرد والدولة، بهدف إضعاف الوحدة الوطنية والعمل على تفتيتها على نحو تدرّجي ومنهجي، لاسيّما إذا رافقها حرباً آيديولوجية وإعلامية ودعاية سوداء مؤثرة، مستغلّة النواقص والثغرات والأخطاء في النظام السياسي لإحداث شرخ داخله وإثارة النعرات العنصرية والدينية والطائفية، وهو ما حصل في سوريا منذ 15 آذار (مارس) العام 2011، حيث تم ضخ أموال لجهات وأجهزة إقليمية ودولية، بهدف تحويل الحركة الاحتجاجية المطلبية إلى العنف، لاسيّما بتزويدها بالسلاح، وما صُرف حتى الآن على استمرار الحرب كان كافياً خصّص للاستثمار والتنمية وعلى نحو سليم، لأمكن تحويل سوريا إلى جنّة حقيقية، بل تحويل المنطقة بكاملها إذا ما أضفنا إليها مئات المليارات من الدولارات التي تبدّدت في الحرب على العراق، سواء خلال فترة الحصار المفروضة عليه لما يزيد عن 12 عاماً أو بعد احتلاله العام 2003.

"القوة الخشنة" و"القوة الناعمة"

إذا كانت شروط الحرب معروفة War conditions، لاسيّما المرتبطة بالعمليات العسكرية، وهو ما يطلق عليه استخدام " القوة الصلبة" أو "القوة الخشنة" Hard Power وأحياناً تسمى " الدبلوماسية الصلبة" Hard Diplomacy، فإن هناك حروباً أو استخدامات  للقوة الناعمة Soft Power أو غير الحربية والتي لا تستخدم فيها الوسائل العسكرية وهو ما نطلق عليه "الدبلوماسية الناعمة" وأحياناً تسمى بـ" نظرية الأمن الناعم"Theory of Soft Security"، ويندرج تحت لوائها كل عناصر الحرب، غير تلك التي لها علاقة بالجانب العسكري مثل: الدبلوماسية والسياسة والثقافة والاقتصاد والتجارة والإعلام والفنون والحرب النفسية والبيئة والصحة والتربية والدين والاجتماع، إضافة إلى التكنولوجيا والعلوم، بما فيها الاكتشافات الجديدة، ويدخل اليوم تكنولوجيا الإعلام والمعلومات والاتصالات والمواصلات والذكاء الاصطناعي وكل ما له علاقة بالثورة الصناعية في طورها الرابع، والهدف هو التأثير على العدو أو الخصم وشلّ إرادته وإرغامه على الخضوع والتسليم، سواء بتنازلات تدرجية في الغالب أو بالانهيارات المدوية.

قد تكون " الحرب" أو بعض أشكال " القوة الخشنة" هي الطريق الأقصر لتحقيق الأهداف والوصول إلى تطبيق الخطة المرسومة، لكنها قد تكون الوسيلة الأخطر والأكثر تكلفة مالياً وبشرياً، ناهيك عن جوانبها المعنوية الأخرى، خصوصاً وان تأثيراتها قد تبقى على الطرفين لعقود من الزمان، لاسيّما حين تفتح جروحاً ليس من السهل اندمالها وتترك آلاماً وعذابات يصعب نسيانها حيث تأخذ بُعداً تاريخياً يتسم بالكراهية والحقد وتشكّل بؤرة معادية يتم استحضارها كلّما حصلت مشكلة جديدة.

ويتم اللجوء أحياناً إلى استخدام القوة الناعمة كخيار أساسي وطويل مع جرعات محدودة وجزئية من القوة الخشنة للتأثير على المعنويات والتشكيك بالقدرات الذاتية من خلال إضعاف الثقة بالنفس فضلاً عن السعي لتعميم نمط الحياة باعتباره النموذج الأقوم والأرفع والأمثل.

وقد جرّبت واشنطن الحرب الناعمة بما فيها سياسة فرض العقوبات والحصار الاقتصادي على شعوب ودول عديدة، ولاسيّما في فترة الحرب الباردة Cold War ضد الدول الاشتراكية السابقة ودول حركات التحرر الوطني  (1947-1989) ومنذ الستينات، أي على مدى نحو 6 عقود استخدمت الولايات المتحدة كل ما تستطيع من وسائل الحرب الناعمة والحصار الاقتصادي ضد كوبا على الرغم من معارضة المجتمع الدولي والأمم المتحدة وتنديدهما بالإجراءات الأمريكية لعدم شرعيتها من جهة ولا إنسانيتها من جهة أخرى، ناهيك عن تعارضها مع قواعد القانون الدولي المعاصر المعترف بها وقواعد القانون الإنساني الدولي وقيم العدالة الدولية.

ومثلما لجأت إلى مجلس الأمن الدولي لفرض عقوبات على العراق إثر مغامرة غزو الكويت العام 1990، فإن الولايات المتحدة في الوقت نفسه لجأت إلى القوة الخشنة، فشنت حرباً شاملة ضده في 17 يناير (كانون الثاني) 1991، ثم ضاعفت إجراءات الحصار الدولي الشامل، واستمرت حتى احتلاله في العام 2003، وكانت القرارات الدولية التي صدرت بحق العراق قد زادت على 75 قراراً، بما فيها تلك التي حاولت " قوننة" الاحتلال و"شرعتنه".

سوراقيا واصطياد السمكة الخبيثة

وما يزال تأثير قرارات الحصار الدولي الجائر تفعل فعلها في المجتمع العراقي على الرغم من مرور أكثر من 17 عاماً على فرضية التخلّص من أسرها والانفكاك من قيدها. وهي الوسائل ذاتها التي تم استخدامها بحق ليبيا والسودان في تسعينات القرن الماضي، وكانت النتائج هي ذاتها العذابات التي تحمّلتها شعوب هذه البلدان، وهو الأمر المستمر، ولاسيّما في سوريا حيث أخذ هذا البلد العزيز ينزف على نحو رهيب، لاسيّما بفعل التداخلات الدولية والإقليمية، ناهيك عن ما قامت وتقوم به الآلة الحربية "الإسرائيلية"، من عدوان مستمر، مستغلةً الأوضاع الداخلية والاحترابات الأهلية وانفلات الجماعات الإرهابية.

لقد اختبرت واشنطن نتائج الحرب الناعمة، وخصوصاً بعد تفكيك الكتلة الاشتراكية وانقسام العديد من بلدانها وتناحرها (الاتحاد السوفييتي السابق انشطر إلى 15 دولة ويوغسلافيا تفكّكت إلى 6 كيانات وانقسمت تشيكوسلوفاكيا إلى جمهوريتين هما: التشيك والسلوفاك). وأدركت  الولايات المتحدة والقوى الإمبريالية أن بواسطة الحرب الناعمة يمكن تحقيق أهدافها لأنها سلاح فعّال واشدّ تأثيراً، خصوصاً بالاحترابات الأهلية، ناهيك عن انعكاساتها على صعيد المجتمعات التي فرضت عليها حصارات من الناحية الاجتماعية والسلوكية والأخلاقية والسايكولوجية، لاسيّما على أفراده وبنيته ووحدته المستقبلية، وقادت مثل تلك الأوضاع إلى ظواهر خطيرة مثل ارتفاع منسوب العنف وزيادة حجم الإرهاب وتصاعد الجريمة المنظمة وغير ذلك.

لقد سعت واشنطن إلى تلغيم "المجتمعات العدوّة" أو " الدول المارقة" على حد تعبيرها لكي تُسقط في نهاية المطاف التفاحة الناضجة في الأحضان  أو جعلها  تتعفّن في الشجرة إذا استعصي قطفها  في الوقت المناسب، علماً بأن المجمّع الصناعي- الحربي بما يمتلكه من خزين وأسلحة جديدة يريد تجريبها يلجأ أحياناً إلى الحرب العسكرية أو القوة المسلحة والخشنة أو يشجع عليها ليستمر في ابتزاز الشعوب في بيع المزيد من السلاح إلى الأطراف المتحاربة.

لكن واشنطن تدرك في الوقت نفسه مخاطر شنّ الحرب من تجربتها في العراق وافغانستان وقبل ذلك في الفيتنام، لكنها تلجأ إليها أحياناً لإبراز مظاهر القوة. وإذا كانت الحرب على العراق لم تدم أكثر من 3 أسابيع (من 20 مارس/آذار ولغاية 19 أبريل/نيسان/ 2003)، إلّا أنه  على الرغم من قصرها ومحدوديتها باستثناء بعض المعارك في الفاو والنجف والناصرية ومعركة المطار في بغداد، فإن القوات الغازية تعرّضت لخسائر كبيرة، ليس بفعل فترة الحرب فحسب، بل لأن هدف ترويض العراقيين وحكمهم كان أكثر إيذاء للمحتلين، ولذلك اضطرّت القوات الأمريكية إلى الانسحاب (نهاية العام 2011) بفعل مقاومة شعبية متعددية الجوانب (عنفية ولا عنفية) ومسلحة ومدنية، وكان من نتائجها 4800 قتيل أمريكي مسجّلين رسمياً كعسكريين ونحو 26 ألف جريح ومعوّق ومريض نفسياً، إضافة إلى آلاف من القتلى من أفراد الشركات الأمنية، ناهيك عن هدر نحو تريليوني دولار أمريكي، وقبل كل شيء هزيمة سياسية وأخلاقية منكرة على الصعيد العالمي، وهي الأقرب إلى إعلان انتهاء العصر الأمريكي المنفرد بالقرار الدولي، وكان ذلك درس جديد بعد درس الفيتنام الذي لم تتعلّم منه واشنطن.

لقد حوّل الحصار الدولي بشكل عام والأمريكي بشكل خاص، بلداً مزدهراً ومرفّها مثل العراق إلى "معسكر لاجئين"، حيث أرغم على الانصياع لقرارات دولية مجحفة ومذلّة، أخذت تدريجياً تطحن عظام العراقيين وتسحق آدميتهم وتلغي إنسانيتهم، وهو الأمر الذي اشتغلت عليه واشنطن والقوى المشاركة معها  في الحرب على سوريا لدعم المجموعات المسلّحة فيها لاستمرار سعير الحرب العسكرية من جهة، وفي الوقت نفسه استمرار " الحرب الناعمة" و"الحصار الاقتصادي" والعقوبات المختلفة والمتنوّعة، مستغلة النواقص والسلبيات والأخطاء الداخلية.

وهكذا وبالتدرّج واندلاع العمليات العسكرية واستشراء الإرهاب وتشكيل وتفريخ العديد من المنظمات والجماعات الإرهابية بأسماء مختلفة من "القاعدة" إلى  "جبهة النصرة" (جبهة تحرير الشام) و"داعش" وقوات مسلحة و"جيش حر" وغيرها، والهدف هو تحويل هذا البلد الآمن والواعد والرقم الذي لا غنى عنه في المعادلة الإقليمية والصراع العربي -"الإسرائيلي"، إلى تجمعات للنازحين الذين فرّوا من مناطق النزاع داخل البلد وتجمّعات أخرى للاجئين الذين اضطروا إلى مغادرة البلاد بحثاً عن أماكن آمنة.

النازحون بشكل عام واللاجئون بشكل خاص يصبحون في الظروف الاستثنائية مرتعاً للتلاعب والتوظيف، وشاهدنا من على شاشات التلفاز كيف تقاذفتهم الحدود والمركبات والزوارق والمطارات، وكيف ساهمت دولة مثل تركيا في ابتزاز أوروبا والاتحاد الأوروبي والعالم أجمع بشأن فتح الحدود للاجئين السوريين لمغادرة أراضيها، بعد أن كانت تضغط بهم على الدولة السورية. وكان عدد اللاجئين السوريين في سنوات ما بعد العام 2011 هو الأكثر على المستوى العالمي ويقدر العدد بما يزيد على 4 ملايين لاجئ مسجّل لدى الأمم المتحدة "المفوضية العليا لللاجئين"، علماً بأن البلد يعيش تحت ظروف استثنائية على جميع المستويات الاقتصادية والاجتماعية والصحية والتربوية والبيئية، وبالطبع السياسية والأمنية.

حين أستعيد المأساة العراقية، فلأنني أعيش حالياً بكل جوانجي المأساة السورية، لأنني أعرف حقاً مدى تأثير الحصار الدولي على مستقبل سوريا والسوريين، ليس بقوة الحدس أو التصوّر، وإنما عبر أرقام لمنظمات دولية سبق لها أن تحدثت عن اعتلال وهزال الحياة الاجتماعية والتربوية والصحية والنفسية والمعاشية عموماً، وذلك بالترافق مع انخفاض سعر الليرة والموت البطيء والاحتضار التدريجي الذي أصبح مشهداً مالوفاً للفئات الأكثر فقراً. وباستعارة من كتاب  جيف سيمونز "جلد العراق" أو "التنكيل" بالعراق فإن الإجراءات التي تزعم فرض عقوبات على الحاكم، إنما هي محض هراء، ناهيك عن أنها خروج على قواعد القانون الدولي المعاصر ومبادئ العدالة الدولية، وبالضد من اللوائح الدولية لحقوق الإنسان.

ونتذكّر حين نتناول المأساة السورية ما ذكره شوارتزكوف بُعيد وقف العمليات الحربية بعد " تحرير الكويت" (2 آذار/مارس/1991): بأن الشعب كلّه ليس بريئاً، وذلك بعد ستة أسابيع (42 يوماً) من القصف الجوي بما فيها 100 ساعة من "الحرب البرية"، وهو ما ردّدته مادلين أولبرايت وزيرة خارجية الولايات المتحدة في برنامج تلفزيوني "ستون دقيقة" لمحاورتها ليسلي ستال التي تساءلت عن الثمن الذي يستحقه موت نصف مليون طفل عراقي بسبب الحصار ونظام العقوبات، بما يزيد عن الذين ماتوا في هيروشيما (نحو 170 ألف إنسان) بقولها: إننا نعتقد إن الثمن يستحق ذلك (12 أيار/مايو/1996)،وهو الأمر الذي يجري بحذافيره ويزيد عليها القضم التدريجي الطويل الأمد في سوريا، والحجة هي ذاتها "اصطياد السمكة الخبيثة"، وهكذا يتم إسقاط طائرة ركّاب مدنية بحجة وجود خاطف فيها، ليذهب الأبرياء إلى الجحيم ضحايا تلك الخطط الجهنمية اللّاإنسانية.

وإذا كان الكونغرس الأمريكي قد صادق في العام 1998 على ما سمّي "قانون تحرير العراق" السيء الصيت، فإن مصادقته اليوم على " قانون قيصر"  الذي وقّعه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي دخل حيّز التنفيذ (حزيران/يونيو/2020) يعني أن الحرب الناعمة بكل أشكالها أصبحت سالكة في كل الدروب الموصلة إلى سوريا، ولاسيّما الحصار الاقتصادي ومحاولة تجويع السوريين وإذلالهم، يضاف إلى ذلك تهيئة المزيد من المستلزمات للحرب الخشنة، حتى وإن اختلفت ظروف سوريا عن العراق، وقد تكون محدودة أو بتفاهمات دولية وإقليمية، وبالطبع سيكون دور "إسرائيل" مائزاً فيها، ليس لإطاحة النظام فحسب، كما يتم الإعلان عن ذلك، بل قد يؤدي الأمر إلى نشر "الفوضى الخلّاقة" أو تفتيت البلد على أمل تشطيره وتقسيمه أو حتى لاقتطاع أجزاء منه سوريا وتشكيل أكثر من كيان بتقطيع أوصال الدولة السورية بسكين قصاب هذه المرّة وليس بقلم من كتبوا الاتفاقية السرّية المعروفة باسم سايكس بيكو العام 1916، والتي جزأت الوطن العربي ورسمت بالحبر المغشوش الحدود المصطنعة.

وإذا كان الحديث عن هدر حقوق الإنسان وشحّ الحرّيات، هو كلام حق، فإنه يُراد به باطل، فقد كان يمكن التعاطي على نحو مختلف مع الحراك الشعبي المطلبي الذي تقرّ الدولة السورية بشرعية مطالبه والتي استجابت بعد حين للعديد منها على صعيد التعديلات الدستورية والقانونية أو على صعيد المواطنة والجنسية وغيرها، أقول ذلك وفي الوقت نفسه أعرف ان الحصار الاقتصادي هو ذاته هدر سافر لحقوق الإنسان ويضاعف من معاناة السكان المدنيين ويزيد من مأساتهم، وليس هناك بلداً في ظروف الحرب والأوضاع الاستثنائية إلّا وتقدّمت فيه قضايا الدفاع عن الوطن وحماية البلاد من الغزو والتدخل الخارجي وتوفير استمرار الحياة العامة على نحو يمثّل الحد الأدنى، ولهذا فإن مثل هذه الحجّة من جانب القوى المتنفذة تسقط لأنها ستؤدي إلى التضييق على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وبقية الحقوق، خصوصاً وأن هناك أولويات تفرضها الحرب ينبغي وضعها في المقدمة دون إهمال الحقوق الأخرى التي لا بدّ من الحفاظ عليها في السلم والحرب، لأنها حقوق أساسية.

لعلّ الهدف من الحصار ونظام العقوبات على سوريا هو إرغامها  على التخلي عن  توجهاتها السياسية الممانعة وتغيير سياساتها الخارجية  بقبول تسوية سياسية مشروطة مع "إسرائيل"، ولا يستبعد أن تدخل واشنطن  الحرب من الشباك كما يُقال وليس مواجهة مباشرة، خصوصاً وقد تسللت للسيطرة على المناطق الغنيّة بالنفط، ولذلك فإن تأييدها فرض منطقة آمنة أو ملاذ آمن على الحدود مع تركيا safe Heaven، القصد منه هو التحكّم بإنتاج وتصدير واستثمار وبيع النفط واستمرار توريد الأسلحة وتشكيل جيوب حدودية، تحت عناوين مختلفة، وهناك فرق بين حقوق الشعب الكردي ومطالبه العادلة في سوريا وبين بعض النزعات الانقسامية التي تريد تحويل سوريا إلى مختبر جديد للتقاسم الوظيفي الإثني والديني والطائفي بعد التجربة العراقية، وهو ما كان قد دعا له برنارد لويس (1916-2018) منذ أواخر السبعينات ومطلع الثمانينات.

ذخيرة آيديولوجية وخلفية صهيونية

لقد شكّلت أطروحات برنارد لويس ذخيرة آيديولوجية للسياسات الأمريكية في الثمانينات والتسعينات وما بعدها، على الرغم من ارتباط مفهوم "صدام الحضارات" بالمفكر المحافظ صموئيل هنتنغتون وقبله نظرية "نهاية التاريخ" بالمفكر فرانسيس فوكوياما، إلّا أن لويس هو الأكثر تعبيراً عن فكرة "صراع الحضارات" لاسيّما بتأكيده أن جذور الغضب الإسلامي إنما هي " ردّ فعل للتراث اليهودي والمسيحي والحاضر العلماني والتمدد العالمي للأفكار" .

وكان برنارد لويس قد عمل مستشاراً للرئيسين الأب والإبن بوش،وكان الأكثر تطرفاً منهما في معاداة العرب والمسلمين بزعم تصادم دينهم مع الحداثة.

وفي مقابلة له في 20/5/2005 أي بعد احتلال العراق واحتلاله قال: العرب والمسلمون قوم فاسدون ومفسدون وفوضويون لا يمكن تحضّرهم... والحل السليم للتعامل معهم هو إعادة احتلالهم واستعمارهم وتدمير ثقافتهم الدينية وتطبيقاتها الاجتماعية.. ومن الضروري إعادة تقسيم الأقطار العربية والإسلامية إلى وحدات عشائرية وطائفية... ولا بدّ من تخليص شعوبهم مع المعتقدات الإسلامية الفاسدة واستثمار التناقضات العرقية والعصبيات القبلية والطائفية فيها. واعتبر لويس "إسرائيل" الخط الأمامي للحضارة الغربية أمام الحقد الإسلامي الزاحف نحو الغرب الأوروبي والأمريكي.

كيسنجر وبريجنسكي

وقد اعتمدت واشنطن مشروع لويس طبقاً لمستشارالأمن القومي بريجنسكي  كسياسة مستقبلية، وكان قد صرّح في العام 1980 خلال استعار آوار الحرب العراقية – الإيرانية، إن المعضلة لواشنطن من الآن كيف يمكن تنشيط حرب خليجية ثانية ... تستطيع فيها أمريكا تصحيح حدود "سايكس- بيكو" والكلام هنا لبريجنسكي.

وكان مشروع لويس يستهدف تفكيك الدول العربية والإسلامية مثل: العراق وسوريا ولبنان ومصر والسودان وإيران وتركيا وافغانستان وباكستان والسعودية ودول الخليج ودول الشمال الأفريقي  وتفتيت كل منهما إلى مجموعة من الدويلات والكانتونات والدوقيات العرقية والدينية والمذهبية والطائفية، وأرفق بمشروعه المفصل مجموعة من الخرائط المرسومة والمرشحة للتفتت بالترافق مع توجهات بريجنسكي مستشار الرئيس كارتر للأمن القومي، وتنظيرات هنري كيسنجر المستشار ووزير الخارجية الأمريكي القائل: علينا إقامة إمارة وراء كل بئر نفطي في المنطقة.

الكونغرس الأمريكي ومشاريع التقسيم

جدير بالذكر أن الكونغرس الأمريكي وافق بالإجماع في جلسة سرّية على مشروع برنارد لويس في العام 1983 واعتمد في ملفات السياسة الخارجية الاستراتيجية لواشنطن إزاء دول المنطقة.

وبخصوص سوريا فإذا نظرنا إلى الخريطة سنراها تتميّز بما يلي:

أولاً- تقسيمها إلى أقاليم متمايزة عرقياً أو دينياً أو مذهبياً إلى ستة دويلات: دولة علوية " شيعية" على امتداد الساحل ودولة سنّية في منطقة حلب، ودولة سنّية حول دمشق ودولة درزية في الجولان  ترتبط بدروز لبنان ودولة كردية في القامشلي وعفرين، ودولة في دير الزور امتداداً لجزء من محافظة الأنبار في العراق تكون حاجزا بين الدولتين

ثانياً- تقسيم لبنان إلى 8 كانتونات عرقية ودينية ومذهبية هي:(دولة سنية في الشمال – طرابلس)و (دولة مارونية-عاصمتها جونية) و(دولة سهل البقاع- عاصمتها بعلبك وهي شيعية) و(بيروت-عاصمة الدولة أو مدينة مدوّلة) وكانتون فلسطيني حول صيدا وحتى نهر الليطاني وكانتون كتائبي في الجنوب (يضم المسيحيين، إضافة إلى الشيعة) ودولة درزية (إلحاق أراضي سورية وفلسطينية بها) وكانتون مسيحي تحت النفوذ "الإسرائيلي".

وكان ديك تشيني  نائب الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش (2001-2009) ووزير الدفاع في رئاسة جورج بوش الأب، والمشرف على عملية " عاصفة الصحراء" 1991 ضد العراق من أشد المعجبين ببرنارد لويس الذي قال عنه " إن صانعي السياسة والدبلوماسيين وأقرانه من الأكاديميين والإعلام الجديد يسعون يومياً إلى حكمته في هذا القرن الجديد".

ولعلّ هذا المشروع القديم الجديد ما زال مطروحاً، خصوصاً وأن مشروع تقسيم العراق ثلاثياً: دولة شيعية  في جنوب بغداد إلى البصرة،  ودولة سنّية تضم محافظات الأنبار وصلاح الدين والموصل وأطراف من ديالى وكركوك، ودولة كردية في كردستان شمال العراق تضم المحافظات الكردية ووضع نقاط حدود بينها وإصدار هويّات أقرب إلى جوازات سفر في المستقبل أما بغداد فيمكن أن تبقى لفترة عاصمة للدولة الموحدة شكلياُ وهذا هو جوهر مشروع جو بايدن والذي صادق عليه الكونغرس العام 2007، أي قبل أن يصبح نائباً للرئيس أوباما.

نقد الاستشراقية

ولا بدّ هنا من استذكار النقد الشديد الذي وجهه المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد لبرنارد لويس، لاسيّما لدراساته الاستشراقية، أولاً في كتابه " الاستشراق" الصادر العام 1978 والثاني كتابه " تغطية الإسلام" الصادر في العام 1981 والذي انتقد فيه نظرة العالم الغربي للإسلام، ولعلّنا بتسليط الضوء على أطروحات برنارد لويس إزاء سوريا هو التنبيه إلى المخاطر الحقيقية للمشاريع الاستعمارية الجديدة ولـ صفقة القرن بعد مرور  100 عام على اتفاقية سايكس – بيكو، تلك التي ترافقت مع الحرب النفسية والقوة الناعمة والحصار الاقتصادي والتضليل الايديولوجي والدعاية السوداء والأهم من ذلك إضعاف الثقة بالنفس وبالقدرات والسعي لخلخلة المجتمع من داخله وإثارة النعرات الطائفية والمذهبية والإثنية والدينية وغيرها.

ومع استخدامات القوة الخشنة بأشكالها المختلفة وممارسات القوة الناعمة بأدوارها المتنوعة، مرّت مياه كثيرة تحت الجسور ففي ظلّ هذه الأوضاع نقلت الولايات المتحدة سفارتها إلى القدس بالضد من قرارات الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي والقرار 181 لعام 1947 بخصوص تقسيم فلسطين إلى دولتين وبشان الوضع الخاص لمدينة القدس المدوّلة، كما اعترفت واشنطن بكون الجولان السورية المحتلة، جزء من "إسرائيل" بحكم الأمر الواقع، والأكثر من ذلك برّرت زعم " إسرائيل" محاولتها لوضع اليد على غور الأردن وشمال البحر الميت، كما تعهد رئيس الوزراء "الإسرائيلي" بنيامين نتنياهو.

إذا كان تأثير القوة الناعمة في الماضي محدوداً، فقد أصبحت فاعلة ومؤثرة على نحو كبير في عالم اليوم في ظلّ ثورة الاتصالات والمعلومات وما يسمّى  بـ Info midia  وتكنولوجيا الإعلام والطفرة الرقمية " الديجيتبل" والطور الرابع للثورة الصناعية والذكاء الاصطناعي، بل إن الحروب الخشنة أحياناً تبدأ وتنتهي بـ "القوة الناعمة"، اي باستخدام وسائل غير عنفية أو غير عسكرية لتحقيق الهدف، وخصوصاً التأثير على سلوك العدو أو الخصم ليتم تقويضه من الداخل، وهذا يعني حسم المعركة بخصائص قد تفوق أحياناً استخدام القوة الصلبة. وقد كان للقوة الناعمة دوراً بارزاًفي فترة الحرب الباردة (1947-1989) بين الشرق والغرب، وخصوصاً في ظلّ "توازن الرعب" بين المعسكرين، لاسيّما بوجود " السلاح النووي".

القوّة الناعمة والاستراتيجيات العالمية

منذ انتهاء عهد الحرب الباردة والعالم تتنازعه استراتيجيتين أساسيتين، حتى وإنْ بدتا متناقضتين، إلاّ أنّهما في الوقت نفسه متداخلتين أحياناً:

الاستراتيجية الأولى استندت إلى مبدأ القوة الناعمة Soft Power التي تقوم على الدبلوماسية والحوار في إطار "نظام عالمي جديد" له شروطه التي روّج لها جورج بوش الأب، وكان الإعلان عن سيادة الهيمنة الرأسمالية العالمية والنظام الليبرالي المدخل لذلك، عبر تنظيرات "نهاية التاريخ" التي قادها فرانسيس فوكوياما، الأمريكي من أصل ياباني، ومع أن هذه الاستراتيجية كانت سائدة خلال الحرب الباردة، وما عُرف منذ الخمسينات بـ توازن الرعب "النووي"، إلاّ أنّ تجلّياتها كانت قد ظهرت في عقدي السبعينات والثمانينات بخصوص العلاقة مع الدول الاشتراكية السابقة، فيما عُرف بسياسة الوفاق الدولي، والتي قادت بصورة تدريجية إلى انهيار الكتلة الاشتراكية بضعضعة كيانها من الداخل، إلاّ أنّ حرب التحالف ضدّ العراق العام 1991 بعد غزوة الكويت في العام 1990، كانت إيذاناً بمرحلة جديدة لاستخدامات القوّة الخشنة، بعد انفراد الولايات المتحدة بالهيمنة على نظام العلاقات الدولية والأمم المتحدة.

أما الاستراتيجية الثانية فقد ظلّت منشغلة بالصراع العسكري (القوّة الخشنة) hard Power  تلك التي ينبغي استغلال الوقت لتحقيقها ولضمان هيمنة واشنطن على العالم ليصبح القرن الحادي والعشرين قرناً أمريكياً بامتياز. ولعل أطروحة "الخطر الإسلامي" كانت جاهزة بعد انتهاء " الخطر الشيوعي"، وهكذا ضجّت وسائل الإعلام بالإسلامفوبيا، وصدام الحضارات التي نظّر لها صموئيل هنتنغتون.

القوة الناعمة مقابل القوة الناعمة!!

لم يكن اليمين الغربي وحده هو منظّر القوة الناعمة، بل أن مفكراً يسارياً كبيراً مثل نعوم تشومسكي كان قد دعا إلى مواجهة المشاكل الكبرى مثل الإرهاب والفقر والتخلّف والعولمة والتنمية من خلال علاقات دولية أكثر تكافؤاً، وإنْ كان من زاوية مختلفة، حيث دعا إلى أن تتفرّغ الأمم المتحدة لحلّ النزاعات الدولية، وهذا يتطلّب من وجهة نظره انضمام (جديد) لواشنطن لنظام محكمة روما (المحكمة الجنائية الدولية) التي أعلن عن تأسيها في العام 1998 ودخل ميثاقها حيّز التنفيذ في العام 2002، (لكي تكون مساءلة أمام القضاء الدولي حتى تنتهك الشرعية الدولية وقواعد القانون الدولي). وكانت الولايات المتحدة قد انضمت إليها عشية إغلاق باب الانضمام إلى الهيئة التأسيسية (أواخر العام 2000)، لكنها انسحبت منها بعد أن أصبحت نافذة بانضمام 60 دولة (2002)، ومثلها حذت "إسرائيل".

لم يكتفِ تشومسكي بذلك، بل اقترح حلولاً دبلوماسية واقتصادية واجتماعية للمشكلات الدولية، لا سيّما بعد الاعتراف بمبدأ حق تقرير المصير الوارد في ميثاق الأمم المتحدة (المادة 55) وبحق الدول في الدفاع عن النفس فرادى أو جماعات (طبقاً للمادة 51)، خصوصاً من أجل التحرر الوطني والانعتاق ونيل الاستقلال، كما اقترح بضعة خطوات لإعادة هيكلة الأمم المتحدة وتعديل ميثاقها، بما فيه إلغاء حق الفيتو للدول الأعضاء الدائمة العضوية (الخمسة الكبار).

حسب وجهة نظر تشومسكي، ليس الغرب وحده هو من يستطيع استخدام وسائل القوّة الناعمة، بل إنّ الشعوب والأمم والدول الصغيرة، هي الأخرى بإمكانها "التكتل" و"التجمّع" لتحقيق انعطافة في إطار منظومة العلاقات الدولية، والتأثير على الدول والقوى الغربية التي تريد اختراق الدول الضعيفة لتحقيق مصالحها الأنانية الضيقة، كما يدعو إلى عمل جماعي لإصلاح الأمم المتحدة وإعلاء هيكلتها وتركيبها وميثاقها، بما يضمن مصالح الشعوب.

قوّة النموذج ونموذج القوّة

ومثلما عرض تشومسكي رؤيته حول القوة الناعمة، فإن جوزيف ناي من جامعة هارفارد قدّم مفهومه بخصوص القوة الناعمة في العلاقات الدولية، وذلك حين تحدّث عن "قوة النموذج" الذي ينتصر فيه على نموذج القوة ليؤكّد أن العدوان الأمريكي على العراق لم يكن مبرّراً مشيراً إلى أنه كان يمكن كسب المعركة بالقوّة النّاعمة ودون تكلفة تُذكر، محذّراً من الإفراط في التوسّع العسكري، لا سيّما بعد احتلال أفغانستان، معتبراً الحرب ليست قدراً محتوماً، لا في السابق ولا في الحاضر، وبحث ذلك مطوّلاً في كتابه "تناقضات القوة الأمريكية" الذي عاد ونشره بعد تعديلات إضافات بعنوان "القوّة النّاعمة".

والقوة الناعمة من وجهة نظر جوزيف ناي تعني: القدرة على الجذب والضم كوسيلة للإقناع دون استخدام القوة أو أي وسيلة من وسائل الإكراه، وقد استخدم المصطلح للتأثير على الرأي العام الاجتماعي من خلال قنوات متعددة ومنظمات دولية، وهكذا تكون أفضل أنواع الدعاية ليس دعاية، حيث تكون المصداقية أندر الموارد في عصر المعلومات، وهو ما بدأ الاهتمام به دولياً، حيث قال أمين عام الحزب الشيوعي الصيني السابق هو جينتاو: إن الصين بحاجة إلى زيادة قوتها الناعمة.

وكان وزير الدفاع الأمريكي روبرت غيتس قد قال حينها:  إن تعزيز القوة الناعمة الأمريكية يحتاج إلى " زيادة الاتفاق على الأدوات المدنية من الأمن القومي بالدبلوماسية والاتصالات الاستراتيجية وتقديم المساعدات الأجنبية وإعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية. وتحتل الولايات المتحدة المرتبة الأولى في توظيف القوة الناعمة في صراعاتها الدولية، تليها ألمانيا والمملكة المتحدة واليابان وفرنسا وسويسرا وأستراليا والسويد والدانيمارك وكندا. أما مصادر القوة الناعمة الأساسية فهي:

1- الثقافة في جذب الآخرين

2- القيم السياسية التي تدعو إليها

3- السياسة الخارجية وإبراز الجانب الشرعي والأخلاقي فيها، أما وسائل الأصول إلى تحقيق الأهداف فهي:

1. الإكراه بالتهديد

2. التحفيز بالدوافع

3. جذبهم واستجذابهم

والقوة الناعمة هي أكثر من مجرد تأثير وتعتمد على القوة الصلبة للتهديدات والمدفوعات وهي أكثر من مجرد إقناع، بل القدرة على التحريك بالحجة والقدرة على الجاذبية لجلب الرضا

الحروب الخشنة تفرض معادلاتها، لكنها قد تسبّب ردود فعل وانعكاسات تأتي تأثيراتها لاحقاً، فمثلاً أدّت الحرب العالمية الأولى إلى انهيار 4 إمبراطوريات: الأولى ألمانيا، والثانية النمسا - هنغاريا، والثالثة روسيا، والرابعة الإمبراطورية العثمانية، (الرجل المريض الذي كان مصاباً بالشلل وأخذ يتغلّغل في جميع مفاصله حتى انتهى بالقضاء عليه)، وكان لبريطانيا وفرنسا الدور الحاسم في اصطفافات عالمية جديدة وفي تقاسم مناطق نفوذ، مع ظهور دور واعد للولايات المتحدة وخروجها من عزلتها.

وكان من نتائج الحرب العالمية الثانية، سقوط ألمانيا مجدداً وانهيار الإمبراطورية اليابانية وإيطاليا، وصعود توازن جديد، أساسه الحلف المعادي للفاشية، وخصوصاً: بين واشنطن وموسكو، والأخيرة شقّت نظام العلاقات الدولية بعد الثورة الاكتوبرية العام 1917، والتي كانت الحرب العالمية الأولى واحدة من عوامل نجاحها.

هذه المقاربة التاريخية للحروب، ولا سيّما الخشنة، تبيّن أن الصراع لاحقاً وبفعل امتلاك السلاح النووي، اتّجه نحو الحرب الناعمة، حتى وإن كانت تعبيرات الحرب الخشنة باقية ومؤثرة، تارة بزعم كونها "حرباً وقائية"، وأخرى الزعم بأن "الحرب أمر حتمي" لا يمكن تلافيه أو "لأهداف الردع" من "خطر محتمل" أو "وشيك الوقوع" أو "الخشية من صعود قوة دولية" قد تحدث فجوة في نظام العلاقات الدولية.

الحرب ليست حتمية، كما أنها لا تحدث بمحض الصدفة، إنها عن سابق تخطيط وتنظيم، حتى وإن حرّكتها أو دفعتها عوامل ظرفية أو محدودة، لكنها تحمل في داخلها عوامل أساسية تتعلق بالمصالح ومحاولات فرض الهيمنة والنفوذ وإملاء الإرادة.

قد تبدو الحرب فرصة لتحقيق الأهداف بالوسائل العسكرية، أي أنها دبلوماسية بالعنف أو على حد تعبير المفكر النمساوي كلاوزفيتز: الحرب هي استمرار للسياسة بوسائل عنفية، للوصول إلى الأهداف، لكن مثل هذه الوسائل تصبح أقل تأثيراً في العلاقات الدولية، في ظل موازين القوى الجديد ووجود السلاح النووي، حتى وإن كانت الحرب أكثر إغراء لبعض الزعماء، لأنها تحقق الأهداف بصورة سريعة وحاسمة، أكثر من الحرب الناعمة الطويلة الأمد، ولكن العالم يدرك مدى خطورة مثل هذا الاختيار المدمّر للآخر، مثلما سيكون مدمّراً للذات.

لنتصوّر أن المنافسة المحمومة اليوم بين واشنطن وبكين ستؤدي إلى حرب عسكرية، خصوصاً بعد جائحة كورونا  فايروس والاتهامات المتبادلة .

كيف يتم مواجهة الحرب الناعمة؟

إنه سؤال في غاية الأهميّة، لا بدّ من استخدام العلم أولاً ورفع درجة الوعي، ثانياً لتحصين الشعوب، وثالثاً لا بدّ من تحقيق منجز حقيقي على الأرض، بإقامة نظم تعتمد قيم العدالة والمساواة ومبادىء المواطنة، وإشاعة الحريات، وتشخيص نقاط قوة وضعف العدو أو الخصم أو الآخر واحترام حقوق الإنسان، مع مراعاة المصالح العليا للبلاد، خارج التصنيفات الضيّقة والمصالح الأنانية، كما ينبغي الإعلاء من شأن المشتركات وتفعيل دور النخب، فبدلاً من استخدامها لتسهيل مهمة الحرب الناعمة، واستغفالها لتكون جسراً للاختراق، يمكن إذا ما أحسن التعامل معها في أجواء من الحريّة، ولا سيّما حريّة التّعبير أن تكون هي رأس الحربة للوقوف ضدّ أساليب القوّة النّاعمة التي يوظّفها الخصم والعدوّ، ولا عملية تغيير أو مقاومة أو مواجهة للتحديات دون دور النخب الفكرية والثقافية والسياسية.

ولكي يكون الإعلام بمستوى المواجهة، لا بدّ من مهنية وصدقية ونزاهة وكشف للحقائق، بما فيها بعض النواقص والثغرات والمثالب، وكذلك يقع مثل هذا الدور على المجتمع المدني، الذي ينبغي أن يتحوّل من "قوة احتجاج إلى قوة اقتراح"، بهدف إسقاط حجج العدوّ والوقوف ضد انزلاق البلدان إلى الطائفية والتمذهب والصراعات الدينية وغيرها، والعمل على بناء دولة الحق والمؤسسات والرقابة والمساءلة، وتيسير الإدارة لصالح الناس وحقوقهم ورفاههم.

لا ننسى هنا دور العامل التربوي والتعليمي في التنشئة والتأثير ومواجهة عوامل الانقسام والفتنة، والسعي لترصين وتمتين الشخصية والتفكير الحر والمستقل واحترام الرأي والرأي الآخر والتعدّدية القومية والدّينية، وبالطبع يلعب الفن والأدب والثقافة بشكل عام دوراً كبيراً في مواجهة الحرب الناعمة، مثلما تلعب اللغة التي ينبغي صيانتها وتطويرها في مواجهة أساليب الحرب الناعمة بمحاولة طمس اللغة أو اللغات المحلية لحساب تعميم لغات أخرى، في محاولة للتأثير على الهويّة الوطنية، التي تشكّل اللغة والدين أو الأديان في المجتمعات المتعدّدة الثقافات أحد أركانها الأساسية.

إذا كنّا قد سلّطنا الضوء على الماضي وتوقفنا عند الحاضر، فذلك بهدف استخلاص الدروس والعِبَرْ الضروريّة، فالتاريخ حسب عبد الرحمن ابن خلدون "ديوان العِبَر" وحسب هيغل فهو "مراوغ"، وبقدر ما نستطيع فهمه، فإنه سيساعدنا على معرفة الحاضر بكل عناصر ضعفه وخوره، إضافة إلى عناصر قوته ومنعته، تلك التي لو أحسن استخدامها واستثمارها، فإن استشراف المستقبل سيكون ممكناً ولو بخطوطه العريضة، من خلال تعزيز عناصر القوة الداخلية من جهة، وتشخيص عناصر الضعف وردم الثغرات التي يمكن للعدوّ أن يتسلل منها بالحرب الناعمة أو النفسية من جهة أخرى.

الخاتمة

إن استمرار الحرب الناعمة ضد سوريا بما فيها الحصار الاقتصادي ضد شعب أعزل يثير الكثير من التساؤلات الأخلاقية أولاً حول "الفضيلة الغربية" و"قيم العالم الحر" و" العالم الجديد"، لاسيّما إزاء أرقام الضحايا المذهلة في هذه "الحرب الصامتة" الأشد إيلاماً وبشاعة، تلك التي يجري فيها مثل هذا الذبول المريع للضمير الإنساني، حيث يتم التعامل مع معاناة البشر بدم بارد أو ترحيل للذنوب على الآخر، فللآخر ذنوبه، لكن الحكم بهلاك شعب انتظاراً ودون حدود أو آجال يعدّ جريمة كبرى لا يمكن السكوت عنها، والسكوت يعني تواطؤاً، علماً بأن بعض الأصوات الأوروبية والأمريكية بدأت تحتج على التأثيرات الخطيرة للعقوبات وتجويع شعب بكامله، ولنتذكر ما قاله جيمس بيكر بحق العراق دون أن يرفّ له جفن، سنعيده إلى "العصر ما قبل الصناعي"  وحسب تقرير منظمة الصحة العالمية فقد أعيد العراق إلى نحو 50 عاماً إلى الوراء، وهو ما يُراد لسوريا وشعبها، فإعادة الإعمار أو إعادة ما خربته الحرب بأنواعها يحتاج إلى أكثر من جيل حسب تقديرات خبراء اقتصاديين وإلى نحو تريليون دولار أمريكي.

إن تلك الجرائم ترتب مسؤولية دولية جنائية وفقاً للمادة 54 من بروتوكول جنيف الأول لعام 1977 حول حماية ضحايا المنازعات الدولية المسلحة، خصوصاً تجويع السكان المدنيين وترحيلهم ومحاولات تدمير وإتلاف ضرورات بقائهم وحياتهم فضلاً عن تراثهم وذاكرتهم وآثارهم وصروحهم العمرانية التي تشهد لحضاراتهم وتاريخهم. إن تجويع المدنيين بوصفه طريقة في الحرب عمل غير مشروع ولا يمكن تبريره قانونياً، ناهيك عن كونه لا إنسانياً ولا أخلاقياً أو دينياً.

وخارج نطاق السياسة والانحيازات، فالموقف من الحصار ضد أي شعب وأياً كانت المبررات، لا يمكن تبرئته، فليس هناك حجة يقبلها العقل البشري السوي تعطي للآخر "حق" قتل شعب أو مجموعة من السكان جوعاً، بل إن ذلك جريمة خطيرة، لأنه يمثل نوعاً من أنواع الإبادة الجماعية الشاملة، بما فيها علاقة الإنسان بحق الحياة والعيش بسلام وهو حق مقدس ويتقدّم على جميع الحقوق.

إن استمرار العقوبات والحصار ضد الشعب السوري يعني استمرار تشريع القسوة وتقنين الوحشية، في عالم يزعم فيها المرتكبون والجناة أنهم يريدون مجتمعاً أكثر عدلاً وتسامحاً وإنسانية، ولعلّ مقترح تشريع اتفاقية دولية لمنع معاقبة الشعوب وحصارها اقتصادياً، يصبح اليوم أكثر إلحاحاً وعلى جميع المعنيين بالدفاع عن الحقوق والحريات أن يوحدّوا جهودهم للضغط على الأمم المتحدة لتحقيق ذلك. وكنت قد دعوت إلى ذلك في مؤتمر نظمناه في لندن منذ نحو ربع قرن والموسوم "الحصار الدولي والواقع العرب" في إطار فعاليات "المنظمة العربية لحقوق الإنسان" في ملتقاها السابع، ولعل مطلباً من هذا القبيل يدخل في صميم مطالب البلدان النامية وشعوب وأمم وبلدان الجنوب الفقير وعالمنا العربي والإسلامي الأكثر تضرّراً من الجميع من استمرار هذا الوضع.

وحسب الشاعر والمسرحي الألماني برتولت بريخيت "  أي زمن هذا الذي يكاد الحديث فيه عن الأشجار أن يصبح جريمة لأنه يعني الصمت عن جرائم أخرى" .

 

عبد الحسين شعبان

باحث مفكر عربي

 

موسى فرجاصطلح المؤرخون على تسمية الفترة التي أعقبت احتلال هولاكو لبغداد عام 1258 بالفترة المظلمة في تاريخ العراق، لكن منطق الأمور يقول إن الفترة المظلمة لم تبدأ في ذلك التاريخ إنما سبقته بزمن طويل لأن اجتياح بغداد من قبل هولاكو يمثل المئال الذي آلت إليه الأمور والمصير الذي أفضت إليه المرحلة الأولى من الفترة المظلمة لتستمر فصولها بعد ذلك ...أما قبل ذلك فيصفه أبن جبير الأندلسي كالآتي:

في عام 1184 قبل احتلال التتر لبغداد بأكثر من 70 سنة وصل أبن جبير الأندلسي بغداد في خـلافـة الـنّـاصـر لـدّيـن الله وسكن منطقة المربعة في رصافة بغداد القريبة من دجلة "ما زالت لليوم معروفه وتسمى بنفس الاسم -المربعه"، ووصف خليفة بغداد وأهلها قائلاً:

"أبـصـرنـا هـذا الـخـلـيـفـة أمـام مـنـظـرتـه وقـد انـحـدر عـنـهـا صـاعـداً في الـزّورق إلى قـصـره بـأعـلى الـجـانـب الـشّـرقي عـلى الـشّـط: وهـو في فـتـاء مـن سـنّـه. أشـقـر الـلـحـيـة صـغـيـرهـا، حـسـن الـشّـكـل جـمـيـل الـمـنـظـر. أبـيـض الـلـون مـعـتـدل الـقـامـة، رائـق الـرّواء، سـنّـه نـحـو الـخـمـس وعـشـريـن سـنـة، لابـسـاً ثـوبـاً أبـيـض شـبـه الـقَـبـاء بـرسـوم ذهـب فـيـه، وعـلى رأسـه قـلـنـسـوة مـذهّـبـة مـطـوّقـة بـوبـر أسـود مـن الأوبـار الـغـالـيـة الـقـيـمـة، مـعـتـمـداً بـذلـك زيّ الأتـراك تـعـمـيـة لـشـأنـه...".

أما عن أهل بغداد فيصفهم قائلاً: "وأمّـا أهـل بـغـداد فـلا تـكـاد تـلـقى مـنـهـم إلّا مـن يـتـصـنّـع بـالـتّـواضـع ريـاء، ويـذهـب بـنـفـسـه عـجـبـاً وكـبـريـاء…يـزدرون الـغـربـاء، ويـظـهـرون لـمـن دونـهـم الأنـفـة والإبـاء، ويـسـتـصـغـرون عـمّـن سـواهـم الأحـاديـث والأنـبـاء… قـد تـصـوّر كـلّ مـنـهـم في مـعـتـقَـده وخـلـده أنّ الـوجـود كـلّـه يـصـغـر بـالإضـافـة إلى بـلـده، كـأنّـهـم لا يـعـتـقـدون أنّ لله بـلاداً أو عـبـاداً سـواهـم…".

وعندما جد الجد واجتاح التتار بغداد دخل هولاكو المدينة فأمر بحبس الخليفة المستعصم بالله في برجه الذي يحفظ فيه كنوزه من ذهب وجواهر ومنع عنه الماء والطعام وخاطبه قائلاً: لو أنك لم تستأثر بهذا المال لك وحدك لاستطعت أن تسلم وتحتفظ بمدينتك فكل منه واشرب إن استطعت...وأمر بإذابة الذهب وصبه في حلقومه قائلاً: إن لـم يـكـن قـلـبـكَ قـد شـبـع مـن الـذّهـب فـإنه سـيتـشـبّـع بـه، وهـكـذا قـتـلـوا الـخـلـيـفـة، وعادوا يقتلون أهل بغداد لأربعين يوماً متواصلة ...

نشأة المماليك وحكم الصبيان في العراق...

إن أول من أتى بالمماليك إلى العراق هو الوالي العثماني حسن باشا فقد أراد هذا الوالي بعد أن فسد نظام الإنكشارية أن يجعل لنفسه جندا مختصين به يستعين بهم ويتعصبون له فأرسل إلى بلاد القفقاس من يأتي إليه بالصبيان. وكانت أسواق مدينة تفليس آنذاك زاخرة بالصبيان المعروضين للبيع، فأسس حسن باشا في بغداد دائرة خاصة مهمتها الإشراف على شراء المماليك من تلك البلاد وتدريبهم، وعندما تولى الحكم من بعده ابنه أحمد باشا أكثر من شراء الجنود المماليك وأعتنى بهم، حتى أصبحوا قوة لا يستهان بها، وبعد وفاة الوالي أحمد باشا كثر عددهم واستطاعوا فرض إرادتهم على الدولة العثمانية. وينصبوا أحدهم وهو سليمان باشا أبو ليلة واليا على العراق في سنة 1749...

وصول المماليك والصبيان إلى الحكم...

كان سليمان باشا أبو ليلة أول مملوك يتولى الولاية وذلك في سنة 1749م، إثر فتنة طاحنة قام بها الأنكشاريون في بغداد. وضربوا مبنى السراي العثماني بوابل من القنابل، واستمرت الفتنة ثلاثة أيام مما جعل الوالي العثماني يفر من بغداد، فاضطرت الدولة العثمانية آنذاك إلى تعيين سليمان باشا واليا مكانه. دام حكم سليمان باشا حوالي ثلاثة عشر عامًا وقد سمي سليمان باشا بأبو ليلة وذلك لتخفيه في الليل وخروجه....

نهاية حكم المماليك والصبيان في العراق...

وفي ذات يوم دعا علي رضا باشا المماليك مع جماعة من أعيان بغداد وعلمائها إلى اجتماع بحجة الاستماع لفراءة الفرمان الذي وصل مؤخرا من الاستانة ما أن شرب جميع المدعوين القهوة ودخنوا الجبوق حتى انهال الجنود الألبانيين الذين احضرهم علي رضا باشا بقتل جميع من كان مدعوا لهذا الاجتماع...

وهكذا انتهى حكم المماليك والصبيان في العراق....

اليوم وأنا أرى الحال في العراق، الخزينة فارغة من المال الذي تحول إلى حسابات وخروج الفسادين من الحكام، وحكامها لا يختلفون عن الناصر لدين الله والمستعصم بالله، لا يسعني إلا أن أقول: ما أشبه اليوم بالبارحة ...؟ وعندما أمعن النظر فيمن تولى الأمور منذ عام 2003 والكم الهائل من الصبية والمماليك والجواري يديرون الأمور تحت يافطة الإنابة عن الخلفاء والحكام في حين أنهم يعملون على وفق توجهاتهم هم ورغائبهم هم الواحد منهم مأخذ راحته يفصّل ويلبّس ويقسم العراقيين على وفق مسطرته هو أيقنت أننا على أعتاب حكم المماليك والصبيان من جديد وربما حكم الجواري وشجرة الدر...وقد يلزمنا رضا باشا....

***

موسى فرج

 

 

علاء اللاميمرت انتفاضة تشرين بثلاث مراحل، الأولى هي مرحلة الانطلاقة في مطلع تشرين الأول 2019 وانتهت الموجة الأولى منها بمجزرة القنص. والمرحلة الثانية بدأت مع انطلاق الموجة الثانية بشعاراتها وهتافاتها الوطنية الجذرية المعادية للاحتلال الأميركي والهيمنة الإيرانية ومطالبها الاقتصادية والسياسية الاستقلالية وانتهت بإحراق مقرات الأحزاب والمليشيات الولائية التي هربت إلى النشاط السري والقيام بعمليات الاغتيالات والخطف وشن الغارات على ساحات الاعتصام.

شلَّت الانتفاضة بكثافتها وحيويتها واستعداد شبابها العالي للتضحية نظام حاكم المحاصصة تماما، وطوقته سياسيا وأمنيا ونفسيا واجتماعيا من جميع الجهات، وأرعبت حتى العوائل الاقطاعية الكردية وذيولها السياسية في بغداد كما فضحت فساد وطائفية الساسة المقاولين في المنطقة الغربية، فراح هؤلاء جميعا وفي مقدمتهم البارزاني يترحمون على إنجازاتهم "سرقاتهم وامتيازاتهم" والتي قدمها لهم الساسة الشيعة الفاسدون. وهنا، رفع "الرافعون" الشعار المخادع والخطر "الانتخابات المبكرة تحت إشراف دولي"، وبدأت المرحلة الثالثة، والتي يمكن أن نعتبرها مرحلة العرقلة والتمييع التي تزامنت مع انتشار جائحة كورونا، مرورا بجولات الترشيح والترشيح المضاد لرئاسة الحكومة بين حزبي السلطة "الأميركي والإيراني" وصولا إلى منح الثقة للحكومة الحالية. في هذه المرحلة أريد لشعار (الانتخابات المبكرة تحت الإشراف الدولي)، أي بوجود النظام الفاسد ومؤسساته الفاسدة، أن يحل محل الشعارات الوطنية الجذرية، التي بدأت عناصر وشرطة التيار الصدري بإزالتها مبكرا من فوق المطعم التركي ببغداد، فيما كان شباب الانتفاضة يتساقطون قتلى وجرحى برصاص الأجهزة الأمنية والزمر المليشياوية.

وقد ساهمت الأطراف التالية في ترويج هذا الشعار وقطع الطريق على الانتفاضة وعرقلتها: قيادة التيار الصدري وتحالفه البائس "سائرون"، والمرجعية السيستانية، بالتنسيق مع الممثلة الخاصة للأمم المتحدة بلاسخارت، ومن خلفها السفارة الأميركية وعملاؤها المدسوسون وحملة جنسيتها. فهل خُطِفت وانتهت الانتفاضة، أم تمت عرقلتُها وحرفها عن مسارها مؤقتا؟

رغم كل ما جرى من مجازر دموية وأكاذيب وحملات تحريض وتشويه داخلية وخارجية، صمدت انتفاضة تشرين الباسلة، وحافظت على سلميتها وكفاحيتها العالية. وفي مقابلها، توحدت قوى الرجعية والظلام والسفارات الأجنبية والانتهازية اللبرالية واليسارية، ولم تنتهِ الانتفاضة كما أرادوا لها أن تنتهي. وكانت آخر محاولة فاشلة قام بها أصدقاء واشنطن لركوب الموجة وخطف الانتفاضة هي دعوتهم إلى التظاهر ضد إيران والنفوذ الإيراني فقط بعد تظاهرات 24 كانون الثاني 2020 ضد الوجود الأميركي والتي قامت بها الأحزاب والمليشيات الموالية لإيران، ولكن ما حدث يومها خيب آمالهم، وكان ردا شعبيا واسعا وهادرا في بغداد وعدة محافظات رغم عدم مشاركة التيار الصدري فيها فانكشفت فيها أكذوبة أن قواعد هذا التيار تشكل نسبة مهمة من المنتفضين، وكانت هذه الهبة الشعبية ضد الاحتلال الأميركي والهيمنة الإيرانية معا، عودة قوية إلى شعارات الانتفاضة الأصيلة الأولى. وهنا، طار صواب أحزاب النظام، فتوحدت وقررت "التوافق" مع عملاء أميركا لإنهاء الانتفاضة وفق خطة مسرحية، يقوم بموجبها عميل عريق للمخابرات الأميركية والبريطانية بدور "طرزان في الغابة"، فيما يكتفي العامري والصدر والمالكي والخزعلي بتوجيه التحذيرات والتنبيهات له بوصفهم شرطة المرور الخاصة بنظام الفساد والتبعية وخطوطه الحمراء بعد أن عجزوا في تمرير واحد من مرشحيهم للمنصب! فكيف، ولماذا سمح أصدقاء إيران لمرشح حلفاء واشنطن باستلام منصب الحاكم التنفيذي الأول ولسان حالهم يقول: عميل أميركي نقاسمه كعكة الفساد والقمع ولا رئيس حكومة وطني استقلالي "يرسل جلدنا إلى الدباغ الشعبي"؟

جمر الانتفاضة لم ينطفئ وستواجه تحالف الحزبين الأميركي والإيراني مجددا: *اعتبارا من شهر آذار 2020، تمكنت الأطراف الداعية إلى "الانتخابات المبكرة" من توسيع دائرة نفوذها، والتشويش على المنتفضين، الذين وجدوا أنفسهم محاصرين ينزفون الدماء، ويواجهون الرصاص وقنابل الغازل والسكاكين وحتى بنادق الصيد في الشوارع والساحات، ويقتلون اغتيالا - وخصوصا الثوار الأكثر تمسكا بسلمية الانتفاضة - ويخطفون من قبل العصابات الحزبية والمليشياوية والأجهزة الأمنية وسط صمت شامل من الهيئات الدولية والدول الأجنبية التي راهن عليها بعض المخدوعين وكلام خجول من المرجعية الدينية التي عوَّل عليها بعض المضللين، كلام يساوي بين فعاليات الانتفاضة السلمية والتجاوزات البسيطة كإحراق الإطارات وبين ورصاص وقنابل القوات الأمنية وجرائم المليشيات. جرى كل ذلك والمنتفضون ممنوعون من التقدم إلى الأمام ومن تشكيل قياداتهم في هيئة لجان شعبية ذاتية وانتخاب ممثليهم في مجالس شعبية صاحبة قرار بل حرموا حتى من التظاهر والاعتصام في المناطق المهمة ومنها معقل النظام في المنطقة الخضراء، وهنا بدأت الانتفاضة تفقد زخمها بالتدريج بعد خمسة أشهر ملحمية من الكفاح البطولي وتدخل حالة الجزر.

*ثم جاءت جائحة كورونا، والحركات البهلوانية التي قامت بها بعض الشخصيات والمجموعات الانتهازية، وخصوصا من حملة الجنسية الأميركية كمجموعات الزرفي، ثم الكاظمي، فوسعت من دائرة نشاطها، وزادت أحزاب النظام من تدخلها وابتزازها للمنتفضين ومارس بعضها القمع المباشر بالرصاص والهراوات كما فعل التيار الصدري في مجزرة "جرة الإذن في النجف"، ولجأ بعضها الآخر إلى التضليل وتشكيل الوفود وتقديم العرائض دون تفويض شعبي واستلام التمويل والتجاوب مع محاولات شراء الذمم، ومحاولة تحويل الانتفاضة الى حزب من الأحزاب القائمة.

*واستمر المشهد على ما هو عليه، ثم أقيم "بازار" اختيار رئيس جديد للحكومة، وقدم حلفاء طهران مرشحهم محمد شياع السوداني فأسقطه حلفاء واشنطن، ورُشحَ بعده محمد توفيق علاوي فرفضه فريق من حلفاء طهران بقيادة المالكي والقيادات الاقطاعية الكردية وبعض الساسة العرب السنة، وسبب رفضهم لمحمد علاوي على علاته ورغم كونه من أبناء النظام ووزيرا سابقا فيه، هو أنه تعهد في الإعلام أمام الشعب العراقي بعدم قبول مرشحي الأحزاب للوزارات وبرفض إملاءاتها وبتعهده بمحاكمة قتلة المتظاهرين السلميين. ثم، وفي حركة ذكية وبارعة بادر حلفاء واشنطن الى ترشيح عميل مفضوح يحمل الجنسية الأميركية هو عدنان الزرفي وهنا أصيب حلفاء طهران بالذعر فوافقوا بسرعة على مصطفى الكاظمي كبديل له وهو الذي كان بعضهم قد رفضه بل وطالب بمحاكمته كجاسوس متورط في مقتل سليماني والمهندس! وهنا اتفقت أحزاب ومليشيات النظام كلها على منح الثقة لمصطفى الكاظمي كرئيس للوزراء الذي بادر، وبموافقة أميركية، إلى منح إيران حق تصدير الكهرباء إلى العراق لمدة عامين جديدين. 

*غير أن الأمل ما يزال قائما في أن انتفاضة تشرين المجيدة، ومثلما فاجأت الجميع بانطلاقتها في مطلع تشرين الأول 2019، وقلبت جميع الحسابات، ستفاجئ الجميع مرة أخرى، بعد أن انكشفت أطراف الحلف غير المقدس بين أعداء الشعب العراقي من حلفاء وصنائع واشنطن أو حلفاء وصنائع طهران اليوم، وستعود التظاهرات والاعتصامات لتملأ الشوارع والساحات مجددا في موعد زمني لن يكون بعيدا وقد لا يتجاوز العام، بعد أن استفادت وأخذت العبرة من هفواتها وأخطائها ونقاط ضعفها، وعرفت أعدائها الحقيقيين الذين يقفون الآن في خندق واحد، ويحاولون إهالة تراب النسيان على الآلاف من شهدائها وجرحاها وأهدافها النبيلة!

والسلام على شهداء انتفاضة تشرين الأماجد، والشفاء لجرحاها والحرية لمعتقليها ومغيبيها....

 

علاء اللامي

 

 

بكر السباتينكيف يكون حصاد النتائج! أليست هذه مقامرة غير محسوبة! فما هي الدوافع إذن. وماذا عن معايير الربح والخسارة فيها!

ليبيا باتت أرضاً يعربد فيها الشيطان الذي أثبت للبشرية أنه من جنسهم والدليل ما يحصل في ليبيا من صراعات كان الخاسر الأعظم فيها الشعب الليبي المستباح.

فتركيا التي يتهمها الخصوم بأنها تسعى لنهب ثروات ليبيا والظفر باتفاقيات بحرية تصب في مصلحتها الاستراتيجية، ناهيك عن استعادة أمجاد العثمانيين على حساب ليبيا دون مراعاة لأسس العلاقات البينية في عالم محكوم للقانون الدولي، تجهز نفسها لمعركة الحسم في مدينة سرت الاستراتيجية، رغم تهديدات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الذي اعتبر "سرت والجفرة" خطاً أحمراً لا يسمح لتركيا بتجاوزه تحت طائلة التدخل العسكري الشامل، أي أن تدخل الجيش المصري وارد جداً فالرئيس لا ينطق عن الهوى. وهذه مقامرة غير محسوبة من قبل دولة مثقلة بالملفات على نحو أزمة سد النهضة مع أثيوبيا، والجماعات المسلحة في سيناء، ثم أخيراً الملف الليبي ناهيك عن الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها مصر في ظل تفشي جائحة كورونا وهي ظروف تتقاطع بدرجات أقل بكثير مع ظروف الموقف التركي وارتداداته في تركيا.. وكان على مصر أن لا تتصرف بناءً على قرارات إرتجالية قد تأخذ الأزمة إلى التصعيد الذي قد يؤدي بالتالي إلى المواجهة العسكرية المباشرة وهو الخيار الأسوأ بالنسبة إليها.. حيث أن من أخطر مخرجات هذه المواجهة المحتملة، الدخول في مرحلة حرب استنزاف مهلكة مع الجماعات الإرهابية، التي من الممكن في أتون أية مواجهة مباشرة التسلل بكل ثقلها لضرب العمق المصري وتعريض مصر للخطر الداهم.. علماً بأن مصر تشكل بيئة حاضنة لمثل هذه الجماعات.. فماذا لو وجدت لنفسها داعماً لوجستياً في الشرق الليبي في أتون التلاحم بين الجيشين المصري والتركي لا قدر الله.. إذا أخذنا بعين الاعتنبار أن هذه الجماعات هي من الأذرع التركية الفاعلة في ليبيا في إطار استراتيجيتها العسكرية! وهذا ما لا نتمناها لبلد نقدر مكانته على صعيد عربي.. وعليه فإن ليبيا أصبحت ملعباً دولياً لتصفية الحسابات القائمة على الأطماع في ثرواتها ومياهها الإقليمية.. وهذا ليس خافياً على أحد.

لقد اختلطت الأوراق الإقليمية في الأزمة الليبية وبدأت تأخذ حدة في المواجهات بعد تراجع قوات حفتر أمام الجيش الليبي ما دفع مصر إلى طرح ما يسمى "إعلان القاهرة لحل الأزمة الليبية"، غير أنه قوبل برفض قاطع من حكومة الوفاق الوطني الليبية ودول أخرى.

التهديدات المصرية لتركيا تفاعلت على الساحة الدولية ما بين محرض على المواجهة أو داعياً إلى خيار المفاوضات بين كل أطراف الأزمة فحصاد الحرب خسارة لا تحتمل من قبل جميع الأطراف.. ولنبدأ بالمواقف التحريضية

إذ جاء من يصب الزيت على النار محرضاً مصر على خوض حرب مدمرة في ليبيا ضد تركيا. إنه التحريض السعودي الإماراتي الذي تجلى بالموقفين الرسمي والإعلامي للبلدين.

وهذا في سياق متصل لا يبعد تل أبيب عن الأزمة لكنها كما يبدو آثرت الصمت مع أنها تلقت في وقت سابق طلباً رسمياً من عبدالسلام البدري، نائب رئيس مجلس الوزراء فيما يسمى حكومة الشرق الموالية للجنرال الليبي خليفة حفتر، وغير المعترف بها دولياً، لتقديم الدعم اللازم لهم، قائلاً وفق ما نقلت عنه صحيفة "ماكور ريشون" المحسوبة على تيار الصهيونية الدينية في دولة الاحتلال، مساء الأربعاء 10 يونيو2020، إنهم لم ولن يكونوا "أعداء أبداً" لتل أبيب.. ولا شك أن مواقف تل أبيب في مثل هذه الظروف كان من وراء ستار كي لا تخلط الأوراق ضد حلفائها في صفقة القرن والذين تجمعهم معها المصالح في ليبيا.. وهذا يتوافق مع هبوط طائرة المساعدات الإماراتية في مطار بن غوريون حيث قيل أنه كان على متنها محمد دحلان بغية تحميل الطائرة في طريق عودتها بالأسلحة الموجهة إلى ليبيا. ورغم ذلك فما تسمى ب"إسرائيل"لا تنتقد موقف أمريكا المؤيد سياسياً لتركيا في ليبيا حيث يدعم دوناند ترامب الأجندة التركية بغية وقف التمدد الروسي شمال أفريقيا والذي يستهدف مصادر الطاقة في ليبيا وهذا يتنافى مع مصالح أمريكا نفسها.. أما فيما يتعلق بالأزمة المتأججة بين مصر وتركيا فقد أعلن البيت الأبيض أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب اتفق مع ماكرون- خلال اتصال هاتفي بينهما- على الحاجة الملحة لوقف إطلاق النار في ليبيا، واستئناف المفاوضات بين أطراف النزاع الليبي "بسرعة" وهو موقف لا يحرض مباشرة على الحرب أسوة ببقية دول العالم مع التفاوت في حدة النبرات.

من جهة أخرى قال المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة ستيفان دوجاريك -ردا على سؤال بشأن تصريحات السيسي الأخيرة- "إنه من المهم ألا يقوم أي من الأطراف بأي شيء يجعل الموقف أسوأ مما هو عليه حاليا". وأكد دوجاريك أن "آخر ما تحتاجه ليبيا هو المزيد من القتال والوجود العسكري الأجنبي". كما أعرب عن قلق الأمم المتحدة إزاء استمرار التحركات العسكرية في وسط ليبيا، ولا سيما نقل الأسلحة من الخارج واستمرار تجنيد المرتزقة.

أما فرنسا التي بدأ الأتراك في سحب البساط من تحت أقدامها فهي ما لبثت تنسق مع الروس لمواجهة المشروع التركي في ليبيا الداعم لوجستياً وعسكرياً وسياسياً لحكومة الوفاق الشرعية.. حيث تصاعدت نبرة الانتقادات الفرنسية للتدخل التركي، واعتبر الرئيس إيمانويل ماكرون أن أنقرة تمارس "لعبة خطيرة" في ليبيا، في تهديد مباشر للمنطقة وأوروبا.. أما الموقف الألماني فقد جاء أقل حدة داعياً إلى عدم صب الزيت على النار.. وهو ما جاء في تصريحات وزير الخارجية الألماني هايكو ماس الذي حذر من أي "تصعيد للقتال" في ليبيا. وقال ماس -بعد لقاء مع نظيرة الإيطالي لويجي دي مايو في روما- إن "إعلان السيسي عدم استبعاد رد فعل عسكري من جانب الجيش المصري يهدد النزاع بتصعيد جديد". مع العلم أن موقف تلك الدول باستثناء أمريكا في الملف الليبي هو داعم لخليفة حفتر ضد حكومة الوفاق الشرعية وإن انخفضت حدته إزاء المواجة المحتملة بين مصر وتركيا.. إنها لعبة الأمم .

إذن أين تكمن مصلحة كل من الإمارات والسعودية والكيان الإسرائيلي في تحريض السيسي على جر مصر نحو فخّ المواجهة العسكرية.. في تقديري يعود ذلك لسببين:

أولاً:- بغية إضعاف تركيا والتأثير على أردوغان سلبياً في بلاده

ثانياً:- إلحاق الضرر بالجيش المصري الذي يتهيأ لخوض حرب بالوكالة عن حلفائه، وإخراج مصر من ليبيا منكوسة الرأس. ليستحوذا على الكعكة الليبية وخاصة أن الثروات الليبية تقع في الشرق المستهدف من ليبيا بما يعرف ب"الهلال النفطي" وهو عبارة عن حوض نفطي ليبي، يقع على ساحل البحر الأبيض المتوسط ممتدا على طول 205 كلم من طبرق شرقا إلى السدرة غربا، ويعتبر أغنى مناطق البلاد بالنفط. وثد سيطرت عليه بالكامل قوات "عملية الكرامة" التابعة للواء المتقاعد خليفة حفتر يوم 14 سبتمبر/أيلول 2016.

وفي السياق أية مواجهة محتملة بين مصر وتركيا فحسابات موسكو غير حسابات القاهرة..  علماً بأن روسيا ربما هي الوحيدة في الميدان الليبي التي لها قوات غير رسمية في الشرق الليبي تقف إلى جانب حفتر وقد تدعم أية مواجهات محتملة بين مصر وتركيا سراً من خلال شركة "فاغنر" الأمنية الروسية، حيث ارتفعت أعداد المرتزقة الروس في ليبيا، بحسب تقرير لوزارة الدفاع الأمريكية من 200 في سبتمبر 2019، إلى ما بين 800 و1400 مرتزق في نهاية ذات العام، بينما قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في فبراير الماضي، إن أعدادهم وصلت إلى 2500 مرتزق بليبيا.

وفي السياق ذاته يعتقد خبراء بأن التهديدات المصرية التصعيدية لمواجهة تركيا عسكرياً إذا تجاوزت الأخيرة الخطوط الحمر المصرية في الأرض الليبية قد تكون جادة!

وذلك لثلاثة اعتبارات:

الأول أن ليبيا هي الحديقة الخلفية لمصر وأمنها القومي المصري وخاصة المنطقة الشرقية، لذلك تسعى لأن تبقى هذه المنطقة خالية من الجماعات الإرهابية وفق تصنيفات السيسي (!!!) وخاصة جماعة الإخوان المسلمين المحظورة التي انتهكت حقوقها في عهد الرئيس السيسي وفق الرؤية التركية.

الثاني أن أردوغان لديه أطماع عثمانية وهو الداعم الأكبر لجماعة الأخوان المسلمين المحظورة في مصر وخاصة إعلامياً، حيث المنصات الإخوانية المناوئة لنظام السيسي الموجودة في تركيا والموجهة ضد نظام السيسي على خلفية ما يصفونه بالانقلاب العسكري على الرئيس محمد مرسي الذي تم اغتياله في السجن.

الثالث أن لمصر أطماعاً في ثروات ليبيا المهدورة أسوة بالدول الأخرى المشاركة في الأزمة الليبية، فمن هذا المنطلق تسعى للظفر بنصبيها في كعكة إعمار ليبيا مستقبلاً وهي الغاية التي تجمع كل الخصوم الخارجيين في الأرض الليبية.

إن التصعيد نحو المواجهة عسكرياً بين مصر وتركيا في ليبيا عواقبه وخيمة، ويصيب العقول بالعمى.. وفي الحقيقة على مصر أن لا تقع في الفخ المنصوب لها وأن تتصرف وفق المعطيات والمصالح المصرية الداخلية والتعامل بحذر مع كل الملفات التي تتعلق بأمنها القومي بدءاً من ملف سد النهضة وسيناء وصولاً إلى الملف الليبي، دون الانجرار إلى حرب مفتوحة مع تركيا سيذهب حصادها إلى الحلفاء غير المؤتمنين على مصالحها والذين يدفعونها للقيام بحرب ضروس بالوكالة عنهم.. والنتيجة ستكون وخيمة على طرفي المواجهة.. وبخاصة مصر التي ستغرق في المستنقع الليبي من خلال حرب استنزاف مع الجماعات المتطرفة التي نشرتها تركيا في الغرب الليبي دون أن يكبد ذلك تركيا خسائر كبيرة.

من هنا لا بد من تكوين أجندة مصرية خاصة تتضمن حواراً مفتوحاً مع خصومها في ليبيا بعيداً عن الأجندة الإماراتية والسعودية في مواجهة الأحداث. الحديث مع تركيا في الملف الليبي بات ضرورة وانتهاج ما ذهب إليه الروس الذين بمجرد فشل خطة حفتر في السيطرة على السلطة سارعوا للحديث مع الأتراك مباشرة. من هنا فإن مصر مطالبة بعدم الاستجابة للتحريضات الخارجية الساعية لدفع مصر إلى الهاوية... "شيطان الحرب شاطر"

 

تحليل استراتيجي

بقلم بكر السباتين

24 يونو 2020

 

سامي عبد العالكمْ راجتْ مقولةُ: "السياسة فن الممكن" art of possible ردحاً طويلاً ومازالت، تعلقت بما هو متاح، رسخّت احتمالات بعينها (هي الممكن لا غير). وبدا الحاكم العربي مهتماً بإدارة ممكناته كما يدير خِرافه الضالة، لأنَّ مقولات الأنظمة العربية بمثابة الخبز السياسي الوحيد، يعجنونه بماء القهر ليلاً ونهاراً، ويطهونه بعواصف التاريخ. ورغم تراث الاستبداد والديكتاتورية إلاَّ أنه كان تطبيقاً أميناً للفكرة لا نقضاً لها. الاستبداد هو زخم الممكنات التي ضجّت بها حياة العرب. لتكشف المقولة: كيف نمارس السياسة وبأي شكلٍّ نتخيل العالم حولنا، وكيف تُتخذ المواقف في ظروف ضاغطة أو اعتيادية.

أمَّا الغرب، فلم يُعنَ في السياسة بالممكن ولا المُتاح، إنما بالمستحيل impossible ككلمةٍ لها جذورٌ وأفكار وأيديولوجيات. غزا العالم واستعمر المجتمعات وأدار دولاً عن بُعد ورسم خرائط النفوذ وخطط لسيطرته وصولاً للكواكب (غزو الفضاء). ولم تأتِ أشياء كهذه لتسير بمنطق (فن الممكن)، وإلاَّ لما حدثت ابتداءً. ولو ساير الغرب منطقاً مألوفاً ما كانت الدول الغربية لتهيمن على العالم وتتنازع أسواق العولمة والأحداث السياسية. أوروبا قارة المستحيل وفنونه على الأصالة، ولّدت من رحم القبائل البدائية وزحف الغوغاء وظلام العصور الوسطى إلى قارة مركزية وسط العالم. صحيح هي قارة عجُوز مثلما تُعرف، لكن خرجت منها أذكى العقول واعتى الحملات العسكرية (الحياة والموت معاً).

وهو ما يذكرنا بالحضارة العربية الإسلامية حين أنتجت المعارف والآداب والفنون وأيضاً القوة والجيوش والفتوحات والغزو والتقاليد الحربية. الفارق أنَّ أوروبا بدأت قارة جغرافية محدودة، ثم تحولت إلى قارة كونيةٍ، بينما العرب قد بدأوا بحضارة كونية (مكان الفرس والروم والهند)، ثم تقلصوا إلى قبائل حديثة تجتر أسمال الماضي. نحن نسير عكس قوانين الحضارة، نواجه العالم بأقفيتنا ذاهبين إلى الفائت بأسباب شتى. ولذلك سيأتي نهوض العرب- لو حدث- من تلك الخريطة الكونية، فالجوانب المنتمية إلى هذه الآفاق العالمية بإمكانها شد العربة المهترئة نحو المستقبل. لا توجد شعوب متحضرة خارج منظورها الكوني الذي كان للعرب في يوم ما.

فن الممكن هو فن الضعفاء لا الأقوياء، فن الجمود المُكّبِل للعقول والحياة، فن الهش المتحلِّل من تلقاء نفسه. ليس أمام الضعفاءِ سوى فتات الفرص وبقايا لأفكار يتوكؤون عليها. الممكن مطابق فلسفياً إلى فكرة "كله ماشي" نتيجة ثقافة الخُنوع إذ اجتاحت كافة قضايا الإنسان العربي، حتى عشق خنوعاً لو فقده لظل باحثاً عنه في التوافه والأشياء الصغيرة، وفجأة تصبح ضخمه ومتكلسة بحجم دولة، طالبةً من مواطنيها إزاحتها لو يقدرون. عائلة أو جماعة أو أحزاب قبعت على صهوة الحكم ولا تتزحزح، تدور الكرة الأرضية وتخرج الشمس من مغربها وتُنصب الأسواق وتُفتض وهي باركة على العرش. نظرية الممكن هي نظرية الدولة التي ولِّدت نتيجة غنيمة السلطة، ونتيجة (نأكل القوت وننتظر الموت)، ونتيجة نصف العمى ولا العمى كله، ونتيجة المستبد العادل أفضل من المتسلط الظالم، ونتيجة قول ابن تيمية (ستون سنة من إمامٍ جائر أصلح من ليلة واحدةٍ بلا سلطان).

رغم أنَّ قياس ابن تيمية خاطئ وفاشل، لكون الإمام الجائر هو سبب الستين عاماً من الكوارث. فالمفترض مقارنة الستين عاماً بليلة عادلةٍ هذا لو كانت الأسباب مختلفة، ولكن بصدد الظلم والجور الأسباب واحدة وهو يعرف ذلك جيداً. المقارنة فاسدة فساد المنطق القائمة عليه، نوع من التبرير واستنطاق المتشابهات لتؤدي النتائج نفسها. أي لا منفذ ولا خيار إلى العدل إلاَّ الجور لندرك أنه يتبادل الأدوار مع نفسه كالمستجير بالرمضاء من النار. إنَّه الوضع المتواتر في تاريخ السياسة عربياً باسم سلطة الدكتاتور المستنير (فن الممكن).

هذه هي " القَصْعَة" التي تكالبت عليها لا الأمم بل جماعات وشِلًّل الهوس بالممكن (لماذا لا نحكم نحن دون سوانا إلى أبد الآبدين)، قصعة النهب العام للقوة بأصنافها مع اغفال الشعوب حتى الموت. وحسنا وردت كلمة "القَصْعَةُ" في التراث الديني بدلالة الطعام (يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعتها)، ولاسيما كون المعجم العربي انعكاساً لشهوات تتبادل الأدوار مقامها الغلبة واغتنام الفرص. فالكلمة (قَصع، يقصع، قصعاً) أي قمع واجتّر وهيمن على شيءٍ ما. قصعت الرحى الحبَّ.. أي طحنته وفتته وشذرته، والطحن فعل ينتمي إلى الغذاء ويقع من السياسة موقعاً لصيقاً. نحن نقول عركته (أي فلانا) الخبرة والأحداث، أي أصبح خبيراً بالخفايا والدروب والظلال. والقَصْع ضم الشيء إلى الشيء (ربط الأشياء بحسب الحال)، نقول أيضاً (البحر يحب الزيادة) في إشارة إلى الاستزادة بلا اكتفاء. ونتيجة الامتلاء المتخم، تقصَّع الشخصُ، تبختر وتمايل فرحاً بما اغتنم حتى غدا صفة بارزة ظنَّا- بافتعال- أنه أهل له. ثم تأتي كلمة "القَاصِعَاء" وهي الجُحر الذي يحفره اليربوع ليختبئ فيها مغلقاً فمه خوفاً من الحيَّات والدواب. والسلطة لدينا هي القَاصِعاء، الحُفرة المظلمة التي يحفرها الساسة ويغلقونها دون الآخرين.

بينما عالمياً نحن نعيش "حقبة المستحيل" بامتياز سواء أكانت- منذ الأمس- لأحداث الربيع العربي وتباعته أم لتفكيك الدول بعمليات التآكل الذاتي المتواصل. عنوان (حقبة المستحيل) لا تنقصه الدقة، لأن السياسات مغامرة حتى الرمق الأخير، وهي الفعل الذي يحقق الأهداف النائية لا القريبة. ولئن كانت ثمة عبارة مناسبة للسياسة، فهي الجنون الذي يتم برضى الشعوب، لا مجال للجنون للتعبير عن خرافاته وتحولاته الحادة سوى السياسة. كل سياسي صغيراً كان أم كبيراً ليس سوى كائن يتحسس الجنون في خطواته.

ربما يقول قائل إذا صحَ ما تزعُم، فذلك يرسخ مبدأين:

أولاً: استعمال العنف وإضاعة الحقوق. وما قولته (أنتَ) دليلٌّ على ذلك، لأن المستحيل قد يكون أي شيء بلا اعتبارات. ورغم أن رداً كهذا يبدو بارزاً، لكنه يخلط بين الأفعال غير المشروعة والأهداف غير المتوقعة. ولا يعني ذلك إقصاء الآخرين، لأن السياسة هي فعلاً الرمي تجاه المستحيل بحكم قدرة المجتمعات وتحقيق الآمال المنتظرة. على السياسي ألاَّ يقنع بما هو مُعطى له كأنه يأكل من خشاش الأرض (كالقطط)، بل لابد أن يرمي إلى آفاق مغايرة وهي مشروعة دون اغتصاب الحقوق. السياسة بحث عما لا يتحقق من أول وهلة، كأنها مأخوذة بالخيال في المقام الأول.

ثانياً: أنَّ المستحيل ليس سياسةً بل حرباً. والقول هنا صحيحٌ إلى درجة بعيدة، لأن السياسة إدارة ناعمة لأشد الاحتمالات فتكاً بالآخرين. ممارسة الصراع والعنف بوسائل يقبلها الجميع، وتدخل إلى أدوات الدول والأنظمة كنوع من الممارسات العامة. فالسياسة تستنزف ما يضمره المجتمع من صراع بالتدريج، كمن يحاول نزح بئر آسن بملعقةٍ، الفارق أنَّ الحروب المباشرة تًطّفِح البئر بقوة هادرة بينما تقطرها السياسة قطرةً قطرةً. وفي حين تمثل الأولى صراعاً دموياً تجاه الجميع، تكون الثانية مجرد صور وخطابات وبيانات وآليات تمر على الأفعال البشرية مرورَ الغمام.

دوماً يجب التمييز بين (الممكن والمستحيل)، فالتمييز الواعي تفتقده مفاهيم السياسة والقوة ومعالجة الأزمات لدى الأنظمة العربية. متى يكون الممكنُ أخرق ومتى يصبح المستحيلُ أنجع. لا ينبغي خلط الاثنين خلال الأوقات الحرجة، تفرقة لا تدركها سوى المجتمعات القوية التي تعي لحظتها التاريخية. لأن مستحيلاً قد يرتد إلى الذات حين نعجز عن بلوغه، فلقد ظلت الديمقراطية – وهي الممكنة في مجتمعات الغرب- بعيدة (مستحيلة لأنظمتنا العربية الحاكمة) حتى إذا حانت فرصة لتحديث السياسات، جاءت (الديمقراطية المستحيلة) هكذا لتفكِّك دول العرب في غير حالةٍ. فلم تستطع الدول تطبيقها ولم تنتظر الأجيال زمناً مواتياً لها.

إنَّ عدم ترويض المستحيل بما يليق ويلائم سينقلب إلى عامل هدم جذري، لأننا نعيش عالماً واحداً. ما يحدث في أية بقعة من العالم ستصل موجاته إلينا ولو بعد حين، الدول العربية ذاتها ظلت تتلاعب بآمال الشعوب دون قدرة على تحقيقها، فما كانت الآمال إلا مذبحاً للحُكام (رؤساء العراق وتونس وليبيا واليمن ومصر وسورياً). وبسبب تطاحن العرب فيما بينهم، تكالبت عليهم الدول الطامعة من كل حدب وصواب، ظهرت كالثعالب التي تتعابث فوق ظهر الأسد المنهك والعاجز حتى عن أن يهش الظلال!!

في السياسة ما لم تكن هناك قوةٌ رادعة (المستحيل) أمام الأوغاد (المستحيلين أيضاً)، فلا تتوقع سوى الكوارث. هذا بالنسبة لقوة الدولة داخلياً إزاء جماعات العنف إزاء المجال العام أو إزاء الطامعين في سيادتها بالخارج. ولاسيما أن الأوغاد المعاصرين رؤساء دول يخبئون " خريطة غابرة" من المآرب فشلت أكثر من مرة. على سبيل المثال: خريطة العمائم العثمانية الموروثة بصدد الدول العربية (قالها أردوغان مراراً: نحن نبحث عن ميراث الأجداد)، حيث انهار اقتصادها لتُقرصن بدول الجوار وتعبث بالأخريات. أخذت تجتاح سيادتها الواحدة تلو الأخرى سواء أكانت بأسيا أم بعيداً في قارة أفريقيا.

اطماع السياسيات العثمانية أقرب الأدوات الحالية التي تبرهن أنَّ السياسة فن المستحيل، فعلها الاستعمار قديماً ومازالت دولٌ تجدد عُروتَّها حديثاً. ومن أذيال السخرية أن يأتي المستحيل على "مقاس بهلواني قميء" هذه المرة. كان فن الممكن لدينا نتاجاً لسنوات من العبط والتلاعب بمقدرات الشعوب، والعلاقات الرخوة مع المستعمرين والقوى الإقليمية. أما أن تقتحم العثمانية دولاً وتنتهك مجتمعات عربية فارضة القواعد العسكرية والتجارة والتنقيب عن البترول واتفاقيات ترسيم الحدود والتلاعب بالاقتصاد، فهذا سيرك القرود الجديد. يجب على دول العرب أنْ تقابل المستحيل (الخرافي وغير المنطقي) بالشيء نفسه.

الكوارث السياسية التي يتعثر فيها العربُ منذ رحيل الاستعمار وقيام اسرائيل ليست بعيدةً، بل أقرب إلى مجتمعاتنا النامية من حبل الوريد ... كيف لا؟! والوريد الذي يغذيها يعتمد على حكام بلهاء أو أنظمة كالحة لا تصلح لتطور الحياة. الدول العربية شاهدت وتشاهد ما يفعله الأتراك قرب حدودها، ولم تقل أحداها: ربما تطال المراهقة العثمانية المتأخرة مقدراتنا ومجتمعاتنا!! فالسياسة لدى العثمانية نمط من الوقاحة لم يعهده المتابعون، استعملت الدين والكر والفر والمراوغات الخطابية وصولاً إلى المكاسب.

المُفجع هو نظرة السلطان أردوغان إلى حكام العرب نظرةً دونيةً... ولديه كل الحق لكونِّها نظرة (الأخرَّق) إلى (الأبلَّه) على امتداد الخط. الخُرْقُ هو الاتيان بأفعال غير لائقة دون تقدير العواقب، أمَّا الأبلَّةُ، فهو فاقد الوعي لحد الرثاء. للأسف اجتمع الاثنان على مائدة عربية واحدة، عامرة بالثروات والأرصدة والرموز، أطعمتها الشهية النفط والثروات والخراب والبطون الجائعة. طبعاً الشبع والتخمة للحكام ولاتباعهم بينما الجوع والقحط للشعوب. الاثنان (الأخرق والأبله) يسعيان إلى قصعة" الكّبْسة" العامرة بحجم الوجود العربي (المجتمعات العربية بين آكل ومأكول). المفارقة هي مجتمعات ثرية جداً وشعوب فقيرة جداً، خزائن من الأرقام الأسطورية في بنوك الغرب ومدن وقُرى من الخراب والأطلال في رمال العرب!!

وقبل ذلك حدث المستحيلُ (النموذج) بداية القرن الواحد والعشرين عندما اجتاحت أمريكا العراق وقتلت الملايين ونهبت الثروات ودمرت البنية الفوقية والتحتية وقطّعت أوصالها. كيف يكون ذلك واقعاً؟ المستحيل أيضاً عندما تحولت سورياً إلى حلبة مصارعة دولية ومصيدة للجماعات الإرهابية وغابات عسكرية مفتوحة أمام زائري القوى الكبرى. وتباعاً لم يكن أحد ليتوقع أنْ تضرب تركيا وتقتل العراقيين على أراضي الدولة العراقية وتزرع القواعد العسكرية دون موافقتها مثلما قتلت سوريين واستباحت شمال دولتهم... وها هي تقتل الليبيين وسواهم،... ماذا بعد؟!

 

سامي عبد العال

 

سامان سورانيستظل سنة 2003 بارزة في تاريخ العراق المعاصر كونها شهدت سقوط نظام استبدادي تسلُّطي أمعن في قمع شعبها وكبح طموحها نحو الحرية والتقدم.

كان يُرجى من «العراق الجديد» فتح صفحة جديدة في تاريخە مفتوحة على الكثير من الاحتمالات المتفائلة بغدٍ عراقي أفضل، لکن الحقيقة جاءت وللأسف بخلاف وعکس ذلك.

 القيادة الكوردستانية کانت والی الیوم مع بناء عراق جديد يؤمن بنظام توزيع السلطات ومؤسسات دستورية تمارس الحكم الديمقراطي، علی أمل أن‌ تبتعد بغداد عن الشمولية والحکم المرکزي وحکم الحزب الواحد ولغة الحرب، التي کانت اللغة الوحيدة والسائدة لعقود من الزمن في العراق وأن تمارس الفدرالية بعيداً عن تهميش وإقصاء ولغو الآخر المختلف وتطبيق نظريات الإصطفاء العقائدي والفرز العنصري والتطهير العرقي.

کان الهدف من مبادرات القيادة الكوردستانیة في حینه هو العمل مع القوی الوطنية في سبيل توظيف طاقات هذا البلد البشرية نحو البناء والتنمية الإقتصادية والإجتماعية المنتجة والقيام بنبذ فلسفة عسكرة المجتمع وخطاب التهديد وسياسة التحشد والتجند وتکتیکات حصر إمکانات الدولة من أجل الهجوم علی الآخر المختلف. 

الرئيس مسعود بارزاني ، الذي يحمل رسالة قومية وينثر بأفعاله وأقواله المحبة بين أفراد الشعب الكوردستاني والعراقي ويشيع التفاهم مع المحیط الإقلیمي ويخاطب العالم بلغة انسانية بليغة، حمل عام 2003  شعلة السلام الكوردية الی بغداد، مع إیمانه الکامل بأن السلام هو مدخل وأساس من أسس الإستقرار وأن العنف هو من صنع البشر.

ففي خطبه ومناقشاته العلنية يٶكد الرئیس بارزاني دوماً بأننا قادرين على تفكيك هذا القضاء، لإعطاء الأجيال القادمة حقَّ الحلم بعالم تملؤه الحرية والكرامة.

هذه القناعة هي إستراتيجية عمل وسياسة لحلِّ النزاعات. المنطق يقول، من يستطيع التفكير بعقل تداولي يكون قادر علی أن يتغير لكي يسهم في تغيير سواه علی نحو مثمر وخلاق.

إن هذه المعادلة خلقت الاستقرار السياسي في إقليم كوردستان وبفضلها تمكن الإقلیم أن يواجه التحديات التي تفرزها شبكة العلاقات الاقليمية المعقدة في منطقتنا بشكل مستمر.

وتحت هذه المظلة من الاستقرار السياسي والقدرة على اتخاذ القرارات السياسية الحكيمة قدمت القيادة السياسية في إقليم كوردستان وما يزال الدعم السياسي اللامحدود لإنجاح عملية الحوار مع بغداد وذلك لحل القضايا العالقة معها في إطار الدستور بشکل مدني وعقلاني أولاً وخلق أجواء مليئة بالأمن والإستقرار ثانیاً.

فمن خلال تثبیت الأمن والإستقرار وصون السيادة يمکن لکل من الإقلیم والعراق أن يكونا فاعلين حيويين في مسيرة البناء والتنمية على مختلف الصعد وأن يحافظا معاً، بحسب سياسة التفكير والعمل معاً ومنطق التبادل وفلسفة التعايش والتواصل، على وحدة وسيادة العراق.

فالاستقرار بصورة عامة، فضلاً عن التماسك الاجتماعي، يمثل صمام الأمان في أي مجتمع بما يمنحه من فرص للنمو والتطور وقدرة على مواجهة مختلف التحديات الداخلية منها والخارجية.

ففي هذا الزمن المعولم وفي ظل أزمة تفشي وباء کورونا لم يعد من الممکن تأجيل القضايا العالقة والمزمنة  أو إهمال إقامة ديمقراطية حقيقية قائمة على الحوار والتعددية والاحترام تضمن نشوء دولة الإنسان، تلك الدولة التي تمارس الحياد الإيجابي تجاه قناعات ومعتقدات وأيديولوجيات مواطنيها وتضمن الأمن الإنساني والسياسي ونحن نعيش مرحلة الفوضی واللاإستقرار السياسي في المنطقة والعالم والتي من الممکن أن تؤدي الی تغيير جذري في النظم السياسية والإجتماعية علی المستوی الأقلیمي والعالمي.

ختاماً، علینا بخلق وبناء آفاق واعدة لمداخل وأسس الاستقرار في إقلیم کوردستان والعراق، من خلالها يکمننا أن ننتج ونحقق في النهاية مجالات واسعة لحرية الإبداع والتفكير وتكريس الديمقراطية والحكم الرشيد ونکون أيضا قادرين علی رفع الحجر عن الفكر باسم الدين، ونشر ثقافة الحوار والاختلاف والمسؤولية والمحاسبة وتوسيع قاعدة المشاركة السياسية وترسيخ ثقافة الاحترام والتسامح والنزاهة والكفاءة وتداول السلطة وتقوية عوامل التماسك الاجتماعي بين مختلف الفئات المجتمعية في الإقلیم والعراق.

 

الدکتور سامان سوراني

 

 

 

محمود محمد عليلو قرأ المتآمرون والغزاة والطامعون بعضاً من تاريخنا المصري، لأدركوا معنى أن تغضب الدولة المصرية التي جاءت أولاً ثم جاء بعدها التاريخ،  لأدركوا أن لمصر نصف آخر متجهم .. شديد البأس. وقاس على أعداءها الجهلة فقط هم من لا يقرأون،  وهم من ينطبق عليهم قول أبو الطيب المتنبي "إذا رأيت أنياب الليث بارزة فلا تحسبن  أن الليث يبتسم".. فالليث يصبر ويتريث ويتعقل، لكنه حينما يغضب لن ترى منه إلا لهيب يشوى ونيران تحرق دفاعاً عن أرضه وعرضه وعروبته وأمنه القومي.. وهذا هو قدر الليث المصري طوال تاريخه .

قصدت أن أفتتح مقالي بهذه العبارة لأقول: في الوقت الذي تواجه فيه البشرية هذا الاجتياح المدمر لحرب الفيروسات التي اتضح أنها بدأت بغية استهداف الاقتصاد الغربي وتدميره في الأساس؛ هذه الفيروسات التي يُقال إنها أفلتت من عقالها في معامل العلماء؛ وصارت كالمارد الذي خرج من "القمقم"، ويبدو أنه لا سبيل إلى إعادته والسيطرة عليه في الوقت الراهن، يخرج علينا الصائدون في الماء العكِر من ورثة ما يسمى بالخلافة العثمانية التي اندثرت منذ زمنٍ سحيق؛ ليقوموا- بمعاونة خوارج العصر ومن حلفائهم من مرتزقة تنظيم إخوان سوريا الممزقة- بالغزو لدولة ليبيا الشقيقة الواقعة على خريطة حدودنا المصرية الغربية؛ والهدف المُعلن هو الاستيلاء على حقول البترول وتدعيم ميليشيات المرتزقة المسلحة غير الشرعية التي تحاول الاستيلاء على الحكم في ليبيا؛ ومناهضة الحكومة الشرعية التي يدعمها التأييد الشعبي في طول البلاد وعرضها.

لم تقف مصر مكتوفة الأيدي فقد قالت في اليومين الماضيين كلمتها التى انطلقت كالسهام الحمراء فى كل اتجاه ليفهم كل ذي عقل إشارة تلك السهام.. كلمات قوية وواضحة على لسان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ذلك الرجل الذي لم تهتز ثقتي أبداً في شخصه، وفي القوات المصرية المسلحة بالقرار السياسي والقرار الاستراتيجي فيما يختص بأي عدائيات يمكن أن تقابلها الدولة المصرية، وأرجو أن ننظر إلي هذا الموضوع في أنه يتم في ظل ثلاث تحديات رئيسية ألا وهي : جائحة كورونا، وتهديدي الحياة والموت بالنسبة لسد النهضة، ثم الجنون التركي والمرتزقة المتواجدين عند الجبهة أو الحدود الغربية لمصر ..

ثلاث تهديدات وجودية تمس الحدود والداخل المصري، هنا علينا أن نتأمل : كيف أدار السيسي هذه الأمور، وهذه الملفات في أنا واحد بقدر هائل من المهنية والاحترافية بشكل فيه إدارة عظيمة للأزمة وفهم واعي لطبيعة التحديات ..

وهنا يمكننا أن نتحدث مباشرة فيما يتعلق بالشأن الليبي، فنقول بأن ما يحدث في ليبيا اليوم يجب النظر إليه علي أنه لا يمثل فقط مجرد زيارة السيسي للمنطقة الغربية للقوات المسلحة بقاعدة جرجوب العسكرية (غرب مرسى مطروح قرب حدود ليبيا) صباح السبت الماضي الموافق العشرين من شهر حزيران الحالي، وذلك علي خلفية التوترات الموجودة في ليبيا الشقيقة، حيث يجب النظر إلي ما قاله السيسي، في الكلمات التالية : "الصبر ليس تردد أو ضعف بل حكمة وتروى وقرار .. من سوف يقترب من أمن مصر القومي فليجرب .. فلن يعبر للشرق ولن يعود الى الغرب.. نحن دعاة سلام وأمن واستقرار ولكننا أقوياء برشد وعقل .. ومن يستفز الليث عليه أن يتحمل غضبه".

في تلك الكلمات حدد بشكل استراتيجي قاعدة الحرب والسلام.. قاعدة الحرب والمفاوضات، ورسم الخط الأحمر عند أية نقطة يصبح من حق مصر التدخل في هذه المعركة وفي هذه الأراضي، وتصبح الحالة المصرية حالة شرعية في التدخل، ليس هذا فقط بل وحدد السيسي بهذا الخط الأحمر إنذار واضح وصريح لحالة الهيستريا الأردوغانية الممولة من قطر والمدعومة بالمرتزقة والتي ترعي ميلشيات مارقة.

والسؤال الآن : لماذا قال الرئيس عبد الفتاح السيسي في خطابه في المنطقة الغربية العسكرية بمرسي مطروح،  أن سيرت وقاعدة الجفرة يمثلان الخط الأحمر لمصر داخل العمق الليبي؟

من المعروف أن الدولة الليبية تشغل أولوية لدى القيادة السياسية المصرية من جميع النواحي الاجتماعية والسياسية والجغرافية التي تربط  الشعبين الشقيقين والتي تحمل قواسم حضارية ومصالح استراتيجية مشتركة، أيضاً كونها دولة ذات حدود مشتركة تقدر بحوالي 1200كم، حيث تمثل حالة السيولة الأمنية في ليبيا عدة تحديات للدولة المصرية، كتسلل العناصر الإرهابية والقيام بعمليات تخريبية بمصر فضلاً عن عمليات التهريب المختلفة، وتعد الأزمة الليبية قضية أمن قومي مصري، حيث تعتبر ليبيا العمق الاستراتيجي لمصر في الاتجاه الغربي، كما تدير مصر علاقاتها الخارجية وفقًا لمبادئ احترام سيادة الدول الأخرى، وعدم التدخل فى شئونها الداخلية، ولم تتدخل مصر فى مجريات الصراع حتى الآن.

وبالتالي حين ننظر إلي خليج سيرت نجده يتبعد نحو ألف كيلومتر عن الحدود المصرية، ويقع فى منتصف المسافة بين طرابلس وبنغازى تقريبا. فهو يبعد 450 كيلومترا من العاصمة طرابلس، و600 كلم من بنغازى.. والسيطرة على سرت تعنى تعني كما يقول عماد الدين حسين : السيطرة على الموانئ النفطية، إذ لا يبعد أقرب ميناء نفطى (السدرة) عنها سوى 150 كلم. وهى البوابة الغربية لمنطقة «الهلال النفطى» أو الطريق الذى يجب على أى طرف السيطرة عليه للوصول لموانئ زويتينة ورأس لانوف والسدرة والبريقة، حيث يوجد 11 خط نفط و3 قنوات غاز، وتمثل أكثر من 60 % من صادرات ليبيا النفطية..

ومن جهة أخري فإن السيطرة على سرت، تعنى السيطرة بسهولة على امتداد ساحلى بطول 350 كيلومترا حتى بنغازى، حيث تكثر خطوط الأنابيب والمصافى والمحطات ومرافق التخزين. وكانت سرت دوما القاعدة الخلفية لأى هجوم على الموانئ النفطية من الغرب. وتوجد فى سرت قواعد مهمة مثل قاعدة القرضابية الجوية.

أما مدينة الجفرة فهى ذات موقع استراتيجي حيث تقع وسط ليبيا. وبقربها تقع حقول نفطية وبمسافة ليست ببعيدة منظومة النهر الصناعي، وهى تعتبر كما يقول عماد الدين حسين : العاصمة العسكرية للقذافى. وقاعدة الجفرة الجوية تقع شمال سرت بحوالي 300 كيلومتر، وتبعد بنحو 650 كيلومترا جنوب شرقى طرابلس. وهى من أكبر القواعد العسكرية الليبية، وتتميز ببنيتها التحتية القوية، التى تم تحديثها، لتستوعب أحدث الأسلحة. كما تشكل القاعدة غرفة عمليات رئيسة لقوات الجيش الوطني الليبي، والقاعدة محور ربط بين الشرق والغرب والجنوب، والسيطرة عليها تعنى تقريبا السيطرة على النصف الليبى بالكامل. ما يشغل القاهرة أن تتمدد الميليشيات وتصل قرب الحدود المصرية، وبالتالي تتحول الحدود إلى بوابة يدخل منها الإرهابيون والمتطرفون، وهو ما حدث بالفعل أكثر من مرة، بل وأدى إلى عمليات إرهابية دموية فى الواحات، وبالتالي فالهاجس المصري هو أن وجود نظام معاد فى ليبيا خطر جسيم على الأمن القومي المصري خصوصا التهديد الأمني .

ومن هنا وكما قلت من قبل انتفضت مصر يوم السبت الماضي لتعلن للعالم كله علي لسان الرئيس السيسي  إن لبلاده حقا شرعياً في التدخل في ليبيا المجاورة وأمر الجيش بالاستعداد لتنفيذ أي عملية خارج البلاد إذا دعت الحاجة لذلك.. وأضاف السيسي : "إن لمصر الحق في الدفاع عن نفسها بعد مواجهة "تهديدات مباشرة" ممن وصفها "بالميليشيات الارهابية والمرتزقة" المدعومين من قوى خارجية"، وذلك في إشارة واضحة إلى بعض المجموعات المسلحة الموالية لحكومة الوفاق الوطني وتدعمها تركيا.. وقال :" إن الأهداف الأساسية لأي تدخل ستتضمن حماية الحدود الغربية لمصر والتي تمتد لمسافة 1200 كيلومتر والمساعدة في حماية الاستقرار والسلام في ليببا".. وقبل كلمته وجه السيسي كلامه لعدد من الطيارين من القوات الجوية والقوات الخاصة في القاعدة قائلا "كونوا مستعدين لتنفيذ أي مهمة هنا داخل حدودنا أو إذا تطلب الأمر خارج حدودنا".

ولأن مصر لا تدافع فقط عن أمنها ولكن أيضاً عن أمن آمتها العربية فقد سارعت الدول العربية الى دعم مصر ومساندتها في حقها في الدفاع عن أمنها وأمن عروبتها .. فالسعودية أعلنت أن أمن مصر جزءاً لا يتجزأ من أمن المملكة وأيدت الإمارات والبحرين . وفى الداخل الليبي كان رد الفعل المبتهج لحديث الرئيس وتأثيره في رفع الروح المعنوية للشعب الليبي.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

........................

المراجع

1- عادل السنهوري: بعنوان مصر عندما تغضب.. لا تحسبن الليث يبتسم (مقال).

2- الدكتورة إلهام سيف الدولة حمدان :مصر ومقاود النصر.. على بقايا ورثة الخلافة العثمانية (مقال).

3- عماد الدين حسين : مصر تعلن خطوطها الحمراء بليبيا (مقال).

4- كل يوم - لقاء مع الكاتب والمفكر عماد الدين أديب حول رسائل خطاب الرئيس السيسي اليوم (يوتيوب).

5- محمد السيد سالم : جهود مصرية فى وجه الأطماع التركية (مقال).

 

 

صالح الطائييكذب من يدعي عدم وجود انهيار حقيقي في العلاقة التاريخية بين الناس والأديان، وواهم جدا من يرى أن التثقيف الإلحادي لن يؤثر على منظومة الدين على المدى البعيد، فالانهيار كان قد بدأ منذ زمن طويل بتسارع يتناسب مع مراحل التبدل الفكري وولادة المنظومات الحديثة، ولكنه تحول اليوم إلى سيول جارفة ستقتلع أكثر أشجار الحقيقة رسوخا، وتُجرِّد الأرض من رونقها، وتجرف التربة الصالحة للإنبات، فالتثقيف الإلحادي الذي تقوده منظمات دولية جبارة مدعومة ماديا وإعلاميا بمؤسسات هي الأعظم في التاريخ بدأ يؤتي أُكله، ويؤسس له قواعد في قلوب وجيوب شرائح مهمة من المجتمع ولاسيما طبقتي الشباب والبسطاء السذج.

ونحن إن كنا سكتنا بالأمس عما كان يقال، طالما أنه محدود التأثير بسبب عدم قدرته على الانتشار الواسع، يجب علينا اليوم أن نحذر من أثر تكرار الأقوال التي تنتقص من الدين والشريعة جهاراً على مسامع شبابنا عبر وسائل التواصل والانترنيت، فالنكوص والقهقري باتا أمران في متناول الجميع، وأعداد المرتدين والمتحولين بدأت تتفاقم بشكل خطير، وأؤكد هنا أننا لا نتخوف على الدين منهم لأنهم أضعف من أن يؤثروا على عقيدة تدعمها السماء، ولكننا نتأسف على حالهم وما سيئول إليه أمرهم بعد أن يخسروا الدنيا والآخرة، وبعد أن يتقدم بهم العمر فيجدون أنفسهم وحيدين ضائعين.

إن عملية الانكفاء لم تعد بمثل تلك الصعوبة القديمة المعهودة بسبب التبدل الكبير في وسائل النشر، فإذا رافقها عجز عن تطبيق الأحكام الرادعة ولو بمستواها الأدنى، أي الرد عليهم وليس قتلهم أو استتابتهم أو مضايقتهم أو سلبهم حريتهم، فسيكون التحول في متناول يد الجميع وسنخسر كفاءات؛ نتحسر عليها بعد حين. وهذا واقع ملموس فقد كنت قبل أيام أقرأ مقالا بعنوان "القصيمي من الوهابية إلى الإلحادية" بقلم الأستاذ داود السلمان(1) تحدث عن انكفاء القصيمي من تشدد السلفية إلى عالم الإلحاد المفتوح على مصراعيه.

والقصيمي لمن لا يعرفه هو: عبد الله بن علي النجـدي القصيمي (1907- 1996م ـ 1416هـ)، كان والده شيخا متزمتا وسلفيا متشددا، فنشأ على عقيدة أبيه في السلفية المتشددة، ثم سعى لتطوير قدرات سلفيته ودعمها بالعلم، فوفد إلى العراق لمتابعة تعليمه في مدرسة الشيخ أمين الشنقيطي، في منطقة الزبير التابعة للبصرة، ثم التحق بالمدرسة الرحمانية بنفس المنطقة، ومن ثم رحل إلى الهند ومكث فيها عامين، وبعدها عاد إلى العراق والتحق بالمدرسة الكاظمية، ثم رحل إلى دمشق، ومنها إلى القاهرة وانتسب إلى جامعة الأزهر؛ التي فصلته بسبب تشدده يوم لم يكن للسلفية موطئ قدم في مصر مثلما هي عليه اليوم. فبعد كم المؤلفات والمحاضرات والخطب والتوصيات والحوارات التي قام بها لدعم سلفيته، توقف القصيمي فجأة، واستدار 180 درجة، وأعلن كفره وإلحاده بكل الأديان، ووظف خبراته العلمية ليدعم منهجه الإلحادي الجديد، فألف كتبا إلحادية تُكفِّر جميع المذاهب الإسلامية، منها: "لئلا يعود هارون الرشيد" و"الإنسان يعصي لهذا يصنع الحضارات"، وبدأ ينتقد الفكر والتراث الديني بشكل قاسٍ جداً، وهذا ينبيك بقدرة التبدل التي تنجح باقتلاع سلفيٍ جامدٍ من جذوره اليسارية المتطرفة جدا لتلقي به إلى أقصى اليمين المتطرف.! ويعني هذا أن من الحقائق التي لم ندرك حجمها بعد، ولم نُعطها حيزا تستحقه في تفكيرنا أمران مهمان الأول تسارع وتيرة انتشار الإلحاد بين الشباب. والثاني ولادة تيار جديد يعتقد أن ثقافة البحث عن الإيمان خارج المحراب أجدر من الارتباط بتقليدية المسجد وأبوته القاسية. وهما كلاهما ثقافتان غزتا ساحاتنا الفكرية بشكل خطير، وأن هذا التبدل أنتج خطا موازيا لخط الإيمان ومنافساً له.

والذي أراه ان الذي تسبب في انهيار المنظومات التقليدية الدينية والحياتية، والاستهانة بالمقدس، وطغيان ثقافة المدنس، هو تبدل المفاهيم وتغير المصطلحات؛ الذي وُلِدَ من الانفتاح الأخلاقي المرافق لتنوع الآراء، ودفقة الشجاعة الزائفة المكتسبة من الاختباء خلف لوحة مفاتيح الحاسوب، بعد أن غُيبتْ وأُغلقتْ ساحاتُ المواجهة العلنية الأولى التي كان المُجالد يحسب لها ألف حساب قبل أن يتخطى عتبتها ليخوض غمار المساجلة مع علماء كبار.

فالجنسية غير الطبيعية على سبيل التوضيح كانت فاحشةً متفقٌ عليها في كل الحضارات والأديان بما في ذلك حضارتنا المعاصرة، وكانت تسميات مثل: "المنحرفين" و"الشواذ" تعطي ذات المعنى المتفق والمُتعارف عليه، نجدها اليوم قد تحولت إلى معنىً آخر بعيداً عن مضمونها المصطلحي واللغوي والأخلاقي المتداول تاريخياً؛ بعد أن تغير مصطلحها،  وأُنِّقْ وجُمِّل لتصبح: "المثلية" بكل ما يوحيه هذا المصطلح من معانٍ خادشة بعيدٌ ظاهراً عن معنيي الشذوذ والانحراف التقليدي، وأصبح التحدث عنها لا يخضع للتابو الأخلاقي التاريخي بعد أن تحشدت قوى ظلامية داعرة لتوحي للشاذ بأن ما يمارسه هو حق من حقوقهِ مثل أي حقٍ آخر، تُقره الحياة المعاصرة وتُدافع عنه، وهو الأمر الذي دفع المنحرفين إلى تأسيس اتحادات ومنظمات وجمعيات محلية ودولية، غطى موقفها قانون الأمم المتحدة والقانون الوضعي لبعض دول الغرب، وهي قوانين أباحت ممارسة تلك الأفعال، واتخذت جانب الدفاع عنها، وخصص دعاتها جوائز للمتميزين من دعاة المثلية والمناضلين من أجلها، ومن ذلك ما قدم من دعم للفتاة المصرية "شروق العطار" بنت الخامسة والعشرين، التي ما إنْ تقدمت بطلب للجوء إلى المملكة المتحدة، حتى قبل طلبها، ثم منحت جائزة أفضل شاذة مهاجرة، لأنها تعمل للدفاع عن حقوق المثليين في بلادها الأم مصر(2). في وقت مات فيه آلاف المهاجرين الباحثين عن لقمة عيش غرقا في البحار والمحيطات دون أن يلفتوا انتباه رعاة تلك القوانين والمشرفين عليها.

ومثلها الشاذة المصرية الأخرى "سارة حجازي" المدافعة عن حقوق المثليين في كندا؛ التي انتحرت مؤخراً لأنها فشلت في تحقيق الفوز في مغامرتها اللاأخلاقية المنحرفة.

ولا تقف المهاترة عند هذه الحدود فالدول التي تريد الدفاع عن موروثها صارت تتهم بأقبح التهم، وتجعل من نفسها عرضة للانتقام. فبعد أن وصف الرئيس البولندي "اندجيه دودا" في خطاب ألقاه أثناء حملته الانتخابية المطالبة بحقوق المثليين بأنها أيديولوجية أكثر تدميرا من الشيوعية، اتهم حزبه حزب العدالة والقانون أن لديه أجنده مناهضة للمثليين، وفي تقرير أصدره الفرع الأوربي للمؤسسة الدولية للمثليين والمثليات ومزدوجي التوجه الجنسي والمتحولين جنسيا وثنائيي الجنس (ILGA Europe)  وُصفت بولندا بأنها أسوأ دول الاتحاد الأوربي أداء فيما يتعلق بحقوق المثليين، وهذا يؤثر كثيرا على درجات تقييمها داخل الاتحاد، وبالتالي يؤثر على الدعم المقدم لها مما يوقعها في مشاكل تجبرها على التخلي عن منهجها. كل ذلك لأن الرئيس تجرأ وقال في أحد خطابات حملته الانتخابية في مدينة "بجيغ" جنوبي البلاد إن: "الأهل مسؤولون عن تربية أطفالهم الجنسية" وأنه "لا يمكن لأي مؤسسة أن تتدخل في الطريقة التي يختار الأهل أن يربوا بها أولادهم"(3)، وهذا يعني أن الدول بدأت تفقد سلطاتها المحلية لصالح سلطة الحكومة العالمية الواحدة التي تسعى إليها الماسونية والصهيونية.

ونحن حينما نجد أنفسنا واقفين أمام مثل هذا الامتحان الدولي العسير، مع علمنا بقلة عددنا، وضعف حالنا، وتفشي الجهل والأمية الثقافية بين صفوفنا، لا يعد أمامنا سوى النضال باستماتةٍ من أجل الحفاظ ولو على بقايا الموروث الإنساني الطاهر الذي تركه لنا ديننا وعروبتنا، ولا بأس أن نساير العصر وفق ضوابط الدين لكي نوقف الانهيار، ونتصدى للهجمات المرتقبة.

 

صالح الطائي

....................

الهوامش

(1) ينظر: صحيفة المثقف، الرابط:

  http://www.almothaqaf.com/index.php?option=com_content&view=article&id=947208&catid=327&Itemid=123.

(2) وكالات الأنباء ومنها بي بي سي 19 نيسان 2018.

(3) المصادر نفسها.

 

جواد غلوم"نعيم الكهرباء الغائب عني في جحيم الإقامة الجبرية بسبب الكورونا السافلة"

اعترف - دون أن أكون مفاخرا أحدا - بأنني قد أكون من القلّة القليلة جدا من المحظوظين في بلاد مابين النهرين أو قل القهرين - وسيان هذان الاسمان - ممن لم يتأثروا بهموم الكهرباء وانقطاعاتها وشجونها في عراق الحضارات والمرارات معا مذ حللت في ارضي العام  /2004    بعد غربة طويلة في المنافي البعيدة والقريبة .

لم انشغل بتصريحات مسؤولينا السياسيين "الصادقة جداً" الذين صيّروا ماء البحر "طحينة" كما يتندر الأشقاء المصريون  ومواعيدهم التي فاقت مواعيد عرقوب في التسويف والتأجيل والآمال الوردية الخادعة بان الكهرباء ستصل الى بيوتنا ومصانعنا وبقية المرافق الحيوية المعتمدة اعتمادا كليا على الطاقة الكهربائية وسوف يتم تحسين الطاقة الكهربائية خلال الشهور المقبلة والحاضرة وحتى السالفة ؛ فقد استشرفنا المستقبل وعشنا الحاضر ومِلْنا برقابنا حتى الى الماضي نتوسل اليه كي يعيدنا الى سابق عهدنا ولكن دون جدوى رغم الميزانيات الهائلة التي صرفت والتي فاقت الأربعين مليار دولار المخصصة لإعادة التيار الكهربائي متواصلاً .

غير ان هذا المبلغ الضخم جدا والذي قد يفوق ميزانية عدة دول مجاورة؛ أقول ان تلك الثروة التي لا تخطر على البال غيّرت مسارها الى جيوب السحت والمآل الحرام والصفقات المريبة والعقود الوهمية والأجهزة الرخيصة من المواد الاحتياطية العليلة ذات المناشيء الرثة التي لا تقاوم هجير قيظنا الذي يمتدّ حتى نهاية أيلول وربما يأخذ أياما طويلة من تشرين الأول .

ولا ننسى بعض التصريحات السابقة التي صارت أضحوكة الناس يتفكهون بها ومفادها ان العراق في طريقه الى تصدير الكهرباء الى دول الجوار وغير الجوار باعتبار ان الطاقة الكهربائية الهائلة عندنا لا يمكن تخزينها .

ذكرتُ بان طاقة الكهرباء لم تفارق مسكني ما يربو على ست عشرة سنةً دون ان ادفع درهما واحداً فقد أكرمني جاري النبيل الموسّر الملاصق لي بعشرة أمبيرات من مولّدته الكبيرة الخاصة به فور ان وطأت قدماي بيتي ولم يعبأ برفضي استحياءً ولكنه أصرّ على مساعدتي وتحمّل حتى مصاريف ايصال الاسلاك من جيبه الخاص .

والحق اني كنت مستمتعا سعيدا بما وهبه لي هذا الجار  النادر في وقت الأزمات والويلات الكبيرة حتى نسيت ما يعانيه أبناء وطني من شحة أطايب ومنافع الكهرباء .

ولأن دوام الحال من المحال فقد عزم جاري على الانتقال الى مسكنه الجديد والذي شيّده مؤخرا البعيد عني شأوا طويلا وفعلا قام بنقل مولدته المعطاء مع أجزاء أخرى من أثاثه ؛ فما كان مني الاّ أن أعيش شظف الظلام والحرّ اللاسع هذا الصيف واغرق أمَدا طويلا بالعرَق الذي اخذ يتصبب من جسمي فاضطررت مرغما الى التوجه لصاحب المولّدة التي تغذي قسما من الحيّ الذي انا فيه واطلب منه سبعة امبيرات لكنه اعتذر متذرعا بان مولدته لا تتحمل قدرات أكثر وهي تعمل بأقصى طاقتها ولم تنفع توسلاتي ورجائي للتعاطف معي وتغذية بيتي بالطاقة الكهربائية .

واضطررت الى مراجعة مسؤول مولدة أخرى ابعد قليلا منه من حيث المسافة وحصلت على خمسة امبيرات ولذا تحتم عليّ ان اشتري خمس حزمات من الأسلاك واستأجر سُلّما بغية ايصال التيار الكهربائي الصعب المنال الى بيتي وهكذا كان بعد ان ذقتُ مشقة التعب الشديد صعودا ونزولا على السُلّم وحدي دون مساعد يؤازرني ويخفف عني حتى أوصلت الأسلاك لمغذَّي المولدة بشقّ الأنفس .

من يدري ربما يفيض العراق بالكهرباء في السنوات القريبة اللاحقة بعد ان تمسكه أيدٍ امينة وتدلّه الى مصادر الضوء وتنير ربوعه ومصانعه وبيوتاته وربما تُزيد من انارة عقله وثروته ولكن حتما سيكون هذا التنوير بأيدٍ غير هذه الايدي التي تقودنا الان لتنجينا من الهوّة العميقة التي تكاد تقبرنا الان .

سبحان الله مغيّر الاحوال فمن سرّه زمن ساءته أزمان ، كحالي حين افتقدت نعيم الكهرباء يوم رحيل جاري الأكرم الذي كان جنبي وكذا رحيل ساستنا العاجزين المارقين من بلادي كلها ؛ بثرواتها الهائلة والتي لم نلمس منها حتى مجرد فانوس خافت الضوء فكيف نريد من مسؤوليها إيصال التيار الكهربائي العسير المنال .

ما أصدق فقيهنا أحمد بن حنبل حينما سُئل: كيف تعرف الكاذبين فأجاب بلا تردد:

الأمر بسيط جدا يكفي ان تنظر نظرة عابرة الى مواعيد عهودهم هل أنجزت أم بقيت في خانة التسويف والتأجيل والعجز وربما العمد على عدم إنجاز أي شيء يرقى بأهليهم لغايةٍ سيئة في نفوسهم .

 

جواد غلوم

 

كان يوصف وحتى الأمس القريب برجل ليبيا القوي! يحرز الانتصارات العسكرية على الجماعات المسلحة في الشرق الليبي، يتقدم نحو معاقل حكومة الوفاق المعترف بها دوليا، في منطقة الهلال النفطي وفي سرت وفي الجنوب الليبي، لتقف قواته على تخوم العاصمة طرابلس معلنا بدء معركة تحريرها في نيسان من العام الماضي

خيّل للكثير من المراقبين داخل ليبيا وخارجها، أن طرابلس توشك أن تقع في قبضته كما وقعت من قبلها درنه بعد حصار دام لعدة شهور.

نجح في السيطرة على ترهونة وأجزاء من العاصمة، وكانت قاعدة الوطية الجوية في قبضته، لكن الرياح جرت على عكس ما تشتهي سفن حفتر!

 فقد تحول  بين ليلة وضحاها من قائد عسكري كان قاب قوسين أو أدنى من أن ينصب نفسه حاكما مطلقا لليبيا، وموحدا لها كما فعل بسمارك في ألمانيا،  يطمح لأن ينهي انقساما لم تشهد له البلاد مثيلا من قبل، حكومة في الغرب الليبي  معترف بها دوليا بقيادة فائز السراج ومقرها طرابلس، وأخرى في الشرق بقيادة عبدالله الثني، مع انقسام في المؤسسة العسكرية والنفطية وحتى في  المصرف المركزي، مؤسسات منشطرة نصفين، لكنه تحول إلى قائد مهزوم يبحث في القاهرة عن طوق نجاة من هزيمة قاسية تنتظره في سرت ولربما في الهلال النفطي بل وحتى في معقله  الرجمة في الشرق الليبي؟

فمالذي حصل؟ ومالذي قلب الأمور رأسا على عقب في وجه المشير خليفة حفتر قائد الجيش الليبي كما يحلو لأنصاره  تسميته أو اللواء المتقاعد قائد ميليشيا الكرامة كما يصفه خصومه؟  نسج حفتر  شبكة من العلاقات الإقليمية والدولية المتناقضة! أراد ان يجمع النقائض ناسيا بان النقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان! أدار المعركة السياسية بعقلية العسكر فأفل نجمه سريعا قبل أن يبزغ في كل سماء ليبيا.

لعب حفتر داخليا على وتر محاربة الجماعات المتطرفة، في وقت أصبحت فيه هذا الجماعات متهمة بالإرهاب عالميا واقليميا، فحاربها وقضى عليها في بنغازي وفي درنه، لكنه وفي ذات الوقت استعانة بجماعة سلفية تدعى المدخلية  لتحارب معه ضد جماعات إسلامية أخرى!

  محاربة ”الإرهاب“ كانت قاسما مشتركا جمع حفتر بعدد من الدول الإقليمية! وأولها مصر. فمصر التي صنفت جماعة الأخوان المسلمين كجماعة إرهابية منذ الانقلاب الذي قاده الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي ضد رئيس مصر المنتخب الراحل محمد مرسي، اعتبرت ان القوى الحاكمة في طرابلس امتدادا لجماعة الأخوان وكذلك القوى التي كانت تسيطر على مدينة درنة القريبة من الحدود المصري.

وجدت  القاهرة في معركة حفتر ضد هذه القوى،  استمرار لمعركتها لتصفية تنظيم الأخوان، فكانت حليفا وداعما لحفتر وللشرق الليبي. وبعيدا عن ليبيا وعلى ضفاف الخليج، تقود دولة الإمارات حربا شعواء ضروس ضد الأخوان داخل البلاد وخارجها، ففي الداخل اعتقلت ما يعرف بمجموعة 94، وتشمل قائمة المتهمين قضاة وأكاديميين ومحامين وزعماء طلابيين، متهمة بالقرب من جماعة الأخوان.

واما خارجيا فالإمارات  حليف للسيسي، بل وصل عداؤها للاخوان إلى حد مد الجسور مع نظام الرئيس بشار الأسد نكاية بالمعارضة السورية التي يمثل الأخوان وتفرعاتهم عمودها الفقري المدعوم من الغريم التركي.

فكان حفتر خيار الإمارات في هذه المعركة في المغرب العربي، فتحت له مصاريع المساعدات المالية والعسكرية  التي مكنته من تحقيق انتصارات، ماكان ليهدأ بال محمد بن زايد حاكم الإمارات إلا بتتويجها بسيطرة حفتر على طرابلس ومن بعدها مصراته معقل اسلاميين الذي يمد حكومة الوفاق في طرابلس بالرجال.

ألقت الإمارات ومصر و(السعودية) من طرف خفي بثقلها خلف معركة حفتر للسيطرة على طرابلس، كي تمهد الطريق لإضعاف الأخوان في المغرب العربي بدأ من تونس. كان أحد الأهداف بالإضافة إلى استهداف الأخوان هو تعويض هذا التحالف لخسائره المتتالية في شرق قناة السويس.

فهذا المحور لم ينجح  في حسم الحرب في اليمن لصالحه رغم مرور أكثر من خمس سنوات عليها، ولم ينجح في تركيع قطر عبر حصارها، وهي التي قلبت المعادلة عليه بتحالفها مع تركيا وبتقاربها مع إيران وبتجاوزها للحصار.  كما خسر هذا التحالف المعركة مع إيران مع إحجام ادارة اميركية عن شن حرب عليها كما كانت السعودية والإمارات تمني النفس. فولى هذا المحور وجهه صوب غربي قناة السويس ممنيا النفس بتعويض خسائره التي مني بها في شرقا.  لكن الصراع الإقليمي المتداخل ضمن معادلات دولية قلب الطاولة رأسا على عقب وسأعود لذلك لاحقا.

 دوليا وثق حفتر علاقته بفرنسا على حساب روما التي اعتبرها داعمة لغريمه فائز السراج. نجح حفتر في دق إسفين بين إيطاليا وفرنسا! وإلى الحد الذي توترت فيه العلاقات بين باريس وروما،  فروما التي تعتبر ليبيا إرثا لها، لا تريد لأحد منافستها في الاستثمار في ثروات البلاد النفطية او في مشاريعها.

لكن فرنسا استغلت حالة الانقسام بين الشرق الليبي وغربه والأزمة الحكومية في إيطاليا، فوقفت خلف الشرق في مواجهة الغرب المدعوم من روما وأعلنت باريس عن مبادرة في خضم الأزمة الحكومية الإيطالية استضافت عبرها الفرقاء الليبيين وبضمنهم حفتر والسراج في العام الماضي. صراع مصالح  وقفت الولايات المتحدة متفرجة فيه ولم تتدخل إلا بالقدر المتعلق بمحاربة التنظيمات التي تصفها ادارة ترمب بالإرهابية، لكن  هذه إدارة  أعلنت وبكل وضوع أن روما هي المخولة في إدارة الملف الليبي.

موقف أملته عدة عوامل اهمها ان ليبيا من مناطق تقاسم النفوذ الأوروبي وليس الأميركي، واما العامل الآخر فهو مكافئة ترمب للجماعات اليمنية الشعبوية التي جلست على سدة الحكم في روما.

 وهكذا  تمدد حفتر  إلى سرت التي حررتها قوات ”أفريكوم“ الأمريكية من قبضة تنظيم الدولة (داعش) بمشاركة قوات تابعة لحكومة الوفاق . لكن حفتر دخلها فاتحا، ملحقا هزيمة بحكومة الوفاق  دون أي معارضة من الولايات المتحدة الأميركية التي  تعترف بحكومة الوفاق ممثلا شرعيا لليبيا! كان السكوت الأميركي شعرة معاوية التي لم ترد قطعها مع حفتر الذي  مكث في الولايات المتحدة ردحا من الزمن حتى نال جنسيتها وسط إدعاءات بقربه من الاستخبارات الأميركية .

واما اللاعب الدولي الأكبر في ليبيا والمستعمر السابق أي روما فلزمت الصمت لإن هاجس الإرهاب كان يقلقها أكثر من حفتر! وسط حديث عن دعم فرنسي عسكري حظي به حفر خلال معاركه التي انتصر فيها.

لكن حفتر لم يكتف بالدعم الإقليمي والفرنسي بل يمم وجه صوب موسكو! أراد إحياء العلاقات التي كانت تربط روسيا بنظام القذافي التي توثقت بعد نزاعه مع الولايات المتحدة. أصبح حفتر مرحبا به في البوارج الحربية الروسية الراسية في البحر المتوسط مستقبلا من مسؤولين روس من بينهم وزير الدفاع، فيما كانت تفرش له السجادة الحمراء في الكرملين.

تحرك أثار الريبة والقلق أوروبيا وأميركيا! جاء في خضم توتر للعلاقات مع موسكو بسبب أزمة أوكرانيا وفي ظل تصاعد الصراع في سوريا التي تدعم موسكو نظامها. فالإتيان  بأسطول روسي او إقامة قاعدة عسكرية روسية في ليبيا قبالة السواحل الأوروبية امر مثير للقلق في ظل هذا الأجواء وخاصة بعد الغاء الإدارة الأمير كية لاتفاقية الصواريخ متوسطة المدى ولاتفاقية الجواء المفتوحة مع موسكو.

بقيت القوى الدولية مشلولة في ليبيا سواء فرنسا أو إيطاليا واما اللاعبين الإقليميين بالامارات والسعودية ومصر فهم لن يخرجوا عن الفلك الأميركي الذي يضبط إيقاعهم كلما انحرف مسارهم.  فلا المستعمر السابق الداعم لحكومة الوفاق يرغب في الدخول في مواجهة مع حليف مدعوم من فرنسا وروسيا، ولا فرنسا هي الأخرى تريد الدخول في مواجهة مع إيطاليا العضو في الاتحاد الأوروبي التي تسعى باريس للحفاظ عليه، كبرلين التي عقدت مؤتمرا خرج بمقررات ترضي روما وباريس، لكن  الأطراف المتصارعة لم تلتزم به واهمها  وقف إطلاق النار.

ولكسر الجمود وفي طل الحصار الذي عانته الوفاق،  توجه رئيسها نحو أنقره في خطوة مدروسة قلبت المعادلات عندما وقع معها اتفاقا أمنيا وبحريا. اتفاق أتاح لتركيا أن تجد موطن قدم لها في ليبيا وسط صمت اوروبي ودعم خفي من إيطاليا. فتركيا العضو في حلف الناتو مقبولة أوروبيا ومن بعض الأطراف الليبية وهي أكثر مقبولية لدى باقي الشعب الليبي قياسا بإيطاليا وفرنسا.

دخل حفتر في لعبة المحاور! فعندما تضع نفسك في محور معادي للإسلاميين فلا تتوقع ان يقف المحور  المناصر لهم متفرجا! وعندما تستعين بروسيا فلا تتوقع أن تسكت عنك اوروبا او الولايات المتحدة!

قلبت تركيا المعادية مدفوعة بعوامل أيديولوجية وقومية ومصالح استراتيجية. فكانت الهزيمة المنكرة التي منيت بها قواته في طرابلس بعد مرور أكثر من عام من محاصرتها.

وبعد ان وقع الفأس في الرأس عاد حفتر إلى القاهرة طالبا العون فكان العرض المصري مدروسا! ستبقي في سرت ولكن إنس طرابلس! رد لم يروي ظمأ حفتر  فهناك خارطة جديدة ترسم في ليبيا اليوم! فحكومة الوفاق التي كان يسميها حفتر ومناؤوها بحكومة الفرقاطة، لأن مقرها كان في البحر قبل عدة اعوام وبعد اتفاق الصخيرات!  ربحت اليوم معركة العاصمة التي يقطنها اغلبية الشعب الليبي وأصبحت رقما صعبا في أي معادلة سياسية، فهي تحاصر مدينة سرت اليوم، و تتمتع بشرعية دولية.

وهكذا  فشل حفتر في معركة طرابلس التي كان حسمها لصالحه يشكل بوابة لبسط نفوذه على كل التراب الليبي. قد تكون آخر معركة في حياته العسكرية والسياسية، فالهزيمة لها أب واحد كما يقال،  وبات واضحا ان الشرق يحمله إياها وكما ظهر من المواقف الأخيرة  لرئيس برلمان طبرق عقيلة صالح.

تاه حفتر في خضم تحالفاته الإقليمية والدولية في عالم يعج بالمتغيرات السياسية التي تستدعي إعادة قراءة المشهد السياسي دوليا وإقليميا باستمرار، موهبة يفتقر لها حفتر الذي يجيد قراءة المتغيرات على أرض المعركة وإلى الحد الذي ينسحب فيه من طرابلس ويترك مواقعه لمناوئيه، لكنه يضيع البوصلة في المعارك السياسية التي أسفرت  قرائته الخاطئة لها عن إلحاق هزائم به قد تضع حدا لمشواره العسكري والسياسي!

 

ساهر عريبي

 

 

سامي عبد العالبأيِّ معنى تصنعُ الشعوبُ اعداءها، وهل استجابتها للعداء واحدةٌ أم أنَّ هناك اختلافاً؟! هل ثمة عداء عام بالصدفة دون قصدٍ، وما خطورة أنْ تعادي قوةٌ ما ( كالدولة التركية) شعباً ضارباً في التاريخ(مثل الكُّرد في العراق وسوريا)؟! وداخل الدائرة: هل الصُور المتبادَّلة للأطراف تترك آثارها أم تستثير ركاماً غابراً من الأخيلة؟! وهل العداء محتمل أم أنَّه مفتوح، بلا شروطٍ؟! ومن أين تأتي لامحدودية العداء( الصراع ) في تجارب أو غيرها؟!

تفترض الأسئلة أفكاراً مغموسةً بتجارب تاريخية هي الأبعد تحت تصورات العداوة. مثلها مثل التقرحات الجلدية الذي تنبئ عن الأمراض أكثر مما تُظهِر، وتشكل علامةً لما يحدث. فالتصور التقليدي للعداء أنَّه بين طرفين(أو أكثر) حيث هناك ما يضر كيانهما، ويتبادلان صوراً كريهة تُشْهر أمام الاخرين. وأنَّ الأمر قد يخبو بانتهاء ما يدعو إلى ذلك سواء أوقعت مواجهاتٌ أم أفعالٌ خفية.

لكن العداء غير المحتمل يأتي من مجهولٍ آخر، مجهول الطبائع عميقة الجذور(داخل الحياة والتاريخ) ومجهول الاحداث التي يصعب معرفة أبعادها. ولا يتولَّد أي عداء في العراء، لكنه يرتهن بتحولات الثقافة وتفاعلها مع الصراع ويسكن فراغاته الساخنة بلا تباطُؤ. وقد يتسع المجال لمَنْ يملأ فراغاً بهيئة منطبقة على(عدوٍ ما). والمجهول له وقع أبعد وأكثر غرابة من أي شيء آخر، لأنه يثير الدوافع والاكراهات التي تشكل الاحساس المشترك بما هو معبَّأ تجاه أغيار، في تلك المرحلة بألف ولام التعريف( الاغيار). كلُّ (غير) لا يجد مكانه منا دون أن يمس كيانا عمومياً يتعامل مع وجودنا على ذات المستوى. وهذا أحد أسباب عمل ما هو سياسي عام في المجتمعات الإنسانية.

العداء والحب

إنَّ إنساناً مسيَّساً( بغرائزه ورغباته) لا يفرق بين العداء والحب كنمطين للعيش والانتماء. الاثنان جزء لا يتجزأ من طبيعة الوجود في مستواه الأعلى والأدنى معاً، بل ربما يخترقان كافة المستويات بشكلٍّ مُحيرٍ. الحياة الإنسانية من تلك الزاوية لم تخطو نحو المستقبل كثيراً (ولا خطوة واحدة)، فلم تختلف عن حفريات الصراع الدموي لدى القبائل والجماعات البدائية منذ آلاف السنوات. العنف جهازٌ إنساني كامل الأهلية والحساسية والتداعي والتبعات المدمرة كنسيج طاغٍ في كياننا الحي، والأخير لم يتطور حديثاً ولا راهناً أكثر من أسلافه الغابرين.

هذا الوضع بارز حتى بصدد مفاهيم الدولة الحديثة مثل: السلطة والسيادة والوطن والقوة والحرب. فالدولة لا تُفرِّق بين الحب والعداء حين يتعلق الأمرُ بالدفاع عن كيانها وحين يتم الدخول في حروب. وقد يرتكب البشر باسمها أعمال إبادة جماعية وتطهير عرقي وأكل لحوم البشر مثلها مثل أي كيان بدائي دموي منقرض. فيجرى التأكيد أنَّ حب الدولة(وضمنياً المجتمع) يقتضي بذل الروح والنفس أمام اعدائها.

لدرجة إنَّ السرديات الوطنية وترانيم السلام الرسمي للدول والأهازيج التي تقال في الأحداث السياسية هي معزوفات حربية معاصرة على أنغام ونوتات موسيقية قديمة. وحتى عندما ترسم صورة الأعداء(وإنْ كانوا من جسد الشعب الواحد) فلا تنحصر مظاهر دلالته في شكل ما يأخذ اسمه، إنَّ العداوة تتلون على نحو قاس ومشوَّه في أبنية المجتمعات والدول وتنضح عبر الأفعال والخطاب والأفكار الجارية.

تحتوي ثقافة الشعوب على تناقضات صراعية لا حدود لها، تمثل مناطق زلقة في حاجة دوماً إلى تماسك بفضل أهداف معينة. والمجتمعات القويَّة هي التي تستطيع إدارتها بشكل خصب لصالح آفاق الناس والزمن. ومنها يكون العداءُ وضعاً زلقاً قابلاً للاستعمال طبقاً للأحداث وحرق المراحل التاريخية. وإلاَّ ما الذي يدفع– على سبيل التوضيح-  نظام "طيب أردوغان" إلى اللعب بالتوترات الساخنة بين الكرد والترك. فهناك اهتزاز ساخر لصورة السلطان العثماني وهناك تناقضات داخل المجتمع التركي إلى حد الأزمات المتعاقبة التي لا يكاد يستفيق منها النظام الحاكم، وهناك تدهور اقتصادي وتعقد السياسات الاقليمية نتيجة فشل مشروع الخلافة فوق الشعوب الاسلامية المنكوبة. فكان استراتيجياً أنْ يعلن السلطان حربه الضروس على الإرهاب في شخص الكرد، ويعيد تشغيل ماكينة العدو الخارجي لالتئام جروح الداخل.

دوماً فإن دول الحدود بين القارات والثقافات والامبراطوريات ومناطق النفوذ وطرق التجارة (دول المعابر مثل تركيا) لديها فرص كثيرة لمكاسب رمزية ومادية وقرصنة للفرص. وبين ليلة وضحاها قد تعود لديها أشباح القرصنة المخيفة وتنسح حولها الأساطير والمعارك الوهمية. فتركيا كانت نقطة عبور جيوسياسي لتوسعات الشرق الإسلامي قديماً إلى أوروبا على ظهر الدولة العلية( الدولة العثمانية)، ومع مرور الزمن لم يخبو هذا الحلم المتجدد في أحداق النظام التركي. وإذا كانت الدولة العثمانية رجل أوروبا المريض، فهي بمنطق العبور أرادت الالتحاق بالاتحاد الأوروبي على صهوة الجغرافيا والسياسية.

والمفارقة توضح التلاعب بظلال الخلافة العثمانية في الشرق العربي وكذلك بإنعاش أحلامها الأوروبية استناداً إلى زخم الماضي. وتلويحاً بذلك يستغل السلطان العثماني المتأخر جغرافيا العبور بواسطة اللاجئين، حين هدد باستعمالهم لصالح الفوضى، ومن قبل حين استعمل جاليته التركية بألمانيا وأوروبا أثناء انتخابات الرئاسة التركية!! فقد خرجت مظاهراتهم تأييداً لنظامه منددين بعدم قبول الاتحاد الأوروبي لتركيا وبمواقف ألمانيا من السلطان.

غير القابل للاحتمال

الآن علينا التفرقة بين صعيدين للعداء:

1- الصعيد الفردي حيث تكون العداوة مرهونة بأفعال أو بعلاقات متوترة بين الأفراد. وربما تكون بفضل تصرف يضع الآخر في إحراج ومأزق بالنسبة للمحيطين به. ولهذا التصرف مجال التكرار، فمالم يتكرر لن يترك أثراً يوغر الصدر تجاه الفاعل. وربما التفاعل اليومي يحرك ما هو كامن تحت السطح ويجعل الأفراد أطرافاً في عملية هوجاء من التدافع والمراوغة.

2- الصعيد الجمعي وهو ما يمثل معضلة تتحدى أية نهاية وحدود، فليس من عداء كبير بحجم وجود أناس تجاه أعداء أو أغيار إلاَّ إذا كان هؤلاء الأغيار وضعوا أنفسهم مرار في خانة العدو. والعدو بألف ولام التعريف مهم لكسر القيود والحواجز، لأن التصنيف يشكل بعداً تاريخياً بالضرورة. كل عداء بهذا المعنى الحدي يستند على إبراز ذاته خيالياً أو لا يكون.

ولذلك لا يفرغ العداء وجوده إلاَّ في صورة حروب طاحنة. والحروب ليست فرديةً بحالٍّ ولن تصبح لأنها تنشب باندفاع وشراسة. وبمقدار أصالة الحرب بالنسبة لوجودنا الإنساني، فالعدو باستمرار غير قابل للاحتمال، إنه المستحيل الذي لا يتعين بسهولة، وقد لا يأخذ ظروفه التاريخية على نحو واضح. رغم أشكاله التي قد يأخذها ويتقمصها بفعل التخيل.

فالسلطان العثماني (أردوغان) يحرص مراراً  على الباس الكرد عباءة الشيطان(أي شيطان وما هو؟!)، وكذلك لا يترك شاردة ولا واردة إلاَّ ويتحسس الفكرة حتى لو نال الكرد بعضاً من رياح التغير. وكأنَّه يتحسس ما يخص الدولة التركية من أجل الزج باسم الكرد فيما لا مجال له. وبالطبع التراث الديني للخلافة العثمانية كان حاضراً عبر الخوف من الآخر وإقصائه ولو كان أحدَ خيوط المجتمع المنتمي إليه. لأنَّ فكرة السلطة الجامعة بمنطق اللاهوت تستدعي المراقبة الكلية على حدود معينةٍ تفترضها داخلياً وخارجياً. وعليه سيذهب السلطان ليوسع نطاق الحدود أو يقلصها حسبما يريد، وليس الوضع جغرافياً على خريطة واضحة المعالم والأقاليم، لكنه خاضع لرؤية السلطة وآليات الحكم السائد.

دون مبالغةٍ أحياناً تعادي الشعوب شعوباً أخرى بناء صور انفعالية عامة يعاد إنتاجها، ولكن ليس العداء هنا قدراً طارئاً بالصدفة كلما اتفق، فنحن نختار اعداءنا كما نختار أصدقائنا. وإذا كنا نتخلص من اصدقائنا مع ترهل العلاقات الإنسانية وذوبان نقاط التماس بيننا، فلم يعثر البشر حتى الآن على مبرر لتذهب العداوة. وهي كذلك لها طابع الإلحاح، و رغم وجود ملابسات وظروف تعلها بهذا المعنى إلاَّ أنها غير قابلة للتبرير. فعادة الأعداء لهم مواقفهم التي تستحق العداء وإن كانت غير صحيحة، كما أن العداء هو الذي يجعلنا ننزف ونفرغ ما نكره ولا نقوى على احتماله.

لكن في المقابل تستجيب الشعوب لمشاعر العداء بقدر ما تملك من تراث ومن ثراء الحياة، ولا تبدي انفعالاً عاماً تجاه كيانات أخرى دون أن تسأل ثقافتها: ماذا سيحدث؟ كيف سنعادي الآخرين؟ وماذا نفعل إزاء ذلك؟ وهل من منفذ وكيف ستصبح العداوة في المستقبل؟

من هنا تبدو ورطة تركيا السياسية وشعبها مع الاعتداء على الكرد لا حدود لها. ففي كل الأحوال لن يسلم الأردوغان من اعتباره عدوا غير قابل للنسيان، والكرد بحكم العمق التاريخي لثقافتهم يدركون ما معنى العدو. فعليك ألاَّ تعادي جذوراً خارج الأوضاع المؤقتة لأنها ستمتد إليك أينما تذهب. والأرض مهما قويت وامتدت، فالجذور تستطيع شقها من الداخل. ومهما يكن صدى الأحداث، فالأشياء التي تترسب هي الأكثر تأثيراً على المدى البعيد. إن شعباً كالكرد لدية قدرة تاريخية على امتصاص الأحزان والأوجاع دون تفريطٍ، وإفشال الحضور دون احتواء وتجذير الأعماق بلا تسطيح.

وليس يدرك من هم الكرد سوى الآخرين، قال هتلر" أعطني جنديا كردياً وسلاحاً ألمانياً.. وسوف أجعل أوروبا تزحف على أناملها..". يبدو أنَّ بعض القول يكشف موضوع الخطاب دون وجود تماس فعلي بين القائل والموضوع( المتحدث عنه). وليس ما يجعلنا نصغي لهتلر إلاَّ بوصفه فاهماً لأمورٍ تخص شعباً من الشعوب. فالإصغاء من منطلق هتلر كان لمعنى أبعد، لكن لماذا اختار هتلر حصراً إذا صحت المقولة؟

مقولة أخرى لصدام حسين تسائل ممارسات نظامه إزاء الكرد، وما إذا كانت الدلالة واضحة في سياق القول أم لا، يقول صدام:" في كل نقطة دم كردية يولد مجاهد..." ورغم أن صدام لم يتعايش مع الكرد، لكنه أثبت المعنى أثناء صراعه معهم بالتضييق والتصفية الجغرافية والتاريخية والإنسانية. وقد خرج صدام من المعادلة الصفرية حين انتهى نظامه نهاية فاجعة( نهاية غير قابلة للاحتمال أيضاً)، أي نهاية غريبة من الهول والرعب الأكبر في تاريخ العرب ومنطقة الشرق الأوسط عندما دمرت أمريكا شعباً متحضراً هو العراق، وبات الكرد أشد صلابة وتمرداً، ومقولة صدام لا تحدد القائل بقدر تأكيدها لخلاصة التجربة التاريخية للكرد.

إنَّ شعباً بهذا التكوين ليس أكثر من "عدو لا يحتمل"، و" العدو غير المحتمل" لا يهادن، ولكنه يضع نفسه نداً لندٍ من أول وهلة، يقف في وجه العواصف والأعاصير، يتعايش مع الموت وهو يعلم أنه لا يختلف عن الحياة بكثير أو قليل. وهذا يفسر جلَّدْ الكرد في البيئات السياسية القاسية والطاردة للحياة التي عاشوا فيها.

لأنَّ البيئة الطبيعية الوعرة( الجبال والوديان والصخور) تتبادل وجوداً حيوياً مع مروضيها من البشر. كما يقول أبو القاسم الشابي: " من لم يعتد ركوبَ الجبال... عاشَ أبد الدهر بين الحفر". والكرد من تلك الجهة ليسوا قاطني الجبال الصخرية، لكنهم جزء من حقيقتها، هم جبال في صورة بشرية، جبال تروض جبالاً، وصخور تناطح صخوراً. النقش واحد، النسيج مشترك، الصلابة ممتدة ونافذة الحركة، فالحقيقة تتبادل المعاني والطرائق تسري بين الشقوق والأخاديد في الحياة بجميع مكوناتها.

ذات مرةٍ تعليقاً على أحداث الشرق الأوسط في وقته، قال هنري كسينجر وزير خارجية أمريكا: " لا يوجد رجال.. ولم أجد رجالاً في حياتي أكثر عناداً من رجال الكرد".... لماذا اختار كسينجر – الثعلب الدبلوماسي- لفظ "عناداً" كوصفٍ، حيث يعد الكلمة حفرية مهمة في شعب الكرد، وهي مثل الندوب التي يحفرها الزمن مع مرور الوقت؟، لأنَّ الشعوب ذات الجذور الثقافية البعيدة لا تنحني بسهولة، لا تتلقف كلمات التسلية للسير في الركاب والتواطؤ مع المآرب والمصالح، إنما لديها ميراث طويل مع عمليات الإقصاء والاغتيال المعنوي والسياسي. بجانب ذلك تبقى شعوباً صامدة  في وجه التحولات ومميزة بأسلوبها في الحياة. وهذا أمر جدير بالتقصي، لأن نمط الحياة الشاقة يؤثر على المعتقدات والأفعال بلا شك، لكنه إزاء الآخرين يصبح لائقاً لتحديد ماذا يكون الفعل وما ينبغي التعامل به بما يناسب.

يعمق الزعيم الكوبي فيدل كاسترو الفكرة قائلاً: الأتراك حمقى لأنَّهم احتلّوا يوما ما مناطق كرديةً شعبها لا يمل ولا يضعف...". والحُمق ليس له علاج من جهة الحكمة منه ولا التعلُّل به، غير أنَّه سياسياً لا يعتبر حُمقاً لكونَّه سقوطاً تاريخياً إزاء طرفٍ صعبِ المراس، طرف يقف في وجه الترك ويسبب لهم حرجاً من واقع الثقافة والممارسات العامة. هكذا لن يكون العداء محتملاً بحالٍّ، لأنه أصبح شكلاً مجرداً وراء كيان لا يخضع لمعايير ملموسة رغم حدوده المتعارف عليها. وصورة الكرد خيال ثقافي أتٍ منذ أزمنة بفضل تجارب سياسية مع الاستبداد والاستعمار ولاهوت الدول الوطنية وصراعات الدول المجاورة، ومع حروب نائية لم تنبت في بيئات كردية، مثل زعماء الكرد كصلاح الدين الذي تواجد بمصر وأدار الصراع مع جيوش الحملات الصليبية( القداسة والهالة التاريخية).

الموت والحياة

على العمق الثقافي، تجيئ دلالة مقولات الكرد في الأمثال العامة:"  الموت أفضل من الهزيمة...  Mirin çêtire ji revê". العبارة تحدد أنَّ الصراع متعلق بالموت في اعماق البشر، وهو لا ينتهي إلاَّ بهذه الطريقة. إذن ما يجعل العداء هنا غير قابل للاحتمال كونه مفتوحاً على المجهول. وهو ما يجعل التحديد بدوره أمراً غير ممكن بحالٍّ. الموت حين يتكلم لن ندرك ماذا سيحدُث ولن نفهم ما سيقال ولا نستطيع التوقع بالمستقبل!!

كل الاحتمالات واردة، كل التناقضات آتية، كل ما يجري سيجري مستقبلاً بلا تبرير. إنه الغموض المتسع بحجم الثقب الأسود الذي يلتهم أي وجود واضح. وطالما ساد الموت إزاء الواقع فالميتات تتساوى، وسيشكل دافعاً لكي يحارب الإنسان طوال الحياة حتى الرمق الأخير، لأن المقابل هو الهزيمة التي لا يرغبها إطلاقاً. ومن ثم يبدو الموت انتصاراً لا فناء بموجب أن الهزيمة حياة ذليلة فاقدةٌ لمضمونها الإنساني، بينما الموت امتثالاً لقناعة ثقافية خاصة.

يقول ونستون تشرشل- رئيس الوزراء البريطاني-:" يجب ضرب الكرد والأفغان بالسلاح الكيماوي"... لماذا سيكون الموت هو مصير الكرد والأفغان؟ لأنَّ الموت هو المقابَل بموتٍ يفضله أحد طرفي المعادلة دون الهزيمة. والمصير الدموي الذي يترصده تشرشل للكرد، يظهر كم هو حجم التصور الذي يثيره شعب لمن يهيمن على تلك المنطقة من العالم. إنَّ الإبادة الجماعية - بموجب المقولة - أمر غير محتمل، لأنَّ الكرد والأفغان غير محتملين بالضرورة. والشعبان ليس لهما غير ابداء المقاومة والدفاع عن كيانهما بطريقةٍ غير قابل للاحتمال كذلك.

أولاً: إنَّ غير القابل للاحتمال أمر وارد دوماً مثلما تكون العداءات المفتوحة على المستقبل أمراً متاحاً هي الأخرى. وفي هذا الإطار سيكون احياء الصراعات بين الشعوب الباب المشرَّع على المجهول، بل يمثل شقاً نافذا بعمق المجتمعات.

ثانياً: الزعم بـوجود" الصراع التاريخي" في حالة أو أخرى زعمٌ ملتبس وغير مبرر وهو لون من تعضيد فكرة "غير المحتمل" حتى للطرف الأضعف وتمكين الأقوى منه. كما ردد الرئيس الأمريكي أنَّ الصراع بين الكرد والتُرك صراعٌ تاريخي عمره من مئات السنوات. في محاولة من القوة الأكبر في عالم اليوم لتبرير عدم جدوى التدخل ولعق التهديدات التي أطلقها ترامب بأنه سيدمر الاقتصاد التركي لو أقدمت تركيا على اجتياح شمال سوريا.

وبخاصة أن ترامب وضع علاقته بالكرد على فوهة "غير القابل للاحتمال"، فلقد كانوا هم الجنود الأبرز الذين قاوموا الدواعش واجهزوا على بقايا تنظيم الدولة الإسلامية عبر قوات سوريا الديمقراطية. وهناك شهادات أمريكية وأوروبية من مراكز البحوث والمنظمات الدولية بأنَّ جنود الكرد أكثر ديمقراطية ومدنية من سواهم وهم أصدقاء أوفياء لمن يحاربون بجانبهم وهم أكثر استيعاباً للتقنيات والتكنولوجيا العسكرية ويحافظون على الحقوق الإنسانية مقارنة بطوائف وفصائل الصراع في المنطقة!!

لذلك ما فعلته أمريكا لا يخرج عن سياساتها غير القابلة للاحتمال أيضاً، فلا شيء ثابت لديها كقوة سياسية عولمية، فهي تتلاعب بالقوى الإقليمية ولو كانت وفيةً لها. إن القوى العولمية الأكبر غير مألوفة فيما تفعله ولا تحدد إطاراً إلاَّ وتحطمه متى أرادت. يقول رئيس أمريكي سابق – رونالد ريجان –  عن الكرد: " هكذا قدر الكرد، حيث الدول الغربية استعملوا الكرد للوصول إلى غاياتهم، فالكرد كالنيران القوية، وعلينا إشعال هذه النيران متى نشاء وفي الوقت المناسب".

ثالثاً: تعميم الصراع أحد وجوه غير القابل للاحتمال، لأنَّه سيتحول إلى طواحين للغرائز والكراهية التي تأكل الأخضر واليابس. والتعميم بصدد الكرد سيثير دوافع عميقة لديهم حين يصبح كيانهم الخاص هو المهدد، وكأنَّ تركياً تقول إننا سنقضي على الكرد، سنستأصل جذورهم من الأساس. وما يرتبه أردوغان هو حقاً اقتلاع للكرد من وجودهم التاريخي، اقتلاع ثقافي ونزع البذور من الأرض والتلاعب في التكوين الديموجرافي لأصحاب الثقافة والحياة.

وهو ما سيفتح كل مجالات الصراع على مصراعيه دون ضابط ولا رابط. عبر بعض أعضاء البرلمان التركي من أصل كردي عن همجية ما فعله أردوعان، وأنَّه يمثل دولة قتل وإبادة جماعية كما فعلت بالأرمن، معتبرين الترك شعباً محتلاً لتركيا ذاتها، لأن هناك أصولاً مغولية وشيشانية للمهاجرين الترك في بداية الدولة. وهو ما جاء كرَّد فعل كردي من القبيل غير المحتمل، ويبرهن على معانٍ غير متوقعه، حتى أن آخرين في البرلمان نفسه هتفوا بضرورة قتل الكرد ونزع أنفاسهم من الحياة!!

رابعاً: إن تحول الصراع إلى لاشيء، إلى عدم، حتى لو في مداه البعيد أمر غير قابل للاحتمال. فماذا لو انتهت الحرب التركية ولم تُحل مسألة الكرد بتركيا ولا سوريا؟ فليس هناك ضامن ديموجرافي ولا سياسي ينهي المسألة الكردية. إنما الزمن سيجعل " ذاكرة الكرد" أكثر شراسة، وستشرب الأجيال القادمة كراهية الترك أينما حلوا. فالطرف الأصيل( الكرد) لا يدير صراعاً بل يكْره على مغادرة وجوده وحياته. ولعل مظهر الأطفال وهم يشرَّدون ويرَّحلون ويقطَّعون إرباً بالصواريخ هو صناعة لجنون القادم لا محالة. ماذا ينتظر الترك من أطفال حُرموا من آبائهم وأمهاتهم ومن أوطانهم؟! ماذا سيكون حال الأطفال وهم يكبرون على مشاهد الأشلاء وتفجير الرؤوس وتمزيق الأجساد؟!

خامساً: فتح جبهات الصراع يقضي على عقلانية التواجد معا كشعوب حرة، كتنوع ثري في العيش والسلوك، وإذا ضاع العقل بمعناه العام لن يكون سوى الخبل السياسي وراء الغبار. والغريب أن الكرد أولوا عناية للعقل بما يليق بتبجيلهم للحياة ورقيها. يقول المثل الكردي: "العقل ليس حنطةً حتى يتمُّ كيله" Hiş ne genime ku werê pîvan ....، فالعقل هو تثمين الأشياء بما يناسب وجودها، وليس تُعلف الحنطة إلاَّ الحيوانات السائمة. كما أن الحنطة لا قيمة لها، الكميات الكبيرة لا مقابل لها إلاَّ بضع نقود. هذا بخلاف الأشياء الثمينة كالعقل ... جرام منه يساوي ذهباً مضاعفاً.

سادساً: زحزحة أو تأجيل الصراع لوقت تالٍ يسمح بظهور غير القابل للاحتمال مرة تاليةً. لأنَّ تهجير الكرد من مناطق تواجدهم وتسكين آخرين مكانهم إنما هو احتقان جديد لن يفرغ إلاَّ في المستقبل خلال حروب وكراهيات بين المهجرين والسكان الجدد. وهو ما يعني وضع فخاخ في أنسجة المجتمع السوري لن يستطيع تجنبه لاحقاً، لأنه قائم على اغتصاب الأرض والحقوق وتجريف المجتمعات.

سابعاً: سياسات الكذب إحدى وجوه "غير القابل للاحتمال"، لأنها معدومة الأساس ومطلِّقة العنان لأي شيء ولو كان مفجعاً. وسيكون رد الفعل عليها من نفس جنس الكذب، فميدان الصراع انتقل – في معركة الكرد والترك- إلى ساحة الخطاب الاعلامي والسياسي الأهوج. وبالتالي التبريرات والمقولات الخادعة من قبل فضائيات الجزيرة والقنوات التركية والإخوانية عمل خرافي وسك عالم من المجازات وصور الحروب واللامبالاة تجاه القتل والدماء وتدمير الإنسانية. الكرد أنفسهم يرددون:" لا تُبنى الأوطان بالأكاذيب..." Bi derewa bajar ava nabin. ولو أخذ الكذب يوماً شكل حملة حربية تبيد من يقف بطريقها، فنهايته هي تدمير الذات بما يلائم صوته المرعب!!

 

سامي عبد العال

 

سامان سورانيما نلاحظه منذ سنوات على الساحة السياسية في الإقلیم هو تفشي ظاهرة الشعبوية، التي من الممکن إن تعمق وإتسع مدی إنتشارها وإزدات تفاعلها في الساحة السياسية أن تؤثر بشکل سلبي علی مستقبل الکيان السياسي في الإقلیم.

لکن بسبب هشاشتها وعدم إمتلاکها لأسس إيدیولوجية متینة أو ثقل عقائدي أو عقلاني قوي لاتستطیع آفة الـ "Populism" أن تصيغ لنفسها كأية أيديولوجيا أخرى مساراً سياسياً واضحاً أو تضع حلول أو مبادرات في عالم السياسة والمجتمع والاقتصاد وجوانب النشاطات البشرية الأخرى.

إن رؤیتها السياسية والمجتمعية غير المترابطة تقتصر علی نطاق محدود جداً من القضايا التي تتبناها على الأصعدة المختلفة، لذا نراها عندما توضع علی محك الواقع متانثرة المفاهيم أو غیر متناسقة ووأحياناً متناقضة، تسعی دوماً الی خلق حالة من فصام أو تناشز في المجتمع بهدف الفصل بين قطبين، إحدهما متناغم معها وآخر معادٍ لها.

الشعبوييون ينظرون الی قضايا الوطن ومصير الشعب بمنظار نسبي ضيق وفق معادلة "الأبيض والأسود" والعداء السافر مع الآخر المختلف معهم فكراً وعملاً.

ولعدم قدرتهم علی التصالح في التعامل السياسي يقومون بإثارة مشاعر الشعب وجلب إنتباهه، وهم يمیلون الی المبالغة والتوسع في إستخدام اللغة الدارجة والبسيطة، تلك التي يتقبلها ويفهمها ويتأثر بها رجل الشارع البسيط وبالشكل الذي يثير مشاعر الخوف والكره والغضب ضد الآخر المختلف، الذي يقف ضد مشروعهم ويسعی الی إبطال سحرهم المؤقت.

 

خطابهم المسموع والمقروء علی قنواتهم التلفزيونية الرخيصة أو علی صفحاتهم الألکترونية المستغلة للإنترنت والتقنيات المتعلقة به بهدف التشهير بالرموز القومية بطريقة متعمدة ومتكررة وعدائية أو علی الشبکات الإجتماعیة البعيد عن أسس التغيير أو الإصلاح ذات أطر متینة يدور في فلك التغيير من أجل التغيير، غير مهتم بالعواقب المحتملة لهذا التغيير.

أصحاب هذا المشروع الطُفيلي، المأجورين عادةً من قبل جهات داخلية وخارجية معادية لقضية شعب كوردستان ونموذجه السياسي الناجح في المنطقة، لاينظر بارتياح إلى المؤسسات الرسمية، لديه سيطرة طاغية علی أتباعه، يتعامل بشكل أبوي صارم وموجه له، يطرح نفسه علی أنه الحامي والراعي لمصالح تلك الفئة التي يقودە أو التي يدّعي تمثیله، حیث يخلق لنفسه صورة علی أنه شخصية من عامة الشعب، قولاً وفعلاً.

لو أمعنا النظر الی الهیاکل التنظيمية لأحزاب وتنظيمات وحراکات الشعبوية، نراها بسيطة، فهي عادة تقاد بشكل مرکزي من قبل صاحب المشروع أو الحلقة القريبة والمحيطة به، حیث تتخذ القرارات فیها بشکل مائل الی التفرد.

وعند تسلم الأحزاب والحراکات الشعبوية مواقع مسؤولية اتخاذ قرارات نراها تواجه الحرج، لأنها لاتستطيع أن تحقق من خلال تلك المواقع مطالب جماهيرها، لذا تسعی بعد صياغة شعارات تضخم مخاوف الشارع في مواقفها وتصريحاتها اليومية الی توجيه أسباب فشلها إلى جهات جديدة تتصارع معها.

إقلیم کوردستان، الساعي الی بناء کيان دولة، الذي يعيش بسبب الأزمة الإقتصادية والصحية في ظروف لا يمكن ان نجد مثيلاً لها في اي بقعة من العالم،  بحاجة الی التركيز على وحدة الصف والتکاتف المجتمعي والسعي في مکافحة الفوضى السياسية ومشاريع القوی السلبية، التي تعمل علی تغذية مشاعر الخوف والارتياب بين المجتمع وداخله، ليجعلنا أشد انقساماً ويزيد من مستوى الخطاب السام والسلوكيات السامّة التي أفسدت المجتمع الكوردستاني وشلت جزئياً قدرتە الجماعية على التصرف بكفاءة. علینا الاعتماد على الذات في توفير ما يمكن ان نهيء به الارضية المناسبة لتحقيق الاماني والاهداف السامية وتعديل المسار والإستعانة ببوصلة الواقع ورفع العراقيل أمام تحقيق تلك الأهداف والأماني المقدسة، الذي قدم شحب كوردستان الكثير من اجلها.

نعم الجماعات الشعبوية تعمل علی نخر الکیان السياسي للإقلیم وهي تندفع بتلهف نحو ملذات السلطة في حال إذا توفرت لها فرصة،  لکنها لاتقدر. والوقت وحده هو ما سيقنع من يؤيدون حراکهم حالياً بفشل مقترحاتهم ويکشف عن خواء جعبتهم وسقوط کل شعاراتهم.

 

الدکتور سامان سوراني

 

موسى فرجالنزعة الصفرية عند العراقيين صحيح إنها لم ترد في معجم لسان العرب لابن منظور، ولا في معجم العين للخليل بن أحمد الفراهيدي ولكنها مستخدمة من قبل عدد غير قليل من الكتاب العرب يصفون بها طريقة تفكير العراقي، ويقصدون بها إن موقف العراقي دائماً حدي وعلى طريقة عادل إمام يبيض يسود...

هذه الأيام وفي حمى المظاهرات المناهضة للعنصرية التي تجتاح الولايات المتحدة ومعظم الدول الأوربية إثر مقتل المواطن الأمريكي جورج فلويد خنقاً تحت ركبة ضابط الشرطة الأمريكي وتحت وقع الصيحات المنددة بالعنصرية والتمييز تجتاح العالم حمى إسقاط المتظاهرين تماثيل ونصب رموز العنصرية ‏والإتجار بالرقيق...‏ففي أمريكا بدأوا بتمثال كريستوفر كولومبس الذي اكتشف القارة الأمريكية فأسقطوه أرضاً، ومن ثم أثنوا على تمثال الرئيس الأميركي جيفرسون ليطرحوه أرضاً هو الآخر في فيرجينيا، وفي بريطانيا داسوا تمثال بالأقدام، وغطوا آخر بالملاءات، وسحبوا ثالث وأغرقوه في اليم ...‏ وفي بلجيكا أسقطوا تمثال الملك ليوبولد الثاني...

ومع إن قضية إسقاط التماثيل لم تكن جديدة في العالم فقد أُسقطت تماثيل القادة السوفيت في أوكرانيا عام 2013، ورومانيا عام1990 وأثيوبيا عام 1991 وفنزويلا عام 2004، إلا إن العراقيون هم الروّاد في هذا المجال عندما أسقطوا تمثال مود عام 1958 ولم تسبقهم إلى ذلك سوى المجر التي أسقطت تماثيل القادة السوفيت في عام 1956، وفي عام 2003 عبث صبية بغداد وعموم بلاد ما بين النهرين بتماثيل صدام...وسلوك العراقيين في عمليات السحل وتعليق الأجساد قائمة على قدم وساق منذ أمد بعيد وهو ما يؤكد صفرية التفكير العراقي ...

قبل عام 2003 كنت في ذهابي وإيابي بين بغداد والسماوه أمرّ على صديق عزيز جداً في الحلة لأقضي معه ساعة أو ساعتين لأواصل رحلتي...كان صديقي الحلاوي الأثير بعثي قديم ومنشق على البعث بعد وصول صدام للسلطة لهذا السبب لا أفوت ذهاباً أو مجيئاً دون المرور عليه لأجد صدره مفتوحاً لنمارس حفلة شتم صدام والبعث براحتنا كان صديقي فيما مضى وفي منتصف الستينيات يشغل منصب مدير بلدية الحلة لكنه إنتهي به المطاف ليتخذ من دكان للعطارة مصدراً للرزق بعد انشقاقه على البعث ولكن والحق يقال فإن صاحبي خلص عمره منشق فالآن ورغم أنه سيد عميدي وبإمكانه وضع عمامة ليغتني لكنه أيضا منشق على المعممين ، في احدى المرات وبينما كنا نجلس في الدكان نشتم على راحتنا أقبلت طفلة لا يتجاوز عمرها 6 سنوات وهي تحمل قبضة من أراق نقدية فئة 50 دينار طبع وناولتها لصديقي وقالت له : عمو أريد بيضه ... وعندما ناولها البيضة وأراد أن يضع النقود في الدرج أمسكت يده القابضة على النقود فتفاجأ وبحلق في وجهي ظناً منه إنه ارتكب خطأً قلت له : الله عليك ذاك نضالكم الطويل مارستموه حتى تسوون البيضه أم الفلسين بهذه القبضة من الدنانير...؟ ضحكنا حتى أبتلت وجناتنا...

قال: أحچيلك شغله، قلت تفضل، قال: بردة تشرين 1963 اعتقلونا وأخذونا لسجن الفضيليه ...منو لكَينا كَدامنا ...؟ الشيوعيين اللي أحنا معتقليهم قبل ذلك... بطريقنا للسجن حسبنا أنه راح تصير مشكله ويا الشيوعيين من ندخل للسجن بس تفاجأنا الشيوعيين من دخلنا عليهم بطابور أستقبلونا بأغنية: سبحان الجمعنا بغير ميعاد ...تسامرنا وحچينا والعذيبي تنسم، سبحان الجمعنا بغير ميعاد، صديقي ذكر لي اسم المطربه بس آنا نسيته...

 قبل أشچم سنه كتبت مقاله ذكرت فيها حكاية صديقي الحلاوي وما قاله عن أغنية تسامرنا وحجينا لزهور حسين وچان تجيني قذيفه صفريه من صديقي الأثير دكتور عدنان الظاهر من أعماق ألمانيا ومن ضفاف نهر الراين وهو يقول: شلون تكَول أغنية تسامرنا وحچينا لزهور حسين ...؟ لا يابه هاي الأغنيه للميعه توفيق شداتحچي أنت ...؟ آنا ما واكَف على أرض صلبه وأوثق الأسماء مثل دكتور رشيد الخيون ، رأساً رفعت الرايه البيضا أمام هجوم صديقي الظاهر واعتذرت ، قبل اشجم يوم كتب لصديقي وقلت إن الفوضى بالعراق مثل نهر أرسطو لا يمكنك دخوله مرتين ...بعد ما دزيت الرساله أنتبهت احتمال عبارة النهر لأفلاطون وانا كتبته لأرسطو وراح أتعرض لقذيف صفريه عراقية مثل قذيفة صديقي دكتور عدنان الظاهر ، رحت للكَوكَل أتأكد من قضية النهر لكَيته لا لأرسطو ولا لأفلاطون وإنما لهيراقليطس ، كتبت لصديقي معتذراً وذكرت له شغلة الأغنيه فكتب لي : بس لمعلوماتك أغنية تسامرنا وحچتنا لا لزهور ولا للميعه وانما لوحيده خليل ...! كَلتله: دكَلّه للظاهر يمعود بوكتها چان سوا علي منع سفر وچان حالني جنحه...

قبل أسابيع صادف ذكرى تحرير الفاو وهمين عبر العراقيون عن نزعتهم الصفريه فالبعثيين ترسوا الفيسبوك زرق ورق محتفلين بالمناسبه ‏ويصوروها إنجاز لصدام، ومن يعارضهم يعتبرونه فاقد للوطنية وسليل العماله، ‏والآخرين شجبوا المناسبه ورفضوا الاحتفال بها لأن ضحايا تحرير الفاو بلغ عديدهم 50 ألف ‏عراقي ويقولون عمن يحتفل بالمناسبة أنت بعثي أبن بعثي وسليل صدام ، آنا ‏الفقير لله كَلت يجماعه الحچي مو هيچي لازم نفصل بين قضيتين: تحرير أرض ‏عراقية وهي مناسبة تستوجب الاحتفاء بها ، وفقدان 50 ألف عراقي لأرواحهم مناسبة ‏تستوجب الشجب والإدانة لصدام ونظامه اللذان تسببا بها في أصلها وختامها‏، قبلها بحوالي شهر مرت مناسبة 9/ 4 وهمين بعضهم أعتبرها تحرير واحتفل ‏بها والبعض الآخر اعتبرها احتلال ولبس السواد ...وكَلنا يجماعه مو هيچي الحچي‏‏...لازم نفصل بين قضيتين سقوط نظام صدام نحتفي به واحتلال العراق نحزن ‏بسببه...اليوم نفس الشغله راح تجي 14 تموز وهمين بعضهم يريد يشيطن 14 تموز وقيادتها لأنها تسببت بسحل نوري والوصي وانقتل فيها ملك شاب يعود نسبه إلى الهواشم من قريش، والبعض ‏الآخر يريد يحتفل بيها باعتبارها خلصته من نفوذ الإقطاع وبعض من شيوخ العشائر الذين كانوا يحلقون شوارب أتباعهم ويضطهدون الناس بأكثر مما فعل الضابط الأمريكي بجورج فلويد المواطن الأمريكي الأسود ... وهمين آنا الفقير لله أكَول يجماعه الحچي مو هيچي لازم ‏نفصل بين قضيتين، نظام نوري سعيد ندينه بأبلغ عبارات الإدانة والغوغاء الذين ‏قاموا بالسحل وقتل الملك الشاب ندينهم ونستنكر فعلتهم، ولكن أن نشيطن 14 تموز ‏وقيادتها لأمر لم يقترفونه وإنما نوري سعيد هو من هيأ الأرضية لحصوله ...هذا ‏لا يجوز وكافي عاد لازم نطلع من النزعه الصفرية في تفكيرنا...وتفضلوا شوفوا بعد 62 سنه من إسقاط العراقيين لتمثال مود ستانلي الشعوب بدأت بإسقاط تماثيل رموز العنصرية وفي هذا لم نكن إلا الرواد في هذا المنحى وعود اللي يعتقد هذي الشغله تتعارض مع قيم الحفاظ على الجمال فليذهب إلى ما يكل أنجلو ودافنشي اللذان صنعا الجمال ويمر بطريقه على فان كوخ الذي يصنع من القمامة لوحة مبهرة تشد الأنظار ....

 

موسى فرج