علاء اللاميمصطلحات كثيرة ذات جذور مخابراتية وعسكرية وسياسية استعمارية غربية دخلت في الخطاب السياسي الغربي المعاصر وأصبحت جزءا وطيدا منه ثم أصبحت سائدة في الخطاب السياسي والنثر الإعلامي السائد في العالم. ينظر إلى هذه المصطلحات -عن جهل بريء أو ترويج تجهيلي مقصود- كمصطلحات محايدة وهي ليست من الحياد العلمي والسياسي في شيء، ولهذا تحتاج هذه المصطلحات إلى وقفة غربلة تحليلية كاشفة لجذورها ومن هذه المصطلحات والعبارات: الثورات الملونة، القوى الناعمة، الإرهاب، الدول المارقة، المجتمع الدولي، الشرعية الدولية، القانون الدولي منظمات المجتمع المدني، ثقافة الكراهية...الخ. وهذه مهمة كبيرة تحتاج الى جهد ووقت وتنظيم ولذلك سأكتفي بإلقاء الضوء على مضمون هذه المصطلحات وجذورها مع التوثيق المتاح:

1- الثورات الملونة: أطلق هذا المصطلح على تظاهرات سلمية، بعضُها بدأ عفويا وشعبيا ثم تمت السيطرة عليه وتوجيهه وجهة معادية لدول وشعوب رافضة للهيمنة الغربية الإمبريالية وبهدف ترويض وخنق الدول والحركات الشعبية القاعدية الطامحة للاستقلال السياسي والاقتصادي.

2- القوى الناعمة: مفهوم ومصطلح صاغه الباحث الأميركي جوزيف ناي (عميد كلية جون كينيدي الحكومية في جامعة هارفارد. أسس بالاشتراك مع روبرت كوهين، مركز الدراسات الليبرالية الجديدة في العلاقات الدولية. وتولى عدة مناصب رسمية منها مساعد وزير الدفاع للشؤون الأمنية الدولية في حكومة بل كلينتون ورئيس مجلس الاستخبارات الوطني). في كتابه الصادر عام 1990 بعنوان "مقدرة للقيادة: الطبيعة المتغيرة للقوة الأميركية". قام بتطوير المفهوم في كتابه الصادر عام 2004 بعنوان "القوة الناعمة: وسائل النجاح في السياسة الدولية"، يستخدم المصطلح حالياً على نطاق واسع في الشؤون الدولية من قبل المحللين والسياسيين. والدول الناعمة تشمل منظومة واسعة من النشاطات والمنظمات القاعدية الثقافية والنسائية والرياضية والفنية ومواقع التواصل الاجتماعي وتسيسها واختراقها بجيوش إلكترونية مأجورة وذات أهداف وأنشطة تخريبية بطيئة وتراكمية لتحقيق أهداف غربية استعمارية تقليدية أو إمبريالية عنصرية ذات نزوع فاشي وصهيوني مضمر أو معلن.

3- الإرهاب: وهو مصطلح قديم نسبيا ويعود إلى فترة الاستعمار البريطاني للهند وحتى إلى ما قبل ذلك. وقد كان العسكريون الاستعماريون البريطانيون يطلقونها على المقاومين أو الممتنعين عن التعاون معهم وقد ارتكبوا مجازر مريعة وصفها كارل ماركس بمقولته الشهيرة (لقد حول البريطانيون سهول الهند الخضراء إلى سهول بيضاء لكثرة عظام الضحايا الهنود وأصبح القتل بدم بارد هو الرياضة الشعبية البريطانية الأكثر ممارسة هناك/ اقتبسها تشومسكي في كتابه 501 عاما والغزو مستمر).

 وقد ترجم هذا المصطلح إلى العربية خطأ منذ البداية، لأن جذره في اللغات الإنكليزية والفرنسية وسائر اللغات اللاتينية هو ما يقابل الجذر العربي "رعب" وليس "رهب"، فهو في الإنكليزية (TERROR) وفي الفرنسية (TERREUR) وجذر الكلمة الثلاثي في العربية "رعب" البالغ درجة الشلل الجسدي نتيجة الرعب كما يقول تعريف الكلمة بالإنكليزية والفرنسية، أي أن ترجمته الصحيحة إلى العربية هي "الإرعاب" وليس الإرهاب.

أما تاريخيا وبالدراسات الموثقة والقائمة على علم التسلسل الزمني (كرونولوجيا Chronology)    أن الإرعاب، أو "الإرهاب" في الترجمة الخاطئة الشائعة والتي أمست رسمية، هو بضاعة رومانية غربية استعمارية قديمة، مضمونها معاد للحياة والجمال والاختلاف والتنوع والطبيعة الكونية نفسها، وبلغت هذه النزعة الإرعابية ذروتها حروب استعمارية إبادية خاضها الغربيون الآريون البيض في أغلب القارات، فأبادوا شعوبا وأمما بكاملها كشعوب السكان الأصليين "الهنود الحمر" في الأميركيتين وأستراليا وفي مجزرتي هيروشيما وناكازاكي النوويتين الأميركيتين ضد اليابان، اللتين راح ضحيتهما ربع مليون إنسان في ساعات قليلة. صحيح أن التاريخ البشري ملطخ كله بالدماء والعنف والحروب والخراب بأيدي بني البشر منذ بدء الخليقة وحتى الآن ولكنه يمثل خصيصة رئيسة في السردية التاريخية الآرية الرومانية خصوصا. وكثيرون هم أولئك الذين وصمهم الإعلام والسياسة الغربية الاستعمارية بصفة الإرهاب من قادة وزعماء حركات التحرر ولا فرق بين من اعتمد اللاعنف والتحرك السلمي كمحرر الهند المهاتما غادي أو بين من اعتمد أساليب الكفاح المسلح لتحرير شعبه ووطنه من أمثال جيفارا ومانديلا وعرفات، بل أن رئيسة الوزراء البريطانية تاتشر ظلت تصف مانديلا وحزبه بالإرهابي حتى بعد أن توقف نظام الفصل العنصري عن وصفه بذلك الوصف وبدأ التفاوض معه في السنة الأخيرة من حكم تاتشر الفائزة بوسام الحرية الأميركي، وظلت الولايات المتحدة تعتبر مناديلا إرهابيا وممنوعا من دخولها حتى بعد انتصاره، ولم يرفع اسمه واسم حزبه من قائمة "الإرهاب" إلا قبل زيارته إليها بدعوة من الرئيس كلينتون بفترة قصيرة! 

4- الدول المارقة: شاع هذا المصطلح في عهد آل بوش "الأب والابن" في رئاسة الولايات المتحدة، ولكن بعض المؤرخين يعيدونه إلى عهود أقدم من ذلك بكثير ويعودون به إلى عهد تأسيس الإمبراطورية الرومانية المقدسة في القرن العاشر الميلادي (862 م) من قبل أتور الأول بن هانريش الأول الذي كان يصف به الإمارات والدول والشعوب الصغيرة التي كانت تتمرد على الاستعباد الروماني. والمقصود الحَرْفي بهذا المصطلح هو (الدول المتمردة على المجتمع الدولي والشرعية الدولية)، أما المقصود الفعلي والعملي فهو الدول الرافضة والمقاوِمة لهيمنة وعدوان الدولة الأميركية والدول الغربية الإمبريالية الأخرى، وقد يشمل حتى التي تختلف في التفاصيل مع المتروبول الغربي وتخضع له في الخطوط العامة. تشمل القائمة الأميركية للدول المارقة اليوم مثلا كوريا الشمالية وإيران وفنزويلا وكوبا وسوريا وغيرها.

 أما دولة الكيان العنصري الصهيوني "إسرائيل" والتي رفضت الانصياع أو تنفيذ أو حتى مناقشة أكثر من أربعين قرارا للأمم المتحدة ومجلس أمنها منذ أولها وهو (قرار رقم 57 صدر هذا القرار بتاريخ 18 سبتمبر 1948 الخاص باغتيال الصهاينة للوسيط الدولي الكونت برنادوت) وحتى القرار الذي يحمل رقم أربعين أي (قرار رقم 2334 لعام 2016 بتاريخ 23 ديسمبر الذي حث على وضع نهاية للمستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية)، أما هذه الدولة العنصرية المسخ فهي خارج نطاق الدول المارقة بل هي جزء من المجتمع الدولي والشرعية الدولية!

* تصدى كتاب تحرريون ولبراليون تقدميون لهذا التعريف الزائف للدول المارقة، وكشفوا جوهرة الحقيقي. فالفيلسوف الفرنسي جاك دريدا الذي توصل تحليليا إلى أن (الولايات المتحدة تكون هي دولة مارقة بعد أن مارست التعسف في استخدام السلطة، وليس التعسف في استخدام الحق أو القانون الدولي، بل -في رأي دريدا- أن هذا التعسف صار قانونا بذاته بالنسبة للولايات المتحدة/ مقالة له في سنة احتلال العراق، في جريدة (لوموند ديبلوماتيك)، كانون الثاني،2003).

* والمفكر الأميركي نعوم تشومسكي الذي ألف كتابا بعنوان "الدول المارقة - استخدام القوة في الشؤون الدولية" (تجدون رابط لتحميل ترجمة الكتاب الى العربية في أدناه وهو كتاب مهم وتأسيسي وأشبه بمكتبة شاملة في ميدانه). وهذا الكتاب كما يصفه نيلج فويس هو كتاب لمعالجة ما يمكن تسميته (فقدان الذاكرة الاختياري أو الطوعي، يفضح تشومسكي فيه التكتيكات التي يلجأ إليها الأقوياء لإبقاء السلطة متمركزة والناس خاضعين مذعنين). في الحلقة القادمة نتوقف عند مصطلح " المجتمع الدولي" والشرعية الدولية... يتبع قريبا.

 رابط تحميل كتاب " الدول المارقة " لنعوم تشومسكي:

http://mosnad.com/library/Mosnad9777.pdf

 

علاء اللامي

فراس زوينشهدت الاعوام الاربعة الاخيرة من بعد عام ٢٠١٤ ايام عجاف، وقلق متزايد بتزايد هيمنة النفط على ايرادات الدولة وانحسار باقي قطاعتها، في ضل انهيار الاسعار العالمية وتراجع سعر البرميل الواحد لحدود 30 دولار، وبواقع ينذر بعواقب وخيمة ان لم تتعلم الدولة من المشاكل المالية لتلك السنوات، وتباشر بوضع الخطط الاستراتيجية لتغير حال العراق من دولة ريعية الى دولة انتاج او دولة جباية على اقل تقدير.

ان الطريق الى هذا التغيير يمر عبر مراحل عديدة أولها واهمها هو تكثيف الإيرادات غير النفطية .

ويقصد بتكثيف الإيرادات، هو زيادة مدخلات الدولة من الاموال، عن طريق تفعيل وتطوير باقي قطاعاتها، الإنتاجية او الصناعية او الزراعية او الخدمية، وكل ما يمكن ان يحقق تدفق مالي لخزينة الدولة سواء كان بالعملة المحلية او العملة الأجنبية .

واحب هنا ان اسلط الضوء على المنافذ الحدودية، باعتبارها من اهم مصادر الايراد، ان لم يكن أهمها .

نظراً لاعتماد العراق منذ عام ٢٠٠٣ ولغاية الان على استخراج النفط الخام وبيعه في الأسواق العالمية، واعتباره الاساس في بناء سياسته المالية، مهملاً بذلك باقي القطاعات بمختلف جوانبها من خلال اعتماد المنهج الريعي في رفد الدولة باحتياجاتها المالية، حتى تجاوز ما يدره النفط ٧٢ ترليون دينار عراقي من اصل 91 ترليون دينار قيمة الموازنة الكلية لعام ٢٠١٨ .

ان هذه الاهمال قد اسس لضعف الإنتاج الداخلي، وعدم قدرتها على تغطية الطلب المحلي المتزايد وتلبية حاجات السوق على اقل تقدير، ليحل بدلها الاستيراد.

لقد شهد العراق عام ٢٠٠٣ انهيار النظام السياسي القائم في ذلك الوقت على يد التحالف الدولي، وفتح الأبواب على مصراعيها للأسواق العالمية لتمزق وبكل قسوة الصناعة والزراعة المحلية، والتي كانت اصلاً تترنح نتيجة سنوات الحروب والحصار الدولي وسوء الإدارة السياسية والاقتصادية للبلد .

لقد أعقبت عام ٢٠٠٣ سنوات من التخبط السياسي والاخفاق الأمني وسوء إدارة الملف الداخلي والذي تمثل بعدم اضطلاع الحكومات المتعاقبة بواجبها ببناء واقع انتاجي وانقاذ الجانب الزراعي من الاهمال وترك الملايين من الدوانم الزراعية فريسة سهلة للجفاف والتصحر، فضلاً عن هجرة معظم المزارعين لأراضيهم والتحاقهم بطابور الباحثين عن التوظيف الحكومي، بما يشكله من عبئ ارهق كاهل الموازنات العامة ووسمها بالصفة التشغيلية .

ان النتيجة الحتمية لهذا الإهمال هو تحول الطلب العراقي المتنامي للسلع والخدمات الى هدفاً سهلاً ولقمة سائغةً للأسواق العالمية، ومنفذاً لتصريف بضاعتهم ومنتجاتهم، حيث يستورد العراق قرابة ٩٧٪‏ من احتياجاته المحلية، فيما تشير العديد من الاحصائيات ان العام ٢٠١٧ شهد تبادلا تجاري بقيمة ٥٥ مليار دولار عبر المنافذ الحدودية، كان من المفترض ان تشكل الرافد الثاني للموازنات الحكومية، بعد النفط، لتغطية الانفاق العام للدولة، وهنا تبرز المفارقة حيث لم يحقق العراقي من منافذه الحدودية سوى (550) مليون دولار، أي ما نسبته ١٪‏ من قيمة التبادل التجاري، وهذا بحد ذاته كارثة بالمقاييس الاقتصادية والمالية والإدارية حيث انه لم يصل حتى الى عتبة ال ٥٪‏ كحد ادنى لقيمة التعريفة الجمركية على المواد الداخلة للبلد وكما حددتها سلطة الاحتلال والمتمثلة بالسفير الامريكي بول بريمر في ذلك الوقت من عام ٢٠٠٣، ويمكن ايجاز العوامل المتحكمة بالمنافذ الحدودية والتي اثرت سلبا وبصورة كبيرة في مستوى واردتها المالية بما يلي .

1- التعقيد والروتين وتفشي البيروقراطية في المعاملات الرسمية للبضائع الداخلة للبلد، وبما يعزز الواقع المتخلف لإدارة المنافذ الحدودية

2- سيطرة بعض الأحزاب السياسية والمافيات الاجرامية على الكثير من المنافذ الحدودية، وتدخلهم في ادخال البضائع بطرق غير شرعية تكلف خزينة الدولة مليارات الدولارات .

3- تفشي الفساد المالي والإداري في المنافذ الحدودية وتزوير الأوراق الرسمية للعديد من البضائع الداخلة، لغرض التهرب الضريبي، حيث ذكرت بعض التقارير ان العراق يخسر ١٥ الف دولار في الدقيقة الواحدة بسبب الفساد في المنافذ الحدودية.

4- قدم طرق الدفع والتقييم واطر العمل البدائية وعدم ادخال طرق ال فع الالكتروني، اضعف من الرقابة الحكومية على أداء العاملين في هذه المنافذ .

ان الإدارة السليمة والكفؤة لهذه المنافذ يمكن ان تحقق أرباح وايرادات للخزينة الحكومية قد لا تقل عن الإيرادات النفطية، او قد تكون داعماً اكبر لها، ويمكن إيضاح ذلك من خلال ما أعلنته هيئة اعلام المنافذ الحدودية عن قيامها بحملة منظمة وصارمة لمنع حالات الفساد المالي والإداري اثمرت عن نتائج تعكس الأموال التي قد تتحقق من هذه المنافذ في حالة استثمارها بالشكل الصحيح، حيث أعلنت هيئة المنافذ الحدودية / منفذ ميناء ام قصر الشمالي عن احصائيات بينت من خلالها ان الإيرادات المتحققة ما بين الفترة من ١ - ٩ حزيران ٢٠١٨ قد بلغت اكثر من ٣١ مليار دولار، في الوقت الذي كانت الإيرادات المتحصلة لشهر نيسان الماضي ١٩ مليار دولار ولك ان تلاحظ الأرقام وتتصور الفرق، وقد يكون من الجدير بالذكر ان هيئة المنافذ الحدودية استلمت مهامها في ٢ أيار من هذا العام .

ان أهمية المنافذ الحدودية تتعدى فرض التعريفة جمركية ومراقبة البضائع الداخلة الى ماهو اكثر من ذلك، ويمكن ايجازها بعدة أمور،

- فحص ومراقبة السلع والمواد الداخلة للبلد والتأكد من صلاحيتها وإمكانية استخدامها البشري وانها لا تشكل أي خطر على الانسان سواءً صحياً او امنياً .

- التأكد من كمية وجودة البضائع الداخلة للأسواق العراقية والحد من سياسة الإغراق، والمتمثلة باستيراد كميات كبيرة من سلعة معينة وبمواصفات رديئة يكون سعرها منخفض وذات مواصفات رديئة .

- وضع الاسس السليمة لعملية الاستيراد والتأكد من عدم استيراد أي منتج يمكن انتاجه داخلياً، حفاضاً على الإنتاج المحلي وتشجيعاً للصناعة العراقية .

- فرض نسبة ضريبية معينة كتعريفة جمركية على السلع الداخلة بناء على نوع السلعة وقيمتها، تختلف من سلعة الى أخرى، فقد تكون ٥٪‏ في بعض السلع، وقد تصل الى ٢٠٠٪‏ في سلع أخرى .

- الحد من خروج العملة الأجنبية وإيقاف نزيفها للخارج، من خلال الرقابة على الاموال الخارجة .

- تعتبر إدارة المنافذ الحدودية واحدة من اهم أدوات محاربة غسيل الأموال، من خلال متابعة التحويلات المالية للخارج بحجة استيراد البضائع والتأكد من سلامة الموقف التجاري للجهة المستورِدة.

ان توجه الحكومة نحو تكثيف الموارد الغير نفطية أصبحت ضرورة ملحة لا تقبل المماطلة او غض الطرف، لضعف الموارد غير النفطية وتخلفها، فخلال الفترة التي أعقبت عام ٢٠١٤ وعند انخفاض أسعار النفط عالميا لحدود ٣٠ دولار للبرميل الواحد توجهت الحكومة نحو خيارات الاقتراض سواءً الداخلي من خلال السندات المصرفية او الاقتراض الخارجي وهذا التوجه يعد من اكثر الامور خطورة، لان معظم هذه القروض لم تكن قروض استثمارية وانما كانت قروض لأغراض تشغيلية يتعلق قسم كبير منها بتسديد التزامات الحكومة من الرواتب او الانفاق الجاري، والخيار الثاني الذي اتخذته الحكومة، هو فرض استقطاعات بنسب معينة من رواتب الموظفين بهدف تدعيم الانفاق العسكري لإدامة زخم المعركة ضد داعش، ومثل هذه الخيارات وامثالها لاتعد حلولاً جذرية تخرج العراق من ازمته المالية، بقدر ما يمكن ان يوفره تكثيف الموارد المالية من المنافذ الحدودية في وقت بلغت عملية التبادل تجاري الى ٥٥ مليار دولار سنويا .

مما تقدم يتضح الأهمية التي يمثلها المنافذ الحدودية في دعم الواقع المالي للبلد في ضل تقلبات أسعار النفط، وهناك بعض النقاط التي يجب على الحكومة اخذها بالاعتبار لزيادة وتكثيف الايراد المادي لهذه المنافذ .

1- القيام بإصلاحات مالية وإدارية للقضاء على الفساد الإداري الذي اجتاح المنافذ الحكومية، وتسهيل الاجراء الروتيني لمعاملات الادخال للبضائع .

2- الضرب بيد من حديد من خلال حملات امنية وعسكرية شاملة للقضاء على المافيات والعصابات التي تتحكم بالمنافذ الحدودية للبلد .

3- اضطلاع الحكومة بدورها الحازم في فرض نفوذها وبسط ارادتها، وابعاد الأحزاب السياسية وإيقاف تدخلاتهم في المنافذ الحدودية .

4- وضع سياسة تجارية واضحة المعالم مبنية على الأسس الاقتصادية والعلمية، ووضع جدول لتقديرات التعريفة الجمركية ونسب فرضها تتناسب وقيمة السلعة الداخلة وبما يخدم المنتج المحلي، ويحقق الحماية للصناعة الوطنية .

5- الجدية في تفعيل جهاز التقييس والسيطرة النوعية، ومنحة المزيد من المساحة للعمل والرقابة لما يشكله من أهمية في الحفاض على سلامة المواطنين، والحفاض على صحتهم .

6- تطوير البنى التحتية للمنافذ الحدودية فيما يتعلق بشحن وتفريغ البضائع وطرق التوصيل والتأمين .

7- استخدام التكنلوجيا الحديثة، من خلال ربط كل المنافذ الحكومية بمنظومة عمل الكترونية، تمثل قاعدة بيانات ومعلومات واحصاءات واحدة للسيطرة على البضائع الداخلة ومراقبة كمياتها وجودتها .

8- تنظيم عملية الاستيراد وحصرها، من خلال منح اجازات الاستيراد للشركات المختصة، وحسب اختصاصاتها وعدم ترك الباب مفتوح للاستيراد العشوائي.

 

فراس زوين / باحث اقتصادي

 

علجية عيشلم تترك فرنسا الفرصة لإجهاض أي مخطط يخدم القضية الجزائرية ومساعي الدول في الإعتراف بها، فراحت تنشر الإشاعات لتأخير مناقشة القضية الجزائرية في الأمم المتحدة والقائلة بوجود مفاوضات سرية بين الجزائر والولايات المتحدة، في الوقت الذي تحاول فيه إخفاء ممارساتها القمعية من تعذيب وتقتيل ضد السكان، ويذكر بعض الباحثين مساعي فرنسا في إنشاء حلف البحر الأبيض المتوسط ولكن المشروع قوبل بالرفض، خاصة بالنسبة للحكومة التونسية بقيادة الحبيب بورقيبة التي وقفت إلى جانب الجزائر، وقدمت لفرنسا تنازلات من أجل استقلالها

ارتبطت الجزائر بجيرانها من الشمال الإفريقي، فمنذ عهد نجم شمال افريقيا وحتى اندلاع الثورة الجزائرية، أعطت حركة الإنتصار للحريات الديمقراطية بعدا مغاربيا لكفاحها السياسي إيمانا منها بوحدة نضال الشمال الإفريقي، وتحقيق وحدة شمال إفريقيا في إطارها الطبيعي العربي الإسلامي، وكان موقف جبهة التحرير الوطني أن الحركات في الجزائر وتونس ومراكش ماهي إلا تعبيرا عن وطنية إفريقية الشمالية، وستحاول الثورة الجزائرية الوصول إلى وحدة الكفاح ضد سياسة فرنسا في الشمال الإفريقي، الرامية إلى التفاوض مع تونس طمعا في إخضاع ثورة الجزائر، كان اجتماعا قد عقدته الكتابة العامة للمغرب الكبير في 15 أكتوبر 1958 بالرباط، حضرها ممثل عن المغرب وتونس، أما الجزائر فقد مثل جبهة التحرير الوطني كل من أحمد بومنجل وأحمد فرنسيس، وكانت أهم نقطة أدرجت في جدول أعمال الندوة تطور القضية الجزائرية بعد إعلان الحكومة المؤقتة ومضاعفة التعاون بين شعوب وحكومات المغرب العربي، كان مؤتمر طنجة الذي انعقد في أفريل 1958 قد رسم مضمون واضح لوحدة المغرب العربي بإنشاء وحدة فدرالية بين الأقطار الثلاثة، لكن المشروع واجهته عدة عراقيل ولم يعرف سبيلا إلى التطبيق، خاصة بعد مجيئ ديغول بسياسته التقسيمية.

وليس من السهل أن يتنكر أحد للجهود التي بذلتها دول المغرب العربي وبخاصة تونس أيام الرئيس لحبيب بورقيبة، وما قدمته من تنازلات من أجل القضية الجزائرية، وفي مقدمتها التنازل على مدينة بنزرت السياحية لفائدة فرنسا، رغم أنها تحتل موقعا استراتيجيا، مقابل الاعتراف بحق الشعب الجزائري بتقرير مصيره ووضع حدا للحرب الجزائرية، لم تقبل فرنسا بالعرض الذي تقدم به بورقيبة، فاضطر هذا الأخير إلى تدويل القضية الجزائرية والتوصل إلى مفاوضات بين الحكومتين الفرنسية والجزائرية بقيادة فرحات عباس وكريم بلقاسم، كما عقد اجتماع بين فرحات عباس والرئيس بورقيبة بحضور لخضر بن طوبال وعبد الحميد مهري، وخرج المجتمعون بمشروع إنشاء وحدة تونسية جزائرية، وذلك في إطار التنسيق التونسي الجزائري.

وبالنظر إلى ما قامت به الحكومة التونسية من دعم للثورة الجزائرية بقيادة الحبيب بورقيبة، إلا أن هناك رأي آخر مناقض للرأي الأول، إذ يرى أن الموقف السياسي للحكومة التونسية لم يرق إلى مستوى أهداف ومبادئ الثورة الجزائرية، نظرا لإختلاف التوجهات السياسية وتباين طبيعة القضية الجزائرية من طبيعة القضية التونسية، وقال بعض الباحثين أن المشكل الجزائري في نظر الحبيب بورقيبة ينم عن تجاهل لحقيقة الثورة الجزائرية، إذ لم يكن بورقيبة يسلم بأن الجزائريين أدرى بخلافاتهم وأعرف بحلول قضيتهم، خاصة وأن بورقيبة أنه حاول تسوية المشكلة الجزائرية في إطار الجامعة الفرنسية-الشمال افريقية، التي تمخضت عنها ندوة تونس، كان بورقيبة ومحمد الخامس ياملان في عقد لقاء ثلاثي، لكن كانت النتيجة القرصنة الجوية للطائرة المقلة للزعماء الجزائريين الخمسة وهي في طريقها إلى تونس، وفيها تم اعتقال أحمد بن بلة ورفاقه، وعلى إثرها قامت احتجاجات شعبية عارمة في تونس، ولجأت الحكومة التونسية إلى استدعاء سفيرها في باريس.

لم يقف الجنرال شارل ديغول موقف المتفرج وهو يتابع تحركات الدبلوماسية التونسية لنصرة القضية الجزائرية، خاصة بعد البرقيات التي كان الحبيب بورقيبة يرسلها للأمين العام للأمم للمتحدة ورؤساء الدول بالتركيز على الولايات المتحدة لشرح تطورات القضية للجزائرية، فقد قام بدعوة بورقيبة لزيارة فرنسا، والتقى الطرفان، ودارت بينهما مباحثات ومشاورات، وفي رده على بورقيبة عندما طالبه هذا الأخير بالتخلي عن الغرور والكبرياء والدخول في مفاوضات مع الحكومة الجزائرية والإفراج عن أعضاء الحكومة الجزائرية المؤقتة الخمسة الذين قدموا للمشاركة في ندوة تونس، وغلق المحتشدات قال ديغول: إذا لم يتسن التعايش بين العرب والفرنسيين بعد التحرير فإنه مستبعد إجلاء الأوروبيين والفرنسيين، ومما لا شك فيه أن اختطاف القادة الجزائريين الخمسة كان بهدف إفشال ندوة تونس التي انعقدت في قصر السعادة بالمرسى في شهر أكتوبر كما تم ذكره آنفا، والقضاء على الثورة الجزائرية، رغم أن الندوة كانت بموافقة فرنسا، وقد نددت جبهة التحرير الوطني بقوة ضد إيقاف القادة وطالبت برد فعل إيجابي وحاسم وإقرار السلم والأمن في الشمال الإفريقي، وهو ما أكده أحمد فرنسيس في تصريح له بأن الجزائر جزء من شمال إفريقيا وإفريقيا وحدة لا تتجزأ، وقد أعرب عن أمل الجزائر في إنشاء اتحاد فدرالي لدول شمال إفريقيا، علما أن الندوة تمخضت على نتائج ذات أهمية لربط المصير المشترك بين الجزائر وتونس والمغرب وتوثيق روابط الدين والثقافة والتاريخ والمصير المشترك.

لقد أعطت ندوة تونس القضية الجديدة دفعا جديدا، المشار هنا أن فرنسا ارتكبت جرائم بشعة في حق الشعب الجزائري من قتل وتعذيب ولم تكتف بذلك بل قامت بهدم سكناتهم، واغتصاب أراضيهم، وتهجيرهم، والحقيقة أن مأساة اللاجئين بدأت منذ 1955 بعد إنشاء المناطق المحرمة، وما تزال قضية اللاجئين مطروحة ولا تنزع منها الضبابية إلى اليوم، تشير الأرقام أن عدد اللاجئين الجزائريين يتراوح بمئات الآلاف موزعين بين تونس والمغرب، وقد عانوا آلام التشتت والضياع بسبب الإجراءات القمعية التي تعرضوا لها من قبل الفرنسيين، بيوم واحد بعد مجزرة 17 أكتوبر 1961 عندما خرج الجزائريون في مظاهرات سلمية تنديدا بقرار فرنسا المتضمن حظر التجول على الجزائريين في باريس عام 1961، كانت لرئيس الحكومة المؤقتة فرحات عباس لقاءات مع رؤساء الدول ومنهم ليوبولد سنغور رئيس السينغال، وكان هذا الأخير قد قام بزيارة إلى تونس بحضور سعد دحلب وأمحمد يزيد تناول الطرفان المفاوضات الفرنسية الجزائرية، والملاحظ أن تدخل تونس يدخل في إطار وحدة شمال افريقيا، والتي تضم تونس، المغرب والجزائر.

 

قراءة علجية عيش

 

بعد سقوط دكتاتورية صدام، عاش مراجع الشيعة الحرية لأول مرة في تاريخ العراق الحديث. وهذا ما جعل المرجعية العليا تأخذ مكانتها القيادية الطبيعية في الساحة، وقد فرض السيد السيستاني رمزيته على العراق، من خلال سلسلة من المواقف المؤثرة، كان من ضمنها إطفاء الحرب الطائفية بين السنة والشيعة.

لم يكن وعي القيادات السياسية وطموحات بعض الأشخاص، بمستوى استيعاب دور المرجعية في هذا التحول التاريخي، فقد أراد السيد مقتدى الصدر أن يفرض زعامته الميدانية معتمداً على الموروث الجماهيري لوالده الشهيد السيد محمد الصدر، فسجل سلسلة من المواقف المكشوفة بأنه على الضد من مرجع الشيعة الأعلى.

وخرج بعض الأشخاص ينتحلون صفة المراجع، وسط تلك الفورة الحماسية والفوضى المتشابكة ليحصلوا على مكسب عاجل ينفعهم في قادم الأيام، فظهرت عدة مرجعيات مصطنعة لا تمتلك المؤهلات المعروفة في حوزات الشيعة وتاريخهم العلمي وضوابطهم الدقيقة في هذا المجال.

كما انساق السياسيون الشيعة في تنافسات صغيرة، مقارنة بالأهداف الكبيرة وبالدور الضخم الذي يجب أن ينهضوا به في وضع أسس العملية السياسية.

كانت هذه الوقائع المتفرقة تمثل بالنسبة للقيادة الأميركية المحتلة، حالة مثالية لاستغلالها في التخلص من قوة المرجعية العليا وقدرتها على توجيه العملية السياسية، لقد وجدت الشيعة يتصرفون ضد مصالحهم، ويقدمون لها الهدايا الثمينة التي ما كانت لتحلم بها من قبل. وكانت تلك هي الثغرة التي مرق منها المخطط الأميركي في صناعة عملية سياسية هشة مرتبكة على المدى الطويل.

نحتاج هنا الى إعادة تشكيل الصورة قبل أن تضيع في تجاويف النسيان ـ ونحن من الشعوب التي تنسى بسرعة ـ فقد طرح السيد السيستاني خطوة أساسية، لكن القيادات الشيعية السياسية أهملت ذلك ولم تكن بمستوى التقدير المستقبلي، كانت قيادات لحظة ولم تكن قيادات زمن.

دعا السيد السيستاني الى إجراء انتخابات عامة كخطوة أولى في بناء العملية السياسية، وأن تنتج هذه الانتخابات مجلساً نيابياً يتولى كتابة الدستور. لكن القيادات العراقية السنية والشيعية والكردية، لم تلتزم بهذا الطرح، وسارت مع التوجهات الأميركية التي دعت الى كتابة (قانون إدارة الدولة)، وأن يكون هذا القانون مُلزماً بكل مواده للجمعية الوطنية التي سيجري انتخابها لاحقاً.

وقد اعترض السيد السيستاني على ذلك، بأنه كيف يحق لأشخاص غير منتخبين، أن يفرضوا قرارهم على أشخاص منتخبين؟

لكن اعتراض المرجع الأعلى ضاع وسط تلك الأجواء المهووسة بالامتيازات والخوف من ضياع الفرصة القريبة.

وكان قانون إدارة الدولة هو الأساس الأعمق الذي وضع المحاصصة وفرضها على العملية السياسية، وكانت روحه قد تسربت الى الدستور فيما بعد.

لقد تنازل قادة الشيعة السياسيون، عن نقطة القوة الأهم، بعدم التزامهم برأي السيد السيستاني، وفي نفس الوقت أعطوا للقيادة الأميركية فرصة المستقبل في السعي لإضعاف المرجعية العليا وتقليل تأثيرها على الواقع السياسي، وهو الهدف الذي كانت تضعه قبل أن تحلق طائراتها في أجواء العراق، وقبل أن يزحف جنودها نحو بغداد.

الخطأ في لحظة التاريخ المفصلية، يُصعب علاجه، إنه يتحول الى مسار يحتاج الى وعي العلاج، ولم يكن هذا الوعي موجوداً عند القيادات الشيعية، كانوا يتحركون بروح التنافس، يسعى أحدهم لإضعاف الآخر، ومع مرور السنوات كانت الشروخ بينهم تتعمق، وارتكبوا خطأً تاريخياً آخر ـ إضافة الى سلسلة الأخطاء اليومية ـ حين تفرقوا على تحالفين عام ٢٠١٤، ثم تعددت تحالفاتهم في انتخابات ٢٠١٨، حتى أنهم اضاعوا الكتلة الأكبر ولم يكترثوا بتحديدها حتى الآن.

لقد أراد لهم السيد السيستاني أن يكونوا رجال دولة يبنون عملية سياسية محكمة، فضاعوا في تفاصيل هامشية، وأضاعوا مسائل أساسية.

خسر الشيعة القوة الخارقة للمرجعية العليا في صناعة الأحداث ـ هذا ما يثبته تاريخهم ـ ولا زالوا يخسرون هذه القوة، والمؤسف أن جهات الإضعاف بدأت تبرز من دوائر قريبة من المرجعية، من اشخاص ومسؤولين وممثلين. ولهذا مقال مستقل.

 

سليم الحسني

 

صائب خليلفي قانون شركة النفط الوطنية العراقية الكثير من الألغام التي وضع بعضها مكشوفاً والآخر مخفياً بدقة، واليوم نتحدث عن واحد يبدو لي انه لم يتم الحديث عنه سابقا، وهي النقطة التي تتيح للشركة الاقتراض من الخارج!

لكن قبل الدخول الى تلك النقطة نوضح لمن لم يقرأ عن ذلك القانون ان اخطر ما فيه أنه يعرض ثروة العراق الى الحجز من قبل المؤسسات المالية، لأنه يحول ملكية النفط العراقي الى ملكية شركة، وبالتالي يمكن اثارة الشكوك في المحاكم فيما اذا كانت تلك الملكية تتمتع بالسيادة التي تمنح للثروات الوطنية دون غيرها. وقد تمت مناقشة هذه النقطة كثيرا في مقالات منفصلة.

اكثر ما اثار الشبهة في القانون كان اخفاءه عن عيون الخبراء حتى اقراره، والطريقة التي تم الضغط على مجلس النواب فيها من خلال لوبي لم يسبق للمجلس معرفة مثله، وكذلك توقيت إصداره في نهاية الفصل التشريعي تماما، وسرعة توقعيه المثيرة للدهشة وإخفائه طوال فترة مناقشته عن اعين خبراء النفط ومتابعيه.

وقد ساعد على إخفاء القانون عن عيون المراقبين حيلة بارعة فلم يقدموه كقانون جديد، بل قاموا باستعمال مقترح القانون الذي قدمته الوزارة، وإجراء تغييرات حاسمة عليه قلبت كل عمله ووضعته بإطار آخر تماما. وطبيعي ان المتابعين لا يستطيعون متابعة ما يجري من تغييرات على القوانين المقترحة داخل البرلمان الا بعد عرضها للتصويت، فمر دون ان ينتبه احد الى التغيير الذي قلب نص القانون الوارد من الوزارة، وادخل مواداً غريبة وغير مألوفة فيه.

حين عرفوا بالأمر، قام خبراء النفط العراقيين والناشطين المتابعين لمسألة النفط بحملة بما يستطيعون لتنبيه الناس إلى ما يحاك من مؤامرة كبرى على ثروة البلاد، وقد اطلق جرس الإنذار السيد أحمد موسى جياد، الذي كشف في دراسة عاجلة الاخطار التي تواجه النفط بسبب القانون. لكن الاكتشاف المتأخر أعطى فرصة للمجموعة بقيادة عادل عبد المهدي وعدنان الجنابي وإبراهيم بحر العلوم، وبمشاركة وزير النفط جبار لعيبي، إضافة إلى لوبي غريب مكون من الشباب وضعت بين يديه الكثير من الأدوات الإعلامية والمالية، وله صلاحية دخول الخضراء ومجلس النواب، لتمرير القانون قبل ان ينهي المجلس دورته تماماً. وقد تم تمرير الصيغة الخطرة بعد التحضير لها بين والنواب وقياداتهم وتم الاتصال حتى ببعض الشخصيات الدينية للحصول على دعمها، وهذا بحد ذاته يدل على الطبيعة الاحتيالية للقانون، فهم يعلمون ان رجال الدين بعيدين عن النفط وأنه قد يكفي ان تقول "إعطاء حصة من النفط للشعب" ليعطوك دعمهم بلا تمحيص.

ومما يثير الشكوك بشكل كبير، ان وزارة النفط التي قدمت المسودة الاصلية لم تعترض ابداً على تغيير تلك المسودة بشكل قلبها رأساً على عقب، بل سارع وزير النفط الى مباركة القانون عندما صوت عليه المجلس بالإيجاب، وكأنه ذات القانون الذي اقترحته وزارته! مما يدل على القصدية في إخفاء حقيقة القانون حتى اخر لحظة قبل اقراره. فيتم ارسال قانون معقول من الوزارة، لا يثير اية شكوك، ثم تقوم لجنة الطاقة في مجلس النواب وبتأثير عدنان الجنابي (الذي حصل على تكريم من مركز بحوث اجنبي مشبوه على عمله) بتغييره تماما وارساله للتصويت، إلى نواب معظمهم لا يقرأون ولا يستشيرون قبل ان يصوتوا.

وحاول خبراء النفط اللحاق بالقانون الخطير قبل ان يوقعه رئيس الجمهورية، فاتصلوا بالمكتب، لكن الرئيس قام بتوقيع القانون خلال ساعات من وصوله! الا يفترض بالرئيس دراسة أي قانون بشكل جيد قبل توقيعه؟ كيف يوقع قانونا معقدا وخطيرا كهذا في نفس يوم وصوله اليه، وهو لا يعرف شيئا عن النفط؟ متى استشار احد ومتى توصل الى رأيه؟ لماذا اذن اشترط الدستور موافقة رئيس الجمهورية ان كان الرئيس يوقع قانونا مثل هذا فور وصوله، وكأن تعليمات قد وصلت بالموافقة عليه، قبل ان يلحقه أحد!

قام الخبراء والناشطون المتابعون (وكاتب المقالة منهم) بكتابة عدد كبير من المقالات تكشف الخطر الكامن في قانون شركة النفط الوطنية رغم تمريره، واشتبكوا أحيانا مع فريق عبد المهدي والجنابي وبحر العلوم والمجموعة الغريبة التي تتبعهم. لقد كتب كثيرا عن نقاط الخلل والخطر في القانون، واليوم نكتشف لغماً آخر ربما يكون حلقة الوصل فيما يراد من القضية كلها. وهو صلاحية الشركة لاقتراض الأموال من الخارج (بموافقة مجلس الوزراء). فتنص الفقرة رابعاً من المادة 5 على:

"رابعا- للشركة الاقتراض من أي جهة داخل وخارج العراق لتمويل استثماراتها بموافقة مجلس الوزراء."

وهنا يثار السؤال: لماذا الاقتراض من الخارج؟ ألا يفترض ان تكون الشركة على الأقل مثل الوزارات، ترتبط بميزانية الدولة السنوية وتأخذ حصتها منها، وفي حالة الحاجة تتداول مع مجلس الوزراء لترتيب الأموال، أما من جانب اخر ان كانت ضرورية، أو ان يقترض لها العراق القرض بنفسه إن كان هذا الاستثمار قضية حياة أو موت لا يمكن تأجيلها؟

وهنا قد يسأل سائل: وما الفرق بين ان يقترض مجلس الوزراء بنفسه او ان يوافق على أن تقترض الشركة لحسابها؟

حينما نبه الأستاذ أحمد موسى جياد في تحذيره الأول الى خطر حجز أموال الشركة وبالتالي أموال العراق - لأن القانون العجيب يضع ثروة النفط كملكية للشركة – وان هذا يفقد تلك الأموال حصانتها التي تتمتع بها الأموال الوطنية، قام عادل عبد المهدي بالرد عليه بان "خبيراً أجنبيا" (لم يذكر اسمه) اخبره ان الأموال لا تفقد حصانتها بهذا الشكل. وأضاف عبد المهدي من عنده بأن امتلاك الدولة للأموال قد يعرضها أحيانا للحجز أيضا. وقمت بكتابة مقالة مفصلة حول موضوع الأموال السيادية وخطر الحجز، بينت فيها وبالرجوع الى المصادر، بان خطر الحجز في افضل الأحوال، "يزداد" حين تكون الأموال لشركة من الشركات، وان تلك الشركات تحاول في معظم القضايا القضائية اثبات عائديتها للدولة للإفلات من الحجز، مما يفند النقطة الثانية من حجة عبد المهدي. كذلك بينت أن الشركات قد تجد صعوبة في اثبات عائديتها الى الدولة كلما كانت الشركة أكثر استقلالاً في قراراتها. وفي بعض نقاط القانون ما يجعل الشركة ليس فقط مستقلة وإنما "نداً" للدولة، يجب ان تفاوضه الأخيرة لتحصل على "نسبتها" من ثروة النفط من اجل الميزانية! إضافة إلى ذلك فأن القانون يضع الشركة فوق الدولة بأن يضع حداً ادنى لحصة الشركة لا تستطيع الدولة تجاوزه، بينما لا يوجد حد ادنى للدولة من حصة النفط، لا يمكن تجاوزه!  (من عجائب القانون أن هذا الحد الزامي على كل من الدولة والشركة ذاتها. فحتى لو طلبت الدولة 91% من ثروة النفط فأن القانون يمنع ذلك، حتى لو وافقت الشركة ايضاً!!).

نعود الى النقطة رابعاً أعلاه. ما هي المشكلة فيها ان كان القرض لا يتم الا بموافقة مجلس الوزراء؟

أولاً المادة تزيد من درجة "استقلال" الشركة وبالتالي يضعف قدرتها على الرجوع الى الحصانة السيادية التي يكفلها القانون للأموال السيادية للدول عند الحاجة. لكن المشكلة الأكبر هي ان ذلك القرض سيعتبر قرضاً للشركة وليس للدولة، وكونه قد حصل بموافقة مجلس الوزراء لا يعني شيئاً. وهذا سيزيد من قدرة المقرضين على الاستفادة من قوانين التجارة العالمية بحق استعادة قرضهم من "الشركة"، حتى لو كان الامر عن طريق حجز أموالها. وبما ان النفط العراقي مسجل على أنه من أموالها حسب قانونها، فمن الطبيعي ان يتم ذلك الحجز!

وفي هذا الوضع الذي تمكن البنك الدولي فيه من اغراق العراق بالديون بفضل رئيس الحكومة المعين أمريكيا حيدر العبادي، فان الضغط المادي على العراق يصبح اسهل بكثير. فيمكن لرئيس الشركة (والذي كما توقعنا، سيكون على ما يبدو نفس الوزير الذي هلل للقانون) ان يطلب قروضا كبيرة يعجز عنها مجلس الوزراء. وبما ان رئيس المجلس هو من نفس العصابة التي روجت للقانون، ويبدو انه سيحصل على صلاحيات غير معتادة لاختيار وزرائه، فسوف لن يكون صعبا ابداً الحصول على تلك الموافقة. وهكذا يسقط العراق في الفخ!

ما الحل؟ الشركة ستدعي انها محرجة وانها لا تجد حلا لفك الحجز عن أموالها التي هي أموال العراق، سوى ان تعرض نفسها للبيع! وهكذا تكتمل الخطة التي وضع القانون من اجلها وتختتم بالنهاية السعيدة للشركات، والمأساوية لأجيال العراق، ويعود النفط الذي هو ملك للشعب العراقي حسب الدستور، إلى "أصحابه الأصليين" – شركات النفط الكبرى، التي اشتكت من القانون رقم 80 بأنه "قانون جائر"، ليردد عبد المهدي بعد ذلك التاريخ بحوالي 60 عاماً نفس العبارة بالضبط، ويتحدث عن "القوانين الجائرة" التي أصدرت في العراق في نهاية الخمسينات وبداية الستينات – أي قوانين عبد الكريم قاسم.

هذا التماهي الغريب في التعابير بين عبد المهدي والشركات النفطية، يثير الانتباه، خاصة ان ربطناه بتبنيه لقانون شركة النفط الوطنية كعراب اول. فمن يتأمل هذا القانون، كمية الألغام التي زرعت به، يشعر ان من كتبه هو الشركات وليس لجنة الطاقة في مجلس النواب، وبالتأكيد لا علاقة للوزارة به. وأنه كتب بدقة ليذهب بالأحداث الى النتيجة المرجوة تماما، وأن يكون الشعب عاجزاً في لحظة الحسم عن ابداء أية مقاومة.

إن علاقة عبد المهدي بالبنك الدولي اكثر حميمية من الآخرين وهو يعبر عن ذلك بلا تردد في مقابلاته. ونلاحظ انه رغم أن العراق قد حصل على فائض كبير لتغطية عجز الميزانية وربما إعادة بعض القروض الى البنك، فان عبد المهدي سارع إلى مقابلة وفد البنك وبحث معه "الدعم" للمشاريع والخطط المستقبلية.

ورغم ان شرور البنك الدولي معروفة تماما، فكلنا شاهدنا "القاتل الاقتصادي" فإننا ندعم ذلك بكشف اهتمام الصندوق بالنفط، حيث كتبت شريهان اشرف في مقالة عام 2015: "في عام 2005 عندما وقع صندوق النقد مع العراق اتفاقية توفير التسهيلات المالية، كان ‏هناك بند صغير في هذه الاتفاقية عن ضرورة إنهاء العراق تمرير قانون النفط مع نهاية عام ‏‏2006، ولا شك أن هذا الشرط لا صلة له بالقرض الموعود، ولكنه يخدم شركات النفط".

وقد تمكن العراق من إعادة القرض بسرعة، ويبدو ان هذا افشل الخطة الف، وان الجماعة اليوم بصدد الخطة باء.

وإضافة الى الصندوق، لم تخف مجموعة " تقرير مستقبل العراق" اهتمامها الشديد بالنفط وقانون النفط وضرورة الاستفادة من الاقتصاد العراقي لدعم "صديقنا" الأردن. 

المؤامرة كبيرة جداً وخطيرة جداً وتتقدم بخطى حثيثة، ولا يستبعد ان حشر عبد المهدي في رئاسة الحكومة بحجج سخيفة ورغم معارضة الدستور لها، قد كان تأمينا لاستكمالها. إلا ان بصيص الأمل يبعثه رجال النفط والناشطون الذين فضحوا المشروع بدأً بالأستاذ أحمد موسى جياد ثم "انهمرت". وكان قيام الاستاذين فؤاد الأمير وماجد علاوي، وبمساندة من الأستاذ جياد، بإقامة دعوى على مجلس النواب للطعن في دستورية القانون، خطوة في غاية الأهمية، وتحملا كلفتها الباهظة ورفضا حتى الآن اية مساعدة.

إني ارجو ان تكون النقطة المذكورة في المقالة، عن "حق" الشركة بالاقتراض الخارجي، نقطة إضافية في اقناع المحكمة بخطورة القانون على البلد، وأن يهتم الناس بالموضوع كما يستحق وأن يفعلوا ما يستطيعون من اجل افشال المشروع كما فشلت مشاريع مدمرة أخرى لتدمير وتقسيم البلد كمشروع داعش ومشروع الحرس الوطني والحرب الاهلية. فهنا ايضاً يكمن الخطر على مستقبلهم ومستقبل أطفالهم، رغم انه يجري بصمت وهدوء. إن ادركنا خطورة الامر، سنرى ان لا مبالغة بالقول بأن أمل الشعب العراقي اليوم معلق على تضحية وبسالة بضعة رجال وعلى نتيجة الدعوى التي اقاموها! ليفكر كل منا بما يمتلك من أدوات وعلاقات ووقت ونشاط لدعمهم لكي نتجنب الكارثة. أعطوا الوقت واقرأوا عن الموضوع أكثر وانشروه ليكون فضيحة بحجم الخطر. أعينوهم بما استطعتم قبل فوات الأوان!

 

صائب خليل

 

في وسط صيحات انصاره وهتافاتهم وبلهجة تذكر بمسلسلات رعاة البقر تعمد الرئيس الامريكي دونالد ترامب ان يوجه كلامه بصورة مباشرة الى الملك السعودي ذاكرا اياه بالاسم مطالبا اياه بدفع المزيد من الاموال مقابل الحماية الامريكية ومشيرا بان دون الحماية الامريكية فان الملك سوف لن يستطيع المحافظة على طائراته لمدة اسبوعين . تعتبر تلك اللهجة والاسلوب غريبتين على عالم الدبلوماسية والعلاقات الدولية في القرن الحالي ولكنهما يذكران بنظام الحماية الذي غادره العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ومنذ اعلان الرئيس الامريكي وودرو ويلسن لمباديء السلم العالمي الاربع عشر عام 1918 ولكن الرئيس ترامب اعاد بتصريحاته للذاكرة صورة حكام دول الانتداب وطريقة تعاملهم مع الدول المحمية . السوال الذي يثور في هذا المجال هو لماذا هذه التصريحات؟ ولماذا الان؟

مابين اعلان مباديء ويلسن عام 1918 التي نصت في اكثر من مره على مباديء العدل والمساواة وحق تقرير المصير بين الشعوب وتصريحات ترامب 2018 التي تعيد مباديء الحماية والامن مقابل المال يكمن الجواب الذي يتجاوز فترة المائة عام في معرفة حقيقة القوى الحاكمة في الولايات المتحدة الامريكية التي لايعرفها الكثيرون والتي ترسم الاستراتيجيات الحاكمة لمستقبل العلاقات الدولية .

فبالرغم من التأثير الإمريكي الكبير في صياغة مستقبل العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية واثناء الحرب الباردة ومرحلة ثنائية القطب ومرورا بمرحلة تحولها الى قطب وحيد وحتى عودة تعدد الاقطاب. فإن كيفية صنع القرار وتبني السياسات داخل هذا البلد غير معروفه تمامًا لدى الكثيرين . الصورة الظاهرة والتي تسوق اعلاميا عن الولايات المتحدة الامريكية هي تلك الدولة الساحرة ذات التعدد الفكري، والتنوع العرقي والتي يخضع نظام الحكم فيها لمؤسسات ديمقراطية فى مقدمتها البيت الأبيض والكونغرس بمجلسيه النواب والشيوخ، والتي يتم اختيار اعضائها بواسطة الشعب الأمريكى فى مناخ حر . لكن متابعة مجريات الامور تبين ان خلف بريق الدعاية عن النموذج الأمريكى فيما يتعلق بنظم الحكم ان هناك قوى حقيقية تقف وراء الستار، وهي تقوم بتحريك السياسات فى البلد داخليا وخارجيا .

في جميع الدراسات والابحاث والمقالات التي تتحدث عن النظام السياسي في الولايات المتحدة الامريكية يتم التحدث عن ثنائية الحزبين الحزب الجمهوري والحزب الديمقراطي او كما يسمى صراع الفيل والحمار اشارة الى رمز كل حزب . كلا الحزبين يتناوبان على قيادة البلاد بالرغم من ان الدستور الامريكي يسمح لاحزاب اخرى بالمشاركة في الانتخابات وكذلك يسمح للمستقلين بالمشاركة كذلك ولكن نظام الحزبين اصبح شبه عرف في الحياة السياسية الامريكية . يتنافس الحزبان الديمقراطي والجمهوري في الانتخابات على رئاسة الولايات المتحدة والانتخابات على مقاعد الكونغرس الامريكي بمجلسيه الشيوخ والنواب يندر ان يسيطر احد الحزبين على موقع الرئاسة وعلى الكونغرس مثل ماهو الوضع عليه في الادارة الحالية بسيطرة الحزب الجمهوري وكما كان الحال عليه عام 1918 بسيطرة الحزب الديمقراطي . هذا هو الوجه الظاهر للنظام السياسي الامريكي ولكن للصورة وجه اعمق تتحكم فيه قوى تحدد اي الحزبين سيفوز بالانتخابات وتتوزع هذه القوى بين قطبين هما المجمع الصناعي العسكري ومدرسة العولمة الشتراوسية وسنتناول شرح المقصود بكل منهما  .

المجمع الصناعي العسكري المصطلح المستخدم للإشارة إلى المنظومة التي تدعم القوات المسلحة الأمريكية، وهي المجموعة التي ظهرت بعد نهاية الحرب الاهلية الامريكية التي اندلعت بين عامي 1861 و انتهت رسميا بانتصار الولايات الشمالية عام 1865 . كان سبب ظهورها ان الحكومة الامريكية الاتحادية وجدت نفسها امام مشكلة ان هناك الكثير من مصانع السلاح التي انشئت خلال الحرب لسد احتياجات الجيوش المتحاربه والتي انتفت الحاجة اليها بعد الحرب لذلك ظهرت مجموعة على شكل تحالف غير رسمي يهدف إلى تطوير انتاج السلاح والدفاع عن حق امتلاك السلاح الذي ورد في التعديل الثاني للدستور الامريكي. وإلى الإبقاء على ألاسواق الخارجية لتجارة السلاح ووضع التصور العسكري الاستراتيجي للشؤون الداخلية. وشمل كامل شبكة العقود وتدفقات الأموال والموارد بين الأفراد والشركات والمؤسسات التابعة لمتعهدي الدفاع والبنتاغون والكونغرس والإدارة التنفيذية .

 في عام 1942 اصدر الرئيس الامريكي فرانكلين روزفلت قرارا بتأسيس وكالة فيدرالية باسم (مجلس الانتاج الحربى) ليتولى الإشراف على المشروعات الصناعية الأكبر فى الولايات المتحدة الأمريكية، الا ان نفوذ المجمع الصناعي العسكري كان قد توسع بصورة مخيفة ليتجاوز دور مجلس الانتاج الحربي وكان اول ظهور لمصطلح المجمع الصناعي العسكري قد ظهر في مقال نشرته مجلة الشوون الخارجية عام 1947كتبها ونفيلد رفيلد. كما كتب رايت ميلز عام 1956، مقالا اشار فيه الى (وجود فئة من القادة السياسيين والعسكريين وأصحاب الأعمال تحركهم مصالح مشتركة، وهم القادة الحقيقيين للدولة، وهم بعيدون على نحو فعال عن السلطة الديمقراطية). جاء اقوى تحذير لتنامي نفوذ المجمع الصناعي العسكري على لسان الرئيس الامريكي داويت ايزنهاور في خطاب الوداع عام 1961 والذي اكد فيه على ان الامة الامريكية يجب ان تحترس من النفوذ الذي لا مبرر له من المجمع الصناعي العسكري.  كانت قمة النفوذ الذي وصل اليه المجمع الصناعي العسكري عندما نجح في ايصال الشاب جون كينيدي الى كرسي الرئاسة عن الحزب الديمقراطي في مواجهة المرشح العنيد نيكسون عن الحزب الجمهوري وكان كينيدي اكثر تماشيا في بداية حكمه مع اهداف المجمع وتوجهاته من حيث زيادة عدد المستشارين العسكريين في فيتنام الجنوبية وتشجيع المعارضة الكوبية لنظام كاسترو وزيادة التوترات مع دول حلف وارسو . ادت الهزيمه في خليج الخنازير ووصول العالم الى حافة الحرب النووية في ازمة الصواريخ الى تغيير في سياسة كينيدي جعلته يميل اكثر الى التهدئه ولكنه اتجاه ادى الى اغتياله في تكساس عام 1963 لياتي محله نائبه ليندون جونسون الذي توصل الى اتفاق مع المجمع ينص على (الرئاسة مقابل حرب فيتنام ) وهو ماكان . شهدت تلك الفترة اقصى توسع لنفوذ المجمع الصناعي العسكري حيث كانت حرب فيتنام هي المستهلك الاكبر والمحقق لطموحات المجمع القائمة على تشجيع الصراعات الاقليمية الصغيرة التي تعتبر المستهلك الاكبر لمنتجات المصانع العسكرية والابتعاد عن الحروب الشاملة التي تودي الى مواجهات مباشرة مع اعداء اقوياء ولكن الخسائر الفادحة لحرب فيتنام رجحت حظوظ المرشح الجمهوري ريتشارد نيكسون والذي وعد بانهاء الحرب الذي انهى الصراع مع الصين الشيوعيه عام 1972 وانهى الحرب الفيتنامية عام 1973 ليحصل على رئاسة ثانية عام 1972 ولكن المجمع الصناعي العسكري استطاع توجيه ضربه قاصمة له باثارة فضيحة ووترغيت ليرغمه على الاستقالة لصالح نائبه جيرالد فورد .

بالرغم من ان المجمع الصناعي العسكري كان دائما اقرب الى التوجه نحو دعم الحزب الديمقراطي باعتباره الاقرب الى دعم مصالح المجمع الا ان الاخير دعم وبقوة الرئيس الامريكي رونالد ريغان من الحزب الجمهوري الذي تولى الرئاسة مابين عام 1981 و 1989 بعد ان طرح ريغان استراتيجية حرب النجوم وجمد معاهدة سالت 2 مع الاتحاد السوفيتي السابق وقام بتسليح المقاتلين الافغان وهذا يعني خدمة اكبر لمصالح المجمع العسكري الصناعي بالاضافة الى ماكانت يحققه استمرار الحرب العراقية الايرانية من مبيعات اكبر للسلاح . كذلك ادى التوجه الديمقراطي منذ فترة حكم الرئيس جيمي كارتر نحو الغاء او تقنين حق حيازة وحمل السلاح للمواطن الامريكي الى فتور دعم المجمع الصناعي العسكري للمرشحين الديمقراطيين كون خسارة سوق السلاح الداخلي يعتبر ضربة هائلة للاساس الذي قام عليه المجمع ولهذا السبب استمر دعم المجمع للمرشح الجمهوري جورج بوش الاب عام 1989 لتولي الرئاسة بعد ان وعد باستمرار الدعم لحرب افغانستان بالرغم من انسحاب الاتحاد السوفيتي عام 1989 .

بعد هذا الاستعراض التاريخي لظهور وتطور المجمع الصناعي العسكري في الحياة السياسية الامريكية يمكن ان نلخص الاسس التي تقوم عليها استراتيجيات المجمع في ثلاث اسس يطلق عليها اسم المثلث الحديدي وهي اولا المحافظة على سوق السلاح الداخلي والدفاع عن التعديل الستوري الثاني الذي يحمي ذلك السوق . ثانيا الابتعاد قدر المستطاع عن التدخل العسكري المباشر في الحروب الخارجية لتجنب اي خسائر مباشرة في الارواح وعدم تكرار هزيمة فيتنام . ثالثا ضرورة خلق مناطق صراعات وتشجيع الصراعات الاقليمية لضمان استمرار المبيعات من السلاح . تلك الاسس هي التي جعلت المجمع الصناعي العسكري يدعم ادارة بيل كلينتون الديمقراطية التي لم تفتح ملف التعديل الثاني للدستور واثارت مخاوف دول الخليج من استمرار نظام البعث في العراق لتشجيعها على زيادة مشترياتها من السلاح وكذلك دعم المجمع ادارة باراك اوباما التي انسحبت من العراق وافغانستان مع تشجيع استمرار الصراعات في تلك المناطق . لكن المجمع الصناعي العسكري عاقب بشدة المرشحة هيلاري كلينتون في انتخابات عام 2018 لانها تحدثت حول تقنين حق حيازة وحمل السلاح في امريكا وهو الامر الذي ادى الى وصول ترامب الى الحكم .

القوة الثانية المتحكمة بالقرار الامريكي هي مدرسة العولمة الشتراوسية التي تنسب الى تلاميذ الفيلسوف ليو شتراوس، الالماني المولد (1899 - 1973). تهدف سياسة هذه المدرسة الى تحويل الولايات المتحدة الى دولة اقرب الى الامبراطورية الرومانية خارج حدودها كما تكون في الوقت ذاته دولة بوليسية  داخل حدودها. كانت ابرز نجاحات تلك المدرسة هي تحويل الدولار الى عملة عالمية مهيمنه بدون ان يكون لها تغطية من الذهب عندما اوقفت الادارة الامريكية في عهد ريتشارد نيكسون تحويل الدولار واحتياطات الدول الاخرى الى ذهب والذي تم عام 1971 وكذلك تحويل الهيمنة الاقتصادية من الذهب الى البترول والتي تم هندستها عن طريق ثعلب السياسة الامريكية هنري كيسنجر . وتنقسم هذه المدرسة الى مدرستين هما مدرسة المحافظين الجدد، ومدرسة الواقعية السياسية. تتفق المدرستان في اعتبار افكار ليو شتراوس هي محور التخطيط الاستراتيجي لتحقيق المشروع الأميركي لعالم أحادي القطب، الذي يركز على حق القويّ التسلّط على الضعفاء؛ لكنه يرفض إساءة استخدام السلطة، إذ ينبغي على الحاكم أن يقدم للشعب ما يتناسب مع قابلياته وحاجاته الا ان مدرسة المحافظين الجدد والتي تعتبر عائلة بوش ابرز اقطابها تركز على التفكير في بناء القرن الحادي والعشرين على أساس السيادة الأميركية على العالم، ومنع القوى الأخرى من السير في طريق النمو و التطوّر الذي سيؤدي ولو بعد حين الى منافسة نفوذ أميركا ومصالحها بشكل جدّي وحاسم.

أما المدرسة الواقعية السياسية التي يعتبر كيسنجر وزبيغنو بريجنسكي ابرز اقطابها فهي تركز على عدم المغامرة مع التركيز على تحقيق الأهداف بغض النظر عن الوسائل من خلال دفع القوى الكبرى للتدخل لمساعدة أميركا أحياناً انطلاقا من فكرة عدم إمكانية أميركا الاستمرار بالأحادية في إدارة الملفات العالمية وان على الولايات المتحدة الامريكية ان تتحول من قوة مهيمنه على العالم وهو الهدف الذي يسعى له المحافظين الجدد الى قوة قائدة للعالم بحسب رؤية المدرسة الواقعية السياسية .

نجحت مدرسة المحافظين الجدد في ايصال جورج بوش الابن الى سدة الرئاسة وكانت استراتيجية الامن القومي في عهده تقوم على مبدأ منع اعادة ظهور منافس جديد بعد ان زال الخطر الذي كان يمثله الاتحاد السوفيتي سابقا لذلك يجب التركيز على منع انبثاق أي منافس كوني مستقبلي كامن من خلال اثبات القوة العسكرية الأمريكية . الا ان الخسائر التي لحقت بالجيش الامريكي في العراق وافغانستان اثارت موجه من ردود الافعال القوية داخل الولايات المتحدة الامريكية وجعلت العديد من الاسماء الكبيرة داخل مجموعة المحافظين الجدد اسماء غير محبوبه لذلك فشلت تلك المجموعة في ايصال الابن الثاني لجورج بوش (جب بوش) الى سدة لرئاسة ليفسح المجال امام مرشح المدرسة الواقعية السياسية (دونالد ترامب) ليتولى الرئاسة مستفيدا من دعم مدرسة العولمة الشتراوسية وعدم رغبة المجمع العسكري الصناعي في دعم منافسته هيلاري كلينتون .

بعد هذا الاستعراض نرجع للاجابة عن التساولات حول تصريحات ترامب . كما ذكرنا سابقا دونالد ترامب هو صنيعة المدرسة الواقعية ضمن مدرسة العولمة الشتراوسية والتي تركز على جعل الولايات المتحدة الامريكية قائدة للعالم ولاتهتم بالهيمنة الكاملة لذلك فالسياسة الامريكية الحالية تعتمد على استخدام موارد الدول اخرى في تحقيق القيادة المنشودة والابتعاد عن المواجهات المباشرة طويلة الامد التي قد تودي الى خسائر بشرية . ضمن هذا الاطار يمكن فهم الوعود والاجراءات التي اتخذتها الادارة الامريكية منذ وصول ترامب الى البيت الابيض ابتداء من الانسحاب من العديد من الاتفاقيات الدولية التجارية وبضمنها النافتا والضغوط على دول الناتو لزيادة مساهمتها في ميزانيات الدفاع وفرض الرسوم على الصين والتفاهمات مع روسيا وحتى سياسات الهجرة داخل الولايات المتحدة فجميعها توكد على التوجه الجديد للادارة الامريكية وهو القيادة وليس الهيمنة . لكن مع اقتراب الانتخابات التجديد النصفي للكونغرس الامريكي والتي ستكون في شهر تشرين الثاني من عام 2018 وعدم رضا المجمع الصناعي العسكري عن اداء الرئيس الامريكي وهبوط شعبيته الى مستوى متدني لذلك كان على ترامب ان يتجه الى المصدر السريع للاموال التي يمكن ان يتم ضخها الى المجمع للحصول على تاييده حتى وان كان ذلك على حساب احراج الحلفاء كما ان تلك التصريحات ترضي مدرسة العولمة التي تبين ان الولايات المتحدة هي التي تقود العالم وتمنح حمايتها لمن يدفع مقابل تلك الحماية .

 

زهير جمعة المالكي

 

رائد الهاشميتم اكمال مسودة الموازنة العامة لعام 2019 واذا ما أردنا مناقشة هذه المسودة والتمحيص فيها نجد أن اهم مافيها هو محصلة نتائج الضغط الجماهيري والتظاهرات الشعبية العارمة التي انطلقت في البصرة الفيحاء وامتدت الى معظم المحافظات العراقية حيث يبدو واضحاً أن هذه التظاهرات وهذا الضغط الكبير قد أجبرا الحكومة على اعادة حساباتها في طلبات الجماهير وخاصة فيما يخص انتشار البطالة وعدم توفر فرص العمل ونقص الخدمات الرئيسية للمواطنين، حيث نصّت المسودة في غالبية فقراتها على توفير الخدمات وفرص العمل وتطوير الخدمات المقدمة للمواطنين في كل المحافظات حسب التخصيصات اللازمة لها، وهذا مؤشر جيد يبن لنا بأنه (لايضيع حق ورائه مُطالب) وان جهود المتظاهرين السلمية ودماء الشهداء الطاهرة لن تذهب سدى وأنها أوصلت رسالتها بقوة وستتمكن بعون الله من انتزاع حقوقها في القريب العاجل.

دعت الحكومة على لسان ناطقها الرسمي مجلس النواب الجديد إلى الاسراع بعقد اول جلسة للعمل على اقرارالموازنة قبل نهاية العام الحالي ، مضيفاً ان زيادة اسعار النفط فوق المتوقع جعل الحكومة تسعى الى انعاش دخل الفرد من الموظفين ومستفيدي شبكة الرعاية الاجتماعية ، مبينا أنها رصدت بموازنة العام المقبل 15 الف مستفيد ممن يستحق راتباً شهريا، وأوضحت وزارة المالية بأن حجم الانفاق في هذه الموازنة أكبر من الايرادات وأنها اعتمدت سعر 55 – 60 دولارا لبرميل النفط، وبمعدل تصديري يصل الى أربعة ملايين برميل يوميا من ضمنه المصدر من اقليم كوردستان ما يمنح الدولة مجالاً اوسع لتعزيز الخدمات والمصاريف.

ان استباق الحكومة باعداد مسودة الموازنة لعام 2019 بشكل مبكر وأخذها بمطالب الجماهير يعتبر خطوة جيدة لكن ماجاء فيها من توفير فرص العمل للعاطلين وزيادة أعداد المستفيدين في شبكة الرعاية الاجتماعية غير كافي في تقليل معدلات البطالة التي وصلت الى أرقام مخيفة ومقلقة وكان الأولى بالحكومة أن تركز على تنشيط عمل ودور القطاع الخاص الذي يعتبر هو طوق النجاة للحكومة لو أحسنت استغلاله وعليها أن تطلع على التجارب الناجحة في كثير من دول العالم التي التي قامت باحتضان القطاع الخاص وجعلته شريكاً حقيقياً لها ووفرت له الكثير من التسهيلات والفرص والمشاريع الاستثمارية التي ساهمت بالقضاء على البطالة في هذه البلدان وانعشت الاقتصاد بنفس الوقت، ونحن في العراق وفي هذا الظرف العصيب الذي نعيش به نحتاج من الحكومة الى اعطاء الدور الحقيقي للقطاع الخاص في بناء البلد وانعاش الاقتصاد واحتواء الجيش الكبير من العاطلين بين صفوفه وذلك بتوفير فرص استثمارية حقيقية له واعطائه الأفضلية على الاستثمار الخارجي مع التركيز على وضع القوانين والتعليمات الصارمة على القطاع الخاص في قضية توفير الضمان الحقيقي والأمان للعاملين فيه من ناحيتين رئيسيتين الأولى هي الضمان التقاعدي عن طريق الزام القطاع الخاص بتسجيل جميع منتسبيه في دائرة الضمان الاجتماعي لتوفير الحقوق التقاعدية لهم والثانية هي ضمان ديمومة العمل في القطاع الخاص وذلك عن طريق الزام القطاع الخاص بتوظيف منتسبيه بعقود رسمية وتكون وفق نماذج يتم اعدادها من قبل وزارة العمل والشؤون الاجتماعية تضمن فيها حقوق صاحب العمل والموظف أو العامل بنفس الوقت ويتم تسجيل هذه العقود في دائرة الضمان الاجتماعي لضمان عدم السماح لأصحاب العمل بانهاء عقود العاملين بطرق تعسفية ومزاجية، واذا ماتم تطبيق هذه الناحيتين في القطاع الخاص بصورة قانونية وصحيحة فأن حقوق جميع العاملين في القطاع الخاص ستكون مضمونة ومحفوظة مثل أقرانهم العاملين في القطاع العام وهذا سيؤثر بشكل كبير في تقليل معدلات البطالة في البلد وسيقلل من تأثيراتها السيئة في المجتمع.

 

رائد الهاشمي - باحث وخبير اقتصادي

 

محمد الدعميعندما “الحرب الباردة”، الكلاسيكية الأصل، قد بوشرت بين المعسكرين الغربي بقيادة الولايلات المتحدة الأميركية، من ناحية، والشرقي بقيادة الاتحاد السوفييتي السابق، من الناحية الثانية، على أطلال “الرايخ الثالث” بعد هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الثانية لم يعِ الكثير من المراقبين بإمكانية تحول المنافسة بين المنتصرين أنفسهم في الحرب (أي واشنطن وموسكو) إلى شبح مرعب بقي يطارد العالم بأسره لعقود، خشية نشوب حرب ذرية أو أخرى فضائية (حرب النجوم).

ويبدو لي اللحظة، أن التاريخ يعيد نفسه، ولكن بحسب الظروف الجديدة، والمعايير والمصطلحات التنافسية المتعلقة بالمال والثروات، أكثر من تعلقها بالصواريخ والاستخبارات، كما كانت عليه الحرب الباردة الأولى. ومرة ثانية، ليس هناك عدد كافٍ من المراقبين السياسيين ممن يعتقد بأن حربا باردة جديدة إنما تطل بأنيابها المرعبة على العالم اللحظة. ربما كمن سبب ذلك، أي سبب مرور الحرب الباردة الجديدة الآن دون ملاحظة كافية، في عدم وجود سباق تسلح من النوع المرعب العابر للقارات الآن، كما حدث من ذي قبل. إلا أن المؤكد هو إمكانية الارتجاع إلى سباق تسلح ثانية في أية لحظة حال شعور المتنافسين في الحرب الباردة الجديدة بثمة تهديد وجودي، خاصة عندما يتعلق الأمر بالعملاق الصيني الذي لم يكن موجودا بالمرة في “الحرب الباردة الأم”، على سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية.

إن ظروف التنافس الاقتصادي والتجاري يمكن أن تحتدم وتتصاعد بين ليلة وضحاها، أي على نحو سريع للغاية، خاصة عندما تشعر القيادة الصينية بأنها يمكن أن تخفق في إطعام شعبها الملياري، وتنطبق ذات الحال على القيادة الروسية التي يتربع على رأسها رئيس جهاز الــKGB (الاستخبارات السوفييتية السابقة)، السيد “فلادمير بوتين”، وهذا يعني أن القيادة الروسية لا يمكن أن تكون قد محت تنافسها مع الأميركان حتى وقت قصير مضى، أي مع النصف الأول من عقد التسعينيات الذي لم نزل نتذكر معه صور سقوط جدار برلين، ومعه إعدام تشاوتشيسكو وهونيكر وسواهم من قيادات الكتلة الشيوعية.

إننا عبر دول العالم العربي، ينبغي أن نرتقي بأنفسنا إلى وعي كوني من نوع جديد يلاحظ تدشين الحرب الباردة الجديدة ليستثمرها لنفسه: التي ستكون تجارية أولا، ثم لا تلبث أن تتفرع وتتشظى باتجاهات متنوعة، منها ما يسمى بــ”حرب السايبر”، أي حرب الفضاء الإلكتروني الرقمي المرتكن إلى التنافس من أجل المعلومات والمعارف عن كل ما يخص بقية أنحاء العالم وعن مكامن ثروات الدول المتنوعة، شرقا وغربا. يمكن للقيادات العربية أن تنأى بنفسها عن الحرب التجارية المندلعة الآن بين واشنطن وبكين، وبين الأولى وموسكو: هي حرب من نوع جديد لا يمت بصلة للصواريخ ولا للرؤوس النووية. بل ويمكن للقيادات العربية كذلك، بعد أن ترصد تفاصيل هذه التنافسات أن تستثمر منافسات الكبار (كالروس والصينيين والأميركان) لصالحها عبر توظيف أسواق العالم العربي الشرهة للسلع والخدمات، من بين سواها من الأساليب ومن أدوات الاستفادة المجربة.

إلا أن الأهم من هذا كله هو التيقن من تدشين حقبة حرب باردة جديدة، حرب قد لا تتطلب إطلاق رصاصة واحدة، وقد لا يحتاج المتنافسون بها لسوى العقول الذكية القادرة على التصرف بالشبكات الرقمية و”فضاء السايبر” على النحو الكفوء الذي يمكّن قياداتنا من الإفادة من منافساته والاستعداد الكافي عبر تهيئة جيل منتقى من العلماء القادرين (في أقل تقدير) على تجنيب شعوبنا ويلات وثبور التجويع والانقسام

 

أ.د. محمد الدعمي

 

تعد الاحتجاجات، اليوم، سياسة مشاكسة، وفي الوقت نفسه، مظهراً من مظاهر الديمقراطية، بل إنها ضرورة لبناء الدولة. وهي جزءٌ لا يتجزء من الممارسة السياسية، فالناس لا يعتمدون هذه الأيام على الاحزاب السياسية والانتخابات فقط، لكي يعبروا عما يختاروه أو ما يشغلهم .

وهنا محاولة تعمل على فهم الاحتجاجات على وفق المحاور الآتية:-

1- احتجاجات البصرة مجموعة صور وليست صورة واحدة

2- محاولة في فهم عنف احتجاجات البصرة

3- احتجاجات البصرة وأزمة القوى الاجتماعية

أولاً- مجموعة صور وليست صورة واحدة للاحتجاجات:

إن عقلية الآباء في العراق تخشى من أية دعوة للتظاهر، ولاسيما في تموز لما يحمله هذا الشهر من أرث دموي في تاريخ الدولة العراقية. لكن احتجاجات تموز ٢٠١٨م، التي تصدرها الجيل الجديد من الفتيان، الذين لم يرضخوا لهذه الخشية، ولم يتأثروا بـ سياسة الخوف.

ويمكن تلخيص صور الاحتجاجات في البصرة، بما يأتي:

1- لا توجد صورة واحدة، إنما مجموعة صور، لا يمكن فهمهاعلى وفق النظريات السائدة، فمنها ما يُفهم من منظور سيكولوجيا الجماهير ومنها ما يفهم على وفق سيكولوجيا الفرد.

2- اغلب المراقبين اعتقدوا أن احتجاجات البصرة لا تتجاوز شهر تموز، بينما استمرت لشهرين: من 6-7 الى 7-9/ 2018 .

3- لعل ما يميز احتجاجات البصرة، مشاركة المرأة بشكل فعال، وهذا يدل على استثمار لرأس المال الاجتماعي .

4- غياب القوى الاجتماعية في البصرة اثناء الاحتجاجات.

5- تظاهرات البصرة، بلغت مرحلة الاحتجاج، لكنها لم تشكل حركة اجتماعية .

6- لم تعد الدعوات الدينية، أو الحزبية فقط، هي من تحرك الشارع .

7- احتجاجات بلا قيادة، مما يعني انها تجمعات فردية، بشكل جماعي، على الرغم من وجود تنسيقيات تحاول التنظيم، لكنها في الواقع الفعلي تدعو للتظاهر، الا انها لا تتحكم ببوصلته.

8- ذهنية المُحتج، عندما يتوجه المحتجون الى مؤسسات الدولة، فهذا يعني قناعتهم بوجود دولة، لكن عندما يتوجهون الى مقرات الاحزاب، فهذا يشير إلى عدم تحقق مفهوم الدولة لديهم .

9- العنف الذي قوبل به المتظاهرين لا يمكن تبريره .

10- احتجاجات البصرة 2018، استطاعت الخروج من محليتها، وبلغ تأثيرها الى أغلب المدن العراقية في الجنوب والفرات الأوسط، التي خرجت في تظاهرات، مع التحفظ على الموقف في بغداد، إلا من خلال بعض المتعاطفين، الذين بلغ اعدادهم احيانا عشرات. وقد نالت اهتمام اقليمي ودولي، فضلاً عن الاهتمام الاعلامي، وهذا الأمر يحسب لصحفيي البصرة، الذين اثبتوا جدارتهم بتغطية الحدث .

11- كانت الاحتجاجات خالية من السيناريو، وعبرت عن كارثة ترقى الى مستوى الحريق الشامل .

والخلاصة، أن هناك احتجاج، ومطالب، وشغب، وغياب القوى الاجتماعية .

ثانياً- محاولة في فهم عنف احتجاجات البصرة:

نادراً، ما نجد، اليوم، باحثاً نشطاً ينحاز لموقف السلوك الجمعي، لأن الاحتجاج والحركات الاجتماعية ما هما إلا سياسة بمعان أخرى. ومع احتجاجات البصرة، نقف امام رأيين، أما القول بأن العنف كان بفعل مندسين، وهذا الرأي لا يمكن نفيه أو تأكيده، لأنه يحتاج الى جهد أمني أكثر مما هو جهد بحثي، أو محاولة فهم العنف على وفق نظريات الاحتجاج المعاصرة، وهذا ما سأعمل عليه. مع تأكيد القول أنه على الرغم من صورة العنف التي سادت، إلا أن هناك صورة أخرى متمثلة، بالمحتجين الذين حموا مؤسسات الدولة، مثلما حدث في أبي الخصيب، والزبير وغيرها من الأماكن، فضلاً عن حمايتهم للمال الخاص، مثل: المحال التجارية ومول البصرة تايمز سكوير .

ومن اجل التوضيح، يمكن القول أن في الاحتجاجات هناك الجماعات الهادئة وكذلك الجماعات العنيفة، التي تؤمن بأن العنف وسيلة لتوصيل قضيتها. وهنا ينبغي ملاحظة أمرين: حينما يفشل المحتجون في أن يوصلوا مطالبهم الى أعداد كبيرة من الناس ولا يستطيعوا تغيير الرأي العام، فإنهم يلجأون الى استراتيجيات العنف، كما أن العنف أيضا طريقة لجذب انتباه وسائل الاتصال، والرأي العام، وبعض الباحثين يعُد أساليب العنف ضرورية لايقاظ الجماهير من صمتها. كذلك،  تضخم الثقة بالنفس لدى الجماهير واطمئنانها الى عدم المحاسبة والمعاقبة كلما كان عدد الجمهور أكبر، وهنا، يمكن فهم لماذا تأتي الجماهير المحتشدة على الأتيان بأعمال لا يأتيها الفرد في العادة، نتيجة التحرر .

أما عن الحفاظ على سلمية الاحتجاجات فإنه يقع على عاتق المحتجين، فحينما يرون أن العنف هو الذي ساد الاحتجاجات، فإن على المحتجين السلميين مغادرة ساحة التظاهرة وايقاف وتيرة الاحتجاج الى أن يتم السيطرة على الوضع وهذ ما حدث في البصرة بعد احداث 6-7 ايلول، اذ ان اغلب المحتجين دعوا الى ايقاف التظاهر .

ثالثاً- احتجاجات البصرة وأزمة القوى الاجتماعية:

إن الاحتجاجات انتجت تجمعا من الناس عبروا عن معاناتهم، فمن يشعر بالظلم والعزلة والتهميش سوف يتجمع مع من يشاركه معاناته، ويشتركون حول مطلب مشترك، وبالامكان تشكل حركة اجتماعية تستهدف الاصلاح. لكن أمام هذه الصورة هناك أزمة في القوى الاجتماعية .

تقليدياً، يمكن تقسيم القوى الاجتماعية الفاعلة في البصرة إلى ثلاثة أقسام: شيخ العشيرة، ورجل الدين، وقوة ثالثة تنقسم الى قوى محتملة، بعض التجار، بعض المثقفين، بعض الاكادميين(مع التركيز على كلمة محتملة) .

إن قوة شيخ العشيرة في البصرة لا يمكن مقارنتها مع مكانة شيوخ عشائر الفرات الأوسط، أو شيوخ الناصرية وميسان، لأن أغلب عشائر البصرة لا تمتلك مركزية في المشيخة، إلا مع بعض العشائر البصرية، والتي يميل افرادها الى المدنية، فربما يوجد للعشيرة الواحدة عدة مشايخ، وهذا يقلل من التأثير، أو انهم امتداد لعشائر ميسان والناصرية، فضلاً عن تاريخ البصرة المدني، الذي له ذكريات سيئة مع بعض العشائر، فبالنتيجة إن هذه القوة الاجتماعية لم تكن فاعلة اثناء الاحتجاجات، الا من خلال المشاركة الرمزية لبعض شيوخها، أما غالبية العشائر الأخرى، فوجودها ينحصر بصراعاتها، بل ان الامر وصل الى أن في ذروة  الاحتجاجات والعنف، كان هناك نزاع عشائري حدث في شمال البصرة .

أما رجال الدين، وهنا ينبغي التأكيد ان شيعة البصرة يختلفون عن الشيعة في مدن العراق الأُخرى لوجود ثلاثة تقسيمات رئيسة: شيخية، وأخبارية، وأصولية، ولعل الأولى تُعد من أقوى القوى الفاعلة ضمن جماعتها، وتضمن مشاركتها في محاولتها في حل الأزمة عبر المساعدة في اصلاح معدات نقل المياه وتصفيتها-وان كانت مشاركة رمزية، ولم يُعلن عنها-، أما الثانية فقواها منهارة، والثالثة أي الأصولية، فانها مرتبطة بخارج البصرة أي انها لا تنتج قراراً بصرياً مؤثراً، انما تنتظر موقف المرجعية الدينية في مدينة النجف، على الرغم من محاولة بعض رجال الدين من الشيعة الأصولية، التدخل، الا ان ذلك لم ينتج أي تأثير، مما اضطر لمجيء مبعوث الى البصرة ممثلاً عن مرجعية السيد السيستاني. اما رجال الدين السنة، فأغلبهم قد فقدوا حضورهم، الا من خلال بعض الافراد، الذين يعد وجودهم على مستوى مناطقهم.

أما من يتحدث عن قوة اجتماعية متمثلة بنخب اكاديمية أو ادبية، فهنا ينبغي التريث قليلا، لأنه يمثل نقداً للذات. إن حديث مثقفينا اليوم عن دور المثقف ورسالته بشكل عام، حديث يخلط عادة بين الدور الذي يزعمونه لأنفسهم والرسالة، التي يدعون القيام بها، وبين وضعيتهم الحقيقية في الواقع الفعلي، وهذه مشكلة قديمة .

هذا الموضوع شائك، ويحتاج الى دراسة وربما دراسات، لكن يمكن القول أن هناك نمطين مختلفين من الالتزام الاجتماعي والسياسي: أحدهما سياسي والاخر نقد اجتماعي، الاول ربما يكون ناشط في مجال اختصاصه، كذلك ناشط في مجال السياسة (ناشط سياسي). والمحور الثاني، يتمثل بالقول، بضرورة إدراك الهشاشة المفرطة للقوانين والمؤسسات. وهنا دور المثقف لا يتمثل في تشكيل الارادة السياسية للآخرين، بل في اعادة مسائلة البديهيات عن طريق التحليلات التي يقوم بها في المجالات الخاصة به، وفي زعزعة العادات وطرق العمل والتفكير، وفي تبديد المألوف المسلّم به، وفي استعادة حدود القواعد والمؤسسات. وفي الواقع، لم يكُن لمثقفي البصرة، أي دور وفق المحور الثاني، فربما شارك بعضهم في التظاهرات بوصفه مواطناً يُعاني مما يحدث، أو بشكل تجمعات من خلال اتحاد الادباء أو النقابات، كمشاركة رمزية. ولعل أهم دور، وإن كان فردياً، أكثر مما هو يُعبر عن قوة اجتماعية، هو محاولة بعض المثقفين، تعريف الرأي العام العالمي والأقليمي، باحتجاجات البصرة وأزمتها .

من هنا ينبغي على الاكاديمين والمثقفين، بشكل عام، تكثيف جهودهم في دراسة الواقع الذي ينتمون إليه، ولعل أولى الخطوات، التي ينبغي العمل عليها، هي تشخيص واقعهم، وفهمه على وفق رؤية أكاديمية، وتنظيم لقاءات وورش عمل بين المختصين.

 

د. قيس ناصر راهي

 

علي البصريلو كنت رئيسا للوزراء – لاسامح الله - لفعلت الاتي:

1- اقوم وبشكل عاجل بتفعيل مشروع البطاقة الوطنية ووضعه موضع التنفيذ، والاعتماد على وثيقة البطاقة الوطنية والتخلص من الوثائق الاخرى كالجنسية وشهادة الجنسية، وانطلق في التخطيط والرقابة ومكافحة الفساد ومكافحة الارهاب بناء على ماتوفره لنا قاعدة البيانات المستخلصة من بيانات ومعلومات من مؤسسة البطاقة الوطنية. التخطيط الصحيح ينطلق من قاعدة بيانات مبنية على بيانات صحيحة وواقعية. الحديث في هذه النقطة يطول وهو بحاجة لبحث كامل بل لبحوث كثيرة، وسأضرب هنا بعض الامثلة لكي تتضح الصورة، فمن خلال قاعدة البيانات سنعرف كم طالب او طالبة ستبلغ السادسة من العمر والذين سيدخلون الصف الاول السنة القادمة مثلا، وبناء على هذه الارقام سأعرف كم مدرسة احتاج لهذا الامر، وكم مدرس ومدرسة سيعمل في هذه المدارس، ومن خلال قاعدة البيانات سأعرف كم شخص يستلم اكثر من راتب وكم رصيده واين يعمل وماهو عنوانه، وسأعرف كم عاطل في البلد وكم هي نسبة البطالة ونسبة الفقر، وساعرف الكثير الكثير من البيانات والمعلومات التي ستفيدنا في امور كثيرة.

2- بناء على معطيات قاعدة البيانات اقوم بانشاء نظام رعاية اجتماعية تعطي لكل عاطل عن العمل مبلغا من المال بحيث يسد رمقه ويحفظ كرامته، وافضلُ ان يتم ربط الراتب المُعطى بمكتب عمل يُنشيء لهذا الغرض لكي يضمن لنا ان هذا الشخص جاد بالبحث عن العمل، بل يمكن ان تتوسع هذه العملية الى انشاء مراكز تدريب تابعة الى مكاتب العمل التي سيتم انشائها من اجل تعليم كل شخص مهنة معينة يتكسب من خلالها ويعيل نفسه، بدل ان يبقى عالًه على نفسه ومجتمعه، ويمكن تطوير هذه العملية من خلال تزويد الجادين في البحث عن العمل واصحاب المهن بقروض مُيسًرة وغير كبيرة لفتح ورش عمل وشركات صغيرة لاصحاب المهن.

3- البدء بتشغيل المعامل الحكومية المتوقفة عن العمل، وعرض المعامل والمنشات التي لايمكن تشغيلها للبيع او الدخول بشراكة مع القطاع الخاص لتشغيل هذه المعامل، فهذه المعامل ستقوم بسحب العاطلين عن العمل من جهة، ومن جهة اخرى ستساهم السلع المُنتجة من هذه المعامل الى خفض اعتماد البلد على الاستيراد ومن ثم حفظ العملة الصعبة، وايضا دعم القطاع الخاص وتقويته.

4- تنشيط القطاع الخاص من خلال دعمه والدخول في شراكة معه في الوقت الحالي، والدعم يتم من خلال القوانين التي تخدم هذا القطاع ومن خلال حمايته من العراقيل والابتزاز والصعوبات التي تخلقها له بعض الجهات الفاسدة في الحكومة والدوائر الحكومية، وايضا تخفيف الضرائب والرسوم وغيرها من التسهيلات الاخرى.

5- المباشرة في اصلاح الجهاز الاداري العراقي وترشيقه من خلال اعتماد قوانين وتعليمات جديدة، او من خلال اتخاذ اجراءات جديدة في قياس انتاجية الموظف او العامل في دوائر الدولة او من خلال تغيير العقلية التي يعمل بها الموظف العراقي والدائرة العراقية واحترام الناس، وهذا يتم من خلال نشر ثقافة جديدة قوامها احترام الانسان ونشر المحبة بين الناس، لأن الدائرة العراقية حاليا تمتهن كرامة الانسان العراقي في كل المجالات، والجهاز الاداري العراقي جهاز عقيم وغير منتج وهو اكبر جهاز اداري في المنطقة والعالم، فالصين ذات المليار ونصف انسان تمتلك جهازا اداريا قوامه 2 مليون ونصف موظف، بينما العراق ذو الثلاثين مليون نسمة يبلغ جهازه الاداري اكثر من خمسة ملايين موظف.

6- ينبغي ان تتم عملية اصلاح للجهاز المصرفي العراقي وتطويره من خلال اعتماد التقنيات الحديثة وتقديم خدمات عديدة اسوة بمصارف وبنوك العالم، فهذا الجهاز المصرفي هو اكثر اجهزة العالم تاخرا وفسادا وتقصيرا، واذا مااردنا ان يتطور اقتصادنا فعلينا بتطوير جهازنا المصرفي العراقي وجعله اكثر نشاطا وخدمة وتواصلا مع الناس والشركات، فالاكتناز في المجتمع العراقي ظاهرة متفشية بين افراده وهذه الظاهرة ظاهرة سلبية تسبب التضخم وتعطل الاستفادة من رؤوس الاموال لاستخدامها في الاستثمار وتحريك الاقتصاد العراقي وانتاج فرص عمل للعاطلين من خلال خلق الاستثمار، لذا ينبغي حث هذا الجهاز المصرفي على تغيير نظرة الفرد العراقي للمصرف العراقي وفائدته له واهميته للمجتمع. وفي هذا المجال تستخدم الدول اليوم النقود الالكترونية وتقليل استخدام النقود الورقية من اجل تقليل سحب النقود اولا ومن اجل معرفة اين تذهب النقود وتقليل الاختلاس وتبييض النقود وغيرها من فوائد كثيرة.

7- مكافحة الفساد والتي تتم من خلال اعتماد قوانين وضوابط ذكية و صارمة في معاقبة المتجاوزين، ومكافحة الفساد تتم من خلال استخدام وسائل حديثة تمنع حدوث الفساد والتجاوز قبل حدوثه من خلال استخدام الوسائل الحديثة كالكومبيوتر ووسائل الاتصال الحديثة واستخدام قاعدة البيانات التي ستكون جاهزة بعد اكتمال مشروع البطلقة الوطنية، وتتم مكافحة الفساد من خلال القوانين التي تسد الثغرات الموجودة واستخدام وسائل الثواب والعقاب ونشر ثقافة مكافحة الفساد، والتشهير بالمفسدين وانزال العقوبات الشديدة بالفاسدين واستخدام كل الاساليب والوسائل الممكنة في هذ المجال. فاستخدام قاعدة البيانات ستساعدنا في كشف حركة الاموال وتسجيل العقارات وارصدة الموظفين والمسؤولين لكي نستطيع تحديد التجاوزات باسرع وقت ممكن. ينبغي ايضا ان يتم نشرة ثقافة ان التهم في هذا المجال لاتسقط بالتقادم.

8- تنشيط قطاع السياحة، لما لهذا القطاع من اهمية كبيرة في امتصاص البطالة وتخفيضها وتشغيل العاطلين عن العمل وجلب العملة الصعبة للبلد، سيما وان العراق لديه الفرصة لتنشيط هذه القطاعات، لامتلاكه الكثير من الاضرحة الدينية والاماكن الاثرية.

9- تنشيط قطاع الصناعة والزراعة من خلال الاهتمام بهذين القطاعين ومن خلال اعطاء القروض والتسهيلات الضريبية وفرض الرسوم على البضائع الداخلة للبلد، ومن خلال تشجيع القطاع الخاص والاستثمار الداخلي والخارجي.

10- الاهتمام بالموارد البشرية والاستثمار في هذ القطاع باكبر قدر ممكن من خلال تطوير الجامعات ومراكز التدريب، بل والاهتمام بالتعليم واساليب التعليم بصورة عامة، وينبغي ان لاننسى ان الثروة الحقيقية هي الثروة البشرية وان الدول المتقدمة هي دول غنية بمواردها البشرية وانها اصبحت متقدمة وغنية بمواردها البشرية وليس بمواردها المادية.

11- الالتفات الى القطاع الصحي وتحسينه وتطويره، لأنه البيت الذي يلجأ له الفقراء والمعوزين وهو – مع التعليم وحقوق الانسان - احد المؤشرات المهمة التي تعتمدها الدول والامم المتحدة لقياس الرفاه والتطور للبلدان.

12- الاهتمام بالطفولة من خلال وسائل متعددة بدأ بالتلقيح والصحة والتعليم وانتهاء بنشر ثقافة الاهتمام بالطفولة وتتغير اساليب العنف والاضطهاد باساليب العطف والمحبة.

13- اعادة النظر بقوانين الضريبة والقائمين عليها، وانتاج قانون ضريبي جديد يتماشى مع القوانين الحديثة في البلدان المتقدمة، لكنه ياخذ الخصوصية العراقية على اقل تقدير في الوقت الحاضر، بحيث يساعد هذا القانون على اعادة توزيع الثروة العراقية بعدالة بين ابناء الشعب.

14- اعادة النظر برواتب المسؤولين والدرجات الخاصة وتخفيضها بحيث تتناسب والواقع العراقي وبالمقابل الاهتمام برواتب الفقراء والمعوزين والمضحين وزيادتها، والعمل على اصدار قانون موحد للموظفين والعاملين.

15- المحاولة وبصورة جادة بتنويع مصادر الثروة للبلد وعدم الاقتصار على مصدر البترول كمصدر وحيد للبلد وموازنته، وعلى الاقل في الوقت الحاضر يتم من خلال الاستثمار في القطاع النفطي وقطاع البتروكيمياويات، فبدل تصدير النفط الخام يتم الاستثمار في مشتقات البترول وتصدير هذه المشتقات. بالاضافة الى ذلك يتم تنشيط القطاعات الاخرى كالصناعة والزراعة والسياحة والمصارف والبورصة وقوانين الضريبة وسواها من قطاعات.

قبل كل هذه النقاط ينبغي الاهتمام بالانسان العراقي واعادة الثقة له من خلال انتاج خطة عراقية خالصة تخدم العراقيين في المقام الاول، ولانسمح لأي طرف مهما كان من التدخل في وضع هذه الخطة وهذه الاستراتيجية، ولانسمح لأي حكومة او اي منظمة دولية كصندوق النقد الدولي او البنك الدولي او اية منظمة اخرى من التدخل في شؤوننا، فهناك من الدول التي تتدخل في شؤوننا او تضغط علينا من خلال هذه الواجهات التي قد تبدو جميلة للبعض. يبقى الاخلاص والتوكل على الله وعلى الشعب هو اهم عون لانجاز وتحقيق اهدافنا وخططنا واسترتيجياتنا.

 

علي البصري

 

محمد العباسيطوال سنوات مديدة وتحت مسميات عديدة فتحت بعض الدول الأوروبية أذرعها لكل من كان يلجأ إليها من دعاة المظلومية.. وفي أحيان كثيرة كان هؤلاء اللاجئون في واقع الأمر هم أصحاب الظلم ومرتكبوه وليسوا ضحاياه.. كثير منهم قد يكونون من أصحاب السوابق وهاربون من أحكام بالسجن كونهم مجرمين ولصوص ومهربين وليسوا بالضرورة من ضحايا للتمييز أو السياسة.. بعضهم من المخربين الإرهابيين.. لكن احتوتهم تلك الدول الأوروبية بحسن نية أحياناً.. ولمآرب أخري في أحيان كثيرة !

أغلب من اقتحم دول أوروبا من رعايا دول الشمال الإفريقي هم من ضحايا الفقر والفاقة والجهل.. بعضهم عاشوا في أوروبا بشكل قانوني وأنجبوا فيها أبنائهم وبناتهم.. وآخرون دخلوها خلسة وتهريباً.. و"اختلط الحابل بالنابل" هناك.. واصبح الصالح فيهم جاراً للطالح.. وبات أغلب الدخلاء يسترزقون من الأعمال المشبوهة.. وأما من تم استيعابهم بالطرق القانونية فقد تم توفير منازل لهم ومساعدات مالية وتغطية صحية وتعليم مجاني وأمور حياتية جمة.. كل هذا تحت مسميات حقوق الإنسان وحماية المستضعفين ممن كانوا عرضة للظلم والتفرقة في أوطانهم.

قد يكون البعض محقاً في جداله أن أغلب مظالم شعوب منطقتنا هي بالأساس ناتجة عن السياسات الغربية عبر التاريخ وعمليات الاستعمار المتعاقبة والأطماع في نهب خيرات المنطقة بالذات بعد اكتشاف النفط.. فمن بين المظلومين بحق والمبعثرين في العالم الكثير من الأكراد والشعب الأحوازي وأعضاء مجاهدي خلق الإيرانية والكثير من العراقيين والسوريين والأفغان وغيرهم من مناطقنا الشرق أوسطية.

أما الأكراد فهم شعب مظلوم تم تقسيمه بين أربع دول جائرة هي إيران والعراق وتركيا وسوريا.. وربما تكون معاهدة "سايس - بيكو" في (1916) هي التي حطمت آمال الدولة الكردية الموحدة في العصر الحديث.. غير أن جذور المشكلة الكردية تعود للصراعات منذ قرون.. والحديث في ذلك يطول.  أما الإمارة الأحوازية (الأهوازية) فقد ابتليت باكتشاف النفط فيها في (1908) مما دفع "رضا خان بهلوى" فى إيران أيام الحكم "القاجارى" في القيام بحملة عسكرية (1924 (ضد أميرها العربي "الشيخ خزعل العامري".. منطقة الأحواز المعروفة أيضاً باسم "عربستان" تجتمع فيها قبائل من العرب السنة والشيعة.. ولا يزال الشعب الأحوازي إلى يومنا هذا ضحية لممارسات التفرقة من الدولة الفارسية بسبب تمسكهم بعروبتهم.. بغض النظر عن مذاهبهم.. وكان للبريطانيين دور كبير في دحض محاولات "عربستان" عرض قضيتهم على "عصبة الأمم" بعد الحرب العالمية الأولى خشية أن تتحد مع العراق وتعيق المخططات الغربية في المنطقة!

أما فرنسا بالذات فقد فتحت ذراعيها لأعضاء منظمة "مجاهدي خلق".. وهي أكبر وأنشط حركة معارضة إيرانية تأسست عام (1965) على أيدي مثقفين وأكاديميين إيرانيين بهدف إسقاط نظام "الشاه".. وبعد سقوط نظام "الشاه" نتيجة "الثورة الإيرانية" والتي أدت منظمة "مجاهدي خلق" دوراً كبيراً في انتصارها بعد أن كان "الشاه" قد أعدم مؤسسيها وعدداً كبيراً من أعضاء قيادتها، ظهرت خلافات بينها وبين نظام الحكم الإيراني الجديد للملالي، ووصلت بعد عامين ونصف العام من الثورة إلى حد التقاتل بين الجانبين في صراع محتدم يستمر حتى الآن  .استقبلهم "صدام حسين" لسنوات في معسكرات على الأراضي العراقية غير أن سقوط "صدام" وصعود التيار الشيعي الموالي لـ "ولاية الفقيه" عرضهم لمضايقات واستفزازات جمة.

أما في العراق وسوريا البعثيتين.. فقد عانى الكثير من مواطنيهما الأمرّين من ظلم وتنكيل وتعذيب ممنهج لكل من يتجرأ ويرفع صوته أو قلمه مطالباً ببعض الحقوق!  رغم أن الدولتين (الجمهوريتين) البعثيتين كانتا تتبعان الفكر البعثي لمؤسسها السوري المسيحي "ميشيل عفلق" (1947) غير أنهما كانتا أبعد ما يكون عن فكرة الجمهورية الديمقراطية المتعارف عليها.. كان الفكر البعثي مبنياً على شعارات مثل "أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة" وتدعو إلى الاشتراكية والوحدة والحرية والانقلاب ضد الحكم الظالم والعميل.. مجرد شعارات بينما كانت ممارساتها الداخلية قاسية لا تمت للحرية بصلة.. تشتت وتشرّد بسبب ممارساتها القمعية أعداد كبيرة من مثقفيها وعلمائها وأكاديمييها وشبابها حول العالم.

مرة أخرى,  كان ملاذ أغلبهم بين أحضان أوروبا وكندا وأمريكا.. ونرى اليوم أن من بقى حينها في العراق وسوريا يهرب اليوم نتيجة الصراعات المذهبية والداعشية ومجازر الحشود الشعبية في العراق.. وقصف النظام السوري والروسي للقرى والمدن ومجازر مرتزقة "حزب الله" في سوريا.. اختلفت الأوضاع والشعبين لا يزالان يعانيان من تبعات دهور من الظلم والاستبداد لدرجة أن البعض بات يتحسر على أيام الظلم والحرمان قبل "الربيع العربي البائس" لأنهم على الأقل كانوا ينامون الليل في بعض الهناء ويأكلون مما يزرعون وأطفالهم كانوا يرتادون المدارس.. بل بات البعض الأكبر سناً يتحسرون (قهراً) على أيام المستعمرين الإنجليز والفرنسيين وحتى العثمانيين لأن كافة الانقلابات العسكرية في العالم العربي جلبت لهم وبالاً وغير ما كانوا يتمنون.

و الحقيقة تبقى أن الاستعمارات والمطامع الغربية في خيراتنا هي من تسببت في دمار أحوالنا.. والسياسات الغربية هي التي خلقت "القاعدة" و"داعش" وشجعت على ظهور الميليشيات الطائفية في العراق لتشغلنا ببعض.. لنقضي على بعضنا البعض.. وها هي أوروبا اليوم تعاني ولو قليلاً من بعض التفجيرات على أيدي فئة من "مواطنيها" ممن فتحت لهم أبوابها ونست أن كل واحد منهم يحمل إرثاً متوارثاً من أيام تعرضهم للاستعمار الظالم (في شمال أفريقيا) تارة ومن قمع الانقلابيين العسكريين بعد حركات التحرير.. ربما نتعاطف معهم ونستهجن مقتل بضع عشرات هنا وهناك في أوروبا والغرب هذه الأيام.. لكننا نستهجن أكثر من التخاذل الدولي المشبوه عن المجازر التي نتعرض لها كل يوم.. ربما ظنت أوروبا أنها هانئة وبعيدة عن مشاكلنا.. لكن أوروبا اليوم قد فقدت "سعادتها" لأنها غضت الطرف عن "تعاستنا"!!

 

د. محمد العباسي - أكاديمي بحريني

 

 

عبد الجبار نوريلقد فضح مجيء ترامب المقامر والمهوس الوجه القبيح للبنتاكون والسي آي أي ودفع الشعوب المقهورة أن تستذكر الجينوسايد النووي على اليابان، وأنقلاباتها العسكرية في دول لأمريكا اللاتينية، وهزيمتها المخزية في معركة خليج الخنازير ضد كوبا، وفشلها التأريخي المخزي هو الآخر في وحل المستنقع الفيتنامي والكمبودي، وخرج الغول الأمريكي المثخن بالجراح ليستقوي في ظل أحادية القطب بغياب الأتحاد السوفييتي ليمسك وبقوّة بورقة الأرهاب ومزاوجتها الباطلة أيديولوجياً بين صقور الحرب وتجار السلاح في بنتاكونها والقاعدة بالحلف الغير مقدس في أفغانستان لأجهاض حكومتها اليسارية التحررية، واليوم تعيد السيناريو في سوريا مع جبهة النصرة الأرهابية وفي العراق مع داعش، لغايات استراتيجية بعيدة المدى ربما أتضح ذلك في طبيعة الصراع الأمريكي الأيراني ومآلاته النفوذ على العراق وصولاً إلى مخرجات أنتخابات 2018 المستندة على معطيات ورقة الأتفاق الأستراتيجي العراقي الأمريكي الذي نص على أن " العراق يتمتع بالسيادة والأستقرار والأعتماد على الذات " وحكومة تساهم في أرساء السلام والأمن في المنطقة، ولكن لم تعد الشراكة بين العراق وأمريكا نداً لند بل لعبت المخابرات الأمريكية في العلن والخفاء بواسطة عملاء الداخل الذين هم سياسيو السلطة المدعشنون، فأصبحت الرؤية الأمريكية معلنة لا يمكن تجاهلها بالضغوطات التي أستعملتها خصوصا في أنتخابات 2018 في أختيار الرئاسات الثلاثة ولم تنجح لتماسك الشعب العراقي هذه المرة ووحدته وآن الأوان للقيام بالأصلاح والبناء وأسقاط مشاريع التقسيم وأختيار سياسة أمنية ذكية وأصلاحات حيادية في المسائل الأقليمية، وأدركت أمريكا : أن توازن القوى سيصبح مشوّهاً بشكلٍ كارثي أذا تنحت جانباً وتترك أتساع النفوذ الأيراني في العراق لذا بدأت أمريكا بالتخطيط لسينيورهات مستقبلية وآنية في : 

- محاولة تغيير خارطة الشرق أوسطية وقلب الطاولة على معاهدة سايكس بيكو .

- تثبيت موطيء قدم في منطقة الطاقة التي مركزها العراق، وهي محاولة محمومة للأمساك بمقود النفوذ بالعراق والعودة إلى واجهة الهيمنة والسيطرة، واندفاعها بهوس متسارع في بناء القواعد العسكرية لتكريس وضمان أطماعها بعد تحرير الموصل كانت تصريحات الرئيس ترامب لأيجاد بدائل أقليمية للقاعدة ( العديد ) في قطر، في حالة نقل جنودها بأسرع  وقت إلى العراق فكانت تلك الفقرة من البنود المخفية في فقرات الوثيقة 2011 وعادوا أليها بصفة المخلص والمنقذ من داعش الأرهابي الذي سيطر على مناطق واسعة في سوريا والعراق عام 2014 فكان عدد الجنود الأمريكان 1500 مقاتل بطلب من الكونكرس الأمريكي وشرعنت بناء القواعد بقانون تحت عنوان (مشروع قانون أقرار الدفاع الوطني) أستحوذت فعلاً على قاعدة (التقدم) الجوية الواقعة على بعد 40 كم من الأنبار، كما أتخذت قاعدتي الأسد في قضاء البغدادي وقاعدة الحبانية في الأنبار أضافة إلى مطار القيارة العسكري جنوب الموصل وقاعدة أخرى عند سد الموصل وقاعدة بلد الجوية ومعسكر التاجي وقاعدة في المنصورية في ديالى، كما وقعت  مع حكومة كردستان العراقية على بناء خمسة قواعد في مناطق تحت سيطرة الأقليم وقاعدة قرب سنجار وأخرى في منطقتي أتروش والحرير أضافة لقاعدتين في حلبجة في السليمانية وآلتون كبري في كركوك .

- أستراتيجية عزل العدو التقليدي أيران من خلال النفوذ على العراق، وحسب قراءتي لهذا الموضوع الشائك وهو الذي يعنينا في الرؤية التي تشكلت بعد مجيء الجمهوريين وترامب على رأس الهرم رفعت شعار التصادم مع خصمها أيران ولتحجيم الدور الأيراني في العراق يتم بجعل  ساحة العراق ساحة مواجهة مباشرة مع أيران وأقحام العراق في محور الحرب الباردة وربما تتحول لحرب ساخنة لا يحمد عقباها، وللأجل هذا الهدف أصدرت أجراءات تضمنت أدراج أفواج عراقية وأسماء بعض من قياداتها على لوائح الأرهاب وتمادت أكثر بأستهداف أفواج عسكرية على الحدود العراقية السورية وفي بعض المواقع في سويا .

- فأصبحت الرؤية الأمريكية معلنة بتدخلها السافر في أنتخابات 2018 بالضرب على أوتار الطائفية والأثنية بأثارة ما يقال دائما لغة (التهميش والأقصاء) وأثارة مشروع عراب التقسيم بايدن في تقطيع أوصال العراق إلى ثلاث مناطق (كردية وشيعية وسنية)، فالمشهد العسكري والسياسي يبدو حسب قراءتي لواقعها الجيوبولوتيك ورهانات المستقبل : هو سقوط آخر معاقل داعش في العراق ,ان هذ المشهد لا يروق لها في المنظور البعيد وعلى أقل تقدير لا تخرج من المولد بلا حمص كما يقول المثل المصري بل المحافظة على نفوذها الحاضر، والتوصل إلى حل توفيقي أمريكي في سوريا عبر تحول سياسي يؤدي ربما إلى حكومة أنتقالية وهو من المستحيل نجاحه لوحدة الجيش العربي السوري وحنكة قيادته .

-  وحسب قراءتي للحدث بين داعش والتحالف الدولي بزعامة أمريكا أنجلت الضبابية في التطورات الميدانية على ساحة المعركة أن هناك بطء وغموض وتمويه وتعرض وحدات من الجيش العراقي إلى نيران (صديقة) تارة من الطائرات الأمريكة أو من مدفعية التحالف، وحتى رمي معدات قتالية لداعش في أرض معركتها، ومعناهُ ديمومة الصراع في أبقاء شبح داعش للأبتزاز به وأستعماله ورقة ضغط للمساومة والأبتزاز، لذا أن أمريكا ترغب وبجدية المحافظة على العراق وعدم خسارته عبر خلق الأزمات المتكررة والمتصاعدة في أثارة وتأجيج التطاحن الطائفي والأثني .

- وواقع الحال أن العراق هو الكاشف لحدود وطبيعة المصالح والتناقضات بين أيران وأمريكا وفي كل الأحوال يجب أن يبقى العراق وقواه الوطنية بعيدة عن سياسة المحاور وسياسة حيادية في الحذر والحذر من الوقوع بين الطرفين لأطماع كلا الطرفين بموقع العراق وسوقه وربما (تقع) القوات الأمريكية في حالة أندلاع هذه الحرب الكارثية بين فكي المقاومة الشيعية والسنية، وأن  الصراع الأيراني السعودي الغير محسوم منذ سقوط الشاه عام 1978 على أيدي الأسلام السياسي القائم على ولاية الفقيه وأن سياستيهما (السعودية وأيران) قائمة على أطماع أستحواذية ويزداد التنافس شدة بوقود الفروق المذهبية والقومية والآيديولوجية الثورية، وفي تسعيرة النفوط المصدرة والموقف من الولايات المتحدة الأمريكية وربما حتى في حج بيت الله الحرام .

أخيراً/ عند البحث في موضوع التدخل الأمريكي للعراق ومآلات السيطرة يتضح في مضمون الرؤى عند الحزبين والجمهوري والديمقراطي في تحقيق المصالح الأمريكية ولقد تعلمت الشعوب المضطهدة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وخاصة ما أتضح في العراق ومنذُ 15 سنة فهي تبقى دولة مسلوبة السيادة ومبتزّة من قبل المحتل أياً كان، لذا لا تسمح أمريكا في تهديد مركزها في منطقة الطاقة خصوصاً وحتى تكون معبر للنفوذ الأقليمي للعراق، وأستعملت جُلّ أدواتها الأستعمارية في الجانب العسكري تحت غطاء مموه بالتدريب والتسليح والأستشارة، وكذا في الجوانب السياسية والأقتصادية فكان لتوظيف السياسة للأحداث المتسارعة، ولأن أرادة ورغبة النخب الخيرة من العراقيين في أفرازات أنتخابات 2018 ونجاحهم في أختيار الرئاسات الثلاثة بأراداتهم الحرة، وبذلك أغلق العراق أبواب التدخل الأجنبي الفج والمفضوح فأخذ الميزان العسكري والدبلوماسي يميل لصالح العراق ودعوة من مواطن عراقي مغترب لرئيس الوزراء عادل عبد المهدي الأسراع بشكيل الكابينة الوزارية قبل السقف الزمني الدستوري وأن يأخذ بنظر الأعتبار معادلة (الشخص المناسب في المكان المناسب) والله من وراء القصد !؟

 

عبد الجبار نوري - كاتب وباحث عراقي مقيم في السويد

 

 

كريم المظفرتطورات الاوضاع حول تجهيز روسيا منظومة الصواريخ الدفاعية " أس 300) الى سوريا، والتصريحات الاسرائيلية بان هذه المنظومة لن تكون حاجزا لا يمكن تجاوزه بالنسبة لسلاح الجو الإسرائيلي خلال العمليات ضد ما تسميها بالمواقع الارهابية في سوريا، وتشديدها على ان الجيل الخامس من مقاتلات F-35I Adir سيعمل على تدمير S-300، إذا لزم الأمر خصوصا وان لدى "إسرائيل" خبرة كافية في مواجهة S-300، لأن طياري القوات الجوية للدولة اليهودية قاموا لسنوات عديدة بإجراء تمرينات في اليونان والولايات المتحدة، حيث عملوا بدقة على اتخاذ تدابير لمواجهة نظام الدفاع الجوي هذا، أحتلت هذه التطورات حيزا مهما في التصريحات السياسية والبرلمانية والاعلامية الروسية، باعتبارها استهزاءا بالقدرات العسكرية الروسية .

 ففي الجانب السياسي دعا نائب وزير الخارجية الروسي، سيرغي فيرشينين، تل أبيب إلى "التحلي بالحكمة"، والتشديد على ان بلاده لا تسمح ان تكون سوريا مسرحا لتصفية حسابات لاعلاقة لها بمحاربة الارهاب، في حين شددت المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا، على أن إيران تتواجد في سوريا بدعوة من سلطاتها الشرعية، مشيرة إلى أن العسكريين الإيرانيين المتواجدين هناك "يساعدون في محاربة الإرهاب الدولي على أساس شرعي، وبناء على دعوة من الحكومة السورية".

 الجانب الاسرائيلي الذي يبرر عمليات طيرانه الحربي في سوريا بضرورة وقف انتشار قوات إيرانية هناك من أجل ضمان نقل شحنات من الأسلحة إلى حركة "حزب الله" اللبناني، وعلى لسان وزير الدفاع أفيغدور ليبرمان، أكد أن بلاده لا يمكن أن تتخلى عن خوض عمليات عسكرية في سوريا بعد توريد منظومات "إس-300" الصاروخية الروسية لدمشق، وإن إسرائيل مهتمة بإعادة "علاقات التنسيق" مع روسيا إلى مجراها الطبيعي، لكنها مستعدة لتدمير صواريخ "إس-300" في حال استخدامها من قبل دمشق ضد الطائرات الإسرائيلية.

 وزير التعاون الإقليمي الإسرائيلي تساحي هنغبي، شاطر تصريحات وزير دفاعه وشدد على أن طائرات الشبح الإسرائيلية يمكنها التغلب على منظومة "إس 300" الصاروخية ومن الممكن تدميرها على الأر، مشيرا الى أن روسيا كانت قد نشرت سابقا منظومة "إس 300" في سوريا، لذلك فإن قدرات هذا النظام سبق وأن وضعت لفترة طويلة بعين الاعتبار في التخطيط الإسرائيلي، وأن الجيش السوري سيحتاج بضعة أشهر لبدء تشغيل منظومة "إس-300" الخاصة به موضحا أن أي توقف من هذا القبيل هو موقف تكتيكي على مدى أسبوع أو اثنين وليس إعادة تقييم استراتيجي من جانب إسرائيل، في حين قال راديو الجيش الإسرائيلي إن القدرات التشغيلية لدى القوات الجوية لا تستطيع معها مثل تلك البطاريات "إس 300" تقييد قدرات القوات الجوية، في وقت اشارت رويترز الى انه في عام 2015 تدربت إسرائيل على التعامل مع منظومة "إس-300" التي قدمتها روسيا إلى اليونان.

الخبراء والمحللون العسكريون الروس يشددون على ان على أن إسرائيل تنظر إلى إيران على أنها مصدر تهديد لها، الأمر الذي يفسر حدة تصريحات المسؤولين الإسرائيليين حول وصول منظومات روسية ستعرقل استهداف المنشآت الإيرانية في سوريا من قبل سلاح الجو الإسرائيل، واعتبر الخبير العسكري فيكتور ليتوفكين أن منظومات "إس-300" سلاح دفاعي محض لا تهدد أمن إسرائيل بأي حال من الأحوال، ولكن الحقيقة هي ان الإسرائيليين سيواجهون صعوبات كبيرة في مهاجمة المنشآت الإيرانية في أراضي سوريا، وبالطبع سيحاولون استهدافها لأن الحرس الثوري الإيراني يمثل تهديدا برأيهم، وإنهم يخشون كثيرا من احتمال ترسيخ قاعدة أمامية على الأراضي السورية للاعتداء على إسرائيل، كما أنهم لا يريدون التخلي عن توجيه ضربات استباقية إلى (حركة) حزب الله المتواجدة هي الأخرى على أراضي سوريا، لكن فعل ذلك سيكون من الآن فصاعدا أمرا خطيرا جدا بالنسبة لهم.

 وهنا تبرز تساؤلات من وجهة النظر للمحللين في وسائل الاعلام الروسية، منها هل ستتمكن روسيا من بناء دفاع جوي موثوق في سوريا ؟ وكيف ستعمي روسيا الطائرات الاسرائيلية ؟ ما هي وسائل الحرب الإلكترونية التي يمكن أن تستخدمها روسيا في سوريا ؟ واسئلة عديدة أخرى تناولتها باسهاب كبير ومنها صحيفة النخبة السياسية " نيزافيسمايا غازيتا " التي تناولت موضوع استهتار إسرائيل وأمريكا بتسليم سوريا منظومة إس 300.

 وأكد الكاتب السياسي ألكسندر شاركوفسكي أن نقل وزارة الدفاع الروسية منظومة الصواريخ إس 300 المضادة للطائرات إلى سوريا عن طريق الجو، يدعونا للاعتراف بأن الجيش الروسي أخذ على عاتقه التزامات صعبة التحقيق في زمن قصير للغاية لوضع نظام تحكم شبكي مركزي (في سوريا)، في حين يعتقد الخبراء بأن الدفاع الجوي الموثوق عن كل الأراضي السورية يحتاج إلى ما بين ستة وثمانية كتائب من هذه المنظومة، إلى جانب أنظمة دفاع جوي أخرى (بطاريات الصواريخ والمدفعية من نوع بانتسير إس1، وبوك-إم 1/2 إي، وأنظمة الدفاع الجوي التي عفا عليها الزمن، ولكن لا تزال في الخدمة لدى قوات الدفاع الجوي السورية).

 ووفقا للصحيفة فانه إذا تم إنشاء نظام دفاع جوي حديث في سوريا، فعندئذ ستحل أوقات صعبة على "إف 16" الإسرائيلية، فلن تكون قادرة على استخدام معظم الأسلحة المتاحة لدى جيش الدفاع الإسرائيلي، من طراز جو- أرض، إلا أن هناك ذخيرة، ووفقا للخبراء، ستظل تشكل تهديدا خطيرا، وبالإضافة إلى ذلك، ينبغي ألا يغيب عن الأذهان أن هناك 12 طائرة مقاتلة من طراز "إف 35 " في الخدمة في إسرائيل.

 وفي إسرائيل وأن أعرب السياسيين في إسرائيل والولايات المتحدة عن قلقهم من قيام موسكو بإنشاء نظام دفاع جوي جديد في سوريا، إلا إن العسكريين في هاتين الدولتين لا يرون مشاكل خاصة في ذلك، فأولا بحسب رأيهم ان الحوار القائم بينهم وبين هيئة الأركان العامة الروسية سيسمح بتجنب صدام مباشر، وثانياً، إذا لزم الأمر، فإن البنتاغون والجيش الإسرائيلي قادران على تشكيل مجموعة من القوات والوسائط لتنفيذ ضربة جوية هائلة، بحيث يعجز نظام الدفاع الجوي السوري، حتى إذا عمل بالتزامن مع مجموعة القوات الفضائية الروسية، عن تحملها، وبالمحصلة سيتم تدميره نظرا لبعد مسرح العمليات العسكرية عن هياكل الإمداد، ولن تكون موسكو قادرة على تعويض الخسائر في وقت قصير.

 " اما صحيفة " موسكوفسكي كومسموليتس " فقد سلطت الضوء على وسائل الحرب الإلكترونية التي يمكن أن تستخدمها روسيا في سوريا والتي ستكون لها القدرة على إصابة أي طائرة بالعمى، ونقلت الصحيفة عن الفخبير في سلاح الجو فلاديمير ميخييف قوله، أن جميع هذه الانظمة ركزت في السابق على جمع المعلومات والاستخبارات، وأنه حان الوقت الان لنقلها إلى الوضع النشط، قريبا جدا، وعندها سيقتنع "أصدقاؤنا"، وإسرائيل بينهم، بذلك، مشيرا الى انه الآن، يتم إنشاء منظومات فريدة من نوعها للاستطلاع والتشويش الناري، وعلى سبيل المثال، فمن لحظة تحرك طائرة العدو على أرض المطار، يتم تحديدها كهدف. يقوم نظام التحكم الآلي بتعيين رقم لها، وإذا حددت أن أهدافها غير صديقة، فإنها ستبدأ بالتأثير الإلكتروني لحرمانها من الاتصال والملاحة وتحديد الموقع والتحكم ونقل البيانات، وما إلى ذلك. هذا يعني أن طائرة العدو تصاب بالعمى تدريجيا.

 ووفقا لذلك بحسب الصحيفة سيكون لدى العدو نظام تحذير من أن الطائرة مرصودة، وعندئذ، يكون الضمان الوحيد للعودة بسلامة هو التراجع عن تنفيذ المهمة والرجوع فورا إلى المطار، ومن لا يفعل ذلك تنتظره كارثة راديوية حقيقية، لأنه وبعد تحذير متكرر، أكثر إلحاحا من دخول منطقة الخطر، يتم حظر جميع أنظمة التحكم، فإذا ما استمرت، رغم ذلك في مواصلة العمل العدائي، فعندئذ يكون إطلاق النار ممكنًا بالفعل...

 من جانبه اعتبر أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الاقتصادية الروسية، ألكسندر بيرينجييف، أن منظومات "إس-300" تهتم بمساعدة دمشق في تعزيز سيادتها في مجالها الجوي وبالتالي سيادتها على الأرض أيضا، وقال أن انزعاج إسرائيل بشأن "إس-300" يكشف عن إدراكها بأنها لن تستطيع شن عدوان سافر ضد سوريا، معبرا عن قناعته بأن دمشق تتعرض لحملة عدائية شاملة، ولا تشكل الغارات الإسرائيلية سوى جزء من لعبة كبيرة من شأن المنظومات الروسية أن تشوش عليها.

 ويؤكد ألكسندر سيتنيكوف في مقال له في صحيفة "سفوبودنايا بريسا"،إن اسرائيل الان تبحث عن طائرات تعجز إس 300 الروسية عن إسقاطها، واشار الى وسائل الإعلام الإسرائيلية، التي تثني أحيانا،على أس 300 الروسية، وأحيانا تستخف بها، لكنها من جهة أخرى، وبصرف النظر عما يقولون بإن هذه المنظومة باتت من تقنيات الأمس، وأن الطيارين اليهود مجهزين بأحدث التقنيات، علاوة على ذلك، لدى تل أبيب الآن طائرة F-35 "Lightning II" ، فان الخبراء العسكريون الروس ينتظرون وبشوق كبير التعرف على امكانيات هذه الطائرة التي من المفترض ان تكون قادرة على تغطي المنظومة الدفاعية الروسية ، لأنهم يحصلون بالنتيجة على معلومات... تمكنهم من أجل زيادة حساسية رادار المنظومة، والسؤال الوحيد هو، هل سيقدمون على ذلك في البنتاغون، ويعطون الضوء الأخضر للإسرائيليين؟

 وربما، بسبب ذلك، سيضع سلاح الجو الإسرائيلي في المعركة مع أس 300 حصرا مقاتلات من طراز أف 15 وأف 16، على ما يبدو، لعدم رفع السرية عن الخصائص الحقيقية لـ إف، فعلى الأرجح، أجريت مشاورات جادة بين تل أبيب وواشنطن، ويعرب المحلل الإسرائيلي دايف ماجومدار الذي يقوم بمراجعات الدفاع للمجلة الأمريكية The National Interest، عن إعتقاده بأن الطائرات المقاتلة من الجيل الرابع لن تتغلب على حاجز إس 300، ولكن فيما يتعلق ب إف 35، فلديه رأي معاكس.

 ومع ذلك وبحسب الصحيفة، فانه حتى لو وجه الجيش الإسرائيلي ضربة بـ إف 35، فلن يتحدد الفائز، والحقيقة هي أن منظوات الصواريخ الروسية متحدة بشبكة حاسوب، لذا، فمن المرجح أن لا يمر هجوم المقاتلات الإسرائيلية مرور الكرام، و"بالنسبة لطائرات F-15 و F-16 و F / A-18، فإن منظومة إس 300 مفترسة، ومن الأفضل عدم الاقتراب منها، هكذا، يحذر ماجومدار الطيارين الإسرائيليين، من دون شك يمكن للطيارين اليهود التعامل مع بطارية واحدة، أمّا مع شبكة منها، فلن يستطيعوا إطلاقا، لذلك سيكون على الجيش الإسرائيلي البحث عن مناطق عمياء في منظومة الدفاع الجوي الروسية.

 ويشدد المراقبون اللعسكريون على أن نجاح إس 300 سيعتمد على مكان نشرها في سوريا ومن سيعمل عليها، وقد اتضح أن الطيارين اليهود لديهم "مسارات جوية" سرية، استخدموها، على سبيل المثال، خلال قصف حماه وحلب، بدا كأنهم يأتون من العدم، هذا ممكن فقط إذا تمكن المهندسون الإسرائيليون من إتقان تكنولوجيا نسخ رموز الاستجابة، في حالة معينة، تم السماح للمقاتلات الأمريكية بالتحليق عبر الحدود الأردنية والعراقية من دون سابق إنذار، علما بأن الوحدة الروسية في سوريا لديها معدات الحرب الإلكترونية، حتى قبل حادثة إيل 20

 

د. كريم المظفر

 

منير الجلبيرجل الادارة الامريكية المفضل، واحد الاعمدة الاساسية للفساد الاقتصادي والسياسي في العراق، كرئيس لوزارة عهد الاصلاح الجديدة؟

قدم عادل عبد المهدي وبسرعة غريبة كمرشح لرئاسة الوزراء فور االانتهاء من انتخاب برهم صالح رئيس للجمهورية من قبل الاتلاف "غير المعلن" بين تيار "البناء" الذي يضم تيار الفتح للحشد الشعبي ودولة القانون والقسم الاكبر من تيار النصر والمحور الوطني من جهة، وتيار "الاصلاح والاعمار" الذي يضم تيار سائرون الصدري والحكمة لعمار الحكيم وقسم من النصر للعبادي في الجهة الاخرى، باعتبارهم على ما يظهر يمثلون الكتلة الاكبر في البرلمان ولتجنب الدخول في صراع بينهما حول احقية اي منهم منفردا كممثل للكتلة الاكبر وما قد ينتج عنه من انقسامات كانت ستكون نتائجها خطيرة فيما لو لم يتفق التياران المتنافسان.

فما هو الواقع خلف هذا الاختيار الغريب لشخصية كانت وما زالت منذ خمسة عشر عاما عامودا اساسيا في نظام المحاصصة الطائفية والفساد المالي الذي كان الصفة الاساسية للنظام البرلماني العراقي منذ دستور عام 2005 :

1- ان عادل عبد المهدي هو من حملة الجنسية الفرنسية التي اختارها بنفسه، وهو من اكثر الانتهازيين المتقلبين في حياتهم السياسية فهو من عائلة اقطاعية رجعية دخل في حزب البعث واشترك في جرائم الحرس القومي في انقلاب شباط عام 1963 ضد الحكم الوطني لعبد الكريم قاسم، ثم انتقل وانضم الى التيار الماركسي في بداية العقد السابع من القرن الماضي، غير انه سرعان ما انتقل الى الحركة الاسلامية عند قيام الثورة الايرانية واصبح احد قادة المجلس الاسلامي الاعلى بعد ان قربه في حينه قائدها محمد باقر الحكيم لاعتبارات عائلية وعشائرية وطائفية.

غير ان ارتباطاته الحقيقية كانت مع الادارة الامريكية والتي ترسخت بشكل متكامل مع الاحتلال الامريكي البريطاني للعراق، وانا كنت قد تطرقت بكثيرمن التفصيل في مقالات عديدة عن الماضي السياسي له وعلى الاخص بعد ان دخل كوزير للنفط في وزارة العبادي عام 2014 وتجنبا للاعادة يمكن للقارئ ان يراجع المقالات، كما تطرق كثير من الاخوة الاخرين الى هذا الموضوع. (2،3، 1)

ان عادل عبد المهدي هو شخصية مقبولة جدا ومثالية للجانب الامريكي، وفي نفس الوقت لا اعتراض عليه من الجانب الايراني بسبب علاقاته السابقة بايران عندما كان عنصرا فعالا في المجلس الاسلامي الاعلى اثناء تواجد قيادته في ايران قبل الاحتلال الامريكي للعراق، على الرغم من معرفة الايرانيين بارتباطاته الوثيقة فيما بعد بادارة الاحتلال الامريكي .

2- ان عادل عبد المهدي هو الشخصية المفضلة بدون منازع عند مقتدى الصدر ليكون رئيس للوزراء على الرغم من ان التيار الصدري كان وما زال تيار وطني "يرفض الاحتلال الامريكي المباشر" للعراق. غير انه كان تيار يمتاز بالفقر الفكري لقياداته وارتباطاته العشائرية المتخلفة في تنظيماته وتطلعاته مما جعله يعتبر ان شخص كعبد المهدي احد اركان الاحتلال الامريكي والفساد المالي والانتهازية السياسية ممكن ان يكون قائدا لوزارة تقود عملية اصلاح جذرية لنظام سياسي ومالي فاسد كان وما زال عبد المهدي احد اركانه الاساسية .

اما السبب الثاني فهو ان الصدر يريد التخلص من سيطرة حزب الدعوة منذ عام 2005  على موقع رئاسة الوزراء، فهو لن ينسى جولة الفرسان عام 2008 على القوى الصدرية في البصرة والتي تامر فيها المالكي مع القوات الامريكية والبريطانية لضرب الحركة الصدرية في حينه. ان هذا جعله يعتقد ان عبد المهدي اصبح ضعيفا بعد انهيار تنظيم المجلس الاسلامي واستقالة عادل منه وانه يستطيع السيطرة عليه غير واعي لعلاقات عبد المهدي وتبعيته للادارات الامريكية واستعداده لتنفيذ اي من مطالبها على شاكلة اسناده لضرب القوات الامريكية للحركة الصدرية في النجف ومدينة الصدرعام 2004 عندما كان وزيرا للمالية في حكومة اياد علاوي التي عينها بريمر لادارة مصالح الاحتلال نيابة عن الادارة الامريكية في شهر ايار 2004 .

3- ان تكليف عبد المهدي لرئاسة الوزراء ياتي معارضا تماما لمطالب مرجعية السيد السيستاني، حيث ان مرجعية السيستاني كانت قد بينت موقفها حين قالت بان "المجرب لا يجرب" ودعت الى التخلص من الفساد في ادارة الدولة والى المجئ بوجوه جديدة لا يشتبة بفسادها وقوية لها استعداد لتنفيذ الاصلاح كما يضهر في البيان الصادر عن مرجعية السيد السيستاني بتاريخ 9 أيلول 2018 حين ذكرت "انها لا تؤيد رئيس الوزراء القادم اذا اختير من السياسيين الذين كانوا في السلطة في السنوات الماضية بلا فرق بين الحزبيين منهم والمستقلين، لانّ معظم الشعب لم يعد لديه أمل في أي من هؤلاء في تحقيق ما يصبو اليه من تحسين الاوضاع ومكافحة الفساد، فان تمّ اختيار وجه جديد يعرف بالكفاءة والنزاهة والشجاعة والحزم".(4)

غير ان جميع هذه الصفات لا ينطبق اي منها على عبد المهدي فهو كان وما زال احد اعمدة الفساد ويرتبط اسمه بكل ماسي الطبقات المعدومة منذ دخوله بغداد على ضهر الدبابة الامريكية في 9 نيسان 2003 وطيلة الخمسة عشر عام الماضية. فقد عينه بريمر وزير مالية في وزارة اياد علاوي، ووزير النفط في وزارة العبادي، وتم تعينه مرتين نائب لرئيس الجمهورية. وعلى ما يضهر فان الكثير من السياسيين الشيعه (ويحمل الكثير منهم صفات اهل الكوفة التاريخية !!) يلعبون على السيد السستاني كما فعلوا معه عام 2014 عندما نصحتهم المرجعية بتغير المالكي فاتو بالعبادي كبديل اثبت انه اكثر سؤ من المالكي، وياتون الان بعبد المهدي كبديل لا يقل سؤ عن العبادي ان لم يكن اكثر سوءا؟

4- غير ان موقف تيار البناء بقيادة كتلة "الفتح" الممثلة الاساسية لمختلف تنضيمات الحشد الشعبي (باستثناء سرايا السلام الصدرية) كان الاكثر تعقيدا. فهذه القوى هي الاكثر اخلاصا ووطنية وشفافية في الساحة العراقية والتي اثبتته من خلال تصديها ودحرها للتنضيمات الارهابية كداعش وفدائيي صدام والنقشبندية والرايات البيضاء و و، فلقد كان موقفها من تكليف عبد المهدي اكثر تعقيدا.

 اذ ان قوى الحشد الشعبي وقياداته الوطنية كابو مهدي المهندس والشيخ قيس الخزعلي والكثير من القياديين الاخرين يعلمون جيدا بارتباطات عبد المهدي بمخططات الادارة الامريكية واستعداده الكامل للعمل على ضرب قوى الحشد وزيادة التواجد العسكري الامريكي البريطاني المباشر في العراق. وبالتالي فان خطر عبد المهدي على مستقبل الحشد الشعبي و مستقبل العراق هو لايقل عن خطر العبادي ان لم يكن اكبر منه، فلماذا وافق تيار"فتح" على هذا التكليف بعد ان كان معارضا له؟

لكي نتفهم اسباب هذا الموقف علينا ان نفهم ان قيادات تيار الفتح تنطلق في نضرتها الى مستقبل الوضع السياسي العراقي من "ضرورة ايجاد ارضية مشتركة للعمل مع التيار الصدري" ذو الجماهيرية الواسعة لاسباب تاريخية. وهي بالتالي مستعدة للقيام بتنازلات صعبة جدا وتفهمها جيدا لمنع اي اصطدام بالتيار الصدري الذي يسيطر على كتلة سائرون. ولذا فهي حذرة جدا عند رسم مخططاتها السياسية لكي تتجنب اي اصطدام بالتيار الصدري، هذا الاصطدام الذي ان حدث سيساعد بشكل كبير المخططات الامريكية لاحداث مثل هذا الشرخ والذي سيمثل اكبر انتصار للمخطط الامريكي وسيساعده في تنفيذ ماربه للتخلص من تنضيمات الحشد الشعبي.

اما السبب الثاني فهو حذر قيادات تيار فتح بان لا تؤدي مخططاتها ومواقفها الى المساعدة على حدوث اصطدام عسكري مباشر في مثل هذه الضروف مع القوات الامريكية او التركية المتواجدة على الاراضي العراقية. ان مثل هذا الاصطدام العسكري المباشر في هذا الوقت لن يكون في مصلحة قوى المقاومة المتمثلة بايران وسوريا وحزب اللة في لبنان وقوى المقاومه الفلسطينية في صراعها مع المخططات الاسرائيلية والامريكية لتوجيه ضربة الى تيار المقاومة في المنطقة، فالضروف الحالية هي غير مثالية لحدوث مثل هذا الاصطدام سواء في سوريا او العراق او ايران، وهي بالتالي لا تريد ايجاد المبررات لمثل هذا الاصطدام الا اذا جرت اليه من قبل قوى الاحتلال الامريكي! حيث ان هذا الموقف هو مشابه لموقف حزب اللة في لبنان وحماس (الجديدة) والجهاد الاسلامي في فلسطين من اسرائيل.

5- ان حصول تيار "الفتح" على 48 مقعدا في مجلس النواب مع تمكن كتلة "البناء" والتي نواتها الفتح من الحصول على 169 مقعدا ثبت واقعيته كالكتلة الاكبر فعليا في المجلس، كما ضهر ذلك واضحا بانتخاب رئيسي مجلس النواب ورئيس الجمهورية. وهذا ما سيسمح بشكل كبير على عرقلت المخططات الانكلو امريكية التي سيحاول عبد المهدي تمريرها وخاصة فان كتلة سائرون هي كتلة غير متماسكة،اما تيار "الاصلاح والاعمار" الذي حصل على 89 مقعدا فهو بالتاكيد في طريق التفتت وخاصة بعد التفكك الحتمي لتيار النصر نتيجة سقوط العبادي. وكذلك  فان انهاء سيطرة الدعوة على موقع رئاسة الوزراء سيساعد حتما تيار البناء على اكانيات فرض نفوذ قوي على السلطة التنفيذية حتى لو تمكن عبد المهدي من تشكيل حكومة ضعيفة ستكون تحت رحمة تيار البناء في البرلمان.

غير انه في نفس الوقت الذي يجب ان لا نبالغ في خطورة تشكيل حكومة هزيلة ان نجح الصدر في اسناد عبد المهدي على تشكيلها، يجب ان نبقى على درجة كبيرة من الحذر من ان يستغل المعسكر الامريكي رئاسة عبد المهدي لتمرير الكثير من مخططاته الاقتصادية والسياسية .

 

منير الجلبي- محلل في المحاور السياسية والطاقة

.............................

مصادر:

1-هل مررالبرلمان حقا القانون المشبوه الجديد "لتكوين شركة النفط الوطنية العراقية"؟منير الجلبي

http://www.almothaqaf.com/a/b1d/926189

2-حكومة العبادي الاتحادية تنفذ جميع المطالب النفطية لحكومة اقليم كوردستان

http://www.almothaqaf.com/qadayaama/qadayama-14/887388

3-صائب خليل- عادل عبد المهدي الاخطر

https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/1999650366758689

4-البيان الصادر عن مرجعية السيد السيستاني والمنشور على صفحتها الرسمية بتاريخ 9 أيلول 2018

https://www.sistani.org/arabic/statement/26114/

 

كريم المظفرتتناول وسائل الاعلام الروسية بالمقالات التحليلية والدراسات الاستراتيجية (والتي عادة ما تنسب الى مصادر دون ذكر أسماء مؤلفيها) العلاقة بين روسيا وإيران التي توصف اليوم على انها على شفا مواجهة اقتصادية"، قد تليها المواجهات السياسية وخصوصا في سوريا والتصرفات الايرانية هناك وكذلك تلك الاجراءات التي تتخذها روسيا والتي لم تعد ترضي التوجهات الايرانية، رغم الصورة الاعلامية المنمقة والتي تشير الى عدم وجود خلافات بين موسكو وطهران، وان موسكو وطهران ستضلان الشريكتين الاستراتيجيتين القسريتين، بشكل أساسي في سوريا، على الرغم من تنافسهما المتنامي في سوق النفط العالمية وغيرها من الأحداث التي أدت مؤخرًا إلى زيادة التوتر المتبادل في العلاقات الروسية الإيرانية، فإن العامل الرئيسي الذي يدعم هذا التحالف لا يتغير - بسبب الكراهية للولايات المتحدة التي يتقاسمها قادة البلدين.

صحيفة النخبة والمثقفين الروسية "نيزافيسيمايا غازيتا"، كتبت مقالا لكاتبها إيغور سوبوتين حول تنامي الخلافات النفطية الروسية الإيرانية، وصولا إلى اتهام روسيا بالتواطؤ مع أمريكا، وأكدت أن الشريكين العسكريين روسيا وايران في الصراع السوري تتحولا بالتدريج إلى متنافسين اقتصاديًا، مشيرة إلى تزايد الخلاف بين البلدين، وتقول ان أول ما يلفت اليه المحللون ن الأمريكيون الانتباه إليه هو الزيادة في إنتاج النفط الذي سجلته روسيا هذا العام، والذي يحدث على خلفية عقوبات لم يسبق لها مثيل سيكون على إيران الخضوع لها بحلول الرابع من نوفمبر القادم، حيث ستفرض الولايات المتحدة حظراً صارماً على شراء الذهب الأسود الإيراني، مع التهديد بتدابير تقييدية من جانب واحد على الدول التي تجرؤ على انتهاك هذه الشروط.

وفي هذه الظروف، يفسر المسؤولون في طهران الزيادة في إنتاج النفط من قبل روسيا كمحاولة للاستفادة من ضعف الجمهورية الإسلامية، التي تتزامن وجهة النظر هذه مع موقف المحللين الغربيين. فـ"إن إيران في وضع لا تحسد عليه- كما يقول الأستاذ في جامعة جورج ماسون، مارك كاتز، الخبير في مجال السياسة الروسية في الشرق الأوسط، لوول ستريت جورنال- وموسكو تستغل هذا الوضع"، ويلاحظ المراقبون أن جزءاً من النفط الروسي يذهب إلى المشترين الذين خفّضوا مشتريات الذهب الأسود من إيران.

وترى الاوساط السياسية الروسية بانه ليس من قبيل المصادفة أن وزير النفط الإيراني بيجان نامدار زانجاني ألغى المشاركة في اجتماع أوبك، الذي عقد في مؤخرا في الجزائر العاصمة، و عشية محادثات شمال أفريقيا، وصف الجانب الإيراني العديد من التصريحات حول قرار أوبك على إعادة توزيع النفط، بأنها غير قانونية، واتهام روسيا جنبا إلى جنب مع المملكة العربية السعودية في تواطؤ الولايات المتحدة، والذين يرغبون في استخدام انخفاض أسعار النفط أوبك، ومع ذلك، ليس هذا هو الشيء الوحيد الذي يجب أن يقلق طهران، ففي الوقت الذي تشير فيه الصحف الى إن التجارة الروسية مع إسرائيل، "ألد أعداء لإيران"، نمت في العام الماضي بنسبة 25٪، ويشير الجانب الروسي أيضا الى التقدم في التجارة فيما يتعلق بالمملكة العربية السعودية، وبالتالي، فقد وافقت موسكو على بيع منظومة الصواريخ S-400 في عام 2017، والتي هي سهلة الفهم، المتفوقة على S-300 التي باعتها روسيا إلى إيران، كل هذا يؤدي فقط إلى تفاقم الأجواء في علاقات الدولتين اللتين تقاتلان في سوريا.

إن الزيادة الملحوظة في الخلافات بين موسكو وطهران قد أشار إليها في الآونة الأخيرة العديد من الخبراء الغربيين والمنشورات، على سبيل المثال، صحيفة أمريكان ستريت ستريت جورنال، بعد 4 نوفمبر المقبل، يجب أن تكون إيران معزولة اقتصاديًا وتندرج تحت أشد العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة، وتهدد واشنطن بإدخال إجراءات تقييدية من جانب واحد في تجارتها المتبادلة مع جميع الدول، وفي المقام الأول مع أعضاء الاتحاد الأوروبي، الذين سيستمرون في شراء النفط الإيراني، على هذه الخلفية، تعمل روسيا على زيادة استخراج المواد الخام الهيدروكربونية، مما يؤدي إلى انخفاض أكبر في أسعارها، ويجذب المشترين من النفط الإيراني مثل إيطاليا أو اليونان، وأيضاً، على سبيل المثال، توسيع التجارة، بما في ذلك الأسلحة، مع السعودية وإسرائيل، أسوأ أعداء طهران، وتخلص صحيفة وول ستريت جورنال إلى أن التحالف العسكري بين روسيا وإيران يفسح المجال للمنافسة الاقتصادية المعادية.

وكما هو معروف بان إدارة دونالد ترامب قد أجرت مفاوضات مع السعودية لاجل احتلالها الجزء الايراني من سوق النفط، والذي يقدر ما بين مليون ونصف المليون برميل من النفط يومياً، والتي ستخسرها إيران، وكانت هذه المفاوضات ناجحة جدا، لذلك، فإنه لا يبدو على الإطلاق أن روسيا تحصل على كل الحصة التي ستتركها إيران، وعلى على الأرجح، سيتم تقسيم هذا السوق بين السعوديين وروسيا، وربما بعض الدول الأخرى في منظمة الأوبك، ومع ذلك، هناك الكثير من القواسم المشتركة بين إيران وروسيا، على الرغم من وجود تهدئة بالفعل بين إيران وروسيا، وتعرب السلطات في طهران وكما كتبت صحيفة " الازفيستيا " عن اعتقادها بأن روسيا، في الوقت الذي ستزيد فيه حجم إنتاج النفط لسد العجز النفطي العالمي الذي يصل الى 600 الف برميل يوميا، انما تستمتع بمحنة إيران.

ويؤكد المراقبون ان ايران يجب ان تستاء من السلوك الروسي والذي تعتبره بغير " اللائق " من دولة حليفة كروسيا، وإن الاستياء من القادة الإيرانيين ليست مجرد منافسة روسيا في سوق النفط، بل ايضا في رفض القوات الروسية في سوريا تغطية الأهداف الإيرانية من الضربات الجوية الإسرائيلية، وكما جرت في الأحداث الأخيرة المتعلقة باسقاط الطائرة الروسية من طراز أل -20 عن طريق الخطأ من قوات الدفاع الجوي السوري، الامر الذي ابرز عدة تساؤلات منها، هل سيزداد التناقض بين موسكو وطهران ؟ وهل بالامكان هز التحالف العسكري-السياسي الروسي-الإيراني الذي تطور في السنوات الأخيرة، استناداً إلى عاملين قويين، هما الحاجة إلى دعم مشترك لبقاء نظام بشار الأسد في سوريا والرغبة الصريحة لقيادة كلتا الدولتين في مقاومة الولايات المتحدة بكل قوة؟.

اما وكالة "نوفوستي . رو "ترى ان انعطاف حاد في الاتجاه السوري وقع في 17 مايو 2018، عندما طار الرئيس السوري بشار الأسد إلى سوتشي، والتقى الرئيس فلاديمير بوتين، الذي طرح عليه فكرة أن جميع القوات الأجنبية يجب أن تغادر أراضي سوريا، وبالطبع فان هذه الإشارة تنطبق تمامًا على إيران والمسلحين الخاضعين لسيطرتها، وفي ذلك الوقت كانت موسكو قد أعلنت للمرة الأولى عن مطالبها بحق احتكار الإقامة الشرعية في الجمهورية العربية، ردة فعل إيران لم تنتظر طويلا وجاء على لسان وزير الخارجية الإيرانية بالقول إن إيران موجودة في سوريا بإذن رسمي من السلطات، وبهذه الطريقة، تم تجاهل تلميحات موسكو من قبل إيران، وان الموقف الايراني بات مفهوما، فليس من المعقول ان تقدم طهران الكثير من الدم وأستثمار الكثير من الاموال، وبالتالي مغادرة الاراضي السورية، وهنا يبرز وضعا صعبا، كمن يوضع امرأتين في مطبخ واحد، وبالتالي فمن الصعب بنفس القدر أن تتعايش قوتان خارجيتان في نفس المنطقة، خاصة في الحالات التي تكون فيها وجهات نظرهم حول المستقبل، بطريقة بسيطة، مختلفة تمامًا.

ويشدد المراقبون على ان الاحتكاك بين روسيا وإيران هو إشارة مزعجة للغاية للأسد، لانه إلى حد ما كمن يقع بين المطرقة والسندان، الامر والوضع الحالي يجعل الرئيس السوري يلعب لعبة مزدوجة، فهو مدين بالكثير لروسيا، ومن دونها لن يدم طويلاً، وانه يدرك أيضا أن روسيا في الشرق الأوسط لديها مصالح طويلة الأجل، وهي المحتكر للغاز في سوق الغاز الأوروبي، وطالما مفتاح سوريا باق في يديها فليس لديها ما تخشاه، وان آفاق الغاز الصخري الأمريكي في أوروبا هو موضوع لمناقشة منفصلة، ومع ذلك، فإن التأثير الهائل لروسيا في الشرق الأوسط يفتح أمامها فرصًا مدهشة للتجارة العالمية مع الغرب، بالطبع، يفهم الرئيس الأسد كل هذا، ويخاف من أن يصبح ورقة مساومة في لعبة كبيرة، هذا هو السبب في أن الأسد ليس في عجلة من أمره لطرد إيران من بلاده، بينما كان يحاول جاهدا إرضاء موسكو، ومن هنا جاء عرضه التوضيحي بفرض حظر على استخدام القواعد الجوية السورية للمقاتلين الإيرانيين، لذلك يجب الاعتراف بأن إيران تحاول أيضًا إرضاء الكرملين - حيث خفضت ارسال المقاتلين الشيعة إلى سوريا بشكل ملحوظ.

ووفقا لمصادر روسية مطلعة فان روسيا لا تهتم كيف سيكون المستقبل السياسي لسوريا، وهل يجب ان يكون "ديمقراطيا" ؟ او ازاحة الأسد؟ ولكن الأمر أكثر صعوبة، لأنه لا توجد ثقة في الشركاء، لكنها حسب رايهم قابلة للنقاش ايضا، الشيء الرئيسي هو الحفاظ على المصالح الروسية، في حالة إيران، كل شيء أكثر تعقيدًا، فهي لا تقوم على المصالح الاقتصادية بقدر ما ترتكز على الرغبة في السيطرة على هذا البلد، بعد كل شيء، تشكل الحدود السورية الإسرائيلية حاجزًا نفسيًا مهمًا للغاية في الحرب الإيرانية الإسرائيلية، وعلى العكس من ذلك، فإن روسيا ليست مهتمة بكل هذا، وسيكون من السذاجة الاعتقاد بأن روسيا قد أصرت على الحفاظ على نظام الأسد، ومن ثم، مع إيران، "ستحرر القدس"، ربما تدرك إيران أن الحروب الدينية في روسيا غير حاسمة، وان روسيا جاءت الى سوريا لتحقيق هدف واحد – هو للاستفادة.

وفي مسألة اسرائيل، فبالنسبة لايران فهو محسوم لانها عدوهم القديم، اما بالنسبة لروسيا، فإسرائيل تعتبر شريك موثوق به، ويوجد لديها فهم عميق مشترك للقضية السورية، حيث تتلاقى وجهات نظر كثيرة، بالإضافة إلى ذلك، يوجد في روسيا حوالي مليون يهودي، والسُنة ( والذي يشكلون اغلبية السكان في سوريا) - فانهم في روسيا يصل عددهم إلى 20 مليون نسمة، في حين أن هناك عدد قليل جدا من الشيعة في روسيا، والسؤال هو - ما هو الهدف من روسيا لمحاربة أغلبيتها؟ بالإضافة إلى ذلك، هناك مصلحة اقتصادية أيضاً - التجارة الروسية مع إسرائيل أكبر من إيران، بالإضافة إلى ذلك، أبرمت روسيا اتفاقات مع إسرائيل في مجال الأمن والاستخبارات، وكل هذا يشير إلى ان موسكو لا تشارك وجهات النظر الإيرانية حول قضية إسرائيل، لذلك، فإن الأولويات التي وضعها بوتين مفهومة تماماً وتبدو معقولة، وإلا أنه ليس من قبيل الصدفة أن إسرائيل التي كانت تهاجم منشآت إيرانية في سوريا منذ فترة طويلة، في حين أن روسيا صامتة في نفس الوقت؟ إنها مجرد اتصالات نشطة للغاية بين روسيا وإسرائيل، لن يتمكن أحد من تدمير كل هذا من أجل إيران.

اما مايخص الوضع العسكري، ربما تنبع الاختلافات الرئيسية بين روسيا وإيران من حقيقة أن لدى موسكو وجهات نظر مختلفة حول الأحداث المستقبلية في الشرق الأوسط، وتعتقد روسيا أنه لا يستحق التوقع بحدوث حرب عالمية، وأن الرئيس بوتين اكد ذلك مرة أخرى بشكل مباشر، ومن هنا فإن استراتيجية روسيا هي تحقيق الربح، ولكن لا تبدأ حفر الخنادق في الوقت الحالي، وإذا كان الأمر كذلك، فليس من الصعب فهم القيادة الروسية - فليس هناك في الواقع معنى كبير من إيران، وانه من غير المحتمل أن تتمكن دولة غارقة في العقوبات من تقديم أي شيء يمكن أن يقدمه الغرب إلى روسيا، بالاضافة الى انه ليس لدى إيران المال ولا التكنولوجيا ولا التأثير في الساحة الدولية، على سبيل المثال، في الاعتراف بالقرم كجزء من روسيا، لذلك فان أي مساومة مع الغرب أكثر ربحية.

اما وجهة النظر الايرانية فانها مختلفة تماما عن الأحداث، فهم مقتنعون بأن الحرب العالمية لا يمكن تجنبها، لذلك لم يحن الوقت للتفكير في المال، ولكن حان الوقت للتفكير في الدفاع الجماعي، لذلك عرضت إيران على روسيا إنشاء تحالف إقليمي بمشاركة لبنان، لكن روسيا رفضت هذه الخطة للأسباب المذكورة أعلاه، و تعتقد إيران أن التحالف بين روسيا وإسرائيل هش كقلعة رملية، لأن إسرائيل ستكون دائماً إلى جانب الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي، وما إذا كانت روسيا ستواجهها معهم، بعبارة أخرى، يبدو أن إيران تلمح إلى أن روسيا ببساطة تهدر الوقت، لأنه في حالة نشوب حرب عالمية، " سننتهي في خندق واحد على أية حال " .

في الوقت نفسه، لوحظ المزيد من التدهور في العلاقات الإيرانية الروسية في سوريا، ومؤخراً وصل ألكسندر لافرينتيف، الممثل الخاص للرئيس الروسي حول سوريا إلى طهران، لكن اجتماعه هناك على ما يبدو، لم يجلب أي شيء جيد، و في اليوم التالي، أعلنت لوك أويل عن الغاء عقد تطوير حقول النفط والغاز الإيرانية الجديدة، ووصل الأمر إلى النقطة التي اشتبك فيها الجيش الروسي في يونيو / حزيران في تبادل لإطلاق النار مع مجموعات إيرانية على طول الحدود السورية اللبنانية.

وتوضح دراسة "استراتيجية السياسة الخارجية الروسية" (2016) أن الشرق الأوسط ليس أولوية لمسار السياسة الخارجية لروسيا، وفي أحسن الأحوال يكمن في مكانٍ ما في المرتبة الخامسة بين أولويات سياسته الخارجية. بهذا المعنى، الشرق الأوسط في حد ذاته ليس له أولوية استراتيجية بالنسبة للروس، لكنه مهم لأنه يلعب دورًا محددًا في القضايا العالمية، الشرق الأوسط من وجهة نظر روسيا يكتسب أهمية خاصة عندما يصبح "أداة" مهمة أو وسيلة لتحقيق أهداف إستراتيجية في سياسته الخارجية.

في الوقت نفسه، من الضروري الانتباه إلى حقيقة أن إيران وروسيا تنظران إلى مشاكل المنطقة من وجهات نظر مختلفة، فروسيا تعتبر نفسها واحدة فقط من القوى الإقليمية في سياسة الشرق الأوسط، بينما بالنسبة لإيران فإن الاستقرار والأمن في الشرق الأوسط هي واحدة من المشاكل الحيوية، ويحدد هذا الاختلاف نغمة السياسة الخارجية لكلا الجانبين في الوقت الحالي، ومن الواضح تمامًا أن موسكو وطهران تقتربان فعليًا من الصراع السوري والوضع في العراق بنفس الطريقة، يريدون الاستقرار في المنطقة، لكن في الوقت نفسه، يجب أن يؤخذ في الاعتبار أن الجانبين لديهما مصالح مشتركة فقط في التكتيكات، وأن مصالحهما التكتيكية المشتركة لا تتبعهما إلا في لحظة معينة، لأن هناك اختلافات في العلاقة الاستراتيجية بين طهران وموسكو.

في هذه المرحلة، روسيا، بالطبع، تريد أن تلعب وتملك دورا هاما في جميع مناطق الأزمات، العراق واليمن في هذه الحالة ليست استثناء، والهدف الرئيسي من موسكو في اليمن، ربما يكمن في حقيقة أنه في المستقبل غير البعيد جدا لأداء دور "وسيط" العابر الإقليمي للغاية، وهو نوع من "لحى بيضاء" بين إيران والمملكة العربية السعودية، الذين بسبب اليمن فان علاقاتهما تتدهور بشكل خطير وأدت إلى مزيد من أزمة إقليمية واحدة، وهدف آخر لروسيا هو تعزيز مواقفها فيما يتعلق بإيران والمملكة العربية السعودية، وهكذا، تأخذ مكانها في المعارضة، حيث جانب واحد هي الدول العربية، بقيادة المملكة العربية السعودية، والآخر - إيران، روسيا قد تلعب ورقة رابحة كوسيط، لكن في الوقت نفسه، لا يبدو أنها تسعى في اليمن إلى أي هدف محدد، وفيما يتعلق هدف موسكو في العراق فهو نفسه كما هو الحال في سوريا، مع الفارق الوحيد أن لروسيا لدى سوريا أهمية استراتيجية بسبب القاعدة البحرية في طرطوس.

 

د. كريم المظفر

 

كاظم الموسويتستمر الى اليوم احتجاجات اهالي البصرة، معبرة عن خيبة أمل في الوعود الكثيرة التي قدمها لهم رئيس الوزراء والوزراء ومجلس المحافظة. فماذا تعني هذه الاحتجاجات، ولماذ.ا تستمر كل هذه الفترة؟.

منذ بداية اشهر الحر في العراق، وارتفاعها في شهر تموز/ يوليو، وما بعده، انطلقت احتجاجات عفوية سلمية في اكثر من منطقة من محافظة البصرة، ورفعت شعارات مطلبية واضحة وصريحة، تتركز كلها على توفير الخدمات الاساسية، في الماء والكهرباء والتعليم والصحة والتوظيف.. واجمعت الجهات المختصة والدراسات التي نشرت عن المياه والبيئة في المحافظة بأن المياه غير صالحة للشرب تماما، ففضلا عن الملوحة العالية فيها، التلوث البيئي العالي المستوى ايضا، مما سبب حالات مرضية لآلاف من المواطنين الأبرياء. وهذه الخدمة الأساسية تكشف فشل الإدارات المحلية والمركزية في إنجاز المشاريع التي تجهز المحافظة بالماء الصالح للاستخدام، والشرب خاصة، وكذلك في الصحة والبيئة. وهذا الفشل تورطت فيه الأجهزة المركزية والمسؤولون المحليون، ويتطلب الان بعد فضيحته محاسبة كل المسؤولين عنه، ومحاكمة الفساد المالي والإداري فيه، لاسيما وأن هناك أموالا طائلة قدمت خلال الخطط التنموية السنوية السابقة، ولم تتمكن من الوصول إلى حل جدي ومسؤول لتوفير تلك الخدمة الاساسية، ومثلها ما حصل مع خدمة الكهرباء، والتعليم، والصحة ايضا، فالعجز الصارخ في توفير الخدمة الصحية والأدوية والمستشفيات التي تستوعب الإعداد الكبيرة من المواطنين المصابين مؤشر صارخ. وهذه الحالة المخجلة هي الطابع العام لكل الخدمات الاخرى، مما جعل التخصيصات التي قدمتها الحكومة واللجان التي ارسلتها غير مجدية ومثيرة لاسئلة كبيرة عنها، وعن اخلاص وجدية تحمل المسؤولية والإدارة الوطنية المطلوبة.

ان استمرار الاحتجاجات لاهالي المدينة وتوسعها، بعد الخسائر البشرية والمادية التي حصلت خلال الاحتجاجات السابقة، وانضمام قطاعات وطنية اخرى، من النساء والأكاديميين، يعطي لها عناوين اخرى، فمن طبيعتها وتطوراتها تقتضي ايضا تطور مطالبها من الشعارات المطلبية الاقتصادية والاجتماعية إلى مطالب سياسية، لا يمكن المرور عليها ومحاولات الإنكار للمسؤولية فيها. وواضح أن قواعد الاحتجاجات الاجتماعية مكونة من أغلبية شبابية، من العاطلين والباحثين عن العمل، من خريجي المعاهد والكليات، ومعهم أوساط اجتماعية اخرى، لم تتوفر لها ما يجب أن يكون، مثل قطاعات المتقاعدين والنقابيين والمتضررين من تدهور الأوضاع عموما.

المطالب الاقتصادية الاجتماعية لم تنفذ بعد أو بالأحرى لم تتغير الإجراءات فيها نحو الافضل، بل ظلت تتراوح محلها، وعود كثيرة وشقوق كبيرة وترقيعات صغيرة، مما يعني بأن الإدارات الحكومية لم تنجح في الإصلاح والبناء، وفشلت في معالجة الأزمات المستفحلة في قطاعات الخدمات الأساسية. أما المطالب السياسية التي استجدت فتتطلب قرارات جريئة في تنحية واقالة كل مسؤول عن الفشل والتقصير ومن ثم محاكمته وتوسيع المحاكمة لكل المسؤولين السابقين والحاليين، واطلاق سراح المتظاهرين المعتقلين باتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة معهم، بدون ذلك فان الحالة الكارثية لا تتغير أو تتطور نحو حلول استراتيجية دائمة، لان ظروف المحافظة ليست مؤقتة ووليدة الأشهر الأخيرة، والتقصير في توفير الحلول الجذرية لها ومعالجتها بمقاربات صحيحة واجراءات سليمة وبالاخلاص والشفافية الكافيين فضيحة كبيرة.

بلاشك أن ما حصل من خسائر بشرية ومادية وتجاوزات غير مطلوبة أو محسوبة بدقة وقد تخدم مآرب ليست من صالح الاحتجاجات واهدافها الرئيسية الاولى، أساءت الى سير الاحتجاجات وتطوراتها، ولكن استمرار ظروفها بهذه الأوضاع الكارثية تدفع من جديد إلى الاحتجاج والتظاهر والغضب الشعبي، وهو ما يحصل الآن. وهذا يتطلب مرة أخرى التأكيد على ضرورة سلمية الاحتجاجات، وتشكيل قيادات ميدانية معلنة والعمل على رفع شعارات مطلبية واضحة، واشراك أوسع القطاعات الاجتماعية ورسم خرائط التحركات الشعبية وادراك اهمية الأعمال المصاحبة للاحتجاجات، كوسائل الإعلام، او المنظمات المدافعة عن حقوق الانسان، ودور كل منها في إدارة زخم الاحتجاجات وضبط فورات الغضب الشعبي، وتصعيد أساليب الاحتجاجات وفق ظروف وتطورات الحالة الشعبية وردود أفعال الإدارات المعنية والمسؤولة.

هل ستكون احتجاجات اهالي محافظة البصرة معلما ومنهجا، لما سبقها وما صاحبها من احتجاجات في المحافظات الاخرى؟. ام انها تتوازى معها وتقدم خطوات لها في أساليبها وتطوراتها ونتائجها؟. في كل الأحوال استمرار الاحتجاجات تعبير عن ضرورة تنظيم الأوضاع والحاجات والمشاركة في الخطط والبرامج السياسية والمصيرية وانتهاج سياسات جديدة، تبدأ من إصلاح الاخطاء والاعتراف بالفشل والتقصير والاستهانة مع عدم افلات المفسدين والفاشلين والمقصرين خلال كل الفترة السابقة من المحاسبة والعقاب، ولا تنتهي عند خطط استراتيجية للتنمية  المستدامة، لتكون عبرة ودرسا شعبيا وعراقيا.

استخدام العنف من أي طرف في مثل هذه الاحتجاجات لا يخدم ابدا سير العملية السياسية ولا يوقف أصحاب الحقوق المشروعة من المطالبة بها، ولا يعني أن مثل هكذا اجراءات هي حلول أو بدائل ممكنة عن تطورات الأوضاع والأحداث المطلبية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية. بل إنها تصعيد سلبي تخريبي لمعنى وأهداف الاحتجاجات ودفع عجلة الغضب الشعبي الى نهايات مأساوية لن تخدم أو تصنع تغييرا فعليا أو اصلاحا لما خرب ودمر  وبيّن فشلا صارخا فيه. أن فقدان ارواح بشرية، بشكل مباشر  أو باغتيالات فردية ليس في مصالح الشعب والدولة، بل هو في الحقيقة اعمال مضرة ومسيئة لكل ما حصل ويجري، من أي طرف أو جهة، وعدم إيقافه فورا وتحكيم العقل والروح الوطنية والمصالح العليا للشعب والوطن خسارة جسيمة وطريق مظلمة.

اقالة وزير واحد لا تعني انتهاء الازمات، وتبرير وزراء آخرين لأخطاء إدارتهم ونقص أعمالهم لا يقلل من مسؤوليتهم ومجالس المحافظة والمحافظين من تحمل المسؤولية كاملة واعلان حالة طواريء شاملة لإصلاح كل القطاعات والخدمات الأساسية التي سببت تلك الاحتجاجات وفضحت سياسات الوزارات والحكومات المحلية واهمالها في أعمالها الأساسية. وما حصل في البصرة نموذج وشاهد لكل ما يحدث في المحافظات الاخرى، باشكال متقاربة أو متشابهة وتنتهي كلها في عجز الحكومات المركزية والمحلية في أداء وظيفتها الرئيسية. فهل ستكون هذه الصورة ماثلة أمام الحكومة الجديدة والبرلمان الجديد ورافعي شعارات الإصلاح والإعمار والبناء والتغيير؟!.

 

كاظم الموسوي

 

صائب خليلتغريدة مقتدى امس عبارة عن بيان رقم واحد وحصر للسلطات بيده. فهو يتكلم بلهجة من امتلك السلطة ليمنحها لرئيس الوزراء الذي تم اختياره بشكل مجهول وبطريقة سريعة مشبوهة، بل انه يأمره أمراً بأن "عليه" ان "يبقي وزارة الدفاع والداخلية بل كل المناصب الأمنية الحساسة" بيده حصراً!! إضافة إلى ذلك فقد أشار إلى "مناصب مهمة حساسة" وأمر بأن "على رئيس الوزراء" الن يجعلها بيده حصراً، ولم يسمح له بتسليمها إلى غيره إلا في مجال الاستشارة!!

وهذا البيان اكمال للبيان السابق الذي تحدث فيه الصدر بلهجة مقاربة. فيقول "لقد تمكنا من جعل رئيس الوزراء مستقلا بل ومستقيلا من الفساد" (وهي مراوغة لحقيقة ان عبد المهدي الذي تم تنصيبه بعيداً عن الدستور، هو من اشد المشاركين في حكومات الفساد). وتعود كلمة "تمكنا" والكلمات المشابهة في البيان إلى الصدر نفسه، فقد وقعه باسمه وليس باسم سائرون او غيرها. لذلك فعندما يقول "إننا أوعزنا بعدم ترشيح أي وزير لأي وزارة من جهتنا مهما كان واتفقنا على إعطائه مهلة عام" فهو يعني انه هو من "اوعز" و هو من "اعطى" المهلة. وهنا أيضا يجب ان ننبه إلى ان الصدر، بتنازله هذا، يتخلى عن السلطة التي يفترض انه يحتاج اليها للوفاء بوعوده لناخبيه، إضافة على ناخبي شركائه في سائرون! يبدو من هذا ان تلك الوعود كانت مجرد حملة إعلامية وأنها لا تحظى بأي حرص على تنفيذها، وأن مقتدى يقوم بنفسه شخصيا ولوحده بـ "التخلي عنها"!

المضحك المبكي انه الصدر يشترط على رئيس الحكومة ان يكون "مبتعدا عن التفرد بالسلطة"!!

بهذا الانقلاب التام والصريح على الدستور، يضع الصدر ومن يقف وراءه البلاد في خطر شديد، يجب ان يؤخذ بكل جدية. لكن لننظر في بضعة سطور كيف تم ترتيب هذا الأمر وما الهدف منه حسب تقديرنا.

لقد احتلت اميركا البلاد وكانت مكلفة بتحطيمها كما فعلت مع بقية الدول العربية التي وصلت اليها يدها، وتنفيذا لسياسة إسرائيلية تتزايد سيطرة على أميركا حتى وصلت ذروة غير مسبوقة في عهد ترامب الذي يبدو انه قد جيء به لهذا الغرض وغيره. وكانت اميركا تدرك أهدافها وتدرك ان الشعب سرعان ما يكتشفها ويدرك خطرها عليه. لذلك سارعت في نفس الوقت الذي بنت فيه الإرهاب والعملاء في الجيش، إلى بناء قلعة حصينة اسمتها "سفارة" لكي لا يمكن طلب ازالتها، في قلب بغداد. ثم بدأت مهمتها التي كشف العراقيون العديد من الأدلة عليها في مختلف المراحل. لكن الوعي كان يخمد بامتلاك أميركا وسائل الإعلام أيضا.

من الطبيعي أن اميركا ادركت ان الشعب سيكون عدواً لها مثلما هي عدوة له. وبالفعل، فسرعان ما بينت الإحصاءات المختلفة الكره الشديد لأميركا والوعي لدورها وخططها، تنتشر بين أبناء الشعب العراقي في كل مكان. في هذه الحالة يفترض بالاحتلال ان يشكل حكما دكتاتوريا يخضع الشعب لإرادتها بالحديد والنار، كما كان الحال أيام صدام. لكن هذا كان عسيراً لأن الشعب بفضل الفوضى قد تسلح، كما أن رؤية العدو الأجنبي اسهل كثيرا من رؤية العدو المحلي. وإضافة الى ذلك فأن الحجة الوحيدة الباقية لاحتلال البلاد، بعد انكشاف بقية الأكاذيب الواحدة تلو الأخرى، كانت نشر الديمقراطية! لكن الديمقراطية تعطي الحكم للشعب الذي يكرهك، فما هو الحل؟

إنها نفس المعضلة التي واجهت الامريكان في مختلف البلدان ولهم خبرة فيها. ولا تقتصر الخبرة على المجال السياسي، بل حتى الاقتصادي. فمن المعروف أن الشعوب فهمت ان الخصخصة شيء مدمر للشعب ومصالحه وحياته، فبدأت الحكومات التي تنصبها اميركا لهذا الغرض تجد مقاومة شديدة في الحكم. فكان الحل السحري هو أن يجعلوا الخصخصة تبدو وكأنها الحل الوحيد، حتى يطالب الشعب بها بنفسه. وقد استعمل هذا الأسلوب حتى في داخل اميركا نفسها والدول التي تحكمها حكومات تابعة لها. فكانت الطريقة ان تقتر الحكومة التي جاء بها رأس المال، على المؤسسات التي يراد خصخصتها حتى تفشل في القيام بعملها. وقد فعلوا ذلك على سبيل المثال في السكك الحديدية البريطانية وهم مستمرين فيه في ما يتعلق بخصخصة التعليم في الولايات المتحدة وغيرها. وفي كل تلك الحالات، كانت الحكومات تبدو أكثر اهتماما بخصخصة مرافقها من انجاز اعمالها بشكل مناسب. وفي العراق كان الأمر واضحاً بشكل خاص، فقد تم حرمان المعامل الحكومية من أي مبالغ لإدامتها وتجديدها لكي تفشل فيخصخصونها دون اعتراض احد. ولعل انصع مثال على مؤامرات الإفشال من اجل الخصخصة هو ما جرى في الكهرباء. وقد بلغ الامر حداً مفضوحاً ومضحكاً حين ادعت وزرارة الكهرباء انها لا تستطيع القيام بجباية الفاتورات ولذلك لا بد من إعطائها لشركة خاصة!

عندما يتمكنون من تخريب المؤسسات فأن دفع الشعب للمطالبة بالتغيير تكون سهلة. لكنهم أحيانا يفشلون في التخريب، وتكون هناك مؤسسات جيدة أو لا بأس بها رغم جهودهم. عندها يتوجب على أجهزة اعلامهم القيام بإقناع الناس بعكس ذلك، وتصوير تلك المؤسسات على انها فاشلة وبالتالي يجب تغييرها. فمثلما بين ماركس ان المحرك للثورة ليس الظلم بل الوعي بالظلم، فأن المحرك لطلب الشعب للتغير ليس الخلل، بل الوعي بالخلل. وعندما لا يكون هناك خلل، فيجب خلق "وعي" مزيف بالخلل. المثال المناسب هنا هو عقود التراخيص الجيدة، والتي تم شيطنتها بشكل مخيف ومركز حتى صار البعض من اكثر المخلصين والمتابعين يعتبرها سيئة جدا ويطالب بتغييرها. وطبعا التغيير سيكون نحو الأسوأ بكثير، وسيصور على انه افضل.

مادام الاعلام بيدهم فوعينا بيدهم!

شيطنة الديمقراطية ثم تحطيمها

لقد تم معالجة مشكلة الديمقراطية في العراق بنفس الطريقة. وكان المخطط منذ البداية هو ان تجعل الشعب نفسه يحتقر الديمقراطية ويرضى بالدكتاتورية، بل يطالب بها بنفسه! وعندها يمكن ان يأتي الاحتلال بمن يريد، لتنفيذ مشاريعه غصبا عن الشعب.

كيف الطريق إلى ذلك؟ اعط الشعب حكماً، له شكل الديمقراطية، بينما يخضع لك في المفاصل الأساسية. واعمل على تدمير الحكومة الناتجة عن ذلك النظام بكل الطرق، وشلها واظهارها بمظهر النظام الفاسد والعاجز عن إنجاز أي شيء. ولأن الفساد عنصر مساعد أساسي في هذا الموضوع، ويعمل بذاته دون الحاجة الى متابعته وتحفيزه، قام الاحتلال بتأسيسه وبحمايته بقوة السلاح احياناً. وحين يتم اكتشافه، يتم إنقاذه وتهريبه والأمثلة متعددة ومعروفة الى درجة تعفينا من شرحها اكثر.

وإمعانا في نشر الإحساس باليأس، تم تدمير البلد بواسطة داعش وبواسطة الإرهاب الذي كشفت علاقته بالاحتلال اكثر من مرة وخاصة في حادثة البريطانيان في البصرة. كما ان دعم الاحتلال لداعش امر معروف تماما، بل وهو رسمي ان اعتبرنا ان تقرير لجنة تحقيق برلمانية هو تقرير رسمي. ورغم ذلك يتم الإتيان بجيوش الاحتلال ذاتها لمحاربة داعش! ولولا مفاجأة الحشد، لكان البلد اليوم في خبر كان. ولذلك فأن إزالة الحشد هدف مركزي للاحتلال وكل من يتعاون معه في الداخل والخارج، وبضمنهم بعثة الأمم المتحدة. وقام الاعلام بإقناع قطاعات وطنية كبيرة بهذا وصارت تطالب بنفسها بما يريده الاحتلال، مدعومة باختراق الحشد وتشويه سمعته من الداخل أحيانا.

وقد بلغ فرض الشلل الحكومي لإقناع الناس بضرورة قبول أي تغيير، مستويات مفضوحة. أنظروا الى المشكلة المضحكة المبكية التي حدثت في البصرة مثلا. فحين تستطيع المرجعية حل المشكلة بنصب بضعة مضخات ماء، فكيف لا تستطيع الحكومة بكل ما لديها من إمكانات ان تفعل ذلك؟

هنا يجب ان ننتبه انه لا علاقة للفساد في هذه النقطة على الإطلاق. حتى الحكومة المغرقة في الفساد كانت سوف تنصب مضختين وتحل المشكلة. كان هناك من يمنع الحكومة أن تفعل ذلك إذن!

ونفس الشيء كان يحدث في عمليات اغتيال الناشطين. فالحكومة اضعف وارهل من ان تحدد ناشط محدد ليمثل خطرا عليها. وقد لاحظنا ان أي من هؤلاء الناشطين الذين تم اغتيالهم او اختطافهم، لا يكاد يعلم بهم احد إلى حين اغتيالهم، وكان ما قام هؤلاء به اتفه من ان يزعج اية جهة، مثل ناشطة كتبت مقالة لا تصلح موضوع انشاء في مدرسة متوسطة، حول وضع اسم الفصيل مع اسم الشهيد في لافتة النعي!

لم تكن الحكومة من يقوم بالاغتيال، ولا كانت الميليشيات من يقوم بالاختطاف، بل كان جهة تريد ان توحي بذلك، وقد أسست القوات المسلحة بنفسها ووضعت فيها من ينفذ اوامرها مهما كانت. سواء انسحاب امام داعش وترك السلاح لها أو اغتيال ناشط في تظاهرة أو أي شيء آخر، وهو مكفول الحماية التامة!

ظاهرة أخرى غريبة ودالة على ما أقول، ان لاحظتم ان المسؤولين لا يحاولون الدفاع عن انفسهم وحكومتهم إلا ما ندر. بل ان الكثير من المسؤولين (برلمانيين وحتى وزراء) يؤكدون الفساد وكثيرا ما يبالغون فيه ويختلقون فساداً غير موجود! وتبدو وسائل الاعلام (غير معلنة التمويل ولا تنشر إعلانات لتمولها) تخلق الأكاذيب بكل راحة وتبالغ بكل راحة واطمئنان، وهي واثقة ان الحكومة لن تمسها بشيء.

جندي يدعي امام وزير الدفاع كذباً أنه تمت سرقة كليته من مستشفى عسكري، ليثير الشك والاستهجان في الجيش كله، ثم ليتبين انها قصة مختلقة... ولا يعاقب الجندي!! إن من دخل العسكرية يعرف ثمن ان تكذب على ضابط بسيط، لكن هذا يدخل ويخدع وزير الدفاع امام التلفزيون، ويجعل منه اضحوكة، ثم يخرج من الموضوع بكل سلام!!

هكذا تم إقناع الشعب بأن الديمقراطية سيئة وعديمة القيمة في احسن احوالها، وانها تمثل نظاما مشلولا وفاسدا لا رجاء في إصلاحه، وتهيئته لقبول تخليه عنها. لكنه حين يقوم بذلك فأنه سيكون دون ان يشعر، قد تخلى عن حقه بالسلطة وتسليم بلاده لمن يقررون مصيره وراء الكواليس.. وها قد جاءت اللحظة لإعلان البيان رقم 1!

طبيعي انه قد سبق هذا الكثير من التفاصيل التحضيرية لكي تخفف الصدمة على الناس. فنرى رائد فهمي من الشيوعي ومحمد الحلبوسي المنتخب لرئاسة البرلمان، يصرحان بأن الساسة يبحثون عن أسلوب آخر غير أسلوب "المحاصصة" و "الكتلة الأكبر" لتشكيل الحكومة! وبالفعل لم يعرف الشعب حتى اليوم من هي الكتلة الأكبر التي يفترض ان تشكل الحكومة، رغم ان "الكتلة الأكبر" منصوص عليها نصاً في الدستور، أي ان قادة ساسة العراق يقولون صراحة انهم يبحثون عن طريقة لا دستورية لاختيار الحكومة!

وهنا نكتشف أهمية وتأثير عملية التخريب الطويلة التي حصلت لصورة الديمقراطية والدستور في العراق. ولو كان الامر غير ذلك لما تجرأ هؤلاء على اعلان احتقارهم للدستور بهذه الصراحة دون ان يخشوا حساباً. ومع إشاعة ان الكذب امر معتاد، فأن كذب هؤلاء في قسمهم او وعدهم بإطاعة الدستور، لن يثير الكثير من ردود الفعل أيضا.

ما هو الهدف من الانقلاب؟

كل ما عجز الاحتلال عن تنفيذه في الماضي سيكون هدفا لهذا الانقلاب، من التفتيت بالحرس الوطني أو الأقاليم إلى تطبيع العلاقة مع إسرائيل إلى القضاء على الحشد، إلى اكمال عملية الخصخصة وتحطيم الاقتصاد.

لكن الأهم والأخطر في تصورنا هو تنفيذ مخطط خصخصة النفط عن طريق تفعيل قانون شركة النفط الوطنية، الذي يحول ثروة البلاد كلها ليجعلها تحت سيطرة شركة تتمتع باستقلالية كبيرة وسلطة قد تزيد على سلطة الحكومة في بعض الأحيان! شركة لها رئيس برتبة وزير يجب ان يتفاهم وزير النفط معه حول السياسة النفطية، بل ان رئيس الحكومة يجب ان يتفاهم معه ليحددا معا ما سيوافق هذا الرئيس على إعطائه للبلاد من ثروة النفط من اجل ميزانيتها. وقضايا أخرى تقشعر لها الأبدان.

لقد تم تمرير هذا القانون في نهاية الفصل التشريعي، وانجر بطرق غير معتادة وتم التوقيع عليه بعد ساعة من وصوله الى مكتب رئيس الجمهورية. وهذا تماما كما تم تمرير عرابه عبد المهدي في غفلة عن الناس، رغم ان اختيار المناصب الأقل أهمية استغرق وقتا أطول بكثير. ومن الواضح ان السبب هو أن عبد المهدي هو اهم عرابي هذا المشروع التدميري الخطير، ولا يوجد مبرر لتوزيره وبهذه الطريقة، إلا تنفيذ هذا المشروع الذي سيقضي تماما على العراق، وهذا يحتاج إلى رئيس حكومة فاقد لكل اثر للشعور بالوطنية أو الكرامة، وقد اثبت عبد المهدي ولاءاً لا ينافسه فيه احد لإطاعة أوامر الاحتلال. 

إن جميع القوى مدعوة للوقوف بوجه هذه المؤامرة وبكل قوة وبكل الطرق. فالهجوم سريع والخطط تتعدى ما نتخيله. لقد تم افشال مخططات تدميرية سابقة أخرى مثل داعش وقانون الحرس الوطني، وإقليم البصرة وإقليم الجنوب وإقليم الغربية وتقسيم الموصل الى ثمان اقسام وربطها بتركيا وتسليم معظمها الى كردستان...

كل تلك المؤامرات فشلت، فلتتوحد الجهود لإفشال هذه المؤامرة التي هي أم المؤامرات، والتي ستحقق كل بناتها إن لم توأد في مهدها. وفي معمعة الأخبار الكارثية التي تتوالى على البلاد، فأن هناك بعض الاخبار المقاومة لهذا الانهيار، حيث يتعرض هذا القانون المشبوه إلى اعتراض من قبل عراقيين بواسل تصدوا له وقدموا الأدلة على عدم دستوريته، وما تزال إجراءات محكمته جارية في المحكمة الدستورية. لكن تولي عبد المهدي الحكومة واستلامه السلطات الأمنية والعسكرية وكل السلطات المهمة التي لم يحددها الصدر، يعني أن شيئا لن يقف في طريق المشروع المدمر.

 

صائب خليل

........................

فهمي يكشف عن آلية جديدة لتشكيل الحكومة المقبلة

http://www.iraqicp.com/index.php/sections/news/5451-2018-05-29-16-48-25

روابط للمزيد عن مؤامرة شركة النفط الوطنية

(1)‎ قانون شركة النفط الوطنية

https://goo.gl/vtK9ge

(2)‎ مجلس النواب يصوت على قانون يتيح لأميركا تجميد ثروات العراق!

https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/1756506127739782

(3)‎ نقاط مناقشة لقانون شركة النفط الوطنية صائب خليل...

https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/1757627147627680

(4)‎ كيف يريد بحر العلوم تفكيك العراق بـقانون شركة النفط الوطنية؟

https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/1759552820768446

(5)‎ صائب خليل: هل كلف المجلس الأعلى بمؤامرة شركة النفط الوطنية؟

https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/1766336816756713

(6)‎ صائب خليل: زعيم “القوة المجتمعية” لـ "شركة النفط الوطنية" يهددني ويطلب التهكير!

https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/1761874970536231

(7)‎ ما أسهل الكلام.. بدون أرقام! عصابة قانون النفط الوطنية ترقص لنجاحها برشوة البرلمان!

https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/1768210109902717

(8)‎ احمد موسى جياد: التقييم ألأولي لقانون شركة النفط الوطنية العراقية

http://www.akhbaar.org/home/2018/3/241534.html

(9)‎ أحمد موسى جياد: قانون شركة النفط الوطنية العراقية يشرعن تفكيك العراق ويقضي على الشركة ذاتها

https://www.iraqakhbar.com/901518

(10)‎ منير الجلبي: هل مرر البرلمان حقا القانون المشبوه الجديد "لتكوين شركة النفط الوطنية العراقية"؟ وما هو الهدف من تمريره؟

http://www.akhbaar.org/home/2018/3/242055.html

(11)‎ حمزة الجواهري قانون شركة النفط الوطنية الجديد أضاع الطريق

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=591635

(12)‎ عن أية شركة نفط وطنية تتحدثون؟ - د. محمد علي زيني

https://onedrive.live.com/view.aspx?resid=D0E5279612D715F!223&ithint=file%2cdocx&app=Word&authkey=!ADwK_A-7n7jPFBo

(13)‎ صبري زاير السعدي: تبديد "نعمة " الثروة النفطية وتجريد الدولة العراقية من مسؤولياتها

http://www.akhbaar.org/home/2018/3/241951.html

نشرت المقالة بجزئين:

 مقتدى الصدر يعلن بيان رقم واحد والهدف النفط -1

https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/2025343810856011

 

 

فراس زوينشهد الشارع العراقي في الفترة الأخيرة تظاهرات واحتجاجات من قبل المواطنين مطالبين بأمور عديدة تمثل ابسط حقوقهم مثل الخدمات والعمل والماء والكهرباء وغيرها من متطلبات الحياة الاساسية وقد تحركت على اثرها الحكومة العراقية بخطط سريعة وانية تلبيةً لمتطلبات المتظاهرين في محاولة منها لوقف تمدد الاحتجاجات لتشمل بقية المحافظات مما يصعب على الحكومة السيطرة عليها.

وسأسلط الاضواء في هذه المقالة على ثلاث مطالب شعبية يمكننا من خلالها معرفة منطلقات الحلول الحكومية .

1- تحسين الواقع الخدمي وتطوير محطات انتاج الطاقة الكهربائية لزيادة ساعات التجهيز.

2- زيادة الاطلاقات المائية لإنقاذ الواقع الزراعي والحيواني للمحافظات الجنوبية لتفادي نفوق الآف المواشي نتيجة شحة المياه.

3- الالتفات الى مئات الالاف من ابناء هذه المحافظات العاطلين عن العمل وفتح باب التعيينات الحكومية لاحتضان هذه الفئات وخصوصاً الخريجين منهم .

ان صوت التظاهرات المرتفع ايقظ الحكومة من سباتها ونبهها الى خطورة الموقف وتراكماته التي قد تكون كارثية ليس فقط على هذه الحكومة فحسب وانما قد يهدد النظام السياسي بأسره فسارعت الى اتخاذ مجموعة من الإجراءات والمعالجات الحكومية التي تصب في صالح الواقع الاقتصادي والمعاشي لأبناء هذه المحافظات.

فكان من هذه الحلول الايعاز الى الجهات المعنية بإكمال العديد المشاريع الخدمية المتوقفة عن العمل منذ عام ٢٠١٤ ،‏ مع الالتفات الى بناء محطات توليد الطاقة الكهربائية وصيانة وتطوير المحطات الموجودة حالياً وتوفير الوقود اللازم لتشغيل هذه المحطات بالسرعة القصوى. بالإضافة الى زيادة الاطلاقات المائية للمحافظات الجنوبية والتي تعد الأشد تضرراً من شحة المياه ،

كما وجهت الحكومة بأطلاق ملف التعيينات الحكومية ضمن حركة الملاك وفرضت على الشركات الأجنبية العاملة في العراق بتشغيل العمالة العراقية بنسبة ٥٠٪‏ من قيمة العمالة لهذه الشركات ،

وسأكتفي بهذه الحلول كنماذج بسيطة لخطة عمل الحكومة في مواجهة ازمة المظاهرات السلمية التي طالت عدد من المحافظات الجنوبية.

وتجب الاشارة ان الادبيات الإدارية صنفت عملية التخطيط الى ثلاث مراحل تختلف من حيث فترة تنفيذها ، الأولى هي الخطة الآنية والثانية هي الخطة المتوسطة (٥ سنوات) والثالثة هي الخطة الاستراتيجية (اكثر من ٥ سنوات)

وتعد الحلول السابقة وغيرها مما لا يسع المقال لذكره من الخطط والقرارات الانية السريعة التي من حق الحكومة الخوض في الحلول السريعة لمنع تطور الأمور وانزلاقها الى حد يصعب السيطرة عليه ولكن تبقى هذه الحلول لتمشية الحال فقط، فان المتابع للشأن الاقتصادي العراقي يعلم تمام العلم ان السياسة المالية للبلاد تشهد ازمة منذ فترة ليست بالقصيرة نتيجة انخفاض أسعار النفط ومارافقه من اجتياح لعصابات داعش للأراضي العراقية تكبد العراق بسببه كلف مالية ضخمة بالإضافة للفساد المالي والإداري والذي يعد حجر العثرة الأكبر في تطوير السياسة المالية وان العمل على توفير الخدمات واكمال المشاريع المعطلة وتأسيس محطات توليد جديدة قد تكون قرارات لا تملك ما يكفيها من سيولة مالية لتنفيذها كما يحب ويشتهي المواطن هذا من جهة، ومن جهة ثانية فان الواقع المائي لنهري دجلة والفرات يشهد ازمة حقيقية نتيجة حجب دول الجوار لحصة العراق من مناسيب المياه وان أي اطلاق وزيادة لحصة المحافظات الجنوبية من مياه الأنهار قد تكون شبه مستحيلة امام هذا الحجب بالإضافة الى تبدل المناخ للبلاد وما صاحبه من ارتفاع درجات الحرارة زاد من تعقيد القضية المائية للعراق، اما بخصوص اطلاق التعيينات الحكومية ضمن حركة الملاك فلا يمكن وصفه بغير الحل الاني والبسيط اذا عرفنا ان محافظة البصرة وحدها تجاوز عدد الراغبين اضعاف عدد الدرجات الشاغرة والتي قدرت ب ٤٠ الف درجة وظيفية في الوقت الذي يدخل للسوق العراقية ٢٥٠ الف يد عاملة سنوياً باقل التقديرات فلا اعلم ماذا تفيد ٤٠ او ١٠٠ الف درجة ؟؟؟ هذا بالإضافة الى ان اللجوء الى التعيينات يعد اصل المشكلة في ضل الدولة الريعية وليس حلاً جذرياً لها، ولايمكن قبوله الآ من خلال كونه تداركاً للأحداث وكبحاً للجام الامور .

ان على الحكومة العراقية الحالية والحكومة القادمة العمل على وضع خطط واستراتيجيات متوسطة وطويلة الأمد تنطلق من حلول حقيقية تهدف لأحداث تنمية مالية واقتصادية مستدامة من خلال تنشيط دور القطاع الخاص وهجر النهج الريعي للدولة والتعلم من الإخفاقات المتتالية للواقع الاقتصادي وذلك بالتركيز على باقي قطاعات الإنتاجية والزراعية والخدمية فأنه السبيل الوحيد لاستيعاب العمالة العراقية المتنامية وبكل فئاتها ولعل الجدية والواقعية في استيعاب مطالب الجماهير يكون محفزاً وملزماً للحكومة بوضع حد للفساد المالي والإداري الذي استشرى وبشكل لا سابق له في بدن الدولة ويجب الالتفات الى ان التظاهرات والمطالبات السلمية بالإضافة الى الضغوطات من قبل المرجعية في خطبها تعد بمثابة تخويل لضرب رؤوس الفساد وان على الحكومة الحالية والقادمة استثمار هذا التخويل وإعلان الحرب على الفساد بنفس الهمة والقوة التي رافقت اعلان الحرب على داعش.

 

فراس زوين / باحث اقتصادي

 

صادق السامرائيما أن يُقرأ العنوان حتى تنهال نمطية الأجوبة التي تعوّدت عليها الأجيال منذ مطلع القرن العشرين وحتى اليوم، وخلاصتها معاهدة سايكس- بيكو، والإستعمار، وبعدها ما جرى في العقد الخامس من القرن العشرين، ويمكن أن يضيف القارئ ما يحلو له من الأسباب التبريرية والتسويغية، التي تريح الضمير وتحرر المواطن من المسؤولية بإلقائها على "هوّ".

وفي حقيقة الأمر أن جميع الحالات التي نحسبها أسبابا، ما هي إلا تحديات لإستنهاض الطاقات والقدرات وتحفيز الإبداع وتقوية العزيمة والإصرار، فمعاهدة سايكس – بيكو كانت هفوة إستعمارية، كان من المفروض أن يستثمر فيها العرب ويحققوا أعلى درجات التفاعل والتقدم والرقاء بتركيزهم على بناء وجودهم الوطني العزيز، وكذلك وجود  حالة متحدية في المنطقة من المفروض أن تحفز العرب على كينونة أقوى وأقدر.

لكن يبدو أن القوى الطامعة بالعرب تعرف الطبع العربي، وتدرك بأنك لكي تقضي على العرب إجعلهم في دول، فأن ميلهم للتناحر شديد وعظيم، وهذا سلوك موروث ومتعوّد عليه منذ آلاف السنين، وقد صدقت نبؤاتهم ومعرفتهم بالسلوك العربي، ولهذا حقق العرب نتائج تسرّ الطامعين بهم.

والجواب الأصدق والأرجح على عنوان المقال، أن الأحزاب العربية هي التي دمرت العرب!!

نعم إنها الأحزاب!!

فهل لديكم القدرة على الإتيان بحزب واحد في بلاد العُرب أوطاني قد نفع العرب؟!!

ربما سيأتي البعض بأمثلة من تونس والجزائر، وأحزابها قد توفرت لها قيادات وطنية -إلى حين- أسهمت في تقدم نسبي وتطور ملحوظ.

لكن تأملوا أية دولة عربية أخرى منذ نشأتها وحتى اليوم، وأتوا بحزب واحد قد خدم البلاد والعباد، فلو أخذنا العراق مثلا لوجدنا كانت فيه أحزابا وطنية بدائية التشكيل والرؤى في الفترة الملكية، وبعدها إلتهمته الأحزاب القومية والعقائدية المضطربة الرؤية، والمفتقرة للقيادات الوطنية التأريخية الصالحة لبناء حزب ودولة.

فالحزب الشيوعي لم تتوفر له القيادة التي تستوعب أفكاره وتقدم مناهج عمل ذات قيمة وطنية وإنجازية، بعكس الأحزاب الشيوعية في دول الدنيا التي بنت ووضعت الستراتيجيات لمستقبل زاهر، فحتى بعد سقوط الإتحاد السوفياتي تجدها راسخة الكيان والعمران والبنى التحتية المستوعبة لمعطيات المستقبل.

وفي المنطقة كانت دولة شيوعية في اليمن وما أنجزت ما هو صالح للحياة، وفشلت في تقديم النموذج العربي الأمثل للشيوعية، فإنتهت إلى ما إنتهت إليه الأحوال في اليمن.

والعلة تكمن في الفهم المنحرف للنظرية وفقدان مهارات التطبيق، فالعرب يمتلكون معضلة مروعة ، خلاصتها العجز عن تحويل الأفكار إلى موجودات مادية فاعلة في الحياة كما تفعل مجتمعات الدنيا الأخرى.

ولو أخذنا حزب البعث، لتبين لنا بأنه لم يكن يوما وطنيا خالصا بتوجهاته، وإنما غلبت عليه النزعة القومية التي أودت بحياة الدول التي حكم فيها وتمكن، وغابت عنه القيادة القادرة على ترجمة رؤاه إلى واقع حياتي نافع للحاضر والمستقبل.

أما الأحزاب الدينية فأنها عقائدية بحتة ولا تؤمن بالوطن، ولا تمتلك أي رؤية وطنية، وإنما هي تسعى بقوة لتأكيد عقائدها وعقائد من تتبعهم، فهي وبلا إستثناء أحزاب تابعة لقوة أخرى تدين بعقيدتها.

ولهذا وجدناها فعلت ما فعلت في العراق منذ ألفين وثلاثة وحتى اليوم، فهي ذات ولاء لغير الوطن، وذلك من صلب عقائدها.

وجميع الأحزاب قد شكلت حكومات حزبية ولم تشكل حكومات وطنية، لأنها تريد الإنفراد بالسلطة وإلغاء الصوت الآخر، وتحشيد الطاقات والقدرات للنيل منه، وتكون ممارستها للحكم عبارة عن سارق قد سرق غنيمة ويقف مدافعا عنها أمام الآخرين الذين يطمعون بأخذها منه، فيتحول الحزب إلى ذئب شرس متأهب للمهاجمة دفاعا عن الغنيمة المسروقة من الشعب.

ولا تختلف جميع الأحزاب بهذا السلوك المأساوي، الذي أخذ العرب إلى منحدرات الويلات والتداعيات المروعة.

ولو أخذنا مثلا آخر، فالعرب يدّعون أن قضيتهم المركزية هي فلسطين، وانظروا ماذا حصل لها بعد أن توجهت نحو إقامة دولة، لقد تناهبتها الأحزاب، وصارت السلطة مغنما، فما عادت هي قضية مصيرية بالنسبة لأهلها، وإنما قضية سلطة، وإذا بها تنشق إلى نصفين، وربما إلى الأكثر في المستقبل، وكلاهما يسعى للنيل من الآخر، فهل كان يخطر على بال العرب قبل عقود أن تجري محاولات مصالحة بين الفلسطيني والفلسطيني؟!!

فمن دمر القضية الفلسطينة؟!

أ ليست الأحزاب التي تفاعلت معها؟!!

قد يرى آخرون أن ما تقدم إقتراب من زاوية واحدة، ويحاولون أن يحمّلوا الموضوع أسبابا لا تُحصى ولا تُعد، وكل ما سيأتون به صحيح لكنه غير صائب وغير عملي ولا جوهري، لأن مسيرة الأحداث والتطورات على مدى القرن العشرين وحتى اليوم، تؤكد عاملا أساسيا ومشتركا فيما يتحقق بديار العرب، يشير إلى أن الأحزاب بمسمياتها وعقائدها وتوجهاتها هي التي أنهكت الوجود العربي وستقضي على العرب، وإن لم يؤسس العرب حكومات وطنية وليست حزبية  فأن مستقبلهم في خطر.

ومن الواضح أن العرب لديهم عجز في التفريق ما بين الوطني والحزبي، ويخلطون ما بين الحالتين، ويتوهمون بأن أحزابهم وطنية وهي ليست كذلك كما تدلل على نفسها بسلوكها.

فهل سيتحرر العرب من الأحزاب والتحزبية ويمتلكون بصائر وطنية ذات إنجازات حضارية معاصرة؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

ابراهيم أبراشالخطاب السياسي الفلسطيني الرسمي والحزبي أصبح ملتبسا ومستفزا للحس الوطني وبالتالي عقيما لافتقاره لأساسيات الخطاب الوطني من حيث :

1-  عدم تعبيره تعبيرا صحيحا عن عدالة القضية الوطنية وثوابتها ومرجعياتها .

2- عدم وضوح الهدف أو الأهداف سواء المرحلية أو الاستراتيجية .

3- التباس في توصيف طبيعة الصراع مع إسرائيل هل هو ديني أم وطني أم دولي وإنساني .

4-  التباس في تحديد أطراف الصراع وعدم التمييز ما بين العدو أو التناقض الرئيسي والعدو أو التناقضات الثانوية بحيث بات (العدو الوطني) يحل أحيانا محل العدو الرئيسي (إسرائيل) .

5- عدم قدرته على التوصيل والتواصل مع المتلقي بما يحقق الهدف الوطني الجامع .

نتفهم أن يكون لكل حزب خطابه السياسي المعبر عن ايديولوجيته ومبادئه وأن يوظَف هذا الخطاب في سعيه للسلطة أو الحفاظ عليها، ولكن إلى جانب ذلك يجب أن يكون خطابا وطنيا جامعا يعبر عن السياسة العامة وعن الثوابت الوطنية وألا تتعارض الخطابات الحزبية مع الثوابت الوطنية، وفي الحالة الفلسطينية فإن مفهوم السياسة والسلطة لا ينفصل عن القضية الوطنية كقضية تحرر وطني وبالتالي فإن أي خطاب سياسي لأي مكون سياسي فلسطيني لا يلتزم بمقتضيات التحرر الوطني يخرج عن سياق الخطاب الوطني .

الخطاب السياسي الفلسطيني في الفترة الأخيرة وخصوصا مع دخول الحالة السياسية زمن المناكفات بعد الانقسام يعكس أزمة النخب السياسية ومصالحها الضيقة وليس ثوابت القضية الوطنية والمصالح الحقيقية للشعب، وانحرف عن البوصلة الوطنية بحيث أصبح كل طرف فلسطيني يحاول كسب ولاء جزء من الشعب وأطراف خارجية بخطاب يعتقد أصحابه أنه يحظى بقبول مناصريهم وقد يجد منهم الدعم والمساندة في مواجهة خصمهم السياسي الداخلي أكثر مما هو خطاب وطني لكسب التأييد والمناصرة للحق الفلسطيني في مواجهة العدو الصهيوني، لذلك أصبح هذا الخطاب مثيرا للفتنة الداخلية ومسيئا للفلسطينيين على المستوى الخارجي وبالتالي عقيما وطنيا.

 المشكلة لا تكمن فقط في غياب خطاب وطني موَحد في مخاطبة العالم الخارجي يرد على الخطاب الصهيوني الإسرائيلي اليهودي الموَحد، خطاب من خلاله تستطيع دول وشعوب العالم تحديد موقفها تجاه عدالة القضية الفلسطينية، بل أيضا أن الخطابين السائدين لطرفي المعادلة السياسية الداخلية : الخطاب الرسمي للسلطة والخطاب الذي يعبر عن موقف حركة حماس كما يظهر في إعلامها وعلى لسان قادتها، خطابان موغلان في التطرف أحدهما ينحو نحو المثالية السياسية من خلال التمسك بالسلام والمفاوضات ورفض كل أشكال المقاومة أو اللجوء للسلاح حتى في حالة الدفاع عن النفس، والخطاب الآخر متطرف في لغة المقاومة والعنف ورفض خطاب ومنطق السلام العادل وغير العادل ويهدد إسرائيل بالويل والثبور وإزالتها من الوجود الخ، وما بين المثالية المفرطة والتطرف المُغَالى به يفقد الفلسطينيون مصداقيتهم .

الخطاب الرسمي كما تجلى في خطاب الرئيس الفلسطيني أبو مازن في الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم السابع والعشرين من سبتمبر الماضي وبالرغم من دفاعه عن الحق الفلسطيني وتهديده بالانقلاب على الاتفاقات الموقعة مع واشنطن وتل أبيب إلا أنه كان موغلا في المثالية السياسية في رؤيته للسياسة الدولية وموغلا في إظهاره المظلومية الفلسطينية لدرجة إظهار الشعب الفلسطيني كشعب عاجز لا يملك أي مصدر للقوة راهنا أو مستقبلا .

جميل أن يتحدث الرئيس عن السلام والمفاوضات والتمسك بالشرعية الدولية وميثاق الأمم المتحدة، ولكن الشرعية الدولية تعطي للشعب الخاضع للاحتلال الحق بمقاومة الاحتلال بكل الوسائل المتاحة كما أن ميثاق الأمم المتحدة اعطى للشعوب الحق بالدفاع عن النفس، فكيف نحرم أنفسنا من حق منحتنا إياه الشرعية الدولية ولا سيما أن إسرائيل توظف مبدأ أو حق الدفاع عن النفس في تبرير اعتداءاتها الإجرامية ضد شعبنا ليس فقط داخل الوطن المحتل بل تطارد وتغتال المناضلين الفلسطينيين في كل مناطق العالم .

إن كان هناك خلل في ممارسة الفلسطينيين لحق المقاومة وعدم توافق القوى الفلسطينية على استراتيجية هذه المقاومة وعجزها عن ممارسة هذا الحق في إطار الشرعية الدولية أو كانت الظروف غير مواتية الآن لممارسة المقاومة المسلحة فهذا لا يعني أن نُسقط حقنا في المقاومة .

خطاب المثالية السياسية كما عبر عنه الرئيس أبو مازن لدرجة رفض اللجوء إلى القوة العسكرية بما فيها التقليدية والمراهنة الكلية على الشرعية الدولية والأمم المتحدة لا يتوافق مع واقع العلاقات والسياسات الدولية.

كل دول العالم اليوم تنشد السلام ولكنها في نفس الوقت تمارس حقها في الدفاع عن النفس من منطلق القوة والقدرة بما يتوافق مع القانون الدولي بل في كثير من الحالات ضد القانون الدولي، والعالم اليوم يحترم الشعوب بمقدار ما تدافع عن نفسها وحقوقها وليس بمقدار ما تستجدي حقوقها، حتى في سياق المراهنة الكلية على الأمم المتحدة والشرعية الدولية فهي مراهنة يجب إعادة النظر فيها لأنه تجري عملية إعادة ترتيب للنظام الدولي من طرف واشنطن، وقريبا قد نكون في مواجهة نظام دولي جديد لا يعترف بكل قرارات الشرعية الدولية للنظام الدولي السابق بل لا يعترف بالأمم المتحدة التي تتآكل مع مرور الأيام وقد تنهار في أية لحظة .

أما الخطاب المقابل فهو الذي يرفع شعار المقاومة وتحرير كل فلسطين ورفض التسوية السياسية والتفاوض كبديل عن الخطاب الأول للسلام . أصحاب هذا الخطاب كحركة حماس والجهاد الإسلامي وفصائل أخرى يقدمون خطابهم هذا في سياق المناكفات السياسية لخصمهم الوطني وفي سياق الصراع على السلطة ومن أجلها وللفت أنظار الأطراف الدولية أكثر مما هو تعبير عن قناعة حقيقية بواقعية وعقلانية خطابهم، ولذا نجد أنهم ينهجون علنا أو سرا ما يتعارض مع منطلقات هذا الخطاب .

الخطاب السياسي لحركة حماس أصبح يفتقر حتى لمفهوم الخطاب لأنه لم يعد مفهوما لا داخليا ولا خارجيا . خطاب حركة حماس ملتبس لدرجة أن المتلقي لا يعرف هل هو خطاب حركة مقاومة أم خطاب حكومة وسلطة ؟هل هو خطاب حركة دينية أم حركة وطنية ؟ هل شرعية حركة حماس شرعية دينية وربانية أم شرعية ديمقراطية مستمدة من صناديق الانتخابات ؟ هل تريد حركة حماس مقاومة لتحرير فلسطين من البحر إلى النهر أم مقاومة لتكريس سيطرتها على قطاع غزة ؟ وهل المسيرات التي تُسيِّرها على حدود غزة من أجل العودة أم لكسر الحصار عن غزة وتثبيت سلطتها فيها ؟ هل تريد تسوية سياسية ومفاوضات أم أن المفاوضات والتسويات السياسية خط أحمر وخيانة للقضية ؟ الخ .

وأخيرا فإن العالم لا يعيش وسط الشعب الفلسطيني حتى يتلمس مشاكله ويتعرف مباشرة على معاناته مع الاحتلال بل يحدد مواقفه من خلال روايتنا وخطابنا السياسي - المكتوب والمسموع والمرئي - وما يتضمنه من عقلانية وواقعية وقدرة على الإقناع ويُقارن بينهما وبين الرواية والخطاب السياسي لإسرائيل، وحيث أن القضية الفلسطينية لم تعد القضية المركزية والأساسية لا دوليا ولا عربيا فإن الأمر يحتاج إلى مزيد من الجهد لضبط خطابنا السياسي الوطني .

 

د. إبراهيم ابراش