محمد العباسيهي فقط خمس دول في العالم (الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وروسيا وفرنسا والصين) قررت فيما بينها بعد الحرب العالمية الثانية بأن لها الحق باللعب بمصائر باقي الأمم على وجه الخليقة .. ذلك من خلال تمتعها بحق العضوية الدائمة في الأمم المتحدة.. وبالتالي تفردها بحق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن.. بصراحة، هذا الحق قد جعل من الأمم المتحدة أداة في أيدي هذه الدول الخمس للتحكم بالعالم أجمع.. فليس أبعد من فكرة الديموقراطية شيء يوازي تمتع دول بعينها بمصائر الخلق أجمعين.. فلا مكان في هذه الجمعية للحقوق المستحقة ولا للديموقراطية التي تتشدق بها الدول الرأسمالية ولا للعدالة والإنصاف كلما تعارضت مصالح العالم مع مصالح تلك الدول ذات الحق في الفيتو !!

موقع ويكيبيديا يذكر أنه لم يرد لفظ "فيتو" في ميثاق الأمم المتحدة عند صدوره، بل ورد لفظ "حق الإعتراض" وهو في واقع الأمر "حق إجهاض" للقرارات وليس مجرد إعتراض، إذ يكفي اعتراض أي من الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن ليتم رفض أي قرار وعدم تمريره نهائياً حتى وإن كان مقبولاً لدى كافة دول العالم الأخرى.  ويتناقض هذا النظام عموماً مع القواعد الأساسية للديموقراطية التي تشترطها النظم المتعارف عليها، فناهيك عن أن هذه الدول الخمس لم يتم إنتخابها لعضوية هذا المجلس بصورة ديموقراطية،  فهي أيضاً لا تصوت على القرارات بنظام الأغلبية كما هي عادة الديموقراطيات

القضية الفلسطينية مثلا تراوح مكانها منذ سبعين سنة بسبب حق الفيتو.. وأنا أرى بأن كافة مشاكلنا في الوطن العربي تتعلق بشكل ما بالقضية الفلسطينية.. فبسبب مواقف بعض الدول أصحاب حق النقض ضد قضيتنا فقدنا جميعنا الثقة في نوايا هذه الدول.. وبالتالي تكونت لدينا كراهية لسياساتها.. ومن خضم هذا الشعور السلبي باتت ثقافتنا وكتاباتنا وقصائدنا وكل جوارحنا مليئة بعنف لغوي ضد هذه الدول وساستها وسياساتها المجحفة تجاهنا.  بصراحة،  فقد ساعد حق النقض (الفيتو) الولايات المتحدة على تقديم أفضل دعم سياسي للكيان الإسرائيلي البغيض لعقود من الزمن.. ذلك بإفشال صدور أي قرار من مجلس الأمن يلزم "إسرائيل" بضرورة وقف احتلال الأراضي الفلسطينية وأعمال العنف ضد الشعب الفلسطيني وهدم البيوت وممارسة الفصل العنصري وبناء الجدران لفصل القرى.. وكذلك إفشال أي قرار يدين "إسرائيل" باستخدامها القوة المفرطة وخصوصا في حرب لبنان 2006 وقصفها لقطاع غـزة في نهاية عام 2008.. وبلا شك أدى كل ذلك إلى الشك بمصداقية الأمم المتحدة ككيان بسبب الفيتو الأمريكي الجائر.

و في ذات الصياغ وكأنما تأكيداً للفيتو المتكرر ضد العرب والمسلمين لجأت أمريكا بوصمنا جميعاً بالإرهاب.. فعالم السينما الهوليودية (اليهودية) عملت منذ السبعينات من القرن الماضي على تشويه صورة العربي والمسلم.. وصورت الإنسان العربي كونه صاحب مال وبترول وجهل وتخلف.. جل همه في الحياة سرب من الحريم وقطيع من البعير.. ولم يجرأ أحد منا أن نكسب إحترام العالم أو نعترض على أفعالهم العنصرية ضدنا وكأن لا يعنينا بتاتاً.. بل رضخنا ولم نزل مؤكدين لهم ما يدّعون.. وهبطوا علينا بقاذفاتهم وصواريخهم في أفغانستان والعراق وسوريا وليبيا ونحن صامتون لأننا فقدنا الأمل في الإعتراض والمطالبة بالإنصاف لعلمنا المسبق بأن قضايانا ستهدرها تلك الدول المحسوبة علينا دولاً صديقة.. وهي ذاتها التي تطعننا في الظهور بحقها في الفيتو دون وازع من ضمير !

أصمتنا سلطان حق النقض عن المطالبة بحقوقنا.. خنوع ما بعده خنوع.. وهم الذين في كل المحافل ينادون بالحقوق والحريات ومن ثم يتوقفون عندنا.. فنحن إرهابيون نستحق السحق.. ربطوا ألسنتنا بعشرات الإتفاقيات.. ويطالبوننا بتطبيق بنودها المعنية بحقوق المخربين والمفسدين لدينا.. بينما هم لا يتوانون عن جرائمهم ضد شعوبنا دون حسيب أو رقيب.. وقد ألجمنا الخوف من المطالبة بحقوقنا بسبب هذا الفيتو اللعين.. وها هي سوريا اليوم رغم أنها كسبت عدة قرارات لكنها كلها مجرد حبر على ورق.. وكذلك الوضع في اليمن!!

هم يقصفوننا بالصواريخ العابرة للقارات.. ويوصمون من يرمي حجراً في فلسطين بالإرهاب.. يدافعون عن المُغتصب ويلومون من فضت بكارتها بالإكراه.. يفسرون الحقوق كما يشاؤون ونحن مغلوبون على أمرنا.. فبأي منطق إنضممنا لجمعية الأمم المتحدة هذه.. وأي مصلحة أتتنا من وراءها؟ أما آن الآوان لمراجعة هذا القرار المجحف في حقوقنا وكرامتنا المهدورة؟

ربما ظهرت في السنوات الأخيرة أصوات تطالب بتعديل نظام الأمم المتحدة وتوسيع عضوية مجلس الأمن، وذلك عن طريق إضافة دول أخرى مقترحة ذات الاقتصاد القوي كاليابان وألمانيا .. أو ذات الحجم والتعداد السكاني  كالبرازيل والهند.  وأصوات أخرى تقترح صوتاً لأفريقيا وتمثيلاً لأمريكا الجنوبية،  وربما تحتاج الدول العربية المنضوية تحت جامعة الدول العربية أن يكون لها موقع ككيان يجمع 22 دولة تمتد من الخليج العربي إلى أقصى غرب أفريقيا أن يكون لها مكان دائم في مجلس الأمن..  رغم أن هذه الأصوات على أي حال هي مجرد دعاوى للتوسيع دون المساس بمبدأ (الفيتو).. وقد سمعنا أو نتمنى أن نسمع بعض الأصوات الداعية إلى إلغاء نظام التصويت بالفيتو نهائياً واعتماد نظاماً أكثر شفافية وديمقراطية وتوازن.

 

د. محمد العباسي - أكاديمي بحريني

 

 

عباس علي مرادعندما أتكلم مع المواطنين يقولون لي أنهم يكرهون الحكومة الفيدرالية، و يكرهون المعارضة أيضاً. أنهم يكرهون السياسة الفيدرالية في هذا الوقت ونقطة على السطر.

بيتر فيليبس نائب أحراري في مجلس الشيوخ في نيو سوث وليلز (ذي سدني مورننغ هيرالد 1/12/2108 ص 28 قسم التحليلات السياسية)

منذ عدة سنوات نحت الحياة السياسية الأسترالية منحىً جديداً، حيث أصبحت الانقلابات الصفة المرافقة للعملية السياسية، بالإضافة الى الفضائح المالية والأخلاقية واستغلال السلطة لغايات ومنافع شخصية من قبل بعض السياسيين، والتي أدت الى تدهور سمعة الأحزاب الأسترالية الرئيسية (العمال، الأحرار، الوطني والخضر) وتشوهت صورتها لدى الرأي العام، الذي بدأ يتململ من إداء الطبقة السياسية، وهناك شعور عام بأن السياسيين منفصلين عن الحياة اليومية لعامة الأستراليين، وهناك حاجة ملحة الى إجراء تغييرات لجعل السياسيين أقرب الى الناس وهذا ما ينطبق على السياسيين الفيدراليين او في الولايات وحتى الحكومات المحلية (البلديات).

فحسب صحيفة ذي سدني مورننغ هيرالد، الحزبين الكبيرين (العمال والأحرار) كانا يحصلان على نسبة 95% من الأصوات الأولية في الانتخابات في أوائل سبعينات القرن الماضي، ولكن هذه النسبة بدأت بالتراجع بشكل دراماتيكي منذ ذلك الوقت، حيث يحصل الحزبين مجتمعين على نسبة تتراوح بين 70 الى 75% وهي النسبة الادنى منذ بدأ العمل بنظام الحزبين عام 1949. وفي الانتخابات الفرعية التي جرت في مقعد ونتورث في سدني  شهر تشرين الاول الماضي انحدرت هذه النسبة الى 55% من نسبة الأصوات الأولية.

وحسب دراسة حديثة، نشرت في الهيرالد 5/12/2018 ص7 وأجراها المتحف الاسترالي للديمقراطية بالتعاون مع معهد التحليلات والحكم من جامعة كانبرا، وجدت ان الثقة بالديمقراطية تنحدر بشكل سريع، وان الرضا عن المؤسسات تراجع من 72% عام 2010 الى 42% بين 2013 و2016 وما زالت حتى اليوم عند نفس النسبة.

 وقد بينت الدراسة أن الموطنين لا يعتقدون ان الحكومة تهتم بالقضايا والسياسات التي تهمهم.

وتنتهي الدراسة الى القول، بانه في حال عدم اتخاذ اي إجراء لوقف هذا الانحدار السريع، فان هذه النسبة ستصل الى 10%  من الاستراليين الذين سيبقى لديهم ثقة بالسياسيين والمؤسسات السياسية عام 2025.

وكانت النساء اكثر تشاؤماً، واقل رضا  عن وضع الديمقراطية الاسترالية، في ظل إستمرار ظاهرة التمييز على أساس الجنس المسيطرة على السياسة وبلغت النسبة 38%.

وكان المهجرون وأصحاب الدخل المرتفع من أكثر الفئات رضا عن الوضع.

وعلى المستوى الدولي ومقارنة مع الدول المتقدمة تبين ان الأستراليين الاقل رضا عن حالة الديمقراطية في البلاد.

وعن الاسباب التي تدفع المواطنين لهذا الاعتقاد تأتي ثلاثة عناوين في المقدمة

  1- السياسيون لا يحاسبون على النكث بوعودهم.

2- السياسيون لا يتصدون للقضايا المهمة والاساسية.

3- قطاع الاعمال يملك الكثير من النفوذ والتأثير.

هذا الوضع أدى الى بروز ظاهرة الأحزاب الصغيرة (أمة واحدة وحزب الخضر وحزب المحافظين وحركة أنهضي أستراليا) والمستقلين الذين بدأوا يشكلون ظاهرة ملفتة في الحياة السياسية، وهذا ما أكدته نتائج انتخابات مقعد ونتورث الفرعية التي جرت في 20 تشرين أول الماضي، والذي فازت فيه النائبة المستقلة كارن فيلبس، وقد أرسل الناخبون رسائل بعدة اتجاهات، رسالة للعمال الذين لم يستفيدوا من الخسارة التاريخية للأحرار بل تراجعت أسهمهم الى 11.5%، ولم يكن وضع حزب الخضر بالأفضل، وكأن الناخبين يقولون لم يبقى الا هذا الخيار بعدما أصبح الحزبين الكبيرين يتشابهان وانهما أسوأ من بعضهما.

وفي انتخابات عام 2013، خسر الأحرار مقعد انداي في فكتوريا لصالح المستقلة كاتي ماغوون، وفي عام 2018 وفي الانتخابات الفرعية التي جرت بعد فضيحة ازداواجية الجنسية تغلبت ريبيكا شاركي على جورجينا داونر في مقعد مايو في جنوب أستراليا.

النائبة فيلبس تعمل على تشجيع المستقلين على المنافسة في أكثر من مقعد، وأضافت ان الناس تريد حلولاً للمشاكل لا صفقات الغرف المغلقة، والتي اصبحت من اختصاص الأحزاب الكبيرة، والتي دخلت في صراع وسباق محموم ومسعور للفوز بقيادة الاحزاب (كيفن راد - جوليا غيلارد عمال وطوني أبوت -مالكوم تيرنبول أحرار) حيث لم ينهي أي من هؤلاء ولاية تامة في رئاسة الوزراء.

وحسب دراسة للجامعة الوطنية الاسترالية، مركز الابحاث الأجتماعية والنظام، أجريت في شهر تشرين أول الماضي، وجدت ان الأستراليين وبشكل كبير ينجذبون الى فكرة ان يكون لهم زعيماً قوياً، لا يكترث للبرلمان، ولا للإنتخابات مع أستمرار تراجع الثقة بالأحزاب السياسية والمؤسسات الوطنية.

المفاجأة بالأستطلاع ان ثلث الاستراليين يرون انه من الامور الجيدة او الجيدة جداً ان يكون لديهم زعيم مستبد، بينما ترى أكثرية الفئة العمرية فوق سن الجمسين ان هكذا نظام فكرة سيئة، بينما فئات الشباب يدعمون الفكرة.

ما تقدم، يظهر أن هناك مشكلة، وبحاجة الى حل من أجل إنقاض النظام الديمقراطي، الذي يعاني من بعض المشاكل فمن سيتصدى لحل هذه المشكلة؟

إذن، ان المشكلة تكمن في ما إذا كان السياسيون يستمعون ام لا. لأن لدى هؤلاء القادة والزعماء دوراً مفصلياً وحاسم في عملية التغيير، وإلا فإن عملية الإصلاح مآلها الفشل، خصوصاً في ظل فقدان الشفافية حتى داخل المؤسسة الحزبية، وعدم وجود الثقة المتبادلة بين القادة والحزبيين، الذين يقومون بالاعمال الصعبة لهدف غير محدد، وهذا ما ادى الى تراجع عدد المنتمين الى الأحزاب (الأحرار دون الاربعين الفاً، العامل دون الخمسين ألفاً)، يتساءل الناس، لماذا الانتساب الى الأحزاب، إذا كانت كل الفوائد سيعود مردودها الى السياسيين المتمرسون الذين يقطفون ثمارها وحدهم، وما حصل خلال السنوات القليلة الماضية خير دليل على ذلك، حيث تغلبت النزعة الشخصية والعجرفة في تصرفات الساسيين للوصول الى اهدافهم، حتى وعلى حساب المصلحة الوطنية وليس الحزبية فقط.

ان قادة الاحزاب السياسية الاسترالية، بالأخص القادة الفيدراليين سيكونون أمام الامتحان الاهم، وهو هل سيتفقون على إقامة هيئة مكافحة للفساد على المستوى الفيدرالي كتلك الموجودة في نيو سوث ويلز والمعرفة ب (آي كاك)  وغيرها في باقي الولايات، والتي توحي للمواطنين بأن السياسيين لديهم حسن نية، وفعلاً يريدون السير في عملية الإصلاح قبل أن يفوتهم القطار.

وهذا القاضي في المحكمة العليا ديفيد هاربر، يحذر، ويدق ناقوس الخطر من تنامي ظاهرة الفساد في أستراليا، وتداعياتها ، وقد شدد هاربر على حاجة أستراليا الى مفوضية فيدرالية وأضاف ان الفشل بإقماتها هو أحد الاسباب التي تبعدنا عن التخلص من آفة الفساد.(الموقع الألكتروني لصحيفة س م ه 14/11/2018) 

إن عدم المبادرة،  واللامبالاة السياسية، والفراغ السياسي، وندرة فرص المشاركة، وقلة الوعي الوطني سيدفع الناس الى السير في الاتجاه المعاكس كمؤشر عن عدم الرضا عن الاحزاب، أو رفضها، واليأس  من القدرة على التغيير، وخيبة الأمل، وفقدان الثقة بهذه الاحزاب والتي قد تندثر إذا لم تواكب التغييرات وتواكب حركة العصر.

ونختم بما قاله حزبي أحراري آخر" هناك حاجة ملحة لإعادة البحث عن الروح" والتي يبدو ان الاحزب فقدتها، وهذا ما  ظهر في إداء الحكومة والمعارضة في آخر جلسات مجلس النواب للعام 2018، حيث انحدر الى الإداء الى مستوى متدني ومقرف إذا صح التعبير.

وقد لخص الكاتب والاعلامي وليد علي الوضع بمقالة عنوانها (الثقة، والدعائم المفقودة للديمقراطية) ذي سدني مورننغ هيرالد 7/12/2018 ص 32.

 

عباس علي مراد - سدني

 

ابراهيم أبراشكان تصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم الخميس الماضي الثامن من ديسمبر ضد مشروع القرار الأمريكي بإدانة حركة حماس وفصائل المقاومة انتصارا للشعب الفلسطيني ولحقه بمقاومة الاحتلال، ولكن هذا الانجاز يتضمن مؤشرات تحتاج للتفكير وإعادة النظر  في رؤيتنا للأمم المتحدة وفي نهج تعاملنا معها وفي مراهنتنا عليها .

لقد سبق أن كتبنا عن أهمية العمل السياسي والدبلوماسي ومع المنظمات الدولية ليس من منطلق أن الأمم المتحدة ستُعيد لنا حقوقنا أو تقدم لنا الدولة الفلسطينية على طبق من ذهب بل من منطلق أنها منبر دولي يتيح الفرصة لإيصال صوت الشعوب والدول للعالم كما أن هناك قرارات دولية تتجاوب مع مطالب شعبنا بالحرية والاستقلال حتى وإن كانت قرارات غير ملزمة، ومن جهة أخرى فإن لم نكن متواجدين في الأمم المتحدة فهذا يساعد إسرائيل والدول المعادية لحقوقنا لتمرير روايتهم عن الصراع كما أن الأمم المتحدة قد تتدخل في قضيتنا الوطنية دون أن تأخذ إذنا منا، وقد رأينا كيف تدخلت الأمم المتحدة في سوريا وليبيا والعراق وغيرها دون أن تأخذ إذنا من شعوب أو حكومات هذه الدول .

فشل واشنطن في تمرير قرارها فشل نسبي كما أن الانتصار الفلسطيني انتصار نسبي، وعلينا قراءة ما بين السطور والتمعن في الأمور التالية :

1- إن التوازنات داخل الجمعية العامة غير ثابتة وبالتالي فليست الأغلبية مضمونة دائما بأن تكون لصالحنا، وأن ينال مشروع القرار الأمريكي 87 صوتا ومعارضة 57 وامتناع 33 عن التصويت والامتناع أقرب للموقف الأمريكي وإلا لكانوا دعموا الموقف المؤيد للفلسطينيين، فهذا أمر خطير ولو تم احتساب الأغلبية البسيطة (النصف + واحد) لتم تمرير القرار .

2- ما جرى يعني أن واشنطن اخترقت نسبيا الجمعية العامة وهو اختراق غير منقطع الصلة باختراقها للجبهة العربية والإفريقية وحتى الأوروبية وخصوصا فيما يتعلق بالرؤية حول المقاومة المسلحة والموقف من العنف و الإرهاب .

3- ما جرى من اختراق نسبي للجمعية العامة للأمم المتحدة غير منفصل عن اختراق إسرائيل للعرب من خلال التطبيع واختراقها لإفريقيا وغيرها من خلال المساعدات الاقتصادية، وعلينا التذكير بأن عددا من الدول العربية صنفت حركة حماس كحركة إرهابية.

4- الأمم المتحدة تجَمُع لممثلي دول - حكومات وأنظمة سياسية – وليس ممثلي شعوب ومجتمعات مدنية، وموقف الأنظمة من المقاومة وحركات التحرر ليس موقف الشعوب . صحيح أن الدول الديمقراطية تراعي توجهات ومواقف الشعوب ولكن غالبية الأنظمة لها حسابات ورؤية حول المقاومة والإرهاب غير حسابات شعوبها .

5- هدف واشنطن من التصويت على مشروع القرار بهذا التوقيت لا ينفصل عن التهيئة لتمرير مشروع تسوية أمريكي جديد (صفقة القرن)، وحصول واشنطن على هذا العدد من الأصوات تأتى من قدرتها على اقناع غالبية الدول المؤيدة لها بأن التصويت على مشروع القرار يخدم عملية السلام وشرط لها . وهذا يذكرنا بما أقدمت عليه واشنطن يوم السادس عشر من ديسمبر 1991 في خضم تمرير مشروع السلام الأمريكي واتفاقية أوسلو، حيث طرحت في الجمعية العامة للأمم المتحدة التصويت على إلغاء القرار رقم 3379 الصادر في العاشر من نوفمبر 1975 والذي يعتبر الصهيونية شكلا من أشكال العنصرية والتمييز العنصري، وقد تم إلغاء القرار بالفعل حيث صوّت لصالح الإلغاء 111 دولة بينما صوت ضده 25 دولة، وامتنع عن التصويت 13 دولة، وتغيبت 15 دولة عن حضور جلسة التصويت من بينها عدة دول عربية.

6- مشروع القرار الأمريكي تعامل مع حركة حماس وفصائل المقاومة في غزة وكأنها صاحبة السلطة والولاية عن قطاع غزة وليست السلطة الفلسطينية كما كان يجري سابقا، وهذا اعتراف أمريكي بالانقسام الفلسطيني وعدم مسؤولية السلطة الفلسطينية عما يجري في قطاع غزة .

7- موقف السلطة الفلسطينية وخصوصا مندوب فلسطين في الأمم المتحدة يؤكد تمسك كل الشعب الفلسطيني بحق المقاومة حتى وإن اختلفوا حول أسلوب ممارستها، وهذا يؤسس لإمكانية التوافق الفلسطيني على استراتيجية المقاومة وغيرها من القضايا الخلافية .

وأخيرا، على الشعب الفلسطيني ومؤيديه إدراك أن الأمم المتحدة بما فيها الجمعية العامة التي تعودنا أن تُصدِر قرارات لصالحنا سلاح ذو حدين، وأن السياسة مصالح حتى داخل الجمعية العامة للأمم المتحدة . كما أن التوازنات وتوجهات عملية التصويت في الأمم المتحدة تتغير بتغير المصالح حتى بالنسبة للدول العربية والإسلامية، وكون واشنطن فشلت في تمرير مشروعها هذه المرة إلا أن معادلة التصويت تتضمن مؤشرات خطيرة يجب الانتباه لها وخصوصا بالنسبة لحركة حماس وفصائل المقاومة المسلحة الأخرى .

 

 أ. د. إبراهيم ابراش

 

 

فراس زوينيعتبر سعر النفط واالتذبذبات الحاصلة له أحد الاهتمامات الرئيسية للمواطنين في جميع أنحاء العالم، وبالأخص في الدول المصدرة له لما يحتله من أهمية في توفير المال اللازم للحياة الاقتصادية والاجتماعي لهذه البلدان ومنها العراق والذي يعد واحد من  أهم الدول النفطية وأكبرها من حيث الاحتياط وحجم الصادرات، ويمكن ملاحظة الأثر البالغ في أسعار البترول من خلال الأثر الذي خلفه انهيار في أسعار النفط وتراجعه لحدود 30 دولار للبرميل الواحد مسبباً أزمة حادة في مصادر التمويل ليس في العراق وحسب بل في معظم الدول الريعية، حيث لجئ العراق إلى العديد من الاستراتيجيات التقشفية  التي لاتزال اثارها السلبية قائمة لغاية الان لمواجهة هذا التراجع في الأسعار.

ولم يتنفس المواطن العراقي الصعداء إلا مع بوادر عودة أسعار النفط بشكل تدريجي ابتداء من النصف الثاني من عام 2017 وحتى نهاية هذا العام نتيجة العديد من العوامل محققة وفرة مالية ظهرت في ارتفاع  التخصيصات المالية لمسودة موازنة 2019 والتي قدرت بحوالي 128 تريليون دينار كثاني اكبر موازنة للبلاد.

 ان الوفرة المالية في الاقتصاد العراقي دائماً ما ترافقت مع نداءات وتحذيرات الخبراء والباحثين والمهتمين بالشأن الاقتصادي بضرورة التأسيس لنظرة اقتصادية حقيقية وموضوعية قائمة على مواجهة الواقع المتردي للاقتصاد المحلي مستثمرة هذه الوفرة بهدف تنمية الاقتصاد المترنح نتيجة الإخفاقات المتتالية، فيما تركزت هذه التحذيرات على إن الإهمال المستمر والمقصود للقطاعات الإنتاجية أصبح يهدد البنية الكلية للاقتصاد العراقي في ضل تقلبات أسعار النفط وعدم استقرارها، حيث إن شهر العسل لأسعار النفط لابد إن ينتهي  مخلفاً أيام سوداء وهذا أمر منطقي وطبيعي مادامت الأسواق العالمية محكومة بقوة العرض والطلب.

إن السياسة الاقتصادية للعراق منذ عام  2003 ولغاية ألان يمكن اختزالها بالمثل الشعبي "شبعني اليوم وجوعني باجر"، حيث القرار الاقتصادي العراقي رهين فكرة ورؤية تتعامل مع ارتفاع أسعار النفط على انه أمر ثابت ومستمر، بالرغم من ان الأمور في مثل هذه الحالة متذبذبة ويصعب السيطرة أو على الأقل التنبؤ بها حتى من اكبر المؤسسات الاقتصادية العالمية، فمنذ بداية العام الحالي توقع العديد من مراكز التحليل والخبراء الاقتصاديين العالميين المختصين بشؤون النفط والطاقة استمرار ارتفاع أسعار النفط لحدود 80-90 دولارا للبرميل في نهاية العام الحالي، بل ان بعض منهم توقعوا أن تصل الأسعار العام المقبل إلى مستوى 100 دولار للبرميل، وبدت تلك توقعات منطقية بشرط عدم حدوث أي تغيرات دراماتيكية في معادلة العرض والطلب.

ان الارتفاع المستمر في أسعار النفط مع المشهد المتفائل من استمرار ارتفاعه دفع الحكومة العراقية لرسم موازنة عام 2019 من بارتفاع  قيمتها عن موازنة 2018 ب 24 تريليون دينار، لكن هذا الحلم الوردي لم يدم طويلاً حيث إن شهر أكتوبر من العام الحالي جاء مخالفاً لكل التوقعات السابقة حول ارتفاع أسعار النفط، بل العكس هو ما حصل إذ بدأت أسعار البترول تتراجع ، فبعد أن لامس سعر خام برنت القياسي  مستوى 80 دولارا للبرميل ‎في 20 مايو 2018 انخفض سعره بشكل تدريجي ليصل إلى 59,46 دولار في 1 ديسمبر 2018 ، مع تصاعد المخاوف من احتمال ارتفاع تخمة المعروض بالسوق بالتزامن مع ضعف مستويات الطلب العالمي، وبشكل يعد للأذهان الذكريات المريرة لازمة عام 2014 .

بالرغم من ان هذا الانخفاض جاء مفاجئ ومخالف لمعظم التوقعات والقراءات العالمية الا انه يحمل معه مبرراته التي يمكن ايجازها بما يلي :-

- ارتفاع كمية النفط الصخري المستخرج، إذ تم إضافة ما يزيد عن 2 مليون برميل يوميا إلى الإنتاج الأمريكي، والذي بلغ ‎ 11.7 مليون برميل يوميا  لتصبح بذلك أكبر منتج للبترول في العالم ‎متخطية إنتاج روسيا المستقر حاليا بحوالي 11,4 مليون برميل يوميا، مما أدى إلى تقليل مستوى الاستيراد للولايات المتحدة وبالتالي الضعف في الطلب على مشتقات النفط على المستوى الدولي.

- الحرب التجارية المتنامية بين الصين والولايات المتحدة وتهديدها للاستقرار الاقتصادي العالمي والخوف من تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي، وخصوصا في الصين ثاني أكبر مستهلك للنفط بالعالم وفى أوروبا.

- ‎ارتفاع وتيرة العرض النفطي أسرع من الطلب عليه، نتيجة تراجع النمو العالمي بسبب احتمالية الحرب التجارية بين أمريكا والصين من جهة والظغوطات السياسية باتجاه تخفيض الاسعار والتي تمارس على الدول المصدرة من جهة أخرى.

- الضغط المتواصل من الولايات المتحدة الامريكية على دول أوبك عموماً والسعودية خصوصاً  لزيادة الإنتاج النفطي وتخفيض الأسعار مستغلة حادثة اغتيال خاشقجي والنوقف المحرج للسعودية ومحمد بن سلمان تحديداً  اثر سلباً في الأسعار العالمية .

ان النقاط أعلاه تمثل أهم العوامل التي أدت إلى تراجع أسعار النفط في الفترة الأخيرة بالرغم من توقعات العديد من المؤسسات البحثية العالمية والخبراء الاقتصاديين الذين رجحوا استمرار ارتفاع أسعار النفط للفترة القادمة،  وهو ما حفز الحكومة العراقية على رفع قيمة الموازنة القادمة بقرابة 24 تريلون دينار بحسب مسودة موازنة 2019 واعتماد سعر برميل النفط ب 56 دولار للبرميل وهو رقم يعكس احتمالية مواجهة أزمة مالية في حال اعتماد هذه المسودة بفعل تراجع أسعار النفط حيث بلغ سعر نفط البصرة خفيف 61,21 في يوم الأحد 2/ديسمبر 2018 وهو رقم يبتعد شيئاً فشيئاً عن مفهوم التقدير الرشيد لسعر برميل النفط ولا يفصله عن 56 دولار سوى دولارات قليلة قد لا تكفي لتوفير غطاء مالي يبعد الاقتصاد العراقي عن خطر تقلبات الأسعار وخصوصاً في ضل تراجع القطاعات الإنتاجية التي يمكن أن تشكل الدرع الذي يحمي الواقع الاجتماعي والاقتصادي العراقي.

ان الازمة الحقيقية تتمثل في عدم استقرار أسعار النفط وتذبذبه، فمن 80  الى 61 دولار خلال فترة وجيزة لاتتجاوز شهرين، وعدم وجود درع رصين يمكن من خلاله تجنب هذه الازمات وانعكاساتها على الانفاق الحكومي، بل ان بعض الأصوات التي نادي سابقاً برفع تقديرات سعر برميل النفط في احتساب الموازنة هي نفسها من تدعوا اليوم الى خفض هذه التقديرات لتجنب الازمة المالية التي قد يسببها العجز في مصدر تمويل الموازنة، ولا اريد الاطالة والاسهاب في الحديث لكن الحل يكمن في إعادة تفعيل باقي القطاعات الإنتاجية والاعتماد على مصادر التمويل الأخرى لدعم القطاع النفطي بالإضافة الى التاسيس لصندوق سيادي توضع فيه الفوائض المالية المتحققة من سنوات الوفرة يكون بمثابة الدرع الحصين الذي يمتص الاهتزازات السعرية للنفط ، ويمكن من خلاله التعويض في حالة انخفاض الاسعار بصورة مفاجئة وغير متوقعة .

 

فراس زوين /باحث اقتصادي

 

عبد الجبار الجبوريبالرّغم من مرور سبعة أشهرتقريباً على إنتهاء الانتخبات البرلمانية في العراق، إلا ّ أنّ الكتل والقوائم الفائزة، فشلت في تشكيل حكومة، بسبب التدخل الايراني المباشر، في فرض مرشحها لوزارة الداخلية فالح الفياض على التشكيلة، لا بل تصر وبقوة على ذلك وترفع شعار (يا ألعب يا أخرّب الملعب)، في حين يصرُّ مقتدى الصدر زعيم التيار الصدري، وقائمة المحور الوطني على رفض الفياض لمنصب الداخلية، في حين ترفض أجنحة إيران الفائزة مرشح وزارة الدفاع التابع لأئتلاف الوطنية بحجة ألإجتثاث، فهل سيكون إصرار ايران على فرض مرشحها، هو القشة التي ستشعل حرباً – شيعية –شيعية- تريدها إيران لكي تصدّر أزماتها الداخلية والخارجية مع أمريكا، وتشغل الرأي العالمي في العراق، لينسى الحرب الحوثية المهزومة في اليمن وينسى التصعيد الاسرائيلي مع حزب الله وقضية الأنفاق، أو في أزمة الميليشيات الايرانية في سوريا والعراق، وإصرار الادارة الامريكية وضعها على لائحة الارهاب، وتهدد من يتعامل معها ويمولهاهو في خندق إيران، وبهذا المشهد الملتهب عراقياً، دخلت أزمة تشكيل حكومة عادل عبد المهدي نفقاً جديداً، بعد ماجرى من مهزلة وفوضى داخل جلسة مجلس النواب قبل 3أيام، وفشل المجلس في التصويت على بقية المناصب الوزارية، اليوم يقف العراق بكل أوضاعه السياسية، بأحزابه وكتله الفاشلة الفاسدة، على مفترق طرق، أولها إشعال حرب بين الميليشيات التابعة لإيران ومع التيار الصدر الواسع الانتشار والمسيّطر على الشارع العراقي، وأولى مؤشرات هذه الحرب، هي إصرار زعيم التيار على رفض الفياض لوزارة الداخلية، ثم إغتيال قائد سرايا السلام حسين الحجامي في بغداد، وبعدها نقد المرجعية العليا أمس للسيد مقتدى الصدر، وتعنّيف تياره في مجلس النواب، وتحمّيله ماجرى داخل قبة البرلمان، وهذا مؤشر آخر على إعطاء الاخرين الضوء الاخضر، للمواجهة مع السيد الصدر وتياره وتحمّيله وِزر تأخر تشكيّل حكومة عادل عبد المهدي، بل والتخلي عنه امام الكتل الاخرى، إذن مظاهرات البصرة وبغداد، وتهدّيد السيد الصدر بالعودة لإقتحام البرلمان ثانية، وإعطاء عادل عبد المهدي مهلة ستة أشهر، هي أيضا رسالة من التيار الصدري له وللأحزاب، فماهو موقف إيران أزاء إصرار الصدر على إفشال مشروعها في العراق، الذي تعتبره إيران مسألة مصيرية لها، لأنها تواجه حصاراً امريكياً ودولياً قاتلاً، إضافة الى إعلان جريدة الواشنطن بوست أن الادارة الامريكية، تعدّ لضربة عسكرية إستباقية لأيران في آذار القادم، إذا لم يؤثر عليها الحصار التأريخي الاقسى، وهذا يجعل إيران بموقفها الضعيف في سوريا ولبنان واليمن والعراق، خاصة بعد هزيمة داعش والحوثيين في العراق وسوريا واليمن، لذلك نرى أن الموقف الايراني في العراق، أمام إمتحان عسير، يقابله تصلّب شديد لموقف مقتدى الصدر، ورفض لإملاءاتها عليه (جيراننا أصدقاؤنا وليس أسيادنا)، إيران وأمام تشدّد الصدر ومعه بعض الكتل الاخرى، يجعل من الموقف الايراني ضعيفاً، لاتحسد عليه، لهذا أرسلت أيران قاسم سليماني الى بغداد ليحسم هذا الصراع، ونعتقد إنه سيفشل هذه المرة في الحصول على موافقة، وتنازل وتمرير مرشحه فالح الفياض، لذلك سيستخّدم ورقته الاخيرة، التي يلوح بها لخصوم ايران، وهو سلاح التهديّد، وإشعال الشارع العراقي، بتنفيذ إغتيالات واسعة بدأها بقائد سرايا السلام حسين الحجامي، كرسالة تهدّيد أولى للصدر، ولربما الرسالة الأخرى، هي إغتياله شخصياً كما أعلن الصدر أكثر من مرة للعالم وحان الآن وقت التنفيذ، وهذا السيناريو نراه الأقرب، لتنفيذ بقية المشروع الايراني في العراق، وهو إدخال العراق بحرب أهلية شيعية شيعية، يخطّط لها منذ سنوات، ولكن في المقابل، هل يستطيع سليماني تنفّيذ مخططه الجهمني هذا، (تسريب معلومات نشرتها الصحف العالمية بإرسال فرق الموت للعراق لقتل رموزه الوطنية التي تعارض التواجد الايراني والتدخل الايراني)، لانستبّعد أي سيناريو مهما كانت أشكاله، وامام هذه السيناريوهات الايرانية، تواجه الادارة الامريكية وضعاً معقداً لها في العراق، لمواجهة إيران وما تنفذه في تأخير تشكيل حكومة تابعة لها، ألادارة الامريكية تعمل بصمت وبعلن، بصمت هي تدفع بالعملية السياسية وتدعمها بقوة ولو من خلف الستار لمواجهة المشروع الايران، وبعلن حينما تدرج الميليشيات العراقية المسلحة التي لها مقاعد في البرلمان على لائحة الارهاب، وتفرض على الحكومة العراقية عدم التعامل معها وسحب اسلحتها وفرض عقوبات مالية وعسكرية، وتهدّد الحكومة بعدم التعامل معها، وهكذا تضغط الادارة الامريكية على حكومة عادل عبد المهدي، وتخيرّه بينها وبين الميليشيات، هذا من جهة وتلعب إيران أيضاً على وتر اقليم كردستان، الذي يشهد تعقّيداً وصراعاً بين الحزبين الكبيرين في تشكيل حكومة الأقليم، وتدعم حزب الاتحاد الوطني، على حساب الحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي إستحوّذ على أكبر عدد من مقاعد برلمان كردستان، ناهيك عن أصل الخلافات والصراعات، التي إنفجرت بينهما بعد الاستفتاء، وعودة كركوك والمناطق المتنازع عليها الى حكومة بغداد، بتواطؤ الاتحاد الوطني الكردستاني مع بغداد (حسب إدعاءات) الديمقراطي الكردستاني، والذي يصفونهم (بالخونة)، إعاقة تشكيّل حكومة في بغداد، وفرض الأمر الايراني على القوائم والكتل بات واضحاً، ثم تأجيج الخلافات والصراعات بين الحزبين في الاقليم، بدعم ودفع من إيران، هو هذا مايعّقد الوضع في العراق، ويوصله الى حالة الإنفجار، والعودة الى المربع الاول كما تريده إيران، للافلات من العقوبات والإلتفاف عليها، أي تفجّير الاوضاع الأمنية والسياسية في العراق، بإشعال حرب شيعية – شيعية وكردية –كردية، هذا هو أحد السيناريوهات الإيرانية حالياً، وهُنا على الكتل والأحزاب بكلِّ توصيفاتها، أن تّعي المؤامرة الإيرانية لصالح مشروعها ووجودها، الذي تدرك أن المجتمع الدولي ضاق ذرعاً بنظامها، ويسعى لتغييّره بشتّى الطرق، حتى بالقوّة العسكرية، وبتحالف دولي جاهز لتنفّيذ الضربة، وتحالف عربي أنشأ نواته الرئيس ترمب والامير محمد بن سلمان في واشنطن، وهو الناتو العسكري العربي لمواجهة إيران، وتغيّير نظامها بالقوّة والحصار التاريخي، ونحيلكم لتصريح الرئيس الايراني حسن روحاني قبل يومين قائلاً (إذا منعنا من تصدير نفطنا سنمنع الآخرين، من تصديّر نفطهم)، ويقصد دول الخليج العربي والسعودية، وهو يدرك تماماً أن الحرب على نظامه لتغيّره قادمة لامحالة، خاصةً بعد هزيمة الحوثيين في اليمن، ومحاصرة حزب الله عسكرياً، وتوجّيه ضربه إسرائيلية قريبة له، بعد (فضيحة الأنفاق)، والإعترافات الامّمية لها، وحلّ أزمة النظام السوري، بفرض السلام هناك، وطرد داعش من الاراضي السورية، والتفاوض مع المعارضة السورية، للوصول لحلِّ أممي سلّمي مع النظام، لم يبق إلا إيران التي تتغوّل وترعى الإرهاب العالمي، وتهدّد العالم به، كما ثبتت الأحداث، وفضحت العصابات الاجرامية وفرق الاغتيالات، التي تموّلها وترسلها إيران الى أوروبا وأمريكا وغيرها، وإنفضحت اللُعبة، في الارجنتين وفرنسا وبلجيكا، وألقّت القبض على أعضائها وإعترفوا بمسئولية النظام الايراني، أنه هو من أرسلهم لتصفيّة المعارضين له، العراق الآن يعاني شلل سياسي، وصراع حكومي وحزبي بين الكتل، وتدعم هذا الصراع وتؤجّجه إيران بكل قوتها، وعلى الكتل أنْ تَعي الدرّس وتذهب الى حلول سياسية، لأنها ستواجه داعش ثانيةً، في المدن التي تحرّرت بدماء العراقيين، ولأن صراعها على المناصب والمغانم، هو في صالح تنظيم داعش وأعداء العراق بالدرجة الأولى، يستثمرون صراعتكم وخلافاتكم، من أجل عودة الارهاب للعراق، فالإرهاب والفساد الذي تمارسه أحزابكم هو وداعش وجهان لعملة واحدة في خراب العراق وتدميره، فلا مناص ولا منجى، إلاّ برفض التدخل الايراني علناً، كما فعل الصدر، والذهاب الى حكومة عراقية، بعيداً عن إملاءات إيران وأمريكا، لإيجاد أرضية سياسية فيما بعد، تؤدي الى إنفراج أمني وسياسي بمصالحة وطنية حقيقية شاملة، تنقذ العراق من الإنهيار الأخير، والدخول في نفق لن يخرج منه أحدٌ منكُم ...

 

عبد الجبار الجبوري

 

محمد العباسيالاستعمار (ويسميه بعض منتقدوه «الاستدمار») هو مصطلح يشير إلى ظاهرة سياسية، اجتماعية وثقافية تشمل إقامة مستوطنات أوروبية خارج أوروبا منذ القرن الخامس عشر واستيلاء الدول الأوروبية سياسياً واقتصادياً على مناطق واسعة في جميع القارات الأخرى، بما في ذلك إخضاع الشعوب القاطنة فيها لحكم الدول الأوروبية واستغلال كنوزها الطبيعية وإجبار واستغلال السكان المحليين للعمل سخرة لصالح الدول الأوروبية. انتهى الاستعمار تدريجيا خلال النصف الآخر من القرن العشرين، ولكنه يعتبر من أكثر الظواهر السياسية تأثيرا على صورة العالم المعاصر.  الاستعمار هو عملية إخضاع جماعة من الناس لحكم أجنبي غاصب، ويسمى سكان تلك البلاد بالمُستَعمَرين، وتسمى الأراضي الواقعة تحت الاحتلال البلاد المُستعمَرة. ومعظم المستعمرات مفصولة عن الدولة المستعمِرة (بكسر الميم الثانية) ببحار ومحيطات وقارات شاسعة. وغالبا ما ترسل الدولة الأجنبية سكانها وربما جيوشها وقادة عسكريين للعيش في تلك المستعمرات والسيطرة التامة عليها بالقوة والإخضاع وحكمها واستغلالها مصادر ثروتها ومنتجاتها المحلية لصالحها. وهذا ما يجعل حكام المستعمرات منفصلين عرقياً عن المحكومين المغلوبين على أمرهم. 

ولا تزال الإمبراطورية البريطانية مثلاً حاضرة في بعض مناطق العالم سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. مثلاً لا تزال حاضرة في جزر "فوكلاند" في أقصى جنوب قارة أمريكا الجنوبية بمحاذاة الأرجنتين وكذلك في شمال إيرلندا فيما تسمى "إيرلندا الشمالية"، وفي "جبل طارق" في جنوب "ايانيا".. وحتى تاريخ ليس ببعيد كانت لا تزال تستعمر "هونغ كونغ" حتى أعادتها بعد 156 سنة من السيطرة منها 99 سنة من إتفاقية إستئجار مع "الصين" حتى أعادتها في العام 1997. وهناك دولاً كبيرة وهامة في المنظومة الأممية لا تزال أعلامها تشمل العلم البريطاني ولا تزال تدين بالولاء للملكة إليزابيث الثانية، مثل كندا وأستراليا ونيوزيلندا وجاميكا وجزر البهاما وبربادوس وجرينادا وجزر سليمان وجزر أنتيغو وبربودا وهندوراس وبابو غينيا الجديدة، وغيرها الكثير من الجزر الصغيرة المنتشرة حول العالم إلى يومنا هذا! بل وحتى ما تسمى بالمقاطعات مثل المقاطعة البريطانية في القارة القطبية الجنوبية والمقاطعة البريطانية في المحيط الهادي. بالإضافة لذلك هناك ولايات أخرى تابعة للتاج البريطاني فيما يعرف بأقاليم ما وراء البحار البريطانية، وهي دول تحت ولاية وسيادة المملكة المتحدة لكن لا تشكل جزء منها، وعلى عكس دول الكومنولث فإن شعوب هذه المناطق صوتوا للبقاء تابعين للأراضي البريطانية.

 

الاستعمار بشكل عام وربما الاستعمار البريطاني بالذات كونه الأكبر والأكثر انتشاراً هو ظاهرة تهدف إلى سيطرة دولة قوية على دول ضعيفة وبسط نفوذها من أجل استغلال خيراتها في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وهي بالتالي تنهب وتسلب معظم ثروات تلك البلاد المستعمرة، فضلا عن قيامها وبشكل منظم بتحطيم كرامة شعوب تلك البلاد وتدمير تراثها الحضاري والثقافي، وفرض ثقافة الاستعمار ولغتها وقوانينها على أنها الثقافة الوحيدة القادرة على نقل البلاد المستعمرة إلى ركب الحضارة حسب منظورها وفلسفتها الاستعلائية ونظرتها الدونية للغير.. وربما في جانبنا من العالم كانت شبه القارة الهندية من أغلى مستعمراتها ومن أكبر ضحاياها لمدة قاربت الـ 300 سنة من الاستغلال الممنهج! وربما كانت "شركة الهند الشرقية" التي نشأت في لندن هي يد الاستعمار الغاصبة ليس في شبه القارة الهندية فقط بل في كافة مناطق النفوذ البريطاني في الشرق الأقصى، حيث كانت مهتمة في تصدير التوابل والشاي والخزف والأقمشة والحرير إلى بريطانيا ومنها إلى كافة أنحاء أوروبا.. تطوّر وضع "شركة الهند الشرقية" من كونها فقط مؤسسة تجارية عندما اندلعت الحرب بين بريطانيا وفرنسا وطالت الهند في منتصف أربعينيات القرن الثامن عشر. فتفوقت الشركة عسكرياً على الشركات التجارية الأوروبية المنافسة والحكام المحليين، وبلغت ذروة هذا التفوق سنة 1757 بسيطرتها على إقليم البنغال، ولتستحوذ على خيراتها ومنتجاتها الغنية في ذلك الزمان.

أما في الجانب الآخر من العالم فكان الاستعمار البريطاني الأعظم للقارتين الأمريكيتين (بما في ذلك استعمار مملكة إنجلترا ومملكة اسكتلندا قبل قوانين الاتحاد التي تكونت بها مملكة بريطانيا العظمى سنة 1707). بدأ كل هذا سنة 1607 في "جيمستاون" في ما تعرف الآن بولاية "فيرجينيا"، ووصل إلى ذروته بإنشاء المستعمرات في كافة المناطق الشرقية للأمريكيتين حيث باتت إنجلترا، أو بريطانيا الآن، أحد أهم مستعمري الأمريكيتين، وجاءت إمبراطوريتهم الأمريكية لتزاحم المستعمرات الإسبانية في عموم قارة أمريكا الشمالية والجنوبية في القوة العسكرية والاقتصادية.  وتسبب الاستعمار الإنجليزي والاسكتلندي والويلزي والأيرلندي في اضطراب كبير في الحضارات القومية في الأمريكيتين، بطريق مباشر عن طريق استخدام القوات العسكرية القادمة من خارج البلاد، وغير مباشر عن طريق التعارض الثقافي وحتى بسبب الأمراض الواردة التي لم تكن معروفة في هذه البقاع. وتنوعت طبيعة العلاقات بين المستعمرين والسكان المحليين من تضارب المصالح التجارية وصولاً إلى صراعات مسلحة. وتكونت طبقة من المحاربين في كثير من المجتمعات الأصلية وسجلوا تاريخاً حافلاً بالحروب. وقد ثبت أن سرعة الأطراف المقاتلة وخفاءها وشراستها لها تأثير مدمر على الأسلوب الذي يتبعه المستعمر في شن الحروب، لكن المستعمر تغلب على ذلك على المدى البعيد بفضل الأسلحة النارية مقابل الأسلحة البدائية. لكن ظلت التجارة مع السكان المحليين ركيزة أساسية في السياسة الاستعمارية البريطانية، وأيضاً الفرنسية، ولكنهم دفعوا بكثافة في جانب الاستيطان وتطوير المستعمرات ومناطق النفوذ والتجمعات العسكرية والسيطرة التامة على الشعوب المغلوبة على أمرها.

وكان هناك ثلاثة أنواع من المستعمرات تتبع الإمبراطورية البريطانية في أمريكا عندما وصلت لأوج قوتها في القرن الثامن عشر. وهذه الأنواع هي مستعمرات معاهدة ومستعمرات مالكة ومستعمرات ملكية. فبعد الحرب العالمية الأولى، اعتُبرت المناطق الأمريكية التابعة لبريطانيا حكومات حرة وذات مسؤولية أكثر حرية أو ما نتعارف عليه الآن بالحكم الذاتي، حتى حصلت تدريجياً على الاستقلال في أواسط القرن العشرين. وهكذا حصلت دولتان في أمريكا الشمالية وعشر دول في الكاريبي ودولة في أمريكا الجنوبية على الاستقلال التام عن المملكة المتحدة أو التاج البريطاني، وفي يومنا الحاضر لا تزال المملكة المتحدة تحتفظ بثماني مناطق تابعة لها في الأمريكيتين، وتمنح هذه المناطق درجات متفاوتة من الحكم الذاتي، إضافة إلى ذلك، كانت هناك تسع مناطق تابعة لبريطانيا تعرف بمسمى مملكة الكومنولث، وهي الآن مستقلة عن المملكة المتحدة.

أما في منطقتنا العربية فقد سيطرت بريطانيا إما بالقوة أو عبر معاهدات وفروض الحماية بشكل أو بآخر على منطقة الخليج العربي واليمن ومصر والسودان والصومال والعراق وفلسطين والأردن والمغرب.. وعلى مدار أكثر من مائة وخمسين عاماً، من 1820 حتى انسحابها في ١٩٧١، كانت بريطانيا هي القوة المهيمنة في منطقة الخليج. ومثلما الحال مع غيرها من القوى الأوروبية الأخرى، لاسيما البرتغالية والفرنسية والهولندية، كان اهتمام بريطانيا في البداية بمنطقة الخليج، والذي انطلق في القرن السابع عشر، يهدف لتطوير المصالح التجارية. وقد بدأت طبيعة التَدخُّل البريطاني تتغير بعد أن تمكنت من توطيد وتوسيع ممتلكاتها الاستعمارية في الهند. أما الحديث عن التواجد والآثار والمشاكل التي خلفتها ورائها في كل دولة من الدول العربية فتحتاج لمقالات منفردة للنظر فيما تركتها من معاضل، لا سيما فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية و"وعد بلفور" المشئوم وتسليمها لقمة سائغة ليهود الشتات. إنها تلك المملكة الاستعمارية التي لم يكن يغيب عنها الشمس من أقصى الشرق حتى أقصى الغرب من العالم التي سرقتها ونهبتها واغتصبت خيراتها من أجل ثرائها ومصالحها هي، وهي ذاتها التي تتحدث اليوم عن الحقوق وتنتقد الحكومات وتتبنى الحركات الثورية وتأوي لديها المجرمين والمخربين وتعطيهم الأمان في ديارها.. لم تتغير أجندتها الاستعمارية ولم تعتذر يوماً عن كل ما اقترفتها من مجازر ولصوصية واستعباد لشعوب الأرض.

 

د. محمد العباسي - أكاديمي بحريني

 

 

ابراهيم ابوعتيلهغضبت أمريكا وابتهجت "إسرائيل" وفرحت المقاومة الفلسطينية 

تقدمت الولايات المتحدة بمشروع قرار للجمعية العامة للأمم المتحدة يهدف لاعتبار "أنشطة حماس وغيرها من الفصائل المقاومة إرهاباٌ يستحق الإدانة، ومطالبة بوقف ما أسمته الأعمال الاستفزازية والأنشطة العنيفة التي تقوم بها فصائل المقاومة في قطاع غزة بما في ذلك استخدام الأجهزة الحارقة المحمولة جواً "الطائرات الورقية والبالونات"، مع إدانة قيام المقاومة بإقامة البنى تحتية عسكرية بما فيها الأنفاق للتسلل إلى "إسرائيل" أو بناء معدات لإطلاق صواريخ على المناطق المدنية " ولم يشر مشروع القرار بالطبع لكل الأعمال العدوانية التي يقوم بها الكيان الصهيوني، لاغية بذلك كل مناورات المعسكر الغربي سابقاً الذي كان ينص على إستنكار كل "أعمال العنف" من الطرفين بما يعني المساواة بين الضحية الجلاد .

ومن أجل ذلك، قام المعسكر الصهيو أمريكي ببذل جهوداً مضنية على صعيد العالم للتأثير على مواقف الدول المختلفة من أجل التصويت لمصلحة القرار ÷ ترغيباً تارة وترهيباً تارة أخرى، مستغلة بذلك حالة الوهن والتففت العربي والإنقسام الفلسطيني وسعيه لسلام وهمي إضافة لنتائج ما فعلته أمريكا في كل من العراق وسوريا وليبيا واليمن، في الوقت التي لم تسلم به الدول العربية ذاتها من الضغوط الأمريكية للتصويت إلى جانب القرار ...

وقبل التصويت على القرار بيوم واحد، طلبت أمريكا بان يتم التصويت على مشروع بالأغلبية البسيطة التي كانت في نظرها مضمونة، إلا أن الجمعية العامة رفضت الطلب الأمريكي بأغلبية ثلاثة أصوات فقط (75 مقابل 72 صوت) حيث أكدت الجمعية العامة على ضرورة حصول القرار على أغلبية الثلثين لكونه من المواضيع الهامة، فكان التصويت يوم أمس الذي حمل في طياته مخاوف كبيرة ويحمل في طياته دلالات خطيرة لا بد من الوقوف عندها ..

لقد حصل المشروع الأمريكي الصهيوني الغربي على موافقة 87 دولة مع رفض 57 دولة وامتناع 33 دولة ن وهو ما لم تحصل عليه أمريكا من أصوات ضد حرية الشعوب وتحررها سابقاً وكيف تحصل على ذلك وهي المعادي الرئيسي لحرية الشعوب في كل أنحاء العالم، ورغم فشل القرار بسبب " شرط" حصوله على ثلثي الأصوات الا ان ما حصل عليه من أصوات يشكل خطراً كبيراً على القضية القلسطينية وعلى المقاومة فلقد صوتت" على ادانة المقاومة " ٨٧ دولة  وهو عدد ليس بالقليل خاصة وأن عدد الدول التي صوتت ضد القرار كان أقل ممن كانت معه ...

تحول كبير في مواقف الدول ظهر جلياً في نتائج التصويت فبعد أن كانت الصهيونية العالمية ومعسكرها تاريخياً لا تحصل الا على صوت أمريكا والكيان وعدد قليل جدا من الدول التابعة " كجامايكا وميكرونيشيا وكندا وفي أحايين أخرى بعض من الدول الأوروبية " حصل مشروعها على أصوات كل الدول الأوروبية وأمريكا الشمالية وعدد لا بأس به من الدول الإفريقية واللاتينية والآسيوية والإسلامية وبما يعني انحسار الدعم للقضية الفلسطينية بل ولكل أوجه المقاومة المشروعة في العالم ... فمن كان يتصور ان تشيلي بحكمها اليساري وفيها أكثر من نصف مليون فلسطيني ستصوت مع القرار أو أن البوسنة "المسلمة" التي ناصرناها بالمطلق في معركتها التحريرية ستصوت مع القرار أو أن اليونان أو البرازيل أوصربيا أو ... ستصوت مع القرار، عدا عن تلك الدول التي امتنعت عن التصويت إما خجلاً أو تخوفاً، وربما لو كان التصويت على مشروع القرار الأمريكي سرياً لحصل على عدد أكبر مما حصل عليه من الأصوات.

 ورغم الغضب الأمريكي من نتيجة التصويت، الغضب الذي يحمل في طياته سعادة وفرحاً بما كانت لتحلم به يوماً من حصولها على هذا التاييد الكبير ويشاركها في ذلك غضباً وفرحاً كيان العدو الصهيوني، إلا أن المنطق يقول بأن نتيجة التصويت يعتبر فشلاً ذريعاً للقضية الفلسطينية، ولا يستحق التباهي والفرح من قبل حماس وفصائل ظل المقاومة الفلسطينية المختلفة أو حتى من السلطة الفلسطينية والعالم العربي ..

لا شك بأن نتيجة التصويت وعلى الرغم من فسل المشروع تعتبر مرعبة للقضية الفلسطينية... فمن يتحمل المسؤولية .....

لا شك بأن الكل العربي  يتحمل ذلك، فحالة العرب تثبت يوماً بعد يوم بأنها في حالة مزرية يسودها الاقتتال والاختلاف والمحاور، ويثبت بأن القضية الفلسطينية قد تراجعت عن كونها قضية العرب المركزية ...

كما وأن المسؤولية الأكبر تقع على عاتق " السلطة الفلسطينية " التي اعتبرت المقاومة وفقاً لاتفاقية أوسلو عمليات عنف وإرهاب يوجب التصدي له، وهذا  ما يتم عملياً من خلال التنسيق الأمني سيء الذكر الذي تمارسه السلطة الفلسطينية في سعيها المذل للسلام الوهمي، كما تتحمل حركة حماس نفسها المسؤولية حين اعترفت بوجود الكيان الصهيوني في وثيقتها المشؤومة .

فلا تفرحوا ولا تتباهوا للفشل الأمريكي وفشل مشروع القرار، فالأمر يقتضي وقفة جادة لدراسة نتيجة التصويت من قبل كل المؤمنين بالحق العربي والفلسطيني والحق المشروع في مقاومة الإحتلال . 

 

ابراهيم ابوعتيله – الأردن

 

محمد ابو النواعيرمن المعلوم أن عصب الاقتصاد بات في زماننا الحاضر يمثل الأساس الذي تحيى به المجتمعات، ويتحقق به السلام، وتنهض عند حسن تدبيره الأمم؛ وقد واجهت الدولة العراقية مشاكل بنيوية في بنيتها الاقتصادية منذ فترة تأسيسها الحديثة، ولا زالت تعاني منها إلى اليوم، حيث عجزت عن تحقيق الموائمة بين الأهداف التي تقع ضمن اختصاصها، في ظل بيئة سياسية وناقتصادية وناجتماعية، تعاني ونبصورة مستمرة من تقلبات مختلفة ونبفعل عوامل متباينة .

هذه المشاكل التي اعترضت البنية الاقتصادية العراقية وسياساتها المالية، لم تتولد  فقط عن ضعف الإدارة المالية، أو تدني في مستوى ونحجم  الكفاءات الضرورية لمهام السياسة المالية، بل الأمر يتعدى ذلك إلى الاصطدام بالطبيعة البنيوية المعقدة لهيكل الاقتصاد العراقي، ونالتي ارتكزت بالأساس على التوافق اللامتكافيء بين قطاعين: احدهما متقدم ونالآخر متخلف، الأمر الذي خلق معه صعوبة الارتكاز على هيكل اقتصادي متكافئ قادر على توليد فائض اقتصادي، مما قاد إلى الاعتماد كليا على نمط الاقتصاد الريعي، والذي يمثل نوع الاقتصاد الكسول والإتكالي، الذي تتمحور حول أقطابه عادة : السياسة والعسكرة والإعلام، متجهة وبقوة نحو خلق حالة من العلاقة الزبائنية بينها وبين القاعدة الجماهيرية للبلد، والتي هي من المفترض(القاعدة الجماهيرية) تمثل المُصَنِّع للسياسة في ظل الحكم الديمقراطي!

قاد الاقتصاد الريعي بلدا كالعراق إلى حالة تناقض صارخة، لم تتمكن مؤسسته الإقتصادية من التخفيف من حدته، فالكفاءة الاقتصادية يجب عليها أن تكون مقرونة بمبدأ العدالة التوزيعية، والحاصل هو أن المنظومة الاقتصادية عجزت عن تحقيق حالة العدالة التوزيعية، بسبب عدم توفر الكفاءة الإقتصادية التي تقوم من جانبها على مقومات كثيرة، تتعارض هذه المقومات مع سطوة المؤثرات التي تتبناها عادة مجموعة الحكم، والتي تتضارب مصالحها أحيانا مع مبادئ الكفاءة الاقتصادية (الإنتاجية)، إضافة إلى كونها (أي مجموعة الحكم)، تعمد دوما إلى التمترس حول الاقتصاد الريعي، ومن خلال إنشاء أنساق سياسية وأسرية وقانونية وعشائرية، مدعومة أحيانا بأوضاع إقليمية ودولية، من أجل إطالة أمد بقائها وتسلطها على موارد الاقتصاد الريعي .

يتفق اغلب المنظرين الاقتصاديين، على أن أشكال الطبيعة الريعية، وما تجر ورائها من أوجه متعددة للاستبداد التسلط، إنما تكون في أسسها البنيوية، إحدى أهم عوامل تكسير عجلة الديمقراطية، من خلال إفراغها (الديمقراطية) من محتواها الرئيس ! فالديمقراطية تقوم على مبدأ أساسي ومهم جدا، ألا وهو الحرية السياسية للأفراد والجماعات، تقييد هذه الحرية يكون غالبا في الدولة الريعية، من خلال تحول الفرد أو الجماعة، إلا تابع زبائني، لمن يملك المقدرات الاقتصادية في الدولة.

هذه الفئة المالكة تكون عادة، إما فرد (دكتاتور) أو (جماعة مسيطرة) على موارد السلطة، وتنجح دوما في إعادة خلق وإيجاد نفسها في العملية السياسية، فتحكمها الغير مرئي بكل مفاصل الاقتصاد الريعي (الذي لا يشترك الجمهور في إيجاده أو تكوينه)، يقود إلى أن تكون هذه الفئة هي المسيطرة على كل المقدرات، وهي التي تحرك الجمهور (والذي يكون في العادة متكلا عليها تماما: كدولة او كسلطة او كحكومة) في معاشه، فيتحول المواطن عندها كزبون، ليس له دور في الدولة (الديمقراطية)، إلا أن يكون تابعا لأدوات اقتصادها المسيطر عليها من قبل فئة الحكم، عندها ينتظم المجتمع في هيكل أشبه بهرم من الشرائح الريعية، تقف الدولة على رأسه باعتبارها المصدر الأول للريع والملاذ الأخير للشرائح الريعية !

عندما تكون (فئة الحكم) قادرة على شراء الاجماع، عن طريق توزيع السلع والخدمات والدخل بين مواطنيها لقاء القليل او لقاء لا شيء فإنها ليست بحاجة الى شرعية ديمقراطية، فالشغل الشاغل للفاعلين السياسيين في الدولة الريعية هو الإمساك والسيطرة على مصادر الريع والاستحواذ عليه، بما يضمن آليات إعادة إنتاج الهيمنة والسيطرة والنفوذ، والمحافظة على قائمة الأولويات التي تخصها بالذات، الأمر الذي لا يصلح لتنظيم الإجماع وتأييد الأغلبية.

والدولة الريعية وكما تشير التجربة الملموسة، تلد الاستبداد والتسلط، بسبب طبيعة بنيتها والقوى التي تستند إليها، فالاقتصاد فيها توزيعي وليس إنتاجي، وبما أنه توزيعي، فهو يجعل المواطنين دوما يقعون تحت رحمة وقرارات واستثناءات (فئة الحكم)، وهذا يفرض بالتالي ضعفا كبيرا في الدور الوجودي للمواطن أو الجمهور في العملية السياسية الديمقراطية، بل ويجعل عملية الاستغناء عن العملية السياسية’، واستبدالها بصيغة من التحالفات التقليدية، التى توفر نوعا من الاستقرار النسبي الشكلي  بفعل  عملية التوزيع الريعية التي تحقق " التوافقات " بين القوى المتنفذة رغم تناقضاتها المعروفة !

حل المشكلة الريعية لا يكون بالاقتصار فقط على تصحيح أسس بنية النظام الاقتصادي، بل إن المعادلة تقوم على ثلاثية إصلاح، لا يمكن الإخلال بأحد أطرافها، وهي : إصلاح التعليم العالي (لتأسيس بنية قادرة على الإنتاج)، وإصلاح النظام السياسي (بتقوية مجموعات الضغط اللاحكومية- للحد من تغوّل فئة الحكم)، وأخيرا أصلاح بنية النظام الاقتصادي (بالاعتماد على نظام يتم فيه دمج ثنائية : "الخاص- العام"، و"المقيد حكوميا – الحر")، ليكون للمواطن دور ومشاركة في بناء النظام الاقتصادي، دون الاتكال على الدولة (فئة الحكم)، بشكل كامل .

 

د. محمد أبو النواعير

دكتوراه في النظرية السياسية/ المدرسة السلوكية الأمريكية المعاصرة في السياسة.

 

مهدي الصافيالشعب يقود ثورة التغيير:  كانت اصعب المواقف السياسية التي مر بها شباب انتفاضة شعبان١٩٩١بعد هزيمة جيش صدام في الكويت وانسحابه المذل منها، هو الهزيمة النفسية الكبيرة التي تعرضوا لها بعد الخروج من العراق، في اعقاب فشل الانتفاضة، ورؤيتهم لما كان يعد بديلا لنظام صدام من احزاب المعارضة السياسية البائسة، فهي لاتكاد تكون الا واجهة ميتة لشباب ومجاهدين ابطال يريدون العمل باية وسيلة او طريقة لمواجهة هذا النظام الاستبدادي الدموي الشمولي الجاثم على صدر الشعب واسقاطه، فقد اصابهم اليأس والاحباط وكانت تشعر على سبيل المثال لا الحصر ان قادة الاحزاب والحركات الاسلامية اصابه الضجروالتململ من هذه الروح والدماء الثورية المتقدة، ارادت بشتى الوسائل وبمختلف الطرق للتخلص من الشباب المندفع والباحث عن اية وسيلة جهادية متاحة للذهاب الى العراق، بزجهم هناك بعيدا عن اعينهم ووجوهم الصفراء، فهم لايريدون الا الاستمرار بتلك اللعبة التي امنت لهم حياتهم المعاشية بعد ان شعروا باستحالة تغيير النظام، دون وجودة ارادة امريكية حقيقية لاسقاطه...

حتى جاءت مرحلة انهاء النظام الصدامي الدكتاتورية بعد ٢٠٠٣، فوقعت الكارثة والصدمة بالفراغ السياسي الكبير، فقد شعر الشعب بأهمية وجود الحركات السياسية المعارضة لانقاذ البلاد من الفوضى، لكن سرعان ما تهافت الانتهازيون والفاسدون الذين كانوا يقفون بالطابور خارج حجرة الاستعمار والحاكم المدني المتعجرف بريمر، فأكتشف الشعب ان اغلب هؤلاء"قادة الاحزاب والحركات المعارضة"لايمثلون الا انفسهم، ولايملكون اي رؤية سياسية واقعية لاعادة بناء البلد، نزلوا به بعد الفتنة الطائفية والفساد المالي والاداري الى ادنى المستويات الادارية والحكومية، عبر نموذج قبيح وسيء ولايوجد له مثيل في الديمقراطيات الحديثة...محاصصة بكل شيء، وفي جميع مؤسسات ودوائر ووظائف ومشاريع واجهزة الدولة الرسمية، ثم جعلوا الاعراف والتقاليد القبلية والعشائرية هي السائدة في المجتمع والدولة، واصبحت الانتخابات والسلطات والمسؤوليات توزع وتعطى على مقاسات تلك العشائر والقبائل والجماعات المسلحة وقادة الاحزاب الفاسدة....

لقد كان من اكثر الامور تعقيدا وتدميرا للدولة الديمقراطية الفاشلة هو غياب الوعي والنزاهة والفكر السياسي، ونظرية ادارة الدولة وطبيعة الحكم، فالنظام البرلماني كالنموذج اللبناني-العراقي يعد النموذج الاكثر تخريبا للدول ووحدة الارض والمجتمع، لانه نظام قوننة اشاعة الفساد الرسمي، فالدولة في المجتمعات المتعددة الثقافات والاعراق والطواىف والاثنيات لاتنفع معها ولن تنجح تلك النماذج السياسية الديمقراطية البدائية، انما هي ترسيخ وتعزيز لثقافة التفكك والتجزئة والتنافس والصراع ومن ثم الانحدار نحو التقسيم الى عدة دويلات متناحرة ومتقاتلة على اشبار وليس امتار من الارض، ولهذا يعد النظام الرئاسي الدستوري هو الاكثر ضمانا لبقاء تلك المجتمعات والدول المتعددة الاثنيات والثقافات امنة مستقرة بعيدة عن شبح التشرذم، والانقسام،

مايهم في الامر القول من ان المجتمعات التي تمر بنفس تلك الظروف ستكون بكل تأكيد نسبة الرافضين لهذا الاسلوب او النموذج الفاسد في الحكم هي النسبة الاكبر من الشعب، اذ ان الفساد والفشل لاينفع الا اصحابه، وهم على الدوام وفي كل الازمنة والعصور لايمثلون الا القلة، اما من يبحث عن الازدهار والتقدم والتنمية والنجاح وبناء الدولة المتحضرة فهم الاعم الاغلب من المواطنين، الذين غالبا مايكوهوا ابناء الطبقات المحرومة والمتوسطة من المجتمع، لانهم الاكثر ضررا من الاخرين ممن يتعمد اشاعة ظاهرة الفوضى الرسمية او الحكومية، هؤلاء هم يمثلون القوة الاكبر المنزوعة السلاح، التي لن تستطيع انقاذ البلاد من كارثة الفساد السياسي، الا بالثورة السلمية السياسية العلمية النخبوية العارمة، او بمعجزة صعود حزب سياسية كبير يسير كالسيل الجارف في المجتمع، لكنس وازاحة اوساخ السياسة المتعفنة بالفساد، وهي جزء من صيرورة الخلق والتكوين وبناء الدول والمجتمعات الانسانية المرفهة، وهذا يعد بمثابة الحلم الانساني العلمي التاريخي الاكبر، الذي ارسلت من اجله الانبياء والرسل الى الارض والمجتمعات الانسانية، وناضل وجاهد من اجل تحقيقه المجاهدين والمناضلين وعباد الله الصالحين منذ القدم في مشارق الارض ومغاربها، وهو كما نعتقد اهم واكبر واكثر الاسئلة المحيرة التي لايقوى احد من الاجابة عليه بمفرده، دون ان تصبح له قاعدة شعبية واسعة تسمع بشكل جيد، وتنصت بأهتمام الى لغة المعرفة والفكر والعقل، كي تصبح قوة هائلة لايصمد امامها احد ان ارادت الاصلاح والتغيير، ليس من باب طرح الشعارات والخطب والبيانات الاستهلاكية، ولكنها الحاجة والضرورة الملحة لانقاذ المجتمعات والدول العربية، الاي يجب ان تفكر بشكل جدي بالمنقذ والمخلص الذي سيظهر من بين عقول علماءهم ومفكريهم ومبدعيهم وعباقرة ونخب المجتمع، كانوا يقولون للعوام ضع امرك برأس عالم دين واخرج من المسائل الفقهية سالما، نقول للشعوب العربية التي ان فتحت لهم حدود اوربا سيخرجون ويهاجرون بالملايين هربا من الاستبداد والفساد والفشل السياسي، اتركوا امركم وحايتكم ومستقبل اولادكم والاجيال القادمة بيد العلماء والمفكرين الاذكياء، فالعقلاء الاذكياء لايشغلهم شيئا في الحياة والكون غير الفكر والتفكير والعلم والفلسفة والرقي الحضاري والانساني...

افكار الحزب الحاكم:

نأمل اننا نوفق بعرض وجهة النظر السياسية العلمية لبناء نظرية الحكم من خلال الحزب الجماهيري الحاكم (الذي تمثله النخب والطبقات الفقيرة والمتوسطة والعشوائيات)، الذي سيكون قراره الرسمي عمليا وفعليا بيد الشعب، وليس مفتاحا مشاعا بيد القادة او الجهات او الجماعات الانتهازية الفوقية، عبر تأكيد وتقييد مبدأ الانتخاب والخيار الجماعي وفقا للقوانين الداخلية للحزب، بعد ان يتم عرض تلك الرؤية وطرحها لمناقشة جميع الجوانب والامور والقضايا والمعتقدات والافكار المتعلقة بالمجتمع العربي بشكل واقعي وعلمي شفاف، ليس على غرار الشعارات اليمينية او اليسارية المتطرفة، او بالترويج لثقافة الافكار القومية الانقلابية المشحونة، انما هي عملية اعادة ترتيب وصياغة وتنظيم الافكار والاولويات والاحتياجات السياسية والاجتماعية والاقتصادية الحديثة، ولعلنا في عصر الالكترون نؤمن بضرورة اختصار الجهد والزمن والكلام من اجل وضع النقاط على الحروف كما يقال، نود ان نؤكد قبل الشروع والبدء بنشر افكار الحزب الحاكم، ان نضع امام الامة الاسس المنطقية العقلانية الخاصة بتلك المحاولة السياسية الطموحة، حيث شاهد العالم اجمع ومن خلال الربيع العربي ان دور شبكات التواصل الاجتماعي المؤثر، اصبحت وكأنها الحاضنة الجماهيرية السياسية الكبيرة للاحتجاج وطرح المطالب العامة والثورة، فكانت ولازالت بمثابة البديل المعنوي للاحزاب الفعلية المطروحة في الساحة المحلية، نتنمى ان تستغل الجماهير والمجتمعات القابعة تحت السلطات والانظمة الفاسدة والفاشلة تلك المجالات الاجتماعية الالكترونية، لتهياة الظروف والاجواء المحلية والعربية العامة لمتابعة ومناقشة واتخاذ قرارها الوطني في انجاح تجربة وفكرة تأسيس حزب وطني دستوري نخبوي له فكره وبرنامجه ورؤيته السياسية والاقتصادية والتنموية القابلة للتطبيق وانجاح عملية بناء دولة المؤسسات المدنية الديمقراطية،

نظرية حزب النخب الحاكم...

البيان السياسي التأسيسي هو مشروع مفتوح ومقدم لجميع المفكرين والمثقفين والمبدعين وبقية طبقات وفئات المجتمع العراقي والعربي، يحدوها الامل والرغبة برؤية اللتفاعل والتواصل والمشاركة والاضافة والدراسة والبحث وتقديم المقترحات من قبلهم، فهي فكرة او نظرية او بيان وخطاب ومقترحات وطنية انسانية موجهة لجميع طبقات ونخب المجتمع، غايتها فتح النوافذ والابواب المؤصدة بوجه النخب العربية المقيدة بالظروف الاجتماعية والرسمية الصعبة، علها تعمل على الخروج من صومعة التراجع والعزلة والانكماش، لطرح الاراء والامنيات والغايات النبيلة تحت اي مسمى او اية نظرية او وسيلة او مشروع سياسي علمي لانقاذ الشعوب العربية من تلك الفوضى والعشوائيات السياسية المتوارثة، علها تلحق ولو باخر عربات الحضارة الفائقة السرعة...

فيما يلي مجموعة من الاسس والمبادئ والافكار الخاصة بمساعدة الشعب العربي وغيره على اتخاذ قرار الانخراط بالعمل السياسي الوطني الاصلاحي:

اولا: فكرة صياغة نموذج الحزب الحاكم تأتي بعد اربع تجارب عربية فاشلة في مجال اعادة بناء الدولة بعد رحيل الاستعمار (القومية واليسارية والاسلامية والعسكرية)، لايراد منها ابدا صناعة قيادات او رموز او طبقات فوقية حاكمة، انما تعمل على تأسيس نظام سياسي متحضر، يرسخ مبدأ وقواعد واسس دولة المؤسسات الدستورية الرصينة، تكتب تلك المبادئ بطريقة علمية واضحة، تأخذ على عاتقها مسؤولية الاعداد والبناء والتأسيس والتنظيم والقيادة الجماعية المؤسساتية لدولة الرفاهية العادلة

ثانيا:  الايمان بأن النموذج الديمقراطي الرأسمالي الحديث وصل الى طريق مسدود، اذ اصبحت الفجوة بين الاثرياء والطبقات المتوسطة وعامة الشعب هائلة، فصار بالامكان الهيمنة على مصادر القرار السياسي والاقتصادي والاعلامي بقوة المال، وتم بالفعل تسجيل تراجع ملحوظ بالقيم الديمقراطية العريقة، فقد كانت التجربة الامريكية "عهد بوش الابن ومن ثم ترامب "دليل على تراجع قوة النخب المعرفية العلمية والمفكرة على حساب قوة المال، وبما ان الطبقات الاجتماعية العامة بسيطة الثقافة والوعي، وقدرتها محدودة جدا على استيعاب القضايا والامور المصيرية الحساسة، استطاع رأس المال المسيطر على الاعلام بكافة مجالاته وفضاءاته، ان يسيطر على تلك العقول الفقيرة المتعبة والمنهكة من صعوبة الحياة وانظمة الضرائب المعقدة، من ان تكون طيعة سهلة الانقايد الى اي جهة او حزب تأخذهم اليها تلك القوى الامبريالية، ولهذا تعد نظرية ديمقراطية النخب هي الحل الامثل لهكذا انظمة متأكلة هرمة عبر عليها الزمن وتجاوزتها الحضارة الالكترونية..

ثالثا: شعوب الامة العربية مطالبة ان تراجع التأريخ بشكل جيد، وان تكون على قناعة تامة بأن هذا التاريخ لاتوجد فيه انظمة حكم، او اسس ومبادى وقيم سياسية يمكن الاعتماد عليها في بناء نموذج الدولة العصرية الحديثة، لا في عهد النبي محمد ص (على اعتبار ان النبي محمد ص كانت رسالته اكبر من حدود الجزيرة العربية اي انها دعوة عالمية للاسلام وليست نظام للحكم) ولافي عهد الخلفاء او الدولتين الاموية والعباسية، ان ما نحتاج اليه من الماضي او التاريخ هي منظومة القيم الاخلاقية والمعرفة والفلسفية والعلمية لاعتبارات نفسية خاصة، لها اهميتها المعنوية في بناء شخصية الامة والمجتمعات العربية، ومن هنا يتوجب على الامة ان تفتح ابواب الفكر والمعرفة الانسانية العالمية امام الجميع دون قيود او شروط اوخطوط حمر دينية كانت او عرفية، وان تترك الفطرة الابداعية الانسانية تعمل بحرية مطلقة مادامت هي سائرة على نهج الاخلاق فوق جادة الخير الصواب .....

رابعا: اعتبار وجود المجتمعات القبلية او العشائرية داخل المدن من اخطر الظواهر المدمرة لوحدة الشعب وسيادة القانون والنظام، فالاعراف والعادات والتقاليد هي غالبا ماتكون انعكاس خطير للتراث الجاهلي البدوي المتحجر، يعمل على تعطيل حياة الناس، وتوقف حركة عقول الاجيال المنضوية تحت تلك الخيمات البالية، ليس الامر من باب نبذ المجتمعات القبلية، وانما من اجل التأكيد على ان المدن المتحضرة لايمكنها ان تستوعب الثقافة والتراث القبلي البدائي، انما هي تستوعب المجتمعات المدنية المتداخلة والمتعايشة والمتعددة الثقافات، فالمجتمعات القبلية اوالعشائرية لن تصل مطلقا الى بناء دولة المجتمعات المتحضرة، هذا لايعني ايضا الغاء تلك المكونات الاجتماعية الاصيلة الا انه لايجوز ان يكون لها دورا في بناء الدولة ومؤسساتها، لانها قطعا تتعارض من وحدة المجتمع والقانون والدستور والنظام العام...

خامسا: الحزب الحاكم:  هي الفكرة الرئيسية التي يراد منها ان تنقل الشعوب والمجتمعات الغارقة في وحل فساد انظمتها السياسية الى مشروع بناء دولة المؤسسات الحضارية المتكاملة، التي تعمل على انقاذ الطبقات الفقيرة والمعدمة، وتحويلها الى طبقات متوسطة الدخل، قادرة على البقاء والاستمرار، لبناء حياة احتماعية عامة امنة ومستقرة، عبر توفير وخلق فرص العمل، وضرورة ايجاد الوظائف، وكذلك دعم وتطويروتنظيم مؤسسات الضمان الاجتماعي والصحي والتربوي والخدمي العام

سادسا: الاقتصاد: وفقا لنظرية ان الشعوب او الدول التي لايقودها المفكرين والعباقرة والعلماء الاذكياء ستفشل، لابد ان يكون الاقتصاد في مقدمة الاولويات الحكومية الرسمية، وكذلك مادة وموضوعا مهما مطروحا بشكل دائم في الاوساط النخبوية الاقتصادية (وليست الطبقة الرأسمالية) المعنية بتلك المجالات، فالاقتصاد يشمل عائدات الثروات الطبيعية للبلاد، والضرائب والرسوم، ومجالات التجارة والاعمال والاستثمار الحقيقي، وتداول العملات الصعبة في الاسواق المحلية، واليات انشاء وعمل البنوك والمصارف الحكومية والاهلية، وعلاقة الدولة بالقطاع العام والخاص والمشترك، وقيمة العملة المحلية وفق معايير مقارنتها بالقيمة النقدية الدولية، فالاقتصاد باب واسع من المفترض ان يلقى الاهتمام الرسمي الكامل لانه الوسيلة الوحيدة المتاحة للقضاء على البطالة والفقر، وان يكون لدى "نخبة الحزب النخبوي الدستوري التنموي الحاكم" رؤية علمية واقعية حوله، بحيث انها تعمل بمستويات ثلاث، الاول مستوى ديمومة ايجاد العائد المادي المستمر لتغطية الرواتب الشهرية للموظفين بشكل ثابت، اضافة الى ايجاد الفائض والاحتياط المالي لخزينة الدولة، من اجل خلق فرص عمل جديدة تابعة للقطاع العام، على اعتبار ان دول العالم الثالث لايمكن ان ينجح فيها الاستثمار المالي الكبير، لعدم وجود الضمانات الرسمية الكافية لرؤوس الاموال الاجنبية، ولوجود نسبة عالية من الفقر، ومحدودية الدخل الشهري للمواطنين، وكذلك قيمة العملة والاجور المحلية ونسبة التضخم، لهذا نجد على سبيل المثال لا الحصر ان اغلب الشركات العالمية بدأت في نقل مقرات شركاتها العملاقة الى الدول الاسيوية، بغية استغلال الايدي العاملة الاسيوية الرخيصة، ليس من اجل التنمية ورفع المستوى المعاشي لتلك الدول، وانما هربا من انظمة فرض نسبة الضرائب العالية في بلادهم الرأسمالية، واجور العمالة الكبير وشروط الاستغناء ونسبة التعويض لهم هناك، اذ لابد ان يكون الاقتصاد والعائد المالي للدولة كافيا لتغطية النفاقات والحاجات التنموية الحكومية العليا، تحت شعار لافقير في بلاد الثروات الطبيعية، ولا عاطل عن العمل بعد اليوم.....

سابعا: فلسفة حزب النخب الحاكم ورؤيته العقلانية في الدين: بعيدا عن عبارات ومفاهيم وشروط نظرية العمل السياسي الديمقراطي في بلاد المسلمين، ومن ان الدستور لابد ان يتضمن في اول فقراته او مواده او مقدمة ديباجته بأن الدين الاسلامي هو احد مصادر التشريع، او لايجوز تشريع قانون يتعارض مع الشريعة الاسلامية،

لابد ان نؤكد على حقيقة ثابتة وراسخة في وجدان الامة، وكل النخب التي تشعر انها قادرة على تحمل مسؤولية قيادة الدولة والشعب، والسير به نحو دولة المؤسسات المتحضرة، من اننا نؤمن بحقيقة ان الاديان السماوية ليست تراثا اسطوريا مخلوقا على يد البشر، بل هي بالفعل اديان سماوية مقدسة، تختلف جذريا عن اديان وطقوس الحضارات القديمة، الا ان الفهم والاعتقاد والتشريع والتأويل والفقه ورجال الدين والمؤسسات الاسلامية تختلف في توجهاتها واراءها وفهمها لتلك الاديان، لهذا لايجوز لها مطلقا التدخل بالعمل السياسي، كما ولايحق لها ان تفرض الفقه او مسألة ضرورة اتباع التشريع الاسلامي والالتزام به، او الدعوة لاقامة حكم اسلامي وفق المبدأ الارهابي المتخلف السابق القائل" بالحاكمية لله عزوجل في الارض عبر رجال الدين والفقه"، انما تبقى كما امر الله سبحانه وتعالى في ميدان النصح والارشاد العام، كما كانت عليه سيرة الاولين من الانبياء والرسل، بالعمل على اتمام وانجاز مهمة التبليغ وايصال رسالة الخالق عزوجل للاقوام والبشر جميعا، لتوعية البشرية وتعليمها ابجديات العبادة والحياة، كان الرسول محمد ص نبيا مبلغا ورسولا وهاديا ونذيرا وواعظا ومكملا لمكارم الاخلاق والاعمال الصالحة، اي ان مهمة الاديان السماوية، وواجبات رجل الدين، والمؤسسات الدينية العمل من اجل اصلاح المجتمع وتنقية عقائده من التشدد والانحراف، وان يكون الهم والعمل الاساس ايجاد فرص حقيقية فعالة تتواصل وتلتقي مع الثقافات والنتاجات الفكرية والمعرفية والعلمية للامم والشعوب والانتماءات المختلفة الاخرى، كدعوة روحية وانسانية وعقائدية لبناء المجتمعات الصالحة الخالية من العنف، الدين جزء من المنظومة الاخلاقية الاجتماعية، بعد ان ثبت بالادلة العلمية ان الايمان والاعتقاد والفهم الديني يزداد وضوحا ونقاءا بزيادة العلم والمعرفة ووعي الانسان وتحضره، وان الفطرة الانسانية السليمة هي الاقرب لله عزوجل دائما ابدا....

ثامنا: فلسفة ورؤية حزب النخب الحاكم في النظام الديمقراطي: نعتقد كما اوضحنا ذلك مرارا وتكرارا من قبل، ونحن على يقين علمي وفكري مما سنطرحه امام الامة، ومن ان العالم سينتقل شاء ام ابى الى نظرية ديمقراطية النخب للسيطرة على انحراف النظام الديمقراطي الرأسمالي الحالي، وبان الحضارة الانسانية الحديثة التي يراد منها ان تأخذ بالمجتمعات المتحضرة نحو دولة الرفاهية الاجتماعية، وليس دولة التنافس والصراع والاستغلال والاستبداد الرأسمالي، (وقد اوضحنا في اكثر من مقال نشر سابقا في عدة مواقع الكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي)، سوف تتجه نحو نموذج ديمقراطية النخب (الذي ان معمولا به في عصر التنوير او مابعده من حكم الطبقات الارستقراطية والبرجوازية والنبلاء، اما اليوم وبعد ان اصبح ابن القرية او الريف قادرا ان يصبح من الطبقات المتعلمة العليا فطبقات النخبة هي ليست طبقات الاثرياء الكسالى علميا)، وفق نظام متعدد الاصوات للطبقات النخبوية المتعلمة، اي يمكن ان توزع الاصوات بطريقة النصف او اكثر قليلا بين النخب والطبقات العامة الاخرى، حيث اننا وضعنا نسبة احتساب الاصوات بطريقة تدريجية مقترحة، كان يكون على سبيل المثال للعلماء والمفكرين والمثقفين ومدراء مؤسسات المجتمع المدني واصحاب الشهادات العليا اصوات انتخابية اعلى من اصوات الطبقة العامة (صوت النخب يعادل على سبيل المثال ثلاثة اصوات الامي الذي لايقرا ولايكتب وفق نظام الالوان الابيض والاحمر والاخضر او الاصفر للاوراق الانتخابية كلا حسب مكانته العلمية والمعرفية والثقافي في المجتمع الخ.)، فهي ليست قاعدة للتمييز والتفاوت الطبقي، انما هي حالة وضرورة ملحة من اجل ان يكون الاختيار السياسي المصيري اختيارا موثوقا وفعالا وامينا علميا وعقلانيا واخلاقيا، فالمجتمع الذي لايملك نخب مفكرة وكفاءات علمية عبقرية لن يتمكن من بناء نظام سياسي ديمقراطي تنموي ناجح..

تاسعا: ضرورة نزع السلاح المنتشر داخل المجتمعات القبلية والعشائرية، واية جماعات مقاتلة او تشكيلات جهادية نضالية كما ظهر في شمال العراق او في اهوار الجنوب ابان الصراع المسلح بين البيشمركة والمعارضة الشيعية ضد نظام صدام في بغداد منذ اواسط القرن الماضي، ومن ثم جاءت فترة تصاعد وتيرة الفتنة الطائفية وانتشار الحركات الارهابية في العراق بعد٢٠٠٣، وانهيار بعض الانظمة العربية في مايعرف بثورات الربيع العربي، الا ان احتلال مدينة الموصل من قبل الارهاب الداعشي، واعلان قيام الدولة الصبيانية الارهابية اللاسلامية فيها، ادى الى تعقيد الوضع السياسي والامني الداخلي، وفاقم من الازمة والمواجهات الطائفية، ومن باب الحرص على منع الامتداد والانتشار الداعشي في المناطق الغربية وحواضن الارهاب في حزام حدود العاصمة بغداد، من الوصول الى قلب العراق الحيوي، واسقاط النظام السياسي واشعال حرب طائفية جديدة اكثر دموية من السابق، كل ذلك كان بدعم خارجي واضح، صدرت فتوى الجهاد الكفائي من قبل مرجعية النجف الاشرف المتمثلة بالسيد المرجع السيستاني، هب شباب الجنوب بعزيمة الابطال لانقاذ البلاد، واندفعوا بقوة الى ساحات الجهاد الوطني، مما استدعى الامر الى وضع الية تنظيمية رسمية لاستيعاب الحجم الكبير من الجموع الغفيرة المتطوعة للدفاع عن بلدها، فتم تأسيس قوات الحشد الشعبي، التي كان قتالها اسطوريا امام الارهاب الدموي الاسود، دحرت جماعات داعش الاجرامية واعادت الارض المغتصبة لاهلها، وقد اعتبرت تلك القوات الشعبية جزءا من القوات المسلحة، فكان لزاما عليها انهاء المظاهر المسلحة داخل المدن، والاتجاه الى عملية اعادة اعمار البلاد، والمساهمة بالعودة الى الحياة المدنية الاعتيادية، اما ان يبقى السلاح بيد اي جماعة او فصيل او حزب او قبيلة او عشيرة او مليشية او البيشمركة، فهذا يعني ان البلد اصبح دولة المافيات، وليس دولة المؤسسات المدنية والعسكرية المستقلة، بل ان بقاءها سيكون شاهدا ودليلا على عدم وجود قوات وطنية قوية قادرة على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية مستقبلا، وهي عملية عقيمة تعيد المجتمعات الى عصور الجاهلية والظلام، والى حكم القرى والضيعات والحارات البدائية المتخلفة، فالقانون والنظام والاجهزة الامنية والعسكرية وجدت كي تنقذ وتحمي وتخلص المجتمعات البدائية من تحمل اعباء وتبعات تلك المهمة الصعبة، ولهذا تعمل الدول المتقدمة ليل نهار على تطوير وتدريب وتحسين اداء الاجهزة الامنية والعسكرية، وتخصص الميزانيات الكبيرة لادخال التقنيات والتكنولوجيا الحديثة للعمل في تلك الاجهزة الوطنية المستقلة.تحت اشراف السلطة القضائية الدستورية المستقلة، فكيف يمكن القبول تحت نظام الدولة الرسمي ان تسمح لقوى شعبية او قبلية ان تتدخل في مهام وصلاحيات تلك الاجهزة او السلطات الدستورية الضرورية لاستقرار وامن البلاد، من هنا لابد انهاءدور الجماعات المسلحة بالاستيعاب والتثقيف والاندماج بالمؤسسات الامنية العسكرية او المدنية...

عاشرا: الفصل بين السلطات وتوسعة حدودها واعدادها: اي تصبح السلطات الدستورية اوسع من الشروط السابقة، بالتثقيف على اهمية ابتكار سلطات دستورية جديدة تواكب حركة العصر وتطور المجتمعات، تعمل مع السلطات المتعارف عليها، التنفيذية والقضائية والتشريعية، على حماية ثروات ومنجزات الشعب الوطنية، حيث يمكن اضافة السلطات الرقابية، والسلطات العسكرية، اذ لابد ان يتم أعطاء السلطة الرقابية الدور الاكبر في حماية الدولة من الفساد والفشل السياسي، واعتمادها كسلطة اعلى في الدولة، التي يقع على عاتقها مراقبة دستورية عمل بقية السلطات الرسمية، فهناك بالطبع عدة تجارب عالمية لديها مجالس وسلطات فيددرالية واتحادية اعلى من السلطة التشريعية، يمكن دراستها وبحث جميع الجوانب والانظمة والافكار والاليات الادارية والقانونية والدستورية المتعلقة بعملها.

اما السلطة العسكرية فتعني من الضروري ان يكون هناك مجلس عسكري وطني مهني، تمون من مهامه قيادة التشكيلات العسكرية، وادارة عملية تنظيمها وتدريبها وتوزيعها وتطويرها بشكل دائم، يتم انتخاب قادة المجلس وفقا للرتب العليا، وتبعا لقاعدة الترشيحات المهنية داخل المؤسسة العسكرية المستقلة، على ان يكون قرار الحرب وادخال الجيش الى المدن لوقف اية اعمال شغب او حالات فوضوية داخلية قرارا دستوريا تراتبيا، يدخل حيز التنفيذ بعد سلسلة من الاجراءات والخطوات الدستورية والقانونية، اي تحديدا بعد ان اصدار واعلان موافقة السلطات الدستورية جميعها، تبدا بالسلطة التنفيذية والتشريعية، ومن ثم القضائية والرقابية، على ان يكون في المجلس العسكري مقاعد دائمة لاعضاء يمثلون بقية السلطات الدستورية، الغاية من هذه الاجراءت هو جعل المؤسسة العسكرية مؤسسة وطنية مستقلة لاتتأثر بالتوجهات والصراعات والصدامات والتنافس السياسي المحلي، بل هي مكلفة بشكل محايد حماية الدولة من الاعتداءات الخارحية، وفرض سلطة الدولة في حال اعلان حالة الطوارئ داخل المدن والمحافظات او في الدولة عموما، هذا لايعني ان المؤسسة العسكرية لايمكنها رد الاعتداءات الخارجية المباشرة الا بعد اخذ الموافقت الدستورية، انما هذا الامر يتعلق بشن الحرب او ادخال الجيش الى المدن...

حادي عشر: ضرورة اعادة نظام التعليم الالزامي، وخدمة العلم الالزامية مع وجود خيارات الدفع المالي، على ان لاتزيد مدة الخدمة العسكرية الالزامية على سنة وستة اشهر، تعد خدمة فعلية لمن يحصل على وظيفة حكومية بعد التسريح من الجيش، يضاف اليها بعض الشروط المهمة، منها تحديد العمر، اعطاء امتيازات مالية وتفضيلية قبل وبعد الخدمة، وان لايكون مشمولا بهذا القانون الشباب المقيم خارج البلاد، ولايجوز مطلقا سحب المواليد للخدمة العسكرية مرة اخرى، حتى في حال وقوع الحرب الا بشروط (كان يكون هناك جيش من الاحتياط الاختياري للمتكوعين)، ويبقى الباب مفتوحا بشكل اختياري، على اعتبار ان الوحدات العسكرية الثابتة المكونة لقطعات وفيالق والوية الجيش الاساسية هي من المتطوعين حصرا، وهؤلاء امتيازاتهم وحقوقهم التقاعدية تختلف عن بقية الجنود، الغاية من الزامية التعليم وخدمة العلم هي المحافظة على الاجيال المهمة في المجتمع من الانحراف والضياع والبطالة والكسل، وابعادهم قدر الامكان عن مواطن الجريمة وتعاطي المخدرات والامية والجهل،

واعدادهم بطريقة فعالة لممارسة نشاطهم ودورهم الوطني في المجتمع..

ثاني عشر: الضرائب تفرض كالزكاة والخمس والصدقات، وليس على غرار التجربة الاوربية، التي تفرض ايضا وبطريقة مجحفة على الفقراء والطبقات المتوسطة الدخل، لعدم قدرة الدولة هناك على محاسبة الاثرياء والاغنياء، الذين يتهربون غالبا بشتى الطرق عن الايفاء بألتزاماتهم الضريبية، لانهم عمليا وفعليا هم من يدير العملية او اللعبة السياسية في تلك الدول الرأسمالية، الضرائب تؤخذ بطريقة علمية منطقية معقولة من اجل الفقراء، لرفعهم الى مستوى الدخل المتوسط الثابت، ومن اجل تحسين المستوى المعاشي، وتقديم الخدمات التربوية والتعليمية والصحية المجانية للطبقات الفقيرة والمتوسطة الدخل، كذلك من اجل ضمان استمرارية التنمية الاقتصادية والتجارية والصناعية الوطنية، الضرائب لاتعني سرقة قوت وجهد وتعب المواطن البسيط، او يتم استغلالها من اجل ديمومة تغطية نفقات النخب الحاكمة والدرجات الوظيفية العاليا، انما من اجل الشعب والطبقات المعدمة فيه، لضمان تغطية احتياجاتها الاساسية، ولتطوير شبكات ومؤسسات ودوائر الخدمات العامة..

ثالث عشر: الاقتصاد والقطاع العام والنظام الاشتراكي المختلط والاستثمار، مفاهيم علمية لادارة الاقتصاد الوطني من اجل التنمية والازدهار ورفاهية المجتمع، لابد ان تخضع تلك المجالات الاقتصادية المهمة في البلدان المنتجة للنفط، الى سيطرة الدولة والشعب، عبر تأسيس مجالس ومؤسسات ومراكز بحوث وصناعة حكومية مستقلة، لوضع الخطط والقوانين والتشريعات الملائمة لحماية ثروات البلد، واموال الشعب والمستثمرين من افات الفساد المدمرة، كما ونعتقد بضرورة عدم تسليم المشاريع الحكومية البسيطة والمتوسطة للقطاع الخاص مطلقا، انما يجب ان تكون من مهام القطاع العام الحكومي كما اشرنا الى ذلك سابقا، وان تحدد مواقع وبرامج والفرص والحاجات الوطنية المطروحة للاستثمار الاجنبي، مع ترك مطلق الحرية للقطاع الخاص ان يعمل في بقية المجالات المدنية المتاحة، التي لاتؤثر على المنتج والصناعة والزراعة والتنمية المحلية، وان يتم المشاركة الفعلية بين القطاع العام والخاص في جميع المشاريع الاستراتيجية العملاقة وفقا لنظام النسب والحاجة والقدرات والضرورات المحلية ولفترات زمنية محددة، اذ لايجوز مطلقا ارتهان وتسليم الاقتصاد الوطني للشركات الاجنبية

رابع عشر: عودة التعيين المركزي لجميع الخريجين للجامعات والكليات والمعاهد الحكومية، والاهلية المعترف بها رسميا، وذلك راجع لعدم وجود طبيعة استثمارية حقيقية يمكن ان تمتص حجم البطالة الهائلة في المجتمع، حتى وان اضطرت الدولة الى تقليل رواتب موظفي الدولة، مع ضرورة ان توفر الدولة اليات وسبل الدعم الوطني المؤسساتي للموظف، عبر عودة برامج وتشكيلات الجمعيات والمؤسسات والتعاونيات والوكالات الحكومية المجهزة للمواد الرئيسية الاستهلاكية، وكذلك توفير الدعم المناسب للمواد الغذائية الرئيسية، من اجل خلق اجيال ومجتمع امن مستقر ماليا، لاتؤثر عليه حركة الاستثمار وتجارة القطاع الخاص، الا بطرح وظائف تفضيلية مناسبة، حيث يمكن من خلالها ان ينخرط الخريج والموظف بالعمل في القطاع الخاص مع ضمان حقوقه المادية، لاغراض الخدمة والتقاعد، وفق قوانين عصرية متطورة معمول بها في اغلب الدول المتحضرة، الامة التي لاتزرع ولاتصنع ولاتنتج امة كسولة لدولة فاشلة...

خامس عشر: فلسفة طرح فكرة انشاء وتأسيس حزب النخب الحاكم الذي ينبثق من عمق معاناة الطبقات الفقيرة والمتوسطة والعشوائيات الاجتماعية المنتشرة في اغلب البلدان العربية، لاتختلف عن الافكار والاطروحات والنظريات السياسية المطروحة سابقا او التي سوف تطرح في المستقبل، الا انها الاسلوب الوحيد المتاح امام الامة المشتتة والمنقسمة فكريا وطائفيا وعقائديا وسياسيا، لاتخاذ موقف وطني وانساني واخلاقي تجاه مايحدث لثرواتها وبلدانها المستلبة، من قبل انظمة واحزاب سياسية فاسدة او فاشلة، لم تتمكن ولن تستطيع ان تقظم فكرا او نظرية او رؤية علمية مدنية حضارية لبناء دولة المؤسسات، التي لايشعر فيها المواطن انه مجبر ان يفكر بضمان عيشته وامنه الشخصي، وامن اسرته اثناء حياته، ومستقبلهم بعد مماته، ورث الخوف والقلق والبؤس والمحرمات والممنوعات، وسلسلة متواصلة من خطوط الحمر الممنوع الاقتراب منها او الحديث عنها..

لاتختلف هذه الافكار السياسية الاجتماعية الاقتصادية الدستورية (اي المؤمنة بضرورة احترام الدستور والعمل تحت مظلته)، عن تجارب الدول الديمقراطية المتقدمة، الهدف منها ايجاد خيمة وطنية واسعة تستوعب غالبية ابناء الشعب، بمختلف شرائحه واطيافه، على غرار وطريقة التنافس الانتخابي الديمقراطي الامريكي او الاوربي، بأن لايتم تقسيم الشعب الواحد على اكثر من حزبين كبيرين، يعملان بعقيدة ان الاقتصاد وراس المال يجلب القوة والهيمنة والحضارة والرفاهية للامة بأكملها، مع انها رؤية رأسمالية متذبذبة، الا انها صنعت منهم احزاب تنموية اقتصادية رئيسية في العالم، الذي كان من اهم اولوياتهم التنافسية الانتخابية طرح الافكار والخطط الاقتصادية المتعلقة بالبطالة واسواق العمل.

 الغاية والاهداف هو ان يكون هناك حزب جماهيري نخبوي شامل، لديه البرامج والخطط والكفاءات والخبرات والدراسات والمقترحات والاطروحات الاقتصادية العلمية الحديثة، لايستبعد من افكاره وثقافته ورؤيته السياسية، اية انتماءات، او توجهات، او اعتبارات عقائدية، او فكرية، بل على العكس تماما هو منظومة فكرية ثقافية سياسية اقتصادية اخلاقية اجتماعية حديثة، تستوعب الاسلامي والعلماني واليساري والقومي والعلمي والمستقل، غايته الاساس تأسيس نظام حكم وطني متطور، لبناء دولة المؤسسات، التي تنقل تلك الدول والشعوب الى مصاف الدول العظمى المتحضرة، دون الحاجة الى استخدام السلاح او الاموال اوالانقلابات العسكرية اواثارة الشعوب للقيام بالثورات او الاحتجاجات لاشاعة الفوضى، انما بلغة العقل والعلم والمعرفة والاخلاق، يمكن ان تنهض الامة، فهي لغة المخاطبة الوحيدة الموجهة لضمير الانسان العربي واي شعب حر يريد ان ينقذ نفسه وبلاده من طاحونة الفساد والفشل والفوضى...

يبقى السؤال الاهم الذي يجب ان يسأله كل مواطن عربي او عراقي لنفسه، هل المجتمع والدولة بحاجة دائمة الى احزاب سياسية؟

وهل الشعوب اوالمواطنين عليهم ان لايبقوا مراقبين مستقلين، بل لابد ان يكونوا ذات توجهات وانتماءات حزبية لحماية الدولة من الدكتاتورية والفساد والفشل والرشوة؟

الجواب كما نعتقد ان دولة المؤسسات الديمقراطية الحالية لايمكنها ان تنجح دون التفاف غالبية الشعب لاي دولة متحضرة حول بعض الاحزاب الكبيرة، التي تستطيع بعد الانتخابات ان تحقق نسبة كافية لتنفيذ البرامج والخطط والمشاريع الحكومية الرئيسية المقترحة، مع التأكيد بأن ماتم طرحه في نظرية ديمقراطية النخب لايشترط ضرورة ان يكون المرشح في النظام الرئاسي منتميا او زعيما لحزب معين، فالانتخابات تكون مستقلة مباشرة، ومن الممكن جدا ان يكون مرشحي المجالس النيابية من النخب المستقلة، وليس بالضرورة ان يكون امرا متاحا للجميع، اي اعطاء حق الترشح لمن يمتلك مؤهلات علمية او فكرية او سياسية واقتصادية وثقافية معينة..

 ان هذه النظرية او الفكرة المطروحة بشفافية كاملة، بحاجة الى مناقشة ودراسة وبحوث معمقة، بغية انضاجها وجعلها نظرية قابلة للتطبيق هذا من جهة،

اما بالعودة لضرورة وجود الاحزاب السياسية الحاكمة للبلاد، وان لايكون امام الشعب او الافراد الذين لايتعاطون بالسياسة، ويعدون انفسهم في خانة المستقلين سياسيا، خيارا اخر غير المشاركة والانتماء لهذه الاحزاب التي من المفترض انها ستكون جماهيرية مستقبلا (على غرار تجربة بعض الدول التي تعد المشاركة في الانتخابات امر ملزم واجباري، لامفر منه الا في حال السفر او المرض)، الغاية والاهداف من هذا الانتماء هو التأكيد على ان حق التصويت في الانتخابات الديمقراطية لايمكن ان تنتج وتنجز شيئا، مالم يكون للمصوت امنيات ومطالب وحقوق واستحقاقات ورغبات يريد ان يراها من خلال الممثل البرلماني الحقيقي او المسؤول الحكومي، ولهذا يعلم الجميع ان هذا الامر لايمكن تحقيقه، دون ان يكون للمواطن دورا في هذا البناء الرئيسي لدولة المؤسسات، فكلما تخلى الشعب عن دوره وخياراته ومسؤولياته الوطنية، كلما صعدت قوى انتهازية فاسدة، ستعمل بعدها بكل قوتها على الاستفراد به، والتصرف وفقا لمصالحها الشخصية والفئوية، واللعب بثرواته وحقوقه ومستقبل الاجيال، هذا الانتماء لايعني انه تغيير في الدين او المذهب او الطائفة او العرق والاثنية والمعتقدات الشخصية، انما انشاء فكرة التفاعل والتحرك والنشاط بالعنل السياسي، واانتماء لاحزاب تنموية لاعلاقة لها لا من قريب ولامن بعيد بطبيعة المجتمع والثقافات او الانتماءات والاثنيات المكونة له، الا من خلال استيعاب واستحضار الاخلاقيات الانسانية والمعرفية السابقة وضرورة دمجها وادراجها في المنظومة الاخلاقية الانسانية الواسعة للدولة، والتي يمكن ان تستوعب كل تلك الوجودات وكل مايطرحه العلم والحضارة الانسانية الالكترونية لبقية الامم والشعوب، من ابداعات وانجازات فكرية او علمية يمكنها ان تخدم مصالح المجتمعات العربية، وتصب في مصلحة التطور الشامل للدولة والمجتمع...

سادس عشر: كيف يكون الانتماء، واين، ومع من، في بادئ الامر لابد ان يقتنع الفرد، ان الديمقراطية الرأسمالية الحالية تحتاج الى اموال طائلة من اجل المنافسة في الانتخابات والحكم، وبما ان هذا الامر صعب التحقق لأي حزب سياسي وطني جديد، يراد منه ان يستقطب بفكره واهدافه الطبقات الفقيرة والمتوسطة، من هنا لابد ان يكون البناء السياسي لهكذا مشاريع وطنية كبيرة، عبارة عن ربيع عربي حقيقي خالص، لم يأتي عبر الدعم خارجي او حتى داخلي، جاء من خلال هموم وجراحات ومعاناة وطموحات الطبقات المسحوقة، والنخب الوطنية المبعدة منذ عقود عن واجهة القرار العلمي الرسمي للدولة، قد تكون تلك الافكار في مخيلة البعض بيانات انشائية بعيدة عن الواقع، واقرب ماتكون الى الاحلام والامنيات الضائعة، وضرب من الخيال، الا اننا نقول ان التحولات التأريخية السياسية والثقافية والاجتماعية لأي امة تعيش اوضاع كارثية كالامة العربية، لابد ان تبدا مسيرة الالف ميل كما يقال بخطوة، لا ان تبقى مهمشة خارج الحضارة العالمية، تنتقل من فشل وازمة وفتنة لاخرى منذ عقود، كفى تراجعا وانهيارا وانكسارا...

لابد لهذه الامة بكل مكوناتها ان ترتقي بمستوى التفكير والطموح والامنيات الانسانية، التي يمكن ان تعمل على احداث نقلة نوعية في حياة تلك الشعوب، بالتفكير السليم الشامل والجدي بغية ايجاد البدائل الاصلاحية المتاحة للتغيير والانقاذ، وان لاتبقى المواقف سلبية دائمة، بحجة عدم وجود اليات وادوات وظروف واقعية يمكن ان تأخذ بأيديهم نحو الهدف الاسمى، اي بناء دولة المؤسسات او الرفاهية،

عندما ينضج الشعور الوطني ويصبح تحمل المسؤولية الانسانية الاخلاقية لانقاذ الدولة والشعب كبيرا، عندها يمكن ان تنتقل الشعوب الاسيرة من مرحلة الهزيمة والانكسار والتراجع والابتعاد الى ميدان التواجد والتصدي والتحدي، وكذلك الى مرحلة التنفيذ والقيادة، فكل ذرة من تراب الوطن، وكل عائد مالي وفلسا من ثروات الشعب هي ملك للجميع، لايوجد مبرر اخلاقي ولا انساني ولاحتى شرعي لاستمرار حالة التفريط واللامبالاة والهروب من المسؤولية،

فالدولة الديمقراطية الحديثة هي دولة الشعب، اذ لابد ان يقتنع المواطن بضرورة ان يكون ضمن احد التشكيلات او الكيانات السياسية الوطنية المهمة، ولكن بشروط علمية واخلاقية واضحة، فمن يريد ويطمح بالحصول على حكومة الكفاءات والخدمات المتطورة، والاقتصاد المزدهر، والتنمية المستمرة، والدولة المتحضرة، عليه ان ينزع ويتجرد تماما من اية انتماءات او نزعات او اعتبارات اثنية او طائفية او عرقية او حتى دينية اوقبلية، فالعمل السياسي الديمقراطي الحديث لايقبل بتلك التصنيفات والتقسيمات والاعتبارات الجانبية، فالاحزاب السياسية العلمية الوطنية لابد ان تكون احزاب تنموية شاملة، وليست احزاب عقائدية او دينية او اثنية، عندها يمكن ان يكون الاتفاق والانتماء والتواصل الشعبي لانشاء او لانضاج فكرة تأسيس حزب النخب الوطني الحاكم ممكنة، وقابلة للتحقق والتطبيق، بعيدا عن الاملاءات الخارجية، او الانتماءات الداخلية، كما قلنا ونؤكد عليه بشكل دائم، انما دولة الانسان، والمجتمع المتحضر، الذي يؤمن بحقيقة ثابتة كما اكدنا ذلك من قبل بأن الدولة التي لايقودها الاذكياء ستفشل، ولهذا على المجتمع ان يخرج تلك الطاقات العقلية الفذة، ويعتبرها ثروة وطنية وانسانية مهمة، يجب المحافظة عليها، واعطاءها الدور التاريخي في بناء وتطوير وانقاذ وتنمية المجتمعات والدول الديمقراطية، من هنا يعد كل انسان او مواطن يبحث عن الامن والاستقرار والتنمية والرفاهية عضوا شرفيا في هذا الحزب الوطني التنموي الحاكم، ينتظر الفرص والظروف الموضوعية المتاحة للدخول في العملية السياسية النزيهة، بغية اثبات الوجود والتنافس...

وتعد من اهم شروط انضاج هكذا افكار سياسية عظيمة ان تصبح الشعوب والمجتمعات مقتنعة بان هذه الافكار وللمرة الالف ليس لها اية اهداف او غايات شخصية او فئوية ضيقة لصناعة قائد ضرورة او سلطة توريث الحكم، انما هي اقرب لحالة اواسلوب او فرضية توزيع الصلاحيات في دولة المؤسسات لجعلها اشبه بنظام دولة بلارئيس فعلي، انما دولة المؤسسات الثقافية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية العامة والاخلاقية المدنية، دولة تكتشف وتحفز وتدعم الطاقات الابداعية الوطنية لبناء الاسس والقواعد الصلبة لمجتمع متحضر، قادر ان ينتقل ويسير الى الحضارة الالكترونية بخطى ثابتة وواثقة وصحيحة..

الخلاصة:

ان الهدف من طرح الافكار والاراء السياسية وجعلها بمثابة البيان التأسيسي الوطني للحزب الجماهيري الوطني التنموي النخبوي الحاكم، هي ليست رؤية ثورية شمولية لانها قطعا لاتملك افكارا وايديولوجيات عقائدية (دينية او اثنية، يمينية او يسارية)، انما تحمل ايديولوجيا الوصول بالدولة والشعب نحو مجتمع ودولة الحضارة الالكترونية، ونعتقد جازمين بأن الانسان العاقل لايمكنه ان يرفض فكرة الانتماء او التأييد لهكذا مشاريع سياسية علمية، تعطي الاهتمامات والاولويات والمسؤوليات الوطنية في الحكم لعباقرة واذكياء وعلماء ونخب المجتمع، اي لايوجد مايسمح للانتهازيين والفاسدين والعملاء والمرتزقة بالاختراق او النفاذ من خلالها لمثل هكذا اطروحات سياسية متقدمة، الغاية منها دفع المجتمعات السلبية في الدول الفاشلة بالنهوض من حالة الكسل المتراكم، والاندفاع بقوة لتأسيس ديمقراطية نخبوية تنموية انسانية اخلاقية حقيقية، مما يسمح لاحياء تجربة ديمقراطية الحزبين الكبيرين كما هو معمول به في اغلب الديمقراطيات المتحضرة...

يبقى ان مسألة التواصل الشعبي لمعرفة عقائد واصول وشعارات التغيير التي يجب ان ترفعها الشعوب المتحررة من قيود التبعية الطائفية والاثنية والعرقية، هي عبر تلاقح الاهداف والغايات والامنيات الوطنية العليا للامة، التي لايمكن خداعها بشراء الاصوات وتمزيق وحدة التجمع السياسي، الذي يمكن ان تبنيه تلك الافكار السياسية العلمية الاصلاحية، فقد اعتادت القوى الانتهازية والرجعية ان تتدخل لتشويه وتشتيت الجهود الشعبية المبذولة من اجل التغيير والاصلاح...

لازالت الحكومات الفاسدة تعنل بكل قوتها على التلاعب بحقوق ومطالب المواطنين، اما بالقيام بتقسيم المطالب، او بتفتيت الشعب الى فئات صغيرة، لاحكام القبضة الحديدية عليهم، او ينفذ للقلة ثم يترك الاعم الاغلب بلا حقوق او ضمانات رسمية، يمكن ان تنتشلهم من حالة الفقر والعوز والعشوائيات، فما تطالب به المجتمعات العربية او حتى المجتمعات الانسانية عموما هو دولة المؤسسات المستقلة العادلة، القادرة على توفير الضمانات الاجتماعية والصحية والتعليمية والخدمية والمعاشية الدائمة للطبقات الفقيرة والمتوسطة دون استثناء ...تتمة

شعار حزب النخب...الوطني الدستوري التنموي الحاكم:

{دولة المؤسسات المستقلة-النظام الرئاسي المشروط دستوريا بولايتين فقط-توفير نظام الضمان والدعم المالي الاجتماعي والصحي للطبقات الفقيرة-اعادة العمل بنظام التعليم والخدمة العسكرية الالزامية-النظام الاقتصادي/ نظام اشتراكي ومختلط مع القطاع الخاص على ان لايتم تحويل المشاريع الحكومية مطلقا للقطاع الخاص بل عبر التنمية الصناية المحلية ومن خلال تأسيس شركات البناء والاعمار الوطني التنافسية الحكومية-العمل على الغاء النظام الفيدرالي الاتحادي بعد ان يتم ربط جميع دوائر ومؤسسات الدولة الكترونيا حيث يصبح انجاز المعاملات والاجراءات الحكومية الكترونيا بعد ان يكون مراجعة اي دائرة او مؤسسة حكومية الكترونيا فقط، والعمل على التخلص تدريجيا من حاجة المواطن لمراجعة الدوائر والمؤسيات الحكومية شخصيا-مراجعة ثروات الاثرياء والاغنياء وفق قانون من اين لك هذا، والكشف ان كانت هناك حالات اثراء على حساب المال العام، او اية عمليات غسيل الاموال-حصر السلاح بيد الدولة وانهاء ظاهرة سلاح المليشيات او القبائل او العشائر او اية جماعات مسلحة اخرى وطنية كانت (اي ظهرت وقت الحاجة الوطنية لها) او معادية، منعا لترسيخ دولة المافيات-الضرائب كالزكاة والخمس والصدقات -الحقوق والاموال الشرعية والتبرعات ترتبط بدوائر الضمان الاجتماعي والصحي ولايجوز اخفاءها او توريثها-الدولة لايقودها الا العلماء والعباقرة والمفكرين والمثقفين الاذكياء}

"اخيرا اتمنى ان يعلق هذا البيان التأسيسي في جميع البيوت والاماكن العامة في الوطن العربي، كي تصبح وثيقة سياسية شخصية وعامة، بعد ان يتم مناقشتها واضافة اليها اية مقترحات وكل مايحتاجه الانسان العربي ومن يعيش في تلك الدول منذ عقود او قرون من بقية المكونات الاصيلة المحترمة، كي تصبح مشروعا مشتركا شاملا للتغيير والاصلاح"...

 

مهدي الصافي

٢٠٠٠-٢٠١٨

 

نايف عبوشيوصف البترول بأنه هبة ميزة الموضع للبلد المالك، وبذلك فإنه يكتسب بعده الحيوي كثروة قومية استراتيجية لمالكه في بلد الموضع، بالإضافة إلى بعده الاقتصادي. ومن هنا فأن المصلحة الوطنية، تتطلب عندئذ، عناية فائقة بهذه الثروة، والحرص على صيانتها، من الاستنزاف السريع ، والتبديد، لأنها مورد نافد في زمن يتناسب امده عكسيا، مع معدلات الاستخراج، منسوبة إلى الاحتياطيات المؤكدة، القابلة الاستخراج ، وذلك بغض النظر عن أي اعتبارات أخرى.

ولأن العمر الزمني للبترول محدود، وبالتالي فانه مورد ناضب لا محالة، وخاصة في ظل زيادة الطلب العالمي المستمر عليه، وهذا ما يحتم على المالك، ان ينظم الانتاج، ويرشد الاستخدام، بما يحقق اعلى درجات الحفاظ على هذه الثروة المهمة، لأطول فترة زمنية ممكنة ، وذلك لأن استنزافها، من دون تعويضها بموجودات ملموسة بديلة، بهيئة رأسمال وطني، يتراكم مع مرور زمن الاستنفاد، يعني التفريط بهذه الثروة الوطنية. وبالتالي فإنه ما لم يكن هناك صناعة رديفة، وإنتاج بديل ، وضرائب على الإنتاج المستولد منها ، فسيظل الاقتصاد الوطني ريعيا، ويعتمد في إيراداته على عوائد النفط ، وتتذبذب مدخولاته عندئذ مع تذبذب أسعار النفط، وأسعار صرف الدولار، والظروف الأمنية.

لذلك فإن الإعتماد على صيغة تأجير املاك الدولة للغير، بما فيها ما بات يصطلح على تسميته، بصيغ تراخيص الاستثمار الأجنبي، بذريعة عدم توفر الأموال اللازمة لتمويل الاستثمار الوطني المباشر، والحاجة إلى زيادة معدلات الإنتاج لتعظيم الإيرادات، سيعمل على إبقاء الاقتصاد ريعيا، لاسيما في ضوء العيوب المصاحبة للاستثمار الاجنبي، من حيث أن الشركات الأجنبية الكبرى العابرة للقارات، تتمتع بقدرات مالية، وفنية، وتنظيمية عالية، لا تتوفر للشركات الوطنية، ومن ثم فإنها بموجب صيغ تراخيص الاستثمار، تستطيع فرض توجهاتها الانتاجية، والتشغيلية، وسياساتها التسويقة، واملاء شروطها التعاقدية على بلد الموضع المضيف، بالشكل الذي يضمن لها تحقيق اكبر قدر من الارباح، من وراء عقود تلك التراخيص، دون التفات لمصالح مالك تلك الثروات.

ولعل الأمر يقتضي الإشارة إلى أن المستثمر الأجنبي غالباً ما يتعامل مع الموارد المعدنية للبلد، بشكل غير رشيد، تمشيا مع ما تقتضيه مصلحته في تحقيق أعلى الارباح، ومنها التركيز على استثمار احتياطيات الحقول الغنية والمؤكدة، وتأجيل استثمار الحقول الأقل جودة، وافقر احتياطيات، مما يؤدي إلى سرعة استنفاد موارد البلد الطبيعية، وإلحاق الأضرار بالبيئية الوطنية. ولاشك أن تحويل النفط، هذا المورد الطبيعي الاستراتيجي، المخزون في باطن الأرض مجانا، إلى أصل ريعي سائل، بمثل هذه الوسائل وغيرها ، سيجعله عرضة، إلى مخاطر تآكل القيمة الحقيقية له بالتضخم، وتقلبات أسعار صرف الدولار، وغيرها.

لذلك يتطلب الأمر الانتباه ، إلى مخاطر الاستثمار الأجنبي للنفط على المدى الطويل، بما فيها مخاطر استعجال استنزاف، ونضوب هذا المورد الطبيعي ، كما يتطلب الأمر السعي الحثيث، في نفس الوقت، إلى استثمار ما يتحقق من الفوائض النفطية، في مجالات تنمية الصناعات الاخرى، وتحفيز التشابكات الاقتصادية البينية للاقتصاد الوطني، والعمل على مغادرة ظاهرة التواكل، والتعكز على اقتصاد الريع النفطي، وتأجير أملاك الدولة للغير، وذلك من خلال تنمية رأس المال المنتج البديل للنفط على عجل، في إستراتيجية (تفريخ) بدائل ملموسة، بأولويات محددة، سواء لمواجهة مرحلة نفاد البترول، القادمة الينا، في يوم لا ريب فيه، او التهيؤ لمواجهة حلول عصر الطاقة البديلة، في أي صورة تطل بها علينا، لتنعكس بتنحية النفط جانبا، جزئياً أو كلياً، عن مركز صدارته الراهن في هيكل الاستهلاك العالمي للطاقة، وما يعنيه ذلك من تداعيات سلبية لاقتصاد النفط الريعي.

 

نايف عبوش

 

ابراهيم أبراشفي نفس اليوم الذي كان فيه العالم ومن خلال الجمعية العامة للأمم المتحدة يحتفل باليوم الدولي للتضامن مع الشعب الفلسطيني ومع حقوقه غير القابلة للتصرف ومنها الحق بمقاومة الاحتلال كانت واشنطن تُعد مشروع قرار لإدانة حركة حماس وفصائل فلسطينية أخرى لأنها تقاوم الاحتلال الصهيوني بالممكن والمتاح من وسائل قتالية حتى البسيطة منها كالطائرات الورقية، فهل ستناقض الأمم المتحدة نفسها وتنقلب على قراراتها السابقة ؟.

هذا التصرف الأمريكي استفزاز للمنتظم الدولي وللأمم المتحدة وميثاقها وقراراتها التي أكدت في أكثر من مناسبة وعلى مدار عقود على حق الشعوب في الدفاع عن نفسها بل هناك قرارات صادرة عن الأمم المتحدة تؤكد على حق الشعب الفلسطيني بممارسة الكفاح بكل الوسائل حتى العسكرية منها من أجل نيل حريته واستقلاله، وخصوصا أن تل أبيب وواشنطن رفضا الانصياع لمنطق وتفاهمات الحل السلمي للصراع .

لأن قرارات الأمم المتحدة لا تسقط بالتقادم، ولأن العالم حتى اليوم يعتمد  إلى حد ما على ميثاق الأمم المتحدة وقراراتها كمرجعية لضبط وتنظيم العلاقات الدولية ولحفاظ الدول والشعوب على سيادتها والدفاع عن نفسها، ولأن إسرائيل نفسها تلجأ لميثاق الأمم المتحدة وقراراتها لتبرير عدوانها على الفلسطينيين ودول الجوار بذريعة حقها بالدفاع عن نفسها، كما أن واشنطن تتسلح بقرارات دولية أو تزعم دفاعها عن الشرعية الدولية عندما تحتل دول كأفغانستان والعراق أو تتدخل في شؤون أخرى كسوريا وليبيا والصومال وكوبا وفنزويلا وهاييتي  ... لكل ذلك فإن من حق الشعب الفلسطيني الدفاع عن نفسه في مواجهة عدوان وإرهاب إسرائيل كدولة احتلال .

الاحتلال الإسرائيلي ليس حالة افتراضية أو موضوع محل جدل ونقاش بل واقع وحقيقة تقر بها الشرعية الدولية وكل دول العالم ما عدا إسرائيل نفسها والولايات المتحدة، إنه واقع يتجسد بالاحتلال والاستيطان والعدوان العسكري والحصار و الممارسات العنصرية ومنع اللاجئين من العودة لمدنهم وقرارهم كما نص على ذلك القرار الأممي 194، كما أن حق المقاومة والدفاع عن النفس تدعمه قرارات صادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة وكذلك اتفاقيات جنيف ولاهاي المتتابعة الخاصة بقوانين الحرب وبالشعوب الخاضعة للاستعمار بالإضافة إلى كل الشرائع الدينية والوضعية الوطنية، وقد تطرقنا في المقال السابق لبعض هذه القرارات .

إن كون منظمة التحرير قبلت التعامل مع عملية التسوية السياسية التي على أساسها أوقفت العمل المسلح ضد إسرائيل بشكل متدرج منذ إعلان القاهرة 1985 إلى نصوص اتفاقية أوسلو والتنسيق الأمني لا يعني اسقاط الحق بالمقاومة، وهناك فرق بين حق المقاومة وممارسة المقاومة، فالتغيير مس ممارسة المقاومة ووقفها لحين من الوقت لإعطاء فرصة لعملية السلام، وحيث إن هذه الأخيرة فشلت بسبب الرفض الإسرائيلي والأمريكي للسلام العادل وتهربهما من الاتفاقات الموقعة فإن من حق الشعب الفلسطيني العودة لممارسة حقه بمقاومة الاحتلال بما هو ممكن ومتاح من أدوات النضال وهو حق لا تستطيع أية اتفاقات أو دول وحكومات أن تسقطه ما دام الاحتلال قائما، وإسرائيل كيان استعماري يحتل كل فلسطين . وقد رأينا كيف عاد الراحل أبو عمار لممارسة المقاومة بعد فشل لقاء كامب ديفيد 2 وبداية الانتفاضة الثانية .

وأن تكون موازين القوى العسكرية تميل لصالح دولة الاحتلال فهذا أمر طبيعي في حركات التحرر الوطني، وأن تكون المقاومة المسلحة غير مواتية لتحقيق انتصارات عسكرية حاسمة في هذا الوقت وخصوصا في ظل الانقسام الفلسطيني وغياب استراتيجية وطنية للمقاومة وغياب الحاضنة العربية فهذا أمر مفهوم، ولكن كل ذلك يتعلق بممارسة المقاومة وليس بالحق في المقاومة كما سبق الذكر، أيضا فإن موازين القوى غير ثابتة وبالنسبة لحركات التحرر الوطني فإن موازين القوى لا تُحسب عسكريا فقط ولو كانت كذلك ما انتصرت حركة تحرر وطني .

إن قوة الشعب الخاضع للاحتلال تكمن في عدالة قضيته وفي ثباته وتمسكه بحقوقه الوطنية وفي تأييد العالم له، كما أن مفهوم المقاومة أشمل وأوسع من المقاومة العسكرية، وفي حالة كالحالة الفلسطينية الأكثر تعقيدا بين حركات التحرر الوطني وحيث الشعب الفلسطيني يتواجد في تجمعات منفصلة جغرافيا ومتباينة في أوضاعها السياسية سواء داخل فلسطين أو خارجها فالأمر يحتاج لإبداع في مجال المقاومة الشعبية حسب خصوصيات كل تجمع، وإن كان هناك ضرورة لشكل من المواجهات المسلحة فيجب أن لا تكون حزبية أو لخدمة أجندة وحسابات خارجية وأن تكون في إطار الشرعية الدولية وفي ظل قيادة وطنية موحدة تنسق بين كل التجمعات وكل أشكال المقاومة .

وبالعودة لتوجه واشنطن وتل أبيب لإدانة حركة حماس وفصائل المقاومة من خلال قرار يصدر عن الجمعية العامة فإن واشنطن لا ترمي من وراء ذلك لإدانة حماس فقط بل إدانة مبدأ المقاومة وحق الشعب الفلسطيني بالمقاومة وإن حدث ذلك فهذا يعني أن إسرائيل ليست دولة احتلال وأن الشعب الفلسطيني لا يخضع للاحتلال وهذا هو الأمر الخطير لأنه يغير من طبيعة الصراع ويُشرعن الاحتلال كما يتعارض مع تعريف وتوصيف الأمم المتحدة للقضية الفلسطينية كقضية شعب يناضل من أجل الحرية والاستقلال والسيادة  والدولة المستقلة .

نعم، قد نختلف مع حركة حماس سياسيا وأيديولوجيا وفي طريقة وكيفية تدبير إدارة النظام السياسي الفلسطيني وتعاملها مع موضوع المقاومة، وهذا أمر يخص الشعب الفلسطيني، ولكن كل الشعب الفلسطيني يرفض توجيه تهمة الإرهاب لأية حركة مقاومة فلسطينية ويرفض إدانة حركة حماس لمجرد أنها تقاوم الاحتلال، فحركة حماس وكل فصائل المقاومة جزء من نسيج ومكونات الشعب الفلسطيني والإدانة يجب أن تكون لإسرائيل التي تحتل الأرض وتمارس العدوان وتدنس المقدسات وتنتهك القانون الدولي وتتمرد على الشرعية الدولية وقراراتها وليس لمن يقاوم الاحتلال .

لقد أدى السلوك الصهيوني العدواني المدعوم أمريكيا لأن يُعيد الشعب الفلسطيني النظر في كل مسلسل التسوية الأمريكية، والأمر لا يقتصر على الشعب وفصائل المقاومة الرافضة لعملية التسوية الأمريكية، بل إن منظمة التحرير نفسها تقوم بمراجعة استراتيجية حيث وضعت الاتفاقات الموقعة مع الاحتلال بما فيها الاعتراف بإسرائيل والتنسيق الأمني محل مراجعة وإعادة نظر وهذا ما أكدت عليه الهيئات القيادية العليا وخصوصا المجلس الوطني والمجلس المركزي لمنظمة التحرير ونتمنى أن تجد هذه القرارات طريقها للتنفيذ .

وأخيرا، إذا ما تم تمرير مشروع القرار الأمريكي بصيغته المطروحة أو بعد إدخال تعديلات عليه فالأمر يستدعي وقفة تفكير عميقة حول التوقيت وعلاقته بالحديث الأمريكي عن قرب طرح صفقة القرن قبل نهاية العام الجاري !!!، وللحديث بقية .

 

أ. د. إبراهيم أبراش

 

ابراهيم أبراشفي التاسع والعشرين من نوفمبر من كل عام تحتفل الأمم المتحدة ومن خلال الجمعية العامة ومعهما العالم باليوم الدولي للتضامن مع الشعب الفلسطيني، وتم إقرار هذه المناسبة من خلال القرار رقم (32/40 ب) الصادر عن الجمعية العامة يوم الثاني من ديسمبر 1977، وقد نص هذا القرار على اعتبار يوم 29 تشرين الثاني/ نوفمبر من كل عام يوما للتضامن العالمي مع الشعب الفلسطيني وحقوقه في إنهاء الاحتلال وتصفية الاستعمار وتقرير المصير أسوة ببقية شعوب الأرض .

هذا القرار جاء بعد ثلاث سنوات من زيارة الرئيس أبو عمار للجمعية العامة للأمم المتحدة في الثالث عشر من نوفمبر 1974، قبل هذه الزيارة كان التعامل مع القضية كقضية إنسانية وقضية لاجئين فقط، بعد هذه الزيارة أعيد إدراج قضية فلسطين في جدول أعمال الجمعية العامة كقضية سياسية، وذلك من خلال القرار (د-29 / 3236) في 22 نوفمبر 1974 وقد صدر القرار بموافقة 89 صوتاً مقابل رفض 8 وامتناع 37 .

في هذا القرار تم تحديد حقوق الشعب الفلسطيني بأنها حقوق سياسية غير قابلة للتصرف حيث جاء في نص القرار بأن الجمعية العامة: "

1- تؤكد من جديد حقوق الشعب الفلسطيني في فلسطين، غير القابلة للتصرف، وخصوصاً:

الحق في تقرير مصيره دون تدخل خارجي.

الحق في الاستقلال والسيادة الوطنيين.

2- وتؤكد من جديد أيضاً حق الفلسطينيين، غير القابل للتصرف، في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم التي شردوا منها واقتلعوا منها، وتطالب بإعادتهم .

3- وتشدد على أن الاحترام الكلي لحقوق الشعب الفلسطيني هذه، غير القابلة للتصرف، وإحقاق هذه الحقوق، أمران لا غنى عنهما لحل قضية فلسطين .

4- وتعترف بأن الشعب الفلسطيني طرف رئيسي في إقامة سلم عادل ودائم في الشرق الأوسط،

5- وتعترف كذلك بحق الشعب الفلسطيني في استعادة حقوقه بكل الوسائل وفقاً لمقاصد ميثاق الأمم المتحدة ومبادئه.

6- وتناشد جميع الدول والمنظمات الدولية أن تمد بدعمها الشعب الفلسطيني في كفاحه لاسترداد حقوقه، وفقاً للميثاق… ".

وفي عام 1975 أصدرت الجمعية العامة القرار رقم (٣٣٧٦) والذي بمقتضاه أنشئت لجنة الأمم المتحدة المعنية بممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه غير القابلة للتصرف بما في ذلك الحق في تقرير المصير دون تدخل خارجي، والحق في الاستقلال والسيادة الوطنيين، والحق في العودة إلى دياره وممتلكاته التي شُرِّد منها .

وهكذا نلاحظ أن الاعلان عن يوم للتضامن مع الشعب الفلسطيني انبنى على القرارين السابقين وأكدهما وأدخل القضية الفلسطينية في سياق جديد على مستوى طريقة تعامل المنتظم الدولي مع القضية الفلسطينية .

ويمكن مقاربة دلالة الإعلان الدولي للتضامن مع الشعب الفلسطيني من خلال توقيت صدور القرار ومضمونه وتداعياته العملية .

1- من حيث التوقيت، فقد صدر اعلان التضامن متزامنا مع ذكرى التقسيم يوم التاسع والعشرين من نوفمبر 1947 وكأن الأمم المتحدة تريد التأكيد على هذا القرار وانتهاك إسرائيل له من خلال سيطرتها على كل فلسطين وليس ما تم تخصيصه لها 55% من مساحة فلسطين، كما صدر في أوج الكفاح المسلح الفلسطيني مما يؤكد شرعيته .

2- أما مضمون القرار فإنه يمثل نقلة نوعية للقضية من قضية لاجئين فقط لقضية سياسية وحقوق سياسية تتضمن حق تقرير المصير والحق بالاستقلال والسيادة وحق الشعب الفلسطيني بمكافحة الاحتلال بكل الوسائل ومناشدة العالم بدعم الفلسطينيين في كفاحهم للاحتلال، بالإضافة إلى التأكيد على حق العودة .

3- أما بالنسبة لتداعياته، فبالإضافة إلى توفيره فرصة لإحياء الذاكرة العالمية بالقضية الفلسطينية وما لحق من ظلم بالشعب الفلسطيني فإن الجمعية العامة تقوم في مثل هذا اليوم من كل عام بجملة من الأنشطة كالندوات وتوزيع منشورات وملصقات داخل مقرات الأمم المتحدة وخارجها تركز على شرح القضية الفلسطينية والتأكيد بأن القضية الفلسطينية لم تُحل بعد . وفي مقر الأمم المتحدة في نيويورك تعقد اللجنة المعنية بممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه غير القابلة للتصرف جلسة خاصة احتفالا باليوم الدولي للتضامن. كما هي مناسبة لمناصري الشعب الفلسطيني في العالم للقيام بأنشطة متعددة تؤكد على الحقوق الفلسطينية غير القابلة للتصرف وخصوصا حق الفلسطينيين بالكفاح بكل الوسائل التي تتيحها الشرعية الدولية من أجل الاستقلال الوطني والسيادة والعودة .

بالرغم من استمرار الأمم المتحدة في إصدار قرارات خاصة بالقضية الفلسطينية وكلها غير ملزمة ليس لأنها قرارات غير عادلة بل لأن العالم اليوم لا تحكمه الشرعية الدولية والقانون الدولي بل القوة والمصالح، بالرغم من ذلك إلا أنها قرارات تحافظ على حضور القضية الفلسطينية واسم فلسطين في المحافل الدولية وفي الضمير العالمي، كما أن الاستمرار في إحياء اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني يؤكد أن القضية الفلسطينية ما زالت بدون حل وأن غالبية دول العالم ما زالت تدعم الشعب الفلسطيني في مطالبه العادلة، وهذا يؤكد أن احتلال إسرائيل لكل فلسطين لا يعني نهاية القضية وأن القوة لا يمكنها تثبيت حق للاحتلال .

وأخيرا ومن خلال مراجعة قرارات الأمم المتحدة نلاحظ أن لهذه القرارات سقف سياسي أعلى من سقف كثير من الدول العربية وحتى من سقف النخب السياسية الفلسطينية الحاكمة، كما تمنحنا حقوقا تفشل النخب السياسية على ممارستها مثل الحق بمقاومة الاحتلال، الأمر الذي يدفعنا للقول بأن الخلل ليس فقط في الشرعية الدولية وقراراتها ولا في اختلال موازين القوى بل أيضا في النظام السياسي الفلسطيني المنقسم على ذاته والمتصارع بين مكوناته .

 

أ. د. إبراهيم ابراش

 

كاظم الموسويكشفت قيادات حزب الدعوة الإسلامية في العراق فشلا واضحا في إدارة دولة، وقدمت نموذجا سلبيا لحزب حاكم مما اصطلح عليه بالاسلام السياسي، الذي وصف به مع غيره من الأحزاب السياسية الأخرى المثيلة له، خلال وصوله إلى وتسلمه الحكم لفترة زمنية ليست قليلة. نتائج ما حصل وما يحصل اليوم تفضح طبيعة العملية السياسية وأحزاب الاسلام السياسي التي سُلمت السلطة لها على طبق من ذهب، لم تحلم بها ولم تتمكن عليها. (يحتاج حزب الدعوة خصوصا إلى دراسة تحليلية مستقلة لدوره خلال الفترة وتطوراته وطبيعة قياداته التي مزقته لمصالح غير حزبية ولا علاقة لها بالدين والتدين).  وتشمل النتائج ما جرى في الانتخابات، الفوز والخسارة والتزوير والاتهامات الاخرى،. كما تضم التقاسم والمحاصصة والانشطارات داخل الكتل والتيارات والأحزاب والتمثيل السياسي.

اصبح قادة الحزب الحاكم ومن مثله في السلطة عبئا عليه وعلى تاريخه ولو الى حين. وكانت نتائج الانتخابات اشارة اولى وتلحقها توابعها مع الزمن، فضلا عن الصراعات البينية وكسر العظم. وقدمت الانتخابات التشريعية في 12 أيار/ مايو 2018 إنذارا وتغييرات في لوائح ومواقع الفائزين ومن ثم حوارات الكتلة الأكبر عددا وتشبث قيادات الكتل السياسية والمتنفذين في العملية السياسية في التمسك بأكبر حصة من السلطة والثروة في العراق، وانتشار إشاعات أو تسريبات من داخل الكتل وقياداتها بالشراء والبيع في المناصب والمواقع الرئيسية وغيرها من الإجراءات القانونية والسياسية التي تثير الجدل وتفضح حقيقة الشعارات السياسية التي كانت تحملها بعض الكتل أو القيادات في الإصلاح والتغيير وانهاء المحاصصة والتقسيم الذي وضعته إدارة الاحتلال.

منذ موعد الانتخابات واعلان النتائج  والمصادقة عليها، بقيت الاخبار تتواتر عن رغبات في اصلاح وتغيير كبيرين في المشهد السياسي في العراق. الا أن المثير في التجربة العراقية أن الراي الغالب أو المتفق عليه عند الجميع، بعد الانتهاء من مخالفات وتزوير وتغليس عما آلت اليه الانتخابات، هو التناقض أو الازدواجية في شخصيات السياسيين خارج وبعد العمل في السلطة، ونموذج واحد يفضح مثل هذا التقييم. يختصر في اعتبار الفساد الآفة الاكبر التي نهبت الثروات ودمرت البلاد والوعود في القضاء عليه، ولكن يعرف أن المتنفذين في العملية السياسية هم المشاركون فيه أو المحتضنون له ويفتقدون الجرأة والقدرة على المعالجة الحاسمة، أو العمل على التخلص منه. فيكثرون من الشعارات البراقة، في محاربة المحاصصة ومافيات الفساد وغيرها، دون جدوى فعلية، أو يصرحون بأنفسهم في الهجوم على الفساد لفظيا وهم، أو أغلبهم، مشاركون فعليون فيه واقعا وعمليا. ولهذا فإن ما يحدث اليوم هو حصاد مر لسنوات مرة.

من خلال ذلك لم يفاجأ المراقبون من عملية التوافق السريعة على رئيس البرلمان، ومن ثم رئيس الجمهورية وطريقة الصراع حول المنصب أو الوصول إلى موقعه، ولاسيما داخل الكتلة الكردية التي أصرت على العرف السياسي وترشيح كل طرف فيها لمرشح له مع آخرين لفرض الصيغة والخروج من الحالة القائمة وبهذا الشكل المتسارع ايضا، رغم الادعاء بالسياقات الدستورية والقانونية وسياسة بوس اللحى السائدة عليهما.

ومثلما مررت رئاستا البرلمان والجمهورية بعرض مسرحي استكمل برئاسة الحكومة،  إذ تمت مباشرة بعد اداء قسم رئيس الجمهورية، حيث سلم كتاب التكليف لمرشح التوافق الخارجي، التسوية السياسية، وبطلب من كتلتين، ادعتا كل منهما، انها الأكثر عددا انتخابيا دون إعلان اي منهما الاكثر عددا برلمانيا ودستوريا. وتركتا المشهد السياسي مفتوحا أمام عملية سياسية مخطط لها ومنتظمة سلفا رغم تصريحات أو ادعاءات الفوز والغلبة لأطراف لا ينكر أثرها أو نفوذها في البلاد وخارجها.

خرج تنصيب الرئاسات الثلاثة، التي عرف بها، عن صفقة السلة الواحدة، وخارج رموز  قيادات الأحزاب الإسلامية العربية والقومية الكردية، كما اريد لها أن تقدم نفسها في السلطة وتوزيع المغانم، والاهم فيها ايضا إخراج حزب الدعوة الإسلامية سلميا من رئاسة الحكومة، مما يعني في الوضع العراقي، أن صفقة أخرى بشكل اخر، فرضت من توافق خارجي ذي سطوة وسلطة وقدرة. وكشف حينها من خلال وجود مسؤولين امريكان وايرانيين وسفراء اجانب وعرب، انهم يلعبون ادوارا تحت الطاولة ووراء الابواب. واسهم كل من هؤلاء، جماعيا أو فرديا، شخصيا أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي،  في تعزيز الانشطارات والانقسامات داخل الكتل السياسية والأحزاب وحتى داخل الحزب أو الكتلة الواحدة. فضلا عن أن القادمين للرئاسات من المشاركين في العملية السياسية القائمة ومن المراهنين على التوافق الخارجي حولهم والعملية السياسية في العراق والمنطقة، ومن المنشقين أو المعترضين على تنظيماتهم أو أحزابهم أو تجمعاتهم التي حملتهم باسمها الى السلطة والواجهة السياسية. اي انهم اختيار عاجل لخيارات مطلوبة أو مستمرة في احسن الاحوال رغم كل التحديات والتوقعات المستقبلية.

من بين ما إبتدع المكلف بالحكومة الترشيح الالكتروني لاختيار الوزراء، وكان قد قدم رسالة مطالبا بها تاييده للتفرغ لتشكيل حكومة تكنوقراط وكفاءات مستقلة، ونال على اثرها وبعد التوافق عليه مساندة واسعة من أغلب الجهات صاحبة القرار السياسي على الاقل في العراق. بمن فيها السفراء والكتل السياسية. وحين تقدم بقائمته الاولى للبرلمان، زكى البرلمان 14 وزيرا وإعاد له ثمانية مرشحين لأسباب متعددة ومختلفة، منها اعتراض جهات واطراف متناقضة ومتصارعة ومدعاة استغراب عما تفعله وتقول به بشأن المواصفات والمعايير. ولم يسلم الذين مررهم البرلمان من مثالب لا تسمح لاستمرارهم في مناصبهم ، فضلا عن اتهامات أخرى، فاضحة ومتعاكسة مع كل ما تقدم من شعارات ووعود وطموحات، لم يرد عليها رئيس الحكومة ولا من رشحهم له.

وعاد الفساد يطل برأسه من جديد دون حل أو حسم أو توجه وطني صادق لانهائه نهائيا، وتجدد حتى في تشكيل الحكومة، والبرلمان، وتوزيع المناصب وإدارة الدولة، مما يعني ألا جديدا فعليا وأن ما ادعي أو رفع من شعارات ومطالب هو لكسب الشارع واضاعة القضايا وتسويف الأمور وتمرير اجندات عام 2003   دون تغيير حقيقي.

لقد وصف نائب في البرلمان عن كتلة تيار الحكمة (وكالات 2018/11/16) أن الحكومة الجديدة هي حكومة عوائل، قائلا: “نستطيع القول ان حكومة عبدالمهدي هي حكومة عوائل، فكل زعيم سياسي جاء بأحد اقاربه واعطى له وزارة معينة، واختيار الاقارب كان بعيدا عن الاختصاص، فأصبحت حكومة عبدالمهدي حكومة عوائل وليست حكومة كفاءات ومستقلين”. واضاف ان “حكومة عادل عبدالمهدي فيها وزراء عليهم شبهات كثيرة من فساد، بل وحتى اتهامات ارهابية...". ومن جهة أخرى لم تنته الصراعات السياسية حول اكمال مجلس الوزراء، بين ما أعلنه عادل عبد المهدي ولم ينفذه، وبين العودة والتوزيع على الكتل النيابية الفائزة وفقا للاستحقاقات الانتخابية. والى أن يتم ذلك تبقى حكومة عبد المهدي نصف حكومة محاصصة ونصف حكومة توافقات خارجية. كما يبدو أن رسائله المبطنة وتهديده بالاستقالة لا تغير في وصف ما حصل. وفي كل الأحوال حتى ولو تمت فإن سير وخطوات الحكومة الى الآن تعري واقع الحال كثياب الامبراطور في القصة المعروفة.

 

كاظم الموسوي

 

فراس زوينان المتابع للشأن الاقتصادي العراقي في العقود الاخيرة يلاحظ  تزايد اعتماد العراق على الواردات النفطية في إدارة العملية التنموية وتطوير البنى التحتية للبلاد، وما صاحب هذا الاعتماد من تراجع دور باقي قطاعات الانتاج مثل القطاع الصناعي والزراعي والتحويلي وغيرها من القطاعات ، حيث ادى هذا الاعتماد المتزايد الى العديد من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية ومن هذه المشاكل انحسار الايرادات النقدية المطلوبة للقيام بالعملية التنموية والنهوض بالمشاريع الخدمية بيد النفط في ضل غياب باقي مصادر الدخل وتراجع أدائها الاقتصادي وبالتالي أصبحت هي نفسها تعتمد على الإيرادات النفطية لديمومتها وبقائها، وهنا برزت مشكلة اكبر حجماً واكثر تعقيداً وهي ارتباط العملية التنموية بالأسعار العالمية للنفط والتي بطبيعتها غير مستقرة وخاضعة لعدة عوامل تضغط بصورة يصعب توقعها وحسابها، فاذا ما انخفضت أسعاره لسبب او لأخر انعكس سلباً على المشاريع الخدمية والبنى التحتية للدول المصدرة التي لم تعد العدة لمثل هذا اليوم، كما حصل في اعقاب تراجع وانهيار أسعار النفط عالمياً في عام ٢٠١٤ وهبوطها فبعد ان وصلت لحدود ١٢٠ دولار للبرميل الواحد انخفضت الأسعار لتصل حوالي ٣٠ دولار لنفس البرميل، وما ترتب عليه من فرض حالة التقشف في معظم البلدان النفطية ومنها العراق وتوقف معظم مشاريع البناء والاعمار في البلاد حتى التي بلغت منها مستويات انجاز عالية.

وفي الفترة الاخيرة وبعد مرور قرابة اربع سنوات على هذا التراجع تشهد الأسواق العالمية انتعاشاً واضحاً لأسعار البترول اذ ارتفع سعر البرميل لحدود ال ٨٠ دولار مع توقعات لكثير من مراكز البحث العالمية ان يواصل ارتفاعه ليتجاوز ١٠٠ دولار نتيجة التوترات الدولية من جهة وتزايد الطلب العالمي على البترول من جهة اخرى ، وينعكس هذا الارتفاع بصورة إيجابية على كل الدول المصدرة للنفط ومنها العراق حيث يبلغ معدل التصدير لديه قرابة ٣،٨٨ مليون برميل يومياً وهذا المعدل من الأسعار سينعكس بصورة مشجعة على عملية التنمية والاعمار في العراق حيث ان ارتفاع الأسعار يمكن ان يوفر الأموال اللازمة لبناء موازنة عام ٢٠١٩ بصورة قادرة على البدء بصورة حقيقية بعملية البناء ومحاربة البطالة والكساد والتي عشعشت في السوق العراقية منذ سنوات، ويمكن ايجاز إيجابيات ارتفاع أسعار النفط بعدة نقاط .

- ان ارتفاع أسعار النفط يمكن ان يوفر السيولة النقدية اللازمة لدعم القطاع الخاص بهدف النهوض بواقعه المتراجع ، من خلال توفير الأموال الكافية لتقديم القروض الاستثمارية بهامشية ربح بسيطة تراعي الخروج من حالة الكساد الذي كبل السوق العراقية،

-  استغلال ارتفاع أسعار النفط لزيادة الانفاق الحكومي على المشاريع الاستثمارية من خلال رفع قيمة الموازنة الاستثمارية في تقديرات موازنة عام ٢٠١٩ .

- إعادة العمل وتفعيل مشاريع الاعمار والتوسع في تطوير البنى التحتية للبلاد والتي توقف العمل بها خلال فترة التقشف وتراجع الاسعار منذ عام ٢٠١٤ وبما يمكن ان تمثله هذه المشاريع من عوامل جذب للاستثمار الخارجي.

- وضع حد لارتفاع نسب البطالة بين الشباب والتي شهدت زيادة كبيرة في الفترة الأخيرة من خلال إعادة افتتاح الكثير المشاريع المتعطلة بسبب الافتقار الى السيولة النقدية .

- تعتبر الفوائض النقدية المتحصلة من ارتفاع أسعار النفط عاملاً مهم يمكن ان يساهم بشكل كبير في إعادة اعمار وبناء المدن العراقية المتحررة من سطوة داعش الإرهابي من خلال توجيه نسب كبيرة من تلك الفوائض باتجاه بناء هذه المدن .

- ان زيادة الواردات المالية للبلاد يمكن ان تسهم بشكل كبير في وضع الحلول العملية لمشاكل اقتصادية عديدة مثل تراجع منسوب المياه واثره على الواقع الزراعي والحيواني والاجتماعي من خلال توفر الاموال اللازمة لبناء السدود والمصدات المائية اللازمة لوقف تقدم اللسان الملحي باتجاه المدن .

ان ارتفاع أسعار النفط بعد سنوات عديدة من التقشف المالي الذي قاد البلاد الى تراجع كبير في المشاريع الانتاجية والخدمية قد يكون بمثابة طوق النجاة للبلاد بعد سلسلة التراجع في الأداء الخدمي وفرض سياسة التقشف التي من تبعاتها توقف التعينات الحكومية وارتفاع نسب البطالة وغيرها من الاثار الاقتصادية، ولكن كل هذا بشرط ان تحسن الجهات المختصة استخدامه وتوظيفه من خلال إعادة احياء الاقتصاد العراقي من خلال العمل على تفعيل باقي القطاعات الإنتاجية والصناعية المتوقفة، والذي يجب ان تشكل رافد مهم يتم من خلاله توفير الأموال اللازمة للخزينة المركزية والابتعاد شيئاً فشيئاً عن الريع النفطي، ومراعاة الاحتياجات الملحة للشارع العراقي، خصوصاً تحت الضغط الجماهيري المطالب بالإصلاح السياسي والاقتصادي والقضاء على البطالة وتحسين الواقع الحياتي والخدمي للمواطن.

 

فراس زوين / باحث اقتصادي

 

خالد التاجأضحت مسألة التكتلات الاقتصادية وأكثر من أي وقت مضى، واقعا يفرض نفسه على امتداد قارات العالم ليس لحسابات اسياسية وأمنية فحسب، ولكن باعتبارها كركيزة أملتها الحاجة إلى مواجهة تحديات العولمة وما يتمخض عنها من تنافسية شديدة من جهة، أو بهدف تحصيل أكبر قدر ممكن من المنافع الاقتصادية لشعوبها وضمانا للتدفق السلس للسلع والخدمات وانسيابية اليد العاملة والمواد الخام ورؤوس الأموال من جهة أخرى .

 ويأتي كل ذلك بهدف تحقيق مبدأ التكامل الاقتصادي وفق منطق "رابح رابح" كما هو واقع مجموعات اقتصادية كبرى ك "الأسيان" أو "النافتا" أو "الأبيك" أو الإتحاد الأوروبي وغيرها، أو بهدف الوصول إلى أعلى درجات التنسيق السياسي وتحسين فرص الدفاع عن مصالح الدول المشكلة لتلك التكتلات كما هو واقع الإتحاد الأوروبي الذي يعتبر أنموذجا يمكن الإحتداء به على الرغم من الصعوبات التي شابت إقامته ولازالت لاسيما عقب "البريكست"، والذي جاء كتتويج لنضج وبعد نظر مؤسسيه وفي نفس الوقت كثمرة لجهود مضنية من العمل الدؤوب والمشترك، وبعد مخاض عسير من التشردم والصراعات العسكرية التي انخرطت فيها معظم دوله كالحربين العالميتين الأولى والثانية والتي انتهت في آخر المطاف إلى تقسيم أوروبا وإضعاف دول قوية ضمن القارة، وأملته أيضا الحاجة إلى إعادة بناء القارة وفق قواعد جديدة بما يضمن المكانة اللائقة بها في العالم.

أما فيما يخص الدول المغاربية التي تملك هي الأخرى من مقومات التكامل والاندماج الاقتصادي الشيء الكثير، ليس فقط باعتبارها كبنية ثقافية وأنثروبولوجية وحضارية واحدة وهو ما يعتبر كعامل مساعد على قيام تكتل حقيقي بخلاف مجموعات اقتصادية أخرى حيث التباينات الثقافية بادية، ولكن أيضا بما تزخر به الأخيرة من إمكانيات اقتصادية وموارد هائلة يمكن أن تضع معها المنطقة المغاربية في مصاف الدول الواعدة اقتصاديا.

لكن واقع الحال يشير إلى أن الطريق أمام قيام تكتل مغاربي حقيقي وإحياء روح اتحاد المغرب العربي لا يزال حلما بعيد المنال، بل ويزداد الأمر تعقيدا وصعوبة يوما بعد يوم، ليس فقط بسبب اختلاف الأولويات ووجهات النظر وغلق الحدود البرية ووضع الحواجز الجمركية وضعف التنسيق وغيرها من العقبات بين دول مهمة في الإقليم كالمغرب والجزائر، بل أيضا بما أصبح يلف المنطقة من متغيرات وعدم استقرار سياسي صاحبت "الربيع العربي" كما هو الوضع في ليبيا ناهيك عن المخاطر الأمنية المتصاعدة.

أما المعطيات والأرقام فتشير إلى أن هذه المقومات الاقتصادية لا يتم استغلالها على النحو الأمثل، كما لم تتم الاستفادة من تجارب نماذج مشابهة عبر العالم ، حيث لا تزال نسب التجارة البينية هي الأدنى من نوعها إذ لا تزيد في عمومها عن نسبة الثلاثة بالمائة من حجم التبادل التجاري البيني للدول الأعضاء بحسب خبراء اقتصاديين، بينما تصل هذه النسبة إلى 25 بالمائة في دول جنوب شرق آسيا على سبيل المثال .

مما لا شك فيه أن عدم المضي قدما في اتجاه تفعيل فكرة الاندماج المغاربي وتدليل العقبات أمامها قد كبد شعوب المنطقة خسائر تقدر بالمليارات من الدولارات، كما حرم اقتصاديات المنطقة من فرص التأهيل ورفع الفعالية وتحسين شروط تنافسيتها في وجه شركاء تجاريين كبار وفي سياق إكراهات العولمة التي لا ترحم، فضلا عن عدم القدرة على الحد من تبعيتها لاقتصاديات دول أوروبية، الشيء الذي أرغم على ما يبدو دولا مغاربية إلى توقيع اتفاقيات للتبادل الحر مع الاتحاد الأوروبي أو الصين أو غيرها من الاقتصاديات الكبرى بشكل منفرد، مما زاد بدوره من تعميق الفوارق والعجز في الميزان التجاري لصالح هذه الأخيرة بالنظر لتنافسية منتجاتها، أو الدفع باتجاه توقيع اتفاقيات للشراكة التجارية أو الشراكة المتقدمة مع الاتحاد الأوروبي كما هو حال المغرب.

هذا الواقع المغاربي المعقد دفع على الأرجح دولا كالمغرب إلى التركيز على المقاربة الإفريقية في سياسته الاقتصادية الخارجية في إطار ما يعرف بالتعاون "جنوب-جنوب"، في أفق الاستفادة من الفرص والإمكانيات المتاحة للتعاون المشترك والحاجة المتبادلة التي يوفرها الفضاء الإفريقي، وقد ترجم ذلك عمليا بالحضور الاقتصادي المغربي القوي في المجال الإفريقي، عبر استثمارات كبيرة في قطاعات حيوية كالبنوك والطاقة والبنى التحتية والعمل على تقوية ذلك التعاون ومأسسته عبر تقديمه وبشكل رسمي لطلب الانضمام إلى المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا المعروفة اختصارا بـ "سيدياو" واتجاه قادة هذه المنظمة إلى القبول المبدئي لهذه العضوية .

إلا أنه وعلى الرغم من الاتجاه صوب البديل الأفريقي أو الأوروبي فيما يخص الشراكة في أبعادها الاقتصادية أو السياسية أو الأمنية أو غيرها من المجالات، فسيظل دونما أدنى شك "الاندماج المغاربي" حلما مشروعا يراود شعوب المنطقة ومطلبا ملحا ينبغي النظر إليه ببراغماتية وبرؤية استراتيجية من قبل صناع القرار بعيدا عن منطق الحسابات السياسية الضيقة أو الاختلافات الإيديولوجية، بالنظر إلى المنافع الكبيرة التي سيعود بها هذا التكتل المنتظر على شعوب المنطقة دونما استثناء.

 

 خالد التاج

 

 

رائد الهاشميالعملية السياسية في العراق بُنيت من قبل المحتل على أسس غير صحيحة وهي الطائفية والقومية والمذهبية مغلّفة بالديمقراطية الزائفة وذلك لاضعاف العراق واستمرار الفوضى ولضمان استمرار الوصاية عليه بهذه الحجج،ولقد كانت لهذه العملية السياسية الخاطئة التكوين مخرجات سلبية كثيرة لها أول وليس لها آخر ومنها قانون انتخابات سانت ليغو السيء الصيت الذي يضمن للكتل والاحزاب الكبيرة الديمومة والاستمرار والهيمنة على مقدرات البلد وابتلاع كل الكتل الصغيرة والأشخاص المستقلين في طريقها بل ومصادرة أصواتهم الانتخابية لصالحها، وكذلك كان الفساد الذي استشرى بشكل مخيف في البلد وضعف الأمن والقضاء والتعليم وانتشار البطالة والفقر والمرض والمشاكل الكبيرة في الاقتصاد وغيرها الكثير من السلبيات التي لاتكفي هذه الأسطر القليلة لذكرها.

من أهم المخرجات السلبية الخطيرة للعملية السياسية والتي أردت التركيز عليها اليوم هي الدولة العميقة التي كونتها الأحزاب والكتل الكبيرة داخل الدولة وامتدت جذورها وتغلغلت بشكل واسع في جميع مفاصل الدولة ومؤسساتها.

الدولة العميقة هي مفهوم شائع غير اختصاصي يستخدم لوصف أجهزة حكم غير منتخبة تتحكم بمسيرة الدولة، وأبطالها هم عناصر موجودة ومتغلغلة يتم زرعها في مؤسسات ومفاصل الدولة المدنية والعسكرية والسياسية والإعلامية والأمنية، وواجب هذه العناصر التي تعمل صوب أهداف مشتركة من التأثير وتوجيه مؤسسات الدولة الرسمية وقراراتها السياسية ضمن اتجاه معين وذلك تحقيقاً لمصالح وخدمات محددة للأشخاص والكتل والأحزاب التي أوصلتها لهذه المراكز.

تعتبر تركيا هي المنشأ الأول لهذا المصطلح حيث ظهر في تسعينيات القرن العشرين، حيث اُطلق هذا المصطلح على المجموعات التي تشكّلت من الضباط وغيرهم للحفاظ على علمانية الدولة التي أسسها أتاتورك ومحاربة أيّ توجّه يشكل خطراً على الدولة الجديدة.

في العراق نشأت الدولة العميقة بشكل غير منظم ولا مخطط له والسبب في نشأتها هي ضعف الحكم والقضاء والقوانين والتي سمحت لكل كتلة أو حزب أوسياسي كبير يتصدى لمسؤولية رفيعة في الحكم ولمدة أربعة سنوات وهي مدة الدورة البرلمانية المحددة أن يخططوا لديمومة المصالح الشخصية والقوة والسطوة مابعد انتهاء الأربعة سنوات فعملوا ومن خلال نفوذهم وسلطاتهم وعلاقاتهم مع الآخرين على تعيين أشخاص من كلا الجنسين في مناصب حساسة في كل مفاصل الدولة المهمة ومن الطبيعي أن يكون ولاء هؤلاء الأشخاص مطلقاً لمن وضعهم في هذه المناصب وجعلهم يتنعمون بالامتيازات والسلطة والمال وهذا يجعلهم رهن إشارتهم في تنفيذ كل مايطلبون،لذا نجد المسؤول في العراق عندما يخرج من منصبه بعد اعفائه أو انتهاء الفترة البرلمانية يتمتع بكل السطوة والنفوذ والقوة والمصالح الشخصية وهو خارج المنصب وكل هذا بفضل الأشخاص الذين زرعهم داخل الدولة وهذا هو الفساد بأقوى صوره، ومن هنا تكمن خطورة الدولة العميقة على مستقبل العراق لأنها ستكون عائقاً أساسياً أمام كل رئيس حكومة يحاول الاصلاح وينوي القضاء على الفساد وايصال البلد الى برّ الأمان لأنه سيصدم في طريقه بألغام كبيرة وخطيرة ومنتشرة في كل مكان وفي كل المؤسسات وهي أذرع طويلة للأحزاب والكتل السياسية المتنفذة في البلد ومن الصعب محاربتها والقضاء عليها أو تغيير ولائاتها لأنها تدين لمن وضعها في هذه المناصب،لذا علينا التفكير بوضع استراتيجية دقيقة ومحكمة تخلص البلد من خطر الدولة العميقة واجتثاث كل أذنابها وقطع صلاتهم مع أسيادهم أو تغيير ولائاتهم بشكل جذري من الأحزاب والأشخاص والمصالح الضيقة الى الولاء المطلق للوطن والشعب، وهذه العملية تحتاج اشتراك كل الأطراف الوطنية التي تريد مصلحة العراق وشعبه من شخصيات سياسية الى وسائل الاعلام والقضاء العراقي ومنظمات المجتمع المدني والأهم هو من يتصدى للحكم في البلد لكي نصل الى يوم يكون البلد فيه خالٍ من أي دولة عميقة تعمل لصالح أحزاب وأشخاص محددين وتعرقل كل المساعي الطيبة لاعادة اعمار هذا البلد ورفاهية شعبه.

 

رائد الهاشمي

 

عبد الجبار الجبوريالزوبعة التي أثارها بعض نواب الموصل، وتغريدة سيد مقتدى الصدر، حول الأمن المفقود في الموصل، وفرصة عودة تنظيم داعش لها، كانت له تداعيات حقيقية على الارض في نينوى، ألقّتْ حصاة في بركة الموصل ألأسنة، وحرّكت حكومة بغداد، فأرسل القائد العام رئيس الاركان فوراً، للوقوف على صدقيّة وخطورة التصريحات، ومدى صحتها وكيفية معالجتها، وظهر رئيس أركان الجيش في مؤتمره الصحفي، بعد أن زار القطعات العسكرية على طول الحدود العراقية – السورية، والقطعات داخل مدينة الموصل، مصرّحاً – لايوجد خطر لداعش على الموصل- وإنما هناك حالات فردية، يجب معالجتها والوقوف عليها، تتمّثل في تعدّد الأوامر والقرارات وتفرّد قسم منها، مع فساد في بعض الاجهزة والدوائر الحكومية التابعة لوزارتي الدفاع والداخلية، ونضيف الى هذا، أن خطر داعش قد إنتهى الى الأبد، لأنه فَقد حاضنته الى الأبد، ولكن ما يجري في الموصل هو أخطر من داعش بكثير، على مستقبل الامن في الموصل، وحياة أهلها، ألا وهو الفساد في كلّ مفاصل الحكومة المحلية ودوائرها ومشاريعها، نجملها في تهرّيب النفط والبنزين من حصة المحافظة وتهريب خردة الحديد، وسوء شديد في إنهيارقطاع الخدمات الصحية والتعليمية، بسبب الفساد واهمال الوزارات، وفساد كبير في نقل ملكية اراضي الدولة، من قبل جهات متنفذة في المدينة، والفساد الكبير الذي تحدث عنه محافظ نينوى في المنظمات الإغاثية والخيرية والانسانية، والتي أغلبها تابعة لجهات مشبوهة، تعمل تحت يافطة إنسانية وخيرية، وهناك مئات المشاريع الإستراتيجية المتوّقفة، بسبب الفساد وسيطرة مافيا الفساد المسلحة عليها، بتهديدّهم المقاولين وإبتزازهم، ومنها مجسر المثنى ومجسرّات الجامعة والنبي يونس وغيرهما، بل هناك خلايا لداعش مازالت تعمل، وتتربّص الفرصة السانحة لتعكيّر الأمن، وإشاعة الخوف والارهاب في المدينة، إن كانوا يسكنون المخيمات أو مع عوائلهم، أو هم يعيشون متخفيّن في أطراف المدينة في أنفاق ومغاور الجبال والكهوف، ناهيك عن طرد المستثمرين والتجارالكبار ممّن يريدون الاستثمار في الموصل، من قبل حيتان الفساد وأخذ الاتاوات والمساومات والتهديدات في المصارف والبنوك وغيرهم، والذين يتخفّون خلف جهات سياسية وحزبية مسلحة متنفذة معروفة في الموصل، نعم الأمن العسكري مستقر تماماً، بسبب الجهود الكبيرة للقطعات العسكرية والشرطة المحلية والامن الوطني والاستخبارات وتعاون المواطنين اللامحدود معها، في فرض الأمن في المدينة، التي لم تشهد أي عمل ارهابي، يؤشر الفلتان الأمني منذ أكثر من سنة ونصف، عدا بعض الخروقات الأمنية البسيطة التي تحصل في كل مكان من العالم، بسبب الارهاب الجّبان، ولكنّنا نعترف لا نُبريء ما يجري في بعض الاجهزة الامنية والعسكرية والشرطة ودوائرها، من ضعيفي النفوس المريضة، من الفساد في تعامله مع الارهابيين، والإخبار عنهم والتهاون معهم، أو تمشية معاملات المواطنين في دوائر المرور والجنسية والجوازات والتسجيل العقاري والضريبة، وإبتزاز المواطن، نعم الأمن العسكري لايماثله أمن في العراق، ولكن مايخشاه المواطن ويعاني منه، هو خطر الفساد الكبير والواسع وإستشراءه بكلّ مفاصل الحياة، وسببه الرئيسي هو تعدد القرار السياسي والعسكري والامني، وتواجد (حكومات)، وليس حكومة واحدة في الموصل، والوضع الآن في الموصل، يشبه تماماً الوضع قبل دخول داعش، وسيطرتها على المدينة وإستباحتها لها ثلاث سنوات، إذن الصراع القائم بين الاطراف الحزبية والسياسية والعسكرية المتنفذة والجهات الدولية المخابراتية، هو ما يدعو للقلق وينذر بالخطر، وإن الاستراتيجية الامنية والعسكرية في الموصل بخطر، فماذا عن دور الحكومة المركزية في منع تدهور الأوضاع ووقف إنهيار الموصل أمنياً وعسكرياً، وإستثمار هذه الفوضى من قبل عناصر داعش التي أخذت تلّملم نفسها، وتستعيد قوّتها في أطراف الموصل وعلى الحدود، مستغّلة تغوّل جهات فاسدة ومافيا خارجة عن القانون، نعم الوضع الاداري بتعدّد نفوذ الجهات، يُشبه تماماً وضع الموصل قبل سيطرة داعش، ونواب الموصل ومحافظها أطلعوا رئيس الوزراء عادل عبد المهدي أمس عليه، وقبلها أطلعه رئيس أركان الجيش، ووضع نواب الموصل ومحافظها الحل امام رئيس الوزراء وألقّوا الكُرة في ملعبه وعليه التحرك فوراص وإنقاذ الموصل، واضعين نصب عينه الخطرعلى المدينة، من قبل الجهات المسيطرة عليها بالسلاح والمدعومة داخلياً وخارجياً، ولايخفى على العراقيين جميعاً، ألجهات التي تسيّطر على القرارالأمني والإداري، وتتدّخل في كلِّ صغيرة وكبيرة، في دوائر الحكومة لصالح جهات سياسية وحزبية في بغداد، عدا تعيين مدراء ومتنّفذين وتابعين لهم، في جميع مؤسسات الدولة في الموصل ينفذون أوامرهم، إننّا هنا نحذر الحكومة المركزية، التي أصبحت على إطلاع كامل وتفصيلي، بكل ما يجري في الموصل، إن كان على يدّ الحشود العشائرية والميليشيات المسلحة والاستخبارات والمخابرات الدولية والجهات الحزبية والسياسية التي تتحكم في إدارة الموصل، أو على الحكومة المحلية التي تعرف الفساد وأهله وتغمض عينها عنهم او تشاركه فيه، ونحملها مسئولية خلخلة الاوضع الامني المستقرفي الموصل، من قبل نفس الجهات وتهديد الامن والإستقرار الإستراتيجي، لأهداف وغايات وأغراض سياسية، وسيناريوهات إقليمية ودولية، تريد تحقيقها على أرض الموصل بعد هزيمة داعش فيها بمعركة تأريخية دفعنا ثمنها مئات الآلاف من الضحايا الشهداء خلال عقد ونصف من الزمان، نعم هناك صراع إقليمي ودولي في الموصل لأهداف ومصالح دولية بعيدة المدى، للسيطرة سياسياً وعسكرياً على مستقبل الموصل، ورَهِن أهلها ضمن أجندة معروفة، وتصريح اللواء قائد العمليات نجم الجبوري، كان رسالة واضحة لِمنْ يريد تعكّير صفو الأمن والإستقرار في الموصل، قائلا (الموصل محمّية ولاخوف عليها وستروّن بعد أيام الطائرات ماذا ستفعل)، إذن الخطر الذي يهدّد الموصل، ليس من خارجها وإنما من داخلها وقائم، وهنا مَكمن ذلك الخطر، الذي كنا نحذّر الحكومة المحلية السابقة، والقطعات العسكرية التي كانت تنفذ أوامر خارجية، وتتجاهل الحكومة المحلية وتهمشها قبل سقوط الموصلبل وتحاربها، ماأشبه اليوم بالبارحة، يتكرّر نفس السيناريو بيد نفس ألأدوات وألأجندات، ولكن من جهات غير عسكرية، ومن غير اهل المدينة، أو من أهل المدينة ولكنّ ولاءها لتلك الجهات، نعم أيها السادة الموصل مستقرة أمنياً وعسكرياً تماماَ، ولاخطر عليها أبداَ ولاخوف من خارج المدينة، الخطر بيننا ويأكل من خيراتنا ومعنا، ويتربّص بأمننا ومستقبل مدينتنا، فكونوا يقضين كما عهدناكم ولاتلتفتوا للاخرين المرتجفين والخائفين وبائعي الموصل لداعش وغير داعش، لأن هؤلاء هم أخطر من داعش وأسوأ منه، الموصل وأمنها الإستراتيجي المفقود، ينتظر الحكومة المركزية لإزالة أسباب ومسبّبات مَن يقف وراء هذا الخطر المعروف جهاته وأهدافها والحلول كلها وضعت على طاولة رئيس الوزراء، وهو من يتحمل مايجري للموصل مستقبلاَ، وقد أعذر من أنذر..حفظ الله الموصل واهلها ...

 

عبد الجبار الجبوري

 

محمد العباسيلقد كتبت ونشرت عدة مقالات حول مفهوم الحرية على هذا المنبر الإعلامي المتميز.. "حرية اكتساب المعرفة" و"بين الحرية والديمقراطية" و"بين الحرية والقانون" و"بين الحرية ونزعات التحكم والسيطرة" و" بين الحرية والفوضى".. وظننت أنني قد انتهيت من مناقشة أهم مناحي الأمور الحياتية المرتبطة بموضوع الحرية.. غير أن الأيام الأخيرة وفي خضم الجو الانتخابي الدائر رحاه في البحرين بين المترشحين للمجلسين النيابي والبلدي ظهرت علينا إشاعات ورسائل إلكترونية فيها تهديدات مبطنة وأخرى مباشرة بضرورة التصويت.. وأن من يمتنع عن الإدلاء بصوته قد يُعاقب بحرمانه من بعض الخدمات والمساعدات الحكومية !!

ربما كانت مجرد إشاعات للتشكيك في ديمقراطيتنا الوليدة.. ربما كانت مدسوسة لبث الشعور بين الناس بأن حرياتنا ليست حقيقية.. ربما هي من بين الوسائل الممتدة منذ انطلاق تلك الجهات المغرضة التي دأبت على نشر السلبيات وتعزيزها لإفساد الجو الديمقراطي في العالم العربي، تمهيداً لمرحلة جديدة لـ"ربيع عربي" آخر.. ربما وربما؟  لكن الواقع أن هذه الرسائل المشككة جعلت الكثيرين من عامة الناس يطرحون التساؤلات حول حريتنا في اختيار القرار.. بالذات في غياب الرد الرسمي لدحض هذه المسألة في مهدها.. وأنا هنا بدوري أنتقد حكوماتنا العربية بشكل عام لتأخرها الدائم في معالجة الأمور بالسرعة الكافية.. فهي تعودت على الصمت في حين يترقب منها الشعوب إيضاحات ونفي قاطع للإشاعات قبل استفحالها.. نترقب معالجة الخلل قبل تماديه وليس بعد نخره أساسات المجتمع وتلويث الرأي العام !!

و أثناء كتابتي لهذا المقال تلقيت عدة رسائل حول هذا الموضوع.. إحداها تقول بأن الحكومة ستحرم من يمتنع عن التصويت من بعض منافع التقاعد المبكر.. وأخرى تقول بأن الحكومة بالفعل أوقفت إجراءات تسليم عدد من الوحدات السكنية لمستحقيها ممن لم يشاركوا في الانتخابات الماضية.. ورسالة تلمح لحرمان الممتنعين من بعض المساعدات المالية مثل إعانة غلاء المعيشة.. وأخرى تضع الممتنعين في خانة كونهم لا يمتازون بالمواطنة الصالحة والملتزمين بالبعد عن التخريب ومخالفة القانون.. ويكاد الموضوع يصف كل من يختار عدم التصويت بالخيانة والوقوف في صف الدول المعادية للوطن!!  يا للهول من هذا الترهيب، لو أن مجرد بعض منه صحيح.. والمنطق السليم لا يتفق مع أي من هذه التهديدات لأنها لا تتناسب مع الديمقراطية والحرية الفردية من أساسها.

لنعد قليلاً إلى عنوان هذا المقال.. هل نحن أحرار في اتخاذ القرار؟  هل لنا الحق الديمقراطي في التصويت من عدمه؟  فأحياناً عندما يفقد الشعب الثقة في مخرجات التجربة النيابية سنة تلو سنة يصاب بالإحباط ممن يمثلوننا في المجلس، ولا يجد ما يشجعه أصلا للتصويت لمرشحين لا يمتلكون الكفاءات المناسبة.. فمنذ 2002 مع تجربتنا الأولى تقدم ثلة من المواطنين الكرام وترشحوا من أجل خدمة الوطن.. وتسابقوا تلك المسابقة الشريفة لنيل شرف تمثيل المواطنين في المجلس النيابي.. كان الكل على علم ويقين بماهية الشروط والتوقعات والمكافئات الموعودة.. وقد رضي الموظفون منهم بشرط التوقف عن وظائفهم فترة العمل في أروقة مجلس النواب على أن يعودوا بعدها لوظائفهم مكرمين معززين.. ورضي الأخوة ممن كانوا في مجالات أخرى خاصة بتحمل أعباء هذه المهمة من أجل خدمة الوطن والمواطن.. كانت الصورة واضحة.. ومجموع المتقدمين للترشيح في منطقتنا كانوا ممن وثقنا فيهم فآثرناهم على سواهم.. بل وكانوا حينها مصدر فخر لنا ولأهل منطقتنا الكرام.

شاءت الأصوات أن تختار رجال ونساء من كافة التوجهات.. وهم بلا شك كانوا أشخاصاً أعزاء لم تكن تنقصهم الشهامة.. فالكل سيعمل من أجل رفعة شأن المواطن البحريني وسيعنى بمشاكله وتطلعاته.. الكل قد تعاهد على هذا العمل النبيل.. كنا قد تصورنا في البداية بأن العمل النيابي سيكون أشبه بالعمل الوطني التطوعي، البعيد كل البعد عن الأنانية والنرجسية.. ولم يخل بالبال قط أن ينصب اهتمام الأخوة النواب فيما بعد على غير شئون المواطنين وتنصب جل اهتماماتهم بمصالحهم الشخصية والمكتسبات المادية، الآنية منها واللاحقة. 

لكن أن تمضي عدة فترات نيابية من غير نجاح يذكر غير المزيد من النعرات الطائفية.. و"المناكفات السيافقهية".. ثم يحصد النواب مكافئات تلو المكافئات.. فوالله كانت هذه قمة المفاجئات.. ولن أتطرق اليوم للفترة الثالثة بالذات، ففيها من عجائب السباب والشتائم وأعضاء جدد لا ينتمون للحراك السياسي ولا الحضاري الثقافي لا من قريب ولا من بعيد !!  بينما شئون الوطن والمواطن أصبحت في أواخر قائمة الاهتمام والأهمية لدى إخواننا النواب.. كأنما كل منهم يقول "أنا.. ومن بعدي الطوفان" !!

ثم نجح النواب تارة أخرى في مطلبهم الغريب (الأناني في واقع الأمر) بأن طالبوا بزيادة في مكافئاتهم الشهرية.. من أين؟.. من جيوب من؟.. على حساب من؟.. ومن أجل ماذا ؟؟  ألم يدخلوا المعترك وهم على بينة من الأمر.. ألم يرضوا بالمكافأة المعلنة مسبقاً؟.. كيف إذن بوقت قصير بعد ذلك قرروا أن المكافأة غير كافية؟  كيف لهم هم بأنفسهم أن يرشحوا أنفسهم لنيل المكافئات؟.. كمن يربتون على أكتافهم بأنفسهم ويهنئون أنفسهم بإنجازات عظيمة، ثم يطالبون الشعب بأن يكرمهم.. ما هكذا توقعنا في هذا النزر اليسير من الوقت والكم الهزيل من العطاء.. وهو لم يكن قط عطاءً بلا مقابل.. بل دخلوا المجلس بمكافئات مجزية لا يحلم بها ثلثي النواب.. ومنهم من كانت أجورهم الوظيفية لا تبلغ الخمسمائة دينار لا غير أو ربما أقل من ذلك.. كم يذكرني هذا الوضع بجائزة "نوبل" للسلام التي مُنحت للرئيس "باراك أوباما" في أول عهده بالرئاسة تكريماً لوعود تعهد بها في "جامعة القاهرة" في 2009.. وانتهت فترتي حكمه ولم ينجح في الوفاء بأي من وعوده الداعية لترسيخ السلام في منطقتنا كما وعد في خطبته العصماء تلك!

أي إنجاز عظيم قمتم به حتى الآن لتستحقوا أي شيء.. ثم من وعدكم منذ البدء بأن لكم مكافئات كلما أنجزتم شيئاً؟  بل يبدو لي وكأن الأمر معكوس.. كأنما تنتظرون من يكافئكم من أجل الفشل.. وأنه كلما فشلتم أكثر أزادوكم!!.. الغريب أن بعض المطالبات أتت بعد المقارنة مع ما يجنيه أعضاء مجلس الأمة في الكويت الشقيقة.. يا عقلاء.. وهل تقارنون أنفسكم بهم هناك؟.. وتنسون الفارق بين الشعبين.. الفرق بين حقوق المواطن عندهم وحقوقنا البسيطة هنا.. بين بدلات (مكافئات) الزواج والسكن وإلغاء القروض وغير ذلك من امتيازات أدامها الله عليهم بالخير.. أنسيتم "هزالة" معاشات أهل البحرين وتلك القروض القاصمة ومتوسط الدخل المتواضع بحكم تواضع مصادرنا ومواردنا الطبيعية ؟؟

يا ويحنا هنا.. وبعد كل الخير الغير مستحق، طالب الأخوة الكرام بالمزيد.. بحقوق أخرى غير مستحقة ولا هي منصفة .. بل هي بلاءٌ على المواطنين من شعب هذا البلد الطيب.. يطالبون بلا ذرة من الرحمة ولا الشفقة بأرزاق المتقاعدين.. من ناحية أقاموا الدنيا كزوبعة في فنجان من أجل مكافحة التجاوزات في صندوق التقاعد.. يبدو أنه بات واضحاً أن لا حياة لمن تنادي في الصندوق.. ورأوا في خيرات صندوق التقاعد فائضاً ظنوه من حقهم.. يا للفاجعة.. ظنوه صيداً سهلاً لكل من "هب ودب".. فلن يجرأ أحد على فتح ملفات صندوق التقاعد طالما لم تنفع "الجعجعات" ولا "المهاترات" في كشف أغوار تلك الدهاليز ...... "الله يستر" !

لو راجعنا كم الإحباط المتراكم منذ التصويت على أول مجلس نيابي لعذرنا المترددين الآن واحترمنا حقهم في حرية اتخاذ القرار الذي يريح ضمائرهم.. لأنهم يرون تكاليف النواب وبالاً عليهم، ومصدر استنزاف مستمر لحقوقهم.. إلا البعض اليسير من النواب طبعاً ممن عهدناهم كما عهدناهم.. قبل وبعد العمل النيابي.. كرماء أفاضل.. لا يخلطون بين توافه الأمور.. تركيزهم على حاجات الشعب كافة.. لا الأفراد والملة التابعين والمحسوبين على هذه الجماعة أو تلك.

و حين نراجع بعض أقوال المترشحين الجدد نرى كماً هائلاً من الافتقار للكفاءة والعلم والمنطق والقول السليم.. فأحدهم يهدد روسيا ولا يعرف أن "غورباتشوف" لم يعد في الحكم هناك.. وآخر يعرض على زوار مجلسه خلطات من الأدوية الشعبية ويمنحهم " شراب الحلتيت" المجاني لمجرد زيارة مقره.. وغيرهم ممن يفتقرون لأبجدية اللغة العربية السليمة وجهلاء في السياسة ولا يعرفون بنود الدستور البحريني.. وغيرهم ممن لا يفرقون بين الشئون البلدية ودور المجلس النيابي التشريعي.. وأغلبهم يوزعون الرشاوي العينية عبر توزيع المواد التموينية على منازل منطقتهم الانتخابية ويرمون جزافاً بوعود خيالية لا تحتمل التطبيق على أرض الواقع.. وربما جميعهم ينصبون خياماً ويوفرون فيها موائد بوفيهات من أطياب الطعام.. والبعض تمادى طرباً عبر إحضار فرق "الهبان" و"العرضة" لجلب الزوار لمقارهم الانتخابية!!

وأخيراً أعود لموضوع الحرية في شأن التصويت من عدمه.. فنحن نحب الخير للوطن ويسعدنا أن نكون ضمن المنظومة العالمية المتمدنة والديمقراطية.. ومن حقنا أن نعترض على كافة النماذج السيئة التي تشوه العملية الانتخابية عندما تكون دوافع المرشحين مصالحهم الشخصية، وليس بالضرورة مصلحة الوطن والمواطن.. ومن حق المواطن عندما يرى هذا الخلل المتكرر أن يعترض بطريقة ديمقراطية تعزز عنده مبدأ الحرية.. ولا يجوز الحكم المسبق على نوايا الناس وقراراتهم ضمن بوتقة حقوقهم التي اكتسبوها مع التصويت العام على الميثاق الوطني!!

 

د. محمد العباسي - أكاديمي بحريني

 

سامان سورانيإن أزمة تشکیل الحکومة الراهنة في العراق باتت الشغل الشاغل للناس في المرکز والإقلیم من غیر إستثناء، إذ هي تخلط الأوراق وتخربط الحسابات، بقدر ما تمس المصالح والمصائر في المنطقة.

لا مراء بأن الزیارة الأخیرة للرئیس مسعود بارزاني، زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، علی ما شاع في الأعلام المرئي والمسموع والمقروء، بعد أن أستقبل بحفاوة من قبل رئيس مجلس النواب العراقي محمد الحلبوسي ورئیس تحالف الفتح هادي العامري ولقاءه برئيس الوزراء العراقي الجدید عادل عبد المهدي، وعدداً من القادة السياسيين في بغداد والنجف، ينفتح علی خيارين كبيرين لكل منهما ثمنه وثمراته: الخیار الأول هو بناء قاعدة متینة للحوار کحل للمستقبل بدل الحروب والخیار الثاني هو تشکیل مرجعیة دیمقراطیة بعیدة عن التفرد بفتح آفاق أمام العمل الحضاري والتنمية البشرية في العراق الفدرالي، تكون أقل كلفةً ووطأةً أو أقل تسلطاً وعنفاً، بل أقل عبثاً وجنوناً. فالسلام هو الأمل ومستقبل الإقلیم والمرکز یکمن في الحوار لا الحروب.

الرئیس مسعود بارزاني، الذي وصف بمهندس كبیر بالسياسة على مستوى المنطقة والعالم، قائد من هذا الزمن یؤمن بالحوار والسلام ویعرف جیداً بأن هذا الزمن هو زمن الحوار والتلاقي والدعوة للقاء عوضاً عن الإفتراق، لذا نراه یؤكد في جمیع لقاءاته السیاسیة مع القیادات العراقیة المختلفة علی أهمیة العمل المشترك بین جمیع الأطراف من أجل بناء الشراكة ومعالجة وإنهاء کافة مشكلات العراق المتراکمة السیاسیة منها والأمنیة والإقتصادیة والدستوریة وقضایا عالقة بین الإقلیم وبغداد خصوصاً مسألة إدارة المناطق المتنازع عليها، وتحديداً كركوك ویصرّ على ضرورة تواجد النوايا الحسنة لبداية جديدة لعملية سياسية تخدم الجمیع. 

الحوار هو ثمرة إعتراف متبادل خارج أي نوع من أنواع النفي والعمل علی الوحدة یحتاج بلا شك الی الإقرار بالواقع، لمعرفة إدارة الإختلاف ومعالجة المشاکل وتدبیر الشؤون.

فالوحدة دوماً بحاجة ماسة الی وسط جامع، فهي لیست معطیً فطریاً أو واقعاً طبیعیاً، بل هي عمل ثقافي مؤسسي یقتضي بذل الجهد بالعمل علی الذات وتحویلها لكي تخرج من الدائرة الضیقة أو القوقعة لاخانقة. وذلك بإجتراح مایحتاج الیه العمل المشترك. فالإتحاد مع الآخر هو من أجل خلق ما هو جامع أو مشترك أو عام یتیح أو یوسع من إمکانات الحوار والمفاوضة والشراكة والمبادلة والتداول والتفاعل علی نحو مثمرٍ وبنّاء في عصر تزداد معها إمکانات التواصل بین الناس.

إن الإعتراف بحق الآخر وبالفيدرالية والديمقراطية هي لغة العصر وكذلك الحلول لا تقوم علی نفي الواقع. والوسطیة هي لیست غیاباً للموقف والرأي ولا هي جمع علی سبیل التلفیق، بهل هي أداة لصناعة حیاة مشتركة وفضاء واسع لممارسة حریات التفکیر، بقدر ماهي بیئة حضاریة خصبة للتبادل، أو وسط للمحاورة والمداولة والسجالات والمناقشات والمفاوضات الدائمة.

علیه أن نذّکر رئیس الحکومة الجدیدة، الدکتور عادل عبدالمهدي، أنه من یرید أن یقود مشروع وطني في العراق واجب علیه أتباع سياسة المساواة وخدمة الكل، لا استخدام سیاسة التهمیش وإثارة الأحداث وعلیه أیضاً مراعاة أسس الشراكة الحقیقیة في صناعة القرار والتوافق والتوازن بين المكونات في العملية السياسية العراقية.

بالتأكید نحن اليوم أمام واقع تتحرك معطياته بوتائر متسارعة، إذ لا يمكن التَّعامل مع الوقائع إلا بوقائع مماثلة.

إنّ الرئیس بارزاني أكد غیر مرةٍ علی مبدأ التّسامح الإنساني والأخلاقي لیشكل حجر الأساس لمبادئ الديمقراطية الدستورية المستقبلية وحفّز الحوار الثقافي المتحضر بين الطوائف والقوميات والاديان المختلفة وعزّز بسیاسته الحکیمة فلسفة التعایش السلمي کصناعة مفهومية في كوردستان، فهو یرید أن ینقل هذه التجربة الكوردستانیة الناجحة الی کافة أرجاء العراق، لأنه یدرك جیداً بأننا الآن في زمن الكتروني لا يمهل كثيراً بل هو يهمل اذا لم نحسن التعاطي مع ادواته، لذا نراه یستجیب بتعقل ورؤیة وهدوء للمثیرات المختلفة، ونتیجة لذلك یقرر بموضوعیة تضمن رؤیة ومصلحة الشعب العراقي بشکل عام والشعب الكوردستاني بشكل خاص، مدركاً العلاقات والإرتباطات بین الأشیاء والوقائع، مستخلصاً العوامل البارزة من خبرات عقود من الکفاح المسلح والنضال الوطني للإنتفاع بها في إلقاء الضوء علی المشکلات الحاضرة.

أما الماضي فدروسه علمنا بأن من ینشدّ الی الوراء، بدلاً من أن یتوجه نحو الحاضر والراهن والمستقبل ویسعی للخروج من المنطق الإختزالي والسجن العقلي والحتمیة الأيديولوجية والمكابرة والتهرب من المسؤولية وإنكار الحقائق الصارخة والترويج لجحيم الآلة العسكرية، لا یورث سوی النزاعات الداخلیة والهزائم والمهالك للعراق. علیه یجب أن تنتهي أزمنة القفز فوق الاحداث ونفي المتغيّرات.

وختاماً نقول للحکومة العراقیة الجدیدة ولأحزاب السلطة جمیعاً، جاهدوا في سبیل جعل الحیاة في العراق وبین المکونات المختلفة أقل بؤساً وفقراً وأقل توتراً وعنفاً، لیکون هذا البلد أكثر أمناً ویسراً وأكثر تواصلاً وتضامناً، سواء علی مستوی القومیات أو علی مستوی الدولة وساهموا بشكل بناءٍ ومثمر في تطویر مفهوم الدیمقراطیة وفتح ممكنات جدیدة أمام العمل الدیمقراطي.

 

الدکتور سامان سوراني

 

ابراهيم أبراشمن مستلزمات وضرورات مرحلة الانتقال من مرحلة الاستعمار إلى الاستقلال أو من الأنظمة الدكتاتورية والاستبدادية إلى أنظمة ثورية أن يتم تشكيل ولمرحلة انتقالية محدودة مجلس قيادة ثورة وتتمركز السلطة في يد قائد الثورة ومجلس قيادة الثورة ويكون هؤلاء بمثابة النخبة الحاكمة أو العليا، إلا أن الذي كان يحدث أن المؤقت يصبح دائما ويستمرئ الثوار كراسى السلطة ومنافعها ويتم تعليق الديمقراطية، إن وجدت أو التهرب منها إن كانت مطلبا شعبيا، والحد من حرية الرأي والتعبير ومطاردة المعارضة.. بذريعة أن الوطن ما زال يتعرض للمؤامرات والثورة مهددة من أعدائها ويكون من السهل اصطناع أعداء وهميين .

يستمر الأمر على هذا الحال من حكم الثوار أو العسكر إلى أن تتعاظم أخطاء العسكر ونظامهم الثوري التقدمي التحرري الخ ويزداد الشعب فقرا وبؤسا ولا يجد من مناص إلا الثورة مجددا ولكن هذه المرة على (النظام الثوري) الذي أصبح دكتاتوريا (دكتاتورية ثورية) وأكثر فسادا من النظام القديم في نظر جزء من الشعب . هذا ما كان عليه الحال بالنسبة لبعض الأنظمة (الثورية) في العالم العربي وفي أفريقيا وأمريكا اللاتينية .

مع أنه ومن خلال الواقع العربي يَصعب الحُكم والتمييز بشكل دقيق بين النظام الاستبدادي والدكتاتوري وغير الوطني من جانب والنظام الثوري والوطني من جانب آخر، كما من غير اليسير الحكم بأن هذا النظام ديمقراطي أو غير ديمقراطي حيث انتهى زمن الديمقراطية المثالية وبات مفهوم الديمقراطية ملتبسا، كما أن الحكم على نظام ما إن كان ديمقراطيا أم غير ديمقراطي لم يَعُد يصدر من الشعب ذاته بل من خلال رؤية الغرب وخصوصا واشنطن، وهو حكم ينبني على المصالح وليس المبادئ، كما هو الأمر بالنسبة لتوصيف دولة ما أو جماعة ما إن كانت إرهابية أم لا، حيث يتم السكوت عن أنظمة فاسدة وغير ديمقراطية بل وتدعم جماعات إرهابية إن كانت أنظمة موالية للغرب وإسرائيل، بينما يتم توجيه اتهامات بالفساد وانتهاك حقوق الإنسان للأنظمة المعادية للغرب وإسرائيل حتى وإن كانت تحظى برضا الشعب وتتوفر على المشروعية  .   

الجدل الذي يصاحب عملية الانتقال السياسي من شرعية إلى أخرى أو من مرحلة التحرر الوطني من الاستعمار إلى مرحلة السلطة والدولة ومن أنظمة استبدادية إلى أنظمة ثورية ليس مجرد جدل مفاهيمي بل يمتد للممارسة، فالانتقال ليس فقط من شرعية نظرية إلى أخرى بل يتطلب أو يفترض أن أدوات واستراتيجيات العمل السياسي تتغير .

هذا الالتباس الذي يصاحب الانتقال من شرعية إلى أخرى أو من حالة سياسية إلى أخرى يوجد نظير له عند حركة التحرر الوطني الفلسطيني ولكن في إطار خصوصية تتميز بها الحالة الفلسطينية.

بدخول منظمة التحرير الفلسطينية مسلسل التسوية وتوقيعها اتفاقية أوسلو وبداية الحكم الذاتي الفلسطيني في مناطق من الضفة الغربية وقطاع غزة عام 1994، عرف المجتمع الفلسطيني تحولات سياسية واجتماعية، فالعملية سعت إلى نقل المجتمع من مرحلة الثورة والنضال إلى مرحلة المراهنة على الحلول السلمية وبالتالي إنهاء حالة الثورة المسلحة والحرب مع إسرائيل مع ما يترتب على ذلك من تغيير في وظيفة المؤسسات التي ظهرت في مرحلة الثورة، كما يتطلب نقل مركز ثقل حركية المجتمع الفلسطيني من خارج فلسطين إلى داخلها، والأهم من ذلك ظهور إرهاصات الديمقراطية من خلال انتخابات رئاسية وتشريعية ووضع قانون أساسي وتغيير الميثاق الوطني المعَبِر عن مرحلة التحرر الوطني ووجود مؤسسات دستورية وسياسية مدنية وقانون انتخابي وتعددية حزبية وتنافس أو تصارع الأحزاب على السلطة .

دون التشكيك بجدارة الشعب الفلسطيني بأن يعيش في دولة ديمقراطية إلا أن أولوية الشعب الخاضع للاحتلال مقاومة الاحتلال وليس الصراع على سلطة تحت الاحتلال، حيث لا يمكن تأسيس نظام دولة ديمقراطية في ظل الاحتلال لأن الديمقراطية تعني سيادة الشعب بينما الاحتلال ينفي سيادة الشعب الفلسطيني ويحد من ممارستها، ولكن هذا لا ينفي أهمية الممارسة الديمقراطية داخل الأحزاب وعند مؤسسات المجتمع المدني وكثقافة سياسية شعبية .

في بداية التحول من مرحلة الثورة إلى مرحلة سلطة الحكم الذاتي تحت الاحتلال كمدخل للدولة المنشودة تباينت مواقف الأحزاب السياسية، ففيما باشرت حركة فتح وأحزاب من منظمة التحرير عملية التحول وشاركت في الانتخابات التشريعية 1994 ثم الرئاسية وأوقفت المقاومة المسلحة قاطعت حركة حماس والجهاد الإسلامي هذه الانتخابات واستمرت في نهج المقاومة بل ورفعت شعار المقاومة بديل عن التسوية السياسية والمفاوضات . منذ نهاية 2004 وافقت حركة حماس على المشاركة السياسية في مؤسسات السلطة عبر صناديق الانتخابات دون أن تعترف رسميا باتفاقية أوسلو أو ببرنامج منظمة التحرير أو تتخلى عن المقاومة المسلحة، وعلى هذا الأساس شاركت في انتخابات البلديات عام 2005 ثم الانتخابات التشريعية في 25 يناير 2006 .

هذا التحول عند الطرفين كان يفترض القبول باستحقاقات الديمقراطية وحكم المؤسسات المدنية المنتخبة كناظم للعلاقة بين المكونات السياسية وأن تنتقل السلطة والقيادة من العسكريين والمناضلين إلى السياسيين الذين أفرزتهم صناديق الاقتراع، وأن تُطبع الحياة السياسية بطابع مدني وأن يخضع المستوى العسكري والأمني للقيادة السياسية المدنية ويتم تفعيل مبدأ تبادل السلطة عبر صناديق الانتخابات .

ولكن ولأن الولوج لعالم الديمقراطية كنظام حكم في مناطق السلطة الفلسطينية جاء قبل الاستقلال وقيام الدولة المستقلة، ولأنها ديمقراطية في ظل الاحتلال وتم اختزالها بالانتخابات ولأن العسكريين أنفسهم خلعوا رداء العسكر ولبسوا اللباس المدني، فقد فشلت الانتخابات في إخراج النظام السياسي الفلسطيني من مأزقه بل أصبحت الانتخابات بحد ذاتها موضعا للخلاف، والحكومات التي تشكلت لم تكن تحكم فعليا حيث الحكم الفعلي للعسكر من أجهزة أمنية وجماعات مسلحة، حكم عسكر لحالة ملتبسة لا هي حالة تحرر وطني ولا حالة الاستقلال والدولة، عسكر تحولوا إلى طبقة مصالح ومرتبطين بشبكات ونخب مصالح .

بعد أربع وعشرين سنة من تأسيس السلطة الفلسطينية ومحاولة بناء نظام سياسي ديمقراطي في ظل الاحتلال، وبعد اثني عشر عاما على الانتخابات التشريعية الثانية فإن الواقع يقول بأن السلطة والحكم في مناطق السلطة في الضفة وغزة هي للعسكر الإسرائيلي والفلسطيني، مع تفاوت نسبي ما بين الحالة في قطاع غزة والحالة في الضفة الغربية بالنسة لدرجة التواجد العسكري الإسرائيلي في المنطقتين وللعقيدة العسكرية عند عسكر غزة وعسكر الضفة، كما يجب إعادة النظر بمقولة : علينا أن نمارس الديمقراطية كأنه لا يوجد احتلال ونمارس المقاومة وكأنه لا توجد ديمقراطية، فهذه مقولة قد تكون صحيحة على مستوى ممارسة الديمقراطية كثقافة وسلوك داخلي عند الأحزاب وداخل المجتمع ولكنها صعبة التحقيق عندما يتعلق بديمقراطية لدولة مستقلة في ظل الاحتلال وخصوصا إن كان الأمر يتعلق بالمقاومة المسلحة لحزب أو أحزاب بدون رؤية أو استراتيجية وطنية شاملة .

 

د. إبراهيم أبراش