عامر صالحكثر الحديث في ظروفنا الحالية عن ثورة الرابع عشر من تموز للعام 1958والتي اسقطت النظام الملكي وأسست اول جمهورية فتية في تاريخ العراق السياسي المعاصر, ثم أطيح بالثورة في 8 شباط عام 1963 عند استلام البعث للسلطة وبعدها تحول العراق الى مسرح للأنقلابات والمؤمرات العسكرية والمخابراتية والحزبية وكان آخرها قبل الأحتلال الامريكي للعراق هو انقلاب 17 تموز للعام 1968 الذي أتى بالبعث مجددا للسلطة. وكان الحديث عن ثورة تموز يتداوله بصورة خاصة فريقين: فريق انصار الثورة وحلفائها ومؤازيريها يها والذي يرى ان الانقلاب على الثورة سبب في اهدار فرص تاريخية للعراق واستقراره وتقدمه وازدهاره نعاني منها الى اليوم, والفريق الآخر يرى أن في ثورة تموز هو عمل انقلابي عسكري أسس لمسلسل الانقلابات اللاحقة والذي قطع الطريق على التجربة الملكية الناشئة في الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة.

أذا كانت الشعوب هي التي تزكي أنظمتها او تحجب عنها الشرعية فأن ثورة 14 من تموز/1958 تمتعت منذ انطلاقتها الأولى وحتى نهايتها على يد النظام الأنقلابي البعثي الفاشي في 8 شباط/1963 بزخم جماهيري هائل واستعدادات ذاتية للدفاع عنها, ولم يكن موقف الشعب العراقي انذاك موقفا انفعاليا عابرا بل استند الى مجمل المعطيات الأقتصادية والأجتماعية والأنسانية العامة التي كان برنامج الثورة يتبناها ويسعى الى تحقيقها وكانت بمجملها تستجيب لمطالب الشعب العراقي في تحسين ظروف العيش والحياة العامة والسيطرة على ثروات البلاد بعد ان أخذ الفقر والبؤس والعوز والفساد مأخذه في حياة الناس في الحقبة الملكية وبالتالي كانت الثورة استجابة لتفاعلات العوامل الذاتية والموضوعية التي وصلت ذروتها في رحم النظام الملكي. وقد كانت للثورة انجازات كثيرة وأهمها القضاء على الإقطاع وإلغاء قانون دعاوى العشائر وإصدار قوانين عادلة كثيرة مثل قانون الأحوال الشخصية وقانون الإصلاح الزراعي وقانون مجانية التعليم وقانون تأميم النفط وكذلك التطور الملموس في الاعمار والاسكان والصحة وعموم الخدمات قياسا بعمر الثورة التي لم تكمل الخمس سنوات.

ومن اراد ان يطلق تقيما لثورة 14تموز اليوم عليه ان يقيم ذلك الحدث ضمن خصوصية الزمان والمكان الذي وقعت فيه الثوره واعتقد سيسعفنا منهج البحث التاريخي وادواته في وضع الثورة في سياقها الذي نشأت فيه, وبالمقابل أن من يمجد الملكية العراقية اليوم عليه ان لا يتأثر في تقيمه بنموذج مملكة السويد أو الدنمارك او المملكة البريطانية ويتخذها محكات لأضفاء الهالة على المملكة العراقية, فالملكية في العراق كانت تعكس في طبيعتها تحالفات الأقطاع والعشائر مع سلطة الكومبرادور. كما ان الباحث الموضوعي في هذا الشأن عليه ان يقتفي اثر منهجية البحث العلمي الشاملة في الاحاطة بالظاهرة وملابساتها ومراحل تشكيلها, فعندما تنتقد جوانب عديدة في مسار ثورة تموز القصير عليك انسانيا ان لا تبارك الانقلاب عليها وتشجع على سفك المزيد من دماء الابرياء, او تسكت عن عقود لاحقة من الحروب والظلم الاجتماعي التي سببها نظام البعث الى ما قبل سقوطه في 2003 على يد المحتل الامريكي.

اما ما يشار الى الظواهر اللاانسانية التي حدثت في بداية الثورة من سحل وقتل وتعذيب لرموز النظام الملكي فهي ظواهر يندى لها الجبين وغير مقبولة قيميا واخلاقيا وانسانيا وان السلوك الوحشي اتجاه من يعارضك مرفوض جملة وتفصيلا, ولكن للامانة التاريخية وهناك وقائع جرت في العهد الملكي فاقت اضعافا مضاعفة حجم ضحايا ثورة تموز " ان صح التعبير " وان اعداد من سقطوا في ظل النظام الملكي " على سبيل المثال لا الحصر " في مدينة الحي الصغيرة لوحدها عام 1956 أو في سجن الحلة أو في انتفاضة 1948 يفوق ما حدث في 14 تموز. عدا عن المجزرة التي ارتكبت ضد عمال النفط المضربين في كركوك، وعمال النفط في البصرة، ووثبة كانون عام 1948 ضد معاهدة بورتسموث، وانتفاضة تشرين عام 1952 في بغداد، ومجزرة عام 1933 ضد الآثوريين في الشمال والتي ذهبت ضحيتها في اقل التقديرات خمسة آلاف ضحية, الى جانب الاعدامات والتصفيات الفردية للكثير من القيادات السياسية المعارضة والنشطاء السياسيين. الى جانب الرعب اليومي للاجهزة السرية والمخابراتية.

اما اعمال العنف والتصفيات الجسدية لرموز النظام الملكي ولاحقا لرموز اول جمهورية فأنها تعبر جليا عن سلوكيات القطيع الخطيرة في المنعطفات التاريخية واكثرها خطورة تلك التي يغذيها خطاب الثقافة الشوفينية والعنصرية الذي يشدد من قبضة الكراهية واستباحة الدم والتحريض على القتل. ان مرور 61 عاما على ذكرى الثوره واستعصاء أزمة الحكم وعدم المقدرة على حل المعضل السياسي وعدم وجود انجازات في الحاضر جعل الناس اكثر نكوصا وتقهقرا وعودة الى الماضي للبحث في ثناياه بما يشبع رغبتنا في الأنجاز ولعل الأفراط في الحنين الى الملكية واعتبار كل ما حصل فيها هو مثالي ويجب استذكاره وتكراره هو مؤشر لأحباطات الحاضر وعدم القدره في ألتماس افق مستقبل افضل. اما الهجومات هنا وهناك على ثورة تموز فهي اسقاط سيكولوجي بأمتياز في تحميل الآخرين فشل المنظومات السياسية التي أتت ما بعد الثوره الى يومنا هذا حيث خاتمتها الأحتلال الأمريكي واسقاط الديكتاتورية عبر الأحتلال والذي اسقط الدولة ومؤسساتها ولم يسقط النظام ومنظومته الأخلاقيه.

ان البحث المحايد نسبيا في ثورة 14 تموز عام 1958وتناولها في اطار الظروف الوطنية والاقليمية والدولية التي نشأت فيها يضعها في مكانها الصحيح, ولا يمكن لنا ابدا تقيم الثورة انطلاقا اليوم من اسقاط ظروف الحاضر المتغير ومطالبة الثورة ما يجب ان تكون اليوم عليه فهذا مغاير لسنة الحياة المتجددة بدون انقطاع وخاصة في السياسة, ولكن بما لا يقبل الجدل كان قائد الثورة الشهيد عبد الكريم قاسم وطنيا مخلصا ومحبا لشعبه بفطرته الخالصة, اراد الخير للعراقيين ولكن الشوفينية القومية والتعصب الاعمى والاستحواذ على السلطة لم تدعه يكمل مشواره. كل بلاد العالم وخاصة المتحضر منه تحترم ثوراتها الوطنية والتحررية رغم اختلافاتهم في تقييم الاحداث ولكن يبقى الاعتزاز برموزها قائما الى اليوم وكل حسب ادائه ومهمته في ظروف تختلف نوعيا عن ظروف الحاضر. 

بالتأكيد ان الحديث عن عبد الكريم قاسم اليوم في العراق وخاصة بعد سقوط النظام الدكتاتوري ومرور 16 عاما على ما يسمى النظام الديمقراطية في العراق هو الآخر ذو شقين: الاول يدعو الى الاستفادة من دروس الثورة لأصلاح الحياة العامة في العراق والوقوف ضد الاحترابات القومية والمذهبية التعصبية والشوفينية التي حرفت مسار ثورة الرابع عشر من تموز ويدعو هذا الفريق ايضا الى الذهاب بعيدا وجديا في تنفيذ مشروع الاصلاح الشامل في منظومة الحكم الفاسدة ودرء خطر عودة داعش مجددا, وفريق لا يستطيع تجاوز اخطاء الثورة التي حصلت والارتقاء ببدائل التفكير المنتج لأعادة صياغة الحاضر في مستجدات العصر وضروراته وشعارهم دوما: " لو مو عبد الكريم قاسم لكان أحنة هسه بنعيم الملكية ". انها فعلا ازمة فشلنا في استثمار الماضي ايجابيا وصعوبتنا في بناء حاضر ومستقبل افضل.

 

د.عامر صالح

 

بشار الزبيديعن صحيفة (دير شبيغل) الألمانية

نُشر في: 25 فبراير 1959

ترجمة: بشار الزبيدي

أصغى مستمعو الإذاعة العراقية مجدداً وبعد فترة طويلة إلى الصوت المألوف لأحد أعظم أبطالهم الثوريين: انه العقيد عبد السلام عارف. المُنقلب، الذي شاركت كتيبته العسكرية كقوة مهاجمة ضد عرش الملك في بغداد. ولم يكن وقتها يدعوا إلى النضال من أجل الحرية العربية وإنما من أجل إقامة جمهورية العراق. وقد ألقى بطل الثورة خطابا دفاعياً هذه المرة. ولم يكن يصرخ كما هو معتاد في خطبه الحماسية، فكان يحتج بهدوء وبصورة متواضعة ضد اتهامه بالتخطيط لاغتيال رئيس الوزراء العراقي عبد الكريم قاسم، أحد كبار المتآمرين معه في انقلاب يوليو.

عارف الذي حقق النصر مع اللواء قاسم، قد ندد بإخفاقات النظام الإقطاعي المخلوع بعد نجاح الثورة، أصبح بعدها في موضع اتهام وقد بثت إذاعة راديو بغداد تسجيلات من المحاكمة السرية لزعيم العراق الجديد، عبد الكريم قاسم، للـ"الأخ الثوري " عبد السلام عارف.

الضباط المنقلبون، الذين حطموا سلالة بغداد الهاشمية وأعلنوا الجمهورية في 14 يوليو 1958، كانوا في حالة شجار حول سؤالهم عن جدوى نصرهم الذي حققوه؟. سياسة "لا للغرب" الموجهة للنظام القديم صاغوها معًا ؛ فيما قالوا نعم لمنهاج مستقبلي وتحدثوا عن ذلك بآراء مختلفة. وبالنسبة إلى اللواء قاسم، فإن الخلط في كلام عارف كان كافياً للحُكم عليه بالإعدام.

كان الجمهور العربي مذعوراً وهو يستمع لإذاعة راديو بغداد عن خصام الأشقاء الثائرين. وكان هناك تساؤل ما إذا كان عارف حقًا هدد اللواء قاسم بالمسدس أم - كما أكد عارف - أراد فقط الانتحار بدافع اليأس السياسي في عيون رئيسه المتآمر السابق. كانت تهم القتل العمد ضد عبد السلام عارف حزمة إجرائية ضعيفة.

كان العقيد عارف في قفص الاتهام حول تعاونه مع جمال عبد الناصر الذي لم يكونوا اتباعه أمراء إقطاعيين ضعيفين للقوى الاستعمارية الغربية، وإنما كانوا ثوريين يدعون للنضال من أجل الاستقلال العربي.

منذ عام 1952، وعندما اطاح العقيد جمال عبد الناصر بعرش "الملك فاروق"، كان الطريق المصري هو الطريق الوحيد لتحقيق هدف الحرية العربية والاستقلال العربي. وكان عبد السلام عارف يرى ضالته في القاهرة. مع اقتناعه بأن بغداد أصبحت لاعبا في النضال من أجل الروح العربية.

ما قدمه العقيد عارف امام المحكمة العسكرية في بغداد كان عملاً مشرفاً بين الشعوب العربية حتى وقت قريب: أراد عارف قيادة وطنه العراقي إلى معسكر حركة التوحيد والاستقلال العربية، (المعسكر الناصري). كان يدير اتحاد العراق بالتعاون مع الجمهورية العربية المتحدة التي شكلها ناصر.

كان يمكن فرض عقوبة الإعدام بحق عارف بعد تعاونه مع عبد الجمال ناصر. كان عبد الجمال ناصر يريد حشدًا عربيًا مفعمًا بالحيوية ولذلك دعا عارف للوقوف بجنبه.

بعدها صرح رئيس محكمة الشعب العراقي قائلاً:"لقد حررت ثورة 14 يوليو الشعب العراقي وستحرر جميع إخواننا العرب. خاصة الشعبين السوري والمصري ".

اتت التصريحات في ظل هتافات في شوارع بغداد، كانت تُرفع فيها صور جمال عبد الناصر أكثر من صور عبد الكريم قاسم .قبل أن يتم حظر عرض التقارير الإخبارية التي تظهر عبد الجمال ناصر بعد خلافات بين مؤيديه.

كان عبد الكريم قاسم، السياسي المبتدئ، يرفض الرضوخ للزعيم الشعبي الصريح ناصر. وضعت المنظمات الشيوعية السرية في الشرق الأوسط، وبموافقة موسكو، تجاربها في تنظيم ما يسمى تظاهرات الشوارع التلقائية المؤيدة لرئيس الوزراء العراقي غير المدرب عبد الكريم قاسم.

ولإظهار قوتهم، قامت المنظمات الشيوعية بمسيرة تتكون من حوالي 200,000 شخص عبر شوارع مدينة بغداد لحضور جنازة شهداء قتلهم أتباع ناصر. وقدمت الصحف العراقية الشيوعية شعارات لـ "القومية العربية الأصيلة والمتحررة"، فيما كانوا يرون بأن قومية عبد الناصر مجرد "خُرافة مغلوطة".

تردد قاسم لبعض الوقت قبل تسليمه مرسوم إلى رفيقه عارف، الذي كان في البداية نائباً لرئيس وزراء الحكومة الثورية، وأخبره علنًا أنه خائن للقضية التي كانت مشتركة بينهما. وقد أمر قاسم بإعفاء عارف من مناصبه وبتعينه سفيراً للعراق في ألمانيا الغربية في مدينة بون وكانت الخطوة من أجل تطبيق الامتناع السياسي عليه، وبعدما عاد للعراق من مؤتمر سري في القاهرة، أمر عبد الكريم قاسم بالقبض عليه في مطار بغداد. وحتى لا يثقل كاهل "وحدة الجبهة العربية"، انتظر قاسم حتى نهاية يناير لتنفيذ حكم الإعدام ضد عارف وبث المحاكمة السرية.

في هذه الأثناء، وبفضل متظاهريه الشيوعيين، تمكن اللواء قاسم من القضاء ليس فقط على الناصريين والعارفيين في العراق من خلال موجة من الاعتقالات، وإنما أيضًا حزب الاستقلال اليميني من خلال إضعاف وإدانة زعيمهم الأبرز، عدو بريطاينا القديم رشيد عالي الكيلاني.

قام الكيلاني في عام 1941 كرئيس وزراء للعراق بالتعاون مع سلاح الجو الألماني بدعم الانتفاضة الوطنية ضد الانجليز. بعد انهيار حركته اضطر إلى الفرار من بغداد. ومن طهران ذهب إلى ألمانيا، حيث استقبله أدولف هتلر كحليف عربي في الحرب ضد بريطانيا.

بعد الحرب، عاش الكيلاني في المنفى في المملكة العربية السعودية ومصر حتى انقلاب يوليو العراقي، حيث كان على اتصال مع حركة ناصر. ثم اعتقله قاسم بعد عودته للعراق.

لأول مرة منذ بداية النهضة العربية الناصرية، لم تعد الكوكبة السياسية في الشرق مصممة على إبقاء الأنظمة الإقطاعية ذات التوجه الغربي وكان يُعتبر المصري جمال عبد الناصر المصري الممثل الوحيد لمستقبل الشرق الأوسط.

بالإضافة إلى التجديد العربي الذي بناه ناصر على اطراف النيل، ظهر مركز جديد لحركة الحرية في العراق بعد قمع أصدقاء ناصر في العراق. لأن القوى الغربية وبسبب سياسة القوارب الحربية التي تتبعها على قناة السويس وتعلقها القوي بإسرائيل، كان يجب عليها الاعتماد على القوى التي تسعى للهروب من التجديد العربي بسبب قلقها من الثورات الاجتماعية التي يقودها ناصر، وحقيقة أن الاتحاد السوفيتي فقط من يمكنه الاستفادة من القطبية الجديدة للشرق الاوسط.

مع تسليم الأسلحة السوفيتية، وإعلان برنامج مساعدات سوفيتية للعراق، ودعوات من السياسيين العراقيين إلى إقامة علاقات مع موسكو وبراغ وبودابست، أثبتت الحكومة السوفيتية عزمها على دعم عبد الكريم القاسم لتحقيق الاستقلال بمعزل عن المسار المصري.

إن النكسة التي كان يعانيها ناصر على الأقل من الناحية النفسية - بسبب إصرار قاسم على استقلال العراق ستجعل المصري أكثر اعتماداً عليها.

وبسبب صداقة الولايات المتحدة مع إسرائيل، كانت تتوقع موسكو أن تظل الكتلة الشرقية في القاهرة شريك مرحب به أكثر من الغرب.

كتبت صحيفة "Neue Zürcher Zeitung" حول الصراع بين العراق الغني بالنفط ودولة الفلاحين الفقيرة مصر: "وضع ناصر في هذه الظروف لا يحسد عليه بأي حال من الأحوال." وفي المنافسة السلمية بين مصر والعراق شبه الشيوعي، تتمتع بغداد بمزايا واضحة على القاهرة. ولأول مرة، يُمكن اعتبار مناورة ناصر محدودة. "

سعى الجنرال المنقلب قاسم للحصول على دعم رعاته السوفيتيين من أنه يمكن أن يطور استقلاله عن جمال عبد الناصر إلى العمل الحر مع موسكو.

يثق السوفيتيون في جعل قاسم أداتهم، تمامًا كما كان رئيس وزراء الملوك الهاشميين العراقيين، نوري السعيد، الذي قُتل في انقلاب يوليو، طوال عقود هو الشريك الأكثر موثوقية في دبلوماسية الشرق الأوسط البريطانية.

قرر قاسم وضع اثنين من المنظمات الشيوعية التي قدمت له الذراع القوي للقتال ضد الجبهة الناصرية في العراق وهما "ميليشيا المقاومة الشعبية" واتحاد الطلاب تحت سيطرة الجيش، لكن لم يبذل رئيس الوزراء العراقي أي جهد في الأشهر السبعة من حكمه لاتخاذ أي إجراء سياسي آخر بهذا الصدد، بصرف النظر عن عدم رغبته في الارتباط مع ناصر. كان يتصرف مثل الجنرال نجيب الذي عزله ناصر. لم يكن يبدو أن لدى عبد الكريم القاسم أي قرارات أخرى يتخذها منذ أن أرهق طاقته وعزيمته في انقلاب يوليو.

لم تؤدِ أيضا المحاكمات الاستعراضية العديدة المذهلة إلى تصفية ممثلي الماضي، كان قاسم معروف بأنه لا يطبق أي من أحكام الإعدام ضد السياسيين في النظام السابق - كما أن إصلاح الأراضي ,القرار الأساسي للعراق الذي وعد به, لم يُنفذ بعد الثورة مباشرة.

ومع ذلك، فإن السوفيتيين لم يعتمدوا فقط على قاسم المتردد "العائم" الذي لا تزال تجاربه السابقة تنتمي إلى فئة المبتدئين في حنكة الدولة في الشرق الأوسط.

اعتمد الكرملين، الذي قدم دعمه إلى قاسم، على عاملين غامضين في العراق، اللذين تم تنشيطهما بمساعدة سوفيتية خفيفة ويمكنهما في أي وقت القضاء على قاسم إلا وهما (الشيعة والأكراد), إذ يعتبران ورقتان رابحتان لموسكو.

من بين ما يقرب من سبعة ملايين نسمة في العراق، يميل غالبية الشيعة في العراق إلى الوحدة مع إيران، حيث الإسلام الشيعي هو دين الدولة. إنهم يدافعون عن أنفسهم ضد الخوض في البحر السني للوحدة العربية الناصرية، وكانوا يدعمون مسيرة عبد الكريم قاسم المستقلة عن ناصر. ومع ذلك، إذا شعر رئيس الوزراء العراقي في يوم من الأيام بالضغوط من موسكو للوقوف مع القاهرة، فإن الدعاية المعادية للسنة التي يديرها مجموعة من الديماغوجيون الشيوعيين المدربين يمكنها أن تعبئ الشيعة لصالح قاسم.

بالنسبة إلى قاسم فأن قضية الأكراد أكثر إثارة للقلق فهم ليسوا من أصل عربي. وإن دعوة ناصر لتوحيد العرب لا تخصهم أبداً. الأكراد الذين يعيشون في مناطق متفرقة في تركيا والاتحاد السوفيتي وسوريا والعراق وإيران يحلمون بدولتهم. ويمكن أن تصبح هذه الأحلام، بدعم من السوفيات، تهديدًا خطيرًا للعراق.

اتخذت موسكو احتياطاتها: ففي أوائل شهر أكتوبر من عام 1958، عاد الزعيم الكردي الملا مصطفى البارزاني إلى العراق بعد أحد عشر عامًا في المنفى. ولم يقيم البارزاني بين شعبه في شمال العراق، بل في العاصمة بغداد وكان على استعداد للتعاون مع قاسم، كما صرح الكرملين السوفيتي.

عاد البارزاني الذي حصل على لقب قائد في الجيش الأحمر في المنفى السوفيتي، إلى المكان الصحيح حتى وأن كان هناك سياسة أقل تعايشًا للأكراد في العراق.

لعب البالغ من العمر خمس وخمسين عامًا آنذاك دورًا قياديًا في جميع الانتفاضات الكردية ضد حكومة بغداد منذ عام 1930: كان برزاني قائد الجيش الكردي في "الجمهورية الكردية المستقلة"، التي تم تأسيسها بدعم من السوفيتيين بعد نهاية الحرب الأخيرة في شمال إيران، قبل أن يفر من القضاء الإيراني إلى الاتحاد السوفيتي.

كانت لا تزال سمعة البارزاني بين زملائه من القبائل قوية للغاية بعد عقد المنفى، حيث في منتصف ديسمبر من عام 1958 كانت هناك شائعات بأن عبد الكريم قاسم قد وضع العائد إلى بغداد (البارزاني) رهن الإقامة الجبرية, مما أدى إلى اضطرابات بين الأكراد العراقيين.

ناصر الملا مصطفى البارزاني الشيوعيين العرب وعبد الكريم قاسم ضد ناصر. فيما صرح رئيس أكبر حزب شيوعي في الشرق، خالد بكداش من الحزب الشيوعي (المحظور) في سوريا، بأن حركة ناصر العربية تمثل سياسة "البرجوازية القومية"، في حين تتماشى سياسات قاسم مع المصالح الحقيقية للشعوب العربية.

ذكرت صحيفة " Neue Zürcher Zeitung " في يناير 1959: "إن الأحزاب الشيوعية العربية لديها في الأسابيع الأخيرة هدف واحد، وهو تشكيل اتحاد من الدول العربية، التي ينبغي أن تميل إلى الاتحاد السوفيتي ولكن كان الحزب السوري الشيوعي قد عارض بالفعل تشكيل الجمهورية العربية المتحدة سلفاً والسر وراء ذلك، لا شك في أن رأي الشيوعيين العرب أن موسكو ليست مهتمة بجعل جمال عبد الناصر شخصاً مبالغًا فيه, خوفا أن يستولي الأخير على آبار النفط (العراقية)، وقبل كل شيء لأن ذلك من شأنه أن يعطيه فرصة لإقامة إمبراطوريته الخاصة، والتي تعتمد اليوم على مساعدة من الشرق والغرب.

إن إمكانية إنشاء نقطة انطلاق للاتحاد الموالي للاتحاد السوفيتي في العراق، وحتى إدراج سوريا والأردن في هذه الجمهورية ذات التوجه السوفيتي، كانت ربما جزءًا من خطة في موسكو.

في ضوء هذا التوازن السلبي بعد نصف عام من سياسة قاسم، عبرت صحيفة "نيويورك هيرالد تريبيون" عن قلقها بالقول: "لأول مرة منذ اتفاق هتلر وستالين خلال الحرب العالمية على تقسيم الشرق الأوسط، يمكن أن يتحول تهديد النفوذ الشيوعي في أكبر منطقة نفطية في العالم إلى حقيقة".

وعندما استقال ستة وزراء من حكومة قاسم في منتصف فبراير احتجاجًا على الحكم الذي صدر بحق عبد السلام عارف، فسرت مجلة نيوزويك الأمريكية هذه الخطوة على أنها استقالة للسياسيين من التسلل الشيوعي المتزايد باستمرار.

ومع ذلك، فإن الإنجليز، الذين كانوا نشطين بالفعل في الشرق الأوسط قبل أن ينقسم العالم إلى معسكرين شيوعي وآخر غير شيوعي، اكتشفوا أن الأعضاء الجدد في حكومة قاسم، كما كتبت لندن تايمز، كانوا يشعرون بالانجذاب لخطة الاقتصاد الشيوعي ولكن لم يكونوا معجبين مغفلين بالساسة السوفيتيين. وكتبت صحيفة التايمز: "في بلد مثل العراق، لا يمكن المساواة بين روسيا كمصدر للمساعدة وبين الشيوعية كفلسفة سياسية في نفس الوقت".

كان تقف قوى الشرق التاريخية في الحقيقة وراء النزاع الدائر بين العراق ومصر أكثر من الفكرة الشيوعية. إن الاستعداد الذي أظهره قاسم في الشراكة مع الشيوعيين يمكن أن يصطدم في حقيقة أن وراء موقف قاسم ضد ناصر سيكون هناك تطوراً ثقيلاً وطويلاً.

إن التنافس بين بلاد ما بين النهرين وأرض النيل هو أقدم من تاريخ الشعوب العربية نفسها التي تعيش في هذه الأراضي اليوم. وبما أن هناك حركة استقلال عربية، سيبقى هناك توتر بين بغداد والقاهرة.

سياسة الامتناع الذي فرضها آخر رئيس وزراء للعراق، المحافظ نوري السعيد، على بلاده بشأن جميع قضايا الحركة الثورية العربية الجديدة، جعل من مصر لبضع سنوات القوة الوحيدة المفترضة لنهضة الشرق الأوسط. فيما أعاد انقلاب يوليو في العراق علاقة التنافس الطبيعية بين الدولتين في غضون عام.

ومع ذلك، فإن إدانة عارف ومقاتل الحرية القديم الكيلاني، اللذين فقدا الثقة في قوتهما في سنوات طويلة من جرائم نوري السعيد القسرية ولم يشهدا الخلاص إلا بعد بزوغ قوة عبد الناصر ومع ذلك، فقد تحول هذا التطبيع أيضًا من الاتحاد إلى المعارضة العدائية.

غالبًا ما تم وضع العراق في طليعة الكفاح في الشرق الأوسط، مما أبقى للواء قاسم إرثا هائلاً بين شعوب الشرق الأوسط، وهو ما يمكن لسيد بغداد الجديد أن يسخره لقضايا جيل الشباب.

تسيد الهاشميون، الذين سقطوا في بغداد عرش الأردن واحيوا بذلك الأمل في قيام إمبراطورية عربية كبرى. في أكتوبر 1918، انضم فيصل الهاشمي الذي كان حفيده الملك فيصل الثاني البالغ من العمر 23 عامًا والذي قتل في بغداد في يوليو 1958 ,كحليف للبريطانيين في دمشق في الحرب ضد الأتراك. يبدو أن الحلم القديم أصبح حقيقة. ففي هذه المدينة وقبل وصول الأتراك بقرون، حكم هنا "الخلفاء" العالم العربي.

الحلم لم يدم طويلاً وبعد ظهور الرغبات الفرنسية في سوريا، قامت بريطانيا، القوة الوقائية للهاشميين، بنقل عرش فيصل من دمشق إلى العراق. لم يغفر الهاشميون لبريطانيا هذا الانتهاك للوعد المقدم في الحرب.

كان نوري السعيد أمين الأسرة الهاشمية الحاكمة، يرى دائمًا في بريطانيا بأنها تمتلك التفوق الطبيعي في العراق، وبمساعدتهم حاول موازنة الوضع في البلاد، بمشاركة تشكيله من الشيوخ.

نوري السعيد صديق بريطانيا، الذي أوقف نصف الانتفاضات المناهضة لبريطانيا، أراد وضع خططه الخاصة بإعادة تصميم العالم العربي. وقبل سنوات من اهتمام مصر - التي كانت تفكر في استقلالها القومي في ذلك الوقت، قدم نوري في عام 1943 خطة توحيد الدول العربية فيما يسمى "الهلال الخصيب".

لقد دافع العراقيون عن تشكيل دولة اتحادية من العراق و "سوريا الكبرى" - تتألف من سوريا ولبنان وفلسطين والتي ينبغي فيها نقل السياسة الخارجية والدفاعية والاقتصادية إلى مجلس اتحادي دائم. وكان على اليهود الحصول على وطن مستقل داخل سوريا الكبرى.

إن تنفيذ هذه الخطة، التي ألهمت بوضوح السوفيتيون في مشروعهم الأخير لكونفدرالية صديقة للسوفيتيين، مع التركيز على بغداد، وقد أزاحت هذه الخطوة مصر إلى حد كبير من العالم العربي وأشارت إلى التفوق الإفريقي: وهو الطريق الذي يأتي منه (نهر النيل) شريان الحياة لمصر ولم تكن فيه المتطلبات الطبيعية موجودة.

ومع ذلك، لم ترغب مصر بغلق الباب مع خصمها القديم، العراق. كتب الخبير الألماني في الشرق الأوسط فريدريك فيلهلم فيرناو عن فشل مشروع خطة نوري السعيد: " دخول مصر نسف إطار مشروع نوري السعيد. في القاهرة عُقد مؤتمر عام للحكومات العربية وكان برئاسة زعيم حزب الوفد المصري مصطفى النحاس وأبدى العراقيون استعدادهم للتعاون العربي، وأيضاً دول شبه الجزيرة العربية، التي تم استبعادها من مسودة نوري السعيد. في الإسكندرية وبعد المفاوضات التمهيدية المطولة تم إنشاء بروتوكول الإسكندرية لخريف عام 1944، والذي تم على أساسه بعد نصف عام، إنشاء جامعة الدول العربية. "

في جامعة الدول العربية، سرعان ما أصبحت مصر أقوى الأعضاء. وما دام الملك فاروق وحزب الوفد يحكمان في النيل، فقد عملوا من أجل إنشاء جبهة فدرالية تابعة للجامعة. لم ترغب حكومة القاهرة في عرقلة الطريق إلى إفريقيا من خلال التعاون الفعال في العالم العربي. ولذا تبخرت لاحقاً أيضاً خطط الوحدة مع العراق.

وصف فيرناو الجبهات في جامعة الدول العربية: "إن الانقسام بين الحل الألماني الكبير والصغير يجد إلى حد ما نظيره في العالم العربي الحالي". يفكر الفيدراليون في جامعة عربية كبيرة، بما في ذلك أكبر عدد ممكن من الشعوب الناطقة بالعربية وهو ما يشبه الاتحاد المرتخ الذي يصعب تصوره. أراد الاتحاديون في بادئ الأمر جلب الدولة العربية الصغيرة وضمها إلى "الهلال الخصيب".

التزم الزعيم الشعبي جمال عبد ناصر في البداية بالفكرة الفيدرالية المتمثلة في العلاقات العرضية، والتي قدمت ميزة القدرة على سكب الجماهير بشعارات عربية شاملة وفائقة دون أن تترك الخط الثابت لسياسات مصر ذات الوجهين، العربي والإفريقي على حد سواء.

لم يكن ناصر قد خرج عن هذا المسار حتى فبراير 1958، أي بعد أكثر من خمس سنوات من وصوله إلى السلطة في القاهرة: لقد ربط سوريا بمصر، وأطلق عليها اسم "الجمهورية العربية المتحدة". وكانت فقط الدولة الإقطاعية في اليمن مرتبطة بإمبراطورية ناصر الجديدة.

لم يسعد ناصر بالنمو الإقليمي السوري. أدى الاختلاف في المستوى الاقتصادي بين دولتي الجمهورية العربية المتحدة إلى توترات فكانت سوريا مقارنة بمصر تعتبر بلد ثري وزادت هذه التوترات مع إعلان الجمهورية العراقية. فقد كان يشكو السوريون من أنهم دخلوا في اتفاق مع القاهرة، بسبب القلق من الانقلاب الشيوعي، بينما بعد بضعة أشهر، كان من الممكن إقامة علاقة مع الجار العراق، والذي أصبح الآن متحرراً من التبعية الغربية.

أثارت محاولات عبد الكريم قاسم لإعادة تشكيل قوات عراقية تقليدية مناهضة لمصر شائعات عن حدوث تغييرات ثورية جديدة قادمة في الشرق الأوسط. وحتى صحيفة "تايمز" اللندنية الحذرة أبلغت عن وجود انقلاب عسكري مُنتظر في العراق. فيما أكد خبراء الشرق الأوسط البريطانيين: أن في هذا الصراع لا يمكن أن تنتصر موسكو ولا القاهرة.

 

مصطفى محمد غريبالبرنامج والمشروع السياسي: حوالي 16 عاماً من هيمنة أحزاب الإسلام السياسي على السلطة في العراق وبخاصة الأحزاب الشيعية والحزب الإسلامي وحلفاء لهم ، والتجربة التونسية وما جرى في مصر قبل وبعد الإطاحة بحكم الأخوان المسلمين، وما نشهده على الساحة الليبية من صراعات دموية، إضافة إلى الوضع المأساوي الذي شهدته سوريا والمشاريع الإسلامية المتطرفة (القاعدة وداعش) ثم تحول الجماهير في السودان نحو آفاق الديمقراطية ورفض للنهج الذي اتبعه حسن الترابي وبعده البشير، وفشل الحركة الإسلامية في الجزائروالمطالبة بالحكم المدني ، وما نشهده منذ حوالي 40 عام من الحكم الإسلامي في إيران والأزمة العامة وتدني الأجور وزيادة البطالة والفقر وتدني الخدمات والحياة المعيشية السيئة والتوجه العدواني والتدخل في شؤون البلدان الأخرى وخلق الأزمات المتتالية بما فيها البرنامج النووي، كل ذلك يظهر بدأ انحسار تأثير أحزاب الإسلام في الشارع العربي والإسلامي،

وما أثبتته التجربة بان المشروع الذي كانت تراهن عليه أحزاب الإسلام السياسي بتحويل الدين إلى دولة تستأثر بها وتقودها لمصلحة ضيقة على أسس غير ديمقراطية مع إرهاب وعنف لا مثيل لهُ مثلما حدث في عدة تجارب وخير مثال تجربة (الدولة الإسلامية في سوريا والعراق - داعش والقاعدة في أفغانستان) ثم المحاولات الرامية لتحويله من دين روحي إلى دين سياسي همه السلطة لا يختلف عما قبله من مشاريع قومية أو برجوازية باءت جميعها بالفشل .

المشروع الإسلامي باتجاهيه السني والشيعي التي أعدته أحزاب الإسلام السياسي في كواليسها أو كشفت قسماً منه بأنه غير صالح بتاتاً للمنطقة العربية والإسلامية ومتخلفاً عن ركب التغيير الذي حدث في العالم اجمع وفي الحقب الأخيرة على المنطقة العربية والدول الإسلامية، حيث بات شعار الحرية والديمقراطية والحكم المدني شعاراً عملياً واقعياً مرغوباً فيه بما يحمل من معاني وثوابت علمية وإنسانية وحضارية تتمكن الشعوب بواسطته الوصول إلى الأمن والسلام واحترام حقوق الإنسان والمكونات التي تتعايش منذ مئات السنين بينها، وحتى كبح العدوانية الرأسمالية التي يكمن في جوهرها العدوان والاستغلال ونهب خيرات الشعوب بما فيها شعبها المحدد.

وكما اشرنا حول تعثر المشروع الطائفي الإسلامي وما صاحبه من فشل تدريجي ملموس في جميع الجوانب وبخاصة قيادة الدولة والمجتمع، الفشل يعود إلى التناقض ما بين اللاواقع والواقع الموضوعي بين المتطلبات الحياتية والمعيشية والصراع من اجل حياة أفضل وبين الأحلام الرومانسية والوعود الواهية على قاعدة الغيبيات، التناقض بين قطب الأغنياء القدماء والجدد الذين اغتنوا على حساب الدين وهم القلة وبين قطب مئات الملايين من الناس الفقراء المعدمين والعاطلين عن العمل والمستغلين قوة عملهم وفكرهم.

المشروع المذكور منذ بدايته دل على قضايا مهمة كونه

1 ـ المشروع الإسلامي والطائفي لكلا الطرفين ثم الدخول على الخط بالنسبة للتطرف السلفي " القاعدة والتنظيمات التكفيرية والميليشيات الطائفية" ودعم دول الجوار بما فيها سوريا في البداية وغيرهما

2 ـ التطرف الأصولي الشيعي" الميليشيات الطائفية المسلحة التابعة " وتنظيمات علنية وسرية تُدعم من قبل الدولة الإيرانية لتنفيذ أجندتها الخاصة في الدول المعنية والمنطقة " أكثرية أحزاب الإسلام السياسي الشيعي في العراق وأحزاب وتنظيمات عراقية متعددة ثم حزب الله في لبنان وغيره من الأحزاب التي تعمل في السر.

لقد شاهدنا في البداية تصاعد الأصوات الانتخابية لصالح الإسلام السياسي وفق أسباب ذكرناها حول فشل المشروع القومي المتطرف وهذا ما حدث في العراق ثم في تونس وفي مصر والحبل على الجرار..

يبقى أمر في غاية الأهمية، قضية آفاق هذه العملية وهو أمر على غاية من الوضوح ونتيجته الملموسة أمامنا في المشروع الإسلام السياسي الديني الذي كلن يخطط له في العراق، فبعد أن هيمنت أحزاب الإسلام السياسي الشيعي على السلطة وأجراء الانتخابات التشريعية بدأ العد التنازلي للمشروع الديني لأسباب كثيرة منها

1 ــ التناقضات بين الخطاب السياسي الديني وبين الخطاب المدني الديمقراطي .

ــ التناقضات الداخلية بين قوى أحزاب الإسلام السياسي في رحم الطائفية أو مع الطرف الآخر.

2 ـ الصراع بين أحزاب الإسلام السياسي الطائفية وإهمال المطالب الشعبية الملحة.

3 ــ حتمية تطور الوعي الاجتماعي والتطورات على البنية الطبقية والاجتماعية والصراع الطبقي

4 ــ خرق حقوق الإنسان والتجاوز على الحقوق والحريات المدنية والشخصية وعلى منظمات المجتمع المدني وحقوق الإنسان.

5 ــ استمرار تردي الأوضاع الأمنية والاقتصادية والمعيشية والبطالة والفقر وحوالي30% تحت خط الفقر في العراق ونسبة عالية في دول أخرى مثل مصر وسوريا واليمن وسوء الخدمات العامة... الخ

6 ــانتشار الميليشيات الطائفية التي أخذت تضاهي القوات المسلحة من حيث القوة والعدد والسلاح والقيام بمهمات ليس من اختصاصها بما فيها الاعتقال والتعذيب والخطف وحتى الاغتيال.

7 ــ استغلال الدولة لأغراض سياسية دينية واستغلال الدين لتمرير جوهر التوجهات نحو إقامة دولة لا ديمقراطية بقبضة المركزية والقائد المتسلط الفذ، والطائفية الدينية والمذهبية.

وهذا ما يبشر بتداعيات هذه الاتجاهات وتباين المواقف على عمليات الانتخابات القادمة، كما يقال لا مستقبل للقوى التي تضلل الجماهير ولا بد أن ينحسر تواجدها التنظيمي والجماهيري عندما تبدأ قوى الإسلام السياسي بشقيها..

أولاً: أحزاب الإسلام السياسي كلا الطرفين لا تستطيع إقامة الدولة المدنية الديمقراطية بفهمها المدني الديمقراطي ، ولن يتخلى البعض منها عن النهج الطائفي والسلاح.

ثانياً: لا تستطيع تنفيذ وعودها الانتخابية التي أطلقتها في برامجها إلا حسب نظرتها الضيقة وبالعودة إلى أساليب القمع والإكراه والتزوير والرشاوى لشراء الذمم..

ثالثاً: لا تستطيع أيضاً تلبية وتحقيق مطالب الجماهير في قضايا حيوية ومطلبية آنية ومستقبلية وفي مقدمتها العدالة الاجتماعية.

رابعاً: لا تتمكن من إقامة الدولة الدينية وفشل مشروعها الديني ومحاولات لتزاوج القوانين الموضوعية وإخضاعها لبعض أحكام الشريعة والدين

خامساً: البعض من النجاحات في الوضع السياسي لا يمكن أن يحل الإشكال بين المفهوم الديني والمفهوم المدني العلماني ومن الصعوبة بمكان أن تمضي أحزاب الإسلام السياسي في قيادة ونجاح التحولات الاقتصادية نحو الاستقلالية وتحقيق القضايا المطلبية الشعبية، وخير مثال تدني الخدمات وتزايد الفقر والبطالة والأوضاع الصحية والتعليمية السيئة وعدم وجود برامج علمية للتخلص من الأزمات الحادة والتي أصبحت آفة تنهش بحياة ومعيشة المواطن وأمنه مثل أزمة الكهرباء والماء والخروقات الأمنية والفساد المالي والإداري والسرقات والتلاعب بالمال العام والسرقات في المجال النفطي وعدم حل الخلافات مع حكومة الإقليم والمناطق المتنازع عليها بما فيها قضية كركوك، وتزوير الانتخابات والتبعية للقوى الخارجية بما فيها دول الجوار وهناك الكثير من الأزمات والقضايا الأخرى.

" يتبع "

 

حامد الحمدانيلم تكن ثورة 14 تموز 1958 المجيدة حدثاً آنياً على الإطلاق، بل كانت في الحقيقة نتيجة تراكم كمي هائل من التناقضات بين الحاكمين والمحكومين عبر أربعة عقود من الزمن امتدت منذُ الاحتلال البريطاني للعراق إبان الحرب العالمية الأولى حتى قيام الثورة.

لقد خاض شعب العراق خلال هذه الحقبة الزمنية الطويلة صراعاً مريراً ضد الاحتلال البريطاني في بادئ الأمر، وتجلى ذلك الصراع في ذروته في [ثورة عام 1920]، عندما حمل الشعب العراقي السلاح بوجه المحتلين، وأمتد لهيب الثورة ليشمل العراق كله، من أقصاه إلى أقصاه، وقد كلفت تلك الثورة المحتلين خسائر جسيمة في الأرواح والمعدات، وأثقلت كاهل الاقتصاد البريطاني المتعب أصلاً، بسبب التكاليف الباهظة للحرب العالمية الأولى، والتي كان لبريطانيا الدور الأساسي فيها .

وفي نهاية المطاف اضطرت بريطانيا إلى تغيير تكتيكاتها السياسية والعسكرية في العراق ولجأت إلى تأليف حكومة محلية موالية لها، وجاءت بالأمير فيصل ابن الحسين ملكاً على العراق، وجمعت حوله العديد من الضباط الشريفيين الذين خدموا في الجيش العثماني، كان منهم نوري السعيد، وجعفر العسكري، وياسين الهاشمي، وطه الهاشمي، وعلي جودت الأيوبي ومولود مخلص، وبكر صدقي، والعديد من الضباط الآخرين.

كما جمعت بريطانيا العديد من شيوخ العشائر حول النظام الجديد، وملّكتهم مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية، ومنحتهم سلطة واسعة على الفلاحين، وضمتهم إلى المجالس النيابية، ومجالس الأعيان، وبذلك خلقت بريطانيا طبقة حاكمة تعمل لخدمة مصالحها، وتخوض الصراع مع الشعب نيابة عنها، وكانت باكورة تلك الخدمات التي قدمتها الطبقة الحاكمة الجديدة للإمبريالية البريطانية إقرار معاهدة عام 1922، والتي أعطت لبريطانيا الهيمنة الكاملة على مقدرات العراق العسكرية والسياسية والاقتصادية، وجعلت من العراق واحة بريطانية.

وهكذا انتقل الصراع المباشر بين الشعب العراقي والإمبريالية البريطانية إلى صراع مباشر مع السلطة الحاكمة السائرة بركاب الإمبريالية، وخاض الشعب العراقي المعارك المتواصلة مع تلك السلطة، ودفع ثمناً باهظاً من دماء أبنائه البررة من أجل تحقيق طموحه في الحرية والاستقلال ومن أجل حياة كريمة لأبنائه، وتوجيه موارد البلاد لتحقيق مستوى معيشي لائق بدل توجيهها لخدمة المخططات والمصالح الأجنبية قد تجلت تلك المعارك، وذلك الصراع خلال أربعة عقود من الزمن في الأحداث التالية:

1 ـ معركة الشعب ضد إقرار معاهدة عام 1922: التي قيدت العراق بقيود ثقيلة أعطت بموجبها لبريطانيا هيمنة مطلقة على مقدرات العراق، وقد فرضها المندوب السامي البريطاني على المجلس التأسيسي مهدداً إياه بالحل إذا لم يصادق عليها، وقد تصدى الشعب العراقي للمعاهدة بمظاهرات صاخبة، أنزلت الحكومة على أثرها قوات الجيش والشرطة إلى الشوارع، وقمعتها بالقوة المفرطة، ودفع الشعب العراقي تضحيات كبيرة في أول صراع يخوضه ضد الحكم الملكي وضد الهيمنة البريطانية.

2 ـ التصدي لمعاهدة 1930: التي عقدها نوري السعيد والتي كرست الهيمنة البريطانية على العراق من جديد. لقد مهدت السلطة بزعامة نوري السعيد والبلاط الملكي السبيل لإبرام المعاهدة، فاتخذت قراراً بحل المجلس النيابي، أتبعته بإجراءات قمعية لا دستورية، حيث عطلت أكثر من عشرين صحيفة وأحالت العديد من الصحفيين إلى المحاكم، ومنعت الاجتماعات والتجمعات والمظاهرات، وكممت أفواه الشعب، وقامت بأجراء انتخابات مزورة، أسفرت عن برلمان خاضع كلياً لإرادة السلطة والمندوب السامي البريطاني، واستطاع نوري السعيد إبرام المعاهدة المذكورة، على الرغم من رفض الشعب وقواه الوطنية لها، مما عمق التناقض بين الشعب وحاكميه، وتم قمع مظاهرات الشعب بالحديد والنار .

3ـ الاحتلال البريطاني الثاني للعراق عام 1941: على أثر قيام حركة رشيد عالي الكيلاني، وقد خاض الشعب العراقي جنباً إلى جنب مع الجيش العراقي معارك الحرية ضد الاحتلال ودفع ثمناً باهظاً من دماء الشهداء البررة، لكن القوات البريطانية، بما تملكه من أسلحة ومعدات وجيش مدرب، تمكنت من فرض سيطرتها على العراق عسكرياً من جديد.

4 ـ وثبة كانون الثاني المجيدة عام 1948: احتجاجاً على قيام حكومة صالح جبر ـ نوري السعيد بتوقيع [معاهدة بورتسموث] بعد أن أوشكت معاهدة عام 1930 على الانتهاء، واحتجاجاً على الموقف الخياني للحكومة من القضية الفلسطينية وقيام دولة إسرائيل، وطرد السكان العرب من فلسطين والذين لا يزالون إلى يومنا هذا لاجئين في العديد من البلدان العربية والأجنبية، وقد استطاعت تلك الوثبة إسقاط حكومة صالح جبر ـ نوري السعيد.

5ـ وثبة تشرين المجيدة عام 1952: بسبب تردي الأوضاع المعيشية للشعب، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، وانتهاك الحقوق والحريات العامة للشعب، وانتهاك الدستور وتعطيله، وإعلان الأحكام العرفية، وتعطيل البرلمان، وقد أوشكت تلك الوثبة الشعبية على إسقاط النظام الملكي آنذاك لولا إقدام الوصي على العرش عبد الإله إلى إنزال الجيش إلى الشوارع، وقمع الوثبة بالقوة العسكرية.

6 ـ عقد حلف بغداد: الذي ضم كل من العراق وتركيا وإيران وباكستان وبريطانيا بالإضافة إلى ارتباط الولايات المتحدة باتفاقات ثنائية مع هذه البلدان، مما جعلها تهيمن هيمنة مطلقة على الحلف الذي كان موجهاً ضد الاتحاد السوفيتي آنذاك على الضد من مصالح الشعب.

 لقد مهدت حكومة نوري السعيد التوقيع على الحلف بشن حملة شعواء ضد الشعب وقواه السياسية الوطنية، وتصفيته لسائر الحقوق والحريات العامة، وغلق الأحزاب السياسية والصحف، وتعطيل الدستور، وحل البرلمان الذي جرى انتخابه للتو بعد افتتاحه وإلقاء خطاب العرش مباشرة بسبب فوز 11 نائباً من الجبهة الوطنية من مجموع 121 نائباً، وأجرى انتخابات جديدة لبرلمان دعي بـ [ برلمان التزكية] حيث تم منع أي معارض للترشيح في تلك الانتخابات وفاز مرشحو الحكومة بالتزكية دون منافس.

7ـ انتفاضة الشعب عام 1956: على أثر العدوان الثلاثي البريطاني والفرنسي والإسرائيلي بسبب تأميم عبد الناصر لقناة السويس، ودعم حكومة نوري السعيد للعدوان، وقد تصدت حكومة السعيد لتلك الانتفاضة بأقصى درجات العنف الذي مارسته القوات القمعية للسلطة، وفي ظل الأحكام العرفية، والمحاكم العسكرية والسجون التي امتلأت بالوطنيين.

8 ـ قيام جبهة الاتحاد الوطني: التي ضمت الأحزاب الوطنية المعارضة، كل من الحزب الوطني الديمقراطي، وحزب الاستقلال، والحزب الشيوعي، وحزب البعث، والتحالف الثنائي بين الحزب الشيوعي والحزب الديمقراطي الكردستاني بعد رفض الأحزاب القومية انضمام الحزب الديمقراطي الكردستاني للجبهة بسبب فكرهم القومي الشوفيني المعادي للقومية الكردية.

 9 ـ قيام تشكيلات عسكرية معارضة داخل الجيش: وكان أهمها تنظيمات عبد الكريم قاسم، ومحي الدين عبد الحميد، ورفعت الحاج سري، وتنظيم الحزب الشيوعي، وقد توحدت هذه التنظيمات فيما بعد تحت اسم [اللجنة العليا لحركة الضباط الأحرار] عدا تنظيم الحزب الشيوعي الذي أعلن أنه سيساند أي تحرك عسكري لحركة الضباط الأحرار دون تردد، بسبب ظروف تنظيمية خاصة بالحزب، وقد قام بالفعل بدور بارز في تنفيذ وإسناد الثورة، وقد تم التلاقي بين جبهة الاتحاد الوطني واللجنة العليا للضباط الأحرار، وتم الاتفاق على التنسيق بين الجانبين السياسي والعسكري لتعبئة الجماهير الشعبية لهذه الأحزاب لتمارس دورها لإسناد أي تحرك للجيش ضد النظام الملكي .

وبالفعل قامت الجماهير الشعبية بدورها المرسوم خير قيام وقدمت إسناداً فورياً لثورة الرابع عشر من تموز 1958 التي استطاعت بفضل ذلك الإسناد تحقيق النصر الخاطف خلال ساعات معدودة، وتم إسقاط النظام الملكي المرتبط بعجلة الامبرياليين، وإقامة الجمهورية العراقية.

لقد تشكلت في العراق ولأول مرة حكومة وطنية خارجة عن إرادة الإمبرياليين بقيادة الزعيم الشهيد عبد الكريم قاسم، واستطاعت حكومة الثورة أن تقدم إنجازات كبيرة وهامة لا يمكن نكرانها محدثة ثورة اجتماعية حقيقية في حياة الشعب من خلال تصفية النظام الإقطاعي وتحرير الفلاحين الذين يمثلون 75% من أبناء الشعب من عبودية الاقطاعيين، ويمكننا إيجاز أهم الإنجازات لثورة 14 تموز من دون التوسع فيها في هذه العجالة بالتالي:

1 ـ إصدار قانون الإصلاح الزراعي: الذي جرى بموجبه تصفية الإقطاع وتحرير الفلاحين وتوزيع الأراضي عليهم، وعلى الرغم من الثغرات التي حواها القانون والتي استفاد منها الاقطاعيون، لكنه في كل الأحول كانت ثورة اجتماعية غيرت طبيعة المجتمع العراقي.

2 ـ إصدار قانون الأحوال المدنية: الذي صب في خدمة المرأة العراقية التي تمثل نصف المجتمع العراقي وأنصافها، والتأكيد على حقوقها المشروعة التي سلبها منها المجتمع الذكوري، والقانون يمثل جانباً آخر في الثورة الاجتماعية بلا أدنى شك.

3 ـ الخروج من حلف بغداد الذي ربط العراق بالمخططات العدوانية: حيث تم اتخاذ سياسة مستقلة، وبناء علاقات متكافئة مع سائر بلدان العالم وفي المقدمة الإتحاد السوفيتي والمعسكر الاشتراكي، على أساس احترام سيادة واستقلال العراق والمصالح المشتركة.

4 ـ الخروج من منطقة الاسترليني: حيث كان الدينار العراقي مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالباون البريطاني ينخفض كلما انخفض الباون، وهذا ما حدث له خلال الحرب العالمية الثانية مما تسبب في تضخم نقدي، وارتفاع الأسعار، وحدوث أزمة اقتصادية ومعيشية خانقة عانى منها الشعب العراقي أشد المعاناة، وبذلك تحرر العراق من الهيمنة النقدية البريطانية، وتمكن من تنويع مصادر العملات النادرة، واستلام موارده النفطية على أساس سلة من العملات الأجنبية من بينها الدولار الأمريكي وعملات أخرى.

5 ـ معركة النفط مع الشركات الاحتكارية، وصدور القانون رقم 80: الذي تم بموجبه سحب 99، 5 %من المناطق العراقية الحاوية على خزين كبير من الثروة النفطية، بعد أن عجزت حكومة الثورة عن إقناع تلك الشركات باستثمار تلك المناطق بالنظر لحاجة العراق للتنمية الاقتصادية، مما اضطر الزعيم عبد الكريم قاسم إلى إصدار القانون المذكور وسحب تلك المناطق من الشركات الاحتكارية، والإعلان عن تأسيس شركة النفط الوطنية.

لقد وجه القانون ضربة كبرى للمصالح الاحتكارية الغربية، مما أثار حنق وحقد شركات النفط على الثورة وقيادتها، وجعلها تصمم على اغتيال ثورة 14 تموز وقائدها الشهيد عبد الكريم قاسم، وهذا ما تم بالفعل على أيدي عملاء الإمبريالية في حزب البعث وحلفائه القوميين الآخرين في انقلابهم المشؤوم في الثامن من شباط 1963، حيث جرى اغتيال الثورة وقادتها، وقادة الحركة الوطنية والديمقراطية الأماجد، منهم قادة وكوادر وأعضاء الحزب الشيوعي العراقي، وفي المقدمة منهم سكرتير الحزب الشهيد سلام عادل وصحبه الأبرار بأسلوب التعذيب البشع الذي يندى له جبين الإنسانية.

6 ـ توقيع اتفاقية التعاون الاقتصادي مع الإتحاد السوفيتي والمعسكر الاشتراكي: لغرض استكمال تحرره السياسي بالتحرر الاقتصادي، وبناء البنية التحية للعراق من خلال قيام الصناعة الوطنية والمشاريع الحيوية التي يحتاجها العراق، وتحرير التجارة من هيمنة الإمبرياليين وشروطهم المجحفة، وقد استطاع العراق الحصول على قرض من الاتحاد السوفيتي بمبلغ 55 مليون دينار بفائدة بسيطة لا تتجاوز2، 5 % لتغطية نفقات التصاميم والمسوح، والبحوث، وكذلك المكائن والآلات والمعدات، والاستفادة منها خلال 7 سنوات من تاريخ توقيع الاتفاقية.

وبموجب الاتفاقية تعهد الاتحاد السوفيتي بتقديم كافة المساعدات الفنية، والخبراء والاستشارات ونصب المشاريع، وتنفيذها، وتدريب العراقيين للعمل عليها، وقد شملت تلك المشاريع، الفولاذ والأسمدة، والكبريت، والأدوية، ومعامل إنتاج المكائن والآلات الزراعية ومعمل اللوازم والعدد الكهربائية، ومعمل المصابيح الكهربائية، ومحطة إذاعة، مع أربع مرسلات، ومعمل للزجاج، ومعامل للمنسوجات القطنية والصوفية والتريكو، ومعمل للتعليب وبناء سايلوات كونكريتية للحبوب، ومساعدات فنية لتأسيس خمس مزارع حكومية، ومشاريع الري والبزل للأراضي الزراعية، وتأسيس أربعة محطات لتأجير التراكتورات، هذا بالإضافة إلى القيام بأعمال المسح الجيولوجي، وتصليح الأجهزة الجيولوجية، كما نصت الاتفاقية على بناء خط سكة حديد جديد بين بغداد والبصرة.

لقد اعتُبرت تلك الاتفاقية خطوة جريئة من جانب حكومة الثورة لبناء القاعدة الأساسية للاقتصاد العراقي، وتحريره من التبعية للدول الإمبريالية. كما استطاعت حكومة الثورة أن تعقد مع الاتحاد السوفيتي اتفاقية أخرى لتسليح الجيش العراقي والحصول على الأسلحة المتطورة التي حرمه منها الإمبرياليين، وبأسعار تقل كثيراً جداً عن الأسلحة الغربية.

7 ـ إنجازات حكومة الثورة في الحقل الاجتماعي:

كان على حكومة الثورة أن تقوم بالعديد من الإجراءات ذات البعد الاجتماعي المتعلقة بحياة الشعب المعيشية منها:

1 ـ تخفيف الضرائب غير المباشرة عن أبناء الشعب.

2 ـ تخفيض إيجار المساكن، والمحلات التجارية.

4 ـ زيادة رواتب الموظفين والعمال، ووضع رقابة على الأسعار.

5ـ توزيع مئات الألوف من قطع الأراضي السكنية لذوي الدخل المحدود، والموظفين والعمال لغرض بناء دور لهم عليها، وتقديم كل المساعدات الممكنة والقروض بشروط بسيطة لإنجاز بنائها.

6 ـ إلغاء حزام الفقر حول بغداد من الصرائف وبيوت الطين التي أقامها مئات الألوف من الفلاحين الهاربين من جور الإقطاع والعبودية والاستغلال، وقيام الحكومة ببناء مدينتي الثورة والشعلة، وتوسيع مدينة الحرية، وتوزيع آلاف المساكن على هؤلاء المعدمين والبؤساء.

7 ـ فتح معاهد الأيتام والأطفال المشردين، والأحداث الجانحين، والاهتمام بتربيتهم، ونشأتهم نشأة صالحة.

8 ـ تقليص ساعات العمل، وجعلها 8 ساعات، بعد أن كان العمال يعملون من شروق الشمس وحتى غروبها.

9 ـ تشجيع استثمار رأس المال الوطني في المشاريع الصناعية بدلاً من الاستثمار العقاري والمضاربة العقارية.

10 ـ تطبيق قانون الضمان الاجتماعي للعمال الذي صدر عام 1956، ولم ينفذ حتى قيام الثورة

11 ـ فتح مجال الاستيراد والتصدير لكل فئات البرجوازية الوطنية، بعد أن كانت حكراً على كبار الرأسماليين المرتبطين بالنظام السابق.

12 ـ حماية الصناعات الوطنية أمام المنافسة الأجنبية.

13 ـ وضع حد لتهرب كبار الرأسماليين من دفع الضرائب.

14 ـ رفع معدلات التصدير للحبوب والجلود والتمور وغيرها.

15 ـ سن قانون ضريبي جديد، وشمول الإنتاج الزراعي بالضريبة، حيث كان الإقطاعيون لا يدفعون الضرائب عن الإنتاج.

16 ـ إلغاء تكبيل السجناء بالحديد، وتخفيض عقوباتهم إلى خمس المدة.

17 ـ سن قانون مكافحة البغاء، وإنشاء مراكز إصلاح إجبارية لكافة المومسات، من أجل  إصلاحهن، وتوجيههن نحو حياة جديدة ذات بعد إنساني، وتأمين مصدر دخل لهن.

18 ـ توسيع وتطوير كافة الخدمات الصحية، والتعليمية، وبناء الطرق والجسور، والمشاريع الصناعية، قدر توفر الامكانات المادية اللازمة لذلك.

19 ـ تأسيس جامعة بغداد، وتوسيع القبول فيها، من أجل تخريج الكوادر التي يحتاجها الوطن في عملية البناء والتطور والنمو في كافة المجالات الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والصحية وغيرها من المجالات الأخرى.

هذه هي أهم الانجازات التي حققتها ثورة 14 تموز بقيادة الشهيد عبد الكريم قاسم خلال عمرها القصير، والذي تخللته صراعات عنيفة بين القوى السياسية، وتآمر مكشوف ومتكرر من قبل القوى البعثية والقومية، وتحالفها مع القوى الإمبريالية حتى تم لهذه القوى اغتيال الثورة وقادتها، وقادة الحركة الوطنية، وإغراق العراق بالدماء.

 

حامد الحمداني

................

ملاحظة: للإطلاع على المزيد من المعلومات عن ثورة 14 تموز راجع كتابنا [ ثورة 14 تموز في نهوضها وانتكاستها واغتيالها].

 

عبد الجبار نوريتوطئة: تولى السيد عادل عبدالمهدي المنصب في 25 أكتوبر 2018 وطرح برنامجه الوزاري أمام البرلمان ليأخذ مكانهُ على ذمة الأعلام العراقي الذي أثار عليه موجة هستيرية من جدال فرقاء الكتل السياسية والشعبوية والأحزاب السياسية وعموم الجمهور العراقي، وقد لفت نظري حينها إلى تغريدة سوداوية من أحد النواب المشاكسين على صفحات التواصل الأجتماعي مفادها (إن برنامج رئيس الوزراء عادل عبد المهدي لا يتمكن تنفيذهُ تشرشل وكليمينت وروزفيلت وأديناوروبمساعدة هتلر وموسوليني وصدام).

للحقيقة والحق أن البرنامج واسع وشامل ودقيق جاء في 121 صفحة، ويرقى إلى بروستريكا أصلاح أقتصادي أو في خارطة عمل  لأخراج العراق من عنق الزجاجة، وللحقيقة أيضاً أن المنهاج دراسىة مستفيضة أقرب من كونهِ منهاجا مُعداً مسبقاً، وقلتُ حينها  أن مرّتْ الأربع سنوات ولم يخرج (السيد) ورقة الأستقالة من جيبهِ وهو قد أنجز 60% من البرنامج يستحق أقامة تمثال لهُ وسط بغداد بجوار جدارية الحرية لجواد سليم .

لقد جاء البرنامج بخطوات أيجابية ومفيدة حيث أكد على ترشيق مجلس الوزراء في أحداث ثورة جذرية في أبعاد الفاسدين والفاشلين في حرية أختيار الوزراء أي الأبتعاد عن المحاصّة الكتلوية والحزبية، والتأكيد على الهوية العراقية والأبتعاد عن التبعية، وأحسن في ديباجة المنهاج أن المسؤول هو خادم للشعب، وأن السلطة ليست ملكاً لحزب أو عشيرة أو طائفة أو قومية، والأولوية للعلم والمعرفة والفضيلة، وشيءٌ جيد حين ذكر في مقدمة المنهاج الوزاري : أنهاء الفوضى التشريعية وتصفية القوانين وغربلتها لتكون للدولة فلسفة تشريعية واحدة، أعادة تنظيم القضاء بما يحقق أستقلالية القضاء، وأبعاد العراق عن أية منظومة للعقوبات والحصار الأقتصادي، ومكافحة الفساد وهدر المال  العام والخروج من الأقتصاد الريعي، بناء دولة واحدة وليس دويلات متداخلة، أنهاء نظام المناصب بالوكالة والتحايل على القانون، منع الممارسة الخاطئة في حق الأستجواب، منع الحشد والبيشمركة في التدخل والتأثير على السلطات الثلاثة، والتأكيد على حرية الفكر والضميروالعقيدة، ولكن للأسف ليس في العراق المأزوم والمهزوم والمنهوب محكوم بطلاب حكومة لا طلاب دولة منخورة وموبوءة بالمحاصّة الأثنية والطائفية والمناطقية والتي أخذت شكل دويلات المدن الأندلسية، ويظهر أن الكتل السياسية فشلت في تشكيل الكتلة الأكبر عدداً مما يؤهلها بتسمية مرشحها الجديد فأتجهت الأنظار إلى الدكتور عادل عبدالمهدي فهو المرشح التوافقي لتجاوز الأزمات التي تخيم على الوضع السياسي في العراق .

مع هذا وذاك أن المنهاج الوزاري جاء خلال ظروف سياسية معقدة ومتشابكة في الداخل والخارج الأقليمي والدولي بولادة قيصرية ولما يكمل الجنين، بل كان الطرح عجولا في أكل العنب فأكلهُ ( حصرما ) وأطعم الشعب من ذاك الحصرم والذي حصل على درجة أمتحانية 1% من أنجاز المنهاج الوزاري خلال عشرة أشهر من أستيزارهِ لكون المنهاج ملوث بمطبات وهفوات وهنات سياسية وأجتماعية وأقتصادية وأليك بعضها :

- عدم وجود مفهوم العدالة الأجتماعية في البرنامج الحكومي وخاصة في حل مشاكل السكن والنقل والعشوائيات والبطالة والحقوق المدنية./ رائد فهمي

- خلو البرنامج لمبدأ عدم دخول العراق في المنازعات الدولية وسياسات المحاور.

- ولم يتطرق إلى حل الخلافات والمنازعات بين الوقفين السني والشيعي، بل بتوحيدهما بوقفٍ واحد كما كان في السابق .

- ولم يذكر البرنامج إي خطوة بأتجاه تدهور الصناعة في العراق، مع أفتقارالبرنامج لخطة أستراتيجية لتفعيلها عموماً.

- البرنامج لم يشرْ إلى الملف الأمني والخدمي والتربوي في المحافظات المحررة، وأعادة أعمارها وتقديم الخدمات لها .

- البرنامج لم يتطرق لعمل الهيئات المستقلة للرقابة .

- عدم وجود أية أشارة في برنامج عادل عبد المهدي لضرورة محاسبة الفاسدين وأسترجاع المال العام المهرب البالغة عشرات المليارات من الدولارات .

- لم يشر البرنامج لموقف العراق من أعادة أنتشار القوات الأمريكية وبناء قواعد عسكرية لها وكذلك موقف العراق من التواجد التركي في بعشيقة .

- خلوالبرنامج لوضع خطة لأهم أشكالية أقتصادية في ( أحادية ) الجانب الأقتصادي والأعتماد على تصدير النفط الخام وخاصة أن لهُ تخصص أكاديمي في موضوع الأقتصاد .

أهم التحدياتأمام المنهاج الوزاري /

-الأحزاب العراقية وما أكثرها كما وليس نوعاً والفعالة منها أكثر من 50 حزب يتركز جهودهُ على حصد أكبر عدد من الحقائب الوزارية دون الألتفات إلى البرنامج الحكومي المطروح، وأن هذه الأحزاب السياسية أتفقت على المشاركة في الحكم بدون أستثناء تحت خيمة المحاصصة والغريب أنهم يرفضون المعارضة التي هي من أسس البناء الديمقراطي للحكم السليم كما نراهُ في بريطانيا والسويد وعموم دول الغرب .

- تواجه الحكومة من التحديات الضخمة أبرزها أعادة أعمار البلد الذي تدمر خلال الحرب على داعش والتي أستمرت تلك الحرب الشرسة مدة ثلاث سنوات، وضرورة الأهتمام بالبنى التحتية على العموم، ويظهر أن الكتل السياسية فشلت في تشكيل الكتلة الأكبرعدداً مما يؤهلها بتسمية مرشحها الجديد، ومشكلة أعادة هيبة الدولة العراقية والمؤسسة العسكرية بعد أن تراجع دورها بسبب الأحتلال الأمريكي وأنتشار قواعده العسكرية في عموم العراق، وكذا الحال في تواجد ألأحتلال التركي لبعشيقة منذ أربع سنوات والتوسع الأيراني والسعودي في النفوذ والتأثير،

- تحدي أستمرارية حرب الأستنزاف في تتبع الخلايا النائمة وأعوانها في المناطق المحررة، أضافة إلى الحالة الفوضوية المتزايدة في جميع مفاصل الدولة، وعلى العموم أنصافاً لرئيسنا الجديد أنهُ أستلم أرثاً ثقيلاً من اسلافه العبادي والمالكي محتويات هذا الأرث المقرف الممجوج كماً ونوعاً موبوءاً بالأزمات السياسية والأجتماعية ومديونياتٍ ثقيلة خارجية وداخلية أضافة إلى تحسين الخدمات الأساسية التي كانت سبباً في أشعال الشارع العراقي وخصوصاً في البصرة التي توعدت الحكومة بتجديد تظاهراتها بعد أربعينية الحسين برفع سقف مطاليبها إلى طلب حق الأقليم للبصرة .

- شباك المحاصصة المقيتة فالمهدي يجد صعوبات جمّة في تمريرالوزارات السيادية خصوصا وزارتي الداخلية والدفاع،أضافة إلى أن الحكومة (بلا) تربية أي بدون وزير تربية، بأعتقادي سوف يسقط رئيس الوزراء في تلك الشباك اللعينة لكون لا يزال الخلاف قائم على تلك الوزارتين السياديتين لكونها تتوالى الضغوطات على عادل من بعض الأحزاب المسنودة بأجندات أجنبية ولا أخفي عليكم حين أذكرها بالأسم (أمريكا وأيران والسعودية وتركية أردوغان)، أي أن على الساحة السياسية أقطاب وأمبراطوريات مستقتلة وقوية تمتلك السلاح والمال المنهوب الذي أستقر في جيوبهم، والمشكلة هنا مركبة فيها تحدي للمرجعية التي وضعت الخط الأحمر لشخصية الرئيس الجديد في الحزم والتكنوقراط بينما كابينتهُ ليست تكنوقراط عدا ثلاثة منهم فقط، فهو أذاً قد وقع في شباك المحاصصة في أختيار كابينته الوزارية .

- الشبهات التي تدور حول الوزراء الجدد والتي تبيّن أن بعضاً منهم عليه ملفات فساد وآخر مطلوب من المساءلة والعدالة وثمة آخر متهم بتزوير الشهادة وآخرين قد زاروا سجن (بوكا) وشُمل بالعفو، حقاً أنهُ موقف محرج لرئيسنا الجديد هل سيخرج ورقة الأستقالة ؟!أم يحيل أوراقهم ألى مفتي الديار!!!؟

- سيواجه عادل عبدالمهدي طلائع (المقاومة) العراقية ضد الأحتلال الأمريكي سواء كانت من الشيعة أو السنة فهي تهدد البقاء الأمريكي الحليف للعراق – كما تزعم أبجديات الأمبريالية – فكان للتصريح الناري الذي أطلقهُ أحد الكتل وبحضور المبعوث الأمريكي: (سوف نسقط أية حكومة خلال شهرين أذا تدخلت الولايات المتحدة الأمريكية في تشكيلها) والذي ترجم على الواقع في تعرض السفارة الأمريكية في المنطقة الخضراء في العاصمة بغداد لضربات صاروخية مساء يوم 6/9/2018 وتجددت في 8 سبتمبر الماضي في تعرض القنصلية الأمريكية في البصرة وبالتالي سيكون عادل عبد المهدي أمام مسؤولية كبرى في تفهمه أنها رسالة : أن الشعب العراقي حي لا يزال يمتلك روح المقاومة، ويرفض التواجد الأمريكي .

- على الصعيد الدولي سوف تظهر أمام عادل عبدالمهدي مشكلة العقوبات الأمريكية على أيران والتي بدأتْ من يوم 4/11/2018 وكيف سيوفق بين الموقفين الأمريكي والأيراني؟، أضافة إلى نزع أسلحة المجموعات المسلحة العشائرية في وسط وجنوب العراق وكذلك نمو الجماعات الأسلامية المتشددة في غرب وشمال غرب البلاد والتي بعضها أدين بالولاء لداعش أيام أحتلالها لهذه الأجزاء فيحتاج عادل عبدالمهدي لبرنامج كفوء لأعادة الثقة بين الحكومة المركزية وأهالي تلك المناطق .

- معالجة أزمة النازحين داخلياً والمهجرين قسراً والكشف عن المغيبين، ومعالجة الأزمات المستعصية بين الأقليم الكردي والحكومة المركزية وتصفية الخلافات الدستورية التي تلف المناطق المتنازع عليها، وجعل كركوك مدينة للتعايش السلمي بين مكوناتها الأصلية الكرد والتركمان والعرب .

أخيرا وليس آخراً/لا يمكن أغفال أن حكومة عادل عبدالمهدي تواجه ضغوطات وتحديات داخلية وخارجية أضافة إلى تداعيات النزاع الأمريكي الأيراني على جغرافية العراق أنها ليست سهلة ، وبنفس الوقت ليست صعبة خاصة وهو أول رئيس بعد الأحتلال يحصل على تأييد المرجعية التي أوصتهُ بضرب الفساد المالي والأداري بيد من حديد، أضافة إلى تأييد الحراك الشعبي للشارع العراقي له في مكافحة الفساد والمفسدين، ألا أنهُ يبقى ملزماً بتنفيذ 50%  من برنامجه كحدٍ أدنى لأنهُ حدد نفسهُ مع البرلمان والشعب وعليه التقييد بها مما تبقى من عمر وزارته أو أخراج الأستقالة من جيبهِ .

 

عبد الجبار نوري

كاتب وباحث عراقي مقيم في السويد

 

حسام الدجنينقلت قناة روسيا اليوم خبرًا عن مصدر في كتائب الشهيد عز الدين القسام بأن حكومة العدو الإسرائيلي لم تطالب عبر أي من الوسطاء بفتح قضية المفقود ابراهام منغستو مع قضية أسرى العدو منذ اختفائه، ولم يتم إدراجه ضمن ملف المفاوضات نهائيًّا".

والجندي الصهيوني منغستو هو من أصول إثيوبية التي تشهد دولة الاحتلال مواجهات عنيفة معهم نتيجة التمييز العنصري الذي يتعرضون له داخل دولة الاحتلال.

ويهدف تصريح القسام إلى هدفين:

 الأول: التأكيد على عنصرية دولة الاحتلال حتى مع جنودها.

الثاني: تذكير المجتمع الصهيوني بملف الجنود المأسورين لدى المقاومة الفلسطينية مع دخول ذكرى معركة العصف المأكول عامها الخامس. 

وكانت قد نشرت قناة i24 الإسرائيلية قبل عدة أسابيع خبرًا عن دخول وسيط ألماني على خط الوساطة بين حركة حماس و(إسرائيل) للوصول إلى صفقة تبادل أسرى جديدة، مهما كان الهدف من نشر هذا الخبر ومدى صحته، وتوقيت نشره، إلا أنه يطرح ملف بالغ الأهمية على كل المستويات، ولكل الأطراف ذات الصلة. 

ما مفاتيح الصفقة؟ وهل الجنود الصهاينة لدى القسام أحياء؟ وهل البيئة الإستراتيجية مواتية لإبرام صفقة تبادل جديدة؟ وما التحديات التي تقف خلف تعطل الوصول إلى صفقة تبادل في هذا التوقيت؟

أولًا: مفاتيح الصفقة

حماس التي أسرت أربعة جنود إسرائيليين وضعت شرطًا لا نقاش فيه يتمثل في الإفراج عما يقارب 60 أسيرًا فلسطينيًّا تم الإفراج عنهم في صفقة وفاء الأحرار مقابل الجندي جلعاد شاليط وأعادت (إسرائيل) اعتقالهم في انتهاك واضح للاتفاق الذي رعته المخابرات العامة المصرية، وعليه يشكل هذا الشرط المفتاح الرئيس لفتح ملف صفقة تبادل التي يديرها الرجل الغامض في حماس وكبير المفاوضين في ملف التبادل هو عضو المكتب السياسي لحماس، ونائب القائد العام لكتائب الشهيد عز الدين القسام، مروان عيسى "أبو البراء"، هذا الرجل تربطه علاقات حميمة بجهاز المخابرات العامة المصري، وهو من أدار عملية التفاوض التي أدت إلى صفقة وفاء الأحرار برفقة الشهيد أحمد الجعبري، والتي بموجبها تم الإفراج عن أكثر من ألف أسير فلسطيني مقابل الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط عام 2011م بوساطة من جهاز المخابرات المصري.

مفتاح الصفقة بالنسبة لدولة الاحتلال يتمثل في تقديم معلومات حول الوضع الصحي لجنودها، وهو ما ترفضه كتائب القسام، رغم عديد الرسائل التي نشرها القسام وتعطي مؤشرات عن الوضع الصحي للجنود المأسورين لديها.

ثانيًا: الوضع الصحي للجنود الإسرائيليين المأسورين

بتاريخ 1/1/2017م نشرت كتائب القسام فيديو في ذكرى ميلاد شاؤول أرون وتضمن مشهدًا بالغ الأهمية يتعلق بجندي على كرسي متحرك بمعنى أنه شاؤول أو غيره قد يكون مصابًا وليس قتيلًا. ولو عدنا قليلًا لحادثة أسر شاؤول والذي كان برفقة 14 جنديًا صهيونيًا في ناقلة جند تم تفجيرها وأسر شاؤول من داخلها، حيث تقول الرواية الإسرائيلية إن جميع من كان بالمدرعة قد قتلوا، وهذا يزيد من احتمالية أن مجاهدي القسام اقتحموا المدرعة بعد تفجيرها واعتقلوا جنديًا مصابًا وهذا يعزز من فرضية أن المقعد هو شاؤول أرون وليس هدار جولدن، ويبقى ذلك في إطار التحليل، أما الحقيقة الكاملة بيد المقاومة الفلسطينية وعلى (إسرائيل) دفع ثمن الحصول على معلومات كاملة ووافية ودقيقة حول صحة الجنود.

أما هدار جولدن فقد جاء بالأغنية التي نشرتها كتائب القسام عبر موقعها الرسمي بتاريخ 20/4/2017م، تدلل على أن الجنديين على قيد الحياة، فطريقة مخاطبة أمهاتهم، ومشاعر الأمهات تجاه كلمات الأغنية تدلل بأن الحكومة الصهيونية ضللتهم وكذبت عليهم من أجل حسابات حزبية ومصلحية، حتى لا يقال داخل المجتمع الصهيوني بأن نتنياهو ذهب لغزة ولم يستطع دخولها وعاد تاركًا خلفه جنديين على قيد الحياة.

الدليل اللافت على أن هدار جولدن على قيد الحياة كان في الدقيقة 2:43 من ذات الأغنية، ونص الفقرة: "وقعنا في كمين لعين أنا وبتايا ولئيل"، والجملة هنا صيغت بطريقة لا تدع مجالًا للشك بأن هدار يحدث محققيه وعائلته ومحبيه بما حصل معهم في الكمين الذي نجحت كتائب القسام من خلاله في أسر هدار جولدن وقتل من معه.

أما ابراهام مونغستو وهشام السيد فقد دخلا بأرجلهما إلى غزة، ورصدت كاميرات التصوير لحظة دخولهما القطاع، وقد نشرت وسائل الإعلام الإسرائيلية لحظة دخول منغستو عن طريق الساحل.

ثالثًا: البيئة الإستراتيجية ومدى مواءمتها لإبرام صفقة تبادل جديدة

رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو الذي يعاني اتهامات فساد قد تطيح بمستقبله السياسي كما راهن خصومه، نجح وبشكل لافت في تحقيق إنجازات لصالح دولته وبمساندة أمريكية روسية، فمن حدث نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وصولًا إلى الاعتراف الأمريكي في السيادة الإسرائيلية على الجولان، وليس انتهاءً عند عجلة التطبيع التي بدأت الدوران قبل إنهاء الصراع العربي الإسرائيلي في انقلاب واضح على مبادرة السلام العربية التي تم إقرارها في قمة بيروت عام 2002م. وبناءً على ما سبق منحه الناخب الإسرائيلي ثقته في الانتخابات الإسرائيلية في إبريل الفائت والتي حصل فيها على 36 مقعدًا.

رغم الفوز بالانتخابات الإسرائيلية إلا أنه حسب القانون الإسرائيلي يحتاج إلى 60 مقعدًا كي يتمكن من تشكيل الحكومة الإسرائيلية، وهو ما تعذر بسبب انتهازية افيغدور ليبرمان زعيم حزب إسرائيلي بيتنا حول ملف تجنيد الحريديم، والاستراتيجية المتبعة تجاه قطاع غزة. وبناءً عليه قام الكنيست بحل نفسه وقرر الذهاب لانتخابات مبكرة في سبتمبر المقبل.

نتنياهو بحاجة ماسة لمزيد من الإنجازات لتحسن موقعه الانتخابي، وقد يكون أحد أهم الملفات التي لو حدث تقدم فيها هو صفقة تبادل أسرى مع حماس في هذا التوقيت، فهذه الصفقة كافة الأطراف ذات الصلة بحاجة لها على النحو التالي:

(إسرائيل) معنية بعودة جنودها، لضمان تماسك المؤسسة العسكرية والرأي العام، وحاجة نتنياهو وحزبه لتسويق هذا الإنجاز لتحسين موقعه الانتخابي، والإفراج عن منغستو في هذا التوقيت قد يدحض الاتهامات بالعنصرية لـ(إسرائيل) وحكومة نتنياهو على وجه الخصوص.

حماس معنية بالإفراج عن الأسرى الفلسطينيين والعرب، وبذلك تحقق إنجازًا كبيرًا سيسجل لها ويزيد من شعبيتها، ويؤكد صوابية طرحها، وأيضًا صفقة تبادل في هذا التوقيت ستدفع التفاهمات إلى الأمام وسيخفف من الحصار وممكن تجنيب شعبنا ويلات أي مواجهة عسكرية.

3 الوسيط المصري معني بصفقة تبادل تبرد جبهة الجنوب وتضعف فرص اندلاع مواجهة عسكرية على حدودها الشرقية وأثر ذلك على الأمن القومي المصري.

الإدارة الأمريكية خاصة والمجتمع الدولي عامة معنيون بأن تكون البيئة السياسية والأمنية هادئة بما يسمح بتمرير صفقة القرن عبر سياسة الجزرة، ويحقق السلام والاستقرار والهدوء.

رابعًا: أبرز التحديات التي تعرقل الوصول إلى صفقة

هناك تحديات قد تعطل الوصول إلى صفقة لعل أهمها ما يلي:

1- تمسك كل طرف بشروطه.

2- حالة الاستقطاب الحاد داخل (إسرائيل) قد تؤتي بنتائج عكس المتوقع وبذلك تصبح الصفقة مادة للهجوم على نتنياهو وإظهاره من قبل خصومه بأنه الضعيف في مواجهة حماس وقدرته على استعادة جنوده.

3- خشية نتنياهو في التعاطي مع سيناريوهين:

الأول استلام الجنود أحياء فماذا سيقول لعوائلهم وللرأي العام الإسرائيلي الذي أبلغهم بأنهم قتلوا وضغط عليهم لفتح بيوت عزاء لهم.

السيناريو الثاني أن يكونوا قتلى، وهذا يتوقف على حجم الثمن الذي سيقدمه نتنياهو للمقاومة الفلسطينية وأثر ذلك على الرأي العام الإسرائيلي.

4- هناك أطراف لا تريد أن تسجل حركة حماس إنجازات تساهم في تقويتها وتعزز حضورها شعبيًا في ظل تعقيد المشهد السياسي محليًا وإقليميًا ودوليًا.

5- عدم تشكيل عوائل الجنود الصهاينة لوبيات ضغط على حكومتهم، كما قامت به عائلة الجندي جلعاد شاليط، وكان لتلك الضغوط تأثير كبير على دفع نتنياهو استحقاقات الصفقة وثمنها للمقاومة الفلسطينية ممثلة بحركة حماس.

الخلاصة:

أعتقد أن عام 2019م، ممكن أن يشهد تقدمًا في ملف صفقة التبادل، وهو ما يتمناه كل إنسان على هذه المعمورة، ما يريده شعبنا الفلسطيني أن ترسم البسمة على شفاه 6500 أسير وأسيرة فلسطينية قضوا زهرة شبابهم في السجون الإسرائيلية لمقاومتهم ومناهضتهم للاحتلال، وفي نفس الوقت لا أعتقد أن المقاومة ترغب في الاحتفاظ بهؤلاء الجنود إلى مدى الحياه فهي تريد إعادتهم لأمهاتهم مقابل أن يتم دفع الثمن لتلك الصفقة، فطالما البيئة المحلية والإقليمية والدولية داعمة لإبرام تلك الصفقة، فيا ترى ما المعطل الحقيقي لها؟ وكيف من الممكن تجاوز كل التحديات التي تعترض طريقها؟ الفعل الحقيقي هنا لعوائل الجنود الصهاينة ومدى قدرتهم على التحرك في هذا التوقيت الحساس للضغط على الحكومة الإسرائيلية ومساعدة نتنياهو عبر تشكيل رأي عام ضاغط وداعم لإبرام صفقة تبادل وفاء أحرار 2.

 

بقلم/ د. حسام الدجني

 

إن حالات سرقة الحياة الحديثة وزيادة التعقيد والجوانب متعددة الأبعاد للممارسات الاجتماعية والزيادات في معدل تدفقها والتي ترتبط بتضاعف كثافة عمليات المعلوماتية المجتمعية وزيادة معدل تقادم المعلومات تؤدي إلى جلب المخاطر والتهديدات الغريبة للحياة وتغييب المعايير الرئيسة التي يتم عبرها المساعدة بدراسة المشاكل الاجتماعية ليتم التنبؤ بها وحلها، وإذا كانت الإدارة العامة مرتبطة بالإصلاح المستمر للبنى الاجتماعية سواء كانت تتشكل المخاطر والتهديدات لنظام المجتمع عبر وجود أو غياب للمعلومات أو إن هناك زيادة في معدل تقادم المعلومات أو زيادة في كثافة الاتصال في المجتمع فأن اثر ظهور مشاكل أمن المعلومات مرتبط بأخذها من ذلك المفهوم لتبان مجمل الخصائص التقنية والنفسية فيلاحظ أنه أحد مكونات الأمن القومي وله اتجاهين هما حماية المعلومات النسبية وحماية المعلومات الخطيرة والغير مناسبة للعرض العالمي، وبذلك فإن أمن المعلومات موجود إلى حد ما كضمان لجميع أنواع الأمن بدءًا من البيئة وصولا إلى معلومات الأمن القومي والرقمي.

 أن أمن المعلومات هو التأكيد على حماية المعلومات من التهديدات المحتملة الحقيقية والموضوعية عبر السيطرة على الفضاء الرقمي، وتوافر الفرص والظروف والوسائل لصد تلك التهديدات والتي تحدد مستوى أمن المعلومات لكل موضوع لإن المفتاح هو التحكم في المعلومات فضلاً عن توافر القدرات والوسائل لمواجهة التهديدات الناشئة. ومن المهم تطوير فهمنا بأن أمن المعلومات لا يؤثر فقط على مشكلة فعالية سياسة الدولة في ضمان الأمن القومي والدولي في بيئة المعلومات ولا حتى في مشكلة حمايتها أو في مشكلة المواجهة المعلوماتية لمختلف الجهات الفاعلة اجتماعيا، لاننا نرى أن تعريف أمن المعلومات وحمايتها المعلومات يحتاج إلى إعادة التفكير، وكما انه ومن المهم أن نفهم أن ظهور "مجتمع المعلومات" وتنمية المعلوماتية يجلبان معهم تغير سمات الحياة الاجتماعية كزيادة في أهمية المعلومات وسرعتها وتنوعها وتقادمها، وإن نطاق المخاطر والتهديدات التي تنتجها الحداثة والمتمثلة في زيادة السرعة وتنوع المعلومات كبيرة، وأن السرعة والزمنية للوضع الاجتماعي تضاعف وتهور بشكل غير متناسب القدرات البشرية فتتشكل ممارسات جديدة للسلوكيات تهدف إلى ضمان أمن المصالح الذاتية والنفعية ليتم التعبير عن ذلك في نمو مؤقت للأشياء في حياة الناس والوقت والعلاقات الزمنية والوجود الزمني للتنظيم والتعاون ومؤقتية للمعلومات والأفكار والمعاني من أجل البقاء في محاولة حتى لو كانت بلا جدوى لمنع صدمة المستقبل. وهنا يجب على الفرد أن يصبح أكثر قدرة على التكيف بشكل لا نهائي ومعرفة أكثر من أي وقت مضى، كما يجب عليه أن يبحث عن علاقات وطرق اجتماعية جديدة تماما لترسيخها لأن كل الجذور القديمة أصبحت تحت وطأة هجوم الإعصار الرقمي المتخبط.

هذه السمات وغيرها تحدد خصوصيات جديدة للممارسات الاجتماعية وتشكل أشكال جديدة من العلاقات بين الناس، مما يؤكد إن العمل مع انسياب بحار المعلوماتية المتدفقة وتطور المعارف ليست خياراً بل ضرورة وفي ضوئها تحدد الموضوعات الاجتماعية لتحقيق مصالحها وحمايتها بتحديد أو تحوير أشكال العلاقات الأخرى، وادراك أن انتشار سياقات الخبرة وثقافات المعرفة في المجتمع عامل توافقي في نمو المجتمع إن عملنا على تدريج رفع وعيه، وإن الوجود الواسع الانتشار لمثل تلك الثقافات ينطوي على إعادة تجميع للعلاقات الاجتماعية حول وسائل المعرفة بأن الأشياء تحل محل الناس كشركاء في التفاعل وتتوسط بشكل متزايد في العلاقات الإنسانية مما يجعلهم يعتمدون عليها لا إن تحل محلهم كما هو جاري ولا إن تبعدهم وتجزر علاقاتهم بينهم.

 عبر تلك الثقافة الحياتية المختلفة يجب فهم أشيائها كموضوعات للأنشطة المتميزة بالتشابك الاجتماعي بمعناها العرفي مع الثقافات الأخرى لفهم العلاقات وتجاوبها مع المعرفة والمعلوماتية والخبرات والأشياء اليومية، وإن حالة المجتمعات الجديدة ترنو بالمجتمع المعرفي على أنه ليس فقط مجرد مجتمع به عدد كبير من الخبراء والبنى التحتية التكنولوجية والمعلوماتية وتفسيرات المتخصصين بل مجتمع ثقافات معرفية تنسج عضويا في نسيج المجتمع ومجموعات متعددة ومتنوعة من العمليات والخدمات المعرفية فتنطوي فكرته على المرور بانتقال أشكال التواصل الاجتماعي من التكامل الاجتماعي والتنظيمي إلى الأشياء والحاجات كشركاء في العلاقات أو بمكونات البيئة التمكينية، وإن هذا الفهم لا ينكر على الإطلاق حقيقة وجود أشكال معينة من التواصل مع الأشياء وعبرها أصبحت كوسيلة للتغلب على المخاطر والفشل الذي تم التوصل إليه في العلاقات الإنسانية، وبما أن العديد من الأشياء والحاجات والعلاقات في الحياة اليومية تتحول إلى أجهزة عالية التقنية فإن بعض الخصائص يمكن إدخالها فيها لضمان أمن وتنفيذ الفائدة مما يمكن تفسير بعض المتطلبات التي تقدمها الأجهزة والبرامج الرقمية لمستخدميها وكذلك بعض الفرص التي توفرها على أنها أدوات تكفل تجذير النظام الدقيق للحياة في ظل ظروف أمنه أنطولوجيا.

لا تقتصر المعرفة الخبيرة على كمية المعلومات العلمية والتقنية المتاحة فهي تغطي الممارسة الكاملة للقرارات الاجتماعية والجوانب الأكثر خصوصية للشخصية الإنسانية، وإن التنقيح المستمر للمعرفة الحالية للعالم يثير شكوكا جذرية بمرور الوقت أصبحت واحدة من أهم المعايير الوجودية للحداثة العالية وإن تطوير العلوم والتكنولوجيا لا يؤدي فقط إلى زيادة مستوى المخاطر الطبيعية والاجتماعية بل يحد أيضاً من إمكانيات التنبؤ به وتقييمه غير الواضح، وإن التطفل المستمر للمعرفة العلمية في الظروف الاجتماعية والطبيعية ذاتها التي تصفها هذه المعرفة يحول الواقع إلى مجموعة من السياقات والكيانات الاجتماعية المتقلبة والبعيدة عن كل التطلعات السلامية والأمنية. فتطرح هنا تساؤلات من بينها ما هو نوع الأمن الذي يقوم به الشخص والمجتمع استجابة لنمو المعلومات؟ هل يمكننا معالجة الفهم السابق لأمن المعلومات في سياقات مماثلة؟ أم أن الأمر يتعلق بضرورة توفير الأمن في ظروف مجتمع المعلومات والأمن في مواجهة تدفقات المعلومات المتزايدة؟ وفي هذا الصدد أود أن أعرض وجهة نظر مختلفة بشأن رؤية مشكلة أمن المعلومات، فمع زيادة تدفق المعلومات وتقادم المعلومات يقوم المجتمع بتطوير ممارسات اجتماعية جديدة لضمان الحفاظ على الذات ليس فقط في الواقع الرقمي ولكن قبل كل شيء في الحياة العادية، ومن المهم لنا أن نفهم أن المجتمع في سياق الكثافة المتزايدة لتدفقات المعلوماتية يقوم على تطوير ممارسات اجتماعية جديدة ليس فقط على الويب وان أمن المعلومات هو ضمان سلامة بيئة الممارسات الاجتماعية في مواجهة تزايد تدفق المعلوماتية وتقادمها، ولكن هل من الممكن أن يكون ذلك الفهم لأمن المعلومات هو تطوير لتعريف حماية المعلومات؟ وهل يتوافق نهجه عبر السيطرة على الفضاء الرقمي وتوافر الفرص والظروف والوسائل لمواجهة تلك التهديدات؟ أو هل ينشأ تصوّر أوسع لمشكلة أمن المعلومات لتشمل التعريف التقليدي لحمايتها من السرقة المستقبلية كحالة مغيبة ومنفردة وخاصة؟

 

بقلم/ الدكتور ميثاق بيات ألضيفي

 

لم يكن من السهولة بمكان الوصول الى إجابات شافية لمعضلات العدالة فى مرحلة انتقال السلطة lمن الشمولية الى الديمقراطية حيث تطفو على السطح قضايا جوهرية أخلاقيا وقانونيا وسياسيا، وغالبا ما تتنازع الرغبة الأخلاقية بمعاقبة المذنب مع معطيات الواقع السياسي الذى يفرض ارساء دعائم الوحدة الوطنية من جهة مع المتطلبات القانونية للدولة الديمقراطية من جهة ثانية ولذلك يبقى الظفر بالمعركة على السلطة ايسر بكثير من إقامة العدل. من هذا المنطلق يجب على النظام الجديد فى السودان البحث عن صيغة يتلاءم بها مع مجموع الناس الذين سحقهم النظام السابق على مدى ثلاثون عاما وليس أفضل صيغة من تلك التى تسمى العدالة الانتقالية وهى تعنى من بين معانيها الكثيرة التركيز على مزيج من الإنصاف المحدود بضوابط قانونية والاعتراف الرسمي بالحقيقة حيث تبشر سياسات الحق والعدل بان تكون بديلا لنقيضين لا يجتمعان ابدا، العقاب العنيف وسلوان الماضى، فتقدم مقاربة العدالة الانتقالية شيئا من العدالة المتوازنة التى تقوم مقام العدالة الوحشية او الغياب التام للعدل .

فى مختلف الإحداث التى مرت على العالم من جنوب أفريقيا الى ارويا الشرقية لا تزال الأنظمة تبحث عن حلولا لمشكلات اقامة العدل اثناء عمليات التحول الى الديمقراطية وفى هذا السياق يبرز نموذج العدالة الانتقالية كإحدى أليات تسوية الغبن التى وقعت فى الماضى.

توضح لنا عقيدة الديمقراطية خمس أدوات رئيسية لمناقشة القضايا المتعلقة بالعدالة الانتقالية وهى

1: العقد الاجتماعي: وهو اتفاق الافراد داخل الدولة للتخلى عن الحالة الطبيعية الفطرية

(تقابل هنا الحالة التى كان عليها المجتمع فى السودان قبل الثورة) والدخول الى مجتمع ترسى فيه القوانيين التى تحكمهم ويتجلى الإسهام الرئيسى للعقد الاجتماعي فى الديمقراطية بتقديم نموذج للتغيير السياسي السلمى اذا يرسم هذا العقد خاتمة للحالة التى كان عليها المجتمع قبل الثورة ويبدأ فى استشراف عهد جديد بناء على ذلك التوافق بين مكوناته المختلفة وهو امر تقوم به المؤسسات الاجتماعية فى النظام الجديد عبر التبشير باشرا قات المستقبل الجديد ونبذ حالات الماضي البغيض، فمتى ما تواثقت مكونات المجتمع المختلفة على نبذ الماضى واستشراف المستقيل عبر إرساء القوانيين المختلفة هبت الامة وسارت الى الأمام ومتى ما تقوقعت داخل مواضعات الماضى وغطت عينيها عن آفاق المستقبل تراجعت الى الخلف . اذن فلابد من قيام ذلك التواثق بين مكونات المجتمع بعيدا عن التجاذبات السياسية والاختلافات المذهبية، لان ذلك التواثق مركوز على مجرد التعايش داخل الدولة بالتزام المجتمع بالتشريعات والقوانيين البتى تنظم مختلف الاحوال الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وغيرها

ثانيا: سيادة حكم القانون:

تفرض سيادة القانون كثيرا من القيود على أليات الانتقال من الشمولية الى الديمقراطية فسيادة القانون تسمح للدولة التصالح مع ماضيها وذلك بالالتزام بالاجراءت القانونية فى محاسبة النظام القديم، والمساواة فى المعاملة معه،وهو ما يؤدى الى استبعاد الجزاء الدامى الذى ظهر فى كثير من حقب التاريخ . ولهذا فان بعض الديمقراطيات الناشئة تلمست استراتيجيه للتصالح مع الماضى وذلك باللجوء الى العدالة الترميمية للضحايا السابقين عوضا للسعى لمعاقبة الجناة، كإعادة تأهيل الضحايا وتعويضهم ماديا عما قاسوه، ومع ذلك فان المحاكمات الجنائية تعتبر بديل افضل عن الجزاء العنيف بالرغم مما يحيط به من صعوبات محورها الالتزام بسيادة حكم القانون ولا يجب فى كل الاحوال ان تنحط المحاكمات فى دولة ديمقرطية الى مستوى الانتقام السياسى ولكن عددا محدود من المحاكمات السياسية يمكن ان يحقق اغراضا سياسية وأخلاقية بالغة الاثر منها تعزيز شرعية النظام وتلبية مطالب الضحايا باقامة العدالة الجزائية

ثالثا: استخدام القانون

تم تصنيف مقاربات العدالة الانتقالية على التفريق بين استخدام القانون الجنائي او القانون المدنى فى تطبيقهما على الضحية والجلاد فيما يتعلق بالجرائم التى حدثت فى النظام السابق وتجدر الإشارة هنا الى ان هذه المقاربات للعدالة الانتقالية تحمل بين ثناياها تشكيلة واسعة من الأدوات القانونية المناسبة لتسوية حالات الجور التى وقعت فى الماضى ولكن هذه الصيغة مقيدة بضمانات اجرائية لسيادة حكم القانون من جهة وضرورة التوصل الى تسوية سياسية فى النظام الديمقراطي الصاعد من جهة ثانية .

رابعا: المصارحة والشفافية

لابد من التحقيق فى جرائم النظام السابق بواسطة لجان نيابية او مجموعات تقصى حقائق وهذا التحقيق ليس لإغراض المحاكمة والعقاب وانما من اجل الوقوف على حقيقة ما جرى فى النظام السابق، والتوافق على على وقائع التاريخ المشترك يعد شرطا جوهريا للحرية وذلك لان الانظمة الشمولية تسعى جاهدة لإغلاق الحريات بكل أشكالها وتحرم تلك الاجهزة الحوار المفتوح حول المعلومات المتعلقة بالفساد وانتهاك حقوق الانسان على نطاق واسع ولا سبيل لاثبات حقيقة ذلك الظلم الا بمناقشتها علنا بين ابناء الشعب . عليه فان الكشف عن جرائم النظام السابق يؤدى الى شفافية التعامل معها بقدر حجمها ,كما تؤدى من ناحية اخرى مصارحة الشعب بحقيقة تلك الجرائم، لان بناء الدولة يجب ان يقوم على تعرية الحقائق كاملة ليعلم كل افراد الشعب الحجم الحقيقى لمجموع الاخطاء التى كانت تخفى منه وتاثير ذلك المجموع على سير الحياة فى وطنهم

خامسا: العدل والمسؤولية السياسية

تمتاز الديمقراطية بسمعة حسنة لاقامة دولة العدل، فالديمقراطية تحمى الافراد من تعديات سلطات الدولة وتضمن سيادة حكم القانون والمساواة بين افرد الدولة . وقد يجد بعض المسئولين عن جرائم وقعت فى الماضى بعض الثغرات فى النظام القضائي فى عهد الديمقراطية فسيادة حكم القانون ربما تفرض الكثير من القيود على عملية المحاكم – كما اشرنا من قبل – وربما تساعد بعض القوانيين الوطنية فى براءة بعض المسؤليين خاصة فى جرائم حقوق الانسان والقانون الدولى الانسانى ولكن يرى بعض الفقهاء ان القانون الدولى ربما يقدم بعض الحلول لمثل تلك المشكلات، فمن الممكن – مثلا- ان تعتمد الدولة فى طور الانتقال السياسى على المبادئ الدولية المتعلقة ببعض انتهاكات حقوق الانسان حيث تمتاز القواعد القانونية الدولية بالثبات مهما تحولت وتبدلت القوانيين الوطنية فى الدولة وبالرغم من مجال القانون هذا ما يزال قيد التطوير الا انه قد يصبح أداة مهمة تساعد الأنظمة على الاضطلاع بالمسئولية السياسية تجاه افعال اسلافها .

ثمة تحديات كبيرة تواجه الدول التى تريد الانتقال من الشمولية الى الديمقراطية عند تعاملها مع جرائم النظام السابق، فانتهاكات النظام السابق لحقوق الإنسان واستعماله المفرط للقوة وقمعه الصارخ للحرية بكافة اشكالها تستحق شجبا شديد اللهجة وذلك عبر المظاهرات الغاضبة ومع ذلك فان تلك الدول تتقيد بسيادة حكم القانون وتدعوا كافة اطياف الشعب للمشاركة وكفالة حق المساواة، وقد يتفجر طلب إرساء العدالة من الشعب بالتزامن مع فرض القيود القانونية على المحاكمة فتتولد بذلك مشكلات العدالة

قامت بعض الأنظمة مثل جنوب إفريقيا بابتداع سياسات من شأنها إظهار الحق وإقامة العدل وهى مزيج من الإنصاف المحدد بضوابط قانونية والاعتراف الرسمى بالحقيقة وذلك عبر الوسائل القانونية التالية:

بالنسبة للجانى محاكمات القانون الجنائي

تعد المحاكمات الجنائية لمن قام باستغلال السلطة او ارتكب انتهاكات واسعة لحقوق الانسان او قام بتبديد المال العام او الإفساد المالي من ابرز الأمثلة على الإنصاف القانونى، لكن دائما ما تكتنف مثل هذه المحاكمات الكثير من المشكلات القانونية والسياسية، حيث تبرز العديد من الأسئلة مثل من المسئول الحقيقي فى الهرم السياسى أو العسكرى؟ هل يحتفظ الجناة بسلطة تؤثر على الانتقال الى الديمقراطية، هل قام الجناة بإعدام او إخفاء المستندات التى تؤيد ما قاموا به من جرائم، هل آليات القضاء الموجود لها القدرة على محاكمة أولائك الجناة ؟ الى جانب ذلك فانه غالبا ما يتمتع الجناة بأنماط جديدة من الحماية المدنية تضمن لهم الحق فى محاكمة عادلة، كما يواجه الادعاء العام صعوبات فى جمع ادلة على جرائم كانت تتم فى الخفاء وبحماية الاجهزة العدلية التى كانت قائمة

ب: التطهير القانون المدنى \للجانى

يعتبر التطهير الذى يعنى تسريح الجانى او تجريده من بعض حقوقه السياسية ضمن أنماط الجزاء الذى يؤدى الى العدالة والإنصاف فى بعض وجوهه، وقد درجت العديد من الانظمة فى حالة الانتقال الى الديمقراطية على القيام بعمليات التطهير تلك ولكنها يجب ان تتم وفق أسس عدلية وليست سياسية اى أنها يجب ان تتم وفق القانون او المحاكمات المدنية حتى لا تجنح نحو الانتقام الذاتى او تتم وفق الأهواء الشخصية او حتى السياسية ولنا فى تجربة التطهير التى صاحبت قيام ثورة مايو وتجربة التمكين التى صاحبت ثورة الإنقاذ خير معين لتجنب أخطاء التطهير التى ما زالت تعانى منه الدولة حتى ألان

التعويض المادي القانون المدنى الضحية

التعويض المادي هو الوسيلة المألوفة التى تتبعها الجماعة السياسية للتكفير عن خطاياها وتحمل مسؤوليتها عن الآثام التى حدثت فى الماضى وتبدو صعوبة هذا الإجراء فى ايجاد إلية لتحديد الفئات التى تستحق التعويض فعلا ولكنه اجراء متبع ضمن آليات العدالة الانتقالية للوصول الى مبادئ العدل والانصاف

د: إعادة التأهيل القانون الجنائى \ الضحية

لاشك ان الكثير من الناس قد تعرضوا لمحاكمات جائرة وضعوا بموجبها فى السجون وان الكثير من الناس قد تم اعتقالهم بواسطة الاجهزة الأمنية ومكثوا أزمانا طويلة فى معتقلات النظام ولا شك ان أكثر أولائك الناس لم يكن لهم من ذنب الا أنهم قاموا بالتعبير عن أرائهم، كما ان كثيرا من الناس أيضا قد حرموا من مناصبهم ووظائفهم وعانوا من الظلم والقهر، وعليه فانه لابد من تمكين أولائك الناس من المطالبة بحقوقهم المدنية والسياسية كاملة وبالرغم من ان قيمة لعادة التأهيل هى قيمة رمزية فى المقام الأول الا انه يوفر للضحايا سجلا عدليا نظيفا يضمن استعادة الحقوق كاملة

2: المصارحة (البوح بالحقيقة)

يجب ان يتزامن الإنصاف القانونى بجميع عناصره السابقة بما يسمى بسياسة المصارحة وذلك بان تقوم اجهزة النظام الجديد بفضح كل جرائم وممارسات النظام السابق وتتخذ هذه السياسة إشكالا شتى منها المساءلة النيابية ولجان تقصى الحقائق وفتح ملفات الامن والاستخبارات وغيرها ويكون الهدف من ذلك هو اتخاذ خطوات جادة لمساعدة العامة لمعرفة حقيقة جرائم النظام السابق وازاحة التكتم والسرية حيث يفسح بذلك المجال امام مقدار اكبر من المصارحة والشفافية ليكون عظة فى مستقبل الايام لمن يمسكون بزمام الامور فى الدولة.

لابد من الاشارة بعد هذا السرد ان المقاربة الديمقراطية لقضية العدالة الانتقالية تضفى مسحة من العدالة والشرعية على الأنظمة الصاعدة، كما توفر سياسة المصارحة فرصة ثمينة لاستخلاص العبر من الماضى ويبقى فى عالم الغيب ما اذا كان النظام الجديد الصاعد نحو الديمقراطية ستفيد منها ام لا .

مقاربة العدالة الانتقالية فى السودان للانتقال الى الديمقراطية امر ممكن التطبيق على مستوياته الاجتماعية والسياسية والقانونية وهى بديل فعلى لنزعات الانتقام الوحشى من رمز النظام السابق كما انها بديل موضوعى لمسارات الإقصاء العشولئى لكل من عمل فى ظل ذلك النظام، فنزعات الانتقام الوحشى ربما تهدر كثيرا من الحقوق القانونية التى يجب ان يتمتع بها الإنسان داخل دولته ومسارات الإقصاء العشوائى تؤدى لامحالة الى اهدار الطاقات وتشتيت الجهود للسير نحىو التقدم، وعلى كل فان مواضعات الديمقراطية التى نادت بها الثورة من خلال شعاراتها المرفوعة توجب على الناس الالتفات نحو مقاربات العدالة الانتقالية لان التحول من الشمولية الى الديمقراطية عمل شاق يحتاج الى وقت وصبر وكم عانت الدول التى تتمتع بالديمقراطية المستدامة على مدى عهود طويلة من مشقة ذلك الانتقال ولكن صبرها على تلك المشاق هو ما اوصلها اليوم الى تلك الدرجة

  

بقلم: ناجى احمد الصديق المحامى

 

كاظم الموسوياسمان ارتبطا بما سمي بالصفقة او التسوية او الاصح تصفية القضية الفلسطينية. الاول متطابق مع العنوان، وهو الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بكونه تاجرا اصلا وما يعلنه او يعمل عليه حتى ولو كان في السياسة يظل عنده مرهونا بعمله الاساسي، صفقة. اما الثاني فهو ليس فقط صهر الاول ومستشاره الخاص في هذا الشأن، جاريد كوشنر، بل انه مخادع او مكلف بالخداع، في كل ما وظف لاجله او تكلف به او تسلق اليه.

منذ دخل الرئيس الأمريكي ترامب البيت الأبيض وهو وأجهزته يتحدثون عن مشروع أطلق عليه صفقة القرن حول القضية الفلسطينية، وسموه ايضا صفعة القرن، واسماء أخرى كلها تصب في النهاية في تصفية القضية الفلسطينية كاملة. ولكن ترامب أو اجهزته، ووفوده أو ممثلوه لم يعلنوا لحد اليوم تفاصيل مشروعه، صفقته، وكل ما جرى أو حصل هو تسريبات أو بالونات اختبار أو قراءة الوجوه التي تقرأ ما يسرب وينشر. رغم أن خطوات مهمة أجريت واعلنت من جوهر الصفقة أو أشرت إليها. من الاعتراف بالقدس عاصمة للكيان ونقل السفارة الأميركية من تل أبيب إليها، والغاء تسمية اللاجئين عن الفلسطينيين، ومحاصرة وكالة الاونروا، ومحاولة تجفيف مصادرها والغائها،  وغلق السفارة الفلسطينية في واشنطن، ودعم اليمين الصهيوني في الانتخابات الداخلية وليس آخرها قرار سيادة الإحتلال على الجولان السورية. كل هذه الخطوات تمهيدية للصفقة أو مقدماتها عمليا، وإذا عرف العنوان هذا فالمحتوى واضح وما بعده.

سربت مسودة بشكل واسع وعناوين أو مراسلين لها مختلفين، زعما أو وظيفة أو ادعاءا بمعرفة الاسرار والاخبار(!) وفي كل الأحوال فإن مضمون المسودة لا يختلف عن أهداف إدارة ترامب وتنسيقها الصهيوني لتصفية القضية الفلسطينية وتسمين الكيان الصهيوني في المنطقة.

فما سرب من هذه المسودة لا تعرف مصداقيتها يلخص الصفعة ويرسم آفاقها العدوانية اللاانسانية. حيث يستمر العمل بوقائع الاستيطان والاحتلال وقرارات الرئيس ترامب التي تنتهك القانون الدولي وكل الاتفاقيات والمواثيق الدولية بما يتعلق بالقضية الفلسطينية خصوصا. ويتم اعلان كيان بلا أية مواصفات قانونية تحت مسمى فلسطين الجديدة، على اراضي الضفة الغربية وقطاع غزة من دون المستوطنات اليهودية القائمة، ونهب أراض أخرى وتقوم " مصر بمنح اراض جديدة لفلسطين لغرض اقامة مطار ومصانع وللتبادل التجاري والزراعة، دون السماح للفلسطينيين بالسكن فيها. (حجم الاراضي وثمنها يكون متفق عليه بين الاطراف بواسطة الدولة “المؤيدة” ويأتي تعريف الدولة المؤيدة لاحقا، ويشق طريق اوتستراد بين غزة والضفة الغربية ويسمح باقامة ناقل للمياه المعالجة تحت اراض بين غزة وبين الضفة.”

في النقطة الثامنة من المسودة المسربة بعنوان الجداول الزمنية ومراحل التنفيذ عند توقيع الاتفاقية، فحسب النص يتم تفكيك سلاح المقاومة، وإغراء المقاتلين برواتب "وهمية" ووضعهم تحت وصاية دول عربية، مثل القول، بفتح حدود قطاع غزة للتجارة العالمية من خلال المعابر الاسرائيلية والمصرية وكذلك فتح سوق غزة مع الضفة الغربية وكذلك عن طريق البحر . والوعد بعد عام من الاتفاق بانتخابات ديمقراطية لحكومة فلسطين الجديدة وسيكون بإمكان كل مواطن فلسطيني الترشح للانتخابات. أما الاسرى – بعد مرور عام على الانتخابات يطلق سراح جميع الاسرى تدريجياً لمدة ثلاث سنوات. ورفض الكيان حدوده التي أشارت الصفقة الى بقائها مفتوحة، مع إقامة جسر معلق بين ” اوتستراد” يرتفع عن سطح الارض 30 مترا ويربط بين غزة والضفة وتوكل المهمة لشركة من الصين وتشارك في تكلفته الصين 50%، اليابان 10%، كورية الجنوبية 10%، اوستراليا 10%، كندا 10%. امريكا والاتحاد الاوروربي مع بعضهما 10%."(!؟)

ثمة أمور أخرى تعطي انطباعات مختلفة ولكنها تعري النوايا والأهداف والغايات من كل الصفقة التي يراد منها التنفيذ العملي على حساب حقوق الشعب الفلسطيني والوطن العربي. ولا يتغير الامر حين وضعت داخل المسودة إجراءات اقتصادية لتسهيل التطبيق، جسدتها ورشة البحرين، بعنوان: "السلام من أجل الازدهار، الخطة الاقتصادية: رؤية جديدة للشعب الفلسطيني"، في الفترة 25-26 حزيران/ يونيو 2019، لمناقشة التنمية الاقتصادية في "الأراضي الفلسطينية المحتلة" والكيان إلاسرائيلي والأردن ولبنان ومصر. ودعت الخطة الأميركية إلى تأمين استثمارات بقيمة أكثر من خمسين مليار دولار على مدى عشر سنوات، تقدمها دول عربية وأجنبية، ومنظمات دولية، وشركات تجارية من القطاع الخاص. وقد افتتح الورشة مستشار الرئيس الأميركي وصهره كوشنر،  واقفا على منصة أعلى من الحضور. وشاركه ممثلون عن 39 دولة، من بينها دول عربية. كما حضر رئيسا صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، ورجال أعمال وممثلو شركات تجارية واستثمارية دولية. وغاب الشعب الفلسطيني عنها، السلطة والفصائل والقوى السياسية، بوحدة موقف وعزم جماعي، لمعرفته بانها ورشة اقتصادية ليست بريئة، بل هي جزء من تصور يُحِل الاقتصاد مكان الحقوق السياسية المشروعة، ويحوّل القضية الفلسطينية إلى مشاريع اقتصادية واستثمارية لا أكثر؛ مستبعدة القضايا المركزية للصراع كالدولة والسيادة واللاجئين والقدس والمستوطنات والحدود. وانتهت الورشة كخدعة سياسية بعنوان اقتصادي قادها كوشنر، وادعى كذبا بأن الورشة من عمل مئات الخبراء والأساتذة الاقتصاديين، وتبين بعد تدقيق أن المشروع بالكامل مسروق من بحث أكاديمي لجامعة كولومبيا في العام 2010 مستنسخا الشق الإقتصادي فقط وحاذفا الشق السياسي منه. وفي رد لنشطاء فلسطينيين، كتب البرفيسور  دافيد ل. غيليبس،  من مشروع بناء السلام وحقوق الإنسان في جامعة كولومبيا: "لا يوجد أي جديد فيما يسمى "ورشة عمل السلام من خلال الازدهار" لجاريد كوشنر. ففي يناير 2010 ، شاركت في: "Project Palestinian Enterprise"، الذي درس فرص التنمية الاقتصادية في الأراضي الفلسطينية إلى جانب التعاون بين رجال الأعمال الفلسطينيين والإسرائيليين. واضاف: "نحن لا نشكك في أهمية الوظائف والفرص الاقتصادية، ومع ذلك ، يجب أن تتم المحادثات حول التنمية الاقتصادية بالتوازي مع المناقشات حول الدولة الفلسطينية، دولة تعيش بسلام جنباً إلى جنب مع إسرائيل. حسب الدراسة. وختم: قد تكون مبادرة كوشنر حسنة النية، لكن مصابة بالعطب، ويجب أن يحدث بالتوازي مع عملية سياسية جدية، تعالج الأسباب الجذرية للصراع "!.

وهناك وثيقة موقعة من توني بلير ممثل  الرباعية الدولية حول القضية الفلسطينية يقر فيها بهذا البحث الأكاديمي في تاريخه.

كل هذا يفضح القائمين على كل ما سمي أو أطلق عليه صفقة قرن أو ورشة خداع وكذب وانبطاح، لتكون فضيحة قرن أمام العالم.

 

كاظم الموسوي

 

حسام الدجنينعيش في هذه الأيام الذكرى الخامسة لمعركة العصف المأكول، والتي شكلت نقطة تحول في معادلة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، رغم حجم الجرائم التي قامت بها دولة الاحتلال الإسرائيلي تجاه شعبنا الفلسطيني، والتي أسفرت عن استشهاد 2147، منهم 530 طفلًا و302 امرأة، إضافة إلى آلاف الجرحى من جراء الغارات الصهيونية على كامل قطاع غزة، إضافة إلى تدمير مئات المنازل والمنشآت المدنية. ورغم اختلال موازين القوى لصالح الاحتلال فإن عدد الذين قتلوا خلال المعركة من جانب دولة الاحتلال 70 صهيونيًا بينهم 64 جنديًا، وأصيب أكثر من 1620 صهيونيًا، 322 خرجوا من الحرب بإعاقة، في حين سجل هروب 292 جنديًا صهيونيًا من الخدمة العسكرية خلال المعركة وأصيب 3000 جندي بصدمات نفسية.

وبلغت خسائر العدو الاقتصادية أكثر من 9 مليارات شيكل في كل القطاعات والمنشآت التي تعطلت خلال 51 يومًا من الحرب.

بعد هذه الإطلالة السريعة على أهم الإحصاءات في هذه الحرب، سأتوقف في هذا المقال على تطور أداء المقاومة بالمقارنة مع العدوان الصهيوني الذي سبق حرب العصف المأكول عام 2012م، حيث شهدت معركة حجارة السجّيل عام 2012م، أربعة تحولات استراتيجية مهمة هي:

1- ضرب تل الربيع بصاروخي (75m) و(فجر5).

2- إطلاق صاروخ أرض جو باتجاه طائرة حربية من طراز (إف 16)، وإطلاق صاروخ (كورنيت) على بارجة بحرية.

3- إسقاط طائرة استطلاع في عملية تكنولوجية والحصول عليها.

4- القدرة الأمنية الخارقة في الحفاظ على صلابة الجبهة الداخلية وتماسكها.

وعند متابعة أداء المقاومة بعد عامين فقط مع معركة حجارة السجيل أي عام 2014، فإن اللافت في الأمر حجم التحول الاستراتيجي في أداء المقاومة وعمل وحداتها، رغم أن البيئة السياسية الفلسطينية والإقليمية والدولية في حرب العصف المأكول كانت أكثر سوءًا تجاه المقاومة من حرب حجارة السجيل عام 2012م، ورغم ذلك، وفي الذكرى الخامسة لمعركة العصف المأكول، فإن أهم التحولات الاستراتيجية التي تم رصدها في تلك المعركة هي على النحو التالي:

1- دخول سلاح الأنفاق بقوة في قاموس العلوم العسكرية، حيث كان لهذا السلاح أثر كبير في إفشال الزحف الصهيوني البري تجاه غزة، وإضعاف القدرات الجوية والبحرية في استهداف المقاتلين، وعليه فإن أغلب الخسائر البشرية كانت في صفوف المدنيين الفلسطينيين.

2- لأول مرة في تاريخ الصراع مع المحتل تتمكن المقاومة من استخدام طائرات مسيرة بدون طيار للرصد والتحكم في عمق دولة الاحتلال.

3- لأول مرة في تاريخ الصراع يتم إدراج القوة البحرية ضمن أدوات المقاومة الفلسطينية، فظهرت وحدة الكوماندوز البحري (الضفادع البشرية) لتنفذ عملية نوعية في قاعدة زيكيم العسكرية داخل أراضينا المحتلة.

4- ظهرت خلال معركة العصف المأكول أنواع جديدة من القذائف المصنعة محليا التي تجاوزت تل أبيب، ليصبح أكثر من ثلثي دولة الكيان تحت مرمى النار.

5- في معركة العصف المأكول أصبحت صواريخ الكورنيت الموجهة بيد أغلب الوحدات المقاتلة، وتم استخدامها بكثافة حتى أصبحت سلاحًا عاديًا في مواجهة ترسانة إسرائيل التي هاجمت المدنيين في غزة.

6- في معركة العصف المأكول ظهرت لغة القانون الدولي وأخلاق المقاومة في وقت غابت الأخلاق عن جيش الاحتلال وسادت شريعة الغاب لديهم عبر استهدافهم المتكرر للمنازل المدنية بما فيها من أطفال ونساء، وما يعكس أخلاق المقاومة وتحديها لدولة الاحتلال تحديد ساعة قصف تل أبيب، وتحذير المطارات والموانئ بعدم الإقلاع أو الهبوط في مطار بن غوريون.

7- في معركة العصف المأكول أفشلت المقاومة خيار هنيبعل ونجحت في أسر جنديين من قلب المعركة.

8- في معركة العصف المأكول نجحت المقاومة في ضمان وحدة الجبهة الداخلية، وفي استهداف تل أبيب بعملية استشهادية انطلقت من الضفة الغربية لتعزز من وحدة الشعب الفلسطيني في مواجهة الاحتلال.

9- في معركة العصف المأكول تطور الأداء الإعلامي للمقاومة ما ساهم في كي وعي الصهاينة بقوة وقدرة المقاومة على الفعل والضرب خلف خطوط العدو.

معركة العصف المأكول عكست ضعف الأداء السياسي الفلسطيني والمتمثل في نتاج التفاوض وجني الثمار لشعبنا بعد تضحياته الجسام، لذا كان لزامًا التقييم والتقويم في سبيل تحسين عملية التفاوض وإلزام الاحتلال بحقوقنا الوطنية المشروعة.

الخلاصة: هذا التطور بين معركتين يفصل بينها عامان، فكيف هو حال المقاومة اليوم، وهذا التطور الذي ترصده دولة الاحتلال قد يكون أحد أهم الأسباب التي أسهمت في تعزيز قناعة شريحة واسعة داخل (إسرائيل) بأن الحرب مع غزة ليست نزهة.

  

بقلم/ د. حسام الدجني

 

مصطفى محمد غريبيقال التجربة خير برهان للتأكيد على أهمية الواقع الموضوعي وتفاعل الوضع السياسي والطبقي الاجتماعي وتأثيرهم على مستقبل الحركات والأحزاب السياسية وبخاصة أحزاب الإسلام السياسي التي ظهرت خلال السنين الأخيرة وكأنها تستطيع قلب الموازين بالعودة إلى الخلف نحو مسلمات السلف والأصول بالاعتماد على الواقع المرير للفئات الاجتماعية الفقيرة والمعدومة وما تعاني من ضنك العيش وفقر الحال وبطالة مزمنة وعدم وجود عدالة اجتماعية،هذه التراكمات لم تكن إلا نقطة انتقال إلى أوضاع جديدة ذات نوعية لابد منها أن تنفجر في سلسلة من التفجيرات الاجتماعية لتغيير الواقع الحالي الذي أدى إلى التغييرات التي أحدثتها الثورات والانتفاضات في بعض الدول العربية وآخرها وليس أخيرها السودان والجزائر تؤكد أن الركود الذي شهدته سنوات عجاف المنطقة العربية كان عبارة عن تراكمات أدت إلى تغيرات ذات نوعية جديدة تجلت بردة الفعل الجماهيري الشعبي، وبما أننا أمام حالة مميزة بعد تلك التراكمات فقد برزت تداعيات جديدة لا سيما بعدما أزيح العديد من الحكام والحكومات العربية في تونس ومصر وليبيا واليمن هذه الإزاحة لم تؤدي لتحقيق العدالة الاجتماعية، وامتداد الاحتجاجات والمظاهرات السلمية والمسلحة إلى بلدان عديدة منها المغرب وسوريا والعراق والبحرين والأردن وهذه قضية أخرى تحتاج إلى دراسة دقيقة للإشارة إلى الأسباب الكامنة التي أدت إلى الانفجارات الجماهيرية.

لقد ظهرت مؤشرات صعود الإسلام السياسي قبل الانتخابات التي جرت في العراق ومنذ فترة غير قليلة قبل التغييرات الراهنة

للأسباب التالية تقريباً

1 ـ فشل مشروع التطرف القومي الذي أطلق بعد الثورة المصرية وبعد استلام الأحزاب القومية السلطة في أكثر من بلد عربي، القوميين العرب وحزب البعث بشقيه العراق وسوريا، استغلال شعار القضية الفلسطينية في تجييش العواطف القومية إلا أن ذلك لم يكن إلا شعار للوصول إلى السلطة السياسية.

2 ـ وساهم في فشل المشروع إلغاء أي هامش للحريات المدنية والديمقراطية والتجاوزات على حقوق الإنسان واضطهاد الرأي الآخر .

3 ـ ثم توجه آلة الإرهاب والقمع السلطوي ضد القوى الديمقراطية والاشتراكية مما أدى إلى أضعافها وانحسارها جماهيرياً .

4 ـ في المقابل جرى استغلال المنابر والجوامع والحسينيات للدعوة للمشروع الديني الطائفي وبالضد من العلمانية والقوى الديمقراطية .

كما أن هناك قضايا أخرى ساعدت على صعود الإسلام السياسي ليس في الانتخابات فحسب بل على الوعي الجماهيري ومنها ما يخص العامل الذاتي والعامل الموضوعي.

تجتمع النقطة الأولى والثانية في استعمال الآليات التي اتبعها المشروع القومي قبل استلام السلطة وفي مقدمتها القضية المركزية مثلما كان يطلق عليها " القضية الفلسطينية " عبارة عن دغدغة المشاعر القومية للجماهير التي كانت وما زالت تعيش الخلط بين المفهوم القومي العربي والدين الإسلامي في نظرة واحدة على أن فلسطين كأرض عربية محتلة يجب أن يهب العرب لتحريرها ومدينة القدس المعروفة بقدسيتها عند المسلمين باعتبارها أولى " القبلتين" وهذا دافع ديني إسلامي لا يمكن التساوم عليه.

بعد استلام السلطة أو المشاركة فيها من قبل القوميين العرب طبعاً عن طريق الانقلابات العسكرية" ناصريين وبعثيين وغيرهم من الأحزاب " بدأ التناقض ما بين القوى نفسها وأصبح المشروع القومي رؤيا تناقضية بين الواقع الملموس وبين أمنيات وشعارات خيالية تراثية لا تستطيع المواصلة مع شعارات وضعية وعالمية وعلى مراحل بدأت أكثرية القوى القومية العربية تفلس فكرياً وسياسياً وجعلوا من السلطة مطية لهم، وبعدما كانت هذه القوى تتصدر الشارع الجماهيري أصبحت ضعيفة ولم تف بوعودها " من المحيط إلى الخليج" وخضعت أكثرية الأراضي الفلسطينية ومدينة القدس إلى المساومات والمفاوضات والاعتراف بإسرائيل رغم الاحتلال " لا بل البعض منها تخلف حتى من تبديل خطابه السياسي والتخلي عن المشروع القديم.

النقطة الثالثة والرابعة تجتمع تحت شعارين الأول تحجيم القوى التقدمية والاشتراكية والسعي للتخلص من تأثيراتها بوسائل قمعية بوليسية إرهابية ثم جعلها تواجه المشروع الديني الذي كان مطروحاً منذ سنين عديدة وبخاصة في قضية مهمة لها تأثيرات واسعة على الجماهير ومنها " الإيمان والإلحاد " واستغلالهما في الخطاب السياسي والديني التحريضي من قبل أحزاب الإسلام السياسي لكلا الطرفين وتكليف مهمات الفتاوى للبعض من المرجعيات ورجال الدين بالضد من الفكر التقدمي الاشتراكي والشيوعي مما اثر بشكل سلبي على وعي المواطنين الضعيف

الجزء الأول: القمع وإرهاب الدولة والممارسات غير المشروعة وفتح أبواب السجون والمعتقلات والضغوط بقضايا اقتصادية ومعيشية استطاع إلى حد كبير إعاقة نشاطات القوى التقدمية والاشتراكية وهذا ما أدى تقريباً إلى انحسار الشارع السياسي والفكري من تأثيراتها بسبب ضعفها وعدم وجود إمكانية للنشاط والتوسع الجماهيري.

الثاني: على رغم من محاربة الأحزاب والتنظيمات الدينية بطرق قمعية عديدة مثل ألإخوان المسلمين وأحزاب الإسلام الشيعي " لكن الدول والحكومات القمعية لم تستطع إيقاف نشاطاتها في مجالات عديدة وبالأخص " بيوت العبادة " فقد استطاعت أحزاب الإسلام السياسي استغلال الجوامع والمساجد والحسينيات في نشر دعواتها والتثقيف ببرامجها بوسائط دينية لا يمكن منعها، وقد استغلتها أحزاب الإسلام السياسي في تقوية تنظيماتها وتوسيع جماهيريتها وفق مبدأ التقية أو الاختفاء والتمويه من خلال خطاب ديني انتهازي، واستمرت هذه الأحزاب تعمل بأشكال وأسماء وجمعيات مختلفة واستفادت مالياً من عدة طرق منها التبرعات للجمعيات الخيرية أو تأسيسها، وقضية الزكاة والخمس وغيرهما، ودعم خارجي معروف، فضلا عن الفتاوى المختلفة التي أطلقها رجال دين معروفين ومرجعيات دينية معروفة واستغلال أحزاب الإسلام السياسي " السني والشيعي " أسماء المراجع والمرجعيات الدينية بشكل طائفي وهنا ينفصل المشروع السياسي الديني إلى مشروعين "

1 ـ منه ما يتم استغلاله بخصوص حوادث داخلية وتبيان المواقف منها والهاء الجماهير عن القضية الجوهرية فيما يخص الاستغلال وطرقه وتغيير المواقع الاستغلالية من الواقع المرير الذي تعيشه الجماهير الشعبية الفقيرة .

2 ـ الموقف الثاني استغلال تردي أوضاع الجماهير الاقتصادية والمعيشية بشعارات خيالية فيما يخص السعادة والرفاهية في الجنة .

3 ـ بدلاً من معالجة قضية الفقر والجوع وتفشي البطالة بصورة صحيحة وكشف المستور من القوى التي تريد تهميش الوعي الوطني الديمقراطي سادت شعارات واهية تعتمد العنف بمختلف طرقه وأساليبه وتبيان قضية " الشهادة للتخلص من الوضع المادي السيئ" في تجنيد ما يمكن تجنيده في أواسط الشباب العاطلين والغاضبين من الأوضاع السياسية والمعيشية وزجهم في طرق العنف والقتل الجماعي بدون تبيان حالة المواطن البريء الذي هو ضحية ويعاني من الأوضاع الاستبدالية والسياسة القمعية من قبل السلطات الحكومية وبين تردي الأوضاع الاقتصادية والبطالة وعدم استقراء المستقبل بالنسبة لهم .

إن الأوضاع التي تغيرت بالشكل في البلدان التي أسقطت حكوماتها بفعل الانتفاضات والمظاهرات ودخول العسكر على الخط بدأت تنحسر فيما يخص المشاريع لأحزاب الإسلام السياسي وبخاصة نحن نشاهد ما يجري الآن في البعض من البلدان العربية وتجربة العراق خير برهان على فشل المشروع الطائفي والإسلامي فيما يخص قيادة الدولة والمجتمع، ثم تأثيرات العامل الخارجي وتدخلات دول الجوار اظهر مدى فشل المشروع المذكور لكن للعلم سيبقى هذا المشروع قائم في عرف هذه القوى التي تعمل بكافة الإمكانيات لخلط الأوراق واستغلال الدين كوسيلة لكسب جماهير واسعة لها تأثير كبير في الواقع السياسي

يتبع

 

مصطفى محمد غريب

...........................

* ـ بالتفاعل مع بحث سابق حول الموضع .

 

عبد الخالق الفلاحاعتقد ان الملف النووي والاتفاق الذي تم بين ايران واوروبا والمسمى 1+5 يعود مرة اخرى نحو الطريق الذي يمكن الاطراف من ايجاد الحلول المناسبة بالجلوس الى طاولة الحوار من جديد بينما نرى ان  اللغط الامريكي في التعاملات الدولية لازال مرتبكاً فاق كل شيئ وقلل من هيبتها منذ ان دخل الرئيس الامريكي دونالد ترامب البيت الابيض وامتداد التوترات من الولايات المتحدة إلى ما بعد منطقة المحيط الأطلسي وهو يتنافى مع المعهود من العلاقات الدولية،والتي تعرف و ينظر إليها باعتبارها تشكل نسقا مترابط المكونات والأبعاد وتتفاعل عناصره ووحداته جميعها؛ حيث يؤثر كل مكون منها على الآخر ويتأثر به بينما لا تستوعب واشنطن هذالمفهوم او التعريف، وتريد ان  تحافظ على بقائها المهيمن الأول على السياسة والاقتصاد العالمي، والإبقاء على حالة التفوق العسكري بتطوير أنظمة دفاعية وعسكرية تضمن لها السيطرة وتعمل على تحييد القدرات العسكرية للدول الكبرى الأخرى في العالم وفي الترويج لتجارتها عن طريق ارعاب دول الخليج من الهيمنة الايرانية على المنطقة كما تدعي . فكذلك هي بالنسبة لسياستها في الشرق الأوسط بموجب صراع العلاقات والمصالح، يزيد من وتيرة العملية الدبلوماسية، حيث يعتبر صراع ترامب الان مع مجموعات ذات هويات مختلفة، مثل وسائل الإعلام الليبرالية والعالمية، ورؤوس الأموال، والبيروقراطيين، والخصومات والتهديدات مع البلدان أحد أهم الأسباب التي جعلت منها منصة لخوض صراعاته بشكل يومي وفي فترات قياسية يخرج ترامب من الاتفاق النووي مع ايران مثلا، ويعيد فرض الحظر الامريكي الظالم عليها،ويسمي اكبر مصادر امواله بالبقرة الحلوب ويستخف بالقادة العرب بتعابير ركيكة  بل ويعلن الحرب على العالم كله، حتى اوثق حلفائه في اوروبا والعالم، وكبريات الدول كالصين وروسيا لمنعهم من التعامل مع ايران تجاريا واقتصاديا، وجند كل امكانياته لمطاردة كل دولار امريكي يمكن ان يدخل ايران، وصنف، في اجراء غير مسبوق، حرس الثورة الاسلامية في ايران وهو جزء مهم من الحزام الامني لها " كتنظيم ارهابي " وارسل حاملة طائرات وقاذفات بي 52 وبطاريات باتريوت، وجنود الى منطقة الشرق الاوسط، وهدد بمحو ايران من الوجود، ولكن في عشية وضحاها، تراجع ترامب عن كل مواقفه، وحتى عن شروطه الاثني عشر، واخذ يغازل ايران ويتودد اليها، واخذ يدعو وبشكل ملفت، الايرانيين، للتفاوض معه، واخذ يرسل الوفود المختلفة  الى طهران من اجل ذلك.واليوم  يعاني العالم الغربي أزمة وجودية بسبب هذه التناقضات مما مكن  للقادة والمسؤولين والأطراف المؤثرة في الاتفاق النووي عناصر تشجع على مواصلة البقاء في الاتفاق النووي، وهي القيم المشتركة، والمصالح، والقواعد، والمؤسسات .وقد استهدفت دبلوماسية الرئيس الامريكي دونالد ترامب قبل فترة فرنسا بسبب دعوتها لإنشاء جيش أوروبي موحد، لكنها قوبلت من قِبل ماكرون وميركل بالدعوة إلى "أوروبا أكثر قوة وسيادة" . وفي مبادرة مخالفة صارخة لقرارات الامم المتحدة والاعراف الدولیة والتزاماتها ومعاییر حقوق الانسان، اثبتت بانها لیست فقط غیر ملتزمة بای مبادئ، بل انها لا تمتلك ایضا ادراكا وفهما صحیحا تجاه الاوضاع القائمة فی المنطقة والعالم . والمصيبة فجر ترامب كذبة لللاعلام العالمي "بعد ان كان الجيش الأمريكي كان مستعدا "وبجهوزية كاملة" لضرب إيران، لكنه غير رأيه قبل عشر دقائق من الضربات المخطط لها كما قال الرئيس ترامب إنه ألغى الضربات عندما قيل له إن 150 شخصا سيذهبون ضحايا لتلك الضربات" في حين انه وبشكل علني يحارب 84 مليون انسان اخر يعيش على تراب ارضها اقتصادياً دون ان يعير لذلك اهتماماً .

اما حقيقة الامر ان توقفت واشنطن عن اللجوء إلى الحل العسكري وأصبحت تروج لضرورة إيجاد حل سياسي ومع تخليها عن هذا الخيار لعدم وجود صلاحيات لاتمام العملية وما سوف تخلفها من حرب لن تنطفئ بسهولة والى تضيق الولايات المتحدة من هامش مناوراتها وتقلل من أدوات الضغط على طهران  ومما زاد الأمور تعقيداً عليها اسقاط الطائرة الامريكية بدون طيار ( RQ -4A ) بعد  اختراقها اجواء الجمهورية الاسلامية الايرانية قبال منطقة كوه مبارك التابعة لمحافظة هرمزكان جنوب ايران بنيران الدفاع الجوي للقوة الجوفضائية للحرس الثوري الذي اعلن إنّ اختراق الأجواء الإيرانيّة خط أحمر، وأنّ بلاده  والقول للحرس الثوري ترفُض الخطوات الاستفزازيّة التي تمُس سِيادة البِلاد " لا شك ان الكبرياء الامريكي اصيبت في صميمه ومرغ انفها بالتراب "  وبغَض النّظر عن الجِهة التي تقِف خلفها،،  والتّفسير الوحيد، والأقصى لهذا التّهديد، أنّ المَخفي أعظم، والقادِم أكثر شراسةً وواشنطن الان في سعى دائما الى تحقيق اهدافها عن طريق الحظر الاقتصادي واثارة الفتن الداخلية والضغوط النفسية والحروب بالنيابة في المنطقة لكنها تواجه الفشل لعدم وجود من ينيب عنها  ولم  تستطيع تحقيق مكاسبها شيئا.ونقلت وسائل الاعلام عن مسؤول في إدارة ترامب قوله إن إعداد العملية كان يسير بشكل جيد حيث أقلعت الطائرات واتخذت البوارج الحربية مواقعها عندما قرر ترامب إلغاءها قبل إطلاق أي قذيفة بعشر دقائق وهذه كذبة كبيرة تحسب على ادارة ترامب لان اعلن الحرب ليس من صلاحيات الرئيس الامريكي انما الكونجرس وحده هو الذي يملك سلطة إعلان الحرب في أمريكا، ولا يمكن لأي رئيس أن يُعلن الحرب أو ينادي بها، لكن يظل له حق رفض شن حرب - بعد موافقة الكونجرس -، عبر الامتناع عن التوقيع على الإعلان.

وفي ظل مثل هذه الحرب النفسية يحاول ترامب ان يجر الشعب الايراني الى الحوار والرضوخ لمطالبه وبلاشك ومن الواضح أنّ الرئيس ترامب يريد أن يحظى بمراده من جميع النواحي. فهو يلجأ إلى العقوبات لتخفيض صادرات النفط من إيران مضيّقاً بذلك الخناق على أسواق النفط العالمية، ويشتكي في الوقت عينه عند ارتفاع أسعار الوقود الأمريكي ولكن اكثر دول العالم لا تبالي ومن المستبعد أن توقف وارداتها من النفط الإيراني بالكامل. لان إيران تمثل صلةَ وصل استراتيجية مهمّة تربط آسيا والشرق الأوسط كجزء من مبادرة الحزام بالإضافة إلى ذلك، لا يحبّذ أن يظهروا وكأنهم يُخضِعون مسار علاقاتهم لصالح مطالب الولايات المتحدة وعنجهيتها ...لكن هذا الشعب سيبقى صامداً وتحولت الالة عندهم الى قوة عالمية تخشاها القوى الكبرى ومن اجل الدفاع عن حقهم وستفشل كل السيناريوهات المعادية.وغلبت الحكمة الايرانية على العنجهية الامريكية لحد الان على الاقل.

 

عبد الخالق الفلاح- باحث واعلامي

 

عماد علياخر ما توصل اليه الرئيس التركي التفكير والعمل من اجل ايجاد خطة او عملية لاستيعاب الخسارة الكبيرة والضربة القاتلة اليت تلقاها في نعش طموحاته هو الانتخابات الاخيرة في اسطنبول وقرار الشعب على انه لا يمكنه ان ينفذ كل ما اراد واصراره على ان  يعيده الى نصابه ووعيه بخطوة جبارة في اسطنبول، ورغم ما تلقاه الا انه يمد في غيه محاولا تناسي ما يحصل بافعال وعمليات عسكرية عسى ولعل يعيد من شعبيته لدى الشوفينيين باسم محاربة المتشددين والارهاب  يحاول ترضية انصاره كي لا تنقلب عليه الطاولة نهائيا في هذه المرحلة على الاقل.

خارجيا، ما يريد ان يستغله هو موقف ايران الضعيف في المنطقة الان وهي في جدال وصراع شديد مع امريكا ومحصورة في زاوية لا يمكنها ان تتخذ موقفا انيا في قضايا المنطقة بما يناسب موقعها وحتى مصلحتها البعيدة المدى، انها الان تريد عبور المرحلة دون اي استفزاز او خطوة سلبية تجعل من تركيا رهن اشارة امريكا. وهي تحاول تطبيق ما اتفقت مع اردوغان ابان الاستفتاء في كوردستان الجنوبية والاجتماعات التي تمخضت عنها خطط  استراتيجية ازاء القضية الكوردية ومحاولات منع اي تقدم في تحقيق مصير الكورد في اي جزء كان، مستغلين المواقف العالمية في حينه لاضعاف اقليم كرودستان بشكل تدريجي وهم يستمرون في خطواتهم ومستغلين ضعف الحكومة والاحزاب والقيادة الكوردية المنشغلة في امورهم الخاصة دون اي التفاته لما يحصل حولهم.

بعد تكتيات ومناورات ايديولوجية اردوغان مستندا على الاسلام السياسي ومواقف مظهرية متخذا القضية الفلسطينية مطية  نواياه السياسية ومحاولا تحقيق اهدافه بناءا على نرجسيته الفاضحة. والمعلوم انه اراد مرارا ان يصبح سلطان العصر ولقى ما يمكن ان يستغله سواء مجيء داعش ومساعدته بشكل مباشر كان او غير مباشر او مستغلا الربيع العربي وناويا امتطاءه ومرشدا كما توضح في مسير الربيع العربي الاخواني و كيف استغله الاخوان وشاركهم اردوغان معتبرا فرصة مثالية لتنفيذ حلمه المكشوف متناسيا ما يفرضه العصر ليس لصالحه ودخل بنفسه الى متاهات كثيرة وعلق ارجله في وحل ما فرضته عليه خطوات خدعته بها طموحاته الشخصية وانانيته بعدما استند على قادته وعض ايدي من اوصله الى ما هو عليه وسانده في نهاية الامر.

الباطل يخطا اكثر ويقع في حيرت امره اول ما يرى من الحقيقة خوفا وفزعا من كشفه، ومن يبني على الباطل متسللا على اكتاف الضعفاء سيجد حفرة في نهاية السلم الذي يصعد عليه. وهكذا وصل اردوغان الى واقع قد تبين امامه الحفرة الكبيرة التي لابد ان يعبرها محاولا تخطيها ولكنه دون جدوى ولا يجد امامه تراجعا والا سقط في محاولة عودته الى ما كان وتهاوى من فوق سلمه. اليوم وبعد موقفه الضعيف جدا والذي لم يمر به من قبل منذ تسلقه السلطة، يريد ان يوجه الانظار الى خارج الحدود كي يطمان من عودة الهدوء بعد عاصفة اسطنبول  الانتخابي السياسي ويراجع اوراقه محاولا السير بتاني لحين مجيء فرصة التواصل على نهجه السابق الا انه برز امامه وقريب من باب داره اكبر العوائق مما يفرض عليه التفكير بنهايته خوفا من مصيره مما يفرض عليه اتخاذ خطوات متراجعا عن طمعه الشخصي، وهذا يمكن ان يكون بعيدا نسبيا  لانه ركب فيما فرض عليه هواه السياسي او ما يفرض نفسه هو الانتحار السياسي بطرق ليس لها نهاية،  ولا ثالث يمكن ان يسلكه. وفي نهاية الامر فان قبضته الحديدية قد تتراخى وتصطدم بجدار صلب بداية ومن ثم يكون مصيره الانكسار ولا يمكنه عمل غير ربط قبضته المنكسرة على العنق، اي مترجيا من رفاقه القدماء السماح والعودة الى العمل المشترك وهذا قد يقف على هؤلاء ان يثقوا به ام لا يمكن ان يتامنوا منه.

كل الطرق تودي الى اسطنبول، وتركيا بجميع محافظاتها تيقنت بان اردوغان يوصلها الى باب النفق المظلم بعد ان شهد  في بدايات استلامه زمام الامور تقدما بخطوات في كثير من النواحي، وما دعمه فى خطواته هو ظروف المنطقة الملائم لنجاح افعاله والتلاعب على عاطفة الشعوب الشرق الاوسطية المسلمة من حركات بهلوانية ليجعل نفسه بطلا ورقيا بمواقف مزيفة تكتيكية. وسريعا ما توضحت نياته في تلك الحركات والممارسات المقززة باسم الاسلام وهو في اوج شعبيته التي انكسرت ببيان جوهره ونواياه وطموحاته مستنداعلى نرجسيته.

اليوم، وبعد ان ساعدت الظروف الموضوعية للمنطقة على دعمه فان النسبة الاكبر من نجاحاته الاقتصادية قد يواجه عقبات صنعها بيده وعليه ان يتذوق مرارة افرزات ألاعيبه  بين اوربا وشنغهاي، والاسلام كفكر وايديولوجيا والسياسة المجردة ،و النوايا السلمية اللفظية فقط والحقيقة الشيطانية التي يمتكلها في افكاره واستراتيجيته الفكرية والسياسية. لقد بان نهاية مسيرته ولكن لم يستوضح بعد كيفية وشكل سقوطه ولكنه سيكون مخزيا حتما.

 

 عماد علي

 

 "تحكم البلاد من قبل الفئة الغبية التي لا تفهم ولن تفهم.. ولذلك نحن دوما في حالات حرب"!!

كان لعواقب الحرب العالمية الأولى تأثير كبير على حال وحياة وتطور أوروبا والعالم وما زال لها أثرا لا يمحى في قلوب وعقول معاصريها والعارفين والدارسين عنها في بيان أفكار الحرب والسلام، والحياة والموت، وتنويع الأعداء والحلفاء، وإضافة إلى انهيار أربعة إمبراطوريات هي القيصرية الروسية والألمانية والنمساوية المجرية والعثمانية، وتشكيل تسع دول جديدة في أوروبا فإن عددا كبيرا من الجنود القتلى والجرحى والضباط والمدنيين والعديد من مبتوري الأرجل ومقطوعي الأيدي وفاقدي النظر والسمع والمنطق والعقل بسببية القصف المستمر وقوائم طويلة وعديدة من الإمراض البدنية والنفسية والروحية، وهي بكل ذلك تركت لأجيال المستقبل مذبحة ذاتية التدمير.

كان التأثير الأكثر إيلاما على الأشخاص الذين شاركوا في المعارك مباشرة فلفترة طويلة كانوا جالسين في الخنادق تحت نيران العدو المتواصلة وبتلك السنوات التي أفرطت وأضيعت في الهجمات القاتلة والهجمات مضادة فقدت أوروبا جيلا كاملا من شبابها، ولم يتمكن الأشخاص الذين عادوا من الحرب على التكيف مع حياة سلمية عادية جديدة فالمسألة لم تنحصر بالخوف الوحيد من حقيقة أنهم كانوا قادرين على العيش بحسب معرفتهم وخبرتهم الجبهات العسكرية، وإنما أيضا بسببية الاضطرابات الصحية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي وقعت في الدول الأوروبية بحلول نهاية عام 1918م. كانت قد اودت تلك الحرب بحياة الملايين وحطمت أربع إمبراطوريات وحذفت وغيرت برسم جذري معالم الخارطة السياسية في أوروبا وأحضرت الأسلحة العالمية الجديدة كالدبابات والغازات السامة، واستولت على مصير الكثير من الشباب من أوروبا وبعد أنتهاء المعارك أعادت افراز "الجيل الضائع" المشلول والمرهق.

كان لتلك الحرب طابع خاص ميزها عن الحروب الأخرى، وبادئ ذي بدء كانت حرب الخنادق التي دفنت بموجبها الجنود في الأرض والتي تبين أنها تعطي الأولوية للدفاع على الهجوم، وثانيا كان استخدام الدبابات فيها ذو طبيعة دفاعية لا هجومية، وثالثا الطريقة الموحدة التي اتسمت بها تلك الحرب، ورابعا إن استخدام الأسلحة المحظورة لاسيما غاز الكلور الحربي الكيميائي سيبقى إلى الأبد واحدا من أكثر الصفحات المخزية في تاريخ البشرية. وخلال تلك الحرب شهد العالم معارك دموية ووحشية لم يرها من قبل وقتل فيها مئات الآلاف والملايين من الجنود والضباط والمدنيين، لدرجة أن كل شخص كان يعد نفسه جوهر الحرب الانتحارية. وأصبح انهيار الإمبراطوريات الأربعة وتشكيل الدول الجديدة والعزلة الدولية لروسيا وإذلال ألمانيا التي أُلقي عليها باللوم في قيام وحدوث واستمرار الحرب الأساس لنظام عالمي جديد تم تشكيله على أساس مؤتمر فرساي 1919م، وبموجبه ازداد حجم النظام الدولي وحل مبدأ الأمن الجماعي بديلا عن مبدأ توازن القوى، وكان على منظمة عصبة الأمم العاجزة أن تصبح أداة للحفاظ على السلام والنظام والاستقرار في ضوء وجود ذلك الكم الكبير من التناقضات التي أعرب عنها إحجام الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا لإعطاء روسيا وألمانيا مكانهما الصحيح في النظام العالمي الجديد.

بعد انتهاء الحرب توقع العديد من السياسيين والصحفيين إن السلام سيكون هو الوضع الدائم على كوكب الأرض إلى الأبد، وكان ذلك هو الوهم الاكبر فبعد مذبحة انتحارية استمرت 4 سنوات لم تنته معاناة أوروبا، وفي السنوات 1918-1919 م انتشر بأوروبا وباء الإنفلونزا الإسبانية والذي أودى بحياة 90 مليون شخص من أولئك الذين لم تتمكن نيران الحرب الوحشية من قتلهم فلقوا حتفهم من جراء مرض قاتل والذي يمكننا أن نطلق عليه بحق "طاعون القرن العشرين". وبعد الحرب تم سحق وإذلال ألمانيا والتي كانت قد فقدت مكانتها كقوة عظمى وكانت الدولة الوحيدة التي حملت المسؤولية الأخلاقية للحرب، والى الآن لا زالت هي الملامة عليها! وأصيب المشاعر الوطنية الألمانية بالألم والتحطيم ولذلك كان لابد عاجلا أو آجلا إن تكون هناك ملامسة لنقاط الألم في المجتمع الألماني من شأنها أن تدفع البلاد لسياسة مراجعة "وضع فرساي." وكان أيضا قد تم عزل روسيا والتي حملت اسم الاتحاد السوفياتي التي طالما اعتبرت قوتها من قبل الاوروبيين والامريكان بأنها خطرًا في شكل "فيضان أحمر" يمكن لها أن تغرق العالم وعد خطرها انذاك اشد من الخطريين الفاشي والنازي، وفي إيطاليا التي تلقت وعد مزيف بمنحها بعض الاراضي فتسبب عدم تطبيقه بغضب شعبي كبير وكان يُنظر لخداعهم على أنه إهانة وطنية لابد من الانتقام جرائها. وكما كانت قد أثرت المشاكل على المناخ الاجتماعي السياسي في ألمانيا وتزايد انعدام الأمن والبطالة والجريمة فشكل تفاقم عدم المساواة الاجتماعية ازمة كبيرة وهكذا تم ظهور مستنبت لتشكيل الأحزاب الراديكالية التي تلعب على مشاعر الألمان التي كانت قد مزقتها السلطة، وكل ذلك كان مؤديا إلى رمي العالم القديم والعالم بأسره إلى حرب عالمية جديدة أكثر تدميراً وقسوة.

 لكن ما الذي كان قد حدث حقا للناس الذين عانوا كل المصاعب والعذاب في الحرب العالمية الأولى؟ كيف غيّر الطفل، البالغ من العمر أربعة أعوام وشهد تلك الحرب، فكرته عن الحياة والموت؟ وماذا واجه الجنود في الجبهات؟ وكيف أثرت الحرب على نفسياتهم وافكارهم وما تأثير ذلك على تشكيل رؤيتهم لما بعد الحرب؟ وبعد الحرب تم تشخيص معظم أوروبا والعالم بأسره بـمسمى "الجيل الضائع" ، أو انه أجيال "الشباب المرير"، لأنه تم إرسال الشباب والفتيات في سن الـ18 مباشرة من مقاعد المدرسة إلى جبهات الحروب من دون معرفة ما كان ينتظرهم هناك، ففي البداية بدا أن الحرب لن تستمر طويلا وهم سينتصرون ويفوزا بزهوة المجد وتم التطوع والقبول في الوحدات العسكرية وتم إرسالهم إلى الحرب كمغامرة قصيرة ومذهلة ولم يكن أحد يعرف أنهم بذلك يشتركوا في المعركة الأكثر دموية ووحشية في التاريخ العالمي حتى ذلك الحين وليتعرضوا لتجربة المعاناة الرهيبة من هجمات الغازات السامة وللموت في الخنادق تحت النار، وأدرك الكثيرون أن كل شيء تم تدريسه لهم في المدرسة عن قصص المعارك الكبرى وعن بطولات الأبطال الشجعان وعن حب وطنهم كان كذباَ ولا ينعكس ذلك على أرض الواقع!! ومفهوم الحرب والبطولة والتبارز في أكثر الألوان الزاهية من العصور الوسطى كلها اكاذيب فالحرب تسلب من الناس الإحساس بالجمال وتجبرهم على دفع الاهتمام فقط بما هو ضروري من أجل البقاء على قيد الحياة، وفي الروايات المكرسة للحرب العالمية الأولى يتم إيلاء اهتمام خاص لكيفية تعبير الجنود البسطاء بأنفسهم عن أسباب الصراعات العسكرية، وإن البحث عن إجابة لهذا السؤال قد كان مصحوبا بسوء فهم فكيف أن شعبًا واحدًا يعاني من معاناة لا تُصدق من الألم والخوف من فقدان الأصدقاء والأقارب فتدفعه دولة أخرى على ذات الطريق ولذلك ينظر بوضوح حين تنشأ الحروب مرارًا وتكرارًا على أنه لا يمكن للمرء أن يختبر تمامًا كيف يعاني الآخر إن لم يمر بذات المعاناة !!

 لم يكن أحد يفهم حتى ما كانت عليه الحرب، وفي المعارك كان الجنود قبل كل شيء يفكرون كيف لا يموتون؟ وكيف يساعدون رفاقهم على تجنب ذلك المصير؟ والخطاب لم يكن في تلك الحرب يدور حول الفتوحات المجيدة بل عن كيفية البقاء على قيد الحياة لمدة اطول، وان الخوف من الحرب لم يترك الجنود بعد عودتهم إلى ديارهم فأولئك الذين تمكنوا من البقاء وهم يتألمون من جروحهم لم يكن يمكنهم نسيان المشاعر التي كان عليهم تحملها والكثير منهم حتى بعد الحرب لم يشعروا أنهم على قيد الحياة، وأدركوا تمام الإدراك أنه حتى الحياة السلمية كان من الصعب عليهم التكيف معها، وعكست الأغاني التي كانوا يرددوها في الحرب وبعدها عن اليأس والاستياء من مصيرهم. وفي الحرب لم يعاني الرجال لوحدهم فقد عانت النساء أكثر منهم حين فقدنا الأزواج والإخوة والآباء والأبناء في ساحات القتال وعملن في المستشفيات والشركات وساهمن بقوة في العمل في المؤخرة أولاً وقبل كل شيء في مصانع الصناعات الكيميائية والاسلحة وكل شيئ وعرضن حياتهن وصحتهن للخطر. وعلى كل حال فأن الحرب العالمية الأولى كانت قد اوجعت وحطمت الجميع من كان منهزما أو كان منتصرا، فقد وقع عبء ثقيل على كاهل الرجال والنساء وكان معظمهم من لم يستطع التكيف مع العودة للحياة وبقي الكثيرين منهم مشوهين ومنهم من اختار الانتحار أو فقد عقله تماما واصيب بالجنون النفسي أو الفكري، وأيضا كانت هناك حالات صادمة للعائدين من الحرب جراء إصابتهم بنوبات هستيرية من مجرد مشاهدة زي عسكري!! كانت الحرب العالمية الأولى أقوى من الناس لدرجة إن "الآلاف والآلاف من العائدين ندموا على أنهم لم يموتوا مع الذين ماتوا فيها !!!

 

بقلم/ الدكتور ميثاق بيات ألضيفي

 

حسن العاصيشهدت الفترة الممتدة من منتصف السبعينيات لغاية منتصف الثمانينيات من القرن العشرين أحداثاً هامة تركت أثراً بليغاً على القضية الفلسطينية، ما تزال تداعياتها مستمرة إلى وقتنا الحاضر. من أبرز هذه الأحداث أنه في فترة لم تكن جراح خروجهم من الأردن العام 1971 قد شفيت تماماً. تم زج الفلسطينيين في الحرب الأهلية اللبنانية، بعد أن أقدمت ميليشيا الكتائب اللبنانية بإطلاق النار على حافلة كانت تقل فلسطينيين اثناء عودتهم إلى مخيم تل الزعتر، من مهرجان سياسي في مخيم شاتيلا، في العام 1975 مما أدى إلى استشهاد 27 فلسطينياً من ركاب الحافلة، في حادثة عرفت باسم "بوسطة عين الرمانة" التي شكلت شرارة اندلاع الحرب الأهلية التي استمرت خمسة عشر عاماً.  في العام 1977 زار الرئيس المصري الراحل أنور السادات مدينة القدس المحتلة. وفي العام 1978 وقعت مصر وإسرائيل معاهدة السلام الشهيرة التي عرفت باسم "اتفاقيات كامب ديفيد". اشتعلت شرارة الحرب العراقية- الإيرانية في العام 1980 واستمرت لمدة ثماني سنوات، انشغل العرب خلالها بهذه الحرب الدموية التي استنفذت مقدرات الدولتين، وكان الخاسر منها إضافة إلى شعبي البلدين هو القضية الفلسطينية. ثم أقدمت إسرائيل على تنفيذ عدوانها الوحشي على الأراضي اللبنانية في العام 1982، وبعد حصار مدينة بيروت من قبل الجيش الإسرائيلي الذي استمر لمدة ثلاثة أشهر، قاوم خلالها المقاتلون الفلسطينيون هذا العدوان ببسالة لا مثيل لها، وانتهى باتفاقية بين منظمة التحرير الفلسطينية والمبعوث الأمريكي "فيليب حبيب" قضت بخروج القوات الفلسطينية من لبنان إلى دول عربية أخرى، فكانت تونس واليمن ثالث المنافي للمقاومة الفلسطينية بعد الأردن ولبنان.

 في العام 1983 أعلن عدد من قيادة وكوادر وأعضاء حركة فتح الانشقاق عن الحركة وتأسيس ما بات يعرف لاحقاً "فتح الانتفاضة" بزعامة كل من العقيد أبو موسى، وقدري، وأبو صالح. في عمان عقد المجلس الوطني الفلسطيني دورته السابعة عشرة العام 1984 وكان من أبرز قراراته إعلان برنامج الجبهة الوطنية العريضة، التي ستقوم في إطار منظمة التحرير الفلسطينية لحماية وحدتها وصيانة خطها الوطني، بالتصدي لنهج الانحراف والاستسلام. وكذلك رفض قيام قيادة فلسطينية بديلة، وعدم إقامة مؤسسات موازية لمؤسسات منظمة التحرير.

نجحت القيادة الفلسطينية رغم كل العراقيل، في بدء حوار وطني الفلسطيني بدءاً من يوم 14/4/1987 في مدينة الجزائر بين الفصائل الأساسية.  تكللت جولات الحوار بعقد الدورة الثامنة عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر 20/4/1987 التي خرجت منها منظمة التحرير الفلسطينية موحدة وقوية ومتفقة على برنامج سياسي وتنظيمي واضح.

 

ما قبل اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى

بخسارتها لقاعدتها العسكرية الرئيسية في بيروت وبقية الأراضي اللبنانية، وفقدان مؤسساتها المدنية والمالية والخدماتية، ضعفت مكانة منظمة التحرير الفلسطينية، وتقلص حجم تأثيرها شعبياً وعلى الساحة الدولية. لكن هذا الأمر شكل تحدياً لفصائل المنظمة بهدف توجيه جهدهم واهتمامهم نحو الداخل الفلسطيني، في مدن الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس. على اعتبار أن هذه المناطق المحتلة هي الركيزة الرئيسية للنضال ضد العدو الصهيوني، وهي كذلك العمق الجغرافي والخزان البشري. هذا أسهم بتزايد واتساع وتطوير الأنشطة الجماهيرية والثقافية والنقابية والطلابية، مما شكل التربة الثرية لاندلاع الانتفاضة الوطنية الفلسطينية الكبرى أواخر عام 1987 التي شكلت أحد أهم معالم النضال الوطني الفلسطيني.

كان هذا يتم في ظل أجواء ضاعفت إسرائيل خلالها في بناء المستوطنات، وتصاعدت حدة تهجير السكان الفلسطينيين من منازلهم، ومصادرة أراضيهم، ومنعهم من الزراعة، مما أجبر عدداً منهم للعمل لدى الإسرائيليين بأجور قليلة ومعاملة تتسم بالتمييز العنصري. كما عانى الفلسطينيين من صعوبات شديدة في التنقل والحركة بين القرى والمدن، حيث كانت القوات الإسرائيلية تحاصرهم، وتمنع عليهم السفر إلا من خلال تصاريح تمنحها لهم بشكل مسبق. إلى جانب ما كان المواطنين الفلسطينيين يتعرضون له من تفتيش مذل على الحواجز وفي المعابر. وكانت إسرائيل تخصم من أجورهم 20 بالمائة بذريعة تحسين الخدمات في الضفة والقطاع، لكن تلك الأموال كانت ترسل إلى الخزينة العامة الإسرائيلية.

الانتفاضة المجيدة

في مساء يوم الثامن من كانون الأول/ديسمبر العام 1987 أقدم المستوطن الصهيوني المتطرف "هرتسل بوكبزا" على قتل أربعة عمال فلسطينيين دهساً بشاحنته، كانوا يقفون على حاجز "بيت حانون" الإسرائيلي. وهم الشهيدين طالب أبو زيد 46 عاماً، وعلي إسماعيل 25 عاماً، من مخيم المغازي وسط قطاع غزة. والشهيدين عصام حمودة 29 عاماً، وشعبان نبهان 26 عاماً من جباليا البلد شمال قطاع غزة.

في الصباح التالي عم الغضب الجماهيري مخيمات جباليا والمغازي أثناء مراسم تشييع الشهداء، وانطلقت عدة مظاهرات عفوية وساخطة، تحولت سريعاً إلى مواجهات عنيفة مع قوات الاحتلال الإسرائيلي، أدت إلى استشهاد الشاب "حاتم السيسي" فكان أول شهداء الانتفاضة المجيدة.

انتقلت المواجهات الشعبية إلى مخيم بلاطة في مدينة نابلس وإلى بقية المخيمات والقرى والبلدات والمدن الفلسطينية. شارك فيها الجميع من كل بيت وحارة وحي بالحجارة والأغنية والقلم واللوحة. في اليوم الثاني للانتفاضة استشهد الشاب "ابراهم العكليك" وعمره 17 عاماً. ثم استشهدت الشابة "سهيلة الكعبي" بعمر 19 عاماً. ثم استشهد الطفل "علي مساعد" بعمر 12 عاماً. لتشتعل فلسطين بأكملها تحت اقدام قوات الاحتلال، في مواجهات استخدم فيها الشباب الفلسطيني الحجارة ضد الجنود الصهاينة، وقتل خلالها مئات الفلسطينيين، وجرح واعتقل الآلاف. بحسب بيانات مؤسسة رعاية أسر الشهداء والأسرى، فقد استشهد في الانتفاضة الأولى 1550 فلسطينياً، وتم اعتقال 10 آلاف، وبلغ عدد الجرحى حوالي 70 ألف جريح، يعاني 40 بالمائة إعاقات دائمة، 65 بالمائة شلل أو بتر أحد الأطراف. وهناك 40 سجيناً فلسطينياً استشهدوا داخل السجون الإسرائيلية نتيجة التعذيب خلال فترة الانتفاضة.

الانتفاضة الفلسطينية الأولى التي اندلع لهيبها في التاسع من كانون الأول/ديسمبر 1987 واستحوذت على إعجاب وتعاطف وتضامن الشعوب والدول في كافة الأرجاء، وتسببت في صدمة للعقل الغربي الذي كان يتبنى الرواية الإسرائيلية التي كشف زيفها أطفال انتفاضة الحجارة. تكسرت صورة إسرائيل "الوديعة" عبر وسئل الإعلام ومحطات التلفزة، وهي تنقل مشاهد قيام الجنود الصهاينة بتكسير عظام المتظاهرين الفلسطينيين بالهراوات والأحجار، تنفيذاً لأوامر "اسحق رابين" رئيس الوزراء الإسرائيلي حينذاك، بعد أن فوجئ بصدى الانتفاضة وشدتها. حيث أنه للمرة الاولى منذ مرور أربعين عاما على الصراع العربي الاسرائيلي، دخل السكان الفلسطينيون في الضفة الغربية وقطاع غزة- حوالي مليون ونصف شخص- في مواجهة مباشرة مع إسرائيل. أفضت هذه الانتفاضة التي استمرت ست سنوات إلى قيام منظمة التحرير الفلسطينية بالتوقيع على اتفاقيات أوسلو في العام 1993.

سحر الانتفاضة

الانتفاضة الفلسطينية الأولى أبهرت العالم باتساعها وشموليتها ومستواها التنظيمي العالي، ونالت تضامن دول وأحزاب وقوى وشخصيات وشعوب متعددة في العالم. من أبرز ما يميز تلك الانتفاضة كونها حركة مقاومة جماهيرية شعبية غير مسلحة، شاركت فيها كافة شرائح المجتمع الفلسطيني. وبأنها كانت ذات مستوى مرتفع من الانضباطية. كما تمتعت بمقدرة هائلة على التواصل والديمومة لمدة ست سنوات رغم آلة البطش والقمع التي جابهت فيها إسرائيل جماهير الانتفاضة. ومشاركة واسعة من المرأة الفلسطينية في مجريات الانتفاضة، مما أحدث قيماً اجتماعية جديدة في المجتمع الفلسطيني المحافظ. ومن مكامن قوتها هو وجود قيادة وطنية موحدة تألفت من ممثلين عن كافة الفصائل والقوى واللجان الشعبية الفلسطينية. كان لهذه القيادة رؤية سياسية وأهداف واحدة، هي وقف الاحتلال وإنهاء الاستيطان، وبناء دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس.

قامت القيادة الموحدة بتشكيل لجان شعبية متعددة ومتخصصة، ابتداء بلجان القوى الضاربة، انتهاء بلجان الزراعة، مروراً بلجان التجار والتعليم والمرأة والتموين وسواها. لعبت تلك اللجان دوراً محورياً باعتبارها الأداة التنظيمية الأساسية التي استخدمتها القيادة الموحدة للتواصل مع الجماهير. تعاظمت قوة هذه اللجان مع تصاعد الانتفاضة، وكانت واحدة من أهم ما أنجزته قيادة الانتفاضة، لأنها عكست قوة وصلابة التنظيم الداخلي للانتفاضة.

لقد تمكنت القيادة الموحدة من تجميع وتحشيد وتوحيد كافة القوى الفلسطينية، ثم بدأت في مرحلة ثانية من استثمار المواجهات الشعبية والهبات الجماهيرية العفوية، وتوظيفها لخلف حالة من النضال المنظم المبرمج، والصراع الشامل المفتوح ضد قوات الاحتلال، من أجل تحقيق أهداف الانتفاضة. واستطاعت من مد جسور التواصل المستمر مع القيادة الفلسطينية خارج فلسطين.

من أهم الدروس المستخلصة من تجربة انتفاضة الحجارة أنها ابتعدت عن مغريات الحلول البسيطة والإنجازات السريعة، وأدركت أن طريق المواجهة مع دولة العدوان شاقة ومكلفة وتحتاج صبراً وجلادة. ثم أن قيادة الانتفاضة تجنبت بوعي الدعوات لرفع السلاح وممارسة الكفاح المسلح ضد قوات الجيش الإسرائيلي، واعتمدت سياسة العنف المحدود باستخدام الحجارة والزجاجات الحارقة. وركزت على النفس الطويل الذي يضمن استمرار زخم المواجهات مع الاحتلال، وبنفس الوقت لا يرهق الجماهير أكثر مما تحتمل. كما أنها وضعت استراتيجية فك العلاقة مع مؤسسات الاحتلال، من خلال استقالة العاملين في الإدارات المدنية، ورفض دفع الضرائب، والدخول في عصيان مدني شعبي تدريجي.

مقاربة ضرورية

خاضت الجبهة الديمقراطية الموحدة في جنوب أفريقيا نضالاً جماهيرياً واسعاً وتصاعدياً ضد نظام الفصل العنصري، أدى في النهاية إلى إنهاء هذا النظام. وقد ضمت الجبهة حوالي أربعمائة منظمة وجماعة قادت النضال الجماهيري في مواجهة العدوانية المتزايدة للنظام، والتي أدت في النهاية إلى إسقاطه. في الحالة الفلسطينية كانت القيادة الموحدة للانتفاضة هي التي قادت النضال الجماهيري.

فيما كان حزب المؤتمر الوطني الأفريقي هو القوة السياسية الرئيسية المناهضة لنظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، كانت منظمة التحرير الفلسطينية هي التي تقود نضال الشعب الفلسطيني. قيادة حزب المؤتمر كانت إما في المعتقلات أو في المنافي، وهذا ينطبق إلى حد كبير على قيادة الشعب الفلسطيني. قبل سقوطه بحوالي عشرة أعوام توغّل نظام الأبارتهايد في جنوب أفريقيا كثيراً وزاد من الأفعال العنصرية والعدوانية. تماماً مثلما فعلت إسرائيل. واجه المؤتمر أزمات في الركود الجماهيري، وتغير الحال بداية من الانتفاضة الطلابية عام 1976 ومن ثم ظهور "حركة الوعي الأسود" في عام 1979. وهذا يشبه الأزمة التي عانت منها قيادة منظمة التحرير الفلسطينية بعد الخروج من بيروت والانشقاق الذي حصل في حركة فتح.

شكلت الانتفاضة الفلسطينية قيادتها الموحدة والمؤلفة من ممثلي عن كافة الفصائل والقوى والأطر الفلسطينية، وفتحت قنوات اتصال مع القيادة الفلسطينية في الخارج. في تجربة جنوب أفريقيا قادت "الجبهة الديمقراطية الموحدة" نضال الجماهير، وأقامت علاقات تنسيقية مع حزب المؤتمر، لكنها كانت مستقلة تماماً بقراراتها وإدارتها للصراع.

اعتمد المؤتمر الوطني وسيلة الكفاح المسلح شكلاً رئيسياً لنضاله ضد حكومة الفصل العنصري حتى بداية الثمانينيات. تأثير هذا الشكل النضالي كان محدوداً جداً بسبب الخلل الكبير في ميزان القوى بين الطرفين، لكن المؤتمر خاض كفاحاً مسلحاً بهدف لفت أنظار العالم وشد أزر الجماهير. في مرحلة لاحقة تراجع العمل العسكري وأصبح النضال السياسي والجماهيري هو الشكل الرئيسي. وهذا ما فعلته قيادة الانتفاضة الفلسطينية في تجنب العمل العسكري واعتماد النضال الجماهيري المتنوع.

ترك المؤتمر الوطني وقيادته في الخارج قيادة المعركة لقيادة الجبهة الديمقراطية الموحدة في الداخل، واكتفى بتنسيق المواقف والتشاور معها، دون أن يغضبه ذلك أو أن يقلل من شأن القيادة في الخارج، بل كان الجميع حريصاً على توحيد النضال وتوحيد الأهداف في القضاء على نظام الفصل العنصري وإقامة دولة مدنية ديمقراطية يتساوى فيها جميع المواطنين.

في الحالة الفلسطينية تدخلت القيادة الفلسطينية في الخارج بقرارات وتوجهات القيادة الموحدة للانتفاضة، بل وصل الأمر إلى إفساد بعضهم بالمال.

ويجب أن نعلم أن العلاقة التي ربطت المؤتمر الوطني الأفريقي مع الحزب الشيوعي ومع قوى ومنظمات أخرى في جنوب أفريقيا، لم تكن خالية من الخلافات والصراعات التي وصلت حد الاقتتال الداخلي، لكن تمكن الجميع في النهاية من الاتفاق والتوحد في خضم النضال الذي أجبر نظام الأبارتهايد أخيراً على الموافقة في الدخول بمفاوضات على أساس نيل الحرية.

فلسطينياً، لم تتمكن الفصائل والقوى الفلسطينية من تحقيق الوحدة بين كافة الأطر، إلا في فترات محددة، وانتهت بخلافات سياسية أدت إلى إتعاب الانتفاضة لاحقاً، وإضعاف الموقف الفلسطيني المفاوض.

كان من أبرز أسباب نجاح المؤتمر الوطني في معركته هو ارتباط قيادته العميق مع قيادة الجبهة الديمقراطية الموحدة في داخل جنوب أفريقيا، ومع كافة القوى والحركات الجماهيرية التي شكلت أحد عوامل قوة المؤتمر، وكانت بمثابة أداة كابحة وضاغطة على القيادة حتى تظل في تناغم وانسجام مع النضال الشعبي. حتى أثناء المفاوضات مع النظام العنصري لم يتوقف الحراك الجماهيري لممارسة مزيد من الضغط لإجباره على الاستجابة للمطالب الشعبية.

بينما في الحالة الفلسطينية قامت القيادة الفلسطينية بالتسلل من خلف ظهر الجماهير، وعقدت صفقة مع الكيان الصهيوني العنصري، من دون علم قوى الانتفاضة، ودون التنسيق مع قيادتها.

تجربتان بنتائج مختلفة

تتشابه كثيراً التجربة الفلسطينية النضالية مع تجربة جنوب أفريقيا. إن الشعب الفلسطيني بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية، وشعب جنوب أفريقيا بقيادة المؤتمر الوطني الأفريقي، هما شعبين خاضا معركة تحرر وطني ضد أنظمة عنصرية كولونيالية استيطانية، أنظمة فصل عنصري متوحشة وبدائية. وتتشابه كلا التجربتين في كثير من مراحل تطور أدوات النضال والمقاومة وطبيعة ومستوى التنظيم، والمخاطر التي واجهت كلا الشعبين، والعلاقة بين الداخل والخارج أيضاً لديهما.

لكن للأسف فإن نتائج التجربتين كانت متناقضة. في تجربة المؤتمر الوطني الأفريقي تم الانتصار على نظام الأبارتهايد هناك، والقضاء نهائياً على العنصرية، واستعادت الجماهير حقوقها الطبيعية التي تم انتهاكها طوال عقود. فيما فشلت منظمة التحرير الفلسطينية في تحقيق أي إنجاز للشعب الفلسطيني، وعجزت عن التحرر من نظام الفصل العنصري الاستيطاني الكولونيالي في فلسطين.

نعم ليس من الإنصاف المقاربة بين التجربتين، لكنها مهمة جداً لإعادة قراءة كلا التجربتين بهدف استيعاب العبر. رغم أن التجربة النضالية التحررية للشعبين الفلسطيني وفي جنوب أفريقيا تتشاركان في كونهما ضد استعمار فصل عنصري وكولونيالي، إلا أن هناك تباينات سياسية وجغرافية واقتصادية وتاريخية بين التجربتين، إضافة إلى اختلاف العوامل الدولية في الحالتين، وتميزت كل منهما بسمات خاصة بها.

من الناحية الاقتصادية شكل العمال السود الذين كانوا يديرون عجلة اقتصاد النظام العنصري في جنوب أفريقيا، قوة ضغط هائلة بعد تنظيمهم من خلال الإضرابات، لدرجة سببت شللاً للاقتصاد. فيما لا يقوم الاقتصاد الإسرائيلي على قوة العمال الفلسطينيين بصورة مهمة، وحتى العمال الذين أضربوا خلال الانتفاضة، جلبت إسرائيل عمالاً أجانب مكانهم. إضافة إلى عامل آخر مهم لم يكن في صالح الفلسطينيين، وهو العامل الدولي، حيث تزامنت الانتفاضة مع مرحلة بدأ فيها الاتحاد السوفيتي الداعم لحركات التحرر، في الانهيار اقتصادياً وسياسياً، مما أخل بالتوازن ومكن الولايات المتحدة من الاستمرار في الانحياز والدعم التام المريح لإسرائيل. لكن النظام العنصري في جنوب أفريقيا لم يكن طبعاً بأهمية إسرائيل بالنسبة لأمريكا. وهي اصلاً لم تعد بحاجة له لدعمه، خاصة بعد انهيار النظام الاشتراكي، لذلك لم تمانع الولايات المتحدة من التوصل إلى تسوية بين نظام جنوب أفريقيا ونيلسون مانديلا.

في المشهد الفلسطيني فإن قيادة منظمة التحرير الفلسطينية قامت بتبديل برنامجها ومواقفها السياسية أكثر من مرة، وتراجعت عن شعاراتها التي بدأت معها المسيرة الثورية، حتى وصلت إلى التوقيع على اتفاقية أوسلو. لم يكن لديها برنامج واضح محدد بأهداف لا شبهة فيها. ولم تتسم علاقتها مع قيادة الانتفاضة في الداخل بالتنسيق والتكامل، بقدر ما اتسمت بفرض رؤية وقرارات الخارج على الداخل. ثم قامت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية في الخارج بالالتفاف على حركة الوفد الفلسطيني المفاوض من داخل فلسطين، الذي كان يرأسه المناضل الدكتور حيدر عبد الشافي، وكان هذا الوفد يجري مباحثات في واشنطن استمرت لمدة عامين تقريباً. استقال الدكتور حيدر من الوفد في نيسان عام 1993 بسبب إصراره على رفض أية تسوية لا تنص على إزالة المستوطنات الإسرائيلية. وبدلاً من أن تقوم قيادة منظمة التحرير الفلسطينية باستثمار هذا الصمود في موقف المفاوض الفلسطيني، الذي كان مدعوماً بإرادة جماهيرية شعبية على الأرض مؤيدة له، قامت القيادة الفلسطينية بفتح قناة تفاوضية خلفية تمخضت عن اتفاق أوسلو البغيض.

السؤال المعضلة

في الراهن الفلسطيني، دخلت القضية الوطنية الفلسطينية مرحلة الانسداد السياسي الحاد. كان وصول الرئيس الأمريكي الحالي "دونالد ترامب" إلى البيت الأبيض قد أربك القيادة الفلسطينية، وأسهم في تعميق أزمتها السياسية من خلال تبني الإدارة الأمريكية لمشروع يفضي إلى حل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، سمي "صفقة القرن" وفق تسوية يتم فيها حذف ملفي القدس وحق العودة من مفاوضات الحل النهائي. وتشويه فكرة حل الدولتين ومسخها بحيث تكون الضفة الغربية من مسؤولية الاحتلال الإسرائيلي. وتحسين الوضع الاقتصادي الفلسطيني. ثم قامت الولايات المتحدة بنقل سفارتها من تل أبيب إلى مدينة القدس. كل هذه الأحداث لاقت رفضاً فلسطينياً رسمياً وشعبياً. هذا دفع أمريكا إلى وضع ضغوط اقتصادية وسياسية ودبلوماسية شديدة على القيادة الفلسطينية، وعلى الرئيس محمود عباس الذي أعلن قطع العلاقات مع الولايات المتحدة.

إن صفقة القرن في حال انتظار حدوث تطورات في منطقة الشرق الأوسط كي تصبح قادرة على التحقق، منها الموقف الأمريكي من الملف النووي الإيراني، ومن مسار التسوية في سوريا، ومدى قدرة الإدارة على حشد موقف عربي مؤيد للصفقة، ومدى قدرة الفلسطينيين على الصمود، والوضع الإسرائيلي الانتخابي الداخلي حول إمكانية بقاء نتنياهو من عدمها.

إن الوضع السياسي الفلسطيني يعاني من حالة استعصاء سياسية شديدة. القيادة الفلسطينية ترفض-للآن- التنازل مسبقاً، ولم تقبل الاعتراف ببقاء الاحتلال في الضفة، ولم توافق على دولة فلسطينية دون حدود أو بحدود مؤقتة. وترفض أي حلول لا تؤدي إلى كيان سياسي سيادي يسمى دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس. وهذا هو جوهر الانسداد الذي تسبب في رفع الحالة الجماهيرية الفلسطينية، وأسهم في زيادة الأزمات.

هناك انسداد آخر داخلي يتسبب به الانقسام الوطني، ويتعلق بالمصالحة مع حركة حماس. مصالحة لم تكتمل رغم كافة الوساطات والتدخلات الفلسطينية والمصرية والعربية والغربية. وهذه الجهود لم تتمكن من إنهاء هذا الانقسام البغيض، ومن إخراج قطاع غزة من حالته القائمة، ووضع الغزاويين القاسي. فشلت الوساطات لأنها تصطدم بأمر جوهري ورئيسي هو مبدأ ازدواجية السلطة. هذا يعني أن تقوم السلطة الفلسطينية بتوفير الخدمات للسكان في القطاع، فيما تقوم حركة حماس بمد نفوذها الأمني. وهذا نموذج لا يمكن أن يخلق وضعاً طبيعياً في أي بقعة في العالم.

أعود للسؤال الكبير، الهام، المعضلة. إن تمكنت الانتفاضة الأولى المجيدة من إخراج قيادة منظمة التحرير الفلسطينية من أزمتها، وأفرجت كربها الشديد، فمن ينتشل القيادة الفلسطينية الآن من محنتها الحالية، في ظل أوضاع تعاني فيها كافة الفصائل الفلسطينية من أزمات بنيوية وقيادية وبرنامجية وجماهيرية ومالية، ضعفت معها قدرة هذه الفصائل والقوى، التي فقدت هويتها الأيديولوجية، على استنهاض حركة الجماهير الفلسطينية لمواجهة عدو صهيوني استعماري استيطاني اجتثاثي. هذا الوهن والعجز الفصائلي الذي وصل مرحلة التخاذل كان سبباً مهماً في قيام القيادة الفلسطينية على عملية إلحاق منظمة التحرير الفلسطينية بسلطة أوسلو بدلاً أن يتم العكس، وكان هذا بداية خراب البيت الفلسطيني.

الخيار الثالث مفقود

فشلت الانتفاضة الفلسطينية الأولى في تحرير الشعب الفلسطيني من الاحتلال الاستيطاني لأسباب سالفة الذكر. جاءت الانتفاضة الفلسطينية الثانية في العام 2000، وقدمت فرصة تاريخية للقيادة الفلسطينية في معالجة النتائج الكارثية لاتفاق أوسلو، لكن عسكرة الانتفاضة، وغياب استراتيجية موحدة، أدى إلى نتائج كارثية.

سعت حركة حماس لأن تقدم بديلاً إسلامياً عن حركة التحرر الوطني الفلسطيني وتوجهاتها، من خلال رفضهم لاتفاقية أوسلو وسياسية قيادة المنظمة. لكن الحركة أخفقت في تشكيل مشروع وطني فلسطيني جامع للجماهير الفلسطينية وقواها وفصائلها. وبظني أن واحداً من أهم أسباب هذا الفشل هو عدم إدراك قيادة حركة حماس أن مركزية المشروع الوطني الفلسطيني المتمثل في منظمة التحرير الفلسطينية، قضية لا تخص حركة فتح وحدها، بل هي حركة وطنية تحررية ثورية لكافة الشعب الفلسطيني.

بعد مرور ربع قرن على اتفاقية أوسلو ونهج المفاوضات الكارثي على شعبنا الفلسطيني، وأحد عشر عاماً على الانقسام الدامي، وفشل جميع جهود الجهود لتوحيد البيت الفلسطيني، وفي ضوء عجز ونكوص الفصائل الفلسطينية الأخرى التي تعاني من أزمات متعددة، لم يستطيع الشارع الفلسطيني من بلورة تيار نضالي وطني ثالث يعيد الاعتبار للقضية الفلسطينية وللمشروع الوطني الفلسطيني التحرري، ويجعل الاحتلال يدفع ثمناً باهظاً.

إن الشعب الفلسطيني يمتلك خبرة تاريخية في ابتداع وابتكار أساليب واشكال متجددة دوماً للنضال والمقاومة. ورغم كل ما تقوم به إسرائيل من بناء الجدران المرتفعة، وإنشاء الطرق الالتفافية لتحويل المناطق الفلسطينية إلى كانتونات متفرقة، إلا أن الجماهير الفلسطينية تجد دوماً طرقاً للتواصل فيما بينها لمواجهة عدوها.

في هذه المرحلة بالغة الخطورة على القضية الفلسطينية، حيث اعترفت الإدارة الأمريكية بالقدس عاصمة لإسرائيل، وتسعى لفرض حلول تقوض الحقوق الوطنية والسياسية للشعب الفلسطيني. وتمارس كل من الولايات المتحدة وإسرائيل وبعض الدول الغربية ضغوطاً غير مسبوقة على القيادة الفلسطينية، ووصلت العنجهية الصهيونية إلى ما وصلت إليه من استهتار بالقيادة الفلسطينية وبشعبنا وتضحياته، وبلغ تآمر بعض الأنظمة العربية على القضية الفلسطينية مرحلة الجزار الشريك، وأمام سقوط أوهام نهج المفاوضات السياسية، فقد حان الوقت للشعب الفلسطيني صاحب المصلحة الأساسية في الحرية لأن يقول كلمته، وأن يحدد خياراته والانطلاق في معركة جماهيرية لإسقاط نظام الأبارتهايد الكولونيالي الصهيوني العنصري في فلسطين.

 

حسن العاصي

كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدانمرك

 

عبد الحسين شعبانمثّل عنوان الندوة الافتتاحية لموسم أصيلة الثقافي الدولي لهذا العام إشكالات الواقع والتحدّي في آن، بين "الديمقراطية الموعودة" و"الديمقراطية المفقودة"، خصوصاً حين حمل سؤالاً مكمّلاً: " أين الخلاص؟" بعد أن وضع " عبء الديمقراطية الثقيل" في  الصدارة.

لم يحدث أن واجهت الديمقراطية بصفتها المعيارية أو الإجرائية، مأزقاً مثلما تواجهه اليوم، فعلى مدى العقود الثلاثة ونيّف الماضية يمكنني أن أستحضر كمّاً هائلاً من المشاركات والدراسات والأبحاث والمؤتمرات بشأنها، وأتوقّف هنا عند ثلاث محافل مهمة كان آخرها جلسة عصف فكري "أكاديمي" نظّمتها جامعة فينيسيا (إيطاليا) (أيار/2019) حول "مصادر الديمقراطية" وقبلها بعقد ونصف من الزمان– ندوة دولية تم تنظيمها في سيؤول (كوريا الجنوبية) خريف العام 2002، حول "آفاق الديمقراطية" بحضور مادلين أولبرايت وزيرة خارجية الولايات المتحدة الأسبق وذلك عشية غزو العراق، وسبقها- ندوة نظمها مركز دراسات الوحدة العربية في قبرص (ليماسول) 1983 حول "أزمة الديمقراطية في الوطن العربي".

ولم تكن الديمقراطية حينها، وخصوصاً في عالمنا العربي مطروحة على بساط البحث كخيار للحكم، خصوصاً في ظلّ هيمنة التيارات الآيديولوجية الشمولية آنذاك: القومية واليسارية والإسلامية. ولذلك يأتي "سؤال أصيلة"، بعد هذه السنوات، استفهامياً مثيراً فهل وصلت الديمقراطية إلى طريق مسدود؟ وهل ثمة أسلوب حكم آخر أفضل منها أو يتجاوزها؟

لقد اجتاحت الموجة الديمقراطية آخر ما تبقى من قلاع الدكتاتورية والاستبداد في أوروبا الغربية في سبعينيات القرن الماضي، وشملت اليونان والبرتغال وإسبانيا، وبدأ التململ في أوروبا الشرقية التي انتقلت من أنظمة شمولية إلى أنظمة تتوجه صوب الديمقراطية، لاسيّما بعد انهيار جدار برلين في 9 نوفمبر/تشرين الثاني/1989 وانتهاء عهد الحرب الباردة، وامتدت الموجة إلى أمريكا اللاتينية وعدد من بلدان آسيا وأفريقيا، ومع أن رياح الديمقراطية انكسرت عند شواطئ البحر المتوسط، إلّا أن حضورها اللّاحق حتى وإن جاء متأخراً، طرح عدداً من الأسئلة الجديدة- القديمة في ظل النكوص والتراجع وانسداد الأفق. وفاض الجدل حول مستقبل الديمقراطية وآفاقها، أكانت عريقة أم ناشئة أم جنينية؟.

وإذا كانت الانتخابات من مقتضيات الديمقراطية، فهي ليست وحدها التي تقرر "شرعية الحكم" و"ديمقراطية النظام"، خصوصاً بضعف التمثيل وشحّ فرص الشراكة والمشاركة وعدم مراعاة التنوّع الثقافي وحاجات الناس وقيم الديمقراطية، الأمر الذي ولّد عزوفاً من جانب المواطن، حيث بدأت ثقته تهتز وحماسته تضعف في الإقبال عليها.

وتمثّل المبادئ الدستورية والقانونية العامة مثل  "الشعب مصدر السلطات" و"حكم القانون" و"فصل السلطات" و" الحقوق والحريات" و" تداول السلطة سلمياً"،  الجوانب المعيارية - القيمية في الديمقراطية، في حين أن الجوانب الإجرائية العملانية تتّبع الآليات المناسبة لإدارة التنوّع وتنظيم شؤون الحكم بما يتناسب مع تطور كل مجتمع.

وقد دلّت التجربة التاريخية لنحو ثلاث قرون من الزمان أن الديمقراطية كنظام تتطوّر وتتقدّم، ولكن ليس دون مشكلات ونواقص وثغرات وعيوب، فهي ليست "مثالية"، بل هي كما عبّر عنها ونستون تشرشل  "النظام الأقل سوءًا من غيرها"، وبهذا المعنى فهي ليست  "مخلّصاً" أو "خشبة نجاة" أو "وعداً"، بقدر ما تعبّر عن إمكانية إدارة الحكم وتداولية السلطة وتنظيم التنوّع بالإقرار بالتعددية، ومثلما تحمل مشتركات قيمية وإنسانية عامة، فهي تمتلك خاصيّات خصوصية، وهو ما أشار إليه قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 47 الصادر في 4 ديسمبر (كانون الأول) العام 2000 والموسوم " تعزيز الديمقراطية وتوطيدها" .

وعلى هذا الأساس  فبإمكاننا القول إن الديمقراطية سلسلة تجارب غير مكتملة، تتطوّر وتتغيّر وتتقدّم وتتراجع أحياناً، وأهم ما فيها هو قدرتها على " إدارة التنوّع" باتباع آليات سلمية، وحتى مع خروجها أحياناً على جانبها المعياري باختيار المحكومين للحكام بصورة خاطئة، كما حصل مع هتلر أو مع صعود الموجة الشعبوية الجديدة، التي أوصلت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض أو فوز الشعبويين حالياً في النمسا وهولندا والدانمارك وبولونيا وتشيكيا والمجر، فضلاً عن ارتفاع رصيدهم في فرنسا (حزب ماري لوبان) وإيطاليا (حركة الـ 5 نجوم) وألمانيا (حزب البديل الديمقراطي) وغيرها، فإن معالجة مثل هذا التوجه "غير الديمقراطي" سيكون بوسائل ديمقراطية، لأنها حتى الآن الآلية السليمة والأكثر قدرة على معالجة أزمات الحكم وتنظيم علاقة الحاكمين بالمحكومين.

وفي منطقتنا واجهت الديمقراطية طائفة من التحدّيات الكبرى التي تقف حائلاً أمام اجتيازها العتبة الأولى مثل " النزاعات الطائفية والمذهبية" فضلاً عن "التوترات الإثنية والقومية" و"الحروب الأهلية "، و"العنف المجتمعي بجميع صوره" و"الإرهاب الدولي" و"الحروب الإقليمية"، ناهيك عن "شحّ ثقافة الديمقراطية"، لاسيّما بتعاظم كوابح ما قبل الدولة وما دونها مثل العشائرية والجهوية وغيرها.

وهكذا فالديمقراطية ظلّت تراوح "بين المحظور والمنظور"، وتتجاذبها عوامل شتى من شدّ وإرخاء ونجاح وإخفاق، لكنها بالرغم من كل نواقصها وعيوبها تمثل خيارات وآليات تستجيب للحدّ الأدنى من المشتركات الإنسانية والخصوصية الوطنية، وليس هناك موديل كامل ونهائي يصلح لجميع المجتمعات.

 

عبد الحسين شعبان - باحث ومفكر عربي

 

"الرشاوي الصغيرة تبقي الصداقة.. والرشاوي الكبيرة تجعلها قابلة للتنبؤ"!!

الفساد ليس مشكلة أخلاقية واقتصادية وسياسية فحسب إنما مشكلة نظرية وحقيقية مجتمعيا, وبتعبير أدق فأن الفساد هو مشكلة المجتمع الحديث فما الذي يمكن أن نفهمه حول أفكارنا عنه؟ حينما نلاحظ انتشار الفساد والجدل العام حوله ينبغي النظر في كلا الجانبين, الفساد كممارسة في التأثير الاجتماعي والفساد كموضوع للاتصال في المجتمع وافراده في اتصال بعضهم ببعض، فالفساد يؤدي إلى الغضب الشعبي وإلى اللامبالاة والانفصال عن السياسة ويعطي زخما للتغييرات السياسية الواسعة. والفساد هو علامة على التخلف وانحرافا مرضيا، يلامس الإحساس الجماعي بالعدالة والأمانة، ولكنه أيضاً يثير الشعور بأنه إذا بذل المرء جهوداً لمكافحة الفساد فمن الممكن تغيير الوضع ولا يزال من الضروري توضيح كيف إن إحياء الفساد يتم باستمرار في الظروف المعاصرة وفي كل مكان لان الفساد ليس أكثر من شكل من أشكال تنفيذ الرغبات الفردية في مجتمع لا يثق أعضاءه ببعض ولا يتحكمون بتصرفاتهم.

دوما ما نغفل عن المتطلبات الهيكلية للفساد ودور المؤسسات وتأثيرها وادوار الحالات الوسيطة، وإن إعادة بناء العمليات النفسية والاختيار الفردي لا تعطي إجابة عن سؤال: ما هي اعتبارات النفعية والمصالح وتضارب القيمة داخل المجتمع التي تؤدي إلى حقيقة المشاركة في "شبكة" فاسدة تصبح سلوكًا مفيدًا ومطلوبًا؟ ووفقاً لأولئك الذين يلاحظون الفساد من الخارج فإن انتشار ظاهرته تشير إلى أزمة في الهياكل العامة للحفاظ على القانون والنظام والتي لا يتم التعبير عنها فقط في انحراف الفاعلين الفرديين عن الأعراف الاجتماعية وإنما أيضًا قبل كل شيء في التوزيع الخاطئ للموارد العامة كالمال والسلطة والسمعة والهيبة الأخلاقية. وإن محاولة دمج العنصر "الأخلاقي" في الفساد كتعبير عن الدونية الأخلاقية للفاعلين، تبدو لي غير منتجة ولا فاعلة فنحن لسنا في زمن الانبياء!!! وإن هذا الشكل من التخصيص هو الذي يخفي الطبيعة المتناقضة للنظام المعياري للمجتمع الذي يسمح بظهور حالة مزدوجة ويعطي الأسس للجهات الفاعلة، فيمكن محو الحدود بين الفساد وعدم الفساد بسهولة على المستوى الفردي إذا كان لدى الجهات الفاعلة أسباب لتحل محل التمييز بين فئات السلوك الأخلاقي وغير الأخلاقي مع فئات النجاح والفشل، وإن محو الحدود هو رد فعل للضغط الواقعي أو الخيالي من الخارج الذي يضع موضوع الفساد أمام خيار ما إذا كان يريد المشاركة فيه أم لا.

يتم تقليل الافتراضات النظرية لتفعيلها عبر مرجعية تحليل الظروف التي تصرف فيها الفاسد، وعادة ما لا تتجاوز دوافعه ما سبق إثباته وإن البحث عن نوع معين من الشخصية يتميز بميل إلى تحريف السلوك وينتهي دوما بالفشل، ويمكن الافتراض أن "الشخصية الفاسدة" هي صورة نمطية، تجعل شعبيتها من الممكن الحفاظ على البنية القائمة والراحة النفسية والكشف عنها وتحديدها، ولا شك في أن الفساد يجلب منفعة خاصة للأفراد وأنه يتوافق مع نموذج لتبادل المنفعة مع البعض والذي يتم على أساسهم مثل تلك المعاملة على حساب أطراف ثالثة والتي هي في الأصل تكون مدعومة ومحمية من الجهات الفاعلة التي تتخذ خطوات نشطة لإخفاء الصفقة. ومن الواضح أنه لا توجد سمات شخصية خاصة يمكن أن تكون المعيار الوحيد للتمييز بين سياسي أو رجل أعمال أو مهني محترم أو انتهازي أو تافه، وإن نظرية اختيار وبيان الفاسد في تلك الحالة تعود إلى الظروف التي يجد فيها الشخص ذاته وإلى الدوافع والمحفزات التي تولدها حالة الفساد المعينة. ومع ذلك فإن تحليل الاحتمالات لا يحل محل الإجابة على السؤال، فلا يزال من غير الواضح ما هي مجالات التنمية الاجتماعية التي تسمح للآليات القديمة بالاستمرار في العمل في العصر الحديث أو لماذا تفتح الظروف والحوافز الجديدة فرصًا ليس فقط للفساد بل أيضًا للمعارضة السياسية والمعنوية لها, وهنا نرى إن تقليل المشكلة لتمييز الفشل الذريع للدولة وفشل السوق بشكل غير مقبول يبسطها، واعتمادًا على التفضيلات الأيديولوجية فأن المجتمع ككل يمكن تنظيمه إما كسوق أو كدولة ديمقراطية مثالية حتى يتمكن من حجب أوكسجين الفساد. وليس من الأفضل مع نظرية الديمقراطية الهشة افتراض أن الفساد هو عنصر إلزامي محدد النظامية في السلطوية إذ لا شك أن الأنظمة السلطوية والمركزية توفر المزيد من الفرص لتحقيق المصالح الخاصة في غياب المنافسة أو السيطرة العامة، فلذلك لا يزال من المثير للجدل ما إذا كانت الدولة القوية عرضة للفساد لأنها قوية أو ربما ضعفها يكمن بالضبط في حقيقة أنها غير قادرة على توليد الثقة في شرعية مؤسساتها وفعاليتها وبالتالي تصبح فريسة فساد اقتصادي للنخبة السياسية والاجتماعية.

يعتبر الفساد مكافئ وظيفي لغياب شرعية وفعالية المؤسسات أو استحالة إشراك بعض الفئات الاجتماعية، ومن المهم معرفة ما هي الشروط والحوافز لتطوير الفساد وتحديد المنطق الذي بموجبه تتخذ الأطراف الفاعلة ومجموعات الفاسدين في الوضع الحالي من قرارات، إذ تندمج القوة والمال بسرعة وبصورة غير محسوسة، والمال يساعد على القوة، والسلطة تفتح إمكانيات جديدة للمال، فهل هناك طريقة أفضل لإثبات أو تقوية الصداقة؟ الإجابة تتماثل لدينا في إعادة صياغة المثل القديم " الرشاوي الصغيرة تبقي الصداقة... والرشاوي الكبيرة تجعلها قابلة للتنبؤ " !!! ويمكن للمرء أن يجد نفس الانعكاسات لكنه يجادل على المستوى الكلي من وجهة نظر المنظور المتأخر والتنمية غير المتوازنة من قطاعات الحياة العامة والتي هي ليس لوضع معايير موحدة للأمانة العامة والنزاهة، والأشكال التقليدية لتبادل الهدايا والمحسوبية والمحاباة التي لا تزال موجودة، وإن الهياكل النمطية الموجودة في المنظمات والهيئات الإدارية تعتبر بدرجة أقل أنها تستوفي معايير حماية المصالح العامة وإلى حد كبير كجزء من الشبكة الملزمة بالعطاء والتقديم.

 وان اردت إن أصبح واقعيا فيفترض إن اقول وعلى عكس الأخلاق ينبغي اعتبار الفساد شيئا وظيفيًا وإن الأخلاق في هذه الحالة تعارض "الواقعية" التي توفر فرصة لكل شيء لكي تأخذ مجراها ومع ذلك فإن تحليل الحالات التاريخية الفردية تثبت أن الفساد له تأثير اقتصادي وسياسي واجتماعي سائد في الغالب وإنه يجعل الفقراء أكثر فقرا ويمنع الحركة الاجتماعية ويعوق النمو الاقتصادي ويحول النظم السياسية إلى فاشلة ويدمر شرعيتها فتنهي بعضها البعض، لذلك يتم تقديم الفساد على أنه عودة إلى المقايضة وعلاقات دنيئة معينة، ويشمل العمل السياسي المباشر والعمل المحدد مقابل التبعات الاقتصادية. كما ويمكن القول إن الفساد سوف يتطور دائمًا عندما لا تكون هناك سلطة للنظام السياسي كما أن المعايير العالمية وغير الشخصية لعمل حكومة أو مسؤول سياسي لم تتمكن واقعيا وإلى ألان من التغلب على المصالح الخاصة للأفراد، ويمكن قول الشيء نفسه عن الحالة التي يحدث فيها توزيع الدخل أو السلطة أو الهيبة على أساس معايير الإنجاز غير العالمية أو المساواة الشكلية في الفرص والتي تنتمي إلى مجموعة معينة أو منشأ أو معايير زائفة أخرى، فعدم المساواة الناجم عن التقسيم الطبقي الاجتماعي يؤدي إلى حقيقة أن الجهات الفاعلة الفردية أو الجماعية تميل إلى الدفع للحصول على الوضع المطلوب أرستقراطيا أو لاستخدام موقف الفساد الناتج من أجل أن تكون قادرة على اتخاذ القرارات من أجل الإثراء الشخصي، وفي مجتمعاتنا جميعا لا يوجد شيء من شأنه أن يهز ثقة الأفراد والشعوب بأنهم يستحقون أكثر مما لديهم، أو أن ما لدى الآخرين هو نتيجة منافسة غير عادلة وبالتالي فإن نظام قيم المجتمعات مع تركيزها الزائف على تحقيق الأهداف والمساواة والتعبير عن حرية التعبير عن الإرادة فهي لا ولن يمكنها أن ترضي شعوبها، والتي من الغير ممكنا لها أن تكون راضية ولو جزئيا بسبب تطرف الاقتصاد وفساد الأنظمة ووحشية المؤسسات السياسية.

 

بقلم: الدكتور ميثاق بيات ألضيفي

 

رائد الهاشميمنصب رئيس الجمهورية في العراق مابعد عام 2003 تشريفي وبروتوكولي ومحدود الصلاحيات وقد تم تخصيصه للمكون الكردي حسب المحاصصة الطائفية البغيضة التي دمرّت البلاد والعباد، ولقد تعود العراقيون طوال السنوات الماضية على أن يروا رئيسهم ينعم بالامتيازات الخيالية التي ترهق موازنة البلد ويحميه فوجان من العسكر المدجج بالسلاح وهو في قصره العاجي المحّصن على نهر دجلة ويستقبل بعض الشخصيات والرؤساء ويحضر بعض الاجتماعات المهمة مع الرئاسات الثلاثة أو مع رؤوساء الكتل ويشجب هنا ويندد هناك ويحتفل في هذه المناسبة أو تلك، ولم ينتظروا منه دوراً أكثر من ذلك، ولكن ما أن تسلم الدكتور برهم صالح منصب الرئيس حتى أثبت بأن الشخص يستطيع بقوة شخصيته أن يكسر كل القواعد والأعراف ويعطي للمنصب أكثر مامرسوم له، فالحق يقال بأن صالح بكاريزمته الفريدة وشخصيته القوية وشعبيته ومقبوليته لدى جميع فئات المجتمع العراقي تمكن من أول يوم أن يعمل بنشاط وحيوية في كل الاتجاهات ولم يرضخ للحدود الموضوعة لمنصبه البروتوكولي فبدأ برحلات مكوكية سريعة ومكثفة الى بلدان مختلفة منها الأردن والكويت والسعودية وايران وتركيا وفرنسا والامارات وايطاليا.

لمناقشة هذه الزيارات يجب أن نحدد بواقعية وانصاف ايجابياتها وسلبياتها، فالزيارات كانت نتائجها جيدة ومثمرة في تعزيز علاقات العراق مع جيرانه والدول الاقليمية والعالمية حيث كانت تحمل رسائل محبة وانفتاح على الجميع للتعاون المثمر والجاد لتحقيق المصالح المشتركة في جميع المجالات وخاصة السياسية والاقتصادية والأمنية ولكسب ثقة هذه الدول وتذليل كل الاشكالات التي حدثت في السابق، وكذلك تم خلال هذه الزيارات مناقشة ملفات حيوية عديدة تهم أمن العراق السياسي والاقتصادي والأمني ، وحاول الرئيس صالح أن يقدم دعمه الكامل من خلال هذه الزيارات الى حكومة السيد عادل عبد المهدي حيث بدأت ملامح التعاون والتفاهم بين الرجلين من أول يوم في تقلدهم مناصبهم السيادية في البلد، وهذا شيء يدعو للارتياح لأن التفاهم بينهم يصب في مصلحة البلد واستقراره السياسي، لذا فباعتقادي المتواضع بأن زيارات الدكتور برهم صالح الخارجية على الرغم من عدم امتلاكه الصلاحيات في اتخاذ القرارات الحاسمة وتوقيع الاتفاقيات المصيرية لكنها كانت مهمة ومفيدة للعراق وبالأمكان استغلالها بشكل جيد من السيد رئيس مجلس الوزراء من خلال تعاونهما لتطبيق نتائجها على أرض الواقع وفقاً لصلاحياته الدستورية مع العلم أن جميع زيارات رئيس الجمهورية كانت بالتنسيق والاتفاق مع السيد عادل عبد المهدي وحسب ما تم التصريح به من قبل الناطق الرسمي لرئاسة الجمهورية.

أما السلبيات في هذه الزيارات فهي التكلفة المالية الكبيرة لها وخاصة أن الرئيس برهم صالح كان يصطحب معه في كل رحلة وفداً كبيراً من الوزراء والمستشارين والمرافقين وهذا ما انتقده الكثير من المراقبين والمتابعين للشأن العراقي، حيث ان تكلفة هذه الوفود الضخمة قد كلفت موازنة الدولة مبالغ باهضة في ظل وضع اقتصادي متردي ومشاكل كبيرة واضحة للعيان، وكان الأولى بالدكتور برهم صالح وهو الرجل البسيط الذي عاش فترة طويلة في اوروبا واطلع على تصرفات رؤوساء وحكام هذه الدول وطريقتهم في ضغط النفقات والابتعاد عن البهرجة والفخامة بأن يفكر بهذا الأمر جيداً ويحسب حساباته الدقيقة، وكان بإمكانه أن يذهب برفقة وفد بسيط من أشخاص معدودين ويحقق نفس الأهداف التي رسمها لزياراته، وأنا على يقين بأنه كان قادر بشخصيته القوية وثقافته العالية وباسلوبه الرائع أن يحقق هذه الأهداف ويجنب نفسه الانتقادات الكثيرة التي وجهت له من جهات عديدة عن ضخامة الوفود التي اصطحبها معه وعن المبالغ الخيالية التي أرهقت موازنة البلد، علاوة على أنها كانت ستكون أجمل وأرقى وتخطف الأضواء ببساطتها ونتائجها الكبيرة. 

 

رائد الهاشمي

 

عبد الخالق الفلاحفوضى البيت الأبيض تسببت في ضياع فرص قيمة لأميركا، وفي فشل ترمب في تحقيق أي تقدم في أهم ما في جعبتها من خطط لانه رجل اقتصاد اكثر مما هو رجل سياسية والتي لا يمكن الفصل بينهما في ادارة الدول في العصر الحالي وقد أصبح الاقتصاد لصيقًا بالسياسة وتوأمها بشكل جليّ وارتباط الاقتصاد بالسياسة والعكس بالعكس، قضية لايختلف عليها اثنان في جميع العصور وعلى مدى التاريخ الماضي، ولكن يبقى اهتمام الناس بالسياسة لتأثيرها على حياتهم الاقتصادية ومعيشتهم اليومية، قضية تترواح مابين اهتمام شديد وعدم مبالاة، وعلاقة الاقتصاد بالسياسة أبدية مثلما تنظر المبادئ الكاثوليكية للزواج، حتى يعتقد البعض ان كفت الاقتصاد المحرك الرئيسي للسياسة دون النظر لأي اعتبارات أخرى. وهو ما دفع الكثير من الدول إلى استخدامه كفاتورة سياسية يدفعها الطرف الآخر عند الخلافات السياسية أو العسكرية وكأداة ضغط للدول وإرسالها لمن يدور في فلكها متناسياً في الامكان للسياسة أن تُشكِّل دافعا قويّا للنمو الاقتصادي، كما يمكن لها أن تكون مثبطاً له من خلال قيامها بتأخير عملية التغيّر الاجتماعي والثقافي، حيث يؤثر التفاعل بين السياسة والاقتصاد على قضايا السلام، الفقر، المساواة، الحرية، الديناميكية الاقتصادية والاستقرار السياسي.

لقد شهدنا في العقدين الأخيرين العديد من الأمثلة على استخدام الاقتصاد كأداة ضغط للسياسيين، والتي كان أبرزها العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الولايات المتحدة الامريكية على إيران لدورها الواضح في دعم المقاومة والاصطفاف الحربي ضدها لمجابهتها الاحتلال الصهيوني والارهاب الذي يحاول زعزعة الاستقرار الإقليمي وايقاف تمدده وكذلك العراق إبان الحرب على الكويت واحتلالها وما تلاه. كما استخدمته إيطاليا في التسعينيات ضد تركيا واستخدمته المملكة ضد كندا والولايات المتحدة ضد الصين مؤخرًا في إجراءات اقتصادية محدودة.

وقد استغل الرئيس الامريكي عامل الاقتصاد على الاكثر في بعض الدول العربية لانه مجتمعاتهم استهلاكية يهيمن عليه استبداد النخب الحاكمة التي لا تتردَّد في إيداع مدخراتها ومدخولاتها لرجال الأعمال المقربين منها في حسابات مصرفية أجنبية بدلاً من استثمارها وطنياً ومحلياً وهنا يتجلَّى ويتَّضِح سلوكهم المدفوع بالمصلحة الشخصية وإهمالهم التام للمصلحة العامة التي تتمثل في المستقبل الحاضر والقادم .

ولا يزال ترامب وفريقه يتباهون بكل مبادئ الاقتصاد التقليدي تقريبا والتي لا تتناسب مع العلاقات الحالية للدول . وتُعَد السياسة التجارية مثالا واضحا وأساسيا هنا؛ فبإظهار عدم التقدير للارتباط الذي أثبته الزمن بين العجز التجاري واختلال توازن الادخار والاستثمار في الاقتصاد الكلي، يواصل الرئيس ترامب التركيز على حلول ثنائية لمشكلة متعددة الجوانب، فيلوم الصين -في حقيقة الأمر- على عجز أميركا التجاري السلعي مع 102 دولة . ويعتقد البعض أن الصين ستخسر الحرب التجارية مع أمريكا، وتستسلم في نهاية الأمر، بدعوى أن الميزان التجاري بين الجانبين يميل لصالحها، لكن ربما يكون هذا الاعتقاد خاطئاً، لسبب بسيط، هو أن الجانبين سيتضرران كثيرا من هذه التعريفات.

فعندما يتم تطبيق تعريفة على سلعة معينة، فهناك سيناريوهات، في مقدمتها انخفاض الأرباح، لان في بعض الصناعات، تكون الشركات غير راغبة أو غير قادرة على تحميل التكلفة على عملائها، وهذا يعني بكل بساطة أن أرباح الشركة ستنخفض، وبالنسبة للشركات العامة، فهذا بالطبع سيقلل أرباح وبالتالي يمكن أن يؤثر على أسعار أسهمها.

ومن هنا يبدو أن إدارة ترامب تتصور أن أميركا وصلت إلى لحظة مواتية في الدورة الاقتصادية تسمح لها بممارسة اي لعبة قوية . غير أن إستراتيجيتها لن تنجح لان الصين لن تستسلم بشأن المبادئ الأساسية لإستراتيجية النمو، التي تؤطر طموحات القوة العظمى التي تراود الرئيس الصيني وهي لا ترغب في خوض حرب تجارية، لكنها لا تشعر بالخوف من خوض حرب تجارية وإذا كانت الولايات المتحدة ترغب فقط في تصعيد النزاعات التجارية، سترد بالتأكيد وتحارب حتى النهاية. وفي الحقيقة ان الصين لديها ترسانة كبيرة من الأسلحة، خلف التعريفات الجمركية، يمكنها استخدامها ضد الولايات المتحدة، منها، إنشاء علاقات تجارية وثيقة مع دول أخرى لعزل واستبعاد الولايات المتحدة، فعلى سبيل المثال، خفضت الصين التعريفات على السيارات لصالح حلفاء واشنطن لمقاومتها، بالإضافة إلى تنفيذ حملة تنظيمية على الشركات الأمريكية، مثل التحقيقات البيئية أو مكافحة الاحتكار. والحقيقة ان التهديد والعقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة الامريكية على الصين لم تأتي اكلها ومن هنا جاء الاتفاق الجديد بعد الاجتماع على هامش مجموعة العشرين في مدينة أوساكا اليابانية الذي جمع الرئيس الصيني شي جينبينغ الذي اكد ان الحوار" مع الولايات المتحدة سيكون أفضل من "المواجهة "ونظيره الأمريكي دونالد ترامب الذي وصف القاء "بالممتاز" وعلى استئناف المفاوضات التجارية بين بلديهما وانه مستعد للتوصل لاتفاق تجاري "تاريخي" مع الصين، وسيكون الأمر تاريخيا إذا استطعنا التوصل إلى صفقة تجارة عادلة". كما أعلنت بكين أن واشنطن وافقت على عدم فرض رسوم جمركية جديدة على صادراتها، وفق ما نقلتها وكالات الانباء ومنها الصينية وواشنطن تخلت عن قرارها رفع الرسوم الجمركية من 10 بالمئة إلى 25 بالمئة على بضائع صينية بقيمة مئتي مليار دولار -- نصف الكمية الإجمالية -- اعتبارا من الأول من كانون الثاني/يناير .وتوصلا الى هدنة في الحرب التجارية بينهما التي تهدد الاقتصاد العالمي

 

عبد الخالق الفلاح – باحث واعلامي

 

 

جوتيار تمرتنطلق اغلب الاراء والمقولات حول الوعي بصورة عامة والوعي السياسي بشكل خاص، وفق نمطية متكررة تتخذ من معطيات لونية بلاغية مغايرة شكلاً عن سابقتها كذريعة لفرض ممكناتها باسم التجديد والتطور، على الرغم من انها في الاصل تحمل المضمون نفسه، والنسق نفسه، والتوجه نفسه، بحيث يلاحظ المتابع الواعي ان تلك المقولات والاراء ليست الا كاسطوانة تكرر نفسها فما ان تنتهي حتى تبدأ بالدوران مرة اخرى، ولكن ربما بايقاع ظاهري مغاير يظهر لمن لديه الاستعداد بالتلقي بانها مختلفة، هذا الامر بات يؤرق العاملين على تطوير بنية الفرد داخل المجتمعات، ويؤرق في الوقت نفسه المختصين في المجالات الحياتية المنوعة والمختلفة من سياسة واقتصاد واجتماع، ولعل اكثر ما يؤرق حتى الشرائح المثقفة اصبح ما يتعلق بالوعي السياسي، حيث بات الكل محللين سياسيين، واصبح الكل من مكانه يطلق الاراء ويحكم على المسارات التي تتخذها الحكومات، وليس بمخفي عن المتابعين دور وسائل الاعلام اللاواعية، والاعلام التجاري، والاعلام الحزبي المعارض في هذه الاشكالية، بحيث تحولت المجتمعات التي لم تتبنى الوعي كمنطلق اساسي لصيرورتها التطورية اشبه بالمختبرات " فئران مختبرية " تمارس الدول الكبرى اختباراتها عليها وبمساندة واضحة من وسائل الاعلام التي لاتنتهج اية وسيلة اكاديمية في البحث عن مصدر الاشكالية وتقديم حلول منطقية تناسب الواقع، لا للافكار الحزبية او حتى التوجهات الاقليمية والاجندات التي تعمل تلك القنوات الاعلامية تحت تصرفها، ووفق اهدافها، وذلك لأن مصطلح الوعي السياسي مرتبط من الناحية الواقعية بالوقائع والاخبار، باعتبارها افرازات قوى الواقع التي تقذف الى ساحة الاهتمام بقضايا متجددة.. تؤثر على الانسان تأثيراً مباشراً، ومن هنا يأتي الاهتمام الكبير بوسائل الاتصال "الاعلام" من قبل القوة المتعارضة والمتصارعة.. سواء في اوقات السلم ام في اوقات الحرب.. بل ويمكن ملاحظة ظاهرة الاعلام حتى في العلاقات الفردية والجماعية المحدودة، (د.صلاح الدين النكدلي، الوعي السياسي ضرورة حيوية، مجلة الرائد، العدد 180، حزيران/يونيو 1996).

لايمكن حصر التعريفات فيما يتعلق بالوعي السياسي، لانها في الاصل تأتي وفق الرؤية الخاصة بالمجتمعات، ووفق الانظمة التي تتبناها تلك المجتمعات، ولكن غالباً ما توجد خيوط مشتركة بين تلك الاراء، ومن تلك الاراء تعرف الوعي السياسي على انه مدى معرفة وادراك واهتمام الناس بالقضايا والمؤسسات والقيادات السياسية على مختلف المستويات المحلية والقومية والدولية فيما يرى البعض ان الوعي السياسي هو عملية تطورية لاكتساب المعلومات والقيم السياسية ومن هذه المعلومات يُكَون الفرد فهمه للمؤسسات والرموز والظواهر في البيئة السياسية من حوله، ليساعده على التطور والقيام بدور سياسي نشظ، باعتبار ان مرحلة الوعي هي التي يمكن ان تقود الفرد الى مرحلة اكثر تقدما، والتي تكمن في مرحلة الاهتمام والرغبة في متابعة المعلومات المتعلقة بقضايا البيئة السياسية، ومن ثم ليتطور ليصل الى مرحلة المشاركة السياسية، (عبدالله الفردي، الوعي السياسي في الاعلام، 2010 ).

ويعرف الوعي السياسي على انه ايضا نمط من الافكار والقيم والاتجاهات التي تحدد من خلالها الاوضاع القائمة ويتجلى معها الشعور بالوجود الاجتماعي لطبقة او حركة اجتماعية متميزة، ومدى مواكبة موقفها السياسي لمفتضيات التغيير وتلبية اهدافها في السيطرة على المجتمع، كما يشار الى الوعي السياسي على انه حالة ذهنية تتمثل في ادراك الفرد للعالم من حوله على نحو عقلي او وجداني، ولاتتوقف تلك الاراء والافكار المتعلقة بالوعي السياسي عند تلك المحددات السابقة، بل تذهب الى ان الوعي السياسي عند المواطن والمجتمع هو نظرة الانسان تجاه محيطه وكيف يقرأه وما يتضمن هذه النظرة من معارف سياسية وقيم واتجاهات تتيح للانسان ان يدرك اوضاع مجتمعه ويحللها، ويحكم عليها، ويحدد موقفه منها والتي تدفعه الى العمل من اجل تغييرها وتطويرها والحفاظ عليها والابقاء على احسن الاوضاع المتطورة فيها بما يخدم مصلحة معينة وبالتالي تصبح الرؤية الشاملة للبيئة السياسية والاقتصادية والثقافية والوطنية والعالمية، ومن ادراك الواقع الداخلي المحلي والخارجي والاقليمي والعالمي والاحساس بالمسؤولية والتي جوهرها الالتزام بالثوابت الايجابية والاجتماعية القيمية والوطنية والانسانية والرغبة في التغيير مع الاحتفاظ بالثوابت الوطنية والاجتماعية والقيمية هي اهم المحددات للوعي السياسي، (د. محمد عيسى الكويتي، الوعي السياسي واهميته لتطوير العملية الديمقراطية، جريدة اخبار الخليج، اكتوبر 2018 )، وعندما نتوقف لنقارن بين انفسنا داخل مجتمعاتنا وبين هذه المفاهيم المختلفة والمنوعة حول احدى اهم القضايا التطورية للبنى السياسية في المجتمعات الساعية لمواصلة ركب التطور العالمي، فاننا نجدنا امام احدى اهم المعضلات ايضاً لكوننا مازلنا نعيش طور ماقبل الوعي السياسي، ويتحكم بنا اما الاهواء والنزعات الاعلامية التي تحرك الرأي العام من جهة، او الحقد على المقابل لاسيما الحقد الحزبي الذي يتحول في غالب الامر الى وباء يجتاح مجتمعاتنا.

لذلك يعتبر الوعي السياسي عملية مركبة وتطورية لتداخل العديد من العمليات التكاملية الاخرى معها، ولعل جمع المعلومات وتشكيل الافكار وفق قاعدة منطقية وممنهجة تعبر بالفرد من منطقة الفوضى الاعلامية والفوضى الحزبية " المذهبية " الضيقة وتجعله يتفاعل مع الاحداث ضمن بيئته وما يحيط به من احداث ويعد ذلك من اهم وظائف الوعي السياسي.

تتداخل معطيات الوعي السياسي والثقافة غالبا في قوالب تساعد على انتاج رؤية اكثر شمولية، فالوعي السياسي اذ يصدر عن فكر، والفكر ينتج ثقافة معينة تؤسس لوعي سياسي يسود في المجتمع او في فئات معينة، واذا ما اعتبرنا ان الثقافة هي نتاج او تعبير عن مجموعة من الافكار والاشكال والقيم والهياكل السياسية المختلفة، فاننا نصل بالتالي الى نقطة تؤكد على ان الثقافة هي الاداة لخلق الوعي السياسي وتوجيهه، لذلك نجد بان المجتمعات الديمقراطية تجد في الوعي السياسي كمنطلق اساسي لها، وان اي انخفاض في مستوى الوعي السياسي للافراد والمواطنين يهدد الديمقراطية كمفهوم وسلوك، وبذلك يكون الوعي السياسي هو مصدر قيم من مصادر رفع مستويات الاحساس بضرورة المشاركة السياسية لدى الافراد، وذلك كي يبادروا في اتخاذ دور ايجابي في الحياة السياسية، من خلال المساهمة في وضع الاهداف العامة للمجتمع، وتقديم الاقتراحات، وجملة امور اخرى يمكنهم من خلالها المساهمة الفعالة في تطوير المجتمع، (الكويتي، الوعي السياسي؛ وينظر: فاروق يوسف احمد، السلوك السياسي، 2010؛ صابر عبدربه، الاتجاهات النظرية فيتفسير الوعي السياسي، 2002).

ووفق هذه الاسس يمكن ان نعتبر ان الوعي السياسي هو اكثر من ثقافة سياسية او مجرد مشاركة او تكوين راي وحوار وانشغال بقضايا المجتمع، فالوعي السياسي الحقيقي هو ان يشعر الانسان بانه ينتمي الى المجتمع "الوطن" ومن هذا المنطق يبدأ ببناء نفسه كفرد مساهم ومشارك في العملية التطويرية للمجتمع، وان لايكتفي بالسمع والمشاهدة "التلقي من الاعلام" بحيث تكون نظرته و رأيه مبنيان على اساس السمع والمشاهدة فقط، لانه بذلك لن يكون الا فأر تجارب تمارس تلك الوسائل اختباراتها عليه وفق اجنداتها التي تُملى عليها مسبقاً، ومن هذا المنطلق ندعوا الافراد داخل مجتمعاتنا الىى السعي والبحث من اجل اكتساب وخلق الوسائل التي تؤهله لكي يصبح فرداً منتجاً داخل المجتمع وان لايكون مجرد بوق اعلامي يستغله وسائل الاعلام والاطراف المتصارعة لبث سموم افكارها الهدامة التي تعيق سير العملية السياسية داخل المجتمع، لاسيما ونحن مدرك تماما ان وسائل الاعلام لدينا لاتبحث عن الانجازات السياسية اكثر مما تبحث عن الهفوات والتي تقع فيها الحكومات، بالطبع ليس من اجل اضفاء روح الديمقراطية والحرية الاعلامية انما فقط من اجل اثارة البلبلة والفوضى، بحيث تقوم بتضخيم بعض الامور اعلامياً وعبر جميع وسائل الاتصال الاجتماعي لاثارة السخط والغضب الجماهيري ضد الحكومات، بدل من طرح الاشكالية بشكل منطقي والبحث عن الحلول عبر الحوارات السياسية، والجماهير اللاواعية وعياً سياسياً تنصاع اليها وتصبح اداة لنشر الفوضى، ولذلك لايمكن للمجتمعات بافرادها ان تنضم لمواكب التطور والازدهار الا اذا ما تسلحت وعياً وثقافة وعلماً من جهة، والابتعاد عن الببغائية الفكرية، والذبابية بحيث تنجذب فقط نحو المواد التي تزيد من تردي الاوضاع وانتشار الفوضى السياسية والاعلامية.

 

جوتيار تمر / كوردستان