محمد مسلم الحسينييختلف المفسرون في أصل كلمة "ما فيا" ومصدرها كما يختلفون أيضا في معناها الحرفي الأول، غير أن المعنى العام يدور في دائرة مفردات الترهيب والإبتزاز، التلاعب والإتجار غير المشروع، التزوير والخداع والكذب، التفاخر العدواني والتبجح، روح المغامره، مخالفة القوانين والأعراف والتعهدات، التستر والتخفي، عدم الإلتزام بالمعايير والمبادىء والأخلاق الإنسانيّه وغيرها. الذي راقب تصرفات الرئيس الأمريكي الحالي "دونالد ترامب" ومنذ حملته الإنتخابيه للرئاسه والى حد هذا اليوم، وجد أغلب هذه المعاني، إن لم يكن جميعها حاضره في سيرة ونهج هذا الرجل غريب الأطوار !. فالذي يتابع قنوات التلفاز الأجنبيه  وعلى الأخص الأمريكيه منها وكذلك الصحف والمجلات، سوف يجد وفي كل يوم خبر أو حدث صادر عن هذا الرجل يكشف فيه: مخالفه قانونيه أو دستوريه أو دبلوماسيه، فضيحه وخرق أخلاقي، إستفزاز وإهانه بألفاظ نابيه وإستهزاء موجه الى شخصيّه أو عنصر أو لون أو دين أوكيان أو دوله. وقد يسمع أيضا عن: حالة تستر على خبر أو تصرف غير مشروع وخداع فاضح وقلب حقائق، خرق أو إلغاء لمعاهدات ومواثيق دوليه، فرض أوامر أو عقوبات قهريه وغير إنسانيه ضد دول أو منظمات أو مصالح أو أفراد داخل أو خارج أمريكا، وغيرها.

هذه التصرفات غير العاديه وربما الصادمه في كثير من الأحيان، تحصل بشكل دائم ومستمر من خلال تصرفات وأفعال أو تعليمات وتوجيهات أو أحاديث وأقوال مباشره أو غير مباشره مع الصحفيين ووسائل الإعلام أو عن طريق كتابات " تويتريه". هذه الحقيقه تجعل المتابع في حيره وتساؤل: كيف يجوز أن يحكم أقوى دوله في العالم، رجل له صفات مافيويه واضحه وجليّه أمام أنظار العالم !؟.

صفات هذا الرجل وتصرفاته قهرت غالبيه الأمريكيين وخصوصا طبقات المثقفين وأنصار القانون و الديمقراطيه والإنسانيه، وقهرت كذلك بل هددت مصالح غالبية دول العالم وشعوبها، الى الحد الذي أفقدت فيه ثقة العالم وإعتباراته الخاصه لأمريكا وحكامها. بل دخلت هذه الدوله التي تتبجح بالتحضر والديمقراطيه والحريه وحقوق الإنسان وإحترام العهود والمواثيق والحضاره الإنسانيه في قائمة الدول الفاسده في العالم!  لم يعد أحد يثق بعقود وإتفاقات يعقدها مع هذا الرجل وحكومته لأنه قادر على نقضها في اليوم التالي بعد توقيعها. كما لم يعد أحد يصدق ما يقوله ترامب في محافله العلنيه، حيث بلغ عدد كذباته التي أحصتها جريدة الواشنطن بوست الى ما يزيد على 12000 كذبه منذ توليه منصب الرئاسه! لقد تبينت من خلال سياسات ترامب الغريبه حقائق وأسرار كانت خافيه ومستتره على العالم وأهمها هو أن المافيا "الترامبيه" هذه لا تنحصر بشخصيّة ترامب وحده فحسب وإنما هي إمتداد لمافيا سياسيّه مستتره  داخل الكيان السياسي الأمريكي، حيث كشف عن وجهها السيد ترامب. هذا الرجل لوحده لا يمكن أن يبقى في سدة الحكم أسبوعا واحدا لولا اللوبي الصهيوني الذي يدعمه من الخلف! هذا اللوبي الذي يمثله غالبية أعضاء مجلس الكونغرس الأمريكي من الجمهوريين والذين وقفوا ولا زالوا يقفون خلفه رغم الأخطاء والفضائح، لأنه حقق للصهيونيه مالم يحققه أحد من قبل !. الصهيونيه كانت تحكم أمريكا  خلف حجاب، لكنها اليوم وبفضل ترامب نزعت الحجاب وأسفرت عن وجهها !

هذا التوجه الصهيوني في الحكم المباشر لدول العالم وخصوصا الدول المحوريه والهامه سبقه تحضيرات دؤوبه ومدروسه حُضّر لها وخُطط . بدأت هذه التحضيرات في الشرق الأوسط لأنها منطقة القلب حيث بوشر بتنفيذ ما سموه بـ "مشروع الشرق الأوسط الكبير" والذي كان أهم بنوده هو التخلص من الحكام العرب الذين يرفعون شعارات وطنيه ويعادون الصهيونيه. من خلال يافطات الديمقراطيه التي أدخلوها، إستطاعوا أن يدمروا البنية التحتيه والفوقيه لتلك البلدان التي كان يقودها زعماء غير متواطئين مع الصهيونيه، فنشروا الخراب والحروب الأهليه وحالة عدم الإستقرار فيها. هذا الحال إستفادت منه الصهيونيه العالميه بحالتين: الأولى تدمير من كان عقبه أمامها من بلدان وزعماء والى أجل غير مسمّى والحاله الثانيه هي خلق حالة عدم إستقرار دائم في تلك البلدان، مما أدى ذلك الى هجره مليونيه تضررت منها أوربا. هذه الهجرة غيّرت مفاهيم الشعوب الغربيه فراحت مرتبكه تحت تأثير الخوف من الإسلام "الإسلامو فوبيا" الذي عززه الإرهاب من جهة، وتأثيرات الكساد الإقتصادي الملحوظ والذي بدأ منذ عام 2008م بعد إفلاس البنك الأمريكي العالمي العملاق " ليمان براذر".  حالة تخوّف الشعوب الغربيه من زحف اللاجئين لها، فتح الباب على مصراعيه أمام إنتخاب شخصيّات سياسيّه شعبويه عنصريّه أخترقتها اليد الصهيونيه فنجحت في إعتلاء سدات الحكم في بلدانها وكان دونالد ترامب أهمّها!

القاده الشعبويين والعنصريين الغربيين يتشابهون في كثير من الأحيان بصفاتهم وسيرتهم، وهذه الصفات منبعثه غالبا عن حالة خلل مرضي إجتماعي نفسي يعاني منه هؤلاء. صفة النرجسيّه وبكل أنواعها وصنوفها إبتداءا من النرجسيّه البسيطه الى النرجسيّه الخبيثه هي صفه تكاد تكون مشتركه عند هؤلاء الزعماء. حب الذات ونبذ الآخر هو الشعار المشترك بين الشعبويين وهكذا نادى ترامب ومنذ اللحظه الأولى " أمريكا أولا".

شخص بعض أطباء النفس ومنهم البروفسور الأمريكي جون غارتنر والبروفسور البريطاني ألين فرانسيس بأن ترامب مصاب بمرض " النرجسيّه الخبيثه" والتي بدت أعراضه واضحه عليه منذ البدايه. غير أن النرجسيّه الخبيثه قد تكون عارض لمرض أشمل وأكبر الا وهو الـ " السايكوباثيّه" وقد بينت الأحداث والتجارب أن عددا لا يستهان به من السياسيين الشعبويين والعنصريين مصابون بهذا المرض أيضا. السايكوباثيّه هي حالة مرض إجتماعي وراثي على الأرجح يتصف المريض به بصفات خاصه منحرفه غير طبيعيّه أهمها: حب السيطره والسلطه، قهرالأخر، غياب الضمير الإنساني، الكذب والمراوغه، السخريه والإستهزاء بالآخرين، الغطرسه وجنون العظمه، عدم الشعور بالخجل، غياب الأخلاق والعواطف الإنسانيه والمحبه الصادقه. حب الأنا والذات وتسخير كل الأدوات في تحقيق المصلحه والهدف، قوة الشخصيّه وقابلية الإقناع وكسب ود الآخرين. أكثر هذه الصفات السايكوباثيه متوفره بشخصيّة ترامب وتتوفر بزعماء شعبويين مثله جعلتهم قادرين على كسب أصوات الشرائح البسيطه في مجتمعاتهم، أمثال بنيامين نتنياهو رئيس وزراء " إسرائيل" وجايير بولسونارو رئيس البرازيل وبوريس جونسون رئيس وزراء بريطانيا وغيرهم .

التشابه القوي في صفات المافيويين والسايكوباثيين والشعبويين العنصريين تشير الى وجود علاقه جدليه بين  طبائع هؤلاء، هذه الطبائع برمتها إن توفرت في قائد ما ستكون هدفا هاما تبحث عنه الصهيونيّه لخدمة أغراضها ومصالحها، لأن أصحابها لا يترددون في عمل أي فعل منكر أو تصرف شاذ من أجل الوصول الى الهدف والمصلحة الذاتيه الخالصه. وهكذا حقق دونالد ترامب أغراضا للصهيونيه مالم يحققها شخص آخر غيره! ضاربا عرض الحائط كل المواثيق العالميه والأصول والقيم، فعلى سبيل المثال وليس الحصر، نقل السفاره الإسرائيليه من تل أبيب الى القدس دون خجل أو وجل! وهكذا بحث الصهاينه ويبحثون عن أمثال ترامب بين السياسيين من أجل دعمهم ورفعهم الى كراسي السلطه ومن ثم تمرير أجندتها عليهم.

تلخيصا لما سبق نستطيع أن نقول بأن ثالوث المافيويه والسايكوباثيه والعنصريه هو السلاح الذي تشهره الصهيونيه أمام العالم الحر اليوم منذرة بتغيّر ستراتيجي مهم في السياسات العالميه! وهكذا نستطيع أن نقول بأن الصهيونيه عرفت من أين تؤكل الكتف فحضرت الساحه للشعبويين بإعتلاء السلطه داعمة لهم في الخفاء، حتى تحققت القاعده التي تقول: إذا لم يكن العنصري أو المافيوي أو السايكوباثي صهيونيّا فلابد  للصهيوني أن يكون عنصريّا مافيويا سايكوباثيّا، حيث دونالد ترامب نموذجا !

 

د. محمد مسلم الحسيني - بروكسل

 

علجية عيشما يحدث في العراق هل هو ثورة الرغيف أم ثورة الكرامة؟ أم انتفاضة كانتفاضة أكتوبر الجزائرية؟، أم هي هبّة شعبية؟ أم هي مجرد ريح ثورية عابرة؟ فقد نجحت الشعوب العربية في تصفية الإستعمار العسكري، ولكنها فشلت في تحرير اقتصادها منه وظلت في حدود دفاعية سلبية، فالإحتكارات النفطية ما تزال تنهب ثروات هذه الشعوب وما يزال الغرب بنفوذه مسيطرا على الثروات النفطية العربية، من كان يعتقد أن الشعوب العربية يصل بها الحال أن تعيش مثل هذه الظروف، وهي التي تغنت بالوحدة العربية في الماضي، وتنقسم شيعا وقبائل، ماذا جرى؟ وماذا يحدث في العقول العربية؟ وهل سينجح الحراك الشعبي في البلاد العربية أم أن نضاله سيتحول إل قفزة نحو المجهول؟

يصر المتظاهرون في العراق على مواصلة تحركهم، إلى أن تتحقق مطالبهم في بناء وطن من مستقر، وبناء دولة لا تعتدي على شعبها كما فعلت الحكومة العراقية الحالية، نحن نتعامل بسلمية ولكنهم أطلقوا النار، هذا ما أعرب عنه شباب الحراك في العراق، فمنذ بداية الحراك بدأت تخوفات من تأزم الوضع والدخول في حالة انسداد، بعد ظهور قوات من مليشيات مختلفة لمواجهة المتظاهرين وبإيعاز من الحكومة الحالية، خاصة في بغداد، وسط مطالب برحيل النظام والمتورطين في الفساد، فبالنظر إلى حجم الخسائر فإن الأمور بدأت تنفلت لتتحول إلى ثورة مسلحة بسبب الأضرار التي أصابت اقتصاديات العراق وقادت شعبه إلى الهلاك، إذ تحول الحراك إلى معركة، أبرزت فيه الولايات المتحدة الأمريكية تدخلها عن طريق التحالف، يقول متتبعون للأحداث أن ما يحدث في العراق ليس مشكل طائفي، بل هو صراع طبقي وليد خطة استعمارية بحتة، منذ أن انعزلت العراق عن بقية البلاد العربية، ولم يكن هذا الإنعزال مؤقتا لأنه كان معاكس لمنطق التطور القومي التاريخي والتحرر الإقتصادي، عندما قامت المبادرة لإنشاء حلف اطلنطي للشرق الأوسط سمي بـ: "حلف بغداد" ومنه بدأ النفوذ الأمريكي بالتسلل إلى العراق وإبرام اتفاقية معها، حيث لعبت أمريكا دورها في الكواليس، فما يحدث في العراق الآن حرب سياسية تجاوزت الحرب الباردة التي شهدها العالم بعد الحرب العالمية الثانية، ما يجعل العراق تخشى من حركات داخلية مثلما حدث في كوريا، فكل ما يحدث من حروب وثورات وراءه أمريكا، أمريكا التي أرادت أن تكون العراق دولة اشتراكية يقودها الحزب الشيوعي، خاصة بعد إخراج العراق من حلف بغداد، وتحويل الديمقراطية الشعبية إلى حكم دكتاتوري انتهازي فردي يتنكر فيه لعروبة العراق، وإعطاء للجمهورية العراقية طابع متعدد القوميات.

ففي ثورة 14 تموز 1958 في القطر العراقي التي كانت ضد نظام الحكم الملكي وإقامة الجمهورية العراقية الكثير من العبر في قضية التحرر السياسي والإقتصادي ونسف السيطرة الإمبريالية بجميع أشكالها من الجذور، والقضاء كذلك على التجزئة، ووضع حد للصراع الطبقي على المستوى القومي، فضلا عن الخلافات التي كانت قائمة بين مصر والعراق أيام الرئيس جمال عبد الناصر واتصالاته مع تنظيم الضباط في العراق، فبغداد لم تكن يوما بعيدة أو منفصلة عن الأحداث، ولم تتوقف يوما في دعمها للبلدان الشقيقة، وكانت ترد بحزم عل نداءاتها، كما فعلت مع الأردن حينما ردت على نداء الملك حسين وأرسلت له مساعدة عراقية، كانت نتيجتها قيام الإتحاد الهاشمي بين العراق والأردن، والمتتبع يلاحظ أن التحركات لم تمتد إلى المحافظات الغربية والشمالية، خصوصاً المناطق السنية التي دمرتها الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية، وإقليم كردستان العراق الذي يتمتع بحكم ذاتي، خاصة وأن الاحتجاجات بدأت في العاصمة بغداد والجنوب الذي يغلب عليه الشيعة، ما دفع بالمحللين إلى اعتبار أن ما يقع في العراق الآن هو صراع طائفي بين السنة والشيعة، وبالرغم من أن المتظاهرين لم يستعملوا الشعارات الطائفية، إلا أن الخطوط العرقية والطائفية المتداخلة خَفِيَّة ولا يريد محبكوها أن تظهر إلى السطح، حتى لا يتدخل طرف ثالث قريب منهم وهو إيران.

والسؤال الذي وجب أن يطرح اليوم هو: ماذا بقي من حضارة البابليين؟، فالعراق اليوم الذي أنهكته الحروب، يعاني شعبه الظلم والإضطهاد، يعاني شبابه من البطالة، بسبب مظاهر الفساد، وهو الذي يملك ثروة نفطية غنية، حسب تصريح منظمة الشفافية الدولية، فهل حقيقة أن العراق يحتل اليوم المرتبة الـ: 12 في لائحة الدول الأكثر فساداً في العالم؟، تشير تقارير رسمية إلى أنه منذ سقوط نظام صدام حسين عام 2003، اختفى نحو 450 مليار دولار من الأموال العامة، أي أربعة أضعاف ميزانية الدولة، وأكثر من ضعف الناتج المحلي الإجمالي للعراق، تقارير أخرى تشير أنه منذ عامين من هزيمة تنظيم داعش، يعيش سكان البلاد الذين يقترب عددهم من 40 مليون نسمة في أوضاع متدهورة، والسؤال يلح على الطرح إذا ما كان الحراك الشعبي في العراق هو نموذج لثورة 14 تموز 1958، حاول فيها الجيش التضييق على المعارضة العراقية الممثلة في النخبة المثقفة، عن طريق القمع والإعتقالات السياسية، اجبرت النخبة إلى اللجوء خارج البلاد بسبب القبضة الأمنية للنظام في العراق والتضييق على الحريات والرأي والرأي الآخر والحوارات السياسية داخل مقاهي بغداد، التي كانت في وقت ما عامرة بالنقاشات السياسية.

أكتوبر الجزائر وأكتوبر العراق اتِّحَادٌ أم تحدِّ

من كان يعتقد أن الجزائر او العراق أو باقي الدول التي تعيش الثورات يصل بها الحال أن تعيش مثل هذه الظروف، ويتباغض أبناء الوطن الواحد بعنف لفظي وعملي، وهي (أي الشعوب) التي تغنت بالوحدة العربية في الماضي، قد انقسمت شيعا وقبائل، ماذا جرى؟ وماذا يحدث في العقول العربية؟، فما يحدث في العراق وفي هذا الشهر بالذات (أكتوبر) يعيد للجزائريين الصورة التي عاشوها قبل 31 سنة مضت (أحداث 05 أكتوبر 1988) فيما سميت بربيع الجزائر التي كانت عبارة عن إجهاض ثورة، وهي انتفاضة أنهت الأحادية الحزبية وفتحت الباب الواسع للتعددية السياسية، لكنها لم تغب عن ذاكرة الجزائريين، ففي مثل هذا اليوم عاشت الجزائر نفس الأحداث التي تعيشها العراق اليوم، خرج خلالها الجزائريون إلى الشوارع احتجاجا على واقعهم ومطالبين بإصلاحات اجتماعية وسياسية واقتصادية، وعمّت المظاهرات التراب الوطني استهدف فيها المحتجون كل ما يرمز للدولة الجزائرية من مؤسسات ومقرات حكومية وأمنية، فكان على الجيش إلا التدخل، بأمر من الرئيس الشاذلي بن جديد الذي فرض حظر التجول ليلا، اسفرت الثورة عن مقتل أزيد من 500 شخص، معظمهم لم تكن لهم علاقة بالمظاهرات، السلطة الجزائرية في عهد الشاذلي اعتبرتها مؤامرة وانقلاب على النظام، وقال عنها بوتفليقة أنه ثورة شعبية، وبالرغم من الخسائر البشرية، فالجزائر بفضل هذه الإنتفاضة الشعبية خرجت من الأحادية (الدكتاتورية) ودخلت مرحلة التعددية، فيها تنفست الصحافة الجزائرية، إلا أن هذا الربيع دخل في دوامة الفوضى، فقد ظلت السلطة وحدها مستولية على الحكم ولم تعمل بما جاء به الدستور الذي أقر التعددية وإشراك الشعب في صنع القرار وحرمته من ثمرة كفاحه، وهو الذي أدرك أن الإستقلال السياسي ليس إلا مقدمة لحل مشاكله السياسية والإقتصادية والثقافية وتحرره من التبعية، ومن بيروقراطية المكاتب أي الإدارة.

فبرنامج طرابلس كان يرى أن النمو الإقتصادي ليس مسألة توظيفات فقط، بل تطبيق الديمقراطية التشاركية من أجل التطلع إلا أفق تاريخي اقتصادي صحيح، حتى تكون التربة ملائمة لنشوء حركة الطليعة في بلد لم ينضج إيديولوجيا بعد وتكون لها صلة وثيقة بالجماهير وتعبئتها، الفارق فقط بين انتفاضة الجزائر في أكتوبر 88 وانتفاضة العراق في أكتوبر 2019 هو أن ما وقع في الجزائر لم يكن له علاقة بالطائفية، رغم أن في الجزائر تعددية مذهبية لكنها متخفية أي أنها تنشط في الخفاء ولم تكشف عن نشاطها إلا في السنوات الأخيرة قبل وقوع الحراك الشعبي، أما القاسم المشترك بين انتفاضة الشباب العراقي وانتفاضة الشباب الجزائري فهو إدراك الشباب أو الجماهير إن صح التعبير بأنهم ما يزالوا يعيشون في ركود سياسي وتبيعتهم للدولة وأن كل منجزات الثورة باءت بالفشل، بعدما سرق اللصوص ثرواتها ودمر منجزاتها، فبات من الضروري التحرك وإعادة الأمور إلى مكانها الصحيح، واستكمال التحرر الوطني، لا يمكن المقارنة بين الحراك الشعبي في الجزائر والحراك في العراق، أو في مكان آخر، لأن المطالب متشابهة بل هي المطالب نفسها، تبقى المسؤولية مشتركة والأخطاء يتحملها الطرفان فيما دار من اقتتال، لأن الخطر القادم يهدد وحدة الشعوب، ولذا فقد حان الوقت لوضع حد للنزاعات والمصالح الآنية، وإعادة النظر في الأفكار والسياسات.

 

قراءة علجية عيش بتصرف

 

 

محمد سعد عبداللطيفتعيش الشعوب العربية والإسلامية حالة من حالات سياسية (باثولوجية) من طراز الفوضوية والعدمية .مثل حالات النازية والفاشية التي ظهرت في القرن العشرين، والآن يظهر اللاهوت السیاسي الجدید۔۔

ونتيجة الجهل، الفقر والقهر تنتشر رسالة الشعبويون للتمسح بالشعب، واطلاق اسمة من باب البركة.

عندما يتم تقديس الفوضوية وتحويل الجهل والأمثال الشعبية إلي برامج سياسية، والنعرات الثورية الجوفاء إلي أوهام للشعب ..الشعبوية أهل ثرثرة .وهم يستحلون بمفاهيمهم وحدة الشعوب التي لا تنقسم ولكن تظهر في رؤوس المثقفين. ففی الماضي القریب۔۔ كان شعبويو الأمس رافعي راية الثورة الاجتماعية وشعار لا للرأسمالية والأرجوازية تحولت بهم السبل إلي من قضي نحبه السياسي ومنهم من ينتظر، ومنهم من بدل وتنقل حسب التغيرات السياسية وراء الكراسي.

وهناك فصيل اخر من يلبسون مركبات سياسية من لباس الاسلام، يرددون ما فعل أسلافهم اليساريون من كيل المديح للشعب والظن بسلامة نظرتة ويسر هدايتة من غزوة الصناديق إلي جمعة قندهار.

التحريض والتجييش ليغيروا بذلك انتاج مأزق السياسة نفسه حقاً مسكين هذا الشعب .

كان الله في عون هذا الشعب، مع هذا الحب القاتل .من الشعبوية السياسية.

 مثلت اللحظة التأسيسية لمرحلة ما بعد الاخوان المسلمين وتكوين تحالفات 30 يونيو صيغة شمولية لعلاقة الدولة بالمواطنين، متبنية خطابًا سلطويًا تحتكر فيه السلطة التمثيل السياسى والمجتمعى الوحيد للمواطنين، واستخدمت في ذلك شعارات ومعاني مرتبطة بالخيال الجمعي، وعلى رأسها شعارات الإنقاذ من الحرب الإهلية، والتخلي عن الوصاية الأجنبية، والحرب على الإرهاب. وقد مهدت هذه اللحظة لنظام يضع السياسات الأمنية والعسكرية على رأس أولويات السلطة الحاكمة، ويروج لخطاب الإجماع والاصطفاف الوطني وتخوين أي معارض ينشق عن هذا الشعار. وتقید حریة الرآي الأخر وأغلاق المجال العام وسیاسة التخوین۔ لذلك کان ظهور بضع فیدیوهات شعبویة من مقاول فنان ۔۔حدث ارتباك فی المشهد السیاسي ۔وفی غیاب معارضة وطنیة وأحزاب لها نشاط فی الشارع ۔ تکون البدیل المتجدد فی حالة انتقال السلطة وعدم وجود زعامة وکریزما تقود العمل السیاسي یکون البدیل ۔هی السلطة الحالیة خوفا من الانفلات الأمني ۔۔لذلك  فشلت القوي الثوریةوالمدنیة فی تآسس نظام مدنی قاٸم علی التعددیة والمواطنة ۔وحقوق الأنسان وعجزت کل القوي عن مطالب الجماهیر، فصدر قرار بإنشاء وزارة العدالة الانتقالیة وزیر بلا وزارة للإستخفاف بالعقول والأکتفاء بشعارات عیش، حریة، وعدالة اجتماعیة۔۔

اثناء الثورة عام 2011م عجزت عن تكوين تنظيمات سياسية قوية، واستبدلت روح المبادرة بردود الأفعال، مما جعلهم مجرد أداة فى المباراة الصفرية ما بين الحركات الإسلامية والمؤسسة العسكرية متمثلة فى كيان الدولة. وفى لحظة 30 يونيو تحديدًا، لجأت القوى المدنية (جبهة الإنقاذ) إلى تحكيم المؤسسة العسكرية والتحالف مع الدولة العميقة، من أجل حسم المعركة لصالحها، فى محاولة منهم لإستعادة الدولة من جماعة (الإخوان المسلمين) وليس من أجل إصلاح النظام السياسى، فلم تختر أغلبية القوى المدنية أو لم تكن هناك فرصة لإختيار مسار سياسى ملائم للإصلاح كالانتخابات المبكرة أو الاستفتاء على وجود السلطة الحاكمة. ۔۔

تزامنت هذه التحركات مع صعود فكر شعبوي وسلطوى عالمى، فى الولايات المتحدة الإمريكية ودول الاتحاد الأوروبي؛ مما أعطى فرصة لتقوية موقف السلطة المصرية فى مرحلة ما بعد الإخوان. فلم يكن يتصور أن يكون موقف السلطة الحالية بهذه القوة لولا سياق النظام الدولى الذى ساعدها على الاستمرار، فصعود ترامب لرئاسة البيت الأبيض كان فرصة جوهرية لجميع النظم التى لا تؤمن بالديمقراطية وبحقوق الإنسان، بإعتبار أن ترامب يرى أن مثل هذه القيم ليست على رأس أولوياته، وذلك على عكس سياسات بوش وأوباما، الذين رأوا أن التحول الديمقراطى لابد أن يكون على رأس أجندة المجتمع الدولى، وأتخذوا خطوات جادة لتحقيق ذلك.

 رفض (أوباما) كافة الترتيبيات التى حدثت بعد 3 يوليو 2013، وأوقف شحنات السلاح المتفق عليها مسبقًا مع السلطات المصرية، كما عطل المعونة العسكرية السنوية للقوات المسلحة المصرية، فى محاولة منه لفرض عقوبات على النظام السياسى وتقويضه دوليًا. وهذا ما تراجعت عنه كليًا الادارة الجديدة فى (عهد ترامب.) وبالتوازي مع ذلك، تحفظت العديد من الحكومات الأوروبية على خارطة الطريق التى أعلنت فى بيان 3 يوليو 2013، والأحداث الدامية التى تلته، إلا انها وضعت الأولوية لتحقيق الاستقرار الأمني والعسكري فى البلاد، خاصة فى ظل العمليات الإرهابية التى شهدتها مصر وبعض دول المنطقة والعالم، بالإضافة إلى وجود أدراك عام بأن التجربة السياسية بعد وصول جماعة الاخوان المسلمين إلى الحكم فى مصر، أثبتت أن التيار الإسلامى غير قابل للدمج في إطار نظام سياسي ديمقراطي. وأنة قاٸم علی جماعة فقط ۔۔

استخدمت السلطة وأجهزتها الإعلامية خطابا ترهيبيا، معتمدة فيه على المقارنة بالأوضاع فى سوريا والیمن والعراق وليبيا، الامر الذي كان له الأثر الكبير على قطاعات واسعة من المجتمع المصرى بقبول الوضع الراهن،

لم تكن الدولة المصرية بمعزل عن الموجة الشعبوية، التى يشهدها العالم مؤخرًا، ورغم أن الشعبوية كسلوك فى الحكم ومنطوق الخطاب له سمات معينة فى الدول الغربية وفقًا للسياق التى ظهرت فيه، مثل وجود أطروحة العدو الخارجي والصراع الوجودى بين أهل الخير وأهل الشر، وغياب البرامج المحددة، وسيادة الخطاب العاطفي بدل العقلاني، والادعاء الدائم بأن الحكم للشعب، والترويج للزعيم المنقذ، وكراهية النظم والنخب التقليدية؛ إلا أن الشعبوية الجديدة فى مصر لها ملامح مختلفة تبعًا للسياق الذي ظهرت فيه

في حين اهتمت الحكومات الرأسمالية بإعلاء قيم الليبرالية الاقتصادية وحرية التجارة والعولمة وحقوق المهاجرين والانسان بشكل عام، ظهرت في المجتمعات الغربية حركات شعبوية احتجاجًا على هذه السياسات التي أدت إلى تفاقم المشكلات ونجاح الیمین المتطرف فی الأنتخابات فی بعض البلدان الأوروبیة ۔۔وکان فوز ترامب مرحلة جدیدة من ظهور شعبویة تسود الان العالم ۔۔۔

 

محمد سعد عبد اللطیف

باحث فی الجغرافیا السیاسیة

رٸیس القسم السیاسي نیوز العربیة

 

عامر صالحعمت اغلب محافظات الوسط والجنوب العراقية احتجاجات سلمية عارمة انطلقت بتاريخ 2019ـ10ـ01 مطالبة بتحسين الأوضاع المعيشية العامة عبر التغير الجذري للنظام، استخدم فيها العنف المفرط وغير المبرر من قبل الأجهزة الأمنية، مما ادى الى عشرات من الشهداء وجرحى تجاوزت اعدادهم الألف جريح، ولازالت الأحتجاجات مستمرة حتى هذه اللحظات، ومما يميزها هذه المرة أنها خرجت عن الأطر الحزبية والتكتيكات السياسية للقوى المساهمة في العملية السياسية وتتمتع بزخم جماهيري ومؤازرة من الداخل والخارج. 

لم تكن الأنتفاضة عملا عبثيا او نزهة استعراضية أريد بها أراقة دماء الشباب، بل هي تراكم كمي لمجمل أزمة نطام الحكم المحصصاتي الطائفي والأثني السيئ الذي لم يعمل شيئ ايجابي خلال عقد ونصف من الزمن، بل انه نظام منتج للأزمات واعادة تدوريها انطلاقا من طبيعته المافوية والمؤسسة اصلا على الأستئثار بالسلطة وتقاسمها والمبني على اساس المحاصصة المذهبية السياسية والعرقية المتخلفة التي تشتغل على اضعاف وتفكيك الوطن والمواطنة والأكتفاء في التمترس في الأطر الجغروطائفية والاثنية في فهم مريض منها ان ذلك يكفي لنيل الحقوق والاستئثار بالثروات الوطنية والافساد فيها. أن هذه الأنتفاضة  هي تجسيد حي وانعكاس لأزمة الحكم الخانقة والتي لم توفر الحد الأدنى الانساني من الحقوق المشروعة والتي عكستها الحاجة الى الماء والكهرباء والصحة والتعليم الصالح وعدم ايجاد فرص عمل لحملة الشهادات الجامعية والعليا وغيرها من مسلمات ومطالب العيش المعاصر والكريم.

أن تجربة عقد ونصف من الزمن في الاخفاق المزمن للمطاليب العادلة للمنتفضين تعكس بشكل واضح انها ازمة نظام متآكل وليست أزمة تلبية خدمات عامة كان يفترض على النظام تلبيتها في السنوات الأولى من الحكم، أنها أزمة فساد نظام الحكم المتهرئ الذي لا يمتلك أي شرعية للبقاء، وأن شعارات اهلنا في المحافظات التي اندلعت فيها والمطالبة بالحقوق الأساسية ما هي إلا مدخل للمطالبة بتغير النظام المحصصاتي، واهلنا هناك يعرفون تماما فلا كهرباء تأتي ولا ماء صافي سيشرب في ظل نظام معوق وكسيح لا يستطيع تقديم الحد الادنى من مسلمات الحاجات الانسانية، في ظل نظام فاسد لا يتورع عن سرقة لقمة العيش.

 أن نظام المحاصصة عرقل خلال عقد ونصف من الزمن جهود أي تنمية اقتصادية واجتماعية شاملة تقوم على منجزات العلوم الاقتصادية والاجتماعية ومنجزات التقدم التقني والتكنولوجي، وذلك من خلال إسناد المواقع الحساسة والمفصلية في الاقتصاد والدولة إلى رموز تنتمي طائفيا أو عرقيا ولا تنتمي إلى الكفاءات الوطنية أو التكنوقراط ولا تستند إلى انتقاء المواهب والقابليات الخاصة لإدارة الاقتصاد،بل حصرها بأفراد الطائفة أو إلى توافق من هذا النوع بين هذه الطائفة أو تلك، أن هذه السياسة لا تؤسس إلى تنمية شاملة ،بل تؤسس إلى " إفساد للتنمية "، وقد عززت هذه السياسات من استفحال الفساد بمختلف مظاهره من سرقات وهدر للمال العام ومحسوبية ومنسوبيه وحتى الفساد الأخلاقي بواجهات دينية مزيفة لا صلة لها بالدين الحنيف، والأسوأ من ذلك حصر الامتيازات في دعاة كبار رجال الطائفة أو الحزب أو العرق وترك السواد الأعظم في فقر مدقع، أن أدعاء الطائفية والعرقية لتحقيق العدالة الاجتماعية هو ادعاء باطل، وان الفقر وعدم الاستقرار والقلق على المستقبل يلف الجميع باختلاف دينه ومذهبه وطائفته وعرقه.

أن منظمة هيومن رايتس ووتش والمعنية بحقوق الأنسان تعرض جزء من مأساة الشعب العراقي خلال الأربعة عشر عاما الماضية، والتي من خلالها على الأقل لايمكن القبول بالعملية السياسية وبأحزابها الفاسدة التي اسهمت بتبديد الثروات الطبيعيةة منها والبشرية، وتؤكد المنظمة: أن هناك ثلاثة ملايين وأربعمائة ألف مهجر موزعون على أربع وستين دولة. أربعة ملايين ومائة ألف نازح داخل العراق. مليون وسبعمائة ألف يعيشون في مخيمات مختلفة. خمسة ملايين وستمائة ألف يتيم" تتراوح اعمارهم ما بين شهر و17 عام ". مليونا أرملة" اعمارهن ما بين 15 و25 عاما". ستة ملايين عراقي لا يجيدون القراءة والكتابة" تتصدرهم البصرة وبغداد والنجف وواسط والأنبار ".بلغت نسبة البطالة 31%" الأنبار والمثنى وديالى وبابل في الصدارة تليها بغداد وكربلاء ونينوى". 35% من العراقيين تحت خط الفقر" اقل من خمسة دولارات". 6% معدل تعاطي الحشيش والمواد المخدرة" بغداد في الصدارة تليها البصرة والنجف وديالى وبابل وواسط". 9% نسبة عمالة الأطفال دون 15 عاما. انتشار 39 مرضا ووباء، أبرزها الكوليرا وشلل الأطفال والكبد الفيروسي وارتفاع نسبة الأصابة بالسرطان والتشوهات الخلقية. توقف 13 ألف و328 معملا ومصنعا ومؤسسة انتاجية.  تراجع مساحة الأراضي المزروعة من 48 مليون دونم الى 12 مليون دونم. استيراد. استيراد 75% من المواد الغذائية و 91% من المواد الأخرى. التعليم الأساسي في أسوأ حالاته: 14 ألف و658 مدرسة، تسعة آلاف منها متضررة، و800 طينية، والحاجة الى 11 ألف مدرسة جديدة. الديون العراقية 124 مليار دولار من 29 دولة. واردات النفط للفترة 2003ـ2014 بلغت ألف مليار دولار، لم تسهم هذه الاموال الطائلة في حل مشكلات الحياة الاساسية، بل ذهب معظمها في عمليات الفساد ونهب المال العام.

أما على المستوى السايكولوجي فأن سياسات الإقصاء والتهميش والمحاصصات وما يرافقها من تدهور مستمر لحياة المواطنين قادرة على حرف حالات المساهمة السياسية من أجل تثبيت النظام" الديمقراطي" إلى حالات عداء سياسي للنظام وأركانه، باعتباره يجسد حالة الاغتراب السياسي بينه وبين المواطن، وهي نتاج طبيعي لحالة عدم الثقة والشك في القيادات السياسية ونواياها، متزامنا ذلك مع اتساع وتعمق دائرة الفئات الاجتماعية المهمشة والتي تقدر بالملايين جراء ظروف العراق التاريخية والحالية، ومن شأن ذلك أن يخلق ما يسمى " بالفجوات النفسية المدمرة"، حيث تنشأ هذه الفجوات على خلفية الشعور بالإحباط الناتج من التدهور المستديم لظروف العيش الحر والآمن، وهي شروط مواتية ولازمة لخلق وإعادة توليد سلوك العنف والعدوان باعتباره نتيجة للشعور الشديد بالإحباط، وعلى خلفية اتساع الهوة بين النظام والشعب وتعزيز حالة عدم الاكتراث تجري الاستفادة الكاملة من قبل المجاميع السياسية وفلول الإجرام والمرتزقة الغير مؤمنة أصلا بالديمقراطية السياسية للتمترس في النظام السياسي والتأثير على قراراته السياسية، وعلى عدم تغييره،مستغلة الفساد والعبث بالمال العام وسرقته كوسائل سهلة في الإغراء والتمويل وشراء الذمم.

وتعكس انتفاضة اكتوبر العراقية الحالة المتقدمة والأيجابية للتعبير عن حالة الأغتراب بين النظام السياسي والشعب من حيث مطالبها العادلة واساليبها النضالية المتقدمة ودعواها الواضحة في تغيير الأوضاع القائمة عبر فهم الأسباب، والتي تكمن في أسس نظام المحاصصة الطائفية السياسية والأثنية المنتج لعدم الاستقرار والعاجز عن معالجة الأزمات، وأن الدعوى لتغير أسس النظام وبنيته المؤسساتية هي دعوى لتثبيت الديمقراطية بأطرها المعاصرة وفسح المجال للقوى المؤمنة حقا بالديمقراطية والتدوال السلمي للسلطة والخلاص النهائي من افرازات ما أتى به الاحتلال الامريكي بعد سقوط الديكتاتورية.

أن انتفاضة اكتوبر 2019 الحالية هي انتفاضة تغير النظام بعد كل هذه المعاناة وبعد كل هذا التراكم الكمي من الأزمات في ظل نظام عاجز عن الايفاء بمطالب العيش الكريم ولا يمكن للمرء ان يلدغ من جحر مرتين، ولكي تفضي الانتفاضة الى مرتجاها يجب الانتقال من القيادات المناطقية والتجمعات المتفرقة المتباعدة الى القيادة المدنية التنويرية حفاظا على الاىنتفاضة من المنعطفات الصعبة والتي قد تقوم بها السلطة المحصصاتية في شراء الذمم وترويض بعض القيادات غير المتمرسة لأختراق الانتفاضة واسكاتها، كما أن الاحزاب ذات الصبغة المدنية مطالبة اليوم بالتضامن والتكاتف الواضح مع المنتفضين، فتلك هي لحظات حرجة في حياة شعبنا ومختبر للمواقف بعيدا عن ضيق الأفق أو بانتظار صفقات سياسية سيئة لأحتواء الانتفاضة حفاظا على مصالح انانية ضيقة في طريقها الى الزوال السريع. المجد والخلود لشهداء الأنتفاضة الأبطال والنصر المؤزر لشعبنا المناضل في انتزاع حقوقه المشروعة في بناء حياة حرة كريمة نليق بأنسانيته عبر الخلاص الكامل من نظام المحاصصة وبناء دولة المواطنة الحرة الكريمة.

 

د.عامر صالح

 

ميثم الجنابيإن للاحتجاج مستوياته وأساليبه وغاياته المتنوعة والمختلفة، كما إن لمستوياته أقدارها الخاصة في حالاته الفردية والجماعية والوطنية والقومية. لكن المشترك فيها جميعا هو حالة الغضب والعمل من أجل شيئ ما لم يعد الفرد والجماعة والشعب والأمة تحمله. بمعنى تلافي الوقوع في حالة الجزع والانكماش على النفس صوب الخارج. وسيان بالنسبة له ما إذا كان ذلك إنسانا أو مؤسسة أو سلطة أو دولة وغير ذلك.

وهي حالة يمكن رؤية ملامحها الظاهرية فيما نراه من حالات وصور متنوعة للاحتجاج وشعاراته في المظاهرات الأخيرة والجارية لحد الآن في مناطق الوسط والجنوب العراقي، أي في موطن العراق الأصلي والحقيقي. بينما لا نرى صداه ولا حتى في اخف الوانه في الغرب والشمال. وهذه حالة اخرى لها مقدماتها وغاياتها الخاصة. إذ في كليهما يتميز الوعي الاجتماعي السياسي في الضعف والسطحية، مع ضعف او انعدام للروح الوطنية العراقية. وهنا ايضا لك منهما اسبابه ومقدماته التي لا مجال الان لتناولها.

إن الشيء الجوهري الذي يستحق الاهتمام هو رؤية مقدمات وآفاق الحركة الاحتجاجية في الوسط والجنوب. إذ عليها فقط تتوقف آفاق ما يسمى بالعملية السياسية، أو المستقبل السياسي والاجتماعي والوطني للدولة العراقية. لاسيما وأن للاحتجاج فيهما، كما هو الحال بالنسبة لكل احتجاج اجتماعي سياسي كبير، مراحل مساره السياسي والتاريخي. والمقصود بالمسار السياسي هو تراكم الاحتجاج وشحناته التي تتولد منها مختلف مظاهره وأساليبه وغاياته. أما مسار التاريخي فهو تجاوز حالته المتكررة ووقوفها من حيث بدأت، بمعنى إن المسار التاريخي للاحتجاج هو ذاك الذي لم يعد مجرد تسلسل للزمن بل هو تراكم الوعي الاجتماعي.

ففي تاريخ العراق الحديث يمكن رؤية ملامح المراحل السياسية في انتفاضة العشرين وما سبقها من احتجاجات كبيرة، وفي كمية الاحتجاجات التي سبقت وثبة كانون عام 1948، ثم تراكم الاحتجاج وتفجره في انتفاضة 1952، وأخيرا استمرار الاحتجاج وتراكمه حتى تفجر في انقلاب الرابع عشر من تموز عام 1958. ويمكن ملاحظة هذه الظاهرة التي اشبه ما تكون بقانون تاريخي سياسي صارم في كل تاريخ التمرد والانتفاضات والثورات الكبرى. بمعنى بلوغه الحالة التي ينبغي لها تصحيح المسار التاريخي السياسي للمجتمع والدولة. وإذا كان انقلاب الثامن من شباط الدموي لعام 1963 قد عرقل وشوه هذا المسار الطبيعي السياسي للفكرة الاجتماعية والوطنية، فإنه أدى بالضرورة التي تراكم شحنة الاحتجاج التي وجدت تعبيرها العنيف، بسبب عنف السلطة وإرهابها الشامل، في أول فرصة مناسبة، كما نرى نموذجها الكلاسيكي في الانتفاضة الشعبانية. وإذا كان قمعها الدموي الشامل قد اصاب المجتمع بقنوط ويأس شامل، فإن هذه الصيغة قد أدت إلى أسلوب احتجاجي نخر الدولة من الداخل بسبب انهيار النفسية الاجتماعية والفكرة الوطنية والوجدان الاجتماعي العراقي. من هنا انهيار الدولة كاملة وليس فقط نظامها السياسي في أول معركة جدية مع الغزو الخارجي. فقد تهشمت الدولة كما لو انها بناء خرب منخور لم يصمد أمام أول صدمة. لقد كانت دولة بلا شعب. أما القوات العسكرية فقد كانت هي الأخرى مجرد قوى خائرة بلا روح مقاتل ومجاهد، بسبب استهلاكها في مواجهة تخريبية مع النفس (الشعب والوطن والدولة). لقد تحلل العراق من الداخل في مجرى عقود قليلة، لهذا أصبح فريسة سهلة للغزو الأمريكي، وذلك لأن العراق كان من حيث الحقيقة والواقع مجرد هشيم ورماد.

لقد أدى القضاء على الدكتاتورية الصدامية إلى انتقال فج واصطناعي للديمقراطية السياسية وملامحها الظاهرية وبعض أساليبها ووسائلها بل وحتى قوانينها ودستورها. غير أنها ديمقراطية تفتقد لأسسها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية بشكل عام والسياسية بشكل خاص. فقد كانت الطبقة السياسية التي جاءت إلى الحكم بأثر الغزو والاحتلال هي هي نفسها الحالية. بمعنى انها كانت تفتقد منذ البداية للروح الاجتماعي والوطني والوجدان الحر. كما إن لكل منها تاريخه الخاص وأيديولوجيته السياسية والعقائدية ومصالحه المختلفة. والمشترك الوحيد بينها آنذاك، أي ما قبل الاطاحة بالدكتاتورية، هو الاطاحة بها فقط. وما عدا ذلك اختلافات جوهرية وتناقضات كبرى عصية على الحل.

لقد أدت هذه الحالة إلى ابتداء مسار جديد للفكرة السياسية وتشكل الأحزاب ونفسيتها وذهنيتها وتوجهها الخاص والعام. وبالمقابل اخذ يظهر المسار السياسي الجديد للمجتمع. وهي مسارات كان من الصعب توليفها في وحدة مقبولة ومعقولة للجميع (العراقي). فقد كان المجتمع مفككا ومنهارا وهلامي الشكل والمضمون، أقرب ما يكون إلى مجموعة من الحثالة الاجتماعية ورماد فكري ثقافي، وهموم تختلط فيها الأشياء كلها بصورة عشوائية. وبالتالي، فإنه كان بحاجة إلى فرز وتصفيف وتوجيه. والقوة الوحيدة القادر آنذاك على القيام بهذه المهمة هي الأحزاب السياسية. وبما أن اغلها آت من الخارج بسبب انعدام الحياة السياسية والشرعية في مرحلة الدكتاتورية، فإن من الصعب توقع فهمها الدقيق والواضح لفكرة الديمقراطية ومناهجها. إضافة لذلك أنها كانت جميعها تفتقد لأبسط أنواع الرؤية الاستراتيجية في بناء المجتمع الديمقراطي والدولة المدنية والنظام السياسي الشرعي. فقد كانت أحزاب الخارج هشة بالضرورة، كما أن احزاب الداخل المتشكلة بصورة عشوائية رثة بالضرورة. والاستثناء النسبي للأحزاب الكردية. غير أنها كانت تتسم بالكساح الوطني والاجتماعي والديمقراطي. وهي أقرب ما تكون إلى أحزاب العائلة والقبيلة مع هيمنة مطلقة لنفسية وذهنية العصابة. والمشترك الجوهري بينها هو الاستعداد للبيع والشراء مقابل أي فعل.

لكن التحول الذي احدثه الغزو والاحتلال والحكم الامريكي المباشر هو تنظيم التفرقة والانعزالية والتقوقع من خلال نظام الحكم الجديد (المؤقت). وقد كان ذلك نظاما مؤقتا في كل شيئ بحيث صنع ما ادعوه بالعابرين الجدد. وقد كان يكمن هنا مربط الفرس الخنوع، والاستعداد للخيانة بكافة أنواعها ومستوياتها وأشكالها. وهنا كانت تكمن الخطورة الأولية. دستور مؤقت تحت الاحتلال جرى رفعه الى دستور الاحتلال الثابت! ومع ذلك كانت هذه العملية طبيعية آنذاك من حيث مقوماتها ومقدماتها ولكنها ليست طبيعية بمعايير البدائل الوطنية والدولة العصرية. من هنا ظهور مفاهيم المكونات والمحاصصة والشراكة والتوافق وكثير غيرها. وفيها كان يكمن وقود الاحتراب الداخلي للانعزالية الكردية والتحمس للسرقة والابتزاز باسم المكون المغبون، والشيعة باسم المكون المظلوم، والسنّة باسم المكون المنبوذ. الأمر الذي دفع الجميع صوب منافسة غير عقلانية ومخربة للعناصر والمبادئ الجوهرية للدولة الحديثة والمجتمع المدني والوطنية الدستورية. ومن هنا أيضا حروب الابتزاز الهائلة. فهموم الاكراد سرقة الأرض والمال وكل شيئ بسبب ضعف المركز وحالة التخبط والتفرقة والاحتلال. ولم يكن هذا بدوره معزولا عن كونه شعب دخيل يربد أرضا "مستقرة" و"قومية". بينما لا أرض كردية في العراق بل أكراد فقط. وأهل السنّة محكومون بهوس فقدان السلطة. من هنا تحلل الفكرة الوطنية والقومية العربية والاستعداد للخضوع الى خطط القوى الخارجية مثل السعودية ودول الخليج، حيث تحولوا إلى مرجعية "عربية سنيّة" لا محل فيها للعراق. مع إن كل حروب العراق في العصر الحديث مع الجزيرة كانت من جانب "السلطة السنيّة" في العراق. بينما انهمك الشيعة في الاستحواذ على السلطة ومراكزها الأساسية (الجيش والشرطة والقوى الأمنية والمال). والنتيجة تفكك وتحلل الكلّ.

ومع ذلك كان يجري في هذه العملية المتناقضة ويرافقها محاولات (بائسة) لبناء الأسس والأرضية القانونية للدولة الشرعية. غير أن الخلل الذاتي في النظام السياسي جعل من نفسية وذهنية الاستحواذ على السلطة والأرض وما شابه ذلك هي السائدة. من هنا هيمنة وتغلغل الرشوة والابتزاز في كل مفاصل الدولة. كل ذلك جعل من السلطة الوحيدة الفعلية والفاعلة في ظل هذا النظام السياسي الكسيح هو الرشوة والفساد. لقد ادخلت هذه الحالة الأحزاب السياسية والمجتمع لحد ما في هذا الصراع المحموم مما افقد الجميع من كل حس اجتماعي وحكومي ووطني. وبأثر ذلك اخذ الجميع يفقد كل ملامح الحس الأخلاقي والوجداني والضمير الاجتماعي. وأصبحت المنافسة في محاربة هذه الظواهر المخربة من جانب الأحزاب بطاقة الدخول إلى مزاد السرقة. وتحول البرلمان والسلطة التنفيذية ولحد ما القضائية إلى محلات للمقامرة والمغامرة بالثروة الوطنية ومن ثم بالمستقبل. وبأثر ذلك لم يعد للدعوات الأخلاقية من قيمة وأثر وفاعلية. وعموما إنها لم تفعل في يوم ما من الأيام فعلا محسوسا، خصوصا في زمن الانحطاط الشامل كما هو الحال في ظروف العراق الحالية. فالساسة أصبحوا جميعا كما تقول العبارة العراقية ممن "غسل وجهه بالبول". وأصبحوا بالفعل اشبه ما يكونوا بأكياس خراء. فقد كانت همومهم الأساسية هو البحث عن كل ما يدخل فيهم، مما أصبح قدرهم على قدر ما يخرج منهم. وأصبح هذا لهوهم المحبوب!

كما أن المؤسسات الدينية من مرجعيات شيعية وشيوخ سنيّة أخذت بالتسوس. وتحولت هذه المراكز الروحية والأخلاقية إلى مراكز لا روح فيها ولا أخلاق غير المشاركة في هذه الوليمة. وكل عزائهم تحولت إلى عزيمة بالمعنى العراقي، أي إلى وليمة الأكل والمال والجاه. والمأثرة الوحيدة لها هو يوم الافتاء في مقاتلة داعش. ولم يكن هذا بدوره معزولا عن تخوفها من التعرض إلى هلاك شامل في حال سقوط بغداد. والفضل في كل ذلك كان لإيران وحزب الله (اللبناني) والحماس الشعبي الهائل بتطوع الملايين من اهل الجنوب والوسط للدفاع عن الوطن. بينما جرى تطويع الحماس على الاقل في الشعارات ومن ثم في الواقع لمصالح نفس القوى التي أدت إلى ذلك. من هنا كان الشعار هو "الدفاع عن المقدسات" في ظل واقع لا قدسية فيه على الاطلاق لكل شيئ باستثناء المال والجاه والرشوة والسرقة، بما في ذلك من جانب اغلب المرجعيات و"المؤسسات" الدينية. الامر الذي يجعل من الممكن القول، على سبيل المقارنة والممشابهة، بأن المرجعيات الشيعية والأحزاب الشيعية وشخصيات "العائلة المقدسة" هم أحفاد الشخصيات والنماذج التي خانت الإمام علي ولاحقا الحسين. إنهم حولوا شخصية الحسين إلى صناديق الحصول على التبرعات بينما يصرخون ويبكون الجميع في عاشوراء والأربعينية مع كل بداية لخطبهم بعبارة "لو كنا معكم لنفوز فوزا عظيما". والآن هم ليسوا معهم بل وكل شيئ في أيديهم: السلطة والقوة والمال والدعاية والإعلام وكثير غيرها. فأين هو "الفوز العظيم"؟ اللهم إلا أن يعتبروا الاستحواذ والسرقة والغش والخداع والنهب والسلب هو عين الفوز. وهو كذلك. إذ لا دليل غيره!

لقد كشفت هذه الحالة وبرهنت بصورة تامة على أن الفساد المستشري والآخذ في الاستحواذ الشامل والتام عل كل شيئ وفي كل شيئ هو رديف الإرهاب. ومن ثم أصبح كل منها مساعدا للآخر ورديفا له. وهي قضية لم ترتق بعد إلى جعلها كلاهما من نفس الجريمة وعقابها. إلا أن المجتمع الذي جرى دفعه بصورة حثيثة صوب الافلاس شبه الشامل بمعايير التنمية الفعلية للاقتصاد والعلم والتكنولوجيا والصناعة والزراعة والتربية والتعليم والصحة وغيرها من المرافق الحيوية الأساسية والبنية التحتية للتطور المستديم، قد أدى في نهاية المطاف إلى ما نرى ملامحه الأولية في تحول الاحتجاج المتراكم إلى غليان ثم تمرد. ولا شك في انه سيتحول إلى عصيان عام وانتفاضة قابلة لمختلف أشكال الثورة (الراديكالية والعنيفة والإصلاحية).

وعندما نقرأ ونتأمل ردود الفعل الرسمية والحزبية والحكومية على ظاهرة الاحتجاج والتمرد الأولي فإننا نرى فيها الإدراك المشوه والمقلوب للأسباب والحقائق، مع انعدام فعلي للإصلاح والبدائل. فرئيس الوزراء يقول، بأن التظاهر حق مكفول بالدستور، وانه لا يفرق بين المواطن والقوات العسكرية، وأن اولويات الحكومة هي الإصلاح. ومهمتها وضع الحلول الجذرية للمشاكل المتراكمة لعقود من الزمن. وأن هناك قوى مخربة في المظاهرات. ورئيس الجمهورية يدعو للتحلي بالحذر والحفاظ على الأمن العام، وأن ابناء شعبنا يتطلعون إلى الإصلاح! ومقتدى الصدر يدعو الرئاسات الثلاثة بفتح تحقيق عادل بما حدث. والمالكي يعتبر ما جرى أمر مؤسف لا يصب في مصلحة الجميع. ويدعو إلى ضبط النفس والاحتكام إلى القانون، وضرورة تجنب الاصطدام مع القوات المسلحة. والخزعلي يقول، بأن سقوط ضحايا يشير إلى وجود أياد خبيثة. ومن ثم يدعو للتحلي بالصبر والحيطة والحذر. والحزب الشيوعي ينطلق من الدستور وكفالته لحق التظاهر السلمي. ويشير إلى أن هناك من يشترك في المظاهرات ممن هو "غير واضح الهوية". وهناك من يروج لاستعمال العنف. بينما المهمة تقوم في إجراء تحقيق عادل لما جرى، ويختتم دعوته بالدعوة للإصلاح الشامل. واتحاد الأدباء يدعو للحوار، والحفاظ على مكاسب الديمقراطية، والعمل بالسياق الديمقراطي والسلمي من اجل تلافي تقديم صورة مشوهة عن العراق ونظامه السياسي. ومن ثم الدعوة إلى تغليب العقل والحوار.

إننا نقف أمام قوى باردة تعلمت وأتقنت لغة البلاستيك الرخيص "للعقلانية" و"الديمقراطية" و"الدستورية" وما شابه ذلك، دون أن تغفل جميعا وجود "قوى بلا هوية" و"متسللة" و"مخربة" وما شابه ذلك. وهي عبارات تذكرنا بما كان يقوله النظام الدكتاتوري عن أي فرد وجماعة وحزب تحتج أو تعصي أوامره. بحيث نراه يأخذ آخر حياته بوصم أهل الوسط والجنوب بأثر الانتفاضة الشعبانية بالغوغاء والغدر والخيانة. ولولا خجل تكرارها لكان بالإمكان سماعها الآن من افواه هذه القوى الداعية للإصلاح! باختصار، إننا نقف أمام أسلوب التسويف والمماطلة والكذب والدجل من اجل إبقاء الحالة على ما هي عليه. والسبب هنا ليس فقط في أنهم لا يرغبون بالإصلاح، بل لأنهم ليسوا قادرين بالفعل على تحقيقه.

غير أن النتيجة الجلية لهذه الحالة تقوم في كشفها عن وجود هوة هائلة بين النخبة السياسية الحاكمة والشعب. وإنها تستعيد نفس تقاليد النظام الصدامي. بل نرى مقالات مدبجة عن التدخل الامريكي وما شابه ذلك. بينما أمريكا هي التي أتت بهم إلى الحكم!

إن موجات الاحتجاج التي تلازم حياة ووجود مناطق الوسط والجنوب تعبير عن صوت العراق الحقيقي. فهل هي يا ترى محافظات الغدر والخيانة أيضا؟ وأهل السنّة بلا مشاركة. والأكراد أيضا. كلاهما ينتظران من يفوز لكلي يجري تملقه. الأمر الذي يشير أنها مناطق بالمعنى الاجتماعي والسياسي لا يمكن الاعتماد عليها بهذا الصدد. بمعنى انهما كلاهما من حيث الواقع قوى معادية لفكرة الدولة الحديثة والمستقبلية. انهم مازالوا في اسفل سلّم المواقف من إشكاليات الدولة والوطنية والحياة القانونية المحكومة بالدستور الحقيقي والبديل الوطني، لا دستور الاحتلال ونفسية المؤامرة.

إن الأحداث الجارية وما سبقها من احتجاجات البصرة وأمثالها تكشف عن حقيقة عميقة في تاريخ العراق السياسي والثقافي تقول، بأننا نقف أمام نفس التقاليد العريقة والمتغلغلة في أعمق أعماق الذاكرة العراقية ومسام وجودها التاريخي والثقافي. واقصد بذلك البصرة والكوفة بالمعنى العراقي للمرحلة العباسية، أي مكان الوسط والجنوب الحالي.

كل ذلك يكشف عن إننا بحاجة إلى روح الثأر الاجتماعي والوطني كما عمل عليه المختار الثقفي، وإلى عقل المعتزلة في الصراع ضد كل الشعوذة والدجل الديني والسياسي وتجاوزهما بمعايير الرؤية الاجتماعية والوطنية والعقلانية والنزعة المدنية والدنيوية (العلمانية).

إن مشكلة الطبقة السياسية بمختلف تياراتها وأشكالها وأصنافها تقوم في فقدانها للبصر والبصيرة والعقل والضمير. إنها تبحث في كل شيئ باستثناء نفسها. إنها لم تحس لحد الآن، ولا اقول تدرك وتعرف، بأن السبب الجوهري لكل ما يجري هو منها وفيها. وهنا دوما تكمن المخاطر القاتلة لهم أولا وقبل كل شيئ. إنهم لا يرون الهاوية وهم على أطرافها. وهذا هو شأن ومصير كل قوة من هذا القبيل.

لقد أعدم العراقيون وقتلوا وسحلوا وأحرقوا جثث العائلة الملكية وأعوانها. وأعدموا صدام وحاشيته. وهو مصير كل من لم يتعظ بهذه العبرة.

إن آفاق التجربة السياسية لنظام الحكم الحالي والحزبي تكشف عن انه لا أمل في إصلاحه الذاتي. لأن جميع من فيه من قوى سياسية أصبحت فاسدة بالطبيعة والتطبع. انها تختلف في مستوى تحمسها للفساد. والأكثر "ثورية" و"إصلاحية" فيها هو اكثرها فسادا.

فقد جرى سابقا تطويع الاحتجاجات من خلال الاستحواذ على شعاراتها الاجتماعية ثم حرفها اللاحق. ونموذج الشعار الأول كان "باسم الدين باكونا الحرامية"، أي باسم الدين سرقونا اللصوص. عندها لم يكن للأحزاب السياسية الدينية أثر فيها، بل انسحبوا خوفا من الاقتراب منها، دعك عن المشاركة فيها. بل إن هناك الكثير من المعطيات التي كانت تتحدث عن "مساكين حركة الصدر" واشتراكهم الخائف فيها من خلال الاقتراب منها ومؤازرتها بالماء وبعض المأكولات والدعوة لها! وحالما خفتت الجولة الأولى ظهرت الجولة الثانية لامتصاصها من قبل التيار الصدري نفسه وبروفات الهجوم على البرلمان ثم "قيادة" الدعوة للإصلاح وشعار (شلع قلع) أي قلع الفاسدون من جذورهم. والتي سيتبين لاحقا، إن هذا القلع كان مجرد من اجل "تنظيف" الأرض لأتباعهم. وبلغ هذا الامتصاص الماكر للاحتجاج الاجتماعي ذروته في مؤامرة تجليس عادل عبد المهدي على رئاسة الحكومة. إذ كان بالنسبة لهم مجرد دمية للتحكم بالسلطة من خلال المساهمة الشرسة في الابتزاز والسرقة مع البقاء وراء ظهره. من هنا موقف الصدر "ننتظر سنة وسنرى". إنها سنة السرقات العنيفة والشرسة وليس سنة الرؤية الاجتماعية والإصلاحية. انها تشبه السماح للجيش باستباحة المدن لثلاثة أيام أو أسبوع فيما مضى. من هنا غياب عبارات الإصلاح ومحاربة الفساد. وعندما يجري استعمالها، فإن المقصود من وراءها دعوة أصحابه لاستغلال الزمن بأقصى طاقة ممكنة للسرقة لا غير.

كل ذلك يوصلنا إلى حقيقة جلية، وهي أن القوى السياسية والحزبية الحاكمة في العراق الآن ليست فقط فاقدة للقلب والضمير والأخلاق والرؤية العقلية والعقلانية، بل وممتلئة بفساد لا حدود له ولا يمكنه الوقوف عند حد غير هاوية الزوال. فكل ما نراه على مظاهره كما هو يكشف الهوة الفعلية العميقة بين الطبقة السياسي والشعب. المتظاهرون في مناطق خربة تعكس مستوى الخراب. والسلطة في "حصون" "المنطقة الخضراء". وفي هذه الصورة يتبين بجلاء الاغتراب المطلق للسلطة عن الشعب وهمومه. انه اغتراب في كل شيئ، بالمظهر والملبس والوقوف والجلوس والكلام والمشاعر والفهم، والسكن، باختصار في كل شيئ. بل ليس فيهم شيئا يشبهنا! لا الملابس السوداء ولا اللطم ولا البكاء ولا العطاء. لقد كانت ملابسنا سوداء كلحاء بينما ملابسهم سوداء من الحرير والقطن والجوخ. ولطمهم املس بإصبعين كما لو أنها تلامس شفاههم، بينما كان لطمنا متحمسا شديدا من القلب والأعماق، مخلصا في وجدانه كما لو إننا نرى الحسين من وراء غشاء الذاكرة الحية أو في عيون الصبايا الجميلة. وكلاهما وجدان خالص. وسيان بالنسبة لنا من كان ينظر إلينا عيون الحسين أو الصبايا فكلاهما حق ووجدان. فقد كان الحسين يبكينا ويفرحنا، شأن كل حقائق الحياة والوجود الكبرى. أما هم فهمومهم على ما يدخل فيهم، من هنا قدرهم بنظر الشعب على ما يخرج منهم. إنهم لا يعرفون غير الأخذ ويجهلون العطاء. واكتفي بحادثة واحدة فقط من بين آلاف أو ملايين تقول، بأن زوجة أياد علاوي كانت تقول لإحدى معارفها بأنها "ملّت من شراء البيوت"، أي تعبت من شراء الفيلات والبيوت والقصور . إنها لا تعرف إن ذلك هو أسلوب لتبيض الأموال المسروقة. وهذه حالة الجميع تقريبا. والذكي منهم، مثل علاوي والجعفري، التزموا الهدوء في لندن وشراء المساكن في كل مكان! كما لو أن أحدهم يعيش أبد الدهر متنقلا بينها. وكما لو إن جثمان أحدهم لا تكفيه حفرة صغيرة!

أما الجيل الجديد الذي نرى ملامح وحدود مشاركته في المظاهرات والاحتجاج والتمرد، بوصفه القوة الوحيدة "غير المنظمة" و"العشوائية"، فهو قوة التصنيع المستقبلي للإرادة الشعبية. انه جيل ما بعد الدكتاتورية الصدامية والعمالة "الديمقراطية". انه لم ينضج بعد، لأنه ما زال يعمل ويناضل ويكافح ضمن عجلات المناطقية والجهوية والفئوية والطائفية والعرقية والفقر والتجهيل وانعدام فرص العمل ومختلف مظاهر الانحطاط المتغلغلة في نظام الحكم السياسي وطبقته الحاكمة، أي كل ما يسحق إمكانية النمو والتراكم العقلاني في ظهور قواه السياسية المستقبلية. غير أن هذه الحالة مؤقتة وعابرة. وفيها ومن خلالها يجري تقوية العقل والإرادة والرؤية المستقبلية.

إن حالة الانغلاق هي التي تولد حالة الاحتقان. وما يجري الآن ليس الجولة الاخيرة. وقد تكون ما قبل الأخيرة أو ما قبل جولات لاحقة، إلا أنها ستؤدي بالضرورة إلى نهاية معقولة ومقبولة للمجتمع والدولة، ألا وهي كنس هذه الطبقة السياسية، وبناء أسس جديدة لنظام الحكم، وقواعد جديد في بناء مؤسسات الدولة تلغي بصورة قاطعة قواعد المحاصصة الحزبية وشراكة اللصوص والتوافق في المؤامرات والمغامرات. وكتابة دستور يضعه حكماء القانون في العراق، والتصويت عليه بالأغلبية وكثير غيره، بوصفه الضمانة الوحيدة للإصلاح الحقيقي الشامل.

إن المستقبل الحقيقي المتولد من رحم المجتمع وقواه الحية يلازمه بالضرورة آلام مبرحة. لكنها في الوقت نفسه هي مصدر الفرح الحقيقي. والمستقبل دوما لشبايه. وهو قانون الوجود في كل موجود.

***

ميثم الجنابي

 

فراس زوين"إن العراق يحتاج الى تعزيز علاقاته مع الصين اكثر من أي وقت مضى" كلمات القاها رئيس الوزراء عبد المهدي، مع بدء أعمال مؤتمر التصنيع العالمي في مدينة خفي الصينية، خلال زيارته الى الصين، التي ابتدأها الخميس، 19/ أيلول 2019 والتي عبر من خلالها عن رغبته في فتح افاق اقتصادية جيدة مع الصين، وقد لا يختلف اثنان حول المنطلق الاقتصادي والسياسي من حيث المبدأ، والذي تبناه السيد رئيس الوزراء في مسعاه الأخير، وبالخصوص ان برنامج الزيارة شمل العديد من الملفات الاقتصادية، والتي تتضمن مشاريع كبرى في الطرق والنقل والخدمات والتعليم والصحة وغيرها، على امل أن يتم التوقيع خلال الزيارة على عقود واتفاقيات كبرى في قطاعات الصناعة والزراعة، وبناء المدارس والمستشفيات والإسكان، والطرق والقطارات والجسور وغيرها، ولكن يبقى هناك سؤال مهم حول مدى جدوى هذه الزيارة والاتفاقية، في ضل التقاطعات السياسية الداخلية والفساد الإداري والمالي والبيروقراطية التي تفشت في الدولة العراقية.

من المؤكد ان العراق في مقدمة الدول التي تملك فرص استثمارية هائلة، بسبب نقص في الخدمات العامة والبنى التحتية جراء الحروب المتتالية والإهمال طوال عقود من الزمن ولغاية الان، مع وجود طاقة نفطية هائلة تجعله في مقدمة الدول المصدرة للنفط، الامر الذي يضمن تدفق الأموال بما يجعله فرصة ذهبية لكل الدول والشركات التي تبحث عن افاق جديدة للعمل، ولكن المفارقة المضحكة والمبكية انه مع كل هذا لاتزال البنى التحتية متخلفة ولاتزال هذه الشركات عازفة عن الدخول للأسواق العراقية، ولايزال المواطن العراقي يعاني من نقص الخدمات والبطالة وتردي الوضع الاقتصادي، والسبب في ذلك إن العراق رغم فرصته الاستثمارية فانه لايزال بيئة طاردة للاستثمار !! وذلك يعود لوجود العديد من المعوقات التي لم تجد الحكومة الحلول للكثير منها، ولعل من اهمها تفشي الفساد الإداري والمالي في دوائر الدولة ومؤسساتها، وبشكل يعيق عمل الشركات الاستثمارية، وهذا هو احد الأسباب الرئيسية التي منعت الشركات من العمل في العراق منذ اكثر من 15 سنة ولم تجد له الحكومة أي حل لغاية الان، فلا اعلم ما الذي سيدفع الصين للتوجه الى بلاد ينخرها الفساد ويباع فيها كل شيء، مع عدم تغير الواقع عما كان عليه من قبل.  

وليس الفساد هو كل ما يمكن ان يعيق توجهات الحكومة في شراكتها مع الصين، بل إن هناك عامل آخر وهو تقاطع الوضع السياسي الداخلي وهشاشته، ولكون العراق لم يصل بعد الى مرحلة تمكنه من التعامل مع المسائل الاقتصادية بعيد عن الخلافات السياسية، ولايزال العديد من الكيانات السياسية والاحزاب المتنفذة داخل الماكينة التي تدير البلاد تستخدم الورقة الاقتصادية كأداة تلوي بها ذراع الحكومة ومن المرجح جدا ان تعارض السيد عبد المهدي في مسعاه الأخير وخصوصا ان مثل هذا التوجه الاقتصادي بالتعاقد مع الشركات الاجنبية بصورة عامة ليس الأول من نوعه وانما قد سبقه في ذلك حالات عديدة ابتداء من رئيس الجمهورية الأسبق المرحوم جلال طالباني عام 2007 مرورا برئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي من خلال مشروعه البنى التحتية مقابل النفط، الذي طرحه ورفضته معظم الكتل السياسية في وقتها ، كما وتبعه في هذا التوجه رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي الذي عمل على نفس هذا المبدأ من خلال قرض العشرة مليار دولار ولكنه اصطدم مرة اخرى برفض الكتل السياسة على دعم توجهه الاقتصادي، ولا اعتقد ان الحال سيختلف الان عن سابقيه بشيء.

ولعل من المناسب الإشارة إلى الضغوطات السياسية الكبيرة التي تتعرض لها الحكومة الحالية بعد مرور قرابة سنة من تشكيلها دون أي إنجازات تذكر، بالرغم مما عرف عن السيد عبد المهدي من كونه رجل اقتصاد يملك من أسس المعرفة الاكاديمية والعلمية بخلاف اسلافه من تسنموا رئاسة الوزراء في السنوات السابقة، ولكننا ولغاية الان لم نجد الحلول الواقعية لمشاكل عديدة مثل الفساد الذي وصل الى حد دفع بوزير الصحة لتقديم استقالته نتيجة ضغوطات الفساد والفاسدين، بالإضافة لاستمرار مشاكل البطالة والكهرباء وتراجع البنى التحتية وتردي المستوى التعليمي والصحي في البلاد وغيرها، الامر الذي دفعه الى البحث عن الحلول خارج البلاد من خلال محاولته تفعيل الاستثمار الخارجي، ولكن دون ان يجد أي حل للمشاكل الداخلية التي لن تلبث ان تكون السبب الرئيسي لعرقلة مساعيه التطويرية مع الصين.  

وفي ختام هذه الورقة لابد من الإشارة الى ان كل تحرك من اجل تغيير الواقع الاقتصادي المتردي يصب في مصلحة الشارع العراقي وهو محل ترحيب ودعم من كل عراقي تهمه مصلحة بلاده ولكن بشرط أن يبدأ من الداخل، حيث أساس المشكلة العراقية وعندما تحل فسنجد الشركات تتنافس للعمل ودون أي دعوة أو طلب وإنما أحببت في هذه الورقة أن أسلط الأضواء على الظروف التي تحيط بالواقع الاقتصادي والسياسي للبلاد، ولاتزال الكثير من تفاصيل توجه السيد عبد المهدي غير واضحة المعالم وتحتاج الى عودته للبلاد لعرض التفاصيل التي من خلالها يكون الحكم على نجاح المسعى الحكومي لإيجاد الحلول أو عدم نجاحها لا قدر الله.

 

فراس زوين

 

باسم عثمانأي خطاب فلسطيني (رسمي او غير رسمي) في محفل دولي او سواه يتعلق بحالتنا الفلسطينية الراهنة ولا يستند على رؤية نقدية لواقع الحال وتجديدية في أولوياتها ومسارها السياسي في بلورة رؤية وطنية استراتيجية لا تنطلق من المحدد السياسي - بغض النظر عما يحمله هذا الخطاب من مصطلحات و تعابير"استنهاضية توصيفية "وعاطفية شعبوية – هو مراهقة سياسية همها الأساس مصالحها وامتيازاتها الفئوية الاجتماعية وهو بمثابة بوليصة تأمين على حياتها واستمرارها ومصالحها.

أي خطاب يفتقر الى الإرادة السياسية وتوصيفاتها البرنامجية في لملمة ما تبقى من نزيف الجسد الفلسطيني وتشرذمه المتواصل جراء عبثية " اللعبة والمناورات السياسية" ونتائجها الكارثية على المشروع الوطني الفلسطيني ووحدة قضيته وحقوقه الثابتة هو مجرد هراء استعراضي نتيجة الإفلاس السياسي والانبطاح الاستسلامي.

ان تفاقم وانحسار الحالة الفلسطينية وتدني مستوى أدائها السياسي و الدبلوماسي والاجتماعي المدني يتطلب بالضرورة الارتقاء عن المهاترات السياسية والخطابات الاستهلاكية، وأي بيان او خطاب فلسطيني (رسمي او تعبوي جماهيري) يجب ان ينطلق من المحددات السياسية أولا :- الغاء اتفاق أوسلو وكل التزاماته واستحقاقاته السياسية والأمنية والاقتصادية،- سحب الاعتراف الرسمي ب"دولة إسرائيل" لحين اعترافها بالدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران 67،- الدعوة فورا الى حوار وطني فلسطيني شامل يضم كل القوى السياسية والفاعلة الجماهيرية بدون استثناء ،- بلورة رؤية وطنية استراتيجية توافقية توحد الشعب الفلسطيني سياسيا و تمثيليا وحقوقيا، وتكفل استنهاض قواه من خلال اليات عمل ميدانية وعلى الأرض وليس من تحت الطاولة.

هذه الخطابات السياسية الاستعراضية والشعبوية والتي تستخف بوعي الجماهير الفلسطينية ورنانة إعلاميا لا محل لها من الاعراب الا في قاموس  سوق "النخاسة" السياسية، والتي أوصلت الجماهير الفلسطينية الى حالة من الياس والإحباط والاغتراب السياسي عن ذاتها وقضيتها والتنكر لقيادتها السياسية الرسمية.

فاذا كانت الانتخابات البرلمانية الفلسطينية أولوية برأي رئيس السلطة الفلسطينية (عباس) - وهو على حق في طرحه – حيث انها استحقاق وطني ومن أولويات التجديد في الحياة السياسية الفلسطينية وبوابة لطي صفحة الانقسام الداخلي ومدخل أساس لاستعادة الوحدة الوطنية ووحدة النظام السياسي الفلسطيني - لكنها تتطلب اطلاق اجندة الحوار الوطني الشامل فورا للتوافق وطنيا على أسسها و ترتيبها و معاييرها، واذا اعتبرنا ان الانتخابات البرلمانية والرئاسية الفلسطينية أولوية وطنية وبجدارة، هذا يستدعي وعلى الفور التحرر من قيود النقيض السياسي والأخلاقي لهذا الاستحقاق الوطني والديمقراطي وهو اتفاق أوسلو واستحقاقاته فلسطينيا، والعودة الى الاجماع الوطني التوافقي والتزاماته البديلة والبدء في تطبيقه ميدانيا، واستنهاض الروافع والاليات البرنامجية (اجتماعيا واقتصاديا) للشعب الفلسطيني نحو عصيان وطني شامل كخيار بديل عن خيار المفاوضات العقيمة في ظل موازين قوى مختلة لصالح المشروع الأمريكي – الإسرائيلي المعادي، والتحرك الدبلوماسي عالميا لتدويل القضية الفلسطينية لكي يتحمل المجتمع الدولي مسؤولياته القانونية والأممية والانسانية تجاه الشعب الفلسطيني.

بينما الحديث المتكرر "إعلاميا" عن الغاء الاتفاق وملحقاته اذا أقدمت "إسرائيل" على ضم الغور وشمال البحر الميت؟!!!،هو بحد ذاته تجاهل متعمد لما يجري من حقائق على الأرض ،حيث عملية الضم والاستيطان والتهويد تسير على خطى ثابتة وعلى الطريقة" "البنيامينية" الإسرائيلية ،"ويلي ما بشوف من الغربال بكون اعمى"، هي محاولة يائسة لكسب المزيد من الوقت والرهان على بقايا أوسلو وخيار المفاوضات وعلى الغير بانتظار ما ستقدمه الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة والانتخابات الامريكية المقبلة من "اضغاث أحلام".

ان موقف السلطة الرسمية الفلسطينية والذي عبر عنه خطاب الرئيس عباس في الجمعية العمومية للأمم المتحدة بات واضحا، لا لخطوة تصعيدية في وجه الاحتلال وسياساته، وانما الاستسلام للأمر الواقع والامتثال لسياسة" حرب المواقع الثابتة"، وامام هذا المشهد من الحالة الفلسطينية الراهنة تبرز الحاجة الملحة لتبني استراتيجية فلسطينية شاملة، تعمل على استنهاض كل عناصر القوة داخل المجتمع الفلسطيني، وإعادة الاعتبار لقضيته الوطنية، و ترتكز على فكرة مواصلة النضال والمقاومة بكافة اشكالها، بحيث إذا أخفق مسار كفاحي معين، يتوجب تبني مسار بديل، وأن يتأسس برنامج النضال الوطني على فكرة تعزيز صمود الشعب الفلسطيني فوق أرضه، وممارسة كافة أشكال المقاومة والنضال ضد كل تجليات سياسات الاحتلال الاستيطانية والضم الزاحف، وأن تتواكب المقاومة الوطنية الفلسطينية في مساراتها الموازية والمتصلة على امتداد جغرافية التواجد الفلسطيني في الداخل والشتات فإذا كان الهدف المعلن لفلسطينيي الأرض المحتلة هو إقامة دولة مستقلة، وكانت مطالب فلسطينيي 48هي المساواة والعدالة وضد سياسة التمييز العنصري، ومطالب فلسطينيي الشتات هي العودة؛ فإن الاستراتيجية الفلسطينية الشاملة، يجب أن تتضمن هذه الأهداف العادلة، وتصوغ برامجها الكفاحية على أساسها، بحيث تحافظ على وحدة الشعب وقضيته من خلال وحدة حقوقه لأن تهميش أي فئة من فئات الشعب الفلسطيني داخل الوطن أو خارجه ستؤدي إلى تقويض الهوية الوطنية الجامعة.

أوسلو تم نعيه منذ زمن طويل، بمرحلتيه الانتقالية و النهائية، ولمن سارع إلى الاحتفال بموت "صفقة ترامب" وهزيمة نتنياهو، وهنا المراهقة السياسية بعينها، حيث أن "الصفقة الترامبية" تطبق على الأرض، وتخلق واقعًا ستكرسه أي حكومة إسرائيلية قادمة، سواء أكانت حكومة وحدة وطنية برئاسة نتنياهو أم غيره، حتى وإن تأخر إعلانها في حالة توجه "إسرائيل" إلى انتخابات ثالثة، وتغير الأشخاص لا يعني بالمطلق الاختلاف على جوهر المشروع الصهيوني المناقض تماما للمشروع الوطني الفلسطيني ،لذلك، فان الرهان على الغير والبعض من فتات مكرماته هو محض افلاس سياسي وانحطاط فكري.

لا بد لنا ،نحن الفلسطينيون، من الانتقال وبإرادة سياسية ووطنية عالية، الى مرحلة جديدة ونوعية، مرحلة ما بعد أوسلو، بعد طيه واستحقاقاته، وان نحتكم الى قوة الجمهور الفلسطيني وارادته السياسية، أولا وأخيرا، وألا نقلد ما تمارسه الانتظارية السلطوية الفلسطينية من سياسات ومواقف، شاء من شاء وابى من ابى. 

 نحن احوج للقيام بمراجعة نقدية وطنية شاملة لكل سياساتنا وبرامجنا وتحالفاتنا الداخلية والخارجية والضغط على "طرفي نكبة فلسطين الثانية"، من الانقساميين والانتهازيين و"المصلحجيين"، للعودة الى رشدهم الوطني وتغليب مصلحة القضية الوطنية وحقوقها على اجنداتهم الليبرالية والسلطوية الفئوية.

ان المراجعة النقدية الشاملة للحالة الفلسطينية وتجديدها استحقاق وطني بامتياز، وبغض النظر، أكان هذا التغييرُ والتجديد نتاجًا لمراجعةٍ فكريّة أمْ نتاجًا لهزيمةٍ سياسية أو انهيار معنويّ، وما هو حقيقته واسبابه، الأهم في ذلك: نتائجه، خصوصا اذا طال هذا التغيير والتجديد في الحالة الفلسطينية الموقف من المستعمر وسياساته، وابجديات الحراك الوطني الفلسطيني واولوياته في مواجهة الاحتلال ومستعمريه.

ان الحدّ الفاصل بين المراجعة النقدية لمسيرة العمل والتجربة النضالية من جهة، والاستسلام المطلق للانتكاسات السياسية والانبطاح امامها من جهة أخرى، هو: القراءة الجيدة لمتطلبات المرحلة والتخلي عن امتيازات الذات للصالح العام ،لأنه لا حلّ وسطيًّا ،على المستوى النظريّ والايديولوجي والسياسي بين المبدئية زمنَ الانتكاسات، وبين الانبطاحية زمنَ الهزيمة، الثبات والاستسلام لا يلتقيان.

 

د. باسم عثمان

كاتب و باحث سياسي

 

عزالدين عنايةخرجَت الممارسة السياسية في تونس من طور عقيم قبل الثورة إلى آخر سقيم بعد الثورة، وإن رُوعيت في العملية الأخيرة مقتضيات الديمقراطية الشكلية. مع أن الممارسة السياسية الصائبة يُفتَرض أن تحتكم بوجهٍ عام إلى قواعد اللعبة الديمقراطية، وما تقتضيه من أخلاقيات مدنيّة وفضائل حضارية، وهي كما نعرف شأن جديد لم يأْلفه العقل السياسي العربي الحديث، لِما ألَمّ به من تقليد سلطوي تسلّطي، ومن إدمان لممارسة الحكم الغشوم، ومن مصادَرة لإرادة الخَلْق ووصاية على عقولهم وأرواحهم، جعلت الناس بمثابة "السّبايا".

لكنّ دَرْب الخروج من ورطة الحكم العضوض إلى وعود الديمقراطية وأخلاقياتها، لم يخلُ من مخاطر الوقوع في مساوئ مغايرة، لا تقلّ سوءا عن مساوئ ما قبل الديمقراطية. ففي زحمة التخمة الحزبية التي اجتاحت الحياة السياسية، نِتاج القحط السياسي على مدى عقود عجاف، يبقى الواقع الجديد مشوبا بالمزالق والانحرافات، وهو ما يستوجب التنبيه من باب "من حذّرك كمن بشّرك". ولا نقصد بالخلل كثرة الأحزاب، ولا تباين الآراء، ولا زحمة الطروحات، وإنما الخلل الفاضح، الذي تتقاسمه جلّ الأحزاب، ومجمل العائلات السياسية، صغيرها وكبيرها، وهو تزعزع الصلة الوثيقة لديها بين السياسة والأخلاق، بين الفعل السياسي والرصيد القِيَمي. حتى بدت العملية السياسية شريدة، لافتقادها ذلك الرأسمال المعنوي، ولا تمتّ إلى الوعي الجمعي بصلة. لذا غالبا ما تردّدَ ذلك التوصيف النبيه على ألسن الناس: "تجي تفهم تدوخ" (تريد أن تفهم فتصاب بالدّوار)، مشفوعا بتساؤل: من أين جاء هذا الفصام بين الفعل السياسي والوازع الخُلقي؟

أحيانا يفسِّر المرء ما يجري بـ"لقاو مدينة خالية قامو فيها الآذان" (في الخلاء رفع الآذان) دون فهمٍ متروّ لما حلّ بالبلاد. لكن في ظلّ الاهتزاز المريب لذلك الوازع بين ساستِنا، ينبغي ألاّ يجرّ الأمر صوب اليأس والإحباط، بل إلى تروّي ما يجري بتدبّر لتخطّيه. في الواقع ينبع هذا الخُواء الخُلقي المستشري من أمرين:

-        الأول متولّد من هشاشة "الثقافة السياسية" لدى كثير من "الساسة الجدد"، فالسواد الأعظم منهم قد خرجوا من ليس إلى الأيس. ولا يملك الناظر، أمام تبدّل الأزمان وتقلّب الأحوال إلاّ استحضار قوله تعالى "يخرج الحيّ من الميّت ويخرج الميّت من الحيّ"، بعد أن صار الأوائل أواخر والأواخر أوائل. ذلك أن شقّا هاما من ساستنا ضِحال الثقافة هزيلو المعارف، وبالكاد يقرأون الصحف، فما بالك بقراءة ثلاثية الأبعاد للراهن والماضي والقادم. واكتشاف ضحالة هؤلاء لا تحتاج إلى بحث واستقصاء، يكفي أن يتكلّم المرء فيُعرف، فالمرء مخبوء وراء لسانه. وبالتالي نوهِم أنفسنا حين نعدُّهم صفوة القوم وقادتنا إلى برّ الأمان، وقد باتوا يشكّلون شِلّةً مغلقة، "كاسْتا" كما يقول الإيطالي، متهافتة على السياسة، وجلّهم ممّن ينبغي أن يُساس لا أن يسوس. احترفوا السياسة، لا لشيء إلاّ لأنها تهب وجاهة، وتجلب نعمة، وتخلّف سطوة، وكثير من هؤلاء الساسة قد صُنِع على عجل، لذا "الله يفكّنا مِالمرا المهبولة ومِالواطي إذا نال دولة" (اللّهم احفظنا من المرأة الهبلاء والنذل المتسلّط). حتى استقرّ في أذهان هؤلاء الأغرار (جمع غرّ)، من فرط اللغو في المنابر الإعلامية أن السياسة مصالح، وأن المصالح مغانم وغيرها من أشكال السفسطة، والحال أن المغانم محفوفة بالرذائل، كما حُفّت النار بالشهوات. لذا تراهم لا يتناونون عن اقتراف البُهت والزور والقذف والنميمة، مع أن التونسي تربّى على أن "الكذب سلطان المعاصي". غير أن تلك الشِلّة تطبّعت بتلك الطباع، كون السياسة كما رسمت معالمها "الماكيافيلّية" هي انتهازية ودجل وخديعة ومخاتلة وغطرسة ونفاق وسوقية، وغيرها من مفردات "قاموس العِيبْ" التونسي. لذا تجدُ كثيرا من ثعابين السياسة عندنا، وبكل صفاقة، يرمون الكلام على عواهنه، ويستهترون بقِيَم الشعب وعوائده، وهم "كيف السردوك رجليه في الخراء ويذّن" (كالديك يؤذّن وهو واقف على النّجاسة). ومن الطبيعي أن يستغرب التونسي هذا الرهط الذي حلّ به، من أناسٍ "قِرْبِلَّه لا دين لا مِلّه" (سقط متاع، لا دين لهم ولا ملّة) وممّن "لا يصلح.. لا لِلدّنيا لا للدّين"، فكثير من هؤلاء، وفق فراسته، قد وُجدوا في المكان الخطأ لأنّ "الناس تعرف الناس والخيل تعرف رُكّابها".

- وأما العامل الآخر وراء هذا الاهتزاز الخُلقي فهو بنيوي، إذ ينبغي ألاّ يغيب عن أذهاننا أن الأمر في جانب منه مورَّث من حقبة مضطربة. ونقصد بها الحقبة السياسية السابقة التي جرفت البلاد إلى قعر الردى. كيف لا؟ وقد باتت العملية السياسية في عهد الحصار الكبير الذي عاشته الشخصية التونسية، مسكونةً بالرعب والخوف والتوجس، حتى شبع الضمير الشعبي تنكيلا، ولنقل باختصار أكلَ "طْريحَةْ نبّاشة القبور" (ضربٌ مبرحٌ لنابش القبور) وليس مجرّد "طْريحةْ كلْب خْرا في جامع" (ضربٌ لكلبٍ خرئ في الجامع)، وهو ما أصاب الضمير الجمعي في مقتل، حتى أرداه عليلا "مجروح في مسكن الروح". أذكر كلمة بارقة للكاتب حسن بن عثمان، ذات صائفة عشية الثورة، تجاذبنا أثناءها أطراف الحديث عن البلاد: "إن نظام بن علي قد جرّ الجميع إلى المستنقع، تورَّط وورَّط معه معشر المثقّفين والسياسيين، حتى إذا لُعنَ لُعنوا وإذا سُبَّ سُبّوا"، كان كلام بن عثمان بمثابة الرؤيا عمّا وصلت إليه الصفوة من تواطؤ وسوء خُلق، وهو ما جعل البلاد على شفا جرف هار. كان هناك يأس من الطبقة السياسية حينها، وكأنّ حكم القدر قد صدر فيهم: "لا يتنبّى فيهم نبيّ لا يتولّى منهم وليّ" (لا نبوّة ولا ولاية تظهر منهم).

لكن لنعد إلى راهننا الحارق، لا مراء أن سلوكات مشينة سلكها ساسة تونس خلال السنوات التي أعقبت الثورة، جعلت كثيرين يمقتون الساسة والسياسة، وينفرون من تدنّي خُلق جماعة متصدّرة للمشهد، مردّدين بأسى: "الله يرحمك يا راجل أمي لوّل" (رحم الله زوج أمّي الأوّل)، في إشارة ظاهرة وباطنة إلى من سامهم سوء العذاب. والحال أن المجتمعات الديمقراطية، الوليدة والرشيدة، بحاجة إلى لغة سياسية راقية وأخلاقيات قادرة، على إبراز المعنى والقيمة الحقيقيين لحياة مدنية كريمة، وفق ما لخّصه بإيجاز عالم السياسة الإيطالي ماورِيتسيو فيرولي. وهو ما سبق أن نبّه إليه ببراعته المميزة جان جاك روسو في ذلك الربط بين الوطن والحرية والفضيلة في قوله: "لا يمكن أن يحيا الوطن دون الحرية، ولا الحرية دون الفضيلة، ولا الفضيلة دون المواطنين".

والملاحظ في فراق السياسة والأخلاق عندنا، أن الأمر لا ينحصر بحزب دون غيره، أو شخصية وجيهة دون أخرى، فالجميع باتوا سواسية في تصوّر الناس، مهما زُيّن للواحد منهم عمله، فجميعهم وبإيجاز بمثابة "سوكارجي يعظّم على قمّارجي" (مدمن خمر يلوم مدمنَ قمار). هناك "فضيلة مدنية" شريدة في أوساط طبقة مشتغلة بالسياسة، ولذا أضحى التونسي لا يستغرب ما آلت إليه الأمور من مآزق، اقتصادية وتعليمية وأمنية ودينية، فالمقدّمات تخبر عن النتائج: "إذا كان النّعش مكسّر والحمّال أعْور يكون الميّت من أهل جهنّم".

ذلك أن السياسي الذي ولّيناه أمرنا ثم جاس على رقابنا، ووكلناه بخدمتنا ثم حسِبَنا خدما وغنما، تبيّن أن فيه من اللؤم الشيء الوفير، بما يشبه قصة ذلك المخاتل الوارد الحديث بشأنه في "ألف ليلة وليلة": رققنا لحاله وراعينا شيبته "تقدّمنا إليه وحملناه على أكتافنا وجئنا إلى المكان الذي أشار لنا إليه وقلنا له: انزل على مهلك فلم ينزل عن أكتافنا، وقد لفّ رجليه على رقابنا فنظرنا إلى رجليه فرأيناهما مثل جلد الجاموس في السواد والخشونة، ففزعنا منه وأردنا أن نرميه من فوق أكتافنا فقرط على رقابنا برجليه وخنقنا بهما، حتى اسودّت الدنيا في وجوهنا وغبنا عن وجودنا ووقعنا على الأرض مغشياً علينا مثل الموتى..." (بتصرف ضئيل). حفظ الله تونس ورعاها.

 

عزالدّين عناية

أستاذ تونسي بجامعة روما-إيطاليا

 

باسم عثمانفي الواقع لم ينشغل اليسار الفلسطيني في تحديد هويته الأيديولوجية والفكرية خارج إعلانه وتبنيه للفكر الماركسي واعتباره الحزب الشيوعي للدولة البلشفية مرجعيته الأولى والحصرية  في شؤونه التنظيمية والفكرية، إلا بعد انهيار هذه المرجعية دوليا، لكن وقع هذا الانهيار كان بطيئا على اليسار الفلسطيني بحكم غلبة المهام السياسية والوطنية على أجندته النضالية وبحكم أن مؤسسات المنظمة تموضعت في الشتات حيث استندت تنظيمات اليسار كباقي التنظيمات السياسية الاخرى بالأساس على المخيمات والتجمعات الفلسطينية كحاضنة وقاعدة اجتماعية، وعلى التنظيمات العسكرية وشبه العسكرية خلال فترة وجودها في لبنان والأردن سابقا. وبالتالي كان الكفاح المسلح الشكل الرئيس، وربما الوحيد، للنضال، خارج فلسطين، اما في الضفة الغربية والقطاع، أخذ أشكالا متنوعة في مقاومة الاحتلال الاستيطاني، في ظل ميزان قوى عسكري واقتصادي مختل لصالح"إسرائيل"، وقدمت المرحلة الأولية من الانتفاضة الأولى نموذجا خلاقا في تحويل ميزان القوى لصالح الحركة الوطنية عبر تنظيم المقاومة والصمود عبر اللجان الشعبية والمختصة وعبر توفير قيادة جماعية وبحضور مميز لأحزاب اليسار الفلسطيني لتوجيه الانتفاضة، وتمييز نضال الفلسطينيين في أراضي48 كنضال أقلية قومية تقبع تحت حكم نظام فصل وتمييز عنصريين. بتعبير آخر، لم يتدرب اليسار الفلسطيني على قيادة النضال الاجتماعي والمطلبي والديمقراطي، ولذا بقي انتمائه الفكري إلى حد بعيد نظريا لم تصقله المواجهات مع القضايا الاجتماعية والمعيشية،كما أن اعتماد اليسار الفلسطيني مرجعيته الفكرية والتنظيمية "من الخارج"، افقده القدرة في مسؤولية توطين الفكرالماركسي ضمن خصوصيات الحالة الفلسطينية، حيث تشتت الشعب الفلسطيني الجغرافي والمجتمعي، وغياب أساس التشكيلة الاقتصادية -الاجتماعية الموحدة له، وغياب الدولة الوطنية المركزية، وتأثيرات هذا الغياب على التكوين الطبقي والثقافي للشعب الفلسطيني، مضافا إليه التداخل العضوي للتجمعات الفلسطينية مع المجتمعات العربية والدول المضيفة.

لذلك، فأن الاعتقاد بان هناك قوى سياسية خارج نطاق "الأزمات"، هذا بحد ذاته تعبيرعن أزمة معرفية ومنهجية حقيقية على صعيد وعيها لذاتها ودورها،

ولهذا، سوف أنطلق في هذه القراءة والمراجعة النقدية لدور اليسار الفلسطيني ليس من باب تسجيل النقد لمجرد النقد، بل من أرضية الاحترام والتقدير العميق والوفاء للتجربة النضالية الطويلة له، ولمحطاته الوطنية والنضالية البارزة في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية، في بلورة أسس البرنامج الكفاحي لمشروعها الوطني وتكريس مكتسبات وانجازات الحراك الفلسطيني عموما،ولكن الدافع الاساس لهذه القراءة النقدية، هو أن تتجاوز قوى اليسار الفلسطيني معضلاتها الاشكالية لكي تلعب دورها التاريخي المنوط بها وبما يليق بتضحياتها وأهدافها النبيلة، وفقط انطلاقا من الألم الذي يعتصر قلوبنا لما الت له قضيتنا الوطنية وحالتنا الفلسطينية، بل وأكثر من ذلك إنها تأتي أيضا في سياق الوفاء حتى لتجربتي الشخصية، حيث انخرطنا في هذه التجربة النضالية المشرفة والتي اعتز بها منذ نعومة اظفارنا، وفي مختلف ميادينها وتجلياتها، حيث تكونت في مسيرتها هويتنا المعرفية والثقافية والفكرية.

كما يجدر التنويه إلى أن هذه القراءة ما هي إلا مجرد محاولة استفزازية للفكر السياسي والبرنامجي الاستنباطي لأليات العمل وروافعه.

ان المعضلات الاشكالية لليسار الفلسطيني تعتبرمسألة وطنية بامتياز،لان فعاليته الوطنية والاجتماعية تؤثر على مجموع أداء الحركة الوطنية الفلسطينية، كما تؤشر إلى اختلال عميق في التوازن الذي يجب أن يحكم واقع تلك الحركة بحيث لا تصبح قضية الشعب الفلسطيني بكل أبعادها ودلالاتها تحت رحمة هيمنة قوى سياسية معينة، في الوقت الذي يعتبر- أي اليسار الفلسطيني - القوة الوطنية والاجتماعية التي شكلت في تاريخ النضال الوطني المعاصر، الرافعة الوطنية والاجتماعية والثقافية المحورية لإنجازاته ومكتسباته الوطنية الرئيسية، كما أنها قدمت ولا زالت تضحيات هائلة في مسيرة كفاحه الوطنية.

في هذا السياق، فإن المراجعة النقدية لدور اليسار الفلسطيني وقواه السياسية ليس ترفا فكريا وحديثا سفسطائيا يتناول اطراف اسقاطاته وحذلقته الكلامية في احد مقاهي او نوادي الترف الفكري، بل هو ضرورة وطنية بامتياز، تمليها التحديات والصعوبات والمخاطر التي تواجه المشروع الوطني الفلسطيني برمته، لأن الدور السياسي والاجتماعي لليسار الفلسطيني تمليه وتفرضه مكونات البنى والقوى الاجتماعية الطبقية للشعب الفلسطيني،ولأن هذا التنوع الاجتماعي الفلسطيني، يستدعي تعبيرات سياسية وفكرية  تحمل مفرزات هذا التنوع وتجلياته الفكرية والموضوعية.

يشهد الواقع الفلسطيني أزمة عميقة على مختلف الأصعدة؛ يمكن وصفها بالانحباس الاستراتيجي لحراكه الوطني وغياب استراتيجيته الكفاحية الخاصة وعدم توفر بدائله الوطنية، دون أن يعني ذلك غياب هباته الوطنية على شكل انفجارات انتفاضيه حينا، ومبادرات مقاومة شعبية ومجتمعية مدنية حينا اخرا، تأتي في سياق الحالة الطبيعية التي تنتجها معادلة المواجهة بين الشعب الفلسطيني وقمع الاحتلال الإسرائيلي، وتتجلى المعضلة الاستراتيجية لحركة التحرر الوطني الفلسطيني عموما وقوى اليسار الفلسطيني على وجه الخصوص في عجزها عن توفير شروط التحرر والاستقلال لإنهاء الاحتلال الكولونيالي واستعادة حقوق الشعب الفلسطيني الوطنية، ليس هذا فحسب، بل صيرورة التناقضات الداخلية لامتيازات السلطة تحت الاحتلال نحو مشهد غير مسبوق من الانقسام الداخلي والوهن في الأداء السياسي والبرنامجي التنموي،هذا من جانب، ووهن فعالية قوى اليسار الفلسطيني وتشرذمها من جانب اخر، فيما يواصل الاحتلال الإسرائيلي سياساته ومشاريعه الاستيطانية والتهويدية والضم الزاحف بمزيد من الاجراءات وفرض الوقائع على الارض التي تجعل منه امرا واقعا، بعد اخفاق استراتيجية التفاوض وفشل ما يسمى "عملية السلام" في اطار أوسلو واستحقاقاته المدمرة على المشروع الوطني الفلسطيني وطنيا واقتصاديا واجتماعيا، فالسياسات الاقتصادية التي تنتهجها السلطة والحكومة الفلسطينية وما تنطوي عليه من تهميش مقومات الاقتصاد الوطني الفلسطيني المستقل، والاعتماد على أوسلو وملحقاته الاقتصادية والتمويل الخارجي بكل اشتراطاته المأساوية من التبعية والخضوع، والتي لا يقف تأثيرها على الجانب الاقتصادي المعيشي والاجتماعي فقط، بل يمتد ليتحول إلى أداة ابتزاز سياسي للحالة الفلسطينية ومشروعها الوطني .

هذا الواقع بأبعاده المختلفة، يشير إلى أزمة فكر وعمل فلسطينية عامة، ويضع قوى اليسار الفلسطيني أمام استحقاقات فكرية وبرنامجية أكثرعمقا، بحيث توضع علامة سؤال جدية على مشروع اليسار الفلسطيني السياسي والاجتماعي والاقتصادي والوطني بشكل عام، وقدرة ذلك المشروع على الموائمة بين قدرات الشعب الفلسطيني الكفاحية ومتطلباته الحياتية والاجتماعية والوطنية، بما يوفر التوازن والتناغم بين مهام التحرر الوطني وانهاء الاحتلال وتحقيق طموحات الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال، ومهام البناء الاجتماعي وتلبية حقوق واحتياجات المجتمع الفلسطيني الاقتصادية والاجتماعية .

موضوعياً، هناك العديد من المحفزات لكي يضطلع اليسار الفلسطيني بدور فاعل ومؤثر في الحراك الفلسطيني : سياسات الاحتلال الإسرائيلي القمعية والعنصرية والاستيطانية والتهويدية ضد الشعب الفلسطيني والتي تستهدف تصفية حقوقه الوطنية، وحالة الانقسام الفلسطيني وما يرافقها من عملية استقطاب سياسيي واجتماعي بين " طرفي الانقسام"، وما ترتب عليه من تأزيم الحالة الفلسطينية سياسيا واجتماعيا وجغرافيا، وما رافقه من تعطيل مؤسسات الشعب الفلسطيني الوطنية والتمثيلية والجماهيرية والشعبية، والوضع الاقتصادي المتفاقم الذي يعاني منه المجتمع الفلسطيني بكل شرائحه الاجتماعية وخاصة قطاع الشباب، وما يترتب على ذلك من نتائج اجتماعية كارثية، اضف الى ذلك، ما يجري في المنطقة وعلى امتداد العالم، يشير إلى نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب، منظومة عالمية وإقليمية يتشكلان من جديد، ويمكن جدًا أن يكون للفلسطينيين حضورهم القوي والمميز إذا استطاعوا توفير مستلزمات الحضور المطلوبة.

لكن وبالرغم من هذه الحقائق الموضوعية إلا أن الواقع يشير إلى إشكالية القراءة لليسار الفلسطيني للظواهر الاجتماعية والاقتصادية في المجتمع الفلسطيني،رغم كل المحاولات التي تستهدف طرح بعض التصورات والأفكار لفهم ومواجهة الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية البنيوية،   والتي سرعان ما تسقط في الخطاب المجرد والعموميات، وكأن المشكلة يمكن تجاوزها بالخطاب، ومثالنا على ذلك،عدم التمييز بين دور ومهمة اللجان الاجتماعية في تقديمها للخدمات الاجتماعية للمجتمع الفلسطيني رغم أهميتها القصوى، ووظيفة هذه اللجان الاجتماعية ومهمتها الأساسية في النضال الاجتماعي – الطبقي داخل المجتمع الفلسطيني.

هذه الواقع يعكس اشكاليات فكرية - فلسفية واجتماعية على مستوى تعامل اليسار الفلسطيني مع المهام الوطنية والاجتماعية، لأن تشكل الظواهر، بما في ذلك نشوء الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية،تأتي في سياقاتها الموضوعية، وبالتالي فإن مواجهتها تستدعي بالضرورة العمل من أجل تأسيس سياقات واليات عمل وبنى بديلة.

لهذا نجد من الفصائل الفلسطينية والتي تدعي اليسارية منها لحقت بركب السلطة وامتيازاتها الوظيفية، من دون أنْ تمتلك حتى مجرّدَ القدرة على التمايز اللفظيّ عن نهج السلطة وفكرها، فاضحت ديكورا لا اكثر ولا اقل، لمركز القرار الفلسطيني ومطبخه السياسي، ودعموا تراجعَهم الموقعي والفكري بسلسلةٍ من التبريرات الإيديولوجيّة لتكون بمثابة "مراجعة فكريّة ضروريّة" وحماية "المشروع الوطني" والتأقلم مع معطيات "المتغيرات الدولية والإقليمية"؟!! الا إذا كان ذلك، تبريرا لإشكاليات بنيوية فكرية وانهيار في التفكير السياسي لهذه القوى التي تدعي اليسارية، وبالاتفاق مع رأي (لينين): فإنّ المثقفين "هم أكثرُ الناس قدرةً على الخيانة لأنّهم أكثرُهم قدرةً على تبريرها." لأنهم يهرولون نحو الامتيازات والألقاب على حساب مواقفهم المبدئيّة.

واقع الحال، يكشف أن التصدي لتلك الأزمات ( البنيوية والبرنامجية) يجري في الغالب بصورة ارتجالية واحيانا "عاطفية"، وفق استراتيجية ردة الفعل على مفاهيم وسياسات وحراك الاخر، وليس وفق ما يتطلبه بناء الفعل وروافعه استراتيجيا، وكأن التناقضات السياسية والاجتماعية هي مجرد سوء فهم وليست تعبيرا عن تناقضات لواجهات سياسية تمثل مصالح فئات وشرائح اجتماعية ولا يمكن التنازل عنها. 

لذلك، يبدو ان اداء اليسار الفلسطيني في مرحلته الراهنة لا يتناسب مع رسالته التاريخية وتضحياته ودوره الوطني الجذري ومصداقيته الثورية في تعامله مع الحالة الفلسطينية السائدة، هذه المصداقية لا تتحقق باستراتيجية النقد والمعارضة الخطابية فقط،بل تتحقق في سعيها الى تأسيس البدائل الوطنية والاجتماعية واليات عملها،أي ان تتصدر قيادة المرحلة سياسيا واجتماعيا، فالاختلاف مع شريحة السلطة الفلسطينية ليس اختلافا في" الطباع"بل اختلافا في الطبيعة السياسية العضوية .

واليساري لا يعني السياسي الذي يؤمن بالمزايا السحرية لأفكاره، بل في التزامه وتبنيه لمصالح الجماهير الشعبية في خلاصها الوطني والاجتماعي،

وفق اليات عمل مرحلية واستراتيجية، متقدما الصفوف برصيده الجماهيري الملتف حوله وعليه ان يدفع " الثمن" المطلوب.

ان الرهان على التغيير في بنية الشريحة السائدة في السلطة الفلسطينية وسياساتها هو رهان نظري لا يمت بصلة لأية رؤية تحليلية علمية لصراع الطبقات الاجتماعية ومصالحها،ذلك، يستدعي مغادرة اليسار الفلسطيني حالة "حرب المواقع الثابتة" الى "حرب الحركة والبناء"، وهذا لن يتحقق الا اذا امتلك اليسار الفلسطيني شروط" التجاوز الجدلي" للواقع القائم.

ان التجديد والتغيير في الحالة الفلسطينية ابعد ما يكون عن" المركزية الفلسطينية" لتحاشي سلطة الجغرافيا وسلطة الاحتواء وسلطة الامتيازات الطبقية، لابد من السعي وراء التجديد الفلسطيني من "اللامركزية" في داخل الأطر الجماهيرية والنقابية والمؤسسات المدنية والاجتماعية، لان سلطة المركز الفلسطيني والتشتت الجغرافي سيحولان دون ذلك.

 

د. باسم عثمان - كاتب وباحث سياسي

 

باسم عثمانان المعركة الانتخابية الحالية للكنيست الاسرائيلي تختلف عن سابقاتها فهي أشد حدة وتنافساً بين الأحزاب السياسية و من حيث نتائجها الدراماتيكية بالنسبة لنتنياهو ومعسكره اليميني المتطرف، وكما انها تميزت بتمحورها حول نتنياهو ومستقبله السياسي لاسيما وأنها تتزامن مع اقتراب الموعد الذي حدده المستشار القانوني للحكومة للاستماع لأقواله حول قضايا الفساد الموجهة ضده أمام لجنة قانونية خاصة قبل إصدار قرارها النهائي. هذه الحقيقة يدركها نتنياهو جيداً ويعتبر فوزه في الانتخابات "وهذا لم يحصل" كملاذه الأخير، ويتمكن من تشكيل حكومة تُقدم له طوق النجاة وتساعده على تمرير قانون الحصانة الذي يمنع تقديمه للمحاكمة طيلة فترة ولايته رئيساً للحكومة. 

هذه النتائج لانتخابات الكنيست الإسرائيلي شكلت صفعة لبنيامين نتنياهو، الذي ركب في دعاية حملته الانتخابية موجة عالية من التطرف اليميني بدءاً من استرضاء المستوطنين بإعلان نيته ضم الأغوار الفلسطينية ومنطقة شمال البحر الميت ومناطق جنوب الخليل، وفرض السيادة الإسرائيلية عليها كخطوة أولى على طريق ضم الكتل الاستيطانية والمستوطنات والبؤر الاستيطانية إلى "دولة الاحتلال الإسرائيلي"، وانتهاء بلجوئه إلى أكثر أشكال الانحطاط في التحريض العنصري ضد المواطنين العرب الفلسطينيين في "إسرائيل".

لا سيما ان الخارطة السياسية في "إسرائيل" دخلت في مرحلة تشكيل جديدة صعبة ومعقدة بعد فشل نتنياهو ومعسكره اليميني الاستيطاني والعدواني المتطرف والعنصري في انتزاع فوز يوفر له حصانة من تهم الفساد ويمكنه من تشكيل حكومة مستوطنين معادية للوجود الفلسطيني على ارضه، لذلك، يجب عدم الوقوع في الحسابات السياسية الغامضة فلسطينيا،وارسال رسالة سياسية واضحة للإدارة الاميركية برفض مشاريعها لتصفية القضية الفلسطينية مهما اتخذت من تسميات وعناوين، ورسالة واضحة لجميع المعسكرات السياسية في "إسرائيل" بأن الجانب الفلسطيني ماض في خياراته  السياسية والوطنية، وإعادة بناء العلاقة مع "إسرائيل" وفقاً لرؤية وطنية استراتيجية باعتبارها دولة احتلال كولونيالي استيطاني و كيان تمييزعنصري وتطهير عرقي،والعمل على فك الارتباط بسلطات الاحتلال بدءاً من الورقة السياسية أولا، بسحب الاعتراف "بدولة إسرائيل"،ووقف التنسيق الأمني المشترك، الى حين اعترافها بدولة فلسطين على حدود الرابع من حزيران عام 1967 بما فيها القدس وانتهاء بفرض المقاطعة على جميع البضائع الاسرائيلية، التي لها بديل وطني أو عربي أو أجنبي ومواصلة العمل على الساحة الدولية لكسب مزيد من الاعتراف الدولي بدولة فلسطين تحت الاحتلال وانضمام هذه الدولة إلى جميع منظمات ووكالات الأمم المتحدة.

في هذا السياق،السلطة الرسمية الفلسطينية قررت – وعلى ما يبدو إعلاميا واستعراضيا فقط - أن الإقدام على ضم الضفة العربية ومستوطناتها سيؤدي إلى إنهاء كل الاتفاقيات مع الاحتلال الاسرائيلي، ولكن من دون استعدادات جدية وعملية على الارض لتحقيق ذلك :لا تحركات سياسية ولا اقتصادية ولا قانونية ولا شعبية كفاحية بمستوى خطورة الإعلان، ولا بمستوى خطورة ما يجري على الأرض، وهو أخطر بكثير من الإعلان؛ كونه يجسد الضم الزاحف الذي يمهد لإنجاز الضم القانوني وعلى الطريقة الاسرائيلية.

كما ظهر في الأفق السياسي الفلسطيني الرهان على خسارة نتنياهو في الانتخابات الحالية،  وخسارة ترامب في الانتخابات الرئاسية القادمة، و بالتحليل السياسي،فان الرهان على الغيرلا يمثل أكثر من الاقرار بالهزيمة السياسية والانخراط في المشروع المعادي. 

إضافة إلى ما سبق، علينا ان ندرك ان هناك (لاءات) اسرائيلية كبيرة بخصوص المشروع الوطني الفلسطيني تتحكم بسياسة جميع الأحزاب الإسرائيلية وعلى اختلاف مشاربها الأيديولوجية والموقعية،وان الرهان على الخلافات في ما بينها في الموضوع الفلسطيني ليس اكثر من مجرد أضغاث أحلام "وحلم ابليس بالجنة"، لأن الأولوية في ملعب الفلسطينيين (ذاتيا و موضوعيا) ما تستدعي بناء متطلبات واليات المشروع الوطني الفلسطيني واستراتيجيته الكفاحية للكل الفلسطيني بدون استثناء وعلى كامل امتداد جغرافية تواجده في الداخل والشتات.

يقول واقع الحال إن من أوصلنا إلى الكارثة الوطنية في الحالة الفلسطينية الراهنة لا يزال مقتنعًا أن أوسلو بنتائجه المدمرة هو خياره الوحيد، ويتلطى خلف شعارات شعبوية واستعراضية تخدم مصالحه البيروقراطية واجندة امتيازات سلطته الفئوية، بحجة الخروج عنه او الغائه سيخدم"إسرائيل"؟!،وأن المخرج منه سيقود الى إعادة إنتاج شبيه له والعودة إلى دوامة المفاوضات العبثية؟!، مع أن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة تخلت عنه منذ فترة طويلة ولا تريد إلغاءه حتى لا تتحمل المسؤولية عن ذلك، وحتى تبقي الفلسطينيين مقيدين بالتزاماته. فعملية السلام ماتت منذ زمن بعيد ويجب دفنها، ويجب على الكل الفلسطيني وخاصة السلطة الرسمية الكف عن اجترار ذات النغمة التبريرية أن هذه الخطوة أو تلك أدت إلى نسفها، مما يعكس استمرار التعلق بأوهام أوسلو وتعبيرا عن الإفلاس السياسي.

ان إعلان نتنياهو الاخير، وهو برسم كل المنظومة الأيديولوجية للأحزاب الإسرائيلية، بات يمثل بداية جديدة لمرحلة جديدة ،سياسة تهويدية وميدانية للأراضي الفلسطينية، خاصة بعد ان تم فرض قوانين جديدة من قبل "الإدارة المدنية" في أساليب التعامل مع السكان الاصليين، وهو ما تتجاهله "القيادة الرسمية"، وبدلا من الذهاب لاتخاذ قرارات فعل ميدانية خرجت لتشرح أن القرار يمثل خرقا للقانون والاتفاقات، في الوقت الذي بدأ فيه نتنياهو بتنفيذ الخطة الأمريكية "مسبقة الصنع" بطريقته الإسرائيلية الخالصة، محددا "واقع سياسي وميداني" جديد، وما على السلطة الفلسطينية الا التكيف معه ؟

ان موقف السلطة الرسمية الفلسطينية بات واضحا، لا لخطوة تصعيدية في وجه نتنياهو وسياساته، وانما الاستسلام للأمر الواقع وامام هذا المشهد من الحالة الفلسطينية الراهنة تبرز الحاجة الملحة لتبني استراتيجية فلسطينية شاملة، تعمل على استنهاض كل عناصر القوة داخل المجتمع الفلسطيني، وإعادة الاعتبار لقضيته الوطنية، وترتكزعلى فكرة مواصلة النضال والمقاومة الوطنية بكافة اشكالها، بحيث إذا أخفق مسار كفاحي معين، يتوجب تبني مسار بديل، وأن يتأسس برنامج النضال الوطني على فكرة تعزيز صمود الشعب الفلسطيني فوق أرضه، وممارسة كافة أشكال المقاومة، والنضال ضد كل تجليات سياسات الاحتلال الاستيطانية والعنصرية، وأن تتواكب المقاومة الوطنية الفلسطينية في مساراتها الموازية والمتصلة على امتداد جغرافية التواجد الفلسطيني في الداخل والشتات فإذا كان الهدف المعلن لفلسطينيي الأرض المحتلة هو إقامة دولة مستقلة، وكانت مطالب فلسطينيي 48هي المساواة والعدالة وضد سياسة التمييز العنصري، ومطالب فلسطينيي الشتات هي العودة؛ فإن الاستراتيجية الفلسطينية الشاملة، يجب أن تتضمن هذه الأهداف العادلة، وتصوغ برامجها الكفاحية على أساسها، بحيث تحافظ على وحدة الشعب وقضيته من خلال وحدة حقوقه لأن تهميش أي فئة من فئات الشعب الفلسطيني داخل الوطن أو خارجه ستؤدي إلى تقويض الهوية الوطنية الجامعة.

ان مرور26 عامًا على اتفاق أوسلو؛ أوجد بنية كاملة سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وأمنية، ويغذيها ويقويها أصحاب المصالح الذين نموا في ظل الاحتلال والانقسام، وانتشروا في ظل غياب البدائل الوطنية الحقيقية، وهم يرون أن استمرار الاتفاقات والالتزامات هي بمنزلة بوليصة تأمين على الحياة لاستمرار السلطة وامتيازاتهم.

ان ما يجري في المنطقة وعلى امتداد العالم، يشير إلى أن العالم مقبل على نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب، منظومة عالمية وإقليمية يتشكلان من جديد، ويمكن جدًا أن يكون للفلسطينيين حضورهم القوي والمميز إذا استطاعوا توفير مستلزمات الحضور المطلوبة.

ان فاز نتنياهواو خسرالانتخابات، فان رهان الشعب الفلسطيني يجب ان يكون خارج هذه المعادلة، ويتمركز في وحدته وبرنامجه الوطني التوافقي والتزاماته البديلة عن أوسلو واستحقاقاته الفلسطينية، لأن جوهر المشروع الصهيوني وعلى اختلاف حكوماته المتعاقبة، يقوم على الغاء المشروع الوطني الفلسطيني وخلق الحقائق على الأرض – استيطانا وزحفا وضما - ثم ترسيمها قانونيًا ومؤسسيًا في الوقت المناسب و يدعي ان هذا هو واقع الحال.   

 

د. باسم عثمان

كاتب وباحث سياسي

 

بكر السباتينفي الصراعات الكبيرة يهزم عادة الطرف الذي يفقد خياراته.. ورغم ذلك لن يخرج من أتون المواجهات بل يتحول إلى حليف برتبة بيدق على رقعة الصراع مع الخصوم الأقوياء للطرف المنتصر.. هذا ما خطر لي وأنا أحاول فهم الصراع الصيني الأمريكي منذ مجيء ترامب.. لذلك فقوة الصين في مواجهتها مع الولايات المتحدة الأمريكية تكمن في خياراتها الاستراتيجية، مثل استهداف الدولار باليوان، وتحالفها مع خصوم أمريكا الأقوياء مثل روسيا، ثم الدخول إلى الاقتصاد الإيراني المحظور وكسر المحرمات الأمريكية إزاءه، لتوفير مصادر الطاقة وفتح بوابة آسيوية للصين عبر طهران إلى أوروبا.

إذن الصراع الصيني الأمريكي في جانبه الاقتصادي يقوم على اختبار كل دولة لعملتها في صعيد عالمي، وخاصة أن موقف اليوان يجد تشجيعاً أوروبياً لمواجهة طموحات ترامب الإقصائية في أوروبا الغربية وخاصة ألمانيا.. خلافاً لما كان عليه الحال قبل مجيء المقامر الأشقر ترامب الذي غير كل قواعد الصراع وخاصة في المجال الاقتصادي والدخول في مواجهات فعلية على الأرض بين العملاقين الباندا الصيني والعم الأمريكي سام.

وفي سياق متصل ما زال العالم يعيش تداعيات وعود ترامب الانتخابية القائمة على إعادة أمريكا إلى موقع القطب الواحد التي كنا في الشرق الأوس أكثر من دفع فاتورتها ثم جاء العملاق الصيني الذي ما زال في موقف القوي إزاءها، إذْ لم يُفوِّت الرئيس الأمريكي مناسبة إلا وانتقد الصين، وسياساتها الاقتصادية والتجارية، فبعد تثبيت سعر صرف اليوان أمام الدولار الأمريكي في يناير 2017، فإن الصين بذلك عملت على تثبيت قوة العملة الصينية وسيطرتها مقابل الدولار؛ إذ إن بكين التي تتحكم في اليوان، لا تسمح له بالهبوط أو الارتفاع، بأكثر من 2% يوميًّا، وذلك لمنع تقلبات العملة، والاحتفاظ بالسيطرة عليها؛ لذلك وفي أبريل من العام نفسه ذكر ترامب بأنه يجب تسمية الصين بدولة «تتلاعب بالعملة» ومن هنا بدأت المواجهة تتخذ طابعاً بنويوياً عميقاً. وليس خافياً على أحد في أن تخفيض سعر العملة، أو حتى تثبيت سعر الصرف، شكَّل تخُوفًا رئيسيًّا للرئيس ترامب، ومن قبله الرئيس أوباما؛ إذ إن الصين بذلك تدعم منتجاتها المختلفة في الأسواق العالمية، من أجل غزوها حتى باتت الصناعات الأمريكية الاستهلاكية في موقف حرج، إذ بات عليها أن تنتج هذه السلع في مصانع أمريكية تعمل في الصين حتى تقلل من تكلفتها من أجل دخول الأسواق العالمية بأسعار تنافسية وقد تجد مخرجات هذا الواقع في غضون جولة ما في الأسواق الشرق أوسطية ومنها الأردنية على سبيل المثال، فالدمغة الصينية باتت هي المسيطرة؛ وما زاد الطين بلة هو التنافس المحموم في مجال السلع التكنلوجية وكسر كل المحاذير الأمريكية من قبل المنتج الصيني الذي أبدى قدرة فائقة على التنافس الشديد.. وهذا يعني بأن زيادة صادرات الصين باعتبار أن منتجاتها ذات أسعار أرخص من مثيلتها الأمريكية، يؤثر بشدة في الصادرات الأمريكية، ويقلل العائد من صادرات الولايات المتحدة، وهو ما سبب تخوُفًا للرئيس ترامب، وذلك نظرًا إلى أنه يزيد من قيمة العجز التجاري بين البلدين. من هنا اعتبر ترامب إصداره رسوم جمركية عقابية على بعض الواردات الصينية إجراءً وقائياً.

إن الأزمة الاقتصادية بين الصين وأمريكا آخذة في التفاقم بالعمق، وتتخذ طابعاً تصعيدياً بين اليوان الصيني والدولار الأمريكي.. وفي سياق ذلك تحاول الصين تعرية الدولار الأمريكي أمام مستخدميه في العالم من خلال لُجوء بنك الشعب الصيني بشراء ما قيمته 100 مليار دولار من الذهب في إطار الحرب التجاريّة مع أمريكا، والتحالف مع روسيا من أجل إقامة نظام مالي جديد يُنهي هيمنة الدولار الأمريكي. ويرى خبراء صينيون بأنه في غضون خمس سنوات سيتصدر اليوان قائمة العملات العالمية باقتدار ومن الطبيعي أن يُفهَم هذا التوجه الصيني على أنه استمرار في تنفيذ الاستراتيجية الصينية الرامية إلى توفير غطاء من المعادن الثمينة لعملتها اليوان حتى تحافظ على ثقة دول العالم، ويعزز مساعيها لإضعاف الدولار الأمريكي، وإنهاء سيطرته على النظام المصرفي العالمي، حيث يصِل حجم الاحتياطي الصيني من الذهب حواليّ 1885 طنًّا مما يضعها في المرتبة السابعة، مقابل المخزون الأمريكي الذي يصِل إلى 8133 طنًّا ما يضع بلاد العم سام في المرتبة الأولى,, ولكن الفرق بين المخزونين أن المخزون الأمريكي لا يغطي ما تطبعه أمريكا من الدولار، وهو ما تصمم الصين على تجاوزه.. ولنأخذ بعين الاعتبار أنّ الذهب يُشكّل دائمًا الملاذ الآمن في ظل تصاعد التوترات العسكرية على أكثر من جبهة في العالم، وخاصّة بين الولايات المتحدة وإيران في مضيق هرمز حيث تستورد الصين معظم احتياجاتها من النفط التي تقدر بحوالي خمسة ملايين برميل يوميًّا.. لذلك أعلنت الصين عن عزمها استثمار ما قيمته 280 مليار دولار في قِطاع الطاقة (الغاز والنفط) الإيراني، وتحويل إيران إلى شريك تجاري رئيسيّ.

ولم يأت القرار الصيني من باب الارتجال والرجم بالغيب لأن الرؤية الصينية بعيدة المدى ومحبوكة مع جملة من المصالح الصينية المشتركة مع دول الجوار وخاصة الصين حيث يجمعهما مشروع ميناء غوادر على بحر العرب.. من هنا يقرأ الخبراء دوافع الصين للاهتمام بالعلاقة الاقتصادية مع إيران، لجعلها البوابة الآسيوية إلى أوروبا حتى تطيح بسطوة الاقتصاد الأمريكي في عالم تتحكم به المصالح والرهانات على التكتلات الاقتصادية التي تسعى لضرب الدولار وإخراجه واهناً ومكشوفاً.

والسؤال هو هل تساعد الظروف في تحقيق كل طرف أجندته الاقتصادية على خلفية التداعيات السلبية الداخلية لهذا الصراع البيني.. ناهيك عن المشاكل التي تواجه ترامب من قبل خصومه الديمقراطيين وحالة الركود التي من المحتمل أن تصيب الاقتصادين العملاقين، أضف إلى ذلك ما تشهده الصين من اضطرابات في بعض الأقاليم وخاصة هونغ كونغ.. الرهانات بين العملاقين مفتوحة واليوان يكتسب مناعة أمام الدولار.. والأسئلة تتوالد في صراع ستمس مخرجاته العالم.

 

بقلم بكر السباتين

 

باسم عثمانثمة حاجة ماسة إلى نسق سياسي جديد تحدد مساره قيادة سياسية جديدة تمثّل جميع الفلسطينيين ولا يقتصر تركيزها السياسي والتمثيلي على جغرافية الضفة الغربية و قطاع غزة، وسيتطلب ذلك الابتعاد عن إطار أوسلو والتزاماته وسياسة "الامرالواقع" الحمساوية، وإعادة التفكير بالرؤية السياسية والاستراتيجية الفلسطينيتين، وكذلك بدور المؤسسات الوطنية والمدنية، ليتسنى للفلسطينيين جميعا، أن يتحوّلوا إلى لاعبين سياسيين مُنظمين وأكفاء يتصدرون المقاومة الوطنية والمجتمعية ضد المشروع الكولونيالي الاستيطاني الإسرائيلي.

ان الإنكار المتعمد للرسمية الفلسطينية لأثار أوسلو ونتائجه التدميرية (فلسطينيا)،فاقم المشكلات الناجمة عنه، لأنه من الأساس تمت صياغته على هامش و كواليس الرؤية والاجماع التوافقي الفلسطيني،ولم تجر الرسمية الفلسطينية اية مراجعة نقدية له، فضلاً عن أن ذلك، أفضى إلى تكلّس العقل السياسي الفلسطيني السائد، الذي كفّ عن البحث عن خيارات بديلة، ناهيك عن إشاعته البلبلة في إدراكات الفلسطينيين الجمعية، بما فيها إدراكاتهم لمصيرهم المشترك ولعلاقتهم بقيادتهم التمثيلية.

نحو تجديد مؤسَّسي:

إن الهوية السياسية والثقافية الفلسطينية والمثال الأعلى المُدرَك للوحدة الفلسطينية ما زالت أصداؤهما تتردد بقوة، غير أن الشعب الفلسطيني والذي يعاني التشتت السياسي والجغرافي والاغتراب السياسي عن حالته الوطنية على حد سواء، وتكلس الفكر السياسي لمرجعيته، الأمر الذي يزيد من تعقيد الجهود الرامية إلى التجديد المؤسسي (مركزيا).

ورغم الإقرار الشعبي الفلسطيني ومثقفيه بضعف منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسساتها الوطنية والتمثيلية، لا زالوا يعتبرونها كيانا حيويا ووطنيا (شرعيا وتمثيليا)، وهي المفتاح الرئيسي لإحياء المشروع الوطني الفلسطيني وتجديد مؤسساته، بالترابط مع كل ما هو نقابي واجتماعي ومدني داخل المجتمع الفلسطيني. فالسلطة الفلسطينية أخذت بالضمور والانحسار السياسي والوطني وهي تبذل جهدها اليوم لتقديم الخدمات الادارية العامة والمحافظة على سيولتها النقدية وامتيازاتها الشخصية، وقد فشلت في رعاية جيل جديد من المواهب والكفاءات الشبابية تنمويا، وثمة دلائل واضحة كل الوضوح على هجرة الأدمغة والشباب الفلسطيني من ميدان المواجهة (الوطنية والاقتصادية).

في السياق نفسه، هناك العديد من الفصائل الفلسطينية التقليدية والتي تواجه تحديات جسيمة، داخلية و خارجية، فقد تنازلت وفقدت (فتح) إحساسها التاريخي برسالتها الوطنية بعد عقود طويلة من ممارسة السلطة، وهي تؤدي وظيفتها الآن كشبكة للرعاية الخدماتية لا كحزب سياسي وطني تحرري، وتواجه (حماس) مشاكل أعمق من ذلك، غياب الاستراتيجية الوطنية، وضعفها في الضفة الغربية وعجزها عن إدارة دفة الحكم في غزة، وفشلها في طرح خيار حقيقي للمقاومة، ووضعها الحالي على هامش اجندة الرأي العام الدولي وتجاذباته، في الوقت الذي وافقتا فيه اي ( فتح وحماس)على تقسيم عملي وسلطوي لفلسطين، جغرافيا وديمغرافيا وسياسيا، مما أدى إلى تَخنْدُق كل منهما وراء رؤيته السياسية الفئوية،على حساب التيار القوي في أوساط الفلسطينيين الذي يرى أن هذه المنافسة اللامبدئية والسلطوية، ساهمت في تقويض وحدة الشعب الفلسطيني، كما أنها أسهمت في تداعي مؤسساته المجتمعية منها والوطنية والتمثيلية، والى تدني تجليات القضية الفلسطينية و مركزيتها إقليميا ودوليا،اضف الى ذلك، فقدان بقية الفصائل الفلسطينية التقليدية قدرتها على اجتذاب الأجيال الجديدة من الشباب والكفاءات الفلسطينية المهنية والاطر الجماهيرية المتنوعة، فلا زالت هذه التيارات التحتية الجماهيرية والتي أدت إلى ولادتها وانطلاقتها أصلا، تتمتع بحضور مؤثر في المجتمع الفلسطيني ولكنها – للأسف – على هامش بيروقراطيتها الفصائلية والتنظيمية، كما أن البنى التنظيمية والوطنية والمؤسساتية التي تجسد الهُويّة الوطنية الفلسطينية آخذة بالتحلل والانهيار، بيد أن الهوية الوطنية الفلسطينية نفسها ما زالت ثابتة الأركان في الضمير الجمعي والوطني الفلسطيني.

ثمة مؤشرات عديدة على العنفوان والروح الوطنية الديناميكية على المستويات الوطنية اللامركزية الفلسطينية، فالنقابات، والاتحادات المهنية، والأطراف الفاعلة الأخرى في المجتمع المدني، تمارس نشاطا سياسيا داخليا نابضا بالحياة، وتتشابك مع القادة الأكثر شبابا ممن يستطيعون إعادة الروح إلى السياسات الفلسطينية، فيما توشك السلطة الرسمية الفلسطينية على الاندثار والتهميش وانتقالها من جيل إلى اخر.

نرفض صفقة القرن ونلتزم بأوسلو واستحقاقاته؟!!:

منذ اتفاقيات أوسلو العام 1993، باءت كل الجهود المتتالية للتفاوض حول الحل النهائي بالفشل، ومع تزايد الشكوك حول الطرق التي قد تؤدي إلى إقامة دولة فلسطينية، فإن الهدف النهائي لم يعد هو العنصر الموجّه للحسابات السياسية الرسمية، ونتيجة لذلك، بدأت الشرعية السياسية الفلسطينية تتآكل مع تصاعد الرأي في أوساط الفلسطينيين بأن قيادتهم الوطنية عاجزة عن طرح رؤية استراتيجية وطنية ومدنية تفصيلية متماسكة، وسيؤدي المسار الحالي لا محال إلى استمرار الاحتلال وقطعان مستوطنيه، وزيادة وتيرة الاستيطان والضم والتهويد الإسرائيلي، واستفحال الانقسام الاجتماعي والسياسي و الجغرافي الفلسطيني (وطنيا ومؤسساتيا وتمثيليا).

وعلى الرغم من ضمور النشاط المؤسسي الفلسطيني، تبرز في الأفق الآن، بعض المؤشرات على نشاط ديناميكيّ – وطني واجتماعي مدني -على مستوى المواقع الفرعية والجغرافية الفلسطينية، فهناك نشاطاً سياسياً واجتماعيا داخلياً نابضاً بالحياة، الأمر الذي خلق الروابط بين الفئات الشبابية المختلفة (جغرافيا)، وأتاح فرصة المشاركة للقيادات الشبابية التي كانت تتعرّض على العموم إلى الإقصاء من جانب السلطة الفلسطينية ومؤسساتها في رسم أولويات المواجهة الفلسطينية مع المشروع الامريكي - الاسرائيلي، في حين،ان المقاربات الوطنية البديلة التي يجري تبنيها، مثل حملة مقاطعة "إسرائيل" وابداعات المقاومة الشعبية والمدنية السلمية وادواتها، فإنها تنبثق من المجتمع المدني الفلسطيني الناشط وليس من مراكزالقوى التقليدية الفلسطينية، بل إن اكثر الفلسطينيين يتوقعون أن يكون المجتمع المدني ومفاعيله – لا مركزية الأحزاب والقوى السياسية – هو المِهاد والتربة الخصبة لزراعة ونمو جيل من القياديين الفلسطينيين الراديكاليين وطنيا ومبدئيا في المستقبل القريب.

لم يكن تغييرُ الموقع السياسي والمنظومة الفكرية للعديد من القوى الفلسطينية، باستخدام مبرّراتٍ سياسيّةٍ موضوعية عند البعض،او تسويقية براغماتية عند البعض الاخر، مسألةً جديدةً في التاريخ الفلسطينيّ المعاصر، فعلى صعيد الفكر السياسيّ الفلسطيني، تدحرج الخطابُ الرئيسي للحالة الفلسطينية من:

"تحرير فلسطين التاريخية وإقامة الدولة الديموقراطيّة العلمانيّة على كامل التراب الوطنيّ الفلسطيني"؛ إلى خطاب "دولتين لشعبين" مرحليا؛ ليصل أخيرًا مع اتفاقيّة أوسلو ونتائجها التدميرية الى سلطة الحكم الذاتيّ "مخترة بدون ختم مختار"، وتحوّلِ هذه السلطة إلى موظّفٍ أمنيٍّ صرْف، مهمّتُه حمايةُ المستَعمِر ومستوطنيه! وما " التنسيق الأمني المشترك" بين الاحتلال والسلطة الفلسطينية خيردليل على ذلك.

هذا الانزلاق الخطير في الموقع والفكر السياسي،من شعار "حل الدولتين" الى اوسلو واستحقاقاته ونتائجه، اتى تعبيرًا عن مصالح الشريحة البيروقراطيّة التي نمتْ وتضخّمتْ وترعرعت في مؤسسات السلطة الفلسطينية واداراتها، عبر التمويل الخليجيّ أساسًا وللمقايضة السياسية حتما، فغدتْ مناصبُها وامتيازاتُها وسلطتُها ورأسُ مالها الاجتماعيّ والمهني أهمَّ من المسألة الوطنيّة وامتيازاتها، لذا، وجدتْ تلك الشريحة البيروقراطية والإدارية الوظيفية حليفَها الأساسي مع الرأس المال الفلسطينيّ المهاجر والخليجي بدرجة أساسية.

في ذات السياق،وعلى سبيل المثال لا الحصر، بعض الفصائل الوطنية الفلسطينية والتي تدعي اليسارية منها، لحقت بركب السلطة وامتيازاتها الوظيفية، من دون أنْ تمتلك حتى مجرّدَ القدرة على التمايز اللفظيّ عن نهج السلطة وفكرها، فاضحت ديكورا لها لا اكثر ولا اقل، ودعموا تراجعَهم الموقعي والفكري بسلسلةٍ من التبريرات الإيديولوجيّة لتكون بمثابة "مراجعة فكريّة ضرورية للمتغيرات الإقليمية والدولية"؟!،وهل هناك مراجعة نقدية موضوعية بحجة حماية "المشروع الوطني" والتأقلم مع "المتغيرات" تقود الى تبرير الانهيار السياسي والانبطاح والاستسلام؟!.

ان التاريخ والسمعة النضالية، ليست "جوازَ سفر" إلى مواقعَ تفترق عندها الوطنية !!! من يرسم متطلّبات النضال الوطني في سمته المرحلية والتأكيد على الثوابت، مقابل الاصطفاف في طريق خدمة المشروع المعادي للقضية الوطنية و حقوقها، لان الخطاب الشعبويّ حول "التاريخ النضاليّ السابق" لتسويق الانهيار والعجز في الأداء السياسي، و التمترس خلف مصطلحات "البدايات" و"رموز الثورة"، ليس اكثر من التبرير للتنازلات السياسية المجانية و السياسات التوصيفية البراغماتية لواقع الحال، وهو أيضا، تدعيم للدعاية الشعبويّة المبرِّرة للتنازل والسقوط السياسي في احصان المشروع التصفوي الانهزامي المتناقض مع أولويات وابجديات المشروع الوطني الفلسطيني.

ليس ثمّة ما هو أسوأ من اعتماد الانحطاط والتخلف في الأداء السياسي و البرنامجي مدخلًا نظريًّا إلى التغيير،فالهزيمة السياسية يجب أن تكون مدخلًا إلى مراجعة السياسات والتوجّهات والبرامج النضالية من أجل تجديد التمسّك بالمبادئ والثوابت والمكتسبات الوطنية والسياسية من جهة، واجتراح آليّاتٍ جديدةٍ للعمل الوطني والجماهيري من جهة أخرى.

ان التجديد والتغيير في الحالة الفلسطينية ابعد ما يكون عن" المركزية الفلسطينية"، لتحاشي سلطة الجغرافيا وسلطة الاحتواء، لابد من السعي وراء التجديد الفلسطيني من "اللامركزية الفلسطينية"، في الأطر الجماهيرية والنقابية والمؤسسات المدنية والاجتماعية،لان سلطة المركز الفلسطيني والتشتت الجغرافي سيحولان دون ذلك.

 

د. باسم عثمان

كاتب وباحث سياسي

 

فراس زوينشرعت وزارة المالية منذ فترة بكتابة مسودة موازنة عام ٢٠٢٠ بشكلها النهائي، والتي قدرت إيراداتها بحسب العديد من المطلعين ب ١٣٩ تريليون دينار، بعد احتساب سعر البرميل ب ٥٣ دولار أمريكي، وليس هذا بالأمر الجديد أو الغريب ففي كل عام تعكف كل الجهات ذات العلاقة على العمل بهدف تسليم الموازنة في مواعيدها القانونية والدستورية، لكن قد يكون الغريب أو الصادم في الأمر ما صرحت به اللجنة المالية النيابية في يوم السبت ٢٧/٧/٢٠١٩ حول تفاقم العجز في الموازنة لمستوى بلغ ٧٢ تريليون دينار.

ولمن لا يحيط بمعنى العجز بمفهومه الاقتصادي فانه يعرف بأنه "انعكاس لعدم قدرة الإيرادات العامة على تغطية النفقات العامة أي زيادة النفقات العامة علو الإيرادات العامة" وقد تكون هذه الأرقام تقديرية وغير دقيقة كما صرحت بذلك سابقاً وزارة المالية، لكنها وبكل حال من الأحوال تعكس وبكل وضوح حجم الأزمة المالية والاقتصادية التي تعصف بالعراق، وخصوصاً إنها صدرت من جهة مطلعة ومختصة بالشأن المالي والاقتصادي في البلاد وهي اللجنة المالية النيابية.

ان ارتفاع العجز في الموازنة العمومية من تقدير ٢٢،٨ عام ٢٠١٩ إلى تقدير ٧٢ تريليون كما صرحت به اللجنة المالية النيابية يعود للاحتمالات التالية، 

- الاحتمال الأول هو زيادة حاصلة في الإنفاق الحكومي بشكل يفوق حجم الواردات المتاحة خلال العام القادم .

- الاحتمال الثاني هو تراجع مستوى الإيرادات العامة لسبب أو لأخر مع ثبات حجم الإنفاق العام مما يؤدي إلى اختلال توازنهما.

- أو كلا الاحتمالين معاً .

وحيث إن قرابة ٩٠٪ من مصادر تمويل الموازنة العمومية في العراق هو عن طريق ما يوفره تصدير النفط الخام وبيعه، ومع ملاحظة ثبات حجم التصدير الذي قدر ب ٣،٨ مليون برميل بما فيها ٢٥٠ ألف برميل عن طريق إقليم كردستان (في حالة الالتزام والإيفاء بهذا البند) وحتى مع تراجع تقدير سعر البرميل من ٥٦ إلى ٥٣ فان الفرق لازال دون مستوى العجز المقدر في الموازنة القادمة فلا يمكن القول بتراجع مستوى الإيرادات العامة للدولة ويتبقى بذلك سبب واحد لارتفاع العجز وهو زيادة الإنفاق الحكومي في الفترة القادمة.

ومع مراجعة موازنات السنوات السابقة ومقارنتها مع تصريح اللجنة المالية النيابية حول العجز المتوقع نلاحظ القيمة المرتفعة للعجز الكلي، والتي قد تتجاوز ٢٠٪ من القيمة الكلية للموازنة، فقد كان في عام ٢٠١٧ (٢١،٦ مليار) ليبلغ في عام ٢٠١٨ إلى (١٩مليار) ثم يعاود الارتفاع في تقدير قانون موازنة ٢٠١٩ إلى (٢٢،٨ مليار) ثم يقفز في تقدير عام ٢٠٢٠ ب (٧٢) تريليون دينار !!!

قد يكون من الملائم في هذا المقال الإشارة إلى ما قاله واكد عليه عالم الاقتصاد الألماني (فاكنر) والذي وضح وجود علاقة إيجابية بين الإنفاق العام والنمو الاقتصادي، فكلما زاد الإنفاق الحكومي تزايد دخل الفرد، وهذه القاعدة الاقتصادية قد تصطدم بقوة أمام التناقض الغريب في حالة العراق، فخلال السنوات الثلاثة السابقة يلاحظ ارتفاع قيمة الكلية الموازنات العمومية، و تنامي العجز في الموازنة والذي عرف بأنه "عجز مخطط" وان كنت شخصياً لا أراه يمت بشيء للعجز المخطط بمفهومه الاقتصادي الذي وضعته المدرسة الكينزية في أعقاب الأزمة المالية الكبرى عام ١٩٢٧ ، حيث بني مفهوم العجز المخطط لهدف إخراج السوق من حالة الركود إلى حالة الانتعاش، من خلال ضخ كميات إضافية من الأموال عن طريق زيادة الإنفاق العام، ولو على حساب الإيرادات الكلية، الأمر الذي يؤدي بدوره إلى ارتفاع حصة الفرد الواحد من الإنفاق الكلي وزيادة كمية الأموال المطروحة في الأسواق المحلية، مما يحفز عملية الشراء والإنتاج لتغطية الطلب المتزايد نتيجة ارتفاع الدخول الفردية للمجتمع، فتندفع عجلة العمل والتنمية بناء على قاعدة العرض والطلب، فكلما ارتفع دخل الفرد ازداد طلبه على السلع فيزداد الإنتاج ويدفع السوق للخروج من حالة الركود الو حالة الانتعاش .

هذه القاعدة الاقتصادية التي بني على أساسها مفهوم العجز المخطط لا نراها في العراق إلا بصورة مشوهة وغير واضحة المعالم، ففي العراق ومنذ عام ٢٠٠٣ ولغاية الوقت الحاضر والموازنات الحكومية يلاحظ عليها ثلاث حالات ،

- ارتفاع القيمة الكلية الموازنات سنة بعد اخرى  باستثناء أعوام (٢٠١٥ – ٢٠١٦ – ٢٠١٧) بسبب انهيار أسعار النفط عالمياً.

- ارتفاع قيمة العجز في الموازنة سواء من حيث الرقم المطلق أو بالنسبة للناتج المحلي الكلي .

- ارتفاع الدين العام سواء نتيجة العجز المتنامي والمتزايد أو لأسباب اجتماعية واقتصادية وأمنية حتى وصل لقرابة ١٢٧ مليار دولار .

وفي نهاية المطاف يلاحظ عدم واقعية هذه الموازنات وعدم جدوى العجز المخطط في تحريك السوق وانتشاله من حالة الكساد التي تفتك به وفشلها في توجيه الدفة الاقتصادية للبلاد، فبالرغم من ضخامة الانفاق حتى وصل ل ١٣٩ تريليون دينار، وارتفاع تقديرات العجز ل ٧٢ تريليون دينار بتقديرات موازنة ٢٠٢٠، يبقى المواطن يعاني شحة العمل ويسأل نفسه بعد ان تعب من سؤال الحكومات المتعاقبة أين تذهب هذه الأموال؟ وأين يذهب العجز المخطط؟ ولماذا العجز المخطط أصلاً إذا لم يكن هناك عمل أو لم يكن هناك تعيينات ولم يكن بناء ولا ماء صالح للشرب ولا كهرباء ولا استثمار ولا علاج للفساد ولازال أكثر من ٣٠٪ من سكان يسحقون دون مستوى خط الفقر فما داعي العجز المخطط وأين ذهبت وتذهب وستذهب الأموال.

 

فراس زوين

 

 

محمود محمد عليمرة أخري نعود ونكمل حديثنا في هذا المقال السابع والأخير عن المخطط الأمريكي لاحتلال العراق 2003،وهنا نركز علي أهم نتائج الحرب الأمريكية علي العراق التي توصلنا إليها من المقالات السابقة، وفي هذا يمكن القول إن التبريرات الأمريكية التي انطلقت منها الحرب الأمريكية علي العراق والتي كان من بينها (القضاء علي أسلحة الدمار الشامل – القضاء علي نظام صدام حسين والذي من وجهة نظرهم أنه علي علاقة مع التنظيمات الإرهابية-وبناء الديمقراطية في العراق– التدخل من أجل حقوق الإنسان) تبين زيف بعضها (القضاء علي أسلحة الدمار الشامل)، وعدم واقعية البعض الآخر (بناء الديمقراطية في العراق– التدخل من أجل حقوق الإنسان) وتحولت العراق لمركز للإرهاب، بدلاً أن تكون مقراً لمحاربته وتحول هدف الإدارة الأمريكية في العراق من الأهداف والتبريرات السابقة إلي مستوي أدني وهو الحفاظ علي استقرار الأوضاع في العراق .

ومن هنا سوف نتقصى نتائج الحرب الأمريكية علي العراق علي عدة مستويات منها المستوي السياسي والأمني – المستوي الاقتصادي – المستوي الثقافي .

1- علي المستوي السياسي والامني:

يتجلى الهدف الأمريكي السياسي والأمني من وراء غزو العراق بوضوح أكثـر، وهـو تسـوية أرض المنطقة العربية وتمهيدها دون مقاومة أو ممانعة تعاند واشنطن في مرحلة ما بعد الحادي عشـر مـن سبتمبر 2001م، وإيجاد "الشرق الأوسط الكبير"، هدفه تطبيع إسرائيل في المنطقة بعد فشل مشروع الشرق أوسطية، بمعارضة قوية من سوريا، والعراق، وإيران، وضرب العراق هو أولاً تعبير عن السخط وفراغ الصبر من عدم خضوع المنطقة كلياً للإرادة الأمريكية، وثانياً حماية أمن إسرائيل ودعمهـا وتبريـر سياساتها وتوفير التغطية الدبلوماسية لكل ما تقوم به هو الوجه الآخر للمصالح القومية الأمريكية، ولا شك في أن موقف العراق من القضية الفلسطينية، كان داعماً ومشرفاً، لذا كان الكيـان الصـهيوني أكبر محرض على حرب العراق .

وباجتياح العراق واحتلال أرضه وإسقاط نظامه السياسي تكون أمريكـا، قـد خطـت خطوتهـا الحاسمة نحو تفكيك الكيان العراقي، وحل الجيش، والشرطة، وإنهاء الدولة، وإحداث فراغ سياسـي فيـه، وسماح قوات الاحتلال لعمليات السلب، والنهب، وإحراق الدوائر الحكومية والوزارات (مـا عـدا وزارة النفط)، والمتاحف، والمكتبات، والجامعات، تعني شيئاً واحداً هو مصادرة الدولة وتحطيم الكيان السياسـي للعراق واستنزافه، ومنعه من النهوض بدوره القومي، وتدمير كل هياكل الدولـة (المؤسسـات العلميـة والثقافية).

وتهدف الإدارة الأمريكية بمساعدة (الموساد) الإسرائيلي، الذي أقام قواعد له فـي العـراق، أن تخلق حالة من التوجس والاحتقان، بين فئات الشعب العراقي ودفعهم للاقتتال الداخلي، وإشـعال حـرب طائفية بين العراقيين، وتقسيمه إلى دويلات متنافرة، ومتصارعة، وغير قادرة على حماية نفسها، وتعـيش تحت الخطر المزعوم، وهذا ما يجعلها دائماً بحاجة لحماية أجنبية، ومن ثم يصبح الاحتلال الأجنبي في العراق ضرورة ومطلباً، وبمناسبة مرور عام على الاحتلال أشارت تقديرات لمركز أبحاث مستقل إلى أن عدد المـدنيين العراقيين الذين قضوا منذ الحرب التي قادتها الولايات المتحدة على العراق يتـراوح بـين 8400 و 10300 شخص .

على أن الأمر الذي يخفف تداعيات الغزوة الأمريكية السياسية على العراق، جاء من الوقفة الرائعة للشعب العراقي،ومن قدرة النخب والناشطين، على تمثيل القواسم المشتركة بين فئات الناس، في وعيهم بوطنهم، ومصالحهم، وعدم فقدان البوصلة في تحديد الأهداف، ورفضهم الأمـان للاحـتلال ومطالبتـه بالرحيل، والقيام بأعمال المقاومة الشاملة ضد المحتلين في بغداد، والفلوجة، والرمادي وغيرهم .

ولا شك في أن مواجهة أمريكا للشعب العراقي نقلها إلى الموقف الأضـعف، ذلـك لأن قوتهـا تتجلى عندما تكون المواجهة بينها وبين دولة وجيش نظامي، أما عندما تواجهها الجماهير، فهنا تكمـن نقاط ضعف القوات المحتلة .

وقد اعترف الجنرال "دافيد ماكيرنان" David McKiernan قائد القوات الأمريكية البرية في العراق بأن " الحرب لم تنته بعد " وأن الأمريكيين حققوا نجاحاً ضئيلاً في مواجهتهم للمقاومة، ويزداد شعور بـأن المعركـة الحقيقية، إنما قد تكون بعد في بدايتها على حسب تعبير كاتب أمريكي في مجلة النيوزويك الأمريكية.

ومن جهة أخري فإنه منذ بداية الاحتلال الأمريكي، فإن الادارة الأمريكية سعت الي استمالة الشيعة علي حساب السنة، وبعد انتهاء الحرب قامت سلطات الاحتلال الأمريكي بقيادة الحاكم المدني " بول باريمر "، بتأسيس مجلس الحكم الانتقالي للعراق علي أساس طائفية اثنية، حيث ضم المجلس 25 عضواً من بينهم 13 عضواً من الشيعة، و5 أعضاء سنة، و5 أعضاء أكراد، وواحد مسحي، وواحد تركماني.

وطبقا لما ذكره " ريتشارد هولبرك" Richard Holbrooke، سفير الولايات المتحدة السابق أن إقامة حكومة ديمقراطية في العراق سوف يخلق صراعات ونزاعات طائفية، وربما تكون تلك النزاعات أسوأ، مما كانت عليه في البوسنة، وذلك لأن الانتماءات الطائفية في حالة العراق أشد تعقيداً .

وكان نتيجة ذلك بطبيعة الحال تزايد معدلات العنف الطائفي، ووصول الأمر الي حد الحرب الأهلية، بل وتفتيت وانهيار الدولة، ويمكننا القول أن الإدارة الأمريكية هي التي أرست الطائفية في المجتمع العراقي، نتيجة السياسات التي اتبعتها في التمييز بين السنة، والشيعة، والأكراد .

وعلي الرغم من إقامة الانتخابات في العراق، إلا أن مستقبل الديمقراطية غير واضح في العراق، فمازالت الأحزاب تختلف حول مجموعة من القضايا، منها دور المرأة، وطريقة الانتخابات، وحسب مجموعة من الباحثين، فإنه لكي تنجح الجهود الأمريكية في توفير الاستقرار، والأمن في السنوات المقبلة في العراق، فإنه يتعين عليها عمل الآتي:

أ- منح السنه تمثيلاً متوازناً مع الشيعة والأكراد في مختلف المؤسسات .

ب- إعادة كافة كوادر حزب البعث إلي وظائفهم السابقة .

جـ- العمل علي تفكيك كافة المليشيات الموجودة علي الساحة، وإعادة إدماجها في المجتمع .

د- العمل علي وضع استراتيجية لتشكيل جيش فعال ومجهز .

ومن نتائج السياسات الأمريكية واتباعها سياسة اجتثاث حزب البعث، فتم نتيجة ذلك طرد آلاف الموظفين، والمدرسين، وأساتذة الجماعات من وظائفهم، وحرمان كل من له صله بـ "حزب البعث" من وظائفه، وكان لهذا تأثيره الواضح علي الوضع الأمني في العراق، حيث انضم العديد من هؤلاء إلي جماعات المقاومة التي رفعت السلاح في وجه الاحتلال والحكومة العراقية .

ومن هنا يجب الاشارة إلي انضمام هؤلاء الأشخاص إلي التنظيمات الراديكالية، ومن تنظيم الدولة الاسلامية الذي أصبح يلعب دوراً مهماً علي الساحة العراقية والسورية .

وارتفع عدد ضحايا الوضع الأمني، طبقاً لدراسة أعدتها مجلة "لانست "الطبية البريطانية، حيث ارتفع معدل الوفيات بنسبة ثلاثة إلي واحد مقارنة بما كان عليه الحال قبل الغزو، وارتفع معدل الوفيات الناجمة عن أعمال العنف من 3,2 حالة وفاة إلي 12 حالة وفاة من كل ألف شخص بعد الغزو من يونيو 2005 الي يونيو 2006 وزاد عدد القتلى الأمريكان الي 2974 خلال أربع سنوات من 2003 الـ 2006 (129)، وعلي المستوي الإقليمي كشفت الحرب مدي ضعف النظام الإقليمي، ووصول النظام العربي إلي مستوي التردي الممثل في جامعة الدول العربية، وفشل هذا النظام في حماية الحقوق العربية وكانت إسرائيل من أكثر الرابحين علي المستوي الإقليمي، حيث تم تدمير دولة عربية تشكل تهديداً لها وهذا سوف يوجه رسالة لباقي دول النظام، إنها سوف تلقي نفس المصير إذا سعت لامتلاك أسلحة دمار شامل، أما إيران فتنامي نفوذها الاقليمي علي عكس ما كانت تشتهيه إسرائيل والولايات المتحدة، وعلي المستوي الدولي كشفت الحرب عن عجز مجلس الأمن والأمم المتحدة في دورهما في حفظ الأمن والسلم الدوليين، وتخطت الولايات مجلس الأمن عندما لم تستطع تخطي غالبية  أعضائه .

2- علي المستوي الاقتصادي:

تؤكد الحرب العدوانية التي شنتها الولايات المتحدة على العـراق أن ثمـة برنامجـاً سياسـياً واقتصادياً لدى اليمين المتطرف في الإدارة الأمريكية ولوبي الصناعة العسكرية، والشركات الاحتكارية الكبرى أرادوا تنفيذها، وبدأ باحتلال العراق والسيطرة على نفطه وتأمين منابعه وخطوط نقله وإمداداته. وكل ما يقال عن نشر " الحرية والديمقراطية " يفتقر إلى دليل حقيقي تظهره الممارسات اليومية لقوات الاحتلال الأمريكية في العراق، إذ استولت هذه القوات على جميع آبار النفط مـن أم قصـر، والفـاو، والبصرة جنوباً، حتى كركوك والموصل شمالاً، وأمنت حراستها حراسة جيدة. كما سـمحت بأعمـال النهب والسرقة في كل الوزارات، والمنشآت الحكومية في العاصمة بغداد، ما عدا وزارة الـنفط التـي وضعت عليها حراسة مشددة منذ اليوم الأول للاحتلال ، ودخل وزارة النفط العراقية في بغداد بحراسة الجنود الأمريكيين “غراي فوغلر”Gray Vogler المدير السابق لشرطة نفـط إكسـون Exxon وصعد إلى الطابق الثالث وجلس على مكتب وزير النفط العراقي السابق "عامر محمد رشيد"، وأخذ يفتش وثائق وزارة النفط العراقية. وعلى عكس حرب الخليج الثانيـة عام ١٩٩١ بقيت منشآت النفط العراقية في حرب ٢٠٠٣ سليمة، وينوي الأمريكيون أن يوجهوا ضربة قوية لمنظمة أوبيك بأن يرفعوا سقف إنتاج النفط العراقي مستقبلاً بعد الإصلاحات في منشآته إلـى ٦ ملايين برميل نفط يومياً، هذا الحلم قد راود السياسيين وأصحاب شركات النفط منذ أزمة النفط ١٩٧٣ في أعقاب حرب أكتوبر 1973م، بأن يكسروا تحكم أوبيك بالأسعار وأن يباع النفط في السوق الحرة وفق قانون العرض والطلب، ولن تسمح الإدارة لأمريكية لمنظمة أوبيك باستبدال دولارها باليورو الأوروبي، وهي لن تتوانى عن نسف هذه المنظمة من جذورها إذا اقتضى الموقف ذلك .

ومما لا شك فيه أن معظم ما تم تدميره في العراق لم يكن بسبب عسكري استراتيجي، بل بهدف اقتصادي بحت، وهو إعادة إعماره وتتسابق كبرى الشركات الأمريكية للحصول علـى عقـود إعـادة المرافق المهمة في العراق وإدارتها، وإن أرباحاً فلكية تحققت وذهبت إلى خزائن من يعرفون بأثريـاء الحروب وفي مقدمتهم الرئيس جورج بوش شخصياً إذ إنه كان مديراً لشركة نفط سابقاً، وإلى شركات لوبي المجمع الصناعي العسكري، وعلى رأسها شركات لوكهيد مارتن. ونائب الرئيس الأمريكي ديـك تشيني، كان رئيساً لمجلس إدارة شركة "هالبيرتون" للخدمات النفطية من عام 1991م حتى عـام 2000م، في حين كانت مستشارة الأمن القومي كوندليزا رايس تشغل منصباً إدارياً رفيعاً في شـركة شـيفرون النفطية لمدة تسع سنوات، وإن وزير الدفاع دونالد رامسفيلد شغل منصب رئـيس مجلـس إدارة شـركة جنرال انسترومنت، وقبلها مجموعة شركات بكتل. وقد أناطت إدارة بوش بالوكالة الأمريكيـة للتنميـة الدولية مسؤولية إعمارالعراق بعد احتلاله. وبدأت معركة العقود أو (معارك البيزنس)، وانكشف الأمر المستور عن حقيقته باحتكار مجموعتي هالبيرتون وبكتل لعملية إعادة الإعمار، فقد حصلت مجموعـة هالبيرتون على عقود تصل إلى ٧ مليارات دولار خلال العامين الحالي والقادم، أبرزها عقود مبرمـة مع شركات كيلوغ براون أندروت Kellogg Brown & Root Inc التي كان تشيني مديرها التنفيذي، وتصل قيمتها قبل اندلاع الحرب مع سلاح الهندسة بقيمة 750 مليون دولار لإصلاح آبار النفط وتشغيلها، وأبرمت عقـود مـع وزارة الدفاع بنحو 450 مليون دولار لتقديم خدمات إمداد الجيش وتموينه في أثناء الحرب. أمـا المجموعـة الثانية هي شركات بكتل ومديرها الحالي جورج شولتز (وزير خارجية في عهد ريجان) وله علاقـات وثيقة مع رامسفيلد حصلت على عقود لإعادة البناء والبنى التحتية وإنشاء محطات كهرباء ومياه وطرق بقيمة 680 مليون دولار.

أما العقود الأخرى ستعطى للدول الحليفة كبريطانيا، وإسرائيل، وأسبانيا، وأستراليا، ثم الشركات من الجنسيات الأخرى على حسب مواقفها من الحرب .

ولا يقتصر الضرر الاقتصادي الذي حل بالعراق على النفط فقط، وإنما على الديون هذه المشكلة كبيرة ؛ إذ إن احتياطات القطع الأجنبي العراقي، قد نفدت بفعل توالي الحروب والعقوبات الدولية. وكـان إجمالي الديون على العراق في نهاية عام 1990م يقف عند حد 48,1 مليار دولار وأصبح فـي نهايـة 2002 م يساوي 180 مليار دولار، وما يزيد على ثلث هذا الدين هو ديون مستحقة لدول الخلـيج العربـي، وفي المقدمة الكويت والسعودية، ثم بعد ذلك روسيا ولها ٨ مليارات دولار تراكمت جميعها قبل عـام 1991م .ويعاني العراق من ورطة الديون التي قد تنقضي أعمار أجيال من أبناء العراق دون أن يقـدر العراقيون على أن يروا شيئاً من ثروة بلادهم، وهو ما يعني أن أمريكا وبريطانيا وحدهما المستفيدتان من النفط المتدفق إلى الخارج .

ومن جهة أخري فقد أنهت الحرب الأمريكية علي العراق علي ركائز الدولة القومية في العراق، حيث أدت سلسة الحروب الي انهيار قيمة الدينار العراقي، وبعد الحرب الأمريكية، تم استبدال الدينار العراقي والذي يحوي صورة صدام بدينار آخر جديد، حيث 1500-2000 دينار عراقي تساوي دولار أمريكي واحد ويمكن القول إن الحرب أدت إلي:

أ- معاناة البنية التحتية للاقتصاد العراقي من الانهيار وتدهور الصناعات النفطية ووصل معدل التضخم الي أكثر من 58% نتيجة انهيار سعر الصرف غير الرسمي للدينار العراقي .

ب- معاناة القطاع المصرفي من السلب والنهب .

جــ - وصول الديون العراقية إلي مليارات الدولارات .

د - معاناة في قطاع النفط ويصل التدهور في بعض الأحيان إلي استيراد العراق البنزين من الدول المجاورة مثل الكويت .

هــ - انهيار القطاع الزراعي والبنية التحتية للعراق وتدهور قطاعات الكهرباء ومياه الشرب والاتصالات والسكن .

وأيضاً من النتائج الاقتصادية تزايد معدلات البطالة بين 30 و40 %، وتضاعفت معدلات سوء التغذية، وهروب رأس المال الأجنبي، وانتشار الفساد في القطاع النفطي، وتدهور الناتج المحلي، والدخل القومي، وتدني مستوي معيشة المواطنين، ومؤشرات إنتاج النفط انخفضت من 2.25 مليون برميل إلي 2,1 مليون برميل بين عامي 2003 و2005م، ويرجع ذلك إلي عمليات المقاومة، التي طالت عدداً من المصافي، هذا بالإضافة إلي السياسات الأمريكية التي ركزت في معظمها علي قطاع النفط لخدمة مصالح الولايات المتحدة .

أما علي مستوي الولايات المتحدة تجاوزت خسائر الجيش الأمريكي أربعة آلاف قتيل في الذكري الخامسة، وبلغ عدد الجرحى 29314 مصاباً، وتتسم التكلفة المادية للحرب، بأنها أكثر ضخامة حتي مقارنة بتكاليف حرب فيتنام، فمع دخول الحرب في العام السادس، وصلت التكلفة الي 12 مليار دولار شهرياً، أي ثلاثة أضعاف ما كانت عليه في السنوات السابقة .

3- علي المستوي الثقافي والاجتماعي:

يستدعي سقوط بغداد الثاني في يد المحتلين الأمريكيين عام 2003م، من الذاكرة، استرجاع سقوط بغداد الأول على يد جيش المغول عام 1258م، م بقيادة هولاكو الذي دمر المدينة العظيمة، وأعمل القتل في سكانها، وانتقم من عاصمة الحضارة – عاصمة الرشيد – وفيها مكتبة بيت الحكمة، وألقى كتبها في نهر دجلة الذي بقيت مياهه لأيام عدة مصطبغة بلون الحبر لكثرة ما ألقي فيه من كتب. وفـي أعقـاب احتلال بغداد، نهبت المتاحف التاريخية الأثرية، وسرقت الوثائق والمخطوطات داخـل متـاحف بغـداد، ناهبين، ومحطمين القطع الأثرية، والجنود الأمريكيون يتفرجون على ما يجري وكأنه لا يخصهم، لقـد كان المتحف القومي العراقي في بغداد ضحية هجوم مخطط بعناية، فاللصوص الذين أخذوا معظم الآثار القيمة جاءوا مستعدين بتجهيزات لرفع أثقل الأشياء، ولم يحدث منذ الحرب العالمية الثانية، حين جردت المتاحف الأوروبية بصورة منظمة أن ارتكبت جريمة كهذه. لقد كانت جريمة منظمة لأن الأمـريكيين يعرفون قيمة المتاحف، وقيمة الجامعات، وقيمة مكتباتها ومخابرها. وكان البروفسور "جيبسون" من جامعة شيكاغو ضمن مجموعة التقت مسؤولين من وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) عدة مرات وقدمت لهم قائمة بالمواقع الأثرية التي يتعين حمايتها، وخاصة المتحف القومي العراقي في بغداد.

وقد نُهب المتحف وسرق 170 ألف قطعة من معروضات الآثار، التي تعود إلى آلاف السـنوات، منها آنية زهور من المرمر يعود تاريخها إلى 3500 عام ق. م. وتقدر قيمـة هـذه الآثـار ببلايـين الدولارات. كذلك سرقت قطع ذهبية ولوحات ومخطوطات نادرة، كما نُهبت جامعة الموصل، ومتحـف الموصل، وجامعة البصرة، وغير ذلك من المراكز الثقافية والعلمية العراقية. وتشير هذه الحملة المنظمة إلى نيات خطيرة لدى قوات الاحتلال، تتمثل بتدمير الهوية الثقافية لبلد له تاريخ حضاري يزيد علـى خمسة آلاف عام، فالعراق قدم للعالم الكتابة السومرية قبل الميلاد بثلاثة آلاف عام، وقدم للإنسانية أولى الملاحم (ملحمة جلجامش)، وتشريعات حمورابي القانونية، وفي بابل بنيت إحدى عجائب الدنيا السـبع (حدائق بابل المعلقة)، وفي العصر العباسي أُسست أعظم مكتبة علمية في التاريخ بعد مكتبة الإسكندرية، وهي بيت الحكمة أيام الخليفة المأمون .

وتتجه أصابع الاتهام إلى المجلس الأمريكي للسياسة الثقافية ACCP، وهو مؤسسة تضم فـي صفوفها مجموعة من جامعي القطع الأثرية، والفنية، ورجال القانون، وبائعي التحف الفنية، بسبب تشجيعها على سرقة الإرث الثقافي العراقي، وقد بدأت القطع الأثرية المسروقة واللوحات الفنية تصل إلى أوروبا وأمريكا وتجاوزت حدود الشرق الأوسط لتباع في لندن ونيويورك. وكان لعمليات النهب والسرقة التي تعرضت لها مدن العراق تأثيرات كبيرة في الأوساط الثقافية العالمية، ومنها استقالة ثلاثة أعضاء مـن اللجنة الاستشارية للممتلكات الثقافية في البيت الأبيض الأمريكي، وعلى رأسهم رئيس اللجنـة (مايكـل سوليفان) احتجاجاً على ما حصل في العراق. وقد ذكر سوليفان في خطاب استقالته أنه يترتـب علـى الرئيس بوش التزام الأخلاقي لمنع أعمال النهب، والسلب، والتدمير، ومن الجدير بالذكر أن اتفاقية "لاهاي" قضت بحماية التراث الإنساني، لكن أمريكا وبريطانيا لم توقعا عليها .

وفـي أعقـاب احتلال بغداد نهبت المتاحف التاريخية الأثرية، وسرقت الوثائق، والمخطوطات داخـل متـاحف بغـداد، وتعرض أيضاَ المتحف القومي العراقي في بغداد ضحية هجوم مخطط بعناية، فاللصوص الذين أخذوا معظم الآثار القيمة، وقد نهب المتحف وسرق 170 ألف قطعة من معروضات الآثار التي تعود إلى آلاف السـنوات يعود تاريخها إلى 3500عام ق. م، وتقدر قيمـة هـذه الآثـار ببلايـين الدولارات، كذلك سرقت قطع ذهبية ولوحات ومخطوطات نادرة، كما نهبت جامعة الموصل ومتحـف الموصل وجامعة البصرة وغير ذلك من المراكز الثقافية والعلمية العراقية ولم تقتصر النتائج الثقافية للغزو الأمريكي على العراق على الكنوز التاريخية فحسب بل امتـد إلى طبقة المثقفين، حيث أن 3500 مطلوب استجوابهم بشأن مشاركتهم في صناعة التسليح العراقية و 500 مطلوب رأسهم لمعرفتهم خبايا برامج أسلحة الدمار الشامل المزعومة في العراق .

ولم تقتصر النتائج الثقافية للغزو الأمريكي على العراق على الكنوز التاريخية فحسب، بل امتـد إلى طبقة المثقفين من العلماء العراقيين، إذ إن 18 ألف عالم ومهندس وطبيب مطلوبون في قوائم الإدارة الأمريكية بتهمة مشاركتهم في صناعة العلم العراقية، و3500 مطلوب استجوابهم بشأن مشاركتهم في صناعة التسليح العراقية، و 500 مطلوب رأسهم لمعرفتهم خبايا برامج أسلحة الدمار الشامل المزعومة في العراق ، والمطلوب تفريغ العراق من علمائه قبل أن يبتعد عن دوامة التخلف، فالعراق كغيره مـن الدول النامية ممنوع أن يتجاوز الخط الأحمر للإفلات من عجلة التخلف، وقد حقق العـراق إنجـازات كبيرة على صعيد البحث العلمي وإيفاد الشباب العراقيين لجامعات الغرب للحصول على الخبرات التي يمكن استثمارها في التصنيع والتكنولوجيا، وقد أفرز ذلك نخبة من العلمـاء تخصـص بعضـهم فـي اختصاصات علمية نادرة، وبعد انتهاء الحرب الباردة تنبهت جامعات الغرب ومنعت طـلاب البعثـات باختصاصات نادرة كالفيزياء النووية، والكيمياء، وعلوم الحياة، حتى بعض مجالات الطـب، والهندسـة، وخلال سنوات 1990م– 1999م تمكن رغم المنع في جامعة جورجيا 112 عراقياً مـن نيـل شـهادة دكتوراة في العلوم والهندسة، وكانت الولايات المتحدة قد فتحت أبوابها للعلمـاء العـراقيين، كلاجئـين سياسيين منذ عام 1991م، ولكن لم يخرج من علماء العراق إلا القليل. وعملياً بعد هروب "خضر حمزة" الدكتور في الفيزياء النووية عام ١٩٩٤ لم يهرب أي عالم من العراق فبقي العلماء العراقيون غصة في الحلق الأمريكي، ولم تستطع استقطابهم، وفي عام 2002م أقر مجلس الشيوخ الأمريكي مشروع قانون هجرة العلماء العراقيين وإعطاء 500 عالم عراقي Card Green مقابل أن "يتعاونوا تعاوناً كاملاً مع كل ما تطلبه حكومة الولايات المتحدة وبكل إخلاص وصدق وبشكل غير محدود ".

ولم يستجب العلماء العراقيون لهذه الإغراءات لذا لم يبق أمام الولايات المتحدة سوى تصـفيتهم. ويؤكد هذا جنرال فرنسي متقاعد من معلومات مؤكدة لديه، أن قوات كوماندوز صـهيونية تضـم 150 عنصراً دخلت الأراضي العراقية بالفعل تنفيذاً لخطة اغتيال الكفايات العراقية تضم قائمة بــ 2000عالم من أمثال العالمة العراقية " رحاب طه" و"عبد الناصر هنداوي" و"حازم علي" و"مهدي عبيـد" و"جعفـر ضياء" و"سعد خضر" و"فايز بيرقدار"، وغيرهم الكثيرون. وبذلك تتكرر مع العرب وأمـام صـمت دولـي مريب مأساة ضرب مفاعل تموز العراقي في عام 1981م، واغتيال العالم "يحيى المشد" المصـري فـي باريس .

تحليلا لما سبق يمكن القول أن الحرب الامريكية علي العراق قضت علي العراق وأسهمت في تحوله إلي دوله فاشلة فقبل التدخل الأمريكي كان العراق دولة هشة علي الأقل تتسم بالقدرة علي بتلبية مطالب المواطنين الاساسية، إلا أن عنصر الاحتلال أدي الي تدمير الدولة العراقية، وتحوله إلي دولة فاشلة سياسياً واقتصاديا، كذلك فإن الإدارة الأمريكية هي التي وضعت بذور الطائفية، فضلاً إلي أعداد الضحايا والانتهاكات التي نتجت عن التدخل الامريكي في العراق .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

كاظم الموسوياستلم جون بولتون يوم 2018/4/9 ذكرى احتلال بغداد عام 2003  منصبه الجديد، مستشارا للأمن القومي بقرار الرئيس الامريكي دونالد ترامب، وهو أحد مهندسي وداعمي غزو واحتلال العراق. وطرد من منصبه بتغريدة عشية الحادي عشر من ايلول/ سبتمبر، وذكراها الأمريكية، هذا العام. كنت قد كتبت هذا المقال عنه ونشر في  16/4/2005 ، قبل أكثر من 14سنة واعيد نشره الان للاطلاع، لا شماته بأصدقائه العرب والمحتفلين به بانواطهم وشهاداتهم بالتراهن والتخادم:

اثار اختيار الرئيس الأمريكي بوش الابن لجون بولتون إلي وظيفة سفير الولايات المتحدة في الأمم المتحدة استياء العديد من الدبلوماسيين الأمريكيين قبل غيرهم من المتضررين سابقا من عمل بولتون أو مستقبلا. من هو جون بولتون ولماذا تم هذا الاختيار وهذا الاحتجاج عليه؟.

يعد بولتون أحد أبرز زعماء المحافظين الجدد في الإدارة الأمريكية، وقد عبر وهو المحامي، وخريج جامعة ييل الأمريكية، دارسا الحقوق فيها، عن استهزائه بالقانون الدولي وبعمل ومواثيق المنظمات الدولية، خاصة الأمم المتحدة، وبالمحكمة الجنائية الدولية وميثاق روما لها، ولديه أقوال وآراء مشهورة فيها. وخدم في الإدارات المختلفة موظفا بامتياز لتنفيذ المصالح الأمريكية والإسرائيلية، وقبول كل تكليف له بغض النظر عن مستواه الإداري، وسجله في القضايا الدولية والمتعددة الأطراف التي تعامل معها مزعج ومشهود له بنهاياتها المريحة للاستراتيجية الإمبراطورية، كما أشار العديد من المحللين السياسيين الأمريكيين خصوصا.

شغل العديد من الوظائف المساعدة لوزير الخارجية، وآخرها في قضايا الحد من التسلح والأمن الدولي، وقد اعترض وزير الخارجية السابق الجنرال كولن باول على تعيينه، ولكن الوزيرة الحالية الدكتورة رايس، لم توافق وحسب وإنما قدمته كرجل من مساعديها الجدد في إدارة جانب مهم وحساس من السياسة الخارجية للولايات المتحدة. وفي تقديمها له ذكرت ما قاله رئيسها بوش في اجتماع الجمعية العامة في ايلول/ سبتمبر الماضي من رغبة بلاده في تمتين العلاقة مع الأمم المتحدة وتعاونها مع أعمالها وتمني النجاح لمهماتها كأساس مهم في الدبلوماسية الأمريكية. وبعد حديث صار متكررا عن أعمال بلادها في نشر الحرية والديمقراطية في العالم، لاسيما في ما يسمونه غربيا الآن بالشرق الأوسط الكبير، وذكرت أسماء بلدان متعددة، لو شرحتها لوقعت في تناقض مع ما تدعيه ووقائع الأحوال فيها، ولكنها وهذه ضمن إطار سياستها الجديدة تعتمد على الصورة التلفزيونية لما تريده واشنطن منها والإيحاء بها أمام العالم، سواء كانت لها يد فيها أو الادعاء بنتائجها. وعند وصولها لتقديم السفير الجديد الذي رشحه رئيسها بوش وصفته بالخبير والدبلوماسي البارع، والشخص المناسب لمهمته في الأمم المتحدة. وأفادت بأنها مع الرئيس بوش اختارا جون بولتون لهذا المنصب لأنه يعرف من أين يؤكل الكتف فيها. وعددت مناقبه في تشكيل تحالفات دولية لخدمة مصالح الولايات المتحدة الأمريكية وتنفيذ سياساتها.

ما يهم العرب منها ما ذكرت من نجاحاته فيما قام به في التفاوض مع ليبيا لتجريدها من مشاريعها في بناء أسلحة دمار شامل، وفي عمله المستمر لتغيير المنظمة الدولية وادانة عمل وكالاتها ومنظماتها المتعددة التي تقدم خدمات انسانية عامة. والقضية الأخرى الأساسية هو ما قام به عام 1991، حيث كان مفتاح ومخطط الحملة وراء إلغاء قرار الأمم المتحدة رقم 3379 الذي يعتبر الحركة الصهيونية حركة عنصرية. ومن بعدها عمل خلال فترة 1997- 2000 مساعدا لمبعوث الأمين العام للأمم المتحدة، وزير الخارجية الأمريكي السابق جيمس بيكر، في قضية الصحراء الغربية.

وفي رده الدبلوماسي على تقديم الوزيرة أعاد تذكيرها بسجله الحافل بمساهماته في المنظمات الدولية وقضايا التعاون والحد من التسلح والأمن الدولي ونقده لسياسات الأمم المتحدة ومنظماتها التي تنتقد الولايات المتحدة باستمرار، ومواقفه منها، ولاسيما قرار عام 1975 الذي ساوى بين الصهيونية والعنصرية وعمله على إلغائه، الذي به مسح اعظم وصمة لحقت بسمعة الأمم المتحدة، كما قال حرفيا.

لماذا كرر بولتون ورايس هذه القضية، التي تهم العرب أساسا، ونضالهم المشروع من اجل حقوق الشعب الفلسطيني العادلة وقرارات الأمم المتحدة، الشرعية الدولية المعترف بها؟. بالعودة إلي القرار وكيفية إصداره تعرف الإجابة عن السؤال وعن مستقبل غيره من الأسئلة المشابهة التي سيقوم بها بولتون في منصبه الجديد.

القرار 3379 صدر عن الأمم المتحدة في 10 تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1975 اقر اعتبار الصهيونية شكلا من أشكال العنصرية والتمييز العنصري. بالاستناد إلي قرارات سابقة أصدرتها المنظمة عام 1963 داعية إلى القضاء على كل أشكال التمييز العنصري، وقرارها عام 1973 الذي أدانت فيه في جملة أمور التحالف الآثم بين العنصرية والصهيونية، وإعلان المكسيك بشان مساواة المرأة ومساهمتها في الإنماء والسلم عام 1975 والذي أعلن المبدأ القائل بان "التعاون والسلم الدوليين يتطلبان تحقيق التحرر والاستقلال القوميين، وإزالة الاستعمار والاستعمار الجديد، والاحتلال الأجنبي، والصهيونية، والفصل العنصري والتمييز العنصري بجميع أشكاله، وكذلك اعتراف بكرامة الشعوب وحقها في تقرير مصيرها". ومعتمدة على ما صدر من دورة رؤساء دول وحكومات الوحدة الأفريقية في آب/ أغسطس 1975 والذي رأى أن: "النظام العنصري الحاكم في فلسطين المحتلة والنظامين العنصريين الحاكمين في زيمبابوي وجنوب أفريقيا ترجع إلى اصل استعماري مشترك، وتشكل كيانا كليا، ولها هيكل عنصري واحد وترتبط ارتباطا عضويا في سياستها الرامية إلى إهدار كرامة الإنسان وحرمته". وكذلك الإعلان السياسي واستراتيجية تدعيم السلم والأمن الدوليين وتدعيم التضامن والمساعدة المتبادلة فيما بين دول عدم الانحياز اللذين تم اعتمادهما في مؤتمر وزراء خارجية دول عدم الانحياز في أغسطس 1975 واللذين أدانا الصهيونية بوصفها تهديدا للسلم والأمن العالميين وطلبا مقاومة هذه الأيديولوجية العنصرية الإمبريالية". ولهذا عمل بولتون إلى إلغاء هذا القرار في 16 ديسمبر عام 1991، وهنا لابد من التساؤل عن معنى هذا العمل ووصفه وتوقيتاته والانتباه لها ولما وراءها من دلالات سياسية وتاريخية. أليس هذا الإلغاء حاملا لأكثر من معنى وعلى اكثر من صعيد، ولماذا هذا القرار بالذات؟. لاشك في معرفة سيرة حياة ومواقف الذي يحتفي بتعيينه في هذا المنصب وما قدم به وعلى أساسه اختير لهذا الموقع المباشر والمؤثر على مصير المنظمة الدولية وميثاقها وقراراتها، تعكس دلالات عديدة، بل ولها معاني خطيرة وأبعاد أخرى، ليس اقلها أنها تنذر بعواقب شديدة وربما تأثيرات على مصائر شعوب، لا قرارات وحسب. فهو كما وصف بأنه حاد في أحكامه ويُحل الحرام ويحرم الحلال، كما يوصف، وإذا كان هذا موقفه من المنظمة ومن قراراتها فماذا يمكن التوقع منه ومن مواقفه من قرارات أخرى متواصلة مع قرار إدانة الصهيونية وتعريفها واستغلال التغيرات في موازين القوى واغتنام الفرص في إلغاء أو تحوير قرارات الأمم المتحدة رغم كل الملاحظات والاحتجاجات على ازدواجية المعايير في التعامل مع بعضها وبعض تطبيقاتها مع بعض البلدان، وفي خصوص العرب ماذا عليهم أن يتوقعوا من هذا الرجل وماذا يتوجب عليهم من استعدادات لإنجازاته القادمة؟!.

 

كاظم الموسوي

 

محمود محمد عليمرة أخري نعود ونكمل حديثنا في هذا المقال السادس عن المخطط الأمريكي لاحتلال العراق 2003،وهنا  نركز علي العامل الجيوستراتيجي وفي هذا يمكن القول: يشكل العامل الجيوستراتيجي عاملاً شديد الأهمية في سياسات الإدارات الأمريكية، تجاه منطقة الشرق الأوسط عموماً، والخليج العربي بشكل خاص، وإلى جانب الموقع الجغرافي المهم للمنطقة بإشرافها على بحار العالم ومحيطاته، وأهم المضائق العالمية التي تمر عبرها التجارة الدولية بخاصة، فالجديد في عقيدة التدخل الأمريكي، أنها لم تعد تقتصر على الحفاظ على مصالحها في المنطقة، وضمان وصول إمدادات النفط إليها، وإنما أخذت تسعى إلى ضمان موقع الولايات المتحدة في النظام الدولي السياسي والاقتصادي، فالولايات المتحدة – وإن كانت لا تزال القوة العسكرية،  والاقتصادية العظمى – إلا أنها تعانى حالياً من منافسة شديدة من أقطاب أخري متطلعة للقيام بأدوار مهمة في المجالين السياسي، والاقتصادي العالمي، كالصين، والهند، والاتحاد الأوربي، وروسيا العائدة بقوة إلى الساحة الدولية .

ولقد جاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر، كذريعة لإدارة بوش (الابن) لتحقيق أهداف بعيدة المدى وفق استراتيجية الحسم العسكري، والحرب الوقائية، والتدخل المباشر، واستطاعت الولايات المتحدة عبر استغلال التعاطف العالمي معها بعد أحداث 11 سبتمبر بمؤازرة الخوف والخشية التي تملكت أطراف عدة من ردة الفعل الأمريكية تحت شعار"  من ليس معنا فهو ضدنا"، أي معنا الإرهابيين لتحقيق أهداف استراتيجيتها بعيدة المدى من غزوها لأفغانستان، ومن ثم العراق، وأما الأدوات المستخدمة لتحقيق ذلك فتجلت في التمسك بالهيمنة الأمريكية على العالم، والحيلولة دون ظهور قوة أخري منافسة حتى لو اقتضي الأمر استخدام القوة، وبالتالي يمكن تبرير استخدام القوة العسكرية كمحور للسياسة الخارجية الأمريكية، مع استخدام هذه الأداة وربطها بتحقيق المصالح الأمريكية المباشرة، ولو تم ذلك خارج الأطر الشرعية، ودون الرجوع إلى الأمم المتحدة أو الحلفاء .

والحقيقة إن الولايات المتحدة لم تحرك قواتها، وتجند طاقاتها العسكرية من أجل القضاء على نظام طالبان في أفغانستان، أو نشر الديمقراطية في تلك البلدان التي لا تحترم الديمقراطية وحقوق الإنسان، وإذا كانت الولايات المتحدة قد أعلنت أن الهدف من حملتها على الإرهاب الدولي، هو القضاء على تنظيم القاعدة الذي يعيش بحماية طالبان، فإن المتمعن في ضوء التحليلات الواقعية للاستراتيجية الأمريكية سيجد أن الهدف من السيطرة على أفغانستان القريبة من بحر قزوين، الأمر الذي يمكنها من التحكم في 85% من منابع بترول العالم، ويجعلها قادرة على ممارسة الضغوط على الدول المنافسة لها في السوق الاقتصادية الدولية .

ومن ثم استخدام السلاح النفطي لردع الدول المنافسة بعد أن سيطرت على نفط الخليج العربي وبحر قزوين والنفط الإفريقي. إن غزو أفغانستان، ومن ثم العراق، جاء كخطوة مكملة في سياسات الهيمنة الأمريكية على العالم، وردع أي قوة تتطلع إلى انتزاع مركز الصدارة من الولايات المتحدة في منطقة بحر قزوين لما تملكه من الاحتياطي النفطي .

وجاءت حرب العراق كخطوة أمريكية واضحة، لتهديد مصالح هذه الدول في المنطقة، واتخاذ العراق كقاعدة لمحاصرة إيران، والدول العربية الممانعة، وفي مقدمتها سوريا تحت شعار مشروع  الشرق الأوسط الكبير، وحماية أمن إسرائيل، وما عدوانها على العراق إلا رسالة من الولايات المتحدة للدول العربية، بأنها تريد التغيير في المنطقة، وأنها قادرة على فرضه، وأن هذا التغيير ومضمونه،  يجب أن يتم أولاً وأخيراً وفق الأجندة الأمريكية، التي تسعى إلى تغيير خارطة المنطقة العربية بتغيير حدودها السياسية كــ" سايكس بيكو" جديد، ومن العوامل الجيوستراتيجية التى تقف كدافع خفي للعدوان على العراق ضرب منظمة الأوبيك، وهى قضية لا يتم التركيز عليها غالباً، وهذه الاستقلالية ووجود جهاز غير خاضع للتوجهات والمصالح الأمريكية، يعد تهديداً للولايات المتحدة، ومصدراً  لزعزعة هيمنتها على المدى الطويل. وهنا يمكن الاستشهاد بــ"جون صوهيل" رئيس مكتب الطاقة الفيدرالي الأمريكي في عام 1978م،حيث يقول " إن السياسة النفطية لدول الأوبك تهدد البناء القومي الأمريكي، ولا بد من تعديل قواعد اللعبة الحالية، حيث تعطى الدول النفطية سلطة تتجاوز مسؤولياتها والقوة التي تملكها " .

ج- العامل الديني والايديولوجي:

إذا كانت بريطانيا قد لعبت الدور الأساسي، والممهد لقيام دولة إسرائيل على حساب طرد شعب فلسطين من أرضه! إلى الشتات والمنافي، فإن الولايات المتحدة التي خرجت من الحرب العالمية الثانية، كأقوى دولة اقتصادية وعسكرية، هذا الواقع دفع بالصهيونية العالمية لنقل تحالفها من أوربا إلى الولايات المتحدة، وهى التي تبنت قيام إسرائيل منذ اللحظات الأولى لإعلانها، واستمرت في حمايتها وضمان استمراريتها، ودعم احتلالها المستمر للأراضي العربية، وإذا كان الهدف الأول حماية إسرائيل ووجودها في المنطقة العربية، والثاني سياسات الإدارات الأمريكية المتعاقبة، فإن طبيعة الروابط والصلات بين الولايات المتحدة وإسرائيل لا تنحصر في كون إسرائيل بمنزلة شرطي الولايات المتحدة في          المنطقة .

بل إن هناك عوامل دينية وأيديولوجية تقوي العلاقة بين الطرفين، وهذه العوامل ذاتها لعبت دوراً خفياً في إقدام الولايات المتحدة على غزو العراق واحتلاله، فالدور المستمر لإسرائيل لم يعد سراً، فالعقيدة التوراتية لعبت دوراً بارزاً في التحريض على هذا الغزو، ويمثل العراق في الأصولية الصهيونية رمزاً مهماً يعود بجذوره في التاريخ إلى آلاف السنين، فالعراق يمثل جزءاً من أرض الميعاد التي أعطاها الرب لبنى إسرائيل، وبعد أن نجح اليهود في بناء دولتهم لفترة من الزمن في جزء صغير من فلسطين تمكنت الإمبراطوريات العربية القديمة التي انطلقت من أرض الرافدين، من القضاء على الدولة اليهودية وأقدم خلال ذلك ملوك بابل وآشور على جلب ألاف اليهود أسري وعبيداً إلى العراق، حيث بقوا فيها لسنوات عدة قبل أن يجتمع شملهم مجدداً في فلسطين، وللمرة الثانية احتل الرومان المنطقة، وتشتت اليهود في العالم دون أن تقوم لهم أو لدولتهم قائمة منذ ذلك الوقت .

وما زال اليهود يذكرون دور العراق في القضاء على أحلامهم وأوهامهم، وما سياستهم الحالية تجاه قضية غزو العراق، إلا تعبيراً عن أحقاد تاريخية تجددت بالخوف من القوة التي مثلها العراق في المنطقة منذ الحرب العراقية - الإيرانية، وينكر بعضهم وجود أي أحقاد تاريخية، أو دينية، للعزو، أو وجود يد لإسرائيل في العملية برمتها، مستشهدين بعدم مشاركة إسرائيل في حرب الخليج، وعدم ردها على هجمات العراق بصواريخ السكود عام 1990م، بيد أن المتعمق في تحليل أحداث المنطقة، سيجد أن إسرائيل هي الداعم الأكبر للتحولات الجارية في المنطقة وهى المستفيد الأكبر منها .

فصقور الإدارة الأمريكية الذين خططوا لغزو العراق، ومعظمهم منظرو تيار المحافظين الجدد في عهد، إدارة بوش (الابن) بُنيت عقيدتهم على أساس فكر ديني متشدد، كما ساعدهم "بوش" بكل ما في توجهاته التوارتية، والتي قد زادت حدتها من خلال أحداث 11 سبتمبر 2001م،  وفي ظل الصدمة الأمريكية صرح  "بيل بينت"  Bill Bennett  لمحطة  CNN:" إننا في صراع بين الخير والشر، وأن الكونجرس يجب أن يعلن الحرب على الإسلام المجاهد، وأنه ينبغي استخدام قوة ساحقة، كما ذكر أن العراق دولة تستحق الهجوم".

أما القس "جيري فالويل" زعيم منظمة الأغلبية الأخلاقية صرح قائلاً :" لقد بارك الله هذه الأمة، لأنها في أيامها الأولى، حاولت الإخلاص لله والإنجيل، وسيجد أي طالب مجتهد للتاريخ الأمريكي أن أمتنا العظيمة، نشأت من قبل رجال ربانيين لتكون أمة  مسيحية" .

ويظهر هذا في أفكار الحركة الصهيونية المسيحية التي جندت نفسها لخدمة المخططات الصهيونية من خلال التغييرات الدينية للتوراة، والتي تروج بوصفها نبوءات لا بد أن تتحقق، والقصد منها تكوين قناعات دينية جماعية للمجتمع الأمريكي، يتوافق مع الأهداف الاستراتيجية لإسرائيل ضمن فلسطين والوطن العربي، ومن أبرز هذه النبوءات "معركة هرمجدون" التي ستكون مسرحاً لأكبر حرب في تاريخ البشرية، والتي يقتل فيها الملايين من البشر، عندها تحين ساعة اللحظة العظيمة بنزول المسيح لينقذ الإنسانية من الاندثار الكامل .

إن أغلب قادة اليمين المسيحي الجدد، يعتقدون أن الكتاب المقدس يتنبأ بالعودة الحتمية الثانية للمسيح بعد مرحلة من الحرب النووية العالمية، أو الكوارث الطبيعية، أو الانهيار الاقتصادي، والفوضى الاجتماعية، هذه النبوءة كان أغلب الرؤساء الأمريكيين مؤمنين بها مثل " رونالد ريجان "، الذي قال :إن جميع النبوءات التي يجب أن تتحقق قبل (هرمجدون) قد تحققت .

هذا بالإضافة إلى أن احتلال العراق له مكانة خاصة عند المسيحيين في كتب الميثوديت التي تتركب على أن المسيح عند خروجه من جديد لابد من أن يحيط به الذهب النقي الخالص  الذي يكون في دولة قريبة من أورشليم (القدس حالياً)، وقد اكتشفوا أن هذه الخصائص تنطبق  على العراق باعتقادهم أن جبل الذهب موجود فعلاً في العراق بالرغم من أنهم لم يكتشفوه بعد، وأن الملك الذي سيدمر إسرائيل مرة أخرى هو بابلي .

والخلفية الدينية للرئيس جورج بوش (الابن) فهو تلميذ مخلص للقسيس المتجدد "بيلي غراهام "، وعضو في طائفة الميثوديت التي تمثل التحالف الصهيو مسيحي الذي يؤمن بضرورة وجود مقدمات تسبق العودة الثانية للمسيح وهي :

1- إقامة دولة إسرائيل المنصوص عليها في التوراة من النيل إلى الفرات وتجميع يهود العالم فيها.

2- هدم وتدمير المسجد الأقصى لبناء الهيكل اليهودي مكانه.

3- وقوع معركة كبرى بين قوى الخير (البروتستانت واليهود)، وقوى الشر (المسلمون وأصدقائهم)، وهي معركة هرمجدون .

مما سبق يتضح لنا أن الدين هو أحد المقومات الأساسية في الولايات الأمريكية المتحدة الأمريكية عند الإنجيلين الصهاينة، والذين لهم تأثير قوي في صناعة القرار الأمريكي، وأن الحرب مبنية على فكر إيديولوجي ديني/عسكري أساسه القوة وأنه المحرك الأساسي الذي يجمع المصالح الأمريكية الإسرائيلية، وما ترجمته أفكار المحافظين الجدد والحركة الصهيونية المسيحية التي تحمل العداء والكره الشديد للإسلام، لذا يجب تبني استراتيجية وقائية استباقية  لمكافحة الإرهاب بعد أحداث 11 سبتمبر... وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

ابراهيم أبراشما يجري اليوم في ومع قطاع غزة وفي السلطة الفلسطينية يدفعنا لاستحضار ما جرى قُبَيل خروج جيش الاحتلال الإسرائيلي من وسط قطاع غزة خريف 2005 وانقلاب حركة حماس 2007 .مسلسل مُحكم الاتقان لتدمير المشروع الوطني وفصل غزة عن الضفة بل وإفشال حل الدولتين، مخطط تزعم الطبقة السياسية أنها تجهله أو لم تعرف به إلا مؤخرا أو بريئة منه. فإن كانت صادقة في عدم معرفتها بمخطط الانقسام والفصل بين غزة والضفة فهذا يُوسِمها بالجهل، وإن كانت تعرف وتسكت فهذا يُوسِمها بالتواطؤ .

خرج جيش الاحتلال من داخل القطاع تنفيذا لخطة الفصل الأحادي في وقت كانت المواجهات المسلحة مع الاحتلال في قطاع غزة متواصلة مصحوبة مع حالة فوضى وصدامات داخلية شبه يومية بين السلطة وحركة فتح من جانب وحركة حماس من جانب آخر لم يستطع الوفد الأمني المصري المتواجد آنذاك من فعل شيء حيالها، أيضا كانت السلطة في مرحلة تراجع في شعبيتها و تعاني من الحصار : حصار الرئيس أبو عمار ثم اغتياله وحصار مالي وتخفيض رواتب الموظفين بما فيها رواتب الأجهزة الأمنية الخ .

عندما خرج جيش الاحتلال آنذاك هللت فصائل المقاومة معتبرة أن إسرائيل هربت من غزة وانهزمت أمام المقاومة، نفس المشهد تكرر عندما قامت حماس بانقلابها 2007 حيث كانت السلطة الوطنية و أجهزتها الأمنية في حالة ضعف وتفكُك أدت لسرعة انهيارها وهزيمتها أمام مسلحي حركة حماس ، وهو ما أثار آنذاك وإلى اليوم شكوكا حول تواطؤ بعض مكونات السلطة بل حتى من داخل حركة فتح في واقعة الانقلاب وفصل غزة عن الضفة، آنذاك أيضا أنكشف دور قطر عرابة الانقسام والمكَلفة منذ 2004 بتدجين حماس وجرها لمخطط فصل غزة وصيرورتها دويلة في القطاع .

ما أشبه اليوم بالبارحة حيث يتم تمرير مرحلة جديدة من مخطط الفصل تحت عنوان الهدنة وكأنها انجازات للمقاومة ولـ(مسيرات العودة) التي أجبرت إسرائيل وواشنطن ودول أخرى أن تخفف الحصار والمعاناة وتُوقِف عدوانها على قطاع غزة ! وكأن حركة حماس وفصائل المقاومة الموالية لها وجِدت فقط لتأسيس كيان سياسي في القطاع وحماية السلطة القائمة فيه وتوفير الحد الأدنى من المتطلبات المعيشية من رواتب تأتي عبر إسرائيل وبموافقتها ووعود لم تُحقق بشان تحسين الكهرباء ومساحة الصيد البحري وتحسين العمل على المعابر !!!، وكما جرى في المرحلة الاولى تكفلت دولة قطر بكل التبعات المالية لضمان الهدنة وضمان استمرارية حماس في السلطة وإنهاء المقاومة، كما تكفلت مصر بالشق السياسي والأمني .

صحيح، في المرحلة الأولى من المخطط وعندما خرج جيش الاحتلال من قطاع غزة كانت مواجهات مسلحة مع جيش الاحتلال داخل القطاع وعبر الحدود، أيضا في مرحلته الحالية حيث تم توقيع اتفاقية هدنة – يسمونها تفاهمات لإبعاد الحرج وشبهة التواطؤ -وسط عنف مبرمج مصاحب لما تسمى مسيرات العودة التي تتأرجح قوة وضعفا مع مرور الأيام حسب الأموال التي يتم ادخالها عن طريق قطر .

والحقيقة أن جيش الاحتلال لم يخرج من القطاع عام 2005 ولم يوقع على اتفاقية الهدنة 2019 لأنه انهزم أمام المقاومة، بل لأهداف استراتيجية بعيدة المدى لم يتم الإفصاح عنها في حينه حتى للرأي العام الإسرائيلي، أهداف تتحقق اليوم حيث أنكشف المستور على لسان الإسرائيليين أنفسهم باعترافهم أن خطة شارون للانسحاب أحادي الجانب من داخل غزة كانت من أهم الانجازات الاستراتيجية لإسرائيل وقد اعترف نتنياهو أنه يسمح بدخول الأموال لقطاع غزة سواء القطرية أو غيرها لأنها تعزز الانقسام الفلسطيني، كما أن القيادات العليا في حركة حماس وجماعة الأخوان المسلمين والبعض في السلطة الفلسطينية وقطر ومصر والأردن ودول أخرى يعرفون حقيقة ما يجري ومشاركون في مهزلة حوارات المصالحة .

نعم، إنه مخطط متواصل شاركت فيه عدة أطراف، ومؤشرات نجاح هذا المخطط في تعزيز الانقسام وضرب المشروع الوطني كثيرة ومنها :

1- توقف حوارات المصالحة بل وزيادة حدة الشقاق والاتهامات المتبادلة.

2- سحب حرس الرئاسة من معبر رفح وعودة أجهزة حماس لإدارة المعبر مباشرة بتنسيق مع المصريين، وطرد موظفي السلطة من معبر كرم أبو سالم وعودة مرابطة أجهزة حماس على معبر بيت حانون –ايرز- لتمارس مهامها الأمنية والإدارية .

3- الإجراءات المتدرجة التي اتخذتها السلطة تجاه قطاع غزة بالنسبة للرواتب وأشكال التمويل الأخرى وهي إجراءات أدت لتعزيز الانقسام والفصل .

4- تضييق مالي من إسرائيل وأمريكا ودول عربية على السلطة نفسها ليصبح حالها حال سلطة حماس في القطاع لينشغل الجميع بهموم الحياة اليومية فقط .

5-  تشكيل حكومة جديدة في الضفة برئاسة محمد أشتيه لا تعترف بها حركة حماس ورفضت فصائل من منظمة التحرير نفسها المشاركة فيها .

6- تشكيل حركة حماس حكومة في غزة تمارس كل الصلاحيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية للحكومات .

7- توظيف الانقسام ووجود سلطة حماس لخلق أوضاع اقتصادية ومعيشية صعبة في قطاع غزة جعلت أهالي القطاع يفقدون الثقة بكل شيء، ويستميتون من أجل الهجرة خارج الوطن .

8- تجاوز بروتوكول باريس الاقتصادي حيث بات جزء كبير من تجارة غزة تجري مع مصر مباشرة .

9- تباعد الشقة، اجتماعيا وثقافيا ونفسيا، ما بين الفلسطينيين في مختلف أمكان تواجدهم وخصوصا ما بين الضفة وغزة .

10- تعامل عديد من الدول مع حركة حماس باعتبارها تمثل الشعب الفلسطيني في غزة .

11- تراجع وضعف أية مقاومات وطنية رسمية أو شعبية لسلطة حماس في غزة، سواء كانت من تنظيم حركة فتح أو من الفصائل الأخرى المنتمية لمنظمة التحرير أو غير المنتمية .

12- ضعف المقاومة حتى الشعبية في الضفة وغزة ضد الاحتلال، باستثناء عمليات فردية متباعدة، ومسيرات على حدود غزة مبرمجة وموجهة .

13- تآكل الأحزاب والحركات وتراجع شعبيتها سواء على مستوى نهجها النضالي المقاوم أو على مستوى ايديولوجيتها ومنطلقاتها الأولى بحيث يمكن القول إن عدد منتسبيها اليوم لا يزيد كثيرا على عدد المستفيدين من رواتبها ومعوناتها المالية والعينية .

14- تواصل الدور القطري والمصري في الإشراف، كل حسب المهمة المكلف بها، على تخريج مخطط الفصل وضمان استمراره، وهو دور وظيفي يبدو أنه انتهى بالنسبة لقطر .

وإذا وضعنا كل ذلك في سياق ما يتسرب من معلومات عن ما تسمى صفقة القرن تنتابنا شكوك بوجود تواطؤ بنسب مختلفة من كل الأطراف، سواء كان تواطؤ العاجز والفاشل أو تواطؤ المشارك والمتآمر .

 

إبراهيم ابراش

 

محمود محمد عليمرة أخري نعود ونكمل حديثنا في هذا المقال الخامس عن المخطط الأمريكي لاحتلال العراق 2003،وفي هذا يمكن القول: هناك العديد من الأسباب السياسية وراء التدخل الأمريكي فـي العـراق نـذكر منهـا:

1- جوهر الرؤية الاستراتيجية الأمريكية في العراق قائم على تغير الحكم فيه وإقامة نظام ديمقراطي يحتذي به، والذي سوف يكون بداية للتغييرفي العالم العربي، بتحقيق ذلك يمثل خطوة أولى لإعادة ترتيب الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط.

2- الحفـاظ علـى مكانـة الولايـات المتحـدة كقـوة عظمـي وحيـدة علـى السـاحة الدوليـة وبـلا منـافس حقيقي، يمكنها من تحقيق مشروعها الإمبراطوري في السيطرة على العالم.

3- فـرض العزلـة علـى إيـران وحصـارها، والتلاعـب بميـزان القـوى داخلهـا بمـا يفـرض عليهـا، إمـا الإذعان أو التعاون مع السـيناريو الأمريكـي فـي المنطقـة، مـا تعرضـها لضـغط عنيـف يـؤدي إلـى خلـل في الأوضاع الداخلية وتشجيع قوى سياسة بديلة للحكم الإسلامي فيها.

4- إعـادة صـياغة الأوضـاع فـي المنطقـة بمـا يلائـم المصـالح الأمريكيـة علـى أسـاس التطـورات الجديدة، وما يتناسب مع التصور الأمريكي للدور الإسرائيلي فيها، وتحديد ترتيب الدول العربية في سلم اهتمامـات الولايـات المتحـدة علـى أسـاس فاعليتهـا فـي خدمـة مصـالح الولايـات المتحـدة،وقـدرتها علـى الاستجابة لمتطلبـات السياسـة الأمريكيـة فـي المنطقـة، وإيجابية دورهـا فـي التـأثير علـى محيطهـا العربـي لتسويق هذه السياسة.

5- إطفــاء نزعــات الثــأر الأمريكيــة الداخليــة بإظهــار اســتمرار الحملــة ضــد الإرهــاب، ومحاولــة تجسـيدها فـي توجيـه ضـربة عسـكرية لدولـة عربيـة إسـلامية ذات توجهـات مثيـرة للخـلاف علـى الصـعيد الدولي، وذلك في ضوء صعوبة مواجهة العدو الحقيقي الذي لا يعرف له ملامح، أو كيان، أو عنوان .

6- محاولـة توظيـف الحـرب ضـد العـراق لـدعم شـعبية الـرئيس الأمريكـي فـي الانتخابـات الرئاسـية للمرة الثانية من جراء الاستمرار في إذكاء الشعور الوطني الأمريكي الذي تصاعد بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وإعطاء الأولوية في سياسة الإدارة الأمريكية، لمكافحة الإرهاب، والحفاظ على الأمن القـومي، وذلك على الرغم مما تعانيه الأوضاع الداخلية الأمريكية من ركود اقتصـادي، وكسـاد مـالي، وتقييـد فـي بعض الحريات المدنية.

4- عدم احترام العراق لحقوق الإنسان

إن هذا الاتهام يعود إلى سنوات الحرب العراقية الإيرانية وما تخللها من استعمال العراق للأسلحة الكيماوية ضد مواطنيه الأكراد، ومن ثم سحل الأسري الكويتيين في العراق بعد غزو الكويت، إلى جانب فضيحة تعامل النظام العراقي مع الانتفاضة الشعبية في شمال العراق وجنوبه عام 1991م، وبمعنى آخر فإن الولايات المتحدة ذهبت إلى تبرير غزوها بحجة حماية حقوق الإنسان العراقي، وضمان احترامه من قبل النظام العراقي، وهو ما يعرف بالتدخل الإنساني، والسؤال الذي يطرح ذاته في هذا السياق يتعلق بشرعية تدخل الولايات المتحدة لضمان حقوق الإنسان في العراق، إن مفهوم التدخل لأغراض إنسانية هو مفهوم قديم وحديث في وقت واحد.

كما شهد هذا المفهوم تكريساً كبيراً خلال السنوات الماضية من عمر النظام العالمي بعد أن هيمنت الولايات المتحدة على الأمم المتحدة، واتخذته كأداة لتشريع تدخلاتها في دول العالم المختلفة، بحجة أن أي انتهاك لحقوق الإنسان في أي مكان وزمان يعد تهديدا للأمن والسلم الدوليين، ويجب الرد عليه وفق ما تمليه ضرورات نظام الأمن الجماعي، تحت مصطلح الأمن الجماعي الإنساني، أما مبدأ السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول فلم تجد أي تبرير.

إن ذريعة حقوق الإنسان أصبحت إحدى الأدوات للدول الكبرى، لتبرير استخدامها للقوة العسكرية، بحجة ضمان الأمن الجماعي، وهو ما ينطبق حرفياً على تذرع الولايات المتحدة بحماية الإنسان العراقي من انتهاك حرياته، وحقوقه من قبل حكومته.

وعلى هذا يمكن أن نصل إلى أن المبرر الوحيد للتدخل الأمريكي في العراق، كان له بعد عسكري، وقد تجسد هذا البعد في الأهداف التالية:

أ- الاسـتفادة مـن الموقـع الاسـتراتيجي المميـز للعـراق. فـالعراق يحتـل ثـاني أهـم موقـع مـن الناحيـة الاستراتيجية فـي الشـرق الأوسـط بعـد مصـر مباشـرة، فهـو نقطـة التقـاء استراتيجية بـين منـاطق الخلـيج، وشـمال غــرب آســيا، وآســيا الوســطى والشــرق الأوسط، وأن الجــوار الجغرافــي للعــراق المتمثــل بكــل مــن إيــران وســوريا، يكتســب أهميــة خاصــة فــي الاستراتيجية الأمريكيــة فــي ضــوء مــا يحققــه ذلــك مــن تمكــين الوجــود العســكري الأمريكي في العراق من ممارسة تهديد مباشر على نظامي الحكم في الدولتين.

ب- تثبيــت القواعــد العســكرية الأمريكيـة فــي الخلــيج بصــورة دائمـة، وركيــزة أساســية لوجودهــا العسـكري لـيس فـي منطقـة الخلـيج فحسـب، وإنما فـي مجمـل منطقـة الشـرق الأوسـط وفـي منطقـة المربـع الاسـتراتيجي التـي يقـع العـراق فـي القلـب منهـا والتـي تضـم: الخلـيج، وشـمال غـرب آسـيا، وآسـيا الوسـطى، والشرق الأوسط.

ج- إن الوجـود العسـكري فـي العـراق يتـيح للولايـات المتحـدة امـتلاك قـدرة أكبـر علـى احتـواء الدول المعادية للولايات المتحدة ومواجهتها انطلاقاً من الموقع الاستراتيجي للعراق، وهي بالتحديد إيـران وسـورية، فالولايـات المتحـدة لا تنفـي إطلاقـاً نيتهـا اسـتهداف هـاتين الـدولتين، فـإيران وسـوريا تعتبـر مـن الدول التي تصنفها الولايات المتحدة ضمن "محور الشر".

د- إن الهدف الرئيسي من وراء ذلك، هو تعزيز أمن إسرائيل، وابقاؤها قويـة ومتفوقـة عسـكرياً علـى المحـيط العربـي، الـذي تعـوق تقدمـه، وتـزرع فيـه الفـتن، والقلاقـل، والاضـطرابات، والتفرقـة، والحـروب. فالكيـان هو بمثابة حاملة طائرات ثابتة في قلب الوطن العربي بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، وخـط الـدفاع الأول عـن مصــالحها فـي المنطقــة، هــذه المصـالح التــي لا نبــالغ إذا قلنــا بأنهــا تطـال تخريــب الإســلام ومحاربته، وها هي تهمة الإرهاب تلتصق به في الأدبيات الإعلامية والسياسـية الرسـمية الغربيـة، ولـدى الجهلة الكثيرين.

ثالثاً: الأسباب غير معلنة للعدوان الأمريكي على العراق:

على الرغم مما يثار بشأن دور الولايات المتحدة في نشر الديمقراطية والحرية في الشرق الأوسط عبر احتلال العراق، في إطار تطبيق مفهوم الحرب الوقائية في أعقاب هجمات 11 سبتمبر، إلا أنه وبحكم الاستراتيجية للولايات المتحدة كقوة عالمية كبري في العلاقات الدولية بعد الحرب الباردة، تبين أنها تلجأ كما كان الأمر في مراحل سابقة للقوة العسكرية، لأجل الحفاظ على مصالحها ومكانتها المتفوقة ذات التأثير والنفوذ، وأيضاً استدامتها بشكل يجعل من غير الممكن التحدث عن منافس محتمل لها .

أصبحت الولايات المتحدة تنظر لنفسها بمثابة القوة العظمى الوحيدة في العالم، حيث عملت عبر تشكيل تحالف الراغبين Coalition of Willing من الدول المؤيدة لتغيير النظام العراقي على غزو العراق كخطة بعيدة المدي تستهدف تحقيق المصالح والأهداف الكبرى المسيطرة منذ سنوات، وأن ذلك يسري في سياق فكري وعملي يدعو لبسط الهيمنة الأمريكية على العالم علي كافة الأصعدة والميادين السياسية، والاقتصادية، والعسكرية .

انطلاقاً من هذا يمكن تحديد الأهداف غير معلنة للغزو الأمريكي على العراق من خلال العوامل التالية:

أ- العامل الاقتصادي:

تتفق كل النظريات الاقتصادية على تنوع اتجاهاتها على نقطة واحدة تعكسها أهمية العامل الاقتصادي واعتباره المحرك الاستراتيجي لحركة المجتمع الدولي عموما، لقد كان الاقتصاد في الماضي عاملاً أساسياً يوظف، لخدمة مجمل المعارك السياسية، والعسكرية، وحتى الغزو الثقافي، لكن وبعد انتهاء الحرب الــباردة تراجعت القوة العسكرية لتتغير المعادلة، ومن ثم أدوار فاعليــها، فقد تحولت المعارك والمواجهات الدولــية الساخنة إلى معــارك اقتصادية، وبعد أن كان الاقتصاد الخادم الفعال للسياسة، والمواجهات العسكرية، أصبحت كل النزاعات والفعاليات السياسية، والإيديولوجية من أجل الاقتصاد .

هذه الأهمية التي يوكلها عالم اليوم للاقتصاد غيرت العديد من المفاهيم والقيم، لتصب كلها في منحى المصلحة، فمهما كانت قوة العلاقات بين الفواعل، وأيا كان نوعها قومية، أو عرقية، أو جغرافية، أو دينية، لا مجال لأي ارتباط إلا ارتباط المصلحة، والتي ترتبط متغيراتها بالحاجة الاقتصادية، والتــبادل التجاري، وإمكانية بناء جسور التكامل الاقتصادي، ذلك أن الشعوب تبحث بأي شكل من الأشكال عن الرفه المعيشي.

ومن هنا يمكن أن نتبين أهمية الاقتصاد من خلال الأطماع الأمريكية في النفط العراقي؛ حيث يمثل الموقع الجغرافي العراقي الذي يقع شمال بترول الخليج العربي الذي تحتفظ الولايات المتحدة الأمريكية بأساطيلها في مياهه، وبعلاقات مميزة مع حكوماته، وجنوب نفط بحر قزوين الذي مازالت الولايات المتحدة الأمريكية تسعى لتحصل منه على حصة الأسد، وقد تحقق لها ذلك إلى حد ما، فالنفط العراقي يقع في قلب مركز الاحتياط النفطي الرئيسي في العالم ؛ حيث تحتوي على مخزونات هائلة من النفط، كما تملك أكبر احتياطي في العالم، لذا كانت دائماً محط نزاع وأنظار الدول الكبرى، خاصة الولايات المتحدة التي تعتمد على النفط كمصدر أساسي للطاقة، فهي كانت دائماً محط اهتمام متزايد للولايات المتحدة . علاوة على كون العراق تمثل ثاني أكبر احتياط للنفط في العالم، أي حوالي 122 برميل على الأقل، بالإضافة إلى أن حقول النفط العراقية تعتبر من أغزر الحقول في العالم، والأكثر قرباً من سطح الأرض، هذا ما يوفر نفقات ضخمة في عمليات التنقيب والاستخراج .

وهنا يؤكد "نعوم تشومسكي" أن الهدف الأساسي من هذا الوجود الأمريكي في الشرق الأوسط، هو السيطرة على احتياطات الطاقة الهائلة الموجودة في العراق، وهذا أمر لا جدال فيه، ويعتبر مصدراً للقوة الاستراتيجية الأمريكية، وبحسب قول فريدمان توماس في مقالة له نشرها في منتصف يناير 2003، قال فيها :"إن النفط هو أحد أسباب الإعداد للحرب ضد العراق، وإذا حاول أي شخص أن يقنعنا بغير ذلك فإنه قطعا لا يحترم عقولنا" .

وهذا ما عبرعنه أيضا المحلل" أنتوني كوردسمان" Anthony Cordesman، في صحيفة واشنطن تايمز في عددها الأول من شهر أوت 2002، حيث قال :" إن أمريكا لن تشن حرباً على العراق بحجة وجود أسلحة دمار شامل أو لمشاركته بعمليات إرهابية، بل كون العراق يملك 60 % من فائض النفط "؛ حيث يعتبر التدخل في العراق ليس فقط من أجل السيطرة على النفط للاستهلاك المحلي الأمريكي، بل هي عناصر ومكونات لخطة أمريكية طويلة للسيطرة والهيمنة على إمدادات النفط والغازلأوربا، واليابان، وآسيا، ومن ثمة على مستقبل الاقتصاد العالمي، وهو المشروع الذي اطلق عليه "هانز مورجينسيو" Hans Morgenthau بـ " الامبريالية غير المحدودة"، في كتابه عليه politais anorongnations، ويرتبط بهذا هدف فرعي هو التأكيد على استمرار دفع ثمن البترول، بالدولار بدلاً من اليورو في السوق المفتوحة .

وفي كلمة ألقاها ديك تشيني– نائب الرئيس جـورج بـوش (الابـن) فـي العاشرمن نوفمبر في معهد النفط في لندن قال فيها: "إنه في العام 2010م سنحتاج إلـى 50 مليـون برميل يومياً، ثم أضاف: "من أين سنأتي بالنفط، النفط ضروري لنا"، وأشار إلى أن عراقاً متعاوناً سيكون حجر الأساس لأمن الطاقة للغرب". وعندما سئل وولفوتيز– نائب وزير الدفاع الأمريكي–بعد غزو العراق مباشرة عن السبب في اجتياح العراق بدلاً من كوريا الشمالية التي اعترفت علنا أن لديها أسلحة دمار شامل قال: "إن العراق يطفو على بحيرة من النفط"، لقد أشار"جيمس بول" المدير التنفيذي لمنتدى السياسات العالمية، قائلاً: "إن السيطرة الفورية على النفط العراقي سـتؤدي إلى زيادة الإنتاج، وبالتالي خفض أسعار النفط،مما يؤدي إلى ربح يصل إلى 29 دولار للبرميـل الواحد، وهذا سيسبب الاستحواذ على تريليونات الدولارات في النفط، وهذا شيء كبيـر يـستحق الحرب .

أما "ريتشارد بيرل" Richard Perle مستشار البنتاجون فقد كتب مذكرة قبل اندلاع الحرب بأيام، حيـث عكست النية الأمريكية الرسمية في البقاء في العراق فترة من الزمن، بحيث يتولد منـاخ، وإدارة عراقية محلية ملائمة لها علاقات جديدة مع الشركات النفطية الغربية، وتؤدي في النهايـة إلـى خصخصة النفط العراقي، وأن تقّتصر علاقة العراق بنفطه من خلال حصوله على نسبة مئويـة يتم الاتفاق عليها بين العراق، ممثلاً بالحكومة الجديدة، ومجموعة الشركات الكبرى المدعومة مـن الولايات المتحدة .

إن الدليل على أهمية النفط العراقي في المخطط الاستراتيجي الأمريكي، تبين بعد سقوط نظام الحكم في عام 2003م، حيث استعانت سلطة "بول بريمر " Paul bremer الحاكم المدني في العراق، بعدد من رجال النفط الأجانب، وتم تعيين "فيليب كارول" Philip Carroll من شركة شل، و"كاري فوكليبر" من شركة إيكسون موبيل ليقودا عملية رسم مستقبل الصناعة النفطية العراقية، فـضلا علـى أن عملية إعادة الأعمار في العراق تذهب حصتها الأكبر للشركات الأمريكيـة النفطيـة .

إضافة لما سبق، فان بعض الأوساط الاقتصادية، ترى بأن سيطرة الولايات المتحدة على نفط العراق، سيؤثر على التفاعلات المستقبلية لمنظمة الأوبك، لأن الولايات المتحدة تعتمد عليهـا في تغطية 46 % من وارداتها، بل سيعطي للولايات المتحدة الفرصة، للسيطرة على سوق الطاقـة العالمي، لسنين طويلة قادمة، ولذلك شكل سيطرتها على النفط، أحـد أهـم ثمـار هـذه الحـرب الاستراتيجية.. وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

عبد الحسين شعبانقبل سنوات خلت أصدرت السلطات «الإسرائيلية» قراراً عسكرياً بمنع البناء على جانبي الجدار العازل الذي أقدمت على إنشائه في المنطقة التابعة للسلطة الوطنية الفلسطينية بمسافة 250 متراً، وقد أصدرت «المحكمة الإسرائيلية العليا» قراراً في شهر يوليو / تموز 2019 يقضي بهدم مبانٍ سكنية تضم أكثر من 100 شقة في وادي الحمص (بلدة صور باهر). وتوجهت الجرافات إلى المنطقة، وهدمت المنازل بعد إنذار السكان بمغادرتها وسط حماس وهتافات من جانب الجنود الذين نفذوا القرار العسكري بفرح غامر، وهكذا تشرّد أكثر من 500 مواطن فلسطيني، كما تعرّض بعضهم إلى الاعتداء، لأنهم رفضوا مغادرة منازلهم.

وتأتي هذه الخطوة وسط تجاهل دولي، ولا سيّما بعد منح واشنطن المحتل «الإسرائيلي» ورقة بيضاء للتصرّف كما يشاء من خلال الاعتراف بسيادته على القدس ونقل سفارتها من تل أبيب إليها كجزء من «صفقة القرن»، إضافة إلى الضغوط التي مورست على السلطة الوطنية الفلسطينية اقتصادياً ودبلوماسياً وإنسانياً وأمنياً.

وإذا كان لمسألة هدم البيوت وإجبار سكانها على مغادرتها جانب إنساني يتعلق بالحق في السكن في أرض آبائهم وأجدادهم وهم أهل البلاد الأصليين، طبقاً لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة حول «حقوق الشعوب الأصلية» الصادر في عام 2007، فإن له أبعاداً قانونية دولية تتعلق بقواعد القانون الدولي المعاصر والقانون الدولي الإنساني والشرعية الدولية لحقوق الإنسان، إضافة إلى النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، لما تشكّله من انتهاكات سافرة من جانب المحكمة العليا «الإسرائيلية»، وهو ما ينبغي متابعته دولياً من جانب الفلسطينيين والعرب، على الصعيد الرسمي أو على صعيد المجتمع المدني ومؤسساته الدولية والإقليمية والعربية.

فالأمم المتحدة تقرّ بأن الأراضي التي احتلتها «إسرائيل» إثر عدوان ال 5 من يونيو / حزيران عام 1967 هي أراضٍ محتلة، بما فيها الضفة الغربية، ومن ضمنها القدس الشرقية، إضافة إلى قطاع غزة، وهذا يعني أن اتفاقيات جنيف لعام 1949 وملحقيها بروتوكولي جنيف لعام 1979 تنطبق عليها، ولا سيّما الاتفاقية الرابعة، وحسب القانون الدولي لا يجوز الاستيلاء على الأراضي طبقاً للاحتلال أو القوة المسلحة، وقد ورد ذلك في مضمون القرار 242 الصادر بعد عدوان الخامس من يونيو / حزيران عام 1967، وهو ما أكدته محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري الصادر في ال 9 من يوليو / تموز عام 2004.

وتحمي اتفاقية جنيف الرابعة الأشخاص الذين يجدون أنفسهم في لحظة ما وبأي شكل كان في حالة قيام نزاع أو احتلال تحت سلطة طرف في النزاع ليسوا من رعاياه أو دولة احتلال، وهكذا تصبح حماية المواطنين الفلسطينيين «تحت الاحتلال الإسرائيلي» واجباً قانونياً على دولة الاحتلال، ويحظر عليها تدمير الممتلكات الخاصة التابعة أو المنقولة التي تتعلق بالأفراد أو الجماعات أو غيرها، علماً بأنه ليس للمحكمة «الإسرائيلية» العليا التي اتخذت قراراً بالسماح بهدم المنازل سيادة على الأراضي الفلسطينية المحتلة.

كما أنه ليس من حق سلطة الاحتلال بناء جدار عازل على أراضٍ لا تعود لها أصلاً، فما بالك إذا كانت محتلة بالقوة العسكرية. وقد زعمت «إسرائيل» أنها تبني هذا الجدار ليكون سياجاً دفاعياً في عام 2000، وكانت الأمم المتحدة قد طلبت في عام 2003 رأياً استشارياً (فتوى قانونية) من محكمة العدل الدولية في لاهاي بشأن بناء الجدار الواقع في الأراضي الفلسطينية، وصدر القرار كما ورد ذكره بعدم شرعية ذلك، ودعت المحكمة «إسرائيل» إلى التوقف فوراً عن أعمال البناء وتفكيكه وتقديم تعويضات عن الأضرار الناجمة عنه.

ووفقاً لنظام محكمة روما الأساسي، فإن هدم البيوت يعتبر من الجرائم ضد الإنسانية، وكل ما يتعلق بإبعاد السكان قسراً أو نقلهم بالقوة والإكراه من مناطق سكنهم هو جريمة حرب، حيث تنص اتفاقيات جنيف على أن «إلحاق تدمير واسع النطاق بالممتلكات والاستيلاء عليها من دون أن تكون هناك ضرورة عسكرية تبرر ذلك وبالمخالفة للقانون وبطريقة عابثة» يُعد جريمة حرب.

وهكذا فإن مثل هذه العقوبات الجماعية ضد السكان المدنيين العزّل يعتبر جريمة حرب مثلما هو جريمة ضد الإنسانية، وهي انتهاك سافر لقواعد القانون الدولي، بما فيها حق الشعب العربي الفلسطيني في تقرير مصيره وعلى أرض وطنه وبناء دولته المستقلة، وعاصمتها القدس الشريف.

وإذا كان هذا الوجه القانوني لعدم هدم المنازل، فإن الوجه السياسي والإعلامي المباشر وغير المباشر لعملية هدم المنازل له علاقة بالانتخابات «الإسرائيلية» التي ستجرى في شهر سبتمبر / أيلول الجاري، وعلى خلفية دعم رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو المتهم بالفساد والمتشبث بالسلطة بوصفه أطول رئيس وزراء حكم «إسرائيل» منذ تأسيسها.

 

عبد الحسين شعبان

 

كاظم الموسويتحاول الأمم المتحدة في ما تصدره من تقارير أن تبريء ذمتها من مواقفها ومواقف مسؤوليها ومنظماتها عما لحق بالشعب اليمني منذ بداية العدوان عليه وتدمير دولته وتفتيت قواه السياسية والتآمر على حاضره ومستقبله. وقد تصب تقاريرها الأخيرة في هذا المسعى أو المحاولة وتكون بكل ما لها وعليها وسيلة رسمية، ارضية لتثبيت نتائج ودليلا لكشف وقائع وكوارث لا تنتهي بنهاية كل تقرير والإعلان عنه في وسائل الإعلام المختلفة، وما فيه من الطرح الخجول بخلط الأوراق فيه لتضييع البوصلة وعدم تحديد وتحميل المسؤولية القانونية والتاريخية. أن شعب اليمن تعرض لمأساة حقيقية تفرجت عليها الأمم المتحدة واسهمت قواها المؤثرة في صب الزيت على نيرانها. وليس عنوان تقريرها الاخير الا شاهد صارخ وإدانة لها اولا ولما حدث وحصل ثانيا. فإن يحمل التقرير عنوان: اليمن: فشل جماعي، مسؤولية جماعية، محاولة أخرى للتهرب من تحمل المسؤولية اساسا ومن ثم توزيعها بهذا الشكل الجماعي ويقدم حالة هروب إضافية من الواقع والوقائع والأحداث. التقرير الاخير نشر إعلاميا في مطلع الشهر، 3 ايلول/ سبتمبر 2019 والذي يكشف وقائع حدثت على الأرض ويحاول التهوين من قدرة المنظمة الدولية على وضع النقاط على الحروف، والابتعاد عن مسؤوليتها القانونية والأخلاقية، واعادة ما حصل سابقا من تغيير اعتباراتها وبياناتها ولائحتها السوداء. ورغم ذلك فإن ما نشر علنا يعري الصورة واطارها ويتطلب من الأمم المتحدة الوقوف أمامه ومحاكمة أسباب ونتائج ما حدث والعمل على وقف الحرب فورا وإعادة بناء الدولة واحترام حقوق الشعب العربي في اليمن كاملة. فما أشير له من أن التقرير "بشأن اليمن يفصّل مجموعة من جرائم الحرب المحتملة التي ارتكبها أطراف النزاع المختلفون خلال السنوات الخمس الماضية، من خلال الغارات الجوية، والقصف العشوائي، والقناصة، والألغام الأرضية، فضلاً عن القتل والاحتجاز التعسفيين، والتعذيب، والعنف الجنسي والجنساني، وإعاقة الوصول إلى المساعدات الإنسانية في خضم أسوأ أزمة إنسانية في العالم" ماذا يعني كل هذا، وماذا أرادت المنظمة الدولية ومنظماتها من نشر هذا التقرير؟!.

 وكأنه أمر جديد أو مستغرب أن يخلص فريق الخبراء البارزين الدوليين والإقليميين المستقلين بشأن اليمن الذي شكّله مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، (في 4 كانون الأول/ ديسمبر 2017، وعيّن السيد كمال الجندوبي (تونس) رئيسا، والسيد تشارلز غارواي (المملكة المتحدة) خبيرا، والسيدة ميليسا بارك (أستراليا) خبيرة. وفي أعقاب تقديم التقرير الأول للفريق إلى الدورة التاسعة والثلاثين لمجلس حقوق الإنسان (A / HRC / 39/43) في أيلول/ سبتمبر 2018، جدد القرار 39/16 ولاية الفريق لمدة سنة أخرى، وطلب تقديم تقرير ثان في الدورة الثانية والأربعين لمجلس حقوق الانسان في أيلول/ سبتمبر 2019). إلى أن الذين تسببوا في الكارثة قد استفادوا من "غياب المساءلة"حول انتهاكات القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان. وبعد كل ما حصل يدعو التقرير إلى وقف فوري لجميع أعمال العنف التي ارتُكبت ضد المدنيين، وشكّلت انتهاكا للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدول، ويطالب الأطراف باتخاذ الإجراءات لحماية المدنيين وضمان العدالة لجميع الضحايا. وهذه أمور مطلوبة ومعلومة ولكن السؤال عنها أو حولها من يقرر ذلك ومن يفترض أن يحسم الأمر وينهي المأساة.

قد يكون من المهم الإشارة  إلى أن التقرير شخّص الأطراف التي تشحن الحرب وتمد القوى المعتدية بانواع الأسلحة وحثّها على الامتناع عن توفير الأسلحة التي يمكن استخدامها في النزاع، ويذكّرها بالتزامها باتخاذ جميع التدابير المعقولة لضمان احترام جميع أطراف النزاع للقانون الإنساني الدولي.

في نقل خبر عن التقرير وضعت وكالة أنباء عالمية عنوانها للخبر: أمريكا وفرنسا وبريطانيا ربما شاركت في جرائم حرب باليمن، مؤكدة ذلك من خلال تقديم العتاد والمعلومات والدعم اللوجيستي للتحالف الذي يلجأ لتجويع المدنيين كأسلوب حرب. وأوصى محققو الأمم المتحدة بأن تفرض كل الدول حظرا على تسليم أسلحة للأطراف المتحاربة للحيلولة دون استخدامها في ارتكاب انتهاكات جسيمة.

قالت ميليسا بارك، خلال مؤتمر صحفي ”من الواضح أن استمرار إمداد أطراف الصراع بالسلاح يطيل أمد الصراع ومعاناة الشعب اليمني“. وأضافت ”ولهذا ندعو الدول الأعضاء لعدم تقديم أسلحة إلى أطراف الصراع بعد الآن“.

من جهته صرّح رئيس فريق الخبراء، السيد كمال الجندوبي، قائلاً: "بعد مرور خمس سنوات على النزاع، لا تزال الانتهاكات ضد المدنيين اليمنيين مستمرة بلا هوادة، مع ضرب عرض الحائط بمحنة الشعب وغياب أي إجراءات دولية لمحاسبة أطراف النزاع". و"يجب على المجتمع الدولي أن يضاعف جهوده لتحرير الشعب اليمني من الظلم المستمر الذي يعاني منه".

وجد الخبراء أسبابا معقولة للاعتقاد بأن الأعمال العدائية التي تقودها أطراف النزاع، من خلال الغارات الجوية والقصف، ما زالت تؤثّر بشكل خطير على المدنيين، وأن جزءاً كبيراً من هذه الهجمات قد يرقى إلى انتهاكات جسيمة للقانون الإنساني الدولي. كذلك، والى جانب الانتهاكات ذات الصلة بسير الأعمال العدائية، اعتقد فريق الخبراء بأن أطراف النزاع المسلح في اليمن مسؤولون عن الحرمان التعسفي من الحق في الحياة، والاحتجاز التعسفي، والاختفاء القسري، والعنف الجنسي، والتعذيب، وسوء المعاملة، وتجنيد الأطفال، وانتهاك الحريات الأساسية، وانتهاك الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وهي ترقى إلى انتهاكات للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي، حسب الاقتضاء. وقد يؤدي العديد من هذه الانتهاكات إلى تحميل الأفراد المعنيين المسؤولية عن جرائم الحرب فيما لو أحيلت الى محكمة مستقلة ومختصة.

حدّد فريق الخبراء، حيثما أمكن، الأفراد المسؤولين على الأرجح عن الجرائم الدولية، وقُدمت قائمة سرية محدثة بأسماء الأفراد إلى مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان. وأضاف السيد الجندوبي قائلاً: "لا يمكن التسامح بعد الآن بشأن الإفلات من العقاب المستشري – عن الانتهاكات والتجاوزات التي ارتكبها جميع أطراف النزاع. يجب تمكين التحقيقات الحيادية والمستقلة لمحاسبة أولئك الذين لا يحترمون حقوق الشعب اليمني. كما يجب على المجتمع الدولي التوقف عن غض الطرف عن هذه الانتهاكات وعن الوضع الإنساني الذي لم يعد محمولاً" (!).

يعترف فريق الخبراء بتفاقم الأزمة الإنسانية الكارثية بسبب أثر الهجمات الشديد والمستمر على البنية التحتية المدنية، مثل المستشفيات، والمرافق المائية، ونقل الغذاء، والمزارع والأسواق، وكذلك حالات الحظر والحرب الشبيهة بالحصار التي تعوّق وصول المساعدات الإنسانية، وغيرها من التدابير المماثلة.

ولعل في قول الجندوبي صرخة لصحوة ضمير: "إن حرمان السكان اليمنيين اللاإنساني من حقوقهم في الأدوية، والماء، والغذاء، يجب أن يتوقف فوراً. ويجب إعطاء الأولوية لبقاء 24 مليون شخص معوزين على قيد الحياة".

في الخلاصة أن شعبا عربيا يتعرض منذ سنوات إلى جرائم ترقى إلى جرائم حرب، ومنها الابادة، كما يبين تقرير الأمم المتحدة، ومازال وضعه المأساوي مستمرا.. ولا أسئلة تكفي للتعبير عنه أو تغطي المحنة..

 

كاظم الموسوي