عامر عبدزيد الوائليعلى الميت أن يعرف خارطة الموت و جغرافية؛ ليستطع ان يدرك اسراره مكابدته التي سوف ترشده إليها خرائطَها وعوالمَها سوف يتغير مصيره بحسبها .ومن هنا ياتي السؤال الوجودي من ذا الذي يرمي إلى تلك المرامي سواه؟ ومن سواه قادر على أن ينقش على وجه الطين ملامحه ويرسل الى البشر رسالته المعتقة بريح الجنوب التي لعنها ادابا وبكى الجنوبيين على عذاباتها؟ من ذا ينسى حزن جلجامش على فقدانه غريمه ومن ثم حبيبه الأوحد الذي غيبت ارض كور نايه،وصدى صوته الحزين يعلن الحزن على أرض عشقها عذاب وفراقها عذاب ..صوت مازال لدى كل عراقي صداه يتردد في كل المنافي وحنينه إلى ارض أوروك ؟ حزن ترك ضلاله تمتد على انليل الفاجر الملعون المبعد إلى حيث أرض إللاعودة، تلك الأرض القاسية التي خاطتها مخيلة أدباء أوروك ومن قبلهم أدباء سومر تعلن كل المراسيم الحزينة وهي تبكي عشتار الجميلة التي جدبت خصالها الحية عند أبواب الموت الأبدي وخاطت حول كل الذكور قربان اخصاء كان حبيبها أول من ذهب قربان لها، اه يا تموز و أنت تهرب متخفيا وعين الإله تحميك من عيون متعطشة للموت تروم اعتصار رغبتك، عذاب سوف يتكرر صداه لدى كل أصحاب الرؤوس السوداء وأحفادهم من بعد ما أضاعوا الحلم بالخلود منذ غادرهم جلجامش الجميل الذي غيب ذاته من اجل بقاء أوروك، وآدابا من قبله أرام الخلود إلا أن خديعة شمش غيبة عليه وعلى جنسه فرصة الخلود؟ هكذا كان الكهنة يحاولون زخرفة لعنة الموت الأبدي الذي ينتظره الجميع وحتما ملاقوه ومن ثم الحديث عن جغرافية للموت تعني البحث عن إبعاد ومواقع تخيلية للجغرافية،التي شكلتها المخيلة العراقية معتمدة على آليات تخيل رسمت إبعاد لتلك العوالم امتدت أثارها عميقا في الذاكرة لدى الشعوب الأُخرى التي استعارتها من بعد؛ ونحن هنا نحاول تحديد جغرافيا للموت نحاول إعطاء مرتسمات لتلك العوالم الموازية التي تشكل إحدى الممكنات التي ممكن إن تكون قد فاز بها بعض الإبطال سواء أكان ذلك على مستوى الواقع أم على مستوى التخيل الرمزي، إلا إننا ندرك عظمة العراقي القديم الذي برع في تخليق عوالمه الرمزية وإكسابها بعد قيمي أضفى على الحياة قيمة عندما منح تلك الوقائع عمق ميتافيزيقي مرتبط بمنظومة من القيم إذ مثلما وظف الطين ليكون أداة للكتابة، كذلك وظف الخيال ليكون حقل فعال يتم من خلاله بناء الذاكرة وشحذها بالرموز التي هي صدى الواقع اليومي الاجتماعي والسياسي .

إن البحث في الواقع الديني "الموت " أو المخيال الديني وما يصطنعه من عوالم تخيلية تعود إلى الواقع الاجتماعي والمؤسسات الفاعلة فيه - قديما كان المعبد والقصر - كما يرى الكثير من الباحثين في هذا الأمر فهي نشاطاً يحمل معنى يشد إليه الفاعلين الاجتماعيين فينظمون سلوكهم بعضهم إزاء بعض، بمعنى انه فعالية جمعية يذوب فيها الفردي داخل الجماعة من اجل الحماية والشعور بالاطمئنان في تلك الفترة الفرد ليس فاعل بل منفعل على الرغم من أنها حقبه رعوية تبحث عن منقذ يقود الجماعة على الرغم من أنها هي من يصنعه خصوصا في فضاء الحاجة إلى قادة في الحروب هنا يتم تخليق الإبطال، ساعتها تصدق مقولة (إن مصير الشعوب لا يتوقف على الجماعة بقدر ما يتوقف على قيمة الفرد)(1) تشكل قيمة الوجود المتخيل من خلال وجود معبد يقرر الحقيقة ويكون الواسطة فيها كل هذا هو منطق الدين القديم الذي يرجع كل شيء إلى ما هو خارج البشر إلى القوى المفارقة التي تريد تبرير ذاتها، بعدها سلطة، وتفعل ذلك باستعمال مقولات قابلة للتعميم والشمولية، أيّ صالحة لكلّ النّاس نجد هذه المقولات بطابعها القديم من خلال التشريع المدعوم بالسرد الديني عبر الاسطرة إبطالها شخصيات مفارقة أو متميزة أو إنصاف آلهة. 

يفترض من اجل إنجازه هذه الغاية أن يندمج كل سلوك فردي في عمل يحمل طابع الاستمرارية وان تنتظم التصرفات وتتجاوب بعضها مع بعض طبقاً لقواعد ضمنية مستضمرة. من أجل النجاة من التيه، وكلّ ما يعاكسه هو التيه والجنون بحسب رواية المعبد إلا أنه كان ضروري لتنظيم وحده الجماعة فالممارسة الدينية- الاجتماعية، بوصفها تنتظم شتات تصرفات الأفراد وتوجهها نحو غايات مشتركة، تفترض وجود بنية معقدة من القيم وعمليات التعيين والاندماج المحمل بمعانٍ ودلالات في أو ملة أو طائفة أودين يتخذ من إله يحتمي به وبحياضه المقدس،هنا ظهر المكان المتخيل (المقدس) وظهرت أيضا حاجه إلى وجود , كما تفترض لغة رمزية (شيفرة) اجتماعية ومستضمرة ليست هناك أية ممارسة اجتماعية يمكن إرجاعها فقط إلى عناصرها الفيزيقية، والمادية بل لابد من اختلاق منظومة رمزية مرتبطة بالقوى التي يستمد المجتمع منها وجودة التي تبدو أنها في بداياتها الجنينية (تشكل عفوي، تكون متأصلة في الاديان ذات الصبغة الدعوية الكونية) (2) هكذا تدعم السلطة نفسها بالقوة القهرية سواء أكانت مادية بالرجال أم مفارقة إلهية تغدو السلطة كنتيجة لضرورة خارجية إن كل مجتمع كلي على صلة بالخارج بالإلهة التي أنزلت الملكية من السماء، وأنزلت القوانين للملوك كما استلم حمورابي شريعته من شمش (3) يبدو عبر سرد المعبد والقصر أن المجتمع يستمد قوانينه من خارجه لا من ذاته. ويتضمن ثانياً، مبدأ (المغايرة) أي القول بأن البشر مدينون بمعنى وجودهم إلى غيرهم وليس إلى بشـر مثلهم، ويتضـمن ثالثاً، مبدأ (الانفصال)، أي القول بوجود فارق أو مسافة بين المجتمع ومصدره، بين المجتمع ومصدره. (4)

ومن هنا فإن كل مجتمع -المجتمع ممثل بالقوة الفاعلة فيه هي هنا كما قلنا المعبد والقصر - ينشيء لنفسه مجموعة منظمة من التصورات والتمثلات، أي مخيالاً، من هنا فإن كل مجتمع هو إنتاج نفسه، مخيالاً يقوم ـ على وجه خاص ـ بجعل الجماعة تتعرف بواسطته على نفسها، ويوزع الهويات والأدوار ويعبر عن الحاجات الجماعية والأهداف المنشودة.

لهذا ظهرت اللغة الدينية ونخبويتها بوصفها وسيط بين الناس ومصدر وجودهم هنا اللغة ليس هي الأخرى - بحسب تلك المخيالات- ليس صنيعة البشر وضرورة من ضرورات تواصلهم بل هي صنيعة الإله هو الذي علم البشر الأسماء المحب للمعرفة هو إله الحكمة(انكي) هنا تصبح الحقيقة بيد الإلهة لكن كيف يمكن التواصل معها أو معرفة نواياها الملغزة هنا برعت المعرفة القديمة بقيادة المعبد في خلق علوم العرافة والتنجيم والرثاء والتأبين وصناعة مخال الموت .

كل هذا ساهم في خلق الهوية الموحدة لجماعة أنه (بقيام الجماعات البشرية معانٍ ودلالات مخيالية اجتماعية تتمكن من إعطاء معنى لكل ما هو (موجود)، لكل ما يمكن أن يقوم فيها أو يقوم خارجها) (5) وهو أمر موجود في عمق كل ممارسة إنسانية إذ يحاول المجتمع أن يرصن وحدته من الانقسام فيخلق أعداء يمثلون تهديداً واستناداً إلى هذا التهديد الخارجي.سواء كانوا من عالم مفارق إلهة أم شياطين أم أعداء . كيف يعمق وحدته من خلال صناعة المنظومات الدينية التي في اغلبها موروثة، فإنها تؤدي بالنتيجة إلى تمجيد وحدة المجتمع عبر "سلطة الرمز" التي تمظهر عبر المخيال الاجتماعي(6) بما أنه منظومة من البداهات والمعايير والقيم والرموز فهو ميداناً لتحصيل المعرفة بل هو مجال لاكتساب القناعات، مجال تسود فيه حالة الإيمان والاعتقاد.

كل هذا يتحقق من خلال "الدين" (7) فهو في أصله دَيْن البشر للعالم الآخر وللكائنات العلوية وللقوى الفائقة. بمعنى أن الدين على رغم من أنه ينبع من حاجات داخلية ؛ إلا انه ينزل من السماء التي تشرف وتدير شأن الأرض وفكرة الدين هي التي تتيح المجال الموت هو اعتداء على وجوده سواء أكان فردأ أم جماعة هنا أقام المجتمع منظومات قيمة تسوغ حدوث الموت إما بخطاء بدئي وإما بقرار كوني قامت به الإلهة مثل الطوفان فأن هذه المبادئ تحدد أسـس الواقعة "الدينية البدائية "فإنها تشــكل من جهة أولى شروط أمكان الدولة ؛ لأن نشوء الدولة ما كان ممكناً ؛ إلا أن يعقل المجتمع نفسه بواسطة مبدأ خارج عنه.(8)

بمعنى إن تلك الرؤية تستمد منها الدولة الشرعية كونها جاءت بقرار يعود إلى قوى مفارقة هي التي تصنع رؤية البشر ووجودهم ومن ثم ليس أمام البشر من قدرة بالخروج ؛إلا بحاله من حالات ثلاث :

الأولى، توجيه الشكوى إلى تلك القوى المفارقة فهي التي نصبت الملك ورسمت الأقدار .(9) وإما الثاتية فهي تكفير تلك القوى ومن ثم تجريمها وهكذا حدثت اغلب الانشقاقات الدينية من خلال ظهور ديانات جديدة .وربما هناك حاله ثالثة هي الاعتماد على القوة ثم إعادة بناء السرد الرسمي والقول إنّ الإلهة اختارت الإله الذي يعود إليه الشعب المنتصر أن يكون زعيم الإلهة كما حدث في قصة الخليقة البابلية عندما أنتصر حمورابي انتصر معه مردوخ كزعيم لإلهة هذا ترقيع للاهوتي يعيد بناء السرد من جديد حتىّ يسبغ المشروعية على المنتصر والقول إنه قرار مفارق .(10)

إذا كانت هذه آلية المجتمع البدائي في المحافظة على وحدته من التمايز فإنها تسهم في خلق عالم مفارق وأسبغ الشرعية على الملوك على حين هي جزء من نظام تشريعي ماضي من الشفاهيه بوصفه عرفاً يضفي القدسية على الوضع السياسي يرجع تشريعاته إلى الآلهة واوجب الخضوع لها ويعلي من شأن الملك في الوقت نفسه . في مجال تحليل المخيال الديني الناظم إلى وحدة الجماعة المتمثل في تلك المنظومة القيمة التي يشيدها المعتقد الاجتماعي الديني من خلال سلطة المعبد،يمكن رسم خرائط هذا العالم التخيلي من خلال سرديات أسطورية تشي بملامح هذا العالم من خلال سرد حبكات تروي رحلات متخيلة إلى هذا العالم المستحيل الذي تم تخليقه خياليا، فالخيال يستطيع بقدرته الخاصة التأليف بين الأشياء، والألوان والأحاسيس فيبدع الصورة مستفيداً من التعاقب والحركية في الزمان ومن التشكيلية في المكان. يعني أن الوعي مرتبط بعلم النفس والاجتماع والمعرفة التي يظهر عندها من خلال مفهوم الخيال إذ يرى (جيلبار ديران ـ Gilbert Durand ) أن الوعي يتمتع بطريقتين لاستحضار العالم ؛ واحدة مباشرة يبدو فيها الشيء ذاته حاضراً في الذهن، وذلك عند الإدراك أو الإحساس البسيط، كأن تتخيل إنسان تعرفه، أو شجرة أو شيئاً مادياً محسوساً وأما الثانية فهي غير مباشرة عندما لا يمكن لوعينا إن يستحضرا موضوعه استحضاراً حسياً، كما هو الشأن عندما تتذكر طفولتنا أو نستحضر عالم ما بعد الموت. (هكذا أتاحت تلك الطبيعة الجميلة "حيث تلك السهول الفسيحة والسماء الشديدة الزرقة التي ما كانت تشوبها سحب أو تكدرها غيوم، بينما النجوم تتلألأ فيها )(11) وقد تجلت تلك الحقيقة في تلك الحقب، في أماكن عديدة كانت بمثابة أول الأحلام التي عصفت بها الريح في خضم تراجيديا رهيبة جعلت منها مجرد نصوص أثرية ـ أحلام ظهرت بأشكال هندسية على جدران الفخاريات أو نصوص خطتها أنامل الكهنة(12) في كل الأحوال التي يكون فيها الوعي لا مباشر يكون موضعه غائباً أي من جنس المجردات التي يمكن أن يقال عنها أنها تمثل (قيمة أخلاقية سياسية) ولا يمكن للوعي أن يتمثل، إلا بوساطة الصور.(13) إذا كان للرموز وظيفة فهي الدافع الذي يعين ويجعل الإنسان قادرا على المواجهة، ومن هنا فالنصوص التي ظهرت شكلت مرحلة نضج، أمَا القراءة فهي من جانب مؤرخي الأفكار في محاوله تأويليه، تتجلى من خلال محاولاتهم الحفر و دراسة مراحل ظهور الرموز والبنية المعرفية التي أنتجتها والظروف التي ساهمت في ذلك ؛ أي هي مهمة القارئ الذي يبحث عن المعنى وهذه السطور مساهمة في جهود القراءة فأننا نلمس في الحفريات المعرفية الاثارية التي ظهرت باحثة عن مراحل تكون الفكر العراقي والإنساني القديمين والتي وجدتها تتمفصل إلى ما قبل التأريخ وما بعده .

والتي تعد محاولات حضارية ناضجة ؛ وفي الوقت نفسه تعد مدوناتها من أقدم المدونات التي تناولت مسائل وجودية:" كالحياة والموت، وخلق الكون والإنسان، والخير والشر، والثواب والعقاب "(14) .كانت تلك المدونات قد عكست قلق الإنسان الوجودي إذ الإنسان " هو كائن قلق الحس، يبحث عن ملجأ يأتمن إليه "(15).

هكذا فإن الأمر بقدر ما يمثل جانباً معرفياً فانه يقوم على بعد حسي يحصل فيه الإدراك بشكل مباشر، وبعد حسي باطن يعتمد على المدركات السابقة. فعندما يتصور الوعي بأشياء فأنه يريد أن يراها في الخارج بينما هي مخزونة في ذاكرته، بل حتى عندما يتصور صور جديدة و فأنه يتصورها بالمقارنة مع تلك الموجودة في الحس الباطن أو العقل بوصفها نتيجة لتجارب سابقة، يمكن ترميزها والتعبير عنها من خلال الرغبة (معاني الألم، الشر، و الحياة، و الموت) عبر الوسيط البطل الأنموذج الذي سعى إلى تحقيق رغباته من خلال محور الرغبة يظهر من يناصره ويظهر من يعاديه والذي يحول بينه وبين موضوع رغبته.الرغبة بالحياة الطويلة والصحة الجيدة بعيدا عن عوالم الموت والتقلبات كل هذا يمثل موضوع يمكن استثماره عبر جعل المخاوف تهجع والأماني تورق يتحقق هذا عبر السرد والقدر المدهشة للغة التي تمكننا من أن نحقق أحلامنا عبر السرد والمحكي من ثم نستطيع أن نبني مخيالا أسطوريا (لا يوجد أي مجتمع بشري يمارس دوره او آليته بشكل مختلف أي بدون تشكيل متخيل ما) (16) لأن التخيل يمنح المجتمع القدرة على أن يقدم حلول لما يحيط به من معضلات طبيعية (فالدين أو الأديان في مجتمع ما هي عبارة عن جذور .. ونجد إن كل الأديان قد قدمت للإنسان ليس فقط التفسيرات والإيضاحات، وإنما أيضاً الأجوبة العملية القابلة للتطبيق والاستخدام مباشرة في ما يخصّ علاقتنا بالوجود والآخرين والمحيط الفيزيائي الذي يلُّفَنا، بل وحتى الكون كله، وفيما وراءه بالأشياء الموعودة (فوق الطبيعة)(17) ومن هنا يلجأ الأفراد إلى رموز متعدد: فالحديث أو الكلام يستعمل نطاقاً من الأصوات ليكوَن أشكالا كثيرة من الرموز مثل الكلمات، واللغة المكتوبة، ويمكن تذكرها بسهولة جداً ؛ لان المكتوب يكون مطبوعاً، ويمكن للغة أن تأخذ أشكالا أخرى لا متكلمة ولا مكتوبة (..) يمكن تحقيق الاتصال باللغة، والهيئة، ووضع الجسم أو التعبيرات الوجه وهذه الوسائل للاتصال تشكل المستوى الأول للرمزية بينما تشكل المفاهيم، التي تعبر عن حقيقة ما المستوى الثاني التي تقدم صوراً أو تمثيلات ذهنية، تأخذ موقع الأشياء التي تعبر عنها ولكون المفاهيم شخصية لكل إنسان، فإنها تكون بالضرورة أيضاً نتاجاً اجتماعياً لعدد كبير من الناس(18)، ليس من الضروري أن نجد هيمنة الموضوعية على منظومة معتقدات المجتمع (فإن منظومة المعتقدات الفاعلة ضمن مجتمع غير محددة لا بالحقائق المنطقية أو التاريخية ولا بالأدلة الواقعية) (19) وهذا يظهر ونحن نتطرق إلى منظومة من المعتقدات الأخروية والدنيوية العراقية التي تخط ملامح جغرافية تخيلية للموت ؛من اجل فهم التمثلات القديمة لابد من الوقوف عند أمرين:أولهما، مفهوم الزمان كما تصوره العراقيين، والثاني المنظومة التي يمكن من خلالها كشف الصورة التي تمكننا من فهم الفكر القديم وموقفه من الموت . ونحن نجد نمطين من السرديات الأسطورية تغاير مقاصدها بتغاير المتن الوجودي لها فهي الأفاق التي تمكن الإنسان من خلالها أن يستوطن اللغة ويتخذها سفينة النجاة التي تحيل تخيلاته إلى أماكن قابله للعيش؟

لعل محاولتنا هذا هي رحلة إلى العالم الافتراضي الممكن أو المستحيل، الذي خلقته تلك الثقافات في محاولتها فك سر حدث الموت.

 

 د. عامر عبدزيد الوائلي

...........................

(1) عبد الرزاق الجبران، جمهورية النبي، بيروت،2007،ص57.

(2) ميشال مسلان، علم الاديان، ترجمة عز الدين عناية،المركز الثقافي العربي،ط1، بيروت، 2009، ص126.

(3)(3) شريعة حمورابي 1795-1750(ق.م) تعد انظم وأكمل شريعة في تاريخ الحضارات القديمة .انظر :نائل حنون، شريعة حمورابي،ج1،ص13.بواسطة : سالم الالوسي، شريعة حمورابي،بيت الحكمة سلسلة رواد الفكر، بغداد،2007،ص13.

(4) بيار كلاستر، مارسيل غوشيه، في اصل العنف، تعريب: على الحرب، دار الحداثة، بيروت، ط1، 1985، ص35ـ36 

(5) فاخر عاقل، معجم علم النفس، دار العلم، ج3، بيروت، 1979، ص25

(6) فاخر عاقل، معجم علم النفس، المصدر السابق، ص25ا

(7) الدين : بشكل عام، ثمة تصوران متواجهان يفترضان نفسيهمما . التصور الاول يقول بوحدة الظاهرة الدينية الاساسية . ففيما يتجاوز التاريخ وتنوع التمظهرات العينية، نجد ماهية واحدة للدين وحدة الظاهرة الدينية من خلال الايمان بوجود عالم غير مرئي، مفارق ومقدس، مأهول بالارواح أو الالهة واليه يتقدم الناس باستمرار بالنمط نفسه،من العباداة .

خلاف لذلك يرفض بعض الكتاب استخدام كلمة "دين" ويرون فيها تصنعا مفهوميا يشبه تحكميا واقعا واحدا لظواهر مختلفة ..لمزيد انظر :جان فرنسوا دورتيه، معجم العلوم الانسانية، ترجمة : جورج كتورة،مؤسسة الكلمة، ط1، ابو ظبي،2009،ص412.

(8) فاخر عاقل، معجم علم النفس المرجع السابق، ص 36ـ 37 ـ 38.

(9) انظر :محمد عابد الجابري،نحن والتراث دار الطليعة، بيروت .

(10) قصة الخليقة : إينوما إلش ... حينما في العلى،ترجمة ثامر مهدي محمد عن كتاب قصة الخليقة البابلية واثرها في العهد القديم تاليف الكسندر هايدل،دار الشؤون الثقافية 2001،طباعة : إنانا الأمير.

(11) صموئل نوح كريمر، ترجمة : فيصل الوائلي، كويت، (بدون تاريخ)، ص156.

(12) تربو عدد الرقم الطينية للعراق القديم على المليون لوح متعددة الإغراض .انظر : فاضل عبد الواحد، من ادب الهزل والفكاهة،م/ كلية الاداب، جامعة بغداد،ص82,

(13) صموئل نوح كريمر المرجع السابق الذكر،ص27-26.

(14) المرجع السابق، ص78.

(15) يوسف الحوراني، الإنسان والحضارة، ط2 بيروت، 1973، ص6-7.

(16) محمد أركون، العلمية والعلمانية، ترجمة : هاشم صالح، الساقية بيروت،ص32.

(17) - المرجع نفسه، ص23.

عبدالهادي عبد الرحمن، سحر الرموز، ص137. (18)

(19) خوان بايا وبونثا، العمارة وتفسيرها، ت سعاد عبد علي، الشؤون الثقافية، بغداد، ط1، 1996، ص39.

 

 

علي محمد اليوسفتعريف أولي: المبحث الذي توليه الفلسفة الحديثة حقه من الاهتمام كثيرا هي أن علم النفس الوظائفي التجريبي المرتبط فيزيائيا بمبحث الابستمولوجيا المعاصرة يعتبرأهم ركيزة تقوم عليها مباحث الفلسفة المعاصرة اليوم،، وغالبية تلك المباحث الفلسفية خاصة فيما يخص الابستمولوجيا يلعب علم النفس التحليلي الوظائفي التجريبي وعلم وظائف الاعضاء والجهاز العصبي والدماغ، دورا مركزيا هاما فيها يوازي الاهتمام بالجانب الادراكي المنطقي الفلسفي على صعيد علاقة (الفكرباللغة) في فلسفة اللغة بل ومحاولة تجاوزهما (ثنائية الفكر واللغة) كأهم محورمركزي تقوم عليه الفلسفة الاوربية المعاصرة بدءا بالتحليلية التي ساهم بأرسائها فينجشتاين الى جانب جورج مور وبيرتراند رسل، وليس انتهاءا بتفكيكية دريدا التي قامت على ميراث كل من التحليلية الانجليزية والبنيوية الفرنسية... ومدرسة مابعد التحليلية المعاصرة التي يقودها ريتشارد رورتي وسلارز وكواين وكارناب ويشكل علم النفس التجريبي محور أرتكازها الفلسفي معلنة أحتضار الابستمولوجيا كمبحث فلسفي أثير دام قرونا طويلة كما أحتضرت وماتت الميتافيزيقا كمبحث شغل التفكير الفلسفي قرونا من قبل ...

سلارز واللغة

يعتبر سلارز( 1912- 1989) وهو من رواد الفلسفة الواقعية النقدية القرين والوريث القوي لأفكار فينجشتاين (1889- 1951) في فلسفة اللغة حول أعتماده اللغة ودورها المركزي في تحليل وفهم وحل أشكاليات قضايا الفلسفة الموروثة العالقة منذ عصور طويلة. وأعتبر سلارز اللغة مفتاح أدراك العالم ووسيلته في التعبير عنه وفهمه وتفسيره.. (ولم يقدم سلارز براهين على نظرية العلاقة بين اللغة والفكر) كما يصفه رورتي.1، وسيلارز صاحب المقولة المعروفة (الوعي كله شأن لغوي بدايته اللغة). وبأعتباره فيلسوف أبستمولوجي فهو يعتقد (أن الافكار أحداث داخلية لا يمكن أعتبارها غير ذات صلة ضرورية باللغة، أو الى حالات الدماغ أو الى حالات مختلفة بحسب حاجات علم النفس التجريبي الحسّي ) 2.

من الناحية المبدئية لا ضير في أهمية التسليم بصوابية أن الافكار هي أحداث داخلية تجري بالذهن صوريا (تجريديا) لكنما نريد التوقف قليلا عند معنى الدلالة اللغوية لمعنى كلمة التجريد غير المصطلحي خارج مباحث فلسفة اللغة. فالتجريد على المستوى الفني في أبداع ضروب الانتاج الفني هي التعبير بالفكر اللغوي الصامت عن أشكال ومحتوى الفن من غير الاستعانة بدلالة اللغة التعبيرية المسموعة أو المكتوبة كوسيط تواصلي، فاللوحة التشكيلية أو القطعة النحتية هي شكل من أشكال اللغة في التعبيرعن دلالة فكرية مضمونية كامنة غير مفصح عنها في لغة تعبير دلالية تواصلية مباشرة وأنما معبّر عنها بدلالة التأويل الايحائي بفهم المعنى.

أما التجريد الفلسفي فهي التفكيرالمنطقي الصوري بالذهن داخليا أو التفكير المعبّر عنه خارجيا باللغة المجردة في صور الادراك للاشياء والموضوعات و محاولة فهم العالم بتجريد لغوي يمّثل الفكر...فالتجريد هو صورة التفكير بواسطة اللغة وليس التعبير بها،، ولا توجد لغة تعبيرية غير مجردة في التعبير عن الواقع...لذا يبقى الواقع عصيّا على محاولة أحلال الفكر عوضا عنه بدلا من التعبير عنه.

بهذا التوضيح البسيط جدا لا نستدرك سلامة تعبير سلارز ولا نتحفظ على تعبيره أن الافكار الداخلية يمكن أعتبارها ذات صلة تعالقية ضرورية باللغة، على أنه تعبير موّفق متماسك المعنى فلسفيا،، فالتفكير الذهني داخليا تجريديا لا يتم بغير أدراك صور الاشياء خارجيا، وكذلك العقل يفكّر بصور الاشياء تجريدا على مستوى أدراك الاحاسيس داخليا أي من داخل أجهزة بيولوجيا الحياة التي يتوزعها جسم الانسان مثل جهاز الهضم وجهاز الدورة الدموية والجهاز العصبي والعضلي وهكذا،، وكذلك على مستوى الأستجابة للاحساسات الخارجية عن الموضوعات والاشياء أيضا.

وعندما نقول أدراك الذهن لصور الاشياء خارجيا وداخليا، أنما المعني به صور الاشياء بالفكر التي لا يمكن للعقل البشري التفكير من غيرها، وكل صورة مجردة لشيء مدرك بالذهن هو صورة لغوية مجردة لنفس الشيء ماديا أيضا.. والتفكير الصوري بالاحاسيس داخليا أنما هي لغة صورية صامتة ساكنة لم يفصح العقل التعبير عنها خارجيا..لذا فالعقل الذي يبدو لنا أنه يفّكر بصور الاشياء تجريديا، فأنما في الحقيقة يكون هو يفكر بلغة أيحائية مجردة عن مواضيع أدراكها الحسّي باستثناء صور الاشياء الملازمة للفكر عنها .. وعليه تكون حقيقة تفكير العقل قائمة على التفكير باللغة التي تعبر عن صور الاشياء موضوعة التفكير.. وحواس الانسان والجهاز العصبي المرتبط بها والذهن العقلي الذي يستقبلها أنما هو يشبه عمل كاميرا التصويرالتي تكتفي بطبع صور الاشياء فيها فقط،، لكن بفرق جوهري أن الكاميرا مرآة الوقائع والاشياء هي صمّاء لا تعي ولاتفكر كما يفكر ذهن الانسان في التقاطه صور الاشياء ومعالجتها بتجريد لغوي يقوم على الصورة قبل لغة التفكير التجريدية للمدركات، فالذهن يفكر تجريديا بصورة الشيء قبل التعبير عنه باللغة الأبجدية....فصور الاشياء بالذهن هي تعابير لغوية كامنة صامتة وليست صورا مجردة عن مدلولاتها اللغوية في عالم الاشياء.

ونجد الالتباس بين علاقة الفكر بالذهن داخليا يبحث عن أفصاحها رورتي خارجيا بدلالة موضوعات العالم الخارجي الحسّية فهو يعتبر (المعرفة اللاتصورية واللالغوية للاحساسات الاولية الخام تنسب الى كائنات على أساس عضويتهم الممكنة في المجتمع) 3. لا يفهم بالضبط معنى تعبير رورتي أن المعرفة تكون لاتصورية ولا لغوية للاحساسات الخام بنسبتها حسب تعبيره الى كائنات عضويتهم ممكنة في المجتمع، والتعليل الوحيد الذي نفهمه منها يبقى أن الابستمولوجيا هي سلوك مجتمعي قبل أن تكون مادة لغوية بالذهن من أجل المعرفة.. ..فالاحساسات الاولية حسب رأينا هي أشعارات تحفيزية صادرة منقولة أدراكيا شعوريا الى مناطق محددة وظيفيا بالدماغ.. وكل مايتم أدراكه أو الشعور به يكون بالضرورة المعرفية التكاملية في فهم الشيء هو (لغة) وأن كانت لغة لا تعبيرية منطوقة كما في الصمت، لكنما هي لغة تفكير ذهني تتم داخليا وهي في حالة كمون غير معبّر عنه بالصوت أو الكلام أو بالكتابة.

الفرق بين أن تكون المحفزات الفيزيائية عن الاشياء هي وسيلة أحساسات نفسية مرتبطة بالسلوك أكثر منها وسيلة أكتساب معارف علمية حسب رغبة فلاسفة البيسكولوجيا فلاسفة بعد التحليلية اللغوية في قول رورتي (الابستمولوجيا نظام نظري وليس نظاما عمليا بيسكولوجيا)،، بمعنى أن الابستمولوجيا نظام تجريدي نظري من حيث هي خزين الاحساسات بالذهن بينما البيسكولوجيا هي نظام بيولوجي تجريبي نفسي عملي يتخذ صفة السلوك الانساني. وتكون الاحساسات الفيزيائية في كلتا الحالتين (النفسية السلوكية والمعرفية النظرية) أنما تمثل وسيلة أدراك وليس هدفا أدراكيا قائما بذاته.

المعرفة الوهمية والعلم

على خلاف الكثيرين من الفلاسفة القدماء والمحدثين عمد كارناب (1891-1970) وهو فيلسوف التجريبية المنطقية الحديثة الى ضرورة فصل الفلسفة عموما عن العلم، رغم محاولات العديد من فلاسفة القرن السابع عشر المتأثرين بديكارت قلب تلك المعادلة في وجوب التكامل الضروري بين العلم والفلسفة وليس مهما عندهم لمن تكون الأسبقية ولا التبعية بينهما هل تكون في ريادة وأسبقية العلم على الفلسفة أم العكس.. كما (وأعطى كارناب ومعه فلاسفة آخرين من حلقة فينا كلمة ميتافيزيقا توصيف محتقر قولهم أنها تفيد (اللامعنى) وخلعوا نفس التوصيف القاسي على مبحث الابستمولوجيا بالفلسفة بانها بلا معنى).4

من المهم التفريق بين صحة القول الفلسفي أن الميتافيزيقا لامعنى لها، أي لا جدوى من الخوض في مسالكها وقضاياها، وبين تحفظ الاتجاه الجديد الذي يلازم بعض الفلاسفة المعاصرين البسكولوجيين أعتبارهم الابستمولوجيا مبحثا حان وقت تجاوزه كما حصل مع تجاوز الفلسفة قضايا الميتافيزيقا باعتبار الابستمولوجيا هي مبحث فلسفي يترّتب عليه الادراك السلوكي النفسي وليس وسيلة اكتساب المعارف التجريبية كما يفعل العلم مختبريا،، فمبحث الابستمولوجيا ليس علما ينوب عن العلم بل هي سلوك نفسي مكتسب لا علاقة له بمنجزات العلم..

ومثال تأكيد ذلك فقد وجد فينجشتاين ومعه فلاسفة اكسفورد أن هناك وظيفة فلسفية باقية في ضرورة العلاج النفسي لفلاسفة هم بحاجة الى الشفاء من الوهم بوجود مسائل أبستمولوجية.5 ويعتبر كواين أن فلاسفة الابستمولوجيا كانوا يحلمون أيجاد فلسفة أولى أكثر ثباتا من العلم وتوظيفها في تسويغ معرفتنا العالم الخارجي. 6

والحقيقة التي لا يمكن العبورمن فوقها هي أن الابستمولوجيا كانت الفلسفة الاولى على أمتداد تاريخ الفلسفة منذ افلاطون وكانت الابستمولوجيا مبحثا في الفلسفة قرينة مبحث الوجود (الانطولوجيا)، قبل أن تصبح الابستمولوجيا في الفلسفة الحديثة والمعاصرة لا قيمة حقيقية لها كما هي الحال بلامعنى ولا قيمة للميتافيزيقا وزيف التفلسف بقضاياها عند رواد الفلسفة الاوربية والامريكية المعاصرة.

الاشكالية التي تعاني منها الفلسفة المعاصرة حول مبحث الابستمولوجيا هو حقيقة أن تاريخ الفلسفة بقي قرونا طويلة يعتبرها الفلسفة الاولى،، ويراد منها الآن أخلاء الطريق امام الفلسفة المعاصرة التي ترى أن المعرفة اليوم هي مشكلة البحث عن المعنى في فلسفة اللغة...وهذا ما عبّر عنه كارناب ممثلا عن حلقة فيينا وفينجشتاين ومعه حلقة اكسفورد (أن مهمة الفلسفة الاولى اليوم أن لم تكن الوحيدة هو تحليل المعاني) في لغة الفلسفة فقط..

ومن غير المجدي محاولة ربط الايستمولوجيا ومقارنتها معياريا بالعلم ومنجزاته في الحكم على أنها لامعنى حقيقي لها،، أكثر من أعتبارها وسيلة أكتساب السلوك المجتمعي وليس أكتساب حقائق ومنجزات العلم التجريبي... والعودة بحسب أجتهادهم الى أصل الابستمولوجيا على أنها ترتبط بعلم نفس السلوك المجتمعي، وأصبحت الابستمولوجيا اليوم لا تعني جدوى ملاحقتها منجزات العلوم ولا حتى الاسهام بها أو المفاضلة معها بين العلم والابستمولوجيا أحدهما بمعزل عن الآخر ليس على صعيد آلية الاشتغال وحسب وأنما على صعيد المنجز المتحقق لكل منهما... كما من المفروغ منه أن تكون الابستمولوجيا مبحثا فلسفيا يتكامل بالعلم لكن لا ينوب عنه ولا يأخذ دوره.فالابستمولوجيا ترجع الى أصلها الفلسفي المنطقي غير العملي التي تقاطع العلم في تطبيقاته العملية التجريبية..

الابستمولوجيا والوهم الفلسفي

على خلاف مع الكثيرين من الفلاسفة عمد كارناب الى وجوب وضرورة فصل الفلسفة عن العلم القائمة فعلا كجوهرين منفصلين،، في وقت أستمات فيه العديدون من الفلاسفة منذ ديكارت القرن السابع عشر محاولتهم قلب المعادلة في أهمية تلازم وتكامل الفلسفة مع العلم وليس مهما التفكير لمن تكون الاولوية والاسبقية بمقدار أهمية تحقيق النتائج المتوخاة من مثل هذا التوجه العلمي - الفلسفي..وقد أعطى كارناب وفلاسفة آخرين معه من حلقة فينّا كلمة ميتافيزيقا توصيفا تحقيريا بالقول انها (بلامعنى) لها، وفي وجوب أن تلحقها الابستمولوجيا بنفس التوصيف الفلسفي.. وعبّر فينجشتين ومعه فلاسفة اكسفورد بان هناك وظيفة فلسفية باقية علينا انجازها بالعلاج النفسي تتمثل باشفائنا لبعض الفلاسفة المرضى وتخليصنا لهم من وهم وجود مسائل ابستمولوجية بالفلسفة علينا معالجتها. 7. ويكمل كواين هذا التوجه قوله (لقد حلم الابستمولوجيون بفلسفة اولى اكثر ثباتا من العلم وتوظيفها في تسويغ معرفتنا العالم الخارجي) 8.والمقصود بالفلسفة الاولى هنا هي مبحث الابستمولوجيا المتعالق بمبحث الوجود ومبحث القيم والاخلاق.

في محاولتنا فهم وأستقصاء كيف يفكر هؤلاء الفلاسفة اقصاء الابستمولوجيا أن تكون مبحثا غير ذي جدوى حاله حال الميتافيزيقا، نجدهم يحاولون ربط الابستمولوجيا من الناحية التوظيفية الآلية بالاحاسيس وعلم النفس التجريبي، وليس ربطها بالعلم معتبرين بداية ما يطلق عليه معرفة ابستمولوجية لا تكون غير استجابة كهربائية للاعصاب ناتجة عن مثيرات تحفيزية فيزيائية لا علاقة لها باكتساب معرفة علمية تجريبية بمقدار ما تمثله من علاقة وطيدة بعلم النفس الوظيفي التجريبي.

لكن الصحيح الذي تمت مصادرته من فلاسفة البيسكولوجيا ان المؤثرات التحفيزية الفيزيائية للاعصاب لا تمثل قيمة معرفية علمية حقيقية مباشرة بذاتها بالقياس الى القيمة الحقيقية التي نكتسبها عن طريق التجربة المختبرية الدقيقة في قضايا العلم.. فوظيفة المؤثرات التحفيزية أنها لا تمّثل قيمة علمية ناجزة بحد ذاتها مسألة قائمة صحتها ولا مجال مناقشة دحضها... الا أن تلك المحفزات الفيسيولوجية تحمل بدايات التفكير في معرفة العالم ليس بالضرورة أن تكون معارف تجاري حقائق العلم أو تنافسها ولا حتى التكامل معها كما يرغب العديد من الفلاسفة القدماء الذين كانوا يحلمون مزاوجتهم مباحث الفلسفة بالعلم بشكل تلفيقي أعتباطي لم يكتب له النجاح..فكما أن معرفة العالم لا تستأثر به منجزات العلم لوحدها كذلك لا يمكننا نكران المعارف الابستمولوجية المكتسبة بغير طرائق العلم أنها لا تمثل أحدى أهم الوسائل في معرفتنا العالم بغير وسائل العلم وحدها.

أن استماتة فلاسفة البيسكولوجيا مابعد التحليلية المعاصرين ضرورة التخلي عن فكرة أعتبار الابستمولوجيا هي الفلسفة الاولى التي تسبق العلم،، يجب أن يتم بنفس الاسلوب الفلسفي المنهجي في تخلي الفلسفة عن مباحث الميتافيزيقا حسب تعبيرهم..بحكم حقيقة التفوق العلمي الذي نشهده باعتبارها اليقين الوحيد الذي يمكننا به معرفة العالم والاحتكام على حقيقته القائمة على التجربة العلمية المتحققة بنتائجها..لكن هذه وجهة نظر ناقصة غير متكاملة وحيدة الجانب تغفل أن معرفة العالم لا تتم بمنجزات وحقائق العلم وحدها بل أن معرفة العالم تتم بأكثر من مجال فلسفي أو معرفي أو علمي أو نفسي أو تاريخي أو انثروبولوجي ولا حتى في تكامل هذه الجوانب مجتمعة معا، فمعرفة العالم عملية مطردة متجددة على الدوام تلغي الكثير من الوسائل القديمة لكنها تستحدث الكثير الجديد غير المسبوق بدلا منها.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

..................

الهوامش

1- ريتشارد رورتي/ الفلسفة ومراة الطبيعة /ت : د. حيدر حاج اسماعيل/ ص271

2- المصدر اعلاه نفس الصفحة

3- المصدر اعلاه ص 272

4- المصدر اعلاه ص 311

5- المصدر اعلاه ص 313

6- المصدر اعلاه ص 314

7- المصدر اعلاه ص 311

8- المصدر اعلاه ص 313

 

 

حاتم حميد محسنعُرف شوبنهاور بالتشاؤم، هو يعتقد ان الحياة دولاب يتأرجح بين الألم (عندما نريد شيء ما ولا نمتلكه) والضجر (عندما نمتلك الشيء ولم نعد نهتم به). هو ايضا يرى ان اساس فهم الحياة هو التفكير في الصراع لأجل البقاء، وخاصة الحصول على الطعام. لننظر في طبق البيتزا المصنوع من لحم البقر. بالنسبة للبقر التي تُصنع من لحمها البيتزا يُعد الامر كابوسا: لكي يوفروا اللحم لابد من تربية السجين ثم ذبحه وتقطيعه ثم أكله. (الحياة بالنسبة للحيوانات البرية ليست افضل حالا، كل ما هنالك يتم استبدال حياة الحيوان السجين المحصور في مكان معين بحياة الخوف والصراع المستمر لأجل البقاء وباحتمال ان تنتهي حياته في مواجهة مجموعة من الحيوانات الجائعة لتأكله حيا). احيانا ينال المرء تعاملا لائقا وايجابيا، ولكن نسبيا، ليس هناك الكثير من الراحة، ففي أي مكان من الحياة يتفوق الألم على المتعة بشكل كبير.

وهناك ما هو مشابه مع انه أقل عنفا يُقال عن حياة معظم الناس. نحن نكره المدرسة، ولانستطيع الانتظار حتى ننضج، نكره العمل او كوننا(عاطلين)، ولا نستطيع الانتظار لسن التقاعد، حينذاك سنكره الضجر، السأم، وظروف الخجل او عدم احترام كبار السن.

هذا النوع من التفكير هو الشائع لدى شوبنهاور. لكنه ليس كل القصة. شوبنهاور المتفائل لديه أخبار جيدة لكل منْ يقبل برؤيته التشاؤمية. انت تعتقد اننا افضل من الأموات؟ حسنا، ولكن لماذا؟ (طبقا لشوبنهاور) نحن سنكون امواتا، وقبل ان يمضي وقت طويل سوف لن نعاني الى الابد في الجحيم. عندما نموت، نموت، وما كنّا عليه سيبصبح ترابا.

هل تلك اخبار جيدة؟ نعم: هل تعتقد ان التراب شيء سيء؟"بقايا لبقايا وتراب لتراب" ربما يبدو شيء سيء؟ لكن التراب شيء عظيم. كما يقول شوبنهاور في "العالم كرغبة وتجسيد":

"تعلّم ان تعرفها قبل التقليل من اهميتها. هذه المادة التي تكمن الآن كتراب وبقايا سوف تتحلل حالا في الماء، من ذاتها الى بلّور(كريستال)، سوف تلمع كالمعدن، ثم تطلق شرارا كهربائيا، وبسبب كهربائيتها المكثفة ستجسد قوة تتحلل بدورها الى اقرب العناصر، مختزلة الارض الى معادن، انها سوف تكوّن ذاتها دون ان يُطلب منها ذلك الى نباتات وحيوانات، ومن رحمها الاسطوري تتطوّر الحياة التي لفقدانها نكون قلقين جدا".

نحن سوف نموت، لكن المادة التي خُلقنا منها ستبقى. هذه اخبار جيدة لأن المادة ساحرة، وحياتنا مليئة بالألم. المادة التي صُنعنا منها لا يمكن تحطيمها وسوف تكوّن كريستال ومعادن ونباتات وحتى حيوانات. انه شيء رائع. نحن من جهة اخرى، مع اننا صُنعنا من مادة رائعة، لكننا سنكون ضحية للقلق والمعاناة. ومن الافضل لو يصل ذلك القلق والمعاناة الى نهايته.

ليست فقط المادة ساحرة. كل شيء هو ساحر. هذا يوضح لماذا الفنانون العظام يستطيعون رسم او التقاط صورة لأي شيء ويخلقون منه عملا فنيا راقيا. نحن عادة لا ندرك هذا الجمال العالمي بسبب انانيتنا. بكلمة اخرى، نحن نهتم كثيرا بانفسنا وقليلا ببقية العالم. نحن نميل لنهتم قليلا بالاشياء التي لا نريد امتلاكها، اما الاشياء التي نريدها حقا هي اما تقلقنا لأننا لانستطيع امتلاكها او انها بالنهاية تزعجنا عندما نمتلكها.

عالم هادف

ولكن ماذا لو تخلّينا عن الرغبة او التفكير في حيازة الشيء، بعيدا عن الخوف او التفكير بما يعنيه الشيء لنا؟ ماذا لو نترك الاشياء فقط لتكون؟

هذا هو النوع من امكانية الحياة التي تعرضها لنا اللوحة. لا سؤال هناك عن أكل الفاكهة في اللوحة او شراء المزرعة في الريف- وعندما تزول امكانية الاستعمال او الامتلاك، عندما نتحرر من رغبتنا الجامحة، وعقولنا تتحول الى تأمل بسيط، نحن نستطيع بالنهاية التمتع براحة البال ونرى كم هي الاشياء جميلة – كل الاشياء-. الفن يستطيع توضيح هذا لنا، اي لماذا نحبه: ولكن عندما تضع ذهنك في الموقف الصحيح سوف تستطيع في كل يوم ممارسة الاشياء كما لو كانت فنا بدون الحاجة لإنفاق الملايين على الأعمال الفنية. العالم ذاته قطعة فنية كبيرة، وهو متاح مجانا للتمتع به. كتاب شوبنهاور يسمى (العالم كرغبة وتجسيد) لأنه يعتقد ان العالم يمتلك هذين المظهرين. التجسيد هو كيف تبدو لنا الاشياء. انه كل الظهور، ليس اكثر واقعية من الحلم، والرغبة التي هي الطبيعة الحقيقية المؤطرة للعالم.

ماذا يعني هذا؟ (للتبسيط اكثر) حسب شوبنهاور، هو انني أعرف في وجودي الحقيقي الداخلي، بأني رغبتي، ومن السخف الاعتقاد انني شيء ما متفرد، لذا كل شيء يجب ان يكون رغبة. كيف أعرف انا بالنهاية رغبة؟ انا أعرف اني لست جسما ميتا. الاختلاف الكبير بيني وبين الميت هو اني أعمل اشياء لا تتم بالتآكل البطيء. لذا فان أفعالي تجعلني منْ او ماذا انا. أفعالي تعبّر او تجسّد رغبتي. انا ما أعمل وانا أعمل ما أرغب. حتى عندما لا أقوم بما اريد عمله (مثلا عندما أكون في العمل) انا أعمل ما اخترت ان أعمل لسبب معين، كأن يكون الرغبة في الحصول على الراتب. انا اذاً تجسيد لرغبتي. ولايوجد هناك سبب للاعتقاد اني خاص في هذا الشأن. انت تجسيد لرغبتك. والشيء ذاته ينطبق على الحيوانات وكل الاشياء الحية، وبالنسبة الى شوبنهاور حتى الاشياء غير الحية ايضا. النباتات غير واعية، لكنها تنمو بطرق تساعدها في ايجاد ضوء الشمس والماء وفرص التكاثر. انها تُقاد بالرغبة بالحياة. حتى الاشياء غير الحية تخلق مواد خام. الانهار تجري الى البحر، الجبال تنمو ببطء او تتآكل، وهكذا. شوبنهاور لا يعني ان الانهار تريد ان تتبع المنحدرات، وانما تدفّقها هو تعبير عن الرغبة. نحن نعرف ان الاشياء الحية تتصرف بدافع الرغبة (تتجسد كرغبة لتعيش)، وان الاشياء الحية تُصنع من نفس المادة كما في الاشياء غير الحية. لذا، كما شوبنهاور، نحن نستطيع التفكير بكل الاشياء كأنها تتحفز بنفس القوة الاساسية التي يمكن ان نسميها رغبة. هذه الرغبة لن تقتنع ابدا طالما ان الطبيعة الدقيقة للرغبة هي الكفاح لأجل اشياء اخرى، وانها ليست عقلانية، لذا انها تطلب دائما وبجشع. هذا يبدو مخيف نوعا ما، كفم مفتوح دائما. غير ان شوبنهاور يقول اننا نستطيع القول بنفس الطريقة ان العالم ليس رغبة وانما موسيقى.

الموسيقى، المادة، المعنى

يرى شوبنهاور ان الموسيقى يمكنها ان تحرّكنا بقوة بدون ان تمثل بذاتها أي شيء في العالم المتجسد. هذا يبيّن، اولا، ان الموسيقى يمكن ان تكون تجسيد مباشر للرغبة، لم يتوسطها اي شيء آخر. الموسيقى او القصة ربما تملأنا بالخوف من تصوّر وحش عملاق او معركة، تؤثر على ذاتنا الداخلية حين تجعلنا نفكر بالاشياء التي نخاف منها. لكن الموسيقى يمكنها وبدون أي تدّخل فكري، ان تتحدث مباشرة عن الرغبة. بهذا المعنى هو يعتقد ان الموسيقى يمكن ان تكون تجسيد مباشر للرغبة ذاتها.

وفي جدال آخر يكشف ان الموسيقى تشبه الرغبة. الرغبة العمياء التي يفترض شوبنهاور انها تؤطر طبيعة الواقع هي ليس لها اي هدف: انها فقط تريد، بدون ان تريد اي شيء محدد يمكن ان يشبعها. انها موجهة نحو هدف بدون هدف محدد. هذا يجعلها مشابهة جدا للفن كما عُرّف من قبل عمانوئيل كانط. كانط ذكر ان الفن، خاصة الفن الجميل، هو هدفية بدون هدف. بهذا المعنى، يصبح ما هو واقعي حقا (الرغبة) وما هو جميل حقا (الفن العظيم، مثلا)هما الشيء ذاته. شوبنهاور يعتبر الموسيقى أرقى أشكال الفن. لذا فان الموسيقى تشبه الحقيقة النهائية – وهو ما يعني ان الحقيقة النهائية تشبه الموسيقى. "نحن لهذا السبب نستطيع القول ان العالم يجسد الموسيقى كما يجسد الرغبة".

ذكر الشاعر والروائي الالماني غوث Goethe ان البناء المعماري هو عبارة عن "موسيقى جامدة"، لكن شوبنهاور يرى ان كل شيء يمكن تصوره كموسيقى متجسدة. وكما لاحظنا، هو يرى الاشياء المادية عُرّفت ليس كثيرا بما صُنعت منه وانما بما تقوم به. لذا فان كل شيء يقوم بما هو تجسيد مادي او تجسيد موسيقي. الكون هو عرض راقص، او مهما كان نستطيع تسميته موسيقى متحركة بثلاثة ابعاد. القطارات تقوم بحركة، سمك القرش يجسد القرش، البراكين تجسد البراكين وهكذا. عندما تسير على طول الشارع، كل شيء تجتازه يمارس رقصته الخاصة، معبّرا عن الرغبة بطريقته. كل نبتة تشبه الانفجار البطيء للاغصان، الاوراق والازهار. التلال هي حقا صيرورة حية تنبض بصوت الموسيقى "الصامتة". لكنها ليست انفرادية تماما كما نصفها نحن لأنه طبقا لشوبنهاور الكل هو واحد. لذا بينما القطط تعمل كقطط وقوس قزح يبدو كقوس قزح، لكن كل هذا هو جزء من سمفونية واحدة ضخمة. الطبيعة هي تناغم، تؤطرها وتحركها رغبة واحدة وليست متعددة. ت اس. اليوت كتب في " The Dry Salvages"(المقالة الثالثة من مجموع اربع، 1941) "انت الموسيقى طالما الموسيقى تستمر". هذا ما يعتقد به شوبنهاور ايضا لكنه يضيف انه الموسيقى ايضا، وكذلك آليوت، وكل شخص او شيء آخر. وبينما لا يستمر أحدنا الى الابد، لكن الموسيقى تستمر. انها خالدة.

خلاص شوبنهاور

الفن، وخاصة الموسيقى و أي شيء آخر حين يدفعنا لتأمل الحقيقة النهائية دون إشراك رغبتنا الخاصة فهو يقدّم لنا علاجا للرغبة والضجر. انت ربما تنزعج من اشياء لديك، ولكن ماذا عن الاشياء التي ليست لديك؟ انها رائعة، فقط عندما تتغلب على انانيتك بما يكفي لتقدير تلك الاشياء.

يبدو ان شوبنهاور نجح احيانا في تحقيق نوع من السعادة الغامرة بين عجائب الطبيعة. في احدى المرات هو أضاع نفسه بين الازهار في حديقة Dresden. المسؤول الذي شاهده سأله منْ هو، شوبنهاور أجاب انه يرغب لو هو (المسؤول) أخبره بذلك. كل واحد يمكن ان يكون هو الغريب بين الازهار لو قبل بفلسفة شوبنهاور.

لسوء الحظ، فلسفة شوبنهاور لا توفر علاجا للألم. لكنها لا تخلق الألم ايضا، انها فقط تعترف بحجم المعاناة . انها تسلط الضوء على مقدار الجمال والدهشة في العالم، وبعمل كهذا، تجعلنا ربما اقل رغبة في اكل اللحوم . اذا لم نأكل تلك البيتزا الحيوانية، مفضلين البيتزا النباتية سوف نقلل المعاناة في العالم.  سوف لا نقلل معاناتنا، بالطبع، ولكن كلما اعتنينا اكثر بالزهور والحيوانات وكل شيء آخر، كلما كانت رعايتنا لمشاكلنا الخاصة قليلة، والتي هي مؤقتة وعديمة الأهمية.

الاختلاف بيني وبين الآخر هو تافه كلون الشعر، العمر، اللباس، وهكذا. لكن المشترك بيننا هو اكثر اهمية، هو انسانيتنا. المشترك بيننا وبين كل الاشياء الحية وحتى غير الحية هو أفضل، نحن كلنا تجسيد للرغبة الأبدية.

الوجود ذاته شيء هائل. عندما نموت ستموت المادة التافهة معنا، لكن الشيء الهام سيستمر. ان ما هو حقيقي جدا واكثر واقعية هو غير فان، وتلك حقا أخبار جيدة.

 

حاتم حميد محسن

.....................

Schopenhauer the optimist, philosophy Now, Oct-Nov 2019

 

 

1186 عقول خطرةعند البحث عن نيتشة في اليوتيوب سنجد هناك رابط شوهد اكثر من ثلاثة ملايين مرة.انه امر مثير للاعجاب لفيلسوف في القرن التاسع عشر. بالمقابل، جون ستيوارت مل لم يحظ باكثر من مائة الف مشاهدة. اذا كان الرابط يكشف عن شعبية نيتشة(1844-1900)، هو ايضا يخبرنا عن الكيفية التي نُظر بها اليه كمرشد ساحر ومحبوب منقطع النظير.

ان الرسالة الاساسية لـ "عقول خطرة" هي ان لا وجود هناك لقراءة لنيتشة تجعله مقبول اخلاقيا لجناح اليسار السياسي او الوسط. اي تفسير يصفه بهذا هو غير ناضج وخطير .

ان النقاش الحالي هو من النقاشات الملحّة حول نيتشة. نحن نعيش في وقت حيث اليمين المتطرف يتحفز احيانا بنيتشة، يعود للظهور مجددا حيث يُقابل باحترام كبير لدى المعلقين المؤثرين مثل غوردن بيترسون، وحيث القادة الشعبويين السلطويين مثل بوتن واردوغان ورئيس الفليبين يتّبعون اسلوب نيتشة في التقليل من قيمة القواعد والحقائق مفضلين الرؤية البطولية للقوة والمصير. وكما بالنسبة لترامب، الحقيقة البديلة او ما بعد الحقيقة، فيها يكون الواقع صدى لفكرة نيتشة بان"لا وجود هناك لحقائق وانما فقط تفسيرات"، هذه الرؤية تصدرت عناوين الاخبار متسائلة ما اذا كان بالإمكان إلقاء اللوم على المانيا في بروز ظاهرة ترامب ام انها مجرد تنبأت به.

الكاتب بينير(Beiner) كان يركز على هجوم نيتشة الواضح على الليبرالية والمساواة بما جعله فيلسوفا مؤثرا لليسار. انها ليست محاولة من نيتشة لإخفاء رؤيته الرافضة للاخلاق الليبرالية. هو أطلق النارعليها من الأعلى. لكي يطرح جداله ضد التفسيرات اليسارية لنيتشة، يعمد بينير الى تكرار بعض تعبيرات نيتشة الشهيرة التي يحرّض فيها على العبودية، وتشجيع التطهير العرقي، وكراهيته العميقة ورفضه للمساواة الانسانية.

بعض الباحثين في نيتشة يمنحون العذر لهذا العنف المتطرف من خلال قرائته باعتباره استعارات غير حقيقية وبلاغات ساخرة، هي لم تكن توجهات ضرورية مرشدة للفعل. رغم ان نيتشة يترك نفسه مفتوحا للتفسيرات، لكن لا دليل على انه ليس خطيرا ومميتا في هذه القضايا.

هناك جزءان اساسيان واضحان لفلسفة نيتشة : هو يجد المساواة انحدارا اخلاقيا مثيرا للاشمئزاز، وهو يريد الانسانية ان تخرج من فكرة الاخلاق العالمية. كل فرد يجب ان يقرر دليله الاخلاقي. مفاهيم الخير والشر يجب الغائها. بينير يذكّر الليبراليين بان الالتزام بالمساواة الانسانية فيما يتعلق بالحقوق والحرية او اعتبارات الكائن الاخلاقي هي المبدأ المعرّف لأي اخلاق في مرحلة ما بعد التنوير. انها لا يمكن التفاوض عليها. لكن أي نوع من المساواة، وأي شفرات اجتماعية مرتكزة على المساواة، هي ببساطة تثير الكراهية الشديدة لدى نيتشة، وبصرف النظر عن قرائتك لأكثر اقوال نيتشة الصادمة، فان فلسفته الاخلاقية لا يمكن ان تمثل أي نوع من سياسات اليسار او الوسط. بالطبع، اليمين المتطرف هم ايضا يشعرون بالاضطراب لو ارادوا إسناد ايديولوجيتهم على اكتاف نيتشة. هو وجد مناهضة السامية سخيفة، ونصح دائما بالبحث عن منظور جديد لفهم العالم. وما هو اكثر جوهرية، ان نيتشة كان واضحا برفضه الراسخ لأي نوع من ذهنية القطيع، اليسار، اليمين او الوسط.

آفاق نيتشة

يسعى بينير الى انجاز ثلاثة اشياء في كتاب "عقول خطرة". اولاّ، هو يعرض فكرة الحدود او الآفاق Horizons كعامل اساسي لكشف نقد نيتشة للحداثة. ثانيا، هو يريد القول بانه – على عكس ما يريده منك كبار الاكاديميين – فانه من غير الصحيح القول بعدم وجود فلسفة سياسية لنيتشة. اخيرا، هو يقول ان كل ما ذُكر آنفا – تحطيم الاخلاق، سيادة الفلسفة السياسية، ومركزية الآفاق- تنطبق ايضا على مارتن هايدجر (1889-1976).

هجوم نيتشة على الديمقراطية الليبرالية لازال يتسبب في اراقة الدماء. المجتمعات الحديثة هي في ازمة روحية، كما يقول نيتشة، بسبب تقديسها الشديد للعقلانية والمساواة. نيتشه يرى هذا كارثيا لأنه يقود الى تحطيم أفاق الثقافة التي يحتاجها الناس لكي يعيشوا حياتهم الحقيقية.

الآفاق الثقافية هي حدود ثابتة من الافكار والتصورات بها يُعرّف الناس بالضبط منْ هم وما هي اهدافهم في الحياة. في هذا الجانب نيتشة يمجّد فوائد الطاعة الطويلة لقواعد معينة، والتي كما يقول تقود الى انتعاش الاشياء التي"لأجلها نستحق الحياة، مثل، الفضيلة، الفن، الموسيقى، الرقص، العقل، الروحانية "(ما وراء الخير والشر، v188، 1886). اليونان ما قبل سقراط امتلكت مثل هذه الآفاق، وكما فعلت الثقافات الاخرى غير الدينية. المسيحية ايضا لديها حدودها التي يجب احترامها، لكن نيتشة يكره المسيحية. تفسير بينير لهذا هو ان المسيحية رغم انها تفرض آفاقا، لكنها لا تسمح بالخلق الذاتي الأصيل لأن عقيدتها بالخلاص تنكر المأساة المطلقة للحياة، او فكرة ان كل شيء ينتهي بالموت وبالنتيجة كل جهودنا بالنهاية تذهب هباءاً. بالنسبة لنيتشة ان الثقافة الحزينة مليئة "بتشاؤم القوة" المطلوبة لمواجهة الفراغ. وبما ان ذلك يتطلب الشجاعة، فهو يجيز التفوق او النبل Nobility. المسيحية، من جهة اخرى، ترسّخ ما يسميه نيتشة "اخلاق العبودية".

ان ما هو اكثر إشكالية للمجتمع الغربي هو انه عبر"موت الاله" (1) وفقداننا ايماننا التاريخي، نكون قد محونا آفاقنا الثقافية، كما يذكر ذلك نيتشة بطريقة بلاغية في" الانسان المجنون"(The Gay science، 1882). بدون آفاق سوف نتحرر من القيود نحو فراغ يبتلع كل المتعة والمعنى من الحياة. هذا، كما يقول بينير، هو اصل كراهية نيتشة الخاصة للمسيحية: انها جسر من القديم النبيل الى الحداثة الساقطة.

ان اقتراح بينير في ان الآفاق توضح كراهية نيتشة للمجتمعات الحديثة يبدو صحيحا. ادّعاء بينير هو "ان نيتشة أراد الابداع والافاق المفتوحة للفيلسوف البطل وأراد الافاق المغلقة والضيقة لكل شخص آخر"(ص36). ولكن كيف تكون الآفاق مفتوحة للسوبرمان لو نال نيتشة رغبته وعاد الى الافاق المغلقة لما قبل ثقافة المسيح؟ وبعبارة اخرى، اذا كان السوبرمان يضع آفاقه الخاصة به فلماذا يشعر نيتشة بالحزن على ازالة الافاق التي جلبتها المسيحية والتنوير لاحقا معهما؟

الشيء ذاته مع هايدجر

فكرة ان نيتشة ليس لديه فلسفة سياسية جرى الدفاع عنها من جانب الباحث البارز في نيتشة وهو بران ليذر Brian Leiter في انسكلوبيديا ستانفورد للفلسفة. هنا هو يجادل بانه رغم ان نيتشة يدّعي انه مفكر سياسي هام، ومع انه لديه الكثير ما يقوله عن مشكلة الديمقراطيات الحديثة، لكن فلسفته السياسية الايجابية تنقصها التفاصيل. الوصفات الايجابية الكامنة في نقد نيتشة هي في الحقيقة تنطبق على الفرد وليس على الدولة وتهتم بالكيفية التي يصل بها الناس العظام الى طاقتهم الخلاقة.

بينير يسمي رؤية ليذر هذه بالسخيفة. فقط لأن الفلسفة السياسية سلبية ذلك لايجعلها غير سياسية. في الحقيقة، ليذر يعرض نفس الجدال في مناقشة الفلسفة الاخلاقية لنيتشة. هو يرى بانها في الاساس سلبية في نقدها اخلاقية القطيع لكنه لايزال يستنتج منها اخلاق ايجابية بافتراض ان الاخلاق الايجابية هي المضاد لما يكرهه نيتشه.

كتاب "العقول الخطرة" بوضوح ينطبق بالتساوي على نيتشة وهايدجر، لكن هايدجر اُلقي عليه اللوم بسبب ما فعله نيتشه . بينير يشير الى ان تحليل هايدجر للمجتمعات الحديثة تأثّر وبطريقة مشابهة بنيتشة. الآفاق تلعب دورا موازيا. ونفس الشيء ايضا ان هايدجر افتقر الى تفاصيل في فلسفته السياسية الايجابية. لكن بينير يقول، كما في نيتشة، نحن لا نستطيع القول ان فلسفته ليست سياسية.هذا الادّعاء يصعب اثباته . من كتاباته وافعاله يبدو من الواضح ان هايدجر كان نازيا على الاقل في جزء من حياته، والافتراض بانه تنقصه الفلسفة السياسية هو غير صحيح.

استنتاج

الكتاب يختتم بتحذير من القناعة بالليبرالية. الليبراليون ربما يشعرون بالآمان من هجوم نيتشة لأنهم يعتقدون ان افتراض المساواة متأسس جيدا لدرجة ان فكرة نيتشة السلبية وكراهيته لا يمكنها زعزعة ذلك الاساس. الاعتقاد بان القيم الليبرالية مقبولة عالميا هو واضح في القواعد المتفق عليها في القرن العشرين خاصة قواعد جون رولس" Proceduralism". يرى بينير ان تفضيل الاخلاق الاجرائية، "هي طريقة للقول اننا بالاساس جميعنا ليبراليون" . في الحقيقة، ان المشروع الليبرالي هو بعيد عن الانجاز، في ظل عودة الفاشية والبروز العالمي للسلطوية. بينير لا يتوسع هنا كي يوضح الكيفية التي يرتبط بها تحليله بالمشهد السياسي المعاصر(رغم انه قام بهذا في مقال لاحق في تاريخ شبكة الاخبار).هو ربما اضاع الفرصة هنا لكن جداله يبقى صامدا. نيتشة و هايدجر كشخصين ذكيين مثلما كان نقدهما للحداثة، اعتبرا جزءاً كبيرا من الانسانية لاقيمة له، وهما بديا ليس لديهما شك في استعباده او تحطيمه كليا. ولذلك هما كانا شريرين.

 

حاتم حميد محسن

.........................

* كتاب (عقول خطرة: نيتشة، هايدجر، وعودة اليمين المتطرف) للكاتب رولاند بينير، صدر عن مطبوعات جامعة بنسلفانيا عام 2018 في 176 صفحة.

الهوامش

(1) استعمل نيتشة عبارة "موت الاله" ليلخّص تأثير عصر التنوير على مركزية مفهوم الله ضمن الحضارة الاوربية الغربية والتي كانت مسيحية الطابع منذ الامبراطورية الرومانية. التنوير ادّى الى انتصار العقلانية العلمية على الكشف المقدس والى صعود المادية الفلسفية والطبيعية التي استغنت عن دور الاله في شؤون الانسان ومصير العالم. اعترف نيتشة بخطورة موت الاله على الافتراضات الاخلاقية في اوربا القائمة على الايمان المسيحي التقليدي."عندما يتخلّى المرء عن الايمان المسيحي، فهو يتخلّى عن الكل: لاشيء ضروري يبقى لديه".المشكلة هي في كيفية الحفاظ على نظام للقيم في غياب الامر الديني. الاستنتاج التنويري لـ "موت الاله" أعطى دفعا للافتراض بان الناس و الحضارة الغربية ككل لم تعد تؤمن بالنظام الاخلاقي الديني. موت الاله هذا سيقود، حسب نيتشة، ليس فقط الى رفض النظام الفيزيقي وانما ايضا الى رفض القيم المطلقة ذاتها. ومن هنا فان خسارة الاساس المطلق للاخلاق يقود الى العدمية. هذه العدمية وجد فيها نيتشة الحل عبر إعادة تقييم اسس القيم الانسانية.

 

 

علي محمد اليوسفأين نحن من الفلسفة اليوم؟

هذه وجهة نظر لا أتوخى أن يشاركني الجميع بصحتها بمقدارهدفي أن يشاركني الجميع مناقشتها في أعطاء بدائل حقيقية لها، قضية ثقافية – فلسفية تمتلك زوايا رصد ومعاينة متباينة عديدة تعني المشتغلين بقضايا الفلسفة والفكر بغية الوصول الى قناعات نحن بحاجة لها وليس أستعراض عضلات حجاج من أجل الحجاج ولا نقد من أجل الانتقاد لا يسمن من جوع ثقافي ولا يغني من صقيع فلسفي عربي.

لم يعد عجبا أننا دائما ما نصطدم بتساؤل لا نمتلك له جوابا شافيا مقنعا ، أين نحن من الفلسفة الغربية المعاصرة اليوم؟ وهو شقّ متفرع عن تساؤل مركزي مزمن أكبر مؤرق لنا وأكثر أهمية هوأين نحن من الحداثة المعاصرة المتقدمة بمتواليات علمية في مختلف مجالات الحياة المتخلفة المتراجعة باستمرارراسخ عندنا؟ في كلا التساؤلين نحن نعيش الهامش بالأجابة الثقافية النخبوية التضليلبة والأجابة المجتمعية الاستهلاكية المتخلفة.

وما يهمنا في مفتتح هذه المقالة هو الشق الاول من التساؤل العقيم، عندما نجد أنفسنا ضحية كذبة فلسفية كبرى مجدبة راسخة لدينا،، حقيقة زائفة تعيشها النخب الثقافية بدوغمائية فجّة رغم وضوح ضحالتها الفكرية البائنة القاصرة الفهم والاستيعاب النخبي والمجتمعي عندنا ، تلك هي أن الفلسفة الغربية المعاصرة الخاوية التي نكتب هوامش بعض قضاياها بتقديس مفرط، لا تقول شيئا جديدا ذا قيمة معرفية تفيدنا في نشداننا تحقيق أمل نهضوي ثقافي معرفي حضاري يراودنا، فالفلسفة الغربية المعاصرة غاطسة في عبثية تفسير الماء بالماء بعد جهد جهيد، ولا نملك سوى أن نردد تأسّينا قولنا هذه هي فلسفة (العصراليوم) التي يتوجب علينا عصرما يردنا منها مترجما أو في أصوله اللغوية الاجنبية بهوامش من التعليق والتفسير الطفيلي الشارح كي يدرعلينا ضرعها لبنا يسقينا ، وهيهات ما نبتغي ففاقد الشيء لا يعطيه..كل هذا ترك أسوأ الأثر عند متلقي التفلسف الهامشي عندنا حين وجدنا أنفسنا ومعنا المتلقي المثقف أن تفلسفنا اليوم هي كتابة هوامش تريد أن تقول أشياء عن لا شيء غير موجود في الفلسفة الغربية المعاصرة أصلا !!...كي لا يلحظ الآخرون سذاجتنا الثقافية المتهمة بالتخلف كما هو موقفنا المخجل من تناولنا الحداثة المعاصرة بعيون غيرنا، وربما تكون مفارقة غريبة لا تصدّق أنه أحيانا وفي القليل جدا ربما نكتب بعض الهوامش الفلسفية النقدية بما هو أكثر أقناعا للمتلقي في مقارنته بجدب وخواء متون التفلسف الغربي البائسة المعاصرة التي تمتلك هالة التعظيم بلا أهلية حقيقية تستحقها...وربما يؤاخذ على من يمارس كتابة الهامش النقدي أنه يستمسك بضحالة التفكيرالهووي المتشّنج على حساب الاقرار بالحقيقة الثقافية المعاصرة المسبوقين عنها كثيرا...وربما تكون المصادرة النقدية الهامشية في مناوشتها بعض معطيات الفلسفة الغربية المعاصرة من منطلق المقايسة المعيارية المجحفة بحقنا وهي قائمة فعلا هي أننا نمارس الهامش النقدي من غير أمتلاكنا مسوغات الندّية المؤهلة لمثل تلك المهمة لذا يجدر بنا الأخذ في الاستيعاب قبل ممارسة النقد الهامشي لمتون غربية لا نمتلك قدرة الأتيان بمثلها أو مجاوزتها بمغايرة التجديد والاضافة لها.

حقيقة هوامشنا الفلسفية التي تمتح من متون مباحث الفلسفة الغربية المعاصرة التي بات يستهويها الدوران المجدب العقيم حول ذاتها الفكرية المحتضرة بأعتراف فلاسفتهم يجعلنا نتوقف قليلا أمام مفترق طريقين نحاول فيهما أو أحدهما التماس منفذ الخروج والخلاص من جاذبية الدوران التابع المزمن حول المركز الفكري البؤري الغربي الذي يعيش أمجادا بالية أخترعها لنفسه وأراد فرض تعميمها والباسها ثقافات أمم وشعوب العالم اليوم..وليس عسيرا علينا ملاحظة العديد من باحثي شؤون الفلسفة عندنا تنّطّعهم اللغوي في كتابة تقعرات وتهويمات لغة هوامشهم الفكرية - الفلسفية للتدليل على سعة اطلاعهم في ممارسة الفذلكات والتدليس على القاريء في تداول تفكيرفلسفي فارغ لعرض متن غربي مجدب كل رصيده اللغة المقعرّة العصيّة التلقي وفي هامش عربي خجول بائس يحاول فك طلاسمها بحس نقدي غير جديرالقدرة والامكانية..

أمام هذه الحقيقة القائمة فأما أن تكون هوامشنا المتفلسفة تعرية صادقة وحقيقية صادمة للمشهد التمثيلي الفلسفي الغربي ممثلا في أسطورة ملابس عاهل الامبراطور الجديدة، ونكون بهذا خرجنا من رثاثة التهريج الكاذب والتصفيق المنافق الذي لا يمّل من ركض التسابق في مارثون الوصول الى نهاية الوهم والسراب الخادع والتضليل الاجوف المنتهك لهويتنا في عقر تفكيرنا.

وأما أن تكون هوامشنا في المسار الثاني هو تأصيل هووي راسخ في أعماق الوجدان الجمعي الثقافي فينا، وتأصيل جيني غائر في الروحانية الفلسفية للامم والشعوب الشرقية عموما منها مجتمعاتنا العربية في وجوب مفارقتنا الحتمية المعرفية المفروضة علينا في يباس الفلسفة الغربية وجفاف تخوم آفاقها الثقافية المجددة التي أستنفدت نفسها في الدوران حول مركزيتها الذاتوية، فأخذت تغتذي من منجزات العلم عكاز أستناد وطوق نجاة لها لأنها عاجزة من أبتداع فلسفة ثقافية جديدة تنقذهم من التكرار الملتبس المستنفد لحيويته الفكرية المعرفية لديهم.. وكل هذا الاختلاف التفاوتي في الاعلى والادنى، وفي المتقدم والمتخلف بيننا وبينهم لا يغّير من حقيقة أننا نعيش عصر أصبح العالم فيه قرية على صعيد أستهلاك المعرفة الحضارية ومنتجات العلم والاتصالات والمثاقفة..

الحلم الذي يراودنا سبقنا غيرنا فيه وجعله قيد التطبيق

لقد كانت الماركسية أول فلسفة وجدت على يدي ماركس وانجلز الفخ الهرائي المنصوب في مباحث الفلسفة الغربية الحديثة التي تغوص في مياه البحث الموحلة عن الحقيقة المطلقة في نسبيتها المتحققة المنجزة والمطلقة المغيّبة وهي خالية الوفاض لا تحمل أية قيمة أجرائية نتائجية في مصادرتها واقع المعرفة الحقيقية في خدمة الانسان والحياة...أمام هذا الطريق الفلسفي المسدود أنعطف ماركس بالفلسفة أنعطافة تاريخية ايديولوجية سياسية أقتصادية أستقرأت واقع الانسان الطبقي المتفاوت في توزيع الغنى والفقربالعالم وقرأت التاريخ بحس نقدي أجرائي سليم انثروبولوجيا – سياسيا - اقتصاديا جعل من مباحث كلاسيكيات الفلسفة الغربية كمن يغرف ماء البحر ليسقي به ظمأ الارض المتشققة ويبّل يباسها القاحل فيزيدها ملوحة على ملوحة وتصّحرا فوق تصّحرهاعالميا...وكان ما جرى للماركسية بعد التطبيق الاجرائي المّخل معلوم منذ تسعينيات القرن العشرين في تفكك تجربة الاتحاد السوفييتي في مفارقة مصاحبة مذهلة حقا بمقايسة نجاح تجربة الصين والتجربة الكوبية والفيتنامية والكورية الشمالية بتحفظ مقبول....لكن بقي مفترق الماركسية عن الفلسفة الغربية مؤشرا لا يمكن دحض تنبؤه المستقبلي في تأشيره المتقدم المبكرلعقم الفلسفة الغربية الرأسمالية...

ثم تبعتها بنفس المنحى المتضاد والتوّجه بالاهداف الفلسفة البراجماتية الذرائعية العملية الامريكية في أنعطافة فلسفية لا تزال قائمة حيّة الى اليوم في صدقها الحياتي (البراجماتي) الذي لا نتعامل معه والاستشهاد به هنا من منطلقات أخلاقية سياسية عربية ولا من منطلقات ايديولوجيات مشرقية بل من منطلقات فلسفية ثقافية علمية براجماتية حققت منجزات لا تحد ولا تحصى في زمن قياسي قصير من عمر التاريخ لرقعة جغرافية تتسّيد العالم اليوم هي أمريكا،، في معالجة واقع الحياة في المجتمعات الرأسمالية قبل تبديد جهودها وعبثية أنشغالها في فذلكات وتدليس التفلسف العقيم المجرّد عن واقع الانسان الحقيقي في قضايا أشباع حاجاته الحياتية بمنطلقات رأسمالية ناجزة قد تبدو لنا فيها مسألة أستلابها القيمة الحقيقية للانسان لا تصب في رجحان كفتها لكن هذا لا يمنع حقيقتها الفلسفية التي أصابت النجاح تاريخيا على صعيد التطبيق الميداني أمريكيا...

وفي صلب هذا التوجه الايديولوجي الرأسمالي كانت الفلسفة البراجماتية حاضرة وبألحاح شديد بما يجب أن تكون عليه الفلسفة المعاصرة في ظل النظام الرأسمالي حصرا.. معتبرة كل مدارس وتيارات الفلسفة الاوربية الحديثة والمعاصرة هي كثبان رملية لا تصلح مثابات أرتكاز لفلسفة أمريكية جادة حقيقية،،وأعتبرت فلسفات مثل المثالية الذاتية والدوغمائية الخيالية والبنيوية والتفكيكية والتحليلية والعدمية وما بعد الحداثة وغيرها من تيارات فلسفية فرنسية والمانية وانجليزية معاصرة موضات أستهلاك فلسفي لا مانع أن ينمو بعضها بالاستقبال وليس في الانبثاق التأسيسي المضاد على الارض الامريكية موسميا كنباتات صبّار لا تضر مزارع الفلسفة البراجماتية دائمة الاخضرار طالما هناك علوم تحقق المنجزات الباهرة وبأستمرار في صالح المجتمع الرأسمالي البراجماتي حصرا..

ولم يقلل من أهمية وتأثير النزعة البراجماتية الامريكية أدانتها أنجليزيا على لسان شيخ الفلاسفة المعاصرين براتراند رسل قوله (الفلسفة البراجماتية فلسفة خسيسة ونذلة).. لكن الحقيقة التي لم تستطع الفلسفة البراجماتية القفز من فوقها لصالحها فلسفيا هي محاولتها جعل الفلسفة تقود العلم كما هي واقعيا تقود السياسة الامريكية ..وتلك هي الحقيقة الصادمة التي تواجهها الفلسفة الغربية اليوم، هي أن العلم بتخصصاته العالية الدقة والابهار التقدمي ترك الفلسفة تركض وراءه من دون أن يلتفت لها في محاولة عرقلة مساره أو أبطاء تحقيق منجزاته المعجزة الهائلة..وهادنت الفلسفة البراجماتية العلم كما هادنته من قبل الكنيسة الكاثوليكية..وكلتاهما(الكنيسة والبراجماتية) كان مقدّرا لهما الاندثار لولا تعايشهما البراجماتي المهادن  للعلم.

الاميركان في أبتداعهم الفلسفة البراجماتية لم يكونوا متنبئين ناجحين في معرفة مستقبل الفلسفة الغربية وأنحطاطها المستقبلي القادم بل كانوا في منتهى الامانة والاخلاص لحاضرهم الرأسمالي الذي ألزمهم أختيار الحد الادنى الوسط في مزاوجة الفلسفة البراجماتية مع الجانب التفضيلي لمنجزات العلم في ضرورة تجربة صلاحية الافكار وصدقها العملاني التطبيقي الواقعي في الحياة...

وبذا كانت البراجماتية أيديولوجيا الفلسفة المعاصرة الرأسمالية الامبريالية بلا منافس حقيقي لها،، تماما في موازاة ما فعله ماركس بالاشتراكية الشيوعية بتحويله الفلسفة الى أيديولوجيا يهمّها تغيير العالم وليس تفسيره باللغة المنطقية الفلسفية المجردة فقط.وليس في وارد هذه المعيارية في التماثل بين ايديولوجيا الرأسمالية البراجماتية وايديولوجيا الشيوعية الماركسية وكلاهما حوّل الفلسفة الى علم في السياسة أن يقول التاريخ قولته الحاسمة في مستقبليتهما..فكلتاهما صنعتا التاريخ في وقت لم يكن متاحا للتاريخ صنعهما.

وفي تطورأضافي متراجع لاحق بالفلسفة أريد له أن يكون أنتقالة نوعية متقدمة الى أمام حين حاول فلاسفة اللغة وعلماء اللسانيات أنقاذ الفلسفة من براثن العقم المجدب المزمن في البحث عن اللامعنى الغائب في لعبة أختبار أن تكون اللغة  محور أشكاليات الفلسفة اليوم حسب أدعائهم، وأستحضار الغياب بدلا من الحضور والبحث عن فائض المعنى التي تدّخره اللغة في مخاتلة التعبير بما أطلقوا عليه الاختلاف والارجاء، الذي سرعان ما تطوّع شراح الهوامش الفلسفية على تعريبه أفتعاليا مصطنعا تماشيا مع (المصطلح التفكيكي) بغير مرادف لغوي عربي له موجود في معاجم اللغة العربية بمصطلح يساير موضة تبديل الحرف (a)  على الطريقة الفرنسية بدلا من (e) عند جاك دريدا في كلمة (diffarance) عن كلمة (difference) وبذلك الانجاز الفلسفي العظيم ؟؟ أنقلبت قضايا الفلسفة المعاصرة رأسا على عقب في تعمية أيجاد الحل المثالي الفوضوي في اللغة وليس في تعقيدات قضايا الفلسفة الموروثة المزمنة عبر العصور،،، وبلغ الانبطاح التفكيكي عربيا قمته في أستماتة بعض نقاد الادب العربي أن يكونوا تفكيكيين أكثر من ملك التفكيك دريدا في محاولتهم سد النقص الثقافي العربي وأبتداع فذلكة النقد العربي الاغترابي مابعد الحداثوي التفكيكي الجديد.. وأنطلت اللعبة الفلسفية في صمت الجميع المريب في المسكوت عنه هو ألادانة الغائبة لهذاءات النقد العربي الادبي التفكيكي على يدي أفراد معدودين من طالبي وهواة بناء الامتيازات الادبية الثقافية الزائفة في بذرهم بذور التيه والهجنة والاغتراب في مناهج النقد الادبي العربي السليمة المنبثقة من رحم النص الادبي العربي حصرا كما هو المنطقي المطلوب..

اشكالية في اللغة أم اشكالية في المنهج الفكري؟

ونرى هنا أهمية الاستشهاد برأي فلاسفة المدرسة الانجليزية التحليلية الحديثة عند كلا من جورج مور وبراتراندرسل، ومن بعدهم لوفيدج فنجشتين الذين وضعوا ولأول مرة في تاريخ الفلسفة معيارا نقديا فلسفيا غير مسبوق أنه يتوجب على متفلسفي اليوم وفي المستقبل البداية من منطلق أنه يجب أن تكون لغة الفلسفة هي لغة عامة الناس التداولية الدارجة كي يجدوا ما تقوله الفلسفة معبّرا عن قضايا حقيقية تمس حياتهم بدل الامعان بتخريجات الفلسفة القائمة على فبركات لغوية عصيّة على التلقي لا تفصح عن شيء يستحق الوقوف عنده،، كما وجدوا في تفكيكية دريدا موضة أستهلاكية متطرّفة لا تحمل معاني فلسفية تغني عن مراجعة ودراسة موروث قضايا الفلسفة الاشكالية، ورفض فلاسفة التحليلية محورية أن تكون اللغة أشكالية قائمة بذاتها كقضية محورية تخص الادب قبل الفلسفة وما تقوم عليه من(نحو وبلاغة) قضية تشغل مباحث الفلسفة أن تكون معيارا مجديا في مراجعة قضايا الفلسفة في القاء مسؤولية الاستعصاء الاشكالي المعرفي فلسفيا في حل اشكاليات قضايا الفلسفة على عاتق اللغة بما هي تعبير فكري أبهامي غامض ملتبس تأويليا في عجزه أن يسمّي الاشياء بمسمياتها الحقيقية وعدم قدرته أن يقول أفكارا جديدة بدلا من اللف والدوران في لعبة استهلاك اللغة بما هي لغة ادب وليس لغة حلول قضايا فلسفية عالقة، وميّزوا بين أن تكون اللغة هي اشكالية قائمة في تركيبية النحو والبلاغة والاستعارة والمجاز بمعزل عن دورها كمنهج تحليلي في معالجة حل أشكاليات فلسفية لا تقوم أخطاءها على تعبير اللغة الخاطيء عنها فقط بل الخطأ في فكر الفلسفة الفارغ من معالجة قضايا حقيقية بالفلسفة..، وبين أن يكون تقويم اللغة وسيلة مراجعة نقدية منهجية تحليلية في حل تلك الاشكاليات الفلسفية التي لن تكون اللغة أكثر من منهج في التحليل للوصول الى حقائق كانت الفلسفة عبر تأريخها الطويل تدور حولها باللغة المستعصية المبهمة على الفهم الواضح والدقيق في معالجة قضايا فلسفية لا وجود حقيقي لها كما أشار له بتشخيص علمي سليم فلاسفة التحليل الانجليز، وليس بالفكر التخليقي التجديدي الذي لا يقف أمام اللغة كأشكالية محورية تستأثربالاهتمام الفلسفي بما هي لغة قائمة في مقوماتها الذاتية الخاصة بها، بل في توسيل وتوظيف اللغة منهجا تعبيريا في مراجعة وحل قضايا الفلسفة العالقة منذ قرون، وأعتبروا تحليل اللغة ليس من أعتبارها دالا ومدلولا يقوم على البحث في المعنى الضيق لدلالات اللغة بما هي لغة (مدلول فقط كما في التفكيكية) من منطلق أنها مجازات بلاغية ونحو وأستعارة وجناس وطباق ومحسنات لفظية وكنايات وغيرها بما يخص علم اللغة.. فهذا لا يحل لا قضايا اللغة الادبية ولا يحل أشكاليات الفلسفة منهجا لغويا...وعن هذه المفارقة نجد تعليقا متندّرا لبراتراند رسل لا يحضرني نصّه لكن في مقاربة معناه قوله أننا بفهمنا اللغة قضية يقوم على حل اشكاليتها الداخلية بما هي لغة أدب، حل قضايا الفلسفة، يصبح من الأجدر بنا نحن الفلاسفة أن نعمل (أجراء) خدم تحت أمرة علماء اللغة والمشتغلين المتخصصين بشؤونها، وليس فلاسفة نعالج قضايا كونية انسانية تهم حاضر ومستقبل الانسان..

ما يعنينا أنه لمن الحقائق الصادمة التي نواجهها بما لا خلاص منه أن نعيش الثقافة الغربية المعاصرة من ضمنها الفلسفة شرّاح هوامش في محاولتنا سد النقص الثقافي البعيد عن محاولة تأسيس مشروع ثقافة عربية تحمل مقومات تلبية تحقيق حلم نهضوي حضاري متكامل ننشد به بلوغ أولى درجات اللحاق بالركب العالمي..لكن واقع الحال يشير العكس تماما في أعتياشنا على الهوامش كقدر لا خلاص ولا فكاك منه لا تحكمنا فيه عجزالقدرة النديّة بل التطبّع بحكم العادة على أستمراء وضع التبعية والاستكانة التي ترسخت بأذهاننا وممارستنا كتابة الهوامش الذيلية لأفكار غيرنا وكلاهما خلوّا من المعنى..أن المأزق التي تراوح الفلسفة الغربية بين فكيّه اليوم في منظورنا نحن المجتمعات الشرقية والعربية هو أما أن تكون مباحث الفلسفة عندنا مؤدلجة كي يتم هضمها وأستساغتها وأما أن تكون الفلسفة الغربية ثرثرة لا تناسبنا بأكثر من أستقبالها نزعة أستهلاكية نخبوية هامشية في طريقها الى الانقراض والتلاشي في الاصل الغربي بعد وفاة معيلنا الغربي على التفلسف في دوام كتابة هامشنا العربي التمجيدي لها.. وفي كلتا الحالتين لا يكون ضياعنا الثقافي الفلسفي أكثر من ضياع الاصل الغربي الغائص في وحول التخبط الفلسفي.

خاتمة التباسية مرفوضة

لا غرابة في مصارحة مكشوفة لأنفسنا بضوء قراءتنا لما سبق ذكره في هذا المقال أننا نرفض ما يريده مثقفي السلطة ومرتزقة الاعتياش على ثقافة الاعلام الهابط في التسويق الاستهلاكي البغيض للمفلسين من العطاء المعرفي والثقافي والفلسفي وترجمة واقع منتجات الحضارة المعاصرة من حولنا بحس نقدي سليم يستشرف طموحنا الثقافي المشروع،،، للخلاص من المأزق الثقافي الفلسفي الذي أستعرضنا بعضا من مشاكله هو في ضرورة أن نجعل حسب رغبتهم المشبوهة من المنطق الفلسفي الهامشي (ايديولوجيا) يمكن التعامل معها مجتمعيا وبلا حدود تلغي الفوارق الجوهرية بين المعارف اليومية الاستهلاكية والفلسفة كتعبير وأفصاح حضاري متقدم،، فكل شيء في الحياة العربية أصبح بفضل هؤلاء المرتزقة الذين يمّثلون الثقافة العربية الزائفة ومؤسساتها الرسمية وغير الرسمية زورا وبهتانا جواز مروره المجتمعي مرتهن في أدلجته كما جرى الحال معنا في أدلجة الدين وأدلجة التاريخ وأدلجة الاقتصاد وأدلجة الاخلاق والقيم والعادات وكل ماله صلة بالحياة العربية ماضيها وحاضرها ومستقبلها،، فلا يضيرنا الامر حسب رغبتهم أن تكون الفلسفة والادب والفنون (ايديولوجيا مسيّسة) في خدمة تراجع الوعي الجمعي عن مواكبة التجديد المستمر بالحياة من حولنا والتشبث بالمتخلف الرّث في الوعي والسلوك الذي يصب في خدمة السلطة الفاسدة والحاكم المتسلط الجائر.. والسبب أن مجتمعاتنا العربية لا تمتلك مصيرها الثقافي ولا السياسي الا بالانقياد الاذعاني القطيعي للايديولوجيا التي تحكم جميع مناحي حياتنا الغاطسة بهيمنة قدرية التخلف المجتمعي المصنوع بالوعي الجمعي التضليلي التعبوي المتخلف الزائف..

 

علي محمد اليوسف /الموصل

 

حاتم حميد محسنمقال كانط "البداية التخمينية للتاريخ الانساني"(1) يُعتبر محاولة لإعادة صياغة قصة الخلق في سفر التكوين. الفعل المنتج للرب (يهوه) هو تعاوني بمعنى اتحاد الارض والسماء. طبقا لسفر التكوين 2:4 فان الخلق هو من عمل الاجيال، لكن خلق كانط يتجسد كفعل مباشر احادي، هذا التفسير يختلف كثيرا عن السلسلة المعقدة من الاحداث المتجسدة في كتاب التكوين والذي ايضا يحتوي على التعددية في الافعال الابداعية وانها جميعها تمت نتيجة التدخل الالهي. كانط يفضل ان يغير ظروف أصل الخلق، جاعلا من اطروحته مشروعا ثوريا. هو يضع خطة نستطيع بها فقط تحسين قدرنا المعروف في الحياة من خلال الجهود الفردية. ومن جهة اخرى، تسمح القصة الانجيلية لنا بحيازة معظم القدرات الانسانية من اللحظة التي ندخل بها الجنة. ونتيجة للسقوط، يقرر كانط عرض البشرية كحركة تتجه من ظروف القطيع الى ظروف اكثر حضارية.

النوع المبسط للتفسير في سفر التكوين يأخذ شكل فهم انطولوجي للكون، وجود الانسان يصبح مرتبط برمزية الخلق. قصة الخلق لدى كانط هي رفض لهذا المظهر من الثقافة الانجيلية، رغم انه وحسبما يشير ستانلي روسر يوفر لكانط فرصة ملائمة لإعطاء نسخته الخاصة للحدث(2).

القسم الذي اختاره كانط (التكوين 2-6) لا يمكن فصله عن التقليد الاكثر اهمية. كانط تعلّم تكتيكا من اكبر مناوري التكوين، السيد روبت فيلمر، الذي استعمل الفصل الاول من التكوين للدفاع عن الحق الديني للملوك. لكن لوك و سدني وآخرون رفضوا هذا الاستغلال للنص، وعرضوا صيغتهم الخاصة  لمختلف الانواع. فيلمر و كانط تبنّيا نفس الخطأ. كُتب التكوين لـ جوشوا، بشكلها الحالي، تشكل قصة هائلة مترابطة. وفي اية حال، يجب على القارئ ان ينتبه الى القصة ككل، والى السياقات التي تنسجم معها كل الاجزاء الانفرادية والتي يمكن الفهم من خلالها.

مشروع كانط يرتكز على تشويه الحدث المجسد للاله، كما جرى فهمه تقليديا. لكي نتجاهل العوامل التاريخية الاكثر اهمية والتي جرى ادخالها كـ "اسباب وسيطة"، يرى كانط ان "ننشئ التفسير التاريخي من التخمينات وحدها"(3). النتيجة من هذا الاتجاه هي فقط عرض "قطعة من قصة"(4).الله يعبر عن نفسه من خلال افعاله وان هذه الافعال ثبت عليها الدليل بمواقف قيل لنا "ان الله عرف" الموقف في الجنة، رغم ان تفسير كانط عن الجنة هو نتيجة لطبيعة سخية بدلا من فعل توليدي لله. التفسير الانجيلي للتكوين يعرض الله كمشارك دائم في التاريخ الانساني محافظا على الرغبة في تحسين قدر الانسانية، حتى وان كان الله لا يأخذ دائما دورا نشطا في هذه الفعاليات.

ان الافعال الموحية التي يسخر منها كانط في "تاريخه" هي امثلة بارزة على استمرار العهد  والتي يمكن العثور عليها في التكوين والانجيل العبري. السابق للعهد الانجيلي جرى تجديده واصلاحه في مختلف الفترات طوال الكتاب، الحضور المشترك لله والبشرية في الحوار الذي اختاره كانط للتفسير جرى توسيعه الى حضور مشترك لله وشعبه. كانط والعديد من باحثي الانجيل المعاصرين يجادلون بان بناء وعرض فكرة الخلق هي جزء من عالم كوني يستجيب للمشاكل التي اُجبر على مواجهتها.الناس الكونيون، من هذا المنظور، لايمتلكون الادوات الحديثة للتوضيح وكانوا اجبروا للاعتماد على هذه المفردات. الـ "قصة" عُرضت في الفصلين الاولين من التكوين اللذين هما جزء من شريعة اكبر من التوضيحات للكون. قصة التكوين يجب النظر اليها الى جانب الملحمة البابلية والاعمال الاخرى كتفاسير تحاول انارة الفعل الابداعي. لسوء الحظ، كانط ورجاله من الصف الثاني فشلوا في تقدير حقيقة الحدث،  وهو لم ينجح في اعادة ادخال نسخته من التوضيح الرمزي.

كانط يدس حلّه "للصراع الحتمي بين الثقافة والكائنات الانسانية" عندما ينتقد رعاة اقدم وثيقة للعرق الانساني بالاشارة اليها بالجزء القديم للوجود الانساني: "القناعة بالرعاية الالهية"(5).ما يتبع ذلك يأتي للوجود من خلال عملية الطبيعة وحركة يمكن القول هي من الطبيعي الى الاخلاقي. هذا "التبرير للطبيعة"المختلف كثيرا (6) استدعى ان تبتعد الرعاية بشكل كبير عن الفكرة المسيحية للرعاية كعلم مسبق للرب استخدمها بطريقة لحماية شعبه على الارض. استعمال الطبيعة ايضا ياخذ معنى اكثر صرامة متضمنا انه قد يكون تيليلوجي بشكل ما. الرعاية يجب فهمها كدور الطبيعة الكانتي في التاريخ(7).

رغم ان كانط تأثر بروسو، لكنه رفض فلسفة روسو في التاريخ. يرى كانط ان التاريخ هو تحوّل مرتبط مباشرة بـ "المقارن للطبيعة"(8).هو يرى ان الحالة الاصلية للبشرية لا يمكن انكارها، لكنه يقترح انها ليست حالة من الخشونة لأن الطبيعة "اتخذت سلفا خطوات جبارة في الاستخدام الماهر لقواها"(9). كانط يتقدم ليعترف بالحركة من الغريزة الطبيعية وحدها الى حالة جديدة للقوة.

لاحظ كانط ان تطور البشرية كقدر اخلاقي قد يحسّن الصراع بين الثقافة والكائنات. البشرية بالنسبة لكانط يمكن اعتبارها تتطور نحو غاية صحية: الناس وحدهم قادرون للتحرك الى ما وراء الحالة البهيمية للوجود الى حياة اكثر انسانية. لكن الانسانية تواجه على الاقل ثلاثة انواع مختلفة من اللاقناعة المرتبطة بهذه الحرية الجديدة. النضج الطبيعي يسبق النضج المدني. اذا كان الشخص الشاب قد يحوز على القدرة البدنية للانجاب وتربية عائلة، هو مع ذلك لا يمتلك المؤهلات "المدنية"لعشر سنوات اخرى، طبقا لكانط. هذا يصبح اقل حدة مع تطور الانسان الى كائن اخلاقي، ولكن ستكون هناك فترة متقطعة من الشقاء. كانط يستخدم قيود العمر كمانع للبشرية من تحقيق امكاناتها الاخلاقية. هذا تتبعه مشاكل عدم المساواة الانسانية وفرض "الحقوق المدنية" كحل للمشكلة(10). ولكن مع وجود هذه العيوب، يستطيع كانط الآن اعطاء فروقات ضرورية لجعل اتجاهه متماسكا.

الحل سيكون اكثر تعقيدا عندما يصبح اساس التعليم الاخلاقي والثقافة غير قادرين على انجاز دورهما في المجتمع. الثقافة، في السياق الكانطي، يجب فهمها ليس كسعي جمالي نحو الخير والحقيقة والجمال،  وانما كاساس شمولي للتحسين الاخلاقي لكل الناس. الثقافة يمكنها تزويد الانسان بالحرية لو انها تجاوزت الطبيعة. الثقافة غير قادرة على تغيير الحاجات الاصلية للبشرية لأن نجاحها مقيد بالرغبات المصنوعة الناتجة عن استخدام البشرية للعقل. في ضوء ما تقدّم، نحن لدينا شكل ما من المجتمع المدني، متأسس على صناعة قرار مستقل"متجنبا اي سلطة خارجية على الرغبة" وهو يشبه جموحنا نحو الايمان المفرط  بالعقل كمرشد للحياة الاخلاقية.

ان إعادة قراءة كانط للتكوين قد يُنظر اليها كعملية خطرة من جانب الاديان والسلطات الاخرى؟ لكن بالنسبة لكانط يرى الخطورة في قراءة التكوين بطريقة تشجع على عدم القناعة بالرعاية الالهية. ان قراءة كانط هي ربما اكثر ايجابية مما يتصور البعض وذلك لعدة اسباب:1- ان الكائنات البشرية تتقدم تدريجيا نحو التنوير 2- التقدم يحدث جزئيا من خلال الصراع ممهدا الطريق للحرية وبما يقودنا لتطوير عقولنا والعيش مع بعضنا بشكل افضل. 3- لا يجب ان نحزن على فقدان العصر الذهبي للراحة والسلام قبل السقوط لأننا لم يكن بامكاننا البقاء هناك طويلا بما يكفي للانسانية. 4- ان السقوط هو حقا خطوة ضمن تقدمنا الشامل نحو حالة افضل. 5- قراءة كانط تعني ان التاريخ يسير من الاسوأ الى الافضل وببطء ونحن نستطيع تحريكه عبر تحرير عقولنا.

 

حاتم حميد محسن

.......................

* مقال (كانط حول التاريخ والثقافة كوسائل للتطور الاخلاقي) للكاتب LEE CHEEK، نُشر في مجلة The imaginative conservative في سبتمر 2013.

الهوامش

(1) عمانوئيل كانط "البداية التخمينية للتاريخ الانساني"،  trans-Emil fackenheim, in Immanuel Kant on history.

(2) ستانلي روسن، الهيرمونطيقا كسياسة (نيويورك:مطبوعات جامعة اكسفورد)، 1987، ص31.

(3) كانط،  ص53.

(4) المصدر نفسه

(5) كانط ص 68

(6) كانط ص 25

(7) هنا فكرة كانط عن التاريخ ايضا تحتوي على عنصر الرعاية.

(8) كانط ص 53-54

(9) نفس المصدر السابق

(10) نفس المصدر ص 62.

 

حمزة المليحتقديم: شكل التفكير الفلسفي داخل النسق الفكري المغربي ـ الأكاديمي ـ محورا للإهتمام الإبستيمولوجي، ونقطة للإرتكاز النقدي، من قبل مجموعة من الباحثين والنخب المثقفة، وقد أثارت أشكلة تعميم الفلسفة داخل المجتمع المغربي، وطبيعة تمثل "الشخص" المغربي للفلسفة كمعرفة إنسانية، جدلا عارما في كتابات العديد من المفكرين، الذين حاولوا مقاربة الدرس الفلسفي داخل أبعاده السياسية، والتنظيمية، والإجتماعية.. إلا أن طبيعة هاته الإنشغالات لم تعر إهتماما وافرا، لدور البنية الرمزية والمتخيل الشعبي في مدارسة التصورات العامية لطبيعة الممارسات الفلسفية . وإذا كان الأمر هكذا . فكيف ترتسم ملامح التفكير الفلسفي داخل بنية المجتمع المغربي؟ وما علاقة المتخيل الشعبي بعملية رسم حدود الفكر الفلسفي ورمزنته داخل فكرانية الإنسان المغربي؟ وما دور التنشئة الإجتماعية وحدودها في عملية التهيئة السليمة لتقبل فكر جديد "كان مغضوبا عليه" في سياق زمني سابق؟ وما دلالات المنهج الديني وضوابط الركن التعليمي في انتشار طبائع الإستهزاء ومسالك التخوف والإستنكار من الفكر الفلسفي؟

1 ـ الصورة الفلسفية وحواجز التمثلات الرمزية:

شكل مفهوم المتخيل لدى العديد من المغاربة بإختلاف مشاربهم وإنتماءاتهم، قاعدة أساسية في التحليل الواقعي للنمط الإجتماعي، ورغم أن هذا المفهوم نقيض لما هو واقعي في الأصل، إلا أن النسق السوسيوثقافي بالمجتمع المغربي ينطلق بالأساس، في رؤيته للوقائع والأحداث، وكذا في إستشفافه للمعارف وإستكناهها ... من المقاربة التاريخية التي تنظر للثرات بمنطق العين الواحدة، وتقطع بالمقابل مع كل ما هو موضوعي وعقلي، وتمجد الدلالات الرمزية للمتخيل الشعبي الراسخ في روح المجتمع . ومن الناحية السيكولوجية  " يتجسد المتخيل بالمعنى الحقيقي لكلمة تجسد، في لحظة معينة من حياة الفرد، ربما تكون هي الحدث الوحيد الذي يمكن تحديده بما هو كذلك في المتن التحليلنفسي[1]، فعندما نتحدث عن الفكر الفلسفي داخل الاوساط الشعبية المغربية، نجد أن معظم التفسيرات حوله كانت ولازالت رهينة إنغلاق وإنسداد إبستيمي في أفق التجديد العقلي، فتعريفهم للفلسفة أو التفكير الفلسفي ينطلق من مبدإ الثقافة الشعبية التي تتيح قدرا من التفاعل الإجتماعي بين أفرادها، وفقا للخلفية القيمية والرمزية لهم، وكذلك وفق البنية النفسية الكامنة في لاشعورهم الباطني .

هكذا نجد بأن الفلسفة أمست عرضة للنكتة المغربية ومصدرا لزلات اللسان المرتبطة بالخلافات والشجارات التافهة بين الأفراد، فصار ذلك الأرعن الذي يجيد فن الكلام الفارغ بؤرة للتفلسف وعمقا له، حتى قيل في من أكثر الحديث  والغوغاء "باراكا ما تفلسف علينا" . والحقيقة أن " هذه الضروب من السلوك والتفكير لا توجد خارج شعور الفرد فقط، بل إنها تمتاز أيضا بقوة قاهرة آمرة، هي السبب في أنها تستطيع أن تفرض نفسها على الفرد، أراد ذلك أو لم يرد [2]، مادام المجتمع هو الذي يقرر سلوكاته وتمثلاته للأفكار والأشياء . من هذا المنطلق بالذات ندرك بأن الفلسفة كنمط من المعرفة لا ترى في المجتمع المغربي بعين التقدم والتجديد، بل بعين الجمود والتخلف المستمد من نظرة الأباء والأجداد حول هذا النمط المعرفي، بسبب بعض الإرهاصات التاريخية  والسياسية التي مر منها المجتمع المغربي، وكذا لما يتشربه الأفراد من عملية التنشئة الإجتماعية، التي تلعب دورا حاسما في تشويه البنية النسقية للحقائق الإجتماعية التي يتلقاها الفرد عند احتكاكه بالمعرفة الفلسفية، حيث تصبح الشخصية عبارة عن " تمظهر وتجل وتعبير عن المشترك بين النفسي والإجتماعي لدى الفرد الذي يتشرب سيكولوجية مجتمعه، ليبني سيكولوجيته الشخصية، فالجماعة التي ينتمي إليها تظل حاضرة داخله مهما ادعى التملص منها [3] . ولعل هذا ما أدى بالفلسفة ـ كأرقى أشكال التعبير الإنساني ـ إلى السقوط في دوامات المتخيل الشعبي المغربي، المنبثق من النظرة الماضوية للأشياء، حتى أصبح الفكر الفلسفي بمثابة علم باطل لا يسمن ولا يغني من جوع، ولعل السبب وراء هاته الظنون الخاطئة هو إيمانهم بمعتقدات وإيديولوجيات فاسدة هدفها الأسمى إغتيال العقل المغربي المبدع، في ظل غياب القدرة على مواكبة التقدم والعمل على تغييب الأفكار التجديدية والنهضوية .

2 ـ  الصورة الفلسفية في تناقضات المنظومة التعليمية:

ويمكننا أن نلمس هذا الإعتقاد الخاطئ في منظومتنا التعليمية السابقة، فقد إقترف النظام المغربي السابق خطأ فادحا حين قام بتهميش الجزء المتعلق بالفلسفة والمنطق، حيث قلص من كل ما يغني الحس النقدي البناء لدى الطالب والتلميذ المغربي، وذلك بحجة أن الفلسفة تساهم في نشر الإلحاد وطمس القيم الأخلاقية الدينية، وأن المنطق الأرسطي هو السبب في تخلف العلوم والنظرة العلمية العربية، وبهذا فقد " عمد بعضهم إلى قلب الحقيقة، جاعلين من الضعف قوة ومن النقص كمالا، فينسبون إلى العقل ما كان ينسب إلى نقيضه ـ أي الجهل ـ [4]، معتبرين أنفسهم دعاة الإصلاح و نور الهدى، وتقوى الفكر والمعرفة، وبالتالي كانت النتيجة أن أدرنا رؤوسنا إلى الوراء ودخلنا في سرداب معتم ونفق مظلم قادنا في آخر المطاف إلى شلل فكري شعاره اللاإبداع . لكن هل كان المجتمع المغربي مستعدا لهذا النوع من التفكيرالمقلق والمزعج؟

إن هذا السؤال يتطلب منا نظرة مزدوجة للواقع السياسي السابق، وللبنية الفوقية لنسقية الثقافة المغربية، فعندما نتحدث عن إمكانية إندماج العقل المغربي المتشبع بقدسية الإسلام الشعبي، مع طبيعة الفكر الفلسفي، نصطدم مباشرة بمفهومي "القابلية" و"الإستعداد" النفسي والأخلاقي " فالثقافة الفلسفية لم تتبيأ في الثقافة العربية الإسلامية . إذ نظر إليها دوما منذ القديم على أنها بضاعة إغريقية، أو فكر نقدي تجاه الفكر الديني عامة [5]، وهذا ما جعل العقل المغربي ـ العامي ـ أرضية غير قابلة للإخصاب الفلسفي . هذا كما لعب السياق السياسي السابق دورا كبيرا في عملية قولبة التوجهات الفكرية المتأثرة بممارسة الفكر الفلسفي والداعية إلى تعميمه، " ويتمثل هذا الوجه السياسي في أن دروس الفلسفة في الثانوي والجامعة كانت مورودا للفكر اليساري الحديث بالنسبة للطلبة، وكان معظم أساتذة الفلسفة متأثرين بالماركسية، مما جعل هذه المادة مشبوهة إيديولوجيا وسياسيا [6]، ومنبوذة إجتماعيا وأخلاقيا .

ولعل زعزعة المتن السوسيوـ سيكولوجي لفكرانية الأشخاص، تنتج لنا مجتمعا متخبطا في تناقضات أفكاره، فالقوة السياسية و السلطة التنظيمية حينما تحضر في المجتمع بطريقة عكسية ومنحرفة عن أهدافها الأساسية، تعطل مسار الأفكار النورانية في جسد المجتمع، فيتأخر النمو المعرفي والعقلي لدى الأفراد، وتتمثل لديهم المعارف والسلوكات والأحكام على نقيضها . لكن سيرورة التعطيل هاته لا يمكن لها أن تستمر ما دامت قد بنيت على صرح الباطل، " فالفكرة عندما تخرج إلى النور فهي إما صحيحة أو باطلة، وحينما تكون صحيحة فإنها تحتفظ بأصالتها حتى آخر الزمان، لكنها بالمقابل يمكن أن تفقد فعاليتها وهي في طريقها حتى ولو كانت صحيحة [7]، وكذلك الفكرة الفلسفية، يمكن لها أن تنقطع لبعض الوقت في مجتمع ما، لكنها تعاود النهوض مجددا وبقوة أكثر من السابق . ولهذا فقد أريد لدروس الفلسفة في الماضي أن تلعب دور إبعاد الناس عن دينهم، والحقيقة وراء هكذا إتهام هو إنتاج الإنسان الفاقد للقدرة على التمييز وتفعيل العقل بالشكل المناسب .

ونتيجة للتشدد الأعمى حرص الفكر الإسلامي والدراسات الإسلامية – سابقا – على إعتماد مناهج وبرامج هدفها إبعاد الطلبة عن ممارسة التفكير الحر المستند إلى مبدإ النقد، وكأن العالم الإسلامي لم ينتج فطاحلة الفكر والفلسفة، " ولو تأملوا هؤلاء الأشخاص الذين حاولوا إزاحة الفكر الفلسفي وعقلوا " لعلموا أن من لا قديم له، لا جديد له، وأن الشرف والنبل يرجعان إلى عراقة الأصل، وأن أفخم البنيان يشاد حتما على أمتن أساس[8]  ذاك الأساس الذي خلفه السابقون من فلاسفة الإسلام .

3 ـ الصورة الفلسفية في نوازل الشرعة الربانية:

إن لله وهو الحق العليم، قد منح الإنسان ملكة العقل البرهاني ـ الرباني ـ، لإخراجه من دوامات الجدل العرفاني الكلاسيكي، بمعنى أن وظيفة العقل الإنساني تقتضي منطق التفاعل الكوني مع ظواهر الأشياء وتجلياتها في الكون، فالمجتمع لا يقوم إلا من خلال التفاعل الإجتماعي بين أفراده، ذلك التفاعل الذي يقوم على أساس القوة العقلية والأخلاقية، وإن الفيلسوف هو الشخص الوحيد الذي يستطيع " الكشف عن إستبصارات يكون العالم مدينا لها على الدوام [9]، ولهذا لا يصح أن ترشق الفلسفة – كلما تسنت لهم فرصة الحديث عنها – بأسهم الجهل والتضليل، فإذا كانت الشريعة الإسلامية تخدم مصالح الناس العامة فإن الفلسفة تخدم العقل الإنساني وتنميه، وتخرجه من وحل الإيديولوجيات الفاسدة بالبحث والتفكر والتأمل… في الكون ومن عليه، " فالإنسان الذي لم ينهل من الفلسفة تكون حياته أسيرة أحكام سابقة، إستمدها من الفطرة المشاعة [10]، وبهذا يصبح التفكير الفلسفي ومضة النورالمتبقية في ظلمات التهافت المبتذل، وسلطان العادة، وقيد المسلمات العرفانية . ذلك أن انتشار الأضاليل، وسعة  بعض الأقاويل، قد أدى إلى إعادة صراع فكري قديم كان قد حسم قبلا، في هيازج الهدي الفكراني، لصلابة الفلسفة الرشدية، فقد كفر الإمام أبو حامد الغزالي الفلاسفة ومن سار على دربهم في ثلاث مسائل " إحداهما مسألة قدم العالم، وقولهم إن الجواهر كلها قديمة، والثانية قولهم إن الله تعالى لا يحيط علما بالجزئيات الحادثة، والثالثة إنكارهم بعث الأجساد وحشرها [11]، ويتضح لنا من خلال هاته المرافعات المجحفة في حق الفلسفة  " بأن هذا الرجل أخطأ على الشريعة كما أخطأ على الحكمة [12] ، وإذا أردنا أن نخرج بخلاصة في هذا الباب يمكن أن نقول بأن هذا الموقف الذي عاشه، ولازال يعيشه المجتمع المغربي ليس سوى إعادة إنتاج حرب التناطح الفكري " الكبير والطويل والمستمر بين العقل والنقل [13]، والتجديد والجمود، المحايث لسيرورة التنشئة الإجتماعية المنحرفة والمشوهة .

4 ـ  الصورة الفلسفية في حقيقة الحياة اليومية:

إن ممارسة التفكير الفلسفي وفقا لضوابطه العقلية والتنظيمية، يوجب على الإنسان أن يسعى لتبيأته ومحاولة ممارساته، كنمط سلوكي عام داخل المجتمع،  والحقيقة أن المجتمع المغربي مجتمع غير مبال، فمعظم تفكيره مقترن بالأساس في صعوبة عيشه، إنه مجتمع يحتاج إلى روح الفيلسوف، إلى من يندهش ويسأل ويستغرب، لا إلى من يقضي يومه بالتفكير في كيفية تحصيل لقمة العيش، والتلهف لإشباع نزوة الشبق الجنسي . فعامة المغاربة لا يتخذون موقفا من الحياة، فقد تعودوا على الأشياء لدرجة أنهم فقدوا الحس النقدي الذي يرتكز على مبدأ التساؤل والإندهاش . إن الشباب المغربي اليوم ـ وبدون تعميم مسبق ـ  شباب غير مبال، يستهلك أيامه بدون حماس، يبتعد كل يوم عن دائرة العلوم والمعارف، " والشعب بغير هدى المعرفة، جمهور بغير نظام، هو بذلك كالرغبات بغير نظام، أو القطيع بغير راع، إن الشعب يحتاج إلى هدى الفلاسفة كما تحتاج الرغبات إلى ضوء المعرفة [14] ، ولهذا نحتاج إلى التفكيرالفلسفي بإعتباره تفكيرا نقديا يسلك طريق السؤال والشك، لنتذوق الطعم الحقيقي للحياة . ومادام الفكر الفلسفي مجرد تفكير عقلي خالص لا يتبناه المجتمع كممارسة فعلية لضبط السلوكات الإجتماعية، تبقى الحياة اليومية مجرد صورة مختزلة للتفاعل الوهمي ـ المزيف ـ بين أفراد المجتمع المغربي .

خلاصة عامة:

إن أهم ما يمكن الخلوص إليه، هو أن إشاعة الفلسفة وتعميمها في المجتمع المغربي، يتطلب بعد الإرادة السياسية الجادة والملحة، إدراكا ووعيا بأهمية البعد السوسيوـ ثقافي ودوره، في مقاربة الوضع التفاعلي بين: الفلسفة كمعرفة والتمثلات القبلية للشخص المغربي، الناتجة عن سيرورة التنشئة الإجتماعية . والمخلفات التاريخية التي تحيط بالأفراد من كل جانب . ولن يتم ذلك إلا من خلال إعادة بناء النسق الفكراني للتحليل الرمزي لبنية المتخيل الشعبي عند التلميذ الدارس للفلسفة، والأشخاص المهتمين بهذا الحقل المعرفي .

 

حمزة المليح ـ باحث في علم الإجتماع ـ المغرب

..........................

المراجع المعتمدة:

كاترين كليمان ـ التحليل النفسي ـ تعريب محمد سبيلا ـ محمد أحجيج، منشورات الزمن، سلسلة ضفاف .

إميل دوركايم ـ قواعد المنهج في علم الإجتماع ـ ترجمة محمود قاسم، دار المعرفة الجامعية، 1988 .

عبد الرحيم تمحري ـ شخصية المدرس المغربي، الهوية والتوافق ـ تقديم أحمد أوزي ـ منشورات مجلة علوم التربية، العدد 34 .

طه عبد الرحمان ـ سؤال الأخلاق، مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية ـ المركز الثقافي العربي .

محمد سبيلا ـ دفاعا عن العقل والحداثة ـ مركز دراسات فلسفة الدين ـ بغداد 2004

مالك بن نبي ـ مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي ـ ترجمة بسام بركة، واحمد شعبو ـ أفاق معرفية متجددة .

مصطفى لطفي جمعة ـ تاريخ فلاسفة الإسلام في المشرق والمغرب ـ دار العلم والمعرفة .

وليم كلي رايت ـ تاريخ الفلسفة الحديثة ـ ترجمة محمود سيد أحمد، دار التنوير ـ بيروت .

برتراند راسل ـ مشكلات الفلسفة ـ ترجمة : سمير عبده ـ دار التكوين للنشر

الإمام الغزالي ـ تهافت الفلاسفة ـ دراسة وتعليق أبو عبد الرحمان محمد بن علي، دار الفن والثقافة

إبن رشد ـ تهافت التهافت ـ دراسة وتعليق أبو عبد الرحمان محمد بن علي، دار الفن والثقافة

الهوامش

[1]  ـ كاترين كليمان ـ التحليل النفسي ـ تعريب محمد سبيلا ـ نحمد أحجيج، منشورات الزمن، سلسلة ضفاف ـ ص 56

[2]  ـ إميل دوركايم ـ قواعد المنهج في علم الإجتماع ـ ترجمة محمود قاسم، دار المعرفة الجامعية، 1988

[3]  ـ عبد الرحيم تمحري ـ شخصية المدرس المغربي، الهوية والتوافق ـ تقديم أحمد أوزي، ص 12

[4]  ـ طه عبد الرحمان ـ سؤال الأخلاق، مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية ـ المركز الثقافي العربي، ص 13

ـ محمد سبيلا ـ دفاعا عن العقل والحداثة ـ مركز دراسات فلسفة الدين ـ بغداد  2004، ص 40 [5]

[6]  ـ محمد سبيلا ـ نفس المرجع السابق ـ ص 40

[7]  ـ مالك بن نبي ـ مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي ـ ترجمة بسام بركة، واحمد شعبو ـ أفاق معرفية متجددة، ص 103

[8]  ـ  مصطفى لطفي جمعة ـ تاريخ فلاسفة الإسلام في المشرق والمغرب ـ دار العلم والمعرفة، ص 9

[9]  ـ  وليم كلي رايت ـ تاريخ الفلسفة الحديثة ـ ترجمة محمود سيد أحمد، دار التنوير ـ بيروت، ص 21

[10]  ـ برتراند راسل ـ مشكلات الفلسفة ـ ترجمة : سمير عبده ـ دار التكوين للنشر، ط1 ـ 2016، ص165

[11]  ـ الإمام الغزالي ـ تهافت الفلاسفة ـ دراسة وتعليق أبو عبد الرحمان محمد بن علي، دار الفن والثقافة، ص 174

[12]  ـ إبن رشد ـ تهافت التهافت ـ دراسة وتعليق أبو عبد الرحمان محمد بن علي، دار الفن والثقافة، ص 301

[13]  ـ محمد سبيلا ـ نفس المرجع السابق ـ ص 40

[14]  ـ ول ديورانت ـ قصة الفلسفة ـ من أفلاطون إلى جون ديوي، دار الوطن 2017، ص 32

 

علي محمد اليوسفتوطئة: افكار هذه المقالة مستوحاة من مصدر كتاب الفيلسوف الامريكي ريتشارد رورتي بعنوان (الفلسفة ومرآة الطبيعة) كما معلن عنه في هوامش الاقتباسات، الا أني فوجئت بأن الفصلين الاول والثاني من الكتاب لا يطرحان أفكارا فلسفية وأنما هي آراء طبية تخصصية في علم وظائف الاعضاء والجهاز العصبي، وتتحدث باسلوب تخصصي معقد عن افتراضات مقارنة لكوكب آخر يسكنه أناس لا عقول طبيعية لهم كعقول أهل الارض... وعمد المؤلف أجراء مقارنات غاية في التعقيد الفسلجي الوظائفي في علم وظائف الاعضاء في تدعيم وجهة نظره في فرضية المقارنة التي أقترحها للتدليل على صحة ما يريده.

ما وجدته في الكتاب المصدر أحتجاب الآراء الفلسفية تماما من الحضور في متون الفصلين الاولين من المحتويات، مما يجعل الباحث عن الفلسفة بعيدا جدا عما يتحدث عنه الكتاب على أنه فلسفة معاصرة وليس كتابا في علم وظائف الاعضاء والجهاز العصبي وعلم النفس الطبي التخصصي الدقيق.. لذا وجدت نفسي ملزما كي أقدم مقالة فلسفية للقاريء أن أخرج على الكثير من آراء رورتي في علم وظائف الاعضاء متوخيا البحث بين ثنايا فصلي الكتاب عن قطوعات وشذرات فلسفية تعينني عرضها ومناقشتها بحجاج منطقي فلسفي مفهوم واضح..

وأستشهد على ما سبق لي ذكره بمثالين:

- الاول هل بأمكاننا أعتبار ماهو فيزيائي لا يكون بالضرورة الادراكية عقليا؟؟ الجواب الذي عثرت عليه في فلسفة رورتي أن هذه بديهة لا يمكننا مناقشة التسليم بها ولا مجال في مناقشة تخطئتها أو التحفظ في تعميمها على جميع الظواهر الفيزيائية بدءا من ظواهر المادة وليس انتهاءا بظواهرالسديم الكوني، وهذا برأيي قطع يقيني غير سليم تماما...فكل متعين فيزيائيا يكون متاحا أدراكه عقليا باستثناء بعض الظواهر الفيزيائية التي تخص فيزياء الكون والقوانين العامة الذي تحكمه.

- المثال الثاني الذي لا يقل أستعصاءا على قبول التسليم به هو في أعتبار رورتي أحاسيس طبائع الجسم الداخلية النفسية المزاجية مثل الالم والحزن والسعادة والبكاء والجوع والعطش والجنس أنما هي محض أستثارات لألياف عصبية وليست أستثارات عقلية ولا تعني أستجابة الدماغ لها في وجوب الردود الاجرائية عليها وأشباعها غريزيا ماديا..

لما ذكرته وغيره لا يحضرني كثير أستوجب مني التنبيه أن ما تحويه المقالة من أفكار هي من وحي الفصلين الاوليين من كتاب رورتي لكن ليس بالضرورة الالتزام بما ورد فيهما من أفكار وجدتها بعيدة عن التناول والاهتمام الفلسفي، لذا فالمقال هو أفكارخاصة بي وأجتهاد شخصي فقط في مناقشة اقتباسات عرضية من الكتاب..

في معنى علاقة العقل بالجسد

يذهب فلاسفة غربيون عديدون قدماء ومعاصرون الى أهمية وجوب التفريق في مسألة بديهية لا تحتاج عناء برهان عليها، هي فصل العقل عن الجسد ليس على صعيد البيولوجيا وحسب وأنما على صعيد الوظيفة الفسلجية والمعرفية والفلسفية التي تحتّم وجوب هذا الفصل القائم أساسا،، فالعقل ليس هو الجسد، ولا الجسد هو العقل،، ووصاية العقل على الجسد لا تجعل من هذا الاخير جوهرا لا أهمية له من دون ملازمة العقل له كجوهر ثابت..فالجسد موجود في فاعلية العقل الحيوية الملازمة له وموجود ايضا في عطالة العقل كما في حالات الجنون أو فقدان الوعي والامراض العصابية العقلية، وهذا يؤكد حقيقة أن العقل لا ينتج مقولاته الاجرائية عن مدركاته خارج تكامله مع الجسد في كينونة انسانوية واحدة،، كما لا قيمة حياتية من أي نوع لجسد لا يتوّجه ويقوده عقل واع في  السيطرة عليه وتقويمه من الزلل المستديم والضلال المميت.

فالجسد والعقل هما جوهرواحد قيمة أحدهما لا معنى لها من دون قيمة الآخرمعها،فالانسان جوهر متكامل يستمد كينونته من ثنائية جوهر العقل - الجسد، بينما لا ينوب الجسد كجوهر عن جوهر العقل، ولا أهمية للعقل ولا للجسد من دون تكاملهما العلائقي الفسلجي الوظيفي في أعطاء العقل والجسد جوهر كينونة الانسان الواحدة. والجسد كينونة غير كاملة حقيقتها تكمن في تواشجها مع العقل ولا يمكن معرفة الانسان بالعقل مجردا منفصلا عن الجسد وبالعكس أيضا..فلا عقل حي فاعل بغياب الجسد الصحي غير المريض عنه..

الجوهر الجسدي الناقص

الجزء المنفصل عن الجسد لا يمتلك صفة الجوهر الكامل، فالذراع المبتورة عن الجسد لا تمثل علاقة الجسد بالعقل كجوهر متكامل ينوب في تمثيله الجسد، بل تمّثل الذراع المبتورة جزءا علاقتها بالجسد تكون قبلية سابقة على علاقتها الغائبة عن مدركات العقل لها كجوهر متكامل..لذا تكون الذراع المبتورة جوهرا غير كامل يعجز عن تمثيل الجسد كجوهر متكامل بمجموع أعضائه..وهذا الاخير أي الجسد لا قيمة حقيقية له في أنفصاله عن العقل الذي هو جوهر انساني..بل أستحالة أن يكون هناك وجود حي حقيقي للجسد المتعافي في غياب أرتباط العقل التكاملي به.. .وهو ما يرتّب لا أهمية أي جزء من الجسد أن يكون جوهرا كاملا ينوب عن تمثيل كامل الجسد.

الفصل بين العقل والجسد من الناحية البيولوجية والفسلجية والفلسفية أنما يقوم على أن وظيفة العقل ليست أدراك الاشياء في وجودها الخارجي المتّعين ماديا للتدليل على أهمية العقل في الوعي القصدي الادراكي للاشياء وحسب، بل العقل ينفصل عن الجسد في تحديد مدركاته الواردة الواصلة اليه عن طريق الاحساسات عبر الحواس من جهة، ومن جهة أخرى أدراك العقل للأحاسيس الواردة اليه التي يكون مصدرها اجهزة الجسد نفسه داخليا ذاتيا متحررا من الحواس مثل غرائز النفس من شعور الانسان بالعطش والجوع والسعادة والمرض والحزن والضحك والالم والبكاء والكآبة التي هي تجليّات النفس المزاجية،، فهذه وعشرات غيرها هي أحاسيس يصدرها الجسد على شكل أيعازات ترد عقل الانسان عبر منظومة الجهاز العصبي لا علاقة للحواس بها فهي أحاسيس يصدرها الجسد داخليا وليست أحساسات تصدرها الحواس خارجيا ناتجة عن مدركات الاشياء في العالم الخارجي.. والعقل يتعامل مع الاحساسات والاحاسيس على أنهما وسيلة أدراك واحدة لا أنفصال بينهما الا بمقدار أهميتها التراتيبية في مدركات العقل الواصلة اليه..ونجد مهما في تعالق مع هذا التوضيح ضرورة عدم القفز فوق حقيقة وحدة الجسد مع النفس في علاقة لا أنفكاك فيها، وهي علاقة لا تشبه ولا تتعين بضوء علاقة العقل بالجسد كجوهرين متلازمين بالتكامل الوظيفي الاجرائي وليس بالاندماج العضوي البايولوجي العفوي كما هو في علاقة النفس بالجسد فهما كيان واحد بخلاف علاقة العقل والجسد كجوهرين متكافئين تكامليا..

ويجمع العديد من الفلاسفة على (أن جدول وعي الاحاسيس من غير جسد لا يعقلها العقل)(1)،وما تجدر الاشارة له بهذا الخصوص أن رورتي ينكر أن تكون الاحاسيس التي مصدرها النفس في الجسد واجهزته البيولوجية التي يتكون منها الجسد داخليا مثل جهاز الهضم والجهاز العصبي وجهاز الدورة الدموية وجهاز العضلات وغير ذلك داخليا وعنها جميعا تصدر الاحاسيس كما في حالات الالم وامزجة النفس المتنوعة العديدة التي ينكرها رورتي أن تكون (عقلية) بل يعتبرها أستثارة لالياف عصبية لا علاقة للعقل في أدراكها ولا علاقة له في ردود أفعال أشباعها ومعالجتها..

وعليه نكون غير مجانبي الصواب قولنا أن الجسد هو الوعي الكامل لمدركات العقل، وتبقى الاحساسات الصادرة عن الحواس تجاه العقل، والاحاسيس الصادرة عن أنفعالات وطبائع الجسد جوّانيا كليهما من نوع الوعي الناقص غير الكامل الذي يقوم العقل بتوحيدهما وتشكيلهما بهذا التوّحد وعيا كاملا كمدركات عقلية يرتّب عليها مقولات العقل الاجرائية.. فلا معنى لشعور الانسان بالجوع والعطش ورغبة الجنس والالم والحزن من غير تكامل جسد - نفس يحتويها ويصدرها على شكل أيعازات تستثير العقل عبر الجهاز العصبي كي يتم اشباعها أجرائيا... كما لا معنى لأحساسات الحواس المنقولة عبر الجهاز العصبي من غير أسبقية الجسد على العقل في أستلامه الاحساسات كمستودع تخزين لما يطلبه العقل من خزين معرفي بالذاكرة عند الحاجة للبت بها تفسيرا ، تعليلا ،علائقيا، وأجرائيا أيضا.

العقل جوهر لامكاني... ديكارت

يعتمد ديكارت مقولته (العقل جوهر لا مكاني) فبأي معنى أو أي معيار يمكننا الذهاب معه ؟؟ علما أن ديكارت يعتبر الاقانيم الجوهرية القارة الثلاث هي (الله، العقل، المادة..). كما يرد على لسان الفيلسوف المعاصر ريتشارد رورتي أن افلاطون كان يمكن أن يكون أكثر قربا من ديكارت بخلاف ارسطو، في مسألة الفصل الديكارتي بين العقل والجسد وأعتبارهما جوهرين متمايزين يمتلكان الاستقلالية أحدهما عن الآخر. ونجد ان ديكارت محق بما ذهب له بضوء أجتهادنا أنه لو كان العقل جوهرا (مكانيا) لما كان أمتلك القدرة على أدراكه المادة التي هي خاصّية أمتداد متحرك في الزمكان، لذا عندما تكون ميزة العقل (لا مكانية) كما يرى ديكارت فهو بهذا المعنى يخرج العقل من الثبات ليكون جوهرا غير محدود في قابليته رصد الحركة والامتداد والتغيير والتحولات في المادة،، أي يكون العقل زمانيا متغيرا وليس مكانيا ثابتا، فالمكاني كجوهر عقلي ثابت يدرك المحدود مكانا الثابت المتجانس معه في ثباته المجرّد عن صفات وتحولات التغيير بخلاف (اللامكاني) بتوصيف ديكارت الذي هو ميزة العقل في أدراكه متغيرات المكان المتعالقة معه باستمرارفي الزمان والمكان، ف (لامكانية) العقل كما ينعت بها ديكارت العقل هي في حضوره الزماني الادراكي للاشياء في ثباتها وفي حركتها مكانا على السواء.. فالعقل بتعبير ديكارت (هوجميع المحركات التي لا تتحرك) وأصلها عبارة ارسطو في المحركات التي لا تتحرك(2) هنا بهذا المعنى يكون العقل (نوس Nouse) جوهرا يدرك الحركة والتغيير في المادة ويستوعبهما، ولا يكتفي بادراك المادة في أمتدادها ولا في ثباتها النسبي الزائف، بأعتبار المكان فضاء مادي ممتد فلا بد للعقل من ملاحقة حركات الاشياء المادية فيه وانتقالاتها وتغيراتها الدائمة المستمرة..وفي مقاربة معنى ماذهبنا له يرى ديكارت أمكانية فصل العقل عن الجسد بالمنظور الفلسفي في أعتبارنا العقل جوهر عديم الامتداد يقاطع المادة التي هي جوهر ممتد.(3) هنا التقاطع المقصود لا يأتي بمعنى التضاد غير المتعايش علائقيا بالاخر، بل بمعنى التمايزالمتعايش في الوظيفة تكامليا مع الضد.. ميزة العقل أن لا يكون مكانيا هو في قدرته أن يلعب دور الزمان في أدراكه الاشياء المتحركة المتغيرة باستمرار،، وبذلك يكون ديكارت مصيبا في نعته العقل أنه جوهر لا مكاني..مؤكدا أهمية العقل الزماني في ثباته الادراكي للاشياء في حركتها...والعقل الثابت المكاني المجرد عن زمانيته لا يقوى أدراك الاشياء في حركتها أي في ثباتها المكاني ولا في زمانيتها المتغيّرة على الدوام..

أنه لمن المهم التنبيه أن العقل ثبات في وجوده البايولوجي لكنه متغير غير ثابت زمانيا - مكانيا في أدراكه حركة الاشياء في تغيراتها وانتقالاتها، لذا يكون العقل بهذا المعنى (لا مكانيا) تعبير دقيق صائب لديكارت.

والجوهر (اللامكاني) للعقل عند ديكارت رفضه كانط وستراسون حسب رورتي بأعتباره فكرة غير متماسكة مثّلت القرن السابع عشر. حيث كان من مألوف التاريخ الفكري تصور حدوث أشياء غريبة في فكرة الجوهر في ذلك القرن(4)، وهو رفض غير مقنع وتعبيرلغوي مبتورفلسفيا،، فهما كانط وستراسون كانا محقيّن في أعتبارهما أن الجزء لا يمّثل جوهر الكل، فمثلا ذراع الانسان المبتورة هي ليست جوهرا يمثل الانسان كاملا ولا يمثل الجسد كاملا أيضا، كما لا يكون الذراع جوهرا لامكانيا له قدرة الحركة والامتداد التي هي خاصية مادية فيزيائية يترتب على العقل الانساني كجوهر ثابت لامكاني أمتلاكه زمانية أدراكها.

وفي أنفصال العقل عن الجسد لا يفقد الانسان ماهيته الجوهرية وبتعبير ديكارت(العقل والمادة كائنان متمايزان لا يعتمدان أي شيء آخر لوجودهما )(5)،، فماهية العقل لا يكتسبها من المادة موضوع الادراك الحسي -  العقلي، لكن بمقدور العقل أن يكسب هو المادة ماهيتها في الادراك الحسي لها فقط وليس بمقدور العقل أكساب الموجودات ماهياتها بمعناها الانطولوجي(وجود مستقل) الذي هو حق مكتسب في وجود المادة (ظواهر وماهية) كمعطى أزلي لموجودات الطبيعة لا يحتاج الى وجود ماهوي يكتسبه في أدراك العقل له فهو تحصيل حاصل مكتسب بالفطرة الانطولوجية في الطبيعة كوجود مستقل عن الادراك العقلي له..

الفكر الذي هو نتاج عقلي متخارج مع مواضيع الادراك يكتسب ماديته من موضوعه المتخارج معه أدراكيا.. ولكن هذا المعيار العلائقي بين الفكر والمادة لا يصح أستنساخه بعلاقة الفكر مع العقل..فالعقل مادي بالفطرة الخلقية قبل الاكتساب لصفة المادي له بالمعرفة المنطقية التجريدية..بينما تكون مادية الفكر مكتسبة موضوعيا بالتخارج مع مواضيع أدراكه وليست المادية من الخصائص الذاتية للفكر المجرد بل من خصائص اكتسابه لها موضوعيا..

ويعبّر ديكارت قائلا :( لا شيء أسهل للعقل معرفته أكثر من معرفة نفسه )(6) وأن أقرب شيء للعقل هو ذاته  ، وحسب مداخلة ريتشارد رورتي أنه ينسب لكثير من الفلاسفة أصرارهم القول أنه لا معنى أطلاقا لتحديد مكان لحدوث الفكر داخل الجسد ، وهو تعبير فلسفي غامض ومعقد على التفسير الدقيق الا بضوء التمييز بين ما هو المقصود تحديدا بالعقل (نوس Nouse ) أو (مايند Mind) أو (لوغوس Logos)عن أختلافه بمعنى (برين Braine) الذي يعني العقل والدماغ أيضا...ونجد من السهولة نفسها أن نقول بضوء ذلك أنما يعقل العقل نفسه في أدراكه معرفة الاشياء والموضوعات الخارجية ولا يوجد تعبير آخر يعطي الجملة معناها أكثر من أعتبارنا العقل تفكيرمستمد من موضوعات أدراكه الخارجية وموضوعات تفكيره الداخلية معا تكامليا..ومعرفة العقل لذاته القريبة منه أنما تتم في تفكير العقل بموضوعات أدراكه ذاتيا ليس الا..وألا نكون مجبرين الأخذ بالكوجيتو الديكارتي أن معرفة العقل تتم بالتفكير الذاتي المجرد من موضوع أدراكه ،، أنا افكر.. من دون تحديد التفكير بماذا؟؟ وهو المطب الفلسفي الديكارتي الذي تناوله الفلاسفة بالكثير من المثالب بحق الكوجيتو الناقص..

وكما سبق لنا التذكير به أن التباس التعبير في ما هو المقصود(نوعيا) من العقل تحديدا وبدقة يكون في وجوب أخراجنا العقل من التعميم الفلسفي المجرد الذي يعني أن العقل هو تفكيربالفكرالمنطقي المجرد المقطوع الصلة بمدركاته وكفى، هذا غير كاف لتنويرنا كيف يستطيع العقل أن يعقل نفسه بسهولة لا أجرائية كما يذهب له ديكارت، بمعزل عن الوظيفة الفلسلجية العصبونية التي لا يكون العقل عقلا(دماغا) من دونها..

التفكير عبر اللغة هو السمة الجوهرية التي يمتاز بها العقل لكنها لا تمثل (كل) وظائف العقل لأن العقل منظومة لا تحد من الفعاليات الحيوية الواسعة المهام يصعب علينا حصرها بالفكر المفّكر ذاتيا....العقل لا يكتفي بالتفكيرالمجرد المنطقي المتماسك فقط وعدم أصداره (مقولاته) الاجرائية العابرة للفكرة التي هي ميزة عقلية أكثر أهمية من مجرد عملية الادراك الفكري الصوري التجريدي للاشياء.

ما يصدر عن المادي فهو مادي

يقول رورتي على لسان رايل  Rylean أن حالات المزاج هي صفات العقل والطباع فلا تتطلب وسطا (لاماديا) كأساس وأنما تتطلب الانسان.(7)، وهذا دليل قاطع على الخلط بين أن يكون العقل تفكيرا أستيعابيا غيرأجرائي وبين أن يكون أساسا ماديا أجرائيا في معالجة مدركاته. كما أن النفس وما تصدره من أيعازات الاحاسيس العواطف والوجدانات والالام وغيرها أنما تكتسب ماديتها من مادية الوجود الانساني مصدر فعاليات النفس التي هي جزء من جوهر كينونة الانسان كجسد مادي.. وكل ما يصدر عن المادي هو مادي حتى لو كان على مستوى التفكير أو أحاسيس النفس،، فهي أي صفات العقل والطباع وما تصدره النفس لا تحتاج وسطا غير مادي على حد تعبير رايل في الافصاح الذاتي عنها لكنها في ذات الوقت تحتاج الانسان كوجود مادي من دونه لا يمكننا تصور وجود انفعالات نفسية تصدر عن انسان..وعليه تكون صفات العقل والنفس العاطفية والوجدانية والالام أنما هي في المحصلة النهائية أجراءات مادية يتحسسها الشخص الذي يصدرها بغية أستثارة منظومة الجهاز العصبي والدماغ في وجوب معالجتها أجرائيا من جهة وفي التأثير التواصلي مع الآخر قدر تعلق حاجة الحالة النفسية معرفة الاخرين بها..كما في تعبير النفس عن الحب والفرح والسعادة والحزن والالم وهكذا..

ثم نتساءل كيف لا تكون صفات العقل المزاجية لاتحتاج وسطا لا ماديا في الوقت الذي تحتاج الانسان كجوهر مادي جسمي ممثلا بجوهر العقل المادي أيضا كما يذهب له رايل؟؟ صحيح أن الاحاسيس النفسية صفات مجردة عن دلالاتها المتعينة ماديا وليس كما هو حال غيرها من أدراكات الانسان للاشياء المادية،، وصفات العقل المزاجية لا تحتاج سوى اللغة وبعض أيماءات الجسد أحيانا في التعبيرعنها كأستثارة نفسية - عصبية لكنها تبقى الاحاسيس في المحصلة صفات مادية نفسية مصدرها العقل المادي ولم تأت من فراغ لا مادي غير معروف ولا متعيّن هوالجسد قرين النفس مصدر المزاج والعواطف والوجدانات..

وبحسب رورتي أيضا فأن الفلاسفة يأخذون على ديكارت أنه يمنح الاحساسات صفة اللامادية من غير مسوّغ مع أنها الصفة المميزة للعقل.(8) .، وهذا مصداق ما ذهبنا له في تفسير عبارة رايل المناقضة تماما لديكارت التي يأخذها عليه رورتي مثلبة خاطئة بالانتصار لتعبير رايل الخاطيء مع الاخذ بعين الاعتبار الاختلاف بين رايل الذي قصد الاحاسيس وبين ديكارت الذي قصد الاحساسات..أن رورتي يقرّ بأن كل مظهر لأي شيء موجود في الواقع هو حالة دماغية بالمنهج المادي..لكنه ينكر أن تكون الاحساسات مدركات عقلية بل هي أستثارات لحزم عصبية لكل حالة فقط ولا علاقة للدماغ بها ولا في ردود الافعال عليها.

أن من المهم توضيح أن ما يصدر عن المادي هو مادي بالضرورة العلائقية المتخارجة المحكومة بعلاقة الفكر بالموضوع، فالفكر الذي يصدره العقل هو مادي يستمد ماديته في تخارجه مع موضوعه وليس من تفكير العقل بموضوعه تجريدا ذاتيا ولا يمكننا أعتبار العقل غير مادي بكل المعايير وما يصدرعن العقل من مقولات فكرية لغوية منطقية يكتسب صفة المقولات الاجرائية الواقعية، ولو كان العقل غير مادي فهو يكون حتما بالضرورة العلائقية مع موضوعه عاجزا عن أدراك كل ما هو مادي ويعجز عن أعطاء أفكاره صفة المقولات الاجرائية عن مدركاته..التي تكون أجراءات مادية تغيّر واقع الاشياء في وجودها.وليست أفكارا منطقية نسقية تظهر متانة التجريد التفكيري وتماسكه فقط بمعزل عن واقع مدركاته..

ميزة العقل الجوهرية التي نتجاهلها في بعض الاحيان هي أن العقل لا يفكر تجريديا منطقيا بالاشياء من أجل التفكير بها فقط، فالوعي هو تفكير قصدي بالشيء،، عليه يكون تفكير العقل من أجل أن يقود هذا التفكيرالتجريدي العقلاني الى أجراءات هي ردود أفعال يصدرها العقل عبر منظومة الجهاز العصبي كي تأخذ حيّز التنفيذ في الواقع وموجوداته وتكويناته..وهذا ما سبق لكانط أن أعتمده بما أطلق عليه (مقولات ) العقل الاجرائية في معالجته مواضيع مدركاته.

أن ألتباس ديكارت قوله الاحساسات التي مصدرها الحواس المادية هي لا مادية؟؟ هي مقولة صحيحة في حال أعتبارنا الاحساسات مادة خام لم تتم معالجتها بالذهن الاستقبالي لها من الحواس ولم يصدر تجاهها ردود أفعال أجرائية.... وخطأ رايل المبني على الفهم الخاطيء لعبارة ديكارت قوله أن الاحاسيس الصادرة عن الجسد هي نفسية مزاجية لا تحتاج وسطا لا مادي في أدراكها؟؟ هنا يجب الانتباه جيدا لما سبق لنا توضيحه في أسطر سابقة هو ان ديكارت يتكلم عن أحساسات مصدرها الحواس، ورايل يتكلم عن أحاسيس مصدرها النفس وطباع الانسان المزاجية..

وتعقيبنا أزيد من السابق أن صفة اللامادية للحس لا تقاس بمعيارية أن العقل لا يكون ماديا على الدوام كون التفكير المجرد بصور المدركات ذهنيا هي ميزة العقل الاساسية في أستقباله جميع حالات الاحساسات الادراكية الموضوعية كمواد خام.. بل وأكثر أن ميزة العقل الاكثر أهمية أنه يتعامل مع حالات الحس المزاجية مثل الالم والحزن وقضايا النفس والمزاج اللامادية بنفس معيارية أدراكه الاحساسات المادية الواصلة اليه عن موضوعات العالم الخارجي عبر الحواس بوسيلة التفكير العقلي المنطقي المادي.. ويبقى في المحصلة أن مايصدر عن العقل أجرائيا يكون ماديا سواء أكانت أحساسات الحواس أو كانت أحاسيس النفس والمزاج.. وما لا يحتاج الى وسط لا مادي في الافصاح من أحاسيس النفس والمزاج يكون لا معنى ولا وجود حقيقي له،، فالنفس جوهر مكمّل لجوهر الجسد تكتسب ماديتها من مادية الجسد قبل مادية رقابة ووصاية العقل عليها لذا مايصدر عنها من انفعالات تكون مادية ترتبط بأجراءات أشباعية لها مادية أيضا...فمثلا أحساس الانسان بالجوع لا يتم أسكاته واشباعه بالكلام الشفاهي ولا بالصوم، وقل مثل ذلك في حالات العطش والجنس والمرض والالم والحزن..

وليس من السهولة تمرير الافتراض الخاطيء بالقول أن الافكار تنتج أفكارا تجريدية متتابعة متماسكة ومنظمة بلا وسط مادي الى ما لا نهاية لها من التناسل الفكري المنطقي بمعزل عن مدركات العقل الاجرائية في التماس المباشر بالواقع، ويبقى التساؤل المهم كيف يكون لأفكارنا جدوى من غير تعالقها الضروري بالواقع الاجرائي لعملية تناسل الافكار في توليدها المستمر لافكار التجريد الى ما لا نهاية له من غير وصاية العقل المادية الاجرائية على تلك الافكاركي تكون جزءا من الواقع؟؟ تفكيرالعقل لا يشبه اللعب باللغة كما ذهب له فينجشتين، فاذا كان بمقدور اللغة اللعب في مخاتلة وتضليل المعنى، فالعقل لا يخاتل في تضليل وهمي غير موجود لحقيقة أن التفكير المنطقي من دون مقولات أجرائية مادية لا معنى ولا ضرورة له.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

.............................

الهوامش

1- ريتشارد رورتي/الفلسفة ومرآة الطبيعة/ ت :حيدر حاج اسماعيل/ مركز دراسات الوحدة العربية/ص 127

2- المصدر السابق ص 126

3- المصدر السابق ص 123

4- المصدر السابق ص 127

5- المصدر السابق ص 128

6- المصدر السابق ص 123

7- المصدر السابق ص 128

8- المصدر السابق نفس الصفحة

 

 

حيدر جواد السهلانيأن هيجل لم يعزل الفن عن الحضارة فكل سمات نسقه الفلسفي الميتافيزيقي تظهر في رؤيته للفن بشكل واضح، وهو يضع الفن بصف واحد مع الدين والفلسفة، ومهمة النشاط الفني هو ان يجعل وحده بين الذاتي والموضوعي، لذلك مضمون الفن عند هيجل هو الفكرة وشكل الفن هو التجسيد الحسي وليست فكرة منطقية مجردة، بل فكرة تتجسد في الواقع بعد ان تدخل في وحده مباشرة معه.

يتفق هيجل مع ارسطو بأن للفن وظيفة تطهيرية اخلاقية، فهو ينقي العواطف والانفعالات ويطهرها.(1) ويرى هيجل "ان هدف الفن يكمن لا في استحضار الاهواء فحسب، بل ايضآ في تطهيرها وبعبارة اخرى فأن تهذيب الاخلاق هو الذي يشكل هدف الفن".(2) ويذهب هيجل بأن الفن والدين والفلسفة مضمون واحد، لذلك يرى أن الروح الكلي في الفن حدس وصورة وفي الدين عاطفة وتمثل وفي الفلسفة فكر خالص وحر، ويفسر هيجل تتابع العصور الفنية لفكرته عن التطور الزمني فيقسم الفن الى ثلاثة انماط (الفن الرمزي وظهر في العصر العصر الشرقي القديم، والفن الكلاسيكي وظهر في العصر الاغريقي، والفن الرومانطيقي وظهرفي العصر الحديث).(3)

الفن الرمزي:

ساد هذا النمط الرمزي فترة طويلة من تاريخ الفن هي فترة الحضارات الشرقية القديمة، وأول مايتميز به هذا النمط هو تعارض الموضوع الفكري مع الشكل الخارجي، ومن جهة اخرى يتميز المضمون الفكري فيه بصفات الايهام والالغاز ومن هنا يسود الطابع السحري الممتلئ بالاسرار.(4) ويكافح الذهن البشري في الفن الرمزي، لكي يعبر عن افكاره الروحيه ، لكنه يعجز عن أن يجد لها تجسيدآ كاملآ، ولهذا يتقدم الرمز وسيلة للتعبير، وماهية الرمز هو أن يوحى بالمعنى، كما هي الحال حين يتخذ الاسد رمزآ للقوة والمثلث رمزآ للفكرة الدينية.(5) ويلاحظ أنه في اعمال الفن الرمزي يقف الانسان عاجزآ عن التعبير الكامل عن المضمون الروحي، ولهذا فهو يكتفي بأن يوحى بهذا المضمون عن طريق الرمز، كما نجده في شعر الاساطير حيث لانعثر الا على اشارات مبعثرة.(6) لكن ثم مرحلة لاتكون الاعمال الفنية فيها متميزة تمامآ عن الموضوعات الطبيعية، ويكون الصراع بين المضمون الفكري والشكل الخارجي موجودآ، ولكن على مستوى الرمزية اللاواعية ويمثله الفن الهندي.(7) ثم يبلغ مرحلته الثانية حين يظهر صراع المضمون والشكل والوعي الانساني، بحيث يمكن التفرقة فيه بين الجانبين وتبلغ الرمزية هنا مرحلة الرمزية الواعية، اذ هي مرحلة اعلى قليلآ من المرحلة الهندية (الرمزية اللاواعية) اذ نجد فيها الانفصال بين الجانب الالهي والتجسد المادي أكثر وضوحآ، وأن لم يكن ادراكآ كاملآ.(8)

الفن الكلاسيكي:

يظهر هذا النمط من الفن حين تصل الروح في تطورها الى مرتبة التحرر من الطبيعة، وتسمو عن التجسدات الحيوانية لتتخذ من الشكل الانساني مظهرآ لها، وعندئذآ تدرك الروح ذاتها منفردة ذات شخصية.(9) وبذلك تتطابق الصورة المحسوسة مع المحتوى الباطن، أي أنه يهتم بأبراز الحقيقة الجمالية في الصورة الظاهرة، أو في الجمال المحسوس.(10) وقد كان فن النحت هو اقدر تعبيرآ عن المثل الاعلى للجمال الكلاسيكي، ذلك لأنه اقدر الفنون على التعبير عن التغيرات والانفعالات الانسانية، وان اعمال النحت اليوناني اقرب الى التعبير عن المبدأ الكلي، وقد امكن للتشكيل في فن النحت أن يعبر عن الالوهية تعبيرآ مباشرآ، ذلك لأن التمثال لايشير الى الاله بواسطة المعبد كما كان الحال في العمارة الرمزية.(11) ولقد ارادو اليونان أن يبلغوا في الفن المثل الاعلى، أي ان يصلوا الى التوازن والاتفاق والانسجام بين الصورة والمضمون.(12)

الفن الرومانطيقي:

لم ينجح الفن الكلاسيكي في تقديم الروح الا متمثلآ في وجودها الجسدي الفيزيائي، أما الروح في ذاتها مستقلة عن تجسدها المادي وفي وعيها فقد تمثلت في الفن الرومانطيقي.(13) وهكذا يبدو أن المضمون في الفن الرمزي خارجيآ بالنسبة للشكل، لأنه لم ينفذ فيه بعد ومن هنا طغت المادة على الروح، اما المضمون في الفن الكلاسيكي فقد نفذ الى الشكل واصبح داخليآ، فكان التعبير تامآ وكاملآ وامتزجت الروح بالمادة امتزاجآ كاملآ في وحده منسجمة، ولكن الروح في الفن الرومانتيكي لم تنفذ الى الشكل المادي وانما تجاوزته، فهنا تسود الروحية وتنفذ الى الوجود المستقل مخلفه وراءها تجسدها المادي.(14) وبذلك يرتفع الفن فيه من العالم المنظور الى العالم المعقول ليعبر عن الجمال المعنوي أو اللامتناهي، والفن هنا مثله مثل الدين يؤدي كل منهما الى الفلسفة، وهي جميعآ تعبر عن روح لامتناه، اي من المطلق ولكن بينما نجد الفن والدين وليدا العاطفة والمخيلة، نجد الفلسفة تتحقق عقليآ، اذ الفلسفة تحول الصور الفنية والمعاني الدينية الى مقولات عقلية.(15) ويركز الفن الرومانطيقي على الجانب الذاتية، أعني المضمون الروحي واهماله الجانب الموضوعي أعني التجسيد المادي.(16) وتتمثل أول مراحل تطور الفن الرومانطيقي في المرحلة الدينية وهي تدور حول قضية النداء المستمد من تاريخ حياة المسيح في مولده وبعثه.(17)

انواع الفنون عند هيجل:

ينظم هيجل الفنون كلها في نسق درجي يخضع لنظريته الخاصة بالأنماط الثلاثة التي تتحقق من خلالها الفكرة ويتداخل مذهبه بالفنون بتاريخ الفن، فهو يبدأ نسق الفنون بفن العمارة ويتوج بالشعر. ويقسم هيجل الفنون الى نوعين الفن الموضوعي (كالعمارة والنحت والتصوير) والفن الذاتي (كالموسيقى والشعر).(18)

فن العمارة:

هو فن رمزي يدل على الفكرة ولايعبر عنها تعبيرآ مباشرآ، وتكون العمارة هي أول خطوة على طريق الفن، وهي أقل الفنون قدرة على تقديم المضمون الروحي، لأنها الفن الذي يقف عند حد الفكرة المتعارضة مع الصورة، كما أن المادة المستعملة في هذا الفن هي المادة الصلدة الخالية من الروح، وبذلك فن العمارة لاتمثل الالوهية مباشرة.(19)

فن النحت:

الوسط الذي يعمل فيه النحت لايزال بغير شك هو المادة الجامدة.(20) ويرى هيجل" أن النحت يتقارب من فن العمارة بمعنى أنه يصوغ الحسي بما هو كذلك، لكنه يجسد في هذا الفن الروحية بالذات الغائية والاستقلال في ذاتها ولذاتها في شكل جسماني موافق لمفهوم الروح ومطابق لفرديته".(21) وقد اصبح الفنان في فن النحت اكثر حرية للتعبير عن الشخصية او الفكرة التي يتناولها، ومن هنا امكن للالهة أن تتعود ويتخذ كل منهما شخصية وفردية واسمه الخاص، كما امكن للنحت اليوناني ان يكون تعبيرآ عن الروح القومية والمعتقدات.(22)

فن الشعر:

الشعر هو اكثر الفنون تحررآ من المادة غير انه ايضآ الفن الذي يوشك أن تخبوه فيه الروح جذوة الروح الفنية، ويرى هيجل"أن حقيقة الشعر يتشعب الى انواع وضروب شتى ويتنوع من شعب الى اخر، في الاغريق نلقى لديهم الشعر الملحمي، وفي الشرق الشعر الملحمي الرمزي، ثم الشعر الملحمي الكلاسيكي، ثم الشعرالملحمي الرومانسي".(23) وبذلك الشعر هو انسحاب الروح من الغلاف الحسي، ويعمل بالتصورات او التمثل الذهني الداخلي تمامآ.(24)

 

حيدر جواد السهلاني

.............................

الهوامش

1- ينظر محمد علي ابوريان، فلسفة الجمال، ص45.

2- ينظر هيجل: المدخل الى علم الجمال (فكرة الجمال)، ص52.

3- ينظر محمد علي ابو ريان: فلسفة الجمال، ص47.

4- ينظراميرة حلمي مطر: فلسفة الجمال، ص130.

5- ينظر ولتر ستيس وميشيل متياس: هيجل، ج2، ص610.

6- ينظر محمد علي ابوريان: فلسفة الجمال، ص47.

7- ينظر اميرة حلمي مطر: فلسفة الجمال، ص131.

8- ينظر ولتر ستيس وميشيل متياس: هيجل، ج2، ص612- 613.

9- ينظر اميرة حلمي مطر: فلسفة الجمال، ص132.

10- ينظرمحمد علي ابوريان، ص47.

11- ينظر اميرة حلمي مطر: فلسفة الجمال، ص133.

12- ينظر ولتر ستيس وميشيل متياس: هيجل، ج2، ص618.

13- ينظر اميرة حلمي مطر: فلسفة الجمال، ص134.

14- ينظر ولتر ستيس وميشيل متياس: هيجل ج2، ص618.

15- ينظر محمد علي ابوريان: فلسفة الجمال، ص47.

16- ينظر ولترستيس وميشيل متياس: هيجل، ج2، ص618.

17- ينظر اميرة حلمي مطر: فلسفة الجمال، ص136.

18- ينظر اميرة حلمي مطر: فلسفة الجمال، ص137.

19- ينظر اميرة حلمي مطر: فلسفة الجمال، ص137.

20- ينظر ولتر ستيس وميشيل متياس: هيجل، ج2، ص633.

21- ينظر هيجل: موسوعة علم الجمال الهيجلي (فن النحت، ج7)، ص6.

22- ينظراميرة حلمي مطر: فلسفة الجمال، ص133.

23- ينظر هيجل: موسوعة علم الجمال الهيجلي (فن الشعر، ج10)، ص206- 207.

24- ينظر ولتر ستيس وميشيل متياس: هيجل، ج2، ص640.

 

 

علي رسول الربيعيإذا كان من المهم التمييز بين تاريخ الفلسفة (ما فعله الفلاسفة) من تأريخ الفلسفة (ما يفعله مؤرخو الفلسفة) في سياق مناقشة قضية التفلسف وعلاقة الفلسفة مع تاريخها، فإنه من المهم بداية تقديم نظرة تصنيفية لتاريخ الفلسفة. هناك نظرتان مختلفتان لتاريخ. لدى مايكل فريد، في مقدمة مقالاته في الفلسفة القديمة، رواية  توضح الطريقة التي دخلت بها دراسة الفلاسفة العظماء في الماضي في المناهج الفلسفية العامة في نهاية القرن الثامن عشر. وقال إن ذلك يعتمد على مفهوم تاريخ الفلسفة: حيث يتم عرض وفهم بعض الأسئلة التي تحدد المشروع الفلسفي بشكل أكثر وضوحا حتى تصبح إجابات هذه الأسئلة أكثر وضوحا، والتي ربما يكون من المفترض حتى أن هناك بعض من الآليات التي تضمن نوع من التقدم في  تاريخ الفلسفة، لكي تكون مفهومة. أنظر:

Michael Frede, Essays in Ancient Philosophy (Oxford: Clarendon Press, 1987), p. XXV.

يقول فريد للأسف لا يزال ، هذا المفهوم مؤثراً في بعض الأوساط ولا يزال الأعتقاد الخاطئ  سارياً، وهو أنً الطريقة الصحيحة لفهم وتفسير فكر أرسطو كانت وستكون بمثابة خطوة حاسمة بأتجاه فهم الكانطية، أو أي نظام فلسفي لاحق قد نتبناه.

يمكن للمرء  أن يستفيد من دراسة الفلاسفة العظماء في الماضي كنماذج تاريخية. لكن، وكما يؤكد فريد، أنه يختلف تمامًا عن دراسة تاريخ النصوص الفلسفية الذي تم إجراؤه بالطريقة التي يجب أو من المفترض أن يتم بها.

هناك معاني عديدة للفلسفة بأختلاف السن المتحدثين عنها، وهذا يسري على تاريخ الفلسفة الذي له ايضاً معاني مختلفة تعتمد على مايعتبره مؤرخ معين ضرورياً للفلسفة. كان هذا صحيحًا بالنسبة لأرسطو، الذي كان أول مؤرخ للفلسفة، وأيضا لهيجل، الذي كان يأمل في أن يكون الأخير. وكان لكل منهما وجهة نظر مختلفة نوعا ما عن طبيعة الفلسفة. لكن كلاهما، عندما شرحا آراء الفلاسفة السابقين - أرسطو في الميتافيزيقا مقالة الـ "ألفا"، وهيجل في محاضراته حول تاريخ الفلسفة -  نظر لهما بوصفهما يمثلون خطوات بأتجاه رؤية كانوا يعتبرونها  كانت غير مكتملة ومتعثرة.

هناك رأي عكس ذلك تماما، يقول، لا تزال جميع المشكلات الفلسفية الرئيسية موضع جدال بعد قرون من النقاش، وهي ليست أقرب في هذه المرحلة  إلى أي حل نهائي. وأي شخص ينظر إلى الوراء عبر التاريخ الطويل للفلسفة لا بد أن يتساءل: هل تصل الفلسفة إلى أي مكان؟ هل تعلم الفلاسفة، رغم كل جهودهم على مر القرون، أي شيء؟ قارن فولتير علماء الميتافيزيقا بالراقصة الصغيرة التي تتحرك عبر غرفة في موقف رائع ورقيق، بحركة  دائرية دائمة دون التقدم خطوة واحدة، وأنهم ينتهون عند النقطة نفسها التي انطلقتوا منها.

كتب فيتجنشتاين، في زمننا هذا:

تسمع دائمًا أن الناس يقولون إن الفلسفة لا تحقق أي تقدم وأن المشكلات الفلسفية نفسها التي كانت تشغل اليونانيين ما زالت تثيرأهتمامنا  اليوم. لكن الناس الذين يقولون ذلك لا يفهمون السبب وراء ذلك. والسبب هو أن لغتنا ظلت على حالها ودائمًا ما تقودنا الى الأسئلة نفسها ... لقد قرأت الفلاسفة وهم ليسوا أقرب إلى معنى "الواقع" مما كان عليه أفلاطون.

  1. Kenny, The Wittgenstein Reader (Oxford: Blackwell, I994), p. 2.73.

الفرق بين هذين الموقفين حول اللتقدم في الفلسفة - قد نسميها الأرسطي  والآخر لفيتجنشتاين - يعبران عن رأين مختلفين حول اللفلسفة نفسها. الفلسفة هي تخصص غير عادي للغاية ، يصعب تصنيفه. قد ينظر إليه كعلم ، أو كفن.

اذا كان الفيلسوف، من ناحية، مثل العالم، هو بالتأكيد يسعى وراء الحقيقة. يبدو هناك اكتشافات تمت في سياق الفلسفة: أشياء معينة نفهمها لم يفهمها حتى أعظم فلاسفة الأجيال السابقة. وهكذا ينتمي الفيلسوف إلى عملية مستمرة ، تعاونية، و تراكمية  كما يفعل العالم؛ ويكون لدى الفيلسوف الطموح في أن يساهم في بناء  صرح الفلسفة الكبير. وإذا كانت الفلسفة مثل العالم في هذا الصدد، فهناك التزام على الفيلسوف  أن يستوفيه وهو القيام بمواكبة التفكير  الجاري أو الحالي. وهذه مهمة ملحة، لأن مدة صلاحية مقال علمي تقدر بنحو خمس سنوات. وعليه تكون الفلسفة، من وجهة النظر هذه، مجال تراكمي يحل فيه العمل الحديث محل العمل السابق. لا شك أننا نقف على أكتاف الفلاسفة الآخرين والأكبر، لكننا نقف فوقهم.

يبدو للفلسفة، من ناحية أخرى، جاذبية الفنون والتخصصات الإنسانية. فبالتأكيد، الأعمال الفلسفية الكلاسيكية لا تنتهي بمرحلة تاريخية معينة، أنه تُقرأ مرة ، ومثنى، وثلاث، ورباع،. بينما إذا كنا نريد أن نتعلم الفيزياء أو الكيمياء، فأننا لا نهتم لتاريخ هذا الحقل العلمي، إننا لا نقرأ هذه الأيام نيوتن أو فاراداي مثلا ، في حين أننا في الأدب  لانزال نقرأ هومر وشكسبير ليس فقط لمعرفة الأشياء الغريبة التي كانت في  عقول الناس في تلك المناطق البعيدة وفي تلك  الأيام . وينطبق الشيء نفسه على الفلسفة، فنحن  نقرأ أفلاطون وأرسطو ليس فقط بروح من الفضول القديم كشئ أثري.

إن الفلسفة، من وجهة النظر هذه، هي أساسًا عبقرية، نتاج أفراد أستثنائين. فإذا رأى المرء أن الفلسفة في تاريخهاهي سلسلة من العقول الكبيرة، فليس هناك من معنى أن يحل كانط  محل أفلاطون، أوأكثر يحل  شكسبير محل هوميروس. يمكنك ، طبقاً لهذا الرأي أن تدرس الفلسفة عن طريق قراءة  ديموقريطس وكذلك عن طريق قراءة ديفدسون.

ليست الفلسفة علمًا، لأن التقدم في الفلسفة ليس مسألة توسيع المعرفة  لاكتساب حقائق جديدة عن العالم. إنها مسألة فهم ، بمعنى تنظيم ما هو معروف. نظرًا لأن الفلسفة مظلة شاملة لجميع المعارف، فهي كليًة في مجالها  وتنظيم المعرفة التي يتطلبها هذا المجال أمر صعب للغاية لدرجة أن العبقري وحده هو الذي يستطيع القيام بذلك. لا يمكن إلا للعقل الاستثنائي أن يدرك تمامًا عواقب حجة أو استنتاج فلسفي أبسط. بالنسبة لنا جميعًا نحن المختصين والمهتمين في الفلسفة لسنا عباقرة، لذا فإن الطريقة الوحيدة التي يمكننا أن نأمل أن نتوصل بها إلى الأمساك بالفلسفة  وفهمها هي الوصول إلى عقول بعض الفلاسفة العظماء في الماضي.

الفلسفة مثل العلوم الإنسانية ، لها علاقة أساسية بالنصوص وأثار المؤلفين. ويتم تعريف الفلسفة كموضوع من قبل ممارسيها العظماء، لأنه لا يوجد لديها موضوع معين، ولكنها  تمتلك الأساليب والمناهج المميزة. كان الناس الأولين الذين ندعوهم  ونعترف بهم كفلاسفة، ما قبل سقراط، من العلماء، وكان العديد منهم أيضًا قادة دينيين. كان التمييز بين العلم والدين والفلسفة غير واضح في زمنهم، كما أصبح في القرون اللاحقة. كان هناك مرجل فكري، في القرن السادس، اختمرت فيه عناصر كل التخصصات المستقبلية. لقد نظر المؤمنون الدينيون والتلاميذ الفلسفيون وورثة العلم ،في وقت لاحق، إلى هؤلاء المفكرين بوصفهم أسلاف لهم. لكن لم يفكر هؤلاء الفلاسفة في أنفسهم أنذاك على أنهم ينتمون إلى مهنة مشتركة يمكننا أن ندعي  نحن الاستمرارية لها. كان أفلاطون هو الذي استخدم في كتاباته لأول مرة كلمة "فلسفة" في معنى قريب من معناه الحديث. يمكن لأولئك الذين نسميهم  فلاسفة اليوم أن يدعوا بصدق أنهم ورثة أفلاطون وأرسطو. لكنهم يبقون مجموعة فرعية صغيرة من ورثتهم. أنهم ليس حاشية على أفلاطون. لكن كان أفلاطون الذي وضع جدول أعمالهم. ما يميزالفلاسفة  في هذا الزمن عن الورثة الآخرين لليونانيين العظام، ومايخولهم استعمال اسمهم، على عكس الفيزيائيين والفلكيين والأطباء واللغويين،  هو أنهم، أيً الفلاسفة، يتابعون أهداف أفلاطون وأرسطو بنفس المناهج التي كانت متاحة ومستعملة من قبل فلاسفة الأغريق هؤلاء بالفعل. وهذا هو السبب في أن التاريخ حميم للغاية مع الفلسفة، ولماذا الفلسفة مهمة جدا لمؤرخ الفلسفة.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

 

رائد عبيسما مصادر القيم؟ عندما نسأل عن مصادر القيم، نجد أنها تستند إلى ثلاثية هي: (الله والطبيعة والمجتمع) ما يتعلق بالله قيم ذات بعد ميتافيزيقي، ميتافيزيقية القيم منها الفطري، العقدي، المثالي. وقيم الطبيعة هي قيم فيزيائية ذات بعد جمالي ومادي. أما قيم المجتمع فهي قيم مكتسبة ثابته، وقيم مكتسبة مبتكره. السؤال وما له علاقة بطبيعة هذه المصادر، هو السؤال عن الإشكالية، إشكالية القيم وامتدادات هذه الإشكالية بين الفهم والتطبيق، أين تكمن اشكالية القيم هل بالفهم أم بالتطبيق؟ يجب أن نفهم أن الحق لا خلاف عليه، وأن القيم الثابتة،ثابتة لدى الجميع، وأن تطبيقاتها تمتد إلى طبيعة تطابق النية مع الفعل، لذلك ورد في قول الإمام علي بن ابي طالب بأن " نية المرء خير من عمله" وهذا يدفعنا إلى ضرورة التمييز الدقيق بين القيم الثابتة والقيم المكتسبة. والسؤال الدائم بهذا الاتجاه. أما في حالة الاختلاط فلا ينتهي المرء إلى إدراك واضح لكل قيمة من قيم تلك الثلاثية وهي الله، الطبيعة، المجتمع، وعندها ينفصم الإنسان عن تلك المصادر يشعر حينها بالضياع التام والعدمية التامة، ولعل ذلك يبرر تدخل ضمن مبررات فلسفة القيم ذاتها أو القيم ذاتها، إذن ما المسوغات القيمية بين هذه وتلك؟

يدخل الفرق بين القيم المحضة، أو القيمة الوصفية، أو القيمة التوليفية، مرحلة من التقدم عند أصحاب الوعي التمييزي، أو التفريقي، أذ تنامي الوعي يساعد على تشخيص حالة القيمة ذاتها، ومراحل تطورها ومكملاتها. وهذا بالتأكيد يكون بحاجة إلى حكم منطقي يستدعي السؤال عن ما وظيفة المنطق في حكم القيمة؟ وإذا كان للمنطق قيمة فهذا يدخلها في الصرامة والحزم، وهذا ما لا تتطلبه الذاتية، وترسيخها لمبدأ العاطفة، وهذا يبرر سؤالنا عن ما وظيفة العاطفة في حكم القيمة. وإذا كانت العاطفة متغلبة على جزء كبير من أحكام القيمة، فهذا يعني أن جزء آخر منها يحتاج إلى المعرفة، وإذا لم تتملكها المعرفة تبقى القيمة وموضوعاتها بعيدة عن أهل التخصص.

كيف نوظف القيمة وأحكامها؟ هناك استثمار كبير واستغلال واضح لكل الثوابت القيمية والمتغيرة منها، اذ نجد أن السياسة، ورجال الدين، وأصحاب رؤوس الأموال والشركات، وارباب العمل، وكل مجال من مجالات الحياة فيه ذلك الاستغلال لقيم الحياة،كاستثمار الموت، واستثمار العيش، واستثمار الحرب، واستثمار السلم، والفقر والغنى، وكل شيء ممكن استثماره لصالح قيمة نقيضة، من قيم السلب.

فالقيم تحكمها جينالوجيا، التاريخ، والتطور، والصراع، والحرب، والأزمات، والتغير الاجتماعي، أما كون القيم علماً فهذا يحتاج إلى تقنيات وتكنولوجيا وأدوات وتجربة اذا تتضح بها قيم التجربة على حساب قيم الصورة، أما الفلسفة فلها شأنها في القيم إذ تتجه بها بعيداً عن الميتافيزيقا، والسياسية، والأفكار الملوثة، على العكس من ميتافيزيقا القيم التي تتعلق بالدين السماوي، أو الدين الطبيعي، أو الغيب، أو الأساطير الميثولوجية. وإذا سأل سائل أين الأخلاق في هذه المفاهيم؟ نقول أنها موجودة في كل واحدة من تلك المفاهيم وتطوراتها. بعد هذا التطور توجد هناك ماورائيات قيمية غير منظورة، مثل الرضا، القناعة، الإيمان، التصديق، الجمال. وإن كانت هذه القيم متحولة أو متبدلة. وهنا يجب أن نسأل عن ما القيم المتحولة والقيم الثابتة؟ من أجل أن نعرف إمكانية تنظيم بشري صحيح للقيم . حتى تسلك طريق التكامل، والتسامي، والتطور، ولكن كيف تتطور القيم؟ وهل تطورها شرط تكاملها؟ أم أن هناك قيم فطرية متكاملة؟ وهل للقيم وأحكامها علاقة باللغة؟ وهل تعادل القيمة الأخلاق؟ ما الأحكام المعادية للقيمة الواقعية؟ أكثر من يظهر العداء بصيغة حكم هم العاطفيون وأهل المعرفة الاختصاص، فالعاطفيون أهل الخيال والوهم والمشاعر، وأهل المعرفة لديهم حكم الموضوعية والتجربة والمنطق.

وما قيمة الفلسفة في إظهار أو الحكم على قيمة الأشياء؟ وما قيمة الفلسفة قبل أن نعرف فلسفة القيمة؟ هذه الأسئلة وغيرها تحدد أطر العلاقة بين نشأة القيم وظهورها، وبين تطورها الاجتماعي أو الإيديولوجي. وعلينا أن نفهم كيف تتطور ونطور قيمنا في كل أبعادها.

 

الدكتور رائد عبيس

 

تتحكم في الكون قوانين كلية لم يستطع العقل الانساني سبر أغوارها العميقة، وهي تشمل الأنسان والزمان والمكان. وتتحكم قوانين نسبية في هذا الثالوث الذي تحكمه جبرية صارمة. فلا انسان خارج الزمان يظهر فيه جنيناً ثم طفلا فشاباً يرتقي سُلَم الصعود المادي والروحي في التكوين، ثم ينحدر كهلاً إلى ناصية العدم. فقوانين الماديات ومعها قوانين الروحيات تتوائم في هذا النشأ في كينونة الأنسان، منذ ظلام الرحم حتى ظلام القبر. تلك قوانين حتمية مطلقة لا الزمان ولا المكان قادرين على تغيير مساراتها. والمحصلة الفلسفية الغائية الراسخة هنا تتمثل في الوجود والعدم. وهما حقيقتان مطلقتان، قوانينهما تتحكم في وجود الكائن والكائن الوجودي اينما وجد في الزمان وفي المكان. وكما انها تتحكم في هذا الوجود تحكماً  مطلقاَ، فأنها تتحكم بالزمان والمكان تحكماً نسبياً يمسي الزمان لا يشيخ والمكان لا يشيخ إلا جزئياً وأمامه الكلي الذي يشيخ وهو الأنسان .

متغير الزمان النسبي، كيف نقيسه لكي يمسي في معارفنا زماناً ؟ يقيسه الانسان بما اوجد لنفسه قياسات استقاها من الطبيعة، حيث قوانينها المطلقة التي تشترط شروق الشمس من الشرق ولا تغرب من غيره، حين ابتدع تراتيبية للزمان تأخذ الثواني والدقائق والساعات والأيام والشهور والسنين والعقود والقرون وما ورائها، عندها عرف الزمان واكتشف موقعه منه بإعتباره كائن وجوده مؤقت مشروط  في زمان لا يشيخ .

الزمان يشيخ نسبياً، ليس في مدركات الكائن البشري النفسية فحسب، إنما في مكوناته العضوية التي تخضع لمتغيرات وتأثيرات تؤدي الى إضطرابات فائقة الجسامة تنتهي الى التراجع والضمور ثم الأنحدار الى العدم. وما يصيب الكائن البشري ينسحب على الطبيعة في كليتها. فالشجرة تشيخ وتهرم وتتيبس وينخرها السوس . فهي بدأت تبتة يافعة ثم وارفة تعطي ثمارها بعدها يبدأ قانون التعاكس يجرها نحو العدم. والمعنى في هذا القانون هو أن لا يعود الكهل شاباً ثم طفلا رضيعاً فجنين .. وكذا الكائنات الأخرى تخضع لقانون الصعود والتعاكس. فلا الصعود يبقى على حاله ولا التعاكس يعاود صعوده من الجديد، إنها الحتمية الجبرية الوجودية الصارمة. فالمادة الصلدة تنحتها الرياح عبر السنين والطبيعة تتحول وكائناتها تتحول وتشيخ نسبياً ولكنها تبقى في كليتها، وكذا الأنسان والمجتمع تحكمهما قوانين الحتمية، فلا يفنى المجتمع ويفنى الفرد فيه وهو الكائن البشري، تفنى الشجرة وتبقى الغابة، تتفتت الصخرة ويبقى الجبل، حيث قوانين الكلي والجزئي في وحدة التضاد والتناقض .

يشيخ الأنسان كلياً ويشيخ المجتمع نسبياً، تشيخ الشجرة كليا وتشيخً الغابة نسبياً وما ينسحب على الأنسان والمجتمع ينسحب على الطبيعة في كليتها.

الأفكار هي الأخرى تخضع ايضاً لقوانين البقاء الكلي والنسبي. فهناك افكار ونظريات تشيخ نسبياً، وأخرى لا تشيخ، ولغات ومفردات تشيخ ومنها لا تشيخ إلا نسبياً. وقوانين الكلي والجزئي تجعل الوجود الكلي مستداماَ، والكلي يشترط الجزئي ليتكامل به، فهما متكاملان في وحدتهما الوجودية، فلا الكلي يستطيع أن يلغي الجزئي ولا  الأخير يستطيع أن ينفي الكلي حيث يصبح الوجود عدماً. وأمام هذه الثنائية الجبرية يستمر الوجود البشري والمادي حيث يفنى الكائن البشري ويبقى المجتمع، تفنى الشجرة وتبقى الغابة تتفتت الصخرة ويبقى الجبل .. كلها تشيخ كلياً وتشيخ نسبياً ويبقى الزمان لا يشيخ أبداً .

 

د. جودت صالح العاني

 

عامر عبدزيد الوائليمقدمة: إنّ البحث في أنطولوجيا الأخلاق هو مبحثٌ بالغ الأهميّة للإنسان والمجتمع، وبشكل خاص للمسيحية؛ ومن الطبيعي أنّ موقف الإنسان والمجتمع من ماهية الأخلاق يحدِّد أولوياته وطرق سلوكه ومقاصده وأهدافه. (وقد نال المعلمون في المسيحية وافرا من الثقافة الفلسفية التي أحدثت أثرا قويا في أفكارهم وكتاباتهم) (1)، ولعل هذا جعل للفلسفة حضورها ثم (أن المسيحية البدائية وحدها فهمت تناهي الدازاين في هذا التدفق المريع، وهي جاءت بالضبط كأمل ورجاء (خلاص) في وقت هذا الدفق عن طريق الالتزام الأخلاقي، والإيمان الإسكاتولوجي (الآخرة) .) (2)، وهذا ما يشير له السيد المسيح: (كونوا كاملين كما أن أباكم السماوي هو كامل) (متى، 5:48)، وبولس في رسالته إلى الرومانيين: (لا تتشبهوا بهذا العالم، بل تحولوا إلى صورة أخرى بتجديد عقلكم، لكي يتهيا لكم أن تميزوا ما مشيئة الله، وما هي صالح وما يرضيه وما هو كامل) . (رو12: 2)، يشير إتين جلسون في كتابه " روح الفلسفة المسيحية إلى طبيعة الأخلاق داخل الفلسفة المسيحية فهي تنطلق من رهان ديني وعقلي معا؛ إلا أنها تربط هذا البعد النظري بالفعل العملي إذ تبقى غايتها هذه الأخلاق معرفة الله بوصفه الخير، والضد منه هي الخطيئة .

- أن الأخلاقيين المسيحيين سعوا أولا لربط القيمة الأخلاقية بالفعل الإرادي بوصفه الجزء الأساسي لها .

- كما إنهم جمعوا في- نفس الوقت –تصورات الجمال والشرف لأفعال الإنسانية الشريفة في تصور أكثر عمومية وشمولا، وأعنى به تصور الخير .

- ثم أرجعوا الخير إلى مبدأ مقارن يستحق الثناء والجدارة لذاته وبطريقة مطلقة، وهذا المبدأ هو أكثر حقيقة من الفضيلة ذاتها، وهي لا تستحق الثناء إلا بالنسبة لهذا المبدأ .

- ولقد نظروا إلى روح الرجل العادل واعتبروها جميلة وجديرة بالتقدير؛ أنها فاضلة .ولكن الفضيلة ذاتها لا تكون جديرة بالتفضيل؛ الا لأنها توجه الإنسان وتقوده نحو الله .

- لهذا فهي ليست الخير الأقصى أو الشرط المطلق الكافي للأخلاق جميعاً ولكي نفهم كيف تغير المنظور فإن أفضل وسيلة لذلك هي أن نحدد –اولا وقبل كل شيء – ما الذي يعطي الفعل الأخلاقي صفة الخير والشر وسوف تكون أبسط وسيلة هي أن نبذل جهدنا في تحديد الفعل السيئ أو ما أطلق عليه المسيحيون اسم الخطيئة .

- إن كلمة الخطيئة ومرادفاتها لها مفهوم ديني وأخلاقي في أذن الرجل الحديث ومن الصعب أن ننفي أنه كان لها هذا المعنى باستمرار، فقد كان اللاهوتيون في العصور الوسطى معنيين بالاحتفاظ بكل ما هو حقيقي في النظرية الأخلاقية عند اليونان .(3) .

في الفقرة السابقة كانت هناك وقفة عند مفهوم " الخير" إذ أن الأخلاقيين المسيحيين سعوا أولا لربط القيمة الأخلاقية بالفعل الإرادي بوصفه الجزء الأساسي لها . كما إنهم جمعوا في- نفس الوقت –تصورات الجمال والشرف لأفعال الإنسانية الشريفة في تصور أكثر عمومية وشمولا، وأعنى به تصور الخير .

فالربط بين مفهوم < الإرادة > القائمة على حرية الاختيار من ناحية وعلى مفهوم < الخير>، من ناحية أخرى أمر ضروري في بسط الأخلاق المسيحية التي تنطلق من هدف ديني بالأساس .فهذه الأخلاق تستند إلى مبدأ مطلق هو مبدأ الخير الذي هو الله من وجهة نظر مسيحية كتابية. (وأول من رأى ذلك هو أفلاطون الذي اعتبر الخير هو مثال المثل ومن خلاله فقط يمكن معرفة العدالة والجمال، أي أنّ مبدأ الخير هو الذي يمنح الإنسان المرتَكَز الأخلاقي) (4) .

أن الذين نسميهم أخيارا وأشرارا يحسنون اللذة والألم على السواء فليس الأخيار باللذة بل بالخير، وليس أشرارا بالألم بل بالشر، وكما أن الكيفية التي تحدث في الجسم عن النظام والتناسب تدعي الصحة والقوة، فان النظام والتناسب في النفس يسميان القانون والفضيلة .(5)

ولعل هذا الاستنتاج يظهر في حديث سقراط لاوطيفرون:(أي شيء هي في رأيك التقوى؟ وما هو الضلال سواء كان ذلك في حالة القتل أو في أية حالة أخرى . أوليست التقوى هي ذاتها في كل الأفعال ؟ وأليس الضلال كذلك هو ضد كل تقوى، ولكنه في ذاته مشابه لذاته ويحتفظ بطبيعة معينة واحدة .) (6)

يبدو ان أتين جلسون يرى ان افلاطون كان اقرب من ارسطو الى المسيحية فان افلاطون (ففي الأفلاطونية –كما فى المسيحية – هناك نظام إلهي يحكم ويحدد النظام الاخلاقي، وحين يعبر افلاطون عن نفسه فى لغة الأسطورة، فإنه يذكرنا بالتراث القديم الذي يروى كيف أن "ساترن Saturn" (زحل) – الذي يعبر عن عدم كفاية الإنسان لأن يحكم غيره من الناس بسلطة أو قوةً مناسبة – بعث بعدة عقول عليا فوق المدن، وجعل من هذه الأرواح Demons رعاة للناس على نحو ما يكون الناس رعاة لقطعانهم، ونحن عندما نتبع إرشادات العقل فإننا نخضع في الحقيقة لهؤلاء الراشدين الالهيين الذين أرسلتهم السماء يرعون الناس ....ألسنا نجد أنفسنا أمام عالم يرادف العالم المسيحي حيث لا يكون القانون الطبيعي العقلي إلا تعبيرا عن القانون الإلهي، وحيث نجد أن الأساس النهائي للأخلاق إنما يكمن في هذا القانون الأخير، أعني في القانون الإلهي ؟..) (7)، فهو يقارب بين أفلاطون والمسيحية ثم يصل إلى (يمكن أن يقال إن القانون الأبدي "مكتوب " في قلوبنا، فلو كان العقل هو القاعدة التي تقاس بها خيرية إرادتنا أو خبثها، فإن سموه إنما يعود إلى أنه هو نفسه ليس إلا قبسا من العقل الإلهي.) (8)

وبناءً على هذا فإنّ الأخلاق لا تكمن في الفعل كنشاط في حد ذاته بل في مسعاه ومدى التصاقه بمثال الخير الذي هو الله. فالفعل وارتباطه بالنية والقصد هو الخير موجود في جوهر الدين عامة والمسيحية خاصة كونها تحرض على سلوك أخلاقي يكرس الفضيلة والخير ويعارض كل رذيلة وهو بهذا يوقظ الإنسان من سبات الخطيّة وتجعله يقف مشدوهاً أمام كمال المنطق الذي يظهر في قيم مسيحية كالمحبة المضحّية والتواضع والإحسان وقدسية الزواج، (9) والتي تظهر آثارها البنّاءة على الإنسان الفرد والمجتمع، لكل من لا يخشى الاعتراف بالواقع المرئيّ. وهذه القيم الأخلاقية التي يحرض عليها الدين والوصايا للمسيح .يبدو أن في هذه الأخلاق تيارين:

.وانطلاقا من هذه المواقف التي عرضناها يمكن أن نقارب الأخلاق المسيحية في بعدين أولا الأخلاق في الدين المسيحي والثاني الأخلاق المسيحية فلسفيا توما أنموذجا .

أولا، الأخلاق المسيحية دينيا:

هذا التيار يؤكد على دور الدين في الأخلاق المسيحية: اذ يؤكد هذا التيار على أن الأخلاق المسيحية هي ناتجة عن العزاء الذي عمله الله في المسيح، والمصالحة معه والحياة الجديدة في الروح القدس .(10) وهذا يجعل الأخلاق المسيحية نابعة من الحياة المسيحية المجددة بنعمة الله، وليس نابعة من الحياة العقلية أو البصيرة الفطرية .(11) وبالتالي فان هذا التيار يؤكد على أن الفلسفة الأخلاقية تقدم نظريات بينما نرى في المسيحية "تجسداً" للمبادئ الأخلاقية في حياة السيد المسيح، وهذه الحقيقة فهم الإنسان وتدفعه إلى الاقتداء به .ثم انه يرى إي هذا التيار خصلة أخرى من الاختلاف بين الفلسفة الأخلاقية والأخلاق المسيحية فالفلسفة الأخلاقية تقدم مثلا للناس مثلا عليا لكنها لا تعطي للناس مثالا حيا، إما قوة المسيحية فتظهر في تعاليم السيد المسيح وفي سكنى الروح القدس في المؤمنين في المجتمع الصغير في الكنيسة . (12) ثم أن الأخلاق المسيحية مؤسسة على الوحي الذي هو إيمان الله لذاته وطبيعته في الكتاب المقدس . (13)، والخلاصة، فإنّ الإنسان بحاجة للإعلان الخاص في الكتاب المقدس لكي يتمكن من امتلاك فضائل الرجاء والإيمان والمحبة، والتي ترتبط بمعرفة أعمق لطبيعة الله وعمله والحقائق الميتافيزيقية في العالم الروحي (14) . ويحدد هذا التيار، مجال الأخلاق المسيحية ووظيفتها:أن المسيحية ليست ديانة تقدم لنا مجموعة كاملة من القواعد والتشريعات لمواجهة كل حالة من حالات السلوك الإنساني وولكنها تتحدث عنه نعمة الله ليتجاوب معها ويكون إيمانا عاملا بالمحبة، ويقول أميل برونر: (لا يوجد شيء اسمه الأخلاق المسيحية الفردية أن الله ينظر ألينا بالنسبة لعلاقتنا بالقرب وليس بالنسبة لعلاقتنا بأنفسنا .) (15) أن محبة الله الشاملة لجميع الناس ومغفرته المطلقة لجميع الخطايا(قد تجلتا في موقف السيد المسيح من الذين كان اليهود يعتبرونهم خطأة وعشاين ووثنيين ولاجل ذلك يحتقرونهم ويذلونهم .) (16)

الثاني، الأخلاق المسيحية فلسفيا توما أنموذجا:

حيث يكون التيار الثاني وهو تيار مختلف يرى أن الأخلاق تجد في العقل الإنسان ترجمان لها كما يظهر في فلسفة أوغسطين وتوما الاكويني:

أولا: القديس أوغسطين:

يعتبر أوغسطين أعظم من ترك أثرا في الفكر اللاهوتي المسيحي في الفترة ما بين بولس الرسول والقديس توما الاكويني .(17) ولقد وصل أوغسطين إلى ما وصل إليه معنى الحياة المسيحية بعد رحلة طويلة من المعاناة والصراع الفكري والنفسي والروحي، وقد سجل خواطره الرائعة عن هذه المعاناة في كتابه " الاعترافات " (18) فكر أوغسطين الأخلاقي:

1- يرى أن الناموس في حد ذاته صالح وفيما عدا الشريعة الطقسية التي أعطيت لليهود، فان الناموس يحتوي على تعاليم البر التي يجب أن نضيفها ولقد أشار أوغسطين في أكثر من مناسبة إلى أن المسيحي مطالب بحفظ الشريعة الأدبية .ونقطة الضعف ليست في الناموس فالناموس يعبر عن مشيئة الله، لكن إرادة الإنسان الشريرة ترفض أن تطيع الناموس، أو تحاول طاعة الناموس لدوافع اخرى غير المحبة، وطاعة الناموس لدوافع ذاتية أنانية لايمكن تكون خيرا . والمشكلة في عجز الإنسان عن التصرف بحسب ما يعرف .لذلك فالإنسان لا يمكنه أن يصل إلى البر ما لم يوقظ الله فيه الإيمان والمحبة.(19) ويقول اوغسطين: (لقد أعطى الناموس حتى نطلب النعمة، ولقد أعطيت النعمة حتى نكمل الناموس .) (20)

2- يقول أوغسطين أن الإنسان عند الخليقة في جنة عدن كان يحب الله بحرية في سعادة وطاعة كاملة، لكنه باختياره الحر ابتعد بإرادته بعيدا عن الخالق، وهبط إلى مستوى سائر المخلوقات، بل بالأحرى اتجه إلى ذاته، إي أنه اختار أن يكون تحت سلطان ذاته لا تحت سلطان الله ... هذه هي الخطية الأولى، وهي لا تنبع من الكراهية أو نقص المحبة، ولكنها أتت من التوجيه الخاطئ للمحبة وبهذا سقط ادم ونسله ...وعلى ذلك فالخلاص ليس ممكنا إلا بنعمة الله كما أظهرت في المسيح وكنيسته . (21) وهذا ما نلمسه في دعاء أوغسطين:(سوف اعرفك يا من تعرفني، سوف اعرفك كما تعرفني؛ ادخل إلى نفسي يا قوام نفسي واسكن فيها واملك عليها وحولها اليك، منزهة عن كل عيب .) (22)

3- الحياة المسيحية الصالحة لا تبنى على الإدراك العقلي، ولا على السلوك الظاهري، إنما على الإرادة الباطنة، ذلك، ذلك، لأنه عندما تقيم الإنسان لنسأله عما يؤمن ب هاو ما يرجوه أنما نسأله عما يحبه . بالضرورة الأولى للصلاح الأخلاقي هي اتجاه الإرادة نحو الله ومحبته، فهي المنبع الذي تصدر عنه كل قراراته الأخلاقية، لذلك يقول أوغسطين: (أحبب الله وما تريده افعله) (23)

4- وفي كتابه: (مدينة الله) (24) إذ يقول أوغسطين: (فان الله بشهادة الكتاب المقدس، خلق الإنسان مستقيما، ذا إرادة صالحة؛ قبلها الإنسان منه تعالى مع الحياة .أما الإرادة الأولى الشريرة التي سبقت في الإنسان كل أعمال العاطلة فلست عملا بل هي انكفاء عن أعمال الله إلى أعمال الإنسان) (25)

يوضح أوغسطين أن هناك نوعين من المجتمعات يسيران جنبا إلى جنب، واحد منها هو "جماعة المؤمنين "، تربطهم معا محبة الله، وهذا المجتمع يبدأ من أدم حتى الكنيسة المسيحية والمجتمع الثاني هو "مجتمع الأرض" المؤسس على حب السلطان وهذا الحب هو الصورة السياسية للكبرياء ومحبة الذات، هما ثان المدينتان تسيران جنبا إلى جنب حتى نهاية الزمان؛ ولكن خطة الله هي أن تنتصر مدينة الله في الدينونة .(26) إ يقول اوغسطين: (لان الشريعة الخليقة العاقلة هي أنه، لا شيء أكثر نفعا لها من أن تكون متعلقة بآخر؛ ولا شيء أشد ضررا بها من أن تعمل على هواها، ضاربة عرض الحائط بإرادة خالقها .) (27)

ثانيا القديس توما الاكويني:

وهو الفيلسوف واللاهوتي الايطالي (1224- 1274) الذي لقب بالمعلم الجامع (28)، فقد يؤكد توما الأكويني على هذا الواقع الإنساني حيث يعتبر أنّ العقل الإنساني قادر على معرفة حقيقة وجود الله وصفاته، وهو قادر على التمييز بين الخير والشر والتدرّب على ممارسة هذا التمييز.

كما أنّه يجد أنّ مبدأ ضرورة عمل الخير وترك الشر هو مبدأ طبيعي موجود فطرياً في عقل الإنسان، وأنّ مبادئ الناموس الطبيعي مرتبطة بالميول الطبيعية للإنسان، كما أن الإنسان يمتلك بذار العدالة والشجاعة وضبط النفس والحكمة ولكنه يحتاج إلى تنيمتها بدون الحاجة إلى الإعلان الإلهي عن طريق الفطرة أو الحدس، فالواقع يشير إلى أن الإنسان يعرف بفطرته أن يتتبع الأخلاق السلوكية العادية، وكثير من الأتقياء في كل العالم قادرون على ممارسة الفضائل والأخلاق.

ويلخِّص هذه الملاحظة توما الأكويني كما يلي: “العقل الإنساني هو المعيار الذي يُقاس به خير الإرادة البشرية، لأن العقل ينشأ من الناموس الأبدي الذي هو العقل الإلهي ذاته؛ فمن الواضح أن صلاح الإرادة البشرية يعتمد على الناموس الأبدي أكثر منه العقل البشري.” (29) أي أنّ الخير يجب أن يكون قابلاً للإدراك بالعقل البشري الطبيعي لأنّ الصلاح الفطري الموجود فيه رغم السقوط مستمدّ مباشرةً من الناموس الطبيعي الإلهي.

عندما نقول: أخلاق، نقصد ربطها بالإنسان؛ أي إنّ موضوع الأخلاق، هو الإنسان. لكنّ السّؤال هنا: أيّ إنسانٍ نقصد؟ بالطّبع، نقصد الإنسان بما هو حرّ، أو بما هو مُريدُ أفعاله ومختارها. فعندما ندرس الأخلاق، نقصد الأفعال الصّادرة عن الإنسان بما هو إنسان؛ أي بحدّه أو كون أفعاله صادرة عن إرادة عامدة، وهذه الأفعال تُسمّى «أفعالًا إنسانيّةً». أمّا ما يصدر من أفعالٍ دونما رَوّيةٍ وإرادة حقيقيّة، فتُسمّى «أفعال الإنسان»: كتحريك اليد لضرب ذبابة وقفت على أنفك، أو العبث بشعر رأسك مَعَ انشغال الفكر بأمورٍ أخرى مُعيّنة. لذلك، حقيقة الفعل الإنسانيّ، أنّهُ مُتّصف بالغائيّة، أو مُتّجه إلى غاية مُدرَكة ومُرادة. بكلمة أخرى: الغاية هي مبدأ الأفعال الإنسانيّة.

لذلك، لا بدّ للحياةِ الإنسانيّة من غايةٍ قُصوى؛ وإلاّ لَم يُشْتهَ شيءٌ، ومِن ثَمّ، لم يُفعل فِعلٌ. وما دامت الغاية هي مبدأ الأفعال الإنسانيّة، فإنّ التّسلسل اللاّنهائيّ في العلل الغائيّة مستحيلٌ، كما هو كذلك في العلل الفاعليّة (سيأتي بعد توما الأكويني بعقدين ونيّف، وليم أوكام، ويرفض كلّ هذه الأفكار، قائلًا أنّ الأمر هذا ليس شرطًا، إنّما من الأفضل أن يكون هو الصّحيح) .(30)

أمّا الغايةُ القُصوى، والسّعادة؛ فهي تلك الّتي تملأ شهوة الإنسان بأسرها، حتّى لا يبقى شيءٌ آخر يشتهيه خارجًا عنها؛ وهي استيفاء الإنسان كماله، وكمال كلّ شيءٍ على قَدْرِ وجوده بالفعل، ولكن، أيّ فعل؟ إنّه الفعل الأقصى؛ أي فعل الجزء العقليّ الخاصّ بالإنسان، دونما الحيوان. وهذا الفعل هو فعل العقل، وليس الإرادة، إذ إنّما الإرادة هي الّتي تشتهي الغاية.

أمّا ماهيّة السّعادة الكاملة، فَقائِمة كُلّها برُؤية اللَّه. وإنّ الخير الكُلّيّ موجودٌ في اللَّه وَحده، وهو - الخير- موضوع الإرادة. والسّعادة الميسورة لنا في الحياة العاجلة، هي سعادة ناقصة، تقوم على مرتكزاتٍ ثلاثة: معرفة اللَّه ومحبّته؛ أوّلًا، ومزاولة الفضائل؛ ثانيًا، وصحّة الجسم والخيرات الخارجيّة، من مالٍ وكرامة؛ ثالثًا.

وما دامت الإرادة تابعة للعقل، الّذي هو موضوع العقل الكُلّيّ، وليس العكس، فتميل إلى الخير الّذي يَعرِضه عليها، إذ إنّ العقل هو قاعدة الإرادة الّتي يتقدّر بها صلاحها؛ فإذا كانَ الحُكم موافِقًا لحُكم العقل، كان هذا الحُكم خيرًا، وإن كان مُنافِيًا لحُكم العقل، كان شرًّا.

وفي الفعل الإنسانيّ، فيُمكننا تحديد الخير والشّرّ أو اعتباره من أوجهٍ ثلاثة: أوْلاها؛ من حيث الموضوع، إنْ كانَ موافقًا للعقل أو مُخالفًا له: كاستعمال الإنسان ما له، أو أخذه ما ليس له أو لغيره. ثانيها؛ من حيث الظّروف، أي من حيث هي أعراضٌ للفعل، أو لواحق: مثل الكَمّيّة المُلائمة، أو المكان المُناسب، فإنْ خَلا الفعل من هذه أو ذاك، كانَ فعلًا شرّيرًا. ثالثها؛ من حيث الغاية الّتي يتوقّف عليها هذا الفعل، ونسبته إلى عِلّة الخير، بكونهِ فعلًا إراديًّا.

أمّا الفعل الإراديّ، فيشتمل على فعليْن اثنيْن: فعلٌ باطِن، وفعلٌ ظاهِر. والفعل بما هو مُتَّجه إلى غاية، فالغاية إمّا طبيعيّة، أو خُلُقيّة. أمّا الطّبيعيّة، فهي ما ينتهي إليه الفعل في العيان، أو في الواقع الإنسانيّ؛ وذلك مثل قتل الإنسان لأخيه الإنسان. فأمّا الخُلُقيّة، هي الّتي تُفيد الأفعال الإنسانيّة حقيقتها النّوعيّة؛ أيْ هي صورة الفعل الظّاهر لنا. ومثال ذلك، أنّهُ قد يكون الفعل الّذي نُباشره في وقتٍ ما، خيّرًا في نوعه، أو في ظروفه، لكن قد يُقصد منه غاية شرّيرة؛ وذلك كأنْ تُساعد النّاس، بُغية المجد الباطل والظّهور المُزيّف، والعكس صحيح.

لذلك، عند توما الأكوينيّ، لا يكون الفعل خيّرًا مُطلقًا، إلاّ إذا اجتمعت له أوجه الخير كلّها. وحتّى لو سَرقتَ لتتصدّق على فقيرٍ، فلا يُعتَبر فعلك خَيّرًا؛ وذلك لأنّ كلّ نقصٍ فهو شرّ. وهناك بعض الأفعال، ليست خيّرة، ولا شرّيرة بذاتها، إنّما تكون كذلك وَفْقًا لحقيقتها النّوعيّة، ولغايتها المقصودة؛ فَذَهابي إلى باريس مَثَلًا، ليس خيرًا ولا شرًّا في ذاته، إنّما الّذي قد يُحدّد حقيقة فعلي إن كان مُتوجّهًا إلى غايةٍ لائقة أو غير لائقة. ونفس الأمر ينطبق على الانفعالات السّيكولوجيّة، فتُحدّد خيريّتها أو شرّها تَبَعًا لحُكم العقل، والغاية المُتوخَّاة منها، وذلك على العكس من الرّواقيّين، الّذين اعتبروا هذه الانفعالات أمرًا يتّصف بالشّرّ في ذاته، فهي أمرٌ مرفوض. وكانط مثلًا، رَفَضَ الشّفقة كأمرٍ مُوجّهٍ لأحكامنا الأخلاقيّة؛ والحكم هُنا يرجع إلى ما يُوافق العقل أم لا.

وكلّ هذا، يُقرّه العقل الطّبيعيّ بالنّظر في الإنسان، وبما يليق أن يكونَ عليه، وفي الأشياء المُحيطة به، وأثرها فيه. أمّا مجموع القواعد الخُلُقيّة الّتي نعقلها، ونُلزِم أنفسنا بها، فتُسمّى بالقانون الطّبيعيّ، الّذي لا يُحتاج لمعرفته إلى وحي، وهذا القانون، مُنطبعٌ في ماهيّاتنا كموجودات عاقلة ومُدرِكة. ولمّا كانَ قانونًا خُلقيًّا، فهو خاصّ بنا نحن بكوننا كائناتٍ عاقلة. وهذا القانون الطّبيعيّ، يقوم على عدّة مبادئ، وأولى هذه المبادئ، يرتكز على معنى الخير، وصيغته: يجب اتّباع الخير، واجتناب الشّرّ؛ وهو المعنى الأوّل من معاني العقل العمليّ، وهذا المبدأ الأوّل ينماز بأنّه بيّنٌ بذاته.

إذ إنّ مبادئ القانون الطّبيعيّ، منها ما هو بيّنٌ بذاته، ومنها ما هو نتيجة لمبدأ بيّن بذاته. أمّا مثال المبدأ البيّن بذاته، قولنا: يجب ألاَّ تضرّ أحدًا. فأمّا ما هو نتيجة لمبدأ بيّن بذاته، كقولنا: لا تُمسك الأمانةَ عن صاحبها، والسؤال هنا، لماذا؟ الجواب: لإنّه يجب ألاّ تسرق، وألاّ تضرّ أحدًا.

وهناك ما يُسمّى قواعد القانون الطّبيعيّ، إذ تنقسم إلى: أوّليّة، وثانويّة. أمّا الأوّليّة، فثابتة لا تتغيّر، ويشترك فيها النّاس جميعًا، اشتراكهم في المبادئ الأولى النّظريّة المطبوعة في ماهيّاتنا. فأمّا الثّانويّة، فتتغيّر بتغيُّر ظروف الزّمان والمكان، وقد تتغيّر جرّاء الجهل أو الخطأ والهوى، فتكون غطاء على بصيرة النّاس، تحجب عنهم وجه الحقّ، وتميل بهم إلى إقرار الباطل.

وهناك قاعدتان أخريان للقانون الطّبيعيّ: قاعدة قريبة، وقاعدة بعيدة. أمّا القريبة فهي العقل الإنسانيّ. وأمّا البعيدة، فهي القانون الأزليّ؛ أي العقل الإلهيّ الّذي يرى في الذّات الإلهيّة جميع الطّبائع ونظام علاقاتها، والإرادة الإلهيّة هي الّتي حقّقت هذه الطّبائع. أي بأخصَرِ الكَلِم: هي قوّة الإلزام الّتي أشرقها القانون الأزليّ في ضمائِرنا الإنسانيّة. ولهذا، تُكوّن هذه الطّبائع نظامًا مُحكمًا، واتّباع هذه القواعد، تحقيقٌ للنّظام، والتزام به، وتكريمٌ لواضعه. فيلزم إذن، أن يستحقّ المطيع لها ثوابًا، والعاصي عقابًا؛ فالمعصية إخلال بالنّظام، وإهانة لواضعه.(31)

تقييم لنظريات الاكويني الأخلاقية:

1- عندما نقارن رأي توما الاكويني في القانون الأخلاقي براى القديس أوغسطين نلاحظ: أولا نظريته العقلانية والتفاؤلية . هذه النظرة مبنية على رايه فى أن الإنسان كائن عاقل مخلوق على صورة الله، لذلك فيينما تحقق سائر الخلائق قصد الله دون وعي، فإن الإنسان الامتياز ان يعي ويفهم تعاونه مع الله لتحقيق مصيره . وهذا واضح فى فكرته على (الناموس الطبيعي) و(والناموس البشري.) (32) سين ان من بين وجوه النقد التي توجه إلى فلسفة توما الاكويني الاخلاقية نظرته العقلية المتفائلة الى وصايا القانون أو الناموس الطبيعي التي يعتبرها واحدة عند جميع الناس .فربما كان المبدأ الاساسي وهو "إن الخير مطلوب ويجب تشجيعه، وإن الشر مرفوض ويجب تركه .

2- يرى بعض إن نقطة الضعف الأساسية في فكرة الأكويني عن القانون أو الناموس ليست في نظريته عن (الناموس الطبيعي والناموس البشري) بل بقدر ما هي في نظرته أخلاق المحبة والحرية .إن وصايا المسيح في نظر كثيرين من اللاهوتيين لا تشكل "ناموسا " جديدا، ولكنها مجرد نماذج أو أمثلة لما تتطلبه إرادة الله الكاملة من أبناء ملكوته ... لكن يحتفظ توما الأكويني بثوريتها الأخلاقية فهو لا يرى فرقا بين تعاليم العهد القديم وتعليم المسيح فى العهد الجديد سوى أن الرب يسوع انشغل بالدوافع الداخلية للإنسان، وبذلك فإن الأكويني اكتفى بأن يضيف بعض "المشورات الإنجيلية" كطريق اختياري لمن يتعجلون طريق الخلاص ويريدون التأكد منه . (33)

3- أخيرا يبدو أنه لا يوجد مكان كبير للحرية فى ناموسية توما الأكويني .فبالنسبة للمسيحي الذي يختار بنفسه طريق المشورات الإنجيلية فأن نذر الطاعة يتطلب منه الخضوع بلا مناقشة . وبالنسبة للمسيحي العادي فالحرية مجالها في إن هناك أمورا في حياته لا يوجد فيها نصا صريحا من الناموس الجديد بالامر أو النهي وفي هذه الأمور وحدها يمكنه ان يلتجئ إلى نعمة الله ليواجهها بحرية . (34)

 

د. عامر عبد زيد الوائلي

.........................

1) أديب صعب، المقدمة في فلسفة الدين، دار النهار للنشر، ط3، بيروت، ص48.

2) إسماعيل مهنانة، نحو لاهوت بلا إله: المقدس والدين في فكر هيدجر، ضمن كتاب فلسفة الدين، تحرير، علي عبود المحمداوي، منشورات ضفاف، ط1، بيروت، 2012، ص 238.

3) إتين جلسون، روح الفلسفة المسيحية في العصر الوسيط، ترجمة، إمام عبد الفتاح امام مكتبة مدبولي، ط3، القاهرة، 1996 ص378.

4) مصطفى حسن النشار، فكرة الألوهية عند أفلاطون، مكتبة مدبولي، ط2، القاهرة، (د.ت)، ص50- 149.

5) يوسف كرم، تاريخ الفلسفة اليونانية، منشورات البندقية، ط1، القاهرة، 2018، ص138.

6) مصطفى حسن النشار، فكرة الألوهية عند أفلاطون، ص109.

7) إتين جلسون، روح الفلسفة المسيحية في العصر الوسيط، ص385.

8) إتين جلسون، روح الفلسفة المسيحية في العصر الوسيط، ص389.

9) انظر: كيرلس سليم بسترس، مقلات في الأخلاق والحياة المسيحية، منشورات المكتبة البولسية، سلسة رقم 26.(د.ت)، ص59- 60.

10) فايز فارس، علم الأخلاق المسيحية، ج1، دار الثقافة، ط1، القاهرة (د.ت)، ص21.

11) نفس المصدر، ج1، ص 22.

12) نفس المصدر، ج1، ص 23.

13) نفس المصدر، ج1، ص 23.

14) نفس المصدر، ج2، ص 45- 47.

15 نفس المصدر ج1، ص33.

16) كيرلس سليم بسترس، مقلات في الأخلاق والحياة المسيحية، ص59.

17) فايز فارس، علم الأخلاق المسيحية ج2، ص 28.

18) أوغسطين الاعترافات، نقله الى العربية الخورأسقف يوحنا الحلو، دار المشرق، ط8، بيروت، 2007.

19) فايز فارس، علم الأخلاق المسيحية، ج2، ص31.

20) نفس المصدر ج2، ص31.

21) نفس المصدر ج2، ص32.

22) اوغسطين الاعترافات، ص 193.

23) فايز فارس، علم الأخلاق المسيحية، ج2، ص 32، وانظر: Enchuruduon ch- 117 in Waldo Beach R.H.Niebuhr,p108

24) أوغسطين، مدينة الله، نقله إلى العربية، الخور أسقف يوحنا الحلو، دار المشرق، ط2، بيروت 2007

25)، ص181

26) فايز فارس، علم الأخلاق المسيحية، ج2، ص33.

27) أوغسطين، مدينة الله، ص 185.

28) جورج طرابيشي، معجم الفلاسفة، دار الطليعة، ط3، بيروت، 2006، ص241.

29) نفس المصدر، ج1، ص230.

30) انظر: يوسف كرم،

31) الأخلاق عند القدّيس توما الأكويني: https://ahmadphilo.wordpress.com

32 فايز فارس، علم الأخلاق المسيحية، ج2، ص49.

33 فايز فارس، علم الأخلاق المسيحية، ج2، ص50.

34 فايز فارس، علم الأخلاق المسيحية، ج2، ص51.

 

علي رسول الربيعييبدأ هابرماس مقولاته عن الحقوق بالتأكيد على أنظمة الحقوق التي تتضمن تلك الحقوق التي يجب على المواطنين منحها لبعضهم البعض إذا كانوا يريدون تنظيم حياتهم معًا بطريقة مشروعة عن طريق القانون. ووفقا له، فإن مبدأ الخطاب وهدفه هو افتراض شكل مبدأ الديمقراطية فقط على طريق إضفاء الطابع المؤسسي القانوني، ويمنح مبدأ الديمقراطية أيضًا من جانبه قوة الشرعية لعملية تشريع القانون (Between Facts and Norms, 154). عموما، لدى هابرماس ثلاثة حقوق أساسية، اثنان منها ناتجة عن تطوير حقوق مستقلة سياسيا. والثالث هو الحق الاجتماعي. تشتمل المقولة الأولى على فرعين.وتضمن هذه المقولات:

(1) الحقوق الأساسية الناتجة عن التطور المستقل سياسيا للحق في الحريات الشخصية المتساوية. وتتطلب هذه الارتباطات الضرورية التالية؛ (I.1) الحقوق الأساسية التي تنجم عن التطور المستقل سياسيا لمكانة أو وضعية العضو في الفعل الأختياري كالتواصل الاجتماعي بموجب القانون (1.2) الحقوق الأساسية التي تنجم مباشرة عن قابلية تطبيق الحقوق وعن التطوير المستقل سياسيا للتدابير القانونية.

(2) الحقوق الأساسية في فرص متساوية في المشاركة في عمليات تشكيل الرأي والإرادة التي يمارس المواطنون فيها استقلالهم السياسي ويضفون من خلالها شرعية على القانون.

(3) الحقوق الأساسية لأحكام الرفاه والأمن الاجتماعي، وتوفير الحماية من المخاطر الاجتماعية والتكنولوجية وكذلك توفير الظروف البيئية غير التالفة للحياة وفي الواقع، يعد هذا ضروريًا، في ظل الظروف السائدة، لتحقيق فرص متساوية في استخدام الحقوق المدنية المدرجة (F & N 122-123).

في ما يلي، أود أن أوضح أن مقولات الحقوق عند هابرماس تستند إلى تشريعات مستقلة سياسياً، وهي مصدر سن القوانين الديمقراطية. وأن جميع فئات الحقوق التي حددها هابرماس هي حقوق دي أنطولوجية، تستند إلى القانون الوضعي، في تناقض مع القانون (الحقوق) الطبيعي. وبالمثل،نشأت الحقوق الأساسية الأولى والثانية من تطور الأستقلالية السياسية ... يكشف تحليل الاستقلالية السياسية من بين أشياء أخرى، عناصر من الحقوق المدنية والسلطة التشريعية. وبالتالي، فإن الحقوق الناتجة عن تطوير الأستقلالية السياسية مليئة أو مثقلة بالمضمون القانوني. إن معظم المبادئ القانونية والخطابات القانونية العملية المعروفة و المعترف بها، في المجتمعات الديمقراطية،هي تلك التي تسنها تشريعات مستقلة سياسيا أو من خلالها. هذه هي القوانين المدنية التي يمكن أن تتخذ شكل الدول أو الدساتيرالوطنية، أو الناشئة عن تطور الدساتير في أبعاد مختلفة في التطبيق.

وبالطريقة نفسها، يكشف تفسير نظام الحقوق والشكل القانوني عن كيفية تكوين وترتيب المؤسسات القانونية في المجتمع الديمقراطي، من خلال تطبيق هذه المقولات من الحقوق. ومن هنا نستمر في التأكيد على أن فكرة التشريع الذاتي للمواطن تتطلب أن يُفهم من يخضعون للقانون كجهات مخاطبة في الوقت نفسه على أنهم مؤلفون للقانون. ولا يمكننا تلبية هذا المطلب من خلال التفكير في الحقوق المتساوية في الحريات الشخصية كحق ذو أساس أخلاقي يجب على المشرع السياسي أن يسنه كقانون وضعي. إن وضع القوانين المستقلة سياسيا هو وحده الذي يمكِّن الجهات المرسل إليها من القانون من الحصول على فهم صحيح للنظام القانوني ككل. (F & N. 121).

وبالتالي ينقسم الحق في الحرية الشخصية داخل مقولة الحقوق الأساسية الأولى، إلى حقين آخرين؛ بوصفه عضو في جمعية طوعية من المتحدين، أولاً، بموجب القانون وثانياً، التدابير القانونية. إن الحرية الذاتية في المقام الأول هي حق خاص أو حق سلبي. وهذا هو الحق الذي يؤمن للفرد منطقة عدم التدخل من قبل أي اقتحام خارجي. يقول هابرماس إنه بالنسبة للفاعل الذي يتخيل قراره بحكم حقوقه الشخصية أو حريته ... لا يهم ما إذا كان يقبل الآخرين الأسباب الحاسمة له للقيام بالفعل. لهذا السبب يمكننا أيضًا أن نفهم الاستقلالية الخاصة لموضوع قانوني أساسا على أنه حرية سلبية للانسحاب من الفضاء العام للالتزامات التعسفية التبادلية إلى موقف المراقبة المتبادلة والتأثير المتبادل. (F & N. 119-120). الخطوة الأولى في تطوير الحقوق الشخصية هي تلك الخاصة بوضع العضو في رابطة طوعية من المنتسبين. وتدعي هذه الخطوات وجود علاقة بيذاتية، ويتواصل المواطنون طواعية وبدون أيً تعسف أوأكراه . غالبا ما يأخذ التفاعل شكل العقد؛ يكون للفاعل عادة معرفة كاملة بماهية الأتحاد وكافة وشروط الاتفاق. يستخدم المواطنون في هذا المستوى أيضًا، حقوقهم التواصلية.

التطور الثالث لهذا الحق الأساس هو اتخاذ تدابير قانونية ضد أولئك الذين ينتهكون حقوق الآخرين. هذا هو الحق في اتخاذ إجراءات قانونية ضد المتطفلين على حق الفرد وحياته. وفقا لهابرماس، تتطلب الطبيعة القسرية للقانون أنه في حالات النزاع يجب أن تكون هناك إجراءات خاصة لتفسير تطبيق القانون الساري المفعول وتطبيقه بطريقة ملزمة. يمكن للأشخاص الاعتباريين تقديم التظلمات (klagebefognissen)، وبالتالي حشد الصلاحيات القسرية المرتبطة بحقوقهم، إذا كان لديهم حرية الوصول إلى محاكم مستقلة وفعالة تعمل بشكل فعال وتفصل بين النزاعات بشكل نزيه ومُخوَّل ضمن إطار عمل القوانين. (F & N. 125). ويمكن أن يكون هذا الحق أيضًا بمثابة أساس قوي لسيادة القانون المعروفة باسم ( Habeas Corpus ) "يوجد هذا القانون في العديد من الدول، وينص على أنه لا يمكن احتجاز شخص ما في السجن ما لم يمثل أمام قاض، وعليه أن يقرر ما إذا كان يستحق أن يظل هذا الشخص في السجن أم لا. "

يتطلب إنشاء مدونة قانونية وفقًا لهابرماس الحق في الحريات الشخصية المتساوية مع حقوق العضوية المتلازمة مع حقوق العضوية (في الجماعة أو المجتمع) مع ضمان حقه في اللجوء الى القانون . يقول هابرماس لا يوجد قانون شرعي بدون هذه الحقوق. هذه الحقوق التي رأيناها حتى الآن هي حقوق ذاتية وهي تطور للحقوق الأساسية التي تنتج عن الاستقلال السياسي: الحق الأساسي الثاني هو الحق في فرص متساوية في المشاركة في طرح الرأي. وتشكيل الإرادة التي يمارس المواطنون فيها حقوقهم في الأستقلال السياسي وتشريع القانون. هذه هي الحقوق المدنية التي من خلالها يمارس المرء اللأستقلالية والحكم الذاتي. لا يمكن للحقوق الشخصية بمفردها التشريع على المستوى المدني، لأن ذلك يقع ضمن نطاق الحقوق المدنية أو السياسية. وبالتالي، يجب أن تضمن الحقوق السياسية المرغوبة المشاركة في جميع العمليات التداولية ذات الصلة بالتشريع. (F. & N. 127).

ومن ثم فإن سن القوانين المستقلة سياسياً هو فقط الذي يجعل من الممكن لخطاب القانون أن يقدم الفهم الصحيح ككل. وفقًا لهابرماس، يستخدم المواطنون أصلاً الاستقلال الذاتي السياسي، وذلك في إطار تأسيس الدستور لتفسير ملزم قانونًا لنظام الحقوق الذي يشكِّل نفسه بطريقة مرجعية ذاتية الأداء. خلف يمكن وراء هذه الخلفية، فهم الحقوق الأساسية التي اختارها الدستور على أنها قراءة تعتمد على السياق لنفس نظام الحقوق. في حالة القانون الطبيعي، يتم تقديم البيانات القانونية لمقدم القانون الدستوري مقدمًا ويأتي دخول هذه الحقوق أولأ للوعي فقط في ايجاد تفسير دستوري محدد . تشير هذه الفكرة أيضًا إلى الطبيعة الدينطولوجية لنظام الحقوق. وبالتالي، فإن مقولات الحقوق عند هابرماس دينطولوجية وأنها تتحقق في وقت سن القوانين، ولا سيما التطبيقات القانونية.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

 

حيدر جواد السهلانيلايمكن دراسة الفن والجمال بشكل مستقل عن المبادئ الرئيسية لفلسفة هيجل، لأنه يعبرعن سعي الروح نحو الحقيقة، والفن هو أحد اشكال هذا السعي، اذ تتموضع فيه الروح ويعبر عن ذلك بشكل حسي. وبذلك يشكل الجمال موقعآ مهمآ في فلسفته لما لهو أثر في فلسفته، وقد صاغ نظريته في الجمال بالرجوع الى تاريخ الفن، فهو نظر الى الجمال من خلال الفن، وجعل الفن هو الذي يظهر الجمال الحق، أي بعكس الجمال الطبيعي الذي لم تظهر فيه الروح. وقد أفرد هيجل عدة محاضرات للجمال فظهرت في كتابه (دروس في فلسفة الجمال).

الجمال الطبيعي

يعتبر هيجل من القلائل الذين كان لهم الفضل في التعمق في مفهوم الجمال، ولقد ظفر علم الجمال عنده بشهرة واعجاب لا مثيل لها.(1) وقد سلك في عرضه لمذهبه الجمالي مسلكآ ميتافيزيقيآ.(2) ويرى هيجل الجمال نمط معين لتمثيل الحقيقة واظهارها في طابع حسي، لذلك يبدأ هيجل محاضراته في علم الجمال بالرد على كانت، ويرى أن ماوصل اليه كانت هو نتيجه لفصله بين عالم الظواهر وبين عالم الشيئ في ذاته، بينما الجمال ليس تجريدآ لملكة الفهم، وانما هو في ذاته العيني والمطلق.(3) وبذلك يرفض هيجل منذ البداية الجمال في الطبيعة لأنه يرى أنه لاجمال سوى الجمال العقلي وهو الجمال الموجود في الفن، لأنه نتاج العقل مع الاحساس، اذآ هيجل يرى الجمال الفني أرقى من الجمال الطبيعي لأنه متولد من العقل وهو من نتاج الروح، وأن كل مايأتينا من الروح اسمى مما هو موجود في الطبيعة .(4) والجمال هو الفكرة المتصورة التي توحد مباشرة بين المفهوم والواقع.(5) ويرى هيجل أن الجمال الطبيعي بوصفه أول تعبير عن الجمال، والتميز بين الجمال الطبيعي والفني أن الفكرة هي الجمال الكامل في ذاته، بينما الطبيعي هو الجمال الناقص، والجمال فكرة والفكرة تتقدم بأتجاه الواقع وهي لاتلقى هذا الواقع الا من الذاتيه الواقعية المطابقة للمفهوم.(6) وبذلك يرى هيجل الجمال الحقيقي هو الذي يتجسد في الفكرة والمضمون لا في الشكل الخالص، حتى اصبح الجمال عنده عبارة عن فكرة تطورت عبر التاريخ، من سيطرة المادة الى سيطرة الفكرة ومن الشكل الى المضمون.(7)

الجمال الفني

رأينا سابقآ عند هيجل الجمال هو التجلي المحسوس للفكرة، اذ مضمون الفن ليس شيئآ سوى الافكار، اما الصورة التي يظهر عليها الأثر الفني فأنها تستمد بنيتها من المحسوسات والخيالات، والفن اذا بلغ غايته فأنه لايلبث أن يسهم مع الدين والحياة في تفسير المطلق والقاء الضوء على جوانبه، وفي مجال الفن تتجلى الحقيقة أي المطلق الجمالي عن طريق الوسيط الحسي.(8) وعلى الفنان أن يفكر مليآ ويتأمل بعمق الفكرة التي سيعبر عنها من خلال العمل الفني ويحرص ان لا تكون بمعزل عن الحقائق الجوهريه في الحياة ونشاطات المجتمع الانساني وهذه هي الغاية الحقة للعمل الفني عند هيجل.(9) اذآ الجمال الفني ارقى من الجمال الطبيعي، وذلك أن العقل والعقل وحده قادر على الحقيقة ويستوعبها في ذاته حتى أن مايكون جميلآ لايكون جميلأ حقآ الابامشاركة في هذا العنصر الارقى وكشيئ مخلوق، وبهذا المعنى اذا كان هناك جمال في الطبيعة، فأنه لايكشف نفسه الا على أنه انعكاسآ للجمال الذي يمت للعقل.(10) والفن عند هيجل ليس تقليدآ للطبيعة أو محاكاة لها، وأنما يتخذ وسيطا للتعبير عن الجوانب المختلفة للوجود الانساني.(11) ويرى أن الفن ليس له من غرض سوى التعبير عن علاقة الذات بالموضوع في مستوى الوحدة المباشرة، وجوهر الجمال هو التوافق الوضعي الذي يحققه الجمال نفسه فيما بين الذهن والاحساس عن طريق التحرر الذي ينجم عنه، والفن عنده يقظة الاحساسات الملائمة المحببه عن طريق خلق الاشكال التي تعطي مظهرآ للحياة، فالفن هو وحده القادر على التعبير عن الباطن والظاهر وعن الفكرة بالشكل ولاوجود للجمال الا بالفن.(12) ويرى ايضآ أن الفنان لايستهدف من عملة الفني أن يكون غاية نفعية كأن يستعمل الفن كأداة للتعليم أو الوعظ الديني.(13) ويربط هيجل الجمال بالحقيقة ويرفض أن يكون الجمال تعبيرآ عن الواقع، أذ الجمال ليس سوى تحديد خاص يتم به التعبير عن الحقيقي وينكشف لنا.(14) وبذلك الفن عند هيجل حين يعبر عن المطلق لايتعامل بالتصورات المجردة بل هو يجمع اليها العيانات الحسية، ومن هنا يعرف هيجل الجمال هو تجلي الفكرة بطريقة حسية، وأن موضوع الاستطيقا لا يتناول الجمال الطبيعي ، وأنما يتعلق بالجمال الفني لأن الجمال في الفن أرفع مكانه من الجمال الطبيعي لأنه من ابداع الروح وخلق الوعي ونتاج الحرية وماهو من انتاج الروح يحمل طابعها ويكون اسمى من الطبيعة.(15)

 

حيدر جواد السهلاني

.......................

الهوامش

1- ينظر محمد علي ابوريان: فلسفة الجمال، ص43.

2- ينظر أميرة حلمي مطر: فلسفة الجمال(اعلامها ومذاهبها)، ص124.

3- ينظر رمضان بسطاويس ومحمد غانم: فلسفة هيجل الجمالية، ص100.

4- ينظر مجاهد عبدالمنعم مجاهد: جدل الجمال والاغتراب، ص81.

5- ينظرهيجل: فكرة الجمال، ص39- 40.

6- ينظر هيجل: المصدر نفسه، ص77- 79.

7- ينظر هديل بسام زركانه: المدخل في علم الجمال، ص43.

8- ينظر محمد علي ابوريان: فلسفة الجمال، ص44.

9- ينظر هديل بسام زركانه: المدخل الى علم الجمال، ص43.

10- ينظر مجاهد عبدالمنعم مجاهد: جدل الجمال والاغتراب، ص79.

11- ينظر رمضان بسطاويس ومحمد غانم: فلسفة هيجل الجمالية، ص8.

12- ينظر عبد الفتاح الديدي: هيجل، ص171- 174.

13- ينظر محمد علي ابو ريان: فلسفة الجمال، ص45.

14- ينظر مجاهد عبدالمنعم مجاهد: جدل الجمال والاغتراب، ص84- 85.

15- ينظر أميرة حلمي مطر: فلسفة الجمال (اعلامها ومذاهبها)، ص125.

 

علي رسول الربيعييؤكد الادعاء الليبرالي التقليدي بأن مصطلح الحقوق يعبر عن مطالب لا خلاف عليها وهي مشتقة من قيًم جوهرية يمكن الوصول اليها او معرفتها بكل يسر وسهولة، وقد صاغها من خلال استخلاص مبرراتها من أي من القيم الجوهرية التي تجعل ملاحقتها ممكنة بحرية، وقد تمت صياغها بتفصيل وبوضوح لأول مرة من قبل جون ستيوارت ميل في تحفته عن " الحرية"، وأزدهرت في العقود الأخيرة مع جون راولز.لذا سوف أركز على راولز (في كتابيه نظرية العدالة، واليبرالية السياسية) حيث يمكننا العثور بكل وضوح على الحجة التي تدافع عن الحريات الأساسية للنظرية الليبرالية. سأعرضها بشكل موجز نظراً لأنها معروفة جدًا وتم دراستها كثيراً. إن هذه الحريات هي المبدأ الأول من مبدأي العدالة اللذين قال بهما راولز وأكد على أننا سنختاره في أي عقد اجتماعي ليس لدينا فيه معلومات من شأنها أن تقودنا إلى اختيار مبادئ منحازة لمصلحتنا، لاسيما ونحن نتعاقد على مبدأ عدم التدخل الذي يدلل على هذه الروابط الليبرالية المختلفة عندما نفتقر إلى المعرفة بمفاهيمنا الموضوعية الخاصة بالخير، بالإضافة إلى الافتقار إلى المعرفة بأشياء أخرى قد تعطينا أدلة حول ما هي قيمنا الموضوعية {على سبيل المثال، وضعنا في المجتمع، وعائلتنا وأنواع أخرى من الخلفية ، ومهننا ، وما إلى ذلك) إذا تم اختيار مبدأ عدم التدخل في ظل هذه الظروف وبشكل عقلاني، فمن الواضح (بمعنى أنه، بحكم التعريف) لن يحتكم تبريره الى مفاهيم جوهرية للخير. وبالنسبة إلى رولز، فإن حقيقة قيامنا بالاختيار العقلاني في ظل هذه الظروف ستكون جزءًا من مبرر تبني هذه الحريات (والسياسات والمؤسسات التي تديرها) في المجتمعات التي نعيش فيها.

 ولذلك فإن راولز يدرك تمام الإدراك أن علم النفس الأخلاقي ذو أهمية مركزية لبناء الحجة. إن السؤال الذي يطرحه هو: هل سيكون من العقلاني أن يختار شخص ما مبادئ ليكون محكوما بها إذا كان يفتقر إلى المعلومات المتعلقة بقيمه والتزاماته الجوهرية الموضوعية. لذلك، إذا نظرنا في مسألة ما إذا كان المطلوب أختيار مبدأ معين، وأن هناك ظروف محدد في المستقبل أعتقد فيه المرء أنه لن يكون هناك دوافع عقلانية لأختيار ذلك المبدأ، و مع ذلك اختاره، يُبنى عليه اذن للمرء المبرر للحكم على أن ذلك الظروف غير ذات صلة. بمعنى ستكون المبادئ العامة التي يجب أن تحكم المجتمعات عادلة وغير منحازة إذا تم اختيارها في حالة الجهل بمفاهيمنا الجوهرية عن الخير (وعن ظروفنا الاجتماعية). وعندما تكون هذه الاختيارات عقلانية، فذلك لأننا اخترناها من وراء "حجاب الجهل" بغض النظر عما نتخيله عن أنفسنا عندما يتم رفع الحجاب، أي بغض النظر عن الفكرة الجوهرية للخير الذي نتأمل الحصول عليه.

أن هذه هي الطريقة الأكثر إثارة للاهتمام لقراءة راولز، لأنه يقدم المشروع الأكثر طموحًا من الناحية الفكرية لهذه القضية. لكن، و من نقاشي لنظريته، أرى أنه إذا لم نطالب باختيار المبادئ بصرف النظر عما نتخيله، فربما يراهن المتعاقدون على أن لن يكون لديهم هذا المفهوم الجوهري للخير عندما يتم رفع الحجاب، وبالتالي قد يختارون المبادئ المنحازة لصالح مجموعة من القيم الجوهرية التي فضلوها. وهذا لن يفضي إلى مبادئ العدالة أو العدالة كأنصاف. وحتى لانصل الى مثل هذه النتيجة، المطلوب أن توضع بعض قيود بخصوص معنى الأنصاف على أولئك المتعاقدين، مما سيجعل النظرية أقل طموحًا، أي أن الطريقة ستبدأ في الظهور كإجراء للعدالة كأنصاف.

دعنا ننتقل بعد ذلك إلى مسألة ما إذا كان من العقلاني أو غير العقلاني أن نلتزم به في هذه الظروف. قد نقدم هنا، ثانياً، المجتمع كمثال حيث تم تعريفه بالتزامات سياسية ودينية. لنفترض حينئذٍ أننا نفكر في أيً مبادئ يتم اختيارها في حالة الجهل هذه، سنكتشف عندما يتم رفع حجاب الجهل بأن لدينا مفهومًا دينيًا جيدأًعن الخير، مع التزامات موضوعية مفصلة لنظام حكم يخضع لمجموعة من القوانين الدينية (مثل الشريعة)، وممارسة الرقابة على المعارضة الدينية الجادة (على سبيل المثال ضد كتاب تجديفي)، وأن معظم الآخرين في المجتمع يشتركون في هذه الآراء (هنا أفتقد مثالاً فعلياً لأنني لا أعتقد أن هذا صحيح حتى بالنسبة لإيران). هل يمكن للمرء أثناء التفكير في إمكانية العثور على دوافع لإلزام أنفسنا بمبدأ عدم التدخل مثل الذي نناقشه؟

من الواضح أنه يمكن أن يظن المرء أن المبدأ الأول للعدالة عند راولز يتحدث عن هذه الحريات المعيارية بالتحديد والتي يحملها المثل الأعلى لعدم التدخل، وأننا سنتعاقد بعقلانية من وراء حجاب الجهل، كما يعتقد راولز. لكني أرى من الصعب أن نتصور لماذا، إذا أعتقد المرء في أنه ينتمي الى أحد الطوائف الدينية، أنه سيختار، على سبيل المثال ، بشكل خاص عدم التدخل وحق حرية التعبير. على أي حال كان هذا الاستياء العام من قبل الجماعاتيين أزاء راولز. لأنهم يرون أن راولز لا يمكنه التعامل مع الالتزامات تجاه الجماعات الدينية وغيرها من جماعات؛ ويعتقدون إن نظريته موجهة فقط لنوع معين من المتعاقدين الذين يتمتعون بالأستقلالية الفردية أو المتحررين من الروابط الجماعية، والميالين الى اليبرالية. وإذا لم يكن الأمر كذلك ، فلماذا يختار شخص ما مبدأ حرية التعبيرهذه، إذا فكر في أنه عندما يتم رفع الحجاب، قد يكون شخصًا لديه قيم جوهرية لعقيدة دينية تطالب بضبط التجديف؟ فيكون من غير المنطقي أن يختار حرية التعبير، وإذا كان الأمر كذلك، فلن يكون لليبرالية حجة لأحد مبادئها المركزية.

أن السؤال، في الحقيقة، هو سؤال في علم النفس الأخلاقي. وقد قام راولز بالإجابة عنه في كتابه الأخير " الليبرالية السياسية" الذي تلى كتابه " نظرية العدالة" من خلال تدعيم قضيته بحجة أخرى تلجأ بشكل جليً الى النظر الأخلاقي والنفسي لتبرهن: حتى لو فكر المرء أنه سيكتشف عندما يتم رفع الحجاب، لديه قيم دينية جوهرية، فسيكون من المنطقي اختيار مبدأ حرية التعبير. إن الاعتبار الذي يحتكم اليه راولز هو نظير نفسي لنقطة انطلاق الشخص من الجهل بالتزاماته الجوهرية الخاصة بالمستقبل. فيقول إنه حتى هذه الجماعة الدينية سيكون لها معرفة نفسية أولية، مثله مثل أي شخص آخر، يكون قادرًا أو عرضة للتغييرات في العقل ووجهة النظر، وبالتالي تتغير رغباته، وتصوراته الجوهرية عن الخير. لذا، إذا كان المرء وراء حجاب الجهل يفكر في أنه عندما يرفع عنه قد يجد نفسه ضمن جماعة دينية، فإن المرء سوف يعارض أيضًا أنه في المستقبل قد يغير رأيه ويتوقف عن أن يكون واحدًا من تلك الجماعة. الآن إذا فكر المرء في هذا الأمر أيضًا، فسوف يرغب في التأكد من أن الفرصة ستحقق أي رغبات مستقبلية يريدها وليست رغبات الجماعة الدينية. لكن قد لا تتاح الفرصة للوفاء بها إذا تعاقد الفرد وألزم نفسه فقط بالمبادئ التي أقرتها الجماعة الدينية التي يتوقع نفسه جزء منها حالياً. في الواقع ، قد لايتحقق ضمان المرء لمستقبله، وحماية رغباته المتغيرة والحصول على أفضل عقد من أجل حرية التعبير وغيرها من الحريات الأساسية، في مجتمع يقمع المعارضة وغيرها من وجهات النظر غير الدينية.

تضع هذه الحجة عن قابلية رغبتنا للتغيير في الحسبان فقط الاعتبارات السيكولوجية المتاحة للفاعلين الذين يختارون هذه المبادئ، وهي ترجمة للجهل (وهذه المرة حول الالتزامات المستقبلية المحتملة لهم)، وتطلب منهم أخذ ضمان لألتزامات مختلفة للغاية في المستقبل، تمامًا كما في التجربة الفكرية التعاقدية الأولية في "نظرية العدالة"، يطلب منهم أن يأخذوا ضمان تأمين وذلك لأحتمال تغيًر مفهومنا الحالي للخير عندما يتم رفع الحجاب ونكون على علم بأنفسنا. أيً ، ما أريد قوله هو أنه إذا كان شخص ما وراء حجاب الجهل ، يفكر في نفسه كعضو في جماعة دينية، فإنه يفكر أيضًا في أنه قد يكون لديه مفاهيم عن الخير في المستقبل ليست مثل تلك التي يمتلكها حاليًا، وقد تكون مختلفة اختلافا جذريا عن تلك التي لديه حاليا، فأنه سوف يرغب بالتأكد من أنه لن يكون في وضع سيء في المستقبل، وهو ما سوف يكون عليه إذا تنكر لمبدأ الحقوق الليبرالية في عدم التدخل على أساس التزاماته الدينية المجتمعية الحالية المتوخاة وحدها.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

 

حيدر جواد السهلانيوجد الفن مع بداية تفكير الانسان، وقد استعمل الفن كلغة للتواصل (أستعمل الرسم على الحجر كتعبير عن لغة التواصل مابينهم) ولم يقف الفن فقط للتعبير عن لغة التواصل، بل استعمل للأرشاد الانسان على طريق الحق فنرى في قصة كلكامش بحثآ اخلاقيآ مهم، واستعمل ايضآ في الارشاد الديني، فصوروا الالهة على شكل اجساد مادية. ومع بداية التفكير العقلي الذي بدأ مع الفلسفة اليوناني (بالتحديد مع الفيلسوف طاليس الذي يعد من اوائل الفلاسفة) بدأ الفن يأخذ منحى ثاني أكثر وعيآ مع تطور العقل الانساني، وقد جعل الفلاسفة من النثر والشعر وسيلة لطرح أفكارهم الفلسفية (افلاطون من الفلاسفة الذين نقدوا الفن ويرى الفن هو وهم لأنه يصور الحياة الواقعية والتي هي عبارة عن صورة للمثل فهو صورة للصورة، لكن مع ذلك افلاطون لم ينقد الفن الذي يصور المثل) وقد وضع الكثيرمن الفلاسفة اعمال مهمه في الفن منها على سبيل المثال لاالحصر (القصيد العينية لأبن سينا، نقد ملكة الحكم لكانت، دروس في علم الجمال لهيجل، هكذا تكلم زرادشت لنيتشه، الغثيان لسارتر).

الفن بالمعنى العام جملة من القواعد المتبعة لتحصيل غاية معينة جمالآ كانت، او خيرآ او منفعة، فأذا كان الفن وسيلة لتحقيق الجمال سمي الفن فن الجميل، واذا كان وسيلة لتحقيق الخير سمي الفن فن الاخلاق، واذا كان وسيلة لتحقيق المنفعة سمي الفن بالصناعة، والفرق بينه وبين العلم، الفن غايته تحصيل الجمال، العلم غايته تحصيل الحقيقة. أما الفن بالمعنى الخاص فيطلق على جملة من الوسائل التي يستعملها الانسان لأثارة الشعور بالجمال كالتصوير والنحت والنقش والتزيين والعمارة والشعر والموسيقى وغيرها (1). ولو رجعنا الى الاصل الاشتقاقي لكلمة (فن) لوجدنا أن هذه الكلمة تدل على النشاط الصناعي النافع بصفة عامة أي أن الفن يشمل الكثير من الصناعات المهنية كالنجارة والحدادة، وكذلك العرب فهموا الفن بهذا المعنى حيث كانوا يستعملون كلمة صناعة للأشارة الى الفن، وفي العصورالوسطى بقيت كلمة فن تشيرالى الحرفة أو الصناعة. وقد عرف الفن بعدته تعاريف منها جورج سانتيانا (1863- 1952)" الفن هو متعة جمالية" والمفكر لانج (1954- ؟)" الفن هو مقدرة الانسان على أمداد نفسه بلذة قائمة على الوهم" أما تولستوي (1828- 1910) "الفن هو ضرب من النشاط البشري الذي يتمثل في قيام الانسان بتوصيل عواطفه الى الاخرين" (2) ويرى ولتر ستيس (1886- 1967)" الفن غاية في ذاته، ومن ثم فهو مستقل عن أي قيم اخلاقية، غير أن التساؤل عن علاقة الفن بالاخلاق هو عند كثير من الناس مسألة مربكة ومحيرة وتسبب اللبس والاضطراب" (3) ويذهب الدكتور يوسف كرم (1886- 1959)، الفن هو تعبير عن حكم بالاعجاب سواء في مجال الفن او الاخلاق او الفكر. اما ماركس (1818- 1883) يرى الفن لحظة انسانية مرحلية تاريخية، فكل فن يعبر عن عصره بتطلعاته وحاجاته الانسانية، لذلك هو جزء من حضارة شعب ما ومعاناته. أما بندتو كروتشة (1866- 1952) الفن حدسآ أو مشاهدة عقلية. (4) اما هربرت ريد (1893- 1968) " الفن بشكل عام وبصورة مبسطة بأنه مايجلب المتعة. (5) ويبدو لنا أن الفن " هو صناعة ووسيلة بشرية تحاكي المجتمع والطبيعة، وهو ضرورة وحاجة انسانية"

النقد الفني، أن الناقد حين يقيم الاعمال الفنية لابد له من أن يحدد المعايير التي يقيم بها هذا الاعمال، وهو في تحديده لهذا لهذا المعايير يتأثر كل التأثير بالفلسفة التي اعتنقها او التي تسود عصره، وقد خضع النقد الفني على المدى العصور الى اتجاهات، منها مايثير في الجمهور من تأثيره أو يحدث في النفس الانسانية من بهجة ويتصف بأنه نقد تأثيري أو انطباعي، واتجاه اخر موضوعي يحاول فيه الناقد الاعتماد على معاييرموضوعية، وقد تستمد هذا المعايير من النظم الاخلاقية والسياسية السائدة في المجتمع. (6) أن النقد يحاول ان يفسر العمل الفني او تحسين العلاقة مابين العمل الفني وجمهور المتذوقين. (7) وهو ايضا تحليل للعمل الفني وبحث في نقاط القوة والضعف وليس غايته التحليل والتقدير فقط بل تتضح أهمية في ابراز القيم الموضوعية والتعبيرية والانفعالية في العمل الفني، ومن هنا ظهر نوعان من النقد، النقد التفسيري والنقد التقديري ويندرج تحتهما أنواع محددة من النقد كل منهما يركز بشكل متفاوت بين التقدير والتفسير

 

حيدر جواد السهلاني

......................

1- النقد التفسيري، يعقب عملية بناء الفنان لعمله، الذي وظف فيه الجهد والمواد والفكر، فهو تحليل نقدي يعمد الى دراسة أجزاء البناء الفني.

2- النقد التقديري، هو الحكم على العمل الفني وتقيمه وتقديره بعد ابراز المبررات التي تجعلنا نحكم ونقيم العمل الفني. (8)

وهناك بعض النقودات منها، النقد بواسطة القواعد ويسيطر على النقاد بأن الاعمال الكلاسيكية هي الانموذج الذي يجب ان يحتذى، ومن اهم جوانبه أن الناقد لايستطيع أن يدعم حكمه على العمل بلا معايير وقواعد تساعده، ومن المآخذ عليه أنه لم يعبرعن الحقائق الشعورية الحسية عند الفنان بل عالج بطريقة لاتثير أي انفعال. النقد الانطباعي ويرى بأن النقد عملية ذاتية ينبغي الاتخضع لمعايير تحولها الى عملية نقد موضوعي. النقد القصدي، فهو يتجه الى الفنان والقصد الذي أراده من العمل الفني وتسائل عن الكيفية التي حقق بها الفنان قصده، كما أن المعايير المستعملة في هذا النوع مرتبطة بشكل مباشر بقصد الفنان. النقد الباطني، يركز على الطبيعة الباطنة للعمل الفني، ويكون نقد متمثل في التحليل الدقيق والتفسير المتعمق في طبيعة العمل الفني الباطنة. (9)

 

..........................

الهوامش

1- ينظر جميل صليبا: المعجم الفسفي، ص165.

2- ينظر هديل بسام زركانه: المدخل في علم الجمال، ص12.

3- ينظر ولتر ستيس: معنى الجمال، ص154.

4- ينظر غاده المقدم عدره: فلسفة النظريات الجمالية، ص15.

5- ينظر هربرت ريد: معنى الفن، ص11.

6- ينظرأميرة حلمي مطر: فلسفة الجمال، ص13- 17.

7- ينظر جيروم ستولينتز: النقد الفني، ص655- 656.

8- ينظر هديل بسام زركانه: المدخل في علم الجمال، ص83- 85.

9- ينظرهديل بسام زركانه: المصدر نفسه، ص85- 95.

 

علي محمد اليوسفتوطئة: يمكننا تعريف الحقيقة المعرفية من جملة تعريفات عديدة متنوعة لها أنها نسق فكري منّظم في تعبير اللغة لمعرفة حقيقة الوجود الانساني بالحياة وحقيقة موجودات الطبيعة من أشياء..

ويعرّف لايبنتيز حقيقة الاشياء المدركة واقعيا بأنها هي (مايمكننا تحديده بالكامل)، أي ما يمكننا الاحاطة بأدراكه كاملا بصفاته وليس معرفته ماهويا، ويقصد لايبنتيز بذلك حقيقة وجود الاشياء المدركة في تطابقها مع التعبير اللغوي عنها في الصفات الظاهرة البائنة خارجيا، ومطابقة تصورات الذهن الفكرية عنها واقعيا، وبذلك لا يذهب لايبنتيز بعيدا عن الفهم الاشكالي الميكانيكي الذي يرى الحقيقة الواقعية هي مدركات العقل الحسّية التي يتطابق فيها الوعي مع أدراكها الواقعي في تعبير اللغة عنها.. وحقيقة الاشياء الاشكالية هو ما تدركه الحواس وتوصله في تطابق مافي الاذهان مع مافي الاعيان في مدركات الحواس المنقولة للذهن....

وحقيقة الشيء عند هيوم والمناطقة التجريبيين الانجليز هو ما يدرك بالحواس ويدركه الذهن داخله بالاستيعاب بما يرده ويصله عنه من أحساسات تقوم بتنظيم نفسها ذاتيا بالعقل، ولا يقر هيوم بآراء كانط أن مايقوم العقل بتخليقه بمقولاته المعرفية عن الاشياء في حقيقة وجودها الانطولوجي لا يكتفي بأدراكات الحواس المنقولة له فقط بل يعاملها تفسيرا وعلاقات بغيرها، فكل أدراك يكون قصديا وليس هناك أدراك من أجل الادراك الميكانيكي للشيء فقط.. وهذا النوع من معرفة الحقائق الادراكية أنما يكون نسبيا على الدوام تبعا للتغيرات الطارئة على المدركات في صفاتها وحقائقها منها ماهوية تلك المدركات..

أما مطلق الحقيقة فهي لا تخرج عن كونها أستدلال معرفي متغير مستمرعلى الدوام غير مدرك ولا يمكن الاحاطة به ثابتا، أكثر منها حقيقة يمكن أدراكها ومعرفتها كاملة كما يرغب لا يبنتيز في تعبيره معرفة حقيقة الشيء هو ادراك الاحاطة الكاملة به في التحديد له بالذهن والفكر، ولا يمكن التعبير اللغوي عن مطلق الحقيقة معرفيا بل أستدلالا حدسيا...فالذي لا يدركه العقل لا يكون موضوعا حقيقيا للمعرفة... والحقيقة المطلقة تحولات وتغييرات لا يحكمها الادراك الزماني - المكاني الساكن كما يجري الحال مع مدركات الاشياء المادية في العالم الخارجي في ثبات أدراكها النسبي...

في تناقض مثالي أكثر تطرفا مضادا لافكار لايبنتيز يذهب ديفيد هيوم (1711- 1776) (أنه لا يوجد قيمة موضوعية للقوانين العامة، والعالم الحقيقي أنما يقوم على الاعتقاد فقط)، أن هيوم من شدة أيمانه اليقيني المثالي في مناوئته المنهج المادي في التفكير الفلسفي بضراوة، يذهب بأن كل معارفنا الادراكية عن الاشياء هي فعاليات ذهنية صرف ينتج عنها افكار تعبّر عن مدركات الحواس والعقل، وينكر هيوم وجود قوانين عامة تحكم الانسان والطبيعة والموجودات بموضوعية لأنها غير مدركة كموضوعات حسّية واقعية مباشرة، ولأن تلك القوانين العامة لا يمكن للعقل البشري أدراكها حسّيا واقعيا كما هو الحال في أدركات غيرها من الاشياء والموجودات في الطبيعة، أذن فهي ليست لها قيمة موضوعية ولا فائدة حتى من أدراكها حسب فهم هيوم، وكل ما لا يقوم العقل بخلقه بالفكر ويتمثله بالذهن لا وجود له في عالم الاشياء الخارجي، فمثلا تماشيا مع هذا الخطأ يمكننا القول أنه قبل اكتشاف نيوتن قانون الجاذبية لم يكن هناك قانون جاذبية يحكم موجودات الارض وكواكب المجموعة الشمسية لأن قانون الجاذبية لا يمتلك واقعة موضوعية يمكن للحواس والعقل أدراكه كحقيقة متعينة ماديا وليس كقانون كوني تبنى عليه العديد من النظريات العلمية التي لا يمكن دحضها... عليه يكون قانون الجاذبية حسب أدعاء هيوم لا يمتلك موضوعية وجوده وأدراكه في العالم الواقعي ولا ما يترتب عليه من كشوفات وأختراعات علمية أعجازية تقوم عليه؟؟

ومثل ذلك نقول عن قانوني الزمان والمكان في الطبيعة.. قانوني الادراك الزمني والمكاني يحكمان الانسان والطبيعة ويعملان بمعزل عن أرادة الانسان في أدراكهما وفي عدم أدراكهما على السواء لكن لا يمكن لعاقل انكار وجودهما الحدسي في ظواهره، ويبقى قانونا الزمان والمكان غير مدركان موضوعيا كمتعينات انطولوجية محسوسة مباشرة بمعنى اوضح الزمان والمكان ليسا موضوعي أدراك بل هما وسيلتي أستدلال أدراكي لغيرهما، وليس بمستطاع عاقل مفكر انكار مؤثرات هذين القانونين على ادراكنا للاشياء سواء في العالم الخارجي أو في الذهن... وليس كافيا الحكم انهماغير موجودين لأن العقل يعجزادراكهما كحقيقة حسية واقعية موضوعية والاحاطة بهما حالهما حال موجودات الطبيعة المادية التي لا حصرلها؟؟

لا يكفي بحسب مجاراة هيوم في رأيه المثالي الابتذالي الخاطيء نفي وجود كل شيء لا يدركه العقل بالذهن مباشرة، فهذه سذاجة في الحكم على أنكار وجود الاشياء والعالم الخارجي لأننا عاجزين عن أدراكها، فالوجود معطى انطولوجي طبيعي بدهي لا يحتاج أدراك العقل لأثبات وجوده..والا كنا نحتاج البرهنة على بديهية وجود الانسان على الارض، كون العقل لا يمكنه ادراك وجود انسان سوى الماثل أمامه فقط وما لا يدرك العقل وجودهم من البشر يكونون غير موجودين..هذا ما فعله بيركلي وهيوم ولوك في نكرانهم وجود شيء أسمه مادة، ووجود شيء أسمه العالم الخارجي وحتى وجود شيء أسمه العقل بالمنظور المعرفي..

ربما نستبق الامور كثيرا ونحن نحاول عرض الحقيقة البراجماتية، أن هيوم في افكاره المثالية المغالية وفي تكريسه أهمية الاحساسات وأفكار الذهن المعبر عنها تجريديا يكون أبتذاليا فلسفيا في أبتعاده عن المفهوم البراجماتي في فهم كلا من الحقيقة والوعي والفكر المتعالق بهما كمثل أبتعاده عن التفكير المنهجي المادي..فالفهم الفلسفي البراجماتي يرى الافضلية والاسبقية لادراك حقيقة الاشياء، هو في مدى تطابقها مع افكار أختبارية (تجريبية) تسعى نحو تحقيق (منفعة) تطبيقية ولا قيمة حقيقية تمتلكها أفكار تعبيرية لغوية عن شيء لاتقوم على مبدأ أرتباطها بالتجربة العملانية في بلوغ صحة وصدق وصوابية تلك الافكار التي تحددها التجربة فقط وليس الاقتناع العقلي بصحتها فقط كما يرى هيوم، ولا أهمية ولا قيمة تترتب على أدراك الاشياء في تطابق الفكر التعبيري عنها أن تكون صائبة وصادقة بمجرد الاقتناع الشخصي بصحتها.. وأدراك الشيء ومعرفته لا يمنحه حقيقة أنه صادق وصائب بقرار وأعتقاد من صاحبه كما يذهب ويريد له هيوم..

كانط وفلاسفة الوضعية المنطقية الجديدة

وضع كانط أفكاره التي كانت اللبنات الصلبة التي أوقعت الفلاسفة المناطقة الانجليز الجدد في تطرف مثالي أبتذالي لدى بيركلي وهيوم ولوك، في أنكارهم وجود المادة والعقل والعالم الخارجي معتمدين مقولة كانط التي تبدو صحيحة ومتماسكة منطقيا ظاهريا (أن الاحساسات مصدر مقولات العقل ومن دونها يكون العقل فارغا)(1) الصحيح الذي لا يمكننا تخطئته في عبارة كانط هذه أن العقل (يتوقف) عن أصدار مقولاته بلا مادة خام تنقلها له الحواس هي الاحساسات، لكن مع هذا يبقى العقل غير فارغ محتفظا بأستعداد فطري ومكتسب في خزين من الذاكرة والخيال تجعل غياب الاحساسات عنه أمرا ثانويا في الحكم على فراغ العقل من دون ورود الاحساسات له عن طريق الحواس، العقل فاعل وشغّال في معالجته موضوعات عديدة في الذهن يستمدها من الخيال وخزين الذاكرة ليس مصدرها الحواس ولم يستلمها مادة خام تنقلها له الحواس ولا يكون فارغا بدون الاحساسات، تفكير العقل بالاشياء وأصدار مقولاته بشأنها لا يقتصر على ماتنقله الحواس له من احساسات فقط..بل فيما يستطيعه الخيال والذاكرة من أمداده بمواضيع تفكير لا تنضب ولا حصر لها..

من الملاحظ في جنبة أخرى لتوضيح مفهوم كانط، أنه كان خطأه بمقولته مصدره الاساس مقولة ديكارت وجود جوهرين أثنين أولهما جوهر (العقل وماهيته الفكر)، والثاني جوهر (المادة وماهيتها الامتداد).. لذا يكون كانط عن غير قصد مسّبق مؤسس الابتذالية المثالية المنطقية التي تداولها الفلاسفة الانجليز بداية القرن التاسع عشر في أعتبارهم الافكار العقلية هي الواقع الخارجي لعالم الاشياء ومن دون تلك الافكار لا وجود لعالم خارجي، مستمدين هم ومن قبلهم كانط فكرتهم من مقولة ديكارت أن جوهر العقل وماهيته الفكرفقط ... والاحساسات المنقولة الى العقل حسب كانط هي التي تملأ العقل ومن غيرها يكون العقل فارغا؟؟

المعنى اللغوي الدال الظاهري للعبارة يلتقي مع مقولات المناطقة الجدد أن ماتنقله الحواس من أحساسات لمدركات العقل هو ما يمثل وجود العالم الخارجي بالذهن، وما لاتدركه الحواس ولا تنقله للذهن غير موجود في الواقع المادي بأستقلالية عن الانسان سواء أدركته الحواس والذهن أم لم يدركانه، متناسين حقيقة جوهرية مادية لا يمكن نكرانها بمزاجية ذاتية هي أن موجودات العالم الخارجي معطى انطولوجي يسبق ادراك العقل والحواس له، ويسبق تعبيرات اللغة عنه..وليس مهما أثبات وجوده من عدمه في ارتباط ادراكنا له علة ومعلول أو سبب ونتيجة...فالوجود عالم قائم بذاته في استقلالية تامة عن أدراك أو عدم أدراك الانسان له...

أن في محاكمة أفكار كلا من ديكارت وكانط بمنهج الفهم البراجماتي الفلسفي، يكونان كلاهما بافكارهما خارج قوس أهتمام البراجماتية بضوء أن البراجماتية لاتؤمن بالوعي أساسا وسيلة أدراك الموجودات، ولا تهتم كيف يتم ويكون الوعي، ولا تعترف بأهمية علاقة الفكر بالواقع بل الأهم من كل هذا ليس الوعي والادراك وأنما هو مبدأ التجربة العملانية لكل فكرة لتبيان صدقها وصواب تطبيقها العملاني عن زيفها، فما يقوله ديكارت أن العقل ماهيته الفكر، وما يقوله كانط أن العقل من غير الاحساسات فارغ، لايخرجان بحسب المنطق البراجماتي عن أنهما يقومان بتوصيف علاقة العقل بالادراك واللغة على وفق آلية غير واقعية ولا تطبيقية في الميدان المجتمعي الحياتي، كما تستهجن البراجماتية أن كل شيء يتم بالذهن المجرد والفكر التوصيفي بدلالة تعبير اللغة في أثبات وجود المادة والعالم الخارجي...وبالتالي تكون النتيجة أننا أمام فلسفة افكارمجردة وليس فلسفة واقع حياة نعيشها تحقق لنا منفعة وجدوى..

وربما يتبادر الى ذهن البعض أنه طالما كانت الذرائعية البراجماتية تؤمن بواقعية الفكر وماديته وليس تجريديته عن الواقع ومثاليته فهي بالمحصلة تلتقي مع الفلسفات المادية منها الماركسية مثلا أيضا !ّ! والحقيقة أن الفارق بين الاثنين كبير جدا والاختلاف بينهما بما لا يمكن مقارنته، وأبسط فرق بينهما أن مفهوم تحقيق المنفعة في الفلسفة البراجماتية لا تمنع من تحقيقها للرأسمالي حتى لو كانت على حساب غمط حقوق الفقيروالاقرار البراجماتي المجحف بوجوب تفاوت مستوى معيشة الطبقات الاحتماعية، فالبراجماتية تدين ضمنيا جهل الطبقات الفقيرة المقهورة عدم قدرتها أن تجني منافعها بأختيارها لحقائق وتفكير الحياة الصائبة العملية التي تؤدي الى كسب منافع لها.. بينما مادية الفلسفة الماركسية على سبيل الاستشهاد تقوم على تحقيق المنفعة المجتمعية للطبقات المحرومة الفقيرة المسحوقة من ظلم نظام الرأسمالية ولا تقر بأن جهل الطبقات الفقيرة في أنتهاج حقائق الحياة الصحيحة المجدية هو سبب فقرها وتخلفها، فهذا قفز فوق حقيقة أن بؤس الفقراء وجهلهم هو ناتج أستغلال الرأسماليي للضعفاء الفقراء..وليست المسألة تكمن في ذكاء الرأسمالي وجهل المستغل الفقير بسبب جهله، فالفقر والجهل بالمفهوم الماركسي نتيجة وليس سببا..

وليفريد سيلارز واللغة

وليفريد سيلارز 1912 - 1989، فيلسوف أمريكي يعتبر من المطّورين الاساسيين لمفهوم الواقعية النقدية، وله بصمات على تغييرات الفلسفة الامريكية واتجاهاتها، وكان له تأثير كبير على هيدجر وكارناب....

لنرجع قليلا للوراءعندما أطلق ديكارت مقولته (جوهر العقل ماهيته الفكر) في القرن السابع عشر فهو لم يوهم كانط ولا المناطقة الانجليز بالايغال الخاطيء في مثالية افكارهم الفلسفية وحسب بل أمتد الأمر الى فيلسوف آخر امريكي هووليفريد سيلارز الذي ذهب الى القول وبتطرف كان له تداعيات خاطئة قوية على كل من فنجشتين وجاك دريدا،  سيلارز في مقولته الصائبة قال (أن الوعي كله شأن لغوي وبدايته هو اللغة )لا نستطيع الجزم بثبات قاطع أن هذه المقولة مستمدة من ديكارت مرورا بالمناطقة الانجليز أنها كانت محور تفكير فنجشتين ومن بعده دريدا اللذان ذهبا الى أن مرتكز اشكاليات الفلسفة هو (اللغة) وأن حل مشاكل الفلسفة العالقة أنما يكمن في حل معضلات ومخاتلة وأخطاء اللغة في تعبيرها القاصرعن الافكار.. وقد أنسحبت هذه الافكار ليس في الانصراف عن معالجة معضلات الفلسفة الحيوية بضوء معطيات واقع الحداثة وما بعد الحداثة الى أن تكون فلسفة اللغة وعلوم اللسانيات منهجا تحليليا مفلسا على مستوى النقد الادبي الذي أدخل النص الادبي في مجاهل ومتاهات علم اللغة واللسانيات وليس مباحث فلسفة اللغة، ومعالجة النصوص بما هي أدب صرف يقوم على النحووالصرف والبلاغة والاستعارة والمجاز وليس فلسفة آراء معرفية أداتها التعبيرية اللغة، وهو ما قامت عليه تفكيكية دريدا ومن قبلها بنيوية دي سوسير وجان بياجيه وبارت في علم اللغة حيث أصبحنا أمام فكر لغوي فلسفي تجريدي لا يلتقي مباحث الفلسفة الحيوية بل أكثر عمل وبأصرارمتعمد على تغييبها...فتفكيكية دريدا ليست فلسفة معرفية بل هي في أبعد الاحكام ايجابيا عليها لا منهجية نقد نصوص ادبية.. تقوم على تفكيك اللغة بما هي لغة فقط خالية من دلالة المضمون ومحمولات المعنى..في الغاء المرجعية والثبات والعقل بأعتبارها جميعها مثابات أرتكاز ميتافيزيقة علينا مغادرتها..

وبعيدا عن منطلقات البراجماتية التي لا تعترف بما يقوله سيلارز الذي كان في منتهى أجادته التعبير الفلسفي في تلخيصه الوعي كله أنه شأن لغوي، وبعيدا أيضا عن الفهم البراجماتي الذي لا يعترف بشيء أسمه (وعي)، الا أن سيلارز كان صائبا تماما في عبارته ولا يتحمّل أخطاء غيره بتفسيرها حسب أهوائهم من بعده كما فعل دريدا مثلا وفاتيميو في العدمية والى حد ما في البنيوية عند دي سوسير، فجميع الفلسفات المثالية والمادية التي تعتمد العقل أو المادة أو الفكر أو الحواس أو الحدوس وغيرها تلتقي في مصب واحد هو ماقاله سيلارز أن تفسير العالم كله هو لغة بداية ومنتهى، لكن أي نوع من اللغة ؟ ووفق أية آلية يعمل الوعي والادراك لغويا؟، وما هو الهدف القصدي وكيف يتحقق تفسير العالم الخارجي وحتى النفسي باللغة؟ الى آخر ذلك من أسئلة متناسلة عديدة لا تدين مقولة سيلارز الاشكالية بل تدين التفسيرات الخاطئة لها من بعده.. لقد أعاد سيلارز الاعتبار الى مقولة ديكارت العقل جوهر ماهيته اللغة.. لكن لم ينج ويخلص المناطقة التجريبيين الانكليز من شراك الاخطاء التي وقعوا بها التي لم ينصبها لهم سيلارز فهو جاء بعدهم وحاول تصحيح أخطائهم.. أحتمال كبير أن ما أراد التعبير عنه سيلارز كان صائبا من حيث أن الوعي قاصر تماما في بدايته الادراكية للاشياء، أنه يمثل اللغة التي تنقل مقولات العقل المنظمة للاحساسات في الذهن، أيضا يعتبر فهم سيلارزللوعي وتفسيره العالم لغويا بأعتباره آلية ادراك ووسيلة أدراك وليس تحقيق نتائج أدراكية هي هدف كل أدراك، صحيح الوعي هو شأن لغوي،  لكن عجز سيلارز توضيح غاية الوعي الادراكي في عدم تحقيقه هدفا معلوما أو متوخى مطلوبا يمثل ثغرة كبيرة جدا في صحة تأويل مقولته..أن النجاح الذي يحسب لسيلارز هو تكريسه مبدأ عدم وجود ادراك لشيء خارجي مادي من غير تعبير لغوي عنه، وهو ما قاله هيدجر بعبارة أخرى مشابهة مامعناه معرفة العالم تبدأ لغة... والاخفاق بهذا الطرح من وجهة نظر براجماتية أن الوعي والادراك اللغوي للاشياء لا يعني المعرفة التامة بالاشياء اذا كانت صحيحة صادقة ومثمرة أم كانت لا معنى لها، كما أن من المهم أدانة سيلارز براجماتيا في أن صحة توصيف العقل أدراكه للاشياء ليس سببا كافيا لمعرفتها وجني المنفعة منها، ومعرفة الاشياء بالفكر ليس مهما قدر الحاجة الى وضع تلك المعرفة تحت أختبارالتجربة والتطبيق في الحياة لمعرفة أن تكون صادقة وهادفة ذات جدوى منتجة ونافعة..الفكر الصحيح المتسق بالعقل واللغة لا قيمة له براجماتيا من غير تجربة عملية تؤكد أهميته وصوابه وصدقه في التطبيق..وأهمية تعبير اللغة هو في جعل المدركات الخارجية واقعية، لكنما لا يؤكد أهميتها بالمنفعة ولا يحدد صوابها اذا كانت صادقة أم كاذبة الا بالتجربة وحدها..

سقراط والعقل الادراكي

أعتبر سقراط قبل ديكارت وكانط (العقل علّة وسبب كل شيء، وليس مجرد أستعارة مجازية على أنه مرآة الواقع ) (2)

هنا يؤكد سقراط أن العقل ليس وسيلة أدراك محايدة ميكانيكية لموضوعات أدراكه، وأنما تعبيره ينطوي على أن العقل يمنح مدركاته علة وسبب وجودها ومعرفتها، كما يمنح العقل لمدركاته الواقعية مقولاته التخليقية الجديدة لها، وبهذا الفهم يكون سقراط أستعار عقيدة برتوغوراس (العقل خالق النظام وهو علة وسبب كل شيء ) والتي هي تكملة نسقية فلسفية مضافة لمقولته الصائبة (الانسان مقياس كل شيء) (3)..هذا التمهيد السقراطي في تعالق حقائق الاشياء والموجودات كمدركات موضوعية للعقل، ومحاولة نقلها بالتناص مع الفلسفة البراجماتية عند أقطابها الثلاثة، تشارلز بيرس، وليم جيمس، وجون ديوي، يضعنا أمام آراء عرّاب البراجماتية وليم جيمس حول مفهوم الحقيقة البراجماتية.. ماهيتها وكيفية الحصول عليها..لنرى..

وليم جيمس والحقيقة البراجماتية

وليم جيمس 1842- 1912 لا يقر بأهمية أدراك العقل للاشياء ويعتبر ذلك ثانويا بالقياس الى أهمية تحقيق قصدية وهدفية الادراك ليس على صعيد الشخصانية في الاشباع الادراكي كما هي في فلسفة جون سيرل الذاتية الفردانية، ويرفض جيمس تحديد أدراك الحقيقة لتحقيق هدف انفرادي يغفل فائدة المجموع، لذا يحدد جيمس الحقيقة الصادقة الصائبة براجماتيا بما يلي:

- كل حقيقة لا يحدد صدقيتها وصوابها الادراك العقلي لها، وأنما تحدد ذلك التجربة في التطبيق انها صائبة صادقة حق ونافعة..

- ليست كل الحقائق المدركة عقليا والمعبر عنها بالفكر هي صائبة حتى في مقبوليتها العقلية على صعيد ادراك الفرد لها وقناعته بها .فالاقتناع الشخصاني بالصواب لفكرة ليس كافيا لأعتمادها قبل مرورها بالتجربة والاختبار..

- لا تكون الحقيقة صادقة وصحيحة مالم تكن نافعة، ولا تكون نافعة اذا لم تكن صادقة بالتجربة.(4)

صدق الحقيقة عند وليم جيمس ليس في تجريبيتها مختبريا مثلما يجري في العلوم الطبيعية وأنما الصحة والمصداقية والصواب هو في نجاح الفكرة أنها الحقيقة بأختبار مرورها بالتجربة الاجتماعية الميدانية التطبيقية بنجاح، والحقيقة التي لا تكتسب مصداقيتها بالتجربة المجتمعية لا معنى لها ولا قيمة لها... ويحضرني هنا تعبير براجماتي لرئيس جامعة هارفارد الامريكية سامرز قوله : ان حقيقة صادقة صحيحة واحدة في التطبيق تعادل عندي الف نظرية ونظرية مكتوبة على الورق..

وصدق الحقيقة عند جيمس (أنها تمثل الافضل لأعتقادنا العملاني بصدقها، وليس صدق تمثيلها الواقع.)(5) ولا صدق قناعة شخص او مجموعة اشخاص بها.. وصاغ جيمس نظريته البراجماتية في صدق الحقيقة مفادها أن صدق تصوراتنا لا تكمن مقبوليتها والتسليم بصحتها وصوابها أنها تتطابق مع الواقع وتتماثل بالفكر مطابقة تامة معه، فهذا ليس كافيا لنمنح أدراكاتنا الاشياء صدقها وصوابيتها، والصدق الحقيقي لأية فكرة هو أختبارها في تجربة تطبيق تحقيقها المنفعة بالحياة، كما يعتبر جيمس صدق تصوراتنا لا يكون (سكونيا)، أي لايكون من حصة الاقتناع الذاتي بها، ولا يكون سكونيا فكريا تجريديا في مطابقة الواقع وتماهيه معه، ولا تكون سكونية في عدم تداخلها المتخارج مع الواقع، فالتصورات بنظره لا تمتلك صدقيتها الذاتية من خلال قناعة مدركها أو قناعة مجموعة من الناس بها أنها صحيحة بمجرد مطابقتها لحقيقة الاشياء في وجودها الخارجي المتعين أدراكيا..والسبب في ذلك حسب تعليل جيمس أن الواقع لا يمتلك خصائص الصدق الجاهزة قبل أختبار التجربة العملانية على تلك التصورات مؤكدا على ذلك بقوله ( أن المعرفة عن الاشياء والواقع ليست جاهزة – كي يدركها العقل – بل هي أبنة التجربة )(6) لكي يدرك العقل منفعتها التي هي تاكيد صدقها، بمعنى هنا يؤكد جيمس صدقية الحقيقة هو ناتج التجربة البعدية وليس جاهزية الاقتناع الادراكي بها قبليا قبل التجربة..

وأراد جيمس أكثر من ذلك في تأكيده معنى التجربة أن صدق الحقيقة ليس معزولا منفصلا عن وعي الضرورة بأهميتها في معرفة واقع الاشياء على حقيقتها وصدقها، والصدق هو صدق الفكرة عن الواقع التي لا تكون صحيحة من غير مرورها بأختبار تجربة المنفعة العملانية معبرا عن ذلك (كل ماهو نافع صادق أو حق، وكل صادق أو حق يكون نافعا) (7).

الشيء الاكثر أشكالية جدلية مريبة في فلسفة وليم جيمس البراجماتية هو أنه ينكر وجود شيء يطلق عليه (الوعي)، الذي يفصح عن نفسه بصورة تجليات تصوراتية فكرية مادية أو جوهرية كناتج مدركاته الاشياء، في حين عنده (أن الواقع الوحيد هو التجربة التي يمكن الركون اليها في أختبار كل شيء، ومعرفة كل الذوات العارفة صاحبة الوعي والموضوعات المعروفة المدركة).(8)، بعبارة توضيحية مكثفة جدا انه لا توجد معرفة قبلية ولا بعدية (قبل) التجربة يمكننا الاخذ بها واعتماد صحتها وصدقها...

وليم جيمس والوعي القصدي

وليم جيمس ينسف مفهوم الوعي ليس عن سذاجة فلسفية تدينه بحسب ما نادى به قصديا كلا من هوسرل وهيدجر وسارتر، فثلاثتهم كانوا متفقين في خروجهم على ديكارت في الكوجيتو الذي يقول أن الوعي الادراكي يكتسب ذاتيا بالتفكير المجرد في اثبات الوجود.. وقال فلاسفة الوجودية بالوعي الحقيقي القصدي انما يكون في تحقيقه هدفا والا يكون وعيا فارغا بلا مضمون ولا معنى...وبنفس المنحى جاءت فلسفة جون سيرل في الوعي القصدي...*

وليم جيمس يعتبر الوعي الشخصاني الاشباعي كما هو عند جون سيرل بمثابة تضليل لأفراغ مدركات حقائق الاشياء من قصديتها الاجتماعية الشمولية في التطبيق الميداني بالحياة، وهو ما ينطبق بالادانة البراجماتية على مفهوم جون سيرل بما أطلق عليه الوعي الشخصاني الاشباعي الهادف للوعي بالاشياء، فالوعي عند سيرل هو الوعي الادراكي الذي يحقق منفعة قصدية ينشد تحقيقها.. والوعي الفردي الشخصاني تكون قصديته ترافقه معه في الذهن مسبقا ويسعى لاشباعها، وهو نفس التعبير الذي سبقه به هوسرل...

وليم جيمس لم يسبق عصريا جون سيرل الذي هو فيلسوف معاصرلم يجايل وليم جيمس في عصره، لكنه طوّر بصورة غير مباشرة الوعي القصدي عند أقطاب الوجودية من غير تسميتهم، وفلسفة جون سيرل في الوعي هي أمتداد متطورلوعي الذات القصدي في الوجودية..

لكن البراجماتية تشترط في كل وعي أدراكي محققا منفعة أن يكون وعيا ادراكيا مدّعما بتجربة سابقة عليه، وعي الحقيقة وأدراكها حسب جيمس أن تكون تلك الحقيقة صادقة صائبة للجميع وليست مرهونة بصدقيتها لفرد في وعيه الانفرادي لها حتى وأن أمتلك الوعي الادراكي الانفرادي هدف أشباع منفعة قصدية كما يفهمهما جون سيرل في فلسفته، وحتى حين يكون الوعي شخصانيا فرديا تحكمه الضرورة الادراكية في تحقيق المنفعة سلفا في الذهن، الشيء الآخر المهم براجماتيا أن قناعة الفرد بأصالة الحقيقة وصدقها لا يمنحها تفويضا مقبوليا جماعيا أنها حقيقة أصيلة تمتلك صلاحية الافادة منها في كل الظروف ومختلف التوظيفات الميدانية التطبيقية.. فوعي الفرد الصائب لا يلزم عنه مماثلة وعي المجموع بالنسبة لادراك حقيقة واحدة تمثل موضوعا مشتركا لهم..

وفي المنحى البراجماتي ذاته يذهب ريتشارد رورتي في أدانته ما أطلق عليه الخطأ الشائع بالفلسفة (أن الصدق يعني التطابق مع الواقع )(9) ويقصد تطابق فكر التعبير اللغوي عن الشيء مع وجوده في صفاته الخارجية البائنة..مؤكدا أيضا على أن الصدق يكون صدق التجربة العملانية في الواقع والحياة التي تحقق المنفعة ..ورورتي فيلسوف براجماتي تمثل فلسفته أمتدادا طبيعيا لفلسفة الرواد الثلاثة الاوائل للبراجماتية بيرس، وديوي، وجيمس.. وسنأتي مستقبلا على بعض آراء رورتي الفلسفية في مقالات قادمة أخرى..

 

علي محمد اليوسف /الموصل

...........................

الهوامش

* لمزيد من التوضيح لافكار فلسفة جون سيرل حول الوعي الذاتي القصدي يراجع مقالتنا المنشورة على مواقع المثقف وكوة وفيلوبريس بعنوان (الوعي القصدي في فلسفة جون سيرل )

1- ريتشارد رورتي - الفلسفة ومرآة الطبيعة– ت :حيدر حاج اسماعيل- ص 16

2- نفس المصدر السابق نفس الصفحة

3- نفس المصدر السابق ص 19

4- نفس المصدر السابق ص 21 بتصرف

5- نفس المصدر السابق ص 27

6- نفس المصدر السابق ص23

7- نفس المصدر السابق ص 21

8- نفس المصدر ص 24 بتصرف

9- نفس المصدر ص 27 بتصرف

 

 

حاتم حميد محسنفي كتابه (رؤية من لامكان، 1986) يناقش الفيلسوف الامريكي توماس ناجل مختلف المشاكل الناجمة من التعارض بين العالم الموضوعي الذي نعيش فيه والذي نحن جزء منه، والطريقة المتأصلة ذاتيا التي ننظر بها لذلك العالم. يرى ناجل ان فهم العلاقات بين هاتين الرؤيتين الخارجية والداخلية هو اساسي لحل تلك المشاكل: "انها القضية الاساسية حول الاخلاق، المعرفة، الحرية، الذات، وعلاقة الذهن بالعالم المادي"(ص3). سنستعرض هنا المشاكل التي يشير اليها ناجل، ونسلط الضوء على الاهمية المركزية لهذه القضية ضمن الفلسفة.

الكلمات الاولى للكتاب تؤكد بوضوح ان ناجل يركز اساسا على مشكلة واحدة: وهي "كيف نجمع بين رؤية فرد معين داخل العالم مع رؤية موضوعية حول نفس ذلك العالم، الفرد ووجهة نظره جرى تضمينهما". بعد ذلك هو يذهب لمعالجة المشاكل المعينة التي يرى كل واحدة منها ليست الاّ مظهرا لتلك المشكلة الكلية الواحدة.

مشكلة رقم 1: كيف نفسر وجود التجربة الذاتية ضمن الكون المادي الموضوعي؟

هذه المشكلة هي صيغة حديثة لمشكلة الذهن/الجسم، اي، ما هي العلاقة بين الذهن والجسم؟ هل هما وجودان منفصلان، ام انهما مظهران مختلفان لشيء واحد؟ السؤال طُرح في مقال لناجل عام 1974 بعنوان"ماذا يعني ان تكون خفاشا؟"وجرى إحياء هذه المشكلة اخيرا في عمل شالمرس"المشكلة الصعبة للوعي (Chalmers، 1995).

يرى ناجل بانه على الرغم من اننا قد نفهم الطريقة التي يستخدم بها الخفاش الصدى لفهم عالمه، ليطير ويمسك الحشرات، لكننا لا نعرف ابدا ماذا يشعر الخفاش وهو يستعمل الصدى، ذلك بالضبط لأننا لسنا خفافيش. فهمنا لصدى الخفاش يمكن ان يكون فقط تفسير فسيولوجي ووظيفي، نحن لدينا فقط رؤية عن صدى الخفاش من الخارج. تصورنا للكيفية التي يشعر بها الخفاش بالصدى من الداخل وفهمه للعالم، هي نفس الطريقة التي نرى بها العالم مستعملين عيوننا . وبما ان صدى الخفاش كطريقة غريبة لفهم العالم قياسا برؤيتنا الانسانية، عندئذ يمكن الاستنتاج ان تجربة الصدى الداخلية للخفاش هي غريبة كليا عن تجربتنا البصرية، واننا سوف لا نعرف ابدا ماذا يعني ان تكون خفاشا.

الهدف من جدال ناجل هو لكي يبين ان هناك حقائق حول العالم ليست متاحة للفهم العلمي والموضوعي، حقائق يمكن معرفتها فقط من وجهة نظر محددة. الخفاش هو مثال على هذا. العلم ربما يكشف عدة حقائق حول الطريقة التي يطير بها الخفاش وكيف يتصرف وكيف يفهم العالم، من خلال الملاحظة والتجربة . غير ان هناك شيء واحد حول الخفاش لا يمكن كشفه وهو كيف يشعر بارتداد الصوت. هذه التجربة هي عالم خاص للخفاش. ناجل يمدد الجدال ليقول ان شعور التجربة الذهنية للانسان لا يمكن اختزاله الى مفاهيم موضوعية مادية.

كتب ناجل مقاله كتحدّي للسلوكيين الذين كانوا وقت نشر المقال في موقف فكري قوي. هذه الجماعة تدّعي اما ان الظاهرة الذهنية يمكن اختزالها كليا الى عالم مادي، كما عُرف بواسطة العلم، او انها لاتوجد ابدا. ناجل سعى لأعادة التاكيد على وجود الاثنين، وليبيّن انه لا يمكن اختزال الظاهرة الى اشياء مادية موضوعية.

رغم ان جدال ناجل هو مقنع ضد الاختزالية المادية، لكنه بطريقة ما هو ببساطة يعيد عرض المشكلة القديمة للذهن/الجسم. هو يجادل بان الذهن والمادة لهما خاصيتان متميزتان، الاول يمكن ممارسته فقط ذاتيا – من وجهة نظر الفرد، والاخر يُعرف موضوعيا، ولهذا فانهما لا يمكن ان يكونا نفس الشيء. وكما يقترح ناجل، هما ربما مظهران ثنائيان لنفس الجوهر. السبب الذي يجعل رؤية ناجال في هذا الادراك متميزة جدا عن الجدال الديكارتي التقليدي هو ان جداله يبدأ من وجهة نظر الشخص الثالث (3PA) (1). جدال ديكارت يبدأ من تقييم الوعي من خلال تحقيقات الشخص الاول (1PA) لخواص متميزة وغير اختزالية للوعي . منظور الشخص الثالث لناجل ينطوي على قوة وضعف.

مظهر الضعف يأتي بسبب ان المعارض له قد يجادل بان ما يقترحه ناجل في امتلاك الوعي ربما هو غير موجود. في مقال ناجل، يفترض ان الخفاش واع . لكن الحجة المضادة بسهولة ترى ان الخفاش طائر ليس له شعور داخلي ابدا. كذلك لا دليل على اي وعي للخفاش، هناك فقط المعرفة العلمية بسلوك الخفاش ووظيفته . ولكن الى اي مدى يمكن الاعتماد على هذه الحجة المضادة؟ اذا كان الخفاش غير واع فهل الكلب واع؟اذا كان الكلب غير واع فهل انسان اخر واع؟ بالتاكيد المعارض لا يستطيع الجدال بان الناس الآخرين ليس لديهم حياة ذهنية؟ ماذا يمكن ان تكون شخصية عبقرية متميزة كبيكاسو مثلا؟ الناقد يمكن ان يستمر بموقفه السوفسطائي، بان جدال ناجل هو غير صائب لأنه يبدأ بافتراض ان هناك اذهان واعية اخرى. لهذا الحد، يكون لاتجاه الشخص الاول افضيلته تجاه عرض ناجل للمشكلة، وعي الشخص الاول هو ببساطة هناك، واضح لذاته.

غير ان قوة جدال ناجل في الشخص الثالث هي في كونها تجعلنا نفكر في منظور غريب والذي لا يمكن تخيله تماما لنا ومختلف كليا عن الطريقة التي نفهم بها العالم كبشر، القارئ يأتي لإدراك ان هناك فرق نوعي بين الطريقة المادية الموضوعية للعالم، والطريقة الذاتية التي يُدرك بها بوعي. ان تجربة الخفاش لعالمه تختلف عن العالم المادي ذاته. من الصعب انجاز هذه المسألة وفق الصيغة الديكارتية للجدال لانه عندما يفكر شخص ما بوعيه الذاتي سيكون من الصعب فصل تصوره للعالم عما يكون عليه العالم ذاته: عندما أرى الكرسي، من الصعب فصل تصوري الواعي للكرسي عن الذرات والطاقة التي هي بالفعل تشكّل وجود الكرسي بالعالم المادي، والذي هو مستقل تماما عن رؤيتي له.

لكن جدال ناجل هو بالنهاية ايجابي، بصرف النظر عن مظاهر الضعف أعلاه، لأنه بالفعل يمكّننا من الاعتقاد بالفرق الحقيقي بين المعرفة الذاتية والموضوعية.

مشكلة 2: كيف نتأكد ان الطريقة التي نفهم بها العالم هي نفس الطريقة التي يكون فيها العالم حقا؟

من المؤكد، نحن ننظر للعالم وفق رؤيتنا الذاتية. عندما أنظر نحو أسفل طريق مستقيم، انا أرى الطريق وكل البيوت الممتدة على طول الطريق متناقصة في الحجم كلما ابتعدت عني. بالطبع، المنازل الممتدة على الطريق هي في الحقيقة ليست أصغر. تلك ببساطة الكيفية التي تبدو لي من نهاية الطريق بسبب المنظور البصري الذي خلقته زاوية نظري . لو أسير الى النهاية الاخرى للطريق، وانظر نحو الخلف الى البيوت من ذلك الموقع، فجأة أجد البيوت التي كانت أبعد وأصغر اصبحت أقرب وأكبر. انا أعرف ان البيوت هي حقا كلها بنفس الحجم وان الالتباس نتج لأني دائما انظر اليها من زاوية نظر. انا لا استطيع الهروب من المنظور، و لا يمكنني ابداً النظر مباشرة الى الطريق والبيوت بطريقة يختفي فيها الالتباس. المحصلة من هذا هو اننا نستطيع فقط معرفة العالم الخارجي من خلال توسّط رؤيتنا الذاتية. ومن هنا يُثار سؤال: كيف يمكن لنا ان نتأكد بان هذا الوسيط هو مؤشر جيد للعالم الخارجي؟ ماذا لو ان تصوري الذاتي هو أوهام او أحلام ؟ هذه الاسئلة اثارها ديكارت (1641) وهي امثلة عن مشاكل المعرفة الشكية.

رغم ان ناجل يعترف ويعالج هذه المشكلة، لكن تعليقاته لا ترقى الى الجواب. هو يكتب، "ان البحث عن المعرفة الموضوعية، وبسبب تبنّيها لصورة واقعية، فلا مفر من ان يكون البحث عرضة للشك الذي لايمكن دحضه ولكن يجب ان يتقدم البحث تحت ظلاله"(ص71). لذا فان الشك هو محصلة ضرورية للواقعية. وحتى لو قبلنا الواقعية كحقيقة (بمعنى، ان هناك اشياء وعمليات في العالم توجد مستقلة عني وعنك)، لكن تعليقات ناجل لا تجيب على الاتّهام الذي اثارته الشكية، بان العالم ربما يختلف عن الطريقة التي اعتدنا للاعتقاد بها من خلال تصوراتنا.

مشكلة 3: الرغبة الحرة والقدرية

العالم يُفهم موضوعيا كنظام من الأحداث التي تحدث طبقا للقوانين الطبيعية. في ضوء هذه الطريقة من الفهم، يبرز سؤال هل هناك مكان للفرد المستقل في ذلك النموذج الموضوعي ليتصرف برغبة حرة؟اشياء مثل الفرد المستقل والرغبة الحرة تبدو مفاهيم غريبة في العالم المادي. تلك المفاهيم هي عناصر ذاتية لنا لا ترتبط بفهمنا الموضوعي.

مشكلة 4: الاخلاق

المشكلة الاخلاقية هي في كيف نربط حاجات النظام الاخلاقي الموضوعي للمجتمع مع حاجات الافراد وافعالهم. هل يمكن لحاجات الاكثرية في المجتمع ان تهيمن على حاجات فرد معين (النفعية)؟ او هل ان الفرد دائما يُسمح له ليقوم بما يريد بصرف النظر عن النظام الاجتماعي (الفوضوية)؟ هنا تبرز الصعوبة في التوازن الذاتي/الموضوعي .

مشكلة 5: الاستدلال التجريبي

هذه المشكلة تُعد هامة بسبب تأثيرها على العلوم التجريبية. الاستقراء هو جوهر الطريقة العلمية. انه يسمح للعلماء بالتعميم من خلال الاستنتاج من حالات معينة او أحداث معينة. مشكلة الاستنتاج هي كيف نستطيع تبرير الاستدلال. هل فقط بسب ان جميع الغربان التي لوحظت حتى الان هي سوداء اللون، استطيع الاستنتاج بثقة ان كل الغربان سوداء؟هذا السؤال هام لأنه يستلزم العلاقة بين الملاحظة الذاتية لأحداث معينة و تكوين وتبرير تعميمات موضوعية.

من بين جميع المشاكل أعلاه، نجد المشكلتين الاولى والثانية يعبّران عن المشكلة الاساسية للعلاقة بين العالم الموضوعي والذاتي. المشكلة الاولى تسأل كيف نفهم التجارب الذاتية في ضوء وجود العالم المادي الموضوعي،، مشكلة 2 تسأل كيف يستطيع كل واحد منا بناء رؤية عالمية موضوعية موثوقة من وجهة نظرنا الذاتية المعينة. وكما يؤكد ناجل في المقدمة ان جميع المشاكل الموضحة أعلاه هي مظاهر لنفس المشكلة الكلية الأكبر، لكن هاتين المشكلتين تحديدا يمثلان الصعوبة الحقيقية في ربط وجهتي النظر.

 

حاتم حميد محسن

..............................

الهوامش

(1) وجهة نظر الشخص الاول عادة نتحدث فيها عن انفسنا او افكارنا او الاشياء التي تحدث لنا، هي محتوى ذهني ذاتي يعيه الشخص ويمكن ابلاغه الى الاخرين عند الطلب او الرغبة عبر الكتابة او التلفظ او السلوك المقصود مثل لغة الاشارة. من الامثلة على تفكير الشخص الاول (انا اشعر سعيد اليوم)، (انا ارى وردة ذات لون زهري)، (كان من الافضل ان اقوم به غدا). اما بالنسبة لتفكير الشخص الثالث (معرفة عن العالم الخارجي) فهو مشابه للاول مع اضافة الترابط العصبي والنفسي الذي يحصل للناس الذين يلاحظون او يقيسون العمليات الذهنية والسلوكية الاخرى. امثلة لفظية على ذلك (هو يبدو سعيدا)، (هي تنظر الى الوردة). وفيما يتعلق باسلوب الشخص الثاني فهو موجود لكنه اقل شيوعا من الاسلوب الاول والثالث، وعادة يُستخدم فيه الضمير (انت).

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا في هذا المقال الخامس والأخير عن الفروض المساعدة ودورها في ميثودلوجيا برامج الأبحاث عند إمري لاكاتوش، وفي هذا يمكن القول: من الأهمية بمكان أن نلاحظ أنه لا يمكن التنبؤ من النظرية فقط، ولكن من ارتباط النظرية مع الفروض المساعدة، وحقيقة فإنه بالكاد يمكن أن تعد الفروض المساعدة جزءا من النظرية .

فالنظرية هي مجموعة من القوانين، والقوانين هي العبارات التي نأمل أن تكون صادقة، ويفترض أنها صادقة بواسطة طبيعة الأشياء ولا يكون صدقها عرضيا فقط، ولا يكون للفروض المساعدة مثل هذه السمة فمثلا نحن لا نعتقد فعلا أنه لا يوجد أجسام سوي الشمس والأرض مثلا كما ورد في الفرض المساعد السالف الذكر، ولكن فقط كل الأجسام الأخري تمارس قوي ضئيلة بدرجة يمكن إهمالها .

فلا يفترض أن تكون الفروض المساعدة قوانين طبيعية، بل هي مجرد عبارات خاصة " بالشروط الحدية Boundary Conditions والتي تعتبر كحقيقة في نسق معينة . إن أحد الفروق الهامة بين النظرية و الفروض المساعدة هو العناية الفائقة التي يوليها العلماء عد ذكر النظرية، بينما أن الفروض المساعدة هي العرضة للمراجعة والتعديل والتنقيح وليس النظرية .

مثال ذلك لقد قبل قانون الجاذبية العامة لأكثر من مائتي عام باعتباره حقيقة لا تقبل المناقشة واستخدم كمقدمة في مبرهنات علمية لا حصر لها . أما الفروض المساعدة والتي لم تؤدي إلي تنبؤات ناجحة في هذه الأثناء فإنها هي التي عدلت وليس النظرية . فلقد أعتبر أن التنبؤات الخاطئة لم تكن نتيجة خطأ في النظرية ولكن نتيجة خطأ في الفروض المساعدة . ومن ثم فإن المتناقضات المصاحبة لنظرية الجاذبية لم تؤد إلي رفضها لأنه من المحتمل أن الخطأ كان في الفروض المساعدة .

ومثال ذلك عندما لاحظ الفلكيون وجود بعض الظواهر غير المنتظمة في حركة الكوكب أورانوس Uranus ولم يكن من الممكن تفسير هذه الظواهر علي أساس نظرية الجاذبية العامة افترض كل من ليفريه Leveries في فرنسا، وأدامز Adams في إنجلترا وجود كوكب آخر لم يكتشف بعد هو المتسبب في الحركات غير المنتظمة لأورانوس . ولقد ثبت صحة هذا الافتراض عندما اكتشف الكوكب نبتون فيما بعد .

ويمكن أن نوضح الرسم التخطيطي لدور الفروض المساعدة في برنامج البحث النيوتوني، وذلك علي النحو التالي :-

إن نظرية نيوتن الكاملة (ولنرمز لها بالرمز ن) تكونت من ثلاثة قوانين في الحركة (ن1، ن2، ن3) بالإضافة إلي قانون الجاذبية ن4 . ومع ذلك، فإنه لا يمكن أن نستمد من ن في حد ذاتها أية نتائج قابلة للملاحظة فيما يخص نظام المجموعة الشمسية . ولكي يتسني لنا ذلك فنحن في حاجة إلي إضافة عدد من الفروض المساعدة إلي ن : منها علي سبيل المثال أنه لا توجد قوى أخري تؤثر في الكواكب غير قوي الجاذبية، وأن التجاذب فيما بين الكواكب ضئيل جدا إذا ما قورن بالتجاذب بين الشمس والكواكب، وأن كتلة الشمس أكبر بكثير من كتلة الكواكب، وهكذا .

ودعونا نرمز لمجموعة الفروض المساعدة هذه التي تلائم حالة ما، بالرمز أ . ستكون لدينا الآن الصياغة الرمزية الأتية : إذا كانت ن1، ن2، ن3، ن4، أ صادقة فإن ل تكون صادقة، لكن ل كاذبة

يلزم عن ذلك كذب (ن1، ن2، ن3، ن4، أ) يلزم أن يكون عنصر علي الأقل من المجموعة (ن1، ن2، ن3، ن4، أ) كاذبا، لكننا لا نستطيع أن نقول أيا منها كذلك .

وكما يوضح تاريخ العلم، غالبا ما تكمن مشكلة حقيقية في البحث العلمي عند تحديد فرض ينبغي تغييره من بين مجموعة من الفروض . وأن نتأمل علي سبيل المثال كشف كل من آدامز ولوفيرييه لكوكب نبتون عام 1846 فمن خلال نظرية نيوتن "ن" بالإضافة إلي الفروض المساعدة، تمكن الفلكيون من حساب المدار النظري لكوكب أورانوس (أبعد الكواكب التي عرفت وقتها).

لم يتفق هذا المدار النظري مع المدار الذي تم ملاحظته . وهذا كان يعني أنه إما أن تكون ن أو أحد الفروض المساعدة كاذبة . توصل آدامز ولوفيرييه إلي حدس افتراضي مفاده أن الفرض المساعد المتعلق بعدد الكواكب كان خاطئا وافترضا وجود كوكب جديد أبعد من أورانوس، وهو كوكب نبتون وحسبا كتلته والموقع الذي يجب أن يكون موجودا فيه حتي يتسبب في الاضطراب الملحوظ في مدار أورانوس . وفي 23 من سبتمبر عام 1846 تم رصد كوكب نبتون منحرفا 52 درجة فقط بعيدا عن الموقع المتنبأ به .

وهذا الجانب من القصة معروف جيدا لكن ثمة أحداثا تالية ترتبط أيضا بدور الفروض المساعدة في برنامج البحث النيوتوني . إذ واجه علماء الفلك في ذلك الوقت، صعوبة أخري تتعلق بعدم انتظام حركة الحضيض الشمسي لكوكب عطارد التي وجد أنها تتقدم أسرع قليلا مما ينبغي أن تكون عليه وفقا للنظرية القياسية . حاول لوفبرييه أن ينهج النهج نفسه، الذي اتبعه في تفسير عدم الانتظام الذي كان يعتري حركة كوكب أورانوس، والذي تكلل للنجاح .

فافترض وجود كوكب أقرب إلي الشمس من كوكب عطارد، وأطلق عليه اسم فلكان Vulcan وله من الكتلة والمدار وإلي غير ذلك ما قد يفسر الزيادة في حركة الحضيض الشمسي لعطارد . ورغم ذلك لم يستدل علي وجود مثل هذا الكوكب .

إن الفرق هنا يكون ضئيل للغاية . وفي عام 1898 قدر نيوكومب قيمته بما يساوي 41024 درجة أي بما يقل عن جزء من ثمانين من الدرجة في كل قرن . ورغم ذلك فإن الانحراف الضئيل للغاية في حركة كوكب عطارد قد تم تفسيره بنجاح بواسطة النظرية النسبية العامة " ن " التي توصل إليها أينشتين عام 1915 لتحل محل نظرية نيوتن " ن " . فقيمة الزيادة في الحركة غير المنتظمة للحضيض الشمسي لكوكب عطارد قد تم تقديرها من خلال النظرية النسبية العامة كانت 42089 درجة في كل قرض، وهو رقم يقع ضمن النطاقات التي وضعها نيوكومب .

ونري أنه علي الرغم من التشابه الشديد الذي يبدو للوهلة الأولي لعدم الانتظام في حركة كل من أورانوس وعطارد، فإن النجاح تحقق في احدي الحالتين بتعيد أحد الفروض المساعدة أما في الحالة الأخري فكان من خلال تعديل النظرية الرئيسية نفسها .

هذا هو الدور الخاص بالفروض المساعدة في برنامج البحث النيوتوني، ويمكننا هنا أن نقدم شرح للمخطط الذي قدمه فيلسوف العلم الشهير هيلاري بوتنام " لاكتشاف كوكب نبتون في إطار النموذج الاستنباطي الناموس، وهو في هذا يعضد الموقف الذي اتخذه لاكاتوش إزاء الفروض المساعدة في برنامج البحث النيوتوني:-

يبدأ الأستاذ بوتنام لاكتشاف كوكب نبتون من خلال تقديم مخططات للمشكلات العلمية في إطار النموذج الاستنباطي الناموسي، وهذه المخططات هي :-

           (1)                     (2)                          (3)

             نظرية                  نظرية                        نظرية

        عبارات مساعدة              ؟؟؟؟                        ؟؟؟؟؟

                 ـــــــــــــــــــــــــــ    ــــــــــــــــــــــــــــ      ــــــــــــــــــــــــــــ

    التنبؤ – صادق أم كاذب     الواقعة المراد تفسيرها           ؟؟؟؟؟

ويعرض المخطط الأول لمشكلات علمية . وفي نمط المشكلة لدينا نظرية ولدينا نظرية ولدينا بعض العبارات المساعدة AS وتوصلنا إلي تنبؤ . ومشكلتنا هي أن نعرف ما إذا كان التنبؤ صادقا أو كاذبا، والحالة مؤكدة بمعيار فلسفة العلم . أما المخطط الثاني للمشكلة فهو مختلف تماما . ففي هذا المخطط من المشكلة لدينا نظرية ولدينا واقعة مفسرة، بيد أننا نفتقد بعض العبارات المساعدة AS، والمشكلة هي أن نعثر علي AS إن أمكن، وهي صادقة أو صادقة تقريبا (أعني أنها تبسيطات عالية نافعة الصدق)، وقد تلحق بالنظرية لنحصل علي تفسير للواقعة . أما المخطط الثالث فيعرض نظرية وبعض العبارات المساعدة، وتصبح مهمتنا هي أن نعرف ما هي النتائج التي يمكننا أن نتوصل إليها. وهذا المخطط الأخير غير مهم لأن المشكلة رياضية بحتة .

ويوضح بوتنام بعض الأفكار الأساسية التي تظهر في تلك المخططات، فيشير إلي النظرية العامة – مثل نظرية الجاذبية العامة – لا تستلزم أي عبارات أساسية . ويعود ذلك إلي أن لكل حركات الأجسام الطبيعية تتفق معها، ما دامت النظرية لا تقول شيئا عن القوي الموجودة بخلاف قوة الجاذبية التي لا تقبل القياس بصورة مباشرة .

وعلي هذا فإذا أردنا استنباط تنبؤات من النظرية – كي نطبقها علي موقف فلكي – فلا بد من تقديم بعض الافتراضات المساعدة . وعلي سبيل المثال عندما نطبق هذه النظرية علي مدار الأرض سيتعين أن نقدم بعض الافتراضات التقريبية، مثل :

1- لا توجد أجسام باستثناء الشمس والأرض .

2- الشمس والأرض يوجدان في فراغ تام .

3- الشمس والأرض لا يخضعان لقوي جاذبة العامة مع العبارات المساعدة أن نستنبط بعض التنبؤات.

لكن العبارات المساعدة ليست صادقة تماما . ولذا نجد العلماء يقدمونها بصورة غير حذرة وموقنة علي العكس ما يفعلون مع النظرية . وبالتالي تخضع هذه العبارات لمراجعة جذرية دائما. ويضرب بوتنام مثلا علي فكرته السابقة بمدار كوكب أورانوس، فقد أثبتت ملاحظات العلماء خطأ التنبؤات القائمة علي أساس نظرية الجاذبية العامة UG ومع افتراض أن الكواكب المعروفة عندئذ هي كل الكواكب الموجودة . وقد تنبأ العالم ليفريه في فرنسا وأدامس في إنجلترا بأنه لا بد من وجود كوكب آخر . وتم اكتشاف ذلك الكوكب بالفعل، وكان هو كوكب نبتون .

إن بوتنام يري أن تلك الحالة التاريخية تضرب مثلا علي فكرة كون عن حل المعضلات، كما يري أن المخطط الثاني يعتبر النموذج المناسب لعرض هذا النشاط فلو سلمنا بصحة الوقائع المعروفة عندئذ عن مدار أورانوس والوقائع المعروفة قبل عام 1864 المتعلقة بالأجسام التي تؤلف النظام الشمسي، والمعيار AS، حيث أن تلك الأجسام تتحرك في فراغ تام، وتخضع فقط لقوي جاذبية متبادلة، الخ . ومن الواضح أن مشكلة ما كانت تواجههم : إذ لا يمكن حساب محور أورانوس بنجاح إذا أفترضنا وجود جميع الكواكب : عطارد والزهرة وزحل وجوبيتر وأورانوس، وافترضنا أنها مع الشمس تؤلف النظام الشمسي الكلي . فلنجعل s1 متجاورة مع AS المتعددة التي سبق أن أشرنا إليها من قبل، ويشتمل ذلك العبارة التي يحتوي فيها النظام الشمسي علي الأجسام المشار إليها علي الأقل . ولكن من الضروري فقط . وعندئذ تواجهنا المشكلة التالية :

نظرية : UG

S1: AS

عبارات مساعدة إضافية

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المفسر : مدار أورانوس

وهذه المشكلة لم تصل إلي قوانين تفسيرية أبعد (برغم أنها قد تصل أحياناً في مشكلة تعبر عنها صورة المخطط 3)، وإنما نصا إلي افتراضات أبعد من الشروط الأولية والحدية المتحكمة في النظام الشمسي، بالإضافة إلي قانون الجاذبية العامة والقوانين الأخري التي تؤلف UG (أعني قوانين الميكانيكا النيوتونية) سيتمكن المرء من أن يفسر مدار أوارانوس . فإذا لم يفرض المرء أن تكون العبارات المحذوفة صادقة أو صادقة بصورة تقريبية، سيكون لدينا عندئذ عددا لانهائياً من الحلول المعبر عنها رياضيا إلي حد بعيد . وحتي إذا ضمن المرء في S1 أنه ليس ثمة قوي جاذبية تؤثر علي الكواكب أو الشمس، فسيظل هناك عددا لا نهائيا من الحلول . بيد أن المرء يختبر أولا الفرض الأبسط، أعني :

نظرية : UG

S1.S2: AS

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نتيجة ؟؟؟ - تثبت في النهاية أنها ذلك الكوكب غير المعروف والذي ينبغي أن يكون له مدار معين صفر

وهذه المشكلة تعد مشكلة رياضية ساهم كل من ليفريه وآدامس في حلها (مثال للمخطط 3). لكن حل تلك المشكلة طرح مشكلة أخري هي :

نظرية : UG

S1.S2: AS

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تنبؤ : هل يوجد كوكب يتحرك في مدار صادق أم كاذب ؟

وتعد هذه المشكلة مثالا للمخطط 1 – وهو مثال يفترض المرء عادة لأن أحد عبارات AS، أعني العبارة S2لانعرف علي الاطلاق أنها صادقة ويشار في الواقع إلي S2 علي انها فرض ذو مستوي – منخفض نروم اختباره . بيد أن الاختبار لا يعد اختبارا استقرائيا بالمعني المعتاد، لأن تحقيق لـ S2 – أو هو بالأحري الصدق التقريبي لـ S2 (والتي تعد جميعها ذات أهمية قصوي في هذا السياق)- فلم يكن الكوكب نبتون هو الكوكب الوحيد غير المعروف في عام 1846، وإنما كان هناك بلوتو الذي اكتشف فيما بعد . والواقع أننا كنا نولي اهتماما بالمشكلة عالية في العام 1846، لأننا نعرف أنه إذا كان التنبؤ سيثبت في النهاية أنه صحيح، إذن فذلك التنبؤ هو علي وجه التحديد العبارة S3 التي نحتاج إليها للاستنباط الأتي :

نظرية : UG

S1.S2: AS

ـــــــــــــــــــــــــ

المفسر : مدار أورانوس

وتشير العبارة S3 إلي أن الكوكب المشار إليه في S2 له علي وجه الدقة المدار " صفر" وتلك العبارة هي حل المشكلة التي بدأنا بها . ويستنتج بوتنام ما يلي " أريد أن أقترح أن المخطط الثاني يعرض الصورة المنطقية لما يطلق عليه كون أسم معضلة " ويبحث المرء في هذا النوع من المشكلات العلمية عن شئ ما يسد ثغرة، لكنه لا يحاول استنباط تنبؤات من النظرية، فمشكلته بالأحري تتمثل في إيجاد بعض العبارات المساعدة المناسبة . وبناء علي هذا، تصبح لنظرية العلمية قابلة للتكذيب أو التأييد، ولذا يقول بوتنام " إن مظاهر الفشل لا تكذب النظرية، نظرا لأن الفشل ليس تنبؤا كاذبا من النظرية عندما نضيف إليها وقائع معروفة موثوقا من صحتها . فالفشل هو إخفاقنا في أن نجد شيئا ما، أي أن نجد العبارات المساعدة . ومن ثم فالنظريات تكون إلي حد ما كبير منيعة من التكذيب إثناء مدة سيطرتها .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط