ali mohamadalyousifيزمع رئيس محلس النواب العراقي حسب تسريبات اعلامية مصدرها صحيفة الحياة اللندنية ، طرح قانون ادارة العراق بخطة طواريء،  تكمل وتتزامن مع  تمرير تأجيل انتخابات 2018  لسنة  واحدة مجهولة ومشبوهة النتائج لما بعدها.وان هناك دول داعمة(ومموّلة) لهذا المشروع المريب  في التدخل  بالمشهد السياسي العراقي المأزوم والمعقٌد بامتياز.

هذه السيناريو المشبوه هو عملية التفاف غير وطنية ولا نظيفة العواقب ولا صادقة  النوايا هدفها ابقاء العراق في دوامة الفساد والمحاصصة والعمالة الاجنبية وتدوير الابقاء على نفس الوجوه السياسية التي يرغب العراقيون الخلاص منها بأي شكل او طريقة وهم اعضاء مجلس النواب ومجلس الرئاسة ووزراء في الحكومة التي ستنتهي مشروعية بقائهم قريبا بحكم الدستور في نهاية الفصل الانتخابي الحالي.

واود الاشارة اني كنت قبل عام من الآن ، طرحت مسودة ورقة اصلاح سياسي نشرها موقع  صحيفة المثقف واخذتها عنه مواقع اخرى،  تقع في (45) مادة اصلاحية،  طالبت فيها اعلان حالة الطواريء بالعراق لمدة ثلاث سنوات قابلة للتمديد او التقليص حسب ظروف البلد،  وكنت في حينها اتحسّب  عواقب المأزق الذي توقعته لمثل هذه الاجواء السياسية والفوضى السائدة حاليا قبل اجراء الانتخابات القادمة، وان ماطرحته حول حاجة العراق لمرحلة طواريء انتقالية هي غيرها التي يقصدها ويروّج لها رئيس مجلس النواب ومن يسانده ويرعاه من احزاب سياسية فاسدة ومحاصصة  بين السنة والشيعة والكرد بالداخل ومؤسسات ودول تمويل بالخارج.وهي دعوة حق يراد بها باطل الآن من قبل رئيس مجلس النواب،  وفي هذه الظروف العصيبة،  وان هذا المشروع يبدأ في  اول نتيجة مطلوبة منه  هوتمديد بقاء مجلس نواب تنتهي دستورية بقائه نهاية الفصل التشريعي الحالي الذي لم يتبق له اكثر من اشهر قليلة.

ان مارغبت  الدعوة له من اصلاحات تضمنتها الورقة قبل عام لا يمكن تنفيذها بغير دخول العراق في مرحلة طواريء انتقالية،  لكن ليس بالتوقيت والصيغة التي يحاول رئيس مجلس النواب تمريرها.  وكانت فقرات الورقة تهدف اصلاحا جذريا شاملا ومتكاملا لجميع اوضاع العراق بدءا من اصلاح ومراجعة الدستور وليس انتهاءا باصلاح العملية السياسية من المحاصصة والفساد والتقسيم وبقايا داعش وتوفير الحياة الكريمة للشعب العراقي واعادة الاعمار،  وتجنيب البلاد الدخول في فراغ دستوري وسياسي يكون مسرحا نموذجيا لمغامرات انقلابية عسكرية تدعمها امريكا ودول اقليمية يهمها تبديل الوضع العراقي الى اسوأ مما هوعليه وبأي وسيلة متاحة امامهم .

وكان مقترح حالة الطواريء في حينها كما اردته يمثل المخرج الوحيد للتخلص من زمرة فاسدة حكمت العراق منذ 2003 وتقوده اليوم الى مهاوي السقوط الذي لا نهوض بعده بعد تقسيم العراق. لكن ما طرحته في غير هذه الظروف وغير هذه الاهداف المعلنة ايضا وغير هذه الآلية المراد تطبيقها وغير هذه الوجوه الفاسدة الحاكمة التي لا تصلح ان تكون اداة تغيير واصلاح وهي سبب البلاء.

وان مايحاول رئيس مجلس النواب الترويج له في اعلان خطة ادارة العراق في ظل تعطيل الانتخابات واعلان حالة الطواريء هي ليست من صلاحياته الدستورية اصلا،  وان اول من يجب مغادرة المشهد السياسي في حال اعلان حالة طواريء هو مجلس النواب قبل غيره بحكم الدستور.بعكس ما يرغبه رئيس المجلس التمديد لعام او اكثر لمجلس نواب يفقد الشرعية الدستورية بعد شهرين او اقل من الآن.لذا يكون المنطلق المبدئي لتفويت الفرصة على هذه المشاريع المشبوهة هو في الاصرار على وجوب تنفيذ الانتخابات في وقتها المحدد مهما كانت الصعوبات والنتائج وتشكيل حكومة اغلبية سياسية.

ماهو الحل وكيف ومتى؟

انه من الامور التي باتت صعبة المعالجة ومفزعة في الوضع السياسي العراقي المعقّد جدا الذي يتهدده دخول البلاد في فوضى تنذر بكوارث جسيمة في بلد يتوزعه ثالوث مرعب وكابوس ليس سهلا الخلاص منه يتألف من اولا طغمة سياسية حاكمة فاسدة متسلطة لا يهمها سوى مصالحها وترفض التنازل عن كراسي الحكم وامتيازاتها وتحنيب البلد المزيد من الكوارث، وثانيا خطر عودة احتلال القوات الامريكية للعراق واحياء صفحات تقسيم العراق، وثالثا عدم امكانية ولا بمستطاع الشعب التغيير لا بالانتخابات ولا بوسائل التظاهرات.

ان الامور التي تطبع الواقع السياسي لا يجهلها ابسط مواطن ولا تحتاج التاكيد عليها،  منها مسالة الشد والجذب في لعبة اجراء الانتخابات ورغبة التأجيل المشبوهة النوايا،  وهو مايضع الشارع العراقي بين المطرقة والسندان انه في كلتا الحالتين اجراء او تأجيل الانتخابات فان النتيجة لا تصب في مصلحة الشعب العراقي الخاسر في نيل حقوقه في الامن وتامين الخدمات والعيش الكريم.وان الانتخابات القادمة لا تخرج نتائجها عن تدوير وجوه سياسية كالحة تتوزعها العمالة والفساد والمحاصصة،  وجوه استنفدت اي مبرر مشروع لبقائها في سدة المسؤولية والحكم. زمرة حرامية آخر اهتماماتها تحقيق مصالح الشعب العراقي،   وفي هذه مصيبة الشعب العراقي انه اذا ساهم بالانتخابات فهو يساهم في بقاء طغمة الفساد والمحاصصة واذا لم يشارك  بالانتخابات فان بقاء زمرة الفساد والمحاصصة لا تتزحزح ايضا وستبقى بالتزوير او وسائل التمديد.

من نتائج تاجيل الانتخابات

ان من اولويات نتائج تأجيل الانتخابات هو في حال تم ذلك تحت اي تخريج  غير دستوري طبعا من قبل الحكومة او المحكمة الاتحادية،  فالشعب العراقي  يطالب باسم الدستور اقالة وحل مؤسسات الدولة لانتهاء مدتها الانتخابية القانونية، وهي مجلس النواب ومجلس الرئاسة ومجلس الوزراء لان هذه المجالس جاءت ثمرة انتخابات 2014.ولا يحق لها تقاضي رواتب من الدولة  في حال تأجيل الانتخابات لمدة عام وتحاسب قانونا بخلاف ذلك.وربما يكون هناك تخريج لابقاء حكومة تصريف اعمال بزعامة العبادي لتلافي الوقوع في فراغ حكومي لاخلاص من قبولها.

ومن نتائج تأجيل الانتخابات هو تدوير ورقة السياسيين السنّة المحترقة في المناطق الغربية الذين افلسوا من اصوات الشارع السنّي لهم على ما اقترفوه بحق مدنهم التي استباحها داعش بتواطؤ وتعاون منهم معه، واليوم يطالبون بعودة النازحين والمهجرين واعادة الاعمار قبل اجراء الانتخابات. لعل بهذه الوسيلة  المتاحة حاليا تجري محاولة تزوير الانتخابات كما في السابق،  وليسوا بحاجة اليوم لأكثر من تأجيل الانتخابات والتمديد لبقائهم مع نوابهم لسنة او اقل يعقبها اعوام من التمديد غير الدستوري وهكذا تبقى الوجوه نفس الوجوه.

في حال تأجيل الانتخابات ستنحل الرئاسات الثلاث تلقائيا وسيكون من المتعذر حتى الابقاء على حكومة تصريف اعمال لا يوجد من يمدّد لها صلاحية بقائها وممارسة اعمالها وفق الدستور،   وفي ظل عدم اقرار الموازنة وقانون الانتخابات.

لتحنب العديد من المحاذير الخطيرة لا بد من اجراء الانتحابات في موعدها القادم المحدد دستوريا،  وهو أهون الشرّين واختيار المضطر، لكن المشكلة الكبيرة ان البيت الشيعي الذي اخذ على مسؤوليته انجاز تواجد داعش في العراق بنجاح كبير ، هل  بمقدوره اليوم المضي باجراء الانتخابات وتشكيل حكومة اغلبية سياسية حتى في حال مقاطعة السنة والكرد، وابقائهم كمعارضة؟لا اعتقد ذلك لان الكثيرين من النواب والمسؤولين الشيعة متورطين بفساد ينهي مستقبلهم السياسي في حال اتمام ونجاح اجراء الانتخابات وهم يروجون لتأجيل الانتخابات القادمة لخلط الاوراق مع غيرهم من الفاسدين الفوضويين.وان كل توافق مع الاطراف الثلاثة شيعة وسنة وكرد سيبقي المحاصصة على النموذج اللبناني وربما اسوأ.

 

علي محمد اليوسف/الموصل

 

abduljabar noriبدأ الحراك الجماهيري مع موعد يزفهُ التأريخ في حكاية طارق البو عزيزي 1984-2011 ثمة ملف تراجيدي مأساوي من نمط الملهاة، هو الشاب التونسي الذي قام يوم الجمعة 17 ديسمبر 2010 بأضرام النار في جسده أمام مقر مدينة (سيدي زيد) التونسية، أحتجاجاً على مصادرة السلطات البلدية عربته التي كان يبيع عليها بعض الخضار والفواكه لكسب قوته اليومي، وللتنديد برفض سلطات المحافظة قبول شكوى قدمها بحق الشرطية (فاديه حمدي) التي صفعتهُ أمام الناس وقالت لهُ بالفرنسية (أرحل) التي أصبحت شعاراً في طرد الرئيس السابق (أبن علي)، وتوفي بو عزيزي متأثراً بحروقهِ بعد عشرين يوماً، فهو عود الثقاب الذي أشعل فتيل الشارع التونسي في مدينة سيدي زيد والتي دفعت الرئيس التونسي زين العابدين أبن علي اللجوء إلى السعودية في 4 كانون الثاني 2011، والأعلان عن تولي السياسي المعارض (محمد الغنوشي) رئاسة الجمهورية .

أن ما حدث في تونس ثورة تختلف عن كل ثورات العرب، فيها السرعة لم تأخذ شهراً واحداً، ولم تخرج دبابات أو سلاح ثقيل، وأنما خرجت الجماهير المتلاحقة لا تحمل سوى الشعارات المؤثرة، والعجيب أنها ليست غاضبة أو عصبية (حسنين هيكل) .

الحراك الجماهيري اليوم

 بدأ حراك الشارع الأخير اليوم في 10 مايس2017 ولأن الأحتقان بلغ أقصاه في معاملة المتظاهرين بضراوة وقساوة في حدوث أعتداءات على الصحفيين وكردة فعل على الأمنيين، مما أدى ألى أنسحاب الأمن وأبدالها بتعزيزات عسكرية التي جابهتْ المتظاهرين بالرصاص الحي، وبعد أسبوع تحولت التظاهرات ألى عصيان مدني، وأمتدت لتلتحم مع أنتفاضة الجنوب والشعارات تؤشر ألى الفقر والتهميش، فكان للأعلام الوطني دور فعال في عرض مطالب الشعب التونسي على شاشات التلفزيون المسائي وكذلك على صفحات التواصل الأجتماعي، ومن الشعارات الي رفعها المتظاهرون: شغل – حريه- كرامة وطنية – ثورتنا ليست أشاعة –التشغيل أستحقاق يا عصابة السراق، ومركز الأنتفاضة مدينة (فوار) وهي أحدى ولايات الجنوب ذات الأهمية الأقتصادية، بتواجد شركات النفط فيها، ألآ أن سكانها يشكون من البطالة والأهمال فتتركز مطاليبهم في كلمتين : {الشغل والتنمية}، وأضيف ألى زخم التظاهرة أضرابات عمالية أدت ألى وقف أنتاج الفوسفات الذي يعتبر نفط تونسي، وهي الدولة الخامسة في أنتاجهِ عالمياً، وتجددت الأنتفاضة في خميس 11-1- 2018 ولكن هذه المرّة بزخم وأندفاع عاليين وبأعداد غفيرة بسبب الغلاء المستشري في عموم تونس ولفرض الحكومة موضوع التقشف، وأنطلقت التظاهرة من ولاية (تطاوين) النفطية جنوب البلاد، وأندلاع مواجهات بين المحتجين والأمن، وسرعان ما أنتشرت وأنضم أليها معظم المدن التونسية وحتى العاصمة في شارع بورقيبه، وهي أمتداد للأنتفاضات الستة السابقة، وفي الحقيقة أن تعاقب الحكومات السابقة منذ ثورة 2011 يتبعون (النموذج الصيني) الذي يعني أن السياسة خط أحمر في عدم الأقتراب منها أو تحريمها سواء كانت من نشاطات سياسية أو حراكاً مدنياً، وجعل الأقتصاد يسير نحو الأستثمار الأجنبي وخصخصة الباقي بواسطة القطاع الخاص، وحتى أن أكتنفها الفساد والسرقة، وكان رأي الشعب التونسي هو (مبادلة الخبز لقاء الحرية أو لقمة العيش لقاء الأستقرار والأمن والأنضباط)، وأعتقادي هو الصح لأن الحرية والأستقرار هي الأصلح لشعوبٍ ليس لها ثقافة الغرب ولا تأريخها الديمقراطي، فعند فرض سلطة القانون وحصول الأستقرار يمكن رفع سقف مطالب الخبز والغذاء الذي يتوفر بسلاسة وسهولة .

عُرفتْ تونس في تظاهراتها الشبابية الأحتجاجية السلمية للتصدي للسلطات الحاكمة بعد ثورة كانون الثاني 2011 خارجة بشعار(ما نيش مسامح) أي لن أسامح وهي ضد قانون المصالحة الذي يشمل العفو عن شخوص العهد المباد ومشاركتهم في العملية السياسية، والذي تراجعت الحكومة عنهُ، وتظاهرة حملة (موش على كيفك) أي ليس على مزاجك يا حاكم، والتي تدعو إلى سحب قانون (منع الأعتداء على القوات الأمنية) في تونس، أما في هذه المرّة والتي نتكلم عنها أنتفاضة يوم الخميس 11 كانون ثاني 2018 أطلق المتظاهرون عليها أسم (فاش نستاو) أي ماذا ننتظر!؟ والتي تزامنت مع زيادة الأسعار على المواد الغذائية بالأخص الخبز، وفرض سياسة التقشف، مع كل الأسف هذه المرّة تخرج التظاهرة عن عن مسارها السلمي، لأختراقها من قبل مندسين مرتبطين بأجندات خارجية كما طلعت وسائل الأعلام التونسي للمعارضة السياسية وقوى اليسار الديمقراطي التي أشارت بالأصبع إلى تدخل دولة الأمارات العربية في أستغلال الأزمة، فكانت مانشيتات الصحف المحلية لتونس : محتجون يحرقون مقر الحرس الوطني بولاية (تطاوين) التونسية بعد أنسحاب الأمن منها، وفاة محتج صدمتهُ سيارة شرطة، محتجون يقتحمون مقر ولاية (تطاوين) رافعين لافتات مكتوب عليها (أرحل)، والحراك الجماهيري الشعبي في الشارع التونسي تألف من أئتلاف الجبهة الشعبية (أئتلاف أحزاب اليسار) ومن أحزاب سياسية معارضة ربما تكون في السلطة أو خارجها مثل حزب النهضة وحزب نداء تونس الحاكم  ومن القوى السياسية المدنية من طلاب الجامعات التونسية، والنقابات وعلى رأسها (الأتحاد العام التونسي للشغل) الذي كان لهُ الدور الريادي في ضخ العمال والكسبة والعاطلين عن العمل ولأنّها منظمة عريقة تأسست في سنة 1922 لعبت دوراً مؤثراً ضد حزب أبن علي (الحزب الحر الدستوري)، وهيئة المحامين التونسيين، ورابطة حقوق الأنسان، ومنظمة نساء تونس .

 فكانت أبعادها أستثمار فضاءات الديمقراطية وعطاءاتها في باب الأحتجاج والأنتفاضة على المعاناة وتعسّف السلطات الحاكمة، وأنطلقتْ من تونس شعارات الأنعتاق والتي هي من صميم مباديء روسو للثورة الفرنسية 1789 في الحرية والمساواة،والديمقراطية والكرامة، فالثورة التونسية ليست عفوية بل نتيجة تراكمات أحتجاجية تأريخية سواء ٍكانت فردية أو جماعية، فكانت أبعدها أنتشار شرارتها أقليمياً وعربياً بما سميّتْ بالربيع العربي في ليبيا ومصر، وساهمت الثورة التونسية على الوعي والأرادة اللازمة والضرورية للتغيير، فكانت مطالبات الحراك الجماهيري في توفير الكرامة والخبز وثم رفع سقف المطالبات إلى تحقيق دولة المؤسسات، ورفض الحزب الشمولي وحضره كليا وجعله خارج التغطية السياسية، وأثبتت الثورة التونسية على أن الحكم الأسلامي الراديكالي عاجز عن توفير مستلزمات العيش الكريم والمواطنة والأستمرار في مسيرة الألف ميل إلى خط النهاية، فتمخضت من رحم الحراك الشعبي والجماهيري ولادة اللبرالية العلمانية، وحقيقة الوضع السياسي حسب أعتقادي عبر مراقبتي للوضع السياسي والأقتصادي وآفاقها بعد الثورة 2011 هو أن الصراع يدور في ثلاث محاور: الأول/ يتمثل في الحراك المدني الجماهيري، والثاني / مجلس النواب والذي هو تحت تأثير حزبين رئيسيين هما (حزب نداء تونس الحاكم اليوم والذي يمتلك 86 مقعداً، وحزب حركة النهضة وعندها 69 مقعد)، والثالث / وهو الأخطر الذي يمثلهُ وسائل الأعلام بأشكالها فهي القوّة الضاربة التي يجري عليها الرهان

فكانت التحديات والآفاق في:

أولا-مصير النظام القديم: ولو قطعت الثورة التونسية أشواطاً بعيدة في أقصاء الحزب الشمولي الواحد (حزب التجمع الدستوري) وهو حزب الرئيس المخلوع أبن علي، الذي يعتبر محلولا  ولكنه يبدو للمتتبع غير محضور لتحالف أكثر أعضائه مع حزب نداء تونس الحاكم وأن تأثيراتهُ تبدو للعيان داخليا وخارجيا، ففي الداخل لا يزال الرتل الخامس يفرض حضورا في الواجهات السياسية والثقافية، وحزب التجمعيون وهؤلاء يحملون أرث وتطلعات النظام السابق الذين يطالبون بأرجاع ما فقدوه، وكما رأينا في حكومة (محمد الغنوشي) المتعاطف معهم، ودوره الأعلامي المخابراتي لصالح السعودية حيث مقر الرئيس المخلوع أبن علي، والثاني –الفكر الديني المتطرف والمتمثل بالأخونة بشبه سيطرتها على الخطاب الديني المتعصب، والثالث- الوضع الأقتصادي المهزوز والمتأزّمْ أصلاً، أن تونس تعيش وضعاً أقتصادياً صعباً بعد ست سنوات من الثورة :

1- ترجع الأستثمار والتنمية الأقتصادية وفشل الحكومات المتعاقبة في حل تعسّرْ الوضع الخدمي في السكن والمواصلات والتعليم والصحة .

 2- البطالة المستشرية في البلاد .

3- الفساد الأداري والمالي والضرائب المجحفة، وأغراق نظام السوق بالقطاع العام على حساب القطاع الخاص .

4- ضغوطات قوية على الأتحاد العام التونسي للشغل، من قبل متنفذين في القرار السياسي في كسب النفعية والربح الغير مشروع على حساب المواطن التونسي، مما أدى هذا الأتجاه ألى حد القطيعة بين الحكومة وبين المركزية النقابية، لذا كان نضال النقابة بجبهات عديدة مما أضطرها إلى توحيد جهودها في دمج النقابات المهنية بمطلب جبهوي واحد تحت عنوان (النضال الوطني العام).

5- يضاف ألى ما سبق السياحة في تونس لقد تراجعت بعد الثورة في تعرض تونس لهجمات أرهابية كالذي أستهدف منطقة قريبة من القصر الرئاسي (باردو) الذي راح ضحيتهُ 32 شخص من بينهم 24 سائح.

6- أنفلات الأمن في الجارة ليبيا، وزاد الطين بلّة نزوح أكثر من مليون ونصف المليون، فالأرهاب والنزوح أصبحتا جزءاً من الأزمة التونسية .

7- التدخلات الخارجية العربية (الأمارات والسعودية وقطر) ودول الأتحاد الأوربي وأمريكا بتشجيع وتأييد الحزب الذي يأتمر بأراداتهما الأستعمارية على سبيل المثال تشجيع مشاركة حركة النهضة في السلطة، وأيدتهم ألمانيا، أما موقف فرنسا أنتهازي ولكنهُ الأقوى الذي يحلم في أستعادة أمجاده في شمال أفريقيا .

الواقع السياسي في تونس:

يتميّزْ بالصراع الطبقي الكتلوي الحزبي المؤدلج بحداثة التجربة وعدم أمتلاكه الخبرات النضالية التراكمية مما أدى ألى ظهور فراغ سياسي هيأت تلك الظروف الهشّة أن تملأ ذلك الفراغ الأتحاد العام للشغل التونسي، لما يملك من قاعدة أجتماعية من عمال وكسبة وكادحون وموظفون، وبحجم 750 ألف منخرط في الحراك المدني الجماهيري، وبما يملك من شرعية تأريخية، وتأييد جماهيري، بمساحة جغرافية تونس لقي تأييداً من مكونات المجتمع المدني والأحزاب السياسية .

أخيراً/ أحتفالات ومسيرات تعم البلاد في الذكرى السابعة للثورة التونسية يوم الأحد 14-1-2018، وهذا يعني ان الحراك الشعبي للشارع التونسي رقاً صعباً في المعادلة السياسية، حيث أن أغلب مطالباته تنفذ من قبل الحكومات، والأشارة الخفية التي أكتشفتها في الشعب التونس هو أن الخطاب المصيري للوطن مرهون بتلك الطبقة المثقفة والواسعة التي تعي العولمة والحصانة من طفيليات التطرف الفكري، وأحترام مخرجات الأنتخابات وصندوق الأنتخابات، وهذا يعني أن الديمقراطية في تونس سليمة ومعافاة من الشوائب السياسية فهو متمسك بالخيار الديمقرطي السلمي، وربما أعتقد الموقع الجغرافي لتونس وهي مطلة على البحرالمتوسط الذي يوصل حبلهُ السري بعموم أوربا في الثقافة والتمدن الحضاري، وأن تونس أولى البلدان أنتفاضة وآخرها أستقراراً، وتستحق لقب {تونس سويسرا العرب} أملي وأمنيتي أن تحافظ على هذا اللقب الجميل -----

 

عبد الجبار نوري - كاتب وباحث عراقي مقيم في السويد

 

 

fatehi alhabowbi2بعيدا عن التطبيل للسلطة والتهليل لأدائها مهما بلغ من الكمال، وتأسيسا على أنّ العين لا ترى إلّا ما يراه العقل، فإنّه يتبدّى لكلّ ذي عقل راجح وعينين تبصران بوضوح، أنّ الاحتجاجات الليليّة التي تشهدها تونس منذ بداية الأسبوع الثاني من شهر جانفي (يناير/ كانون الثاني)، ليست حراكا شعبيا بالمفهوم الإجتماعي كما هو متداول إعلاميّا. وهي ليست بريئة لأنّها ببساطة شديدة، ليست اجتماعية خالصة، ترفع مطالب معيّنة عبر شعارات محدّدة، معبّرة وواضحة تنشد وضعا أفضل ممّا هو عليه اليوم. يستتبع ذلك، بداهة، أنّ قانون المالية الجديد (2018)، بما جاء به من زيادات في الأسعار، طالت بالأساس بعض المواد الغذائيّة والطبيّة، والمحروقات، وبطاقات شحن الهواتف، والانترنيت، والعطورات، ومواد التجميل، جرّاء إحداث ضرائب جديدة والترفيع في نسب القيمة المضافة الموظّفة على المنتوجات، ليس بالضرورة هو السبب الرئيس لهذه التحرّكات الليليّة المريبة والمشبوهة. فلو كان ذلك خلاف ذلك لكانت الاحتجاجات سلميّة مؤطّرة من الأحزاب ومنظّمات المجتمع المدني وفي وضح النهار لا آنَاء اللَّيل، لأنّ ابنُ اللَّيل إنّما هو اللِّص كما جاء في المعجم العربي، ولأنّ من يحتج إنّما يريد من وراء ذلك ابلاغ صوته للسلطة المعنيّة، التي قد تصغي اليه أثناء أوقات العمل، فيما إذا كانت مطالبه مشروعة، بصرف النظر عن تلبيتها لطلباته من عدمها. بهذا المعنى فإنّ ما تشهده تونس راهنا من إحتجاجات لعصابات منظّمة، بعد أن يبسَط اللَّيلُ رداءَه بتعلّة الزيادات في الأسعار التي، وإن كانت تثقل، قطعا، كاهل المواطن وتساهم بصفة مخصوصة في مضاعفة معاناته ومزيد تفقير الطبقات الفقيرة والوسطى، فإنّ اللافت للإنتباه والمثير للإستغراب وطرح التساؤل، أن من يقوم - في الأغلب الأعمّ - بهذه الاحتجاجات اللَّيليّة الغريبة التي ترافقها عمليات السرقة والنهب والسلب والتخريب، ليس ذلك المواطن العادي المتضرّر الفعلي والأساسي من إرتفاع الأسعار، بل هو ذلك المنحرف الخطير وذلك التكفيري الساذج، لغايات باتت لا تخفى اليوم حتى على السذّج فما بالك بغيرهم ممّن رجحت عقولهم فنظروا إلى ما يجري بصفاء ووضوح . والّا، فما معنى إغلاق الطرقات بالإطارات المشتعلة وحرق المراكز الأمنيّة ورشق من فيها بالحجارة وزجاجات المولوتوف الحارقة واتّساع رقعة الصدامات والتحرّكات التخريبيّة، غير إمكانيّة تسلّل الإرهابيين من الجبال الى المدن وانتصار، قوى الرجعيّة والظلام، وكذا رموز الثورة المضادّة من الأزلام والفاسدين،لا بل والإجهاز على التجربة الديمقراطيّة الوليدة. وما معنى نهب الفضاءات التجاريّة الكبرى واتلاف الوثائق الادارية غير تعثّر التنمية -المتعثّرة أصلا- وبثّ الفوضى وإضعاف الدولة والحكومة تحديدا، بما هي في مفهوم هؤلاء، طاغوتا يجب مقاومته "شرعا" بكل السبل، وبما هي في مفهوم بعض المعارضين، الخصم، بل العدو اللدود الذي يجب هزمه والاطاحة به للانقضاض على السلطة بدلا منه. وأخيرا ما معنى محاولة إحراق مدرسة يهودية بجربة، غير بثّ الفتنة الطائفيّة بدل التعايش الديني الذي يميّز تونس منذ الأزل. لذلك فإنّ الفاعلين الأساسيين وراء التحرّكات الليليّة المريبة، ليسوا بالتأكيد، هؤلاء الصبية والشبّان والمخرّبين المغرّر بهم، بل هم بالدرجة الأولى قادة التيّارات السلفيّة التكفيريّة الجهاديّة ووالقيادات الحزبية وتنظيمات المجتمع المدني (حركة “فاش نستناو”؟ بصفة مخصوصة)، التي دعت إلى التجييش والتهييج وتعبئة الشارع حال المصادقة على قانون المالية الجديد بما اشتمل عليه من إجراءات تقشفيّة، لم يكن ولن يكون لأيّة حكومة- مهما كان لونها السياسي- خيار آخر غيرها، للحدّ من عجز الموازنة الذي بلغ اليوم 6 بالمائة من الناتج الإجمالي المحلّي،أي ضعف النسبة المقبولة إقنصاديا (3 بالمائة). وهو رقم مفزع ومخيف يمثّل صيحة فزع جدّية تؤشّر على الدنو من إفلاس الدولة إن هي تراخت في اتّباع سياسة تقشّفيّة باعتماد إجراءات مؤلمة، تعدّ في أسوأ الحالات، أفضل من مزيد التداين الخارجي والإرتهان للأسواق المالية على حساب الأجيال القادمة.

 

 المهندس فتحي الحبّوبي

saieb khalil2لن اتحدث هنا عن تحليل ماركس للنظام الرأسمالي، والذي استنتج منه ان الرأسمالية نظام محكوم بزيادة الاضطراب والتناقض حتى الانهيار الحتمي، رغم أنه كان إنجازا علميا كبيرا ومازال أفضل نظام لتحليل الرأسمالية، إنما سأنظر إلى الأمر من زاوية هندسية بحتة، إن صح التعبير، وسنركز على "الرأسمالية – الديمقراطية" كمنظومة اجتماعية واحدة، ونبحث حقيقة استقرارها كمنظومة هندسية.

في الهندسة لدينا منظومات للسيطرة نقوم بواسطتها بالسيطرة على مختلف الفعاليات. فعلى سبيل مثال بسيط، نأخذ خزان الماء الاحتياطي الذي يوضع فوق السطح والذي نريد أن يحتفظ بمستوى الماء إلى حد معين. ومنظومة السيطرة في هذا الخزان هو "الطوافة". وتعمل هذه المنظومة بالشكل التالي: عند انخفاض مستوى الماء بالاستعمال، تفتح "الطوافة" طريق الماء ليصب في الخزان. وبما ان الطوافة تطفو فوق سطح الماء فإنها ترتفع مع ارتفاع منسوبه. وقد رتبت الطوافة بحيث أنها إن ارتفعت ذراعها، فأنها تقوم بسد مجرى الماء تدريجيا، حتى تغلقه تماما حين يصل إلى المستوى المطلوب.

منظومة خزان الماء هذه منظومة سيطرة "مستقرة". أي انها ما لم تصب بالعطب، تقوم بالمحافظة على مستوى الماء بين حدين، وتمنعه من الهبوط دون الحد الأدنى ولا الارتفاع فوق الحد الأعلى. والسبب في ذلك هو أن زيادة ارتفاع مستوى الماء في هذه المنظومة، يقوم بنفسه بتقليل تدفق المياه ثم يقطعه، كما ان انخفاض مستوى الماء، يقوم بنفسه بزيادة تدفق الماء ليعيده الى المستوى المطلوب.

ولنلاحظ هنا الكلمات التالية الموضوعة بين علامات اقتباس بدقة، ففيها كل فكرة منظومات السيطرة: "زيادة" ارتفاع مستوى الماء تسبب "تقليل" تدفق الماء.... و"انخفاض" مستوى الماء، يقوم بـ "زيادة" تدفق الماء...

أي أن "الزيادة" تسبب "تقليل" ... و"الانخفاض" يسبب "زيادة"... أي ان كل حالة تسبب تأثيرا "معاكساً" لها، وهو ما يسمى بالهندسة، "المرجوع العكسي"** وهو الأساس في تصميم منظومات السيطرة المستقرة.

يمكننا بكل سهولة أن نبرهن أنه لولا هذا "المرجوع العكسي" فإن المنظومة سوف تنهار. لنفرض من اجل المثال، أننا ركبنا الطوافة بالعكس. أي بحيث انها حين ترتفع، تقوم بفتح مجرى الماء أكثر بدلا من ان تغلقه، ما الذي يحدث عند ذاك؟ سيرتفع مستوى المياه في الخزان، وترتفع معه الطوافة أكثر، مما سيزيد من تدفق الماء إلى الخزان، وهذا سيرفع مستوى الماء بسرعة أكبر، وهذا مرة أخرى، سيرفع الطوافة أكثر لتزيد تدفق الماء أكثر ويرتفع الماء أكثر وأكثر حتى يفيض الخزان ويسيل الماء من السطح.. وهكذا تنهار منظومة الخزان. في هذه الحالة لم يكن لدينا "مرجوع عكسي"، بل كانت الزيادة تسبب “الزيادة” والتي بدورها تسبب “الزيادة” ثم “الزيادة” وهكذا.

بعد هذه الطلة التي ارجو انها كانت مفهومة وممتعة لغير المتخصصين في هندسة السيطرة والنظم، نعود الى موضوعنا، منظومة الرأسمالية- الديمقراطية لنرى كيف تتصرف كمنظومة سيطرة.

الديمقراطية هي نقيض الدكتاتورية. والأخيرة تتميز بسيطرة فرد أو مجموعة صغيرة، على الحكم والقرار السياسي في البلاد. أما الديمقراطية، والتي هي "حكم الشعب" فيتوزع هذا الحكم على الافراد البالغين كلهم، بالتساوي قدر الإمكان. وعلى قدر توزيع الحكم على أفراد الشعب يكون مستوى الديمقراطية، وعلى قدر حصره بفئة قليلة تكون الدكتاتورية.

والآن لنضع ديمقراطية مثالية في نظام رأسمالي ولنلاحظ تأثيره عليها، وهل ان هذا التأثير يجعل من هذا الخليط منظومة مستقرة أم تذهب الى الانهيار، من خلال تطبيق مبادئ كل منهما واخلاقياته الضرورية.

في النظام الرأسمالي يكون الهدف هو الربح. ومن مواصفاته أنه يخلق تمايزا بين الأفراد في قدراتهم المالية. لذلك فيمكننا ان نقول إنه بعد فترة من تطبيق النظام الرأسمالي، سيكون لدينا بعض الناس أكثر ثراءاً من البعض الآخر. "زيادة" الثراء، تزيد من قدرة صاحبها على ابداء رأيه وايصاله إلى القرار السياسي، سواء من خلال الوصول الى طرق أكفأ لإيصال الرأي أو من خلال شراء الإعلانات أو من خلال قدرته تقديم مساعدة مادية أكبر للمرشح الذي يناسبه. وبما ان هدف الرأسمالي هو زيادة أرباحه فإن "المرشح الذي يناسبه" هو الذي يصوت للقوانين التي تزيد من أرباحه. وهكذا سيكون مرشح النصف الأكثر ثراءاً من الشعب أكبر فرصة للنجاح.

وبالتالي سيكون لدينا برلمان يميل لصالح الأكثر ثراءاً، وستكون القوانين القادمة مناسبة لهؤلاء أكثر مما هي لغيرهم. وهذه بدورها "ستزيد" ثراء الأثرياء الذين أوصلوها للسلطة. وبزيادة ثراء هؤلاء سوف يتمكنون من إيصال عدد أكبر من المرشحين للبرلمان في المرة القادمة، وأكثر حماساً لوضع قوانين لصالحهم. وهكذا سيتمكن ربع الشعب مثلا من السيطرة على نصف البرلمان، وبذلك "ستزيد" سلطة الأثرياء عليه وتتركز السلطة.

وهكذا يتكرر الأمر في كل دورة انتخابية بزيادة تركز السلطة في يد عدد اقل فأقل من الأثرياء، وبالتالي تقترب المنظومة تدريجيا ولكن بتسارع، من مواصفات الدكتاتورية: "حكم القلة". وما دامت المنظومة سائرة في طريقها بلا اضطراب، فلن تتوقف "زيادة" تركيز السلطة ولا "زيادة" تركيز المال، حتى تصبح دكتاتورية كاملة، حتى لو استمرت الانتخابات.

إلى هنا ينتهي التحليل الهندسي، ولنلق نظرة على الواقع السياسي للبلدان الديمقراطية الرأسمالية. فقد تبدو هذه البلدان مستمرة في "ديمقراطيتها" على العكس مما يؤشر هذا التحليل. لكن الحقيقة اعقد من هذا. فلو نظرنا الى تلك البلدان لوجدنا ان ديمقراطيتها التي بدأت بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، في تناقص مستمر. وأن القوانين فيها لا تتجه أبدا لزيادة الديمقراطية بل إلى تكريس سلطة الحكومة وتحرير الأثرياء من شروط المجتمع وتقليل الضرائب عليهم. وإن أخذنا أكبر تلك الدول الرأسمالية كمثال فسيكون الأمر واضحا جدا. فقبل فترة وجيزة تم إقرار قانون بخفض شديد للضرائب على الأثرياء، كما تم إقرار قانون يحرر البنوك من شروط ضمان عدم الوقوع في "الأزمة" الاقتصادية التي حدثت في 2008، وغيرها من القوانين.

ماذا عن الاشتراكية؟ ألا يعطي المنصب في الحكومة، بعض الأفراد قدرة أكبر على فرض آرائهم على الحكم؟ ألن يستغلوه أيضا لزيادة تلك القدرة أكثر وأكثر؟ بالتأكيد، وهذا هو ما حصل بالضبط في معظم الدول الاشتراكية، حيث تحول الحكام الى طبقة دكتاتورية أيضا.

وماهي افضلية الاشتراكية إذن؟

إن افضلية الاشتراكية هي في أن زيادة السلطة تكون سياسية فقط وليس سياسية ومادية، كما هو الحال مع الرأسمالية. وبالتالي فأن محاربة هذا الاتجاه نحو الدكتاتورية تكون ممكنة بشكل أفضل.

إذن ما هو الحل؟ الحل هو في ان نجد طريقة لـ "زيادة" عدالة توزيع السلطة على الشعب، لتعادل الاختلالات التي لا مفر منها. يجب ان تكون هناك برامج وخطط سنوية ومستمرة لـ "زيادة الديمقراطية" لمعادلة أي انخفاض محتمل لها. هذا الأمر ممكن في الاشتراكية لكنه يكاد يكون مستحيلا في الرأسمالية. فلا يمكننا ان نضع الحدود في الرأسمالية، لزيادة الفوارق المادية، ولا لسيطرة نسبة محدودة على ثروات كبيرة في البلاد. ولا توجد طريقة لمنع تحويل تلك "الزيادة" في الثروة إلى "زيادة" في تركيز السلطة السياسية تنتج بدورها "زيادة" في تركيز الثروة وهكذا في "مرجوع تصاعدي"، هو الصفة المميزة للمنظومات التي تتجه للانهيار.

الملخص:

إن أي خلل في التوازن الاجتماعي، سواء في الرأسمالية او الاشتراكية، سوف يتجه بطبيعة الحال نحو الدكتاتورية، لأن "زيادة" تركيز السلطة لجهة ما ستمكنها من تثبيت تلك الأفضلية و "زيادتها" مع الوقت.

من الممكن للمجتمع ان يعدل هذا الخلل ببرامج معاكسة مستمرة تهدف الى "تقليل" تركيز السلطة السياسية والمادية، وتثبيت ذلك بشكل قوانين. هذا ممكن في الاشتراكية، أما في الرأسمالية فأن قوانينها الأساسية تمنع التدخل الحكومي في إعادة توزيع المال على الشعب، وبالتالي لا توجد ضمن النظام الرأسمالي طريقة لوقف التزايد المتوالي المتسارع لتركيز الثروة، وبالتالي السلطة، وهذا يجعل تلك المنظومة تسير في طريقها نحو الدكتاتورية بلا عوائق، حتى تنهار اليها، ما لم يعرقلها شيء، وهي تبدو ماضية اليها، ليس بما يتهمها اليسار به فقط، وإنما حتى في القنوات المحسوبة على الرأسمالية نفسها**.

 

صائب خليل

..................

* Negative Feedback

** روابط لقنوات رأسمالية تؤكد انهيار الديمقراطية في اميركا

US is no longer a full democracy, EIU warns

https://www.cnbc.com/2017/01/25/us-is-no-longer-a-full-democracy-eiu-warns.html

Study: US is an oligarchy, not a democracy - BBC News

http://www.bbc.com/news/blogs-echochambers-27074746

How you’ll know when the U.S. isn’t a democracy anymore

https://www.washingtonpost.com/news/worldviews/wp/2017/02/25/how-youll-know-when-the-u-s-isnt-a-democracy-anymore/?utm_term=.5e858da6294a

 

abdulhusan shaaban2عشية إقدام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، على إصدار قرار بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، طرح معهد واشنطن للشرق الأدنى، رؤية جديدة لحل القضية الفلسطينية والصراع العربي «الإسرائيلي»، أطلق عليها «الحلّ الإقليمي». وتقوم هذه الرؤية التي قدّمها أحد كبار منظّري المعهد، روس وماكوفسكي، على مسارين:

الأول؛ فلسطيني «إسرائيلي»، والثاني عربي «إسرائيلي»، بهدف تطبيع العلاقات الفلسطينية «الإسرائيلية»، والعربية «الإسرائيلية»، «وذلك مقدمة لانسحاب «إسرائيل» من أراضي فلسطينية وعربية (وليس بالضرورة من الأراضي العربية والفلسطينية التي احتلها عام 1967 في عدوان 5 يونيو/حزيران).

وتقترب هذه الخطة من أطروحة نتنياهو التي عرضها خلال زيارته للولايات المتحدة في 18 سبتمبر/أيلول 2017. وتحاول واشنطن تكييف هذه الرؤية مع مبادرة السلام العربية لعام 2002، المعروفة باسم «مبادرة بيروت»، للوصول إلى «صفقة القرن» حسب ترامب، التي تقود إلى «الحل الشامل»، ولكن وفقاً للرؤية «الإسرائيلية» الأمريكية، وللتفسيرات والتأويلات التي تستجيب لها.

وبعد أكثر من ربع قرن من المفاوضات الماراثونية، ما الذي تبقّى من خيار مدريد أوسلو (1991-1993)، وهل تصلح «الرعاية الأمريكية» في ظلّ الانحياز الصارخ للجانب «الإسرائيلي»؟ وأين نحن من أطروحات «حل الدولتين» التي تبنّاها الرؤساء بيل كلينتون في آخر عهده، وجورج دبليو بوش، وباراك أوباما، الذي بشّر به في بداية ولايته الأولى (مطلع عام 2009)؟ ثم ماذا يعني «الحل الإقليمي» الذي هو أدنى بكثير حتى من خيار أوسلو، الذي لا يلبّي مطالب الحد الأدنى؟

لقد تناوب على العملية التفاوضية أربعة رؤساء أمريكيين، وخامسهم هو الرئيس ترامب، وهي المفاوضات التي انطلقت في مؤتمر مدريد (30 أكتوبر/تشرين الأول 1991)، ووصلت إلى طريق مسدود في عام 1999، لعدم انطلاق «مفاوضات الحلّ النهائي» الذي رفضته «إسرائيل»، والذي أدى إلى اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية في 28 سبتمبر/أيلول عام 2002، خصوصاً أن القضايا الأساسية ظلّت معلّقة مثل: إقامة الدولة، واعتبار القدس عاصمتها، وتأكيد حق العودة والتعويض، وتحديد الحدود، وحلّ مشكلة المياه... الخ.

والرؤساء الذين تناوبوا على المفاوضات هم بوش الأب، وكلينتون، وبوش الابن، وأوباما، وأخيراً ترامب، ولم تستطع تلك المفاوضات التوصّل إلى أي حلّ مقبول مرضي، في إقامة سلام متوازن بمرجعية دولية، أساسها قواعد القانون الدولي، وقرارات مجلس الأمن الدولي، وخصوصاً القرار 242 لعام 1967، والقرار 338 لعام 1973، والقرار 478 بشأن عدم شرعية ضمّ القدس عام 1980.

إن ما يميّز إدارة ترامب عن الإدارات السابقة، هو تخلّيها عن مشروع «حلّ الدولتين» والبحث في «حلّ إقليمي»، يتراوح بين «مشروع الحكم الذاتي» (الموسع)، و«الكونفيدرالية» المرتبطة بالأردن، مع الحفاظ على الهيمنة «الإسرائيلية» على كامل الأراضي الفلسطينية غربي النهر، علماً بأن الإدارة الأمريكية انحازت إلى مطالب نتنياهو بالإبقاء على الاحتلال «الإسرائيلي» لمنطقة الغور، واعتبار الحدود الأردنية الفلسطينية، هي الحدود الآمنة لدولة «إسرائيل».

والمسألة الأكثر خطورة في موضوع المفاوضات «المنشودة»، تتعلّق بالاستيطان الذي لا تعتبره الإدارة الأمريكية عقبة أمام المفاوضات، وهذا يعني أن الكتل الاستيطانية سيتم ضمها لدولة «إسرائيل» في أي حلّ؛ لأن إدارة ترامب لا تجد تعارضاً بينها وبين المستوطنات في القدس، علماً بأن تقرير المبعوث ميتشيل في عهد الرئيس كلينتون، كان قد أكّد أن البؤر الاستيطانية وعددها حوالي 240 بؤرة، «غير شرعية» ويجب تفكيكها.

واستناداً إلى تمادي واشنطن في غضّ النظر عن الاستيطان، أقدم الكنيست «الإسرائيلي» على إصدار قانون مؤخراً، سمّي «تبييض المستوطنات»، سيؤدي تطبيقه فعلياً إلى قضم القدس الشرقية، وذلك دون اكتراث لقرار مجلس الأمن الدولي، الذي استنكر الاستيطان، وهو القرار 2234 الصادر في 23 ديسمبر/كانون الأول 2016، وفي ظل إدارة أوباما، حيث لم تستخدم واشنطن «حق الفيتو» لمنع صدور هذا القرار.

وهناك دعوات عربية من شخصيات مرموقة، تطالب الأمم المتحدة اعتبار صدور هذا القرار بمثابة إخطار عالمي جديد، بكون الاستيطان جريمة دولية لا بدّ من وقفها، وتحديد يوم 2 نوفمبر/تشرين الثاني، يوماً عالمياً لمناهضة الاستيطان.

وكان المبعوث الأمريكي جرينبلات، قد أبلغ الجانب الفلسطيني الشروط الأمريكية التسعة لاستئناف المفاوضات، وهي ليست سوى مطالب «إسرائيلية» غير مشروعة، وإذا ما بدأت المفاوضات المزعومة، فإنها لن تنتهي، بل ستستغرق التفاصيل وتفاصيل التفاصيل، في حين تمضي «إسرائيل» باستكمال مخططها لقضم الأراضي الفلسطينية و«تهويد القدس».

وتضغط إدارة ترامب على تطبيع العلاقات العربية «الإسرائيلية»، وتستبعد إدراج موضوع الاستيطان، بل إنها تطالب العرب والفلسطينيين بوقف التحريض ضد «إسرائيل»، ودفع تهمة الإرهاب عنها ومطالبة السلطة الفلسطينية بالامتناع عن دفع رواتب الشهداء والأسرى الفلسطينيين.

إن اتفاق أوسلو ونهج المفاوضات السابق، لا يوفّران أرضية مناسبة للتوصّل إلى حلّ يضمن حقوق الشعب العربي الفلسطيني، وفي مقدمتها حق تقرير المصير، ولو بمعيار الحد الأدنى. وقد كشف اختبار القدس فشل الرهانات المعلنة والمستترة، التي ستصطدم جميعها بالتوحش «الإسرائيلي» والغطاء الأمريكي.

 

عبد الحسين شعبان

 

 

عندما انطلق الادميرال الصيني تشينغ خه باسطوله المكون من 62 سفينة في القرن الخامس عشرالميلادي في سبع رحلات لم يكن يدرك ان تلك الرحلات ستكون ملهمة لحرب جديدة في بداية الالفية الثانية . واذا كانت تلك الرحلات قد اخذت الادميرال الصيني لزيارة عدة دول تقع على سواحل المحيط الهندي وجنوب آسيا وافريقيا وصل إلى منطقة الخليج والبحر الاحمر تلك الرحلات الهمت عدة دول تسعى للسيطرة على التجارة في المحيط الهندي وبحر الصين والقرن الافريقي الذي تمر عبرها 70% من تجارة العالم  كانت بداية ذلك بعد سقوط الاتحاد السوفيتي عندما ادركت الصين بانها ستكون الهدف التالي لذلك انطلق رئيس الوزراء الصيني لي بينغ عام 1994 في جولة في دول اسيا الوسطى في محاولة لايجاد طرق بديلة لكسر اي طوق يمكن ان يضرب حصارا عليها مما اشعل حربا قاسية هي حرب السيطرة على الموانيء وانشاء القواعد البحرية العسكرية وتتداخل فيها المصالح الاقتصادية مع المصالح السياسية .

بعد الجولة التي قام بها لي بينغ طرح رئيس وزراء الياباني هاشيموتو عام 1997 فكرة التعاون بين بلده ودول اسيا الوسطى وجنوب القوقاز كما ان الهند طرحت عام 2002 استراتيجية ممر مواصلات شمال – جنوب لربط الهند بروسيا عبر إيران والقوقاز. كما اقترح الاتحاد الأوروبي عام 2009 ما عرف باسم "برنامج طريق الحرير الجديد" لمد خط أنابيب ينقل الغاز الطبيعي من آسيا الوسطى إلى أوروبا بهدف تقليل الاعتماد على الغاز الروسي. ولم تكن الولايات المتحدة بعيدة عن مثل هذه المبادرات، فقد اقترحت عام 2011 استراتيجية طريق الحرير الجديدة أو ما عُرف في حينه باسم "طريق الحرير الحديدي"، الذي يهدف إلى بناء شبكة خطوط حديدية لتعزيز التعاون الاقتصادي بين أفغانستان وجمهوريات آسيا الوسطى ودول جنوب آسيا.

مع تطور الاوضاع السياسية ادركت الصين انها محاصرة بسلسلة من القواعد والتحالفات العسكرية الامريكية التي تمتد من استراليا الى الباكستان واليابان وان الفجوة الوحيدة التي تسعى الولايات المتحدة لغلقها امام التوسع الصيني السياسي والاقتصادي هي الفجوة التي تمثلها ايران باتجاه باتجاه البحر المتوسط  وازدادات تلك المخاوف مع الازمة الاقتصادية العالمية عام 2008 مما دفع  الدكتور  شو شن دا، نائب رئيس الهيئة الوطنية العامة للضرائب في الصين، الى طرح فكرة مشروع مارشال صيني يقوم على اساس استخدام الاحتياطي الاستراتيجي الصيني من العملة لمنح قروض إلى الدول النامية، تستخدم لبناء مشاريع تنفذها شركات صينية في تلك الدول. نلك الفكرة تطورت لتصبح استراتيجية متكاملة يطلق عليها استراتيجية ( خط واحد حزام واحد ) وهي الاستراتيجية التي طرحها بصورة متكاملة الرئيس الصيني تشي جين بينغ عام 2013 .

ادت تلك التطورات الى ظهور قطبين جديدين في حرب باردة جديدة بين الولايات المتحدة الامريكية والصين وأصبح الصراع الجيوسياسي متركزًا الآن بدرجة أكبر حول الاقتصاد.انطلاقا من ادراك الطرفين أن الحروب والمعارك العسكرية لا طائل من ورائها وتعتبر بمثابة انتحار. أما الانتصار الحقيقي اليوم فيكمن في كبح جماح العدو من خلال صراع قوى يتركز أكثر حول جني مكاسب اقتصادية ودخلت معهما دول اصغر تحاول ان تثبت انها حليف لايمكن ان الاستغناء عنها وكانت ساحة تلك الحرب هي سواحل افريقيا واسيا لذلك تسعى مختلف دول العالم للسيطرة على الموانيء في تلك المنطقة وانشاء قواعد عسكرية لخدمة اهدافها الاقتصادية .

سنحاول في هذا المقال تتبع السباق الذي انطلق للسيطرة على الموانيء على طول خطوط التجارة العالمية مابين اسيا وافريقيا الى اوربا والامريكيتين فبعد صراع طويل تمكنت الامارات العربية المتحدة عبر شركة موانئ دبي العالمية من توقيع اتفاقيتي امتياز مع الحكومة القبرصية للتشغيل التجاري للأنشطة ضمن ميناء ليماسول في جزيرة قبرص. وحازت «موانئ دبي العالمية – ليماسول» عقد امتياز لمدة 25 عاماً يمنحها حقوقاً حصرية لتشغيل المحطة البحرية متعددة الأغراض، والتي تشتمل أنشطتها مناولة البضائع السائبة والبضائع العامة والشحن إلى جانب تشغيل محطة الركاب. كما حصلت شركة «بي أند أو ماريتايم قبرص» لخدمات الملاحة البحرية الشركة التابعة المملوكة بالكامل لـ«موانئ دبي العالمية» على عقد امتياز لمدة 15 عاماً للتشغيل الحصري لقوارب القطر وإرشاد السفن في ميناء ليماسول ومنح حقوق الامتياز للمشروعٍ المشترك بين «موانئ دبي العالمية» و»جي. إيه. بي فاسيلوبولوس» العامة المحدودة، وهي شركة خدمات لوجستية مدرجة في بورصة قبرص. وستمتلك شركة «موانئ دبي العالمية» 75% من حصص رأس المال في كل مشروعٍ مشترك، بالإضافة لحقوق الإدارة.كان لهذا الفوز الاماراتي صدى في تحفيز تركيا للاستثمار في ميناء كيرينيا في الجزء التركي من قبرص . وقد سعت الامارات العربية للحصول على موطاء قدم في الموانيء التركية وتعتبر محطة موانئ دبي العالمية - ياريمشا أول مشروع للبنية التحتية في خليج إزميت التركي يدار من قبل مشغل دولي .كذلك نجحت الامارات في الحصول على عقد تشغيل ميناء بيروت اللبناني اما في افريقيا فقد حصلت الامارات على عقود ادارة لعدة موانيء منها ميناء الجزائر العاصمة ميناء جن جن وحاويات ميناء مابوتو في موزمبيق وبورت دو فوتور في السنغال ومحطة حاويات ميناء داكار.

سعت جمهورية مصر العربية الى توسيع قناة السويس واضافة تفريعة جديدة للقناة لاستيعاب المزيد من السفن وتقليل فترة انتظار السفن في منطقة القناة   وقد حصلت الامارات العربية على عقد  تطوير ميناء العين السخنة المصري كما تستحوذ شركة موانيء  دبي على شركة تنمية السخنة المالكة لامتياز محطة الحاويات ومحطة الصب السائل بميناء السخنة . من جهتها تحاول السعودية تعزيز نفوذها في البحر الاحمر من خلال الاستثمار في جزيرتي صنافير وتيران التي استعادتهما من مصر وفق اتفاقية ترسيم الحدود البحرية الموقعة بين البلدين ولكن تلك الاتفاقية حولت المباة الاقليمية التي كانت تعتبر جزء من المياه الاقليمية المصرية الى مياه دولية مما حفز الشهية الاسرائيلية الى اعادة التفكير بمشروع قناة البحر الابيض التي من الممكن ان تحل محل او تؤثر بصورة كبيرة على قناة السويس . وتعمل السعودية الان على الترويج لمشروع إنشاء جسر بري يربط سيناء والموانئ المصرية بالاراضي السعودية، معلنة عن نيتها استثمار 25 مليار دولار في مدن القناة وسيناء ولكن هذا المشروع اصبح الان يتطلب الان موافقة كل من اسرائيل والاردن باعتبار ان مشاريع الربط تمر بالقرب من المياه الدولية . بالاضافة الى تلك المشاريع فقد اعلنت السعودية عن نيتها في زيادة استثماراتها في الصومال واريتريا وجيبوتي بهدف تعزيز الحضور والاستعداد للمرحلة والحقبة الاقتصادية الجديدة.

مع تطور حرب اليمن التي مكنت ايران من الحصول على موطيء قدم قوي على باب المندب شهدت منطقة القرن الإفريقي الواقعة على مدخل البحر الاحمر الجنوبي تنافس اقتصادي وأمني محتدم إقليميًّا ودوليًّا، حيث اصبحت حركة انصار الله المدعومة من ايران  تسيطر على مساحات شاسعة في اليمن أبرزها العاصمة صنعاء ومنطقة ميناء الحديدة الاستراتيجية عند باب المندب.

بعد هجوم التحالف العربي على اليمن عام 2015، سيطرت القوات الاماراتية على ميناء عدن، كما سيطرت على ميناء المخا غربي محافظة تعز. وبذلك سيطرت الامارات على ميناء باب المندب الذي تمر من خلاله 12% من التجارة العالمية  خصوصا بعد حصول شركة موانئ دبي على عقد إدارة ميناء بربرا الذي فازت به عام 2014 ، وذلك بعقد امتياز لمدة 30 عامًا مع تمديد تلقائي لمدة عشرة أعوام أخرى لإدارة وتطوير مشروع ميناء متعدد الاستخدامات في بربرة، وتم تأسيس مشروع مشترك لإدارة ميناء بربرة والاستثمار فيه بالشراكة مع حكومة جمهورية أرض الصومال . من جهتها حصلت تركيا عبر شركة البيرق التركية، على حق إدارة ميناء مقديشو بعد أن منحتها الحكومة الصومالية الفيدرالية حق تشغيل الميناء لعشرين عامًا في سبتمبر 2014، على أن تعطي 55% من عائداته السنوية لخزانة الحكومة الصومالية.في إريتريا حصلت الامارات على حق إدارة ميناءي مصوع وعصب، عبر شركة موانئ دبي في عام 2015 لمدة ثلاثين عامًا مقابل أن تحصل إريتريا على 30 بالمئة من عائدات الميناء الذي سيبدأ تشغيله في 2018 ومع الميناء، حصلت الإمارات على مطار يحتوي على مدرج بطول 3500 متر، يمكن لطائرات النقل الكبيرة استخدامه في الاقلاع والهبوط. وقد استغلت الإمارات والسعودية ميناء وقاعدة عصب بشكل فعال للغاية في الهجوم على اليمن عام 2015.كما حصلت موانئ دبي عام 2005 على حق إدارة ميناء جيبوتي الذي يقع على مدخل البحر الاحمر الجنوبي وكذلك محطة حاويات دورالي في جيبوتي . 

من جهتها دخلت قطر على خط المنافسة حيث اتفقت مع حكومة السودان على إنشاء ميناء في مدينة "بورتسودان" ليكون أكبر ميناء للحاويات على ساحل البحر الأحمر. وبناءً عليه يمكن وصف الخطوة القطرية لإنشاء أكبر ميناء للحاويات "بورتسودان"، في خطوة تعد تحديا كبيراً للمحور السعودي الاماراتي كونها ستؤثر على ميناء "جبل علي" في دبي، وبقية الموانئ التي تسيطر عليها أبو ظبي في افريقيا . من ناحية اخرى تمكنت تركيا من الحصول على حق ادارة جزيرة سواكن السودانية التي تقع في البحر الاحمر مقابل ميناء جدة السعودي ويوجد في الجزيرة، ميناء يعد الأقدم في السودان، وكان يستخدم في الغالب لنقل المسافرين والبضائع إلى ميناء جدة في السعودية.

مع اشتداد الصراع فقد اصبحت منطقة القرن الافريقي وباب المندب منطقة جاذبة للقواعد العسكرية البحرية حيث تتواجد قاعدة ليمونير الامريكية التي تأسّست عقب هجمات 11 سبتمبر 2001 في أمريكا، وتقع على مقربة من مطار جيبوتي الدولي وتقع بالقرب منها القاعدة البحرية الصينية قبالة سواحل اليمن والصومال وكذلك قواعد فرنسية وصينية ويابانية في جيبوتي، إضافة إلى قاعدة سعودية . في ارتيريا هناك قاعدتين عسكريتين لإسرائيل وإيران . في الصومال فهناك القاعدة البحرية العسكرية التركية التي تقع خارج العاصمة الصومالية مقديشو.

بالنسبة لمنطقة الخليج فهناك 37 ميناء الا ان طاقتها الاستيعابية تنحصر غالبيتها العظمى في عشرة موانيء وثلثها في ميناء جبل علي الاماراتي يليه ميناء حمد الدولي القطري الذي يحتل ً المرتبة الثامنة خليجياً من حيث الطاقة الاستيعابية . أعلنت الشركة القطرية لإدارة الموانئ "موانئ قطر" عن تدشين خط مباشر يربط ميناء حمد بميناء صحار في سلطنة عُمان، الذي يعتبر احد من أكثر الموانئ نمواً في العالم؛ لكونه يقع في وسط طرق التجارة العالمية بين أوروبا وآسيا. كذلك حصلت قطر على عقد نقل حاويات بين ميناء حمد في قطر وميناء الشويخ في الكويت كذلك تم توقيع اتفاقية شراكة الاستراتيجية مع تركيا في قطاع الاقتصاد والاستثمار والنقل البحري، و اطلاق خدمة نقل مباشر للبضاعة المبردة بين قطر وتركيا.

تملك السعودية تسعة موانيء تجارية وصناعية رئيسية تتكفّل بما نسبته 95% من صادرات وواردات المملكة يتم مناولتها عبر تلك الموانئ (عدا النفط الخام)، ويضاف لها الميناء الجاف بالرياض الذي يعتمد أساسا على ما يرد له من ميناء الملك عبدالعزيز بالدمام .

من المعلوم ان الصين تعتمد في توفير 70 % من وارداتها النفطية تأتي من منطقة الخليج عن طريق سفن تضطر لقطع مسافة 16 ألف كيلومتر حتى تصل إلى الميناء التجاري الوحيد لدى الصين في شنغهاي. ويستغرق الأمر قرابة ثلاثة شهور كي تنقل النفط من خليج عمان عبر المحيطين الهندي والهادي كما انها تستورد اكثر من 60% من امداداتها للطاقة عن طريق مضيق ملقا الواقع بين سنغافورة وماليزيا واندونيسيا ولكن مع اتجاه الولايات المتحدة الامريكية لوضع ثلاثة ارباع سفنها الحربية في منطقتي المحيط الهاديء والمنطقة الهندوآسيوية . لذلك عملت الصين على تأمين طرق بديلة . 

في منطقة بحر الصين نجحت الصين عام 2015 في الحصول على عقد انشاء وتطوير منطقة كيافوك فيو الاقتصادية الخاصة فى ولاية راخين غرب ميانمار. تشمل ميناء بعمق 16 مترا لاستيعاب الحاويات ومنطقة صناعية على مساحة 1500 هكتار بجزيرة يانبياى بتكلفة مبدئية تتجاوز 200 مليون دولار وكذلك مد خطوط انابيب نفطية بين الصين وميانمار ويمكن نقل النفط منه بين ميناء سيتوي في ميانمار الى الصين بتكلفة لا تتجاوز ملياري دولار ويختصر ١٢٠٠ كلم من المسافة . كما وقعت سريلانكا والصين عقد ايجار ميناء هامبانتوتا جنوبي الصين ويقع ميناء هامبانتوتا بالقرب من طريق الشحن الرئيسي من آسيا إلى أوروبا، ومن المحتمل أن تلعب دورًا رئيسيًا في مبادرة “الحزام والطريق” في الصين.

يعتبر تشابهار وجوادر اكبر الموانيء تاثيرا على الوضع الاقتصادي والجيوسياسي في المنطقة فهذان المينائان بامكانهما تقليص دور موانيء الامارات العربية وخصوصا ميناء جبل علي بصورة كبيرة . من هذا المنطلق ركزت الصين كل جهودها على الاستثمار في ميناء جوادر الباكستاني الواقع بين بحر العرب وخليج عمان ويعتبر اقرب ميناء الى الصين حتى من الموانيء الصينية نفسها بالاضافة الى مايتمتع فيه من عمق بحري وقد حصلت الصين من الباكستان على عقد استثمار لميناء جوادر لمدة اربعين عام وبذلك تتخلص الصين من عنق الزجاجة الذي من الممكن ان يخنقها في اي وقت والمسمى خليج ملقا . تبلغ المسافة من اقليم تشينجيانغ  الصيني الى الخليج حوالي 3000 كيلومتر وقد قامت الصين باستثمار حوالي 46 مليار دولار وتتحمل قطر حوالي 15% من اجمالي الاستثمارات في ميناء جوادر .

بالنسبة لميناء تشابهار الايراني فيحتوي على مرفأين هما مرفاء شهيد كالانتار ومرفاء شهيد بهشتي ولكل منها خمسة أرصفة، وتعمل الذراع الاستثمارية للمشروع التابعة لوزارة الشحن – الهند بورتس جلوبال – على إقامة شراكة بين شركة (جواهر لال نهرو بورت تراست) وميناء (غوجارات كاندلا بورت) لتطوير مينائين للحاويات بطول 640 مترًا وثلاثة أرصفة متعددة الشحنات باستثمار 85 مليون دولار أمريكي.

تزداد أهمية ميناء تشابهار للهند لأنه يمكنها من تجاوز باكستان في نقل البضائع إلى أفغانستان، كما أنه يعد المدخل الرئيسي لممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب والذي يضم خطوطًا بحرية وبرية بين الهند وروسيا وإيران وأوروبا ووسط آسيا، كما أنه سيعود بالنفع على الهند ويزيد حجم استيراد خام الحديد والسكر والأرز، وستشهد تكلفة استيراد النفط للهند انخفاضًا كبيرًا – زادت الهند بالفعل من شراء خام النفط من إيران منذ رفع الحظر المفروض على إيران – كما أن الميناء سيساعد في تخطي الوجود الصيني في بحر العرب .

بعد هذا الاستعراض للتصارع الدولي على السيطرة على الموانيء والقواعد البحرية نصل الى تاثير ذلك الصراع على الوضع في العراق . من المعلوم ان الموانيء العراقية تعتبر صغيرة مقارنة بالموانيء المحيطة بالمنطقة . يمتلك العراق في البصرة موانئ بحرية تجارية وصناعية تطل على الخليج العربي مثل أم قصر وخور الزبير وأبو الفلوس والمعقل وجميعها لايتجاوز عمقها 13 متر اي تعتبر اعماقها متوسطة ، تضم البصرة أربعة موانئ أخرى بجانب مينائي المعقل والفاو، ففي عام 1965 تم إنشاء ميناء أم قصر. وشهد عام 1989 إنجاز مشروع بناء ميناء خور الزبير الذي يحتوي على أرصفة صناعية ومخازن لخامات الحديد والفوسفات وسماد اليوريا، وفي عام 1976 تم إنشاء ميناء أبو فلوس على الضفة الغربية لشط العرب ضمن قضاء أبي الخصيب، ويعد حالياً من أنشط الموانئ التجارية على الرغم من صغر مساحته وعدم قدرته على استيعاب البواخر الكبير .

من خلال دراسة الخرائط للتجارة الدولية نجد ان موقع العراق يقع في عقدة خطوط الموصلات فكل طرق التجارة البرية بين الشرق والغرب تمر حتما من خلاله كما ان خطوط الغاز المستقبلية سواء كانت ضمن مشروع نورث ستريم الروسي او مشروع نابكو الامريكي تمر حتما من خلاله كما ان مشروع انابيب الغاز القطرية الى اوربا عبر تركيا يجب ان تمر من خلال العراق بحيث ان الاستثمار الصحيح لهذا الموقع يمكن ان يحول العراق الى اهم بقعة على وجه الكرة الارضية وان الاستثمار القائم على اسس علمية يمكن ان يغير من خارطة النقل البحري العالمية، لأنه سينقل البضائع من جنوب شرق آسيا إلى أوروبا عبر العراق بالاستثمار في انشاء القناة الجافة التي يمكن ان تتكون من خطوط سكك حديدية وطرق مواصلات سريعة لنقل البضائع بدلا عن قناة السويس، بحيث يتم الربط السككي بين الموانيء الايرانية والموانيء العراقية الى الحدود السورية في ربيعة، ليمر في الأراضي السورية وصولاً إلى الرابط بالمنفذ الحدودي التركي مع سورية، بطول متباين يتجاوز 1120 كيلومتراً، وبذلك فإن الهدف كبير وتكاملي ليتعزز الربط مع الشبكة العالمية للسكك الحديد داخل الحدود التركية . :ذلك فان العمل على الاسراع في انشاء ميناء الفاو الكبير والذي سيؤدي الى تقليص دور ميناء جبل علي حيث ان الربط السككي بين ميناء تشابهار الايراني والربط مع ميناء جوادر الباكستاني سيوفر بديلا بريا رخيصا عن النقل البحري المكلف عبر ميناء جبل علي الاماراتي او ميناء حمد القطري وحتى ميناء مبارك الكويتي ولعل هذا الامر يفسر حجم التامر الذي يتم لتعطيل انشاء ميناء الفاو الكبير بل ان الامر وصل الى محاولة الحصول على عقود استثمار للموانيء العراقية من قبل شركة موانيء دبي والذي يخشى ان تم ذلك ان تصاب الموانيء العراقية بما اصيب به ميناء عدن .

كان اخر محاولة للتاثير على مشاريع التطوير العراقية هو المشروع (الكارثي) الذي اعلن عنه السيد وزير النقل العراقي وهو مشروع حفر قناة من الخليج الى محافظة النجف وهو المشروع الذي ان تم تنفيذه فسيؤدي الى تدمير الاراضي الزراعية في المنطقة مابين البصرة والنجف والتي هي اخصب الاراضي الزراعية في العراق بالاضافة الى تدمير خزين المياه الجوفية في منطقة جنوب العراق التي تعاني اصلا من فقر مائي نتيجة لحتمية تسرب مياه البحر المالحة الى المياه الجوفية بالاضافة الى عدم الجدوى الاقتصادية للمشروع كون رفع مياه الخليج التي تقع في المنطقة الواطئة الى المنطقة المرتفعه في النجف يجعل من المشروع عدم الجدوى كما انه سيضيع على العراق مصدر للثروة يعادل في اهميته الثروة البترولية اي مشروع القناة الجافة  وهو المشروع الذي سيساهم في تأمين إيرادات كبيرة تخدم ظرف العراق الحالي. بالاضافة الى العائد المالي الضخم فان تلك المشاريع ستجعل من العراق عنصرا فاعلا ومؤثرا في السياسة الدولية . 

 

زهير جمعة المالكي

 

mahmod kawashنقل الصحفي الأمريكي الشهير "مايكل وولف" في كتابه "نار وغضب: داخل بيت ترمب الأبيض"، الذي أثار عاصفة سياسية في الولايات المتحدة، تفاصيل "الخطة الأمريكية لحل أزمة الشرق الأوسط". وكان وولف في فترة سابقة من المقربين لإدارة دونالد ترمب وعلى صلة وثيقة بالأشخاص المحيطين بالرئيس. وسبق لترمب أن أظهر إعجاباً بإحدى المقالات التي نشرها وولف في عام 2016.

وفي تفاصيل الكتاب يشير الصحفي الأمريكي إلى أن واضع برنامج "خطة" حل "الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي" لم يكن سوى ستيفن كيفين بانون، المولود في عام 1953، والذي كان يتولى رئاسة المكتب الانتخابي لترمب خلال حملته للانتخابات الرئاسية الأمريكية، وشغل بعد وصول ترمب للبيت الأبيض منصب كبير مستشاري الرئيس للشؤون الاستراتيجية، وأدخله ترمب مجلس الأمن القومي في كانون الثاني/يناير 2017، ثم عزله من منصبه هناك في نيسان/أبريل من نفس العام وغادر البيت الأبيض إلى ما لا رجعة.

يخبرنا وولف في كتابه كيف أن بانون تحدث عن خطته لحل "الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي" خلال عشاء في مانهاتن" فقال: " يعمل ترمب على وضع خطة للحل، هي خطته فعلا، وهو سيحدث من خلال هذه الخطة "أكبر اختراق في التاريخ على صعيد المفاوضات الفلسطينية - الإسرائيلية"، وأنه "سيغير اللعبة بشكل كبير وغير مسبوق"، موضحاً أن ترمب يوافق على "صفقة القرن".

ويضيف مايكل وولف نقلاً عن ستيفن بانون أن ترمب قال له: "في اليوم الأول نقوم بنقل السفارة إلى القدس "تنفيذاً لقرار ترمب اعتبار المدينة عاصمة لإسرائيل"، ويؤيد "بنيامين" نتنياهو ذلك من أعماقه، ويؤيد ذلك بحرارة أيضا رجل الأعمال والملياردير اليهودي الأمريكي شيلدون أديلسون، الذي يؤيد إسرائيل بقوة، نحن نعرف وندرك ما سنقدم عليه، دعونا نعطي الضفة الغربية للأردن، وغزة لمصر، ولندعهم يحاولون حل المشاكل هناك أو يغرقون في المحاولات. السعوديون على وشك الانهيار، والمصريون على حافة الانهيار أيضا، والجميع يخافون الفرس "إيران" لحد الموت ويخشون ما يجري في اليمن وسيناء وليبيا. ولذلك، روسيا هي المفتاح. هل روسيا فعلا سيئة؟ أجل الروس فتيان أشرار، ولكن العالم مليء بالأشرار"!!

يرى كثيرون أن قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترمب اعتبار "القدس عاصمة لإسرائيل" لم يكن معيباً وباطلاً ومنعدماً وفرض سلطة الأمر الواقع، كما قال هو بنفسه، بل كان في صميم نصه يعد خرقاً لمعاهدتي السلام اللتين وقعتهما "إسرائيل" مع مصر وألأردن، ووقعت عليهما أمريكا كضامن وشريك، الأمر الذي يجعلنا نحكم على أن مشروع توطين الفلسطينيين في سيناء المصرية الذي اتفق على تسميته أمريكياً "صفقة العصر"، قد ولد ميتاً، وأن أي مشروع أو مقترح للتوطين آخر أو طرح لتسوية ما للقضية الفلسطينية يأتي عن طريق الولايات المتحدة بعد قرار ترمب اعتبار "القدس عاصمة لإسرائيل" الذي اتخذه في 6 كانون الأول/ديسمبر 2017، لن تكتب له الحياة وسيدفن في المهد.

وبالعودة لنصوص معاهدتي السلام بين "إسرائيل" وكل من مصر والأردن، يمكننا التأكيد على أن الولايات المتحدة والرئيس ترمب خرقا المعاهدتين، وشرعنا احتلال "إسرائيل" للقدس!!

معاهدة السلام بين مصر و"إسرائيل" - "كامب ديفيد":

الديباجة الأولى لمعاهدة السلام بين مصر و"إسرائيل" تقول: "إن حكومة جمهورية مصر العربية وحكومة دولة إسرائيل، اقتناعاً منهما بالضرورة الماسة لإقامة سلام عادل وشامل ودائم في الشرق الأوسط وفقاً لقراري مجلس الأمن 242 و338، تؤكدان من جديد التزامهما بإطار السلام في الشرق الأوسط المتفق عليه في كامب ديفيد، المؤرخ في 17 سبتمبر 1978. وإذ تلحظ أن الإطار المشار إليه إنما قُصد به أن يكون أساساً للسلام، ليس بين مصر وإسرائيل فحسب، بل أيضاً بين إسرائيل وأي من جيرانها العرب، كل فيما يخصه، ممن يكون على استعداد للتفاوض من أجل السلام معها على هذا الأساس، ورغبة منهما في إنهاء حالة الحرب بينهما وإقامة سلام تستطيع فيه كل دولة في المنطقة أن تعيش في أمن".

المعاهدة وقعت في كامب ديفيد عام 1979 من جانب الرئيس المصري الراحل أنور السادات، ومناحم بيغن رئيس وزراء "إسرائيل"، والرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر.

معاهدة السلام بين الأردن و"إسرائيل" - "وادي عربة":

في معاهدة السلام الموقعة بين الأردن و"إسرائيل" في وادي عربة عام 1994، جاءت الديباجة الأولى في هذه الفقرة: "إن حكومة المملكة الأردنية الهاشمية وحكومة دولة إسرائيل إذ تأخذان بعين الاعتبار إعلان واشنطن، الموقع من قبلهما في 25 يوليو 1994 والذي تتعهدان بالوفاء به. وإذ تهدفان إلى تحقيق سلام عادل ودائم وشامل في الشرق الأوسط مبني على قراري مجلس الأمن 242 و338 بكل جوانبهما".

ونصت المادة الثالثة في الاتفاقية، وهي مادة الحدود الدولية على ما يلي:

1 - تحدد الحدود الدولية بين الأردن و"إسرائيل" على أساس تعريف الحدود زمن الانتداب كما هو مبين في الملحق 1 (أ) والمواد الخرائطية المضافة إليه والأحداثيات المشار إليها فيه.

2 - تعتبر الحدود، كما هي محددة في الملحق 1(أ)، الحدود الدولية الدائمة والآمنة والمعترف بها بين الأردن و"إسرائيل" دون المساس بوضع أي أراضٍ وقعت تحت سيطرة الحكم العسكري الإسرائيلي عام 1967.

الاتفاقية وقعت من جانب الراحل الملك حسين بن طلال، وإسحاق رابين، والرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون.

ضرورة الالتزام بقرار مجلس الأمن 242:

إذاً معاهدة السلام الموقعة بين مصر و"إسرائيل" من ناحية ومعاهدة السلام الموقعة بين الأردن و"إسرائيل" من ناحية أخرى، نصتا على ضرورة الالتزام بقرار مجلس الأمن رقم 242 لسنة 1967، وهو قرار أصدره مجلس الأمن في 22 تشرين الثاني/نوفمبر1967، في أعقاب حرب حزيران/يونيو1967، التي أسفرت عن احتلال "إسرائيل" لمناطق عربية جديدة من بينها القدس الشرقية.

ونص القرار أيضاً على ما يلي:

- احترام سيادة دول المنطقة على أراضيها.

- حرية الملاحة في الممرات الدولية.

- حل مشكلة اللاجئين.

- إنشاء مناطق منزوعة السلاح.

- إقرار مبادئ سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط.

وقال مجلس الأمن في نص القرار إنه إذ يُعرب عن قلقه المتواصل بشأن الوضع الخطر في الشرق الأوسط، وإذ يؤكد عدم القبول بالاستيلاء على أراض بواسطة الحرب، والحاجة إلى العمل من أجل سلام دائم وعادل تستطيع كل دولة في المنطقة أن تعيش فيه بأمن، وإذ يؤكد أيضاً أن جميع الدول الأعضاء بقبولها ميثاق الأمم المتحدة قد التزمت بالعمل وفقاً للمادة 2 من الميثاق.

وأكد المجلس:

1- أن تحقيق مبادئ الميثاق يتطلب إقامة سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط ويستوجب تطبيق كلا المبدأين التاليين:

أ - سحب القوات المسلحة من الأراضي التي احتلتها في النزاع.

ب - إنهاء جميع ادعاءات أو حالات الحرب واحترام واعتراف بسيادة وحدة أراضي كل دولة في المنطقة واستقلالها السياسي وحقها في العيش بسلام ضمن حدود آمنة ومعترف بها وحرة من التهديد وأعمال القوة.

2- يؤكد أيضاً الحاجة إلى:

أ- ضمان حرية الملاحة في الممرات المائية الدولية في المنطقة.

ب - تحقيق تسوية عادلة لمشكلة اللاجئين.

ج - ضمان المناعة الإقليمية والاستقلال السياسي لكل دولة في المنطقة عن طريق إجراءات بينها إقامة مناطق مجردة من السلاح.

د - وقف إطلاق النار.

ووفقاً لنصوص القرار، فإنه يؤكد على عدم الاعتراف بالأراضي التي احتلتها إسرائيل عقب حرب 5 حزيران/يونيو 1967 ومن بينها القدس الشرقية.

قرار مجلس الأمن رقم 338 لعام 1973:

وعقب حرب 6 تشرين الأول/أكتوبر من العام 1973، أصدر مجلس الأمن القرار 338 والذي يدعو إلى وقف إطلاق النار على كافة جبهات حرب أكتوبر والدعوة إلى تنفيذ القرار رقم 242 بجميع أجزائه، ودعا القرار في فقرته الثالثة أن تبدأ فور وقف إطلاق النار وخلاله، مفاوضات بين الأطراف المعنية تحت الإشراف الملائم بهدف إقامة سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط.

ووفقاً لما يقوله رجال القانون العرب الكبار، فإن نصوص قراري مجلس الأمن تؤكد أن القدس الشرقية والضفة الغربية وقطاع غزة مناطق محتلة، وقرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالاعتراف بالقدس "عاصمة موحدة لإسرائيل" جاء ليخرق أولاً بنود معاهدتي السلام بين "إسرائيل وكل من مصر والأردن"، باعتبار الولايات المتحدة الشريك والضامن لهما، ووقعت على ذلك كشريك وضامن، وليشرعن ثانياً احتلال إسرائيل للقدس!! كما ويعتبر رجال القانون أن الإدارة الأمريكية والرئيس ترمب تنصلا من التزام تعاهدي اعتبره العالم "الأسمى بين المعاهدات والاتفاقيات الدولية"، تمثل بمعاهدتي "السلام المصرية الإسرائيلية - كامب ديفيد"، و "السلام الأردنية الإسرائيلية - وداي عربة". وأشاروا إلى أن الولايات المتحدة لم تكن الدولة المسهلة والوسيطة فقط في إبرام المعاهدتين، لكنها كانت الدولة الشاهد والشريك والضامن لأعلى مراتب المعاهدات الدولية السياسية وهي معاهدات السلام.

ويرى رجال القانون العرب إن قرار الرئيس الأمريكي ترامب باعتبار القدس "عاصمة لإسرائيل" ليس باطلاً فحسب بل منعدماً، ولا يغير من الأمر القانوني أو الواقع لمدينة القدس شيئاً، لأن القدس مدينة محتلة من مغتصب لمركزها وماهيتها القانونية التي ما فتئت القرارات الدولية تؤكد على وضعيتها الخاصة، مضيفين أن المدينة ما تزال، وفقاً لقرارات مجلس الأمن رقم 181 لسنة 1947 و242 لسنة 1967 و334 لسنة 1973، مدينة محتلة من جانب "إسرائيل" ولا يغير قرار ترمب من كون هذه دولة محتلة، لتصبح مدينة القدس الأطول بقاء تحت احتلال عسكري في التاريخ الحديث.

 

محمود كعوش

كاتب وباحث فلسطيني

 

altayb baytalalwi"ظل صانعو السياسة الأمريكية تائهين في البحث عن معالم ذلك النظام الجديد / الذي إفترضوا وجوده / دون العثورعلى أية مؤشرات ملموسة له، ... ولذلك لجئوا إلى إستحداث حقبة حالكة...، حقبة تسود فيها الفوضى والإضطرابات، فوجدوا ضالتهم في نظرية صامويل هنتيغتون" / روبرت غرين من كتابه "أزمة الحضارات في القرن العشرين"

شغف المنظرون الأمريكيون منذ نهاية الحرب الباردة بإطروحات الفوضى واللانظام في العلاقات الدولية.فتحدث بيير هاسنر، عن عودة "قرون أوسطية جديدة"وروبرت كابلان عن "الفوضى القادمة" حيث لخص لنا المفكر السياسي الكندي البروفيسور "روبرت كوكس" في عام 1994 تلك الأجواء الفكرية السياسية التي سيطرت على مراكز البحوث الجيو- سياسية الأمريكية زمنها قائلا: "إن سيناريوهات روبرت كابلان حول: "الفوضى القادمة" وفوكوياما حول" نهاية التاريخ "وصامويل هينتيغتون حول" صدام الحضارات"، ما هي سوى تجسيد للعقلية الأمريكية التي تتشابك داخلها الآمال والمخاوف من المستقبل" ...

 فبدأ الأمريكيون يرون أعداء محتملون في كل مكان ولوعلى بعد آلاف الأميال، وأخذوا يعتبرون كل بلد لا يخضع لجشع قروض البنك الدولي / التي هي بمثابة عقود إسترقاق للدول المتخلفة / والتي ليس فيها فرعا من فروع أبناك روتشيلد، بمثابة "دولة فاشلة"، التي تعني في المصطلح / الإسرائيلو-أمريكي دولة مارقة، وعقبة في سبيل إنجاز مشروعي" النظام الإقتصادي الجديد " النظام العالمي الجديد " / الخالي من الروس والصين، وإيران / ولذا فقد كان إحتلال إفغانستان وإعادة إحتلال العراق ستراتيجية ضامنة للسيطرة على العالم، وتطبيق نظرية الفوضى الشاملة...فعادت نظرية " المصير المبين" / التوراتية / لجون فيسك- التي طعمت الفكر السياسي الخارجي الأمريكي في عشرينات القرن العشرين، تسيطرمنذ الألفية الثانية، من جديد على عقلية متخذي القرارالسياسي في البيت الأبيض / جمهوريون وديموقراطيون /، مادام المحافظون الجدد قد تغلغلوا في كلي الحزبين منذ نهاية الحرب الباردة

ولذا فمن الملاحظ أنه كلما تم " تحرير" بلد ما عن طريق الإمبراطورية، إلا وغاص البلد المُحَررفي المزيد من الفقر والتخلف والفوضى.

وهذا ما ينطبق اليوم على كل البلدان التي "حررها" الأطلسي، حيث أن واشنطون وحلفائها الأوربيين ودول عربيية، يخرجون البطاقة الحمراء لكل دول المنطقة العصية عن التدجين، الرافضة للإمتثال لصندوق النقد الدولي، وأبناك روتشيلد والمناهضة لإ سرائيل، والخارجة عن الطوق الأمريكي، حيث أن تلك البلدان " المحَررة" / أمريكيا / تهيمن عليها اليوم الفوضى الشاملة، ويستشري فيها الفقر، وتفوح في آفاقها رائحة الموت والبارود : ليبيا سوريا، العراق، والقائمة ستطول عما قريب لتعم الجزائر والمغرب

ومن هنا يتبدى لنا بالملموس، أن ستراتيجية واشنطن وعواصم الغرب / كأغبياء مفيدين وخدم خنوعين لتل أبيب أبيب / ليس غرضها كسب الحروب المعلنة على البشرية، أوإيجاد الحلول الجذرية لمشاكل المنطقة العربية والشرق الأدنى والأوسط، بل فقط لترسيخ الفوضى، ونشرالدمارالشامل.وتلك هي الطريقة الوحيدة لمحاصرة الشعو ب، وسلب خيراتها وسرقة أموالها وترهيب سكانها وتركيع حكامها / ونماذج ليبيا وسوريا والعراق واليمن-في جغرافيتنا العربية أمثلة واضحة /

وفي هذا الصدد فإن الأمبراطورية في حاجة ما سة إلى المزيد من العسكروالعتاد الحربي المتقدم على كل شعوب ا العالم كله مجتمعة، حيث صادق الكونغرس الأمريكي في 16 / 11 / 2017 على ميزانية 700 مليار دولارتغطية للميزانية الحربية لعام 2018 بحيث زاد المبلغ بكثيرعن طلب دونالد ترامب نفسه / مما يدل على مهزلة أكذوبة الصراع ما بين ترامب و" الدولة العميقة"، التي ترغب أكثر من ترامب نفسه في نشر المزيد من الحروب القادمة في عام 2018 /، بالرغم من أن ترامب يعد أكبر دعاة الحرب لما بعد مرحلة "ريغان " / حيث أن ترامب مصاب بعقدة " ريغان " في كل شيء /، ولنُذكر على أن أكثر من 50٪ من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة يعتمد على المجمع الصناعي الحربي، والصناعات الموازية المرتبطة باللوازم والمعدات العسكرية / وهو من أهم اللوبيات المسيطرة على إتخاذ القرارالسياسي الخارجي الأمريكي الذي حذرمنه الرئيس الأمريكي الجنرال داويت أيزنهاور في أواسط الخمسينات، كما لوبي الصناعات الحربية مرتبط بدعاة الحرب الصقور في واشنطن، إذ هو من أهم اللوبيات الذي يخضع له كل رؤساء الولايات المتحدة وجنرالات الحرب في البينتاغون – / وبالمناسبة فإن هذا اللوبي-مثله مثل الكونغرس الأمريكي - يترأسه إما يهود أمريكيون أو أمريكيون متصيهنون أو صهاينة متزوجين بيهوديات / كما هو الشأن بعائلة ترامب : / إبنته / كمستشارة له في السياسة الخارجية والقضايا الإجتماعية : يهودية أرثودوكسية متطرفة، وأخويها الآخرين -المستشارين أيضا لترامب متزوجان من يهوديتين متصهينتين .. وترامب نفسه بروتستانتي متصهين فتأمل.

التدليس الغربي في أكذوبة " إعادة الإعمار"

وبالتوازي ,, فإن البلد المأساوي المُحرَر / أمريكيا / فأول ما سيحتاجه –بطبيعة الحال- هو" إعادة الإعمار" فيه، وإعادة هيكلة مؤسساته التنموية – التي تستدعيها بالطبع، ظروف الضرورة–التي خلقتها " ظروف الحرب"... التي خلقتها الإمبراطورية ها ها / إنها بحق مسرحية عبثية كافكية /، حيث يلزم دائما-"النظام العميل الجديد" أوالبديل / إلى الشروط المذلة " للمحرِرِين"، بحيث نتسائل عن شروط مجموعة النصابين في بروكسيل والولايات المتحدة بترحيل بشار الأسد وتنصيب "ثوراني معتدل "كشرط أساسي لإيقاف الحرب الدائرة في سوريا / مادامت أبناك روتشيلد تنفق بسخاء على " الحروب الكبرى والصغرى من أجل صهيون، منذ أول ثورة ربيعية أوروبية مفبركة عام 1848 / أشعلتها الأقلية اليهودية حيث يتم إدخال البلد" المُحرَرَ"في نظام الإسترقاق الغربي، وإخضاعه للرقابة لضرب عصفورين بحجر واحد / التخلص نهائيا من المسيحية والأنظمة الملكية التي كانت معظمها معادية لليهود في أوروبا / وهذا جانب تفصيلي تعرضت لها في كتابي ربيع المغفلين /

حيث ما على "الدولة المحررة سوى القبول بالشروط المجحفة والمذلة لجشع صندوق النقد الدولي-الذي هو أمريكي- بشروط النظام المصرفي "الربوي" اليهودي، بغرض إحكام الخناق على البلد المُحرَرَ، حيث يحق للمقرضين تسيير وترشيد البلد "الديموقراطي المحرر الجديد" في كل كبيرة وصغيرة / مثل ليبيا تماما / / لأن المقرضين هم أنفسهم دول الحلف الأطلسي وأبناك روتشيلد الذين يتعاملون مع كل الحكام الفاسدين في العالم وخاصة في العالم العربي والثالثي /

وتلك أهم طرق السيطرة على مقادير الأمم والشعوب التي لا خيار لها فيها، فإما القبول ب" الأمر الواقع"، أو " التغيير بالثورات الملونة " أو القصف والتدمير / والملاحظ أيضا أن " تحرير الشعوب من أنظمتها الفاشية " يبدأ أولا عبر " ثورة ملونة" وعند فشلها يتم" التدخل العسكري الإنساني"" من أجل تحرير البلد من طغاته" / كما يتم التمهيد لذلك حاليا في إيران إنتقاما من النظام لمساهمته في تحرير سوريا وطرد الدواعش ورفض التعامل مع أبناك روتشيلد-والباقي ثرثرة مغفلين ودردشة مستحمَرين –

 فمتي تم "إعادة الإعمار في العراق وإعادته كما كان قبل" التحرير الأمريكي؟ "ومتى تم إعادة إعمارغزة وفتح مجالاتها برا وبحر للتواصل "كبشر"مع العالم ؟ أوعلى الأقل مع جيرانها العرب وخاصة مصر مبارك أو مصر السيسي؟ وإلى متى سيضل قطاع غزة أكبر سجن في العالم " الحر والديموقراطي المعاصر"؟

أدوات الإمبراطورية في تعميم الفوضى الشاملة في المنطقة:

 إنها طبيعة ومنطق الرهانات الأمريكية الجديدة : في اليمن، في أوكرانيا، في سوريا، العراق، في ليبيا في السودان في تونس في الصومال في نيجيريا في سيراليون في تشاد في كل إفريقيا الوسطى والقائمة طويلة فما عليك سوى الإختيار.

 فمن يحارب من؟

وأما تساؤلات المغفلين عن من يحارب من؟: داعش؟، النصرة، ؟ القاعدة،؟ أحرارالشام؟ بوكو حرام ؟، أو " أحرار تل أبيب وواشنطن؟ وأتباع الشيطان؟، وغيرها من الأسماء الوهمية التلبيسية ذات المصدر الواحد، والتكوين والتنظير الواحد، والعمل والهدف الواحد، والمؤتمرون تحت أوامر إمرة واحدة ... فتلك لعبة يستخف بها الغرب عقول المغفلين، ففي ثلاجة الغرب المغلقة الآلاف من نسخ القاعدة وبناتها وخالاتها وعماتها " وهي جاهزة لمرحلة" ما بعد داعش"- للإنتقال بها على حين غفلة إلى داخل إيران وروسيا والصين، وتلك من المهام الجديدة لصهر ترامب الذي توطدت علاقته أكثر-مؤخرا- مع كل هنري كيسينغر-الجمهوري-: مهندس الخرائط الدولية، والمتعبقر في فنون بلقنات الجغرافيات الدولية، ومع شريكه التجاري في شركة كوشنير العقارية ورفيقه السابق في الحزب الديموقراطي": الملونير اليهودي " جورج سوروس "من الحزب الديموقراطي، والمربي السابق لأوباما وممول حملته الإنتخابية, – والممول منذ التسعينات لكل الثورات الملونة والبرتقالية بما فيها ربيعنا العربي، والربيع الإيراني الحالي، وهذا "السوروس" هوللغرابة أيضا العدو اللدود لترامب / صهر كوشنير / فتأمل / الذي يعمل ليل نهار للإطاحة بترامب بكل الوسائل / وهذا جانب تفصيلي / فما عليك سوى أن تنقر على الأنترنيت Open Society Foundations لترى مدى أخطبوطية مؤسسة سوروس الدولية، وقل بعدها فيما إذا وجدت ركنا منزويا في العالم لا يؤثر فيه هذا الرجل

 وبالإضافة إلى أن الفرق الجهادية التخريبية المختلقة، يمكنك أن تضيف"بلاك ووتر"، و"كسي أكاديمي" Blackwater, Xe, Academiوهي أسماء منتقاة بعناية، لكي لا يتم التعرف عليها بسهولة، في حين أنها "دواعش إفرنجية" مكملة لأعمال الفرق القتالية الجهادية بتقنيات أكثر" جيمسبوندية"، مع تبادل الأدوار والخبرات والتاكتيكات / ليس إلا / حيث أن المدد اللوجيستي ذو مصدر واحد معروف.

وإلى جانب هؤلاء يوجد طبعا مومسات الرصيف من الأثرياء: وهم بريطانيا، وفرنسا ودول عربية إقليمية لا داعي لذكرها

 

د. الطيب بيتي

 

 

saieb khalil2عندما يقرر المرء أن يكون "محارباً" من أجل ما يحب ومن يحب، ويأمل بـ "معركة جيدة" كما تمنينا لهذه السنة ان تكون، فيجب ان يحاول امتلاك ادوات النصر في معاركه، والأداة الاهم في هذا هي وضوح الرؤية في الميدان! لأن العدو سيبذل كل جهده للتمويه والتشويش، وسلاح العدو الأشد فتكا من اجل تحقيق هذا الهدف هو "الإعلام"، والذي يمتلك فيه سلطة شبه مطلقة في فضائنا. الإعلام في بلادنا أسلحة تدمير شامل في ايدي اعدائنا لا يشبهها شيء اكثر من غازات الهلوسة.

في الجيش، عندما يتعرضون لهجوم بالأسلحة الكيمياوية، فإنهم يلبسون الأقنعة ويأخذون اللقاحات المضادة. ونحن لا نبالغ حين نقول إننا نعيش في جو إعلامي مسموم بما تبثه وسائل اعلامنا المعادية لنا من غازات تدمير شامل! لذلك فعلينا ان نلبس "الشك" قناعاً  للوقاية وأن نأخذ اللقاحات المضادة استعداداً، وهذه المقالة الأولى لنفعل ذلك.

أهم وسائل التشويش هو الكذب الإخباري. لكن من اجل التخلص من المسؤولية، يفضل الاعلاميون استعماله مع عدم الإشارة إلى مصدر الأخبار، بل الاكتفاء بالادعاء ان "مصدراً" زودهم بها وانه "امتنع عن ذكر اسمه"! ويمكن عندها للصحفي المأجور ان يكتب كل ما يريد دون قلق. لذلك فإن ملاحظة افتقاد "مصدر الخبر"، علامة أساسية من علامات كذب الخبر. هذا لايعني ان خبر المصدر المجهول، كاذب بالضرورة، انما يعني أن لا احد يقبل ان يتحمل مسؤوليته. أي انه "سالوفة" مثل السوالف التي يتداولها الناس في جلساتهم لا اكثر، ولذا فلا قيمة له.

لكن نقص الثقافة العامة والاستقطاب الاجتماعي، أتاح لهذه الأداة البسيطة نجاحاً باهراً. وقد كتبت قبل عشر سنوات مقالتين لشرح هذه الحقيقة تحت عنوان "إعلام العراق مغرق باخبار المصدر المجهول" و "الأخبار في الإعلام العراقي: -المصدر الموثوق- لايستحق الثقة".

لنتعرف على هذا النوع من الاخبار يجب ان ننتبه أن "المصدر المجهول" يأخذ اسماءاً مختلفة. فهو "مصدر موثوق" في خبر ما، و "مصدر رفض ذكر اسمه" في آخر. وقد يتم وصفه لزيادة التأثير مثل "مصدر وثيق الصلة بالسفارة الأمريكية" أو "مقرب من العبادي" او "سياسي سني بارزأو "نائب برلماني كردي" أو "عضو في الهيئة العليا للانتخابات"، أو بشكل جمع مثل "مسؤولون في حزب الدعوة" أو "شهود عيان"، أو "خبراء اقتصاديون"، او " وذكر بعض الزوار ان...".

كذلك يمكن إضافة أسماء عشوائية غير معروفة: "وأكد ياسين علي (32 عاماً)، من أهالي إحدى القرى القريبة".. أو عبارات أكثر تخفياً مثل" اكدت دراسة ان"... او "توصل باحثون الى" ... او "حسب احصائية.."..الخ. الفكرة هي ان تطرح السؤال على نفسك: هل تستطيع ان تحدد شخصاً محدداً أو جهة محددة مسؤولة عن الخبر وتضمن صحته؟

كذلك كثيرا ما يمزج الخبر المخترع مع معلومات صحيحة وموثقة ليوحي بأنه جزء منها، وهنا يجب الانتباه الى أن صحة جزء لا تعني بالضرورة صحة الجزء الآخر. لكن هذا يتطلب انتباها وتمرينا، فغالباُ نكون قد نسينا في غمرة التفاصيل ان كان المصدر قد تم تعريفه ام لا.

مثلا، نشرت “الحياة” (21/10/07) خبراً هكذا : "نقلت مصادر مقربة من مكتب المرجع الديني في النجف آية الله علي السيستاني أن الأخير سأل رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي عند زيارته له في النجف مطلع الشهر، عن إمكان إعادة النظر بحكم الإعدام الصادر بحق وزير الدفاع العراقي السابق سلطان هاشم في قضية الأنفال، عن طريق ايجاد المخارج القانونية للموضوع."

استمر الخبر بأن السيستاني بين ان سلطان هاشم "ليس شخصية سياسية، وإنما شخصية مهنية، ويمثل موقعاً متميزاً لدى طائفة أساسية ... أن جهود المصالحة الوطنية التي تتبناها الحكومة العراقية تستدعي مبادرات تحمل روح التسامح، " الخ، ثم طلب من المالكي "إيجاد مخارج تحول دون إعدام سلطان"!

قد لا ننتبه أن "ايجاد مخارج" هي عبارة احتيالية لاتناسب اسلوب السيستاني! وقد لا ننتبه ايضاً الى ان الخبر من "مصادر مقربة" أو أن التفاصيل التالية قد تنسينا هذا حتى ان انتبهنا له، وتجبر عقلنا على تقبل الخبر ولو جزئياً. وبما ان الخبر نشر في عشرات ان لم يكن مئات المواقع والصحف فمن المتوقع ان يكون عدد كبير من الناس قد قرأه أكثر من مرة، واقتنع به كحقيقة كاملة.

المهم هنا أن لا نكتفي بـ "منطقية" الخبر أو معقوليته، بل نتساءل: هل حصل مثل هذا الكلام ام لم يحصل؟ فمثل الخبر أعلاه سوف يستهوي الكثيرين بلا شك، ورغم ذلك فهو مزور! وبالفعل تم نفي الخبر من قبل الشيخ عبد المهدي الكربلائي.

وفي مرة أخرى نشر ائتلاف متحدون تكذيباً لخبر في "المسلة" تضمن تقديم ائتلاف متحدون طلبا الى السيد خضير الخزاعي نائب رئيس الجمهورية لتأجيل الجلسة البرلمانية الاولى ، دون ان يسند الخبر الى شخصية محددة .. وأكد أنه "عار عن الصحة جملة وتفصيلا".

لكن التكذيبات قلما تأتي، والبلد بلا حكومة تحاسب احداً، وليس للمواطن إلا أن يحدد لنفسه ما يصدقه وما لا يصدقه، وهذا ليس سهلاً. فعليه ان يبذل الجهد اللازم لملاحظة علامات الكذب، مثل المصدر المجهول، وكذلك مقاومة الميل الى التصديق إن كان الخبر يناسب ما يراه أو مخاوفه أو موقفه.

ولفشل الغالبية الساحقة في هذه المهمة الصعبة، بمقاومة التشويش المتقن الصنع، فقد نجح الإعلام في مهمته وأوصلنا إلى حال اشبه بالذهول. وقد كتبت محذراً من "مصير أرنب لا يميز الذئب من الخروف". وبالطبع يمكننا ان نحزر سوء هذا المصير، فهذه "الغابة" الشرسة، لا مكان فيها للمختلين في تقدير المعلومات الأساسية الضرورية لبقاءهم على قيد الحياة.

الإعلام يستغل حقيقة أننا نميل جميعا إلى تصديق ما يقال لنا، فهو يطمئننا بأننا "نرى" عالمنا ونفهمه، خاصة إن كان ما يقال يناسب الصورة المسبقة التي لدينا عن العالم. فكيف نعرف إن كان الخبر غير المنسوب لمصدر، كاذباً أم صادقاً؟ بالنسبة للكاتب من الطبيعي ان تكون لمصداقية الخبر أهمية اكبر، لأن الخبر المزيف يسبب إحراجا كبيراً إن اعتمد عليه في الكتابة. لذلك قررت من ناحيتي ان اعتبر أي خبر بمصدر مجهول هو خبر كاذب، وأن أي خبر لا يكون له من يتحمل مسؤوليته، خبر لا يستحق الاهتمام ولا يجب استخدامه. أعتبرت أن أي خبر من هذا النوع، هو مجرد "سالوفة"، وعاهدت نفسي، ليس فقط ان لا اصدق مثل هذا الخبر، بل أن لا أكمل قراءته، واتوقف عند كلمة "مصدر" (أو "اخواتها")! كذلك فأني اسجل ملاحظة سلبية في ذاكرتي، على وسيلة الاعلام التي تؤلف أو حتى تنقل مثل هذا الخبر. فهذا يحميني من التأثر الجزئي به في اللاوعي. فمقاومة هذا الميل للتصديق ليست قضية عقلانية فقط وإنما عاطفية أيضا، وتحتاج إلى تمرين للتعود عليها.

لذلك فكرت بوضع الأمثلة التالية كـ "لقاحات" ضد سموم الاخبار الكاذبة من نوع "المصدر المجهول". ما اقترحه هو فتح الروابط، وقراءة عدد منها للتعود على سرعة اكتشاف علامات "المصدر المجهول" بأسمائه المختلفة.

بعد ذلك اقترح على القارئ الكريم ان يجرب ببضعة امثلة، الحسم على طريقتي باعتبار أي خبر بلا مصدر محدد، "سالوفة" كاذبة، والتوقف عن القراءة فور اكتشافه ومقاومة الفضول لمعرفة ما يريد صاحبه ان يقول والامتناع عن اكمال قراءة الخبر، راجيا لكم وقتا جميلا:

عالية نصيف تجري عملية تجميل في لبنان كلفتها (30.000 $) الف دولار !

https://www.facebook.com/HmltAlghaTqadAlbrlman1/photos/a.150743355105372.1073741826.150724295107278/370646906448348/?type=1&theater

مصادر سياسية عراقية تكشف خفايا جديدة عن النفوذ الإيراني

https://aawsat.com/home/article/298916/مصادر-سياسية-عراقية-تكشف-خفايا-جديدة-عن-النفوذ-الإيراني

مصدر في مكتبه: العبادي يعد لاصلاح اقتصادي بالتزامن مع اشرافه على العمليات الامنية

http://burathanews.com/arabic/news/261564

طيران التحالف الدولي يقتل 13 عنصرًا من تنظيم داعش غرب الرمادي

http://www.masrawy.com/news/news_publicaffairs/details/2017/10/24/1178453/

طيران التحالف الدولي يقتل 150 عنصرا من داعش الارهابي

http://www.yanabe3aliraq.com/index.php/news/28908-2015-03-18-19-10-51

ماذا قال السيستاني عن المالكي امام ضيوفه؟ | عواجل برس

http://awajelpress.com/ماذا-قال-السيستاني-عن-المالكي-امام-ضيو/

مصدر مقرب يعرب عن استغرابه من التصريحات المنسوبة لوزير الخارجية الامريكي

https://www.facebook.com/IraqPMMediaOffice/posts/765851686932862

قوة من "حشد شمر" تعتدي على قوة من الشرطة شرق تكريت وتصادر أسلحتهم

 http://www.almadapress.com/ar/NewsDetails.aspx?NewsID=78140

 كلفتها ثمانون مليون دينار تفاصيل عملية زوجة سامي العسكري" تبييض وتصغير"!! - الكاشف

http://www.algardenia.com/alachbar/qosqsah/6745-2013-10-08-21-01-00.html

- تسريبات امريكية:عراق ما بعد داعش اقاليم بصلاحيات شبه مطلقة

 http://www.skypressiq.net/2015/12/01/تسريبات-امريكية-خاصة-تكشف-من-سيحكم-العراق-بعد-طرد-داعش

العريفي يحرض على قتل الشيعة ويصدر فتاوى لداعش تبيح قتل العيساوي وابو ريشة والسليمان

http://www.yjc.ir/ar/news/3613/العريفي-يحرض-على-قتل-الشيعة-ويصدر-فتاوى-لداعش-تبيح-قتل-العيساوي-وابو-ريشة-والسليمان

اعتقال شخص بحوزته 511 بطاقة الكترونية جنوب الموصل

http://burathanews.com/arabic/news/235478

مصدر امني: جميع السيارت التي انفجرت في بغداد تحمل لوحات "اربيل"

http://almasalah.com/ar/NewsDetails.aspx?NewsID=30726

مقتل واصابة 15 عنصراً من البيشمركة بهجوم لـ"داعش"

http://www.alsumaria.tv/mobile/news/131563

مصادر دبلوماسية أوروبية: لا يمكن أن نترك بغداد تسقط بأيدي «داعش»

https://aawsat.com/home/article/117346

مسؤول إيراني: إيران منفتحة على خيار التعاون مع واشنطن بشأن العراق

https://ara.reuters.com/article/ME_TOPNEWS_MORE/idARAKBN0EO10O20140613

داعش يحكم سيطرته على تلعفر وانسحاب "ابو الوليد" الى سنجار

http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=743433.0

(ابو الوليد ينفي سيطرة "داعش" على تلعفر

http://www.alalam.ir/news/1605120

عطا ينفي سقوط تلعفر ولجوء ابو الوليد الى اقليم كردستان

http://www.qanon302.net/news/security/2014/06/23/22704)

مصدر إيراني: المالكي يوافق على التطبيق الفوري للمادة 140وضم كافة المناطق الكوردستانية للإقليم

http://kulilk.com/portal/node/36785

التحالف الوطني بدأ بالبحث عن مرشح بديل عن المالكي لرئاسة الحكومة المقبلة

http://www.alsumaria.tv/mobile/news/103708/

قائد فيلق القدس الإيراني "قاسم سليماني" يهدد السعودية وقطر بضربات صاروخية

http://islamion.com/news/قائد-فيلق-القدس-الإيراني-قاسم-سليماني-يهدد-السعودية-وقطر-بضربات-صاروخية

بارزاني غدا في تركيا لاستلام أموال بيع النفط

http://almasalah.com/ar/news/34287/0

عاجل..انباء عن اصابة قائد الفرقة الذهبية [فاضل برواري] بنيران قناص وسط الرمادي ونقله الى كردستان

http://www.iraqiwomensleague.com/mod.php?mod=news&modfile=item&itemid=25384#.WlApxHuKSUk

مصدر: تضارب الأنباء بشأن قائد الفرقة الذهبية اللواء فاضل برواري |

http://www.alsumaria.tv/news/106593/

"قرص استدلال" يؤدي بـ 12 قياديا بعثيا بقصف جوي جنوب الموصل,

http://www.ishtartv.com/viewarticle,55113.html

العربي الجديد - طائرة الأسلحة الروسية في بغداد:شبهة على مقرب من المالكي

http://www.alaraby.co.uk/politics/759e43c7-c9f3-4324-a8f6-e3df09078da4

مواجهة ساخنة للعبادي ضد الفساد .. ملاحقة العامري لاستحواذه على 4 مليارات دولار!

https://kitabat.com/news/مواجهة-ساخنة-للعبادي-ضد-الفساد-ملاحقة/

 

صائب خليل

 

 

alaa allami2مع اقتراب كارثة تجفيف نهر دجلة و قطع مياهه لملء بحيرة سد أليسو التركي في شهر آذار-  مارس القادم، عاد بعض الكتاب والساسة والناشطين الى رفع الشعار التفريطي والكارثي "النفط مقابل المياه"، والذي مفاده أن يشتري العراق مياه نهريه الرافدين، واللذين استمد اسمه القديم منهما بلاد ما بين الرافدين "= ميزوبوتاميا، باللغة اللاتينية خلال عهد الإمبراطور الروماني تراجان116 م، وباللغات الأقدم كالعبرية التوراتية والهيروغيلفية المصرية بلاد نهرين" بكميات من النفط العراقي المجاني أو شبه المجاني يقدمه العراق إلى تركيا لتسمح الأخير بإطلاقات مائية من المياه التي تحتجزها خلف المئات من سدودها! وفي هذه المناسبة والظروف البالغة الحلكة أعيد هنا فقرات من الفصل السابع من كتابي " القيامة العراقية الآن - كي لا يكون بلاد الرافدين بلا رافدين" والذي ناقشت فيه هذا الشعار ومدلولاته وأهدافه في مقالة نشرها سنة 2009 حين طرح للمرة الأولى ثم ناقشته بشكل أوسع واقتبست بعض فقرات تلك المقالة في الفصل السابع من الكتاب المذكور. وقبل نشر هذه الفقرات أسجل هنا أن رفع هذا الشعار وتطبيقه يعني كارثة محققة من جميع الوجود للأسباب التالية:

* هذا الشعار يعني موافقة صريحة على وجهة النظر التركية التي مفادها أن الرافدين نهران تركيان وان مياههما مياه تركية ونحن نشتري هذه المياه التركية بنفطنا ومعلوم ان وجهة النظر التركية مخالفة في الصميم لجميع القوانين الدولية وخاصة منها بنود "اتفاقية قانون استخدام المجاري المائية الدولية لأغراض غير ملاحية" لسنة 1997 فتركيا تعتبر دجلة والفرات نهرين تركيين عابرين للحدود (  Transboundary). ومن يرفع هذا الشعار "النفط مقابل المياه" فإنما يطبق مقولة رئيس الوزراء التركي الأسبق سليمان ديميريل الذي قال (إذا كان النفط للعرب فالمياه لتركيا وطالما نحن لا نطالبهم بشيء من نفطهم فعليهم ألا يطالبونا بمياهنا)!

* أن عقد صفقة من فوق الطاولة أم من تحتها تعني أننا تنازلنا عن كل حقوق العراق وشعبه في مياهه وستكون المياه ذات السعر المتغير سكيناً على رقبة الاقتصاد العراقي وعلى استقلال وسيادة العراق في المستقبل القريب والبعيد.

* أي اتفاقية من هذا النوع ستعني تفريطا حتى بحقوق الأجيال القادمة من العراقيين فالرافدان ليسا ملكا خاصا بهذا الجيل الحالي من العراقيين فقط.

* وهي تعني أن النظام العراقي الذي يوافق على صفقة كهذه سيثبت سابقة تفريطية ستضر بالشعوب في بلدان مصبات الأنهار التي تعيش وضعا خطيرا كوضعنا ومهددة بورها بسدود بلدان المنابع كدولة مصر التي بدأت تعاني من سد النهضة الأثيوبي والشعب السوري الذي يتأثر بدوره بالسدود التركية.

أدرج هنا الفقرات المختارة من الفصل السابع من كتاب " القيامة العراقية الآن" :

1- مما يدخل في باب المتاجرة بمياه الرافدين، يمكن أنْ ندرج مشروعاً تركياً آخر لبيع المياه العذبة إلى الكويت عبر العراق تحدثت عنه وسائل الإعلام سنة 2008. ويبدو أنَّ هذا المشروع إنما أريد به استفزاز الجانب العراقي ليس إلا، مع إننا لا نستبعد أنْ تقوم تركيا بتفعيله متى أرادت طالما بقيَّ العراق دولة هامشية وضعيفة ومرتهنة حتى في موضوع تصدير نفطها شبه القسري عبر تركيا، وليس فيه من يجرؤ على الدفاع عن حقوق الشعب).

2- لقد طرحت أنقرة عدة مشاريع لتحقيق هذا الهدف كان آخرها ما أعلنت عنه شركتان تركية وكويتية مطلع الشهر الجاري – كانون الأول/ ديسمبر 2008 -  بنقل المياه العذبة إلى الكويت، عبر العراق وهو مشروع طرح دون الرجوع إلى العراق أو التشاور معه أو إبلاغه، الأمر الذي عدته وزارة الموارد المائية العراقية تصرفا "غير ممكن" كما يوضح مدير عام المورد المائية في الوزارة العراقية عون ذياب. ويضيف ذياب في تصريح لإذاعة العراق الحر أنَّ هناك صعوبات كبيرة تعيق عملية تنفيذ مثل هذا المشروع. ويرى المدير العام، أنَّ المشروع الجديد مثل بقية المشاريع التركية يهدف إلى إشاعة مبدأ بيع المياه في العلاقات الدولية).

3- انساق بعض الكتاب العراقيين، للأسف، وراء حملة لترويج المتاجرة بالمياه وتسويغها تحت مبررات شتى. وفي هذا السياق، كان كاتب هذه السطور قد نشر مقالة بقلمه من ثلاثة أجزاء سنة 2009 حول كارثة تجفيف الرافدين بفعل السدود التركية والمشاريع الإيرانية لتحويل وقطع الروافد التي تصب في نهري دجلة وشط العرب، وفي الجزء الأخير منها، تطرقنا لمواقف بعض هؤلاء الكتاب الذين اعتبرناهم مفرطين بحقوق العراق).

4-  هذا الكاتب - صاحب الربيعي-  يقترح الآتي حرفيا ( إنَّ إسقاط الجانب السياسي من الخلاف المائي بين الدول المتشاطئة، كفيل بحل المشاكل المائية العالقة، وبالعودة للخلاف المائي بين العراق وتركيا حول فكرة بيع المياه ومدخلها الاقتصادي المحدد بنحو 800 ألف دولار أمريكي سنوياً. يمكن أنْ يدفعها العراق ليس كنقد مالي، مقابل حصوله على حصة إضافية من المياه، وإنما تقديم حوافز اقتصادية بديلة كـ : زيادة حجم التبادل التجاري بين البلدين، حصول تركيا على أسعار تفضيلية تقل عن السعر العالمي عند شرائها للنفط العراقي أو الغاز السوري...). نلاحظ هنا أن هذا الكاتب لم يدعُ – والحق يقال -  صراحة كما يفعل بعض الكتاب والناشطين اليوم إلى شراء الماء أو مقايضته بالماء اليوم.

5- التي ينادي بها والتي وجدت من يصفق لها ويروج لها في داخل العراق لدرجة نشرت معها تقارير تؤكد أن الحكم العراقي الحالي بصدد عقد صفقة مع حكام تركيا لمقايضة مياه الرافدين بالنفط العراقي. أي إنهم يقايضون مياه العراق بنفط العراق! وقد خرج الأمر من السرِّ إلى العلن، مما اضطر وزارة الموارد المائية العراقية إلى إصدار بيان تكذب فيه تلك التقارير والأنباء، عادت أمانة مجلس الوزراء فأشارت لمحتواه على موقع المركز الوطني للأنباء في نص الخبر الآتي:

6- وزارة الموارد المائية تنفي مقايضة النفط بالمياه مع تركيا: نفت وزارة الموارد أنْ تكون الاجتماعات بين بغداد وأنقرة حول المياه قد تناولت موضوع مقايضة النفط العراقي بالمياه مع تركيا. وقال مدير عام إدارة الموارد المائية عون ذياب للقسم الصحفي في المركز الوطني للإعلام إنَّ هذا الموضوع لم يطرح أبداً وإنَّ الحكومة العراقية لن تقبل بمثل هذه المعادلة. وأضاف، أنَّ النفط ثروة ناضبة ويكلف الدولة أموالاً طائلة لاستخراجه بينما المياه هبة من عند الله كما وان هناك حقوقا ثابتة لمستخدمي المياه على طول مجرى الأنهر الدولية سواء كانت دولة المنبع أو المجرى أو المصب. 13/10/2009... انتهى البيان الحكومي، ونسجل هنا أنه لا يطمئن قارئه البتة، فمجرد صدور البيان من جهة حكومية، حتى إذا كان بالنفي يثير الريبة، ويفهم منه أنَّ وراء الأكمة ما وراءها!).

7- يقدر الكاتب حاجة العراق بشراء 2 إلى 3 مليار متر مكعب من المياه، بسبب العجز المائي. ويسكت سكوتا مطبقاً عن سبب هذا العجز المائي ألا وهو التجاوزات العدوانية التركية وحجز المياه بقرار سياسي تركي خلف السدود العملاقة وفي بحيرات وخزانات اصطناعية ودون تشاور أو تنسيق مع دول حوض المجرى المائي الدولي كما توجب القوانين الدولية.

-  يسمي الكاتب الأشياء بأسمائها، ويدعو إلى شراء المياه التي يحتاج إليها العراق، و يقدر ثمنها بـ800 ألف دولار (الأكيد هو ان هذا الرقم قد ارتفع كثيرا الآن).

-  يقترح الكاتب تسديد أثمان هذه المياه المشتراة من تركيا عبر طريقتين: حوافز وتسهيلات تجارية عراقية وسورية لتركيا، وأسعار نفط تفضيلية كتلك التي يقدم العراق بموجبها النفط إلى الأردن منذ عهد صدام حسين وحتى يومنا هذا. ويبدو خطأ فكرة الحوافز والتسهيلات التجارية جليا، فقد بلغت التجارة البينية بين العراق وتركيا، بعد سنوات على طرح هذه الأفكار، رقما قياسيا يقترب من عشرين مليار دولار، ولكنَّ الحصار المائي التركي على العراق استمر بل وتصاعدت حدته. وحتى حين اشترط مجلس النواب العراقي المصادقة على العقود والاتفاقيات التجارية بين البلدين بحل المشكلة المائية وتوقيع اتفاقية عادلة ومنصفة لتقاسم مياه النهرين رفضت تركيا ذلك بتشنج وواصلت تجاوزاتها العدوانية).

وأختم بالقول إن العراق قادر على استعمال، إضافة الى اللجوء الى المؤسسات والهيئات والمحاكم الدولية، السلاح الاقتصادي الذي بحوزته للدفاع عن حقوقه في مياه نهريه ومن ذلك:

1- وقف تصدير النفط عبر الأراضي التركية الى ميناء جيهان وإعادة ترميم واستعمال خط نفط العراقي السوري الى بانياس وهو المشروع الذي نعتقد ان هناك فيتو غربي وتركي على تطبيقه منذ عهد نظام صدام وحتى اليوم.

2- خفض التبادل التجاري مع تركيا وهو تبادل من طرف واحد تضخ تركيا بضائعها الشبيه نوعيا بزبل المصانع والأسواق ولا تختلف عن البضائع الإيرانية والأردنية والتايوانية...الخ، إلى العراق مقابل مبالغ هائلة بالعملة الصعبة.

3- إلغاء العقود المبرمة أو رفض تجديدها مع الشركات التركية العاملة في العراق.

4- إطلاق حملة شعبية واسعة في العراق لمقاطعة البضائع والمؤسسات والسياحة التركية.

إن تفعيل السلاح الاقتصادي واتخاذ قرارات جريئة باللجوء الى الهيئات والمحاكم الدولية سيكون مفيدا جدا وسيكون مبررا قانونيا واخلاقيا وجيوسياسيا في حال إصرار تركيا على تدمير العراق وقطع مياه انهاره لتصعيد العمل الدفاعي العراق والتهديد بتدمير بعض السدود وحتى تلك التي لم يتم إملاء بحيراتها وخزاناتها تماما كالسد الجيد أليسو".

إن تهاون الحكومات العراقية – وسكوت إدارة إقليم كردستان العراق خصوصا وهو الأكثر تضررا من المشاريع التركية سكوتا تاما ومريبا -  في الدفاع عن حقوق العراق أمر ليس جديدا ولكنه سيكون إجراميا هذه المرة. أما تهاون الفعاليات والقوى الشعبية العراقية فسيكون أقرب الى الانتحار الذاتي الجماعي، وعندها ستصدق على العراقيين تلك المقولة التي كررها الراحل هادي العلوي وقال فيها (إذا تهاون العراقيون في قضية الدفاع عن دجلة والفرات ونجحت تركيا الأطلسية في تنشيفهما، فسيكون العراقيون أهون على الله من بعوض المستنقعات)!

رباط الفصل السابع من الكتاب المشار إليه أعلاه:

http://www.albadeeliraq.com/node/904

 

علاء اللامي - كاتب عراقي

 

 

altayb baytalalwi"لا توجد سياسة جديدة، بل هناك فقط السياسة –بالتعريف-، المؤسَسَة على الخبرة التاريخية، وعلى معرفة الرجال والشعوب" جاك بانفيل –المربي الروحي للجنرال دوغول

حيثياث مرحليات التفكير السياسي الأمريكي ما بين البراغماتية العملاتية النفعانية والفانتازما الدينية:

- رهانات الولايات المتحدة في القرن التاسع عشر

 صراعها ما بين:

أ-:"عهدها القديم/التوراتي/"الذي هو"الإنعزالية "والإنكفاء على الداخل وتحصين" الإيمان المسيحي"داخل " أرض كنعان الجديدة"، وأورشاليم الجديدة" وحماية المكتسبات الأمريكية الداخلية ضد الخارج : " مبدإ مونرو"

ب- : "عهدها الجديد/التوراتي/" الذي هو التوسعية والدولة الصليبية و"روما الجديدة"-الذي بدأ مع الرئيس ويلسون و نقطه الأربعة عشر وقراره بالدخول في الحرب العالمية الأولى –تحت ضغط يهودي داخل البيت الأبيض/وهذا جانب تفصيلي/ لأن اليهود الأمريكيين كانوا وراء كل الحروب الأمريكية وقرارات البيت الأبيض في سياسته الخارجية / /1/

رهانات الولايات المتحدة في القرن العشرين:

2-"التوسعية" :Extensionism /وهو النهج الذي فرض نفسه على كل الساسة الأمريكيين منذ الحرب العالمية الأولى، يتقاسمه الحزبين الأمريكيين الرئيسيين /الديموقراطي والجمهوري/ بالتعاقب حسب عاملي المد والجزر المسيطر على الداخل الأمريكي والوضعية الإقتصادية، لخصه لنا هنري كيسينغر في عاملي" المواجهة/الحزب الجمهوري/ أو المصالحة / الحزب الديموقراطي/

غير أن هاري ترومان / الديموقراطي/ كان أكثر الرؤساء الأمريكيين " مواجهة وعنفا" بحيث إختلق كل التوترات المصادمة العنيفة في بدايات القرن العشرين :الحلف الأطلسي، إسرائيل، الحرب الباردة، ناغازاكي وهيروشيما، حروب كوريا/التي هي أعنف الحروب الأسيوية من حيث عدد القتلى/حوالي أكثر من مليون قتيل كوري/

مفهوم التوسعية أصبح نهجا مفروضا على الساسة الأمريكيين، بحكم"ضرورات" الإستثنائية الأمريكية" :/الماسيحانية البيضاء /البروتيستانتية/الإنجيلية / المهاجمة العنيفة/ والإثنية /والوطنية والتاريخية/ والجيو-ستراتيجية/ التي تحدد "المصير المبين /التوراتي/ والوجود الحضاري للولايات المتحدة الأمريكية حيث يسيطرالمعتقد الديني/In GOD We trust على القرارالسياسي الأمريكي الخارجي كما وضح ذلك الأنثروبولوجي والمؤرخ الأمريكي"فريدريك جاكسون تيريز""

وبذا، فان"التوسعية" هي النمط المنشود الذي حدد منذ البداية، الاستثنائية الأمريكية، وسر استمرارايتها، والتي تحدد بالتالي مصير العالممن أجل تحقيق "آخرأفضل أمل للعالم" كما حدد ذلك الرئيس إبراهام لنكولن

ويمكن تلخيص رهانات السياسة الأمريكية في المرحلة الأولى بما يلي:

"خطاب التأسيس للرئيس واشنطن، مبدأ مونرو، نقاط ولسون الأربعة عشرة، ميثاق الأمم المتحدة لفرانكلين روزفلت، "مذهب ترومان"/ : ميثاق الأطلسي، خلق إسرائيل، تدمير ناغازاكي وهيروشيما، خطة مارشال، الحرب الباردة، / انهيارالإتحاد السوفياتي، النظام العالمي الجديد، حرب العراق، حرب البوسنة والهيرسيك، :خطتا :كيسينغر/ بريزينسكي الجديدتان لإعادة هندسة الخرائط الدولية على رقعة الشطرنج الدولية

 المرحلة الثانية: حرب أفغانستان، الهجمة الثانية على العراق، الحرب على الإرهاب، نظام العولمة، الربيع العربي، نظاما: النظام الإقتصادي العالمي الجديد والنظام العالمي الجديد لبوش الأب، بهدف، إعادة هندسة خرائط العالم الجديدة على ضوء وتغيير الأنظمة من الصين وروسيا الى ليبيا حسب منظوربريزنسكيBrezenski كما فسرها في كتابه"رقعة الشطرنج الكبري Le grand Échiquierأو ضرورة أن تصبح الولايات المتحدة الوصي الوحيد على مصير العالم ./ولقد كانت كذلك

/-رهانات /الإمبراطورية: في الألفية الثانية هي: ضرورو الوحدة /الأمريكية-الإسرائيلية/ كما هي واضحة في خطة بريزينسكي في كتابه الصادر عام 2004"Le vrai choix /Brezenski /أو الخيار الحقيقي

 الهدف من هذا " الخيار الحقيقي"-على المددين القصير والمتوسط، هو فقط تحقيق الفوضى المستديمة وليس الإنتصار، وبحيث أن بريزينسكي كان في أواخر أيامه قبل وفاته، يعنف أوباما ويحضه على المسارعة بضرب روسيا لإشعال حرب نووية سريعة، بعد أن كان يشير عليه في السابق بالتقرب إلى الصين لضرب روسيا –وهي نفس خطة الديناصوركيسينغر-

 الفوضى الشاملة الكونية /بمعناها التوراتي هي المرحلة ما قبل الأخيرة للمشروع السيادي الأمريكي لإنجاز المشروع /التلمودي/الأخير، وعاصمته "أورشاليم".بمعنى:"تدمير كل شيء إستجابة للهرطقات التلمودية لحاخامات تل أبيب " ...وتحقيرا للعقل الدياليكتيكي "الأنواري-التنويري"، بحيث لم يرعو أو يستحيي ناتاياهو للترويج لهذه الهرطقة في محاضراته عام 2010 في مراكز البحوث الغربية في أوروبا، حتى في مدينة فرانكفورت معقل المدرسة الألمانية الحديثة للفلسفة لصاحبها" هابيرماس"

وبالنظر إلى أن الأحداث السياسية لا تسقط من النيازك العليا، فإن قرار دونالد ترامب بتحويل القدس إلى العاصمة الأبدية اليهودية لإسرائيل لم يأت إعتباطا بل هو النتيجة الحتمية لمراحل طويلة يمكن فهم تسلسل مرحليتها التاريخية على يد أكبر الخبراء " العقلانيين الأكاديميين " مثل " بيير هيلار"Pierre Hillar في كتبه العديدة الغنية بالمعلومات والمصادر البيبليوغرافية مثل La mrche irresitible du nouvelle order mondial أو " المسيرة التي لا تقاوم للنظام العالمي الجديد أو La guerre secrète contre les peuples " "الحرب السرية ضد الشعوب" للخبير الجيو-سياسي كلير سيفيراك Claire Severac

 المشروع الصيهيوني- التلمودي الغربي الأخير: يتم دسه ما بين شتى المسميات تضليلا للعقول ...يأخذ إسم العولمةأحيانا أو النظام العالمي الجديد، أو النظام الإقتصادي الجديد أو حكومة العالم الجديدة، /وفي كل مرحلة إنتقالية غربية تجد له إسما جديد، يتناسب مع الظرف الزمني والمناخ الثقافي والفلسفي والفكري الذي يُشغل بال" المغفلين". وكل تلك المسميات المتلونة تُجمِع على إتخاذ أورشاليم "العاصمة الأبدية لإسرائيل أو بالأحرى: إنجاز"العهد اليهودي" Pax Judaicaالأخير كما أصل له عام 2010 "جاك أتالي"مستشار الإليزي الخصوصي منذ فرانسوا ميتيران إلى الرئيس الحالي ماركون، والمنظرالحالي لولي العهد السعودي محمد بن سلمن إلى جانب صهر"جاريد كوشنر"صهر ترامب، بحيث أن أتالي يهودي علماني ومن أكبر المنظرين "لحكومة العالم الجديدة"، وكوشنر يهودي أرثودوكسي وحليف ناتانياهو المقرب والمنظر للفوضى الشاملة في الشرق الأوسط./ ويظهر هنا مدى التلاحم والتآلف ما بين الطرحين /مع الإختلاف البين ما بين الشخصين.

.-/أنظر بهذا الصدد الكتاب القيم للمؤرخ الأكاديمي الفرنسي المعروف Laurent Guyénot في كتابه " كم من حروب عالمية /يجب خلقها /من أجل صهيون"؟Combien de guerres mondiales pour Sion ? يسلط المؤرخ الأضواء على العوامل الخفية للحروب العالمية الأربعة (بعد ترقيم المحافظين الجدد، الذين يعدون الحرب الباردة كحرب عالمية ثالثة، وإعداد الحرب الرابعة في عهد ترامب) ويفصل المؤرخ في فصول الكتاب، في تفاصيل تأثير الشخصيات والمؤسسات التي عملت منذ نهاية القرن التاسع عشر، بتصميم وعزيمة على إنجاح مشروع الصهيونية العالمية-التلمودية- الكبير القادم /بعد إنجاح الفوضى الشاملة في العالم / و في أغلب الأحيان دون علم المتحاربين أنفسهم - ولكن أيضا من دون معرفة الغالبية العظمى من اليهود الذين يشكلون مصير المشروع./

 

 د. الطيب بيتي

 

mustafa mohamadgharibفي البلدان التي يضيع فيها راس الخيط في السياسية أو الاقتصاد أو أو أو يحتار المواطن لإمكانيات وجهود مستميتة لكي يصل إلى الحقائق وان عرف قسماً منها فالكثير ضبابي أو ضائع وهنا يفلسف أصحاب الجاه وفي مقدمتهم القائمون على السلطة من رجال دين أو سياسة قضايا قلب الحقائق بطريقة تشويهية خداعاً للوعي الاجتماعي السائد والممكن، ولهذا احتجنا إلى الكثير من البحث والتقصي لكي نفهم حالة الحياة الحزبية في العراق بعد 2003 وبخاصة الجديد منها ولسنا بصدد الإسهاب في الحديث عن الأحزاب التي نشأت ما بعد تأسيس الدولة العراقية 1921 فهي تقريباً معروفة بعضها انتهى وحل أو اندمج أعضائه بأحزاب أخرى والتي بقت على الساحة السياسية ومارست العمل السري بسبب الاضطهاد وكبح الحريات وعدم وجود الديمقراطية وفي مقدمتها الحزب الشيوعي العراقي باعتباره حزب سياسي عريق تأسس في فترة الثلاثينات وساهم مساهمة فعالة في الحياة السرية على الرغم من الملاحقات والاضطهاد الذي مورس ضده بما فيها تنفيذ الاغتيالات وأحكام السجن الطويلة والاعتقالات الكيفية وإعدام قادته المعروفين في الأربعينات ثم أبان فترة حكم حزب البعث العراقي الأولى بعد انقلاب 8 شباط 1963 أو في الفترة الثانية من تسلط حزب البعث العراقي بعد عام 1968، الأحزاب في العهد الملكي معروفة وهي لم تتجاوز أصابع اليد واختصرت بعد استلام السلطة من قبل البعث العراقي على حزب واحد وضع يده على الحياة السياسية بشكل مطلق حتى سقوطه واحتلال البلاد عام 2003 . ولم تشهد الفترات السياسية التي سبقت الاحتلال والسقوط على سن قانون للأحزاب السياسية في العراق،

بينما ظهرت البعض منها للعلن في العهد الملكي، إضافة إلى أحزاب سرية بسبب الملاحقة البوليسية وسياسة إرهاب الدولة ، أما بعد عام 2003 فقد ظهرت الأحزاب بشكل علني وقسماً منها تأسس بدون وجود قانون للأحزاب لكن الواقع السياسي الجديد فرض عملياً وجودها حتى صدور قانون الأحزاب السياسية رقم (36) لسنة 2015 الذي شرع من قبل مجلس النواب وطبقت المفوضية القانون على الانتخابات بعد أن نشر في الجريدة الرسمية (ولسنا معنيين في هذا المقال مناقشة القانون ومواده ومثالبه العديدة التي ذكرها الكثيرون من المثقفين والسياسيين والعاملين المختصين) على الرغم من أننا كتبنا أيضاً حوله قبل التشريع وفيما بعد التشريع ومن هذا المنطلق نقول في البداية عسى أن لا يفهم أننا ضد الحياة الحزبية وقيام أحزاب علنية تحدد وترسم حسب قرارات حكومية وفهم خاطئ للديمقراطية التي يتمتع البعض بها وتحرم الأكثرية بحجج لا تمت بصلة للحياة الحزبية ونعتبر صدور قانون للأحزاب انتصاراً للقوى الوطنية والديمقراطية والتقدمية التي صارعت منذ سنين من اجل سن القانون وتشريعه ليكون منظماً للعملية الحزبية وفق مفهوم حرية الرأي والانتماء والتأسيس لكننا في الوقت نفسه نعرف كما هو معروف..

 أولاً: أن الأحزاب تتأسس وفق واقع طبقي وأيدلوجيات لطبقات وفئات اجتماعية وليس لها صلة برغبات شخصية أو جماعية " تجمع كمي على حساب النوع " أي أنها ليست " مودة " يحددها شخص أو أشخاص وفق مصالح ضيقة، بل هي حاجة موضوعية وذاتية تمثل الطبقات والفئات الاجتماعية في المجتمع، تعدد الأحزاب في المجتمعات الرأسمالية أو الأنماط المتداخلة (مثال العراق والكثير من البلدان المتشابهة) نتيجة انقسام المجتمع إلى طبقات تتصارع وفق مصالح بينة على نمطية تفكير الطبقة وممثليها، وهناك تشويه في نظرية القول حول " تسوية التناقضات الطبقية وهذا أمر مستحيل في مجتمعٍ طبقي" لأنها باقية مادام المجتمع مقسوم طبقياً.

ثانياً: الكم غير المدروس كمنطلق عام يضر الحياة الحزبية ويشكل خطراً عليه وقد لا تستطيع جمهرة منها النجاح في الانتخابات في الظروف الطبيعية بوجود قانون انتخابي عادل وبالتالي ستخلق منها تجمعات مترهلة بأسماء وتعريفات تتشابك أو تكاد تمثل أيدلوجية مشتركة لأنها تعتمد على مصالح ضيقة جداً مما يجعل الكثير منها التحول تدريجياً واضطرارياً نحو أحزاب تمثل طبقتها وفئتها الاجتماعية بشكل واضح وغير مُمَوه بالقومية أو الدينية أو الطائفية .

ثالثاً: أن الأحزاب كتنظيم مدني سياسي وفق أسس متعارف عليها بالمعنى العلمي تختلف عن التنظيمات المسلحة العنفية التي تتأسس على أساس التطرف الديني أو القومي أو الأيدلوجي بدون الفهم من أن أساسها طبقياً على الرغم من التسميات.

ثالثاً: ضرورة أن تتناسب الكمية مع النوعية لكي تتضح صورة الفهم الطبقي حتى بالنسبة للديمقراطية الحقيقية.

لقد نشرت مفوضية الانتخابات في 27 / 12 / 2017 عن مصادقتها لمنح إجازة تأسيس (58) حزباً يوم الثلاثاء 26 / 12/ 2017 وبهذا صرح معن الهيتاوي رئيس مجلس المفوضية "أن الأحزاب المذكورة قد استكملت جميع الإجراءات و التعليمات الصادرة عن المفوضية وقواعد السلوك وفقا لفقرات قانون الأحزاب السياسية المشرع من قبل مجلس النواب والتي سيسمح لها بالمشاركة في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة" وبهذا الإعلان ووفق قانون الأحزاب رقم (36) لعام 2015 فقد قامت المفوضية بمنح إجازة إلى (204) حزباً سياسياً له الحق في المشاركة في الانتخابات القادمة التي حددها مجلس الوزراء " في أيار 2018 ، وبهذا على ما يظهر استكملت عملية قيام الأحزاب وتحديدها بالأسماء القديمة منها والجديدة وهي عملية تظهر مدى الجدية في وضع أسس جديدة للرؤيا السياسية في تحديد وجهة العراق القادم على الرغم من أن الوضوح في عملية مشاركة الأحزاب القديمة نسبياً قد أكدتها الانتخابات البرلمانية وانتخابات مجالس المحافظات .. إلا أن ما يميز فترة إجازة (204) حزباً سياسياً والفترة السابقة تدل على تفهم للعملية الحزبية الآنية لكنها تبقى متأخرة عن الفهم الطبقي والجذور الطبقية للتأسيس والأهداف البعيدة، هذا الكم الكبير في عدد الأحزاب التي ستشارك في الانتخابات وفق شروط وضعتها المفوضية سوف يخلق تداعيات منها ايجابي ومنها سلبي، ولا نعرف كيف سيتم التعامل مع هذا العدد الكبير في الانتخابات الذي قد يكون احد أهدافها بعثرة الأصوات ومطالبها وسهولة الاستيلاء عليها، إلا أن ما يحير المطلعين على أوضاع الانتخابات السابقة ومثالبها التي أبرزها التزوير بمختلف أشكاله والاستيلاء على أصوات الانتخابات بواسطة قانون الانتخابات الحالي، هذا القانون الذي مازال يُعمل به على الرغم من المطالبات الواسعة بضرورة سن قانون عادل لا تسرق من خلاله أصوات الناخبين للأحزاب غير المتنفذة والصغيرة من قبل القوى صاحبة القرار فكيف الآن وقد ازدادت هذه الأحزاب عشرات المرات عن السابق؟

إن الكم الكبير في ظهور وتأسيس أحزاب يحتاج إلى التدقيق في الحياة الحزبية القادمة وان لا يكون هذا الكم تحت أبط القانون الانتخابي الجائر وبالتالي لتكون حجة على فشل الحياة الحزبية وعدم الحاجة لها وهناك تجربة في اتهامات أطلقت في السابق وأصحابها معروفين، بان الأحزاب هي شر يخرب العلاقات السياسية وبدلاً من التقدم والنجاح هو التخلف والصراع والفشل لأن البلاد لا تحتاج إلى الأحزاب وان الحزبية سوف تضر البلاد وتدفعها للتطاحن والحرب وتهديد للسلم الاجتماعي مع العلم أن العراق وطوال عهوده منذ تأسيس الدولة العراقية وحتى هذه السنين ما بعد السقوط لم يكن السلم الاجتماعي متيناً بالقدر المعروف وهناك هزات اجتماعية وسياسية وحروب طاحنة خارجية وداخلية مع العلم أن العراق كان بدون قانون ينظم الحياة الحزبية ويحدد وجودها وتأسيسها وهي تجربة تكاد أن تكون خير مثال على خطأ ما أشيع ويشاع عن الأحزاب والحياة الحزبية السياسية بأنها هي الأساس في تخريب العراق.  

 

  مصطفى محمد غريب

amir salih2اندلعت الاحتجاجات الشعبية الايرانية في اكثر من عشرة مدن وقد خلفت ورائها لحد الآن اكثر من عشرين قتيل ومئات الجرحى و450 معتقلا سيحالون للمحاكم لأصدار الاحكام بحقهم. مما لاشك فيه ان الاحتقانات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بلغت مدايات واسعة بفعل الازمة الاقتصادية العامة الناتجة من الحصار الخارجي الى جانب السياسات الاقتصادية الداخلية التي يشكل اقتصاد البازار سمة طافحة لها، والذي انعكس بشكل جلي على تدني اشباع المطالب الاساسية اليومية، الى جانب التضييق على الحريات الشخصية والسياسية التي يعاني منها المجتمع الإيراني والناتجة من طبيعة النظام الاثيوقراطي المتشبث بخطاب ديني يضفي على السياسة بعدا دينيا تقهقريا متخلف عنن ظروف الحياة المعاصرة ومتطلباتها المادية والروحية، ورغم ان القياس نسبي هنا، فالكثير من بلدان الاقليم العربي والاسلامي أشد وطأ في ظلمها ورجعيتها واستبدادها واضطهادها من النظام الإيراني، بل هامش الحرية في الشارع الإيراني أوسع بكثير من الكثير من الدول الخليجية، والتي يقف البعض منها محرضا الشارع الإيراني ويدعوه الى الخلاص من نظام الملالي، وهم يفترض ان يوجهوا حرابهم الى صدور انظمتهم قبل توجيها الى النظام الإيراني.

ان الحراك الاجتماعي الشعبي الإيراني يستمد شرعيته من عوامل داخلية موضوعية بحتة تعكس أزمة النظام في مختلف ابعادها، ومطالب الحراك واضحة في تحسين ظروف العيش والنأي عن الصراعات الاقليمية وعدم التدخل في شؤون البلدان الداخلية المجاورة وغيرها، ولكن ليست من المستغرب في خضم الصراع الاقليمي الذي شكلت ايران احد اقطابه، ان تقوم الاطراف الاخرى والسعودية منها بشكل خاص الى جانب بعض من البلدان الخليجية بمحاولات لحرف مسار الاحداث وتوجيهها بما يفضي الى الانتقام ليست من النظام الإيراني بحكم العداء المستديم له، ولكن من الشعب الايراني وعلى شاكلة ما جرى لبلدان " الخريف العربي " حيث عم الخراب في ليبيا وسوريا واليمن وجزئيا في مصر والعراق، وجرى الانتقام من الشعوب وليست الحكام. 

ومن هنا تجري محاولة حرف اهداف ومسار الحركة الاحتجاجية السلمية والمشروعة تمهيدا الى خلق مقدمات لنهج تخريبي يستهدف مؤسسات الدولة وتدمير البنية التحتية الايرانية وخلق الفوضى وبالتالي حرف مسارات الاحداث لخلق بيئة مؤاتية ينتعش فيها الارهاب المدمر كبديل عن الحراك الاجتماعي السلمي.

أن الأمن الاقليمي والهش بطبيعة اقطابه والناتج من الصراعات الطائفية السياسية والاثنية يدخل الآن في مراحله الأشد خطورة من خلال تدخل دول المنطقة في الشأن الإيراني، وان الاجندة الخارجية ذات الصبغة الطائفية السياسية ستصب النار على الزيت لبلوغ الصراع ذروته المدمرة والغير متوقعة. كما ان الموقف الامريكي الداعم شكليا لمطالب الحركة الاحتجاجية الإيرانية يعكس محورية التحالف مع السعودية، وكان من الافضل والاجدر ان تنفذ امريكا ترامب قانون " جاستا " الخاص بالارهاب والذي وضع السعودية وقطر والامارات تحت المسائلة والعقاب الصارم ولتوفير ظروف موضوعية افضل للتغير الشامل في المنطقة، إلا ان صفقة ال 500 مليار دولار التي جنتها امريكا من السعودية والخليج بساعات أعمت بصيرة ترامب ودفعته الى تبني مواقف تغذي الصراع الاقليمي بل وتغذي الارهاب في المنطقة.

ويبقى الحراك الاجتماعي الإيراني مشروعا ومشروطا باهدافه المعلنة لحد الآن وبقواه الداخلية المحركة له وقدراتها الذاتية على خلق حالة من التوازن المطلوب لأحداث التغير الجذري في طبيعة النظام الايراني بما يستجيب للمطالب الشعبية العادلة وبعيدا عن الاجندة الخارجية التي تتربص للحراك الاجتاعي لحرف اهدافه الحقيقية لتنفيذ اهداف الشعب الايراني في الحرية والديمقراطية والتقدم الاجتماعي.

وفي الختام نقول ان في علم الثورة هناك عاملين اساسسين لأحداث التغير السياسي، اولهما موضوعي ازمة اقتصادية وسياسية خانقة لا يستطيع النظام القديم التكيف معها او الاستمرار على طبيعته في الحكم، وهناك عامل ذاتي تجسده القوى الجديدة الناهضة التي تقود التغير ومدى تنظيمها ووعيها وانضباطها وقدراتها الذاتية لقيادة نضالها والاستمرار فيه، والعلاقة المترابطة بين ما هو ذاتي وموضوعي هي التي ستحسم الاحداث والى اي وجهة تسير، ولكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن !!!.

والتاريخ القريب يحدثنا عن فواجع، فقد جاء النظام الاسلامي الإيراني على خلفية ثورة شعبية ضد نظام الشاه ولم تكن القوى المحركة للثورة اسلامية، بل كان اليسار الاجتماعي قدره غير قليل فيها، وكذلك في العراق وبعد سقوط نظام صدام وبفعل تأخر نضوج العوامل الذاتية وتخلفها عن قيادة التغير فقد اخلت المقاعد الامامية للاسلام السياسي ليتصدر المشهد بديمقراطية عرجاء، وكذلك بلاد "الخريف  العربي" حيث اختفى تأثير القوى ذات المصلحة الحقيقة في التغير عن المشهد السياسي ليحل الخراب والدمار والموت والفتاوى، ويصح هنا مأثور القول لجيفارا " الثورة يخطط لها الأذكياء وينفذها الشجعان ويقطف ثمارها الجبناء " ولكن حكمة التاريخ تقول ان الحكام زائلون مهما بلغوا والشعوب باقية !!!.

 

د. عامر صالح 

خلال شهر تشرين الثاني 2017 انعقد المؤتمر التاسع عشر للحزب الشيوعي الصيني الحاكم برئاسة الرئيس الصيني القوي شي جينبنغ، وقد خرج هذا المؤتمر المهّم باستراتيجيّة يصل مداها الى منتصف القرن الحالي 2050 تضمنّها التقرير الصادر عنه. استُتبع هذا المؤتمر بمؤتمر الحوار رفيع المستوى لأحزاب على مستوى العالم شاركت فيه وفود من 120 دولة تحدّث اليهم مباشرة الرئيس شي، ومسؤولين كبارا في الحكومة الصينيّة وفي الحزب الشيوعي الصيني، وكان التوجه واضحاً وصريحاً بوجوب مأسسة هذاالمؤتمر ليكون فاعلاً وناشطاً ومؤثراً خلال السنوات القادمة، طبعا من خلال الإستراتيجية المنوّه عنها آنفاً.

بالمقابل فقد أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب استراتيجيّة الأمن القومي الأميركي. فماذا في كلا الإسترتيجيّتين الصينّية والأميركيّة، وهل هما على لقاء ام افتراق، ولمن الغلبة بينهما؟

ابرز ما جاء في استرتيجيّة الأمن القومي الأميركي:

1- إعادة بناء القوّة العسكريّة الأميركيّة لضمان بقائها في المرتبة الأولى (ذلك يؤكدأن القوة العسكريّة الأميركيّة قد تراجعت ومُنيت بنكسات ظهرت واضحة في السنوات الأخيرة أمام المقاومة العربيّة في العراق وسورية ولبنان).

2- الحفاظ على توازن القوى لصالح الولايات المتحدّة الأميركيّة في المناطق الرئيسيّة من العالم: الهند والمحيط الهادي واوروبا والشرق الأوسط! (كيف يكون ذلك وقد استطاعت روسيا تثبيت قواعدها في سوريا فيما لم تكن كذلك في السابق، كما انها استعادت جزيرة القرم ولم تتراجع في اوروبا، اما في المحيط الهادي فقد دعا الرئيس ترامب في 9 تشرين الثاني 2017 الصين الى الإنخراط بصورة كاملة لحل الأزمة الكوريّة، أي طلب الوساطة الصينيّة، وهي ليست المرّة الأولى).

3- الولايات المتحدة الأميركية لن تتسامح بعد الآن مع العدائية الإقتصادية او الممارسات التجاريّة غير العادلة (إتهام للصين، في الوقت الذي ارتقع فيه عجز الميزان التجاري بين الصين وأميركا الى 368 مليار دولار في العام 2017 فيما كان 347 مليار دولار في العام 2016).

4- مواصلة تعزيز النفوذ الأميركي في الخارج لحماية الشعب الأميركي وتعزيز الإزدهار (طبعاً عن طريق المزيد من الممارسات الإستعماريّة والعدوانيّة التي اتسمت بها السياسة الأميركيّة منذ الحرب العالميّة الثانية حيث كانت البداية في هيروشيما ونكازاكي وليس آخرها في العراق وأفغانستان وسورية وليبيا وغيرهم من الدول التي دُمّرت ودفعت شعوبها عشرات ملايين الشهداء والمعاقين والمهجرّين نتيجة الرغبات الأميركية الجامحة في تعزيز النفوذ على حساب الشعوب والمبادىء والقيم الإنسانيّة).

 باختصار فإن ملامح الإستراتيجيّة الأميركيّة هي ملامح عدوانيّة نتيجة أحلام استعماريّة متأصلّة، في الوقت الذي تغيّر فيه العالم، فلم تعد الولايات المتحدّة الأميركيّة بتلك القوة التي امتلكتها في بداية تسعينيات القرن الماضي حين سقط الإتحاد السوفياتي وتحوّل العالم الى نظام القطب الواحد. وقد بشّرت الإدارات الأميركيّة آنذاك بأن القرن الواحد والعشرون سيكون قرناً اميركيّاً فإذ بالأميركيين يضطرون للإنسحاب عسكريا من العراق والتراجع في افغانستان قبل نهاية العقد الأول من القرن، وإذ بأسوأ ازمة اقتصادية تصيب الأسواق الأميركية عام 2008 ولا تزال آثارها مستمرة حتى الآن باعتراف الرئيس ترامب بقوله "سنعيد تنشيط اقتصادنا").

ابرز ما جاء في الإستراتيجية الصينية من خلال كلمة الرئيس شي جينبنغ في مؤتمر الحزب الشيوعي الصيني التاسع عشر وفي افتتاح مؤتمر الحوار رفيع المستوى في بكين الذي شاركت فيه وفود من 120 دولة من مختلف القارات وأشكال النظم السياسية والإقتصادية:

1- الصين ترفع راية "السلام والتنمية والتعاون والفوز المشترك"، والتواصل بين الدول على قاعدة " الحوار لا المجابهة والشراكة لا الإنحياز "و" احترام تنوع حضارات العالم، وتجاوز الحاجز الحضاري بالتبادل الحضاري وليس التصادم الحضاري، وبالإستفادة المتبادلة حضاريا وبالتعايش الحضاري".

2- مواجهة التحديات العالمية بالتعاون: "لا تستطيع دولة بمفردها مواجهة التحديات الكثيرة التي تواجه البشريّة، ولا تستطيع اية دولة في الوقت نفسه ان تنسحب الى نوع من العزلة"، لذلك "ينبغي ان يقوم مصير مشترك للبشريّة على الإحترام المتبادل والتنوع والحوار القائم على المساواة والتعايش السلمي بين الحضارات المختلفة، ولا يتعيّن تعزيز النظام العالمي من قبل بلد واحد او بلدان قليلة". وقد سبق ان قال الرئيس شي جينبنغ بوضوح تام وبصراحة مطلقة في منتدى بواد الآسيوي عام 2015: "كون دولة ما هي دولة كبرى خلال هذا العصر فلا يعني ذلك فرض السيطرة على الآخرين، إنما يعني تحمّل أكبر للمسؤوليات من أجل السلام والتنمية على المستويين العالمي والإقليمي".

3- إضفاء الطابع الديمقراطي على العلاقات الدوليّة، والسعي لإنشاء منصّة جديدة للتعاون الدولي، وزيادة المساعدات للدول النامية، وتعزيز التبادل والتعاون بين الحزب الشيوعي الصيني والأحزاب والمنظّمات السياسيّة في مختلف الدول.

4- إدراك أن النوايا الحسنة لا تحقق وحدها الأحلام الكبيرة وسط غابة المصالح الدوليّة وتمسّك البعض بأحلام السيطرة الإستعمارية والخروج على كل القوانين والأعراف الدوليّة. لذلك تُقر الإستراتيجية الصينيّة بالتمسك بالتوحيد "بينإثراء الوطن وتقوية الجيش". فينبغي "بناء الدفاع الوطني القويّ والمتين والحديث للدفاع عن حدودنا ومجالينا البحري والجوّي"، كما يتعيّن رفع الجودة والفعاليّة في عمليّة بناء الدفاع الوطني والجيش للتكيّف مع اتجاه تطوّر الثورة العسكريّة الجديدة ومطالب أمن الدولة، والإرتقاء بالقدرة الإستراتيجيّة الى حد كبير بحلول عام 2020، وتحقيق عصرنة الدفاع الوطني والجيش بشكل اساس عام 2035، وتحويل الجيش الشعبي الى جيش من الدرجة الأولى في العام 2050". و "كي يتحقق ذلك فعلى اللجنة العسكريّة المركزيّة في الصين وعلى الشرطة المسلّحة دراسة روح مؤتمر الحزب التاسع عشر بدقّة". الجدير ذكره أن الصين هي من أكبر المساهمين في بعثات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في العالم، كما أنه لأول مرة في التاريخ تبني الصين قاعدة عسكريّة لها خارج الصين، إنها قاعدة جيبوتي التي تضم 3000 ضابط وجندي صيني".

5- ان التركيز على بناء القوة العسكريّة الصينيّة ليس من باب السيطرة الإستعمارية بطبيعة الحال، فالصين لم تكن يوما بهذا التوجّه وهي التي عانت من استعمار الآخرين لها طوال قرون، ولم تتخلّص منه إلاّ بثورة شاملة امتدت على مدى ثلاثة عقود بقيادة ما وتسي تونغ. لقد نالت الصين استقلالها عام 1949، واستطاعت خلال سبعة عقود ان تصبح بهذه القوة الإقتصاديّة، وان توفّر الحياة الكريمة لشعبها وأن لا يبقى في الصين سوى 60 مليون فقير من أصل اكثر من 1300 مليون مواطن، وهذا العدد الى تقليص في السنوات الخمس القادمة وفق استراتيجيّة البناء الداخلي التي قررها مؤتمر الحزب التاسع عشر.إن بناء القوّة العسكريّة الصينيّة ينسجم في تقديرنا في إطار ما قاله الرئيس العربي الراحل جمال عبد الناصر من ان "الحق بدون القوّة ضائع".

6- باختصار فإن هدف الإستراتيجيّة الصينيّة هو "بناء عالم مفتوح وشامل ونظيف وجميل ينعم بالسلام الدائم والأمن الشامل والرخاء المشترك" والقضاء على تفاقم ظاهرة "زيادة الغنيّ غنىً والفقير فقراً".

بعد استعراض كلا الإستراتيجيّتين لمن الغلبة، وأيهما أقرب الى التحقيق والنجاح؟

 قبل الإجابة لا بد من التذكير بما يلي:

1- أن ميزان القوى الدوليّة يميل الى توازن اكثر بين الأقطاب، فلم تعد سياسة القطب الأوحد هي السائدة، ولم تعد أحلام الإمبراطوريّة الأميركيّة قابلة للتحقيق في ظل هذه المتغيرّات، فضلاً عن أن كثيراً من الإستراتيجيّين ومنهم بول كنيدي يؤكدّون ان الولايات المتحدة الأميركيّة لا تملك مقوّمات الإمبراطوريّة في الأساس.

2- إن العقدين الأخيرين أثبتا تراجع القوّة الأميركيّة وقد انعكس ذلك تخّبطا في البنية السياسيّة الأميركيّة، حتى بات البعض يرى في ما يجري من تضارب في السياسات بين الأحزاب الأميركيّة وداخل الحزب الواحد تعبيراً عن ازمة بنيوية وليس مجرد ازمة سياسيّة عابرة.

3- إن إدارة ترامب مهتّزة وبعضهم يتوقع عدم قدرته على استكمال ولايته، فيما افكار الرئيس الصيني شي جينينغ تم إدخالها في الدستور الصيني، بمعنى أنها لم تعد افكاراً عظيمة صادرة عن رجل عظيم، انما هي افكار دخلت في صلب التجربة الصينيّة واصبحت ملزمة للحكومات اللاحقة باعتبارها مواداً دستوريّة وليست افكارا صادرة عن شخص برتبة رئيس.

4- إن منطلقات الإستراتيجيّة الصينيّة هي منطلقات إنسانيّة، فيما مٌنطلقات الإستراتيجيّة الأميركيّة هي منطلقات عدوانيّة استعماريّة تقوم على مبدأ المغامرات وقهر الآخرين، وسلبهم ثرواتهم واستعبادهم. واذا ما أخذنا بعين الإعتبار الميل الفطري للإنسان نحو العدالة، فإن الشعوب بالتاكيد تقف الى جانب صاحب المنطلقات الإنسانيّة وليس صاحب المنطلقات العدوانيّة.

5- إن من يقارن بين شخصيّة ترامب وشخصيّة شي، يجد أن الأول متوتّر، انفعالي،واستفزازي للآخرين. فيما الثاني هادئ الطباع، واثق بنفسه، يحظى باحترام ومحبّة شعبه وتقدير رفاقه في الحزب. يضاف الى ذلك أن أفكار شي تتحوّل تلقائيّا الى برامج تنفيذيّة، فيما كلام ترامب يلقى صدّا وردّا وتمييعاً داخل جهات واسعة في حزبه ومن خلال الكونغرس وتضارب مصالح المؤسّسات العسكريّة والمؤسّسات السياسية، يشهد على ذلك التباينات بين البنتاغون ووزارة الخارجيّة والإستقالات المتتالية من إدارة ترامب التي سجلّت رقماًّ قياسيا بتاريخ إدارة رؤساء أميركا.

الخلاصة: من كل ما تقدّم يمكن القول بثقة كبيرة أن المستقبل يشي بانتصار الإستراتيجيّة الصينية وهزيمة الإستراتيجية الأميركيّة.

عدنان برجي – مدير المركز الوطني للدراسات

امين العلاقات الخارجية في اتحاد الكتّاب اللبنانييّن

 بيروت

 

 

ibrahim abrashتهديد ترامب بقطع المساعدات عن السلطة الفلسطينية يندرج في إطار سياسة قديمة تقوم على توظيف القروض والمساعدات والمنح من الدول الكبرى للدول الفقيرة للتأثير في مواقفها وسياساتها، وبالتالي فإن كلمتي منح ومساعدات ليست في محلها، وإن كانت الأضواء سُلطت على الموضوع مؤخرا إلا أن الموضوع ومنذ ستينيات القرن الماضي كان محل بحث واهتمام المفكرين والباحثين من ذوي التوجهات الثورية التحررية المناهضة للاستعمار (مدرسة التبعية) .

كانت الشكوك كثيرة بأنه يتم توظيف المال والمساعدات الخارجية كأداة هيمنة بيد الدول الكبرى و كانت النتيجة التي تم التوصل لها أن جزءا صغيرا فقط من هذه المساعدات يتم تقديمها انصياعا لواجبات دولية تنص عليها المواثيق والمنظمات الدولية أو لاعتبارات إنسانية، الجزء الأكبر من هذه الأموال لا يندرج في هذا السياق بل في سياق نهج لتوجيه الأمور بما يعزز العلاقات الاقتصادية غير المتكافئة بما يُمَّكِن الجهات المانحة من التحكم الاقتصادي والسيطرة السياسية في البلدان الفقيرة، ولتسهيل إقامة قواعد عسكرية أو استعمال مطارات وموانئ هذه الدول لخدمة الدول المانحة، أيضا توظيف هذه المساعدات للتحكم في سياسات هذه الدول سواء في التصويت في الأمم المتحدة أو لإكراهها الدخول في تحالفات عسكرية . 

قد اعترف رؤساء أمريكيون بحقيقة أهدافهم من تقديم المساعدات لدول العالم الثالث، فالرئيس الأمريكي جون كيندي قال عام 1961 : "إن المساعدات الخارجية هي أسلوب تحافظ به الولايات المتحدة الأمريكية على النفوذ والسيطرة في العالم أجمع "، أما الرئيس الأمريكي نيكسون فقد قال في عام 1968 "دعونا نتذكر أن الهدف الأساسي للمساعدات الأمريكية ليس هو مساعدة الأمم الأخرى، بل مساعدة أنفسنا ". وما يتحدث به ترامب اليوم لا يخرج عن هذا السياق ولكن ترامب يطرحه بشكل أكثر فجاجة .

وعمليا فإن كل الدول الكبرى توظف المال السياسي سواء للتأثير في سياسات الدول الفقيرة بل وتغيير أنظمة الحكم فيها إن لزم الأمر، وكان هذا الأمر واضحا في توظيف واشنطن لهذه المساعدات مع العديد من دول أمريكا اللاتينية من خلال الدور الذي لعبته الكارتيلات الاقتصادية الكبرى في الانقلاب على الأنظمة الشرعية والتقدمية، أيضا في دول الشرق الاوسط وأفريقيا .

المستَجَد في الأمر أن دور المال السياسي في التأثير على الحياة السياسية  أصبح علنيا ويأخذ شكلا استفزازيا،كما أن المال السياسي الخارجي لم يعد يُقدم للحكومات فقط بل أيضا لأحزاب وجماعات معارضة مشتبكة في حروب أهلية مع النظام القائم،أو لشخصيات قيادية مباشَرة دون المرور عبر القنوات الرسمية للدولة، ولمنظمات مجتمع مدني هدفها إفساد المجتمع وإثارة الفتنة، وفي نفس الوقت يتم معاقبة الحكومات غير المسايرة لنهج الجهات المانحة بالتهديد بقطع المساعدات المالية عنها أو بالحجز على أموالها المودَعة في الخارج  .

إن ما تسمى مساعدات ومنح هي أكذوبة كبرى لأن الدول المؤسسات المالية الدولية هي المستفيد الأول منها أكثر من استفادة الشعوب المتلقية، وهي مساعدة للحكام والنخب السياسية وليس للشعب . جزء كبير مما تسمى مساعدات ومنح تعود مباشرة للدول المانحة من خلال أجور مكاتب استشارات وخبراء أو صفقات تسليح، والجزء الآخر يعود للدول المانحة مضاعفا من خلال تبعية اقتصادية وعلاقات غير متكافئة، وهو ما كشفته تحقيقات موضوعية،منها دراسة قيّمة للمفكر المغربي العلامة المهدي المنجرة منذ سنوات توصل فيها بخلاصة أن كل دولار يصل للدول الفقيرة يعود بالفائدة على الدول (المانحة) على المدى البعيد بسبعة أمثاله .

ضمن هذا السياق فإن المساعدات التي التزمت الجهات المانحة بتقديمها للسلطة الفلسطينية لم تكن لاعتبارات إنسانية بل كانت مرهونة بالتزام السلطة بعملية السلام بالرؤية الأمريكية وقد هددت واشنطن بقطع أو تخفيض هذه المساعدات إن خرجت السلطة عن نهج التسوية السياسية وقد حدث ذلك بالفعل في عهد أبو عمار وبعد ذلك عندما فازت حركة حماس بالانتخابات في يناير 2006، أيضا المساعدات العسكرية التي تقدمها واشنطن لمصر ارتبطت بتوقيع هذه الأخير في عهد السادات على اتفاقية كامب ديفيد مع إسرائيل وقد هددت واشنطن بتخفيض هذه المساعدات كعقاب لمصر على بعض سياساتها المتعارضة مع السياسة الامريكية، وتهديد واشنطن بإعادة النظر في المساعدات التي تقدمها للدول التي صوتت على قرار الجمعية العامة بإدانة واشنطن ودعم الموقف الفلسطيني من قضية القدس تندرج في نفس السياق .

أما بالنسبة للتهديد الأخير بقطع المساعدات عن السلطة الفلسطينية فإن واشنطن لم تقدم يوما المساعدات للفلسطينيين لاعتبارات إنسانية سواء التي يتم تقديمها لوكالة الغوث أو للسلطة الفلسطينية، حيث كان الهدف من المساعدات التي يتم تقديمها للأونروا التهرب من تطبيق قرار 194 الذي يطالب بعودة اللاجئين،  أما المساعدات التي يتم تقديمها للسلطة فهي مقابل اعتراف منظمة التحرير الفلسطينية بإسرائيل والتزام السلطة بالتسوية السياسية أو صيغة أخرى بوقف المقاومة ضد إسرائيل .

بعد أن استنفذت واشنطن اغراضها من وجود عملية سياسية ومفاوضات طوال ربع قرن، وبعد أن مكنت إسرائيل من التهام غالبية أراضي الضفة والسيطرة الكاملة على القدس ومع اعتقادها بأن الشعب الفلسطيني بات رهين المنح والمساعدات الخارجية  فإنها تريد توظيف المساعدات لمزيد من ابتزاز السلطة الفلسطينية .

الخطورة في تهديدات واشنطن أنها جزء من سياسة تمثل انقلابا على كل عملية التسوية السياسية، بدأت بقضية القدس ثم قضية اللاجئين من خلال التلويح بوقف دعم وكالة الأونروا لتصفية قضية أللاجئين الفلسطينيين . ولكننا نعتقد أن واشنطن لن توقف المساعدات كليا لأنها لا ترغب في انهيار السلطة الآن ولكنها ستوظفها للضغط على السلطة والرئيس أبو مازن وابتزازهما للتعامل مع مشروع تسوية جديد والعودة لطاولة المفاوضات وللتأثير على جهود عقد اجتماع المجلس المركزي منتصف الشهر  إما لتأجيله أو التأثير على مخرجاته وخصوصا الحيلولة دون الخروج بقرارات قوية كالإعلان عن الانتقال من سلطة حكم ذاتي إلى دولة تحت الاحتلال أو التراجع عن الاعتراف بإسرائيل الخ، وربما ستغير واشنطن شروطها لتقديم المساعدات من خلال اشتراط صرفها في مجالات محددة أو توجيه المساعدات لجماعات فلسطينية أخرى مستعدة للقبول بما يرفضه الرئيس أبو مازن، وبطريفة غير مباشرة سيؤثر أي تخفيض للمساعدات على المصالحة حيث لن تتمكن السلطة من تغطية مرتبات جميع الموظفين وهي العقبة أمام تقدم المصالحة وهو ما قد ترغب به واشنطن وتل أبيب أيضا .

 

د. إبراهيم ابراش

 

 

abdulkalil alfalahكثيراً ما سمعنا الأمريكان يتحدّثون عن مبادئهم "السّامية "وما يُسمّى بقيم الولايات المتّحدة العليا، ويسعون لكسب انتصار بمنطق التهديد للمنظمات العالمية على حساب القرارات الدولية فلا يعترفون بالخطأ فحين نقف على جرائمهم الّتي يرتكبونها في الأرض و فضائح سياسييهم للعالم تهز مشاعر الاحرار. أمريكا تحمل معها منذ عقود مشروع السيطرة على العالم ، وقد كشفها بشكل عيان دون رتوش الرئيس الامريكي دونالد ترامب ومبادراته  وسلوكه الاجرامي الغير متزن بحق الشعوب الحرة  جعلت صورة أمريكا اكثر من ذي قبل في الحضيض . وما أثارت عليها مسألة اعتراف الرئيس الأمريكى (ترامب) بالقدس عاصمة للدولة اليهودية الصهيونية بعيداً عن مشاعر اكثر من مليار وثلاثمائة مليون مسلماً فكانت القشة التي قصمت ظهر البعيروسببت في مناقشات واسعة وحوارات مستفيضة حول غياب العدالة فى العلاقات الدولية وتطبيق سياسة ازدواج المعايير والكيل بمكيالين فى التعامل على المستويين الإقليمى والدولى والحقيقة بدت دون منال وواضحة دون شك ان القضية الفلسطينية لأصحابها قضية عادلة باعتراف معظم دول العالم، وتكفى تلك الاحتجاجات الضخمة في مدن وعواصم عالمية استنكاراً لهذا العمل  والخطوة الصحيحة التي تم التصويت عليها في الجمعية العامة للأمم المتحدة ضد قرار نقل السفارة الأمريكية إلى القدس واعتبارها عاصمة للكيان الصهيوني وقد جاء ذلك التصويت بأغلبية كبيرة 128 صوتاً لصالح القرار ووضع الولايات المتحدة الأمريكية فى موقف محرج ومخجل والشعوربالانهزام وتثبت أن الرئيس الأمريكى يفتقر إلى الحكمة ويفتقد القدرة على فهم ما يجرى حوله فى عالمنا المعاصر. ان على أمريكا التي تدعي الدفاع عن الحرية والديمقراطية سماع صوت مناداة الشعوب وألا تصادر المشاعر الحقيقية للشعوب الاسلامية ، فهذه الأمة التي هي أكثر أمم الأرض عبادة لله وإيماناً بالعدل لم تفعل ذلك عن عداوة عنصرية أو نـزعة شريرة، بل شاركها العالم كله في الدفاع عن مطالبها الحقة في القدس كعاصمة لفلسطين، واشنطن وحلفاؤها يضربون بسيف تطبيق ومصالحهم ، ولو كانوا يريدون الديمقراطية حقاً ويسعون لتحقيقها لما تدخلوا في الشأن الداخلي للشعوب التي تبحث الحياة الكريمة . ويثيرون الفتن عن طريق اذنابهم. الديمقراطية الذي تبنيه الولايات المتحدة الأمريكية عرجاء وعمياء بدون رأس حتى وهي تسعى من خلال وجودها في افغانستان لتحقق نتائج استراتيجية كتقليص نفوذ روسيا  وزرع قواعد عسكرية لها وتوسيع نفوذها في المنطقة وإحكام سيطرتها على أسيا الوسطى، وجلبوا قواتهم العسكرية إلى حدود العمالقة الثلاثة: الصين والهند وروسيا . واليوم تحاول تطويق الجمهورية الاسلامية الايرانية بكل اشكال الطرق الرخيص وهي لاتخجل من فشلها الدائم منذ قرابة اربعون عاماً في انتظار معجزة ويقابل بوعي لشعب مضحي وحريص على قيمه والدفاع عن مبادئه وتطالب مندوبة أمريكا في الأمم المتحدة نيكي هيلي بتدخل سافر ، عقد اجتماع طارئ لمجلس الأمن الدولي لبحث الوضع في إيران والذي جوبه بالرفض من قبل رئيس الدورة الحالية للمجلس باعتبار الامر داخلي وليس من صلاحيات المجلس نتيجة احداث طبيعية جزئية واستخدمت واشنطن في الأيام الأخيرة، أدوات مختلفة بما فيها الأموال والأسلحة والسياسة والاعلام المفبرك والاستخبارات لخلق مشاكل في البلد والتأمر عليه من خلال ابواق داخلية قليلة شاذة وبعيداً عن الممارسات الصحيحة والاساليب الحضارية  للمطالبة بالحقوق وفي حفظ الاموال العامة  .مجمل العملية هي جزء من السياق العالمي في مواجهت مسار محور المقاومة وتدفع ايران ثمن دعمها لهذا المحور بكرامة وتقف معه وتفتخر بذلك وشعبه تحلى بالوعي والدفاع عن القيم الاسلامية والانسانية النبيلة ولايمكن التخلي عنها بسهولة ومهما كان الثمن.

 مشاكل الشرق الأوسط لابل العالم كله من صناعة الولايات المتحدة الامريكية دون ايجاد  حلول سلمية عبر الحوارات  كما حصل في أوروبا من خلال الاتحاد الأوروبي وكما حصل مع جنوب شرق آسيا .كما المشكلة  الاهم ان المنطقة العربية ليس بها أنظمة ديمقراطية حقيقية على الاكثر وبالتالي هذه الدول لا تعرف الحوار ولا تصفي حساباتها إلا عبر "الخراب و الدماروالقتل" ومن هنا كانت احداث سوريا والعراق والبحرين واليمن وليبيا الدامية  و أن حالة عدم الاستقرار في المنطقة وغياب الديمقراطية يسبب إجهاضاً لعمليات التحول الديمقراطي في اي بلد من بلدان المنطقة عن طريق الدول الرجعية التابعة لسياساتها .  أن أمريكا تدوس على الشعوب وعلى الديمقراطية كي توصل عملائها إلى حكم بلدانها، فلا معنى عندها لإرادة الشعوب ما لم تكن متطابقة مع ارادتها .وما المسار الذي سلكته لتطور المشروع الصهيوني على أرض الواقع إلى نمط من العلاقة القائم حالياً بين الولايات المتحدة، بصفتها القوة المهيمنة والممثلة لمصالح الإمبريالية الغربية، و الكيان إلاسرائيلي الحالية، وهو الكيان الأكثر انتهاكاً للقانون الدولي والأكثر خرقاً للسلم والأمن الدوليين بصفته الثمرة لهذا المشروع وهو جزء من السياسة العرجاء والعمياء للولايات المتحدة الامريكية .امريكا لا تجد  نفسها  اخيرا سوى انها دخلت فى دوامة المزيد من المعاناة والاضطرابات السياسية التى تؤدي بالتالى إلى مزيد من التدهور السياسة والاقتصادى وعدم الاستقرار والكثير من تلك القلاقل التى لم تكن تتوقعها اذا ما بقيت تسير في هذا الاتجاه الغير صائب.. أمريكا نفسها هي التي قامت فيها حرب أهلية بسبب التفرقة العنصرية، وهي التي مارست أشد أنواع التفرقة ضد السود، وما موقفها من جنوب افريقيا ونلسن مانديلا إلا صورة سيئة من المواقف العنصرية سجلتها في التاريخ البشري.

 

عبد الخالق الفلاح – باحث واعلامي

حتى نفهم ما يجري جيداً لابد من تحرير بعض المصطلحات، فالسلطة الفلسطينية ليست دولة ذات سيادة وإنما هي هيئة ادارية نشأت بموجب إتفاق أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية والدولة العبرية برعاية أمريكية وأوروبية.

هذه الهيئة الإدارية الفلسطينية تمتعت بموجب هذا الآتفاق بصلاحيات أمنية وإدارية محدودة على جزء من الاراضي الفلسطينية مقابل التزامها بما سمي في حينها بالعملية السلمية والتي تعني نبذ العنف والاعتراف بسيادة إسرائيل على المناطق الفلسطينية المحتلة في العام 1948م داخل حدود ما يعرف بالخط الأخضر، والالتزام بالمفاوضات المباشرة مع إسرائيل كوسيلة  للتوصل لحل نهائي يتعلق بمستقبل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967م أو ما يعرف بالضفة الغربية وقطاع غزة، والتفاوض كذلك حول وضع نهائي للجزء الشرقي من مدينة القدس المحتل عام 1967م.

تبعاً لذلك قامت الإدارات الامريكية المتعاقبة بتمويل جزء كبير من نفقات السلطة الفلسطينية وقامت إسرائيل كذلك بتحويل مقتطعات الجمارك التي تحصلها على البضائع المستوردة للتسويق في مناطق الاراضي الفلسطينية للسلطة.

مقابل ذلك قامت السلطة بإدانة العنف ونزع سلاح قوى المقاومة الفلسطينية الناشطة في مناطقها والإنخراط في جولات تفاوض.

عندما قام الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات بالتشجيع على العنف ضد اسرائيل وتمويل منظمات مسلحة بعد فشل المفاوضات مع اسرائيل في آواخر إدارة الرئيس الامريكي بيل كلينتون خلال ما يعرف بانتفاضة الأقصى، قامت اسرائيل بإجتياح مناطق السلطة وتصفية الاخير لأنها إعتبرت ذلك خرقاً للإتفاق.

بعد وصول الرئيس الحالي محمود عباس الى سدة الرئاسة الفلسطينية قام بإدانة العنف وإعلان التزامه بإلاتفافيات الموقعة والعودة إلى طاولة المفاوضات، لكن هذه المفاوضات لم تسفر عن شيء بعد ذلك مما أصاب  الشعب الفلسطيني بالاحباط وأنتج فوز حركة حماس بمعظم مقاعد المجلس التشريعي الفلسطيني وتشكيلها لحكومة فلسطينية جديدة.

قام المجتمع الدولي بمقاطعة هذه الحكومة بإعتبار أن حماس لا تعترف بإسرائيل ولا تنبذ العنف ولا تلتزم بالاتفاقات الموقعة مما ادى لوقف تمويل السلطة .

بعد ذلك قام الرئيس محمود عباس إثر قيام حكومة حماس بتصفية وجود مؤسسات السلطة الأمنية التابعة لحركته " فتح" في قطاع غزة بحل الحكومة وتشكيل حكومة مكونة من حركة فتح مما أعاد الاعتراف الدولي والتمويل.

لم تسفر المفاوضات منذ حينها بإحراز أي تقدم يذكر، ورجع الإحباط ليصيب الشارع الفلسطيني وزاد الطين بلة وصول الرئيس ترمب الى سدة الحكم في الولايات المتحدة وإعلانه الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، مع تأكيده ان الحدود النهائية للمدينة يقررها الطرفان من خلال المفاوضات مما يبقي على إمكانية حصول الفلسطينين على أجزاء من المدينة خلال صفقة نهائية !

قام الرئيس عباس على إثر ذلك بسحب مندوبه في واشنطن وإعلان ان الولايات المتحدة لم تعد راعياً لعملية السلام وتعليق المفاوضات مع الاسرائليين وإعلان رفضه لاي مقترح امريكي يمكن ان يقدم لتعجيل التوصل الى حل!

كان رد الرئيس ترمب وقحا ً لكن صريحا ً ومنطقياً:

لا تريد التعامل معنا، إذن لا تأخذ أموالنا!!

طريق أوسلو هذه نهايته المنطقية، فما الذي يغضبك سيادة الرئيس عباس!!

د. محمد رياض

 

 

altayb baytalalwiتمهيد: من أقوال أرييل شارون اليهودي الصهيوني جزار محرقة صبرا وشاتيلا، الذي تطابقت  أقواله مع أفعاله ، ذلكم الرجل الذي يحن إليه ترامب وعائلته والمحافظون الجدد، وكل صهاينة العالم بما فيهم بعض المتصهينين العرب، وأقسم ناتانياهو أمام حاخامات –في تسجيل له على اليوتوب أن يهتدي بهديه-:

قال شارون: "سأقول لكم شيئا أكثر وضوحا... لا تنشغلوا بصدد الضغوط الأمريكية، فنحن اليهود نسيطر على أمريكا، والأمريكيون يعلمون ذلك" ...

وقال أيضا:"هل نحن-يهود إسرائيل - يهوديون نازيون، ولم لا؟ فإذا كان أباؤكم وأمهاتكم المتحضرون، بدلا من أن يكتبوا كتبا عن عشقهم للمساواة وحبهم للإنسانية، فقد جاءوا إلى إسرائيل وقتلوا ستة ملايين عربي، فماذا حدث –/ في العالم المتحضر/؟ لا شيء، بالتأكيد تمت كتابة صفحتين أو ثلاثة في كتب التاريخ، وكنا -نحن يهود إسرائيل- نوصف بكل الأسماء القبيحة، ولكننا سنكون هنا اليوم-في إسرائيل 25 مليون! وما لا يفهمه الآخرون/المتحضرون/هو أن العمل القذر من طرف الصهيونية لم ينته بعد، وسيمتد إلي أمد بعيد".

. "وقال أيضا: "أنا لا أعرف شيئا عن هذا الشيء الذي يسمونه "المبادئ الدولية" أقسم أنني سوف أحرق كل طفل فلسطيني ولد في هذا البلد، النساء الفلسطينيات وأطفالهن أكثر خطورة من الرجال، لأن وجود الأطفال الفلسطينيين يعني ضمنا أن العرق الفلسطيني سوف يستمر، ولكن الرجال يمثلون خطرا محدودا فقط....أقسم لكم أنه إذا كنت مجرد مدني إسرائيلي، وإلتقيت بفلسطيني، فسوف أحرقه، وأمثل بجسده لكي يعاني قبل قتله "

" وقال أيضا:"قل لي، هل حياة الرجال الأشرار في هذا العالم صعبة؟ إنهم يصطادون ويقتلون، ويأخذون بالقوة كل ما يريدون لتناول الطعام. انهم لا يعانون من عسر الهضم ولا يعاقبون من السماء. أريد أن تكون إسرائيل مثلهم. ولعل العالم سيبدأ يتخوف منا بدلا من التشكك ومساءلتنا. ولعل العالم سيبدأ في الإرتعاب منا، تخوفا من جنوننا بدلا من الإعجاب بنبلائنا. ومثقفينا،  دع العالم يرتعش، دعه يعاملنا كدولة غاضبة وغاصبة...، أظهروا-أيها الإسرائيليون- للعالم بأننا دولة همجية وشعب منحرف خطير مهدد لكل من يحيطون بنا، وأوضحوا للعالم بأننا قد ينتابنا الغضب فنشعل-بكل بساطة- حربا عالمية ثالثة، أو قد نقرر في حالة من حالات الحمق التي تنتابنا، أن نحرق كل حقول آبار النفط في الشرق الأوسط .وأنا شخصيا لا أتمنى أن أكون أفضل من هاري ترومان الذي أحرق نصف مليون ياباني بقنبلتين " مقتطاف من أقوال شارون مأخوذة من القاموس الفرنسي للأقوال السياسية الصهيونية  تحت عنوان: إقتباسات لمساعدتنا على الحداد على أ رييل شارون/ Quelques citations pour nous aider à faire le deuil d’Ariel Sha

منذ تولي ترامب الرئاسة أصبح الإسم الشائع في الغرب للولايات المتحدة والكيان العبري هو/ USISRAËL/ أو"الولاية الأمريكية الإسرائيلية المتحدة "، حيث أن مجموع الولايات الأمريكية التي عددها خمسون ولاية، عادت إلى التعريف القديم الذي وضعه آباء الأمة الأوائل المؤسس على سجع كهنة التوراتية، فتقلصت الولايات المتحدة في عهد ترامب إلى مجرد "كيان توراتي" للبيض وخاصة من البروتستانتيين والإنجيليين الجدد، بحيث يتعسر اليوم الفصل ما بين الكيانين كتوأمين إستأصاليين"قباليين-تلموديين-"، المزيفي الديانة والأصول والجذور، والمؤمنَين معا"بعقيدة الإبادات"البشرية، والحاملَين لميكروبية تدميرالحضارات الإنسانية.

الموضوع:

في يوم 12 أكتوبرمن عام 2017 تحركت الولايات المتحدة وإسرائيل وفي يوم واحد، يدا بيد، وبتآلف قلبي وروحي وعقدي وسيكولوجي، وتوافق تاكتيكي وجيو-سياسي، فصفقتا معا أبواب المنظمة الدولية للتربية والعلوم والثقافة/ اليونسكو/، تحت دعوى أن المنظمة أثبتت الإنحياز السافر المناهض لإسرائيل، الحجج الأمريكية-الإسرائيلية للإنسحاب من اليونسكو؟

من أهم تبريرات دونالد ترامب المعلنة–ديبلوماسيا- لسحب بلاده من اليونسكو، كونها تحولت –حسب قوله –إلى مسرح عبثي-فعلقت حكومة تل أبيب على الإنسحاب الأمريكي المشبوه :"بالترحيب بقدوم عهد جديد على الأمم المتحدة...متحاججة بأنه عندما يُمارس" التمييز العنصري" ضد إسرائيل فلابد من دفع الثمن" هكذا .

في نظر ترامب وناتانياهو :أن منظمة اليونسكو الدولية لا جدوى منها، لأنها تحولت إلى بوق لمعاداة السامية، ومؤسسة "شعبوية" ظلامية لتزويرالتاريخ الحقيقي للبشرية / بدل الإعتماد على سجع كهنة التوراتية المزيفة و"يقينيات" العهدين القديم والجديد،

وأن اليونسكو في نظرترامب–بوشوشوة من صهره اليهودي الأرثودوكسي المتطرف " جاريد كوشنر"– الماسك الجديد الحقيقي لمفاتيح الشرق الأوسط وخرائطه الجديدة المقبلة من دجلة والفرات الى وادي النيل- أصبحت تجمعا للهمج والمتخلفين، من أجل القضاء على رمزالقيم الحقيقية "للأنوار"-إسرائيل- والإطاحة بمعقل" النهضة"–الولايات المتحدة-

هكذا وصف الإعلام الإسرائيلي والأمريكي المقرب إلى ترامب الإنسحاب الإمريكي والإسرائيلي....فتأمل معي مليا: .إسرائيل :بلد الديموقراطية والأنوار؟، وأمريكا بلد" النهضة الجديدة" ؟ والتقدمية والتنوير..؟،

فماذا تنتظر البشرية من مهرجين بلطجيين يقودان دولتين مارقتين وشاذتان على كل التقاليد البشرية، ورافضتان لكل القيم والمعايير والمبادئ الأرضية والسماوية ...دولتان زرعتا العنف المنقطع النظيرفي الشرق الأوسط منذ أن زرع الغرب إبنته الشرعية إسرائيل في المنطقة منذ عام 48 .

المنطق الأريسطوطالي /العبري-الأمريكي/ –وهو منطق قلب المقدمات وخلط التوالي-/الذي أصبح منطقا حصريا غربيا بإمتياز/ ذلكم المنطق الذي يستخلص بأن العالم كله يمارس التمييز العنصري ويضطهد إسرائيل ... حيث يمكن إستخلاص نتائج منطقية حتمية وعقلانية ويقينية، بأننا سنعيش في السياسية الدولية –في زمن دونالد ترامب-عالم الخيال القصصي لجورج أوريل، وسنسطلي بحمى الرقص الصاخب "الروك إندرول"، في حلبة سيرك ترامب المذهل والمرعب، عبرالحروب العنيفة "الجمهورية الترامبية " القادمة الإ قليمية والدولية، مع إستكمال الحروب الناعمة" الأوبامية– السوروسية - الديموقراطية"عبر المزيد من الثورات الربيعية التي تتهدد كل دول المنطقة– بأعرابها ومستعربيها وعجمها

-النظام العبري الذي نعت المنظمات الدولية والمجتمع الدولي ب"العنصرية" تجاه اليهود وإسرائيل -عبر مقاطعة اليونسكو-هو نفس النظام الذي يمارس على مواطنيه العرب الفصل العنصري، بإعتبارهم مواطنين من الدرجة الثانية، وأقل من الكلاب–حسب وصف السيرتشرشل في إحدى خطاباته بمجلس اللوردات البريطاني في أربعينات القرن الماضي – و يعيش المواطنون العرب في إسرائيل /واحة الديموقراطية وحقوق الإنسان وسط همج العرب /-أبشع أنواع الأبارتايد في التاريخ المعاصر، وحيث أن هذا الكيان الشاذ، يعتقل ويقتل أطفالادون العشر سنوات –وهو ما مارسه حكام الولايات المتحدة على السود منذ واشنطن ومنذ عام 1776 حتى عام 1973 في عهد ليندون جونسون بعد ثورة الزنوج العارمة عام ... 1968.-وستتجدد " النهضة الأمريكية الترامبية" من جديد في عهد دونالد ترامب.

-هذا السلوك /اليهودي- الأمريكي/ المتغطرس والشاذ له إسم وإصطلاح / سوسيو-سياسي/ وهو" الشوتزباه" choutzpah: وهي كلمة مأخوذة من اللغة العبرية التي تعني بإختصار: الصلف اللامحدود، وعبادة الغطرسة والإدعاء والتمويه والخداع –

- جريمة اليونسكو التي لاتغتفر في نظر ترامب وناتانياهو، هي تصنيف مدينة الخليل العربية في الأراضي المحتلة ضمن التراث الإنساني، وتنبيه المجتمع الدولي بضرورة الحفاظ عليها بالتعريف بتاريخها العربي الفلسطيني و بقيمها وأصالتها، وجمع الأموال لصيانتها/وهو ما يتكلف به قطاع ثقافي بمنظمة اليونسكو–لاشأن له بالسياسة– له متخصصوه في دراسة التراث الثقافي الإنساني كله ـ وتلك جريمة لا تغتفر في نظر ترامب وناتانياهو، اللذان إعتبرا التعريف والتذكيربتراث عريق عربي فلسطيني عبر منظمة دولية متخصصة في شؤون الثقافة والتراث العالميين،  تزوير للتاريخ وتجنيا على حقائق العلم ومعطيات البحوث الأركيولوجية..و"إهانة للتاريخ "حسب تصريح ممثلة الولايات المتحدة الهندية الأصل والسيخية المعتقد والديانة، والمعتنقة للبروتستانتية، فتأمل خليط عقل هذه المرأة العقدي والثقافي والسيكولوجي، لكي تفهم خلفية حقدها الدفين على العرب والإسلام والمسيحية ..

.وحتى إذا سلمنا جدلا بالمزعمتين : /الإسرائيلية – الأمريكية / كون مدينة الخليل مدينة أثرية يهودية بنيت منذ حوالي ألفي عام فإن الفلسطينيين والمنظمة الدولية تعارضان هدمها وتخريب آثارها لصالح إستنبات المستوطنات اليهودية البشعة–هندسيا- لتحل محلها..، ..فتأمل سوء النوايا العبرية والأمريكية، وخداعهما وإحتقارهما لعقول البشر. حيث تحول رجل الأعمال المشبوه ترامب بين عشية وضحاها إلى مؤرخ وأثري وواعظ ومصلح ديني، يفصل-تاريخيا وأثريا وعقديا- في شأن القدس والخليل، وهو الفاشي الجديد الذي أفرزته " الحضارة الأمريكية" المؤسسة على إستأصال الشعوب الأصلية للقارة الأمريكية وإذلال معظم سكانها من العرق الغير الأبيض

نعم إننا في زمن قلب الحقائق .. فيالها من دراما او ملهاة إنسانية -حسب مقاربة الموضوع-اليونسكو منظمة مجرمة، والمجتمع الدولي كله شرير ومجرم، بسبب الرفض لهدم الآثار التاريخية الإنسانية لمدينة عربية فلسطينية كذاكرة حية لتاريخ شعوب الشرق الأوسط عموما والشعب الفلسطيني خصوصا.

,,,والمضحك في الأمر، أن البلدان التي تشكل المجلس التنفيذي لليونسكوالتي إتهمها ناتانياهو وترامب"بالمتطرفة في معاداتها للسامية"هي نفس البلدان التي إنتخبت فرنسية يهودية ذات أصول مغربية، لإدارة منظمة اليونسكو، وهي"أودري أزولاي" إبنة " أندري أزولاي- المستشار للراحل الحسن الثاني ولمحمد السادس المغرب / علما بأنها فرنسية و يهودية مثيرة للجدل –أخلاقيا ومبدئيا، وسياسيا - خلال فترة ولايتها كوزيرة للثقافة الفرنسية في عهد الرئيس فرانسوا هولاند , ولا يوجد في سيرتها الذاتية ما يجعلها كفئة لإدارة أكبر منظمة دولية /تربوية وثقافية وعلمية /حيث عملت بشكل خاص على رفع القيود المفروضة على الأفلام العنيفة أو الإباحية،  في فرنسا، وإباحة رؤية أفلام الخلاعة لدون البالغين .ومع ذلك لم تقصها مندوبيات الدول المنتمية الى اليونسكو بسبب ديانتهاأو فشلها كوزيرة للثقافة الفرنسية

وبالنسبة لما يجري في فلسطين من جرائم بشعة في حق شعب أعزل لايحق له حتى  إمتلاك أبسط الأسلحة–ولو سكينة-للدفاع عن نفسه ... فماذا لو طالب المجتمع الدولي ترامب وناتانياهو بحق ترخيص حمل السلاح للمواطنين الفلسطينيين للدفاع عن أنفسهم في مواجهة قطعان المستوطنين الهمجية؟ -كما هو الشأن في الولايات المتحدة عندما ناصر ترامب حاملي الأسلحة ضد قرار كل من أوباما وهيلاري كلينتون؟ فماذا سيكون رد فعل ترامب ياترى؟ طبعا الرفض المطلق أو قصف غزة-كما يتم التمهيد له حاليا تحت ظل ترامب ضمن ممارسة الرعب النفسي والترهيب التاكتيكي

وفضلا عما يجري في فلسطين من جرائم يومية في حق الأطفال والنساء وكبار السن / فإن الولايات المتحدة –بمساعدة إسرائيل وبعض أعراب المنطقة، في إشعال حروب إبادية في المنطقة: ضد العراق/ مرتان/ ليبيا وسوريا وتواصل الولايات المتحدة دعمها العسكري واللوجيستي للنظام السعودي الذي يمارس حرب إبادة بدوره ضد أقرب الأشقاء العرب العاربة الى السعوديين

غير أنه أصبح من المسلم به سياسيا-دوليا-هو أنه من حق إسرائيل والولايات المتحدة أن يعيشا خارج"المجتمع الدولي" وأن يتصرفا وفق ما تمليه عليهما مصالحمها، واللعنة على البشرية برمتها، لأنهما يمثلان "شعب الله المختار" وهو ما يسمي –أمريكيا ب" الإستثنائية الأمريكية- التي تم رفع شعارها منذ"راوزفلت في أواخر الحرب العالمية الثانية وأكدها"هاري ترومان"في الخمسينات وأشاعها رولاند ريغان –في الثمانينات -وجددها وفرضها بالقوة كل من جورج بوش الأب، وكررها أوباما طيلة عهدته في كل المناسبات الوطنية والدينية وفي مناسبات 11 سيبتمبر ... وجعلها ترامب اليوم " عقيدة الدولة"عبرشعاره "جعل أمريكا عظيمة من جديد" ;Make America great again  شريطة " جعل إسرائيل آمنة وقوية من جديد Make Ismaël great again »كلقيط ليس له ما يبرروجوده سوى ما قرره الغرب عبر التريج اللاعقلاني لمزاعم " شعب الله المختار" بإكراه البشرية بالحديد والنار –وليس بالحوار-على قبول القراءات التاريخية و"التفاسيرالعلمية اليقينية"للمسيرة البشرية على ضوء التوراة المزيفة-وهوذات الغرب الملحد والرافض للمقولات الدينية والمطارحات الميتافيزيقية، الداعي إلى رفض الغيبيات وإعتناق "العقلانية" و"التشكيكية" الديكارتية والأنوار/ الهيغلية-الكانظية / والتنوير الفولتيري– ما عدا ما يتعلق بالشأن الإسرائيلي والهرطقات اليهودية....

إنه زمن الظلمانية الذي يمحو النورانية –كما قال عبد العزيز الدباغ صاحب لإبريز حيث يكثر فيه الخفافيش المتضررة من النوروالمحبة للظلام –كما قال جلال الدين الرومي

أقول أنه من حق إسرائيل أن تتصرف كما يحلو لها في هذا الكون ما دامت شقيقتها الكبرى تدافع عنها بالمخلب والأضراس والأنياب، وبالعض والخمش والضرب

المفروض عقلا ومنطقا أن تطرد إسرائيل وأمريكا من المجموعة الدولية، لا أن تتبجحا ب" الإستغناء ورفض المنظمات الدولية"– التي نعترف بأن معظمها شاخ وتخشب وأكل عليها الدهر وشرب- فكلها في حاجة إلى ترميم وإصلاحات، شريطة ألا تكون بشروط إسرائيلية أوأمريكية، فحيثما تحرك هذين الكيانين وحشرا أنفهما في شيء إلا وتركا بصماتهما عليه فتعفن وتخرب-

منظمة اليونسكو عملت ما في إستطاعتها وجهدها وفقا للمواثيق والقواعد والأصول التي تأسست عليها-وفي إطار إختصاصاتها- على حماية التراث الفلسطيني لكونه تراثا ملك الإنسانية قبل أن يكون ملكا للفلسطينيين او العرب او المسلمين،

وفي هذا الصدد فإن إسرائيل والولايات المتحدة يتهمان المجلس التنفيذي لمنظمة اليونسكو الذي يتألف من مجموعة دول متباينة جغرافيا وعرقيا وإيديولوجيا ودينيا ولكنه مجلس يمثل "الحياد" والعقل" والروح الكبرى البشرية– بالرغم من هناته أحيانا وذاك أمر طبيعيي-فعلى إسرائيل والولايات المتحدة إذاَ، ان تخلقا منظمة " ثنائية" تحت حماية الناتووالموساد والسي أي إي-حيث أشيع بأن الموساد هو من يتكلف اليوم بحماية دونالد ترامب منذ هذأته الكبري ب التهويد الكامل لمدينة القدس

• أجدد القول–كخبير سابق في منظمة اليونسكو- بأن المنظمة بذلت قصارى جهدها لحماية التراث الثقافي الفلسطيني الإنساني على الأراضي المحتلة، لا غير، -بالرغم من أن الكثير من الآثار الإسلامية والمسيحية قد دمرها الصهاينة، لمحو الذاكرة الإنسانية علما بأنه –علميا وتاريخيا- لاتوجد آثار يهودية تستحق الذكر سوى ما يدعيه حاخامت تل أبيب والعواصم الغربية، وقد إستمر التدمير منذ عام 48 حتى اليوم من أجل طمس المعالم الفلسطينية بالكامل، بالكذب والبهتان والزرو والقصف والتدمير.-والغرب خبير في فنون و" علوم" الإستدارة على الحقائق التاريخية للآخرين "

• وإن تدمير فلسطين هو الشرط الضروري لإنشاء "دولة يهودية" لنيتنياهو. وترامب": أي كل شيء أو لا شيء: ولا يمكن أن يكون هناك حل وسط، لأن ترامب يرفض الحل الوسط

لقد تنازل الفلسطينيون–عبر تاريخ نشأة الكيان العبري- عن الكثيرمن حقوقهم المشروعة تلافيا للحروب مع الغرب، واقترح الفلسطينيون عدة خيارات، دولة علمانية، دولتان تعيشان جنبا إلى جنب، ولكن الخيار الوحيد المقبول لإسرائيل هو كل فلسطين بالنسبة لنا ولا شيء بالنسبة لكم ..فجاء "نيرون روما الحديثة ترامب" لتعزيز التعنث الإسرائيلي بل ويذهب بعيد كونه يخطط لتخريب كل شيئ في أمريكا والعالم من أجل جعل أورشاليم" عاصمة حكومة العالم الجديدة التي يتردد الحديث عنها منذ عام 1944 بعيد نهاية الحرب العالمية الثانية تلك النظرية القائلة بإنهيار الإمبراطوريات من أجل " إستحداث الأمبراطورية القادمة" التي تحمل أسماء عديدة –والمضمون واحد- وهذا موضوع تفصيلي يحتاج الى مباحث كثيرة-

المهم اننا نحن على أعتاب " الميثاق اليهودي" او العهد اليهوديPax Judaica بعد زوال العهد الأمريكي Pax Americana الذي مهد له كل من أوباما –ميركيل ساركوزي –وتلك من شروط الصراع الشكلي المسرحي ما بين " الدولة العميقة" وكل اللوبيات المسيرة لأمريكا من خلف الأستار ..وإلا فإن ترامب لن يبقى على قيد الحياة... و كما قال الألماني جوته " إن الطغاة عندما يُتهدَدون ..يُعربدون ويرقصون"

 

د. الطيب بيتي

 

 

salim alhasani2أحرق الشاب التونسي محمد البوعزيزي نفسه بجرأة اليائس، في ١٧ كانون الأول ٢٠١٠، فسرت النار تدريجياً الى أهالي مدينته الذين أرهقتهم متاعب الحياة وظروفها الصعبة، ثم تزايد اشتعالها فعم تونس حتى أدرك الرئيس التونسي بن علي أن الحكم قد ضاع منه، فرحل لاجئاً الى السعودية. كان الفيسبوك أداة الترويج الأولى لثورة تونس، وحملت اسم الربيع العربي.

كانت البداية عفوية صادقة، وكذلك الاستجابة سريعة، لكن سرعة استسلام بن علي وهروبه، كان مفاجئاً ولا تزال الروايات غير مؤكدة حتى الآن عن التفاصيل.

بعد أيام اندلعت التظاهرات الاحتجاجية في مصر، وصار ميدان التحرير موقع الثورة الجماهيرية، وهناك كان حضور قناتي العربية والجزيرة لا يعلو عليه حضور آخر، كما أن مواقع التواصل الاجتماعي التهبت بالحراك المصري. حتى اضطر الرئيس مبارك الى التنحي بعد أن لمس تخلي الولايات المتحدة عنه كلياً.

في ليبيا جرت الأمور بشكل مختلف فقد تركزت الاحتجاجات في مدينة بنغازي وسقطت بيد المحتجين، مع تغطية وتأجيج متصاعد من قبل قناتي العربية والجزيرة أيضاً. وأخذ الاحتجاج في ليبيا شكل القتال المسلح، ثم وصل الى قرار تدخل الناتو الذي قضى على نظام القذافي بضربات جوية مكثفة وتواجد عسكري لضباط من الناتو في مواقع مهمة من ليبيا. وعندها أعلنت روسيا احتجاجها الغاضب بأن الأمر كان خدعة، وأنها لن تشترك بعد الآن في التصويت داخل مجلس الأمن لمثل هذه الخدع.

ورافق ذلك ربيع في اليمن الذي أسفر عن تنحي علي عبد الله صالح في اتفاق رعته السعودية، يقضي بعدم ملاحقته قضائياً على ان يتولى الحكم عبد ربه منصور هادي.

في البحرين انتفضت الجماهير، بأدنى مستوى من المطالب من بين دول الربيع العربي، فقد رفعت شعار السلمية وتمسكت به، وطالبت بملكية دستورية لا أكثر، لكن وسائل الإعلام العربية والدولية واجهتها بالتشويه، واعتبرتها مؤامرة إيرانية، وسكتت على القمع الوحشي الذي استخدمه نظام آل خليفة، وسكتت ايضاً على دخول القوات السعودية الى البحرين بمدرعاتها وما تبع ذلك من هدم وقتل وحرق للمساجد والبيوت والقرى. لقد كان الربيع العربي ممنوعاً في البحرين بقرار خليجي وعربي ودولي.

في تلك الوقائع التي خطفت أنظار العالم، ظهر الصهيوني العالمي (برنار هنري ليفي) في مناطق متعددة من ليبيا ومصر، وقد حمل لقب (عراب الربيع العربي). وكان ليفي من قبل صاحب الأدوار المهمة في البوسنة والهرسك، وفي تقسيم السودان والمرشح لرئاسة إسرائيل.

انتقل اهتمام برنار ليفي الى سوريا فبدأت الأزمة مع غطاء إعلامي تحضيري مكثف من قبل الجزيرة والعربية ووسائل الإعلام العربية. لكن الاحتجاجات السورية لم تكن بالمستوى الذي يرضي طموحات حكّام الخليج ولا إسرائيل، فسرعان ما اتخذ الرئيس السوري بشار الأسد مجموعة من الإصلاحات والتعديلات الدستورية، لإرضاء الاحتجاجات، وخرجت بعد ذلك تظاهرات كبيرة مؤيدة له في دمشق وغيرها. وقد أدرك مشعلو الربيع السوري الذي اندلع عام ٢٠١١، أنهم لن يتمكنوا من التصعيد، ولا بد من مساندة الجامعة العربية وتدويل الأزمة. فتم إيفاد الفريق محمد الدابي الى سوريا، وعاد بعد جولات ميدانية بتقرير صريح بأن الاحداث في سوريا من صناعة جماعات عنف مسلح، وليس هناك ما يشير الى وجود مطالب جماهيرية بتغيير النظام. وكان التقرير صادماً للحكام العرب ولتركيا وإسرائيل والولايات المتحدة، فرفضوا التقرير.

اتفقت السعودية وقطر وتركيا والأردن وإسرائيل، على تحويل الأزمة في سوريا الى حرب أهلية، عن طريق إدخال المقاتلين التكفيريين بأعداد كبيرة، وهو ما عرف بـ (خطة بندر) وقد اعترف بذلك رئيس الوزراء القطري قبل أسابيع الشيخ حمد بن جاسم، في مقابلة تلفزيونية صريحة.

نجحت التنظيمات الإرهابية مثل النصرة وداعش وغيرهما، في السيطرة على مناطق واسعة من سوريا، وأوشكت دمشق ان تسقط بيد الجماعات الإرهابية، لو لا المساعدة الميدانية التي قدمتها روسيا وإيران وحزب الله للحكومة السورية. وكانت احدى النقاط الفاصلة في الحرب الأهلية، معركة القصير في حزيران عام ٢٠١٣، وكان مخططاً لها أن تنهي نظام بشار الأسد، لكن روسيا قدمت معلومات استخبارية مهمة للقيادة السورية، أدت الى هزيمة الجماعات المسلحة، مما شكل صدمة كبرى لمحور (قطر، السعودية وتركيا) وفي اعقابها تم إجراء تعديلات مهمة على بعض القيادات المهمة، فقد تنازل أمير قطر عن الحكم لأبنه تميم، وتم عزل بندر بن سلطان عن الملف السوري.

صار واضحاً بعد معركة (القصير) أن الحرب السورية ستكون طويلة، ولا بد من تعديلات جوهرية على الخطة، طالما أن نظام بشار الأسد يحظى بدعم قوي من روسيا وايران وحزب الله. وعلى هذا الأساس تم إعتماد فكرة الدولة الداعشية، ليتسع نطاق الحرب وتدخل الى العراق. وقد مهدت بعض القيادات السنية المتطرفة لهذا المسعى في اشعال الأزمات في محافظة الأنبار ضد الحكومة المركزية في بغداد، وكان ذلك إيذاناً بدخول داعش الى المناطق السنية تحت خيمة الاعتصامات. حتى كانت الكارثة في حزيران ٢٠١٤ بسقوط الموصل وثلث مساحة العراق بيد تنظيم داعش.

جرى ذلك ضمن توجه جديد تبنته الولايات المتحدة وإسرائيل وتركيا وقطر والسعودية والأردن وغيرها، مفاده، أن سوريا لن تسقط، ما لم يتم ضرب إيران، وأن توجيه الضربة الموجعة لها، يجب أن يمر عبر انهيار كبير في العراق.

 

سليم الحسني

 

 

يقول البعض إن إيران تستغل القضية الفلسطينية لتعزيز نفوذها في المنطقة، قد يكون هذا صحيحاً، وقد لا يكون .

قضية إستغلال غطاء عقائدي أمر معروف ليس قديماً فقط، بل في العصر الذي نعيشه، فالحكام السعوديون إستثمروا ويستثمرون الوهابية والسلفية، رغم أنهم في حياتهم العملية أبعد الناس عن إشتراطات السلفية، وتزمت الوهابية، وحكام قطر إستقووا بالإخوان وجعلوا من أنفسهم حماة للإخوان أينما كانوا، وليس ثمة من يدعي أن الأمراء القطريين، صغيرهم وكبيرهم، ينفذون في سلوكهم اليومي إشتراطات المرشد الإسلامي بدءاُ بسيد قطب، مروراً بالهضيبي، وليس إنتهاءاً بتحريمات وتكفيرات القرضاوي .

 ما أرادته السعودية من الوهابية والسلفية، هو عين ما أرادته قطر الصغيرة من الأخوان . الوهابية، والسلفية بالنسبة للحكام السعوديين، كالحركة الإخوانية بالنسبة للحكام القطريين، السعودية من دون الحركة الوهابية والسلفية ليست سوى "كليدار" يخدم الحرمين الشريفين، وقطر من دون الإخوان المسلمين ليست سوى جزيزة نصفها قاعدة أمريكية .

السؤال المقابل، إذا كانت القضية الفلسطينية تعزز نفوذ من يتبناها، فلماذا لا تتبناها السعودية ؟ لماذا تنسج خيوط التفاهم مع الصهاينة سراً وعلانية ؟ ولماذا لا يتبناها النظام المصري الذي كان أول نظام عربي يتخلى عن القضية الفلسطينية عملياً، ويفتح سفارة لإسرائيل في قاهرة المعز، ولماذا لا يتخلى الأردن عن إتفاقية وادي عربة، ويصبح المدافع عن قضية فلسطين، كل فلسطين لا وصايته المفقودة على القدس ؟.

وعلى إفتراض أن الإيرانيين لا يؤمنون بقضية فلسطين، وإنما يستغلونها، وهم لا يفعلوا شيئاً من أجلها، فقط مجرد إعلام ودعاية ظاهرة، فما هي مصلحة فلسطين في خسارة مثل هذا الدعم، حتى ولو كان مجرد "دعم إعلامي"، خصوصاً وأن الإعلام الصهيوني يغطي العالم كله، وها هو الإعلام العربي يتحول شيئاً فشيئاً إلى إعلام مهادن ومُبرر لإسرائيل، كيف يكون موقفنا لو أن الأمر ليس كما نتوقع أو نظن، وأن الدعم الإيراني لفلسطين أكبر مما هو ظاهر ومُعلن، وهذا ما تؤكده الصحافة الإسرائيلية والحكومة الصهيونية التي تشن حرباً لا هوداة فيها على إيران، وتغازل ما يُسمى بالأنطمة المعتدلة . 

ونبقى في سياق نفس الإفتراض " كون إيران تستغل القضية الفلسطينية لتقوية نفوذها"، فمن المعروف أن من يستغل قضية لا يؤمن بها فإنه من أجل هدف أو أهداف معينه يمكن أن يتخلى في أية لحظة عن هذه القضية إذا أحس وشعر بأنها تعيقه عن تحقيقق أهدافه، وقد ثبت أن تشبث إيران بالقضية الفلسطينية جعلها في صراع وجود مع إسرائيل، ومع حاميتها أمريكا، التي عملت كل ما بوسعها لإضعاف وحصار إيران، هذا الحصار الذي بدأت آثاره الآن عبر الإحتجاجات المبررة بسبب البطالة وغلاء الأسعار والفساد الذي لا يخفى، الكثير من المحتجين في شوارع إيران يدعون إلى أن ترفع إيران يدها عن دعم فلسطين وحماس وحزب الله، وأن تسحب نفسها من سوريا، وأن تنفق ما لديها على شعبها، لا شك أن إيران تنفق الكثير على حركات ومنظمات وأحزاب ودول من أجل دعمها في صمودها، بحسب مايقول المسؤولون الإيرانيون، ومن أجل مد نفوذها خارج حدودها كما يقول المعارضون، وهذه القضية جعلت إيران كالإتحاد السوفيتي في آخر أيامه يقف مواطنوه في الطابور من أجل الحصول على البطاطس، في حين تنعم الدول السائره في ركابه ببحبوحة العيش، وكيفما تكون الضفة التي يقف فيها وينظر من خلالها الإنسان  يكون موقفه من لوم المواطن السوفيتي الموجه لسلطته، أو الدفاع عن الموقف الأممي الكوني للنظام السوفيتي، وهو يواجه جبروت النظام الر أسمالي المتغوّل .

ثمة شبه بين النظام السوفيتي في أواخر أيامه والنظام الإيراني الحالي، لكن هذا التشابه ليس لحد التماثل، فالنظام الإيراني لا يختلف من حيث بنيته مع أي نظام رأسمالي آخر، سواء كان أمريكيا أو أي بلد رأسمالي أوروبي، وبالتالي  فصراعهما ليس صفرياً، ليس أن يكون أو لا يكون، وإنما يحسم هذا الصراع بتبعية الأضعف للأقوى، وبإقرار هذه التبعية يتحول الصراع إلى تعاون، وعندها ليس من المستبعد أن تكون إيران شرطي الخليج والمنطقة، كما كانت في عهد الشاه، وليس من المستبعد أحياء ما يشبه حلف بغداد بعواصمه المعروفه، ولكن ضد روسيا والصين هذه المرة، وربما ضد مصالح الهند، وإذا كانت إيران موعودة بأن تكون ممراً لطريق الحرير، وأنابيب النفط والغاز بين المحيط الهادي والشمال، فأنها ستكون طريق الهند البريطانية، ولكن الأمريكية هذه المرة .

ليس المطلوب سوى التخلي من العداء لإسرائيل، إبطال "مرك بر إسرائيل"، بتعابير أخرى أكثر إنسانية، وأقرب إلى قلوب المجتمع الأوربي، إذا قامت حكومة إيران الحالية بهذا عن قناعة أو إجبار، فإن الأمر سيكون مرحباً به، وإذا لم تفعل ستظل تواجه الحصار والعداء بمختلف الأشكال، حتى مجيء حكومة أخرى تقوم بما يلزم .

صباح علي الشاهر

 

 

خرج الإسلام والعربية من اسبانيا والبرتغال أي من الأندلس التاريخية، وهذا نتيجة لسيادة روح التعصب والكراهية بين الإسبان . ولكن هذه الفلسفة والقائمة على مقولة : " أجبروهم على الدخول في حظيرتكم " والواردة في الانجيل، قد هدّمتها فلسفة عصر الأنوار، وهذه الأخيرة قائمة على حرية الفكر والضمير . ولا تقبل بأي فرض لأي دين ومعتقد بالقوة، وإنما الحرية هي أساس التدين، وكل تدين مفروض بالقوة فلا قيمة له .

ولهذا فإسبانيا المتعصبة والرافضة للآخر، قد اختفت، وهذا منذ وفاة الجنيرال فرانكو . لنرى ميلاد إسبانيا جديدة مبنية على التعددية الدينية واللغوية، وعلى فكرة تقبل الآخر، ففي التنوع ثراء كما يراه الغرب عامة والأوروبيون بصورة خاصة، ولهذا فقد قفز عدد المسلمين في إسبانيا إلى مليوني مسلم في فترة قصيرة جدا .

وما دامت إسبانيا الملكين الكاثولكيين إيزابيلا وفرديناند، وإسبانيا محاكم التفتيش هي الأخرى قد اختفت وإلى الأبد. وأصبحت هناك حرية في اختيار المعتقد والدين، فهل يمكن للمسلمين أن يستفيدوا من هذا الجو الجديد لاستعادة فردوسهم المفقود؟. وهذا عبر إعادة نشر الإسلام من جديد بين الأندلسيين، والذين تنصروا قهرا . خاصة وأن التجربة التاريخية تشهد لهذا الطرح، فالمسلمون لم يغزوا إسبانيا أبدا، وإنما فتحوها فكريا كما يخبرنا بذلك كتاب الثورة الإسلامية في الغرب لصاحبه اغناسيو اولاغي .

نعم يمكن للمسلمين اليوم أن يستفيدوا من الوضع القائم في إسبانيا، ومن المناخ العام الاجتماعي السائد هناك. وهذا لاسترجاع الأندلس، فالفرد الأوروبي اليوم يؤمن بما هو تجريبي، لا بما يقوله رجل الدين . وهذا كما كان عليه الحال قبل 1609، وكما هو الحال إبان عهد محاكم التفتيش، وهذا الوضع يمكن أن يخدم القضية الأندلسية في يومنا هذا .

نعم إننا نجد اليوم الجو جدّ مناسب لإعادة طرح القضية الأندلسية من جديد، وهذا خاصة في ظل هدم الأسس التي أقيمت عليها ما يسمى بحروب الاسترداد Reconquista والتي تخبرنا أبجدياتها، بأن العرب قد قاموا بعزو إسبانيا . وأن الإسبان لم يفعلوا شيئا سوى طرد الغزاة، واسترجاع أرضيهم من جديد . وهذا المبرر قد تجاوزه الزمن، ولم يعد اليوم مقبولا، ولا يمكن الاحتجاج به أبدا . فلا العرب غزوا إسبانيا، ولا الإسلام هو الآخر قد عزاها .

ولكن كل ما في الأمر وكما تقول الحفريات والفتوحات التاريخية الحديثة، هو أن الإسبان هم أنفسهم من استنجدوا بالعرب نقولها بكل تحفظ، والأفضل أن نقول بالمسلمين ممن كانوا مع طارق بن زياد . وأن مسلمي الأندلس ما هم إلا أريوسيون جرمان وإسبان إيبيريون تحولوا إلى الإسلام، ولا علاقة لهم لا بالعرب ولا بالبربر المسلمين . وحتى أمراء وخلفاء الأندلس، فإن الدماء الاسبانية هي من تجرى في عروقهم، وهذا من جهة أمهاتهم وجداتهم . وأما القول بأن العرب فتحوا اسبانيا فهذا الطرح له علاقة بفترة القومية العربية، لتوظف الفترة الأندلسية الزاهية ضد خصومها وتجعل منها أداة من جملة أدواتها المستعملة في معركتها مع الآخر المعارض لها والساعي لهدمها . وأمّا تلك الأنساب العربية التي انتحلها الأندلسيون، فهي قد وضعت وفقا لمقتضيات العصر ومتطلبات تلك الحقبة الزمنية . فهم إسبان أسلموا، كما هو حال مسلمي أندونيسيا وإفريقيا السوداء والهنود الحمر اليوم والمكسيكيين والبرازيليين، فلا هم من أصول عربية أو بربرية أو تركية، وهذه هي الحقيقة ولا شيء آخر سواها .

وفي حقيقة الأمر فإن الغزاة لأرض الأندلس التاريخية لهم الكاثوليك الذين تحالفوا مع الصليبيين في فرنسا وإنجلترا، ومع البابا في روما، لغزو أراضي الأندلس . وهذا لاعتبارات اقتصادية في المقام الأول، واستغلوا الدين لتبرير عملية الغزو . وحال الأندلس يطابق ويماثل لحال الإسلام في البلقان . ألم تقلها الأم تريزا، من أن الألبان ما هم إلا كاثوليك أسلموا، وعليهم أن يعودوا وحسبها هي طبعا عن الإسلام إلى الكاثوليكية . وهذا هو عين منطق الملكة إيزابيلا في تعاملها مع الموريسكيين، والفرق بين المرأتين بسيط للغاية، فإيزابيلا ساعدتها الظروف الدولية حينها على تجسيد مشروع تنصير المسلمين الذين يعيشون في ظل حكمها بالقوة، ولكن الأم تيريزا لا يمكن لها أن تُـنَصّرَهم بالقوة، ولو استطاعت لمَا توانت لحظة واحدة في سلوك درب سابقتها إيزابيلا بعد سقوط غرناطة .

ولهذا فعلى الموريسكيين أن يكونوا حذقين وحذرين أثناء عملية التسويق لقضيتهم وأن يهدموا الأسس التي قوضت دولتهم وأعطت الشرعية لدولة القشتالي والأرغوني والبرتغالي الغازي لأرضهم . وعندما يكتشف العالم حجم التضليل والتزوير الممنهج، والذي مورس من قبل نصارى شمال إسبانيا . وعندما يكتشف العالم حقيقة ما جرى، ومعهم الإسبان، هنا فقط ستصبح مسألة عودة موريسكيي المنفى أو الشتات إلى وطنهم، مسألة وقت، طال أو قصر هذا الأخير، وعليهم أن يعرفوا كيف يفككوا جملة الأكاذيب التي أعطت للغزاة شرعية غزو بلادهم وتنصيرهم قصرا . ثم نفيهم من أرضهم بعد العام 1609 م .

كما أنه يتوجب عليهم أن يسلكوا طريقا علميا لإثبات شرعية مطلب عودتهم لأرض آبائهم وأجدادهم، وهذا كما فعل رجاء جارودي في كتاباته المختلفة والتي فكك فيها الأساطير التوراتية المؤسسة لدولة إسرائيل . أو كما فعل المؤرخ شلومو ساند في كتابيه اختلاق إسرائيل واختلاق الشعب اليهودي . فهكذا فعل القشتاليون، وهذا عندما اختلقوا تاريخا مزيفا، وبموجبه أصبح أخيهم في الدم والعرق والجنس وهنا نقصد العنصر الأندلسي، غازي يجب طرده . لأن الأسطورة تقول بأنه قد غزا إسبانيا وقهرهم بعد عملية الغزو المزعومة .

إن الذي حدث في الأندلس لهو عين ما حدث في فلسطين بعد العام 1948 م، غزاة أجانب جاؤوا عبر البحر، وطروا أهلها الحقيقيين . وهذا تحت ذريعة مزيفة، تقول بأنهم هم أصحاب الأرض الحقيقيون . ولكن الغزاة وسواء كانوا قشتاليين أو أرغونيين لم يأتوا عبر البحر، وإنما أتوا برا من الشمال، واحتلوا الأندلس الواقعة في جنوبهم . إننا نرى بأنه على الموريسكيين أن يجعلوا من قضيتهم، قضية حية في ضمائر كل أحرار العالم . خاصة وأننا نعيش في عصر الحرية الفردية، وهذه الحرية يمكن أن يستفيدوا منها للعودة مجددا إلى أرضهم . فهم ومن بعد سقوط غرناطة، ونفيهم إلى مختلف الأصقاع، نجد بأن البعض منهم قد استقر في مدينة شفشاون المغربية . وكانوا يعتقدون بأنها مسألة وقت، وما هي إلا مدة قصيرة ويرجعوا إلى ديارهم، والتي لا يزالون يحملون مفاتيحها وإلى يوم الناس هذا . ولكن نفيهم وتغربهم، قد طال وإلى هذه اللحظة، ولئن عملت ظروف الأمس ضدهم، فظروف اليوم هي حتما تعمل لصالحهم .

ومن جهة أخرى فإننا نجد بأن الغرب لن يقبل بعودة الموريسكييين اليوم، طالما هم يثيرون رعبه . وهذا عبر اعتناق البعض منهم للفكر الأصولي المتطرف، والمعادي لقيم الحداثة ولفكر عصر التنوير وفلسفته . وما داموا يعتنقون هذا الفكر، ويتغافلون عن إسلام الأندلس الذي أنتج حضارة، تتباهى بها اليوم إسبانيا وجزء من شعبها يعتاش على ما خلفته على أرضها، فلا عودة لهم إلى الأندلس كما أنه يتوجب عليهم أولا أن يبددوا مخاوف الإسبان، ويعطونهم البرهان الجلي من أنهم ليسوا خطرا، لا على وجودهم ولا على هويتهم وقيمهم، ولا على حاضرهم أو مستقبلهم .

ونحن في هذا المقال لا نؤمن بفكرة استخدام القوة لاستعادة الأندلس، ذلك أنه وكما يقول السيد المسيح فالذين يحملون السيف فبالسيف يهلكون، وتجربة الصليبيين والاستعمار الفرنسي في الجزائر تشهدان لصالح هذا الحكم . ذلك أن الفتح الحقيقي لهو فتح القلوب والعقول، كما تفعل أفكار عصر التنوير اليوم، لا فتح الأجساد كما هو الحال مع محاكم التفتيش وجهاز الكا جي بي والأصولية المسيحية أو الإسلامية أو الماركسية أو أية أصولية أخرى .

ومع كل أسف شديد، فهناك بعض المدعين ممن يريدون اختطاف القضية الأندلسية من أصحابها الحقيقيين . ولذلك فإننا نراهم يثيرون الكثير من الضجيج على صفحات الإنترنيت، وهم أسوأ سفراء للقضية الأندلسية . ولهذا يجب عليهم أن يرفعوا عنها أيديهم وفى الحال، فما هم إلا الورثة الحقيقيون لكل منظومة منغلقة ومنتحرة تمجد الموت وتعادي الحياة، وإن ارتدوا ثوبا إسلاميا . ذلك أننا نريد إحياء أندلس ابن رشد وابن طفيل وابن عربي وابن الصائغ وابن زهر، أندلس ابن بسام والمعتمد بن عباد الأديب، أندلس لسان الدين بن الخطيب، أندلس الزمن الجميل، أندلس الفكر والحضارة لا أندلس التعصب والتطرف والتي تأكل أبنائها كما هو الحال مع  ابن رشد ومحنته .

كما أنه يتوجب على بعض رجال الدين الذين يتميزون بالجهل والسذاجة في الطرح، أن يعتذروا للأندلسيين عمّا يرتكبونه في حقهم من أخطاء لا تغتفر . فها هو رجل دين سوري يعتذر، للإسبان، بحجة أن المسلمين قد غزو بلادهم . وحتى ولئن كانت نيته طيبة، فإن النوايا الحسنة هنا لا تنفع في شيء، وهي تضر أكثر مما تنفع . ولا يُعذر الجاهل بجهله في مثل هذه المواقف . فالضرر هنا قد كان كبيرا جدا، بحيث نجده قد أعطى للإسبان صك على بياض بشرعية ما فعلوه في الأندلس من جرائم في حق الموريسكيين يندى لها جبين الإنسانية . سيدي الكريم أنتَ رجل دين، وعليك أن تلزم حدّك، وأن لا تحشر أنفك فيما لا تفقه فيه شيئا .

فهذه قضية يفصل فيها المؤرخون وعلماء الأجناس والاجتماع والآثار ومن تلامس تخصصاتهم للموضوع، ولا علاقة لك أنت بهذا الأمر . وهذا هو سبب تخلفنا، وإفلاسنا، والمتمثل في كون الأمور توكل إلى غير أهلها، فيكون في مسلكه هذا ضياعنا وخرابنا، ونصبح أضحوكة للعالم أجمع . أما قياسك للوجود العربي بإسبانيا على الغزو الصليبي لبلاد الشام ومصر والمغرب العربي، وتبنيك للادعاء الزائف وعن جهل، والقائل بأن المسلمين قد غزوا إسبانيا مثلهم، فهو قياس خاطئ، وقعت فيها لعدم إلمامك بالموضوع وتمكنك منه، ومن المعلومات المشوهة والمزيفة التي انطلقت منها . وعليه فمقدماتك خاطئة، فكانت النتيجة بالضرورة باطلة هي الأخرى . أمّا إذا كنتَ تجامل البابا والكنيسة فهذه كارثة الكوارث وعليك أن تتوب منها فورا، وربما هذه المجاملات القاتلة، قد كانت تنازلا منك لتتقرب منهما عن حسن نية، وهذا لتنال منهم شرف الاعتذار للمسلمين عمّا لحقهم من أذى تسبب فيه الصليبيون . نقول لك إن الأمور لا تأتي بهذا الشكل، لأن الاعتذار عن الذنب يأتي نتيجة الاقتناع بالخطأ وليس هو بالصفقة التي تعقد بين طرفين .

إن رجل الدين ذاك وبعمله هذا يكون قد ظلم الحقيقة ووأدها، طمعا في شرف زائف، كأن يقال عنه بأنه رجل سلام، أو أنه هو من صنع الحوار المسيحي الإسلامي، وهذا الحوار برمته عليه علامات استفهام كبيرة . كما أنه يكون قد ضحى بالحقيقة عن جهل، وكان الأصح أن يقول للظالم أنت ظالم لا أن يساوى بين الضحية والجلاد تحت حجة عفا الله عما سلف أو حجة الكاظمين للغيظ . نعم عفا الله عمّا سلف، ولكن من بعد أن يعترف المذنب بخطئه . وهذا لكي لا يغرى الباطل غيره في المستقبل أبدا، وتكون هناك ضحية جديدة له، طالما أن قاعدة عفا الله عمّا سلف تجُـبُّ ما قبلها، فتكون الأخيرة مبررا في قادم الأيام لشرور لا حصر لها .

إن من يطالب العرب اليوم بأن يعتذروا للغرب عن الغزو المفترض للأندلس، لهو منحاز في طرحه هذا، ذلك أنه مثل الذي يطالب الجزائريين بأن يعتذروا لفرنسا الاستعمارية على احتلالها للجزائر، إنه حقا لمنطق أخرق يصيب الواحد منا بالغثيان . ففرنسا هي من عزت أرضهم، وعليها هي من يقع واجب الاعتذار . أو هو كمن يطالب الفلسطينيين بأن يعتذروا للصهاينة، وكأنهم هم من أوقعوا كل تلك المظالم بهم . نعم إن الاسبان هم من غزو أراضي الأندلس، وعليهم هم من يقوم واجب الاعتذار للأندلسيين عموما وللموريسكيين خصوصا .

حتى ولئن جدلا كان هناك عزوا عربيا لإسبانيا، فالإسبان قد رحبوا به . وهذا ما تقوله الدراسات الحديثة وذلك بسبب، عدم قدرتهم على العيش في ظل النظام القوطي المستبد والذي قد ملوه وسئموا منه . تماما كما هو الحال في بلاد الشام ومصر وشمال إفريقيا، فالعرب كانوا مخلصين لشعوب هذه المناطق، وما كانوا أبدا غزاة لأرضهم .

ومن الاسبان أنفسهم من يكذب أسطورة الغزو العربي لإسبانيا، ويراها مجرد أكذوبة لتبرير سيل الحملات الصليبية اللاحقة والمتلاحقة على بلاد الأندلس . كالمؤرخة القطالونية دولورس برامون  Dolors Bramon فهي ترى بأنه ما من فتح عسكري حدث في الأندلس، وإنما الأمر قد كان مجرد ثقافة متفوقة وفدت إلى شبه جزيرة إيبيريا وانخرط فيها السكان، وكانوا هم حاضنتها الأساسية، أمّا فيما يخص الأندلسيين فهم قوط وجرمان وإيبريين، ولا علاقة لهم بالعرق العربي وهذا حسبها هي دوما، لأن العرب قد جاؤوا إلى إسبانيا بأعداد قليلة وسرعان ما ذابوا في الكتلة الإيبيرية المهيمنة إثنيا .

أمّا الروائي والشاعر أنطونيو غالا فهو يعتبر نفسه أندلسيا، ويستخدم تعبير الحرب الأهلية، وهذا عندما يتحدث عمّا يسمى بحروب الاسترداد، أي أنها حرب إسبان ضد إسبان، تماما كما حدث في الحرب الأهلية الإسبانية الأخيرة، والتي انتصر فيها حزب فرانكو . وهذا هو حال حروب الاسترداد والتي انتهت بانتصار الملكين الكاثوليكيين، وحسب وجهة نظره فما من غزو عسكري قد حدث، وإنما هو فتح ثقافي، وهو هنا يلتقي مع مؤلف كتاب الثورة الإسلامية في الغرب اغناسيو اولاغي . وهذا الأخير يذهب بعيدا جدا، وذلك حينما يخبرنا بأن طارق بن زياد نفسه قد كان جرمانيا عينه حكام طليطلة على طنجة . وما اجتيازه لمضيق جبل طارق، إلا تلبية لنداء الاستغاثة الذي وجهه له أحد أطراف الحرب الأهلية الإسبانية حول العرش وهذا بعد اغتصاب لذريق له . فعبر المضيق مع جنوده المغاربة البربر المستعربين، ومن هنا وكما يخبرنا اكناسيو أولاغي دوما، تأتي أسطورة الفتح العسكري العربي للأندلس.

أمّا عندليب الأندلس فيدريكو لوركا فيتحسر على ما حدث، شأنه في هذا الأمر شأن الكثير من مواطنيه، فالكل هائم بزمان الوصل الأندلسي . فها هو لوركا، يرجع إلى الأندلس التاريخية، مسرعا وهاربا من نيويورك التي بدت له موحشة ومتوحشة . لا لشيء سوى لكونه ابن غرناطة وابن الأندلس، وكما يقول فهو ينتمي : " لغرناطة التسامح. غرناطة ما قبل السقوط في يد الكاثوليك "، ولهذا فهو يقتفي أثر ملهميه الذين سبقوه، وينسج قصائده على منوالهم كابن الزقاق البلنسي وابن شهيد، كما يخبرنا بهذا دارسو شعره . نعم إنه يهرب من اسبانيا يومه إلى اسبانيا زمان الوصل الجميل، زمان قرطبة وابن زيدون واشبيلية والمعتمد بن عباد . لا لشيء سوى لكونه لا يرى في سقوط الأندلس سوى نكبة فها هو يعبر عن تلك اللحظة بقوله : " إنها لحظة مشئومة،  كانت نكبة، على الرغم من أنّهم يلقنوننا العكس في المدارس • حضارة رائعةٌ، وشعرٌ، وفلكٌ، وعمران، ورقةُ شعور فريدةٌ في العالم . ضاعت كلّها لتقوم محلّها مدينة فقيرة هي - جنّة البخلاء -، والتي يلعب بمقدراتها الآن أرذل البرجوازيين في إسبانيا " . ومن يدري فلعل القدر لو أمهله بعض الوقت، لعاد اندلسيا كما هو الحال مع مواطنه بلاس إنفنتي . خاصة، وأنه وكما يقول دارسوه كان يقيم في تراث آخر غير تراث بيئته، في تراث الأندلس الشامخ .

وها هو شاعر الشيلي الأكبر بابلو نيرودا يقول عنه : " كان خلاصة أعمار إسبانيا وعهودها، صفوة الازدهار الشعبي، نتاجاً عربياً أندلسياً ينير ويفوح مثل أيكة ياسمين على مسارح إسبانيا، كان كل هذا، يا ويلتي لقد اختفى فأواه وأواه " . وقيل عنه أيضا : " إن لحن صوته ذا النبرة الأندلسية القوية العذبة تبعث في النفس الذهول . لوركا يؤمن بالعروبة، إنه عربي لا أندلسي وحسب . "، وكم من لوركا يوجد اليوم في إسبانيا وعلينا أن نمد أيدينا إليه، ونوصل معه حبال الود والوصال .

وهناك من الإسبان من يعيش حلما آخرا غير حلم إسبانيا اليوم، وهو ليس منفى وإنما هو اختيار طوعي نابع من الحب، ذلك أن الإنسان عندما يحب فلا يجد غير الاستسلام لما هو فيه . وهذا هو حال الروائي والشاعر الاسباني أنطونيو غالا والذي مرّ ذكره أعلاه، والذي يعتبر الأندلس التاريخية الهواء الذي يستنشقه، فطبع هويته بالطابع الأندلسي وإلى الأبد . فهو ينفر من قرطبة اليوم، لصالح قرطبة زمان الوصل الجميل، زمان قرطبة الأمويين .

نعم إن ما حدث في الأندلس لهو عين ما حدث في المكسيك والفلبين، وفي كل شبر وطأته أقدام الغزاة الاسبان . فيما يسمي بعصر الكشوف الجغرافية، فكما احتلوا المكسيك ودمروا حضارة ومدنية كل من الأزتك والإنكا، فإنهم كذلك قد قضوا على حضارات ولغات وديانات شعوب بأكملها في العالم الجديد . وهو عين ما حدث في غرناطة، وقبلها في كل شبر سقط بيدهم من أرض الأندلس التاريخية . وفي باقي أرجاء أوروبا، في تلك الحقبة المظلمة، أين ساد منطق، لا للتعدد ولا للتنوع، وإنما وجب أن يُسمع صوت واحد فقط، ألا وهو صوت المسيحية الكاثوليكية . فأين هم الأريويسيون وأين هم الكاثار الذين تواجدوا في عموم أوروبا الغربية، وأين هم البروتستنانت في فرنسا؟ . وكل الذي حدث للموريسكيين كان لأجل الذهب والفضة والعبيد والتي توجد كلها تحت سماء الأندلس، أولا ثم تحت سماء غرناطة ثانية، ولا علاقة لها لا بالغزو العربي ولا بطارق بن زياد .

واليوم علينا أن نتجاوز تلك المرحلة المظلمة، والمتمثلة في مرحلة عذابات محاكم التفتيش الرهيبة والمرعبة . إن المسيحيين أيضا قد اكتووا بنارها، بروتستانت كانوا أو كاثار، أو مصلحين متنورين . فمثلا فعند قراءتنا لكتاب معارك التنويريين والأصوليين، فإننا نصاب بالرعب، من هول تلك الكوارث التي كانت تحدث باسم الدين المسيحي . صحيح أنه يجب على من أخطأ أن يقرّ بخطئه، حتى لا تتكرر المأساة . ولكن لا يمكن محاسبة الأحفاد على جرائم لم يرتكبوها، ومتى فعلنا هذا يكون عملنا الذي

جئناه لهو توأم للانتقام ولتصفية الحسابات، ولا علاقة له مطلقا بالعدالة، أو هو ابتزاز لا توخي للحقيقة .

علينا أن نتعلم كيف نتعايش في إسبانيا اليوم، كما تعايش فيها من سبقونا في العهد الأندلسي المأمول . وهذا سواء كنا مسلمين أو مسيحيين أو يهود أو ملحدين، ولا يجب أن يقصي أي طرف للطرف الآخر ومهما كانت المبررات . ولا أن نتماهى مع ألبير كامو، ولا مع من لف لفه من غلاة المستوطنين في الجزائر . ذلك أنه كان يحب الجزائر وشمسها، وهذا حسب ما يدعيه، ولكنها جزائر من دون الجزائريين، وخالية من سكانها الأصليين، وهذه هي قمة العنصرية والاقصاء، ومفرخة لكل شرور محاكم التفتيش الملعونة . ذلك أن اقصاء أي طرف، للطرف الآخر، يجعل كل منهما يشحذ أسلحته، وبهذا نعود إلى نقطة الصفر، نقطة القتل على الهوية، وهو أمر مرفوض ولا مجال للحديث عنه لا اليوم ولا غدا .

كما أننا نجد بأن الموريسكيين والذين لا يزالون، وإلى يومنا هذا يحملون هويتهم الأندلسية، ويتشوقون للعودة إلى أرض آبائهم وأجدادهم . وهم اليوم يطالبون بالجنسية الاسبانية، أسوة باليهود السفارديم وفي حال تحقق مطلبهم هذا، فإنه يصبح من حقهم العودة إلى أرض الأندلس التاريخية، وهذا ما تتخوف منه الكنيسة الكاثوليكية . ويرعبها هي ومن يتخذ معها، نفس الموقف من المسألة الموريسكية . وهذا لكونهما يتخوفان من التفوق العددي للمسلمين، من جديد في أرض الأندلس وخصوصا في جنوب إسبانيا، أين توجد معاقلهم التاريخية، وهذه الأجزاء من اسبانيا وباعتراف الاسبان أنفسهم لهي للمسلمين أكثر مما هي للمسيحيين .

ولكن الأمر اليوم لهو صعب جدا إن لم يكن من المستحيل عودة الأندلسيين إلى بلادهم، وذلك لأن بعض مسلمي اليوم لهم أسوء رُسُل للإسلام، وهذا على عكس أيام طارق بن زيان ومن معه . فلا ننتظر من أحفاد الأندلسيين المتنصرين اليوم في إسبانيا، وعلى الرغم من معرفتهم لجذورهم الأندلسية الموريسكية، أن يعودوا وبسهولة إلى هوية أسلافهم وهم المتشبعون بالثقافة الغربية المتفوقة، وأن يتقبلوا فكرة العودة إلى هويتهم التاريخية، وهم يرون وبأم أعينهم ما يحدث باسم دين هؤلاء الأسلاف .

ولهذا ولكي يُـرْجع المسلمون الفردوس المفقود، فعليهم أولا أن يعودوا هم إلى إسلام الأندلس التاريخية، والذي كان قائما على مبدأ التعايش المشترك، وعلى فكرة تقبل الآخر . أندلس كما هي موجودة في كتاب الأندلس العربية إسلام الحضارة وثقافة التسامح للأكاديمية الأمريكية روزا مينوكال . كما وأننا كلنا ننشد الأندلس التي ينتمي إليها لوركا، أندلس التسامح والتي قال بحقها : " أنتمي لغرناطة التسامح، غرناطة ما قبل السقوط في يد الكاثوليك " . وما يحزن بالفعل لهو انقلاب الوضع، فبالأمس كان المسلمون متسامحين ومتنورين، في حين كان الاسبان متعصبين، فكيف يمكن للدواعش ولبوكو حرام ولطالبان، بأن يكونوا رسل سلام تحمل الخير والعافية للأندلس من جديد ؟ . إن الأندلس التي نريدها لهي أندلس بعيدة عن المتعصبين، ومن الجهتين وعلى كل منهما أن يقدم رسالة طمأنة للطرف الآخر . إنها أندلس يحلم ونحلم بها جميعا مع الشاعر والروائي أنطونيو غالا، أندلس التعايش، أندلس لوركا ذات الهوية الأندلسية وفقط .

 

خلف الله سمير بن امهيدي / الطارف / الجزائر

 

 

nabil odaaما يجري اليوم مع الطفلة عهد التميمي ابنة قرية النبي صالح في الضفة الغربية المحتلة، أعادني لتقرير سابق كنت قد نشرته سابقا، تحت عنوان "وثيقة حقوق الطفل الدولية لا تخص الأطفال الفلسطينيين"

 اعتقال الفتاة المناضلة ابنة ال 16 سنة عهد التميمي، التي لم تحمل مقصا ولا سكينا بل وقفت عارية اليدين بمواجهة جنود مدججين بالسلاح من رأسهم حتى اقدامهم، يأخذ اليوم ابعادا سياسية وأخلاقية أكثر عمقا عن واقع الشعب الفلسطيني، وخاصة واقع أطفال فلسطين في مواجهة آلة الحرب والقمع الاحتلالية لدولة إسرائيل. وعليه أجد من الضرورة العودة لتفاصيل التقرير مرة أخرى. ولا اعرف أي سبب لعدم اهتمام واسع بذلك التقرير، وتعميمه دوليا على مؤسسات حقوق الانسان وخاصة حقوق الأطفال، لفضح الممارسات القمعية والفكر الاحتلالي الذي يرى بكل طفل فلسطيني "مخرب محتمل" أي يجوز التعامل معه بنفس الطريقة التي يتعرض لها أبناء الشعب الفلسطيني الذين يأسوا من واقع الحياة تحت حراب الاحتلال وقمعه.

*****

في شهر أيلول عام 2011، زار إسرائيل والمناطق المحتلة وفد قضائي بريطاني موَّلتْه وزارة الخارجية البريطانية، ليحقق في اعتقال وإصدار أحكام ضد أطفال فلسطينيين يُشتمُّ منها ان إسرائيل تخرق وثيقة حقوق الطفل كما تنص عليها وثيقة الأمم المتحدة بخصوص الأطفال.

كما هو متوقع انكرت النيابة الإسرائيلية شكوى الأطفال الفلسطينيين عن سوء معاملتهم، وقالوا للوفد البريطاني "أضحكتمونا" وأضاف ضابط كبير من النيابة العسكرية بصراحة للوفد البريطاني المشكّل من تسعة رجال قانون "ان كل طفل فلسطيني هو مخرب محتمل"!!

طبعا، غني عن التأكيد ان الموقف الإسرائيلي لم يتغير .. وما شاهدناه في الاحتجاجات السلمية للشعب الفلسطيني ضد قرار ترامب بخصوص القدس، يؤكد بشكل مطلق ان الأطفال الفلسطينيين وأبناء الشعب الفلسطيني لا حقوق إنسانية لهم، وهم عرضة للقمع والتنكيل والقتل بدون أي تبرير.

1483 nabil

الوفد وحرمان أطفال فلسطين من طفولتهم

الوفد فحص وحقق بالقانون والتصرفات الإسرائيلية بكل ما يتعلّق باعتقال وصدور أحكام ضد أولاد فلسطينيين.

زيارة الوفد المذكور جاءت بعد ان طرح الموضوع أمام بيتي البرلمان البريطاني للبحث، وتعتبر الزيارة خطوة الى الأمام في التحقيق عما يجري مع الأولاد الفلسطينيين في محاكم الاحتلال الإسرائيلية.

للأسف لم اسمع عن أي استنتاج للوفد، او أي موقف بريطاني بناء على ما كشف عنه الوفد القضائي البريطاني، ويبدو أيضا ان السلطة الفلسطينية لم تتابع الموضوع .. كذلك الهيئات الدولية بلعت لسانها.

الوفد أصدر تقريرا من 36 صفحة، بصياغة دبلوماسية لطيفة جدا (يبدو ان ذلك من خصائص الغرب بكل ما يتعلق بإسرائيل). من ضمن ما جاء بلطافة دبلوماسية: "من المحتمل ان بعض التردد بمعاملة الأولاد الفلسطينيين، حسب النهج الدولي سببه من القناعات التي طرحت امامنا من مدعي عسكري بان كل طفل فلسطيني هو مخرب محتمل. هذا الموقف يبدو لنا انه نقطة الانطلاق الحلزونية لغياب العدل، الذي لا يستطع أحد ان يغيره الا إسرائيل نفسها بصفتها قوة الاحتلال في الضفة الغربية".

رغم اللهجة الدبلوماسية اللطيفة، الا ان التقرير مذهل باستنتاجاته.

جاء في التقرير أن المدعيان العسكريان الإسرائيليان اللذان تحدث الوفد البريطاني معهما هما المدعي العسكري الرئيسي الكولونيل روبرت نويفيلد ونائبه الميجر رونين شور. الوفد لا يذكر من قال الجملة التي تشكل منطلق النيابة العسكرية الإسرائيلية (ربما الأصح الفكر الاحتلالي الإسرائيلي) بان "كل طفل فلسطيني هو مخرب محتمل"، وهذا الموقف الاحتلالي هو الذي يشكل العلاقة بين الأولاد الفلسطينيين والجهاز العسكري الإسرائيلي، او دولة الاحتلال للدقة بدون لطافة دبلوماسية.

الوفد كشف في تقريره وجود روايات إسرائيلية عسكرية متناقضة حول منهج اعتقال ومحاكمة الأولاد الفلسطينيين حسب القانون العسكري. الجهاز الإسرائيلي الرسمي له روايته. منظماتٌ ونشطاءُ فلسطينيون وإسرائيليون ممّن يتابعون مسألة اعتقال ومحاكمة الأولاد الفلسطينيين وحتى الأولاد أنفسهم لهم رواية مختلفة. الوفد لم ير ضرورة لقبول رواية ما، حسب لسان التقرير. بل سجل الروايات المتناقضة دون تأكيد صحة قبول رواية طرف من الأطراف، ولكن، وهنا الشيء الأساس، سجّل الوفد في تقريره تبريراً لموقفه بعدم الفصل بين الروايات، بأن "الفروقات المثبتة في القانون بين الأطفال الفلسطينيين والإسرائيليين التي أشغلتهم في فحصهم، هي فوارق موثقة بالفعل، وانه حسب الوقائع الموثقة، التي لم يستطع المتحدثون الإسرائيليون نقضها او إنكارها، وجد الوفد ان إسرائيل تنقض ستة بنود من وثيقة حقوق الطفل للأمم المتحدة. وهذه البنود كما جاء في التقريرهي:

البند2 – التمييز بين الأولاد الفلسطينيين والإسرائيليين.

البند 3-  مصلحة الولد مقابل مصلحة الاحتلال.

البند 37 ب – الاحتياج لحجّة مسبقة لاعتقال الأولاد.

البند 37 ج-   عدم فصل الأولاد عن المعتقلين الكبار.

البند 37 د-   الوصول فوراً لمحام (الاحتلال لا ينفذ هذا الأمر).

البند 40 – التقييد بسلاسل حديدية في المحكمة (الظاهرة الشائعة).

والتزاماً من الوفد بعدم اعتماد أيٍّ من الروايات، يسجل الوفد انه اذا كانت التقارير والشهادات التي وصلتهم من منظمات إسرائيلية وفلسطينية حول اساليب الاعتقال صحيحة، فان هذا يعني ان إسرائيل تخالف ميثاق حقوق الطفل الدولية التي تمنع اللجوء الى التصرف العنيف مع الأطفال، ومعاملتهم وغير الإنسانية او المهينة، حسب البند 37 أ في الميثاق.

  الصحفية الشجاعة العاملة في هآرتس  عميرة هيس  كتبت رأيها بوضوح، متخلية عن اللطافة الدبلوماسية، انه بالاعتماد على ما نشرته "هآرتس" من مراسليها، والتي تشمل عشرات الشهادات حول اعتقال أطفال فلسطينيين، نسمح لنفسنا، كما تكتب عميرة هيس، "ان نكون أقل مجاملة وتردداً، ونقرُّ ان المعاملة القاسية، وغير الإنسانية، او المهينة، هي المعيار. الجيش يتصرف بشكل دارج (روتيني) في اعتقال الأولاد الفلسطينيين في منتصف الليل. وبشكل دارج يُضربون، صفعاً او رفساً أثناء الاعتقال. وفي ثلث الحالات، حسب فحص المنظمة العالمية للدفاع عن الأولاد، يطرح الأولاد على أرضية السيارة العسكرية، أثناء قيادتهم للاعتقال. وبشكل دارج رجال الشرطة يحققون معهم قبل التحقيق الرسمي. وتقريبا بشكل دارج أيضا التحقيق يجري قبل ان يسمح للولد ان ينام، وبشكل دارج لا يحضر والداه في وقت التحقيق معه".

ممثلي وزارة الدفاع ومنسّق العمليات في المناطق المحتلة، برر هذه التصرفات أ ولا بالإنكار، ثانيا بقوله ان "الجنود هم جنود". هذه الملاحظة أقلقت الوفد البريطاني، كما جاء في تقريرهم. وطبعاً قال ممثلو الاحتلال إن الأولاد بإمكانهم تقديم شكوى حول معاملة مسيئة لقسم التحقيق مع الشرطة.

اقتراح عبقري لكنه غير قابل للتنفيذ!!

تقرير الوفد يذكر باستهجان منضبط جدا، فقط لدى البريطانيين يمكن ان يكون الاستهجان منضبطاً جدا او بكل ما يتعلق بالتعامل مع تجاوز إسرائيلي. يذكر حقيقة ان الجهاز العسكري القضائي، لا يسمح لمحامي ان يلتقي مع الأولاد قبل بدء المحاكمة ليمثلهم بشكل معقول وكامل. يذكر التقرير بمرارة منضبطة (هذه ايضا مرارة بريطانية او غربية جاهزة تخصّ إسرائيل فقط) ان لوائح الاتهام المقدمة للمحاكم العسكرية تعتمد على اعترافات الأولاد، واعترافات أولاد على رفاقهم. يشير التقرير ان الجهاز العسكري يدفع الأولاد لاعترافات بالتُّهَم والوصول الى "صفقة ادّعاء" طبعاً بدون وجود محامٍ يمثل الأولاد، أي لا تجري محاكمة حقيقية للأولاد. ومن المؤكد أن الأولاد المرعوبين لا يفقهون ما تخبّئ لهم الصفقة، وربما لا يفهمون هذا التعبير ومحتواه القانوني، وكل ما يهمُّهم هو التخلُّص من الوضع الغريب والمخيف الذي وجدوا أنفسهم بلا وعي داخله بصفتهم مخربين محتملين مستقبلاً. هذه الظاهرة ليست جديدة، بل وردت في عشرات التقارير للجان حقوق الإنسان والطفل إسرائيلية وفلسطينية ودولية ويردّدها دائماً نشطاء فلسطينيون وإسرائيليون، وأوردها المحامون الذين يدافعون عن المعتقلين الفلسطينيين وخاصة عن الأولاد، وقدّموا صورة مذهلة عن المحاكمات التي تصدر أحكاما بالجملة بدون استماع لـ"المخربين الصغار" وبناء على ما تقدمه النيابة العسكرية من "صفقات" جاهزة "توصلت" اليها مع الأولاد، وكأن الأولاد على فهم لمضمون ما يدور حولهم، بغياب أي دور للمحامين لتقديم دفاعهم، اذ يسمح لهم بالظهور في معظم الحالات اثناء المحاكمة فقط، دون ان يتمكنوا من فهم ما يجري مع موكليهم من "المخربين" الصغار. وهناك سيف الاعتقال حتى انتهاء الإجراءات القانونية (وهي صيغة هلامية، تعني بقاء الأولاد في الاعتقال حتى المحاكمة). الحديث يبدو وكأنه عن أشخاص بوعي كامل يتصرفون بناء على فهم وتخطيط، وليس عن أولاد لا يفقهون ما يجري حولهم، ولا يعون معنى لتصرفاتهم حتى في حال قيامهم بالمشاركة بمخالفات مثل قذف الجنود بالحجارة، وهي المخالفات الدارجة مع الأولاد عادة، نتيجة استفزاز يومي يرتكب بحقهم او بحق مجتمعهم وأقاربهم وأبناء وطنهم، يرى فيها الاحتلال "تهديداً لأمنه واحتلاله وجريمة أمنية بالغة الخطورة" والوفد البريطاني التقى مع القضاة العسكريين ومنهم ضباط كبار بدرجات مرتفعة وحملة ألقاب أكاديمية رفيعة جداً ومنها لقب بروفسور مثلاً.

تقرير الوفد القضائي البريطاني يلاحظ أمراً مقلقاً يتوسّع به تقريرهم، حول شكل "محاكمة" الأولاد حيث "يشجع" (ربما الأنسب والأصحّ كلمة "يفرض") الجهاز القضائي العسكري على الأولاد المعتقلين (هل هم بقدرة مواجهة المحققين الإسرائيليين؟) الوصول الى صفقة مع النيابة العسكرية، الأمر الذي يعني عدم إجراء محاكمة حقيقية، في مثل هذه حالة الوصول الى صفقة، يعني انه على النيابة العسكرية ان تُحضِر شهوداً وإثباتاتٍ للتهم التي توجه للأولاد، أيَّ عمل مرهق وشبه مستحيل. وعلى الأغلب لا شهود ولا إثباتات، أي محاكمات "لفلفة" وليس من الصعب إيجاد وصف لهذه المحاكمات في مقالات كتبها المحامين أنفسهم الذين تلخّص كل دورهم بأن يكونوا حضوراً في مسرحية قراقوشية. والأمر المرعب أكثر ان النيابة العسكرية قد تطلّب ايضاً اعتقال الأولاد حتى انتهاء الإجراءات القانونية، وهو أمرٌ تترتّب عليه أضرارٌ نفسية وجسدية هائلة للأولاد، اذ قد يكون الاعتقال حتى انتهاء "الاجراءات القانونية" أكثر امتداداً من العقاب نفسه. هذا الجانب طرح بمئات التقارير المنشورة في الانترنت أيضا. واليوم يبدو انه يطبق ضد عهد التميمي أيضا، التي يجري تمديد اعتقالها أسبوعا بعد أسبوع.

الوفد البريطاني قدّم 40 توصية للجهاز العسكري الاحتلالي، من أبرزها ان القانون المدني الإسرائيلي يمنع اعتقال أولاد (القصد أولاد من إسرائيل) تحت سن الـ 14 سنة وانه يجب تطبيق هذا القانون على الأولاد الفلسطينيين ايضا.

في تصريحات ل"CNN" قالت عضو وفد المحامين البريطانيين باتريشا سكوتلند، التي شغلت في السابق رئاسة الادعاء العام في بريطانيا، وساهمت في وضع التقرير: "ما فعلناه هو أقرب إلى تقديم تقييم تحليلي قانوني للوضع هناك، لدينا روايات متضاربة حول ما يحصل فعلياً، ولم نقم باستنتاجات حول تلك الروايات، بل لجأنا إلى تحليل نصوص القانون الإسرائيلي، ولذلك نعتبر أن الأدلة التي أشرنا إليها لا تقبل الشك". وأضافت: "استخدمنا القانون الإسرائيلي كنموذج لمعرفة حقوق الطفل الإسرائيلي، وتساءلنا حول السبب الذي يمنع تطبيقها على الطفل الفلسطيني، ونظرنا بالقوانين التي تطبق على الطفل الإسرائيلي، وتلك التي تطبق على الطفل الفلسطيني، ووجدنا أنها مختلفة (مختلفة كلمة في منتهى اللطافة).. وقد سألنا عمّا إذا كان هناك سبباً شرعياً لهذا التباين، فلم تكن هناك إجابة"

الوفد لم يعتمد على تقارير المنظمات الحقوقية الإسرائيلية مثلا، وعلى رأسها منظمة "بتسيلم – مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة" التي نشرت وفضحت آلاف الممارسات غير القانونية حتى في المفهوم القضائي العسكري الإسرائيلي الممارس ضد الأطفال الفلسطينيين، ووثّقت الكثير من التجاوزات بأفلام مصورة بوقت وقوع الاعتداء على الأطفال او الكبار في الكثير من الحالات.

ولنفحص تقارير منظمات إسرائيلية أخرى.

جاء في تقرير اعدته ونشرته منظمة "يش دين" الحقوقية الإسرائيلية ان المحاكم العسكرية التي يمْثلُ أمامها المعتقلون الفلسطينيون تصدر قرارات بإدانة ما نسبته 99.7% منهم فيما لا تستمر جلسات تمديد الاعتقال حتى نهاية الإجراءات أكثر من دقيقتين فقط، ووصفت الأمر بانه "شيك مفتوح"!!.وأضاف تقرير "يش دين" ان المحاكم العسكرية والنيابة الإسرائيلية تمتنعان عن ترجمة لوائح الاتهام المقدمة ضدّ الفلسطينيين للغة العربية، فيما مثل أمامها العديد من الأطفال والقُصَّر الفلسطينيين الذين جرت محاكمتهم كبالغين. وقدَّر محققو المنظمة متوسط الوقت الذي تستغرقه محكمة تمديد اعتقال فلسطيني حتى نهاية الإجراءات القانونية بدقيقة و54 ثانية فقط.

وفسّر المحامي جواد بولس، المتفرّغ تماماً لمهمة الدفاع عن المعتقلين والأسرى الفلسطينيين، ظاهرة نسبة الإدانة المرتفعة بالقول: "إنني أعتقد بان كل فلسطيني يمثل أمام المحاكم الإسرائيلية مدان حتى يثبت عكس ذلك".

 

 نبيل عودة

 

 

mohamad aboalnwair2يعيش العراق مرحلة استثنائية لا تمر بها أغلب الشعوب على وجه الأرض، فمن تسلط الظالمين، إلى حروب عبثية، تبعها عمليات تفريغ البلد من أهم عقوله العلمية والأكاديمية، إلى تناحر الطوائف والمذاهب (تناحرا اجتماعيا وعقائديا عسكريا)، إلى سيطرة الدول الخارجية على مقدرات الأمة العراقية من جميع النواحي، حتى بات تدخل هذه الدول مباحا حتى في مجال مناهج التعليم والتربية وأدوات الضخ الثقافي، والسيطرة على أدوات التلاعب بالعقول والإعلام ومخرجات عمليات التثقيف الطبيعي التي تحصل في أي بلد.

لقد كان العراق من بين الدول المتقدمة في مستواها الثقافي والعلمي خلال العقود التي تلت تأسيس الدولة العراقية في القرن السابق، حيث كان التعليم الأولي والجامعي، يسير بخطوات ومنهجيات ثابتة وراسخة بدقتها واحترافيتها العالمية، كما أن موائمة السلم المجتمعي في تلك الفترات، مع عمليات التعليم والتثقيف، ساعدت على التأسيس لبنى ومؤسسات ثقافية وتعليمية رصينة ومحترمة، ساهمت في إيجاد منظومة تنشئة مجتمعية وثقافية مهمة، جعلت هذا البلد في مقدمة الدول الناهضة والسائرة نحو التحضر.

مدخلات العملية الثقافية في أي بلد، تتعلق بعوامل عدة، منها ما هو مجتمعي، ومنها ما هو علمي احترافي، عدم استقرار البنية السياسية والأمنية في العراق، مع حصول اهتزازات عميقة في العلاقات المجتمعية، والتي قادت إلى حصول قطيعة مصطنعة بين كيانات الشعب، مع ضعف ورداءة المنتج القيادي في كل مجالات إدارة الدولة، وأهمها المجال السياسي، والذي تلاعبت به مقدرات الجهل والمحسوبية والعلاقات القبلية وصراع الإرادات المتنافسة؛ كل ذلك قاد إلى حصول شرخ كبير في عمليات التثقيف المجتمعي، مما قاد إلى حصول انحدار كبير في مستوى الثقافة لدى الفرد العراقي، وباتت القراءة أمرا نشازا في نظر الوعي المجتمعي، لا يتعلق إلا بطبقة محددة منزوية في أنماطها المثالية البعيدة عن واقعية الحياة!

هذه النظرة المجتمعية الجاهلة، تمثل جريمة كبيرة ترتكب بحق هذا البلد، وتخريب غبي من قبل كل الجهات المسؤولة، لأهم أداة من أدوات نهضة البلدان وتطورها، حيث أنها قادت عملية الدراسة والتعليم، لجعلها عبارة عن مرحلة عبور يمكن الخلاص منها بشتى الطرق الملتوية، بدل أن تكون مرحلة تأسيس وترصين للوعي المجتمعي الثقافي والتربوي، والذي يقود لمخرجات سلوكية مستقبلية، تعمل كعوامل نهضة حقيقية.

النتيجة : البلد الذي تُسلب منه أدواته التثقيفية والتربوية والعلمية، هو بلد يعيش مرحلة الإنعاش، وسيقف في فترات مقبلة على حافة تأريخ، يتغذى بعوامل الفشل والانهيارات بشكل تدريجي، ليضمن لسالبيه، إبقائه ضعيفا جاهلا مقطوعا عن أسباب التقدم والقوة والنهوض.

 

د.محمد أبو النواعير

دكتوراه في النظرية السياسية - المدرسة السلوكية الأمريكية في السياسة.

 

 

mohamad fathuabdulalهل تمرض الاوطان حقا؟!!.. اجل تمرض الاوطان الا انها لا تموت غير ان منها ما يبرأ ومنها ما يبقي عضالا لا أمل في شفاءه ومما يؤسف له أن بلادنا الحبيبة مصر تقع في القسم الثاني حيث المرض الذي لا يبلي والاعراض التي لا تخفت ...ولقد نجح القران الكريم في تحديد ملامح الداء المصري علي نحو جلي كما وضع العلاج ايضا في تفرد لم يحظي به وطن اخر غير مصر المريضة دوما .. وعناصر الداء المصري يستعرضها القران عبر قصص بديعة خالدة تشرح الجسد المصري العليل كاشفة حقيقة مرضه في تسلل علي النحو التالي:

اولا: الحاكم او رأس السلطة في مصر والذي اختار القران ان يختصه بلقبه وهو فرعون حيث السلطة المطلقة والانفراد التام بالسلطة دون تحديد لاسمه في القصة عن قصد لان القران ليس كتابا يؤرخ قصة للتاريخ بل يسوقها لتشخيص حالة متأصلة ومستمرة وليست قصة وقتية وانتهت فالقصة لم تنتهي عند الحد بل قائمة حتي قيام الساعة ولكن بشخوص مختلفه واسماء متغايرة ولكن يبقي اللقب: فرعون وتبقي الحالة واحدة ويمضي القران في اطار معجز ليرسم لنا صورة الحاكم المصري المستبد عبر العصور والذي يوطد دعائم سلطاته عبر تقسيم الشعب الي طائفتين اولهما صفوة المقربين الممتلكين لكل المقدرات والطائفة الاخري هي المستضعفين الذين يعانون قسوة العيش والفقر المدقع قال تعالي: (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ).. وهذا المفهوم لا يقتصر علي شخص الحاكم رأس الهيكل التنظيمي بالبلاد بل ينتقل بالتبعية للمحكومين الذين يمارسون مهام اشرافية وادارية صغرت او كبرت في اطار الهيكل ذاته فبكل مصلحة حكومية بمصر وبكل شركة وبكل مكان به رئيس ومرؤوسين لا يمكن ان تجد قائدا يفهم معني القيادة وانماطها واتخاذ القرار عبر آليات المشاركة والعلم وان تظاهر بذلك بل تجد المدير في حقيقته فرعونا يمارس سلطاته بغطرسة وتعالي ولعل في شخصية اسماعيل صدقي رئيس وزراء مصر السابق استجلاءا رائعا لهذا الامر فالرجل الذي خرج مع سعد زغلول ليدافع عن حق مصر في تقرير مصيرها ونفي معه الي مالطة حينما واتته الفرصة ليصبح في السلطة انطلق من صدره المارد الفرعوني المتأصل فأنقلب علي الحرية واعتبر ان الرأي العام المصري الذي دافع عنه في السابق لا يعدو كونه صدي صوت رعاع !! وان المصريين تجمعهم صفاره وتفرقهم العصا!!!....كما ان مصير هؤلاء الطغاة والذي اوضحه القران بشكل بديع في مصير فرعون قال تعالي: فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ۚ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ) لم يفت في عضد حكام مصر عبر العصور ليثنيهم عن انتهاج نفس النهج ثم ملاقاة نفس المصير مع غياب الاتعاظ والاعتبار فمن كان يظن ان ينتهي الحال بحكام الدولة الفاطمية ومنهم الحاكم بأمر الله الذي رفع نفسه لدرجة الالوهية ان يصبح مآل أجداثهم هو مقلب القمامة !! فمما يروي ان الامير المملوكي جهاركس الخليلي كان يريد اقامة مشروع اقتصادي ضخم وهو المعروف بخان الخليلي الان وكان المكان الذي اختاره لسوقه الضخم هو تربة الزعفران التي تضم رفات الخلفاء الفاطميين وبالطبع ازالة هذه الرفات تحتاج الي فتوي  والتي نجح في الحصول عليها من صديقه القاضي الحنفي شمس الدين محمد القليجي بجواز نبش قبور الخلفاء الفاطميين والقاء ما فيها من رفات لكونهم كفارا معتدين رفضة !!! وفي مشهد غير انساني بدأ العمال في استخراج رفات العشرات من الرجال والنساء ووضعوهم داخل قفف على ظهر البغال لتتطوف بهم في حارات القاهرة، التي لطالما شهدت مرور مواكبهم وهم احياء وسط هتافات الحشود في الماضي ،لينتهي المآل بهم في كيمان البرقية -“مقلب قمامة”بجوار الجامع الازهر الذي بنوه والذي شهد الدعاء لهم علي منابره لعهود طويلة!!!!

ثانيا: كراهية المعارضة فعلي الرغم من أن القران الكريم وضع ملامح المعارضة السلمية القائمة علي المراجعة والمناقشة في قوله تعالي: (اذهبا إلى فرعون إنه طغى *فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى) فالمعارضة في مصر تعني الخيانة والعمالة والاجندات الخارجية ..وغياب المعارضة بأي دولة يفقدها الخطط البديلة والبدائل والخيارات السليمة ..اما الحديث المنسوب للنبي صلي الله عليه وسلم: (تطيع للامير وإن ضرب ظهرك واخذ مالك) فهو من المتون الواجب مراجعتها فبالاضافة لتناقضه مع جوهر الاسلام حيث جاء رجل الي رسول الله صلي الله عليه وسلم فقال: يارسول الله أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي قال: فلا تعطه مالك قال: أرأيت إن قاتلني قال: قاتله قال: أرأيت إن قتلني قال: فأنت شهيد قال: أرأيت إن قتلته قال: هو في النار..فهل يرخص النبي للافراد الدفاع عن اموالهم فيما بينهم ولو استلزم الامر القتال فيما يرخص للحاكم وهو من المفترض أن يكون القدوة ظلم الناس واخذ أموالهم بالباطل ؟!!! ومن ناحية اخري فالحديث يتناقض مع فهم الصحابة انفسهم لجوهر الاسلام فحينما ارسل سعد بن ابي وقاص رضي الله عنه الصحابي الجليل ربعي بن عامر لرستم قائد الفرس وسأله رستم: ماذا جاء بكم؟ كانت اجابة ربعي رائعة ومعبرة عن فهم عميق لرسالة المصطفي صلي الله عليه وسلم فقال: (ان الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد الي عبادة رب العباد ومن ضيق الدنيا الي سعتها ومن جور الاديان الي عدل الاسلام).

ثالثا: الزهو والخيلاء بحكم مصر قال تعالي: (وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي ۖ أَفَلَا تُبْصِرُون)َ وهذا هو السبب الذي يحرمنا دوما من الدخول في تنافسية حقيقية مع من حولنا لاننا ننظر اليهم بتعالي وكبرياء والحقيقة أن عدم قراءة معطيات الواقع المحيط افقد مصر استضافة المنديال وافقدها رئاسة اليونيسكو  لغياب مفهوم التقييم المقارن والتقييم المقارن وهو من اساسيات جودة الاداء و يعني ان تكون متواضعا بالقدر الذي تعترف فيه بأن شخصا اخر افضل منك في مجال معين وان تكون حكيما بما فيه الكفاية لان تتعلم كيف تجاريه او حتي تتجاوزه في هذا المجال .ونحن للاسف الامة الوحيدة التي لازالت تعيش علي ارث الماضي والسبعة الاف سنة حضارة دون ان تتحرك قدما لخطوة واحدة في تحسين واقعها ولا نقول انشاء حضارة جديدة.

رابعا: النفاق ..انهم النخب المحيطة بفرعون التي تطيعه بكل شيء حتي وان ضرب بالمنطق عرض الحائط وتصل به الي تصديق ذاته الاسطوريه ولعل في شخصية هامان الرجل المخلص لفرعون تجسيدا لهذه الصورة المثلي للنفاق قال تعالى: (وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب.أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل وما كيد فرعون إلا في تباب) ماذا لو توقف هامان عن نفاق فرعون وكاشفه باستحالة اجابة طلبه؟..ولن تجد دولة بالعالم حينما يلم بأرضها زلزال يزهق الارواح ويضيف الي معاناتهم المعيشية ضائقة انسانية كما حدث بعهد الحاكم بأمر الله ثم تجد شاعره محمد بن قاسم بن عاصم يتحدث علي هذا النحو من الاستخفاف بالكارثه ضاربا اروع صورالنفاق حينما قال: (بالحاكم العدل أضحى الدين معتليًا ... نجل الهدى وسليل السادة الصلحا.. ما زلزلت مصر من كيد يراد بها .لكنها رقصت من عدلكم طربا)!!!!

خامسا: البلطجة ...والحقيقة ان البلطجة في مصر ظاهرة اصيلة تضرب بجذورها في مصر اعماق التاريخ فهي لغة التحاور بين الناس حينما يغيب العدل وتضيق الاحوال بالناس ولعل في قصة اشتباك الرجل اليهودي مع المصري ثم تدخل موسي عليه السلام ليلقي الرجل المصري مصرعه صورة بديعة في نقل انعكاس تأثير الاستبداد في تردي طرق التعامل بين الناس والتحول بهم الي ممارسة العنف قال تعالي: (وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَٰذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَٰذَا مِنْ عَدُوِّهِ ۖ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ ۖ قَالَ هَٰذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ). والحقيقة ان كلمة البلطجة الحالية هي مسمي قد ضل طريقه عبر الزمان ليصبح مسمي للاشرار الممارسين للعنف فقد أطلق هذا المسمي في البداية علي المهندسين العسكريين في عهد محمد علي الذين يتقدمون الصفوف ويوجد مخطوط حربي يرجع الي عام١٨٦١ تحت اسم (النخبة الجلية في تعليم البلطجية) للاستاذ احمد افندي العلمي يشرح الدروس التي كانوا يتلقونها في مهمات الحصار كما حمل لقب البلطجية فرقة الجيش التي خصصها محمد علي باشا للتصدي للمتحرشين والمعاكسين للطالبات بأول مدرسة انشأها محمد علي لتعليم البنات ..غير انه ومع مرور الوقت تحول اللقب واصبح صفة للفتوات والعتاة من اللصوص..

سادسا: السلبية ... ولعل من السمات المؤسفه التي تميز بها المصريون السلبية المفرطة ففي يوم الزينة وقد ظهر للمصريين حقيقة فرعون وان سحرته كاذبون وبالرغم من هذا قنعوا بالمشاهدة فحسب ولم يحركوا ساكنا وقد كان بأمكانهم ان يغيروا صفحة التاريخ للابد ويثوروا علي فرعون وقد ظهر ضعفه وخذلانه ..كما ان التوراة والقران لم يتحدثا عن انضمام اي فصيل من المصريين الي صفوف اليهود عند هجرتهم من مصر بقيادة موسي عليه السلام وازاء هذا القنوت كان وصف القران قاسيا لهم قال تعالي: (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ) وعبر التاريخ ستجد السلبية المصرية واضحة لدرجة ان حكمهم اقواما من العبيد وهم المماليك لما يربو علي القرنين ونصف من الزمان وهو حادث فريد في التاريخ الانساني لا مثيل له ومارسوا من صنوف الحكم مايشيب له الولدان والمصريون غائبون عن المشهد..

سابعا: القضاء المصري ..ولعل في قصة سيدنا يوسف توصيفا دقيقا لتسيس القضاء المصري علي نحو يخدم الحاكم ولا يحقق العدل للمحكومين قال تعالي: ( واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر وألفيا سيدها لدى الباب قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم قال هي راودتني عن نفسي وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين) وعلي الرغم من وضوح القاعدة القانونيه والتي ذكرتها الايه ويؤيدها المنطق الا ان القضاء انحاز الي امرأة العزيز !!ليلقي يوسف في غيابات السجن .. في كل العالم الغاية من القانون هو ارساء قواعد تنظم العلاقة بين البشر علي نحو يحقق لهم العدالة ويسهل وينجز معاملاتهم ويتم وضعه بموافقه المجتمع المدني علي نصوصه الا في مصر فالقانون في مصر تصنعه السلطة وتضع حوله هالة من التقديس امام الشعب وتجعل الناس في خدمته بدلا من ان يكون في خدمتهم ثم تستثني منه من تشاء وترفع فوقه من تشاء وتعاقب به من تشاء.وفيما يتصالح القانون مع جرائم المستثمرين الذين يسرقون المجتمع فلا يمكنه في المقابل ان يتصالح او يتسامح مع المواطن المسكين الذي قد يخرق القانون غصبا عنه يوما او يسهل اجراءاته ..كما يمكن للحاكم ان يعبث حتي بحدود الله فلك ان تتخيل ان السلطان المملوكي قنصوه الغوري والذي كانت الدولة في عهده معترفة بالبغاء وكانت تجني منه ضرائب باهظة قرر ذات يوم ان يكون مجدد دين الاسلام وان يكون اول من يطبق حد الزنا بعد النبي صلي الله عليه وسلم !و فجاءة ودون سابق انذار ولسوء طالع السلطان تراجع طرفي القضية عن الاعتراف بالزنا علي الرغم من اعترافهما به في البداية وبالتالي سقط حد الرجم بحقهما وهو الحكم الذي لم يعجب السلطان فعزل قضاته الذين لا يفقهون بالدين!!!وتولي تنفيذ الامر بنفسه وبدلا من الرجم امر بربطهما في حبل واحد ووجه المرأه في وجه الرجل ثم شنقهما!!!!

 ومن داخل السجن كان لنا موعد مع مشهد استثنائي للنبي يوسف خارجا عن سياق القصة يحملنا به القران الي عرض اخر من اعراض الداء المصري وهو الغاية من السجن ففي داخل السجن مارس يوسف دورا دعويا للارتقاء بالسجناء ودفعهم للتوبة حينما قال .قال تعالي: (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّار)ُ وهي غاية غائبة في مصر فالسجن في مصر هو مصنع لانتاج مجرمين جدد بدلا من اعادة تأهيلهم وتخصيص فرق دعوية للنهوض بهم دينيا واعادتهم ضمن نسيج المجتمع كأفراد صالحين..

ولان الشيء بالشيء يذكر فالدستور المصري وهو مظلة القانون كان دوما بعيدا عن التطبيق وعرضة دوما للانتهاك عبر تاريخ مصر الحديث ولقد كان في كلمات الرئيس الامريكي ثيودور روزفلت بجامعة القاهرة عام ١٩١٠ والتي ألبت عليه السياسيون المصريون وقتئذ تلخيصا وجيزا لذلك حيث قال: ان بعض الجهلاء يعتقدون ان منح الامة دستورا علي الورق وبخاصة اذا كان مفتتحا بعبارات فخمة من شأنه ان يمنح الامة قوة الحكم الذاتي مع ان شيئا من ذلك لا يحدث بتاتا!!!!

ثامنا: غياب التراحم الحقيقي بين عنصري الامة المصرية وهما: المسلمون والاقباط والحقيقة ان حديث النبي صلي الله عليه وسلم بالاحسان الي الاقباط هو سنة غائبة لروشتة نبوية حملها حديث النبي صلي الله عليه وسلم: انكم ستفتحون مصر وهي ارض يسمي فيها القيراط فإذا فتحتموها فأحسنوا إلي أهلها فإن لهم ذمة ورحما أو قال ذمة وصهرا ...وهذه الروشتة واجبة النفاذ..

تاسعا: غياب الاستراتيجية القائمة علي تحديد الاولويات وهي الاستراتيجية التي وضعها سيدنا يوسف عليه السلام لانقاذ مصر من الجفاف والتحول بها من دولة تحيط بها الازمات وعلي حافة الافلاس الي دولة دائنة تقدم الدعم للدول من حولها قال تعالي(يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِيقُ أَفْتِنَا فِى سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّي أَرْجِعُ إلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ * قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِى سُنْبُلِهِ إلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ)

وفي نهاية مقالنا الذي حاولنا فيه ان نشخص داء مصر عبر القران نتمني أن يأتي اليوم الذي تتعافي فيه مصر وتصبح مصر القوية التي ننشدها جميعا ونبتهل الي الله أن نعيش في كنفها قبل الممات ..

 

د. محمد فتحي عبد العال - كاتب وباحث مصري

 

 

بقي اكثر من ثلاثة ملايين نازح ومدن وقرى كثيرة مخربة في شمال وغرب العراق، بمخيمات هم اولى بالرعاية واعادة الخدمات لمدنهم وقراهم وتهيئتها لعودتهم، ولكن السياسيين لم تكن من اولويتهم تقديم المساعدات لملايين النازحين والمهجرين، قاموا باعمال اغاثية محدودة لا تتناسب مع اعدادهم، كأنها مشاركة اجبارية وجزء من تأدية واجب، يتلائم مع الاجواء الانتخابية التي مهد لها كل حزب وكتلة سياسية او طائفية بوسيلته للظهور بمظهر النزيه لا تهمه سوى مصلحة الشعب وخدمة الوطن والمواطن! بينما يجب ان تكون المهمة الوطنية عودة النازحين الى بيوتهم واعمار منازلهم وتوفير احتياجاتهم الحياتية اليومية كمسؤولية وطنية وحكومية .

محنة اكثر من ثلاثة ملايين مهجر ونازح داخل العراق لم تحظ باهتمام الاحزاب اضافة الى ضعف الخدمات  والبنى الاساسية المخربة والكهرباء وسواها التي اصبحت معاناة مزمنة منذ العام 2003 . ادار السياسيون ظهورهم لمعاناة المواطنين بمختلف شرائحهم واغمضوا عيونهم عن معاناته ودخلوا في بازار انتخابي منذ الان . وبعد استعراضات اعلامية عن مكافحة الفساد اعلن المالكي في مقابلة معه مع شبكة رادو الاخبارية يكسب تأييد الاكراد لولاية ثالثة بالقول ان : " نسبة الاقليم المقررة هي 17 بالمئة "سابقا" حتى وان منح اقليم كردستان ثمن ايرادات 100 برميل للنفط فقط" للعراق، هل يعقل ان هذا كلام رئيس وزراء العراق لولايتين "ثمان سنوات" سابقا، كأن الثرورة النفطية الوطنية للعراق ملكه الشخصي .علما ان خسارة مدن ومحافظات شمال وغرب العراق حدثت بفترة رئاسته لمجلس الورزاء، استولى عليها داعش بسهولة بدون مقاومة وبفترة زمنية قياسية .

ودخل رئيس حرب اسلامي البازار الانتخابي بالدعوة الى تحالف بين السنة والاكراد، اي انه لا يدعو الى تحالف انتخابي بين حزبه والاكراد وانما بين الاحزاب والائتلافات السنية والاكراد، ولا نعلم هل هو مخول بالتحدث باسم الاحزاب السنية لاننا نعرف ان الاحزاب السنية وطنية وعلمانية بطابعها العام، وليست على علاقات جيدة مع الحزب الاسلامي . واخر من حزب الدعوة يسبق الانتخابات والنتائج ويعلن ان حزب الدعوة : "سيحصل على الولاية الخامسة والسادسة ويبقى يحكم العراق بارادة مرجعية النجف والدعم الايراني " علما ان مرجعية النجف رفضت مرارا استقبال رؤساء ووزراء حزب الدعوة منذ رئاسة نوري المالكي لمجلس الوزراء، وهو تأكيد على ان المرجعية التي يدعي تأييدها لسياسة حزب الدعوة لا وجود له على الاطلاق .

ووسط هذه الغثاثة السياسية لا توجد في اجندات الاحزاب ما يشير الى اهمية مواضيع كالنازحين واعادة اعمار المدن والقرى والخدمات ومعالجة البطالة والكهرباء وغيرها من المواضيع التي تهم المواطنين ومعاناتهم اليومية، انها بداية مريبة تلك التي تسبق الانتخابات وتمهد لها لا تشجع على التفاؤل، وتبين انهم  يسعون للسلطة باي ثمن على حساب معاناة ملايين الناس، ما يؤكد فساد الطبقة السياسية وتقديم المصالح الشخصية والحزبية على المصالح الوطنية .القليل من هؤلاء اشترط عودة النازحين الى بيوتهم وتأمين حياتهم وتوفير بيئة امنة لاجراء الانتخابات في موعدها المقرر تتيح للمواطنيين اختيار ممثليهم بحرية بعيدا عن الوعود والتزوير والفساد .

حكومة الانبار الوحيدة بين جكومات المحافظات الغربية والشمالية، بذلت جهودا لاعادة النازحين الى بيوتهم وتأمين  حياتهم ومساعدتهم على اعادة بناء بيوتهم، مستغلة التسهيلات التي قدمتها وزارة النقل بتوفير وسائط النقل الحديثة، الباصات السياحية باعداد كبيرة،ونقلهم الى مدنهم وقراهم وكذلك الاستفادة من المخصصات المالية للنازحين التي تقدمها وزارة الهجرة والمهجرين رغم قلتها لانها لا تغطي احتياجات النازحين خاصة الذين نزحوا الى مناطق بعيدة الى محافظات الوسط والجنوب، شكا لي احد المواطنين من النازحين الى محافظة القادسية بانه لم يستلم سوى 1.600000 مليون دينار هو وعائلته على مدى اكثر من ست اشهر،ولكننا لم نشعر باختلاف كثير قال والناس يعاملوننا كاهل البلد وليس كنازحين،وشاب اخر من الانبار قال انني لا استلم اي مساعدات اصلا واعمل بورشة لثصليح المكيفات، ولا اعرف اين تقع دائرة الهجرة والمهجرين، وحسب معلوماتي القليلة ان بعض العوائل حصلوا على سكن في مجمعات سكنية جديدة مع عوائل سورية قليلة مقيمة في المحافظة .

تبدو تلك المزايدات والافكار وهواجس واتجاهات التحالفات الانتخابية قميئة ازاء معاناة المواطنين اهل البلد .والمثل يقول ان لم تستح افعل ما شئت . جل ما فعله هؤلاء توزيع البطانيات والمدافئ واكياس مهلهلة لمواد غذائية لا تكفي لاكثر من وجيتين غذائيتين لكسب اصواتهم الانتخابية، كما حدث في الانتخابات السابقة، ويتهيئون الان لاعادة نفس السيناريو مستغلين حاجة المواطنين للمساعدات، هذه الظروف والاوضاع القاسية التي ساهم بايجادها السياسيون انفسهم من جميع الكتل والاحزاب السنية والشيعية مع الاسف، رغم تبريراتهم اوادعاءاتهم باولوية المواطن وحقوقه الدستورية بثروات بلده .

احد اهم اسباب احجام الاحزاب والحكومات المحلية عن الاهتمام بالنازحين، تراجع فرص الفساد والاستيلاء على الاموال المخصصة للنازحين من المنظمات الدولية او الحكومة، فقد وضعت الاموال تحت رقابة من اطراف ومنظمات محلية وخارجية تشرف على تنظيم او صرف تلك الاموال على مستحقيها بعد ان جيرت الاموال السابقة بحسابات الفاسدين واحزابهم، صهيب الراوي وحده اختلس اكثر من مليار ونصف المليار دينار حسب لائحة الاتهام القضائية من هذه الاموال، واضطر الى اعادة هذه الاموال بعد فضحه، وعلى ضوء ذلك يمكن قياس الحصص الباقية ل لاحزاب والفاسدين .

سواء اجلت الانتخابات ام لم تؤجل، اعادة انتخاب نفس الوجوه القميئة التي اوصلتهم الى هذا الحد من الاهمال وعدم الاكتراث بحياتهم ومصيرهم، تعيد تكرار نفس الماسي، ومن الضروري الاصرار على المطالبة بحقوق المواطنة المهدورة على يد الفاسدين، وابعادهم عن المناصب والمسؤوليات، والمجيء بسياسيين اكثر حرصا وشعورا بالمسؤولية في معالجة الاوضاع المزرية وعدم اهمال معاناة المواطنين  .  شعار السياسي الحقيقي والناجح الذي تعتز به منطقته وبلده وترفع من شأنه وتضمن سلامته، خدمة المواطنين وابناء بلده وفي نفس الوقت المبرر لانتخابه اوتمثيله النزيه لمنتخبيه في البرلمان او الحكومات المحلية والمركزية .

يدرك المواطن ان بعض الاحزاب والتكتلات من جميع الطوائف ممن يطالبون بتأجيل الانتخابات، وراءها اسباب وغايات غير معروفة وواضحة لحد الان، ولكن يمكن توقع اسبابها بعدم قيامهم بواجباتهم ومسؤولياتهم . الانتخابات تشكل عبأً عليهم لانها تتطلب اعادة النازحين واصلاح واعادة الخدمات الى المدن والقرى المتضررة من الحروب وكذلك فساد داعش بتلك المناطق وتخريبه لحواضرها، انه من مسؤوليتهم البدء باعادة اعمار تلك الحواضر والمدن واعادة النازحين اوتعمير ما خربته الحروب، ولكن كيف يطالب محافظ او مسؤول بتأجيل الانتخابات بسبب سوء الاوضاع او النازحين او سوء الخدمات، من المسؤول اذن عن سوء الاوضاع وسوء الخدمات واهمال عوة النازحين او تأجيل عودتهم الى بيوتهم وقراهم ومدنهم؟!

وبعض الاحزاب لا تدرك او تجهل مع الاسف ان تأجيل الانتخابات ليست عملية سهلة كما تظن وتتطلب تغيير الدستور والتصويت على تغييره في حالة تغيير موعد الانتخابات المقررة في 12 ايار المقبل، وبحسب الدستور : "لا يمكن للانتخابات أن تتأجل، وموعدها قبل 45 يوماً من انتهاء السنوات الأربع للدورة الانتخابية" . وتأجيلها ينذر كذلك بفراغ دستوري ليس لصالح الاحزاب والائتلافات السياسية .

 

قيس العذاري

 

مع قرب موعد الانتخابات التشريعية العراقية القادمة، هناك حالة من الفوران والغليان المجتمعي والسياسي في العراق، خاصة بعد تشريع قانون الأحزاب المجحف والخطير، وخوف الكتل السياسية الحاكمة من تخلي الناخب العراقي عنها، بعد أن أبدى الشارع العراقي نفوره ويأسه من إصلاحها، من خلال عدد من استطلاعات الرأي، لقد أظهر  المشاركون في تلك الاستطلاعات  نفوراً واضحاً من الفئة السياسية المتسلطة بسبب الفساد والعجز في حل المشاكل الاجتماعية وعدم قدرتها في تسيير البلاد نحو التطور والازدهار والنمو، فعلى عكس ما كان منتظراً من الطبقة السياسية الحاكمة، تسود الفوضى وانعدام الأمن والفقر  وإنعدام الخدمات، حتى في أبسط اشكالها، والأخطر من كل ذلك التفتت، المجتمعي وإنحسار شعور الإنتماء الوطني وحضور مبدأ المواطنة وسيادة القانون والدستور والديموقراطية الحقيقية، في حين تتنامى النزعات الطائفية  والعشائرية في إدارة دفة الشؤون المجتمعية حيث البناء السياسي كله قائم على مبدأ المحاصصة الطائفية بالنسبة للأحزاب السياسية الدينية ، سنية وشيعية، والقومية  بالنسبة للأكراد.

سوف تتواجه فئتان سياسيتان متمايزتان في الانتخابات القادمة هما، الفئة السياسية الحاكمة الفاسدة  التي نهبت ثروة البلد وهي التي تحكم بإسم الدين والمذهب والطائفة وتشعر أنها مهددة بسبب الاستنفار الجماهيري ضدها والتظاهرات الاحتجاجية التي ينظمها نشطاء المجتمع المدني والتيار المدني الديموقراطي الذي التئم مؤخراً في كيان سياسي هو تحالف القوى الديموقراطية المدنية " تقدم" الذي سوف يشكل الكتلة المنافسة الكبر والأخطر على الكيانات السياسية الهجينية التي تحكم العراق منذ العام 2003 بدعم من الولايات المتحدة الأمريكية وبعض دول المنطقة الإقليمية كإيران وتركيا والعربية السعودية ودول الخليج، لذلك تحاول الكيانات أو المجموعات السياسية الإسلامية، دينية وشيعية، عرقلة تقدم الكتلة الجديدة التي انبثقت وظهرت على الساحة السياسية بقوة من خلال سن قوانين معرقلة كتجديد البطاقات الانتخابية ما يعني أن أربعين بالمائة، على الأقل، من الناخبين المحتملين المؤيدين نفسياً أو سيكولوجياً للتيار المدني الديموقراطي، وربما لا حقاً لتحالف القوى الديموقراطية المدنية " تقدم " ومعه مجموعة أخرى من التحالفات التقدمية العلمانية واليسارية أو الليبرالية الصغيرة، غير الدينية، كتحالف السياسية الليبرالي، والمعارض السابق لنظام صدام حسين،  غسان العطية وتحالف مجموعة شروق العبايجي، المنشقة عن التيار المدني الديموقراطي  الذي أوصلها إلى مجلس النواب كنائبة عنه إلى جانب التشكيل السياسي الذي يقوده  المحامي فائق الشيخ علي النائب في البرلمان أيضاً عن التيار المدني الديموقراطي،  وغيرهم من الذين سوف ينضمون لتحالف انتخابي أوسع سيدخل بقوة لسحب البساط الجماهيري من تحت أقدام القوى الدينية الطائفية الإسلاموية التي هيمنت على المجتمع العراقي طيلة أربعة عشر عاماً، منذ سقوط نظام صدام حسين عام 2003 ولغاية اليوم. كما سنت قانون انتخابي مهين ومتخلف ومتحيز مفصل على مقاسها بغية منع الآخرين من تشكيل قوة انتخابية موازية أو معارضة يمكن أن تستقطب الجماهير في العراق من مختلف الانتماءات والمكونات الأساسية للمجتمع العراقي. ومن الأدوات الأخرى لسعي القوى المهيمنة على السلطة في العراق هو محاولة تحكمها بالشعب العراقي ومنعه من التعبير عن رأيه باستحداث جريمة الرأي من خلال قانون الأحزاب الذي يمنع تجمع أكثر من شخصين والتحدث في السياسية أوممارسة السياسة ونشر البيانات والمواقف والآراء ويهدد بزجهم في السجن عدة سنوات وغرامات مالية هائلة بغية ردعهم وتخويفهم خاصة إذا لم يكونوا منضوين تحت لافتة حزبية، وهناك شروط شبه تعجيزية لتشكيل الأحزاب السياسية بغية منحها الإجازة القانونية في حين تمنح لأشخاص من أوساطهم حتى قبل توفيرهم للشروط التمهيدية المطلوبة كأن يكون لديهم 2000 عضو على الأقل من كافة أنحاء العراق ومبلغ من المال يصل إلى 35 ألف دولار قبل الشروع بطلب إجازة الكيان السياسي المزمع تشكيله، فأغلب الكتل السياسية المهيمنة  قامت بتأسيس كيانات متعددة بأسماء مختلفة  . كما صاروا كلهم يرددون كالببغاوات شعارات وأطروحات التيار المدني العلماني الديموقراطي ويدعون أنهم ضد المحاصصة الطائفية ومع الدولة المدنية الديموقراطية بعد أن حاربوها وحاولوا تسقيطها واتهامها بشتى التهم الظالمة كالإلحاد والتفسخ الأخلاقي ومحاربة الدين الخ.. وعمدوا إلى تجهيل المجتمع عبر نشر ودعم المظاهر المتخلفة والممارسات الغبية والخرافية ومحاربة الثقافة والفكر والتنوير وكبح تنمية الوعي الجمعي والفردي عند المواطنين. الفوضى  والجهل والتخلف هي المظاهر الغالبة والطاغية على الحياة الإجتماعية في العراق بسبب ممارسات هذه الفئة الحاكمة والرابضة على صدر المجتمع العراقي منذ لحظة التغيير إلى  يوم الناس هذا.

هناك مؤشرات  تنذر بالخطر تتمثل بمحاولة استغلال " الحشد الشعبي" ودوره في محاربة تنظيم داعش الإرهابي ودحر دولة الخلافة الإسلامية المزعومة بزعامة الإرهابي أبو بكر البغدادي علماً بأنه ليس الوحيد الذي قدم التضحيات الجسام فهناك قوى الجيش  وقوى الأمن من وزارة الداخلية وطيران قوات التحالف الدولي التي بدونها ما كان بالإمكان تحقيق هذا الإنجاز العسكري الكبير المتمثل في استئصال الوجود العسكري لداعش، لكن وجودها الفكري والآيديولوجي ما يزال قائماً حتى من خلال تشريعات وسلوكيات ومواقف أهل السلطة أنفسهم الذين لا يقلون خطورة وتخلفاً عن ممارسات داعش على الصعيد الأخلاقي والاجتماعي والعقائدي، فهم يعملون على زج الحشد الشعبي في العملية السياسية ككيان سياسية لاستغلال شعبيته الجماهيرية. كما قاموا بسن قانون الحشد الشعبي، المليء بالثغرات والنواقص والتناقضات، ومن تداعياته دمج القوى المدنية المسلحة خارج إطار القانون، كالمليشيات، في صلب الكيان العسكري المسلح  كالجيش، علماً بأن ولاء ومرجعية أغلب تلك القوى المسلحة هو لزعمائها الدينيين ومموليها الإقليميين وليس للدولة العراقية ورأسها القائد المتمثل بالرئاسات الثلاثة وعلى الأخص برئاسة مجلس الوزراء ومجلس النواب إلى جانب ورئاسة الجهورية  البروتوكولية الفاقدة للسلطة الحقيقية على أرض الواقع.

من المتوقع أن تكسب الفئات  الماسكة بمفاصل الدولة والسلطة في العراق، الجولة الإنتخابية القادمة بسبب سيطرتها على وسائل الدعاية والإعلام وامتلاكها لقدرات مالية وجيش  إلكتروني وشراء للعشائر وأصواتها نظراً لإمكانياتها المالية الهائلة الأمر الذي يفتقده تحالف " تقدم للقوى الديموقراطية المدنية الذي ربما سيحتاج لأكثر من دورة انتخابية قادمة كي يترسخ في ذاكرة الناخبين وينجح في توعيتهم سياسياً، وبخلاف ذلك يحتاج الأمر لمعجزة أن يعي الشعب العراقي برمته مدى الكارثة المحيقة به ويعلن للملأ رفضه لهؤلاء اللصوص الذي نهبوا ثروته وتركوه يعيش في الحرمان والتخلف والجهل والفقر والمعاناة  ويواجه وحده الأزمات والكوارث التي تواجهه في كل يوم.

 

د. جواد بشارة

husam abdulhusanaltimimiللفساد مفاهيم بين دولة وأخرى؛ والشعوب بثقافاتها ورؤيتها للواقع السياسي والاقتصادي تنهض بحكامها وترسم خارطة نظام دولتها، العراق الجديد مختلف بنظرة شعبه المتنوعة للفساد، حيث جزء منه لا يعتقد بوجود الفساد ويصنف القائل به بمفهوم الأجندة التي تهدم الدولة، والجزء الآخر ادهى من الاول كونه يهدف إلى "التسقيط والاسقاط" بأمنية العودة إلى ما قبل عام 2003، اما الجزء الأخير يتصدى للفساد وأدواته ويصارع منافذه وشعاراته المبطنة في كلمات بعض الساسة؛ لكنه ضعيف الجناح، وحاله حال الطير في متناول الذئاب.

الجزء الأخير يواجه الفساد بدقة ومعرفة أسبابه وانواعه المتمثلة بالفساد السياسي في فقدان الديمقراطية، وسيطرة الدولة على الاقتصاد، أدى الى نظام المحسوبية العرجاء مع الفساد الإداري في حجم الوظيفة وموقعها التنظيمي المرتبط بالفساد الأخلاقي للموظف المنحرف في تعامله السلبي مع المواطن الضائع بين ويلات الحروب وفساد الدولة التى تعاني من تراكم الفساد بسبب غياب رقابتها الادارية، وعدم تطبيق مبدأ الثواب والعقاب.

في حين ان أسبابه تكمن في ضعف الممارسة الديمقراطية الضائعة في العراق، وشيوع الاستبداد الممنهج، والتفكير الديكتاتوري الشائع لدى بعض الساسة، أدى إلى عدم استقلالية القضاء لشيوع الفساد حسب الخط المرسوم لبعض الجهات، مع استثمار التركيبة السكانية والولاء للغير في انتشار افة "الوساطة" التي أصبحت "الفخر" في مجتمعاتنا، أضافة إلى تشابك الاختصاصات وقلة تنظيم الوحدات الإدارية، والاعتماد على الفردية الشخصية، أدى إلى مفهوم الاستغلال الوظيفي واللا عدالة في توزيع المناصب مع ضعف العمل الرقابي، وعدم استخدامه للاساليب التكنولوجية الحديثة، وهذا الضعف حتى في وسائل الإعلام ومحدوديتها على فضح الفاسدين.

إن الفساد في العراق فساد "مشرعن"، اي مقنن بقوانين وقرارات حكومية عليا، وهذا من توفيقات الشعب العراقي المظلوم، الذي تميزت دولته عن بقية دول العالم بهذا النوع من الفساد، للتخلص من قانون "هيئة النزاهة" الذي يقول في الامر رقم (55) الخاص بتأسيسها، بأن عبارة (قضية الفساد) تعتبر قضية جنائية تنطوي على مخالفة نص المواد: 234، 233، 272، 271، 275، 276، 293، 290، 296، من قانون العقوبات رقم (11) لسنة 1969، وكذلك الفقرات 307 إلى 341 الفصل السادس من قانون العقوبات، وكل بند من قانون العقوبات ينطبق عليه نص البنود 5، 6، 7 من الفقرة 135 المضافة بموجب الأمر 55 الذي بين اعلاه، وانتج هذا النوع من الفساد حالات مزرية في الشعب العراقي، "حيث أكد الجهاز المركزي للإحصاء التابع لوزارة التخطيط"، بأن عدد الذين يقعون تحت خط الفقر يبلغ ستة ملايين ونصف تقريبا، اي بنسبة 22،9%، اما نسبة الفقر 45%، مع انتشار ظاهرة البطالة وغيرها.

يحتل العراق المرتبة الثالثة عالميا بالفساد، حيث كان قبل عام 1958 تقسم الموازنات السنوية على قلة مبالغها إلى قسمين تشغيلية 30% والباقي 70% تخصص للمشاريع، اما بعد عام 1958 وبزمن "عبد الكريم قاسم" قسم الموازنة 50% للتشغيل و 50% للمشاريع، نظرا لحاجة الدولة لإرسال البعثات الدراسية، وازدهار الاقتصاد آنذاك، ففي حكم البعث عام 1963 حتى حقبة صدام حسين قلبوا المعادلة، فكانت 70% تشغيل و 30% مشاريع، فقرر في الحصار الغاء الموازنة واعتماد طريقة "المكرمة"، فحصل ما حصل في شعب الويلات، حتى عام 2003 وسقوط النظام اعادوا التخصيص إلى 70% تشغيل و 30% استثمار، وهذه طريقة نيرة لتهيئة الظروف للفساد المشرعن!.

لذا على الحكومة فرض القوانين والعقوبات لمرتكبي الفساد دون استثناء، ووضع معايير الخبرة والكفاءة في اتخاذ المناصب الحكومية، وتفعيل الدور الإعلامي بكافة فروعه بنشر المبادىء الأخلاقية في الإدارة الحكومية، ووضع المعلومات في متناول المواطنين؛ لإثارة الرأي العام الذي يعتبر الجانب المهم في مكافحة فساد الدولة، مع إتباع الوسائل العلمية المتقدمة في حفظ الوثائق داخل أقراص وتوزيعها على اكثر من جهة، لكي لا تتم عمليات الحرائق (التماس كهربائي)، والنهوض بعملية إصلاحية تشمل مؤسسات الحكومة كافة، وإعادة هياكلها وتحديث اساليبها، إضافة إلى توحيد النشاط التعاقدي للدولة، وفرض إجراءات قانونية صارمة عند إجراء عملية التعاقد.

لذلك لابد من الفصل بين السلطات، واستقلال القضاء، واحترام استقلالية هيئة النزاهة، واختيار رئيسا كفوءا لها، واختيار مفوضية انتخابات رصينة، مع إشراك منظمات المجتمع المدني في إدارة الشؤون العامة.

هذا كله يتطلب برلمان نزيه، يخرج حكومة نزيهة، ولا يحدث ذلك الا بإرادة جماهيرية أولها في الانتخابات، وآخرها بالوقوف بوجه الفاسدين.

 

حسام عبد الحسين

 

ahmad fadilalmamori2التحالف الرباعي الروسي الايراني السوري العراقي الذي شًكل على اساس مركز استخباري بناءَ على احتياجات مرحلة  والذي بداء أثناء محاربة داعش في العراق وسوريا وهو مركز دعم وتنسيق للتحالف الاستراتيجي المعلن لاحتواء ورصد المجموعات الارهابية (داعش) وهو يقدم معلومات للدول التي تخوض حرب استنزاف في العراق وسوريا، وهي خلاف ورغبة امريكا في المنطقة المعلنة ورسائلها الى دول الخليج  ولكنها كانت جزء من تفاهمات سرية عندما كان ملف ايران النووي مفتوح وعلى الطاولة والذي سمح بالتمدد الايراني وفق تفاهم ورغبة الطرفين،جاءت  تحذيرات مستشار الامن القومي ما كمستر بأن التغلغل الايراني في المؤسسات العراقية والنفوذ في البنية الأمنية والعسكرية اصبح غير مقبول وكبير، والجميع يعلم أن علاقة الحكومة العراقية مع الجانب الإيراني كان معلن والتنسيق الأمني كان بطلب عراقي للمستشارين الايرانيين العسكريين والامنيين كباقي المستشارين من دول اخرى، وجاء على ضوء الحاجة والتهديد بعد احتلال داعش لمدينة الموصل واعلان دولة الخلافة سنة 2014.

تطورات وتحذير نتنياهو بأن ايران تقيم قواعد برية وجوية وبحرية لتدمير اسرائيل ونحن لا نسمح بذلك، هذا التحذير هو ناقوس الخطر الذي يدق في المنطقة، وبقاء القواعد الايرانية التي تتفاوض مع الجانب السوري في ظل وجود صراع خفي بين السوريين والجانب الايراني حول استمرارية السماح في اشغال وتمركز قوات برية وبحرية وجوية تهدد أمن اسرائيل على المدى المتوسط  أو البعيد بعد انتهاء داعش وتحرير المدن والاراضي الصحراوية في العراقية وسورية وتأمين هذه الحدود في ظل وجود قوات من الحشد والقوات الموالية للجانب الايراني. ان خيوط اللعبة عندما تخرج من أيدي التحالف الامريكي وهم لا يسمحون بتهديد هذه المصالح،   بعد اكتمال الرؤية الاستراتيجية الجديدة للأمن القومي الامريكي وسياستها في العالم ومنطقة الشرق الاوسط، هناك تنافس على زعامة المشروع الاقليمي المضطرب ما بين ايران وتركية والمملكة العربية السعودية . ومحاولة استعادة العراق لصف الدول العربية والانفتاح عليها .  بعد أن حجمت روسيا  سياسة أمريكا في منطقة الشرق الاوسط  واصبح التعامل أكثر تعقيداً وغير قابل للاجتهاد او السكوت على اي خطاء يرتكب من اي طرف لان المنطقة برميل بارود قابل للانفجار في أي لحظة، بقاء قوات سورية الديمقراطية وتسليحها أحد اهم العقبات على المصالح الامريكية - التركية تجاه أمن تركيا الداخلي واستقرارها المستقبلي، التغيير في وجهة المصالح الامريكية بشأن الأمن التركي بعد خلافها حول تسليح قوات سورية الديمقراطية وتوفير الدعم والحماية لها وسيعجل بزيادة القطيعة وعدم تجسير الهوة  بتقديم أي نوع من أنواع الدعم العسكري او الأمني لأمريكي لتركيا الحليف بل على العكس تقربها من العدو روسيا بشرائها منظمات صواريخ 300 Sيزيد من عزلة تركية. والتهديد الاوربي لتركيا بعد أن توفرت معارضة حقيقية للسياسة أوردغان الحالية بملفات عديدة واتهامه بالتدخل في شؤون الدول الاوربية بدعم الأصولية الاسلامية (احزاب وحركات اسلامية) متطرفة والتي  تشكل سياسة ضد المصالح الاوربية والامريكية المستقبلية، ومنها رجوع مقاتلي (داعش) الى بلدانهم وتشكيلهم خطر حقيقي على أمن الدول الاوربية .

التحذير الروسي من بقاء القوات الامريكية في سوريا تجاوز على وحدة سوريا وتهديد خطير للمنطقة هذا التشابك الغير مستقر والغير منسجم مع المصالح الدولية  وعدم وجود التفاهمات بين القوى امريكا - وروسيا وهي مصالح متعارضة، تشكل سياسات عدائية  بعد اعلان الرئيس دونالد ترامب الاستراتيجية الامريكية الجديدة : امريكا اولاً، ومحاورها الاربعة المعلنة في هذه السياسة والموجة تحديداً ضد روسيا والصين وفرض رؤيتها على العالم بقبضة منفردة دون حساب العواقب ان هناك مصالح دولية  اصبحت مهددة في ظل الشكوك والتشكيك في النوايا الكثيرة تجاه هذه السياسات،  تبني وزير الخارجية أبراهيم الجعفري مقترح فرض عقوبات سياسية واقتصادية على المصالح الامريكية  في المنطقة  وهنا يستغرب المتابع من هذه التصريحات، والعراق شريك في الحالف الدولي ضد الارهاب وهناك اتفاقية أمنية واستراتيجية  لحماية ودعم للحكومة  والخارجية العراقية  تحرض على السياسة الامريكية  في المنطقة وهي ليست من باب الاعلام الدعائي، وانما تقديم مقترح بتبني لهذه السياسة ونحن نعتقد هذا التحريض انفعال وعاطفة وإرضائي لإيران بقدر ما تكون سياسة تصب في صالح الاستقرار الأمني  والعسكري وهي حتما سوف تؤدي الى تغير قواعد اللعبة في العراق وأول هذه القواعد تغير البنية والإطار العام للعملية السياسية والمضي قدماً في سحب دعم احزاب سلطة الاسلام السياسي، من خلال طرح سيناريوهات وحلول أنية لمشروع فض التحالف الاستراتيجي الامريكي– الاسلامي للأحزاب العراقية وفق مشهد سياسي  جديد يصب في صالح الاستراتيجية الامريكية المقبلة والادارة الامريكية  قد تلجأ الى تغير البنية السياسية وفق مصالحها في العراق والمنطقة .أن وجود سياسة جديدة وهي بقاء زيادة العدائية ضد التحالف الروسي الايراني السوري والتركي الذي يحاول الاندماج والتكفير عن اخطاءه بعد أن يتم اخراج العراق من هذا التحالف الرباعي ولا ننسى هناك قوات وقواعد امريكية مستقرة في العراق وأن التوافق بين الاحزاب الاسلامية التي ترى مصالحها مع هذا التحالف، واعلان العداء ضد السياسة الامريكية وهذا التواجد في المنطقة هي من تزيد التوترات وتسرع عملية التصحيح التي أرتكبها الامريكان عند الانسحاب من العراق سنة 2011 وتعويض هذا الخلل بعد سنة 2014 بقدوم قوات اضافية ومستشارين عسكريين .

 أن تغير المنظومة السياسية بإيجاد توازنات جديدة وتحالفات قائمة على مرحلة لا عودة بين كلا من (التحالف الشيعي– الكردي) و(التحالف الكردي – الكردي) . حتى يتم اطلاق بديل جديد يخضع لشروط جديدة ورؤية جديدة بشكل مغاير للمسار الحالي والفوز بجولة من النفوذ المعادي لدول تناوئ المشروع الامريكي في المنطقة ولكن يبقى سؤال لا أحد يستطيع الاجابة عليه هو من يمثل  مصالح الشعب العراقي ومن يدافع عنها بعد هذا . 

 

 احمد فاضل المعموري

 

 

abas alimorad2في السادس من شهر كانون اول 2017، الولايات المتحدة الاميركية بلسان رئيسها دونالد ترامب تعترف بالقدس عاصمة أبدية لأسرائيل، وتنوي نقل سفارتها الى القدس ، وفي 18/12/2017 اميركا تستخدم حق النقض "الفيتو" ضد مشروع قرار لإلغاء القرار الاميركي، أيدته 14 دولة من مجموع أعضاء مجلس الامن الخمسة عشر، وهو القرار الثالث و الاربعين ضد قضية فلسطين ولحماية الاجراءات الاسرائيلية في فلسطين والقدس، وفي21/12/2017  الجمعية العامة للأمم المتحدة المتحدة تصوت بأكثرية 128 دولة لصالح قرار يدعو الولايات المتحدة الاميركية لسحب أعترافها بالقدس عاصمة لأسرائيل، وقد أمتنعت 35 دولة عن التصويت و9 دول ضد منها  اسرائيل وأميركا و7 دول لا يتجاوز تعدد سكانها 300000 ألف نسمة.

ما تقدم، يضعنا مجدداً أمام حقائق حاولنا التعامي عنها لعقود، أذن، أنها لحظة المكاشفة، إنها لحظة المصارحة، بعيداً عن البعد الديني للقدس وعلى أهميته، بعيداً عن التغني وكتابة الشعر بالقدس، على الرغم من أنها تترك القضية حية في وعي الاجيال ووجدانها كي لا تُنسى، تبقى قضية القدس، والقضية الاساس قضية فلسطين، قضية شعب سلبت أرضه وشرد منها بالتواطؤ مع القوى المنتصرة في الحرب العالمية الاولى والثانية لإقامة أسرائيل. ولاحقاً أمنت دول الاعتلال العربي التغطية لهذا ألأحتلال.

لذلك لا أريد أن أغوص في تاريخ القدس الديني ومنزلتها عند الاديان والذي يعرفه الجميع.

إن الذين تفاجأوا بقرار دونالد ترامب بالاعتراف بالقدس عاصمة أبدية لأسرائيل، ألا يدركون أن هذا القرار أقره الكونغرس عام 1995، أي بعد إتفاق أوسلو ووادي عربة وقبلهما إتفاقية السلام مع النظام المصري، واستمرت ما سمي بعملية السلام وأطلقت المبادرة العربية للسلام في قمة العرب في بيروت عام 2002.

أما لماذا التنفيذ الآن ومن المستفيد، وهل هذا القرار هو قرار الرئيس أم المؤسسة السياسية الاميركية، وهل صحيح أن المؤسسة السياسية الاميركية لا تدرك أبعاد القرار وعدم مشروعيته؟ الجواب ببساطة ما سمي صفقة القرن، وطبعاً معروف لصالح من ستكون تلك الصفقة إذا ما تمت.

إنه زمن الاسئلة المؤجلة عند البعض حول طبيعة الصراع، لأنه مع فلسطين والقدس يجب أن لا يكون هناك أذ ولكن، فهناك الابيض والاسود، ولم تعد أقنعة المفاوضات وعملية السلام وحل الدولتين وغيرها وغيرها من المعزوفات التي لا تسمن ولا تغني من جوع، وهي لم تكن كذلك بالأساس لأن أسرائيل هي من دفن اتفاق أوسلو، وعملية السلام ولم تنعيهما لأن الشيء الوحيد الذي تريده أسرائيل هو التفاوض من أجل  التفاوض لتكريس مشروعها الاستعماري الاستيطاني.

والى الذين يراهنون على موقف أوروبي، أو صحوة  ضمير من هنا أو هناك، نقول لهم أن المسالة مسألة توزيع أدوار بين الولايات المتحدة  والاوروبيين، الم يقل نتانياهو مؤخراً أمام وزراء خارجية الاتحاد الاوروبي ال28 إن القدس عاصمة أسرائيل ولا أحد يستطيع أن ينكر ذلك… وهذا يجعل السلام ممكناً لأن الاعتراف بالواقع هو جوهر السلام. وصفقوا له!

 قد يقول البعض أن الاوروبين صوتوا في مجلس الامن والامم المتحدة ضد قرار ترامب، صحيح، أولاً، لان تلك الدول على يقين من أن الولايات المتحدة سوف تستخدم الفيتو وهذا ما حصل، وثانياً بالنسبة لقرار الامم المتحدة تعلم تلك الدول أن الامم لا حول ولا قوة لها وقراراتها معنوية أكثر منها عملية وغير ملزمة.

لقد سقطت ورقة التوت، فأوروبا وأنظمة الاعتلال العربي بالتحالف مع الولايات المتحدة الاميركية، هي من تآمر على فلسطين ودمرالعراق وسوريا وليبيا واليمن ويحاول ضرب لبنان.

ما زال البعض يحدثك عن أوراق ضغط دبلوماسية وسياسية، ويراهنون على قرارات ألأمم المتحدة،  متناسين أن ورقة الضغط الاساسية والرئيسية هي فعل ألإرادة وأعرف ماذا تريد كما يقول المثل الشهير : ما حك جلدك مثل ظفرك.. فتول أنت جميع أمرك.

ألم يقل لهم ترامب بقراره (أغسلوا قرارات الامم المتحدة واشربو زومها) أوليس هذا ما تقوله أميركا عن القضية الفلسطينية منذ تأسيس أسرائيل، سواء كان رئيسها جمهوري أو ديمقراطي، أبيض أو أسود، لان أميركا ليست راعية عملية سلام موهوم، لا بل إنها راعية عملية هيمنة واستيطان أستعماري.

الى هؤلاء نقول، إن القرار الوحيد الذي نفذته الامم المتحدة بما يتعلق بقضية فلسطين هو الغاء القرار 3379  للعام 1975 الذي يعتبر الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية، (الغي عام 1991) رغم عشرات القرارات الخاصة بالقدس  وفلسطين.

إذن، إنها مرحلة الاسئلة الصعبة والمصيرية، إنها مرحلة الانتقال من ردة الفعل المعمول بها منذ 69 عاماً الى الفعل  وأخراج العقل والارادة العربية من سجن الخوف الى ساحة التحدي والمقاومة، وإذا نسوا كيف تهجى الكلمة نقول لهم (أ ل م ق ا و م ة) إسالوا عن ذلك أهل غزة ومقاومتهم، واهل القدس والضفة المنتفضين ضد الاحتلال والذين يقدمون الغالي والنفيس، حتى الان هناك (تسعة شهداء وأكثر من 3000 جريح و500 معتقل ومعتقلة) واسألوا عن ذلك اللبنايين ومقاومتهم التي استعادت الارض دون مقابل عام 2000، وقوضت مشروع الشرق الاوسط الاميركي الكبير بصمودها  بوجه عدوان أسرائيل ورعاتها في العام 2006، ووقوفها وقفة العز لانها تدرك أن الحياة وقفة عز فقط كما قال أنطون سعادة مؤسس الحزب السوري القومي الاجتماعي، ولان ما أخذ بالقوة لا يسترد الا بالقوة كما قال الرئيس الراحل المرحوم جمال عبد الناصر.  

لنا 100 سنة نلعن بلفوروأسرائيل تكرس مستوطناتها وتهويدها لفلسطين، فإن لم نقف وقفة العز هذه،  فلا شك أنه بعد 5 أجيال سيقف من يلعن ترامب المجنون كما يقولون ودون نتيجة. ولمن ما زال يعتقد أن المفاوضات والحلول الدبلوماسية لم ينتهي مفعولها عليه أن يدرك أن الحق بدون قوة كالشيك بدون رصيد. ونحيلهم الى ما قالته مندوبة الولايات المتحدة الاميركية في الامم المتحدة نيكي هايلي بعد التصويت في مجلس الأمن: "إهانة لن ننساها أبداً"  متهمة الامم المتحدة بالضرر لعملية السلام قائلة:" مثال جديد على تسبب الامم المتحدة بالضرر أكثر مما تتسبب بما هو مفيد في التعامل مع النزاع الاسرائيلي - الفلسطيني"

واللبيب من الاشارة يفهم.

 

عباس علي مراد

ibrahim abrashلعبة الأمم هي مجموعة الاستراتيجيات والتكتيكات التي توظفها الدول وخصوصا الكبرى في المجالات العسكرية والاقتصادية والسياسية بطرق شرعية أو غير شرعية لتحقيق مصالحها . ولعبة الأمم لعبة متواصلة حربا أو سلما ولا يتورع الفاعلون فيها عن توظيف الشرعية الدولية إن خدمت مصالحهم،وتجاوزها بل والعمل ضدها إن تعارضت مع مصالحهم، ولذا فهي لعبة تمتد داخل المنظمات الدولية مما يجعل مخرجات هذه المنظمات متوافقة غالبا مع مصالح الدول الكبرى وليس مع مقتضيات العدل والإنصاف .

منذ تأسيس منظمة الأمم المتحدة 1945 كأداة دولية لحفظ الأمن والسلم الدوليين ولتوثيق الصلات بين الشعوب والدول والمنظمة تشتغل في نطاق المسموح به من الدول العظمى المؤسِسة لها، وقراراتها في القضايا السياسية الخلافية التي تكون أحد أطرافها دولة عظمى أو حليفا لها لا تصدر بالضرورة بما يتوافق مع الحق والعدالة بل بما تسمح به موازين القوى والتفاهمات بين الدول الكبرى، وعندما تغيب هذه التوافقات والتوازنات فإن القضايا محل الخلاف تبقى في أروقة الأمم المتحدة لعشرات السنين دون حل أو يتم حسمها بالحرب المباشرة أو من خلال الوكلاء،ومخرجات الحرب يتم تمريرها من خلال قرارات دولية أو بمباركة الأمم المتحدة . 

ما جرى في الأمم المتحدة حول القضية الفلسطينية منذ 1947 وما يجري أخيرا بخصوص القدس لا يخرج عن سياق لعبة الأمم، سواء ما جرى في مجلس الأمن بدءا من صياغة مشروع القرار إلى التصويت عليه يوم الاثنين 18 ديسمبر الجاري، أو في الجمعية العامة وتهديد واشنطن بمعاقبة الدول التي تصوت إلى جانب مشروع القرار الذي يدين قرار ترامب، والسياق القانوني الذي يندرج فيه القرار الذي صدر يوم الخميس 21 ديسمبر بأغلبية 128 دولة .

 لعبة الأمم من ابتزاز وتهديد ومصالح وموازين قوى كانت حاضرة في صياغة القرار في مجلس الأمن ليخرج بالصيغة التي تسمح لواشنطن باستعمال حق النقض وهذا على عكس ما كان يأمل الفلسطينيون من صيغة قرار لا تسمح لواشنطن باستعمال الفيتو، ولعبة الأمم كانت حاضرة في طريقة التصويت في الجمعية العامة و المادة التي على أساسها تم التصويت وهل القرار صدر في إطار المادة 377 (الإتحاد من أجل السلام ) الذي طالما هددت القيادة الفلسطينية باللجوء له؟ أم إنه مجرد قرار أو توصية كعشرات القرارات والتوصيات الصادرة عن الجمعية العامة منذ 1947 حتى اليوم؟ .

 وعليه يمكن القول بأن السلوك الأمريكي في الأمم المتحدة الذي استثار غضب كثيرين،وإن كان نهجا غير أخلاقي وغير قانوني ويعبر عن تدهور المكانة الدولية السياسية والأخلاقية لواشنطن كدولة عظمى ويدل على تراجع هيبتها واحترامها،إلا أنه لا يخرج عن سياق السياسة الواقعية للولايات المتحدة،كما أنه ينسجم مع سياسة الرئيس ترامب التي عبر عنها منذ حملته الانتخابية، وهو سلوك يعبر بشكل فج عن حقيقة لعبة الأمم .

إن لعبة الأمم أو السياسة الواقعية في عالم اليوم تقوم على المصالح وليس على الأيدولوجيا بكل زركشاتها الفكرية والدينية والأخلاقية والقانونية . قوة التأثير في العلاقات الدولية وفي المنظمات الدولية تحوزها الدول التي تفهم أن لعبة الأمم اليوم تقوم على المال والمصالح . فبالرغم من المحاولات الكثيرة والجادة من دول العالم المحبة للسلام والملتزمة بالشرعية الدولية لجعل الشرعية الدولية أكثر انصافا وحيادية وبالرغم مما تقدمه الأمم المتحدة من مساعدات إنسانية للدول الفقيرة وتشكيلها منبرا لتطرح الدول والشعوب مشاكلها وتوصلها للرأي العام العالمي،إلا أن ما يجري داخل أروقة الأمم المتحدة ما هو إلا انعكاس لما يجري خارجها من صراعات ومصالح وتوازنات دولية، وتستمر الدول الكبرى الأكثر تأثيرا وقدرة على توجيه الشرعية الدولية وتوجيه مخرجاتها بما يخدم مصالحها أو على الأقل بما لا يتعارض معها جذريا .

يعتبر توظيف المال والمساعدات بشكل عام كأداة في التأثير على سياسات ومواقف الدول الصغيرة وقرارات المنظمات الدولية جزء من لعبة الأمم ومن السياسة الواقعية، وليست هذه المرة الأولى في النهج الأمريكي بهذا الشأن، فالكل يتذكر عندما رفضت واشنطن تمويل بناء السد العالي في مصر منتصف خمسينيات القرن الماضي وأوعزت للبتك الدولي بعدم مساعدة مصر في هذا الأمر، وما جرى حديثا عندما قررت واشنطن قطع التمويل عن منظمة اليونسكو عندما صوتت هذه الأخيرة عام 2011 لصالح  انضمام فلسطين لها،ومن هذا المنطلق ليس بالشيء الجديد حديث ترامب خلال حملته الانتخابية أنه سيُدَفِع الدول التي تحميها واشنطن أو تقدم لها المساعدة ثمن هذه الحماية .

 تصريحات مندوبة واشنطن في الأمم المتحدة يوم العشرين من ديسمبر الجاري -2017- والتي أيدها ترامب بأن واشنطن ستتخذ إجراءات في مواجهة الدول التي ستصوت إلى جانب القرار الذي يُدين قرار ترامب بالنسبة للقدس يندرج أيضا في سياق توجه جديد لدى الإدارة الأمريكية في تعاملها مع المنظمات الدولية . ففي مشروع ميزانية الولايات المتحدة لعام 2018 تم تخفيض الانفاق على المنظمات الدولية بنسبة 37% وجاء في نص المشروع “الولايات المتحدة كعضو في الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى تحترم التزاماتها تجاه هذه المنظمات في شكل تخصيص نفقات من الميزانية، والغرض من هذه التخصيصات هو ضمان دعم تلك المنظمات التي تلبي مصالح الولايات المتحدة.”

وأخيرا لا نقلل من قيمة القرار الأخير للجمعية العامة وغيره من القرارات التي تؤيد عدالة قضيتنا وتكشف الانحياز الأمريكي للاحتلال الإسرائيلي، ولكن السؤال الذي يفرض نفسه : وماذا بعد هذا القرار؟ وهل سنستمر في المراهنة على الأمم المتحدة لنيل حقوقنا دون الأخذ بعين الاعتبار ما يجري على أرض الواقع من توازنات وصراعات؟ . ومن جهة أخرى نقول بأن المشكلة لا تكمن فقط في ترامب وسياساته ولكن أيضا في دول عربية حليفة لواشنطن ومشاركة معها في لعبة أمم قذرة وتوظف المال السياسي لشراء ذمم قادة وميليشيات ونخب وتشكيل أحلاف عسكرية لتدمير دول عربية أخرى وتفتيت مجتمعاتها لا لشيء إلا للحفاظ على مصالحها وعروشها .

نعم القرار مهم من ناحية معنوية وسياسية ولكن يجب الحذر من توظيف الدول العربية والإسلامية هذا القرار باعتباره ردا كافيا وحاسما على قرار ترامب وعلى الاحتلال الإسرائيلي للقدس ولكل فلسطين،وكفى الله المسلمين شر القتال ! ولماذا يتم انتقاد واشنطن على قيامها بتوظيف أموالها ونفوذها لخدمة مصالحها ومصلحة حليفتها إسرائيل ولا توظف الدول العربية والإسلامية مالها وثرواتها للتأثير في مواقف الدول في الأمم المتحدة أو لتثبيت الوجود الفلسطيني في القدس وفلسطين؟ ولماذا تشارك هذه الأنظمة العربية في لعبة أمم تصطنع عدوا جديدا متجاهلة العدو الإسرائيلي؟

 

د. إبراهيم أبراش

 

 

saieb khalil2يعترف بروفسور الاقتصاد روندو كامرون (وهو استاذ رأسمالي المنطلق) بصعوبة تحديد "التطور" استناداً إلى "النمو" (الرأسمالي) في الاقتصاد لأن "زيادة الدخل القومي للفرد، لا تخبرنا عن توزيع ذلك الدخل بين الناس". والذي قد يعني زيادة فقر نسبة عالية من الناس رغم تلك الزيادة العامة التي تحتسب كمعدل، بقسمة الدخل القومي (أو الوطني) على عدد السكان.

يستمر كامرون: "إن تمييز "التوزيع الجيد للأرباح" عن "التوزيع السيء"، مسألة "أخلاقية" لا علاقة لعلم الاقتصاد بها".

وصحيح ما يقول البروفسور كامرون، ما دمنا نتحدث عن "علم الاقتصاد الرأسمالي"، الذي يضع هدفا حسابياً له هو "زيادة الأرباح"، ويدعو المشتغلين به إلى التركيز على ذلك الهدف فقط، دون التدخل في السؤال: أين تذهب تلك الأرباح.

وقد يبدو هذا الموقف "الحيادي" فيما يتعلق بالتوزيع، موقفا "علمياً" مثالياً لأول وهلة: ألا يفترض بنا مثلا حين نجري تجربة فيزيائية أن "نتجرد" عن مصالحنا ورغباتنا ونركز على "العلم" وحده لنصل إلى "الحقيقة"؟

الأمر مختلف تماماً في الحقيقة.. فنحن نجري التجربة العلمية بحثاً عن حقيقة مجردة لا علاقة لنا بها. فإذا أردنا مثلا معرفة ما إذا كان تغير الضغط يغير درجة الغليان أم لا، فعلينا ان نجري التجربة بحيادية تامة لأن "مصلحتنا" في معرفة تلك الحقيقة المجردة كما هي. أما حين نضع نظاماً ما لحياتنا، فإننا نفعل ذلك من أجل ان نستفيد منه، وعندها لا معنى للحياد. إن لم تأت التجربة العلمية بالنتيجة التي كنا نتوقعها، فستبقى قيمتها كما هي، بل ربما تزيد، لكن إن لم ينتج النشاط الاقتصادي رفاهاً لنا، فلا معنى له! لذلك فالسؤال عن توزيع الأرباح سؤال مركزي وأساسي ويجب طرحه والاتفاق عليه قبل المباشرة بذلك النشاط، ودراسته كجزء من النظام الاقتصادي المتبع لاكتشاف إن كان يناسبنا أم لا. إن كانت الرأسمالية تشترط علينا ان نترك هذا السؤال لصراع القوة ليحدد نسب التوزيع بيننا وبين "شريكنا" الرأسمالي الأقوى، فيجب ان نرفض الرأسمالية ببساطة!

لماذا يتهرب النظام الرأسمالي بكل السبل والحيل من هذا الموضوع ويعده كهنته "موقفاً سياسيا" لا علاقة لعلم الاقتصاد به؟ الحقيقة هي أن النظام الرأسمالي قائم على سرقة جزء من "فائض القيمة"، كما برهن ماركس بوضوح رياضي تام. لذلك فأية محاولة جدية لدراسة توزيع الارباح ستكشف هذه الحقيقة "غير المناسبة". ولذلك يدعونا الرأسماليون ومنظروهم إلى أن "لا نتدخل في توزيع الأرباح"، وأن "نتركها للسوق" ليقررها.

هل يتم توزيع الارباح إذن بشكل عشوائي بدون أي تدخل؟ الحقيقة النظام الرأسمالي "يتدخل" تماما في توزيع الارباح، حين يترك "توازن القوة" بين الرأسمالي والعامل يقررها من خلال تأثيره على قانون العرض والطلب. فما يبدو كـ "إتفاق حر" بين طرفين، ليس سوى اتفاق تحت تهديد مسدس الجوع، ومن طرف واحد. فالعامل يجوع إن رفض، اما الرأسمالي فيمكنه العيش طويلا بهناء حتى يأتي العامل راضخاً. ففارق القوة بين الطرفين كبير جداً.

الأمل الوحيد للعامل أو الموظف هو في التجمع بشكل نقابات لموازنة القوة ولو جزئيا. ولا غرابة أننا نجد أن تلك الممارسة بالذات تقابل برفض شرس من الرأسماليين. ونلاحظ في التاريخ أنه كلما ازدادت قوة النقابات قليلا، تقام لها مذبحة في ذلك البلد في الوقت المناسب، ولم يستثن عن ذلك حتى كبريات الدول الرأسمالية مثل اميركا.

لذلك كله، يفضل "علم الاقتصاد" الرأسمالي أن يبقى بعيداً عن مسألة توزيع الارباح، وأن يتركها لتوازن القوة المختل، وإن حاول أحد تعديل هذا الميزان قليلا، يتم تكليف رجال الأمن والشرطة السرية لإعادته إلى اختلاله المطلوب، ويعود الحديث بأن توزيع الأرباح "مسألة "أخلاقية" أو "سياسية"، وأن "لا علاقة

 

صائب خليل

 

 

munir alchalabi2مقدمة- قبل عامين كنت قد قمت باخر تحليل مسهب لتطور وترابط الاحداث في حينه في الساحتين العراقية و السورية (1)، ولقد اثبتت تطورات الاحداث ودمويتها صحة ما جاء في ذلك التحليل المفصل. ولهذا فانا ادعوا كل من يرغب في التمحص لفهم ما جرى ويجري حاليا والترابط بين الصراعات الدموية خلال السنوات السبعة الماضية الرجوع اولا الى التفاصيل التي وردت في التحليل السابق من اجل استرجاع نقاط البحث الاساسية، اذ انني ساتطرق في هذة المقالة فقط الى ما تجدد من احداث خلال السنتين الماضيتين تجنبا للاطالة في التحليل.

1- بقايا الدولة الاسلامية/ داعش في العراق و سوريا- ان الانتصار الذي تحقق لقوى الحشد الشعبي والشرطة الاتحادية باسناد القوى المدرعة وطيران الجيش العراقي بعد التحرير الاخير لمدن القائم وراوة واجزاء من غرب الجزيرة في  محافضات الانبار وصلاح الدين و نينوى المجاورة للحدود السورية، وتكون بذلك قد حققت ضربة كبيرة لما يسمى بالدولة الاسلامية/داعش في الاراضي العراقية. فان اضفنا الى هذه الانتصارات السوريا التي حققها الجيش السوري والقوى الحليفة له من قوات الحرس الثوري الايراني وحزب اللة اللبناني وكتائب الاسناد من قوى المقاومة العراقية كحركة النجباء والكتائب الافغانية والباكستانية المقاتلين في سوريا ككتائب الحيدريين والزينبيين والفاطميين والذي حرروا مدن دير الزور والميادين والبوكمال مع العشرات من القرى ومعضم اراضي الجزيرة في الشرق السوري غرب نهر الفرات الذي ادى بمجملة الى كسر ضهر داعش في سوريا بشكل كبير. واذا تفحصنا نتائج هذا النصر السوري و النصر العراقي سنرى بان داعش قد فقد اراضي دولته في كل من سوريا و العراق بشكل شبه كامل. غير ان هذا لا يعني بانتهاء هذا التنظيم على الاطلاق، فاصل اغلبية داعش هم فدائي صدام في العراق حولهم الاحتلال الامريكي/ البريطاني بعد ان خرجهم من جامعة بوكو (سجن بوكو في البصره) وبعد ان علمهم الصلاة واطال لحاهم وحولهم الى ارهابيين مثاليين كفرع للقاعدة تحول الى داعش مرورا بتنظيم "الدولة الاسلامية في العراق". ان فشل داعش يعني بان التنضم سوف ينتقل الى العمل الارهابي السري وما يسمى بعمليات الخلايا النائمة في العراق وسوريا ولبنان او تغيير اسم تنظيماته كما يحصل الان في ائتلافاته الجديدة التي يكونها في كركوك مع قسم من بيشمركة مسعود البرزاني وبعثي الحركة النقشبندية باسم "الرايات البيضاء" (2). وكذلك سيقوم  بتوسيع هجماته الارهابية الواسعة و شبة العلنية في دول اخرى كمصر واليمن وليبيا وافغانستان واندنوسيا ونايجريا والصومال وغيرها من دول العالم الثالث العربية و الاسلامية، مع اعمال انفرادية ومحدودة في بعض الدول الاوربية كفرنسا وبريطانيا وبلجيكا والمانيا. كما يجدر الاشارة هنا ان الارهابيين في سوريا هم ما زالوا يعملون وبشكل واسع خارج داعش في تنظيمات ارهابية اخرى كجبهة النصرة وجيش الاسلام واحرار الشام والجيش الحر والعشرات من التنظيمات الاخرى الاصغر حجما. وفي العراق ما زال اكثر من الف من قادة ومقاتلي داعش بكامل اسلحتهم يتجمعون في مناطق "وادي حوران" و "وادي القذف " في غرب العراق وبحراسة القوات الامريكيا التي هددت بقصف اي قوات من الجيش العرقي او الحشد الشعبي تدخل هذه المناطق الوعرة حيث تتواجد قواعد سرية للقوات الاميريكية الخاصة ولقوات داعش.

لقد اصبحت حقيقة من الصعب انكارها ان داعش هي من صنع الادارة الاميركية بشكل مباشر او في احسن الاحوال غير مباشر وهذا ما اكده الرئيس الاميريكي الحالي ترامب وخاصة في فترة المنافسة الانتخابية وعاد ليؤكده بعد انتخابه ويخطئ من يعتقد بان اي مرشح للرئاسة يستطيع ان يتهم الرئيس الامريكي اوباما ووزيرة خارجيته كلينتون الممثلين الحقيقيين للطبقات الحاكمة بانه هم من خلقوا منضمة ارهابية كداعش من دون ان يكون بحوزته ادلة دامغة. اضافة لذلك فان ما حدث في ديرالزور قبل عام عندما قامت الطائرات الامريكية بهجوم كاسح على الجيش السوري في المدينة المحاصرة ولعدة ساعات تمكنت خلاله من تدمير الكثير من التحصينات والاسلحة الثقيلة للجيش السوري، تبعه هجوم مباشر لداعش تمكن من خلاله من الاستيلاء على مرتفعات استراتجية كادت تؤدي الى سقوط دير الزور ومطارها العسكري بايدي داعش لولا القتال البطولي للجيش السوري والقوى المساندة له، وهذا ما اكدته بيانات الجيس الروسي بشكل رسمي وعلني في حينه.

غير ان التعاون المكشوف في الاشهر الاخيرة بين داعش من جهة وقوات الاحتلال الامريكي في سوريا ومرتزقتها مما يسما بقوات سوريا الديمقراطية (قسد) قد كشف بشكل كامل لا يقبل اي شك بالتعاون المتكامل بين القوات الامريكية و داعش في مناطق شمال و شرق الفرات.                                         .                                                 

2- الموقف من الحركات الكردية في العراق- كنت قد بينت في المقالات السابقة باننا كعراقيين يجب ان نعارض المطالب الانفصالية للاحزاب القومية في كردستان العراق، وذكرت بان حق تقرير المصير لايعني حق "الانفصال" بعد ان تكون هذه القومية قد اصبحت جزء من دولة متعددة القوميات والطوائف لعشرات السنوات وحصلت على الكثير من حقوقها القومية المشروعة.

ان انفصال كردستان العراق عن الدولة العراقية كان في الحقيقة سيقود الى انتهاء العراق كدولة اذ كان سيتبعه تكوين الكونفدرالية السنية (تضم المناطق التي اصبحت عام 2014 جزء من دولة داعش) ومن ثم ماتبقى كونفدرالية للشيعة وكان سيرافقها حروب دموية طائفية وقومية بين الاطراف الثلاث على شاكلة ما جرى في عمليات تقسيم والتمزيق الدموي في كل من يوغسلافيا والسودان وما زال يجري حاليا في اليمن وليبيا. ولو طبقنا هذا المفهوم ل "حق تقرير المصير" على دول المنطقة الاخرى لما بقت دولة واحدة في المنطقة دون ان تقسم الى دويلات متعددة ومتصارعة (باستثناء اسرائيل طبعا) وهذا بالتاكيد ما كان سيحصل لايران وتركيا وسوريا وباكستان والهند والصين والفدرالية الروسيا و و.

غير ان الموقف من الاحزاب القومية الكردية الاساسية الثلاث لا يجب ان يكون موقف واحد جامد و متشابه، فمواقف الحزب الدمقراطي الكردستاني (حزب مسعود) في اربيل و دهوك يختلف عن مواقف حزب الاتحاد الوطني/حزب الطلباني في السليمانية في حديته ومصالح قياداته، والحروب الدموية بين هذين الحزبين وخاصة فيما جرى في الحرب الدموية بينهما في اعوام 1993 الى 1997 هو خير مثال على استحالة اندماج هذين الحزبين. كما ان مواقف هذين الحزبين يختلفان عن مواقف "حركة التغيير" سواء فيما يخص الانفصال الفوري عن العراق او في الموقف من التعاون مع حكومة المركز وفي الموقف من التعاون مع القوى العراقية خارج الاقليم وحتى من مقدار التبعية للمخططات الامريكية في العراق.

ان على القوى السياسية غير الكردية في العراق ان لا تكتفي بالاستمرار بمهاجمة مواقف الاحزاب القومية الكردية والاستمرار بمهاجمة سلبياتها السياسية، بل من الضرورة الاخذ بنضر الاعتبار اتجاهاتها القومية والعمل على التقارب مع الاحزاب الكردية العلمانية والوطنية كحركة "التغيير" و "حركة الجيل الجديد"، اذ ان مثل هذا التقارب هو الطريق الوحيد للابقاء المستقبلي للمحافضات الكردية كجزء من الدولة العراقية الفدرالية الموحدة. انه من الضرورة تركيز الهجوم على قيادة حزب مسعود البرزاني الذي هو العدو الحقيقي لمصالح الغالبية العضمى من اكراد العراق ووحدة الدولة العراقية.

ان المشروع الامريكي الصهيوني للتقسيم   الثلاثي للعراق وتاجيج الصراعات الطائفية والقومية، ابتداءا من انفصال الكونفدرالية الكردية عن العراق قد اصيب بنكسة كبيرة نتيجة الفشل الكبير للنتائج السياسية لاستفتاء الانفصال الذي قاده مسعود البرزاني والرجعية الكردية القومية وبالاخص القيادات العشائرية المغرقة في الفساد ، وما اعقبه من قيام قوات الحشد الشعبي والشرطة الاتحادية في الهجوم المباغت في 16 اكتوبر 2017  بدا بتحرير محافظة كركوك وطرد ادارة وبيشمركة مسعود والقسم التابع لها من ادارة الطلباني من كركوك وما تلاه في الايام التالية من انهاء سيطرت البيشمركة الكاملة على مدن جلولاء و خانقين و اخراجهم من سنجار والجزء الاكبر من سهل نينوى وارجاع تلك المناطق الى اهلها من مسيحيين وايزيدين وتركمان. كما تم استرجاع معضم الحقول النفطية التي كان مسعود قد استولى عليها في كركوك ومنها حقل بايا حسن وقبة افانا اضافة الى قبة بابا من حقل كركوك (قبة خرمالة ما تزال بيد مسعود منذ عام 2009) و بعض حقول النفط التي تقع فيما سمي بالمناطق المتنازع عليها والتي كانت  جزء من حقول شركة نفط الشمال التابعه للحكومة المركزية في بغداد واستولت عليها بيشمركة مسعود في حزيران 2014 عند هجوم داعش/ ومسعود وانهيار الجيش العراقي شبه الكامل في كل محافضات شمال ومعظم محافظات وسط العراق .

وهنا يجدر التصويب على ان مقدار معرفة حكومة العبادي عن بدا عملية تحرير محافظة كركوك من قبل الحشد  الشعبي والشرطة الاتحادية والقوى المساندة لهم في 16 اكتوبر 2017  ،لا يزيد عن مقدار معرفة العبادي عندما قامت الفرقة الذهبية (الامريكية الانشاء و القيادة) بتسليم مدينة الرمادي  مع 11،000 من الشرطة المحلية بكامل اسلحتهم لداعش في ليلة ظلماء في شهر ايار عام 2015 بعد ان كان العبادي قد خرج وعلى التلفزيون العراقي الرسمي وفي اليوم السابق  لتسليم الرمادي لداعش و بشرنا بان ننتضر نصر قريب خلال 24 ساعة على داعش!

4 -  اكراد سورية وتحول جزء كبير منهم من قوى يسارية الى قوى تعمل ضمن المخطط الامريكي لتقسيم سوريا-  ان هنلك فارق كبير بين اكراد سوريا والعراق. فاكراد العراق يبلغ عددهم حوالي 5 مليون نسمة وقد سكنوا المحافظات الكردية الثلاث وهي السليمانية واربيل ودهوك منذ فترة تاريخية طويلة وهي محافضات كردية بكل تاريخها مرتبطة جغرافيا فيما بينها. بينما اكراد سوريا لا يتجاوز عددهم ال2 مليون والغالبية العضمى منهم يكونون اقليات ضمن محافظات ذات اغلبيات عربية حيث لا توجد اية محافضة في سوريا ذات اغلبية كردية، وكان هذا ما دعى الزعيم الكردي اوجلان قبل اعتقاله الى القول بانه لا يوجد اي ارض سورية جزء من اراضي كردستان التاريخية. كما ان الكثير من الاكراد المقيمين في سوريا ليسوا سوريين بل من اصل المناطق الكردية في تركيا وقد انتقلوا الى سوريا خلال القرن الماضي هربا من الاضطهاد التركي وهم سكنوا محافظات شمال سوريا، والاراضي التي نزحوا اليها غير متجاورة فيما بينها. وهم اقلية في جميع المحافظات السورية نسبة الى سكانها العرب ويسكنون امتدادات ارضية في داخل سوريا لمناطقهم الكردية في تركيا، ولهذا فلا توجد لهم مقومات تكوين منطقة فدرالية واحدة كما هو الحال في العراق. كما ان مناطق سكناهم الحالي في سوريا ترتبط ارتباط كبير بمناطق اصولهم في تركيا وحتا من الناحية الطائفية حيث ان قسم منهم هم علويين وليسوا بسنه كامتداد لبعض المناطق العلوية الكردية في تركيا. كما ان نسبة كبيرة منهم لا يملكون الجنسية السورية بسبب اصولهم التركية وهذا ما جعل احزابهم القومية مرتبطة ارتباط عضوي و تنضيمي وتاريخيا بالاحزاب التركية الكردية كحزب العمال الكردستاني في تركيا.

ولكن الملاحض بشكل واضح وخاصة في السنين الثلاث الاخيرة انه لا شك فيه بان اهم الاحزاب القومية الكردية المسلحة في سوريا وهي وحدات حماية الشعب الكردي و الاتحاد الدمقراطي الكردي وهي من القوة الاساسية فيما يسمى ب قوات سوريا الديمقراطية ( قسد) والمفروض انهم جزء من اليسار الكردي والمرتبطين بشكل كامل بحزب العمال الكردي في تركيا، قد اصبحوا جزء اساسي في تنفيذ المخطط الامريكي في سوريا. لقد تحولوا بشكل عملي الى ميليشيات او قوات تابعة تقوم بتنفيذ اوامر الادارة الامريكية و مسندين بحوالي 2،600  جندي امريكي في سوريا (ويصل الرقم الى 5،000 جندي امريكي حسب اعتراف احد القادة العسكريين الامريكان في سوريا) اضافة الى اسناد سلاح الجو البريطاني والفرنسي و يقومون بتنفيذ المخطط الامريكي/ الفرنسي/ البريطاني لمشروع تقسيم سوريا كجزء من المخطط الغربي لاستخدام الانفصاليين من القوميين الاكراد لتقسيم كل من سوريا والعراق.

لقد كان فشل مشروع مسعود البرزاني في فصل المحافضات الكردية الثلاث عن العراق وهزيمتهم في 16 اكتوبر 2017 وما تلاه ادت الى تراجع كبير للمشروع الامريكي الاسرائيلي لفصل مناطق شمال شرق سوريا ذو الاقلية الكردية على الرغم من ان خطر التقسيم في سوريا ما زال قائما من خلال قوات "قسد" وتواجد القوات الامريكية في سوريا. ان هذا الخطر بتقسيم سوريا سيبقى مرتبطا بخطر تقسيم العراق المرتبط بشكل اساسي بتواجد اكثر من 15،000 جندي امريكي بكامل اسلحتهم الهجومية و قواتهم الجوية في شمال وغرب العراق.

5- الموقف من سايكس- بيكو- كنت قد بينت في تحليلي السابق بان تمدد وانتشار عمليات داعش في سوريا والعراق على الحدود السياسية القائمة حاليا بينهما والتي رسمتها معاهدة سايكس- بيكو بعد الحرب العالمية الاولى قد اثبت ان هذه الحدود السياسية هي حدود شبه وهمية نسجها الاستعمارين البريطاني والفرنسي نتيجة للحرب العالمية الاولى والهدف منها كان لتقاسم هاتين الدولتين فيما بينها من ضمن مخلفات الدولة العثمانية التي انهارت تماما في تلك الحرب.

كما بينت بانه ان كان هنالك شئ ايجابي لضهور داعش فهو انها اثبتت ان الساحتين السورية والعراقية هي ساحة كفاح وحرب واحدة، وان الشعبين السوري والعراقي هم في معركة واحدة وان عدوهم واحد وان مصالحهم واحدة، وبالتالي فان مرور قرن على معاهدة سايكس- بيكو لم يتمكن من فك الارتباط بين تاريخ البلدين والوحدة التاريخيه بينهما. لقد كان هذا الارتباط قد استمر الى قرون عديدة منذ تكوين الدولة الاموية ومركزها الشام، ومن ثم العباسية ومركزها بغداد والتي امتدت لتضم كل بلاد الشام، وقد امتد هذا الارتباط لاربعمائة سنة اخرى ضمن الدولة العثمانية .

كما استنتجت بان ردنا على كل المحاولات والمخططات الصهيونية/ الانكلو/ امريكية لتقسيم العراق الى ثلاث دول وتقسيم سوريا الى اربعة دول او اكثر، يجب ان يكون هو ان سوريا والعراق هي ساحة واحدة ومعركتها واحدة وعدوها واحد، ولذا فان مصيرها واحد وبالتالي فان الصراع في كل من العراق وسوريا يجب ان يكون من اجل ان تتجه لكي تتحول كل من سوريا والعراق الى "دولة فدرالية واحدة" وليس العكس.

ان تطور الاحداث في هذه المرحله اي بعد قرن على تنفيذ اتفاق سايكس-بيكو  يبين بشكل لا جدال فيه بان هنلك معسكرين ذو عمليتين سياسية وعسكرية متعاكستين في الاتجاه تجري للتعامل مع ما افرزته اتفاقية سايكس-بيكو لعام 1916على الارض.

حيث يقود "المعسكر الاول" كل من اسرائيل والادارة الامريكية و بريطانية الام الحنون ل سايكس-بيكو وبلفور، وباسناد فرنسي و تبعية الرجعيات العربية المتمثلة اساسا بحكومات الخليج والاردن والقوى الرجعية الكردية في العراق و سوريا وبشكل محدود الاهداف من تركيا يسعى  في مرحلته الاولى لانهاء القضية الفلسطينية و لتقسيم العراق وسوريا ولبنان من الدول التي شملتها سايكس-بيكو، وكل من اليمن وليبيا من خارج المعاهدة. لقد وضعوا في مخططاتتهم ان نجحوا في تحقيق اهداف المرحلة الاولى، فانهم سينتقلون الى البدء بتنفيذ المرحلة الثانية المتمثلة بتقسيم ايران وتركيا وحتى السعودية حيث سيجري التقسيم اما على اسس طائفية او قومية او عشائرية لكل من هذه الدول حسب الحاجة.

 اما "المعسكر الثاني" فاهدافه افشال جميع محاولات التقسيم الجديدة في المنطقة المتمثلة باهداف المعسكر الاول المبين اعلاه، وربط نضال دول المنطقة للتخلص من السيطرة الاقتصادية والسياسية لدول الاستعمار الغربية وانهاء الوجود الاسرائيلي الصهيوني والوصول الى دولة واحدة على جميع الاراضي الفلسطينية تضم جميع الاديان ومعادية للصهيونية على المدى البعيد. وتضم قوى هذا المعسكر ولو باشكال ودرجات مختلفة كل من ايران ومعظم قوى الحشد الشعبي في العراق والنظام العلماني القومي والقوى السورية المساندة له في سوريا وحزب اللة و بعض القوى الشيعية والسنية والمسيحية الوطنية المساندة في لبنان اضافة الى القوى المقاومة في فلسطين وعلى الاخص الجهاد الاسلامي و حماس (بقيادتها الجديدة) والجبهة الشعبية وقوى اخرى تؤمن بالكفاح المسلح لانهاء السيطرة الاسرائيلية.

ان المنطقة تدخل بشكل متزايد في صراع دموي تفرضه قوى الاستعمار الغربي واسرائيل على شعوب المنطقة وقد بدات مرحلته الاولى باحتلال العراق عام 2003 وما تلاه من نجاحات واخفاقات للمشاريع الغربيه الاسرائيلية مرورا "بجهنم الربيع الصهيوني العربي" وتكوين النصرة و داعش وقيام الجيوش الغربية بالتدمير المباشر لليبيا وتقسيم السودان ومن ثم تدمير كل من من سوريا واليمن واعادة تدمير العراق.

6- استنتاجات

ان السؤال المطروح حاليا هو ماذا سيحل بحدود سايكس-بيكو بعد اندحار داعش العسكري وفشله في المحافضة على اراضي دولته في العراق وسوريا و لبنان حسب ما خطط له في المشروع الانكلو/ امريكي/ الاسرائيلي لابقائه حيا لل 30 سنة القادمة؟ وما هو البديل السياسي والعسكري الارهابي القادم بعد تعثر نجاح مشروع الانفصال الكردي للبرزاني في العراق ونتائجه السلبية على مشروع التقسيم الكردي في سوريا؟

للاجابة على هذه الاسئلة يستوجب دراسة الوضع الواقعي على الارض في المناطق الممتدة من ايران وصولا لحزب اللة اللبناني مرورا بقوى الحشد الشعبي في العراق و الجيش السوري والقوى المساندة له في سوريا.

فماذا حصل على الارض بعد مرور حوالي سبعة اعوام تقريبا على بدء المخطط الانكلو-امريكي الاسرائيلي لسحق الدولة العلمانية  القومية في سوريا والذي قادته في بدايته قوى الاخوان المسلمين في سوريا والبلدان المحيطة، واشتركت به كل من تركيا وقطر (3)  والسعودية كقوى اساسية وباسناد واسع من اسرائيل والاردن والحكومة اللبنانية (اي جميع الدول المحيطة بسوريا باستثناء  العراق) اضافة الى دول الخليج واموالها، واربعة اعوام على انتظام الهجوم الداعشي على العراق بدا باستيلاء داعش على الفلوجة ومناطق واسعة من غرب العراق على الحدود السورية العراقية في بداية عام 2014 ؟

ا- ان الطابع الاساسي الذي يميز الواقع على الارض في كل من العراق وسوريا ولبنان اليوم في نهاية عام 2017 هو النكسة الكبيرة الذي اصيب بها المشروع الامريكي-الاسرائيلي للسيطرة وتقسيم كل من العراق وسوريا ولبنان. فلقد تكون ولاول مرة في  تاريخ هذا الجزء من المنطقة محور سياسي و عسكري مترابط لحد كبير لقوى اسلامية ووطنية على بقعة متواصله من الارض يمتد من ايران وصولا الى حدود فلسطين المحتلة. ان هذه القوى المتمثلة بما اطلق عليه تسمية "محور المقاومة" اصبح قادر  على الوقوف امام العدو الاسرائيلي والمخططات الغربية لاخضاع هذا الجزء من المنطقة للسيطرة الغربية شبه الكاملة ولاول مرة منذ اتفاق سايكس-بيكو قبل قرن.

ب- غير انه في نفس الوقت نرى بان القوات الامريكية المقاتلة قد عادت الى التواجد الكثيف باكثر من 15،000 عسكري مقاتل في 14 قاعدة عسكرية في العراق منها عين الاسد وسبايكر وسنجار والقيارة والتاجي والحبانية و السليمانية واربيل ، اضافة الى سيطرتهم شبه الكاملة على الاجواء العراقية. و كذلك التواجد المتزايد ولاول مرة في تاريخ سوريا لقوات امريكية مقاتلة في عدد من القواعد المتفرقة على اراضيها وعلى الاخص في الحسكة و كوباني وقسم من الجنوب السوري، اضافة الى اشتراكهم العلني في السيطرة الجوية على القسم الشرقي و الشمالي الشرقي من سوريا، واصرارهم العلني على ابقاء قواتهم فيهما على الرغم من ان بقائهم غير قانوني ويمثل قوات احتلال حسب القانون الدولي. وقد بداوا مؤخرا بتدريب وتسليح وحماية قوات جديدة سميت ب"جيش سوريا الجديد" حسب االتصريح الرسمي للناطق باسم وزارة الدفاع الروسية (4). ان نجاح المخطط الامريكي الاسرائيلي يتطلب بقاء قوات الاحتلال الامريكي والبريطاني لاطول فترة ممكنة في العراق وسوريا وهذا ما اصبح واضح من خلال التصريحات الرسمية للادارة الامريكية من ان قواتها ستبقا في العراق وسوريا وحتى بعد القضاء على داعش.

ج- ان نجاح المشروع الامريكي الاسرائيلي البريطاني سيعني نجاح مشروع سايكس-بيكو "الثاني" لتقسيم ما قسمه مشروع سايكس- بيكو "الاول" وانهاء الوجود الفلسطيني و تثبيت اسرائيل كشرطي الغرب في المنطقة والخضوع الكامل لشعوب المنطقة وعلى الاخص في العراق وسوريا ولبنان للسيطرة العسكرية و الاقتصادية والسياسية الغربية والاسرائيلية حتى نهاية هذا القرن على اقل تقدير.

لذا فان افشال هذا المشروع يتطلب النضال المسلح لاخراج قوات الاحتلال الامريكية من العراق، فبدون السلاح لن تخرج قوات الاحتلال الامريكي/البريطاني الثاني من العراق كما ثبت مع الاحتلال الاول. ان هذه المهمة ستقع على عاتق الحشد الشعبي اذ انه القوى الوحيدة القادرة على تحرير العراق ثانية كما كانت القوى الاساسية في كسر ضهر داعش، وبدونهم لكانت داعش تذشر اسلامها الوهابي وقطع الروؤس في البصرة حاليا. ولكان  رئيس الوزراء العبادي ورئيس الجمهورية فؤاد معصوم ونائبه اياد علاوي و وزير خارجيتنا الجعفري والعشرات من نواب المجلس العتيد والوزراء الحالين و السابقين قد رجعوا للاقامة في بلدهم الحقيقي الذين يدينون بالولاء له بريطانيا، اما الوزراء والمسؤلين الاخرين فكنا سنراهم في اوطانهم الجديدة كاميركا وفرنسا وهولندة و و و  باستثناء العراق الذي كان سيتركونه لداعش وهذا ما اثبتوه عندما كانوا يملؤون صالات المغادرة في مطار بغداد الدولي في الفترة التي تلت 10 حزيران 2014 عندما وصل داعش الى ابواب بغداد.

 

المهندس منير الجلبي- محلل في المحاور السيياسية والطاقة العراقية 

...................

مراجع:

1- العراق وسوريا هل هماعلى طريق التقسيم ام وحدة المعركة؟ منير الجلبي

http://www.almothaqaf.com/index.php?option=com_content&view=article&id=900858&catid=267

2- Iraq Oil Report Mysterious militants raise new fears of insurgency

https://www.iraqoilreport.com/news/mysterious-militants-raise-new-fears-insurgency-26920/?utm_source=IOR+Newsletter&utm_campaign=3d4d674a43-Email_Update&utm_medium=email&utm_term=0_f9870911e6-3d4d674a43-192760978

3- ما هي المبالغ التي دُفعت للعسكريين والضباط السوريين للانشقاق؟

http://www.addiyar.com/article/1479850-%D9%85%D8%A7-%D9%87%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%BA-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%8A-%D8%AF%D9%81%D8%B9%D8%AA-%D9%84%D9%84%D8%B9%D8%B3%D9%83%D8%B1%D9%8A%D9%8A%D9%86-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B6%D8%A8%D8%A7%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D9%8A%D9%86-%D9%84%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%B4%D9%82%D8%A7%D9%82

4- موسكو: واشنطن تدرّب وحدات «إرهابية» لقتال الجيش السوري

http://www.al-akhbar.com/node/288138

 

 

khadom almosawi2يتميز الموقف الأوروبي من القضية الفلسطينية عن الموقف الامريكي عموما في أكثر من مجال، فاعترف عدد من ابرز أعضائه بالدولة الفلسطينية واجرى التبادل الدبلوماسي معها رسميا، وقدم الاتحاد دعما واضحا للشعب الفلسطيني عبر مؤسسات وهيئات متعددة. كما تعرض الى مناكفات وتجاذبات سياسية مع الكيان بسببه. ويأتي الموقف الحالي من قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من القدس عاصمة الكيان الإسرائيلي ونقل السفارة الأمريكية رسميا فيها تاكيدا للمواقف السابقة، وتصريحا بكل وضوح لرفض الاعتراف بالقرار. حيث أكد العديد من وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي مجددا موقف الاتحاد القائل بأن الأراضي التي احتلتها "إسرائيل" في حرب عدوان عام 1967، ومنها الضفة الغربية والقدس الشرقية وهضبة الجولان، ليست جزءا من الحدود الدولية المعترف بها لكيان "إسرائيل". وحتى أقرب حلفاء إسرائيل الأوروبيين رفضوا القرار الامريكي، قائلين إن الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل من جانب واحد يهدد بإثارة العنف ويزيد من تقويض فرص السلام، كما يقولون او يعبرون.

حسب وكالات الأخبار طلب بنيامين نيتانياهو، رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي، اللقاء بوزراء خارجية الاتحاد الأوروبي وحثهم على الاعتراف بالقرار الامريكي. لكنه شهد استقبالا فاترا فى بروكسل. وسبق له واتهم الاتحاد ب«النفاق» و«ازدواجية المعايير»، لاسيما وان فيديريكا موغيريني، المفوضة العليا لشؤون السياسة الخارجية، رفضت محاولات نيتانياهو علنا. واحرجته فى أول زيارة لرئيس وزراء الكيان الإسرائيلي منذ 22 عاما، حيث أكدت أن الاتحاد الأوروبي يدعم حل دولتين إسرائيلية وفلسطينية تعيشان جنبا إلى جنب، عاصمتهما القدس كحل أوحد للنزاع. وهذا هو المشروع الأوروبي الذي يردده المسؤولون الأوروبيون حول القضية الفلسطينية والصراع في المنطقة.

وضحت مارغوت ولستروم، وزيرة خارجية السويد، إن ما من أوروبي واحد في الاجتماع المغلق أبدى تأييده لقرار ترامب، وما من دولة يرجح أن تحذو حذو الولايات المتحدة في إعلان اعتزامها نقل سفارتها. وقالت الوزيرة للصحفيين "لا اعتقد أن أيا من دول الاتحاد الأوروبي ستفعل ذلك".  من جهتها اكدت موغيريني إن الاتحاد الأوروبي سيبذل جهودا مع الجانبين والشركاء الإقليميين مثل مصر والأردن لإعادة إطلاق مفاوضات السلام. وأضافت : «كشركاء وأصدقاء لإسرائيل، نعتقد أن المصالح الأمنية لإسرائيل تقتضي إيجاد حل قابل للاستمرار وشامل» بين "إسرائيل" والفلسطينيين، وفق مفرداتها. ودعت محمود عباس، الرئيس الفلسطيني، للقاء في الاجتماع القادم للوزراء كإشارة سياسية من الاتحاد وموقفه من القرار الأمريكي. وهي تحدد الموقف الأوروبي الواضح من القدس.

تصريحات المسؤولة الأوروبية رد صريح على تصريحات رئيس وزراء الكيان التى قال فيها إن اعتراف ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل «يجعل السلام ممكنا» فى الشرق الأوسط، على حد قوله. وقال نيتانياهو إن الدول الأوروبية عليها أن تحذو حذو خطوة ترامب، التى أدانها الفلسطينيون وحكومات أوروبية. وأضاف: «أعتقد رغم أننا لم نصل لاتفاق بعد، فإن ذلك سيحدث فى المستقبل. أعتقد أن جميع، أو بعض، الدول الأوروبية ستنقل سفاراتها إلى القدس وتعترف بها عاصمة لإسرائيل وتتعاون معنا بقوة من أجل الأمن والرخاء والسلام». وشدد نيتانياهو على شراكة بلاده مع أوروبا، زاعما أن تعاون المخابرات الإسرائيلية ساعد على منع هجمات للإرهابيين، كما أن دورها الأمني في الشرق الأوسط كبح تمدد تنظيم «داعش» الإرهابي في المنطقة.

يواصل الاتحاد الأوروبي مواقفه في تحميل الكيان مسؤولية تدمير وقصف بنى تحتية مخصصة وممولة من الاتحاد الأوروبي أو من دول أعضاء في فلسطين المحتلة.  حيث يتحدث نواب أوروبيون عن «فاتورة» بقيمة 1٫2 مليون يورو لمدارس وخزانات مياه وأنظمة كهربائية ومنشآت أخرى «دمرتها إسرائيل عمدا أو صادرتها خارج إطار الأعمال العدائية العسكرية وفى انتهاك للحق الإنساني الدولي». وكان قد كتب عدد من الدول الأعضاء إلى الحكومة الصهيونية مؤخرا لطلب «تعويضات» على هذا الدمار. وتعتبر  هذه قضية حساسة بين الطرفين ولها تداعياتها القانونية والإنسانية والاقتصادية.

كما وصل الأمر في الرد على القرار الأمريكي وتصريحات نتنياهو، بان الاتحاد ينتظر فعلا مقترحات أخرى غير ما تقوله إدارة ترامب بانها تعمل على مقترح سلام يضعه مبعوثها للشرق الأوسط جيسون غرينبلات ومستشار ترامب وصهره غاريد كوشنر. حيث اشار الزعماء الأوروبيون الى إن قرار القدس يزيد من الحاجة لخطوة أوسع نطاقا نحو السلام. وقال وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان "ننتظر بالفعل منذ عدة أشهر المبادرة الأمريكية، وإن لم تكن هناك خطة وشيكة، فإنه سيتعين على الاتحاد الأوروبي الأخذ بزمام المبادرة".. وقد جاء القرار الأمريكي محبطا للاتحاد ودافعا لحراكه السياسي وتعبيره عن قلقه العميق إزاء إعلان الرئيس الأمريكي حول القدس والتداعيات التي قد تنجم عنه وأثرها على فرص السلام.

أكد بيان من وفد الاتحاد الأوروبي (2017/12/7) ان موقف الاتحاد يبقى كما هو. كما أنه يجب إيجاد حل من خلال المفاوضات لوضع القدس كعاصمة مستقبلية للدولتين. وأضاف أن الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي سيستمرون في احترام الإجماع الدولي حول القدس، كما جاء في قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 478 والقرارات الأخرى، بما في ذلك موقع الممثليات الدبلوماسية إلى أن يتم إيجاد حل لوضع القدس.

وكالعادة المعروفة دعا الاتحاد الأوروبي كافة الأطراف ذات العلاقة في المنطقة إلى ضبط النفس لمنع أي تصعيد. وينبغي أن يكون التركيز على خلق ظروف تؤدي إلى مفاوضات هادفة ومباشرة تؤدي إلى حل قضايا الوضع النهائي، كما يبقى الاتحاد الأوروبي مستعدا لدعم هذه العملية، والعمل مع الطرفين والشركاء فيها، وتمسكه بحل الدولتين وبسياساته الحالية كما جاءت في نتائج مجلس وزراء الخارجية في الاتحاد الاوروبي المتعاقبة.

استمرارا لمواقف الاتحاد الكلاسيكية أكدت مارغوت والستروم، أن الاتحاد الأوروبي جدّد موقفه الرافض لقرار الولايات المتحدة بشأن اعترافها بالقدس عاصمة لإسرائيل. وأضافت والستروم في تصريح صحفي في ختام لقاء لوزراء خارجية دول الاتحاد في بروكسل “أعتقد أن إسرائيل شعرت بقوتها من هذا القرار. ومع ذلك نلفت النظر إلى أن نتمسك بما نعتبره أكثر واقعية، حل للقضية يقوم على مبدأ الدولتين وتقديم المساعدة لطرفين بغية إجراء الحوار. إلا أنه الآن من الصعب فهم مستقبل سير هذه العملية”.!

موقف الاتحاد الأوروبي من القضية الفلسطينية والقدس بعد القرار الأمريكي يسلط الضوء عليها عالميا ويفيد في الاستثمار السياسي من داخل الغرب في دعم الموقف الفلسطيني والعربي والاسلامي، الشعبي والرسمي، في الدفاع عن الحقوق والحرية والعدالة لفلسطين. وهو ما يتطلب الاستفادة منه على مختلف الصعد والمجالات وإضافته، بكل ما له وعليه، إلى قوة الموقف وكفاح الشعب الفلسطيني المشروع.

 

كاظم الموسوي

 

 

ibrahim abrashما جرى من ردود أفعال عربية وإسلامية ودولية رسمية عقِب قرار ترامب نقل السفارة الأمريكية إلى القدس تشكل فرصة للتفكير وإعادة النظر في مفاهيمنا عن أبعاد القضية الفلسطينية وإعادة نظر في مجمل السلوك السياسي للقيادة والأحزاب وحتى للشعب وهو سلوك ينتح من عقل سياسي ينتمي لزمان غير هذا الزمان .

وهكذا وكأنها مسلمة أو حقيقة لا تخضع أو تعترف بمبدأ التطور وأن الفكر نِتاج للواقع أو على الأقل متفاعل معه، ما زال قطاع كبير من الشعب الفلسطيني يعتقد أن فلسطين قضية العرب الأولى ويُصدِق كلام القادة والزعماء العرب، حتى توقيع اتفاقية كامب ديفيد مع مصر وتآمر أنظمة عربية علي الشعب الفلسطيني والثورة الفلسطينية بالحرب المباشرة والحصار والتشويه والتشكيك بعدالة القضية، كل ذلك لم يغير من إيمان الشعب الفلسطيني بالعروبة والمصير العربي المشترك .

كان يجب الانتظار حتى يأتي الرئيس ترامب لينقلب على كل ما تم التوافق عليه حول الصراع العربي الإسرائيلي وعلى قرارات الأمم المتحدة ليصوغ مبادرة (صفقة القرن) بمشاركة وتواطؤ مع أنظمة عربية، وليوقع على قرار الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ليكتشف الفلسطينيون ما وصلت إليه حال الأنظمة العربية من هوان وخنوع وعدم القدرة على الرد على واشنطن بما يناسب خطورة قرار ترامب .

نعم تحركت الجماهير العربية في أكثر من عاصمة ومدينة بالرغم من همومها الداخلية، وعبَّرت عن عمق إيمانها بعدالة القضية ورفض تهويد القدس ولكنها كانت تحركات المذبوح والمقهور والمصدوم .

أيضا اعتقدنا وبنينا استراتيجياتنا النضالية ونَظَمنا شعاراتنا وأشعارنا وأغانينا على مقولة أن فلسطين وفي قلبها القدس وقّفٌ إسلامي والدفاع عنها مسؤولية إسلامية لأن القدس مقدسة ليس للفلسطينيين فقط بل لأكثر من 1.6 مليار مسلم . لم يتزعزع هذا الاعتقاد ونحن نرى دولا إسلامية من أوائل الدول التي اعترفت بإسرائيل ودول أخرى تعترف بها وتبني علاقات إستراتيجية معها حتى بعد أن أعلنت إسرائيل ضم القدس وإعلانها عاصمة موحدة وأبدية لها، ولم يتزعزع اعتقادنا ونحن نرى جماعات إسلاموية تقاتل في كل مكان في العالم إلا إسرائيل التي تحتل فلسطين وتدنس أولى القبلتين وثالث الحرمين .

وجاء قرار ترامب الأخير وتداعت للاجتماع في اسطنبول الدول الإسلامية المنضوية في إطار منظمة المؤتمر الإسلامي التي تشكلت عام 1969 من أجل القدس، فكان اجتماعا هزيلا، ولنكتشف حقيقة البعد الإسلامي للقضية الفلسطينية وحقيقة القول بأن القدس خط أحمر لا يجوز تجاوزه .

المشكلة تكمن في مراهناتنا وتشبثنا بالأيدولوجيا، والتدَاخُل بين ما يجب أن يكون بناء على مقولات هذه الايدولوجيا من جانب، والواقع المُعاش من جانب آخر، ولو فكر المراهنون على العالم الإسلامي وعنوانه منظمة المؤتمر الإسلامي لاكتشفوا أن ما يسمى العالم الإسلامي أو منظمة المؤتمر الإسلامي هو مجموعة دول متباينة في الثقافات واللغات والأنظمة السياسية، وتتباين في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، ومتباعدة جغرافيا، ومتباينة في الارتباطات الخارجية بحيث أكثر من نصفها لها علاقة بإسرائيل وغالبيتها حليفة وصديقة لواشنطن، كما أن العلاقات البينية واهية، والإسلام بالنسبة لها مجرد رابط أيديولوجي ديني واهن .

 لكل ذلك لا يمكن المراهنة على العالم الإسلامي الرسمي فهو عالم افتراضي أكثر مما هو حقيقي، وهذا يفسر لنا البيان الباهت للقمة الأخيرة في اسطنبول حول القدس وكل البيانات الصادرة عن القمم السابقة .

للأسف لا يتوقف الأمر عند عجز الأنظمة عن مناصرة شعب فلسطين والقدس بل منها وفي سياق حاجتها لواشنطن لحمايتها من غضب الشعب أو من تهديد جيرانها لا تتورع عن تشويه الشعب الفلسطيني وشيطنته والتشكيك بعدالة قضيته حتى تتقرب لإسرائيل وتُطبع معها، ومن هنا نسمع ونشاهد سفاهة بعض الإعلاميين الخليجيين في تناولهم للشأن الفلسطيني .

بعد افتضاح محدودية المراهنة على الأنظمة العربية والإسلامية قررت القيادة الفلسطينية التوجه بقوة للأمم المتحدة ومنظماتها والمراهنة على الشرعية الدولية لمواجهة التغول الإسرائيلي والانحياز الأمريكي، أيضا لتعويض التقصير الذي بان في المواقف العربية والإسلامية .

إن لم تكن الشرعية الدولية أيديولوجيا كالايدولوجيا القومية أو الإسلامية، إلا أن المراهنة عليها لتنصفنا وتقدم لنا الدولة الفلسطينية على طبق من ذهب قد يحولها لأيديولوجيا أو مراهنة على سراب، فحبل الشرعية الدولية طويل وقدرتها على الحسم محدودة في ظل التوازنات الدولية الراهنة، ودورها في سوريا واليمن وليبيا نموذج على ذلك .

يبدو أن المراهنين على الشرعية الدولية ينسون أو يتناسون أن الشرعية الدولية محصلة لموازين القوى والعرب والمسلمون ليسوا من القوى التي يُحسب حسابها في هذه الموازين، وأن عصبة الأمم هي التي تبنت وعد بلفور، وأن الأمم المتحدة هي التي أسست إسرائيل بداية، وأن كل ما صدر عن الأمم المتحدة منذ 1947 حتى الآن فيما يخص الصراع العربي الإسرائيلي هي قرارات غير ملزمة .

 لا يعني مما سبق تجاهل الشرعية الدولية والأمم المتحدة فإن فعلنا ذلك فالشرعية الدولية لن تتركنا حيث ستقوم إسرائيل وواشنطن بتوظيفهما في غير مصالحنا كما أن في الشرعية الدولية ما يلامس حقوقنا ويحمي شعبنا ويرفض الاحتلال الإسرائيلي وقد ناضل الراحل ياسر عرفات ومن بعده أبو مازن لوضع القضية في سلم اهتمامات الأمم المتحدة .

لكن لا نريد أن ننتقل من وهم إلى آخر أو أن يصبح التوجه للأمم المتحدة هروبا من الواقع واستمرار المراهنة على الخارج في تجاهل لوضعنا الداخلي وما هو مطلوب وطنيا لمواجهة الاحتلال .

المطلوب من الفلسطينيين اليوم التوافق على استراتيجية وطنية متعددة المسارات، إستراتيجية تتضمن إعادة تعريف البعد القومي وتصويبه، وإعادة تعريف البعد الديني وتصويبه، وإعادة النظر في المراهنة على الشرعية الدولية وفي أسلوب تعاملنا معها، وفوق كل ذلك إعادة بناء البيت الفلسطيني من خلال إنهاء الانقسام وانجاز الوحدة الوطنية والتوافق على استراتيجية مقاومة شعبية تأخذ بعين الاعتبار وجود 12 مليون فلسطيني في الوطن والشتات يجب أن يشاركوا في هذه المقاومة حسب خصوصية كل ساحة، وما يجري في فلسطين منذ قرار ترامب يؤسس لانتفاضة شاملة .

 وأخيرا، من المهم التواجد في المنظمات الدولية ومراكمة قرارات لتستمر القضية محل اهتمام العالم، ولكن المراهنة على الأمم المتحدة وحدها لن يكون إلا هروبا من الاستحقاق الوطني ومحاولة لكسب الوقت في انتظار المجهول .

 

د. إبراهيم أبراش

 

 

ترامب لم يعبر عن موقفه لوحده فحسب، بل عبر عن الموقف الحقيقي للحزبين الديمقراطي والجمهوري، وللكونكرس ومجلس الشيوخ، ربما تعترض بعض القوى والمؤسسات الأمريكية على موعد هذا الإعلان، لكنها لا تعارضه من حيث المبدأ . هذه مسألة ينبغي أن لا تغيب عن ذهن الذين ينبرون لمواجهة قرار ترامب . نحن لسنا بمواجهة ترامب المغامر، وإنما نحن في حقيقة الأمر بمواجهة النظام الأمريكي، الذي كان ومنذ البدء ليس منحازاً لإسرائيل فحسب، بل داعماً لها ومشجعاً علناً أو من وراء الستار، لكل جرائمها بحقنا كعرب، وبحق الشعب الفلسطيني .

ربما يتصور البعض أن النجاح يكمن في إسقاط ترامب، وهذا إن حدث أمر لا يؤخر ولا يقدم في الأمر شيئاً، بل سيأتي نائبه "ما يك بينس" وهو أكثر صهيونية من رئيسه .

أغلبية القادة المتنفذين في الإدارة الأمريكية يؤمنون بما ورد في الكتاب المقدس عن بني إسرائيل، حتى بخرافات الإسرائيليات عن وعد الله، وليس بالموقف التأريخي الثابت والواضح للكنيسة المسيحية عن دور اليهود في صلب السيد المسيح ..

هل هذا ناتج عن إيمان ديني أم عن إستثمار للدين  كما لأي شيء آخر؟ الإجابة على مثل هذا السؤال بالسلب أم الإيجاب أمر ليس بذي بال، لأنه لا يقدم ولا يؤخر .

منذ عام 1995  حيث أصدر الكونكرس الأمريكي قراره بنقل السفارة الأمريكية إلى  القدس، وبأغلبية ساحقة من الأصوات، وحتى قبل ذلك، كان الرؤساء الأمريكيون من مؤيدي نقل السفارة إلى القدس، التي أعتبروها عاصمة الكيان الإسرائيلي . لم يكن وجه أمريكا خافياً على احد، ولا هم حاولوا إخفاءه، لكن البعض الذي إرتبطت مصالحه بها، أو هو ممن توهم أنه من دون أمريكا لن يعود أي قدر من الحق لأصحابه، ومن توهم بسبب إنهياره وضعفه أن 99% من أوراق الحل بيد أمريكا، ليس فيما يتعلق بفلسطين بل بمصائر العالم، أو الذي توهم وأوهم أنه يمكن التأثير على أمريكا بالكلام وإعلان الصداقة من جانب واحد، أو صدق أن أمريكا يمكن أن تقف مع حق الشعوب، أو أنها  يمكن أن تكون حكما عادلاً ومحايداً، وبغض النظر عن كل الأسباب التي أدت إلى إتخاذ مثل هذه المواقف، فإن ما تم فيما بعد، وما قام به العرب، أو بعض أنظمتهم، مهما إختلفت النوايا، كان تقديماً لفلسطين، وليس القدس فقط، على طبق من ذهب إلى الإسرائيليين الغزاة .

لم نكن مضطرين، الآن وفي السابق لإعلان الحرب على أمريكا، لكننا كنا قادرين على فرض إحترامها لنا، وكنا وما زلنا نملك الكثير من الأوراق، التي ما أحسنا ولم نحسن حتى الآن إستثمارها ..

أمر يكا عدوتنا .. وهي عدو قوي، وأقوى دولة في  العالم، وليس من الصائب والمفيد إستراتيجيا التعامل مع العدو كصديق، لأننا نكون في هذه الحالة كالنعامة التي تدفن رأسها في الرمال، وتكون نتيجتنا الحتمية الخسران المبين والهوان مسبقاً، ولم يكن بإمكاننا بالتأكيد إعلان الحرب على أقوى دولة في العالم، خصوصاً ونحن ممزقين وفي غاية الضعف، ويقودونا من هو غير مؤهل فعلياً وعملياً لقيادة أصغر بلد في العالم . .

أمامنا خياران، بعد إستبعاد خيار الحرب مع أمريكا، أما أن نستسلم لما تريده، وما تريده واضح وبين، ليس من خلال كلامها فقط، بل من خلال كل مواقفها منذ تأسيس إسرائيل وإلى اليوم، والقضية لا تتعلق بتسليم فلسطين للمغتصبين فقط، بل بتسليم كل أمورنا لمن لا ينظر لنا إلا نظرة العداوة والإحتقار، تارة بسبب إسرائيل، وتارة بسبب ديننا وتأريخنا، أو بسبب قوميتنا، أو بسبب أننا وجدنا على أرض لا نستحقها، كموقع جغرافي فريد، وكخيرات وجدت في باطن أرضنا عن طريق الصدفة ..

والخيار الآخر المتاح أن نقاوم، وهو الخيار الذي وقفنا على مشارفه يوماً ما، لكننا لم ننتهجه إسلوباً فعالاً، وإن إختاره بعضنا في فترة محدودة لا تمثل شيئاً قياساً إلى فترة الإرتهان بأمريكا، وإنتظار المستحيل ,,

مصالح أمريكا المؤسسة والنظام، قبل أي رئيس عاقل أم مجنون، وقبل إسرائيل، وأمريكا يمكن أن تنقلب بين ليلة وضحاها إذا أحست بأن مصالحها تتعرض للخطر، ولمن لا يعرف طبيعة هذا النظام  عليه أن يقرأ قانون الكونغرس عام 1995 القاضي بنقل السفارة إلى القدس، والذي أباح للرئيس تعطيل القرار لمدة ستة أشهر قابله للتجديد إذا كان تنفيذ القرار يتعارض مع المصالح العليا لأمريكا .

علينا بأن نمسك أمريكا من اليد التي توجعها، والسبيل إلى هذا واضح بين لمن يريد فعلاً أن لا تضيع القدس، ولا تصبح فلسطين في خبر كان ..

 

صباح علي الشاهر

 

 

ali almirhigيبدو لي أن توقيت توقيع ترامب على قرار كان مُهملا في أدراج الرئاسات الأمريكية السابقة ولم يكن قراراً غير مدروس، وإن بدى لنا ترامب بهيئته التي تشي بروعنة مُفرطة بأنه غبي أو مُتغابي، ولكن توقيته مع نهاية الإرهاب في العراق وقُرب إنتهاء داعش في سوريا ومقتل علي عبدالله صالح وهيمنة الحوثيين على اليمن وفشل التحالف المُسمى عربي فيها، وإن كانت السعودية هي اللاعب الوحيد والفاشل به، كما كانت أمريكا هي اللاعب الوحيد والمُنتصر في التحالف الدولي.

وبين هزيمة المملكة العربية السعودية ونصر الولايات المتحدة الأمريكية جدل لا ينتهي، فأمريكا تُرمم بعض مكامن الخلل في السياسة السعودية، كما تُرمم السعودية بعض مكامن العوز الأمريكي لرأس المال السعودي، وهي سياسة قديمة وتحالف تاريخي بين أمريكا والسعودية، دليله الأوضح نُصرتها لها في القضاء على صدام حينما إحتل الكويت وهدد السعودية، وهناك إشارات على تعاضد السياسة السعودية مع السياسة الأمريكية في الموقف من فلسطين وإعتراف السعودية المضمر وفي أحيان أخرى البائن بحق إسرائيل في الوجود كدولة منذ أيام عبدالعزيز آل سعود. والمشكل ليس هذا، ولكن المشكل الحقيقي هو في جدية السعودية في الخفاء والعلن في مواجهة إيران لأنها تُهدد الأمن الوطني السعودي، بل والأمن القومي العربي، والشيعة هم أداة إيران في تهديد الأمن، فكان هناك دعم واضح سياسي وإعلامي ومالي لإرهابي القاعدة ومن ثم لإرهابيي داعش لمُحاربة "المد الشيعي" في العراق أولاً ومحاولة إسقاط العملية السياسية برمتها، فكان التفجيرات في الأسواق والأماكن العامة وقتل أصحاب المهن والكفاءات سلاح تلك الجماعات الموجه لزعهزعة الأمن في العراق ومحاولة تقسيمه وتقزيمه والقضاء على تاريخه وحضارته التي تجعل الأعراب يشعرون دوماً أن حضارة العراق ومدنيته تُرجعهم دوماً لعقدة الشعور بالنقص أمام العراق بتاريخه منذ سومر وبابل وآشور وبغداد العباسيين، ومدارس الفكر في بغداد والبصرة والكوفة ونينوى الحضارة.

لم تكتمل صورة القضاء على حضارة بغداد ولن تكتمل إلَا بالقضاء على كل حضارة "الهلال الخصيب" الذي تشكل الحضارة السورية والشامية عموماً وإمتداد الهلال الحضاري المُتمدن، فكان ما كان مما نحن نعرفه، في محاولة "الأعراب" بقيادة السعودية القضاء على كل عمران ومدنية في بلاد الشام التي كونوها بكدهم وبوعيهم وبصناعتهم لا ببراميل نفط تُستخرج من أرضهم، ليجني ريعها الغرب "الأنكلوسكسوني الأندرشافتي الروبسن كروزوي الشايلوكي" ـ بتعبير مدني صالح ـ  قلائداً من الذهب والماس والياقوت لمن تحالف مع الصهاينة.

تكتمل سلسلة التخريب والخراب في بلاد الشام بجعل لبنان فصائل سياسية متناحرة بعد أن كانت فصائل عسكرية متقاتلة، فلم تكن نهاية الحرب الأهلية في إتفاق الطائف إلا برميل بارود وضعته أسسه السعودية ولعبت الدول الإقليمية على توزيع "كيكة" لبنان طائفياً، لا نعرف متى ينفجر البرميل فتحترق "الكيكة"، فيكون الخاسر الأكبر هو شعب لبنان.

ويبدو الصراع هو بين "البداوة" و "الحضارة"، فاليمن كان يُسمى "اليمن السعيد" بسبب أجوائها أو بسبب تراثها بوصفها الأصل لقبائل العرب أو ما سُميت بـ "العرب العاربة"، أو كما يُقال أنها سُميت باليمن السعيد لأن الإسكندر المقدوني عجز عن دخولها، وكان الرومان يسمونها "العربية السعيدة"، وكانت عدن هي من أوصاف الجنة، لأنها أرض فيه الخضرة وتبعث على البهجة والراحة، وفي القرآن جاء قوله تعالى "جنات عدن يدخلونها" (الرعد/23)  "أولئك لهم جنات عدن" (الكهف/ 31) وآيات كثيرة في سور القرآن الكريم. وما يهمنا هو أن صراع "الأعراب" مع اليمنيين، هو صراع حضاري بين البداوة والحضارة، وعلى الرغم مما نُشاهده من مظاهر تخلف في اليمن، إلَا أن الصراع اليوم لم يكن بين السعودية "الأعراب" و "اليمن" ببعدها الحضاري، لأن اليمن لا تستطيع أن تُجاري السعودية لا في التقدم العمراني ولا في بناء علاقات دولية تُسعفها في الدفاع عن حقها في تبني الرؤية السياسية التي تُريد، ولكن الصراع هو بين إيران والسعودية، واليمن الغير سعيد اليوم هو الضحية، لماذا هو ضحية؟ هو ضحية لا لأنه نافس السعودية اقتصادياً ولا سياسياً، ولكنه ضحية لأن بعض من أبنائه أظهروا تعاطفاً مع إيران "الشيعية" (!!)، ولا أروم هنا ولا أرغب ولن أتبنى الدفاع عن "الحوثيين" الذين تعاطفوا مع إيران وتعاطفت إيران معهم، ولأن هذا أمر داخلي يمني، وأعتقد أن بمقدور السعودية الدخول كطرف حل لا كطرف في الصراع، ففي السعودية "شيعة" وإظهار الكره الواضح للتشيع ومن ناصره، لا بُد وأن يُربك يوماً الداخل السعودي، ولكن حقد المؤسسة الدينية الوهابية أبى ذلك، فحفز حُكام المملكة على الدخول في الحرب، ولكن مؤشرات هذه الحرب الخسارة، فبع مرور أكثر من عامين إلَا أن السعوديين ومن حالفهم لم يُحققوا سوى الخيبة  التي لا شبيه لها سوى خيبة المشركين في حربهم مع المسلمين ببدر، فقد كان أبو سفيان يرى أن حربه مع أتباع محمد ببدر لا تعدو أن تكون نُزهة، فهُزم وجيشه أشر هزيمة، وكما يبدو لكل عاقل أن السعودية بحربها غير العادلة مع اليمنيين، حتت ولو إفترضنا جدلا أنها ستنتصر يوماً ما، إلَا أنها حرب خاسرة، لأنها صرفت ملايين الدولارات ولربما مليارات الدولارت إلى يومنا هذا ولم تُحقق شيئاً له قيمة على الأرض، فهل هناك هزيمة أكبر أمر من هكذا هزيمة؟ دولة مثل السعودية بإسناد دولي لا تستطيع هزم جماعات مُسلحة، هي تُسمها "ميليشيا"، هي إذن ليست هزيمة للسعودية فقط، إنما هي هزيمة لتحالف عربي أمام "مليشيا مُسلحة" أيضاً كما تدعي هي وحُلفؤها أو "الأخوة الأعداء"، ومثالها "قطر وعلاقتها مع السعودية" أو "الكويت وعلاقتها مع السعودية وموقفها البين بين" وتبنيها لسياسة الحياد ومحاولة حل مشكل الخلاف اليمني اليمني بالطرق الدبلوماسية، وإلى يومنا هذا والسعودية لا يبدوا أن لديها ورقة ررابحة في صراعها مع اليمنيين أو مع الحوثيين حتى.

وكانت لها محاولة في العراق قبل اليمن وقد فشلت، محاولة أرادوا تطبيقها هم وحلفاؤهم من الأمريكان في العراق لتفتيت العراق وتقسيمه، ومنذ عام 2003 وصولاً لعام 2006 بعد تفجير مرقدي الإمامين العسكريين والعراق يقف على شفى حُفرة بين وقوع حرب أهلية حقيقي وبين محولة وأدها، ولأن للعراق حضارته، ولحكمة المؤسسة الدينية في النجف ووقوفها ضد الحرب الطائفية بصريح القول بأن"السنة هم أنفُسنا" ولتوافر العزيمة في الشعب العراقي ولوجود التداخل المذهبي في العشيرة الواحدة في العراق، وبسبب دعوى المرجعية في النجف للجهاد الكفائي، فكان لها أثرها في القضاء على الفتنة الطائفية، وإن كان في الحشد الشعبي الذي تشكل بسسب دعوى المرجعية كثير من الولاء المذهب الجعفري، إلَا أن هذا لم يمنعهم من السعي لتحرير مناطق سنية، وإسنادهم للقوات المُسلحة في تحرير الأرض العراقية ذات الأغلبية السنية وإرجاعها لأهلها وإرجاع أهلها لها سالمين غانمين بعد أن هُجروا ونزحوا بسبب خاع بعض السذج منهم أن ما بدأبه داعش كان ثورة، ولكنهم وعوا وإستيقضوا فكانوا شركاء حقيقيين في التحرير بتأسيسهم للحشد العشائري، فحققنا النصر بتكاتف كل العراقيين ومن جميع الأطياف بما فيهم الكورد الذين شاركوا بحرس الإقليم "البيشمركة" الذين كان لهم دور مهم في تحرير كثير من الأراضي التي سُميت بـ "المتنازع عليها" ومن دون الخوض في أن يكون لقيادة الإقليم في وجود داعش أو تسهيل دخولها، إلَا أننا لانُننكر دور البيشمركة وتضحياتهم في التحرير.

ولا داعي للخوض فيما جرى في تونس وليبيا ومصر، وما سُميَ بـ "الربيع العربي"، فتبين أنه "خراب عربي" لا تصلح تسميته حتى بالخريف العربي، فكانت قطر بمساعدة السعودية، هما الداعمان الرئيسيان لمشروع الخراب العربي، ولم تكن المشكلة في إسقاط الأنظمة، فهي أنظمة إستبدادية مُتهالكة، وستسقط حتماً أيام المظاهرات أو بعد حين، ولكن المشكل الحقيقي كان في اللعب على عواطف الجماهير وخداعها في أنها في إسقاطها لهذه الأنظمة التوتاليتارية "الشمولية" الفردية "العسكرتارية" ستنهض من جديد وستستعيد إنسانيتها المفقودة، ولكن شيئاً من هذا لم يحصل، إنما كان البديل الذي إختارته السعودية وقطر هو القاعدة و رديفتها "داعش" وحركات الأسلمة السلفية والجهادية والتكفيرية، ولسذاجة عند كثير من دُعاة الحرية وحتى دُعاة الإسلام السياسي ممن يرومون الإصلاح خُدعوا أو تغافلوا عما تورطوا فيه، ولكنهم صبروا لعلهم يحصلون على موطأ قدم في حكم البلاد والعباد، ولكنهم خسروا أنفسهم، لأن البديل كان "دعاة التكفير"، فأيقنوا أنهم أضاعوا البلاد وخدعوا العباد.

ولنعد للعراق وليوم النصر الذي أعدنا فيه الهيبة لعراق الحضارة وللإنسان العراقي الذي تغلب على كل قوى التطرف، ولكن في إعلان النصر غصة، وغصتنا في إعلان ترامب وتوقيعه على أن تكون القدس عاصمة إسرائيل، وقراره في نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وهذا التصرف ليس بغريب على السياسة الأمريكية في دعمها لإسرائيل ولا بجديد، لا سيما مع أرعن ومخبول أهوج مثل ترامب لا خبرة له بالسياسة، ولكنه يخبرنا نحن العرب والمسلمين بأننا لا سياسة لنا سوى الشجب والإستنكار والرفض، وهذا ما أخبره به بالتأكيد مستشاروه، وعلى الرغم من أن في إعلانه موافقته لإسرائيل في أن تكون القدس عاصمة لها إستهانة في العرب والمُسلمين، إلَا أنني أرغب وأطلب من العراقيين سُنة وشيعة التأني في التعامل مع هذا القرار لأنه يخص الفلسطينين (فتح وحماس وجماعات الجهاد) قبل العرب أولا، ويخص السلفيين من الوهابيين والتكفيريين ثانياً، وبعد أن يُعلن هؤلاء موقفهم الجلي والواضح في إعلان الجهاد من عدمه، فاليكن موقفنا نحن العراقيين في إسناد القضية الفلسطينية من دون إنفعال مفرط لربما لا يبتغيه حتى الفلسطينيين أنفسهم، فلا ينبغي لنا أن نكون ملكيين أكثر من الملك، فلن يرضى عنا الملكيون ولا الملك برفض الملكيين لنا سيُظهر حاجتنا لنا، "فإن جنحوا للسلم فإجنح لها وتوكل على الله، إنه هو السميع العليم" (الأنفال/ 61)، وهذه الآية جاءت في خوف الرسول من غدر بني قُريظة من اليهود ومن يُساعدهم. وفي أية أخرى م ن أي الذكر الحكيم تقول:"فلا تهنوا وتدعوا للسلم" (التوبة/35)، ويظهر من أي الذكر الحكيم أن التعامل مع المناهضين يكون حسب تحولات مسارات الضعف والقوة، فإن كانت القوة بيد المسلمن فلا تهاون مع المُناهضين، ولا صُلح حتى تُطعن الخيل بالقنا، وإن إعترت قوى المسلمين الضعف، فنجنح للصُلح.

المهم أننا نلحظ دُعاة "التكفير والهجرة" الذين لا سلاح لهم سوى العُنف ووصفه بأنه جهاد ضد الجاهلين، ولا جهاد أوضح وأجلى من جهاد الصهاينة، فلنرى فتوايهم الجهادية في مقاومة الصهاينة، لنسير على طريقهم في الجهاد إن كانوا صادقين إن يرغبوا لهم ببقايا ثقة ومصداقية بأقوالهم  في قلوب المؤمنين. ولذلك أتمنى من جماعات ما يُسمون بـ "الممانعة" أن يصبروا في مواجهتهم للصهاينة حتى يُفتي فقهاء السلفية بالجهاد، ليكونوا هم السباقين ولو لمرة واحدة في المواجهة مع المحتلين "الصهاينة"، ولنكن نحن من يسير يوماً بفتواهم في مواجهة الإحتلال، ولنجعل من الفلسطينيين الثائرين ضد المُحتل الإسرائيلي "الغاشم" قادة لنا، نسير بهدي مقاومتهم وبهدي تخطيطهم لتحرير أرضهم التي نبغي تحريرها والتضحية بدمائنا على أن يكونوا هم في خط الصد والمواجهة، فالقدس عروس عروبتنا، أفما آن لكل زُناة التاريخ من العروبيين أن يستفيقوا، وأن يتخلصوا من خطاباتهم الجوفاء، وإستنكارهم وشجبهم، ليكونوا رجال مواجهة وتحد ورجال أفعال لا أقوال(!!)، ولم يكن ترامب الأهوج قد وجد في إفراط السعودية له في الترحيب السعودية و "إنبطاحها" له وتخاذلها، لما تجرأ على إتخاذ مثل هكذا خطوة مُهينة للعرب والمُسلمين.

أخيراً يبدو لي أن في قرار ترامب هذا تشتيت للمنظومة الأمنية العراقية وتوجيه لجهد الحشد للخارج وإشغاله في هموم تقتضيها طبيعة تشكله، وأعتقد أن في توجهه وأشغاله في قضية القدس على الرغم من أهميتها الكُبرى، إلَا أنها تحمل في طياتها سعي أمريكي لتشتيت وحدة الحشد وإيعاده عن الساحة العراقية وإشغاله في قضية شائكة لتوريطه أولاً وإخراجه من المعادلة السياسية العراقية ثانياً، وأنا لست من امهمومين بخروجه من العملية السياسية أو تأثيره فيه بقد ما أنا مشغول بضرورة وجوده كمنظومة أمنية يخشاها الإرهابيون، وسيكزن في إنشغاله بقضايا خارج وطنية خسارة لقضية وطن ولتضحيات شهداء آثراوا الحفاظ على وحدة الوطن ف مقابل التضحية بالنفس.

 

 د. علي المرهج - استاذ فلسفة

 

mahdi alsafi2قد يقول البعض ان عالم الالكترون غادر لغة التنظير والتثقيف الايديولوجي المتوارث، ولم تعد بلداننا بحاجة الى احزاب وتيارات وافكار سياسية جديدة، الا اننا نؤمن ان البلدان والشعوب العربية لم تنتج فكرا سياسيا او اجتماعيا او اسلاميا ناضجا، يمكن ان ترجع اليه في الكوارث والازمات والمنعطفات السياسية والاقتصادية الداخلية والاقليمية والدولية الخطيرة،

هناك دائما منطقة للفراغ تعود اليه الشعوب لتجد الافكار والاطروحات الراديكالية الدينية جاهزة لدفعها من جديد نحو التفكك والتصادم والفوضى، على عكس الشعوب والامم التي تستلهم من الروح القومية والوطنية الدروس والعبر والعزيمة والاصرار كقاعدة عامة للانطلاق نحو الهدف والخروج من المأزق والازمات،

هذا التراجع العربي يجعل من مهام النخب المفكرة مسؤولية انقاذ امتها وشعوبها من الكوارث، وهي مسؤولية تاريخية، كي لاتعود تلك المجتمعات نحو هاوية التراث البدوي والحياة الريفية المتناقضة مع المدنية الحديثة، والحضارة الانسانية المتطورة،

لا الدكتاتورية هي الحل لمشكلة استقرار الانظمة والشعوب، ولاحتى الديمقراطية الرأسمالية، التي يمكن ان تعيد تكرار النموذج العراقي الفاشل، الذي اخرج للعالم كل مساوئ وعيوب النظام الديمقراطي الرأسمالي الامريكي-الاوربي، كما ظهر ايضا بصورته الجلية في الولايات المتحدة الامريكية بصعود بوش الابن سابقا الى منصب رئيس الدولة وترامب حاليا،

بل وفقا لما طرحناه سابقا عبر اعتماد النموذج المشترك (نظام ديمقراطي بدكتاتورية النخب في بناء دولة المثقف)، وفق نظرية ديمقراطية النخب، وهي بالطبع نظريتنا السياسية القادمة، حيث يمكنها ان تكون النموذج السياسي العالمي الثالث (اي بعد الدكتاتورية المطلقة او المعتدلة، والنظام الديمقراطي الرأسمالي)،

الذي سيجيب على جميع او اغلب الاشارات والاشكالات الخاصة بالاخفاقات والتجارب السياسية العالمية السابقة،

هذه النظرية وكما نعتقد هي الطريق والسبيل الوحيد لخروج المجتمعات والشعوب العربية من انفاق السياسات الفاشلة للانظمة الشمولية او الديمقراطية الشكلية،

ليس تكرارا لفكرة قيام او صناعة طبقات ارستقراطية او رأسمالية مغلفة بأطار طبقة النبلاء النخبوية، انما عبر اعتماد مبدأ التمييز الاجتماعي بين الطبقات الاجتماعية المثقفة والواعية والعامة المهمشة، اذ لايمكن ان تكون للطبقات العامة ذات الوعي والثقافة المتشابكة او المرتبكة البسيطة اليد الطولى في بناء نظام الدولة العام.

 تبعا للحقائق والدلائل والنتائج والدراسات والاراء والتحليلات الشخصية نرى من الصعوبة بمكان ايجاد امة او شعب من شعوب العالم تكون فيها نسبة المثقفين تفوق نسبة الطبقات العامة المتواضعة الثقافة والوعي (المتخلفة او قليلة الوعي)، وهي حالة او نتيجة طبيعية عرفتها البشرية منذ القدم ولازالت، بل حتى في الرسالات السماوية والاديان الاخرى واتباع المصلحين والمفكرين والمخلصين كانت نسبة المؤمنين بهم دائما قليلة مقارنة بنسبة الرافضين او المعاندين او المنحرفين او حتى المتصدين لهم،

من هنا لانجد ادنى شك في ان خلاص الشعوب المنكسرة او الفاشلة او المضطهدة او التي تعاني من صعود النخب المزيفة الانتهازية الى سدة الحكم، يتم عبر تبني نموذج سياسي عقلاني واقعي، اي ليس امامها الا طريق التغيير والثورة على بؤر واوكار وجماعات الفساد والظلم والفوضى، والابتعاد ولو جزئيا او كليا لكن بالتدريج عن شبح الانهيار الشامل، بالتعامل بجدية مع فكرة اعتماد طريق ديمقراطية النخب الوطنية النزيهة،

حيث يكون لها بالفعل الدور الاكبر في صياغة وصناعة المستقبل الامن لبلدانها واجيالهم القادمة، بتشريع نظام الاصوات المتميزة او المختلفة، بأن يكون على سبيل المثال للكفاءات والنخب المفكرة والمثقفة والمتعلمة اصوات انتخابية ديمقراطية اعلى من الذين لايملكون اية شهادات دراسية او ثقافة عامة معروفة في المجتمع، وهكذا بالنسبة لبقية المستويات المتدنية الكفاءة والوعي،

عندها سيكون اعتبار مسألة او نسبة النجاح او الفشل في النظام السياسي النخبوي او ادارة الدولة النموذجية هي نتاج طبيعي لحالة المجتمع وثقافته العامة، اذ لاتوجد طاقة او قدرة او الية اخرى يمكن اعتمادها لتسجل نتائج او نسب نجاح عليا او مقبولة غير تلك الموجودة حاليا....

اما بالنسبة للعراق فنحن نعتقد ان الشعب بحاجة الى حركة سياسية شاملة لكل المجالات والافكار السياسية والاقتصادية والتعليمية والاجتماعية والدينية (الخ.)،

تأخذ بعين الاعتبار التجارب اليسارية والقومية والاسلامية، من اجل تصحيح الافكار المريضة بتلك التجارب العقيمة والعديمة الفائدة، الخارجة عن روح العصر، الذائبة في التراث والبيئات المتعفنة بالنظريات والافكار والجدليات الشخصية والجمعية الخاصة (اي النخب الدينية البائسة المغلقة على الموروثوالتي اصبحت فكر جمعي ديني متسلط)،

فقد لاحظت وراقبت وعايشت جميع المجتمعات والشعوب العربية اخر التجارب الدينية الارهابية والفاسدة، المتمثلة بداعش ووعاظ الفتنة والارهاب، وبالحكم الشيعي الفاسد في العراق،

اذ اتضح ان الفقه السني والشيعي فيه شوائب كثيرة، بل كوارث عقائدية عديدة، اضافة الى العديد من الانحرافات والاكاذيب والتفاسير والتأويلات الخاطئة والقدسيات الدينية المزيفة، وحالات الدجل الكثيرة (ولو بنسب متفاوتة وفوارق فقهية كبيرة بين دموية الفقه السني وطقوسية الفقه الشيعي)،

هذه الاحداث والحقائق تجعل من ضرورة ايجاد فكر عربي شامل، يشرح طبيعة العلاقة بين الدين والدولة والاخلاق والاقتصاد، وتوزيع الثروات بعدالة بين افراد الشعب، يحترم الحريات الفكرية والدينية والعقائدية والثقافية والاثنية العقلانية المعتدلة، يؤمن بدولة الانسان، وبحكومة المواطن، وبوطن ودولة متعددة الثقافات والاعراق والاثنيات والطوائف والاديان (الخ.)،

مجتمع ودولة تحارب الفساد والدجل والتفرقة والعنصرية داخل اطار الاولويات الديمقراطية الوطنية(اي التي لاتتداخل مع نظرية ديمقراطية النخب لصناعة دولة ناجحة تطبق فيها تلك الافكار والثقافات الهادفة لاستقرار الدولة والمجتمع في المحصلة النهائية)...

الامل تصنعه النخب المفكرة، وتكمله الاجيال الواعية في المستقبل، لا امل بلا عمل سياسي يبدأ من النخب المنغمسة والمتواصلة والمتداخلة مع الطبقة العامة من المجتمع،

فقواعد التغيير الثوري السلمية تبدأ بوضع اللبنات الاساسية المهمة، لتحاكي الضمير والوجدان الانساني الطبيعي لاصحاب الفطرة السليمة، ثم تنطلق كالشرارة في ميادين الدولة والمجتمع، لانقاذهم من الهزيمة المطلقة الطويلة الامد امام قوى الفساد والشر....

الفكر السياسي الجديد سيقود للمجتمع نحو النموذج الحديث للدولة المدنية العقلانية التي تؤمن بالمبادئ العامة للنظام الديمقراطي النخبوي.والتي منها على سبيل المثال لا الحصر مجموعة من المبادئ...

اولا ..يجب الفصل بين الدين والدولة مع احترام الخصوصيات الدينية والعقائدية لجميع الاديان والطوائف والاثنيات الاخرى، وجعلها احد اهم الاسس والقواعد الاخلاقية للدولة والمجتمع

ثانيا..النظام الديمقراطي نظام نخبوي واجتماعي شامل اي لكل مواطن الحق بأختيار ممثليه داخل السلطات الدستورية الاربع (السلطة القضائية والتشريعية والتنفيذية والتشريعية العليا كسلطات الانظمة الديمقراطية او مايسمى بمجلس الشيوخ اي مجلس خبرات النخب العليا) ولكن بنسب متفاوتة تميز عقليا ومنطقيا وثقافيا بين مستويات الكفاءات العليا والوسطى والدنيا والطبقة العامة المتعلمة والغير متعلمة)

ثالثا..الثروات توزع بين افراد الشعب بعدالة مع اعتماد مبدأ الدعم الشامل للقطاع الحكومي العام، وابقاء ابواب الشراكة الاقتصادية والتجارية المختلطة مفتوحا بين القطاع العام والخاص ولكن في مجالات وقطاعات محدودة، مع الايمان بنظرية تحديد الثروات اي لايسمح ان تدخل اموال من الخارج يمكنها ان تشكل تهديدا للاقتصاد الوطني ولايجوز كذلك السماح لاصحاب الثروات المحلية بتجاوز بعض التحديدات الخاصة بالثروة تبعا لاقتصاد البلد وحالته او ظروفه المالية والتجارية كي لايسمح بأية حالة تجاوز او التأثير المالي على القرار السياسي والاقتصادي للدولة والمجتمع

رابعا..اعتماد مبدأ الدعم الحكومي الشامل للقطاع العام، وبالاخص قطاعات التربية والتعليم والصحة والخدمات العام، وايقاف مهزلة اعتماد خطط البنك وصندوق النقد الدولي التي يحارب فيها الطبقات الفقيرة والمتوسطة، واجبار الحكومات الفاشلة على ايقاف وابعاد الدعم الحكومي لهم، على اعتبار انها عملية متعارضة مع الديمقراطية الرأسمالية، وهي اقرب لنظريات الدولة الشمولية او النظام الاشتراكي

خامسا..ابقاء الدعم الحكومي متواصلا لقطاع الطاقة والكهرباء وبقية المجالات والقطاعات الاستهلاكية والمواد الغذائية، وتشجيع الصناعات الوطنية المحلية بقوة...

.......الخ.

هذه الافكار والاراء والاطروحات السياسية هي كما نعتقد الطريق والسبيل المتاح حاليا لانقاذ مايمكن انقاذه من حالة التراجع العربي والعراقي الكبير في مجال اعادة بناء الدول المحطمة او الفاشلة، او الغارقة في الفساد المالي والاداري والوظيفي والسياسي..

فالدول الامنة المستقرة المزدهرة لاتبنيها الجيوش والمليشيات والجماعات المسلحة والعادات والتقاليد والثقافات القبلية والعشائرية، وان كانت في بعض الاحيان تعد هي السور الذي يمكن ان يحمي ويحرس الاوطان من الاعداء،

لكنها حتما ليست خبيرة في مجال السياسة والبناء والاعمار والتجارة والاقتصاد والتخطيط الاستراتيجي (الخ)،

ولا تملك اية اليات مدنية لمحاربة الفساد وتطبيق النظام والقانون، وايجاد سلطات دستورية نزيهة وفاعلة في الدولة والمجتمع،

انما هي مهمة النخب المفكرة والمثقفة والكفاءات العلمية العليا، والطبقات المتوسطة الثقافة والوعي كما ذكرنا سابقا..

(يجب ان لاتترك منطقة الفراغ مرة اخرى للفاسدين والانتهازيين، لابد ان تتحرك النخب لشغلها)

 

مهدي الصافي

صاحب مشروع ونظرية ديمقراطية النخب الوطنية...ونظرية تحديد الثروات

 

 

ahmad fadilalmamori2وعد فأوفى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أثناء حملته الانتخابية، سوف انقل سفارة امريكا من تل أبيب الى القدس، وعد طال انتظاره من كل رؤساء أمريكا ولم ينفذوا وعدهم خلال الخمسة وعشرين سنة الماضية، البيت الابيض يتخذ الاجراءات الضرورية مع وزارة الخارجية لتنفيذ أمر الرئيس ويتراجع خطوة بتصريح ان الاجراءات نقل السفارة قد تستغرق سنتين، قبل الخطاب التاريخي يجري الرئيس الامريكي اتصالات هاتفية مع رئيس السلطة الفلسطينية والملك عبد الله الثاني ملك المملكة الاردنية الهاشمية والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي حول عزم الرئيس نقل السفارة الامريكية من تل ابيب الى القدس، ويوعد رئيس السلطة الفلسطينية بمكافئتهم عند القبول بالخطة الامريكية المقبلة والكل يعلم ان الراعي الامريكي أصبح طرف متطرف في عملية السلام وغير مقبول تصريحات ابو ردينة عدم القبول بالدور الامريكي المنفرد في اي مفاوضات سلام مقبلة، ايران تندد وتشجب القرار، العربية السعودية لا يشغل بالها غير السياسة الايرانية في المنطقة وكيفية الحد منها، بعد تحذر وزير خارجيتها الجبير بان نقل السفارة خطوة سوف تزيد الاوضاع تأزم، السيد رجب طيب أوردغان رئيس الجمهورية التركية، وصف قرار الرئيس الامريكي بأنه "اتخاذ مثل هذه الخطوة سيجر المنطقة إلى النار"، وأن قرار الرئيس الأمريكي بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، "يسحق القوانين الدولية"، ورأت الرئاسة الروسية أن "هذا القرار لا يساعد على تحقيق أي تقدم في حل نزاع الشرق الأوسط" وهي مستعدة للقيام بدور وسيط في عملية الاسلام، السيد سعد الحريري: لبنان يرفض قرار ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، إندونيسيا وماليزيا والصين وباكستان، الكل يندد ويصف القرار بالخاطئ وهو قرار سوف يزعزع أمن واستقرار المنطقة والعالم حيث ان المنطقة تعيش هدوء عاصف، حماس تدعوا الى انتفاضة قدسية وتطلق صواريخ على اسرائيل واسرائيل ترد بالمثل بقصف مواقع لحماس الجماهير الغاضبة تتظاهر وتتصادم مع القوات الاسرائيلية، نتنياهو يشكر الرئيس الامريكي دونالد ترامب ويحث دول العالم على خطوة امريكا في نقل السفارة من تل ابيب الى القدس . نائب الرئيس الامريكي بنس سوف يقوم بجولة في منطقة الشرق الاوسط والاجتماع مع الزعماء العرب لشرح موقف الادارة الامريكية، مجلس الامن يندد بالقرار الامريكي ويرفضه، ردود الافعال في بداياتها وتحتاج الى وقت لمعرفة ماذا تأخذ من الطابع السياسي او ألامني او حتى العسكري حدة الغضب تتصاعد والجماهير العربية ترفض القرار، والمنطقة والعالم يتهيأ لمرحلة كفاح مسلح من قوى يأسه وفاقدة لكل حل يضمن الحق الفلسطيني والعربي والاسلامي، الرئيس الفلسطيني يلجأ الى الامم المتحدة والمنظمات الدولية لتنديد بالقرار، أمريكا تنهي دورها كراعي للسلام وتنهي مؤتمر أوسلو الذي قام على اساس الدولتين والخيار الامريكي الذي انهى دور حل الدولتين عندما اعلن سفير الولايات المتحدة الامريكية في الامم المتحدة (جون بولتن) السلام مقابل السلام فقط . وحل الدولتين اصبحت من الماضي، أمريكا خسرت دورها كوسيط وكراعي لعملية السلام الموثق بها، بعد الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، اصبحت طرف غير محايد وغير نزيه لأنها أصبحت تجانب الصواب في ردود الافعال غير المدروسة، ولآنها جازفت بالحياد وجردت نفسها من الاستقلالية كدولة عظمى وراعية لعملية سلام معقدة وتاريخية، إسرائيل أعلنت انها لا تقبل بالحوار أو التفاوض الا بعد الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل من قبل السلطة الفلسطينية، وكما اعلنت سابق أن اسرائيل دولة يهودية لا تقبل المشاركة أو التعاون أو التفاوض دون الاعتراف بإسرائيل دولة يهودية .

عمدة لندن نصح الرئيس الامريكي بتأجيل زيارته للمملكة المتحدة لوقت أخر، لان قرار الرئيس الامريكي تجاوز على ثوابت السلام العادلة وهو يؤجج صراع التطرف والارهاب في العالم ويعطي حجج للتنظيمات المتطرفة بتبني عمليات الارهاب لكل المصالح الامريكية والغربية، الحرس الثوري الايراني وصف القرار الامريكي بشأن القدس بالأحمق والسخيف متوعداً بالانتقام عبر ما سماه بجبهة المقاومة (ومغتصبي فلسطين يحترقون بنيران الانتقام). هذا التصريح الناري سوف يصعد من الازمة قد يثير هواجس الحرب الداخلية أو حتى الخارجية على صعيد منطقة الشرق الاوسط وعلى حدود اسرائيل تتحضر مقاومة من نوع اخر اكتسبت خبرة وقتال شوارع، ايران هي الهدف المقبل والقريب لخلط الاوراق، والغرب مقبل على ظهور تطرف جديد على مستوى العالم، القرار اعطى مبرر على توحيد التطرف لكل التنظيمات، تصريح وزير الدفاع البريطاني غيفن وليامس انه يفضل قتل مواطنيه في صفوف تنظيم الدولة الاسلامية (داعش) ويطالب بعدم السماح بعودتهم الى البلاد، هناك دول مثل كندا وبريطانيا وفرنسا رفضت  قرار ترامب ولكنها لم ولن تتخذ خطوات تحد من حرجها من تبعات القرار المتعسف، الساحة مفتوحة وكرة الثلج تتدحرج وتكبر ولا نعلم خلال الايام القادمة، ماهي المفاجئات التي سوف تظهر على الساحة وهي تموج بالصراعات وكل الاحتمالات واردة .

 

  المحامي أحمد فاضل المعموري  

 

 

saieb khalil2قال ترمب: "وفيت بالوعد الذي قطعته بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل"، مؤكداً أن "لإسرائيل الحق في تحديد عاصمتها". وشدد على أنه يجب أن يحظى أتباع الديانات الثلاث بحرية العبادة في القدس، داعياً جميع الأطراف إلى "الحفاظ على الوضع الحالي في مدينة القدس، خاصة فيما يتعلق بالحرم الشريف".

تماما مثل بلفور الذي وعد لإعطاء اليهود ما لا يملك بكل صلافة، فأن ترمب وعد ووفى بوعده بإعطاء إسرائيل "الحق" في تحديد عاصمتها.. على أرض ليست لها، استولت عليها عام 67، وهي ارض محتلة في وثائق الأمم المتحدة وحتى في ادبيات الخارجية الأمريكية نفسها!

ومثل وعد بلفور، فأن وعد ترمب مذيل بعبارة من السخرية الصفراء تشترط بشكل ما، ألا يتضرر الباقين من القرار! ولعله يأمل في داخله أن يكون للقرار، التداعيات الكارثية التي كانت لوعد بلفور على الشعب الفلسطيني.

ولتفسير القرار قالت ممثلة ترمب في الأمم المتحدة نيكي هالي: "ترامب اتخذ هذا القرار لأنه لا يستطيع ان يحرم الشعب الأمريكي من تحقيق رؤيته للسلام"!

من ميزات الصلافة المطلقة أنها تفحم العقل المقابل فلا يعود، لهول الكذب قادراً على الرد. مع ذلك كتبت احدى القارئات ساخرة: "صحيح، لقد ملأنا الشوارع بالتظاهرات المطالبة بنقل السفارة الى القدس! اراهن ان 80% من الشعب الأمريكي لا يدري في اية قارة هي القدس".

بهذه الضربة الجديدة التي وجهتها الإدارة الأمريكية إلى الضمير العربي والعالمي، يقف شعبنا على مفترق طريق حاسم، فأما ان يسير في طريق المقاومة الوعر، إلى نهايته غير المؤكدة، ولكن المفعمة بالأمل، أو يسير في طريق الخنوع السهل، إلى نهايته الحتمية المأساوية. فترمب قد وعد أيضا بأن يجلب مئات المليارات لأميركا من الخليج، ونفذ وعده، ووعد بأن يستولي على النفط العراقي، لان العراق بلا شعب، تماما كما قال الإسرائيليون عن فلسطين حين استولوا عليها، وقد ينفذ وعده!

إن قرار نقل السفارة الأمريكية الى القدس كان قد صدر من الكونغرس منذ 1995، لكن أحداً من الرؤساء الأمريكان لم يجرؤ على تنفيذه، ولعلهم جاءوا بتلك الشخصية "المميزة"، ترمب، خصيصاً لهذا الغرض. فمثل هذا القرار يتطلب مثل هذا الرئيس.

العالم كله ينظر اليوم إلى رد الفعل العربي على هذا الهجوم على وجوده وكيانه. فالقدس ليست سوى خطوة في الطريق الوحشية الرامية الى احتلال العرب "من النيل إلى الفرات"، بل وأبعد من النيل والفرات بكثير، ومن لا يرى ذلك فهو مصاب بالعشو.

العالم لا ينظر فقط، بل قد أعلن موقفه واضحا منددا بتلك الجريمة، وحتى من كان في حقيقته مع المجرمين في جريمتهم من دول عربية واجنبية، قد نأى بنفسه عنها ببيان انتقاد

لكن العالم لن يفعل أكثر من ذلك من أجل العرب، ما لم يتحرك العرب من أجل الدفاع عن بشريتهم المهددة قبل غيرهم. العالم على استعداد لدعم العرب إن رأى منهم حركة، لأنه يدرك أن سياسة ترمب وبلفور تستند إلى التحطيم الأخلاقي والقانوني للعالم، وهذا يهدد الجميع في نهاية الأمر. ولأن مازال معظم البشر رافضين للظلم، مخلصين لطباعهم الإنسانية ومستعدين للتضحية من أجلها، رغم التفاوت في ذلك الاستعداد.

ليس هذا هو الاعتداء الأمريكي أو الإسرائيلي الأول الذي يستحق الغضب العربي والاستهجان والثورة بالتأكيد، فأميركا وإسرائيل، كما قيل، لا تمتلكان تاريخاً، بل سجلا إجرامياً فقط، وكان للعرب حصة الأسد منه. لكنه مفصل حاسم في ذلك السجل، يتمثل بتحد كامل لقيم الشعوب العربية والإسلامية، ورفع لسلاح جديد أكثر شراسة في تلك المعركة، ليس أمام المقابل إلا أن يرتعد وينكمش خوفاً أمامه ليرضى بدونية تزداد انخفاضاً كل يوم، أو أن يرفع سلاحاً مقابلا في وجهه.

ولأنها معركة حاسمة، فقد أطلقت إسرائيل كل جيوشها الإعلامية والإلكترونية لتفعل فعلها. وقد لاحظت احدى الناشطات العراقيات ان الصفحات العراقية تعج بصور ولوحات فلسطينية مضادة للشعب العراقي ومؤيدة لدكتاتوره صدام حسين، مثلما تعج الصفحات العراقية بأعداد ومعلومات عن انتحاريين فلسطينيين فجروا انفسهم في العراق. 

لقد وضعنا ترمب أمام هذا الخيار بين طريقين، ولم يعد هناك مكان للمترددين والمتحججين بمختلف الحجج، فأنت أما ضد احتلال إسرائيل لكل كيان شعبك ووطنك، والذي ينطلق اليوم باندفاع جديد، أو انت معه. وموقف شعبك منك سيكون انطلاقا من تأثير فعلك، بغض النظر عن اسبابك ودوافعك، فما تفعل يمثل خندقك وهويتك، وإن اخترت العداء لشعبك فلك تحتفظ بتبريراتك لنفسك!

إن العلامات الأولى تبشر بالخير، فردود الفعل جاءت أفضل من التوقعات، رغم انها تبقى اقل من الطموح. ولعل ردود الفعل المحدودة للحكومات الذيلية لإسرائيل هي الأكثر معنى، وأكثر مدعاة للتفاؤل. فهذه السعودية التي لم تخف ان تصرح انها تشارك إسرائيل "رؤيتها" للمنطقة، تضطر للنأي بنفسها عن القرار، ولو بعبارات خجولة، وكذلك فعلت بقية دول الخليج. وهذا العبادي يضطر ليس الى الاعتراض فقط بل ويستدعي السفير الأمريكي، وهي من العجائب أن يستدعي المرء سيده! وحتى أبو الغيط المغرق في اسرائيليته فتح فمه بالاعتراض، وكذلك تمتم قائد فرقة الأمن الإسرائيلية الفلسطينية محمود عباس نفسه ببضعة كلمات خجولة.

نحن لا نخدع أنفسنا بهذا. ونعلم جيدا أن ملك السعودية الذي يقود اليوم الحملة الإسرائيلية لإخضاع العرب للحالة المذلة وتطبيعهم عليها، هو أكثر حرصا من نتانياهو على القضاء على بقية كرامة العرب المزعجة له قبل غيره. ونعلم حقيقة مشاعر بقية حكام الخليج وأبو الغيط والسيسي. وفي العراق نعلم ان العبادي الذي يستدعي السفير، أن هذا السفير هو من جاء به وفرضه حاكما بتهديد العراقيين بداعش. ونعلم أن العبادي هو الذي أعاد القوات الأمريكية وعصابات البلاك ووترز إلى العراق، وهو الذي يبارك بصمته قصف الجيش الأمريكي لجيشه وللحشد الشعبي وتكرار تقديم العتاد لداعش.. وكلها "بالخطأ". إما ان كان غاضباً من إسرائيل فليوقف تصدير كردستان لأكثر من ثلاثة ارباع النفط الإسرائيلي، وهو الذي قال قبل أسابيع ان كردستان تحت سيطرة قواته!

نحن لا نخدع أنفسنا ولم ننس كل هذا، ولكن هذه هي الفكرة بالذات. الفكرة هي انه حين يضطر هؤلاء إلى مثل هذه المواقف، فهو يعني أنهم يخشون شعوبهم بالفعل. وهو يعني فوق ذلك أن سيدهم سمح لهم بهذا الهامش الكبير من الحركة لامتصاص الغضب الشعبي دون الإطاحة بهم! وسيدهم هذا يعرف الحقائق جيدا، فهو يتابع دبيب النمل!

إن هذه المبالغة الكبيرة في الإعلام الخليجي بالذات، والتي وصلت حد انكار وجود الفلسطينيين تماما في أحد برامجهم، وهذه الكثافة الإعلامية في مواقع التواصل الاجتماعي في امتداح إسرائيل والتهجم على الفلسطينيين في هذه اللحظة بالذات ملفتة للنظر. فمشاعر العروبة والكرامة موجودة وقوية في دول الخليج ولا يمكن تغييرها هكذا بين ليلة وضحاها. لذلك فأني لا أرى هذه الحملة الشعواء دليلا على سيطرة إعلامية وساحة شعبية مؤيدة لها، بل دليل على قلق كبير ونشاط غير معتاد لجيوشهم الإلكترونية ومن خدعتهم تلك الجيوش، وبعض من استلذ المذلة واشتاق ان يكشف ما يضمره مفترضاً أن الوقت قد حان. ولقد خبرنا حالة مماثلة حين كانت إسرائيل تقصف غزة، وكان موقع "الحوار المتمدن" يتبنى الموقف الإسرائيلي ويزور اللايكات والأرقام لصالح المواقف المناسبة لها، للتغطية على حقيقة معاكسة بشدة بلا شك.

لنشعر هؤلاء السفلة الذين وضعوا على رؤوس حكومتنا اننا لا نقتنع بالكلام، بل نطالبهم بمواقف عملية، ولتكن تظاهراتنا متوجهة نحو السفارة الأمريكية ولإيقاف التعاون معها والضغط بكل السبل الإعلامية والتظاهرات والانتخابات من أجل طرد قواتها من أرضنا. لنضغط أكثر حتى يضطر أعتى ذيول إسرائيل، حتى مثال الآلوسي، أن يتبرأ منها علنا او يتخلى عنه حاشيته المتملقة! فكلما أعلن ذيل تراجعه، خافت بقية الذيول وتراجعت أكثر.

لا اريد ان أكون متفائلا جداً ولا أنكر إنها ضربة موجعة، لكنها بالتأكيد مغامرة أيضا من جانبهم، وقد تكون نتائجها السلبية على المغامر أكبر من فوائدها، وعلينا وعلى مبادراتنا تتوقف تلك النتائج. والحقيقة أن لا خيار لنا فهي أما ضربة قاتلة لن تقوم لنا بعدها قائمة، أو أن نردها. فصدق من قال: "إن كل ضربة لا تقتلني تزيدني قوة"، وصدق من قال: "رب ضارة نافعة"! لنجعلها "نافعة" إذن.

 

صائب خليل

 

 

saieb khalil2ليست حملة الخصخصة الشرسة لثروات وخدمات البلد، التي أطلقها الأمريكان منذ احتلالهم العراق، بأمر غريب. فمن يقرأ التاريخ الحديث للعالم، سيجد أن تلك العملية جزء لا يتجزأ من أي احتلال امريكي لأي بلد. ويبلغ هذا الحماس مدىً مثير للدهشة إن تمت مقارنته بعمليات الاحتلال القديمة. فالخصخصة تبدو وكأنها الهدف الأساسي للمحتل الأمريكي، والعامل الأول في عملية اختيار الحكومات التي ينصبها على البلدان التي يحتلها، أكثر من الهدف المباشر السابق المتمثل بنهب ثروات البلد الذي مارسه المستعمرون الفرنسيون والبريطانيون والبلجيكيون والإسبان والهولنديون وغيرهم. وإن كان النهب الاستعماري ينتج الفقر كعامل أوضح، فإن الأولوية للاستعمار الأمريكي كما يبدو هي خلق الفوارق الشاسعة في الدخل بين أبناء البلد المحتل.

ويعزو جلال أمين في كتاب “العولمة” سبب تزايد الفوارق في الدخل “بشكل حتمي” حيثما تتواجد قوة غازية على أرض الدولة، بأن نمو التفاوت في الدخل والثروة بين السكان المحليين (في حالة الغزو) يحقق أمرين في مصلحة القوة الغازية. الأول هو إيجاد سوق للبضائع المستوردة الثمينة كالمنسوجات الانكليزية او العطور الفرنسية او السيارات الامريكية الفارهة، فتصريف هذه السلع يحتاج الى طبقة عالية تستأثر بنصيب الاسد من دخل المجتمع. ففي مجتمع “فقير” يتمتع بدرجة عالية من المساواة في توزيع الدخل، يصعب ان تجد بين السكان من لديه القدرة على شراء مثل هذه البضائع. لذلك يؤدى هذا التفاوت الى توسيع حجم السوق أمام معظم السلع التي تريد الدولة الغازية تصريفها.

ولعل هذا السبب كان السبب الأهم في الاستعمار السابق، أما السبب الثاني الذي يطرحه جلال أمين، وهو برأيي الأهم بكثير في عالم هذا اليوم فهو: أن تحقيق التفاوت بالدخل يؤمن خلق طبقة ثرية تتصف بالولاء للمستعمر الذي تدرك فضله فيما وصلت اليه من نجاح، وهي مستعدة لتولي السلطة بالنيابة عنه. اذ تشعر هذه الطبقة بحاجتها المستمرة الى دعم المستعمر لها إذا ارادت الاحتفاظ بما تتمتع به من مزايا في الثروة والدخل.

وفي حالة العراق، لم يكتف الأمريكان بالإجراءات المعتادة القسرية على الدول التي يسيطرون عليها، بل قاموا بحشر نص في الدستور العراقي يفرض على الدولة “اصلاح الاقتصاد العراقي وفق اسسٍ اقتصاديةٍ حديثة”.. “وتشجيع القطاع الخاص وتنميته" (المادة 25) و "تشجيع الاستثمارات" (المادة 26). ومن الواضح ان النصوص وضعت بشكل يتيح للمشرع تفسيرها بطريقة تؤدي إلى لبرلة الاقتصاد وعرقلة اية محاولة لاستعادة الشعب لسلطته على اقتصاده، حتى بالطرق الديمقراطية وبانتخاب حكومة تمثل تطلعاته.

ويمكن للعراقيين ان يلاحظوا بسهولة أن كلام جلال امين عن زيادة الفوارق في الدخل والثروة واضحة جدا في العراق. وإن استثنينا أيام الحصار الأمريكي عليه، الذي عانى فيه البلد من ضيق رهيب في الدخل القومي، فلم يسبق للعراق ان عانى من انهيار في التعليم والصحة والعشوائيات والفقر كما هو الحال اليوم. ومن ناحية أخرى لم يكن العراق يملك هذا العدد من أصحاب الملايين وعشرات الملايين من الدولارات، بل وربما المليارات، بما في ذلك من اخطار شديدة على بنية المجتمع.

ومن الطبيعي ألا يهتم الامريكان ببنية المجتمع الذي يحتلونه، بل ان تدميره قد يكون احد أهدافهم المتعمدة في تلك الدول، خاصة العربية والإسلامية. فلا يجهل ساسة اميركا خطر الفوارق الطبقية البالغة على المجتمع. فإذا جربت ان تبحث عن ضرر اللامساواة ـ "inequality" على كوكل، فسوف تجد عددا لا نهاية له من المقالات والدراسات. وتبين الدراسات أن التأثير المدمر لـ "اللامساواة" لا يقتصر على فقرائه، بل بشكل عام على المجتمع واقتصاده.

ورغم ذلك تستمر هذه السياسة الأمريكية، بل أنها لا تقتصر على الخارج. فالسياسة الاقتصادية الامريكية الداخلية، كانت بشكل عام ضخاً مستمراً لثروات الفقراء الى الطبقات شديدة الثراء. وكان آخر إجراءات الحكومة الامريكية بهذا الشأن، ما اقره ترمب من إعفاءات ضريبية جديدة توفر تريليونات الدولارات لأثرياء الولايات المتحدة، تستقطع من الخدمات الشحيحة التي تقدمها الدولة لفقرائها، في الصحة والغذاء والضمان الاجتماعي. ويعي الشعب الأمريكي تلك الحقيقة. فقد اختار في أحد استبيانات الرأي، مشكلة "الفوارق في الدخل" باعتبارها الخطر الأكبر الذي يتهددهم، متفوقا على اخطار التلوث البيئي والتصاعد الحراري والكراهية الدينية والاثنية والخطر النووي.(1)

ولا يأبه ساسة اميركا بمثل تلك الاستبيانات لرأي شعبهم، فكأن هذا الشعب هو الآخر، شعب محتل من قبل طبقة أثريائه التي تعين له ساسته. ويعاني المجتمع الأمريكي من مظاهر مرضية غريبة مثل كونه المجتمع ذو عدد السجناء الأكبر، نسبة إلى سكانه وعددا مطلقاً، ومن الضعف الكبير للنظام التامين الصحي والاجتماعي. وإن كان هؤلاء قد أوصلوا مجتمعهم ذاته إلى هذه المرحلة من المرض رغم ثروة بلاده وقوة مؤسساتها، فلنا ان نتوقع ما يمكن ان تنتج هذه سياسة هذه الطبقة من فوارق قاتلة على المجتمع الأجنبي، وخاصة العربي، الذي قد يوقعه القدر تحت احتلالها.

 

صائب خليل

.................

(1) Americans consider inequality world’s greatest danger

https://www.pbs.org/newshour/nation/americans-consider-inequality-worlds-greatest-danger