المثقف - آراء

حيدر العبّادي والفرصة التاريخية لبناء عراق حديث!

بعد معركة التحرير يأتي دور معركة البناء.

في السياسة أنت بحاجة للكاريزما وللجمهور وللمال ولبعض الحظ أيضاً، وقد إجتمعت هذه العوامل كلها لتمهد الطريق لرئيس الوزراء العراقي السيد حيدر العبّادي  بشكل لم يجتمع لأحد ممن سبقه في تقلد المركز الأول في نظام الحكم في العراق مطلقاً.

فقد جاء إلى السلطة في ظروف استثنائية جداً تمثلت في إنهيار قطاع القوات المسلحة وفقدان الدولة المركزية لسيطرتها على ثلثي التراب الوطني ، حيث أعلنت داعش دولتها الإسلامية  في  الأنبار والموصل بينما إستقل الأكراد فعلياً  في إدارتهم لإقليمهم  بعد أن أضافوا عنوة إليه كركوك  الغنية بآبار النفط المحيطة!

عموم الجمهور في العراق بالاضافة لمجمل الكتل السياسية الفاعلة فيه أرجعت  تلك الانهيارات المتوالية الى فشل وفساد حكومة نوري المالكي  والذي كان مستشرياً  في كل مرافق الدولة!

هذه الكوارث  المتتالية والتي ربطها كثيرون بفساد وسوء إدارة المالكي خلقت توجهاً عاماً لاستبداله، وسرعان ما إنضمت المرجعية الشيعية لهذه التوجه العام  فقامت بالإفصاح عن رغبتها برؤية تغيير جذري في تركيبة الحكومة العراقية ودعت للنفير العام لتحرير العراق من سطوة داعش وإعادة توحيده.

وهكذا وجد العبادي نفسه وقد أمسك بزمام أهم مركز تنفيذي  في العراق  وهو منصب رئيس الوزراء، لكن التحديات أمامه كانت ما تزال  عملاقة، فعليه إعادة بناء جيشه المفكك والمترهل، وقيادة معركة صعبة جداً مع أكبر تنظيم ارهابي في العالم والذي يسيطر على مساحات شاسعة  ومدن مهمة ومحورية في بلده، مع مراعاة عدم تحويل تلك المعركة إلى مواجهة طائفية تجر المنطقة كلها الى الغرق في ظلمات الفوضى والدماء، بالاضافة الى  إضطراره للتعامل مباشرة وعلى الأرض مع  النقيضين الامريكي والايراني والذي يحتفظ كل منهما بثقله وتأثيره في السياسة العراقية!

وقد نجح العبّادي في توظيف هذه المتناقضات ، فها هو  يعلن تأييده  ودعمه لقوات الحشد الشعبي المدعومة من إيران والمرجعية الدينية والمكونة في غالبها من متطوعين شيعة وإعضاء في منظمة بدر، وفِي نفس الوقت يصدر تعليمات صارمة لهذه القوات ولقوات جيشه بالتقدم ببطء  شديد وحذر  لتجنب إيقاع خسائر كبيرة بين المدنيين لكي لا يعطي لداعش ذريعة تصوير المعركة على أنها حرب إبادة على سنة العراق ، ثم يعيد العبّادي بناء وتكوين جيشه على أسس مهنية سليمة ويدعمه بالعتاد والتدريب، وكذلك يحافظ على علاقاته القوية مع إيران وينسق معها ميدانياً على الأرض، ويزور السعودية ويحافظ على مستوى علاقات جيد معها،  وفِي نفس الوقت يحافظ على تنسيقه الكامل مع الخبراء الامريكين والقوات الامريكية الجوية التي تدخلت لمساعدته ميداتياً  وجوياً ضد تنظيم الدولة!

ومع إمتلاكه  لقوة أكبر بكثير من التي استخدمها على الارض وقدرته على حسم المعركة في الأنبار والموصل بطريقة أسرع لكنها كانت ستكلف ثمناً باهظاً في الخسائر المادية وبين المدنيين، فإنه فضل أسلوب  تقدم أسراب  النمل على قطعان الفيلة، فقد حارب داعش على مدى ثلاثة أعوام من بيت الى بيت ومن حارة الى حارة وبخطى بطيئة لكنها وطيدة وحثيثة حتى استطاع إقتلاع شأفتهم من مساحات شاسعة وطردهم من مدن كبيرة ورئيسية!

هذه الطريقة  المهنية في التعامل مع إدارة المعارك الشرسة بين التجمعات السكانية لم تسحب البساط من تحت اقدام داعش فحسب، بل إنها جنّبت العراق الدخول في متاهات حروب أهلية لا تنتهي، وكذلك فإنها بنت جيشاً وقوات عسكرية مساندة له غاية في الانضباط والمهنية!

هذه القدرات وهذا المستوى من الانضباط جعل قوات البيشمركة الكردية لاحقاً وبعد إنتهاء معركة داعش تنسحب من مدينة رئيسية ككركوك وتخلي آبارها ومنشاَتها النفطية بلا  قتال وفِي زمن قياسي أمام تقدم القوات العراقية إليها!

ما المطلوب من العبّادي الآن؟

الآن وقد تحرر العراق من داعش ودولتها الإرهابية وقد عادت كركوك الى موقعها الطبيعي في حضن الوطن، فإنه على العبّادي ان يسارع بتوظيف منجزاته المتمثلة في توحيد العراق وبناء جيش قوي ومنضبط وعلاقاته الدولية المتينة مع المحيط المتناقض لإعادة بناء العراق المؤسسي، أي القائم على مؤسسات مهنية تقوم باداء رسالتها بإنضباط وأمانة ومهنية مثل أمانة وإنضباط ومهنية الجيش العراقي.

بعد التحرير، العراق الآن بحاجة لشوارع ومرافق عامة  ومستشفيات ومراكز بحثية اكاديمية وجامعات حديثة وتكنولوجيا وتطوير جذري في قطاع  الخدمات والنظافة وإعادة بناء وتأهيل البنية التحتية، وإعادة صياغة تركيبة الحكم في العراق على أسس حداثية لا طائفية ولا عرقية!

لو نجح العبّادي في مرحلة البناء القادمة كما نجح في معركة التحرير فإن التاريخ سيخلد إسمه كأحد عظماء العراق عبر التاريخ!

 

بقلم د. محمد رياض

 

 

تعليقات (1)

  1. د.عبد الجبار العبيدي

مهما كان الفشل ..اذا توفرت الهِمم سينتصر الوطن..لا تذكر المالكي اخي الكاتب ..فالرجل اصبح في ذمة الزمن..العبادي انتصر لكن للانتصار زمن وزمن..الايادي الاخرى عليها واجب معاضدة الزمن..عراقنا الحبيب الذي افترسته الذئاب لن يموت لان الذئاب هي التي ماتت فدمه ولحمه سيبقى سُما زعافا لكل ذئب مفترس..لوكان المعتدون رجالا ما فرطوا بالوطن..فالاوطان لا تُخان ولا يعتدى عليها لانها هي الوجدان والاخلاق والزمن..ألم تقرأ الآية 43 من سورة التوبة لترى كم الوطن عزيز عند خالق الزمن..سيبقى المالكي وكل من خان الوطن مدفونا بعار الزمن ..وسيبقى العبادي يذكره الزمن انه منقذ وطن..في زمن..تحية لكل من حمل البندقية والقلم ليدافع عن وطن اراد له الاعداء موت الزمن..لا لا لن يموت العراق في زمن..مات المالكي وكل الخونة الهاربون بماله من زمن ...واليوم يموت البرزاني اشر موت في زمن...؟

 
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4061 المصادف: 2017-10-18 01:04:34