سالم الشمريتبوء المذهب الشيعي مكانة جدلية في التفكير الديني، ويعد حالة استثنائيه في التاريخ الاسلامي . فعلى الرغم من انه مذهب سياسي عقيدة {الامامة} وخطابا { الانتظار } الا انه لم يحض بالدولة ولم يمتلكها رغم تضحياته الجسام . وهو- اي التشيع - وان تبلور خارج الدولة واستمر خصما لها وضحية مستمرة لعنفها وبطشها، الا انه لم يكترث لها من شدة هيامه بالتاريخ . وقد بلغ به الهيام كي لايكون خارج الدولة حسب وانما خارج زمنها ومسارها وايقاعها . ففيما ﻛﺎﻧﺖ الدولة الاسلامية تتوسع وتترامى اطرافها وتقوى مركزيتها، كان المذهب الشيعي يتشتت ويتمزق لفرق عديدة وكلما رسخت دولة الخلافة من كيانها تناثرت فكرة الامامة واصبح لكل فرقة امام فمن الزيدية الى الكيسانية ثم الكاملية فالهشامية واليوﻧﺴﻴﺔ والنصيرية والاسحاقية والحزمية والمزدكية والجعفرية والنواسية والشميطية والافطحية والعمارية والموسوية والواقفية والسندبادية والذقولية والمبيضة والاسماعيلية والاخبارية والقرامطة والتعليمية وغيرها. والقمي اول من قال بهذا الراي وهو ان اول الفرﻕالتي ظهرت في الاسلام هم الشيعة، كما ان المسعودي في مروج الذهب {221/3} وهو شيعي معتزلي قد اكد ان انقسام الشيعة الى 73 فرقة وكل فرقة تكفر الفرقه الاخرى.

المفارقة هي ان ما ان تهاوت الدولة الاسلامية ﺍﻟﻔﺎﺷﻴﺔ في نهاية المطاف حتى اﻧﻘﺮﺿﺖ اغلب الفرق الشيعية ولم يبق منها الا الفرق القائلة ﺑﻜﻔﺮ الدولة وكل دولة قبل الظهور ﺑﺎﻃﻠﺔ . وهذا لعمري نهاية مثيرة ومحيرة في آن، ويحلينا هذا الى جدلية العقائدي والسياسي في الفكر ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻲ الشيعي القلق، وفيما اذا كان الصراع التاريخي عقائديا ام سياسيا .. الا ان الاكثر حيرة هو انبثاق التشيع السياسي بعد ان خلصت العقيدة المثقلة بالتاريخ الى ان السياسة ليست من الدين وانها محض كفر فيما شق التشيع السياسي طريقه بشعار ديننا عين سياستنا.

لايمكن فهم العلاقة بين العقائدي والسياسي بمعزل عن اﻟﺘﺎﺭﻳﺦ . بمعنى ان ﺍﻗﺘﻨﺎء الدولة في التفكير الشيعي ليس حلما لان التشيع مسكون بنهاية الزمان وقيام دولة الحق في اخر التاريخ، ولعل حقيقة ان الدولة خصم تاريخي في الوعي الشيعي هو الذي يفسر سبب نهب ممتلكات الدولة وتدميرها . اي ان الرغبة الشيعية للانتقام من الدولة صار سببا لامتلاكها.

قد يعلل البعض بان المسؤولية تقع على التشيع السياسي ويحملون احزاب النشالة تفريغ الدولة وافراغها نهبا . لكن الانفعال النفسي لافكار وارادات القلة هي التي ترسم مسار الطائفة ويجري تعليل الانقياد الاعمى للاكثرية الشيعية بانعدام الثقة بالطوائف الاخرى، ومن هنا تبدو المخططات السياسية المبنية على التمترس الطائفي كما في حكم عقد ونيف من حكم حزب الحرامية للدولة هو ايذانا بببداية شرخ جديدعلى حساب الدائرة الشيعية الاوسع . اذ لطالما سخرت القلة طوائفها لمصالح ضيقة جدا .

مانشهده حاليا هو انقسام غير مسبوق في الساحة الشيعية العراقية وعلى اكثر من صعيد . . انقسام حول الحشد الشعبي الذي صار بعضه مع الوطن واخر ضده وتكهنات باصدار فتوى الغاء الحشد وسحب السلاح منه. وانقسام حول المرجعية في ظل النفوذ الايراني الواضح وسعي طهران لتقويض مرجعية النجف. وانقسام على سياسة الدولة . والاخطر هو الانقسام المجتمعي القيمي في العراق بعد اهتزاز صورة الدين لدى الاغلبية الشيعية في العراق .

ازعم ان هذا الزمن يستوجب الاعتراف بان الافكار المثالية وان كانت نبيلة الا انها لاتتحقق ولا تحقق نفسها ويعجز المؤمنون من تحقيقها سوى انها تبقى مصدر الهام فقط . ومادامت الدولة لعنة في التفكير الشيعي الا دولة اخر الزمان فمن العبث ان تغطى الشمس بغربال.

 

سالم الشمري / الولايات ﺍﻟﻤﺘﺤﺪﺓ

 

عبد الحسين شعبانمثل البرق انتشرت بسرعة خارقة حركة "السترات الصفراء" احتجاجاً على رفع أسعار الوقود المخصص للسيارات، فقد نزل أعضاؤها إلى شوارع باريس، وخصوصاً في شارع الشانزليزيه الباذخ في أناقته ورقيّه، وذلك في تشرين الثاني/نوفمبر/2018 والتحق بها عشرات الآلاف من الغاضبين على سياسة الرئيس إيمانويل ماكرون، وخصوصاً سياساته الضريبية على حساب الفقراء والكادحين والمحابية بشكل صارخ للأغنياء، لاسيّما أصحاب المصارف والشركات الكبرى ومصالح الرأسمالية العليا.

وإذا كان اليسار وراء حركة الاحتجاج الشهيرة قبل ما يزيد على 50 عاماً (مايو/أيار/1968)، والتي ضمّت طيفاً واسعاً من طلبة الجامعات والشبيبة، إضافة إلى  مثقفين وأكاديميين ومفكرين وتحالفت مع الحركة النقابية والعمالية، فإن حركة "السترات الصفراء" تقف اليوم وحيدة في الميدان، وإنْ حاول اليمين واليسار التواصل معها، لكن المطالب الشعبية العامة وسوء الأوضاع الاقتصادية كانت هي الأساس في اندلاعها، وساهم التواصل الاجتماعي في تدعيم وتعميم مطالبها وإعطائها مثل هذا الزخم المعنوي، وخصوصاً استمراريتها وتحدّيها للسلطات الحاكمة، التي استخدمت جميع الوسائل لإجهاضها أو تسويفها.

واليسار الفرنسي مثله مثل اليسار الأوروبي والعالمي، فضلاً عن اليسار العالمثالثي بكل تفريعاته يشهد معاناة كبيرة، لاسيّما بصعود اليمين الشعبوي في عدد من البلدان مثل إيطاليا وفرنسا والمجر وألمانيا والنمسا وهولندا وغيرها وفاز مؤخراً في انتخابات البرازيل والسلفادور وقاد حركة تمرّد في فنزيلا المحاصرة من جانب واشنطن منذ عقد ونصف من الزمان، كما صعد الإسلاميون في الانتخابات التي جرت في العديد من البلدان العربية، ناهيك عن موجة تكفير إرهابية شغلت العالم أجمع والتي تجلّت بسيطرة تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" على نحو ثلث أراضي كل من العراق وسوريا، الأمر الذي استوجب إقامة" تحالف دولي" لمواجهتها، دون أن ننسى تأثيراتها على أوروبا بشكل خاص والغرب بشكل عام.

ولعلّ اليسار بشكل عام والفرنسي بشكل خاص لا ينقصه المفكرين والمثقفين، لكن انسحابه من مهماته الأساسية، لاسيّما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ورضوخه لآليات العولمة عمّق من أزمته المعتّقة، خصوصاً ولم يعد الاصطفاف القديم قائماً، لا بالتمثيل ولا بالتعبير عن مصالح الكادحين وحقوقهم، وهو ما دفع النظام الرأسمالي العالمي وبعد انتهاء عهد "الحرب الباردة" وانحلال النظام الاشتراكي العالمي للتغوّل على المكتسبات التي حققها العمال والفلاحين في البلدان الرأسمالية العريقة، التي لم تعد تعتبر "دولة رعاية" حقيقية، كما كان يتم الترويج له.

وازداد الأمر تعقيداً بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 الإرهابية الإجرامية في الولايات المتحدة واندلاع الأزمة المالية والاقتصادية العالمية في العام 2008، مما دفع أوساطاً عديدة للانحياز لصالح اليمين الفاشي والعنصري الذي رفع أكثر الشعارات رنيناً وصخباً، بما فيها الحفاظ على "الهويّة الثقافية" لشعوب البلدان الغربية في مواجهة موجة ظاهرة اللجوء والهجرة، من الجنوب إلى الشمال ومن البلدان الفقيرة إلى البلدان الغنية.

وشهد العالم أجمع قوارب الموت اليومية التي نقلتها شاشات التلفاز ومعسكرات احتجاز اللاجئين اللّاإنسانية والتي لا تتوفر فيها شروط الحد الأدنى،  ناهيك عن مخالفة العديد من البلدان الغربية لالتزاماتها الدولية التي تتطلبها الاتفاقيات والمعاهدات التي وقعت عليها،  فبعد أوروبا جاء دور واشنطن، التي عبّر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن مواقفه الشعبوية العدائية تجاه اللاجئين من المكسيك وأثار زوبعة لم تنتهي بعد، لبناء سياج عنصري بزعم حماية الولايات المتحدة، سيّما وأن سياسته تركت توترات على العديد من مناطق العالم بما فيها منطقتنا العربية ، خصوصاً حين أعلن على نحو سافر انحيازه لـ"إسرائيل" وقام بنقل سفارة الولايات المتحدة إلى القدس خلافاً لقواعد القانون الدولي والاتفاقيات الدولية وفي مقدمتها اتفاقيات جنيف لعام 1949 وملحقيها لعام 1977 .

ومن باب الإنصاف القول: إن عوامل موضوعية وأخرى ذاتية كانت وراء صعود اليسار العالمي، لاسيّما بعد الحرب العالمية الثانية، إلّا أن مثل تلك العوامل غابت أو اختفت بسبب اختلال موازين القوى، ناهيك عن "الأزمة الفكرية" التي عاشها اليسار بعد انحلال الكتلة الاشتراكية وفشل النموذج الاشتراكي العالمي ممثلاً بالموديل السوفييتي وتوابعه، ليس هذا فحسب، بل حصلت تبدّلات بنيوية على نهج اليسار ومواقفه، فلم يعد قسماً منه في ظلّ العولمة ينظر إلى الولايات المتحدة باعتبارها قلعة الإمبريالية الأولى، وقد تخلّى الكثير من الحركات اليسارية بما فيها في منطقتنا وفي البلاد العربية عن شعاراتها في مواجهة الامبريالية، وبعضها نقل رحيله من الولاء لموسكو إلى التطلّع لواشنطن، باعتبارها القوة العالمية الأولى المتنفّذة  في العلاقات الدولية مسقطاً عنها صفة " الدولة الأكثر رعاية" لـ"إسرائيل" التي عانت المنطقة بسببها من احتلال وعدوان وحروب أكثر من سبعة عقود من الزمان. وزاد من أزمة اليسار العربي الوضع الإقليمي والتداخلات الحاصلة فيه إيرانيّاً وتركيّاً لفرض الهيمنة والاستتباع.

ويمكن القول إن بعض مواقف اليسار في الغرب خفّضت جناحيها لشعارات التحالف مع حركات التحرّر الوطني ودفاعها عن قضايا حق تقرير المصير للشعوب وحقوق الإنسان بشكل عام، مزدرية من يريد أن يذكّرها بتلك الأطروحات، باعتبارها تعود إلى الماضي السحيق، وأكل الدهر عليها وشرب.

وشهد اليسار أما تخلياً عن شعاراته ضد الامبريالية أو انكفاءً وعزلة وتقوقعاً، وعاش همومه الداخلية الخاصة بكل بلد، تلك المتعلقة بالأوضاع المعاشية الاجتماعية والاقتصادية والبيئية ومشكلات الحكم والانتخابات والتحالفات القلقة مع قوى ظلّت متربّصة بها، ولم نشهد منذ ثلاث عقود ونيّف من الزمان احتجاجات كبرى أو مواجهات من تلك التي عرفناها في الخمسينات والستينات والسبعينات، وتدريجياً، فقد اليسار الكثير من وزنه وتوازنه، خصوصاً حيال القضايا العامة المتعلقة بالسلام ونزع السلاح والعنصرية والتضامن الأممي، ناهيك عن النكوص عن بعض القضايا العربية ومنها القضية الفلسطينية، لدرجة بهت لونه وتغيّر شكله ومضمونه أحياناً. والأمر لا ينحصر على الغرب وحده إنما يمتد إلى منطقتنا  وهو ما أكدته الهبّات الشعبية التي حصلت فيها وأطلق عليها "الربيع العربي"  فلم يكن دوره فاعلاً أو بمستوى المسؤولية  كما هو في الخمسينات والستينات والسبعينات من القرن الماضي، بل إن بعض توجهاته كانت سلبية، دون أن يعني ذلك تنزيه بعض التوجهات التي رافقت اندلاعه والتي أدت إلى حرفه في منعرجات ودروب ضيقة .

فهل سيخلي اليسار الأوروبي التقليدي مواقعه لحركة " السترات الصفراء" مثلما أخلى اليسار العربي مواقعه للإسلاميين، أم أن ثمة حسابات أخرى وإعادة نظر ومراجعة ضرورية يمكن أن تعيد له بريقه أو شيئاً منه بعد الخيبات الكثيرة؟ الأمر الذي يحتاج إلى وقفات جادة ومسؤولة وشاملة على صعيد الفكر والممارسة وقراءة المستجدات والمتغيرات على الساحة الدولية والإقليمية والداخلية على نحو متمعن واستشرافي ، بما فيها مخرجات الثورة العلمية - التقنية الرابعة، ولاسيّما ثورة الاتصالات والمواصلات وتكنولوجيا المعلومات والإعلام، والطفرة الرقمية " الديجيتل".

لقد فعل اليسار الأوروبي والعربي فعلهما في الستينات، وامتدت حركة الاحتجاج  إلى الجامعات والأوساط الطلابية والشبابية في الغرب عموماً، بل ذهبت بعيداً إلى المكسيك والبرازيل واليابان، وكانت الشعارات ترتفع " ممنوع المنع" و" نطلب المستحيل لنحصل على الممكن"، وكانت حصيلتها في فرنسا إنزال الجنرال شارل ديغول من قمة السلطة بكل ثقله التاريخي، وفي الولايات المتحدة ارتفاع حركة معارضة الحرب على الفيتنام والمطالبة بالانسحاب الأمريكي من الهند الصينية وهو ما حصل لاحقاً، فضلاً عن تفجر حركة مطالبة بالحقوق المدنية وحقوق المرأة والدفاع عن المهمشين.

ويمكنني الإشارة إلى بعض ملامح حركة اليسار وتوجهاته الجديدة في العالم العربي في بلدين كبيرين، ففي العراق شهد أواخر العام1967 ومطلع العام 1968 حركة احتجاج طلابية عارمة وتحركاً عمّالياً هي جزء لا يتجزأ من الموجة اليسارية وخيوطها الجيفارية التي تدعو لحرب تحرير شعبية طويلة الأمد، كما شهدت مصر في فبراير (شباط) ونوفمبر (تشرين الثاني) العام  1968 حركة احتجاج ومعارضة كبرى قد تكون الأولى من نوعها في عهد الرئيس جمال عبد الناصر كانت من نتائج هزيمة 5 يونيو (حزيران) 1967، إضافة إلى انبثاق وتطور حركة المقاومة الفلسطينية في إطار توجهات وطنية ويسارية جديدة، فهل ستنجب حركة "السترات الصفراء" يساراً جديداً متجاوزاً القائم مثلما شهدت الستينات تجاوزاً للتيار اليساري التقليدي من أفكار ماركس ووجودية سارتر إلى الحركة البنيوية التفكيكية  لميشيل فوكو وجاك دريدا وماركوز وجاك لاكان وهابرماز وأضرابهم.

 

عبد الحسين شعبان -  باحث ومفكر عربي

 

نجوى السودةبقلم: جيمس إي لوكاس

ترجمة: نجوى السودة

لماذا قتلوا عائلتي؟

بعد الهجمات الكارثية للحادي عشر من سبتمبر 2001سادت حالة من القنوط والغضب المبرر في التركيبة النفسية في الشخصية الأمريكية.حاولت قلة من الناس أن تصل لحالة من الرقي في التفكير المتوازن وتشير أيضا بإصبع الإتهام إلى الولايات المتحدة، التي قد كانت سببا في في وجود تلك المشاعرلدى أناس آخرين في دول أخرى، إلا أنهم نادرا ماكانوا يجدون منفذا .على الرغم من أن الأمريكان يعرفون نظريا الحكمة من التعاطف العالمي مع معاناة الآخرين، إن مثل هذه الرسالة التي تذكرنا بالأخطاء التي ترتكبها دولتنا لم تجد من ينصت إليها غير قليلين وسرعان ماقاموا بالتعتيم عليها بما يسمى "الحرب على الإرهاب ."

غير أننا يجب أن نواصل جهودنا في أن نطور عملية فهم مايجري ومن بينها بوصلةالعالم . بكل الأمل، إن هذا المقال سوف يساعد في القيام بذلك من خلال هذ السؤال الذي نطرحه " كم عدد الحادي عشر من سبتمبر قد تسببت فيه الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية؟"

إن هذا الموضوع تتبعنا تطوراته من خلال هذا التقرير الذي يشتمل على أرقام إحصائية لمثل هذه الوفيات في 37 دولة بالإضافة إلى تفسيرات مبسطة لماذا يقع اللوم على الولايات المتحدة .

إن الأسباب التي تقوم من أجلها الحروب معقدة وهناك بعض الأمثلة لهذه الحروب.

لقد كانت هناك دولا غير الولايات المتحدة مسئولة عن المزيد من الموت، لكن إذا كان تورط دولتنا يبدو سببا رئيسيا في حرب أو صراع ما فإنها تُعتبر مسئولة عن الموتى الذين ماتوا فيها .

من ناحية أخرى، فإن هذه الحروب والصراعات كان من الممكن ألا تحدث، إذا لم تستخدم الولايات المتحدة سطوة يدها الثقيلة .إن القوى العسكرية والإقتصادية للولايات المتحدة كان حرجا

إن هذه الدراسة تكشف لنا كيف أن قوات الولايات المتحدة كانت مسئولة بصفة مباشرة عن موت مايقارب من 10إلى 15مليون خلال حربها مع كوريا وفيتنام والحربين التي قامتا بالعراق .

تشتمل الحرب الكورية أيضا على وفيات لصينيين في نفس الوقت، إن الحرب الفيتنامية أيضا تشمل قتلى في كامبوديا ولاأوس .

إن الجماهير الأمريكية من الوارد جدا أنها ليست على دراية بهذه الأرقام ويعرفون القليل عن التفويض لتلك الحروب التي تقوم فيها الولايات المتحدة بدور ضليع .

قُتل بأفغانستان في الحروب الأخيرة ما بين 9إلى 14

مليون بني آدم في أفغانستان، وأنجولا، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وشرق تايمور جواتيمالا، وإندونيسيا، وباكستان والسودان .

غيرأن الضحايا ليسوا فقط من دول كبيرة أو من أجد أجزاء العالم .باقي القتلى كانوا في أماكن أصغر من العالم ويكونون ما يفوق نصف العدد الكلي للدول .

لقد كانت الولايات المتحدة تتدخل فعليا في كل جزء من أجزاء العالم وكان هدفا من أهدافها .

خلاصة النتيجة التي توصلنا إليها، أن الولايات المتحدة على أكثر تقدير قد كانت تتحمل المسئولية منذ الحرب العالمية الثانية، في وفاة مابين 20إلى 30مليون شخص بالحروب والصراعات التي تناثرت في العالم .

لم تعن هذه الحروب إختلافا يذكر لدى عائلات وأصدقاء هؤلاء الضحايا، عما إذا كانت هذه الحروب قد قامت بسبب تحرك العسكرية الأمريكية، أو أنها بسبب قوات عسكرية تم تفويضها، أو أنها بسبب إمدادات العسكرية بالولايات المتحدة لها بالمؤن والمستشارين، أو أي سبل أخرى، كالضغوط الإقتصادية مثلا والتي تنطبق على دولتنا .

كان لزاما عليهم أن يتخدوا قرارات بشأن أشياء أخرى مثل العثور على المفقودين الذين يروقون لهم، وهل سيصيرون لاجئين، وكيف سيعيشون؟

.تقدر بعض السلطات أن هناك 10جرحى مقابل قتيل يموت في الحروب ويزداد الغضب والألم ويصل لأبعد من ذلك، وأن معاناتهم الواضحة والمستمرة تظل عالقة في أذهان ذويهم .

من الضروري أن يلم الأمريكيون بالكثير عن هذا الموضوع حتى يبدأوا في إستيعاب مايشعر به الآخرون من ألم .

لاحظ أحد الألمان ذات مرة، أن الألمان خلال الحرب العالمية الثانية "تخيروا ألا يعرفوا ." نحن لا نستطيع أن نسمح للتاريخ أن يقول هذا عن وطننا .

إن السؤال الذي طرحناه عاليا كان "كم عدد الحادي عشر من سبتمبر الذي تسببت الولايات المتحدة من ورائه في حروب في دول أخرى منذ الحرب العالمية الثانية ؟"

الإجابة :ما يقارب 10000.

تعليقات على جمع هذه المعلومات

إذا ما تحدثنا بصفة عامة، فإن العدد شديد الضآلة من الأمريكيين الذين قد ماتوا ليسوا مدرجين في هذه الدراسة، ليس لأنهم ليسوا لهم أهمية، ولكن لأن هذا التقرير يسلط الضوء على تأثير تحركات الولايات المتحدة على خصومها .

ليس شيئا يسيرا أن نعطي إحصائية دقيقة حول أعداد الوفيات،

كما أننا أخذنا على عاتقنا عند جمع هذه المعلومات أن ندرك تمام الإدراك لهذه الحقيقة .

سوف يقوم القارئ والكاتب بمراجعة هذه الإحصائيات إما تصاعديا أوتنازليا، لكنه مما لاشك فيه سوف يظل الإجمالي لدى الملايين .

إن الصعوبة في جمع معلومات موثوق فيها قد بيناها في هذا السياق.لقد سمعت ولسنين عدة تصريحات عبر الأثيرأن ثلاث مليون من الكمبوديين قد قُتلوا تحت حكم خمير روج.على أية حال، إن الرقم الذي سمعته في السنوات الحالية كان مليونا .

مثال آخر هو أن الأشحاص الذين تم إحصاءهم في حرب العراق تعدى المليون، إلا أنه في السنوات التي تلت، إنخفضت النسبة عندما قمنا بالمزيد من الدراسة، لتصل إلى حوالي نصف المليون.

غالبا ماتظهر المعلومات حول الحروب متأخرة كثيرا حينما يقرر شخص ما أن يعلن جهرا، عندما يتم الكشف عن معلومات كانت سرية بدرجة كبيرة ويرجع ذلك لجهود عتيدة يقوم بها قلة قليلة، أو بعد تقارير تقوم بها لجان خاصة من الكونجرس .

ربما يكون لدى الدول المنتصرة والمنهزمة الأشياء التي جعلتها مقصرة قي إحصاء عدد الوفيات.

علاوة على ذلك، في الحروب الحالية التي كانت الولايات المتحدة متورطة فيها لم يكن من غير المألوف أن تسمع عبارات مثل"نحن لانقوم بإحصاء الجثث "والإستشهاد ب"الأضرار اللاحقة "لتخفيف وقع الخسائر الناجمة من القتلى والجرحى .إن الحياة لاقيمة لها عند البعض، خاصة هؤلاءالذين يضاربون بالناس إلى ميدان الوغى كما لو كانوا رقعة الشطرنج.

أن نقول أنه ليس من الجد اليسير أن نحصل على أرقام دقيقة ليس كما أن نقول أنه كان ينبغي علينا أن نحاول.إن بذل الجهد مطلوب للوصول إلى 6 مليون من اليهود قُتِلوا في الحر ب العالمية الأولى

، لكن المعلومات عن ذلك الرقم هي الآن واسعة الإنتشار ولقد أشعلت فتيل العزم لتعوق أية مذابح هولوكست في القريب العاجل .ذلك النضال لاينضب.

سبعة وثلاثون دولة ضحية

أفغانستان

إن الولايات المتحدة تتحمل مسئولية قتل مابين 1إلى 1.8مليون قتيل من الأفغانيين في الحرب التي دارت رحاها بين الإتحاد السوفيتي وأفغانستان، عن طريق الزج بالإتحاد السوفيتي لغزو تلك الدولة .(1، 2، 3، 4).كانت لدى الإتحاد السوفيتي علاقات طيبة مع جيرته . أفغانستان التي كان لها حكومة علمانية، كان الإتحاد السوفيتي يخشى أن هذه الحكومة صارت ذات أصول دينية مما يمكن أن يؤدي هذا التغيير أن يفيض بأثره على الإتحاد السوفيتي .

في عام 1998، في لقاء مع ناشر رواية المراقب بباريس لكاتبها زبينجيو بريزنسكي، يعترف مستشار الرئيس كارتر، بأنه يتحمل مسئولية القيام بتحريض المجاهدين في أفغانستان وكان يقدم لهم المؤن مما أدى إلى غزو الإتحاد السوفيتي .يقول في كلماته:

طبقا للرؤية الرسمية للتاريخ، فإن جهاز الإستخبارات الأمريكية بدأ فعليا يقدم المساعدات للمجاهدين خلال عام 1980، بمعنى أن، بعد أن غزت قوات الإتحاد السوفيتي في24من ديسمبر 1979.

غيرأن الحقيقة بحذافيرها، لم يكشف النقاب عنها حتى الآن.

بالفعل، في 3من يوليو، 1979أعطى الرئيس كارتر تعليماته الأولية بالمساعدة السرية لخصوم نظام الإتحاد السوفيتي في كابول .

وفي ذلك اليوم، قمت بكتابة وجهة نظري في هذا الشأن للرئيس شرحت له فيها أن هذه المساعدة سوف تكون بمثابة تحريض للإتحاد السوفيتي بالتدخل العسكري .(5، 1، 6)

قدم بريزينسكي مايبرر وجهة نظره، حيث قال لقد منح هذا الإتحاد السوفيتي فيتنامه وتسبب في إنهيار الإتحاد السوفيتي .

رد قائلا، "نندم على ماذا ؟" "إن تلك العملية السرية كانت فكرة صائبة، لقد كان لها بالغ الأثر في توغل الروس في مصيدة أفغانستان وتطلب مني أن أندم!؟"(7)

إن جهاز الإستخبارات الأمريكية أنفق من 5إلى 6مليون بليون دولارفي عملية غزوها لأفغانستان لكي تستنزف الإتحاد السوفيتي .(1، 2، 3)حينما إنتهت تلك الحرب التي ظلت عشر سنوات لكي تنه حياة مايزيد على مليون شخص واستولت أفغانستان البطلة على 60%من سوق الولايات المتحدة .

لقد كانت الولايات المتحدة مسئولة مسئولية مباشرة عن قتل 12مليون شخص في أفغانستان الكثير منهم من لقى حتفه إنتقاما للهجمات التي تعرضت لها الولايات في 11سبتمبر 2001.وتبعا لذلك قام جنود الولايات المتحدة بغزو أفغانستان .(4)

أنجولا

ناضل الجيش الوطني نضالا مستميتا ضد الحكم البرتغالي في أنجولا بداية من عام 1961.

إعترفت الأمم المتحدة بحكومة أنجولا في عام 1977، على الرغم من ذلك، كانت الولايات المتحدة واحدة من الدول القليلة التي عارضت هذه الخطوة.

في عام 1986صدق العم سام (الولايات المتحدة)على طلب لجنة المساعدات المادية للجنة الحقيقة والمصالحة، وهي جماعة كانت تحاول الإطاحة بالحكومة.إلى يومنا هذا، يستمر هذا الكفاح، الذي تورطت فيه في وقت من الأوقات العديد من الدول .

بررت الولايات المتحدة للرأي العام تدخلها كرد فعل لتدخل 50، 000من القوات الكوبية بأنجولا .

أيا كان، وتبعا لبيير جليسجيسيس، وهو بروفيسور في التاريخ بجامعة جون هوبكنز فإن العكس هو الصحيح .إن التدخل الكوبي جاء نتيجة لغزو وكالة الإستخبارات الأمريكية السافر والممول ضد دولة جارة وهي زائير أدى إلى دخول الولايات المتحدة العاصمة الأنجولية، لجنوب إفريقيا 1، 2، 3).ويقدر عدد القتلى من 300، 000إلى 750، 000(4،، 5، 6)

الأرجنتين: أنظر جنوب أمريكا :عملية النسر الأمريكي الضخم

بنجلاديش: أنظر باكستان بوليفيا

في عام 1970. كان هوجو بانزر زعيما للنظام القهري ببوليفيا

لقد أصيبت الولايات المتحدة بالإنزعاج عندما أمم زعيما سابقا عددا من المناجم وقام بتوزيع الأرض على الفلاحين الهنود .فيما بعد ذلك العمل الذي كان في صالح الفلاحين إرتد إلى الوضع السابق.

إن بانزار الذي تدرب في المدارس الأمريكية في بنما وبعد ذلك في في فورت فوود، تكساس، ثم عاد من المنفى ليتشاور مع الرائد روبرت لاندن بالقوات الجوية.

في عام1971 كان على مسرح الأحداث في الإنقلاب الناجح بمساعدة الشبكة اللاسلكية في الولايات المتحدة .

تلقى في السنين الأولى من عهده الإستبدادي مساعدات عسكرية من الولايات المتحدة كما كان يحدث في الإثنا عشر عاما السابقة بمجملها.

بعد ذلك بأعوام قليلة، شجبت الكنيسة الكاثوليكية المذبحة التي قامت بها القوات المسلحة بضرب عشرات العمال الذين قاموا بالإضراب في عام 1975، واستندت في معلوماتها من الإستخبارات الأمريكية، حيث كانت قادرة على تحديد الهدف وموقع القساوسة والرهبان من الجناح اليساري .

عُرِفت خطته الإستراتيجية الكهنوتية بخطة بنزار المضادة، وتبناها تسعة من المستبدين في أمريكا اللاتينية في عام 1977.(2) لقد وُجَهت له تهمة مسئوليته عن قتل 400أثناءتوليه منصبه.(1)

أنظر أيضا: أنظر إلى أمريكا الجنوبية: عملية: هالنسر الأمريكي الضخم

كمبوديا

لقد إنطلقت الولايات المتحدة في سرية في قصفها لكمبوديا بالقنابل لعدة سنوات .

في عهد جونسون ونيكسون، لكنه عندما بدأ الرئيس نيكسون على الملأالقصف لإغتصاب الأرض في كمبوديا وأفضى إلى قتل المتظاهرين في الولايات المتحدة المناهضين للحرب الأمريكية ضد فيتنام .

لا يوجد حتى يومنا هذا معلومات كافية حول مدى ما ألحقته تلك القصفات من المعاناة الإنسانية .

لقد حاقت بالقرى والمدن في كمبوديا، وتسببت في تشريدهم وحل محلهم سكان آخرين .

هذا الوضع الغير مستقر ساعد خمير روج، وهو حزب سياسي ليس كبيرا قاده بول بوت، ليتسلم زمام السلطة .

وبمرور الزمن ظللنا نسمع بصفة مستمرة عن دور خمير روج في قتل الملايين من البشر في كمبوديا دون وجود مايفيد عند دور الولايات المتحدة الضليع في قصف تلك الدولة التي شهدت عدم إستقرار من جراء القتلى، والجرحى، والمجاعة وتفكيك عظام شعبها.

ومن هنا فإن الولايات المتحدة تتحمل المسئولية ليس فقط في القتلى من وراء القصف، لكنها أيضا تتحمل قتل مايصل في مجمله-- إلى 2.5مليون شخص من وراء تلك الممارسات التي قام بها خمير روج، حتى أنه عندما غزت فيما بعد فيتنام لكمبوديا في عام، كانت الولايات المتحدة مستمرة في دعمها لخمير روج .(1، 2، 3)

أنظر أيضا إلى فيتنام

تشاد

قُتَل ما يقدر بحوالي 40، 000شخص في تشاد ومالايقل عن 200، 000قامت الحكومة بتعذيبهم، تلك الحكومة التي

ترأسها حسين حبري الذي تقلد السلطة في يونيو، 1982

حيث تلقى مساعدات مالية وعسكرية من المخابرات الأمريكية .ظل في السلطة لثماني سنوات(1، 2).

أقامت مؤسسات حقوق الإنسان دعاوي ذكرت فيها أن حبري يتحمل مسئولية قتل الآلاف .

في عام 2001، في الوقت الذي كان يعيش فيه في السنغال، قُدِم للمحاكمة بتهمة إرتكاب جرائم قام بها بنفسه في السنغال .على أية حال، قامت محكمة هناك بإعاقة تلك المحاكمات .

حينئذ قررت منظمات حقوق الإنسان بتتبع القضية ببلجيكا ؛بعض الضحايا الذين قام بتعذيبهم وكانوا يعيشون هناك .

أبلغت الولايات المتحدة، في يونيو 2003، بلجيكا بأنها جازفت وخسرت مكانتها ومقراتها كحليفة مع الناتو، حيث أنها سمحت لمثل هذه الإجراءات القانونية أن تحدث.

تبعا لذلك سمح القانون للضحايا أن يرسلوا ملف شكواهم في بلجيكا عن الجرائم الوحشية التي أرتكبت بالخارج أن يتم إبطالها قانونيا .على أية حال، بعد شهرين تم تمرير القانون الجديد وصدر حكما له خصوصيته حال دون إستمرار القضايا المرفوعة ضد حبري.

شيلي

تدخل جهاز الإستخبارات في الولايات المتحدة في إنتخابات شيلي في عام 1958 وعام 1964

في عام 1970فازالمرشح الإشتراكي، سلفادور ألينيه، أراد جهاز الإستخبارات الأمريكية أن يُحرض على إنقلاب عسكري ليحول دون توليه الحكم، إلا أن القائد العسكري، المارشال رينيه شنايدر، عارض هذا العمل من المخابرات الأمريكية .حينئذ قامت ومعها البعض من العسكريين في شيلي باغتيال شنايدر . فشلت المكيدة وتولى ألينيد الحكم .لم يثن ذلك نيكسون عن عزمه فأمر المخابرات الأمريكية أن تخلق مُناخا للإنقلاب وقال قوله المعروف :"إخلق مناخا يجعل الإقتصاد يصرخ، "

أسفر عن ذلك العملية الحربية الغوريلا، وإشعال الحرائق عن عمد، والقصف، والتخريب المتعمد وإثارة الفزع .

قامت مؤسسة أي تي تي ومؤسسات أمريكية أخرى مع بعض المؤسسات المسيطرة في شيلي بتمويل المظاهرات والإضرابات .وفي نهاية الأمر، وفي الحادي عشر من سبتمبر، 1973مات ألينيد إما منتحرا أو تم إغتياله.

في تلك الفترة ذكر هنري كيسنجر، وزير خارجية الولايات المتحدة التالي فيما يتعلق بشيلي :"لست أدري لماذا ينبغي علينا أن نقف على مقربة كالمتفرج لنشاهد بأعيننا دولة تتحول إالى الإشتراكية والسبب في ذلك أننا أمام شعب عديم المسئولية ."(1)

عانت شيلي من الإرهاب طوال سبعة عشر عاما على يد المارشال أوجوستو بينوشي، الذي خلف ألينيد، حيث قُتل مالا يقل عن 3000من أهل شيلي وعُذِب آخرين أو، "إختفوا قسريا ."(2، 3، 4، 5)

أنظرأيضا إلى أمريكا الجنوبية :عملية النسر الأمريكي الضخم

لقى حوالي 900، 000صيني حتفهم خلال الحرب الكورية

للمزيد من المعلومات أنظر إلى كوريا

كولومبيا

وطبقا لتقرير لمنظمة العفو الدولية في 1994، قُتِل مايزيد عن 20000شخص في كولومبيا لأسباب سياسية منذ 1986، أقرت منظمة العفوالدولية بأن الولايات المتحدة تساعد حلفائها العسكريين وشبه العسكريين،

مدعية كذبا محاربة مرور المخدرات، في حين كانت العسكرية الكولومبية ترتكب جرائما تحت زعم "مجابهة المتمردين ."(2)في عام 2002 صدرت إحصائية أخرى في عام 2002 ذكرت أن حوالي 3500شخص يموتون كل عام من جراء الحرب التي تدعمها الولايات المتحدة في كولومبيا بالمال والأسلحة (3)

في عام1996أصدرت لجنة المراقبة لحقوق الإنسان تقريرا حول الإغتيالات التي تقوم بها فرق العسكرية الموالية للولايات المتحدة، وأظهرت أن العملاء السريين للولايات المتحدة توجهوا إلى كولومبيا في عام 1999 لتقديم المساعدة للجيش هناك وليقوموا بتدريب عملائهم الذين لم يعلنوا عنهم جهرا في مهمة من مهامهم لمناهضة العمليات التخريبية (4، 5)

لقد قامت حكومة الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة بتقديم الدعم لحكومة كولومبيا بغرض تنفيذ هدف بعينه .

كوبا

فيما يتعلق بعملية غزو كوبا في 18إبريل، عام1961، التي أطلق عليها غزو الخنازير والتي إنتهت بعد ثلاثة أيام، قُتِل فيها 114من قوة الغزو، و1189تم أسرهم وفر قليلون إلى شاحنات الولايات المتحدة التي كانت بانتظارهم .(1)

(1)    قُدِم الذين نفوا، الذين تم القبض عليهم للمحاكمة، وأعدموا قليل منهم أما الباقي سُجِنوا بتهمة الخيانة ثلاثين عاما .تم إطلاق سراح الذين تم نفيهم بعد 20شهرا مقابل

(2)    for $53

يقدر البعض أن عدد القوات الكوبية التي قتلت يتراوح بين 2000، إلى 4000.ترى إحصائية أخرى أن حوالي 1800من القوات الكوبية قُتِلوا في مكان مكشوف على الطريق السريع حيث ألقوا عليهم القنابل النابلم .يبدو أن هذا قد كان نذيرا لطريق الموت في العراق 1991 عندما دكت الولايات المتحدة بلا هوادة أعدادا من العراقيين على الطريق السريع. (2)

جمهورية الكونغو الديمقراطية الشعبية (زائير سابقا)

بدأ الحض على العنف الشديد في هذا البلد في عام 1879عن طريق مستعمرها الملك ليوبولد ملك بلجيكا .

تناقص عدد السكان في الكونغو إلى 10مليون خلال فترة 20عاما والتي يشار إليها ب"عهد القتل الجماعي ."(1)

لقد كانت الولايات المتحدة مسئولة عن ثلت هؤلاء القتلى في ذلك البلد في الماضي الغير بعيد .(2)

صارت الكونغو في عام 1960دولة مستقلة في ظل أول رئيس وزراء بها باتريس لومومبا، قامت الإستخبارات الأمريكية باغتياله وهو متورط، على الرغم أن البعض يرجع إغتياله في الواقع إلى بلجيكا .(3) 1960

رغم ذلك، فإن المخابرات الأمريكية كان تخطط لقتله .(4) قبل إغتياله من قبل المخابرات الأمريكية أرسلت عالما من علمائها، دكتور .سيدني جوتلييب، إلى الكونغو حاملا "مادة بيولوجية مميتة "قاصدا بها إستخدامها في إغتيال لومبابا .

لقد كان هذا الفيروس قادرا على أن يسبب موت محقق لمنطقة الكونغو الإفريقية تم نقله في حقيبة دبلوماسية .

شهدت معظم العهود الحالية حربا أهلية داخل الجمهورية الكونغو الديمقراطية، قامت يتحريض من الولايات المتحدة ودولا أخرى، من بينهم دول الجيرة. (5)

في إبريل عام 1977، صدر تقريرا من نيوزداي أن المخابرات الأمريكية كانت تدعم سرا جهودا لكي تجند العديد من الجنود المرتزقة في الولايات المتحدة وبريطانيا العظمى لكي يخدموا جنبا إلى جنب مع الجيش الزائيري .

في نفس ذلك العام قامت الولايات المتحدة بإمداد الرئيس الزائيؤي موبوتو ب15 مليون دولار ليدرأ غزوا لجماعة من الخصوم تقوم بتشغليهم أنجولا(6).

 

ترجمة: نجوى السودة

..................

جلوبال ريسرش 7/ يناير /2018

 

 

عبد الحسين شعباناستعدتُ وأنا أستمع إلى محاضرة البروفسور الكردي العراقي شيرزاد النجار، والموسومة «الأخوّة العربية - الكردية وحوار العقلاء»، عبارة هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي ومستشار الأمن القومي الأسبق، حين سأله أحد الطلبة عما يمكن أن يدرسه ليحظى بالموقع الذي وصل إليه، فأجاب «التاريخ والفلسفة»، وهما القضيتان الأساسيتان اللتان كانتا حاضرتين في حديث شيرزاد النجار في «منتدى تحوّلات - مركز ألف» في بيروت، وبحضور متميز ولافت لنخبة فكرية وثقافية وسياسية.

التاريخ والفلسفة اللذان اعتمد عليهما كيسنجر وهو يتقدّم الصفوف في «تروست الأدمغة» أو «مجمّع العقول» الذي ضمّ أكاديميين بارزين منذ عهد الرئيس جون كيندي الذي اغتيل في 22 نوفمبر/تشرين الثاني العام 1963، أصبح له شأن كبير، ومنه ارتقى في سلّم الدبلوماسية والأمن القومي، فإضافة إلى كيسنجر كان هناك زبيجينيو بريجنسكي ومادلين أولبرايت وستيفن هادلي وكونداليزا رايس. الدعوة لحوار عقلاء، تُقرأ من عنوانها حين يتعلق الأمر بالعلاقة العربية - الكردية، من منظور فلسفي وتاريخي، حيث ركّز المحاضر على المشتركات الموحِّدة والجامعة وتجنّب المختلفات المفرِّقة والمشتتة، ولاسيّما بالدعوة إلى حوار القيم والمفاهيم وليس حوار البارود والدم، وذلك انطلاقاً من المصالح المشتركة والمنافع المتبادلة.

ولا تستند أهمية الوعي بالتاريخ وفلسفته على استعادته، فالماضي مضى بكل ما له وما عليه؛ والسلفيون وحدهم يعيشون في الماضي، لكن استحضار التاريخ غير استعادته والهدف منه هو الاستفادة من دروسه وعِبَرِه، بما يؤدي إلى تجاوز الأخطاء والثغرات والنواقص التي رافقته وهو ما ينطبق على العلاقة العربية - الكردية، خصوصاً وأن الأكراد تعرّضوا في التاريخ المعاصر ومنذ قيام الدولة العراقية، إذا أردنا الحديث عن العراق، إلى اضطهاد وتمييز مزمن ومعتّق، دون نسيان أخطاء قيادات الحركة الكردية وتأثيرات القوى الخارجية الإقليمية والدولية، التي ظلّت وما تزال تعمل لإضعاف الطرفين ولتعزيز نفوذها ومواقعها، وخصوصاً القوى الكبرى التي كثيراً ما أجّجت الحروب والصراعات وعقّدت المشاكل والاختلافات، إرضاء لمصالحها الأنانية الضيقة، بل قدّمت وعوداً لهذا الطرف أو ذاك ونكثت فيها.

وقد أثبتت التجربة التاريخية، فشل جميع الحكومات الدكتاتورية والشوفينية والاستبدادية في حلّ القضية الكردية، وتلبية مطامح الشعب الكردي في التعبير عن كينونته وهويته بما ينسجم مع التطور الكوني، مثلما لم تنجح الحركات الكردية في تحقيق طموحاتها ومطالبها عبر الحلول العسكرية والعنفية، وهو ما يتطلب البحث، بل والاستثمار في الحوار السلمي المدني وصولاً للمشتركات التي ترضي الطرفين، بالاعتراف المتبادل بحقوقهما وتقرير مصيرهما في إطار المصالح المشتركة والمنافع المتبادلة وعلى أساس المساواة والشراكة والمواطنة المتكافئة.

وأكّدت التجربة أيضاً أن العيش المشترك ومعاً وعلى أساس الإقرار بالتنوّع والتعددية، هو السبيل الكفيل لوصول الحوار إلى النتائج المطلوبة، وهو ما ينبغي أن يكون حوار عقلاء خارج دائرة الاصطفافات المسبقة، بل هدفه التوصل إلى ما هو مشترك ونافع، لاسيّما بتعظيم الجوامع وتقليص الفوارق وباحترام الهويّات الخصوصية في إطار الهويّة العامة الجامعة، الأمر الذي يقتضي إرساء ذلك بصياغات دستورية وقانونية انطلاقاً من القيم المشتركة التي تخص شعوب وبلدان المنطقة في التنمية والتحرّر والديمقراطية والعدالة الاجتماعية وتوحيد كياناتها - فضلاً عن انبعاثها الحضاري- التي هي رافعات لأي مشروع نهضوي.

وإذا كانت الدولة العراقية قد عانت من ضعف الهياكل والتراكيب الحكومية وشح الحريات منذ تأسيسها في العام 1921؛ فإنها عانت من مشكلة كردية تفاقمت مع مرور الأيام بثورات وتمردات أهمها الثورة الكردية المعاصرة بقيادة الملّا مصطفى البرزاني.

وإذا كان شعار «على صخرة الأخوّة العربية - الكردية تتحطّم مؤامرات الاستعمار والرجعية»، قد جسّد تطلعات اليسار العراقي منذ الثلاثينات فأصبح في الستينات «الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكردستان» شعاراً لعدد غير قليل من أطراف الحركة الوطنية العراقية بما فيها الحركة الكردية.

وقد كانت أول إشارة للاعتراف بشراكة العرب والأكراد في العراق في دستور العام 1958، التي تعززت بصدور بيان 11 مارس/آذار/ 1970 وإصدار قانون الحكم الذاتي العام 1974، لكن ما حصل من تداخلات خارجية وطغيان داخلي، ناهيك عن ظروف موضوعية ممثلة بالحرب العراقية - الإيرانية 1980-1988، ومن ثم احتلال العراق في العام 2003، أوجد صراعات وتشظّيات جديدة في العلاقات كان آخرها التوترات التي حصلت عشية وخلال حملة الاستفتاء الكردي في 25 سبتمبر/ أيلول/2017 وما صاحبها وأعقبها من ردود فعل، الأمر الذي يطرح مجدداً ضرورة استحضار عِبَر التاريخ ودروسه وفلسفته كي يكون الحوار عقلانياً ويديره عقلاء.

لا ينظر كيسنجر إلى مقولة الفيلسوف الألماني هيجل من أن التاريخ ماكر ومخادع، إلّا من زاوية البحث في الأخطاء لعدم تكرارها، وإلّا فالتاريخ لا يعيد نفسه، بل يُنظر إليه ليُستفاد منه بالقياس، وتلك هي فلسفته الأساسية، وهي فلسفة وتاريخ العلاقة العربية - الكردية.

وبالتاريخ والفلسفة، يمكن التسلح لمواجهة الحاضر والمستقبل، وتلك كانت خلاصة وجهة نظر المفكر الكردي.

 

عبد الحسين شعبان

 

رائد عبيسنضطر احيانا للبكاء لا شعورياً، وربما نبكي لاسترجاعنا قصة ذاتية حزينة، وربما نبكي ألما على واقع قد فرض علينا، وربما نبكي على واقع قد فرضناه على انفسنا، فهذا ما يستحق البكاء فعلا!!

خاض الشعب العراقي تجربة الحكم القهري، مدة ليس بقصيرة، وخاض تجربة التقلبات السياسية الخطيرة، بكل ابعادها التي انتهت به إلى الحروب الخارجية، والداخلية، والصراعات الاجتماعية والقومية وغيرها.

وهذه التجارب تركت أثرها السلبي على المزاج السياسي العراقي، وامتلك الشعب كره السياسية وتداعياتها التي لم تلبي صبره عليها. فصبر الشعب العراقي على اي نظام سياسي عادة ما ينتهي إلى تذمر واستياء كبير. ولعله معذور من الناحية السايكولوجية بهذا الأمر، ولكن طبيعة المزاجي السياسي للمواطن العراقي متقلب جدا، لأسباب معروفة عند كل من يقرأ هذا المقال.

لماذا ينتهي المواطن الذي يمارس عملية الانتخاب إلى نوبة من الانتحاب والبكاء والندم؟! ولماذا ينتخب مجدداً بعد أن كان ينتحب؟! ولماذا أستأنس لهذا البكاء وعشق العويل؟ ولماذا أستأنس بأنين الحزن الدفين ؟!

هل يعني ذلك أنه لم يعد يكترث للفرح، ولم يعد يعبأ بالحزن والأسى؟ وهذا ما يعبر عنه دائما ودليل هذا التعبير أنه بدأ لا يتعض بالحكمة القائلة (المؤمن لا يُلدغ بالجحر مرتين) يبدو أنه حول عملية مد اليد لتجريب اللدغ لعبة ممتعة، كالطفل الذي يمد يده لشيء يخاف منه مع رغبته بمحاولة التجريب.

الواضح مما تقدم أنه كذلك،بدا يبحث عن من يبكيه لا من يفرحه، مطبقا بذلك المثل القائل (سر وراء من يبكيك لا من يضحكك). فتجربة التصويت الاختياري للطبقة السياسية عبر الانتخابات التي خضناها كثيرا - برغبة المشاركة و الإختيار- سرعان ما نجد انفسنا ننتحب ونبكي من جديد، بسبب ذلك الاختيار وتلك التجربة، ولكن مازال المجتمع لم يعي تلك الرابطة بين البكاء أو الانتحاب وبين الانتخاب بعد، لا يفسر هذه الرابطة ولا يعلل اسبابها بدقة، لم يعرف بعد حقيقة الواقع الذي يختاره لنفسه، لقد تمكن الظلم والظالم من المجتمع ؛ بسبب صبره وإمكانية تحمله لكل تجربة انتخابية جديدة، ويقول لنمنح الفرصة لمن يطلبها ونصير! فهو بهذا الصبر المهين لا ينشد التغيير ولا يجده الا في الفرص الجديدة التي يمنحه المجتمع لساسته، فساستنا يمثلون علينا ادوار الاستعطاف ومسح الدموع وجبر الخواطر، والمجتمع مصدق ذلك ويعده انعطافة كبيرة في السياسة العراقية وأمرٌ غير مألوف،فمن سياسي يبكيك ويكون سبب في دموعك الى سياسي يمسح دموعك دون أن يعلم لماذا انزلتها أو هو يعلم أنه سبب في انزالها، ولكن يمثل عليه خديعة جبر الخواطر، فالسياسة العراقية شاع بها نظام جبر الخواطر، والارضاء، والتعويض، والمجاملة،على حساب من لم تجف دموعهم بعد.

فعادة ما نختار سياسة تشبهنا، عبر اختيار شخصيات قريبة من مزاجنا السياسي وطموحنا به، ورؤية أنفسنا فيه، وهذا كلام على قدر كبير من الخطورة، وهو رؤية المجتمع نفسه في سياسته على الرغم من ظلمهم وجهلهم !!

فمقولة " الشبيه ينجذب لشبيه " هي عبارة تحمل عمق في هذا المقال، فالمجتمع العراقي كثيرا ما ينساق من دون شعور الى خطابات تدغدغ مشاعره، وتحاكي طموحاته، وترسم مستقبله في خياله، بعيدا عن الواقع، وهذا ما يصدق في خطابات سياسيينا الذين مارسوا الكذب السياسي بعمق؛ لأنهم أدركوا سذاجة المجتمع بعمق. و الاختيار السياسي من قبل المجتمع على وفق المزاج السياسي والفطري، قد يكون تعليل لكثرة الأحزاب وانشقاقها عن بعض، فكل يوم نشهد تأسيس حزب سياسي جديد، وكل يوم نرى انشقاقات على اكثر من مستوى، وفي مواقع مختلفة تنفيذية، أو تشريعية، أو حزبية، أو عقائدية وغيرها.

فالتعليل السايكولوجي لاختيار سياسة تشبهنا قد نجده في نفوسنا جميعا، وندرك عندها مدى تقبلنا لهذه الأنظمة السياسية، وانماطها، وانواعها، ونماذجها، وشخصياتها، فكل مرحلة سياسية نجد أنفسنا فيها، وهذا يمثل عمق الازدواجية في المواقف السياسية ! حتى وان كان البكاء والنحيب مصيرنا معها، بل قد رضينا حتى بالموت، والقتل، و الاعتقال، والذبح، والتصفيات، والاغتيالات، والطائفية، والحرب و إلى آخره !!! وهذا ما قيل على لسان سياسي فاشل وهو ابراهيم الجعفري،عندما قال "بأن التجربة الجديدة تستحق الدماء"!! أو قول آخر وهو همام حمودي " بان العراق يعيش في رفاهية ومرحلة يجب أن يشكر العرقيين فيها ربهم عليها " او قول هادي العامري عندما ذكر " بأن الفقر في العراق كذبه !! " نعم إن هؤلاء لا يعرفون بقيمة الالم العراقي، فالمواطن يعاني من العوز وعدم القدرة على معالجة الأمراض المستعصية، فضلا عن الأمراض البسيطة، او دفع إيجار مسكنه، أو ضعف قدرته على مقاومة الفقر، أو الظلم، الذي يلحق بهم من جراء كل ما تعرض له العراق من تبعات الصراع على السلطة، نعم هناك الم عراقي غير منظور وغير محسوس ولا يَشعر به الساسة، إلا من يحمل هم المسؤولية الوطنية اتجاه أبناء بلده الذي يعاني من سوء كل الخدمات وفي كافة القطاعات، المواطن العراقي بات ينتحب على كل شيء ومن كل شيء مورس بحقه من التجربة المرة التي يمارسها فرحاً ضاحكاً لينتهي بها الى حزن وكآبة وعويل وانتحاب، الشعب ينتحب ايها السادة من سوء الاختيار، انه ينتحب لأنه اختاركم، بل أنه ينتحب رغم اختياركم، بل إنه ينتحب ويختاركم من جديد وهو مقتنع بكم وبانتحابه!!، يا لها من مفارقة غارقة في مستنقع الدموع !!.

 

الدكتور رائد عبيس

 

 

ابراهيم أبراشحالة التوتر وتهديد إسرائيل لغزة وحركة حماس بالويل والثبور بعد إطلاق ثلاثة صواريخ من القطاع باتجاه تل أبيب بالأمس الرابع عشر من مارس سرعان ما هدأت بعد تَنكُر كل الفصائل الفلسطينية من المسؤولية عن إطلاقها وقبول إسرائيل تفسير حركة حماس عبر الوسيط المصري بأن الصواريخ انطلقت بالخطأ وبالتالي تراجعت إسرائيل عن تهديدها .

قد تكون الرواية صحيحة، ولكن تبقى الشكوك قائمة حول ملابسات هذا التصعيد الذي لم يستغرق سوى ساعات، وإذا وضعنا هذا التصعيد في سياق تجارب سابقة من تصعيد عسكري كان مقصودا وموجها لخدمة أهداف سياسية آنية أو استراتيجية كما هو الحال مع كل ما تسمى الحروب على غزة بعد سيطرة حماس على القطاع،  وقد سبق أن كتبنا وتحدثنا مطولا عن هذه الحروب والمواجهات بأنها جزء من صناعة دولة غزة وتكريس الانقسام،  أيضا إذا وضعنا هذا التصعيد الغامض والملتبس في سياق ما يجري من أحداث في قطاع غزة وخصوصا خروج الناس في تظاهرات ضد حركة حماس،  فإن الأمر يثير القلق ويستدعي وقفة تفكير  .

هذا التصعيد الذي وظفته إسرائيل وحركة حماس لتحقيق أهداف خاصة بكل منهما وبعضها متفق عليه يمكن قراءته بعيدا عن الإعلام الرسمي، سواء الصادر عن إسرائيل أو عن حركة حماس، وهو إعلام عودنا على إخفاء الحقيقة،  وملاحظاتنا عما جرى كما يلي :

1- لا نستبعد أن إحدى الجهات الفلسطينية الرافضة لاتفاق الهدنة بين قيادة حماس وإسرائيل تقف وراء إطلاق الصواريخ لإحساسها أن الهدنة حققت مصلحة مشتركة لإسرائيل وقيادة حماس بينما لم تستفد منها القضية الفلسطينية كما تتعارض مع معتقداتها وسياساتها،  والجهات المتحفظة على الهدنة وسلوكيات قيادة حركة حماس كثيرة منها حركة الجهاد الإسلامي والجبهتين الشعبية والديمقراطية وحركة فتح وربما البعض من داخل حركة حماس . كما لا نستبعد عملاء إسرائيل وهم كُثر للأسف .

2- انطلاقا مما سبق قد يكون إطلاق الصواريخ رسالة موجهة لقيادة حركة حماس والوسطاء أكثر مما هي موجهة لإسرائيل .

3- تصعيد إسرائيل وتهديدها برد قاس أدى لتنكر الفصائل الفلسطينية من المسؤولية عن إطلاق الصواريخ وكأن إطلاق الصواريخ أصبح رجسا من عمل الشيطان وشكلا من الخيانة الوطنية، بينما كانت الفصائل سابقا تسارع إلى تبنيها والترحيب بها حتى وإن لم تكن هي مطلقتها .

4- أدت العملية التي جرت يوم الخميس إلى وقف المسيرات والفعاليات الفلسطينية على الحدود والتي كان مخطط لها يوم الجمعة،  ونعتقد أن هذا مُنجز مشترك لكل من إسرائيل وحركة حماس لأنه متَفَق عليه مسبقا في اتفاق الهدنة بين الطرفين والذي تم برعاية مصرية قطرية أممية .

5-  أدى التصعيد للتغطية على المظاهرات التي اندلعت في أكثر من مكان في القطاع ضد حركة حماس بسبب مسؤوليتها عما آل إليه الحال من فقر وبطالة وفرضها للضرائب ولكل أشكال الجباية بالإضافة إلى اعتقالها لكل من ينتقدها،  وهي مظاهرات تم قمعها بوحشية .

6-  التغطية على صفقة الهدنة بين حماس وإسرائيل بوساطة مصرية وقطرية وأممية والتي تمت بسرية وصمت، وستكشف الأيام خطورتها .

7-  كي وعي الشعب الفلسطيني في قطاع غزة من خلال ترهيبه بأن أي صواريخ يتم إطلاقها من غزة سيعرض القطاع لحرب مدمرة .

8- استمرار التركيز على العنف في قطاع غزة للتغطية على ما يجري في القدس والضفة عموما من اقتحامات للمسجد الأقصى وقطع المال عن السلطة الوطنية والتضييق عليها ومحاولة تصفيتها .

قلناها وسنكررها،  قد تتمكن حركة حماس الاستحواذ والهيمنة على المجال السياسي في قطاع غزة وأن تصبح الجهة الوحيدة المحتكِرة لقرار الحرب والسلم في كل ما يخص قطاع غزة سواء تعلق الأمر بالهدنة ووقف المقاومة أو بالضرائب والجباية الخ،  وقد تنجح باستقطاب مزيد من الدول للتعامل معها كسلطة واحدة ووحيدة في قطاع غزة ..... .

ولكن،  ماذا بعد ذلك؟ هل ستقبل الفصائل الأخرى والشعب بشكل عام أن تستمر حركة حماس متفردة بالسلطة لوحدها في القطاع وخصوصا أن نتائج حكمها للقطاع طوال ثلاثة عشر سنة كانت كارثية على أهالي القطاع وعلى القضية الوطنية بشكل عام؟ وما هو مستقبل القضية الفلسطينية بعد تكريس الانفصال؟ وهل يمكن أن ينتصر حزب ويخسر الشعب وتنهزم القضية الوطنية؟ .

لقد سبق وأن حذرنا من فشل حوارات المصالحة ومن هدنة أو تهدئة خارج سياق التوافق الوطني لأن هكذا هدنة ستشعل فتنة نرجو من الله أن ينجي شعبنا منها . 

 

أ. د. إبراهيم أبراش

 

علجية عيشانتصار الثورة هو انتصار الفكر الثوري

عكس العبارة التي قالها فرانتز فانون في كتابه سوسيولجية ثورة أن " انتصار الثورة لا يعني بالضرورة انتصار الفكر الثوري" نقول: إن انتصار الثورة هو انتصار للفكر الثوري، فقد أكد الشعب الجزائري لاسيما الشباب بأن الثورة تسكنهم كما تسكنهم الجزائر ويسكنونها، وأن الفكر الثوري خفقة من خفقات قلوبهم، وأنه على النظام أن ينصت إلى نبضهم، وهذه العبارة تكاد أن تكون رسالة للنخبة لإعادة النظر في إشكالية "الفكر الثوري" ووضعها تحت المجهر لتحليل أبعادها السياسية ، فنجاح الحراك الشعبي في الجزائر لدليل قاطع على أن الشعب متشبع بالفكر الثوري، ولم يعد الشباب الجزائري بعد خروجه للشارع يفكر في الموت عبر قوارب البحر، من أجل الانتقال إلى الضفة الأخرى ، فما الذي غير نظرته للحياة فجأة؟ إنه حُبُّ الوطن وإن كان هذا الخروج يطرح أيضا عدة تساؤلات حول من الذي يدفع الشباب للخروج إلى الشارع؟ هل هي هيئات رسمية أم مجرد متطفلين على السياسة؟ لا يهم هنا معرفة من هو المحرك الأساسي، لأن الجماعة التي خططت استطاع أصحابها أن يخلقوا أزمة في البلاد ويوصلونها إلى حالة انسداد، واختلط الحابل بالنابل، أمام التصريحات العشوائية واللا مسؤولة التي يطلقها أشخاص أوكلت لهم مسؤولية تسيير الفترة ما قبل الإنتخابات الرئاسية، إن كانت هناك انتخابات فعلا.

و هاهي عاصمة النوميديين ( سيرتا) مدينة ابن باديس الصنهاجي تعطي درسا في الوعي الوطني، وتقول: الجزائر قبل كل شيئ والإسلام والعروبة فوق الجميع، فقد شكل الحشد الشعبي في مدينة قسنطينة (عاصمة الشرق الجزائري) ثورة سلمية طالبوا فيها برحيل الحرس القديم، وطالبوا فيها برحيل العملاء وتصفية الساحة الوطنية من الخونة المرتزقة،  حيث حملوا لافتات مكتوب فيها: " وطن لا نحميه لا نستحق العيش فيه" ، وإن كان الحراك الشعبي عرف نجاحا كبيرا بكل المقاييس،  بانضمام مؤسسات قوية إليه ودعم موقفه ما أجبر الرئيس المغضوب عليه أن يغير موقفه،  ويعدل فكرته للترشح لولاية خامسة عن طريق المحيطين به، لكونه لا يقوى على الحركة والكلام، وأضحت الجزائر تعيش فراغا سياسيا، بعد فشل المعارضة واختلاف وجهات النظر بين أحزاب السلطة، وانقسام حزب جبهة التحرير الوطني داخليا بعد انسحاب قادة كانوا وما يزالوا في حركة التقويم، هذا يجعلنا نتساءل من هم "أنصار الجزائر" هل الشعب الذي لا يملك وسيلة يدافع بها عن مكتسبات الجزائر في حالة بداية العصيان المدني وخروج الجيش بعتاده حتى لا نقول بدباباته؟، ويمكن القول أن الحراك الشعبي أحدث "ثورة" بكل المقاييس، لاسيما مسيرة اليوم ( الجمعة 15 مارس 2019 )، أراد من خلالها الشعب الجزائري كله أن يعمل بمقولة الشهيد العربي بن مهيدي " أرموا بالثورة إلى الشارع يحتضنها الشعب"، وهاهو الشعب يحتضن الثورة ويقول كلمته وهو يردد: "سلمية سلمية حركة وطنية"، لكن السؤال الذي يلح على الطرح أكثر هو: هل يمكن أن نقارن ثورة الأمس بثورة اليوم؟

نعم هي ثورة في ثورة، تعيد إلى الذاكرة الثورة التي قامت بها الحركة الوطنية قبل 1954 وأثناءها وبعدها، ضد مستعمر غاشم، عنصري، أباد الشعوب الإفريقية بدباباته وكل ما يملكه من عتاد حرب، وإن كانت تختلف عن ثورة 2019 ، لأن هذه الثورة داخلية، وتكاد أن تعيد إلى الواجهة سيناريو (1981، 1988،1992)، لا يملك فيها الشعب آلة عسكرية يقف بها ضد الوجوه القديمة الذين حولوا الجمهورية الجزائرية إلى مملكة، يتقاسمون الريع على حساب المواطن البسيط، وبالرغم من ذلك، فهو - أي الشعب- مؤمن بالموت ومستعد لمواجهته من أجل الحفاظ على رسالة الشهداء، لقد عزز الحراك الشعبي ثقة الجزائريين بحتمية الانتصار على الظلم والحقرة والفساد، وانتصر على النظام القديم، واعتبره الطريق نحو تعزيز الديمقراطية وبناء جزائر جديدة، تعرف فيها السلطة نبض الشعب وتعمل له ألف حساب عندما يغضب، لكنه متخوف من شيء واحد هو أن يتلقى الرصاص في ظهره، وهو يرمم ما تبقى من جدار البلاد الذي تهشم في السنوات الأخيرة، لأنه لا يريد سوى التموقع في معركة الحقيقة، ويخرج عن صمته بأن سكوته لم يكن خوفا من الآلة العسكرية ، وإنما  كان خوفا على أمن واستقرار البلاد، حتى لا تتكرر العشرية السوداء، ويؤكد للسلطة وللرأي العام الوطني والدولي بأن جيل الجال والجين الممزق على الركبتين واع كل الوعي ويحمل فكرا ثوريا، ولن يسمح المساس بالسيادة الوطنية، كما لن يسمح لأي تجاوزات تجعل الجزائر موضعا للمساومة أو للبيع مثلما حدث في 2003 عندما أهدى الرئيس الفرنسي جاك شيراك للرئيس عبد العزيز بوتفليقة خاتم الداي حسين، ومثلما قدم الرئيس بوتفليقة حصانا أمازيغيا للرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي في 2005، خلال زيارته للجزائر .

 

علجية عيش

 

حسام الدجنيقدّمت حركة حماس تنازلاً لافتاً في ملف الانتخابات، وقدمت هذا التنازل رسمياً لرئيس لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية حنا ناصر ، وجوهر التنازل الحمساوي يتمثل في قبول الحركة  إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية متزامنة،  وتأجيل انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني.

هذا الموقف يطرح الأسئلة التالية: ما هي دوافع حركة حماس لاتخاذ هذا الموقف الجديد…؟ وما هو الرد المحتمل للرئيس عباس على رسالة حماس التي يحملها حنا ناصر…؟ وما هي أبرز التحديات التي تعترض إجراء الانتخابات..؟ وما هو الشكل الأمثل لتعاطي حركة حماس مع ملف الانتخابات..؟  وهل الانتخابات مدخل للحل أم تعزيز للأزمة…؟

أولاً: دوافع حركة حماس.

أربعة احتمالات يشكل أحدهم أو بعضهم الدافع الرئيس خلف قرار حماس الجديد بالقبول بإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية متزامنة.

التحالف الانتخابي على قاعدة التخلص من الرئيس عباس من الباب الذي دخل منه وهو الانتخابات، وهذا التحالف قد يضم فصائل ونخب وخصوم عباس من داخل حركة فتح.

ترى حركة حماس في إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية بأنها ستفرز قيادات جديدة للشعب الفلسطيني تكون قادرة على توحيد النظام السياسي والخروج من عنق الزجاجة لا سيما ما تتعرض له القضية الفلسطينية من تحديات كبرى أهمها صفقة القرن.

تؤمن حماس بأن الرئيس عباس غير جاد في اجراء انتخابات  رئاسية وبذلك فإن الحركة بهذا الموقف تريد إحراج الرئيس أمام المجتمع الفلسطيني والدولي.

تؤمن حماس بأن رفضها لإجراء الانتخابات دون تقديم مبادرات من شأنه أن يضعف شعبية الحركة ويعيق مشروع انفتاحها على المجتمع الدولي.

ثانياً: الرد المحتمل للرئيس محمود عباس.

بين سيناريو القبول والرفض،  أعتقد أن الرئيس عباس لن يقبل في إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية بشكل متزامن، وتشكل خطوة تشكيل الحكومة برئاسة د. محمد اشتيه رد مباشر على حركة حماس ورسالتها التي يحملها حنا ناصر للرئيس. وحسب كتاب التكليف للحكومة الذي سلمه الرئيس عباس  للدكتور محمد اشتيه بأن أحد أهم مهام الحكومة الجديدة إجراء الانتخابات التشريعية.

وتبقى فرص القبول لهذا التوجه ضعيفة وضعيفة جداً وتتطلب مبادرة من طرف ثالث بالتوافق بين فتح وحماس على رئيس توافقي وهو الرئيس محمود عباس، أو تقديم حركة حماس ضمانات حقيقية بعدم الترشح للرئاسة وعدم دعم أي مرشح آخر، وهذه مسألة تكاد تكون مستحيلة في ظل معطيات وتعقيدات الواقع الحالي.

ثالثاً: أبرز التحديات.

أهم التحديات في حال أصر الرئيس عباس على إجراء الانتخابات التشريعية فقط، موقف حركة حماس من الانتخابات في قطاع غزة، وموقف الاحتلال من إجرائها بالقدس، وحال النظام السياسي الفلسطيني في حال أجريت الانتخابات في منطقة جغرافية دون الأخرى.

رابعاً: الشكل الأمثل لتعاطي حماس مع الانتخابات.

من وجهة نظري فإن المطلوب من حركة حماس أن تكون إيجابية مع أي طرح متعلق بالاحتكام للانتخابات، ولكن ضمن المحددات التالية:

أن تكون الانتخابات شاملة، وممكن القبول المرحلي برئاسة وتشريعي والتوافق المتزامن على ترتيب منظمة التحرير، وهو ما ذهبت إليه حركة حماس مؤخراً.

القبول بإجراء انتخابات تشريعية والمشاركة فيها ينبغي أن ينطلق من توافق وطني على تغيير شكل النظام السياسي الفلسطيني والتحول نحو النظام السياسي البرلماني بدل المختلط.

في حال نفذ الرئيس عباس تعهداته بعدم الترشح لولاية ثانية فممكن البحث في رئيس توافقي يكون محل اجماع الجميع.

أن تتسلح حركة حماس بالشعب عبر العمل مع كل الفصائل الفلسطينية والشرائح المجتمعية لقيادة حراك جماهيري حضاري للمطالبة بإجراء انتخابات شاملة، والتوقف عن حراك ارحل الذي يزيد من حالة الانقسام والاستقطاب.

خامساً: الانتخابات مدخل للحل أم تعزيز للأزمة.

المراقب للملف الفلسطيني يدرك أن أساس المشكلة يكمن في بناء سلطة تحت الاحتلال، وبذلك السلطة والانتخابات نتيجة لإتفاق أوسلو، والاحتلال فاعل رئيس وطرف في هذا الاتفاق، وعليه فإن الانتخابات تعزيز للأزمة ولن تكون مدخل للحل طالما بقيت الحالة الفلسطينية مرهونة لهذا الاتفاق ومتطلباته الأمنية وارتباط المساعدات والمنح فيه، ولكن رغم ذلك، ومع صعوبة الانقلاب على اتفاق أوسلو لأنه لم يعد ورق مكتوب، بل أصبح نظام حياة للأسف، وهذا يدفعني للقول بأن الانتخابات قد تكون مدخل لتحريك ملف المصالحة، وكسر هيمنة الشخص أو الحزب على النظام السياسي الفلسطيني، ومن هنا أقول: أن الانتخابات هي أفضل الحلول السيئة، كونها لا تضع حلولاً جذرية للأزمة ولكنها ممكن أن تخفف منها ضمن نظرية التفكيك والتركيب للنظام السياسي الفلسطيني.

 

بقلم/ د. حسام الدجني

 

علاء اللاميبمناسبة زيارة الرئيس الإيراني روحاني يبدو أن مشروع الدويلات العراقية يتقدم. فقد استقبل الرئيس برهم صالح الرئيس الإيراني روحاني رسميا بحرس شرف وسلام جمهوري وبساط أحمر، وبعد ذلك استقبله رئيس الوزراء عادل عبد المهدي بعد ذلك استقبالا رسميا آخر بحرس شرف وسلام جمهوري وبساط أحمر. وكأن صالح وعبد المهدي لم يصدقا بعد أنهما صارا رئيسين في دولة تابعة تحكمها السفارات الأجنبية فأرادا أن يتصرفا هكذا ليؤكد كل منهما صفته الرئاسية على طريقته الخاصة ولكن بشكل -أقل ما يقال عنه- إنه غريب ونشاز واستعراضي!

ملاحظة أخرى: أعتقد أن توجه الرئيس الإيراني روحاني مباشرة إلى زيارة الإمام الكاظم كانت بناء على رغبته الشخصية، ولا أدري هل تم ذلك بتنسيق وعلم المستقبِل له أي برهم صالح أو لا. وعموما لا أعتقد أن هناك أية إهانة أو إحراج في ذلك، فهذه الأتيكيتات والبروتوكولات الدبلوماسية التي وضعها الغربيون ليست مقدسة ولا تستحق هذه الضجة التي يثيرها متصيدو العثرات والهفوات، وتبقى انحناءة الاحترام من روحاني أمام العلم العراقي حركة ودية نبيلة تمحو ما عداها، ولكن المحرج والمثير للقلق هو تنظيم استقبالين رسميين لروحاني. الأول، من قبل رئيس الجمهورية وثاني من قبل رئيس الوزراء! هل حدث شيء هذا من قبل في أية دولة في العالم، أو حتى في العراق قبل وصول صالح وعبد المهدي إلى الرئاستين؟ أم أنَّ دويلات الطوائف العراقية تتقدم خطوة على طريق التقسيم الفعلي؟ وهل سيهتم أحد من هؤلاء "الرؤساء " بمستقبل العراق البحري ويجرؤ على رفض مطالب إيران بتقاسم جديد لشط العرب أو ترسيخ تقاسمها المجحف بحقوق العراق وفق اتفاقية "الشاه وصدام سنة 1975"، واستمرارها بالتضييق المستمر على العراق وطلته البحرية الصغيرة والتي لا تتجاوز 58 كم ولهذا يضطر لاستعمال نهره العراقي شط العرب كممر ملاحي، في حين تتمتع - الجارة المسلمة -إيران بسواحل بحرية طولها 3180 ثلاثة آلاف ومائة وثمانين كم؟

إن موافقة حكومة عبد المهدي على الطلب الإيراني للربط السككي بين البصرة والشلامجة - والذي سبق للوزير الوطني عامر عبد الجبار أن رفضه قبل أن يعزل من منصبه مثلما رفض رفع التحفظ  العراقي على الربط السككي مع الكويت - هذه الموافقة تعني ربط مصافي عبدان ومدن جنوب إيران البحرية بالقناة الجافة العراقية التي تبدأ من البصرة ليصل النفط والمشتقات الإيرانية إلى البحر المتوسط فأوروبا عبر العراق وهذه طعنة غادرة وغبية توجهها حكومة عبد المهدي لميناء الفاو الكبير في البصرة وستتلوها طعنة أخرى قريبا - وقد بشر بها برهم صالح في زيارته إلى الكويت - وهي الربط السككي بين ميناء مبارك الكويتي وبين القناة الجافة العراقية وبهذا يتم القضاء نهائيا على ميناء الفاو الكبير والذي يعرقله المرتشون في والفاسدون في حكومات المحاصصة وستتحول القناة الجافة العراقية إلى قناة جافة للقطارات الكويتية والإيرانية القادمة من موانئ الدولتين ولن يحصل العراق منها إلا على المزيد من التلوث والمسرطنات والضجيج.

* إن موافقة حكومة عبد المهدي على خط التالوك "عمق المجرى المائي" في شط العرب – الذي حرص الرئيس روحاني على إطلاق اسم فارسي عليه هو أروند رود مع أن اسمه القديم والمعاصر هو شط العرب - هي تكريس لتنازلات صدام حسين بموجب اتفاقية الجزائر 1975 لإيران والجديد فيها أن إيران وافقت على أن يقوم العراق بكري وتنظيف الشط من الغوارق والطمي الذي يمنع الملاحة فيه، وسوف تتمتع السفن الإيرانية بحق الملاحة فيه أيضا. الإعلام الحكومي يحاول خداع العراقيين بالقول إن إيران وافقت على ان تبقى منصة "العمية" تحت سيطرة العراق. والحقيقة أن منصة "العمية" لم تكن يوما خارج سيطرة العراق.

 *خط التالوك "العمق" ينحرف إلى الغرب بفعل عمليات النحت والجرف النهري الطبيعية وهذا يعني أن شط العرب سيكون كله في الحدود العراقية ولكن القراءة االقاصرة والمتواطئة تريد ان يبقى نصف النهر لإيران مضافا إليه التربة الجديدة التي تتولد على ضفته الشرقية. وبالمناسبة فخط التالوك في الجزء الجنوبي والصاب في الخليج العربي يجعل أكثر من ثمانين بالمائة من عرض النهر لإيران وما تبقى للعراق كما تشاهدون في الصورة الأولى.

*  حين قطعت إيران نهر كارون عن شط العرب  والذي كان يغذيه بثلث مياهه ما أدى إلى صعود اللسان الملحي من الخليج شمالا وامتد في شط العرب، فقد فقدت أي حق لها في الشط، ومن ناحية أخرى يمكن للعراق أن يتصرف في الجزء العلوي من الشط والذي لا تنطبق عليه الاتفاقية المشؤومة "اتفاقية الشاه وصدام" وهو جزء طويل يصل قريبا من جزيرة أم الرصاص ( كما تشاهدون في الصورة الثانية) ويمكن أن يحول مجرى النهر شرقا ليكون كله في داخل الأراضي العراقية إذا أصرت إيران على مطالبها في موجهة حكام تابعين وجبناء ولا ضمير لديهم كحكام نظام المحاصصة الطائفية ببغداد.

* المضحك أن بعض منتقدي النظام الذين استفزتهم زيارة روحاني لمرقد الإمام موسى بن جعفر قبل أن يستقبله برهم صالح، أو تسهيل وصول الزوار الإيرانيين الى المراقد الدينية في العراق، لم يقولوا شيئا عن التفريط الحكومي بحقوق العراق في شط العرب ولا في الربط السككي المجاني والمدمر لموانئ العراقية والملوث للبيئة العراقية، وهذا امر يحمل الكثير من الدلالات والمغازي فمن سكتوا على من فرط قبل نصف قرن بشط العرب ومنح نصفه لإيران - واعني نظام البعث في 1975 - لا يمكنهم ان يخرجوا من جلودهم فيكونوا وطنيين واستقلاليين رأسا على عقب!

 

 علاء اللامي

 

محمد العباسييقول "جاد الحق آغا" على موقع (أورينت نت): "كل ما زاد منصب الإنسان طُلِبَ منه أن يزيد انضباطه أكثر، فما يصدر من موظف عادي بدائرة ما، لا يُقبَل من رئيس دولة، فما بالك إن كان رئيس الدولة أشدهم رعونة وجنونا؟ وماذا تقول إن كانت هذه الدولة هي الولايات المتحدة الأمريكية!؟".

دعوني أعرج قليلاً قبل الحديث عن "دونالد ترامب" في دروب الذكريات لأذكر لكم لمحات عن "زعيم" عربي اشتهر في حياته الممتدة كرئيس لدولة عربية لم تزل تعاني حتى اليوم من تبعات سياساته وتراكمات شطحاته.. والذي في بعض "رعونة" أقواله وأفعاله الغريبة يبدو أنه كان يشترك في شخصيته النرجسية مع نرجسية الرئيس الأمريكي الحالي.. وربما يشتركان بشكل هزلي في صراحتهما المبطنة ووضوح سياستهما التي جعلتهما مثار سخرية وانتقادات لأنهما لم يلعبا لعبة السياسة كما يتقنها عتاة السياسيين المنافقين في إطار سياسة التلاعب بالكلام وإرضاء الخصوم.

فكما في السابق كنا ننتظر اجتماعات القمم العربية بفارغ الصبر فقط لنسمع ونرى آخر التصرفات الغريبة للعقيد الليبي "معمر القذافي" قائد "الجماهيرية الليبية الاشتراكية الديمقراطية العظمى"، ولم يخذلنا قط بتصرفاته "الشاذة"، أو ملابسه الأكثر غرابة، وجملة من اقتراحاته اللامنطقية، وإن كان في بعض منها نجد أنها لا تعدو كونها انتقادات مبطنة لأوضعنا وأحوالنا.. وكانت طلته جاذبة رغم أفعاله الجنونية وأقواله التي تنافي كل الاتفاقات والهموم العربية.. لكن تصرفاته كانت دائما مثار سخرية، وكانت سخريته من نفسه ومن الوضع العربي كثيراً ما كانت تلمس الجراح العربية.. و"القذافي" بأقواله وتصريحاته كان كمن يدعك الملح الصخري في شقوق جراحنا! فاليوم ننتظر بذات الشغف شطحات الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" لنضحك على بعض أقواله أو لتبث الرعب فينا أحياناً.

فـ"العقيد" كان تارة يخرج علينا بمقترح دولة مشتركة تجمع الفلسطينيين والإسرائيليين تحت اسم "إسراطين"، وتارة يبشر الزعماء العرب بنهاية تشبه نهاية الزعيم العربي "صدام حسين"، وتارة كان يصف السفاح الإسرائيلي "إرييل شارون" بأنه عميل للعرب.. إضافة لذوقه المتميز باختيار الأزياء الغريبة ومن خلفه سرية الحارسات الحسناوات.. لكن هذا الجنون لم يكن أبداً من النوع السلمي المحبب المسلي، بل هو جنون عظمة ديكتاتوري يخفي خلفه وجه إجرامي قمعي تشهد له مجازر "مصراتة" وعذابات ضحاياه في سجن "بو سليم".. واليوم نرى شخصية جديدة في عالم السياسة شبيه للـ"القذافي"، وقد استبدل تسريحة شعره المنكوش بشعر أصفر غريب، واستبدل لون بشرته ونمط أزيائه ليحكم "أمريكا" ويهز العالم من شرقه حتى غربه.. بوجه جديد ولغة جديدة، لكن من ذات نوع الصراخ والعويل والتهديد والتصريحات الرعناء!!

أنا شخصياً لست من محبي "دونالد ترامب" المراهق العجوز، لكنني تمنيت له الفوز ضد سيدة النفاق "هيلاري كلينتون".. فعلى الأقل، يتصف "ترامب" بصراحة تميّزه عن كافة الساسة الأمريكيين الموغلين باللعب "على الحبلين"، بالذات فيما يتعلق بالسياسات الخارجية.. "ترامب" يقول ما يشاء، لذا يطلعنا على نواياه وأفكاره وخططه وأحلامه دون مواربة.. والمفروض أننا كعرب أن ننتبه لفترة حكمه ونواكبه ونعد العدة مسبقاً لمواجهة كل التبعات المتوقعة من لذاعة أقواله ورعونة أفعاله قبل أن تقع الفأس في الرأس! فوز "ترامب" بالانتخابات الأمريكية كانت له دلالة واحدة فقط، أن العداوة والمحاربة للإسلام والمسلمين ستكون "جهاراً نهاراً" بشكل صريح دون المواربة خلف تصريحات ديبلوماسية، أو ابتسامات "هوليوودية" خبيثة.. فالرجل يمثل صوت اليمين المسيحي البروتستانتي المتطرف والسائد بين المجتمع الأمريكي، والذي يعبّر عن نفسه اليوم بكل وضوح ودون حرج.. وحتى أنني لم أستغرب من تصريحاته ضد دخول المسلمين إلى "أمريكا" واعتبرتها ردة فعل متوقعة بعد عدة هجمات قام بها بعض ممن ينتمون للمسلمين سواء كانت ضربات في قواعد عسكرية أو مجرد أفعال إرهابية وقعت في "لوس أنجيلوس" أو "فلوريدا".. فمن الطبيعي لرجل في صراحة "ترامب" أن يفصح عن مكنوناته وعن تخوفه من هؤلاء الأفراد المنتسبين للإسلام "إسماً" أن يخشاهم.. فمن منا اليوم لا يخشى "الدواعش" وأفعالهم الهمجية في العراق وسوريا وليبيا.. وهل سنسمح لهم أو لكل من يجاريهم في الفكر والفعل بدخول بلداننا طوعاً ونحن نشهد أفعالهم ونعلم بنواياهم وأفكارهم المارقة؟

و العجيب في تاريخ الزعامات الأمريكية أنها تبدو وكأنها مرتبة مسبقاً.. فوصول "باراك أوباما" مثلاً للبيت الأبيض قبل "ترامب" كان مخطط له أيضا، فهناك فيلم أمريكي بعنوان "Head of the State" من إنتاج سنة 2004 يحكي قصة وصول مواطن أمريكي أسود البشرة لمنصب رئيس الجمهورية، بما يعتبر تمهيد نفسي للمجتمع الأمريكي لتقبل الفكرة، تماما كمسلسل "ذا سيمبسونز" حين عرض في إحدى حلقاته عام 2000 وصول "ترامب" شخصياً وبالإسم والصورة لمنصب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية. لكن علينا أن نتذكر أن تشبيه "ترامب" في جنون أقواله مع العقيد "القذافي" لا يعني أن كافة التصريحات للمرشحين للرئاسة أيام الانتخابات سترى النور بالضرورة بعد الوصول لسدة الحكم.. فالأمر ليس بيد الرئيس الواحد الأوحد كما هو الحال في أغلب دول العالم الثالث.. فالرئيس في دولة عظمى مثل "أمريكا" مقيد ومسيّر.. لا يتركون سيد البيت الأبيض يتصرف خارج الأعراف وكل سياساته محكومة بخطط عامة وعبر مستشارين وقرارات حزبية ومن خلال الوسائل المتفق عليها لتحقيق السياسة التي تخطها مراكز الدراسات والشركات العملاقة واللوبيات المؤثرة.. هذه السياسة غاية في الانضباط وقمة في التخطيط، وتستطيع وضع مخططات لسنوات وتقوم بتنفيذها بدقة. فـ "أوباما" مثلاً وعد كثيراً وألقى خطباً عصماء نال بعدها جائزة "نوبل للسلام"، لكنه لم يفي ولو بجزء يسير مما وعد!

نعم وبالفعل، يذكرنا "ترامب" في غوغائيته أحياناً بشخصية صدامية مثل "القذافي"، غير أنه لا يتصرف مثله لأنه يتحدث من مركز قوة، أو كما نتوقع، بعد استلامه مقاليد الحكم في أقوى دولة على وجه الأرض.. فالمؤسسات المتحكمة بالحكم في "أمريكا" لها مصالح وخطط خمسينية، إن لم تكن ألفية، ولن تسمح لا لـ "ترامب" ولا لغيره بالتصرف بديكتاتورية الزعيم المتسلط الأوحد.. ولن تدعم أية خطط قد تدمر عهود من المخططات والدراسات المخابراتية والماسونية والصهيونية المتوغلة والمتغولة في السياسات العامة للولايات المتحدة في "أمريكا" وفي العالم أجمع! وقد شهدنا في مواقف عدة كيف يترنح "ترامب" بين أقواله المتضاربة.. ففي كل محفل يقول ما يناسب الجمهور أمامه.. ففي خطبته أمام مجموعة اللوبي اليهودي "آيباك" يبدى تأييداً تاماً لإسرائيل والمستوطنات ويتعهد بالدعم والسند لهذا الكيان الغاصب، ولا يتطرق كمن سبقه من الرؤساء بشأن موضوع السلام العادل في الشرق الأوسط.. وكانت هذه صراحة متوقعة من رجل أعمال يعلم كيف تحتل الجماعات اليهودية الأمريكية قمة الهرم الاجتماعي والمالي الأمريكي، حيث يشكلون 34% من بين أغنى 475 عائلة أمريكية، يسيطرون على كبريات الشركات الصناعية والتجارية والمالية، التي تجد طريقها إلى مراكز صنع القرار السياسي.. وربما هنا بالذات يظهر وجه "ترامب" السياسي البحت.. ولو كان في "أمريكا" أي كيان أو وزن للوبي عربي مؤثر لسمعناه يتودد لنا بشكل أو بآخر.. غير أنه ولضعف المجموعات العربية والإسلامية، لا يضطر لذلك ولا يتودد لنا إلا في شئون تدر على الولايات المتحدة المليارات في صفقات تجارية بحتة.

وهكذا نجد "ترامب" يتقلب فيما يتعلق بالعراق مثلاً، فليس له مواقف واضحة رغم أنه سبق له أن انتقد الغزو الأمريكي للعراق سنة 2003 معتبراً أنه ساهم في حالة عدم الاستقرار والفوضى في الشرق الأوسط. لكن في مقابلة سابقة تعود لسنة 2002 كان يؤيد الحرب في العراق. وفي نفس الوقت عبر مرات عدة عن حسرته لرحيل "صدام حسين" عن السلطة مشيراً إلى وجود رابط بين سقوطه ونشوب الأعمال الإرهابية في العراق. أما حالياً فإنه ينتقد السياسة الخارجية في "العراق" ويؤكد أنه سيتعاون بشكل أكبر مع الأكراد، كما صرح بأنه لن يكون هناك أحد أشد بطشاً بـ "داعش" مثله.. ونكاد نشهد نهاية الدواعش في فترته الرئاسية الأولى.

وكما كانت فكرة "القذافي" بشأن "النهر الصناعي العظيم" في "ليبيا" في 1983، فـ"ترامب" لا يزال يتوعد ببناء جدار فاصل على الحدود الأمريكية-المكسيكية يبلغ طول كل لوح خرساني منه حوالي 20 قدماً وما بين 5 و10 أقدام تحت الأرض، على أن يتم ربطه بالحديد. وقدّر المهندسون المدنيون أن بناء الجدار عبر الألواح الخرسانية سيكلف حوالى 39 مليون قدم مكعبة من الخرسانة، وحوالى مليونين و267 ألف طن من الحديد المسلح. وقد قال "ترامب": "عندما ترسل إلينا المكسيك أبناءها لا ترسل أفضل الناس. أنهم يرسلون الذين يطرحون المشكلات وينقلون معهم المخدرات والجريمة. انهم مغتصبون". وأضاف: "سأبني جداراً عالياً على حدودنا الجنوبية وستدفع "المكسيك" كلفة بنائه. اذكروا ذلك جيداً".. ثم في موقف لاحق وصف المكسيكيين بأنهم شعب رائع في محاولة لاستدراك تعليقاته السابقة المثيرة للجدل، حيث وصفهم فيها بأنهم "مغتصبون وقتلة". (مجلة "الحياة" الإلكترونية 2016)

و الغريب بشأن "ترامب" أنه حظى بأصوات الكثيرين من الجاليات المكسيكية والأمريكيين من أصول أفريقية وحتى من الجاليات العربية والمسلمة، رغم أنه كثيراً ما نعتهم بأوصاف مشينة قاسية.. بل وحظي حتى بأصوات النساء رغم بعض ألفاظه المهينة تجاههن في أكثر من موقف! وبالنسبة للنساء، فقد اشتهر "ترامب" برعايته لمسابقات ملكات الجمال، بل تزوج منهن ثلاث مرات، آخرهن زوجته الحالية وهي مهاجرة أوكرانية وقد أصبحت هذه المهاجرة السيدة الأولى للولايات المتحدة، رغم انتقاداته اللاذعة للمهاجرين بشكل عام. وربما يلتقي هنا مع "القذافي" حيث كان العقيد يحيط نفسه بمجموعة من النساء الجميلات كحارسات لشخصه من أي سوء!!

"ترامب" بحق يمثل جملة من المتناقضات والأفعال والأقوال الغريبة، بل ويبدي إعجابه بالقيصر الروسي الجديد "بوتين"، ولا ينكر أنه تعامل مع "القذافي" فيما سبق وكيف أنه جنى أموالاً كثيرة عبر تعاملاته التجارية مع "القذافي".. بل وقال أيضاً أنه لو بقي نظاما "صدام حسين" في العراق و"معمر القذافي" في ليبيا، لكان العالم اليوم أقل تفتتاً وأكثر استقراراً. أما في سوريا، فـ "ترامب" يؤمن بأن نظام "بشار الأسد" يحارب الإرهابيين ولا يبدو أنه يعي ماذا يجري حقاً في "سوريا" ومن هم الضحايا الفعليين للبراميل والصواريخ والمجازر.. ويجهل بشكل مخيف تداعيات التدخل الإيراني في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وفي أكثر من موقع، منذ زمن تحت شعار تصدير الثورة وهكذا شعارات .

لقد أصبح "ترامب" واقعاً ولكل أفعاله وسياساته الخارجية تداعيات تلمسنا نحن العرب وتفتك بآملنا التاريخية في إحلال سلام عادل في الشرق الأوسط.. وقد نجح بعقليته التجارية كما وعد بجني المليارات من خزائننا العربية ولم يزل يطمع في المزيد دون أن يمنحنا في مقابل كل ذلك شيئاً كثيراً.. ونقل سفارته إلى القدس كما وعد، رغم أن ذلك الوعد لم يكن جديداً من كافة الزعماء السابقين، لكنه نفذ الوعد رغم أنف العرب.. ويكاد يكرر مقولة القذافي في خلق دولة "إسراطين" وأن يسمح لهذه الدولة الهجينة بالتوسع والتوغل في الشرق الأوسط دون رادع بعذر أنها الدولة الديمقراطية الوحيد في المنطقة.. ويكاد يكون محقاً في ذلك ونحن لم نزل نعاني من التشتت والحروب والنزاعات التي تفتت كياناتنا، وتستمر في بعض دولنا التي تتسمى بالجمهوريات وتدعّي حرية الانتخابات اعتصامات واحتجاجات ضد زعماء طالت زعاماتهم، كما الحال حتى اليوم في الجزائر والسودان وسوريا.

 

د. محمد العباسي - أكاديمي بحريني

 

 

رائد عبيسعوق ثقافي يحول بين الممارسة والوعي

روي عن حادثة تاريخية وقعت بين فريقين، أحدهما يميني، والآخر يساري، كانت المحصلة الأولية للصولة الأولى أن يد يميني قطعت، وكانت على ما يعتقد اليد اليمنى، فبدأ اليمين لعد العدة لصولة جديدة على الفريق اليساري لأخذ الثأر منهم، فانتهت هذه الصولة بقطع اليد اليسرى لاحد أبناء الفريق، وبهذا فقد ثار الفريقين على بعضهم ونال كل منهم من الآخر، ولكن في الحقيقة، أن الإثنين غير مقتنعين بثأر بعضهما من بعض، لأنه ثأر غير متساوً، يعني أن القصاص لم يكن منصفا تماما، فالأول قطعت يمينه والثاني قطعت يساره،، واليمنى ليس كاليسرى، فلا تفاضل بين اليمين واليسار فهما ليس بنفس المقدار.

ومع تلك المنقصة، يسعى كثيرون الى التباهي أنه يساري سواء كانت يساريته سياسية أو ثقافية أو فكرية، فالأمر لم يعد يتعلق بالسردية التاريخية التي تروي حكاية اليمين واليسار وعلاقتها بالمقاعد البرلمانية، فالأمر أصبح يأخذ منحى آخر، وهذا الأمر اتضح من عنوان المقال في إشارة إلى أن اليسارية هو إعلان المفاضلة غير العادلة مع اليمين، فرب قائل بأن اليمن هم الاقوى وينسب القوة اليمينية إلى قوة بايولوجية تحوي عضلات وسمات القوة، او ينسبوها الى أهل اليمين ومنا ما ورد من تفضيل لهم بالكتب المقدسة بكونهم اهل ايمان ونصرة وتقوى، أو هناك من ينسبهما الى الكرزمة وقوة التمثيل والشخصية والحضور، وغيرها من الارتباطات المميزة لهذا المسمى، بينا اليسارية دائما ما يرد فيها الذم والإشارة السلبية الى مسماها، وكأنها منبوذة ضعيفة عاجزة. ومثل هذا التوصيف لمعنى اليمين واليسار وارد في الأدبيات السياسية أو الثقافية أو الفكرية وغيرها.

هذا التوصيف النقدي، ينطوي على فهم جديد لمعنى اليسار واليمين، فلم يتعلق الأمر بحادثة انقسام البرلمان الإنكليزي الى يسار ويمين، بل اخذ منحى بعيد يرتبط بالتناقضات السياسية والأخلاقية في الفعل السياسي التي تَوطن بسبب التجاذبات والصراعات والمخاضات والخوف والثورات والاطاحات والملاحقات والتنافس على السلطة، بكل أشكاله الذي جعل من السياسي العربي والمسلم خائف حتى من توصيف نفسه، فمرة تجده يميني ومرة نجده يساري ومرة متطرف متشدد في يمينيته ومرة اقرب إلى الوسطية والاعتدال، ومرة تجد يساري متطرف في يساريته ومرة معتدل ووسطي، فمثل هذه المواقف اليمينية واليسارية أصبحت إيديولوجيا تحمل في أعماقها افكار عقدية تجنح في كثير من الأحيان إلى التطرف. فمرة نجد تيار يساري ليبرالي يؤمن بالمدنية والديمقراطية ولكن سرعان ما يتحول مجرد أن تمس مصالحه السلطوية الى تيار رادكالي. وهذا ما يدعوا للتساؤل

هل كل يساري علماني متسامح؟ وهل كل يميني ديني أو محافظ ؟

هذه أسئلة جوهرية تعبر عن عمق الحالة التي نعيشها بتناقض ونمارسها يتناقض . إذ نجد أن هذان التياران أو التوصيفان السياسيان، سرعان ما يتولد منهم تيار ثالث يجمع الاثنين نظرياً وممارسة، مثلما هو الحال عند ولادة اليسارية الجديدة في ثورة أكتوبر الاشتراكية في روسيا.

فقدرة التحول في المواقف السياسية أو الثقافية أو الفكرية بين اليسار واليمين، وضحت لنا أن لا تعويل لا على يسارية اليساري، ولا على يمينية اليميني ؛ لأنهما مفهومان يختلفان تبعا للمواقف والأهداف والمصالح، فلم يعد الجلوس يمينا أو يسارا يشكل موقفا البته، ولاسيما في العراق وبلدان الوطن العربي بعامة، وما تقسيم مقاعد البرلمان الى يمين او شمال الا لأسباب هندسية وتصميمية لا سياسية!

فالدور المناط بهذا التصنيف يعكس حالة التأييد، والتأكيد، أو الرفض، والمعارضة، وهذا ما هو غائب في دور البرلمان العراقي والبرلمانات العربية، فكل اليسار مؤيد لليمين وكل اليمين مؤيد لليسار !! من أجل الحفاظ على المكاسب السياسية، والمغانم الاقتصادية، المتحصلة من المشاركة السياسية، وهذا ما لا يستوجب المعارضة من اليسار أو التزمت من اليمين!! فلم يعد اي من التوصيفين سبة كما كان من قبل، فقد كانت تساق كتهمة ضد الخصم، مثلا أستالين كان يتهم تروتسكي باليسارية كما كان لينين يتهم كيرنسكي باليمينية. وهذا مثال تحقق في بيئة الصراع السياسي العراقي، لتيار الحكمة الذي انشق من حزب يميني تقليدي يسمى المجلس الأعلى الى تيار يساري يسمى تيار الحكمة، الذي يدعي اليسارية وهو مستبطن اليمينية المتطرفة، وكذلك الحال مع التيار الصدري الذي بدأ يمزج بين يمينيته ويساريته لا سيما بعد تحالفه مع من يمثل الحزب الشيوعي ومن القوى المدنية، وكلاهما يستبطن النقيض! وهذان المثالان ينسحبان على كل القوى السياسية في العراق والتي تعلن مدنيتها ويساريتها في أوقات السلم، ويمينيتها وتعصبها وتشددها في أوقات الحرب والصراعات لاسيما تلك التي تهدد وجودها الفعلي.

في الواقع العراقي لا يسار يمتلك يساره ولا يمين يمتلك يمينه، انها المنازلة الاولى التي تقطعت أطراف كل منهما بشكل متعاكس!! فحتى لم يكن هناك توصيف ثالث بينهما فلا يسار معتدل ولا يمين معتدل !! فالمسألة مسألة أطراف فقدت، وعوق يايولوجي ترك أثره النفسي على الطرفين، ترتب عليه عوق ثقافي حال بين الوعي والممارسة !! ولم نجد ايضا من يتبرع لتركيب أطراف صناعية لهم ليعودوا أسوياء لا من فاقد يمين ولا من فاقد يسار عسى أن يتصافحان بها ويقع السلم.

 

الدكتور رائد عبيس

 

لم تعرف الامة العربية باسرهما لحظة ضعف حقيقية مثل التى تمر بها الان، فعلى الرغم من تشرزم العرب وفقدانهم الرؤية المشتركة فى العصر الحديث، وعلى الرغم من خداعهم المستمر من قبل اسرائيل وحليفتها العتيدة الولايات المتحدة وعلى رغم الهزائم والانكسارات المستمرة فيما يتعلق بسير القضية الفلسطينية الا ان اللحظة الراهنة تبدو أكثر إظهارا للهزيمة واشد توضيحا للانكسار وما لنا ان لا نقول ذلك وقد جلس العرب جنبا الى جنب مع القادة الإسرائيليين لتنسيق المواقف وتوحيد الرؤى لمواجهة عدوهم المشترك – ولسخرية القدر- دولة ايران، ناسين لو متناسين ان ليس للعرب عدو غير إسرائيل وليس لاسرائيل عدو الا العرب مهما تتالت الوعود وتنمقت الكلمات وتناسقت المواقف.. ليس لإسرائيل عدو الا الدول العربية وليس للدول العربية عدو اسرائيل وكل ما يحدث سوى ذلك فهو محض خيال تهوم فيه الدول العربية وتستعمله اسرائيل مطية لتحقيق الهدف القادم

كل العالم يعلم ان لدولة إسرائيل كلها بوجه عام ولأحزاب اليمين المتطرف فيها بوجه خاص ولبنيامين نتنياهو بوجه اخص رؤية واضحة وضوح الشمس فى قيام دولة فلسطينية من الأساس وفى اعتبار القدس الشرقية عاصمة لها وفى حق العودة للاجئين الفلسطينيين  هذا فان الارتكان الى دعوات امريكا المتكررة للدول العربية بتطبيع العلاقات لا تكون الا إيغالا فى الاستهزاء بعقول العرب أجمعين .

كان لدولة امريكا ودولة اسرائيل على السواء ما يعنيهم عن مشقة البحث عن سبل تفكيك التعاون العربي الاسلامى، فالدول العربية والإسلامية كانت هى من يقوم بصناعة وتوليف تفكيك ذلك التعاون، وقادة تلك الدول كانوا على الدوام فى عون إسرائيل على الفجور فى القول والفعل فيما يخص القضية الفلسطينية وتاريخ مؤتمرات القمة العربية حافل بما لا يمكن ان يصدقه عقل من خلاف فى الرؤى واختلاف فى المواقف وشجار على ابسط مقومات العمل العربى المشترك، ثم تتالت المصائب بعد ذلك فرأينا موجبات التطبيع ابتداء من الزيارات السرية وانتهاء بالتنسيق العلني مثل الذى حدث فى مؤتمر اوسلوا الاخير..

مؤتمر اوسلو هو خير مثال لمن يبحث عن عمل اللوبى الصهيوني المتواصل للتغلغل فى عصب العمل العربى الاسلامى المشترك لتحرير فلسطين، كما انه خير دليل على ضعف الارادة العربية فى الوقوف امام الاحتلال الاسرائيلى الغاشم فى ارض فلسطين العربية الإسلامية ، واخير فانه يمثل السطر الاول فى كتاب الولايات المتحدة وإسرائيل الذى بدءاه بحزم وعينهما معا على فصله الاخير والمسمى بصفقة القرن او خطة السلام الأمريكية فى الشرق الأوسط. هو اذن –دون مواربة- تكتيك اسرائيلى وتهويم عربى،هذا من اجل تصفية القضية الفلسطينية من الأساس، وذلك من اجل لجم عدوهم إيران –فزاعة -ما بعد القاعدة وداعش

لم تكن دولة أمريكا فى أحسن حالات تعطفها مع القضية الفلسطينية جمعية خيرية تعمل دون مقابل لحلحلة مشكلة فلسطين، ولم يكن رؤساءها حتى من الديمقراطيين المسلمين عونا على الشعب الفلسطينى لاخذ حقهم المعترف به دوليا وهو إقامة دولة ذات سيادة على أرضهم المحتلة، فكيف يثق اليوم الحكام والقادة العرب فى دولة امريكا بعد اخذ بتلابيبها غلاة اللوبي الصهيوني متحالفين مع عتاة اليمين الامريكى المتطرف، وكيف يركن العرب الى دونالد ترامب وهو الذى ظل يجرء منذ توليه الحكام على الحقوق الفلسطينية التى شرعنها القانون الدولي مثل اعتبار القدس عاصمة لدولة فلسطين المرتقبة، كما ظل ينتهك قواعد ذلك القانون دون ان يطرف له جفن مثل ما فعل من وقف المساعدات عن وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (أنوروا) التى أنشأت بموجب اتفاقيات دولية، وانكار حق العودة للاجئين الفلسطنيين والذى صدرت بشأنه قرارات ملزمة من مجلس الامن.

هى اذن صفقات مدفوعة الثمن تقوم بها الولايات المتحدة مع القادة العرب من اجل حمايتهم من غدوتهم اللدودة ايران وحثهم على التعاون مع صديقتهم الحميمة اسرائيل ولن يستطيع احد ان يقنع الشارع العربى العريض بان الولايات المتحدة تعمل من اجل عيون الفلسطينين لمساعدتهم فى اقامة دولة خاصة بهم فى الضفة الغربية ا وفى قطاع غزة مهما كان نوع وشكل هذه الدولة ولعلنا نستحضر بعض اقوال الكتاب العرب حول مؤتمر اوسلو الذى جلس فيه العرب مع اسرائيل جنب لجنب لتنسيق الواقف فى مواجهة ايران .

قال كمال زكارنة فى صحيفة الدستور الاردنية ان (مؤتمر اوسلو يستهدف القضية الفلسطينية وهذا يعنى استهداف للامة العربية من المحيط الى الخليج لانها قضية العرب الاولى المركزية وانكسارها يعنى انكسار امة وهزيمتها يعنى انتزاع قلب الأمة من مكانه) كما قال عبد البارى عطوان (ان الحكومات العربية التى تعتبر ايران هى الخطر الاكبر وليس اسرائيل هى التى انخرطت فى مشروع التدمير الامريكى فى العراق واليمن وسوريا وليبيا بالتمويل او بتوفير الغطاءئن السياسى والاعلامى).

لم يكن لنا ان نحسن الظن بالرئيس الامريكى ترامب لان اشهر فى وجه العرب على وجه العموم والفلسطينيين على وجه الخصوص أسلحته المفضلة وهى قراراته التى عانى منها شركائه فى السلطة قبل ان يعانى منها بقية الناس، وذعر منها حلفاءه فى الحرب قبل ان يتأذى منها اعداءه فى القتال وجأر منها اقرب المقربين اليه وهم وزراءه الذين عينهم بنفسه، فشركائه الديمقراطيون هم من حاصروه بتحقيفات مولر حتى وصل به الامر الى سجن مدير حملته الانتخابية (دانفورت) ومحاميه الخاص (كوهين) وحتى انه ظل يقيل اولائك الوزراء واحد بعد الأخر من امثال تلرسون وكل ذلك كان نتاجا مباشرا لادوار مشبوهة لازمت الرئيس الامريكى منذ لحظة اعتزامه الترشح وحتى يوم الناس هذا .

تماما كما لم يكن لنا ان نثق فى الرئيس ناتنياهو اليمينى المتطرف، ليس لانه جاء الى الرئاسة على اكتاف المتطرفين اليهود فحسب بل لان هو نفسه الذى اطلق يد الحكومة فى بناء البؤر الاستيطانية فى الضفة رغم صراحة الاتفاقيات بوقفها كما هو نفسه من اطلق يد اليهود المتطرفين لقتل الفلسطين اينما وجدو دون ان يأبه حتى لدعوات المنظمات الاسرائلية بعدم قتل المدنيين بدم بارد .

كيف نثق فى هؤلاء الناس وهم يفعلون كل ما يؤذى العرب المسلمين على سمع العالم وبصره، وكيف نضع ايدينا فى ايديهم وهم يدعون جهرا لا سرا الى وصم كل من حمل السلاح دفاعا عن نفسه وعرضه وارضه بالارهاب وكيف نعطى أذاننا اليهم ليبثوا فيها أحقادهم التاريخية التى لم يتناسوها فى يوم من الايام من حلم العودة وبناء الهيكل وانشاء دولة اسرائيل الكبرى وبسط نفوذهم بعد ذلك عليها وتذوق حلاة السيادة على الآخرين.

ان مؤتمر أوسلو – كما قال – على الصالح فى القس العربى (عنوان لمؤامرة فاشلة وخاسرة لتغيير وجه الشرق الاوسط اشرفت على تنفيذها مجموعة من هواة السياسة فى ادارة الرئيس الامريكى ترامب ...... مؤامرة غرضها فى الأساس تطبيع الدول العربية على اوسع نطاق) وهو بهذه الصفة يحق للفلسطينيين على مختلف انتماءاتهم مقاطعته ويحق للعلم الحر من بعدهم ان يجعله فى ادنى سلم أولوياتهم ويحق لنا نحن الشعب العربى المتطلع الى تحرير فلسطين ان نكشف ريفه لان الحق يعلوا -على الدوام- ولا يعلى عليه

 

بقلم ناجى احمد الصديق - السودان

 

الطيب بيت العلوي"إن الأزمنة التي ستعيشها البشرية مستقبلا، ستكون مليئة بالشروالفساد، وبدون عيني الوشق الحادة، لا يمكنك أن ترى الشر والفساد بسهولة ".ماكيافيلي

"السياسيون هم بالتأكيد سطحيون وعديمو البصيرة والتفكيرأكثر مما قد يُتصور، ونادرا ما يغوصون عميقا في المواقف والأسئلة والرؤى ولا يمتلكون حلولا سوى الإدعاء والكذب والثرثرةّ " أناتول فرانس

"لاتوجد سياسة جديدة، بل هناك، فقط السياسة بالمعنى الواضح، تلك السياسة المؤسسة على الخبرات التاريخية، وعلى

معرفة والشعوب والأمم وصناع التاريخ" جاك بانفيل Jacque Banville (المربي الروحي للجنرال دوغول)

كتبت غير ما مرة بأن الأحكام في القضايا الكبرى للأمم، يَصدُرها التاريخ من خلال قادته وأجياله، وحكم التاريخ القهاريُقوَمُ العوج ليرجع الأمور إلى الجادة، ويعلو بأمم ويهبط بأخرى ليعيد الموازين إلى الإعتدال. وصفحات التاريخ تتكرر أو تتغير، والغاية هي العدالة

ومن هذه الزاوية، فإن التاريخ الحالي لفرنسا في عهد" ايمانويل ماكرون"، يضع اليوم مراياه الجديدة في مواقع العبر، وكأنها عيون نفاذة باصرة، ليظهر للسياسيين الفرنسيين الحاليين ما يصنعونه بسياستهم لشعوبهم- ، كما سيُظهر لهم حكم التاريخ القهار، ما سيُصنع بهم وهم لايشعرون.

وحركة السترات الصفراء التي إنبجست في صبيحة يوم على حين غفلة، تذكرنا بقوانين الطبيعة الغلابة :" بأن لكل فعل رد فعل مضاد له في الإتجاه ومساو له في المقدار" وماأحداث تظاهرات هذه الحركة لمدة أربعة عشر أسبوع، سوى وليدة رد فعل طبيعي لاحداث "سوسيو-سياسية" تكدست لأزيد من ثلاثين عاما

إحدى التعريفات الهامة للحركة جاءتنا من وراء الأطلسي، وبالخصوص من بلاد العم سام، حيث وصف موقع"النيويورك تايمز ذوي السترات الصفراء في إستهلالية للموقع، نُشر يومه الرابع من ديسمبر2018 :"اللباس ذو اللون الأصفرالفاقع البراق، هوالرمزالذي إختاره المتظاهرون الفرنسيون، وهي البزة الموحدة للمتمردين الفرنسيين الجدد الذين قد يؤثرون في فرنسا وأوروبا والعالم بأسره"... في حين ما مايزال أهل الإختصاص الفرنسيين في سوسيولوجيا الحركات الإجتماعية، يتجادلون في ماهية وشأن حركة السترات الصفراء، بينما تفاجؤهم هذه الحركة صبيحة

كل يوم سبت بتحد وبعنفوان جديدين، تُثيرالجميع وتُرعب، تستفزوتُعجب في آن واحد. !

وعندما تنزل إلى الشارع صبيحة كل يوم سبت (كما أفعل لمواكبة تطو الحركة من الداخل بعيدا عن هذاءات الإعلام الرسمي)،

وعندما تستمع إلى مختلف التوجهات الإيديولوجية " الموزايكية" للسترات الصفراء التي لا يحكمها لون واحد، فتجد أن هؤلاء يجمعون على ما يتفقون حوله ويرجئون ما يختلفون فيه (وذاك من أهم مقومات إستمراريتهم المرجحة لنجاحهم على المددين المتوسط والبعيد) فيمكنني تلخيص مقاصدهم ومحفزاتهم ومطالباتهم العامة التي يقع عليها إجماع للحركة- (أفرادا وجماعات) حيث يتم الإلتفاف المبدئي على بعض النقاط الرئيسية –كما جمعتها من أفواه بعض رموز تجمعاتهم- وهي على سبيل المثال لا الحصر:

حيثيات رموزالحركة بإختصار هي:

"عندما نتعامل مع أشخاص من دون إيمان أوأخلاق أوقانون أوضمير، حيث تكون حججهم الوحيدة هي الغطرسة، وممارسة سياسة النعامة، والإعتماد على "ديموقراطية"مفرغة ذات بعد أحادي جامد، في بلد"الحضارة والتاريخ والثقافة والأنواروحقوق الإنسان"، بالإعتماد على التخابث والتحقيروالعنف والتهديدات اليومية الدائمة المرهقة مثل (سحب تراخيص السياقة بدون مبررات معقولة، العقوبات المجحفة المتواصلة على الطرق، إثقال كاهل الشعب الفرنسي بتزايد الضرائب لملإ جيوب" المترفين والنصابين، وخزائن الشركات المتعددة الجنسيات وأبناك روتشيلد "

وعندما يباع الوطن إلى "مجموعة لصوص بروكسيل"،

وعندما تٌقتل فرنسا (التاريخ والأرض والحضارة والأنوار) لتصبح مجرد ذيل للأطلسي و" للمجموعة الأوربية" ...

وعندما يتم إختزال " الأمة الفرنسية " إلى مجرد مفهوم "جمهورية "نكرة، ظهرت مع الثورة الفرنسية (التي من حقنا مراجعة عنفها ودمويتها وهناتها وخطاياها، والتذكير بمثالبها بالحفاظ على مزاياها) ورفض تشطيب التاريخ الفرنسي إلى لما قبل نابوليون، لتصبح فرنسا المجيدة رديفة للكولونيالية المضطهدة للشعوب، ولتصبح فرنسا اليوم مجرد "دولة موز" تدور حول دعم "السيادة الأوروبية"(التي هي مجرد أداة لواشنطن وتل أبيب) والدوران حول أهداف الأطلسي وأآطماع اليانكي منذ عهد فرانسوا ميتيران، أو التمحور بقزامة حول محور" الأممية العولمية" المشبوهة ، ليتجر بها سياسيونا المتعفنون....،

وعندما يتم تسيير مشاكل الدولة وترشيدها ووضع سياساتها الداخلية والخارجية من خارج البلاد (منذ ساركوزي وهولاند إلى ماكرون)....،

وعندما يتم إتخاذ قرارات السلم والحرب والتدخل في شؤون دول ذات سيادة بدون إستشارة الشعب (مثل الحروب في إفريقيا ودعم المنظمات الإرهابية على الجغرافية العربية وتدمير ليبيا بإغتيال القذافي، ومحاولة تطبيق نفس السيناريو على سوريا )

وعندما تتخلى النخب الفكرية والفلسفية والثقافية عن دورها المبدئي في نقد " النظام" ويصبحون شركاء في الجريمة،

وعندما " تتخلى ما يسمى زورا ب"السلطة الرابعة" عن دورها في التوعية ونقل الخبر الصحيح ونشر الحقيقة، ويشغلنا ببذاءات نجوم السينما وكرة القدم

وعندما يتم القمع المستمر للشعب الفرنسي الراغب في العيش الكريم وممارسة أبسط الحقوق من أجل الإستجابة للتحدي الكامل من الحس السليم في مواجهة مصاعب الحياة ....فلا يمكننا في مثل هذه الحالات سوىالمطالبة بتشطيب هذه السياسات البشعة، بترحيل نخبها وسياسيها العديمي الإيمان والأخلاق والضمير، والخارجين عن والقانون، ونطالب بما يلي:

- إقالة رئيس الجمهورية: وهو هدفنا الأول (الذي هو حصان طروادة وسمسار" الدولة العميقة" )

- حل مجلس النواب

إعادة النظر في هيكليات تأسيس الإنتخابات

إعادة هيكلة كيفية إقامة الإنتخابات البرلمانية

هيكلة ممنهجة وعقلانية للحركة، بتنظيم السترات الصفراء مع مراسليهم الإقليميين في مختلف نقاط ودوائر تجمعاتهم على المستوى الوطني

إنشاء هيكل هرمي للحركة من القاعدة إلى القمة مع كل "المراسلين الإقليميين" للحركة، بهدف خلق شبكة تواصل مستديمة على هيئة "ولايات متحدة صدرية للسترات الصفراء"

(مع مراقبة الدخلاء على الحركة)، مهمتهاملؤ نماذج شكاوى لكل مشارك في الحركة، GJ للحركة ترتيب الأولويات بتخصيص: شبكة التظلم والشكاوى والملاحظات، ووضع ملخص المظالم (عن طريق الجهة، والدائرة، والمنطقة، يتكلف بها كتاب التظلمات على المستوى الوطني).

وضع مبدأ الكفاح ضد عدم المساواة الاجتماعية الدائمة ومفاجأة الفقراء برفع تسعيرات المواد الضرورية (بما فيها البنزين) وذلك بوضع التسعيرات المناسبة للمواد الإستهلاكية الرئيسية الشعبية وفقا للدخل الفردي (على مبدأ أننا نعيش بشكل دائم في الحياة اليومية، دون أن ندرك ذلك) وذلك لوضع حد للصوصية الإحتكارات

والخلاصة:

أن ما أشرت إليه في هذه الخلاصة هومجرد غيض من فيض، وهي مطالب مشروعة-ديموقراطيا ودستورا-، غيرأنهاطوربيدات قاتلة"ّللدولة العميقة" الفرنسية، ومهددة لمصالح الأوليغارشية الفرنسية الحاكمة، وتهديدا لأدواتها الإعلامية والثقافية والسياسية، وهي مطالب معقولة ومنطقية تتكرر كمفردات وجمل وتعابير موحدة للجموع الغفيرة للشعب الفرنسي، التي تملأ كل زوايا وأركان الأرض الفرنسية في صبيحة كل يوم السبت، وكأنها طقوس دينية لقداس يوم الأحد، والتي يقلل الإعلام الفرنسي الرسمي من شأنها .

كيف فقد الإعلام الفرنسي الرسمي مصداقيته لدى غالبية الشعب الفرنسي"؟

إستيقظ الشعب الفرنسي بفضل حركة السترات الصفراء على حقيقة إعلامه المزيف والأجير لدي تسعة مليونيرات متحكمين في تسيير البلاد ، والذي بدأ يبحث عن طوق نجاة للطغمة البنكية الحاكمة من وراء"الماكرونيين"لتصبح القناة الروسية RT هي القناة " الأجنبية" المثيرة للشغب، و"الكاجيبي الروسي الخفي " المثير "للشعبوية المنحطة الفرنسية، وهي القناة التي إتهمها ماكرون -من خلال ما يسمي ب مهزلة " الحوار الوطني"– شخصيا ورسميا- ويتحدث عن التدخل الروسي في الشؤون الداخلية الفرنسية، لتتكررنفس مهزلة"روسياغيت"أو Russiagate المدسوسة في عقول الأمريكيين التي تم إسنباتها في الولايات المتحدة بهدف تخوين ترامب من أجل عزله أوإعدامه من جهة ولتبرير إشعال حرب نووية مع الروس من جهة ثانية (نفيذا لخطة منظر الحزب الديموقراطي الراحل بريزينسكي قبيل وفاته) -علما بأن إيمانويل يلقب في إمريكا ب"أوباما الأبيض"-

فماذا تبقى لماكرون فعله في الوقت الضائع:؟ والجواب هو أنه من هول الضربة القاضية التي أصابت الرجل فإنه يترنح من هول الضربة وهو واقف –كما كما وصفه الصحفي القديم وخبير تقنيات التواصل السياسي "جيل لو جوندر" حين قال عنه:" إن الأواني المكسرة الغير متساوية واللامتناسقة على طريقة " الماكرونية" لا يمكن رأبها، والفقرلا بد أن يتجذر في مجتمعنا، وأن يغتني المترفون أكثر، ووداعا لديموقراطيتنا "المثالية" ولنذرف الدموع الساخنة على فرنسا التي هو رابع أو خامس أغنى بلد في العالم"-علما بأن الصحفي ليس ماركسيا أو يساريا بالإصطلاح-

وخلاصة القول فإن" إيمانويل ماكرون": بمعية بطانته من البيروقراطيين الليبراليين الجدد، وحماته من "الأثرياء المتخمين "وعشيرتهم الأقربين منطينة"الذئاب الفتية الجائعة الصاعدة" المنحدرة من سلالات أبناء وأحفاد"الطفرة الإقتصادية المفاجئة العابرة" لسنوات الستينات والسبعينات، المسماة ب" Baby Boom التي شاهدناها نماذجها في الفيلمين الأمريكيين "وول ستريت" لمايكل دوغلاس" وبالخصوص فيلم The Wolf of Wall Streetللمخرج Martin Scorsese وبطولة Leonardo DiCaprio,كقصة حقيقية

حيث أن ماكرون وأضرابه من الليبراليين الجدد الذين لالون سياسي يميزهم، ولا إيديولوجية واضحة تًسِمُهم، والذين لا خلاق لهم سوى اللصوصية والإحتيال والنصب والغش والكذب، هم الذين يمسكون اليوم بزمام الأمور في المجموعة الأوروبية وهم "مستشاري" معظم العربية والأفريقية، ومساندو الديكتاتوريات والأنظمة البخورية فيها، فيها، حيث قد مصوا في فرنسا آخر قطرة تبقت منذ ساركوزي وهولاند" ...

وبالتالي سواء أتم الرهان على فشل السترات الصفراء أو نجاحها، فإن ماكرون معلق ما بين السماء والأرضوسقوطه أمر مقضي فيه حتما (سواء بالإستقالة أو بالثورة أو أن يقيله "أسياده")

بمعنى.. ! وحتى لو فرض فشل حركة السترات الصفراء، فإن هذه الحركة ستولد حركات أخرى، بمسميات جديدة وستكون الخيارات فيها أمر عارم لا يستطيع " النظام" الذي تداعت مراسيه ردها أو الإستدارة عليها لقوتها ولعنفها، وسيتم الأمرفي فرنساماكرون، إمابقلب النظام بالطرق السلمية للسترات الصفراء (وذلك أمرمستعبد في المرحلة الحالية)، أوب "تحرك"رجالات العسكرالمتمسكين" بالديغولية"، أو الوصول إلى حروب أهلية غير مسبوقة ..وتلك هي التراجيدية الفرنسية الجديدة المعاصرة

 

د. الطيب بيتي

 

كاظم الموسويلم تتوقف التظاهرات في العراق يوما منذ عام 2003، بعد الغزو والاحتلال. تتنوع هذه التظاهرات وتتوزع زمنيا ومكانيا، في المحافظات والمدن وحتى القرى والمناطق النائية. أو بقول اخر ان التظاهرات شملت العراق كله وباشتراك كل القطاعات والمهن والأجيال العمرية. كشفت التظاهرات عموما عن حالة غياب السلطة وهيبة الدولة وعن شعارات مخادعة عن الديمقراطية والحريات التي جلبها الغزو والاحتلال للعراق. هذه التظاهرات رفعت شعارات مطلبية حرمت من مضامينها وأصرت الجماهير المشتركة فيها عليها، التي لم تتحقق لها ولم تتوفر فرصها وظلت كل هذه الفترة الزمنية غير القليلة دون تنفيذ أو تطبيق. كما أن الشعارات المطلبية التي تميزت بها التظاهرات في العراق قد تصاعدت أو تباينت بين موقع وآخر، ولكنها ظلت في حدود المطالب المشروعة رغم تضحيات كبيرة خسرتها فيها أو قدمتها من أجل تحقيقها. وهذا يعني أن السلطات الأمنية واجهتها واطلقت الرصاص الحي عليها مما سبب الخسائر البشرية فيها. ومعروف أن سقوط شهداء أو دماء في أية تظاهرات يعزز أو يشد من عزيمتها واستمرارها. وهي حالة اصبحت قاعدة اجتماعية أو قانونا متكررا يراكم سير التظاهرات وتصاعدها أو تموجاتها المستمرة. تبلورت اغلب الشعارات والمطالب طيلة تلك الفترة الزمنية على توفير الخدمات العامة والأعمال واحترام حقوق الإنسان والقانون. غياب الخدمات الأساسية، كانعدام الكهرباء وشحة المياه وضعف مجال الصحة وسوء المعاملة وخراب التعليم والمدارس والتسرب وغيرها من المشاكل المتفاقمة في هذه الخدمات الأساسية دفع الشعب إلى التظاهر والاحتجاج وتصاعد الغضب الشعبي والاحتقان المدني وكسر الصمت. وهذا ما تكرر في أغلب التظاهرات في عموم العراق ومناطقه، سواء في جنوبه أو شماله أو وسطه، بمعنى أن سوء الإدارة والتخطيط في أداء هذه الخدمات الأساسية عمت العراق كله، وبينت بتراكمها وتناقضات التعامل معها الخلل الصارخ في الأداء الرسمي والعمل الوظيفي وقدرات السلطات المحلية والمركزية.

وبلاشك لعب الفساد الإداري والمالي دوره البارز في تاجيج حالة التظاهر والغضب، وعم باساليبه المختلفة كل مؤسسات ومكاتب الخدمات الأساسية، مما يضطر المواطن الى الصراخ بصوت عال في سبيل إيقافه وردع الفاسدين. المضحك في العراق أن أغلب الفاسدين أو الداعمين للفساد أو المروجين لانتشاره هم في مواقع القرار السياسي وهم الذين يعتبرون واقعيا رأس الفساد بكل اشكاله، يزعمون في تصريحات إعلامية محاربته أو الدعوة إلى مكافحته، والأغرب فيه هو التغاضي أو تغطية العناصر القائدة للفساد والمناورة في اتساعه والسماح لاعمال اخطبوطه ومافياته وكل أصنافه، ولم يعد العراق في أول قائمة الفساد في التقارير العالمية للمنظمات الدولية المتابعة أو المحققة فيه، بل أصبح مضرب الأمثال في نوعه وحجمه وطرقه وممارساته. ودفع هذا الانتشار للفساد في العراق جماهير الشعب إلى التظاهر والاحتجاج والغضب، ولأنه مستمر ومتسع فالتظاهرات مقابله كذلك، في عموم العراق وعمر الغزو والاحتلال وما بعدهما.

لم يكتف الفساد الإداري في الرشوة والمحسوبية والتخلف في تسيير أمور الناس اليومية والوظيفية المعروفة، بل زاد في التعيين والتوظيف لافراد لا علاقة لهم في الموقع الذي يحتلونه أو من الفاشلين في إدارته علميا ووظيفيا، وتم تعيينهم في لعب المحاصصة والتقسيم التحازبي والعائلي وغيرها من الأمور التي ألحقت في الأجهزة الإدارية أضرارا غير قليلة واساءت الى مسميات الدوائر أو المنظمات أو الأجهزة أو المؤسسات. ولعل بعض برامج النقل المباشر في عدد من القنوات الفضائية المحلية  مع المواطنين في الشارع مباشرة تعطي بعض صور عن الواقع المزري فيها، ويتطلب من السلطات المسؤولة متابعتها والرد على الاستفسارات والطلبات والمواضيع التي يثيرها المواطنون مباشرة، بالصوت والصورة والوثيقة واللوعة الانسانية المحرجة والمخجلة لاي انسان طبيعي.

كثير من المعاملات التي يحتاجها المواطن تكتب باليد، رغم كل التطورات التقنية في آلات الكتابة والنشر والانترنت، فيقع فيها الكثير من الأخطاء في الكتابة واذا اراد التصحيح فيجبر على العودة إلى المربع الأول في الطلب والمراجعات والسجلات والمساومات، والابشع فيها المطالبة بموافقة الوزير المختص لتلك الظاهرة وتتكرر هذه الإجراءات البيروقراطية والروتينية وتاكل من المواطن وقته وماله وصبره ورؤيته لبلده الذي يتراجع حتى عما كان عليه قبل سنوات. اضافة الى جهل أو فقدان معرفة ما يتعلق بالعمل وخدمة المواطن. موظف لا يكتب الا بخط يده في طلبات مطبوعة ومخططة، واخر لا يعرف قوانين الهجرة واتفاقية جنيف لعام 1951 للاجئين السياسيين ولا متعلقاتها وتعديلاتها  وهو من الذين يقررون قبول معاملة أو ملف الهجرة أو رفضها لمن عانى بقدر عمره الزمني . فضلا عن  الفساد الاخر، المالي، والنهب للثروات والخيرات والتبذير والهدر والضياع في اصول الصرف أو التخصيص، مع ما ينشر من أساليب لا يمكن أن تكون أو تحصل الا في العراق الجديد..

هذا الفساد المعلن والمخفي، ومن باب الهزل، يتحدث عنه نواب في برلمان الشعب في تصريحات وبرامج تلفزيونية علنا، وعن مشاركتهم فيه دون خوف أو خشية أو وجل من ضمير أو رقيب أو حسيب. رغم وجود منظمات حكومية تحمل أسماء الشفافية والنزاهة والمراقبة وغيرها من التسميات فقط.

تضاف بالتأكيد لعوامل استمرار التظاهرات في العراق النسب العالية للعاطلين عن العمل بعد تخرجهم من المعاهد والكليات وغيرها، وهؤلاء بعمر الشباب، المتطلع للحياة والمستقبل، ويعتبر نفسه ثروة بشرية للوطن، وادى ما عليه وينتظر أملا له في العمل والبناء. كما أن غياب روح التجديد والتغيير في البنى والرؤى المستقبلية للبلاد يعرقل عملية التحديث والتطوير وحتى البناء والتنمية البشرية والعمران. مما يخلق أجواءا وبيئات جاهزة للاحتجاج والغضب وحتى لابعد من ذلك. وهو ما يحصل فعليا في العراق الجديد، بعد الإحتلال والتآمر الأمريكي عليه.

لذا نرى كل يوم تظاهرة أمام مباني الوزارات أو الدوائر  المختصة والمتعلقة بالعمل. وتواجه أغلب الوزارات مطالب الشباب بالوعود والتحايل عليها، وكذلك المحافظات والمؤسسات المحلية الأخرى. وليس اخر التظاهرات للخريجين من مختلف الاختصاصات والمهن، بل وشملت المعلمين، الذي لبوا نداء نقابتهم الى الاضراب ليومين عن التعليم وتعطيل الدراسة، والتشديد على تلبية مطالبهم ببرمجة التوظيف وتحسين سلم الرواتب والاهتمام بظروف المباني والتخطيط لزيادة أعدادها وتطوير المناهج الدراسية واحترام الحقوق المشروعة.

 

كاظم الموسوي

 

 

ابراهيم أبراشما بين الفَينَة والأخرى تُثار مسألة التطبيع، والأمر لا يتعلق فقط بالحديث المُبالغ فيه لرئيس وزراء إسرائيل نتنياهو ووسائل الإعلام الصهيونية حيث يتم إظهار وكأن غالبية الدول العربية تطبع علاقاتها مع إسرائيل، بل تعدى الأمر ذلك إلى أصوات تتعالى من داخل البيت العربي تدعو صراحة إلى التطبيع مع إسرائيل مصحوبة بزيارات متكررة ومتعددة وعلى المكشوف بين مسئولين إسرائيليين وعرب دون كثير من ردود الفعل كما كان الأمر في العقود السابقة من الصراع، حيث كان من يُطبِع أو مجرد يتواصل مع الإسرائيليين يعرض نفسه لتهمة الخيانة والقتل أحيانا .

مع أن الحديث عن رفض التطبيع مع إسرائيل ليس بالأمر الجديد حيث يعود لبدايات الصراع الذي كان يسمى (الصراع العربي الإسرائيلي) حيث تأسس عام 1951 وداخل جامعة الدول العربية مكتب (مقاطعة إسرائيل)، إلا أن مسار التطبيع وحجمه اليوم تجاوز مرحلة العمل السري أو السلوك الفردي لبعض الأشخاص من مثقفين ورجال أعمال ليندرج في سياق تحولات كبرى تشهدها المنطقة وتقودها الولايات المتحدة الامريكية ترمي لتوظيف مخرجات فوضى ما يسمى الربيع لتغيير طبيعة الصراع ليتحول من صراع وجودي بين العرب والإسرائيليين، كما كانت تقول الأدبيات الأولى للحركة القومية العربية، إلى صراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وبهذا يتم تفكيك أطراف الصراع بل سحب بعض العرب ليصطف إلى جانب الإسرائيليين والأمريكيين على حساب الحق الفلسطيني .

بالرغم من المبالغة أحيانا في الحديث عما أنجزته إسرائيل من تطبيع مع العرب، وإسرائيل وخصوصا نتنياهو معني في تضخيم الأمر لاعتبارات سياسية إسرائيلية داخلية وكنوع من سياسة كي وعي الفلسطينيين وإحباطهم، إلا أن تحولات وتداعيات استراتيجية خطيرة تجري أو قادمة ستترتب على توسيع نطاق التطبيع وسيكون الفلسطينيون الأكثر تضررا بل يمكن القول بأن الهدف الرئيس لإسرائيل من وراء التطبيع مع العرب هو قطع العلاقة ما بين الفلسطينيين والعرب مما يترك المجال لإسرائيل لتتفرد بالفلسطينيين في ظل موازين قوى مائلة لصالح إسرائيل .

لأن الحديث عن التطبيع يطول وله أبعاد كثيرة، سياسية وإستراتيجية واقتصادية وأمنية، وما هو خفي قد يكون أكثر خطورة مما هو مُعلن، فسنقتصر على إبداء بعض الملاحظات السريعة تُضاف لما سبق أن كتبناه حول الموضوع : -

1- نلاحظ أن التطبيع تهمة توجه لأية جهة عربية رسمية أو غير رسمية تعترف بإسرائيل ولكنها ليست كذلك للدول الإسلامية حيث تُقيم إسرائيل علاقات مع غالبية الدول الإسلامية دون ضجيج ودون أن يتهم أحد هذه الدول بالتطبيع مع إسرائيل، وهذا يعني أن الصراع ليس إسرائيليا إسلاميا ولم يكن كذلك، وهذا يفسر الموقف السلبي للجماعات الإسلاموية من القضية الفلسطينية بل تآمرها عليها .

2- تسارع وتيرة التطبيع نتاج لانهيار المنظومات الكبرى الجامعة التي كانت تعتبر القضية الفلسطينية قضية مركزية لها من منطلق قومي أو أممي .

3- الدمار الذي ترتب على فوضى ما يسمى الربيع العربي، والذي تحالفت فيه واشنطن وبعض دول الخليج والإسلاموية السياسية، غيَّر من أولويات الشعوب العربية مؤقتا ولم تعد فلسطين بالنسبة لهم القضية المركزية، حيث إشكالات إعادة بناء دولتهم الوطنية ومواجهة الإرهاب وإعادة الإعمار بات شغلهم الشاغل، والمسؤولية لا تقع على عاتق الشعوب العربية بل على من صنع الفتنة ومولها .

4- اصطنعت واشنطن للعرب عدوا – إيران - أوهمتهم أنه يمثل عليهم خطرا أكبر من خطر إسرائيل وأنه لا يمكنهم مواجهة إيران إلا بالتعاون مع واشنطن وإسرائيل .

5- كلما تزايدت وتيرة التطبيع فقدت ما تسمى (المبادرة العربية للسلام) معناها، لأن الأساس الذي بُنيت عليه المبادرة أن اعتراف العرب بإسرائيل والتطبيع معها مرهون أو مشروط بانسحاب إسرائيل من الأراضي العربية المحتلة عام 1967 وقيام الدولة الفلسطينية .

6- في السابق كان الاقتصاد مدخلا للتطبيع حيث كانت إسرائيل تروج بأن التطبيع يحقق مصالح اقتصادية وتنمية شاملة للعرب والإسرائيليين معا وهذا ما عبر عنه الزعيم الصهيوني شمعون بيرس في كتابه (الشرق الأوسط الجديد) والذي تم نشره عام 1993، أما التطبيع اليوم فمدخله أمني وسياسي والاقتصاد يأتي في الدرجة الثانية.

7- في السابق تواجدت حالة فلسطينية ثورية نضالية تردع كل من يجرؤ على التطبيع، إلا أن توقف المقاومة والصدام العنيف مع إسرائيل وحالة الانقسام وما يصاحبها من اتهامات وشكوك متبادلة، كل ذلك وضع بيد دعاة التطبيع ورقة لشيطنة الفلسطينيين وتبرير تطبيعهم مع إسرائيل .

8- غياب اقتصاد فلسطيني مستقل ومحدودية الموارد الفلسطينية سمح للمال السياسي العربي مقايضة الموقف العربي المبدأي من فلسطين بمساعدات مالية وسكوت ذوي الأمر سواء في قطاع غزة أو الضفة عن ما يجري من تطبيع أو انتقادها بخجل .

9- بالرغم من خطورة التطبيع ودون تجاهل ما يجري بشأنه إلا أنه يجب عدم المبالغة والتهويل والحذر من سياسة كي الوعي التي تعمل عليها إسرائيل وبعض النوابت والسُقط من العرب، فالشعوب العربية وإن كانت تمر بمرحلة صعبة إلا أنها حالة لن تدوم كما أن هذه الشعوب لم تفقد ثقتها بعدالة القضية الفلسطينية .

10- التطبيع العربي المتدرج يأتي في الوقت الذي تتعالى فيه الأصوات وتتكاثف الجهود وخصوصا في أوروبا وحتى أمريكا لدعم حملة bds لمقاطعة إسرائيل، وفي الوقت الذي تواجه القضية الفلسطينية مؤامرة لتصفيتها سواء من خلال السلوك الإسرائيلي على الأرض المتمثل بالاستيطان والتهويد والحصار، أو النهج الأمريكي المتمثل في صفقة القرن ومحاصرة السلطة ماليا .

وخلاصة القول ومع افتراض نجاح تل أبيب وواشنطن في التطبيع مع كل الأنظمة العربية فهذا لن ينهي القضية الفلسطينية، قد ينتهي الصراع الإسرائيلي العربي الرسمي ولكن سيبقى الأصل وجوهر الصراع وهو الإسرائيلي الفلسطيني، وسيستمر الفلسطينيون الرقم الصعب الذي لا يستطيع أحد تجاوزه، والرقم الصعب يتمثل في عنصرين : شعب فلسطيني تعدداه أكثر من 12 مليون نصفه متجذر في أرضه ونصفه الآخر في الشتات معتز بهويته ومتمسك بحق العودة لوطنه، والعنصر الآخر قيادة لم ولن تتخلى عن الثوابت والحقوق السياسية الوطنية محل التوافق الوطني، فماذا سيفعل المطبعون وإسرائيل ومن يواليها بهذا الرقم الصعب ؟!!!!.

 

أ. د. إبراهيم أبراش

 

 

 

علجية عيشالسلطة في الجزائر حفظت الدرس جيدا بحيث لم تشهر "سيف الحجاج" على المتظاهرين الذين خرجوا إلى الشارع في مسيرات سلمية ضد العهدة الخامسة ولحقهم  الطلبة الجامعيون ثم أصحاب الجبة السوداء، ذلك كي  لا يتكرر سيناريو أكتوبر 1988 وتظاهرات الفيس المحظور الذي وقف ندا للند أمام نار السلطة والآلة الحديدية، وذلك حفاظا على النظام العام، وكما قال الدكتور عبد الرزاق قسوم فإن الوطن يتسع لكل أبنائه، أيّا كانت قناعتهم وأيًّا كان مذهبهم، فلا نجعل من الإنتخاب وسيلة للإكتئاب أو الإنتحاب، بل نريده مادة لتعميق الإنتماء والإنتساب وفي ذلك فصل الخطاب

منذ أن انتشر خبر أن الرئيس الجزائري ووزير الدفاع الأسبق المجاهد اليامين زروال سيصدر بيانا رسميا يوضح فيه موقفه من الإنتخابات الرئاسية، ودعمه مرشح السلطة عبد العزيز بوتفليقة من عدمه، والشعب ينتظر بلهفة وشوق مضمون هذا البيان الذي إما أنه سيقدم للجزائريين الذين خرجوا في مسيرات شعبية وصفة الدواء للخروج من الأزمة وتحديد لهم من هو الأحق بكرسي المرادية، وإما أنه سيضع الملح على الجرح كما يقال، لأن الأزمة في الجزائر تطورت وتعقدت أكثر بعد فشل المعارضة في اختيار مرشحها التوافقي، وانسحاب عديد من الأحزاب من المشروع، لكن الرئيس زروال لا خرج عن صمته ولا أصدر بيانا كما ذكرت المصادر، لكي يدافع عن الجمهورية والحفاظ على مكاسبها، في ظل من تنشره وسائل الإعلام العربية والأجنبية بأن الرئيس غادر سويسرا إلى وجهة مجهولة مثلما جاء في مقال نشرته أور تيوز، لمن الرئيس الأسبق اليامين زروال ظل صامتا يراقب ويتابع عن بعد ما يحدث في الجزائر، واصبح الكل يغني ليلاه كما يقال، فهذا مع ترشح الرئيس وذاك ضد بقائه في الحكم.

و قال هؤلاء أن 20 سنة بركات، وحتى لو قلنا (من وجهة نظر الملاحظين) أن الرئيس المريض الغائب حاليا منذ اعتلائه الحكم في 1999، وُفِّقَ في تحسين الوضع في البلاد عن طريق مشروع المصالحة الوطنية وأعاد للبلاد أمنها واستقرارها، لكن الرجل كما تقول التقارير عالج مشاكل الجزائر من الخارج من خلال تنقلاته المتكررة، لكن  مذ سقط اسير المرض لم يعد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة يطهر امام الشعب الذي وثق فيه وانتخبه لأربع عهدات كاملة، وهو - ايّ الشعب-  نطكالبا بالتكميف مع المستجدات الإقليمية، ولا يمكن أن تسير البلاد في غياب الرئيس، الذي أصبح عاجزا عن إدارة شؤون البلاد، وحماية ترابها من كل المخاطر لاسيما الإرهاب، وللجزائر تجربة رائدة في هذا المجال، ولعبت دورا سيايا في محاربة هذه الظاهرة، واصبحت مرجعية للعديد من الدول، لكن؟ الجزائر في حاجو إلى رجل قادر على مواصلة "المسيرة" وتحقيق الحكم الراشد، في إطار استراتيجية شاملة، وهذه ألأخيرة تحتاج إلى إمكانيات ووسائل قوية، أي إلى دمٍ جديدٍ، ولكن.. لا زروال أصدر بيانا ولا الرئاسة كذلك، وهذا من باب الوفاء بالعهود والعقود بين الأفراد والجماعات واستلهام رسالة أول نوفمبر 1954 التي كانت خلاصة فكر سياسي وطني.

و لعل التركيز على شخص الرئيس الأسبق اليانمين زروال فلأن هذه الأخير يمتاك انصارا داخل المؤسسة العسكرية ويمتلك نفوذا مباشرا عليهم، ثم أن الرئيس الأسبق اليامين زروال ورفاق دربه أيام الثورة الذين مازالوا على قيد الحياة، يمثلون نخبة الجزائر سياسيا وعسكريا، وبالتالي فهم  مطالبون اليوم بالتدخل العاجل والسريع لإخراج البلاد من الأزمة وتعزيز شرعية الحاكم والحفاظ عليها إن تطلب الأمر، هذه الشرعية التي يمنحها المحكوم  (الشعب) للحاكم، خاصة وأن هذه الشرعية كما يقول  المنظرون في عالم السياسة  تعرقلها جهات خارجية تصر على بقاء الوضع في الجزائر على حاله، وتضرب مصداقية الشعب الذي قال كلمته، وخرج إلى الشارع يطالب بالتشبيب والتجديد وتغيير الوضع،  ومن هذا المنطلق وجب على زعماء الثورة الجزائرية وقادتها أن يفصلوا في الأمر ويحددوا لمن تمنح هذه "الشرعية المشروعة"، وأن يوضحوا مفهومها أولا، طالما هي مرتبطة بالحكم الراشد، الذي يرتكز على ثلاثة محاور أساسية هي: " بناء الديمقراطية، حرية التعبير واحترام الحريات الفردية"، خاصة وأن هذه الشرعية منقسمة وغير منسجمة، أي الشرعية الداخلية والشرعية الخارجية وعلى رأسها فرنسا  والولايات المتحدة الأمريكية اللتان تتابعان الأحداث باهتمام شديد لما يحدث وتسعى كل واحدة منهما إلى فرض إملاءاتها  على الحكومة  الجزائرية وإقناع الرأي العام بما يناسب مصالحها هي، وتضغط على السلطة الجزائرية كي لا تحتكم إلى الإرادة الشعبية.

الصراع حول الإنتخابات الرئاسية المقبلة ورفض الرئيس بوتفليقة لعهدة خامسة ليس بسبب مرضه، لأن الرئيس سقط أسير المرض في 2013 وأعيد انتخابه بطريقة أو بأخرى في انتخابات 2014، لكن المشكل هو "جهوي"، لأن معظم من في الحكم هم من منطقة الغرب،  ما كشفه الإعلامي رياض الصيداوي في دراسته بعنوان : "صراعات النخب"، نشرت في أسبوعية الأطلس المحظورة  أنه في 04 جانفي من سنة 1999 كانت مكالمة هاتفية تنصتت عليها المخابرات الفرنسية جرت بين الجنرال اسماعيل العماري رئيس قسم مكافحة التجسس والأمن الداخلي في المخابرات الجزائرية والجنرال صنهاجي القائم  بالأعمال العسكرية في سفارة باريس، حيث طلب فيها العماري من صنهاجي التدخل لدى صديقه سيد أحمج غزالي للتخلي عن ترشحه لفائدة بوتفليقة، خاصة وأن الإثنين من منطقة الغرب المفترض أن تكون القاعدة الصلبة  لبوتفليقة، حتى أن العماري كانت له رغبة قوية في ترشيح مولود حمروش، ولو افترضنا أن السلطة تصرُّ على أنيكون الرئيس القادم من منطقة الغرب، كان على حزب جبهة التحرير الوطني أن يختار مرشحا من الغرب مثل الطيب لوح، أو عبد الحميد سي عفيف، طالما أنه ممنوع على أن يكون الرئيس الجزائري  من الشرق أو من الجنوب، وهو ما حدث في انتخابات 2004 والإنقلاب على مرشح الأفلان رئيس الحكومة الأسبق علي بن فليس، لا لشيئ إلا لأن هذا الأخير من منطقة الشرق، تجدر الإشارة أن الرئيس اليامين زروال كان قد أبدى عن موقفه سابقا، عندما خرج عن صمته، وأصدر بيانا تناول فيه الأوضاع الجزائرية خاصة ما يتعلق بالانتخابات الرئاسية، منتقدا في ذلك  حكم بوتفليقة، وقال إن منصب الرئاسة مهمة ثقيلة عقليا وبدنيا .

الجزائر مهددة المصير والمستقبل الوطني برمته

كانت هذه مجرد ملاحظات قد تصلح لصياغة  فرضيات تأخذ بعين الإعتبار المتغيرات التي تعيشها الساحة السياسية في الجزائر، ووضع تصورا دقيقا لإتجاه محدد نحو الواقع الإجتماعي والسياسي، فليس سرا  كما قال العقيد محمد الصالح يحياوي بأن الجزائر تتفاقم يوميا تداعيات أزمتها ومخاطر محنتها الأليمة وبآفاق لا زالت غامضة ومربكة للجميع، بل مهددة المصير والمستقبل الوطني برمته،  عندما تساءل إذا ما كان التداول على السلطة خيار وضرورة وطنية،  فهاهو التاريخ يعيد نفسه  في الجزائر التي ما تزال تبحث عن رئيس يقود البلاد، والجميع يقف في حيرة وحسرة وخوف على مساقبل البلاد وقيم النضال والوفاء للوطن وأيضا لقيم الحرية والديمقراطية والعدالة الإجتماعية وسيادة وأمن الشعب الجزائري، لقد شخص العقيد محمد الصالح يحياوي قبل وفاته الإنتخابات الرئاسية ووضعها تحت المجهر حتى لا نقةل على طاولة العليات الجراحية، منذ مجيئ الرئيس عبد العزيز بوتفليقة إلىلا سدة الحكم في 1999، وقال أن هذه الإنتخابات كانت فرصة ذهبية للوطن لتأكيد نهائي وحاسم لسيادة الشعب، كما كانت فرصة ذهبية لحزب جبهة التحرير الوطني، لكن أخطاء قيادة  الجبة في تلك السنة ( 1999) قد تحولت مع الزمن إلى خطايا سياسية كارثية.

و قال يحياوي أن الأحزاب السياسية هي مبادئ وبرامج ومواقف وسياسات وليست ابدا اشخاص وزعامات وامتيازات وصراعات من أجل السلطة للسلطة فقط، وكما قال هو فقد أضاعت جبهة التحرير الوطني وقيادتها الفرصة وأهدرت  المناسبة الثمينة لتاكيد شرعيتها الشعبية، ونحن بدورنا نقول ان حزب جيهة التحرير الوطني لم يستمع إلى نبض الشعب، ونبض قواعده النضالية، لما أجبرهم على التوقيع على استماارت تريح بوتفليقة لولاية جديدة، بحجة الإنضباط، ولو أن هذه التوقيعات هي شكلية، ولا يختلف إثنان أن المناضلين يغيرون مواقفهم يوم الإقتراع ويمنحون أصواتهم للأفضل، لكن الأفلان اليوم لم يحترم إرادة الشعب السيد في القرار والخيار، كون المجتمعات من وجهة نظره وحدها تعيد صياغة مستقبلها جيلا بعد جيل بوسائل ثلاث هي:  (تواصل دائم، تعلم نافع وتشريع عادل)، وقد وضع العقيد محمد الصالح يحياوي رحمه الله يده على الجرح عندما قال: " إن لغة الشعب  وكرامته وكبريائه ومعتقداته لا يمكن أن تنزل بقرار سياسي أن رئاسي إلى مستوى الطابوهات الشخصية اليوم وغدا وفي بلاد العالم المتحضر، والترشح لرئاسة حق دستوري مشروع للحجميع مادام الحكم السيد في النهاية في حديثه عن الإنتخابات الرئاسية والتدول السلمي الديمقراطي على السلطة.

و كما قال  الدكتور عبد الرزاق قسوم رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، في مقال له بعنوان: "الإنتخاب...و الإكتئاب" نشر بجريدة البصائر عدد 856 بتاريخ 07 ماي 2017  ما يكون لنا أمام الخطاب العنصري الفرنسي والأمريكاني أن يطأطئ الشعب الجزائري رأسه وهو يلاحظ جزءًا عزيزا من وطنه يسام الخسف، ويعاني القصف ويهدد بالنسف، هذا الخطاب وجب أن يحجب عن الإنيسان والإنسانية، لأنه خطاب لا إنساني، وبالتالي فعلى كل إنسان عاقل  أن يقف "ضد" وأن يحشد كل الطاقات لهدم التبعية الأجنبية حتى لو كانت في صالح الجزائر، محذرا من أن يتحول الإنتخاب إلى الإكتئاب والإضطراب ثم الإنتحاب وسوء المصاب، وأوضح أن الإنتخابات امتحان مصيري عسير.. إلى أن يقول: إن الوطن يتسع لكل أبنائه، أيّا كانت قناعتهم  وأيًّا كان مذهبهم، وأن الوطن غفور رحيم، فلا نجعل من الإنتخاب  وسيلة للإكتئاب أو الإنتحاب، بل نريده مادة لتعميق الإنتماء والإنتساب وفي ذلك فصل الخطاب، على العموم يظل الرئيس بوتفليقة الذي قضى 20 سنة في الحكم يصنع الحدث، حتى وهو طريح فراش المرض، وحتى وهو مقعد على كرسي متحرك، ليس لأنه مجاهد أو "زعيم"، وإنما الذين منحوه هذه المدة هيا لهم أن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة مبعوث من الله كما قال مسؤول في حزب سياسي، أي أنه نبيٌّ وأن المحيطين به هم " الصحابة"، وهذه قمة الخزعبلات السياسية حتى لا نقول أن الذي يمثل الحزب القوي وعاءً بدأ يخرّف.

 

علجية عيش بتصرف

 

عبد الحسين شعبانلا تزال التطورات الحاصلة في فنزويلا تلقي بظلالها على عموم المشهد السياسي في أمريكا اللاتينية، لاسيّما لجهة التدخل الأمريكي، وتهديد واشنطن بعمل عسكري لدعم المعارضة بقيادة خوان جوايدو رئيس البرلمان الفنزويلي ضد حكومة اليسار البوليفاري بزعامة نيكولاس مادورو، ناهيك عن ردود الفعل الدولية، سواء من جانب روسيا أم الصين أم غيرها، الأمر الذي يثير خوفاً كبيراً، وقلقاً متصاعداً لما يمكن أن تؤول إليه الأوضاع في هذه الدولة الغنية بالنفط، والمحاصرة منذ عهد الرئيس هوغو تشافيز، وخصوصاً منذ العام 2006، والذي شكّل هاجساً جديداً لواشنطن بعد كاسترو وكوبا.

وإذا بدأ المزاج السياسي منذ العقد الأول في الألفية الثالثة بالميل لصالح اليسار في العديد من دول أمريكا اللاتينية، فثمة ارتكاس حصل فيه، ويكفي أن نطلّع على ما أفرزته الانتخابات الرئاسية في سبع بلدان خلال العام 2018؛ ليتبيّن لنا التغييرات الحاصلة في العديد منها؛ حيث بدأ يتشكل «توازن» مؤقت بين اليسار واليمين، وأصبحت الأنظمة القائمة تتأرجح بينهما.

ويعكس مثال البرازيل مثل هذا التوازن القلق، فبعد سنوات من التوجه اليساري، فاز اليمين فيه، في حين فاز اليسار في المكسيك بعد أن كانت بوصلة «مكسيكو» موجهة نحو الشمال، لكنها استدارت باتجاه أمريكا الوسطى، خصوصاً في ظلّ سياسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وتهديداته وابتزازه لبناء الجدار العازل، وموقفه من اللاجئين والمهاجرين.

ويبقى الموقف من اليسار أو اليمين مرهوناً بتغيّر الظروف والأحوال، فهو ليس ثابتاً أو مستقراً على طول الخط، وإنما هو تعبير عن تنامي الوعي لدى الناخبين للتصدي لظواهر الفساد المالي والإداري والسياسي من أيٍّ أتت، وذلك بمعاقبة النخب السياسية الغارقة فيه، وعدم التصويت لها، بل اختيار خصومها ليكونوا بديلاً عنها. وكانت البرازيل قد انتقلت من اليمين إلى اليسار، لتعود مجدداً إلى حضن اليمين. والسبب هو: «إنه الاقتصاد يا غبي»، حسب العبارة التي استخدمها بيل كلينتون خلال حملته الانتخابية الناجحة ضد جورج بوش الأب العام 1992، فالأزمات الاقتصادية لم تكسب اليمين أو اليسار أي مناعة، ولم يستطع الاحتياطي العالمي من النفط الذي تطفو عليه فنزويلا من إخراجها من وضعها الاقتصادي البائس، والسبب يعود إلى الضغوط الخارجية والعقوبات الأمريكية المفروضة عليها بالدرجة الأساسية، إضافة إلى السياسات الداخلية والفساد المالي والإداري، وفشل خطط التنمية التي لم تستطع توظيف الفوائض النفطية واستثمارها في التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية والضمان الاجتماعي والرخاء الاقتصادي، وغير ذلك من «الوعود» التي ظل الفقراء يحلمون بها.

أما الأرجنتين فقد سجلت انكماشاً كبيراً في النمو؛ بسبب السياسات الداخلية الخاطئة التي ظلّت تراهن على الاقتراض من صندوق النقد الدولي، والأمر في بيرو لا يختلف كثيراً؛ حيث أوقع الفساد البلاد في أزمة خطِرة.

وتعاظم ضعف الثقة في دول أمريكا اللاتينية بين النخبة الحاكمة وشعوبها، لدرجة أن بعض البلدان انقسمت بين التيارين اليميني واليساري، خصوصاً بارتفاع النبرة الشعبوية ذات الرنين العالي والمدعومة أحياناً من واشنطن. كما ارتفعت قوافل المهاجرين من شعوب هذه البلدان بقصد التوجه إلى الولايات المتحدة، وهذا وحده دليل على تقهقر الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، وتزايد البطالة، وتراجع مستويات العيش الكريم، ناهيك عن عبور مئات الآلاف من السكان خط الفقر إلى ما دونه، بأجور لا تزيد عن دولارين في اليوم. وينتشر العنف وتضعف الدولة أمام غول الإرهاب وانعدام الأمن. كما تنتشر المواجهات المسلحة في هذه البلدان بين مجموعات من المهرّبين وتجار المخدرات في المكسيك، وتتزايد التهديدات والابتزازات للسكان. وتشهد دول مثل الهندوراس والسلفادور وغواتيمالا التي تسمّى (دول المثلث الشمالي) نمو عصابات للجريمة المنظمة بشكل لافت؛ حيث ترتفع وتيرة العنف إزاء الشعوب الأصلية وسكان البادية والمدافعين عن البيئة والأرض والموارد الطبيعية.

والأمر يدلّ دلالة بالغة على فشل سياسات التنمية في تدبير وإدارة الأزمات الداخلية، إضافة إلى فشل سياساتها الخارجية؛ حيث تلعب واشنطن دوراً كبيراً في إذكاء الخلافات الداخلية والحساسيات المناطقية، فمثلاً تتنافس المكسيك والبرازيل حول «الزعامة الإقليمية»، ففي الوقت الذي تتجه فيه البرازيل نحو اليمين، وتلتحق بواشنطن وتنضم إلى الأرجنتين والباراغواي والأرغواي لتدخل في قطيعة مع اليسار، تفتح المكسيك حواراً سياسياً مع دول اليسار في مسعى لحل الأزمات.

ولم يتأخر رئيس البرازيل الجديد، ليثبت يمينيته وولاءه لواشنطن، في إعلان عزمه على نقل السفارة البرازيلية إلى القدس، بعد قرار ترامب بنقل السفارة الأمريكية إليها، من دون الاكتراث بعلاقات بلاده التاريخية بالعالمين العربي والإسلامي، على الرغم من عدم وجود ردود فعل عربية وإسلامية رسمية تتناسب وخطورة تلك الخطوة.

وهكذا فإن أمريكا اللاتينية التي كانت سبع دول منها خلال العقد الماضي تتجه صوب اليسار، إذا ببعضها يتراجع بشدة نحو اليمين، مثلما تستمر الضغوط على كوبا، وتواصل واشنطن حصارها على الجزيرة منذ خمسة عقود ونيّف من الزمان.

 

عبد الحسين شعبان

 

عبد الحسين شعبانسجّل التقرير الذي أصدرته مجلّة «الإيكونومست» البريطانية في نهاية عام 2018 أسوأ تراجع لمؤشرات الديمقراطية في العالم، وأشار إلى انحدار العديد من بلدان العالم منذ عام 2016، والتي قسّمها إلى أربع مجموعات؛ وهي:

المجموعة الأولى- الأنظمة الديمقراطية الكاملة؛ وتشمل 19 دولة تتربّع على رأسها الدول الإسكندينافية، وفي مقدمتها: النرويج والسويد، إضافة إلى أستراليا والأورغواي، وتبلغ نسبة هذه الدول إلى دول العالم 11.4%.

أما المجموعة الثانية - فأطلق عليها التقرير «الديمقراطية المنقوصة» أو «المُتصدّعة»، وضمّت 57 دولة، وبلغت نسبتها إلى مجموع دول العالم34.1 في المئة، وقد صُنّفت الولايات المتحدة من المجموعة الثانية، وكذلك فرنسا وإيطاليا والهند و«إسرائيل»، وكانت تونس الدولة العربية الوحيدة، ضمن هذا التصنيف.

المجموعة الثالثة- «الأنظمة الهجينة»، وشملت 39 دولة، ونسبتها إلى دول العالم 23.4%، وهي دول لا يمكن إطلاق وصف الديمقراطية أو الاستبدادية عليها، وإنما هي احتوت على عناصر من هذه وأخرى من تلك، تبعاً لمؤشرات الديمقراطية، التي حدّدها التقرير.

والمجموعة الرابعة- «الأنظمة التسلطية أو الاستبدادية» وعددها 52 دولة، ونسبتها إلى مجموع بلدان العالم 31.1%، وجاء ترتيب البلدان العربية بين المجموعتين الثالثة والرابعة.

وخلُصَ التقرير الذي درس حالة 167 دولة إلى استنتاج مثير؛ مفاده انحسار الديمقراطية؛ حيث لاحظ أن 89 دولة منها تغيّرت مراكزها وترتيبها الديمقراطي بما فيها بعض الأنظمة الغربية، تبعاً للمعايير التي استند إليها؛ وذلك حسب اقترابها أو ابتعادها عن المؤشرات التي وضعها.

ويثير الحديث عن الديمقراطية الكثير من الأسئلة ذات الطابع النظري والعملي في آن، فهل هي «أيديولوجية» جديدة؛ بعد فشل الأيديولوجيات والتجارب القومية والاشتراكية والإسلامية؟ أم هي وسيلة تقوم على آليات وأساليب حكم بغض النظر عن الأيديولوجيات؟ والأمر يتعلّق بالاحتكام إليها؛ لتفعيل إرادة الناس وحريّاتهم وحقوقهم في اختيار ممثليهم بانتخابات حرّة ونزيهة، وفي إطار من المساواة، مع تأكيد حكم القانون، وفصل السلطات، واستقلال القضاء.

وبعد ذلك، هل يمكن تحقيق التنمية بمعناها الإنساني والشامل أو ما يُطلق عليها «التنمية المستدامة» من دون الديمقراطية والحكم الصالح، خصوصاً وأنهما، حسب المؤشرات، رافعتان أساسيتان لتحقيق ذلك مع الالتزام بمكافحة الفساد في إطار من الشفافية والمساءلة؟ ولذلك فإن النكوص في بعض مؤشرات الديمقراطية، يستوجب البحث في وسائل وآليات جديدة لتعزيز جوهرها، وتعميق محتواها، وتوسيع دائرتها؛ لأن النظام الديمقراطي حتى الآن أفضل أنظمة الحكم التي ابتدعتها البشرية، الأمر الذي يتطلّب معالجة الاختلالات والتصدّعات التي ترافق مساره وتجديده باستمرار وفقاً لمتطلبات الحياة المتغيّرة دائماً، علماً بأن تصحيح الديمقراطية ينبغي أن يتم بوسائل ديمقراطية؛ وذلك يحتاج إلى المزيد من التفكير لابتكار أساليب جديدة في طريقة التمثيل على المستوى المحلي والبلدي وتلبية حاجة السكان الأساسية، المادية والروحية.

اعتمد التقرير على 5 مؤشرات لقياس الديمقراطية؛ هي: التعددية الحزبية والانتخابات، وأداء الحكومة، والمشاركة السياسية، والحرّيات المدنية، وثقافة الديمقراطية. ويعد صعود التيارات الشعبوية اليمينية واليسارية وانتعاش اليمين المتطرّف والعنصري وضعف العمل المؤسسي، وارتفاع النزعة الفردية ونكوص الدولة الوطنية أو تعثرها، من مظاهر انحسار الديمقراطية، خصوصاً ويأتي هذا التراجع في ظل ازدياد الهوّة العميقة في توزيع الثروة بين من يملكون ولا يملكون؛ حيث ما يزال 1% من سكان العالم، يملكون أكثر من 80% من الموارد.

وإذا كان تقرير «الإيكونوميست» قد شخّص حالة التراجع الديمقراطي لدول عريقة، فماذا سنقول بالنسبة للعالم العربي؛ حيث النزاعات والحروب الأهلية وصعود موجات الطائفية والنعرات العنصرية واستشراء التعصّب والتطرّف وتفشي ظاهرتي العنف والإرهاب التي ضربت بلداناً بكاملها ليس بعيداً عنها تداخلات إقليمية ودولية.

والسؤال الذي يثور هنا: هل هناك ديمقراطية واحدة أم ثمة توجهات مختلفة وخصوصية لتحقيقها مع مراعاة القواعد والمشتركات العامة؟ وماذا نسمّي الصين التي حققت تنمية هائلة خلال ربع القرن الماضي؟

ويمكننا القول استناداً إلى قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الصادر في 4 ديسمبر/كانون الأول عام 2000 بخصوص الديمقراطية، أنه لا يوجد نموذج عالمي واحد للديمقراطية، وأن الديمقراطية لها طبيعة غنيّة ومتنوّعة تنجم عن معتقدات وتقاليد اجتماعية وثقافية ودينية للأمم والشعوب، وإن جميع الديمقراطيات تتقاسمها خاصيات مشتركة، أي أنها تقوم على أساس المشترك الإنساني للتجربة البشرية الكونية.

وكان «المشروع النهضوي العربي» الذي أنجزه «مركز دراسات الوحدة العربية» وناقشه لأكثر من عقدين من الزمان وضع سبعة مؤشرات للانتقال إلى الديمقراطية، طبقاً للمعايير الكونية مع مراعاة الخصوصية:

أولها الحرّيات العامة وحقوق الإنسان، وثانيها تكريس التعدّدية، وثالثها إقرار النظام التمثيلي (المحلّي والنيابي)، ورابعها فصل السلطات، وخامسها إقرار نظام دستوري يحظى بشرعية شعبية، وسادسها التداول السلمي للسلطة، وسابعها إقرار نظام اجتماعي اقتصادي يتمتع فيه المواطنون بحقوق متساوية وفرص متكافئة.

 

د. عبد الحسين شعبان

 

زهير الخويلدي"إن البشرية لا تطرح على نفسها إلا المهام التي يمكنها حلها وان المهام لا تظهر إلا حين تتوفر الشروط المادية لحلها أو أنها على الأقل في طور التكوين" – كارل ماركس، مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي، مقدمة.

في الوقت الذي تنعم فيه عدة مجتمعات عربية بالاستقرار الشكلي والتعايش الخارجي في ظل أنظمة سياسية تقليدية استمدت مشروعيتها من نفوذ الأمس الأبدي ومن المحافظة على العادات والأعراف والتقاليد الاجتماعية تعيش مجتمعات عربية أخرى مجاورة حالة غليان ومخاض صعب وتتكرر مظاهر العصيان المدني وحركات الانتفاض الشعبي والنزول إلى الشارع والوقفات الاحتجاجية وتتزايد المطالب وترفع الشعارات المعارضة لبقاء المنظومة الحاكمة والمطالبة بالتغيير ورحيل الأجهزة السياسية الفاسدة والاستجابة لإرادة الشعوب ورغبة الجمهور في تحقيق الحلم بمجتمع سوي الذي تنظمه المؤسسات العادلة.

يقود اليسار في بعض البلدان الكثير من المسيرات وينظم التظاهرات ويتعرض مناضليه ومناضلاته للقمع والإيقاف والتنكيل والتهديد وفي بلدان أخرى تتزعم بعض الشخصيات المقاومة التاريخية مشهد الحركات الاحتجاجية وتلتحم بالطلبة والأمواج الشبابية المطالبة بالحرية والكرامة والطامحة نحو انتزاع الاعتراف.

يتحدث بعض المتابعين عن موجة جديدة من الربيع العربي بعد أن انطلقت الموجة الأولى من بر الأطلس الصغير وتركزت في بلد الثورة تجربة ديمقراطية تعددية ناجحة وتداول سلمي على السلطة دون بلوغ الطموح الاجتماعي العادل والمساواة القانونية التامة بين الفئات ولكنها فشلت في دول الأجهزة العسكرية القوية وفي المجالات السياسية القريبة من الدول التقليدية ووجدت الكثير من الاعتراض والالتفاف السريع.

تبدو نوايا المنتفضين صادقة وتوجهاتهم بريئة وإراداتهم سليمة وتظهر معظم الحكومات الكثير من الحيطة وينتابها الكثير من الذعر والتوجس والتخوف من التحركات الشبابية القوية التي عصفت بالشارع وتلتحم بها النخب من المثقفين والموظفين والمفقرين والمعطلين والمحبطين والناشطين والنقابيين والسياسيين.

بيد أن القوى المتربصة بالدول الآمنة وبالشعوب الحرة تهلل بحدوث مثل هذه الاضطرابات وتسارع إلى مناطق التوتر لكي توجهها وتتحكم فيها وتستثمرها لتحقيق مصالحها الخاصة وتسرعها لتطبيق أجنداتها وتساند مطالب المحتجين وتواكب كل تحركاتهم الاجتماعية وتدعمهم إعلاميا وتوفر لهم الإسناد السياسي.

لقد ملت الجماهير الوعود الزائفة والشعارات الرنانة والركوب على القضايا القومية بغية تأجيل المعارك الحاسمة والتنصل من المطالب الحارقة ويئست من التجديد الشكلي والمرور الصوري من نظام إلى آخر وقررت افتكاك زمام المبادرة والانتصار إلى ذواتهم الجمعية المقصية والمشاركة الميدانية والشخصية في الأحداث الساعية إلى إسقاط منظومة حاكمة قديمة وصناعة التاريخ وفتح الآفاق للناس في صنع المستقبل.

حرية أن يعيش المرء حياته كما يشاء وأن يتصرف حسب هواه هي حق طبيعي مشروع يجب أن يتمتع به كل كائن بشري ولكنها تضر بالآخر وتضع المزيد من القيود وتثقل كثيرا على حرية العيش التي نريد. أليست الثورة الشرط التاريخي للتحرر من الاستعباد والطريق الموضوعي للدولة للتخلص من الشمولية؟

لقد عاد شعار الربيع العربي من جديد يلوح بنفسه على مرأى ومسمع الجميع دون مباغتة على الرغم من التعتيم الشديد والرفض الكبير الذي قوبل به وسيطرت على الأجواء العربية حالة من الاستياء والرفض له للحكومات المتعاقبة وفي المقابل تعاظمت رغبة قوية للناس في الاستبدال الفوري وممارسة واقع التجريب السياسي واستنشاق هواء الحرية والعدالة وسعوا نحو توديع الانغلاق والتصلب وتكريس الانفتاح والليونة.

لم يعد المواطن العربي راهنا على يقين من ديمومة العالم في المستقبل ومن استمرارية الحياة السياسية في مجتمعه وذلك للفشل الذي مني به مجهوده المكثف والغزير لتحرير نفسه من براثن السلطة والمجهول.

قد يكون وراء ذلك الوضع المزري العديد من العوامل والكثير من الأسباب المباشرة وقد تكون الهيمنة التي تضطهد الناس على الصعيد السياسي وتخلف الشعور بالغبن والقمع والظلم وقد يكون التفاوت على الصعيد الاقتصادي وما يترتب عنه من احتكار للثروة وتهميش واحتقان وكراهية وحقد بين الطبقات وقد يكون الازدراء على الصعيد الاجتماعي الناتج عن التمركز والإقصاء وما ينتج عنه من عزلة واختناق.

بيد أن التزايد السكاني السريع الذي يرتبط بالنمو الدموغرافي المهم وما يشكله من فئات شابة صاعدة تائقة إلى الحصول على فرص شغل ومواطن أمل تحفظ كرامتها وتحقق بها إنسانيتها يمثل ضغطا هائلا على الحكومات العاجزة عن مواكبة التحولات المجتمعية والفاقدة للتصورات العلمية والبرامج المستقبلية.

بعد ذلك يأتي تهرم الأنظمة الحاكمة ودورانها في خلقة مفرغة وبقاء الأجهزة الإدارية والأطر الرسمية ضمن منطق بيروقراطي يعيد إنتاج السائد وتسرب الشيخوخة الى مختلف الدوائر التنفيذية والتسييرية وتعطل المرافق العمومية وتراجع الدولة عن توفير المنافع المشتركة والاكتفاء بخدمة بعض العائلات.

والحق أن تلبية ضرورات الحياة المادية وصرف بعض المستحقات المالية ومعالجة بعض الإشكاليات العالية لم تعتبر المعالجة الجذرية للأزمة الهيكلية التي ظل يعاني منها النظام السياسي العربي في نسخته الرديئة بل اعتبر مجرد تسكين للأوجاع وتضميد لجراحات الذاكرة وذر الرماد على العيون وتلهية للناس.

من المعلوم أن النظم السياسية العربية قد اتبعت أساليب قمعية في الحكم واعتمدت على استراتيجيات فاشلة وراكمت التجارب الخاطئة وانخرطت في المشاريع المعولمة دون تحفظ وأضاعت الفرصة التاريخية في ركوب قطار التقدم أو على الأقل اللحاق بالركب وأصرت على زرع بذور اليأس والانتفاض في أحشائها.

كما تدخل بعض الأنظمة الدولية المعادية سواء الغربية أو المزروعة غصبا في قلب الوطن العربي على الخط وتستغل خوف الحكام العرب من الربيع العربي وتتظاهر بتقديم العون وتقوم بابتزازها بوعدها بتوفير الحماية والأمن على المستوى الظاهري وتخطط لقلب الموازين لصالحها وإزاحتها من السلطة وتنصيب الموالين لها وإضعاف قدراتها الدفاعية وإنهاك سيادتها والتخطيط لنهب ثرواتها وخيراتها.

في هذا السياق يكثر الحديث عن الثورة والديمقراطية والسيادة والمواطنة وترتفع أسهم الأحزاب السياسية والتعددية والمنظمات الحقوقية وهيئات الرعاية الاجتماعية ويتم توظيف الذاكرة النضالية والثقافة الملتزمة بغية التحشيد والتعبئة والتأطير وترغيب الحشود للنزول إلى الشارع والتعبير عن امتعاضهم وسخطهم.

على هذا الأساس يدافع الناس على المجتمع ويناضل الشباب من أجل حقوق الإنسان والحريات العامة وتشارك المرأة في الحراك الاحتجاجي ويمارس المثقفون دورهم العضوي ويكرس الناشطون طليعيتهم ويطالب العقلاء بالإصلاح والتعديل والإنقاذ والنظام خوفا من الفوضى والانهيار الشامل ونسف المكاسب.

كما تجد القوى الثورية والتشكيلات الديمقراطية والحركات الإصلاحية والمغضوب عليهم من رجال المال ورواد مواقع التواصل الاجتماعي وأذرع الشبيبة الطلابية والهويات الثقافية المضطهدة والنقابات المهنية والشخصيات المستقلة والرموز الوطنية المشهورة الفرصة للالتحاق بجبهة الرفض والمطالبة بالتغيير.

في الواقع يحتاج المجتمع العربي راهنا إلى نحت سردية ثورية جديدة يجدد بها شبابها وينبعث من سباته الأنثربولوجي وينطلق نحو الاستئناف الحضاري والمشاركة في صناعة الكونية وصناعة التقدم المدني.

والحق أن معنى المساواة المعقدة الذي يطالب به مايكل والزار هو أن لا يستبعد ولا يقصى أي مواطن عن مجال اجتماعي أو خير موجود في ذلك المجال الاجتماعي بسبب وضعيته في خير اجتماعي آخر أو مجال اجتماعي آخر ضمن كتابه المثير  دوائر العدالة  والذي قدم فيه مرافعة دافع بها عن المساواة والتعددية. فهل يؤدي الصلح الإداري والموافقة الشاملة لمطالب المواطنين إلى كبح جموح الثورات الشعبية والتقليل من الشعور بالتذمر واستبعاد فرضية العصيان المدني وتمرد الجماهير المفضي إلى إسقاط نظام الحكم؟ ومتى ينصت الجميع إلى نسائم الحرية ويجعلون من زمن الانتفاض أعياد وطنية للخروج من التبعية؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

صائب خليلفي نهاية القرن التاسع عشر، احتل الامريكان كوبا، بحجة "تحريرها" كوبا. جومسكي وصف الحرب بأنها كانت تهدف "لمنع الشعب الكوبي من تحرير نفسه"، لأن ثورة كوبية كانت هناك ضد الاحتلال الاسباني، إلا ان اميركا ارادت إحلال نفسها محل الاسبان، ومنع البلد من الاستقلال. الانتفاضة الشعبانية وما تلاها، يثبت ان هذه السياسة الأمريكية مازالت قائمة، لكنها تطبق في الشرق الأوسط بتوجيه إسرائيلي ولأهداف إسرائيلية بحتة.

في مثل هذا اليوم، قبل 28 عاماً، اندلعت انتفاضة كان يمكن ان يكتب لها ان تكون انطلاق تحرير الشعب العراقي، وفرصته ليبدأ سلطته وسيادته على حياته ومستقبله، لولا أن ذلك "ممنوع" بشكل تام وبات، لتأثيره المتوقع على سياسة إسرائيل. تلك السياسة التي لا ترضى عن شيء سوى التدمير التام لكل دولة عربية بلا استثناء.

لذلك، لم يكن امام بوش الأب، بعد انتهاء "عاصفة الصحراء" باستسلام صدام حسين في خيمة صفوان، سوى نكثه للوعود التي قطعها للشعب العراقي بأن يقف معه في حالة ثورته على الدكتاتور، فلم يكتف بتركه للشعب  العراقي ليواجه مصيره الدموي وحده أمام الوحش الجريح، بل قام بالوقوف مع صدام حسين بمنع المنتفضين من الاستيلاء على أسلحة الجيش العراقي التي كانت تحت سيطرة الجيش الأمريكي، وإدخال نص في اتفاقية خيمة صفوان يحدد بشكل مباشر السماح لصدام باستخدام الطائرات السمتية (وهو ما يحتاجه بالضبط للقضاء على الانتفاضة)، واخيراً تجهيزه بالوقود ليقوم بمجزرته على الشعب العراقي، فقد كان وقود الطائرات والآليات قد نفد منذ وقت طويل.

الإعلام الغربي، كعادته في وصف الجرائم الأمريكية، أشار الى "خطأ" اميركا، ولام بوش الأب لأنه "لم يكمل عمله" بإزاحة الطاغية كما يفترض. إلا ان البعض لم يجد حاجة للتستر وراء حجة "الخطأ". فكتب "فريد زكريا"، والذي كان وقتها مدير تحرير الشؤون الخارجية في مجلة نيوزويك، في مقالته المعنونة "سافل بغداد" (The Villain of Baghdad):

"نعم هناك اغراء بالتخلص من صدام، لكن الحقيقة هي انه يخدم المصالح الامريكية"

ومضى شارحاً فكرته بالقول: "لولا القلق من صدام حسين، لنمت مشاعر العداء لأمريكا في الشوارع العربية".

ويمضي زكريا إلى القول: "لو ان صدام حسين لم يوجد، لكان علينا ان نخترعه. انه مسمار تثبيت السياسة الامريكية في الشرق الاوسط. لولاه لكانت واشنطن تتعثر اليوم في رمال الصحراء."

وكتب أيضا: "ان الشرق الاوسط بوجود صدام مقلم الأظافر، لكن القادر على التهديد، يساعد على تأمين مصالح اميركا"، مؤكداً "ان ادامة تواجد امريكي طويل الامد في الخليج امر صعب في غياب تهديد محلي".

إنها كلمات يجب ان تحفظ عن ظهر قلب، لمن يريد ان يفهم كيف تفكر اميركا وما هي الأخلاقية التي تتحكم بها. ونحن هنا لا نتحدث عن جهة عدوانية متطرفة فيها، بل العكس. فريد زكريا، ليس من صقور الأمريكان، وهو يكشف بهذا التحليل حقائق مهمة، تساعدنا ليس فقط على فهم الدوافع الأمريكية وإزالة وهم التفسيرات الأخرى التي انتشرت عن اسبابها للامتناع عن اسقاط صدام، وإنما ايضاً حول الكثير من الاحداث التي قد تثير الدهشة بدون معرفة هذه الخلفية. الحقيقة هي ان وجود صدام بالشكل الذي وصفه زكريا يخدم، بشكل افضل بكثير من اسقاطه، المخطط الإسرائيلي العام لاستخدام البندقية الامريكية لتدمير البلدان العربية، وخاصة العراق.

فلو انهم ازاحوا صدام في عام 91، لم يكن سيتاح لهم تعذيب الشعب العراقي بالشكل الذي حصل في التسعينات القاسية بالفقر والإرهاب واسقاط القيم والأخلاق استعداداً لاحتلال البلد، تماماً مثلما كان الأمر من مذبحة المطلاع للجيش العراقي المنسحب. وربما لم يكن حينها ممكناً أن يحققوا الفساد والتزوير وانعدام الكرامة الذي أتاح لهم الكثير من التدخل في تحديد تصرفات الحكومة وقراراتها وتحديد شخوصها من الضباط وصولاً إلى رئيس الحكومة في النهاية، وفرض الخاوة على بغداد لتدفعها لعملاء إسرائيل في كردستان والأردن، دون اثارة الاحتجاج الشعبي المتوقع.

لو كان ذلك قد حدث، لربما لم يتمكنوا من إعادة اغراق البلد بالديون وحل الجيش وتعيين قادته الجدد الذين اثبتوا ولاءهم لهم بتسليم المدن والسلاح لداعشهم. ولولا ذلك لربما وجدوا صعوبة في اقناع الكتل السياسية أن يخرجوا عن الدستور لتنصيب عميل لهم يصرح علنا بأنه لا يرى علاقة بين السيادة ووجود قوات اجنبية. رجل يتآمر علنا على النفط ويغرق البلاد في ديون صندوق النقد. لربما لم يتمكنوا من تحويل ثلث أموال العراق إلى عملائهم في كردستان، وتمكينها من تصدير نفطها لسد ثلاث ارباع حاجة إسرائيل، وبدون اية إشكالات.

لو تركوا الشعب يسقط صدام بنفسه، لكان عسيراً أن يبنوا بأنفسهم إعلاماً يبث السموم ليل نهار في الفضاء العراقي، في حرب كيمياوية مستمرة على وعي الشعب منذ 16 عاماً ومازال...

لقد منعوا الشعب العراقي من ان يحرر نفسه، ليس في عام 91 فقط، بل في مناسبات عديدة أخرى، وتعاونوا مع صدام مرات عديدة لكشف وقمع أية محاولة للشعب للتخلص منه. فيجب ان يبقى الشعب في قيوده، حتى يجهزوا له القيد الأكثر شدة وصلابة! إن عدم إدراك هذه الحقيقة عن الأهداف الأميركية، كلف العديدين حياتهم، ومنهم الدكتور راجي التكريتي ورفاقه. ودفع الثمن ذاته المنتفضون الذين صدقوا الوعد الأمريكي بدعمهم إن ثاروا. 

في مقالته تلك، كتب فريد زكريا: "تخيلوا مصير السياسة الامريكية في الشرق الاوسط، بدون صدام حسين وحركاته".

ويمكننا ان نقول اليوم: "تخيلوا مصير السياسة الأمريكية وقدرتها على تنفيذ مهامها الإسرائيلية في العراق، بدون عملائها وفاسديها على رأس سلطته"! "تخيلوا مصير دواعشها بدون عملائهم الضباط على رأس وحدات الجيش العراقي"!

مازالت سلطة اليد الإسرائيلية الضاربة – اميركا، على مختلف المؤسسات العراقية "باقية وتتمدد"، ومازال عملاؤها يحققون الإنجازات التي كان يصعب تخيلها يوما. المزيد والمزيد من ثروة البلد توجه لإسرائيل و "اصدقائها" عن طريق كردستان والأردن، وحرية اميركا في اختيار وتعيين قادة البلد تتزايد بشكل سريع ومقلق، مثلما تزداد ضيقاً، القيود الخانقة التي وضعت على رقبة البلد وحريته ومستقبله، حتى يكاد كل شيء ينهار. وما لم يدرك الشعب خطورة الأمر، وما لم يعتبر اخراج الأمريكان بدأً بقواتهم العسكرية، أولوية أولى لا يجب ان تنافسهم عليها أية اهداف أخرى، وما لم يتم اعتبار كل من يدعوا لبقاء الأمريكان أو يقول انهم ضروريون لحماية العراق، مأجور لا يختلف عن اعضاء داعش في أهدافه، ولا يقل خطراً عن قياداتها، فسينطبق علينا قول الشاعر التركي اليساري ناظم حكمت، إنما بشكل مقلوب، فنكتشف رغم كل ما مررنا به من أيام سيئة، " إن أسوأ الأيام، تلك التي لم نرها بعد!"

 

صائب خليل