لم يأخذ الامر وقتاً طويلاً حتى يتأكد العراقيون بصورة عامة، والجمهور الشيعي بأغلبيته بصورة خاصة، للوصول الى قناعة ثابتة مفادها، أنهم بصدد مواجهة خطر عظيم ومن نوع مختلف في أعقاب سقوط بغداد في بداية عام ٢٠٠٣.

عوضاً عن بناء نظام سياسي ديمقراطي متين، يضع العراق كدولة وكمجتمع على أرضية صلبة، ليكون من خلاله دولة محترمة مهابة من قبل الجميع، وينعم بالأمن والأستقرار والتقدم على كافة الأصعدة، أرتضى رجال الدولة بكل أطيافهم الفكرية والمذهبية والعرقية،  "شيعة/سنة/وكرداً"، نظاماً ديمقراطياً أذا جاز لنا التعبير معيباً [الديمقراطية التوافقية]، لتكون هي الحالة الحاكمة للعراق والعراقيين بكل ما تحمله هذه الديمقراطية المزعومة من فساد وطائفية ومحاصصة مقيتة وتدوير لكل سارق متخلف يتبع هذا الحزب أو ذاك، أو هذا المذهب أو ذاك، فكانت الكارثة. ولا عجب في وصول العراق الى ما وصل أليه، لأن هذا النظام السياسي المعيب يمنع كل محاولة جادة لتثبيت ديمقراطية حقيقية.

في الديمقراطية التوافقية، تختفي كل المعايير الطبيعية والتي تحكم العمل السياسي والأخلاقي، وما يبقى على أرض الواقع لا شيء يمت للديمقراطية الحقيقية من صلة.  لنأخذ مثالاً هنا ؛ أن الكتل الشيعية الكبيرة والتي يقع على عاتقها تكوين الحكومة بعد كل انتخابات برلمانية، تدرك تماماً طبيعة وتوجهات المكونات الأخرى التي يجب عليها بفعل هذه الديمقراطية التوافقية أن تدخل معها في معمعة تشكيل الحكومة (العرب السنة/والكرد)، والحديث هنا بالتحديد عن رموز هذه المكونات والتي كانت شريكة في خراب الدولة، والعكس صحيح؟ 

أنه ببساطة نظام معطوب مقتبس عن الحالة اللبنانية البائسة في الحكم والتي آفرزت دولة ومجتمع مفكك تتسلط فيه قوى لا علاقة لها بالسياسة من قريب أو بعيد، لكنها بالتأكيد تستند الى ابعاد طائفية وقومية وقبيلية فردية بالمجمل. لكن السؤال هو، لماذا أرتضت هذه القوى الشيعية الفاعلة في العراق بعد السقوط أن تكرر الحالة اللبنانية الفاشلة، في مقابل محاولة جادة في بناء نظام سياسي فاعل يقود الى بناء دولة وطنية محترمة؟

قبل الأجابة على هذا السؤال، علينا أن نفهم بعض القواعد الأساسية التي تحكم الديمقراطية الفاعلة في كل بلدان العالم.  الديمقراطية في جوهرها تعني حكم الأغلبية، مهما كانت هذه الأغلبية في حساباتها الرياضية [الزيادة العددية في الأصوات والتي تقود الى زيادة عددية في البرلمان]، وتفاني هذه الأغلبية في قيادة البلد والحفاظ على  وتأمين كل حقوق الأقلية المواجهة لها في العمل السياسي، وكل تعريف أخر للديمقراطية لا يأخذ بالحسبان ما نذهب اليه هنا، نعتبره شذوذ يسئ للديمقراطية كمفهوم ويعيق أي محاولة جادة لبناء ديمقراطية محترمة، هذا من الجانب النظري.  أما على الجانب العملي، فأن قيادة الأغلبية والحفاظ على حقوق الأقلية، يعتمد على مجموعة آليات والتي يجب ان يقر بها الجميع، مثل كيف تعين الأغلبية ؟  وكيف تكون حدود حرية التعبير وإبداء الرأي؟ وكيفية طرح القوانين للنقاش العام؟ وهل تستطيع الأقلية من إيقاف قدرة الأغلبية على الاستبداد بالراي؟ هذه كلها تحدد ضمن تصور عام وشامل يشترك فيه الجميع.  شخصياً ارى ان العراق لا زال يحبو في هذا الامر .

لنعود الأن الى سؤالنا الذي طرحناه آنفاً، يبدو لي واضحاً، أن تصوراً عميقاً للدولة كمفهوم واسع ذو أبعاد وطنية، تسامحية، يشمل عدلاً ومساواةً للجميع في كل نواحي الحياة، لا سيما المشاركة الفاعلة في الحياة السياسية لم يتطور للأسف لدى الطبقة السياسية الشيعية بالتحديد والتي تصدت للمسؤلية بعد سقوط الطاغية في العام ٢٠٠٣ .

التصور هو، أنك عندما تضع نفسك في مستوى المسؤلية وقيادة شعب ما، لابد أن يكون لك تصوراً واعياً ودقيقاً لطبيعة الدولة المرغوب بها، وألية الوصول الى هذه الدولة وكيفية بنائها.  للأسف، لم يمتلك قادة الشيعة هذه الرؤية، وهذا أمر يدعو للسخرية.

هذه المعضلة البنيوية في طبيعة التفكير السياسي الشيعي ينوه آليها كاتب شاب هو رائد عطايف، ففي أشارته الى محنة العراقيين في هذا الصدد يقول، "كلما تجد حديثاً عن الدولة، تأكد أن النخبة السياسية الشيعية في العراق بعيدة كل البعد عنها، لأن المفهوم طبقاً للسيد عطايف لا يزال طارئ أو غريب عن ذهنيتهم".  *

حتى نكون منصفين يجب أن نحسب للسيد عطايف جرئته هذه والتي شخصياً لا اعتبرها نوع من المبالغة أو التجني على طريقة تفكير رجل السياسة الشيعي، لكنها تأتي ضمن سياقات مبنية على أرضية صلبة وكلها تؤكد أن النخبة السياسية الشيعية لم تكن مهتمة بمسآلة أعادة بناء الدولة العراقية التي دمرها صدام حسين وعلى مدى عقود من الزمن.  لكن جرأة السيد عطايف فيما يتعلق بتصوره هذا، توقفت عند بُعد واحد (الشيعة)، وأهملت ربما من دون قصد، البعدين الآخرين في العملية السياسية (نخب السنة العرب/والكورد)، فهولاء لا يبدو انهم يمتلكون اَي تصور عن شكل الدولة العراقية التي يريدون ان يصبحوا جزء منها، وتخبط الكورد يعطينا الانطباع الواضح عن مأساوية اشكالية بناء الدولة في العراق.

الواضح أيضاً آن هذه النخب الشيعية كانت مستعدة للقيام بمهام اخرى، يوضحها لنا، العضو البارز في حزب الدعوة الأسلامية في العراق السيد عزت الشابندر حيث يقول، "جئنا لملئ الفراغ الذي أحدثه أحتلال العراق وسقوط نظام صدام حسين عام ٢٠٠٣، وكانت مسؤليتنا السياسية والفكرية كحزب هو بناء نظام أسلامي، لكننا وجدنا آنفسنا أبعد ما يكون عن هذه المهمة، كما أن مسألة بناء دولة وطنية محرم في ادبيات الحزب، فعليه قرر قادة الحزب الذهاب في أتجاه طائفي كحالة أو طريقة سهلة لتسلم السلطة في العراق من جهة وللتعامل مع بقية أطراف هذا التوجه الطائفي من بقية المكونات الاخرى". *

حتى أوضح موقفي، أنا لست في صدد الانتقاص من هذا الحزب الذي له تاريخه وشخصياته المحترمة والتي كان لها مواقف في الحراك السياسي المعارض لسلطة البعث حالها حال بقية الأحزاب الدينية والعلمانية التي عارضت النظام ذاته وقدمت التضحيات، لكنه نقد موضوعي ممزوج بوجع كبير يحاكي وجعاً عراقياً أشمل وأوسع كان يأمل في حالة أفضل مما طرحته حقبة قيادة حزب الدعوة للعراق، كما أن هذا النقد لا يستثني على الإطلاق بقية الأحزاب الدينية السياسية الشيعية الاخرى، كالمجلس الأعلى قبل تفككه، والحركة الصدرية والبقية الباقية من الأحزاب الشيعية الاخرى التي انبثقت حديثاً عن المجلس الأعلى والحركة الصدرية، لكن التركيز على حزب الدعوة يستند الى عديد السنوات التي تسلم هذا الحزب فيها مقاليد كل شيء في العراق، حيث قاد هذا الحزب حتى بعد أنشقاق السيد حيدر العبادي عن الحزب الام ١٢ سنة، ثلاث دورات أنتخابية كاملة، كان للمالكي فيها دورتين أي ٨ سنوات وللعبادي ٤ سنوات، وهذا في عمر بناء الدول وقت طويل قد يكون كافياً للتأسيس لدولة محترمة، لكن شيء من هذا القبيل لم يحدث، وهذا الامر بحد ذاته يعطي بعض من مصداقية لكلام السيد الشابندر الآنف الذكر.

مهما كانت محاولات السيد العبادي للإصلاح، فهي بالمحصلة النهائية جاءت متأخرة جداً، وعلى أنقاض خراب تام عّم الدولة العراقية بأجمعها تسببت به سياسات السيد المالكي وبقية الأطراف الفاعلة في العملية السياسية، ولانها أصطدمت بواقع مؤلم نجم عن أجتياح عصابات داعش لثلث مساحة العراق وسقوط ثلاث محافظات كبيرة في شمال العراق وغربه تحت سيطرة هذه العصابات، الامر الذي تطلب عشرات المليارات من الدولارات وعشرات الآلاف من الشهداء لتحرير هذه المدن.  لم يفعل السيد عبد المهدي الشيء الكثير فأطيح به بثورة شبابية عمت كبريات المدن العراقية في الوسط والجنوب بحثاً عن التغيير المطلوب، في بناء دولة وطنية عابرة لكل المسميات وأطرها العامة العدل والمساواة بين العراقيين، وكذلك الامر بالنسبة للمرشح الجديد لرئاسة الوزراء السيد مصطفى الكاظمي. فالسيد الكاظمي لن يكون بمقدوره الخروج عن أطار منظومة الفساد التي أسس لها كل الشركاء في العملية السياسية.

أن وجود الدولة يرتبط جوهرياً بوجود أبعادها السياسية والاقتصادية والقانونية.  وأن المواطن العادي يدرك أهمية وجود هذه الدولة من فاعلية هذه الدولة بأبعادها المذكورة أعلاه.  لا يحتاج هذا المواطن العادي إن يمتلك عقلاً تحليلياً فلسفياً عميقاً لإدراك مفهوم الدولة، فما يتحقق على ارض الواقع كفيل أن يكون من خلاله المرء اَي تصور عن الدولة أيجابياً كان هذا التصور أم سلبيياً.  ولكي أكون واضحاً هنا، فأن نقدي الموضوعي هذا للنخب السياسية والدينية الشيعية التي انخرطت في العمل السياسي، لا يقل حدة عن نقدي للفاعلين الآخرين في هذه العملية السياسية الفاسدة، أعني على وجه التحديد [النخب السنية والنخب الكردية]، كما ان استخدامي لمصطلحات مثل (الشيعة/ السنة/ الكورد)، هي محاولة بسيطة منا للتأصيل لواقع مختلف نراه كما يراه بقية العراقيون معارض تماماً لواقع الحال الذي إرادة له هذه النخب من ان يكون هو النموذج لكل العراقيين، نموذج (طائفي في مقابل نموذج وطني جامع) هم بمقابل نحن.

خلاصة القول، أن المشكلة في عراق مابعد السقوط عام ٢٠٠٣، تتحد بطبيعة الاختلالات الهيكلية التي اعتمدت في آلية بناء الدولة العراقية الجديدة، وهذه الاختلالات الهيكلية لا يمكن أصلاحها من خلال سياسات أرتجالية مؤقتة، بل من خلال تحليل دقيق لما حدث، والعمل حسب روئ واقعية، وتحديد خارطة طريق شاملة للخروج من أزمة بناء الدولة الوطنية تحضى بموافقة كل الأطراف الفاعلة في العملية السياسية. أنه أمر ليس بالهين بكل تحديد، وحدوثه يحتاج الى أرادة.

 

عقيل هاشم عبود

...........................

* رائد عطايف: "ماذا فعل الشيعة عندما كانوا في الحكم"، UltraIraq, July 2019.

*عزت الشابندر، "أقامة الدولة الوطنية ممنوع في ادبيات حزب الدعوة والطائفية أسهل"، في حوار له على فضائية دجلة العراقية، برنامج وجهة نظر، نبيل جاسم، 7/11/2019.

 

 

علي حيدر الحساني تحوّلت الكرة الأرضية الى سجن كبير بفعل الحاكم (كورونا) الوباء العالميّ الذي بدأ من الصين ونشط فيها ليتحول منتشراً يسري الى بلدان العالم ليفرض سطوته على الشعوب، إنّه الفايروس الجديد الذي  يهدّد النّاس، والمرض الفتّاك الخطير الّذي لا دواء له إلا بالإحتياط منه وتجنبه بفعل البقاء  في المنزل وإتباع الإرشادات الصحيّة وحملات التّوعية التي تطلقها السلطات، وفي العراق نعيش أياماً من الحظر مقرونة بالخطر الممزوج بالقلق عبر متابعة قنوات التلفاز والبحث في مواقع التواصل الإجتماعي، لنشهد مدنناً وعواصم عالميةً  في حالة الحجر الصحي وغالبيتها تحولت الى مدن أشباح، وقد شهدنا إغلاق المطارات والحدود وإيقاف الأنشطة والتجمعات الدّينية والترفيهية وغيرها، وممّا زاد من متابعتنا لهذه الأخبار هو فسحة الوقت الكبيرة التي فرضها علينا الفايروس عبر المكوث في البيوت، وقد تحوّل الوباء بمرور الوقت الى مايعرف بــ(الجائحة)، حتى أصبح الأقرباء والأصدقاء ممّن يحتمل  نقلهم للعدوى وإصابتنا بهذا الوباء، بل وأكثر من ذلك صار الفرد منّا يخاف على نفسه من نفسه لو فكّر مثلاً في أن يدعك عينيه أو يلمس فمه دون أخذ الحيطة وخصوصاً في حالات الخروج من المنزل لشراء مستلزمات منزلية مهمة.

 إنّ العالم اليوم يعيش  ظاهرة مرضية خطيرة و فتّاكة لم يسبق لها مثيل وهذه الظاهرة تستدعي التعامل معها بكثير من التأمل والحكمة والتحلّي بروح الصبر وتحمل المسؤولية والإنصات لذوي التخصص بواقعية وحرص شديدين، والعمل بتوصيات المؤسسات الصحية العالمية منها مثل توصيات (منظمة الصحة العالمية) والدوائر الصحية المحليّة المختصّة المتمثلة بوزارة الصحة العراقية، وممّا يؤسف له هو ظهور بعض الآراء والتحليلات بين النخب وعامّة النّاس عبارة عن استقطابات سياسية وإيديولوجية من خلال بث جدل النقاشات والتفسيرات بين العلمانية والتديّن، و ترحيلها على مشهدنا السياسي العراقي المعقد، بعضها يعدّ حالة صحيّة ستلقي بظلالها على تغيّر العديد من المفاهيم والبعض الآخر يندرج في خانة التسطيح و الإستمرار في تجهيل المجتمع، ناهيك عن تحليلات وإشاعات المنجّمين والسحرة والمشعوذين التي تفتك بسواد المجتمع .

وفي خضم هذا الحدث كان لدور المثقفين والمفكرين كل حسب طاقته وجمال تخصصه الدّور الأبرز في مواجهة التحدّيات وتنشيط دورهم التنويري الفاعل في تشخيص المشكلات وبذل الجهود النيّرة في سبيل إيجاد الحلول الناجعة، إنّ عالم اليوم بما يحتجنه من مراكز بحوث متقدمة منشغل إنشغالاً كبيراً ويبحث في إيجاد علاج لهذا الفيروس لإنقاذ البشرية، لقد كشف هذا الفايروس الإهمال الكبير في المجال الصحي لدول العالم وقلة العناية في هذا المفصل الحيوي سواء بتوفير العلاج الأساسي ونقص المستلزمات التي تطلبتها المرحلة فمستشفياتها تعاني من نقص أقنعة التنفس الّتي تنقذ حياة الملايين المهددين بالموت، لقد وضع الفايروس دول العالم أمام إمتحان عسير، هل ستترك أو تخفف هذه الدول من غيّها في الصرف على صفقات الأسلحة وهدر ميزانيات ضخمة على التسلّح  وأسلحةَ الدمار وجيوش جرّارة ؟ هل ستدرك هذه الدول هذا الخلل الكبير في المجال الصحي، فتنفق عليه ما يجب إنفاقه لإنقاذ حياة النّاس ؟ هذا ما ننتظره بعد إنجلاء الجائحة .

كنت أعتقد منذ زمن بما يصوّره لي الغرب أنّه عالم مثقف مليء بالمبادئ الإنسانية من خلال شواهد عديدة يسوّقها لنا الغربيون وكأنّهم إنسانيون أكثر من كل العالم من خلال تسويقهم لنا بعض الشواهد كاهتمامهم بالحيوان وإنشاء مؤسسات ضخمة تعنى بالرّفق بالحيوان ومن خلال توفير فرص عمل للعاطلين عن العمل ولكن كلّ ذلك في وقت الرفاه فكنت أعتقد أنّ الإسلام تطبيقاً هو في بلدانهم وتشريعاً في بلداننا وعندما حمي الوطيس واِصْطَكَّت الأسنّة واشتدّ البلاء بظهورعارضٍ مرضيٍّ هزّ العالم من أقصى الأرض الى أدناها ظهرت الحقائق و انكشفت الخفايا ليتجسد الإسلام تطبيقاً عند أهله من أصحاب (لا إله إلاّ الله، محمّد رسول الله)، فرأينا تطبيق حديث رسول الله (ص): "ارحَموا مَن في الأرضِ يَرحَمْكُم مَن في السَّماءِ".

فرأينا التراحم والتكافل الإجتماعي تطبيقاً على أرض العراق بلد الأنبياء والأئمة بلد علي بن أبي طالب الّذي كان أشدّهم اهتماماً بالنسبة الى المساكين وذوي الحاجة، وكأنّ صدر الإسلام عاد من جديد لنرى التضحية باديةً و المسير على خطا أهل البيت " عليهم السّلام " الّذين نزلت في حقهم الآية المباركة : " وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا "، هذا هو مشهد المسلمين في زمن الكورونا فأين دول الرفق بالحيوان فنلاحظ أنّ هذه الدّول لم يتجسد رفقها بالإنسان، إذن أهتمامهم بالحيوان لم يأتِ إلاّ عن غريزة ذاتية من باب اللهو بالحيوان لكي يسعدهم وليس حقيقة الرفق به، وهنا نتساءل هل سيصبح العالم ما بعد كورونا عالماً متصالحاً خالياً من الحروب والدمار والأوبئة والتلوث؟، أعتقد أنّ العالم لن يكون ما بعد الوباء كما قبله، وسنرى تغييرات على صعيد الأفراد والمؤسسات وتحوّلاً كبيراً في الكثير من السياسات وستتأثر العديد من المعتقدات وتتغير العديد من المفاهيم .

 

علي حيدر الحساني

 

محمود محمد عليفي عام 1680 م من القرن السابع عشر هدد الملك الأثيوبي الحبشي " تكلا هايمانوت" الحاكم المصري بسلاح المياه عندما قال: " إن النيل سيكون كافياً لمعاقبتك، فحيث أن الله قد وضع في أيدينا ينبوعه وبحيرته ونماءه، ومن ثم يمكننا أن نستخدمه في إيذائكم".

قصدت أن أستهل هذا المقال بتلك الكلمة لأبين أن أزمة سد النهضة التي تتعرض لها مصر خلال السنوات الماضية ليست وليدة ثورة 25 يناير، وإنما لها أبعاد تاريخية وسياسية .

تاريخياً : كانت سياسة محمد على وأسرته هى النفاذ إلى عمق إفريقيا، وبوجه خاص إلى منطقتي حوض النيل والقرن الأفريقي، وذلك بعد إهمال طويل؛ حيث تحولت الطبيعة الاستعمارية الأوروبية في العالم وفي أفريقيا في تلك الأثناء من المرحلة التجارية، التي كان الأوروبيون يكتفون خلالها بإقامة مراكز تجارية على شواطئ البلدان، إلى المرحلة الصناعية التي كانت تتطلب الاستيلاء على الموارد الطبيعية والمواد الخام اللازمة للصناعة، على نحو دفع القوى الأوروبية للمزيد من التوغل في عمق القارة الأفريقية.

ثم تابع الخديوي إسماعيل ( 1863-1879م) سياسة محمد على، بالنفاذ إلى عمق سواحل البحر الأحمر، والاستيلاء على مينائى "مصوع وسواكن" من الدولة العثمانية، ثم النفاذ إلى منطقة "بوجوس"، فى محاولة للوصول إلى عمق الأراضى الأثيوبية والسيطرة عليها.. كما سعى إسماعيل للحصول أيضًا على ميناء "زيلع" على الساحل الصومالي من الباب العالي، مقابل دفع 15.000 جنيه سنويًّا إلى الأستانة، وكان الاستيلاء على زيلع أمرًا في غاية الأهمية لإسماعيل، لأنه يضع كل الساحل الأفريقي للبحر الأحمر تحت السيادة المصرية... في إطار تلك السياسة التوسعية سعى الخديوي كذلك للسيطرة على إقليم "بوجوس" التابع للحبشة الذي تحول إلى قاعدة للاعتداء والسلب والنهب على المناطق التابعة للسيادة المصرية حوله... أثار التوسع المصري في ذلك الحين مخاوف حكام الحبشة، وتدهورت العلاقات بين البلدين، خصوصًا بعد حدث الاستيلاء على إقليم بوجوس، الذي اعتبرته الحبشة اعتداءً على أملاكها.

وهكذا اتسمت العلاقات المصرية الإثيوبية بطابع الحساسية القومية والدينية منذ زمن بعيد، وأصبح الصراع على مياه النيل، هو نقطة التفجر الدائمة لهذه الحساسيات والتعقيدات التاريخية، وقد كانت أثيوبيا في ذلك الوقت تسمي "برج مياه أفريقيا"، وكانت لها القدرة علي التحكم في شرايين المياه التي تصل إلي السودان ومصر، وحتي منتصف القرن الماضي كانت دولة منعزلة، ضحية، تعيسة لتجارب القوي العظمي، مشغولة بمشاكلها الضخمة؛ كالتمرد، والحرب الأهلية، والتفكك، والمجاعة، والفرقة وما يشبه الدمار، وكانت حبيسة داخل أراضيها الجبلية، منعزلة، بعيدة، تنظر نحو الداخل، إلي أن استطاعت أن تستعيد أشلاءها كدولة تهدد دول المصب، خصوصاً عندما اتصلت بإسرائيل للمرة الأولي بالنظام الماركسي لـ" منجستوهايلاماريام"، وظلت محتفظة بتوازنها لكسب أية فرص لتلحق الضرر بمصر إذا كان ذلك سيحقق مصالحها (وذلك كما قال جون بولوك وعادل درويش في كتابهما حروب المياه الصراعات القادمة في الشرق الأوسط).

ينظر الإثيوبيون لنهر الآباى Abay أو النيل الأزرق علي أنه يمثل شعاراً ورمزاً للوطنية. فارتباط إثيوبيا بالآباى ارتباط روحى عميق، ويعتبرونه «الأب الأعظم للأنهار»، وينظرون إليه كقوة تدميرية طبيعية ذات قدرات للتنمية الاقتصادية نظراً لانحداره الكبير من منبعه فى بحيرة "تانا" على ارتفاع 1820 متراً فوق مستوى سطح البحر، إلى أن يصل إلى مدينة أسوان عند منسوب 200 متر فقط فوق مستوى سطح البحر.. ويعتبر الإثيوبيون أن شعب الجاش الإثيوبى Cush أو الأحباش من السود، الذين يعتبرون أنفسهم من سلالة جاش ابن هام بن نوح ومنه جاء نسل الحبشيون والإثيوبيون، أن النيل هو مهد الجنس الأسود فى أفريقيا، ومصدر الدماء الإثيوبية، والأم بالنسبة للأحباش وذلك حسب قول د. نادر نور الدين محمد في مقاله الطابع السياسي غلب الطابع العلمي فتعثر مشروع سد النهضة".

ويرجع نفوذ أثيوبيا علي النيل، في أنها تسيطر علي 11 نهراً تنبع من التلال الأثيوبية، وتعبر حدودها إلي كل من الصومال والسودان، وتبلغ مساحة حوض النيل الأزرق داخل إثيوبيا نحو 200 ألف كيلومتر مربع، ويصل متوسط تدفقاته المائية السنوية نحو 49 مليار م3 وينضم إليه قبل عبوره للحدود الإثيوبية إلى السودان نهرا «الرهد والتندر» بتدفقات 4 إلى 5 مليارات م3 سنويا وتسير معه إلى الأراضي السودانية. وبهذه الكميات فإن النيل الأزرق يعتبر الرافد الأكبر والشريان الرئيسى لنهر النيل حيث يساهم بنحو 59 – 64% من إجمالي مياه نهر النيل، فى حين يساهم نهرا عطبرة والسوباط معا بنسبة 22% وينبعان أيضا من إثيوبيا، وأخيراً يساهم النيل الأبيض القادم من دول منابع البحيرات الاستوائية العظمى الستة بنحو 15% فقط.

لذلك فطنت الدول الاستعمارية - خاصة إنجلترا وفرنسا منذ قدومها للقارة الأفريقية أن من يريد أن يسيطر ويضر بمصر، فعليه أن يسيطر على النيل الأزرق شريان الحياة فى مصر الصحراوية، والتى يعيش شعبها على ضفتى النهر فى مساحة لا تزيد على 7% فقط من إجمالي أراضيها.. فكرت فى هذا الأمر إنجلترا وفرنسا أثناء العدوان الثلاثى على مصر، سواء بمنع مياه النيل الأزرق أو الأبيض عن مصر، كما كان الأمر مصدراً للتهديد من الأمريكان والعديد من القيادات فى إثيوبيا.

واستطاعت أثيوبيا بفضل إسرائيل أن تسخر مياه أنهارها في توليد كميات هائلة من القوي الكهربائية، والتي سوف تعوضها عن نقص الأشجار. وكل ما تحتاج إليه أثيوبيا الآن، وهو الأموال والخبرة، وحتي نجد إسرائيل تقدم الأموال والخبرة وبمقابل؛ وكان المطلب الذي طلبته إسرائيل في مقابل ذلك، هو السماح للفلاشا (يهود أثيوبيا) بالهجرة إلي إسرائيل ؛ والمطلب الثاني، هو أن تأخذ أثيوبيا بمشورة إسرائيل في الوقت والمكان والكيفية التي تنشئ بها سدودها. والشئ الذي لم تعلنه إسرائيل لأثيوبيا صراحة، هو أنه من خلال مساعدتها لها في تطوير البلاد، فإنها تنتهز الفرصة أيضا لممارسة الضغط علي مصر بصفة خاصة، وعلي العرب والسودان بصفة عامة .

تنبهت مصر لذلك فبادرت في عام 1959، إلي التوقيع مع السودان، الذي حصل على استقلاله في 1956، اتفاقاً ينظم اقتسام المياه، تحصل مصر بموجبه على 55.5 مليار متر مكعب، بينما يحصل السودان على 18,5 مليار، كون العشرة مليارات الباقية من ماء النهر تضيع بالتبخر. ورغم مطالبات دول حوض النيل الأخرى، بقيت الأمور على ما هي عليه، وبقيت مصر مهيمنة على النيل.

عندما جاء الرئيس جمال عبد الناصر إلي سدة حكم البلاد في مصر، طالبت حركة تحرير إريتريا الاستقلال عن إثيوبيا، فقرر عبد الناصر التريث، ولم يقدم أى نوع من المساعدات العسكرية لثوار إريتريا، بل كان موقف مصر فى تلك الفترة هو احترام وتأييد قرار الأمم المتحدة الصادر فى ديسمبر 1950 والخاص بضم إريتريا إلى إثيوبيا فى اتحاد فيدرالى، ولأن عبد الناصر كان يعى جيدا أهمية القارة السمراء، لذلك كانت من أهم دوائر السياسة الخارجية المصرية آنذاك، فكانت العلاقات المصرية الإثيوبية فى أوج قمتها فى عهد عبد الناصر والإمبراطور الإثيوبي هيلا سلاسى، حيث كانت ترتبط بينهما علاقة قوية، حيث كان عبد الناصر يدرك أهمية منابع مياه النيل لمصر.

وعن طريق الأدوات الدبلوماسية والمساعدات والتركيز على الجانب الدينى تعامل عبد الناصر مع إثيوبيا، حيث كانت الكنيسة الإثيوبية تابعة للكنيسة الأرثوذكسية المصرية؛ بل وكانت الكنيسة الأم في مصر ترسل القساوسة من مصر للعمل في الكنائس الإثيوبية وكان للبابا السابق كيرلس علاقات شخصية بالإمبراطور هيلاسلاسي، وكثيراً ما كان الرئيس جمال عبد الناصر يوظفها في خدمة المصالح المشتركة وكانت تتم دعوة الإمبراطور هيلاسلاسي في افتتاح الكنائس في مصر وكان البابا أيضاً يفتتح الكنائس في إثيوبيا.

وقد عبر عبد الناصر عن علاقات الود القائمة بين مصر والحبشة، بحيث لا يكون مثله بين الأخوين الشقيقين، وهو يقول فى مقدمة كتاب "أضواء على الحبشة": "نحن بلدان متجاوران فى قارة ضرب عليها الاستعمار نطاقه لتكون له دون أهلها كالبقرة الحلوب، ونحن شريكان فى هذا النهر الخالد الذى يفيض الخير والبركة على شاطئيه من هضبة الحبشة إلى المقرن من أرض السودان إلى المصب فى البحر المتوسط، فكل ذرة من ذرات ذلك الماء المتدفق فى مجراه بين المنبع والمصب تتناجى همساً بأماني مشتركة تلتقى عندها عواطف المصريين والسودانيين والأحباش جميعاً.

واختتم الزعيم الراحل عبد الناصر قائلاً: "إننا اليوم وقد صارت أمورنا بأيدينا، فقد وجب علينا أن نلقى أضواء على الحبشة.. وأن نوثق علاقات الإخاء والمودة بيننا وبين الشعب الذى تربطنا به أوثق الصلات منذ أبعد أعماق التاريخ".

بعد الإطاحة بهيلاسلاسي في بلاده بدأت تتراجع قوة العلاقات المصرية الإثيوبية إلى أن وصلت إلى مرحلة العلاقات الرسمية الشكلية، وكانت من نتيجة ذلك أن استقلت الكنيسة الإثيوبية عن الكنيسة الأم في مصر والتي ظلت منذ دخول المسيحية إلى إثيوبيا تابعة للكنيسة المصرية حتى عدة سنوات مضت وأصبح لها باباً إثيوبي خاص بها وانفصلت قيادتها عن مصر.

عندما أقبل جمال عبد الناصر علي بناء السد العالي أسند مهمة بناء السد إلي الاتحاد السوفيتي وذلك في عام 1958م، مما أحدث خلافاً وشقاقاً كبيراً بينه وبين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، الأمر الذي صاحبه غضب أثيوبي عام اتفق مع الغضب الأمريكي، ونتيجة ذلك قدمت أمريكا عرضا لإثيوبيا لإجراء دراسة شاملة لنهر الآباى، تشمل الحصر المائي والاستغلال الاقتصادي وتوليد الكهرباء واستخدام مياه النهر فى الري بدلا من الزراعة المطرية، وذلك على طول النهر بدءً من منبعه فى بحيرة تانا وروافده العديدة وصولا إلى الحدود السودانية.

وهنا طالبت أثيوبيا من الولايات المتحدة باستقدام مكتب استصلاح الأراضي الأمريكي للمشاركة فى مشروع إقامة سدود علي النيل الأزرق، وذلك تحت عنوان: تعاون الولايات المتحدة- إثيوبيا لدراسة حوض النيل الأزرق. تم الاتفاق على أن يتقاسم الشريكان تكاليف البرنامج وقد أنفقت إثيوبيا خلال هذه الدراسة 42 مليون « بر» إثيوبى أى ما يعادل 21 مليون دولار وقتها.

استغرقت الدراسة المكثفة لحوض نهر الآباى خمس سنوات، ونشرت نتائجها في 17 مجلداً من القطع الكبير. وقد افترض الباحثون الأمريكيون من أمثال جون واتربري، الذي يعمل حاليا أستاذا في جامعة برنستون، أنه لم يكن من قبيل المصادفة أن تتطابق سنوات الدراسة الخمس مع فترة التوتر المتزايد بين واشنطن والقاهرة. فالرئيس جمال عبد الناصر قد دخل في علاقات اقتصادية وعسكرية قوية مع الاتحاد السوفيتي، وورط القواط المسلحة المصرية في الحرب الأهلية في شمال اليمن، في الجانب المقابل للمكلة العربية السعودية، التي سرعان ما أصبحت بعد ذلك تتبع أمريكا .

وقد اتخذت دراسة مكتب الاستصلاح كتحذير متخف وتذكرة لمصر من إمكانية تعرضها للهجوم الجغرافي السياسي، فالسد العالي لا يستطيع أن يقدم الكثير لحماية مصر ضد أية سياسة محددة من جانب أثيوبيا، لتحويل كميات كبيرة من النيل الأزرق، والمصريون الذين يعرفون بوجود الدراسة الأمريكية، يأخذونها بلا أدني شك كتذكرة لإمكانية تعرض بلادهم للعدوان، وكدلالة جديدة للتآمر الإمبريالي الغربي ضد دور مصر المعادي للاستعمار في أفريقيا والشرق الأوسط.

وأوصي مكتب الاستصلاح بوجوب إنشاء 26 سداً وخزاناً، لتوفير المياه لاحتياجات الري وتوليد القوي الكهربائية في أثيوبيا، وقدرت الدراسة أنه في حالة تنفيذ المشروعات الـ 26، فإن المتطلبات السنوية من المياه للري وفواقد التخزين، سوف تقلل من تصرف النيل الأزرق عند الحدود السودانية بحوالي 5.4 مليار متر مكعب.

كما قدمت الدراسة مقترحا بإنشاء أربعة سدود أخري على مجرى النهر بسعة مائية إجمالية تبلغ 55 مليار متر مكعب. هذه السدود طبقاً لسعتها المائية المقترحة، وهى السد الحدودى، والذى أصبح سد النهضة على الحدود السودانية بسعة 11.1 مليار متر مكعب ويولد 1400 ميجا وات، وسد كارادوبى بسعة 14.2 مليار م3 ويولد 1600 ميجا وات، ثم سد مندايا بسعة 15.9 مليار م3 ويولد 1620 ميجاوات وأخيرا سد مابيل 13.6 مليار م3 ويولد 1200 ميجاوات. هذه السعات تريد إثيوبيا تغييرها حالياً والوصول بإجمالي سعاتها التخزينية إلى 200 مليار متر مكعب تخزنها من نهر صغير كما سبق لا تتجاوز تدفقات مياهه السنوية 49 مليار متر مكعب وتعيش عليه دولتان أخريان، وهما السودان ومصر ومقام عليه ثلاثة سدود فى السودان، وسد ضخم فى مصر كدولة مصب، ولا يمكن علميا لهذا النهر الصغير، أن يملأ هذه السعات الضخمة فى إثيوبيا، ثم يكون قادراً على ملء السد العالى فى مصر ومن قبله سدود سنار والروصيرس وميروى فى السودان... وللحديث بقية!!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

 

ابراهيم أبراشالأيام والأشهر القريبة ستكون مصيرية في تحديد وجهة العالم ومستقبله حيث أصبح أمام مفترق طرق بسبب الكورونا الذي أوجد فرصة مفتوحة على أحد الاحتمالين: تصعيد وحرب عالمية مباشرة وشاملة أو محدودة عبر وكلاء، لمن يريد الحرب والتصعيد وهناك عدة بؤر توتر عبر العالم قد تكون ساحة لهذه الحرب، أو فرصة لإعادة بناء النظام العالمي على أسس جديدة من التعاون والعدالة بعد استخلاص العبر من الخطر الذي سببه فيروس الكورونا وتهديده لكل البشرية، لمن هو حريص على السلم العالمي .

لأن العالم كان محتقِناً والنظام العالمي كان على شفا هاوية وتسوده حالة من انعدام الثقة ليس فقط بين واشنطن والصين وروسيا الاتحادية بل حتى داخل مكونات المعسكر الغربي فقد اطلق وباء الكورونا العنان لنظرية المؤامرة لتصول في ساحة التنظير والبحث ولتطال حتى منظمة الصحة العالمية، وما يساعد على ذلك عدم اليقين حتى الآن ما إن كان الكورونا فيروس طبيعي تطور طبيعيا عن فيروس سابق أم أنه نتاج مختبرات لإنتاج أسلحة بيولوجية وجرثومية وهذا ما تعكسه الاتهامات المتبادلة بين بكين وواشنطن .

إن ثَبُت أن فيروس الكورونا ذو نشأة طبيعية ولا دور لأية دولة في خلقه أو نشره أو التقصير في مواجهته فهذا سيُعجِل في محاصرة الفيروس والحد من تداعياته حيث ستتكاتف جهود كل الدول لمواجهة هذا الخطر الخارجي الذي يهدد البشرية وستصل الأمور إلى التعايش معه ليصبح مثلة مثل مرض الانفلونزا أو السرطان أو الإيدز الخ، وهذا بدوره سينزع فتيل أي حرب أو صراع دولي وسيحاصر الدول الراغبة في توظيف الكورونا للتصعيد وتصفية حسابات مع الخصوم ، أما إن ثَبُت دور للصين كما تزعم واشنطن في تصنيعه أو نشره ففي هذه الحالة سنكون أمام نُذر حرب أو تصعيد قد يأخذ طابعاً عسكرياً وخصوصا أن النظام الدولي والعلاقات الاقتصادية والسياسية بين الدول العظمى وخصوصا الأقطاب الأربع :الصين والولايات المتحدة وروسيا الاتحادية والاتحاد الأوروبي وصلت قبل الكورونا لمرحلة حافة الهاوية .

تخوفات حقيقية بأن يتم توظيف الوباء وتداعياته الاقتصادية تحديدا لخوض حرب عالمية حتى وإن كانت محدودة للخروج من أزمات ومشاكل عميقة اقتصادية واجتماعية داخلية تعاني منها دول عظمى وخصوصا الولايات المتحدة الامريكية .في هذا السياق قد تلجأ الولايات المتحدة في عهد ترامب لتوظيف الاتهامات الموجهة للصين بالمسؤولية عن نشر الوباء للدخول في حرب معها وقد تتوسع الحرب لتنظم للصين دول أخرى مثل روسيا الاتحادية وإيران وفي المقابل قد تستقطب واشنطن دولاً أوروبية إلى جانبها .

إن كنا نتمنى الخروج من كابوس الكورونا في أقرب وقت وهناك مؤشرات إيجابية في هذا الاتجاه مثل :قدرة الصين على محاصرته، إعلان ألمانيا أنها استطاعت السيطرة على الوباء، توجه عديد الدول نحو التخفيف من الإجراءات الوقائية المتخذة، كما أن كل دول العالم تقريبا لا تشاطر الرئيس ترامب في اتهامه للصين بالوقوف وراء تفشي الوباء بالإضافة إلى أنه بالرغم من التداعيات الكبيرة والخطيرة للكورونا إلا أنها حتى الآن دون مستوى الخسائر البشرية المترتبة عن الانفلونزا والسرطان مثلا، إلا أن سيناريو أو تصور الحرب القادمة يثير الرعب ليس فقط لأن أطرافها تملك ترسانات من أسلحة الدمار الشامل النووية والذرية والكيماوية والبيولوجية والإلكترونية التي تجعل من الاستحالة حسم الحرب لصالح طرف على حساب بقية الأطراف، بل أيضا لأن التربط والتشابك والاعتمادية المتبادلة بين الدول ستجعل من الحرب كارثة اقتصادية ستضرب جميع الدول وستؤثر على الحضارة الإنسانية برمتها .

التخوفات من الانزلاق نحو الحرب تبقى وارة ليس بسبب كثرة الضحايا بل لأسباب اقتصادية .فبالنسبة للصين وبالرغم من أن مبررات التصعيد والحرب ضعيفة عندها لأنها لم تبني اقتصادها كاقتصاد حرب حتى وإن كانت دولة نووية وتملك جيشا قوياً، إلا أن الصين لا يمكنها أن تتراجع أو تتنازل عن توسعها الاقتصادي وسياسة اغراق الأسواق العالمية بالمنتوجات والاستثمارات وإلا لن تستطيع إطعام مليار ونصف المليار من البشر، وفي المقابل فإن كان وعي أصحاب القرار في واشنطن بالمخاطر المترتبة عن حرب عالمية ترجح كبح جماع النزعة الحربية، إلا أن الولايات المتحدة لا يمكنها أن تتراجع أو تتنازل عن امبرياليتها وليبراليتها المتوحشة وإلا ستنهار داخلياً بسبب حرب أهلية بين خليط الأعراق والاجناس فيها والذين لا يجمعهم إلا الوضع الاقتصادي المتميز، حيث قوة الاقتصاد وحالة الرفاهية حلت محل الانتماء القومي في تماسك المجتمع و الدولة، وبالتالي لن تسمح بأن يتراجع اقتصادها أو يفلت زمام قيادة العالم من يدها .

 

إبراهيم أبراش

 

عبد الجبار العبيديكتب السيد هارون محمد مقالاً بعنوان: شيعة السلطة سياسيون تافهون.. لقيادة العراق لا يصلحون.. وردني المقال عن طريق الانترنيت من صديق عزيز تعود ان يرسل لي كل جديد.. حقيقة ولا أغالي أثارني المقال لكونه كان مقالا غير حيادي في كتابته وتوصيفه لمن قصر في حكم الوطن العراقي.. انا اعرف هارون محمد بحياديته في التوصيف. لكن هذه المرة يبدو انه خرج على المعتاد والمعتقد وسار في طريق الخطأ الذي ما عودنا عليه من قبل.. فاتجه نحو طريق البحث في فلسفة الماضي في الحاضر باتهام جهة معينة دون الاخرين في التقصير.

نحن نحترم شجاعة من يقول الحقيقة او بعضها، ففي قول الحقيقة هو الشفاء من المرض الذي استوطن وطننا العراق.. فقول الحقيقة هو ناقوس ينبه الى التغيير في مجتمع شغل عن كل شيء الا ما يشغله عن من تقصد خيانة الوطن وتدميره لصالحهم وصالح الغرباء الاخرين. ولا ادري لماذا اختار نظرية البحث في الماضي من اجل تبيان مساوىء الحاضر.. فأن اختارها عن صدق القول فهي مقبولة منه،وان اعتمدها قصدا لغرضٍ في نفس يعقوب فهي مرفوضةٍ منه.. نعم حان الاوان لتأطير أصول الضعف في فكرنا لاستمراره في منهجه التبريري الذي اوصلنا الى فرقة الانسان في العقيدة الوطنية والدين.. ويبدو ان غِيرت الكاتب على الوطن دفعته عن غير قصد لهذا التوجه الخطير.. لذا من حقه ان يكشف عن مساوئ كل خطأ كبير ليعتذروا المخطئين ويعترفوا اصحاب الأساءة عن اساءتهم للوطن والشعب ويرحلوا.. ؟

ان الكتابة في اثر الماضي في الحاضر طابعه الانقسام والتفتت والتواكل واللا مبالاة والهزيمة النفسية في المجتمع.. ومجتمعنا في العراق منها.. وهو يؤدي الى سلب ارادة الامة وأخضاعها للأستسلام.. لتبرير الجور والطغيان في قادتها وان اراد الكاتب مهاجمته ومحاولة تبيان مساوئه في وقت نحن بحاجة الى النظر في أثر الحاضر بالمستقبل لاصلاح ما افسدته الخيانة في الوطن.. خاصة وان الكلمة الاحادية اليوم امضى من السيف في تفرقة مجتمع الصالحين .

من يقرأ المقال لا يفقد الامل في وجود من يستطيع القيام بالبحث والتنقيب والتدقيق في اصول المشكلة او المحنة ليصحح ما يحتاج الى تصحيح،وتصفية ما يحتاج الى تصفية مما شاب الوطن من عدم الدقة في اداء الامانة التاريخية وحنث اليمين ليتيح الفرصة للقارىء والمواطن ان يبدي رأيا بالذي حدث لامكانية التصحيح واخراج الوطن من محنة القصد والتخريب.

الاحظ مع الاسف ان الكثير من كتابنا السياسيين – رغم علمهم الواسع بما اصاب الوطن- لا يتميزون بواقعية الواقع حين تجرفهم العاطفة لتبعدهم عن اس المشكلة التي يجب معالجتها فينحدرون الى ما تفرضه العاطفة عليهم فيكتبون بما يليق وما لا يليق.. وهذه مشكلة تعودناها فيهم لكونهم ما عرف بعضهم – مع الأسف- حيادية القلم في التثبيت.. مما اضاعت عليهم الحيادية ومعالجة المشكلة في وقت واحد مما مكن الاعداء الخونة ممن كانوا يدعون الوطنية من ناصية قيادة الوطن.. فأنا شخصياً لا اعرف الدين الا من وجهة نظر الاخلاق واحترام انسانية الانسان بعد ان خَبرنا اهل الدين ورجاله في محنة الوطن.. لا غير..

ليس في هذا المقال اتهام لاحد بالتقصير وخاصة ممن رافقوا القلم في التقييم.. وهم مبتعدون عما اصاب صلب الوطن من طعنات من رافق سلطة التغيير.ان اصحاب القلم والمُعارضة لمن اضر بالوطن هم اليوم من واجبهم الوطني الاساس ان يبتعدوا عن العاطفة في التقييم وخاصة بعد ان أبتلي الوطن بالمذهبية المقيتة والانحيازية العشائرية والمصلحة الشخصية التي فتت اللُحمة الوطنية لتجاوز الخطأ.. وحين تركزت المبادىء والاصول المصطنعة في وجدان الامة اصبح من السهل مقاومة الاحرار من اجل هزيمة ثورات العدالة عندهم ومن قام بها بغض النظر عن الامور العاطفية الاخرى فيجب ان لا ينحاز اليها احد من الوطنيين بعد ان غرق الوطن باسباب الخطأ . 

أثارتني النزاعات الاعلامية الغريبة بين الكيانات العراقية الحالية اليوم التي تتزعمها كيانات ثلاثة وان اختلفت التسميات هي: التحالف الوطني، وتحالف القوى، والتحالف الكردستاني، المختلفة فكريا وعقائديا والمتفقة مصلحيا والتي احدثت شرخاً واضحا في مصلحة المواطنين ليبقى المجتمع خاضعا لهم على شاكلة الحجاج والمتوكل العباسي وكل الطغاة الاخرين، تحالفات بُنيت على المصالح الخاصة لا العامة للوطن، وعلى سرقة المال العام،وأغتصاب السلطة.. لا على تحقيق حقوق المواطنين.. ابعد عنهم أخي المواطن ولا تعطي صوتك تأييداً لهم ولا تعاضدهم ابدا فهم اعداء الوطن، هم قوم حنثوا اليمين وخانوا العهد كما في قوله تعالى: ." وآوفوا بعهد الله اذا عاهدتم ولا تنقضوا الآيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا وان الله يعلم ما تفعلون،91 النحل "، وعلى الكُتاب معاضدة هذا التوجه الصحيح.

اذن بوجب النص المقدس تصبح العدالة الاجتماعية في المجتمع ناشئة الزامية التنفيذ هذا هو الدين.. ومن واجب القلم تعضيد الصحيح والابتعاد عن اي توجه فيه فائدة للظالمين.. فحين يكون الحاكم في طريق العدل،تصبح العدالة الاجتماعية تتحقق بالفعل الصادق.. لابالنصيحة او الوعظ الديني أو فتاوى الواعظين.. وتتحقق اذا اصر المحكوم على انتزاعها من مغتصبيها بالحق، لأن الحاكم لا يفهم العدالة مهما كان تقياً،كما يفهمها المظلوم المحتاج لها. فالحاكم في السلطة يختلف عمن هو خارجها،فكرسي السلطة والمال والمنافقون المصفقون من حوله تغريه المباهج فينسى الميزان.. وقديما قيل:"اذا أردت ان تعرف حقيقة الأنسان فأعطه مالاً وسلطة" ستراه عكس ما تتصور وتعتقد.. انها القيامة فعلا التي قرأنا عنها في كتب السماء واحاديث الأنبياء لتقتص من الظالمين .

أخي المواطن صاحب القلم: لا تقل "المُجرب لا يُجرب"، بل قل "أعرف الحق تعرف أهلهُ" . المجرب لا يجرب فلسفة فقهية غامضة تفسيرها يحتمل الوجهين سلباً وأيجاباً، قصد منها التعتيم عن الحق المطلق من اجل مصالح الحاكمين من اصحاب الجهاد الكفائي المبطن وترك جهاد فرض العين الصحيح لينجوا هم واولادهم من اي مكروه.. وحتى يكون دور المرجعية شرعيا، عليها ان تظهر علينا اليوم علناً في هذه المحنة ولاتبقى مختبئة في دهاليز الحجرات الضيقة.. كما ظهرت مرجعية الشيخ الخالصي المحترمة في وسائل الاعلام وسَمت الاشياء بأسمائها.. الم يقل الامام علي(ع): "ان الحق القديم لا يبطله شيء والعقل مضطر لقبول الحق؟.. فأين المرجعيات المعتمدة اليوم من هذا التوجه العلوي الحكيم.

ثق اخي المواطن المظلوم اليوم انت احسن منهم بألف مرة، انظرالى الصالحين اليوم كيف يقدسون،وانظر الى الَظلَمة وكيف يحتقرون.. لو يملكون الشرف لأعتذروا ورحلوا.. انت احسن منهم وانت الرابح الكبير وهم في اسفل سافلين .فلا تعطي تأييدك لهم غدا ولا تميل الا للمخلصين؟ فهم اليوم تقتلهم حيرة الزمن البغيض..

من المؤسف حقاً ان نرى بعض العراقيين اليوم تسودهم افكارالسلطة الجائرة من اصحاب الكعكة المقسمة بينهم ومن قال 7*7 فيهرولون خلفها بغباء الاغبياء حين اصبحوا لا يكترثون بما يُصب على رؤوس الفقراء والمظلومين من بلاء.بل جل همهم المنصب والمال لبناء مجدهم التليد كما يتصورون وهم مخطئون.. ومع الاسف يسمون انفسهم بالقياديين.. وما دروا غدا سيكونون في اصفاد السجانين كما رأينا من قبلهم مذلولين.

هل نحن قادرون اليوم على أتخاذ اي موقف وطني من هذه الهجمة الشرسة على الوطن والشعب ممن رافقوا دبابة التغيير، والمؤيدة من دولة النظام الديني المتخلف والقبلي الذي لا دولة فيه ولا نظام يحكم الا بأمر شيوخ القبائل الذين لاهم لهم الا المال والجنس، واتباعهم أسرى العادة والتقليد وقوانين الفصل العشائري والدكة العشائرية الباطلة الخارجين عن القانون والذين يتبعونهم دون رأي من تقدير، فلا تسمعوهم. وهاهي الكيانات الباطلة تلهث من ورائهم مستبعدة كل المثقفين والمخلصين لنتخذ منهم ارقاما في الفوز دون القوانين وكأن العراق خلا اليوم من المخلصين الا اتباعهم من الفاسدين،وكان الحياة ما هي الا مغانم للمترهلين الذين انقلبوا على المبادىء.. مبتعدين عن نظرية الحق طريقا لهم في هذه الرؤية الضبابية بعد ان أنهارت قيم الحياة المقدسة عندهم،فأشاعوا نظريات الفساد والتعامل معها شطارة على المواطنين.. وبعد ان شعروا ان الخطر الوطني يداهمهم،فاذا ما انتزعت السلطة منهم - وستُنتزع بأذن الله - فلن يكون مصيرهم الا اقفاص الاتهام ومقصلة باريس .

قاوموهم فقد سقطت قدسية النضال عنهم وعن أتباعهم، بعد ان تخلوا عن قول الحقيقة او بعضها.فعلى كتاب الوطن شد أزر المناضلين كل المناضلين.. واليوم فضائياتهم تأتينا ببرامج تموه على المواطنين وتريد انتزاع البقاء في السلطة بأي ثمن فالغاية تبرر الوسيلة عند الظالمين الفاسدين فلا تسمعوها.. ولا تعطوا صوتاً لهم لانهم يخططون لتدميركم وتدمير مستقبل اجيالكم بعد ان ضمنوا لاولادهم هناك خارج الحدود كل ضمانات المستقبل باموالكم المسروقة منهم.. لكنهم خاطئون فعمر السارق والظالم ما أنتصر على حقوق.. المظلومين ؟ .

في رأيِ ان قصة التغيير لم تكتمل بعدعلى الشعب العراقي الظليم من الذين خططوا ويخططون الآن من اجل تحويل الوطن الى كانتونات التدمير لترضى عنهم ولاية الفقيه، بعد ان كانت الناس تحلم بالأمل الموعود ممن كانوا يصورون الأمل للمواطنين فصدقناهم نحن الاغبياء وهم كاذبون.. لكن يبدو انهم ما كانوا بشرا.. بل كانوا ذئابا تلبس جلود الحَمل الوديع،كذابون مراؤون اتخذوا من الدين ومرجعياته الصامتة وسيلة للتعتيم عن كل باطل يرتكب بأسم الدين.. وما كنا ندري تحت.. العِمهَ آيه ؟..

حتى بقيت الجروح التي تركوها على اجسادنا ذكريات صعبة تذكرنا بأيام العزل السياسي والمعاناة يوم كنا في مقتبل العمر في الجامعات التي جاءتنا من السابقين الفاسدين الذين هم اليوم غالبيتهم يحكمون بعد ان غيروا جلودهم، ومن جيران العراق الطامعين الحاقدين الذين سرقوا الأرض والمال برضى الحاكمين .وليبقى الشعار مرفوعا عليهم: "بأسم الدين باكونا الحرامية"؟

تمثل هذه الهجمة الشرسة منهم على المجتمع العراقي اليوم،أبشع حدث على الاطلاق في تاريخ الوطن العريق حتى فاقت عهد المغول.. لذا نريد مقاومته بكل قوة،واولها رفض توجهات رجال الدين، كي لا يتحول الظلم الى ذكرى،كذكرياتهم التي يحتفلون بها في اللطم والتخريف والزنجيل دون عدٍ او عديد.. وحتى أصبحت كل الدموع التي نذرفها والصراعات التي نتحملها والألم العاطفي الكبير، ووجع القلب بسبب تدمير الوطن وفقدان الاهل والاصدقاء الخلص.. ذكريات ونحن نُقتل بسيوف الكافرين.. مثل الوشم الكاذب الذي يظهر على جباههم ليوهموا البشر بعبادة الله وهم يدرون ويدرون أنهم كاذبون.. حتى ولااحد منهم يستطيع ازالته رغم الجهود ليبقى عنوانا لهم بفشل وعار الناكثين .

من حقنا ان نشعر بخيبة الأمل عندما اصبحنا نعتقد أنهم تخلوا عنا،لكوننا اسرفنا في الأستكانة والقنوط وهم يظلمون ويقتلون ويسجنون بعد ان زيفوا العقيدة والدين.. حتى اصبحت عبارة (شعلينه) دستورهم الذي لا يناقش،فلا عتب على الله بعد،لان الله يريد منا الحق بقتالهم،فقاتلوهم حيثما ثقفتموهم لأن الله لا يحب المعتدين،لا ان تؤيدوهم وتسمعوهم بل كونوا مع المتظاهرين في ساحات التحرير.. أنهم خونة وطن وتاريخ.. والتقصير مرفوض حتى من الانبياء عند الله العلي القدير.. الآية 43 من سورة التوبة..

ياشعب العراق من أوصلك لهذه الحالة ؟"هم الفاسدون "التحالف الوطني،وتحالف القوى والأكراد المُستغلون.. اعزلوا قادتهم عن الفوز سيكون الوطن لك ايها المواطن العزيز.. وعلى الكتاب ان لا يفصلوا بينهم بدوافع شتى بل نعمد لكسر شوكتهم ولا نستقبلهم ولا تقبل منهم رحمة ابدا،لا نجاملهم،ولا نأكل ذبيحتهم،ولا نعاشرهم كما أخطئا في سابق الدهور.. فالحب الذي يتغذى على الهدايا يبقى جائعا على الدوام.. احتقرهم . أعرض عنهم .أنهم خنازير هذه الامة كذابون لا دين لهم.. أنظر الى وجوههم كيف انقلبت الى وحوش غابة.. وهم قاتلوك.

 يا شعب العراق الوفي:

الفُرقة المذهبية الباطلة لا تصنع منكم شعب ووطن،وانما الوحدة والتلاحم ضدهم يصنع لكم الامل.. فيا كاتب القلم رص الصفوف واجعلهم يتقاتلون فيما بينهم على غزوهم الثقافي المزيف القادم ألينا من الشرق ولا تصدقوهم بنظرية (المُجرب لا يجرب".. وقولوا:"أعرف الحق تعرف أهله.. كما قال المؤمنون باخلاقية الدين "،واوجدوا بينكم القادة العظماء فهم في عراقكم كُثر،لا بل أكثر من كُثر.. فبلادكم ايها العراقيون بلاد العلماء والفقهاء،الذين قتلوا منهم الكثير.. فما عليكم الا ان ترموا السفهاء والقتلة في حاويات القمامة،كما فعلت الشعوب الاخرى وتخلصت من الفاجرين .. ولينشأ بينكم شعورحماية الخير، ومقاومة الشر، من هنا سينشأ عندكم الامل الكبير بالتخلص من الفاسدين.

أخي المواطن المظلوم بوطنك..

اذا كانت النظم السياسية التي قامت على المبادىء الحقة في دستورية الحكم وسيادة القانون لم تنجح أحياناً.. عندنا اليوم.. فجماهيركم التي وعت وأستيقظت هي جدلية الصراع اليوم لتسحق الفاسدين.فكروا بوطنكم المنهوب منهم لتتمتعوا بالحرية والمساواة والعيش الرغيد.بعد ان ترسموا الصورة الحضارية لوطنكم الذي باعوه للمجاورين الحاقدين عليكم بابخس الأثمان،وهَروَلوا خلف المانحين بمذلة العبيد وخونة الأوطان.. ليزيدوا أقتصادكم قروضا تُحطم مستقبلكم المالي وهم مأمنون.. وحَوَلوا اموالكم الى الخارج بأسماء اولادهم النزق- لاعافاهم الله- أنظرأخي المواطن نشرة وزارة المالية الامريكية بأسمائهم ومقدار ما سرقوه منكم - .،فلا تصدقوا واحدا من الهاربين عند الشماليين – حماة الدواعش اليوم- عدوكم،حتى لا تكون حكوماتكم.. مجرد أنتقال من استبداد دكتاتوري سابق الى فوضى زعماء وقواد وظلم للناس منظم.. احذروهم انهم قاتليكم.فلا تؤيدوا منهم واحدا بحق السماء وكل المخلصين.. ؟

لقد حان الوقت للتخلي عن التعصب الديني والمذهبي المرفوض.. ويجب ان تعترفوا ان الحقيقة الدينية تتغير وتتطور وليست مطلقة ومنقوشة فوق حجر.. فنحن مطالبون بالنطق الموضوعي والنظرة العقلية المجردة.. هذه حقيقة علمية هم يجهلونها لتبقى السلطة والمال لهم دون الأخرين.. احذروا الفاسد ومؤسسة الدين.. ولا تصدقوهم .انهم جملة أكاذيب.. وأعداء شعوب.. همُهم قتلكم وسلبكم وتدمير الوطن وبيعه للأخرين.. وقادة العتبات المقدسة الدينيين ورؤساء مؤسسات الاوقاف سراق المال العام مثال لما نقول..

على قادة الولايات المتحدة الامريكية.. ان تفهم انها هي السبب في تدمير العراق والعراقيين واحتلاله وتسليمه لايران أعدى اعداء العراقيين.. حين أوحى لها العملاء الخونة كذب التصديق .عليها ان تصحوا من غفلتها.. لتنتقم ممن رافقوا التغييروالتدمير.. وخسرت جنودها والمال والعراقيين.. فالشعب العراقي المظلوم لن ينسى من احتل وطنه وباعه للأخرين.. ولن ينسى حفنة الخونة والفاسدين الذي كذبوا على الوطن والمخلصين.. ومهدوا للاحتلال البغيض.. احتلال ايران الجديد.. فيا هارون محمد اكتب بحيادية القلم.. فكلنا اليوم في سفينة واحدة وسط امواج المحيط اما نغرق او ننجوا بصدق الصادقين وانزع من رأسك كلمة سني وشيعي البغيضة فذاك زمان مضى على الجاهلين..

الوطن كل الوطن.. سيبقى.. امانة التاريخ للعراقيين..؟

 

د.عبد الجبار العبيدي

 

قاسم حسين صالحتوطئة: في 4/ 12/ 2003 نشرت جريدة" الصباح "خبرا" يقول ان مجلس الحكم قرر تشكيل هيئة لمكافحة الفساد المالي والاداري في الوزارات والدوائر، ضمت خمسة اعضاء من هذا المجلس اختيروا بالاقتراع السّري لتبدأ عملها بصغار الموظفين (!) وصولا" الى أكبر موظف .

وفي 11/ 1/ 2004 طلب بريمر الحاكم المدني للعراق أن يتم تعيين مفتشين عامين يتبعون النموذج الموجود في الدول الغربية للقضاء على هذا الداء (الفساد المالي والاداري) الذي خلفته سياسات النظام السابق.

ولقد مضى (17) سنة على التخلص من ذلك النظام يفترض ان تكون تلك الاجراءات قد ادت الى تحجيم تلك الظاهرة. لكن واقع الحال اشار الى ان هذه الظاهرة انتشرت اكثر، وان "الداء" الموروث من النظام السابق تكاثر كالسرطان الخبيث في النظام الجديد وصار في حال اسوأ.

- فهل كان هذا الداء بالأصل وباءا يصعب القضاء عليه؟

- ام ان اساليب العلاج التي اعتمدت كانت غير فاعلة؟

- ام ان القائمين على علاجه كانوا غير متخصصين، أو أن نواياهم ما كانت صادقة؟

- ام أن الفساد اذا شاع صار امرا" عاديا" بين الناس؟. 

والتساؤل الأهم هنا: لقد تعهد رئيس مجلس الوزراء المكلف السيد مصطفى الكاظمي بانجاز وعود كبيرة، معتبرا " محاربة الفساد والفاسدين مهمة وطنية".فهل سيستطيع معالجة أقبح ظاهرة في تاريخ العراق السياسي؟

سنبدأ بقصة الفساد في العراق في ثلاث حلقات..نضعها امام رئيس الوزراء المكلف السيد مصطفى الكاظمي وامام حضراتكم بهدف ان يكون لدى العراقيين (حكّام ومواطنون) تصور واقعي يسهل على متخذ القرار معالجته ويرّوض سيكولوجيا الانفعالات لدى العراقيين الذين اذا ارادوا شيئا من الحاكم عليه ان ينفذه بطريقة (كن فيكون).

الفساد في العراق..أرقام وحقائق

* صرح كبير المفتشين الأمريكيين في العراق، ستيوارت بوين بأن حجم الفساد في الحكومة العراقية يبلغ أكثر من أربعة مليارات دولار.وأشار في تقريره الذي نشرته هيئة الإذاعة البريطانية في 9/11/2006 إلى أن حجم الفساد في العراق يتجاوز أكثر من 10 بالمائة من إجمالي الناتج الوطني العراقي

* قالت منظمة الشفافية العالمية المعنية بالكشف عن الفساد حول العالم في تقريرها السنوي الأخير لعام 2008 أن العراق يحتل المرتبة الثالثة في قائمة الدول الأكثر فسادا في العالم.

* أعلنت هيئة النزاهة في العراق أنها تمكنت في18/5/2009 من تنفيذ أوامر إلقاء قبض بحق 33 متهما بقضايا فساد، في إطار سعي الهيئة لتنفيذ أوامر إلقاء قبض على 997 متهما بقضايا فساد لم تنفذ.

* جاء في تقرير لهيأة النزاهة أن 317 مرشحا قدموا خلال انتخابات المحافظات الأخيرة شهادات مزورة في طلباتهم، وأن مسئولا في وزارة الدفاع العراقية جمع عشرات الآلاف من الدولارات من خلال فرض مبلغ 500 دولار يدفعه كل مجند في الجيش العراقي. 

* قال أعضاء في لجنة النزاهة التابعة لمجلس النواب العراقي، إن مستويات الفساد المالي والإداري العالية في العراق، سببها تدخل رئيس الوزراء السيد نوري المالكي في عملهم، ومنعه إحالة أي وزير سابق أو حالي للتحقيق في قضايا الفساد إلا بعد موافقته.

* كشف القاضي راضي الراضي الرئيس الأسبق لمفوضية النزاهة، أن 31 من أعضاء المفوضية قتلوا إضافة إلى 12 من اسر موظفي المفوضية، بينهم مساعده محمد عبدو سالف الذي أطلق عليه الرصاص هو وزوجته الحامل في شهرها السابع.

* رئيسان سابقان متقاعدان تناوبا على ترأس دروة واحدة للبرلمان، رئيسان اسلاميان، يوعظان الناس بالزهد وبتطبيق الشريعة ويقولان بان الاسلام هو الحل، رئيسان محالان على التقاعد هما محمود المشهداني وأياد السامرائي يتقاضى الواحد منهما 57,000,000 مليون دينار، وهو ما لا يتقاضاه اي رئيس لدولة عظمى في العالم.

* كشف النائب جواد الشويلي عن رواتب فلكية لمسؤولين:

- رئيس الجمهورية (000,00020,) مليون دينار

- نائبا الرئيس يستلم الواحد منهما (62,000,000) مليون دينار

- رئيس الوزراء (62,000,000) مليون دينار

- حسين الشهرستاني يستلم (57,000,000) مليون دينار

- رئيس البرلمان (33,000,000) مليون دينار

- كل نائب برلماني يستلم مبلغ (20,000,000) مليون دينار

* من عام ٢٠٠٣ الى عام ٢٠١8 تسبب الفساد السياسي والمالي والاداري بسوء صرف أكثر من ترليون دولار أميركي، منها مدخولات جناها العراق قرابة ٨٠٠ مليار دولار. 

- نعم، جميعنا فاسدون بمن فيهم أنا. لقد عرض عليّ أحدهم خمسة ملايين دولار لوقف التحقيق معه، أخذت المبلغ وظللنا مستمرين في مقاضاته..أغلب الأسماء الكبيرة في البلاد مسؤولة عن سرقة كل ثروة العراق تقريبا، أشخاص في قمة هرم السلطة، سيقتلونني إذا لاحقتهم./مشعان الجبوري لمراسل صحيفة الغارديان مارتن شولوف.

- مشكلتنا الأكبر هي الجنود الوهميين؛ فهناك ما بين خمسمئة وستمئة مليون دولار تُدفع مرتبات شهرية لجنود لا وجود لهم"./هوشيار زيباري وزير المالية الأسبق - الغارديان.

- الفساد في العراق يقاس بالمليارات وليس بالمفرد..وهو من فعل كبار المسؤولين والساسة ونواب الشعب./موسى فرج – نائب رئيس لجنة النزاهة سابقا.

- قال المتحدث الرسمي لمجلس القضاء الأعلى القاضي عبد الستار بيرقدار إن "المجلس قرر نقل دعوى رئيس مجلس محافظة البصرة المتهم صباح البزوني والمتعلقة بتهمة تقاضي الرشوة إلى محكمة جنايات الرصافة المختصة بقضايا هيئة النزاهة للنظر فيها وفق القانون بعد أن كانت أمام محكمة جنايات البصرة". / JAMC.

- مدير شركة التجهيزات الزراعية السابق (عصام جعفر عليوي) المحسوب على احدى القوى الاسلامية الشيعية المشاركة في الحكومة والبرلمان، اعترف للجنة النزاهة بأنه دفع مليار ونصف المليار دينار لنائب سابق لغرض تهريبه، وكشف عن فساد مسؤولين ورجال اعمال./ (الشرقية 5 ايلول 2017).

- لديّ ملفات للفساد لو كشفتها لأنقلب عاليها سافلها. / تصريح موثق لرئيس الوزراء السابق السيد نوري المالكي.

- حاول بعض كبار المسؤولين العراقيين بقيادة رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي وبتشجيع من رجل الدين آية الله علي السيستاني شن حملة ضد الفساد، لكنهم فشلوا. واعلنت المرجعية (لقد تحدثنا كثيرا حتى بُحت أصواتنا، ورغم ذلك لم يستمع إلينا أحد).

* وفقا لتصريح رئيس الوزراء السيد حيدر العبادي في البصرة بتاريخ (22 شباط 2018)، فانه تم صرف سبعة ترليونات دينار على مشاريع لم ينجز منها شيئا.

* وفقا لتقرير منظمة الشفافية الدولية (شباط 2018) فأنه تم سرقة مئة مليار دولار (الترليون يساوي واحد وامامه 12 صفرا، والمليار يساوي واحد وامامه تسعة اصفار).

هذه ألأرقام والحقائق تقول لنا ان الفساد في العراق وباء كان اشد فتكا بالعراقيين من وباء كورونا.. افقرهم.. أذلهم.. سبعا وعشرين سنة! فهل سيتمكن السيد مصطفى الكاظمي من القضاء عليه؟!

ثلاثة احتمالات.. في الحلقة القادمة

 

أ. د. قاسم حسين صالح

 

محمود محمد علينشرت جريدة المصري اليوم، وهي إحدى أكبر الصحف المصرية "المستقلة، يوم الأحد الماضي، مقالاً بعنوان "استحداث وظيفة"، والذي نشره كاتب عمود باسم مستعار هو "نيوتن"، وفي هذا المقال اقترح الكاتب أن يتم "استحداث وظيفة، وهي "حاكم سيناء".. مدة التعاقد 6 سنوات، وتتطلب الاستقلال التام عن بيروقراطية القوانين السائدة في الاستثمار وفي استخدام الأراضي مثلاً، وفي هذا يقول الكاتب في افتتاحيته :" عادة يتم الإعلان عن وظيفة شاغرة ليتقدم إليها كل من يريد شغلها. لنعكس هذه المعادلة اليوم. باقتراح وظيفة نتمنى استحداثها"، لن يكون السن عائقا أمامها. فدينج شياو بينج صانع نهضة الصين الحديثة وانطلاقتها الكبرى تولى الحكم وعمره 81 عاما. مهاتير محمد أعادوه لرئاسة وزراء ماليزيا وعمره 91 عاما".

وقال نيوتن إن "الوظيفة تتطلب الاستقلال التام عن بيروقراطية القوانين السائدة، فى الاستثمار وفى استخدام الأراضى، مؤكدا أنه مطلوب الابتعاد عن ميزانية الدولة ولن يجمع الإقليم بالدولة إلا السياسة الخارجية والدفاع المسؤول عن حماية الحدود"؛ ثم يقول: "هنا لن نضيع وقتاً فى اختراع نظم وقوانين جديدة. سنستعير النظم والقوانين المطبقة فى دول ناجحة مثل سنغافورة أو ماليزيا أو هونج كونج".

وزعم نيوتن فى مقاله، أن الوظيفة قد يراها البعض طلبًا مغامرًا أو صادمًا، قائلا "لنعترف أنه شئ يستدعى التفكير. سيئ النية سيصورونه كمؤامرة لتفتيت الدولة. لا مجال للتفريط فى أى قطعة من هذا الإقليم الأكثر تشربًا لدماء المصريين. ولفرادة هذا الإقليم وتميزه. سيكون قاطرة التقدم والازدهار لمصر. بالرغم من الذين يعتبرون سيناء خطًا أحمر. لتظل مهجورة جرداء. أو ملعبًا مفتوحًا للجماعات المتطرفة والصفقات المشبوهة".

وأكد نيوتن، "من يتولى هذه الوظيفة تكون له الحرية لإقامة النظام الأفضل للحكم المحلى. الذى يحقق الاستقرار لهذا الإقليم".. وتابع، "لكل هذا فقد تنجح الفكرة نجاحًا باهرًا. تنطلق سيناء بعده لتصبح أحد النمور الإفريقية الآسيوية. باعتبارها واقعة فى القارتين. التجربة يمكن استنساخها فى محافظة أخرى. لتصبح انطلاقة قومية جبارة، أما إذا فشلت التجربة. فليس هناك الكثير لكى نبكى عليه، فهل يا ترى من الوارد القيام بهذه التجربة والتعامل مع سيناء كمنطقة اقتصادية ذات طبيعة خاصة. أم أن معوقات هذه التجربة أكبر من أن نتجاوزها؟".

وكتب نيوتن بعد هذا المقال مقالين أولهما هو "حاكم سيناء" تحدث فيه عن محاور نفس الفكرة أيضا، ثم المقال الأخير وهو "سيناء وإمكانيات بلا حدود".

المقال أثار حالة من الجدل بمصر، وبالذات عبر القنوات الفضائية ومواقع التواصل الاجتماعي، ولذلك وجدت لزاماً علي أن أناقش هذا الأمر بشئ من الحيادية وبعيداً عن التعصب والتقليد الأعمي الأسن، ونبدأ بما قاله الكاتب ؛ حيث ورد في الفقرة  الثالثة من المقال: "الوظيفة التى اقترحها وأتصدر لها هى «حاكم سيناء». مدة التعاقد 6 سنوات".. وهنا نقف عند هذه النقطة ونسأل النيوتن: هل فكرة الحاكم المستقل عن الدولة، وبالتالي هو ليس محافظ ومدة تعاقده 6 سنوات يوجد لها بند بالدستور المصري أم أنها فكرة يطرح الكاتب من خياله؟.. ولماذا 6 سنوات شأنه شأن رئيس الجمهورية؟ وهل سيناء هنا تكون ضمن القطر المصري أم منفصلة عنه؟ ..

الكاتب يقول أن الحاكم المستقل صلاحياته تتجاوز صلاحيات المحافظ، وهنا نسأل: كيف ذلك ؟!.. وكيف نتوصل إلي هذا الحاكم؟... وكيف نعده لمهمته ؟ .. وما بأي طريقة؟ وما هي شروط تعاقده ؟.. الكاتب لم يكتف لذلك، بل زعم أن الوظيفة تتطلب الاستقلال التام عن بيروقراطية القوانين السائدة وأكرر وأقول كيف ذلك ؟ ..

الكاتب بلغ به الخيال مبلغاً جعله يهزي قائلاًً : "مطلوب الابتعاد عن ميزانية الدولة" .. وهنا أقول كيف ذلك ؟.. ليس هذا فقط، بل جنح الكاتب زاعما أنه لن يجمع الإقليم بالدولة إلا السياسة الخارجية والدفاع المسؤول عن حماية الحدود.. وأكرر وأقول كيف ذلك ؟!..

ويسير الكاتب في مهاتراته فيزعم أنه يريد ميزانية مختلفة وموازنة خاصة لسيناء وأكرر وأقول كيف يمكن نوفرها ؟! .. وكيف تكون الدولة شئ وسيناء شئ آخر؟! .. وكيف تكون سيناء مستقلة عن كل شئ فيما عدا وزارتي الدفاع والخارجية؟! وكيف نستعين بالتجربة من دول ناجحة مثل ماليزيا أو سينغافورة أو ماليزيا أو هوكنج كونج وبالتالي نطبق القوانين في تلك الأماكن ونطبقها علي سيناء ؟ وما هو دور الحاكم الذي يتخيله الكاتب ؟ وكيف نأتي به؟ وبأي طريقة نوليه المسؤولية وكيف؟..

شئ حيرني أكثر وأكثر في الكاتب لماذا يتهم المعترضين على المقال مثلي بسوء النية؟.. ولماذا يريد تعميم التجربة في محافظات أخرى حالما نجحت الفكرة؟.. وأين ستكون مصر في ضوء هذا الاقتراح؟ .. وكيف يتم تنفيذ هذه الأفكار في ظل الإرهاب الذي يُمارس في سيناء من قبل داعش ضد الدولة المصرية؟.. وكيف يمكن توافر ميزانية مختلفة عن ميزانية الدولة وليس لها علاقة بالدولة كيف يتم ذلك؟.. وكيف يمكن توافر ميزانية منفصلة عن ميزانية الدولة وكل شئ منعزل عن الدولة كيف يتم ذلك؟..

وكتب الكاتب الصحفي خالد ميري بجريدة الأخبار مقالا يهاجم فيه "نيوتن" قال فيه "من حقنا أن نسأل هذا النيوتن عن الصفقات المشبوهة التى تجرى فوق أرض سيناء؟.. من حق الشعب أن يعرف ما يعرفه الأخ نيوتن عن صفقات هو وحده يعرفها ويصفها بالمشبوهة؟ .. لماذا اختار هذا التوقيت لطرح رؤية مريضة لا هدف لها إلا فصل سيناء عن جسد الوطن، ليصبح لها حاكم وقوانين ونظم خاصة بعيدة كل البعد عن القوانين والنظم المصرية؟..

خلاصة القول إن مثل هذه الأفكار التي يقولها نيوتن قد طُرحت أيام جماعة الإخوان المسلمون علي سدة الحكم، وكان الرئيس السابق محمد مرسي (الإخواني) يخطط لعزل سيناء عن الدولة المصرية، حتي ينفذ المخطط الإجرامي الذي بمقتضاه مبادلة 720 كيلومتراً داخل سيناء مع مساحة من الأراضي داخل النقب لإقامة دولة غزة الكبرى. وبالتالي المشروع المعروض فى المصري اليوم منسوخ من المشروع طائر النهضة للإخوان، فقد سبق أن تم توقيع مذكرة تفاهم بين قطر وتركيا وحماس، وكان هذا المشروع ينص على عمل مشروع كبير من غزة لـ 100 كيلو جنوب العريش لضم المطار، وعندما كان الرئيس عبد الفتاح السيسي وزيرًا للدفاع فى هذا التوقيت أصدر قرارا بمنع تملك الأراضى فى سيناء إلا بموافقة الأجهزة الأمنية.

ليس هذا فقط فلو نظرنا للتاريخ  لوجدناه يكشف لنا عن محطات خطيرة تكشف تورط “الإخوان المسلمين” في تقسيم مصر، وبدأ هذا التقسيم عندما زرعت جماعة الإخوان المسلمين الإرهاب منذ القرن الماضي، وذلك لتنفيذ مخطط أمريكي – إسرائيلي لتقسيم سيناء ما بين شمالها ووسطها والجنوب، كي يكون شمالها تحديدا ما يشبه الإمارة الإسلامية لاحتواء فلسطينيي حماس، لكن إسرائيل كانت تنوي الاستفادة من ضرب الجيش المصري بواسطة هؤلاء الإسلاميين، لفرض شريط حدودي على شاكلة ما فرضته في لبنان اثناء الاحتلال للجنوب..

وقد سعت الجماعات الاسلامية في ذلك الوقت إلى تمهيد الظروف لخلق واقع جديد في شمال سيناء تحديداً، وإيجاد أرض خصبة للربط ما بين إسلاميي غزة وإسلاميي مصر خدمة لمشروع الاخوان، وتركت هذه الجماعة الحرية للخلايا الإرهابية للعمل فى شمال سيناء، والتي تقدر أعداد عناصرها على جانبي الحدود، وفى القطاع وشمال سيناء بأكثر من 13000 متطرف. وتقول المعلومات أن جماعة الإخوان خططت لبناء دولة اسلامية تمتد من غزة إلى العريش وصولاً إلى جبل الحلال في سيناء، بينما تتخذ إسرائيل من جنوب سيناء شريطاً حدودياً تحت سيطرتها، ويجري إدخال قوات تابعة للأمم المتحدة من العريش حتى قناة السويس.

ووفق السيناريو المطروح تستفيد إسرائيل أولاً من حيث تشتيت قوة مصر العسكرية والجغرافية والاقتصادية، وثانيا بإيجاد أزمة مفتوحة في أكبر قوة عربية، تتلاقى أهدافها مع ما يجري في سوريا، علما أن خطط إسرائيل أيضاً تصل إلى اقامة منطقة شريط حدودي في الجولان السوري. ومن هنا تبدو الاستفادة الاسرائيلية جلية من مشاريع إسلاميي الدول العربية الذين نشروا ثقافة التقسيم على مستوى البشر قبل جغرافية الدول.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

 

 

حسين سرمك حسنالخطر الحقيقي هو "أجندة ID2020" للسيطرة على سكان الأرض

ما هو ID2020 سيئ السمعة؟ إنه تحالف من الشركاء من القطاعين العام والخاص، بما في ذلك وكالات الأمم المتحدة والمجتمع المدني. إنه برنامج معرف إلكتروني يستخدم التطعيم المعمم كمنصة للهوية الرقمية.

بقلم: بيتر كونيج

ترجمة: حسين سرمك حسن


 

1452  كوفيد 1

يبدو أنه كلما كُتب أكثر عن أسباب فيروس كورونا - كلما طغت التحليلات المكتوبة على الدعاية والتشويق. أسئلة عن الحقيقة والحجج حول مكان البحث عن الأصول وكيف يمكن أن ينتشر الفيروس وكيفية مكافحته، تضيع في ضجيج الفوضى الوحشية. ولكن أليس هذا ما يريده "الرجال السود Black Men" وراء هذا الوباء المقصود - الفوضى والذعر واليأس، الذي يؤدي إلى ضعف الإنسان - يصبح الناس فريسة سهلة للتلاعب؟

 

1452  كوفيد 2أعلنت منظمة الصحة العالمية اليوم أن الفيروس التاجي COVID-19 "جائحة" - عندما لم يكن هناك أدنى أثر للوباء. قد يكون الوباء هو الحالة عندما يصل معدل الوفيات إلى أكثر من 12٪. في أوروبا، يبلغ معدل الوفيات حوالي 0.4٪ أو أقل. باستثناء إيطاليا، وهي حالة خاصة، حيث بلغت ذروة معدل الوفيات 6 ٪ (انظر أدناه لمزيد من التحليل(

الصين، حيث بلغ معدل الوفيات ذروته قبل بضعة أسابيع فقط عند حوالي 3٪، عادت إلى 0.7٪ - وهي تنخفض بسرعة، بينما تتحكم الصين بشكل كامل في المرض - وذلك بمساعدة دواء لا يتحدث عنه تم تطويره قبل 39 عامًا بواسطة كوبا، يُدعى (Interferon Alpha 2B (IFNrec)، وهو فعّال جدًا في مكافحة الفيروسات والأمراض الأخرى، ولكنه غير معروف ولا يُستخدم في العالم، لأن الولايات المتحدة بموجب الحظر غير القانوني على كوبا لا تسمح بدواء يتم تسويقه منها دوليًا.

على الأرجح، تلقت منظمة الصحة العالمية أوامر من "الأعلى"، من أولئك الذين يديرون ترامب و "قادة" (الاتحاد الأوروبي) ودوله الأعضاء، والذين يهدفون إلى السيطرة على العالم بالقوة - النظام العالمي الواحد.

لقد كان هذا على لوحة الرسم لسنوات. القرار النهائي للمضي قدمًا الآن، تم اتخاذه في يناير 2020 في المنتدى الاقتصادي العالمي (WEF) في دافوس - خلف الأبواب المغلقة جدًا، بالطبع. آل غيتس The Gates، و GAVI (جمعية الأدوية الصيدلانية)، وآل روكفلر Rockefellers، وآل روتشيلد Rothschilds وآخرون، كلهم وراء هذا القرار - تنفيذ جدول أعمال ID2020 – Agenda ID2020 (انظر أدناه).

1452  كوفيد 3 (الصورة 3)

1452  كوفيد 4(الصورة 4)

بعد الإعلان رسميا عن الوباء، قد تكون الخطوة التالية - أيضًا بناء على توصية منظمة الصحة العالمية أو البلدان الفردية، "التلقيح القسري أو بالقوة force vaccination"، تحت إشراف الشرطة و / أو المراقبة العسكرية. أولئك الذين يرفضون قد يعاقبون (الغرامات و / أو السجن - والتطعيم بالقوة على كل شخص).

إذا حدث بالفعل التطعيم بالقوة، وهي فرصة أخرى لشركات الأدوية الكبرى Big Pharma، فإن الناس لا يعرفون حقًا ما نوع الكوكتيل الذي سيتم وضعه في اللقاح، ربما يكون "قاتل بطيء"، والذي يعمل فقط في غضون بضع سنوات - أو مرض يضرب الجيل القادم فقط - أو عامل موهن في الدماغ، أو جين يجعل المرأة عقيمة. كل شيء ممكن - دائمًا بهدف السيطرة الكاملة على السكان والحد من السكان. في غضون بضع سنوات، لا يعرف المرء، بالطبع، من أين يأتي المرض. هذا هو مستوى التكنولوجيا التي وصلت إليها مختبرات الحرب الحيوية (الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وإسرائيل وكندا وأستراليا ...).

فرضية أخرى، في هذه المرحلة فقط فرضية، ولكنها واقعية، هي أنه جنبًا إلى جنب مع التطعيم - إن لم يكن مع هذه الفرضية، ثم ربما مع واحدة لاحقة، قد يتم حقن رقاقة نانو nano-chip، غير معروفة للشخص الذي يتم تطعيمه. قد يتم شحن الشريحة عن بُعد مع جميع بياناتك الشخصية، بما في ذلك الحسابات المصرفية - الأموال الرقمية. نعم، الأموال الرقمية هي ما يهدفون إليه، لذا لم تعد لديك حقًا سيطرة على صحتك والبيانات الحميمة الأخرى، ولكن أيضًا على أرباحك وإنفاقك. يمكن حظر أموالك أو سحبها - "كعقوبة" لسوء السلوك، للسباحة ضد التيار. قد تصبح مجرد عبدا للسادة. نسبيًا، قد يبدو الإقطاع مثل المشي في الحديقة.

قال الدكتور تيدروس، المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، قبل بضعة أيام، إنه يجب علينا أن نتحرك نحو الأموال الرقمية، لأن الأوراق المادية والنقود المعدنية يمكن أن تنشر الأمراض، وخاصة الأمراض المتوطنة، مثل الفيروسات التاجية. هل هذه مقدمة للأشياء القادمة؟ - أو لأشياء هنا بالفعل؟ - في العديد من الدول الاسكندنافية، يُحظر النقد نقدًا إلى حد كبير، وحتى شريط النقود يمكن دفعه إلكترونيًا فقط.

نحن نتحرك نحو دولة شمولية في العالم. هذا جزء من جدول أعمال ID2020 - وهذه الخطوات التي سيتم تنفيذها الآن - تم إعدادها منذ فترة طويلة، بما في ذلك من خلال محاكاة الكمبيوتر للفيروس التاجي في كركز جونز هوبكنز Johns Hopkins في بالتيمور في 18 أكتوبر 2019، برعاية منتدى دافوس الاقتصادي العالمي WEF ومؤسسة بيل وميلندا غيتس Bill and Melinda Gates.

بيل غيتس، أحد كبار المدافعين عن التطعيمات للجميع، خاصة في إفريقيا - هو أيضًا من المدافعين عن الحد من عدد السكان. يُعد انخفاض عدد السكان من بين أهداف النخبة داخل المنتدى الاقتصادي العالمي، وآل روكفلر، وآل روتشيلد، ومورغانز Morgens - وبعض الأهداف الأخرى. الهدف: عدد أقل من الناس (نخبة صغيرة) يمكنهم العيش لفترة أطول وأفضل مع الموارد المحدودة والتي تقدمها أمّنا الأرض بسخاء.

وقد تمّ نشر هذا علنا بالفعل في الستينيات والسبعينيات من قبل هنري كيسنجر، وزير الخارجية في إدارة نيكسون، وهو مهندس مشارك في حرب فيتنام، والمسؤول الرئيسي عن القصف شبه السري لكمبوديا، وهو إبادة جماعية لملايين الكمبوديين غير المسلحين أي المدنيين. جنباً إلى جنب مع الانقلاب الذي قامت به وكالة المخابرات المركزية وكيسنجر في 11/9، 1973، في تشيلي، مما أسفر عن مقتل سلفادور أليندي الرئيس المنتخب ديمقراطياً ووضع الدكتاتور العسكري الجنرال بينوشيه في السلطة، ارتكب كيسنجر جرائم حرب. اليوم، هو متحدث باسم (إذا جاز التعبير) آل روكقلر و جماعة بيلدلبيرغ Bilderberger .

1452  كوفيد 5

بعد أسبوعين من محاكاة الكمبيوتر في مركز جونز هوبكنز الطبي في بالتيمور بولاية ماريلاند، التي "أنتجت" (عبر محاكاة) 65 مليون حالة وفاة (!)، ظهر فيروس كورونا COVID-19 لأول مرة في ووهان. حتى الآن أصبح من المؤكد تقريبًا أن الفيروس تم إحضاره إلى ووهان من الخارج، على الأرجح من مختبر الحرب البيولوجية في الولايات المتحدة. انظر أيضا هذا الرابط

https://journal-neo.org/2020/02/07/china-western-china-bashing-vs-western-bio-warfare/

وهذا الرابط:

https://www.globalresearch.ca/china-is-confronting-the-covid19-epidemic-was-it-man-made-an-act-of-of-bio-warfare/5705067

*

ما هو جدول أعمال ID2020 سيئ السمعة؟ إنه تحالف من الشركاء من القطاعين العام والخاص، بما في ذلك وكالات الأمم المتحدة والمجتمع المدني. إنه برنامج معرف إلكتروني يستخدم التطعيم المعمم كمنصة للهوية الرقمية digital identity. يسخّر البرنامج عمليات تسجيل المواليد والتطعيمات الموجودة لتزويد الأطفال حديثي الولادة بهوية رقمية محمولة ومستمرة مرتبطة بالقياسات الحيوية. يعرّف التحالف العالمي للقاحات والتحصين Global Alliance for Vaccines and Immunization، أو GAVI، نفسه على موقعه الإلكتروني على أنه شراكة صحّية عالمية لمنظمات القطاعين العام والخاص مكرسة لـ "التحصين للجميع". تدعم منظمة الصحة العالمية التحالف العالمي للقاحات والتحصين، وغني عن القول أن شركاءها الرئيسيين ورعاتها هم لوبي صناعة الأدوية.

قرر تحالف ID2020 في قمته لعام 2019، تحت عنوان "Rising to the Good ID Challenge"، في سبتمبر 2019 في نيويورك، طرح برنامجه في عام 2020، وهو قرار أكده المنتدى الاقتصادي العالمي في يناير 2020 في دافوس. سيتم اختبار برنامج هويتهم الرقمية مع حكومة بنغلاديش. إن التحالف العالمي للقاحات والتحصين، تحالف اللقاحات، و "شركاء من الأوساط الأكاديمية والإغاثة الإنسانية" (كما يسمّونهم) جزء من الحزب الرائد.

هل هي مجرد مصادفة أن يتم طرح جدول أعمال ID2020 في بداية ما تسميه منظمة الصحة العالمية جائحة؟ - أم هل يلزم جائحة "لنشر" البرامج المدمرة المتعددة لـ ID2020؟

إليكم ما يقوله أنير شودري، مستشار السياسة لبرنامج حكومة بنغلاديش:

"نحن نطبق نهجًا استشرافيًا للهوية الرقمية يمنح الأفراد السيطرة على معلوماتهم الشخصية، مع الاستمرار في بناء الأنظمة والبرامج الحالية. تدرك حكومة بنغلاديش أن تصميم أنظمة الهوية الرقمية له آثار بعيدة المدى على وصول الأفراد إلى الخدمات وسبل العيش، ونحن حريصون على ريادة هذا النهج".

رائع! هل يعرف السيد أنير شودري ما الذي سيدخل فيه؟

عودة إلى الجائحة والذعر. يتم غلق جنيف، المقر الأوروبي للأمم المتحدة، بما في ذلك مقر منظمة الصحة العالمية، بشكل أساسي. لا يختلف عن الغلق الذي بدأ في البندقية وتوسّع لاحقًا إلى شمال إيطاليا حتى قبل بضعة أيام - والآن يغطي الغلق جميع أنحاء إيطاليا. قد يتم اعتماد إغلاق مماثل قريبًا من قبل فرنسا - ودول تابعة أوروبية أخرى للإمبراطورية الأنجلو-صهيونية.

يتم تداول العديد من المذكرات ذات المحتوى المثير للذعر من وكالات الأمم المتحدة المختلفة في جنيف. رسالتهم الرئيسية هي - إلغاء جميع رحلات البعثة، وجميع الأحداث في جنيف، وزيارات قصر الأمم، وكاتدرائية جنيف، والمعالم والمتاحف الأخرى. أحدث التوجيهات، العديد من الوكالات وجّهت تعليمات لموظفيها للعمل من المنزل، وليس لتجنب مخاطر التلوث من وسائل النقل العام.

هذا الجو من الذعر والخوف - يفوق أي شعور بالواقع، عندما لا تكون الحقيقة مهمة. لا يستطيع الناس حتى التفكير في الأسباب وما قد يكون وراءها. لا أحد يصدقك (بعد الآن)، عندما تشير إلى الحدث 201، محاكاة الفيروس التاجي، ودورة ألعاب ووهان العسكرية التي خُتمت في 7 أغسطس الماضي، ومختبر الحرب البيولوجية عالي الأمان في فورت ديتريك، ماريلاند. ما يمكن أن يكون في وقت ما فتح العين بالنسبة للكثيرين، اليوم هي نظرية المؤامرة المطلقة. قوة الدعاية. قوة مزعزعة للاستقرار – تزعزع استقرار دول وشعوب، وتدمر الاقتصادات، وتخلق مصاعب للأشخاص الذين قد يفقدون وظائفهم، وعادة ما يكونون هم الأقل قدرة على تحملها.

أيضًا، في هذا الوقت، تزداد أهمية تذكير الناس بأن التفشّي في الصين كان يستهدف الجينوم الصيني. هل تحولت لاحقًا لتجاوز "حدود" الحمض النووي الصيني؟ متى حدث ذلك، إذا حدث؟ لأنه في البداية كان من الواضح أنه حتى الضحايا المصابين في أجزاء أخرى من العالم، كانوا 99.9٪ من أصل صيني.

ما حدث بعد ذلك، عندما انتشر الفيروس إلى إيطاليا وإيران، هو قضية أخرى، ويفتح الطريق أمام عدد من التفسيرات المتضاربة.

(1) كانت هناك سلالات مختلفة من الفيروس تم تداولها بالتسلسل - من أجل زعزعة استقرار البلدان في جميع أنحاء العالم وإرباك السّكان ووسائل الإعلام، بحيث لا يمكن لأي شخص من التيار الرئيسي أن يستنتج أن السلالة الأولى كانت تستهدف الصين في حرب بيولوجية.

(2) في إيران، لديّ شك قوي في أن الفيروس كان شكلًا مُحسّنًا من متلازمة الشرق الأوسط التنفسية (متلازمة الشرق الأوسط التنفسية، من صنع الإنسان، اندلعت أولاً في المملكة العربية السعودية في عام 2012، موجهة إلى الجينوم العربي) - الذي تم تقديمه بطريقة أو بأخرى في الدوائر الحكومية (عن طريق رذاذ الهباء الجوي؟) - بهدف "تغيير النظام" عن طريق الوفاة الناجمة عن COVID19. تفكير واشنطن بالتمني طوال الثلاثين سنة الماضية على الأقل.

(3) في إيطاليا - لماذا إيطاليا؟ - ربما لأن واشنطن / بروكسل أرادت ضرب إيطاليا بقوة لأنها كانت الدولة الرسمية الأولى التي وقّعت على اتفاقية الحزام والطريق Belt and Road (BRI) مع الصين (كانت الأولى في الواقع اليونان، ولكن لا أحد من المفترض أن يعرف أن الصين جاءت لإنقاذ اليونان، التي دمّرها إخوة اليونانيين، أعضاء الاتحاد الأوروبي، وبشكل رئيسي ألمانيا وفرنسا).

1452  كوفيد 6(الصورة 6)

(4) الضجيج حول ارتفاع معدل الوفيات بسبب الإصابة في إيطاليا، حتى وقت كتابة هذه السطور: 10149 إصابة مقابل 631 حالة وفاة = معدل الوفيات 6.2 (مقارنة بإيران: 8042 إصابة مقابل 291 حالة وفاة = 3.6 معدل الوفيات). يبلغ معدل الوفيات في إيطاليا ضعف ما هو عليه في إيران وحوالي عشرة أضعاف متوسط الوفيات في أوروبا. (هل هذه التناقضات هي نتيجة الفشل في إنشاء بيانات موثوقة تتعلق بـ "العدوى"، انظر ملاحظاتنا المتعلقة بإيطاليا أدناه).

لماذا ا؟ - هل تأثرت إيطاليا بالذعر من الفيروسات؟ هل كان هناك ضغط أقوى على إيطاليا؟

يبدو أن الأنفلونزا الشائعة في أوروبا في موسم 2019/2020، قتلت حتى الآن حوالي 16000 (في الولايات المتحدة يبلغ عدد القتلى، وفقًا لمركز السيطرة على الأمراض الأمريكي CDC بين 14000 و 32000، اعتمادًا على موقع CDC الذي يمكنك مراجعته).

هل يمكن أن يكون من بين وفيات الفيروس التاجي الإيطالي أن هناك أيضًا ضحايا الأنفلونزا الشائعة، حيث أن الضحايا المُتضررين هم في الغالب من كبار السن الذين يعانون من شروط تنفسية مُسبقة؟ أيضا، الأعراض متشابهة جدا بين فيروسات التاجية والأنفلونزا الشائعة، ولا أحد يتساءل ويتحقق من رواية السلطات الرسمية؟

ربما لا تأتي جميع سلالات الفيروس التاجي من المختبر نفسه. أخبرتني صحفية من برلين من أصل أوكراني هذا الصباح أن أوكرانيا تستضيف حوالي 5 مختبرات للحرب البيولوجية الأمريكية ذات الإجراءات الأمنية المشددة. يختبرون بانتظام فيروسات جديدة على السكان - ومع ذلك، عندما تنفجر أمراض غريبة في محيط المختبرات، لا يُسمح لأحد بالتحدث عنها. وتقول إن شيئًا مشابهًا يحدث في جورجيا، حيث يوجد المزيد من مختبرات الحرب البيولوجية التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية / وكالة المخابرات المركزية - وحيث تنفجر أمراض جديدة وغريبة أيضًا.

كل هذا يجعل الصورة المركبة أكثر تعقيدًا. إن كل هذا الضجيج الفائق هو الدافع وراء الربح، والبحث عن الربح الفوري، والفوائد الفورية من معاناة الناس. صُنع الذعر هذا هو مئة ضعف ما يستحقه. ما يمثله هؤلاء الملوك من العالم السفلي، الذين يتظاهرون بإدارة العالم العلوي، وربما أخطأوا في الحساب، هو أنه في عالم اليوم المعولم والمجهول بمصادر خارجية بشكل كبير، يعتمد الغرب بشكل كبير على سلسلة التوريد في الصين، وعلى السلع الاستهلاكية، وعلى البضائع الوسيطة - وفي المقام الأول على الأدوية والمعدات الطبية. 80٪ على الأقل من الأدوية أو المكونات الخاصة بالأدوية وكذلك المعدات الطبية تأتي من الصين. واعتماد الغرب على الصين في المضادات الحيوية أعلى، حوالي 90٪. الآثار المحتملة على الصحة مدمرة.

خلال ذروة وباء COVID-19، كان جهاز إنتاج الصين لكل شيء مغلقًا تقريبًا. بالنسبة لعمليات التسليم التي لا تزال تتم، تم إرجاع سفن البضائع بانتظام وبشكل قاطع من العديد من الموانئ في جميع أنحاء العالم. لذا، فقد خدع الغرب نفسه في وضع نقص في كل شيء من خلال شن "حرب اقتصادية" بحكم الواقع على الصين. الى متى سوف يستمر؟ - لا أحد يعرف، ولكن الاقتصاد الصيني الذي انخفض بمقدار النصف تقريبًا، تعافى بسرعة إلى ما يزيد عن 80٪ مما كان عليه قبل الإصابة بالفيروس التاجي. إلى متى سيستمر اللحاق بالركب المتأخر؟

ماذا وراء كل هذا؟ - حملة شاملة مع الذعر المُصطنع الناجم لدرجة أن الناس يصرخون "ساعدونا، أعطونا اللقاحات، انزلوا الشرطة والجيش من أجل أمننا" - أو حتى إذا لم يصل اليأس العام إلى هذا الحد، سيكون من السهل على سلطات الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة أن تفرض مرحلة عسكرية من الحصار من أجل "الحماية الصحية للشعب". في الواقع، CDC (مركز السيطرة على الأمراض في أتلانتا)، صمّم بالفعل توجيهات ديكتاتورية قاسية من أجل "الطوارئ الصحية".

جنبا إلى جنب مع التطعيم القسري، من يدري ما يمكن أن يحتويه كوكتيل "الأمراض المصغرة" المحقونة في اللقاح، وما يمكن أن تكون آثارها على المدى الطويل. على غرار المحاصيل المُعدّلة وراثيًا، حيث يمكن إدراج جميع أنواع الجراثيم بدون أن نعرف؟

قد نكون بالفعل في بداية تنفيذ ID2020 - الذي يشمل، التطعيم القسري، وخفض عدد السكان والتحكم الرقمي الكامل للجميع - في طريقنا إلى نظام عالمي واحد - والهيمنة المالية العالمية - سيطرة الطيف الكامل، كما يحب أن يسمّيها مشروع القرن الأمريكي الجديد (Plan for a New American Century (PNAC .

مكسب مفاجئ للصين. لقد تم استهداف الصين عمداً لـ "التدمير الاقتصادي"، بسبب اقتصادها الذي يتقدم بسرعة، والاقتصاد الذي سيتفوق قريبًا على الهيمنة الحالية، للولايات المتحدة الأمريكية، وبسبب العملة القوية للصين، اليوان، يُحتمل أيضًا تجاوز الدولار العملة الاحتياطية الرئيسية في العالم.

1452  كوفيد 7

كلتا الحالتين تعني نهاية هيمنة الولايات المتحدة على العالم. لقد أصاب مرض الفيروس التاجي، الموجود الآن في أكثر من 80 دولة، أسواق الأسهم، بانخفاض بنسبة 20٪ على الأقل خلال الأسابيع القليلة الماضية - وارتفع؛ أدت العواقب المخيفة من فيروس التباطؤ الاقتصادي، إن لم يكن الركود، إلى خفض أسعار البنزين في غضون أسبوعين تقريبًا إلى النصف. ومع ذلك، وبدون تدخّل البنك المركزي الصيني، كانت قيمة اليوان مقابل الدولار مستقرة إلى حد ما، عند حوالي 7 يوان مقابل الدولار. وهذا يعني أن الاقتصاد الصيني، على الرغم من فيروس COVID-19، لا يزال يحظى بثقة كبيرة حول العالم.

نصيحة للصين - قم بشراء جميع أسهم الشركات الأمريكية والأوروبية التي يمكنك الحصول عليها بأسعار منخفضة للغاية من أسواق الأسهم التي انهارت بمقدار الخمس أو أكثر، بالإضافة إلى شراء الكثير من العقود الآجلة للنفط. عندما تتعافى الأسعار، لن تكتسب فقط مليارات، وربما تريليونات من الغرب فحسب، ولكن يمكنك أيضًا امتلاك كميات كبيرة من الأسهم ذات العائد المؤثر في معظم أكبر الشركات الأمريكية والأوروبية - وستكون قادرًا على المساعدة في تحديد توجهاتهم المستقبلية.

ومع ذلك، هناك بارقة أمل فضّية صغيرة تتأرجح في الأفق المليء بالغيوم الداكنة. يمكن أن تكون معجزة وعي كتلة حرجة يمكن أن تضع حدا لكل شيء. على الرغم من أننا نبدو بعيدين عن مثل هذه المعجزة، فإن في مكان ما في زاوية مخفية من دماغنا، تبقى لدينا شرارة من الوعي. لدينا القدرة الروحية على التخلي عن مسار كارثة الرأسمالية النيوليبرالية الغربية، وبدلاً من ذلك نتبنى التضامن والتعاطف والحب لبعضنا البعض ولمجتمعنا. قد يكون هذا هو السبيل الوحيد لكسر الجمود وعذاب الجشع الأناني الغربي.

*

ملاحظة للقراء: يرجى النقر على أزرار المشاركة أعلاه أو أدناه. قم بإعادة توجيه هذه المقالة إلى قوائم بريدك الإلكتروني. Crosspost على موقع بلوق الخاص بك، ومنتديات الإنترنت. إلخ

# بيتر كونيج Peter Koenig

هو محلل اقتصادي وجغرافي سياسي. كما أنه متخصص في الموارد المائية والبيئية. عمل لأكثر من 30 عامًا مع البنك الدولي ومنظمة الصحة العالمية في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك فلسطين، في مجالات البيئة والمياه. يحاضر في جامعات في الولايات المتحدة وأوروبا وأمريكا الجنوبية. يكتب بانتظام للبحوث العالمية، التراث الثقافي غير المادي؛ RT؛ سبوتنيك. PressTV؛ القرن الحادي والعشرين؛ بريد غرينفيل؛ الدفاع عن الديمقراطية، تيليسور؛ مدونة ساكر، التوقعات الشرقية الجديدة (NEO)؛ ومواقع الإنترنت الأخرى. وهو مؤلف فيلم Implosion - فيلم اقتصادي مثير عن الحرب والتدمير البيئي وجشع الشركات - خيال قائم على الحقائق وعلى 30 عامًا من خبرة البنك الدولي في جميع أنحاء العالم. كما أنه مؤلف مشارك في النظام العالمي والثورة! - مقالات من المقاومة. وهو باحث مشارك في مركز أبحاث العولمة.

# هذه المقالة ترجمة لمقالة :

The Coronavirus COVID-19 Pandemic: The Real Danger is “Agenda ID2020”

What is the infamous ID2020? It is an alliance of public-private partners, including UN agencies and civil society. It’s an electronic ID program that uses generalized vaccination as a platform for digital identity.

By Peter Koenig

Global Research, March 12, 2020

 

عبد السلام فاروقالناس تتساءل: كيف استطاعت الصين التغلب على وباء كورونا فى هذا الزمن القياسي؟ وقد حققت نسبة شفاء اقتربت من 95% من الحالات التى لم تعد تزيد!

الرد السهل أن الصين لديها علاج سري أو لقاح خفى، تحقنه فى أوردة مرضاها دون علمهم، فيشفَون بسرعة وهم يظنون أن العرقسوس والإفيدرا هما السبب!

والرد الأصعب قليلاً هو أن الصين لديها نظام صحى متطور بدليل أنها استطاعت بناء مستشفى سعة 1000 سرير فى خمسة أيام!

أما الحقيقة فكانت أشد تعقيداً وغرابة من كل هذا.. مما جاء فى شبكة التليفزيون الصينى الدولية، وقدّم له أحد الأطباء.. كلام عن الطريقة الصينية فى التعامل مع الأزمات والكوارث له العجب..

الحقيقة الأولى هنا: أن شوارع الصين ومتاجرها تنتشر بها أكثر من 200 مليون كاميرا، وأن المعلومات والصور التى تتوارد على تلك الشبكة الهائلة من الكاميرات تتدفق بالدقيقة والساعة على كومبيوتر مركزى، أو ما يُدعَى big data center .

الحقيقة الثانية: هى أن المواطنين فى الصين لهم أكواد، وحينما حدث استشراء للوباء تم تفعيل تلك الأكواد وتصنيف الناس على أساسها، بحيث أن المواطن المميز بالكود الأحمر هو شخص مصاب ينبغى عزله، والأصفر معرض للإصابة، والأخضر سليم. بهذه الطريقة وبمتابعة الكاميرات المنتشرة، بالإضافة لعناصر الشرطة، يمكن بسهولة التعرف على مسارات المواطنين فى منطقة ما.

الحقيقة الثالثة هى أن السلطات الصينية تستعين بتكنولوجيا الروبوت، والغرض منها تقليل الاحتكاك بين البشر، حتى أن رجال الشرطة وعناصر الفرق الطبية تستعين بأجهزة قياس حرارة يتم توجيهها عن بُعد.

إن عناصر الشرطة أنفسهم مزوّدون بخوذات ذكية بها أجهزة مُدمجة لقياس حرارة المتعاملين معهم على بُعد 5 أمتار، وبالخوذة كاميرا صغيرة مزودة بمعالج بيانات كمبيوترى، وكلاهما متصل بالشبكة الأم .

أما البيانات التى يتم جمعها فى الذاكرة العملاقة، يتم تحليلها وتصنيفها وفقاً لبرامج وتطبيقات تستخدم خوارزميات الذكاء الاصطناعى لمعالجة البيانات..

والغرض النهائى من تلك المنظومة الرقمية تحقيق سرعة الوصول للأشخاص المشتبهين أو المصابين للتعامل معهم، مع التأكد التام من عدم وجود تسرب أو تسلل لأشخاص مصابين خارج دائرة العزل .

أمريكا .. كيف هى الآن؟

بالمقارنة بين النموذجين الصينى والأمريكي .. اتضح أن ما نراه من نموذج السوبرمان الأمريكى مجرد وهم سينمائى وخدعة تجميلية أثبت الواقع زيفها..

ففى غضون أسابيع قليلة تم استنزاف احتياطى القطاع الصحى الأمريكى من المعدات والمستلزمات الطبية حتى ارتدَت الممرضات أزياء عازلة مصنوعة من أكياس القمامة! وتعرض الكثيرون من أفراد الشرطة وأفراد القطاع الصحى لإصابات بالعشرات، وسادت الفوضَى، واضطر ترامب للاستنجاد ببضائع الصين، وتشجيع الأطباء والممرضات من أى مكان بالعالم للقدوم إلى أمريكا أرض الفرص، وعندما تأزمت الأوضاع أكثر أعلن أن الأولوية للاقتصاد لا للبشر، وأن أمريكا فوق الجميع!

الاختبار الكبير وضع أمريكا فى مواجهة ومقارنة اضطرارية مع الصين، والعالم يراقب، وأمريكا نفسها تعرف أن المستقبل لم يعد يفتح لها ذراعيه بنفس الحماس!

أمريكا الآن فى أزمة حقيقية، وكل ما يحاول ترامب الآن فعله،  طبقاً لتصريحاته، تجاوز أزمة اقتصادية تلوح فى الأفق، بحيث لا تصبح تداعياتها بعيدة المدَى.

الحرب التجارية .. مَن يربحها؟

تتحكم أمريكا فى حركة التجارة العالمية، وتفرض قيودها وقوانينها على الجميع..

الاستثناء الوحيد كان الصين . القوة الصاعدة بإصرار وثبات دون اكتراث بالقيود الأمريكية التى تحافظ لأمريكا على موقعها المتصدر.

أمريكا لم يعجبها أن تتحالف الصين مع دول الجوار، ولا أنها أنهت مشاكلها الحدودية لتتفرغ للاقتصاد، ولا أنها اقتحمت العمق الأفريقي لتنشئ مشروعات فى مختلف بلدان الشرق والوسط الأفريقي كالسودان وزيمبابوى وكوت دى فوار وغانا ونيجيريا والكونجو . ولا أنها صارت أكبر ثانى الدول إنفاقاً على صناعة السلاح  وتطوير قوتها الدفاعية . لهذا، وبدلاً من أن تمد يدها للصين ولو دبلوماسياً، أعلنت أمريكا الحرب التجارية ضدها لكبح هذا الصعود الذى يهدد عرشها الكونى.

روسيا بالأمس أكدت أن الوباء هو صناعة أمريكية فى إطار تلك الحرب التجارية نفسها، بدليل شماتة أمريكا وسعادتها بما حدث فى الصين فى بداية الأزمة، قبيل انتشاره فى أوروبا والغرب، ومسارعة أمريكا فى حث الشركات متعددة الجنسيات على الانسحاب من البورصة الصينية، وغلق مقراتها فى الصين . كأن أمريكا وجدت، أو أوجدت، الفرصة السانحة للقضاء على الصعود الصينى.

ما حدث تالياً لم يكن على هوَى أمريكا، بل كان تبدلاً للمشهد الذى استدار بزاوية 180 درجة ضد أمريكا ولصالح الصين!

الصين تحكمت سريعاً فى الوباء خلال النصف الأول من شهر مارس، وهو التوقيت الذى بدأت فيه الجائحة تكشر عن أنيابها فى الولايات المتحدة بحيث باتت أمريكا رقم واحد من حيث الإصابات خلال أسابيع ثلاثة فقط!

الغريب فى الأمر أن يتحول الانهيار السريع للبورصة فى الصين إلى أكبر فرصة لها لتحقيق أهدافها . فطبقاً لمراقبين، أن انهيار أسعار الأسهم للشركات الأمريكية الكبري العاملة فى الصين، دفعها لبيع تلك الأسهم بأسعار زهيدة، حيث اشترتها الحكومة ليغدو تحكمها في تلك الشركات كاملاً . إنه نوع من التأميم الذى لم تبذل فيه الصين ضغوطاً لإجبار الشركات الأمريكية عليه، بل حدث بكامل إرادة تلك الشركات التى تسرعت وباعت أسهمها!

المعروف أن أمريكا لها ديون داخلية كبري فى صورة سندات حكومية . فمن تتصورون المالك الأكبر لهذه الديون، والمشترى الأول لها.. إنها الصين.

الآن .. الصين تعيد بناء ما أفسده الوباء، وقد خرجت رابحة فى معركة البورصة، وبضائعها التجارية باتت هى المطلوب الأول لدى سائر الأسواق العالمية، حتى أن دول العالم المتقدم تستولى على هذه البضائع فى البحر بطريقة القرصنة، ومن تلك الدول أمريكا نفسها ! فمن الذى ربح الحرب التجارية ؟

لولا الأمل لانفطر الفؤاد

وسط تيارات الأخبار المرعبة والحزينة والمؤلمة، صفحات من أخبار تبث الأمل فى مستقبل أفضل تنتهى فيه الحروب والصراعات وينجلى فيه الوباء وتعود الحياة أفضل وأنظف وأنصع مما سبق .

هذا ما تعمَّدت صحيفة ذا صن البريطانية أن تبثه لتُخرج الناس من همومهم ومخاوفهم، فدفعتهم للحديث عن مستقبلهم فى العمل .. فتحدث البعض عن تقليل ساعات العمل، وآخرين عن استمرارية فكرة العمل من المنزل، وآخرين عن فكرة الاستغناء عن السيارات حرصاً على توفير هواء نظيف ..

كانت تلك طريقتهم فى دفع الخوف والحزن والملل .. بثنائية الأمل والعمل.

 

عبد السلام فاروق

 

 

ما هو مآل المتحرك (الجمهور) في العراق في بناء الدولة؟

لم تكن العلاقة بين الدين والسياسة منذ لحظاتها الأولى، علاقة طردية/ رفضيه: بمعنى أن كل طرف يحاول جاهداً أن يرفض الآخر في محاولته للسيطرة على زمام الأمور في قيادة الدولة والمجتمع، فمنذ لحظة النشوء، مرورًا بمراحل، النمو، التطور التاريخي لهذه الدولة وحتى لحظات انحسارها ونكوصها من ناحية الفكر، الأيديولوجية الحاكمة، ولكن كانت هذه العلاقة، علاقة طبيعية، علاقة تزاوج وتبادل للأدوار فيما بينهما من أجل إضفاء شرعية قدسية (إلهية/ دنيوية) على بعضهما البعض الأخر في عملية السعي للسيطرة واستعباد الإنسان، وتسخير كل عوامل ومقومات الدولة في تأكيد مرجعتيهم واستمرار سيطرتها، كل حسب الموقع المخصص له. 

أما الثابت في معادلة الدولة ذات الثلاثة أبعاد الديني/ السياسي/ الجمهور المتحرك، حسب ما يذهب إليه الكاتب خليل أحمد خليل في كتابه الموسوم: "سيسيولوجيا الجمهور السياسي الديني في الشرق" فهو الجمهور!

فهذا الأخير هو الطريق السالك لرجل الدين ورجل السياسة الذي يقود في المحصلة النهائية إلى مبتغاه في الهيمنة الفكرية/ الروحية/ الحياتية والتي تتيح لكليهما إمكانية البقاء ومزاولة الاستعباد وكل حسب طريقته التي يتبعها في ذلك.

ما نبغي الوصول إليه من خلال عرضنا المقتضب هذا لفكرة الكاتب خليل أحمد خليل، هو محاولة إعادة قراءة لفكرته أعلاه، من خلال طرح رؤية مغايرة في جوهرها من إعادة تعديل الثابت والمتحرك. بالتأكيد، الأمر يتطلب وقتاً وجهداً كبيرين لإتمام هذا العمل، لكن المريح لنا هو أننا لسنا بصدد كتابة مقالة مطولة بهذا الصدد، بقدر ما هي محاولة لتسليط الضوء على محور مهم نراه جدير بالإشارة إليه في مفهوم بناء الدولة (الدولة العراقية بشكل خاص) من حيث أركانها الثلاث التي يراها خليل في نظرته للدولة وما نراه نحن ايضاً بكل تواضع.

الدارس في القول، أن معادلة الدولة بمفهومها المتعارف عليه حديثًا وفي وقتنا المعاصر هو تلك البقعة الجغرافية التي تسمى بالدولة، والتي لها مقوماتها البشرية/ العمرانية/ الاقتصادية/ الأمنية/ والسياسية. وهي تختلف باختلاف الأنظمة الحاكمة فيها، فمنها الملكية المطلقة، ومنها الملكية المقيدة بدستور، ومنها الديكتاتورية المتسلطة، ومنها الديمقراطية.

وهذه الدول لها أبعاد- الدين/ السياسة/ المجتمع.

وتختلف أهمية العنصر الأول من دولة إلى أخرى، ومن منطقة جغرافية إلى أخرى. فبعد انحسار تأثير الدين في الكثير من جغرافيات العالم لا سيما في أوروبا والولايات المتحدة وكندا وغيرها من القوى الصاعدة بقوة في شرق وجنوب شرق أسيا، نتيجة محاولات جادة لفصل الدين عن الدولة/ السياسة، نجد أن الدين لازال فاعلاً إلى جانب السياسة في مناطق جغرافية أخرى من العالم، لاسيما في الشرق الأوسط، في عالمنا العربي بالتحديد، بل أن انغماس هذا الأخير بالسياسة والعكس صحيح، أصبح محكماً إلى درجة يصعب على العقل العربي النقدي التحليلي أن يجد أي تفسير لهذا الانغماس وهذا التزاوج غير الشرعي بين الديني الروحي التخييري وبين المادي السياسي الحياتي المشبع بكل أشكال التخلف والانحطاط الفكري الإنساني؟ 

أن المتحرك عندنا هو الجمهور (المجتمع)، والذي هو النقيض للثابت عند خليل الجمهور (المجتمع). وهذا المتحرك وان غيب تاريخياً من حيث الزمان والمكان، وأن غيب عقلياً من حيث الأفكار المرتبطة بوجوده وكيانه، لكنه لازال يمثل اللاعب الأساسي في معادلة الدولة يقف بالضد من وجود اللاعبين الآخرين الديني والسياسي، وان الأخيرين عملاً بدون هوادة على التقليل من أهمية المجتمع (المتحرك) من وحيٌ تلك النظرة الدونية التي أراد من خلالها الديني/ السياسي من تمرير ما يبغيان من أنماط فكرية أيديولوجية وحياتية.

لوجهة نظر غرامشي، فيما يتعلق بتاريخية الجمهور، وما يمتلكه هذا الجمهور من عملية اشتراك فاعلة تعود بالنفع من خلال أنتاج أي معنى لوجوده والمكتسب من خلال معاناته، أهمية لدينا كبيرة. فالفرد/ الجماعة سابقة في وجودها على كل الأبعاد الاخرى الدين والسياسة ثم الدولة.

فلا قيمة للدولة، كفكرة وتمثيل على أرض الواقع، ولا قيمة للدين، كوصايا وأحكام أخلاقية/ عبادية/ حياتية بدون المتحرك (الجمهور) أو المجتمع.. هذا الموقف يتبنى فكرة أن الجمهور هو المحرك للسلطات والمكون لها. كيف؟

أن فاعلية أي مجتمع تعتمد اعتمادا كلياً ومباشراً على مدى قدرة هذا المجتمع أو ذاك في نقد أفكاره حتى تلك التي يضفي عليها طابع مقدس ديني ليعمل بها رجل الدين أو حتى رجل السياسة المتزاوج مع رجل الدين لتوصلهما كما أشرنا سابقاً إلى حالة استعباد الإنسان وجعل هذا الأنسان خانعاً ذليلاً غير قادر على التفكير وتقرير ما هو مناسب له، وعندما تجد شخصاً أو مجتمعاً خانعاً، يصبح القبول بالاستعباد أمراً مفروغ منه حسب ما يذهب إليه أرسطو.

هذا المتحرك (الجمهور/ المجتمع) أنتج معادلة جديرة بالاحترام في تونس، لكنه فشل في الوصول إلى معادلة مشابهة جديرة بالاحترام في دول أخرى، في العراق بالتحديد؟

استطاع الجمهور التونسي، من ترويض معادلتي الديني/ السياسي الثابتين وجعلهما يتحركان بصورة أفقية تحتم عليهما التفاعل وإيجاد صيغ تتفاعل معها كل المعطيات المتصارعة بعد الإطاحة بنظام بن علي. الملفت هو التزام حركة النهضة الاسلامية بزعامة راشد الغنوشي بهذا التفاعل، وساعدت بذلك على أخراج تونس من سيناريوهات الفوضى والعنف والاقتتال الداخلي كما حدث في دول عربية أخرى مرت بتجربة الربيع العربي. فيما نكصت مصر، فعادت تحت حكم العسكر وأن كان مرقعاً بصيغة الديمقراطية المشبوهة، بينما ذهبت كل من ليبيا/ سوريا/ اليمن الى مصير مظلم قضى بالتمام على شكل الدولة التي كان قائماً وليس من المتوقع ان تعود هذه الدول الى مستوى وجود الدولة على اقل تقدير والذي كان موجودا قبل الربيع العربي، لدواعي أراها داخلية دينية/ مذهبية في كل من سورية واليمن، وتخبط إقليمي دولي في ليبيا.

أما في العراق، فالأمر معقداً نوعاً ما، وأن عملية تحليل لما يجري فيه قد لا تكون ميسورة وسهلة من ناحية الوصول إلى استنتاجات تساعد في رسم صورة مستقبلية لمالات الأحداث في هذا البلد، لكن الأمر جدير بالمجازفة فيه.

منذ نهاية حكم صدام حسين في العام ٢٠٠٣، بعد أن قادت كل من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا حربا أسقطت فيها النظام والدولة وكل مؤسساتها لا سيما العسكرية والاقتصادية، برز ما أسماه الكاتب السعودي تركي الحمد في كتابه: السياسة بين الحلال والحرام مصطلح الإسلام الحزبي (أسلام لا حلال ولا حرام). ما كان يعنيه تركي الحمد اصطلاحه هذا، هو ذلك التداخل أو التزاوج المشبوه بين الديني المسيس وبين السياسي المتدين؟ كل شيء يصبح مباح في السياسة، حيث لا حلال ولا حرام في مسعى الحركات الإسلامية بشقيها الشيعي والسني، في تأكيد صلاحيتها وقويمتها على المشهد السياسي والحياتي بالوقت نفسه. وهي بهذا المسعى تتنازل عن كل قيمها ومبادئها الكونية المقدسة، وتستعيض عنها بقيم ومبادئ علمانية يكون الفاعل الأساس فيها قيم السياسة المتحولة والمبنية على القهر في أغلب الأحيان. الحال واضح جداً في العراق. ومنذ اللحظات الأولى لتسنم هذه الحركات الإسلامية، ظهر جلياً مسعاها في تهميش المتحرك (الجمهور/ المجتمع)، العراقي الذي اعتمدت عليه هذه الجماعات اعتمادا جوهرياً في وجودها، أي أنها مدينة للجمهور العراقي بكل ما تملك حتى وجودها. لكن هل كان لهذا المتحرك العراقي، نفس الدور الذي كان للمحرك في تونس؟ قطعاً الإجابة تكون بلا، لأسباب يعلمها المطلع على الشأن العراقي، لكن لابأس من بعض الايضاح هنا: لا زال الجمهور العراقي (المتحرك في معادلة الدولة بين الديني / والسياسي) خنوعاً! وهذا الاستنتاج، لا يأخذ بالحسبان، الحراك الجماهيري الأخير في العراق والذي تقوم به فئة الشباب لتغيير ملامح العملية السياسية الفاسدة التي تزاحم على ترسيخها كل من الديني والسياسي على حد سواء، لأن الغالبية الساحقة من الجمهور لازال أما مغيباً أو مسيساً أو مؤدلجاً. ويعزو الكاتب خليل أحمد خليل هذا الخنوع في العقل العربي بوجه عام وأنا هنا أريد منه الدلالة المخصصة في الحالة العراقية إلى عاملين هما:

١- التركيبة الاجتماعية القبلية للسلطة: فردية/ حزبية.

٢- التركيبة الفكرية الدينية للسلطة: هنا أيضاً الفردية/ الحزبية.

هذا الوصف فيه نوع من الدقة في الحالة العراقية بالتحديد. أن نظرة ثاقبة لما يحدث في يجري في العراق راهنا، يبرهن بما لا يقبل الشك على اختلاط مريب بين الاجتماعي/ القبلي الفرد-الجمهور، وبين السياسي المتحكم بأمور الدنيا/ الدولة، وبين السياسي ومؤسسة الدين التي تضفي شرعية للأحزاب وأفراد بصورة مطلقة مدعومة بمقومات بشرية فاقدة لأي قدرة على التفكير، في النظر، في التحليل، وفي الاستنتاج، وهذا الجمهور هو المسؤول بالدرجة الأساس عن الشكل الممسوخ للدولة، وفي المحصلة النهائية: أليس المواطنون (الجمهور) هم "المسؤولون عما إذا كانت دولتهم وثناً حداثياً مفروض عليهم، أم أنها جهاز ناجز لتحقيق الحرية والعدالة الاجتماعية للجميع"، كما يذهب للقول المفكر السوداني عبد الله النعيم في مقالته الموسومة: علمانية الدولة فريضة إسلامية.

ترى هذه الجماعات الإسلامية في خنوع الأغلبية المنقادة لها طواعية وبدون وعي، وغياب للمثقف الأقلية الفاقدة للتأثير بفعل الترهيب والتغريب في حالات كثيرة، ترى أنها الوريثة الشرعية لعهد استبدادي استعبادي سابق لها، رفضته هي ذاتها في مرحلة معينة من تاريخها، لكنها سرعان ما انقلبت له وجعلت منه مثال يحتذى للحكم والسيطرة.

وفكرة الوراثة السياسية هذه والتي يرى فيها المفكر الألماني ماكس ڤيبر مدخلاً للاستبداد، أصبحت إحدى اهم ركائز أحزاب الإسلام السياسي في العراق، ومن خلالها يتم التعامل مع أطياف الشعب العراقي لا سيما الشيعي منه، بشقيه الأغلب/ الجاهل، والقليل/ الواعي، على كونهم ملكية خاصة لها، تسوقها أينما أرادت، تفكر لها، تخطط لها حتى طريقة عيشها المادية. المقصود هنا هو تثبيت المتحرك الفاعل (الجمهور) من جديد ومن خلال عملية التثبيت هذه تكون هذه الأحزاب الدينية السياسية وكل مراجعها الدينية الأيديولوجية، والسياسية في منا عن كل محاسبة.

 

عقيل هاشم العبودي

 

 

محمود محمد عليعلى هامش الحرب الكورونية الأولى ضد الكائن الفضائي مجهول الهوية والهدف والتكتيك دارت حرباً بأقل تكلفة وشراسة، وهذه الحرب كانت قد بدأت منذ مطلع شهر مارس الماضي، وزادت حيثياتها وتضاعفت تداعياتها بفعل الأزمة الحالية، وهي حرب أسعار النفط الدائرة بين موسكو والرياض... السعوديون أرادوا خفض الانتاج بهدف تعزيز الأسعار ، فيما تحفظ الروس علي هذه السياسة اعتقاداً منهم أن من يستفيد منها هم الأمريكان الذين لن يلتزموا بسياسة خفض الانتاج، وبالتالي سوف يتوسعون علي حساب الحصص السعودية والحصص الروسية وحصص دول الأوبك بلاس بصفة عامة .. نتيجة الاختلاف ما بين البلدين رد السعوديون بما عرفناه جميعا وقرروا إغراق الأسواق بنفط رخيص .. الأمر الذي أدي إلي انهيار الأسعار، فانهارت فيه مارس بنسبة 50 % مقارنة عن أسعارها في أول العام الجاري 2020.

لم تنفك تداعيات حرب أسعار النفط بين السعودية وروسيا تلقي بظلالها على البلدين حتى مع الإعلان عن عقد منظمة اوبك اجتماع الشهر الماضي لمناقشة تدني أسعار النفط والبحث عن حلول لمعالجة آثاره السلبية على اقتصاد الدول؛ لاسيما تلك التي تعتمد على النفط كمصدر أساسي للدخل القومي وأبرزها روسيا والسعودية وصولاً إلى الولايات المتحدة الأمريكية.

والسؤال الآن : ما هي القصة الحقيقية لحرب الأسعار بين روسيا والسعودية, ولماذا تصر الولايات المتحدة الأمريكية علي رفع أسعار البترول ؟ ولماذا تقبل موسكو والرياض بالوساطة الأمريكية ؟ وهل الاتفاق الذي تم التوصل إليه مجدي ؟ وهل يصمد أو ينهي حرب الأسعار بين موسكو والرياض ؟ من يستفيد ؟ من يتضرر ؟

في تقديري أنه لكي نفهم المسألة يجدر بنا العودة إلى العام 2016 عام الإعلان عن اتفاق التعاون بين الدول الأعضاء في منظمة اوبك بقيادة السعودية مع دول منتجة للنفط خارج المنظمة بقيادة روسيا، وذلك للتنسيق بين الكتلتين (عرفتا فيما بعد بأوبك بلس ) في تحديد أسعار النفط الخام والمحافظة على استقرار السوق النفطية عبر الاتفاق على حصص الانتاج ، وذلك بعد فقدان دول نفطية كبرى  في اوبك قدرتها على القرار بفعل التغيرات السياسية التي أطاحت بها، مثل ليبيا، وفنزويلا، والعراق، وايران؛ إلا أن هذا الاتفاق الذي يجدد تلقائياً كل ستة شهور قد تعرض إلى هزة عنيفة بعد الطلب السعودي بخفض الإنتاج والرفض الروسي لهذا الطلب.. فيما اعتبرت السعودية(كونها الدولة الرائدة في انتاج النفط وتسعيره والتي تعتمد على هذا المركب في ميزانيتها)  أن الرفض الروسي موجها ضد مصلحتها وأمنها القومي..

لذلك لجأت السعودية في خطوة غير مسبوقة ومفاجئة  فقامت برفع انتاجها واغراق السوق النفطية بكميات فائضة ورد الصاع صاعين لروسيا في خطوة لم تحسب حسابها هذه الاخيرة  متبعه مبدأ "عليّ وعلى اعدائي"!..

دخل "كورونا" على خط الأزمة فقلّ الطلب على البترول مع توقف اقتصادات عالمية هائلة تحديدا مصنع العالم (الصين) وفاقم من الحرب النفطية وخسر الجميع

وعقب قيام السعودية بهذه الخطوة الغير مسبوقة لخفض الأسعار ، قامت موسكو بإطلاق تصريحات نارية باتجاه الرياض اتهمتها فيها بالوقوف وراء الأوضاع السيئة التي تشهدها سوق النفط العالمية، واتهم وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك المملكة بالانسحاب من اتفاق أوبك+ ورفضها تمديده، ما أثر سلبياً على استقرار سوق النفط، وفي نفس السياق قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ان الرياض تسعى على ما يبدو إلى التخلص من المنافسين الذي ينتجون النفط الصخري (يقصد الولايات المتحدة بالدرجة الأولى)، ليأتي الرد السعودي بالقول ان التصريحات المنسوبة للرئيس الروسي حول انخفاض أسعار النفط "عارية عن الصحة"، بحسب وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان، كما رفض وزير الطاقة السعودي عبد العزيز بن سلمان بن عبد العزيز تصريحات نظيره الروسي مؤكداً ان “ما ورد غير صحيح ومنافٍ للحقيقة جملة وتفصيلاً".

والسؤال الآن : ما هي الأسباب والأبعاد الحقيقية التي جعلت الرياض تأخذ هذه الخطوة الغير مسبوقة في تخفيض سعر النفط ضاربة بكل العهود والمواثيق السابقة؟.

في اعتقادي أن هذا الأمر حدث  بعد أن تم الإعلان بأن قيمة العجز في موازنة السعودية قد بلغ 50 مليار دولار  وأن الدين العام قد بلغ 201 مليار دولار ؛ حيث بلغت النفقات 272 مليار دولار والإيرادات 222 مليار دولار، ولا ننسى  قرار إلغاء موسم العمرة ووقف ملايين المعتمرين من زيارة السعودية وربما إذا استمر انتشار وباء الكورونا لا سمح الله فقد يؤدي إلى إلغاء موسم الحج لهذا العام.. ولتغطية هذا العجز قامت السعودية برفع الإنتاج من 10 ملايين برميل إلى 13 مليون برميل .. ولقد أدى رفع الإنتاج هذا إلى هبوط حاد في سعر برميل النفط ؛ حيث بلغ 25 دولار للبرميل، ولقد أدى انخفاض السعر إلى قيام الولايات المتحدة في المرحلة الأولى بشراء النفط السعودي من أجل  تعبئة مخزونها الاستراتيجي من النفط السعودي بأقل التكاليف. وإذا استمر هبوط الأسعار سوف تجد شركات النفط الأمريكية نفسها مرغمة إلى إيقاف استخراج النفط الصخري الأمريكي والاستعاضة عنه بالنفط السعودي . كما أن هبوط أسعار النفط يصب في مصلحة كل من الولايات المتحدة بالدرجة الأولى تليها الصين وأوروبا  والهند واليابان وبقية دول العالم المستوردة للنفط.

ولذلك اقتنص الاكاديمي الأمريكي " تشارلز لين" الصراع السعودي- الروسي في أسعار النفط ليستقرا آثار ذلك على المصالح الأمريكية في مقالة له في صحيفة " واشنطن بوست "؛ حيث أبدى نصائح للإدارة الأمريكية منها” منع السعودية ، أو روسيا من تحديد الاستراتيجية النفطية"؛ وأشار لين " أن هذه ليست المرة الأولى التي تحاول فيها السعودية ، وروسيا أكبر مصدرين للنفط الحصول على اتفاق اقتصادي ، وجيوسياسي من خلال التلاعب بما تنتجه الابار النفطية المملوكة للدولة ، كما أنها ليست المرة الأولى أن تظهر فيها الولايات المتحدة كطرف ثالث مهتم في هذه الدراما، " لكنه يستدرك في هذا الأمر ليشير أنه ما هو "مختلف هذه المرة هو وجود رابح ، أو خاسر في الولايات  المتحدة بناء على نتائج الصراع السعودي- الروسي"، ويخشى  الاكاديمي الأمريكي أن تعاد عجلة الزمن مرة أخرى ، وتكتوي واشنطن بما عانته في السابق في انخفاض أسعار النفط كما هو في السابق بالقول" أن العلاقة الثلاثية بين الولايات  المتحدة والسعودية وروسيا كانت تشكل الجغرافيا السياسية والاقتصاد منذ ما يقارب النصف قرن .

وفي نهاية هذا المقال لا نملك إلا أن نقول مع الدكتورة "ميساء المصري"، بأنه ليس من مصلحة روسيا- بوتين ثاني منتج ومصدر للنفط في العالم ، أن ينخفض سعر النفط أكثر ، وإلا فإن السيد بوتين سيصبح نهاية العام خارج منظومة الكرملين.. كذلك ليس من مصلحة أمريكا – ترامب أكبر منتجي النفط الصخري والمستهلكين للنفط في العالم ، أن ينخَفض سعر النفط أكثر ، وإلا فإن ترامب سيجد نفسه في نهاية 2020 خارج منظومة البيت الأبيض.. وأيضا ليس من مصلحة السعودية الحليف المستنزف أمريكياً، أن ينخفض سعر النفط أكثر، وإلا فإن من سيحكم السعودية ، سيجد نفسه خارج المنظومة قبل إعادة الصلاة في الحرم المكي من جديد... وكذلك ليس من مصلحة أسواق المال الغربية ، من طوكيو إلى نيويورك ، أن ينخفض سعر النفط أكثر ، وإلاّ فإن الانهيار والإفلاس والخسارة الهائلة ستكون مصير الشركات قبل البنوك .. وحدها الصين من مصلحتها أن ينخفض سعر النفط أكثر رغم أنها تدرك بأن ترامب لن يسمح لها باستغلال الفرصة ، وسيتم خلق تفاوضات ، من أجل التوصل إلى تحديد أسعارِ نفط معتدلة ، ولا تضر بالمصالح الأمريكيّة ، وربما على عكس الجميع قد يجد السيد شي جين بنغ ، نفسه خارج منظومة بكين.. وفي نهاية المطاف سيبقى العرب بلا ناقة ولا جمل ، رغم أن براميلهم ودولارتهم وبلادهم وشعوبهم وبعيرهم كلها ، سارحة مارحة ، في بورصات أسواق النفط العالمية.

ونحمد الله أنه بالفعل انهت مجموعة أوبك+، التي تضم أعضاء منظمة الدول المصدرة للنفط "أوبك" وحلفاؤها، حرب الأسعار التي اشتعلت في مارس الماضي، بعدما قررت في ساعة متأخرة من أمس خفض إنتاج النفط بمستوى تاريخي. وأعلنت منظمة أوبك+، التوصل لاتفاق يقضى بخفض غير مسبوق لإنتاج النفط، يعادل نحو 10% من المعروض العالمي.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

.........................

المراجع

1- د. اماني القرم : حرب أسعار النفط بين موسكو والرياض وثالثتهما.. واشنطن" (مقال).

2- ا. د. جاسم يونس الحريري : كورونا والصراع السعودي الروسي حول أسعار النفط (مقال).

3- الدكتور حسين عمر توقه:  صراع النفط بين روسيا والسعودية.. المستفيد الأول هو الولايات المتحدة (مقال).

4- براء سمير إبراهيم: ماذا ارادت موسكو من اتهاماتها للرياض حيال اسعار النفط؟ وما طريقة ترامب الجديدة لاستنزاف السعودية؟(مقال).

5- دكتورة ميساء المصري: حرب أسعار.. صراع ديوك.. غطس في النفط.. وحرق دول.. فمن الخاسر الأكبر؟ (مقال).

 

رائد جبار كاظملقد غير فايروس كورونا الوبائي خارطة العالم ومعالمه السياسية والاجتماعية والحياتية والاقتصادية، وكان له تداعيات كبيرة ألقت بضلالها على مجتمعات وشعوب العالم أجمع، وأدخل العباد والبلاد في نفق مظلم لم ير النور بعد، فكان وباء وجائحة كارثية أهلك الحرث والنسل وأكل الأخضر واليابس، ولم يزل الناس في حيرة من أمرهم لأيجاد مخرج وعلاج من هذا الوباء العالمي الخطير، الذي أصاب الآلاف من البشر وأودى بحياة الكثيرين من أبناء المعمورة، ولم تزل الاسباب الفيزيقية والميتافيزيقية والسياسية والميتاسياسية غائبة تماماً عن معرفة الأسباب الحقيقية لهذا الفايروس المدمرالذي أجتاح العالم، والأيام والتاريخ والمستقبل كفيل بإظهار الأسباب والدوافع الحقيقية وراء انتشار ذلك الفايروس بهذا التوقيت بالذات.

لم يكن العراق بمعزل عن دول العالم من جراء انتشار ذلك الفايروس الوبائي، وكان العراق على موعد مع كورونا، قريب العهد بالواقع السياسي والاجتماعي العراقي المتشظي وبالصراعات السياسية والتظاهرات الشعبية الكبرى التي شهدتها البلاد منذ الأول من تشرين الأول من العام 2019، وتفاقمها بعد ذلك للأشهر اللاحقة والى ما قبل أحداث كورونا الصحية في العراق والعالم، في الأيام الأخيرة من شهر شباط من عام 2020، حيث سجلت أول اصابة وبائية بالفايروس في العراق في محافظة النجف، وعندها دخل العراق ساعة الصفر، واتخاذ التدابير اللازمة لمواجهة تلك الجائحة في البلد، وقد تشكلت عندها خلية الأزمة الصحية لمواجهة ذلك الوباء والحد من انتشاره، والعراق منذ أحداث الأول من تشرين الأول والى يومنا هذا يعاني من فراغ سياسي وحكومي واقتصادي وترهل كبير في كافة مفاصل الدولة، فالحكومة المستقيلة، حكومة تصريف الاعمال، حكومة مشلولة ليس لها من الأمر شيئاً، حكومة أقوال وشعارات لا أعمال وانجازات، والبرلمان الى يومنا هذا في منتصف شهر نيسان ولم يقر الموازنة بعد، وما بين ذلك الاخفاق والفشل السياسي وكورونا السياسة في البلاد أنشبت جائحة كورونا أظفارها على العباد لتأخذ حصتها من المواطن بين مصاب وقتيل ومحجور بذلك الوباء الخطير، الذي لم نعلم قصة انتهائه بعد، وبين لعنة كورونا السياسة وكورونا الوباء في العراق أطلت كورونا النفط الاقتصادية برأسها على العالم لتدخله في نفق اقتصادي مظلم لا نعرف مصيره فيما بعد، حيث هبوط أسعار النفط الى ما دون الثلاثين دولاراً، فضلاً عن الخسارات الاقتصادية الاخرى التي اجتاحت العالم في ظل الحجر الصحي وأغلاق الحدود والمطارات والتنقل والسفر بين أغلب دول العالم المصابة بالوباء، مما كلف دول العالم والمؤسسات والشركات والتجار ورجال الاعمال الكثير من الخسارات الكبرى، والصرف المالي الكبير الذي تحتاجه الدول لمواجهة خطر العدو الجديد (كورونا المستبد)، الذي كان عدواً فتاكاً غزا دول االعالم، مما جعل البعض يهرب منه ويحترس، والبعض الآخر يتسلح به ويتحصن لتحقيق مآربه السياسية والاقتصادية، ويستغل تلك الجائحة أبشع الاستغلال، وهذا ما حصل بالفعل في العراق، في ظل صنّاع الازمات وتجار الحروب والصراعات، الذين أبتلينا بهم من أئمة الحكم وقادة الاحزاب والكتل ومن يتبعهم من سماسرة السياسة وبطانتهم طوال تلك الفترة المنصرمة التي جعلت العراق ساحة حرب ولعب ونهب لمن هب ودب، حيث الحكومة والطبقة السياسية في وادٍ والشعب والمواطن في وادٍ آخر، الطبقة السياسية تسعى لخدمة نفسها ومصالحها الحزبية الضيقة، وللشعب البؤس والفقر والحرمان، وقد خرج الشعب في تظاهرات عدة محتجاً على سوء الخدمات ورداءة ادارة الحكومات وكثرة الفساد المستشري في مفاصل الدولة من رأسها الى قدمها، الدولة التي حسمت زمام أمرها بالقضاء على المواطن وخنق حرياته وسرقة حقوقه في ظل ديمقراطية المافيات الحاكمة، وتجار الحروب والفساد والارهاب في البلاد.

منذ أكثر من ثلاثة أشهر والدولة والاحزاب الحاكمة تتباحث في مسألة اختيار رئيس وزراء جديد وبديل عن حكومة تصريف الاعمال، وقد كلف رئيس الجمهورية مرشحين وفشلا في تشكيل الحكومة المرتقبة، وهما من خيارات الاحزاب والكتل وليس من خيار الشعب وخارج الوسط الحاكم كما أراد الشعب من خلال تظاهراته للقضاء على الفساد والمحاصصة، وها هو المكلف الثالث يدخل اللعبة من جديد، بعد توافق سياسي حزبي كبير لم يحصلا عليه المكلف الأول والثاني، وكان الثالث أكثر حظاً ونصيباً منهما، رغم رفض الشعب لكل هؤلاء المرشحين لأنهم من الأوساط السياسية الحزبية التي لم تخدم العراق وشعبه بشيء يذكر، وقد كان لفايروس كورونا الدور الكبير لاحتماء الاحزاب والكتل السياسية من خلاله لتمرير مرشحهم واللعب السياسي بما يناسبهم وعلى مقاساتهم الخاصة، دون تدخل الشعب والمحتجين في ذلك، كونهم يخضعون لحظر التجوال، وخلو ساحات الاعتصام والاحتجاج من المحتجين الذين كانوا يرابطون في ساحاتهم لمواجهة كورونا السياسة، فما كان لكورونا الفايروس إلا أن يكون حصان طروادة الذي يحقق للسياسيين مآربهم لتحقيق ما يصبون اليه في ظل الحجر الصحي العام وحظر التجوال واستغلال الوضع العام في العالم والبلاد أبشع الاستغلال، وما سلسلة تمديد الحظر المتكررة في البلد الا لخدمة المشروع السياسي وتمرير حكومة المرشح الأخير وكابينته المرتقبة، دون رقيب أو رأي شعبي تجاهه، وهذا ما يعمل عليه الساسة والأحزاب خلال هذه الايام، وكأن الظروف التي نعيشها قدمت خدمتها للمكلف الرئاسي الجديد على طبق من ذهب، حيث الأزمة السياسية المعقدة في العراق، والواقع الصحي السيء الذي نعيشه، وأزمة النفط والاقتصاد المعقدة التي تهدد العالم، فهل سيكون المرشح على قدر من المسؤولية لقيادة العراق في ظل كل تلك الأزمات، ويحقق أحلام الفقراء والمساكين والحالمين بوطن جميل ليس إلا، أم سيكون محققاً لأحلام الساسة ومصالحهم الحزبية الضيقة، أم سيُرفض مثل سابقيه في البرلمان، هذا ما ستشهده الأيام القادمة وتخبرنا به الأعمال لا الأقوال مثلما صرح المكلف الأخير في خطابه الأول للشعب، الشعب الذي يرتقِب الفرج منذ سنين ويحلم بقائد لسفينة النجاة وقيادتها الى بر الأمان. 

 

 د. رائد جبار كاظم

 

 

بكر السباتين.. وتوقعات ألفين توفلر

الدراسات المستقبلية القائمة على الاستشراف الموضوعي، لا تبنى على التمنيات بل على تسخير معطيات الواقع لبناء التوقعات ومدى قربها من المنطق.

والحديث عن مستقبل الولايات المتحدة الأمريكية يندرج في هذا السياق، وبما أن "أهل مكة أدرى بشعابها" فالمفكر الأمريكي المستقبلي سيكون أكثر مصداقية من غيره في الحديث عن ذلك، نظراً لارتباطه بالمصالح العليا لبلاده، والتي تشكل الدافع باتجاه نقده البناء للواقع الأمريكي. وحتى يكون هذا المفكر موضوعياً، سيأخذ بعين الاعتبار الحقيقة التاريخية التي تقول بأن القمة لا تدوم لأحد في تاريخ الدول والحضارات؛ لذلك، فإن تغيير المستقبل يبدأ بالنقد الإيجابي للواقع ومحاولة تغييره. وفي ذات الإطار وضع علماء "المستقبليات الأميركيين" تصوراتهم لمستقبل بلادهم، حيث يؤكِّدون بأن تفكّك وتهاوي أميركا هما مسألتان حتميتان فلا مناص منهما، وذلك بناء على قوانين وأسباب مؤدّية إلى سقوط الدول والحضارات، وهي "تكهّنات" تنبني على رَصْدِ مختلف العوامِل والأسباب والشروط التي أسقطت دولاً وإمبراطوريات مثل: الرومانية، العثمانية، البريطانية التي غابت عنها الشمس، الاتحاد السوفياتي.. وقياساً على ذلك فإن أميركا لن تكون خارج السياق وليس من المنطق أن تستثنيها قوانين التاريخ الإنساني، وخاصة أن أسباب تقهقرها كامنة في سياساتها الداخلية والخارجية وقد يعجل بالخاتمة رجل مقامر بمواصفات ترامب.

نحن هنا لا نتحدث عن نبوءات مستحيلة تقوم على الرجم بالغيب؛ بل على توقعات وفق ما يتوفر لدى المفكرين من معطيات واقعية وقواعد تقنية للقياس.

ولنبدأ بالمفكر الأمريكي الشهير " ألفين توفلر". فقد كانت دقة توفلر ومنطقيته في التفكير عندما تقرأ له وهو يحكي لك عن مستقبل العالم سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا كفيله بأن يجعلك تشعر أنه يحدثك عن شيء يراه بالفعل حاضرًا أمام عينيه.

"آلفين توفلر" الكاتب والمفكر الأمريكي وعالم دراسات المستقبل الذي غيبه الموت في لوس أنجلوس قبل عدة سنوات، والذي أبهر العالم بتوقعاته، حيث تُرجمت كتبه ودراساته إلى أكثر من عشرين لغة حول العالم، وقام بالتدريس لعدة رؤساء دول وحكومات أبرزهم "ميخائيل جورباتشوف" آخر رؤساء الاتحاد السوفيتي، ورئيس وزراء ماليزيا "مهاتير محمد" وغيرهم الكثير من أبرز قادة وحكام العالم سياسيًا واقتصاديًا.

كان توفلر في أعماله يحلق خارج السرب دوماً سواء في اختياره لموضوعاته أو في الكيفية التي يتناولها بها.. فلفت أنظار العالم وهو يناقش الثورة الرقمية، وثورة الاتصالات، وثورة الشركات، والتطور التكنولوجي، وحقق نجاحات كبيرة عندما عمل نائبا لرئيس تحرير مجلة فورتشن الشهيرة.

ووصفت مؤسسة أكسنتور للاستشارات الإدارية توفلر بأنه ثالث أهم شخص بين رواد الإدارة في الولايات المتحدة عبر التاريخ بعد بيل جيتس وبيتر دراكر، كذلك وصفته الجريدة البريطانية العريقة "فاينانشال تايمز" بإنه "أشهر عالم دراسات مستقبل في العالم". كما صنفته صحيفة "الشعب" اليومية الصينية بين الخمسين أجنبي الذين ساهموا في صياغة الصين الحديثة، كما كان له فضل كبير في تطوير طريقة تفكير رئيس الحكومة الصينية الأسبق زهاو زيانج. كما أعترف بعبقرتيه الملياردير المكسيكي كارلوس سليم الذي ساعده "توفلر" كثيرًا على التوقع بالفرص التجارية المستقبلية والتعرف عليها.

 توقعه بانهيار الاتحاد السوفيتي

في عام 1987 صدر كتابه توفلر الشهير "الموجة الثالثة "Third Wave الذي توقع فيه بانهيار الاتحاد السوفيتي السابق، حيث قدم دلائل علمية وذكيّة تؤيد تصوراته وتدعم بقوة احتمال انهيار وشيك. وهذا ما تحققّ بعدها بثلاث سنوات. لقد انهار الاتحاد السوفيتي فعلا وفق توقعاته. ولكن ما يخيف الأمريكيين ما جاء في نهاية الكتاب، إذ استكمل توفلر توقعاته التي شدد عليها بإصرار، بالقول إنه بعد 25 عاماً على الأقل من انهيار الاتحاد السوفيـتي، على العالم أن ينتظر انهيار الولايات المتحدة الأمريكية نفسها وتفككّها إلى ولايات مستقلة.

وذهب توفلر إلى أكثر من ذلك، حينما وضع في إطار نظريته المستقبليّة احتمالات عدّة لسيناريوهات الانهيار، منها، أن تبدأ (ثورة السود) وامتدادها إلى كل الولايات. حرائق ومظاهرات، وأعمال شغب وقتل وانهيار أمني ثم انفصال وهكذا، سوف يبدأ الانهيار.. مجرد شرارة واحدة تشعل غضب الملونين، وكأنه تنبأ بسياسة ترامب العنصرية البغيضة أو باجتياح وباء كورونا البلاد. فقد انهار الاتحاد السوفيـتي بالفعل، وها قد مضى ما يقرب من 30 عاماً على ذلك الحدث الكبير. فهل يمكن اعتبار توقعات توفلر عن انهيار الولايات المتحدة أمراً محتملاً؟ وخاصة أنها تقوم على احتمالية تفكك الولايات المتحدة الأمريكية نتيجة حصول ركود اقتصادي كالذي حصل عام 1921.. هذا لو أخذنا بعين الاعتبار توافق هذه التوقعات مع انتشار وباء كورونا الذي بدأ يترك أثراً سلبياً على الاقتصاد العالمي وربما سيقود أمريكا إلى حالة ركود اقتصادي يعززها وجود الرئيس المتهور وغير الحكيم، ترامب، في ظل رغبات بعض الولايات الأمريكية في الانفصال كما هو حال ولاية كاليفورنيا! وهنا يتجلى التوافق العجيب ما بين توقعات " ألفين توفلر" وواقع الحال، أي أن الولايات المتحدة الأمريكية ستعاني من الركود الاقتصادي المحتمل، بعد انتشار وباء الكورونا المدمر، واستمرار رئيسها المقامر ترامب في سياساته الدولية الخاطئة بدءاً من ابتزاز دول الخليج العربي، والانحياز ل"إسرائيل" في إطار خيار صفقة القرن المجحف بحق الفلسطينيين، وتصعيده للمواجهة الاقتصادية مع الصين، وإلغاء معاهدة الأسلحة النووية متوسطة المدى العام الماضي، حيث مضى عليها ثلاثة عقود، والتي أبرمت بين ريغان وغورباتشوف عام 1986، وجاء قرار الإلغاء من الطرف الأمريكي بذريعة أن روسيا انتهكتها منذ عام 2014 بينما في واقع الأمر بأن القرار الخاطئ جاء للرد على جهود الصين في تطوير ترسانتها النووية.. وهذا سيستهلك الميزانية الأمريكية في سباق جديد للتسلح وعلى حساب التنمية الشاملة، وسوف يهز موقف الدولار عالمياً لصالح اليوان الصيني أو اليورو.. وقد يؤدي كل ذلك إلى انفصال كاليفورنيا عن الاتحاد. ودعونا نتذكر ما قاله بيرنارد غروفمان، خبير العلوم السياسية بجامعة كاليفورنيا في إيرفين: "إذا انفصلت كاليفورنيا، قد تتفكك أوصال الولايات المتحدة الأمريكية" وهذا يتوافق مع توقعات توفلر.

كليفورنيا تتنفس الصعداء وتقلق الأمريكيين

تزايدت حدة الاستقطاب السياسي والفكري في الولايات المتحدة الأمريكية خلال السنوات الأخيرة. ويرى بعض الباحثين أن الولايات المتحدة تشهد في الوقت الراهن تجاذبات وصراعات فكرية غير مسبوقة، وكأن توقعات "توفلر" تقرع الأبواب، وكان المشككون يصرون على أن كاليفورنيا لا تعتزم الانفصال عن الولايات المتحدة الأمريكية في المستقبل القريب ما لم يطرأ تغير جسيم.. وهذا التغير بدأ يفرض نفسه على الواقع الأمريكي كما تحدثنا عنه أعلاه، تحت عنوان " ما بعد انتشار الكورونا".

ففي وقت سابق، قالت مونيكا توفت، أستاذة السياسات الدولية بكلية فليتشر بجامعة تافتس في مدينة بوسطن، إن هذه المحاولات لاقت تأييداً من فئات عديدة، برر بعضهم ذلك التأييد بأن الحكومة الفيدرالية لم تعد تمثل مصالح كاليفورنيا اقتصاديا، بينما ذكر البعض الآخر أن ولاية بحجم كاليفورنيا لا يمكن تنظيمها بشكل ملائم إلا إذا قُسمت إلى ولايات أصغر. طبعاً هذا القول يأتي خلافاً لما يطالب به الانفصاليون.

وفي وقت سابق، أي قبل استفحال أزمة الكورونا، قال بيرنارد غروفمان: "إن المشهد السياسي في أمريكا يخيم عليه استقطاب حاد لم نشهد له مثيلاً إلا في حقبة ما بعد الحرب الأهلية في التسعينيات من القرن التاسع عشر. إذ لم نر الكونغرس الأمريكي منقسما على نفسه إلى هذا الحد منذ ما يربو على 100 عام".

ويرى أخرون أنه لم يعد هناك سبيل إلى تقريب شقة الخلاف بين ولاية كاليفورنيا وسائر الولايات الأمريكية حول القيم والمبادئ الأساسية التي يؤيدها الطرفان.

فلو انتزعت كاليفورنيا استقلالها المنشود من قبل كثيرين، فهل يتطور الأمر إلى حرب أهلية كما حصل بداية الحرب الأهلية الأمريكية؟

لو تحققت رغبات الانفصاليين في كاليفورنيا، فإن مستقبل الولايات المتحدة الأمريكية سيكون كارثياً بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، لأن انفصالها سيكبد الخزينة الفدرالية خسائر في إيرادات الضريبية، إذ تسهم هذه الولاية الجنوبية لوحدها بالنصيب الأكبر من الإيرادات الضريبية للولايات المتحدة الأمريكية. فهي أغنى ولاية أمريكية على الإطلاق، ويكفي احتضانها لوادي السليكون، إذ تبلغ الإيرادات السنوية لشركة آبل وحدها 266 مليار دولار.. وعليه فتعد كاليفورنيا لوحدها بمعزل عن الاقتصاد الأمريكي، خامس أكبر اقتصاد في العالم، إذ بلغ الناتج الإجمالي المحلي لهذه الولاية 2.7 تريليون دولار في عام 2017.

وسأنهي مقالي بما ذهب إليه المؤرِّخ وعالِم الأحياء جاريد ديامون الذي قال بكل وضوح إن الحضارات تختفي حين يُدمِّرها أصحابها.

ومن هنا يمكن فهم ما قاله المفكر الأمريكي الرصين نعوم تشومسكي في أن أمريكا مثال للدولة الفاشلة التي تروج للديمقراطية والقيم الإنسانية كالحرية والرحمة، لكنها أكثر الدول إسرافاً في استخدام العنف وإراقة الدماء، وهذا يندرج في إطار النقد البناء.

وهو ما يحدث لأمريكا في عهد المقامر دوناند ترامب.. والصفعات المتوالية ستأتي تباعاً بعد استفحال وباء الكورونا في بلاد العم سام وهو ما لا نتمناه لأحد على هذه الأرض التي تمثل الملاذ الوحيد للبشرية..

 

بقلم بكر السباتين

 

عبد الحسين شعباناستعدت حكاية «قلم أينشتاين» في ظلّ التداعيات الخطرة التي سببّها وباء كورونا «كوفيد 19»؛ وذلك لسببين: الأول، الاستنفار العلمي لاكتشاف لقاح أو دواء للوباء؛ والثاني، ما تردّد لدى أوساط متدينة في مجتمعاتنا من أعمال جهل وخرافات للاستهانة بالوباء، تحت عناوين دينية، لا علاقة لها بالدين من قريب أو بعيد.

يشهد العالم أزمة من أخطر الأزمات الكونية التي عرفتها البشرية، ولاسيّما بعد الحرب العالمية الثانية، وقد شملت جميع مناحي الحياة لدرجة استحالة إيقافها عند حدود أو مطارات أو موانئ أو حواجز برّية أو نهرية أو بحرّية، وكذلك تعذّر إيقافها بجهد خاص لدولة مهما كبُرت أو امتلكت من وسائل، الأمر الذي يتطلب عملاً جماعياً دولياً وتعاوناً علمياً وتكنولوجياً وتفاهماً سياسياً واقتصادياً، وقبل كلّ شيء إرادة حقيقية لوضع حد للجائحة تمهيداً لإيجاد حلول ومعالجات للقضاء عليها.

ويعتبر «كوفيد -19» أشدّ خطراً وأسرع انتشاراً من جميع الأمراض والأوبئة التي سبقته مثل مرض نقص المناعة «الإيدز» وإنفلونزا «الطيور» و«الخنازير» وقبل ذلك «جنون البقر» وغيرها من الأمراض التي اجتاحت البشرية في السنوات الأخيرة، في حين هيمن كورونا على كل شيء في حياتنا وتحوّل إلى هاجس مقلق للجنس البشري بسبب انتقاله المرعب متخطياً سرعة الضوء والصوت بالتعبيرات المجازية وغير المجازية، فمن الصين وطريق الحرير القديم إلى إيران ومنها إلى إيطاليا مروراً بالمنطقة العربية ووصولاً إلى أوروبا إحدى أهم محطاته، ومنها انطلق إلى القارة الأمريكية وأستراليا ونيوزيلندا.

ولعل هنري كيسنجر على حق حين يقول: إن كورونا سيغيّر النظام العالمي، والأمر لا يتعلق بالأضرار الصحية، وهي ليست قليلة ولا يستهان بها، لكن الأضرار التي تتعلق بالاقتصاد ستستمر لأجيال. ومعنى ذلك أن الجميع أصبح في دائرة الاستهداف على نحو عشوائي ومدمّر، وقد يؤدي ذلك إلى ضعضعة أركان بعض الدول العظمى بما فيها الولايات المتحدة، بسبب تداعياته الاقتصادية والمالية والتجارية والصناعية والزراعية والبيئية والقانونية والتربوية والتعليمية والثقافية والدينية وغيرها.

فلم تعد الحدود حاجزاً، فالوباء لا يفرق بين نظام وآخر وبين غني وفقير ومؤمن وغير مؤمن وأسود وأبيض، فبطشه وقسوته تطال الجميع، الأمر الذي يتطلّب تعاوناً دولياً لإطلاق مشاريع تتجاوز الإيديولوجيات والأديان والقوميات، وتأخذ مصالح البشر، شعوباً وأفراداً بنظر الاعتبار، لأن ليس بإمكان دولة مهما عظمت أن تتقي شرور الوباء بحكم كون العالم «قرية صغيرة» متواصلة ومتّصلة لدرجة التشابك.

وهكذا يصبح التعاون الدولي في المجالات كافة «فرض عين وليس فرض كفاية»؛ بل ضرورة من ضرورات مرحلة ما بعد كورونا، بتجاوز جميع أنواع الانغلاق والتعصّب والتطرّف والكراهية للآخر، لأن تعزيز القدرة العالمية على المواجهة تعني رفع درجة القدرة على الوقاية أولاً، ثم المعالجة، وأخيراً الرعاية والحماية اللّاحقة.

ويتطلّب ذلك تطوير مناهج البحث العلمي للأغراض السلمية والتخلّي عن الميزانيات الضخمة المخصصة للتصنيع العسكري والأغراض الحربية، وتوجيهها للصحة والتنمية والتعليم والبيئة وعلوم الفضاء وكل ما له علاقة بتحسين حياة الناس ورفاههم وضمان حد أدنى من العدالة الاجتماعية، على صعيد كل بلد وعلى صعيد نظام العلاقات الدولية، بما فيه نظام إدارة المجتمع الدولي وتطوير الأمم المتحدة والمنظمات التابعة لها.

وكشفت الأزمة هشاشة العديد من الأنظمة السياسية التي لم تُولِ اهتماماً كافياً بالإنسان وحقوقه بما فيها «الحق في الصحة» الذي هو حق أساس بغض النظر عن الفوارق الطبقية والتفاوت الاجتماعي، مثلما أظهرت أهمية وضرورة «التدخل الإيجابي» للدولة ومساهماتها في تأمين الرعاية الصحية والضمان الصحي للجميع، حتى إن أنظمة تعاني شحّ الحريات كانت أكثر جاهزية وانضباطاً وقدرة على مواجهة الأزمة، بل إن بعضها أرسل دعماً لدول أكثر تقدماً، وتلك إحدى المفارقات التي أكدت أهمية التعاون الدولي لحماية الإنسان لأنه «مقياس كل شيء» على حد تعبير الفيلسوف الإغريقي بروتوجوراس.

وبالعودة إلى قلم أينشتاين، فقد أهداه إلى أحد تلامذته النابغين وأصبح هذا رئيساً لجامعة بغداد (1958-1963) وظلّ يحتفظ بالقلم الثمين الذي خصّصه للتوقيع على شهادات الخريجين، لكنه فقده يوم اعتقل وأهين إثر انقلاب دموي (8 فبراير/‏شباط 1963)، واضطرّ بعدها إلى الهجرة إلى الولايات المتحدة ليتوفى فيها العام 1969، إنه عبدالجبار عبد الله عالم الفيزياء النووية.

ما أحوجنا إلى قلم أينشتاين، بمعنى إلى العلم وإعلاء شأن العلماء لتحقيق مستلزمات النهضة في مواجهة المرض والجهل والتخلف، ففي ذلك يكمن سرّ الجواب على سؤال شكيب أرسلان (مفكر لبناني) «لما تأخر المسلمون وتقدّم غيرهم؟».

 

عبد الحسين شعبان

 

ميثم الجنابيعندما نتأمل تاريخ العراق وأحداثه القديمة والمعاصرة، فإننا نقف أمام احتمالات لا تحصى في المواقف منه. بمعنى انه يجبرنا على التفسير والتأويل بالشكل الذي يجعل اشد الناس كسلا وغباء قادرين على إبداء الرأي، واشد الناس جبنا على قول عبارات الوعيد والتهديد. وهي حالة لا يحسد عليها العراق والعراقيين، خصوصا حالما يمتزجا في "إرادة" قواه المتصارعة!! ويصعب حد هذه الحالة بدقة المنطق وجمال البيان، وذلك لخلو الواقع منهما. كما انه واقع عادة ما يجبر الوعي السياسي المباشر على افتعال أسهل الطرق واقصرها لبلوغ الغاية. ومن ثم سحب الجميع إلى مستنقع التخلف والانحطاط عوضا عن استشراف آفاق المستقبل من خلال تحليل ودراسة الواقع كما هو. بمعنى رؤية المستقبل واستمداد البدائل منه. وهو السبب القائم وراء ترديد عبارات الماضي ونمط رؤيته للأحداث المعاصرة ومجرياتها. ويعكس هذا الترديد ضعف الرؤية النقدية تجاه النفس. وليس مصادفة امتلاء وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة بمواقف الاتهام المتبادل وأحكام التجريم والتخوين. بحيث لا يرى المرء في الحصيلة غير مجموعة مجرمين وخونة!

فعندما يقف المرء خارج إطار القوى المتصارعة لكي يحكم عليها بما تقول عن نفسها وعمن يعارضها، فإنه يتوصل إلى أن الذي يجمعهم هو تشابههم في الرذيلة! وهو واقع يستعيد نفسه بطريقة فجة، كما يتسم بقدر هائل من الابتذال والسطحية، الذي جعل أكثر أسلافنا غلوا وحماسة في بحثهم عن سر استمرار الاستبداد الأموي وتحول العراق إلى ميدان التجريب الخشن والقتل المجاني والعشوائي والتشريد والتخريب والتدمير والسجن، أن يطلقوا عبارة: "لولا سيف الحجاج ولسان الحسن البصري لما قامت لبني أمية قائمة"! ويمكن فهم بواعث هذا الموقف النبيل في سياسة الحجاج بن يوسف الثقفي، الذي دفعه الصلف والخروج على ابسط قواعد الحق واللياقة لإطلاق قولته الشهيرة:"إني أرى رؤوسا أينعت حان قطافها"!

وحالما ننظر إلى واقع العراق الحالي، فإننا نقف أمام نموذج أو نماذج لحجاج جديد أو جدد تجمعهم سمة الخروج على منطق الحق واللياقة. وبما أن الحجاج كان في نظر العراقيين هو تجسيد الاستبداد السياسي، لهذا كان الرد سياسيا أيضا. وذلك لأن الخلاف الجوهري كان بين شيعة العراق، أي من تشيع للعراق، وحكم الاستبداد الأموي. وضمن هذا السياق يمكن فهم تذمرهم الخفي والمستتر من سلوك الحسن البصري، الذي فضل الصمت والهدوء ومعارضة العنف انطلاقا من رؤيته الأخلاقية الرفيعة حول ضرورة تربية الإرادة. وهو نموذج صنع قدرية المعتزلة وعقولهم الحرة، كما استثار نزعة التحدي والغلو المعنوي عند أولئك الذين وجدوا في طريق "إشهار السيف" الأسلوب الوحيد للقضاء على القهر والعبودية. وهي ظاهرة يصعب الحكم عليها بعبارة واحدة.

فقد كان من السهل الحكم على الحجاج بالرذيلة رغم قدرته الفائقة في تهذيب العبارة والبيان، بينما كان من الصعب اتهام الحسن البصري بالجبن والخنوع رغم دعوته العلنية والمستترة للاستكانة والتهدئة. وهي حالة يمكن لمن يتمثلها طائفيا القول:"لولا سيف الاحتلال ولسان السيستاني لما قامت قائمة لبني أمية الجدد". كما يمكننا العثور على هذه الفكرة بصيغ وصور مبطنة وجلية وبأشكال مختلفة ومتنوعة. تماما بالقدر الذي يمكن أن نعثر على رديف معنوي لها في اتهامات مقابلة مثل "لولا سيف الاحتلال الأمريكي ولسان هيئة علماء المسلمين لما قامت قائمة للصفويين". وهي حالة لا هراء فيها رغم أنها التجسيد النموذجي للهراء السياسي وانعدام ابسط مقومات الرؤية النقدية والوطنية واللياقة الأخلاقية. وذلك لأنها تجمع بينهما في الأسلوب والنتيجة. فكلاهما يعتبر الآخر صنيعة لقوى خارجية. بحيث نقف في نهاية المطاف أمام عراق بلا عراقيين، أو عراقيين لا جذور لهم!! وهي نتيجة منطقية للنفسية الطائفية السياسية منها والمذهبية.

فالنفسية الطائفية وذهنيتها السياسية، كما تبرهن تجارب الأمم، هي الأسلوب الفعلي للانحطاط المادي والمعنوي، ومن ثم السقوط في مستنقع الحروب الدائمة. وفيها ينبغي البحث عن سرّ الاحتلال والخنوع والخضوع والعبودية. فالعبودية لا تأتي مع الاحتلال، بل هي التي تجلبه. ولا عبودية للعقل والضمير اشد فاعلية من نماذج التفكير السيئ والمنحرف عن ابسط مقومات العقل والمنطق والأخلاق. فهو الأسلوب الذي يسحب الجميع، رغم اختلاف النية والغاية، إلى مستنقع الثأر والدموية، أي إلى اشد الأشكال همجية ولا عقلانية. وفيما لو أحصينا وعممنا مختلف المواقف تجاه بواعث وجذور الصراع الحالية في العراق، فإننا سوف نقف أمام تصوير مبتذل ومسطح للغاية لا يتعدى من حيث الجوهر انطباعات ما دعته تقاليد الرؤية الإسلامية بالنفس الأمارة بالسوء، وما تدعوه ثقافة العقل النقدي المعاصرة، باللاعقلانية. إذ نقف أمام تصوير يرسم لوحة العذاب العراقي باعتباره نتاجا للإرهاب الطائفي للنواصب، والفاشية العربية، والبداوة السلفية، والقتل على الهوية، ومن ثم مطالبة "المرجعيات" بالوقوف إلى جانب المقتولين والهتاف بمن يدعي انتمائه للشيعة: "أين أنت يا مقتدي وجيشك!"، و"أين أنت يا خالصي وإخلاصك!". وبالمقابل نسمع نفس رنين المواقف المذكورة أعلاه، مثل الإرهاب الطائفي للروافض، والشعوبية، والصفوية، والقتل على الهوية، ومطالبة الدول العربية والإسلامية والمجتمع الدولي بإيقاف القتل والتصفية وتشييع العراق وبغداد!

مما سبق يتضح حجم الفضيحة في "تأسيس" المواقف والحكم العملي بمجراها. وهي فضيحة تكشف أولا وقبل كل شيء عن فضيحة الواقع العراقي وأزمة وعيه السياسي الوطني وانحدار القوى السياسية ونخبها إلى حضيض الطائفية. بمعنى الانحدار صوب الغريزة، مع ما يترتب عليها بالضرورة من خروج على منطق العقل والمصلحة العامة وغريزة حب البقاء!! ولعل أتفه واخطر هذه الصيغ هو ما يسمى بالقتل على الهوية! إذ تعكس هذه العبارة بدون وعي غياب الهوية الفعلية عند من يقول بها. وذلك لأن مضمونها هو الهوية الطائفية. وهي هوية لا علاقة لها بالعراق والفكرة الوطنية. ومن ثم لا يعني إعلاءها والدفاع عنها سوى عين السقوط في مرحلة ما قبل الدولة. وذلك لما فيها من دعوة علنية ومبطنة، أي مؤثرة على النفس والوجدان واللاوعي، وقادرة على تفتيت الرؤية العقلانية والفكرة الوطنية والهوية العراقية من خلال إعلان صراع الطوائف. وليس مصادفة أن تظهر على صفحات الجرائد والمواقع الالكترونية نماذج فعلية أو متخيلة لسيناريوهات المواجهة مثل قطع مياه دجلة والفرات عن الجنوب في حال إعلان فيدراليته! أو مبادلة برميل الماء بواحد من النفط، وأخيرا تجميع المياه وهدها لتدمير مناطق الجنوب!! وبالمقابل الدعوة لقطع ثروات الجنوب وإبقاءها لأهلها! وفي كلتا الحالتين نقف أمام ذهنية تتصف بالتجريم والتخوين، لكنها لا تنتج في الواقع سوى ما تتهم به الآخر. وهي نتيجة مترتبة على طبيعة الذهنية الطائفية. فتصنيع الإيمان الطائفي هو إنتاج دائم للغشاوة الكثيفة أمام العقل. وبالتالي محاصرته وتعميته بالشكل الذي يجعله لا يرى سوى بقع الدم في ألوان الوجود. ومن ثم إثارة غريزة الانتقام والتشفي. والنتيجة هي تحجيم وتحجير العقل. أما العقل الممكن فيه فهو بصيرة حولاء، أي ترى الأمور بصورة مشوشة ومشوهة. وليس مصادفة ظهور مختلف أشكال اللاعقلانية والهمجية التي لا حدود لها، مثل استدراج المرء لأبناء جلدته ليحرقهم سوية في عملية "جهادية"!!

إن هذه "الخاتمة" النموذجية للنفسية الطائفية تعكس أزمتها الشاملة وموتها الكريه وانغلاق آفاقها الفعلية. الأمر الذي يجعل من الضروري إعادة النظر بفكرة "لولا سيف الحجاج ولسان الحسن البصري" بطريقة تنفي فكرة الغلو أيا كان شكله ومحتواه وغايته، والسير صوب العقلانية السياسية من خلال نقد الذات بمعايير الرؤية الوطنية والاجتماعية.

بعبارة أخرى، إن العراق بحاجة إلى كسر سيف التقاليد التوتاليتارية ونماذجها المتنوعة من أصوليات دينية ودنيوية لا تنتعش إلا في مستنقع الطائفية. وتفترض هذه المهمة قلب المعادلة بطريق تصبح مهمة تأسيس لسان الحسن السياسي والوطني ضد القبح الهمجي للطائفية الشعار العملي للقوى السياسية والنخب العراقية. إننا بحاجة إلى ثلم سيف التخلف والانحطاط والانحراف عن مجرى الفكرة الوطنية والدولة الشرعية. وهي مهمة تقع أولا وقبل كل شيء على عاتق النخب السياسية، بوصفها مهمة عملية أولا وقبل كل شيء. بمعنى أن النخب السياسية لا يمكنها بلوغ أي شيء في ظروف العراق الحالية دون بلوغ الحد الأدنى من الوحدة الوطنية. وإلا فإن النتيجة لا تتعدى الانهيار المستمر والضعف الدائم والخضوع والخنوع للاحتلال.

إن إدراك هذه الحقيقة البسيطة يفترض بدوره العمل باليقين القائل، بأن إشكالية العراق ليست في الماضي، بل في المستقبل. إذ لا ماض بالمعنى الدقيق في العراق الحديث، لأنه في حصيلته لا يتعدى كونه مجموعة من الأفعال الهمجية وزمن لا تراكم فيه للرؤية العقلانية بوصفها منظومة. ويمكن رؤية الملامح الناتئة لهذه الحصيلة في طبيعة ونوعية المأزق الذي تعرض ويتعرض له في مستويات الدولة والمجتمع والثقافة بشكل عام والسياسية بشكل خاص. بحيث تحولت فيه حتى مقومات الحياة إلى وسيلة للموت. وسوف  تلتهم هذه الحالة كل بقايا العقلانية والنزعة الإنسانية المتناثرة في خزين الذاكرة التاريخية ما لم يجر تذليل مقدماتها الفعلية في الوعي السياسي والممارسة الاجتماعية، أي تذليل نفسية وذهنية الفرقة والتفرقة والنزوع الراديكالي صوب أولوية الفكرة الوطنية بأبعادها الاجتماعية.

***

ميثم الجنابي

 

محمود محمد عليمن كان يصدق أن كورونا اسم أُطلق علي شيكولاتة شهيرة، ثم تحول الاسم المحبب إلى اسم مرعب، مرادف للموت، عن طريق وحش خفي لا تعرف كيف ولا متى ولا أين ستواجهه.. إن كورونا كشف علي أنه كابوس مربك وفي حاجة إلى قرارات كبيرة وتدابير شجاعة ويتطلب ضرورات ملحة.. كما كورونا كشف لنا علي أنه يتطلب درجة عالية من الوعي الجماعي؛ خاصة بعد أن تبين لنا اجتياحه للعالم بسرعة صاروخية مذهلة، قد جعل العالم كله في وضع مهيب وجديد ومختلف، تتساوي فيه دولة غنية ودولة فقيرة..

لقد نجح هذا الفيروس أن يوقف حروب الجيل الرابع الذي انطلقت شرارته عقب سقوط الاتحاد السوفيتي في نهاية ثمانينيات القرن الماضي والمنصرم، عندما كتب وليم ليند مقاله الشهير عن " الوجه المتغير للحروب .. حروب الجيل الرابع "، وقد قامت تلك الحروب علي استراتيجية" الحرب بالإكراه، إفشال الدولة، زعزعة استقرار الدولة، ثم فرض واقع جديد يراعي المصالح الأمريكية"، "، وهنا جاءت تكتيكات جين شارب Gene Sharp "  لتؤجج حرب اللاعنف، ضد الأنظمة المستهدفة؛ حيث ينطلق في كتابه " من الدكتاتورية إلي الديموقراطية" من فرضية أساسية مفادها أن النظم الديموقراطية هي البديل الحقيقي للشعوب الخاضعة لنظم دكتاتورية، وأن نضال اللاعنف يمثل الطريقة الوحيدة للوصول إليها، حيث "تأخذ شكل المظاهرات، والاعتصامات، والمقاطعات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وذلك من خلال وسائل الأعلام الالكترونية، ومنظمات المجتمع المدني، والمعارضة، والعمليات الاستخبارية بجانب النفوذ الأمريكي، وذلك لزعزعة استقرار الدولة المستهدفة ومحاولة نشر الفتن والقلاقل، وإثارة الاقتتال الداخلي‏، من خلال إظهار مساوئ نظام الدولة المراد إسقاطها، وأول هذه المساوئ، أن هذا النظام نظام ديكتاتوري لا يحترم الحريات ولا حقوق الإنسان، وبالتالي لا بد من الثورة علي هذا النظام للقضاء عليه.

الآن في ظل فيروس كورونا تعطلت تلك التكتيكات، بل أزعم أنها فشلت تماماً، لأن شرط تنفيذ تكتيكات جين شارب التجمع والحشد بقصد التظاهر، وهذا لا يجوز في شريعة كورونا الذي يكشف عن نفسه ويكشّر عن أنيابه في التجمع والحشد .. تكتيكات جين شارب تعشق الزحام والنزول في الميادين حتي ينتفض المتظاهرون ودعاة العصيان المدني.. أما تكتيكات كورونا  فتقول بأن من يحاول أن يفعل ذلك فلا سبيل له إلا أن يتحمل عذباتي من خلال انتقال فيروساتي إلي جهازه التنفسى، فأجعله بعطس بشكل قوى، وهذا العطس يصاحبه الحمى والألم والقشعريرة، ثم الموت الذوئام  في النهاية.. تكتيكات جين شارب تنفذ ضد دولة ما يطلق عليها " محور شر" لأنها لا تنفذ طاعة العولمة ولا النظام العالمي الجديد القائم علي الهيمنة الأمريكية .. أما تكيكيات كورونا فلا تميز بين دولة ذات محور شر أو محور خير فالكل في نظرها سواء إذا لم يكن هناك حجرا صحيا أو عزلا اجتماعيا ..

تكتيكات جين شارب تتجلي بصور ومشاهد ومظاهر متنوعة، غالباً ما تكون حميدة في الشكل وليس في المضمون، ويجب أن ينفذها مواطنون من الدولة المستهدفة، عبر التدرج من التظاهر السلمي في بادئ الأمر، إلى المظاهرات والاعتصامات الصاخبة، ثم إلى أعمال عنف تؤدي إلى التمرد والعصيان على هيبة الدولة، وصولاً إلى خلق فكرة "الدولة الفاشلة"... أما تكتيكات كورونا فتعول علي الفيروسات والفيروسات كائنات عجيبة وغريبة، ودراستها تدعو أى باحث للتأمل فى خلق الله، سبحانه وتعالى، فالفيروس عبارة عن شريط غير حى يتكون من مادة وراثية خام موجودة داخل غلاف بروتينى، وهو لا يعتبر كائناً حياً لأنه غير قادر على الحياة بنفسه، بل عليه البحث عن خلية لتقوم بعمل العائل، التى يقوم هو باستنزافها لكى ينسخ نفسه أكبر عدد من المرات، وبعدها يترك بقايا تلك الخلية ليبحث عن غيرها، ويخرج منها فى عملية تسمى «الانسلال»، وعادة ما يقرر بعدها أن يدخل فى مرحلة ثانية تسمى «الكُمون»، وفيها يختار الفيروس أن يفعل «لا شىء»، فلا يبحث عن خلية أخرى، خوفاً من الجهاز المناعى للجسم الجديد، ويبقى الفيروس غير نشط لأى فترة من الزمن، ولو ملايين السنين، حتى ينشط بفعل عامل خارجى مثل: الضوء. وذلك كما قال رامى جلال في مقاله "كورونا" بين عصرين.

تكتيكات جين شارب تستهدف الدول ومجتمعاتها، إذ تستلزم أساليب وتقنيات خاصة، إضافة إلى تدريب مكثف على مواجهة وسائطها، وإلى مستوى عال من الوعي الشعبي، وذلك كونها "تُشن عبر الإعلام والمصادر المفتوحة لتصل لأفراد وشرائح المجتمع كافة، فيتم تحريض شعوب الدول المستهدفة لدفعها نحو التمرد وفقدان الثقة بالأنظمة التي تحكمها، تمهيداً لزعزعة الأمن والاستقرار ونشر ما يسمى بـ"الفوضى الخلاقة".. أما تكتيكات كورونا فمن السذاجة أن يتم التعامل معها بهذا الأسلوب التغفيلى. فالناس شركاء فى المرض، مثلما هم شركاء فى الموت. الكل يتألم حين يمرض، والكل يلقى وجه ربه حين يأذن خالق العباد، وما عند غيرك اليوم قد يأتيك غداً . إن أرقام القتلى والمصابين بفعل هذا الفيروس فى تزايد، ما يعطى مؤشراً أن منحناه ما زال فى الصاعد، ولا يعلم أحد حتى متى سيظل على حالة الصعود تلك، ليبدأ منحناه بعد ذلك فى التراجع.

تكتيكات جين شارب تعتمد على التقدم التكنولوجي ولا تستخدم فيها الأسلحة التقليدية، بل الذهنية (القوة الذكية)، كما أنها تعمل على تحويل الدولة المستهدفة من حالة الدولة الثابتة إلي الدولة الهشة، وهي تستهدف الدولة بالكامل (بما فيها المدنيين)، وتتسم أيضاً "بعدم وضوح الخطوط الفاصلة بين الحرب، والسياسة، والعسكريين، والمدنيين، وتعتمد على مجموعات قتالية صغيرة في الحجم وعلى شبكة صغيرة من الاتصالات والدعم المالي.. بينما تكتيكات كورونا تعتمد علي حالة من الهلع جراء انتشاره.. أزمة "كورونا" الحقيقية تجسدت في تحوله إلى شبح أثار الذعر في نفوس ملايين البشر حول العالم، ربما أكثر من الفيروس نفسه وأثاره، خاصة مع تواتر الحديث عن احتمالات إصابة بعض الشخصيات ذات الأهمية العالمية، على غرار رئيس وزراء إنجلترا "جونسون"، بالإضافة إلى إجراءات حكومية اتخذتها عدة دول بإغلاق مناطق ومقاطعات بعينها، وعزلها عن دولها، وهو ما قامت به الحكومة الإيطالية، وهو الأمر الذى ساهم في تعزيز المخاوف، في ظل الإمكانات الكبيرة التي تتمتع بها تلك الدول، لتتحول حالة "الحذر" المطلوب لمواجهة الخطر الصحى، إلى "ذعر" عالمى.

تكتيكات جين شارب تعتمد علي أساليب وأدوات حروب الجيل الرابع، حيث يصبح الإرهاب والتظاهرات بحجة السلمية في مقدمة هذه الأدوات، ويليها الاعتداء على المنشآت العامة والخاصة، والتمويل غير المباشر، لإنشاء قاعدة إرهابية غير وطنية، أو متعددة الجنسيات، داخل الدولة بحجج دينية، أو عرقية، أو مطالب تاريخية، والتهيئة لحرب نفسية متطورة للغاية من خلال "الإعلام والتلاعب النفسي، واستخدام محطات فضائية تكذب وتقوم بتزوير الصور والحقائق (تمويل لمحطات أو الإعلاميين أو أصحاب المحطات)، ويستخدم فيها وسائل الإعلام التقليدية والجديدة (مواقع التواصل الاجتماعي)"... بينما تكتيكات كورونا صارت تمثل دور النجومية فى كل وسائل الإعلام المحلية والعالمية بمختلف صورها وأشكالها، فقد باتت تكتيكات كورونا تحتل عناوين النشرات الإخبارية وتتصدر الصفحات الأولى بكل الصحف، وحالة الفزع المرتبطة به، كارثية لدرجة أنها أثرت بصورة سلبية على حركة السياحة حول العالم، وأنتجت خسائر غير محدودة لشركات الطيران وما يتبعها من خدمات عديدة، بعدما تحول الفيروس من مجرد كائن دقيق إلى غول يلتهم العالم، ويغلق مدن ويعطل المرافق الحيوية، ولا نعلم متى تنتهى حالة الفزع، التى كلما ظننا أنها تنكمش وتتراجع تعاود الظهور مرة أخرى بصورة أشد ضراوة.

تكتيكات جين شارب تعتمد علي تطوير التكتيكات السلمية لاختراق وتجنيد التنظيمات داخل الدولة المستهدفة، والعمل باسمها وبغيرها من التنظيمات التي تأخذ الطابع المتطرف، واستخدام مرتزقة مدبرين، لتحقيق مخططات في الدول المستهدفة، بالإضافة إلي استخدام تكتيكات حروب العصابات، وعمل تفجيرات ممولة بطريق مباشر أو غير مباشر، والتمرد للأقليات العرقية أو الدينية، وضرب طبقات المجتمع بعضها البعض، واستخدام كل الضغوط المتاحة (السياسية والاقتصادية والجماعية والعسكرية... الخ)؛ مثل التلويح بقطع المساعدات، أو التهديدات الحربية.. الخ، واستخدام منظمات المجتمع المدني، والمعارضة، والعمليات الاستخبارية، وأخيراً استخدام العملاء في الدول المخترقة وتسليط الأضواء عليهم ومنحهم الجوائز العالمية، وتعتبر تكتيكات جين شارب هي التي تبدأ ولا يشعر بها أحد، وتستخدم القوة الذكية (Power Smart) والتي "تعتمد على التنوع الكبرى والاستخدام الذكي للقوة الناعمة والقوة الصلبة في تناغم عال مخطط طويل الأمد، حتي تستيقظ الدولة المستهدفة في النهاية وهي ميتة")"... بينما تكتيكات كورونا كشفت عن وحش كاسر لا تستطيع تحديد ملامحه، ذلك الفيروس الضعيف استطاع أن يحكم ويتحكم فى العالم، استطاع أن يدمر الاقتصاد ويهز البورصة العالمية، وأن يتسبب فى حالة هلع ورعب لدول كثيرة لمجرد شائعة أن بها مريضاً مشتبهاً فيه بإصابة فيروس كورونا.. لقد حل إرهاب الكورونا محل الإرهاب الداعشى، وصار أصحاب الحروب البيولوجية ومروجو الشائعات هم الدواعش الجدد.. بل جندنا نحن لنقتل بعضنا بعضًا بنقل الشائعات والأخبار والفتاوى المغرضة المضللة عن الفيروس ليتفشى فيما بيننا، فأراذل القوم أسافل الناس لن يرتاحوا إلا بعد إزهاق عدد لا بأس به من الأرواح.... استخدموا شتى أنواع الأسلحة، ثم تطورت الأسلحة فصارت ذرية، ثم كيميائية، ثم بيولوجية، حتى وصلنا لحروب الشائعات، فإما داعش أو الكورونا والإرهاب واحد.. تتعدد وتتنوع أساليبه لكن الموت واحد... موجة داعش الإرهابية توقفت بعد أن جفت منابعها وزهد فى تلك اللعبة ممولوها، فاتجهوا للعبة جديدة تهدف لإزهاق ما يتسنى لهم من الأرواح للتخلص من نصف الكوكب.. تلك هى غايتهم وجل أمانيهم، لقد استخدم السلاح بشتى أنواعه لسنين طويلة، فجاءنا الأكل المسرطن وحقنت الكائنات الحية بالهرمونات.. وكل ذلك كان له دور لا بأس به فى إنجاز عمليات القتل، وعندما أصبحت تلك الوسائل قديمة وغير فعالة «فتاكة»، وتأخذ ربما وقتًا طويلًا وتأثيرها تراكمى وبطىء، كان لا بد من تجريب واختراع الجديد، والوباء هو جديدهم، فبدلًا من إمداد المرتزقة من الدواعش بالسلاح والقيام بعمليات، قد تنجح تارة، وتفشل أحيانًا بفعل اليقظة الأمنية.. وبعد أن تعبت أو ملت تلك الذئاب المنفردة من عملياتها المتفرقة هنا وهناك وانكشف أمر سلاح العقيدة، وانفضح أمر المحرضين، وضعف مفعولهم وتأثيرهم على الناس.. كان لا بد من إيجاد طريقة جديدة فتاكة تودى بحيوات بشر كثيرين وبأقل التكاليف دون إمدادات أو مؤن. مجرد فيروس صغير يسير كالنار فى الهشيم ينتشر بسرعة تتجاوز سرعة الصاروخ.. يتفشى ويتمدد وينتقل من هذا لذاك ومن هنا لهناك ينقله الناس لبعضهم البعض وذلك كما قالت بسنت حسن في مقالها الرائع بصحيفة الدستور المصرية بعنوان إرهاب كورونا... وللحديث بقية عن تبعات كورونا في الأيام المقبلة إن شاء الله..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقل بجامعة أسيوط

 

 

ابراهيم أبراشالحديث عن أزمة النظام الدولي والعالمي والحاجة لتغييره ليس بالأمر المُستجد فهو حديث مُصاحِب للنظام الدولي منذ تأسيسه وخصوصا بعد تفكك الاتحاد السوفيتي ونهاية القطبية الثنائية، إلا أن الجديد في الأمر أن الحديث عن التغيير هذه المرة لا يتعلق باختلالات في موازين القوى العسكرية أو بحروب بين الدول العظمى كما جرت العادة بل بخطر من خارج النظام يهدد كل البشرية، إنه فيروس أو وباء (الكورونا) غير المرئي والمجهول الأصل والمصدر حتى الآن، فهل بالفعل أن الكورونا وتداعياته سيغيرا النظام الدولي؟ أم أن في الموضوع مبالغة، ليس من حيث التداعيات العالمية للفيروس بل من حيث أن ما كان يسمى (النظام الدولي) كان آيلا للسقوط وأقرب إلى الوهم وكل ما فعله (الكورونا) أنه كشف هذا الوهم ومحدودية النظام في النظام الدولي، وأن هذا الأخير ليس بتلك الدرجة من التماسك والترابط  التي كان يتصورها الناس؟ .

فعبر التاريخ كانت مبالغة في الحديث عن النظام الدولي والعالمي و المجتمع الدولي وكان يحدث خلط ما بين المضمون القيمي والأخلاقي والقانوني المأمول من الفكرة التي ظهرت لأول مرة في اليونان القديمة مع المدرسة الرواقية وفيلسوفها زينون (264-366 ق.م) عندما دعا إلى نوع من الأخوة أو الدولة العالمية (الكوزموبوليتية) من جانب، وواقع تمظهرها أو تجسيدها عملياً ما بعد معاهدة وستفاليا من جانب آخر .

النظام العالمي، بما هو إطار مؤسساتي سياسي وقانوني واقتصادي وتشريعي يتطلع لاستيعاب وتنظيم كل أشكال الفعل والتفاعل بين الدول والكيانات السياسية الأخرى بما يمنع العودة لشريعة الغاب والفوضى أو الحد منها، لم يكن عبر تاريخ وجوده ومنذ تشكُلِه الأول عملياً بعد حرب الثلاثين سنة في معاهدة وستفاليا 1648 ثم إعادة تشكله بعد الحرب العالمية الأولى ثم الثانية، لم يكن نظاما جامداً أو منسجماً تماماً مع دلالات مصطلح النظام بما يعنيه من التزام بالقوانين والتشريعات وبمتطلبات الاستقرار والسلام العالمي، بل كان يتشكل ويتغير بفعل الحروب والصراعات الكبرى، حتى في أزهى الفترات التي كان يجري الحديث فيها عن السلام والاستقرار كانت الصراعات والحروب، اقتصادية ونفسية وإعلامية وأيديولوجية وحتى عسكرية مباشرة أو بالوكالة بين أقطاب النظام الدولي لا تتوقف، بالإضافة إلى الحروب الأهلية، حيث كانت وما زالت المصالح أقوى وأهم من المبادئ .

خلال كل مراحل التطور /التحول في النظام الدولي والعالمي كان التغيير المؤدي لقيام نظام دولي جديد يعود لعاملين :

1- الاكتشافات العلمية وخصوصا الصناعية والمعلوماتية وظهور الاقتصاديات الكبرى والحاجة للأسواق والمواد الخام وسهولة الاتصال والمواصلات، كل ذلك أدى لتعزيز الترابط والتعاون بين الدول وكسر قيود السيادة المطلقة إلى درجة الحديث عن العولمة أو تحول العالم إلى قرية صغيرة .

2- التحولات في ميزان القوى والصراع على المصالح والحدود كان يؤدي لاندلاع حروب عالمية تُدمِر مدن ومؤسسات وجيوش وبنية تحتية وتؤدي لتأسيس نظام دولي جديد يتجاوز النظام السابق، حتى الحديث عن نظام دولي جديد بعد انهيار الاتحاد السوفيتي لم يشذ عن هذه القاعدة فما جرى  داخل الاتحاد السوفيتي كان بمثابة هزيمة أخلت بموازين القوى حتى بدون حرب عسكرية .

مع فيروس الكورونا لم تحدث حروب أو تدمير لمؤسسات ومدن وبنية تحتية بشكل مباشر، كما أن كل ما أنجزته البشرية من علوم لم تتمكن حتى الآن من مواجهة خطر الفيروس،  ولكن جرى ما هو أخطر وهو انهيار الثقة بين الدول وانهيار الثقة بالمؤسسات الدولية وبالعمل الدولي المشترك بل وبالعلم الذي اعتقدت البشرية أنه قادر على مواجهة كل المخاطر التي تهدد البشرية، وأبرز مؤشرات انعدام الثقة استمرار الغموض حول أصل ونشأة الكورونا وتواصُل الاتهامات وخصوصاً بين بكين وواشنطن وبروز نظرية المؤامرة بشكل كبير، بالإضافة إلى الخسائر المادية الناتجة عن الإجراءات التي اتخذتها الدول لمواجهة الوباء .

يمكن القول ودون تجاهل مفاعيل الكورونا وتداعياته التي خرجت من نطاق الطب والصحة وعلم الأوبئة لتمس كل المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية أنه لو كان يوجد بالفعل نظام دولي قوي ومتماسك و له قوانين وأسس واضحة المعالم ومُلزمة للجميع ما كان العالم أصيب بهذا الرعب والهلع وما حدثت هذه الفوضى وما كان مبرر لطرح السؤال أصلاً . وفي اعتقادي أن الفيروس كشف هشاشة النظام الدولي لأنه جاء في وقت تفاقم أزمات النظام الدولي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية وهو نظام كان يتفكك ويتآكل ويحتاج لتغيير حتى بدون الكورونا .

كثيرة المؤشرات التي تدل على أن النظام الدولي كان يمر بأزمة كبيرة قبل الكورونا، منذ انهيار الاتحاد السوفييتي نهاية ثمانينيات القرن الماضي ثم الأزمة الاقتصادية عام 2008 إلى مجيء الرئيس ترامب الذي تخلى عن كل التزام أمريكي بأسس ومرتكزات النظام الدولي كتهميشه وتمرده على الأمم المتحدة وقرارات الشرعية الدولية وخروجه من الاتفاقات الدولية التي كانت من أهم مرتكزات النظام الدولي كاتفاقية المناخ واتفاقية التجارة الحرة وانتقاداته المتكررة للاتحاد الأوروبي والتدخل الأمريكي العسكري في أكثر من منطقة في العالم، ولم يقف الأمر على الولايات المتحدة بل كان السلوك الاقتصادي والعسكري والسياسي للدول الكبرى الأخرى، كالصين وروسيا الاتحادية ودول أوروبية،  يشكل تجاوزاً وتعدياً للأسس التي يقوم عليها النظام العالمي بما تعنيه كلمة نظام، هذا ناهيك عما فعلته جماعات سياسية غير مدولنة كتنظيم القاعدة وتنظيم داعش من حروب وخراب ودمار وتغيير في قواعد العمل السياسي وقوانين الحرب لدرجة تفكيك دول وتدفق ملايين المهاجرين،  بما يترتب على كل ذلك من زعزعة لقواعد وقوانين كانت تمثل بنيات أساسية للنظام الدولي كمفهوم السيادة والقوانين المنظِمة للحروب وحقوق الإنسان والحق بالحياة والتطهير العرقي، ولا يغيب عن البال بأن النظام الاقتصادي العالمي كان شبه منهار ويعاني من المديونية المرتفعة كما أن أزمة النفط كانت سابقة لظهور الكورونا الخ  .

لا نعتقد أن الكورونا في المدى القريب سيغير كثيراً في جوهر النظام العالمي، صحيح أنه وكما أشرنا كان كحجر يُرمى في بركة ماء كانت تبدو صافية، وأنه سيغير في كثير من المفاهيم والعلاقات وسيؤدي لنتائج خطيرة على المستوى الاقتصاد المحلي والعالمي، ولكن في نفس الوقت ستستمر الدول العظمى عظمى مع تغيير في الترتيب والموقع القيادي حيث من المُحتمل أن تبرز الصين كقوة أولى اقتصاديا مع شك بأنها ترغب فعلا في قيادة العالم، كما أن الدول الفقيرة ستزداد فقراً، هذا إن لم تدفع الولايات المتحدة العالم نحو حرب عالمية، لأن نظامها الاقتصادي الخاضع للنيوليبرالية الجديدة ودولة الرفاهية وبنيتها الاجتماعية الخليط من الأقوام دون انتماء قومي متين  يفرض عليها إما أن تكون دولة امبريالية مسيطرة  أو لا تكون، ومن غير المؤكد أن الصين مستعدة للدخول في حرب عالمية.

ومن جهة أخرى فإن كان فيروس الكورونا في المدى القريب سيعزز من حضور ومكانة الدولة الوطنية في مقابل انكشاف ضعف وعدم فعالية الأحزاب وقوى المعارضة والأيديولوجيات الدينية والعلمانية التي وقفت عاجزة مستسلمة لإجراءات النظام السياسي، إلا أن استمرار تفشي الوباء لفترة طويلة دون التوصل للعلاج اللازم للقضاء عليه أو تحجيمه سيؤدي إلى ضعف الدولة الوطنية وانتشار النزعات الشعبوية والفوضى وربما لحروب أهلية قد تجر أيضا لحرب عالمية .

أما بالنسبة للعرب فإن أمورهم لا تبشر بالخير . كان العرب خارج المعادلة التي أسست النظام الدولي بعد الحرب العالمية الأولى بل تأسس النظام على حسابهم ومصالحهم، وعد بلفور  وسايكس بيكو، وكانوا خارج التأثير عند تأسيس النظام الدولي بعد الحرب الثانية ولم يستفيدوا من الثنائية القطبية حيث كان المعسكر الاشتراكي يساند دول الجنوب وحركات التحرر العالمية، ولا يبدو أنه سيكون لهم دورا في تشكيل النظام الدولي الجديد الذي يجري الحديث عنه حيث ما زالت الحرب مندلعة في اليمن وسوريا وليبيا، وما زال النظام الإقليمي العربي منقسما على ذاته، وما زالت فلسطين تحت الاحتلال والانقسام الفلسطيني الداخلي يتعزز .

 

إبراهيم أبراش

 

نبيل عودةضحايا التطهير العرقي للنازية، لم يترددوا بتنفيذ سياسة تطهير عرقية ضد الشعب الفلسطيني

عرف عن الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشة من القرن التاسع عشر، رفضه لثوابت الايمان المسيحي ولكل الأخلاق السائدة. لن أدخل ولا يعنيني جوهر الصراع بين نيتشه والكنيسة المسيحية. ادعى نيتشه بفلسفته انه يرى ظاهرة مهمة وبالغة الخطورة على العقل البشري، تسود بعض الفئات الاجتماعية المتعصبة لفكرة او لشخص ما يدغدغ ميولهم، وقد أطلق نيتشه على هذه الظاهرة تعبير "أخلاق القطيع".. لأنها تطرح أطيقا غير طبيعية من وجهة نظره (وهي ظاهرة تتكرر في مجالات عديدة أهمها المجال السياسي، وفي الخضوع غير المبرر لأنظمة فاسدة او لقيادات فاسدة)، وذهب نيتشه نحو ايجاد أطيقا جديدة بعيدة عن الأطيقا الكنسية (الدينية)، سماها " الرغبة بالعظمة". وان الوحيد غير العادي الموجود خارج "أخلاق القطيع" هو النجم الأعلى، أي السوبرمان، شخصا مميزا، أو مجموعة مميزة، وكم نحن شهود لمثل هذه الظواهر في عالمنا اليوم. حسب نيتشه يظهر "السوبرمان" كل عدة عقود أو قرن، وهو شخص (أو حزب أو منظمة أو عصابة مافيا مثلا) يحق له حسب عقله، ان يعبر بحرية عن قوته الطبيعية وتفوقه على القطيع. طبعا هذا لا ينفي انه هو شخصيا قائد القطيع. بالطبع نيتشه كان أشبه ببطل افلام الكاو بوي الذي ينتصر بكل الأحوال بقوته الخارقة ولو واجهه جيش من عشرات المسلحين.

كان نيتشه يؤكّد في فلسفته تقلّص التأثير للقيم التقليديّة، لأن "اللّه قد مات" (الجنائني مات) ويجب التّأسيس لقيم جديدة تعبّر عن القوّة والشّجاعة والنبل وتعبّر عن إرادة الإنسان الأعلى أو بالأحرى عن إرادة القوّة. جرى الربط بين فلسفة نيتشه والأيديولوجيا النازية، وان النازية اقتبست فلسفتها من النيتشية، عن الإنسان الأعلى والقوة والشجاعة والنبل، البعض يدعي ان هذه الفلسفة أنجبت شخصيّة هتلر. ليس بالصدفة ان نيتشة وفلسفته كان المفضل لدى الزعيم النازي هتلر، الذي قاد شعبه وشعوب العالم لكارثة انسانية رهيبة من أجل ابراز عظمة الفوهرر (الزعيم النازي)، او رغبة الفوهرر بالعظمة، بكونه السوبرمان لأرقى عنصر اثني ظهر فوق الأرض. وما زلنا نعاني من هذه البدع بأشكال مختلفة حتى اليوم، حتى من ضحايا السوبرمان النازي، الذين لم يترددوا بتنفيذ سياسة تطهير عرقية. وهذا ما يفضحه أيضا المؤرخ اليهودي الإنساني ايلان بابه بكتابه الهام "التطهير العرقي في فلسطين". وفي بروتوكولات حزب مباي، الحزب المؤسس لدولة إسرائيل، اعترض لافون (وزير دفاع آنذاك) على مشروع تهجير الفلسطينيين الباقين في وطنهم ولم يهربوا من المجازر، بقوله: "النازية هي نازية، حتى لو نفذت بأيدي يهودية". وكان بن غوريون قد قتال عن العرب الباقين في وطنهم فلسطين 48:"ننظر إليهم كما ننظر الى الحمير"!

اتهم نيتشة بكل شيء سيء في المانيا الجديدة، القصد المانيا الهتلرية، من بروز العسكرية المجنونة وحتى الملفوف المكبوس بشكل لا يرضي ذوق الطعام عند الألمان.

بالطبع كلنا نعرف مصير الرايخ وزعيمه ومصير المانيا النازية وايطاليا الفاشية واليابان العسكرية، ومصير شعوب اوروبا وآسيا وشمال افريقيا وانعكاس فكرة السوبرمان على سياسة العالم حتى اليوم بنسختها الأمريكية، التي أبقت قصدا دول الشرق ما دون الرقي ليبقى "السوبرمان الدوري" (إنكلترا وفرنسا وأمريكا) مسيطرا وعظيما، أحضروا لنا المتفوق الدوري ونحن نيام وما زلنا، جاء هذا المتفوق على شاكلة الحركة الصهيونية ليبقى العرب في إطار القطيع. ولكنه ليس موضوعنا الآن !!

المستهجن ان بعضنا ما زال يؤمن بالنيتشية ويتصرف حسب مفاهيمها، دون ان يفهمها ودون أن يعرفها ودون ان يفهم ان فلسفة الوهم الاستعلائية قادت شعوبا عديدة الى الانحطاط، وابقت شعوبا في قاع الرقي بأوهامها القاتلة انها تملك أرقى حضارة ... وأن النيتشيين الجدد يحركهم ظنهم انهم يتمتعون بالتميز البشري عن بقية أبناء شعبهم وتحركهم مشاعر الاستعلاء على القطيع.

الموضوع ليس سياسيا فقط وليس اجتماعيا فقط. هذه الظاهرة تنتشر على الأخص بين أشباه المثقفين المتكاثرين في ظل أزمة الثقافة العربية والفكر العربي، وسيادة الفكر الغيبي، فكر الخرافات والشعوذة، فكر تغييب العقل وتغييب المنطق، فكر التهريج بلا أي حس انساني أو القدرة على فهم سليم للواقع والوسائل النضالية الأكثر ملاءمة وتأثيرا في ظروف بالغة التعقيد والتركيب.

هناك حقا من يملك قدرات فكرية قد تتطور لو تخلص من الحلقات المغلقة التي تقيد فكره، لكن مجرد دخول النيتشية الى فكرهم وسيطرتها على عقولهم وتصرفاتهم، بوعي او بدونه للمضمون الحقيقي للنيتشية، أحالتهم الى نرجسيين مغرورين، مضرتهم أكثر من فائدتهم وصمتهم وعزلهم مكسبا كبيرا لمجتمعاتهم.

من المؤسف أيضا ان الكثير من المثقفين في أيامنا نيتشيين في عقليتهم وتصرفاتهم، دون فهمهم للنيتشية على حقيقتها، وينسون أو يتناسون انهم عاشوا جل عمرهم كأفراد من القطيع ولم تتحرر ذهنيتهم من روح القطيع. ان النيتشية لا تظهر بقرار شخصي وحسب توقيت، بعد ان طار أكثر من نصف العمر داخل القطيع. انما هي مسار لمن يفتقد القدرة على التفكير ويدور في حلقة مفرغة من المقولات غير القابلة للنقاش، ومن العقائد التي توهمه انه سوبرمان في كل نشاطه وعقائده وكتاباته.

يعتبر فريدريك نيتشة من الفلاسفة غير العقلانيين، دعا في وقته الى القضاء على القواعد الأخلاقية القائمة ونعتها باللاأخلاقية. كان يرى بالفن والأخلاق مجرد ترياق من سموم "النيهيلية" (العدمية)، التي تعني حسب نيتشه ان القيم الرفيعة تفقد قيمتها وتوازي حسب تعبيره الانحطاط، اتهم بذلك الأخلاق الدينية والنظريات الانسانوية على حد سواء، بما في ذلك النظريات الدمقراطية والاشتراكية التي بدأت تنتشر في فكر النهضة الأوروبي، وطور مذهب " ارادة السلطة " حيث يسيطر الأفراد " الأقوياء " القادرين على خلع الحواجز الأخلاقية، هكذا توصل الى فكرة الإنسان الأعلى (السوبرمان) نافيا الأخلاق تماما، وهي ما أعجبت كل الحركات الفاشية وجعلت من نيتشه زعيمهم الروحي وفيلسوف منهجهم القمعي والديكتاتوري الاستبدادي والكارثي على شعوبهم في الحساب الأخير .

ملاحظة هامة: من المهم الإشارة الى ان معظم الباحثين بفلسفة نيتشه يرفضون الربط بينه وبين الفكر النازي، ويعتمدون على قوله " أرتجف عندما أفكّر في كل هؤلاء الأشخاص غير الجاهزين بعدُ لتلقّي أفكاري، ومع ذلك سوف يستغلّونها لسلطتهم" وانتقد المعادة للسامية. ويؤكدون ان نيتشه كان يكتب لإنسان المستقبل. رغم ذلك جرى الربط بين فلسفة نيتشه والأيديولوجيا النازية، وان النازية اقتبست فلسفتها من النيتشية، عن الإنسان الأعلى والقوة والشجاعة والنبل، وان فلسفتة أنجبت شخصيّة هتلر، النازية اعتمدت على القوة والاستعلاء القومي، وهي ظاهرة تتكرر في وقتنا بأشكال مختلفة.

 

نبيل عودة

 

قصي الصافيبقدر ما تخلف الاوبئة والحروب والازمات من مآسي وخسائر مادية وبشرية، فهي أيضاً تكشف عن مواطن الخلل في بنى الانظمه السياسيه والاقتصادية، وقد تسهم في تحولات جذرية على مستوى البلدان أو العالم، ويحدد طبيعة وحجم التحولات ميزان القوى الاجتماعية الفاعلة ومدى قدرة الانظمة على الإستمرار ضمن آلياتها القديمه و قدرتها على مقاومة ريح التغيير.

وباء الطاعون: (نظام القنانه وثورة الفلاحين)

في القرن الرابع عشر حصد الطاعون نصف سكان أوروبا، وكان معظم الضحايا من الفلاحين، القوى المنتجه الأكبر آنذاك، وقد أحدث نقص الايدي العاملة الزراعية تحولات متباينة في أوروبا، ففي روسيا مثلاً حيث يتمتع ملاك الاراضي بسلطة ونفوذ كبيرين، إنبثق نظام القنانه الذي تحول بظله الفلاحون الى شبه عبيد، أما في بريطانيا فقد أدرك الفلاحون أهمية قوة عملهم لينتفضوا في ثورة عارمة عام 1381 م، اتخذت ثورتهم طابعاًعنيفاً وساندها سكان المدن، مما اضطر النظام الملكي الى تقديم تنازلات  بسن قوانين اجبرت الإقطاعيين على القبول بتخفيض ايجارات الاراضي وزيادة حصة المزارعين من الغلال و إلغاء الزيادة في ضريبة الرأس التي كانت تجبى لتمويل الحروب.

وباء الانفلونزا الاسبانية: (بناء اول نظام صحي مركزي وشامل)

لم تصل الحرب العالمية الاولى نهايتها حين تفشى وباء الانفلونزا الاسبانية عام 1918 م، والذي تسبب في وفاة عشرات الملايين بل تجاوز عدد ضحاياه قتلى الحرب نفسها. كشف الوباء عن عجز الانظمة الصحية في توفير الخدمات الطبيه والتقليل من حالات الوفاة، إذ لم تكن هناك آنذاك انظمة صحية مركزية متماسكة، بل هي عبارة عن مؤسسات صحية مفككه لاتنسيق أو ترابط فيما بينها، كما أنها قطاعات استثمار خاص تخضع لقوانين السوق ومنطق الربح، وبالتالي فهي غير مؤهلة للتعامل مع الاوبئة التي لا تميز بين الميسور و الفقير. و تحصد الارواح على نطاق واسع ، الأمر الذي يتطلب خططاً مركزية كبيرة و تنظيماً عالي المستوى ومسؤولية اخلاقية  بعيده عن منطق السوق و والربح والخسارة. كتبت لورا سبايني في مجلة سمثسيون انه في أعقاب الوباء والحرب الاهلية في الاتحاد السوفيتي دعت الضرورة الى تأسيس أول نظام صحي مركزي تموله الدوله، تقدم فيه الخدمات الصحية والأدوية لجميع المواطنين دون مقابل، على اعتبار ان الرعاية الصحيه حق من حقوق الانسان لا يمكن تسليعها. ومن دروس الأنفلونزا الاسبانية ان الدول الغربية هي الاخرى شرعت تدريجياً في اشراك الدولة بادارة وتمويل المؤسسات الصحية، و لكن لم يتم فيها انجاز نظام الرعاية الصحية المركزي الشامل الممول من قبل الدوله إلا بعد الحرب العالمية الثانيه.

أزمة الكساد الكبرى 1929 م: (الفاشية أم دولة الرفاه)

 الازمات الاقتصادية الكبرى تكشف عن اختلال وتعثر النظام الاقتصادي، مما يدعو الى احداث تحولات راديكالية لمعالجة اسباب تعثره وتقويم مساره، وكما ورد في المقدمة قد تأخذ تلك التحولات وجهات مختلفة. ازمة الكساد العظيم التي امتدت طيلة عقد الثلاثينات كادت أن تطيح بالنظام الرأسمالي فكان لابد من إحداث تغييرات جذرية لاصلاح آليات عمله. في ايطاليا والمانيا اتخذ التغيير طابعاً يمينيا متطرفاً قاد البلدين الى الفاشية واندلاع الحرب العالمية الثانية، فقد استغل القائدان هتلر و موسوليني معاناة وغضب شعبيهما باستثارة مشاعر الاستعلاء القومي وحرف الانظار عن مصدر المعاناة الاقتصادية الحقيقي بالقاء اللوم على اليهود والغجر والعجزة و الاشتراكيين والشيوعيين و باقي الشعوب من (الاعراق المتدنية). على عكس ذلك كانت معالجة الازمة في الولايات المتحدة بما يدعى (الاتفاق الجديد  The New Deal) ، اذ أصبحت الدولة بقيادة روزفلت أكبر مستثمر لبناء السدود والجسور واقامة المشاريع الصناعية والزراعية الكبرى وتطوير البنية التحتية وذلك لتحريك الاقتصاد وتوفير الوظائف، اضافة الى برامج الرعاية الاجتماعية كالتأمين الاجتماعي لكبار السن وغير القادرين على العمل، وقوانين دعم العاطلين وبرامج اقراض للاستثمارات الصغيرة ودعم الصحة والتعليم وبناء الجامعات ومراكز البحوث.

الحرب العالمية الثانية: (دول الرفاه الأوربية)

خلفت الحرب العالمية الثانية عشرات الملايين من القتلى ومثلهم من الجرحى  والمعوقين، وحولت مدناً و قرى الى اطلال، ودمرت البنى التحتية في معظم البلدان الاوربيه. وكالعادة في أعقاب اي حرب أو أزمة تركن إيديولوجيا الاقتصاد الحر جانباً و تشل اليد الخفية السحرية للسوق، و تلجأ الدول الرأسمالية الى النهج الكينزي، اذ تتدخل الدولة في مشاريع انفاق هائلة في الزراعة والصناعة والنقل وبرامج الرعاية الاجتماعية والصحة والتعليم، وهكذا دعت الضرورة عقب الحرب لانشاء ما يسمى بدول الرفاه. كما شهدت فترة ما بعد الحرب تعزيز مكانة المرأة الاجتماعية واتساع دورها في الاقتصاد والمشاركة السياسية، فقد شغلت النساء وبجدارة مكان الرجال الذين غادروا أعمالهم للالتحاق بالجبهة في كل مرافق الاقتصاد.

ازمة الرهن العقاري: (انعدام الشفافية وصعود اليمين في العالم)

بعد ازمة دوتكوم عام 2000 م، ثم ازمة الرهن العقاري (2007 -2009 م)، كان من الحكمة- حتى ضمن المنطق الرأسمالي- رسم خطة ستراتيجية لاعادة هيكلة البنية الاقتصادية وفق المنهج الكينزي بصيغ محدثه، والاستفاده من التكنولوجيا الحديثة بالاستثمار في مشاريع كبرى وخاصة في مجال الطاقة البديلة، و الانفاق السخي على دعم الاستثمارات الصغيرة والمتوسطة والخدمات والصحة والمعرفة والرعاية الاجتماعية، وتفكيك الشركات والمصارف العملاقه تدريجياً لتجديد مناخات التنافس، بدل الاستسلام لحقيقة ان الاقتصاد رهينة بيد تلك الشركات بحيث يؤدي انهيارها الى انهيار الاقتصاد بكامله. ما حصل العكس تماماً، فقد انفقت الحكومات الرأسمالية أموالاً بارقام فلكية لدعم البنوك و الشركات العابرة للقارات في برامج نفتقد للشفافية، فقد قيل للشعب الامريكي مثلاً ان الحكومة ستدعم المصارف بما يقارب ٧ مليار دولار، وحين كشفت الوثائق ان البنك الفدرالي في الحقيقة قدم من التسهيلات والقروض ما تجاور ال ١٤ تريليون، ادعى المسؤولون ان الشركات والمصارف قد سددت معظم القروض، وإن صح ذلك فالخدعة هنا ان تلك القروض منحت بنسبة فائدة أقرب الى الصفر، مما يعني ان دافعي الضرائب سيسددون مليارات الدولارات من قيمة الفوائد الحقيقية للديون الخارجيه نيابة عن المصارف والشركاتَ. في المقابل فقدت خمسة ملايين عائلة عقاراتها دون مساعدة.  من نتائج تلك السياسات الاقتصادية التي استمرت الحكومات النيوليبرالية على اتباعها اتساع الفوارق الطبقية اتساعاً خطيراً وانحسار ثقه الشعوب بحكوماتها، وكما حدث في الثلاثينات في ايطاليا والمانيا يعيد التأريخ نفسه، إذ يستغل اليمين المتطرف الغضب الشعبي في استثارة الكراهية ضد الاجانب أو المسلمين والمهاجرين بدعوى انهم سبب الأزمات ومعاناة ابناء البلد، و هنا يكمن سر صعود اليمين المتطرف في معظم بلدان العالم.

اذا كانت الاوبئة والحروب والازمات تعقبها منعطفات هامة عبر التأريخ، فما الذي يمكن ان يفعله فيروس كورونا غير المرئي في تشكيل مستقبلنا، واذا كان أقصى طموح لقادة العالم هو العودة للوضع الطبيعي كما لمح كيسنجر، أليس ما يدعونه الوضع الطبيعي هو السبب فيما نحن فيه الآن؟، هل سيمضي العالم قدماً مع النيوليبرالية بانتظار كَوارث أكبر، و يتجاهل ما يقوله العلم والعلماء من اننا قد لا نمتلك الوقت الكافي لانقاذ الطبيعة وحضارة الانسان المهددة بالتغير المناخي ( الوباء الأكبر) مالم يتوقف تلويث البيئة و جز الغابات وتدمير الطبيعة واستنزاف الموارد الطبيعية لجني الارباح؟ هل سنتعظ ونبدأ في بناء مستقبل أفضل أم نحن أمام عالم أكثر عتمة؟، الحلقة الثانية من المقال ستكرس لمناقشة تلك الأسئلة وغيرها.  ...... بتتبع

 

قصى الصافي

 

علاء اللاميلفهم تداعيات كورونا على الوضع الاقتصادي والسياسي العالمي لنطلع نقديا على رؤية العالم الروسي كاتاسونوف: كورونا كبديل للحرب العالمية لإقامة نظام عالمي عبودي جديد ونقدنا لهذه الرؤية. هذه فقرات مختصرة من مقالة للعالم الاقتصادي الروسي البروفيسور فالنتين كاتاسونوف بعنوان (فيروس كورونا بدلا من الحرب العالمية)، وللمزيد من التفاصيل يمكن متابعة الحوار الذي أجري معه في الرابط بنهاية المنشور، وسأخصص منشورا لاحقا لتوضيح وجهة نظري الشخصية وتحفظاتي على هذه الرؤية أو النظرية بالتفصيل:

1- أجرى كاتاسونوف مقارنة بين الأزمة الاقتصادية في جائحة كورونا، والأزمة الاقتصادية التي سبقت الحرب العالمية الثانية، مشيرا إلى أن هناك تشابها كبيرا بين الأزمتين مع اختلاف عناصر التخريب، وأن فيروس كورونا حل محل الحرب العالمية في عصرنا الحديث. وفي التفاصيل يقول:

2- قبل تسعين عاما، أي في 1929، نشبت أزمةٌ اقتصادية عالمية كانت بدايتَها موجةٌ من الذعر في بورصة نيويورك. وما إن أشرف ذاك العام على نهايته، حتى تجاوزت الأزمة حدود بورصة نيويورك، فأدت إلى إفلاس عدد كبير من المنشآت الصغيرة والكبيرة، وتوقفها عن العمل، وتسريحِ مئات الآلاف من العاملين فيها. وبحلول العام 1930 كانت الأزمة قد عمت أوروبا وآسيا وأمريكا اللاتينية، وتحولت إلى أزمة عالمية.

2- استمر تدهور الإنتاج في كل مكان حتى عام 1933... وانهار ما يربو على 135 ألفا من الشركات التجارية والصناعية والمالية. وخلال ثلاث سنوات من الأزمة أفلس نصف المصارف الأمريكية، تقريبا.

3- توقف التدهور، وبدأت مرحلة الركود، فبذلت سلطات العديد من البلدان -الغربية - جهودا جبارة لانتشال الاقتصاد من حالة الانكماش التي وصل إليها. وفي هذا المجال، اشتهرت على نطاق واسع أفكار جون كينز(1883- 1946)، الذي دعا إلى تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية بقوة. عزا كينز سبب الأزمة إلى الاختلال الناجم عن ارتفاع مستوى انتاج السلع والخدمات من جهة، وانخفاض مستوى الطلب القادر على الدفع، من جهة أخرى- أي ما سبق أن تحدث عنه كارل ماركس، في مؤلفه "رأس المال"، منذ ستينات القرن التاسع عشر.

4- كانت السلطات الأمريكية الجهةَ الأكثر مثابرة في تبني أفكار كينز، بعد أن تبوأ روزفلت منصب الرئاسة في عام 1933. أعلن روزفلت عن "الصفقة الجديدة" (New Deal)، التي خففت من وطأة الوضع في البلد، إذ مولت الدولة برنامج الاشغال العامة. ووفَّرَ هذا البرنامج العمل، والحد الأدنى من موارد العيش لملايين الأمريكيين البسطاء، ولكنه لم ينجح في انتشال أمريكا من الركود. ولم يتسن التغلب نهائيا على الفقر المدقع، وبحسب تقديرات مختلفة، مات في سنوات الأزمة والكساد الاقتصادي من 5 إلى 6 ملايين شخص في أميركا وحدها.

5- إبان تلك الأزمة، كان الاتحاد السوفيتي وألمانيا الاستثناء الوحيد، إذ شهد الاتحاد السوفيتي في ثلاثينات القرن الماضي تطورا ديناميا، من خلال التصنيع؛ وقدم مثالا للعالم كله على أفضليات النموذج الاشتراكي في الاقتصاد. أما ألمانيا، التي عانت في بداية الأمر من الركود، ككل أوروبا، فقد أخذت هي الأخرى تتطور بسرعة بعد وصول هتلر إلى السلطة عام 1933، وشهدت ما عرف "بالمعجزة الاقتصادية". ولكن تجدر الإشارة هنا إلى أن المصرفيين الأمريكيين، والإنكليز جزئيا، كانوا آنذاك يغذون ألمانيا بالأموال.

6- طرائق كينز، إذن، لم تصنع المعجزات. وكانت الأوساط الحاكمة في الغرب تميل إلى فكرة أن الحرب قد تكون المخرج الوحيد من الركود الاقتصادي المزمن، حرب كبيرة على صعيد العالم بأسره ... وعشية تلك الحرب كانت الولايات المتحدة الأمريكية أكبر مَدين دولي في العالم، وبنهايتها الحرب صارت المقرض "الدائن" الأكبر، وتحول الدولار إلى عملة عالمية، إلى جانب الجنيه الاسترليني.

7- كان ثمة اعتقاد بأن الحرب ستشطب كل الديون، وستختفي معها الاختلالات في الاقتصاد، وسيبدأ تطور عاصف مع تصفير ميزانيات الاقتصاد الوطني للبلدان المعنية. كانت البلدان المَدينة تحلم بالانتصار على دائنيها، أو حتى بتدميرهم. أما البلدان الدائنة فكانت تحلم بالاستحواذ على أسواق المَدينين وثرواتهم الطبيعية، والحصول على تعويضات من المهزومين تقدر بالمليارات...وهكذا، صارت الحرب العالمية الثانية التي اندلعت في أيلول/ سبتمبر عام 1939، وسيلة لخروج الرأسمالية العالمية من الركود المديد، وما ينطوي عليه ذلك من مخاطر.

8- في القرن الحادي والعشرين: عاش العالم أزمة مالية واقتصادية شاملة ما بين عامي 2007 و2009. هذه الأزمة لم تؤد إلى إزالة جميع الاختلالات المتراكمة في الاقتصاد. فبعد أن انتهت الفترة العصيبة الأولى في عام 2009، حل الركود الذي كان من المفترض أن يليه انتعاش. وها نحن في العام 2020، ولا وجود لانتعاش حتى الآن.

9- لنقارن: في الثلاثينات من القرن الماضي استمر الركود من عام1933 حتى عام1939. كان ذلك تعفنا مزمنا مضنيا، قطعته الحرب. أما الركود بعد أزمة 2007 - 2009 فمتواصل للعام الحادي عشر على التوالي. ونحن هنا مرة أخرى أمام تعفن مضنٍ.. صحيح أن منافس الغرب، الاتحاد السوفيتي، لم يعد له وجود، ولكن برزت الصين بوتائر نموها الاقتصادي غير المسبوقة. ودينامية الصين الاقتصادية في العقود الثلاثة الأخيرة يمكن تسميتها دون تردد، بـ "طور النهوض". ...فبات على الغرب أن يفعل شيئا ما. لا شك أن فكرة إشعال نار حرب كبيرة مرة أخرى قد خطرت، أكثر من مرة، في بال ممثلي الأوساط الغربية الحاكمة.

10- فكرة الحرب مغرية جدا، ولكنها في الوقت نفسه تنطوي على خطر الهلاك وتؤدي حتما إلى استعمال أسلحة الدمار الشامل. ولكن بدلا عن حرب ساخنة، يمكن أن تشنَّ حربٌ باردة، يفضل البعض تسميتها اليوم، بالحرب الهجينة... ولكن ذلك كله لا يعطي السلطات صلاحيات تخولها الانتقال من أساليب السوق في إدارة الاقتصاد، إلى الأساليب الإدارية- الإملائية. وهذا يعني أن التغلب على الاختلالات الاقتصادية لن يُدرك، هذه المرة أيضا.

11- هنا ظهر فيروس كورونا. بدأت السلطات الغربية بتضخيم حالة الذعر جراء ذلك، وخلق جو من الرعب في المجتمع. وباستغلالها حالة الرعب، تمسك السلطات بصلاحيات غير محدودة وتبدأ بالتدخل في الاقتصاد. ولكن التسيير الإداري- الإملائي لن يدوم إلى الأبد. فما أن تُصحح اختلالاتُ الاقتصاد حتى تعود ثانية أساليب السوق في الإدارة والتسيير، وتبعث من جديد تلك الرأسمالية، ويبدأ الانتعاش الذي يتحول إلى نمو اقتصادي.

12- يفترض بعض الخبراء أن نظام "حالة الطوارئ الاقتصادية" سيمتد حتى نهاية هذه السنة، وعلى أقصى حد، حتى أواسط السنة القادمة. وسنشهد حالات إفلاس على نطاق واسع.. ستلغى ديون ومطالب بتريليونات الدولارات، وستنهار "رسملة" الشركات... وبعد ذلك سيستعيد الاقتصاد "أنفاسه" من جديد. إن "الحرب الفيروسية" لن تنتهي حالما تسجل الإحصاءات الطبية انخفاضا ملحوظا في عدد حالات العدوى والوفاة بفيروس كورونا، بل ستنتهي عندما تصل أسواق الأسهم إلى الحضيض. وفي هذه اللحظة سيشتري "أصحاب الأموال" كل الأصول التي فقدت قيمتها.. وسيبلغون مستوى جديدا من السيطرة على الاقتصاد العالمي. وعندما تنتهي جولة النمو الاقتصادي الجديدة، سيدخل الاقتصاد مرحلة انحسار... وعندئذ ستخترع السلطات الحاكمة مرة أخرى (فيروسا) ما. ومرة أخرى ستتكرر تمثيلية "مكافحة الجائحة". تلكم هي الترسيمة الجديدة، نوعيا، للدورة الاقتصادية التي لم يبق لنا إلا أن نسميها "الدورة الاقتصادية- الفيروسية".

13- إن "أصحاب الأموال"، الذين دبروا الجائحة الحالية، لن يكونوا في حاجة إلى تطور اقتصادي دوري بلا نهاية. ما يعنيهم هو الهدف النهائي، أي فرض سلطتهم على العالم؛ فهم يحلمون بإقامة نظام عالمي جديد لا وجود فيه لدول قومية.. نظام تترسخ في ظله حكومة عالمية.. وعندئذ لن يكون لهذا النظام ما يجمعه بالرأسمالية الكلاسيكية، بل سيكون من الصواب تسميته بنظام العبودية الجديد، أو الاقطاعية الجديدة.

14- لقد عرَّت الحرب الفيروسية منذ بدايتها، مخططات النخبة العالمية، وسلطت الضوء على عملائها، وكشفت كثيرا من أسرار نشاطها التخريبي. سترغم هذه الجائحة ملايين البشر في العالم على التفكير بما لم يفكروا به سابقا، عندما كانوا يظنون أن مشروع النظام العالمي الجديد مجرد خيال من خيالات أنصار نظرية المؤامرة. والآن، ستتجلى النتيجة (وها هي تتجلى فعلا) في استعداد ملايين البشر حول العالم للنضال ضد "أصحاب الأموال"... أما الكفاح ضد فيروس كورونا، فليترك للأطباء وغيرهم من أهل الخبرة وذوي الاختصاص. في منشور لاحق سأطرح تحفظاتي ونقدي لبعض أوجه الخلل والضعف المنهجي هذه الروية التي طرحها كاتاسونوف وقبل ذلك سأقارن بين هذه الرؤية للعالم الروسي وبين رؤية في الموضوع نفسه للباحث العراقي الاقتصادي مظهر محمد صالح.

 

علاء اللامي

..........................

1- رابط يحيل إلى النص الكامل للمقالة:

http://www.albadeeliraq.com/ar/node/2810

2- رابط يحيل الى حوار تلفزيوني مع البروفيسور كاتاسونوف يوضح الكثير مما ورد في المقالة المذكورة:

https://www.youtube.com/watch?time_continue=2&v=ZLmEffZD4r0&feature=emb_logo