كاظم الموسويتنتقل هجمات التخلف وتعبيرات الجهل من بلد عربي الى اخر، أو تنتشر في أغلب البلدان في أن واحد، وكانها، او هي فعلا وباء معد، ينتشر باسرع من البرق. فبعد تهديد عدد من النشطاء في اكثر من مدينة عربية بالقتل او المنع من انجاز فعاليات ثقافية او تضامنية مع القضايا العربية العادلة، كالقضية الفلسطينية، تواصلت بطرق واساليب متشابهة او مختلفة. اذ لم يعد هناك فرق بينها من حيث التوجه والهدف منها. بل وصلت الى اعتقالات مفتوحة في عدد من بلدان اخرى، اي تحولت الى ظواهر قاتمة وحالات مستعصية واوضاع لا تطاق ولا يمكن التعبير عنها او توصيفها. الى درجة اصبحت حتى الكتابة عنها ليست كافية ولا تشفي روح التضامن المطلوبة كاضعف الايمان.

في الاغلب تستهدف هذه الهجمات والحملات مشاغلة الغلابة، الذين ينامون ويستيقطون تحت خط الفقر المدقع، وتحاول ابعاد النظر عن الوقائع الجارحة والحقائق المؤلمة. فبدل ان تنشغل الحكومات باسباب الفقر ونسبه المرتفعة في اكثر من بلد نفطي، كالعراق، اجل العراق.. الثري في ثرواته المادية والبشرية، الغني بين غيره من البلدان المحيطة به، وتفكر في سبل التخلص من الفقر ومعالجته جذريا، ومعرفة دوافع أو الرد على سؤال، لماذا سال ويسيل عليه لعاب الامبرياليات المتوحشة التي ارسلت وترسل له قواتها العسكرية "للتدريب والاستشارة" و"الاقامة" حول منابع الطاقة والخيرات الاخرى؟!، وتعمل بمسؤولية وجدية للتغلب على هذه الكوارث، وتقدير احتياجات المواطنين الفقراء وتحسين اوضاعهم، والتوقف هنا بعد كل هذا في السؤال ايضا، لماذا يجري كل هذا دون ان يثير غضبا او احتجاجا او صرخة شعبية تسمع المستعمر والمحتل والغاصب ما لا يحب ان يسمعه منها. كما حصل مع تصريحات باهتة لنائبة نائبة، كررت مفرداتها دون توقع او ترو او انتباه، واعادت ما حصل مع غيرها من الدوران حول مفردات محددة ومستلة من نص او خطاب واعتبار الرد عليها واجبا والهجوم المتخلف والجهل مهمة ووظيفة. اخطأت النائبة واعتذرت ونشرت اعتذارها في الصفحة الاولى من الجريدة التي يصدرها حزبها الشيوعي. وفي الاعتذار فضيلة لها ورذيلة لمن يحاسب على مفردة ويمارسها فعليا في رده واسلوبه وافعاله.. فالتخلف ليس كلمة عابرة ولا وصف حال عام او خاص.. في العراق خصوصا.. التخلف قضية اساسية وفعلية في الحال والمشهد والواقع.. معكوس عمليا في نقص الخدمات الاساسية والاصرار عليه. في الحرمان والفقر والظلم والقمع والاستغلال والقهر والاستبداد وتناقض الصورة بين اللفظ ومعناه، بين القائم والمتخيل، بين الواقع المؤلم والحقيقة الغائبة، بين الخداع والامل المنشود.. متخلف من ينكر التدهور في القيم والوقائع اليومية المنظورة والمخفية.. متخلف من يسكت على الفساد والانحدار في مقارنة الخطط والتنفيذ على الارض.. متخلف من يرضى على كل ما حصل ويحصل في الوطن، من استعمار جديد بمسميات جديدة.. اليس هذا تخلفا وعكس التقدم والتطور؟! والا ماذا يمكن ان تسميه؟!. لماذا العراق وغيره من بلدان الوطن العربي في اعلى قوائم المنظمات الدولية المهتمة في قضايا الفساد وانعدام الشفافية؟!. ولماذا تقارير المنظمات الدولية المدافعة عن حقوق الانسان والحريات العامة تقدم معلومات وارقاما مذهلة عن الانتهاكات والارتكابات في هذه البلدان؟!. هذا هو التخلف بعينه، ولابد من وعيه كاملا، وادراكه عميقا، والرد عليه بما يناسبه، اذ لا يمكن ان يستمر او يقبل برضى او باكراه. هذه الطاقات الكبيرة، هذه الجموع المحتشدة يجب ان تتوجه بشكل سليم وتوجه صحيح.. ضد التخلف المانع للتقدم، ضد التخلف القامع للتطور، ضد التخلف الحاجز للتغيير. كيف يصمت العراقي وهو لا يجد قوت يومه، ولا بيت ملكا له ولا عمل منتجا عنده ولا ضمان لديه ولا مدرسة كاملة لابنائه ولا مشفى جاهزا لعلاجه ولا شارعا معبدا ومنتظما لسيره ولا كهرباء كافية ولا ماء نقيا للشرب والاستخدام البشري، فاي حالة هذه وبماذا توصف او تقارن؟!.

نواصل الحديث عن العراق مثالا لغيره، في الأرقام والإحصاءات ما يذهل الإنسان حقا، وقد لا يصدق بها لولا النتائج القاسية. فالبطالة عن العمل بين الشباب، وخاصة أبناء الجنوب، ما يقارب الاربعين بالمئة منهم، حسب تقديرات دولية،  ورغم تقليلها بما تصدره الوزارات والمؤسسات الرسمية بادنى من هذه النسبة ولكنها تظل فروقا ليست كبيرة، مما يبقى مؤشرا خطيرا ومؤلما، فكيف لا يحرك كل هذا هؤلاء الذين سنوا ألسنتهم واسنانهم على مفردة عابرة، وصفت الحال الذي لا يراد له أن يوصف أو يقرا كما هو ويثور الناس عليه أو يجب أن يثور الناس عليه، فيقادوا إلى غيره وإلى المكان الخطأ ورفع الشعار الاخطا وتنفيذ الفعل الخطيئة والهروب الى خراب الامل الباقي في بلد يجرح من كل الجوانب وترسم له صور وخطط التفتيت والتدمير والطوفان.

من فضائح الفيديوهات المنشرة، تصريحات نواب برلمان سابقين وحاليين، يشيب لها الولدان كما يقال. أحدهم يعترف في أكثر من مقابلة عن قبوله الرشوة وأنه وأمثاله مرتشون علنا وبملايين الدولارات، وليس الدنانير، (الدولار الواحد الان أكثر من ألف  دينار)، وآخر يتحدث عن فضائيين في أكثر من مؤسسة، تخصص لهم رواتب شهرية وتدفع لهم كل ما يحصل عليه الموظف الموجود عمليا، وارقامهم ليست قليلة بكل الاحوال، ويشخصهم ويشير إلى موقعهم وآخر يشرح تفاصيل عن سيارات الهمر التي اشتريت على الورق وانهيت خدمتها على الورق وسعرها بالملايين ايضا، كما كشف عن مشروع بناء اربع مستشفيات وتخصيص رواتب لموظفيها وادويتها وتجهيزاتها الأخرى شهريا وهي غير موجودة اصلا، على الورق فقط، فهل يقبل هذا دون أن تقلب الدنيا ويُحاسب المجرمون الفاسدون الناهبون لهذه الثروات والمبذرون لأموال الدولة والميزانية العامة والساكتون عليهم والساترون لهم والغاضون النظر عن النهب والفساد والمحسوبية والجرائم التي تدور في فلكها.. هذه الجرائم تعلن رسميا في الفضائيات ولا تتحرك تلك الجموع التي هاجمت وبالأعمال التي نفذت، لاسترداد حقوقها وثروات بلادها. أنها جريمة وتخلف وجهل حقيقي. مطلوب أن يستمر ويبقى كي يستمر الفاسدون والمجرمون والناهبون لثروات الشعب وممتلكات المواطنين وعلى حساب الجموع الفقيرة التي تدفع إلى ما لا تسترد به أملها في وطن حر وشعب سعيد. وهذه الصورة تكاد تتكرر في الأغلب الاعم في ارجاء الوطن العربي. أنها حالة مزرية مؤلمة ولات ساعة ندم.

 

كاظم الموسوي

 

ابراهيم أبراشإحياء الشعب الفلسطيني للذكرى 71 للنكبة يؤكد أن حرب 1948 أو ما تسمى النكبة ليست مجرد هزيمة عسكرية أو سياسية للجيوش العربية أمام العصابات الصهيونية، ولم تكن مجرد جولة من الجولات التي خاضها الشعب العربي الفلسطيني وما زال ضد الحركة الصهيونية وإسرائيل، أو حالة شبيهة بالمعارك التي تخوضها الشعوب المقهورة وحركات التحرر ضد مستغليها وقاهريها، بل كانت وما زالت أعظم وأخطر جرائم الحرب والتطهير العرقي، حيث أدت حينها إلى شطب اسم دولة فلسطين من على خارطة العالم وإحلال اسم " دولة " جديدة مصطنعة محلها –إسرائيل-، بالإضافة إلى تداعياتها المدمِرة على المجتمع الفلسطيني سياسيا واجتماعيا ونفسيا .

وَقّعُ النكبة الأليم والشكل الصادم للنكبة، وخيانة بعض العرب حتى من الذين شاركوا في الحرب، للشعب الفلسطيني أثر على نفسية الشعب ومداركه، حيث كانت النكبة ومشاهدها المأساوية حاضرة بقوة في وجدان وذاكرة القادة الاوائل للثورة الفلسطينية المعاصرة وهم يهيئون لإعادة استنهاض الشعب والهوية الوطنية والرد على الهزيمة التي تسببت فيها سبعة جيوش عربية ودفع ثمنها الشعب الفلسطيني .

في هذا السياق تحدث القائد الفتحاوي كمال عدوان عن النكبة وتأثيرها : "بفعل النكبة أصبح الفلسطينيون شعباً تائهاً مشرداً، يعاني الأمرين في معسكرات للتجمع تتناثر في الأقطار العربية و فاقداً وعيه وفكره، يعيش في ذهول بسبب الحركة السريعة التي تطورت بها الأحداث من حوله " ( فتح الميلاد والمسيرة : حديث مع كمال عدوان " شؤون فلسطينية، العدد 17، يناير 1973 ) .

كان وقع النزوح واللجوء قاسياً رهيباً حيث زعزع أسس المجتمع الفلسطيني وأحدث اضطراباً في قيمه ومعتقداته، كانت الضربة قاسية على النفس، جارحة للإحساس، أن يتحول الإنسان فجأة من مواطن كريم في وطنه إلى لاجئ يعامَل كمواطن من درجة ثانية شيء لا يطاق. لقد تحول الشعب الفلسطيني بفعل النكبة إلى شعب مفكك البنية الاجتماعية، فاقد لعملية التفاعل والتواصل الاجتماعي بين أفراده وطبقاته، هذه العملية التي تشكل الأساس الضروري في تشكيل القاعدة التي تنبع منها القيم والأفكار والمبادئ وعلى أرضيتها تصاغ أسس التعامل وأهداف المستقبل.

في أرض الغربة أصبحت مهمة غالبية الفلسطينيين البحث عن لقمة العيش وما يسدون به رمقهم، في المنفى عاش اللاجئون في ظروف تنظر إليهم فيها الحكومات العربية كحمل ثقيل، ومصيبة نكراء وقعت عليهم وعلى حد قول الشاعر الفلسطيني محمود درويش " منذ أن ألقت حراب الاحتلال الإسرائيلي بالفلسطيني " ضيفاً" على إخوته العرب – هكذا سموا اللاجئ في البداية – قدموا له كل الوعود التي لا تتحقق وظل مطارداً بما هو أكثر من التمييز، كان موسوماً بالعار، إنه متهم ومطارد ومشار إليه أنه لاجئ، أنه التائه الجديد "، فكيف يمكن لإنسان دون مأوى ودون أمل ودون مستقبل، جائع عار، مطارد، أن يفكر بشيء غير لقمة العيش؟

كانت هموم الفلسطيني " التائه " متواضعة محدودة في نظر الإنسان العادي لا تتعدى تأمين المأوى ولقمة العيش ورد المهانة، ولكنها بالنسبة للفلسطيني كانت بمثابة رحلة طويلة مع العذاب والمعاناة، فلا الأقطار العربية كانت مهيأة لاستقبال اللاجئين الفلسطينيين ولا الأمم المتحدة مهتمة جدياً بهذه القضية بالإضافة إلى غياب القيادة الفلسطينية المسئولة. (شفيق الحوت، الفلسطيني بين التيه و الدولة، بيروت،1977)،

كانت المعاناة أكثر وطأة وقسوة، عندما كانت أصابع الاتهام تشير على الفلسطيني بأنه مسئول عن نكبته وبأنه باع أرضه لليهود !! وقد حاولت بعض الأنظمة العربية زرع مثل هذا الوهم عند جماهيرها لتسقط عن نفسها مسؤولية ما حدث في حرب 48، ومارست على الإنسان الفلسطيني كل أنواع القهر والاضطهاد، وقتلت كل بارقة أمل أمامهم، وجعلتهم مجرد أرقام في سجلات المخابرات ومكاتب وكالة غوث اللاجئين.

ضمن هذه الظروف والأوضاع تشكلت نفسية الإنسان الفلسطيني "لاجئ" أبغض كلمة في قاموس اللغة العربية على قلب الإنسان الفلسطيني، بما أضحت توحي به من معاني القهر والسحق والإذلال، نفسية تفشت فيها روح إتكالية، أفقدت الفلسطيني الرغبة في عمل أي شيء وفقد الأمل في تحقيق أي شيء، وتفشت اللامبالاة، التي جعلت الفلسطيني رقماً مهمشاً في مجريات الأحداث، وكأن ما يجري حوله لا يعنيه، فقد الثقة بنفسه وبمن حوله، وأصبح يعيش حالة من الإحساس بفقدان الأمان المستمر والدائم، والذي عززته حالة التسلط التي مارستها عليه بعض الأنظمة ومعاملته كمواطن من درجة ثانية، الأمر الذي ولَّد لديه عقدة الاضطهاد، وسياسياً فرض واقع الغربة والتشرد على من كان نشيطاً سياسياً من الفلسطينيين، أن يعيش حيلة اللجوء السياسي التي تُحيل الحياة إلى معاناة وقلق رهيب، كفيلة بتشويه أحاسيس كل مناضل يحترم نفسه، وتدمير إيمانه بالغد وتشويه نظرته إلى الوجود . (كمال ناصر، " مذكرات لاجئ سياسي، " شؤون فلسطينية العدد 44، ابريل 1975) .

ضمن هذا الجو المُحبط لكل شيء غرق الفلسطيني في متاهات الشك، فأصبح يشك في كل شيء، وهي حالة نفسية من الصعب على الفرد أن يُكوِن قناعة تامة وثابتة حول أية أيديولوجية، أو فكر أو موقف، والكفيلة بتدمير كثير من القيم التي تربى عليها، وفي الوقت نفسه تجعل من الصعب عليه فرز قيم جديدة وقناعات جديدة، ويبقى موقفه سلبياً يتابع الأخبار والأحداث التي يصنعها أو يصنعها له غيره . (فتح، الميلاد والمسيرة : حديث مع كمال عدوان)

أما جورج حبش القائد المؤسس لحركة القوميين العرب ولاحقا للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، فيتحدث عن تأثير النكبة قائلا : "لقد شعرت بالإهانة في أحداث 1948، فقد أتى الإسرائيليون إلى اللد وأجبرونا على الفرار، إنها صورة لا تغيب عن ذهني ولا يمكن أن أنساها، ثلاثون ألف شخص يسيرون، يبكون، يصرخون من الرعب، نساء يحملن الرضع على أذرعهن والأطفال يمسكون بأذيالهن والجنود الإسرائيليون يشهرون السلاح في ظهورهن، بعض الناس سقط على قارعة الطريق وبعضهم لم ينهض ثانية، لقد كان أمرا فضيعا ما أن ترى ذلك حتى يتغير عقلك وقلبك، فما الفائدة في معالجة الجسم المريض عندما تحدث مثل هذه الأمور، يجب على الإنسان أن يغير العالم، أن يقتل إذا أقتضى الأمر، يقتل ولو أدى ذلك إلى أن نصبح بدورنا غير إنسانيين " . (باسل الكبيسي، حركة القوميين العرب، دار العودة، بيروت، ص:77 ) .

وما زالت النكبة حاضرة فينا وأضيف لها نكبة الانقسام، فهل ستفجر النكبة الجديدة ثورة كما فعلت النكبة الأولى ؟ .

 

د/إبراهيم أبراش

 

بكر السباتينسيناريوهات لمعرفة من يقف وراءها..

التفجيرات التي حدثت فجر الأحد الماضي في الفجيرة وضعت كل المواقف التي يتخذها المتصارعون في المنطقة على المحك.. سواء كانت أمريكا وحلفائها بمن فيهم "إسرائيل" أو إيران وحلفائها بمن فيهم جماعة الحوثيين. فبعد حدوث الانفجار في السفن التجارية الأربع قبالة سواحل إمارة الفجيرة لم توضح الإمارات ملابسات ما جرى أو تتهم طرفاً بعينه، ووفق ما صرح به وزير الطاقة والصناعة السعودي خالد الفالح فأن التفجيرات استهدفت ناقلتي نفط سعوديتيين من بين السفن التي تعرضت للهجوم، بينما كانت إحداهما في طريقها لتحميل النفط من ميناء رأس تنورة السعودي، ومن ثم الاتجاه إلى الولايات المتحدة لتزويد عملاء أرامكو" وهذا بحد ذاته سيضع الموقف الأمريكي على محك الأزمة رغم أن الهجوم لم يسفر عن أي خسائر في الأرواح أو تسرب للوقود في حين نجمت عنه أضرار بالغة في هياكل السفن المستهدفة في هذا الهجوم الغامض في هذا الوقت الحساس الذي سيبدو للعيان بأنه شرارة قد تشعل فتيل الحرب بين إيران وأمريكا لتزامنه مع التهديدات المتبادلة حول إغلاق مضيق هرمز القريب من ميناء الفجيرة، بين الطرفين. 

وعليه فإن من أهم ملامح توخي الحذر الشديد من قبل الإمارات والابتعاد عن البروبوغاندا هو تلميحات وسائل إعلام إماراتية إلى مسارعة مواقع إعلامية إيرانية بتداول أنباء عن تعرض السفن الأربع لتفجيرات فجر الأحد، دون أن تتهم طهران مباشرة بالتورط في ما جرى بالمنطقة الاقتصادية للإمارات واقتصار الحديث على انفجارات قوية هزت ميناء الفجيرة النفطي الواقع في الساحل العماني قريباً من مضيق هرمز والذي يقع ضمن منطقة الخطر الحوثي الذي يقود مواجهات مسلحة حول ميناء الحديدة في جنوب اليمن.

ولخطورة هذا الحدث المباغت؛ فقد دعت الإمارات في بيانها الرسمي حول الحادث المجتمع الدولي على القيام بمسؤولياته لمنع أي أطراف تحاول المساس بأمن وسلامة حركة الملاحة البحرية. 

ومن الطبيعي أن تندد بالحادث الكارثي جميع دول العالم بما فيها إيران التي اعتبرت نفسها من أكبر المتضررين، حيث وصفت إيران الهجمات بـ "المقلقة" وقال المتحدث باسم الخارجية عباس موسوي في بيان له إن "الأحداث في بحر عُمان مقلقة ومؤسفة" ودعا إلى إجراء تحقيق في الهجمات، محذرا من "مغامرة لاعبين خارجيين" لعرقلة أمن الملاحة.

وللوقوف على حل هذا اللغز الذي أثار حيرة المحللين الاستراتيجيين في العالم، دعونا نستقرئ تداعيات المواقف علنا بذلك نقترب من الجهة التي تقف وراء هذا الحدث الذي من الممكن أن يكون الشرارة الأولى لحرب ضروس لا تبقي ولا تذر في منطقة ملتهبة تجتمع فيها مصالح الخصوم الجيوسياسية، وتخضع للمجهر الأمريكي الذي رغم حدقة عينه المتسعة والمنداحة وفق التطورات؛ إلا أنه غوفل بهذه الانفجارات التي تكمن في جوهرها تحديات أمريكية حقيقية لا يستهان بها من شأنها أن تدفع بالمقامر الأمريكي ترامب لاتخاذ موقف قد يكون هو الأخطر في مرحلته الرئاسية التي تجمعت فيها كل الرهانات في منطقة الربح والخسارة، التي همشت كبرياء الدول في إطار الميكافللية القائلة بالغاية تبررر الوسيلة.. وبالطبع الغاية الأمريكية ستذهب بنا إلى رؤية ترامب القائمة على الربح المادي ولو جاء ذلك على حساب مبادئ العلاقات البينية بين الدول المحكومة بالقانون الدولي، وهو ما سيجعل الحسابات الأمريكية أكثر توازناً إذا تبين لها بأن الخسارة المالية هائلة وتميل إلى الخسارة غير المحتملة. 

ولكن البعض يرى بأن رؤية ترامب فيما يتعلق بمصالح الكيان الإسرائيلي ستتغير من باب كونها ذات أولوية في سياسة بلاده الخارجية والاستراتيجية، ما جعل البعض يتهم الموساد بتنفيذ عملية التفجيرات لصالح إشعال الحرب في المنطقة بسبب دعم إيران للمقاومة في جنوب لبنان المتمثلة بحزب الله، وفي غزة المتمثلة بالجهاد الإسلامي وحماس المدعومتين من طهران وخاصة أن الأخيرة صفعت نتنياهو في المواجهات الأخيرة بسبب صواريخ القسام ذات التقنيات الإيرانية ناهيك عن تلقيها الدعم المالي المفتوح من إيران.. هذا إذا علمنا أيضاً بأن ضرب إيران في العمق هي استراتيجية إسرائيلية؛ بسبب محاولات طهران الدؤوبة في انتاج التكنلوجيا النووية، والتي على هذا الأساس جيش نتنياهو حلفاءه في منطقة الخليج العربي للتصدي لما أسماه بالخطر الإيراني من خلال صفقة القرن.. وقد تكون الموساد استعانت بالمنظمات الإرهابية كداعش في تنفيذ المهمة.. وهذا بحد ذاته سبب وجيه لاتهام تل أبيب بالوقوف وراء الحادث.

وما يعزز ذلك ما صرح به يوم الأحد الماضي لجريدة (الصاندي تايمز) البريطانية، الأمريكي"براين هوك" الذي عينه ترامب مبعوثاً خاصاً لإيران والمكلف بإدارة "فريق عمل حول إيران"  وهو أحد أهم داعمي الكيان الإسرائيلي في الدائرة السياسية المحيطة بترامب، حيث قال ما يؤكد دور الكيان الإسرائيلي في دفع الموقف بين إيران وأمريكا نحو المواجهة على الأرض:

"إن لدى إدارة الرئيس دونالد ترامب هدفين مرتبطين، أولهما التوصل إلى صفقة جديدة ستخلف الاتفاق النووي المبرم في عام 2015 بين طهران ومجموعة "5+1" والذي انسحبت منها الولايات المتحدة من جانب واحد في العام الماضي.

وشدد المبعوث الأمريكي على ضرورة أن يكون ذلك الاتفاق الجديد شاملا، (طبعا بما يتناسب وتطلعات نتنياهو الاستراتيجية) كي لا يقتصر على برنامج إيران النووي فقط بل ويطال برنامجها الصاروخي".

أما بخصوص الهدف الثاني وهو متطلب إسرائيلي بامتياز، فأشار هوك إلى دعم إيران لحركتي "حماس" و"الجهاد الإسلامي" الفلسطينيتين و"حزب الله" اللبناني" وجماعة الحوثيين في اليمن وفصائل شيعية مسلحة في العراق، وقال: "في حين نعمل على تحقيق الهدف الأول، نزعزع أيضا سياسات إيران الخارجية".

وقال هوك ما يؤكد على النوايا الأمريكية التي تخالف رؤية ترامب القائمة على الربح والخسارة، وهو مؤشر للتطلعات الإسرائيلية في الأزمة الأمريكية مع إيران، إنه لا يشعر بأي قلق إزاء احتمال تحول التصعيد القائم بين واشنطن وطهران إلى نزاع مسلح، مضيفاً إلى أن الإجراءات التي تتخذها واشنطن دفاعية حصرا وليست سوى "رد فعل على العدوان الإيراني". ورغم ذلك فموقف ترامب المقامر يجبُّ عادة ما يخالف رؤيته في الربح والخسارة.. لذلك لا يمكن ضمان موقفه إذا استشعر بأن الأزمة ستكبد بلاده خسائر مادية لا يتمناها، وربما يوقف التصعيد ويتنازل كما فعل مع كيم إيل جونغ، رئيس كوريا الشمالية. 

أما إيران وبعيداً عن تنديدها بالحادث، فلها نصيب الأسد في الاتهام بتنفيذ هذا الهجوم الذي يبدو أنه نفذ بواسطة فرقة كوماندوز أو ضفاضع بشرية انطلاقاً من الفجيرة نفسها.

هذا إذا علمنا بأن عملاء إيران وخلاياها النائمة في هذا الإمارة التي لا تنسجم مع محمد بن زايد وخاصة أن ابن حاكمها الدكتور راشد بن حمد الشرقي غادر إلى لندن قبل أشهر،ومن هناك طلب اللجوء السياسي إلى قطر مصرحاً بأن الفجيرة تعاني من الغبن الذي أصابها من القيادة الإماراتية، أي أن الظروف في تلك الإمارة مهيأة لأي نشاط استخباري ضد أبو ظبي من منطلق الصراع غير المعلن بينها وبين الإمارات الشمالية ومنها الفجيرة التي بوغت ميناؤها بهذا الهجوم الغامض، والذي يتسم بخلطه لكل الأوراق في منطقة الخليج العربي برمته.

فالسلطات الإيرانية تعيش هذه الأيام حالة من التحدي غير مسبوقة، ويبدو أنها غير عابئة بالتهديدات الأمريكية الاستفزازية من بينها إرسال حاملة الطائرات العملاقة أبراهام لينكولن إلى مياه الخليج الى جانِب عددٍ من طائرات بـ 52 القاذفة العملاقة.

ونتذكر أيضاً ما قاله رجل الدين البارز آية الله يوسف طبطبائي نفلاً عن وكالة الطلبة الإيرانية (نجاد) قوله في مدينة أصفهان في وسط البلاد: "أسطولهم ذو المليار دولار يمكن تدميره بصاروخٍ واحد".. وعزّز هذا الموقف الجنرال أمير علي حاجي زادة، قائد القوات الجوية في الحرس الثوري عندما هدد باستهداف حاملة الطائرات لينكولن، وقال: "إنّ هذه الحاملة التي تضم نحو خمسين طائرة حربية وستة آلاف عسكري كانت تُشكل تهديدًا في السابق لإيران، أما اليوم فهي مستهدفة بصواريخنا وزوارقنا، وباتوا اليوم فرصةً لنا ومثل قطعة اللحم بين أسناننا".

وفي الخفاء، وربما دون علم القيادة السياسية للبلاد ما عدا الرئيس‘ فمن الممكن قيام بعض الأجهزة الاستخبارية الخاصة سراً بتنفيذ هذه المهمة وانتظار النتائج على الأرض لتحويل أنظار ترامب نحو واقع الخسائر التي تنتظرة من جراء سياساته التصعيدية ضد إيران بتحريض من اللوبي الصهيوني في أمريكا.

فإيران كما يبدو تريد توجيه رسالة ذات مضمون ينسجم مع عقلية ترامب المقامر، وكأن اللعبة أخذت طابع عض الأصابع فمن تراه يتحمل أكثر..

دعونا نستعرض بعض البيانات التي قد تهم ترامب أكثر في سياق هذه الأزمة وتداعيات ما بعد الهجوم على السفن في الفجيرة..

فبحلول الساعة 06:24 بتوقيت غرينتش من يوم الأحد الذي حدث فيه الهجوم وفق بيانات سعودية، بلغت العقود الآجلة لخام القياس العالمي برنت 71 دولارا للبرميل، مرتفعة 0.5% مقارنة مع سعر الإغلاق السابق.

وبلغت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأميركي 61.73 دولارا للبرميل مرتفعة 0.1%مقارنة مع سعر التسوية السابقة.

والسعودية والإمارات تقعان في المركز الأول والثالث بين أكبر المنتجين على الترتيب بمنظمة البلدان المصدرة للنفط (أوبك) وهما جزء من سياسة التعويض النفطي من جراء تصفير الإنتاج الإيراني والفنزويللي للنفط.

وأخيراً.. الرهانات ما زالت مفتوحة على كل الاحتمالات.. ومهما خسر الجميع في هذه التصعيدات فإن الرابح الوحيد هو الكيان الإسرائيلي الذي يعمل جاهداً مع حلفائه لدفع الأمور نحو المواجهة العسكرية.. وهذا من متطلبات تحقيق صفقة القرن..

 

بقلم بكر السباتين

تحليل استراتيجي..

 

حمزة الجواهرياقترحت كتلة سائرون قانون صندوق المواطن لتوزيع بعضا من الثروة النفطية على المواطنين وذلك باستقطاع نسبة10% من عائدات النفط ووضعها بصندوق توزع سنويا بشكل متساو على جميع العراقيين.

حقيقة ما يصيب المواطن شيء بسيط يكاد لا يسد الرمق، ولكن تبقى مشاكل العراق كما هي والتي سنأتي على حجمها الكبير. وصحيح أن العراقيين جميعا يملكون النفط وفق المادة111 من الدستور، ولكن المادة تشير إلى أن كل النفط تعود ملكيته للعراقين جميعا وليس 10% فقط، وهذه مخالفة للدستور. أضف إلى ذلك أن العراق يعاني من العديد من المشاكل الأقتصادية والاجتماعية والسياسية المرتبطة موضوعيا ببعضها البعض بحيث لا تستطيع تفكيك الاقتصادي عن الاجتماعي أو السياسي بحيث يحتار المرء من أين يبدا، وغالبا ما ينتهي العراقي إلى استنتاج نهائي وهو أن الأمر ميؤس منه تماما، وهذا ما يزيد من حالة الإحباط حد القنوط والتشاؤم المطلق.

بجرد بسيط لنرتب مشاكلنا في العراق حسب الأهمية في الترتيب:

1- الفساد مستشري بكل أنواعه والذي له مؤسسات ومافيات وسلاح وعيون مفتوحة في كل الأوقات،

2- والاقتصاد العراقي ريعي ويعتمد على عائدات النفط تقريبا بالكامل،

3- لا توجد برامج حقيقية للتنمية المستدامة في العراق.

4- لا يوجد قطاع خاص يدعم الدولة بإنتاجه وفي جميع القطاعات الاقتصادية في البلد.

5- وحتى النفط المورد المالي الوحيد للدولة فإنه يعاني من هروب المستثمرين منه رغم اهتمام العالم به، ولكن حين يصل المستثمرون للعراق ويواجهون الحقيقة المرة وهي أن البيئة طاردة للاستثمار يعودون خائبين في حين نحن بأمس الحاجة لأموالهم ومشاريعهم الاستثمارية.

6- البضائع المستوردة تغزوا العراق ولا تستطيع الدولة حماية المنتج المحلي ولا حماية المستهلك لأن التجار بجبروتهم وعلاقاتهم قد عطلوا جميع القوانين التي تحمي المنتج المحلي والمستهلك معا.

7- القانون بشكل عام معطل، فهو لعبة بيد المافيات الحزبية وغيرها من مافيات وعصابات الجريمة المنظمة.

8- العشيرة هي التي تحكم في البلد وقوانينها هي الأقوى.

9- نظام التعليم فاشل بكل معنى الكلمة.

10- النظام الصحي أكثر فشلا.

11- ولدينا بطالة عالية جدا،

12- وفقر شديد في مناطق عديدة من العراق،

13- وهجرة من الريف للمدينة شوهت معالم المدن ولوثت الثقافة المجتمعية، وحرمت الأرض من الفلاحين بحيث اتسعت الأراضي البور.

14- مدن كأنها الأطلال في كل جغرافية العراق بالكامل وبنى تحتية مخربة وخدمات فقيرة جدا.

كل هذه الأمراض التي تبدو مستعصية وأكثر بكثير من ذلك موجودة في العراق.

لذا اعتقد أن هذا القانون يعتبر هدرا لعائدات النفط بنصه الحالي خصوصا وأن العديد من الشرائح الاجتماعية التي بحاجة إلى دعم مالي هي اصلا مدعومة حاليا من قبل الدولة، لذا اعتقد أن علينا تحويل هذا الاستقطاع من عائدات النفط لبناء دولة جديدة تختلف عن الدولة التي نعيش بها.

ببعض التفصيل نقترح ان يقوم هذا الصندوق في البداية بتمويل مشاريع استثمارية صغيرة ومتوسطة في مجال الزراعة والصناعة والخدمات والسياحة وغيرها، فلو أخذنا القطاع الزراعي على سبيل المثال، يمكن أن يتم دعم الفلاحين من قبل الصندوق، وذلك من خلال تأسيس تشاركيات زراعية وتخصيص أرض من المساحات الواسعة التي تملكها الدولة وتشغيل الفلاحين الذين تركوا أراضيهم مع نخبة من المهندسين الزراعيين والكوادر الزراعية وغير الزراعية المتوسطة التي يحتاجها أي مشروع استثماري ودعمهم بالمكننة الزراعية والأسمدة وغيرها من المستلزمات على أن يسدد المشروع الاستثماري كل المبالغ التي صرفت عليه مع نسبة معقولة من الأرباح تعود لتمنية الصندوق نفسه. بعد تسديد الكلف يجب أن تعود ملكية المشروع بالكامل للعاملين به وتبقى الدولة تراقب عمل المشروع بطريقة ما لضمان استمراريته على وفق قانون يشرع لهذا الغرض. وبنفس الأسلوب يطبق هذا الأمر في باقي القطاعات الاقتصادية الأخرى.

لنذهب إلى بعض التفاصيل وأعطي مثال على آلية التطبيق:

إن نسبة 10% من عائدات النفط تعني من7 إلى8 مليار دولار سنويا على وفق الأسعار الآنية والتوقعات المستقبلية لأسعار النفط و وتوقعات الإنتاج العراقي.

يمكن اختيار مجموعة من الاقتصاديين والمخططيين الاستراتيجيين يعملون لصالح الصندوق لوضع خارطة استثمارية لمشاريع الصندوق وتوزع المشاريع بشكل عادل على المناطق العراقية، وأن لا يتم الموضوع بشكل عشوائي أو بتدخل من سياسي أو أي جهة أخرى.

إن كلف المشاريع الصغيرة لا تزيد عن5 مليون دولار، بالمتوسط3 مليون دولار، أما المشاريع المتوسطة من5 إلى50 مليون دولار، بالمتوسط25 دولار. وهذا يعني إنشاء أكثر من800 مشروع صغير وأكثر من200 مشروع متوسط سنويا، المجموع1000 مشروع، يمكنها تشغيل على الأقل20 ألف إلى30 ألف عامل ومهندس ومهندس زرعي وحقوقي ومحاسب وإداري وفني من مختلف الاختصاصات عدا الوظائف الأخرى في التعليم والصحة والخدمات والتجارة، بحيث يمكن أن نتوقع أن التشغيل سيكون ما بين30ألف إلى 40إلف من العاطلين سنويا بعد فترة تدريب قصيرة لأن مثل هذه المشاريع لا تحتاج إلى خبرات كبيرة وفترات تدريب طويلة.

ويجب أن لا ننسى أن المشروع الواحد قد يسترجع كلفته مع الأرباح بظرف خمسة سنوات إلى سبعة على أبعد تقدير من خلال مراجعة مشاريع القطاع الخاص من هذا النوع،

أن هذه الأرقام ستتضاعف عدة مرات بالعشر سنوات الأولى بعد صرف 70 إلى 80 مليار دولار، وإن تشغيل العاطلين عن العمل قد يصل أكثر من مليون شخص وعدد المشاريع ستكون أكثر من 20 ألف مشروع لأن النمو سيكون على شكل متوالية هندسية سواءا بالنسبة لعدد المشاريع أو عدد العاملين، ويصبح حجم الصندوق أكثر من200 مليار دولار. بعد ذلك يمكن الإنتقال للمشاريع الكبيرة ومن ثم للمشاريع العملاقة.

ما تقدم مجرد مثال على آلية التطبيق وذلك على وفق خارطة استثمارية ترسم على أسس علمية توزع بها الثروة بشكل عادل على السكان والمناطق وتأخذ بنظر الاعتبار المحرومية السابقة للمناطق.

آنذاك يمكن تخصيص صندوق للمواطن لتوزيع الثروة بالتساوي على وفق المستجدات.

بهذه الطريقة:

1- يمكن خلق قطاع خاص تشاركي واسع ومنظم.

2- بهذا الصندوق أو الصناديق يمكن توجيه المال العام نحو التنمية المستدامة والحقيقية ويمكن تنمية الصناديق لتصبح أكبر بحيث تخدم مشاريع إنتاجية واسعة وذلك لخلق قطاعات إنتاجية حقيقية تدر عادات للصننديق والدولة.

3- مثل هذه المشاريع يمكنها امتصاص جميع أنواع البطالة في الدولة بشكل تدريجي وبفترة قصيرة نسبيا.

4- مثل هذه المشاريع التشاركية يمكن أن تعيد خلق قيم العمل الراقية والشفافية والبعيدة عن الفساد كون جميع العاملين بأي مشروع هم أصحاب المصلحة المباشرين لذا سيقطعون يد الفاسد والمفسد على حد سواء في حال تجرأ على ملكيتهم الخاصة.

5- بظرف عقد من الزمن وبظل إدارة حكيمة للصندوق من قبل مختصين يمكن ان نقول لدينا قطاع خاص منتج ومتطور.

6- يمكن أن يساهم مستقبلا بخلق مدن جديدة للعاملين بمثل هذه المشاريع.

7- يمكن لمثل هذه المشاريع ان تساهم بالهجرة المعاكسة من المدن للريف والتخفيف على المدن الكبيرة ويمكن ان نستطيع القضاء على العشوائيات في مدننا الكبيرة.

8- بوجود مثل هذه التجمعات البشرية والمشاريع يمكن تطبيق الضريبة بشكل صحيح لتكون احد مصادر تمويل الدولة.

9- في حال تشكلت هذه التجمعات البشرية المتنوعة الأصول ومن مناطق مختلفة من العراق سوف ينتهي تلقائيا دور العشيرة وستتحول المرجعية لهؤلاء إلى القانون والقضاء وفي الحالات البسيطة للنقابة أو الإتحاد المهني كإتحادات الفلاحين أو العمال او غيرها.

10- بهذه الطريقة ستخرج تلقائيا جميع الأحزاب من التلاعب بالمال العام وتتضائل سطوتها على الدولة والمجتمع بحيث تضطر أن تتحول إلى أحزاب تنتهج النهج العلماني حتى لو كانت بمسميات دينية.

نلاحظ هنا كم هو عدد الأمراض التي تمت معالجتها من تلك التي سميناها أمراضا مستعصية في العراق؟

بالطبع هذا يعتبر اقتراح أولي على أسس حسابية بسيطة وعلمية، لكن يمكن إغناءه عن طريق النقاش بين المختصين في المجال الاقتصادي والتخطيط والمهندسين والمهنيين من مختلف الاختصاصات. بمعنى أن تتبناه مجموعة من الخبراء وتعمل عليه لينضج ويقدم للدولة كمشروع إصلاحي حقيقي وليس مجرد إنشاء، وأن يتم تنفيذه بأياد أمينة وخبيرة ونزيهة.

 

حمزة الجواهري - بغداد

 

كاظم الموسوييفاجأ الحراك الشعبي العربي الجديد المراقب البعيد، ولكنه يؤكد للمراقب عن قرب أن استمرار الاستبداد والفساد والتخلف الاقتصادي والسياسي يولد ما وصلت إليه الشعوب العربية، سواء أواخر العقد الأول من هذا القرن، أو مطلع نهاية العقد الثاني. رغم أن كلا المراقبين لا يخلوان من المعطيات والوقائع وربما الحقائق المرة. وفي كل الأحوال فإن واقع الحال هو المصدر الرئيس لما سبب الحراك الشعبي العربي الجديد وعلينا قراءته ايضا، كما سبق لنا مع ما سبق. وليس المهم هنا التسميات أو ما يردد من عناوين قد لا تتطابق مع الحال الا في التوصيف الإعلامي. أو تثير اغراءات مكبوتة عند أكثر من طرف من أطراف الواقع العربي أو من يريد له أن يكون.

ما يجري من حراك جديد في السودان والجزائر خصوصا هذه الأيام، وما يتداعى منه في خارج هذين البلدين، ينطق بما يوصل إلى أن الأجيال الشابة الجديدة في الوطن العربي مستعدة للتضحية والفداء ولتقديم أمثلة على ضرورة التغيير والتواصل مع المتغيرات المحيطة أو البعيدة عنها، بحثا عن مكان لها في أوطانها لا في المهاجر والمنافي. فإذا مرت موجة التغييرات عند جيرانهم، في تونس ومصر اولا وانتكست في غيرها، مثل اليمن وليبيا، وتراجعت في بلدان اخرى، الا أن الواضح أن ما جرى تم في جمهوريات عربية، حكمتها سلطات انتقلت بها أو واصلت الانتقال والانقلاب من الاستعمار والاحتلال إلى رحاب التحرر الوطني ولكنها كما هو واضح لم تنجز كل المهمات المطلوبة، أو خيبت الامال باستمرارها في التحكم في السلطة والتشبث بها، (الرئيس السوداني حكم30  عاما، والجزائري 20  عاما) وممارسة أساليب ديكتاتورية وتسلط وإستبداد. الأمر الذي حولها الى موضوع التغيير والانقاذ منها لإعادة الامل لهذه الشعوب والبلدان في التحرر والتنمية والتقدم.

تمكنت هذه السلطات بالذات من بناء اجهزة دولة عميقة دون التفكير بتاسيس مؤسسات دولة حقيقية قادرة على الوقوف بقدراتها وطاقاتها وامكانياتها الكبيرة. والتي تنكرت حتى لبياناتها الاولى أو لخطبها السياسية الاولى. كما فسحت المجال لتكوين طبقة سياسية حاكمة، حاشية لا يهمها غير مصالحها الأنانية المباشرة، حتى لو كان لها اسم حزب أو مجلس شعب أو حكومة رسمية، تحيط بموقع الرئيس وتثرى من خلال علاقتها به عبر وسائل الفساد والاختلاس والنهب والاحتكار والتضخم الفردي على حساب الأغلبية الشعبية والطبقات الاجتماعية التي هي وقود الثورة والدولة والحاضر والمستقبل في هذه البلدان عموما. والابشع فيها رضاها عن نفسها وانكار توحشها واستهتارها بحقوق الإنسان والمواطن وكرامته. بل قبول التمييز عن الشعب والابتهاج بتكديس الثروات ورفع نياشين المناصب والالقاب والتصديق بها دون إدراك الفروق الطبقية والاجتماعية والاقتصادية والتغيرات في المجتمع التي أحدثتها أو سببتها والعمى امام التحولات الإقليمية والدولية. وهذه عوامل كامنة أو ظاهرة تتجمع وتتراكم وتتفاقم وتغلي كالمرجل أو أشد منه في المجتمع.

أن عدد سكان السودان والجزائر يبلغ أكثر من أربعين مليون مواطن لكل منهما، وحوالي او أكثر من نصفهم من الأجيال الشابة، دون سن الخامسة والعشرين عاما، واغلبهم بلا عمل منتج ولا قدرات اقتصادية كافية للعيش الكريم، وترى الأغلبية منهم أمامها كيف يتم تبذير ثروات بلادها والفساد والافساد والتسلط والإستبداد لمجموعات الرئيس والسلطة المتمثلة به، عمر البشير وعبد العزيز بوتفليقة. وكل منهما تجاوز الحد الاقصى بامكانياته في الحكم والعدل والبناء، مع بعض الأوصاف أو الترتيب في درجات الحكم والمواقف والقرارات الوطنية أو السياسية لكل منهما.

ليس بالضرورة التشابه الكامل بين الحالتين، لكن هناك ما يجمع بينهما أو يربط عوامل الأوضاع المشتركة والدفع في إشعال الحراك الشعبي الجديد، وصعود تموجاته ومطالبه واستمراره. ووصول الأمر لدى الحراك الى المطالبة الصريحة بتغيير النظام كاملا، وليس الاطاحة برأسه وحده، كما حصل الان. وكان أبرز تشابه بين البلدين هو تدخل قيادة القوات المسلحة في ضبط ادارة النظام والحفاظ على الأمن والسلم الأهلي بحدود ما اهلها ليس للتدخل وفرض رؤيتها وحسب، بل ومحاولة فرض الأمر الواقع الجديد على المشهد السياسي وطبيعة التغيير.

محاولات القيادات العسكرية في فرض رؤيتها، سواء دستوريا أو جذريا، كما تعلن احيانا، تصب كلها في محاولات التهدئة  الداخلية وربما الخارجية بحدود التأثر والتأثير أو التداخل والتكليف. ولكل منها ثمنه الشعبي والوطني. إلا أن استمرار الحراك الشعبي السلمي يفرض نفسه ايضا ويدفع الى الاصغاء الى مطالبه المتصاعدة والسعي إلى التغيير الجذري في حدود المصالح الوطنية والقومية وإعادة بناء دولة حديثة مستفيدة من دروس الماضي وتجارب الحراك الشعبي العربي.

حصل في تونس ومصر في الحراك والثورة الشعبية إزالة رؤوس السلطة وإجراء خطوات إيجابية أولية في عملية الإصلاح والتحديث ولكن التجربة التاريخية لهما ومازالت أمامنا لم تنجز الأهداف الأساسية من الثورة والتغيير، بل ثمة ردة أو انتكاس صريح، حتى لما كان أو أسوأ منه، مما يعني ضياع الفرص والتضحيات وغياب المسؤولية وتحملها شعبيا وقوى سياسية شاركت أو أسهمت في الحراك وأهداف التغيير.

لعل ابرز ما يضعف الحراك الشعبي العربي الأساسي، ويوفر مناخات ارتداد عن الثورة والتغيير، باي أسلوب من الاساليب المطروحة، ويكاد يعطل سير الحراك وتضييع التضحيات الشعبية من أجله، يكمن في عدم تبلور قيادة سياسية معلنة من الحراك الشعبي واتفاقها على برامج عمل الحراك الشعبي وانجاز الأهداف المنشودة منه، والاستفادة من الطاقات والقدرات الشعبية، الشبابية والمرأة والقاعدة الثورية في المؤسسة العسكرية والأحزاب السياسية المعارضة والقادرة على وضع كفاحها الوطني التاريخي في خدمة الحراك الشعبي وأهدافه في التغيير الديمقراطي البناء. وهنا قد يختلف الوضع في السودان مثلا عن الجزائر. حيث تتوفر هيئة سياسية معلنة مكونة من نقابات وشخصيات وطنية معروفة وقوى سياسية، تموضعت تحت عنوان، قوى إعلان الحرية والتغيير، لها امتداداتها الشعبية وقدراتها على التحشيد الشعبي وإدارة النضال الوطني ورفع الشعارات المرحلية والإصرار على الأهداف الأساسية من كل الحراك الشعبي والخطوات المحققة عمليا الى الآن، وهي ساعية لأخذ دور القيادة والتعبير عن إرادة الحراك والتغيير. ومازالت الجزائر تخطو في هذا الاتجاه، مع رؤية القيادة العسكرية الهادفة إلى تفعيل الدستور ومراحل الإصلاح وتشابك القدرات والطاقات في مرحلة صعبة من الحراك الشعبي العربي الجديد. ولابد ان تصب كل الخطوات الجارية في النهاية لعملية تغيير مطلوبة في هذين البلدين ومستقبل الحراك الشعبي عموما، في بناء دولة ديمقراطية مدنية وسيادة حكم القانون والمواطنة.

 

كاظم الموسوي

 

سؤال مطروح على الدوام أثناء الأزمات التي تعصف بها وتخرج منها غالبا منتصرة وبصعوبة!.. القراءات والتحليلات التي تخرج من الخبراء والمختصين والتي يستند البعض منها على أسس بحثية راسخة لم تصل في نتائجها حد اليقين المطلق في توقع انهيار وشيك للرأسمالية الغربية التي هي الأكثر تطورا في عالم اليوم!.

لاشك في وجود دراسات وكتب ومقالات تجيب عن هذا السؤال الخطير ولكن لا بأس في اضافة هامش بسيط للراغبين بطريقة سلسة تقرب الاجابة الى الأذهان دون الخوض في التفاصيل التي تبعد قراء هذا الزمان من الخوض فيه !.

في تاريخ الرأسمالية المعاصر عدة أزمات ولكن أبرزها أعوام 1929 و1987 و2008 والتي نتجت عن انهيار البورصات والبنوك في الغالب مما جعل أسس ذلك النظام العتيد يهتز بقوة دون ان تطيح به من عرش الزعامة العالمية!.

الرأسمالية المعاصرة تختلف كليا عن الرأسمالية البدائية التي سادت في القرن التاسع عشر وما قبله والتي اخرجت لنا خصمها الرئيسي: الاشتراكية، بمذاهبها المختلفة وعلى رأسها الشيوعي بفروعه المتعددة أيضا !.

لقد كانت الرأسمالية ومن قبلها مرحلة الاقطاع، متوحشة بشكل مرعب صورته لنا مصادر التاريخ والادب والفن بتفاصيل دقيقة حتى رأينا قوة وقسوة ردة الفعل المأساوية وبخاصة من النظم الشيوعية في العالم جراء ما حدث، والطرفان خلقا بالفعل مآسي لا يمكن التغاضي عنها، ولكن تلك الرأسمالية جددت نفسها وحصنت داخلها من الخلل والعيوب وعلى مراحل طويلة من خلال قبول الكثير من الآراء والأفكار التي خرجت من الخصوم قبل المناصرين لها، فقبلت الديمقراطية كوسيلة لتداول السلطة و الليبرالية كمنهج متاح للجميع والاشتراكية الديمقراطية كطريقة تخفف من شدة وقسوة الطبقات المهيمنة على المجتمع، بل وصل الأمر إلى قبول الكثير من التطبيقات النظرية والعملية الاقتصاد الماركسي من قبيل وضع الخطط المستقبلية للتنمية وحل المشاكل العالقة لفترة طويلة ناهيك عن الطارئة منها وما قام به كينز عندما وضع نظريته العامة عام 1936 التي أخرجت العالم الرأسمالي من أزمته آنذاك هو شيئا طبيعيا عندما استعان ببعض الأفكار الواردة في أدبيات الفكر الاشتراكي وطورها والتي أنتجت في النهاية دولة الرفاهية الاجتماعية والخدمات العامة والوفرة الاقتصادية والتي تقارب المفاهيم الاشتراكية ودعوتها في بناء مجتمع مثالي خال من الاستغلال والفقر والجوع!.

في المقابل هاجم مناصري الاشتراكية وخاصة الشيوعيين منهم كينز وامثاله واتهموه بالسرقة والرجعية الخ من الاتهامات الجاهزة!.

حصنت النظم الاشتراكية نفسها من قبول الآراء والمعتقدات المخالفة لمرتكزاتها النظرية واعتبروا كل من يخالف ذلك الطريق هو خائن للمسيرة والمبادئ، متجاهلين قوة وخطورة التطور التاريخي التي تكسر حالة الجمود والانعزال بمعاول التأثيرات الخارجية والمعارضة الداخلية المتنامية!.

لم تقبل النظم الاشتراكية بالليبرالية والديمقراطية ولا حتى برأسمالية محدودة مع عداء غير مبرر للعقائد والأديان والحريات الفردية مما جعل نهايتها المأساوية شبه حتمية بينما خرجت الصين من تلك الحالة المزرية بقبول الرأسمالية ولو تحت ستار اقتصاد السوق الاشتراكي، بينما هي في الحقيقة رأسمالية خالصة ولكن بغطاء اشتراكي رقيق! و استمرت في نهجها المعادي لليبرالية والحريات الفردية وان خفت حدة المعاداة عما كانت عليه قبل الانفتاح نهاية عام 1978 وبذلك فتحت طريقا جديدا للنظم الاشتراكية مثل فيتنام وغيرها للخلاص من حتمية السقوط الذي وقع فيه الاتحاد السوفييتي وبلدان أوروبا الشرقية !.

كانت النظم الرأسمالية في الغرب أكثر تطورا في جميع النواحي من البلدان الاشتراكية، واستفادت تلك البلاد من التراكم المالي والوفرة الاقتصادية الطويلة من خلال استعمارها أغلب بلاد العالم المتخلف لقرون عديدة، واستمرت في الهيمنة الواقعية عليها بعد انتهاء ذلك الاستعمار ففرضت نظم موالية في غالبيتها كانت ديكتاتورية فاسدة، سارت في طريق التبعية الكاملة ولنا في البلاد العربية نموذجا مثاليا على تلك التبعية الاقتصادية والثقافية بل وصل الأمر الى طلب الحماية العسكرية من الثورات الداخلية فضلا عن التهديدات الخارجية !.

استمرت الاستثمارات الاجنبية في العالم المتخلف لصالح الغرب الرأسمالي بل ونمت بشكل كبير مستغلة وجود الأيدي العاملة الرخيصة ووجود كم هائل من الموارد الطبيعية مما ساعد على توفيرها في السوق العالمية بأسعار متدنية، مع انفتاح اسواقها امام المنتجات المصنعة في العالم الأول بأسعار باهظة كما استضاف أيضا ملايين المهاجرين بغية تشغيل الماكينة الاقتصادية الضخمة التي تأثرت بسبب كارثة الحرب العالمية الثانية ، ولكن بعد عقود من الزمن أصبحت تمثل لهم مشكلة بسبب الخلل في التركيبة السكانية واختلاف العادات والتقاليد وغيرها والشعور بعدم الحاجة للمزيد !.

في المقابل لم يكن ذلك متاحا للنظم الاشتراكية بسبب القيود النظرية والعملية على الاستثمار الخارجي والاستغلال الاقتصادي لموارد الشعوب الأخرى مما حرمها من مصدر مالي وفير تشوب حوله الشكوك الاخلاقية في مصادره!.

من أبرز طرق النجاة للاقتصاد الرأسمالي هي استغلال الفوائض المالية الضخمة للانظمة والأفراد من الدول النامية وابرزها الدول العربية النفطية التي استثمرت أغلب أموالها في الاقتصاد الغربي بسبب محدودية حاجتها لها نتيجة قلة عدد السكان مع ضخامة في الإنتاج النفطي والغازي لتلبية الرغبات الغربية في إغراق السوق العالمية وعدم السماح للمنافسين والخصوم من الاستفادة من مواردهم أيضا، كذلك الثروات الشخصية الضخمة للحكام والأفراد والتي تجد ملاذا آمنا في الغرب مما يجعلها مصدرا آخر يضاف الى الفوائض الرسمية المستثمرة! وقد انقذت تلك الفوائض النقدية الاقتصاد الرأسمالي من أزماته المتعددة وخلقت فرصا كثيرة للعمل حرمت منها البلدان النامية! بينما منعت النظم الاشتراكية السابقة نفسها من تلك المصادر لأسباب معروفة.

استغل الغرب الرأسمالي التطور العلمي الكبير الذي اجتاح العالم واستعمال التكنولوجيا بكثافة في تنمية الإنتاج وتطوير الخدمات وخلق فروع جديدة في الاقتصاد واستغلال حالة شراهة الاستهلاك لدى الأفراد نتيجة توفر السيولة لديهم وتنميتها بشكل مستمر، من خلال ضخ المزيد من السلع والخدمات واغلبها غير اساسي للحاجات اليومية دون ادنى اعتبار للبيئة والموارد الطبيعية المتضائلة مما رفع حجم الاحتجاجات العالمية التي وقفت بقوة ضد تلك الظاهرة وأدت في النهاية الى تطوير بدائل للطاقة والموارد الطبيعية وتحديث نوعية السلع لتحد من مشاكل البيئة المتنامية، وقد أدى ذلك الى استغلال أمثل للطاقة وتطوير فروع الطاقة البديلة والموارد الاخرى من خلال خفض الكلفة وقد خلق هذا الوضع فرصا عديدة للعمل وكأي ظاهرة جديدة، أخرجت اعدادا اخرى من سوق العمل، وهذه الحالة تكررت مرارا بعد التطور الرقمي الكبير والذي ظهر للعلن بعد نهاية الحرب الباردة عام 1990، فظهر الكمبيوتر والانترنت والذكاء الصناعي والشبكات الاجتماعية والمهنية والمعلومات مما ساعد على نمو قطاعات اقتصادية جديدة وخلق فرصا اضافية للعمل لم تكن بمستوى حالة الاستغناء عن الأيدى العاملة التي فقدت وظائفها جراء التطور الجديد مما جعل حجم البطالة يزداد في الاقتصاديات الرأسمالية ولم يتم خلق فرص عمل جديدة في فروع الإنتاج القديمة والتي تحتاج الى كثافة في اليد العاملة بسبب هجرة الاعمال نحو البلاد النامية التي لديها جيوشها كبيرة من العاملين بأجور متدنية للقيام بذات الوظائف التي تحتاج اليهم وهذا ادى الى حصول تشاؤم عالمي منذ منتصف التسعينيات من تحول 80%من الافراد القادرين على العمل في العالم الى عاطلين بينما يبقى 20% فقط يقومون بذات الوظائف التي يحتاج اليها الاقتصاد العالمي، وقد شاع ذلك الرأي في بداية ظهور تيار العولمة والانفتاح نهاية القرن الماضي ولكن بعد مرور عقد من الزمن لم تتحقق تلك التنبؤات المتشائمة واستمر النمو في القطاعات المختلفة بسبب التطور الاقتصادي في الشرق الاقصى وجنوب شرق اسيا وكذلك في بعض البلاد في افريقيا وامريكا اللاتينية مع بقاء وجود نسبة كبيرة من العاطلين الذين لا يجدون وظائف تناسبهم مما يفرض عليهم القيام بوظائف ثانوية اغلبها غير منتج او خدمي!.

في المقابل تطورت القطاعات المالية والمصرفية وتضخمت بشكل كبير حتى فاقت الحجم الطبيعي وحدثت حالات فساد وخداع وتهرب ضريبي ساهمت في نمو هذه الظاهرة الغريبة أدت في النهاية الى انفجارها الخطير في ازمة 2008 المالية والتي خرجت الدول الرأسمالية منها بمديونيات ضخمة نتيجة الاستدانة واضطرت الى اتباع سياسات ضخ المزيد من الأموال في الاقتصاد بغية عدم الوقوع في حالة الكساد التي سادت العالم بعد أزمة عام 1929، فساعد ذلك في انقاذ العالم من كارثة اقتصادية طويلة.

ساهمت النظم الضريبية المتطورة في خفض الفوارق بين الطبقات الغنية والفقيرة وتلبية حاجات المجتمع وهذا أدى الى توسع في الخدمات الاجتماعية وخلق دولة الرفاه التي تعرضت الى هزة كبيرة في منتصف السبعينيات من القرن الماضي فتعرضت اقتصاديات الدول الرأسمالية الى ازمات تبعه ركود طويل وضع اللوم في أغلبه على ارتفاع سعر النفط ، ولم تخرج منه إلا بعد نجاح أنصار الليبرالية الجديدة في تسلم إدارة الحكم في أمريكا وبريطانيا في الثمانينات والتي كانت تدعو الى خفض الضرائب على الشركات وتخفيض حجم الخدمات ورفع القيود وتجميد الأجور وبيع القطاع العام الخ من الإجراءات المعروفة بغية دعم الاستثمار وتطوير الاقتصاد مما أدى إلى زيادة في النمو وفي توسع الفوارق بين الطبقات الغنية والفقيرة ولم يوقف تلك الظاهرة إلا الانهيار المالي في عام 1987 والذي أجبر الجميع الى مراجعة في السياسات المنفذة منذ سنوات بغية الخروج من المأزق الجديد والذي خلقته دعاوى منع الدولة من التدخل إلا في حالات الضرورة القصوى !.

أدى انهيار الكتلة الشيوعية في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي الى حدوث شعور ساد العالم بنهاية التاريخ وحتمية انتصار الاقتصاد الرأسمالي الذي كان حينها يعاني من الركود، فجعل ذلك الشعور مع تخفيض في حجم الموارد المخصصة للإنفاق الدفاعي وعديد العاملين في الأجهزة الأمنية والعسكرية في خلق طوق النجاة للاقتصاد الرأسمالي من جديد الذي نهض في العقد الأخير من القرن الماضي مع توفر مصادر الطاقة الرخيصة واتباع سياسات تحرير التجارة العالمية بغية تخفيض التكلفة وتوفير الموارد في حدوث نهضة جديدة.

يسود العالم الآن النظام الرأسمالي بصوره المتعددة وان كان يخضع للدول الغربية المتطورة اقتصاديا والأزمات الناشئة عنه هي طبيعية لأن كل نظام اقتصادي واجتماعي قدره ان يواجه متغيرات قد تفوق القدرة المتاحة في التناغم معه مما يؤدي إلى حدوث مشكلات آنية تستدعي إجراءات للخروج من آثارها السلبية ولكن المشكلة الرئيسة التي تواجه الاقتصاديات الرأسمالية الآن هي صعود التيارات اليمينية المتطرفة والتي اكثرها يدعو الى الانعزالية وفرض القيود على التجارة والاستثمار والتعاون والتشدد لحماية الاقتصاديات المحلية من آثار العولمة والتحالفات الخارجية!.

قد تسبب تلك السياسات الجديدة في نمو لبعض الدول مثل أمريكا ولكنها في النهاية سوف تضعف حلفائها في الخارج وتسبب لهم مشكلات اقتصادية سوف ترتد لاحقا على الدول التي حققت نموا على حسابها بفضل إجراءات الحماية!.

مشكلات الاقتصاد الرأسمالي سوف تستمر وبخاصة حالة البطالة والتي سوف تتوسع بسبب تسريح المزيد من العمال والموظفين نتيجة للتطور التكنولوجي الذي يجبر الشركات والمؤسسات على استخدامها لتوفير الموارد نتيجة للمنافسة الشديدة مع الآخرين، ولكن استمرار النمو الاقتصادي في الكثير من الدول النامية وبخاصة ذات الحجم السكاني الكبير مثل الصين والهند واندونيسيا والبرازيل وأفريقيا وأمريكا اللاتينية سوف يؤدي الى ابقاء الرأسمالية مهيمنة بشكل كبير على العالم حتى تتاح له حينها الخروج من هذا النظام الاقتصادي بطريقة سلسلة قد تحفظ الشكل ولكن يختلف المضمون او بالعكس وحسب المتغيرات الدولية .

 

مهند السماوي

 

رائد الهاشميالأمن الغذائي ويقصد به (مدى قدرة بلد ما على تلبية احتياجات مواطنيه من المواد الغذائية الرئيسية) من منتجاته الخاصة أو عبر الاستيراد من الخارج أو الإثنين معاً، وأصبح الأمن الغذائي من أهم المواضيع التي تهتم بها المنظمات الأممية والدولية والانسانية والحكومات لما له من أهمية كبيرة وتماس مع حياة الانسان، ويعتبره الكثير من المراقبين من أهم المعايير التي تستخدم لتقييم أداء الحكومات فكلما ارتفعت معدلات الأمن الغذائي في بلد ما كلما كان أداء حكومته جيداً والعكس صحيح، لذا وجب على كل حكومة تدّعي الوطنية وحبّها لشعبها أن تولي الأمن الغذائي جُلّ اهتمامها وتسخّر له كل الأدوات اللازمة لتحقيقه ورفع معدلاته وذلك باختيار الشخصيات الكفوئة والتي تمتلك الخبرات الطويلة في هذا المجال واعداد الاستراتيجيات العلمية لتحقيقه على أرض الواقع وتوفير الأموال الكافية والدعم الكامل لتحقيق الاستراتيجية الموضوعة لتحقيق الاكتفاء الغذائي لمواطنيها.

ويكون الأمن الغذائي غير مكفولاً في حالات عديدة منها عدم تمكن الدول وخاصة الفقيرة التي تعتمد في زراعتها بشكل أساس على الأمطار فعندما تقلّ الأمطار أو تنعدم يعمّ الجفاف فلاتتمكن من تغذية سكانها ولا مواشيها وبما أنها فقيرة وإمكانياتها محدودة فإنّها تكون عاجزة عن استيراد وتعويض النقص من الخارج فتحدث المجاعات وتنتشر الوفيات والأمراض والأوبئة وتُهدد حياة سكانها، وهنا تلجأ لطلب المساعدات من الدول الأخرى أو من المنظمات الأممية، وفي حالات أخرى يحدث الخلل في الأمن الغذائي عندما تحدث الكوارث الطبيعية أو الحروب الكبيرة أو يحدث بسبب سوء الإدارة الحكومية لملف الغذاء.

لو تمعنّا جيداً في حالة بلدنا العراق لوجدنا أن جميع المقومات الاساسية متوفرة لتحقيق الأمن الغذائي وتحقيق الإكتفاء الغذائي للسكان لأن الله سبحانه وتعالى قد حبانا بأرض خصبة وتربة نموذجية  صالحة لزراعة مختلف المحاصيل الزراعية والمياه متوفرة بشكل كبير حيث تشق أرض البلد من شماله الى جنوبه نهرين عظيمين هما دجلة والفرات وكذلك وجود عدد كبير من الروافد تروي مساحات شاسعة من الأراضي وكذلك توفر المياه الجوفية في معظم مناطق العراق ومياه العيون المنتشرة في مناطق شمال العراق، ولو أخذنا المقومات الأخرى لتحقيق الأمن الغذائي لوجدناها متوفرة ايضاً فالأيدي العاملة التي تعمل في الزراعة متوفرة وبكثرة ورأس المال متوفر باعتبار العراق من الدول الغنية بالنفط وموارده المالية كبيرة، إذاً هناك مشكلة عندما يحدث خلل في الأمن الغذائي في بلدنا مع توفر كل هذه المقومات الأساسية، ولمعرفة هذه المشكلة لانحتاج الى بحث كبير أو تحليل معمّق فالمشكلة واضحة وجليّة وهي تتلخص بسوء الأداء الحكومي لملف الأمن الغذائي وعدم وجود النيّة الحقيقية لتحقيق ذلك، حيث لو توفرت النيّة الحقيقية للحكومة لإدارة هذا الملف بشكل صحيح لوضعت في أجندتها خطط تنموية سليمة للنهوض بالقطاع الزراعي والعمل بجدية على الاستغلال الأمثل للمقومات المتوفرة لتحقيق الأمن الغذائي للبلد أي أن القضية تحتاج لفن الإدارة العلمية السليمة لهذا الملف وباختصار شديد على الحكومة أن تختار في البداية الكفائات العلمية المتخصصة في المجال الزراعي وتضعهم على رأس المناصب القيادية لهذا الملف وأن تعمل على تخصيص جزء غير قليل من ايرادات الموازنة العامة للنهوض بالقطاع الزراعي والعمل على دعم الفلاح العراقي بشكل كبير والبحث عن أسباب هجرة النسبة الكبيرة من الفلاحين من الريف الى المدينة وتركهم مهنة الزراعة والعمل على معالجة هذه الأسباب وهي واضحة ومعروفة للجميع فالفلاح يحتاج الى دعم حكومي في عدة أمور منها توفير المكننة الحديثة من وسائل الانتاج لغرض تحقيق الزيادة في كمية الإنتاج ويحتاج الى المبيدات الزراعية واستيراد الحبوب والبذور لتحسين المنتوج وزيادته ويحتاج الى قروض ميسرة لاستصلاح الأراضي الزراعية التي عانت من إهمال كبير طوال السنوات الماضية ويحتاج الى حماية منتوجاته من منافسة مثيلاتها التي تدخل البلاد بلا قيد أو شرط وأسعارها دائماً أقل من أسعار المنتجات المحلية ما يتسبب بخسارة كبيرة للفلاح العراقي الذي يضطر الى التوقف عن الانتاج وترك مهنته الرئيسية ،وكذلك على الحكومة أن تسعى  الى تحسين الظروف المعيشية في الريف بتوفير وتحسين الخدمات الأساسية من كهرباء وماء صافي وطرق وخدمات صحية وتعليم وغيرها من الأمور الاساسية التي يحتاج لها كل انسان طبيعي.

إنّ كل ماتقدم من خطوات هي ليست بمستحيلة ولايجوز التحجج بالأوضاع الحرجة التي يمرّ بها البلد ومشاكل اقتصادية وعجز في الموازنة لأننا لانطلب من الحكومة تحقيقها كاملة خلال عام واحد مثلاً ولكن عليها أن تخطط بشكل سليم وترسم الأهداف العلمية الصحيحة للنهوض بالقطاع الزراعي وبعدها تشرع فوراً لتحقيق هذه الأهداف المرسومة والتي لو طبّقت بشكل صحيح فإن النتائج ستكون جيدة وواضحة وسنتمكن في ظرف عدة سنوات من تحقيق نسبة كبيرة من الأمن الغذائي للبلد ولوفرنا ملايين الدولارات من الأموال التي تنفق على استيراد السلع الغذائية الرئيسية من الخارج ولوفرنا ملايين الفرص من العمل ولأعدنا التوازن بين الريف والمدينة ولقللنا من هجرة الفلاح الى المدينة ولحققنا نسبة عالية من الاستقرار في بلدنا ولتمتعنا بخيرات أرضنا المعطاء ولحققنا الأمن الغذائي المنشود للمواطن العراقي.

 

رائد الهاشمي

 

بالنظر إلى الطبيعة الاجتماعية الغامضة للفساد والتي لا يُنظر بموجبها إلى الوعي العام الفردي والجماعي على الدوام كظاهرة سلبية مما يستدعي الحاجة إلى استخدام التثقيف باعتباره الوسيلة الرئيسية لمكافحة الفساد عبر التعليم والذي مجاله يقع إلى حد بعيد عن التنظيم القانوني الصحيح فلذلك يستوجب تطوير القواعد التنظيمية والقانونية لتعليم الأطفال والشباب بما في ذلك مكافحة الفساد وتنمية محو الأمية القانونية وبناء الوعي القانوني وتنشئة جيل الشباب وتركيز الأهتمام الوثيق بالوقاية من التطرف والتغاضي عن الحاجة إلى الإنذار المبكر بالفساد بغرس حصانة مكافحته, وتزويد المؤسسات التعليمية بالموظفين ذوي الاختصاص القادرين على التطبيق الشامل للطرق التربوية المتقدمة وإجراء دورات تثقيفية وقائية لمكافحته بالإضافة إلى الحاجة إلى اعتماد العاملين التربويين للتعرف على التشريعات القانونية للمكافحة وممارسات تطبيقها.

واحدة من المشاكل النظرية والمنهجية والتطبيقية الرئيسة لضمان تعليم مكافحة الفساد هي تعديل التوصيات المنهجية المتقدمة والتطبيقية لتشكيل وجهة نظر عالمية لمكافحته وتحليل محتوياته بما يكشف عن نظرة مشوهة للفساد وتطوره، وتشكيل الأسس التنظيمية والقانونية والإيديولوجية لتعليم الأطفال والشباب بتبني مجموعة غير مسبوقة من القوانين التشريعية التي تنظم مجال العلاقات الاجتماعية وإدراج القوانين والأفعال التنظيمية بما فيها الاستراتيجيات والخطط والبرامج والأسس المعيارية التي تنظم إجراءات مكافحة الفساد القانونية. وإن الطبيعة الاجتماعية الغامضة للفساد التي لا ويُنظر إليها غالبا على أنها ظاهرة سلبية فهي تحدد سلفًا أقصى قدر من الاستقرار والقدرة على التكيف والتكاثر والتحول وإن الاعتراف بالمقبولية كونها مفيدة للبعض مادياً ولربما اجتماعيا يشكل مهمة مستعصية للتمييز بين مظاهره، فضلاً عن الجمع بين مقاربات صراع لا يمكن التوفيق بينها وبين الإدراك الإيجابي. كما ويمكن اعتباره ظاهرة ذات نطاق ونظام أوسع من مجرد كونه الجريمة لكونه اعمق من إن يكون مزيج من الانحرافات الأخلاقية والسلوك الملوث إنما يصل إلى إن يكون مجموعة من الأعمال الإجرامية  المهددة للأمن والفكر الوطني والقومي.

 هناك أسس لتطبيق التكتيكات والاستراتيجيات المتقدمة للاستجابة المبكرة والاستباقية لتحديات الفساد، وايضا هنالك ميل متزايد نحو الفساد المتعمد للمسئولين دون سن الثلاثين، والذي يرجع بشكل كبير إلى إدراجه العملي المبكر في برامج الفساد لأنه وما لا يقل عن 25٪ من الطلاب في مؤسسات التعليم العالي في اغلب دول العالم كانوا قد أعطوا الرشاوي. وإن تحليل ما تقدم يسبب مخاوف معقولة بشأن عدم تطوير الإطار التنظيمي والقانوني لتعليم الأطفال والشباب بما في ذلك مكافحة الفساد مع تجزئة الأحكام القانونية وفقدانها للاتساق وإن مجال التعليم يقع إلى حد بعيد عن نطاق التنظيم القانوني السليم، فلذا وللوقاية الفعالة من الفساد فنحن نؤمن بأنه لا يجب إن يقتصر الأمر على مراقبة كاملة للبرامج المقدمة لمكافحة الفساد ورفع التشريعات من أجل تحليل تنفيذ أحكامه وتحديد أوجه القصور وتقديم المقترحات للتغييرات والتعديلات الضرورية، وإنما أيضا متابعة ومراقبة إنفاذ القانون وإدخال تغييرات تنظيمية لتشكيل نظام الدول للتعليم ومكافحته للفساد ومن الضروري زيادة فعالية الدعم التنظيمي عبر التثقيف والتدريب عبر تعزيز دور وكالات إنفاذ القانون وتغيير التسلسل الهرمي لموضوعات تدابير التثقيف والتعليم والتوعية للانتقال إلى المهمة ذات الأولوية للهيئات التنفيذية للدول والحكومات المحلية في تحالف مع المؤسسات الحكومية والمنظمات العامة. ومن الضروري تنظيم الموظفين وتوفير الدعم لهيئة التدريس من قبل المتخصصين القادرين على الاستخدام الشامل للطرق التربوية المتقدمة وإجراء الدورات التعليمية الوقائية وقد أصبح المجتمع العلمي أكثر وعيًا بالقيود المفروضة على تخصصات التدريس وإجراء الأبحاث داخل فرع واحد للحصول على تدريب عالي الجودة لمكافحة الفساد فيتطلب أخصائيين ليس لديهم فقط معرفة قانونية وإنما أيضًا معرفة حقيقية وتخصصية في مجمل علوم التربية وعلم النفس وعلم الاجتماع.

وليس غريبا إن تكون المشاكل النظرية والمنهجية والتطبيقية لضمان تعليم مكافحة الفساد للجيل الأصغر عملية طويلة ومنظمة ومنهجية لتشكيل وتطوير الشخصية، فتتطلب بعض الأقسام والأحكام تعليم النظرة إلى مكافحة الفساد بين تلاميذ المدارس والطلاب إعادة تفكير حاسمة ويستوجب نظام متطلبات البرنامج التعليمي للتعليم الابتدائي العام للتعديل والذي من المرجح له أن يثير مسألة تعليم وتطوير سمات الشخصية التي تلبي متطلبات مجتمع المعلومات ومهام بناء المجتمع المدني، غير إن الفساد جوهري بأي مجتمع في إطار النظام الحالي للعمل التربوي بالمؤسسات التعليمية العربية والتي لم يتم فيها تحديد مهمة تعليم مكافحة الفساد، وليس من قبيل المصادفة أن حل المشاكل الخطيرة التي نشأت لتعليم الناس وخاصة الشباب يتطلب تعبئة أجهزة الدول بأكملها ونظام المدارس والتعليم العالي ومؤسسات المجتمع المدني بغض النظر عن مدى تأثير البيئة الاجتماعية على الشخص وبغض النظر عن مدى إغرائه للواقع الاجتماعي لرؤية المسؤول الفاسد والخط الفاصل بينه وبين المواطن صاحب التفكير الصحيح أصبح غير واضح بشكل متزايد، وعلى المجتمع العربي إن يحزم بذاته وعبر التعليم بجميع مؤسساته ومراحله للمكافحة الفعلية وألا يعتمد فقط على تأرجح التدفق الطبيعي للعمليات التصحيحية.

 

بقلم/ الدكتور ميثاق بيات ألضيفي

بوجمعة وعليلم نكن نتوقع ونحن في أسوأ حالات الضعف والوهن التي تعيشها الأمة، أن تصل الأمور بكثير من الأنظمة العربية إلى هذا الحد غير المسبوق من الغد والخيانة والعمالة، وأن تنحدر إلى هذا المستوى من الانحطاط والسفالة السياسية والأخلاقية اتجاه قضية الشعب الفلسطيني الذي يعاني ويلات الاحتلال الصهيوني منذ ما يزيد عن سبعين عاما، تلك القضية التي كانت إلى وقت قريب القضية الأولى للعرب والمسلمين، يرددونها كثيرا في دهاليز وكواليس مؤتمراتهم واجتماعاتهم ولقاءاهم وخاصة في منظمة المؤتمر الإسلامي وجامعة الدول العربية والأمم المتحدة وغيرها.

إن تغيير كثير من الأنظمة العربية لسياستها الرسمية وحتى الشعبية اتجاه القضية الفلسطينية من حالة التبني والدعم والمساندة السياسية والاقتصادية في المحافل الوطنية والإقليمية والدولية إلى حالة الإنكار والجحود بل والعداوة والتهجم على القضية وأصحابها وخاصة فصائل المقاومة، إلى درجة تخوين بعضها ووصفها بالصهيونية كما حدث مع حركة حماس، هو في الحقيقة سقوط لآخر أوراق التوت الشفافة أصلا على عورات الأنظمة العربية التي كانت دوما منافقة تظهر دعمها وولاءها للقضية في العلن  بينما تكيد لها المكائد في الخفاء  وهو الأمر الذي انفضح لدى الجميع. بل الأكثر من ذلك والأخطر هو يتحول ذلك الدعم الذي كان معظمه شكليا للشعب الفلسطيني إلى دعم صريح وحقيقي ومادي للكيان الصهيوني المحتـل، والذي وصل أوجه في يسمى إعلاميا بصفقة القرن  بزعامة الرئيس الأمريكي "ترامب"، والتي ما تزال تفاصيلها الدقيقة غير معلنة إلى حد الآن،  رغم بعض التسريبات التي تلخصها في أن سيناء المصرية التي اشترتها أمريكا بالأموال الإماراتية والسعودية  ستكون هي الوطن البديل للشعب الفلسطيني الذي سيهجر مرة أخرى من الضفة الغربية، مما سيقبر حسب مخططي الصفقة حلم العودة لملايين من لفلسطينيي المخيمات والشتات، لكن وعي الشعب الفلسطيني ومقاومته ستفشلان هذه الصفقة كما أفشلت كل المخططات السابقة.

قبل أيام من حلول شهر رمضان المعظم وكالعادة قبل كل عيد أو مناسبة دينية، بدأ الكيان الصهيوني عدوانه الغاشم على قطاع غزة حيث نفذ قواته العسكرية مئات الغارات الجوية والمدفعية على أهداف معظمها مدنية (مساكن، عمارات، مقرات إعلامية...) أسفرت لحدود كتابة هذا لمقال عن استشهاد العشرات وجرح المئات. هذا العدوان الهمجي ردت عليه فصائل المقاومة بإطلاق مئات الصورايخ على مدن غلاف غزة وبعض الأهداف العسكرية التي تمكنت المقاومة من إصابتها إصابات مباشرة (ناقة الجند، جيب عسكري...)، غير أن سلطات الاحتلال وكعادتها تمارس التعتيم والتكتم عن الخسائر التي تكبدتها قواتها العسكرية والتي يبدو أنها ستكون كبيرة.

غير أن الجديد في هذا العدوان الصهيوني على القطاع هو الانحياز الواضح والصريح لكثير من الشخصيات السياسية ووسائل الإعلام السعودية والإماراتية للكيان الصهيوني، إلى درجة أن بعضهم وصف حركات المقاومة الفلسطينية وخاصة حركة حماس بأنها "صناعة صهيونية" مما يظهر التحول الجذري لسياسة بعض الأنظمة العربية اتجاه القضية الفلسطينية. أما مصر التي تربطها بفلسطين وخاصة غزة علاقات تاريخية وجغرافية واجتماعية فما تزال مصرة على تشديد الحصار على الشعب الفلسطيني بغزة وفصائله المقاومة ولا تفتح معبر رفح البري إلا لماما وللحالات الإنسانية، وذلك من أجل تشديد الخناق الاقتصادي عليها في أفق إجبارها على قبول التنازلات التي من شأنها تصفية القضية الفلسطينية وهو الأمر الذي لم ولن يتحقق لها بإذن الله  في صمود الشعب الفلسطيني الذي ينظم مسيرات العودة في كل أسبوع.

أما الشعوب العربية فهي ليست أفضل حالا من الشعب الفلسطيني، الذي يقاوم الاحتلال منذ عشرات السنين ولا يزال رغم التواطؤ الدولي والخيانة العربية والضعف الإسلامي. ذلك إن معظمها تعيش على ماسي الثورات المضادة التي تدعمها أنظمة الشر العربي بتعبير الرئيس التونسي السابق "منصف المرزوقي" بالمال والسلاح والدعم السياسي في المحافل العربية والدولية . فالشعب المصري يعيش تحت أتون انقلاب عسكري أعاد مصر إلى الوراء عشرات السنوات من الناحية السياسية والاقتصادية والحقوقية. في حين ما يزال الشعب التونسي يقاوم عودة النظام البائد، وما تزال ثورته محاصرة لم يكتب لها النجاح النهائي بعد، أما الشعب اليمني فهو غارق في مأساة حرب أهلية ذكتها السعودية والإمارات بما يسمى "عاصفة الحزم"، وهي العاصفة التي أغرقت البلاد في الفوضى وجعلتها يعيش أسوا كارثة إنسانية في العصر الحديث  حسب تقارير المنظمات الإنسانية والأمم المتحدة. بينما يعيش الشعبين الجزائري والسوداني على إيقاع ثورة شعبية عارمة  أسقطت رؤوس الحكم الاستبدادي في البلدين، غير أن ثورتهما معرضة لمخاطر عديدة أهمها سرقة العسكر لها   في ظل دخول السعودية والإمارات ومصر بشكل مباشر وصريح على الخط  من أجل إفشالها. أما الشعب الليبي ورغم اقتلاعه لنظام معمر القذافي الذي جثم على صدور الليبيين أربعين سنة فهو ما يزال يخوض هو الأخر حربا ضارية بين قوى ثورة فبراير 2011  وقوى الثورة المضادة بقيادة الجنرال المتقاعد خليفة حفتر المدعوم بالمال الخليجي والسلاح الفرنسي والرضا الأمريكي والصمت الغربي، والمعركة ما تزال مستمرة وتزداد شراسة يوما بعد يوم في ظل إصرار حفتر على السيطرة على العاصمة طرابلس. أما ما تبقى من الشعوب العربية فهي غارقة في مشاكلها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية كلبنان والمغرب أو تحت وطأة في أنظمة شمولية كالشعوب الخليجية.

أمام هذا الوضع المتأزم على مختلف الأصعدة كتب على غزة العزة أن تقاوم وحدها العدوان الصهيوني الغاشم المدعوم سياسيا وإعلاميا من أمريكيا وأوروبا، بينما ظل الأعراب بين متفرج ومحاصر ومساوم.

 

د. بوجمعة وعلي

 

بكر السباتينقبل الحروب المتوالية على قطاع غزة كانت ما تسمى ب"إسرائيل" هي صاحبة المبادرة في الحروب ضد العرب منذ نكبة فلسطين عام 1948 وهو ذات التاريخ الذي بات يعرف إسرائيلياً بيوم الاستقلال، وعيدها القومي الذي يأتي بمثابة ذكرى نكبة فلسطين لدى الشعب الفلسطيني.. ومن هذا التضارب في مفهومي الجاني والضحية لهذه الذكرى الأليمة يجدر بنا التنويه إلى عدم تطابق مفهوم استقلال المحتل الإسرائيلي لا بالشكل ولا بالمضمون مع المنطق التاريخي.. لأن الاحتلال يعتبر شكلاً من أشكال الاستعمار الاحتلالي والذي لا يتوافق مع مفهوم الاستقلال الذي يتحقق كما هو مدرج في كل المفاهيم (الفكرية والسياسية والأخلاقية والقانونية) من خلال طرد المحتل وليس بترسيخ كيانه على حساب الضحية.

حتى لو احتصلت دولة الاحتلال على الشرعية القانونية من قبل منظمة الأمم المتحدة بطرق احتيالية، كما هو واقع الحال مع الكيان الإسرائيلي الذي جيّش كل دول العالم؛ لفرض نفسه كدولة لها حقوق في الأمن والسلام وبالتالي تحويله الضحية إلى مجرد جماعات إرهابية معتدية علي حياضه، وتسعى فوق ذلك لتخريب وتقويض الأمن والسلم العالميين.

ف"إسرائيل" تتذرع بأنها منحت كل ما تستحقه الضحية من حقوق خلال معاهدة السلام "أوسلوا" التي كانت المدخل نحو سلب الفلسطينيين ما تبقى من حقوقهم الشرعية بفلسطين المحتلة، بدءاً بالقدس التي نقل ترامب سفارة بلاده إليها نهاية العام المنصرم، وحق العودة إلى الديار السليبة، وسلب الأرض من خلال بناء المستوطنات في تسابق مع الزمن لفرض سياسة الأمر الواقع على الأرض، وتهديد الوجود الفلسطيني الديمغرافي داخل الخط الأخضر باعتماد الهوية اليهودية للدولة رسمياً، لا بل وتحويل سلطة أوسلو الفلسطينية التي تمخضت عن معاهدة السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين إلى مجرد بيدق يتحرك وفق المصالح الإسرائيلية، وحولت أجهزتها الأمنية إلى ذراع أمني إسرائيلي من خلال اتفاقية التنسيق الأمني معها، لا بل حولت رئيسها محمود عباس إلى مدخل للتنازلات الفلسطينية خلافاً لبنود معاهدة أوسلو المشؤومة.. والأهم من كل ذلك أن هذه الاتفاقية الجائرة ألجمت البندقية الفلسطينية بإلغاء خيار الكفاح المسلح.. وهو خيار ينسجم مع المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، التي تقر بمشروعية حق الدفاع عن النفس.

وأخيراً زادت أطماع دولة الاحتلال الإسرائيلي بمحيطه العربي من خلال علاقات تطبيعية مع الدول العربية في وضح النهار، ومن ثم توجيه الضربة القاضية للقضية الفلسطينية من خلال تصفيتها نهائياً تمهيداُ لصفقة القرن المتعثرة، والادعاء بأن الكيان الإسرائيلي الهش هو الضامن للأمن القومي الخليجي ضد العدو الجديد المتمثل بإيران (التي تقود اليوم محور المقاومة المتربص ب"إسرائيل")، وذلك في إطار صفقة القرن التي خطط لها صهر ترامب اليهودي كوشنر بدعم أمريكي مفتوح.. لتأتي تلك العقبة الكأداء المتمثلة بالمقاومة وعلى رأسها حماس والجهاد الإسلامي في غزة، فتبعثر كل الأوراق وتبادر إلى تغيير قواعد الاشتباك لتمتلك أخيراً زمام المبادرة بثقة واقتدار.. فتستعيد بذلك حق الشعب الفلسطيني بالدفاع عن نفسه من خلال الكفاح المسلح، غير آبهة بانتقادات كثير من الدول الكبرى التي جيرت لصالح المحتل الإسرائيلي منذ عام النكبة.. وقد تحررت هذه المقاومة من دعاية أن المحتل الإسرائيلي بات أمراً واقعاً، مؤمنة في الوقت نفسه بأن القوة العسكرية لهذا الكيان لا تمنحه الحق باحتلال فلسطين، لا بل أن القوة هي الخيار الوحيد نحو تحقيق النصر أو على الأقل فرض حالة من التوازن التكتيكي الرادع.. فكان قطاع غزة هو الاختبار الموضوعي الذي فرضه العدو عليها.. وقد استطاعت المقاومة التي تتشكل من كافة الفصائل الفلسطينية بقيادة حماس، تحييد القوة الإسرائيلية الضاربة أرضاً وجواً وبحراً من خلال حفر الأنفاق التي حولت مدينة غزة المحاصرة إلى أخرى تحت الأرض.. وتمكنت من تصنيع منظومة متقدمة من الصواريخ بدعم مالي وتقني من إيران وحزب الله. وبفضل قوتها الضاربة تمكنت المقاومة من إعادة نظرية الأمن الإسرائيلي إلى حالة الصفر وجعلت الإسرائيليين دون غطاء حيث عجزت القبة الحديدة عن حماية الأجواء الإسرائيلية من خطر صواريخ المقاومة الداهم، وأصبحت الملاجئ مفتوحة للإسرائيليين في إطار حالة التأهب والطوارئ المستمرة التي سادت المدن الإسرائيلية جنوب البلاد، ما انعكس ذلك سلبياً على الاقتصاد الإسرائيلي بفعل تعطل الأعمال كما حدث مؤخراً.. وهروب مئات الآلاف من الإسرائيليين إلى الشمال.. وتعطلت المدن الصناعية في دائرة الاشتباك ناهيك عن تعطل سكة الحديد وخاصة بين أسدود وريمون وبئر السبع. لقد حدث ذلك في أتون اختبار غزة ميدانياً وصولاً إلى المواجهة الأخيرة التي فرضت المقاومة فيها شروطها على نتنياهو من خلال الوسيط المصري.. وهنا نستطيع أن نقول بأن المقاومة استطاعت تطبيق نظرية الردع التكتيكي مع المحتل الإسرائيلي بأنفة واقتدار.. وللعلم فنظرية الردع هي إحدى نظريات إدارة الصراع التي تستند أساساً على الأدوات العسكرية، لذلك كثيراً ما يقرن البعض مصطلح الاستراتيجية بمصطلح الردع، لذا بات مصطلح "إستراتيجية الردع" من المصطلحات الشائعة الاستخدام سواء في مجال التخطيط العسكري أو العلاقات الدولية.

وتستند نظرية الردع على افتراض مفاده أن القوة هي أفضل علاج للقوة، فقوة الدولة هي العامل الأساسي لكبح جماح الآخرين، فعندما يتحقق لدولة ما تفوق في القوة فإنها تستطيع فرض إرادتها على الدول الأخرى، ولا يكبح جماحها إلا قوة أخرى مضادة لها أو متفوقة عليها. صحيح أن قوة المقاومة لا يمكن مقارنتها بالقوة العسكرية والسياسية الإسرائيلية، ولكن في حسابات الردع القائمة على الربح والخسارة فإن قوة صواريخ المقاومة تمكنت من تحويل الإسرائيليين إلى أهداف سهلة في عمق كيانهم المكشوف لها.. ومنطقياً فإن حصار قطاع غزة الخانق لم يمنع أن يتحول الكيان الإسرائيلي برمته إلى منطقة غير آمنة ما استوجب على قيادة هذا الكيان عدم استسهال التورط في حروب طويلة مع المقاومة في غزة بكل فصائلها وخاصة حركة حماس التي تمرست على توظيف القوة الصاروخية لصالح التكتيك السياسي في وجه كل التحديات.. ولعل ما جرى مؤخراً يترجم ما قلناه في سياق هذا المقال..

وأخيراً يمكن تلخيص معاناة الكيان الإسرائيلي أمام المستجدات الميدانية الأخيرة التي ذهبت خيوطها إلى يد المقاومة باقتدار وثقة. فقد أصيب نتنياهو بخيبة أمل كبيرة وهو يرى جيش بلاده الذي لا يقهر يقف عاجزاً في حسم ولو معركة واحدة مع المقاومة المحاصرة كلياً في قطاع غزة الضيق.. إنه نتنياهو ذاته الذي أوهم دول الخليج العربي بأنه الضامن لأمنهم القومي فتأتي المقاومة المحاصرة لتضرب دولته الهجينة في العمق بصواريخ متقدمة ذات تقنيات عالية وتمطر غروره بأكثر من 700 صاروخاً زلزلت كيانه الذي بدا أكثر هشاشة.. ثم يذهب إلى الوسيط المصري كي ينقذه من براثن غزة المحاصرة التي لا تتنفس إلا عزة وكرامة.. ليس هذا فحسب؛ بل تمرغت كرامته في الأرض حيث تحول إلى مادة للسخرية داخل كيان دولته الزائل وفي مواقع التواصل الاجتماعي على صعيد العالم.. وكأن الرسالة التي تتسلل إلى قلبه الواجف تقول له: احزموا امتعتكم وارحلوا إلى أوطانكم التي جئتم منها.. فهذا في المحصلة ردع تكتيكي وليس آخر المطاف ما دامت فلسطين محتلة.. أما عن حلفائه العرب فالضربة كانت موجعة أكثر.. فلم تعد صواريخ القسام في نظرهم كرتونية بل دويّها كذّب كلّ دعاياتهم الرخيصة.. لقد أذعن نتنياهو أخيراً لمطالب الفلسطينيين التكتيكية.. وأقول بدوري لنتنياهو: النصر للمقاومة وإلى اللقاء في جولة أخرى.. فهل لك عين أن تدعي بضماناتك للأمن الخليجي بعد هذه النكسة.

 كنت أيضاً أطمع بسماع رأي محمود عباس عن جولة حليف السلطة نتنياهو الخاسرة في غزة.. فأقول له: أما من سبيل للإجماع على خيار المقاومة ووضع الطريق السياسي في سياقه الصحيح بعيداً عن سكة صفقة القرن الفاشلة.. وإلا فهل ثمة ما تبقى لديك من حياء ما دمت لا تراهن إلا على عدو سلب الشعب الفلسطيني من خلال سلطتك معظم حقوقه!! عجبي!

 

بقلم بكر السباتين

 

 

 

عبد علي عوضيبقى ألعامل ألإقتصادي ألسلاح ألماض لفرض إرادات بعض الدول ذات النزعة ألتسلطية وفي مقدمتها ألولايات ألمتحدة ألأمريكية. وأصبحت ظاهرة تطبيق ألعقوبات ألإقتصادية بحق ألشعوب المحكومة وليس ضد أنظمتها ألحاكمة، تمثل ألمؤشر ألرئيسي للسياسة ألخارجية ألأمريكية تجاه تلك الدول ألعاقّة/ حسب المفهوم ألأمريكي/ ألسائرة خارج ألمدار ألأمريكي. ونتذكر جيداً ألحصار ألإقتصادي ألذي فُرِض على ألشعب ألعراقي وليس على رأس النظام البعثي العبودي الدموي وزمرته. وألنتيجة ألرئيسية لذلك ألحصار هي موت نصف مليون عراقي وغالبيتهم من ألأطفال مع إنتشار ألأمراض ألفتاكة ألتي كانت سابقاً غير موجودة في ألبيئة ألعراقية.

في هذه ألأيام، يتكرر سيناريو فرض ألعقوبات ألإقتصادية على إيران من قِبَل الولايات ألمتحدة بسبب برنامجها ألنووي. وفي ظل ألظروف ألسياسية ألدولية وألإقليمية ألمتوترة، تسعى إيران لإيجاد مخرج وحَل للتخلص من تأثيرات ألحصار ألإقتصادي، وألحلقة ألضعيفة في ذلك ألصراع هو ألعراق! ... حيث أنّ ألطرفين ألأمريكي وألإيراني يحاولان تصفية حساباتهما على ألأرض ألعراقية، وليس بألشيء ألمهم للدولتين ألخسائر ألتي سيتكبدها ألعراق على ألصُعُد ألبشرية وألإقتصادية وألسيادية. وأبواب ألعراق تبقى مفتوحة للصراعات ألإقليمية، ويعود سبب ذلك إلى ولاءات بعض القوى السياسية العراقية المشاركة في السلطة إلى ألولايات ألمتحدة ودول ألخليج وأخرى إلى إيران وثالثة حتى لإسرائيل!.

لقد أعلنَت إيران من جانبها عن ألنيّة بتأسيس مصرف إيراني عراقي سوري... وألذي لا يدرك خطورة نشاط ذلك ألمصرف، عليه أن يعلم بأن دور المصرف يتركز في ألإشراف على ألتجارة ألبينية بين الدول ألثلاث وبعملاتها ألوطنية/ خارج هيمنة ألدولار/، أي ألإستمرار بإغراق ألسوق ألعراقية بألمنتجات ألإيرانية بوتائر أسرع من السابق ... وهنا، يُطرح ألتساؤل ألتالي: ألعراق غير قادر على تصدير أية منتجات صناعية أو زراعية، أي أنّ ألميزان ألتجاري سيكون لصالح إيران، وبألتالي يتوجّب على ألعراق أن يسدّد ما بذمته لإيران بألدينار ألعراقي، وسيؤدي هذا ألإجراء إلى نقل كميات كبيرة من الدينار الورقي/ ألذي يمتلك غطاءً ذهبياً/ إلى إيران، ثمّ سينتج عن ذلك شحة كمية ألنقد/ الدينار ألعراقي/ ألمخصصة للتداول النقدي الداخلي وتسديد مختلف ألإلتزامات ألمالية ألداخلية، وحينذاك سيُجبَر البنك المركزي العراقي على طباعة كميات إضافية من ألدينار ألعراقي لضخها إلى ألسوق، وسينجم عن ذلك هبوط ألقوة ألشرائية للدينار وألتي بدورها ستنعكس على القدرة ألشرائية للمواطن، أي حدوث حالة التضخم ألنقدي[ زيادة كميات الورق النقدي مع بقاء ألإحتياطي ألنقدي ألإستراتيجي ثابت من دون زيادة]...  وألقاعدة ألتي يلتزم بها المصرف المركزي حول السياسة النقدية تتمحور بألحفاظ على الغطاء الذهبي للدينار، أي إستقرار سعر ألصرف، ولن يتحقق ذلك إلاّ بعدم ألتورّط بما تريده إيران لجَر العراق إلى هاوية ألإنهيار ألمالي وألإقتصادي!... هذا من جانب، ومن جانب آخر، فإنّ الشروع بتأسيس البنك الثلاثي، سيؤدي إلى غضب ألإدارة ألأمريكية على العراق، ألتي ربما ستتخذ إجراءات عقابية ضد العراق – كوضع اليد على أرصدة العراق لدى البنك الفدرالي ألأمريكي-  لكون الوظيفة ألأساسية لذلك البنك هي إفلات إيران من العقوبات ألإقتصادية ألأمريكية. ومن أنشطة إيران ألأخيرة هو إفتتاح مكتب لشركة النفط ألأيرانية في بغداد، ونعلم جيداً أن هكذا نوع من الشركات تُستغَل للتغطية على النشاطات السرية ألإيرانية ألمتمثَلة بالتدخل في ألشؤون ألسياسية وألإقتصادية وألإجتماعية ألعراقية، إضافةً إلى التنسيق مع الجانب العراقي/ حسب ما تطمح إليه إيران/ لتسهيل تسويق النفط ألإيراني.

إنّ رئيس الوزراء العراقي عبد المهدي، متخصص بألمالية ورافع لواء ألإقتصاد أللبرالي وأللبرالية ألجديدة وصاحب المكرمات بحق إقليم كردستان من خلال إطلاق العنان لحكومة ألإقليم بإستهتارها وإستخفافها وإصرارها على عدم تسليم عائدات النفط المصدَر من حقول ألإقليم إلى ألحكومة ألإتحادية، يعلم بخطورة تنفيذ ما تريده إيران، لكون ذلك ألإجراء سيدّمر ألإقتصاد ألعراقي الريعي ألذي بدوره يعاني من ألتدهور وألإنهيار. يحاول عبد المهدي أللعب على عدة حبال والمهم أنه يبقى على كرسي رئاسة الوزراء غير مكترث بما سيحل بألعراق من كوارث مدمّرة، والصورة ألمخزية لإدارته حالياً تتمثل بظهور ألمحاصصة بأبشع صورها ... الذنب ليس ذنبه، إنما ذنب أولئك الفاقدين للبصر وألبصيرة ألذين يدّعون الوطنية، هُم رشّحوه لرئاسة الوزراء كشخصية مستقلة ... نعم إنه شخصية مستقلة لحد ألنخاع !؟.

 

د. عبد علي عوض

 

 

صائب خليللو أراد حزب إسلامي أن يخون قضيته بشدة خيانة الحزب الشيوعي لقضيته، لتوجب ان يخرج ممثليه في التلفزيون ويعلنوا أنهم لا يؤمنون بوجود الله وأنهم قرروا العودة لعبادة "هبل"! فهذا هو المقابل لموقف الحزب الشيوعي حين يتغنى ممثلوه في مجلس النواب وفي التلفزيون باقتصاد السوق!

ثم تخيلوا ان "الحزب الإسلامي" هذا يتجرأ على الاحتفاظ باسمه بعد هذا الإعلان! 

لا عجب أن الحزب الذي تؤمن قيادته باقتصاد السوق، لم يبذل أي جهد على الإطلاق للترويج لا للمبادئ الماركسية ولا حتى الاشتراكية، وترك الساحة ليلعب بها الاعلام الأمريكي الرأسمالي ليزيف الاقتصاد ويزور حتى التاريخ بدون أي رد يساري أو ماركسي. بل اني سمعت قياديا شيوعياً مرة يقول بشكل عابر "..إحنا الليبراليين"! فلا غرابة أن نلاحظ اليوم جهل ثقافي سياسي مطبق على المنتمين للحزب الشيوعي، فيما يختص بالاشتراكية والماركسية، خاصة الجدد منهم.

ولعل معظمهم لا يدرك الفرق بين الماركسية والليبرالية، فربما كان كل ما يعرفه معظم شيوعيو الزمن الأخير، انهم هم والليبراليون ضد الإسلام. لذلك فهم يهتمون ويحتفلون بأياد جمال الدين وأحمد القبانجي، اكبر بكثير من اهتمامهم بماركس وكل نظرياته، فهذان المحتالان يرفعان علماً مزيفاً مثل "الشيوعيين الجدد": هما ايضاً يكفران ويبقيان عمامتهما فوق رأسيهما!

وهكذا تركت الساحة الاقتصادية والثقافية لليبرالية الجديدة واكاذيبها لتسرح بها، أما الماركسية وملحقاتها، وكل الجهد العلمي الهائل الذي بذل فيها، فتنضوي في الزاوية كاليتامى بعد موت أهلهم!

يمكنني ان أقول بكل ثقة ان هناك العديد من الناشطين اليساريين قاموا كل بمفرده بأكثر مما قام به الحزب كله في هذا المجال! واتحدى الحزب ان يكون قد غطى اية قضية أو تابع تطورات أي بلد، من وجهة نظر يسارية، حتى العراق!

هذه خيانة وليست تغيير وجهة نظر، مادمت تحمل ذات الإسم. وهي خيانة جذرية لأن تلك المبادئ هي سبب وجود الحزب ومعناه، مثلما الانقلاب على الأصنام معنى الإسلام ووجوده.

موقف الحزب من الاحتلال، لا يقل خيانة ولا يختلف عن مواقف البعض من اشد الذيول الأمريكية المعروفة. فالموقف الذي عبر عنه رائد فهمي بـ "ضرورة استكمال تجهيز القوات المسلحة" قبل اخراج القوات الامريكية، هو ذات موقف عمار الحكيم، ولن يمانع حتى مسعود البرزاني أو صالح المطلك من تبنيه. فكل ما على الامريكان ان يفعلوه لكي يبقوا، هو ان لا يسمحوا بـ "استكمال استعداد القوات المسلحة العراقية"، وما أسهل ذلك!

هيفاء الأمين، التي يدور زوجها في صفحات الفيسبوك باحثاً عن فرصة للدفاع عن إسرائيل، تورطت أمس حين اندفعت لتتغزل بحضارة كردستان وتؤكد تخلف الجنوب، متجاهلة أن كردستان استولت على أراض وحقول نفط وحصلت على موازنة تعطي الفرد ضعف ما تعطيه بقية انحاء العراق، بفضل تواطئ الحزب الشيوعي قبل غيره. وتناست فوق ذلك ان كردستان المتحضرة بقي رئيسها فوق فترته الدستورية طويلا وانها منعت رئيس برلمانها من دخول أربيل وان فيها اعلى نسبة جرائم شرف في العالم، وان ثرواتها النفطية تسرق بالتواطؤ مع بغداد وأن الحزب هو من يوزع الدخل.. الخ!

وطبعا لا حاجة لهيفاء للاعتذار أن تفسيرها لـ "التخلف" لم يكن مادياً، يرجع الأمر الى انعدام الخدمات المقصود من قبل الطبقة السياسية الأمريكية التي تشكل هي اليوم جزءاً منها وتمتدحها، بل اعادتها فقط الى "الموروث"، وكأن التخلف لا يقاس بعدد المدارس والمستشفيات قبل كل شيء.

ونذكر أن الأمين أحدثت ضجة كبيرة في أول ظهور لها على التلفزيون بعد انتخابها، حيث استضافتها قناة "الحرة" الأمريكية، فصرحت بأنها بصدد تشكيل تجمع سياسي "واسع" لأن "الجميع يضع العراق فوق كل شيء"! والصدمة في هذا التصريح هو أن "سائرون" وصل الى مقاعده عن طريق اتهام كل الطبقة السياسية بالفساد، وتوعد بـ "شلعهم" و "قلعهم" جميعاً، ولكن ما ان انتهت الانتخابات حتى صار "الجميع يضع العراق فوق كل شيء"! كيف؟ وكيف تحولت السعودية، "المليئة بالموروث المتخلف" واداة الإرهاب الأمريكية والقتل والحكومة العشائرية الأكثر تخلفا ووحشية في العالم، حيث لا يستطيع ملوكها "فك الخط"، إلى موضوع امتداح وغزل لـ "النائبة" الشيوعية الجديدة؟ وكيف صار "الموقف الأميركي" داعماً لاستقلال العراق، حسب هذرها؟!! إن أعضاء الحزب الشيوعي "المؤمنين" بقيادتهم، لم ولن يطرحوا مثل تلك الأسئلة المزعجة.

جماهير الحزب لا تهتم هي الأخرى بمبادئ الحزب. لذلك نرى همهمات الاعتراض تقتصر على التحالف مع الإسلاميين ولا أثر للاعتراض على "حرية السوق" أو الانتماء الى تجمعات إسرائيلية، أو بقاء القوات الامريكية المحتلة!

إهمال الشيوعيين الجدد للمبادئ الاقتصادية والسيادية جعل اخلاصهم ينصب على الشخص الذي يقود الحزب، فصار رمزاً تعتبر اية محاسبة له هجوماً على "الحزب". لقد صرحت هيفاء قبل فترة وجيزة أن الحزب الشيوعي "لم يعد حزبا للعقيدة"(1) وكانت صادقة تماما هذه المرة. لكنها كان يجب ان تكمل انه لم يعد "شيوعيا" أيضا، بل ربما لم يعد حزباً بالمعنى السليم للحزب.

فقد كشفت خلافات بين الدكتور حسان عاكف وقيادة الحزب وجود خلل خطير في التزام قيادته بالمعايير الحزبية مثل الشفافية والصدق والديمقراطية والنظام الداخلي للحزب.

فبين عاكف ان جاسم الحلفي قد ادخل الحزب في عضوية تحالف " بدون قرار من اي جهة حزبية"!(2) وفي مقالة أخرى أوضح أنه "جرى التنازل عن رئاسة التحالف...لان السيد مقتدى الصدر اصر على ذلك كما اشار الرفيق السكرتير." متسائلا: "أليس غريبا ان يقرر حزب عمره اربعة وثمانون عاما، الدخول في تحالف سياسي وتسليم قيادة هذا التحالف الى حزب عمره شهرين؟" مبينا أن التنازل عن القيادة بصراحة لم يتم ابداً في تاريخ الحزب.

وأوضح "انفراد الرفيق (السكرتير) بالتوقيع على التحالف قبل الحصول على موافقة اللجنة المركزية، ناهيك عن اخذ راي رفاق الحزب ومنظماته." إضافة الى تنازلات كثيرة.(3)

ولو كانت كوادر وجماهير الحزب حريصة على حزبها، لشعرت بخطورة الخلل عليه، ولكانت ممنونة لمن كشفه، ولهبت لحماية حزبها، ولأصرت على معرفة ما جرى والضغط لإجبار القيادة على معاقبة المخالفين وضمان عدم تكرار ذلك.

لكن ما حدث كان العكس وكان الشيوعيون أحرص على اسكات من يتكلم واتهامه بالتخريب، من حرصهم على اصلاح الخلل وشكر من كشفه. فمن الواضح أن ما يمثل الحزب عندهم ليس المبادئ الماركسية والأنظمة الأساسية والتاريخ العريق، بل يختصر في من يجلس على أعلى كرسي في الحزب، ويصبح رمزاً يجب حمايته بغض النظر عما فعل ويفعل.

لم يكن الحزب اشد من خان مبادئه فقط، بل كان ايضاً عملياً أول الخونة بعد 2003، حين سارع في اول حكومة، لتحالف يقوده أخسأ بعثي متوفر في الساحة، أحد جلادي قصر النهاية، واحد عملاء السي آي أي والعديد من المخابرات الغربية (ولا شك الإسرائيلية) حسب اعترافه بفخر!

في وقتها فسرنا الأمر على انه "حماقة عجيبة"، لكن فيما بعد تبين اننا نحن الحمقى. فقد تابع "الشيوعيون الجدد" مسيرة “مبادئهم الجديدة” بالتحالف مع البوق الإسرائيلي الصريح مثال الآلوسي .. وكائن مشبوه ومثير للاشمئزاز هو فائق الشيخ علي..  واحتفظ الحزب على طول الخط بعلاقة تبعية قبيحة مع الإقطاعي الكردي، وجحش صدام السابق، الذي مكن الأخير من اغتيال كوادر الحزب في أربيل، مسعود البرزاني.

وبقي الحزب يدافع عن مسعود بكل صلافة بحجة "القضية الكردية" رغم ان كردستان تحت سلطته، هدمت قرى عربية، ونهبت نفطا وتوسعت ضعف مساحتها على حساب عرب العراق، والحزب ثابت في دعمه لـ "القضية الكردية". لكن الكذب افتضح حين اختلف مسعود مع "القضية الكردية" وحطم ديمقراطيتها ودستورها وسرق نفطها، ولم نر الحزب يقف معها! فمثلما فضل الحزب الشيوعي تبعيته لمسعود على العراق والعرب والعدالة والإنسانية وعلى كرامته، فضلها على "القضية الكردية" أيضا.

وإذا كان فساد الأحزاب الدينية يتركز في القمة مع جمهور محتج ولكن يسير وراءها كالقطيع، فأن جمهور ومثقفي الحزب الشيوعي منسجمين بشكل عام مع هذا الانحدار المخجل. وقد كتبت عن أحد المحسوبين على مثقفي "اليسار الجديد"، الذي هب منتفضاً على تهديد هادي العامري بأنهم سيسقطون أية حكومة تفرضها اميركا (صدقنا حينها، فلم يكن هادي العامري قد حول نفسه إلى نكتة بعد) فكتب حسين كركوش مقالة نارية محتجاً بشدة على هذا التصريح، وكأنه السفير الأمريكي ذاته، طالباً من قرائه "أن يتوقفوا مليا عند دلالات هذا التحذير المثير للفزع"! وبالطبع لاقت المقالة استحسان "الرفاق"! 

حسين كركوش، مثال جيد لمن مازالوا يسمون انفسهم "مثقفين يساريين" وفي كتاباته نجد كل الأحاييل التي يسوقها راس مراوغ لتمويه تراجع جبان واظهاره على أنه "تطور" و"فهم جديد" للعالم. وفي كل مناوراته تلك، فهو لا يفقد بوصلته التي تتجه في النهاية لما يخدم تبريره لضرورة التخاذل للمشروع الأمريكي.

فعلى العكس من الموقف المتناهي في تخاذله أعلاه، يمكن لكركوش ان يصبح اكثر ثورية وشراسة من المقاومة اللبنانية ذاتها، مادام بالإمكان تحويل هذه الشراسة في النهاية لتوجيه صفعة للمقاومة على تخاذلها في اتفاق الجرود! لمن يريد المزيد من مهزلة مثقفي "اليساريين الجدد" التي يمثلها كركوش، هذا الرابط الذي يحتوي قائمة ببعض مقالاته(4)

من مقالة لي في العام الماضي: " في مناقشاتي مع العديد من الشيوعيين – واقصد هنا المنتمين للحزب على وجه التحديد، لم اشعر بوجود أي اعتراض على تحالف حزبهم (مع ذيول إسرائيل وعملاء السي آي أي)! فأين وكيف ومتى فقد هؤلاء الشيوعيون احساسهم بالظلم والخطر الإسرائيلي والامريكي؟ هل هو موقع "الحوار المتمدن" الذي شخصته منذ سنوات كموقع إسرائيلي بحت – منذ العدوان على لبنان 2006 و الحرب على غزة 2008، حيث وقف الموقع بشكل واضح تماما مع إسرائيل ومع من يحظى برضا إسرائيل من العرب، وانهى الموقع الشك، بإعلانه تلفون الموساد لمن يعرف اية معلومات عن الجندي الإسرائيلي الأسير شاليط! هذا الموقع كان قد صمم حسب ما لاحظت نحو هدفين: الأول تحويل بوصلة العداء والخطر، من اميركا وإسرائيل إلى الإسلام وخاصة ايران، وجعل هذا العداء تهويشياً وليس جدليا قدر الإمكان. والهدف الثاني هو الإساءة إلى مبادئ الشيوعية واليسار تحت حجة "تطويرها". وقد كان للموقع كتابه المتخصصون في هذين الاتجاهين."(5)

وهنا أيضا، ورغم كل ما كشفناه عن حقيقة هذا الموقع، فقد استمر الشيوعيون بمتابعته وكأن شيئا لم يكن!

في 2013 كان الحزب يستعد لتحالفه مع مثال الآلوسي فكتبت محذراً، وكأنني اتحدث مع أطفال لا يعرفون أبسط المبادئ واي شيء عن التاريخ، وليس مع أعضاء حزب سياسي عريق:

"ألا تحتل إسرائيل اراض عربية؟ ألا توجه إسرائيل الإهانة والتمييز العنصري والقتل ضد العرب؟ ألا تحتقرهم علناً وتعمل على إبعادهم عن أرضهم؟ لو كانت تلك الدولة العنصرية موجهة ضد السود أو ضد الكرد، اما كنتم ستملؤون الدنيا ضجيجاً ضدها؟ فلماذا عندما تكون ضد أهلكم يصبح التعامل معها ومع عملائها “طبيعياً” لا يثير شعوراً لديكم؟

دعونا من فلسطين، وهي مأساة إنسانية كبرى، وانظروا إلى بلادكم. هل تأمنون أن تدخل إسرائيل هذه البلاد؟ أنظروا إلى مصر التي تنازلت وقبلت صداقتها وصداقة أميركا لعقود طويلة، ما هي نتيجة تلك الصداقة غير الخراب التام والاختراق التام وتحطيم بنية المجتمع؟ ألم يكن عداء إسرائيل والحروب معها، أقل كلفة على مصر من صداقة إسرائيل وأميركا؟ هل تدخل هاتان الدولتان بلداً ولا تسيطران على مقاليد السلطات فيه في كل شيء؟

ولماذا تتصورون أن إسرائيل ستعامل العراقي بأفضل مما عاملت المصري أو الفلسطيني؟" (6)

لكن ما كان قد كان، والاختراق اكبر مما تخيلنا وأعمق بكثير. 

آخر خيانات "الشيوعيون الجدد" لقضيتهم، تطل برأسها هذه الأيام، فقد سارع الحزب الى تحالف جديد يضم اهم الشخصيات الإسرائيلية في العراق(7)، وعلى رأسها مثال الآلوسي طبعا. فقد تبرع الحزب العريق بإنقاذ هذا المنبوذ الذي عجز حزبه ان يحصل على مقعد واحد، ليعود في الدورة التالية بأصوات الشيوعيين، تماما مثل الكائن المدعو فائق الشيخ علي. ولم يتردد مثال الآلوسي بإعلان مشاريعه لدفع العراق الى إسرائيل، ولا دعوته لترامب ليتحالف معه، حتى حين كان الأخير يصرح بعزمه محاصرة نفط العراق وسلبه. وقد كرر الآلوسي قبل فترة قصيرة من تأسيس التجمع دفاعه عن إسرائيل والدعوة للتطبيع معها سخر من القدس وفلسطين واعتبرهما "أكذوبة عروبية وإسلاموية"!(8)

ما موقف الحزب من هذا؟ لا موقف للحزب من هذا! فلم يعرقل هذا الكلام الترحيب بمثال في التحالف الجديد، مما يشير إلى ان الحزب يراه منسجماً معه.

بقية أعضاء التجمع ليسوا أفضل من الشيوعي او الآلوسي، فـ "الطيور" على اشكالها تقع. فإضافة إلى البرزاني المعروف بعلاقاته الإسرائيلية وبيعه ثلاثة ارباع حاجة إسرائيل من النفط العراقي المسروق لها، هناك "الاتحاد الوطني الكردستاني"، الذي تديره بالوراثة، هيرو الطالباني صديقة تسيبي ليفني، وهي تعد ابنها “قباد” المعروف بعلاقاته باللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، لوراثته.

وهناك المزيد من "المفاجآت" في هذا التجمع. هذا حزب "التجمع الجمهوري العراقي" بقيادة زوج ابنة الجنرال الأمريكي جي كارنر! "سعد عاصم الجنابي"(9) ، احد اساطين المال المنهوب والمقاولات التي حصل عليها من والد زوجته، وأخطبوط مد اذرعه باتجاهات مختلفة حيثما يوجد المال. إنه صاحب قناة الرشيد التلفزيونية والمتهم بسرقة أرشيف الإذاعة والتلفزيون وتسليمه لكردستان ومنها الى إسرائيل ويقال انه كان شريكا تجاريا لحسين كامل قبل هرب الأخير من صدام، وأترك البحث عنه أكثر لمن يشاء على النت.

ترى ما الذي كان سيحدث لشهداء الحزب مثل فهد أو سلام عادل لو راوا نتيجة تضحياتهم، وتأملوا إنجازات حزبهم و"العز" الذي يرفل فيه في عيده الـ 85؟

لا ندري، ولا ندري ما هي المهمة الموكلة إلى أعضاء هذا التجمع من قبل من يحرك الخيوط من بعيد. لكن دعونا نتفاءل لعل معجزة تحدث ويصحو ضمير مازال حتى اليوم ينام نومة أهل الكهف. قولوا معي: "اللهم اجعلها آخر الخيانات".

 

صائب خليل

.......................

(1) هيفاء الأمين: لم يعد حزبا للعقيدة

https://www.facebook.com/haifa.alamin11/posts/377732989488551

(2) حسان عاكف: "جوانب من المسار"

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=587740

(3) حسان عاكف:" الانعطافة المفاجئة "

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=589894

(4) صائب خليل - اليسار في يومه العاشر... 1- ما الذي أرعب حسين كركوش

 https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/1980352675355125/

(5) صائب خليل - متى وكيف فقد الشيوعي العراقي الإحساس بظلم وخطر أميركا إسرائيل؟

https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/1859010107489383

(6) القوى الديمقراطية والآلوسي .. تحالف إنتحاري جديد؟

http://www.almothaqaf.com/index.php?option=com_content&view=article&id=81692

(7) الإعلان عن انبثاق "تجمع القوى المدنية الوطنية"

https://www.iraqicp.com/index.php/sections/orbits/19345-2019-04-27-20-28-43

(8) مثال الالوسي يصف القدس بـ (الكذبة الكبرى) ويعتبر نفسه جسراً بين العراق واسرائيل...!

https://www.youtube.com/watch?v=IUxi0yPtAkk

(9) سعد عاصم الجنابي رئيس التجمع الجمهوري العراقي -

https://www.youtube.com/watch?v=V3N68aSebz8

علاء اللامي: التحالف الجديد مع حزب المتصهين مثال الآلوسي لطخة عار على جباه مَن تحالفوا معه!

 http://www.albadeeliraq.com/ar/node/1957?fbclid=IwAR16W-QqKKcO3OB7dZDa0PqnVtXKCof80vCpid0vzBvJSKoPnRbsGaR2Yg8

 

 

 

كاظم الموسويليس أمرا جديدا اعتراف الإدارة الأمريكية أو مؤسسات فيها بدور الجمهورية الإسلامية في إيران بمحاربة الإرهاب وحماية جيرانها من انتشاره، وتقديم مساعدات كبيرة في هذا الشأن. ولكنها ولاسيما تحت إدارة الرئيس الحالي دونالد ترامب ومساعديه الحاليين، سواء مستشار الأمن القومي جون بولتون أو وزير الخارجية مايك بومبيو، وبعض مستشاريه الآخرين ينكرون علنا ويعترفون سرا أو بينهم واطراف أخرى. كما هو الحال في ما صرح به السفير الإيطالي السابق في بغداد ماركو كارنيلوس، (سبوتنيك 2019/04/21) عن اعتراف المسؤولين الأمريكيين وإقرارهم خلال لقاءاته بهم بأن الدعم الإيراني هو الذي أنقذ العاصمة بغداد وأربيل من السقوط بيد تنظيم "داعش" الإرهابي.

وقال كارنيلوس في حوار مع صحيفة "إيران فرونت بيج"، "لقد عقدت عدة لقاءات مع المسؤولين الأمريكيين وأقروا خلال الاجتماعات أنه لو لم يكن الأمر يتعلق بالتدخل الفوري لإيران في العراق في عام 2014 فإن بغداد وأربيل كانت ستسقط بيد تنظيم "داعش" الارهابي"، كما نقلت وكالة "فارس" وعنها غيرها من الوكالات الاخبارية. وأضاف أن "المسؤولين الأمريكيين يدركون تمام الإدراك الدور الذي لعبه أحد كبار قادة الحرس الثوري وهو الجنرال قاسم سليماني في منع وقوع بغداد بيد عناصر داعش"، وأشار الدبلوماسي الإيطالي إلى أن "سليماني أصبح معروفا الآن على نطاق واسع كقائد لقوة النخبة وآثاره ليست فقط في العراق وسوريا ودول الشرق الأوسط فحسب بل في أي بلد يعاني من أزمة، وهو الآن رمز للدفاع عن المظلومين في العالم". وتابع كارنيلوس، إنه "من خلال تجربتي كدبلوماسي سابق في بغداد، دعاني نظرائي الأمريكيون إلى ترتيب لقاء مع الدبلوماسيين الإيرانيين في العراق لكن الجانب الإيراني يرفض دائما تلك الطلبات"، رافضا الكشف عن مزيد من التفاصيل بشأن ذلك.

هكذا هم المسؤولون الامريكان، وهذه هي شهادة إدانة من حليف لهم يوضح فيها ازدواجية مواقفهم وتناقضات قراراتهم. وما تقوم به الإدارة الأمريكية ورئيسها ووزير خارجيتها ومستشار أمنها القومي خصوصا في تصريحاتهم وقراراتهم في العمل على خنق إيران وشعبها لأهداف لم تعد مخفية، تصب في خدمة مخططات سياستهم الصهيو غربية في حماية القاعدة العسكرية الاستراتيجية لهم في منطقتنا العربية وتدمير كل قوة مستقلة وسيادية في اي بلد في المنطقة. ولعل ما حصل في تدمير جيوش البلدان التي كانت تسمى بلدان الطوق واشغالها بما يبعدها عن الإستعداد الكامل للدفاع عن نفسها من ارهاب القاعدة الاستراتيجية ومشاريعها العدوانية وتخادمها مع الهيمنة الإمبريالية وتفتيتها البلدان وتجزيىء الاوطان والشعوب، جزء من تلك السياسات. ولهذا قامت إدارة ترامب بما قامت به ضد ايران، من الإنسحاب من الاتفاق الدولي حول الطاقة النووية الى إصدار قرارات الحصار والخنق للشعب الإيراني وصناعة عدو منه للمنطقة وتمرير التطبيع مع الكيان الصهيوني وإعلانات عن تحالفات وجيوش مشتركة معادية علنا لإيران وحلفائها في المنطقة.

تسهيلا أو تقديما لهذه الخطوات نشطت الرحلات المكوكية للمسؤولين الامريكان للعواصم العربية والكيان الاسرائيلي وغيرها وبدأت سياسات واشنطن وخططها العدوانية معلنة ولكنها رغم كل ضغوطها وهجماتها لم تحقق الأهداف المرسومة لها، بل أنها مازالت تتعثر في خطواتها الاولى، الا أنها تمكنت من ضبط بعض العواصم العربية للتخادم معها، سرا وعلنا. ولعل الاكثر تراجيديا هو استثمار الإعلام الموجه وعمليات غسل الأدمغة والتشويه الصريح للوقائع والحقائق، وترديدها في وسائل الإعلام العربية المتخادمة مع المخططات الصهيو غربية أو المؤجرة لها أو التابعة لها مباشرة، من مواقع إلكترونية إلى مراكز دراسات أو تحت هذه اللافتة الى الفضائيات، وما أكثرها اليوم، إضافة إلى استخدام وسائل التواصل الاجتماعي المعروفة.

اعترف وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو في مقابلة إعلامية أنه حين كان مسؤولا عن إدارة الاستخبارات المركزية كان يكذب ويخادع ويسرق وهذا جزء من المجد الأمريكي. وهذا التصريح ليس جديدا ايضا ولا تبريرا وانما هو دليل آخر على نهج وسياسة الإدارات الأمريكية واهدافها، وهو يضيف حجة إلى من لم يقتنع بعد، أو مازال مراهنا على السياسات الإمبريالية أو مرتهنا بشكل أو بآخر بها، بوعي منه أو بجهل، بقصد منه أو مخدوعا منها، يضيف شهادة واضحة بلسان مسؤول امريكي لا يزال في الوظيفة ولايزال يمارس كل ما قاله وفعله. وهذا التصريح دفع الصحفي الأمريكي الذي استمع لهذا الهراء الأمريكي/الشهادة الناطقة، الى القول، هذه ليست سيرة وزير خارجية هذه سيرة شيطان. فهل هناك أكثر من هذا بعد؟!.

لقد كانت تصريحات السفير الايطالي توضيحا أوليا فقط، وأن ضمير هذا الرجل هو الذي كشف ما وراء الأسطر من تصريحاته، وهي بكل الاحوال شهادة منه ودليل مثبت، آخر يفضح ما قاله الوزير في اعترافاته الشخصية التي اعتبرها مجدا لبلاده. أن سياسة الكذب والخداع والتهويل هي جزء أو هي رأس جبل الجليد، أو بعض الفضائع والجرائم التي ارتكبتها الإدارات الأمريكية ومارستها في تاريخها المظلم، سواء داخل الولايات المتحدة الأمريكية أو خارجها.

وليس آخرها ما يرسم ويخطط ضد الشعب الايراني والمنطقة، فكل الإجراءات والقرارات الأمريكية تستهدف اكثر من هدف لها، وتسعى إلى تحقيق اكثر من اعلاناتها أو تصريحات مسؤوليها العلنية. والا فلماذا كل هذا الهجوم والحملات المتواصلة على صعد مختلفة ومحاولات زرع الرعب والخوف والفتنة وعدم الاستقرار، ليس في بلد واحد وحسب، ليس في إيران وحدها بل في المنطقة كلها، وقد تكون تهديدات شمول العقوبات والاعفاءات وامثالها من الاساليب الارهابية فاتحة لما بعدها، او صورة اخرى لفرض الهيمنة، بصلف وعجرفة، لا تمتثل للقواعد والقوانين الدولية ولا للاعراف والاتفاقيات المعروفة. واية قراءة للسياسات والمخططات توصل إلى ان أهدافها أبعد منها، وعلى شعوب المنطقة الإنتباه والحذر من الانجرار ورائها، وعدم فقدان مصيرها ومستقبلها وثرواتها وربما أبعد من ذلك.

 

كاظم الموسوي

 

ابراهيم أبراشيأخذ علينا البعض أننا متفائلون دائما بالرغم من المشهد السوداوي للوضع الفلسطيني، وأننا نبدو وسطيين أحيانا في انتقادنا لطرفي المعادلة الفلسطينية –منظمة التحرير الفلسطينية وحماس- وتحبيذنا لعدم قطع شعرة معاوية ما بين حماس والمنظمة وما بين غزة والضفة وما بين الداخل والخارج، بالرغم من انتمائنا ودفاعنا عن المشروع الوطني .

لسنا هنا في وارد الدفاع عن موقفنا الشخصي، ولكن يهمنا توضيح طريقة مقاربتنا السياسية لبعض الأمور التي يختلط ويلتبس فهمها عند البعض، وهي مقاربة تستلهم التجربة التاريخية للشعوب ومبادئ المدرسة العقلانية في علم السياسة مع الأخذ بعين الاعتبار خصوصية الحالة الفلسطينية، كما تنطلق من المصلحة الوطنية العامة والتي لا تتطابق دوما مع المصالح الحزبية حتى وإن ادعت الأحزاب أنها تعبر وتمثل المصلحة الوطنية .

1- بالنسبة للتفاؤل السياسي

كتَبنا وتحدثنا كثيرا عن أن حالة التراجع وتراكم أزمات واستعصاءات القضية الوطنية لا يعود لنقص في عدالة القضية في مقابل عدالة المشروع الصهيوني، فهذا الأخير يمر بمفارقة أنه يعيش في أزهى مراحله من التفوق العسكري في مقابل أضعف مراحله من فقدان الشرعية وانكشافه عند الرأي العام العالمي، كما لا تعود لتقصير من الشعب واستسلامه للأمر الواقع، بل لخلل في أداء النخب الفلسطينية وانهيار النظام الإقليمي العربي ومتغيرات النظام الدولي واختلال في موازين القوى لصالح إسرائيل، وهذه كلها أمور واقعة ولا شك ولكنها مؤقتة وليست قدرا أو حتمية تاريخية، خصوصا أن القضية الوطنية لا تخص الجيل الحالي لوحده بل مِلك للأجيال القادمة كما أن مصيرها غير مرتبط بالنخب السياسية الراهنة .

وعليه فالمثقف أو رجل الدولة الذي يريد أن يشتغل بالسياسة من موقع المسؤولية الوطنية، عليه أن يتعامل مع القضية الوطنية برؤية تاريخية استراتيجية لا أن ينهار ويستسلم أمام أحداث عابرة، وعليه أن يكون دوما متفائلا مبشرا بغد أفضل، مقاوِما لحالة الاحباط واليأس، وألا يُخضع مقارباته الفكرية أو نهجه السياسي لحسابات المصلحة الشخصية أو الحزبية .

في هذا السياق تحضرني مقولة المفكر الايطالي أنطونيو غرامشي (تشاؤم العقل وتفاؤل الإرادة) فإذا كان الواقع يدعوا لليأس وخصوصا عند العامة فإن مسؤولية المثقفين والنخب الوطنية الواعية تبديد هذه الحالة بتوعية الشعب بأن الواقع حالة غير ثابتة، ومن هنا يأتي دور الإرادة في تغيير هذا الواقع، والإرادة متوفرة عند الشعب الفلسطيني وعند أحرار العالم .

2- أما بالنسبة لما تبدو أنها وسطية في الموقف .

بالرغم من أننا عبرنا، فكرا وممارسة، عن انتمائنا الوطني لمنظمة التحرير وللمشروع الوطني وهو انتماء يَحَتم علينا وعلى كل فلسطيني اتخاذ موقف معادي لإسرائيل و لكل من يؤيدها ويدعمها في سياساتها العدوانية ضد الشعب الفلسطيني وحقوق المشروعة، إلا أن الأمر يختلف نسبيا في الموقف من الخلافات الداخلية، فحركة حماس مثلا لا تعتبر عدوا لمنظمة التحرير بل خصما حتى وإن اشتدت خصومته وشارفت تخوم العداوة .

في حالة كالحالة الفلسطينية حيث الاحتلال يهدد الكل الوطني وحيث كلا طرفي المعادلة الفلسطينية – المنظمة وحركة حماس - في حالة هدنة والبحث عن تسويات سياسية مع إسرائيل، فإنه من الجريمة أن يدعو البعض لحرب أهلية أو اللجوء للسلاح في حسم الخصومات الداخلية .

نقول هذا مع معرفتنا بالدور الذي تلعبه حركة حماس خارج سياق المشروع الوطني وما ألحقته من خراب في الساحة الفلسطينية وخصوصا بعد أن تورطت الحركة بالمشروع الإسلاموي العالمي الذي فشل على مستوى العالم العربي وأصبحت تتصرف بردود فعل استفزازية وتمارس الهروب إلى الأمام، بالإضافة إلى دورها في تمرير مخطط فصل غزة .

بالرغم من كل ذلك، فإن المصلحة الوطنية من وجهة نظرنا تتطلب التعامل بعقلانية والبحث عن مخارج وحلول سياسية على قاعدة الالتقاء وسط الطريق ومبدأ لا غالب ولا مغلوب، حتى نجنب الشعب الانزلاق نحو حرب أهلية مع حركة حماس المدججة بالسلاح والمسنودة من شبه تحالف إقليمي ودولي بما فيه إسرائيل يريد استمرارها في حكم قطاع غزة ليس حبا بحركة حماس أو بالشعب الفلسطيني بل رغبة في تدمير المشروع الوطني وتكريس فصل غزة عن الضفة .

3- صعوبة إقصاء طرف للطرف الآخر

 من الصعب في الوقت الراهن إقصاء طرف للطرف الآخر بالقوة، وليس من المصلحة الوطنية محاولة ذلك، فلا منظمة التحرير تستطيع الآن الإقصاء التام لحركة حماس من المشهد، ليس بسبب العوامل المُشار إليها أعلاه فقط بل أيضا لأن حماس تمثل أيديولوجيا دينية ما زالت فاعلة في المجتمع ولها مؤيدين وأنصار داخل الوطن وخارجه يؤمنون بها وهؤلاء لا يمكن تجاوزهم بسهولة .أيضا لا تستطيع حركة حماس إقصاء منظمة التحرير لأن لهذه الأخيرة تاريخها النضالي ويعترف بها الشعب وكل دول العالم بأنها تمثل الشعب الفلسطيني، ولأن حركة حماس فشلت في أن تكون البديل لا على مستوى البرنامج الوطني ولا على مستوى النهج والسلوك السياسي .

الطريقة الوحيدة لانتصار طرف على آخر لا تتأتى إلا من خلال صناديق الانتخابات، وحتى في هذه الحالة فالانتصار يُحسب للشعب عامة أكثر مما يُحسب للحزب الفائز .

4- الحفاظ على شعرة معاوية

لكل ما سبق فإننا أمام خيارين :إما الاستسلام للتشاؤم والإحباط والاستسلام لواقع الانقسام وفصل غزة عن الضفة وتجاهل أهلنا في الشتات وربما الانزلاق نحو حرب أهلية، أو رفض ذلك وتفعيل الإرادة الوطنية ونشر روح التفاؤل بالمستقبل والحفاظ على شعرة معاوية ما بين الطرفين، وخصوصا أننا نسمع أخيرا تصريحات من الطرفين تدعو للتفاؤل . أيضا كيف تستقيم دعوة البعض وتحريضهم على قطع شعرة معاوية مع الخصم السياسي الداخلي فيما الطرفان يربطهما بإسرائيل (حبل من مَسَد) .

وأخيرا، هناك دوما ما يمكن عمله للخروج من المطبات والمنعطفات المصيرية الصعبة، ومما يمكن عمله للحفاظ على ما هو أكثر وأمتن من شعرة معاوية في العلاقة ما بين غزة والضفة، وفي هذا السياق ندعو للتفكير جديا بما طرحناه سابقا وهو فلسطين دولة اتحادية، وهذا أفضل من الفصل النهائي ومن بقاء الأمور على حالها من علاقة عدائية بين كيانين فلسطينيين متعاديين، وربما كيان واحد في غزة تتصارع على حكمه كل القوى السياسية .

 

د/ إبراهيم ابراش

 

بذلت السعودية ومنذ إعلانها فرض الحصار على قطر في شهر يونيو من العام 2017، بذلت جهودا محمومة لحمل الدوحة على رفع راية الإستسلام والرضوخ لمطالب دول الحصار بعد أن قررت معاقبة قطر لدورها الكبير في وقوع ماعرف بثورات الربيع العربي. وبعد مرور قرابة العامين فإن آفاق حل هذه الأزمة تبدو قاتمة اليوم أكثر من أي وقت مضى بعد أن حققت السعودية مكاسب في الأونة الأخيره وعلى حساب قطر . ويعود هذا التشاؤم الى ان السعودية والإمارات ألقت بكامل ثقلهما لحسم هذا الملف لصالحهما مستخدمة كافة الأوراق ومنها ورقة تحجيم الدور القطري في منطقة الشمال الأفريقي بعد أن  فشلت فشلا ذريعا على هذا الصعيد  وحتى الأمس القريب، نظرا لأن دول الشمال الأفريقي إختارت الوقوف على الحياد في الأزمة التي اندلعت بين كل من السعودية والإمارات والبحرين ومصر من جهة وقطر من جهة أخرى على خلفية إتهام السعودية لقطر بدعم الإرهاب وزعزعة استقرار المنطقة والعالم العربي!

فشل سعودي

ففي ذلك العام  أكدت الحكومة التونسية  على حيادية البلاد في الأزمة الخليجية،  رافضة عرضا استثماريا سعوديا يقدر بـ 800 مليون دولار بالرغم من الظروف الإقتصادية الصعبة التي تمر بها تونس. وفي ليبيا بقيت الهيمنة لحكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليا والتي تحتفظ بعلاقات وثيقة مع قطر وتركيا، فيما تنامت العلاقة بين الجزائر وقطر بعد أن استثمرت الدوحة أكثر من ملياري دولار في مشروع للحديد في الجزائر. وفيما يتعلق بالسودان فقد سعت قطر الى توثيق علاقاتها من خلال ضخ استثمارات ضخمة فيها وإقامة  مشاريع كبيرة في ميناء بورتسودان.

نجاح سعودي

لكن هذا الصورة إنقلبت مؤخرا وبشكل متسارع  بعد أن بذلت  السعودية والإمارات جهودا ضنية لتغيير المعادلات السياسية والعسكرية في تلك البلدن بعد ان نجحتا في قلب المعادلة على حكومة الأخوان في مصر والذي شكل ضربة موجعة لقطر منذ الإطاحة بحكم الرئيس محمد مرسي وتولي عبدالفتاح السيسي مقاليد الحكم ليصبح ركنا أساسيا في التحالف السعودي الإماراتي، وليلعب دورا في دول الجوار وخاصة ليبيا والسودان وبما يصب في مصلحة هذين البلدين وبما يحجم الدور القطري.

فقد نجح  التحالف السعودي الإماراتي في قلب المعادلة السياسية في تونس التي تراجع فيها دور حركة النهضة، فيما ثبتت السعودية أقدامها فيها مستغلة المتاعب الإقتصادية التي تعاني منها تونس التي تعرض إقتصادها الذي يعتمد على القطاع السياحي الى ضربة موجعة من الجماعات الإرهابية في العام 2013 ولم يتماثل الى الشفاء حتى اليوم.  وجاءت زيارة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان الى تونس عقب وقوع جريمة اغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده في اسطنبول، وتبعتها زيارة الملك السعودي سلمان بن عبدالعزيز، لتعزز من النفوذ السعودي في البلاد وعلى حساب النفوذ القطري المتمثل بحركة النهضة.

وأما في ليبيا فإن خليفة حفتر الذي يقود قطعات من الجيش في الشرق الليبي نجح وبفضل الدعم الإماراتي والمصري من توسيع رقعة سيطرته على ليبيا لتمتد الى سبها جنوبا ولترنو عيونه نحو الغرب وخاصة العاصمة طرابلس ليصبح حاكم ليبيا الأوحد في حال نجاح عملياته العسكرية للسيطرة على العاصمة. ولم يكن لحفتر أن ينجح في السيطرة على بنغازي وسبها والهلال النفطي والتقدم نحو العاصمة لولا الدعم الإماراتي والسعودي.

وفي السودان فإن تطورات الأوضاع فيها استثمرتها دول الحصار   خير استثمار إذ وقفت الى جانب المجلس العسكري الذي أطاح بالرئيس السابق عمر البشير راكبا موجة التظاهرات الشعبية، فقد  تبرعت له الإمارات ب 250 مليون دولار مما يوحي بان السودان هي الأخرى سقطت في قبضة التحالف الإماراتي السعودي. ومع إندلاع التظاهرات الشعبية في الجزائر واستقالة بوتفليقه، فيبدو أن الأمور تتجه فيها لصالح السعودية خاصة وان المال السعودي هو أمضى سلاح بيد المملكة التي تكسب بها رضا الكبار وتشتري به الحلفاء.

 ويبدو اليوم أن غبرة الصراع مع قطر قد اوشكت على الإنجلاء ولم يعد لقطر من حليف سوى تركيا، التي تراجع فيها الحزب الحاكم امام المعارضة خلال الإنتخابات البلدية الأخيرة وهو تطور مثير لقلق الدوحه، ولايستبعد ان المال السعودي لعب دورا في ذلك لأن التحالف السعودي الإماراتي لايرغب برؤية أردوغان وحزبه القريب من جماعة الأخوان المسلمين  على سدة الحكم في بلد مهم ومؤثر في المنطقة كتركيا، القادره على قلب معادلة الصراع لصالح قطر او على الأقل عدم استسلام الأخيره.

الدوافع

وهنا لابد من الإشارة الى الدوافع الكامنة وراء هذا التحرك السعودي في منطقة الشمال الأفريقي واولها ان السعودية بصدد تعويض خسائرها في منطقة شرق السويس، فقد منيت سياساتها بهزائم ذريعة في كل من سوريا ولبنان والعراق، بعد ان فشلت في قلب المعادلة لصالحها في تلك البلدان، كما وان الحرب في اليمن هي الأخرى منيت بفشل كبير ولم تحقق أهدافها المعلنة بالرغم من انها كلفت السعودية عشرات المليارات من الدولارات لكنها ظلت عاجزة عن حسم المعركة لصالحها بالرغم من تفوقها العسكري على اليمن.

وأما الدافع الثاني فهو هاجس جماعة الأخوان المسلمين الذي يشكل أكبر مصدر قلق لحكام الإمارات الذي وضعوا استراتيجية لإستئصال هذه الجماعة من المنطقة، وعدم ترك مساحة لعملها سوى في السجون وإلا فإن المقابر نصيب أعضائها. ويلاحظ بان معظم دول الشمال الأفريقي التي استهدفتها السعودية والإمارات كانت ولازال بعضها يخضع لحكم جماعات قريبة من الإخوان المسلمين . وفي حال بسط تحالف الحصار هيمنته على تلك البلدان وبانتظار حسم الصراع في الجزائر، فإن الأوضاع في المنطقة تتجه نحو القضاء على جماعة الأخوان التي ترتبط بعلاقات وثيقة مع الدوحة.

 وأما الدافع الثالث فهو محاصرة قطر وتحجيمها ولربما ابتلاعها بعد القضاء على عناصر قوتها الخارجية.  وتبدو العقبة الوحيدة اليوم امام التحالف السعودي الإماراتي هي تركيا، الحليف الكبر للسعودية، التي أصبحت هدفا للسعودية بسبب تحالفها مع قطر ولهيمنة حزب العدالة والتنمية  المرتبط بجماعة الأخوان على حكومتها، ولكونها أضرت بسمعة السعودية كثيرة خلال ازمة خاشقجي. ولا شك بان السعودية تراهن على الإنتخابات التركية المقبلة  لإحداث تغيير في البلاد، لكن هذا الهدف يبدو بعيد المدى، فالأنتخابات المقبلة ستجرى في العام 2023  ولايعتقد بان السعودية ستنتظر حتى ذلك العام، بل ستبذل مافي وسعها لضرب الإقتصاد التركي الذي بدا بالترنح إثر العقوبات الإقتصادية التي فرضتها إدارة الرئيس ترامب.

الخيارات القطرية

إن مما لا شك فيه ان  هذه التطورات  تثير قلق قطر بشكل كبير، التي لن تقف مكتوفة الأيدي وهي تخسر قلاعها في المنطقة واحدة تلو الأخرى، فيما تتمدد السعودية في المنطقة وعلى حساب النفوذ القطري في الوقت الذي تسعى فيه  أيضا لترميم علاقاتها مع الجارة الشمالية العراق.  ولاتبدو الخيارات أمام قطر واعدة، فهي لايمكن أن تعول على تركيا التي قد تتدهور فيها الأوضاع في أي لحظة كما وان الحليف الأمريكي لايبدو انه موثوق به في ظل هذه الإدارة التي لا يهمها سوى المال السعودي!

واما ايران المحاصرة بالعقوبات الإقتصادية وتواجه شبح الحرب فلن تربط قطر مصيرها بها.

وهكذا تبدو الصورة واضحة وهي أن التحالف السعودي الإماراتي يسعى الى تركيع قطر للقبول بشروطه التي وضعها لرفع الحصار وإنهاء الأزمة، ويتسلح هذا التحالف بدعم الإدارة الامريكية وبالعلاقة الوثيقة مع اسرائيل والتي قد تصل الى مستوى التحالف غير المعلن. ولذا فإن قطر تقف أمام خيارات صعبة تبدو فيها قاتمة أكثر من أي وقت مضى، فالإستسلام للسعودية يعني تحول قطر الى تابع لها وكما هو عليه الحال مع البحرين بل وأسوأ بكثير. واما استمرار صمودها ومع الأخذ بعين الإعتبار هذه التطورات فلايبدو أنه سيكون لصالح قطر، التي قد تغري هذه الإنتصارات السعودية  باجتياح قطر وبضوء أخضر امريكي مماثل لتحرك حفتر في ليبيا او بإحداث انقلاب فيها.

أوراق خاسره

وفي هذا الخضم فإن أبواب المجتمع الدولي  اغلقت بوجه قطر للتوصل الى حل دبلوماسي للأزمة نظرا لأن هذا المجتمع وخاصة الولايات المتحدة اتخذت قرارا بالوقوف الى جانب السعودية، التي قدمت لترامب 460 مليار دولار طالما افتخر ترامب بأخذها باعتبارها حقا امريكيا مقابل الحماية الأمريكية للسعودية!  وحتى لو قدمت قطر للأدارة الأمريكية مبلغا أكبر منه فإن امريكا لن تتخلى عن أكبر بلد منتج للنفط في العالم. واما الخيار العسكري فيبدو بعيدا جدا وخاصة فيما يتعلق بالورقة الروسية، إذ لايمكن لقطر ان تستعين بروسيا كما فعلت سوريا، مع وجود قاعدة العيديد الأمريكية في البلاد. وأما الورقة الإسرائيلية فلم تعد مؤثرة بعد أن وصلت العلاقات بين دول الحصار والدولة العبرية الى حد التحالف غير المعلن تحت ذريعة مواجهة الخطر الإيراني المزعوم.

أوراق قطرية رابحة

إلا انه وبرغم كل ذلك فإن هناك اوراقا رابحة مازالت بيد قطر واولها  ورقة إنسحابها من مجلس التعاون الخليجي وهي ورقة ذهبية ستثير حفيظة السعودية والإمارات اللتان تقودان المجلس وقد تفضي الى إنفراط عقد هذه المنظومة، خاصة وان هناك دولا مستاءة من الهيمنة السعودية الإماراتية على المجلس مثل الكويت وعمان إضافة الى ان هذه المنظومة ابتعدت عن الهدف الذي أسست من اجله وتحولت الى منظمة للعدوان وحصار احد أعضائها وليس للتعاون. وأما  الورقة الأخرى الرابحة بيد قطر فهي الورقة العراقية. فهذه الجارة الشمالية   سارعت  السعودية الى تغيير  سياساتها إتجاهها بعد أن بدا وبشكل جلي أن الأوضاع داخل العراق قد تغيرت  وبما يبشر بان بلاد الرافدين بدات تستعيد عافيتها وموقعها الطبيعي في المنطقة.

إن الإنسحاب القطري من مجلس التعاون وتقوية العلاقات مع العراق سيسهم في ولادة منظومة خليجية جديدة يقودها العراق وقطر ولاشك بان مجرد التلويح بهذه الورقة سيثير قلق السعودية والإمارات ويدفعهما الى إعادة النظر في حساباتهما فيما يتعلق باستمرار محاصرة قطر الذي قد يقوض الهيمنة السعودية على دول الخليج العربية فضلا عن أنه مكلف إقتصاديا للسعودية، إذ ان ديمومة النفوذ السعودي في منطقة الشمال الأفريقي وتحجيم الدور القطري مرهون بتدفق المال السعودي الى تلك المنطقة وبغير ذلك فستنقلب دول تلك المنطقة على السعودية بين ليلة وضحاها وتذهب جهود السعودية وحلفاؤها ادراج الرياح!

 

ساهر عريبي

 

عبد الجبار الجبورييبدو أن جميع حبال الوّد، قد تقطعّت بين الولايات المتحدة الامريكية ونظام الملالي في إيران، بعد أن كانت (سمناً على عسل) في العراق وسوريا، فجميع الادلة تؤكد أن الطرفين ذاهبان الى المواجهة العسكرية، والادلة كثيرة وغزيرة، فإيران تحشد فصائلها وميليشياتها وحرسها الثوري وفيلق القدس وحزب الله والحوثيين وأتباعها في المنطقة، وتعتمد عليهم كليا في المواجهة المحتملة، في حين نرى التحضيرات والاستعدادات العسكرية الامريكية والاعلامية والسياسية الهائلة، قد أفصحت التفوّق الاكبرلها قبل بدء المعركة، وإذا ما قارّنا القدرة العسكرية لدى الطرفين، لانرى أية مقارنة بينهما، نضيف الى هذا التفوّق التكنولوجي، التحشيد الامريكي العالمي ضد طهران، وتشكيل تحالف عسكري واقتصادي عالمي وعربي يحدث لأول مرة في التاريخ، بقيادة الولايات المتحدة الامريكية، سبق هذا التحالف إجراءات أمريكية وتحذيرات للدول الاوربية، مع تفاهمات وصفقات عسكرية واقتصادية مع روسيا والصين، ومن الاجراءات الغاء الاتفاق النووي الايراني، وفرض حصار إقتصادي خانق، هو الاقسى في التاريخ، بموافقة وقبول ولو (على مضض)، أغلب الدول الاوربية، وهذا مايؤكد نجاح السياسة الامريكية الخارجية في عهد الرئيس ترمب، واعلان امريكا القطب الاوحد في العالم، وإن حلم القرن الامريكي الواحد والعشرين قد تحقق على الارض، إذن من هنا أصبح إسقاط النظام الايراني في متناول اليد، وإن إسقاطه مسألة وقت لاأكثر، فهل تشنّ الادارة الامريكية حرباً عالمية ثالثة على إيران، وتدخل جيوش التحالف الدولي الى الاراضي الايرانية، أعتقد هذا لن يتم، رغم الاستعدادات الامريكية العسكرية الغير مسبوقة في المنطقة، من إرسال البوارج الحربية، وحاملات الطائرات النووية، وتوجيه الصواريخ الذكية العابرة، وإنشاء قواعد عسكرية كثيرة في العراق، ووصول الجيش الامريكي لها، وآخره الجيش الاحمر المختص بإسقاط الانظمة، إضافة الى فتح القواعد العسكرية في دول الخليج وحول ايران، ناهيك عن تحضيرات لصواريخ درونز الدقيقة التهديف، والاستعداد لتعطيل جميع أجهزة المعسكرات والقواعد والمفاعلات النووية، والصواريخ الباليستيدية الايرانية، نعم هذه إستعدادات أمريكا لاحدود لها، التي وصفها قائد الجيوش الوسطى الامريكية بأنها ستكون (حرباً تفوق الخيال)، لدقتها وسرعتها، إذن الحرب حتمّية وقريبة جداً، وربما بعد الثاني من مايس، موعد إنتهاء الاعفاءات للدول، وقطع تصدير النفط الايراني وتصفيره تحسم إيران موقفها إما بقبول الشرط ال 12 المهينة والاستسلام وإما مواجهة الحرب، ولكن كيف يكون شكل الحرب، خاطفة أم طويلة، مدمّرة للمنطقة والعراق، أم ستكون داخل ايران فقط، جميع المؤشرات تقول أن الحرب ستكون خاطفة، بعد إنهيار الاقتصاد الايراني لدرجة مخيفة، وهذا مايسهل الاجهاز على النظام، وإسقاطه بدون إطلاق صاروخ واحد، ولهذا تريد إيران أن تستبق الاحداث، وتستقوي بأذرعها في العراق ولبنان وسوريا، لاشغال الهجوم عليها، ثم تهدّد بغلق مضيق هرمز، لإحراج حلفاء أمريكا في الخليج العربي والصين والهند وغيرها، ممّن يعتمد على النفط العربي، هذا فيما يخص الاستعدادات الايرانية، وماذا عن العراق والفصائل المسلحة التي توالي إيران وتتبع لها، وماذا عن الحشد الشعبي ودوره في المعركة، وماذا عن حكومة عادل عبد المهدي، وماذا عن الاحزاب الاخرى كالحكمة والدعوة وغيرها ممن يتبعون الولي الفقيه ويأتمرون بأمره، هل يتفرجون على النظام الايراني، وهم يدركون أنه زائل لامحالة وبإصرار أمريكي ودعم دولي، خاصة وإن الادارة الامريكية، قد هددّت حكومة العراق وأحزابها، أن أي دعم لإيران سيكونون في خندق ايران، وتفرض الادارة الامريكية حصاراً مشابهاً لحصارها على إيران، وتسحب الدعم الامريكي والدولي والاقليمي عن العراق، وتجّمد جميع أموال العراق في البنوك الدولي وتقطع المساعدات عنه، إذن اوضاع العملية السياسية في العراق هي وأحزابها يقرره موقف حكومة عادل عبد المهدي واحزاب ايران، تجاه ايران، واصرار الادارة الامريكية على تغيير بوصلة حكومة العراق وفصلها عن طهران بأية طريقة، حتى لو بتغيير جذري للعملية السياسية وطرد الاحزاب الموالية لايران، وهذا ما تحضّرله الادارة الامريكية منذ فترة طويلة، ودعمت مؤتمرات للمعارضة العراقية في واشنطن ومشيغان وهولندا وغيرها، كبديل محتمل لحكومة غير تابعة لايران، إذن ومن هنا نرى ان اسوأ ايام الاحزاب الايرانية الطائفية تعيشها الان، التي دمرت وسرقت وهجّرت وقتلت أبناء العراق، من أجل عيون حكام طهران، وهناك منهم من قفز من السفينة الايرانية الموشكة على الغرق، وهناك من يهّدد امريكا بالويل والثبور، والدوس على رأس ترمب إذا تجاسر وهاجم ايران كما صرحت نائبة دولة القانون، فيما أعلن قادة الحشد الشعبي هادي العامري وابو مهدي المهندس تحديهم لامريكا وعدم السماح لها بمهاجمة ايران، وانهم مع الخندق الايراني وتحت امرت النظام وولي الفقيه، بشكل علني وواضح وامام العالم، وأعلنت فصائل أخرى وميليشيات عراقية، أنها ستستهدّف القواعد والجنود الامريكان في العراق والمنطقة، هكذا إذن تعتمد إيران على أذرعها في المنطقة في القتال نيابة عنها، فهل تنجح وتنفذ تهديدات الحشد الشعبي وقادته والميليشيات والفصائل في مواجهة الجيش الامريكي في العراق، ومعرقلة تقدّمه للاراضي الايرانية، كما تخطّط إيران وحرسها الثوري، وهل تسمح الادارة الامريكية وتسكت، على مثل هكذا تهديدات علنية وتغض النظر، لتعرض قواعدها وجنودها في العراق الى الموت، دون أن تحسب لهم حساب، هل ستسكت أمريكا عن هكذا تهديدات مباشرة، نعتقد أن جميع هذا التهديدات، لن تلقى أذنا صاغية لدى الادارة الامريكية، ولن تخيفها وتحسب لها حساب على الارض، لأن الجيش الامريكي يتجوّل في بغداد والمحافظات، وقواعده تنتشر بكل العراق، ولن يتجرأ أحد أنْ يمسّ شعرة لجندي أمريكي (لأن الرَّد سيكون ماحقاً)، كما قال قائد الجيوش الوسطى ماكينزي قبل يومين، وإنها جعجعة فارغة كما وصفها جون بولتن أمس، بمعنى جميع الإحتمالات والسيناريوهات، التي تعوّل عليها إيران وأذرعها، قد وضعت لها الادارة الامريكية حلولاً عاجلة ًلافشالها ومواجهتها، خاصة وأن العالم وصل الى حقيقة أن النظام الايراني يشكّل خطراً حقيقياً على زعزعة وإستقرار العالم بأسره، وأنه هو من يغذّي ويدعم الارهاب كله، والأدلة كثيرة على هذا، منها ما تمّ إكتشاف خلايا ايرانية للحرس الثوري، تشرف على عمليات إرهابية واسعة في أوروبا وأمريكا، أثبتت تورط النظام الايراني بالإشراف عليها وتنفيذها، كما حصل في اكثر من عاصمة اوروبية، منها باريس ولندن وامستردام وبرلين وغيرها، إذن وكي لانستبق الاحداث، نقول أن مانراه الآن من تصعيد خطيرفي منطقة الشرق الاوسط ، يشي بحرب عالمية ثالثة، طرفاها أمريكا وايران، وساحتها العراق وسوريا وإيران، والتصريحات النارية من كلا الطرفين، والتهديدات المباشرة تؤكد حقيقة واحدة، أن الحرب لابد منها في المنطقة، بعد هزيمة تنظيم داعش الارهابي في العراق وسوريا، ولابد من قصقصة أجنحة النظام الايراني في المنطقة، حسب الإستراتيجية الامريكية التي وضع بنودها الرئيس دونالد ترمب، وما عملية وضع الحرس الثوري وفيلق القدس وحزب الله، وبعض الميليشيات العراقية على لائحة الارهاب الدولي، إلاّ خطوة تمهيدية لتفكيك قوة ايران، وتغيير نظامها، بعد أن أصبحت تشكّل خطراً حقيقياً على أمن وإستقرار العالم، بتغولها وتوسعها، ودعمها وتمويلها للارهاب الدولي، لهذا فالمعركة حتمية مع النظام الايراني، ولاحياد لمن يفكر في الحياد، بالنسبة للأحزاب والحكومة العراقية فإمّا مع خندق أمريكا وإمّا مع خندق إيران ...       

 

عبد الجبار الجبوري

 

رائد عبيسيحدثنا التاريخ البشري عن صراعات محتدمة، ومعارك شرسة، وحروب طاحنة، خلفت ملايين البشر قتلاً، وسبياً، وحبساً، وتعذيباً، وإبادة، وذلك من أجل القيادة، وبما أن رمزية الدول من رمزية حاكمها وسيادتها من سلامته، تبقى الشعوب تنصاع الى هذه الفكرة السائدة في أوساطهم الاجتماعية، حتى أصبحت عقيدة عند كثير منهم وهم الأكثر استعداد معها لحمل السلاح للدفاع عن دولتهم، وحاكمهم، وفكرتهم، اي أن الأمر لم يعد بطاعة حاكم فقط، وان كانت طاعته مفروضة وواجبة إلا أن هناك التزامات ذاتية، هي من تدفع هذا المجتمع المؤمن بذلك الى تبني فكرة التصدي لأي دفاع وان غاب الحاكم. هذه الفكرة كانت موجودة في التراث الاسطوري، انتقلت إلى الفكر الشعبي الفلكلوري، وبعدها اقتربت من الفكر السياسي الثوري، وبعدها اصحبت جزء من عقيدة الدولة ودينها. حتى باتت الدولة وحكوماتها هي من تدافع عنها، وتقنع من ليس له قناعة بها، بل أصبحت جزء من سياساتها الإعلامية في التحشيد لأي معركة أو حرب.

فالزعامات لها عدة أشكال منها الزعامة الدينية، والزعامة العشائرية، والزعامة السياسية، والزعامة العسكرية. إذ أن ما هو غائب عن هذا التصنيف هو الزعامة الثقافية أو الزعامة العلمية، فالمجتمعات لا تعير اي اهتمام لهذه الزعامات في الغالب، وان كان تأثيرها محدود على المجتمعات وتوجيهاتهم، بمعنى أنها ليس محرك فاعل على الدوام كما في الزعامات التي ذكرنا.

تقدير قوة المجتمعات يأتي من تماسك هذه الزعامات مع بعضها للحافظ على الدولة وكيانها، إذ أن لا مجتمع يخلوا من هذا التصنيف للزعامات وان كانت تسيطر أحدهما على الأخريات وتغلب عليها الا أن أي صراع بينهما يهدد استقرار الدولة. ولكن لابد من اتفاق، وان كان اتفاقهم على مصلحة أو مفسدة وهو بالنتيجة يجب أن يكون كذلك.

كل الدول التي نالت استقرارها مدة من الزمن كان اما بسيطرة واحدة من الزعامات وسكوت الأخرى اختياراً أو اجباراً، أو كانت هناك مشاركة في السلطة بينهما، وعندما تضعف الدول، وتبدأ بالتلاشي، والانهيار، والانحلال، فإن هذا يعني أن هناك علاقة متخلخلة ومتقاطعة بين هذه الزعامات وجمهورها.

هذا الكلام ينصرف على كل الأنظمة الحاكمة ودولها، والاستشهاد بها يطيل المقال وكلنا نملك أدلة على ذلك، فيبقى أن نستشهد بالعراق كمثل حاضر في همنا اليومي ونحن نرى كل زعامة تريد أن تقود الدولة بطرف ما، ويبدأ هذا الأمر من التصريحات الإعلامية وحتى فكرة الانفصال بتأسيس أقاليم، إذ بات العراق بسبب ذلك دولة باهتة المواقف بسبب حرية التصريحات الشخصية من هذه الزعامات، وتطبيل اتباعها لها مشجعة على ذلك. فمرة تصريح رجل دين من على خطبة جمعة، أو منبر ما، ومرة شيخ عشيرة يهدد بغلق آبار النفط، ومرة بسياسي يختزل مكونة ليتحدث باسمه، ومرة مسؤول في الدولة و الحكومة يصرح خارج صلاحياته، محدثين بذلك أزمات داخلية وخارجية العراق في غنى عنها والسبب ؛ هو ضعف سلطة الدولة، وعدم اتفاق هذا الزعمات على إدارة موحدة بموقف موحد، لإدارة الدولة بطريقة تحفظ سيادة العراق واستقراره الداخلي والخارجي.

ونحن نشهد تتصارع هذه الزعامات على إدارة الدولة، وتنافس الحكومة في اتخاذ مواقفها إزاء الأحداث، حتى باتت كلمة الدولة الفصل غائبة عن المشهد وان كانت فلا احد يعترف بها،فأصوات الزعامات التي قوتها الدولة في يوم ما من أجل حماية الدولة والحكومة، لا تستطيع بعد أن تضعفها أو تخضعها لسيطرتها أو إسكاتها على أقل تقدير، وهذا هو الضعف بعينة.هذا الضعف ينتج عنه ما أسميناه "فتنة الزعامات المتحاربة والمتصارعة" ونرى أن الديمقراطية كنظام يوفر هذا الجو من الاختلاف الذي يطول السجال فيه، فتبقى البلدان في حالة من اللا استقرار الداخلي نتيجة ضعف سلطتها، ونحن نرى كيف اثرت الزعامات الجاهلة التي لا تكترث لمصلحة البلد وأهله على استقرار العراق منذ عقود مضت، حتى بات الأمر ببعض هذه الزعامات البحث عن اتفاقيات مع دول الجوار من أجل تقوية قراراتها ومواقفها الداخلية، او التفكير بالانفصال الجغرافي، كما في قضية كردستان، أو فكرة إقليم البصرة التي كثر الحديث بها والدعوة اليه، أو طرحة فكرة إقليم الفرات الأوسط، ومثل هذه الأفكار والمشاريع طرحت كثيراً بدفع وتشجيع من زعماء الأحزاب، أو العشائر، أو رجال دين، أو تأثير دول إقليمية.

ومن اجل تنفيذ هذا الطموح وتحويله إلى واقع لبعض الزعامات فلا تترد في اعلان رغبة الإقتتال و الحرب، بل واحداث كوارث وإبادة مع شرائح المجتمع المعارضة لهذه الفكرة،لا سيما إن كان بها طاعة لهذا الزعيم الذي يأمر بذلك. ففكرة الإبادة من أجل القيادة حاضرة عند أتابع هذه الزعامات، وهنا تكمن خطورة اختزال المجتمع بزعيم أو الزعيم بمجتمع بمعنى إحداث تأثير مغناطيسي بينهم وبين الزعيم اين ما يتجه أو يأمر أو يقود .فالمجتمع واستقراره مهدد متى ما تهدد وجود هذه الزعامات وكرامتها و رمزيتها.

 

الدكتور رائد عبيس

 

ضياء الحكيمغنى وفقر العدالة المهزوزة في عالم تعرض لهزات دنيوية جعل العدالة الحقيقية في مأزق ووضع قضاة تطبيقها في مواقف تعمُها فوضى الإقرار والخوف من إصدار الأحكام الصحيحة. 

التسويف والتأجيل والقسوة والتحقيق قبل الإحالة والأعفاء والأفراج والأقرار وإسقاط التهم مازالت من أُسس العدالة التي أُدخلت الى المجتمعات في عالم مشوه بالأطماع والمصالح الشخصية.   فمن خنق العدالة الإنسانية؟ 

لنرجع الى الوراء تاريخياً نجد أن خنق العدالة  لم يبدأ بسلطة واحدة . ونجد بإختبار ماقاله بن خلدون " العدل أساس المُلك " وأقوال أخرى تعود بنا الى معرفة عميقة عن أسس الحكم العادل والحكم الجائر والساكت عن الحق شيطان أخرس ؟ فسلطة القاضي هي إمتلاك تصحيح الأمور المعوجة وتخويله بقوانين قيادة بسط حكمه في القضايا الإجرامية منها والسياسية والأجتماعية . العدالة والمحاكم العليا وسلطات برلمانات الدول والمحاكم العسكرية المقامة بعد الإنقلابات العسكرية والمحاكم الشعبية وأحكامها العرفية  كلها تداخلت في تقييم الأدلة الباطلة  بتدخل البرج الأعلى للحاكم وبلاطه الملكي ومستشاريه وتسفيه التحقيق وخنقه والتفريط بالحقوق المدنية. ومختصرها كما نرى اليوم أن كل السلطات القانونية مُخترقة .

 تسميم أجواء العدالة تراه في دولة الديمقراطية أمريكا حيث معظم القضاة يخدمون الرجل المهيمن على البيت الأبيض ومن يعارض يتم عزله . وفي صراع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وتشهيره بسلطة مجلس النواب والمحكمة العليا وعزله للمدعي العام الأمريكي والقضاة ورئيس مكتب التحقيقات الفدرالي ووضع محاميه الشخصي مايكل كوهين في السجن يعطيك الفكرة عن مجرى العدالة البائسة . 

الترابط التاريخي للعدالة يشهدها العالم بسيكولوجية الأقوى وتوزيع فهمه الشخصي والطبقي والعنصري والقومي لها عند إنزال العقوبة بأفراد. بكلمة أخرى " العدالة محاصرة " والقضاة بجببهم وصداريهم وقبعاتهم يتنفسون بصعوبة بسبب العطل الذي أصاب روح العدالة كما قال بعض السياسيين في الكونجرس الأمريكي . وسجن العدالة في دولة كإسرائيل مثلاً وضع الشعب الفلسطيني محاط بالجدران وخنقه  داخل ممتلكات أرضه.   

في العراق ظهرت  شخصيات معوجة الفكر والقرار ولم تفهم من العدالة إلا أسوأ مضامينها كالأعدام والرمي بالرصاص وجز الرؤوس دون محاكمة. أحدهم البغدادي و مؤخراً "واثق البطاط ومليشياته المسماة جيش المختار" وتهديده بهمجية لأي معارض بقلع عيونه وقطع جماجم معارضيه . أهي قراءة مستقاة من أقول الحجاج؟ فالحجاح بن يوسف الثقفي (41 - 95 هـ) وفي خطبة محببة للبعض قال لأهل العراق نصاً " إني أرى رؤوساً قد أينعت وحان قطافها، وإني لقاطفها " كما أشار إلى سيفه وقال: والله لآخذن صغيركم بكبيركم، والحرُ بعبدكم، ثم لأرصعنكم رصع الحداد الحديدة، والخباز العجينة ".

مخاطر حقيقية تعصف بشرعية العدالة  في عالم مشوه بالأطماع والمصالح الشخصية وقبول البعض إنفرادية حكم البلاط الملكي وعدم الإصطدام بالملك أو الرئيس . والنقد الحالي هو وضع سلطة الرجل القابض للحكم نفسه في موضع القضاة. وبموجب هذه الفهم  بدأ القضاة رحلة العدالة  بفردية لاتستسيغها إلا المواقع السلطوية للسياسي والحاكم والقاضي، ولعبه كل أدوار (عدالة حكم العدالة). والملاحظ علاقة السلطة القضائية ووزارات العدل انها تشهد إضطراباً في أداء قسم الولاء للعدل وإبداء الرفض القاطع لتدخل السلطة الفردية وتسببها في سحق حقوق الأنسان التي أقرتها له منظمة حقوق الانسان الدولية عام 1948 .

حصار السلطة العليا في الدولة وقبضتها على القضاء الماثل للأنحناء والخوف من قسوة الطبقة السائدة المتنفذة وبطشها  يصبح (العدل أساس الحكم) مجرد شعار .

 

ضياء الحكيم - كاتب وباحث سياسي

 

ابراهيم أبراشمن موروثات الثقافة السياسية العربية وإلى وقت قريب أن موقف الرفض، بكل أشكال حمولته الأيديولوجية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، يتضمن حكم قيمة إيجابي يصنف صاحبه كرجل المبدأ والمدافع عن الشعب وقضاياه، إلا أنه ثَبُت بالممارسة أن خطاب الرفض لا يعبر عن موقف وطني أو بطولي إن لم يكن مصحوبا بإستراتيجية وطنية لمواجهة ما يتم رفضه، وهذا ينطبق على الذين يرفضون صفقة القرن قولا وينفذونها سلوكا.

يبدو أن كثيرا من الأنظمة والأحزاب الفلسطينية والعربية التي تعلن رفضها لصفقة القرن تمارس عمليا ما يساعد على تنفيذها، وبالتالي يصبح خطاب الرفض أداة تضليل لتمرير الصفقة القرن ما دام الرفض غير مصحوب بما يَعيق التنفيذ الفعلي للصفقة وهو جار منذ سنوات، بل يمكن القول إن كلا من السلطة الفلسطينية وحركة حماس ساعدتا، يوعي أو بدون وعي، في التأسيس للصفقة .

النخب السياسية من خلال مواقفها المتوقفة عند تخوم الرفض اللفظي لصفقة القرن دون أن تُجهد نفسها بإبداع طرق ووسائل خلاقة لمواجهتها تتحول إلى شاهد زور وتُعيد انتاج الفشل، معتقدة أن التمترس وراء خطاب الرفض سيمنحها شهادة بالوطنية وسيبرئها من المسؤولية .

هذه المواقف والسلوكيات البائسة للنخب ليس سببها أن الطريق مغلقة وليس بالإمكان أبدع مما كان كما تُرَوِج وتبرر موقفها ونهجها، بل لأنها تعلم بأن أي نهج وطني حقيقي سيفتح المجال للمراجعة والمحاسبة وإعادة النظر في شبكة المصالح الشخصية والحزبية التي تراكمت طوال سنوات من وجودها في السلطة، وهذا قد يهدد وجودها في السلطة سواء في الضفة أو غزة .

استمرار النخب السياسية في الحديث عن التمسك بالثوابت وعدم التنازل عنها وتأكيدها على رفض صفقة القرن، لا يُسقط المسؤولية عنها ويجب عدم السماح لهذه النخب بإدعاء البطولة لمجرد أنها تقول بتمسكها بالثوابت وعدم التنازل وتزعم رفض الصفقة، فالشعب لم ينتخبها أو يقبل بتسيدها عليه لأنها تقول بالتمسك بالثوابت وبالحقوق الوطنية أو ترفع شعار المقاومة والرفض، بل لاستعادة هذه الحقوق وإفشال صفقة القرن بفعل مقاوِم على الأرض، وفي هذا السياق يمكن فهم لماذا واشنطن وتل ابيب استبقتا الأمر وفرضتا الهدنة مع فصائل المقاومة في قطاع غزة قبل طرح صفقة القرن .

نعلم أن البعض سيقول ليس هذا وقت إثارة المشاكل الداخلية وأن المطالبة بالتغيير الآن قد يُضعف القيادة الفلسطينية أو يشكك بها ويشكك بالمقاومة وفصائلها كما سيُبعِد الأنظار عن المخاطر التي تهدد القدس ومجمل القضية، وبالتالي المطلوب الآن من وجهة نظر هؤلاء أن يتوحد الفلسطينيون لمواجهة صفقة القرن، وهذا كلام صحيح وطنيا ويندرج في سياق ما يجب أن يكون .

ولكن، لسنوات والشعب صابر وصامت على الوضع الداخلي حتى لا تنزلق الأمور لفتنة داخلية توظفها إسرائيل، كما أنه دائما يجد أعذارا للسلطتين أو يقنع نفسه بهذه الاعذار .لكن دعونا نتساءل بصدق : هل النخب السياسية الراهنة مؤهلة لإحداث اختراق، سواء في مجال التسوية السياسية وخصوصا بعد أن صرح الرئيس أبو مازن قبل أيام في اجتماع وزراء الخارجية العرب 21 أبريل الحالي أن إسرائيل لم تلتزم بأي اتفاق سلام وأن نتنياهو لا يريد السلام مع الفلسطينيين ؟أو اختراق في مجال المقاومة وقد وقَّعت فصائل المقاومة في غزة هدنة طويلة المدى مع إسرائيل ؟أو اختراق في مجال المصالحة الوطنية وقد استمرت حوارات المصالحة كحوار الطرشان طوال عقد من الزمن ؟ .

أيضا كيف تتوحد هذه القوى دون أن تبدأ عملية تغيير ومراجعة داخلها كخطوة أولى، مثلا أن تُعيد منظمة التحرير ترتيب وضعها الداخلي حتى بدون ممن هم خارجها من الفصائل، وتعمل على تنفيذ قرارات المجلس المركزي بشأن إعادة النظر بالاعتراف بإسرائيل وبالتنسيق الأمني، أيضا أن تعيد حركة حماس حساباتها في المراهنة على الإخوان المسلمين والدعم الخارجي وبمخططها لصناعة دولة غزة، ومراهنتها على استمرارية الدور الوظيفي المسنود لها إلى ما لا نهاية . ومن جهة أخرى، هل توحيد حالات مأزومة داخليا ومتعادية مع بعضها البعض سيُنتج حالة وطنية قادرة على مواجهة تحديات المرحلة ؟.

إن استمر حال النظام السياسي على ما هو عليه من انقسام وتشرذم، وحتى تحافظ النخب الحاكمة على وجودها في المشهد السياسي، وحتى لا تخسر مصالحها ... لا نستبعد في هذه الحالة أن تجد بعض المكونات السياسية تبريرا لقبولها لأية تسوية جديدة سواء كانت صفقة القرن أو غيرها دون شروط، تحت ذريعة منح فرصة جديدة للسلام أو محاولة تَجَنُب ما هو أسوء ! أو تحت عنوان التكتيك والمناورة .

إن أخشى ما نخشاه في هذا السياق أن يحدث تواطؤ ضمني بحيث تستمر واشنطن في تأجيل الإعلان عن صفقة القرن –وقد لا يتم طرحها بالفعل بعد رمضان - مع استمرار تنفيذ الصفقة على أرض الواقع كما هو جاري، في المقابل تستمر النخب السياسية الفلسطينية في إعلان رفضها لصفقة القرن أو الهروب نحو تشكيل هيئات ولجان لمواجهتها وكأن الصفقة مشروع مستقبلي وليس واقعا يتم تنفيذه منذ سنوات، وفي هذه الحالة تحقق واشنطن مخططها عمليا وتستمر النخب السياسية الحاكمة الفلسطينية والعربية في إدعاء البطولة من خلال إعلان رفضها للصفقة .

 

د. إبراهيم ابراش

 

لا نعلم على مدى تاريخ امريكا الطويل ان رئيسا يقيم المواقف السياسية الرسمية بمنطق الربح والخسارة مثل ما يفعل الرئيس الحالى دونالد ترامب، ولعله من نافلة القول ان لعمله السابق للرئاسة كرجل إعمال دوره البارز فى هذه المقوله ولكننا يجب ان نقر بان الى ذلك العمل السابق يرجع الفضل فى ان الرئيس الامريكى يسير نحو مبتغاه دون تردد ويرمى مباشرة تجاه الهدف ولا يهمه بعد ذلك ان كان ما فعله هدفا صحيحا ام شابته شائبة .

ها هو الرئيس ترامب يرمى مجددا تجاه دعم محور الاعتدال فى الدول العربية ويستعمل اقصى ما يتيحه  له الدستور الامريكى وهو استعمال حق النقض لابطال القرار الذى اصدره الكونغرس بغرفتيه مجلس النواب ومجلس  الشيوخ والقاضى بوقف الدعم عن التحالف العربى الذى تقوده السعودية فى اليمن .

ظهر على سطح العلاقات الامريكية العربية كثيرا من التوترات  على خلفية انحياز الرئيس الامريكى لاسرائل على وجه العموم ولرئيس الوزراء بنياميين ناتنياهو على وجه الخصوص ، وابدت كثيرا من الدول العربية على انفراد وجامعة الدول العربية على اجتماع استياءها الواضح من ذلك الانحياز على الجملة ومن بعض القرارات التى اتخذها على وجه التفصيل، ولم يبد الرئيس ترامب اى تاثر باستياء تلك الدول بل ظل يدفع ما وسعته الحيلة نحو تصفية القضية الفلسطينية وهو هدفه الذى ظل يسير نحوه بجد منذ توليه سدة الرئاسة فى البيت الأبيض . فى خضم هذا التوتر بين الدول العربية الرئيس الامريكى دونالد ترامب اوجد البيت الابيض ما يمكن ان يكون عصا وجزرة لبعض الدول العربية لمسانتدته فى هذا السجال العنيف لتطبيق الحل الذى اجترحه هو لتسوية النزاع فى الشرق الاوسط والذى يمثل فى رأيه الوضع الامثل لاسرائيل فى قيام دوله قوية تستحوز على كل منافذ العداء لها فى الضفة الغربية والجولان كما يمثل الوضع الامثل لدولة فلسطينية منزوعة السلاح والسيادة تقبع على ركن قصى ولها عاصة فى قرية صغيرة تسمى ابوديس.

وجد البيت الأبيض فى ايران وحلفاءها فى لبنان واليمن ضالته المنشودة ووجه لها ما فى جعبته من اتهامات بالارهاب حتى وصل الأمر الى ان تتجه دول الخليج العربى بكلياتها لمحاربة المد الشيعى الذى تصورته  وحشا سيبتلعا كاملة فى يوم ما ، ظل الرئيس دونالد ترامب يدفع بقوة نحو شيطنة ايران وحلفائها وتصويرهم بانهم منبع الارهاب الدولى فى العالم الى ان انتهى الى اعتبار جيش ايران باكمله منظمة إرهابية  وهو وصف اسبغه بطبيعة الحال الى جيش حزب الله فى لبنان وجيش الحوثيين فى اليمن  وبذلك ارضي دول الخليج من جهة انها تكن عداءا مستحكما لايران منذ وقت طويل ، ومع ذلك فان الرئيس الامريكى لم يدع فرصة فى اظهار العداء لإيران الا واقتنصها فى حينها حتى بات من اكثر الرؤساء الذين اوقعوا على ايران اشد العقوبات .

نتوجه بالنظر الى جهة اخرى من علاقة دونالد ترامب ببعض الدول العربية والتى تمثل محور الاعتدال فى التعاطى مع القضية الفلسطينية وهذا الجهة تتعلق بالدور الذى يرتجيه دونالد ترامب من تلك الدول فى موقفها من صفقة القرن المرتجاة ، ، حيث تمثل تلك الصفقة رؤية الرئيس الامريكي  كما تمثل فى راى كثير من المراقبين تصفية نهائية للقضية الفلسطينية التى باتت تؤرق مضجع ترامب شخصيا من جهة وعوده التى قطعها فى حملته الانتخابية كما باتت تؤرق معظم دول العالم ومن بينها بعض الدول العربية ،ويود كيثرا من الناس ان يرى هاجس النزاع الفلسطينى الاسرائيلى المتطاول قد بانت له نهاية .

ما كان للرئيس الامريكى ان يقدم خدماته للدول العربية بالمجان، بالإضافة الى انه رجل اعمال لا يؤمن الا بحسابات الربح والخسارة نجد انه جاهر فى اكثر من مناسبة بانه يجب ان يتغاضى الثمن عما يقوم به من اعمال او عما يحققه الاخرون من فائدة نتيجة لسياساته او أفعاله ولهذا فانه لا يقوم بمحاربة ايران وحزب الله اوجماعة الحوثى خدمة مجانية من اجل عيون الدول التى تستفيد منها ، كما انه لا يحارب بنى جلدته ويستعمل ضدهم الفيتو الرئاسى لانه كما يقول (محاولة غير ضرورية وخطيرة لإضعاف سلطاته الدستورية وان القرار يعرض حياة المواطنين الامريكيين وإفراد قوات الشعب المسلحة الشجعان للخطر) اللهم الا ان يقصد بالمواطنين الامريكيين اولائك الموجوديين فى دول الخليج والذين يمكن ان تطالهم  الصواريخ الحوثية .

اذن ما هو الثمن الذى يرجوه دونالد ترامب من استعمال حق الفيتو ضد قرار الكونغرس بوقف الدعم عن دول التحالف العربى ؟؟

صفقة القرن التى ينتظرها العالم بأسره هى محور كل ما يقوم به الرئيس ترامب مع الدول العربية والاسلامية ، ومراهنته على نجاح تلك الخطة هى ما يدفعه لتهيئة المناخ فى الشرق الأوسط سواء بالعصا التى يلوح بها فى وجه حماس والسلطة الفلسطينية على السواء او بالجزرة التى يبديها لبعض الدول ذات التأثير الاقتصادي على المنطقة ، ونزعم ان قرار ه باستعمال حق الفيتو ضد قرار وقف الدعم هو من قبيل الدين الذى يرجو ان تسدده له الدول المستفيدة من هذا القرار ، وليس هذا الامر ببعيد عن ما جاء فى صحيفة القارديان من ان الخطة التى أعدها زوج ابنه الرئيس الامريكى كوشنر تقوم على رؤية ضخ استثمارات مالية ضخمة من السعوديين والدول العربية الثرية وسيتم استخدام المال هذا لشراء الفلسطينيين وإقناعهم عن التخلى عن مناطق واسعة فى الضفة العربية )

كل ما نخشاه هو فعل الرئيس الامريكى تجاه القضية الفلسطينية لان جميع ما صدر عنه حتى اليوم يشى بان للرئيس ترامب خطة واسعة لتصفية القضية الفلسطينية جبرا على الفلسطينيين والعرب اجمعين وان عقلية التاجر هى التى تقوده نحو تحقيق هذا الهدف لانه يؤمن بقانون القوة لا بقوة القانون ويتماهى تماما مع مستشاره للأمن القومي بولتون الذى يقول ان القانون الدولى خلق للضعفاء لهذ يجب ان نأخذ به حتى وان كان فى صالحنا حتى لا يأتى الضعفاء ليحتجوا به علينا فى يوم ما.

 

بقلم الأستاذ ناجى احمد الصديق - السودان