ماجد السوره ميرييردد الكثير من المحبطين أن مساحة الحرية المتوفرة على مواقع التواصل هي مقصودة، وهي متنفس العراقيين لتفريغ شحنات الغضب والبغض الذي يكنوه لحكوماتهم وسياسييهم، الذين لم يجنوا منهم غير الطائفية والقتل والتفجيرات وسرقة الخيرات والثروات، وأن التغريدات والمنشورات وحتى المقالات في هذه المواقع كلها عبثية تذهب أدراج الرياح.. ويرى آخرون أن العزوف عن هذه المواقع هو أسلم لهم ولسلامتهم، أو الدخول لهذه المواقع ولكن بصفحات وهمية لا تمت لهم بأي صلة، مع عدم المشاركة في المواضيع والتعليقات حتى تجنب وضع الايكات خشية من الحكومة الديمقراطية وأذرعها الميليشياوية.. أخالف أصحاب هذا الرأي وذاك، وأقول لهم، لا الحكومة العراقية منفتحة هذا الانفتاح وتركت لكم الحبل على الغارب كي تتنفسوا الصعداء وتقولوا مايحلوا لكم، ولا هي أحكمت قبضتها عليكم وأنها لاتخشى منكم البتة.. بإختصار، الحكومة العراقية وأحزابها الحاكمة الفاسدة تخشى كل مواقع التواصل الإجتماعي. بهذه الكلمات ربما أبعث الأمل في نفوس المحبطين الذين أصابهم اليأس والقنوط من التغيير ومن جدوى منصات الانترنيت، دليل على ذلك من محيطنا العربي، فقبل أسابيع من الأن ألقت الشرطة السعودية القبض على عدد غير قليل من المغردين والمغردات، وأصبح إعتقالهم على لسان القاصي والداني، وبالأمس القريب أيضاً تناقلت وسائل الأعلام نبأ إعتقال السلطات المصرية للمدون المصري وائل عباس الذي يحظى بشعبية كبيرة عربيا ومصرياً، وساحة الأنظمة الأستبدادية مليئة بحوادث مشابهة من هذا النوع من الأعتقالات للناشطين والصحافيين والكُتاب، إذاً مايقلق الحكومات العربية وأنظمتها الفاسدة وأجهزتهم القمعية هي المقالات والتغريدات التويترية والفيسبوكية على حداً سواء، وكلٌ حسب فضائه المجتمعي. فلو كانت هذه التغريدات والتي كانت عدد أحرفها مائة وأربعين واصبحت مائتين وثمانين حرفاً، لاتشكل خطر وتهديد حقيقي على سلطة الحاكمين لما تأهبت هذه الأجهزة الأمنية والمخابراتية القمعية بالقبض على الكُتاب والمغردين والناشطين المؤثرين في هذه المواقع، وأودعتهم السجون والمعتقلات دون محاكمات قانونية، لا لشيء إلا لأنهم غردوا أو عبروا عن رأيهم من خلال منشور أو كتابة مقالة، بحجة التآمر وقلب النظام والتخابر والخيانة العظمى.!

السعودية ودول الخليج من أكثر المستخدمين للعصفور الصغير "تويتر" وأحد أهم أسلحتهم المستخدمة الأن في إدارة الأزمة الخليجية هي تويتر أيضاً للرد على الجارة قطر وقناتها الجزيرة، فهذا العصفور يستخدمه الجميع لتشويه سمعة الخصوم وشيطنتهم والإساءة لهم، وبالمقابل ترد قطر على السعودية ودول الحصار بقناتها الجزيرة وماتملك معها من قنوات اعلامية أخرى، هذا جانب من الاستغلال التويتري، والجانب الآخر له هو رصد المخالفين ومتابعة المعارضين لسياسات الحكومة وتوجهاتها التعسفية، وتصفيتهم بشتى الطرق والجسدية واحدة منها، ومن الاستخدامات الأخرى لهذه المنصة أيضاً هو صياغة رأي عام من خلال الجيوش الإلكترونية أو مايسمى "بالذباب الإلكتروني" فمعظم الدول الشرق الأوسطية الأن بدأت بتشكيل هذا الذباب، لأنها بارعة في قمع الحريات وتكميم الأفواه ومصادرة الرأي والحريات، وخير من يدافع عنها ويُجمل صورتها القبيحة هو هذا الذباب المرتزق..

والعراق أحد هذه الدول الذي أنشأء هذا الجيش الإلكتروني وكانت البدايات عام 2012 وإلى يومنا هذا، ومهمة هذا الجيش إختراق مواقع الخصوم، وترويج الإشاعات والأكاذيب وخلق بلبلة، وترويج لخلق رأي عام موالي للأحزاب الحاكمة والأجندات الخارجية، وبحسابات وهمية يعملون عليها ليل نهار، وعبر مختلف منصات الانترنيت، وينتدب لهذا الأمر مجموعة من المتخصصين والمتدربين من الصحافيين والاعلاميين ومحللين سياسيين، باعوا شرف المهنة والكلمة واصبحوا مرتزقة وأداة بيد الفاسدين، وبعض من هؤلاء معروفين على الساحة العراقية، وآخرين يستهدفون شريحة معينة مهمتهم كتابة الردود والتعليقات النابية المنافية للآداب والأخلاق، لإسكات، وتشويه سمعة المخالفين وتسقيطهم إعلامياً.!

في العراق وفي مرحلة من المراحل، دور هذه الجيوش أثمر وآتى أكله بشكل فاق التصور، أما الأن فبات عمل هذه الجيوش والمنظمات السرية مكشوف مفضوح، وفقد الكثير من دوره التخريبي لعقول الشباب، لأن هناك متطوعين من المثقفين والصحافيين والاعلاميين والناشطين المدنيين، دفعهم حب الوطن والرغبة في التغيير لقيادة هذه المهمة، فانبروا لها وكرسوا جُلَ وقتهم لتعرية الفساد وأهله وإماطة اللثام عنهم.

وقد يتسائل سائل ويقول الوضع في العراق مختلف ولاجدوى من الكلام والتغريدات والمقالات، فكل شيء على ماهو عليه ودون تغيير. لكن الحقيقة أن الوضع تغيير، ففي عام 2014 شهد العراق انتخابات عامة كانت الثالثة بعد سقوط النظام السابق، والأولى بعد إنسحاب الجيش الامريكي من العراق عام 2011، وكانت نسبة المشاركة كبيرة نسبياً وضمت شرائح واسعة من المجتمع العراقي، والنتائج والتوقعات جاءت حسب ماخُطط له، ولصالح الأحزاب الحاكمة المتحكمة في العباد والبلاد، وسُخر لذلك كل الإمكانات المتاحة ومن ضمنها الجيوش الالكترونية. ومع اقتراب موعد الانتخابات النيابية العامة عام 2018 ظهرت موجة ناقمة من المعارضة العراقية القوية داخل البلد وخارجه، وأخذت بزمام المبادرة واتخذت من مواقع التواصل الاجتماعي منصات لها لبلورة رأي عام من خلال ما يتم نشرهُ وكتابته، فكانت هذه المواقع بمثابة برلمانات شعبية، وكان لموقع الفيس بوك دور كبير ومؤثر لأن العراقيين أكثر أستخداماً له من بقية المواقع وشارك هذا الموقع أيضاً موقعي الواتساب وتويتر ولكن بدرجات أقل، فكان جُل هذه الدعوات تدعو لمقاطعة الانتخابات وعدم المشاركة فيها لأسباب معروفة للجميع، تدين هذه الحكومات والأحزاب الفاسدة، هذه الدعوات نجحت في حراكها المدني السلمي بعيداً عن سلطة الحكومة وأجهزتها الأمنية والحزبية، مما سبب حرج كبيراً للحكومة والاحزاب السياسية أمام الرأي العام العالمي والمحلي، وفشلت الجيوش الالكترونية المدفوعة الثمن في ثني المقاطعون عن المقاطعة، مما حدا بالحكومة لإتخاذ مسار أخر لإنجاح الانتخابات ومهزلتها ألا وهو خيار التزوير وأوغلت فيه هذه المرة بشكل فاضح ومثير للجدل، هذا الخيار المعوج لم يكن بعيداً عن الانتخابات السابقة إلا إنها كانت تحت غطاء المشاركة الواسعة في السنوات السابقة، واسلوب المقاطعة وفكرتها كانت أحد أسباب فضح التزوير الذي ساد انتخابات عام 2018 فنسبة المشاركة كانت قليلة جداً والنتائج كانت غير متوقعة ومشكوك فيها نتيجة التلاعب والتزوير القصة معروفة للجميع، مما حدا بممثل الأمم المتحدة في العراق يان كوبيتش في كلمة له خلال إحاطته لمجلس الأمن الدولي بالقول إن الانتخابات في العراق شابها التزوير والترهيب، دون الإشارة إلى طبيعة عمليات التزوير وأسماء تلك الجماعات المسلحة المشاركة في ترهيب الناخبين، وهذه المرة الأولى التي تصل لأروقة الأمم المتحدة صدى التزوير والتلاعب في الانتخابات العراقية، وهذا بحد ذاتة يشكل منعطف خطير على شرعية هذه الحكومات التي حكمت العراق طيلة هذه الفترة، ويضع علامات استفهام كثيرة وعميقة لدى المراقبين الدولين، وعلى مستقبل الديمقراطية والعملية السياسية في العراق..

بعد الانتخابات تداولت مواقع التواصل عدة مواضيع أثارت جدلاً واسعاً في الرأي العام العراقي وردود أفعال متفاوتة أحرجت الحكومة العراقية، نذكر منها على سبيل المثال إنقطاع الكهرباء في شهر رمضان، وتشغيل تركيا لسد إليسو وإنخفاض منسوب نهر دجلة من جراء ذلك، وإحراق صناديق الاقتراع للمفوضية في مخازن تابعة لوزارة التجارة، هذه الفضائح المتوالية وغيرها تم تداوله في مواقع التواصل، وردت الحكومة عليها سريعاً ورسمياً وعلى أعلى المستويات. وقد يقول قائل إن هذه الأزمات مفتعلة ويراد منها إشغال الشارع العراقي عن النتائج الحقيقة للأنتخابات والتزوير الذي شابها وما إلى ذلك، قد يكون هذا الكلام صائباً إلى حداً ما، ولكنها في النهاية تُسيئ للحكومة أكثر مما تنفعها، وخاصة إذا تحول الموضوع إلى جدل وقضية رأي عام وأثار جهات دولية، عندها تكون النتائج وخيمة وكارثية تأتي على سمعة الحكومة العراقية في المحافل الدولية وتفقدها الكثير من المصداقية والشرعية، ولاننسى الثورات العربية التي اطاحت بالدكتاتوريات وبدأت من هذه المنصات إلا أن قدرها المشؤوم كان لها بالمرصاد، بسبب التدخلات الخارجية وسرقة هذه الثورات من قبل الارهابيين والاحزاب الاسلامية الطامحة للسلطة وبأي ثمن كان.!

يكفي أن تعلموا أن الحكومة هذه المرة جادة في إيجاد الحلول، ولكن بطريقة ترقيعية وملتوية، نعم أقول (ملتوية) وليست حقيقية وجذرية!! وذلك لتفاقم المشكلة بينها وبين الشعب، والانتخابات الاخيرة كشفت حجم الهوة، وهذه النية من الحكومة في إيجاد الحل للأزمات التي تعصف بالبلد ليس حبا بالوطن وخدمة للشعب وإنما خوفاً على مصالحها الحزبية والشخصية!! ومتى يكون الحل حقيقياً وجذرياً، يكون عندما يكون هناك ضغط جماهيري وإرادة قوية، ووعي كامل لرصد اداء الحكومة وفضحها أمام الرأي العام، وهذه مهمة الجميع بالطرق السلمية المدنية، ويجب أن تستمر وتأخذ حيزها وموقعها ووقتها عند كل إنسان عراقي ووطني نزيه، وفي كافة مواقع التواصل ومنصات الانترنيت، وكلما كان الموضوع الذي يتم تداوله مؤثراً ولاذعاً زاد انتشاره ودوره السياسي، فهو يأرق الحكومة والاحزاب الحاكمة، ويشكل مصدر قلق وإزعاج لها، ويعتبر وسيلة ضغط كبيرة عليها، خاصة إذا ما تم اختيار وعرض وإثارة مواضيع حساسة مدعومة بأدلة عقلية منطقية، أو أدلة ثبوتية تقطع الشك باليقين، ومصاغة بشكل يتوائم مع مستجدات المرحلة الآنية، فلهذا لا تقنطوا ولا تيأسوا من روح الله، فثمن الكلمة باهض، والحرية والتغيير بحاجة إلى الصبر والوقت..

فلغة المصلحين هو القلم والكلمة والفكر.. ولغة الفاسدين والارهابيين هو القتل والرصاص والموت..!!

 

ماجد السوره ميري

 

ماجد احمد الزامليالتحالفات الحزبية في المشهد السياسي الوطني والذي يطفو على السطح مع اقتراب كل استحقاق انتخابي، علامات استفهام مشروعة حول مدى استناد هذه التحالفات الى محددات وأبعاد استراتيجية ترتكز على قيم ومبادئ وتوجهات متقاسمة بين الاحزاب المتحالفة، أو اختزالها في سلوك براغماتي يغلب المصلحة الحزبية الضيقة ويهدف في المقام الاول الحصول على نتائج أكبر في الاقتراع. ألتحالفات الحزبية قبل ألأنتخابات لا يمكن أعتبارها تحالفات من ألناحية ألعملية، أى تحالفات تؤدى الى تشكيل ألحكومة بألأكثرية لأن ألأطراف ألمتحالفة ليست متأكدة من ألفوز بألأكثرية أللازمة فى ألأنتخابات و لهذا لا يكمن أعتبار هذا ألنوع من ألتحالفات ألا مقترحا موجها للناخبين بأن ألحكومة ألمقبلة سيشكلها هذا ألتحالف أذا فاز بثقة ألناخبين. هذا ألنوع من ألتحالفات ينشأ عادة فى ظل نظام ألتمثيل ألنسبى عند تسابق عدد كبير من ألأحزاب على مقاعد ألبرلمان كما هو ألحال ألآن فى ألأنتخابات ألبرلمانية ألعراقية. ويُعرف التحالف بأنه "اتحاد مؤقت بين مجموعتين أو أكثر" وقد يُعرف التحالف السياسي أو التحالف الحزبي بأنه "اتحاد بين حزبين أو أكثر" من أجل الحصول على تأثير أعظم أو نفوذ أكبر من الجماعات والأحزاب المنفردة، عندما تريد تحقيق أهدافها. وقد يُسمى التحالف السياسي بالائتلاف السياسي "وهي عملية التعاون السياسي بين جهتين والتضامن بينهما لتحقق أغراض مشتركة" ويظهر الائتلاف بصورة أوضح في الأحزاب السياسية عندما لا يحرز حزب واحد الأغلبية اللازمة لتشكيل الحكومة، فيضطر للائتلاف مع غيره من الأحزاب المتقاربة معه في الفكر. ومنذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة في عام 1921م، والتغيرات السريعة هي صفة النظام السياسي فيها، وعلى الرغم من ان التغيرات يمكن ان تؤشر على انها تطور في أي نظام، الا انها في الحالة العراقية قد اخذت ابعاد تصارعيه عنيفة، بسب شكل التغير ومضمونه والادوات المستخدمة فيه، والقوى المحلية الاقليمية والدولية المؤثرة فيه، ان طبيعة الصراع السياسي في العراق يأخذ ابعاد تاريخية مما يتطلب البحث في جذورها واسبابها التي خلقت تراكمات سياسية يتم التعبير عنها سياسياً وايدولوجياَ بوصفها مبررات سلوك سياسي معين . تعتبر التحالفات الحزبية، شكل من أشكال التحالفات السياسية، التي تشهدها الأنظمة الديمقراطية التعددية القائمة على مبدأ التعدد الحزبي و الأيديولوجي، المرسِّخة لمبدأ التنافس السياسي الحر لتأسيس حكم الأغلبية، الذي يؤهل الحزب الفائز بالهيمنة على السلطة .ولما كان تحقيق هذا الهدف في غاية الصعوبة،خاصة في ظل التعددية والتجزئة الحزبية، تتأسس التحالفات والائتلافات الحزبية حيث تدخل الأحزاب السياسية في عملية البحث عن حلفاء وشركاء في الحقل السياسي وتباشر عملية تفاوض ومساومات وتقديم تنازلات متبادلة. و مفهوم المشاركة السياسية يندرج في إطار التعبير السياسي والشعبي وتسيير الشأن العام من قبل أطراف المجتمع سواء النساء أو الرجال، وهي أرقى تعبير للديمقراطية لأنها تقوم على مساهمة المواطنين والمواطنات في قضايا المدينة أو الحي أوالمؤسسة، إذ إن كل فرد من أفراد المجتمع يحق له المشاركة في العملية التنموية، والإستفادة من ثمارها والحصول على فرص متساوية ومتكافئة , وإن حق المشاركة السياسية للمرأة هو من أهم الحقوق لأنه يساهم في صنع القرار وإتخاذه.

القوى السياسية الحاكمة ملزمة أن تتفادى استمرار الصراع و الالتفات إلى معاناة المواطنين وعدم الاستهانة بمشاعرهم وآلامهم وعدم خذلان من أوصلهم الى الحكم و المسؤولية وولاّهم إدارة شؤونه العامة لأن من شأن هذا رفع غطاء الشرعية عنهم التي منحها الشعب في الانتخابات العامة على أسس وقواعد الالتزام بالشعارات والبرامج التي أعلنوها وفازوا على أساسها. و يسعى كل فصيل في العراق لإعادة تموضعه في المشهد السياسي، وذلك من أجل تحقيق القدر الأكبر من المكاسب وبما يضمن له النفوذ الأوسع قبل الانتخابات. ومن أجل ذلك شهدت الساحة السياسية في العراق مؤخراً انقساماً واضح الملامح حتى داخل الكتلة السياسية الواحدة والحزب الواحد، كما حصل تماماً داخل حزب الدعوة العراقي الذي وصل إلى سدة الحكم في العراق منذ العام 2005، إذ انقسم حزب الدعوة إلى قائمتين، يترأس المالكي القائمة الأولى “دولة القانون”، فيما يترأس العبادي القائمة الثانية “النصر”، وذلك من أجل إنجاز الاستحقاق الانتخابي في موعده الدستوري المحدد . و لا ينبغي النظر إلى التحالفات السياسية من منظور مصالح تلك الأحزاب والكتل السياسية المتحالفة فقط، بل ينبغي النظر إلى تلك التحالفات على أساس الفائدة التي يمكن أن تحققها للمواطنين الناخبين؛ لأن الأحزاب السياسية، سواء دخلت الانتخابات منفردة أو دخلت الانتخابات متحالفة، هي مطالبة بتحقيق توجهات ورغبات ومصالح مؤيديها التي تعبر عنها في العادة البرامج الانتخابية للحزب أو التحالف.

ومحدودية السقف السياسي المرسوم للأحزاب كنطاق للتحرك والممارسة، بحيث لا يصل مداه إلى ملامسة القضايا السياسية الكبرى كالإصلاح الدستوري وتنظيم السلطة وعلاقة السلطة بالثروة… فهذه الأمور وضعت خارج الاهتمام الحزبي دستوريا وقانونيا وكذلك على مستوى الممارسة السياسية. مقابل حضور للشأن الاقتصادي والاجتماعي وإن كان بشكل سطحي لا يتعمق في مكامن الخلل … كما أن تناول القضايا والانشغالات المجتمعية غالبا ما تتسم بالعمومية والاستثنائية، فالجميع يتحدث عن الأزمة (حتى الأحزاب الحاكمة) والبرامج المفتوحة والتنمية الشاملة وجلب الاستثمارات وإصلاح الإدارة والقضاء والتعليم والمرأة والصحة وإحداث مناصب شغل ودعم الطبقة الوسطى ومحاربة الفقر.. وعود بإسهاب لكن دون تفصيل دقيق خصوصا فيما يتعلق بمصادر التمويل إذ غالبا ما يتم التعهد بإنشاء صناديق ووكالات خاصة وخلق شراكات مع قطاعات عمومية ومع خواص دون تحديدها بالضبط أو تحديد صيغها أو سقف زمني لتحقيقها....

إذا كانت أهمية البعد الإيديولوجي واضحة في تأصيل وتوجيه المشروع التنموي المجتمعي لدى الأحزاب السياسية في إطار رؤية شمولية ونسق فكري منسجم ومتكامل، فإن الأمر لا يقل أهمية بالنسبة لتأسيس تحالفات قوية تشكل إطارا سياسيا لطرح وتنزيل ذلك المشروع بناء على تقاطعات وقواسم فكرية ثابتة ومشتركة لبلورة برنامج يكون موضوع التزام وتعاقد انتخابي أو حكومي، إلا أن واقع الممارسة الحزبية في العراق وما تعيشه من حالة شرود فكري وإيديولوجي يجعل غالبية التحالفات والتنسيقات السياسية آنية وظرفية، تحكمها معايير ودوافع براغماتية نفعية.وهذا ما يطرح عدة إشكالات تتعلق بهذه التحالفات من حيث استمراريتها أو تقييم أدائها ومشاركتها في تدبير الشأن العام، فالبعد السياسي لا يحظى بالأولوية داخلها خصوصا حين تضم الصغير والكبير والإسلامي واليساري والليبرالي والانتهازي…

 

د. ماجد احمد الزاملي

 

 

صائب خليلالانتفاضتان القويتان نسبيا داخل الحزب الشيوعي التي تلت تحالف الحزب مع الصدريين في "سائرون" أولاً، والثانية الأقوى نتيجة اعلان الصدر تحالفه مع "الفتح" مؤشر اثار عندي بعض الدهشة. تسببت الأولى في انقسام حاد داخل القيادة لم تعرفه منذ عقود، أما الثانية فطال الانقسام الأعضاء الصغار والمؤيدين.

وليس مصدر دهشتي عدم وجود سبب لهذه الانتفاضتين او الاحتجاجين داخل الحزب، بل العكس. مصدر الدهشة هو ان الحزب ومؤيديه يتصرفون هنا بطريقة طبيعية كما ينتظر من حزب له مبادئه وأهدافه الواضحة والتي لا تنسجم كثيرا مع تلك التحالفات. دهشتي وتساؤلي هما: لماذا لم نجد مثل هذا الاحتجاج حين تحالف الحزب مع أياد علاوي، العميل المعلن عن نفسه لستة او سبعات مخابرات دولية – والتي لا شك ان إسرائيل واحدة منها، وعضو البعث المشارك في عمليات التعذيب للشيوعيين ذاتهم؟

وإن كان هذا التحالف قد اثار في وقته بعض اللغط، فأن التحالف مع العميل التالي لإسرائيل ورمزها في العراق، مثال الآلوسي، لم يثر أي إشكال او حتى همس ممن كان يدعم الحزب، دع عنك قيادته. كان الشيوعيون يتحدثون عنه كـ "أبو الشهيدين"!!

كمؤيد سابق للحزب وواضع بعض الأمل فيه، اصبت بخيبة امل شديدة من التحالف الأول، وتصورت ان بلادة مبدئية وقصر نظر وبراغماتية خطرة قد سيطرت على قيادة الحزب فأعمتها عما يعني التحالف مع عميل للسي آي أي وغيرها. أنا الذي قرأت كيف ان هذه المنظمة قادت كل الاجرام العالمي ضد أي حزب شيوعي في العالم، بل ضد أي حركة تهدف الى الاستقلال في القرار السياسي والاقتصادي، لم يكن لدي مفر من تصور أن هذا التحالف جريمة كبرى يرتكبها الحزب ضد نفسه وإلغاء لوجوده، وأنه إذا دافع عن ابسط أهدافه فسيكون ضحية مذبحة سهلة للغاية.

تساءلت كيف اختفى ذلك التاريخ المخيف من رؤوس الشيوعيين فجأة وفقدوا حذرهم التقليدي المتراكم من عقود من الاضطهاد والصراع والعمل السري، ليلقوا بأنفسهم في أحضان السي آي أي؟ هل هو اختراق للقيادة؟ لا شك ان هناك اختراق للقيادة، لأن قراءة التاريخ تقول ان من الصعب جدا ان يفلت أي حزب شيوعي او يساري من اختراق لقيادته، لكن ان يكون الاختراق من القوة بحيث يشكل غالبية فهو أمر مدهش وغريب.

وماذا عن الشيوعيين الصغار والمؤيدين؟ ألم يقرأوا يوما تاريخ حزبهم وتاريخ الأحزاب الشيوعية الأخرى؟ كيف اقتنعوا بالحجج الباهتة التي ساقتها القيادة لتبرير الموقف؟

كان ذلك التحالف صدمة كبيرة وصحوة بان الأمور ليست كما أتصور، وإن لم اكن طموحا في تصوري أصلا.

أما التحالف مع "مثال الآلوسي" ووضعه في مكان متقدم من ذلك التحالف فقد كان القشة التي قصمت ظهر جملي. فالقضية لم تعد غباءاً سياسيا وضعف نفسي فقط، بل نهاية أي كلام عن حزب شيوعي وتحوله بشكل صريح الى الخندق المقابل. ولم تكن هناك حتى فرصة لتفسير براغماتي، مهما كان لا أخلاقيا، لهذا التحالف. فمثال الآلوسي، على عكس اياد علاوي، كان قد فشل في الحصول حتى على مقعد واحد في الانتخابات السابقة، فليس هناك من كلام عن حاجة الحزب الى اصواته لإكمال أصوات مقعد يتيم قد يحصل عليه الحزب بهذه الطريقة البائسة! وإذا كان هناك فرصة لتبرير أبله بأن علاوي رجل اميركا وأميركا تحتل البلاد "كأمر واقع" فلم يكن هناك حتى مثل هذه الفرصة لتبرير هذا الموقف المثير للاشمئزاز والغضب من الانضمام الى مثال الآلوسي!

كانت النتيجة ان هذا الرجل، الذي لا يذكر له سوى زياراته إلى مسؤوليه في تل ابيب، وتقديم نفسه وسمعته وسمعة عائلته وبلده اضحية في طريق التطبيع مع إسرائيل، لم يظهر في أي مناسبة أو أي تسجيل إلا بشكل مثير للتقزز والاشمئزاز في انبطاحه لكل ما هو امريكي وخاصة ترمب، وكان دائما مداحاً مثير للتقيؤ لمسعود البرزاني، حاله حال زميله الآخر الذي تم رفعه الى البرلمان بأصوات هذا التحالف، فائق الشيخ علي، والذي يثير الخجل لدى أي انسان يستمع اليه.

في مناقشاتي مع العديد من الشيوعيين – واقصد هنا المنتمين للحزب على وجه التحديد، لم اشعر بوجود أي اعتراض على هؤلاء! فأين وكيف ومتى فقد هؤلاء الشيوعيون احساسهم بالظلم والخطر الإسرائيلي والامريكي؟ هل هو موقع "الحوار المتمدن" الذي شخصته منذ سنوات كموقع إسرائيلي بحت – منذ العدوان على لبنان 2006 و الحرب على غزة 2008، حيث وقف الموقع بشكل واضح تماما مع إسرائيل ومع من يحظى برضا إسرائيل من العرب، وانهى الموقع الشك، بإعلانه تلفون الموساد لمن يعرف اية معلومات عن الجندي الإسرائيلي الأسير شاليط! هذا الموقع كان قد صمم حسب ما لاحظت نحو هدفين: الأول تحويل بوصلة العداء والخطر، من اميركا وإسرائيل إلى الإسلام وخاصة ايران، وجعل هذا العداء تهويشياً وليس جدليا قدر الإمكان. والهدف الثاني هو الإساءة إلى مبادئ الشيوعية واليسار تحت حجة "تطويرها". وقد كان للموقع كتابه المتخصصين في هذين الاتجاهين.

يبدو لي ان هذا الموقع قد أدى دوره بقيادة رزكار الذي صار يحظى باحترام مميز داخل الحزب الشيوعي واعضاءه، لكن الامر لم يكن يقتصر على ذلك، فالإعلام العراقي قلما يأتي بخبر عن عدوان إسرائيلي دع عنك تحليل يكشف استمرار خطرها وتزايده. في الوقت الذي يمتلئ بالأكاذيب والمبالغات فيما يتعلق بالإسلاميين وإيران بالذات، وضد الفلسطينيين بشكل محدد.

نعم ان الشيوعيون هم في النهاية عراقيين يتعرضون لما يتعرض له العراقيون من اعلام شديد القوة والتضليل، لكنني افترضت أنهم، باعتبارهم الجزء الأكثر ثقافة أولا، والأكثر تعرضا في تاريخه للحقائق المرة في التاريخ، سيكون الجزء الأكثر مناعة من هذا التضليل. لكني رأيت لدهشتي أن الحزب من الناحية العملية لم يكن لديه أي اعتراض حقيقي على هذين الخطرين التقليديين له! ولا يذكر أعضاء الحزب أي منهما إلا اذا اضطر اضطراراً حين يحرج. وبقيت قيادة الحزب تتحرج بشدة من تسمية الاحتلال باسمه، بل تفضل كلمة "تغيير" أو "سقوط النظام"، حتى بعد ان اعتراف الأمريكان رسميا بأنهم يحتلون العراق!

لقد كان التفسير الذي يقدم أحيانا لهذا الخنوع المدهش، هو التعب والاستسلام للواقع المر الذي وجد الحزب واعضاءه انفسهم فيه، فلم يعودوا يعرفون كلمة "لا". وكان تساؤلي لماذا لا يخرجون من اللعبة إذن بدلا من الوقوف في الخندق المعادي للوطن، والتعاون مع اشد واخطر اعدائه؟

مناقشاتي مع الشيوعيين ومؤيديهم تكشف لي أنهم لا يفهمون وجود نفور حقيقي من إسرائيل وأميركا لدى من يناقشهم، ويفترضون بأن من يتنقدهم على موقفهم منهما، إنما هو "حجة" وأنه لا بد أن يكون "مدفوع" من جهة ما (الأحزاب الإسلامية او أيران) أو انه "يكره" الحزب الخ من التفسيرات الباهتة. فهم لا يتخيلون كما يبدو وجود انسان طبيعي يمكن ان يكون من اهدافه التخلص من احتلال بلاده وحمايتها ممن يعلن عداءه لها ليل نهار! إن وجود المحتجين على سياسات إسرائيل وأميركا في العالم، حتى من قبل شعوب لا تحتلها اميركا ومن قبل الشعب الأمريكي وبعض الإسرائيليين انفسهم، لا تكفي لإثارة إحساس بالخطأ في موقف الشيوعي من هذا الموضوع!

وحتى لو فرضنا انهم تركوا المبادئ، وكانوا يبغون سياسة "واقعية" تهدف إلى تجنب الصراع وإقامة الصداقات مع الأعداء، فهو الطريق الخطأ. لقد بينت في مقالة سابقة أن الطموح الى علاقة جيدة مع اميركا، بفرض وجود مثل هذه الامكانية، لا يمر من خلال قبول كل شيء تأتي به اميركا، بل من افهام الساسة الامريكان انهم لن يصلوا إلى أهدافهم في العراق بدون التعاون مع الشعب العراقي في بناء بلده، وليس التآمر لتدميره. وكذلك كتبت ان الوصول الى علاقة جيدة مع كردستان ليس بالتمسح بقياداتها الاقطاعية والامتناع عن نقدها بل بإفهامها ان طريق العلاقة الجيدة يمر فقط من خلال المصلحة العراقية. لكن الاتجاه الاستسلامي الذي كان يتبعه الحزب الشيوعي وبعض الكتاب من أمثال عبد الخالق حسين في الاندفاع نحو اميركا وذيولها كان تدميرا ليس فقط للوطن، بل لأي احتمال لعلاقة مستقبلية جيدة مع اميركا وكردستان. وأن وضع الحزب نفسه ضمن تيار التطبيع مع إسرائيل فضيحة هائلة لا اكبر منها إلا ان تمر دون ضجيج. ليس فقط لان الشيوعية تصبح مسخرة حين ترفض ظلم "فائض القيمة" وتقدم حياة افرادها فداءاً لمعركته، وتقبل بظلم القتل والاحتلال والإقطاعية، إنما أيضا لأنها ببساطة خيانة لدماء الشهداء الذين مازال الحزب يتعكز في سمعته وإعلامه عليها، وقد فقد أي شيء يمكن ان يفتخر به حاضراً.

لذلك يدهشني كثيرا هذا "الضجيج" اليوم من تحالف الحزب مع الصدريين وتحالف سائرون مع "الفتح"، فهل الفتح والصدريين وايران أشد خطرا على العراق من إسرائيل وأميركا ضمن رؤية الحزب؟ لا يدهشني الاحتجاج على تحالف مشكوك به تماما، لكن حين اقارن هذا الاحتجاج مع الصمت المطبق على التحالفات السابقة، اشعر بخطورة الوضع. إن هذا الموقف يتطلب فقدانا للإحساس ليس فقط بظلم إسرائيل وإنما خطرها أيضاً فمتى وكيف تم هدم هذا الإحساس في نفسية الشيوعي والمؤيد للحزب؟ وإلى أين سيقود هذا الخلل المخيف؟ وهل من أمل ان يدرك الشيوعيون ومؤيدوهم ما تم دفعهم اليه قبل الإيغال اكثر في هذا المستنقع؟

 

صائب خليل

 

 

ابراهيم أبراشنتفهم كل المسيرات والمظاهرات لإنهاء الانقسام وإعادة النظر في مسألة الحصار على غزة لأنه بالأساس حصار جائر وظالم، وإن كان المحاصِرون برروا موقفهم بداية بأنه موجه ضد حركة حماس إلا أنه في الحقيقة ومع عدم تبرئة حركة حماس من المسؤولية على تسهيلها إن لم يكن مشاركتها في المخطط، فقد تم توظيف سيطرة حماس على قطاع غزة والحصار لتنفيذ مخطط مُعد مسبقا لتدمير المشروع الوطني وفصل غزة عن الضفة وتدفيع أهالي القطاع ثمن مقاومتهم وتصديهم للاحتلال، وجاءت إجراءات السلطة قبل عام بحق غزة وخصوصا كيفية تدبيرها لموضوع الرواتب لتزيد الأمور تعقيدا حيث بدت السلطة وكأنها أحد أطراف حصار غزة وبالتالي مسؤولة عما يعانيه القطاع من أوضاع مزرية .

لقد كتبنا وحذرنا كثيرا مما يُحاك من مخططات لفصل غزة عن الضفة و أن تغطي غزة وحصارها ومشاكلها على القضية الوطنية، وأحِيلُ فقط لأحد مقالاتي في 12 مارس 2008 ويحمل عنوان (القضية الغزاوية أم القضية الفلسطينية) http://www.al-ayyam.ps/ar_ حذرنا فيه مما يجري اليوم، وللأسف فإن ما حذرنا منه يحدث اليوم، وفي هذا السياق نبدي الملاحظات التالية : -

1- من حيث المبدأ فإن ما وصل إليه النظام السياسي بشكل عام   يحتاج لحراك شعبي كبير في الضفة وغزة لأن ترك الأمر للأحزاب وللسلطتين في الضفة وغزة طوال أحد عشر عاما أوصلنا إلى ما نحن عليه، وليس كل من يتظاهر في الضفة أو غزة مدفوعا بنوايا خبيثة أو يخدم مخططات أجنبية .

2- إن كنا لا نشكك بنوايا كل المتظاهرين في ساحة المنارة في رام الله وتفهمنا لتعاطفهم مع الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة وإحساسهم بحالة قهر وألم وهم يتابعون ويشاهدون جرائم الاحتلال في قطاع غزة وصور المعاناة لأهالي قطاع غزة الذين شاركوا شعبهم في حمل شعلة النضال وسطروا ملاحم مشرفة في مواجهة جيش الاحتلال، وإن كنا أيضا نرفض إقدام الأجهزة الأمنية على قمع المظاهرات بعنف غير مبرر وخصوصا أن المتظاهرين كانوا مسالمين، إلا أن الأمر يحتاج لوقفة مراجعة متأنية لموضوع رواتب موظفي غزة ولحصار غزة وكيفية التعامل معهما بحيث لا يتم اجتزاء الموضوع من سياقه الوطني العام .

3- المظاهرات في رام الله وإن كانت تحت عنوان التعاطف مع معاناة أهالي قطاع غزة إلا أنها تتضمن حالة غضب على أداء السلطة الفلسطينية والحكومة تحديدا، سواء لكيفية إدارة ملف الانقسام أو كيفية إدارة ملف المواجهة مع إسرائيل ولغياب أية رؤية أو استراتيجية مستقبلية .

4- في نفس الوقت لا نستبعد وجود أطراف مُحرِضة تريد خلط الأوراق وإضعاف السلطة والرئيس أبو مازن، ودون التشكيك بنوايا صادقة عند كثيرين من الذين خرجوا في المظاهرات إلا أنه يجب التوقف عند تزامن هذه المظاهرات مع المظاهرات التي تجري في الأردن وما يتم الإعداد له لتمرير صفقة القرن .

5- إجراءات السلطة تجاه قطاع غزة بدلا من أن تؤدي للتضييق على سلطة حماس، حيث لحماس مصادر تمويلها الثابتة ولا أحد من حماس يجوع، ودفعها للتراجع عن انقلابها والتجاوب مع مبادرة الرئيس، بدلا من ذلك أدت لمزيد من معاناة المواطنين وخصوصا أنصار وأتباع السلطة و أبناء حركة فتح، كما أن هذه الإجراءات دفعت حركة حماس نحو مزيد من التصلب مستقوية بحالة الغضب في قطاع غزة وهي حالة تغذيها مواقف فصائل منظمة التحرير نفسها بل وحركة فتح في القطاع المنددة والرافضة لهذه الإجراءات .

6- الارتجالية والتخبط في الإجراءات ضد قطاع غزة وعدم توضيح السلطة لهدفها من الإجراءات، والمهزلة التي جرت حول سبب قطع الرواتب وهل هو فني أم عجز مالي سيتم حله قريبا، أم موقف من الحكومة لا يوافق عليه الرئيس الذي أعطى تعليمات للحكومة بحل مشكلة الرواتب ولم تستجب الحكومة التي هي حكومة الرئيس كما يقول الرئيس !!!، كل ذلك فاقم من حالة الغضب على الحكومة والسلطة .

7- الدعوات والتحركات الشعبية الأخيرة لكسر الحصار عن غزة وإن كانت صادقة وتنطلق من دوافع وطنية إلا أنها قد تتقاطع مع مخططات ومشاريع لرفع الحصار عن قطاع غزة وقد يتم توظيفها لتوجيه الأمور ليكون ثمن رفع الحصار أسوء من الحصار ذاته، وخصوصا عندما تركب موجة التباكي على الأوضاع في غزة والمطالبة برفع أو تخفيف الحصار أطراف مثل واشنطن ودول أوروبية وبعض الدول العربية وبتنسيق مع إسرائيل وهي الأطراف التي كانت وراء الانقسام والحصار منذ البداية .

8- التعامل مع مسألة حصار غزة ومحاولة تخفيفه أو إيجاد حلول له خارج إطار المصالحة الوطنية الشاملة التي تُعيد الوصل بين الضفة وغزة كوحدة جغرافية وسياسية وبما يحافظ على الهوية الوطنية للقطاع ودون التنسيق مع السلطة الوطنية الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية حيث الأولى صاحبة الولاية القانونية على قطاع غزة والثانية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني وسكان غزة جزء من هذا الشعب، إن حدث ذلك فسيؤدي لتكريس الانقسام وفصل غزة عن الضفة .

9- من مخاطر رفع الحصار أو تخفيفه بعيدا عن المصالحة الوطنية الشاملة ما لحظناه من خلال متابعتنا لعدد المغادرين وعدد العائدين في كل المرات التي تم فيها فتح معبر رفح وخصوصا خلال شهر رمضان، حيث أنه في كل يوم يغادر المئات بينما العائدون بالآحاد وفي أحد الأيام كان عددهم اثنان فقط ؟ لو استمر الأمر على هذه الوتيرة لأشهر قادمة فسيتم تفريغ القطاع من سكانه وخصوصا المؤهلين والكوادر وحملة الشهادات ورجال الأعمال، فهؤلاء من يستطيعون الحصول على تأشيرات للدول الأجنبية أو دفع نفقات السفر والإقامة في الخارج ودفع الرشاوى مقابل وضع أسمائهم في كشوفات السفر، وسيبقى في القطاع عامة الشعب من الفقراء والعاطلين و حملة السلاح، فماذا بعد ذلك؟ .

10- قمع مظاهرات رام الله الأخيرة والقبضة المشددة للأجهزة الأمنية في الضفة وكذا قمع مظاهرات سابقة في غزة وبعنف أشد من طرف الأجهزة الأمنية لحركة حماس يفضح زيف الحكم الديمقراطي عند الطرفين ويؤكد أننا نعيش في غزة والضفة في ظل (حكم العسكر) ، وللأسف وللمفارقة أنه (حكم عسكري وطني) خاضع لحكم عسكري أكبر وأخطر وهو حكم عسكر الاحتلال .

 

د. إبراهيم أبراش

 

منذ عام 2003، أي سنة سقوط النظام الصدامي، إثر الغزو الأمريكي للعراق، وهذا الأخير يتخبط ويبحث عن بصيص أمل لكي يكون بلداً طبيعياً كباقي البلدان، لكن سلطة الاحتلال ارتأت عكس ذلك وأغرقت البلد في بحر من الأزمات والكوارث ليس اقلها توفير التربة والأرضية الخصبة لمجيء تنظيم القاعدة الإرهابي بزعامة المجرم السادي المقبور أبو مصعب الزرقاوي الذي وضع البلد على حافة حرب أهلية طائفية مدمرة بين 2004 و2009، ومن ثم اختلاق داعش الإرهابية واحتلالها لثلث أراضي العراق واعلانها لدولة الخلافة المزعومة سنة 2014، ومن ثم محاربتها خلال أكثر من ثلاث سنوات مع ما ترتب على ذلك من تضحيات ومآسي وخسائر في الأرواح والأموال وضياع الوقت، ولم تنته المشكلة بعد. إلى جانب فرض نظام المحاصصة الطائفية والعرقية والقومية، وتهيئة الظروف لانتشار وتغلغل الفساد في كل خلايا الجسد العراقي المنهار والمريض. كل ذلك تحت غطاء مظهر فضفاض من الديموقراطية المزيفة التي اختزلت بممارسة الاقتراح الانتخابي كل أربع سنوات ظاهرياً، وممارسة التزويرالسري والعلني، لفرض النتائج المطلوبة سلفاً بغض النظر عن نتائج الاقتراع الشكلي أو نسبة المقترعين مهما كانت مرتفعة أو متدنية، وهذه حقيقة لايتجرأ أحد على دحضها أو الاعتراض عليها. لقد وضعت الطبقة السياسة الحاكمة للعراق هذا البلد على منحدر الانهيار والتحول إلى دولة فاشلة. فالسرقات والنهب بلا حدود وبمئات المليارات من الدولارات، والأمن متدهور والشارع العراقي بيد الميليشيات والقوى المسلحة من كافة الانتماءات والاتجاهات. والخدمات شبه معدومة، لا كهرباء في حر الصيف اللاهب، ولا ماء صالح للشرب، ولا زراعة ولا صناعة، والاعتماد على الاقتصاد الريعي ومداخيل النفط، أي تحت رحمة ارتفاع وانخفاض أسعار البترول في السوق العالمية، والأزمات المجتمعية متفاقمة والفقر يزداد يوماً بعد يوم في أغنى بلد في العالم. لقد حولت الطغمة الحاكمة أرض الرافدين إلى ساحة للصراعات الإقليمية والدولية وتوغل كل دوائر المخابرات العالمية والإقليمية في الداخل العراقي وتحكمها بمصير البلد وشعبه. لقد بات واضحاً أن الدول المجاورة لاتريد للعراق الاستقرار وهي تحارب بعضها البعض بالوكالة على أرض العراق كالصراع الدائر بين السعودية وإيران، بعد أن تغلغلت هذه الأخيرة في كافة مفاصل الدولة العراقية ومؤسساتها، العسكرية منها والمدنية، وصارت تتحكم بكل صغيرة وكبيرة فيه وتفرض أتباعها حكاماً على العراق شاء من شاء وأبى من أبى. عاش الشعب العراقي طيلة خمسة عشر عاماً على في جحيم وقع التفجيرات الإرهابية والاغتيالات وعمليات الخطف والتهجير والقتل على الهوية، وكلما حدثت أزمة سياسية بين المتقاسمين للسلطة والنفوذ، بسبب خلل ما في عملية توزيع المغانم، تعود التفجيرات الإرهابية وإرسال رسائل العنف فيما بينها والضحية دائماً هو الشعب. لقد ماتت الوطنية والإنتماء الوطني عند أبناء الشعب العراقي وحلت محلها الانتماءات الطائفية والمذهبية والدينية والقومية والجهوية والعشائرية، إلى درجت تغولت فيها سلطة العشائر وهيمنتها على المجتمع المدني وتدخلها في كل مناحي الحياة اليومية، على حساب سلطة الحكومة وهيبتها، ناهيك عن سلطة العناصر والقوى والميليشيات المسلحة من جميع الألوان والتوجهات، التي تحدت ومازالت تتحدى سلطة الدولة الشرعية وتضع نفسها فوق القانون. هذه هي اللوحة المآساوية التي يعكسها عراق اليوم للعالم الخارجي والخلفية التي دارت فوقها الانتخابات الأخيرة في 12 آيار 2018. ولم يبق أمام العراق الآن سوى أن يعيد تكرار الطبخة السياسية القائمة منذ خمسة عشر عاماً بعناوين أخرى فتارة تحت مسمى "التوافق الوطني" وأخرى "حكومة المشاركة الوطنية الواسعة"، أو "الحكومة الأبوية" أو "حكومة الفضاء الوطني"، وهي تسميات تعني شيء واحد لا غير ألا وهو " نظام المحاصصة" والبديل هو الحرب الأهلية : الشيعية - الشيعية، و الشيعية – السنية، و العربية – الكوردية الخ.. وكل جهة في العراق يقف وراءها دولة إقليمية تمولها وتحركها، كإيران وتركيا والسعودية وقطر والإمارات العربية والأردن والكويت. ولكل واحدة من هذه الدول أجندتها ومصالحها الحيوية والأمنية والاقتصادية والاستراتيجية التي تتقاطع حتماً مع عراق قوي مستقل ومعافى.

التيار الصدري كان موجوداً في صلب العملية السياسية ومشارك فيها ويتحمل جزء كبير من مسؤولية فشلها وتدهورها لكنه حاول في الظاهر إعلامياً في الآونة الأخيرة، تغيير خطابه وركوب موجة الاحتجاجات وتبني مطالب المحتجين والمتظاهرين واحتواء حركة المجتمع المدني بترديد نفس الشعارات كمحاربة الفساد وإنهاء نظام المحاصصة والدولة لحكومة مدنية والحد من نفوذ الإسلام السياسي المتسلط على مقدرات البلاد والسارق لثرواته. ولكن ما أن انتهت مسرحية الانتخابات وفاز التيار الصدري تحت لافتة " تحالف سائرون" بأغلبية طفيفة " 54" مقعداً برلمانياً لا أكثر، هاهو يضرب عرض الحائط برنامجه الانتخابي الذي وضعه بالاتفاق مع الحزب الشيوعي وبعض القوى المدنية الصغيرة الأخرى في التحالف، وبدأ يناور، ويخضع لإملاءات إيران ويحترم خطوطها الحمراء، ويتباحث في أمر تشكيل الكتلة البرلمانية الأكبر التي ستشكل الحكومة القادمة، وتحول زعيم سائرون مقتدى الصدر إلى صانع الملوك وصاحب الكلمة الفصل في تحديد مصير النظام القادم وإسم رئيس مجلس الوزراء القادم ولكن عليه أن يقدم التنازلات المطلوبة منه وإلا ستكون نهايته عنيفة ولقد تلقى الرسالة بوضوح من خلال تفجير مخازن الأسلحة التي كدسها تنظيمه المسلح " سرايا السلام" في مدينة الصدر ومما لاشك فيه أن خصومه هم من قاموا بتفجيرها لإحراجه وتبليغه الرسالة. فما كان من سوى ابتلاع الحبة المرة وقبوله بالتفاوض مع تحالف" فتح" الإيراني الهوى والذي يضم خصمه المنشق عنه قيس الخزعلي رئيس " عصائب أهل الحق" التي وصفها مقتدى الصدر بالميليشيات الوقحة، وهذا يعني أن هناك تفاهم ممكن بين الميليشيات المؤدبة والميليشيات الوقحة تحت راية إيران وتحالف الفتح الذي يقوده هادي العامري رئيس منظمة " بدر" التي أسستها إيران في طهران أيام الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينات القرن الماضي. كما تقبل الصدر أن يتحالف مع باقي الحيتان ممثلة بتيار الحكمة الذي يقوده عمار الحكيم وتحالف النصر الذي يقوده رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي ويضم الكثير من الفاسدين، ولائحة الوطنية التي يقوده اياد علاوي، وربما سيقبل على مضض أن يتحالف مع تحالف دولة القانون برئاسة رئيس الوزراء السابق وخصمه اللدود نوري المالكي كما تشير الأخبار والمعلومات الإعلامية المتواردة باستمرار حول هذا الموضوع. فكيف سيقوم التيار الصدري بتحقيق الإصلاحات ومحاربة ومحاسبة الفساد والفاسدين ومنهم هؤلاء الفاسدين ؟ أليس هم أنفسهم بأسمائهم الصريحة وشحمهم ولحمهم، المتواجدين حالياً ضمن تركيبة وطبخة الحكومة القادمة، حكومة " الفضاء الوطني الأبوية؟" إن هذه الديموقراطية الهجينة التي ابتدعها الأمريكيون ووضعوا لها القوانين والدستور لا مثيل لها في العالم، فهي عراقية محض ولا توجد إلا في العراق، يكفي أن نلقي نظرة فاحصة على مفوضية الانتخابات وتركيبتها الطائفية وقانون الانتخابات الغريب والعجيب والدستور الغامض والقابل للتأويل كل حسب مبتغاه، لذا فهي ديموقراطية إسمية لا أكثر، أنتجت برلمان وضيع لا يهتم سوى بمصالح وامتيازاته وسرقاته وصفقاته وقومسيوناته الهائلة، ويسكت عن كل الخروقات والانتهاكات والسرقات لأنه جزء منها ويضفي عليها الشرعية اللازمة. العراق اليوم أمام مفترق طرق. فإما أن يلغي نتائج الانتخابات المزورة ويعرض البلاد لإعصار مدمر سوف يأكل الأخضر واليابس لأن القوى الفائزة في الانتخابات لن تقبل بسهولة أن تحرم من انتصارها وآفاقه الاقتصادية والسلطوية، أو إعادة العد والفرز بالطريقة اليدوية وهذا بات شبه محال بسبب حرق صناديق الاقتراع ووثائقها، أو القبول بالأمر الواقع رغم التزوير الذي يزكم الأنوف، وحياكة توافقات جديدة وإبقاء الأوضاع على ما هي عليه حالها، وحياكة صيغة " محاصصاتية" قديمة – جديدة" بصياغة وتسمية ملطفة ليس إلا.

 

د. جواد بشارة

 

عبد الحسين شعبانذكّرتني الأزمة العراقية ما بعد الانتخابات والطعون والاتهامات التي صاحبتها، بما سبق وراج في الفكر السياسي والقانوني، «مصطلح النهايات» الذي أخذ يتردّد خلال العقود الثلاثة الماضية «نهاية التاريخ» و«نهاية الفلسفة» و«نهاية الأيديولوجيا»، وأعقبها مباشرة دعوات لمصطلح «الما بعديّات»: «ما بعد التاريخ» و«ما بعد الماركسية» و«ما بعد العلمانية» و«ما بعد الحداثة» وأخيراً «ما بعد الديمقراطية».

واستعدتُ تحذيرات المفكر الفرنسي ألكسيس دوتوكفيل قبل نحو قرن وثلاثة أرباع القرن عن بعض مساوئ الديمقراطية، والخشية على الديمقراطية من الديمقراطية نفسها، وكلّ تلك الانتقادات الحصيفة التي تعتبر «الديمقراطية أحسن نظام حكم سيّئ»، خصوصاً حين يتحوّل «حكم الأغلبية» إلى نوع من الاستبداد أو الدكتاتورية.

والسؤال لا يتعلّق بالعراق أو ببعض البلدان التي انتقلت من أنظمة الاستبداد التقليدية إلى أنظمة انتقالية لم تتوضّح معالمها بعد، حتى وإن زعمت أنها على طريق الديمقراطية، وإنما يشمل الغرب ذاته معقل الديمقراطية، بما فيه الولايات المتحدة التي حاول دوتوكفيل دراسة تجربتها على نحو عميق، فوضع كتابين كبيرين بعنوان «الديمقراطية في أمريكا».

فالديمقراطية لا تتحقق إلّا عبر منظومة متفاعلة من القوانين والأنظمة والمؤسسات الدستورية والقضائية والممارسة والشفافية والتربية، وذلك في فضاء من الحرية والمساواة والمشاركة واعتراف بالتنوّع والتعددّية، فأين نحن من كل ذلك حين يتم اختزال «الديمقراطية» بصندوق اقتراع؟ وهذا الأخير يتم الالتفاف عليه وتجري محاولات مستميتة لتغيير نتائجه والتلاعب به بوسائل تبدأ من التضليل والوعود وتمرّ بالتحريم والتأثيم باسم الدين أو بغيره ولا تنتهي بالتزوير، حيث تعقد الصفقات بوسائل ناعمة أو خشنة، بما فيها التأثير في المؤسسات المسؤولة التي يفترض أن تكون هي الحامية والمحايدة، لا مشاركة ومتواطئة.

وكان صعود قوى شعبوية يمينية متطرّفة إلى قمة السلطة في الغرب بفعل «الديمقراطية» قد نبّه إلى مخاطر جديدة، وكان المثال الأشد تأثيراً هو دونالد ترامب رئيس الولايات المتحدة، الذي دشّن عهده بطائفة من القضايا الّلاديمقراطية والمعادية لحقوق الإنسان بدءاً من موقفه من اللاجئين، ووصولاً إلى نقل السفارة الأمريكية إلى القدس المحتلة، وما بينهما قضايا تخص حياة الناس من الصحة إلى التعليم، فهل انتهت «الديمقراطية التمثيلية؟

وإذا كان انهيار جدار برلين في العام 1989 قد دفع مفكراً مثل فرانسيس فوكوياما لينظّر عن «نهاية التاريخ» ويبّشر «بظفر الليبرالية»، فماذا سيقول بعد ثلاثة عقود من الزمان، حيث تبيّن التجربة أن الديمقراطية واجهت وتواجه مأزقاً كبيراً في موطنها، الأمر الذي فجّر الكثير من التناقضات، على الصعيد الداخلي في العديد من البلدان الغربية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، فضلاً عن الاتحاد الأوروبي، وخصوصاً بعد انسحاب بريطانيا منه.

ولم تستطع الديمقراطية كبح جماح الإرهاب الذي تفشّى في جميع بلدان العالم، وأحياناً قادت إلى خيارات سيئة وسلبية جداً، ولعلّ ذلك إحدى المفارقات التي سبق ل ألكسيس دو توكفيل أن طرحها منذ أواسط القرن التاسع عشر.

وإذا كان مثل هذا التحذير قد ورد على لسان «أبو الديمقراطية» أو حامل صليبها، كما يسمّى، وكانت حينها نظاماً واعداً، فماذا سنقول نحن إزاء تجربة ولدت عليلة منذ البداية وزادت اعتلالاً خلال الخمسة عشر عاماً الماضية، في ظل استشراء الطائفية والإثنية كنظام للمحاصصة يقوم على الزبائنية، واستفحال الإرهاب والعنف وتفشّي الفساد المالي والإداري واستمرار ضعف الدولة ووجود مرجعيات تحاول تجاوزها؟

لقد تنبأ دوتوكفيل منذ وقت مبكر بخطر الديمقراطية نفسها على نفسها، محذّراً من «الاستبداد الديمقراطي» الذي هو نوع جديد من الاستبداد «أشدّ مكراً» أحياناً من الاستبداد التقليدي، لدرجة أنه يبدو «جذّاباً» لكنه «أكثر فتكاً» من الأول، وهو استبداد «خفي» أحياناً مقابل «الاستبداد المعلن»، وهو استبداد يحطّم قيم الناس، خصوصاً حين تشرعنه السلطات وتعطيه توصيفاً قانونياً «دستور»أو «قانون انتخابات» أو «برلمان»، وكل هذه توظّف لتكريس الامتيازات، ناهيك عن إسهامها في التدليس وسوء الأخلاق، ويتم التبرير أحياناً باسم «حكم الأغلبية» و«إرادة الشعب» وبمعزل عن قيم الديمقراطية نفسها وبلا ضوابط كافية تمنع الارتداد والتراجع عن جوهر الديمقراطية وفلسفتها في الغاية والوسيلة. ويزداد الجدل ويتعاظم أكثر من أي وقت مضى حول جوهر الديمقراطية ومحتواها، وخصوصاً في التجارب الناشئة وفي المجتمعات الانتقالية، فهل «رأي الأغلبية» وحده هو الفيصل في الحكم على الديمقراطية؟ أم ثمة معايير أخرى، تتعلق بالمضمون وليس بالشكل؟ دون إهمال الآليات والوسائل التي هي الأخرى ينبغي أن تكون ديمقراطية، فلا غاية عادلة دون وسيلة عادلة، ولا وسيلة ظالمة توصلك إلى هدف نبيل.

الديمقراطية الحقة لا تحمي المجتمعات من الدكتاتورية الفردية أو «الأقلويّة»، بل ينبغي أن تحميها من «دكتاتورية الأغلبية»، سواء كانت هذه الدكتاتورية سياسية أو مجتمعية باسم العادات والتقاليد طبقاً لاعتبارات دينية أو طائفية أو إثنية بزعم «الأغلبية»، ولا تتحقق الديمقراطية إلّا باحترام رأي «الأقلية»، وإلّا سيكون للديمقراطية الناعمة أسنان حادة وربّما قاطعة.

 

عبد الحسين شعبان

 

 

ابراهيم ابوعتيلهتثبت الوقائع يوماً بعد يوم بأن ما كان يسمى منظمة التحرير الفلسطينية قد فقدت شرعيتها حيث بدأت مسيرة فقدان الشرعية منذ عام 1974 عندما ساوت بين الكفاح المسلح وغيره من الوسائل وأقرت في ذلك الوقت ما اصطلح على تسميته البرنامج المرحلي أو " برنامج النقاط العشر "، واستمرت مسيرة فقدان الشرعية عندما بدأت خطوات المنظمة للإعتراف المباشر بالكيان الصهيوني وذلك عام 1982 عندما فاوضت الكيان الصهيوني من خلال المبعوث الأمريكي فيليب حبيب وكان أن توجت تلك المفاوضات بخروج المنظمة من بيروت، ومنذ ذلك العام أضحى عمل المنظمة مقتصراً على المزايدات الكلامية والفقاعات التي لا تعني شيئاً، وصولاً إلى ما جاءفي إعلان التهريج الكلامي عام 1988 حين أوهم عرفات الفلسطينيين بأن لهم دولتهم المستقلة أو بيان " إعلان الاستقلال " والتي لم تكن تلك الأكذوبة إلا دمية رخيصة تسلى بها عرفات وزمرته مع ما رافق ذلك من تضليل وخداع وكذب وكأنه بإعلانه ذاك قد انتصر في الحرب الكونية، على الرغم من كل ما يجري من عمليات تنازل واستيطان .

كان كل ما سبق تمهيداً لبدء تنازلات عرفات الحقيقية والفعلية عن الحقوق الوطنية الثابتة وغير القابلة للتصرف للشعب العربي الفلسطيني وذلك عندما تم التوصل إلى اتفاق الإذعان في أوسلو الذي وقعه عرفات في 9/9/1993 ومحمود عباس في 13/9/1993، ووصلت تنازلات عرفات وعباس ذروتها بإلغاء الميثاق الوطني في نيسان عام 1996 تلبية لمطلب صهيوني قديم تقدم به شمعون بيرس واسحق رابين بذريعة إنجاح حزب العمل الاسرائيلي في الانتخابات ولإقامة دويلة فلسطينية ولقد اعتبر بيرس إلغاء الميثاق ب (التغيير الأيديولوجي الأكثر أهمية في القرن العشرين).

وفي واي ريفر عمل عرفات على المزيد من الرضوخ للصهاينة عام 1998 فوافق على قيام السلطة بترتيبات أمنية من بينها إخراج المنظمات الإرهابية!!!! عن القانون، وتشكيل لجنتين الأولى ثنائية فلسطينية إسرائيلية للتنسيق الأمني، والأخرى ثلاثية تشارك فيها الولايات المتحدة إضافة إلى الطرفين الفلسطيني والصهيوني لمنع التحريض المحتمل على الإرهاب!!!! كما نص على تشكيل لجنة أخرى ثلاثية أيضا بهدف مراجعة وتنسيق الأمن ومحاربة الإرهاب!! " المقصود بالإرهاب المقاومة المسلحة "، كما وافق عرفات على إلغاء الميثاق للمرة الثانية فكان أن قام عرفات بتجميع من أسماهم أعضاء المجلس الوطني الفلسطيني الذين وصل عددهم إلى أكثر من ألف من الموظفين والمنتفعين الذين صوّتوا وقوفاً وبرفع الأيدي بإلغاء الميثاق الوطني الفلسطيني تلبية لطلب نتنياهو وبحضور وشهادة الرئيس الأمريكي بيل كلينتون بتاريخ 8/11/1998 في مدينة غزة ، حيث عبر نيتنياهو حينها عن سروره بذلك وقال: (إن هذا اليوم هو يوم مهم بالنسبة إلى دولة "اسرائيل" (الكيان الصهيوني) إذ أنه بعد مرور (50) عاماً على تبني الميثاق الوطني الفلسطيني وخمس سنوات على الوعد بإلغائه تم أنجاز الأمر فعلاً، تبع ذلك تصريحات لعرفات وعباس و ياسر عبد ربه وعريقات بالمزيد من التنازل عن حقوق الشعب الفلسطيني وكان أن طلبت فصائل المقاومة الفلسطينية الأخرى غير فتح بالدعوة إلى انتخاب لجنة تنفيذية ومجلس مركزي جديد لمنظمة التحرير للحيلولة دون احتكار عرفات للقرار الفلسطيني رافضة بصورة قاطعة اتفاق الإذعان في واي ريفر الأمر الذي لم ير النور حتى الآن .

وفي غزة بتاريخ 14/12/1998 صادق أعضاء مجلس عرفات على إلغاء مواد الميثاق الوطني التي تتمسك بالحق التاريخي للشعب الفلسطيني والتي تدعو إلى القضاء على كيان الاستعمار الاستيطاني العنصري الصهيوني في فلسطين فتم إلغاء المواد التالية من الميثاق : 6 و7 و8 و9 و10 و15 و19 و20 و21 و22 و23 و30، فيما تم حذف بعض أجزاء المواد 1 و2 و3 و4 و5 و11 و12 و13 و14 و16 و17 و18 و25 و26 و27 و29، وبمعنى أوضح لم بتبق من الميثاق الذي يعتبر دستور ومنهاج عمل الشعب الفلسطيني شيء يعبر عن حقوق الشعب الفلسطيني.

وكان أن أصبحت قيادة عرفات الفصائل الفلسطينية الأخرى التي تتمول من قبله الذين باعوا أنفسهم وباعوا فلسطين مقابل مناصب السلطة وامتيازاتها وأموالها إلى أدوات لتلبية المطالب والاملاءات الصهيونية والأمريكية من خلال أموال الدول المانحة.

لقد جاء إلغاء الميثاق بلا مقابل فلم تحصل قيادة منظمة " التحرير" على الاعتراف بحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني وبدون أية ضمانات، فيما تم وبموافقة المجلس الوطني واللجنة التنفيذية تخفيض سقف الحقوق الوطنية الثابتة غير القابلة للتصرف للشعب الفلسطيني إلى دويلة على حدود 1967، فكان أن أفقدت موافقة المجلس الوطني الفلسطيني واللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير على إلغاء الميثاق القيادة الفلسطينية أي شرعية تمثيلية للشعب الفلسطيني، حيث أن عملية الإلغاء لا تمثل إرادة الشعب الفلسطيني وتطلعاته ونضالاته وانتفاضاته ولا تنسجم أصلاً من الهدف من إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية.

وتبع قرارت إلغاء الميثاق انعقاد مؤتمرات شعبية فلسطينية في غزة ورام الله ودمشق تلك المؤتمرات التي أكدت على وقوف الشعب الفلسطيني بشدة ضد إلغاء الميثاق والذي تعد نصوصه محل إجماع وطني، وإن إلغاء الميثاق يعني بالضرورة إلغاء لمنظمة التحرير الفلسطينية ومؤسساتها وتدميراً للوحدة الوطنية، وإن الذين أقدموا على الإلغاء لا شرعية وطنية ولا قانونية لهم، كما لا يجوز لقيادة اتفاق "النكبة الجديدة" في أوسلو أن تتصرف بمعزل عن الشعب الفلسطيني وليس من حق عرفات ومجلسه أن يتنازل عن مبادئ وأهداف النضال الفلسطيني التي استشهد خلاله مئات الآلا ف، كما اعتبرت المؤتمرات الشعبية جميع الذين شاركوا في مسرحية إلغاء الميثاق وقوفاً وبرفع الأيدي كما طلب نتنياهو بلا قيم وبلا أخلاق وطنية أو حتى إنسانية، وإنما باعوا فلسطين خدمة لمصالحهم الشخصية.

واستمر نهج التخاذل فقد تم الإعتراف بالكيان الصهيوني ودولته على 78% من أراضي فلسطين التاريخية والإكتفاء بالطلب بدويلة هزيلة على 22 % وبما اصطلح على تسميته " حل الدولتين " مع إسقاط الكفاح المسلح كوسيلة لتحرير فلسطين والاكتفاء بما يسمى المقاومة السلمية مع اقتصار حق العودة على العودة من أجل السياحة فقط ..

وتلبية لكل ذلك قامت اللجنة التنفيذية للمنظمة أخيراً وبأوامر من عباس بإلغاء دائرة المغتربين وإلحاقها كلياً بوزارة الخارجية وكأن الفلسطينيين في الشتات ليسوا جزءاً ومكوناً اصيلاً من الشعب الفلسطيني، عدا عن سحب الاعتراف بفلسطينية الفلسطنيين الذين بقوا صامدين على أرضهم في فلسطين منذ عام 1948 كما تم إلغاء وبأمر من عباس أيضاً الدائرة العسكرية في المنظمة استجابة لطلب صهيوني وبما يعني تطبيقاً فعلياً التنازل المطلق عن الكفاح المسلح .

وبعد كل ما ورد،،، فإن التساؤل المطروح بقوة هل تستحق المنظمة أن يطلق عليها اسم منظمة التحرير الفلسطينية أم أنها قد اصبحت فعلاً منظومة متكاملة للتمرير؟ أم أنها وعلى أرض الواقع قد أصبحت منظومة متكامل لتمرير رغبات ومطالب وأهداف الصهيونية العالمية ؟؟ وما هي طريقة الخلاص من كل ذلك ؟؟؟ وهل يتم ذلك بالنضال من داخل المنظمة الذي اثبتت الأحداث والوقائع فشله فشلاً ذريعاً ؟؟؟؟ أم أن الوضع يتطلب البدء بإنشاء منظمة بديلة ينخرط فيها كل من يؤمن بالميثاق الوطني الفلسطيني ؟؟؟؟؟ ومن سيبدأ بذلك ؟؟؟؟؟؟ اسئلة مطروحة على شعبنا الفلسطيني وقواه الحية .... فهل من مجيب ......؟

 

ابراهيم ابوعتيله – الأردن

 

 

دخل العالم العربي القرن العشرين وجميع دوله الحالية تحت احتلال الدولة العثمانية وبريطانيا و ايطاليا وفرنسا واسبانيا، وكان يعيش لقرون فيما سمي بالفترة المظلمة التي سادها التخلف و الجهل والفقر والظلم والاوبئة، وكان بمعزل عن العالم الذي بدأ نهضته في اوروبا مع ان العالم العربي يقع في وسط العالم بين اوربا واسيا وافريقيا .واتسمت فترة حكم محمد علي في مصر بارسال البعثات الى اوربا والتي فتحت شباكا للعرب للاطلاع على التقدم الذي تحقق في اوربا والذي سرّع من تقريبهم لما يحدث في العالم المتقدم .

كان تشكيل الجامعة العربية وسيلة لتنسيق الجهود بين الدول العربية على امل تطويرها الى مراحل اخرى من التعاون على طريق الوحدة التي كانت امل كل عربي، ومع ان الثوريين القوميين اعتبروا ذلك موجه لمنع تحقيق هدفهم في الوحدة العربية ولكن لم يكن في الامكان احسن من ما كان .اذا قمنا بتحليل مواقف الحكومات العربية على مدى العقود الماضية على طريقة (البلي باك) المستخدمة في السينما، يتوضح لنا صورة الواقع الحقيقي وليس كما يصوره الخطاب الاعلامي للحكومات العربية وبيانات القمم العربية. ماعانته الدول العربية والمواطن العربي في سوريا واليمن وليبيا والعراق على وجه الخصوص يبين لنا ماوصلنا له ونحن نعيش في هذه الفوضى والتيه العربي .لقد تحول المال العربي الى سلاح لقتل العرب وتدمير الدول العربية بدل ان يساعد في البناء والتطوير و لانعرف لماذا . اصبح كل مايعتبره العالم امتيازات من موقع جغرافي الى الثروات الهائلة الى منطقة تأريخية فيها شواهد دينية و نزلت فيها كل الديانات السماوية اصبح كل ذلك وبالا على المواطن العربي وليس امتيازا له.

مرت الامة العربية بنكبات وازمات، وقد كانت مواقف بعض الدول تجاه الاخرى تفتقد الى التعاون والتنسيق بل على العكس في كثير من الاحيان اتسمت بالعداوة والصراع ومساعدة الاجانب ضد ابناء جلدتهم ولنستعرض ونحلل المواقف خلال الازمات الماضية التي مررنا بها وعلى مدى القرن العشرين والعقدين الحاليين من القرن الحادي والعشرين:

1- موقف العرب في نكبة 1948 خسر العرب حرب ال48 وأُعلنت دولة اسرائيل وهدد العرب وتوعدوا ولكنهم لم يتمكنوا من معالجة كيان صغير زرع كجسم غريب في وسط الوطن العربي وبقي هذا الكيان ينفث سمه ويمارس التهديد والابتزاز والقتل والعدوان ويزرع الفتن لحد الان وكانت مواقف العرب خلال حرب 1948هي ارسال جيوشهم ولكن كانت هذه الجيوش كارتونية ولم تستطع تحقيق شيئا سوى ماكتبته الحكومات العربية في الكتب المدرسية من بطولات على الورق فقط . كانت نكبة 48 هي بداية المأساة العربية المستمرة، وهي النقطة الفاصلة بين هدف النهضة العربية في العصر الحديث وبين الواقع الذي تكرس فيما بعد ذلك.

2- عدوان 56 على مصر قام عبد الناصر في عام 1956 بتأميم قناة السويس وبغض النظر عن مدى حكمة هذا القرار ام لا في وقته، حيث كانت الثورة في بدايتها وكان على قادتها دراسة اي قرار يضعهم في مواجهة الغرب دراسة متأنية لمنع دخول مصر في صراع غير متكافيء، حيث قامت بريطانيا وفرنسا واسرائيل بعدوان على مصر ولولا تدخل امريكا والاتحاد السوفيتي وتوجيه انذار لدول العدوان لما توقف العدوان، ولم تظهر مواقف الدول العربية الا عن طريق وسائل الاعلام ومن خلال التنديد ولم يكن هناك مواقف عملية خصوصا ان مواقفهم المعادية لعبد الناصر كانت معروفة.

3- نكسة حزيران 1967 حدثت حرب الخامس من حزيران في 1967 على جميع الجبهات العربية عدا لبنان، وقد انتهت باحتلال الجولان والضفة الغربية وسيناء من قبل اسرائيل، اي احتلت اسرائيل اراضي عربية في ثلاث دول عربية محيطة بها، وانتهت بهزيمة مخزية اسماها العرب بالنكسة للتخفيف من وقع كلمة هزيمة التي هي حقيقة الموقف، وحدث انكسار معنوي على مستوى الحكومات والشعوب لاتزال الاجيال المتتالية تعاني منه .كانت نكسة حزيران اكبر هزيمة في تاريخ العرب بعد احتلال هولاكو لبغداد، بعدها دخلت الدول العربية في عصر الدكتاتوريات التاريخية حيث جثمت الدكتاتوريات في حكم شبه ابدي، و جمدت العقل والتاريخ العربي واغلقت الابواب في وجه التطور والحريات تحت مظلة كل شيء في سبيل المعركة، في مجتمعات تعيش احكام عسكرية عرفية لا يسمح فيها بالنقد او التعبير او التظاهر.ومع ان اكثر الدول العربية حاولت المشاركة في الحرب ولكن سرعة التحرك الاسرائيلي واخذهم زمام المبادرة حول الحرب الى معركة سريعة اعلنت نهايتها بسرعة وخلال خمسة ايام كما سميت بحرب الايام الخمسة.

4- حرب 1973   حدثت الحرب بتنسيق مصري سوري لرفع آثار الهزيمة في 67، ولكن لم تستطع تحقيق اي انجازات كبيرة على الارض، سوى رفع معنويات الحكومات التي ادعت الانتصار فرفعت معنويات شعوبها، ولكن لم يتحقق للشعوب اي انجازات على مستوى الحريات او الرأي او الاقتصاد.ارسلت الدول العربية قطعات عسكرية وطائرات للاشتراك في الحرب وقطعت الدول النفطية تصدير النفط الى الغرب وكان ذلك يبدو عهد جديدا للتعاون في مثل هذه الملمات ولكن ذلك جلب الوبال على العرب حيث ماحدث بعد ذلك يبين ان الغرب قرر بأن النفط يجب أن يصبح تحت الحماية الغربية وخصوصا في دول الخليج خصوصا وأن العراق كان قد اعلن قبل ذلك بسنة تأميم النفط ومنذ ذلك الحين بدأ المسلسل الطويل من التدمير والاستهداف لشعوب هذه الامة لكي لا تقوم لها قائمة ولكي لا تخطو خطوة على طريق التقدم ابدا بل تستمر بالتراجع الى الوراء بشكل مستمر.

5- زيارة السادات لاسرائيل اعلن رئيس مصر السادات عام 1977وبشكل مفاجيء نيته في زيارة اسرائيل ودون تخطيط او معرفة من بقية الحكومات العربية، وبذلت جهود لاثنائه عن خطوته هذه انتهت بالفشل .اعقب ذلك انعقاد مؤتمر القمة في بغداد الذي قرر تجميد عضوية مصر في الجامعة ولحين عودتها عن قرارها .عقد السادات اتفاق صلح مع اسرائيل سمي باتفاقية كامب ديفيد واستعاد من خلالها شبه جزيرة سيناء واستمر ذلك فلا السادات تراجع ولا العرب قرروا اعادة مصر وانتهت القصة بأغتيال السادات عام 1981 خلال الاستعراض العسكري في ذكرى حرب اكتوبر واغلق الملف بعدها وعادت مصر دون ان تنسحب من اتفاقها مع اسرائيل ودون ان يثار الموضوع مرة اخرى.كان موقف الدول العربية الرسمي موحد وهو تجميد عضوية مصر ولكن الحقيقة أن بعض الدول العربية كانت لا تمانع في اي علاقة مع اسرائيل بل انها اعتبرت تجربة مصر باب للبديء بالانفتاح على اسرائيل، وقد عقدت دول اخرى كالاردن اتفاقيات سلام وكذلك فلسطين نفسها عقدت اتفاقية انتهت بعودة منظمات التحرير الى ارض فلسطين، وشكلت سلطة وبدأت تدير ارض الضفة وغزة من قبلها. تحليلنا لما حدث هو أن السادات كان ضحية لتصرف انفرادي ادى الى اثارة المتطرفين ضده من قبل بقية العرب، مما ادى الى اغتياله، مع ان بعض الحكومات كانت راغبة بالاتفاق ولكنها لم تكن مستعدة أن تكون البادئة، وكانت تريد من يبدأ ويصبح كبشا للفداء وكان السادات مستعدا لذلك ولكنه خسر حياته بسبب ذلك.

6- الحرب العراقية الايرانية 1980-1988 كانت الحرب العراقية الايرانية صفحة اخرى لتحليل العلاقات العربية، حيث ساندت بعض الدول العربية العراق ماليا او اعلاميا او سياسيا كمصر ودول الخليج واليمن وكان مواقف دول اخرى كسوريا وليبيا والجزائر ليس مؤيدا للعراق و قد يكون ضده واتخذت دول اخرى جانب الحياد وهو ما يوضح ان الموقف العربي لم يكن موحدا ولا منسقا، وكان يتسم بالارتجال وكان على الدول العربية ان تتخذ موقفا موحدا بأتجاه محاولة اصلاح الوضع بين العراق وايران، لانه يصب في مصلحة الطرفين ويساهم في بناء علاقة صحيحة بين المحيط العربي و ايران بعد ثورتها ضد الشاه. لكن المصالح الجزئية الضيقة والتفكيرالسياسي المحدود الرؤية كانت دائما تحد من النظرة الاستراتيجية للدول العربية للمستقبل وكانت دائما ما تربط مواقفها بمواقف الغرب والتي تصب في مصالحة هو وليس في مصالحها .

7- احتلال العراق للكويت 1990والحصار الاقتصادي على العراق احتل العراق دولة الكويت في خطوة مفاجئة وبين ليلة وضحاها وبعد مفاوضات لم تدم طويلا حول قيام الكويت باغراق السوق بالنفط لضرب اسعاره بأتجاه التأثيرعلى اقتصاد العراق الذي يعتمد على النفط .القصة قديمة حول ان الكويت جزء من العراق، وتعود الى ايام حكم العهد الملكي وعهد حكم الزعيم عبد الكريم قاسم، حيث اثير هذا الموضوع على نطاق اعلامي وسياسي ولكن يبدو ان صدام حسين دخل في الفخ الذي اعد له واحتل الكويت بتلميحات امريكية بأنها لن تتدخل، ولكن الهدف كان بأتجاه تدمير القوات العسكرية العراقية والبنية الصناعية العسكرية التي تم بناؤها خلال الحرب العراقية الايرانية، و تحديد القدرات العراقية التي اصبحت تهدد المنطقة ودول الخليج واسرائيل .وقد تم تدمير الجيش العراقي والمؤسسات الصناعية ومحطات الكهرباء والبنية التحتية واعادت العراق الى عقود الى الوراء وانهت احلامه بالتطور والبناء وادخاله في نفق الحصار الاقتصادي من عام 1990 الى عام 2003 . ودخل العراق نفقا مظلما من الحصار والفقر والجوع والمرض، وصل دخل الفرد العراقي الى ما لم يصل اليه في تاريخه، وباع العراقيون اثاثهم واغراضهم الشخصية خلال 13 سنة مؤلمة بقي فيها الشعب العراقي وحيد يعاني آثار الحصار لوحده وتحت نظام حكم دكتاتوري لا يهمه موت الاطفال تحت تأثير الحصار بل كان يتاجر بذلك، ولم تقوم الدول العربية وخصوصا الغنية بأي جهد لمساعدة العراقيين كشعب من خلال المساعدات، ولم تقوم بأي محاولة لحلحلة المواقف السياسية بين النظام والمنظومة الدولية لرفع الحصار الاقتصادي او تقليل آثاره وبقي اطفال العراق يلاحقهم الموت بسبب الجوع والمرض ونقص الدواء . كانت مواقف الدول العربية تجاه الحرب وتجاه الحصار هزيلة واتسمت بالتفكك وعدم التنسيق وكالمعتاد .كانت مواقف بعض الدول كاليمن والاردن والفلسطينيين مع العراق في مسألة احتلال العراق للكويت وكانت مساندتهم واضحة مما ادى الى اتخاذ مواقف متشددة من قبل دول الخليج ضدهم تمثلت بقطع المساعدات ومواقف دبلوماسية متشددة.على الجانب الاخر وقفت دول اخرى مع الكويت ودول الخليج كمصر وسوريا ودخلت ضمن التحالف العسكري ضد العراق وارسلت قطعات عسكرية دخلت الحرب التي شنها التحالف الدولي المكون من 33 دولة برئاسة الولايات المتحدة والدول الغربية لتحرير الكويت .بعض الدول الاخرى اتسمت مواقفها برفض التدخل الغربي ومحاولة معالجة الازمة ضمن الجامعة العربية كليبيا والجزائر ولكنها لم تنجح واكتفت بالانكفاء على نفسها والصمت حتى انتهاء الازمة .بعد هزيمة العراق ومطاردة جيشه داخل حدوده، قامت انتفاضة دامت اشهر في المحافظات الشمالية والجنوبية استطاع النظام القضاء عليها . لم تكن مواقف الدول العربية بعد ذلك تتسم بالتعاون لمساعدة الشعب العراقي على تجاوز آثار الحصار وعدا قيام الاردن باستقبال العراقيين من المؤسرين وقيام ليبيا واليمن بأستقبال الكفاءات للعمل في مؤسساتها الحكومية والخاصة لم يتلق العراق اي مساعدات، وحتى الدول التي كان العراق يساعدها خلال فترة قوته الاقتصادية وقد انعكس سوء علاقات الانظمة العربية مع النظام الحاكم في العراق على علاقتها بالشعب العراقي الذي كان يفترض دعمه اقتصاديا لمساعدته على تخطي اثار الحصار.

8- احتلال العراق عام 2003   قامت الولايات المتحدة وبريطانيا بتشكيل تحالف دولي مع دول اخرى واحتلت العراق دون غطاء قانوني من الامم المتحدة بدعوى امتلاكه اسلحة كيمياوية وبايولوجية، وبعد مفاوضات مع النظام كانت محكومة بالفشل تم الاحتلال خلال فترة وجيزة حيث قامت دول التحالف بعمليات عسكرية ادت الى تدمير البنى التحتية وتدمير القطعات العسكرية وكانت مواقف الدول العربية عموما تتسم بالضعف والتفرج على التدمير الذي حدث ، انتهت الحرب بسقوط النظام وحدوث فوضى اعلنت امريكا احتلالها للعراق وعينت السفير بول بريمر حاكما للعراق مع تشكيل مجلس شكلي للحكم من 25 شخصا على اساس النسب الطائفية والعرقية لمكونات الشعب العراقي المختلفة، مما ادى الى دخول العراق بنفق الطائفية المستمر لحد الآن .ثم تشكلت حكومة موقتة لعدة اشهر ثم تم اعداد دستور للبلاد والتصويت عليه، اعترفت جميع الاطراف السياسية فيما بعد بأنه مليء بالاخطاء بضمنها الاطراف التي كانت متحمسة جدا له .ودخل البلد في اتون الحرب الاهلية الطائفية التي استمرت منذ عام 2004 في موجات من التفجيرات والقتل اليومي والاختطاف، ثم تلاها في عام 2014 قيام التنظيم الارهابي الدولي داعش باحتلال عدة محافظات بدأت بعدها حرب تحرير هذه المناطق حتى عام 2017.عانى العراق والعراقيون خلال هذه الفترة من العمليات الارهابية المستمرة التي استهدفت الاسواق والمناطق الدينية والتجارية والسكنية وذهب ضحية هذه الاعمال آلاف الضحايا واصيب الاف اخرون .اتسم موقف اغلب الدول العربية بعدم الوضوح والتردد ولم تكن هناك مساعدات واضحة للعراقيين لتخطي الكوارث التي كان يمر بها البلد، وترك العراق والعراقيين ليواجهوا الارهاب والاضطرابات وحاولت بعض الدول التدخل بشكل منفرد وبشكل ضعيف بينما الموقف كان يستدعي تدخلا واضحا ومساعدات على مستوى الجامعة العربية.

9- ثورات الربيع العربي 2010-2011 حدثت موجات من التظاهرات والاعتصامات بدأت بتونس ثم مصر ثم ليبيا واليمن وسوريا، انتهت بتخلي الرئيس التونسي عن الحكم وهروبه خارج البلاد، وتخلي الرئيس المصري عن الحكم واستلام المجلس العسكري ادارة البلاد، واغتيال الرئيس الليبي ودخول البلاد في فوضى، وتخلي الرئيس اليمني عن الحكم ايضا في اتفاق بينه وبين القوى السياسية برعاية دول الخليج .ادت هذه الثورات الى حدوث تغيير في انظمة الحكم في تونس ومصر، ولكنها على الجانب الآخر ادت الى حروب اهلية في ليبيا واليمن وسوريا لا تزال مستعرة حتى الآن، وعدم استقرار في المنطقة عموما وانتشار الاضطرابات والتنظيمات الارهابية وعدا عن دول الخليج التي تدخلت بشكل او بآخر مع هذا الطرف او ذاك وحسب ما يلائم مصالحها اتسم موقف الدول العربية الاخرى بالانكفاء على نفسها اما خوفا من وصول الثورات الى حدودها او لترميم وضعها الداخلي، او خوفا من ردود الفعل الغربية التي يعتقد بأن لها اليد الطولى في اثارة هذه الثورات.

من هذه الاحداث ومن خلال المواقف المستعرضة رأينا أن العرب كأمة ذات مميزات مشتركة تجمعهم كاللغة العربية والجوار والمصالح والمخاطر التي تهدد مجتمعاتهم لم يستطيعوا أن يواجهوا التحديات بمواقف موحدة او على الاقل متقاربة بل على العكس اغلب المواقف التي واجهوا بها الازمات اتسمت بالتشتت والانانية، ولم يحاولوا حل المشاكل والتحديات التي تواجههم من خلال دراستها بشكل متأني ومحاولة حلها ضمن الداخل العربي، بل كانوا دائما ما يدخلوا الدول الاخرى وخصوصا الغربية لغرض طلب الحل والمساعدة لأنهم اي العرب لا يخططون للمستقبل بل يعملون بطريقة الفعل ورد الفعل وما يهم دولهم هو استقرار وبقاء الحكام والانظمة السياسية وليس مصلحة الشعوب وتقدمها.

 

د.احمد مغير - طبيب اختصاص وباحث

........................

ملاحظة: الموضوع مقدمة لبحث اوسع تحت الاعداد وقد يتم نشره أن شاء الله على حلقات .

 

 

صائب خليل“لا حقد في العالم يشبه الحقد الذي يحمله النخبوي على من «سرق» منه، أو من جدّه، أملاكه وامتيازاته.”

تشرح مقالة عامر محسن"زفرة ماو الأخيرة: عن الثورة الثقافية في الصين" في جزئيها الأول(1) والثاني (2)، والتي تعتمدها هذه المقالة مصدراً، نقطة مهمة جدا في تفسير هزائم التجارب الاشتراكية في بلادنا وفي العالم، وبشكل اكثر اقناعاً بكثير مما تفعل النظريات "الرغبوية" التي يحاول دعاة الرأسمالية تأكيدها، بأن تلك الهزائم دليل على "خطأ" أو "فشل" النظرية الماركسية، دون محاولة تقديم توضيح لتلك العلاقة بين تلك النظرية وفشل التجربة، والتي تبرر ذلك التفسير.

في مقالته القيمة واقتباساته، يشرح عامر محسن كيف تعود المشاعر الفردية الكامنة، والتي تأسست في المجتمع الرأسمالي، إلى البروز بين الافراد، وخاصة بين كوادر الحزب الحاكم، وكيف تجد مصلحتها في "الطريق الرأسمالي"، لتصبح تهديدا خطيرا للثورة، وكيف ان هذا التهديد ربما يكون المسؤول الأول عن فشل تلك التجارب، وهو ما يجب ان تحسبه أية ثورة قادمة، إن كتب لها النجاح باستلام السلطة. فـ " لا يكفي أن «تنتصر الثورة» أو أن تقيم نظاماً اشتراكياً حتّى تتحقّق العدالة أو الاشتراكيّة على الأرض. التناقضات والتباينات في المجتمع لا تنتهي بمجرّد وصول طاقم حكمٍ جديد، يزعم تمثيل «الطبقة العاملة»، ولو جاء أصلاً من بين صفوفها ونفّذ سياسات تقدمية لوهلة. «المجتمع القديم» - يظلّ موجوداً بأشكالٍ كثيرةٍ بعد أن «تنتصر الثورة»، مهما كانت راديكالية، وموروثاته وتقاليده لن تزول من العقليات والمجتمع قبل عقودٍ طويلة- وليام هنتون.

"وانت قد عشت طويلا بين هذا القطيع، ولسوف يدوي صوته مليّاً في داخلك" – نيتشه: "هكذا تكلم زرادشت"

«المجتمع القديم»، يشرح هنتون، يظلّ موجوداً بأشكالٍ كثيرةٍ بعد أن «تنتصر الثورة»، مهما كانت راديكالية، وموروثاته وتقاليده لن تزول من العقليات والمجتمع قبل عقودٍ طويلة. ستظلّ، حتى في «المجتمع الاشتراكي»، تمايزاتٌ في الفرص والحياة.. وسوف تتشكل هذه بأشكال «عقدٍ» للمصالح داخل المجتمع وتتحوّل الى حوافز لتشجّع الفرديّة والمنافسة والانتهازيّة، فالجميع سيفضّل أن يكون على الجانب الرابح من المجتمع؛ ليعود نظام الامتيازات هذا فيقسم المجتمع قسمة «طبقية»، معيداً إياه إلى ما يشبه ما كان عليه قبل «النّصر» عام 1949: طبقة عاملة، هي فعلياً حشود الناس الذين لا تملك الامتيازات، وأخرى تسيطر على الدولة والحزب باسم تمثيل الطبقة العاملة. هذا ما حاول ماو منعه بـ "ثورته الثقافية". فيجب أن نتذكّر أنّ المقياس الأساسي لنجاح أي «ثورة» هو في تأسيس العدالة، وليس في رفع مستوى الإنتاج أو أرقام النموّ، وهذا ما يجب أن يكون المعيار الأساسي لتطوّر الأمور، وأن التسابق على النموّ والإنتاج، يصبح هدفاً «عاجلاً» ومركزياً لأي دولة أو حركة لأسباب الحرب والتنافس العسكريّ .....

ويرى آلان باديو أن الثورة الثقافية الصينية كانت أهمّ حدث سياسي في العقود الأخيرة، والتي طمست بشعارات وصراخ عن «التوتاليتارية الشيوعيّة» و «أرقام ضحايا» لتجهيل الناس وردعهم عن مراجعتها والاستفادة من دروسها.

ونلاحظ هنا أن ليس المقصود بـ «ثقافية» انها متعلقة بالآداب والفنون ومجالات المثقّفين والكتّاب، بل إنّ معناها في الأصل الصّيني هو «حضاريّة»، تتعلق بالأيديولوجيا وتحويل العقليات الموروثة وأشكال السّلطة في المجتمع.

أهم عوامل البقاء على قيد الحياة للثّورة عند باديو، هو ما يسمّيه قدرتها على أنجاز «الابتكارات السياسيّة» لتكوين هياكل ديمقراطية جديدة للسلطة البديلة الوليدة التي امتلكتها.

فحين قام ملك فرنسا، خلال أزمة مؤتمر 1789، بمنع ممثّلي «الطّبقة الثالثة» من الدخول الى قاعات «فرساي» والمشاركة في المؤتمر، سارع النوّاب الى ملعب تنسٍ في القصر، ليقرّروا بأنّهم أصبحوا «مجلساً وطنيّاً» يمثّل الشّعب، وأنهم سيقرّون دستوراً، فهذا الفعل مثالٌ على «ابتكارٍ سياسيّ». حين قام الثوريّون الفرنسيّون، بعدها بقليل، بتعيين عمدةٍ لباريس (وهو منصبٌ لم يكن موجوداً أصلاً)، وكومونة في المدينة، وتأسيس «حرسٍ وطنيّ» في العاصمة، واعتبار أنّهم يملكون مصدر شرعيّةٍ يتيح لهم خلق هذه المؤسسات ومعها مفهومٌ جديدٌ عن السّياسة، فهذا مثالٌ على «الابتكار السياسي» الذي يأخذك من طورٍ تاريخيّ الى طورٍ آخر. كذلك الأمر في تشكيل مجالس "السوفييت" من قبل القوى التقدمية المختلفة التي وجدت نفسها تقود البلاد، ونشرها في كافة أنحاء روسيا بعد سقوط القيصر في مارس سنة 1917. ويرى عامر محسن أن نظريّة ولاية الفقيه في إيران، أنتَجت هي الأخرى مفهوماً جديداً بالكامل عن الشرعيّة والسياسة ومصدر السّلطة، هي تحديداً ما جعل تجربة ايران «ثورة»، بالعكس تماماً عن سرديّة مثقّفي طهران التي تعتبر أن ولاية الفقيه قد «سرقت» الثورة منهم.

وهكذا طلب ماو من الطلّاب والعمّال أن يتنظّموا بأنفسهم، في جامعاتهم ومصانعهم ومراكز عملهم، ومن خارج الإطار الحزبي، وأن ينشئوا منظّماتهم وينتخبوا ممثليهم بأنفسهم وينتزعوا السّلطة إن لزم الأمر، وهو ما يذكرنا بمحاولات الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي لتقليد هذا الاتجاه، كما فعل غيره، ربما بشكل غير ناضج.

أعلن ماو أنّ التجربة الاشتراكية في خطر وأنّ تصحيحها لن يكون الّا بثورةٍ داخليّة «من تحت»، لا تخاف من النقد والمواجهة، وأنّ هؤلاء الطلّاب والعمّال اليساريين هم وحدهم من يمكنه أن يمنع سقوط الصّين في يد (أمثال)«أنور السّادات». : انتخبوا ممثّلين ومجالس عبر تنظيمٍ عفويّ، انشأوا كومونات وسيطروا على مدنٍ وجامعات وبلديات عبر «وضع اليد»؛ اختبر العمّال مفهوم «الادارة الذاتية» وأصبحت تنظيماتهم هي التي تقرّ السياسات وشروط العمل، وليس الكادر الحزبي أو مدير المصنع أو التعاونية، الذي جرى كشف فساده وقسوته أمام الجميع، وفضحه وتقريعه علناً من قبل العمّال، بل وإهانته وضربه في كثير من الحالات (يقول باديو إنّ «طقس الإهانة» هذا لم يكن أمراً عابراً، بل هو مستوحىً مما كان يفعله الشيوعيون خلال الحرب، حين كان يتمّ استعراض الاقطاعي السابق أمام فلّاحيه، الذين يسردون مظالمه وجرائمه في حقّهم، ويجري إذلاله وهو يتوسّل العفو، قبل أن يعود «مواطناً» مثل غيره. حالة الكادر الحزبي هي كحالة الارستقراطي، يحاجج باديو، لا يمكن للصيني العادي بأن يتغلّب على رهبته منه، وأن يشعر بأنّه قد صار فعلاً مساوياً له وخارج سلطته، لولا هذا «الطّقس»).

انتشرت هذه الحركة بسرعةٍ، بين 1966 و1967، من الجامعات الى المعامل (بعد أن كان الحزبيّون يأملون بأن تظلّ حدثاً «طالبياً»، محصوراً في الحرم الجامعي)، ثمّ بدأت عمليّات «الاستيلاء» على السّلطة والمصادمة، وهو ما توّجته الكومونة في شانغهاي. هنا، فهم «المركز الحزبي» بأنّ لا أمل من احتواء الثورة وبدأ بمواجهتها. كانت للحزب ايضاً قدرة تحشيدٍ كبيرة، بينما أنصار ماو لا يملكون سوى التنظيم الذاتي والحماسة. انشأ جناح ليو ودِنغ ميليشيات لهم في الرّيف، وتنظيمات عمّاليّة مناصرة للقيادة الحزبية؛ واجهوا الحرس الأحمر وقاموا ايضاً بـ«الاستيلاء» على مصالح ومدن، وقد وصل التصعيد الى أقصاه خلال المواجهة في ووهان وغيرها، حين بدأ عدد الضحايا بالتصاعد وأصبحت الحرب الأهلية احتمالاً قائماً.

كشفت الثّورة الثقافيةً الصينية، فيما كشفت، عن صعوبة التصدّي لهيمنة فكرة «الطريق الرأسمالي» بين النخب الحاكمة، حتّى في بلدٍ «اشتراكي». وفي الصين، تمكن الجانب المقابل من احتواء انفجار الثورة بعد اقل من سنتين (1966 – 1968) وتحويلها إلى حرب خنادق مستقرة بين الجانبين، لتستمر عقداً من السنين فيما يشبه الحرب الأهلية.

كان ماو يريد لمؤيديه وللجماهير، عبر الثورة، أن يكسروا احتكار الحزب للسياسة، فأعطى الثوريين إذناً بتشكيل تنظيمات (وسلطات سياسية) على نحوٍ حرّ طالما أنها ديمقراطية ومنتخبة. ولكنه اشترط أن لا يكسروا الحزب نفسه، فاتّخذ اليمين «المركز الحزبي» متراساً، وأوصل الثورة الى طريقٍ مسدود.

ووفق الباحث وليم هِنتون، كان الحزب الشيوعي الصيني، فعلياً حزبان تكوّنا في وقتٍ متزامن: الأوّل، ويتزعّمه ماو، كان الحزب «العلني» في المناطق المحرّرة، وكان يحكم أقاليم ويحشد الفلّاحين، ويقيم سياسات اصلاح زراعي وتعاونيات وتصنيع (والكثير منها كان ناجحاً للغاية)، وهذا الحزب كان له طابعٌ «بروليتاريّ». أما الحزب الثاني فهو حزب ليو ودِنغ، فهو «الحزب السريّ» الذي يعمل بين المثقفين والناشطين المسيّسين خاصة في المدن الكبرة كشانغهاي وكانتون.

ومع تحوّل الثّورة الصينية الى سلطة، ومع تحوّل «الطليعة» الحزبية الى نخبة حاكمة، كان المسار الطبيعي للأمور هو في أن يزداد حجم جناح دِنغ وليو ونفوذه تدريجياً، وأن يتحوّل الماويّون الى أقليّة. الفاسدون وأصحاب الامتيازات يتكاثرون على طريقة الزومبي، فكلّ فاسدٍ يحوّل خمسةً من حوله الى شيءٍ يشبهه، وهو ما لم يكن متاحاً للجانب المقابل. هذه النّخب لا تكتفي بتعزيز مواقعها وصفوفها، بل تذهب الى حدّ تخريب أيّ بديلٍ اشتراكيّ ومقاومته حتّى يبدو «الطريق الرأسمالي» هو الوحيد والمنطقي بالنسبة الى العقلاء. ويلاحظ عامر أن هذا كان تحديداً، سلوك الكثير من النخب التي أشرفت على هدم الاشتراكية في بلادنا: نشر الفساد ووقف الاستثمار في القطاع العام، حتى تصبح الدولة والاشتراكية في أذهان الناس نظيراً للفشل والحرمان وانعدام الفعالية. وفي النهاية، سأم أكثر الصينين من اضطرابات «الثورة»، فاستقبلوا ضرب اليساريين وتتويج دِنغ من جديد وعودة الاستقرار، بارتياحٍ. وهكذا فأن الامبراطورية الصينية، بتراثها البيروقراطي الممتدّ أكثر من عشرين قرناً، تمظهرت على شكل حزبٍ وانتصرت في نهاية الأمر.

وقد يقول قائل أن ما حققته الصين اليوم، لا يبرر تشاؤم هنتون وباديو، وقد يكون لهذا الاتجاه في التفكير بعض الحق، لكن الأمور أيضاً ليست كما تبدو من الخارج، فالفوارق الطبقية اليوم شديدة في الصين، ومازالت تعتمد في اقتصادها إلى حد بعيد على انخفاض أجور عمالها، كما أنها تبدو مشلولة أمام النزف المستمر لثرواتها بتحمل حصة كبيرة من نتائج طبع الدولار، ولا تمتلك استقلالية مالية تقيها ضربات الازمات وتطمئنها على مستقبلها وسيادتها.

يكتب عامر، أن الردّة التي تنبّأ بها ماو، وحاول منعها في بلاده، قد جرت علينا واكتسحت نخبنا منذ زمنٍ بعيد. دعك من الحكومات التّابعة، بحلول السبعينيات، وفي أغلب الأنظمة العربيّة «الثورية» (أي مصر وسوريا والعراق)، كانت السلطة قد سقطت بشكلٍ محكم في أيدي نخبٍ تشبه تماماً مثال ماو عن «أصحاب الطريق الرأسمالي»: ليبراليون اقتصادياً ومع الإصلاح والانفتاح بدلاً من هدف بناء الاشتراكية، مقتنعون ــــــ على عكس جيل الخمسينيات ــــــ بأنّ الاشتراكية الى هزيمة على مستوى العالم وأن الرأسمالية ستنتصر، ويحاولون التقرّب من الحلف الغربي وفتح علاقاتٍ معه. هذه «الردّة»، التي لم يكن هناك من صادٍّ لها، هي الجذر الحقيقي لأكبر هزائمنا ولتفكيك بلادنا وتدميرها منذ ذلك الزمن، وإغلاق كوّة الأمل أمام الشعوب والفقراء على هذه الأرض.

كما في الصّين أيام الثورة الثقافية وما بعدها، هناك في بلادنا «أصحاب طريق رأسمالي»، وطبقة تكنوقراط طفيلية، وأرستقراطية وأحفادها، وهؤلاء جميعاً يتوافقون على كراهية من رفع راية الاشتراكية في وجههم يوماً ولا يكلّون عن تعميق قبرها، حتى بعد عقودٍ على فشلها واندثارها.

السياسة السودانية.. ظلّت ــــــ لعقودٍ ــــــ مسكونةً بهاجس عودة الشيوعيين لأنهم وصلوا يوماً الى الحكم وخلقوا عندهم «صدمة» وردّة فعلٍ عنيفة ضدّ اليسار. الكراهية المرضية التي تكنّها النخب المصريّة لعبد الناصر وما يمثّله، والتي لا تموت أو تخفت مع الزمن، ولا تجد مثيلاً لها تجاه السادات الذي أذلّ مصر وأفلسها، أو حتّى حاكم مصر الحالي....

"هنا في بلادنا، أنت لا تواجه (أمثال) ليو ودِنغ، بل أحفادهم الفاسدين، الذين أصبحوا أكثر ثراءً وفوقيّة وشراسة، ولن تكفينا اليوم ــــــ إن أردنا القيامة من حالتنا ــــــ «ثورةً ثقافيّة» على منهج ماو، ناهيك عن «ثورة بورجوازيّة» على الطريقة الغربية، بل سنحتاج الى ما هو أشدّ وأعنف بكثير."- عامر محسن.

إلى هذا يجب ان يضاف عامل "الاحتلال" الشديد الأهمية في حالة العراق، فاليمين الفاسد يعيش تحت حمايته، وعلى اية "ثورة" أن تحسب حسابه أولاً، فهو يقبع كعنكبوت هائل على البلد ويخترق كل المؤسسات السياسية والعسكرية ومعظم الدينية، وبشكل خاص، الإعلام، الذي يقوم بنجاح بتوجيه بوصلة الشعب إلى "الخطر الإيراني"! فما يصلح لتحليل الصراع في الصين أو في بلدان مستقلة نسبياً، قد يساعدنا على فهم العالم والتاريخ والفرص الضائعة للشعوب، لكنه لا ينفع كثيراً في فهم الحالة الحاضرة. ففي البلد المحتل، لا تعود المشكلة مشكلة دوي قطيع "الرأسمالية" في إذن الثوري الاشتراكي، بل في واقع لا يجرؤ أي تيار فيه بأن ينطق كلمة "إشتراكية".

 

صائب خليل

...........................

(1) عامر محسن"زفرة ماو الأخيرة: عن الثورة الثقافية في الصين"، الجزء الأول

https://www.al-akhbar.com/Opinion/251848

(2) عامر محسن"زفرة ماو الأخيرة: عن الثورة الثقافية في الصين"، الجزء الثاني

https://al-akhbar.com/Opinion/252049

جميل عودةبموجب القانون الدولي الإنساني، يتمتع المدنيون والأعيان المدنية بالحماية من التعرض لأي هجوم، وأطراف النزاع ملزمون بعدم استهداف المواقع غير العسكرية، وتحظر الهجمات المباشرة على المدنيين والهجمات العشوائية التي لا تمييز بين المدنيين والمقاتلين، وتحظر أيضا الهجمات التي يتوقع أن تلحق خسائر عرضية في أرواح المدنيين أو إصابات بين المدنيين، أو تضر الأعيان المدنية على نحو مفرط مقارنة بالميزة العسكرية المباشرة المتوقعة، والهجمات التي تخترق تلك المعايير ترقى إلى مستوى جرام حرب؛ يمكن محاكمة مرتكبيها أمام المحكمة الجنائية الدولية.

تُعرف (الهجمات العشوائية) بأنها تلك (الهجمات التي لا تميز بين العسكريين والمدنيين، والتي من شـــأنها أن تحـــدث خســـائر مفرطـــة بـــين الســـكان المـــدنيين.) وفي تعريف آخر لـ (الهجمات العشوائية) هي تلك (الهجمات التي لا توجه إلى هدف عسكري محدد، والتي تستخدم طريقة أو وسيلة للقتال لا يمكن حصر آثارها، ومن ثم فإن من شأنها أن تصيب الأهداف العسكرية أو الأشخاص المدنيين أو الأعيان المدنية دون تمييز).

ويعرّفها البند (ب) من المادة (51 فقرة 5) من البرتوكول الأول الإضافي، على الشكل الآتي: (الهجوم الذي يمكن أن يتوقّع منه أن يسبّب خسارة في أرواح المدنيين أو إصابة بهم أو أضرارًا بالأعيان المدنية، أو أن يُحدث خلطًا من هذه الخسائر والأضرار، يُفرط في تجاوز ما ينتظر أن يسفر عن هذا الهجوم من ميزة عسكرية ملموسة ومباشرة).

ومن أمثلة الهجمات العشوائية تلك الهجمات التي "لا توجه إلى هدف عسكري محدد"، أو التي تستخدم وسيلة قتالية "لا يمكن توجيهها إلى هدف عسكري محدد". ومن صور الهجمات العشوائية أيضا الهجوم الذي يخالف مبدأ التناسب لأنه "يمكن أن يتوقع منه أن يسبب خسارة في أرواح المدنيين أو إصابة بهم أو أضرارا بالأعيان المدنية،... [مما] يفرط في تجاوز ما ينتظر أن يسفر عنه ذلك الهجوم من ميزة عسكرية ملموسة ومباشرة".

وقد عدّ البروتوكول الأول من قبيل الهجمات العشوائية:

1. الهجوم قصفاً بالقنابل، أياً كانت الطرق والوسائل التي تعالج عدداً من الأهداف العسكرية الواضحة والمتباعدة، والمميزة عن بعضها البعض الآخر، والواقعة في مدينة أو بلدة أو قرية أو منطقة أخرى، تضم تركّزاً من المدنيين أو الأعيان المدنية على أنها هدف عسكري واحد.

2. الهجوم الذي يمكن أن يتوقع منه أن يسبب خسارة في أرواح المدنيين، أو إصابة بهم، أو إضراراً بالأعيان المدنية. أو أن يحدث خلطاً من هذه الخسائر والأضرار يفرط في تجاوز ما ينتظر أن يسفر عنه ذلك الهجوم من ميزة عسكرية ملموسة ومباشرة.

غالبا ما يكون من الصعب تحديد ما إذا كان هجوم ما عشوائيا وتحديد الطرف المسؤول عنه، بيد أن المعلومات المتاحة تشير إلى وجود نمط من الهجمات تستخدم فيها أسلحة غير دقيقة في مناطق سكنية مكتظة بالسكان، وهي عوامل قد تصل مجتمعة إلى مستوى الهجمات العشوائية، فالأسلحة غير الدقيقة، أو التي تترك آثارا واسعة النطاق، قد تكون غير ملائمة لمهاجمة اهداف عسكرية تقع في مناطق مكتظة بالسكان والألغام والفخاخ المتفجرة والمتفجرات من مخلفات الحرب هي أيضا ذات طبيعة عشوائية.

وفي كل الأحوال، سواء استطعنا تحديد ما يمكن تسميته بالهجمات العشوائية على المدنيين أم لا، فانه يمكن القول إن تلك القواعد الإنسانية في النزاعات المسلحة كانت قابلة للتطبيق في النزاعات الدولية المسلحة، والتي تنشب -عادة- على حدود دولتين أو أكثر، وتقتصر مساحتها الحربية على تلك المناطق، وتصيب بعض المدنيين الساكنين في المناطق الحدودية بالضرورة، إلا أن الحروب والنزاعات المسلحة الحديثة ليست كذلك اليوم. ومحاولة نقل القواعد الإنسانية المطبقة في الحروب الدولية إلى النزاعات غير الدولية هي محاولة لم يكتب لها النجاح دائما.

فلم تعد الحدود الدولية ساحة للحروب والنزاعات المسلحة، كما لم تعد آثار تلك الحروب تقتصر على المناطق الحدودية المتاخمة، ولا على سكان تلك المناطق، بل أضحت المناطق السكنية والسكان المدنيون عموما ساحة مكشوفة لشن أعمال العنف الهجومية والدفاعية الموجه ضد الخصوم؛ وذلك لسببين أساسيين: الأول: توسع نطاق النزاعات المسلحة غير الدولية؛ بسبب صراعات داخلية مدعومة -في الغالب- من دول أخرى، تؤيد هذا الطرف أو ذلك. والثاني: هو التطور التكنولوجي للأسلحة الحربية، التي تتيح الوصول إلى أي منطقة يحتمي بها العدو.

إن العلامة البارزة للنزاعات المسلحة غير الدولية، والتي يمكن تسميتها بـ (حروب المدن) هي أن المدن جميعها بلا استثناء أضحت ساحة حربية للأطراف المقاتلة، وأن شن هجمات عشوائية على المناطق السكنية، وعلى المدنيين هو جزء لا يتجزأ من تلك النزاعات؛ ذلك لأن المقاتلين يتواجدون في تلك المناطق ويتحصنون فيها، بل بعض المدنيين أضحوا بحكم النزاع جزء من هذا الفصيل المقاتل أو ذلك، مضافا إلى الاحتماء بالمدنيين كدروع بشرية للحد من هجمات العدو.

هذا ناهيك عن أن الهجمـات العـشوائية وغـير المتناسـبة، في النزاعات غير الدولية، بمـا في ذلك الغارات الجوية، والقصف المـدفعي، والقـصف بقـذائف الهـاون، والـسيارات المفخخـة في المنـاطق المأهولـة بالـسكان، تؤدي بشكل مستمر إلى وقـوع أعـداد كـبيرة مـن القتلـى والجرحـى في صـفوف المـدنيين والتـشريد القـسري الجمـاعي، وإلى تدمير البنية التحتية المدنية، مما يؤثر بشكل خاص على المرافق الصحية، وشبكات المياه، والأسواق، ودور العبادة، والمدارس. فتزداد الفوضى وتتعقد الأمور أكثر، وهي قضايا ربما لا تظهر جليا في النزاعات الدولية ذات الأطراف الواضحة، والمساحة المحددة، والأسلحة المعروفة.

تأسيسا على ذلك، فإن القول بانطباق تلك القواعد والمبادئ الإنسانية على النزاعات الداخلية، والدعوة إلى التزام الأطراف المتحاربة بها هو قول لا يعبر عن الواقع، كما هو، بل هو مجرد تمنيات وشعارات؛ تشدق بها المجتمع الدولي في محاولة للحيلولة دون توسع نطاق الحروب الداخلية التي تمس المواطنين المدنيين والأعيان المدنية بشكل مباشر.

ففي الغالب، أن النزاعات الداخلية والتي تتخذ من المدن ساحة لها، يستحيل أن تتقيد بتلك القواعد أو تراعيها كحد أدنى؛ لان المتحاربين لا يجدون بدا من اللجوء إلى الهجمات العشوائية بين الحين والآخر، لتحقيق النصر أو لرد العدو. فالمدن والمدنيون كلهم معرضون لتلك الهجمات، بل هم مقصودون بالذات، مادامت حدود المعارك بين الأطراف المقاتلة ليست محددة بعلامات ما. ومادام المدنيون هم فرس الرهان في رد العدو عن تحقيق مبتغاه.

هذا بالإضافة إلى الصعوبة البالغة في تحديد الأطراف التي لا تتخذ التدابير الوقائية لعدم إصابة السكان المدنيين أو تخرق تلك القواعد، بقصد تغيير المعادلة في المعركة. وعليه، يكون من المستحيل محاسبة قيادات الأطراف المتحاربة على جرائمهم بحق المدنيين مما يمنح تلك القيادات حافزا آخرا على الاستمرار بتلك النزاعات، وارتكاب المزيد من الانتهاكات فيها.

مما لا شك فيه أبدا، أن المجتمع الدولي، بكل مؤسساتها وقوانينه وإجراءاته وبرامجه، لم يتمكن من التعامل بشكل جدي ومثمر مع النزاعات الداخلية المسلحة، والتي عادة ما تكون في المدن المكتظة بالسكان، لا سيما تلك النزاعات التي تكون الدولة الشرعية أحد أطرافها، وتكون الجماعات المسلحة المعارضة الطرف الآخر، كما في العراق وسوريا، أو تلك النزاعات التي تكون الجماعات المسلحة هي أطرافها، بعد أن أسقطت الحكومة الشرعية، وفقدت قدرتها على السيطرة، كما في ليبيا. واليمن، حيث ظلت القوانين الإنسانية والقرارات الأممية الصادرة عن مجلس الأمن والجمعية العمومية حبرا على ورق، دون أن تقدم حلولا واقعية لفض تلك النزاعات أو للحد من تأثيرها المتواصل على السكان المدنيين والأعيان المدنية.

في الواقع، أن النزاعات غير الدولية أو الحروب الداخلية أو حروب المدن هي النزاعات الأكثر شيوعا بعد تراجع واضح أمام النزاعات الدولية، وهي تعد تحديا قائما ومثيرا للجدل لا يمكن السيطرة عليه أو التنبؤ بنتائجه الوخيمة على المجتمع الدولي والمجتمعات المحلية التي تخوض غماره، وآثارها لا تقتصر عادة على ضحاياها الفعليين والبيئة التي احتضنتها بل تتعدها إلى مستقبل الأجيال القادمة.

بناء على ما تقدم، فإن المجتمع الدولي مدعو أكثر من ذي قبل إلى إيلاء مسألة الحروب والنزاعات الداخلية اهتماما واعيا قادرا على التأثير في مجرياتها وأحداثها، والتقليل من آثارها الفعلية والمستقبلية، وذلك من خلال ما يأتي:

1- تشريع قوانين إنسانية بشأن الصراعات والنزاعات الداخلية خاصة، آخذة بنظر الاعتبار ظروفها وأطرافها المحتملين، والتي يمكن أن ترسم بشكل واضح مسؤوليات الأطراف المتحاربة وحقوقها، وما ينبغي أن تقوم به مؤسسات المجتمع الدولي لوقف تلك النزاعات أو الحد منها.

2- وضع إجراءات وآليات دولية واقعية، والتي يمكن أن تضمن فض تلك النزاعات المسلحة في وقت قصير، أو تقلل من تأثيرها على السكان المدنيين والأعيان المدنية إلى حد ما دون ترك القرار للأطراف المتحاربة.

3- التأكيد على حظر استخدام الأسلحة، العشوائية الأثر، والمعاقبة عليها، كونها تصيب المقاتلين وغير المقاتلين على حد سواء، من دون تمييز فيما بينهم، وتصيب أيضًا الأعيان المدنية والأهداف العسكرية، ولا يمكن السيطرة على آثارها. وذلك من أجل تأمين احترام السكان المدنيين والأعيان المدنية وحمايته.

4- حث المجتمعات المحلية على نبذ الصراعات الداخلية فيما بينها، ودعوتها إلى اعتماد مبادئ الحوار والتعايش السلمي، على وفق برامج تثقيفية واجتماعية تعزز الأمن المجتمعي، لاسيما في المناطق السكانية المعرضة لتلك النزاعات، لأسباب عرقية أو دينية أو مذهبية.

5- لا يجب التهاون في محاسبة منتهكي حقوق الإنسان في النزاعات المسلحة، أطراف داخلية كانت أو خارجية، في كل الأحوال، سواء في محاكم وطنية أو دولية، لأن التهاون من شأنه، أن يوحي للمجرمين بارتكاب المزيد من تلك الانتهاكات، مازالوا بعدين عن المحاسبة القضائية.

 

جميل عودة / مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات

 

 

عبد الخالق الفلاحلقد ظهرت من خلال ما شاب الانتخابات من نکسة التزویر والاشکالات الفنیة ان النخب في المنظومة ¬السياسية العراقیة تخدع المجتمع، أم تحاول أن تطمس الحقائق بلسانها، وتمحوها بكلامها، أو توهم نفسها بما تخرف، عندما تتبجح بهذه التصرفات وتطلب بالتحقیق، والتشدق بأوصاف تخالف الحقيقة والغير منسجمة والُمعقدة وغير العادلة وقد اخلت بالمیثاق والعهد الذی تبنته خلال فترة الترشیح للانتخابات وسببت ضرراً فادحاً بالامة مادیا ومعنویا ومشروعها الحضاري التاریخی العریق واخرت البلاد عن الحضارة بقرون بسبب المناكفات والازمات المفتعلة ولازالة تصر الیوم علی تلک المسیرة الغیر سویة والمتعثرة الجوانح وتعمل بانفعال من اجل تحقيق مصالح انية ليست من اسس الاهداف الوطنية و تزيد من الحراجة والتبعثر وفقدان الثقة بالمنظومة الحاکمة التی سوف تنبثق منها، وتتفاقم ازماته، تبعا لتنوع الاتجاهات الفكرية . وسياسية ألاحزاب والجماعات التي تولت إدارة البلد بعد تغییر النظام فی عام 2003 فقط لم تکن بمستوی المسؤولیة الملقاة علی عاتقها، ولكونها حديثة التجربة في العمل السياسي، ومقتضياته. وقد تبنت في شعاراتها الديمقراطية لتعزيز حقوق الانسان غطاء، وحرياته األسیاسية اسما والسماح بالتعددية التي كانت مثار جدل حاد في مفهوم ادارتهم للعملیة السیاسیة بعیدة عن الصواب، لما يكتنفه من تناقضات في ظل مجتمع متعدد الاعراق، والديانات والمذاهب، وصعوبة التعامل مع هذا الوضع القائم على الاعتقاد بأن كل طرف يستطيع أن يتحمل مسؤولية المجتمع كله، وأنه ألحق بشؤون الحكم، ويرى كل طرف ضرورة انحياز الاطراف الاخرى له وهذا هو الخطاء الکبیر.ولايمكن قبوله لدى الشارع ان البلد يحتاج الى همة ابناءه الخيرین للبناء بعيداً عن المحسوبية والمنسوبية ولايمكن لها ان تجني ثمارالخیر في ظل تمزق النسيج الوطني والسعي لاستغلال جراحه واللعب عليها وفق ما تتطلبه ارادات الكتل الضيقة والمجموعات الغير سليمة الاهداف وعليها التفكير بالعراق لان الوطن واحد. يجب علينا ان نعرف بأن البلد مهدد بمنعطف خطير وتجربته لا زالت تراوح مکانها وعجلة النشوء تدورببطئ شدید وغض الطرف مهدد باقل الریاح سرعة وهزيل القوام ایل للسقوط فی ای لحظة ويعاني معظم سياسيه من مرض قصر النظر ويتطلب من كل العراقيين الشرفاء ومحبي ارضهم وشعبهم الحذر عما يجري وخطورة المرحلة التي قد تؤدي بالبلد الى الهاوية والانتخابات الحالیة اثبتت اننا لازلنا فی اول الطریق الوعر والمتشابک … ومع الاسف ان هناك اطراف فی العملیة السیاسیة لايهمها ولاتعرف من شئ اسمه وطن لا من قريب ولا من بعيد وعليها علامات استفهام وتعجب واصبحت العملية السياسية سلعة او وسيلة للضغط على الاخر لجني المكاسب وتبادل الصفقات وتطبیق شعارات مزاجية او مساومة لمصالحهم الذاتیة لا صلة لها بالمواطنة وعلى اساس الربح والخسارة والتصيد بالماء العكر لان هدفها ان یبقی العراق بعلته وجراحه للرقص علیها والدوام فی خلق الازمات التی تعطل عجلته وانهاء المشروع السياسي والبحث عن المنزلقات والفتن والتأزم والكرسي والسلطة من اجل نحر الشعب والامة حسب ما ترغب اليه الدول الداعمه لبعض المجموعات او الکتل.. حب الوطن ليست مجرد نصوص دستورية وقانونية یا سادة، وتحويل اختصاصات وموارد مادية وبشرية، انما ضمیر للادارة من هنا الى هناك فقط، و یراد منها أن تقوم على الاحساس بالغيرة الوطنية الصادقة و على الوحدة الترابية لبلادنا كما ان المرحلة تستوجب من الكتل العمل بمصداقية للشعارات التي رفعتها خلال المرحلة الماضية والابتعاد عن الازدواجية والمواقف المتزلزلة بموقف اكثر حكمة والرجوع الى المشروع الوطني المبني على المشتركات والثوابت لا لثقافة التقاتل الطائفي والنعرات المتطرفة والتخندق خلف متاريس الفئوية وغيرها لانها ثقافة مبتذلة ولايمكن قبولها.علينا ان نفتخر بإصلتنا، ونزهوا بانتمائنا، ونشدو بوطنيتنا، ونفتخر بشعبنا، تشدنا الاصول وتحركنا العواطف الانسانیة، ويدفعه الحنين إلى الارض كله، وتسكنه هموم الشعب بأسره، وتربطنا مع افراد الوطن وشائجٌ متينة وأواصر من المحبة الرشيدة المبنية على الحكمة، فقط لاننا ابناء وطن واحد، علينا التجرد من كل صفةٍ اولاً، والتخلية عن كل لقب، والنأي بالنفس عن كل قبيلةٍ وعشيرة ثانياً، والاستعلاء عن كل عصبيةٍ وفئويةٍ وحزبيةٍ”، ونتحد على ألوانه علمه ونقبل به رمزاً لنا وعنواناً يدل علينا، ننسى أمامه خلافاتنا، ونتجاوز به تناقضاتنا، ونكون أمامه صفاً واحداً وجبهةً مشتركة،ایها الاحبة ان ما يشهده العراق ما هو إِلا نموذج من الفساد المستفحل لا يختلف عن ما تشهده مختلف دول المنطقة وقد طفح ذلک فی خلال الانتخابات الاخیرة وما شابها من مغالطات والنخب غير مبالية بالنتائج، منشغلة بهمومها فقط مع وجود الانقسامات و التوقعات والطموحات تلاشى الرؤى والافكار تضمحل وتنصهر في بودق الصراعات الذاتية، اکثر الساسة منشغلون بما تهيؤه الأطراف الدولية المتصارعة على الأرض العراقية من فتن ورؤى تقسيم وارهاب، و الغير قادرون على معالجة الأمور بمفردهم بسبب ثقل الترکات وبسبب الفايروسات المدمرة التي انتشرت في الأرض العراقية وغياب المعالجات الکاملة التي تحافظ علی تراثه وحضارته، وحتى القیادات التي تنتخب فمن المؤکد أنها لا تعمل لأجل العراق بقدر ما تنفذ اوامر الأتجاهات المؤسسة التي انطلق منها.

 

عبد الخالق الفلاح – باحث واعلامی

 

كاظم الموسويما نقلته وكالات الانباء مؤخرا عن صحيفة بولتيكو الامريكية عن اعتراف السناتور الأمريكي جون ماكين في كتاب مذكراته الجديد، بأن حرب العراق كانت خطأ وأنه يتحمل جزءا من اللوم بسبب ارتكابها، يقدم دليلا واثباتا منه لمشاركته في الجريمة التي اقترفت ضد الشعب العراقي والمنطقة. ونقلت الصحيفة عنه، إن "الحرب في العراق التي ناديت من أجل إطلاقها لا يمكن الحكم عليها على أنها أي شيء آخر سوى أنها كانت خطأ، وخطأ خطيرا جدا، ويجب أن أتحمل نصيبي من اللوم عليها". وتابع ماكين في كتابه أنه يدرك أن السبب الرئيس لغزو العراق عام 2003 وهو أسلحة الدمار الشامل لدى صدام حسين "كان خطأ"، مشيرا إلى أنه لم يكن هناك من داع لـ"إزهاق الأرواح والإخلال بالأمن". فهل بعد كل هذا الاعتراف من حاجة إلى إقرار شخصي او رسمي من إدارة ومؤسسات اقترفت جريمة غزو واحتلال وتدمير بلد لم تثبت أية اتهامات عليه، من قبيل الإدارة الأمريكية واجهزتها العسكرية؟!. بل يضيف اعتراف ماكين بالذات دليلا اخر للعديد من الاعترافات المشابهة التي سبقته، سواء من أركان الجريمة، او من أطراف شاركتها فيها وشاهدت الان كارثتها.

وأشارت الصحيفة إلى أن ماكين كان من أشد المتحمسين لغزو العراق حتى بات واضحا لديه أن نية الولايات المتحدة المعلنة بإحلال الديمقراطية "المزعومة" في العراق لم تكن غير واقعية فحسب، بل كانت ستودي بمئات الآلاف من الأرواح(!).

اعتراف جديد عن الجريمة التي مازالت تداعياتها ترن في الرؤوس ودماء الضحايا لم تجف بعد. وياتي الاعتراف الجديد من مسؤول امريكي كما سجلت الصحيفة كان من أشد المتحمسين لارتكاب الجريمة اضافة مؤكدة، رغم أنه لم يكتف بما قام به جيشه من كوارث دموية في العراق والمنطقة وما خطط له البنتاغون وباقي أجهزة ومؤسسات الولايات المتحدة الأمريكية، حيث استمر هو بالذات في تعميم الجريمة وتجسيد المآسي عمليا، واسهم في تنفيذ الخطط الاستعمارية العدوانية، بما فيها تأسيس عصابات الارهاب ومدها بكل ما تحتاجه من أسلحة وخدمات إعلامية وتسهيلات عبور وتجميع واعداد وترهيب، من ضمنها ما سمي اعلاميا " داعش" وامثالها، والصور التي نشرها دليل عليه وشاهد لا يمكنه انكاره. فضلا عن ادعاءاته بحماية الاقليات القومية وتشجيعها على الانفصال وتقسيم البلدان التي ابتليت بغزو جيوشه وحرب إدارته وقرارات كونغرسه.

وقال ماكين الذي يعاني من مرض خطير (سرطان الدماغ): "لقد خرجنا من حرب فيتنام واقتنعت بصراحة أننا قادرون على النصر في حرب العراق وفعلنا ذلك، انتصرنا في حرب العراق بعد اتباع استراتيجية زيادة عدد القوات، وضحيت من أجلها بكل شيء بما في ذلك طموحاتي الرئاسية".

وأشار ماكين في مذكراته إلى معارضته للرئيس الأمريكي دونالد ترامب في كثير من قراراته ومنها تعيين جينا هاسبل لرئاسة وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، التي أثارت عليه تعليقات من موظفي الإدارة. وذكر انه حث زملاءه أعضاء مجلس الشيوخ على رفض ترشيح هاسبل لمنصب مدير وكالة الاستخبارات المركزية بسبب تاريخها وضلوعها في عمليات تعذيب السجناء والمعتقلين.(!). هل هذا الاعتراف صحوة ضمير لرجل مثله وهو يعلم الآن أنه في ظرف صحي خطير؟!، وحتى مرضه وتصريحاته بعد اعلانه اصبحت موضوع اعتراض وجدل، أو استغل في التعليق عنه. واذا كان هذا وحده اثار ما أثار فماذا يقول هو وغيره للضحايا والأيتام والثكالى والخراب والدمار بسبب غزو واحتلال البلدان وما نتج عنهما وشاهده بعينيه، وخاصة دوره في كل ما حصل وعمله في نتائجها.

منها ما قامت به أسرته وأعضاء في الكونغرس من تنديد بتعليقات طالته شخصيا مستغلة إصابته بالسرطان الخطير، وخصوصا تلك الصادرة عن موظفة في البيت الابيض نقلت عنها تقارير القول إن المعارضة التي يبديها ماكين للشخصية التي رشحها الرئيس دونالد ترامب لادارة وكالة سي. آي.إيه "ليست بالأمر المهم" لأنه "سيموت بأي حال". فأثار هذا التعليق ما أثار من تصاعد غضب وسط صفوف الحزبين، الجمهوري والديمقراطي، اذ رفض البيت الابيض تقديم اعتذار أو الاعتراف بأن التعليق الذي نسبته وسائل إعلام أمريكية إلى كيلي سادلر العاملة في فريق الاعلام التابع لترامب صدر في الأساس.

وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد سخر من جهود ماكين في الحرب وصرح خلال حملته الانتخابية "يعجبني الاشخاص الذين لا يتم القبض عليهم". وهو يقصد بقوله هذا لما تعرض له ماكين خلال خدمته في حرب فيتنام من أسر.

انتخب ماكين في مجلس النواب للمرة الأولى عام 1982، وشغل منصب سناتور منذ العام 1987. وترأس لجنة القوات المسلحة النافذة في مجلس الشيوخ، ورشح الى الانتخابات الرئاسية ولم يفلح. وقد أدى وضعه الصحي مؤخرا إلى تراجع دوره في الكونغرس. وصولا الى طلبه او توصيته بعدم مشاركة ترامب في تشييعه. واعتبر طيلة عمله التشريعي من ابرز صقور السياسة الامريكية التي أدت إلى ما حدث من ارتكابات وتجاوزات في العلاقات الدولية والقانون الدولي وميثاق الامم المتحدة. وهو في اعترافه الاخير والجديد يزيد في ملف الاعتراف الذي ينبغي أن يقدم الى المحاكمة القانونية والاخلاقية، هو ومن سبقه من اصحاب القرار السياسي، من الرئيس الأسبق بوش الثاني إلى رئيس الوزراء البريطاني الاسبق طوني بلير وامثالهما، الذين أصدروا الأوامر وقرروا الحرب والعدوان، وحملت رقابهم أرواح الملايين من الضحايا في البلدان التي شنوا عليها غزواتهم وكبدوا أبناءها ما عانوه وما خسروه. ان ثمن ما قرروه كبير، وعليهم وعلى حكوماتهم الإقرار به وتعويض الشعوب ولإعمار ما خرب والإعتذار الاخير عن ما اقترفت أيديهم من جرائم حرب وضد الإنسانية وابادات مسجلة في سجلات التاريخ وعقابه الابدي.

اما ماكين وقد اعترف بالجريمة فهل يكفي أن يحمّل نفسه اللوم وحسب إم ينبغي إن لا يبقى طليقا ويساق الى محاكمة علنية واعتبار اعترافه الدليل عليه؟. ليكون مثالا لكل من أسهم في الجريمة، وكيلا يفلتوا من العقاب وتغيب العدالة وتظل الإنسانية معرضة لحروب وإجرام دول وحكومات، كما هي بلاد جون ماكين.

 

كاظم الموسوي

 

قبل وبعد الانتخابات لم تهدأ موجة الأدعاءات بوجود مخالفات قانونية وعمليات تزوير، الكثير من تلك المزاعم كان موثقاً والكثير منها أيضاً قد تمت فبركته، وقد شاركت في ترويج المزاعم الموثقة والمفبركة القنوات الفضائية والصحافة ووسائل التواصل الاجتماعي.

تعثر العملية السياسية في العراق بما فيها الانتخابات يعود الى هشاشة مؤسسات الدولة وضعف المجتمع المدني، فالمفوضية والقضاء والبرلمان والاعلام مؤسسات هشة مرتهنة للقوى المتنفذة ولا تمتلك الآليات والمصداقية لاستقصاء وفرز الحقائق، مما يفسح المجال لترويج الاشاعات وفوضى اختلاط الحقيقة بالاكاذيب.

اذا كان جوهر الديمقراطية هو حكم القانون -القانون كنسخة لتطلعات الشعب المعبر عنها بتشريعات يسنها البرلمان الذي يفترض ان يكون من اختياره - فان الاشتراط الرئيسي لنجاح الديمقراطية وجود دولة قوية بمؤسساتها لفرض القانون، بجانب مجتمع مدني متماسك لمراقبة الدولة والبرلمان.

لنبدأ بمؤسسات الدولة ونسأل ما هي مقاييس المؤسسة الفعالة؟.

الشروط التي يضعها فوكوياما للمؤسسة الحديثة هي التخصص والاستقلالية النسبية وامتلاكها خطة عمل تستجيب لحاجات المجتمع في مجال تخصصها، على ان تمتلك خططها ديناميكية التفاعل مع متغيرات المرحلة وتطور تلك الحاجات، وأخيراً سهولة التواصل والتنسيق بين المؤسسات التي تتداخل أنشطتها مع بعضها (المفوضية مع القضاء، الصناعة مع التعليم، الاعمار مع الكهرباء وهكذا).

في ظل الدكتاتورية كانت الطغمة الحاكمة تتمتع بسلطة قوية بجانب دولة ذات مؤسسات هشة، لانتفاء استقلاليتها وافتقادها للخطط الثابتة بسبب التدخلات والتشابك الفوضوي بين المؤسسات، فالقائد الحزبي أو المسؤول السياسي أو العسكري بل حتى اصدقاءهم وأقاربهم يمارسون سلطتهم في التدخل بعمل جميع المؤسسات التربوية والصحية والاعلامية والرياضية وغيرها، لتحقيق مآرب شخصية أو حزبية أو لمجرد ارضاء نزوة سلطوية، وبهذا تمددت مخالب السلطة الى جميع المؤسسات لتلتهم الدولة، فلم يعد بمقدور اي مؤسسة انجاز خططها باستقلالية، بل أصبحت اداة لتنفيذ أوامر ونواهي السياسي المتسلط. لا غرابة اذن أن تصبح الموءسسات أوكارا للفساد والنهب، ويكاد يكون الفساد هو الموروث الوحيد الذي بقي من مؤسسات الدولة بعد تدميرها عقب سقوط الدكتاتورية، كما أن السلطة لم تتوزع أفقياً كما هو معروف في الانظمة الديمقراطيه، بل تركزت بأيدي قوى اوليغاركيه متنفذة. ومن هنا تأتي أهمية المجتمع المدني في الحد من سلطة الحكومة والعمل على اعادة توزيع السلطة والثروة والمعرفة، لتمكين المواطن من الدفاع عن حقوقه السياسية والاقتصادية، والمطالبة بتوزيع عادل للثروة وفرص متساوية للوصول الى المعلومة. المقصود بالمجتمع المدني المؤسسات والمجاميع المنظمة والمستقلة عن الدولة (ولا يمنع أن تكون لها صلات معها أو مع الاحزاب) مثل النقابات المهنية والمنظمات النسوية والجمعيات الخيرية والاعلام المستقل والجامعات ومراكز الابحاث ومنظمات حقوق الانسان..الخ. يمكن لتلك الجماعات القيام بنشاطات هامة لدعم وترسيخ العملية الديقراطية نذكر منها:

اولا: بجانب الدفاع عن حقوق من تمثلهم (العامل، الفلاح، المرأة، المحامي.. الخ) تقوم بمراقبة البرلمان للتأكد من تمثيله لطموحات ناخبيه والتاكد من عدم اساءة الدولة للسلطة ، وفي حالة القصور أو الاساءة تنشط في توعية وتحشيد المواطنين لتفعيل قوة الضغط الشعبي بجميع الوسائل القانونية المتاحة.

ثانياً: القيام بنشاطات وبرامج توعية لنشر ودعم قيم وتقاليد الحياة الديمقراطية وتشذيب القيم المنافية لها كالتقاليد القبلية والتعصب الديني والعرقي.

ثالثاً: فضح قضايا الفساد والمفسدين وتأجيج الرأي العام ضد انتهاكات حقوق الانسان والتجاوز على الحريات العامة، وتفعيل الضغط الشعبي على البرلمان والحكومة لصياغة تشريعات وبرامج وخطط عمل من شأنها ضمان الصحة والتعليم والحد من توسع الفجوة الطبقية وتحقيق الرفاه الاقتصادي لجموع الفقراء، فالحرية لا طعم لها مع الفقر، والخبز بلا حرية ذو مذاق مر.

رابعاً: الضغط باتجاه سن قانون عادل للأنتخابات ومراقبة عملية التصويت وما يتخللها من تجاوزات.

خامساً: القيام بمبادرات ثقافية وفنية لرفع مستوى الوعي المدني.

سادساً: إقامة دورات تدريبية لتأهيل قادة يتمتعون بالكفاءة والنزاهة، ودعمهم للترشح في الانتخابات أو لتولي مناصب تنفيذية.

من الواضح ان المجتمع المدني والدولة في العراق يعانيان من اختلالات بنيوية حادة، مما يجعل طريق تحقيق الديمقراطية شاقاً وطويلا، على اي حال فمسار الديمقراطية في اي بلد يمر عبر بناء تراكمي وصيرورة بطيئة.

بالعودة الى الانتخابات الاخيرة، تشير نسبة المقاطعة والعزوف عن التصويت الى ان العملية السياسية في حالة احتضار، وهي بين ايدي الاصلاحيين الوطنيين في غرفة الانعاش لانقاذها من أمراضها الخطيرة. اذا كان الاصلاحيون يمتلكون الارادة والمصداقية فعليهم اولا العمل على استعادة ثقة الشعب بالعملية السياسية، وذلك بالدفع للقيام باجراءات جذرية وسريعة، وعليها أن تثبت ان فرزاً حقيقياً وصراعاً منتجاً سيبدأ بين تياري الاصلاح الوطني من جهة والقوى المفسدة من جهة اخرى، سيكون الشعب وخاصة الفئات المتضررة جزءاً من هذا الصراع حين تعرض أمامه مجريات العملية السياسية بشفافية تامة كأن تعرض المناقشات والتصويت والمناكفات في جميع جلسات البرلمان والحكومة لمعرفة من يقف مع ماذا وضد ماذا. لاعادة الثقة بالعملية السياسية، يمكن البدء بتعديل رواتب وامتيازات اعضاء البرلمان والمسؤولين ووضع ضوابط وآليات في ابرام العقود لحرمانهم تماماً من القومسيونات والكسب غير المشروع، والعمل بحزم ودون مهادنة في محاسبة المفسدين واستعادة الاموال المنهوبة. لتنفيذ برامج طويلة الامد من اجل انعاش الاقتصاد وتوفير الخدمات يجب اعادة هيكلة الموءسسات وتنظيفها من العناصر الفاسدة والانتهازية واقترح البدء بالقضاء ولجنة النزاهة ولجان العقود وغيرها.

 

قصي الصافي

 

علاء اللامي(سيكون العراقيون أهون على الله من بعوض المستنقعات إذا سمحوا لتركيا بتصحير العراق وإزالة الرافدين، دجلة والفرات، من الوجود! .. الراحل هادي العلوي قبل وفاته)

تحقق أخيرا ما كنا حذرنا منه مرارا، وتوقفنا عند بعض تفاصيله في مناسبات عديدة، كانت آخرها ما كتبناه في "الأخبار - العدد 24 كانون الثاني 2018" وها هو العراق يدخل اليوم مرحلة جديدة من تاريخه القديم والحديث، ويلج طورا خطيرا من الكارثة المائية التي حذرنا منها منذ أكثر من ربع قرن. وها هي الصور المرعبة عن جفاف نهر دجلة وانخفاض مناسيب سد الموصل بشكل صاعق تنتشر في الفضاء الإعلامي العالمي. وها هو الوجود الجغرافي العراقي المؤسس، والقائم، والمعتمد على وجود الرافدين العظيمين دجلة والفرات يدخل طور التلاشي والزوال. وها هو العراق الأخضر والألفي عمراً، يتحول أمام انظارنا إلى صحراء قاحلة.

فبعد أن خسر العراق طوال العقود الثلاثة الماضية، أكثر من نصف مياه نهر الفرات، يخسر هذه الأيام كلَّ مياه نهر دجلة ويتحول أمام أعين العراقيين والعالم إلى قاع صفصف ومستنقع طويل فارغ من المياه. إنَّ سبب هذه الكارثة قائم ومعترف به، وهو العدوان التركي العلني، وقطع مياه النهر وتحويلها الى البحيرة الاصطناعية خلف سد أليسو العملاق. كما أنَّ التواطؤ المشفوع بسوء إدارة هذا الملف من قبل الحكومة ووزارتها للموارد المائية واضح وموثق بالأدلة طوال السنوات الماضية. وكمواطن عراقي بسيط، بُحَّ صوته من الصراخ مع قلة من الكتاب والمتخصصين وغير المتخصصين في شؤون هيدروليكا المياه، أكرر طرح هذه المقترحات لمواجهة الكارثة والتقليل من أضرارها والحد من فواجعها كحد أدنى.

وأذكِّر، قبل ذلك، مجددا بتقرير اليونسيف الصادر بتاريخ الذي صادف 22 آذار - مارس2011 ، عشية يوم اليوم العالمي للمياه، والذي حذرتْ فيه هذه الهيئة الدولية من احتمال الزوال الكلي لنهري دجلة والفرات بحدود سنة 2040.

أطرح هذه التصورات والمقترحات الأولية أمام العراقيين، والدولة العراقية التابعة وناقصة الاستقلال، وأمام الرأي العام العراقي والعربي والعالمي، شهادة ومساهمة شخصية في وضع خطة طوارئ لمعالجة كارثة وطنية حقيقية قيد الحدوث. مسجلا في الوقت نفسه، أن النظام السياسي القائم في العراق اليوم، ليس جديرا ولا هو كفوء يعول عليه للقيام بمهمة الدفاع عن الرافدين والتصدي للعدوان التركي الجاري، بل هو كان سببا في مفاقمة الكارثة. ولأن الوقت الآن، لم يعد وقت جدالات فارغة حول اسم وهوية المسؤول عن إشعال النار، وحول أحسن الطرق للاتصال بالمطافئ فيما الدار تحترق، أطرح هذه المقترحات لإجراءات فورية تنفذ على المدى القصير وأخرى على المدى المتوسط وثالثة على المدى الاستراتيجي والبعيد، فعلى المدى الفوري والقصير، ينبغي على أية حكومة وطنية وديموقراطية عراقية، وعلى حكومة تصريف الاعمال الحالية، لحين انتهاء أعمالها، وعلى الحكومة التي ستتشكل لاحقا، القيام بالإجراءات التالية:

1- إعفاء وزير الموارد المالية الحالي د. حسن الجنابي من منصبة، بعد أن ثبت سوء إدارته لهذا الملف، واعتماده لاستراتيجية شحاذين أو متواطئين لا أصحاب حق تاريخي وجغرافي في أنهار العراق. ولأنه يتحمل مسؤولية مباشرة عن تمادي دولة تركيا في عدوانها، بل ولأنه لا يعترف أصلا بوجود هذا العدوان، ويحاول تبريره بكل الأساليب والصور ويطرح حلولا ترقيعية ومشبوهة منها ترويج الدعوة إلى الاستفادة من التجربة الصهيونية في دولة الكيان "إسرائيل" في مجال توفير المياه. إن هذا الإجراء لا يعني تبرئة الحكومة ومؤسسات الدولة جميعا من مسؤوليتها الجسيمة، ولكننا نأخذ بنظر الاعتبار أن الحكومة العراقية الحالية هي حكومة تصريف إعمال ستنتهي مهمتها خلال بضعة أشهر.

2- تكليف شخصية وطنية مستقلة وذات تخصص وكفاءة مشهودة في ميدان هايدروليكا المياه بإدارة الوزارة وفق برنامج طوارئ معلن وجذري وفعال بالتعاون مع الوزرات الأخرى.

3- تشكيل مجلس طوارئ عراقي لإنقاذ الرافدين من السلطات الثلاث التشريعية "مجلس النواب" والتنفيذية " الحكومة" والقضائية "مجلس القضاء الأعلى" والفعاليات المجتمعية العراقية، يتخذ - هذا المجلس - الإجراءات السريعة والعاجلة والكفيلة بمواجهة العدوان التركي وتشرف على تنفيذها.

4- يبادر مجلس الطواري لإنقاذ الرافدين إلى وقف تصدير النفط العراقي إلى الخارج عبر الأراضي التركية فورا ونهائيا، وتفعيل وإعادة تأهيل خطوط تصدير النفط القائمة عبر المملكة السعودية وسوريا واستكمال خط التصدير مزمع الإنشاء عبر الأردن.

5- وقف وإنهاء المشاريع التركية الاقتصادية في العراق فورا ونهائيا، وفي المقدمة ينبغي وقف استيراد البضائع والخدمات التركية وتصفية وإنهاء المشاريع والاتفاقيات الاقتصادية والأمنية ومنها الاتفاقية الأمنية والتي تسمح لتركيا بالتوغل العسكري داخل حدود العراق لمسافة 30 كليو مترا، مع هذه الدولة المعتدية وما تزال نافذة.

6- طرد القوات التركية الموجودة في منطقة "بعشيقة" شمالي العراق فورا من الأراضي العراقي وبجميع الوسائل المتاحة.

7- سحب السفير العراقي من أنقرة وإبعاد السفير التركي ضمن سلسلة من الإجراءات الدبلوماسية المتصاعدة مع تصاعد وتفاقم خطر الكارثة وجفاف نهر دجلة وصولا إلى قطع العلاقات بالكامل والدفاع عن حقوق العراق في أنهاره بكل الوسائل المتاحة.

8- المبادرة الى إطلاق عملية تدويل دبلوماسية وقانونية ومعلوماتية سريعة ومتقنة لهذا الملف، يشرف عليها ويقودها خبراء متخصصون، وتشارك فيها جميع الوزرات العراقية ذات العلاقة، بحسب خطة وطنية مفصلة ومحددة الفقرات والأهداف. وتأخذ خطة تدويل هذا الملف الخاص بمأساة الرافدين طريقين هما:

الأول، هو بدء عملية مقاضاة تركيا في محكمة العدل الدولية، وفي حال رفضت تركيا عملية التحكيم والتقاضي، يأخذ العراق مسار التقاضي من طرف واحد بموجب الاختصاص الاستشاري للمحكمة، وصولا الى عقد جلسة سرية لها والحصول على قرار أو حكم استشاري. ثمَّ يقدم العراق طلبا رسميا لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لاستصدار قرار منه لإزالة الأضرار التي لحقت به نتيجة السياسات المائية للدولتين.

إنَّ أحكام محكمة العدل تشترط، لتكون ملزمة موافقة الطرفين المتقاضيين أمامها على الحكم والقضية. ولكنْ، وحتى على افتراض رفض تركيا الموافقة على التقاضي أمام محكمة العدل الدولية بموجب اختصاص المحكمة الإلزامي، فإنَّ الأمر لا يعتبر منتهيا، إذْ ثمة ما يسمى الاختصاص الاستشاري لمحكمة العدل الدولي، وبموجبه تختص محكمة العدل الدولية - إضافة إلى اختصاصها القضائي - باختصاص استشاري عبر إصدار آراء استشارية حول المسائل القانونية التي تحيلها إليها الهيئات المفوضة بمثل هذه الإحالة بموجب المادة "96" من ميثاق الأمم المتحدة، ومن تلك الهيئات المفوضة الجمعية العامة و مجلس الأمن و الوكالات المتخصصة المرتبطة بها. وبموجب هذا الخيار، وبعد أنْ يرفع العراق دعوى ضد تركيا أو إيران، أو كليهما، تتذاكر المحكمة في جلسة سريّة، ثم تصدر رأيها في جلسة علنية بعد إخطار الأمين العام وممثلي الأمم المتحدة وسائر الدول والمؤسسات الدولية ذات العلاقة المباشرة بالمسألة المطروحة على بساط البحث. ولها أنْ تطلب إلى بعض هذه المراجع المعلومات التي تلزمها في إبداء رأيها. والحقيقة، فلن يكون رأيها أو حكمها ملزماً، إذا لم يرد نص صريح على ذلك، كما يشاهد فعلاً في بعض الاتفاقات الدولية التي تعقدها المراجع المخولة إبداء الرأي إلى المحكمة. هذا من الوجهة القانونية الصرفة، أما من الناحية الأدبية والمعنوية فإنَّ لهذا الرأي دائماً وأبداً وزنه الدولي الذي يفرض، على المرجع الذي استفتى المحكمة، وعلى كل الدول المعنية بالأمر، ضرورة مراعاته.

إضافة إلى ذلك، يسمح النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية، في حال رفضت الدول المدعى عليها الإذعان للحكم أو الرأي الاستشاري، تسمح للطرف المدعي وهو العراق بالتوجه إلى مجلس الأمن الدولي واستصدار قرار منه يزيل الضرر الذي ألحقه به الطرف الرافض لحكم أو رأي محكمة العدل الدولية، وسيكون العراق عندها مزودا بحكم أو رأي استشاري دولي ناجز، يُسَهِّل له مهمته كثيرا، ويضيق الخناق على الطرف المعتدي. هذا بخصوص خيار محكمة العدل الدولية، فماذا بخصوص المحكمة الجنائية الدولية وماذا عن صلاحياتها وشروطها؟

الثاني، هو أن يتخذ العراق الإجراءات اللازمة لوضع خطة عملية مع تفاقم الأزمة واحتمال حصول وفيات بين صفوف العراقيين بسبب جفاف نهر دجلة الكلي أو الجزئي، وخروج حالة التجفيف عن السيطرة لمقاضاة المسؤولين الاتراك في المحكمة الجنائية الدولية. هذا الأمر يوجب على الحكومة العراقية الانضمام بسرعة الى ميثاق روما والمحكمة الجنائية الدولية بالسرعة اللازمة والذي سبق لحكومة علاوي المؤقتة وبأمر من الحاكم المدني الأميركي بول بريمر أن تراجعت عنه.

وبهذا الصدد نقول إن قادرة على محاكمة الأفراد المتهمين بجرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وجرائم الاعتداء، وهي تختلف عن محكمة العدل الدولية لأنها لا تشترط وجود موافقة مسبقة من قبل الطرف المدعى عليه، بل يكفي أنْ ترفع جهة في الدولة المدعية أو محكمة فيها الدعوى إلى المحكمة الجنائية الدولية. ومن الطبيعي أن تدخل جريمة تجفيف نهري دجلة والفرات، وحجز مياههما خلف السدود العملاقة واحتمال انهيار تلك السدود المقامة في منطقة ناشطة زلزاليا وحدوث فيضانات طوفانية مرعبة، ستحول سوريا والعراق ودول الخليج العربي إلى مستنقع شاسع، وما سيترتب على الجفاف أو الفيضانات من أضرار فادحة وإبادة عامة وغير مسبوقة للبشر والحيوان والنبات ضمن باب جرائم الاعتداء التي يتحمل مسؤوليتها الأفراد الحاكمين وأصحاب القرار في الحكومتين التركية والإيرانية.

صحيح أنَّ جريمة الاعتداء الواردة في القانون الأساسي للمحكمة غير واضحة أو محددة، ولهذا، فهي يمكن أنْ تشمل تشكيلة واسعة، كما يبدو، من نماذج الاعتداءات كقطع لمياه عن دول المصب بواسطة السدود الضخمة أو تهديد سلامة الشعوب بفعل ذلك أو بفعل تداعيات إقامة تلك السدود والبحيرات الاصطناعية كانهيارها المفاجئ بفعل الزلازل أو أعمال العنف ما يؤدي حتما إلى إحداث طوفان مدمر يضرب بلدان المنطقة وشعوبها، وعندها سيكون من العدل المطالبة بتقديم الزعماء والقيادات السيادية في الدولة التي تسببت بذلك الى المحكمة الجنائية الدولية.

تعمل هذه المحكمة الجنائية الدولية على إتمام عمل ومهمات الأجهزة القضائية الموجودة، فهي لا تستطيع أنْ تقوم بدورها القضائي ما لم تُبْدِ المحاكم الوطنية رغبتها في ذلك، أو تعلن أنها غير قادرة على التحقيق أو الادعاء ضد تلك القضايا، فهي بذلك تمثل المآل الأخير. فالمسؤولية الأولية تتجه إلى الدول نفسها، كما تقتصر قدرة المحكمة على النظر في الجرائم المرتكبة بعد 1 يوليو/تموز 2002، وهو تاريخ إنشائها، عندما دخل قانون روما للمحكمة الجنائية الدولية حيز التنفيذ. ويشترط الخبير القانوني الدولي "فانسون شيتا" لعمل المحكمة أنْ تستلم طلباً رسمياً، إما من قبل بلد عضو في ميثاق روما، أو من قبل مجلس الأمن الدولي، أو بمبادرة من المدعي العام للمحكمة الذي له الحق في طرح الموضوع أمام المحكمة إذا ما توفرت الشروط اللازمة. النقطة الأخرى التي أثارها الخبير القانوني، تخص الشروط التي يجب توفرها لفتح تحقيق من قبل المدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية وهي ثلاثة شروط:

أولا: توفر دلائل تثبت حدوث الجرائم المراد النظر فيها.

وثانيا: توفر الشروط لتقبل الشكوى والتي تتمثل في خطورة طبيعة الجريمة، وأن القضية ليست مطروحة أمام المحاكم الوطنية.

وثالثا: أنْ تكون المحاكمة في صالح العدالة.

ويعتبر "فانسون شيتا" أن توفر هذه الشروط، هو الذي يسمح للمدعي العام بقبول فتح تحقيق في قضية أمام المحكمة الجنائية الدولية التي وصفها بـ "الانجاز الثوري في طريق العدالة الدولية".

وبمراجعة النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، نتعرف على مفهوم ومصطلح جريمة الإبادة الجماعية، فهي تعني أياً من الأفعال الخمسة المعرَّفة فيها، إذا ارتكب بقصد إهلاك جماعة قومية أو ثنية أو عرقية أو دينية، بصفتها هذه، إهلاكا كلياً أو جزئياً: ونذكر منها الفعلين الثاني والثالث حصرا:

ثانيا: إلحاق ضرر جسدي أو عقلي جسيم بأفراد الجماعة.

ثالثا: إخضاع الجماعة عمداً لأحوال معيشية بقصد إهلاكها الفعلي كلياً أو جزئياً.

ويمكن بكل تأكيد اعتبار جريمة تجفيف دجلة والفرات وتصحير العراق وتدمير الزراعة وإحداث مجاعة أو فيضانات طوفانية فيه بسبب انهيار السدود التي شيدت في مناطق ناشطة زلزاليا ضمن مشمولات البند الثالث والقائل (إخضاع الجماعة عمداً لأحوال معيشية بقصد إهلاكها الفعلي كلياً أو جزئياً). كما يمكن اعتبارها ضمن مشمولات البند العاشر من الأفعال التي يشملها مفهوم ومصطلح "الجرائم ضد الإنسانية" أيضا، ويقول النص الحرفي لهذا البند ( 10- الأفعال اللا إنسانية الأخرى ذات الطابع المماثل التي تتسبب عمداً في معاناة شديدة أو أي آذى خطير يلحق بالجسم أو بالصحة العقلية أو البدنية ). ونعود إلى طرح الاقتراحات:

9- دعوة الأمم المتحدة للمشاركة والإشراف عمليا على مراكز ومحطات لقياس الوارد المائي للرافدين من تركيا ولروافد دجلة من إيران من حيث الكميات والنوعية وتنظيم أرشيف رسمي وموثق بنتائج عمل هذه المحطات يوميا وينبغي أن تقام هذه المحطات على النهرين عند الحدود الدولية للعراق فورا ودون إبطاء.

10- وضع خطط تفصيلية، أولاها عاجلة للمدى القريب وأخرى للمدى المتوسط وثالثة للمدى البعيد لإدارة المتوفر من المياه وصيانة الرافدين وروافدهما ورواضعهما وللبحيرات الأهوار التي تتغذى منهما وبما يؤدي إلى تنفيذ الأهداف التالية:

* تختص الخطة ذات المدى القريب بإعطاء الأولوية لتوفير مياه الشرب.

* وصيانة إصلاح محطات معالجة المياه ونقل بعضها من الرواضع والروافد البعيدة إلى النهر الرئيس.

* ومنع التجاوزات بين المحافظات والمدن العراقية بحسم وردع مرتكبيها. * التثقيف الواسع والكثيف بخطورة الوضع دون مبالغات او إثارة للذعر وتحريض المبادرات الشعبية لتوفير المياه ومنع الهدر وتوضيح الأطراف المتسببة بهذه الأزمة وهما الدولتان الجارتان.

* البدء الفوري بكري مجريي دجلة والفرات والروافد إليهما والرواضع منهما، والبدء أولا بعمود نهر دجلة الأوسط انطلاقا من مركز محافظة بغداد شمالا وجنوبا بخصوص دجلة.

* استيراد معامل تحلية مياه واستعمالها لتوفير مياه الشرب على شط العرب وساحل الخليج العربي قرب الفاو.

* إذا صح ما قاله وزير الموارد المائية الحالي حسن الجنابي، عن إمكانية استخدام مياه بحيرة الثرثار بواسطة مضخات عملاقة لرفد الرصيد المائي العراقي من الخزين الميت فيجب المباشرة باستيراد هذه المضخات. مع أن البعض يقول إن مياه البحيرة عالية الملوحة ولا تصلح للاستعمال البشري والحيواني وفي حال صحت حكاية نسبة الملوحة العالية فهذا يعني أن وزير الموارد المائية العراقية لا يعرف حتى الفرق بين المياه العذبة والمالحة وهذه كارثة أخرى وأقرب الى الكوميديا السوداء.

11- وضع خطة عاجلة لبدء عملية استكمال بناء سد "بخمة" المعطل من قبل قيادة حزب الديموقراطي الكردستاني مسعود البارزاني ووضع ميزانية مالية طارئة له.

12- حسم ملف مشروع منخفض الثرثار وتقرير ما إذا كان قابلا للتحلية أو لا والبحث عن بديل له.

 

علاء اللامي - كاتب عراقي

 

سليم الحسنيمرفوضة كل المشاورات التي يجريها قادة الكتل مع مسؤولين غير عراقيين، والكتلة التي تعقد اجتماعاً مع مسؤول إيراني أو امريكي أو سعودي او كويتي او غير ذلك، فهي تضع نفسها في دائرة الاتهام، ومن حقنا أن نشكك في ولائها الصادق للعراق، ومن حقنا أن نتهمها بأنها ترفع الشعارات الوطنية للتضليل وخداع المواطن.

لقد وضعت الدول الإقليمية وكذلك الولايات المتحدة مصيرها في العراق على نتائج هذه الانتخابات، وعلى التشكيلة الحكومية التي ستفرزها، وهذا ما يجعلها تتسابق للتنسيق مع الكتل الفائزة بالبرلمان من أكبرها الى أصغرها.

ليس هذا المشهد جديداً على العملية السياسية، فقبل كل انتخابات برلمانية وكذلك بعدها، تنشط هذه الدول في الاتصال بقادة الكتل وتسعى للتأثير على تحالفاتها، ومن ثم في التأثير على توجيه أصواتها حول المرشح لرئاسة الوزراء، فهو الموقع الأهم في الدولة.

وقد نجح الضغط الخارجي على طول المسار في تحديد شكل الحكومة وطبيعة التحالفات.

وبحسب معطيات الحاضر فان العامل الخارجي سيكون أكثر حضوراً هذه المرة من التشكيلات السابقة. ويعود ذلك الى أن مرحلة ما بعد فشل مشروع داعش يملي على محور الشر (أمريكا والسعودية وإسرائيل وغيرها) أن تهيمن على الوضع العراقي بشكل مكثف، فهذا المحور يجد نفسه قد تعرض الى خسارة كبيرة بهزيمة داعش، ويعمل على استعادة مواقعه عن طريق معركة الكتلة الأكبر.

في المقابل فأن إيران تجد نفسها معنية بشكل الحكومة القادمة، فهي أسهمت في طرد داعش لتمنع تمدد المشروع الأمريكي السعودي في المنطقة، ولتحول دون وصوله اليها. وعندما نجحت في ذلك فأنها تريد نتائج النصر أن تبقى قائمة في العراق، خصوصاً وأنها حققت نصراً آخر على الأرض السورية، الأمر الذي فرض ولادة معادلة معلنة صريحة في المواجهة بينها وبين محور (واشنطن، الرياض، تل ابيب).

والذي يظهر من خلال التحركات الإقليمية، أن الطريقة التقليدية التي اعتمدتها السعودية قد جرى عليها بعض التعديلات، حيث تمت الاستعانة بالكويت في مهمة التدخل في التشكيلة الحكومة، وذلك لتفادي التحسس الشعبي من السعودية صاحبة القتل المعلن في العراق.

وقد جاء هذا التعديل ناجحاً من خلال حركة الأيام الأخيرة، حيث استطاع ان يجعل بعض القيادات الطامحة بالسلطة الى أن تتفاهم مع السفارة الأميركية، وهو ما ظهرت أولى بوادره مع هادي العامري المصنف إيرانياً.

إن شعارات الخيار الوطني، والحفاظ على استقلالية القرار العراقي في تشكيل الحكومة، لا يمكن الأخذ بها على نحو جاد، ما لم تصدر مواقف علنية رسمية من قادة الكتل السياسية برفض التدخل الخارجي في مشاورات تشكيل الكتلة الأكبر وبتحديد الأسماء صراحة، إضافة الى رفض أي لقاء مع المسؤولين والسفراء الأجانب، وعدم سفرهم الى أي دولة خارج العراق حتى يتم تشكيل الحكومة.

ما يريده المواطن العراقي هو الموقف الصادق من قادة الكتل، بحيث يعلنوا ذلك رسمياً، ويمتنعوا عن اللقاءات السرية مع المسؤولين الأجانب، ومن يفعل ذلك فلا يحق له أن يتحدث بالوطنية واستقلالية القرار.

يريد المواطن العراقي، قياديين يفكرون بالوطن ويقررون من أجل الوطن، ويعملون من أجل المواطن فقط. وعند ذاك سيكون المواطن هو الحكم الذي يمنحهم صفة الوطنية أو يسلبها منهم.

 

سليم الحسني

 

 

عباس علي مرادبعد نهاية الحرب العالمية الثانية، بدأت الولايات المتحدة المنتصر الاكبر في تلك الحرب، مشوارها للسيطرة على العالم واحكام قبضتها عبركافة الوسائل العسكرية (حلف شمالي الاطلسي)، والإقتصادية (منظمة التجارة العالمية)، والمؤسسات المالية مثل البنك الدوالي، وصندوق النقد الدولي، والدبلوماسية عبر المؤسسات الأممية كالأمم المتحدة ومجلس الأمن بسبب عضويتها الدائمة الذي يمنحها حق النقض الفيتو والذي استغلته الولايات المتحدة الى أقصى حد.

من أجل هذا الهدف وضعت الولايات المتحدة الخطط الاستراتيجية البعيدة المدى، وكانت تغير التكتيك بما يتناسب المواقف التي تخدم الهدف الأستراتيجي.

بدأت في أوروبا من خلال مشروع مارشال لإعمار ما خلفته الحرب، وكانت أول عملية ربط للقارة العجوز المثقلة الجراح ووضعها تحت الجناح الاميركي، حيث نشطت حركة المصانع الاميركية والتي أعطت الإقتصاد الاميركي قوة دفع كبيرة، ادت الى إزدهار أقتصادي يعتبر ألأهم بعد ألأزمة الأقتصادية العالمية في أواخر عشرينات وأوائل ثلاثينات القرن العشرين.

لم تنتظر الولايات المتحدة وحلفاءها طويلاً وأعلنت الحرب الباردة مع الاتحاد السوفياتي الشريك في الانتصار على دول المحور وهزيمة النازية، الذي كان يحاول لملمة الجراح التي خلفتها الحرب، ليدخل في سباق تسلح فُرض عليه من ما أصبح يعرف سياسياً بالغرب، فاضطر السوفيات الى تشكيل حلف وارسو في شرق أوروبا لمواجهة حلف الأطلسي.

توسعت المواجهة بين الغرب والشرق، وقد قام الاتحاد السوفياتي بدعم حركات التحرر في أسيا وأفريقيا، من أجل القضاء الى الاستعمار الغربي، وإقامة حكومات وطنية في تلك البلدان، لم تستسغ الولايات المتحدة الدور الذي يلعبه الاتحاد السوفياتي، فبدأت بالتصدي للسوفيات ونشطت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي أي أية) حول العالم لتقود ثورات مضادة وانقلابات عسكرية، كما حصل في إيران ضد حكومة مصدق المنتخبة ديمقراطياً عام 1953 بالتعاون مع المخابرات البريطانية، وقد اعترفت المخابرات الأمريكية بمسؤوليتها عن الانقلاب عام 2013.

وكانت الولايات المتحدة قد دخلت قبل ذلك الحرب الكورية عام 1950، وتلاها تدخل الولايات المتحد في حرب فيتنام التي ورثتها من فرنسا، متحالفة مع كوريا الجنوبية بالاضافة الى أستراليا وتايلندا ونيوزيلندا والفلبين. وكرت سبحة التدخلات الأميركية خصوصاً في ما سمته الولايات المتحدة الاميركية الحديقة الخلفية لها في أميركا الجنوبية، حيث قامت بانقلابات عسكرية في التشيلي عام 1973 ضد سلفادور اليندي، وانقلاب الارجنتين عام 1976 والذي قاده خورخه رافائيل فيديلا ضد رئيسة الجمهورية إيزابيل بيرون، وفي عام 1989 قامت الولايات المتحدة بغزو بنما.

وفي افريقيا احتدم الصراع بين قوى التحرر المدعومة من السوفيات، والقوى الاخرى المدعومة من الولايات المتحدة فكانت حرب انغولا وروديسيا وغيرها من الدول الافريقية.

جاء انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991 ليشكل نقطة تحول تاريخية استراتيجية بالنسبة للولايات المتحدة الاميركية، التي تحولت الى القطب الاوحد والاقوى عسكرياً وإقتصادياً ومالياً، فشنت الحرب على يوغسلافيا، وبعد ذلك كانت حرب الخليج الاولى واخراج العراق من الكويت، وفرضت الولايات وحلفائها أجندتها في الحربين وبعدها أعلن جورج بوش الأب ولادة النطام العالمي الجديد. وجاءت أحداث 11/9/2001 والهجمة على نيويورك لتعطي مبررات للولايات المتحدة لغزو كل من افغانستان ومن ثم العراق عام 2003.

بعد غزو العراق كان العدوان الاسرائيلي على لبنان عام 2006، والذي دعمته الولايات المتحدة عندما أعلنت كونداليزا رايس عن إقامة الشرق الاوسط الجديد حسب التصور الاميركي، والذي فشل بسسب صمود المقاومة في لبنان وافشال المشروع الذي عاد الى الظهور بقوة من خلال ثورات ما عرف بالربيع العربي وفق مبدأ الفوضى الخلاقة الذي تبنته الولايات المتحدة، مستفيدة من فائض القوة حيث زرعت الفوضى والدمار في ليبيا والعراق واليمن وسوريا، الى ان دخلت روسيا وبقوة الى المنطقة بالتحالف مع إيران لدعم نظام الرئيس بشار ألأسد وحالت دون سقوط سوريا بيد تنظيم الدولة الاسلامية (داعش)، المدعوم من حلفاء الولايات المتحدة تركيا، قطر، الامارات العربية المتحدة، والاردن، السعودية وأسرائيل.

ويعدد سمير أمين العوامل التي تلاقت واسست للهجمة الغربية :"طويت هذه الصفحة من التاريخ. علما بأن الانقلاب فى موازين القوى الذى ألغى التعددية السياسية فى النظام العالمى لم يكن ناتج انهيار الاتحاد السوفياتى فحسب، بل أيضاً ناتج التحول فى الصين بعد وفاة "ماو"، وكذلك ناتج فقدان زخم مشروعات التنمية الوطنية الشعبية (او الشعبوية) فى دول عدم الانحياز.

فتلاقت هذه العوامل الثلاثة، وفتحت السبيل لهجوم الكتلة الامبريالية خلف شعار "العولمة" وفرض وصفة الليبرالية الفجة على جميع اطراف المنظومة العالمية. الحوار المتمدن عدد 4796 تاريخ 6/4/ 2015.

جاءت الأزمة الاقتصادية والمالية العالمية عام 2008 و2009 لتشكل ضربة للإقتصاد الاميركي، الذي ترك تداعيات خطيرة على الاقتصاد العالمي، لكن الولايات المتحدة التي انسحبت من العراق في عهد باراك اوباما بسبب الكلفة المادية والبشرية، تعود في عهد دونالد ترامب لتفتح عدة جبهات، وكان اول الغيث انسحاب الولايات المتحدة من اتفاقية باريس للتغييرات المناخية، ومن ثم الانسحاب بعض الاتفاقيات التجارية الدولية التي وقعتها إدارة اوباما، ونقل السفارة الاميركية في أسرائيل الى القدس، والانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران، ولعبة القطة والفئر مع كوريا الشمالية، واعلان حرب التعريفات الجمركية مع الاوروبيين والصين وكندا والمكسيك، والتي تنذر بحرب أقتصادية بسبب اعتقاد دونالد ترامب ان الولايات المتحدة تتساهل مع باقي الدول على حساب الشعب الاميركي الذي يجب ان تكون له الاولوية رافعاً شعار أميركا أولاً واميركا القوية.

وفي هذا السياق يأتي أيضاً ارتفاع نسبة التوتر في بحر الصين الجنوبي بين الولايات المتحدة وحالفائها، على خلفية الجزر المتنازع عليه في المنطقة، التي تعتبر شريان أساسي لحركة التجارة في جنوب شرق أسيا، والتي تتخذها واشنطن ذريعة للحد من التوسع الصيني واحتواء الصين التي بدأت بلعب دور أكبر من السابق على الساحة الدولية تتناسب مع قوتها الاقتصادية وهو ما تتخوف منه واشنطن .

وعلى الجبهة الداخلية، بدأ ترامب تسييس الظواهر العنصرية من خلال التلاعب بالعقول والتحايل على الحقيقة، ولا يختلف الامر كثيراً في أوروبا، التي بدأت تنتهج سياسية تفوح منها العنصرية ضد اللاجئين والذين تسببت بهجرتهم حروب أوروبا والولايات المتحدة وحلفاءهم الاقليميين على ليبيا وسوريا والعراق واليمن .

لم تقتصر الازمة التي تواجه المنظومة الغربية على الولايات المتحدة الاميركية، بل ضربت الاتحاد الاوروبي، فكانت الازمة المالية اليونانية او أزمة الدين الحكومي اليوناني عام 2010 التي أوصلت البلاد الى عتبة الافلاس، ولم يكن خروج بيريطانيا من الاتحاد الاوربي عام 2016 دليل عافية، وصولاً الى الازمة التي تعيشها إيطاليا اليوم والتي تشكل ثالث أكبر اقتصاد في الاتحاد الاوروبي.

بهذا الخصوص يتساءل الخبير في العلاقات الدولية من سنغافورة كيشور ماهباباني في كتابه،

هل خسر الغرب؟ ويعترف ماهباباني بأن الغرب ربح أولاً ولكنه الان يخسرHas the west lost it?

ويدعو الغرب الى التكيف مع الواقع الجديد، خصوصاً ان الاخرين ادركوا أهمية العلوم والتكنولوجيا والعديد من الدول تستفيد من ذلك". ويدعو الكاتب في صحيفة فايننشل ريفيو الاسترالية 1/6/2018 مارتن ولف الغرب والولايات المتحدة بشكل خاص الى المزيد من التعاون والاقلال من التدخل، لانها لا تستطيع إدارة العالم، ويجب وقف التصرفات المتعجرفة، مضيفاً من الصعب تجاهل النصيحة من صديق يعرف الغرب جيداً.

ويعدد ولف قضايا وتحديات تواجه العالم، كالتغييرات المناخية والحاجة الماسة الى التعاون السلمي في عالم يتغير بسرعة، ويختم متسائلاً هل يمكن ان نرتقي الى مستوى التحدي قائلاً لقد قطعنا شوطاً طويلاً، ويمكننا أن نتقدم اكثر من ذلك، لكن هذا الامر لن يحدث بصورة تلقائية وقد لا يحدث مطلقاً، ويتساءل مجدداً هل يمكن للعالم ان يرتقي الى مستوى التحدي؟ مجيباً بسلبية لا.

وفي كلام مشابه عن الأزمة الغربية يقول سمير أمين : "إذ يجب ان ندرك ان انجازات ديمقراطية فى غياب اصلاح اجتماعى ملازم لها لن تتحقق.

لقد اثبتت التجربة مدى فراغ ممارسة "انتخابات"، فى ظل استمرار تدهور الاحوال الاجتماعية بالنسبة الى الاغلبيات الشعبية.

وينطبق هذا الحكم على الجميع، بما فيهم الشعوب الاوروبية، وذلك بالرغم من رسوخ ممارسة الديموقراطية الانتخابية فى عمق ضمير الجمهور فى الغرب. لكن هاهى الانتخابات فى اوروبا المعاصرة تسير فى سبيل فقدان شرعيتها حيث أنه _ مهما كانت نتائجها _ فان البرلمان المنتخب يجد نفسه مجردا من حرية القرار، المتروك "للسوق" طبقاً لمبدأ الليبرالية المعمول به. وأنا اعتبر ان تاكل مصداقية ومشروعية الانتخابات فى هذا الاطار يمثل بالفعل خطرا على مستقبل الديموقراطية نفسها".

 

عباس علي مراد - سدني

 

 

في السياسة العراقية الحالية يتحكم في المشهد السياسي عدد من القادة السياسيين من قادة الاحزاب والحركات السياسية ورؤساء الكتل والكيانات السياسية واعضاء مجلس النواب والوزراء وكبار المسؤولين .ما يجمعهم جميعا هو حضورهم في المشهد السياسي بعد العام 2003، ومنذ ذلك العام اصبحت هناك مجموعة من كبار السياسيين وهم المتحكمون بما يجري في البلد وتتبعهم طبقة اخرى بشكل خط ثاني ثم خط ثالث وهكذا حسب درجة تأثيرهم وامكانياتهم، ويتجاذبون المواقف السياسية التي تحرك الاحداث فيه، وبغض النظر عن شكل العلاقات بينهم والتي تظهر على الواجهة او في وسائل الاعلام على شكل خصومات ومنافسات وتشهير ومضاربات وتهديدات، أو صداقات وعزايم وعلاقات ومصالح، فهناك حد ادنى من التفاهمات، لكن من المؤكد ليس كل ما يدور بينهم او يحاك في السر هو ما يظهر للجمهور، وهناك من الاسرار الكثير مما يدور تحت الطاولة ولا يستطيعون كشفه وهو ديدن السياسة في كل العالم . يتميز هؤلاء بعدد من المميزات الشخصية والنفسية والاجتماعية والاقتصادية والتربوية والاعلامية، فكل منهم له طبيعة شخصية ينفرد بها، وقد يكون له كاريزما، وله طبيعة اجتماعية حسب وضعه الاجتماعي الذي انحدر منه . واصبحت له طبيعة او صورة اعلامية يتميز بها كل منهم بحكم ظهورهم المتكرر في الاعلام، وله كلمات وعبارات خاصة به، وطريقة تعبير اعتادها في مخاطبة الناس وفي التعامل مع وسائل الاعلام، وطريقة خاصة به في التصريحات السياسية وبشكل عام ومن خلال مراقبتي للمشهد السياسي والشخصيات التي تظهر فيه، استطيع ان اضع الملاحظات التالية بخصوصهم ووفقا للصفات التي يتميزون بها :

1- القائد السياسي الديني: وهو أعلى واقوى السياسيين من ناحية التحكم في جمهوره، فهو سياسي يظهر غالبا بثوب رجل الدين، وله اتباع بصفته الدينية او له ارث ديني عائلي كبير، ويتحكم بمجموعات كبيرة من البشر بحكم الخطاب الديني او التبعية الدينية او العائلية له من قبل اتباعه، وغالبا هو المتحكم بالبرنامج السياسي لاتباعه ويقودهم بشكل مطلق وهم يتبعونه عن قناعة وتقديس، ومن الصعب الاعتراض على أرائه او قرارته بحكم تقديسهم له ولعائلته .ليس من المعتاد ان يرشح هؤلاء القادة بأنفسهم للانتخابات ولكن لديهم قوائمهم التي يرعونها ويمتلكون السيطرة التامة على اتباعهم. ليس شرطا أن يظهر هذا القائد بشكل صريح كسياسي فقد يكون موجودا خلف الكواليس بصفته الدينية ويوجه اتباعه عن بعد، او من خلال الخطب والاجابات عن استفساراتهم.

2- القائد السياسي الملياردير: هذا القائد يمتلك مليارات الدولارات، كسبها بطريقة او اخرى وغالبا من خلال الفساد او الفرص المتاحة بعد 2003، ولديه فضائية وصحيفة ولديه مصالح اقتصادية ولديه اتباع يعتمدون في حياتهم على ما يوفره لهم من وظائف او عطايا وهم تابعون مخلصون له . وجوده في العملية السياسية يوفر غطاء ونفوذ وحماية له ولمصالحه ولاتباعه. وبشكل عام هو غير مشغول بالمشروع السياسي بقدر أنشغاله بالمال والمصالح.

3- القائد السياسي الحزبي: وهو قائد دخل العملية السياسية من خلال حزبه، واصبح لديه من خلال المناصب التي استلمها نفوذ ومال ومصالح، ويتحكم باتباع حزبه من خلال ذلك ولكنه يبقى في تنافس مع بقية قادة حزبه وله اتباع يستطيع استقطابهم معه اذا اصطدم بمنافسيه داخل الحزب، وبما أنه يمتلك نفوذ ومال وعلاقات غالبا ما ينشق ليشكل حزبا اخر، اذا ما وجد من يحاول سلب القيادة الحزبية منه، فالقيادة وبرستيجها هو ما يهمه، والحزب الآخر سيكون بعنوان اخر قريب للاول بالاسم والاهداف والتوجهات .

4- القائد الحزبي السفير: وهو الممثل لدولة اخرى في العملية السياسية العراقية وهذا قائد يرتبط مع دولة عظمى او اقليمية او اجنبية بحكم كونه مواطنا لهذه الدولة، بسبب حصوله على جنسيتها لأنه عاش فيها فترة معينة او انه لديه علاقات معها قبل عام 2003 وغالبا ترعاه هذه الدولة وتقدم له الدعم السياسي والمالي والأمني، ومن اولوياته المحافظة على علاقته بهذه الدولة ومصالح هذه الدولة في العراق، ووجوده في العملية السياسية شكل من اشكال الدبلوماسية للدول الاخرى للمحافظة على مصالحها.

5- القائد السياسي شيخ العشيرة: وهو يمثل عشيرته ومنتخب من قبل ابنائها ويمثل مصالحه ومصالحهم في العملية السياسية ودوائر الدولة ويتعامل في القضايا السياسية بمنطق العشيرة.

6- السياسي المكمل للعدد: هناك سياسيون موجودون في العملية السياسية فقط لاقناع الجمهور بأن هناك عملية سياسية ديمقراطية، ويمكن للجميع المشاركة فيها، وجاء للعملية السياسية مع قائمة اخرى لأعطائها مظهرا لا فئويا ولا طائفيا وهو يحصل على الامتيازات بحكم ذلك وهو مدعوم من هذه الجهة القوية وتشكل له الغطاء الامني والمالي على ان يبقى يدعمها بصوته في بعض المناسبات التي تحتاج فيها الى صوته.

7- السياسي عديم اللون والطعم والرائحة: وهو سياسي جاء عن طريق الصدفة وغالبا مستقل ووجوده ديكور ولغرض الحصول على المنافع الشخصية وعمله هو ان (لايهش ولا ينش) كما يقول المصريون.

8- السياسي الكوتا: هذا السياسي جاء الى العملية السياسية بواسطة الكوتا للاقليات او كوتا النساء وأغلبهم لم يسمع لهم صوت او رأي ويسيطر عليهم الخمول وفقط واجبهم الحضور واستلام المنافع.

9- السياسي المهرج: وهو سياسي جاء بواسطة حزب او صدفة او كوتا ولا يعرف بالسياسة شيئا ووجد نفسه في خضم السياسة ويريد أن تسلط عليه الاضواء ويتعرف عليه الجمهور للمحافظة على مركزه، ويعتقد بأنه عن طريق التهريج في وسائل الاعلام او المنابر السياسية سيكسب شعبية تضمن له البقاء في الدورات اللاحقة وغالبا ما يختار مواضيع سخيفة ومثيرة للرأي العام ليطرحها ويثير حولها زوبعة لأرضاء ما في نفسه.

10- السياسي النرجسي: هذا السياسي جاء باحدى الطرق الى العملية السياسية وانتخب في المجلس وهو بطبعه نرجسي وزاده المنصب والامتيازات والمظاهر نرجسية، وهؤلاء كثيرون لان اغلب المتصدين للعمل السياسي يتميزون بشكل من النرجسية وطبيعة السياسة ومظاهرها تجتذب الشخصيات النرجسية.

12- السياسي الملتزم: هؤلاء سياسيون حزبيون او مستقلون ويريدون الاصلاح ولكن بسبب طبيعة العمل السياسي في الوضع الحالي الذي لا يحتمل الرأي الفردي دون استشارة جماعته فمن الصعوبة أن يفرض رؤيته على حزبه او كتلته ولكنه افضل من غيره.

 

د.احمد مغير طبيب اختصاص وباحث

 

ابراهيم أبراشاستطرادا لمقالنا السابق (خلافة الرئيس أبو مازن بين القانون والسياسة) يمكننا القول بأن النظام السياسي الفلسطيني يعيش أزمة بنيوية ووظيفة تتجاوز شخص الرئيس، منها ما هو مرتبط بوطأة ثقل المتغيرات الخارجية من حولنا ومنها ما له علاقة بخلل في الإدارة والتخطيط عند الطبقة السياسية أو القيادات المتحكمة بمفاصل الحياة السياسية، الأمر الذي يحتاج لحلول إبداعية .

استمرار الطبقة السياسية والأحزاب بالحديث عن التمسك بالثوابت وعدم الخضوع للسياسة الامريكية والإسرائيلية ورفض الانقسام والدعوة للمصالحة لا يكفي، كما أن التمسك بالقانون فقط وبحرفيته دون اجتهاد، القانون الدولي أو القانون الوطني، لا يكفي وخصوصا إذ ما تغير الواقع عن زمن وضع القانون، وهذا لا يعني التخلي عن الثوابت والمرجعيات الوطنية ولا التخلي عن الشرعية الدولية والقانونية، بل التعامل بعقلية منفتحة وإستراتيجية شمولية توظف وتعتمد على المرجعيات القانونية التي لا تسقط تلقائيا بالتقادم، وفي نفس الوقت تنفتح على مسالك نضالية جديدة مرتبطة بالتحولات الداخلية والإقليمية والدولية.

الأزمة المركبة للنظام السياسي تجعله أعجز من أن يواجه المخاطر التي تهدد القضية الوطنية وخصوصا صفقة القرن، وإن استمرت مكونات النظام السياسي غارقة بحوارات المصالحة العبثية حول الرواتب والموظفين ومشاكل غزة الاقتصادية وهي الحوارات المستمرة منذ 2009 وخلال هذه السنوات تعمق الانقسام وتعزز وتزايد الاستيطان الخ، كل ذلك سيعمق من أزمة النظام ويزيده ضعفا في مواجهة التحديات سواء الخارجية أو الداخلية، الأمر الذي يتطلب خطة انقاذ عاجلة ذات بُعد استراتيجي .

كنا نتمنى أن تكون خطة الانقاذ الوطني من خلال التحرر من نهج التسوية السياسية واتفاقية أوسلو والعودة لحالة التحرر الوطني، ولكن يبدو أن الطبقة السياسية الحاكمة في غزة والضفة غير مؤهلة و غير راغبة في العودة لحالة التحرر الوطني، وهذا ما تجلي من خلال مخرجات الدورة الثالثة والعشرين للمجلس الوطني الفلسطيني، أيضا تراجع حركة حماس عن خيار المقاومة المسلحة واعتمادها المقاومة السلمية وتمسكها بالهدنة مع إسرائيل .

في ظل هكذا أوضاع وفي إطار إنقاذ ما يمكن انقاذه من النظام السياسي الفلسطيني ليستطيع مواجهة صفقة القرن نقترح ما يلي :

1- إعلان حالة الطوارئ .

2- تشكيل حكومة طوارئ لتسيير الأمور إلى حين إجراء الانتخابات.

3- تحديد موعد للانتخابات الرئاسية والتشريعية وللمجلس الوطني بتوافق فلسطيني وعربي ودولي وفي أجل لا يتجاوز ثلاثة أشهر مثلا .

4- الطلب من جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي والأمم المتحدة تشكيل طواقم للإشراف على عملية الانتخابات .

5- أن يعين الرئيس بصفته رئيسا للسلطة الوطنية نائبا مؤقتا له لحين اجراء انتخابات .وأن يقول البعض إن القانون الأساسي لا ينص على وجود نائب لرئيس السلطة فإن الرد هو أن كل ما هو قائم من أوضاع ومؤسسات سياسية مطعون في دستوريتها وشرعيتها والحالة الفلسطينية تعيش وضعا استثنائيا بل حالة طوارئ، كما هناك سابقة التمديد للرئيس أبو مازن بعد انتهاء فترة ولايته بقرار من المجلس المركزي باعتباره صاحب الولاية على السلطة ومؤسسها، واستمرار عمل المجلس التشريعي بالرغم من انتهاء مدة ولايته !.

6- يتم الاتفاق قبل إجراء الانتخابات على أن يشكل الحزب الفائز في الانتخابات حكومة ائتلافية أو حكومة وحدة وطنية .

7- يكون القانون الأساسي الفلسطيني مرجعية عمل الحكومة، وتكون منظمة التحرير الفلسطينية الموسعة المرجعية الكبرى أو الأعلى للحكومة والسلطة .

8- ضرورة ادخال تعديلات على القانون الأساس الفلسطيني أو وضع دستور جديد يأخذ بعين الاعتبار المستجدات التي طرأت ومنها الاعتراف الدولي بفلسطين دولة تحت الاحتلال، وخصوصية الوضع في قطاع غزة، ونعتقد أن اعتبار فلسطين دولة اتحادية سيساعد على التعامل مع الوضع الخاص في غزة المرتبط بخروج الجيش الإسرائيلي من داخلها والفصل الجغرافي بينها وبين الضفة، بما يحافظ على استمرار القطاع جزء من السلطة الوطنية والدولة الفلسطينية بمرجعيتها الرسمية والشرعية، وهو الأمر الذي سيقطع الطريق على أي مخططات لفصل القطاع عن بقية أراضي دولة فلسطين .

منذ سنوات ونحن نتحفظ على آلية الانتخابات كحل لأزمة النظام السياسي الفلسطيني لأسباب كتبنا عنها كثيرا وأهمها صعوبة إقامة نظام سياسي ديمقراطي في ظل الاحتلال وإننا في مرحلة تحرر وطني وهذه تتطلب الوحدة في مواجهة الاحتلال وليس الصراع على المناصب، وكنا نفضل التوافق بديلا عن الانتخابات . ولكن وبعد فشل كل جهود المصالحة وصعوبة التوافق وخصوصا بين حركتي فتح وحماس، ومع تزايد سيطرة نخب مستفيدة من الانقسام وغير راغبة في حدوث توافق وطني وتتهرب في نفس الوقت من انتخابات تكشف حجمها الحقيقي، فلا مخرج من أزمة النظام السياسي إلا بالانتخابات حتى وإن كانت تحت إشراف عربي ودولي أو مفروضة منهما .

الانتخابات نجحت نسبيا في الحالتين اللبنانية والعراقية اللتان لا تقلان تعقيدا عن حالة فلسطين، كما نجحت في تونس وتنجح في العديد من دول العالم الثالث بما فيها دول إفريقية، صحيح أن الحالة الفلسطينية مختلفة من حيث إن الشعب الفلسطيني يعيش في ظل الاحتلال وهو ما يتعارض مع تأسيس نظام سياسي ديمقراطي، ولكن أيضا لا يمكن توظيف وجود الاحتلال كذريعة لاستمرار الانقسام واستمرار تسيِّد طبقة سياسية إلى مالا نهاية .

 

د. إبراهيم أبراش

 

ماجد احمد الزامليعملية الهيمنة، والتي قد تكون هي نفسها أحد النتائج الفرعية لعملية العولمة في مرحلة تطورها الراهن، فقد أفرزت موازين للقوة غذَّت طموح ونهم الولايات المتحدة الأمريكية في السيطرة على العالم. فهناك فجوة كبيرة بين حجم ونوع ما تملكه من وسائل القوة، بمعناها الشامل، وما تملكه القوى الأخرى المتنافسة على قمة النظام الدولي كالاتحاد الأوروبي وروسيا الاتحادية والصين، وربما اليابان أيضا. وتحاول الولايات المتحدة استخدام هذه الفجوة لتسخير قوى وآليات عملية العولمة لصالحها وعلى النحو الذي يمكنها من السيطرة على النظام الدولي مستفيدة من حالة الارتباك والفوضى التي تميز المؤسسات الدولية في الوقت الراهن. وفي هذا السياق تروج الولايات المتحدة لمبدأ "التدخل الإنساني" وتتوسع في تفسير مفهومه، لكنها تخلط عمدا بين إرادتها هي وبين إرادة المجتمع الدولي معتبرة أن إرادتها الخاصة تعبر بالضرورة عن إرادة الشرعية الدولية. ويصب هذا الوضع في اتجاه إضعاف المؤسسات الدولية وطمس شفافيتها ودعم النزعات الفاشية والإرهابية. لقد شكل مبدأ السيادة الإطار العام والمبدأ الأساس الذي تتفرع عنه باقي المبادئ القانونية الحاكمة للدولة وعلاقاتها مع أشخاص القانون الدولي الأخرى، فمنذ عهد "واست فاليا"سنة 1648" والذي انبثق عنه مبدأ عدم التدخل، والذي أكده ميثاق الأمم المتحدة طبقًا للمادة2/7 والمادة2/4، وأكده أيضًا القرار الأممي رقم 2131 الصادر عن الجمعية العامة والمتضمن عدم جواز التدخل في الشؤون الداخلية للدول وحماية استقلالها وسيادتها، إلا أنه في حالة الانتهاكات الجسيمة والخطيرة لحقوق الإنسان يقع على عاتق المجتمع الدولي حسب البعض واجب التدخل لاعتبارات إنسانية، غير أن جانب من الفقه يرى بأن التدخل الإنساني مجرد غطاء من أجل السيطرة المستمرة على الدول الضعيفة أو ما اصطلح عليها الفكر الغربي بالدول الفاشلة، وهو ما يدخل ضمن إستراتيجية فرض العولمة ودمقرطة الأنظمة العربية وفق النظرة الغربية. إن القيمة الكبرى التي تجلت في اتفاقية وستفاليا هي إلغاء فكرة الغزو، التي كانت شرعية ومعترف بها في العالم أجمع، هذه الفكرة هي التي حالت دون نشوء نظام عالمي، ومن حينها أصبحت فكرة النظام من المفاهيم الأساسية التي يقوم عليها علم العلاقات الدولية والتي تهدف إلى اكتشاف أنماط التفاعل في السياسة الدولية. أن أوروبا هيمنت على سائر القارات في العالم بعد توقيع اتفاقية ويستفاليا 1648 م وتوابعها، وبرزت الدولة القومية كفاعل وحيد على المسرح الدولي، حيث ألغيت فكرة الحرب والغزو والإلحاق داخل القارة، واستمرت شرعيتها وأدواتها خارج القارة، فيما يعرف بحركة الاستعمار الأوروبي، ما أدى إلى تراكم هائل للثروة والموارد لدى النظام العالمي في تلك الفترة. ومع انحسار الاستعمار وتحرر العديد من الدول ذات السيادة واتساع التنظيم الدولي ليشمل كل الكوكب، طور النظام العالمي من أدواته وفواعله العالمية كالشركات العابرة للحدود والمنظمات العالمية والمؤسسات الدولية للحفاظ على هيمنته وسيطرته، ما أدى إلى تراجع أهمية الدولة كفاعل وحيد لحساب الفواعل العالمية الأخرى.

وتؤكد الدراسات السياسية إن قيام النظام العالمي لم يكن ممكنا أن يتم، إلا بوجود توازن معين بين دول أو مجموعة من الدول، لها من المقومات وعناصر القوة ما يؤهلها لأن تفرض الاعتراف بها والتعامل معها كطرف قائم بذاته ويكون كفؤ للآخرين . فهو في الأخير تعبير عن حالات من التوازنات المعقدة التي تحصل في حقول متعددة، كالقوة العسكرية أو الاقتصادية أو التكنولوجية أو الإعلامية أو الثقافية أو الديمغرافية، أو الموقع الجيوسياسي أو الوضع السياسي الداخلي…الخ، وكلما أحرز بلد ما الريادة في ميدان أو أكثر من هذه الميادين، فإنه سيعتبر نفسه أصبح من حقه أن يشارك في صناعة القرار على الصعيد العالمي، وأن يسمع رأيه في المحافل الدولية ويفرض وجهة نظره، وإن اقتضى الأمر تمرد على النظام العالمي القائم وسعى إلى تقويضه. و أهم ما يواجه الدارس للنظام العالمي وتحولاته هو تعريف المصطلح وتحديد المفهوم، فالدراسات الجادة والرصينة تبدأ بتحديد المفاهيم وتعريف المصطلحات ، فالمصطلحات المتداولة في أدبيات العلاقات الدولية كالنظام العالمي والتنظيم العالمي، تسودها الضبابية والتشابك، ويعود ذلك إلي القدر الواسع في الاختلاف والتباين في الآراء بين الدارسين والباحثين في مجال العلاقات الدولية. فالنظام العالمي هو حالة توازن بين الدول، وليس بين الأفراد أو بين جماعات ما قبل الدولة، وبالتالي فلم يكن ممكنا أن يقوم النظام العالمي الحديث إلا بعد انبعاث القوميات وانتظامها في دول ذات سيادة. ما يؤكد أن اللبنة الأولى في بناء النظام العالمي هي مفهوم السيادة نفسه، إذ هو يمثل الاعتراف (بمواطنة) الجماعة القومية أو الجغرافية في النادي العالمي للدول. وعلى الرغم من أن الدولة ما زالت هي الأكثر أهمية في الوحدات المكونة للنظام العالمي، وفي تحليل العلاقات الدولية، إلا أننا نؤكد على أهمية "بروز أشكال جديدة من الفواعل الدولية، كالشركات والمؤسسات والمنظمات التي تنافس الدولة وتعمل على تقويض سيادتها". كما يعتمد النظام العالمي علي تمثيل الدول والمؤسسات تبعا لأوزانها النسبية، ولا يعتمد مبدأ المساواة والعدالة بين الدول، وهذا بالطبع يعطي الدول الكبيرة والقوية النفوذ الكافي في العالم وإمكانية التأثير في القرارات العالمية. " وقد أدت تحولات ومتغيرات النظام العالمي إلى بروز فواعل أخرى منافسة للدولة داخل نظام عالمي أوسع من نظام الدول، ووجهت انتقادات شديدة للأفكار الأساسية عن النظام العالمي، فالنظام العالمي ينظر إليه بوصفه نظاما من التفاعلات التي يلعب فيها فاعلون آخرون، من غير الدول، أدوارا مهمة حول موضوعات سياسية واقتصادية جديدة، تخلق عمليات جديدة في النظام تتجه به إلى نوع من التعاون أو التكيف وليس إلى العنف والصراع دائما". "ولا يمكن القول إن النظام الدولي قد اختفى تماما ليحل محله نظام عالمي جديد مائة في المائة، فالدولة المكون الأساسي للنظام الدولي التي كانت تحتكر العمل السياسي قبل أن يصيبها الخلل والاضمحلال، وما زالت الدولة موجودة، وإن كان تراجعها أدى إلى تغيرات هيكلية تفرض نفسها على الأجندة الدولية بوتيرة أسرع مما كان عليه الحال قبل عقود من الزمن، ما يؤكد أننا نعيش حاليا في مجتمع عالمي ونظام عالمي هجين مختلط، أي أنه يحتوي القديم والجديد جنبا إلى جنب".

وقد بدأت مرحلة توازن القوى بدأت من معاهدة وستفاليا سنة 1648 والتي أنهت الحروب الدينية، وأقامت النظام الدولي الحديث المبني على تعدد الدول القومية واستقلالها، كما أخذت بفكرة توازن القوى كوسيلة لتحقيق السلام وأعطت أهمية للبعثات الدبلوماسية، وتنتهي هذه المرحلة بنهاية الحرب العالمية الأولى ". في هذه المرحلة " كانت الدولة القومية هي الفاعل الوحيد في السياسة الدولية، ولم تعرف هذه المرحلة المنظمات الدولية ولا المؤسسات غير القومية مثل الشركات العالمية، وكانت قوة الدولة مرادفة لقوتها العسكرية، وكانت أوروبا تمثل مركز الثقل في هذا النظام. أما الولايات المتحدة الأميركية فكانت في موقع طرفي من هذا النظام، ولم يكن لها دور فاعل نتيجة سياسة العزلة التي تتبعها ". وكانت الفكرة القومية هي الظاهرة الأساسية في النظام الدولي، فهي أساس قيام الدول وأساس الصراع بين المصالح القومية للدول، ولم تكن الظواهر الأيديولوجية الأخرى قد ظهرت بعد، مثل الصراع بين الرأسمالية والاشتراكية وغيرها ". *بدأت مرحلة ثنائية القطبية من الحرب العالمية الثانية وحتى نهاية الثمانينيات من القرن الماضي. حيث اتجه النظام بعد الحرب العالمية الثانية نحو نظام الثنائية القطبية بين المعسكر الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفيتي، والمعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأميريكية، وتوسعت قاعدة النظام الدولي ومراكز القوى خارج أوروبا. وخلال هذه المرحلة ظهرت الأيديولوجية كإحدى أهم الظواهر في المجتمع الدولي، وأخذ الانقسام داخل النظام الدولي طابع الصراع الأيديولوجي بين المعسكر الاشتراكي والمعسكر الغربي الرأسمالي، وتبع ذلك ظهور عدد من الظواهر مثل الحرب الباردة والتعايش السلمي والوفاق الدولي وغيرها ". وتميز نظام القطبية الثنائية بوجود مركزين متفوقين من مراكز القوى الدولية، ويحيط بكل مركز منها عدد من الدول التابعة والأقل كثيرا في إمكانيات القوة ومقدراتها، ويكون حق التوجيه ورسم السياسات واتخاذ القرارات احتكارا للدول المسيطرة في داخل كل واحد من هذين المركزين من مراكز القوى الدولية".

وبعد انهيار المعسكر الاشتراكي المريع بعد هدم جدار برلين عام1990 ادى الى انفراد الولايات المتحدة الامريكية في النظام الدولي. مما ادى الى اقتران علاقة سلبية بين النظام العالمي وسيادة الدولة. بمعنى كلما تطور النظام العالمي أثر سلبا على سيادة الدولة - كما نفترض وجود علاقة اقتران موجبة بين ضعف الدولة وزيادة التدخلات الخارجية، بمعنى كلما تفككت الدولة وضعفت، كلما كان ذلك مدعاة لتدخل النظام العالمي للمشاركة في النزاعات الوطنية وتدويلها. والعكس صحيح أي كلما قويت الدولة وتماسكت مع غيرها يقل فرص النظام العالمي للتدخل وتدويل النزاعات الوطنية دون الاعتبار لمبدأ السيادة . تعاظمت محنة سيادة الدولة في منطقة الشرق الأوسط، كنتيجة مباشرة لتدخلات النظام العالمي المتنوعة من جهة، ونمو الفواعل الداخلية الأخرى أو مكونات ما دون الدولة كالتنظيمات والأقليات الدينية والعرقية التي أصبحت تتحدى الدولة وتعمل من داخلها دون الاعتبار لسيادتها من جهة أخرى. يعتمد النظام العالمي بوصفه مشروع للسيادة العالمية على عدة فواعل متنافسة وغير

متناقضة، كالدول والشركات والمؤسسات والبنوك والأفراد، تعمل جميعًا في نسق واحد للسيطرة والهيمنة الدائمة على الدول النامية ، ودول عالم الجنوب عموما واستباحة سيادتها، حيث كانت المنظومة الدولية قديمًا تتكون من الدولة كفاعل وحيد على المسرح العالمي، أما في السنوات الأخيرة فقد طرأت زيادة مهمة في وزن (لاعبين لا يمثلون دولا).

إن إعادة تعريف مفهوم السيادة في دول الشرق الأوسط استجابة لظاهرة العولمة أمرًا حيويًا، على اعتبار أنها ظاهرة تاريخية، ومسار لعملية مستمرة نحو العالمية، وبوصفها نمط من التطور الإنساني الذي حوّل العالم إلى قرية صغيرة يخلط بين الاختصاص الوطني والاختصاص العالمي. بيد أن رفض دول منطقة الشرق الأوسط لتدخلات النظام العالمي وتمسكها بسيادتها كفكرة دفاعية في مواجهة النظام العالمي أمر مطلوب وحيوي، للحد من نزعته الدائمة للتوسع والهيمنة والسيطرة العسكرية والسياسية والاقتصادية.

 

د. ماجد احمد الزاملي

.........................

* نظام بركات، تداعيات أحداث سبتمبر على النظام الدولي، الجزيرة نت، ملفات خاصة، ملف 11 سبتمبر .. عام http://www.aljazeera.net 2004 م. رابط /10/ على الزلزال، 1

 

 

عبد الجبار الجبورييشهد النفوذ الايراني تراجعاً واضحاً في منطقة الشرق الأوسط، بعد سلسلة الخسائر التي منّيت بها، أذرعه وميليشياته في العراق وسوريا واليمن ولبنان، على الصعيد العسكري والسياسي. أما على الصعيد الدبلوماسي فقد خسرت إيران أهم حليف إستراتيجي لها في المنطقة هو روسيا، والتي تخلّت عن إيران بعد ألانسحاب الامريكي من الاتفاق النووي، والتفاهم الامريكي –الروسي في سوريا وتقاسم النفوذ هناك، وكذلك مطالبة بوتين من إيران الإنسحاب من الاراضي السورية، إضافة الى تراجع الصين وتحييّدها .وأعقب هذه الخسائر وأهمها الانسحاب الامريكي هو الاتفاق النووي الايراني، مع وضع (12) شرطاً أمريكية تعجيزياً للعودة للاتفاق النووي، وهي الشروط الاقسى في التاريخ، حسب وصف وزير الخارجية الامريكية ماك بومبيو .صاحبَ هذه الشروط قرارات لوزارة الخزانة الامريكية وضعت فيه بنوك ومصارف وشخصيات نافذة في الحرس الثوري وحزب الله على لائحة الارهاب الدولي، حتى شمل بنك البلاد العراقي الذي يملكه آراس حبيب الساعد الايمن لأحمد الجلبي، حيث تم وضعه مع البنك على لائحة الارهاب. وتم إبلاغه وإيقافه عن العمل من قبل حكومة العراق، وتهمته هي العلاقة ودعم الحرس الثوري الايراني، والتعامل معه، والتحويل المالي له. وآخراً وليس أخيراً، قرار الكونغرس الامريكي وضع ميليشيات عصائب أهل الحق، التي يتزعمها قيس الخزعلي، وميليشات حركة النجباء وحركة حزب الله العراقي، على لائحة الارهاب الدولي، في وقت أصبحت القوات الايرانية، من حرس ثوري وحزب الله والميليشيات العراقية، مكشوفة وتحت القصف الاسرائيلي اليومي، لمواقعها ومقراتها والمطارات التي تتواجد فيها، دون أن يتسطيع أحد الرّد على الطائرات المغيرة، مع الاقتراب على هزيمة الحوثيين في اليمن .كل هذه الهزئم الايرانية والتحجيم الايراني، بظرف شهر واحد فقط لاأكثر، حتى تأتي نتائج الانتخابات العرقية للبرلمان، وهزيمة الجناح الايراني المتمثل في قائمتي الفتح التي يتزعمها هادي العامري، وقائمة دولة القانون التي يتزعمها نوري المالكي، المخيبة لآمال حكومة طهران وملالي طهران وولي فقيهها، لتنهي الحلم الايراني. الذي كانت تعول عليه، في كل من سوريا والعراق واليمن، ليكون الهدف الامريكي القادم هو العمق الايراني، وتطبيق حرب خطة (نتروالالكترونية)، التي تسبق العمل العسكري للاراضي الايرانية إذا فشلت الحرب الالكترونية نترو، والذي يتضمن حرباً ألكترونية ماحقة ضد طهران، يشمل توقيف كل الرادارات ومراكز القيادة والانترنيت والموبايلات واجهزة الاتصالات، وجميع الاجهزة الالكترونية في ايران في مفاعلاتها النووية ومعسكراتها وصواريخها الباليستية، ومعاملها ومصانعها العسكرية الحساسة.وتوقفف كل أنواع أجهزة الاتصال الاخرى في عموم إيران . مع حصار إقتصادي مفّعل الآن وقاسٍ. وترحيل جميع الشركات العالمية الكبرى للنفط والغاز، والاعمار والتسويق وغيرها .وشلّ جميع أنواع الحركات الاقتصادية والزراعية والصناعية بكل اشكالها المدنية والعسكرية. مع تهيئة المعارضة ودعمها وتسليحها عسكرياً، كمنظمة مجاهدي خلق وحركة الاحواز وابن الشاه رضا بهلوي وجماعته وحزب البلوش والحياة بيجاك الكردي، وتطبيق سيناريو غزو العراق حرفياً في إيران، فماذا بقي غير أن إيران تعول على الانتخابات العراقية، وتريد أن تقايض إدارة ترمب في عدم تشديد قبضتها العسكرية والسياسية على ايران وهو خيار إيراني أخير في العراق، لذلك هي تعمل بجهود إستثنائية لتشكيل حكومة أغلبية سياسية يقودها نوري المالكي أو هادي العامري، لتحرج امريكا وتبتزها في العراق وسوريا، وترخي قبضتها عن حزب الله في لبنان .فإيران تستخدم ورقتها الاخيرة في العراق، وتضغط وتهدّد زعيم قائمة سائرون مقتدى الصدر الذي يمثل الان بيضة القبان لجميع القوائم والكتل وحتى الدول كأمريكا وإيران وتركيا، فالجميع الآن يتودد للسيد مقتدى، ويدفع لتشكيل تحالف كبيرخارج السطوة والهيمنة الايرانية، وهذا ما تعمل عليه دول الخليج وامريكا وتركيا، والقوائم المناهضة للتدخل الايراني في العراق. إذن اليوم الصراع على أشدّه بين أمريكا وحلفائها، وبين إيران وأحزابها وأذرعها في العراق، ومعركة الانتخابات والتزوير الذي يرقى الى فضيحة بجلاجل، من قبل مفوضية الانتخابات التي تتكون من أحزاب السلطة بمحاصصتها الطائفية ولا إستقلاليتها، قد ولدّت أزمة متفجرة بين البرلمان وبين المفوضية، فقرار مجلس النواب بإعادة العد والفرز بنسبة 10% والغاء نتائج كركوك وكردستان والخارج، قد وضع العراق كله، على كف عفريت، فهناك جهات خاسرة ومتنفذة، تهدد بحرب أهلية ، وهناك تصريح لمفوضية الانتخابات تحذر فيه من حرب اهلية، والسفير الايراني يتدخل ويصرح بأن الوقت مبكرا لتشكيل حكومة عراقية، وكأننا في طهران وليس العراق، مانراه الآن من سجالات وتصريحات وفضائح بطلتها مفوضية الانتخابات، التي إعترف كبار موظفيها بحصول تزويرعلني فاضح بالادلة الدامغة التي ترقى الى الجريمة والخيانة، سواء بأختراق أجهزة المفوضية الالكترونية وتهكيرها، أو في مخيمات النزوح ومراكز الخارج أو كما حصل في كركوك التزوير الواسع وأماكن ومدن أخرى، وألآن ليس هناك حلولاً، تفضي الى حل يرضي جميع الاطراف الخاسرة والفائزة، وامام مجلس النواب حلاّن أحلاهما مر ّ لمفوضية الانتخابات، فالحل الاول هو إعادة عد وفرز جميع صناديق الاقتراع في العراق، وتشريع قانون بذلك يوم السبت، أو إلغاء الانتخابات وإقالة المفوضية، وإعادتها مع موعد إنتخابات مجالس المحافظات .وعن طريق العد والفرز تحديداً. وهذان الحلاّن يضعان المفوضية ومجلسها في موضع الاتهام والمحاكمة وتثبيت جرم التزوير والاحالة الى القضاء، إذن الجميع في ورطة حقيقيةونفق مظلم .إلا إدارة الرئيس ترمب، التي ترى أن وصول القوائم والكتل الى طريق مسدود، يفضي الى حرب أهلية، تعمل عليها أجنحة إيران، بوحيٍ ودعم من الولي الفقيه شخصيا ً، هو فرصة أمريكية لوضع الجميع امام الامر الواقع وهو الذهاب الى حكومة إنقاذ طوارىء، بعيداً عن الاحزاب الطائفية المهزومة، التي تريد إعادة إنتاج نفسها في دورة اخرى لإدامة المحاصصة الطائفية، وإبقاء العراق يدور في فلك الحرب الاهلية وعودة داعش الى العراق . ولو بصورٍ أخرى من البشاعة، وإدخال العراق بحروب لاتنتهي .من أجل عيون الولي الفقيه، الذي تشرف ولايته على الزوال الحتمي القريب. نعم الخيارات الامريكية مفتوحة على كل الاتجاهات، وتسير نحو تحجيم كامل للوجود الايراني في العراق، وإقصاء أجنحته في السلكة والحكومة المقبلة، من خلال دعم تحالف عراقي كبير يضم العبادي والحكيم والصدر النجيفي وعلاوي والمطلك والكرابلة والفضيلة، وربما حتى أعضاء الفتح، وهذا يحظى بدعم إقليمي ودولي كبير، وزيارة عمار الحكيم ومقتدى الصدر للكويت، ومهاتفة الرئيس أردوغان للصدر. وإطلاعه على مجيرات تشكيل الحكومة ودعم التيار العروبي وإخراجه من عباءة ولي الفقيه، دليل على توجه الجميع لإخراج العراق من مأزقه السياسي، ومن قبضة إيران التي تشهد تراخيا واضحا في المنطقة، وتراجعاً دولياً وإقليماً في مواقفها، وتنديداً بتدخلها في شئون الدول العربية. ودعمها للإرهاب والتطرف الفكري للفصائل الارهابية في العالم .ومنها تنظيم داعش والنصرة، ، حيث إقتنع العالم بتصريحات الرئيس ترمب وقادة إدارته وبالادلة أن إيران تزعزع أمن وإستقرار العالم، بألاستمرار بتصنيع أسلحة وصواريخ تخرق فيها قوانين مجلس الامن والامم المتحدة وتدعم بشكل مباشر فصائل الارهاب في سوريا والعراق، وتهدد بأذرعها وميليشياتها وحزب الله والحوثيين مستقبل العالم والمنطقة والمصالح الاستراتيجية الامريكية والاوروبية، لذلك فالخيارات الامريكية في العراق، واضحة الاهداف وتسير نحو التطبيق الفعلي على الارض، رغم إصرار إيران وأجنحتها .على مواجهة المشروع الامريكي وتهديده في العراق...

 

عبد الجبار الجبوري