حسام الدجنيقدّمت حركة حماس تنازلاً لافتاً في ملف الانتخابات، وقدمت هذا التنازل رسمياً لرئيس لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية حنا ناصر ، وجوهر التنازل الحمساوي يتمثل في قبول الحركة  إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية متزامنة،  وتأجيل انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني.

هذا الموقف يطرح الأسئلة التالية: ما هي دوافع حركة حماس لاتخاذ هذا الموقف الجديد…؟ وما هو الرد المحتمل للرئيس عباس على رسالة حماس التي يحملها حنا ناصر…؟ وما هي أبرز التحديات التي تعترض إجراء الانتخابات..؟ وما هو الشكل الأمثل لتعاطي حركة حماس مع ملف الانتخابات..؟  وهل الانتخابات مدخل للحل أم تعزيز للأزمة…؟

أولاً: دوافع حركة حماس.

أربعة احتمالات يشكل أحدهم أو بعضهم الدافع الرئيس خلف قرار حماس الجديد بالقبول بإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية متزامنة.

التحالف الانتخابي على قاعدة التخلص من الرئيس عباس من الباب الذي دخل منه وهو الانتخابات، وهذا التحالف قد يضم فصائل ونخب وخصوم عباس من داخل حركة فتح.

ترى حركة حماس في إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية بأنها ستفرز قيادات جديدة للشعب الفلسطيني تكون قادرة على توحيد النظام السياسي والخروج من عنق الزجاجة لا سيما ما تتعرض له القضية الفلسطينية من تحديات كبرى أهمها صفقة القرن.

تؤمن حماس بأن الرئيس عباس غير جاد في اجراء انتخابات  رئاسية وبذلك فإن الحركة بهذا الموقف تريد إحراج الرئيس أمام المجتمع الفلسطيني والدولي.

تؤمن حماس بأن رفضها لإجراء الانتخابات دون تقديم مبادرات من شأنه أن يضعف شعبية الحركة ويعيق مشروع انفتاحها على المجتمع الدولي.

ثانياً: الرد المحتمل للرئيس محمود عباس.

بين سيناريو القبول والرفض،  أعتقد أن الرئيس عباس لن يقبل في إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية بشكل متزامن، وتشكل خطوة تشكيل الحكومة برئاسة د. محمد اشتيه رد مباشر على حركة حماس ورسالتها التي يحملها حنا ناصر للرئيس. وحسب كتاب التكليف للحكومة الذي سلمه الرئيس عباس  للدكتور محمد اشتيه بأن أحد أهم مهام الحكومة الجديدة إجراء الانتخابات التشريعية.

وتبقى فرص القبول لهذا التوجه ضعيفة وضعيفة جداً وتتطلب مبادرة من طرف ثالث بالتوافق بين فتح وحماس على رئيس توافقي وهو الرئيس محمود عباس، أو تقديم حركة حماس ضمانات حقيقية بعدم الترشح للرئاسة وعدم دعم أي مرشح آخر، وهذه مسألة تكاد تكون مستحيلة في ظل معطيات وتعقيدات الواقع الحالي.

ثالثاً: أبرز التحديات.

أهم التحديات في حال أصر الرئيس عباس على إجراء الانتخابات التشريعية فقط، موقف حركة حماس من الانتخابات في قطاع غزة، وموقف الاحتلال من إجرائها بالقدس، وحال النظام السياسي الفلسطيني في حال أجريت الانتخابات في منطقة جغرافية دون الأخرى.

رابعاً: الشكل الأمثل لتعاطي حماس مع الانتخابات.

من وجهة نظري فإن المطلوب من حركة حماس أن تكون إيجابية مع أي طرح متعلق بالاحتكام للانتخابات، ولكن ضمن المحددات التالية:

أن تكون الانتخابات شاملة، وممكن القبول المرحلي برئاسة وتشريعي والتوافق المتزامن على ترتيب منظمة التحرير، وهو ما ذهبت إليه حركة حماس مؤخراً.

القبول بإجراء انتخابات تشريعية والمشاركة فيها ينبغي أن ينطلق من توافق وطني على تغيير شكل النظام السياسي الفلسطيني والتحول نحو النظام السياسي البرلماني بدل المختلط.

في حال نفذ الرئيس عباس تعهداته بعدم الترشح لولاية ثانية فممكن البحث في رئيس توافقي يكون محل اجماع الجميع.

أن تتسلح حركة حماس بالشعب عبر العمل مع كل الفصائل الفلسطينية والشرائح المجتمعية لقيادة حراك جماهيري حضاري للمطالبة بإجراء انتخابات شاملة، والتوقف عن حراك ارحل الذي يزيد من حالة الانقسام والاستقطاب.

خامساً: الانتخابات مدخل للحل أم تعزيز للأزمة.

المراقب للملف الفلسطيني يدرك أن أساس المشكلة يكمن في بناء سلطة تحت الاحتلال، وبذلك السلطة والانتخابات نتيجة لإتفاق أوسلو، والاحتلال فاعل رئيس وطرف في هذا الاتفاق، وعليه فإن الانتخابات تعزيز للأزمة ولن تكون مدخل للحل طالما بقيت الحالة الفلسطينية مرهونة لهذا الاتفاق ومتطلباته الأمنية وارتباط المساعدات والمنح فيه، ولكن رغم ذلك، ومع صعوبة الانقلاب على اتفاق أوسلو لأنه لم يعد ورق مكتوب، بل أصبح نظام حياة للأسف، وهذا يدفعني للقول بأن الانتخابات قد تكون مدخل لتحريك ملف المصالحة، وكسر هيمنة الشخص أو الحزب على النظام السياسي الفلسطيني، ومن هنا أقول: أن الانتخابات هي أفضل الحلول السيئة، كونها لا تضع حلولاً جذرية للأزمة ولكنها ممكن أن تخفف منها ضمن نظرية التفكيك والتركيب للنظام السياسي الفلسطيني.

 

بقلم/ د. حسام الدجني

 

علاء اللاميبمناسبة زيارة الرئيس الإيراني روحاني يبدو أن مشروع الدويلات العراقية يتقدم. فقد استقبل الرئيس برهم صالح الرئيس الإيراني روحاني رسميا بحرس شرف وسلام جمهوري وبساط أحمر، وبعد ذلك استقبله رئيس الوزراء عادل عبد المهدي بعد ذلك استقبالا رسميا آخر بحرس شرف وسلام جمهوري وبساط أحمر. وكأن صالح وعبد المهدي لم يصدقا بعد أنهما صارا رئيسين في دولة تابعة تحكمها السفارات الأجنبية فأرادا أن يتصرفا هكذا ليؤكد كل منهما صفته الرئاسية على طريقته الخاصة ولكن بشكل -أقل ما يقال عنه- إنه غريب ونشاز واستعراضي!

ملاحظة أخرى: أعتقد أن توجه الرئيس الإيراني روحاني مباشرة إلى زيارة الإمام الكاظم كانت بناء على رغبته الشخصية، ولا أدري هل تم ذلك بتنسيق وعلم المستقبِل له أي برهم صالح أو لا. وعموما لا أعتقد أن هناك أية إهانة أو إحراج في ذلك، فهذه الأتيكيتات والبروتوكولات الدبلوماسية التي وضعها الغربيون ليست مقدسة ولا تستحق هذه الضجة التي يثيرها متصيدو العثرات والهفوات، وتبقى انحناءة الاحترام من روحاني أمام العلم العراقي حركة ودية نبيلة تمحو ما عداها، ولكن المحرج والمثير للقلق هو تنظيم استقبالين رسميين لروحاني. الأول، من قبل رئيس الجمهورية وثاني من قبل رئيس الوزراء! هل حدث شيء هذا من قبل في أية دولة في العالم، أو حتى في العراق قبل وصول صالح وعبد المهدي إلى الرئاستين؟ أم أنَّ دويلات الطوائف العراقية تتقدم خطوة على طريق التقسيم الفعلي؟ وهل سيهتم أحد من هؤلاء "الرؤساء " بمستقبل العراق البحري ويجرؤ على رفض مطالب إيران بتقاسم جديد لشط العرب أو ترسيخ تقاسمها المجحف بحقوق العراق وفق اتفاقية "الشاه وصدام سنة 1975"، واستمرارها بالتضييق المستمر على العراق وطلته البحرية الصغيرة والتي لا تتجاوز 58 كم ولهذا يضطر لاستعمال نهره العراقي شط العرب كممر ملاحي، في حين تتمتع - الجارة المسلمة -إيران بسواحل بحرية طولها 3180 ثلاثة آلاف ومائة وثمانين كم؟

إن موافقة حكومة عبد المهدي على الطلب الإيراني للربط السككي بين البصرة والشلامجة - والذي سبق للوزير الوطني عامر عبد الجبار أن رفضه قبل أن يعزل من منصبه مثلما رفض رفع التحفظ  العراقي على الربط السككي مع الكويت - هذه الموافقة تعني ربط مصافي عبدان ومدن جنوب إيران البحرية بالقناة الجافة العراقية التي تبدأ من البصرة ليصل النفط والمشتقات الإيرانية إلى البحر المتوسط فأوروبا عبر العراق وهذه طعنة غادرة وغبية توجهها حكومة عبد المهدي لميناء الفاو الكبير في البصرة وستتلوها طعنة أخرى قريبا - وقد بشر بها برهم صالح في زيارته إلى الكويت - وهي الربط السككي بين ميناء مبارك الكويتي وبين القناة الجافة العراقية وبهذا يتم القضاء نهائيا على ميناء الفاو الكبير والذي يعرقله المرتشون في والفاسدون في حكومات المحاصصة وستتحول القناة الجافة العراقية إلى قناة جافة للقطارات الكويتية والإيرانية القادمة من موانئ الدولتين ولن يحصل العراق منها إلا على المزيد من التلوث والمسرطنات والضجيج.

* إن موافقة حكومة عبد المهدي على خط التالوك "عمق المجرى المائي" في شط العرب – الذي حرص الرئيس روحاني على إطلاق اسم فارسي عليه هو أروند رود مع أن اسمه القديم والمعاصر هو شط العرب - هي تكريس لتنازلات صدام حسين بموجب اتفاقية الجزائر 1975 لإيران والجديد فيها أن إيران وافقت على أن يقوم العراق بكري وتنظيف الشط من الغوارق والطمي الذي يمنع الملاحة فيه، وسوف تتمتع السفن الإيرانية بحق الملاحة فيه أيضا. الإعلام الحكومي يحاول خداع العراقيين بالقول إن إيران وافقت على ان تبقى منصة "العمية" تحت سيطرة العراق. والحقيقة أن منصة "العمية" لم تكن يوما خارج سيطرة العراق.

 *خط التالوك "العمق" ينحرف إلى الغرب بفعل عمليات النحت والجرف النهري الطبيعية وهذا يعني أن شط العرب سيكون كله في الحدود العراقية ولكن القراءة االقاصرة والمتواطئة تريد ان يبقى نصف النهر لإيران مضافا إليه التربة الجديدة التي تتولد على ضفته الشرقية. وبالمناسبة فخط التالوك في الجزء الجنوبي والصاب في الخليج العربي يجعل أكثر من ثمانين بالمائة من عرض النهر لإيران وما تبقى للعراق كما تشاهدون في الصورة الأولى.

*  حين قطعت إيران نهر كارون عن شط العرب  والذي كان يغذيه بثلث مياهه ما أدى إلى صعود اللسان الملحي من الخليج شمالا وامتد في شط العرب، فقد فقدت أي حق لها في الشط، ومن ناحية أخرى يمكن للعراق أن يتصرف في الجزء العلوي من الشط والذي لا تنطبق عليه الاتفاقية المشؤومة "اتفاقية الشاه وصدام" وهو جزء طويل يصل قريبا من جزيرة أم الرصاص ( كما تشاهدون في الصورة الثانية) ويمكن أن يحول مجرى النهر شرقا ليكون كله في داخل الأراضي العراقية إذا أصرت إيران على مطالبها في موجهة حكام تابعين وجبناء ولا ضمير لديهم كحكام نظام المحاصصة الطائفية ببغداد.

* المضحك أن بعض منتقدي النظام الذين استفزتهم زيارة روحاني لمرقد الإمام موسى بن جعفر قبل أن يستقبله برهم صالح، أو تسهيل وصول الزوار الإيرانيين الى المراقد الدينية في العراق، لم يقولوا شيئا عن التفريط الحكومي بحقوق العراق في شط العرب ولا في الربط السككي المجاني والمدمر لموانئ العراقية والملوث للبيئة العراقية، وهذا امر يحمل الكثير من الدلالات والمغازي فمن سكتوا على من فرط قبل نصف قرن بشط العرب ومنح نصفه لإيران - واعني نظام البعث في 1975 - لا يمكنهم ان يخرجوا من جلودهم فيكونوا وطنيين واستقلاليين رأسا على عقب!

 

 علاء اللامي

 

محمد العباسييقول "جاد الحق آغا" على موقع (أورينت نت): "كل ما زاد منصب الإنسان طُلِبَ منه أن يزيد انضباطه أكثر، فما يصدر من موظف عادي بدائرة ما، لا يُقبَل من رئيس دولة، فما بالك إن كان رئيس الدولة أشدهم رعونة وجنونا؟ وماذا تقول إن كانت هذه الدولة هي الولايات المتحدة الأمريكية!؟".

دعوني أعرج قليلاً قبل الحديث عن "دونالد ترامب" في دروب الذكريات لأذكر لكم لمحات عن "زعيم" عربي اشتهر في حياته الممتدة كرئيس لدولة عربية لم تزل تعاني حتى اليوم من تبعات سياساته وتراكمات شطحاته.. والذي في بعض "رعونة" أقواله وأفعاله الغريبة يبدو أنه كان يشترك في شخصيته النرجسية مع نرجسية الرئيس الأمريكي الحالي.. وربما يشتركان بشكل هزلي في صراحتهما المبطنة ووضوح سياستهما التي جعلتهما مثار سخرية وانتقادات لأنهما لم يلعبا لعبة السياسة كما يتقنها عتاة السياسيين المنافقين في إطار سياسة التلاعب بالكلام وإرضاء الخصوم.

فكما في السابق كنا ننتظر اجتماعات القمم العربية بفارغ الصبر فقط لنسمع ونرى آخر التصرفات الغريبة للعقيد الليبي "معمر القذافي" قائد "الجماهيرية الليبية الاشتراكية الديمقراطية العظمى"، ولم يخذلنا قط بتصرفاته "الشاذة"، أو ملابسه الأكثر غرابة، وجملة من اقتراحاته اللامنطقية، وإن كان في بعض منها نجد أنها لا تعدو كونها انتقادات مبطنة لأوضعنا وأحوالنا.. وكانت طلته جاذبة رغم أفعاله الجنونية وأقواله التي تنافي كل الاتفاقات والهموم العربية.. لكن تصرفاته كانت دائما مثار سخرية، وكانت سخريته من نفسه ومن الوضع العربي كثيراً ما كانت تلمس الجراح العربية.. و"القذافي" بأقواله وتصريحاته كان كمن يدعك الملح الصخري في شقوق جراحنا! فاليوم ننتظر بذات الشغف شطحات الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" لنضحك على بعض أقواله أو لتبث الرعب فينا أحياناً.

فـ"العقيد" كان تارة يخرج علينا بمقترح دولة مشتركة تجمع الفلسطينيين والإسرائيليين تحت اسم "إسراطين"، وتارة يبشر الزعماء العرب بنهاية تشبه نهاية الزعيم العربي "صدام حسين"، وتارة كان يصف السفاح الإسرائيلي "إرييل شارون" بأنه عميل للعرب.. إضافة لذوقه المتميز باختيار الأزياء الغريبة ومن خلفه سرية الحارسات الحسناوات.. لكن هذا الجنون لم يكن أبداً من النوع السلمي المحبب المسلي، بل هو جنون عظمة ديكتاتوري يخفي خلفه وجه إجرامي قمعي تشهد له مجازر "مصراتة" وعذابات ضحاياه في سجن "بو سليم".. واليوم نرى شخصية جديدة في عالم السياسة شبيه للـ"القذافي"، وقد استبدل تسريحة شعره المنكوش بشعر أصفر غريب، واستبدل لون بشرته ونمط أزيائه ليحكم "أمريكا" ويهز العالم من شرقه حتى غربه.. بوجه جديد ولغة جديدة، لكن من ذات نوع الصراخ والعويل والتهديد والتصريحات الرعناء!!

أنا شخصياً لست من محبي "دونالد ترامب" المراهق العجوز، لكنني تمنيت له الفوز ضد سيدة النفاق "هيلاري كلينتون".. فعلى الأقل، يتصف "ترامب" بصراحة تميّزه عن كافة الساسة الأمريكيين الموغلين باللعب "على الحبلين"، بالذات فيما يتعلق بالسياسات الخارجية.. "ترامب" يقول ما يشاء، لذا يطلعنا على نواياه وأفكاره وخططه وأحلامه دون مواربة.. والمفروض أننا كعرب أن ننتبه لفترة حكمه ونواكبه ونعد العدة مسبقاً لمواجهة كل التبعات المتوقعة من لذاعة أقواله ورعونة أفعاله قبل أن تقع الفأس في الرأس! فوز "ترامب" بالانتخابات الأمريكية كانت له دلالة واحدة فقط، أن العداوة والمحاربة للإسلام والمسلمين ستكون "جهاراً نهاراً" بشكل صريح دون المواربة خلف تصريحات ديبلوماسية، أو ابتسامات "هوليوودية" خبيثة.. فالرجل يمثل صوت اليمين المسيحي البروتستانتي المتطرف والسائد بين المجتمع الأمريكي، والذي يعبّر عن نفسه اليوم بكل وضوح ودون حرج.. وحتى أنني لم أستغرب من تصريحاته ضد دخول المسلمين إلى "أمريكا" واعتبرتها ردة فعل متوقعة بعد عدة هجمات قام بها بعض ممن ينتمون للمسلمين سواء كانت ضربات في قواعد عسكرية أو مجرد أفعال إرهابية وقعت في "لوس أنجيلوس" أو "فلوريدا".. فمن الطبيعي لرجل في صراحة "ترامب" أن يفصح عن مكنوناته وعن تخوفه من هؤلاء الأفراد المنتسبين للإسلام "إسماً" أن يخشاهم.. فمن منا اليوم لا يخشى "الدواعش" وأفعالهم الهمجية في العراق وسوريا وليبيا.. وهل سنسمح لهم أو لكل من يجاريهم في الفكر والفعل بدخول بلداننا طوعاً ونحن نشهد أفعالهم ونعلم بنواياهم وأفكارهم المارقة؟

و العجيب في تاريخ الزعامات الأمريكية أنها تبدو وكأنها مرتبة مسبقاً.. فوصول "باراك أوباما" مثلاً للبيت الأبيض قبل "ترامب" كان مخطط له أيضا، فهناك فيلم أمريكي بعنوان "Head of the State" من إنتاج سنة 2004 يحكي قصة وصول مواطن أمريكي أسود البشرة لمنصب رئيس الجمهورية، بما يعتبر تمهيد نفسي للمجتمع الأمريكي لتقبل الفكرة، تماما كمسلسل "ذا سيمبسونز" حين عرض في إحدى حلقاته عام 2000 وصول "ترامب" شخصياً وبالإسم والصورة لمنصب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية. لكن علينا أن نتذكر أن تشبيه "ترامب" في جنون أقواله مع العقيد "القذافي" لا يعني أن كافة التصريحات للمرشحين للرئاسة أيام الانتخابات سترى النور بالضرورة بعد الوصول لسدة الحكم.. فالأمر ليس بيد الرئيس الواحد الأوحد كما هو الحال في أغلب دول العالم الثالث.. فالرئيس في دولة عظمى مثل "أمريكا" مقيد ومسيّر.. لا يتركون سيد البيت الأبيض يتصرف خارج الأعراف وكل سياساته محكومة بخطط عامة وعبر مستشارين وقرارات حزبية ومن خلال الوسائل المتفق عليها لتحقيق السياسة التي تخطها مراكز الدراسات والشركات العملاقة واللوبيات المؤثرة.. هذه السياسة غاية في الانضباط وقمة في التخطيط، وتستطيع وضع مخططات لسنوات وتقوم بتنفيذها بدقة. فـ "أوباما" مثلاً وعد كثيراً وألقى خطباً عصماء نال بعدها جائزة "نوبل للسلام"، لكنه لم يفي ولو بجزء يسير مما وعد!

نعم وبالفعل، يذكرنا "ترامب" في غوغائيته أحياناً بشخصية صدامية مثل "القذافي"، غير أنه لا يتصرف مثله لأنه يتحدث من مركز قوة، أو كما نتوقع، بعد استلامه مقاليد الحكم في أقوى دولة على وجه الأرض.. فالمؤسسات المتحكمة بالحكم في "أمريكا" لها مصالح وخطط خمسينية، إن لم تكن ألفية، ولن تسمح لا لـ "ترامب" ولا لغيره بالتصرف بديكتاتورية الزعيم المتسلط الأوحد.. ولن تدعم أية خطط قد تدمر عهود من المخططات والدراسات المخابراتية والماسونية والصهيونية المتوغلة والمتغولة في السياسات العامة للولايات المتحدة في "أمريكا" وفي العالم أجمع! وقد شهدنا في مواقف عدة كيف يترنح "ترامب" بين أقواله المتضاربة.. ففي كل محفل يقول ما يناسب الجمهور أمامه.. ففي خطبته أمام مجموعة اللوبي اليهودي "آيباك" يبدى تأييداً تاماً لإسرائيل والمستوطنات ويتعهد بالدعم والسند لهذا الكيان الغاصب، ولا يتطرق كمن سبقه من الرؤساء بشأن موضوع السلام العادل في الشرق الأوسط.. وكانت هذه صراحة متوقعة من رجل أعمال يعلم كيف تحتل الجماعات اليهودية الأمريكية قمة الهرم الاجتماعي والمالي الأمريكي، حيث يشكلون 34% من بين أغنى 475 عائلة أمريكية، يسيطرون على كبريات الشركات الصناعية والتجارية والمالية، التي تجد طريقها إلى مراكز صنع القرار السياسي.. وربما هنا بالذات يظهر وجه "ترامب" السياسي البحت.. ولو كان في "أمريكا" أي كيان أو وزن للوبي عربي مؤثر لسمعناه يتودد لنا بشكل أو بآخر.. غير أنه ولضعف المجموعات العربية والإسلامية، لا يضطر لذلك ولا يتودد لنا إلا في شئون تدر على الولايات المتحدة المليارات في صفقات تجارية بحتة.

وهكذا نجد "ترامب" يتقلب فيما يتعلق بالعراق مثلاً، فليس له مواقف واضحة رغم أنه سبق له أن انتقد الغزو الأمريكي للعراق سنة 2003 معتبراً أنه ساهم في حالة عدم الاستقرار والفوضى في الشرق الأوسط. لكن في مقابلة سابقة تعود لسنة 2002 كان يؤيد الحرب في العراق. وفي نفس الوقت عبر مرات عدة عن حسرته لرحيل "صدام حسين" عن السلطة مشيراً إلى وجود رابط بين سقوطه ونشوب الأعمال الإرهابية في العراق. أما حالياً فإنه ينتقد السياسة الخارجية في "العراق" ويؤكد أنه سيتعاون بشكل أكبر مع الأكراد، كما صرح بأنه لن يكون هناك أحد أشد بطشاً بـ "داعش" مثله.. ونكاد نشهد نهاية الدواعش في فترته الرئاسية الأولى.

وكما كانت فكرة "القذافي" بشأن "النهر الصناعي العظيم" في "ليبيا" في 1983، فـ"ترامب" لا يزال يتوعد ببناء جدار فاصل على الحدود الأمريكية-المكسيكية يبلغ طول كل لوح خرساني منه حوالي 20 قدماً وما بين 5 و10 أقدام تحت الأرض، على أن يتم ربطه بالحديد. وقدّر المهندسون المدنيون أن بناء الجدار عبر الألواح الخرسانية سيكلف حوالى 39 مليون قدم مكعبة من الخرسانة، وحوالى مليونين و267 ألف طن من الحديد المسلح. وقد قال "ترامب": "عندما ترسل إلينا المكسيك أبناءها لا ترسل أفضل الناس. أنهم يرسلون الذين يطرحون المشكلات وينقلون معهم المخدرات والجريمة. انهم مغتصبون". وأضاف: "سأبني جداراً عالياً على حدودنا الجنوبية وستدفع "المكسيك" كلفة بنائه. اذكروا ذلك جيداً".. ثم في موقف لاحق وصف المكسيكيين بأنهم شعب رائع في محاولة لاستدراك تعليقاته السابقة المثيرة للجدل، حيث وصفهم فيها بأنهم "مغتصبون وقتلة". (مجلة "الحياة" الإلكترونية 2016)

و الغريب بشأن "ترامب" أنه حظى بأصوات الكثيرين من الجاليات المكسيكية والأمريكيين من أصول أفريقية وحتى من الجاليات العربية والمسلمة، رغم أنه كثيراً ما نعتهم بأوصاف مشينة قاسية.. بل وحظي حتى بأصوات النساء رغم بعض ألفاظه المهينة تجاههن في أكثر من موقف! وبالنسبة للنساء، فقد اشتهر "ترامب" برعايته لمسابقات ملكات الجمال، بل تزوج منهن ثلاث مرات، آخرهن زوجته الحالية وهي مهاجرة أوكرانية وقد أصبحت هذه المهاجرة السيدة الأولى للولايات المتحدة، رغم انتقاداته اللاذعة للمهاجرين بشكل عام. وربما يلتقي هنا مع "القذافي" حيث كان العقيد يحيط نفسه بمجموعة من النساء الجميلات كحارسات لشخصه من أي سوء!!

"ترامب" بحق يمثل جملة من المتناقضات والأفعال والأقوال الغريبة، بل ويبدي إعجابه بالقيصر الروسي الجديد "بوتين"، ولا ينكر أنه تعامل مع "القذافي" فيما سبق وكيف أنه جنى أموالاً كثيرة عبر تعاملاته التجارية مع "القذافي".. بل وقال أيضاً أنه لو بقي نظاما "صدام حسين" في العراق و"معمر القذافي" في ليبيا، لكان العالم اليوم أقل تفتتاً وأكثر استقراراً. أما في سوريا، فـ "ترامب" يؤمن بأن نظام "بشار الأسد" يحارب الإرهابيين ولا يبدو أنه يعي ماذا يجري حقاً في "سوريا" ومن هم الضحايا الفعليين للبراميل والصواريخ والمجازر.. ويجهل بشكل مخيف تداعيات التدخل الإيراني في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وفي أكثر من موقع، منذ زمن تحت شعار تصدير الثورة وهكذا شعارات .

لقد أصبح "ترامب" واقعاً ولكل أفعاله وسياساته الخارجية تداعيات تلمسنا نحن العرب وتفتك بآملنا التاريخية في إحلال سلام عادل في الشرق الأوسط.. وقد نجح بعقليته التجارية كما وعد بجني المليارات من خزائننا العربية ولم يزل يطمع في المزيد دون أن يمنحنا في مقابل كل ذلك شيئاً كثيراً.. ونقل سفارته إلى القدس كما وعد، رغم أن ذلك الوعد لم يكن جديداً من كافة الزعماء السابقين، لكنه نفذ الوعد رغم أنف العرب.. ويكاد يكرر مقولة القذافي في خلق دولة "إسراطين" وأن يسمح لهذه الدولة الهجينة بالتوسع والتوغل في الشرق الأوسط دون رادع بعذر أنها الدولة الديمقراطية الوحيد في المنطقة.. ويكاد يكون محقاً في ذلك ونحن لم نزل نعاني من التشتت والحروب والنزاعات التي تفتت كياناتنا، وتستمر في بعض دولنا التي تتسمى بالجمهوريات وتدعّي حرية الانتخابات اعتصامات واحتجاجات ضد زعماء طالت زعاماتهم، كما الحال حتى اليوم في الجزائر والسودان وسوريا.

 

د. محمد العباسي - أكاديمي بحريني

 

 

رائد عبيسعوق ثقافي يحول بين الممارسة والوعي

روي عن حادثة تاريخية وقعت بين فريقين، أحدهما يميني، والآخر يساري، كانت المحصلة الأولية للصولة الأولى أن يد يميني قطعت، وكانت على ما يعتقد اليد اليمنى، فبدأ اليمين لعد العدة لصولة جديدة على الفريق اليساري لأخذ الثأر منهم، فانتهت هذه الصولة بقطع اليد اليسرى لاحد أبناء الفريق، وبهذا فقد ثار الفريقين على بعضهم ونال كل منهم من الآخر، ولكن في الحقيقة، أن الإثنين غير مقتنعين بثأر بعضهما من بعض، لأنه ثأر غير متساوً، يعني أن القصاص لم يكن منصفا تماما، فالأول قطعت يمينه والثاني قطعت يساره،، واليمنى ليس كاليسرى، فلا تفاضل بين اليمين واليسار فهما ليس بنفس المقدار.

ومع تلك المنقصة، يسعى كثيرون الى التباهي أنه يساري سواء كانت يساريته سياسية أو ثقافية أو فكرية، فالأمر لم يعد يتعلق بالسردية التاريخية التي تروي حكاية اليمين واليسار وعلاقتها بالمقاعد البرلمانية، فالأمر أصبح يأخذ منحى آخر، وهذا الأمر اتضح من عنوان المقال في إشارة إلى أن اليسارية هو إعلان المفاضلة غير العادلة مع اليمين، فرب قائل بأن اليمن هم الاقوى وينسب القوة اليمينية إلى قوة بايولوجية تحوي عضلات وسمات القوة، او ينسبوها الى أهل اليمين ومنا ما ورد من تفضيل لهم بالكتب المقدسة بكونهم اهل ايمان ونصرة وتقوى، أو هناك من ينسبهما الى الكرزمة وقوة التمثيل والشخصية والحضور، وغيرها من الارتباطات المميزة لهذا المسمى، بينا اليسارية دائما ما يرد فيها الذم والإشارة السلبية الى مسماها، وكأنها منبوذة ضعيفة عاجزة. ومثل هذا التوصيف لمعنى اليمين واليسار وارد في الأدبيات السياسية أو الثقافية أو الفكرية وغيرها.

هذا التوصيف النقدي، ينطوي على فهم جديد لمعنى اليسار واليمين، فلم يتعلق الأمر بحادثة انقسام البرلمان الإنكليزي الى يسار ويمين، بل اخذ منحى بعيد يرتبط بالتناقضات السياسية والأخلاقية في الفعل السياسي التي تَوطن بسبب التجاذبات والصراعات والمخاضات والخوف والثورات والاطاحات والملاحقات والتنافس على السلطة، بكل أشكاله الذي جعل من السياسي العربي والمسلم خائف حتى من توصيف نفسه، فمرة تجده يميني ومرة نجده يساري ومرة متطرف متشدد في يمينيته ومرة اقرب إلى الوسطية والاعتدال، ومرة تجد يساري متطرف في يساريته ومرة معتدل ووسطي، فمثل هذه المواقف اليمينية واليسارية أصبحت إيديولوجيا تحمل في أعماقها افكار عقدية تجنح في كثير من الأحيان إلى التطرف. فمرة نجد تيار يساري ليبرالي يؤمن بالمدنية والديمقراطية ولكن سرعان ما يتحول مجرد أن تمس مصالحه السلطوية الى تيار رادكالي. وهذا ما يدعوا للتساؤل

هل كل يساري علماني متسامح؟ وهل كل يميني ديني أو محافظ ؟

هذه أسئلة جوهرية تعبر عن عمق الحالة التي نعيشها بتناقض ونمارسها يتناقض . إذ نجد أن هذان التياران أو التوصيفان السياسيان، سرعان ما يتولد منهم تيار ثالث يجمع الاثنين نظرياً وممارسة، مثلما هو الحال عند ولادة اليسارية الجديدة في ثورة أكتوبر الاشتراكية في روسيا.

فقدرة التحول في المواقف السياسية أو الثقافية أو الفكرية بين اليسار واليمين، وضحت لنا أن لا تعويل لا على يسارية اليساري، ولا على يمينية اليميني ؛ لأنهما مفهومان يختلفان تبعا للمواقف والأهداف والمصالح، فلم يعد الجلوس يمينا أو يسارا يشكل موقفا البته، ولاسيما في العراق وبلدان الوطن العربي بعامة، وما تقسيم مقاعد البرلمان الى يمين او شمال الا لأسباب هندسية وتصميمية لا سياسية!

فالدور المناط بهذا التصنيف يعكس حالة التأييد، والتأكيد، أو الرفض، والمعارضة، وهذا ما هو غائب في دور البرلمان العراقي والبرلمانات العربية، فكل اليسار مؤيد لليمين وكل اليمين مؤيد لليسار !! من أجل الحفاظ على المكاسب السياسية، والمغانم الاقتصادية، المتحصلة من المشاركة السياسية، وهذا ما لا يستوجب المعارضة من اليسار أو التزمت من اليمين!! فلم يعد اي من التوصيفين سبة كما كان من قبل، فقد كانت تساق كتهمة ضد الخصم، مثلا أستالين كان يتهم تروتسكي باليسارية كما كان لينين يتهم كيرنسكي باليمينية. وهذا مثال تحقق في بيئة الصراع السياسي العراقي، لتيار الحكمة الذي انشق من حزب يميني تقليدي يسمى المجلس الأعلى الى تيار يساري يسمى تيار الحكمة، الذي يدعي اليسارية وهو مستبطن اليمينية المتطرفة، وكذلك الحال مع التيار الصدري الذي بدأ يمزج بين يمينيته ويساريته لا سيما بعد تحالفه مع من يمثل الحزب الشيوعي ومن القوى المدنية، وكلاهما يستبطن النقيض! وهذان المثالان ينسحبان على كل القوى السياسية في العراق والتي تعلن مدنيتها ويساريتها في أوقات السلم، ويمينيتها وتعصبها وتشددها في أوقات الحرب والصراعات لاسيما تلك التي تهدد وجودها الفعلي.

في الواقع العراقي لا يسار يمتلك يساره ولا يمين يمتلك يمينه، انها المنازلة الاولى التي تقطعت أطراف كل منهما بشكل متعاكس!! فحتى لم يكن هناك توصيف ثالث بينهما فلا يسار معتدل ولا يمين معتدل !! فالمسألة مسألة أطراف فقدت، وعوق يايولوجي ترك أثره النفسي على الطرفين، ترتب عليه عوق ثقافي حال بين الوعي والممارسة !! ولم نجد ايضا من يتبرع لتركيب أطراف صناعية لهم ليعودوا أسوياء لا من فاقد يمين ولا من فاقد يسار عسى أن يتصافحان بها ويقع السلم.

 

الدكتور رائد عبيس

 

لم تعرف الامة العربية باسرهما لحظة ضعف حقيقية مثل التى تمر بها الان، فعلى الرغم من تشرزم العرب وفقدانهم الرؤية المشتركة فى العصر الحديث، وعلى الرغم من خداعهم المستمر من قبل اسرائيل وحليفتها العتيدة الولايات المتحدة وعلى رغم الهزائم والانكسارات المستمرة فيما يتعلق بسير القضية الفلسطينية الا ان اللحظة الراهنة تبدو أكثر إظهارا للهزيمة واشد توضيحا للانكسار وما لنا ان لا نقول ذلك وقد جلس العرب جنبا الى جنب مع القادة الإسرائيليين لتنسيق المواقف وتوحيد الرؤى لمواجهة عدوهم المشترك – ولسخرية القدر- دولة ايران، ناسين لو متناسين ان ليس للعرب عدو غير إسرائيل وليس لاسرائيل عدو الا العرب مهما تتالت الوعود وتنمقت الكلمات وتناسقت المواقف.. ليس لإسرائيل عدو الا الدول العربية وليس للدول العربية عدو اسرائيل وكل ما يحدث سوى ذلك فهو محض خيال تهوم فيه الدول العربية وتستعمله اسرائيل مطية لتحقيق الهدف القادم

كل العالم يعلم ان لدولة إسرائيل كلها بوجه عام ولأحزاب اليمين المتطرف فيها بوجه خاص ولبنيامين نتنياهو بوجه اخص رؤية واضحة وضوح الشمس فى قيام دولة فلسطينية من الأساس وفى اعتبار القدس الشرقية عاصمة لها وفى حق العودة للاجئين الفلسطينيين  هذا فان الارتكان الى دعوات امريكا المتكررة للدول العربية بتطبيع العلاقات لا تكون الا إيغالا فى الاستهزاء بعقول العرب أجمعين .

كان لدولة امريكا ودولة اسرائيل على السواء ما يعنيهم عن مشقة البحث عن سبل تفكيك التعاون العربي الاسلامى، فالدول العربية والإسلامية كانت هى من يقوم بصناعة وتوليف تفكيك ذلك التعاون، وقادة تلك الدول كانوا على الدوام فى عون إسرائيل على الفجور فى القول والفعل فيما يخص القضية الفلسطينية وتاريخ مؤتمرات القمة العربية حافل بما لا يمكن ان يصدقه عقل من خلاف فى الرؤى واختلاف فى المواقف وشجار على ابسط مقومات العمل العربى المشترك، ثم تتالت المصائب بعد ذلك فرأينا موجبات التطبيع ابتداء من الزيارات السرية وانتهاء بالتنسيق العلني مثل الذى حدث فى مؤتمر اوسلوا الاخير..

مؤتمر اوسلو هو خير مثال لمن يبحث عن عمل اللوبى الصهيوني المتواصل للتغلغل فى عصب العمل العربى الاسلامى المشترك لتحرير فلسطين، كما انه خير دليل على ضعف الارادة العربية فى الوقوف امام الاحتلال الاسرائيلى الغاشم فى ارض فلسطين العربية الإسلامية ، واخير فانه يمثل السطر الاول فى كتاب الولايات المتحدة وإسرائيل الذى بدءاه بحزم وعينهما معا على فصله الاخير والمسمى بصفقة القرن او خطة السلام الأمريكية فى الشرق الأوسط. هو اذن –دون مواربة- تكتيك اسرائيلى وتهويم عربى،هذا من اجل تصفية القضية الفلسطينية من الأساس، وذلك من اجل لجم عدوهم إيران –فزاعة -ما بعد القاعدة وداعش

لم تكن دولة أمريكا فى أحسن حالات تعطفها مع القضية الفلسطينية جمعية خيرية تعمل دون مقابل لحلحلة مشكلة فلسطين، ولم يكن رؤساءها حتى من الديمقراطيين المسلمين عونا على الشعب الفلسطينى لاخذ حقهم المعترف به دوليا وهو إقامة دولة ذات سيادة على أرضهم المحتلة، فكيف يثق اليوم الحكام والقادة العرب فى دولة امريكا بعد اخذ بتلابيبها غلاة اللوبي الصهيوني متحالفين مع عتاة اليمين الامريكى المتطرف، وكيف يركن العرب الى دونالد ترامب وهو الذى ظل يجرء منذ توليه الحكام على الحقوق الفلسطينية التى شرعنها القانون الدولي مثل اعتبار القدس عاصمة لدولة فلسطين المرتقبة، كما ظل ينتهك قواعد ذلك القانون دون ان يطرف له جفن مثل ما فعل من وقف المساعدات عن وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (أنوروا) التى أنشأت بموجب اتفاقيات دولية، وانكار حق العودة للاجئين الفلسطنيين والذى صدرت بشأنه قرارات ملزمة من مجلس الامن.

هى اذن صفقات مدفوعة الثمن تقوم بها الولايات المتحدة مع القادة العرب من اجل حمايتهم من غدوتهم اللدودة ايران وحثهم على التعاون مع صديقتهم الحميمة اسرائيل ولن يستطيع احد ان يقنع الشارع العربى العريض بان الولايات المتحدة تعمل من اجل عيون الفلسطينين لمساعدتهم فى اقامة دولة خاصة بهم فى الضفة الغربية ا وفى قطاع غزة مهما كان نوع وشكل هذه الدولة ولعلنا نستحضر بعض اقوال الكتاب العرب حول مؤتمر اوسلو الذى جلس فيه العرب مع اسرائيل جنب لجنب لتنسيق الواقف فى مواجهة ايران .

قال كمال زكارنة فى صحيفة الدستور الاردنية ان (مؤتمر اوسلو يستهدف القضية الفلسطينية وهذا يعنى استهداف للامة العربية من المحيط الى الخليج لانها قضية العرب الاولى المركزية وانكسارها يعنى انكسار امة وهزيمتها يعنى انتزاع قلب الأمة من مكانه) كما قال عبد البارى عطوان (ان الحكومات العربية التى تعتبر ايران هى الخطر الاكبر وليس اسرائيل هى التى انخرطت فى مشروع التدمير الامريكى فى العراق واليمن وسوريا وليبيا بالتمويل او بتوفير الغطاءئن السياسى والاعلامى).

لم يكن لنا ان نحسن الظن بالرئيس الامريكى ترامب لان اشهر فى وجه العرب على وجه العموم والفلسطينيين على وجه الخصوص أسلحته المفضلة وهى قراراته التى عانى منها شركائه فى السلطة قبل ان يعانى منها بقية الناس، وذعر منها حلفاءه فى الحرب قبل ان يتأذى منها اعداءه فى القتال وجأر منها اقرب المقربين اليه وهم وزراءه الذين عينهم بنفسه، فشركائه الديمقراطيون هم من حاصروه بتحقيفات مولر حتى وصل به الامر الى سجن مدير حملته الانتخابية (دانفورت) ومحاميه الخاص (كوهين) وحتى انه ظل يقيل اولائك الوزراء واحد بعد الأخر من امثال تلرسون وكل ذلك كان نتاجا مباشرا لادوار مشبوهة لازمت الرئيس الامريكى منذ لحظة اعتزامه الترشح وحتى يوم الناس هذا .

تماما كما لم يكن لنا ان نثق فى الرئيس ناتنياهو اليمينى المتطرف، ليس لانه جاء الى الرئاسة على اكتاف المتطرفين اليهود فحسب بل لان هو نفسه الذى اطلق يد الحكومة فى بناء البؤر الاستيطانية فى الضفة رغم صراحة الاتفاقيات بوقفها كما هو نفسه من اطلق يد اليهود المتطرفين لقتل الفلسطين اينما وجدو دون ان يأبه حتى لدعوات المنظمات الاسرائلية بعدم قتل المدنيين بدم بارد .

كيف نثق فى هؤلاء الناس وهم يفعلون كل ما يؤذى العرب المسلمين على سمع العالم وبصره، وكيف نضع ايدينا فى ايديهم وهم يدعون جهرا لا سرا الى وصم كل من حمل السلاح دفاعا عن نفسه وعرضه وارضه بالارهاب وكيف نعطى أذاننا اليهم ليبثوا فيها أحقادهم التاريخية التى لم يتناسوها فى يوم من الايام من حلم العودة وبناء الهيكل وانشاء دولة اسرائيل الكبرى وبسط نفوذهم بعد ذلك عليها وتذوق حلاة السيادة على الآخرين.

ان مؤتمر أوسلو – كما قال – على الصالح فى القس العربى (عنوان لمؤامرة فاشلة وخاسرة لتغيير وجه الشرق الاوسط اشرفت على تنفيذها مجموعة من هواة السياسة فى ادارة الرئيس الامريكى ترامب ...... مؤامرة غرضها فى الأساس تطبيع الدول العربية على اوسع نطاق) وهو بهذه الصفة يحق للفلسطينيين على مختلف انتماءاتهم مقاطعته ويحق للعلم الحر من بعدهم ان يجعله فى ادنى سلم أولوياتهم ويحق لنا نحن الشعب العربى المتطلع الى تحرير فلسطين ان نكشف ريفه لان الحق يعلوا -على الدوام- ولا يعلى عليه

 

بقلم ناجى احمد الصديق - السودان

 

الطيب بيت العلوي"إن الأزمنة التي ستعيشها البشرية مستقبلا، ستكون مليئة بالشروالفساد، وبدون عيني الوشق الحادة، لا يمكنك أن ترى الشر والفساد بسهولة ".ماكيافيلي

"السياسيون هم بالتأكيد سطحيون وعديمو البصيرة والتفكيرأكثر مما قد يُتصور، ونادرا ما يغوصون عميقا في المواقف والأسئلة والرؤى ولا يمتلكون حلولا سوى الإدعاء والكذب والثرثرةّ " أناتول فرانس

"لاتوجد سياسة جديدة، بل هناك، فقط السياسة بالمعنى الواضح، تلك السياسة المؤسسة على الخبرات التاريخية، وعلى

معرفة والشعوب والأمم وصناع التاريخ" جاك بانفيل Jacque Banville (المربي الروحي للجنرال دوغول)

كتبت غير ما مرة بأن الأحكام في القضايا الكبرى للأمم، يَصدُرها التاريخ من خلال قادته وأجياله، وحكم التاريخ القهاريُقوَمُ العوج ليرجع الأمور إلى الجادة، ويعلو بأمم ويهبط بأخرى ليعيد الموازين إلى الإعتدال. وصفحات التاريخ تتكرر أو تتغير، والغاية هي العدالة

ومن هذه الزاوية، فإن التاريخ الحالي لفرنسا في عهد" ايمانويل ماكرون"، يضع اليوم مراياه الجديدة في مواقع العبر، وكأنها عيون نفاذة باصرة، ليظهر للسياسيين الفرنسيين الحاليين ما يصنعونه بسياستهم لشعوبهم- ، كما سيُظهر لهم حكم التاريخ القهار، ما سيُصنع بهم وهم لايشعرون.

وحركة السترات الصفراء التي إنبجست في صبيحة يوم على حين غفلة، تذكرنا بقوانين الطبيعة الغلابة :" بأن لكل فعل رد فعل مضاد له في الإتجاه ومساو له في المقدار" وماأحداث تظاهرات هذه الحركة لمدة أربعة عشر أسبوع، سوى وليدة رد فعل طبيعي لاحداث "سوسيو-سياسية" تكدست لأزيد من ثلاثين عاما

إحدى التعريفات الهامة للحركة جاءتنا من وراء الأطلسي، وبالخصوص من بلاد العم سام، حيث وصف موقع"النيويورك تايمز ذوي السترات الصفراء في إستهلالية للموقع، نُشر يومه الرابع من ديسمبر2018 :"اللباس ذو اللون الأصفرالفاقع البراق، هوالرمزالذي إختاره المتظاهرون الفرنسيون، وهي البزة الموحدة للمتمردين الفرنسيين الجدد الذين قد يؤثرون في فرنسا وأوروبا والعالم بأسره"... في حين ما مايزال أهل الإختصاص الفرنسيين في سوسيولوجيا الحركات الإجتماعية، يتجادلون في ماهية وشأن حركة السترات الصفراء، بينما تفاجؤهم هذه الحركة صبيحة

كل يوم سبت بتحد وبعنفوان جديدين، تُثيرالجميع وتُرعب، تستفزوتُعجب في آن واحد. !

وعندما تنزل إلى الشارع صبيحة كل يوم سبت (كما أفعل لمواكبة تطو الحركة من الداخل بعيدا عن هذاءات الإعلام الرسمي)،

وعندما تستمع إلى مختلف التوجهات الإيديولوجية " الموزايكية" للسترات الصفراء التي لا يحكمها لون واحد، فتجد أن هؤلاء يجمعون على ما يتفقون حوله ويرجئون ما يختلفون فيه (وذاك من أهم مقومات إستمراريتهم المرجحة لنجاحهم على المددين المتوسط والبعيد) فيمكنني تلخيص مقاصدهم ومحفزاتهم ومطالباتهم العامة التي يقع عليها إجماع للحركة- (أفرادا وجماعات) حيث يتم الإلتفاف المبدئي على بعض النقاط الرئيسية –كما جمعتها من أفواه بعض رموز تجمعاتهم- وهي على سبيل المثال لا الحصر:

حيثيات رموزالحركة بإختصار هي:

"عندما نتعامل مع أشخاص من دون إيمان أوأخلاق أوقانون أوضمير، حيث تكون حججهم الوحيدة هي الغطرسة، وممارسة سياسة النعامة، والإعتماد على "ديموقراطية"مفرغة ذات بعد أحادي جامد، في بلد"الحضارة والتاريخ والثقافة والأنواروحقوق الإنسان"، بالإعتماد على التخابث والتحقيروالعنف والتهديدات اليومية الدائمة المرهقة مثل (سحب تراخيص السياقة بدون مبررات معقولة، العقوبات المجحفة المتواصلة على الطرق، إثقال كاهل الشعب الفرنسي بتزايد الضرائب لملإ جيوب" المترفين والنصابين، وخزائن الشركات المتعددة الجنسيات وأبناك روتشيلد "

وعندما يباع الوطن إلى "مجموعة لصوص بروكسيل"،

وعندما تٌقتل فرنسا (التاريخ والأرض والحضارة والأنوار) لتصبح مجرد ذيل للأطلسي و" للمجموعة الأوربية" ...

وعندما يتم إختزال " الأمة الفرنسية " إلى مجرد مفهوم "جمهورية "نكرة، ظهرت مع الثورة الفرنسية (التي من حقنا مراجعة عنفها ودمويتها وهناتها وخطاياها، والتذكير بمثالبها بالحفاظ على مزاياها) ورفض تشطيب التاريخ الفرنسي إلى لما قبل نابوليون، لتصبح فرنسا المجيدة رديفة للكولونيالية المضطهدة للشعوب، ولتصبح فرنسا اليوم مجرد "دولة موز" تدور حول دعم "السيادة الأوروبية"(التي هي مجرد أداة لواشنطن وتل أبيب) والدوران حول أهداف الأطلسي وأآطماع اليانكي منذ عهد فرانسوا ميتيران، أو التمحور بقزامة حول محور" الأممية العولمية" المشبوهة ، ليتجر بها سياسيونا المتعفنون....،

وعندما يتم تسيير مشاكل الدولة وترشيدها ووضع سياساتها الداخلية والخارجية من خارج البلاد (منذ ساركوزي وهولاند إلى ماكرون)....،

وعندما يتم إتخاذ قرارات السلم والحرب والتدخل في شؤون دول ذات سيادة بدون إستشارة الشعب (مثل الحروب في إفريقيا ودعم المنظمات الإرهابية على الجغرافية العربية وتدمير ليبيا بإغتيال القذافي، ومحاولة تطبيق نفس السيناريو على سوريا )

وعندما تتخلى النخب الفكرية والفلسفية والثقافية عن دورها المبدئي في نقد " النظام" ويصبحون شركاء في الجريمة،

وعندما " تتخلى ما يسمى زورا ب"السلطة الرابعة" عن دورها في التوعية ونقل الخبر الصحيح ونشر الحقيقة، ويشغلنا ببذاءات نجوم السينما وكرة القدم

وعندما يتم القمع المستمر للشعب الفرنسي الراغب في العيش الكريم وممارسة أبسط الحقوق من أجل الإستجابة للتحدي الكامل من الحس السليم في مواجهة مصاعب الحياة ....فلا يمكننا في مثل هذه الحالات سوىالمطالبة بتشطيب هذه السياسات البشعة، بترحيل نخبها وسياسيها العديمي الإيمان والأخلاق والضمير، والخارجين عن والقانون، ونطالب بما يلي:

- إقالة رئيس الجمهورية: وهو هدفنا الأول (الذي هو حصان طروادة وسمسار" الدولة العميقة" )

- حل مجلس النواب

إعادة النظر في هيكليات تأسيس الإنتخابات

إعادة هيكلة كيفية إقامة الإنتخابات البرلمانية

هيكلة ممنهجة وعقلانية للحركة، بتنظيم السترات الصفراء مع مراسليهم الإقليميين في مختلف نقاط ودوائر تجمعاتهم على المستوى الوطني

إنشاء هيكل هرمي للحركة من القاعدة إلى القمة مع كل "المراسلين الإقليميين" للحركة، بهدف خلق شبكة تواصل مستديمة على هيئة "ولايات متحدة صدرية للسترات الصفراء"

(مع مراقبة الدخلاء على الحركة)، مهمتهاملؤ نماذج شكاوى لكل مشارك في الحركة، GJ للحركة ترتيب الأولويات بتخصيص: شبكة التظلم والشكاوى والملاحظات، ووضع ملخص المظالم (عن طريق الجهة، والدائرة، والمنطقة، يتكلف بها كتاب التظلمات على المستوى الوطني).

وضع مبدأ الكفاح ضد عدم المساواة الاجتماعية الدائمة ومفاجأة الفقراء برفع تسعيرات المواد الضرورية (بما فيها البنزين) وذلك بوضع التسعيرات المناسبة للمواد الإستهلاكية الرئيسية الشعبية وفقا للدخل الفردي (على مبدأ أننا نعيش بشكل دائم في الحياة اليومية، دون أن ندرك ذلك) وذلك لوضع حد للصوصية الإحتكارات

والخلاصة:

أن ما أشرت إليه في هذه الخلاصة هومجرد غيض من فيض، وهي مطالب مشروعة-ديموقراطيا ودستورا-، غيرأنهاطوربيدات قاتلة"ّللدولة العميقة" الفرنسية، ومهددة لمصالح الأوليغارشية الفرنسية الحاكمة، وتهديدا لأدواتها الإعلامية والثقافية والسياسية، وهي مطالب معقولة ومنطقية تتكرر كمفردات وجمل وتعابير موحدة للجموع الغفيرة للشعب الفرنسي، التي تملأ كل زوايا وأركان الأرض الفرنسية في صبيحة كل يوم السبت، وكأنها طقوس دينية لقداس يوم الأحد، والتي يقلل الإعلام الفرنسي الرسمي من شأنها .

كيف فقد الإعلام الفرنسي الرسمي مصداقيته لدى غالبية الشعب الفرنسي"؟

إستيقظ الشعب الفرنسي بفضل حركة السترات الصفراء على حقيقة إعلامه المزيف والأجير لدي تسعة مليونيرات متحكمين في تسيير البلاد ، والذي بدأ يبحث عن طوق نجاة للطغمة البنكية الحاكمة من وراء"الماكرونيين"لتصبح القناة الروسية RT هي القناة " الأجنبية" المثيرة للشغب، و"الكاجيبي الروسي الخفي " المثير "للشعبوية المنحطة الفرنسية، وهي القناة التي إتهمها ماكرون -من خلال ما يسمي ب مهزلة " الحوار الوطني"– شخصيا ورسميا- ويتحدث عن التدخل الروسي في الشؤون الداخلية الفرنسية، لتتكررنفس مهزلة"روسياغيت"أو Russiagate المدسوسة في عقول الأمريكيين التي تم إسنباتها في الولايات المتحدة بهدف تخوين ترامب من أجل عزله أوإعدامه من جهة ولتبرير إشعال حرب نووية مع الروس من جهة ثانية (نفيذا لخطة منظر الحزب الديموقراطي الراحل بريزينسكي قبيل وفاته) -علما بأن إيمانويل يلقب في إمريكا ب"أوباما الأبيض"-

فماذا تبقى لماكرون فعله في الوقت الضائع:؟ والجواب هو أنه من هول الضربة القاضية التي أصابت الرجل فإنه يترنح من هول الضربة وهو واقف –كما كما وصفه الصحفي القديم وخبير تقنيات التواصل السياسي "جيل لو جوندر" حين قال عنه:" إن الأواني المكسرة الغير متساوية واللامتناسقة على طريقة " الماكرونية" لا يمكن رأبها، والفقرلا بد أن يتجذر في مجتمعنا، وأن يغتني المترفون أكثر، ووداعا لديموقراطيتنا "المثالية" ولنذرف الدموع الساخنة على فرنسا التي هو رابع أو خامس أغنى بلد في العالم"-علما بأن الصحفي ليس ماركسيا أو يساريا بالإصطلاح-

وخلاصة القول فإن" إيمانويل ماكرون": بمعية بطانته من البيروقراطيين الليبراليين الجدد، وحماته من "الأثرياء المتخمين "وعشيرتهم الأقربين منطينة"الذئاب الفتية الجائعة الصاعدة" المنحدرة من سلالات أبناء وأحفاد"الطفرة الإقتصادية المفاجئة العابرة" لسنوات الستينات والسبعينات، المسماة ب" Baby Boom التي شاهدناها نماذجها في الفيلمين الأمريكيين "وول ستريت" لمايكل دوغلاس" وبالخصوص فيلم The Wolf of Wall Streetللمخرج Martin Scorsese وبطولة Leonardo DiCaprio,كقصة حقيقية

حيث أن ماكرون وأضرابه من الليبراليين الجدد الذين لالون سياسي يميزهم، ولا إيديولوجية واضحة تًسِمُهم، والذين لا خلاق لهم سوى اللصوصية والإحتيال والنصب والغش والكذب، هم الذين يمسكون اليوم بزمام الأمور في المجموعة الأوروبية وهم "مستشاري" معظم العربية والأفريقية، ومساندو الديكتاتوريات والأنظمة البخورية فيها، فيها، حيث قد مصوا في فرنسا آخر قطرة تبقت منذ ساركوزي وهولاند" ...

وبالتالي سواء أتم الرهان على فشل السترات الصفراء أو نجاحها، فإن ماكرون معلق ما بين السماء والأرضوسقوطه أمر مقضي فيه حتما (سواء بالإستقالة أو بالثورة أو أن يقيله "أسياده")

بمعنى.. ! وحتى لو فرض فشل حركة السترات الصفراء، فإن هذه الحركة ستولد حركات أخرى، بمسميات جديدة وستكون الخيارات فيها أمر عارم لا يستطيع " النظام" الذي تداعت مراسيه ردها أو الإستدارة عليها لقوتها ولعنفها، وسيتم الأمرفي فرنساماكرون، إمابقلب النظام بالطرق السلمية للسترات الصفراء (وذلك أمرمستعبد في المرحلة الحالية)، أوب "تحرك"رجالات العسكرالمتمسكين" بالديغولية"، أو الوصول إلى حروب أهلية غير مسبوقة ..وتلك هي التراجيدية الفرنسية الجديدة المعاصرة

 

د. الطيب بيتي

 

كاظم الموسويلم تتوقف التظاهرات في العراق يوما منذ عام 2003، بعد الغزو والاحتلال. تتنوع هذه التظاهرات وتتوزع زمنيا ومكانيا، في المحافظات والمدن وحتى القرى والمناطق النائية. أو بقول اخر ان التظاهرات شملت العراق كله وباشتراك كل القطاعات والمهن والأجيال العمرية. كشفت التظاهرات عموما عن حالة غياب السلطة وهيبة الدولة وعن شعارات مخادعة عن الديمقراطية والحريات التي جلبها الغزو والاحتلال للعراق. هذه التظاهرات رفعت شعارات مطلبية حرمت من مضامينها وأصرت الجماهير المشتركة فيها عليها، التي لم تتحقق لها ولم تتوفر فرصها وظلت كل هذه الفترة الزمنية غير القليلة دون تنفيذ أو تطبيق. كما أن الشعارات المطلبية التي تميزت بها التظاهرات في العراق قد تصاعدت أو تباينت بين موقع وآخر، ولكنها ظلت في حدود المطالب المشروعة رغم تضحيات كبيرة خسرتها فيها أو قدمتها من أجل تحقيقها. وهذا يعني أن السلطات الأمنية واجهتها واطلقت الرصاص الحي عليها مما سبب الخسائر البشرية فيها. ومعروف أن سقوط شهداء أو دماء في أية تظاهرات يعزز أو يشد من عزيمتها واستمرارها. وهي حالة اصبحت قاعدة اجتماعية أو قانونا متكررا يراكم سير التظاهرات وتصاعدها أو تموجاتها المستمرة. تبلورت اغلب الشعارات والمطالب طيلة تلك الفترة الزمنية على توفير الخدمات العامة والأعمال واحترام حقوق الإنسان والقانون. غياب الخدمات الأساسية، كانعدام الكهرباء وشحة المياه وضعف مجال الصحة وسوء المعاملة وخراب التعليم والمدارس والتسرب وغيرها من المشاكل المتفاقمة في هذه الخدمات الأساسية دفع الشعب إلى التظاهر والاحتجاج وتصاعد الغضب الشعبي والاحتقان المدني وكسر الصمت. وهذا ما تكرر في أغلب التظاهرات في عموم العراق ومناطقه، سواء في جنوبه أو شماله أو وسطه، بمعنى أن سوء الإدارة والتخطيط في أداء هذه الخدمات الأساسية عمت العراق كله، وبينت بتراكمها وتناقضات التعامل معها الخلل الصارخ في الأداء الرسمي والعمل الوظيفي وقدرات السلطات المحلية والمركزية.

وبلاشك لعب الفساد الإداري والمالي دوره البارز في تاجيج حالة التظاهر والغضب، وعم باساليبه المختلفة كل مؤسسات ومكاتب الخدمات الأساسية، مما يضطر المواطن الى الصراخ بصوت عال في سبيل إيقافه وردع الفاسدين. المضحك في العراق أن أغلب الفاسدين أو الداعمين للفساد أو المروجين لانتشاره هم في مواقع القرار السياسي وهم الذين يعتبرون واقعيا رأس الفساد بكل اشكاله، يزعمون في تصريحات إعلامية محاربته أو الدعوة إلى مكافحته، والأغرب فيه هو التغاضي أو تغطية العناصر القائدة للفساد والمناورة في اتساعه والسماح لاعمال اخطبوطه ومافياته وكل أصنافه، ولم يعد العراق في أول قائمة الفساد في التقارير العالمية للمنظمات الدولية المتابعة أو المحققة فيه، بل أصبح مضرب الأمثال في نوعه وحجمه وطرقه وممارساته. ودفع هذا الانتشار للفساد في العراق جماهير الشعب إلى التظاهر والاحتجاج والغضب، ولأنه مستمر ومتسع فالتظاهرات مقابله كذلك، في عموم العراق وعمر الغزو والاحتلال وما بعدهما.

لم يكتف الفساد الإداري في الرشوة والمحسوبية والتخلف في تسيير أمور الناس اليومية والوظيفية المعروفة، بل زاد في التعيين والتوظيف لافراد لا علاقة لهم في الموقع الذي يحتلونه أو من الفاشلين في إدارته علميا ووظيفيا، وتم تعيينهم في لعب المحاصصة والتقسيم التحازبي والعائلي وغيرها من الأمور التي ألحقت في الأجهزة الإدارية أضرارا غير قليلة واساءت الى مسميات الدوائر أو المنظمات أو الأجهزة أو المؤسسات. ولعل بعض برامج النقل المباشر في عدد من القنوات الفضائية المحلية  مع المواطنين في الشارع مباشرة تعطي بعض صور عن الواقع المزري فيها، ويتطلب من السلطات المسؤولة متابعتها والرد على الاستفسارات والطلبات والمواضيع التي يثيرها المواطنون مباشرة، بالصوت والصورة والوثيقة واللوعة الانسانية المحرجة والمخجلة لاي انسان طبيعي.

كثير من المعاملات التي يحتاجها المواطن تكتب باليد، رغم كل التطورات التقنية في آلات الكتابة والنشر والانترنت، فيقع فيها الكثير من الأخطاء في الكتابة واذا اراد التصحيح فيجبر على العودة إلى المربع الأول في الطلب والمراجعات والسجلات والمساومات، والابشع فيها المطالبة بموافقة الوزير المختص لتلك الظاهرة وتتكرر هذه الإجراءات البيروقراطية والروتينية وتاكل من المواطن وقته وماله وصبره ورؤيته لبلده الذي يتراجع حتى عما كان عليه قبل سنوات. اضافة الى جهل أو فقدان معرفة ما يتعلق بالعمل وخدمة المواطن. موظف لا يكتب الا بخط يده في طلبات مطبوعة ومخططة، واخر لا يعرف قوانين الهجرة واتفاقية جنيف لعام 1951 للاجئين السياسيين ولا متعلقاتها وتعديلاتها  وهو من الذين يقررون قبول معاملة أو ملف الهجرة أو رفضها لمن عانى بقدر عمره الزمني . فضلا عن  الفساد الاخر، المالي، والنهب للثروات والخيرات والتبذير والهدر والضياع في اصول الصرف أو التخصيص، مع ما ينشر من أساليب لا يمكن أن تكون أو تحصل الا في العراق الجديد..

هذا الفساد المعلن والمخفي، ومن باب الهزل، يتحدث عنه نواب في برلمان الشعب في تصريحات وبرامج تلفزيونية علنا، وعن مشاركتهم فيه دون خوف أو خشية أو وجل من ضمير أو رقيب أو حسيب. رغم وجود منظمات حكومية تحمل أسماء الشفافية والنزاهة والمراقبة وغيرها من التسميات فقط.

تضاف بالتأكيد لعوامل استمرار التظاهرات في العراق النسب العالية للعاطلين عن العمل بعد تخرجهم من المعاهد والكليات وغيرها، وهؤلاء بعمر الشباب، المتطلع للحياة والمستقبل، ويعتبر نفسه ثروة بشرية للوطن، وادى ما عليه وينتظر أملا له في العمل والبناء. كما أن غياب روح التجديد والتغيير في البنى والرؤى المستقبلية للبلاد يعرقل عملية التحديث والتطوير وحتى البناء والتنمية البشرية والعمران. مما يخلق أجواءا وبيئات جاهزة للاحتجاج والغضب وحتى لابعد من ذلك. وهو ما يحصل فعليا في العراق الجديد، بعد الإحتلال والتآمر الأمريكي عليه.

لذا نرى كل يوم تظاهرة أمام مباني الوزارات أو الدوائر  المختصة والمتعلقة بالعمل. وتواجه أغلب الوزارات مطالب الشباب بالوعود والتحايل عليها، وكذلك المحافظات والمؤسسات المحلية الأخرى. وليس اخر التظاهرات للخريجين من مختلف الاختصاصات والمهن، بل وشملت المعلمين، الذي لبوا نداء نقابتهم الى الاضراب ليومين عن التعليم وتعطيل الدراسة، والتشديد على تلبية مطالبهم ببرمجة التوظيف وتحسين سلم الرواتب والاهتمام بظروف المباني والتخطيط لزيادة أعدادها وتطوير المناهج الدراسية واحترام الحقوق المشروعة.

 

كاظم الموسوي

 

 

ابراهيم أبراشما بين الفَينَة والأخرى تُثار مسألة التطبيع، والأمر لا يتعلق فقط بالحديث المُبالغ فيه لرئيس وزراء إسرائيل نتنياهو ووسائل الإعلام الصهيونية حيث يتم إظهار وكأن غالبية الدول العربية تطبع علاقاتها مع إسرائيل، بل تعدى الأمر ذلك إلى أصوات تتعالى من داخل البيت العربي تدعو صراحة إلى التطبيع مع إسرائيل مصحوبة بزيارات متكررة ومتعددة وعلى المكشوف بين مسئولين إسرائيليين وعرب دون كثير من ردود الفعل كما كان الأمر في العقود السابقة من الصراع، حيث كان من يُطبِع أو مجرد يتواصل مع الإسرائيليين يعرض نفسه لتهمة الخيانة والقتل أحيانا .

مع أن الحديث عن رفض التطبيع مع إسرائيل ليس بالأمر الجديد حيث يعود لبدايات الصراع الذي كان يسمى (الصراع العربي الإسرائيلي) حيث تأسس عام 1951 وداخل جامعة الدول العربية مكتب (مقاطعة إسرائيل)، إلا أن مسار التطبيع وحجمه اليوم تجاوز مرحلة العمل السري أو السلوك الفردي لبعض الأشخاص من مثقفين ورجال أعمال ليندرج في سياق تحولات كبرى تشهدها المنطقة وتقودها الولايات المتحدة الامريكية ترمي لتوظيف مخرجات فوضى ما يسمى الربيع لتغيير طبيعة الصراع ليتحول من صراع وجودي بين العرب والإسرائيليين، كما كانت تقول الأدبيات الأولى للحركة القومية العربية، إلى صراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وبهذا يتم تفكيك أطراف الصراع بل سحب بعض العرب ليصطف إلى جانب الإسرائيليين والأمريكيين على حساب الحق الفلسطيني .

بالرغم من المبالغة أحيانا في الحديث عما أنجزته إسرائيل من تطبيع مع العرب، وإسرائيل وخصوصا نتنياهو معني في تضخيم الأمر لاعتبارات سياسية إسرائيلية داخلية وكنوع من سياسة كي وعي الفلسطينيين وإحباطهم، إلا أن تحولات وتداعيات استراتيجية خطيرة تجري أو قادمة ستترتب على توسيع نطاق التطبيع وسيكون الفلسطينيون الأكثر تضررا بل يمكن القول بأن الهدف الرئيس لإسرائيل من وراء التطبيع مع العرب هو قطع العلاقة ما بين الفلسطينيين والعرب مما يترك المجال لإسرائيل لتتفرد بالفلسطينيين في ظل موازين قوى مائلة لصالح إسرائيل .

لأن الحديث عن التطبيع يطول وله أبعاد كثيرة، سياسية وإستراتيجية واقتصادية وأمنية، وما هو خفي قد يكون أكثر خطورة مما هو مُعلن، فسنقتصر على إبداء بعض الملاحظات السريعة تُضاف لما سبق أن كتبناه حول الموضوع : -

1- نلاحظ أن التطبيع تهمة توجه لأية جهة عربية رسمية أو غير رسمية تعترف بإسرائيل ولكنها ليست كذلك للدول الإسلامية حيث تُقيم إسرائيل علاقات مع غالبية الدول الإسلامية دون ضجيج ودون أن يتهم أحد هذه الدول بالتطبيع مع إسرائيل، وهذا يعني أن الصراع ليس إسرائيليا إسلاميا ولم يكن كذلك، وهذا يفسر الموقف السلبي للجماعات الإسلاموية من القضية الفلسطينية بل تآمرها عليها .

2- تسارع وتيرة التطبيع نتاج لانهيار المنظومات الكبرى الجامعة التي كانت تعتبر القضية الفلسطينية قضية مركزية لها من منطلق قومي أو أممي .

3- الدمار الذي ترتب على فوضى ما يسمى الربيع العربي، والذي تحالفت فيه واشنطن وبعض دول الخليج والإسلاموية السياسية، غيَّر من أولويات الشعوب العربية مؤقتا ولم تعد فلسطين بالنسبة لهم القضية المركزية، حيث إشكالات إعادة بناء دولتهم الوطنية ومواجهة الإرهاب وإعادة الإعمار بات شغلهم الشاغل، والمسؤولية لا تقع على عاتق الشعوب العربية بل على من صنع الفتنة ومولها .

4- اصطنعت واشنطن للعرب عدوا – إيران - أوهمتهم أنه يمثل عليهم خطرا أكبر من خطر إسرائيل وأنه لا يمكنهم مواجهة إيران إلا بالتعاون مع واشنطن وإسرائيل .

5- كلما تزايدت وتيرة التطبيع فقدت ما تسمى (المبادرة العربية للسلام) معناها، لأن الأساس الذي بُنيت عليه المبادرة أن اعتراف العرب بإسرائيل والتطبيع معها مرهون أو مشروط بانسحاب إسرائيل من الأراضي العربية المحتلة عام 1967 وقيام الدولة الفلسطينية .

6- في السابق كان الاقتصاد مدخلا للتطبيع حيث كانت إسرائيل تروج بأن التطبيع يحقق مصالح اقتصادية وتنمية شاملة للعرب والإسرائيليين معا وهذا ما عبر عنه الزعيم الصهيوني شمعون بيرس في كتابه (الشرق الأوسط الجديد) والذي تم نشره عام 1993، أما التطبيع اليوم فمدخله أمني وسياسي والاقتصاد يأتي في الدرجة الثانية.

7- في السابق تواجدت حالة فلسطينية ثورية نضالية تردع كل من يجرؤ على التطبيع، إلا أن توقف المقاومة والصدام العنيف مع إسرائيل وحالة الانقسام وما يصاحبها من اتهامات وشكوك متبادلة، كل ذلك وضع بيد دعاة التطبيع ورقة لشيطنة الفلسطينيين وتبرير تطبيعهم مع إسرائيل .

8- غياب اقتصاد فلسطيني مستقل ومحدودية الموارد الفلسطينية سمح للمال السياسي العربي مقايضة الموقف العربي المبدأي من فلسطين بمساعدات مالية وسكوت ذوي الأمر سواء في قطاع غزة أو الضفة عن ما يجري من تطبيع أو انتقادها بخجل .

9- بالرغم من خطورة التطبيع ودون تجاهل ما يجري بشأنه إلا أنه يجب عدم المبالغة والتهويل والحذر من سياسة كي الوعي التي تعمل عليها إسرائيل وبعض النوابت والسُقط من العرب، فالشعوب العربية وإن كانت تمر بمرحلة صعبة إلا أنها حالة لن تدوم كما أن هذه الشعوب لم تفقد ثقتها بعدالة القضية الفلسطينية .

10- التطبيع العربي المتدرج يأتي في الوقت الذي تتعالى فيه الأصوات وتتكاثف الجهود وخصوصا في أوروبا وحتى أمريكا لدعم حملة bds لمقاطعة إسرائيل، وفي الوقت الذي تواجه القضية الفلسطينية مؤامرة لتصفيتها سواء من خلال السلوك الإسرائيلي على الأرض المتمثل بالاستيطان والتهويد والحصار، أو النهج الأمريكي المتمثل في صفقة القرن ومحاصرة السلطة ماليا .

وخلاصة القول ومع افتراض نجاح تل أبيب وواشنطن في التطبيع مع كل الأنظمة العربية فهذا لن ينهي القضية الفلسطينية، قد ينتهي الصراع الإسرائيلي العربي الرسمي ولكن سيبقى الأصل وجوهر الصراع وهو الإسرائيلي الفلسطيني، وسيستمر الفلسطينيون الرقم الصعب الذي لا يستطيع أحد تجاوزه، والرقم الصعب يتمثل في عنصرين : شعب فلسطيني تعدداه أكثر من 12 مليون نصفه متجذر في أرضه ونصفه الآخر في الشتات معتز بهويته ومتمسك بحق العودة لوطنه، والعنصر الآخر قيادة لم ولن تتخلى عن الثوابت والحقوق السياسية الوطنية محل التوافق الوطني، فماذا سيفعل المطبعون وإسرائيل ومن يواليها بهذا الرقم الصعب ؟!!!!.

 

أ. د. إبراهيم أبراش

 

 

 

علجية عيشالسلطة في الجزائر حفظت الدرس جيدا بحيث لم تشهر "سيف الحجاج" على المتظاهرين الذين خرجوا إلى الشارع في مسيرات سلمية ضد العهدة الخامسة ولحقهم  الطلبة الجامعيون ثم أصحاب الجبة السوداء، ذلك كي  لا يتكرر سيناريو أكتوبر 1988 وتظاهرات الفيس المحظور الذي وقف ندا للند أمام نار السلطة والآلة الحديدية، وذلك حفاظا على النظام العام، وكما قال الدكتور عبد الرزاق قسوم فإن الوطن يتسع لكل أبنائه، أيّا كانت قناعتهم وأيًّا كان مذهبهم، فلا نجعل من الإنتخاب وسيلة للإكتئاب أو الإنتحاب، بل نريده مادة لتعميق الإنتماء والإنتساب وفي ذلك فصل الخطاب

منذ أن انتشر خبر أن الرئيس الجزائري ووزير الدفاع الأسبق المجاهد اليامين زروال سيصدر بيانا رسميا يوضح فيه موقفه من الإنتخابات الرئاسية، ودعمه مرشح السلطة عبد العزيز بوتفليقة من عدمه، والشعب ينتظر بلهفة وشوق مضمون هذا البيان الذي إما أنه سيقدم للجزائريين الذين خرجوا في مسيرات شعبية وصفة الدواء للخروج من الأزمة وتحديد لهم من هو الأحق بكرسي المرادية، وإما أنه سيضع الملح على الجرح كما يقال، لأن الأزمة في الجزائر تطورت وتعقدت أكثر بعد فشل المعارضة في اختيار مرشحها التوافقي، وانسحاب عديد من الأحزاب من المشروع، لكن الرئيس زروال لا خرج عن صمته ولا أصدر بيانا كما ذكرت المصادر، لكي يدافع عن الجمهورية والحفاظ على مكاسبها، في ظل من تنشره وسائل الإعلام العربية والأجنبية بأن الرئيس غادر سويسرا إلى وجهة مجهولة مثلما جاء في مقال نشرته أور تيوز، لمن الرئيس الأسبق اليامين زروال ظل صامتا يراقب ويتابع عن بعد ما يحدث في الجزائر، واصبح الكل يغني ليلاه كما يقال، فهذا مع ترشح الرئيس وذاك ضد بقائه في الحكم.

و قال هؤلاء أن 20 سنة بركات، وحتى لو قلنا (من وجهة نظر الملاحظين) أن الرئيس المريض الغائب حاليا منذ اعتلائه الحكم في 1999، وُفِّقَ في تحسين الوضع في البلاد عن طريق مشروع المصالحة الوطنية وأعاد للبلاد أمنها واستقرارها، لكن الرجل كما تقول التقارير عالج مشاكل الجزائر من الخارج من خلال تنقلاته المتكررة، لكن  مذ سقط اسير المرض لم يعد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة يطهر امام الشعب الذي وثق فيه وانتخبه لأربع عهدات كاملة، وهو - ايّ الشعب-  نطكالبا بالتكميف مع المستجدات الإقليمية، ولا يمكن أن تسير البلاد في غياب الرئيس، الذي أصبح عاجزا عن إدارة شؤون البلاد، وحماية ترابها من كل المخاطر لاسيما الإرهاب، وللجزائر تجربة رائدة في هذا المجال، ولعبت دورا سيايا في محاربة هذه الظاهرة، واصبحت مرجعية للعديد من الدول، لكن؟ الجزائر في حاجو إلى رجل قادر على مواصلة "المسيرة" وتحقيق الحكم الراشد، في إطار استراتيجية شاملة، وهذه ألأخيرة تحتاج إلى إمكانيات ووسائل قوية، أي إلى دمٍ جديدٍ، ولكن.. لا زروال أصدر بيانا ولا الرئاسة كذلك، وهذا من باب الوفاء بالعهود والعقود بين الأفراد والجماعات واستلهام رسالة أول نوفمبر 1954 التي كانت خلاصة فكر سياسي وطني.

و لعل التركيز على شخص الرئيس الأسبق اليانمين زروال فلأن هذه الأخير يمتاك انصارا داخل المؤسسة العسكرية ويمتلك نفوذا مباشرا عليهم، ثم أن الرئيس الأسبق اليامين زروال ورفاق دربه أيام الثورة الذين مازالوا على قيد الحياة، يمثلون نخبة الجزائر سياسيا وعسكريا، وبالتالي فهم  مطالبون اليوم بالتدخل العاجل والسريع لإخراج البلاد من الأزمة وتعزيز شرعية الحاكم والحفاظ عليها إن تطلب الأمر، هذه الشرعية التي يمنحها المحكوم  (الشعب) للحاكم، خاصة وأن هذه الشرعية كما يقول  المنظرون في عالم السياسة  تعرقلها جهات خارجية تصر على بقاء الوضع في الجزائر على حاله، وتضرب مصداقية الشعب الذي قال كلمته، وخرج إلى الشارع يطالب بالتشبيب والتجديد وتغيير الوضع،  ومن هذا المنطلق وجب على زعماء الثورة الجزائرية وقادتها أن يفصلوا في الأمر ويحددوا لمن تمنح هذه "الشرعية المشروعة"، وأن يوضحوا مفهومها أولا، طالما هي مرتبطة بالحكم الراشد، الذي يرتكز على ثلاثة محاور أساسية هي: " بناء الديمقراطية، حرية التعبير واحترام الحريات الفردية"، خاصة وأن هذه الشرعية منقسمة وغير منسجمة، أي الشرعية الداخلية والشرعية الخارجية وعلى رأسها فرنسا  والولايات المتحدة الأمريكية اللتان تتابعان الأحداث باهتمام شديد لما يحدث وتسعى كل واحدة منهما إلى فرض إملاءاتها  على الحكومة  الجزائرية وإقناع الرأي العام بما يناسب مصالحها هي، وتضغط على السلطة الجزائرية كي لا تحتكم إلى الإرادة الشعبية.

الصراع حول الإنتخابات الرئاسية المقبلة ورفض الرئيس بوتفليقة لعهدة خامسة ليس بسبب مرضه، لأن الرئيس سقط أسير المرض في 2013 وأعيد انتخابه بطريقة أو بأخرى في انتخابات 2014، لكن المشكل هو "جهوي"، لأن معظم من في الحكم هم من منطقة الغرب،  ما كشفه الإعلامي رياض الصيداوي في دراسته بعنوان : "صراعات النخب"، نشرت في أسبوعية الأطلس المحظورة  أنه في 04 جانفي من سنة 1999 كانت مكالمة هاتفية تنصتت عليها المخابرات الفرنسية جرت بين الجنرال اسماعيل العماري رئيس قسم مكافحة التجسس والأمن الداخلي في المخابرات الجزائرية والجنرال صنهاجي القائم  بالأعمال العسكرية في سفارة باريس، حيث طلب فيها العماري من صنهاجي التدخل لدى صديقه سيد أحمج غزالي للتخلي عن ترشحه لفائدة بوتفليقة، خاصة وأن الإثنين من منطقة الغرب المفترض أن تكون القاعدة الصلبة  لبوتفليقة، حتى أن العماري كانت له رغبة قوية في ترشيح مولود حمروش، ولو افترضنا أن السلطة تصرُّ على أنيكون الرئيس القادم من منطقة الغرب، كان على حزب جبهة التحرير الوطني أن يختار مرشحا من الغرب مثل الطيب لوح، أو عبد الحميد سي عفيف، طالما أنه ممنوع على أن يكون الرئيس الجزائري  من الشرق أو من الجنوب، وهو ما حدث في انتخابات 2004 والإنقلاب على مرشح الأفلان رئيس الحكومة الأسبق علي بن فليس، لا لشيئ إلا لأن هذا الأخير من منطقة الشرق، تجدر الإشارة أن الرئيس اليامين زروال كان قد أبدى عن موقفه سابقا، عندما خرج عن صمته، وأصدر بيانا تناول فيه الأوضاع الجزائرية خاصة ما يتعلق بالانتخابات الرئاسية، منتقدا في ذلك  حكم بوتفليقة، وقال إن منصب الرئاسة مهمة ثقيلة عقليا وبدنيا .

الجزائر مهددة المصير والمستقبل الوطني برمته

كانت هذه مجرد ملاحظات قد تصلح لصياغة  فرضيات تأخذ بعين الإعتبار المتغيرات التي تعيشها الساحة السياسية في الجزائر، ووضع تصورا دقيقا لإتجاه محدد نحو الواقع الإجتماعي والسياسي، فليس سرا  كما قال العقيد محمد الصالح يحياوي بأن الجزائر تتفاقم يوميا تداعيات أزمتها ومخاطر محنتها الأليمة وبآفاق لا زالت غامضة ومربكة للجميع، بل مهددة المصير والمستقبل الوطني برمته،  عندما تساءل إذا ما كان التداول على السلطة خيار وضرورة وطنية،  فهاهو التاريخ يعيد نفسه  في الجزائر التي ما تزال تبحث عن رئيس يقود البلاد، والجميع يقف في حيرة وحسرة وخوف على مساقبل البلاد وقيم النضال والوفاء للوطن وأيضا لقيم الحرية والديمقراطية والعدالة الإجتماعية وسيادة وأمن الشعب الجزائري، لقد شخص العقيد محمد الصالح يحياوي قبل وفاته الإنتخابات الرئاسية ووضعها تحت المجهر حتى لا نقةل على طاولة العليات الجراحية، منذ مجيئ الرئيس عبد العزيز بوتفليقة إلىلا سدة الحكم في 1999، وقال أن هذه الإنتخابات كانت فرصة ذهبية للوطن لتأكيد نهائي وحاسم لسيادة الشعب، كما كانت فرصة ذهبية لحزب جبهة التحرير الوطني، لكن أخطاء قيادة  الجبة في تلك السنة ( 1999) قد تحولت مع الزمن إلى خطايا سياسية كارثية.

و قال يحياوي أن الأحزاب السياسية هي مبادئ وبرامج ومواقف وسياسات وليست ابدا اشخاص وزعامات وامتيازات وصراعات من أجل السلطة للسلطة فقط، وكما قال هو فقد أضاعت جبهة التحرير الوطني وقيادتها الفرصة وأهدرت  المناسبة الثمينة لتاكيد شرعيتها الشعبية، ونحن بدورنا نقول ان حزب جيهة التحرير الوطني لم يستمع إلى نبض الشعب، ونبض قواعده النضالية، لما أجبرهم على التوقيع على استماارت تريح بوتفليقة لولاية جديدة، بحجة الإنضباط، ولو أن هذه التوقيعات هي شكلية، ولا يختلف إثنان أن المناضلين يغيرون مواقفهم يوم الإقتراع ويمنحون أصواتهم للأفضل، لكن الأفلان اليوم لم يحترم إرادة الشعب السيد في القرار والخيار، كون المجتمعات من وجهة نظره وحدها تعيد صياغة مستقبلها جيلا بعد جيل بوسائل ثلاث هي:  (تواصل دائم، تعلم نافع وتشريع عادل)، وقد وضع العقيد محمد الصالح يحياوي رحمه الله يده على الجرح عندما قال: " إن لغة الشعب  وكرامته وكبريائه ومعتقداته لا يمكن أن تنزل بقرار سياسي أن رئاسي إلى مستوى الطابوهات الشخصية اليوم وغدا وفي بلاد العالم المتحضر، والترشح لرئاسة حق دستوري مشروع للحجميع مادام الحكم السيد في النهاية في حديثه عن الإنتخابات الرئاسية والتدول السلمي الديمقراطي على السلطة.

و كما قال  الدكتور عبد الرزاق قسوم رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، في مقال له بعنوان: "الإنتخاب...و الإكتئاب" نشر بجريدة البصائر عدد 856 بتاريخ 07 ماي 2017  ما يكون لنا أمام الخطاب العنصري الفرنسي والأمريكاني أن يطأطئ الشعب الجزائري رأسه وهو يلاحظ جزءًا عزيزا من وطنه يسام الخسف، ويعاني القصف ويهدد بالنسف، هذا الخطاب وجب أن يحجب عن الإنيسان والإنسانية، لأنه خطاب لا إنساني، وبالتالي فعلى كل إنسان عاقل  أن يقف "ضد" وأن يحشد كل الطاقات لهدم التبعية الأجنبية حتى لو كانت في صالح الجزائر، محذرا من أن يتحول الإنتخاب إلى الإكتئاب والإضطراب ثم الإنتحاب وسوء المصاب، وأوضح أن الإنتخابات امتحان مصيري عسير.. إلى أن يقول: إن الوطن يتسع لكل أبنائه، أيّا كانت قناعتهم  وأيًّا كان مذهبهم، وأن الوطن غفور رحيم، فلا نجعل من الإنتخاب  وسيلة للإكتئاب أو الإنتحاب، بل نريده مادة لتعميق الإنتماء والإنتساب وفي ذلك فصل الخطاب، على العموم يظل الرئيس بوتفليقة الذي قضى 20 سنة في الحكم يصنع الحدث، حتى وهو طريح فراش المرض، وحتى وهو مقعد على كرسي متحرك، ليس لأنه مجاهد أو "زعيم"، وإنما الذين منحوه هذه المدة هيا لهم أن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة مبعوث من الله كما قال مسؤول في حزب سياسي، أي أنه نبيٌّ وأن المحيطين به هم " الصحابة"، وهذه قمة الخزعبلات السياسية حتى لا نقول أن الذي يمثل الحزب القوي وعاءً بدأ يخرّف.

 

علجية عيش بتصرف

 

عبد الحسين شعبانلا تزال التطورات الحاصلة في فنزويلا تلقي بظلالها على عموم المشهد السياسي في أمريكا اللاتينية، لاسيّما لجهة التدخل الأمريكي، وتهديد واشنطن بعمل عسكري لدعم المعارضة بقيادة خوان جوايدو رئيس البرلمان الفنزويلي ضد حكومة اليسار البوليفاري بزعامة نيكولاس مادورو، ناهيك عن ردود الفعل الدولية، سواء من جانب روسيا أم الصين أم غيرها، الأمر الذي يثير خوفاً كبيراً، وقلقاً متصاعداً لما يمكن أن تؤول إليه الأوضاع في هذه الدولة الغنية بالنفط، والمحاصرة منذ عهد الرئيس هوغو تشافيز، وخصوصاً منذ العام 2006، والذي شكّل هاجساً جديداً لواشنطن بعد كاسترو وكوبا.

وإذا بدأ المزاج السياسي منذ العقد الأول في الألفية الثالثة بالميل لصالح اليسار في العديد من دول أمريكا اللاتينية، فثمة ارتكاس حصل فيه، ويكفي أن نطلّع على ما أفرزته الانتخابات الرئاسية في سبع بلدان خلال العام 2018؛ ليتبيّن لنا التغييرات الحاصلة في العديد منها؛ حيث بدأ يتشكل «توازن» مؤقت بين اليسار واليمين، وأصبحت الأنظمة القائمة تتأرجح بينهما.

ويعكس مثال البرازيل مثل هذا التوازن القلق، فبعد سنوات من التوجه اليساري، فاز اليمين فيه، في حين فاز اليسار في المكسيك بعد أن كانت بوصلة «مكسيكو» موجهة نحو الشمال، لكنها استدارت باتجاه أمريكا الوسطى، خصوصاً في ظلّ سياسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وتهديداته وابتزازه لبناء الجدار العازل، وموقفه من اللاجئين والمهاجرين.

ويبقى الموقف من اليسار أو اليمين مرهوناً بتغيّر الظروف والأحوال، فهو ليس ثابتاً أو مستقراً على طول الخط، وإنما هو تعبير عن تنامي الوعي لدى الناخبين للتصدي لظواهر الفساد المالي والإداري والسياسي من أيٍّ أتت، وذلك بمعاقبة النخب السياسية الغارقة فيه، وعدم التصويت لها، بل اختيار خصومها ليكونوا بديلاً عنها. وكانت البرازيل قد انتقلت من اليمين إلى اليسار، لتعود مجدداً إلى حضن اليمين. والسبب هو: «إنه الاقتصاد يا غبي»، حسب العبارة التي استخدمها بيل كلينتون خلال حملته الانتخابية الناجحة ضد جورج بوش الأب العام 1992، فالأزمات الاقتصادية لم تكسب اليمين أو اليسار أي مناعة، ولم يستطع الاحتياطي العالمي من النفط الذي تطفو عليه فنزويلا من إخراجها من وضعها الاقتصادي البائس، والسبب يعود إلى الضغوط الخارجية والعقوبات الأمريكية المفروضة عليها بالدرجة الأساسية، إضافة إلى السياسات الداخلية والفساد المالي والإداري، وفشل خطط التنمية التي لم تستطع توظيف الفوائض النفطية واستثمارها في التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية والضمان الاجتماعي والرخاء الاقتصادي، وغير ذلك من «الوعود» التي ظل الفقراء يحلمون بها.

أما الأرجنتين فقد سجلت انكماشاً كبيراً في النمو؛ بسبب السياسات الداخلية الخاطئة التي ظلّت تراهن على الاقتراض من صندوق النقد الدولي، والأمر في بيرو لا يختلف كثيراً؛ حيث أوقع الفساد البلاد في أزمة خطِرة.

وتعاظم ضعف الثقة في دول أمريكا اللاتينية بين النخبة الحاكمة وشعوبها، لدرجة أن بعض البلدان انقسمت بين التيارين اليميني واليساري، خصوصاً بارتفاع النبرة الشعبوية ذات الرنين العالي والمدعومة أحياناً من واشنطن. كما ارتفعت قوافل المهاجرين من شعوب هذه البلدان بقصد التوجه إلى الولايات المتحدة، وهذا وحده دليل على تقهقر الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، وتزايد البطالة، وتراجع مستويات العيش الكريم، ناهيك عن عبور مئات الآلاف من السكان خط الفقر إلى ما دونه، بأجور لا تزيد عن دولارين في اليوم. وينتشر العنف وتضعف الدولة أمام غول الإرهاب وانعدام الأمن. كما تنتشر المواجهات المسلحة في هذه البلدان بين مجموعات من المهرّبين وتجار المخدرات في المكسيك، وتتزايد التهديدات والابتزازات للسكان. وتشهد دول مثل الهندوراس والسلفادور وغواتيمالا التي تسمّى (دول المثلث الشمالي) نمو عصابات للجريمة المنظمة بشكل لافت؛ حيث ترتفع وتيرة العنف إزاء الشعوب الأصلية وسكان البادية والمدافعين عن البيئة والأرض والموارد الطبيعية.

والأمر يدلّ دلالة بالغة على فشل سياسات التنمية في تدبير وإدارة الأزمات الداخلية، إضافة إلى فشل سياساتها الخارجية؛ حيث تلعب واشنطن دوراً كبيراً في إذكاء الخلافات الداخلية والحساسيات المناطقية، فمثلاً تتنافس المكسيك والبرازيل حول «الزعامة الإقليمية»، ففي الوقت الذي تتجه فيه البرازيل نحو اليمين، وتلتحق بواشنطن وتنضم إلى الأرجنتين والباراغواي والأرغواي لتدخل في قطيعة مع اليسار، تفتح المكسيك حواراً سياسياً مع دول اليسار في مسعى لحل الأزمات.

ولم يتأخر رئيس البرازيل الجديد، ليثبت يمينيته وولاءه لواشنطن، في إعلان عزمه على نقل السفارة البرازيلية إلى القدس، بعد قرار ترامب بنقل السفارة الأمريكية إليها، من دون الاكتراث بعلاقات بلاده التاريخية بالعالمين العربي والإسلامي، على الرغم من عدم وجود ردود فعل عربية وإسلامية رسمية تتناسب وخطورة تلك الخطوة.

وهكذا فإن أمريكا اللاتينية التي كانت سبع دول منها خلال العقد الماضي تتجه صوب اليسار، إذا ببعضها يتراجع بشدة نحو اليمين، مثلما تستمر الضغوط على كوبا، وتواصل واشنطن حصارها على الجزيرة منذ خمسة عقود ونيّف من الزمان.

 

عبد الحسين شعبان

 

عبد الحسين شعبانسجّل التقرير الذي أصدرته مجلّة «الإيكونومست» البريطانية في نهاية عام 2018 أسوأ تراجع لمؤشرات الديمقراطية في العالم، وأشار إلى انحدار العديد من بلدان العالم منذ عام 2016، والتي قسّمها إلى أربع مجموعات؛ وهي:

المجموعة الأولى- الأنظمة الديمقراطية الكاملة؛ وتشمل 19 دولة تتربّع على رأسها الدول الإسكندينافية، وفي مقدمتها: النرويج والسويد، إضافة إلى أستراليا والأورغواي، وتبلغ نسبة هذه الدول إلى دول العالم 11.4%.

أما المجموعة الثانية - فأطلق عليها التقرير «الديمقراطية المنقوصة» أو «المُتصدّعة»، وضمّت 57 دولة، وبلغت نسبتها إلى مجموع دول العالم34.1 في المئة، وقد صُنّفت الولايات المتحدة من المجموعة الثانية، وكذلك فرنسا وإيطاليا والهند و«إسرائيل»، وكانت تونس الدولة العربية الوحيدة، ضمن هذا التصنيف.

المجموعة الثالثة- «الأنظمة الهجينة»، وشملت 39 دولة، ونسبتها إلى دول العالم 23.4%، وهي دول لا يمكن إطلاق وصف الديمقراطية أو الاستبدادية عليها، وإنما هي احتوت على عناصر من هذه وأخرى من تلك، تبعاً لمؤشرات الديمقراطية، التي حدّدها التقرير.

والمجموعة الرابعة- «الأنظمة التسلطية أو الاستبدادية» وعددها 52 دولة، ونسبتها إلى مجموع بلدان العالم 31.1%، وجاء ترتيب البلدان العربية بين المجموعتين الثالثة والرابعة.

وخلُصَ التقرير الذي درس حالة 167 دولة إلى استنتاج مثير؛ مفاده انحسار الديمقراطية؛ حيث لاحظ أن 89 دولة منها تغيّرت مراكزها وترتيبها الديمقراطي بما فيها بعض الأنظمة الغربية، تبعاً للمعايير التي استند إليها؛ وذلك حسب اقترابها أو ابتعادها عن المؤشرات التي وضعها.

ويثير الحديث عن الديمقراطية الكثير من الأسئلة ذات الطابع النظري والعملي في آن، فهل هي «أيديولوجية» جديدة؛ بعد فشل الأيديولوجيات والتجارب القومية والاشتراكية والإسلامية؟ أم هي وسيلة تقوم على آليات وأساليب حكم بغض النظر عن الأيديولوجيات؟ والأمر يتعلّق بالاحتكام إليها؛ لتفعيل إرادة الناس وحريّاتهم وحقوقهم في اختيار ممثليهم بانتخابات حرّة ونزيهة، وفي إطار من المساواة، مع تأكيد حكم القانون، وفصل السلطات، واستقلال القضاء.

وبعد ذلك، هل يمكن تحقيق التنمية بمعناها الإنساني والشامل أو ما يُطلق عليها «التنمية المستدامة» من دون الديمقراطية والحكم الصالح، خصوصاً وأنهما، حسب المؤشرات، رافعتان أساسيتان لتحقيق ذلك مع الالتزام بمكافحة الفساد في إطار من الشفافية والمساءلة؟ ولذلك فإن النكوص في بعض مؤشرات الديمقراطية، يستوجب البحث في وسائل وآليات جديدة لتعزيز جوهرها، وتعميق محتواها، وتوسيع دائرتها؛ لأن النظام الديمقراطي حتى الآن أفضل أنظمة الحكم التي ابتدعتها البشرية، الأمر الذي يتطلّب معالجة الاختلالات والتصدّعات التي ترافق مساره وتجديده باستمرار وفقاً لمتطلبات الحياة المتغيّرة دائماً، علماً بأن تصحيح الديمقراطية ينبغي أن يتم بوسائل ديمقراطية؛ وذلك يحتاج إلى المزيد من التفكير لابتكار أساليب جديدة في طريقة التمثيل على المستوى المحلي والبلدي وتلبية حاجة السكان الأساسية، المادية والروحية.

اعتمد التقرير على 5 مؤشرات لقياس الديمقراطية؛ هي: التعددية الحزبية والانتخابات، وأداء الحكومة، والمشاركة السياسية، والحرّيات المدنية، وثقافة الديمقراطية. ويعد صعود التيارات الشعبوية اليمينية واليسارية وانتعاش اليمين المتطرّف والعنصري وضعف العمل المؤسسي، وارتفاع النزعة الفردية ونكوص الدولة الوطنية أو تعثرها، من مظاهر انحسار الديمقراطية، خصوصاً ويأتي هذا التراجع في ظل ازدياد الهوّة العميقة في توزيع الثروة بين من يملكون ولا يملكون؛ حيث ما يزال 1% من سكان العالم، يملكون أكثر من 80% من الموارد.

وإذا كان تقرير «الإيكونوميست» قد شخّص حالة التراجع الديمقراطي لدول عريقة، فماذا سنقول بالنسبة للعالم العربي؛ حيث النزاعات والحروب الأهلية وصعود موجات الطائفية والنعرات العنصرية واستشراء التعصّب والتطرّف وتفشي ظاهرتي العنف والإرهاب التي ضربت بلداناً بكاملها ليس بعيداً عنها تداخلات إقليمية ودولية.

والسؤال الذي يثور هنا: هل هناك ديمقراطية واحدة أم ثمة توجهات مختلفة وخصوصية لتحقيقها مع مراعاة القواعد والمشتركات العامة؟ وماذا نسمّي الصين التي حققت تنمية هائلة خلال ربع القرن الماضي؟

ويمكننا القول استناداً إلى قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الصادر في 4 ديسمبر/كانون الأول عام 2000 بخصوص الديمقراطية، أنه لا يوجد نموذج عالمي واحد للديمقراطية، وأن الديمقراطية لها طبيعة غنيّة ومتنوّعة تنجم عن معتقدات وتقاليد اجتماعية وثقافية ودينية للأمم والشعوب، وإن جميع الديمقراطيات تتقاسمها خاصيات مشتركة، أي أنها تقوم على أساس المشترك الإنساني للتجربة البشرية الكونية.

وكان «المشروع النهضوي العربي» الذي أنجزه «مركز دراسات الوحدة العربية» وناقشه لأكثر من عقدين من الزمان وضع سبعة مؤشرات للانتقال إلى الديمقراطية، طبقاً للمعايير الكونية مع مراعاة الخصوصية:

أولها الحرّيات العامة وحقوق الإنسان، وثانيها تكريس التعدّدية، وثالثها إقرار النظام التمثيلي (المحلّي والنيابي)، ورابعها فصل السلطات، وخامسها إقرار نظام دستوري يحظى بشرعية شعبية، وسادسها التداول السلمي للسلطة، وسابعها إقرار نظام اجتماعي اقتصادي يتمتع فيه المواطنون بحقوق متساوية وفرص متكافئة.

 

د. عبد الحسين شعبان

 

زهير الخويلدي"إن البشرية لا تطرح على نفسها إلا المهام التي يمكنها حلها وان المهام لا تظهر إلا حين تتوفر الشروط المادية لحلها أو أنها على الأقل في طور التكوين" – كارل ماركس، مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي، مقدمة.

في الوقت الذي تنعم فيه عدة مجتمعات عربية بالاستقرار الشكلي والتعايش الخارجي في ظل أنظمة سياسية تقليدية استمدت مشروعيتها من نفوذ الأمس الأبدي ومن المحافظة على العادات والأعراف والتقاليد الاجتماعية تعيش مجتمعات عربية أخرى مجاورة حالة غليان ومخاض صعب وتتكرر مظاهر العصيان المدني وحركات الانتفاض الشعبي والنزول إلى الشارع والوقفات الاحتجاجية وتتزايد المطالب وترفع الشعارات المعارضة لبقاء المنظومة الحاكمة والمطالبة بالتغيير ورحيل الأجهزة السياسية الفاسدة والاستجابة لإرادة الشعوب ورغبة الجمهور في تحقيق الحلم بمجتمع سوي الذي تنظمه المؤسسات العادلة.

يقود اليسار في بعض البلدان الكثير من المسيرات وينظم التظاهرات ويتعرض مناضليه ومناضلاته للقمع والإيقاف والتنكيل والتهديد وفي بلدان أخرى تتزعم بعض الشخصيات المقاومة التاريخية مشهد الحركات الاحتجاجية وتلتحم بالطلبة والأمواج الشبابية المطالبة بالحرية والكرامة والطامحة نحو انتزاع الاعتراف.

يتحدث بعض المتابعين عن موجة جديدة من الربيع العربي بعد أن انطلقت الموجة الأولى من بر الأطلس الصغير وتركزت في بلد الثورة تجربة ديمقراطية تعددية ناجحة وتداول سلمي على السلطة دون بلوغ الطموح الاجتماعي العادل والمساواة القانونية التامة بين الفئات ولكنها فشلت في دول الأجهزة العسكرية القوية وفي المجالات السياسية القريبة من الدول التقليدية ووجدت الكثير من الاعتراض والالتفاف السريع.

تبدو نوايا المنتفضين صادقة وتوجهاتهم بريئة وإراداتهم سليمة وتظهر معظم الحكومات الكثير من الحيطة وينتابها الكثير من الذعر والتوجس والتخوف من التحركات الشبابية القوية التي عصفت بالشارع وتلتحم بها النخب من المثقفين والموظفين والمفقرين والمعطلين والمحبطين والناشطين والنقابيين والسياسيين.

بيد أن القوى المتربصة بالدول الآمنة وبالشعوب الحرة تهلل بحدوث مثل هذه الاضطرابات وتسارع إلى مناطق التوتر لكي توجهها وتتحكم فيها وتستثمرها لتحقيق مصالحها الخاصة وتسرعها لتطبيق أجنداتها وتساند مطالب المحتجين وتواكب كل تحركاتهم الاجتماعية وتدعمهم إعلاميا وتوفر لهم الإسناد السياسي.

لقد ملت الجماهير الوعود الزائفة والشعارات الرنانة والركوب على القضايا القومية بغية تأجيل المعارك الحاسمة والتنصل من المطالب الحارقة ويئست من التجديد الشكلي والمرور الصوري من نظام إلى آخر وقررت افتكاك زمام المبادرة والانتصار إلى ذواتهم الجمعية المقصية والمشاركة الميدانية والشخصية في الأحداث الساعية إلى إسقاط منظومة حاكمة قديمة وصناعة التاريخ وفتح الآفاق للناس في صنع المستقبل.

حرية أن يعيش المرء حياته كما يشاء وأن يتصرف حسب هواه هي حق طبيعي مشروع يجب أن يتمتع به كل كائن بشري ولكنها تضر بالآخر وتضع المزيد من القيود وتثقل كثيرا على حرية العيش التي نريد. أليست الثورة الشرط التاريخي للتحرر من الاستعباد والطريق الموضوعي للدولة للتخلص من الشمولية؟

لقد عاد شعار الربيع العربي من جديد يلوح بنفسه على مرأى ومسمع الجميع دون مباغتة على الرغم من التعتيم الشديد والرفض الكبير الذي قوبل به وسيطرت على الأجواء العربية حالة من الاستياء والرفض له للحكومات المتعاقبة وفي المقابل تعاظمت رغبة قوية للناس في الاستبدال الفوري وممارسة واقع التجريب السياسي واستنشاق هواء الحرية والعدالة وسعوا نحو توديع الانغلاق والتصلب وتكريس الانفتاح والليونة.

لم يعد المواطن العربي راهنا على يقين من ديمومة العالم في المستقبل ومن استمرارية الحياة السياسية في مجتمعه وذلك للفشل الذي مني به مجهوده المكثف والغزير لتحرير نفسه من براثن السلطة والمجهول.

قد يكون وراء ذلك الوضع المزري العديد من العوامل والكثير من الأسباب المباشرة وقد تكون الهيمنة التي تضطهد الناس على الصعيد السياسي وتخلف الشعور بالغبن والقمع والظلم وقد يكون التفاوت على الصعيد الاقتصادي وما يترتب عنه من احتكار للثروة وتهميش واحتقان وكراهية وحقد بين الطبقات وقد يكون الازدراء على الصعيد الاجتماعي الناتج عن التمركز والإقصاء وما ينتج عنه من عزلة واختناق.

بيد أن التزايد السكاني السريع الذي يرتبط بالنمو الدموغرافي المهم وما يشكله من فئات شابة صاعدة تائقة إلى الحصول على فرص شغل ومواطن أمل تحفظ كرامتها وتحقق بها إنسانيتها يمثل ضغطا هائلا على الحكومات العاجزة عن مواكبة التحولات المجتمعية والفاقدة للتصورات العلمية والبرامج المستقبلية.

بعد ذلك يأتي تهرم الأنظمة الحاكمة ودورانها في خلقة مفرغة وبقاء الأجهزة الإدارية والأطر الرسمية ضمن منطق بيروقراطي يعيد إنتاج السائد وتسرب الشيخوخة الى مختلف الدوائر التنفيذية والتسييرية وتعطل المرافق العمومية وتراجع الدولة عن توفير المنافع المشتركة والاكتفاء بخدمة بعض العائلات.

والحق أن تلبية ضرورات الحياة المادية وصرف بعض المستحقات المالية ومعالجة بعض الإشكاليات العالية لم تعتبر المعالجة الجذرية للأزمة الهيكلية التي ظل يعاني منها النظام السياسي العربي في نسخته الرديئة بل اعتبر مجرد تسكين للأوجاع وتضميد لجراحات الذاكرة وذر الرماد على العيون وتلهية للناس.

من المعلوم أن النظم السياسية العربية قد اتبعت أساليب قمعية في الحكم واعتمدت على استراتيجيات فاشلة وراكمت التجارب الخاطئة وانخرطت في المشاريع المعولمة دون تحفظ وأضاعت الفرصة التاريخية في ركوب قطار التقدم أو على الأقل اللحاق بالركب وأصرت على زرع بذور اليأس والانتفاض في أحشائها.

كما تدخل بعض الأنظمة الدولية المعادية سواء الغربية أو المزروعة غصبا في قلب الوطن العربي على الخط وتستغل خوف الحكام العرب من الربيع العربي وتتظاهر بتقديم العون وتقوم بابتزازها بوعدها بتوفير الحماية والأمن على المستوى الظاهري وتخطط لقلب الموازين لصالحها وإزاحتها من السلطة وتنصيب الموالين لها وإضعاف قدراتها الدفاعية وإنهاك سيادتها والتخطيط لنهب ثرواتها وخيراتها.

في هذا السياق يكثر الحديث عن الثورة والديمقراطية والسيادة والمواطنة وترتفع أسهم الأحزاب السياسية والتعددية والمنظمات الحقوقية وهيئات الرعاية الاجتماعية ويتم توظيف الذاكرة النضالية والثقافة الملتزمة بغية التحشيد والتعبئة والتأطير وترغيب الحشود للنزول إلى الشارع والتعبير عن امتعاضهم وسخطهم.

على هذا الأساس يدافع الناس على المجتمع ويناضل الشباب من أجل حقوق الإنسان والحريات العامة وتشارك المرأة في الحراك الاحتجاجي ويمارس المثقفون دورهم العضوي ويكرس الناشطون طليعيتهم ويطالب العقلاء بالإصلاح والتعديل والإنقاذ والنظام خوفا من الفوضى والانهيار الشامل ونسف المكاسب.

كما تجد القوى الثورية والتشكيلات الديمقراطية والحركات الإصلاحية والمغضوب عليهم من رجال المال ورواد مواقع التواصل الاجتماعي وأذرع الشبيبة الطلابية والهويات الثقافية المضطهدة والنقابات المهنية والشخصيات المستقلة والرموز الوطنية المشهورة الفرصة للالتحاق بجبهة الرفض والمطالبة بالتغيير.

في الواقع يحتاج المجتمع العربي راهنا إلى نحت سردية ثورية جديدة يجدد بها شبابها وينبعث من سباته الأنثربولوجي وينطلق نحو الاستئناف الحضاري والمشاركة في صناعة الكونية وصناعة التقدم المدني.

والحق أن معنى المساواة المعقدة الذي يطالب به مايكل والزار هو أن لا يستبعد ولا يقصى أي مواطن عن مجال اجتماعي أو خير موجود في ذلك المجال الاجتماعي بسبب وضعيته في خير اجتماعي آخر أو مجال اجتماعي آخر ضمن كتابه المثير  دوائر العدالة  والذي قدم فيه مرافعة دافع بها عن المساواة والتعددية. فهل يؤدي الصلح الإداري والموافقة الشاملة لمطالب المواطنين إلى كبح جموح الثورات الشعبية والتقليل من الشعور بالتذمر واستبعاد فرضية العصيان المدني وتمرد الجماهير المفضي إلى إسقاط نظام الحكم؟ ومتى ينصت الجميع إلى نسائم الحرية ويجعلون من زمن الانتفاض أعياد وطنية للخروج من التبعية؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

صائب خليلفي نهاية القرن التاسع عشر، احتل الامريكان كوبا، بحجة "تحريرها" كوبا. جومسكي وصف الحرب بأنها كانت تهدف "لمنع الشعب الكوبي من تحرير نفسه"، لأن ثورة كوبية كانت هناك ضد الاحتلال الاسباني، إلا ان اميركا ارادت إحلال نفسها محل الاسبان، ومنع البلد من الاستقلال. الانتفاضة الشعبانية وما تلاها، يثبت ان هذه السياسة الأمريكية مازالت قائمة، لكنها تطبق في الشرق الأوسط بتوجيه إسرائيلي ولأهداف إسرائيلية بحتة.

في مثل هذا اليوم، قبل 28 عاماً، اندلعت انتفاضة كان يمكن ان يكتب لها ان تكون انطلاق تحرير الشعب العراقي، وفرصته ليبدأ سلطته وسيادته على حياته ومستقبله، لولا أن ذلك "ممنوع" بشكل تام وبات، لتأثيره المتوقع على سياسة إسرائيل. تلك السياسة التي لا ترضى عن شيء سوى التدمير التام لكل دولة عربية بلا استثناء.

لذلك، لم يكن امام بوش الأب، بعد انتهاء "عاصفة الصحراء" باستسلام صدام حسين في خيمة صفوان، سوى نكثه للوعود التي قطعها للشعب العراقي بأن يقف معه في حالة ثورته على الدكتاتور، فلم يكتف بتركه للشعب  العراقي ليواجه مصيره الدموي وحده أمام الوحش الجريح، بل قام بالوقوف مع صدام حسين بمنع المنتفضين من الاستيلاء على أسلحة الجيش العراقي التي كانت تحت سيطرة الجيش الأمريكي، وإدخال نص في اتفاقية خيمة صفوان يحدد بشكل مباشر السماح لصدام باستخدام الطائرات السمتية (وهو ما يحتاجه بالضبط للقضاء على الانتفاضة)، واخيراً تجهيزه بالوقود ليقوم بمجزرته على الشعب العراقي، فقد كان وقود الطائرات والآليات قد نفد منذ وقت طويل.

الإعلام الغربي، كعادته في وصف الجرائم الأمريكية، أشار الى "خطأ" اميركا، ولام بوش الأب لأنه "لم يكمل عمله" بإزاحة الطاغية كما يفترض. إلا ان البعض لم يجد حاجة للتستر وراء حجة "الخطأ". فكتب "فريد زكريا"، والذي كان وقتها مدير تحرير الشؤون الخارجية في مجلة نيوزويك، في مقالته المعنونة "سافل بغداد" (The Villain of Baghdad):

"نعم هناك اغراء بالتخلص من صدام، لكن الحقيقة هي انه يخدم المصالح الامريكية"

ومضى شارحاً فكرته بالقول: "لولا القلق من صدام حسين، لنمت مشاعر العداء لأمريكا في الشوارع العربية".

ويمضي زكريا إلى القول: "لو ان صدام حسين لم يوجد، لكان علينا ان نخترعه. انه مسمار تثبيت السياسة الامريكية في الشرق الاوسط. لولاه لكانت واشنطن تتعثر اليوم في رمال الصحراء."

وكتب أيضا: "ان الشرق الاوسط بوجود صدام مقلم الأظافر، لكن القادر على التهديد، يساعد على تأمين مصالح اميركا"، مؤكداً "ان ادامة تواجد امريكي طويل الامد في الخليج امر صعب في غياب تهديد محلي".

إنها كلمات يجب ان تحفظ عن ظهر قلب، لمن يريد ان يفهم كيف تفكر اميركا وما هي الأخلاقية التي تتحكم بها. ونحن هنا لا نتحدث عن جهة عدوانية متطرفة فيها، بل العكس. فريد زكريا، ليس من صقور الأمريكان، وهو يكشف بهذا التحليل حقائق مهمة، تساعدنا ليس فقط على فهم الدوافع الأمريكية وإزالة وهم التفسيرات الأخرى التي انتشرت عن اسبابها للامتناع عن اسقاط صدام، وإنما ايضاً حول الكثير من الاحداث التي قد تثير الدهشة بدون معرفة هذه الخلفية. الحقيقة هي ان وجود صدام بالشكل الذي وصفه زكريا يخدم، بشكل افضل بكثير من اسقاطه، المخطط الإسرائيلي العام لاستخدام البندقية الامريكية لتدمير البلدان العربية، وخاصة العراق.

فلو انهم ازاحوا صدام في عام 91، لم يكن سيتاح لهم تعذيب الشعب العراقي بالشكل الذي حصل في التسعينات القاسية بالفقر والإرهاب واسقاط القيم والأخلاق استعداداً لاحتلال البلد، تماماً مثلما كان الأمر من مذبحة المطلاع للجيش العراقي المنسحب. وربما لم يكن حينها ممكناً أن يحققوا الفساد والتزوير وانعدام الكرامة الذي أتاح لهم الكثير من التدخل في تحديد تصرفات الحكومة وقراراتها وتحديد شخوصها من الضباط وصولاً إلى رئيس الحكومة في النهاية، وفرض الخاوة على بغداد لتدفعها لعملاء إسرائيل في كردستان والأردن، دون اثارة الاحتجاج الشعبي المتوقع.

لو كان ذلك قد حدث، لربما لم يتمكنوا من إعادة اغراق البلد بالديون وحل الجيش وتعيين قادته الجدد الذين اثبتوا ولاءهم لهم بتسليم المدن والسلاح لداعشهم. ولولا ذلك لربما وجدوا صعوبة في اقناع الكتل السياسية أن يخرجوا عن الدستور لتنصيب عميل لهم يصرح علنا بأنه لا يرى علاقة بين السيادة ووجود قوات اجنبية. رجل يتآمر علنا على النفط ويغرق البلاد في ديون صندوق النقد. لربما لم يتمكنوا من تحويل ثلث أموال العراق إلى عملائهم في كردستان، وتمكينها من تصدير نفطها لسد ثلاث ارباع حاجة إسرائيل، وبدون اية إشكالات.

لو تركوا الشعب يسقط صدام بنفسه، لكان عسيراً أن يبنوا بأنفسهم إعلاماً يبث السموم ليل نهار في الفضاء العراقي، في حرب كيمياوية مستمرة على وعي الشعب منذ 16 عاماً ومازال...

لقد منعوا الشعب العراقي من ان يحرر نفسه، ليس في عام 91 فقط، بل في مناسبات عديدة أخرى، وتعاونوا مع صدام مرات عديدة لكشف وقمع أية محاولة للشعب للتخلص منه. فيجب ان يبقى الشعب في قيوده، حتى يجهزوا له القيد الأكثر شدة وصلابة! إن عدم إدراك هذه الحقيقة عن الأهداف الأميركية، كلف العديدين حياتهم، ومنهم الدكتور راجي التكريتي ورفاقه. ودفع الثمن ذاته المنتفضون الذين صدقوا الوعد الأمريكي بدعمهم إن ثاروا. 

في مقالته تلك، كتب فريد زكريا: "تخيلوا مصير السياسة الامريكية في الشرق الاوسط، بدون صدام حسين وحركاته".

ويمكننا ان نقول اليوم: "تخيلوا مصير السياسة الأمريكية وقدرتها على تنفيذ مهامها الإسرائيلية في العراق، بدون عملائها وفاسديها على رأس سلطته"! "تخيلوا مصير دواعشها بدون عملائهم الضباط على رأس وحدات الجيش العراقي"!

مازالت سلطة اليد الإسرائيلية الضاربة – اميركا، على مختلف المؤسسات العراقية "باقية وتتمدد"، ومازال عملاؤها يحققون الإنجازات التي كان يصعب تخيلها يوما. المزيد والمزيد من ثروة البلد توجه لإسرائيل و "اصدقائها" عن طريق كردستان والأردن، وحرية اميركا في اختيار وتعيين قادة البلد تتزايد بشكل سريع ومقلق، مثلما تزداد ضيقاً، القيود الخانقة التي وضعت على رقبة البلد وحريته ومستقبله، حتى يكاد كل شيء ينهار. وما لم يدرك الشعب خطورة الأمر، وما لم يعتبر اخراج الأمريكان بدأً بقواتهم العسكرية، أولوية أولى لا يجب ان تنافسهم عليها أية اهداف أخرى، وما لم يتم اعتبار كل من يدعوا لبقاء الأمريكان أو يقول انهم ضروريون لحماية العراق، مأجور لا يختلف عن اعضاء داعش في أهدافه، ولا يقل خطراً عن قياداتها، فسينطبق علينا قول الشاعر التركي اليساري ناظم حكمت، إنما بشكل مقلوب، فنكتشف رغم كل ما مررنا به من أيام سيئة، " إن أسوأ الأيام، تلك التي لم نرها بعد!"

 

صائب خليل

 

من أجل تجديد العلاقة بين شعبين وليس بين زعيمين وحسب

يعتقد الكثيرون  من الفلسطينيين ومن مراقبي الشان الفلسطيني ان الاهتمام بالقضية الفلسطينية لدى الشعوب العربية  وكذلك الأنظمة العربية قد انخفض منسوبه خلال العقود الأخيرة وأنا إلى جانب هذا الرأي وأعزوه لعاملين واحد فلسطيني وآخر عربي.

بالنسبة للعامل الفلسطيني فإن انتقال نشاط منظمة التحرير الفلسطينية (م.ت.ف) من بيروت إلى شتى الأقطار العربية إثر الغزو الإسرائيلي لبيروت  صيف عام 1982 قد حد إلى درجة كبيرة إن لم نقل قد أوقف نشاطها "الثوري" ونقله من بؤرة الحراك الثوري آنذاك بيروت إلى  مراكز المدنية العربية حيث اصبح المقر الرسمي للمنظمة تونس. من هناك اصبحت تمارس عملا سياسيا صرفا إلى أن انغمست في عملية تفاوضية انطلقت في مدريد عام 1991 والتي كانت نتيجة مباشرة لما تمخض عنه احتلال العراق للكويت وهزيمته على يد التحالف الدولي الذي شكلته الولايات المتحدة آنذاك. إن التعقيدات التي نشأت منذ بدء العملية التفاوضية والتي استمرت حتى بعد توقيع اتفاقية أوسلو عام 1993 بين م.ت.ف وإسرائيل قد جعلت من الصعب على المواطن العربي أن يفهم ما يجري أما الأنظمة العربية فإن جميعها أيدت العملية عدا العراق (رغم أنه لم يعبر عن معارضته بشكل علني بسبب العلاقة الجيدة مع القيادة الفلسطينية) وسوريا في زمن الأسد الأب التي جاهرت بمعارضتها اتفاق أوسلو.

ومنذ دخول القيادة الفلسطينية إل أرض فلسطين بعد التوقيع على الاتفاقية المذكورة وحتى يومنا هذا جرى الكثير من الشد والجذب بين اسرائيل والطرف الفلسطيني بسبب تراجع اسرائيل عن تنفيذ التزاماتها وفق الاتفاق وسرعت من عملية فرض الوقائع على الأرض من خلال توسيع عملية مصادرة الاراضي الفلسطينية وبناء المزيد من المستوطنات على الأراضي التي يفترض أن تقوم عليها الدولة الفلسطينية أي الضفة الغربية وقطاع غزة  والجزء الشرقي من القدس. هذا الصراع بين الطرفين كان بالنسبة للشعب الفلسطيني ولقيادته  مثابة حرب حامية ومعلنة تشنها اسرائيل عليه وعلى ما تبقى من أرضه بينما كانت بالنسبة للجماهير العربية حربا صامتة لا يعرف موضوعها إلا من يتابع دقائقها.

وبالنسية للعامل العربي ودوره في حرف اهتمام الجماهير عن القضية الفلسطينية فكانت بدايته سنة 1980عندما كانت م.ت.ف لا تزال في بيروت وكان ابرز حدث في هذا الشأن هو اندلاع الحرب العراقية الإيرانية والذي يمكن القول أنه (أي الحدث) مهد الطريق للحرب التي شنتها اسرائيل على لبنان في 1982 لإخراج المنظمة إذ أن تلك الحرب المدمرة للطرفين أشرت بداية إخراج العراق من دائرة التأثير في الصراع العربي الإسرائيلي إذ أصبح الصراع ضد "العدو الفارسي" هو أولوية العراق على المستوى العسكري والفكري والإيديولوجي جندت له كل امكانات العراق المادية والإعلامية والتي انتهت بعد ثمان سنوات كما نعلم بتراجع العراق عن مطالبه (والتي شن الحرب بسببها الحرب) بالسيادة على كامل شط العرب والذي كان قد تنازل عنه لشاه إيران في اتفاقية الجزائر عام 1975 لقاء وقف الدعم الإيراني للحركة الكردية المسلحة وتحول العراق من دولة غنية إلى دولة مفلسة ترزخ بالديون وتعاني مشاكل داخلية عميقة سببها مخلفات تلك الحرب وانخفاض صادرات العراق النفطية إلى مستوى لم يكن يكفي لسد الحاجات الأساسية للشعب.

قبل ذلك وفي الشهر الأخير من عام 1987 اندلعت انتفاضة شعبية فلسطينية شملت كل قطاعات الشعب الفلسطيني وكانت من القوة والعنفوان والاستعداد للتضحية أن دوخت قادة إسرائيل العسكريين قبل المدنيين الأمر الذي دفع الجنرال السابق ورئيس الوزراء الإسرائيلي حينذاك إسحق رابين إلى القول أنه " لا يوجد حل عسكري للانتفاضة". هذا القول مثل اعترافا ربما لأول مرة بمحدودية قدرة القوة العسكرية على فرض حل على قضية شعب واستمرت الانتفاضة متجددة و بزخم لا ينقطع مع كل اطلالة كل يوم حتى أنه نقل عن رئيس الاتحاد السوفييتي آنذاك غورباتشيف أنه سأل الزعيم الراحل ياسر عرفات في لقاء بينهما "إلى متى ستكونون قادرين على الاستمرار على هذا النحو؟" لا أتذكر رد عرفات ولكن الشارع الفلسطيني كان يحيب على هذا السؤال المتشكك في كل يوم جديد.

في صيف 1990 وكانت الانتفاضة لا زالت في ريعانها حتى بعد مرور ثلاث سنوات على اندلاعها تتوتر أجواء الشرق الأوسط مرة أخرى فيما عرف بالأزمة بين العراق والكويت لتنتهي باقدام العراق على احتلال الكويت وتوجيه أنظار الشعوب والحكومات العربية مرة أخرى من فلسطين إلى مكن آخر. ومرة أخرى يخرج العراق خاسرا ومدمرا أكثر من المرة الأولى بفعل الحملة الجوية التي قادتها الولايات المتحدة لضرب البنية التحتية للعراق ونتذكر قول رئيس أركان الجيش الأمريكي آنذاك كول باول عندما قال "سنعيد العراق إلى ما قبل التصنيع" هذا عدا قتل أكثر من مائة ألف جندي عراقي كانوا ينسحبون من الكويت بواسطة القصف الجوي الأمريكي تلك المجزرة المروعة التي سكت عنها الغرب وكذلك النظام العراقي.

وكما نرى فإن الكارثة على الشعب الفلسطيني، عدا نكبة ال 1948 بقيام دولة إسرائيل وتهجير شعب كامل من أرضه،  قد جاءت مرتين من العراق الأولى بسبب الحرب مع ايران وتمهيد الطريق لاحتلال بيروت والثانية بسبب احتلال  الكويت والذي أدى إلى قتل الانتفاضة الفلسطينية ومهد الطريق لفرض التسوية السلمية غير العادلة على الشعب الفلسطيني. جرى كل ذلك تحت غطاء الشعارات التي كان يطغى عليها الحس الشوفيني أكثر بكثير مما كان يطغي عليها الحس بالمتطلبات الحقيقية للوحدة العربية وأولها الوحدة الداخلية وبناء اقتصاد متين يعتمد على نفسه وقبل ذلك تحقيق وحدة الرؤ ى الوطنية عبر وسائل ومؤسسات ديموقراطية وليس عبر حرب التصفيات الجسدية ضد كل صاحب رأي آخر حتى لو كان من نفس الحزب.

ومن بين العديد من القادة الفلسطينيين لم يكن الرئيس ابو مازن (اقول ذلك عن معرفة لم تأت من طرف ثالث) من نوع القادة الذين يدركون متأخرين وقوع الكارثة لذلك كان دائما موقفه بين التحفظ والرفض فيما يخص مغامرات العراق غير المحسوبة والتي انتهت بالخراب له ولجيرانه وللشعب الفلسطيني بشكل خاص.

لقد مثل رحيل نظام عاجز متهرأ في 2003 صدمة للكثيرين الذين كانوا لا يزالون يعيشون أوهام البطل الذي ياتي ليحررهم على حصان أبيض كما وصفه القائد والأديب الفلسطيني الكبيرالراحل توفيق زياد. بالطبع لم يكن الراحل زياد يقصد زعيما بعينه بل كانت دعوة لأن لا تنتظر الشعوب من يأتي ليحررها من الخارج بل أن تاخذ زمام المبادرة بنفسها وهذا ما أدركه الشعب الفلسطيني وعبر عنه في انتفاضاته العديدة.

لقد اعتبر الكثير من العرب أن الاحتلال الأمريكي أطلق  رصاصة الرحمة على الشعب العراقي وليس على نظام ولى  زمنه واصبح العراق بنظرهم لوحة مأساوية من المحزن النظر إليها. ومما زاد من ماساوية هذه الصورة اندلاع العنف الذي وضعه الإعلام الغربي والعربي الخليجي بشكل خاص في إطار حرب أهلية طائفية (بالطبع أريد له وعمل على أن يكون كذلك لولا الدور الحاسم للمرجعية الشيعية). فظهرت القاعدة ومن ثم داعش التي سيطرت على جزء من العراق وظن الكثيرون أن العراق لن يستفيق من كبوته لعقود. لكن العراقيين أثبتوا أن هذه الافتراضات، التي هي تمنيات للبعض، كانت خاطئة واستطاعوا أن يقضوا على التهديد وبدأ العراق باستعادة عافيته الأمر الذي دفع بالكثيرين لأن يعيدوا حساباتهم خاصة الدول التي حرضت على الطائفية ومولت وسلحت الإرهاب.

قال اللواء المتقاعد ومستشار المركز الأوربي لمكافحة الإرهاب عبد الكريم خلف في مقابلة تلفزيونية بثت مؤخرا أن دول الخليج أنفقت 200 مليار دولار على تمويل وتسليح المنظمات الإرهابة وأن  حصة السعودية من التمويل 40 مليار دولار (ثلاثة أضعاف الميزانية السنوية لبلد عربي غير نفطي مثل تونس) وأن مصانع السلاح في أوربا الشرقية (خاصة بلغاريا وبولندا) قد ضاعفت انتاجها من السلاح 15 ضعفا وشغلت 30 ألف عامل إضافي وهي كلها أسلحة ذهبت للمنظمات الإرهابية في العراق وسوريا.

ذلك هو الوجه الآخر للصورة التي أريد لها أن تكون صورة حرب أهلية لا دخل لأحد من الخارج بها في الإعلام الخليجي وكذلك الأوربي.

لقد سبق وأن قام الرئيس محمود عباس بزيارة العراق بعد 2003 على خلفية الاعتداءات التي حصلت على الفلسطينيين المقيمين هناك والتقى القادة العراقيين وتلقى تطمينات بأن ليس هناك اي جهة عراقية منظمة معروفة للحكومة أو للناس هي من قامت بالاعتداءات وحصل ما حصل لبعض الأخوة الفلسطينيين الذين تشردوا على الحدود مع الأردن قبل أن تقوم البرازيل باستضافتهم..

غيرأن زيارة ربيع 2019 تحمل معنى وبعدا مختلفا. فمن الجانب العراقي بدأ البلد باستعادة عافيته كما وبدأ يلعب دورا على المستوى الإقليمي خاصة بعد تولي ابراهيم الجعفري وزارة الخارجية ورأينا مواقفه فيما يخص سوريا وإيران حيث رفض القطيعة مع هذه الدول ورفض اختلاق صراعات لا مصلحة للشعوب العربية بها ولم يرضخ لأي ضغط أمريكي (إن وجد) بالاتجاه المعاكس. وهذا في حقيقة الأمر موقف جميع الزعامات العراقية منذ تاريخ أول حكومة منتخبة برئاسة الجعفري عام 2004 وانتهاء بحكومة الدكتور عادل عبد المهدي الحالية..

أما من الجانب الفلسطيني فإنه يتعرض لتهديد جدي لمستقبله تمثله ما يسمى ب "صفقة القرن" التي رفضها بشكل قاطع دون أن تظهر من الدول العربية مواقف مؤيدة له ورافضة لهذه الصفقة. ويخشى الطرف الفلسطيني أن تمارس عليه ضغوط عربية خاصة من قبل الدول التي تساعد في دعم ميزانية السلطة الفلسطينية أي أن تلجأ إلى الابتزاز المالي. ما الذي يستطيع الجانب العراقي أن يفعله لدعم موقف السلطة الفلسطينية وتعزيز صمود الشعب الفلسطيني؟ هناك الكثير مما يمكن أن يفعله وفي عدة جوانب

سياسيا:

- أن يتبنى ويدعم المطالب الفلسطينية في المحافل العربية والإقليمية والدولية ويؤيد رفضه لصفقة القرن من منطلق "نرضى بما يرضى به الفلسطينيون ونرفض ما يرفضوه"

- يرفض الضغوط ذات الطابع السياسي والمالي التي تمارس على الشعب الفلسطيني وسلطته لتقديم تنازلات ضد مصالحه الوطنية لأنه لم يعد لديه ما يقدمه بعد أن قبل حل الدولتين والمبادرة العربية وأن الضغط يجب أن يسلط على إسرائيل والولايات المتحدة.

ثقافيا:

-- تعزيز التقارب الثقافي من خلال دعوة الكتاب والأدباء والصحفيين  الفلسطيينين للمشاركة في المنتديات الثقافية العراقية ومساعدتهم في طباعة ونشر نتاجاتهم الثقافية والفكرية وبذلك توفر لهم الفرصة لمعرفة ما يدور في العراق عن كثب..

اقتصاديا:

- - دعم ميزانية السلطة الوطنية الفلسطينية والتي تعاني من ضغوط إسرائيلية بسبب قيامها بحجب مستحقات السلطة من أموال الضرائب على البضائع الداخلة لفلسطين .

- - فتح الأسواق العراقية أمام النتجات الفلسطينية الزراعية والمصنعة وإعفاءها من الضرائب

- - تشجيع الاستثمار المشترك لما للفلسطينيين من خبرة ومعرفة في هذا الحقل.

و ليس من المستبعد أن يتعرض القادة العراقيون لضغوط أمريكية  في قضية دعم الشعب الفلسطيني ولكنهم كما في السابق أظهروا  شجاعة في مواقفهم عندما رفضوا تحويل العراق لساحة للنشاط المناهض لسوريا وإيران.إن  التجربة تعلم أن الغربيين يضطرون (ولو على مضض) لاحترام المواقف المبدأية  عندما تكون مبنية على المصلحة الوطنية ذلك أن ما يقدم للشعب الفلسطيني في الظروف الحالية لا يعادل نقطة في بحر مما يقدمه الأمريكيون والغربيون إلى إسرائيل و لاتجد أحد يقول لهم  لماذا تفعلون ذلك فدعم الشعب الفلسطيني شأن عربي وإسلامي خالص يتوافق مع المصلحة ومع الأخلاق والواجب الإنساني و لا يتناقض مع القانون الدولي.

(لقد سمعت ولم أقرأ أن الولايا ت المتحدة قد عرقلت قيام الحكومة العراقية بتحويل  10 ملايين دولار لميزانية السلطة الوطنية الفلسطينية وإذا صح هذا الأمر فيمكن للجانب العراقي والفلسطيني أن يتفقا على آلية ما تتفادى هذه العرقلة وعلى الإعلام العراقي أن لا يسكت على شأن كهذا فلا نسمع به في الفضائيات العراقية غير الحكومية خاصة تلك المعروفة بتأييدها للفلسطينيين).

لقد كانت الكلمات المتبادلة بين الرئيس الفلسطيني والمسؤولين العراقيين ملهمة:

الرئيس أبو مازن: "ونحن جئنا إلى بغداد كوننا نعلم أنها مدينتنا ونعلم معدن الشعب العراقي الأصيل".

رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي: "ستبقى القضية الفلسطينية  هي القضية المركزية لنا جميعا وسنبقى ندافع عن حقنا في دولة فلسطينية على ترابها الوطني وحماية الحقوق الكاملة للشعب الفلسطيني" (لاحظ استخدامه كلمة "حقنا" جاعلا من الحق الفلسطيني حقا عربيا).

النائب الأول لرئيس البرلمان العراقي حسن الكعبي: "ما زلنا كشعب عراقي ننظر لفلسطين على أنها رمز وحدة الأمة العربية".  ثم: " إن موضوع التطبيع مع الكيان الغاصب مستحيل".

 

ثامر حميد

 

محمد العباسيالجولان هي هضبة تقع في بلاد الشام بين نهر اليرموك من الجنوب وجبل الشيخ من الشمال، وهي تابعة إدارياً لمحافظة القنيطرة (كلياً في ما مضى وجزئياً في الوقت الحاضر). تقع هذه الهضبة بكاملها ضمن الحدود السورية، ولكن في حرب 1967 تمكن الجيش الإسرائيلي من احتلال ثلثي مساحتها، حيث لا تزال إسرائيل تسيطر على هذا الجزء من الهضبة حتى يومنا هذا في ظل مطالبة سورية بإعادتها إليها..

أغلب الشعب العربي من السوريين الذين لا يزالون في الجانب الإسرائيلي من الجولان هم من الطائفة الدرزية، وقلة من العلويين.. وجميعهم يندرجون تحت مظلة القانون والقضاء والإدارة الإسرائيلية، رغم أن هيئة الأمم المتحدة لا تزال تعتبر الجولان أرضاً سورية محتلة. الغريب في الأمر أن في 1974 تم الاتفاق على خط هدنة بين "حافظ الأسد" والإسرائيليين مباشرة بعد حرب الـ 1973 بين مصر وإسرائيل وتحرير سيناء. فقد تقدمت حينها الولايات المتحدة بمبادرة دبلوماسية أسفرت عن إبرام اتفاق لفض أي اشتباك محتمل بين القوات الإسرائيلية والسورية، ونص الاتفاق على منطقة للفصل ومنطقتين متكافئتين من القوات محدودة السلاح على الجانبين في المنطقة وطالب بإنشاء قوة مراقبة تابعة للأمم المتحدة للإشراف على تنفيذها. 

وفي السنوات اللاحقة أدت قوة المراقبة مهامها بتعاون الطرفين وظل الموقف على القطاعين الإسرائيلي والسوري هادئا. ومنذ ذلك الحين يتعاون الطرفان بالكامل مع البعثة الأممية مما شجع وفتح الباب لحوالي 20000 مستوطن إسرائيلي للانتقال إلى الجولان وتحويلها بوضع اليد إلى أرض تابعة للكيان الصهيوني في ظل صمت رسمي سوري حتى يومنا هذا، حتى تجرأ "بنيامين نتنياهو " وأعلن منذ حوالي سنة فقط أن هضبة الجولان أرض إسرائيلية وستبقى كذلك إلى الأبد!!

وأنا لست هنا بصدد الخوض في قضية الجولان في ظل الظروف العربية البائسة، ولا نية لي في إثارة قضية الجولان كحجة على نظام الحكم في سوريا.. لكنني أطرح هذه المقدمة المختصرة لأخوض في مسألة إنسانية بحتة.. وضع أهلنا ممن صمدوا في الجولان ولم ينزحوا مع إخوانهم النازحيين حينها ممن إستقروا في إطراف دمشق هرباً وخوفاً من البطش الإسرائيلي.. هل يمكننا اليوم في ظل المآسي التي يعيشها الشعب السوري في وطنهم من بطش النظام السوري تجاههم أن نقول بأن أهلنا في الجولان محظوظين وأفضل حالاً في أرضهم المحتلة؟ هل سيستسلمون أخيراً ويرضون بالإنتماء للدولة العبرية؟ هل سيفقدون الأمل أو بقايا أي أمل في العودة والإنتماء إلى الوطن الأم والعيش في سلام وأمان وحرية و"كرامة"؟

هل ستدفع المآسي الواقعة على أهل سوريا بشكل عام خلال السنوات الأخيرة هؤلاء السوريين الصامدين في الجولان المحتلة أن يختاروا الكنف الصهيوني هرباً بجلودهم من عنف النظام السوري من جانب وسطوة الجماعات الإرهابية؟ فكثير من أهل بلاد فارس مثلاً يتندرون على أيام "الشاه" رغم مساوءه وظلمه.. وكثير من أهل العراق يتباكون على أيام "صدام".. وأغلب أهل ليبيا يتحسرون على دكتاتورية "القذافي".. وكذلك الأمر في أفغانستان بعد "نجيب الرحمن".. وربما هكذا سيؤول إليه الوضع إذا نجح أهل السودان هذه الأيام في تنحية "عمر البشير".. ولكم في بقية ضحايا الأنظمة السابقة في الكثير من دول العالم ممن إنقلبوا على حكامهم ثم ذاقوا الأمرّين ممن ظنوهم مخلصيهم أمثلة صريحة على فداحة الأثمان في طلب الحرية.. وليس العيب في المطالبة بالحريات، لكن العيب يكون دائماً فيمن نسلم لهم رقابنا دون أدنى بُعد نظر!

لذا لن أستغرب كثيراً إذا تحركت جموح من النازحين من هضبة الجولان منذ 1976 ممن استقروا في بعض بقاع سوريا بالمطالبة بالعودة إليها هرباً من المجاعة والقصف والتعذيب في معاقل "الأسد" وأعوانه من المرتزقة الإيرانيين والعراقيين والباكستانيين والأفغان، وطبعاً من المرتزقة من أتباع "حزب الله".. وهرباً من القصف الروسي الوحشي على مدنهم وقراهم ليل نهار، وخوفاً من الجماعات الإرهابية من أتباع الدواعش وأذناب القاعدة.. ولا أظن بأن نظام "بشار الأسد" سيمانع هروب المواطنين السوريين من ديارهم وملاجئهم في الداخل السوري نحو أحضان الكيان الصهيوني، فللنظام مآرب في تهجير غير العلويين وغير الشيعة من الأراضي السورية بكل الوسائل المتاحة.. فها هي تشعل النيران في محال المناطق السنية حول دمشق لإجبار أهلها على النزوح بدعم وتنفيذ الخطط الإيرانية ومطامعها في تحويل سوريا إلى ولاية شيعية خالصة تتبع النظام الإيراني والولي الفقيه.. والغريب أن الكل يعلم بأن النظام السوري العلوي لا يتبع المذهب الشيعي الإثناعشري ولا يؤمن بدين الإسلام ولا أي مذهب بعينه، بل يتبع الفكر البعثي الإشتراكي (المنحرف كلياً عن كل دين).

يقول المفكر والكاتب الفلسطيني "غازي التوبة" في ذلك: "لم يكن حزب البعث طوال الخمسين سنة الماضية "لادينياً" فقط، بل مارس العنف نحو الدين والمتدينين، وحاول اقتلاع الدين من حياة الشعب، واعتبره منبعاً للخرافة والأوهام والسلبية، واعتبره مطيّة للرجعيين والأغنياء، لذلك سخّف كل مقولاته، واعتبر أن الانتقال إلى النهضة والدخول إلى عصر الحداثة يتطلبان محو الدين من حياة الشعب" (الجزيرة.نت 2011).

كذلك كان العنف هو السمة التي ربطت قيادة البعث بجماهير الشعب السوري، فباستمرار كان هناك بطش بفئة من الفئات، سواء كانت طائفة مذهبية أو جماعة سياسية وحزبية، ولم يكن البطش قط تحت المظلة الدينية، بل كانت ضد كل كان يشكل تحدياُ للفئة الحاكمة وحزب البعث. ففي عام 1963 تم البطش بالناصريين، ثم جاء البطش بالإسلاميين عام 1964، وفي 1965 مورس العنف الوحشي من خلال قصف واحتلال المساجد في حماة وحمص ودمشق.. ثم جاء إقصاء الدروز والبطش بهم عام 1966، ثم جاء إقصاء الإسماعيلية والبطش بهم عام 1969، ثم جاء تدمير حماة عام 1982 والتنكيل بالمئات في مجازر هوجاء.. وها هو الآن يعود إلى العنف والقصف والبطش في مختلف المدن وتجاه مختلف جماهير وطوائف سوريا، في درعا وحمص ودمشق وضواحيها وأريافها، واللاذقية وبانياس ودير الزور وإدلب.. بل وها هي مدينة حلب التي صمدت عبر القرون الماضية ضد كل الغزاة والمحتلين من الروم والفرنجة يقاسون الويلات من نظام "بشار" وأزلام الإيرانيين وأتباعهم، ومن قصف الطائرات الروسية بلا هوادة.

وهكذا نعود إلى الحكم بأنه (من سخرية القدر) ربما يكون أهلنا الصامدون في الجولان هم الأوفر حظاً وأمناً في كنف الكيان الصهيوني الغاشم! فهل بلغ بنا اليأس والأسى في أن نرضى بمظالم الصهاينة رغم طول الصبر على شقاء الاحتلال الغاشم وبعد سنوات طوال من التمسك بعروبتنا والأمل في لم الشمل والعودة لكنف سوريا الأم حين نشقى من مآسي حكوماتنا وبنو جلدتنا؟؟ أو كما يقول المثل: "رب ضارة نافعة"!! ومؤخراً، في شهر فبراير الماضي رحل عن الجولان المناضل السوري "احمد القضماني" (ابو مجيد) عن عمر ناهز الـ83 عاما، الذي قضى عمره في النضال من أجل وطنه الأم سوريا، كما عرف بمواقفه الأمميّة المبدئية ومناصرته لفلسطين وقضيتها العادلة.. وقد تعرض القضماني للاعتقال مرات عديدة لمواقفه المعارضة لمحاولات فرض الهوية الإسرائيلية على السوريين في الجولان.. وشارك القضماني في صياغة الوثيقة الوطنية عام 1981 رفضاً لقرار الاحتلال الإسرائيلي القاضي بضم الجولان إلى دولته.

ربما رحل عن الجولان عشرات الأبطال ومات منهم من مات دون أن يرى بريقاً لعودة أرضهم المسلوبة للوطن الأم، غير أن الحلم الإسرائيلي المدعوم أمريكياً لم يمت بعد.. فقد ذكرت صحيفة "يسرائيل هايوم" العبرية قبل أيام، أن الحزب الجمهوري قد بادرا بطرح مشروع قانون ملزم، وليس تصريحي أو إعلاني، أمام مجلس الشيوخ الأمريكي، على أن أي تطرق أمريكي إلى إسرائيل وكل تعاون بين البلدين مستقبلا، سيشمل مرتفعات الجولان، باعتبارها جزء من إسرائيل. وأفادت الصحيفة العبرية بأن الصيغة المقترحة تشير إلى أن الحديث بأن السياسة الأمريكية هي الاعتراف بإسرائيل كدولة ذات سيادة على مرتفعات الجولان، حيث لا يتوقع أن يواجه المقترح معارضة من الإدارة الأمريكية. وأضافت الصحيفة أن مشروع القانون الأمريكي سيستعرض من خلال بنوده ما أسمته الصحيفة بـ"العدوان السوري" منذ إقامة إسرائيل في العام 1948، والتموضع العسكري الإيراني في سوريا في السنوات الأخيرة، كما يذكر القانون أيضا أن رؤساء الولايات المتحدة تعهدوا في السابق بأنهم عندما يضعون موقفاً بشأن قضية الجولان، سوف تؤخذ في الحسبان الاعتبارات الأمنية الإسرائيلية، وأن إسرائيل ضمت الجولان رسميا، في عام 1981 (موقع سبوتنيك عربي).

و قد دفعت الأحداث في سوريا والتهديدات الإيرانية في المنطقة لبحث إمكانية الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان السوري المحتل، إلى واقع عملي، إذ يبدو أن هذا الاعتراف أصبح وشيكاً في ظل التقارير التي تتحدث عن الانتهاء من صياغة مشروع قانون في هذا الصدد وعرضه على الكونغرس الأمريكي للنقاش من منطلق أن لدى الولايات المتحدة الأمريكية "مصلحة أمنية" بشأن ضمان تعزيز سيطرة إسرائيل على الهضبة، وأن هذه المصالح تحتم عليها إعلان اعترافها بالسيادة الإسرائيلية على الجولان بشكل نهائي. وتتمحور المناقشات حول إذا ما كانت هذه الخطوة ستحقق المصالح الأمنية للدولة العبرية وللولايات المتحدة الأمريكية من عدمه.. وقد توصل المجتمعون إلى فرضية أن الاعتراف الأمريكي سيحول دون قيام الجيش السوري مستقبلاً بشن هجوم مفاجئ لاستعادة الهضبة، وسوف يكون عليه الدخول في مسيرة سياسية عبر المفاوضات لاستعادة الجولان في النهاية، لكن الاعتراف الأمريكي بسيادة إسرائيل سيشكل رادعاً سياسياً أيضاً أمام السوريين. وربما لم تهتم أمريكا للتهديدات الإيرانية (الجوفاء) الآتية من بعيد فيما سبق، غير أن التواجد الإيراني في سوريا وعلى مقربة من الحدود الإسرائيلية تضع التهديدات في خانة من الجدية.. لذا لم تكف إسرائيل عن قصف التجمعات الإيرانية في سوريا، وإن كانت من باب التشديد على اقتراب الخطر الإيراني وإثارة الرأي العام في أمريكا على ضرورة التحرك من أجل حماية مصالحها في المنطقة

 

د. محمد العباسي

 

بكر السباتينصرحت الخارجية الأمريكية بأنه من المزمع دمج القنصلية الأمريكية في إدارة دبلوماسية واحدة، ونقل القنصلية التي كانت تعتبر سفارة أمريكية غير رسمية معنية بشئون الفلسطينيين، من القدس الشرقية إلى مبنى السفارة الأمريكية التي نقلت في العام الماضي إلى القدس الغربية؛ ما يعني بأن كل الملفات الفلسطينية التي كانت محجوبة عن السفارة المركزية ستنتهي إليها بعد قرار الدمج.

وأوضحت الوزارة بأن قرار الدمج لا يشير إلى أي تغيير في الموقف الأمريكي بشأن القدس. وكان وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو قد قرر في أكتوبر الماضي إنشاء وحدة دبلوماسية واحدة في القدس، وأعطى إعلان الوزارة اليوم الاثنين 4 مارس 2019 الموعد الرسمي لتنفيذ القرار. وهو قرار قد يبدو ظاهرياً بأنه برقراطي جاء لتوحيد الإدارة الدبلوماسية الأمريكية في القدس، لكنه في الجوهر يعتبر من أخطر القرارات التي يعوّل عليها في تنفيذ مشروع صفقة القرن من خلال تهميش الدور الفلسطيني وضرب استقلاليته في الصميم، وهي الصفقة التي ينتظر استئناف تنفيذها بعد ظهور نتائج الانتخابات الإسرائيلية المقبلة.

وتجدر الإشارة إلى أن السفير الأمريكي ديفيد فيردمان يعتبر من أشد المؤيدين لبناء المستوطنات في الضفة الغربية ومتحمس جداً لضرب الهوية الفلسطينية بكل ما أوتي من صلاحيات.

من جهته اعتبر الدكتور صائب عريقات كبير المفاوضين الفلسطينيين ذلك الإجراء، المسمار الأخير في نعش الدور الأمريكي الراعي لأية مفاوضات قائمة بين الفلسطينيين و"إسرائيل".. وكأن أوسلو لم تدفن منذ البداية ولم يأت الدود على بقيتها؛ لكنه دأب السياسيين في محاولتهم اليائسة بإيقاظ الأموات من سبات الأبدية.. وعليه فقد بيّن عريقات خطورة قرار الدمج منوهاً إلى أنه جاء لتهميش الفلسطينيين باعتبارهم أقلية في بلادهم بحيث لا يجوز التعامل معهم أمريكياً بشكل مستقل، وبدلاً من إجراء اللقاءات مع الفلسطينيين في مبنى القنصلية فإنه بعد تنفيذ القرار سيتم ذلك في مبنى السفارة المركزية في القدس الغربية من باب أنهم أقلية عربية في "إسرائيل"، فتقوم برعاية شئونهم وتتواصل معهم من خلال دولة الاحتلال التي "تحتضنهم". وهذا يعزز يهودية الدولة على وتطمس الهوية الفلسطينية.. ليتم التعامل مع الفلسطينيين كأقلية عرقية أو طائفية وبالتالي حفظ كل الملفات المتعلقة بالشئون الفلسطينية في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة في خزانة السفارة الأمريكية والتعامل معها كملفات إسرائيلية محضة.

إن سوء النية الأمريكية مبيت مسبقاُ، ويمكن إدراجه في إطار السعي الأمريكي وفق رؤية ترامب نحو تثبيت الهوية اليهودية لدولة الاحتلال الإسرائيلي على حساب الحقوق الفلسطينية.. وفي سياق ذلك نذكر بأن أمريكا هي التي أوقفت دعمها المالي للسلطة الفلسطينية، كما سعت جاهدة نحو إلغاء دور الأونروا الداعم للاجئين الفلسطينيين.. وإدارة ترامب بالتحديد تعلنها صراحة بإنها عازمة على تنفيذ أجندة صفقة القرن التي تستوجب تصفية جميع ملفات القضية الفلسطينية بما في ذلك القدس واللاجئين والمستوطنات وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.

وكنت انتظر من صائب عريقات بأن يعلن ما فحواه بأن الحقوق الفلسطينية لا ترتبط بقنصلية هنا أو سفارة هناك.. ولا تستمد قوتها من الراعي أو الخصم، ولا تخيفها صفقة القرن أو متصهين هنا ومطبع هناك، بل تعتمد على مدى تمسك الشعب الفلسطيني بحقوقه المشروعة المعترف بها من قبل المؤسسات الدولية، وثوابته وخياراته بما في ذلك العودة إلى الميثاق الوطني الفلسطيني الجامع، واعتماد خيارات مرادفة للنضال السياسي كالكفاح المسلح ودعم مسيرات العودة كشكل مبتكر من أشكال المقاومة الشعبية.

 

بقلم بكر السباتين

4 مارس 2019

 

 

ضياء الحكيمالقيم الحضارية الحياتية في تغيّر مستمر والصور المرئية منها تبقى للتدوين والتحليل والأختبار والمراقبة والمحاسبة. وإستعراض صورها يُذهل العقل .

يتعلم الأنسان بالصور المرئية أمامه التي هيجزء من هويته وتكشف له مايراه في هوية الأخرين ويتأثر بها . وينتزع حلاوتها ومرارتها نُضج التفكير الشخصي . والمثال عليها اليوم هي صورة الدول المانحة لمساعدة العراق مالياً وتخصيصاتها الوهمية لحكومته بعد إنعقاد مؤتمرها في الكويت يوم 14فبراير 2018 . وبعد سنة من ذلك الألتزام المالي تقف نخبة عدم الإختصاص العراقية الى جانب ممثلي هذه الدول يقدمون شكرهم وإمتنانهم للمنح والقروض الأستثمارية حتى وإن " لم تصل الى أغراضها" في إعادة إعمار المدن العراقية.شغلتني صورة الترحيب وسرعة تشكرات رئيس مجلس النواب دول المنحة المالية التي لايعرف أحدأ صحتها وسبب عدم إعلانها إن كانت حقيقية . كذلك لايعرف أحد المبادرات المتسرعة في إلقاء كلمات الترحيب لوقوف الأشقاء الى جانب العراق في الحرب على الأرهاب .هذه الصورة الحقيقية مرئية للأعين وحقيقتها تبرز في عدم توحيد الكلمة الحكومية ولايمكن أن تزال بشخطة قلم . صورة الدول التي نكلّت وأسهمت في دمار العراق إقتصادياً ومالياًوطالبته، ومازالتتطالب،بدفع تعويضات للكويت تقدر ب 52.5 بليون دولار، دفع العراق منها 41.2بليون دولار وفق ما صاغته الأيدي الدولية المعروفة بالتلوث ومص دماء الشعوب وزادت من إفقار العراق .إنها صور لايمكن إنكارها أو إخفاءها، حتى أن الأمين العام للأمم المتحدة السيد بان أمون طلبوترجى من الحكومة الكويتية تخفيف هذه الديون أو إزالة المطالبة بالمتبقي منها .

 ويبقى الأنسان يتعلم ويحلل بالصور المرئية أمامه بأنواعها، كالوثائق والملفات الورقية الرسمية، القراءة،الزخرفة،الرسم، الأفلام السينمائية،المسرحيات والأعلام السياسي المتلفز وقنواته. كلها صور رحلة سياحيةتنطبع في مخيلة الأنسان وتسير معه حياتياً.

وعندما تدور مخيلة الأنسان بالنظر الى صور أشخاص وتتجاذبنا شخصياتهم يصل تقييمنا لهم على ضوء الصور التي توضح ما إفتعلوه من أزمات وحروب بتحليل هوياتهم وميولهم وعقائدهم السياسية (هتلر وموسيليني وستالين والسادات ومبارك والقذافي وصدام والخميني ) وماإختمر في أذهاننا منها عنهم . لاخلاف على ذلك الخزين من الصور أو من ويبدأ بتقييمها سياسياً وفق الحركة المتحركة المرئية .

ومايهمني هو هوية الدولة العراقية الحالية التيلانرى مكانها بين الدول. وقادته لا يعلمون أن الزمن سبقهم . فالصورة المرئية عنها أنها دولة صراع وخلاف وحروب تتأجج لآتفه الأسباب . العراق ليس من الدول المتقدمة ولكن أقل ومانرجوه ان لا نكون في مؤخرة الدول شعباً وحضارةً وملجأ للتأخر ونشر التفرقة بسببالمتاجرة بالهوية المذهبية والقومية .

خذ الصورة المرئية في موجة التحضير للانتخابات الأمريكية القادمة لعام 2020 وسباق الزمن السياسي حيثيناقش الأمريكيون هوية أو جنسية المرشحين السياسيين وماروته عنهم الهوية السياسية Identity of politics. والمعنى المخفي منها أنها تشمل معرفة مكان وبيئة النشأة وأصل البلد للمرشح وكيف إنتهت بوصول الشخص الى أمريكا ومن يدعم خلفيته.

وعلى الأرجح سينقل الإعلام العربي أو سيهضم هذا المصطلح الأمريكي " الهوية السياسية" بشكل أو بأخر ويتوسع بعضهم في تعريفه بالرسوم الكلاميةوطرق تفسيره وبالأخص في العراق . فأمريكا للعرب هي الخصم والحكم، العدو والصديق في ثنائية غريبة، من حماة دول السيادة والأستقلال، وبنفس الوقت، المُدافع الحريص عن دول الأستبداد والأستغلال والتسلط .

هوية أمريكا السياسية في صورها لم تبدأ ولن تتوقف بالرئيس الأسود أوباما ونشأته وهويته. ولم تبدأ بالزعيم الأسود مارتن لوثر كينغوقبله منذ بدء نقل الرقيق من أفريقيا إليها ولن تتوقف عندها . فوفقاً لنظرية الهوية السياسية، فإن كل طائفة،سلالة، مكون مذهبي أو قومية، تسند نخبة مرشحيها لقيادتها نحو الحياة الأفضل. ويراها البعض بأنها عمل مناهض للقيم الأخلاقية ومنافي للتعاليم الدستورية الديمقراطية وحرية الأعتقاد المعطاة للفرد الأمريكي .  

هوية المرشحين للرئاسة الأمريكية لعام 2020، وبيئة نشأتهم تتغلغل الى العقل الأمريكي بشكل يتدارسه أساتذة الأدارة والعلوم السياسية بدهشة . فهناك أربع مرشحات للرئاسة الأمريكية من النساء ومن هويات أفريقية وهندية ولاتينية وربما ستدخل الحقل مرشحات أخريات ينادين بالأصلاح الديمقراطي وتعايش الأقليات بسبب سوء الأدارة الأمريكية الحالية للرئيس دونالد ترمب وتشويشها للجنسية والقومية والهوية المحمولة .

وفي العراق تتراكم وتتضاعف أزمة الجنسية والقومية والهوية وبيئة نشوء الفرد وأخطاء ما تنادي به أحزاب سياسية داخل قبة المجلس النيابي والحكومة من إختصاصينلم يعترف أحداً منهم مثلاً بأن قطع الطرق العامة مناطقية لأسباب إختلاف الهوية " كركوك وبغداد وديالى والأنبار" ولايكون بصب منصات كونكريتية اسمنتيةداخل شوارع العاصمة. ومع أنهم يمرون بها ويرونها يومياً، لم تعتذر أي شخصية سياسية بأن هذا عمل يعتبره الناس في غاية الغباء. 

وفي المرآة المتشضية اليوم، يناقش أعضاء مجلس النوابكيف سيتم إستعراض وإنتقاء شخصية لشغل وزارة الدفاع والداخلية والعدل بعد أشهر من المزايدات على خلفية هويةونسبوعشيرة وقومية المرشح . بكلمة واضحة إستعراض لعملية "توزيع المناصب"، تاركين الأطار الأهم في الخبرة والسيرة الذاتية وإمكانيات الطاقةالعلمية والأدارية للمرشحوكفاءته .

ثم يأتي إستعراض الدول الناصحة ودورها الأرشادي اللاواجب وللاضرورة له، والتي إنطبع بعضها في مخيلة حكوماتنا المتعاقبة . فالمطلوب من الحكومةضرورة تحويل النصح والأرشاد الى الأجيال الشابة وإدخالها مدارس التعليم، وإبعادها عن ساحة الصراع و التنصل عن معايير حقوق الإنسان. الدول الناصحة تُسيّر برلمان العراق والحكومة تستمع لهذه الدول وممثليها وفق مصالحها . وكذلك الأيدي العربية والأسلامية الخفية الملوثة بالجرائم أوقعت قادة العراق في فخ مخابراتها .

والصور التي ترافقني ويخجلني ذكرها هي تصور بلدي العراق مازال في دور الرضاعة. ويخجلني أيضاً تصور مدينتي بغدادفي دور النقاهة والسعي للتخلص من مرارة الهوية العنصرية والمحاصصة . ويغضب أصدقائي المقربين لإستعمالي بعض العبارات التي لا أقصد أنها تمثلهم وإنما الحالة المزرية التي ألت إليها الأمور بعد سنوات الحروب وماتركته في مخيلتنا جميعاً . والصورة التي نأمل في إبقاءها هي ان نفهم بعضنا بعضاًونهتم لبعضنا أخلاقياً وندرك موقعنا في عالم اليوم .

أخبرني ضابط عراقي مرة وبصحيح قوله " لانحتاج التدريب العسكري الأمريكي، فنحن جيش مدرّب". وها أنا أقول بطليق العبارة اننا " لانحتاج العنف والقتل والجريمة والأرهاب والسرقة والكذب وخلايا السرطان المنتشرة في جسد الدولة العراقية . ونعرف عن آثار الحرب على البيئة الحياتية .فنحن نعرف كل شيئ. فمادمنا نعرف فلنطبق الوجه الحقيقي للهوية كي نخلص من النواقص والثغرات والتعثر والاختناقات الاقتصادية والمالية" .

عقليتنا العراقية المتوارثة (بشكليها الحكومي والشعبي) يحملها أبناءنا في صور مرئية تكتسح مجتمعنا ونرى أمام أعيننا أناس يعيشون تحت خط الفقر والجهل وخيمت على عقول من يتلاقفهم من السياسيين وكأنه أمر طبيعي .خبرة لايمتلكها ممثليهم في تحقيق السلامة العامة للوطن والأخذ بالعامل والفلاح والجندي وصاحب المهنة الى السلام دون تلكؤ أو تغاضي أو تواطئ مع مذهب أو قومية حسب الهوية. فهل يتحقق حلم السلام بحرق الهوية العنصرية رغم عمق هذه الفجوات وتأصل الارهاب وإستمرار التقاتل اليوميومُسببيه ؟

تلتبس الأمور بعدما تكتشف أن خبرة الساسة والمراكز الأعلاميةتركّز على رائحة الهوية وجنسية العراقي لإبقائه في خانة الفشل " عربي كردي شيعي سنيمسيحي أشوري سرياني ألخ ......" . لاحظ المتخصصون وكيفبدأ العد التنازلي في قائمة الأسماء لإختيار وزير مناسب للدفاع والداخلية والعدل وفق الهوية الطائفية البيئية المخزية " المحاصصة " . والكلُ في مجلس النواب العراقي يبدو وكأنه درس علم الحديث وتخصص في علم الولاء لهويته المذهبية والقضاء والفقه وتفوق فيه . فهل سيكون في أستطاعتهم إختيار من يصلح بعد مرور أكثر من أربعة أشهر دون إتفاق ؟

وهنا تصح وقفة التأمل والتساؤل عن الطريق الى السلام وسلامة العراق وأهاليه بكافة مكوناتهم العرقية . لقد خالفوا ما تعلمناه من عطاء وتألق الهويةالوطنية الجامعة الأصيلةلكل المكونات . فالجميع يعرف مايعرفه الأفراد في "عدم الأشراك بالله وعدم إيذاء الناس " وأن الأنسان يعامل بمساواة في حالة التهمة ودون تفرقة في كل الأديان. وكما يقال :

People are of Two types. They are either brothers in faith or equal in humanity 

هذا الألتباس المخزي للهوية يعاود ويُدار للنقاش يومياً لإشغال الناس بعد أن إنفضحت فجوة الفساد المالي والأداري في العراق منذ 14 سنة،لم تعد مخيلة الحكومة والشعب والأعلام المموه تمييز الحقائق عن غيرها . والنتيجة المتوقعة هي سقوط أو صعود البعض سُلم السياسة حسب ما تقرره هوية المذهب . إنها أزمتي وأزمتك . معطياتي ومعطياتك. ثقافتي وثقافتك، كما انها شجاعتي وشجاعتك وأيهما المقبول منها،

 

ضياء الحكيم - باحث ومحلل سياسي 

 

علجية عيشالجزائر اليوم تتخبط في ظل التوتر القائم بين السلطة والمعارضة وغياب الحوار مع الجماهير ومحاولة تبرئة أشخاص هنا ولوم أشخاص هناك، وهي في حاجة الآن إلى حركة لا هي دينية ولا هي سياسية من أجل الدفاع عن الثورة الجزائرية وعن الجمهورية الجزائرية، في إطار مبادئ أول نوفمبر 1954 من أجل الخروج بحل يرضي الشعب ويكون في مستوى طموح الشعب ورأب الصدع والحفاظ على مؤسسات الدولة

مقال الدكتور محمد قماري الذي اعتدت متابعة ما يكتبه، وهو يتحدث عن سقوط المثقفين في مقال له بعنوان: "يسقط المثقفون" نشر في جريدة صوت الأحرار بتاريخ 24 جويلية 2008 عدد 3170، الصفحة 12، تحدث فيه عن موقف حركة الضباط الأحرار في مصر الذي كان مطلبهم الأساسي الإصلاح في بعض المناحي التنظيمية في الجيش وفي السياسة، بعدما نخر الفساد مؤسسة الدولة المصرية في عهد الملك فاروق، هذا الحراك الذي قاده الضابط محمد نجيب كانت نتيجته إبعاده عن السلطة بعد صراع بينه وبين جمال عبد الناصر، حيث لم يعد كما قال هو صوت يعلو عن صوت الزعيم، بل لا يسمح للزعيم أن يسمع صوتا آخر إلا أن يكون رجع صدى لصوته هو، ولا شك أن الدكتور محمد قماري يتذكر هذا المقال، الذي حسب اعتقادي صالح لكل زمان ويتماشى مع كل حدث يقع في الساحة العربية، لأن الأمر يتعلق بعلاقة المثقفين بالثورة، يقف فيها المثقف بين خيارين اثنين هما: إما الموالاة إلى حد يفقد فيها المثقف المبدع حركة التفكير الحرّ، أو يفضل الهجرة التي هي نوع من الانتحار للمثقف .

ولن أدخل في تفاصيل ما كتبه الدكتور محمد قماري الذي احتل مقاله نصف صفحة تقريبا، ولكن يمكن الإشارة أن حركة الضباط الأحرار في مصر تركت أثارها على كل المستويات، ليس في مصر وحدها بل في كل الأقطار العربية، ولعل حركة "رشاد" في الجزائر التي يقودها ضباط سابقون في المؤسسة العسكرية جعلوا من حركة الضباط الأحرار نموذجا، حيث كشفت مصادر عن المسيرة التي سنظمتها حركة رشاد والتي تنطلق من باريس ضد العهدة الخامسة، وهي كما هو معروف تحسب على التيار المعارض للنظام القائم الذي ظل على حاله طيلة 57 سنة، أي منذ الاستقلال إلى اليوم، دون أن يحدث أي تغيير جذري في البلاد، بعد عشرية سوداء كاملة منذ توقيف المسار الانتخابي في بداية التسعينيات، ولكن الشعب الجزائري المحب لبلده آمن بمشروع المصالحة الوطنية الذي وضعه الرئيس السابق اليامين زروال، وجسده الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة، لا لشيء إلا لإطفاء نار الفتنة التي قتلت الآلاف من أرواح الجزائريين في الوسط المدني والعسكري جلهم من الشباب، لكن الأمور كانت تزداد سوءًا يوما بعد يوم ولم تغيير القوانين ولا الدساتير من وضع البلاد، في ظل الأزمة المالية الخانقة، التي دفعت بالشباب إلى الهجرة الغير شرعية، مفضلا الموت عبر أمواج البحر على أن يعيش حياة الذل والعبودية المقننة، تحولت سواحل الغرب إلى محط أنظار السباب من اجل بلوغ الضفة الأخرى، لأن السلطة ظلت تحافظ على مصالحها الخاصة ولم تبادر في التفكير في مصالح الطبقة المحرومة في البلاد والوقوف مع المظلومين والمقهورين، ولم تحقق مجتمع العدالة.

و هاهي السلطة اليوم تستغل مرض الرئيس وعجزه عن مواجهة الشعب وعلى المباشر، لدرجة أنها أصبحت تفكر وتخطط وتقرر في مكانه، وتتكلم باسمه هو، بل أنها تعلن عن ترشحه، وهو لا يقدر حتى على الكلام، إن الحديث هنا ليس على الرئيس كشخص، بل من باب كونه مسؤولا، هذا المسؤول الذي ظل مدة 20 سنة في الحكم، دون أن يتحقق التغيير الذي ينشده المواطن، والقضاء على الفساد ومحاكمة مافيا المال والاقتصاد، وأمام إصرار الموالاة على بقاء الرئيس لعهدة جديدة وهو في حالته المرضية هذه، كان على الشعب أن يختار ويقرر، فكانت المسيرات السلمية التي انطلقت في الفاتح من مارس من يوم الجمعة، قادتها جماهير من الشباب رافعين شعارات عديدة ليؤكدوا أنهم مع الشعب وللشعب وبالشعب، وعلى الشعب أن يقول كلمة الفصل بأن الشعب لا يلدغ من نفس الحجر، والحقيقة أن تمسك السلطة بالرئيس المريض له معنيين لا ثالث لهما، وهو إما الحفاظ على مصالحها وإما أنها مغلوبة على أمرها، لأن قرار ترشيح الرئيس لولاية جديدة جاء من وراء البحار لخدمة أجندات أجنبية، وهذا يعني أن القوة الثالثة التي تركها الجنرال ديغول يوم مغادرته الجزائر في بداية الاستقلال هي التي تسير وتقرر، ولا خيار للشعب في أن يقرر مصيره بيده.

و هنا نعود إلى الدكتور محمد قماري الذي قال يوما أن "العالم غدا عالم بلا رجال"، نعم، هو أمرٌ يحتاج إلى إعادة نظر وأن يطرح السؤال من جديد: هل عقرت الجزائر ولم تعد تنجب الرِّجَال؟ وهي التي أنجبت الأبطال وقدمت أحسن الدروس لنهضة الشعوب الإفريقية وأروع الأمثلة في تحريرها من قيود الإستعمار؟، لدرجة أنها لم تتأقلم مع موجات التغيير التي شهدها العالم، وعجزت على تقديم البديل، بعدما عجزت جبهة التحرير الوطني في تقديم رجل في وزن العربي بن مهيدي، ومصطفى بن بوالعيد، والعقيد عميروش وعبان رمضان ومحمد الصالح يحياوي، واليامين زروال، وبعدما أخلط التكتل الإسلامي أوراق الإسلاميين، واستقطب مختلف التيارات التي تخالف توجهاته وإيديولوجياته، فقد قبل التكتل الإسلامي أن يصافح التيار العلماني من أجل الوقوف ضد مرشح السلطة دون أن يقدم برنامجا سياسيا واقتصاديا يعزز مؤسسات الدولة ويؤسس حكومة راشدة، تكرس الديمقراطية وتحقق العدالة الاجتماعية، وبذلك تحقق شعار: العيش معا في سلام، واليوم والجزائر تتخبط فهي في حاجة إلى حركة لا هي دينية ولا هي سياسية من أجل الدفاع عن الثورة الجزائرية وعن الجمهورية الجزائرية، وفق مبادئ أول نوفمبر 1954، ما نخشاه هو أن يتكرر سيناريو التسعينيات، وتدخل الجزائر في حرب أهلية ثانية، وأن يتكرر معها سيناريو "سانت إيجيديو" لحل الأزمة الجزائرية والخروج من المأزق.

 

علجية عيش

 

عبد الخالق الفلاحأن نجاح السياقات والخطوات الأمنية والعسكرية بتنفيذ المهام الموكلة بنجاح في ضرب الارهاب، في العراق وسوريا،، قياسا بتقلص الرقعة الجغرافية التي يتواجد عليها أعطت أكلها نسبيا، وهذا لا يعني ولا يعكس بالضرورة انتصارا نهائي أو زوالا للخطر والتهديد، انهيار هذه التنظيمات في مواقع ما في هذه البلدان لا يعني الانتهاء التام في الحرب على الإرهاب لأن الحرب العسكرية اذا لم تصاحبها حرب فكرية وإصلاحات اجتماعية وسياسية، وإنتاج ثقافة مضادة، والتقليص من الفقر والهشاشة، والفوارق الاجتماعية، وتأمين ظروف العيش الكريم، من شأن كل تلك العوامل تبقى الامور غير منتهية - بالإضافة طبعا إلى الإيديولوجيا التي تقدم قراءة مغلوطة ومبسوطة ومتطرفة للدين- كما ان انتزاع فتيل الصراعات المشتعلة في الشرق الأوسط، وإيجاد حل عادل لقضايا الدول المتضرر من جراء تلك الممارسات المجرمة  ووقف مخططات تفتيتها و التي ابتليت بهذه المجموعات الخبيثة ومساعدتها ماديا ومعنويا والتي باتت ترزح تحت تهديد انتشار النزعات الطائفية، التي تؤجج التطرف، وتخلق البيئة المناسبة لانتشارها والعمل على استئصال الأيديولوجيا الإرهابية، ونزع كل الأفكار والأيديولوجيات الخبيثة لدى افراد تلك المجموعات، وإدماجهم بالشكل الصحيح في مجتمعاتهم وفق معايير صحيحة  لأن نسبة مهمة من المنتسبين لتلك التنظيمات لا يمكن لها ان تترك هذه الافكار بسهولة. ويقول الفيلسوف الفرنسي جاكوب روغوزنسكي، " عن داعش والإرهاب، " بأن البطن التي أنجبت داعش ما زالت خصبة، في دلالة على أنه حتى وإن تم دحر داعش في موقع ما، فإن الأيديولوجية المتطرفة ما زالت موجودة، وأن ظروف نمائها واستشرائها مازالت قائمة، خاصة مع تعمق الشعور لدى الشباب بالظلم والتهميش والقهر، والخوف من المستقبل، وعدم الثقة بالمحيط الذي يعيشون فيه ".

كما يمكن العمل على تأسيس وحدات متخصصة في دراسة هذه الظاهرة الخطيرة، و تعمل على تجميع كل الوثائق والمصادر والمعلومات الجديدة والقديمة، وذلك بغية فهم التطرف والإرهاب، والسعي إلى محاربته بالاعتماد على الفكرحتى يتم القضاء على هذه الافكار ولا تجعلهم يعصفون بالمنطقة لأن أيديولوجياته مازالت مستمرة .

المجتمع الدولي يحتاج الى تظافر الجهود من اجل تطبيق قانون مكافحة الإرهاب وتسهيل عمل هذه القانون من خلال الزيارات الدورية لبعض الدول المشاركة وربطها بالتقنيات الحديثة والتطور التكنلوجيا لا سيما الجريمة الالكترونية وايجاد عقوبات رادعة لمنع التسلل تحت اي ظرف وخلق فرص تعاون فعال مع المنظمات الرقابية والاقليمية وتشديد عقوبات الجرائم وتجميد منابع الإرهاب، وبلاشك فأن عودة المجموعات  الارهابية الى العراق والأجانب والعرب إلى بلدانهم، تشكلان تحديات كبرى لمرحلة ما بعد داعش، و زوجاتهم اللواتي يشكلن خطرا كبيرا، لأن بعضهن لعبن دورا كبيرا في التجنيد، كما أنهن قد يؤثرن على أطفالهن الذين يشكلون هم أنفسهم خطرا إذا فاقت أعمارهم 6 سنوات، وذلك بسبب التأثير الأيديولوجي والعقائدي، خصوصا أنهم اكتسبوا تجارب ميدانية، حيث يقدر عدد العائدين المنحدرين من الدول الأوروبية بحوالي 5 آلاف شخص وهم في ازدياد، في مقابل ما يفوق 6 آلاف شاب من المنحدرين من منطقة شمال إفريقيا، ما تسبب في خلط أوراق النظام العالمي.

الإرهاب الجديد، خلق أنماطا جديدة من التفاعلات تختلف في بعض جوانبها عما كان معتادا في العلاقات الدولية لأن تلك الجماعات سعت إلى جعل الإرهاب ذا بعد عالمي، وأن هدفها الأساسي هو الترهيب، و قد نجحت بالفعل في ذلك و داعش عملت على خلق نموذج تعليمي خاص بها، يعتمد على أربعة عناصر، هي أولا المسلك التأويلي عبر تأويل النصوص تأويلات متطرفة، وثانيا إغلاق المعنى داخل الوعي واللاوعي، وثالثا ربط الجرح التاريخي بالمقدس، ثم أخيرا خلق مسافة بين الحياة والعصر من جهة والتدين من جهة أخرى، و لم يتم التركيز على النظام التعليمي الذي تبني مناهجه على التحايل في قراءة النص الديني وتأويله وتوليد مفاهيم خاصة بالإرهاب، وهو ما أدى إلى استشراء العنف المتبادل في العالم، بسبب فعل العنف مع داعش وغيرها، وعنف رد الفعل مع القوى العالمية.

ولهذا، فنحن اليوم في مرحلة ما بعد داعش في أمس الحاجة لاعداد  دراسات جديدة لتقوية الفكر والوجدان والتحديات المستقبلية لمواجهة التطرف بكل اشكاله، و تجليات وتحولات التطرف في البلدان وما يمثله من تحديات مستقبلية جوهرية للدول وذلك بعد سقوط وانهيار التنظيمات الارهابية في مراكزه الرئيسة في العراق وسوريا والذي لازال يمثل الخطر المحدق بعد انهيار الخلافة و يحتاج الى تظافر الجهود المشتركة وتحمل المسؤولية وتبني مواقف والاستفادة من هذه التجارب لانها تمثل تحديا للعالم كله و تهديد أمنه واستقراره .

 

عبد الخالق الفلاح –باحث واعلامي

 

عبد الجبار الجبورييبدو أنّ الرئيس ترمب، قد إستعّجل وأعلن القضاء على داعش في سوريا بنسبة مئة في المئة، وهو يدرك أنّ داعش لم ينتهِ بعد، ويشنُّ عملياته الإجرامية على شكل ذئاب جريحة وعصابات منفردة، كما يحصل في صحراء الانبارونينوى وصلاح الدين ليصطاد بها مواطنين يجمعون الكمأ، أو هم يغيرون من الأنفاق التي يختبئون فيها، على قرى نائية جدا كإثبات وجود لاغير، ولكن إستبق الأحداث ليؤكد للعالم، أن أمريكا هي من دحرت داعش، وقضت عليه في العراق وسوريا، ليمهّد لمعركة أكبر، ويتفرّغ لمواجهة إيران وأذرعها في العراق ولبنان واليمن وسوريا، فماهو السيناريو الذي يريد تطبيقه، في مرحلة مابعد داعش، فهناك جملة مؤشرات على الارض، يعمل عليها الرئيس ترمب، ليحقّق أهدافه وإستراتيجيته تجاه إيران، لاسيّما وإنّ إيران وأذرعها يشكلّان تحديّات كبرى للمشروع الامريكي في الشرق الاوسط، وقد أجّلَّ تنظيم داعش الإجرامي تطبيق، وتنفيذ هذا المشروع، الذي توّهم المُجرم بوش الإبن بتطبيقه، حال إسقاط نظام صدام حسين الوطني( ليضرب عدوّين بحجر واحد )، إذ تفاجأ بقوة المقاومة العراقية الباسلة، التي أذلته وأذلت جيشه، حتى إضّطر على سحْبه، الرئيس أوباما نهاية عام 2011، وسلّم العراق لإيران وميليشياتها وأحزابها كما صرح الرئيس ترمب نفسه، و التي أوصلت العراق، الى ماهو عليه الآن، من خراب ودمار وفشل، وأوجدت لنا ظاهرة داعش الارهابية، كرد فعل طبيعي، على حالات الثأر والانتقام والحقد التأريخي على العراق، وقيام حرب طائفية أهلية منذ عام 2006 وللآن، فتركة الرئيس الفاشل أوباما، للرئيس ترمب صعبة جداً، في المنطقة عموما والعراق خاصة، لذلك نرى أن مهمة الرئيس ترمب الآن في العراق، صعبة جدا إن لم نقلْ مستحيلة، في كيفية التخلّص من ميليشيات وأحزاب ايران الحاكمة، وضرورة تحجيمّها، لتنفيذ الصفحة الأصعب، وهي مواجهة إيران وميليشياتها في المنطقة، فبدون الانتهاء من التخلص من الميليشيات الايرانية في العراق، لايمكن التوّجه لإيران وفتح جبهة عسكرية معها، إنطلاقاً من الأراضي العراقية، تماماً كما حصل وأنْ فتحت ايران حدودها للمجرم بوش لغزو العراق، كما إعترف الرئيس هاشمي رفسنجاني وخطيب جمعة قم بطهران، وهكذا كيفما تُدين تُدان، وعلى الباغي تدور الدوائر، إذن وكما نرى ونحّلل الأحداث وإستراتيجية الرئيس ترمب البطيئة، أن الرئيس ترمب عليه إستحقاقات إنتخابية رئاسية، وأوضاعه في داخل امريكا سيئة، مع خصومه في الكونغرس ومجلس النواب، وعليه أنْ يستثّمر فرصة تأريخية لفوزه لدورة ثانية للرئاسة، وهي تحقيق نصر عالمي كبير في الخارج، لينعكس على الداخل، وهذا النصر لايتحقّق إلاّ في أمرّين إستثنائيين هما( القبض على ابو بكرالبغدادي، وإسقاط نظام الملالي في طهران)، وبغيرهما لايمكن للناخب الأمريكي إنتخابه مطلقاً، ويعدوّنه فاشلاً، ولم يحقق أي إنجاز عالمي أونصر في ولايته، وهم ينظرون إليه الآن على أنه يهتم بالسياسة الخارجية أكثرمن السياسة الداخلية، ولنعّد الآن الى الآوضاع في العراق، بعد أعلان الرئيس ترمب نهاية داعش، ففي العراق يجري الآن إنتشار عسكري امريكي كثيف جدا وغير معلن، في قواعد خارج المدن، وانشاء قواعد عسكرية جديدة، في وقت تنكر حكومة عادل عبد المهدي والأحزاب، أي تواجد امريكي في العراق، بينما يستعّد برلمان العراق، للتصويت على إخراج القوات الامريكية كافة من العراق، وهو القرار الذي تصرّعليه إيران بأجنحتها وأحزابها وميليشياتها في العراق، وترفضه الكتل الكردية والسنّية وبعض الشخصيات الشيعية وكتلة النصروزعيمها حيدر العبادي، وأمام هذا الإصرار الايراني، تجيء زيارة الرئيس الايراني حسن روحاني، بالتزامن مع إنعقاد جلسة البرلمان، ليضمن التصويت ويهدد من لايصوت للقرار، باخراج القوات الامريكية من العراق، وكان وزير الخارجية الايراني ظريف بزيارته، قد مَهّد الطريق أمام روحاني، والتقى بالأحزاب والعشائروالشخصيات مبلغهم ترغيب وترهيب القيادةالايرانية، في وقت أبلغتْ الإدارة الأمريكية بكل وضوح وهدّدت الحكومة العراقية، وحكومة الاقليم والأحزاب الكردية، حال التصويت على القرار، (سوف تنسحب أمريكا كلياً من العراق وتترك العراق لمصيره مع عودة داعش وسطوة وهيمنة ايران وميليشياتها)، وعليهم أن يختاروا بين أمريكا وبين أيران وداعش، إذن الآن بدأ الصراع الفعلي بين الطرفين، وساحة الصراع هي العراق، التي منهُ ستنطلق شرارة تحريره من القبضة الايرانية وميليشياتها وأحزابها وإسقاط نظام الملالي، كما ترى وتعلن الادارة الامريكية، لتحقق هدفين بآن واحد، هو تصحيّح( خطأ غزو العراق)، والتخلص من نظام طهران، وتطبيق مشروعه اقامة الشرق الاوسط الكبير، وهذان الهدفان لايتحققان، إلاّ بالتخلص من ايران أولاً، ثم إنجاز (صفقة القرن) مع الدول العربية وفلسطين، وهذاالهدفان يسيران الآن بشكل متوازٍ بنجاح واضح، ولكن لايمكن لصفقة القرن أن تتحق وتنجز، قبل إنجاز طي صفحة إيران، التي تزعزع أمن واستقرار المنطقة، وتقف حائلا أمام تحقيق صفقة القرن بصورة وبأخرى، أعتقد أن قرار انسحاب القوات الامريكية من العراق لن يمرّر أبداً في البرلمان العراقي، وذلك لحصول متغيّرات وإنشقاقات داخل ألأحزاب الشيعية الموالية لإيران، وفشل تشكيل حكومة عادل عبد المهدي بسبب الصراع بينهم، فالبرغم من وساطة حسن نصرالله، مع زعيم التيار الصدري في لبنان للتصالح مع المالكي ورفص الصدر التصالح، فإن إنشقاقاً قوياً يُهدّد بالإحتراب داخل منظمة بدر ضد هادي العامري وجماعته، في وقت أعلن نوري المالكي إعتراضه وخشيته من رحيل القوات الامريكية في هذا الوقت بالذات، وهي كما يعلم الجميع (تقية) لإسترضاء الأدارة الامريكية، التي فتحت وزارة الخزانة الامريكية، تحقيقات في فساد نوري المالكي ووولده وأصهاره، وتعاملاته المصرفية مع بنوك ايران والحرس الثوري، اما تيار الحكمة فتوافقي في الامر، ولم يعلن رأيه الصريح، وربما لايصوّت على القراربضغط وترغيب امريكي له، إذن التصوّيت على القرارسيفشل بسبب الصراعات والخلافات بين أجنحة إيران، وأجنحة أمريكا في البرلمان، وهذا ما يفتح الباب على مصراعيه، لتنفيذ خطوات أسرع، في مواجهة مَن يريد للقوات الامريكية الرحّيل، وربما تحصل مواجهة عسكرية، بين الميليشيات و بدعم ودفع ايراني، ورئيسها الذي سيبلغ الأطراف قراراته اذما فشل التصويت، وزيارة روحاني تدخل في هذا الهدف الأساسي لها، ونعتقد بأن الزيارة ولدتْ ميّتة تماماً، وجرى الماء من تحتها، وقضي الامر الذي كنتم فيه تستفيان، فقرار الحرب أتخذ في وارسو من قبل التحالف الدولي، ومؤشرات هذا واضحة، وأبرزها الاستحضارات العسكرية الأمريكية الهائلة في المنطقة والعراق، والحصار الاقتصادي الأقسى في التأريخ الذي بدأت إيران تترّنح من جرائه، وقرار بريطانيا وضع حزب الله على لائحة الارهاب الدولي، وفرضت عقوبات قاسية جدا على أنصاره، في حين هدّدتْ بريطانيا الحوثيين في اليمن، وقلبتْ عليهم الطاولة يوم أمس، وطلبتْ من الأمم المتحدة ضرورة تنفيذ قرارات مؤتمر السويد فورا، بإنسحاب الحوثيين من الحديدة، وهكذا تعمل فرنسا والمانيا، إذاً هناك إصراروإستعداد دولي، على رحيل نظام طهران، بالحصار الاقتصادي أو بالقوة العسكرية التي جعلت الكّي آخر العلاج، بإعتقادنا جازمين ان الادارة الامريكية والرئيس ترمب لن ينسحب من العراق، تحت أي ظرفٍ كان، ومهما كّلف الادارة الأمر، لأنّ إنسحابها من العراق، يعني هزيمتها في الشرق الاوسط، الذي يمّثل العراق قلب الشرق الاوسط ومن يسيطر عليه يسيّطر على المنطقة والعالم كله ...

 

عبد الجبار الجبوري