abdulhusan shaaban2رداً على دعوة رئيس وزراء إقليم كردستان نجيرفان البارزاني إلى حوار جدّي مع بغداد لحلّ المشكلات، قال رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي: أنه يطالب سلطات الإقليم بإعلان الالتزام بعدم السعي للانفصال عن العراق، وذلك طبقاً لقرار أصدرته المحكمة الاتحادية العليا أكّدت فيه عدم جواز انفصال أي إقليم أو محافظة أو إدارة محلية عن البلاد، استناداً إلى أحكام الدستور.

وجاء قرار المحكمة بناءً على طلب من مجلس الوزراء الاتحادي بتفسير المادة الأولى من الدستور التي تنص على أن " جمهورية العراق دولة اتحادية واحدة مستقلة ذات سيادة كاملة ونظام جمهوري نيابي برلماني ديمقراطي". وخلصت المحكمة إلى أن هذه المادة والمواد الدستورية الأخرى ذات العلاقة تؤكد "وحدة العراق" مضيفة أن المادة 109 من الدستور: تُلزم السلطات الاتحادية أيضاً بالمحافظة على هذه الوحدة . علماً بأن قرار المحكمة المذكور كان قد صدر بموافقة 6 أعضاء (أغلبية) ومعارضة 3 أعضاء.

ويأتي قرار المحكمة الاتحادية العليا بعد أسابيع من إجراء سلطات الإقليم، الاستفتاء في محافظات كردستان (إربيل والسليمانية ودهوك) إضافة إلى حلبجة ، كما شمل المناطق التي سمّيت في الدستور بـ" المتنازع عليها" ، وكانت قوات البيشمركة قد وضعت اليد عليها بعد تحريرها من أيادي تنظيم الدولة الإسلامية " داعش" عقب احتلال محافظة الموصل 10 يونيو (حزيران) 2014 والتمدّد إلى محافظتي صلاح الدين والأنبار، إضافة إلى أجزاء من محافظتي كركوك وديالى.

وكانت الاحتكاكات قد وصلت مرحلة منذرة بالصدام بُعيد رفع علم كردستان على الدوائر الرسمية العراقية، بناء على قرار من محافظ كركوك نجم الدين كريم، الذي كانت إقالته إشارة أولى من جانب بغداد باستعادة المناطق المتنازع عليها والمنافذ الحدودية وحقول النفط والمطارات، لتصبح بيد السلطة الاتحادية حسبما ينصّ عليه الدستور.

إن دعوة نجيرفان البارزاني إلى حوار جدي مع السلطات الاتحادية، لبحث جميع المشاكل في ضوء الدستور العراقي، وحل الخلافات والقضايا العالقة، مع تأكيد استعداده للتعاون معها، لصرف رواتب موظفي الإقليم ، هي خطوة جديدة بعد استعادة  للتعاون معها، لصرف رواتب موظفي  الإقليم، هي جديدة استعادة الحكومة الاتحادية المناطق التي سيطرت عليها قوات البيشمركة بعد احتلال داعش للموصل أو تلك التي تمدّدت فيها بعد احتلال العراق العام 2003، علماً بأن بغداد ظلّت تغضّ النظر عنها، أو أنها دخلت في إطار مساومات غير مبدئية مع حكومة المالكي بالتحديد قبل هذا التاريخ. وكان نجيرفان البارزاني قد عبّر عن رغبته في الحوار بعد أن عرض أوضاع الإقليم التي قال عنها أنه " في مرحلة حسّاسة تتطلّب وحدة الصف، كما إن المشاكل لا تحلّ بالقوّة العسكرية".

وكانت موازيين القوى قد تغيّرت، فبعد الحديث عن "حدود الدم" ورفض أي مقترح عن تأجيل أو إلغاء الاستفتاء أو نتائجه، بدأت القيادات الكردية الكلام مجدداً عن الحوار والاستعداد لتأجيل نتائج الاستفتاء، علماً بأن مثل هذا الإجراء لم يكن "برسم التنفيذ" كما يُقال، وأنه لا يعني سوى الرغبة في معرفة رأي الشعب الكردي، وتحويلها لاحقاً من حلم مشروع إلى تطبيق حقوقي، يتّخذ شكلاً قانونياً، لكن هذا الأخير ليس قراراً انفرادياً، وإنما هو قرار يتعلق بمصير ومستقبل الدولة العراقية، حيث يقتضي الأمر تفاهمات جديدة، لاسيّما إذا أريد إقامة كيان جديد ينشطر عنها، فضلاً عن ذلك، فالأمر له علاقة بدول الإقليم، حيث عارضته بشدّة كل من طهران وأنقرة، وحتى دمشق المشغولة بهمّها الداخلي، فإنها حذّرت من خطوة الانفصال لما لها من تأثير جيو سياسي سيشمل دول الإقليم التي تعاني من مشكلة كردية مستمرة، بل إن أوضاع كرد العراق، ولاسيّما في السنوات المنصرمة، لا يمكن مقارنتها بنظرائهم من دول الإقليم من حيث الحقوق والحرّيات والمشاركة في إدارة الحكم وسياساته، إضافة إلى الشراكة في الثروة والقرار السيادي.

إن القيادات الكردية، التي استمرّت موحّدة من حيث الظاهر حول قرار إجراء الاستفتاء، بدت مختلفة، بل ومتعارضة بعد إجرائه، خصوصاً وإن الموقف من قرارات حكومة بغداد، بشأن استعادة سيادة السلطة الاتحادية  على كركوك والمناطق المتنازع عليها، بما فيها المطارات والمنافذ الحدودية وحقول النفط، كان متبايناً، وهو الأمر الذي دفع رئيس الإقليم السابق مسعود البارزاني، إلى اتهام طرف كردي (يقصد جناح أساسي في الاتحاد الوطني الكردستاني) بالخيانة، لموافقته على عدم المواجهة مع القوات العسكرية الاتحادية وإخلائه المناطق المذكورة دون أية مجابهات.

لقد أدرك عدد من القيادات الكردية إن بغداد جادة في تنفيذ قراراتها، بل وعازمة على "تطبيق الدستور " كما قالت، لفرض نفسها كقوة موحّدة لإدارة الحكومة، حيث توافقت الشيعية السياسية الحاكمة مع السنّية السياسية المشاركة ، وفي ظل دعم شعبي وبتأييد طهران وأنقرة، إضافة إلى تحفظات المجتمع الدولي، بما فيه الولايات المتحدة التي كان لوم مسعود البارزاني شديدا لها، لأنه يعتبر الأكراد حلفائها، وإذا بها تتركهم في محنة، بل تخذلهم في ظرف عصيب، خصوصاً وأن قراءتهم للأحداث كانت خاطئة.

لذلك أخذت تتكرّر الحكمة الكردية القديمة التي تقول " لا صديق للأكراد سوى الجبال" وقد ردّدها بعض القادة الكرد بمرارة، وهو ما كان ينبغي أخذه بنظر الاعتبار، وأقصد بذلك "دكتاتورية الجغرافيا السياسية " الوعرة التي طالما حاصرت الأكراد وقطعت عليهم طريق الأمل في تحقيق أحلامهم تاريخياً .

إن قرار الاستقلال هو قرار في غاية الخطورة وكان ينبغي التفكير به ملياً، بغض النظر عن أحقية الشعب الكردي في تقرير مصيره، لكن المسألة لها علاقة بتوازن القوى Balance of power ، وهذه تكبح وتحدّ من تحقيق حلمهم المشروع لأنها تتعامل مع الواقع، بما فيه من عُقد وإشكالات وتحدّيات ومصالح.

ومن أهم القضايا التي تتطلب تفاهماً جديداً لتوازن القوى الجديد المعابر الحدودية مع تركيا وإيران، وكان الاتفاق بشأنها قد تم مبدئياً، على تسليمها وإدارتها من قبل الحكومة الاتحادية، إلاّ أن هناك تلكؤًا قد حصل وهذا أدى إلى عودة التوتر من جديد، بعد تأخّر إدارة الإقليم من تسليمها، الأمر الذي قد ينذر باستئناف العمليات العسكرية وإعادة انتشار الجيش العراقي.

وسبب التأخير يعود إلى عدم ثقة قيادة الإقليم بالسلطة الاتحادية وخشيتها من احتمال تمدّدها وجعلها الإقليم في وضع حرج ولا يُحسد عليه، بعد أن كان الإقليم هو الذي يحاول قضم الأرض لمصلحته، وخصوصاً في المناطق التي تم تحريرها من داعش.

وكانت قيادة الإقليم قد أبدت استعدادها بقبول " إشراف" السلطة الاتحادية على الحدود ، لكنها تحفّظت بشأن سيطرتها على المعابر المؤدية إلى إقليم كردستان، في حين تعتقد بغداد إن الدعوة للحوار قبل إلغاء الاستفتاء ونتائجه وتأكيد عدم الرغبة في الانفصال، تستهدف كسب الوقت وتعزيز الدفاعات الكردية. وكانت الحكومة العراقية قد اتهمت الإقليم بقيامه تحريك قواته وبناء دفاعات جديدة لعرقلة انتشار القوات الاتحادية، خلال فترة التفاوض.

وشدّدت بغداد على تأمين سيطرتها على المناطق المتنازع عليها والحدود. وتشعر بغداد بأنها أكثر قوة ونفوذاً وتأييداً داخلياً وخارجياً من قبل، خصوصاً في ظلّ تطوّرات الموقف الكردي الداخلي وتصدّع الوحدة الوطنية الكردية ما بعد الاستفتاء، لاسيّما ما حصل من اعتداءات على مقرّات بعض الأحزاب الكردية، واقتحام مقر البرلمان واستخدام العنف ضد بعض الإعلاميين ومحاولات إحداث فوضى واضطرابات في إربيل ودهوك. وعلى الرغم من تنحّي رئيس الإقليم مسعود البارزاني، فإن تأثيره على المشهد الكردي لا يزال كبيراً، فهو يمثل المرجعية السياسية (قيادة فوق قيادات الإقليم الحكومية) إضافة إلى كونه رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني أقدم وأقوى الأحزاب الكردية وأكثرها انسجاماً.

ولعلّ آخر تطور في محاولة لإحداث توازن جديد للقوى، هو اقتراح قيادة الإقليم "نشر قوات مشتركة" من السلطة الاتحادية ومن قيادة البيشمركة عند معبر حدودي استراتيجي مع تركيا بمشاركة قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة، بهدف إيجاد تسوية سلمية وإنهاء احتمالات المواجهة العسكرية، لكن هذا الاقتراح لقي إهمالاً من جانب بغداد التي قالت إن الهدف منه هو المناورة، وكان هذا هو جزء من اقتراح ضمّ خمس نقاط" لنزع فتيل الأزمة"، وكانت قد تقدّمت به إدارة الإقليم إلى الحكومة الاتحادية يوم 31 أكتوبر (تشرين الأول) المنصرم وتضمن وقف إطلاق النار واستمرار التعاون في التصدّي لداعش وانتشاراً مشتركاً في المناطق المتنازع عليها... الخ.

وإذا كانت المفاوضات قد بدأت فيما يتعلق بالجوانب الفنية بناء على توصية واقتراح أمريكي، فإن القضايا السياسية لن تطرح للنقاش حسب العبادي ما لم يتراجع الأكراد عن الاستفتاء. جدير بالذكر إن سياسة العبادي وإدارته للأزمة نجحت حتى الآن ، خصوصاً وقد استخدم كل ما لديه من قوة ناعمة، وتعامل بثقة كبيرة وهدوء، حيث حاز على تأييد الداخل والخارج، الأمر الذي أدى إلى تغيير موازين القوى اختياراً واضطراراً في آن وهو ما ينبغي قراءته عند التفكير بحل شامل للأزمة الراهنة.

 

عبد الحسين شعبان - باحث ومفكر عربي

 

 

ibrahim abrashمع أنه يتم استحضار دول بعينها عند الحديث عما يسمى (الربيع العربي) إلا أنه في الواقع كل الدول العربية منخرطة ومتورطة بفوضى الربيع العربي بشكل مباشر أو غير مباشر، بحيث يمكن تصنيف الدول العربية من حيث علاقتها بفوضى الربيع العربي إلى ثلاث فئات :

1-  دول مستَهدَفة بهذه الفوضى وهي : فلسطين، تونس، مصر، سوريا، ليبيا، اليمن، والعراق .

2- دول مشارِكة بشكل مباشر بالسلاح والدعم المالي واللوجستي لأسباب متعددة، وخصوصا دول الخليج العربي .

3- دول تبذل جهودا حتى تجنِب نفسها الوقوع في شراك الفوضى وتداعياتها، المغرب، الجزائر، موريطانيا، الأردن، ولبنان .

تعتبر لبنان من الدول التي حاولت تجنيب نفسها فوضى الربيع العربي، إلا أن الجيوبولتيك جعلها في عين العاصفة وفي هذا السياق جاءت استقالة رفيق الحريري .

 من المعلوم أن لبنان ومنذ الاستقلال وصياغة الميثاق الوطني 1943 وبسبب تركيبته الطائفية يقوم على توازنات وتقاسم وظيفي بين الطوائف، وتوازنات سياسية إقليمية ودولية . بالرغم من التجربة الديمقراطية الفريدة للبنان إلا أن الدول الغربية وخصوصا فرنسا كانت ضامنة التوازنات الداخلية والإقليمية التي تحافظ على استقلال لبنان وانتعاشه الاقتصادي، إلا أنه وبعد الحرب الاهلية اللبنانية 1975 تولت دول عربية وخصوصا سوريا والمملكة السعودية هذا الدور .

دشن اتفاق الطائف 1989 الذي رعته الملكة العربية السعودية وجامعة الدول العربية منعطفا في المسيرة السياسية للبنان بحيث شكل ميثاقا وطنيا جديدا، فقد جمعت السعودية الفرقاء السياسيين اللبنانيين على طاولة واحدة بعد سنوات من الاستعصاء السياسي وخمسة عشر عاما من الحرب الأهلية وأعاد ترتيب العلاقة بين الطوائف ومؤسسات الدولة وأعاد للجيش هيبته وسلطته على كامل الأراضي اللبنانية، وضمنيا ألغى اتفاق القاهرة لعام 1969 الذي كان ينظم العلاقة بين الفلسطينيين والدولة اللبنانية، ولكن المهم في هذا السياق أنه اعترف لسوريا بصلاحيات واسعة بما يشبه الوصاية على لبنان، وآنذاك كانت العلاقة طيبة بين سوريا والمملكة السعودية .

منذ ذاك التاريخ أصبح للمملكة السعودية دور رئيس تجلى في دعم المملكة لتولي رفيق الحريري الذي يحمل الجنسية السعودية رئاسة الوزراء عام 1992، مما أخرج لبنان نسبيا من دوامة الحرب الأهلية وحافظ على الاستقرار السياسي والاقتصادي في لبنان، سواء من خلال المساعدات المالية والاستثمارات التي تُقدر بالمليارات أو من طرف رئيس الوزراء رفيق الحريري الملياردير اللبناني السعودي، وكان هدف السعودية ضمان عدم اصطفاف لبنان لمحور إقليمي مناهض لها .

بالرغم من اغتيال رفيق الحريري بتفجير عبوة تزن ألف كيلو جرام في موكبه، وآنذاك توجهت أصابع الاتهام لحزب الله وسوريا وتم تشكيل لجنة دولية للتحقيق أعلنت في أكتوبر 2005 عن نتائج أولية ولكنها لم تنهي عملها حتى اللحظة، بالرغم من ذلك استمر الدعم السعودي للبنان وخصوصا بعد تولي سعد الحريري رئاسة الوزراء في نوفمبر 2009 .

اندلاع فوضى الربيع العربي عام 2011 وامتدادها لسوريا وتدهور العلاقة بين سوريا والمملكة السعودية كان لها تداعيات خطيرة على لبنان وأخل بالتوازنات والتفاهمات التي أسس لها اتفاق الطائف والذي أدخلت عليه تعديلات في اتفاق الدوحة 12 أيار 2008 ، ولم يتمكن سعد الحريري من النأي بلبنان عن المحاور الإقليمية والاستحقاقات الإكراهية لفوضى الربيع العربي .

شارك حزب الله اللبناني بشكل مباشر وقوي في الحرب الدائرة في سوريا إلى جانب الدولة السورية في مواجهة خصومها ومنهم السعودية، كما انحاز حزب الله سياسيا للحوثيين في اليمن المتحالفين مع إيران في مواجهة عسكرية شرسة مع قوات التحالف العربي بقيادة السعودية، أيضا التحالف الاستراتيجي السياسي والعقائدي بين حزب الله وإيران، كل ذلك جعل حزب الله يتصرف وكأنه صاحب السلطة في لبنان وبيده قرار الحرب والسلم وليس بيد الحكومة أو الرئيس .

كانت القشة التي قصمت ظهر البعير عندما زار على أكبر ولايتي مستشار المرشد الإيراني لبنان في الثاني من نوفمبر الجاري والتقى بالحريري وصرح بتصريحات لم يُعَقِب عليها الحريري في حينه، اعتبرتها السعودية مستفزة لها وخصوصا أنها تزامنت مع إطلاق صواريخ من اليمن على مناطق استراتيجية في السعودية واتهمت هذه الأخيرة إيران بأنها تقف وراء العملية، آنذاك استشاطت السعودية غضبا لأنها وجدت أن كل ما قدمت من مليارات للحريري وللبنان لم يجد نفعا وأن لبنان ينزلق نحو المحور الإيراني السوري، وهكذا قررت معاقبة لبنان وسعد الحريري .

في اليوم التالي لزيارة المسئول الإيراني للبنان استدعت السعودية على عجل سعد الحريري ومن هناك أعلن في الرابع من نوفمبر استقالته مما أثار ضجة كبيرة حول توقيتها ومكان الإعلان، وهي استقالة أظهرت الحريري وكأنه وكيل أو موظف سامي للسعودية في لبنان . الاستقالة ولا شك لها علاقة بالصراع بين السعودية وإيران، وهذا الصراع جزء من فوضى الربيع العربي، وعليه فإن لبنان يُجر إلى فوضى الربيع العربي بغير إرادته .

تشكل الاستقالة إعلان لنهاية اتفاق الطائف والتفاهمات والتوازنات الهشة التي تبعته، ودخول لبنان في مرحلة صعبة سيكون فيها للتدخلات الخارجية دور أكبر من التفاهمات والتوافقات الداخلية، واحتمال أن سعد الحريري لن يعود للبنان في المدى القريب لا كرئيس وزراء ولا كمواطن عادي ما دام لبنان غير قادر على الاستغناء عن المال السياسي الخارجي، وقبل أن يتم فك الاشتباك والتداخل ما بين سلطة الدولة وسلطة حزب الله .

 

 د. إبراهيم أبراش

  

 

 

abdulkalil alfalahما من شك ان الانتصارات العراقية على داعش سوف تمثل طفرة نوعية وخطوة عظيمة ،و التصدي للجماعات الإرهابية سيكون عنصراً رئيسياً مكملاً للحل السياسي الشامل الذي يراد أن يتحقق في المنطقة ولاكنها لا تضع نهايةً لتهديدات الإرهابيين، والتي تقلق العالم أجمع . فنحن في حاجة إلى القوة الذكية لهزيمة الإرهاب، القوة الذكية هي القادرة على جمع القوة المسلحة  في الجذب والإقناع. كما هناك حاجة إلى القوة الصلبة لقتل أو اعتقال الإرهابيين المتشددين، لأن عددا قليلا منهم فقط قابل للجذب أو الإقناع. وفي الوقت نفسه، هناك حاجة إلى القوة الناعمة لتحصين من يحاول المتشددون تجنيدهم. الغرب بدأ يستشعر خطورة عودة هذا الإرهاب الى اراضيه كما شاهدنا بعض تلك الممارسات في بلجكا وفرنسا والمانيا وانكلترا ، والمرحلة المقبلة ستشهد بشكل مؤكد تطورات مهمة ودراماتيكية بملف مكافحة الإرهاب غربياً، ولكن هذه المهمة ليست سهلة وستكون لها نتائج دموية وآثاراً سلبية كبرى على تلك المجتمعات  بعمومها، و تتحمّل للاسف اليوم نتائج دعم ساستها وحكوماتها للإرهاب في المنطقة العربية، ومع كلّ هذه التطورات سننتظر المرحلة المقبلة، لأنها ستحمل الكثير من المفاجآت الكبرى بملف مكافحة الإرهاب غربياً ويبقى الخطاب السياسي العربي المتصاعد عن وجوب ” مكافحة الإرهاب ” ضد هذه الجماعات أحيانا ليس إلا وهم ولم تمارسه على الإطلاق وهي خطابات  ذات اهداف سياسية يقصد بها تعزيز أحادية الممارسة و التخلص من المعارضة. و يجدر أن تذهب إلى أعمق من ذلك و تتسائل عن ماهية هذا الإرهاب المقصود ، لان فهم معنى الإرهاب يرسم معالم محددة لكيفية مكافحته ، ولان خلف هذا الإرهاب دول وأجهزة مخابرات. وقد أشار الرئيس الامريكي دونالد ترامب الى أن باراك أوباما وهيلاري كلينتون هما من صنع "داعش"، حيث كانت الصورة واضحة أن السياسة الأميركية تميل إلى "تشجيع" هذا التنظيم. بالتالي، فإن الفاعل هو أميركا، فقد عملت على بناء مجموعاتٍ أصولية إسلامية خلال الحرب الباردة كأداة بيدها ضد السوفييت. وهذا ما أنجزته في أفغانستان خلال ثمانينات القرن الماضي، فدرّبت وطوّرت قدرات آلاف "الجهاديين". مستفيدة من الوهابية التي كانت تتعمم منذ سبعينات القرن الماضي، لمواجهة التيارات التحررية والثورية .على الرغم من أن ترامب يتهم دول اخرى متهمة بالعمالة ويدعمهم ويعاقب شعوب بريئة لا تمت لها بصلة ويستغلّ ما صنعته أميركا من أجل تعميم العنصرية، والأحقاد ضد شعوب الشرق الاوسط بالذات والتركيز على ذلك لنهب الخيرات الكثيرة فيها. وهنا العقدة التي تظهر واضحة، حيث إن الإرهاب صناعة أميركية أولاً، استغلت دول اخرى لصناعتها ،

العراق كأنه كان مكلف  للقيام بالمهمة الجليلة للقضاء على الإرهاب وأهله وأشياعه والقوات المساحة العراقية بمختلف الصنوف قامت بالواجب وهي تقوم اليوم بتحقيق انتصارات رائعة على جماعات الإرهاب والتطرف والتكفيريين الذين لا يعرفون دينًا لان الغلو في امر الدين انما ينشأ لعوامل كثيرة منها الجهل المتغالي بأمور الدين وعدم المعرفة الصحيحة بالتعاليم الاسلامية، وكذلك عدم الفهم للنصوص الشرعية فهماً صحيحاً يتفق ومقاصد الشريعة السمحة مما يترتب عليه تحميل النصوص الشرعية فوق ما تحتمل من معان واحكام وذلك لاقتصاره على نص يوهم ظاهره حكماً  ولا ملة على مراحل دقيقة وفنية لتقليل الخسائر. ولأنهم ينتشرون بين الناس ومما يسبب صعوبة لاصطيادهم والحاجة إلى حرفية كبيرة .ولولا خوف هذه القوات من إصابة الضرر بالمواطنين الأبرياء بأذى أو سوء، لتم الانتهاء من هؤلاء الخونة فى الاشهر الاولى لتواجدهم  ، ويؤثر الإرهاب بشكل سلبيّ على الحريات الفردية والديمقراطية في الدول التي تتعرض أو يهددها الإرهاب، مشكلاً "دائرة مغلقة"؛ بمعنى أن مكافحة أو مقاومة الإرهاب تستدعي التنازل عن بعض الحريات الفردية، وعن الكثير من مظاهر الديمقراطية التي تعدّ أساس العولمة في الغرب . ان الإشكال الأخلاقي في تعريف الإرهاب:يمكن اعتباره العائق الأهم ربما لإيجاد مفهوم محدد للإرهاب حيث الموقف الأخلاقي منه يحدد الوصف للفعل السياسي العنفي. و قد يبرر البعض بأن الممارسة العنفية مبررة أحيانا و بعضها غير مبررة لذلك تجد أن إطلاق وصف ” إرهابي ” سهل نوعا ما بسبب أنه يمثل موقفاً أخلاقياً تجاه قضية أو موقفاً أيدولوجياً بين الحق و الباطل . إن للإرهاب تاريخاً طويلاً، لكن دراسته وتحليله لا يتمتعان بالأمر ذاته. وهو كحقل دراسي مهم انتشر كالفطر خلال العقود الثلاثة الماضية، لكن رغم ذلك فإن هناك استحالة في إيجاد تعريف واحد متفق عليه، كما أن الروابط والتشابك بين الأسباب الاقتصادية والاجتماعية، كأسباب رئيسة في انتشار الإرهاب

عبد اخالق الفلاح – باحث واعلامي

 

 

ibrahim aboetayla2"صفقة القرن" مصطلح بدأ يالظهور منذ عام 2006 وذلك بهدف وحيد وهو تصفية القضية الفلسطينية بشكل نهائي "وفق من يروج البعض لذلك"، لقد جاءت الصفقة مدار البحث كنتيجة طبيعية لما أطلق عليه تفاهمات أولمرت – عباس، تلك التفاهمات التي انبثقت عن المفاوضات التي جرت بين عباس ورئيس وزراء الكيان الصهيوني في عهد أولمرت خلال الفترة (ديسمبر/ كانون الأول 2006 حتى نهاية سبتمبر/ أيلول 2008)، ولم تر تلك التفاهمات النور لعدم التوقيع عليها من قبل الطرفين وقد كان لكل طرف وجهة نظره، السلطة أرادت الانتظار لنتائج انتخابات الكيان الصهيوني حتى يتم التوقيع مع رئيس الوزراء القادم فيما أراد اولمرت أن تكون تلك التفاهمات وسيلة لنجاح حزبه في الانتخابات وبأن تكون هذه التفاهمات أولى وأهم إنجاز لحكومته القادمة، ولما كانت الإنتخابات الصهيونية على الأبواب فقد اتفق الطران على تأجيل التوقيع على هذه التفاهمات، وبعد فشل أولمرت بالانتخابات ... قامت الإدارة الأمريكية بالاستناد عليها وتطويرها إلى ما ما اصطلح على تسميته خطة كيري والتي تم التركيز فيها على حل الدولتين، حيث قال وزير الخارجية الأمريكي جيم كيري بأن خطته تلقى توافقا بشأن السلام في الشرق الأوسط و"يمكن أن تستخدم أساسا لمفاوضات جدية عندما يكون الطرفان مستعدين لذلك" الأمر الذي يؤكد ارتباطها بتفاهمات أولمرت - عباس، كما أضاف كيري بأنه "بدون استباق أو فرض حل فإن هناك توافق واسع على أن اتفاقا نهائيا حول الوضع سيلبي احتياجات الطرفين".

ومن هنا فقد تضمنت خطة كيري المبادئ التالية :

1. إقامة حدود آمنة وقابلة للاستمرار ومعترف بها من قبل الأسرة الدولية، بين إسرائيل وفلسطين، ومن خلال التفاوض المباشر على أساس حدود 1967 مع عمليات تبادل متساو لأراض يقبل بها الطرفان، ولقد اشار كيري " بأن هذا المبدأ وارد في قرار مجلس الأمن رقم 242 لسنة 1967 وهو قرار مقبول منذ فترة طويلة من الجانبين ويصلح كأساس لاتفاق اليوم". وأكد أن "الأسرة الدولية لن تعترف بأي تغيير تقوم به إسرائيل لحدود 1967 ما لم يقبله الطرفان".

2. "تحقيق فكرة القرار 181 للجمعية العامة للأمم المتحدة (الصادر في 1947) بشأن دولتين وشعبين أحدهما يهودي والآخر عربي، مع اعتراف متبادل بينهما، وقد كان هذا هو المبدأ الاساسي لحل الدولتين منذ البداية من خلال إقامة دولة " للشعب اليهودي" ودولة للشعب الفلسطيني، يمكن لكل منهما تحقيق تطلعاته في دولته .

3. "إيجاد حل عادل ومقبول وواقعي لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين، بمساعدة دولية، ويشمل ذلك تعويضاً وخيارات مختلة ومساعدة للعثور على مساكن دائمة للاجئين وإجراءات أخرى ضرورية ليكون حلا كاملا منسجما مع دولتين للشعبين" ولقد أكد كيري أن هذا الحل يجب "ألا يؤثر على الطابع الأساسي لإسرائيل".

4. "إيجاد حل مقبول من الطرفين بشأن القدس كعاصمة معترف بها دولياً لكلتا الدولتين مع وحماية وتأمين حرية الوصول إلى المواقع الدينية" ف "القدس هي القضية الأكثر حساسية للطرفين، وأي حل يجب ألا يقتصر على تلبية احتياجات الطرفين فقط بل الديانات التوحيدية الثلاث كذلك".

5. "تلبية احتياجات إسرائيل في مجال الأمن بشكل مرض وإنهاء الاحتلال بشكل كامل، والعمل في الوقت نفسه على أن تكون إسرائيل قادرة على الدفاع عن نفسها بفاعلية، وأن تتمكن فلسطين من ضمان أمن شعبها في دولة تتمتع بالسيادة وغير معسكرة .

6. "إنهاء النزاع وكل المطالب العالقة به ليتاح إقامة علاقات طبيعية وتعزيز الأمن الإقليمي للجميع كما هو وارد في مبادرة السلام التي تقدمت بها الدول العربية" و وبما يؤدي لدخول الطرفين في عصر جديد من التعايش السلمي والتعاون" .

وفي شروحات لاحقة ارتبطت بخطة كيري فقد تم التأكيد على:

• أن يقوم الحل بين الكيان الصهيوني والسلطة الفلسطينية على أساس حدود عام 1967 مع إقرار مبدأ تبادل للأراضي وبحسب الخطة تضم "إسرائيل" 6.8 % من أراضي الضفة الغربية لبناء كتل استيطانية إضافية مقابل وضع 5.5 % من من أراضي النقب التي تسيطر عليها "إسرائيل" تحت السيطرة الفلسطينية.

• أن تبقى المستوطنات " الأحياء " التي بنيت في القدس بعد حرب عام 1967 تحت السيادة الصهيونية وأن تخضع المواقع الدينية وفقاً للأديان الثلاثة في القدس والبلدة القديمة للوصاية الدولية .

• موافقة الاحتلال على الربط بين قطاع غزة والضفة الغربية من خلال نفق بحيث يكون الدخول والخروج منه وإليه تحت السيطرة فلسطينية، مع التأكيد على أن تكون "الدولة الفلسطينية" مجردة تماماً من أي قوة عسكرية.

• أما بشأن اللاجئين الفلسطينيين فسيتم معالجة الموضوع وفقاً للخطة التي قدمها الرئيس الأمريكي بيل كلينتون عام 2000 في "كامب ديفيد"، والتي تدعو إلى انشاء صندوق لتمويل توطين اللاجئين الفلسطينيين في كندا وأستراليا وفي أماكن تواجدهم، واستيعاب جزء صغير منهم في "إسرائيل" على اسس فردية وانسانية وليس على أساس لم شمل العائلات.

• إخلاء كافة المستوطنين في منطقة الأغوار، وأن يعمل على تواجد جنود أمريكيين على طول الحدود مع الأردن، وإنشاء معابر حدودية بين الأردن وفلسطين تحت إدارة عسكرية أمريكية.

• مراعاة المحافظة على النظام الحالي لجباية الضرائب بين "إسرائيل" والسلطة، وفقاً لاتفاقية باريس عند استخدام ميناء حيفا أو ميناء أسدود.

• تجميع 80 في المئة من المستوطنين اليهود داخل الضفة في تجمعات استيطانية، وليس بإخلائهم كما حصل في غزة، مع تخيير النسبة المتبقية بين الإخلاء أو البقاء ضمن حدود "الدولة الفلسطينية"

ومع الفشل الذريع لمقولة " حل الدولتين " ومع انقضاء ربع قرن على المفاوضات الماراثونية العبثية منذ أوسلو، ومع حالة الوهن والتردي العربي منذ ما سُمي الربيع العربي الذي تسبب في تدمير العديد من الدول العربية بعد أن سبقه تدمير العراق، ومع تحول " الدول العربية " إلى تحالفات تعادي بعضها، ومع اللهفة الكبيرة من قبل سلطة أوسلو للعودة إلى طاولة المفاوضات وفنادق النجوم الخمسة، ومع تراجع القضية الفلسطينية على صعيد القضايا القومية العربية، ومع محاولة أغلبية الدول العربية للخلاص من عبء القضية الفلسطينية، رغم أن تلك الدول لم تناصر يوماً تلك القضية، ومع تفاخر بعض العرب بميلهم للسلام والخلاص من قضية فلسطين ... ومع ... ومع ... فإن الكيان الصهيوني بات يتشدد أكثر بقبول أي مبادرة للسلام وبات يضع الكثير من الاشتراطات المسبقة ويصر على قبولها قبل المضي قدماً في حل الدولتين الذي وافق عليه سابقاً، ولعله من المفيد هنا أن نستذكر تلك الشروط كمدخل للمقارنة بينها وبين صفقة القرن المنشودة من قبل البعض وهذه الشروط هي:

1. الإعتراف بيهودية " دولة إسرائيل " كشرط أساسي لاستكمال المفاوضات مع سلطة أوسلو، ومما يعني تصديق الرواية الصهيونية على أقل تقدير وتهجير بقية الفلسطينيين من أرض فلسطين التاريخية إلى مناطق سلطة أوسلو .

2. لا عودة للاجئين الفلسطينيين الذين هجروا من فلسطين سنة 1948، والعمل على توطينهم في البلدان التي يقطنون فيها، وبالتالي عدم تحمل إسرائيل أي مسؤولية سياسية أوقانونية عن هذه المسألة وبما يتناقض مع قرارات الشرعية الدولية في هذا الشأن، وهذا يعني عدم القبول بمبدأ حق العودة وفقاً لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194 علماُ أن قضية اللاجئين هي المحور الرئيسي لقضية الحق الفلسطيني المغاصب، وعدم الإعتراف لهم بحق العودة يعني بالضرورة عدم حل القضية الفلسطينية وبقائها مفتوحة لكل الاحتمالات .

3. ضرورة إبقاء القدس الموحدة عاصمة أبدية لإسرائيل وفقاً لما تؤكد ذلك كافة الأطياف والأحزاب السياسية الإسرائيلية ومما يعني نكران الحق الفلسطيني والعربي والإسلامي في المدينة المقدسة .

4. أن تكون الدولة الفلسطينية الناشئة دولة منزوعة السلاح وعلى أن تسيطر إسرائيل بصورة مطلقة على الحدود والمنافذ مع الأردن من الشرق.

5. مبادلة الأراضي من خلال منح الفلسطينيين أراض في صحراء النقب بمحاذاة قطاع غزة مقابل الحصول على أراض من الضفة الغربية وبمحاذاة القدس وبنفس المساحة أو بأقل منها.

6. التأكيد على شرعية النشاط الاستيطاني في الضفة الغربية والقدس وعدم تفكيك المستعمرات حيث ترفض الأحزاب والقوى الإسرائيلية تفكيك تلك المستعمرات باعتبار أنها تحفظ أمن إسرائيل وعلى أن يراعى إستمرار السيطرة الإسرائيلية عليها في الدولة الفلسطينية الناشئة .

7. إبقاء السيطرة الإسرائيلية على المصادر المائية الفلسطينية .

ومن أجل تلبية المطالب الصهيونية وإغلاق الملف الفلسطيني ووفق ما يرغب به بعض العرب وسلطة أوسلو تخرج علينا الإدارة الأمريكية بابتكارها القديم الحديث بما يسمى " صفقة القرن " والتي مازالت في ذهنية الإدارة الأمريكية التي تخفي النص كما تخفي النعامة رأسها في التراب فإن ما يتسرب من تلك الإدارة يبين بأن أهم ما تحويه تلك الصفقة هو ما يلي :

• تجميد توسيع الاستيطان وتقييده فقط بالنمو الطبيعي" للمستعمرات" .

• ضمان أمن "إسرائيل"

• حرية التنقل وحرية التصدير والاستيراد للفلسطينيين.

• أن يبقى الجيش "الإسرائيلي" في الأراضي الفلسطينية والمناطق الحدودية في غور الأردن.

• تسوية مسألة اللاجئين عبر منح مواطنة وحقوق كاملة للفلسطينيين في الدول التي يقيمون فيها اللاجئين اليوم، ومساهمة المجتمع الدولي بتمويل التعويضات للاجئين الفلسطينيين.

• القدس عاصمة ابدية للكيان الصهيوني مع ضمان حرية العبادة للجميع .

• الاعتراف بيهودية الدولة " يهودية إسرائيل" .

وبمقارنة بسيطة بين الاشتراطات الصهيونية وما تسرب عن هذه الصفقة، يتضح بأن الإسم الأصح لهذه الصفقة هو " صفعة القرن أو بالأحرى صفعة الدهر" .. صفعة الدهر لإنها تؤيد الرواية الصهيونية المنافية للمنطق وللتاريخ منذ الأجل وهي أن اليهود هم أصحاب الأرض الشرعيين ولم يكونوا قد جاؤوا إليها أثناء وجود الكنعانيين العرب فيها، ولم يكونوا قد استوطنوا فلسطين بعد اغتصابهم لها قديماً وهو ما تكرر في القرن العشرين، وفي ذلك كذب وتدجيل ونفي للتاريخ وللحق العربي الكنعاني الفلسطيني في أرض فلسطين وهذا فن لا يتقنه إلا الصهاينة ومن خلفهم هذا علاوة على أن الاعتراف بيهودية الدولة يترتب عليه تهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين الموجودين داخل فلسطين كما أسلفت.

فصفعة القرن إذن ما هي إلا خطة صهيوأمريكية بنيت على أطلال حل الدولتين وتفاهمات أولمرت – عباس وهي الصفقة التي لو تمت ستكون عاراً على التاريخ الإنساني العالمي، فما لم تستطع الصهيونية تحقيقه بالحرب أو بالمفاوضات حتى الآن سيحققه لها ترامب والإدارة الأمريكية ومن يسير تحت ظلها.

ومن المتوقع أن تنطلق "صفقة القرن" في مرحلتها الأولى برعاية أميركية تعيد الثقة إلى المفاوضات الصهيوفلسطينية تحت شعار الالتزام الكامل بمبدأ حل الدولتين، والإقرار لـ"إسرائيل" بحدودها كخطوة أولى مع مراعاة مبدأ تبادل الأراضي التي تتراوح نسبتها 6.8 % من الأراضي الواقعة في الضفة الغربية مقابل 5.5 % من أراضي النقب وعلى أن يصاحب ذلك التزام إسرائيلي بتجميد الاستيطان خارج "الكتل الاستيطانية" الحالية، وعلى وأن تستمر السلطة في منع العنف والتحريض " المقاومة " وبحيث يستمر التنسيق الأمني بإشراف أمريكي مع السماح للجيش الإسرائيلي بالعمل في الضفة الغربية وذلك مع تعهد سلطة اوسلو بنزع سلاح المقاومة وتدمير الأنفاق آخذين بعين الاعتبار دعم ما يسمى بالمصالحة الفلسطينية وعلى أن تعلن دول الإقليم دعمها لهذه الصفقة في هذه (المرحلة الأولى) .

وتشير المعلومات بأن تبادل الأراضي سوف لن يقتصر على التبادل بين السلطة والكيان الصهيوني بل ستدخل مصر إلى ذلك الإطار بأن يتم تبادل أراض من سيناء بأرض من النقب لتهسيل ربط المشرق العربي بمصر برياً عن طريق الأنفاق.

ورغم كل ما قيل وما يقال ... فإنني أعتقد جازماً أن المخفي أعظم من كل ما تسرب من معلومات ولولا ذلك لتم إعلان بنود الصفعة كاملة ودون مواربة،، ومن هنا فإن دوائر الإستخبارات الصهيوأمريكية تعي تماماً صعوبة استجابة الشعب الفلسطيني والعربي لمثل هذه الصفقة فالشعب الفلسطيني قاوم ورفض سابقاً كل سيناريوهات التوطين، وحتماً فإنه سيقف ضد هذه الصفقة وبقوة من منطلق أساسي ووحيد وهو حلمه بالعودة إلى فلسطين كل فلسطين، وبكل الوسائل وعلى رأسها الكفاح المسلح الذي يبدو بعيداً في زمن الترهل والتردي العربي، ولكن بارقة الأمل بالتحرير تأتي رسائلها قوية كنتيجة حتمية لانتصار محور المقاومة في سوريا ولبنان والعراق وقريباً في اليمن.

 

ابراهيم ابوعتيله - الأردن

 

 

saieb khalil2لقد ادهشتني نتيجة هذا الاستفتاء وكانت مميزة من بين كل "الصدمات" السعيدة التي تمر بين الحين والآخر، مخترقة غابة الخيبات والألم. إنه خبر كبير المعنى ومحمل بالأمل والرجاء للإنسان من هذا الوحش الرأسمالي الموغل في خنقه وابتزازه. وهو خبر يكشف كم نحن واهمون وكم هو حجم تأثير الإعلام في تحديده صورة العالم في عقولنا بالطريقة التي يشاء حين اقنعنا بأن الامريكان بشكل عام يصبحون مجانين عندما يتم الحديث عن الاشتراكية!

الخبر يقول إن "أغلبية" من الشباب الأمريكان الذين ولدوا بعد عام 1980 (بين 16 إلى 28 سنة) ويمثل هؤلاء أكبر الأجيال الأمريكية قاطبة، يفضلون الحياة في اقتصاد اشتراكي على الرأسمالي، بل ان نسبة منهم تفضل النظام الشيوعي! ولم يقم بهذا الإحصاء مركز إحصاء يساري، بل قدم هذه المعلومات مركز تابع لمؤسسة معادية للشيوعية هي "مؤسسة ذكرى ضحايا الشيوعية"، التي استندت إلى بيانات إحصائية قدمتها شركة "يوكوف" (YouGov). واستنادا إلى ذلك تبين ان أغلب الامريكان إن كان لهم الخيار لا يفضلون الانتقال إلى دولة اشتراكية على البلدان الرأسمالية لكنهم يفضلون لو كانوا يعيشون ضمن امة تطبق الاشتراكية.

والأكثر دهشة أن 7% فضلوا النظام الشيوعي ذاته!! وهو ما يجعل مجموع مفضلي الاشتراكية (44%) والشيوعية (7%) على الرأسمالية أكثر من نصف الشباب (51%) مقابل 42% للرأسمالية! ويؤكد هذه النتيجة أن 53% من "شباب الألفية" هؤلاء يرون ان الاقتصاد الأمريكي يعمل بالضد منهم" (1)

لقد تواترت الانباء خلال السنوات الماضية عن خيبة أمل شعوب أوروبا الشرقية بالرأسمالية ورغبة الكثير منهم بالعودة الى الاشتراكية، وهو ما تم منعه بتنظيم شيطاني اسمه "الثورات الملونة"، كذلك عرفنا العديد من الثورات الاشتراكية في اميركا الجنوبية والتي قمع بعضها أو قتل قادتها مثل شافيز بالسرطان، وكذلك الأمر في آسيا وأفريقيا، لكن من كان يتخيل ان نسبة من يريد الاشتراكية والشيوعية من شباب اميركا تزيد بشكل واضح عمن يريد الرأسمالية؟

الحقيقة ان ذلك الاستبيان لم يكن الوحيد الذي توصل الى تلك النتائج، لكننا لسبب او لآخر لم نطلع على تلك الحقيقة إلا الآن. ومن المحتمل ان لذلك علاقة بتحديد انتشار الاخبار "غير المناسبة" في الاعلام الغربي. فقد قام "المعهد الأمريكي للثقافة والإيمان" (The American Culture and Faith Institute) باستبيان لمن هم فوق الـ 18 حصل فيه على نتائج مقاربة. (2)

وكان معهد "كالوب" اقام استبيانا عام 2016 اكتشف من خلاله ان نسبة “مخيفة” تبلغ 55% من الامريكان تحت عمر الـ 30 عاماً يحتفظون بفكرة إيجابية عن الاشتراكية. كما بينت دراسة أخرى في جامعة هارفرد نشرتها الواشنطن بوست، بأن 51% من الامريكان البالغين تحت الثلاثين من العمر، "لا يدعمون الرأسمالية".(3)

وعن ذات الاستبيان كتب آخر ان الأمر "مقلق" حيث "يبدو ان الغالبية من الجيل الأكبر من الامريكان يفضل العيش في مجتمع اشتراكي او شيوعي على العيش في النظام الحر والدفاع عن حقوق الذين يعيشون تحت الأنظمة الدكتاتورية" مضيفاً "الشيوعية لا تعود.. لأنها لم تغادرنا ابداً. لقد نسيناها فقط. والآن وهي تطل برأسها القبيح مرة أخرى، بوضوح وبلا خجل، فيبدو إننا لن كون جاهزين لمواجهتها في هذا القرن كما فعلنا في القرن الماضي" (4)

ردود الفعل للكيانات السياسية التقليدية في اميركا مصاب بالقلق وتحمل عباراته التحريض والتهديد. فوصف "المعهد الأمريكي للثقافة والإيمان" هذا الأمر بأنه يمثل "تناقضاً كبيراً مع قيم الأمة الأساسية". ووصف موقع آخر هذه النتائج بأنها "زلزال ارضي في الرؤية السياسية"! (1) بل ذهب هؤلاء إلى نوع من التهديد: "هذا يتجه بنا إلى حرب أهلية".  

ويضيف المحامي ديفيد نعمو، ومدير تنفيذي لـ "جمعية القانونيين المسيحيين": "كيف وصلنا الى هذا الحال؟" يتساءل كاتب المقال ليصل إلى استنتاج مثير للاهتمام: "من الواضح اين ينمو مثل هذا الفكر وينتشر: في الكليات والجامعات! ايديولوجيات ذوي الشهادات العليا والمعلمين قد برهنت انها اقوى من الحقائق" مؤكداً "إنها أيديولوجية خطرة"

أي بعبارة أخرى، أن هذا الاتجاه ينمو بين أكثر طبقات الشعب الأمريكي ثقافة وعلماً! وهم الأقدر بلا شك على "تمييز الحقائق" من الأيديولوجيات. لكن القلق والغضب يعميان اصحابهما عن رؤية ذلك، فهم يقولون: "ان مجرد تخيل اميركا تصبح اشتراكية شيء مقزز وغريب على أولئك الذين حاربوا والذين ما زالوا يحاربون من اجل حرية السوق والقيم التراثية والمثل الرأسمالية. لم يعد باستطاعة المحافظين وذوي التوجه التراثي من الامريكان ان يفترضوا مسبقا ان جيرانهم يؤمنون بنفس ما يؤمنون به هم.... لقد تغير البلد"

وتعود لهجة التحريض على اتخاذ الإجراءات بقوة: "علينا ان نلعب اللعبة بشكليها: القصير المدى والبعيد المدى... على من يحبون هذه الأمة وقيمها العليا وتجربتها في الحرية، ان يواجهوا الأكاديميين والإعلاميين، وإلا فسوف لن يجدوا تلك "الامة الموحدة تحت الله" بعد الآن."

وأوضح موقع آخر: "نحتاج إلى القادة القادرين على ان ينهضوا ليعلنوا بفخر بأن رأسمالية السوق الحر تعمل بامتياز!"

ويشرح الموقع سبب تلك النتائج ويفسر شعبية برني ساندرز واليزابيث وارن بين الامريكيين، بأن هؤلاء تم تلقينهم "بأننا نتبع "نظام السوق الحر" في اميركا الحالية، بينما الحقيقة هي اننا لا نفعل ذلك ابدا. ومع تدهور الاقتصاد خاب امل الملايين بهذا النظام. فالأجور مجمدة او في انخفاض، تكاليف التأمين الصحي والعناية بالطفل والتدريس تستمر بالارتفاع بتسارع. الوظائف الثابتة تتحول الى عقود مؤقتة والمساعدات تنخفض. وظائف الطبقة الوسطى تتحول إلى اعمال خدمة منخفضة الأجور. ان مستوى الحياة التي عاشها اباء هؤلاء ورفاههم لم يعد ممكنا. خريجي الكليات مثقلين بديون الدراسة، ويعملون بالحد الأدنى للأجور، او يجاهدون في اعمال تدريب غير مدفوعة الأجر. والوظائف الممتازة تتجمع في المدن، حيث تضاعف ايجار المساكن ثلاث او أربعة مرات خل عقد من الزمن، فلا تستطيع أن تنتقل منها ولا تستطيع ان تبقى، فخارجها تتكاثر المراكز التجارية المتروكة والمصانع المقفلة. سنوات طويلة من تجربة نظام التعليم العام الفاشل اقنعت اعدادا كبيرة من الشباب بأن الحل لمشكلتنا الاقتصادية هو بالانتقال الى الاشتراكية. لكن ما نحتاجه هو ان نعيد اكتشاف الأسس التي جعلت اقتصادنا عظيما، لكن المشكلة هي ندرة القادة المستعدين للدفاع عن تلك الأسس." وفي النهاية يؤكد الكاتب وبطريقة تحريضية واضحة ولا تخلو من التهديد: "امتنا في مشكلة عميقة جدا، وهي تزداد سوءاً كل يوم" و "علينا الآن ان ننهض للدفاع عن مستقبل امتنا وإلا فقد نستيقظ لنجد بأن الوطن الذي احببناه كثيرا، قد اختفى الى الأبد"

الإشارة الى فشل التعليم العام في اميركا أساسها ان التعليم الخاص يسحب كل المعلمين الجيدين وان تخصيصات التعليم العام ضعيفة جدا، مما يجعل ميزة كبيرة للأغنياء القلة في فرص النجاح. أما "ندرة القادة المستعدين للدفاع عن تلك الأسس." فلم تأت من الهواء، إنما لأن "تلك الأسس" لم يعد سهلا الدفاع عنها!

الكاتب يعطي بالفعل الأزمات التي تسببت في صحوة المتعلمين لحقيقة النظام الرأسمالي، لكنه يقف على رأسه ويدعي ان السبب في تلك الأزمات ليس الرأسمالية ذاتها و "حرية السوق" بل هو "نقص الرأسمالية"! وهو تخبط مضحك، فتلك الأزمات اقل بكثير في البلدان التي فيها "نقص أكبر بالرأسمالية وحرية السوق" مما في أميركا، مثل الدول الاسكندنافية! لكن تشويه الحقائق وليها ليس مستغرباً من المحللين الرأسماليين. فالرأسمالية خطأ كبير، والطريقة الوحيدة للدفاع عن الخطأ هي الاحتيال على الحقائق، واللجوء الى التحريض والتهديد.

علينا ان ننتبه الى نقطة مهمة، وهي ان هذا الانتصار للاشتراكية قد تحقق رغم كم مهول من التشويه الإعلامي الذي تتعرض له فكيف لو انها حصلت على إعلام محايد؟ إنني افترض ان 80% لن يكون رقما غريباً عليها!

إنها اخبار جميلة، بل رائعة، وانتصار عظيم للعقل على ماكنة الإعلام، يدفع الى التفاؤل، وعلينا ان نتذكرها دائما، فما احوجنا الى كل قطرة تفاؤل. فنهاية هذا النظام الأمريكي وإقامة الاشتراكية مكانه أو على الأقل نظام اقل وحشية في رأسماليته، هو الأمل الوحيد لنا ولكل البشرية، ونرجو ان لا يتأخر ذلك كثيرا وأن يأتي ذلك اليوم قبل خراب المزيد من البلدان وثروات الأرض وبيئتها. إنها نبتة ثورة أكتوبر تورق من جديد بعد مئة عام!

 

صائب خليل

..................

(1) TASS: World - American Millennials prefer socialism to capitalism — poll

http://tass.com/world/974155

(2) Socialism -- Polls Indicates Its Alarming Rise in Public Opinion

http://www.nationalreview.com/article/445882/socialism-polls-indicates-its-alarming-rise-public-opinion

(3)Percent Of Americans Now "Prefer Socialism To Capitalism"

http://www.zerohedge.com/news/2017-09-05/40-percent-americans-now-prefer-socialism-capitalism

(4)Poll: More millennials would prefer to live under socialism than capitalism

http://www.theblaze.com/news/2017/11/02/poll-more-millennials-would-prefer-to-live-under-socialism-than-capitalism

 

 

saieb khalil2الأشياء تتقلب في عالمنا بسرعة تبعث على الدوار، فكيف نتصرف وكيف نضمن سلامتنا وسلامة وطننا في عالم يستعصي على العقل الإمساك به وتوقع الخطوة القادمة؟

الحدث المدهش في لبنان يكفي وحده لإثارة الرعب في نفس من يتأمل في معاني الأحداث واستنتاجاتها، حين لا يستطيع رئيس حكومة دولة مستقلة أن يأمن على نفسه ان يؤخذ اسيراً في دولة تستدعيه بشكل عاجل ويضطر الى قراءة "اعتراف" كتب له ليقرأه ويناقض كل ما كان يتحدث به قبل يوم واحد، حين كان يجتمع بمسؤولي من اضطر إلى اتهامهم بالتآمر واخترع قصة تهديد باغتياله لم يكن عليها اية مؤشرات، وكان على موعد في اليوم التالي مع ممثلي صندوق النقد الدولي وغيرها كثير.

إنها لا تعني لبنان.. إنها تعني: أننا نعيش في عالم يمكن لرئيس حكومة دولة ان يختطف بهذا الشكل! وهي تعني ان من يدير المنطقة قادر على تنفيذ إرهاب لا يأمنه حتى رؤساء حكوماتنا، وأنه قادر على ابتزازهم إلى ابعد الحدود! وأن من المحتمل ان هذا قد تم بالفعل دون اثارة ضجة كما حدث مع الرئيس الحريري. فما حدث لهذا الرجل، هو الجزء الذي أتيح لنا ان نراه من "جبل الثلج" الغاطس، أما معظم ما يجري ويحدد مسار الأمور، فيجري تحت الماء، ولا يصلنا منه إلا مظاهر تدل عليه، ودون ان نستطيع ان نفهم اتجاهات التيارات التي تسبب ذلك، ولا ان نحسب حسابها، وأين ستضرب في المرة القادمة.

طبيعي أن حادثة الحريري لم تكن المفاجأة الوحيدة وإن كانت أشدها قوة. ففي العراق، وبدون اية مقدمات، نرى ذات الجيش العراقي الذي تراجع في كل مواجهة مع كردستان سابقاً، يستعيد كركوك وأراض أخرى بل ويستعيد السيطرة على المنافذ الحدودية التي كانت بيد كردستان منذ احتلال الأمريكان للعراق بل وقبل ذلك. وبالمقابل تحولت البيشمركة فجأة من قوة تتحدى وتسخر من الجيش ومن كل رئيس حكومة حتى اليوم، إلى مجموعة ذاهلة متباكية لا تبدي اية مقاومة! وتحول الموقف الأمريكي الذي كان يقف مع كردستان في كل ابتزاز لها لحكومة بغداد، موقف المتفرج إن لم نقل "المدير" لذلك الاختراق، تاركاً هراوته الضاربة، وهو يقدر بكلمة واحدة ان يوقف كل شيء. وتحولت كردستان أيضا فجأة من ذلك الإقليم "المختار" الذي يحكم بغداد ويزيح هذا (الجعفري، ثم المالكي) ويعني ذاك (العبادي) متجاهلا حتى نتائج الانتخابات، (بدعم أمريكي مباشر طبعا)، الى مجموعة محافظات متنافرة هشة.

إن خير ما يصف وضعنا هو ما يصف وضع من يصطدم بمفاجآت كبيرة غير متوقعة وخارج السياق، فلا يجد في ذاكرته احداثا مشابهة في الماضي تساعده على تحديد ما يعالج الموقف به. أي أننا في حالة "صدمة".

ولا تقتصر المفاجآت وجبال الثلج على منطقتنا بالطبع، فانتخاب ترمب مفاجأة كارثية صادمة بالتأكيد. وربما كان هناك الكثير من المفاجآت الأخرى التي لم نستطع متابعتها مثل خروج شخصية مجهولة تافهة أخرى لرئاسة فرنسا وغيرها. لنكتف بما في منطقتنا مع ملاحظة انها قد لا تكون الوحيدة في هذا الأمر.

كيف نتعامل مع هذه الأمور الغامضة والصدمة التي تسببها؟ إحدى الطرق هي ان نستسلم للسعادة التي تأتي بها هذه الأحداث أو للرعب، حسب موقفنا. في العراق استسلم عربه لسعادة التصور بأن ما حدث كان نتيجة تحول "سحري" لشخصية رئيس حكومتهم العبادي، فتحول من موضع سخرية ومرارة، إلى فارس يحقق لهم الانتصارات بجيشه الباسل، ويعيد الحدود إلى مكانها. وربما استسلم الكرد للرعب وتصوروا ان البيشمركه وقادتهم السياسيين قد تحولوا الى جبناء فجأة وأن اميركا صارت ضدهم. ولا يوجد أي تفسير يدعم مثل هذه الخيالات اللذيذة من ناحية والمرعبة من الناحية الأخرى. فالجيش العراقي هو ذاته الذي سلم المدن الكبرى والأسلحة لداعش بلا قتال مرة، وهو الذي استعادها تحت قيادة التحالف (ومع الحشد)، ولم يعاقب نفر واحد من خونته، ورئيس الحكومة هو ذاته ولم يسجل التاريخ يوما مثل هذا التحول في اية شخصية، كما ان شيئا لم يحدث ليبرر انقلابا في الموقف الأمريكي.

الطريقة الأخرى للتعامل مع الموضوع هي أن نحاول أن نفهم قدر الإمكان ما يجري حولنا، وأن نفهم أيضا أنفسنا وردود افعالنا لنوجهها بالشكل الصحيح. أي ان ندرك أننا في حالة "صدمة" قبل كل شيء، وأن هناك من يدير تلك الصدمات ويهدف الى شيء ما من ورائها. وليس هناك صعوبة في معرفة من يديرها، فلا توجد في العالم سوى دولتان قادرتان على انجاز مثل تلك المشاريع. فما هو الهدف من الصدمات أصلا؟

كتاب "عقيدة الصدمة" لنعومي كلاين يشرح لنا أن الهدف هو تمرير مشاريع مرفوضة من قبل الشعب، بأخذه "على حين غرة" وهو مشغول بالصدمة ومشلول بها. وشرحت كلاين كيف استخدمت اميركا الصدمات الطبيعية مثل الأعاصير وبقية الكوارث الطبيعية لتمرير مشاريع خصخصة في اميركا شملت المدارس والمؤسسات الصحية وغيرها من الخدمات في نيو اورلينز بعد إعصار كاترينا. واقتبست من طواغيت المال ومنظري الليبرالية تصريحات تدل على سعادتهم بتلك الكوارث ودعوتهم لاستغلالها قبل ان يستفيق الشعب منها. وشرحت كيف استخدمت صدمة الانقلاب في شيلي لنفس الأهداف وكذلك الأمر في الدول الاشتراكية السابقة لفرض اقتصاد ليبرالي متوحش بالرغم من إرادة شعوبها.

ونحن في الحقيقة لا نملك اية فكرة عما يوقعه العبادي من اتفاقيات قروض وما هي شروطها. لكننا نستطيع ان نرى انه يستمر بتمديد الخصخصة لتشمل الجامعات والكهرباء وغيرها. ولا نتوقع ان تكون الأهداف الاقتصادية هي الوحيدة في بال أميركا، فالعراق المستهدف من إسرائيل يختلف عن شيلي والبرازيل ودول أوروبا الشرقية، ويتوجب إنزال تحطيم اكبر به.

وماذا نفعل؟

تكتب الكندية نعومي كلاين في كتابها "الرفض وحده لا يكفي"، والمخصص أغلبه لمواجهة صدمة ترمب، أن مواجهة هجمة الصدمة تتكون من مرحلتين: المرحلة الأولى هي الخروج من جو الصدمة من اجل فهمها. والمرحلة الثانية هي بناء استراتيجية مواجهة على أساس هذا الفهم.

الخروج من حالة الصدمة بالسرعة الممكنة أمر ضروري للتمكن من النظر إليها من خارجها وفهمها ليتمكن الإنسان من التفكير وقياس قوة عوامله بشكل حقيقي لا يشوهه الخوف أو السعادة. أما المواجهة فتعتمد على فهمنا لمواصفات الصدمات بشكل عام، ولخصوصية الصدمة الموجهة إلينا بشكل خاص.

الخروج من الصدمة يتم بإدراكنا للصدمة الموجهة الينا. ثم بتمييز الحقائق الأساسية ذات الخطوط العامة والتمسك بها، ورفض الانجرار للتفاصيل بدون مبرر. ورفض الإغراءات بالتفسيرات "السعيدة" غير المفهومة وكذلك رفض المبالغة بالخوف وتحويله الى رعب. أن نبقى على ثقة بأننا قادرون على مواجهة المؤامرة إن لم تفقدنا الصدمة رشدنا. فمن يهاجمنا يحتاج اليها كما يبدو وإلا لما جاء بها، وبالتالي فأن خطته لن تنجح بدون تأثيراتها التي يأملها، علينا. بهذه القناعة نستطيع أن نمتص المفاجأة التي تعتمد عليها حرب "الصدمات".

السلاح الآخر الذي تعتمد عليه الصدمات هو "التشويش"، وعدونا يمتلك إعلامنا امتلاكا تاماً، كما يتضح من الكمية المهولة من الاخبار الكاذبة التي تنتشر فيه، والقناعات الخاطئة التي تم زرعها في لا وعي الناس. وعلينا، كما هو الحال عند من يعاني من صعوبة الرؤية في الضباب، أن يحاول ان يزيد من التشكك والأسئلة ومراجعة مصداقية الأخبار، وان يحتفظ على الأقل بالخطوط العريضة للطريق. وتلك الخطوط هي ما نعرفه من حقائق تم فحصها طويلا. فهي تخبرنا بأن اهداف أميركا وإسرائيل هي تحطيم هذه البلدان. تقسيمها، وتجزئتها، بكل معاني الكلمة. جغرافيا (الأقاليم والانفصالات وفصل احياء السنة عن الشيعة وفكرة المدينة الخاصة بالمسيحيين) وإعلاميا (أن تنعزل كل جماعة بوسائل إعلامها الخاصة ولا تتحمل رؤية الأخرى) وعاطفيا ومذهبيا وتاريخيا (بالتزوير) وتشريعيا (القانون الجعفري) وعسكريا (رفض الحشد، والترحيب بالحرس الوطني الخاص بكل محافظة، الذي جاء به العبادي) وهكذا. لذلك فعلينا الانتباه إلى كل حركة والبحث عن تأثيرها في هذا الهدف، فإن كانت تخدمه، علينا ان نقف بوجهها.

الأمر الثاني الأكيد الذي تريده اميركا وإسرائيل هو القضاء على الحشد، أو تحييده وإلغاء دوره. ورغم انها نجحت حتى الآن في وضعه تحت اشراف العبادي ورجلها فالح الفياض، ورغم الأخطاء السياسية الكثيرة المؤسفة لقادة الحشد، فقد فشلت المحاولات حتى الآن في التخلص منه، رغم انهم جندوا حتى الأمم المتحدة لهذه المهمة، وليس فقط ذيولهم المحلية والإقليمية. لذلك فعندما يصرح سياسي بعد عودته من إحدى الحجات الى اميركا او السعودية، بأن الحشد "لن يشارك في الانتخابات"، فعلينا ان نفهم انه استلم تعليمات محددة حول الموضوع، وأن هذا التصريح ليس سوى الخطوة الأولى.

علينا ان نراقب أية حركة تحت الماء، ونطالب بتفسيرها إن لم تكن مفهومة. ما الذي وقعه العبادي مع وفده المهول في السعودية؟ لماذا لا يوجد تغطية إعلامية لما يحدث؟ ولماذا يسافر رئيس اركان الجيش العراقي لوحده الى السعودية؟ الا يتم التفاهم حول داعش في قيادة القوات المشتركة؟ هل هناك خطة لمناورات عسكرية مثلا؟ لا.. إذن لماذا؟ علينا ان لا نترك السؤال. وعلينا ان نواجه بالريبة من يحاول ان يقنعنا بأنه يأخذنا الى مستقبل وردي، لا أساس له.

وهجمات الصدمة تسعى لتمرير مشاريعها باستعمال بالونات كبيرة لها شكل مخيف، لكن معظم حجمها يتكون من فراغ من الداخل.. سواء كانت ذات شكل إرهابي مثل تويترات السبهان المهددة للبنان، أو مغرية مثل مشاريع السعودية الخرافية لتحويل صحارينا الى مزارع خضراء يعمل فيها ملايين العراقيين. ستكون مهمة ذيول من يدير الصدمة (الساسة السعوديون وساستنا الذين يحجون اليوم الى السعودية وأميركا) تسويق هذه البالونات لنا على أنها أشياء حقيقية وكبيرة ويدعونا للتصرف على أساس ذلك. وأمل اسيادهم ان لا نكتشف الحقيقة إلا بعد فوات الأوان. فما الهدف إذن؟ لا نعرف لحد الآن لكنه بدون شك، مشروع مرفوض من الشعب، ومهما كان غريبا وخيالياً، فسيكون أقل غرابةً من المشروع الخرافي الذي يغطى به، بأن تستثمر السعودية لتشغيل ملايين العراقيين (ملايين!) في زراعة صحرائهم، وتترك صحاريها الواسعة وعاطليها عن العمل!

علينا أيضا ان ننتبه الى معاني العبارات الحقيقية وفق ما تستعمل به. فالدعوة لـ "عودة" العراق الى "محيطه العربي" تثير الشبهة حين تصدر من تيلرسون الصهيوني. ولو انتبهنا الى المقصود بـ "محيطه العربي" فلن نجد دولاً عربية تؤمن بالعروبة وتسعى لوحدة العرب وتحقيق مصالحهم، وإلا لكان تيلرسون قد جن جنونه منها. لكن المقصود به مجموعة دول عربية موضوعة في قفص دجاج لتبيض الإرهاب لإسرائيل، حتى يحين موعد ذبحها. ودعوة العراق هي لدخوله الى هذا القفص!

يجب أن يعرف الشعب العراقي أعداءه المقنعين، وينتبه لأدوارهم وبالوناتهم إن لم يكن يريد أن ينتهي في قفص الذبح هذا. عليه ان يعتمد على نفسه وعلى الصامدين الذين عرفهم وخبرهم. فالذيول مازالت هي الذيول، ولم تفقس الفرسان، وهي غير قادرة على قول "لا". إن مهمتهم تسويق المشاريع التي ذكرناها، وخداع الشعب. هذه البالونات يجب كشفها وكشف أصحابها ولتحقيق ذلك فعلينا ان نجد "الدبوس" المناسب لكل بالون، ونغرسه في الوقت والمكان المناسب لتفجيره.

 

صائب خليل

 

 

mohamad husanaldaghstaniلا يمكن لأي منصف أن يقلل من حجم الإنجازالمهم الذي حققته الحكومة في بغداد على يد قواتنا المسلحة العراقية والتشكيلات المسلحة المتحالفة معها على صعيد تصفية الكيان الداعشي على أكثر من ثلثي مساحة العراق، وإستعادة العديد من مصادر الثروة النفطية في ارجاء مختلفة من البلاد من بين براثن هيمنته، فضلاَ عن بسط نفوذها على مساحات جديدة من الأراضي وممارسة السيادة عليها .

ورغم أن هذه الحصيلة المميزة لم تكن نتيجة لجهد عراقي خالص وإنما هي أيضاً ثمرة دعم ومشاركة وإسناد لحكومات دولية وإقليمية وظفت قدراتها على هذا السبيل بالنظر لتداخل مصالحها في هذه المرحلة مع المصلحة الوطنية العراقية، إلاّ أن ذلك لم ولن يحول دون تجيير النتائج لصالح المستقبل السياسي للقائمين على شؤون وتيسير دفة البلاد وتحسين صورهم لدى القاعدة الشعبية والإشادة بحكمتهم وصبرهم وقدرتهم على التكيف مع المستجدات في الميدان أولاً بأول .

ولاشك أن السؤال الكبير الذي يشغل أذهان الجميع هو : ماذا بعد مرحلة داعش؟ وهل يمكن للعراق أن ينجح في مجابهة التحديات المستقبلية، والسعي الحثيث نحو الإستقرار والتنمية وإعمار المدن المنكوبة، وإحياء دوره السياسي والقومي على الساحة العربية والدولية، أم سيعود (لا سمح الله) الى المربع الأول عندما شرع بخطواته العسيرة بعد العام 2003 بسبب التلكأ في توظيف نجاحاته وتفاقم أزماته الداخلية العميقة ؟

ولكن لنحدد إبتداءُ وفق منظورعام .. ماهي التحديات الإستراتيجية الأبرز التي على العراق أن ينجح في تجاوزها وإيجاد الحلول الناجعة لها ؟

من الضروري التأكيد هنا على معضلة سبل تغييروحسم المفاهيم السائدة في كيفية إرساء علاقة وطنية متينة ما بين الحكومة الإتحادية وحكومة إقليم كوردستان، وقلع جذور الفساد والعنف اللذان يشكلان الغول الذي يبلع القدرات ويهدد الإقتصاد ويمزق النسيج الأهلي دون رحمة، ومحاربة وحصر تأثير الأفكار المتطرفة بشتى أشكالها الدينية والعنصرية على مساحة واسعة من العقل المجتمعي وفي المقدمة منها على قناعات الجيل الناشيء التي تقع ضمن الأولويات الأكثر إلحاحاً في هذه الفترة بعد أن يتوقف أزيز الرصاص وهدير الدبابات والمدافع والطائرات وتبدء تباشير مرحلة جديدة .

فعلى صعيد العلاقة مع حكومة الإقليم فإن من الخطأ الجسيم إعتماد منطق المنتصر والمهزوم في التعامل المشترك، كما أن النظر الى الأزمة القائمة بزاوية استعلائية والإحساس بالعظمة أوالإستقواء بالآخرين على ضوء التطورات في المنطقة لن تكون مجدية أو عقلانية مطلقاً، لأنه سيتمخض عن هذا الأسلوب رد فعلٍ طبيعي بإتجاه الرفض والشعور بالقهر والإستلاب وهدر الكرامة، وبالتالي فإن الحل الأكيد يكمن في توفير بيئة جدية وصارمة يتم في ظلها تحديد واجبات الحكومة الإتحادية وإلتزاماتها الدستورية تجاه الإقليم وكذلك الحال مع حكومة الإقليم التي عليها التفاعل مع المركز وإداء الواجبات الملقاة على عاتقها بعد أن تنال حقوقها المشروعة لإبعاد مخاطر الصراع الداخلي والتدخلات الخارجية المشبوهة ومنع جهود المتصيدين في الماء العكر وتسميم الأجواء المحتقنة أصلاً .

أما فيما يتعلق بإقرار حملة مُحكمة لمحاربة الفساد المستشري في مفاصل الدولة ومؤسساتها فإنها مرهونة بالتحلي بعزيمة صلبة وشجاعة إستثنائية من لدن الحكومة، فالحرب على الفساد لا يقل بأساً ولا خطورة عن المعارك النوعية الفاصلة، ذلك لأنه إستطاع خلال السنوات الماضية من خلق قاعدة قوية تأتمر بأمر عرابيه، وصنع مافيا شريرة ترعب الآخرين بابشع الممارسات التي ترتقي أفعاله الإنتقامية حتى الى القتل بدم بارد وتجريد الشعب من جلَ موارده، وخلق طبقة شرهة وقاسية وعنيدة من اللصوص والطارئين والمنتفعين، حولت العراق من بلد غني كان من أقوى إقتصاديات المنطقة الى مجرد كيان ضعيف منهك تعصف به الأزمات وتسير بخطى وئيدة نحو الهاوية الحتمية .

لقد إستغل دهاقنة الفساد بذكاء مفرط التسهيلات الخارجية التي إتيحت له والهادفة الى تمزيق الوطن وإقتصاده، كما وإستطاع التغلغل الى المفاصل الحاكمة في المجتمع، وإمتلك السلاح والرجال لحماية مكاسبه وممارسة نشاطاته في وضح النهار دون وازع أو خوف، بل وفرض النظم والتعليمات والتوجيهات التي تتناسب مع طموحاته وأهدافه المدمرة .

أما على صعيد مكافحة الأفكار المتطرفة فإن على الدولة أيضاً أن تعيد النظر في التعامل مع المواطنين بحيادية وليس وفق سلم الدرجات المتباينة، وإستلهام مواد وأحكام الدستور في كون المواطنين سواسية أمام القانون، وإلغاء المناهج التعليمية المشوهة، ووقف فعاليات المراكز والمؤسسات ووسائل الإعلام التي تروج للمارسات الطائفية والعنصرية والعقائد المتطرفة التي تتناقض مع سماحة وعدالة الفكر الإسلامي المعتدل، ثم العمل على إشاعة روح التعاضد الوطني والإعتزاز بالهوية الوطنية العراقية .

إن مواجهة تداعيات هذه التحديات الحقيقية والإسراع بوضع الحلول للأزمات هي مسؤولية وطنية ملحة، وواجب مقدس، وضمان للتواصل مع تطلعات الشعب، وفعل يؤدي الى إيقاد شعلة الأمل التي تنير درب السائرين نحو نهاية النفق المغلق .

 

محمد حسين الداغستاني

 

 

mahdi alsafi2السياسة ليست مجالا للعبث او المغامرة او الاختبار، انما طريق العقلاء لبناء الامم والحضارات والدول وتنمية المجتمعات، هي ليست مفهوم او نظرية او أيديولوجيا حديثة، انما تراث وثقافة اجتماعية قديمة قدم الانسان والحضارات، تتجدد وتتطور وتتنوع وفقا للفكر والنهج والبرنامج والبيئة والتراث والاخلاق والظروف المحيطة،

وقد ذكر في القران الكريم العديد من الايات المقدسة حملت عبارات الامة والقبيلة والشعوب والملة والجماعة والاصحاب (الخ.)، وهذه المكونات لاتجتمع الا بقيادة السياسة، وان اختلفت النسب والتوجهات والاسباب،

الا ان البشر وغالبية دول العالم (المجتمعات امم وشعوب) لاتأخذ بتلك الشروط الموضوعية المعرفية، ولاتؤمن بهذه الحقائق والمفاهيم الاخلاقية، فهي تعمل بالقوة الظاهرة على السطح، وبالمصالح الشخصية والاسرية والفئوية والاثنية، وتعدها احد الوسائل والضرورات الحتمية لقيادة الدولة والمجتمع،

اي تتجرد غالبا من القيم والمبادئ وحتى ابسط الشروط الانسانية الطبيعية، فتصبح كالوحش الذي يريد ان يبتلع كل من يقف بطريقها، تعتمد سياسة الخديعة والتلاعب بالمفاهيم والخيانة والغدر والكذب والتأمر والتلفيق والتجني والكيل بمكيالين( الخ.)،

لان الانا والذات الانتهازية ودوافع او نوازع قوى الشر تكون اقوى واشد قسوة من ادوات واساليب التوجهات الاخلاقية المقابلة او المعاكسة لها من النخب الواعية المعنية بالقضايا الانسانية العادلة، المهتمة برفع درجة ثقافة ووعي الانسان في كل بقاع الارض دون استثناء، هؤلاء الذين نطلق عليهم عقول المجتمعات وكفاءاتها...

بعد عام ٢٠٠٣اندلعت مباشرة اعمال عنف خطيرة في العراق، ثم تصاعدت فجأة لتصبح حرب ارهابية واهلية مدمرة، استخدمت فيها ابشع الطرق الاجرامية في التنكيل بالشيعة (وبقية الاقليات من العرقيات والاثنيات المختلفة) وضد كل من يتعاون مع مايسمى" بالعراق الديمقراطي الجديد"

لكن سرعان ما انتشرت شرارة العنف والفوضى لتشمل دول عربية اخرى(تونس مصر ثم ليبيا واليمن )تحت راية وشعار الديمقراطية الامريكية، المشروع الامريكي الكبير الذي اطلق عليه"مشروع الشرق الاوسط الجديد"،

تغيرت بعدها خارطة التغيير السياسي للادارة الامريكية، وبدعم خليجي وتركي مباشر(السلطة العسكرية التركية السابقة) منتقلة الى سوريا، بعد ان تم اسقاط جمهورية مصر العربية مؤقتا في شباك حركة اخوان المسلمين العالمية، انتشرت الاحداث كالنار في الهشيم في بلاد الشام، وكأن العملية والمشروع الارهابي معد له سلفا (سواء كانت من اجل مد انابيب الغاز او لمحاصرة ايران وحزب الله في لبنان فهي حرب منسقة ومرتب لها مسبقا كما قلنا)، اذ انفتحت خزائن الدعم اللوجستي العسكري والمالي والاعلامي والدولي بشكل كبير، وقد خرجت كل تلك المعلومات الى العلن بعد الازمة الخليجية مع قطر(رفعوا خلالها شعارهم وشرطهم الوحيد رحيل الاسد واسقاط النظام)

اختلفت الامور كثيرا وتغير مسار التفاؤل حول ماكان يقال في الاعلام العربي والعالمي بأن رياح الربيع العربي التي بدأت تعصف بالمنطقة ستجلب الديمقراطية المعلبة للشعوب المضطهدة، الا انها تحولت الى مؤامرة كبيرة في سوريا يراد منها تقسيم الدول العربية واعادة ترتيب سايكس بيكو جديد...

كان اغلب المحللين السياسيين يعرفون جزءا من خيوط التأمر والتلاعب بالاسباب والحجج المقدمة من قبل الولايات المتحدة الامريكية، وبعض دول الخليج المتورطة بدعم الجماعات المسلحة وقيادات عراقية بعثية وطائفية في سورية لاحداث تغييرات جوهرية في انظمة الحكم لتلك الدول،

وبأن ترك الهلال الشيعي الذي سيمتد من ايران الى لبنان عبر العراق وسوريا، سيسمح لايران بفرض سيطرتها وقوتها وشروطها في المنطقة،

ولهذا يعد الاتفاق مع اسرائيل مبررا لايقاف المد الايراني (الشيعي في الخليج، وكسر خط تواصل هذا الهلال)، على اعتبار ان المصالح الخليجية الاسرائيلية تلتقي في جبهة واحدة امام عدو مشترك مفترض هو ايران!

بينما الذي لانعلمه هو ان الخليج بعد ان كان لعقود منذ رحيل الاستعمار البريطاني والفرنسي من البلدان العربية، لم يتورط او ينخرط مباشرة بالاندفاع القومي العربي خلف شعارات التحرر والمقاومة والاصلاح والتأميم الذي قادته الحركات التحررية العربية كحركة الضباط الاحرار (مصر والعراق وسوريا) بزعامة عبد ناصر في مصر (عدا مايعرف بأزمة الحصار النفطي الخليجي ايام الملك فيصل بن عبد العزيز ال سعود)،

كيف ولماذا اندفعت بقوة هذه الدول المسالم اهلها بعد سقوط نظام البعث الصدامي في العراق، ورحيل حسني مبارك عن رئاسة مصر في كل تلك القضايا والازمات والفتن والفوضى في المنطقة الغنية بالثروات،

ولماذا تصر على معادات ايران وفتح جبهات صدام معها دون مبرر،

فالسياسة الايرانية مسخرة لخدمة القضايا العربية في فلسطين ولبنان وسوريا والعراق واليمن ولبنان، دعمت ايران هذه الدول دون مقابل،

صحيح انها تواجه عدوا شرسا لايقبل بقوة قريبة منه تقترب من قوته العسكرية كما يعتقد هي سرائيل،

لكن هذه المبررات لاتنطبق على الرؤيا العربية المنطقية لمستقبل العلاقات التنموية المطلوبة في منطقة الخليج،

لانعلم:لماذا تم دعم داعش والارهاب والتطرف،

 ومن ثم معاداة ومحاصرة قطر، واخيرا استدراج رئيس وزراء لبنان سعد الحريري الى الرياض ليخرج بعدها ببيان اوخطاب استقالة قومي عربي استغرب منه تياره واللبنانيين، بعد ان وردت فيه كلمات وعبارات مستجدة وحديثةعلى مسامعهم (ومن ثم اختفاءه اوكما يقال احتجازه في السعودية في ظروف غامضة وغريبة على البروتوكولات السياسية الرسمية الدولية، مما دعا الرئيس اللبناني عون ان يمهل السعودية اسبوعا واحدا للافراج عن رئيس الوزراء او التقدم بشكوى اممية)،

هذه الاساليب الملتوية في العمل السياسي هي ليست بعيدة عن التراث البدوي العربي(وبالاخص في شبه الجزيرة العربية التي يزخر تاريخها بظواهر الفتن والتصفيات والحروب والصراع من اجل رئاسة القبيلة اوالعشيرة اوسدة الحكم)،

اذن لماذا نقول ويحتار معنا اغلب المحللين السياسيين في الطريقة التي تدار بها شؤون الخليج العربي بعد رحيل الملك عبد الله ملك السعودية والشيخ زايد رئيس دولة الامارات المتحدة رحمهم الله، ونؤكد بأننا يمكن ان نعلم جزء او نصف حقيقة التدخلات الخليجة في ملفات الدول العربية الكبرى المهمة (العراق سوريا اليمن وليبيا واليوم في لبنان)، ونتابع الاخبار والتقارير التي تشير اسباب التقارب الواهية مع اسرائيل في مواجهة ايران، بينما تقترب الدولتين الشقيقتين العراق وسوريا ومعهم العالم بالاحتفال بأعلان النصر النهائي على قوى الشر والارهاب، بعد ان اقتربا من بسط سيطرتهم الكاملة على كامل الاراضي العربية التي كانت تحت سلطة الارهاب البربري المتوحش،

لا شيء يمكن ان يستند عليه المحلل لمعرفة اسباب تلك التوجهات الخاطئة، فجمهورية روسيا الاتحادية تدخلت في سوريا لحماية مصالحها، بينما لايرى الحكام العرب في الخليج اية مصلحة لهم في جبهة الشام المتقدمة في مواجهة مشاريع التقسيم، والتصدي للطموحات التخريبية عبر احياء مايسمى حلم دولة اسرائيل الكبرى من النيل الى الفرات، وكذلك منع قيام دولة كردية من القامشلي والرقة السورية ممتدة الى عمق وسط العراق مع سلسلة جبال حمرين،

هذه الاسئلة ايضا تأخذنا الى حملات التصفية الداخلية للبيت السعودي الحاكم من قبل ولي العهد محمد ابن سلمان بذريعة محاربة الفساد المستشري داخل الاسرة الحاكمة الكبيرة، قد تكون هذه الذريعة مقبولة، لكن ان تأتي بهذه الطريقة العشوائية، التي خلعت من قبل ولي العهد ابن نايف، واعتقلت كبار رجال الملك من اهل الشورى والرأي كما يقال، لاتعطي مؤشرا على انها جزء من خطة الاصلاح ورؤية ولي العهد التنموية المطروحة سابقا (مشروع نيوم ٢٠٣٠)، وبأن هذه الاجراءات مجرد شأن داخلي بحت، وهي بداية لمشروع اصلاحي ثوري في المملكة، بينما الادلة الكثيرة تعطي انطباعا جديدا بأنها عملية تدخلات جديدة في شؤون الدول الاخرى كما يحصل في ازمة استقالة رئيس وزراء لبنان والتصعيد الاحادي ضد ايران وحزب الله......

التخبط السياسي الذي ادى الى تقسيم الدول العربية الى عدة محاور، محور متطابق في وجهات النظر والمصالح مع روسيا وايران، ومحور اخر يرى في ترامب صورة بوش الابن، الذي يمكن ان يدفع ويجر ويمرر من خلاله مشروع حرب ثالثة في الخليج الفارسي هذه المرة، وليس العربي منه،

 تحت اية ذريعة لاسيما انه تعهد مرارا وتكرارا بألغاء الاتفاق النووي الدولي-الامريكي مع ايران ...

المخاوف الخليجية من التفوق العسكري والنووي والاقتصادي الايراني، يمكن تبرير قسم منها، على اعتبار ان بعض هذه المخاوف هي حالة طبيعية، اقرب الى الحالة المشروعة في مسألة توازن قوى المنطقة، وسبل اثبات الوجود والحاجة الى ابراز القوة المتكافئة ضمن اطار التنافس الدولي المتبع بين مختلف دول العالم (كصراع الامبراطوريات والحضارات او مايسمى امريكا بصدام الحضارات)،

لادخل للعواطف والاديان والطوائف والعلاقات الاجتماعية او التاريخية فيها، انما هكذا هي السياسة والاقتصاد والقوة،

بل حتى في مجالات الزراعة والصناعات التقليدية والتجارية تجد للسياسة والقوة تدخلا مباشرا فيها، هذه حالة طبيعية فطرية ولدت منذ ان تكونت المجتمعات والامم،

العالم كله يدار بالثالوث المحكم الاركان السياسة القوة الاقتصاد، الا ان الدول العربية تسجل تراجعا مخيفا وكارثيا في جميع تلك المجالات الحيوية، عبر سياسات غريبة لايمكن التكهن بها وبنتائجها المستقبلية، الشعوب وحدها هي من يدفع الاثمان الباهضة جراء تلك المنزلقات الخطيرة، التي تعتمد على ثقافة صناعة العدو الوهمي، وهو جزء من نظرية تصدير الازمات الداخلية الى الخارج، بغية تنفيذ اجندات ومخططات كبيرة ليست لها علاقة بما يشير اليه المسؤولون عن تلك المشاريع (التي تعرف على انها استراتيجية او مصيرية)، اويروج له الاعلام الرسمي او المأجور، حتى وصلت الامور تماما الى مرحلة الضبابية الشاملة في سلوك بعض هذه الانظمة (كان دكتاتور العراق صدام اذا اراد ان يزور موقعا معينا او مدينة او محافظة تقوم اجهزته الامنية بالترويج وتوجيه الناس الى جهة او منطقة وهمية اخرى ايحاءا منهم بأنه موجود في هذا المكان ثم يخرج في منطقة وموقع اخر)، اليوم تضرب سوريا والعراق واليمن ويهدد حزب الله لكن الغاية والهدف الاساسي ايران وقوتها العسكرية وبرنامجها النووي.....

على جميع انظمة الخليج ان تغير من اداءها السياسي المستند الى الثقافة البدوية المتحجرة، وان تبدأ بمرحلة تنموية شاملة تنقذهم من التراجع الرهيب امام دول المنطقة بما فيها ايران وتركيا واسرائيل، فالعالم ينظر للدول العربية على انهم دول الامة الواحدة، ولهذا نجد ويجد اغلب المثقفين والمفكرين العرب ضرورة ايجاد اواصر التلاحم والتواصل والتماسك والتكامل التنموي الشامل، بتلك الروح العربية والاسلامية الاصيلة يمكن ان تصبح الامة العربية قوة اقليمية يحسب لها الحساب الاستراتيجي في المنطقة والعالم، لا ان تمارس عملية الهدم الذاتي المستمر من اجل حماية ديمومة كراسي الحكم فقط...

 

مهدي الصافي

 

 

saieb khalil2ما حصل في السعودية من "استدعاء" الرئيس اللبناني واعتقاله واجباره على قراءة خطاب معد مسبقا لاستقالته، سابقة قد تكون الأولى من نوعها في تاريخ العلاقات الدولية، وتؤشر مع حملة الاعتقالات غير المسبوقة في العائلة الملكية السعودية، أن شيئا خطيراً يتم إعداده.

فإضافة الى اللهجة العدوانية المفتعلة الشدة التي سلمت لسعد الحريري لقراءتها ضد إيران وحزب الله، وفي الوقت الذي تقوم إسرائيل فيه بشن حملة دولية لمنع إشراك حزب الله في الحكومة اللبنانية المقبلة، أطلق السبهان خطابات غريبة في مستوى عدوانيتها وإهانتها، من مثل «سوف نتعامل مع الحكومة اللبنانية على أنها حكومة إعلان حرب علينا» و «على اللبنانيين أن يختاروا بين السلام وبين الانضمام إلى حزب الله» و«المخاطر المترتبة على تصرفات حزب الله سوف تكون وخيمة جداً على لبنان» و«المسارات السياسية وغير السياسية متاحة» للتعامل مع «خطر حزب الله».

المقلق في مثل هذا النوع من الخطابات، أنه “مكلف جداً” لصاحبه بالحسابات السياسية، ما لم يتبعه إجراء قوي مدروس يبرره. فمما لا شك فيه ان السعودية خسرت، إضافة إلى تابعها الذي لم يكن أحد يتخيل يوماً أنها ستتخلى عنه، الكثيرين من مؤيديها المغرر بهم أو الذين أحرجهم هذا الخطاب في لبنان والعالم العربي. وما لم تتم الاستفادة من هذا الجو المتوتر لهجوم يحقق مكاسباً، تكون “جبهة السعودية” قد حققت هزيمة إعلامية وسياسية كبرى، كمن يفضح نفسه بإعلان الحرب ثم يسكت. 

لكن ما اسميناه بـ "الجبهة السعودية" لا تقودها السعودية، وربما لا تتدخل حتى في قراراتها، بل دول لها باعها الطويل في السياسة، لذلك فإننا نستبعد تماما أن يكون الأمر حماقة عابرة وينتهي عند هذا الحد. ولا شك أن هناك مخططاً عاجلاً لتغيير المنطقة بالعنف يتم إطلاقه، وبالحجم الذي يبرر رفع السكاكين هذا. فما هو هذا الأمر الذي يستحق "تصفية التوابع المخلصين" الذين بذل الكثير من المال والجهد لتكوينهم، وماهي علاماته على الدول الأخرى في المنطقة؟

إن نظرنا الى العراق، نرى عملية تخل مشابهة لذيل قديم سابق لم يكن أحد يتخيل يوما أن يتخلى عنه سادته، أي تخلي الأمريكان عن مسعود البرزاني، والذي يعني ان إسرائيل تخلت عنه، رغم كل مسرحيات دعمه الإعلامية. ورغم ان القضية تمت على خلفية قيام مسعود باستفتاء لاستقلال كردستان وتداعياتها المنطقية بعض الشيء، إلا أنه من غير المفهوم هذا العجز الشديد الذي ابداه الرجل بكل ما يملك من سلطة هائلة، وسقوطه بلا مقاومة أمام العبادي الذي جاء به مسعود من وراء الكواليس ووضعه بنفسه على رأس السلطة العراقية، مستفيدا من الضغط الأمريكي على بغداد وتضخيم شائه لصلاحيات الرئيس العراقي الكردي.

لم تقدم اية تفسيرات مقنعة لهذا السقوط وترك كركوك التي صوتت معه بأغلبية كبيرة لصالح الاستفتاء الذي كان بطله، رغم كون أكثرية سكانها من منافسيه، ليستلمها الجيش دون مقاومة. وكيف ان اميركا لم تبد أي اعتراض، ولو دبلوماسي، حتى حين كان الجيش يستعمل أسلحتها في الاختراق؟ أسئلة حاسمة الأهمية، لكنها لم تطرح على الطاولة، لا من قبل الكرد المصدومين بما يحدث، ولا من قبل العرب الذين اخذتهم نشوة النصر على ذات “الكردستان” التي أذاقتهم المهانة والقهر بإذلالها لقادتهم المرة تلو المرة، ومنهم العبادي بالتأكيد، فلم يعد يهمهم تفسير أو سؤال.

عدا هذا "التخلي عن الذيول القديمة" الذي شمل لبنان والعراق، وردت علامات مقلقة أخرى، تتميز بالتعجل وكأنها لم تعط الوقت الطبيعي لنضجها، فتم "سلقها على عجل"، لذلك تأت بالحد الأدنى من الإتقان اللازم لإخفاء حقيقتها. فانتشر للعبادي، ضمن حملة لإعادة تسويق السعودية على العراقيين، فيديو صرح فيه إن من يعتقد بأن السعودية تدعم الإرهاب فهو واهم! وقام البعض بلصق تصريح آخر له على نفس الفيديو، أطلقه قبل عام فقط، بأن السعودية أرسلت للعراق 5000 انتحاري! وربما نفهم أنه لم يكن لدى العبادي خيار سوى الانقلاب على موقفه هذا بهذا الشكل المفضوح لأنه لا توجد طريقة أخرى لتسويق السعودية، لكنه في تصريحات أخرى مماثلة أحرج نفسه بدون مبرر كاف، مثلما قال في فورة حماس للصحفيين أنه يتعجب ممن سكت على الظلم الكردستاني بما يتعلق بالـ 17% واتهمهم بالارتشاء. وقد نسي في لحظة حماسه تلك أنه كان ساكتا تماما عن هذا الأمر، بل انه كان لأربعة سنوات رئيسا للجنة الاقتصادية البرلمانية وأربعة أخرى رئيسا للجنة المالية، ولم يعترض حين كان بإمكانه أن يفعل الكثير. وفوق كل ذلك فقد وجهت اليه النائب حنان الفتلاوي سؤالا إن كان قد نسى أنه رفض طلبها الخطي بتخفيض تلك النسبة بحجة ان ذلك سيثير المشاكل!

كل هذه الأخطاء والمغالطات التي قد تفقد العبادي الزخم الذي يرجوه لتنفيذ ما في باله، وتدل على انه لم يستعد جيداً لأداء دوره، ففاجأ العراقيين، الذين صدقوا شخصيته الجديدة بهذه الفضائح وسبب لهم الاحراج.

قبلها، تفاجأ العراقيون بزيارة رسمية ذات حجم كبير بشكل غير معتاد، قام بها رئيس الحكومة العراقية إلى السعودية، رغم ان مصالح العراق مع السعودية لم تكن يوماً ذات أهمية تذكر، حتى انه لم يكن هناك تبادل سفراء إلا لفترات متقطعة، ولم يحصل الإعلام على الوقت اللازم لتهيئة الناس لمثل هذا الحدث.

وصرح بعد عودته مباشرة بأن الحشد لن يشارك في الانتخابات، دون أن يترك ما يكفي من الوقت بين الأحداث لإخفاء الربط المتوقع المشبوه مع زيارته! ثم بدا وكأنه بائع متجول يعرض بضاعته لزبون شكاك غير راغب بها، حين تحدث للشعب العراقي بحماس مبالغ به عن عروض سعودية لاستثمار “الصحاري” العراقية للزراعة، والتي ستوفر فرص العمل، حسب قوله، لـ "ملايين" العراقيين!! ومن السهولة تماما رؤية الكذبة في قصة العبادي من المبالغات الهائلة في الأرقام. وتفسير ذلك هو أما ضيق الوقت لإعداد القصة أو كانت المبالغة متعمدة لإحداث صدمة أمل تمنع التفكير وطرح الأسئلة. الأسئلة عن الثمن الذي تطلبه السعودية مقابل ذلك "الاستثمار"، وعن معقولية هذا الحجم المهول وكذلك السؤال إن كانت السعودية تفتقر إلى “الصحارى” لتستثمر فيها!

وهذا التسويق للاهتمام السعودي المفاجئ باستثمار "الصحارى" العراقية، يذكرنا بمحاولة العبادي لإعادة شركات الحماية الأمريكية الإجرامية وتسليمها الطرق الخارجية الغربية وتسويقها على انها “شركات استثمار”. وفي تلك القصة كانت هناك تساؤلات لم تطرح، حيث أن وضع العراق لا يمكن ان يغري أية شركة استثمار في العالم. فقد وضع آخر تقرير صدر عن البنك الدولي، العراق في قعر الدول المناسبة لأعمال رأس المال. وفوق ذلك لم تختر تلك الشركات من ذلك البلد، إلا اشد مناطقه سخونة وخطراً لتضع أموال استثماراتها فيها! ولنلاحظ أنها ذات منطقة "الصحارى" العراقية التي تريد السعودية "الاستثمار" فيها!

كيف يأمل الأمريكان أو من يضع عينه على تلك "الصحارى" العراقية، بنجاح العبادي في تسويق هذه القصص على الشعب العراقي، ومن اين يأتي بالثقة العمياء اللازمة لتمريرها، خاصة وأنهم ثبتوا في ذهن الشعب العراقي من خلال تكليف رجلهم هذا بمهام غير مشرفة بالخضوع والتراجع أمام كردستان وأميركا وتحميله مشاريعهم لتقسيم العراق مثل الحرس الوطني وتوزيع سلطات بغداد على المحافظات وغيرها. بل وأكد الإعلام العراقي التابع لهم، تلك الشخصية، وتعمدوا إهانته في البيت الأبيض بتلك الصورة المشهورة مع ترمب؟

لكي نفهم ذلك، علينا أن نعود قليلا إلى الوراء. لقد خدمت تلك الشخصية "الذليلة" للعبادي، الأمريكان الذين جاءوا به لأغراضهم، وكانت مناسبة جداً لتحويل الغضب الشعبي من المهمات المدمرة التي كلف بها، إلى ضحك واحتقار واستهزاء بالرجل. ومهما كانت مشاعر الاحتقار والسخرية سلبية، إلا انها تبقى أهون بكثير من مشاعر الغضب التي يفترض ان توجه إلى رجل سليم يتحمل مسؤوليته. وهذه الحقيقة يعرفها الساسة في العالم جيدا، لذلك هم لا يمانعون أن يضحك الشعب منهم وأن يتم رسمهم بشكل هزلي. وابتلع الشعب العراقي الطعم واكتفى بالضحك، بينما كانت بلاده وسيادته وأمواله تباع بالمزادات.

لكن المهمة الجديدة للعبادي تتطلب شكلا جديداً لتسويقها كما يبدو. وبعملية مستعجلة أخرى، تم إجراء عملية تجميل جراحية لشخصية العبادي وتحويلها من الشخصية التي عرف بها: شخصية الهزيل المتخاذل المعدوم الشخصية، الى شخصية "فارس" و "رجل دولة"، "حكيم" "يعمل بهدوء". وتم ذلك بحملة إعلامية ضخمة جدا وشديدة التنظيم ركزت بشكل علمي على اقناع الناس من خلال أشكال بدت "عفوية" مثل الصورة والكاريكاتير والتعليق والمقال، والكثير من الاخبار الكاذبة عن إعجاب العالم الغربي بـ "الطفل المعجزة"، مستغلة الإحساس الشرقي بالدونية تجاه الغرب والفخر بالحصول على إطرائه. هذا إضافة إلى ان العراقي "يتمنى" ان يصدق تلك القصة الجميلة السعيدة، وهذا يساعد كثيرا على تمرير مغالطات القصة التي لم تكن ستمر بنفس السهولة بدون هذا الحافز النفسي.

ولم يكتف الإعلام بتثبيت الصورة الجديدة المعاكسة للقديمة، بل ركزت الحملة على عملية الإنتقال من الصورة الأصلية السلبية إلى الصورة "القوية" المطلوبة، وتقديم تبريرات تسهل على العقل القبول بأن هذا الانقلاب السريع يمكن ان يحدث. فلنلاحظ مثلا عبارة "يعمل بهدوء". إنها توحي لمن يسمعها بأن التغيير لم يحدث "فجأة" وإن العبادي كان فارساً منذ البداية لكنه أخفى "حقيقته"، وبقي يعمل بينه وبين نفسه من اجل ما حدث لفترة طويلة، ودون ان نشعر به، لأنه كان يحدث "بهدوء"!

ما هو شكل تلك المؤامرة وحجمها ومن يقودها وإلى ماذا تهدف، وكيف نواجهها؟

ربما تمكنا في هذه المقالة من كشف شيء عن "شكل" المؤامرة، لكن تحديده بشكل ادق سيتكون مع الوقت وبمراقبة تطور الأحداث. كذلك اخذنا فكرة تقريبية عن حجم المؤامرة الذي قلنا انه يجب ان يكون كبيراً لدرجة تبرر كل تلك "التكاليف" الكبيرة المقدمة من اجل تنفيذها. أما من يقودها فليس هناك الكثير من الدول التي تمتلك كل تلك القوة والسلطة على السعودية والعراق لتفعل ما فعلت. وأما بالنسبة للأهداف فهناك مؤشرات قوية من قائمة الأهداف الكلاسيكية لتلك الدول وعلى رأسها تحطيم المنطقة وخاصة العراق وإيران وإلحاقها بإسرائيل مع اولوية استهداف حزب الله في لبنان والحشد في العراق، ومنعهما من لعب دور يعرقل ذلك التحطيم. وهو ما أكدته الأحداث السابقة من خطاب الحريري إلى تصريح العبادي الأخير.

كيف نواجه المؤامرة؟ هذه المقالة وما شابهها من كشف للحقائق هي خطوة في هذا الاتجاه، وسنحاول ان نواجه هذا السؤال بشكل مباشر في المقالة المقبلة.

صائب خليل

 

 

منذ انشاء المملكة السعودية على يد الملك المؤسس عبد العزيز ال سعود عام 1932 عرفت السياسة السعودية بانها سياسة منغلقة تبتعد عن الصراعات التي تضطرب بها المنطقة العربية ووانها تسدل دائما ستارا حديديا عن اي صراعات او نزاعات داخلية وخصوصا بين اوساط العائلة المالكة . استمرت تلك السياسة طيلة فترة حكم الملك عبد العزيز واولاده سعود وفيصل وخالد وفهد وعبد الله ولم تخرج عن تلك السياسة الا في حالتين هما مساندة قوات امام اليمن ضد قوات جمال عبد الناصر التي ساندت ثورة اليمن في حكم الملك سعود بن عبد العزيز وقيادة التحالف الدولي لاخراج القوات العراقية من الكويت في حكم الملك فهد وفي كلا الحالتين كانت التدخلات السعودية مبررة بان الخطر قد وصل الى حدودها المباشرة . بوفاة الملك عبد الله بن عبد العزيز وتولي الملك سلمان الحكم تغيرت تلك السياسة بصورة كاملة كانت بدايتها باطلاق حرب اليمن التي اطلق عليها اسم (عاصفة الحزم) بعد اقل من شهرين من تولي الملك سلمان سدة الحكم . في خضم الحرب توجهت الانظار السعودية الى سوريا لتأخذ مكان الصدارة من قطر في ادارة جهود معارضة الرئيس السوري بعد ان كان دورها طيلة الفترة السابقه يقتصر على مساندة الجهود القطرية . لقد ترافق هذا التغيير مع اتجاه الجهود السعودية الى محاربة النفوذ الايراني في المنطقة ولسان حالها يصرخ من لم يكن معنا فهو ضدنا  .

في الايام الاخيرة ارتفعت نغمة العداء ضد ايران ووصلت الى التهديد بالحرب المباشرة حتى اصبح العالم يراقب بحذر وعيونه تتوجه مباشرة الى الرياض لمعرفة الاسلوب الذي ستتبعه للرد على ايران خصوصا ان حربا مباشرة مستبعدة نتيجة للعامل الجغرافي وعدم وجود حدود مباشرة . مع اعلان رئيس الوزراء اللبناني من على شاشة قناة العربية السعودية لاستقالته المفاجاة موجها هجوما غير مسبوقا الى ايران معللا الامر بما وصفه تدخلات ايران  والخوف على حياته بفعل هيمنة حزب الله على مقاليد السلطة في لبنان . وقع المتتبعون للازمة في صدمة بالغة لهذا القرار المفاجئ ولهذه الاسطوانة التي لا تقنع احدا.خصوصا وان هذه الاستقالة جاءت بعد ساعات من انقضاء اجتماع سياسي عالي المستوى جمع الحريري مع مستشار مرشد الثورة الايراني السيد علي اكبر ولايتي . جاءت هذا الاستقالة لتلقي الضوء على الاستراتيجية التي قررت المملكة السعودية اتباعها وهي استهداف القوى المحسوبة على ايران في المنطقة في حربها التي لاتستطيعها بسبب العامل الجغرافي . سنحاول في السطور التالية معرفة الخطوط العامة التي ستتبعها المملكة السعودية في كل منطقة .

السؤال الاهم الذي يجب الاجابة عليه هو السبب الذي دفع السعودية الى تغيير سياساتها من الانعزال الى التدخل في شؤون الدول الاخرى وللاجابة على هذا السؤال يجب العودة الى ما قبل شهر مايس من عام 2017 اي قبل الزيارة الشهيرة للرئيس ترامب الى الرياض وهي الزيارة التي فسرها المراقبون على انها رسالة دعم من الولايات المتحدة الى السعودية وتعزيز للعلاقات القديمة بين الدولتين ولكن فات المحليين ملاحظة حدث بسيط حدث قبل الزيارة بشهر وهو تحويل ملف العلاقات السعودية الامريكية من ملفات مستشارية الامن القومي الامريكي الى وزارة الخارجية الامريكية . المطلعين على اسلوب ادارة السياسة الامريكية يعرفون بان هذا يعني ان المملكة العربية السعودية وامنها لم يعد جزء من الامن القومي الامريكي كما كان الوضع منذ الاجتماع الشهير بين الملك عبد العزيز والرئيس روزفلت عام 1945 الذي عرف باجتماع كوينسي  . تأكيدا لهذا التغيير كان الوفد الذي رافق الرئيس الامريكي ولاول مرة خاليا من مستشار الامن القومي ورافق الرئيس هذه المرة وزير الخارجية والخبير النفطي تليرسون في حين كان مستشار الامن القومي في اواسط اسيا ضمن اطار ايجاد موقع اخر بديل . من ناحية اخرى فيمكن ملاحظة ان كل ماجرى في الزيارة الشهيرة هو تعزيز التعاون مع عائلة ترامب اكثر منه تعاون مع حكومة الولايات المتحدة الامريكية بحيث اصبح صهر الرئيس جاريد كوشنر زائرا دائما الى الرياض وعرابا لبناء علاقات مباشرة بين السعودية واسرائيل وحتى صفقة السلاح الشهيرة والتي بلغت خمسمائة مليار دولار كانت نوعا من الدعم للرئيس ترامب الذي سبق له وان وعد (بحلب) اموال الخليج .

بالنسبة للسياسة السعودية فقد ادركت ان رفع الغطاء الاميريكي عنها يجعلها عرضة لتغيرات كبيرة خصوصا على الصعيد الداخلي لذلك لجأت الى الاسلوب القديم في خلق منطقة اضطراب من حولها لابعاد اي اضطرابات داخلية وكذلك اجبار الولايات المتحدة الامريكية على القدوم لمساعدتها بصورة مباشرة  . حيث ان من المعروف بان الادارة الامريكية في كافة العهود سواء الجمهورية او الديمقراطية لاتتحرك الا باتجاه الملفات الساخنة لذلك عمدت السياسة السعودية لتسخين المنطقة لاجبار الادارة الامريكية للتدخل بصورة مباشرة . من هذا المنطلق اتجهت الاستراتيجية السعودية الى محاربة القوى المتهمة بانها اذرع ايرانية في المنطقة وهذا ماسنستعرضه فيما يلي .

في اليمن حيث الحرب المنسية التي تفتك بالملايين من النساء والاطفال والشيوخ اعلنت السعودية انها ستقوم باغلاق كافة المنافذ البحرية والبرية والجوية لمنع وصول الامدادات الى حكومة صنعاء . بمعنى اخر ان السعودية قررت الاستمرار في الحرب على اليمن بمساعدة التحالف الذي انشأته عام 2015 مع تشديد الحصار البحري باستخدام القاعدة البحرية الاماراتية في الصومال لاغلاق ميناء الحديدة وهو المنفذ البحري الوحيد الذي مازال تحت سيطرة حكومة صنعاء . تبقى امامها مشكلة الحدود البرية اليمنية العمانية والتي رفضت السلطنة اغلاقها في وجه حكومة صنعاء بالرغم من الضغوط السعودية . ان سلطنة عمان الدولة الخليجية المسالمة ذات الاغلبية الاباضية تدرك بانها وبالرغم من عضويتها في مجلس التعاون الخليجي الا انها في  محيط معادي لها لاسباب مذهبية وطائفية وسبق لها ان اعلنت القاء القبض على مجموعات تجسسية تابعة لدول خليجية اخرى اخرها عام 2011  ولذلك قررت عدم التدخل في اي صراعات في العالم لذلك مما دعاها لابقاء حدودها البرية مفتوحة امام حكومة صنعاء . تعتمد الاستراتيجية السعودية اتجاه اليمن على تشديد الضغوط من خلال تكثيف الغارات الجوية على المناطق التابعة لحكومة صنعاء ودعم الجماعات الاصولية في منطقة الحدود بين اليمن وعمان لمنع اي امدادات قد تصل الى حكومة صنعاء من ايران ولكن هذا الموضوع يبقى صعبا بسبب الجبال التي تسيطر عليها حكومة صنعاء .

في لبنان وسوريا وبعد ان تبين جليا ان الحكومة السورية والجيش السوري وحلفاؤهما يحققان انتصارات كبيرة توحي بان نتيجة الحرب في سوريا اصبحت شبه محسومة لذلك كان لابد من ايجاد خطة لانقاذ المشروع السعودي في المنطقة . فالسعودية لم تنسى انها قد خسرت مائة مليار دولار في لبنان قبل ان تضطر لللانسحاب امام تأثير حزب الله عام 2005 كما ان الحزب هو اقوى الحلفاء الذين وقفوا مع حكومة الرئيس بشار الاسد في سوريا لذلك كان القرار بالعودة الى لبنان لمعاقبة حزب الله . في الحالة اللبنانية ايضا يلعب العامل الجغرافي عامل معطل لاي تدخل مباشر لذلك يجب الاعتماد على التحالفات الدولية لضرب حزب الله . تعتمد الاستراتيجية السعودية في هذا المجال على ان تكون البداية استقالة الحريري كمقدمة لزعزعة الاستقرار في لبنان واثارة صراعات بين الفرقاء في لبنان مع احتمال وقوع بعض الاغتيالات لاشعال الوضع . اثارة الخلافات والنزاعات في لبنان ستكون مقدمة وحجة لتدخل امريكي فرنسي في لبنان لايقاف الحرب الداخلية  التي يتم العمل على اشعالها . في هذه الحالة تكون قواعد حزب الله هي المستهدفه حسب المخطط السعودي ولايبقى امام حزب الله سوى توجيه ضرباته الى اسرائيل لتضطر اسرائيل للتدخل المباشر للقضاء نهائيا على مراكز انطلاق الصواريخ . الا ان هذه المخططات تتنسى ان الوضع الدولي مختلف وان الادارة الامريكية الحالية لاتميل الى التدخل العسكري المباشر كما ان اوربا مشغولة في مشاكلها الاقتصادية التي لن تساعد كافة المليارات السعودية على حلها كذلك الحكومة الاسرائيلية ليست في وضع للقيام بمغامرات حربية مع ترسانة حزب الله الصاروخية .

الاتجاة الاخر الذي تتجه اليه الاستراتيجية السعودية هو العراق حيث توجد اغلبية شيعية تسيطر على رئاسة السلطة التنفيذية . شهد عامي 2016-2017  فشل مخططات دعم الجماعات المتطرفة مع سقوط معاقل داعش الواحدة تلو الاخرى . فالاستراتيجية الجديدة تعتمد على دعم الحزب الديمقراطي الكردستاني في شمال العراق لخلق منطقة تخلخل واشغال القوات التركية في محاربة حزب العمال الكردي لمنعها من مساندة قطر . في المناطق الغربية تستمر الجهود السعودية لدعم مجموعات سنية للدعوة لانشاء اقليم سني في المناطق الغربية من العراق . اما في منطقة بغداد فقد بداء العمل منذ فترة على شراء الصحف والمجالات والقنوات الفضائية بصورة مباشرة او ربطها بالسياسة السعودية بالاضافة الى انشاء العديد من المواقع على الشبكة العنكبوتية استعدادا للتاثير على الانتخابات القادمة عام 2018 لوضع مجموعات موالية للسعودية داخل مجلس النواب العراقي . بالاضافة لما تقدم فقد عملت السعودية على استمالة تيار كبير من داخل التحالف الوطني ليكون مخلب قط سعودي داخل التحالف بالاضافة الى مد علاقات مباشرة مع رؤساء العشائر في منطقتي الفرات الاوسط والجنوب من توزيع تأشيرات الحد المجانية بسخاء . تعمل السعودية حاليا على انشاء قنصلية في مدينة النجف الاشرف لمراقبة الاوضاع عن كثب لخلق تيار مؤيد للسياسات السعودية داخل الاوساط الشيعية ومحاولة استخدام المال السياسي للتدخل في اختيار خليفة للمرجع الاعلى في حالة وفاة السيد السيستاني .

تركز السياسة السعودية في العراق على محاربة الحشد الشعبي الذي اثبت انه قوة عسكرية لايستهان بها في محاربة الجماعات المتشددة ولذلك كان العرض السعودي واضحا لكافة القوى السياسية هو راس الحشد مقابل الدعم للوصول الى رئاسة الوزراء .

ان هذه المخططات قد دخلت حيز التنفيذ بالفعل ورياحها قادمة للعراق لامحالة سواء احببنا ذلك او لا ومهما كانت التصريحات السعودية مغلفة بالكلمات الطيبة الا ان موقف السعودية من سيطرة الاحزاب الشيعية على الحكم في العراق موقف اساسي في الحكم السعودي كما هو موقفها من الحشد الشعبي . لذلك يمكن القول ان الايام مازالت حبلى ونحن بانتظار ماتلده .

 

زهير جمعة المالكي

 

 

rabih bokrash

بعد مضي عدة أسابيع على استفتاء كتالونية يبدو للملاحظ الذي يتتبع عن كثب تطور الأشياء في برشلونة أن النتيجة الحاصلة في الوقت الحاضر لا تدل على ان المستقبل يتضمن تحسنا كبيرا بل إنها تشير الى ظهور مشاكل جديد في الطريق الذي رسمته الحكومة المركزية وأن دواعي القلق تكاد تتغلب على دواعي الأمل والثقة في المستقبل . اليكم هذا الحوار مع اسباني يناضل من اجل فصل كتالونية عن اسبانية " وفضل أن لا اشير الى اسمه فكان له ذلك .

السؤال الأول: من وجهة نظر تاريخية،هل مطلب إقليم كتالونيا بالانفصال عن الحكومة المركزية حقيقي رغم تمتع الإقليم الذي يبلغ عدد سكانه 7.5 ملايين نسمة بأوسع تدابير للحكم الذاتي بين أقاليم إسبانيا ويحكم الإقليم من قبل حكومة كتالونية محلية مع أحزاب سياسية وبرلمان مستقل عن البرلمان الإسباني وسلطة كبيرة في المجال المالي؟

 ج . نحن نطالب بذلك منذ أكثر من 500 عام، بعد أن أصبحت كتالونيا جزءًا من المملكة الإسبانية، بزواج الملكين الكاثوليكيين إيزابيل ملكة قشتالة، وفرديناند ملك أراغون . وبكل صراحة الأمر يعود للاتجاه القومي من ناحية وللوضع الاقتصادي من الناحية الأخرى .

السؤال الثاني: في اعتقادي بأن الظروف غير مؤاتية لهذا المطلب نظرا للمشكلات التي تعيشها اسبانيا فهي في مرحلة عصيبة اقتصادياً في السنوات الأخيرة مع تراجع وانحدار لاقتصادها أي تستغلون ذلك للضغط على الحكومة المركزية .

ج. انفصالنا عن إسبانيا سيزيد من قوتنا المالية والاقتصادية . ابتسمت وقلت له هذا مجرد افتراض غير مبني على حقائق والأدلة تشير إلى عكسه والواقع يقول أن انفصال كتالونيا عن اسبانيا سيجعلها خارج الاتحاد الأوروبي وتصبح دولة منعزلة عن العالم ابتسم وقال يبدو أنك ضد الانفصال ابتسمت وقلت له هذا صحيح فقال: لماذا: قلت له: الخوف من انتشار ذلك المطلب في البلدان العربية وفي العالم .

السؤال الثالث هو: نحن نعلم أن الاقتصاد الكتالوني مرتبط بأوروبا فكيف تكون وضعيتكم الاقتصادية في حالة الانفصال ؟ ج . قد يضيق بنا الحال لمدة معينة ولكننا سنخرج من هذه الحالة بعد سنوات ابتسمت وقلت له كيف ذلك إذا علمنا أن أروبا قد قالت كلمتها في هذا الصدد " عدم الاعتراف بدولة مستقلة في كتالونية " نظر إلي نظرة حادة وقال: حقيقة نحن في حاجة الى اوروبا ولكن إذا لم تغير اوروبا موقفها سنعتمد على انفسنا .

السؤال الرابع هو: إن فكرة وحدة الشعب الإسباني ظهرت في الواقع منذ عشرات السنين وتبناها عدد من المثقفين على مستوى الاسباني وعلى مستوى المنطقة ألا ترى أن في الوحدة قوة كما يقال؟

 ج . الحقيقة الواضحة تماما هي أن الكثير من الحواجز القديمة قد أزيلت بين الشعوب، وهي الحواجز التي كانت تؤدي الى سوء التفاهم وحتى الى الحروب من الواضح في هذا الصدد أن المعركة اليوم ليست معركة عضلات فقط ولكنها معركة الديمقراطية وحقوق الإنسان .

السؤال الخامس هو: يقول الخبراء في هذا المجال أن أفضل الحلول الممكنة سواء للإسبان أو الكتلان هو إجراء مفاوضات بين الطرفين لتحديد وضع الإقليم ضمن إسبانيا والتخلي عن الاستقلال التام مقابل صلاحيات حكم ذاتي أكبر ما رأيك في هذا القول ؟ ج . إذا كنا واعين ووطنيين مخلصين ومؤمنين بقضيتنا، فإن كل مخططات الحكومة المركزية لإفشال مطالبنا ستسقط في الماء من الخطر أن تجمد أو نتوقف عن الى الأمام حتى نصل الى ما نطالب به .

السؤال السادس هو: هذا الكلام غير ديموقراطي لأن الكثير من الكتالونيين ضد الانفصال والدليل على ذلك نزول مئات الآلاف من الاشخاص للاعتراض على الانفصال في تظاهرة كان أبرز شعار رددته "كلنا كاتالونيا!" ان استقلال إقليم كتالونيا سيؤدي بالفعل إلى وضع نهاية للدولة الإسبانية لذلك لن يحدث ذلك مهما كان الثمن . ما تعليقك على هذا السؤال ؟

ج . من المؤكد أن هناك عدد لا بأس به من الكتالونيين يرفضون الانفصال لكن حسب علمي فهم لا يمثلون الأغلبية تنفست وقلت له هناك من اجبروا على الصمت لسنوات واعتقد أنهم سيخرجون يوم 21 ديسمبر لتصويت .. في هذه الحالة يمكن أن يصبح في البرلمان القادم العدد الأكبر فيه من مؤيدي بقاء كتالونيا ضمن اسبانيا الموحدة فماذا تفعلوا إن حصل ذلك ؟ ج . لا أعتقد أن ذلك سيحدث وإذا حدث فإننا نواصل النضال بطرق أخرى سلمية .

السؤال السابع هو: في اعتقادي أن الشارع هو الذي قد يكون صاحب الكلمة الاخيرة في عملية الانفصال .

ج. صحيح أن المعركة ستكون طويلة والعلاقة مع مدريد ستبقى متشعبة، وتحتاج الى وقت طويل لإعادتها الى طبيعتها . ولكن الشيء المؤكد هو أن على الكتالونيين أن يحافظوا على وحدتهم وأن يدافعوا عن حرية التعبير والتفكير . إن أمام الكتالونيين مسؤولية ضخمة على مستقبلهم، وعليهم أن يجددوا انفسهم وينطلقون من جديد في السنوات القديمة، وذلك هو ضمان المستقبل . أشكركم على هذه الأسئلة القيمة واتمنى أن تعود الى الجزائر وأنت في أحسن حال . أشكرك بدوري على تحمل كلامي . فنحن في هذا العمل شركاء في خدمة الاعلام وإظهار الحقيقة

 

 

بعد مضي عدة أسابيع على استفتاء كتالونية يبدو للملاحظ الذي يتتبع عن كثب تطور الأشياء في برشلونة أن النتيجة الحاصلة في الوقت الحاضر لا تدل على ان المستقبل يتضمن تحسنا كبيرا بل إنها تشير الى ظهور مشاكل جديد في الطريق الذي رسمته الحكومة المركزية وأن دواعي القلق تكاد تتغلب على دواعي الأمل والثقة في المستقبل . اليكم هذا الحوار مع اسباني يناضل من اجل فصل كتالونية عن اسبانية " وفضل أن لا اشير الى اسمه فكان له ذلك .

السؤال الأول: من وجهة نظر تاريخية،هل مطلب إقليم كتالونيا بالانفصال عن الحكومة المركزية حقيقي رغم تمتع الإقليم الذي يبلغ عدد سكانه 7.5 ملايين نسمة بأوسع تدابير للحكم الذاتي بين أقاليم إسبانيا ويحكم الإقليم من قبل حكومة كتالونية محلية مع أحزاب سياسية وبرلمان مستقل عن البرلمان الإسباني وسلطة كبيرة في المجال المالي؟

 ج . نحن نطالب بذلك منذ أكثر من 500 عام، بعد أن أصبحت كتالونيا جزءًا من المملكة الإسبانية، بزواج الملكين الكاثوليكيين إيزابيل ملكة قشتالة، وفرديناند ملك أراغون . وبكل صراحة الأمر يعود للاتجاه القومي من ناحية وللوضع الاقتصادي من الناحية الأخرى .

السؤال الثاني: في اعتقادي بأن الظروف غير مؤاتية لهذا المطلب نظرا للمشكلات التي تعيشها اسبانيا فهي في مرحلة عصيبة اقتصادياً في السنوات الأخيرة مع تراجع وانحدار لاقتصادها أي تستغلون ذلك للضغط على الحكومة المركزية .

ج. انفصالنا عن إسبانيا سيزيد من قوتنا المالية والاقتصادية . ابتسمت وقلت له هذا مجرد افتراض غير مبني على حقائق والأدلة تشير إلى عكسه والواقع يقول أن انفصال كتالونيا عن اسبانيا سيجعلها خارج الاتحاد الأوروبي وتصبح دولة منعزلة عن العالم ابتسم وقال يبدو أنك ضد الانفصال ابتسمت وقلت له هذا صحيح فقال: لماذا: قلت له: الخوف من انتشار ذلك المطلب في البلدان العربية وفي العالم .

السؤال الثالث هو: نحن نعلم أن الاقتصاد الكتالوني مرتبط بأوروبا فكيف تكون وضعيتكم الاقتصادية في حالة الانفصال ؟ ج . قد يضيق بنا الحال لمدة معينة ولكننا سنخرج من هذه الحالة بعد سنوات ابتسمت وقلت له كيف ذلك إذا علمنا أن أروبا قد قالت كلمتها في هذا الصدد " عدم الاعتراف بدولة مستقلة في كتالونية " نظر إلي نظرة حادة وقال: حقيقة نحن في حاجة الى اوروبا ولكن إذا لم تغير اوروبا موقفها سنعتمد على انفسنا .

السؤال الرابع هو: إن فكرة وحدة الشعب الإسباني ظهرت في الواقع منذ عشرات السنين وتبناها عدد من المثقفين على مستوى الاسباني وعلى مستوى المنطقة ألا ترى أن في الوحدة قوة كما يقال؟

 ج . الحقيقة الواضحة تماما هي أن الكثير من الحواجز القديمة قد أزيلت بين الشعوب، وهي الحواجز التي كانت تؤدي الى سوء التفاهم وحتى الى الحروب من الواضح في هذا الصدد أن المعركة اليوم ليست معركة عضلات فقط ولكنها معركة الديمقراطية وحقوق الإنسان .

السؤال الخامس هو: يقول الخبراء في هذا المجال أن أفضل الحلول الممكنة سواء للإسبان أو الكتلان هو إجراء مفاوضات بين الطرفين لتحديد وضع الإقليم ضمن إسبانيا والتخلي عن الاستقلال التام مقابل صلاحيات حكم ذاتي أكبر ما رأيك في هذا القول ؟ ج . إذا كنا واعين ووطنيين مخلصين ومؤمنين بقضيتنا، فإن كل مخططات الحكومة المركزية لإفشال مطالبنا ستسقط في الماء من الخطر أن تجمد أو نتوقف عن الى الأمام حتى نصل الى ما نطالب به .

السؤال السادس هو: هذا الكلام غير ديموقراطي لأن الكثير من الكتالونيين ضد الانفصال والدليل على ذلك نزول مئات الآلاف من الاشخاص للاعتراض على الانفصال في تظاهرة كان أبرز شعار رددته "كلنا كاتالونيا!" ان استقلال إقليم كتالونيا سيؤدي بالفعل إلى وضع نهاية للدولة الإسبانية لذلك لن يحدث ذلك مهما كان الثمن . ما تعليقك على هذا السؤال ؟

ج . من المؤكد أن هناك عدد لا بأس به من الكتالونيين يرفضون الانفصال لكن حسب علمي فهم لا يمثلون الأغلبية تنفست وقلت له هناك من اجبروا على الصمت لسنوات واعتقد أنهم سيخرجون يوم 21 ديسمبر لتصويت .. في هذه الحالة يمكن أن يصبح في البرلمان القادم العدد الأكبر فيه من مؤيدي بقاء كتالونيا ضمن اسبانيا الموحدة فماذا تفعلوا إن حصل ذلك ؟ ج . لا أعتقد أن ذلك سيحدث وإذا حدث فإننا نواصل النضال بطرق أخرى سلمية .

السؤال السابع هو: في اعتقادي أن الشارع هو الذي قد يكون صاحب الكلمة الاخيرة في عملية الانفصال .

ج. صحيح أن المعركة ستكون طويلة والعلاقة مع مدريد ستبقى متشعبة، وتحتاج الى وقت طويل لإعادتها الى طبيعتها . ولكن الشيء المؤكد هو أن على الكتالونيين أن يحافظوا على وحدتهم وأن يدافعوا عن حرية التعبير والتفكير . إن أمام الكتالونيين مسؤولية ضخمة على مستقبلهم، وعليهم أن يجددوا انفسهم وينطلقون من جديد في السنوات القديمة، وذلك هو ضمان المستقبل . أشكركم على هذه الأسئلة القيمة واتمنى أن تعود الى الجزائر وأنت في أحسن حال . أشكرك بدوري على تحمل كلامي . فنحن في هذا العمل شركاء في خدمة الاعلام وإظهار الحقيقة

adnan aldhahir2ما فعل محمد بن سلمان آل سعود أخيراً من اعتقال واستجواب وإقامات جبرية لأمراء من بني سعود ووزراء ورجال أعمال بأشكال عاجلة وهستيرية غير مسبوقة وتجميد أرصدتهم في المصارف السعودية بدعوى تورط هؤلاء الناس بعمليات فساد مالي وشفط المليارات من الدولارات كأنَّ بن سلمان هذا لم يكن واحداً منهم شرب من نفس مائهم وحليب بعرانهم ونصف دمه في الأصل منهم عن طريق أبيه الملك سلمان. التهمة إذاً هي الفساد المالي.

تُذكّرني خطوات وإجراءات محمد بن سلمان هذه بما فعل صدام حسين، بعد إزاحته لرئيس الجمهورية أحمد حسن البكر، بقيادات وكوادر متقدمة من أعضاء حزب البعث من إعدامات وتعذيب كشف عنها أخيراً السيد إحسان وفيق السامرائي في فضائية الفلوجة . كانت حجة صدام فيما أقدم عليه من جرائم بحق رفاقه البعثيين هي التآمر لإلحاق العراق بسورية وإعلان الوحدة بينهما يكون الرئيس فيها الراحل حافظ الأسد. هنا تآمر مزعوم وفي السعودية فساد مالي ! وما كانت النتيجة في العراق وكيف ستكون في السعودية؟ بعد أنْ صفا الجو المطلق أمام جنون وتفرّد صدّام حسين شنَّ الحرب على إيران وكلّفت الطرفين المتحاربين ما كلّفت من خسائر بشرية ودمار لحق بالبُنى التحتية لكلا البلدين إيران والعراق. أجلْ، أبعد صدام العناصر البعثية النظيفة الوحدوية والإشتراكية والتي آمنت بضرورة استمرار التحالف مع الحزب الشيوعي العراقي في إطار الجبهة الوطنية .. والتي دأبت وبشجاعة على التصدي لغرور وعنجهية صدام وسعيه المحموم للسيطرة على الحزب والدولة وميله الغريزي للمغامرات وسفك الدم الأمر الذي لا يتحمله شخص مثل صدام حسين فقرر مع حفنة من المجرمين والقتلة والشقاوات (تطهير) حزب البعص من أشرف وأنظف وأطهر عناصره في القيادة والقاعدة على حدٍّ سواء. لم تشفَ جراح حربه مع إيران بعدُ حتى أقدم على غزو الكويت فجرَّ على العراق وشعبه هذا الغزو ما جرَّ من ويلات وحصار وتجويع وبلاء ما بعده بلاء ثم أتت النكبة الكبرى بغزو أمريكا وحلفائها للعراق وما حلَّ بالعراق بعد الغزو من تدمير وسلب ونهب وما جرى للعراقيين على أيدي بعض المحسوبين عليه من نهب للمال والإستيلاء على عقارات الدولة ومراكمة وتهريب الثروات المالية ومن استبداد وتخريب وتعاون مع أعداء العراق وناهبي نفطه وباقي ثرواته وقد مهّدت هذه الأمور لمجئ داعش واحتلاله لأكثر من ثلاث محافظات عراقية بسرعة وسهولة أسطوريتين. ما زال العراق حتى اليوم يُقاتل فلول الدواعش في محافظتي الأنبار والموصل وبعض جيوبهم هنا وهناك من مدن وقصبات العراق.

يبدو اليوم أنَّ محمد بن سلمان آل سعود آخذٌ بنهج ومنهج صدام حسين إذْ تخلص من خيرة رجال المملكة السعودية ممن يمتلكون الجرأة والشجاعة على التصدي لهذا الأمير الملتحي وولي العهد الذي لا عهدَ له بين الرجال والوقوف بوجه مشاريعه المجنونة وعلى رأسها تحالفه الخطير مع إسرائيل والتهديد بإشعال حروب في لبنان وضد إيران بتشجيع وتخطيط ومشاركة فعلية واسعة النطاق مع الحكومة الإسرائيلية الحالية ورئيسها الجانح والمهووس والمتهم بالفساد هو وقرينته بنيامين نتنياهو. هل سينجح مشروع محمد بن سلمان وحليفه نتنياهو وهل سيحققان ما يصبوان إليه وأخطر ما يصبوان إليه جرَّ الشرق الأوسط برمته إلى حرب ضروس لا تٌبقي ولا تَذَرُ بداياتها هنا في هذه الرقعة ولكن لا بمقدور أحد التكهّن إلى أين ستتمدد هذه الحرب وأية بقعة جديدة ستشملها وهل من الممكن أنْ تتطور إلى حرب كونية جديدة يتورطُ فيها القطبان الأكبران روسيا وأمريكا؟ هل سيجري استخدام الأسلحة الذرية وعلى نطاق واسع ومن سيكون البادي والبادي هو الأظلم؟ ستستخدم إسرائيل بالدرجة الأولى أسلحتها الذرية إذا ما أحسّت واقتنعت أنَّ وجودها في خطر وكانت أوشكت أنْ تفعل ذلك في بدايات حرب أكتوبر 1973 في الحرب مع مصر زمن أنور السادات لكنَّ أمريكا يومذاك منعهتا وأقامت الجسر الجوي الشهير الذي أمدها بالأسلحة المتطورة التي قلبت موازين القوى وضمنت النصر العسكري لإسرائيل ومكّنتها من خوض البحيرات المالحة بالدبابات البرمائية والعبور إلى ضفاف قناة السويس على الجانب الآخر وتطويق الجيش المصري السادس وخنقه بمنع الماء عنه والتهديد بالزحف بالدبابات إلى القاهرة.

إسرائيل قامت ولم تزلْ وستبقى إسرائيل التوراتية تأخذ وتستوحي من هذه التوراة ما تشاء لتمكينها ودوامها فيما تحتل من أرض كنعان (فلسطين) . أردتُ أنْ أقول أنَّ ما قال به شمشون الجبّار بعد تجريده من قوته بقص شعر رأسه ـ مصدر قوته حسب التوراة ـ وربطه إلى أعمدة الهيكل صارخاً : عليَّ وعلى أعدائي يا ربُّ ! نعم، ستستخدم إسرائيل السلاح الذري إذا أحسّت أنها تخسر الحرب وأنَّ كامل وجودها في فلسطين معرّض لخطر أكيد.

فبأي سلاح آنذاك يواجه العربُ وإيران إسرائيل المسلحة بترسانة نووية تفوق التصورات جميع التصورات تخزّنها تحت أرض ورمال صحراء النقب وتحت البحر مقابل ميناء حيفا على البحر الأبيض المتوسط.

ما زلت مع الطرزان والمغامر الصهيوني سياسةً ومالاً وجنونَ عَظَمةٍ المدعو محمد بن سلمان وإنْ سحتُ وأفضتُ فإني أعود إليه من غير شوق لأشدد على قولي السابق إنَّ هذا الأسود اللحية والحالكة السواد طبيعةً لا صباغةً سيكرر جريمة صدام الأكبر من الكبيرة ويصنع حرباً على أكثر من جبهة وتقديري أنها ستبدأ بضربات من الجو تنفّذها طائرات سلاح الجو الإسرائيلي بطلعات متواصلة كثيفة نهاراً وليلاً على أهداف في جنوب لبنان قد تستغرق ثلاثة ـ أربعة أيام حسب ما يُبديه حزب الله في جنوب لبنان من صمود ومقاومة وإطلاق صوارخ أرض أرض يليها مباشرة هجوم برّي في داخل إسرائيل. وإذْ تتوقف الحرب من الجو تدخل دبابات آل سعود إلى جنوب لبنان مع العديد من جنود المُشاة. هذا هو سنياريو الحرب التي يعدُّ لها بن سلمان مع حلفائه في تل أبيب وكما يلي : السماء فضاء مفتوح لطلعات سلاح الجو الإسرائيلي والأرض لدبابات ومُشاة الجيش السعودي أما التمويل فهو من خزائن المملكة السعودية بالطبع.

هل يرعوي بن سلمان ويكف عن مشاريعيه وأحلامه الدونكيخوتيّة المهبولة ويُدرك أنْ ما مِنْ قائمة ستقوم له وللباقين من آل سعود ثم شعب المملكة إذا خسرت الحرب وتمَّ تدمير الجزيرة العربية بالكامل ولم يبقَ من هذا الشعب إلاّ النزر اليسير؟ إذا ما تمَّ تدمير إسرائيل وفناء أغلب مّنْ فيها فهناك على سطح الكرة الأرضية ملايين اليهود سيهبّون للهجرة لإسرائيل لإحيائها من بعد خراب وإعادة بنائها كما كانت قبل حرب محمد بن سلمان وحليفه نتنياهو. هل سيعودُ سعوديو الخارج لبناء دولة سعودية أخرى على أنقاض دولة سلمان وابنه محمد كما سيفعل يهود العالم؟ أشكُّ في ذلك. ستواجه أرض الحجاز مصيراً كالح السواد أما إسرائيل فستنهض وتقوم .

 

عدنان الظاهر

 

 

zouhair khouildi"الدولة هي المجال الذي تتم فيه التضحية بالمصالح الفردية من أجل المصلحة الكلية"1[1]

لا يتهدد اليمن التقسيم إلى دويلات فقط ولا تعاني الأرض السعيدة خطر التجزئة وغول الإرهاب فحسب بل هي على حافة كارثة إنسانية حقيقية بل إن مسالة وجود سكانها باتت تتأرجح بين البقاء على قيد الحياة والزوال التدريجي من الوجود البيولوجي بسبب تزايد المخاطر التي تتربص بهم وتدهور الوضع الغذائي والبيئي واتساع الضغوطات وتعدد التدخلات الخارجية واتساع دوائر الحصار إلى البر والبحر والجو، وكذلك انهيار المنظومة الصحية وقلة الأدوية وندرة وسائل العناية وكثرة الأوبئة والآفات. لذا يدفع اليمن في هذا الزمن العصيب تكلفة بشرية باهظة نتيجة جميع مواقفه الوطنية الثابتة وتتأخر عملية تنميته بسبب الخسائر المادية التي يتكبدها نتيجة النزاع الداخلي الذي استمر لمدة هامة والاعتداء السافر على أراضيه.

لقد شارك الشعب اليمني العرب والمسلمين في كل معاركهم الوجودية ضد الاستعمار والاستيطان وناضل بكل قواه ضد التطبيع والاستسلام والتفرقة والانقسام وامن بالوحدة والديمقراطية والعدل والحرية ولكن نرى اليوم تحول الدول العربية إلى عدو لدود له ومصدر تهديد بعد تخلي كيانات سياسية أخرى عنه. لقد دافعت القوى الوطنية في اليمن عن الحقوق العربية وتمسكت بالقيم الإسلامية النيرة وظلت ركنا ثابتا في المجتمع المدني العربي وكفاحه ضد الامبريالية والصهيونية والرجعية رافعة راياتها من أجل الاستثبات.

غير أن المصير المداهم للسكان اليمنيين الأبرياء يبقى مجهولا طالما أن البلد على حافة مجاعة كبيرة غير مسبوقة في ظل عدم توفر الغذاء والوقود بالصورة الكافية وفي ظل تواصل الحصار والانغلاق والتهديد.

والحق أن ما يحدث يمكن إدراجه في خانة الجرائم التي ترتكب ضد الإنسانية وأن الأمر لو يترك على حاله كماهو الآن سيتفاقم وتشتد حدته وأن المتفرجين ليس فقط مجرد ساكتين عن الحق بل شاهدين على الفساد والتخاذل والخيانة وكل الرذائل التي أصابت الجسد العربي وجعلته يتعرض للاستباحة والتنكيل.

صحيح أن الموقع الاستراتيجي الذي يحتله اليمن هو على درجة عالية من الأهمية وأن الكيانات السياسية التي تتنافس على الحكم في حالة احتراب دائم وأن اللاعب الإقليمي في الجغرافيا السياسية لهذا البلد الشقيق قوي ومؤثر ولكن الأصح هو الدور الخطير والمريب الذي يؤديه اللاعب السياسي العربي في نسخته التقليدية وفي ثوبه الجديد في ظل تكاثر الأوامر الترتيبية وظهور خرائط تقسيم فوق الطور المقبول ومعارضة الوعي الوطني الذي يتمثله المجتمع المدني لأشكال التفويت والتقسيم وضد كل رجوع  قهقرى.

المطلوب دوليا هو حماية الشعب اليمني من الزوال والتفكك في ظل التلاعب العولمي بسيادة الدول وكرامة الشعوب والتوجه نحو إنقاذ الأبرياء من الهلاك والمرض وذلك بالإغاثة الإنسانية والمساعدة العاجلة. من جهة ثانية يفترض أن توقف القوى اليمنية القتال والتوجه إلى التفاوض والحوار من أجل التفاهم والمصالحة ويتطلب ذلك التنازل عن الشروط المجحفة والمصلحة الفئوية من أجل الخير العام.

اليمن أرض الأجداد وقلعة حصينة ضد كل الارتداد ومنبع القيم الأصيلة وأخلاق المروءة وحافظة ذاكرة العرب وخزائن العلم ويستحق وقفة بطولية من طرف الجميع من أجل إنقاذه وإيقاف التدحرج نحو الأسوأ. لهذا يفترض التخلي عن الولاءات الضيقة وتنسيب الانتماءات المذهبية وتوظيف التكاتف القبلي والتلاحم الجهوي بغية تعزيز سيادة الدولة وتقوية فكرة المواطنة والانتماء القانوني إلى فضاء العدالة والمساواة.

يحتاج اليمن إلى كل قواه الحية وكل طاقاته وخبراته الموجودة في الداخل والمهاجرة في الخارج وينتظر من كل جيرانه وأشقائه أن يمدوا له يد العون وأن يتوسطوا في الخير وأن يساعدوه أو يكفوا عنه الأذية على الأقل ويمتنعوا على المشاركة في الاعتداء عليه وأن يتوقفوا عن محاصرته وأن يبادروا إلى الصلح.

على ما يبدو من غير اللائق تحميل اليمن ما لا يطاق وتعكير الأجواء داخله لكي يكون حاضنة للإرهاب وبوابة حرب إقليمية أوسع ومن غير معقول إضعاف الدولة والمجتمع قصد تمرير املاءات غير شعبية. في هذا السياق يمكن التذكير بأن الدولة "قومية في جوهرها هي كيان واحد يعبر عن الأمة تجتمع فيه اللغة والدين والفكر...الخ في وحدة تامة فلا معنى لان يقف الفرد منها موقف الخصم فهي كماله النهائي"2[2] لكن ألا تتوقف سلامة اليمنيين على التفاهم فيما بينهم واجتماعهم التشاوري على الولاء للوطن وعلوية الدولة؟ وهل قدر اليمنيين دفع فاتورة الأزمة الداخلية التي تعصف ببعض الأنظمة وتقوم بتصديرها إلى الخارج   من أجل الترفيع من شروط التفاوض وتوفير فرص النجاح عند خلق التعادل في الضرر بين الأنا والآخر؟.

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

.........................

الإحالات:

[1]  الجابري محمد عابد، في نقد الحاجة إلى الإصلاح، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، طبعة 2005 ، ص178

[2] الجابري محمد عابد، في نقد الحاجة إلى الإصلاح، نفس المرجع، ص178

 

 

hiba alzoubaidiفي بلاد القيل والقال والعجيب من الأمور الأفعال طالما تم تأجيج الكراهيات بين أبناء الشعب الواحد على صفيح ساخن حطبه الموت بالمجان والمذابح والمفخخات، متلاعبينَ تارةً على وتر الطائفية القومية وعنصريتها وأخرى على وتر الطائفيات الدينية والمذهبية والاثنية والعرقية والتي جعلت من أبناء البلد الواحد مللاً ونحلاً متفرّقة ومتقاتلة فيما بينها وفجرت كم من الكراهيات الدفينة في لاوعي الانسان العراقي بفعل پروپكاندات وأجندات معدة مسبقاً اضافةً لوجود ميول ونزع دفينة نتيجة الكبت والقهر والفقر والحروب المتعاقبة التي جعلت الفرد العراقي يفقد بعض من توازن المنطق والسلوك لترجح كفة العاطفة لديهِ كثيراً على كفة العقل، والشعوب العاطفية غالباً ما يتم التحكم بها عن طريق دس السم في العسل لا سيّـما اذا عانت من الاضطهاد والتهميش كالشعب العراقي ولكن هنا يجب التفريق بين سياسة الحكومة وسلوك شعب لا حولَ له ولا قوة فشتّـان بينَ الاثنين.

حينَ سقط النظام بعد 2003 تفجرت الكراهيات بشكل رهيب ومخطط لهُ؛ تفجيرات وقتل على الهوية ومن ثمَّ دخول داعش الأجزاء الغربية من العراق ولسنا هُـنا بصدد المُسببات والنتائج بقدر تسليط الضوء على  تفاقم الكراهيات ونتائجها والتي توارثها العراقيون بسبب سياسة الحكومات المتعاقبة، فمنذُ النظام السابق لصدام حسين زُجَّ الشعب العراقي بأكملهِ عربه وكورده في حرب الثمان سنوات مع ايران التي ذهب ضحيتها آلاف الضحايا من شباب العراق الجميل ثمناً لطموحات حارس البوابة الشرقية للوطن العربي لتأتي مجزرة حلبچـة في 16 مارس/ آذار عام 1988 والتي كانت رداً على انقلاب عسكري على نظام الحكم آنذاك، وهُـنا كل الشعب عرباً وكورداً ذاقوا الموت والويلات من النظام السابق أضف لهم الشهداء الذين قتلوا على يد ما أصطلح عليه بـ"العُصاة" آنذاك وفي نهاية هذه الحقبة تخلص الأكراد من ويلات حروب الخليج حين انفصلوا في اقليمهم عام 1991 لتبقى باقي محافظات العراق تخوض غمار حرب عرمرم أشرس ما تكون من الحروب، يُـصارع فيها الشعب والجيش ما بينَ الموت والجوع والفقر وقلّـة الغذاء والدواء وتفشي الأمراض العضال لحين الاحتلال المشؤم للعراق حيثُ توقع الجميع أنْ يتنفس الصعداء لكن جاءت حكومة العملاء بمحاصصة طائفية وعرقية ومذهبية فصار الموت بالمجان مُـعلن وأمام الأنظار عوضاً عن المقابر الجماعية السرية وباقي مجريات الأحداث التي قدمنا لها. هُـنا يجب التوقف لقول كلمة للتأريخ وللانسانية: الشعوب لا تحمل جريرة بعضها فكيف اذا كانوا أبناء شعب واحد؟!

لم يكن لعرب العراق ذنب في أحداث حلبچـة وانما كان لصدام وزبانيته ذلك الذنب ولم يعمل العراقيون على التطهير العرقي أو القومي لأخوانهم الكورد بل الحكومات فعلت ذلك وغير معلوم لماذا لا يميز الكورد بين سلوك حكومة وسلوك شعب؟! وأيضاً هنا سنتوقف عند موضوعتي غسيل الأدمغة والأحقاد المتوارثة التي توجب كراهية الأصول العربية بسبب ما مر بهِ الكورد سابقاً، ما هكذا تورد الابل ولا هكذا يكون التعايش السلمي؛ الماضي قد رحل بكل ما فيه والحاضر والمستقبل صفحات جديدة للتعايش السلمي يجب أنْ تُـستهل بالمحبة والتسامح ونسيان الأحقاد، والماضي حمل ثقيل ينوء بصاحبه وهو ما أوصل العرب والكورد الى ما وصلوا اليهِ الآن وانغلاق الأخير على نفسه فلا أحد يحمل جريرة جده أو جد جده، الحاضر والمستقبل يتطلبان لغة الحوار والتفاهم، دعوا كُـلاً من مسعود وحكومة المركز جانياً وفكروا بأبنائكم واحلموا لهم بغدٍ أفضل وأجمل لا بل واعملوا عليه خيراً من أنْ تُـراق دماء الجميع ويُـعاد تكرار سيناريوهات المآسي السابقة ليموت أبناء الشعب من جديد فصوت العقل والمنطق يدعوان الى التعقل وعدم صب الزيت على النار لأنَّ الحرب وقودها وضحاياها هُـم الناس فلا تذكوا أوارها بحطب الكراهيات والأفكار المتعصبة والمتشنجة كونوا عراقيين فقط وانتموا لعراقكم وانسانيتكم وتعايشوا بسلام فالجميع شركاء في الأرض والوطن والتأريخ والحوار هو الحل الوحيد لا الحروب والموت وليكف أصحاب الشعارات الرنانة والپروپگاندات الزائفة ممن يدعون الثقافة عن استعراضتهم الفارغة لأنهم سيكونون ممن يدفعون الثمن من أجل مصالح الساسة والحكام الذين سيتصافحون ويحتفلونَ بعد انتهاء الحرب بحكم مصالحهم وكأنَّ شيئاً لم يكن.

هذهِ دعوة لنبذ الأحقاد والثأر واللجوء الى الحوار، فالحوار هو الكفيل والضامن لإيجاد الحلول السلمية للجميع.

وفي هذا السياق قالت أومامة: " قال أحدهم ذات مرة، لاشيء كالثأر في ارتفاع كلفته وقلّة جدواه" "أنه ونستون تشرسل، حسبما أتذكًـر".

 هاروكي موراكامي من روايته " 84 1Q"

 

هبة الزبيدي

 

 

rabih bokrashيتتبع الملاحظون السياسيون عن كثب تطور التأثيرات التي أحدثها استفتاء كتالونيا في الأوساط الإسبانية والعالمية، لهذا قررت أن اتوجه الى برشلونة لمعرفة حقيقة ما يجري هناك

قبل كل شيء أشكر سعادة السفير الإسباني في الجزائر "سانتياغو كاباناس" على التسهيلات التي قدمها لي للقيام بهذه المهمة الصعبة "وخاصة فيما يتعلق بسرعة الحصول على التأشيرة " ربما يدخل هذا في إطار التعاون الجزائري – الإسباني في مجال الاعلام والاتصال.

قبل وصول مسيرة الأمس ببرشلونة إلى المكان الذي كان مبرمجا أمام مقر الحكومة الكتالونية (ساحة سان جوما) وبالصدفة وجدت هناك حشدا كبيرا من القنوات الفضائية و الصحف العالمية التي كانت تراقب آخر التطورات، في تلك الدقائق التقيت بصحفي كتالوني " . Acacia يتحدث اللغة الفرنسية " من النادر أن تجد شخص يتحدث اللغة الفرنسية في اسبانيا "؟ !

اليكم الحوار:

زميلي في المهنة: ما هو شعوركم وأنتم تسمعون كلمة انفصال في كتالونيا؟

ج. قبل كل شيء أقول بأنني أشعر شعورا أنَّ الحياة غير حقيقيَّة ولا أرى الأمور بشكل طبيعي وأنا غير راضي على ما أسمع من بعض الكتالونيين حول الانفصال. والواقع أن الشعور لدى الكاتالونيين بأن ما يسددونه من ضرائب يفوق ما يحصلون عليه من استثمارات مجرد قضية هامشية، لكن هناك ارقام تقول أن كتالونيا تغطي مواردها الاقتصادية 20 بالمئة من الناتج الإسباني.

هذه المسألة يطول شرحها، لأن هذا السبب وراءه خلفيات نفسية واجتماعية تجعلها غير حقيقية، الواقع أن الشعب الكتالوني يطالب بتوفير المدارس لأبنائه وتطوير مناهج التعليم والشغل والصحة أما الأمر المتعلق بالانفصال فلا يهمه كثيرا والدليل على ذلك حجم المشاركة في الانتخابات الأخيرة .

السؤال الثاني هو: قالت النائبة عن الحزب اليساري الصغير المتشدد والمتحالف مع بوتشيمون، ميراي بويا، «نرى أننا لم نكن مستعدين (للاستقلال)، ورأينا مدى محدودية الآليات المؤسساتية». ما هو تعليقك على هذا الكلام؟

 ج . الواقع أن هناك الملايين من الكتالونيين الرافضين للاستقلال عن اسبانيا والدليل على ذلك تظاهر ما بين مليون و1.3 مليون شخص من المؤيدين للبقاء ضمن إسبانيا، في شوارع برشلونة، بعد يومين من إعلان برلمان الإقليم الاستقلال. اضافة الى ذلك هناك اجماع دولي حقيقي على رفض مثل هذه العملية " لم تعلن دولة واحدة في العالم تأييدها لانفصال كتالونيا عن إسبانيا " لأن عواقبها وخيمة على العالم سواء من الناحية الاقتصادية أو السياسية وحتى الثقافية . على كل حال فإن أوروبا اعلنت عدم قانونية الاستفتاء وهذا هو الأساس بحكم أننا أوروبيين .ابتسمت وقلت له يبدو أنك ضد الانفصال قال: بالتأكيد .

 السؤال الثالث هو: هناك من يعتقد أن الحكومة المركزية لم تقم بواجبها كما ينبغي في هذه المسألة

ج . أنا شخصيا اعتقد أنها قامت بواجبها إذ واجهت المشكلة حسب الدستور ولن تختار الطرق الأخرى التي يمكن أن تؤدي الى العنف في هذا المسألة قال رئيس الوزراء ماريانو راخوي انه قام بواجبه وادى مسؤولياته وطبق القانون بإحباط الاستفتاء غير الشرعي الذي كان يعتزم "مواجهة الشعب مع بعضه وتحرض مواقف غير محدودة والحاق الاذى بالتعايش السلمي" داعيا في هذا السياق الى العمل على ترميم ذلك الشرخ .

السؤال الرابع هو: تتعقد الأمور مع زعيم كتالونيا بعد رفضه المثول امام المحاكم الاسبانية: وسؤالي هنا هو: ماهي الإجراءات التي ستستخدمها مدريد ضده؟

 ج. في الحقيقة بلجيكا نفسها تعيش في مثل هذه الظروف وبالتالي لا يمكنها الاحتفاظ بكارليس بوجديمون وهذا يعني أنها ستسلمه الى إسبانيا بعد النظر في القوانين البلجيكية .

السؤال الخامس هو: في حالة فوز الانفصاليين بانتخابات 21 ديسمبر فهل يطالبون بالانفصال مرة آخري؟

ج . أعتقد أن ذلك لن يحدث في الوقت الحالي لأن الشعب الكتالوني أدرك خطورة ذلك من الناحية الاقتصادية ربما لاحظت أن برشلونة خالية من السياح وهذا يشكل خطرا حقيقيا على اقتصاد كتالونية التي تلعب فيها السياح دور اساسي في اقتصادها وأكثر من هذا فقد سمعنا أن عدة بنوك وشركات غادرت المنطقة، كل هذا سيسبب للمنطقة كارثة اقتصادية .

السؤال السادس هو: ماذا استفاد الشعب الكتالوني من هذه التجربة؟

ج . قبل الإجابة على مثل هذا السؤال يجب أن نتذكر ما قلته فيما يتعلق بالكارثة الاقتصادية ... في نظري أن فئة قليلة من الشعب الكتالوني كانت تتوقع أن تحقق للشعب الكتالوني من خلال الاستفتاء استعادة الشخصية الثقافية الوطنية . ذلك لأن فئة قليلة من الشعب تعتقد أنها حرمة منذ زمان من الهوية واللغة ! والحقيقة الواضحة تماما هي: كتالونيا حققت الكثير في المجال الثقافي منذ ان تحصلت على الاستقلال الذاتي لكن المشكلة في أن الشعب الكتالوني غير قنوع؟ ! فلو كان يعيش في ظل نظام ديكتاتوري لكن الأمر يختلف تماما .. لكن الأمور هنا تختلف إذ هناك محبة وألفة بين أبناء الشعب الإسباني كله . في هذه اللحظة قطع الكلام وقال لا أستطيع اكمال الحوار ربما نلتقي غدا هنا. في الفندق سمعت من الكثيرين في أثناء تجاذب الحديث معهم رغم صعوبة ذلك " بسبب اللغة " ولكني فهمت بان الأمر يتعلق بمسيرة "سان جوما " . في اليوم الموالي سمعت اصوات غريبة وبسرعة البرق وصلت الى ساحة "سان جوما " شاهدت أفواجا تصل الى الساحة الى أن امتلأت الساحة عن آخرها، وانتشر القلق وساد الذعر، بدت علي الحيرة والقلق وأنا أرى هذا الجمهور الغفير حولي ... وقلت ماذا أفعل الأن وأنا في وسط هذه الجماهير – كان مشهدا مثيرا. وبصعوبة كبيرة خرجت من الساحة ونسيت تماما زميلي، المهم أن أصل الى الفندق وأنا في صحة جيدة. الحوار القادم سيكون مع شخص يناضل من اجل الاستفتاء ...

 

 

saleem matarالصراع الحالي في منطقتنا، هو صراع امريكي ـ امريكي!!!! بين المعسكر القديم التدميري (الصهيوني ـ الوهابي ـ الداعشي)، والمعسكر الجديد (الترامبي البزنسي)!

ـ ان انصار المعسكر القديم الذين تم إسقاطهم او عزلهم: فتح الله التركي، قيادة قطر، قيادات الوهابية السعودية، البرزاني ومشروعه العنصري ـ الوهابي، سعد الحريري......؟!

ـ اما انصار المعسكر الترامبي الصاعد: ولي العهد السعودي، الرئيس حيدر العبادي، الرئيس السيسي، الشيخ محمد بن زايد آل نهيان..

كما وضحنا في مقالة سابقة: هنالك انشقاق تاريخي كبير حاصل في القوى (شبه السرية) التي تقود امريكا، وعموم العالم الغربي. ومن اهم علامات هذا الانشقاق، انه ولأول مرة في التاريخ الحديث، يقوم الاعلام الرسمي الغربي الاوربي ـ الامريكي، باشهار العداء لرئيس امريكي، وشن الحملات الشعواء ضده وبذل الجهود القانونية لتدمير سلطته وتشويه سمعة اتباعه.

الطريف والغريب، ان كل هذه الحملات الاعلامية والقانونية ضد (ترامب) وانصاره، بتهمة تعاونهم مع الروس اثناء الانتخابات، لكن لا احد ابدا كشف لنا ولو بكلمة واحدة : ماهية الفائدة المشتركة بين (بوتين) و(ترامب) في تعاونهما السري الخطير؟

ان سبب تعتيم جميع الاطراف على هذا السر، انهم رغم صراعمهم، متفقون على عدم كشف تفاصيل اللعبة السرية التي تتحكم في العالم الغربي.  اما ماهية الفائدة التي يجنيها الروس، فهي:

ـ ان يقوم (ترامب) وفريقه بالغاء السياسة الامريكية بالدعم السري للارهاب والعنف في الشرق الاوسط وعموم العالم. وهذا يعني إبعاد شبح الارهاب الاسلامي من روسيا نفسها وتجنبيها خطر الحرب الاهلية في المناطق الاسلامية الروسية.

ماهو التيار الجديد الذي يمثله ترامب؟

قبل صعود ترامب الى السلطة، حدث الانشقاق في القيادة شبه السرية المتحكمة في امريكا، الى معسكرين:

ـ المعسكر الاصلي القديم (من رموزه الاخيرة، اوباما وكلنتون)، الذي منذ سقوط الاتحاد السوفيتي(1991) والمعسكر الاشتراكي، قرر تبني سياسة الهجوم والتدمير والانتقام من جميع الدول والقوى التي كانت متحالفة مع السوفيت ضد المعسكر الغربي والصهيوني. فبعد سقوط السوفيت مباشرة تم اسقاط الانظمة اليسارية في الصومال واثيوبيا، وتدمير العراق وطرد جيشه من الكويت وشن الحصار العالمي الوحشي ضد شعبه، وتدمير الجزائر بالحرب الاهلية.

ثم شرع الامريكان بخلق عدوا جديدا ليحل محل الخطر الشيوعي السابق. من اجل هذا تم تكليف السعوديين والخليجيين الذين سبق وإن خلقوا (منظمة القاعدة عام 1984) لتحارب الروس في افغانسان بجانب امريكا، ان يحولوها الى  شيطان اسلامي بقيامها بتفجيرات مانهاتن عام 2001.  وكانت هذه حجة كافية لغزو افغناستان 2001 والعراق 2003.

بعدها بدات المرحلة الثانية عام 2011 (الربيع العربي الداعشي) وهي  الاكثر دمارا ووحشية وانتقاما. وهذه المرة تم تكليف قطر خصوصا، مع السعودية والامارات، بالاضافة الى تركيا، لتنفيذ هذه الخطة الجهنمية التي أدت الى تدمير ليبيا وسوريا والعراق واليمن، واضعاف مصر وإخضاعها للنفوذ السعودي. وكانت الاهداف المبتغية من تكوين داعش ونفخها بصورة خارقة:

1 ـ تدمير سمعة الاسلام والمسلمين في العالم اجمع.

2ـ تدمير الاسلام من داخله بالصراع الدموي السني ـ الشيعي.

3 ـ تدمير وتقسيم (البلدان التي كانت معارضة لأمريكا وإسرائيل): العراق وسوريا وليبيا واليمن. بالاضافة الى اضعاف مصر وتقزيمها عالميا ونقل قيادة العالم العربي الى السعودية والخليج!

4 ـ تشريع القوانين البوليسية وتضخيم المؤسسات المخابراتية والعسكرية في امريكا واوربا بحجة مكافحة الارهاب الاسلامي.

5 ـ نقل الارهاب الى روسيا لوجود حوالي 30 مليون مسلم(هذا الهدف فشلوا بتحقيقه بسبب حنكة وصرامة الرئيس بوتين).

فشل سياسة الارهاب وحدوث الانشقاق!

لكن هذه السياسة التدميرية للشرق الاوسط وتوتير الوضع العالمي كله بخطر الارهاب الداعشي، بدأت تخرج من سيطرة امريكا وحفائهم امراء الوهابية، بسبب تطور مفاجئ وخطير ما كانوا يتوقعونه:

دخول روسيا عام 2015 من خلال طيرانها في الحرب السورية وقصفها لمواقع داعش مما قلب موازين الحرب لصالح النظام السوري. وكشف هذا التدخل الروسي عن زيف الحرب التي تشنها امريكا وحلفائها ضد داعش، التي كانت بالحقيقة دعما لداعش وتدميرا اكثر للمنطقة.

ان هذا الانقلاب الخطير في الوضع العسكري، اثر بدوره على موقف الرئيس التركي (اردوغان) الذي بدأ يراجع موقفه الداعم لداعش، خوفا من التهديد الروسي المباشر. ثم حدثت الطامة الاكبر، عندما قرر  الامريكان التخلص من (اردوغان) بسبب تردده، من خلال انقلاب (فتح الله) الفاشل عام 2016 . وهذا الامر بدوره ادى الى ثورة (اردوغان) وخروجه التام من الخطة الجهنمية الامريكية ـ الوهابية، وتقاربه مع روسيا وايران لمحاربة داعش بصورة فعلية.

يضاف الى كل هذا، ان فضيحة الدعم الامريكي الوهابي لداعش بدأت تتكشف بصورة واضحة لدى العرب والمسلمين والعالم اجمع، وراحت ترتفع الاصوات في جميع القارات ضد هذه اللعبة الجهنمية الارهابية التي تمارسها امريكا واتباعها. وبدأ حتى حلفاء امريكا ومن داخلها يعلنون رفضهم لمثل الخداع المكشوف.

كل هذا ادى الى بروز تيار جديد في داخل القيادة (شبه السرية) التي تقود امريكا وعموم الغرب، يدعو الى التوقف عن هذه السياسة الجهنمية، لتحل محلها سياسة جديدة اسلوبها وهدفها: البزنس.. أي من خلال استغلال كل الامكانات السياسية والاعلامية والعلاقاتية من اجل دعم النفوذ الاقتصادي (والسياسي طبعا) لامريكا والعالم الغربي.

طبعا هذا التيار الجديد الذي يمثله (ترامب) لا يختلف من الناحية الاخلاقية والمصالحية من التيار الاصلي القديم، بل اختلافهما بالاسلوب فقط. فبدلا من دعم الفوضى والارهاب من اجل تحقيق المصالح، يتم دعم الحلفاء واتقان اللعبة السياسية التي تتضمن ايضا التهديدات والضغوطات وحتى الحروب في حالة الضرورة.

الانتصار الساحق لتيار ترامب في الشرق الاوسط !

ان التياران القديم لا زال يبذل الجهود من اجل الانتصار على تيار ترامب الجديد الذي نجح بالانتخابات وراح بالتدريج يسيطر على الاجهزة الامريكية. ان التيار القديم يمتلك خصوصا نفوذا كبيرا على وسائل الاعلام في ارميكا واروبا، وكذلك على الاحزاب الاوربية الحاكمة. ان الطرفان اشبه بلاعبا شطرنج كل منهما يحاول اسقاط اكبر عدد من بيادق خصمه. وقد نجح ترامب بدهائه التجاري بان ينقل المعركة الى ساحتها الحقيقة والحاسمة: الشرق الاوسط!!

وكانت زيارته للسعودية في شهر آيار من هذا العام، اكبر ضربة معلم ضد خصومه. فتمكن من اقناع الملك سليمان وبالتعاون مع حليفه ولي عهد ابو ظبي (محمد بن زايد)، من اعداد طبخة الانقلاب (الترامبي) ضد الطبقة الوهابية الحاكمة والتابعة للتيار الامريكي الارهابي القديم.  ويبدو ان قطر، لا زالت ممسوكة بالتيار الامريكي القديم من خلال القواعد العسكرية الامريكية الموجودة فيها. وهذا يفسر سبب الحملة العدائية ضدها التي يشنها حلفاء (ترامب).

كذلك نجح فريق (ترامب) بكسب رئيس وزراء العراق (حيدر العبادي) وتسهيل تحالفه مع القيادة السعودية الجديدة، لقاء التخلص من (البرزاني) عميل التيار الوهابي الامريكي القديم، والذي ارتكب خطيأة اصراره حتى آخر لحظة على تصديق وعود اسياده القدماء واسرائيل، بدعمه في مشروعه الوهابي الانفصالي. ولم يستمع الى تنبيهات(العبادي) وممثلي (ترامب) والتيار الجديد. يبقى الامر المبهم بالنسبة للوضع العراقي، حقيقة خطة السيد (العبادي) وحليفه (ترامب) بخصوص النفوذ الايراني!

اما بالنسبة لحربي اليمن وسوريا، فللأسف لم يختلف موقف فريق (ترامب) كثيرا عن سابقيه، لان امريكا ليس لديها أي موطئ وتاثير مباشر داخل الدولتين، عكس حالة العراق وليبيا حيث الوجود الامريكي الكبير من خلال سفارته الجبارة وقواعده المنتشرة في انحاء العراق وانصار(ترامب) في جميع قيادات الاحزاب والدولة.

نعم ان كل ما يحدث من تغييرات وسقوطات وصعودات في منطقتنا، ما هي الا إنعكاس للصراع الامريكي ـ الامريكي بين التيارين: القديم الارهابي الصهيوني الوهابي، والجديد الترامبي البزنسي. ونحن مضطرون لتفضيل التيار الترامبي البزنسي رغم جميع عيوبه الا انه على الاقل يجنبنا العنف وحروب الندمير والانفصال.  لكن يبقى خوفنا الاكبر من نجاح التيار الامريكي الارهابي القديم من اجبار (ترامب) وفريقيه على قبول شن الحرب على ايران وحلفائها في سوريا ولبنان والعراق، واسقاط بلداننا من جديد في  اهوال الحروب..

سليم مطر

...............

لمزيد من التفاصيل حول المؤامرة العالمية ضد منطقتنا:

http://www.salim.mesopot.com/index.php/hide-books/59-2016-11-29-13-16-21

ـ تابعوا ايضا هذا الموقع (بالعربي والفرنسي) للصحفي الفرنسي (تيري ماسون)، والمهم جدا:

http://www.voltairenet.org/ar

 

ahmad alkhozaiكان لنجاح الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 أثره الأكبر في تغير الواقع الجيوسياسي في المنطقة، وظهور نوع جديد من الصراعات الغير مباشرة  في منطقة الشرق الأوسط، التي اعتادت على المواجهات المسلحة المباشرة بين أطراف النزاع، كما في الحروب التي خاضها العرب مع إسرائيل، والحروب التي اندلعت مطلع ستينيات القرن الماضي (حرب اليمن وحرب الرمال بين الجزائر والمغرب) .. هذا النوع الجديد من  الحروب والتي أطلق عليها (حرب بالوكالة) أو حرب الإنابة، جعل من بعض الدول العربية ساحة لهذا الصراعات، التي نتجت كردة فعل على التغير الذي طرء على العقيدة السياسية والعسكرية، في المنظومة السياسية الإيرانية بعد الثورة، والتي انتهجت مبدأ تصدير الثورة إلى المنطقة بشكل أو بآخر، وكانت أولى الدول التي استشعرت هذا التهديد هي دول الخليج العربي وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، انطلاقا من عقد وتراكمات طائفية وقومية، فكانت حرب الخليج الأولى هي باكورة ثمرات هذا التخوف الخليجي، واختير العراق ليكون جدار الصد الأول لهذه الثورة الراديكالية الزاحفة، بينما بقيت دول الخليج ومن خلفها الغرب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية في الظل، لم يقع على عاتقها سوى الدعم المالي واللوجستي، لتستنزف هذه الحرب المارثونية القدرات البشرية والاقتصادية والعسكرية لهاتين الدولتين، اللتان تعدان من اكبر واهم واغني دول المنطقة، إضافة إلى الارتباط ألاثني الذي يربط بين اغلب شعبيهما.. حرب الإنابة هذه جًرت على العراق وشعبه الويلات والماسي وقادته إلى الدخول بحروب أكثر شراسة أدت إلى احتلاله في نهاية المطاف .. لتبدأ مرحلة جديدة في طبيعة الصراع الإيراني السعودي تعتمد على صنع مراكز قوى ونفوذ والهيمنة على القرار السياسي لبعض دول المنطقة، وجعلها مجالا حيويا لتحرك مصالحها السياسية والاقتصادية، وكان العراق أهم تلك البؤر التي سعت الدولتان إلى فرض هيمنتهما على الواقع الديني والاجتماعي والسياسي فيه، لتكون ذروة هذه المواجهة الغير مباشرة، احتلال داعش في صيف 2014 لمناطق شاسعة من الأراضي العراقية، وسقوط مدن كبيرة بيده بسهولة ودون مقاومة تذكر، واستفحال الدور الكوردي في العراق، وسيطرته على أراضي عربية وتركمانية ومسيحية كبيرة، في كركوك وسهل نينوى وديالى، والذي لاقى هذا التمدد الكوردي تعاطفا ودعما خليجيا ما زال قائما لغاية الان، كانعكاس لطبيعة الصراع القائم بين إيران والسعودية في المنطقة، كان الهدف من وراء هذا الموقف الغريب، هو لقطع الطريق على ما يصطلح عليه بالهلال الشيعي، وتحجيم النفوذ الإيراني، الذي تخشى هذه الدول أن يكون شمال العراق حلقة الوصل فيه باتجاه سوريا ومن ثم لبنان .. إن حجم التحدي الكبير الذي تعرض له العراق في تلك الفترة، نتج عن الشرخ الطائفي الكبير، الذي كان قائما بين مكونات الشعب العراقي، وجهل المنظومة السياسية في إدارة الصراع القائم بين هاتين الدولتين من جهة، ومصالح الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا من جهة أخرى، وإبقاء العراق في حالة تأرجح سياسي بين هاذين المحورين دون الاتكاء على جهة، أو السعي لخلق توازن في طبيعة النفوذ بينهما .. وما قام به  السيد العبادي مؤخرا بمحاولته لفتح آفاق جديدة للعلاقات السياسية والاقتصادية مع المملكة العربية السعودية، والانفتاح الكبير والجاد على العالم العربي، كمرجعية قومية وجغرافية لمعظم سكان العراق، هي خطوة بالاتجاه الصحيح إذا ما توفرت لها المقومات الصحيحة لنجاحها وديمومتها، في ظل سخونة المواقف بين المؤثرين الرئيسيين في المنطقة، وقرع طبول الحرب القائم بينهما، لتكون لبنان ساحة جديدة لحرب بالإنابة ثانية بينهما، بعد استقالة السيد الحريري بهذه الطريقة الغريبة والمفاجئة ، وتهجمه الصارخ والصريح على إيران وحليفها في لبنان حزب الله .. والسؤال المهم هنا .. إذا ما وقع المحظور واندلعت حرب أهلية بصبغة طائفية في لبنان، فما هو حجم دور العراق فيها؟ وكم سيتأثر بهذا الصراع ألاثني، الذي سيتشظى إلى ما هو ابعد من الحدود الجغرافية للبنان ؟ إن الكثير من المؤشرات الموجودة على الساحة السياسية، والتصريحات النارية لبعض المسؤولين السعوديين، تؤكدان هذا المنحى الذي سيسير عليه الصراع الإيراني السعودي في المنطقة لاحقا، وما نشرته مؤخرا صحيفة يديعوت احرونوت الإسرائيلية، يؤكد هذه المخاوف، حين دعت هذه الصحيفة إلى استغلال سنة لبنان هذه الظروف التي وصفتها بالتاريخية، والتي لن تتكرر، وذلك باستعانتهم بالولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي، لضرب حزب الله والقضاء على النفوذ الإيراني في لبنان على حد تعبير الصحيفة، وإذا ما تحقق هذا السيناريو أو تحقق البديل، بانطلاق شرارة هذا الصراع الطائفي المتوقع من مخيمات اللاجئين السورين في لبنان .. فهل سيحافظ العراق على حياديته في هذا الصراع؟ أم إن طبيعة القوى المؤثرة على قراره السياسي والعسكري، ستفرض موقفا يصبح العراق فيه إحدى ساحاته وتشظياته؟.. كل هذا يتوقف على حكمة القائمين على القرار السياسي فيه، وعلى طبيعة اللحمة الوطنية التي ستتأثر بهذا الصراع المرتقب تبعا للانتماء الطائفي.

 

احمد عواد الخزاعي

 

 

raed abdulhusanalsodaniبعد صدور قانون جاستا (العدالة في مواجهة رعاة النشاط الارهابي)والذي أصدره الكونغرس الامريكي واعتبر فيه المملكة العربية السعودية ضالعة بشكل كبير في أحداث 11/9/2001تحركت الالة المالية الضخمة للدولة السعودية للتعاقد مع شركات العلاقات العامة الامريكية ومع دبلوماسيين أمريكان وفي مقدمتهم الدبلوماسي الخبير بشؤون الشرق الاوسط دينيس روس لإعادة تاهيل المملكة وصورتها لدى الرأي العام الامريكي ،عندها بدأت القرارات تترى فمن اعتقال المشايخ الذين يشيعون التشدد (اليوم وحسب الاخبار اتفقت السودان مع المملكة الى نفيهم في دولة السودان) الى السماح للمرأة بقيادة السيارة ،تمهيدا لقبول قرارات أشد وطأة على إذن المواطن السعودي من بينها عزل محمد بن نايف القوي من ولاية العهد (جمدت أمس أصوله المصرفية هو وعائلته) وصولا الى اعتقال العديد من الامراء الاقوياء ماليا كالوليد بن طلال وسياسيا وأمنيا كالامير متعب بن عبد الله وزير الحرس الوطني مع آخرين بداعي الفساد ومكافحته ،مرورا بماحدث في حالة استقالة سعد الحريري رئيس وزراء لبنان التي أعلنت من قناة العربية السعودية ومن داخل المملكة العربية السعودية في كلمة مسجلة مسبقا .كل هذه الاحداث تتشابه كثيرا مع ماحدث في العراق في 1979عندما عزل أحمد حسن البكر واتهام خمسة من أعضاء القيادة بالتآمر مع سوريا لقلب نظام الحكم وفيهم من هو أقرب المقربين لصدام حسين (عدنان حسين الحمداني) وأعدام جرائها أيضا عبد الخالق السامرائي القابع في سجن لا يعرف فيه نهاره من ليله منذ عام 1973فقد كانت كل هذه الاحداث تمهيدا للحرب مع ايران والتي حدثت عام 1980،وإن علق أحدهم ،ألا توجد حرب سعودية على اليمن وسموها (عاصفة الحزم) ،والجواب على ذلك إن اليمن ماعادت ترضي طموح محمد بن سلمان الذي يشعر إن الهروب الى امام سيزيح عنه حرب اليمن التي إن ظلت على حالها فهي استنزاف له ولامواله وان تدخل بشكل عسكري بري فهو المستنقع الذي لافكاك منه كما ان الحوثيين بدأوا يضربون الهيبة السعودية في العمق ،إذن والحال هذا يجب التحرك سريعا ،وهذا التحرك السريع على عدة جبهات ،الحشد الشعبي العراقي وبدأت بوادره في الكونغرس الامريكي بتحرك لاعتبار كتائب حزب الله والعصائب والنجائب منظمات ارهابية،والتحرك الاخطر ضد حزب الله لبنان الذي يقض مضاجع الاسرائيليين والامريكان ومعهم السعوديين جميعا .في خطوة لاضعاف أو التمهيد لضرب ايران وهنا الورطة الكبرى للسعودية إن تحركت بهذا الاتجاه ،كما قد يكون التحرك باتجاه قطر وفي هذه الحالة ستكون أمام مواجهة ايران ،وتركيا اوردوغان .ولنصل الى المرحلة الاخيرة والتي نرى فيها كما حدث في العراق بعد استنزاف طاقاته مناطق كملاذ آمن للمعارضين تقتطع من المملكة كأن تكون في الحجاز أو منطقة حائل وظهور جماعات مسلحة معارضة .وقد نشهد مناطق لخطوط عرض يمنع فيها الطيران وصولا الى تفتيت السعودية على يد محمد بن سلمان التي آلت اليه الامور سريعا ليفتت السعودية باسرع من صعوده .

رائد عبد الحسين السوداني

 

 

abdulhusan shaaban2أعلن مسعود البارزاني رئيس إقليم كردستان عن تنحيّه وعدم ترشيح نفسه وطلب من البرلمان توزيع صلاحياته على سلطات الإقليم. وكانت ولايته قد انتهت بعد تمديدها لمرتين لمدة عامين لكل منهما، وهي الولاية الثانية، حيث حكم كردستان منذ العام 2005 حين انتخب رئيساً في البرلمان، ثم فاز بانتخابات رئاسية مباشرة في العام 2009 وحصل على 69% من أصوات الناخبين لتولّي دورة ثانية، انتهت في العام 2013.

وكان من المقرّر إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في إقليم كردستان مطلع الشهر الجاري (نوفمبر/تشرين الثاني) بانتهاء رئاسة البارزاني، لكنها تأجّلت لثمانية أشهر بسبب عدم تقديم الأطراف السياسية لمرشحيها في ظل الأزمة الطاحنة سياسياً وعسكرياً ومالياً، تلك التي يعيشها الإقليم، ولاسيّما في صراعه مع الحكومة الإتحادية، فضلاً عن مشكلاته الداخلية بتصدّع الوحدة الوطنية الكردية.

وصادق البرلمان على قرار توزيع الصلاحيات بين الحكومة والبرلمان والسلطة القضائية بموافقة الغالبية من أعضائه، كما أعلن إلغاء ديوان رئاسة الإقليم، وسيكون من مهمات حكومة الإقليم التي يترأسها ابن شقيقه ادريس، نجيرفان البارزاني، مهمة المصالحة مع الحكومة العراقية وإدارة مفاوضات مع الدول المجاورة ومع أحزاب كردية كانت قد خالفت إجراء الاستفتاء أو تحفّظت عليه، إضافة إلى تبعات ما بعد استعادة كركوك من جانب القوات الاتحادية، وهي مهمات ثقيلة وتحمل عقداً بعضها معتّق، ناهيك عن تداخلاتها الإقليمية والدولية.

وكان مسعود البارزاني قد ألقى كلمة مؤثرة تنضح مرارة وخيبة أمل، إضافة إلى دروس بليغة،  منها ما أسماه "الخيانة العظمى" التي بسببها انسحبت قوات البيشمركة من كركوك في إشارة إلى جناح في الاتحاد الوطني الكردستاني كان قد تفاوض مع قائد القدس افيراني قاسم سليماني على عدم مواجهته قوات البيشمركة، القوات الاتحادية في إطار صفقة سياسية، ومنها خذلانه من المجتمع الدولي، ولاسيّما من الولايات المتحدة، التي كانت قد أبدت تحفّظها على إجراء الاستفتاء، فضلاً عن توقيته، خصوصاً وإن المجابهة مع داعش لم تكن قد انتهت بعد، وهي لا تزال مستمرّة حتى الآن، وتعتبرها واشنطن الأولوية الأساسية في العراق، التي لا يتقدّم شيئاً عليها، ناهيك عن أنها تريد التعامل مع العراق ككل وليس جزءًا منه.

ويبدو إن قيادة الإقليم كانت تراهن على "الأمر الواقع"، حتى أن هوشيار الزيباري وزير خارجية العراق لفترة زادت على عقد ونيّف من الزمان، كان قد صرّح بأن ما بعد الاستفتاء سيكون شيئاً آخر، لا يشبه ما قبله، وإن عشرات الدول ستكون مؤيدة له إنْ لم تكن قد وافقت على الأمر الواقع، لكن مثل هذه التقديرات وربما بعض النصائح المباشرة أو غير المباشرة  التي كانت تأتي من مستشارين محليين وأجانب بعضهم مسؤولين سابقين، كانت بعيدة كل البُعد عن الواقع، خصوصاً في ظلّ إصرار عراقي غير مسبوق، حيث توحّدت الشيعية السياسية الحاكمة مع السنيّة السياسية المشاركة في الحكم على موقف واحد.

يضاف إلى ذلك ردود فعل عربية عديدة داخلياً وعلى مستوى الإقليم، فضلاً عن ردّ فعل شديد من جانب إيران وتركيا وهما الدولتان اللتان تواجهان مشكلة كردية حادة إضافة إلى سوريا التي بدأت الورقة الكردية تتحرّك فيها على نحو مختلف منذ العام 2011،  وخصوصاً الدور العسكري  الذي تقوم به حالياً باسم " قوات سوريا الديمقراطية" المدعومة أمريكياً، كما إن الدور الذي يقوم به حزب العمال الكردستاني PKK في كل من سوريا والعراق، أصبح مُقلقاً عراقياً وعربياً وبشكل خاص تركياً وإيرانياً.

لعلّ الوضع الذي وجد فيه نفسه مسعود البارزاني وقيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني هو أقرب إلى العام 1975 وبعد اتفاقية 6 مارس (آذار) بين شاه إيران محمد رضا بهلوي وصدام حسين نائب الرئيس العراقي حينها، حيث لم يقف الحلفاء إلى جانب الزعيم التاريخي الملّا مصطفى البارزاني، وهو ما عبّر عنه بمرارة بُعيد  انتهاء الحركة المسلحة واضطراره اللجوء إلى إيران بعد حرب استمرّت لعام كامل.

وكان البارازاني الكبير شديد الغضب وكثير العتب إزاء مواقف الولايات المتحدة التي تخلّت عن الحركة الكردية، إضافة إلى شاه إيران، وحاول كتابة رسائل تضجّ بالشكوى والألم إلى هنري كيسنجر وزير خارجية الولايات المتحدة حينها، وفي ذلك أحد دروس الكرد الذين لم يبق من صديق لهم وقت الضيق سوى الجبال، حسب حكمة كردية قديمة يردّدها عدد من الزعماء الكرد، خصوصاً في المنعطفات التاريخية، الأمر الذي ينبغي وضعه في الحسبان دائماً، في ظل دكتاتورية الجغرافيا السياسية، تلك التي تحيط كردستان العراق من جميع جوانبه ولا سبيل لتغييرها وتحقيق الحلم الكردي، إلّا بإجراء تغييرات جوهرية في عموم المنطقة.

وخيبة أمل مسعود البارزاني أكثر شدّة من أبيه، لأن خسارة الأول المعركة كانت بسبب خذلان العامل الخارجي  أساساً وتخلّيه عن دعمه الأمر الذي سبّب اختلالاً جوهرياً في ميزان القوى العسكري، في حين إن خيبة أمل الإبن نجمت من غياب الوحدة الوطنية، سواء بمواقف كتلة كوران (التغيير) أو الحركة الإسلامية أو أطراف من الاتحاد الوطني الكردستاني التي تسبّبت في انسحاب غير متفق عليه أو لم يتم التوافق بشأنه، كما يفصح قرار تنحية ورسالته التي وجهها إلى العالم بهذه المناسبة .

بعد إعلان مسعود البارزاني انسحابه من رئاسة الإقليم قال " أنا مسعود البارزاني، أحد أعضاء البيشمركة وسأستمر في مساعدة شعبي في نضاله نحو الاستقلال" ، وعلى أثر ذلك اجتمع برلمان كردستان وقرر قبول الاستقالة وكان قد تردد عشيّة هذا القرار، تشكيل قيادة سياسية عليا، سيكون من مهماتها الإبقاء على "امتيازات" الرئيس البارزاني بصفته مرجعية عليا كانت قد تقرّرت باجتماع الأحزاب الكردستانية (المتوافقة معه)، وسيكون من مهماتها مقابلة الدبلوماسيين الأجانب وعدم اتخاذ قرارات تتعلّق بالقضايا الحساسة من جانب الحكومة دون موافقتها.

ولعل ذلك يعطيها حضوراً سياسياً أقرب إلى فكرة "المرشد الأعلى" أو القائد الفعلي أو ما سمّاه منتقدوه " مجلس قيادة الثورة"، حيث سيبقى خارج دائرة العمل التنفيذي الحكومي اليومي والمسلكي، علماً بأن أحد أقطاب الاتحاد الوطني الكردستاني (نائب الأمين العام - كوسرت رسول) سيكون نائباً له في هذا الموقع الجديد، حتى وأن كان الأمر مؤقتاً، وذلك كي لا يحصل " فراغ دستوري" كما ورد في رسالته الموجهة للبرلمان.

لقد طوى مسعود البارزاني يوم الأحد 29 أكتوبر(تشرين الأول) 2017 صفحة من صفحات تاريخ كردستان الأكثر إثارة وحساسية، لاسيّما على صعيد تمتّع كردستان بالفيدرالية واعتبار الكرد شريكاً أساسياً في صياغة الدستور وفي إشغال مناصب عليا في الدولة العراقية بينها رئاسة الجمهورية لثلاث دورات ، وكان يأمل أن يصل بالإقليم  إلى محطّة جديدة يعلن فيها عن استقلاله بعد إجراء الاستفتاء، ولكن التوافقات الإقليمية والدولية، فضلاً عن الوضع العراقي كان عائقاً شديداً أمام ذلك الطموح، الذي بسببه تراجعت بعض مكاسب الإقليم وهو ما تحمّله بعض الأطراف الكردية مسؤوليته، إضافة إلى تصدّع العلاقات العربية- الكردية .

وبغضّ النظر عن بعض الاجتهادات وفيما بعد الاصطفافات والأخطاء، فقد لعب مسعود البارزاني دوراً كبيراً في قيادة الحركة الكردية، منذ ثورة سبتمبر/ أيلول العام 1961 بمرافقة والده، وفيما بعد أصبح رئيساً لجهاز الاستخبارات ثم رئيساً للحزب الذي تأسس العام 1946، ودخل بحروب مع غريمه جلال الطالباني، وأكبرها الحرب التي استمرت أربع سنوات 1994-1998، كما دخل في مفاوضات عديدة مع صدام حسين الذي أعانه ضد جلال الطالباني الذي كان مدعوماً من إيران في العام 1996، حيث دخل الجيش العراقي إلى إربيل، وكان لاعباً أساسياً في ساحة المعارضة العراقية، وجمع "شملها" في صلاح الدين العام 1992  ليصبح واحداً من ثلاث قياديين أساسيين فيها، هم إضافة إليه: السيد محمد بحر العلوم واللواء حسن النقيب، كما كان عضواً فاعلاً في مجلس الحكم الانتقالي الذي شكّله بول بريمر بعد الاحتلال وفقاً للمحاصصة الطائفية - الإثنية .

واليوم وبعد شهر ونيّف على قول الكرد " نعم" فإن المرارة أخذت تكبر بعد سلسلة الإجراءات والتداعيات التي اضطرّت الكرد للتراجع، أهمها: إعادة كركوك إلى سلطة الدولة الإتحادية وهي التي تسمى لدى القيادات الكردية " قدس الأقداس"، إضافة إلى عدد  من المناطق المتنازع عليها، وكان مسعود البارزاني قد تحدّث عن "حدود الدم" التي قال عنها إنها ترسم الحدود الكردستانية.

كما اضطرّ الإقليم إلى إعادة بعض حقول النفط والمنافذ الحدودية، كما إن الانقسام الكردي الذي حصل بشأن الاستفتاء وبعده، ستكون تأثيراته كبيرة جداً على مستقبل الإقليم، إذْ أنه منذ احتلال العراق العام 2003 ولحد الإعلان عن الرغبة في إجراء الاستفتاء، كان الموقف الكردي موحداً، لذلك حصل الكرد على مكتسبات كبيرة، وكان البعض ينظر إليهم بأنهم يتمدّدون في كركوك على حساب التركمان والعرب، وكذلك في المناطق المتنازع عليها، بل إنهم يحكمون جزءًا من بغداد، إضافة إلى إقليم كردستان الذي لا يشاركهم فيه أحد.

فما الذي سيحصل وهل سيبقى مسعود البارزاني رئيساً للحزب الديمقراطي الكردستاني؟ وكيف سيتم التعامل مع حكومة الإقليم برئاسة نجيرفان البارزاني ؟ وماذا عن نجله مسرور البارزاني رئيس مجلس الأمن القومي في الإقليم والمسؤول عن الأمن منذ العام 2012؟ وكيف ستكون نتائج الانتخابات الكردية وكذلك نتائج الانتخابات العراقية وكلاهما سيجريان في العام المقبل 2018؟

كل ذلك  يثير أسئلة كبرى، لكن الجواب عليها يحتاج إلى انتظار كي تنجلي هذه الموجة العاصفة وتعود الأمور إلى مجاريها، ولاسيّما مع بغداد التي تتعامل بثقة أكبر مع الإقليم خصوصاً في إطار الصلاحيات الممنوحة للدولة الإتحادية دستورياً، وذلك بفعل تدخّل أمريكي للجلوس إلى طاولة مفاوضات، ابتدأت بقياديين عسكريين من الجيش العراقي والبيشمركة لتنتهي لاحقاً في إطار القيادات السياسية، علماً بأن رئيس الوزراء حيدر العبادي كان قد أعلن عن قبوله للحوار شريطة أن يعلن الإقليم إلغاء الاستفتاء ونتائجه.

 

عبد الحسين شعبان - باحث ومفكر عربي

 

 

ibrahim abrashالصفقة الكبرى،صفقة القرن،الصفقة التاريخية، الحل الإقليمي الخ، كلها مسميات لمشروع تهيئ له الإدارة الأمريكية لتسوية الصراعات في الشرق الأوسط ومن بينها الصراع الفلسطيني الإسرائيلي .مع أنه مشروع ما زال قيد الإعداد ولا توجد نصوص أو معلومات كاملة حوله، إلا أنه أثار كثيرا من الجدال والنقاش والتخوفات عند كل الأطراف في الشرق الأوسط، ومبعث القلق ليس فقط مما سيتضمنه المشروع من تصورات وحلول بل من شخصية الرئيس ترامب ومواقفه المثيرة للجدل وغير المستقرة فيما يتعلق بكل سياساته الخارجية .

من حيث المبدأ فإن الحديث عن مشروع تسوية سياسية يتم الإعداد له من طرف الإدارة الامريكية،وبغض النظر عن مسماه، ليس بالأمر الجديد،فمنذ إطلاق عملية التسوية السياسية في مؤتمر مدريد للسلام 1991 وكل رئيس أمريكي جديد يطرح مشروع تسوية جديد متجاهلا مشاريع الإدارات السابقة أو يُدخل عليها تعديلات بما يتوافق مع شخصيته ومع المتغيرات الدولية والإقليمية ومع أولويات الإدارة الأمريكية في الشرق الأوسط .

في جميع هذه المشاريع التسووية كانت الإدارات الأمريكية منحازة لإسرائيل وكلها مشاريع ليست جادة في حل الصراع بل تهدف للإمساك بمفاتيح إدارته والحيلولة دون انفجاره ومنع أية جهة دولية من التدخل بهذا الملف،والصفقة الكبرى أو مشروع ترامب  لن تخرج عن هذا السياق .

بالرغم من البعد الزماني وما طرأ من تغيرات إقليمية ودولية فإن هناك ما يستحق المقارنة بين ما تسمى صفقة القرن للرئيس ترامب ورؤية بوش الأب للتسوية السياسية والتي كانت أساس مؤتمر مدريد للسلام 1991 واتفاقية أوسلو 1993،حتى يمكن القول بأن ما يجري اليوم محاولة إنجاح ما فشل في مدريد 1991 أو نسخة محدثة عنه (مدريد2)، ولكنها نسخة مطبوعة بطابع شخصية ترامب الاستعراضية وتعامله مع السياسة كما يتعامل مع الاقتصاد أي بلغة الصفقات، فكما خلد اسمه من خلال برج ترامب الشهير في مانهاتن في نيويورك يريد تخليد اسمه من خلال صفقة سياسية في الشرق الأوسط .

أوجه الشبه تكمن في التعامل مع الصراع كصفقة شاملة بحيث تتداخل القضية الفلسطينية مع الصراع العربي الإسرائيلي والرغبة في التطبيع بين إسرائيل والعرب،مع ملف الإرهاب ونبذ العنف والتحريض، أيضا من خلال تحريك الملف الفلسطيني ليس بهدف حل القضية الفلسطينية بل لتسكين حدة الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين حتى لا ينفجر الصراع بينهم بما يؤثر سلبا على المساعي الأمريكية لإعادة رسم سياساتها وتكريس هيمنتها دوليا وفي منطقة الشرق الأوسط  .

وعلى هذا الأساس نعتقد أن تهويلا في الحديث عن الصفقة الكبرى وكأنها أمر جديد غير مسبوق في نهج تعامل الإدارة الامريكية مع صراعات المنطقة، فما هو مطروح أو سيتم طرحه هو (مشروع تسوية) مفتوح على كل الاحتمالات،وكما أن مشروع التسوية الذي دشنه مؤتمر مدريد أستمر لأكثر من ربع قرن دون حل الصراع بل وظفته إسرائيل بما يعزز احتلالها وسياساتها الاستيطانية فإن الخشية من أن مشروع الصفقة الكبرى سيجر الفلسطينيين لمفاوضات أكثر عبثية من مفاوضات أوسلو وعلى أرضية ومن مرجعية أكثر سوءا من مرجعية مدريد وأوسلو .

 مع أننا لا نعتقد أنه يبدو في المدى القريب واعتمادا على موازين القوى الراهنة ومواقف وسياسات الحكومة الإسرائيلية إمكانية لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي حلا يلبي الحد الأدنى من الحقوق السياسية للفلسطينيين حتى في إطار قرارات الشرعية الدولية وذلك بسبب الرفض الإسرائيلي لهكذا حل، إلا أن تخوفاتنا مما تسمى صفقة القرن تتأتى من خلال التالي :-

1- كل تصريحات ومواقف رموز الإدارة الأمريكية تؤكد انحيازا غير مسبوق لإسرائيل،سواء تعلق الامر بالتراجع عن حل الدولتين أو الموقف من الاستيطان أو من نقل السفارة الامريكية للقدس، كذا تجاهل قرارات الشرعية الدولية الخاصة بالقضية الفلسطينية : قرار التقسيم 181 وقرار عودة اللاجئين 194، وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره السياسي على أرضه .

2- محاولة تطويع كل الحالة الفلسطينية لمتطلبات التسوية السياسية من خلال المزج ما بين المصالحة الفلسطينية والتسوية السياسية وجر حركة حماس لمربع التسوية من خلال مطالبتها بالاعتراف بإسرائيل والتخلي عن سلاح المقاومة .

3- ما يتم الحديث عنه صفقة تتضمن مجرد مشروع تسوية من أهدافه تسكين الحالة الفلسطينية حتى تتفرغ واشنطن ودول المنطقة للقضايا الأخرى، وعليه سيكون الفلسطينيون شاهد زور في هذه الصفقة .

4- تجاهل المبادرة العربية للسلام التي تضع مطلب إنهاء الاحتلال وقيام الدولة الفلسطينية قبل التطبيع مع إسرائيل، حيث تسعى إدارة ترامب لفرض التطبيع مع إسرائيل قبل حل القضية الفلسطينية وقيام الدولة .

5- يبدو أن الرئيس ترامب لا يؤمن بالشراكة في السياسة الدولية، وفي ظل توتر علاقته بروسيا الاتحادية وعدم ثقته بالأمم المتحدة، فمن المتوقع أن تكون صفقة القرن من حيث صياغتها والإشراف عليها أمريكية خالصة، وهذا معناه تجاهل الاتفاقات الموقعة السابقة وخطة خارطة الطريق واللجنة الرباعية .

6- محاولة توظيف حالة عدم الاستقرار في المنطقة وضعف مواقف كل الدول العربية تجاه واشنطن لإعادة ترسيم حدود المنطقة بما فيها حدود دولة فلسطين المأمولة بما يلغي فكرة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود 1967 .

7- جر المفاوض الفلسطيني للعودة إلى المفاوضات دون الأخذ بعين الاعتبار الشروط التي وضعتها القيادة الفلسطينية للعودة للمفاوضات وخصوصا : وقف الاستيطان أو تجميده خلال مرحلة المفاوضات، تحديد مرجعية واضحة للمفاوضات، إطلاق سراح الدفعة الرابعة من الأسرى الفلسطينيين، وسقف زمني محدد .هذا يعني أن المفاوضات القادمة ستكون أكثر عبثية وتداعياتها أكثر خطورة من سابقاتها . 

وأخيرا وإلى حين تبلور الصفقة وطرحها رسميا فعلى الأطراف الفلسطينية عدم الإصابة بالهلع والتخبط أو التسابق على تقديم تنازلات لمهندسي ومقاولي هذه الصفقة،فالأمر ما زال مجرد أفكار وعندما تنضج ستكون مجرد مشروع تسوية مفتوحا على كل الاحتمالات،و احتمال فشله أكبر من احتمال نجاحه .

 

د/ إبراهيم أبراش

 

 

jamal alkersan2كعادتها تغلي منطقة الشرق الأوسط على مدار العام، وكلما سارت الاحداث الى لملمة ازمة والتقاط الانفاس حتى دخلنا جميعا فجأة في ازمة لو تدحرجت ربما تحرق الأخضر واليابس. المنطقة تكاد تكون تكيفت وتعايشت مع سقف مقبول من الازمات والحروب هنا وهناك، لكن ما لا طاقة للمنطقة به ان تنفجر ملفات شائكة ومتداخلة داخليا، إقليميا ودوليا مرة واحدة وتتدرج الكرة بشكل متسارع غير قابل للسيطرة.

فهل نحن امام حرب جديدة في الشرق الأوسط بشكل جديد.. ام ماذا؟! لم لا.. فالشرق الأوسط منطقة الدخان حسب التوصيفات السياسية والعسكرية، وخيارات الحرب ليست مسبتعدة في أي ازمة، كما اكد ذلك أوباما حينما كان رئيسا للبيت الأبيض، ذكر في احدى مقابلاته الصحفية ان فريق العاملين في واشنطن كلما ناقش ازمة طرح خيار الحرب! ويبدو ان من أوصل ترامب الى البيت الأبيض يريد حربا ما، قد تكون في شرق اسيا وقد تكون في الشرق الأوسط.

التطورات المتلاحقة الأخيرة في المنطقة وخصوصا في السعودية لم توضع حتى الان في سياق تحليلي واضح وناضج وان كل ما يثار من مقاربات للوقائع ليس اكثر من محاولات غير ناضجة بما يكفي، ربما نحن عاجزون عن تقديم تحليل او تفسير وسيناريو مكتمل الابعاد يضع النقاط على الحروف ويجيب على التساؤلات الأساسية حول ما يجري. لكن عدم وضوح الصورة لا يمنع من محاولة تقديم مقاربة لما يدور حولنا.

نعم ان جزءا مما يجري في السعودية يأتي في سياق تمهيد الأمور لوصول محمد بن سلمان الى راس هرم السلطة في السعودية، بن سلمان الذي سوق في الاعلام الغربي بشكل كبير مشروعه الاقتصادي والعلمي الكبير 2030، وانه الكفيل بطمر هوة التطرف الإسلامي الذي فتك باوروبا، كما اصدر جملة من القرارات بينها السماح للمراة بقيادة السيارة، توّجها باعتقال كبار شخصيات المملكة يوم 5 تشرين الثاني بعيد ساعات من تشكيل لجنة مكافحة الفساد. لكن التطورات في السعودية لم تقف عند هذا الحد، بل تشعبت لتقرع معها طبول الحرب هنا او هناك. رغم ان بن سلمان يفترض به مبدئيا ان يتفرغ للحرب الداخلية بينه وبين الاجنحة السعودية الأخرى من العائلة الحاكمة، بدل فتحه لازمات أخرى تتطلب جهدا استثنائيا لادارتها.

 فهل يعاني الأمير الشاب ( مواليد العام 1985) والحاكم الفعلي للسعودية من احتقان الصراعات؟! له ازمة داخلية، ازمته في اليمن، ازمة مع ايران، ازمة مع قطر وأزمة في لبنان، هل تراكم الازمات يدفعه لاتخاذ قرارات غير مدروسة؟! هل يبحث عن ازمة خارجية من اجل التغطية على ما يدور في الداخل السعودي؟ ام ان الازمات الداخلية والخارجية تسير بوتيرة واحدة، وربما تكون الازمة الداخلية في قناعة بعضهم تمهيد لافتعال ازمة خارجية كبرى.

ان تطورات الاحداث تشير الى ان ما يجري في السعودي هو حلقة مهمة في سياق ما يتم الترتيب له من حرب إقليمية، ان إرساء الحكم للامير الصغير يلزمه فتح جبهة مع خصوم اخرين للمملكة وأيضا لإسرائيل وحتى ربما لامريكا. ان ما يجري في السعودية جزء من سيناريو الحرب، التي تقرع طبولها ليل نهار. الصعوبة تكمن في تفسير سيناريو الحرب وفي أي اتجاه تكون وما هي رقعتها المفترضة على الأقل على المستوى النظري.

اقرب السيناريوهات وأكثرها مقبولية هو سيناريو فتح جبهة جوية كبيرة مع حزب الله واجهتها السعودية وربما الامارات ودول عربية أخرى وحقيقتها مشاركة إسرائيلية أمريكية وربما لاطراف أخرى. الضربة الجوية والضغط السياسي يهدف لاضعاف قدرة حزب الله ولا يمنحه مبررا وفق المعايير الدولية لقصف إسرائيل طالما ليست هي المتسبب علانية بالحرب. في ذات السياق توجه أيضا ضربة جوية قوية للقدرات الحوثية. وربما يتم ادخال أسلحة أخرى فتاكة مع استبعاد الاجتياح البري. هذا السيناريو وان لم يؤد الى تحقيق الأهداف التي ينشدها القائمون عليه لكنه في نهاية المطاف يعيد للسعودية شيئا من هيبتها من وجهة نظر صاحب القرار السعودي، وأيضا يضعف حزب الله من وجهة نظر خصومه. وربما اجباره على الدخول بمفاوضات جديدة قد تسفر عنها معطيات مختلفة عن السابق. هذا السيناريو يفترض ان تبقى ايران بجغرافيتها بعيدة عن الضربة المباشرة مما يعني عدم الرد المباشر من قبل الإيرانيين على أي من خصومها. لكن يبقى التكتيك الإيراني هو الرد من خلال الجبهات التي تخوض الحرب. واحتمال قصف السعودية او إسرائيل صاروخيا أيضا واردا من وجهة نظر صانع القرار الإيراني على الأقل، سيما وانه لا يحمّل بشكل مباشر ايران المسؤولية، ولا يمكن بناءا عليه استصدار قرارا من مجلس الامن يهدف الى وضع ايران في الزاوية الحرجة طالما كان هناك فيتو روسي. الحرب المحدودة في حسابات بعض صناع القرار في أمريكا وإسرائيل ربما احد اهم أهدافها اجبار ايران على الجلوس مرة أخرى على طاولة المفاوضات مع فرض مزيد من الشروط عليها من اجل استمرار الاتفاقية، لكن ذلك يفترض قبل كل شيء ان تكون تلك الحرب شبه مضمونة النتائج لصالح خصوم ايران وهذا غير مؤكد حتى الان.

 هذا السناريو المتوقع ولو نظريا وهو الأقرب لتفسير ما يجري لكن التطورات قد تدفع باتجاه سيناريوهات أخرى اذا ما خرجت الأمور عن السيطرة وقرر الجميع الدخول بمغامرات غير محسوبة. ان من يريدون الحرب ومن يجبرون عليها يحرصون كل الحرص على حصرها في مساحة معينة لكي لا تخرج الأمور عن السيطرة وهذه الحسابات تمت تجربتها فيما سبق في أزمات كثيرة، ولم لا تجرب هذه المرة!

 

جمال الخرسان

 

 

saieb khalil2واحدة من اشد الأوهام انتشارا بين أبناء الشعب العراقي بمختلف فئاتهم وتوجهاتهم ومستوياتهم الثقافية هي ان "المفوضية العليا المستقلة للانتخابات" فيها مشكلة كبيرة وعويصة وهي أنها تتقسم محاصصة وتتكون من أعضاء تابعين للأحزاب الكبرى وبالتالي فهي ليست "مستقلة" كما يفترض، ولذلك فهي جزء من الفساد الذي يجب تغييره في هذا البلد.

ولعل هذا الوهم قد حصل على حصة الأسد من التظاهرات والشعارت والمقالات والتصريحات الغاضبة والدعوات للإصلاح، حتى ان البعض يعتبر أن مشكلة العراق الأساسية والتي لا يمكن اصلاح البلاد بدون حلها، هي مشكلة "استقلالية مفوضية الانتخابات"!

اسمحوا لي ان أقول لكم أن هذا وهم كبير، وأن ابين هذا الوهم بنقطتين:

أولاً ان كلمة "مستقلة" لا تعني انها تتكون او يفترض ان تتكون من "مستقلين"، ولا يعني ان تكون مستقلة عن اية سلطة، إنما يعني انها ليست تابعة لأية وزارة في الحكومة، وبالتالي فهي "مستقلة" بالفعل.

وثانياً لا معنى للجهود التي يبذلها البعض في المطالبة بـ "استقلالية" موظفي المفوضية، بل ان أعضاء هذه المفوضية لا يجب ان يكونوا “مستقلين”، إنما العكس تماما: يجب أن تتكون المفوضية من أعضاء ترشحهم الأحزاب (الكبيرة)! أي ان تكون "محاصصة" بين الأحزاب الكبيرة!

لماذا؟

نحن نريد مفوضية تتوفر فيها الأمانة لتسيير الانتخابات بدون تزوير أو تحيز لأية جهة، فكيف نختار أعضاءها؟ إن اخترنا "مستقلين" فنحن لا ندري من يكون هؤلاء ولا ماهي ارتباطاتهم ولم هو ولاؤهم. وحتى لو كانوا مستقلين بالفعل ولا ولاء لهم ولا حتى "رأي" سياسي (المغفلين فقط هم كذلك)، فأن هذا سيتغير بالتأكيد، وعاجلا أو آجلا، سوف يمكن شراءهم او تغيير الشرفاء منهم بفاسدين، من قبل سلطة قوية كأن تكون أحد الأحزاب العظمى أو، وهذا أخطر وأكثر احتمالاً، دولة اجنبية مثل اميركا أو إسرائيل أو السعودية أو إيران.. ودون ان يعلم أحد، ستجري الانتخابات بشكل متحيز، ونحن فرحين بـ "استقلال" المفوضية!

كيف الحل إذن؟ وكيف نطمئن الأحزاب على حيادية المفوضية؟ ليس هناك أفضل من ان يقوم كل حزب من الأحزاب الأكبر، بترشيح ممثل عنه في قيادة المفوضية. وسيكون هذا الشخص بمثابة رقيب يمثل ذلك الحزب ويحرص ان لا يتم التحيز ضده. وهكذا نضمن بدرجة ما أن أياً من تلك الأحزاب او الكتل، لن يظلم. 

وماذا عن بقية الأحزاب الأصغر؟ ألا يحتمل ان تظلم؟

بالتأكيد يحتمل ان تظلم، ولكن من ناحية لا يمكن ان تكون المفوضية كبيرة العدد لتشمل ممثلا عن كل الأحزاب كبيرها وصغيرها. ومن ناحية أخرى، من الصعب ان يتفق ممثلو الأحزاب الكبرى كلهم على سرقة بضعة مقاعد من الصغرى. إنه ليس مستحيل طبعا، لكنه قليل الاحتمال، وهو أقل تأثيرا مما لو كانت السرقة من الأحزاب الكبرى ومقاعدها الكثيرة وتداعيات ذلك على سياسة البلد. لذلك إذا كان لا بد من اختيار من يكون له ممثلين من الأحزاب، فيجب ان تكون الأحزاب الكبرى ذات المقاعد الأكثر.

ألا يمكن ان يخون ممثل الحزب، حزبه ويتم رشوته؟ ممكن طبعا، ولكن هذا الشخص هو الأقل احتمالا ان يخون حزبه. أولاً لأن حزبه هو الذي اختاره، ويفترض ان يستطيع الحزب الكبير ان يجد شخصا يثق به لهذا المنصب الخطير. وهذا يفترض بالضرورة ان الحزب سيبحث عن أكثر شخص أمين يعرفه، شخص لا يتوقع ابداً أن يخون حزبه ويبيع اصواته. ففي المفوضية ليس هناك شيء يباع سوى الأصوات. وإن ارتكب الشخص تلك الخيانة رغم ذلك؟ الخاسر الوحيد المباشر والأكيد سيكون حزبه، وهو أيضاً يتحمل مسؤولية اختياره.

حاجج أحد القراء بأن اختيار مستقلين أكثر أماناً لأنهم سيكونون عرضة لمحاسبة القانون وليس لديهم من يدافع عنهم. أما المنتمين للأحزاب الكبرى، فيعتمدون على حزبهم للإفلات من العقاب فيلجؤون الى التزوير. وهذا يبدو منطقيا لأول وهلة. لكن لنتذكر ان الشيء الوحيد الذي يمكن بيعه في مفوضية الانتخابات هو المقاعد. وبما ان هناك ممثل لكل حزب، وان هذا هو المؤتمن على مراقبة المفوضية بحيث لا تتخذ اية استراتيجية ضارة بعدد مقاعد حزبه، فالخيانة الوحيدة الممكنة هي بأن يخون ذلك الشخص حزبه نفسه. وبالتالي فمن غير المنطقي ان يدافع ذلك الحزب عنه، وإن فعل فإنه يحكم على نفسه بالخسارة. فالحزبي الصريح المعروف، يواجه محاسبة حزبه ليس لأن حزبه أمين ونظيف، إنما لان من مصلحة الحزب محاسبة ممثله بكل حزم. أما في حالة المستقلين فلا يوجد على هذا المستقل اية رقابة حقيقية ولا سلطة للحزب الذي يخسر المقاعد على هذا المستقل سوى أن يشكوه كشخص عادي، ليأتي غيره دون موافقة او اختيار الحزب المتضرر ليتكرر السيناريو.

الغاضبين من الأحزاب الكبيرة في السلطة رأوا في هذا الطرح تثبيتا لتلك السلطة الكريهة. والحقيقة انه يثبت حق من ينتخب بالفعل بأن يحفظ اصواته لا أكثر. فإن كان الطموح لإزالة تلك السلطة الفاسدة، هو بتزوير التصويت ضدها، فهذه طريقة غير صحيحة ولا يمكن تنفيذها اصلاً، فمن هي "الأحزاب الصغيرة" التي ستتولى ذلك التزوير لتصعد، وما هي امكانياتها لتفعل ذلك؟ 

لذلك فالمفوضية العليا المستقلة للانتخابات، يجب ان تكون "محاصصة" بين الأحزاب الكبرى، رغم سوء السمعة الذي يحيط بتلك الكلمة، وكل ما سمعتموه من ضجيج ضد هذا الترتيب، محض "كلاوات" وتشويش وربما محاولة لجهة ما لإدخال عملائها "المستقلين" وطرد ممثلي الأحزاب لتتمكن من ترتيب الأمور لصالحها بحرية أكبر. والحملات الهائلة التي وجهت لذلك الهدف، حملات قد تكون مشبوهة المصدر من جهة، وهتف لها سذج كثيرون من جهة أخرى!

إن كون الأحزاب الكبيرة فاسدة هو موضوع آخر، ولا يتم حله بتسليم المفوضية لأشخاص مجهولي التوجهات والهوية. كما أن كون موظفي المفوضية فاسدون أو غير فاسدين، موضوع آخر أيضا، ويجب متابعته بالطرق المناسبة لمتابعة الفساد، إنما لا مفر من أن يتم اختيارهم من قبل الأحزاب الكبيرة، ولتامين عدم تحيز المفوضية ضدهم بأي شكل من الأشكال

بعبارة أخرى، نحن نستطيع ضمان "حيادية المفوضية" بأن نأتي لها بأعضاء "متحيزين" كل لحزبه المختلف، أي بـ "المحاصصة"، فتكون النتيجة أن نحصل على مفوضية حيادية بدرجة جيدة من اليقين، لأننا نعرف القوى التي فيها ونستطيع موازنتها للحصول على الحيادية. أما محاولة بناءها من موظفين لا يضمنهم أحد، ولا نعرف عنهم شيء سوى أنهم "مستقلون"، فهي الوصفة الأفضل لسقوط المفوضية في الفساد والتحيز.

ما تطرحه هذه المقالة صعب الهضم لسبب مفهوم وهو الكمية الهائلة التي تلقاها القارئ قبلا من إعلام يتوجه بالضد مما تطرحه تماما. ويتصور البعض اني اريد هنا ان ادافع عن الأحزاب الكبيرة وفسادها، بينما انا ابحث عن طريقة لمنع تزوير الأصوات، أو بالأحرى كشف زيف الإعلام الذي قلب الدنيا حول "سيطرة الأحزاب على المفوضية" واعتباره مصدر الشرور، ليحمي مصدر الشرور الحقيقي.

دعوني أحاول توضيح الأمر بمثال أخير.  لنفترض أنك اردت ان تنشئ شركة بالتشارك مع شخص آخر. وقررتما ان تعينا لها ادارة تضمن حقوقكما.. وكان هناك مقترحان، الأول ان تأتوا بإدارة "نظيفة شريفة حيادية أمينة، لا يتحيز فيها أحد إلى أي من الطرفين"... والثاني، ان يرشح كل منكما نفس العدد من الموظفين الذين "يمثلونه" أي يدافعون عن مصالحه.. فأي النظامين ستختار؟ طبيعي أنك ستختار الثاني. صحيح ان نصف الموظفين سيعملون لصالح الآخر، لكن لديك النصف الآخر الذين ستختارهم من أخلص الناس لك وتستطيع ان تغير من تشاء منهم متى ما شككت به، والنتيجة ان الآخرين لن يستطيعوا غشك، مثلما لن تستطيع غش المقابل. أما المجهولين النزيهين الخ، فلا أحد يعلم ولاءهم ولا ما سينقلبون عليه مستقبلا.

ما اقصده ليس ان نختار فريقين من اللصوص يعمل كل منهما لجهة، لكن اقصد ان هذا النظام محصن نسبيا، حتى لو لم يكن اعضاءه شرفاء جدا. أما المستقلين فيكفي أدنى نقص في الشرف لإحداث كارثة.

أخيراً لا بد ان أقول إن موضوع المفوضية بذاته غير مهم، لكن المهم فيه هو ما يكشفه لنا من إمكانيات جهات مجهولة تسيطر على وعينا، قادرة على تمرير الأوهام على الغالبية الساحقة من الشعب وتحويل اهتمامها إلى اتجاهات وهمية ليوجه غضبه نحوها، لتخفيف التركيز على مناطق الخلل الحقيقي التي تعصف بالبلاد. إنه مثال فقط وهناك أوهام مماثلة كثيرة جدا.

 

صائب خليل

6 ت2 2017

 

كل من تابع تصميم البرزاني على اجراء الاستفتاء في 25 سبتمبر- أيلول الماضي في كردستان واطلع على ما سبقه من وفود كردية منكوكية الى اسرائيل وأمريكا والاتحاد الأوربي وما جرى خلال ذلك من استعراضات استفزازية للقوة قامت بها البشمركة في المناطق المختلف عليها وكركوك يستنتج ان البرزاني ما كان سيتخذ قراره باجراء الاستفتاء ومن ثم استقلاله عن الدولة العراقية ما لم يكن واثقا من دعم اسرائيلي وأمريكي مسبق. وهذا ما كان بالفعل ، لكن للأمريكيين مأرب أخرى كانت مؤشراتها ارسال رسالتين واحدة للبرزاني تقول : سيروا ونحن ورائكم ، وأخرى للعبادي تقول : سيروا على بركة الله ، وكانت النتائج مرضية للجميع. فالبرزاني يعزز مواقع قواته العسكرية دفاعا عن مدينة كركوك " قدس الأقداس " وحدودا كما يدعي رسمها بالدماء.

والعبادي هو الآخر يعزز قواته تمهيدا لاستعادة مناطق بما فيها مدينة كركوك احتلها البرزاني خلافا للدستور الاتحادي . ولحسن الحظ كانت الصدامات التي حصلت بين قوات الطرفين محدودة قام الأمريكيون بجهود الوساطة بين الطرفين لمنع اتساع النزاع المسلح. والمطلوب هنا من كل الأطراف التصرف بحكمة ووعي عال بالمسئولية فالدم المراق كرديا كان أم عربيا هو في الواقع دم عراقي والأموال التي تهدر من جرائها هي أموال عراقية والخاسر الأكبر هو الشعب العراقي. والمهمة الآن هي العودة الى طاولة التفاوض وبذل أقصى الجهود لحل الخلاف الدستوري سلميا حفاظا على دوام العلاقات الأخوية بين الأكراد والعرب واعادة السلام والوئام الى العراق.ا .

وليس سرا استثمر البرزاني خلال السنين الماضية أموالا طائلة لشراء الذمم في أمريكا وغيرها لتسويق مشروع الانفصال عن العراق لكسب تأييد ما أمكن من أعضاء الحكومة ومجلسي الكونغرس الأمريكي وان كانت على حساب جوع شعب كردستان. حيث بعثر من أجل ذلك موارد ضخمة كانت تأتيه من الحكومة المركزية في بغداد (17% من أموال الخزينة الاتحادية) وهبات مالية هائلة من دول الاتحاد الاوربي هذا عدا شحنات الأسلحة التي كانت تأتيه من دول أوربية عديدة بما فيها فرنسا وألمانيا واسرائيل. فأمريكا وحدها تمنحه 400 مليون دولارا سنويا للانفاق على قوات البيشمركة مقابل ان تلبي سلطة كردستان مطالب أمريكا تماما كما تفعل اسرائيل. جاء ذلك على لسان السفير الامريكي السابق في العراق ريان كروكر عام 2008 وفق ما أوردته صحيفة جيروسليم بوست الاسرائيلية.

وكما هو معروف ان الأمريكيين والأوربيين الغربيين واسرائيل وحتى تركيا قد دعموا سلطة البرزاني سياسيا وماليا وعسكريا منذ تسعينيات القرن الماضي تنفيذا لستراتيجية اسرائيل بتقسيم دول المنطقة الى دويلات قزمية لن تشكل أبدا أي تهديد لاسرائيل. والبرزاني هو أول شخصية سياسية تتطوع جهارا دون حرج بتنفيذ تلك الاستراتيجية بتقسيم الدولة العراقية تزامنا مع الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003 ليعلنه رسميا هذا العام. أما تقسيم سوريا فجاري على قدم وساق وستعلن قيادة التحالف الديمقراطي الكردي قيام دولتهم الكردية قريبا تمهيدا لاقصاء الأقلية العلوية عن حكم سوريا والبدء بتشكيل حكومات للكيانات الأخرى بما فيهم العلويين والشركز والعرب السنة وغيرهم. أما البرزاني فعلى ما يبدو قد اساء قراءة الموقف الدولي وبخاصة الموقف الأمريكي من توقيت استفتاء الاستقلال عن الدولة العراقية. .

فالحكومة العراقية سبق وأن اتفقت مع الادارة الأمريكية السابقة العام الماضي على ترتيبات تشكيل التحالف الدولي للحرب على داعش في العراق اعتبر البرزاني حينها جزءا من ذلك التحالف و بموجب ذلك الاتفاق ضمن الأمريكيون على ما كانوا يحلمون به. فبحسب تلك الترتيبات حصل الأمريكيون على ما بدا وعودا من حكومة العراق ببقاء قوات أمريكية وقواعد عسكرية في مناطق عدة في البلاد بعد الانتهاء من حربهم على داعش. وقد مهد لذلك وزير الدفاع جيمس ماتيك ووزير الخارجية أريك تيليرسون بتصريحات أثناء زيارتيهما المتتاليتين للعراق العام الماضي أثناء الحملة العسكرية ضد داعش. فقد ورد في تصريحاتهم حينها تأكيدات بأنهم لم يأتوا الى العراق لأخذ نفطه في اشارة خفية الى مخاوف العراقيين من الأطماع الأمريكية في ثرواتهم النفطية وبأن وجود قوات أمريكية وقواعد عسكرية لن يؤثر على سيادة العراق وعلى سياسته النفطية..

التفسير الواقعي لازدواجية الموقف الأمريكي الراهن من قرار البرزاني بالانفصال ربما يعود في جزء منه الى قناعة كافية بأهمية العراق سياسيا وعسكريا وجغرافيا فتلك ميزات لا يتمتع بها أيا من الدول الحليفة لها في المنطقة وهي لذلك لن تستبدل العراق بكردستان كما حاول البرزاني ان يوهم نفسه للعروض التي قدمها للأمريكيين واسرائيل لتشجيعهم على جعل كردستان قاعدة موثوق بها لحماية المصالح الأمريكية في المنطقة. ان أي وجود مستقر وطويل الأمد للأمريكيين في العراق سيضعهم على حدود طولها أكثر من ألف ميل مع ايران وهو واحد من أهداف غزو العراق عام 2003 . وليس ذلك فحسب فان وجودهم على هذه الحدود المترامية سيمكنهم بنفس الوقت من استكمال الطوق الأمني حول عدوهم الاستراتيجي روسيا والدول الدائرة في فلكها في أسيا الوسطى. ويبقى على الحكومة العراقية أن تختار بعناية فائقة بناء علاقات سياسية متوازنة مع كل من امريكا وايران وروسيا خدمة لمصالح العراق الوطنية سياسيا واقتصاديا تحافظ بموجبها على موقف محايد غير منحاز لأي من الدول الثلاثة. .

فالانحياز العراقي سياسيا نحو طرف على حساب الأطراف الأخرى ليس في صالح عراق مستقر سياسيا وموحد وطنيا واثنيا ، وقد أثبتت الاحداث خلال السنين الأربعة عشر الماضية ذلك وعلى الحكومة العراقية أن تعي هذا . فالمجتمع العراقي متعدد الطوائف والقوميات والأديان ومن الخطأ الجسيم عدم الاعتراف بذلك والتصرف عكسه في العلاقات التي تقيمها حكومات العراق مع دول جواره. الوحدة المجتمعية كما أثبتتها أحداث الفترة الماضية منذ ما بعد الاحتلال الأمريكي البغيض انها بناءا هشا ولولا ذلك لما انهارت بتلك السرعة وما تزال تبعات انهيارها شاخصة حتى اليوم للعام الرابع عشر على التوالي.

واذا كان انهيار ذلك البناء سريعا وشاملا فان اعادة بنائه ستكون طويلة ومريرة وبالغة الصعوبة ، لكن قبل ذلك يجب اعادة بناء الثقة بين مكونات مجتمعنا بمافيها المجتمع الكردستاني الشقيق بفتح قنوات حوار جاد وصريح للأسباب التي قادت الى القطيعة . والطريق الصائب لذلك هو اعادة صياغة بعض بنود الدستور التي تمت على عجل خلال الاحتلال الأمريكي وبتأثير شخصيات أجنبية غريبة عن مجتمعنا تجهل واقعنا وتاريخه. وليس هذا وحسب فقد عملت تلك الشخصيات المشبوهة بوحي من مصالحها التي تتناقض ومصالح مجتمعنا ومستقبله السياسي. و في الوقت نفسه وهو الأهم جرى تغييب ذوي الاختصاص بعلوم السياسة و الاجتماع والفقه القانوني والدستوري في حين ترك المجال واسعا لقليلي الخبرة من عراقيين لم يطلعوا في حياتهم على نماذج من دساتير دول العالم المتقدمة

وأخيرا تتردد في الافق هذه الأيام رغبة أمريكية وربما اشاعة امريكية لاعادة النظر في ما اعتبروه فشلا لأدائهم بعد احتلالهم للعراق وتشكيل النظام السياسي الحالي. فاذا ما ثبتت صحة تلك الخطة \ الاشاعة فانه توجه ايجابي رغم ان مدة أربعة عشر عاما تعتبر طويلة جدا لاكتشاف الفشل. التراجع عن الخطأ فضيلة وفق موروثنا الشعبي وهو امر حسن ، لكن من يضمن ان ما ينوون فعله سيكون صائبا وفي صالح العراق؟

فهم على ما يبدو يعلقون آمالا على ما يعتبروه رجلهم في العراق السيد حيدر العبادي اذا ما ضمن الفوز في الانتخابات القادمة التي ستجري عام 2018 . العبادي بعد تسلمه رئاسة الوزراء بناء على ضغوط من الادارة الآمريكية السابقة قام بعدد من التغييرات في قمة السلطة كما اتخذ بعض اجراءات ادارية هدفها وضع حد للفساد المالي لكنه للاسف فشل في ذلك. ويكمن السبب الرئيس لاخفاقه في تحقيق النجاح هو عدم امتلاكه الفريق الملائم والقوي الذي سينفذ بواسطته اصلاحاته الموعودة ولأن الفساد قد استشرى الى حدود لا يوقفه الا ادارة حازمة تعيد للذاكرة ثقافة الخوف من العقاب. ان ثقافة النزاهة التي كانت سائدة طوال سنين الحكم الوطني قد تآكلت مع فرض نظام العقوبات الاقتصادية على العراقيين تحت تأثير الولايات المتحدة تمهيدا لاحتلالها العراق التي استشرت خلاله وبعده وما زالت حتى اليوم .البيئة التي يتحرك خلالها العبادي غارقة في الفساد من أعلاها الى أسفلها وتلك كانت خطيئة الأمريكيين التي أخرجت العراق من قبضة شيطان لترميه في وكر الشياطين. فمن يصدق أنهم جادون هذه المرة..؟؟ ا..

 

علي الأسدي

...........

راجع لمزيد من الاطلاع :

1- SETH FRANTZMAN , THE JEROSOLM POST ' WHY US CHOSE OPPOSE THE KURDISH INDEPENDENT REFERENDUM' 19\09\017

2-THE ATLANTIC ' AMERICA HAS BECOME DISPENSABLE IN IRAQ' 18\10\017

3-ANDREW KORYBKO 'THE KURDS A FEDERAL REGIME CHANGE IN SYRIA' GLOBAL RESEARCH , 28\10\017

4-LEITH FADEL ' REIGN OF THE ASSAD FAMILY IS COMING TO AN END, US SECRETERY OF STATE TILLERSON ' GLOBAL RESEARCH , 27\10\017

 

 

قضيتان تشغلان المنطقة والعالم، محاربة الفساد ومحاربة الإرهاب، فهل يحارب الفساد فعلاً، وكيف ؟، وهل يحارب الإرهاب، وبأي إسلوب ؟

وكيلا نضيع في العموميات سنقصر مناقشتنا لمحاربة الفساد والإرهاب في المنطقة، وتحديدا في العراق والسعودية، وهما البلدان الأكثر صخباً الآن في محاربة القضيتين الكونيتين في مبتداهما ومنتهاهما.

لا أحد في العراق لا يتحدث عن الفساد، لا يستثنى من ذلك حتى الفاسدين الذين هم أعلى صوتاً، وأكثر ولوغاً في الفساد، أما الفساد في السعودية فلا يشار إليه إلا من خلال بعض الأصوت المعارضة المعزولة في الخارج، وإذا تجرأ قلم عن الحديث عنه ولو بالإشارة الخفيفة إنهالت عليه الأقلام المشتراة والمجندة في صحافة وإعلام السعودية بالتقريع والإتهامات، وليس أقل هذه الإتهامات العمالة لإيران .

منذ تنبه حكام السعودية بعد الفورة النفطية لأهمية الإعلام ودوره، وهم ينفقون عليه ما يكفي لبناء بلدان، والقضاء على الفقر كلياً، ولا يختلف فاسدو العراق في هذا، فلكل فاسد منظومته الإعلامية، من صحافة وتلفزيون وأقلام مأجورة، مستعدة لتفصيخ من يتجرأ على المس بولي نعمتهم، ويتساوى في هذا من هم في السلطة ومن يدعون المعارضة لها، وطبيعي أن تكون التهمة جاهزة هنا للقلم المشاكس وهي العمالة للسعودية .

تهمة العمالة لإيران، مثلما تهمة العمالة للسعودية سلاح الفاسدين، والأقلام المعتاشة على الفساد، لقد أضحى القلم الحر الشريف كالمصاب بالجذام، ليس له سوى العزل في الأماكن النائية، وأعتقد أن هذه الظاهرة هي إحدى تجليات الفساد ومسبباته .

الفساد في العراق بين، ومسبباته بالغة الوضوح، ونتائجه بارزة للعيان . الفساد في العراق نتاج طبيعي لبنية ما يُسمى بالعملية السياسية بكل مفاصلها، بدءاً بالدستور، وقوانين السلطة الإنتقالية البريمرية، وصولاً إلى التقاسم الطائفي والأثني، العملية السياسية بنيت برمتها كي تجعل الفساد شاملاً، ساحقاً، ماحقاً، لا فكاك منه، أي بلد يوضع له نظام كنظام الاحتلال في العراق لن يكون سيداً، ولا قوياً، أو منيعاً، ولا متوحداً، ولا ديمقراطياً، سيكون حتماً بلد الفساد والإفساد، والضعف، والتفكك، وسيجعله فيئا، ينتهبه كل ناهب، صغر أم كبر .

في حالة العراق، فإنك لو أزحت فاسداً، مع بقاء الأمور على ما هي عليه، فإنك ستزيح فاسداً موصوفاً، بفاسد على طريق الفساد الحتمي، محاربة الفساد ستكون ناجحة عندما تحارب علة الفساد والإفساد . لو سألت أي مواطن عراقي عن الفاسدين سيقول لك الجميع، ولا يستثني أحداً، كل موظف ومستخدم، وعامل في الدولة، صحيح أن هذا ليس صحيحاً بعمومه، فثمة شرفاء كثر في مفاصل الدولة، لكن ظاهرة الفساد الأعم تغطي على نماذج الشرف والنزاهة، وتجعلها غير مرئية .

المطلوب في العراق ليس إبدال الوجوه على أهميته، وإنما إبدال السلوك، وإبدال السلوك لن يتم إلا بإبدال القوانين السيئة، بقوانين عراقية من العراق وللعراق .

وضع السعودية قد يبدو مختلفاً عن وضع العراق للوهلة الأولى، لكن نسبة التشابه بينهما كبيرة .

لا طوائف، ولا أحزاب تحكم في السعودية، ولكن عائلة واحدة تحتكر البلاد إسماً ومعنى، الأرض بمن فيها وما عليها غنيمة  للعائلة، التي لا تحاسب على شيء، وليس من حق أحد أن يحاسبها، فهي واجبة الطاعة بشخص الملك وأتباعه وأشياعة وخدمه ومريديه .

فساد العائلة هو فساد الحكم، وفسادها ليس خاف على أحد، لكن لا يجرؤ أحد على الجهر به .

ما الذي يجري الآن باسم مكافحة الفساد في السعودية ؟

ما يجري تماماً هو تحويل حكم العائلة إلى حكم الفرد المطلق، وحصر السلطات كلها بيد شخص واحد، هو الملك، السلطات التنفيذية والتشريعية، والرقابية، والإقتصادية، والعسكرية والأمنية، والإعلامية .. لم يعد ثمة شيء لا يسيطر عليه الملك .

هل يعد هذا محاربة للفساد، أم تدويرا له، من فساد بين متنافسين، إلى فساد بلا منافس ؟

ما المطلوب كي نقتنع بأن ما يجري في السعودية هو محاربة للفساد، وليس حصر السلطات كلها بيد الحاكم الأوحد، وإزاحة المنافسين ؟

المطلوب، بسيط جداً، هو تحويل نظام الحكم إلى نظام ملكي مقيد، وإقامة برلمان منتخب من الشعب، يختار حكومة تدير البلد يراقب هو عملها، وفسح المجال لحرية الرأي، وحرية تأسيس المنظمات والأحزاب والنقابات، وتقليص صلاحيات الملك لا زيادتها، بمثل هكذا وضع يمكن للسعودية أن تستقبل الثلاثين عاما القادمة بإرتياح، وتفاؤل بغد مشرق لأبناء وبنات المملكة .

محاربة الفساد في العراق، وكذا في السعودية عنوان كبير لأفعال صغيرة، هي تماما كلاعب كرة يسدد كراته، لا داخل شباك الخصم، وإنما داخل شباكه، أو خارج الميدان .

 

صباح علي الشاهر

 

 

eljya ayshالحراك العربي الذي تطبعه الفوضى اليوم، دليل على أن الوجدان العربي والعروبي لم يعد صامدا في وجه المصائب التي تعيشها الأمة العربية التي فقدت وحدتها، ومن قال أن العرب أمة واحدة وموحدة الوجدان ؟ فهي مفرقة الكيان، ولن يسلم الوجدان في النفوس إلا بتقارب الكيان على الأرض، في عصر العولمة الفرق شاسع طبعا بين وحدة الكيان الصهيوني، ووحدة الكيان الفرانكفوني وانتصارهما على العرب والعروبة فكرا ولسانا وسياسة وثقافة، حيث أصبح الكيان العربي / العروبي صغيرا أمام باقي الكيانات الأخرى..

الأسباب تعود إلى أن الكيان العربي والعروبي يسيره قادة مستبدين متسلطين، وأنظمة خائنة مرتزقة قادت رعاياها إلى الكوارث تحت شعار "التطبيع"، والواقع أنه لا مستقبل لعروبة تقودها قيادة مطبعة خائنة ، ولا قيام لعروبة إلا بقبول التعايش والتسامح داخل تعددياتها القبلية والمذهبية، والتخلص كذلك من الرواسب الانحطاطية والأفكار السوداء التي تعيشها اليوم، وحتى لا نطرح السؤال ماذا بقي من الأمة العربية اليوم؟ أو ماذا بقي من العروبة اليوم؟  وماذا بقي من الوحدة العربية اليوم؟ في ظل هذا الانحطاط في كل أبعاده الفكرية، السياسية والثقافية؟ وأين وصل مشروع اتحاد الدول العربية ؟ وأين وصل مشروع اتحاد المغرب العربي الكبير، ولماذا تراجع المشروع العروبي، ولماذا انتصرت الفرانكفونية على العروبة؟ بإمكان العرب استعادة وحدتهم سياسيا ، اقتصاديا، وفكريا، والانتصار لعروبتهم ووجدانهم العربي الضائع والمفقود..

المسألة لا تتعلق طبعا بتوحيد الأراضي والصحاري اي بالجانب الجغرافي،  مثلما فعلت السعودية عندما وحدت الأجزاء المبعثرة من صحاري وواحات الجزيرة العربية، وبجانبها الإمارات العربية المتحدة، ولكن المسألة تتعلق بالوحدة  فكرا وسياسة لإكمال المسيرة وتحقيق الوحدة العربية فكرا ولسانا ، هي أهم مهمة تاريخية تواجه العروبيين اليوم..، ما يعجبني في الفرانكفونيين هو أنهم اجتمعوا على هدف واحد، وكانوا يدا واحدة في نصرة قضيتهم، يمارسونها بلا نفاق أو خداع، بحيث لم يؤمنوا بفكرة الانقلاب، إن تعهدوا لك بكلمة وفوا بها، لا أنتمي إلى التيار الفرانكفوني، ولكنني تعاملت معهم ووقفت على صدق عزيمتهم، وجدتهم منسجمون في أفكارهم، وفي قراراتهم، وقاموا بدورهم السياسي والتاريخي..عكس بعض العروبيين الذين دخلوا في البعد الإنتهازي ومارسوا الإنقلابية، واستمرت القطيعة بينهم إلى اليوم،و التاريخ يشهد على ذلك..

إن العلاقة بين العروبي في الجزائر كنموذج والفرانكفوني مشوبة بالتوتر، لأنها سياسية أكثر منها ثقافة، أي هي علاقة بين المثقف والسلطة، فاقتراب المثقف من السلطة يطرح العديد من المشاكل، المتعلقة إذا ما كان المثقف يساهم في تثقيف القرار السياسي، أم أن السلطة تسهم في تسييس الثقافة، وإن كان يوجد عروبيون في السلطة ، فهم مبعدون عن صنع القرار، ووجودهم فقط من أجل تنفيذ أجندات قد يجهلون مصدرها، لأنه لا يوجد تفاعل بين الثقافي والسياسي وبين المثقف وصاحب القرار، أصبح فيها المثقف بوقا للسلطة، ثمة أسئلة أخرى وجب أن نطرحها اليوم وهي؟ لماذا انتصر السياسي على المثقف؟ لماذا انتصرت الفرانكفونية على العروبة؟

 

علجية عيش

 

 

ali jabaralfatlawi2في عهد الملك (سلمان بن عبد العزيز) تحولت السعودية بشكل علني رأس حربة بيد أمريكا وإسرائيل، وتتضح الصورة أكثر كلما تسلّم الابن المدلل (محمد) قسما من صلاحيات أبيه (سلمان)، و(محمد بن سلمان) الذي عيّنه والده وليا للعهد بديلا عن ولي العهد السابق (محمد بن نايف)، هو اليوم من يتخذ القرارات في السعودية باسم والده الملك التعبان الذي سلّم كل سلطاته بشكل عملي لابنه المغرور اللاهث وراء السلطة والشهرة والموجّه علنا من أمريكا وإسرائيل، السعودية منذ تسلّم (سلمان) السلطة مسخّرة لخدمة المشاريع الامريكية والصهيونية بشكل علني ومفضوح من دون حياء أو خجل.

السعودية تعمل اليوم بالنصيحة الاسرائيلية بكل حيثياتها وجزئياتها ولا تهمها النتائج السلبية التي تعود على شعب نجد والحجاز، ولا يهمها الاضرار التي ستلحق بالشعب الفلسطيني أو الشعوب العربية، المهم عند حكام السعودية رضا أمريكا وإسرائيل، وبما أن العدو الأول لإسرائيل حاليا هو إيران وحزب الله في لبنان، فهما إذن العدو الأول للسعودية أيضا، كانت السعودية قبل حكم الملك (سلمان) تتعامل مع إسرائيل بالسّر، لكنها اليوم تتعامل علنا بل قام بعض المسؤولين السعوديين بزيارات إلى إسرائيل، حكام السعودية موجهون بشكل كامل لخدمة المشاريع الامريكية الصهيونية، إضافة لذلك تدفع السعودية ومعها حكام الخليج الآخرين مئات الملايين من الدولارات للبيت الأبيض، مقابل حمايتهم  من ثورات شعوبهم، وقد اعلن ترامب ذلك في عدة مناسبات، ولم يخجل هؤلاء الحكام من كلام ترامب، بل على العكس أزداد هؤلاء الحكام إيغالا في خدمة السيد الأمريكي والصهيوني.

السعودية اليوم تلعب بالنار أكثر من أي وقت مضى، وتقود نفسها الى حتفها رغما عنها، لا يهم أمريكا الوجوه التي تحكم، إنما يهمها النظام أن يسير في الاتجاه الذي يخدم المصالح الأمريكية والإسرائيلية، سواء كان الحاكم زيد أو عمرو.

جعلت أمريكا من السعودية في الواجهة لخلق المشاكل والاضطرابات والحروب في المنطقة، أي جعلت من السعودية في الاصطلاح الشعبي (ماشة نار)، أو رأس الحربة لخلق الحروب والمشاكل، السعودية مع محورها من الملوك والحكام الذين يحكمون بالوراثة، تتدخل في شؤون الدول الأخرى بلا حياء، وكأن تدخلاتها مشروعة وتتخيل نفسها القيّمة على الآخرين، بينما جميع تدخلاتها دائما ضد مصلحة الشعوب، وتصبّ لصالح أمريكا وإسرائيل، السعودية وحلفاؤها يدعمون  الارهاب بالمال والسلاح بعد تغذيتهم بالأفكار المنحرفة والمشوِّهة للإسلام.

 تلوم السعودية أبناء الشعوب الذي يقفون بوجه المسلحين الارهابيين بل تعتبرهم عملاء، أما الارهابيون القادمون من خارج الحدود فهم مجاهدون وثوار، فعلت ذلك في سوريا والعراق وليبيا واليمن، وقد شنت السعودية مع الحكام العملاء الآخرين حربا شرسة ظالمة ضد الشعب اليمني، وفي كل يوم يموت عدد كبير من الاطفال والشيوخ والنساء بسبب القصف أو المرض أو الجوع، وبسبب الحصار المفروض على شعب اليمن، تريد بحربها فرض النظام الذي ترضى عنه أمريكا وإسرائيل لكنها عجزت عن تحقيق هذه الأمنية بسبب صمود الشعب اليمني، وفي يوم 5 تشرين الثاني 2017، جُنّت السعودية بسبب استهداف الجيش اليمني للعاصمة السعودية الرياض بصاروخ أصاب المطار، واتهمت السعودية كالعادة إيران بتزويد اليمن بهذه الصواريخ، لكن إيران نفت ذلك.

 وفي العراق بعد أن حقق العراقيون الأبطال الانتصار على داعش، إذ لم ينفع الدعم السعودي والامريكي منظمات الإرهاب كي تبقى في الميدان أطول مدة ممكنة، مما اضطر السعوية للسير في الاتجاه الآخر، هو التقرب من الحكومة العراقية، إذ تعتقد السعودية أنّها ربما تستطيع التأثير في مسارات واتجاهات الحكومة العراقية التي تسير في طريق تحقيق مصالح الشعب العراقي، واتجهت السعودية أكثر نحو العراق بعد فشل مشروع ما بعد داعش الذي قاده مسعود البرزاني لتقسيم العراق بدفع امريكي في الخفاء وصهيوني في العلن، السعودية دعمت مشروع التقسيم في الخفاء خاصة بعد فشل مشروع داعش، والمشروعان داعش والتقسيم أحدهما يكمل الآخر، بعد فشل المشروعين اتجهت السعودية حاملة شعار التقارب العربي ودعم العراق في إعمار المناطق المدمرة من قبل داعش.

 في تقديري لن يحصل العراق على شيء من السعودية سوى الضجة الإعلامية لأنها بتوجيه أمريكي صهيوني تبغي تغيير مسار الحكومة العراقية بحيث تبتعد عن إيران، بل تطمح السعودية أن يعلن العراق إيران عدوة له، وإلّا فلن يحصل العراق على أي دعم مادي، مجرد ضجيج الاعلام والكذب المفضوح في دعم الاقتصاد العراقي، لكن الشعب العراقي واع لمثل هذه الألاعيب الشيطانية التي من أهدافها تصفية الحشد الشعبي وإنهاء وجوده ودوره، لكن هيهات سيظل الحشد الشعبي والمقاومة شوكة في عيون أعداء الشعب العراقي.

أما سوريا التي هي الهدف الأعظم لأمريكا وإسرائيل لتدميرها وإنهاء دعمها للمقاومة، جهزت السعودية مع منظومتها من الحكام الآخرين، منظمات الارهاب المؤدلجة بالفكر الوهابي، بالسلاح والمال والتدريب باشراف المدربين الأمريكان والصهاينة، لكن هذا الدعم الكبير للارهاب لم يستطع تغيير المعادلة في سوريا، إذ بقيت سوريا صامدة صابرة وداعمة للمقاومة رغم ما لحق بها من دمار، إذ حقق الجيش السوري المدعوم من الحلفاء الانتصارات الكبيرة على الارهابيين رغم الدعم الامريكي الصهيوني السعودي الكبير للإرهاب في سوريا.

 بعد الانتصارات التي تحققت في سوريا بدأت السعودية تلعب لعبا سياسيا للتأثير على الوضع الداخلي السوري من جهة، ولتوجيه البوصلة للصدام مع المقاومة في لبنان، والتي ستكون نتيجة ذلك أن تصطدم السعودية مع إيران بشكل مباشر، وهذا ما تبغيه أمريكا وإسرائيل، أن تقاتل السعودية وحليفاتها من الدول العربية إيران بالنيابة عن إسرائيل وأمريكا، كما تفعل السعودية اليوم في اليمن، والرابح في كل الأحوال، أمريكا وإسرائيل.

آخر لعبة لعبتها السعودية ضمن هذا المحور، هو إجبار (سعد الحريري) على الاستقالة من رئاسة الحكومة اللبنانية لغرض تأزيم الأوضاع مع حزب الله، وبالتالي مع إيران وهذا هو المطلوب، واستقالة (سعد الحريري) عمل مفضوح إذ استدعته  السعودية لزيارتها، ورتّبت له بيان الاستقالة ونقلته قناة العربية السعودية، وربما سيبقى (الحريري) محجوزا في السعودية إلى أجل غير مسمى، ولعبة الاستقالة رحّبت بها إسرائيل بشكل علني، إذ نقلت صحيفة (يديعوت احرونوت) الاسرائيلية خبرا مفاده أن إسرائيل متورطة في استقالة الحريري، ونقلت الصحيفة عن محللة الشؤون العربية في الصحيفة (سمدار بيري) أن إسرائيل اعتبرت الاستقالة بداية الطريق للمواجهة بين السعودية وإيران، وقالت الصحيفة ليس صدفة اختيار الحريري توجيه بيان الاستقالة من السعودية.

عملية استقالة رئيس وزراء لبنان (سعد الحريري) مرتّبة إسرائيليا أمريكيا سعوديا كذلك الاجراءات المتزامنة مع استقالة (سعد الحريري) التي اتخذت ضد بعض أفراد العائلة المالكة وبعض المسؤولين في السعودية لم تكن صدفة، بل مخطط لها وجرت بتوقيتات حسب التوجيهات الاسرائيلية الأمريكية، والغاية خلق المشاكل والتأزيم كمقدمة للحرب المخطط لها بين السعودية ومحورها من جهة، وإيران والمقاومة من الجهة الأخرى بدعم أمريكي إسرائيلي، وحراك السعودية هذه الأيام صوب العراق بهدف أن يقف على الأقل محايدا، فيما لو نشبت الحرب المخطط لها أن تشتعل بين السعودية وحلفائها وبين إيران، وضمن هذا السياق تنطلق الآن دعوات حلّ الحشد الشعبي، لأن الحشد الشعبي مصدر قلق ورعب لإسرائيل وأمريكا والسعودية، وفي حال أشعلت السعودية نار الحرب وهي سائرة في هذا الاتجاه بناء على النصيحة الأمريكية الإسرائيلية، فمن المؤكد أن العراق لن يقف  متفرجا خاصة الحشد الشعبي والمقاومة حفاظا على مصالح الشعب العراقي، وهذا ما يقلق السعودية وحلفاؤها.

بناء على هذه المعطيات، أرى السعودية تلعب بالنار، وأن حالة الصراع الداخلي بين أفراد العائلة المالكة سيزداد، وهذا ما تريده أمريكا وإسرائيل، فكل الحراك الذي يقوم به (محمد بن سلمان) يجري بتوجيه أمريكي إسرائيلي، والهدف النهائي هو إشعال نار الحرب مع إيران، ولا يهم أمريكا وإسرائيل إن احترقت السعودية بالنار التي ستشعلها، فستأتي بوجوه جديده قد تكون أكثر ولاء لإسرائيل وأمريكا، وهذا هو اللعب الامريكي الصهيوني في الساحة هذه الأيام، والهدف السعودي اليوم إشعال نار الحرب مع إيران لأجل عينيك إسرائيل، لكن إن فعلتها السعودية وأشعلت نار الحرب، فستحترق بالنار الي تشعلها قبل غيرها، وهذا مصير كل من يلعب بالنار. 

 

علي جابر الفتلاوي

  

hasan alasiإن تفقدت بموضوعية وأمانة فكرية دور ومكانة قوى حركة التحرر الوطني العربية خلال ما يقارب العقود الأربعة الماضية، تكشف عن إفلاس فكري وسياسي وثقافي، وعجز حتى الشلل. ولن تجد من تلك القوى منفردة ومجتمعة سوى شعارات غوغائية باهتة، لم تعد تنطلي على أي مواطن بسيط من الشارع العربي.

سوف تجد قوى وأحزاب باتت فاقدة الأهلية الوطنية في الدفاع عن مصالح الشعوب العربية، لانها أصبحت أسيرة سياسات الانظمة العربية البوليسية والثيوقراطية، ليس هذا فحسب، بل انها أصبحت جزءا من عملية التشرذم والانقسام الديني والطائفي والمذهبي في المنطقة.

 وحتى مؤتمراتها بمستوياتها المحلية والعربية، لم تعد تحمل أية دلالة بالنهوض، وانما تحمل معنى واحد يتمثل في المزيد من تصلب الشرايين الذي سوف يؤدي إلى الموت الإكلينيكي والتحنط، لانها تلوك ذات البرامج الفاشلة، وتنتج ذات القيادات، وتكرر نفس الخطاب بلغته الحطبية، تراها وهي تحاول تعيد إنتاج نفسها، أشبه بالعجوز المتصابية التي لا ينفع مع فسادها عطّار.

هذا لا يعني بالضرورة أن موت حركة التحرر العربية قدراً محتوماً، وأنه آن الأوان لإعلان وفاتها وتشييعها، ولكن كيف نستطيع إيجاد الرافعة السياسية والاقتصادية والثقافية، وبلورة مرجعية فكرية وتحويلها إلى مرجعية شعبية، تستطيع تحشيد وتوحيد جهود كافة شرائح المجتمعات العربية، ووضعها أمام التحديات الكبيرة التي تواجه العرب في الألفية الثالثة.

أن الإشكالية الأساسية في واقعنا العربي الراهن  تكمن في الفراغ، فراغ فكري ومعرفي وحضاري، إذ لا يوجد مشروع للأنظمة السياسية القائمة ولا للقوى الوطنية على حد سواء، ولا للمعارضات أيضاً التي يقتصر دورها في إعلان الرفض، ترفض ماهو قائم، وترفض اي قادم، وترفض المبادرات المختلفة.

يزداد الوضع سوءًا حين مقاربة المشكلة العربية بدخول البشرية مرحلة الثورة التكنولوجية، والموقف العربي لايزال يتراوح بين الخوف والتهميش وافتقاد الرؤية والبرنامج. كما يترافق عجزنا مع الشكل الجديد للعولمة التي من أبرز سماتها توحيد الاقتصاد والسياسة، أو ما يطلق عليه «إمبراطورية العولمة»، وهذا ما تحاول حضارات شرقية مثل الصين واليابان والهند وبعض الدول الأوروبية تطويرها وتغييرها إلى شعار «العولمة الإنسانية».

أضف إلى ذلك النظام الدولي الجديد قيد الإنشاء، إذ يطل على المنطقة العربية بصفتها «رجل العالم المريض»، الذي يهدد العالم بسبب الإرهاب والانفجارات الديمغرافية والفقر والاستبداد ويشكل خطرا على الأمن العالمي ولابد من إخضاعه وإدماجه عبر مبادرة «الشرق الأوسط الكبير»، ولن تتراجع القوى الغربية عن هذا الهدف حتى لو أخضع مشروع الادماج بالقوة عبر تحويل الحلف الأطلسي إلى شرطي العالم العربي.

لقد أثبتت كافة التطورات التي شهدتها المنطقة العربية خلال أكثر من ستين عاماً، أي خلال ما بعد نيل الدول العربية استقلالها السياسي عجز الدولة - الأمة (القطرية) ونظامها الإقليمي على مواجهة التحديات الجدية، فلا قدرة لهما على بناء الدولة «الأمة» القطرية المتطابقة مع الدولة القطرية، في زمن بدأ مفهوم الدولة - الأمة ينهار، كما يفتقدا القدرة على حماية شعوبهما من مخاطر التهميش الاقتصادي والتفكك السياسي والاستعباد الاستعماري، وافتقاد القدرة على بلورة عمل عربي مشترك ومستقل قادر على فرض الإرادة العربية.

 وتطل إلى جانب ذلك أزمات المجتمع العربي القطري ومن أبرزها سلطة الاستبداد التي أدت إلى انقسام المجتمع على أسس مذهبية وطائفية وقبلية، علاوة على بروز الإسلام السياسي المنقسم ما بين شيعي وسني إضافة إلى التفتيت والتمذهبات الخطيرة غير القادرة على طرح مشروع نهضوي - وحدوي - وسياسي أضف إليها انعدام أي برنامج لتحرير الإنسان العربي وإطلاق حرياته وحقوقه وإمكاناته الإبداعية والاقتصادية، ناهيك عن الاعتراف بحقوق المرأة.

وبرز وجهان آخران للمشكلة لا يمكن القفز فوقهما، الأول غياب عنصري العقل والحرية في الاجتماع العربي والثقافة العربية والحاجة الماسة لتحرير العقل العربي عبر تضييق مساحة المقدسات والايديولوجيات المغلقة، وإطلاق عصر أنوار عربي جديد، والثانية، حال الاحباط والاكتئاب الجماعيين وخصوصا عند الشباب، ما يستوجب إحياء الأمل بالغد وبعث التفاؤل بإمكان التغيير.

نحن أحوج ما نكون إلى طرح العديد من الأسئلة التي تفتح مغاليق الواقع من أجل التفكير بإمكان تحقيق الحلم الرومانسي الواقعي للشعوب العربية في، وهي ما إذا كانت الدولة القطرية الحالية قادرة على التنمية بشكل مستقل؟ وهل هي قادرة على الدفاع عن الاجتياح وحماية الشعب؟ أو قادرة على انقاذنا من الفقر والتخلف؟ أو ستساعدنا على إمكان ولوج عصر الحداثة وما بعدها؟

كل هذه الأسئلة لا شك تدعو للتفكير بصوت عال وتتطلب تغييرا جذريا في منهجية التفكير.

إذا كان هذا حال معظم الدول العربية من البؤس والشقاء والتبعية، فما البرنامج الذي يشكل استجابة للتحديات التي تواجه أمتنا العربية وشعوب المنطقة في الألفية الثالثة، لتحقيق تطلعاتها الحالمة باشراك الأمة في الثورة التكنولوجية، ومقاومة العولمة المتوحشة، والإنتقال إلى وضع تكون فيه الأمة مؤثرة على النظام الدولي خلال لحظات تشكله الحاسمة، والخارجة من ورطة الدول - الأمم وحروبها الأهلية، والقادرة على انقاذ المجتمعات العربية من الانقسامات ما بعد الحداثة المدمرة.

هل هناك وثفة سحرية للخروج من هذا المأزق؟ بالطبع لا، لكن البدء في إيجاد حلول يكمن في إعادة ترتيب الأولويات الفكرية وأساسها السياسي، حيث تجديد الفكرة العربية وتنقيتها من الشوائب التي لحقت بها جراء الفكر القومي، الذي أثبت أنه فاشي واستبدادي ودكتاتوري وحالم وخيالي وأسطوري، وتقدير قوة الهوية العربية وتجذر وحدة المشاعر العربية، فالثورة الفكرية تتطلب ثورة في النظرية على الصعيد السياسي من دون الاضطرار إلى الاعتماد على الأسطورة أو المدمرة، وذلك اعتمادا على المجتمعات المدنية العربية إذ تكتشف الطريق إلى مواجهة الفقر والتهميش عبر الاستخدام الأمثل للطاقات والثروات العربية ووضعها في خدمة خطط التنمية والتطويرات العلمية والتكنولوجية.

 وكذلك العمل على تخطي مخاطر الحروب الأهلية ومآزق الدول القطرية العربية والانتقال إلى حال الفعل السياسي والابداع الثقافي والمساهمة الفكرية والعلمية في إنتاج النظام العالمي الجديد، وانقاذ الشعوب العربية الصغيرة منها والثروات العربية كذلك من عمليات الالحاق والهيمنة وتحويل فكرة العروبة الديمقراطية إلى نظام سياسي ديمقراطي عربي يحقق العدالة والمساواة للجميع، وإعادة صياغة قضية فلسطين بصورة جديدة وبلورة حل عربي عادل للشعب الفلسطيني خارج إطار المشروع الاستسلامي، وإعادة الاعتبار لمفاهيم الكرامة العربية والسيادة والاستقلال العربي بعيدا عن الفكر «الواقعي» الإنهزامي الداعي لقبول إملاءات القوة الامبراطورية الأميركية.

من غير تحليل علمي وموضوعي وصادق لاسباب الهزيمة ومسبباتها، وإن لم نعلم لماذا خسر القوميون والماركسيون معركة التنمية والتطور، ولماذا غابت وغيبت حركة التحرر العربي عن المشهد طوال نصف قرن، ولماذا لم تتمكن الدولة الوطنية من إنجاز مهامها في الاستقلال الاقتصادي وتحقيق التنمية لشعوبها، فإن من ذلك يعني الاستمرار في هذا الوضع الخطير المهدد للكيانات وللدول، ويؤدي إلى انفراط الوحدة القطرية وانتصار أصحاب الكيانات العصبوية، ومن شأن ذلك تحويل الدول العربية إلى كيانات طائفية ومذهبية متصارعة، وهذه الحالة السوداوية سيناريو يحمل قابلية التطبيق في عدد من الدول العربية.

سايكس بيكو جديد يتم تداول تفاصيله في الغرف السوداء، لرسم ملامح خريطة جديدة لمنطقة الشرق الأوسط لن يفلت من أذيتها أحد، ما لم تتصالح النظم السياسية مع شعوبها، و لم تشفى حركة التحرر العربية من حالة الموت السريري.

 

حسن العاصي

كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في الدانمرك

 

 

alaa allami2بمناسبة الحديث عن تعديلات حزب الحكيم المقترحة على قانون الأحوال الشخصية: أعتقد أن المبدأ الرئيس الذي يحكم أية معادلة في شأن العلاقة بين الدولة والدين هو اعتماد أحد الخيارين التاليين: فإما أن نكون مع مشروع دولة المواطنة المدنية التي ترفض دستوريا تدخل الهيئات والشخصيات الدينية بصفتها الدينية هذه (وليس بصفتها المشروعة كمواطن عادي) في الشأن السياسي العام، أو -وهذا هو الخيار الثاني-أن نكون مع مشروع دولة دينية كاملة أو جزئية تحكمها الهيئات ورجال الدين والمرجعية الدينية، على طريقة "دولة الخلافة الراشدة" أو "دولة الولي الفقيه".

أما فتوى المرجع السيستاني للجهاد الكفائي فتدخل في باب الاستثناء والمراحل الانتقالية، فيمكن النظر مثلا إلى تدخله هنا وإصداره لهذه الفتوى بأنها حالة طارئة واستثنائية استدعتها ظروف قاهرة كانت فيها عاصمة الدولة والدولة كلها مهددة بالسقوط. أنا شخصيا كنت ضمن عدد من الزملاء الذين نظروا بنقدية الى تلك الفتوى في البداية لأنني رأيت فيها تحشيدا طائفيا لا يجوز ضمن ظروف استقطاب طائفي جاء به نظام المحاصصة الطائفية الرجعي، ولكن حين اتضحت تفاصيل المشهد الخطير لاحقا، وتشكل الحشد الشعبي، أعطيت الأولوية في جهدي الكتابي لدعم القوى التي تقاتل العصابات التكفيرية وبضمنها الحشد الشعبي والعشائري والبيشمركة. ولكنني لم أتخلَ عن النظرة النقدية السلبية للتدخل الديني في الشأن العام لقناعتي بأن وجود أية قوى إلى جانب قوى الدولة الشرعية أمر مضر وله سلبياته، ولكني وزملاء كثر معي خففنا من موقفنا النقدي للفتوى ولما نتج عنها وأصبح الأكثر أهمية هو سحق العصابات التكفيرية وانقاذ الناس منها دون أن ننسى أن الدولة نفسها والسلطة التنفيذية بقيادة المالكي مقصرة ومسؤولة عن كل ما حدث ويجب محاسبتها ذات يوم.... يتبع لمناقشة تداخل الديني والمدني وهل هو الحل أم مرحلة تاريخية للعبور؟

تداخل الديني والمدني ليس حلا بل مرحلة تاريخية اضطرارية: أما القول بأن المرجعية الدينة الفلانية تختلف عن غيرها بكذا وكذا من إيجابيات فهو كلام ذو منحى تبريري أو ترويجي. فالأصل هو موضوع التدخل المتكرر والزاحف والشامل على مشمولات الدولة والشأن العام والمجتمع، وليس الحكم على هذه المرجعية الدينية أو تلك بأنها أفضل من غيرها. تبقى مسألة أخرى وهي: هل يمكن لنا كعراقيين أن نجترح مرحلة انتقالية ونسخة عراقية من العلمانية تتلاءم مع خصوصيتنا المجتمعية؟ أعتقد بضرورة ذلك، ولكن ما يحدث الان ليس أكثر من محاولات تصدي مشتتة لحالة مد أسلمة الدولة، والهدف المعاكس لهذا المد هو تحقيق السيادة الحصرية للدولة العراقية الواحدة على جميع مواطنيها المتساويين بما يضمن لهم كافة حقوقهم. أما الأحوال الشخصية فهي يجب أن تكون عامة وواحدة لجميع المواطنين، ومن أراد مثلا أن يعقد زواجه على الطريقة الدينية فمن حقه القيام بذلك بمنتهى الحرية، ولكن بشرط أن يكون عقد الزواج المدني هو الرسمي والمعول عليه أمام الدولة وفيها. وهذا - بالمناسبة - ما تأخذ به أغلب الدول المعاصرة. أعود وأكرر ما قلته في تعقيب آخر وهو: لا بأس من التداخل الاضطراري بين الديني والمدني في أمور الأحوال الشخصية ضمن مرحلة انتقالية تكون فيها السيادة للدولة المدنية التي "يحلف الجميع باسمها" !. ثمة مثال لصيق بهذه الحالة هنا، ويمكن استلهامه ففي مصر، على سبيل المثال، ثمة حالة ووظيفة المأذون الشرعي الديني الذي يعقد عقود الزواج منذ أكثر من قرن، ولكن المأذون المصري ليس فقيها يقرر ويسن القوانين بل هو موظف تابع للدولة يقوم بوظيفة محددة وليست الدولة تابعة له ... إن ما يريده الإسلاميون الشيعة والسنة في العراق هو الأسلمة التدريجية للدولة أو المتاجرة الانتخابية بمحاولات الأسلمة الإعلامية وجعل رجل الدين والفقيه هو الأصل والمرجع الذي يسن القوانين والقرارات والأحكام القضائية في ما يتعلق بالأحوال الشخصية.... يتبع حول الخطيئة الأصلية في القرار 137 لسنة 2003.

الخطيئة الأصلية في القرار 137 لسنة 2003 : لقد بدأ هذا السعى لأسلمة الدولة العراقية وتطييفها "جعلها طائفية" منذ أن صدر قانون 137 في سنة الغزو 2003 عن مجلس الحكم سيء الصيت والسمعة، وبتوقيع عبد العزيز الحكيم رئيسه بالتناوب آنذاك. ولكن البعض ممن يزعمون معاداة التعديلات الرجعية للأحوال الشخصية لا يريدون أن ينظروا الى هذه الحقيقة! لماذا؟ لأنه من يمثلونهم من "تقدميين ومدنيين" كانوا قد شاركوا في استصدار القرار 137 الأسود ضمن المجموعة من الساسة وأشباه الساسة وغير الساسة الذين تطوعوا للعمل في خدمة الاحتلال ونظام المحاصصة الطائفية بحجة الحفاظ على " وحدة الصف الوطني"، وهي كانت في حقيقتها "وحدة صف حلفاء الاحتلال الأجنبي" والبعض من هؤلاء ينافقون اليوم ويحاولون طمس خطأهم وخطيئتهم الأصلية الانتهازية حين وافقوا على ذلك القرار في مجلس بريمر ويزعمون رفض التعديلات التي قدمها حزب عمار الحكيم اليوم بعد أن أيدوا القرار 137 الذي وقعه والده الراحل في الماضي القريب.

أختم بتسجل هذه الخلاصة: هناك مبالغات وتهويل إعلامي مضر جدا بخصوص هذه التعديلات من جانب رافضيها والمتحفظين عليها. وهذا ما قد يزيد من خطورة جعل هذه التعديلات أكثر سلبية ورجعية لاحقا، وسيكون من الأفضل والأكثر فائدة لهؤلاء المبالغين قراءة نص التعديلات قبل الكلام والكتابة حولها قراءة متمعنة. كما أن من الضروري أن يفصلوا بين ما ورد فيها نصا، وما يعتقدون أنها ستسمح به استنباطا إذا تم تمريرها في مجلس النواب بناء على ما ورد في تراث تلك المرجعيات الدينية وخصوصا في مواضيع الزواج والخطوبة وعقد الزواج والأهلية وإثبات الزواج والمحرمات وزواج الكتابيات والحقوق الزوجية من مهر ونفقة وطلاق وتفريق شرعي أو خُلْع والعدة والنسب والرضاعة والحضانة ونفقة الفروع والأصول والأقارب والوصية والإيصاء والوقف والميراث وكافة أحكام المحاكم الشرعية (الأحوال الشخصية). فهذه الأمور وخصوصا "زواج القاصرات" لم ترد في نص التعديلات المقترحة بل وردت في تعديلات حزب الفضيلة المهمل الان، وهي إذن مما يعتقد البعض بأنها ستكون قابلة للتطبيق بما يوجبه رأي الفقيه والمرجع الديني. أعتقد أن علينا جميعا أن ننأى عن المبالغات والتهويل ونلم ما أمكن بتفاصيل ونصوص الموضوع لنكون واضحين وصادقين مع العراقيين والعراقيات.

أختم بالقول إن من يزعم أن الإسلاميين في البرلمان لا يريدون أسلمة الدولة لأن الدولة مدنية أو لأن المرجعية العليا لا تؤيد الأسلمة وهي مع الدولة المدنية يغالط نفسه ولا يريد ان يرى الواقع كما هو في حقيقته. إن تيار الحكمة الحكيمي الذي قدم هذه التعديلات الرجعية والطائفية يدعو الى الدولة المدنية بل هو يزعم أنه لبرالي التوجهات والفكر 24 قيراط فهل هذا يعني شيئا؟ نعم، انه يعني إن ما يقوله الناس والساسة خصوصا عن أنفسهم لا يعني أنهم هكذا في الواقع، فالجميع يدعو الى الدولة المدنية ولكنهم كلهم يساهمون في عملية سياسية اميركية قائمة الى المحاصصة الطائفية والإثنية ودستورهم الذي لم يجرؤوا على تعديله والذي دعت المرجعية النجفية الى التصويت عليه بنعم وتحمست له يقوم على أساس دولة المكونات الطائفية لا دولة المواطنة المدنية... إسلاميو السلطة يتاجرون بكل شيء حتى بشعارات الأسلمة وأعرف انهم ليسوا صادقين في دعواهم ... وإذا أمرهم الأميركي غدا بأن يتحولوا الى ملحدين أو وجوديين أو ماركسيين لتحولوا وأوجدوا لذلك مساند وحجج شرعية!! علما بأن دعاة المدنية والعلمانية الرسميين والمشاركين معهم في العملية السياسية ليسوا أفضل من هؤلاء الاسلاميين وقد شاركوهم في إقامة نظام المحاصصة حجرا حجرا! إنهم يمزقون المجتمع العراقي بهذه التعديلات ويجب فضحهم والوقوف في وجوههم ورفض تعديلاتهم والدفاع عن قانون 188 باتجاه تطويره باتجاه تحرري أعمق وأنضج فهو الذي يضم أفضل ما موجود في جميع المذاهب الاسلامية وقد حمى المجتمع العراقي الذي كان يشهد الزيجات المختلطة المذاهب بكل هدوء ودون مشاكل طوال نصف قرن من التجاذبات والتمزق المجتمعي فلماذا هذه المغامرات والمتاجرة السياسية؟

 

علاء اللامي - كاتب عراقي

 

 

في مساء السبت بتوقيت المملكة العربية السعودية تحركت مجموعات من قوات الامن السعودي انطلقت من فندق ريتز - كارلتون في الرياض باتجاهات مختلفة لتعود مصطحبة معها 11  أميراً و38 وزيراً ونائب وزير حاليين وسابقين وتم احتجازهم في فندق الكارلتون الذي تم تفريغه لهذا الغرض لتكون هذه التحركات خاتمة ليوم سبت طويل قد يكون الاطول في تاريخ المملكة منذ ان تحرك الملك المؤسس من الكويت لاحتلال الرياض .

كان ذلك السبت قد بدء بقرارات متعددة كان اهمها واخطرها اعفاء الامير متعب بن عبدالله بن عبد العزيز من رئاسة الحرس الوطني وهو المنصب الذي ورثه عن ابيه الملك الراحل والذي قضى اكثر من خمسين عاما في ذلك المنصب في قيادة تلك القوات التي تتكون في معظمها من قبيلة شمر اخوال الملك عبد الله ، القرار الثاني هو تعيين الامير خالد بن عياف من فرع ال مقرن ال سعود رئيسا للحرس الوطني وهو ابن عبد العزيز بن محمد بن عياف، والذي شغل منصب وكيلًا للحرس الوطني سابقًا وجده مقرن هو جد آل سعود وعياف هو عم سعود جد الفرع الحاكم في المملكة , تلى ذلك قرار بانهاء خدمات قائد القوات البحرية الفريق عبدالله بن سلطان بن محمد السلطان وهو ابن امير محافظة الخبراء بمنطقة القصيم السابق واحالته على التقاعد وترقية اللواء فهد بن عبد الله الغفيلي قائد الاسطول الشرقي  الى رتبة فريق وتعيينه قائدا للفوات البحرية  , كما صدر امر ملكي باعفاء المهندس عادل بن محمد فقيه وهو ابن رجل الأعمال الراحل محمد بن عبد القادر فقيه من منصبه وزيرا للاقتصاد والتخطيط وتعيين  محمد بن مزيد التويجرى بدلا عنه

كان ابرز القرارات التي صدرت انشاء لجنة باسم لجنة مكافحة الفساد برئاسة ولي العهد السعودي الامير محمد بن سلمان ، وبعضوية كل من: رئيس هيئة الرقابة والتحقيق، ورئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، ورئيس ديوان المراقبة العامة، والنائب العام، ورئيس أمن الدولة وقد اجتمعت اللجنة في نفس اليوم لتصدر قرارات بتوقيف العديد من الامراء والوزراء ورجال الاعمال من ابرزهم الأمير متعب بن عبدالله بن عبدالعزيز وزير الحرس الوطني المعفى من منصبه والأمير تركي بن عبدالله بن عبد العزيز أمير منطقة الرياض سابقا والملياردير السعودي الأمير الوليد بن طلال بن عبدالعزيز و الأمير تركي بن ناصر بن عبد العزيز آل سعود الرئيس العام للأرصاد وحماية البيئة السابق، والأمير فهد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن ال سعود نائب وزير الدفاع السابق. كما شملت الاعتقالات خالد بن عبد العزيز التويجري ابن نائب رئيس الحرس الوطني الاسبق عبد العزيز التويجري المقرب جدا من الملك عبد الله وكان خالد يعتبر ملك السعودية غير المتوج اثناء حكم الملك عبدالله  بن عبد العزيز اثناء تولية منصب رئيس الديوان الملكي وهو المنصب الذي طرد منه في اول يوم تولى الملك سلمان سدة الحكم . ومن أبرز الوزراء الحاليين الذين تم اعتقالهم إبراهيم بن عبد العزيزالعساف وزير الدولة الحالي ووزير المالية السابق.أيضا من أبرز المسؤولين السابقين الموقوفين: عادل فقيه وزير الاقتصاد والتخطيط المعفى أمس، محمد الطبيشي رئيس المراسم الملكية في الديوان الملكي السعودي سابقا، عمرو الدباغ محافظ هيئة الاستثمار السابق، وسعود الدرويش الرئيس التنفيذي السابق لمجموعة الاتصالات السعودية.ومن أبرز رجال الأعمال الموقوفين: صالح عبدالله كامل زوج الفنانة صفا ابو السعود ومالك محطة الاي ار تي واثنين من ابنائه ، والوليد الإبراهيم مالك مجموعة mbc وشقيق الاميرة الجوهرة الابراهيم ارملة الملك فهد بن عبد العزيز وام ولده الامير عبد العزيز بن فهد الذي اختفى منذ عدة اشهر ، وخالد الملحم المدير العام لشركة الخطوط الجوية السعودية السابق،ورجل الاعمال بكر بن لادن رئيس مجموعة بن لادن، ورجل الأعمال محمد العمودي . وكشف النائب العام السعودي، سعود بن عبد الله المعجب، وضع الأمراء والمسؤولين المحتجزين على ذمة اتهامهم بالفساد والرشوة , كما تم استدعاء مفتي المملكة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله ال الشيخ لاستصدار فتوى بان مكافحة الفساد تعادل مكافحة الارهاب . في نفس الوقت لقي الأمير منصور بن مقرن ابن الامير مقرن بن عبد العزيز، نائب أمير منطقة عسير، جنوب غربي المملكة، مصرعه الأحد، في تحطم مروحية كانت تقله مع عدد من المسؤولين السعوديين وكما هو معلوم بان الامير مقرن بن عبد العزيز كان ولي العهد للملك سلمان بن عبد العزيز بوصية من الملك عبد الله بن عبد العزيز الا ان الملك سلمان تمكن من ازاحته بعد فترة قصيرة لفسح المجال لتعيين الامير محمد بن سلمان وليا لولي العهد ثم وليا للعهد .

اصابت تلك التطورات والتغييرات المتسارعة العالم بالذهول في محاولة فهم الاسباب التي حركت تلك التطورات فالعالم يعرف بان الامير محمد بن سلمان يسعى الى الوصول الى سدة الحكم خلفا لوالده الذي يعاني من امراض التقدم في العمر وان هناك معارضة داخل العائلة المالكة لذلك التوجه والتي تلتف حول الامير احمد بن عبد العزيز الابن الحادي والثلاثين للملك عبد العزيز ال سعود الا ان كافة تحركات الامير محمد بن سلمان كانت تسير بصورة حذرة لتجنب اثارة معارضة مفتوحة داخل الاسرة , اذن ماالذي جعل الامير يتحرك بهذه الصورة المستعجلة ؟

لفهم اسباب الحركة السريعة والمستعجلة يجب العودة الى مساء يوم الخميس حين استلم الامير محمد مكالمة هاتفية دفعته الى الغاء كافة التزاماته ومواعيده ليهرع بصورة مستعجلة وسرية الى دولة عربية مجاورة عرفت بتنسيقها العالي مع المملكة وفي اثناء اجتماع حضره اربعة اشخاص فقط من بينهم رئيس عمليات شركة امنية امريكية معروفة جدا تم ابلاغ الامير بان هناك تحركا ضمن الاسرة الحاكمة للاطاحة به وبوالده بانقلاب عسكري تقوم به وحدات الحرس الوطني بقيادة متعب بن عبد العزيز للمناداة بالامير احمد بن عبد العزيز ملكا وبالامير متعب وليا للعهد وان هذا التحرك سيكون في فجر يوم الاحد كما تم تزويده بكافة الاسماء المشاركة في هذا التحرك ومن ضمنها ابناء الامير طلال بن عبد العزيز وخصوصا الامير الوليد الساخط على تهميشه وعائلته في اتخاذ القرارات داخل الاسرة بالرغم من انه يعتقد باعتباره ابرز رجال الاعمال في العالم فهو يستحق ان يمنح مساحة اوسع كذلك السخط الذي يشعر به ال الابراهيم نتيجة لما تعرض له ابن اختهم الامير عبد العزيز بن فهد من معاملة واختفائه داخل المملكة منذ عودته من باريس وكذلك المؤسسة الدينية والتي تشعر بان توجهات الامير محمد بن سلمان قد قلصت من دورها في المجتمع السعودي وخصوصا بعد الغاء هيئة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر .

كانت المعضلة الاهم التي طرحت اثناء الاجتماع هو كيفية ايقاف التحركات ضد الامير محمد ووالده الملك سلمان دون اثارة ردود فعل داخلية وخارجية نتيجة للعلاقات الواسعة التي تحظى بها الاسماء المتهمة بالحركة . كان اول الخيارات المطروحة هو يجب ان يتم السيطرة على المؤسسة الدينية من خلال المفتي وهو الامر الذي يمكن السيطرة عليه داخليا الامر الاصعب هو تقديم تفسير مقنع للاطراف الخارجية . كان الخيار المطروح هو الاتهام بالفساد الاداري والمالي فهي التهمة الوحيدة التي يمكنها من ان تقيد وتضعف اي محاولة للاطراف الدولية وخصوصا الادارة الامريكية من التدخل لحماية بعض الامراء الذين يتمتعون بعلاقات ممتازة مع الادارة الامريكية وخصوصا الامير متعب وعلاقاته بالبنتاغون الامريكي . كما ان جميع الاسماء التي ذكرت هي لاشخاص يمثلون ثقلا عسكريا وسياسيا واقتصاديا واعلاميا داخل وخارج المملكة وان اي فرصة لافلات اي منهم شخصيا يعني ان تنقلب الامور في غير صالح الامير المتطلع للحكم لذلك تم استغلال حادث اطلاق صاروخ بالستي من اليمن باتجاه مطار الامير خالد ليتم الاعلان عن منع اي طيران خاص داخل المملكة وبهذا تم حرمان اي من المتنفذين من فرصة الافلات بطائرته الخاصة الى خارج المملكة .

على اثر الاجتماع عاد الامير الى الرياض مع قوات تابعة لشركة امنية كبيرة واتخذ مقر اركان في فندق ريتز كارلتون الرياض وكانت بداية التحرك في اقتلاع المخالب العسكرية لاي تحرك بعزل الامير متعب من الحرس الوطني كما تم التحرك لمنع الامير تركي شقيق الامير متعب وهو رجل ذو خلفية عسكرية من الاتصال بقيادات الحرس الوطني التي تدين بالولاء للامير متعب ووالده الراحل وقد لوحظ انتشار قوات عسكرية في المناطق المحيطة بقصور الامراء من العائلة المالكة.

اذن نجحت تحركات الامير في ايقاف نشاط خصومه واصبح جميع المعارضين لتوليه سدة الحكم بصورة مباشرة خلف القضبان الحريرية لفندق كارلتون كما ان جميع ارصدتهم وثرواتهم والتي قدرت بحوالي اثنين تريليون دولار تحت قبضته ولكن السؤال الذي يطرح الان هل سيستمر ذلك النجاح ليعلن نهاية عهد اسرة عبد العزيز ال سعود وبداية عهد اسرة سلمان هذا ماسوف تجيب عليه الايام المقبلة ولكن مما لاشك فيه بان التاريخ السعودي بعد سبت يوم الرابع من تشرين الثاني لعام 2017 هو غير ماكان قبل ذلك التاريخ .

 

زهير جمعة المالكي

 

 

saieb khalil2لا يفضح التوابع في العادة أنفسهم بهذا الشكل الهزلي، لكن سعد الحريري تجرأ على فعلها وأعلن استقالته من منصبه من دولة أجنبية، وكأنه مطارد إثر انقلاب في لبلده! (1)

الرئيس ميشال عون، الذي تفاجأ من هذا التصرف، قال بطريقة تعبر عن الإحراج أنه ينتظر عودة رئيس الحكومة سعد الحريري، إلى بيروت، للاطلاع منه على ظروف استقالته! (2)

وكانت الحجج التي أعطاها الحريري تتلخص في قضيتين، الأولى انه "مهدد بالاغتيال"، والثانية أن "حزب الله يفرض أمرا واقعا في لبنان بقوة السلاح، فهو الذراع الإيراني في لبنان والدول العربية ويخطف البلد".

أما بالنسبة لقصة اغتياله فيفترض به، وهو رئيس حكومة، ان يستخدم ما لديه من قوة لمنع هذا "الاغتيال"، وحتى أن يخاطر بحياته إن تطلب الأمر، بدلا من الهرب منه. لكنه يهرب فوراً، وبدون ان يملك اية أدلة ووقائع يكشفها سوى أنه "لمس" ما يحاك سرا لاستهداف حياته!

ومثل قصة استهداف حياته، لم يقدم أية أسباب محددة تبرر اعتقاده بأن “إيران تسيطر على.. القرار في سورية والعراق”، بأن يبين لنا مثلا اية قرارات اتخذتها الحكومة السورية ضد مصلحة البلد، وكانت في مصلحة إيران، ولا بين لنا كيف ان الحكومة العراقية الشديدة الارتباط بالأمريكان الذين جاءوا بها، تتبع في الحقيقة إلى إيران.

والسؤال الأهم من هذا، ألم يكن أجدر بهذا الرئيس أن يمتنع عن مقابلة مستشار المرشد الإيراني علي أكبر ولايتي، والتي تمت قبل يوم واحد من زيارته للسعودية، إن كان هذا هو رأيه في إيران، علما أن لقاءات القمة لا تجري إلا بعد وجود اتفاق أولي وتحديد مصالح مشتركة يتم بحثها؟ وإن كان ذلك اللقاء قد جرى في ظروف احتجاج، فلماذا لم نسمع من أي من الطرفين ما يشير إلى ذلك؟(3)

كذلك لم يحدد الحريري أين استخدم سلاح حزب الله ضد اللبنانيين؟ إلا إن كان يرى لبنانيي داعش ممثلين لـ "اللبنانيين". ولو كان ما قاله صحيحاً، لقتل الكثير من حلفائه وعن وجه حق، بعد تحرير لبنان، أسوة بما جرى في فرنسا بعد تحريرها من المانيا وقتلها للخونة، حتى النساء منهم!

وفي بحثنا للسبب أو العذر الذي قد تسبب في هذه الاستقالة المفاجئة التي اعتبرها الكثير قد اصابت لبنان بضربة موجعة وهي في وضع غير مستقر، نجد الحريري ينتقد، حسب وكالة اعلام حليفة له، "‏قول روحاني أن لا قرار يتخذ في لبنان دون إيران قول مرفوض ومردود لأصحابه، ولبنان دولة مستقلة لا تقبل الوصاية".

ولم نستطع ان نجد في بحثنا مثل هذا القول لروحاني. وإن اعتمدنا على قول وردوا وافترضنا دقة ترجمتها، فأن روحاني كان قد قال "هل من الممكن اتخاذ قرار حاسم في العراق وسوريا ولبنان وشمال إفريقيا والخليج، من دون أخذ الموقف الإيراني في الاعتبار؟".(4)

ومن الواضح أن "أخذ الموقف الإيراني في الاعتبار" لا يعني أن "لا قرار يتخذ في لبنان دون ايران"! فالأول لا يعني أكثر من أن الوزن الإيراني لا يهمل في المعادلة، وهو ما تسعى اليه كل الدول، دون ان تدعي انها تسلب الدول الأخرى استقلالها.

وقال سعد أيضاً أن "تدخل حزب الله تسبب لنا بمشكلات مع محيطنا العربي". وهذه عبارة ملفتة للنظر بالنسبة لنا، نحن العراقيون. فقد كان التبرير الذي شاع بسرعة على صفحات التواصل الاجتماعي للحملة المثيرة للشبهات لتهافت المسؤولين العراقيين على السعودية مؤخراً، ابتداءاً من مقتدى الصدر مروراً برئيس الحكومة مصحوباً بوفد ضخم من الوزراء والخبراء في مختلف التوجهات. وقد اعترض البعض لما للسعودية من مواقف مشبوهة بالإرهاب من العراق، كان العبادي نفسه قد صرح بها عام 2016 متهما السعودية بإرسال 5000 إرهابي إلى العراق، قبل ان ينقلب ليقول بكل صلافة: العراقيين الذين يعتقدون ان السعودية تدعم الإرهاب، مخطئون!(5)

ويبقى عجيبا أن يكون أي من هذه المبررات سببا لاستقالة رئيس حكومة من منصبه وتركه بلاده حائرة وبشكل مفاجئ جداً. لذلك نتساءل بحق إن لم يكن من حقنا ان نبحث عن سبب الاستقالة عند مضيفي سعد الحريري، خاصة وان صدورها كان فور وصول سعد إليهم. وقد غمز أحد الساسة في تعليق على قول عون بأنه في انتظار أن يوضح الحريري ظروف استقالته، بأنه يظن أن الحريري نفسه لم يكن يعرف "ظروف استقالته".

مفاجأة الحريري غير المفسرة، قد تساعدنا على تفسير ما يحدث في المنطقة. ففي العراق هناك انقلاب أذهل العراقيين متمثلا بتقمص رئيس حكومتهم الذي جاء الأمريكان به، شخصية جديدة تماما على العكس من شخصيته السابقة المثيرة للشفقة، عندما كانت مهمته ان يترك كل القرارات للأمريكان ولا يحتج حتى على ضربهم للحشد والجيش الذي هو قائده، ولا على احتلال البيشمركة الأراضي العراقية وتهديم القرى وتكريدها، ويترك العراقيين يشعرون بالضياع وأنهم بلا حكومة. وبين ليلة وضحاها صار للرجل شخصية الفارس ليفتح المناطق التي احتلتها كردستان بجيشه وبدون أي اعتراض امريكي، رغم استخدامه أسلحة أمريكية، ولا مقاومة من البيشمركه التي كان الجيش العراقي ينسحب من امامها ويسلم أسلحته لها ولداعش، قبل أية مواجهة، ودون إعطاء أي تفسير لهذا الانقلاب.

وكان تفسيرنا لكل ذلك التغيير أن مشروعا يتم لتسويق "عبادي آخر" لغرض امريكي ولتأمين نجاحه في الانتخابات المقبلة. وقد اثار العبادي الشكوك بزيارته مع الوفد الكبير إلى السعودية. لكن المدافعين عنه احتجوا بأنه يريد إعادة العراق إلى "محيطه العربي"!

ما هو "المحيط العربي"، وما الذي يريده؟

نقرأ من أخبار نفس اليوم تصريحا خطيراً لوزير الدولة السعودي لشؤون الخليج العربي، ثامر السبهان، بأن "أيدي الغدر والعدوان يجب أن تبتر".(6)

إنها علامة إطلاق المشروع الجديد للمنطقة لزجها في حرب عدوانية جديدة تكون حرب الثمانينات التي اثاروها ضد إيران، نزهة بالنسبة لها، خاصة بعد تطور التسلح الإيراني الكبير، والذي تخشى إسرائيل وأميركا أن تتورط بنفسها في مواجهته المكلفة، فتشير إلى ذيولها بالتعليمات.

ومما يثير المزيد من القلق توجه رئيس أركان الجيش العراقي، عثمان الغانمي، قبل بضعة ايام إلى السعودية، في زيارة هي الأولى من نوعها منذ عقود، على رأس وفد عسكري رفيع المستوى، لـ "مناقشة التحديات والظروف التي تواجه أمن وسلامة البلدين والمنطقة".(7)

لذلك فإننا حين نسمع سعد الحريري، وهو يبدي غيرته على "الأمة العربية" بتكرار وحماس، فإننا لا نستطيع إلا ان نتذكر أن هذا الرئيس لم يتعلم العربية إلا لضرورة الشكل، بعد ان نصب رئيساً على بلاده "العربية". ونتذكر عجزه المخزي عن قراءة خطاب تسلم الرئاسة، حتى أن أحد الجالسين عرض عليه ان يقرأه بدلاً منه! ولا يكشف درجة احتقار سعد لـ "عروبته"، أكثر من مستوى قراءته للعربية الذي يذكرنا بقراءة ملوك المملكة التي تستضيفه، والتي لا تخفي "نظرتها المشتركة" مع إسرائيل إلى مشاكل المنطقة.

ونتذكر كذلك أن نغمة "المحيط العربي"، سمعناها أيضا قبل أسبوع من وزير خارجية ترمب، تيلرسون، حينما ذكّرنا بعروبتنا بدون مناسبة، مؤكداً لنا أننا "لسنا فرساً".

لذلك فعندما يتحدث الحريري والمدافعون عن زيارات المسؤولين العراقيين إلى السعودية، عن "المحيط العربي" وضرورة العودة اليه، لا نملك إلا ان نتساءل إن لم يكن المقصود بـ "المحيط العربي" هو قفص الدجاج الإسرائيلي الذي تقبع فيه الأردن ومصر والسعودية وبقية دول الخليج" لتبيض لإسرائيل الإرهاب، ولتذبح عندما يحين وقت ذبحها، وأن لبنان والعراق، وبتعليمات صادرة إلى حكومتيهما، يدفعان دفعاً لدخول هذا القفص، لغاية في نفس "سلمان"، ومن يوجه "سلمان".

 

صائب خليل

4 ت2 2017

..................

(1) الحريري يعلن من الرياض استقالته من رئاسة الحكومة اللبنانية

https://www.khabaragency.net/news91106.html

(2) الرئيس اللبناني: ننتظر عودة الحريري إلى بيروت للاطلاع منه على ظر

http://www.rudaw.net/arabic/middleeast/041120172

(3) ولايتي يشيد بالحريري ويتوقع «تحرير الرقة»: إيران تدعم وتحمي استقلال لبنان وحكومته

http://www.alhayat.com/Articles/25131698

(4) الحريري رداً على روحاني: لبنان دولة مستقلة لا تقبل بالوصاية الخارجية

http://www.rudaw.net/arabic/middleeast/24102017

(5) العبادي ٢٠١٦ : السعودية تدعم الارهاب وأرسلت للعراق ٥٠٠٠ الاف انتحاري

https://www.facebook.com/UrukNewsAgency/videos/1997689060511398/

 (6) وزير سعودي تزامناً مع استقالة الحريري: أيدي الغدر يجب أن تبتر

http://www.rudaw.net/arabic/middleeast/041120173

(7) رئيس أركان الجيش العراقي يتوجه إلى السعودية

http://www.rudaw.net/arabic/middleeast/iraq/181020174

 

 

حلم الوصول إلى المياه الدافئة لم يتحقق، لا في زمن القياصرة ولا في زمن الشيوعية، فهل سيتحقق في زمن فلاديمير بوتين؟

كان إنقلاب "محمد نور ترقي" في إفغانستان عام 1978حدثاً تجاوز حدود إفغانسان، لأنه دشن مرحلة سيطرة الإتحاد السوفيتي الفعلية على البلد، الذي توج بدخول الجيش السوفيتي إلى إفغانستان، ومن ثم إنسحابه عام 1989، ثم سقوط حكم نجيب الله عام 1992، ودخول إفغانسان في حرب لم تضع أوزارها حتى الآن .

صحيح أن الروس لم يصلوا عند دخولهم إفغانستان إلى المياه الدافئة، لكنهم أصبحوا على بعد خطوة من تحقيق هذا الحلم، إذ لم يعد يفصلهم عن مياه الخليج سوى مناطق البلوش الباكستانية – الإيرانية وهذا ما لم يكن مسموحاً به لأعتبارات عدة، منها الهيمنة على مناطق الطاقة، وعدم السماح بخرق الطوق المضروب على الإتحاد السوفيتي ماوراء القوقاز حتى حدود الصين والهند .

لا يمكن أخذ حروب أفغانستان بمعزل عن هذا، أما الدفاع عن الدين فلم يكن سوى حجة، إستثمرتها أمريكا مستغلة أتباعها، فالشيوعية في نهاية المطاف ليست أقل إلحاداً وتغريباً من الرأسمالية، يومها كانت إيران سواء زمن الشاه، أو زمن الثورة الإسلامية خارج التفكير، لأنها لم تكن من المكنات، وإلا فالطريق عبر إيران أسهل، وأقل تكلفة وأكثر أمناً وثباتاً .

بعد إنهيار الإتحاد السوفيتي بدا هدف الوصول إلى المياه الدافئة بعيد المنال، إن لم يكن مستحيلاً، فالدول التركية الست الخارجة من الإتحاد السوفيتي كانت حليفة لأمريكا، وتعلن جهاراً عدائها لروسيا، وهي تملك ثروات تؤهلها للخروج عن هيمنة ونفوذ روسيا، بالأضافة للصراعات فيما بينها، وبين الدول الأخرى،  فإذربيجان مثلاً كانت في صراع دموي مع أرمينيا على منطقة " ناغورنو – كرباخ" التي كانت أرمينية ثم سلمتها روسيا لأذربيجان عام 1923، وأغلبية سكانها من الأرمن، علماً أن روسيا وقفت موقفاً أشبه ما يكون بالمؤيد لأرمينيا، أما إيران فقد وقفت مع أرمينيا ضد الدولة الآذرية المسلمة الشيعية في مفارقة غريبة، وكانت روسيا مهتمه في إيجاد منافذ لغازها إلى أوربا أكثر من إهتمامها بالوصول إلى المياه الدافئة، وكانت تعاني من عرقلة خططها من قبل من كانوا في منظومتها، حيث رفضت بلغاريا السلافية مد خط الأنبوب عبرها، مما جعل الروس يفكرون في إيجاد طريق آخر أطول وأكثر كلفة، فتم إختيارهم للسيل الجنوبي المار بتركيا بعد تحسن العلاقات بين تركيا وروسيا إثر محاولة الإنقلاب التي قيل أن لأمريكا يد فيها .

لهذه العلاقات المتحسنة بين تركيا وروسيا تأثير إيجابي على موقف أذربيجان من روسيا، وكذا إيران، فإذا أضيف لهذا تعاون الدول المشاطئة لبحر قزوين إقتصادياً، ووضع خطط التنمية المشتركة التي نجحت وأثمرت، وأقنعت هذه الشعوب بجدوى التعاون البناء كبديل ناجح للإحتراب والصراعات، وهو ما تدعوا إليه القوى البعيدة عن المنطقة، إضافة إلى طبيعة السلطة الحاكمة في إذربيجان، فإلهام علييف هو إبن السياسي الشيوعي السوفيتي الكبير حيدر علييف، عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفيتي، والرجل الذي كان من الممكن أن يكون رئيسا للإتحاد السوفيتي لولا ظروف وإعتبارات خاصة، ولذا فإن خلفية الرئيس الآذري "إلهام" وكذا بقية السياسين الأذربيجانيين والعسكر أكثر ميلاً للتعاون مع روسيا وريثة الإتحاد السوفيتي الذي كانت دولتهم عضوة فيه، بالإضافة إلى نهج التعاون الذي خطته حكومة إيران، وسعيها لفك الطوق الذي تفرضه أمريكا عليها، وسعيها لتوطيد حلفها غير المعلن مع روسيا، خصوصاً بعد نجاحات تعاونها معهم في سوريا، والأكثر أهمية من كل هذا أن خططاً تخدم تطور البلدان المعنية وتعاونها وتكامل الخدمات فيما بينها أمور تنعكس إيجابياً على مستويات معيشة الناس، ونجاحها يكاد يكون شبه مضمون .

من بندر عباس حتى كوبنهاغن مروراً بموسكو خط سيغير معطيات كثيرة، خصوصاً وأن الهند ليست بعيدة عن هذا الأمر، فموانئها الدافئة أيضاً ستكون جزءاً مكملاً لهذا الإنجاز، ولا تسألوا عن الصين و" طريق الحرير" فذاك أمر آخر يضاف إلى أوراسيا التي سترى النوزر لا محال، وربما أقرب مما يتصور أكثر المتفائلين تفائلاً .

التفاصيل الأخرى، على أهميتها تبدو تحصيل حاصل، كالتبادل التجاري بالعملات المحلية، وهي ضربة معلم توجه لجبروت الدولار، بعد موقف الصين وروسيا بالتعامل بالعملتين الوطنيتين في تبادلهما التجاري .

هل يقف العالم القديم صامتاً أمام معطيات كهذه، وهل تستلم أمريكا وأوربا لعمليات زحزحتهما من مواقعهم ؟

ربما لن نتتظر كثيراً لمعرفة الرد، الذي سيكون بداية بمن يتخيل أنه الأضعف، وهو في هذه الحالة إيران.. هل سنشاهد تجيشياً عقائدياً ودينياً، يذكرنا بما واجهته إفغانستان الديمقراطية سابقاً، وبما واجهه الإتحاد السوفيتي سابقاً، أم أن الأمور تغيرت كثيراً، وكما يقال " سبق السيف العذل " و" لات مناص " 

 

 صباح علي الشاهر

 

 

bakir sabatinكيف جاء.. وما علاقة ذلك بالكولونيالية .. وهل أصاب إدوارد سعيد بتوصيف مفهوم المحتل أم كان بلفور على حق!

هل العرب همجيون كما يرى بلفور والمحتفون به!!!!؟

هل هو حنين بريطاني لزمن الاستعمار أم هي رسالة للكيان الإسرائيلي تثبت أبوة الإنجليز لكيانهم الطارئ والذي لا يتجاوز وجوده المعنوي وزن رسالة بسبع وستين كلمة تتمثل بوعد بلفور الشهير الذي منح اليهود وطناً قومياً لهم! أم هو عودة إلى الحراك العالمي الذي أشعله كتاب الاستشراق للمفكر الفلسطيني الأمريكي العالمي الأستثنائس، البروفسور إدوارد سعيد، صاحب مصطلح الكولونيالية الذي قال بدور الاستشراق في التمهيد للاستعمار، وعلى رأسهم أحد مرجعياته المتمثل ببلفور، وزير خارجية بريطانيا زمن الانتداب البريطاني لفلسطين المحتلة، الذي كان له الدور الريادي برفد الكولونيالية بتطبيقاتها التاريخية على أرض الواقع، وذلك بترسيخ صورة دعائية قبيحة للعربي في فلسطين حتى يتسنى للمستعمر دخول المنطقة كفاتح لها ومحرر لأهلها الهمجيين من قيود الجهل والتبعية للسلطات المضللة في نظرهم ذات التوجهات المنبعثة من الفِكرَيْن، القومي والديني، وخاصة الإسلامي بعد خروج الأخير من العباءة العثمانية، وهي سلطات فكرية تبنتها الأحزاب في فلسطين وانتشرت في المجتمع الفلسطيني على إثر خروج تركيا مهزومة من الحرب العالمية الأولى لتذهب المستحقات المعنوية إلى سيادة الموقف البريطاني على الرواية التاريخية كونه المنتصر، ومن ثم إعادة تكوين تلك السلطات وفق الرؤية الإنجليزية من باب التواصل عبر المصالح الإثنية تحت مظلة الانتداب على قاعدة إن لم تكن معنا فأنت عدو تجب محاسبتك.. ومقابل هذه الصورة (الظل) تُظْهٍرُ الدعاية البلفورية أشداقَ الذئبِ المكشرِ عن أنيابه كابتسامة المنقذ الذي تكبد مشقة المجيء إلى أرض ليست له؛ ليطهرها من الجهل والأبلسة، فيحول هذه الأرض الجدباء إلى جنة وسط اليباب العربي من خلال كيان جديد إسمه"إسرائيل" ومن ثم ترسيخ هذا المبدأ المقلوب عبر الأكاذيب في العقل الغربي الذي هو الأهم بالنسبة للمستعمر ورجالاته.. حيث ستتحول البندقية بالتالي إلى جالبة للحرية والديمقراطية!خلافاً للحقيقة التي تكشفت أوراقها للجيل الغربي الجديد عبر الفضاء المفتوح، بما يتوافق مع رؤية إدوارد سعيد في أن الغرب الذي زرع الكيان الصهيوني في قلب الوطن العربي إنما فعل ذلك من باب تأمين كيان وظيفي لحماية المصالح الغربية وقد جاءت الأسطورة التوراتية لتمثل حصان طروادة للصهيونية كي تقيم مستعمراتها في فلسطين وتنظم أبناءها في العصابات الصهيونية التي طردت أصحاب الأرض بالقتل وبقوة وعد بلفور المشئوم وبمساندة لوجستية مفتوحة من قبل دولة الانتداب الماكرة!

فما هو المغزى من احتفال بريطانيا المقبل بصدور وعد بلفور، هل ذلك ليقال بأن مذهبهم الاستعماري عبر التاريخ الحديث إنما جاء على غير ما شخصه إدوارد سعيد في الكتاب الذي يعد على صعيد العالم من أكثر الكتب تأثيراً، ليثبت الخصوم بأن رؤيتهم صائبة وبلفور كان على حق فيما يتعلق بنمطية الشخصية العربية المحصورة في الهمجية، والتبعية والانقياد ورفض الآخر وعدم جاهزيته لاستقبال التجربة الديمقراطية وكونه أيضاً يحمل مكونات الإرهاب في جيناته على اعتبار أنه مسلم يتبع إبليس في كل سلوكياته!؟ مستدلين على ذلك بظهور داعش ومثيلاتها من المنظمات التي صنعت في مختبرات البنتاغون الأمريكية لتباغت الغرب في عقر داره بسلسلة عمليات إرهابية كما حدث في نيس الفرنسية!؟

هذا ما سنتبينه من الخبر التالي ومقاربته برؤية إدوارد سعيد الذي سلبت بلاده فلسطين عام 1948وخاصة مسقط رأـسه القدس بينما كان طفلاً على مقاعد الدراسة بالقاهرة ليتنقل ما بين بيروت وأمريكا التي تبوأ فيها مكانة مرموقة بين الأساتذة التاريخيين في مجال الاستشراق والنقد الأدبي والموسيقى من خلال أبحاثه ومقالاته وكتبه، وتبوئه مقعد الأستاذية في النقد الأدبي في جامعة كولومبيا،، وسوف نطرح أسئلتنا عن مدى انسجام ما ذهبت إليه بريطانيا في تجهيز مجلس العموم للاحتفالات بالمئوية المشئومة عربياً وإنسانياً مع الموقف البريطاني الجماهيري الذي يدين بالأصل دور بريطانيا في ضياع فلسطين بعد تحول العالم إلى قرية صغيرة بفعل الفضاء العالمي المفتوح!؟

يقول الخبر بأن بريطانيا تحضر للاحتفال بالمئوية الأولى لصدور وعد بلفور المشئوم، وهو وعد من لا يملك لمن لا يستحق، حيث منح وزير خارجية بريطانيا بلفور عام ١٩١٧ وعداً من سبع وستين كلمة بمنح أرض فلسطين الواقعة تحت الانتداب البريطاني، لليهود القادمين إليها من أنحاء العالم..

هذا الوعد كان قد اعتبر الفلسطينيين أقلية متخلفة ما استوجب من المستعمر البريطاني جلب الحرية إليهم، وحمايتهم من أنفسهم، وتعويدهم على الحرية في ظل الدولة اليهودية الموعودة، خلافا للحقيقة التي كانت تجهلها الشعوب الغربية طويلا ، إلى أن أميط عنها اللثام مؤخراً وتكشفها عبر مواقع التواصل الاجتماعي لتثبت للقاصي والداني بأن فلسطين آنذاك كانت مزدهرة في كافة المجالات، بل ويسكنها شعب متحضر، ويقيم في مدن كانت من دُرَرِ شرق المتوسط، لكنها الكولونياالية الاستعمارية وما بعدها، التي وصف من خلالها إدوارد سعيد دور الاستشراق في التمهيد للاحتلال وتحسين صورته من خلال تطهير الأرض من سكانها الأصليين وطمس هوية الضحية وقتل شخصيتها المعنوية، وهو مصطلح أتى به سعيد الذي ولد قبل عام النكبة بأربع سنوات، وانتهت به عصاميته ليتبوأ مكانة عالمية في نطاق الفكر الإنساني والسياسي والاستشراق، وخاصة دوره في إرباك العقل الغربي من خلال دراسته المتفردة لتاريخ القضية الفلسطينية ونشر رؤيته على صعيد العالم الغربي لقوة منطقة وامتلاكه لأدواته النقدية وتمتعه بمعرفة عامة واسعة وعميقة وتقنيات ذات مجسات حساسة، وبالتالي تعميم نظريته التشخيصية للاستشراق حيث تطرق فيها إلى أحد أهم المرجعيات الاستشراقية المتمثلة ببلفور، وكيف مهد هذا الداهية - كما قلنا في صدر هذا الموضوع- لاحتلال فلسطين من خلال جهوده كوزير خارجية بريطانيا، ورؤيته الاستعمارية القائمة على تشويه الصورة النمطية للعرب الفلسطينيين وبالتالي تبرير منح اليهود وعد بإقامة كيان يهودي وظيفي يكون من شأنه حماية مصالح الغرب، والمساهمة في شرذمة الوطن العربي؛ للهيمنة عليه اقتصاديا، واستنزاف طاقاته، حتى لا تقوم له قائمة، فيما تسخر الصهيونية من جهة أخرى قوة الأسطورة التوراتية لتبرير احتلالها لفلسطين على المستويين الثقافي والسياسي، فالصهيونية فكرة قومية صنعها العلمانيون والاقتصاديون اليهود في بال بسويسرا نهاية القرن التاسع عشر، لكنها جاءت لتحتل فلسطين بقوة الأسطورة التوراتية التي ما زالت تمد هذا الكيان بطاقة البقاء.

وينبغي أن نفهم في ذات السياق كيف أن الوعد الذي سلمه بلفور لليهودي البريطاني روتشيلد أحد مؤسسي الصهيونية وأحد أعمدة الاقتصاد العالمي آنذاك، قد دُمِغَ بختم التاج البريطاني، وخلافاً للأكاذيب والدعايات التي أحاطت به؛ فقد جاء ليمثل - في حقيقة الأمر- رؤية فكرية سياسية استعمارية عكست مدى الدهاء والمكر البريطاني الاستعماري، متمثلاً باعتماد وعد بلفور على الصورة النمطية المشوهة التي رسخها المستشرقون في العقل الغربي إزاء العربي الفلسطيني الذي انتزعت منه أرضه بالقوة، وإن اليهودي (وهو بدون أرض) كأحد ضحايا الحرب العالمية الثانية، والذي حرره الحلفاء وعلى رأسهم بريطانيا من أفران الغاز النازية بما يعرف بأكذوبة الهولوكست (التي شكك بها المفكر الفرنسي الراحل روجيه جارودي) ليستغل طاقاته وعبقريته الخلاقة في استعمار فلسطين على اعتبارها وطناً قومياً له، وموعداً مع الرب في أسطورة أرض الميعاد علاوة على ذلك، كونها أرضاً بلا شعب.

هذا هو وعد بلفور الذي ما زلنا نعاني من تداعياته في مرحلة ما بعد الكولونيالية الاستعمارية، إذ يقول إدوارد سعيد في كتابه الأشهر الاستشراق أن "هناك مصطلحات كثيرة وردت في أقوال بلفور وكرومر والكثير من الكتاب الأوربيين عبرت عن العلاقة بين الشرق والغرب مثل ( الشرقي لا عقلاني فاسق طفولي متخلف، وبالمقابل فإن الأوربي عقلاني، متحلٍّ بالفضائل، ناضج سويّ".

أما كرومر الذي مثل مع بلفور أهم المرجعيات الاستشراقية، فقد قال "بأن الفتح الغربي للشرق هو حرية " وهذا يعني بأن الكيان الصهيوني هو الضامن لها، ولأن التاريخ يكتبه المنتصر، فقد تم تجاهل المجازر التي اقترفها الكيان الإسرائيلي بحق الفلسطينيين، في الدوايمة ودير ياسين ويافا وعكا وكفر قاسم وصولاً إلى مخيم جنين وغزة والانتفاضات الفلسطينية المتعاقبة، هذه الجرائم الصهيونية التي حصدت مئات الألوف من الضحايا الفلسطينيين، ومن ثم بناء خطاب ما بعد الكولونيانية الذي يروج لرؤية المستعمر بالدفاع عن مكتسباته المادية والمعنوية، الخطاب القائم على تزوير الحقيقة وتسويق الكيان الإسرائيلي كضحية تتكالب عليها الشعوب العربية الهمجيةP ليتخذ الخطاب بعداً استشرافياً بعد ثورات الربيع العربي باتخاذ الكيان الصهيوني حليفاً استراتيجياً ضد العدو المشترك الذي أنتجته أمريكيا، وداعماً لوجستياً لدول الاعتدال العربي لتخريب المنطقة ومن ثم إعادة ترتيب الشرق الأوسط الجديد الذي يتقبل هذا الكيان كضامن للأمن القومي العربي.

أن الصورة النمطية المشوهة عادت الآن لتصور العربي بأنه إرهابي، وكأن الحكومة البريطانية تريد من خلال الاحتفال بمئوية صدور وعد بلفور، تحت قبة مجلس العموم ، ترسيخ فكرة أن الكيان الإسرائيلي نجح لأن يكون الضامن لمصالح الغرب في الشرق الأوسط، والمهيمن عليه اقتصاديا، وكما قال بلفور قبل مائة عام خلت، بأن رأي الأقلية العربية في فلسطين، لا يساوي شيئا مقابل الرأي الغربي بما فيه الصهيونية ويمكن تجاهله وطمسه بسهولة، وهذه قمة الرعونة والاستعلاء للروح الاستعمارية التي ما زالت تحرك طموحات السياسيين في عموم الغرب وخاصة الحكومة البريطانية ومفكري اليمين في بريطانيا، أصحاب الأنا الجمعية المتفوقة بين القوميات الأوربية الأخرى.

إن الانفتاح على العالم من خلال الفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعي، والشبكة العنكبوتية، وغيرها؛ أعاد تشكيل الوعي الجماهيري الأوربي، خلافاً لرؤى حكوماتهم ذات النفس الاستعماري غالباً.. ، لذلك تجتاح أوروبا اليوم ظاهرة مقاطعة البضائع الإسرائيلية من قبل الجماهير الأوربية، وخاصة البريطانيين، الذين دمجهم الحوار الموازي عبر الفضاء المفتوح مع قضايا الآخر وخاصة القضية الفلسطينية، وكان يكررها لي كثيراً أحد الأصدقاء الأستكلنديين بأنه صدم كبريطاني يؤمن بالحرية بأن بلاده الأعرق بين الديمقراطيات في العالم الحر، شاركت بجريمة اقتلاع الشعب الفلسطيني من وطنه ومنحه مجاناً للعصابات الصهيونية بعد اقتلاع صاحب الحق من أرضه، من هنا يمكن أن نفهم أيضاً ذات الظاهرة من خلال رفع مئات الأعلام الفلسطينية في المباريات الإنجليزية من قبل الشباب البريطاني المنفتح على المعلومات المفتوحة على كافة الاتجاهات التي يتفاعل معها العالم .

فوعد بلفور تحول إلى ثغرة في الضمير البريطاني لأنه تجاوز كل مبادئ حقوق الإنسان! وبدلاً من طمس معالمه أو محاربته كونه يمثل تاريخ بريطانيا الاستعماري تقوم المملكة المتحدة ممثلة بالحكومة والبرلمان والمفكرين المؤيدين للكيان الإسرائيلي -وأخشى حضور بعض الشخصيات العربية-  بالاحتفال بمئويته!

هذا هو العقل الاستعماري الغربي الذي يبخس بنا! فهل نحن حقاً أمة منقادة ولا رأي لها كما يقول بلفور والمحتفين بوعده المشئوم! الرد مرهون بمواقفنا للتعبير عن رفضنا لهذا الاحتفال ولو بكلمة.

 

بقلم بكر السباتين

 

 

saman soraniکان الزعیم البلشفي الروسي فلادیمیر إلیتش أولیانوف (لینین) یردّد دوماً مقولته الشهیرة: "لا ممارسة ثوریة بدون نظریة ثوریة".

لینین إنطلق في وعیه السیاسة والعمل السیاسي من قاعدة مفادها أن العمل السیاسي لایملك أن یكتسب أسباب الفاعلیة والتأثیر إلا إذا کان مستنداً الی مشروع سیاسيّ وإجتماعي یبرّره ویؤسّس لە عوامل النجاح.

قبل عقود من الزمن، أي قبل انطلاق طور الإستنقاع السیاسي والحزبي للقوی الكوردستانیة، کان لأحزاب وتنظیمات المنتمیة لحرکة التحرر الكوردستاني مشاریع سیاسیة وإجتماعیة، بصرف النظر عما شابها من قصور أو أعتراها من وهم أو طوباویة. كان لتلك الأحزاب مشروع وطني شبه استقلالي اشتبكت مع الحکومات الدکتاتوریة بالنضال السیاسي الجماهیري أو بالکفاح المسلح، تمکنت بواسطتها بناء إدارة ذاتیة و بعد ذلك ترسیخ فدرالیة في إطار عراق إتحادي فیدرالي شکلي.

أما المشروع القومي السیاسي الكوردستاني فبقی غائب عن الساحة الفکریة، وهذا الغیاب هو نتاج إنفصال السیاسة عن النظریة و محصلة غیاب المشروع السیاسي-الإجتماعي عن العمل الحرکي الحزبي و هكذا تعرضت السیاسة والعمل السیاسي الی حال غیر مسبوقة من التدهور والتآکل والإنحطاط لم یتمخض عنها -حتی الآن-  سوی الشلل وإنسداد الآفاق.  

ومن منطق الأشیاء و بدیهیات الأمور إعتبار "الاستقلال" کمفهوم إصطلاحي عام من الشروط الأساسیة التي تساعد شعب ما علی تحقيق نهضته وتطوره وتقدمه، لأنه هو الذي يحميە ويحافظ على مقوماته وشخصيته القومية والحضارية ویساعده علی تحقيق نهضته المنشودة في جميع المستويات ومختلف القطاعات.

إن جمهور المؤرخین هم علی کلمة جامعة بأن أي شعب مـن الشعوب لا يمكنه أن ينهض بالفعل ويتقدم نحو الأحسن والأفضل إذا كان استقلاله القومي مسلوباً أو ناقصاً، أو إذا كان في حالة التبعیة.

ففي أوروبا وأمریکا وآسیا لعب الإستقلال کحقیقة تاریخیة دور أساسي في نهوض وتقدم وتطور شعوبها القاطنة هناك وکان لتلك الشعوب حضور فعلي علی الساحة السیاسیة.

وکما معلوم بأن الاستقلال القومي لايكون له أي معنى إذا كان الشعب أصـلاً غائب عـن الفعل السياسي، أي غير مجسد في الكيان السياسي الذي یتجسد في الدولة القومية.

وبما أن الموضوع يتعلق بالشعب الکوردستاني، فيمكننا القول بأن هذا الشعب موجود حقيقة، لكنه غير مجسد على أرض الواقع السياسي.

الشعب الكوردستاني مـوجـود تاريخاً وثقافةً ولغةً ومـقـومـات، لكن هـذا الـوجـود غير محقق وغير مجسد في الواقع السياسي، والقانون الدولي والعلاقات الدولية لأنه ببساطة لا یملك كياناً سياسياً یعبر من خلاله عن وجوده القومي بين الأمم والدول القائمة في عالم اليوم، بمعنى آخر، الشعب الكوردستاني اليوم یعيش بدون دولة.

ومن الواضح أن الوحدة السياسية للشعب هي التي حققت لكل للشعوب استقلالها القومي الحقيقي، والاستقلال القومي أدى بالنتيجة إلى تحقيق أمنها القومي الشامل والـذي بدوره ساعد الشعب على إنجاز نهضته المطلوبة والمنشودة.

الشروط الثلاثة: الـوحدة والاستقلال والأمـن، هي بحق شروط لا غنى عنها لأي شعب ینشد النهضة والتقدم والتحرر، لكن هذه الشروط الثلاثة ضعیفة أو تنقص شعب كوردستان الیوم.

فالوحدة القومية للشعب الكوردستاني غير منجزة وغير محققة، والاستقلال القومي لا وجود له في ظل غياب الوحدة القومیة.

أما الأمن القومي فكما شاهدناه بعد ١٦-١٠-٢٠١٧، مستباح الی أبعد الحدود، وهو نتيجة منطقية لانعدام الوحدة السياسية وغياب الاستقلال. والمنطق يقول بأنه لا أمن قومياً من دون وحدة قومية (أي من دون دولة تحمي هذا الاستقلال وتصونه).

الخلل الآخر یکمن في موضوع الوطنیة الكوردستانیة و ثقافة عدد غیر قلیل من الفرد الكوردستاني وفهمه للسیاسة والدولة والمنصب وحقوق المواطنة وإنصیاعه خلف المصلحة الفردیة بأي ثمن علی حساب المصلحة الوطنیة والبحث عن المناطقیة علی حساب الوحدة الکوردستانیة.

أما ما یسمی بالمعارضة والتي کانت في صلب السلطة فهي تعمل والی هذه اللحظة بعقلیة الشعبویة  والنقد الغیر بناء و لا تتردد في البحث عن المناصب و الثروة  حتی لو کان الثمن تفکیك محافظات الإقلیم.

و من أجل ممارسة العمل السیاسي في إطار نظام سیاسي عصري نحتاج الیوم أكثر من أي وقت مضی الی فریق محترف یمارس السیاسة ویمتلك المهارات والثقافة والمؤهلات للبناء الديموقراطي  ویتقن مفردات السياسة العصرية خصوصاً مع بيئة لاتقدر حدود الديموقراطية.

ومن أجل إنقاذ المشروع الکوردستاني من خطر الإندثار وإعادته الی ساحة الفعل السیاسي لمواصلة مسیرته التاریخیة المستقبلیة یجب أن تکون هناك ضوابط حاكمة ومؤهلات ومهارات للعمل السياسي لخدمة اقلیم كوردستان وشعبه ولا تکون علی أساس منحة وامتياز سياسي توزع بمزاج شخصي. ومن أجل حمایة مکتسباتنا و تثبیت الحکم الرشید تتطلب تواجد التکامل السیاسي وطبقة سياسية مؤهلة وذات خبرة تؤمن أولاً وأخیراً بحقوق شعب كوردستان المهضومة وتعمل بکل إخلاص من أجلها وتمجد التنمية المستدامة وردع الفاسدين وتوحيد المجتمع الكوردستاني. وإذا لم نفعل ونسرع فإن الكارثة قادمة لا محالة وسيصبح المشروع في خبر كان، وما يجري الآن في الظاهر ما هو إلا غيض من فيض. لكن ما خفي أعظم، الخطر قائم والكارثة قادمة.

وختاماً: "الإستقلال لیس حق طبیعي مسلوب ینبغي استرجاعه، کما یتخیله أهل الطوبی من دعاته، بل هو ثمرة العمل المتواصل للمجتمع الكوردستاني علی نفسه، مما یجعله دوماً محتاج الی الرعایة والصیانة أو الصناعة والتنمیة، بالإبتکار والخلق والتحویل. إنه مشروع وهدف یبقی دوماً قید الإنجاز والبناء، توسیعاً أو تعدیلاً أو تطویراً. من غیر ذلك تستحیل علاقة الفرد الكوردستاني بإستقلاله الی ضعف وتبعیة."

 

الدکتور سامان سوراني

 

 

saieb khalil2انتشر الخبر التالي في كل المواقع المعروفة تقريبا: "الجيش العراقي يحصل على جائزة الأفضل بالعالم دون منازع"!(1)

ولا يعتمد الخبر على "مصدر مجهول" بل يعطي المصادر بالأسماء، فيبدو ذو مصداقية. يقول: "قال الجنرال المتقاعد تاوسند راشدفورد لقناة "جورنال فور الإنكليزية"، إن "المجلة العسكرية البريطانية (جينز) ستقيم مهرجانها العالمي في الحادي والعشرين من شهر كانون الأول المقبل في العاصمة البريطانية لندن"، موضحا أن "المجلة خصصت 20 جائزة في مختلف الاختصاصات العسكرية لأبرز اختراع عسكري وأبرز تصنيع وأبرز ابتكار وأفضل مصنع مُنتج وأفضل دولة مشترية وأفضل جيش بالعالم وأفضل قائد عسكري بالعالم وغيرها من الجوائز". وأضاف راشدفورد، وهو المشرف العام على المهرجان، أن "ثلاث جوائز حسم أمرها"، مبينا أن "الجيش العراقي نال لقب أفضل جيش بالعالم لعام 2017 دون منازع للإنجازات العظيمة التي حققها والمسافات الشاسعة التي حررها ونوعية المعارك التي انتصر بها". ولفت الى أن لقب أفضل قائد عسكري بالعالم لعام 2017 ذهب الى "الفيلد مارشال العراقي عبد الوهاب الساعدي الذي حرر الفلوجة والموصل وأسقط كيان داعش الإرهابي".

ومن المواقع التي نشرت الخبر: العرب اليوم، الصباح الجديد، السومرية، شفقنا، العراق 18، مصر 24، بنت جبيل، راديو الرشيد، موسوعة النهرين، رابطة المرأة العراقية، الصدى، الموسوعة الوطنية للإعلام، وكالة النبأ، هذا اليوم، درر العراق، موسوعة العراق الان، وغيرها كثير(2)

هل من حقنا ان نصدق أم لا؟

أنا متضايق من وزني وأتمنى أن أفقد 15 كيلو، فلو جاء أحد وأطرى رشاقتي وأكد أني أرشق رجل في العالم، وأن “فرنسا” تتحدث عن رشاقتي بدهشة، فهل سأفرح؟ هل سأصدقه؟ أم اعتبره في أفضل الأحوال يمزح، وإن أصر، اعتبره محتالا ساذجاً يبحث عن طريقة ليخدعني، ربما ليبيعني ملابس لن أستطيع استخدامها مثلاً! صحيح أني لم اقيس وزني منذ أسبوع، لكني اعرف ما قبله وأعرف ان الوزن لا يمكن ان يتغير من نفسه، وليس بهذه السرعة. وفي كل الأحوال من المستحيل وفق كل ما اعرفه من تاريخ ومن حقائق أن أكون "ارشق رجل في العالم".

ما فعلت الغالبية الساحقة من الشعب العراقي، أنها صدقت مثل هذه القصة التي لا تنطلي على عاقل، واحتفلت بجيشها باعتباره "افضل جيش في العالم بلا منازع"،

اكذوبة الجيش الأفضل في العالم

 لا أحد لا يعتز بجيشه، ولا أحد لا يتمنى لجيشه ان يكون "أفضل جيش في العالم" لكن الأمنيات شيء وتصديقها شيء آخر. وشجاعة الجندي والضابط العراقي امر، وكون الجيش العراقي "أفضل جيش في العالم" شيء آخر تماما.

كيف نتأكد؟ رد الفعل الصحيح الأول هو أن تسأل إن كان هذا معقولا أم لا. متى صرنا عاشر جيش لنصبح فجأة "أفضل جيش في العالم"؟ وهل يمكن أن يقفز جيش من مراتب دنيا إلى مرتبة أولى مباشرة؟ أين أهمية بناء الجيش وتعليمه وتدريبه وتسليحه و و و..؟ ثم هل يعقل ان "أفضل جيش في العالم" لا يستطيع محاربة داعش إلا بدعم أجنبي في الطيران والاستطلاع والتخطيط؟ ما الذي يفعله الاف "المستشارين" الأجانب إذن؟ الا ينتظر من العبادي ان يصرفهم ويحتفظ بسيادة البلد ما دام عنده هذا الجيش؟

كل هذه الأسئلة والشك الشديد بالإعلام العراقي والعربي والعالمي، دفعتني للبحث. وأول مكان بحثت فيه كان مجلة "جينز" العسكرية التي يفترض انها منحت الجيش العراقي ذلك اللقب.(3) . لم اجد شيئا في الصفحة الرئيسية فقمت ببحث في أرشيف الجريدة ولأربعة اشهر إلى الوراء عن كلمة عراق(4)

وعدا اخبار متفرقة عن احداث معينة، لم أجد أي منح لجائزة اطلاقاً! بل ان التقييم الوحيد الذي نشرته مجلة جينز للجيش العراقي كان تقييما سلبيا منقولا من تقرير أميركي حكومي (to a US Government Accountability Office (GAO)) بأن تدريب العراقيين وتسليحهم قد فشل في تمكين جيشهم! وأشار الى ان تدريب تسعة الوية من الجيش العراقي وثلاثة الوية من البيشمركه لم يصل إلا إلى 60% من المستوى المخطط له حتى تموز 2016. وعزت سبب الفشل إلى مشاكل في التجنيد، والقدرة على المطاولة والتهرب من الخدمة. وقال التقرير ان نصف الألوية المدربة قد سجلت أي تحسن في قدراتها القتالية. وأشار الى ان اللوائين الأفضل فقط من بين تلك الالوية، قد وصلا إلى القدرة على خوض العمليات القتالية بمعونة التحالف الضرورية في مختلف الفعاليات اللازمة للاستعداد، مثل القيادة والتنسيق بين مختلف الأسلحة.(5)

أنا لست ممن يعول، لا على تدريب الأمريكان والغرب ولا على تقاريرهم، فكلها موجهة في رأيي للإضرار بالعراق وإحباطه. لكن من يريد ان يعطي لهذه التقارير قيمة، فهذا ما تقوله التقارير الحقيقية! أما من يريد ان لا يصدق الغرب إلا حين يمدحونه ويكذبون عليه، فهذا شأنه.

وهذا التقرير نشر في 19 تموز الماضي، أي قبل حوالي ثلاثة أشهر، أي انه مازال إلى ذلك الحين صحيحاً، إن صدقنا الأمريكان. فكيف تحول جيش فاشل إلى أفضل جيش في العالم خلال ثلاثة أشهر؟ إن السعيد بهذه الأمنية لن يسأل نفسه مثل هذه الأسئلة المزعجة، بل سيشعر بالغضب لمن يوقظه من منامه الجميل.

لكني أكملت بحثي، لعل وعسى، وبحثت عن الجنرال المفترض والمحطة التي يفترض انه صرح لها... لا شيء! ليس هناك أي شيء صحيح في القصة، مجلة جينز لم تنشر شيئا، ولا وجود للجنرال المذكور ولا حتى المحطة التي قيل انه صرح لها بذلك!

والآن، ماذا يعني هذا؟ إنه يعني:

1- ان القصة كلها كذب وأن جيشنا ليس "افضل جيش في العالم" وليس له أي تدرج آخر ..

2- أن وسائل الإعلام العراقية والعربية كذابة ومعادية للشعب العراقي ويجب ان لا يثق بها أبداً. ان الفضاء الإعلامي مسموم وجزء من الحرب على الشعب العراقي والعاملين فيه أعداء للشعب العراقي، سواء بعلمهم او بدون علمهم.

3- أن هناك من يدفع الأموال لتمرير هذه القصص، ولا بد ان لديه غرض ليدفع له كل تلك الأموال، وأن الهدف هو تسويق شخصيات معينة.

4- أن الشعب العراقي لا يملك حكومة أو مؤسسات تحميه من سموم الكذب الإعلامي مهما كان شديداً، وأن عليه ان يعتمد على نفسه.

5- نعم هي حقيقة قاسية، لكن يجب ان نقولها: أن الشعب العراقي ابدى سذاجة كبيرة في تصديق الاخبار التي ترفع معنوياته حتى غير المعقولة منها ولذلك يتجرأ من يؤسس للكذب أن يتحدث بكذبة مفضوحة بهذه الدرجة لا يفترض ان تنطلي حتى على الأطفال.

لماذا هذه القسوة؟ لأننا نعيش معركة خطرة، وحين يكون التشويش على رادارات عقلنا بكل هذه السهولة فإننا في خطر داهم ويستطيع عدونا بكل بساطة أن يأخذنا إلى حيث يريد ويرفع من يشاء من "ذيوله" بيننا ويخفض من يشاء. لا أثر لاية حماية عقلية من الكذب لدينا! لا نطرح اية أسئلة! خذوا مثلا هذه الأسئلة البسيطة:

كيف يمكن اختيار الساعدي كـ "أفضل قائد عسكري في العالم"؟ وما هي المحددات؟ وهل يستطيع الذين قاموا بتحديد هذا التقييم أن يعرفوا كل تفاصيل دوره في المعارك، وهل يستطيعون فرز الجهد الخاص الذي قام به بنفسه والذي قام به غيره، وهو ما يفترض ان يكون من الاسرار العسكرية المحرمة، إن كان القائد جيدا بالفعل وكان الجيش جيدا بالفعل؟ ومن هي الجهة التي لها القدرة على الحصول على كل تلك المعلومات السرية من مختلف الجيوش لتحكم ايهم أفضل؟ وكيف يمكن ان يقارنوا ما انجزه بما انجزه غيره من الضباط المرشحين ليختاروه من بينهم؟ وكيف يمكن مقارنة ذلك في كل تلك الظروف المختلفة؟ كيف نقارن مثلا بين جودة ادميرال بحري وقائد أرضي؟ ومن هم هؤلاء الضباط الآخرين؟

هل هي مسابقة للركض لنرى أيهم أسرع، أم هي مسابقة ملكة جمال ليتم اختيار القادة وفق مقاييس معينة؟

وأسوأ من ذلك قياس الجيش بأنه الأفضل. الخبر يقول إن إحدى عوامل القياس كان مساحة الأراضي التي حررها ذلك الجيش! هل يعني هذا أنه لو تمكن الجيش العراقي من صد داعش قبل ان تستولي على هذه المساحة، لما كان سيفوز؟ هل لو انه اوقفهم عند الحدود فسوف لا يحصل على أية درجة؟ بل هل كان سيحصل على صفر، لو ان قوته وتنظيمه كانا من الجودة ألا أحد يفكر حتى في الهجوم على بلده؟ لكن السعيد المنتشي، لا يطرح الأسئلة، ولا يفكر بها، بل سيثور لو ان احداً ذكره بها وبالحقائق المرة.

والحقائق المرة هي أن جيشنا، رغم بسالة منتسبيه، إلا أنه، وبسبب تخاذل وتواطؤ القادة الذين توالوا على العراق، وبسبب تدخل الأمريكان المتبعين لأجندة إسرائيلية في العراق، فإنه جيش مخترق بشكل عميق جدا إلى القائد العام للقوات المسلحة ذاته! وقد وضع هؤلاء قادة من التابعين لهم على مختلف المناطق الحساسة في الجيش لكي يتمكنوا من ان يجعلوه ينتصر متى ما ارادوه ان ينتصر وينهزم ويترك الأسلحة متى ما كان ذلك يناسبهم. جيشنا اليوم هو ذات الجيش الذي سلم أسلحته وانسحب بلا قتال من كل المدن التي احتلتها داعش، ولم يتغير فيه أي شيء. بل بالعكس، قتل الكثير من الضباط والجنود الاشراف فيه، أما الخونة فلم يعاقب فرد واحد منهم ابدا! وهذا يعني ان هؤلاء صاروا أكثر جرأة في خيانة الوطن في المرة القادمة! ليس ما لدينا إذن "أفضل جيش في العالم" ولا ثاني او ثالث او عاشر جيش، بل ببساطة، وإلى ان يحاسب الخونة ويتم تنظيف الجيش من توابع اميركا، فليس لدينا جيش!

ولكي يسند الخبر الكاذب ويصدقه الناس، تم نشر خبر كاذب آخر بأن الساعدي سافر او سيسافر لاستلام جائزته!

ليست هذه أول كذبة من نوعها، فلقد كان أداء الشعب العراقي مؤسفا في حماية نفسه من الأكاذيب بنفس الدرجة حين أرسلت اخباراً مشابهة موجهة لتسويق العبادي، وكان أحدها يؤكد ان رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا قد أشادت بالساعدي أيضا(6)

ولم يكن للخبر أي أصل، وهو ما يفترض ان يثير التساؤل عن الهدف منه.

وهناك خبر اضبط منه اشرت اليه في مقالة سابقة(7) كان بعنوان: "بريطانيا تستغرب من شدة دهاء العبادي بالتعامل مع قضية كركوك الحساسة"! لكننا حين نقرأ الخبر نكتشف أن "بريطانيا" لم تقل أي شيء ولم تبد أية "دهشة"، وكل ما فيه أن وزير الخارجية البريطاني دعا العبادي "الى توسيع نقطة الحوار بين الجميع."!!

لقد كان هناك في القترة الأخيرة سيول من الاخبار والمقالات والأفلام والكاريكاتيرات التي حاولت ان تدعم الصورة الجديدة التي اتخذها العبادي بعد سيطرة الجيش العراقي على كركوك، وبظروف غير مفهومة أبدا. ويبدو ان كذبة "أفضل جيش في العالم" و "أفضل قائد عسكري في العالم" تستهدفان تسويق شخصيتين لسبب ما. ولا يفسر هذا الاستعجال الإعلامي إلى ترتيب قصص باهتة ضعيفة، إلا استسهاله الكذب على العراقيين وإيمانه بتصديقهم السريع من جهة، وضرورة إعطاء المصداقية لقصة السيطرة على كركوك من الناحية الأخرى، بتوجيه رئيس وزراء لا يناسب تاريخه الذي يعرفه العراقيون، مثل تلك الإنجازات.

فالعبادي، يعرفه العراقيين كشخص مشلول وبليد غير قادر على إدارة أية قضية، وفشل حزبه في ترشيحه لأي منصب لعدم كفاءته، ووصفه زميل له بأنه أغبى شخص في قيادات الدعوة، ويرتبط اسمه بأفسد عقود في تاريخ العراق المتعلقة بالهاتف النقال عندما كان وزيرا للاتصالات في الحكومة غير المنتخبة التي عينها الأمريكان، والمتملق لرئيسه المالكي الذي انقلب عليه فيما بعد. التقطه الأمريكان وفرضوه على العراقيين من وراء الكواليس بالضد من الدستور وبتزوير التواريخ الذي قام به الجعفري. وبدأ حكمه بتسليم كردستان كل ما تريد على بياض فوزر على النفط "صديقهم" عبد المهدي الذي لا يفقه شيئا في النفط، ليعطيهم كل ما يريدون، وعلى المالية هوشيار زيباري الذي لا علاقة له بالمالية سوى النهب، لتحويل المبالغ المخصصة لكردستان أولا بأول قبل أن تتملص كردستان من اية اتفاقات وضعت لذر الرماد في العيون.

وخلال كل فترته بقي العبادي مخلصا لمن جاء به الى السلطة فمنع الحشد وسكت عن ضربه وكذلك الجيش بالطائرات الامريكية، وعن تقرير النيابية بمساعدة تلك الطائرات لداعش، ووقف مع فالح الفياض بوجه من احتج. وحين كان يتولول عن الفساد ويعد بأن يضرب بيد من حديد، حصل من البرلمان ومن السيد السيستاني على الدعم الكامل، ولم يحرك ساكناً! وتبين فيما بعد بأن الإجراءات البسيطة التي اتخذها كانت غير قانونية (ولعل ذلك مقصودا) فلم تنفذ. أما عن تحرير الأراضي العراقية فلم يكن له دور اطلاقا، سوى الخضوع لتعليمات التحالف الامريكية بمنع الحشد أو تأخير تحرير منطقة لتناسب التحالف وداعش، أو إعادة بلاك ووتر الى المنطقة الغربية بمشاريع مشبوهة.

عدا هذا لا اعرف شيئا فعله الرجل مما يشاع عن حكمته وبناءه الهادئ سوى توقيع عقود القروض المشبوهة مع أشرس وأخطر المؤسسات المالية العالمية وافتتاح مول في بغداد! فكيف تحول هذا بين ليلة وضحاها بقدرة قادر، الى مفكر استراتيجي جريء وحازم و"يعمل بهدوء"؟ ولماذا لم يظهر أي أثر لتلك الحكمة وتلك الجرأة خلال كل حياته السياسية السابقة المغرقة في الفشل؟

إنها أسئلة بسيطة جداً، لا تحتاج إلى أي دهاء أو خبرة سياسية لاكتشافها، لكن الشعب العراقي سعيد بوهم أنه يملك "أفضل جيش في العالم" و "أفضل قائد عسكري في العالم" ورئيس حكومة جريء "يعمل بهدوء وحنكة" و "يثير دهاؤه دهشة بريطانيا"، والسعداء لا يطرحون الأسئلة!

يبدو لي أن هناك مخطط ما سيكلف العبادي به. وأن هذا المخطط يحتاج لكي يمر أن يكون للعبادي صورة تختلف عن صورته الحقيقية، لذلك صنعوا له افعالاً لم يقم بها وربما لم يكن يدري بتفاصيلها. ولكي يصدق الناس الصورة الكاذبة، فيجب اسنادها بأخبار كاذبة تشرح كيف حصل التغيير وتفسر الحدث بشكل قابل للتصديق فكان لنا فجأة "أفضل جيش". ولكي يصدق الخبر الكاذب يجب إسناده بأخبار كاذبة أخرى، فاختلق "سفر الساعدي لاستلام جائزته"، وربما تأتي أخبار اخرى مستقبلا.. ورغم ذلك تبقى الحقيقة واضحة لأي عقل بسيط.

لقد قال نيتشة قبل أكثر من قرن من الزمان ان "التاريخ اثبت ان حاجة الإنسان الى الوهم، اكبر من حاجته إلى الحقيقة". والبدين الذي عانى طويلا، مستعد لتكذيب كل الحقائق وتصديق أنه "ارشق رجل في العالم"، حتى لو ضحكنا منه، فهو يحتاج إلى ذلك. وحاجة الشعب العراقي الى الوهم اللذيذ بعد طول قهر، ماسة وحاسمة... وهم يعرفون ذلك جيداً، ويعرفون كيف يوظفونه! ويبدو أن هناك قضية كبيرة جدا هذه المرة، فافتحوا اعينكم وآذانكم ايها الأخوة!

 

صائب خليل

.....................

(1) الجيش العراقي يحصل على جائزة الأفضل بالعالم دون منازع

https://www.arabyoum.com/breaking_news/1354735/

(2) بحث كوكل عن "الجيش العراقي يحصل على جائزة الأفضل بالعالم

https://www.google.nl/search?q=الجيش+العراقي+يحصل+على+جائزة+"الأفضل +بالعالم+دون+منازع"&gws_rd=cr&dcr=0&ei=Xu_0Wfm8HYW8aZi_sbAL

(3) http://www.janes.com

(4) http://www.janes.com/article/search?query=iraq

(5) US report outlines Iraqi train-and-equip failure | Jane's 360

http://www.janes.com/article/72439/us-report-outlines-iraqi-train-and-equip-failure

(6) رئيسة وزراء بريطانية تشيد بـ القائد "عبد الوهاب الساعدي" وبـ "حنكته العسكرية"

http://sadaalbillad.blogspot.nl/2017/01/blog-post_28.html

(7) ولي الدم الجديد صائب خليل لم يدعني العبادي... - Saieb Khalil - articles

https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/1611180428939020

 

 

بعد نجاح ثورة 14 تموز خرج العراق من حلف بغداد. فاصيب الاستعمار الانجلو امريكي بصدمة غير متوقعة، لأنه كان مشغولاً حتى تلك الثورة باستخدام حكومة نوري السعيد لافشال الجمهورية العربية المتحدة، التي تكونت توا ً بين مصر وسوريا. فجأة ً ركز المستعمرون على اسقاط الحكومة العراقية الفتية وذلك (لارجاع الحصان الهارب الى الاسطبل) كما نشرت مجلة نيوزويك الامريكية ونقلها ابراهيم علاوي في جريدة صوت الاحرار البغداية في صيف 1959.

وبعد فشل عدد من المحاولات لاسقاط حكومة الثورة، مثل عصيان عشيرة الجاف في كفري وحلبجة وعصيان رشيد لولان في بادينان، اسرع شاه ايران وعين الجنرال ورهام ليقود محاربي الحزب الديمقراطي الكردي، بزعامة الملا مصطفى البارزاني، في ايلول 1961 ضد عبد الكريم قاسم. وبالرغم من شعار (السلام في كردستان) الذي رفعه الحزب الشيوعي الكبير، يعيش العراقيون منذ تلك السنة وحتى الآن في ظروف استثنائية شاذة، تخللتها الحروب المسلحة بين الحزب الكردي وكافة الحكومات التي تلت بدون استثناء. هذا اضافة الى الحروب المدمرة الكبيرة مثل الحرب العراقية - الايرانية، 1980 – 1988، وحرب الكويت في 1991 وحرب الاحتلال في 2003 والتي تلتها المقاومة الشعبية ضد المحتلين واستمرت حتى 2011 . ثم بدأت الحرب ضد داعش منذ 2014 وحتى الآن.

وجنبا ً الى جنب هذه الحروب نشبت حروب  شرسة بين جناحي الحزب الكردي نفسه، وذلك بعد انشقاق جلال الطالباني ومكتبه السياسي عن مصطفى البارزاني سنة 1964. استمرت  الحرب الاولى حتى سنة 1970 استنجد خلاله المكتب بشاه ايران ثم بحكومة بغداد سنة 1966. وبعد صلح هش اشتعلت الحرب الثانية في 1975 واتسعت الى داخل الاراضي التركية حين تم قتل علي عسكري، قائد الاتحاد الكردستاني، من قبل قوات البارزاني، بقيادة سامي عبد الرحمن . استمرت المعارك حتى 1986 بتأسيس الجبهة الكردستانية بين الطرفين، بأمر من امريكا، لمحاربة بغداد والتحضير لحرب الكويت. ومع تكوين حكومة اربيل اتفق مسعود البارزاني وجلال الطالباني، دون الاستشارة ببرلمانهما الجديد، مع حكومة تورغد اوزال التركية لمحاربة حزب العمال الكردي (بي كا كا) في  7/10/1992 (راجع تقرير بام اوتول، مراسلة البي بي سي والغارديان من انقرة في نفس اليوم ) ومازالت حكومة مسعود البارزاني متعاونة مع تركيا لتنفيذ هذه الحرب. وفي 23/10/1993 نشبت حرب جبهوية واسعة لحزب الاتحاد الوطني الكردستاني (لجلال الطالباني)  ضد قوات الحركة الاسلامية في اطراف حلبجة واستمرت حتى نهاية تلك السنة. (راجع تفاصيلها في جريدة نداء الرافدين الدمشقية الاسلامية التابعة لمحمد باقر الحكيم، العدد 66 في 2/11/1993). وبعد انشقاق الحركة الاسلامية الكردية استمرت الحرب ضد ما سمي بـ (الاكراد الافغان) حيث تم قتل شوكت حاجي مشير، عضو اللجنة المركزية للحزب. تم اعلان الهدنة بين هؤلاء مع المحتلين الامريكان بعد سقوط بغداد في 9/4/2003.

  نشبت الحرب الثالثة بين حزبي مسعود وجلال حول مدخولات ابراهيم خليل في 1/5/1994 التي كانت مسعود ينالها دون جلال. واستمرت الحرب حتى 22 ايلول/ سبتمبر 1998 في اتفاقية واشنطن بين الطرفين مع اشراف الحكومة التركية لتانسوجيلرعلى المصالحة والتي استخدمتهما لمحاربة اكراد تركيا من جديد.

بلا شك بلغ مجموع القتلى اكثر من مليونين عراقي وجرح عدة ملايين أخرين.

هناك الكثيرون من الجهلاء الذين يتهمون الشعب العراقي، بعربه واكراده، بالعنف. والحقيقة قدم هذا الشعب المظلوم، بالرغم منه وكسرا ً لشوكته، الملايين من الضحايا دون ان يذوق طعم السلام والحياة الآمنه في ظل حكومة منتخبة من قبله. من الضروري الاشارة الى أن في العراق، عدا الاكراد والعرب، هناك التركمان والكلدو آشوريون والارمن والشبك وهناك ايضا ً الاقليات الدينية كاليزيديين والصابئة، وهؤلاء لا حول لهم ولا قوة ولكنهم نالو الامرين وقدموا الشهداء اكثر من نسبتهم السكانية، مما اجبر الكثيرون منهم على ترك العراق بالجملة ولسان حالهم يقول:

اخي ان عـاد  بعـد اليوم  جنـدي لأوطانه

والقى جسمه المنهوك في احضان خلانه

فأيـن النصـر احرزه  ليهديـه لأعـوانه !؟

من المؤسف هناك الكثيرون لم يستمعوا الى الرئيس ترامب وهو يصف العراق ويقول (علينا ان نسيطر على نفط العراق .) ويسخر من الذين يشيرون الى سيادة العراق بالقول: (ليس هناك شئ اسمه العراق والحكام يفرهدون كل شئ.) اسمع تصريحاته على الرابط التالي:

https://www.youtube.com/watch?v=u-xhzBmP2o8&feature=youtu.be

فرئيس جمهورية اقوى دولة في العالم لايعترف بسيادة العراق ولا بحكامه ويلح على احتلال العراق للسيطرة على نفطه دون ان يدرك شئ اسمه مجلس الامن.

بعد  الاستفتاء البارزاني في 25/9/2017 لشق الشعب العراقي المسكين، تمكن الجيش العراقي من السيطرة على كركوك في 15/10/2017 . مباشرة ً رفع مؤيدو مسعود شعار السلام بحجة ان المنطقة تعبت من الحروب وانها بحاجة الى السلام. وذهب العبادي الى حد الالتماس من ايران وامريكا لتنقلا خلافاتهما بعيدا ًعن العراق. ولكن بعد ايام تبين ان السلام لا وجود له في جدول اعمال امريكا، اذ ظهرت تصريحات  وتهديدات مخيفة لاشعال حرب جديدة، قد تتسع لتشمل ايران وحتى تركيا.

ففي 25/10/2017 نشرت واشنطن بوست مقالا ً، نقلتها سكاي بريس وقناة رووداو الموالية لمسعود، بقلم كبيرة محللي الأبحاث الإعلامية بمركز أبحاث سياسات الشرق الأدنى بواشنطن راشيل أفراهام، تقول: (أن كركوك سقطت في سيطرة الجيش العراقي ومليشيات الحشد الشعبي وقوات القدس التابعة لحرس الثورة الإيراني) وأطلقت الكاتبة على هذه القوى مصطلح (المحور الإيراني) ثم اشارت إلى (أن أبا مهدي المهندس، المطلوب من قبل أميركا بتهمة "الإرهاب"، قد شارك في الهجوم على كوردستان العراق) مضيفة أن (هذا الهجوم يمثل إعلان حرب على الإقليم.) ثم اكدت على أن (هجوم "المحور الإيراني" نُفذ بدبابات وأسلحة ثقيلة  زودتها امريكا الى القوات العراقية.) خصيصا ً لمحاربة داعش لا غيرها.  واردفت (إلى أن السبيل الوحيد لوقف التهديد الإيراني هي دعم استقلال كوردستان العراق في هذه المرحلة الحاسمة.) وأضافت : (إن الكورد هم الوحيدون القادرون على ايقاف إيران عند حدها.) اي انها طالبت الحكومة الامريكية بتاييد انفصال الاكراد ثم استخدامهم كمرتزقة من جديد ولكن للهجوم على ايران هذه المرة.

وفي 26/10/2017 صدرت واشنطن بوست وفيها تحليل طويل تحت عنوان: (امريكا سائرة نحو الاصطدام مع ايران في الشرق الاوسط) يقوم فيه نيكولاس هيراس،الموظف في مركز الامن الامريكي الجديد، بشرح الستراتيجية الجديدة لأمريكا بعد القضاء على داعش. ويختتم هيراس بالتصريح:

(كل التنظير الستراتيجي والبسطال على الارض، دون الغزو العسكري الجبهوي، لا يكفي لصد قابلية ايران في سير الاحداث في بغداد وكل العراق .) واضاف: (ودون زحف الجيش الامريكي الى دمشق لايمكن قطع ايران عن سوريا ولبنان.) فالستراتيجية الامريكية الجديدة لا تجلب السلام لأنها مخططة لاحتلال الجيش الامريكي للعراق ومنه لكل المنطقة.

 وفي 26/10/2017 صدر بيان مشترك عاجل من قبل رئيس الكنغرس الامريكي بول رايان، مع رئيس لجنة الاستخبارات ورئيس لجنة الشؤون الخارجية ورئيس لجنة القوات المسلحة الامريكية يهدد الحكومة العراقية ويطالبها  بالدخول في المفاوضات مع (حكومة اقليم كردستان) وقبول (تعليق نتائج الاستفتاء، مقابل وقف اطلاق النار والدخول في حوار على اساس الدستور.) مؤكدا ً على أن (الحشد الشعبي ليس لديه مكان في عراق سلمي وموحد ومستقر، مبينا أنه من الأهمية أن تستجيب الحكومة العراقية لقلق وزير الخارجية الأميركي، ريكس تيلرسون، بشأن دور وأنشطة الحشد الشعبي، حيث تشعر واشنطن بقلق بالغ إزاء تورط إيران في العمليات الأخيرة.) وفعلاً جرى اتصال تلفوني بين حيدر العبادي ومسعود البارزاني في نفس اليوم وتم وقف اطلاق النار بين الطرفين مباشرة في 27/10/2017 على اساس تجميد نتائج الاستفتاء برهة ً دون الغائها. اذن تطورت الاحداث لحماية مسعود مع الابقاء على نتائج الاستفتاء بغية الاستمرار في اشعال حروب جديدة.

فاذا كانت الستراتيجية الامريكية الجديدة هي التي تقرر مصير العراق والمنطقة بالاعتماد على حزب مسعود وجيشه علينا ان نقرأ السلام على سلامة شعوبنا.

   كمال مجيد

 

 

husam aldujaniآرثر جيمس بلفور وزير خارجية بريطانيا خلال الفترة 1916- 1919م، وهو بهذه الصفة الرسمية يعبّر عن سياساتها الخارجية، وعندما كتب وعده للملياردير اليهودي اللورد دي روتشيلد يوم 2/11/1917م، لم يكتبه بصفته الشخصية، بل بصفته مسئول الدبلوماسية البريطانية، وما يعزز صحة ذلك أن وعد بلفور جاء بعد محادثات بين الحركة الصهيونية وبين الحكومة البريطانية استمرت لسنوات، وقدمت عدة مسودات قبل النسخة الختامية التي أعلنت يوم 2/11/1917م.

يبقى السؤال الأهم في الذكرى المئوية لوعد بلفور يتمثل في مراجعة المفاهيم والمصطلحات، والبحث في الأدوات والآليات التي من الممكن القيام بها لفضح الجريمة التي ارتكبتها بريطانيا والتي كانت السبب الرئيس خلف نكبة الشعب الفلسطيني عام 1948م بإقامة دولة إسرائيل على أراضي الشعب الفلسطيني.

 أولاً: ضبط المصطلحات والمفاهيم بعد مائة عام على وعد بلفور.

صحيح أن بلفور هو من صاغ وعده لروتشيلد وبناء على هذا الوعد أقيمت دولة الاحتلال الصهيوني، وأصبح شائعاً في كتب التاريخ وعلى شفاه الساسة بأنه وعد بلفور، ولكن لي وجهة نظر تحتمل الصواب والخطأ وهي تسمية الوعد بوعد بريطانيا، حتى يكون راسخاً لكل أصحاب القيم والمبادئ في العالم أن بريطانيا هي السبب المباشر في نكبة الشعب الفلسطيني وأنها ارتكبت جريمة لا تغتفر ضد قيم الإنسانية، عندما ساهمت في عملية إحلال شعب مكان شعب على أساس عنصري. وعلى الرغم من أن الوعد قد نص على الحقوق المدنية والدينية للطوائف غير اليهودية داخل فلسطين، إلا أن ذلك لم يطبق، وحتى يومنا هذا مارست بريطانيا ازدواجية معايير منحازة لإسرائيل في التعاطي مع الصراع الفلسطيني الاسرائيلي، فبريطانيا اعتادت على التصويت في المحافل الدولية ضد رغبات وحقوق الشعب الفلسطيني، وكذلك رفضت نتائج التجربة الديمقراطية عام 2006م، وقادت عبر الرباعية الدولية شروطاً ظالمة على شعبنا وحصاراً مشدداً على المدنيين، واليوم تريد أن تحتفل بالذكرى المئوية لوعدها لليهود، مفتخرةً بأنها السبب في إقامة دولة إسرائيل، جاء ذلك في تصريحات على لسان رئيس حكومتها ماي تيريزا قبل أيام.

وهناك خطأ شائع لفت إليه عضو اللجنة المركزية لحركة فتح د. محمد اشتية يقع فيه ساسة وأكاديميين بأن وعد بريطانيا (بلفور) أعطى من لا يملك لمن لا يستحق. وهذا خطأ والأصل أن نقول: أعطى من لا يملك لمن ليس له حق.

ثانياً: الأدوات والآليات لفضح وعد بريطانيا (وعد بلفور).

مائة عام ونحن نعيش الذكرى الأليمة لهذا الوعد، ونمارس أشكال من الاحتجاجات والإضرابات والمظاهرات ورغم أهمية ما سبق لم نحقق اختراقات في فضح الجريمة، ودفع بريطانيا للاعتذار والانحياز لحقوق شعبنا، وذلك يعود للأسباب التالية:

1.   أننا نخاطب أنفسنا ونحتج ليوم واحد على جريمة قضت على آمال شعبنا وساهمت في نكبته وضياع أرضه ومستقبله.

2. لم نفكر في البحث في أدوات جديدة لمواجهة تداعيات هذا الوعد ونتائجه الكارثية داخلياً وخارجياً، ولعل أهم تلك الأدوات، تزامن بؤرة الاحتجاج في داخل فلسطين، مع خارجها من خلال توظيف اللوبيات العربية والإسلامية وأحرار العالم لدعم هذا الحراك وتوجيهه ضد السفارات البريطانية والصهيونية في العالم.

3. اللجوء للقضاء البريطاني والدولي.

4. توظيف الدبلوماسية الشعبية والرسمية لتوضيح حقيقة الوعد التي قامت به بريطانيا لكافة شعوب الأرض وعلى وجه الخصوص الشعب البريطاني.

5. تبني استراتيجية بموجبها يتم تشكيل لوبي مؤثر بالانتخابات البريطانية للضغط على مراكز صناعة القرار لإعادة تقييم ما قامت به بريطانيا والاعتذار عنه، واتخاذ خطوات جريئة لدعم حقوق وثوابت الشعب الفلسطيني.

الخلاصة: في الذكرى المئوية لوعد بريطانيا ووزير خارجيتها بلفور ينبغي توظيف الحدث داخلياً وخارجياً للضغط على بريطانيا وأن يصبح هذا اليوم حدثاً مكلفاً لبريطانيا كل عام، وصولاً لدفعها نحو التراجع والاعتذار ودعم الشعب الفلسطيني في نيل حقوقه الثابتة.

 

 بقلم/ د. حسام الدجني

 

 

alaa allami2أظهر رئيس مجلس الوزراء العراقي حيدر العبادي ذكاء تكتيكيا ملحوظا في عملية "فرض الأمن" في محافظة كركوك والمناطق الأخرى المنتزعة من قبل القوات الكردية" البيشمركة"، على افتراض غير مؤكد يقول إنه هو مطلق هذه العملية أو صاحب فكرتها! ولكن مشكلة العبادي -ومشكلة جميع زملائه من أقطاب النظام - هي أنه لا يحكم بل يدير أزمة حكم مزمنة، وعلى هذا فهو لا يستطيع على الخروج على التبعية لواشنطن لعدة أسباب منها أنه وحيد داخليا، ومستهدف سياسيا حتى من شركائه  وزملائه في التحالف المهيمن على الحكم "التحالف الوطني"، وأخيرا فهو من أقطاب النظام القائم ولم يصل الى منصبه لولا أنه بمواصفاتهم من حيث الجوهر. وبعد النجاح المحرز في هذه العملية، وقبلها في الموصل وغيرها، توفرت أمام حيدر العبادي فرصة نادرة ربما لن تتكرر مستقبلا للخروج من نظام حكم المحاصصة الطائفية الذي صممه الاحتلال الأميركي على هيئة المتاهة العجيبة والتي لا يمكن الخروج منها إلا بكسرها، فهل يجرؤ على فعل ذلك؟ ليس هناك ما يدفع الى التفاؤل حتى الآن، ولكن لندقق الفكرة وسياقه:

كنت قد كررتُ في مناسبات عديدة، طوال السنوات الماضية، إن نظام الحكم القائم اليوم هو نظام حكم طائفي إثني رجعي جوهرا، انتخابي ليبرالي زائف شكلا، صممه الاحتلال الأميركي ليستمر قائما ضعيفا ولصوصيا يتشارك فيه جميع حلفاء الاحتلال من زاعمي تمثيل الطوائف والعرقيات "الإثنيات"، ولا يمكن لأي نظام ديموقراطي قائم حسب المعادلة المعروفة (أحزاب موالاة حاكمة مقابل أحزاب معارضة) أن يقوم. نجد مصداق ذلك في موافقة البارزاني الأخيرة على المفاوضات بعد سيطرة القوات العراقية الاتحادية على كركوك تحت سقف الدستور ولكن مع شرط الأخذ بمبدأي (الشراكة والتوافق). و"التوافق" هو أشبه بالكود السري لحكم المحاصصة الطائفية الذي يشارك فيه جميع زاعمي تمثيل الطوائف والعرقيات والتي يسميها الدستور العراقي الذي سُنَّ في عهد الاحتلال "المكونات"، عبر التوافق بينهم على الصغيرة والكبيرة بعيدا عن المبدأ الديموقراطي الذي خلاصته (الحكم للأغلبية المنتخبة وللأقلية المعارضة السلمية).

لقد قرر الاحتلال وحلفاؤه المحليون أن هذا النظام التوافقي المحاصصاتي يجب أن يستمر، وبهذا الشكل لا بغيره، لتستمر معه تبعية العراق للولايات المتحدة والغرب، مع وجود حصة معينة من الهيمنة لإيران ذات النظام الطائفي دستوريا بموجب المادة 12 من دستورها. ومعروف أن الرئيس العراقي السابق الراحل جلال الطالباني وحزب "المجلس الأعلى" قبل انشقاقه، كانا من أكثر المتحمسين والمدافعين والمنظرين لنظام دولة المكونات وقد التحق بهم الآخرون، بمن فيهم من يسمون أنفسهم يساريين ومدنيين بدأوا هذه الأيام بشتم النظام بعد ان شاركوا في تأسيسه وصياغة دستوره بشكل مباشر وفعال، ونافسوهم في هذا الباب.

إنَّ هذا النظام /المتاهة، مصمم أميركيا بحيث لا يمكن الخروج منه إلا بكسره، وبكسره قد يقع العراق في أجواء الاحتراب الداخلي بين المتنافسين داخل الطائفة الأكبر أو الدخول في احتراب داخلي بين المتنافسين من زاعمي تمثيل الطوائف والإثنيات الرئيسية وصولا إلى فرض التقسيم كأمر واقع. فهل هناك فرصة أو خيار آخر غير هذا الخيار يضمن كسر المتاهة الأميركية والخروج منها دون كسر العراق عبر حرب أهلية أو تقسيم مفروض؟

 إن فرصة الخروج من نظام المتاهة الأميركية سبق وأن أتيحت واسعة لنوري المالكي في فترة وزارته الأولى، بعد أن استعاد زمام المبادرة، وكبح ظاهرة الاقتتال الطائفي الذي بلغ ذروته في سنوات الجثث والقتل على الهوية  بدءا من سنة 2006. ثم شنَّ المالكي حملته المعروفة بـ"صولة الفرسان" لاحقا ضد تفاقم الانفلات الأمني والسيطرة الكلية أو الجزئية على مناطق ومدن كبرى كالبصرة من قبل التيار الصدري والتنظيمات المهدوية كجند السماء في الفرات الأوسط والجنوب. وحينها ارتفعت شعبية المالكي إلى أقصى حدٍّ لها بين العراقيين عموما، وحتى بين جمهور المنطقة الغربية والشمالية مثل نينوى. وسمعنا آنذاك إطراء وتفضيلا له حتى من أشد خصومه السياسيين خارج النظام من البعثيين والإسلاميين السنة على سائر زملائه. ولكن المالكي أثار حفيظة التحالف الكردستاني الذي كان يراقبه ويحصي عليه أنفاسه داخل مكتبه الرئاسي وفي منزله الشخصي بالمنطقة الخضراء، مثلما أثار حفيظة وعداء سلطات الاحتلال الأميركية فعاقبته بقطع السلاح ومنع التعاون معه من قبل حلفائها الساسة الكرد والعرب السنة.

وأخيرا فقد أثار نشاط المالكي آنذاك حفيظة إيران الحريصة على استمرار بقاء الأحزاب الإسلامية الشيعية في حكم العراق، لكن الأخطر هو أن المالكي نفسه بدأ يشعر بالاهتزاز السياسي وبأنه يخسر الكثير من كتلته الناخبة التقليدية ذات الولاءات الفرعية الطائفية الشيعية. ولأن عينه وفكره كانا على أصوات الطائفة وليس على صوت الشعب، فقد عاد أدراجه سريعا إلى خندقه الطائفي، وحاول إحداث توازن سطحي عبر ضرب منافسيه من زاعمي التمثيل العربي السني، ثم حاول التحرش بحلفائه الساسة الكرد بعد أن ساومهم طويلا وقدم لهم الكثير من الرشى السياسية والاقتصادية. وهنا فقد المالكي الاتزان السياسي وأصبح يتصرف وفق ردود الأفعال العصبية التي أوصلته أخيرا الى العزلة والتطويق التام من قبل خصومه في مؤتمر أربيل، ولولا تدخل إيران وإيعازها للسيد الصدر بحجب أصواته عن المتحالفين الساعين لسحب الثقة منه آنذاك لتم إسقاطه بسهولة! 

لقد عُرِفَ المالكي بجرأته على الصعيد التكتيكي والشخصي، ولكنه كان مترددا وارتجاليا يفضل الحلول السهلة وغير المبدئية على الصعيد الاستراتيجي وفي القضايا الكبرى، ولهذا انتهت تجربته إلى الفشل الذريع. والسبب هو أنه لم يتجرأ على الخروج من المتاهة الأميركية بل خضع لقوانينها حتى أسقطته أخيرا "القشة التي قصمت ظهر البعير" والتي جاءت تحديدا من المرجعية السيستانية تحت يافطة "المجرب لا يجرب"!

لقد ظل حكام العراق بعد الاحتلال الأميركي يحلمون ويطمحون إلى أن يكونوا كحكام العراق بعد الثورة الجمهورية في 14 تموز1958، وأن يحكموا العراق كما حكمه مؤسس الجمهورية قاسم ثم الأخوين عارف وبعدهما الرئيس البكر وحتى عدوهم الدموي صدام حسين. ولكنهم فشلوا في ذلك، لأنهم أرادوا أن يحكموا العراق باسم الطائفة وبقوة حزب الطائفة المتحالف مع الاحتلال الأجنبي، وليس باسم الشعب العراقي الواحد. أما مع زعامات ما قبل الاحتلال، ورغم وجود نزوع طائفي شخصي من النوع التقليدي لدى بعضها، فقد كانت الدولة العراقية قائمة أصلا على أساس المواطنة عموما وليس على أساس المكونات الطائفية والعرقية.

إن ما يتوفر للعبادي اليوم من نقاط قوة يفوق ما توفر للمالكي بكثير، ولكن العبادي أكثر التصاقا من المالكي بقوى عديدة، ليس من مصلحتها إنهاء لعبة المتاهة. وهو في الوقت نفسه أكثر انكشافا وهشاشة لخصومه لأسباب عديدة ومتناقضة. إلى ذلك فالعبادي يتمتع في الوقت نفسه بصفات مواتية لا يتمتع بها سلفه المالكي منها حجم الإنجازات والنجاحات العسكرية التي تحققت في عهدته الرئاسية. إضافة إلى مرونته وهدوئه في التعامل القيادي، وبعده النسبي عن المناخات الحزبية الطائفية رغم كونه من العجينة السياسية والاجتماعية الحليفة للاحتلال ذاتها. مع ملاحظة أن الصفتين الأخيرتين (الهدوء والمرونة) قد لا تكونان نافعتين له انتخابيا في جو سياسي واستقطاب طائفي محتدمين، ومع مزاج عراقي حاد تجذبه اللغة النارية والسلوكيات العاصفة لا الهدوء والرصانة اللتان تستهويان غالبا النخبة التي لا وزن لها انتخابيا!

ولكنَّ المشكلة الكبيرة التي يعاني منها العبادي، كما قلنا، هي أنه جزء أصيل وعضوي ومؤسس من النظام التابع القائم وهو لا يتمتع بأي استقلال أو طموح للاستقلال عن القوى التي تهيمن على العراق وتحرك البيادق على رقعة الحكم.

غير أنه إذا تجرأ وبدأ المواجهة فسيربح نقاط قوة قد لا يحلم بها حاكم عراقي آخر وقد ينجح فعلا في كسر المتاهة! فعل سيجرؤ؟  إن دروس تجربته "الإصلاحية" الكاريكتيرية التي انتهت الى الفشل لا تبشر بالخير! وقد يتساءل البعض بحيادية وبهدف استشراف المستقبل: هل هناك خطوات عملية أو شعارات برنامجية استراتيجية قابلة للتنفيذ يمكن للعبادي أو أي شخص في موقعه أن يقوم بها أو يجعلها برنامجا عمليا له ليتقدم في محاولته للخروج من هذه المتاهة؟ هل هناك إمكانية فعلية لحدوث ذلك؟ ما هي القوى المؤهلة لمساندة تحرك كهذا وماهي القوى المناهضة له؟ كيف سيكون موقف واشنطن وطهران وأنقرة من هذا الاحتمال؟ ولكن هذه الأسئلة تتعلق بموضوع آخر ذي صلة بآفاق الوضع الراهن وهو ما سنتوقف عنده في مناسبة أخرى ولكننا سنلقي الآن نظرة على آخر تفاصيل المشهد السياسي العراقي ما بعد استعادة السيطرة على كركوك والمناطق المنتزعة من قبل البيشمركة الكردية غرب الخط الأزرق لسنة 2003 وتجدد الكلام والتحركات حول الانتخابات التشريعية في السنة المقبلة.

جاء اقتراح مفوضية الانتخابات العراقية (المنتهية العهدة) إجراء الانتخابات التشريعية بتاريخ 12 حزيران 2018 بصيغة الاقتراح لا أكثر ولهذا أكثر من دلالة، في وقت تصاعد فيه منسوب التشاؤم لدى التحالف الوطني في إجرائها في هذا الموعد. ثم جاء حسم عملية إمرار المفوضية الجديدة في البرلمان يوم الاثنين 23 تشرين الأول، على أساس المحاصصة الطائفية نفسها وبتشكيلة تمييزية طائفية أكثر استفزازا حجبت حق التصويت عن ممثلي التركمان والمسيحيين "الكلدان والآشوريين" فيها، لتكون بمثابة خيط أمل جديد للساسة الشيعة المرتعبين من احتمال تأجيل وربما إلغاء الانتخابات القادمة بما يفتح احتمال تدخل "السيد الأميركي" في اللعبة "العملية السياسية الأميركية" خلال فترة الشغور البرلماني. إن فترة الشغور هذه ستبدأ إذا أجلت الانتخابات التشريعية القادمة وانتهت عهدة البرلمان الحالي، ومعه تحولت حكومة العبادي إلى حكومة تصريف أعمال بلا صلاحيات، وهنا يخشى الساسة الشيعة وحليفتهم إيران حصول ضغط أميركي باتجاه تشكيل حكومة طوارئ أو ما شابه ذلك بما ينهي هيمنتهم على الحكم!

 الارتياح في ردهات "التحالف الوطني- الشيعي" بعد انتخاب المفوضية يوم أمس قطعه تصريح جديد صباح اليوم لتحالف اتحاد القوى - العربي السني على لسان النائب والقيادي فيه أحمد المساري قال فيه أن الانتخابات لن تجري في الموعد المحدد لاستحالة ذلك، متهما الطرف الذي يصر على إجرائها في الموعد المقترح بأنه يتصرف (من وحي مصالحه الخاصة/ وكالة بغداد اليوم). يمكن القول إن حجة اتحاد القوى قوية جدا، فأي انتخابات يمكن أن تجري في المناطق الغربية والشمالية المدمرة بنسب عالية وقد تحول غالبية سكانها الى نازحين في مخيمات في محافظاتهم أو خارجها؟

من التسريبات شبه المؤكدة التي تم تداولها قبل أيام، ثمة واحد يفيد أن المرجع السيستاني رفض الاستجابة لطلب ممثل الأمم المتحدة في العراق بتأجيل الانتخابات. ويبدو أن المرجع في رفضه هذا -إن صحت أنباؤه-يتناغم مع رغبة الأحزاب الإسلامية الشيعية بإجراء الانتخابات بأي طريقة كانت وعلى أسس المحاصصة الطائفية لضمان فوزها بأصوات كتلتها الناخبة التقليدية في الجنوب والفرات الأوسط وبغداد. كما أن رفض المرجع السيستاني لتأجيل الانتخابات يؤكد انه مستمر في القيام بدوره الذي يقوم به منذ سنة 2003 وحتى الآن، وهو دور توفير الحماية والغطاء المرجعي الديني والتعبوي الجماهيري للنظام السياسي القائم، ولإنقاذ هذا النظام من الانهيار. ورغم ذلك، فلا يمكن ترجيح قيام المرجع السيستاني بهذا الدور في هذه الفترة وبالسهولة المتوقعة، وخصوصا بعد ثبت فشل هذا النظام وخطورته بالملموس وإذا اتسع الخلاف بين الساسة الطائفة الأكبر أو بين الساسة في المكونات الرئيسية الثلاثة، وعندها قد يلجأ -المرجع -الى التزام الصمت أو تكرار بعض الكلام الإنشائي الجميل! وفي السياق، صدرت تصريحات متشنجة من نواب في تحالف المالكي "دولة القانون" والذي يعتبر أكثر المذعورين من احتمال تأجيل أو إلغاء الانتخابات المحاصصاتية القادمة. أما ما قالته النائبة حنان الفتلاوي للأخبار عدد 23 تشرين الأول 2017 من أن الأمم المتحدة تدفع لإجراء الانتخابات في موعدها فهو كلام غير دقيق، ولعل قولها إن العبادي من أشد الداعمين للتأجيل ينطوي على شيء من الحقيقة لحاجة هذا الأخير لترتيب أوراقه.

إضافة الى الرفض والممانعة وطلب التأجيل من قبل الساسة السنة هناك امتناع شبه أكيد لحزب البارزاني وحلفائه من المشاركة في الانتخابات القادمة، وقد يتطور هذا الامتناع إلى تحالف سياسي مع تحالف اتحاد القوى " السني" بقيادة آل النجيفي.

مقابل ذلك فإن تحالف المالكي تقوى كثيرا بعد أحداث كركوك، وسيسرع الواقع الجديد من تشكل وتوسيع التحالف بين المالكي "دولة القانون" وسليم الجبوري والخنجر (إذا رفض آل النجيفي التنازل لهما عن قيادة الطائفة طوعا) مع الساسة الكرد في السليمانية وكركوك (الطالبانيين والتغيير)، قد يدفع ذلك لتسريع تشكل التحالف المقابل بين التيار الصدري والنجيفي وعلاوي وتبقى قضية البارزاني معلقة، ولكن الصعوبات التي تواجه هذا التحالف قوية وكبيرة.

سؤال آخر يُطرح هنا هو: هل سينجح الصدر في كسب العبادي وجعله رئيس التحالف الجديد بمواجهة المالكي داخل الطائفة؟ ليس هذا الاحتمال مرجحا بقوة، رغم أن كون العبادي قريبا من الأميركيين لن يمنع الصدر من التحالف معه، فقد سبق للصدر أن تقارب مع من هو أقرب من العبادي إلى الأميركيين ونقصد إياد علاوي والبارزاني، ولكن آخر التسريبات تقول بأن العلاقات بين العبادي وتحالفه "دولة القانون" تحسنت كثيرا بعد كركوك، وربما سيتخذ نوري المالكي قرارا بالتخلي عن الترشيح لمصلحة العبادي ولكن بشروطه. هذه الشروط ستضمن للمالكي وشبكته السياسية التنظيمية في السلطة هيمنة شاملة ومستمرة على السلطة التنفيذية والمؤسسة العسكرية والأمنية والإعلامية. هل سيفكر العبادي بالانفصال وتأسيس قائمته الخاصة أو أنه سيلتحق بتحالف الصدر؟ ليست هناك أسباب "انتخابية" تشجعه على ذلك، وهو يدرك أن العواطف والتأييد العفوي له في الشارع قصيرا العمر خصوصا بعد إفشال محاولته "الإصلاحية" الساذجة قبل عام تقريبا من قبل خصومه وحلفائه معا كما انه يدرك بانه سيتحول الى عدو للمالكي وتحالفه إذا فعل ذلك.

والخلاصة: فسواء أجريت الانتخابات القادمة في حزيران 2018 تحت شعار "بمن حضر" أي بغياب الساسة العرب السنة "جناح آل النجيفي وحلفاؤهم" والكرد "جناح البارزاني وحلفاؤه" أو لم تجرِ، فإن العملية السياسية الأميركية دخلت اليوم طورا جديدا من موتها السريري بما يهدد بتحولها إلى "زومبي zombie " يهدد بالتهام الجميع من قبل الجميع!

 

علاء اللامي - كاتب عراقي

 

 

hasan alasiحين أعلن وزير الخارجية البريطاني اللورد "آرثر جيمس بلفور" رسمياً تأييد بلاده إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، وجه رسالته الشهيرة في الثاني من نوفمبر/ تشرين الثاني العام 1917 إلى المليونير البريطاني اليهودي "ليونيل والتر روتشيلد" التي تضمنت الوعد الشرير " يسعدني كثيراً أن أبلغكم نيابة عن حكومة جلالة الملك التصريح التالي الذي ينطوي على التعاطف مع أماني اليهود الصهيونيين التي قدموها ووافق عليها مجلس الوزراء.

إن حكومة جلالة الملك تنظر بعين العطف إلى إنشاء وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وسوف تبذل ما في وسعها لتيسير تحقيق هذا الهدف، وليكن مفهوماً بجلاء أنه لن يتم أي أمر من شأنه الإخلال بالحقوق المدنية للطوائف غير اليهودية المقيمة في فلسطين أو بالحقوق والأوضاع القانونية التي يتمتع بها اليهود في أي دولة أخرى.

وسأكون مديناً لكم بالعرفان إذا ما أحطتم الاتحاد الصهيوني علماً بهذا البلاغ "

لم تكن هذه المرة الاولى التي يذكر فيها اسم فلسطين كمكان لتوطين يهود العالم، فقد وجه القائد الفرنسي "نابليون بونابرت" نداء إلى يهود آىسيا وإفريقيا يطلب منهم الانضمام إلى حملته على بلاد الشام في العام 1799 بعد أن فشل في دخول مدينة عكا، ووعدهم أنه سوف يقوم بتوطينهم في الأراضي المقدسة.

حتّى أن بريطانيا العظمى ذاتها كانت قد فكرت في تجميع اليهود في فلسطين، في سياق مخططاتها لتفتيت الدولة العثمانية، إذ بعث وزير خارجيتها اللورد "بالمرستون" رسالة إلى سفير بريطانيا في اسطنبول العام 1840 يقول فيها " أنه إذا استقر اليهود في فلسطين، فإن ذلك سيخولنا استخدام اليهود كمخلب قط ضد العرب والدولة العثمانية"

في العام 1882 عقد بعض المسيحيين الصهاينة المرموقين اجتماعاً  لمناقشة إمكانية توطين المهاجرين من يهود اليديشية في فلسطين، بزعامة الصهيوني "هشلر" الذي ارتحل  إلى القسطنطينية حاملاً رسالة إلى السلطان العثماني من الملكة فيكتوريا تطلب فيها السماح بتوطين يهود روسيا في الأراضي المقدَّسة.

ثم عقد اجتماعاً آخر العام 1884 في ألمانيا حضره أرباب المال اليهود لدعم عملية الاستيطان في فلسطين، وكان من نتيجة ذلك أن أنشأت المستعمرات الزراعية اليهودية بدعم من الثري اليهودي الفرنسي "أدموند دي روتشيلد"، الأمر الذي ساهم في مضاعفة أعداد اليهود في فلسطين من "12000" في عام 1845 إلى "85000" في عام 1914

منذ نهاية القرن التاسع عشر دابت الحركة الصهيونية على تشجيع يهود العالم للهجرة إلى فلسطين، وأحسنت توظيف بعض الافكار المعادية لليهود التي بدأت في الظهور في عدد من الدول الأوروبية لبث الرعب وسط اليهود لدفعهم إلى الهجرة.

وكما هو معروف فقد انعقد في مدينة بازل السويسرية المؤتمر الأول للحركة الصهيونية العالمية العام 1897 حيث صدر عن المؤتمر خطة استعمار فلسطين وتأسيس وطن قومي لليهود.

مع بداية الحرب العالمية الأولى العام 1914 قدمت بريطانيا وعداً للعرب بمساعدتهم على نيل الاستقلال إذا دخلوا الحرب بجانبها.

 وفي العام 1916 وقعت كل من فرنسا وبريطانيا اتفاقية "سايكس بيكو" التي تضمنت تقاسم النفوذ في المنطقة العربية، حيث تم وضع كل من سوريا التي كانت تضم لبنان تحت السيطرة الفرنسية، وكل من الأردن والعراق تحت السيطرة البريطانية، على أن تظل فلسطين منطقة دولية.

هذا الوضع تغير مع انعقاد مؤتمر "سان ريمو" العام 1920 في إيطاليا الذي حضره الحلفاء، إذ تقرر وضع فلسطين تحت الانتداب البريطاني، وتم إرسال الصهيوني "هربر صموئيل" كأول مندوب سامي بريطاني في فلسطين.

في العام 1919 تم عقد أول مؤتمر وطني فلسطيني تم فية أدانة ورفض كامل لوعد بلفور.

وفي العام 1922 أصدرت عصبة الأمم قرارا يرسخ الأنتداب البريطاني على فلسطين، ويعمل في صالح تاسيس وطن قومي لليهود في فلسطين. وفي أغسطس 1929 وبعد سلسلة من العمليات الارهابية الصهيونية ضد الفلسطينيين والاستيلاء على أراضيهم بالقوة اهتزت مدينة القدس بفعل أول اشتباك واسع النطاق بين الفلسطينيين واليهود، وسقط في المواجهات 133 يهوديا واستشهد 116 فلسطينيا

في العام 1936 قام الفلسطينيون بإضراب عام شامل لمدة ستة أشهر احتجاجا على الإرهاب الصهيوني ومصادرة الأراضي والهجرة اليهودية.

وقام الفلسطينيين بتشكيل اللجنة العربية العليا للدفاع. وتتالت بعد ذلك المذابح الصهيونية ضد الفلسطينيين، وتواصلت المواجهات المسلحة غير المتكافئة بين المجاهدين الفلسطينيين والمليشيات الارهابية اليهودية المسلحة بأفضل الاسلحة.

لقد ادعت بريطانيا أنها تحاول تسوية الخلاف بين اليهود والعرب وذلك لكسب الوقت لصالح الاستيطان.

 وفي عام 1937 قدم اللورد "روبرت بيل" التقرير الذي خلصت له اللجنة التي كان يرأسها، حيث ورد في التقرير أن استمرار العمل بنظام الانتداب على فلسطين غير ممكن عمليا وأنه ليس هناك أمل في قيام كيان مشترك بين العرب واليهود. بعد تأكيد التقرير على استحالة قيام كيان مشترك لليهود والعرب، تم اقتراح تقسيم فلسطين إلى دولتين أحدهما عربية والأخرى يهودية على توضع الأماكن المقدسة تحت الإدارة الدولية.

 في سنة 1939 ومع بداية الحرب العالمية الثانية وفي محاولة لكسب مساندة العرب لها ضد المانيا أعلنت بريطانيا تقيد هجرة اليهود وعرضت منح الأستقلال للفلسطينين خلال أمد عشر سنوات.

 رفضت الحركة الصهيونية تلك المقترحات وقامت بتأسيس عصابات مسلحة جديدة للقيام بعمليات دموية ومذابح.

 بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية تخلت لندن عن وعودها للفلسطينيين، وعاد زعماء الحركة الصهيونية لتكثيف هجرة لليهود إلى فلسطين. بينما صعدت الحركات الصهيونية المسلحة مثل الهاجانا والأرغون والستيرن غانغ من هجماتها المسلحة.

ودخلت الولايات المتحدة مع نهاية الحرب العالمية الثانية الخط الأول للدفاع عن تسريع تحويل فلسطين الى مستعمرة استيطانية لليهود.

 وبضغط من الرئيس الأمريكي ترومان أرسلت بريطانيا لجنة جديدة لدراسة الوضع. اللجنة الإنجليزية الأمريكية أوصت بالتهجير الفوري لحوالي 100,000 يهودي أوروبي لفلسطين، كما أوصت برفع القيود على بيع الأراضي الفلسطينية لليهود كما أوصت بوضع الكيان المشترك مستقبلا تحت رعاية الأمم المتحدة.

 في عام 1947 قررت بريطانيا الانسحاب من فلسطين وطلبت من الأمم المتحدة تقديم توصياتها. وهكذا عقدت أول جلسة طارئة للأمم المتحدة في 1947 وتم أقتراح مشروع تقسيم فلسطين الى دولتين فلسطينية ويهودية على أن تبقي القدس دولية.

 وقد تمت الموافقة على الأقتراح من طرف 33 عضوا مقابل رفض 13 عضوا و بدعم من الأتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية وبامتناع بريطانيا عن التصويت.

رفض العرب مشروع التقسيم واندلعت الحرب العربية الاسرائيلية الاولى سنة 1948 بعد الأنسحاب البريطاني في 14 مايو/أيار. وفي اليوم التالي الموافق 15 مايو/أيار 1948 أعلن أحد قادة الحركة الصهيونية "ديفيد بن ‏جوريون" قيام إسرائيل وعودة الشعب اليهودي إلى ما أسماه أرضه التاريخية ، ونتيجة لتلك الكارثة ‏التي أطلق عليها "النكبة"، ‏قامت دولة يهودية في فلسطين تسمى دولة أسرائيل و تقرر فتح باب الهجرة لكل يهود العالم للكيان الجديد.

 في نفس اليوم قامت وحدات ضعيفة التسليح من جيوش من مصر والأردن وسوريا ولبنان والعراق مع مقاتلين عرب آخرين والمقاتلين الفلسطينين الذين كانوا يقاتلون اليهود منذ نوفمبر/كانون الأول 1947  ببدء حرب ضد الكيان الصهيوني. وقد فشل العرب في منع قيام الكيان الصهيوني، حيث أنتهت الحرب بأربع قرارات وقف أطلاق النار من الأمم المتحدة بين اسرائيل ومصر ولبنان والأردن وسوريا ودفن قرار التقسيم. وشرد أكثر من 900 الف فلسطيني خارج وطنهم في حين شرد داخل ما لم يحتل من اراضي فلسطين مئات الالاف الاخرين.

في ذكرى مرور مائة عام على الوعد المشؤوم، يستمر تهويد القدس، والاستيطان لا يتوقف، وكذلك مصادرة الأراضي، إن جميع المجازر التي ارتكبها الصهاينة على مدى عقود، وكل ما يجري على الأرض الفلسطينية من انتهاكات يومية تقوم بها اسرائيل بحق الشعب الفلسطيني دون حسيب أو رقيب هو تجسيد لوعد بلفور.

لقد كشف تقرير صادر عن الإحصاء المركزي الفلسطيني، (حكومي)، في شهر مايو 2015 أن إسرائيل استولت على 85% من أراضي فلسطين التاريخية وتواصل نهب الأراضي والمقدرات الفلسطينية، ولم يتبقَ للفلسطينيين سوى حوالي 15% فقط من مساحة تلك الأراضي، معرضة هي الأخرى لخطر للتهويد  وبناء المستوطنات.

في يوم 31 ديسمبر 2014، استخدمت واشنطن، حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن ضد مشروع قرار عربي ينص على إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية بنهاية عام 2017.

إن استمرار الغرب في تبني الرواية الاسرائيلية، والانحياز لها في المحافل الدولية يعتبر تنكراً فاضحاً لحقوق الشعب الفلسطيني السياسية والوطنية والتاريخية.

ولكن ألا يمثل احتقار "تيريزا ماي" للشعب الفلسطيني، عبر دعوتها  لرئيس الحكومة الإسرائيلية "بنيامين نتنياهو" للاحتفال بذكرى مرور مئة عام على وعد بلفور، انعكاساً للهيمنة والغطرسة الغربية تجاه شعوب المنطقة المستمرة منذ أكثر من قرن؟

أليس استمرار القضية الفلسطينية دون حل عادل يضمن للشعب الفلسطيني حقه في التحرر والاستقلال وغقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، بالرغم من التضحيات الجسام التي قدمها هذا الشعب، والأثمان الباهظة التي دفعها، والعذابات التي عاناها على أرضه وفي بلدان الشتات، لهو دليل قاطع على الإنحدار الأخلاقي والقيمي لكافة المنظومة الحقوقية والإنسانية التي يتشدق بها الغرب؟

إلى متى سوف تظل فلسطين والشعب الفلسطيني خارج تغطية "الإنسانية الغربية" المزعومة؟ هل مازال هناك أحد يشكك بازدواجية المعايير عند الولايات المتحدة والدول الغربية نفسها التي تعمل على تسويق الأفكار المرتبطة بحقوق الإنسان وبالحريات العامة في المنطقة، بينما هي عاجزة مازالت عن القيام بواجبها في إنصاف الشعب الفلسطيني، ورفع الحصانة عن ربيبتهم إسرائيل في المحافل الدولية كي تتم محاسبتها على جرائمها التي ارتكبتها وما تزال بحق الفلسطينيين.

 

حسن العاصي

كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في الدانمرك

 

 

salim alhasani2عندما بسطت الجيوش الأميركية سلطتها على العراق عام ٢٠٠٣، كان بمقدورها أن تجعل كردستان دولة منفصلة عن العراق لو أرادت، ويومذاك لا يعترض عليها أحد، فإيران وسوريا كانتا تتوقعان ان يمتد اليهما الغضب الأميركي باعتبارهما من محور الشرّ بحسب تعبير جورج بوش.

كما أن تركيا ما كانت لتعترض هي الأخرى، فلقد كانت في تلك الفترة تبحث عن الرضا الأميركي والغربي لتحقيق طموحها الكبير في الانضمام الى الاتحاد الأوروبي.

أما الحكومات العربية فكانت تعيش السعادة على ما يلحق بالعراق من ضعف وانهيار، وخصوصاً السعودية التي لا تطيق رؤية الشيعة يتولون الحكم، بل لا تطيق أن ترى الشيعة إلا وهم على هامش الحياة السياسية، في نظرة مستحكمة في العقل السعودي لا يمكن له ان يتخلص منها، مهما تغيرت وجوه الملوك السعوديين.

وحين احتلت الولايات المتحدة العراق، كانت فكرة الفوضى الخلاقة والشرق الأوسط الجديد متبلورة تماماً عندها، والعراق هو بداية الطريق نحو هذا الشرق المزعوم. وكان الانفصال الكردي جزءً من هذا المشروع، لكن الولايات المتحدة وجدت أن إعلان الدولة الكردية لم يحن وقته بعد، فهي تريد الكيانات الكردية أن تكون عامل التأثير في العملية السياسية من جهة التوازنات السنية والشيعية، فلو خرج الكرد بدولتهم، فان الأزمة ستكون برأسين فقط، مما يجعلها قابلة للحسم، مع ترجيح واضح بأنها ستكون لصالح الشيعة بحكم كثرتهم العددية. لذلك كان لا بد من إبقاء الطرف الكردي موجوداً ليكون الرأس الثالث فيها، وبذلك تتعقد الأزمة وتصبح قابلة للتمدد والتحريك والتنقل والانشطارات المتتالية.

كانت أميركا بحاجة الى المقاعد الكردية في البرلمان لتُضعف مرة وتدعم مرة أخرى، بحسب الحاجة. ولتشغل الحكومة الشيعية المركزية بمشاكل متجددة لا تنتهي حول علاقة الإقليم بالمركز.

ولكي يبقى الاندفاع الكردي محافظاً على وتيرته المتصاعدة والمتحمسة، فقد كانت الإيحاءات والاشارات بإمكانية الانفصال وتشكيل الدولة تأتي على لسان كبار المسؤولين الأميركيين بين فترة وأخرى، مما أعطى القيادة الكردية مبرراً قوياً لابتزاز بعض القيادات السنية والشيعية، مقابل أجر معلوم، وهو تصويت النواب الكرد لهذا الطرف السني أو لذاك الطرف الشيعي حسب الظرف والواقعة.

الانفصال تريده أميركا قبل القيادات الكردية، وتتشوق اليه أكثر من مسعود البارزاني، لكنها تريده بتوقيتها هي، باللحظة التي تراها حانت وفق جدولها في تسلسل الأحداث والوقائع في المنطقة، وليس وفق جداول الحلفاء والآتباع.

واللحظة المناسبة عند واشنطن، تخضع لحسابات دقيقة، فهي تعني نقطة انتقال في مسار مستقبلي طويل يحقق مصالحها على المدى البعيد.. واللحظة المناسبة عندها حدوث تحولات كبيرة بحيث لا يمكن للمتضررين معالجة تداعياتها، فيما تبقى هي الرابح الأكبر، وبيدها دفاتر توزيع المكاسب على الحلفاء الصغار.

لم تكن لحظة الانفصال الكردي قد حانت، لكن اندحار داعش السريع على يد قوات الجيش والحشد الشعبي، أربك مشروع واشنطن، وجعلها تشعر بالحسرة على ضياع دولة داعش بهذه السرعة، كما انزعجت من انتصارات الجيش العربي السوري ومحور المقاومة، وكان ذلك ثلمة كبيرة وضربة موجعة لمشروعها الكبير. فقررت أن تقدم مواقيت جدول الأزمات مع بعض التعديلات، وذلك بأن يقدم مسعود البارزاني على مشروع الاستفتاء، والتوقف عنده فقط وليس التحول الى الانفصال وإعلان الاستقلال.

وفي هذه النقطة نجح العبادي في خطوة وأخطأ في خطوة أخرى.

نجح عندما سارع الى السيطرة على كركوك، والمناطق المتنازع عليها، وبذلك استطاع ان يحاصر البارزاني ويقيد حركته، وأن يعيد قدراً مناسباً من هيبة الدولة الضائعة في السنوات السابقة.

وأخطأ حين وافق في نفس الوقت على الإغراءات السعودية بالانفتاح وترطيب الأجواء وتقوية العلاقات. وهو خطأ جسيم وقع فيه، وسيكتشف ذلك بنفسه في قادم الأيام.

خطأ فادح ارتكبه العبادي، في مقابل انجاز كبير حققه في الموصل والأنبار وكركوك وفي إدارة أزمة الاستفتاء.

لقد حرر المناطق المحتلة من داعش وبسط سلطة الدولة على كركوك والمناطق المتنازع عليها، لكنه بالمقابل فتح بنفسه ثغرة العدوان الناعم والخشن على العراق، وتحديداً على شيعة العراق. لقد سلك الطريق المعكوسة في هذا الجانب، فقد كان عليه أن يغلق الباب مع السعودية، وأن يبني جداره العازل معها، ليضمن استقرار العراق.

سيندفع الينا رجال السعودية بمختلف التسميات والعناوين والهيئات، لكنهم يشتركون في شعار واحد وهدف واحد هو الموت للعراق.

 

 

ibrahim abrashإصرار الحكومة البريطانية على إحياء ذكرى أو احتضان احتفالية بمرور مائة عام على جريمة صدور وعد بلفور يطرح للنقاش ليس فقط عدم شرعية وأخلاقية وعد بلفور، أيضا مجمل السياسة البريطانية منذ بداية القرن العشرين إلى اليوم، حيث يبدو أن السياسة البريطانية ونظرة بريطانيا للعرب والمسلمين وللصهيونية لم يطرأ عليها تغيرا خلال قرن وما زالت كما هي استعمارية عدوانية ومعادية للشعب الفلسطيني .

جريمة بريطانيا ونهجها المعادي لم يقتصر على إصدار وزير خارجيتها آرثر بلفور وعدا لليهود يوم الثاني من نوفمبر 1917 بإقامة وطن قومي لهم في فلسطين في الوقت الذي كانت فيه فلسطين عامرة بأهلها العرب من مسلمين ومسيحيين وكان عدد اليهود فيها أقل من 5% من عدد السكان، بل تجاوزت ذلك بفرض هذا الوعد على عصبة الأمم من خلال تثبيته كجزء من صك الانتداب على فلسطين مما ساعد بريطانيا ودول العصبة آنذاك على تمكين اليهود من الهجرة والاستقرار في فلسطين .

بالرغم مما ألحقه وعد بلفور من مخاطر على الشعب الفلسطيني وعلى الأمة العربية بكاملها من خلال زرع جسم غريب في قلب المنطقة العربية، فقد كان من الممكن اعتبار الوعد جزءا من الماضي وتعبيرا عن نهج استعماري قديم وبالتالي التخفيف من حالة الغضب على بريطانيا، ولكن إصرار الحكومات البريطانية المتعاقبة وخصوصا الحالية على التمسك بوعد بلفور واعتباره وثيقة تاريخية تستحق الاحتفال بمرور مائة عام على صدورها بل وصلت الوقاحة برئيسة الوزراء تيريزا ماي لأن تعلن افتخار بريطانيا بأنها ساعدت على قيام دولة إسرائيل وإصدارها وعد بلفور إنما يؤكد على أن بريطانيا لم تخرج عن نهجها الاستعماري الأول المعادي للشعوب العربية والإسلامية والمتحيزة كل التحيز للكيان الصهيوني .

هذا ما يجعلنا نربط هذا الإصرار البريطاني على شرعية وعد بلفور بسياساتها الاستعمارية في المنطقة التي لم تتوقف عن إثارة الفتن والدسائس واحتضان أحزاب وشخصيات معارضة عربية وإسلامية غير وطنية وغير ديمقراطية ودعمها للجماعات الإسلاموية وللفوضى التي تضرب المنطقة تحت مسمى (الربيع العربي)، بل وتسخير إعلامها لهذا الغرض بطريقة خبيثة .

كان وعد بلفور افتئاتا على التاريخ وانتهاكا واضحا لحق الشعب الفلسطيني في أرضه فلسطين، ذلك أن إقامة وطن قومي لليهود جاء كحل لمشكلة اليهود في أوروبا وليس لأنهم أصحاب حق بفلسطين، وقد جرت محاولات لإقامة وطن لليهود في أكثر من منطقة في العالم، أيضا جاء وعد بلفور نتيجة التقاء مصالح بين الحركة الصهيونية والتوجهات الاستعمارية البريطانية آنذاك .

بتحليل نص وعد بلفور نرى أن صيغته كانت (إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى إقامة مقام قومي في فلسطين للشعب اليهودي) مما يعني أنه لم يكن لهم قبل ذلك وطن قومي، وإلا لكان النص بصيغة مختلفة، أيضا النص يقول بإقامة هذا المقام القومي في فلسطين وليس في (أرض إسرائيل) وهذا اعتراف بوجود دولة أو كيان مُحدد يسمى فلسطين، وفلسطين تنسب للشعب الفلسطيني الذي عَمَّر أرض فلسطين قبل ظهور اليهود أو بني إسرائيل في فلسطين، وهذا ما يمكن الاستدلال به حتى من التوراة اليهودية نفسها التي تحدثت عن الفلسطينيين كسكان لأرض فلسطين التي وفد إليها بنو إسرائيل، وإسرائيل في التوراة لا تُحيل إلى دولة أو أرض بهذا الاسم بل إلى شخص (إسرائيل) أي النبي يعقوب .

وكلمتا فلسطين والفلسطينيون كلمتان كنعانيتان موجودتان في الوثائق التاريخية منذ حوالي أربعة آلاف سنة، وليس صحيحا أن الشعب الفلسطيني جاء مهاجرا من جزيرة كريت /كفتور في بحر إيجه عام 1118 قبل الميلاد كما يذكر كثير من المؤرخين نقلا عن مستشرقين يهود، فهذه محاولة منهم للزعم أن بني إسرائيل سابقون على الفلسطينيين في التواجد في فلسطين. كما أن أسبقية وجود الشعب الفلسطيني في فلسطين تؤكدها التوراة نفسها والتي تعود لعهد النبي إبراهيم عام 1850 قبل الميلاد .

وحتى لا نبدو كمن يلقي الكلام على عواهنه فنستشهد بنصوص (التوراة) نفسها وهي المرجعية الدينية لليهود بل ولكثير من المؤرخين الغربيين عند كتابتهم عن تاريخ فلسطين والشرق الأوسط، حيث سنلاحظ أن التوراة وفي أكثر من موضع تحدثت عن الفلسطينيين كسكان البلاد الأصليين قبل وصول بني إسرائيل إليها .

ففي التوراة وفي الإصحاح الرابع من سفر (صموئيل) جاء : (واصطف الفلسطينيون لقاء “إسرائيل” واشتبكت الحرب، فانكسر بنو إسرائيل أمام الفلسطينيين)، وفي نفس السفر جاء : (فحارب الفلسطينيون، وانكسر بنو إسرائيل وهربوا، كل واحد منهم إلى خيمته، وكانت الضربة عظيمة جداً، وسقط من بني إسرائيل ثلاثون ألف رجل وأخذ الفلسطينيون تابوت الرب) ... و(نقل الفلسطينيون “تابوت الرب” وجاؤوا به إلى مدينتهم أشدود) ...و(انتقل “تابوت الرب” من مدينة إلى أخرى لمدة سبعة شهور، حتى اضطر الفلسطينيون في النهاية، إلى دعوة الكهنة والعرافين ويسألونهم قائلين : ماذا نعمل بتابوت الرب؟) .

وفي نفس السفر جاء : (قتل الفلسطينيون شاؤل ملك بني إسرائيل وأبناءه الثلاثة وتحقق النصر النهائي للفلسطينيين) ... و (بني إسرائيل الذين في عبر الوادي والذين في عبر الأردن، حينما رأوا أن رجال إسرائيل قد هربوا وأن ملكهم شاؤل وبنيه قد ماتوا، تركوا المدن وهربوا، وقطع الفلسطينيون رأس شاؤل وأرسلوه إلى كل جهة في فلسطين) !.

لكن قبل أن ننهي هذه الجزئية التي تكشف زيف افتئات وعد بلفور على التاريخ سنسرد قصة شمشون اليهودي ودليلة الفلسطينية وهي قصة موجود في التوراة أيضا وفي سفر القضاة 14، ونصها حرفيا ( نَزَلَ شمْشُونُ إِلَى تِمْنَةَ، وَرَأَى امرَأَةً فِي تِمْنَةَ من بَناتِ الْفلسْطِينِيِينَ .فَصعِدَ وَأَخْبَرَ أَباهُ وأُمَّهُ وقَال : «قَدْ رأَيْتُ امرأَةً فِي تِمْنَةَ من بَنَاتِ الْفلسْطِينِيِينَ، فَالآنَ خُذَاها لِيَ امْرَأَةً»َقَالَ لهُ أَبوهُ وأُمُّهُ : «أَلَيْسَ في بناتِ إِخْوَتِكَ وفي كُلِّ شعْبي امْرَأَةٌ حَتَّى أَنَّكَ ذاهبٌ لِتَأْخُذَ امْرَأَةً منَ الْفِلِسْطِينِيِّينَ الْغُلْفِ؟) .

هذه النصوص من التوراة نفسها تعترف بوجود الفلسطينيين في فلسطين قبل أن يصل لها اليهود كما تؤكد على وجود ملوك ومدن للفلسطينيين، وهناك نصوص توراتية أخرى تذكر أسماء المدن الفلسطينية كعسقلان وغزة وأسدود وعقرون الخ، ولكن محدودية كلمات المقال لا تسمح بسرد كل هذه النصوص ويمكن الرجوع لها في التوراة وهي موجودة ومترجمة إلى العربية كجزء من الكتاب المقدس عند المسيحيين .

هذا بالإضافة إلى أن كثيرا من المؤرِخين والبَحَاثة الأوروبيين بما فيهم بريطانيين كشفوا أساطير وأكاذيب الرواية الصهيونية حول تاريخ اليهود في فلسطين، كما أن الإسرائيليين أنفسهم نبشوا كل أرض فلسطين شبرا شبرا ولم يجدوا شيئا يؤكد وجود حضارة قديمة لليهود في فلسطين، هذا بالإضافة إلى قرارات الأمم المتحدة وخصوصا قرارات اليونسكو التي تُنصِفُ جزئيا الحق الفلسطيني .

 

د. إبراهيم أبراش