raheem alsaidiكعادتي فإنني أتحدث بعجالة عن موضوع يحتاج الى تركيز وتحليل كبيرين، انه افتراض  استشرافي للانطولوجيا الجديدة .وسوف أتجنب التركيز على ثنائيات الوجود والماهية أو عن تفاصيل تعريف الوجود ومقارنته أو تفرعاته أو فهم  الفلاسفة المتعدد له . سواء ذلك المتعلق بالوجود المتعالي لهوسلر أو الوجود النقدي عند هارتمان أو الوجود الأساسي عند هايدكر الذي يفصل بين الوجود والموجود وقد أراد للإنسان أن يكون جسرا لمعرفة الوجود، كما تحدث كل المعاصرين عن ذات المعضلة التي أرهقت أفلاطون وأرسطو إلا أنهم  يعطون للوجود صبغة الذاتية، وأرادوا ان يجربوا طرقهم لتفكيك الطلاسم المتعلقة بمفهوم الوجود، وكان حديث المعاصرين من الفلاسفة متشابكا، أضافوا عليه مسحة الصنعة الفلسفية التي يعتقدون من خلالها ان التوضيح ضياع لهيبة الفلسفة وهي معضلة لا أظنها ستفارق الكثير من الفلاسفة أو المشتغلين بالفلسفة أو المفكرين والمعاصرين الذين يطلسمون كتاباتهم .

لقد ظهر مفهوم الانطولوجيا في الفلسفة بمعنى علم الوجود إلا انه منذ التسعينات أصبح من أهم مجالات البحث العلمي في المعلوماتية الحديثة، حيث عد بوصفه مفهوما تفصيليا (ظاهريا) لتصميم مجال معين. إلا انني أرى بان تصحيف معنى الوجود بهذه الصورة ما هو إلا معالجة سفسطائية معاصرة .

والانطولوجيا Ontology أو علم الوجود، أحد مباحث الفلسفة، وهو العلم الذي يدرس الوجود بذاته، الوجود بما هو موجود، مستقلاً عن أشكاله الخاصة، ويُعنى بالأمور العامة التي لا تختص بقسم من أقسام الوجود، الواجب والجوهر والعرض، بل تعمم على جميع الموجودات من حيث هي كذلك، وبهذا المعنى فإن علم الوجود معادل للميتافيزيقا أو ما وراء، ومع كل هذا فإن الانطولوجيا ذات علاقة وثيقة بمصطلحات دراسة الواقع ولا يجانب بول ريكور الحق بعده السؤال المنصبّ على الوجود من الأسئلة المتجددة .

و كلمة وجود تتوافق مع أشياء حقيقية أي لها كينونة بمعنى انها ليست خيالية أو افتراضية، وهي "غير معدومة"بمعنى ان لها أصل او حضور او يمكن التحدث عنها وتعريفها .

والفلسفة اليونانية والإسلامية تحدثت عن الوجود باعتباره مشكلة تحتاج الى حل، اما حديثنا عن الانطولوجيا الجديدة فهو حديث عن إمكانية التناول لهندسة او خارطة الوجود النهائي .

فتناول وتفسير الفلاسفة الطبيعيين اليونان للوجود ومن بعدهم الثلاثي اليوناني المقدس وحتى أفلوطين وغيره، إنما انصب على مشكلة الوجود بكل تفرعاته حتى ان المعرفة أصبحت ملحقا  أو ردة فعل لمعرفة مفهوم الوجود أو وجود الأشياء .

وهكذا نجد المشكلة الانطلوجية حاضرة في الفلسفة الاسلامية كما عند الفارابي وغيره . لكن يندر ان يتحدث الفلاسفة عن عالم مختلف مثل الوجود الأخروي بأغلب التفاصيل او بتنظير لكونه الموطن النهائي، او الحديث عن بناء انطلوجي يمثل المحصلة أو  الغاية، وهو لا يشبه البناء الانطلوجي الذي أراده أفلاطون في عالم المثل أو ذلك الموزع في اليوتوبيات المختلفة التي قال بها الفلاسفة .

وإذا تطلعنا الى مفردة ان علم الوجود معادل للميتافيزيقا، فان هذا يقودنا الى ان ما وراء الطبيعة هو المتمثل بعلم الوجود بحسب أرسطو كما يمكننا الإشارة الى (ما وراء وراء) الطبيعة وهو ما يمكن وصفه بالعالم الآخر أو عالم الحياة الثانية أو عالم ما بعد الموت.

واعتقد ان وصف ذلك العالم بالانطولوجيا الجديدة، يمثل دعوة حقيقية وجادة للتواصل مع العالم الآخر (مع المتخوف منه) (وليس المسكوت عنه فقط ).

وهذا العالم او الوجود الجديد هو محصلة :

1. تغيرات في البيئة (الجغرافية) وتأثيرها على البيئة الاجتماعية والنفسية وعلى التنوعات الإنسانية المستندة على البيئة .

2. تغيرات في التاريخ (توقف سجلات الفعل الإنساني المعتمد من العالم الانطلوجي القديم )

3. تغيرات في قواعد العلوم بتأثير البيئة الطبيعية والمعرفية وسواها .فسوف تتغير قواعد علوم عديدة كانت تعتمد على تشكلات البيئة المتعارف عليها اليوم، وسوف تُستحدث علوم جديدة .

4. تغيرات في قواعد الفهم العام أو الإنساني العام ومنطقه الذي يألفه، كما في المنطق وبشكل خاص في قواعده العامة التناقض والثالث المرفوع باستثناء الهوية  وتغيرات في المقولات، وفي الجوهر . فالمقولات لن تكون تلك القواعد التي قاسها أرسطو وفق رؤيته للوجود الذي يفهمه فلا المكان أو الزمان أو الإضافة أو سواها ستبقى في القوانين الانطلوجية الأخيرة، فهناك تغيرات في الطبيعة (الزمان والمكان ) والحركة والأنات

5. تغيرات في قواعد السلوك المألوف نوعا ما، ففي الوجود النهائي توجد تغيرات في قواعد علم الاجتماع والنفس .

تمتاز الانطولوجيا الجديدة بكونها القالب الذي تجتمع فيه الذوات والهويات المختلفة فهي الموضوع الذي يجمع الذوات، وتمتاز بأهمية الموضوع، فالحديث عن الجانب الذاتي الفردي (عن بعض الذوات ) سوف يحجم أو يضمحل الى حد ما، ويبرز الموضوع باعتباره غاية ومصير .

ان الحديث عن العالم الآخر بعده وجودا نهائيا أو ان أمكننا وصفه بالانطولوجيا الجديدة،انما يتماشى مع فكر وفلسفة أولئك الذين يميزون بين الوجود والماهية ويعطون الأولوية للوجود، فالعالم الآخر أو الانطولوجيا الجديدة انما هي محض وجود وفق الصورة العامة، اما ماهيتها أو ماهية ذلك العالم والتي لم تتحقق لديهم، فيمكن القول جدلا ان لا أهمية لها وفق اعتبارات اننا سجلنا إيماننا بتفاصيل وجود مختلف عنا وعن عالمنا الأرضي – الحالي – الراهني – الموقت – الجزئي – النسبي .

ولا اخفي اعترافي بالمحاولات المعاصرة التي جرت لإقامة «علم وجود جديد» على أساس مثالي موضوعي في القرن العشرين ويكون موضوع الأنطولوجية الأشياء نفسها، إلا ان هذا لا يعني ان الفكرة مستنسخة من تلك الجهود التي كانت رد فعل إزاء انتشار التيارات المثالية الذاتية

كما والأنطولوجية المتعالية الظواهرية عند هوسرل والأنطولوجية النقدية عند ن.هارتمان، والأنطولوجية الأساسية عند هيدغر، بل يعني الحديث عن عالم مختلف الوجود، والقواعد، يقترب من وجودنا الذي نعيشه بقدر توغلنا بهذا الوجود الراهني، ان الانطولوجيا الجديدة تركض إلينا بنفس السرعة التي نتحرك بها إليها، ولم يخبرنا المليارات من الناس من الذاهبين الى تلك الانطولوجيا الجديدة عن تفاصيل مهمة نحن بحاجة إليها، وبحسب البحث العلمي فان المدونات الدينية تعطينا خرائط عديدة لذلك الوجود المختلف (والتي لا يجب ان نهملها بأي حال من الأحوال، لأنها قد تكون البوابة السحرية التي نشاهدها في السرديات المتجسدة(الأفلام) والتي تقودنا الى عالم لم نره أبدا، وهو عالم خلاب، يعيق جماله الخوف من مصيره، آمل ان هذه المحاولة والتي سبقتها أربع محاولات للخوض في غمار ما يعتبره البعض ترفا أدبيا أو فكريا، وهو العالم الانطلوجي القادم ستعطي ثمرها بعد حين .

 

د. رحيم الساعدي

 

 

jamil hamdaoui2المقدمة: تعد الوجودية (L’existentialisme) من أهم التيارات الفلسفية والأدبية التي عرفها الغرب الأوروبي في سنوات الخمسين والستين من القرن العشرين، ولاسيما بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. وأساس هذه النظرية أن الوجود الإنساني هو المحور المهم الذي ينبغي على الفلسفة أن تعتني به، قبل الاهتمام بالماهية، أو الاعتناء بطبيعة الإنسان التي تتغير من حالة إلى أخرى.بينما يظل الوجود جوهرا ثابتا قائما لايتغير.أي: لابد أن تهتم الفلسفة بالوجود الفردي، وليس بالوجود الأنطولوجي الذي يعنى بماهو وجود، والبحث عن علل العالم وأصوله وأرخيته وإنيته وكينونته.

وبتعبير آخر، ينبغي أن تدرس الفلسفة الموجود الفردي والبشري في هذا العالم الآني والعبثي، بعد أن شهد هذا العالم مجموعة من الحروب الكونية المدمرة والقاتلة التي جعلت أفراد المجتمع يعانون من مشاعر القلق، والخوف، واليأس، والغربة، والسأم.

ومن أهم روادها في الفلسفة والأدب سورين كييركارد ( Søren Kierkegaard)، ومارتن هيدجر(Martin Heidegger)[1]، وكارل ياسبرز (Karl Jaspers)[2]، وجان بول سارتر(J.P.Sartre)[3]، وسيمون دو بوفوار(Simone de Beauvoir,)[4]، والأمريكية راشيل بسبالوف(Rachel Bespaloff)[5]، وألبير كامو (A.Camus)[6]، وإيمانويل ليفيناس(Emmanuel Levinas)[7]، وموريس ميرلوبونتي(Maurice Merleau-Ponty)[8]، والروسيين ليون شيستوف(Léon Chestov)[9]، وفيودور دوستوفسكوي(Fiodor Dostoïevski)[10]...

إذاً، ما الوجودية؟ وما أهم روادها؟ وما أنواع الوجوديات؟ وما المقصود بالوجودية الإسلامية؟ هذا ما سوف نتوقف عنده في هذه المباحث التالية:

المبحث الأول: مفهوم الوجودية

الوجودية تيار فلسفي من جهة، ومذهب أدبي من جهة أخرى. وبالتالي، ترفض الوجودية أن يكون الإنسان خاضعا للحتميات أو الجبريات القاهرة، سواء أكانت دينية، أم وراثية، أم نفسية، أم اجتماعية، أم اقتصادية...، بل الإنسان حر في تصرفاته وأفعاله، مادام يملك الحرية والإرادة والعقل، فهو خالق لأفعاله. فهو الإله الذي يتحكم في مشيئته، يختار ما يشاء من ماهيات وقيم وأفعال، ويغيرها حسب المواقف والظروف، كأن يكون مؤمنا أو ملحدا. ومن ثم، فاختياره مشروع مستمر يتبدل بالظروف والمواقف والإرادة الفردية الذاتية.

 علاوة على ذلك، فالوجود الإنساني الفردي هو الجوهر والثابت والهدف الرئيس.في حين، تتبدل ماهية الإنسان وأعراضه وطبيعته الإنسانية. بمعنى أن وجود الإنسان قد سبق ماهيته.أي: لم يكن هناك شيء قبل وجود الإنسان، بل هناك عدم فقط.وبعد موت الإنسان، ينتقل إلى لحظة العدم كما يقول جان بول سارتر(J.P.Sartre) في كتابه ( الوجود والعدم)[11]، وليس إلى لحظة البعث والمحاسبة، كما يقول بذلك القرآن الكريم في سورة الإسراء:" قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ۖ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ (12) قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (13) قَالَ أَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14)"[12]

وعليه، تؤمن الفلسفة الوجودية إيمانا مطلقا بالوجود الإنساني، وتتخذه منطلقا لكل فكرة أو نظرية أو تصور فلسفي. ومن هنا، يعد الإنسان أقدم وجودا في هذا الكون. وبعد وجوده الحقيقي والإني، تأصلت ماهيته وطبيعته الثانوية. بينما يلحق العدم وجوده من قبل ومن بعد. ومن هنا، تؤمن هذه الفلسفة الإنسانية ذات البعد الفردي بالحرية المطلقة للإنسان، مادام هو المسؤول الوحيد عن أفعاله وتصرفاته.وعلى الإنسان أن يعيش تلك الحرية دون قيود أو رقابة . وبالتالي، فليست تلك الحرية فوضى، بل التزاما ومسؤولية عند سارتر. وتتمثل تلك الحرية في حرية الفعل أو الحدث (أن يفعل الإنسان ما يشاء)، وحرية الزمان ( في أي وقت شاء)، وحرية المكان (في أي مكان يشاؤه) .

أضف إلى ذلك ينبغي على الإنسان أن ينسى ماضيه بكل حتمياته وقيوده وجبرياته، ويتنكر له بشكل كلي، ويعيش حاضره، ويتطلع إلى المستقبل، ويتحرر من القيود كلها، سواء أكانت نفسية، أم اجتماعية، أم اقتصادية، أم دينية، أم سياسية... ويعني هذا كله أن الفلسفة الوجودية لا تؤمن بالقيم الأخلاقية والدينية الثابتة، بل الإنسان حر في أفعاله وقيمه، يتصرف كيفما يشاء، دون الخضوع لقيم مفروضة عليه، مادام يخلق أفعاله الحرة.

ومن ناحية أخرى، يرى الفيلسوف الفرنسي موريس ميرلوبونتي (Maurice Merleau-Ponty) أن حرية الإنسان نسبية، وليست مطلقة، مادامت الظروف الذاتية والموضوعية تتحكم في مصير الإنسان وواقعيته[13].

في حين، هناك من ينكر هذه الحرية، ولو كانت نسبية، كالسوسيولوجيين (إميل دوركايمDurkheim )، والنفسانيين (فرويد Freud)، وعلماء الوراثة، وعلماء اللغة (البنيويون اللسانيون)، وعلماء الاقتصاد(كارل ماركسK.Marx).

وبهذا، فقد آمنت الفلسفة الوجودية بالوجود الإنساني بشكل كبير، وجعلت هذا المبدأ هو محور الفلسفة الغربية المعاصرة التي ابتعدت عن الوجود الميتافيزيقي لتهتم بالإنسان والوجود الفردي والبشري. أي: ثارت الفلسفة الوجودية مع جان بول سارتر(J.P.Satre)، وسورين كيركغارد(Søren Kierkegaard) [14]، وجبريل مارسل(Gabriel Marcel)، وكارل ياسبرز (Karl Jaspers)[15]... على فلسفة الماهيات كما عند سقراط، وأفلاطون، وأرسطو، واستبدلوها بفلسفة الوجود. ويعني هذا أن ثمة انتقالا من الماهية إلى الوجود، والتعلق بالإنسان من حيث هو موجود فردي[16].

وتنطلق هذه الفلسفة الوجودية أيضا من نقطة ذاتية خالصة تعبر عن تجربة حية، تستخلص منها عدة معان فلسفية وميتافيزيقية.وبالتالي، لايمكن التعبير عنها بواسط نسق فلسفي منظم، أو الحديث عنها في قالب عقلي متسق ومنسجم ومتماسك .لذلك، استعمل الفلاسفة الوجوديون الكتابة الشذرية بامتياز، وهي كتابة التمزق، والتشظي، والتخلخل، والتقطيع، والتبعثر...

ومن هنا، فالفلسفة الوجودية مذهب إنساني بامتياز، وفلسفة معاصرة تؤمن بحرية الكائن الإنساني في اختيار مصيره كيفما يشاء، دون أن يخضع لضغوط ما، أو حتميات جبرية، أو إكراهات بيولوجية، أو نفسية، أو اجتماعية، أو اقتصادية، أو لسانية...

ويعني هذا إذا كانت الفلسفات الجبرية تثبت أن الإنسان خاضع للإكراهات والحتميات المقيدة، فإن الوجودية ترى أن الإنسان حر مهما كانت تلك الحتميات، وأنه مشروع مستقبلي حر.وفي هذا الصدد، يقول عبد الرحمن بدوي:"ومتى كان الوجود سابقا على الماهية لم يبق في الإنسان شيء يعين سلوكه ويحد حريته بل يعمل ما يشاء ولايتقيد بأي شيء، إذ إن الوجودية لاترى أن بوسع الإنسان أن يجد معونة في علامة على الأرض تهديه السبيل، لأنها ترى أن الإنسان يفسر الأشياء بنفسه كما يشاء، وأنه محكوم عليه في كل لحظة أن يخترع الإنسان.فما الإنسان إلا ما يصنع نفسه وما يريد نفسه وما يتصور نفسه بعد الوجود.بهذا يظن سارتر أنه يحقق الغرض الذي يرمي إليه وهو إنقاذ الحرية من الجبرية، فيصف الوجودية بأنها مذهب تفاؤل لأنها تضع مصير الإنسان بين يديه فتجعل الحياة الإنسانية ممكنة."[17]

ويعني هذا كله أن الفيلسوف الهولندي باروخ سبينوزا ( B.Spinoza ) يرى أن كثيرا من الناس يعتقدون أن أفعالهم حرة، وأنهم أحرار بكل ثقة، حينما يقومون بتلك الأفعال الداخلية والخارجية عن حرية وطواعية ومبادرة. لكنهم يجهلون أن وراء تلك الأفعال والتصرفات والسلوكيات ضرورات حتمية توجهها. وبالتالي، يجهلون أسبابها الحقيقية، ولا يعلمون كيفية انبثاقها وتحركها وصدورها عن الذوات، مثل: الحجرة المقذوفة في الهواء التي نعتقد أنها حرة في توجهها الحركي، ولكنها مدفوعة من قبل ذات ما. ويعني هذا أن أفعال الإنسان ليست حرة، بل هي معللة بالأسباب والضرورات والحتميات الجبرية، ولكننا نجهل أيما جهل أن أفعالنا مشروطة بالإكراهات والظروف. وإذا كان" هنالك شيء يعجز عنه الناس، فهو مسألة تنظيم شهواتهم. وعلى الرغم من أنهم يرون أنفسهم مقسمين بين عاطفتين متعارضتين، وكثيرا ما يرون الأحسن، ويقترفون الأسوأ، فإنهم مع ذلك يعتقدون بأنهم أحرار، وذلك لأن هناك أشياء لا تثير فيهم شهية ضعيفة من السهل التحكم فيها، بواسطة الذكرى التي كثيرا ما يتم استحضارها، والمتعلقة بشيء آخر".[18]

ونستنتج من هذا كله أن سبينوزا يرى أن الإنسان ليس حرا في جوهره، بل هو مقيد بمجموعة من الجبريات والضرورات والإكراهات التي تتحكم في أفعاله وتصرفاته، إلا أن الإنسان يعتقد- إصرارا وعنادا- أن ذاته حرة كامل الحرية، بيد أنه يجهل الأسباب الحقيقية التي تكون وراء أفعاله الموجهة من الخارج.

وتذهب التصورات البيولوجية إلى أن الإنسان خاضع للوراثة، فهي التي تتحكم في الشخص فيزيولوجيا، وعضويا، ونفسيا، واجتماعيا، وأخلاقيا. وإذا أخذنا، على سبيل المثال، ذوي البشرة السوداء، باعتبارها مكونا بيولوجيا، فإنها قد تؤثر في الإنسان بشكل سلبي عند البعض، كما تؤثر الإعاقة الوراثية سلبا في نفسية صاحبها، بل تؤثر في شخصية الإنسان المعوق من جميع النواحي.

علاوة على ذلك، ترى التيارات الاجتماعية والأنتروبولوجية (دوركايم Durkheim، ورالف لينتون Ralph Linton...)، أن الإنسان نتاج المجتمع، بما فيه من القيم، والعادات، والتقالي، والأعراف، واللغة، والثقافة. وفي هذا الصدد، يقول الباحث السوسيولوجي المغربي محمد جسوس:" ليس المجتمع مجموعة إرادات حرة، ورغبات سائبة لا يحكمها ضابط، بل هو مجموعة بنيات وسلسلة حتميات لا تتوقف، لا في واقعها ولا في مآلها، على نيات الأشخاص ورغباتهم وإراداتهم. المجتمع... سيرورة من دون ذات. وبما أن مجال الذات الفردية والاختيارات الفردية محدودة، فإن هناك الإرادة الكلية أو الدولة باعتبارها تعبيرا عن الإرادة الجماعية. إلا أن هذه الأخيرة ذاتها رهينة بدينامية التفاعل بين البنيات والمكونات، وليست إرادة اجتماعية مطلقة. فهي جماع هذه الدينامية وتعبير عنها."[19]

وتخضع اللسانيات البنيوية الإنسان للقوانين اللغوية بنية، ونسقا، ونظاما . ويعني هذا أن الإنسان من منظور البنيوية"كائن خاضع لمجموعة من الحتميات تشرطه كليا: ففكره، وأفعاله، وسلوكه هي منتوجات لقوانين الكون، ولقوانين الجماعة ولقوانين الفكر الرمزي. وعلى النقيض من الوهم الشائع اليوم، فالعلم والتقنية بدل أن يحررا الإنسان من الحتميات الكونية، فإنهما لم ينجحا إلا في جعله أكثر وعيا بقوة هذه الحتميات. وحتى في القديم، أي في عصر هيمنة الأسطورة، لم يكن الإنسان أكثر حرية مما هو اليوم، بل كانت صفته الإنسانية نفسها تجعل منه عبدا. وبما أن سلطته على الطبيعة كانت محدودة، فقد وجد نفسه محميا، وإلى حد ما منفلتا من هذه السلطة، بواسطة الوسادة الوثيرة لأحلامه... فهو لم يكن حرا حتى في أحلامه وأساطيره. لقد كانت كل محاولة كلود ليفي شتراوس محكومة بإرادته في أن يتوصل إلى التعرف على مستوى تبدو فيه الضرورة مباطنة وملازمة لأوهام الحرية .. وإلى ملاحقة آخر الجيوب التي تتستر فيها أوهام الحرية الإنسانية."[20]

كما يقر التحليل النفسي الفرويدي بدوره أن الشخص خاضع لإكراهات اللاشعور، ومحكوم بالرغبات الإيروسية (الحياة) من جهة، والنوازع التناتوسية (الموت) من جهة أخرى. بمعنى أن الإنسان يتأرجح بين العقل واللاعقل، وأن أفعاله خاضعة لبنية اللاوعي واللاشعور، في شكل شهوات وغرائز عدائية وحياتية.

وهكذا، نخلص إلى أنه لم يعد " للأنا مكان كاف في الفكر المعاصر. فها هو مسحوق من طرف علوم الإنسان، بعد أن ظل محاصرا بين لاشعور فرويد، والقوى الاقتصادية حسب ماركس، وتأكيدات نيتشه بأنه نتاج عادة نحوية، ومهتزا من طرف المنطق واللسانيات. إن الأنا الذي كان من قبل ملكا لم يعد اليوم إلا سرابا."[21]

والمقصود من هذا كله أن الإنسان المعاصر لم يعد حرا في الحقيقة أمام طغيان الاستلاب المادي والآلي، وطغيان القوانين الملزمة في شتى المجالات وميادين الحياة. ولكن على الرغم من ذلك، فإنه يمكن الحديث عن حرية الإنسان بشكل من الأشكال، مادام يمتلك العقل والوعي وروح المبادرة في تغيير الأوضاع المتردية، وتحسين الظروف التي تحاصره واقعيا في هيئة ضرورات وجبريات حتمية.

ومن هنا، يرى الفيلسوف الفرنسي الوجودي جون بول سارتر(J.P.Sartre) في كتابه ( نقد العقل الجدلي)[22]، أن الشخص مشروع مستمر، مادام يملك الحرية المطلقة في تطويع العقبات والحتميات والضرورات. بمعنى أن الإنسان يولد حرا، أما إذا رأينا عبدا ما، فإن الإنسان هو الذي استبعد أخاه الإنسان. ومهما كانت بدايات الإنسان ومقدماته مشروطة بظروف نفسية، واجتماعية، وأخلاقية، فبمجرد أن يصل إلى سن الرشد والبلوغ والتمييز، يستطيع أن يختار ما يشاء، ويتجاوز وضعيته الأصلية، مادام يمتلك العقل، والوعي، والحرية، والإرادة، والفعل، والشغل، والحركة؛ إذ يمكن للشخص أن يكون مؤمنا أو ملحدا، ويمكن له أن يغير قراراته ومشاريعه الحياتية مرات عدة، فهو حر حرية مطلقة. أي: إن الإنسان حر في أفعاله وأعماله وقيمه وأهوائه وقناعاته. وبالتالي، تقترن هذه الحرية- بلاشك- بحرية الزمان والمكان. بيد أن سارتر يرى أن حرية الإنسان ليست فوضى، بل هي مسؤولية والتزام. وفي هذا الصدد، يقول سارتر:"يعرف الإنسان بمشروعه، هذا الكائن المادي يتجاوز دائما الوضعية التي يوجد فيها ويحدّدها بالتعالي عليها لكي يتموضع بواسطة الشغل والفعل أو الحركة، ولا يجب الخلط بين المشروع وبين الإرادة التي هي كيان مجرّد، وإن كان المشروع قد يتّخذ صورة إرادية في بعض الظروف، إنّ هذه العلاقة المباشرة مع الآخر المغاير للذات (...) وهذا الإنتاج الدائم للذات بواسطة الشغل والممارسة هو بنيتنا الخاصّة، وإذا لم يكن [المشروع] إرادة، فهو ليس حاجة أو هوى كذلك، إلاّ أن حاجتنا مثل أهوائنا، وأكثر أفكارنا تجريدا ترجع إلى هذه البنية، فهي دائما خارجة عن ذاتها نحو (...) ذاك ما نسمّيه الوجود، ولا نعني بذلك جوهرا ثابتا مرتكزا على ذاته، بل نعني به عدم استقرار دائم واقتلاعا لكامل الجسم خارج ذاته، وبما أنّ هذه الوثبة نحو التموضع تتّخذ أشكالا متنوّعة بحسب الأفراد، وبما أنّها تلقي بنا داخل مجال من الإمكانات نحقّق البعض منها دون البعض الآخر، فإنّنا نسمّيها كذلك اختيارا وحرّية، غير أنّه يرتكب خطأ عظيما إذا ما وقع اتّهامنا بإدخال اللامعقول أو أنّنا نختلق "بداية أولى" لا علاقة لها بالعالم أو أنّنا نمنح الإنسان حرّية ـ صنمية، وفي الواقع لا يمكن أن يصدر هذا الاعتراض إلاّ عن فلسفة آلية، ومن يوجّه إلينا هذا الاعتراض إنّما يريد إرجاع الممارسة والخلق والاختراع إلى إعادة إنتاج المعطيات الأوّلية لحياتنا، إنّه يريد تفسير الأثر والفعل أو الموقف بعوامل إشراطها، وإنّ رغبته في التفسير تخفي إرادة جعل المركّب مماثلا للبسيط، ونفي خصوصيات البنيات وإرجاع التغيّر إلى الهويّة، وهو ما يمثّل من جديد سقوطا في الحتمية العلموية، وعلى العكس من ذلك يرفض المنهج الجدلي فكرة الاختزال، واعتماد طرح معاكس، قوم على التجاوز مع المحافظة، بحيث إنّ أطراف التناقض ـ الذي وقع تجاوزه ـ غير قادرة على بيان التجاوز ذاته ولا على التأليف اللاحق، إنّ هذا الأخير ـ على العكس من ذلك ـ هو الذي يضيء هذه الأطراف و يتيح فهمها"[23].

أما الفيلسوف الفرنسي إمانويل مونيي( Mounier )، فيرى أن حرية الشخص نسبية ومشروطة، وليست مطلقة كما يقول جون بول سارتر. بمعنى أن حرية الإنسان مشروطة ومرتبطة بالاندماج داخل موقف واقعي ما، وأن هذه الحرية تعترضها العراقيل والحواجز والمثبطات داخل سياق ظرفي واقعي ما. ويعني هذا أن حرية الشخص ملازمة لوضعه الواقعي، ومحصورة في نطاق حدوده. فأن تكون حرا هو أن تقبل هذه الظروف الواقعية الممكنة. أي: إن الحرية الإنسانية مرتبطة بوجود الحواجز والاختيار والتضحية. فليست الحياة سهلة ومجانية دون عقبات وصعوبات، فلابد من المواجهة وتذليل الصعوبات بالعقل والوعي والإرادة لكي يكون الإنسان حرا. والمقصود من هذا أننا نتحدث عن الحرية حينما نتحدث عن العراقيل والحواجز التي تضعها الحياة أمام الإنسان لاختبار قوته وشجاعته وصموده وتحديه. إن حريتنا، يقول مونيي، هي" حرية إنسان في موقف، وهي كذلك حرية شخص تعطى له قيمة. أنا لست حرا لأني أمارس عفويتي فقط، بل أصبح حرا عندما أوجه هذه العفوية في اتجاه التحرر. أي في اتجاه شخصنة العالم ونفسي. إذاً، ثمة مسافة تمتد من الوجود المنبثق إلى الحرية، وهي التي تفصل بين الإنسان الباطني على حدود الانبثاق الحيوي، والإنسان الذي ينضج باستمرار بأفعاله وفي الكثافة المتزايدة للوجود الفردي والجماعي. وهكذا، فأنا لا أستعمل حريتي بدون جدوى، بالرغم من أن النقطة التي ألتحم فيها بتلك الحرية متباعدة في أعماق ذاتي. وليست حريتي تدفقا فحسب، بل هي منظمة، أو بعبارة أفضل، هي مطلوبة بنداء."[24]

وهكذا، يتضح لنا أن الحرية لدى مونييه مشروطة بالوضع الواقعي للإنسان، إلا أن هذا الوضع المشروط لا يعني الخضوع للضرورة والجبرية. بل يذهب مونييه إلى أن المجتمع السياسي والقانوني عليه ألا يخضع الأفراد لقانون الإكراه والإلزام والجبر والضرورة، بل ينبغي أن يساعدهم على التحرر، والانعتاق، والاختيار، والاندماج داخل نطاق الجماعة، دون أن يكون ذلك على حساب حرياتهم وخصوصياتهم. وفي هذا، يقول مونيي:"ليس من مهام المجتمع أن يجعل الأشخاص تابعين خاضعين، وليس من مهامه أيضا أن يتحمل عبء تطور ميولهم، بل على المجتمع أن يضمن لهم... الحماية واللعب وأوقات الفراغ التي ستسمح لهم بالتعرف- على هذه الميول بكامل حريتهم الروحية. وتساعدهم بدون قسر، وذلك باعتماد تربية اقتراحية، وبالابتعاد عن النزعة التطابقية، وعن أخطاء التوجيه والتحكم؛ ومنحهم – بواسطة تنظيم البنية الاجتماعية والاقتصادية- الوسائل المادية الضرورية لتنمية هذه الميول... إن الإنسان هو الذي يقرر مصيره، ولا يمكن لأي شخص، فردا كان أو جماعة، أن يقوم مقامه في ذلك."[25]

وهكذا، يدافع مونييه عن حرية الشخص النسبية في وسط المجتمع والجماعة، بالدفاع عن خصوصياته الفردية وميوله الشخصية. ويعني هذا أن حرية الإنسان محدودة ومشروطة بالأوضاع الاجتماعية والظروف التي يوجد فيها ذلك الشخص.

ومن جهة أخرى، ترفض الفلسفة الوجودية الميتافيزيقا، على أساس أنها ترف فكري لاموضع له.وبالتالي، تعنى بالأنطولوجيا المجردة، ولاتعنى بقضايا الإنسان فردا وجماعة، باعتباره كائنا فرديا له حاجيات ومستلزمات حياتية متعددة.وبهذا، فمن الضروري أن تنتقل الفلسفة من الميتافيزيقا الأنطولوجية والكوسمولوجية إلى الاهتمام بالإنسان الفردي، والاعتناء بوجوده اليومي، والتـأمل في مصيره المستقبلي. وبهذا، فمن الضروري الانتقال من الموجود العام إلى الموجود الخاص الذي يتمثل في الكائن الفردي .

ومن جهة أخرى، يرى مارتن هيدجر(Martin Heidegger) أن الفلسفة الميتافيزيقية قد تجاوزتها التقنية[26]. وبالتالي، فقد استنفذت مواضيعها [27]، وغيبت الوجود الإنساني، واهتمت كثيرا بالموجود .ويعني هذا أن حقيقة الوجود قد ظلت منسية منذ الفلسفة اليونانية حتى فلسفة نيتشه (Nietzsche)، وقد تأثر مارتن هيدجر في نقده للميتافيزيقا بفلسفة كانط(Kant)[28]. وقد كتب هيدجر في (رسالة في النزعة الإنسانية):"صحيح أن الميتافيزيقا تتمثل الموجود في الوجود، وتفكر كذلك في وجود الموجود، لكنها لاتفكر في اختلاف الوجود والموجود؛ فالميتافيزيقا لاتتساءل عن حقيقة الوجود، لذا فهي لاتطالب أبدا بالطريقة التي على نحوها تنتمي ماهية الإنسان إلى حقيقة الوجود.وهذا السؤال، ليست فقط الميتافيزيقا من لم يطرحه إلى حد الآن، إنه صعب المنال للميتافيزيقا كميتافيزيقا، ويظل الوجود ينتظر من الإنسان أن يستذكره كشيء يستحق التفكير..."[29].

ومن ثم، يؤكد مارتن هيدجر، في مقدمة (ماهي الميتافيزيقا؟)[30]، أن الميتافيزيقا الفلسفية قد أهملت لأمد طويل حقيقة الوجود، واستعاضت عنها بحقيقة الموجود (الفرد) الأنطولوجي.

إذاً، لقد أكد مارتن هيدجر نهاية الميتافيزيقا بعد حلول العلم والتقنية محلها.

وعليه، ليست الوجودية- حسب عبد الرحمن بدوي- " إلا لونا من ألوان المذهب الحسي، فإنها تنكر المعنى الكلي وتغلو في الإنكار حتى تأبى أن تقيم وزنا لوجوه الشبه بين أفراد النوع الواحد، وهي وجوه بادية للعيان، فلا تنظر إلى الجزئي إلا بما هو كذلك فتعتبر أن الماهية هي الإنية أي جملة الأعراض المخصصة للجزئي، فنقول إن الوجود سابق على الماهية بهذا الاعتبار، ولا يفطن القائل إلى أن الوجود هو بالضرورة وجود شيء أي ماهية وأن الإنية تعيين الماهية الحاصلة بالفعل من نواح وبالقوة من نواح أخرى، فإن الإنيات وجوه مختلفة لما في الماهية من قوى مختلفة، وقديما قال أرسطو إن القوى النطقية غير معينة إلى واحد ولكن في مقدورها الميل إلى ناحية إو إلى أخرى، وهذا أصل الحرية التي هي القدرة على العمل في نطاق الماهية وعلى حسبها.ولا وجه للإغراب بعد هذا بوضع الوجود قبل الماهية ! "[31]

وهكذا، تتأسس الوجودية على مبدإ الوجود الإنسان إثباتا وجوهرا، وأن حرية الإنسان مطلقة، وأنه خالق لأفعاله، وهو مسؤول عنها، وملتزم بقضايا عصره وفق رؤية إنسانية مناضلة، أو فق تجارب وجودية ذاتية معاشة.

المبحث الثاني: أنواع الوجوديات

يمكن القول: إن سقرط قد سبق أن أشار إلى الوجودية الإنسانية النفسية عندما قال قولته المشهورة:" اعرف نفسك بنفسك". أي: على الإنسان أن يتأمل نفسه، ويتعرف إلى وجوده، ويهتم بمشاكله الفردية والإنسانية والبشرية من أجل معالجتها، بإيجاد الحلول المناسبة لها، بعد تشخيصها، وتوصيفها، وتحليلها، وتقويمها. علاوة على ممارسة النقد الذاتي في حق نفسه، وفي حق وجوده الإني والقيمي والمجتمعي.

وإذا كان بعض الفلاسفة يؤمنون بالوجودية الثنائية المثالية كما عند أفلاطون، على أساس أن العالم المتغير نسبي وزائف، فإن أرسطو ينطلق من الوجودية المادية الواقعية على أساس أن العالم المادي هو العالم الوحيد الحقيقي بجواهره العقلية الثابتة في مقابل أعراضه الشكلية المتغيرة.

بينما هناك متصوفة، كمحيي الدين بن عربي، يقرون بوحدة الوجود على أساس أن هناك وحدة بين وجودين داخل وحدة عرفانية وجدانية، والوجودان هما : الوجود الرباني، والوجود البشري.وبهذا، يسع القلب هذين الوجودين معا، ضمن محبة ربانية كونية شاملة وجامعة ومانعة.

ومن جهة أخرى، أنكر الفلاسفة الماديون، كماركس (Marks)، وفيورباخ (Feuerbach)، وأنجلز (Engels)، ولينين (Lenin)، وغيرهم، وجود عالم علوي، فركزوا على الوجود المادي للإنسان، في علاقة تامة وجدلية بالمعطيات الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية.

أما الفلسفة الوجودية المعاصرة، فتنقسم إلى اتجاهين:

Œ وجودية مؤمنة مع الفيلسوف الدانماركي سورين كيركغارد كما في كتابه (رهبة واضطراب)، وكارل ياسبرز، وجابرييل مارسيل (Gabriel Marcel) الذي ينفي وجود أي تناقض بين الوجودية والمسيحية، ويثبت أن الإنسان هو خالق أفعاله، وما يصدر عن الإنسان فهو حق، ولو أخطأ في ذلك. لذا، فالإنسان الموجود هو بمثابة إله طبيعي ذاتي مسؤول عن أفعاله الخاصة، وليس إلها دينيا...

وجودية ملحدة تنكر وجود الله، وتدافع عن وجود الإنسان وحريته المطلقة، وتعد وجود الله خرافة وفكرة خاطئة ومضللة، على أساس أن الدين بمثابة أفيون الشعوب. ومن ثم، تدعو إلى الالتزام بالمسؤولية تجاه المواقف والأحداث . ومن أهم ممثلي هذا الاتجاه مارتن هيدجر، ونيتشه، وجان بول سارتر، وسيمون دوبوفوار... ومن ثم، فقد قال سارتر : إن الله فكرة مضرة، ينبغي للإنسان أن يتخلص منها.وبالتالي، فالإنسان في هذه الحياة مثل ممثل مسرحي يؤدي دور الخير والشر، وبعد انتهاء دوره ينعدم وجودا.

المبحث الثالث: الوجودية الإسلامية

يقصد بالوجودية الإسلامية تلك الوجودية التي تنطلق من الوحي الرباني، وترفض العبودية والجبرية والخضوع للمستبدين والجبابرة من البشر. كما تؤمن هذه الوجودية بإرادة الإنسان ومشيئته في هذا الكون، وتقر بأفعاله الحرة، وأنه مسؤول عن وعيه وتصرفاته وأفعاله. وبالتالي، فسلوكه خاضع للعقاب والثواب. ومن ثم، تنبني الوجودية الإسلامية على الإيمان بقدرة الإنسان على تغيير واقعه، والإشادة بعقله، والاعتراف بإرادته، وأنه مكرم في هذا الكون، مادام قد استخلفه الله ليعمر الأرض خيرا، وبناء، ونسلا. وبالتالي، فهو خاضع لتعاقد ائتماني قائم على الطاعة الدائمة، والعبادة المستمرة، والعمل المثمر، وتحمل الأمانة والمسؤولية تحملا كاملا تجاه الذات من جهة، وتجاه الآخرين.

وليست هذه الوجودية فلسفة مادية أو عدمية أو عبثية إلحادية، أو ناكرة للوجود الرباني، بل هي تؤمن بعالمين: عالم علوي يحيلنا على الذات الربانية، وعالم دنيوي سفلي يرجعنا إلى عالم المخلوقات والكائنات البشرية. ومن هنا، ترتكز الوجودية الإسلامية على وجود الإنسان الذي كرمه الله، واستخلفه في هذه الأرض، وأعطاه الحرية التي يحتاجها لتعمير الكون وبنائه وفق سنن الوحي الرباني، والتصرف وفق الأخلاق القرآنية، والاعتراف بالآخر المماثل أو المخالف، وربط الوجود الإنسان بالوجود الرباني ضمن وحدانية مؤمنة .

علاوة على ذلك، يعيش الإنسان واقعه، وفق الوجودية الإسلامية، كأنه لايموت أبدا، ويعيش لآخرته كأنه يموت غدا. بمعنى أن الوجودية الإسلامية توازن وانسجام وتكامل بين الدينا والآخرة، وتناسب فعال بين العقل والحس.

وتعد الوجودية الإسلامية أيضا وجودية إنسانية شخصانية روحانية طاهرة، تؤمن بالقيم الإسلامية الثابتة، وتسعى جادة إلى نشر الخير في المجتمع، والاعتراف الدائم بفضيلة الآخرين. ومن ثم، فهي ترفض كل أشكال الاستهجان والعرقية والتمييز العنصري، وتقوم على فكر التعارف والاختلاف والتقوى، ضمن مجتمع كوني وإنساني متسامح ومتعايش ومتعارف، أساسه البناء والتعاون والتكامل لكي تعيش الإنسانية السعادة الفضلى. ومن هنا، فالإنسان ذات وجودية مباركة ومكرمة في هذا الوجود الذي اختاره الله لأن يعيش فيه الإنسان وجوده، مع البحث عن الحقيقة الربانية الأزلية، باستخدام العقل والحس والقلب. وبالتالي، يكون هدفه الحقيقي هو البحث عن السعادة والفضيلة والكمال والسمو من جهة، وتجنب الشقاء والضنى والألم والتعاسة من جهة أخرى. وبهذا، يرتبط الوجود الإنساني الإسلامي بالعطاء، والخير، والعبادة، وخدمة الآخرين، والابتعاد عن الشهوات المغرية، وتجنب الحياة الإباحية والعبثية، والارتكان إلى عبادة الله وحده.

ويتأسس الوجود الإسلامي للإنسان كذلك على الإيمان من جهة أولى، والتواصل مع الآخرين من جهة ثانية، والتصرف وفق قوانين الشرع الإسلامي من جهة ثالثة، وعبادة الله وحده من جهة رابعة. لذا، " فالإنسان الوجودي مؤمن بذات الآخر قبل أن يؤمن بذات نفسه، وهذا هو سر من أسرار وجوده، هو إنسان يسعى إلى العالمية والكونية، ويسعى إلى الآفاق. إنه إنسان أرحب وأوسع وأعلى. إنه لا يؤمن بالعنصرية أو التمييز العرقي، ويرفضه رفضا مطلقا، ويرفضه بشتى أشكاله ومبرراته.

الإنسان الوجودي إنسان متفاعل مع الإنسانية جميعا، له ثقافة إنسانية واسعة تتغير مع الزمان، وقابلة للتغير وفق الظروف الكونية وسننها."[32]

ومن هنا، تستند الوجودية الإسلامية إلى تكريم الإنسان وتعظيمه، والحوار مع الآخرين، والإيمان بالاختلاف، والتشبث بحب الآخر المماثل أو المخالف، وتجنب طريق الشر والغواية والضلال، والسعي إلى فرض لغة التواصل والسلام والنصح والاستشارة. وبالتالي، لا يتحقق الوجود الإنساني الإسلامي إلا بعبادة الله الواحد الأحد، وتطبيق الشرع الرباني، ونشر الخير بين الجميع، وخدمة الإنسانية جمعاء، وتعمير الأرض بالنبل والإخلاص والوفاء، والابتعاد عن الكراهية والحسد والحقد والضغينة الشيطانية المفلسة.

ومن هنا، فلقد "خلق الله الإنسان من أجل اكتشاف حقيقة المعنى في الوحي القرآني، واكتشاف حقيقة الوجود لأي شيء هو موجود، واكتشاف حقيقة معنى ذاته، وحكمتها في الوجود.

يكتشف الإنسان نظام المعاني وجمالها وتناسقها وانسجامها الدقيق في الوحي والوجود والذات من أجل معرفة خالق الخلق بحكمته الذي أتقن كل شيء.

إن هذا الإنسان يعيش وسط عوالم من المعاني المنظمة تنظيما سنيا من الحكيم العليم، وأن هذا الإنسان خلق ليتعلم ويكبر في الوجود، وخلق مجهزا بأدوات التعلم، عليه أن يطور أدواته العلمية والمعرفية من أجل أن يرقى إلى عالم الآفاق، ويكشف الحجاب عن كنوز المعاني البعيدة، بل كلما تطور الإنسان، وتوسع في علمه ومعرفته عبر الزمان، وارتفع إلى الأعلى ليزيل ستار زمانه من المعاني التي يحتاجها في عصره، فإنه بذلك يعبر قنطرة زمان الوجود إلى واجب الوجود..."[33]

وعليه، تتكىء الوجودية الإسلامية على الإيمان بالله وحده، وتكريم الوجود الإنساني، وتحميل الفرد مسؤولية أمانة التعمير والبناء والتشييد، بربط العمل الدنيوي بالعمل الأخروي، والجمع بين العقل والحس والروح، والسعي نحو تحقيق الفضيلة والكمال والسعادة السامية.

ومن أهم ممثلي الوجودية الإسلامية الباحث الفرنسي عبد النور بيدار(Abdennour Bidar) [34] الذي يرى، في كتابه ( إسلام بدون خضوع: نحو وجودية إسلامية)، أن الإنسان المسلم قد خضع لجبريات إيديولوجية باسم الدين والإسلام. في حين، جاء الإسلام ليحرر الإنسان من العبودية والخضوع للبشر من جهة، أو الخضوع للأهواء والرغبات من جهة ثانية. ويعني هذا أن الإسلام هو الدين الوحيد الذي يحقق وجودية الإنسان، ويدافع عن حريته الحقيقية. ومن ثم، لاخضوع إلا لله وحده دون الآخرين.وفي هذا الخضوع، تتحقق حرية الإنسان ووجوده النبيل. ويعني هذا كله أن الإنسان قد ظل عبدا يخضع لسلطة الأقوياء المتجبرين الظالمين حتى جاء الإسلام الذي زود الإنسان بقوة التحرر من العبودية البشرية، بالتطلع إلى الذات الربانية بغية تحقيق الوجودي الإني والمقدس.

وفي هذا الاتجاه، يمكن الحديث عن تصور الحسين المساوي في كتابه (الإنسانية روح الوجود) الذي ينطلق من فلسفة وجودية إسلامية حقة، قوامها الوحي الرباني، والشرع الإسلامي، والعشق العرفاني. وفي هذا الصدد، يقول الباحث:" لا تنفصل قراءة كتاب الوجود عن قراءة ذات الإنسان التي تشكل أحد نتاجات الوجود الأصيلة، ولعل قراءة كتاب الوجود وغوامضه وأسراره هي المفتاح لفهم الذات. إن علاقة الإنسان بالوجود هي علاقة ترابط وانسجام ومؤانسة بين عمق عالم الذات الإنساني وذات الوجود...

وبالتالي، فعلاقة الإنسان والوجود علاقة تكامل وانسجام، و غاية الإنسان كمال ذلك الوجود بروحه العالية، وكمال جوهره. إن الإنسان في ذات الوجود، والوجود في ذات الإنسان، بل الإنسان يسافر في ذات الوجود وضميره، والوجود يسافر في ذات الإنسان وضميره..

إن الإنسان يسافر بروحه بعيدا، وفي البعد ينظر، ينظر في كل اتجاه، والوجود ينظر إلى الإنسان في كل اتجاه..

إن الإنسان ينظر بعين الوجود، والوجود ينظر بلغة المعنى إلى الإنسان، إن علاقة الإنسان والوجود علاقة حوار لبناء مفهوم المعنى.

إن هذا الإنسان الموجود بقلم الحقيقة والحق، وبمداد الشوق والحب والهيام، إنه غريب في عين الناظرة إليه من مكنون ذاتها إلى مكنون ذاته.

إنها نظرة انتباه في صحوة الحقيقة والحق، إنما تبقى ذات الإنسان وفطرته صورة ترسمها حكمة الحقيقة والحق، كل إنسان ينظر بعين الشوق والحب في ذاته، وفي ذات الوجود ليعلم سر حكمة وجوده، إنما ينظر إلى ذلك بروح العقل والتعقل..

إن حركة الإنسان والوجود هي حركة شوق وحب، لابد أن نعلم أن الشوق والحب هو الدافع الغائي للحركة، فالكل ينشد ويشتاق ويحب......!

إن هذا الإشعاع المتوهج بالنور في صميم ذات الإنسان، وفي صميم الوجود، هو ذلك الشوق الذي عرف ذاته وذات الوجود وفطرته..

إن حركة الإنسان والوجود حركة شوق وحب من ذات إلى ذاته، إن كان الفلك كله مشحون بطاقات قوية، فهذا يتحتم على الإنسان والوجود كله أن ينجذب نحو القوة المطلقة، تلك القوة الإلهية.

إن الفلك مشحون بفطرة وضمير، إنها فطرة الإنسان والوجود، إنها مبثوثة بثنائية الوجود والإنسان. وما هذا الإنسان في هذا الوجود إلا بحر يجري بالخير والفضيلة، هو بحر من واجب الوجود، مادام هذا الإنسان عطاء من الله عز وجل، وما دام جوهر الحياة والوجود من جمال يتألق من كونه خلال ذلك اللقاء.

إن العمل الذي ينسجم مع ذات الوجود وضميره عمل يبني ويصنع الحقيقة وحكمتها، وهو عطاء بإخلاص وصدق ومحبة وشوق. وإذا ما رافق العطاء وعيا وإيمانا يصبح الإنسان حيا بذاته وفطرته وضميره في فطرة الوجود وضميره، فذلك هو السر الذي يرتقي إليه الإنسان بإرادة قوية وروح عالية...

وإذا صار بين الإنسان وبين المراد سرا، فهناك يصبح بين الإنسان وبين الحقيقة مؤانسة، وكلما كبر السر كبر الإنسان في ضمير الوجود، واقترب إلى خالق الوجود. وهناك يرى الإنسان أن جوهر الحياة والوجود إنما هي عطاء....

إن علاقة الإنسان بالوجود هي علاقة صناعة سلم من العلم والمعرفة والحكمة لكي يرتقي الإنسان ويرتفع إلى آفاق الوجود وجوهره، ولكي يرى نور الحقيقة يشرق على أرض الوجود والموجود....!!! "[35]

ومن ثم، فما كتبه الحسين المساوي عبارة عن دراسة وجودية إسلامية للشخص المفردن، وكتابة فلسفية ميتافيزيقية عميقة ومجردة بامتياز، تتناول الوجود الإنساني في ضوء التصورات الدينية والفلسفية التي تستمد معينها من الإسلام قرآنا وسنة. ومن ثم، فهي تتوقف عند بعض المفاهيم الرئيسة، مثل: مفهوم الذات، ومفهوم الإنسانية، ومفهوم الوجود، ومفهوم الوحي، ومفهوم المعنى، ومفهوم المفهوم. لذا، يتأرجح الكتاب بين الكتابة التأملية الموغلة في التجريد والتشظية من جهة، والكتابة الفلسفية المفاهيمية القائمة على علم السؤال من جهة أخرى.

الخاتمة:

 هكذا، يتبين لنا أن الوجودية تيار فلسفي، أو مذهب أدبي بامتياز، ظهرت في سنوات الخمسين والستين من القرن الماضي للتغني بالوجود الإنساني، والدفاع عن حريته ووجوده المجتمعي والكينوني. وتقوم الوجودية على تمجيد الإنسان، والدفاع عن حريته المطلقة، والإشادة بإرادته وعقله ووعيه في تغيير الواقع وتطويره وتنميته. وبالتالي، يتحقق وجود الإنسان بالعمل المثمر، والتضحية الجسيمة من أجل إسعاد الآخرين، وتحمل مسؤولية تعمير الكون والالتزام بها أيما التزام.

ومن جهة أخرى، فالوجودية أنواع عدة، فهناك الوجودية المسيحية أو اليهودية المؤمنة، والوجودية المادية والعبثية الملحدة، والوجودية الإسلامية. وتظل الوجودية الإسلامية أفضل هذه الوجوديات كلها، مادامت قائمة على تكريم الوجود الإنساني، والاعتراف بحرية الإنسان في التعاطي مع واقعه، وربط وجوده بعبادة الله وحده، مع تعمير الكون بالخير العميم، ونشر المحبة الكونية الفاضلة، والنضال من أجل تعميم السلام الحقيقي، والارتكان إلى الحوار والتعاون والتواصل البناء المثمر، وخدمة الإنسانية كافة بكل ما يحقق سعادتها الكاملة.

 

 ......................

[1] - Martin Heidegger (trad. François Vezin), Être et Temps, Paris, Gallimard, coll. « Bibliothèque de Philosophie », 1927 (réimpr. 1986), 587 p.

[2] - Karl Jaspers (trad. Jeanne Hersch), Introduction à la philosophie, Paris, 10/18, 2001, 188 p.

[3] - Jean-Paul Sartre, L'Être et le Néant, Paris, Gallimard, coll. « Tel », 1943 (réimpr. 1976), 675 p ;L'existentialisme est un humanisme, Paris, Gallimard, coll. « Folio Essais », 1946 (réimpr. 1996), 113 p ; La Nausée, Paris, Gallimard, coll. « Folio », 1938 (réimpr. 1972), 249 p ; Questions de méthode, Paris, Gallimard, coll. « Tel », 1957 (réimpr. 1986), 168 p.

[4] - Simone de Beauvoir, Le Deuxième Sexe, I : Les faits et les mythes, Paris, Gallimard, coll. « Folio Essais », 1949 (réimpr. 1986), 408 p ; Le Deuxième Sexe, II, Paris, Gallimard, coll. « Folio Essais », 1949 (réimpr. 1986), 663 p ; L'existentialisme et la sagesse des nations, Paris, Gallimard, coll. « Arcades », 2008, 144 p. ; Pour une morale de l'ambiguïté, Paris, Gallimard, 1947 (réimpr. 2003), 382 p.

[5] - Rachel Bespaloff (préf. Monique Jutrin), Cheminements et Carrefours, Paris, Vrin, coll. « Essais d'art et de philosophie », 1938 (réimpr. 2004), 252 p.

[6] -Albert Camus, Le Mythe de Sisyphe, Paris, Gallimard, 1942 (réimpr. 1985), 169 p.

[7] - Emmanuel Levinas, De l'existence à l'existant, Paris, Vrin, coll. « Bibliothèque des textes philosophiques », 1947 (réimpr. 1993), 152 p. ; En découvrant l'existence avec Husserl et Heidegger, Paris, Vrin, coll. « Bibliothèque d'histoire de la philosophie », 1967 (réimpr. 2002), 336 p.

[8] - Maurice Merleau-Ponty, Phénoménologie de la perception, Paris, Gallimard, coll. « Tel », 1945 (réimpr. 1976), 531 p

[9] - Léon Chestov (trad. Boris de Schlœzer), La philosophie de la tragédie : Dostoïevski et Nietzsche, Paris, Le Bruit du temps, 1903 (réimpr. 2012), 304 p.

[10]-Fiodor Dostoïevski (trad. André Markowicz), Les Carnets du sous-sol, Paris, Actes Sud, coll. « Babel », 1864 (réimpr. 1992), 192 p.

[11] - Jean-Paul Sartre, L'Être et le Néant, Paris, Gallimard, coll. « Tel », 1943 (réimpr. 1976), 675 p.

[12] - الآيات:12، 13، 14، سورة الأعراف، القرآن الكريم برواية ورش عن نافع.

[13] - Maurice Merleau-Ponty, Phénoménologie de la perception, Paris, Gallimard, coll. « Tel », 1945 (réimpr. 1976), 531 p

[14] - Søren Kierkegaard, Crainte et tremblement, Paris, Payot, coll. « Rivages poche », 1843 (réimpr. 2000), 237 p.

[15]- Karl Jaspers (trad. Jeanne Hersch), Introduction à la philosophie, Paris, 10/18, 2001, 188 p.

[16] - مراد وهبه: المذهب في فلسفة برغسون، دار وهدان لللطباعة والنشر، مكتبة الأنجلو صرية، القاهرة، مصر، الطبعة الثانية، 1978م، ص:16.

[17] - عبد الرحمن بدوي: تاريخ الفلسفة الحديثة، دار المعارف، القاهرة، مصر، الطبعة الخامسة، 1986م، ص:457.

[18] - سبينوزا:( الرسالة 58، إلى شولار)، ترجمة محمد سبيلا، الفلسفة الحديثة، نصوص مختارة، إفريقيا الشرق، الدار البيضاء، المغرب، طبعة 2001م، ص:274-275.

[19] - محمد جسوس: رهانات الفكر السوسيولوجي بالمغرب، منشورات وزارة الثقافة، الرباط، المغرب، سنة 1997م، ص:91؛

[20] - Mireille Marc-Lipiansky : le structuralisme de C.L. Strauss, Plon, Paris, 1973, pp : 252-253.

[21] - كريستيان دي لاكمبان: (تشكل الأنا)، تساؤلات الفكر المعاصر(كتاب جماعي)، ترجمة: محمد سبيلا، دار الأمان، الرباط، المغرب، طبعة 1987م، ص:87.

[22] J.P. Sartre : Critique de la raison dialectique, Gallimard, Paris, 1960, p : 95.

[23] - J.P.Sartre : Critique de la raison dialectique, p : 95.

[24]- E.Mounier : Le personnalisme, collection, Que sais-je ? ED, P.U.F, 1979, p : 71-74 ;

[25] - E. Mounier : Révolution personnaliste et communautaire, Aubier, 1935, pp : 65-66.

[26]- Martin Heidegger (préf. Jean Beaufret), « Dépassement de la métaphysique », dans essais et conférences, Paris, Gallimard, coll. « Tel » (no 52), 1993 (ISBN 2-07-022220-9), p. 80-115.

[27] - Martin Heidegger: Achèvement de la métaphysique et poésie, Paris, Gallimard, 2005, (trad. Adeline Froidecourt).

[28] - Martin Heidegger (trad. W.Biemel, A de Waehlens), Kant et le problème de la métaphysique, Paris, Gallimard, coll. « Tel », 1981; (trad. Emmanuel Martineau), Interprétation phénoménologique de la « Critique de la raison pure » de Kant, Paris, Gallimard, coll. « Bibliothèque de Philosophie », 1982, 393 p.

[29] - Martin Heidegger: Lettre sur l'humanisme, Paris, Aubier, 1983,3ème édition,pp :27-53. (Trad. Roger Munier).

[30] Martin Heidegger (trad. Henry Corbin), « Qu'est-ce que la métaphysique », dans Questions I et II, Paris, Gallimard, coll. « Tel » (no 156), 1990.

[31] - عبد الرحمن بدوي: تاريخ الفلسفة الحديثة، ص:458.

[32] - الحسين المساوي: الإنسانية روح الوجود، مطبعة الخليج العربي، تطوان، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2017م.

[33]- الحسين المساوي: الإنسانية روح الوجود، المرجع المذكور سابقا.

[34] - Abdennour Bidar, L'islam sans soumission : Pour un existentialisme musulman, Paris, Albin Michel, coll. « Espaces libres », 2008 (réimpr. 2012), 288 p.

[35] - الحسين المساوي: الإنسانية روح الوجود، المرجع المذكور سابقا.

ali almirhigلم تَعد الفلسفة اليوم بحثاً في ما بعد الطبيعة "الميتافيزيقا"، أي البحث في الوجود بما هو وجود للكشف عن علته الأولى، ولم يعد الفيلسوف اليوم شغوفاً ببناء أنساق معرفية مغلقة غي مُنشغل بالكشف عن تفسيرات "كليانية" أو شمولية، أي لم تعد الفلسغة أم العلوم كما يُقال، ولم يعد الفيلسوف هو ذلك الذي يُشّيد بناء رؤاه الفكرية وفق نمط الفلسفة التقليدية الغارقة في التجريد والباحثة عن إيجاد نظرية في الوجود والمعرفة والقيم (أخلاق، جمال، سياسة، وبعضهم يضع المنطق من ضمنها)، وإن نظرت لكتب ومؤلفات فلاسفة اليونان الكبار والفلاسفة المسلمين وفلاسفة العصور الوسطى، وحتى فلاسفة العصر الحديث، لوجدتها تسير بإتجاه التمذهب المعرفي القريب من مرامي التمذهب الأيديولوجي، تنبني وفق سستام معماري يبدأ من القاعدة لينتهي لقمة الهرم، والعكس يحصل أحياناً، حتى صار تعريف الفلسفة عندهم بأنها رؤية شمولية لتفسير العالم والحياة.

لكن هذا التعريف اليوم لا قيمة له وفق نمط التحولات المتسارعة في العلم (الرياضي والتجريبي الطبيعي في الفيزياء والبايلوجيا وما أحدثته ثورة الجينوم) أو في الثورة التقنية أو في الثورة المعلوماتية "الإنفوميديا"، فضلاً عن غيابها الواضح وعقم تأثيرها في التحولات السياسية المتسارعة في ظل غياب مفهوم الدولة القومية وحتى الوطنية وفق متطلبات النظام العالمي الجديد التي فرضتها "العولمة" التي فرضت رؤية سياسية وإقتصادية جديدة تتجاوز الفهم التقليدي لوجود الدولة لتنشئ مفهوماً جديداً هو مفهوم "الدولة الرخوة" كما يُسميه سمير أمين، تلك الدولة التي ينبغي لأنظمة الحكم التقليدي إدراك مراميها عبر إيجاد نظام سياسي وإقتصادي جديد، يعي أن هناك تغير واضح في النظر لمفهوم السيادة، ولمفهوم الخصخصة، تلك المفاهيم التي صار لا بد لدول أنظمة الحم الشمولي إدراكها ووضع إستراتيجيات جديدة لإستيعاب التحول، وقد إتضح ذلك جلياً مع "البيروسترويكا" كما طبقها غورباتشوف، التي أعلنت نهاية الحرب الباردة بين قطبي الرحى، (أمريكا وروسيا) والإعتراف بهزيمة بُناة النظرية الإشتراكية والإعتراف بإنتصار النظام الرأسمالي المؤمرك.

لذلك إنقرضت وتآكلت هذه النظرة التقليدية للفلسفة بطابعيها التقليدي والحديث، لينتصر تعريف فلاسفة ما بعد الحداثة لها في الفلسفة المعاصرة، بداية مع الفلاسفة الوجوديين الذين طمسوا نخبويتها وحطموا أبراجها العاجية للنزول بها من عليائها للبحث عما هو واقعي ويومي مُعاش، لا كما أنزلها سقراط ليكون محورها الأخلاق ببعدها المثالي "اليوتوبي" الذي يربط الفلسفة والمعرفة بالفضيلة، وإنما ببعدها المعرفي الباحث عن "الإنسان المتمرد" بعبار كامو، ذلك البعد الذي وضع لبناته في الفلسفة الحديثة نتشه،  مُستمداً جذوره من مقولة السفسطائيين وفيلسوفهم بروتوغوراس: "أن الإنسان مقياس الأشياء جميعاً، مقياس ما يوجد ومقياس ما لا يوجد".

وأجهز الوضعيون المناطقة على بقايا الفهم التقليدي للفلسفة، ليجعلوا مهمة ليست في البحث في الوجود وأصله، إنما مهمتها تقتصر على توضيح المفاهيم وتعريف الغمض منها وفق مقتضيات التجربة وما تحتمله اللغة الإنسانية ببعدها التداولي المحايث للواقع لا المفارق له، فالبحث والقول وفق رؤى تجريدية حالمة غي مُنضبطة لا بقواعد العلم العلم التجريبي والقناعة بوجود مفارق لوجودنا هو "كلام لا معنى له"، لأنه تجربة فردية ليس بإستطاعتنا إخضاعها للتحقق التجريبي، ولا يُمكن لنا التحقق من صدقها أو كذبها.

في ضوء هذه النقودات للفلسفة التقليدية ولمنطلقاتها في البحث عن اليقين المطلق وقناعة فلاسفتها بإمكانيتهم الوصول لتفسير شامل للوجود والمعرفة والحياة، صار حري بمن هو متفلسف أو فيلسوف أن لا يضع نفسه موضع السخرية حينما يدعي أنه فيلسوف ميتافزيقي.

في ظل هيمنة العلم وهيمنة السياسة والإقتصاد، صارت مهمة الفلسفة، جمع المعلومات والأفكار وتحليلها وتوضيح معانيها، وصارت تُلاحق العلم في تطوره لا تكون بديلاً عنه، إنما لتعطي تفسيراً أو نقداً للنظرية العلمية التي تتعارض مُعطياتها مع إنسانية الإنسان. لينبري الفلاسفة للدفاع عن الحقوق والحريات العامة التي ينبغي حمايتها مثل: حرية الرأي والمعتقد وحرية التعبير وحرية الإعلام والحرية السياسية وحرية المرأة والحريات الأخرى التي يكفلها دستور كل بلد.

إن الفلسفة الناجحة اليوم هي "الفلسفة الشريدة" بعبارة فتحي التريكي، لأنها غادرت موضوعها الأصل "الميتافيزيقا"، فصار لشرادتها هذه معنى إيجابياً من نمط آخر، نمط جعلها لصيقة بما هو يومي ومعاش من هموم ومشاكل تعتري مجتمعات، فإنفصلت عن موضوعها في "الإنهمام" بالحقيقة واليقين المعرفي للكشف عن الأصول الماوراىية للوجود، لتكون أكثر إلصاقاً بوليداتها ولواحقها، في موضوعات هي من صميم معترك الحياة اليوم مثل: فلسفة الدين وفلسة العلم وفلسفة السياسة وفلسفة الأخلاق وفلسفة القانون وفلسفة الاقتصاد وفلسفة الحرية.

ومهمة الفيلسوف في تمظهرات الأقوال هذه هي: النقد المستمر والتساؤل الدؤوب عن القيمة والجدوى الحقيقية الخادمة للإنسانية لكل نظرية للكشف عن "المسكوت عنه" فيها، وفضح خفي القول المستتر الذي لا يكشف عنه ظاهره، بما يجعل المجتمع فاعلاً واعياً في قبول أو رفض نظريات لواحق الفلسفة.

 

 

ibrahim telbasilkha2

أولا: مشكلات نظرية المعرفة: المعرفة هى أساس بناء الحضارات وتقدم الشعوب وازدهار الأمم، بها يستطيع الإنسان أن يبسط سيطرته على الطبيعة ويمد سلطانه على جوانبها كافة، وبذلك يمكنه أن ينتفع بمواردها المختلفة ويحقق لنفسه السعادة على ظهر الأرض .

وتعد نظرية المعرفة من أبرز المداخل التى يمكن عن طريقها الوقوف على فلسفة أى مفكر كائنا من كان هذا المفكر، فهى ترتبط بجملة مواقف المذهب الفلسفى الذى تصدر عنه، وتتضمن الإجابات الحاسمة والنهائية عن كل الأسئلة المتعلقة بمسائل المعرفة كمشكلة فلسفية، كما أنها تبحث فى مبادئ المعرفة الإنسانية وطبيعتها وقيمتها وحدودها، وفى الصلة بين الذات المدركة والموضوع المدرك .

ولم تكن نظرية المعرفة فى الفلسفة القديمة مجالا مستقلا بذاته، بل كانت ممتزجة وداخلة ضمن الإطار العام للفيلسوف فى تلك المرحلة . فعند هيراقلطيس كانت المعرفة مرتبطة بالكوزمولوجيا ونظرياته حول علمى الجمال والأخلاق . وعند سقراط امتزجت بأبحاثه الخلقية، فقد ربط بين الفضيلة والمعرفة حيث ذهب إلى أن الفضيلة هى ثمرة المعرفة أما الرذيلة فهى نتيجة الجهل، فالإنسان لا يمكنه أن يعيش سعيدا إلا إذا حقق عمليا القاعدة التى تقول "اعرف نفسك بنفسك" إذ يستطيع عن طريق معرفة نفسه أن يعلم النافع له ويستمد من الحياة ما ينبغى أن تعطيه، فمتى عرف الخير حرص على فعله، ومتى عرف الشر حرص على تجنبه، وقد رد سقراط المعرفة والأخلاق إلى العقل وكانت طريقته فى المعرفة هى الجدل الذى يولد الحقيقة.

وعند أفلاطون لا يمكن فصل نظرية المعرفة عن نظريته العامة فى الوجود . فهو يميز بين العالم المحسوس والعالم المعقول، ومعرفة الأول هى معرفة ظنية، أما معرفة الثانى فهى معرفة يقينية، كما أن أفلاطون قد قرن أبحاثه التى تتعلق بالمعرفة بالجدل صاعدا ونازلا .

أما أرسطو فقد ارتبطت المعرفة عنده بأبحاثه فيما وراء الطبيعة فليست حدود عنده فاصلة بين المعرفة كنظرية وما يرتبط بالميتافيزيقا من مشكلات وقضايا وما يتصل بالأبحاث المنطقة الخالصة .

أما الفلسفة الحديثة فقد اتخذت من مبحث المعرفة أو الأبستمولوجيا منطلقا لها، حيث تحرر الفلاسفة المحدثون من ضيق أفق ثقافة العصور الوسطى وحاولوا معرفة قدرات الإنسان الهائلة وإمكاناته فى مجال دراسة الطبيعة .

وعلى أية حال فقد اتسمت المرحلة الحديثة بنظرة عقلية تختلف فى جوانب عديدة عن نظرة الفترة الوسيطة، ومن هذه الجوانب تضاؤل سلطة الكنيسة وتزايد سلطة العلم . غير أن سلطة العلم التى أقر بها معظم فلاسفة الحقبة الحديثة هى شئ مختلف غاية الاختلاف عن سلطة الكنيسة من حيث كونها سلطة عقلية وليست سلطة حكومية . فليس ثمة عقوبات تقع على من ينبذونها وليس ثمة حجج متعلقة تؤثر فيمن يتقبلونها، وإنما هى تتغلب فقط بمناشداتها الفعلية للعقل . زد على ذلك أنها سلطة تدريجية جزئية فهى لا ترسى – على نحو ما تفعل العقيدة الكاثوليكية ككل - نسقا كاملا يغطى قواعد السلوك الإنسانى والآمال الإنسانية وماضى تاريخ العالم ومستقبله، وإنما هى تبدى الرأى فيما يبدو فى العصر مؤكدا تأكيدا علميا، وذلك كجزيرة صغيرة فى محيط الجهل.(1)

وتختلف سلطة الكنيسة أيضا عن سلطة العلم من حيث إن ما تعلنه سلطة الكنيسة هو أمر يقينى يقينا مطلقا وثابت ثبوتا سرمديا . بينما قرارات العلم قرارات مؤقتة وقائمة على أساس من الاحتمال، وينظر إليها على أنها قابلة للتعديل . وقد نجم عن هذا موقف ذهنى يختلف غاية الاختلاف عن مثيله عند صاحب العقيدة فى العصور الوسطى(2). وهذه النظرة العقلية الحديثة أخذت تبحث فى قدرات الإنسان المعرفية وحدود معرفته .

والأبستمولوجيون يحاولون - بوجه عام - الإجابة عن العديد من التساؤلات مثل: ما هى المعرفة الإنسانية؟ وما مصدرها؟ هل مصادر معرفتنا هى الإدراكات الحسية أو القوى العقلية؟ وكيف نعرف الأشياء الخارجية؟ وهل الإنسان لديه القدرة على اكتساب المعرفة وبلوغ درجة اليقين فيها؟ هل يستطيع أن يكون معرفة عن الماضى والمستقبل وهل يمكنه إدراك الحاضر وما طبيعة المعرفة الإنسانية وحدودها؟ وما العلاقة بين الذات العارفة والموضوع المعروف ودور هذه العلاقة فى فعل المعرفة ... الخ . ويختص مبحث المعرفة بمناقشة هذه القضايا إذ يركز على بحث موضوع إمكان المعرفة ووسائلها وطبيعتها، وذلك كما يلى:-

1- إمكان المعرفة

يدور هذا الجانب من مبحث المعرفة حول إمكان قيام المعرفة الإنسانية وحدودها ودرجة اليقين فيها . وتوجد عدة اتجاهات فلسفية لكل منها موقفه من هذه القضية، وأبرز هذه الاتجاهات اتجاه الاعتقادين الذين يؤمنون بقدرة الإنسان على اكتساب المعرفة وإدراك الحقيقة ومعرفة كل شئ معرفة صحيحة . واتجاه الشك الذى يؤمن أنصاره بعدم قدرة الإنسان على معرفة الحقيقة .

ولقد صنف سكستوس امبريقوس Sextus Empiricus فلاسفة الشك واليقين إلى ثلاثة أصناف: الاعتقاديون أو الديقماطيون Dogmatics الذين يعتقدون أن الإنسان لديه القدرة على اكتساب المعرفة الموضوعية ومنهم أفلاطون وأرسطو والأبيقوريين والرواقيين، والصنف الثانى يشمل الأكادميين Academics الذين يرون أن المعرفة الموضوعية مستحيلة، والصنف الثالث هم الشكاك Sceptics الذين يرون أن الإنسان عاجز عن تقرير الموضوعية أو إنكارها .(3)

وموقف الشك لم يوجد عند أنصاره بصورة واحدة فهناك من شك فى قدرة العقل على اكتساب المعرفة، ومن شك فى قدرة الحواس، وهناك من شك فى قدرة العقل والحس معا . ومنذ بداية التفكير الفلسفى عند اليونان ظهرت نزعة الشك عند كثير من الفلاسفة وعلى سبيل المثال نجد بارمنيدس parmenids قد شك فى الحس وزعم أن المعرفة ليست مدركة بالحواس وإنما ندركها فقط بوسائل العقل، فالطريق الوحيد المؤدى إلى الحقيقة هو العقل ... كما نجد هيراقلطيس قد شك فى العقل واعتقد أن موضوعات المعرفة هى المحسوسات أى يمكن التوصل إليها فقط بوسائل التجربة الحسية .(4)

ومن الفلسفات التى نشأت على أساس الشك فى المعرفة العقلية أيضا واعترفت بشهادة الحس وحده فلسفات السوفسطائيين هؤلاء الذين أرجعوا المعرفة إلى التجربة الحسية واعتبروا أن الحق هو ما تكشف عنه هذه التجربة، ولما كانت التجربة الحسية مختلفة من فرد إلى آخر فإنهم قد أكدوا أن الحقيقة هى ما تبدو لكل فرد . ونجد ذلك واضحا عند بروتاجوراس فى عبارته المشهورة " إن الإنسان مقياس الأشياء جميعا، فهو مقياس أن الأشياء الموجودة موجودة وأن الأشياء غير الموجودة غير موجودة " وهذا معناه باختصار أن ما يدركه الفرد على أنه حقيقى فهو حقيقى بالنسبة له وما يشعر به الفرد على أنه صادق فهو كذلك .(5) ومن ثم تبطل الحقيقة المطلقة وتحل محلها حقائق متعددة بتعدد الأفراد، بل وبالحالات المختلفة للفرد الواحد. ويعد جورجياس Gorgias من أبرز الشخصيات السوفسطائية فى الإسراف والمغالاة فقد قدم ثلاث حجج ليثبت عدم وجود أى شئ وعرض هذه الحجج فى كتابه "اللاوجود " Non Existent وهى:-

- لا يوجد شئ .

- ولو وجد شئ فلا يمكن معرفته .

ج- حتى لو أمكن معرفته فلا يمكن نقله إلى الغير(6).

أما الاعتقاديون فإنهم ينقسمون إلى قسمين:-

قسم سطحى ساذج يمثله رجل الشارع وهم أولئك الذين يعتقدون ببراءة وبدون نقد أو تمحيص ما يشاهدونه أو يسمعونه أو يقرءونه ... الخ، بل أنهم لا يتصورن لحظة واحدة إمكان قيام ضد ما هو صدق لديهم . على أننا نجد لهذا جذورا لدى فلسفات الطبيعيين اليونانيين القدماء الذين تصورا إمكان تفسير العالم الطبيعى كله دفعة واحدة بالقول مثلا أن أصله الماء أو الهواء أو غير ذلك من العناصر الأولى . أما القسم الثانى فهو يمثل أولئك الذين ظهروا بعد أن كثرت نزعات الشك وانتشرت فى التفسيرات الفلسفية الساذجة . حيث رأى هؤلاء ضرورة قيام مذهب له أصوله وقواعده كفلسفة وكمعرفة ليعيد إلى الحقيقة يقينها بعد أن سلبها الشك ذلك اليقين .(7)

2- أدوات المعرفة

يدور هذا الجانب من مبحث المعرفة حول منابع المعرفة أو مسالكها أى الطرق والوسائل والأدوات التى تستمد منها المعرفة . ومن أبرز الاتجاهات التى بحثت فى مصادر المعرفة: العقليون الذين يرون أن العقل هو مصدر المعرفة، والتجريبيون الذين يرون أن العقل قبل التجربة صحيفة بيضاء خالية من العلم فلا شئ فى الذهن ما لم يكن قبل الحس، فكل معرفة مرجعها إلى التجربة ومصدرها العالم المحسوس . والنقديون الذين يرون أن العقل والتجربة معا ضروريان لبناء المعرفة، فالتجربة الحسية تقدم لنا شتاتا مبعثرا من الاحساسات ويقوم العقل بمقولاته المختلفة بتنظيم هذه الاحساسات وصياغتها فى صورة منظمة فتنشأ المعرفة الصحيحة . وأخيرا أنصار نزعة التصوف الذين يرون أن المعرفة إشراقية بالدرجة الأولى أى أن طريقها يتحدد فى الفيض الإلهى والأشراقية النفسية، إنها هبة من الله يتلقاها الصوفى بقلبه ولا يمكنه أن يبوح بها .

3- طبيعة المعرفة

يختص هذا الجانب من مبحث المعرفة بدراسة طبيعة المعرفة لتحديد ما إذا كانت المعرفة واقعية أم مثالية . وأنصار الواقعية يرون أن موضوع المعرفة مستقل عن قوانا العارفة، أما أنصار المثالية يرون أن موضوع المعرفة مطابق لأفكارنا .

وللواقعية صور كثيرة فى تاريخ الفكر الفلسفى فهناك الواقعية الساذجة والواقعية التمثيلية والواقعية الجديدة ... ومن الواضح أن موقف الواقعية الساذجة لا يختلف كثيرا عن الموقف الطبيعى للإنسان العادى الذى يقوم على الإيمان والاعتقاد بأن أشياء العالم والموضوعات الخارجية هى مثلما تبدو لنا ذات واقعية منفصلة عنا وبالتالى أن معيار صدق معرفتنا بها هو كونها صورا مطابقة لها . كما يقوم هذا الموقف على القول بأن للأشياء خصائص وكيفيات تنطبع على حواسنا وتنعكس على أعضائنا الحسية . وهذا ما يؤدى إلى وجود مطابقة كاملة وتشابه تام بين الشىء كما هو موجود أى الشىء فى واقعيته والشىء كما ندركه وكما تنتقل صورته إلى أذهاننا، تماثل تام أو مطلق بين موضوع الواقع وموضوع المعرفة(8).

ويؤمن أنصار الواقعية الساذجة بالقضايا التالية:-

1- هناك وجود لعالم الموضوعات الطبيعية (الأشجار، المبان، الهضاب ...... الخ) .

2- يمكن التعبير عن هذه الموضوعات بصورة حقيقية عن طريق التجربة الحسية .

3- لا توجد هذه الموضوعات فقط عندما تكون مدركة، بل هى موجودة أيضا فى حالة عدم إدراكنا لها، إنها مستقلة فى وجودها عن عملية الإدراك .

4- نحن ندرك العالم الطبيعى كما هو فى الواقع بحواسنا وادعائنا بأن لدينا معرفة عنه هو أمر ثابت ومبرر .

5- ويمكن تحديد انطباعنا عن الأشياء الخارجية عن طريق الأشياء ذاتها(9).

وهكذا نلاحظ أن موقف الواقعية الساذجة هو موقف غير نقدى، وغير تحليلى، وهو أقرب إلى الموقف الطبيعى منه إلى الموقف الفلسفى فهو يتضمن بصورة بديهية غيابا مطلقا للفكر النقدى وخاصة وأنه يقبل بشاهدة الحواس ويثق فى أمانة ما تقدمه لنا عن الواقع الخارجى.

أما الواقعية التمثيلية Representative realism فهى تقوم على أن الإدراك الصحيح هو الوعى المباشر بالأفكار الحسية التى تمثل بدورها الموضوعات الخارجية ويعتبر جون لوك 1632 – 1704 هو الممثل الرئيسى لهذه الواقعية فهو يرى أن الموضوعات الخارجية تبدو لنا بطرق مختلفة، فنحن نقول فى الحياة اليومية أن الشجرة لها حجم معين وشكل معين ووزن أو ثقل وصلابة ... الخ إلا أن هذه الخصائص ليست من نوع واحد . إنها تنقسم إلى قسمين خصائص أولية وخصائص ثانوية، الخصائص الأولية للموضوع هى تلك الخصائص التى توجد فيه، فى ذاته، سواء أكانت هذه الخصائص مدركة أم لا فإنها موجودة فى الموضوع، الخصائص الأولية إذن هى خصائص جوهرية، أما الخصائص الثانوية فهى مثل اللون والرائحة والتذوق ... الخ وهذه الخصائص ليست على الإطلاق خصائص حقيقية بالنسبة للموضوع، فهى ليست متأصلة فيه، بل هى أفكار لدينا نتزود بها.(10)

والواقعية الجديدة أو المتقدمة نجدها عند العديد من الفلاسفة مثل صمويل ألكسندر وهوايتهد ومور ورسل وغيرهم . وفى مثل هذا النوع من الواقعية، يكون المفكر أو الإنسان داعيا ومحللا وناقدا ومركبا لظواهر العالم الخارجى ولا يكتفى بالتسجيل وحسب.(11)

أما المثاليون فقد انقسموا بدورهم أقساما متعددة، فهناك المثالية الذاتية التى تقرر أن الحقائق والمعارف توجد فى ذاتنا وفى داخل عقولنا وأننا ولدنا بها وهى فطرية فينا، والمثالية الموضوعية التى تقرر أن الحقائق والمعارف توجد فى موضوع خارجى لكنها ليست حقائق تجريبية وليست معارف حسية بل هى حقائق ومعارف مثالية، ومثال ذلك المثالية الموضوعية عند أفلاطون . وهناك المثالية المطلقة التى تقرر أن المعرفة ذات طبيعية مثالية بحتة، فالذات والموضوع معا أصبحا من طبيعة مثالية خالصة، ويمثل هذا التيار المثالى هيجل فى ألمانيا، وبرادلى وبوزانكيت وجويكم فى إنجلترا ورويس فى أمريكا وكروتشه فى إيطاليا .... الخ (12)

ثانيا: اتجاهات المعرفة

اتجاهات الفلاسفة فى المعرفة كثيرة ومتنوعة، ويمكن التمييز بين أربعة اتجاهات أساسية: الاتجاه العقلى، والاتجاه التجريبى، والاتجاه النقدى والاتجاه الصوفى .

1- العقليـون

العقليون يؤمنون بالعقل وقدرته المطلقة التى لا يحدها حد فى اكتساب المعرفة وتكوينها، ذلك لأن العقل عند الولادة يكون مزودا بمجموعة من الأفكار والمبادئ الفطرية التى تعد أصل كل معرفة بشرية . وتتميز هذه الأفكار الفطرية بالوضوح والتميز وبالتالى لا يمكن أن تكون موضع شك على الإطلاق . والعقل بأفكاره الفطرية هو القوة القادرة وحدها على إدراك الحقيقة المطلقة وحل جميع المشكلات المتعلقة بالوجود الإنسانى وتبرير قضايا الميتافيزيقا .

ولقد انطلق هذا الاتجاه العقلى من سقراط الذى وجه الفلسفة من البحث فى الطبيعة إلى البحث فى النفس الإنسانية وهو الذى وضع للناس المنهج الذى يؤدى إلى إثبات حقائق الأشياء بعد أن ضاعت الحقائق أمام تيار السفطسة الجارف فى عصره .. وهو الذى حارب السوفسطائيين فى تعاليمهم الآخذة بالشك والنسبية والاستناد إلى الحس، وكانت رسالته بإزاء هؤلاء السوفسطائيين هو القول " بالمعانى " أو " الماهيات " وهى الحقائق الثابتة فى مقابل الاحساسات المتغيرة والحقائق النسبية مع محاولة تعريف تلك الماهيات . ولقد رأى سقراط أن العلم بالحقائق لا يحصل بالتلقين أو يكتسب بالتعليم، وإنما يمكن فقط أن يستدرج العقل وأن ينبه إلى العلم بالمحاورة والمجادلة لتوليد الحقائق منه . " وأن تعرف نفسك بنفسك هو أن تولد تلك الحقائق من أعماق نفسك " (13)

ثم جاء أفلاطون من بعد سقراط فخطا خطوة أوسع فى سبيل وضع أسرار هذا الاتجاه العقلى ... فلقد رأى أن النفس أزلية أبدية وكانت تحيا فى عالم المثل حيث عرفت قيم الحق والخير والجمال ومعانى الفضيلة والسعادة ثم هبطت إلى عالم المحسوسات، عالم الأوهام والأشباح والشرور وارتبطت بالجسد الذى سجنها وحجب عنها كل ألوان المعارف السابقة، ومن ثم أصبحت المعرفة عند أفلاطون مجرد تذكر لما كانت تعرفه النفس من قبل فى عالم المثل من حقائق أزلية ثابتة، ولذلك يعرف أفلاطون التذكر بأنه " عملية لكشف ما قد طواه النسيان بفعل الزمن والإهمال " (14) .

يؤسس أفلاطون إذن المعرفة على استرجاع ذكريات النفس لما شاهدته فى عالم المثل فالعقل يمكنه أن يصل إلى المبدأ الأول لكل شئ دون أن يستخدم أى موضوع محسوس وإنما يقتصر على المثل بحيث ينتقل من مثال إلى آخر وينتهى إلى قمة المثل .

ولتوضيح ذلك يستخدم أفلاطون تشبيها مشهورا هو تشبيه الكهف، فيصور فيه عامة الناس مقيدين منذ طفولتهم بأغلال فى كهف مظلم تطل فتحته على النور الخارجى ولا يستطيع السجناء أن يروا إلا ظلال ما يمر خارج الكهف من موجودات حية ومن مصنوعات . فإذا تمكن أحدهم أن يتحرر من قيوده فخرج من الكهف ورأى الحقائق مباشرة انبهر بصره لوهج الضوء فيعمد إلى تمرين بصره على رؤية الأشياء منعكسة تارة على صفحة الماء أو على المرايا فيمكنه بعد ذلك النظر فى النور إلى الأشياء وبعد أن يألف النور ينظر إلى السماء فيرى الكواكب والنجوم وفى النهاية يمكنه أن ينظر إلى الشمس ذاتها فيعلم أنها مصدر الضوء وعلة الرؤية، وبفضل حرارتها تستمد الموجودات حياتها . وفى هذا التشبيه يلجأ أفلاطون إلى استخدام الرموز فعالم الكهف هو العالم الحسى الذى تظنه العامة عالم الحقيقة وما هو إلا عالم الظلال والأشباح . أما العالم الخارجى الذى تغمره الشمس بضيائها فهو عالم الحقائق العقلية أو عالم المثل .(15)

إن الذين يثقون فى الاحساسات وينصرفون إليها هم سجناء الأرض الذين لا يرون إلا أشباحها وخيالات يظنونها الحقائق لكنهم لو أداروا ظهورهم إلى ما وثقوا فيه وسجنوا عليه، وإنما يكون ذلك بفك وثائقهم الحسى بالجدل الذى يصعد بهم عن طريق العقل إلى الماهيات أو المثل لرأوا الحقائق فى ذاتها وفى بهائها الأبدى ولأثروا صحبتها وعدم التحول عنها ... إن النظرة العقلية هذه عند أفلاطون فوق أنها ذهبت بالمعرفة إلى أقصى حدودها، إلى مثال المثل فإنها فى الوقت عينه نظرة متفائلة، ولذلك يجب أن نضيف إلى سمات المذهب العقلى فى إمكان المعرفة نظرته المتفائلة فى معرفة بغير حدود وفى إمكان تطبيقها والعمل بهديها (16) .

أما أرسطو فهو فيلسوف عقلى أكثر ميلا إلى الواقعية، فلقد أكد بدوره وجود المبادئ العقلية الأولية، فالفكرة عنده ترد إلى فكرة أخرى أعم منها حتى نصل إلى أفكار أكثر عمومية من غيرها ولا نستطيع ردها إلى ما هو أعم منها وهى مبدأ الذاتية وعدم التناقض والثالث المرفوع . وهذه الأفكار قبلية أولية لا يمكن أن يقام على صحتها برهان، وبها يستطيع العقل أن يصل إلى معرفة الحقائق كلها .

وفى العصور الوسطى المسيحية ظل البحث فى نظرية المعرفة معتمدا على إبراز ما فيها من مبادئ فطرية طبيعية فاستخدموا منهج القياس لاستخلاص نتائج معينة من مجموعة من البديهيات أو المسلمات مثل المبادئ الرياضية كمبادئ الكل مساو لمجموع أجزائه، أو الكل أكبر من أى جزء من أجزائه، فلقد قال هنرى مور بخلود النفس وبأنها كانت تحيا فى عالم أكثر رقيا وصفاءا .(17)

ولقد ظل الاتجاه العقلى مسيطرا على الفكر الأوربى منذ سقراط الذى أدرك قيمة العقل وأهميته فى الحياة غير أن الدعامة الأساسية لهذا الاتجاه هى الفكر الديكارتى فى العصر الحديث . فديكارت هو منشئ الفلسفة الحديثة وهو أكثر عقلانية من الفلاسفة السابقين عليه . فهو يرى أن كل المعرفة التى نحصل عليها عن طريق الحواس مشكوك فيها لأنها يمكن أن تكون غامضة، خادعة كما تظهر لنا كل أنواع الهلوسة والأحلام . ويدعى ديكارت أن المعرفة الحقيقية هى التى تأتى عن طريق الرؤيا الواضحة للعقل، فالعقل السليم هو أعدل الأشياء قسمة بين الناس .

ونجده يقسم الأفكار فى كتابه " التأملات فى الفلسفة " إلى ثلاثة أنواع . أولا: أفكار عرضية أو حسية وهى التى نتوصل إليها عند الاتصال بالعالم الخارجى وهذه الأفكار لا تصلح لآن تكون أساسا لأى معرفة دقيقة . ثانيا: أفكار خيالية أو مصطنعة وهى أفكار من صنع المخيلة ونتائجها وهى أفكار لا وجود لها فى عالم الواقع ثالثا: أفكار فطرية وهى عبارة عن أفكار بديهية حدسية يؤمن بها كل إنسان عاقل، فهى ليست مكتسبة من تجربة وإنما يولد الإنسان مزودا بها كاستعدادات فطرية داخل نفسه، ولذلك لا يمكن الشك فى صحتها لأنها تتصف بالوضوح المطلق وتتميز بثباتها وأزليتها ولذلك فإن العقل وحده هو القادر على أن يكشف لنا طبيعة أى شئ، فعن طريقه نتوصل إلى أننا موجودون وعن طريق التفكير فى كائن كامل نتوصل إلى وجود مثل هذا الكائن ثم نتوصل منه إلى وجود هذا العالم الحسى .

ومجمل القول أن ديكارت يؤكد أن المعرفة الحقة هى التى تستمد من التأمل العقلى الخالص، وهى معرفة أولية قبلية أى سابقة فى وجودها على أى تجربة حسية فنحن نعرفها بدون حاجة للخبرة .

ولقد سار مالبرانش فى الاتجاه نفسه .. بل أنه يصطنع موقف ديكارت بكل دقة ويسهب فى بيانه، وبخاصة فى كتابه " البحث عن الحقيقة " فيتحدث عن أخطاء الحواس وتعارضها فيما بينها وتعارضها مع المعرفة العقلية . ويتحدث عن المخيلة فيقول إنها ليست أكثر تعريفا لنا بالأشياء، وإنها تربط بين الصور بروابط غير عقلية فتسبب أخطاء كثيرة، وتقر فى الذهن معتقدات باطلة ولا يمكن من وجهة نظر مالبرانش أن يقال إن الأفكار غريزية فى النفس فهى متناهية العدد والنفس متناهية . فلا يبقى إلا أن الله هو الذى يحدثها فى النفس من حيث أن الأعلى هو الذى يؤثر فى الأدنى، وأننا إنما نعتقد بوجود العالم لأن الوحى ينبئنا بأن الله خلق سماءا وأرضا وغير ذلك، وفيما خلى الوحى فلا سبيل إلى الجزم بوجود العالم(18) .

أما الفيلسوف سبينوزا فقد قدم لنا كذلك فلسفة عقلانية خالصة إلى حد كبير .. فهو يرى ضرورة التفكير قبل كل شئ فى وسيلة شفاء العقل وتطهيره لكى يجيد معرفة الأشياء وهذه الوسيلة هى التمييز بين ضروب المعرفة وتقدير قيمة كل منها لأجل الاهتداء إلى المعرفة الحقة . فهناك معرفة سماعية تصل إلينا بالفعل، مثل معرفتى تاريخ ميلادى ووالدى وما أشبه ذلك وهى معرفة غير علمية، فإذا صرفنا النظر عنها انحصرت المعرفة فى ثلاثة أنواع: (19)

النوع الأول

معرفة بالتجربة المجملة أو الاستقراء العامى، وهى إدراك الجزئيات بالحواس على ما يتفق بحيث تنشأ فى الذهن أفكار عامة من تقارب الحالات المتشابهة مثل معرفتى أنى سأموت لكونى رأيت أناسا مثلى ماتوا، وأن الزيت وقود للنار، وأن الماء يطفئها. هذه المعرفة متفرقة مهلهلة، وأصل اعتقادنا بهذه الأفكار وأمثالها أننا لم نصادف ظواهر معارضة لها .

النوع الثانى

معرفة عقلية استدلالية تستنتج شيئا من شئ، كاستنتاج العلة من المعلول دون إدراك النحو الذى تحدث عليه العلة المعلول أو هى معرفة تطبق قاعدة كلية على حالة جزئية كتطبيق معرفتى أن الشىء يبدو عن بعد أصغر منه عن قرب على رؤيتى للشمس، فأعلم أن الشمس أعظم مما تبدو لى . هذه المعرفة يقينية، ولكنها هى أيضا متفرقة لا رابطة بين أجزائها .

النوع الثالث

معرفة عقلية حدسية تدرك الشىء بماهيته أو بعلته القريبة . مثل معرفتى أن النفس متحدة بالجسم لمعرفتى بماهية النفس أو مثل معرفتى خصائص شكل هندسى لمعرفتى تعريفة، وأن الخطين المتوازين لثالث متوازيان . هذه المعرفة هى الكاملة لأن موضوعاتها معان واضحة متميزة يكونها العقل بذاته ويؤلف ابتداء منها سلسلة مرتبة من الحقائق، فيخلق الرياضيات والعلم الطبيعى حيث تبدو الحقيقة الجزئية نتيجة لقانون كلى، ويبين العقل عن فعاليته وخصبة واستقلاله عن الحواس والمخيلة .

واضح هنا أن الشكل الأول من المعرفة حسى أما الثانى والثالث فعقليان . النوع الثانى هى المعرفة القائمة على العقل، هى معرفة عقلية استدلالية وفى هذا النوع من المعرفة تستنتج الحقائق بالبرهان، لكنها ليست معرفة مباشرة أما النوع الثالث فهو المعرفة التى تستند إلى العقل أيضا ولكن بدون توسط البرهان . إنها حقائق عينية حدسية يدركها العقل مباشرة وهى يقينية كالحقائق البرهانية ولكنها أكثر منها وضوحا وتميزا وتتجلى نزعة إسبينوزا العقلانية واضحة فى تقييمه لكل من هذه الأشكال . فهو يحط من قيمة المعرفة الحسية ليرفع من شأن العقل، وينكر أن يكون بوسع التجربة إعطاء معرفة يقينية وهو لا يرى فى التجربة معيارا ليقينية المعرفة، ومن هذه الناحية تبدو نزعة إسبينوزا العقلانية أشد جلاء لدى سلفه ديكارت .(20)

واقتفى لبينتز خط ديكارت فى إيمانه بوجود أفكار فطرية فى العقل ولكنه رأى أن هذه الأفكار الفطرية ليست جاهزة فى العقل، بل هى موجودة فى شكل بدايات واستعدادات يتوجب نقلها إلى حيز التحقيق، فالعقل عند الولادة ليس ورقة بيضاء نقية، بل هو أقرب إلى أن يكون كتلة من خام الرخام، موجود فيها بالفعل تركيب غير ظاهر من العروق، وهو الذى سيحكم الشكل الذى سيتخذه الرخام عندما ينحته المثال ويعطيه شكلا . (21)

والخلاصة أن أنصار الاتجاه العقلى يؤمنون بأن العقل هو المصدر الوحيد للمعرفة، وأن المعرفة عبارة عن مجموعة من التصورات أو المبادئ الفطرية الموجودة فى العقل البشرى منذ ميلاد الإنسان .

2- التجريبيون

التجريبيون يؤمنون بأن التجربة هى المصدر الوحيد للمعرفة وأن العقل عند الولادة يكون عبارة عن صفحة بيضاء خالية من أى أفكار ثم تكتسب المعرفة بالاتصال بالعالم الخارجى عن طريق الحواس وينكر التجريبيون العقلانية في كل صورها وينقدون نظرية الأفكار الفطرية.

ويعد الفيلسوف الإنجليزى جون لوك إمام الاتجاه التجريبى فى التفكير الفلسفي .. فهو الذى وضع مشكلة المعرفة بمعناها المعروف لدينا الآن موضع البحث والتعمق، فلا نكاد نلحظ قبل لوك أى محاولة جدية واضحة لدراسة مسائل المعرفة دراسة مستقلة منظمة . كما أنه وجه أنظار الناس فى عصره لكى يفكروا بطريقة أكثر تعمقا فى المشكلات التى كانوا يتناولونها من قبل بطريقة سطحية، وخاصة مشكلات المعرفة من حيث أصلها ومداها ودرجة اليقين فيها . وقدم لوك لمعاصرته دراسات هامة وقيمة خاصة فى التفرقة بين الصفات الأولية والصفات الثانوية، وتحليل فكرة الجوهر، وتحليل اللغة ومعانى الكلمات . كما أنه طبق الاتجاه التجريبى في الفلسفة علي بحثه في نظرية المعرفة بالذات، كما طبق لوك المنهج الاستقرائى فى الفلسفة، وكان ذلك نتيجة تأثره بالتفكير العلمى وصيغته التى سادت الفكر الإنسانى فى ذلك الوقت .(22)

يرى لوك أن الادراكات الحسية sense - Perceptions هى التى تزودنا بكل المعرفة، وهذه الادراكات واضحة ولا يمكن الشك فيها . كما برهن لوك أولا على عدم وجود أفكار فطرية Innate ideas لأن كل معارفنا تعتمد على الخبرة Experience. أما أفكارنا فلها مصدران أساسيان هما: الإحساس Sensation الذى يزود العقل بخواص المحسوسات والتفكير الذى ينظم ويركب الأفكار، فالعقل ذاته صفحة بيضاء Blank Page كهذه الصفحة التى أكتب عليها الآن، وتكتب عليها الأفكار بالتجربة .(23)

لكن إذا كان لوك يؤكد أن الإنسان يولد وعقله يشبه الصفحة البيضاء التى تخلو تماما من أى معان أولية فطرية أو أى أفكار فطرية، فكيف يتم إعداده أو تشكيله؟ وكيف يتكون لدينا من أى معان أولية أو أى أفكار فطرية، فكيف يتم إعداده أو تشكيله؟ وكيف يتكون لدينا هذا المخزون الهائل من الفكر؟ وكيف يكتسب مواد معرفته؟ يقول لوك: إن إجابتى عن ذلك فى كلمة واحدة هى (الخبرة) فكل معارفنا تستمد منها، فتجربتنا الخارجية وتجربتنا الداخلية تزودنا بكل مواد التفكير . فعن طريق الحواس أو تنتقل إلى الذهن انطباعات عن الأشياء الخارجية، ونتوصل إلى أفكار عن هذه الأشياء كأفكارنا عن اللون الأصفر والأبيض والحرارة والبرودة، والناعم والخشن والمر والحلو . وهذا كله يتم من خلال الإحساس، والعقل هو الذى يقوم بتنظيم هذه الاحساسات أو الادراكات التى تأتى إلينا من الخارج وهذه العملية التنظيمية تتم بما نطلق عليه اسم التجربة الداخلية أو الحس الباطن Internal Sense . فليفحص كل منا أفكاره، ويبحث بدقة فى فهمه وسوف يجد أن كل الأفكار الأساسية التى لديه تختلف عن أفكار مواد احساساته . (24)

وإذا كان بعض المفكرين يرون أن عملية الفهم تنطوى على مبادئ فطرية معينة أو بعض الأفكار الأولية التى انطبعت فى عقل الإنسان وتلقتها الروح فى وجودها الأول، فإن لوك يرفض وجود هذه الأفكار الفطرية، ويكفى فى رأيه إقناع القراء المنصفين بزيف هذه الأفكار، وكيف أن الناس باستخدام ملكاتهم الطبيعية فقط قد يبلغون درجة اليقين دونما اللجوء إلى أى من مثل هذه الأفكار . فأى إنسان يمكنه أن يسلم بسهوله بأنه من غير اللائق افتراض أن الأفكار الخاصة باللون هي أفكار فطرية في إنسان الذى وهبه الله نعمة البصر والقدرة على استقبال الألوان من الأشياء الخارجية عن طريق عينيه . وبالمثل فإنه من غير اللائق أن نعزوا حقائق متعددة للإنطباعات والسمات الفطرية في الوقت الذى يمكن فيه أن نلاحظ فى أنفسنا مواهب قادرة على أن تبلغ معرفة يسيره ومؤكدة بهذه الأشياء كما لو كانت منطبعه أساسا فى ذهننا .(25)

والحقيقة أن هناك مبادئ معينه نظرية وعملية يتفق عليها جميع أفراد الناس ويسلمون بها، وبهذا تجدهم يزعمون أنها لابد أن تكون انطباعات دائمة تلقتها الروح وأحضرتها معها إلى هذا العالم. لكن لو كان هذا صحيحا أى لو كانت هناك بالفعل حقائق معينة تتفق عليها البشرية كلها فهذا من وجهه نظر لوك ليس دليلا علي فطرية هذه الحقائق، بل ليس هناك فى الواقع أفكار يتفق عليها جميع الناس ويجمعون على صحتها . ويقدم لوك أمثلة لبعض المبادئ التى تعتبر – فى نظر بعض الناس – أولية وقد لخصها فى قسمين: نظرية وعملية، نظرية مثل (من المستحيل أن يكون للشىء الواحد وجود وعدم فى الوقت نفسه)، ومبدأ الذاتية ومبدأ عدم التناقض، أما العملية فهى متعلقة بالأخلاق والدين . ويرى لوك أنه لا يوجد إجماع على مثل هذه الافتراضات فهناك عدد كبير من الناس يجهلونها، فالأطفال والمجانين ليس لديهم أقل وعى أو اعتقاد بها، فليس من المعقول، بعد هذا، أن نقول بوجود أفكار فطرية داخل العقل .(26)

ولا غرو بعد ذلك أن يقرر لوك عدم وجود أفكار فطرية موروثة ويؤكد أن كل المعرفة مستمدة من التجربة الحسية وحدها ومن ثم فهو يعارض الرأى القائل بالأفكار الفطرية ويؤكد أن التجربة هى قوام المعرفة كلها، والتجربة عنده تنقسم إلى قسمين: تجربة خارجية تستمد بالإحساس، وتجربة داخلية عن طريق التأمل الباطنى، غير أن الحواس هى التى تعمل أولا ثم يجئ بعد ذلك التفكير وما يتولد عنه من أفكار .

وإذا كان لوك هو إمام الاتجاه التجريبى فإنه لم يكن مبدع هذا الاتجاه، فقد سبقه فى ذلك فلاسفة كثيرون مثل أهل الرواق – فى اليونان – الذين نظروا إلى الإحساس على أنه أول مراتب المعرفة وعمادها، وتوما الاكوينى – فى العصور الوسطى – الذى بين أن معرفتنا كامنة فى تجربتنا، وفرنسيس بيكون – فى بداية المرحلة الحديثة – الذى أشاد بالتجربة واعتبرها القول الفصل فى كل شئ، ولقد تطور هذا الاتجاه التجريبى عند هيوم وجون ستوارت مل وبرتراند رسل وغيرهم .

3- النقديون

النقديون يوفقون بين الاتجاه العقلى والاتجاه التجريبى، فهم يجمعون بين التجربة الحسية والعقل معا فى تشكيل المعرفة، وخير ممثل لهذا الاتجاه النقدى الفيلسوف الألمانى إيمانويل كانط .

حاول كانط أن يوفق بين النزعة التجريبية والنزعة العقلية فذهب إلى أن الحواس تمدنا بالمادة الخام التى تصل إلى العقل فى صورة عشوائية ليس لها أى نظام، ثم يقوم العقل بتحويل هذه الكثرة المتدفقة من الاحساسات إلى صورة منظمة ذات معنى ويتم ذلك بفعل مقولة "الفهم" . بدون التجربة الحسية، إذن تظل مقولة الفهم فارغة جوفاء، وبدون الفهم تظل الادراكات الحسية شتاتا مبعثرا ليس له مضمون .

وهكذا نلاحظ أن كانط يفسر المعرفة بأنها نتيجة لتضافر عاملين: عامل صورى يتمثل فى طبيعة العقل ذاته، وعامل مادى هو عبارة عن الادراكات الحسية الخارجية المبعثرة .

4- المتصوفة

لا شك فى أن منهج المتصوفة يختلف تماما عن المناهج الثلاثة السابقة فى المعرفة . فالمعرفة عند المتصوفة ليست عقلية أى لا تتخذ من العقل منهجا لها، وليست تجريبية أى لا تتخذ من التجربة طريقا لها، وليست نقدية أى لا تجمع بين العقلية والتجريبية، وإنما هى معرفة إشراقية أى تأتى عن طريق الإلهام والفيض الإلهى، وهى تحتاج فى ذلك إلى صفاء النفس البشرية ونقائها حتى تكون مستعدة لأن تتلقى هذا الفيض الإلهى.

ولذلك فقد سميت الصوفية صوفية لصفاء أسرارها: فالصوفى من صفا قلبه لله، ومن صفت لله معاملته، فصفت له من الله عز وجل كرامته . وهو أيضا من صفا من الكدر وامتلأ من الفكر وانقطع إلى الله من البشر واستوى عنده الذهب والمدر . والتصوف هو تصفية القلب عن موافقة البرية ومفارقة الأخلاق الطبيعية وإخماد الصفات البشرية ومجانبة الدواعى النفسانية ومنازلة الصفات الروحانية والتعلق بالعلوم الحقيقية واستعمال ما هو أولى على الأبدية والنصح لجميع الأمة والوفاء على الحقية واتباع الرسول فى الشريعة .(27)

ويعرف أبو نصر السراج الطوسى الصوفية بقوله: "هم أمناء الله عز وجل فى أرضه، وخزنة أسراره وعلمه، وصفوته من خلقه، فهم عباده المخلصون وأولياؤه المتقون، وأحباؤه الصادقون الصالحون، منهم الأخيار والسابقون، والأبرار المقربون، والبدلاء والصديقون، هم الذين أحيا الله بمعرفته قلوبهم وزين بخدمته جوارحهم وألهج بذكره ألسنتهم، وطهر بمراقبته أسرارهم وسبق لهم منه الحسنى بحسن الرعاية ودوام العناية، فتوجهم بتاج الولاية وألبسهم حلل الهداية، وأقبل بقلوبهم عليه تعطفا، وجمعهم بين يديه تلطفا، فاستغنوا به عما سواه وأثروا على ما دونه، وانقطعوا إليه، وتوكلوا عليه، وعكفوا ببابه، ورضوا بقضائه وصبروا على بلائه، وفارقوا فيه الأوطان، وهجروا له الإخوان، وتركوا من أجله الأنساب وقطعوا فيه العلائق، وهربوا من الخلائق، مستأنسين به، متوحشين ما سواه (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم) .(28)

والصوفى الذى يصل إلى هذه المرحلة أى مرحلة القرب من الله تعالى، يصبح فى حالة من الإلهام والكشف والمشاهدة، فينشغل بحب الله، ويملأ الحق قلبه وجوارحه بفيض من نوره.

المشاهدة والرؤيا والذوق إذن هى طرق المعرفة الاشراقية عند الصوفى، فعن طريقها يمكن إدراك الحقيقة . والرؤية ليست معرفة حسية وليست معرفة عقلية، بل هى فيض من الله سبحانه وتعالى يحدث للصوفى فى حالة الأنس والقرب والاتصال .

وعامة هناك خواص أربع تتميز بها رؤية الصوفى للوجود، وتختلف على أساسها تلك الرؤية عما تقتضيه النظرة العلمية إلى ذلك الوجود:

الخاصة الأولى: هى اعتقاد الصوفى فى الحدس وسيلة للإدراك، وذلك فى مقابل المعرفة الاستدلالية التحليلية التى هى المعرفة العلمية . فالصوفى يعتمد على رؤية للحق تأتى إليه بغتة، وهى تأتى نافذة إلى أعمق الأعماق الخافية وراء الظواهر البادية للحواس وهى بذلك تفرض نفسها على صاحبها فرضا بحيث لا يكون له قبل بردها أو بالتشكك فى صدقها . وبهذه الطريقة يرى الصوفى الحقيقة رؤية مباشرة لا سبيل فيها إلى شك .

الخاصة الثانية: وهى أن الصوفى يوحد الكون كله فى كيان واحد لا يقبل الانقسام ولا التجزئة ولا التحليل، فوهم الحواس هو الذى يحملنا على الظن بأننا نعيش فى عالم من كثرة، ولكن الصوفى برؤيته النافذة إلى ما تخفيه الظواهر لا يلبث أن يرى حقيقة واحدة لا تعدد فيها وإن تعددت تجلياتها .

الخاصة الثالثة: تتفرع من السابقة وهى أن الصوفى ينكر انقسام الزمن إلى ماضى وحاضر ومستقبل، فهو يرى الكل فى لمعة واحدة تضم الحقيقة من أزلها إلى أبدها .

الخاصة الرابعة: هى إزالة الفوارق الموهومة التى نميز بها ما نسميه الخير عما نسميه بالشر، فهذه قسمة لا تمليها علينا إلا مصلحة اللحظة الراهنة، وأما الرؤية الشاملة الكونية الواحدة فلا ترى إلا تلك الحقيقة الواحدة الخالصة والتى لا خير عندها ولا شر، وإنما هنالك الحق فى ذاته وكفى، ومن ثم ترى المتصوفة يتجردون ويتنزهون عن مشاعر البشر المألوفة لنا من غضب ورضى وحزن ومرح وغير ذلك، إنهم لا يحسون الألم فيما يؤلم الناس ولا يشعرون باللذة فيما يلتذ به الناس. إن أمل الصوفى وجهاده ورياضته لنفسه إنما تهدف كلها إلى بلوغه حالة من السكينة التى لا تهزها أعاصير الرغبات والشهوات .(29)

 

أ.د. ابراهيم طلبه سلكها

كلية الآاب - جامعة طنطا - مصر

...................

الهوامش

1- برتراندرسل: تاريخ الفلسفة الغربية، الفلسفة الحديثة، ترجمة:  د. محمد فتحى الشنيطى، الهيئة المصرية العامة للكتاب 1977، ص ص 5 – 7 .

2- المرجع نفسه ص 7 .

3- Stumpf , samyel , E; Philosephy, History and Problems , New York 1975 , pp 237 – 242 .

4- Sheiden p. Petererund and theodore; centemporary Philosophy and Its Origins London 1968, p. 121

5- Ibid , p . 122 .

6- W.K. C. Guthrie ; The Greek Philosophers from Thales to Aristotle London p, 68 .

7- د. على عبد المعطى محمد: المدخل إلى الفلسفة، الإسكندرية، دار المعرفة الجامعية 1987، ص ص 27 – 28 .

8- د. سالم يفوت: فلسفة العلم المعاصرة ومفهومها للواقع، بيروت دار الطبعة ط1 1986، ص 36 .

9- Hospers Hohn ; Introduction to philosophical analysis p. 494 .

10- Ibid , pp 496 – 497 .

11- د . على عبد المعطى محمد: المدخل إلى الفلسفة ص 36 .

12- الموضع نفسه .

13- د . محمد ثابت الفندى: مرجع سابق ص 150 .

14- أفلاطون: محاورة فيدون، ترجمة، د . زكى نجيب محمود القاهرة ط2 ص 49 .

15- د. أميرة حلمى مطر: الفلسفة اليونانية، تاريخها ومشكلاتها، دار المعارف ص ص 173 – 174 .

16- د. محمد ثابت الفندى: مرجع سابق ص ص 173 – 174 .

17- د . عزمى إسلام: جون لوك القاهرة، دار الثقافة للطباعة والنشر ص 24 .

18- د . يوسف كرم: تاريخ الفلسفة الحديثة، دار المعارف ط6 ص 99.

19- المرجع نفسه ص ص ص108 – 109 .

20- جماعة من الأساتذة السوفيات: موجز تاريخ الفلسفة، ترجة وتقديم، توفيق سلوم، بيروت، دار الفارابى ط1 1989 ص 174 .

21- جيمس جينز: الفيزياء والفلسفة: ترجمة جعفر رجب، دار المعارف ص 54 .

22- د . عزمى إسلام: جون لوك ص ص ص 18 – 20 .

23- Geuld , james A ; Classic philosopgical questions London 1961 . p 198 .

24- Paulk . Moser and Around vandet Nat ; Human Knowledge New York 1987, pp – 133 – 130 .

25- Ibid , p – 130 .

26- Gould , james A: Op- cit, pp 204 – 205 .

27- د. محمد عاطف العراقى: ثورة العقل فى الفلسفة العربية، دار المعارف 1978 م ص ص 127 – 128 .

28- الطوسى " أبو النصر ": اللمع، دار الكتب الحديثة 1960 ص 19 .

29- د. زكى نجيب محمود: المعقول واللامعقول فى تراثنا الفكرى، دار الشروق ط4 1987م ص ص 376 – 380

 

hatam hamidmohsinليس من السهل إعطاء تعريف واضح لمفهوم "التنوير" The Enlightenment، ولكن بعبارة اوسع يمكن اعتباره كحركة فكرية تمتد في اصولها الى القرن الثامن عشر واستلزمت تغييرا راديكاليا في الطريقة التي نظر بها الفلاسفة لدور العقل. وبعبارة مبسطة، اكتسب العقل مكانة عليا لم يتمتع بها من قبل ولدرجة استبدله البعض بالايمان كأساس في فهم كلا العالمين المادي والاخلاقي. العديد من المفكرين عبّروا عن الموضوعات الاساسية لأفكار التنوير لكن مفكرا واحدا وهو عمانوئيل كانط جسّد افكاره لدرجة اصبحت مرادفة للتنوير. في مقالة له بعنوان "ما هو التنوير؟"عام 1784 لخّص كانط الفكرة الاساسية كالتالي:

" التنوير هو انبثاق الانسان من حالة الاّ نضج غير المرغوبة. عدم النضج هو عدم قدرة المرء على استعمال فهمه الخاص دون إرشاد من الآخرين".

بالنسبة لكانط، التنوير هو المقدرة والشجاعة في التفكير لأنفسنا، ومقاومة التقاليد والأعراف والسلطة كمصادر للحكمة والمعرفة. هذه الفكرة كانت واستمرت كواحدة من أعظم الافكار المثيرة والشائكة في تاريخ الفلسفة. اساس الفكرة هو ان العالم قابل للفهم بواسطة الذهن الانساني. التنوير ايضا أعلن عن فهم جديد لأهمية الفرد الذي اصبح الآن قادرا ليقرر لنفسه في كل من مجال الحقائق التجريبية والقيم الاخلاقية.

ان الجذور التاريخية للفردانية الجديدة هذه يمكن العثور عليها في الصراعات الدينية للقرن السابع عشر، والتي تطلبت الى جانب اشياء اخرى الحاجة الى الضمير والضوء الداخلي لإرشاد حياة الفرد بدلا من الكنيسة الكاثوليكية الرومانية.

كانت الحاجة للتسامح محدودة جدا، والعديد من الجماعات الدينية الجديدة كانت ذاتها غير متسامحة، لكن النقاشات المتزامنة مع اعمال كوبرنيكوس وغاليلو وآخرين هي التي اطلقت عفريت التنوير من سباته.

ان خطوط المعارك الفكرية بدأت حالا بين قادة الأفكار الجديدة واولئك الذين اعتبروها خطيرة ولم يُخطط لها بعناية. المرحلة المبكرة تضمنت إعلان ادموند بورك Edmund Burke بان ما يراه من فخر مفرط بالعقل قاد الى رعب الارهاب اثناء الثورة الفرنسية. في كتابه "تفكير حول الثورة الفرنسية "( 1790(، وقف بورك مع التحيز او "الحكم المسبق"ضد "العقل العاري" على اساس ان التحيز ينطوي على "الحكمة الكامنة" للتقاليد والعادات المتأسسة جيدا. في عمل كهذا، يكون بورك وضع الحجر الاساس للمحافظة السياسية الحديثة. العقل وحده، كما يرى، اساس غير موثوق للفعل الاخلاقي ويميل للانحراف بسهولة. بكلمة اخرى، اي شيء ربما يتم تعقّله، وان التفكير المعقول ربما يقودنا نحو منزلق ينتهي بنا الى المقصلة. القرنان وربع القرن اللاحقان شهدا تباينا تجاه الحجج ذاتها. في ذلك الوقت، جرى اتهام "التنوير" كسبب في كل لحظة مؤذية في التاريخ الانساني:حيث اشير للتنوير كمحطم للاخلاق، نذير للفردانية السخيفة، لص يسرق المعنى من حياة الانسان، شكل من الامبريالية الثقافية، وهو مسؤول مباشرة او ضمناً عن كل شيء من الهيليكوست وحتى الإحتباس الحراري العالمي.

اما نجاح مفرط او نجاح غير كاف

بالنسبة للمبتدئين، كانت هذه الاتهامات تبدو غريبة وسخيفة، من الغريب حقا الاعتقاد بانفسنا كمصدر للشقاء الكبير، ونرغب ايضا الدفاع عنها بانفعال وحماس . غير ان هذا الإغواء يستحق المقاومة لأنه يكشف ان هناك الكثير من الوضوح يُكتسب من التعامل مع نقاد التنوير باحترام ملائم.

في الحقيقة، بالرغم من اختلافاتهم، فان نقاد فلسفة التنوير يشتركون بعدم الثقة بفكرتها المركزية عن الفرد.فكما تشير قصتهم، فان الفرد ليس كيانا ثقافيا وتاريخيا يستطيع الانفصال عن زمانه ومكانه لتقييم مدى نجاح ذلك السياق في ادراك الموضوعات الكونية المجردة للعقلانية.

بدلا من ذلك، فان ما يشكل عقلا جيدا هو نتاج ظروف ثقافية وتاريخية معينة. فكما ذكر احد الطلاب بتعبير نادر "ان الثقافة هي نهر لا تستطيع اجتيازه باستمرار اذا كنت تحب الطريقة التي تتدفق بها تلك الاشياء." هذا التفكير يمكن العثور عليه في اعمال ميخائيل ساندل والمحافظ الليبرالي جون غراي ومختلف فلاسفة الجماعات التنظيمية الصغيرة communitarian مثل السدار ماكلينتر Alasdair Macintyre الذي يحب ان يقال له الارسطي الجديد. ومن الغريب، ان ادّعاءات مشابهة صدرت عن الماركسيين الجدد لما سمي بمدرسة فرانكفورت، وعن ما بعد الحداثويين مثل ميخائيل فوكلت. هؤلاء الفلاسفة بينهم القليل من المشتركات لكنهم جميعا يشتركون برؤية للمعرفة وللعقلانية تتبنّى تصوراً سيء الفهم للتنوير .

بعبارة مبسطة، المحافظون وفلاسفة الجماعات الصغيرة يميلون لرؤية التنوير باعتباره كان ناجحا جدا، على الاقل كقوة ثقافية، بينما الماركسيون الجدد وما بعد الحداثويون يرون التنوير قصة المحتمل الغير منجز. فمثلا، ادورنو و هوركيمر Adorno and Horkheimer مؤسسا مدرسة فرانكفورت وجدا "تناقضات ديالكتيكية في قلب التنوير". فمن جهة، اعطى التنوير الخيرات من حيث فهمنا التقني للعالم وقدرتنا لإستغلاله. غير انه فشل في تزويدنا بالفهم الأخلاقي لنتجنب الاستنساخ القاسي للعصور الأقل تكنلوجية وبدرجة اكثر قبحا. في عبارة هيوم، العقل بقي "عبدا للعاطفة"وبالنسبة لادورنو و هركمير هذا العبد للآخر صنع كل القلق بقبوله الافكار الفرويدية حول اللاعقلانية ووحشية محفزاتنا العليا. بالنسبة لبورك قادت الثقة المفرطة بالعقل الى المقصلة، لكن ادورنو اعتبر رحلة التنوير قادت الى افران الغاز النازية.

وبالمثل، تهمة الما بعد الحداثويين التي برزت من نقد نيتشة لكانط كانت ان نقد التنوير لجميع الافتراضات لم يكن مكتملا وكان ذو قناعة فردية. اعتبر نيتشة واتباعه الما بعد حداثويين ان فشل التنوير كان فشلا للشجاعة الفلسفية. حينما تجاهل التنوير للادعاءات المبكرة للعقائد الدوغمائية، فانه كان يجب ان ينفتح لتحرير الفكر والاخلاق من فكرة اليقين ذاتها. لكن فلاسفة مثل كانط فشل في الذهاب خطوات أبعد بل قام بدلا من ذلك ببناء انظمة تستبدل القمع القديم.

يقين من نوع جديد جرى تقديسه هذه المرة بالعقل بدلا من الايمان او سلطة القدماء. هذه الانظمة الجديدة للفكر هي ذاتها اصبحت اساطير متحجرة (يصفها الما بعد الحداثويون بسرد السرد) تعمل لتقييد مقدرة الانسان على تعريف واقعه وهويته الخاصة.

حرية ام عدالة؟

ان العجز الظاهر للعقل في توفير اساس صلب للاخلاق، وهو عجز يميل ما بعد الحداثويين ليروه كمحرر، كان باعثا للاحباط لدى المحافظين وانصار الجماعات الصغيرة. فكرة ان الفرد يستعمل عقله للبحث عن حقيقة اخلاقية تنال الدعم من الناس ذوي الاهتمامات المتشابهة، هي فكرة اعتبرها هؤلاء المفكرون خطيرة. طبقا لغراي في كتابه "وجهان لليبرالية 2000"العقل في افضل الاحوال يمكن ان يقودنا الى "اتفاق للتعايش المؤقت او الدائم"وهو نوع من الاتفاق يختلف بين الناس الذين لا يتوفر لديهم مقياس عام للقيم – بدلا من ذلك النوع من الاجماع على القيم الذي حلم به الليبراليون مثل جون رولس في "نظرية العدالة عام 1972".

وباعتباره من ابرز الفلاسفة الليبراليين في القرن العشرين، كان رولس هدفا دائما لنقد كل من المحافظين وفريق الجماعات الصغيرة. تجربته في الفكر الكلاسيكي"الموقف الاصلي"الذي نتصور فيه الافراد تجردوا من اي معرفة بمواهبهم وهوياتهم الخاصة عبر "قناع الجهل"(1) بينما يحاولون تعريف طبيعة المجتمع العادل، قد انتهت الى اعتبارات سلبية. يرى رولس ان "قناع الجهل" عنصرا ضروريا لأي محاولة لفهم متطلبات العدالة بشكل متميز عن متطلبات الذات او المصالح الفرعية. هو اعتقد انه لو جرى إنكار المعرفة بالجنس او الاثنية او اي مظاهر اخرى للهوية، فلا احد سيرغب بمؤسسة للدولة يُسمح فيها بالعنصرية او الجنسانية او اشكال التمييز الاخرى لأنهم سيصبحون ضحايا لها.

المشكلة هنا من وجهة نظر كل من المحافظين و فريق الجماعات الصغيرة هي انه حالما نتجرد من كل خصوصياتنا او من السمات الثقافية المحددة للفرد، فاننا سوف لن نُترك مع باحث موضوعي ومحايد عن العدالة وانما سنبقى بدون اي فرد . من هذه الرؤية، فان هذه الخصوصيات هي التي تشكل الفرد وليست مجرد اشياء عرضية كما يفترض رولس. واذا كان الامر هكذا، فان ما يحدث هو التحليل الاخلاقي وحده تجاه خلفيات التقاليد والممارسات الثقافية المعينة. الاتهام المألوف هو ان الليبرالية خاصة في شكلها الكانطي الجديد /الرولسي، تقود الى شكل ما من النسبية الاخلاقية فيها يُترك الفرد عائما دون اي مصدر ثقافي يمكّنه من المشاركة في محادثات اخلاقية مع الآخرين. الاخلاق تُختزل الى خيار للمستهلك فيه كل فرد يجد مساره الخاص به في عزلة رائعة .

هذه التهمة اُعلن عنها من قبل ماكلنتير في كتابه "بعد الفضيلة"عام 1984 وفيه يدعو للعودة الى الاخلاق التي فيها تُعرّف الفضيلة وفق معتقدات ثقافية مشتركة كمرشد مثالي لحياة الانسان. هذا المظهر من الفكر الماكلنتيري يمكن اعتباره محافظ بعمق وهو مشابه كثيرا لعناصر غراي رغم الاختلافات بينهما. مع ذلك، كلا الكاتبين لم يكتفيا باتهام الليبرالية بالفردانية العدمية بل ادّعيا انها مذنبة بالامبريالية الثقافية المدمرة، هذا كان واضحا في عمل ماكلنتير "لمن العدالة؟اي عقلانية؟(1988)، وايضا جاء متضمنا في عمل غراي "وجهان لليبرالية".

ان اتهام"الامبريالية الثقافية"يسهل فهمه مقارنة بالشك الاخلاقي والنسبية. في النهاية، هدف رولس وقبله كانط كان المجيء باستنتاجات صالحة عالميا حول العدالة تنال موافقة جميع الناس العقلانيين بصرف النظر عن ثقافاتهم. وهكذا فان نوعا واحدا فقط من المجتمع يمكن اعتباره عادلا بينما المجتمعات الاخرى يُحكم عليها اوتوماتيكيا بانها قريبة او بعيدة عن هذا المثال. نتيجة هذا التفكير كان شحن الامبريالية الغربية لتستمر بقمعها ووسائلها المدمرة والتي تجسدت ظاهريا في الايديولوجية الليبرالية لحقوق الفرد. غير ان "الديمقراطية" و "حقوق الانسان" وفّرا لنا حرية تامة في التعامل العنيف مع التقاليد والعادات والمؤسسات السياسية لأي جماعة لاتميل للانسجام مع مستوياتنا. اتهامات مشابهة وجّهها كل من ادورنو وهوركمير، وقد نعترف، ان هذين الماركسيين يشتركان بهذه الرؤية ليس فقط مع غراي وماكلينتر وانما ايضا مع احد اكبر الليبراليين المتشددين في القرن العشرين اسحق برلين.

جادل برلين في مفهومان للحرية(1951) بان هناك نوعان من الليبرالية، احدهما لايستحق حتى اسمها ويطمح لتاسيس حقيقة اخلاقية مشتركة على اساس من الإجماع العقلاني بين الافراد المستقلين. هذه هي ليبرالية كانط. غير ان هذا مستحيل لأسباب ذكرناها سابقا. ماهو عقلاني ليس مصدرا عالميا وانما هو شيء معرّف ثقافيا. بالمقابل، الأساس الملائم للّيبرالية كان يكمن في الاعتراف بان هناك فقط تغيير ملتبس ومستمر في الطرق المتباينة والغير منسجمة للانسان والتي ستقاوم الى الابد الرغبة في الوصول الى إجماع. وهكذا، فان المُثل العظمى للتقدم والكمال في المؤسسات الانسانية لابد من التخلي عنها امام الحياة الانسانية الحقيقية واستحالة تأسيس عقلانية عملاقة لأي مجموعة من القيم المفتقرة لقياس مشترك.

رعب النسبية

 القصة حتى الآن هي ان التنوير وايديولوجيته الوليدة – الليبرالية – يقف في قفص الاتهام بسبب كل من شكّيته الاخلاقية التآكلية وميله للتجريد. لقد لاحظنا كيف ان هذين الاتهامين لهما اصول متشابهة. الافتخار بالعقل ترك الفرد بعيدا عن الحياة الكريمة (الحياة التي تستحق ان تعاش) التي تمنحه اليقين، ليبقى بنوع من الثقة المفرطة الجاذبة لمختلف الاوهام عن العقلانية التي رآها ملاءمة لتُفرض على الآخرين.العلاج لهذا المرض هو ان نصبح متواضعين مرة اخرى: ان نرى بان لا وجود هناك لحقيقة شاملة وان ما موجود هو فقط اتفاقات محلية بين الناس ذوي الاهتمامات المتشابه الذين ليس من مصلحتهم التدخل في شؤون الآخرين . نحن نحتاج للنظر الى مصادرنا الثقافية الخاصة لنربط انفسنا بمصدر آخر كما فعلنا في الماضي.

هذا في افضل الاحوال نوع من الوهم وربما بالنتيجة سيقود الى رعب تام. الوهم يأتي من حقيقة اننا لكي نرى اي لحظة في الماضي كنموذج للإجماع والسلام الاجتماعي فهي لابد ان تخلو من المعرفة بالتاريخ. (غراي يؤكد على هذه النقطة في نقده لفلسفة انصار الجماعات الصغيرة). المجتمعات بحكم طبيعتها تتميز بالصراعات والاهتمامات الفرعية. وكما يدرك كل من الماركسيين وما بعد الحداثويين ان السلطة تمنح جماعات معينة المقدرة على تعريف الواقع والحياة لكل شخص اخر. فكرة وجود نوع سعيد من طريقة مشتركة للحياة ليست اكثر من دهان رديء متكرر لتغطية جروح القمع والصراعات . الرعب ينفجر بسبب عدم وجود فكرة شمولية للعدالة مما يجعل من الصعب تبنّي اي دفاع عن اولئك الذين يتعرضون للقمع . وهكذا يمكن لنا ان نرى ان اتهام النسبية والذي كان دائما ضد الليبراليين هو في الحقيقة ينطبق على متهميهم. الفرق هو في اين تبدأ النسبية واين تنتهي. فريق الجماعات الصغيرة والمحافظون يرون النسبية مشكوك فيها فقط عندما يتخذ الافراد قرارات اخلاقية. بالمقابل، هم مرتاحون للنسبية في مستوى الثقافات لأنهم لايرون هناك مصدر للحقيقة الاخلاقية له سلطة وضع الافتراضات الثقافية امام التساؤل.

التسامح مع الفرد

ان قضية العلاقة الملاءمة بين الجماعة والفرد هي السؤال المركزي في الفلسفة السياسية. الليبراليون من مختلف الاتجاهات يميلون لتفضيل الفرد. الافراد هم انواع قادرة على المعاناة، وهذه الحقيقة تبدو هامة للبعض منا. بالمقابل، الجماعات هي عادة اشياء مشكوك فيها، لها ميل للالتفات الى بعض اعضاءها، وتكون سلبية خصوصا مع من لا ينتمي اليها. هذا احد الاسباب التي تدفع الليبراليين ليكونوا اقل ايجابية من المحافظين و انصار الجماعات الصغيرة حول دور "الجماعات الوسيطة" في المجتمع المدني. الكنائس ومنظمات الجالية وغيرها هي دائما جيدة، لكن مساعدتهم هي عادة مشروطة بقبول المستفيدين لقيم معينة او اجتيازهم لاختبارات محددة. احيانا، كما في الولايات المتحدة حين وُجد في قضية العرق بانه يتوجب على الدولة العمل بفاعلية لحماية الفرد من الجماعة. ربما يقال ان الجماعات مؤلفة من افراد، لكن استنتاجات علم النفس الاجتماعي خاصة تلك المتعلقة بالطاعة او سلوك الناس غير المنتمين الى جماعة محددة ربما يجعلنا حذرين من القبول اللانقدي لمعتقدات الجماعة. هذا يجعل اتهام الاسلوب التنويري "فكر لنفسك" بالمسؤولية عن الجرائم الجماعية يبدو اتهاما مزعجا للعديد من الليبراليين. ان جوهر نقد برلين وغراي للمُثل التنويرية يبدو نوعا من المغالطة المنطقية. هم يتهمون بان المثل الليبرالية للكمال تدفع لنوع من عدم التسامح في الاختلافات. مغالطتهم هي في الاعتقاد ان المثل الليبرالية يمكن تطبيقها على الافراد بدلا من الاطر القانونية او المؤسسات. "الامبريالية الثقافية" الليبرالية هي ليست حول القول بان الخيارات التي يعملها هذا الفرد او ذاك هي خاطئة او غير ملائمة، وانما حول تحدّي المؤسسات التي تجعل مثل هذه الخيارات مستحيلة اينما كانت. نحن يجب ان نكون غير متسامحين تجاه الثقافات والانظمة غير المتسامحة، بينما نرسخ حقوق الافراد في اتخاذ خيارات مختلفة لأنفسهم . قيمة التعددية تعمل فقط في مستوى الفرد لأن قبول القيم غير المتسامحة على مستوى الجماعة يعني القبول بان بعض الافراد في الجماعة سيكونون متحاملين ضدها.

ليبراليو التنوير لا يواجهون صعوبة في تمسّك النظام بمستوى مثالي للتسامح، لكن بالنسبة لغراي وفريق الجماعات الصغيرة مثل ماكلنتير، لا وجود لمثل هذه المستويات في التطبيق. بالنتيجة، نحن نعود مرة اخرى الى بورك في "الانحياز المحلي"، وانه لا يبدو كمكان جيد للبدء لو اردنا وقف اعدام المثليين. المشكلة المركزية تبقى في ايجاد منظور نعمل منه احكاما حول المؤسسات الاجتماعية والسياسية والثقافية تكون اكثر من مجرد وجهة نظر من داخل تلك المؤسسات .نحن نحتاج لنكون قادرين "للخروج من النهر". قد يكون ذلك مستحيلا، ولكن بالنظر لكل الاسباب التي ذكرناها سنحتاج لخلق موقف نقدي لكي نقيّم ترتيبات محلية معينة.

ثلاثة خيارات

 هناك ثلاثة طرق ممكنة تطرح ذاتها:

1- الاتجاه الكانطي/ الرولسي القديم المرتكز على مبادئ العدالة الممكن اكتشافها بواسطة العقل الكوني. نحن استبعدنا سلفا هذا الاتجاه.

2- الخيار الثاني يستلزم الفكرة الارسطية بان حياة الانسان لها هدف نهائي . المؤسسات والممارسات التي تقيّد مقدرة الفرد على العمل او التحرك نحو الهدف النهائي يمكن اعتبارها غير شرعية. المشكلة مع هذا الخيار انه لا يقوم بالكثير تجاه سبب التسامح الذي كنا نناقشه. ارسطو لديه فكرة محدودة حول ما يجب ان يكون عليه شكل حياة الانسان المثالية، وان تبنّي مثل هذه الافكار كمقياس لنا يُحتمل ان يقود الى استنتاجات سلطوية.

3- الخيار الثالث اقترحه الليبرالي الانجليزي الكبير جون ستيوارت مل، وهو نوع منقّح للموقف الآرسطي فيه لايزال يُفترض امتلاك الافراد لهدف نهائي، لكنه هدف خاص بهم وليس عاما لكل الناس. وفق هذه الفكرة، يصبح لحياة الانسان معنى بقدر ما يتعلق بالمقدرة "على النمو طبقا للقوى الداخلية التي تجعله شيء حي"(حول الحرية، 1859). وهكذا، يرى مل لا وجود لمثال واحد للتطور الانساني وانما فقط طرق ليتميز بها كل واحد منا. هنا يمكن القول ان المؤسسات الثقافية والسياسية يمكن الحكم عليها وفق المدى الذي تكون فيه واعية بهذه التعددية. وبهذا، لا يجب على الافراد اتّباع اي صورة من الكمال، فالمجتمعات والمؤسسات السياسية تكون جيدة او سيئة بالمقدار الذي تسمح لنا لنزدهر انفراديا.

What’s wrong with The Enlightement? not as much as some people think, philosophy Now

 

حاتم حميد محسن

.......................

الهوامش

(1) قناع الجهل veil of ignorance هو طريقة لتقرير اخلاقية القضايا السياسية، اقترحها الفيلسوف الامريكي جون رولس عام 1971 في عمله "الموقف الاصلي". انها تعتمد على ممارسة التصور الذهني: الناس حينما يتخذون قرارات سياسية فهم يتصورون انهم لايعرفون اي شيء حول السمات الشخصية والمواهب والقدرات والاذواق والطبقة الاجتماعية او المواقع التي سوف يشغلونها ضمن النظام الاجتماعي. عندما تختار مثل هذه الاحزاب مبادئ لتوزيع الحقوق والوظائف والموارد في المجتمع الذي يعيشون فيه، فان هذا "القناع من الجهل"يمنعهم من معرفة منْ سيستلم تلك الحقوق والوظائف والموارد في ذلك المجتمع. فمثلا، اذا كان في مجتمع معين 50% من السكان هم من العبيد، يتبع ذلك انه عند دخول المجتمع الجديد فان احتمال 50% من المشاركين سيكونون من العبيد. الفكرة هي ان الاحزاب العرضة لقناع الجهل ستتخذ خيارات مرتكزة على اعتبارات اخلاقية لأنهم لن يكونوا قادرين على عمل خيارات قائمة على مصالحهم الخاصة او الطبقية. يقول رولس"لا احد يعرف مكانه في المجتمع، او طبقته او مكانته الاجتماعية". الفكرة ستنبذ تلك الاعتبارات الشخصية غير الملاءمة اخلاقيا لمبادئ العدالة في توزيع ثمار التعاون الاجتماعي.

ali mohamadalyousifتحتل واقعة الموت مكانة هامة في الوجودية التي تعد (فلسفة الحياة) احد جذورها، ويعد (زمل Zimmel) حلقة وصل هنا، فهيدجر يشير صراحة إلى مفهوم الموت عند زمل، ولكنه يوجه اللوم اليه لانه ينظر إلى المشكلة بيولوجيا فحسب لا (وجودياً)، ويعد (جوته) خير من مثل الرؤية البيولوجية للموت حينما يصفها بأنها (حيلة الطبيعة لضمان المزيد من وفرة الحياة)، ومن ناحية اخرى فأن الرؤية الوجودية للموت تتضمن المغزى الخاص الذي يتخذه الموت بالنسبة للانسان الذي يعرف وحده من بين المخلوقات الحية جميعاً، ان عليه ان يموت وحده الذي يوجد(1).

يعتبر سورين كيركارد أحد أبرز فلاسفة الوجودية (1813-1855)، اول من اشار ان الانسان يعرف ان كل البشر فانون، لكن الفهم الوجودي هو: انني بدوري لابد ان اموت ايضاً، والمعنى الوجودي يختلف فهو عند (ياسبرز) الوجود الانساني، وعند هيدجر الوجود المتعين، والوجود لذاته عند سارتر الذي هو الوجود الفردي الواقعي الذي لا يمكن ان يعرفه معرفة ذاتية الا امرؤ موجود، وتختلف الفلسفة الوجودية اختلافاً جذرياً عن (الانثروبولوجيا الفلسفية) التي تهتم كذلك بالانسان، فالانثروبولوجيا تؤكد محاولة الانسان ان يكشف ما يجعله انساناً يختلف عن بقية الكائنات الاخرى، حيث تؤكد الوجودية انها معنية بالانسان كفرد، وليس الانسان كنوع، والوجودية تدرك وجود الاخرين، لكن العالم باعتباره (كوناً) لا يعنيها، وقد شن كل من كيركارد وماكس شتيرنر هجومهما اللاذع على هيجل، ويعتبر شتيرنر وهو اسم مستعار ليوهان كاسبار شمت (1806-1856) فيلسوف الماني، مؤسس النزعة الفردية كان في شبابه على صلة بالهيجليين الشبان الذين من ضمنهم ماركس وفيورباخ، الحقيقة الوحيدة في نظره هي الانا، وكل فرد هو نفسه مصدر الاخلاق والعدالة، وينبغي في رأيه المحافظة على الملكية الخاصة، حيث ان ذاتية (الانا) ماثلة فيها (2).

كما اكد شتيرنر ان الانسان المطلق ليس إلا خيالاً (شبحاً) ويرجع ياسبرز سبب اختلاف الفلاسفة الوجوديين، التي لولاها لاخذت الوجودية امتداداً اوسع إلى (الوعي بهشاشة الوجود) ويعتبر هيدجر: (تجربة المضي قدماً نحو الموت) أو عدم الشعور بالانسجام مع العالم، وهي لدى سارتر: التقزز الشامل ازاء الوجود الذي يفصح عن نفسه في صورة غثيان(3).

والوجودية تؤكد مسألتين وان بدتا متناقضتين هما: (الامكان المرعب للاوجود) و (الرعب في الوجود) أو كما يعبر سارتر الشعور بالضياع في عالم عدو، وفي اعترافات لفلاسفة، فأن القديس أو غسطين قال: (انتابني اشمئزازاً هائلاً من الحياة وفزع الموت)، وكذلك بسكال: (حينما افكر في المدى القصير لحياتي الذي يلتهمه الازل، الذي سبقه والذي يليه، وفي الحيز المحدد الذي اشغله... أحس بالخوف... ان الفصل الاخير لعين، يهال بعض التراب على رأس المرء، وهذا هو كل الامر بالنسبة له إلى الابد).

كما كتب كيركارد في يومياته: (الواقع باسره يخيفني من اصغر ذبابة حتى اسرار البعث، وكل شيء عبارة عن لغز بالنسبة لي، واكثرها الغازاً أنا ذاتي، والوجود باسره يبدو مسموماً لي، واكثرها سموماً وجودي، أنا ذاتي، وكم هو فضيع عذابي).

ويقدم (جلوكنز) ليس الموت هو المشكلة الفلسفية وانما انني اموت بالفعل ويقول حين قصصت الحوار على معلمي ريكرت، دمدم محتداً قائلاً: اننا لسنا محتضرين، اننا موتى فحسب.

وقد عاش كيركارد وهو اللاهوتي المسيحي قلقاً لازمه عبّر عنه ما يهمه ليس الموت كواقعة بل، خلاص نفسه من الخلود ومشكلته كانت كيف يحيا حياة بل الاهم كيف يتغلب على شكوكه الدينية.

ويوضح كيركارد فلسفته الوجودية قائلاً (هناك ثلاثة مجالات وجود للحياة، أو ثلاثة مراحل، المرحلة الجمالية، والاخلاقية، والدينية، يعيش فيها الانسان على التوالي حياة مكرسة للمتعة، وللالتزامات الاخلاقية والاجتماعية، وللمقاصد الدينية، غير انه يعيش في كل هذه المراحل ان آجلا أو عاجلاً اليأس والقلق: (ذلك ان الانسان ليس حيواناً، ولا روحاً بلا جسم، وانما هو مركب من الزمان والازل، من النسبي والمطلق، ووقوع توتر قتل امر لا يمكن تجنبه) وما من انسان يمكن ان يهتم بالله دون ان يغدو خاطئاً، ومن هنا ينشأ اليأس الديني الكامن في كل الاديان الطبيعية، ذلك ان الدين هو (المؤشر الخارجي لمرض الخطيئة البشرية الكامن) ووحي الكتاب المقدس الذي ينطوي على مفارقة عن تعالي آله الرحمة، هو وحده الذي يمكن ان يحل هذا اليأس، أما عقلنا فهو ينظر إلى مثل هذا الايمان على انه لا معقول فالانسان محاصر بين استحالة اللاايمان واستحالة الايمان ولايمكن بلوغ الايمان الا من خلال القرار أو العرفية في اللامعقول (4)، بتناقضاتها وضروب عبثها يرغب الانسان في الموت، ويتجنبه في الوقت الذي يتوق اليه (فاذا كان التفلسف يعني تعلم كيفية الموت فأن تعلم كيفية الموت ذاك هو بالفعل شرط الحياة الصالحة، فتعلم الحياة وتعلم كيفية الموت هما شيء واحد) والموت عند ياسبرز ليس فناءاً نهائياً، فالايمان وحده يمكن ان يؤكد ويزعم ان النفس خالدة، والوجود على صعيد الزمان ليس على صعيد الآخر من الموت، بل هو كأبدية في اعماق الوجود التجريبي وان كل وجود أصيل سواء أكان وجود الله أو الانسان، فهو غير متعين ولامتناه (5).

ونأتي إلى هيدجر (1899-1976)، فالوجود Being مفهوم غائم غير محدود، وهناك اشكال ومتعينات وجودية لا حصر لها، والوجود الانساني سابق على التفلسف، وهذا الفهم للوجود هو لب الانطولوجيا باسرها وهو قلب النظرية الفلسفية.

اذن الوجود الانساني وحده فقط يتعيّن ان يوجه له السؤال عن معنى الوجود، ويحدد هيدجر السمات الخاصة للوجود الانساني: (اولا انه وجودي أنا على وجه التحديد) فهو وجود شخصي وفريد، ولكن على الرغم من ان ماهية الوجود الانساني تكمن في وجوده المتخارج- بمعنى علاقته الجدلية بالعالم- وليس بهذا التخارج يفهم الوجود الانساني وان يفهم من خلال اندماج الوجود الفردي في الوجود العام – الكلي، ويوضح هيدجر، بأن الوجود الانساني في تفرده وتميزه أي (ان يكون هناك ارتباط مع) و (صنع شيء ما) و (القيام بشيء ما) و (تنفيذ شيء ما) و (الافصاح) و (التساؤل) و (التأمل) و (المناقشة) و (اتخاذ القرار)، ويؤكد هيدجر ان الوجود البشري كنمط خاص من انماط وجوده في العالم، لا يعني العلاقة مع الطبيعة لانها جزء وجودي هي الاخرى في العالم، ولكنه يريد العلاقة مع العالم والمحيط، الوجود اليومي في العالم، ويتدارك هيدجر الوجود اليومي في العالم، وجود تافه، مزيف، غير اصيل للانسان، فهو وجود ثانوي مستهلك وسطحي حيث انه يعتمد على السماع عن الآخرين ويطلق عليه (السقوط في الناسية) وصحيح ان مثل هذا الوجود يجلب السكينة والارتياح، الا انه يجلب الاغتراب(*)، والقلق بمفهوم هيدجر يكشف (عن العدم الذي يحدد الوجود الانساني).

والتحلل في العالم- أي الاندماج الفردي الوجودي بالكلية، المحيط، المجتمع- يعني فرار الانسان من ذاته، وما يهرب منه الانسان هو الوجود الحقيقي له ، وقلق الانسان لدى هيدجر هو غير الخوف، فالقلق يرتبط بالوجود في العالم بوصفه وجوداً نحو الموت، انه ينبع من وجودنا الانساني نفسه، بل هو الوجود الانساني ذاته ومن ثم فالقلق ليس شيئا نفسيا كما هو المتداول، في حياتنا (6).

وكما ان الوجود الانساني هو وجودي (انا) على وجه التخصيص فكذلك الموت، ومن الممكن ان يموت انسان من اجل اخر، لكنه ما من احد يمكن ان يحرر آخر من الموت، بمعنى ان ينقذه من حتمية موته، والوجود الانساني يموت في الحقيقة طالما هو موجود (بمعنى الانسان يموت لحظة يولد ولو لم يأت للحياة بالولادة لا يقع تحت طائلة الموت الحتمي)، فما ان تدب الحياة في الوجود الانساني حتى يبلغ من العمر القدر الكافي للموت.

ما هو اكثر اهمية ان التحليل الانطولوجي نحو الموت، لا يحسم شيئا فيما يتعلق بما اذا كان وجود آخر أسمى أو ادنى، هو امر ممكن بعد الموت هناك تشكيك واضح من هيدجر ان البعث ويوم الدينونة لا يمكن البرهنة عليها ولا البرهنة على نفيها وهو ما تكرر كثيراً عند عدد كبير من الفلاسفة سبقوه أو جاؤا بعده.

وتتحدث سمات الموت لدى هيدجر بالتالي:

الموت امكانية بالغة الخصوصية من حيث انه ما يخص الفرد لوحده فقط، والموت امكان لا يرتبط بشيء، من حيث جميع العلاقات بمختلف الوان الوجود الانسانية الاخرى تنحل (بعد موت الفرد)، والموت امكان لا يمكن للمرء ان يتخطاه، من حيث انه يمثل الامكان الاقصى (امكان الاستحالة المطلقة للوجود الانساني)(7).

يدين سارتر بالكثير لهيدجر، لكنه لا يسيء تفسيره وانما هو يختلف معه، وربما كان اوضح اختلاف بينهما هو تجربة الموت، ومن معايشة سارتر للموت كعضو في المقاومة الفرنسية للنازية، يقول كنا نعيش المعنى الكامل لهذه العبارة الصغيرة (الانسان فانٍ) وان الموت افضل... وكما يصف (ريلكة) ان الحياة تأهب للنهاية، يعبر سارتر ان الموت يحدثنا عن انفسنا فقط، بل انه يقوم بذلك في الاطار الانساني فحسب، وعلينا ان ندرك (عبث) الموت فالانسان- امام حتمية الموت- يبدو كمحكوم عليه بالاعدام يعد نفسه بشجاعة للنهاية، ولكن خلال هذا الوقت نفسه يموت بالانفلونزا، وقد فهمت المسيحية ذلك وهي تنصحنا دائماً بأن نعد انفسنا للموت، وهكذا اصبح هدف الحياة انتظار الموت، وغدا الموت الخاتم الذي تدفع به الحياة (8).

ويناقش سارتر عبارات هيدجر: (الشيء الاخر الذي لا يمكن لآخر ان يؤديه بدلاً مني، باضفاء هيدجر طابعاً فردياً على الوجود الانساني ذاته، من خلال تصميم الطابع الفردي الـ (أنا) للموت، ويشير كارل ليمان ان هيدجر يتحدث كما لو ان هناك نوعين مختلفين من الموت: الظاهرة الطبيعية التي لا تعني الانسان كوجود، والموت الانساني الفردي المحدد.

ويقول سارتر لا يسعني التحدث عن موتي الا من منظور الذاتية، فذاتيتي هي التي تجعل موتي، موتاً متعلقاً بي، ويختلف سارتر في هذا مع ديكارت ايضاً في القول بأن الانسان في وعيه يدرك في الحال وجود الاخرين وانه اكثر تيقناً من هذا مما هو متيقن من نفسه.

ويستنتج سارتر ان الموت ابداً ذلك الذي يمنح المعنى للحياة، وانما هو على العكس ذلك الذي يحرم الحياة من كل مغزى، واذا كان علينا ان نموت فأن حياتنا تخلو من المعنى لان مشكلاتنا لا تتلقى اي نوع من الحل، ولان معنى المشكلات ذاته يظل دونما تحديد (9)، ويضيف سارتر ان الفارق بين الحياة والموت هو ان الحياة تقرر معناها لانها دائماً في (تعطل مؤقت) وهي تمتلك القدرة على النقد الذاتي والتحول الذاتي اللذين يسمحان لها بأن تعرف بأنها لم تتحقق بعد، أما حياة الموتى فقد انتهت فهي لن تكون مسؤولة عن شيء يحدث لها، ويضيف سارتر الموت انه واقعة خالصة شأن الميلاد، يأتي الينا من الخارج ولا يمكن التمييز اساساً بينه وبين الميلاد، وهذا التوحيد بين الميلاد والموت هو ما ندعوه بـ (الوقائعية)(*).

ويصر سارتر على الفصل التام بين فكرة الموت وفكرة التناهي، وعادة ما يتم افتراض ان الموت هو الذي يشكل ويكشف لنا تناهينا، وهكذا فأن الموت يتخذ فكرة الضرورة الانطولوجية، سبق ان مررنا برأي سارتر ان الموت عبث واذا لم نجتزأ افكاره عن سياقها، أو فعلنا ذلك، فأن التناقض واضح جداً بين ان يكون الموت ضرورة انطولوجية، وبين ان يكون عبثاً، فسارتر يؤكد معلومة فلسفية قيلت اكثر من مرات عديدة في كتابات فلاسفة وادباء اللامعقول قائلاً: (واذا كان من العبث ان يتوجب علينا ان نولد فمن العبث انه يتعين علينا ان نموت) والعبث اغتراب دائمي للوجود كأمكانية انني لست حراً في ان اموت، وانما انا فأنا حر (10)، يحدد جاك شورون المفاهيم الاساسية الثلاثة التي تقوم عليها فلسفة سارتر وهي: (السلب) و(الحرية) و (الموقف).

ويتفق سارتر مع هيدجر بأن السلب هو العدم، ويتجاوز هيدجر حين يعتبر العدم ليس متعالياً، أو عالماً اعلى، فالعدم في قلب العالم، في قلب الوجود (كالدودة).

وفي مسألة الحرية يرفض سارتر القول بأن الانسان هو ابعد ما يكون عن صنع نفسه، ويبدو قد صنعه المناخ في الارض، والجنس، والطبقة، واللغة والتاريخ والجمع الذي يشكل جزء منه العوامل الوراثية، والظروف الخاصة لطفولته والعادات المكتسبة، والاحداث الصغرى والكبرى في حياته.

يقول الانسان فانياً حراً، وليس حراً فانياً، وان بمقدور الانسان ان يختار الموت لكنه لا يستطيع الموت بمشيئته، وانه ليس هناك حرية الا في (موقف) وليس هناك موقف إلا من خلال الحرية، والواقع الانساني يصطم في كل مكان بعقبات لم يخلقها، لكن ضروب المقاومة والعقبات تلك لامعنى لها إلا من خلال الاختيار الحر الذي هو الواقع الانساني، وهذا الاختيار الحر يستلزم المسؤولية، فالانسان فيما يرى سارتر محكوم عليه بأن يكون حراً، وباعتباره كذلك فأنه يحمل عبء العالم على كاهله، أما ان كانت فلسفة سارتر ستصبح مصدراً لليأس أو تحدياً لتنفيذ حكمه بعبثية الحياة والموت، فذلك امرُ سيعتمد على استعدادنا لاستخدام حريتنا التي دافع عنها سارتر بقوة بالغة للبحث عن معنى الحياة (11).

كانت لحالة القلق إزاء الموت تأثير اعظم على على فكر الفيلسوف المسيحي الوجودي جابريل مارسيل (1889-1973) مما لها على فلاسفة الوجود الاخرين، فالموت يتمثل منذ البداية ذاتها كدعوة دائمة لليأس، وربما يرجع وعي مارسيل الحاد بالفناء إلى موت امه حينما كان طفلاً في الرابعة من عمره، ويعالج لغز الموت ومشكلة الخلود من موقف ايمان حي لا يحده لاهوت، ويتساءل إلى أي حد يصبح النظر إلى مشكلة الخلود، باعتبارها بديلاً بسيطاً يقع بين كون المرء حقيقة وبين كونه وهماً، فهل مثل هذا التعارض بين الحقيقي والخيالي الذي نطبعه على العالم التجريبي قابل للتطبيق هنا؟ وهل يمكن تشبيه الايمان بالخلود بالسراب الخالص؟ وتتجاوز اهمية الايمان بالخلود، عند مارسيل أي شك، وتعتبر وجهة النظر القائلة بأن انكار الخلود سيجعل الحياة ذاتها اكثر قيمة واهمية هي فكرة خاطئة، ويعتبر الايمان بالخلود يجعل الدنيا وبصورة متزايدة دونما قيمة ومتجردة من أي معنى جوهري.

وينظر مارسيل إلى الميتافيزيقيا على انها طاردة لليأس الملازم لفكرة الموت ويؤكد (انني مهتم للعالم وفي الوقت نفسه متجاوزاً له، وان الموت ليس عدماً) و(ان كل فرد هو رمز أو تعبير عن لغز انطولوجي) ولابد من الاقرار بأن الوعي بهذا اللغز قد يكون في ذاته كافياً لمقاومة اليأس النابع من مواجهة الموت (12).

 

 ...................

(1) جاك شورون، مصدر سابق، ص 235.

(2) د. امام عبد الفتاح امام، هامش كتاب الموت في الفكر العربي، ص 236.

(3) جاك شورون، مصدر سابق، ص 236.

(4) المصدر السابق، بتصرف، ص 238.

(5) المصدر السابق، ص 240-242.

(*) لفظة الاغتراب بالانكليزية (alienation) ويرادفها لفظة الاغتراب في الالمانية (Entremdag) وقد وقع المترجم في التباس جعل الغربة والاغتراب معنى لشيء واحد، المؤلف.

(6) جاك شورون، مصدر سابق، ص 240-242.

(7) المصدر السابق، ص 249-250.

(8) المصدر السابق، بتصرف، ص 253-257.

(9) المصدر السابق، ص 259؛ نقلاً عن (جمهورية الصمت) سارتر، ص 624.

(*) يوضح الدكتور امام عبد الفتاح الوقائعية بانها صفة ما هو واقع وتطلق على احوال الانسان التي لا اختيار ولا ارادة له فيها، وهي غير الواقعية بالطبع- المؤلف.

(10) المصدر السابق، ص 264.

(11) المصدر السابق، بتصرف، ص 266- 270.

(12) المصدر السابق، ص 276-278.

 

 

zouhair khouildi"لماذا نتفلسف؟ يبدو أن اللفظ يجاب عليه من ذاته: من أجل الحكمة (صوفيا) حيث الفلسفة هي الحب ( فيلاين، يحب) أو المهمة. لكن لا شيء يؤكد بأن الايتمولوجيا لها حق. لماذا لفظ ما قد كان يقول الحق؟"1[1]

1- تشتق الفلسفة من الفعل الإغريقي فيلاين الذي يفيد الحب ومن المصدر صوفيا الذي يعني الحكمة ولكن يمكن للفظ الفلسفة أن يتم تطبيقه أولا على فيلسوف معين فيقال على سبيل ذكر فلسفة مارتن هيدجر، وفي مرحلة ثانية على ثقافة معينة فيقال على جهة المثال فلسفة إغريقية، وفي مرحلة ثالثة على ميدان معين فيقال من أجل الإفادة فلسفة الاقتصاد وفلسفة التاريخ وفلسفة الحضارة وفلسفة اللغة وفلسفة الرياضيات.

لقد كانت الفلسفة لمدة طويلة تفيد المعرفة المطلقة وكان اللفظ يتضمن ما يسمى اليوم جملة العلوم الدقيقة والمعارف الجزئية ويعرف بأم العلوم. كما بقيت الفيزياء في القرن السابع عشر والقرن الثامن عشر تسمى الفلسفة الطبيعية. أما المعنى الراهن للفلسفة فيغطي ميدان محدد ومضبوط من الفكر والمعرفة بالنظر إلى إحراز مختلف العلوم على استقلالها وسيادتها على موضوعها من جهة نحت المنهج والجهاز المفاهيمي.

بيد أن المعنى الأكثر قبولا في الوقت الراهن الذي اكتسبته الفلسفة يدور حول الفعالية العقلانية النقدية التي يتم التعبير عنها من خلال الدروس الشفوية المرتجلة والنصوص المكتوبة والحوارات الحية والنقاشات الجادة والتجارب المدونة والمقابلات الفكرية التي تستهدف بلوغ حقائق الكون ومعان الأشياء وقيم الفعل.

على خلاف الدين، الذي ظل طال التداخل والاجتماع بينهما، لم تعد الفلسفة راضية على البقاء في خدمة اللاهوت والدفاع على آراء موروثة وعقدية تند عن كل برهنة موضوعية وتحقق تجريبي وتثبت منطقي.

لقد ضربت على عرض الحائط بالتصورات التقليدية عن المجتمع والعالم التي تم التعبير عنها في الأنساق الميثولوجية وتحولت إلى شكل نوعي من الفكر الذي يقوم بتنظيم مواد المعرفة بصورة منهجية ومنطقية.

لقد قررت اعتماد كتابة مميزة والاشتغال على الأسئلة دون تقديم أجوبة مطلقة واتجهت نحو اعتماد مناهج مستقلة والاشتغال على جملة من المفاهيم ونسق من الرموز والعلامات وتوخي أساليب حجاجية خاصة.

لقد تحركت الفلسفة منذ الإغريق حول قيميتين كبيرتين: قيمة نظرية للحقيقة وقيمة عملية للخير. لقد كانت قيمة الحقيقة الموضوع الخاص بنظرية المعرفة وتصورها للطبيعة ونظريتها الميتافيزيقية، بينما كانت قيمة الخير الموضوع الخاص للفلسفة العملية من جهة الأخلاق والسياسة وشملت بعد ذلك الفن والاقتصاد.

بهذا المعنى يتناول المشكل الفلسفي الذي بقي من أول اهتمامات الفيلسوف في الآن نفسه الفكر والحياة ويجدر بالفلسفة أن تتطابق مع فكرة الحكمة وأن تتحول إلى نموذج الوجود المستمر من التحكم في الذات وتمرين الحرية الباطنية للحكيم في مواجهة ضرورات الحياة واكراهات العالم ومشاكل الواقع الاجتماعي.

2- الفيلسوف هو الباحث عن الحقيقة والمفتش عن المعنى والمشرع للقيمة ولكنه عند الإغريق هو المؤثر للحكمة والمحب للمعرفة ويوجد في منزلة وسطى بين الجاهل الذي يجهل جهله والسوفسطائي الذي يدعي امتلاك الحكمة وبالتالي يطلق عليه صفة الحكيم وتتعلق به مهمة التفكير في الوجود ويقظة الوعي بالذات.

ليس الفيلسوف كائنا مقدسا ولا معصوما من الأخطاء مثل الأنبياء بل يمكن أن تزل به قدمه ويرتكب العديد من الآثام ولكنه يتدارك أمره عندما يقتدر على التمييز بين الصواب والغلط ويعثر على القسطاس المستقيم ومعيار العلم ويصلح نفسه أولا ويسعى جاهدا إلى إصلاح مجتمعه بالابتعاد عن الرذائل وإتيان الفضائل.

لقد وقع فيثاغورس منذ القرن السادس قبل الميلاد نظرية في الرياضيات باسمه وكان أول من أطلق صفة فيلسوف على فئة من الناس تهتم بممارسة التفكير واستنباط القوانين وتأمل الكون واعتبار ظواهر الطبيعية فإذا كانت الآلهة هي التي تحوز على مطلق الحكمة وكليتها فإنه يبقى للبشر محاكاتها وإيثارها على الأقل.

لقد كان هذا الدرس دعوة إلى التواضع والاعتراف بالضعف البشري والسعي إلى كسب العلم على الرغم من أن الحكمة بالمعنى الإغريقي هي المعرفة الأكثر اكتمالا والسير بطريقة منتظمة ومستقيمة وفق العقل.

من هذا المنطلق لا يمكن إعطاء تعريف صارم ونهائي لمفهوم الفيلسوف، بل إن صورته وشكل حضوره في الفضاء الخاص وضمن النقاش العام قد تبدل في العديد من المرات وتغيرت بتطور الأزمنة التاريخية.

لقد حمل لنا التاريخ أن ديوجين اللايرتي كان محبا للحكمة وعاش هائما على وجهه ولم يكتب كتابا فلسفيا واحدا ولم يدرس الفلسفة مثل أفلاطون في أكاديميته أو أرسطو في معهده وأن كانط في القرن الثامن عشر هو أول من جسد شكل الفيلسوف بماهو أستاذ فلسفة يدرب على محبة الحكمة في مؤسسة تعليمية رسمية ويضع أفكاره في مؤلفات فلسفية ويؤثر، وفق قاعدة بيداغوجية مشهورة، تعليم التفلسف على تعليم الفلسفة.

لقد ظهر العديد من المثقفين الملتزمين في عصر الأنوار وأثناء الثورة الفرنسية على غرار فولتير وروسو وأصدروا مواقف تاريخية حاسمة طبيعة الحكم ومستقبل الدولة المدنية وناصروا العلمنة والديمقراطية وأثروا على صورة الفيلسوف ونبهوا إلى أهمية التفلسف والرسالة الحضارية النبيلة للفلسفة في المجتمع. في حين كان ديكارت قريبا من اللاهوتيين من رجال الكنيسة وأطلق على نفسه تسمية عالم وفيزيائي. لكن يبقى الفرق قائما بين الفيلسوف الملتزم والمثقف العضوي وبين المفكر الاستراتيجي والباحث الميداني.

لقد صار الفيلسوف في اللحظة الراهن ذلك المفكر الذي يكتب بحوثا استشرافية ويعبر عن أفكار سياسية ولقد جعله جيل دولوز مبدعا لمفاهيم ومخططا لمسطحات محايثة مقطعا إياها من السديم طارحا عليه مشاكل عصره وباحثا عن صور فكر جديدة تبدع أشكال جديدة من الحياة ومحتفلا ببراءة الصيرورة.

في هذا المقام " على الإنسان أن يكون صارما، على الإنسان أن يقف بثبات وأمان على ساقيه - وإلا فلن يحب على الإطلاق... هل أنصت الناس لتعريفي للحب؟ انه الشيء الوحيد الجدير بالفيلسوف..."2[2]

3- التفلسف حركة ونشاط وتجربة وفاعلية تتراوح كلها بين العودة إلى الذات والوجود في العالم وبين الإقامة في النفس وشد الرحال على حوافي الوجود وبين الإقبال من الأقاصي والإدبار نحو البدايات.

التفلسف حركات ذهاب وإياب ومد وجز وهبوط وصعود ومفارقة ومحايثة واستيعاب وتجاوز وتنظير وتطبيق بين الجهل والمعرفة وبين العدم والوجود وبين الضرورة والحرية وبين الاغتراب والوعي.

التفلسف يمنح الفيلسوف ماهو عليه من مخاطرة ومكابدة ويمكنه من الاقتدار على الإبحار وراء الحدود والتمرس على فن الحفاظ على الذات الإنسانية والتمكن من مواجهة وحشية الزمن والتغلب على الشر.

التفلسف مهارة يتقنها الكائن المغامر دائم التساؤل وملازم الترحل وينزعج منها الفاشل المستسلم للأقدار ويقدم عليها من يقدر على هضم التفكير بطريقة جيدة وتتوفر في حياتهه تجربة الحقيقة على النحو الكافي.

كل إنسان قادر على التفلسف من خلال الأدوات المعرفية والوسائل النظرية التي بحوزته وكل فلسفة تتأثر بالطابع الشخصي للكائن البشري الذي أوجدها بالرغم من تعلقها بالمطلق وتوجهها نحو التعبير عن الكلي.

والحق" أن كل إنسان – إذا كان فيلسوفا – يطمح إلى الكل ويسعى لتحقيقه في صورة كلية مهما تكن هذه الصورة متهافتة أو جزئية أو غامضة...ولكن ما من إنسان يمكنه أن يكون فيلسوفا على نحو ما يمكنه مثلا أن يكون عالما في الرياضيات، أي مبدع عمل أو انجاز خاص يقف تجاهه وينظر اليه من الخارج"3[3].

اذا من الزائف تعريف التفلسف بالانطلاق من الانحرافات الممكنة في تفسير الطبيعة وتدبير الواقع الاجتماعي فإنه من المرجح أن يتم إشاعة الثقافة الفلسفية في الشعب وتشجيع الناس على التفلسف مادام ذلك يمثل طريقا ملكيا نحو التمدن والتطور وإمكانية حقيقية يلامس فيها الوجود الحاضر المحبة الأبدية.

ألم يصرح فيلسوف المطرقة عن هذا التلازم غير الأصلي بين التفلسف والمحبة بما يلي: "إن صنيعتي عن العظمة في الإنسان هي واقعة الحب: على الإنسان ألا يرغب في شيء يتغير سواء في المستقبل أو في الماضي أو للأبد .لا يجب  فحسب أن يتحمل الضرورة ولا يخفيها بأي ثمن لكنه يجب أن يحبها..."4[4]؟

 

د. زهير الخويلدي

.........................

الإحالات والهوامش:

[1] Comte-Sponville (André), la philosophie, édition PUF, Paris, 2005 p120.

[2]  نيتشه (فريدريك)، هذا الإنسان، ترجمة مجاهد عبد المنعم مجاهد، دار التنوير، بيروت، طبعة 2009 ، صص80-81

[3]   ياسبرز (كارل)، تاريخ الفلسفة بنظرة عالمية، ترجمة عبد الغفار مكاوي، دار التنوير، بيروت، طبعة 2007،ص49.

[4]  نيتشه (فريدريك)، هذا الإنسان، مرجع مذكور،ص67.

 

hatam hamidmohsinواجه الليبراليون الامريكيون والديمقراطيون الاجتماعيون الاوربيون مهمة شاقة في البحث عن طريقة لصنع قرار جماعي من أجل حل المشاكل الاجتماعية باسلوب عقلاني. لكن ما هو مرغوب كان عكس ذلك تماما: كلما كانت القرارات الجماعية التي يتخذها الأفراد قليلة كلما كان ذلك هو الأفضل. ان الصيغة المعاصرة لهذه العقلانية اللامحدودة، التي لا تخشى من تحويل كل شيء الى سياسات تحت شعار الجماهيرية المدنية تسمى "نظرية الخيار الاجتماعي"(1)، التي ترتبط بكل من كينيث ارو Kenneth Arrow و امارتيا سين Amartya Sen الحائز كل منهما على جائزة نوبل. سنتوصل في هذا المقال الى ان "الخيار الاجتماعي"هو في افضل حالاته غير مثمر، وهو خطير في اسوأ الأحوال.

اقتصاد الرفاهية القديم

لـ "الخيار الاجتماعي" جذوره في الفلسفة النفعية وفي اقتصاد الرفاهية. جرمي بنثام و جيمس مل و جون ستيوارت مل حاولوا تعريف الرفاهية العامة كمجموع للمتعة الخالصة او المنفعة الفردية في المجتمع وذلك وفق اثنين من الافتراضات: ان كل فرد يُحسب كشخص واحد، وانه من الممكن مقارنة منفعة فرد واحد مع منفعة اي فرد آخر. ان اصرار جون ستيوارت مل (1861) بوجود متع عالية ومتع متدنية بقوله "ان سقراط غير راض هو افضل من خنزير راض"(2) – كان خطوة في الاتجاه بعيدا عن مقارنة بانثام الاجتماعية وهو ما قاد مل للاستنتاج ضمناً بان الناس مختلفون جدا لدرجة يصعب اضافتهم الى بعضهم . وعلى الرغم من شكوك مل، لكنه هو ذاته والاقتصاديون اللاحقون اصرّوا في بحثهم عن طرق لتجميع المنافع لصياغة الناس علميا. لذا هم بحثوا عن معيار جديد للرفاهية العامة يتجنب المقارنات الاجتماعية التي وجد مل من الصعب جدا قبولها او اعتبارها عادية.

وهكذا، في نهاية القرن التاسع عشر اقترح باريتو(3) معيارا للرفاهية لا يحتاج فيه كل فرد لحساب منفعته الذاتية ويسمح لـ "سلطة خارجية "لمقارنة وتجميع منافع الافراد المقاسة. معيار باريتو كان مرتكزا على تصنيف الافراد لأفضلياتهم بشكل ترتيبي، وهذه المواقف الاجتماعية المقبولة بلا معارضة يمكن النظر اليها باعتبارها مرتكزة على احكام قيمية مقبولة من الجميع. ان الإجماع الذي عرضه باريتو كان في ادنى حد وهو يصلح مهما كان عدد غير المصوتين . تحسّن باريتو يحدث عندما فرد واحد على الاقل يصبح في موقف افضل دون حدوث اي ظروف سيئة للآخرين. وعليه، فان معيار باريتو هو غير تام. انه لا يحاول تنظيم جميع المواقف الاجتماعية الممكنة والتغيرات في السياسة، لأنه لايذكر شيئا حول التغيرات حين يحصل تحسّن لدى البعض بينما يخسر الآخرون. ايضا، انه يضع جانبا اعتبارات التوزيع، لأن تحسّن باريتو يتم تفضيله حتى عندما يكون الفرد الذي تحسنت ظروفه بليونيرا وموقف جميع الآخرين لم يتغير. لازلنا نرى هناك مجموعة كبيرة من المواقف المقبولة باريتويا، حيث جميع التجارة في السوق الحر تجعل طرفي التبادل في وضع افضل بينما الآخرون يبقون كما هم.

وهناك خط آخر مختلف للدفاع عن حساب الرفاهية عرضه آرثر بيغو. مل فحص بعناية الاستثناءات لقاعدة عدم التدخل الحكومي في كتابه مبادئ الاقتصاد السياسي (1848) حين تحتاج عيوب السوق الى التصحيح.بيغو وسّع قائمة مل للتدخلات الحكومية المرخصة في كتاب اقتصاديات الرفاهية عام 1920. بدأ بيغو من النموذج المثالي للسوق التام ثم ادرج الانحرافات الواقعية عن الوضع التام، واقترح اخيرا ضرائب وإعانات لتصحيحها. كل طبعة من ذلك الكتاب احتوت قائمة طويلة من مظاهر فشل السوق ومسؤوليات واسعة للمنظمين العموميين. هكذا، بدت تحليلات بيغو وباستمرار وقتية تفتقد للتخطيط لتشكل مجموعة من الأعذار لتدخّل الدولة بدلا من ان تكون نظرية للسياسة العامة. بعد ذلك نأتي الى النقد المدمر لـ لونيل روبنس الذي اصدر منعا لمقارنة المنافع بين الافراد من اجل حساب الرفاهية الاجتماعية. وكما اشار (1932-35)، بان المقارنات الاجتماعية التامة للسعادة هي مستحيلة. هذا يأتي لسببين:

1- انه من المستحيل قياس المنفعة لكل فرد طالما ان الرقم الدال على الكمية سوف لن يبقى ثابتا للوحدات المختارة.

2- ان مقارنة حالات السعادة المتصورة ذاتيا بين الافراد هي ايضا مستحيلة نظرا للاختلافات في المشاعر والاحاسيس .

اقتصاد الرفاهية الجديد

الرفاهية القديمة للاقتصاد، خاصة في شكلها النفعي اُعلن بانها غير كافية. حتى برنامج بيغو في "عيوب السوق" اعتُبر فاقداً للاساس المنهجي. لذا فان اقتصاد الرفاهية جرت صياغته بدعم من معيار باريتو. نقطة البداية كانت مرة اخرى مثالا للسوق التام وان اقتصاد رفاهية جديد صيغ ويتلخص بفرضيتين:

1- اي توازن تنافسي هو نموذج باريتو المثالي

2- اي خطة مثالية للانتاج يتم اختيارها من قبل المخطط يمكن انجازها عبر عمليات السوق التنافسي.

هاتان الفرضيتان تبدوان ذات الشيء لكنهما ليس كذلك. انهما يضعان الاطار لنظرية "علمية" للسياسة العامة للخمسين سنة القادمة، وبهذا:

1- طالما ان الاسواق الرأسمالية الحقيقية لم تكن ابدا تنافسية ولا هي في توازن، فهناك حاجة مستمرة لسياسة تدخّلية لتحقيق اقتصاد باريتو المثالي.

2- المجتمع العادل يمكن خلقه بخطة معرّفة سياسيا وهذه الخطة يمكن وضعها قيد التطبيق بإحالة تنفيذها للسوق التنافسي.

الفرضية الاولى جرى تفسيرها لتعني ان الاقتصاد الاشتراكي المخطط جيدا قد يقترب من مثالية باريتو اكثر مما يقوم به السوق الرأسمالي. الفرضية الثانية يُنظر اليها لتشير الى امكانية تقسيم العمل بين المخطط والسوق لخلق جماعة اشتراكية مثالية. هاتان الفرضيتان لإقتصاد الرفاهية الجديد جرى عرضهما اول مرة من جانب انريكو بارون عام 1908 وجرى اثباتهما تحليليا من قبل اوسكار لانك عام 1942. عنوان مقالة بارون كان ينبئ بمناخ من الشر للأجيال اللاحقة التي عرفت الفاشية والشيوعية. اراد بارون ان يبين ان الحكومة الجماعية يمكنها:

1- قيادة المجتمع للمثالية في الانتاج

2-إعادة توزيع ما استهلكه الرأسماليون انفسهم في "نظام فردي" بعد إعادة استثمار الجزء الاكبر من الربح. المخطط سيكسب من خلال 1- اكتشاف معظم الوصفات الاقتصادية التركيبية للعناصر عبر التجربة والخطأ بوسائل تغيير الأسعار 2- سيعيد المخطط توزيع الفائض طبقا لأفضليات المساواة بين الناس.

باختصار، الاقتصاد المخطط سيعمل بالضبط كاقتصاد السوق الفردي التام حيث تكاليف الانتاج في ادنى حد ممكن وهي مساوية للسعر، وان السمتين الاشتراكيتين لهذا الاقتصاد هما فقط الملكية الجماعية لوسائل الانتاج والتوزيع العادل للفائض الذي كان الرأسماليون يستهلكونه في السابق.

بالطبع، وكما اشارا لودوج فون مايس و فردريك هايك، ان الاقتصاد الاشتراكي لبارون اعتمد على عدد من الافتراضات الصامتة عن مدى المعلومات التي يحيط بها المخطط.

ا- المخططون سيعرفون التأثير الكامل لأي تغيير في الاسعار على التشكيلات الحالية للعناصر الحقيقية والممكنة، يسمح لهم بوضعها واختيارها او تعديلها بما يتلائم مع الخطة.

ب- سيعرف المخططون ما يريد الافراد استهلاكه من السلع فيغيرون طبقا لذلك اسعارهم لتجنب النقص او الفائض.

ج- المخططون سيضبطون ايضا نسبة الفائدة على التوفير لكي يضمنوا الاستثمار لغرض النمو

د- الناس سيعرفون ويقبلون ولو بتحفظ بتوزيع الفائض المقرر من قبل الدولة. ان استحالة جمع هكذا معلومات جعل مقترحات بارون غير مجدية كما بالنسبة لـ لانك.

لانك، المعجب بستالين، طبّق هذه الفرضيات لصياغة نسخته الخاصة بـ "اشتراكية السوق". في الاقتصاد المخطط، يمكن للحكومة الشيوعية تحديد اهداف الخطة الخمسية (بما فيها الاهداف الاجتماعية) ومن ثم تلعب في الاسعار في سوق تنافسي مصطنع لكي تساوي المعروض من السلع التامة الصنع مع الطلب عليها: المخطط سيسأل المنتجين عن مقدار الكمية التي يجهزونها في ضوء جداول الاسعار، ويسأل المستهلكين كم سيدفعون لمختلف الكميات المعروضة. وبعد سلسلة طويلة من الصعود والنزول سيصلون الى نقطة التوازن التي يكون فيها السوق فارغا.

ان مايس وهايك (1920، 1935) بيّنا الاستحالة النظرية لهذا الجدال لسببين: الاول ان جمع المعلومات الضرورية حول ملايين الاسعار وتغيّراتها في اقتصاد السوق هو غير عملي، والثاني ان المنتجين والمستهلكين ستكون لهم في كل الاحوال مصلحة بعدم كشف افضلياتهم للمخطط . في محاضرة لأوسكار لانك في مدرسة لندن للاقتصاد قبل شهور قليلة من وفاته عام 1965 أعلن ان الكومبيوتر سيتولى عمل حسابات اشتراكية السوق ويجعلها ممكنة، غير ان انهيار "الاشتراكية الواقعية"عام 1989 اكّد صوابية آراء النقاد.

الخيار الاجتماعي

ان المدافعين عن الخيار الجمعي شعروا بالحاجة لطريقة في صياغة وتقييم السياسات العامة طبقا لميثدولوجية فردية وليس كتوجّه من المخطط الخارجي. هذا المسار الجديد جرى اطلاقه من جانب ابرام برجسون عام 1938 وبول ساملسون عام 1947 اللذان عرّفا الهيكل العام لطرق تنظيم المجتمع عقلانيا بوسائل مقبولة منهجيا في تحويل الافضليات الفردية الى افضليات اجتماعية. هذه التحولات تُعرف عادة بدالة الرفاهية الاجتماعية SWF. التحول من الفردي الى الاجتماعي يجب ان يحقق شرطين: 1- ان دالة الرفاهية الاجتماعية ترتبط بشكل صارم برفاهية الافراد ذلك لأنه عندما يتحسن موقف الافراد فان تحسنا مماثلا يحصل في دالة الرفاهية الاجتماعية.

2- ان أي من هذه الدالات للرفاهية الاجتماعية ترتّب وبشكل دائم جميع الحالات الاجتماعية الناتجة من الأسوأ الى الافضل. ضمن هذه الحدود الواسعة سيكون الفلاسفة قادرين على الحكم بين دالات الرفاهية المقترحة والتي بموجبها يتم افضل تراكم للحاجات الاخلاقية للفرد، وبهذا يُحكم على العدالة في اقتصاد السوق.

فريق الرفاهية تلقّى هجوما قاسيا من اشهر قادته - كينيث ارو عام 1952 في "فرضية ارو بالاستحالة" Arrow impossibility theorem.هذه الفرضية اثبتت عدم وجود دالة رفاهية اجتماعية تستطيع انجاز الشروط الاربعة التالية، وهي:

1- انها تنطبق على جميع الخيارات الممكنة.

 2- انها تنال اتفاق تام.

 3- يتم اختيارها وفقا لخصوصيتها وليس لما يقال عنها.

 4- ان لا تُفرض من جانب شخص واحد على بقية الناس.

 الاستنتاج كان مدمرا: أثبت آرو بانه من المستحيل للمجتمع ان يتفق على ترتيبات الرفاهية حتى عندما يفضّلها افراد ذلك المجتمع بالإجماع. وكما يشير الى ذلك اندريه ماس كوليل عام 1974: بان الجماعة الاجتماعية التي تحاول تطبيق دالة الرفاهية الاجتماعية ستجد في النهاية انها لا تستطيع ان تقرر او تقول عقلانيا كما لو كانت شخصا منفردا.

من المفيد تعقّب التقلبات والمنعطفات لمدرسة الخيار الجمعي كي ننقذ جزءا من اقتصاد الرفاهية "العقلاني"وندمج فيها الاقتصاد العام ونظرية التخطيط، وكذلك نظرية الدولة ونظرية العدالة الاجتماعية. ولهذا الغرض، بيّنت المدرسة بان القواعد التي يجب تطبيقها يمكن ان تعمل جيدا اذا جرى تقييد الافضليات. ايضا، محدوديات الاتفاق التام لباريتو بشأن توزيع الدخل والثروة يمكن التغلب عليها جزئيا اذا سُمح بشكل ما بمستويات المقارنة بين الاشخاص. والظروف الغير دكتاتورية (عدم تبنّي دائم لأفضلية معينة) يمكن تجميدها في القرارات المؤثرة على الحريات الاساسية وحيث يمتلك الفرد الحق في التصويت ضد بعض التعليمات والنظم الاجتماعية.

في النهاية وبعد الكثير من التأكيدات المنطقية، اعترف سين ذاته (1970) بان لا وجود هناك لقاعدة ذهبية منفردة لتنظيم المجتمع وفق خطوط الرفاهية. هو انتهى بالقول ... بينما النقاء مزية غير معقدة لزيت الزيتون او هواء البحر او هيروين الحكايات الشعبية، فهو ليس كذلك في انظمة الخيار الاجتماعي.

العودة الى روبنس

في مقدمة كتابه عام 1970، قام سين وبدون قصد بالفصل الحاسم بين اسئلة نظرية اجراءات القرار واسئلة الفلسفة السياسية. ان المساهمة الرئيسية للخيار الاجتماعي هي اكتشاف ومحاولة ايجاد حلول لإشكالات وتناقضات القرارات التي تتخذها هيئة من الناس، وان الخطر الرئيسي للخيار الاجتماعي هو محاولة تعريف المجتمع العادل وفرضه على الناس. بالطبع، نحن يجب علينا اتخاذ قرارات جمعية، هياكلها ونتائجها ليست واضحة. آلياتها المنطقية يجب استكشافها، مثلما حين نحلل مأزق التصويت او شيوع المستهلك المجاني للخدمات العامة. لكن هذه الدراسات يجب ان لا تلتبس مع اخلاق القرارات الجمعية.

يوبخ (سين) بذكاء منع روبنس لمقارنات المنفعة بين الناس بالاشارة الى ان منع مقارنة الافضليات بين الناس قد يُرفع اذا كان اولئك المشتركون مستعدين للنظر في نتائج خياراتهم عند مناقشة امكانية الإبقاء على افضلياتهم. هم يرون وبشكل غير مباشر تلك القيم والافضليات باعتبارها ليست اساسية، اي، هم مستعدون لتعديلها او التخلي عنها باسم العدالة. هو يقول "يجب ان يكون واضحا" "لا فائدة كبيرة يمكن قولها حول العدالة بدون جلب بعض المقارنات الشخصية". غير ان هذا لا ينسجم مع تعريف العدالة طبقا لهيوم كما سنرى.

"المواطنون يتخذون خيارات اجتماعية ولكن سوف لن يكون هناك "خيار اجتماعي"".حين عرض روبنسن المقارنات الشخصية في الرفاهية الاقتصادية، فهو بالضبط اراد الدفاع عن الرؤية النمساوية للعدالة في المجتمع. في نظام السوق الفردي لا يمكن لأحد القول ان المجتمع عادل او غير عادل، ولا القول ان المكافئات غير مستحقة او ان توزيع الملكية غير عادل. الناس هم العادلون وليس الانظمة. بالطبع في الديمقراطيات تُتخذ خيارات اجتماعية طبقا للمصالح وللاحكام الاخلاقية لمختلف الافراد ذوي العلاقة. هذه الاحكام يمكن تقييمها او نقدها عبر الاشارة فيما اذا كانت تاثيراتها متناقضة ام ايجابية. هذا يختلف كثيرا عن محاولة صياغة وتطبيق دالة رفاهية اجتماعية معدّلة لتجنّب "تناقضات ارو". المواطنون يعملون خيارات اجتماعية ولكن لا يمكن ان يكون هناك "خيار اجتماعي".

هذا الرفض لعمل حكم اجتماعي جماعي هو منسجم مع فكر ديفد هيوم الذي اعتبر الواجبات الاخلاقية للناس تنبع من الحس الاخلاقي وليس من العقل .

وهكذا فان العدالة او احترام ملكية الاخرين ومراعاة الوعود اصبح التزاما ويكتسب سلطة على البشرية. واذا اتفقنا مع هيوم، فان اي محاولة للاختيار الاجتماعي انما تعود الى عالم الاحلام الجمعية التي يمكن ان تتحول بسهولة الى كوابيس. الخيار الجمعي يتحرك في عالم بدون مؤسسات وبدون منافسة وبدون تاريخ. العالم العقلاني للقرارات يرتكز على المعرفة التامة بافضليات الفرد.

الخطورة هي ان بعض السلطات او الحكام يبدأون العمل على اساس انهم يعرفون ما هو الافضل للآخرين. سين عرّف الحرية الفردية كونها تتضمن التمتع بما سماه "المتع" او functionings – طعام كافي، صحة جيدة، حياة طويلة، فرص للسعادة، احترام الشخصية، المشاركة في حياة الجماعة. هناك مقاطع لام فيها موقف المسحوقين من الناس في المجتمعات غير العادلة، حيث المعاناة من الجوع والموت مبكرا وفقدان معظم الاطفال ونقص التعليم والمعاناة من التمييز .هم لا يسيطرون على حياتهم ولا لديهم المقدرة على الخيار الفردي. لذا هو يدافع عن مواصفات الخيار الاجتماعي للحرية التي تقارن ما يبرز (حقا) مع ما يختاره الفرد سواء اختار فعلا ام لم يختر.

هذا يمكن فهمه باننا نستطيع فرض الحرية على الناس الذين بسبب الفقر والجهل لايستطيعون عمل الخيارات التي نراها ملائمة لهم. هذه الكلمات تستعيد ظلال انديرا غاندي التي فرضت تحديد النسل او سياسة "الطفل الواحد"في الصين الشيوعية.

احد اهداف الخيار الجماعي والرفاهية الاجتماعية لسين عام 1970 هو بيان انه من المستحيل ان تكون ليبرالي كلاسيكي وتجسد السوق الحر كواحد من بين الترتيبات الاجتماعية القليلة حيث يسود الاجماع. "استحالة الليبرالية الباريتووية" تلخص في تعبير واحد هذا المأزق. الحل البارز لهذا المأزق وغيره في الخيار الاجتماعي هو المؤسسات التي تطورت في المجتمعات الغربية منذ عهد الرومان، اعني، الملكية الخاصة. هذه المؤسسة تجزّأ عالم قواعد باريتو لكي يكون بالنسبة للاشياء التي يمتلكها الفرد يستطيع التصويت ضد قرار بقية المجتمع، والذي هو جوهر الحريات الانسانية او "حقوق الانسان". حماية الملكية الخاصة في المجتمعات الغربية لاتنال الدعم فقط لتأثيراتها الايجابية على الانتاجية، لانها في النهاية ومن خلال شراء او استئجار الموارد سوف تقع في ايدي المستعمل الاكثر كفاءة. حقوق الملكية ايضا تعمل على حماية الحريات الفردية.

تصحيح عيوب السوق بواسطة المؤسسات الناشئة

 الحجة الرئيسية لأنصار سياسات التدخل ضد حرية السوق هي وجود عيوب في السوق. هم يبدو لم يقرأوا رونالد كوس ونظريته عام 1960 (4). كوس في سنواته الاخيرة ابتعد عن تفسير نظريته ليبيّن ان عيوب السوق المفترضة تختفي في الظروف التي تُعرّف بها حقوق الملكية بوضوح والاقتصاد في منافسة تامة. رفاهية التجارة المحسنة خلقت حقوق ملكية وعملت تحت المنافسة غير التامة – المثال البارز هنا كان نمو الرأسمالية في الصين الحالية.

The poverty of social choice, Library of economics and liberty, November 2015

حاتم حميد محسن

...............................

الهوامش

(1) نظرية الخيار الاجتماعي تمزج عناصر من اقتصاد الرفاهية مع نظرية التصويت. انها نظرية فردية لكونها تراكم الافضليات وسلوك افراد المجتمع لتكوّن في النهاية أحكاما معقولة للخيار الاجتماعي وبناء دالة (وظيفة) الرفاهية الاجتماعية. جرمي بنثام جادل بان الافضليات ودالات المنفعة للافراد يمكن مقارنتها بين الافراد، ولهذا يمكن اضافتها الى بعضها للوصول الى قياس للمنفعة التراكمية.اخلاق النفعيين تسعى الى تعظيم هذا التراكم. غير ان لونيل روبنس Lionel Robbins رفض امكانية قياس مثل هذه المنفعة ومن ثم نظرية الخيار الاجتماعي القائمة عليها.فهو يقول انظر الى قانون تناقص المنفعة الحدية الذي يؤكد بان المنفعة من استهلاك كميات جديدة من السلعة تتناقص تدريجيا حتى تقترب من الصفر.هذا القانون استُخدم كتبرير لتحويل الثروة من الاغنياء الى الفقراء باعتبار ان الغني لا يحصل على منفعة من وحدة اضافية للدخل بقدر ما يحصل الفقير. روبنس جادل بان هذه الفكرة تتجاوز العلم الوضعي، فلا احد يستطيع قياس منفعة شخص آخر ولا ذلك مطلوب ايضا من النظرية الوضعية.

(2) يقول (مل) من الأفضل ان تكون انسانا غير مقتنع بدلا من ان تكون خنزيرا مقتنع. افضل لك ان تكون سقراط غير مقتنع بدلا من ان تكون غبي مقتنع، واذا كان للغبي رأي مختلف ذلك بسبب انه يعرف فقط جانبا واحدا من السؤال (جانبه هو).

 (3) فاعلية باريتو او افضلية باريتو هي الحالة التي يتم فيها توزيع الموارد بطريقة اكثر فاعلية بحيث يستحيل فيها إعادة التوزيع لجعل احد الافراد افضل حالا دون جعل فرد آخر اكثر سوءاً.المفهوم يعود الى المهندس والاقتصادي الايطالي فلفريدو باريتو(1848-1923) الذي استخدم المفهوم في دراساته للفاعلية الاقتصادية وتوزيع الدخل.

 (4) مساهمة كوس الشهيرة في الاقتصاد كانت نقده لفكرة فشل السوق الناتج عن وجود المؤثرات الخارجية externalities (وهي الحالة التي يستفيد فيها او يتضرر منها طرف ثالث لا علاقة له بالنشاط الاقتصادي).أدخل كوس فكرة "تكاليف الاجراءات"وذكر ان هناك كلفة لإستعمال آلية الاسعار، حيث توجد جزر من التنظيمات الأمرية وسط بحر من سوق التبادل.فهو يرى ان اتجاه علم الاقتصاد كان تطبيق نظرية السعر لتوضيح الأسئلة الاجتماعية، بينما المطلوب هو العكس."الاقتصاد لايزال ذات الموضوع الذي خلقه آدم سمث، ويواجه نفس المشاكل"، فلابد من عمل تجريبي من النوع الذي يغيّر حقا الطريقة التي ننظر بها الى المشكلة. ان تكاليف الاجراءات تعتمد على عمل النظام القانوني (نظام حقوق الملكية، وفرض حقوق الملكية، والمقدرة على التنبؤ بما ستكون عليه القرارات القانونية). انها ايضا تعتمد على النظام السياسي وهي متداخلة مع انظمة اجتماعية اخرى. اراد كوكس تطبيق الاقتصاد الجزئي لحل مشكلة كيفية ادارة الموارد المحدودة من خلال تدخّل الدولة المباشر بدلا من الاعتماد على نظام اسعار معيب.

 

ali mohamadalyousifتمهيد: اوضحت دراسة الردود التي طرحها الفلاسفة الغربيون عبر العصور ازاء مشكلات الخوف من الموت وطبيعته، ان اي رد على الموت يسعى اليه فرد ما ويجده مرضيا يعتمد في نهاية المطاف على موقف هذا الفرد من الحياة، وشدة خوفه من الموت والنوع الخاص من الخوف الذي يعانيه. غير انه من الجلي كذلك ان مثل هذا الرد لايمكن ان يكون تأمليا فحسب وانما يتعين بالفعل تقبله وتبنيه. وينبغي ان نضيف ان الرد الذي يبدو مرضيا على الموت في وقت ما قد لايكون كذلك في وقت آخر. وهكذا فانه لايمكن ان يكون هناك رد شامل دع عنك ان يكون هناك رد صحيح على نحو شامل. وقد لاتكون المصالحة مع الموت في الحقيقة امرا ممكننا بالنسبة للبعض، بينما بالنسبة للبعض الآخر فان اي حجة على وجه التقريب قد تعدل من فهمهم للموت وتحررهم من أليأس بازاء حتميته وعبثيته الواضحة الجليّة. وهناك نتيجة اخرى لما نقدمه  تتمثل في تحديد مكانة (مشكلة الموت) ودوره في الفكر الفلسفي الغربي. ومن ثم فان من المناسب ان نبحث باقتضاب ما قدمته حقيقة الموت للفلسفة ومدى ما يمكن الذهاب اليه في القول بان الموت هو موضوع التأمل الفلسفي بل وعبقريته الملهمة(1).

وحسب شوبنهاور فأن الفلاسفة جميعا اخطأوا حين وضعوا العنصر الميتافيزيقي غبر القابل للأفناء والخالد عند الانسان في الذهن. في حين انه يكمن في الارادة التي تختلف كلية عن الذهن وتتسم وحدها بالاصالة.

اما الذهن فهو ظاهرة ثانوية يتحدد بالمخ وبالتالي يبدأ منه وينتهي معه. اما الارادة فهي وحدها التي تحدد انها جوهر كافة الظواهر فهي متحررة من الاشكال الخاصة بالظواهر التي ينتمي اليها الزمن. والتي هي ايضا قابلة للفناء. ووفقا لهذا فانه من المؤكد انه مع الموت يضيع الوعي لكن لايضيع الذي ابدع الوعي واستدامه. تنقضي الحياة ولكن لاينقضي مبدأ الحياة(2).

المتن (الموت الوجودي للانسان / استقصاء فلسفي – ديني)

يقول يوربيدوس: حينما يدنو الموت، لا أحد يرغب في الهلاك، ولا تغدو الشيخوخة عبئا، ويضيف من ذا الذي يعرف ان كان ما نسميّه بالموت ليس حياة وان الحياة ليست موتا. اما اسخيلوس: شتاءٌ وعناءٌ هي حياة الانسان وما من وجود للخلاص والسلام، ويقيناً هناك حياة افضل تحفها البركة والقداسة، لكنها حجبت في رحم الغيوم والظلام، وهكذا فاننا نتشبث يائسين بروائع هذا العالم الخداعة، لا لشيء إلا لأننا لا نعرف حياة اخرى، وما عين بشرية تخترق ظلال الموت، وأوهام الايمان تضللنا. وسوفيكلس فيقول : من عجائب الحياة العظمى جمعيا، ليس هناك ما هو اعظم من الانسان. الموت وحده هو الذي لا يجد الانسان له شفاءاً. في كتابات ارسطو الاولى كان شديد التأثر باستاذه افلاطون في موضوعة خلود النفس.

وانما يؤكد كذلك على وجود النفس السابق على وجود البدن وكذلك انتقالها–النفس او الروح- من جسم لآخر. اما هيرقليطس فيعبر جاك شورون عن رأيه بالموت وعلاقته بالنار والعود الابدي قائلا; (واذا ما افترضنا ان كل ما يقصده هرقليطس بهوية الحياة والموت هو ان الفرد يفنى لكن النوع يبقى. فأن اجابته ستكون استباقا لما قدمه ارسطو وعلم الحياة لمشكلة الموت.غير انه يبقى فارق مهم بالنسبة للعلم الحديث الذي يعترف بأن الانواع يمكن ان تفنى بل وأن الحياة كلها قد تتوقف.  وهرقليطس لم يقل بفكرة الاحتراق العام بمعنى فناء الحياة. بل قال ان هذا العالم واحد بالنسبة للجميع. لم يخلقه أحد من الأزل الالهة او البشر. لكنه كان ومنذ الازل وما زال وسيبقى الى الابد نارا حية تشتعل بمقدار وتخبو بمقدار. مما حدا بالبعض القول بأن هرقليطس يقول بفكرة الاحتراق الكلي التي ترتبط بفكرة تجدد العالم على فترات كبيرة من الزمان. وهذه فكرة العود الابدي والسّنة الكبرى التي شاعت عند القدماء وخاصة الرواقيين. ومبدأ العود الابدي احياه نيتشه عقب ذلك بالفي وخمسمائة عام كان بمعنى ما من المعاني رد هرقليطس على الموت)(3).

وعن فكرة هيراقليطس عن الاحتراق الكلي ان الملفت للانتباه ان احدث النظريات العلمية الآن تذهب الى ان الشمس تستهلك كميات من الهيدروجين الكوني ومن المحيط الفضائي لكوكب الارض بمتواليات هندسية عالية جدا وسريعة مستمرة قد لاتدوم اكثر من بضعة الاف من السنين على الارض. يعقبها انخفاض تدريجي في درجة حرارة الشمس الواصلة الى الارض وادامة الحياة عليها.وباختلال النظام الشمسي في بقاء واستمرار الحياة على الارض ينعدم الوجود ويفنى. وعليه تكون حتمية انعدام الحياة على الارض مسألة وقت متفق عليها علميا وتلقى قبولا كبيرا لدى العديد من العلماء والفلاسفة من بينهم براتراند رسل.كما ان المؤتمرات الدولية بشان الحفاظ على الحياة في الارض ومعالجة الاحتباس الحراري وغيرها من التغيرات المناخية متشائمة جدا عن مستقبل الحياة على الارض.

ان اقدم نص يتحدث ان الموت فناء شامل وان الجسد والروح تتحللان الى مكوناتهما الاولية كانت شذرة انكسماندر610-547 ق.م. تناولت الشذرة الطابع الفاني للاشياء. ويرد على لسان جاك شورون في كتابه المشار له سابقا ان انكسماندر ارّقَهُ وعذّبهُ السؤال الضخم لماذا يتعين ان يفنى كل ما يظهر الى الوجود وكل ما له حق في الوجود. وما قيمة الوجود اذا كان عارضا زائلا.؟ (ص39 من الكتاب).

من الملاحظ بوضوح ان كل هذه الشذرات القديمة عادت وشكلت دعائم الفلسفة الوجودية الحديثة في القرن العشرين.وكما يقول سقراط: ألم تعلموا جميعا ان الطبيعة حكمت عليّ بالموت منذ لحظة ميلادي. وهذه بذرة جوهرية في ادبيات فلسفة الوجودية الحديثة ايضا.

هذا التعبير الوجودي واضح جدا على انه تعبير فلسفي ناضج متأخر وحديث، وليس قبليا يعود للحضارات البشرية القديمة. ففي اقدم ميثولوجيا في اورك هي ملحمة كلكامش ،كما لدى حضارات وادي الرافدين كالسومرية والبابلية والآشورية وفي مصر الفرعونية كان التسليم مطلقا بأنه يجب ان تكون حياة اخرى بعد الموت. وان الموت ليس فناءا تاما للانسان بدليل دفن الملوك والملكات والكهنة مع كامل زينتهم ومجوهراتهم وخدمهم ايضا.

ويؤكد مونتاني ان الموت هو نهاية ابدية للحياة وليس هدفها كما ذهب بعض الفلاسفة. ويؤكد ان مرض العقل – اكثر الامراض شراسة – هو الذي يدفعنا الى خيانة وجودنا الحق. ويجعلنا نحتقر وجودنا في حين ان علينا ان لانقبله فحسب وانما ان نحبّه ونبرز احسن ما فيه. هنا في هذا المعنى يعتبر مونتاني وجودنا الحق او الحقيقي هو ما نعيشه في حياتنا الارضية.على اعتبار انه لادليل مؤكد يعطينا بان وجودنا على الارض زائف كما يقول هيدجر. وانه بعد الموت لم يتاكد ايضا انه سيكون لنا وجود ثان اكثر حقيقية من وجودنا الحالي على الارض. فمونتاني كما مر بنا يعتبر الموت نهاية كل شيء وخاتمته وليس الموت هدف كل شيء في الحياة. وعلى اهمية ان وجودنا الحالي الارضي هو الوجود الوحيد المتاح لنا وامامنا. وجود محكوم بالقصر الزمني لذا يؤكد مونتاني ان قيمة الحياة ليست في امتدادها وانما في استخدامها. ويضيف الآن وانا ارى حياتي محدودة في الزمن اود ان امدها بالوزن –يقصد بالوزن القيمي ومعايير الخير واللذة التصوفية والحسية في الحياة وكل ما له شأن يعطي الحياة تفاؤلا وسعادة . اود ان ادرك والكلام لمونتاني سرعة انسياب الحياة من خلال سرعة قبضتي وقوة استخدامي لها للتعويض عن سرعة تدفقها. وبمقدار ما يكون امتلاك ناصية الحياة قصيرا يتعين عليّ جعلها اكثر عمقا وامتلاءا. في هذا التفاؤل الوجودي لحياة الانسان يبتعد مونتاني كثيرا عن جميع الفلسفات الوجودية المتشائمة التي تستهين بالوجود الانساني الارضي وتعتبره عبُثا ومأساة.

في القرن الثامن عشر اصبح انكار خلود النفس الاكثر اصالة. وكما كان حال الفلاسفة الماديين الفرنسيين ومعهم الفلاسفة الانسانيين خلال عصر النهضة اذ كان تأكيدهم على الحياة وليس الموت، الامحض حادث طبيعي مؤلم لايمكن تجنبه. وفي اتفاق مع روح التنوير المسرف المتوهج بقوى العقل جرى التركيز على القول بان الحياة يمكن تحسينها.ان السعادة يمكن تحقيقها في هذه الحياة الدنيا. وهي الحياة الوحيدة التي يمكن ان توجد والوحيدة التي لها اهمية.اما الخلود فهو اكذوبة كهنوتية يتعين كشف زيفها لتحقيق حياة افضل في اطار من الحرية والسعادة(4).

ويعتبر هولباخ 1723 -1789 مؤلف كتاب نظام الطبيعة الذي كان له عميق الاثر على الفلسفة التي يرى انها يمكن ان تعرف على النحو السليم بوصفها تأملا للموت. وبهذا يخالف هولباخ بشدة مقولة اسبينوزا بان الفلسفة تأمل الحياة وليس الموت. ويؤكد هولباخ علينا ان نجعل ما هو حتمي مألوفا لدى نفوسنا ونواجه الموت بهدوء وان لا ندعه يفسد علينا متعة الحياة. فالخوف من الموت هو العدو الوحيد الحقيقي الذي يتعين قهره. وعدم وجود حياة اخرى يحررنا من سلطة القساوسة.

لايؤمن هيوم بنظريةٍ الخلود كما ينكر ان يكون هناك ذاتا self ويعتبر هيوم الذات مجموعة او حزمة من الادراكات الحسية ينعدم فيهامفهوم الذات غير المدرك الذي ندعوه الانا. وبعد اصابته بسرطان الامعاء لم يكن يخشى الموت وبقي محافظا على رباطة جأشه حتى قال عنه ادم سميث ان مرح صديقي هيوم عظيما جعل  الكثيرين لم يصدقوا انه كان يحتضر.

وكما يعبر كانط ايضا انه مامن احد سيكون بمقدوره حقا ان يتباهى بانه يعرف ان هناك الهاً وحياة مستقبلية. واذا كان يعرف ذلك فسيكون الشخص الذي سعيت له طويلا دون جدوى. ويعلن بجرأة اني أؤمن حتما بوجود إله وحياة مستقبلية واني على يقين انه ليس هناك ما يهز هذا الايمان عندي. ويشير صراحة ان هذا الايمان ليس منطقيا عقليا وانما هو يقين اخلاقي قائم على اساس ذاتي. ويشعر كانط بعدم الاقناع المطلوب فيقول لاشك يكون موضع تساؤل ان نقيّم هذا الايمان على اساس افتراض العاطفة الاخلاقية.

اما عن نيتشة والعود الابدي فمن الخطأ الافتراض بان نيتشة كان يعتبر نفسه مكتشف العود الابدي. فهو يلاحظ ان هيرقليطيس ربما كان ادرج هذا المبدأ في تعاليمه. وان الرواقيين يفصحون عما يشي به. غير ان ما لم يدركه نيتشة هو ان اخرين طرحوه كثيرا. وانه على امتداد القرن التاسع عشر كان هناك اشارات عديدة الى هذا المبدأ وتأملات حوله. فالمرء يجده عند هايني وهولدرين وبلانكي وجويو. واشار له بغموض سبنسر وبايرون. ورغم ذلك فان نيتشة كان اول من بحث هذه الفكرة لا باعتبارها امرا ممكنا بل امرا مؤكدا. وبوصفها قانونا للكون.بل انه حاول اثباتها علميا ودرس الرياضيات والفلك والطبيعة والاحياء لهذا الغرض. وقد خذله البرهان العلمي لكن على الرغم من ذلك فان نظرية العود الابدي اصبحت الفكرة التي سيطرت عليه. وتملكت ناصيته تماما وغدت حجر الزاوية في فلسفته (كل شيء يمضي كل شيء يعود وتدور الى الابد عجلة الوجود. كل شيء يموت كل شيء يتفتح من جديد. وخالدا يمضي زمن الوجود. الاشياء كلها تعود ونحن انفسنا كنا بالفعل مرات لاحصر لها ومعنا كل الاشياء.)

كما انه ليس هناك تناقضا بين مبدأ العود الابدي ومبدأ ارادة القوه (السوبر مان) لدى نيتشه. وفي تعبير مدهش يقول فيخته عن الموت البيولوجي وليس الوجودي (الموت حيلة الطبيعة كضمان مزيد من وفرة الحياة).

ماكس شتيرنر وهو اسم مستعار 1806-1856 فيلسوف الماني مؤسس النزعة الفردية كان في شبابه على صلة بالهيجليين الشبان من بينهم ماركس وفويرباخ قبل انشقاقهم على وفق فلسفات متباينه عن الهيجلية لابل نسفتها. يذهب شتيرنر الى ان الحقيقة الوحيدة في نظره هي الانا وكل فرد هو نفسه مصدر الاخلاق والعدالة. وطالب بالمحافظة على الملكية الخاصة للافراد حيث ان ذاتية الانا ماثلة فيها.

وباسم الفرد العيني شن سورين كيركارد احد اقطاب الوجودية هجومه على هيجل ودعمه بذلك معاصره شتيرنر قائلا الانسان المطلق ليس الا شبحا او خيالا. وان الفرد هو وحده الحقيقي. الفرد ذو النزعة الانوية الذاتية الاوحد الذي لايهتم الا بجعل العالم ملكا له.

اما رأي سارتر ابرز واهم اقطاب الوجودية الحديثة فهو يرى الموت انه ليس ابدا ذلك الذي يمنح المعنى للحياة. وانما هو على العكس من ذلك فهو الذي يحرم الحياة بالفعل من كل مغزى. واذا كان علينا ان نموت فان حياتنا تخلو من المعنى ومشكلاتنا لاتتلقى اي نوع من الحل. لأن معنى المشكلات ذاته يظل دونما تحديد. وعن الانتحار فيعتبره سارتر حدث من احداث الحياة وهو بالتالي عبث يؤدي الى ان تغدو الحياة غارقة في العبث. كما يحدد سارتر الوجود الانساني في ضربين من الوجود. الوجود في ذاته وهو عالم الاشياء اي العالم الموضوعي المحدد الذي لا أثر فيه لنشاط او تطور او حرية. اما الوجود لذاته او من أجل ذاته فهو الوجود الانساني الذي يعتمد على النشاط الحر ولا يستند الى قوانين موضوعية. والوجود من أجل ذاته ان وجود الانسان ينشأ لأن الوجود يعدم ذاته. وهو بالأصح لا وجود لأن العدم في داخله كالدودة. والانسان حامل العدم. والميلاد والموت واحد وهو ما يدعوه سارتر بالوقائعية التي هي صفة ما هو حادث وواقع على الانسان من احوال ليس له فيها القدرة على الاختيار او الارادة فيما يحصل له من امور سلبا او ايجابا. واذا كان من العبث ان نولد فمن العبث ان نموت. – عبارة استنفدت نفسها فلسفيا من كثرة تردادها على لسان اكثر من فيلسوف منذ زمن الاغريق –.

والمفهوم الفلسفي للحرية لدى سارتر يختلف عن المفهوم التجريبي العام الذي يأتي نتيجة الظروف السياسية والتاريخية. فالحرية الفلسفية وهي ما يؤكدها سارتر تعني حرية الارادة في الاختيار. وان الانسان فانٍ حر وليس حراً من اجل الموت. وما يعنيه سارتر ان الانسان بمقدوره ان يختار الموت لكنه لا يستطيع الموت بمشيئته. ويعبر سارتر بان الانسان مسؤول حر عن العالم باجمعه لكنه وحيد في هذا العالم الذي يتحمل مسؤوليته كاملة. ويرتبط على نحو لا فكاك منه بتلك المسؤولية. ومن حقه رفض التحرك والبقاء سلبيا بمحض اختياره.

ويؤكد سارتر ان الانسان نتاج الوقائعية التي تنعدم فيها تماما ارادة الاختيار من الميلاد وحتى الموت. ويكرر سارتر موت الرب كما ورد عند نيتشة وهذا اقتبسها من سابقيه في لامعنى الخلاص الديني قائلا : ما الذي يستطيعه الفاني الحر القيام به في مواجهة الموت في عالم مات فيه الرب.

ويرى سارتر ان الموت في جنبته الايجابية هو تحرر فعلي للانسان من عبء الوجود. وان الموت خير من (.....) الوجود. والموت الذي يحرم الحياة من اي معنى فهو يجعلها عبث بلا مغزى. رغم تاكيد سارتر الاخير بان علينا استخدام حريتنا بقوة بالغة وجديدة في البحث الجاد وايجاد معنى للحياة.

ماكس شلر (1874-1928) فيلسوف اجتماعي فينولوجي ألماني، أخذ بمنهج الظاهريات عند "هوسرل" وطبقة في مجالات الاخلاق والفلسفة والدين والحضارة. من مؤلفاته "احكام القيمة الاخلاقية" 1914 و"مساهمات في الفينومونولوجيا " 1913 و" الشكلية في علم الاخلاق" بمجلدين الاعوام 1913-1916.

يؤكد ماكس شلر ان الانسان كان سيعرف الموت مدركه حتى وان كان وحيدا في العالم، ولم يسبق له قط ان شاهد كائنات حية اخرى غيره تعاني من التغيير الذي يؤدي بها الى تحولها جثة. ورأيه ان الموت بالنسبة للانسان "قبلي" سابق على اية ملاحظة، او على اية تجربة استقرائية لتغير كل مسار حقيقي للحياة. حيث ان الموت ليس احتضاراً عرضياً بدرجة او اخرى يدركه الانسان هذا او ذاك، وانما هو جزء لا يتجزأ من الحياة. كما يعبر امام عبد الفتاح امام ان الموت يرتبط بالخلق من العدم ومن هنا كانت الحياة.بسبب انها مخلوقة مرتبطة بالموت. كان الوجودلانه خلق من العدم يحوي في جوفه ذلك العدم الذي خرج منه. ومن ثم يصبح كل وجود يميل بطبعه الى الفناء. وكل حياة يكمن الموت في جوفها.

يؤكد الكسندر كوجيف في كتابه (مقدمة لقراءة هيجل) على الدور الهائل الذي لعبته فكرة الموت في فلسفة هيجل الجدلية او الانثروبولوجية. فهي في التحليل النهائي فلسفة للموت او والمعنى واحد فلسفة للالحاد. ويمضي كوجيف ان الانسان في فلسفة هيجل هو الفرد التاريخي الحر. ويعني بذلك انه متناه على الصعيد الانطولوجي وانه دنيوي او يرتبط بالمكان والزمان على المستوى الميتافيزيقي. وبانه فانٍ على المستوى الفينومينولوجي. والانسان هو المرض القاتل للطبيعة. والانسان ليس فانيا وحسب وانما هو تجسيد للموت. ان موت الانسان وبالتالي الوجود الانساني الحق هما بمعنى انتحار واعي بذاته تطوعي.

في عبارة  (لاجديد تحت الشمس فكل شيء موجود وكان موجودا باستمرار). تأكيد ان الموت عملية تغّير وتحول وليس فناءا.انه تغير في الحالة الطبيعية والكونية في اللامتناهي. ولا يفهم من ذلك ان الموت تناسخ ارواح دائمي او نوع من الحلول الانتقالي المستمر. ومن اشهر المنادين بهذا المعنى(برونو) فالانسان عنده اذ يسعى نحو اكثر الاهداف نبلا ومشروعية والمتمثل بالكمال اللامتناهي يتوافق مع الكون حيث ينتظر هناك كل كائن الخلود والتحقق.

و قبل الانتقال الى الموت في اللاهوت المسيحي يتوجب الاشارة الى اهمية افلوطين 204-270م فتأثيره كان كبيرا على الفكر الديني المسيحي من خلال تأكيده على الوجد التصوفي واهمية ان يكون للروح او النفس ملاذا اخر غير الجسد الذي يحكم سيطرته على الروح ويمنعها من الانطلاق المتسامي. وأكد افلوطين أهمية استقلال الروح عن اطار الجسد الذي تسكنه متجاوزا بذلك تناقضات افلاطون حول خلود النفس.

وكان كتب باسكال في خطاب مؤرخ في 17 اكتوبر 1651 الى شقيقته بمناسبة موت ابيهما علينا ان لاننظر الى الموت كوثنيين وانما كمسيحيين اي بأمل. ان خطأ الفلاسفة انهم نظروا الى الموت باعتباره أمرا طبيعيا للانسان. تلك كانت نظرة طفولية قاصرة. فالانسان خلقه الله ليحيا معه لذا فهو لايموت.الموت مخيف من غير يسوع. لكنه في المسيح مقدس ورقيق. وهو فرحة المؤمن الحق.ولكن كيف يصبح المرء مسيحيا حقا؟ ليس من خلال العقل وانما من خلال القلب.

واضح ان عبارات باسكال الواردة هي حث وتثبيت للايمان الديني المسيحي التصوفي البسيط الذي بمقدور اي انسان الحصول عليه عملا بقول باسكال (افعل كما لو كنت مؤمنا.) براجماتية  الايمان الفطري.

اما شوبنهور يعتبر الموت هو الهدف الحق للحياة. وقصر الحياة الذي يثير الاسى بلا انتهاء قد يكون افضل صفاتها. وان طبيعتنا الحقة غير قابلة للافناء ، معتبرا الموت ملهم الفلسفة معيدا الى الاذهان مقولة سقراط ان الفلسفة هي معرفة الموت. وبدون الموت لاتوجد فلسفة. ورأي شوبنهور في الانتحار الارادي المفروض انه يتماشى مع فلسفته التشاؤمية الا انه يعتبر الانتحار عملا احمق ولا يحل مشكلة الموت وخلاص الانسان من بؤس وعبء الحياة. بقوله ان الانتحار ينفي الفرد فقط لاالنوع. وربما غاب عن ذهن شوبنهور بان الموت الطبيعي للانسان هو الآخر ايضا يمثل نفي الفرد وليس النوع. وفي مخاتلة مع تجربة الموت يلجأ شوبنهور الى القول ان طبيعة الانسان الحقة – اي الارادة – باعتبار ان الحياة ارادة قبل كل شيء حسب فلسفته وان هذه الارادة لاتفنى بالموت. لان عدم قابلية طبيعتنا الحقة على الافناء.والنقطة الاساسية في حجة شوبنهور انه ليس هناك خلق من العدم. واننا اذا اكدنا هذه الفكرة فان علينا ان نوافق كذلك على ان الموت هو النهاية المطلقة اي العدم. وان اكثر الاسس صلابة لخلودنا هو المبدأ القديم(00لاشيء يخرج من لاشيء وفي العدم لاشيء يستطيع العودة من جديد.. ).

كما يؤكد شوبنهور طالما هناك افتراض بأن الانسان خلق من عدم فنهايته الاخيرة بعد الموت الى عدم ايضا.ويقول ان نهاية الشخص حقيقية كما هو شأن بدايته. وبالمعنى ذاته الذي لم نكن به موجودين قبل الميلاد فاننا لانعود موجودين بعد الموت. غير انه لايمكن من خلال الموت افناءاً اكثر مما انتج من خلال الميلاد. ويمهد شوبنهور الطريق امام بلورة افكار الوجودية الحديثة لاحقا عندما يقول:( الرغبة في ان تكون الفردية خالدة تعني حقا التطلع الى دوام الخطأ بلا انتهاء.فكل فرد هو في اساسه خطأ  فحسب، خطوة زائفة شيء كان من الافضل ان لايكون. ) كما يعلن ان الموت هو الهدف الحقيقي للحياة. وهذه العبارات تكررت لدى اكثر من فيلسوف وجودي معاصر بدءا من كيركارد وليس انتهاءا بهيدجر او سارتر.

ويعالج شوبنهور مسألة الارادة على انها تمثل نوعا من الخلود فيقول: – ان السلام والهدوء المرتسمين على ملامح معظم الموتى يستمدان اصلهما من هذا التوضيح... فموت رجل طيب يكون عادة هادئا ويسيرا. اما الموت طوعا وغبطة وابتهاجا فهو امتياز المستسلم الذي ينكر ارادة الحياة. فهو وحده الذي يريد ان يموت حقا وليس ظاهرا. وهو يتخلى مختارا عن الوجود الذي نعرفه. وما يحصل عليه لقاء ذلك في تصورنا هو لاشيء. لان وجودنا بالقياس الى هذا هو لاشيء. والديانة البوذية تدعو ذلك بالنيرفانا. ان الموت هو الفرصة العظيمة لئلا اكون انا.وذلك بالنسبة لمن يستخدم هذه الكلمة وخلال الحياة تكون ارادة الانسان دون حرية. ويقع عمله على اساس شخصيته غير القابلة للتغيير في سلسلة الدوافع... والموت يفصم هذه العرى. فتصبح الارادة حرة والحرية تكمن في الوجود وليس في العمل(5).

وبالنسبة للرومانتيكيين وشلنج فقد منح الموت يقينا مسيحيا من خلال الاقتناع بالوحدة الحقيقية لله والطبيعة التي غدت متجلية في المسيح. واليقين بأن المسيح اجتاز الموت وارسى من جديد الارتباط بين الطبيعة والعالم الروحاني.

وبذلك تحول الموت بالنسبة لشلنج فوزا نتقدم نحوه كما يتقدم المحاربون نحو نصر اكيد. وعلى الرغم من ان رد شلنج على الموت هو رد المسيحية فان استبصاراته الفلسفية تلمح الى احتمالات اخرى وهي تساؤله الشهير (لماذا كان ثمة وجود اصلا ولم يكن ثمة عدم؟) وهو ذات التساؤل الذي ارق فلاسفة الوجودية الحديثة ايضا.

يعتبر انصار فرويد ان غريزة الحنين الى الموت التي نادى بها الرومانتيكيون تتطابق مع صحة نظريتهم.ويلاحظ شلنج انه بدلا من الموت فان التعبير الصحيح هو في التخلي عن الروح. والروح التي يتخلى عنها المرء في غمار الموت انما هي روح الرغبة المتمحورة حول الانا. والخلاص لا في قمع الارادة المتمحورة حول الانا. كما اشار افلاطون(6).

 

علي محمد اليوسف

...............

(1) جاك شورون- الموت في الفكر الغربي هامش ص 279.

(2)جاك شورون مصدر سابق نقلا عن شوبنهاور العلم كارادة –الجزء الثالث ص 291.

(3) جاك شورون – الموت في الفكر الغربي – ص 42-43.

(4) جاك شورون، المصدر السابق، ص83.

(5) جاك شورون–مصدر سابق هامش ص323– نقلا عن الجزء الثالث من العالم كارادة لشوبنهور ص307-.

(6) جاك شورون مصدر سابق هامش ص318.

 

 

khadat jleedالفلسفة بنت زمانها: إنّ الفلسفة عند هيجل هي تعّين في الزمان والمكان وبالتالي يمكن أن نعتبر هذه الحقيقة هي نقطة الانطلاق في فلسفة هيجل الحقيقية، لأنه كثيرا ما تنعت فلسفة هيجل بأنها ذات نزعة مثالية، وكثيرا ما تفهم أيضا بأنّها فلسفة حالمة غارقة في الميتافيزيقا وبعيدة عن الواقع ولكن الرجوع إلى فلسفة هيجل ونصوصه الأصلية وسياقها التاريخي، كل هذه المرتكزات والمعالم تشير إلى عكس ذلك تماما فالفلسفة حسب هيجل هي إفراز لمنطق العصر ونتيجة من نتائجه وهي بذلك تتلون بظروفه الواقعية وملابساته التاريخية يقول هيجل مؤكدا هذه الحقيقة في كتابه المهم (أصول فلسفة الحق): « فمهمة الفلسفة هي أن نفهم ما هو موجود لأنّ ما هو موجود هو العقل، إنّ مهمة الفلسفة لتنحصر في تصور ما هو كائن لأنّ ما هو كائن ليس إلاّ العقل نفسه ولو أننا نظرنا إلى المسألة من جهة نظر الفرد لرأينا أنّ كلا منا ابن عصره وربيب زمانه، وبالمثل يمكن أن نقول عن الفلسفة إنّها عصرها ملخصا في الفكر وكما أنّ من الحمق أن نتصور إمكان تخطي الفرد لزمانه فإنّه لمن الحماقة أيضا أن نتصور إمكان تجاوز الفلسفة لزمانها الخاص » (01) .

ومن هذا السياق الفلسفي الهيجلي يمكننا أن نفهم شيئا واحدا وهي أنّ فلسفة هيجل جاءت لفهم الواقع، الواقع الألماني الباهت والداكن في مطلع القرن التاسع عشر، هذا الواقع الذي كان يتقهقر ويتراجع أمام قوى أوربية محيطة كانت في طريقها إلى التقدم والرقي مثل بريطانيا في نهضتها الصناعية وفرنسا في ثورتها السياسية وتطورها الفكري، لقد كان هيجل يتجرع الألم والخيبة وهو ينظر إلى الواقع الألماني المفكك والمجزأ، هذا الواقع الذي رفض أن ينظر إليه نظرة سطحية محكومة بمبدأ الصدفة، بل أراد أن ينظر إليه نظرة عقلية عميقة يكتشف من خلالها المبادئ الثابتة والضرورية من خلال الأعراض المتغيرة « ومعنى ذلك أنّ هناك نظرتين للواقع، نظرة سطحية هي نظرة الفهم، تراها مفككة متناثرة لا تجمعها رابطة قوية لأنّها تظهر بفعل الصدفة أو الهوى أو العشوائية ثمّ هناك نظرة فلسفية هي نظرة العقل وهي التي يدعونا هيجل إليها، وهي التي ترى خلف الأحداث مبررا قويا وسببا ضروريا هو الذي جعلها على هذا النحو » . (02)

وإذا جاءت فلسفة هيجل لتخترق الأشكال لتنفذ إلى الجواهر في فهم الواقع الألماني على ضوء مبدأ العقل والعقل وحده لأنّ كل ما هو واقعي عقلي وكل ما هو عقلي واقعي، فإنّها جاءت أيضا لتنتقد تلك المقاربات الفكرية والسياسية من قبل الألمان لواقعهم المأزوم، هذه المقاربات التي رأى هيجل أنّها بعيدة عن العقل وأنّها تعبر عن تصورات قبلية يسودها مبدأ الصدفة لا الضرورة ويرى هيجل في هذا المعنى « إنّه من العسير عادة على أواسط الناس إلى تكوين عادة عقلية هي التعرف على الضرورة والتفكير فيها فتراهم يحشرون حشرا مجموعة من الأفكار والتصورات بين الأحداث وتفسيرها ثمّ يلجأون بالشكوى لأنّ ما حدث لم يتفق مع تصوراتهم والأعجب من ذلك أنّهم يلتمسون الأعذار لتصوراتهم وأفكارهم بحجة غريبة هي أنّه في حين أنّ الضرورة هي التي تسودها فإنّ ما يسيطر على الأحداث هي الصدفة، إنّهم في الواقع يفسرون الأشياء على أنّها مجرد أحداث فردية معزولة ولا ينظرون إليها على أنّها نسق من الأحداث تحكمه روح واحدة » (03) .

وانطلاقا من النصوص الفلسفية الصريحة والواضحة لهيجل ومن مواقفه السياسية يتبين لنا أنه كان ضد تيار تبرير الواقع، بل إنّه كان يتمنى في أعماقه واقعا آخرا لألمانيا، واقعا يسود فيه العقلي والكلي لا الصدفة والفردية، ومن هنا كانت مسؤولية هيجل التاريخية على الأقل بالنسبة له أمام نفسه وهو ضرورة تغيير ألمانيا من الناحية السياسية والفكرية والإقتصادية والإجتماعية . ولقد جاءت فلسفته كلها في سبيل تحقيق هذا الهدف وهذه الغاية، ولا عجب بعد ذلك إذا وجدنا هيجل يهتم بالسياسة لأنّ السياسة هي مصدر القرار وقوة التغيير وأداته المباشرة، فلقد كانت السياسة اهتمام هيجل وهاجسه طوال فترة نضجه وعطائه الفكري وبروزه الإجتماعي « وفيما بين البداية والنهاية ظل اهتمام هيجل بالسياسة وفلسفتها مستمرا طوال حياته حتّى ذهب البعض إلى القول بأنّه كانت في حياة هيجل منذ بدايتها رغبة جامحة للتأثير في الحياة السياسية والإهتمام السياسي العملي في حين ذهب آخرون إلى أنه ثارت في نفسه تطلعات كثيرة فقد كان يحلم أن يصبح مكيافلي عصره » (04)

ولا شك أنّ الإنشغالات السياسية لهيجل وهواجسه الوطنية والقومية في رؤية ألمانيا أحسن من واقعها قد انعكس على أفكاره واهتماماته الفكرية والعقلية وقد تجلّى ذلك واضحا في كتابه (دستور ألمانيا ) الذي يصف فيه الواقع الألماني المريض، فلقد كان هذا الكتاب يعالج قضايا سياسية مباشرة لحالة ألمانيا « ولا شك أنّ هناك عوامل كثيرة دفعت بهيجل إلى هذا الإهتمام بالسياسة منها أسرته وتربيته وثقافته لكن أهمها جميعا أحداث العصر الذي عاش فيه وما شاهده من تغيرات سياسية سريعة وهائلة فقد سيطرت الثورة الفرنسية إبان سنوات تكوينه وامتدت إلى ما بعد نضجه، فقد كان في التاسعة عشر عند سقوط الباستيل وفي الخامسة والأربعين عندما وقعت معركة واترلو ومات بعد عام واحد من ثورة يوليو » (05) .

وفي هذا الإطار يمكننا أن نقول أنّ الواقع الألماني والتغيرات الدولية المحيطة تعتبر العوامل الأساسية في توجيه فلسفة هيجل، ولقد جاءت فلسفته لتستوعب تناقضات الواقع من خلال الكشف عن المبادئ الحقيقية التي تحكمه وبالتالي أراد أن يجري مصالحة بين الفكر والواقع، وفي هذا المعنى يقول الدكتور زكريا إبراهيم: « والواقع أنّ هيجل قد عاصر فترة حرجة من فترة الحضارة الأوربية فلم يكن من الغرابة في شيئ أن تجيئ فلسفته مصبوغة بتلك الصبغة الدرامية أو المأساوية التي اتسم بها عصره، وهذا مما حدا ببعض النقاد إلى القول بأنّ نظرية هيجل في السلب والتناقض ليست سوى مجرد انعكاس لروح التمزق والتصدع التي سادت العالم الغربي في مطلع القرن التاسع عشر وليست عبارات التوتر والإنقسام والإغتراب والإزدواج والتعارض والتناقض سوى مجرد تعبير عن إحساس هيجل بالحاجة إلى الوحدة والهوية والتوافق والتصالح والألفة والإنسجام، ومن هنا فقد ذهب هيجل إلى أنّ المهمة الأساسية التي تقع على عاتق الفلسفة، إنّما هي العمل على محو المتعارضات من أجل بلوغ أعلى درجة من درجات التصالح أو التوافق » (06) .

لقد كان هيجل يبحث إذن عن الإنسجام بين الفكر والواقع ولكن قبل حصول هذا التصالح فلا بدّ من تشخيص الواقع الرمادي الذي أنجز دورته بالفعل، والفلسفة في نظر هيجل هي التي تقوم بهذا الدور التاريخي والحضاري لأنّها تأتي دائما متأخرة، يقول هيجل: « بقي أن نسوق كلمة أخرى حول العالم الذي ينبغي أن يكون والذي يقال إنّ الفلسفة تبشر به، إذ يبدو أن الفلسفة تأتي متأخرة أكثر مما ينبغي بالنسبة لهذه المهمة فهي بوصفها فكرة العالم لا تظهر إلى حين يكتمل الواقع الفعلي وتنتهي عملية تطوره، إن الدرس الذي تعلمه لنا الفكرة الشاملة، وهو أيضا درس يكشف التاريخ عن أنّه ضروري ولامحيص عنه هو أنّه حين ينضج الواقع الفعلي فعندئذ فقط يبدأ المثل الأعلى في الظهور ليجابه عالم الواقع ويواجهه وليبني لنفسه في صورة مملكة عقلية، ذلك العالم الواقعي ذاته مدركا في وجوده الجوهري، وحين ترسم الفلسفة لوحتها الرمادية فتضع لونا رماديا فوق لون رمادي، فإنّ ذلك يكون إيذانا بأن صورة من صور الحياة قد شاخت أو أن شكلا من أشكال الحياة قد أصبح عتيقا، لكن ما تصنعه الفلسفة من لون رمادي فوق لون رمادي لا يمكن أن يجدد شباب الحياة ولكنه يفهمها فحسب، إن بومة منيرفا لا تبدأ في الطيران إلاّ بعد أن يرخي الليل سدوله » (07) .

وما يمكن استنتاجه من هذا النصّ الفلسفي الواضح لهيجل هو أن الفلسفة تأتي لتلخّص الواقع في الفكر ويأتي تلخيصها لهذا الواقع بعد أن يصل إلى مرحلة النهاية وبالتالي ضرورة الانتقال من واقع رمادي إلى واقع جديد ولشرح هذه الفكرة أكثر يقول الدكتور إمام عبد الفتاح إمام «والمقصور هو أنّ الفلسفة تعبّر عن قمّة البناء الذي هو القمّة والنهاية في آن معا، فبناء الواقع لأنه وصل إلى القمّة وبدأت النظرات الفلسفية تلخصه في الفكر فإن ذلك يعني أنه على وشك الأفول، وحين تقوم الفلسفة برسم لوحتها فإنها لن تستطيع تجديد شباب هذا البناء الهرم فإذا كان البناء السياسي شائخا أو باهتا فمهما وضعت الفلسفة من ألوان رمادية ومهما لونته من نظريات فلا بدّ له لأن ينهار، ومهما دافعت عنه الأفكار الفلسفية فإنّها لن تعيده شابا من جديد، بل إنّه حين يوضع في نظريات فلسفية فإنّ ذلك يعني في الحال أنّه وصل إلى تمامه وأنّه على وشك الأفول» (08) .

وما يمكننا قوله أنّ فلسفة هيجل واقعية في تأسيسها وأسسها وأنّ هيجل يحبذ المتحقق في الفكر حتى ولو كان بسيطا وقليلا على الفكر الذي لم يتحقق ولو كان واسعا وعظيما وبعد ذلك أو ليس هو القائل « إنّ أصغر عمل متحقق لهو أكبر قيمة من أجمل فكرة لم تستطع أن تتجاوز دائرة الإمكان فبقيت مجرد مشروع » (09) .

وهذا هو باعتقادنا الدرس الكبير الذي يجب أن نتعلمه من فلسفة هيجل، إنه درس كبير ويحتاج منّا كلّ الإصغاء والنظر والتأمل .

هيجل وأزمة ألمانيا:

إذا كان الإنسان إبن عصره وزمانه، وهي مقولة هيجلية في عمقها، فإنّ من يجسد هذه المقولة بحق هو هيجل نفسه، فلقد كان التأخر التاريخي الألماني خاصة في جانبه السياسي هو بؤرة اهتمامه الفكري بالإضافة إلى المشكل الديني، فلقد كان هيجل يحمل في ذاته شكلا من أشكال الوعيالشقي، إنّه يحمل في ذهنه واقعا أفضل لألمانيا هذا الواقع الذي هو في طور المثال ولم يتحقق بعد أمام الواقع الراهن الذي تبدو فيه ألمانيا دولة عجوزا، ومن هنا فإنّ هيجل كان مدفوعا دفعا للتفكير في أحداث عصره، هذه الأحداث التي كانت سريعة ومفاجئة في عمومها، لذلك فإنّ المشكلة السياسية عند هيجل تشكل الركن الركين وحجر الزاوية في فلسفته بصفة عامة وهذا ما يؤكده الدكتور زكريا إبراهيم عندما يقول «ولكنّ هيجل لم يقتصر في هذه المرحلة على الإهتمام بالمشكلة الدينية وإنّما هو قد أبدى أيضا إهتماما كبيرا بالمشكلة السياسية، وقد كانت ألمانيا في ذلك الوقت ضحية للفساد السياسي وسوء الإدارة والإنقسامات الداخلية فكان من الطبيعي لمفكر وطني مثل هيجل أن يشغل نفسه بالتفكير في حل ناجح لمشكلة بلاده والواقع أننا لو أمعنّا النظر إلى تطور هيجل الروحي خلال الفترة التي قضاها في توبنجن لتحققنا من أنه كان على وعي تام بأنه كان يحيا في فترة أزمة: أزمة خارجية هي أزمة ألمانيا نفسها وأزمة داخلية هي أزمته الدينية الخاصة، والذين يقيمون ضربا من التعارض بين هذين الإهتماميين إنّما يتناسون أنّ هاتين الأزمتين لم تكونا في الحقيقة سوى واجهتين لمشكلة واحدة بعينها، ومن هنا فإنّ كل تطور هيجل الروحي في تلك الآونة، إنّما كان متجها نحو البحث عن حل لتلك الأزمة المزدوجة » (10) .

لقد كانت الأطر الإجتماعية للعصر والتحولات التاريخية تقولب الفكر الهيجلي وتوجهه إلى مصيره وهو التفكير في الواقع الألماني من خلال التفكير في مفهوم الدولة والشعب والسيادة، بل يمكن أن نقول أنّ هيجل قد ربط مصيره بمصير ألمانيا، وبالتالي لم يكن ليقبل أن تكون صورته امتدادا لصورة ألمانيا، وبالتالي كان اهتمامه بالسياسة إهتاما مصيريا ويمكننا أن نقول: « أنّ السياسة كانت موضع اهتمام هيجل، بل وشغله الشاغل طوال حياته، فقد كان يعيش في عصر تاريخي إلى أقصى حد وكان يتتبع الأحداث يوما بيوم فهو القائل: (إنّ قراءة الصحف هي لون من ألوان صلاة الصبح) مستوحيا إياها من قضايا الساعة وليس من قبيل المصادفات أن يكون أول وآخر أعماله المنشورة والتي اهتم بدفعها إلى النشر بالفعل عبارة عن كتابات سياسية وليست أعمالا فلسفية خالصة بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة » ( 11) .

ومن أبرز كتبه التي تناول فيها أزمة الواقع الألماني بالتشخيص وبنبرة حادة كتاب (دستور ألمانيا) وهو من الكتابات المبكرة لهيجل الشاب الذي يعكس من خلاله أحلامه الوطنية وشعوره القومي، وهذا الكتاب في حقيقة الأمر « وصف رائع للتمزق الذي كانت تعاني منه الأمة الألمانية في عصره ، فالأمبراطورية الألمانية تجزأت إلى دويلات صغيرة بغير قانون موحد ولا دستور واحد ولا مجلس نيابي قادر على سنّ التشريعات المختلفة أو عملة واحدة ويصف هيجل حالة ألمانيا بقدر غير قليل من الحزن والأسى حيث يقول: (لم تعد ألمانيا دولة) ولهذا سقطت مترنحة تحت أقدام الغزاة من الفرنسيين فعندما طرقوا الباب طرقات خفيفة انفتح على مصراعيه ولا أحد يدافع عن ألمانيا سوى بالخطب والكلمات والعبارات الرنانة » (12) .

إنّ إدانة هيجل للواقع الألماني يعني إثارة الشعور الوطني والقومي للألمان أمام شعوب أوربا الأخرى التي كانت تعيش أوضاعا أحسن من الوضع الألماني المأزوم، فلقد كان هيجل يقول بمرارة ( إنّ ألمانيا لم تعد دولة ) وهذا صحيح من الناحية العملية لأنّ ألمانيا لم تكن « لتشكل هيئة سياسية قومية، لقد كانت أمبراطورية تتألف من 360 دولة حتّى أنّ وسط ألمانيا وغربها كان عبارة عن فسيفساء سياسية تضم دولا صغيرة جدا تتألف الواحدة منها من دوقية أو قصرا أو مدينة أو إمارة كنسية وإذا كانت بروسيا تضم 2.5 مليون نسمة من السكان وهي أكبر دوقية فمن الممكن تصور حال الدول الأخرى » (13) .

ولا شك أنّ الوصف الهيجلي لحالة ألمانيا لم يكن نابعا من قناعات نظرية أو افتراضية أو مثالية فمقولة ألمانيا لم تعد دولة قد تأكدت على أرض الواقع، وأنّ تاريخ الإمبراطورية الألمانية العظيم لم يشفع لها أمام الجيوش الفرنسية التي حطمت أسطورة التاريخ الأبدي الخالد للإمبراطوريات التقليدية، ولقد كان هذا هو المعلم البارز في صدقية أفكار هيجل حول أزمة ألمانيا وبعبارة أخرى إنّ « المحك الأساسي الذي لجأ إليه هيجل ليؤكد على أساسه أنّ ألمانيا لم تعد دولة هو الضربات التي وجهها جيش الثورة الفرنسية للدولة الألمانية الكبرى أو نظام الرايخ وتاريخه القديم، ولم ينظر هيجل إلى هذه الحرب على أنّها نزاع بين أمتين أو حركتين قوميتين، ولكنه نظر إليها على أنّها صدام بين نوعين من الدول ونظامين من النظم السياسية، ومن هنا فإنّ انتصار الجيوش الفرنسية كان دليلا على قوّة الدولة الحديثة وتماسكها على نحو ما صهرتها القوى الثورية في فرنسا، أمّا النظام الألماني للإمبراطورية القديمة فغدا نظاما متخلفا من العصور الوسطى عاجزا تمام العجز عن الوقوف أمام هذه القوى الإجتماعية » (14) .

لقد كان هيجل في تحليله للوضع المأساوي لألمانيا يدعو إلى شيئ واحد وهو التبشير بعصر جديد تسود فيه القيم الإنسانية والحضارية الجديدة التي حملتها رياح الثورة الفرنسية كالأخوة والحرية والعدالة والمساواة بالإضافة إلى المفهوم الحديث للدولة التي تقوم على فكرة المؤسسات وهذا ما حاول أن يبرزه هيجل في كتابه المهم (أصول فلسفة الحق) وكان لا مناص لهيجل من كل ذلك من خلال وعيه بالوضع القائم والمهمة الجديدة أن يناهض الفكر الرجعي وكل ما يرتبط بالنظام التقليدي القديم لقد أراد هيجل بكل وضوح أن يستبدل القانون الطبيعي بالقانون العقلي في المجتمع وكان يؤمن يقينا « أنّ اتجاها جديدا نحو السياسة قد ولّد إبان الثورة الفرنسية وأعني به القضية التي تحاول الكتابات السياسية لهيجل نشرها وإذاعتها فجميع كتاباته السياسية تدل على أنّه انغمس في هذا الإتجاه وأنّه ثار ضد خصمه وهو الإتجاه التقليدي الرجعي أو الموقف الطبيعي ونستطيع أن نسمي هذا الإتجاه الجديد باسم مبدأ القانون العقلي كمضاد لمبدأ القانون الوضعي الذي أدانه هيجل بقوة، والإيمان بالقانون العقلي بوصفه المعيار الوحيد المشروع لقياس جميع القوانين والمؤسسات والدساتير، هو البند الأول الأساسي في عقيدة هيجل السياسية » (15).

وبالإضافة إلى ذلك، كانت الحرب الفرنسية الألمانية المحك والأداة التي كشفت زيف الواقع الألماني والفكر الرجعي الزائف الذي كان يبرر هذا الواقع ويؤدلجه لمصالحه وهذا مما دفع بهيجل على إعطاء قيمة إيجابية للحرب في هذا الإتجاه ليس في جانبها التدميري العنيف لكن في الإتجاه الذي يجعل الإنسان يكتشف ذاته على حقيقتها بحيث تسقط جميع الأقنعة وتتهافت جميع الخطابات التي تعطي الأولوية للكلام على الفعل، لأنّ حالة الحرب تكشف عن حقيقة الوجود الداخلي للشعب ومدى قدرته وتماسكه ومن ثمة مدى قدرة الدولة على مواجهة الأحداث والتحديات، ويرى هيجل في هذا الإطار « أنّ صحة الدولة بصفة عامة لا تكتشف بوضوح في هدوء السلم بقدر ما تكتشف في لهيب الحرب، فالسلم هو حالة الإستمتاع والنشاط المنعزل، لا سيما إذا كانت الحكومة من النوع الأبوي المتزن الذي لا يطلب من رعاياه سوى مطالب عادية مألوفة، أمّا في حالة الحرب فإنّ قوة الترابط التي تربط الأفراد جميعا بكل وضوح تصبح واضحة للغاية وهذا الترابط هو الذي يحدد مبلغ ما يطلب من الأفراد وقيمة ما يقدمونه هم بدافع من داخلهم ومن صميم فؤادهم سواء بسواء » (16).

وحقيقة ما أراد أن يعبر عنه هيجل بكل وضوح هو أنّ الحرب تثير الشعور القومي للشعب وبالتالي يحدث التلاحم والإرتباط وتتناسى الأحقاد وتفجر الطاقات المكبوتة والمختزنة للأفراد ويندمج الفرد في إطار الكل وتصبح المسؤولية مشتركة والقضية قضية وجود ومصير، إمّا أن نكون أو لا نكون، إمّا أن نكون أسيادا أو عبيدا، إمّا أن نكون مستقلين وأصحاب إرادة أو تابعين وخاضعين « ومن ثمّ فإنّ ألمانيا في حربها مع الجمهورية الفرنسية تستطيع أن تتعرف بخبرتها ذاتها أنّها لم تعد دولة فهي قد أصبحت واعية بوضعها السياسي تماما في حالة الحرب بقدر ما وعته في حالة السلم التي أطبقت عليها، فالنتائج الممارسة لهذه الحرب هي ضياع أجزاء من أجمل الأراضي الألمانية وفقدان بضعة ملايين من سكانها فضلا عن عبء الديون وهي ديون كانت امتدادا لبؤس الحرب في وقت السلم، وهناك نتيجة أخرى، هي أنه إلى جانب أولئك الذين وقعوا في قبضة المحتلين والقوانين والعادات الأجنبية سوف تفقد ولايات كثيرة أعظم خيراتها وأعني به استقلالها » (17).

كما أنّ هيجل من جهة أخرى يدعو في نقده السياسي للواقع الألماني إلى تأمل الأوضاع في حالة السلم والتعلم دروس التاريخ، هذه الدروس التي هي بحاجة إلى من يتعلمها حتى تكون بمثابة نقاط ضوء تنير طريق المستقبل، ولعل الدرس الأكبر في نظر هيجل الذي يجب أن يتعلمه كل شعب في كل زمان ومكان هو أنّ « كل دولة إنّما تعبّر عن روح شعب ما أو مصير أمّة محددة في نطاق حقيقة كلية أوسع منها ألا وهي التاريخ، وإذن، فإن كل شعب، بل كل دولة إنما هي لحظة من لحظات المطلق في تطوره عبر التاريخ » (18).

إن هيجل يرفض النظرة التجزيئية للواقع ويدعو إلى النظرة الكلية الشاملة التي تقوم على مبدأ العقل والتأمل الباطني للأشياء، وإذا كان هاجس هيجل السياسي هو ضرورة تأسيس دولة ألمانية حديثة على أسس جديدة ونظم متطورة ووعي تاريخي جديد يكون قادرا على إستيعاب أحداث العصر والعالم والتحديات الجديدة التي أفرزها التاريخ الجديد .

إنّ هذا الوعي التاريخي الجديد في نظر هيجل يتجسد أكثر في حالة السلم . فكيف يدفع السلم في نظره إلى إدراك هذه الحقيقة وإلى تقييم النتائج المأساوية وانعكاسها على الشعب الألماني ومستقبله ؟ يرى هيجل أن السلم « يتيح الفرصة المناسبة لكي نتدبر بإمعان الأسباب الداخلية لهذه النتائج وروحها ونتأمل الطريقة التي يمكن أن تصبح بها هذه النتائج وحدها المظاهر الخارجية الضرورية لتلك الروح، كما أن هذا التدبر سوف يناسب هو ذاته أي شخص لم يذعن لما قد حدث لكنه يريد أن يتعرف على الحادث وضرورته، وهو بهذه المعرفة يفصل نفسه عن أولائك الذين يرون الصدفة والعشوائية وحدهما الذين يقنعهم حمقهم أنّه كان من الممكن ترتيب كل شيئ بحكمة أكثر وبحظ أوفر، إنّ هذه المعرفة لعلى جانب عظيم من الأهمية لمعظم الناس » (19) .

وما يمكننا إستنتاجه من هنا وهناك أنّ المذهب الفلسفي لهيجل يستبطن عقيدته السياسية، وأنّه يبرز هيجل كمفكر وطني وقومي قبل كل شيء، لأنّ العالم يبدأ من عتبة بيوتنا وأنّ وعي العالم يبدأ من وعي الذات وهذا حتى لا تنطبق علينا مقولة هيجل الشهيرة التي تقول: (إنّ كلّ ما نتعلمه من درس التاريخ هو أنّه لا أحد تعلّم من هذا التاريخ) ولا شك أنّها حكمة خالدة تستدعي منّا النظر والعمل .

هيجل والثورة الفرنسية:

لقد شكلت الثورة الفرنسية التي قامت عام 1789 منعطفا حضاريا حاسما وتحولا تاريخيا كبيرا في أوربا بصفة عامة وألمانيا بصفة خاصة، ولقد تفاعل المفكرون والأدباء الألمان مع هذا الحدث التاريخي تفاعلا إبداعيا ورؤية عقلانية للتاريخ مليئة بالتفاؤل، وخاصة هيجل الذي رأى في هذه الثورة ملامح عصر جديد وفجر جديد يزيل الظلام عن أوربا الذي كان يلفها في غياهب التخلف ولقد كانت الثورة الفرنسية في هذا الجانب أيضا بالنسبة لهيجل بمثابة الشمس الساطعة والحقيقة الحارقة لكل الأجوبة الأبدية والشمولية ولكل قيم وعادات العصر التقليدية التي كانت تختزل الفكر والإنسان في أهواء الملوك ورغباتهم، وعلى هذا الأساس، فقد «أولى هيجل إهتماما خاصا بهذا الحدث كما فعل مع غيره من الأحداث الأخرى ، لقد نظر إليها باعتبارها نقطة فصل في التاريخ كرست القطيعة مع الماضي على الصعيد العملي وجسدت الأزمنة الحديثة في واقع الممارسة السياسية الثورة الفرنسية إذن بالنسبة لهيجل هي تحقيق ما كان يراه هيجل نموذجا للحرية الإنسانية، لذلك فقد أعجب بها وبمبادئها المستوحاة من روح العصر، واعتبرها الحدث السياسي الذي دشن الحداثة بالفعل وتأكد من خلاله أنّ الروح يحكم العالم » (20) .

وعلى هذا الأساس يمكننا أن نتساءل مع هيجل على هذه المعطيات منطلقين من مجموعة من الإستفهامات: كيف تعامل وتفاعل هيجل مع أحداث عصره، خاصة الثورة الفرنسية ؟ كيف كانت نظرته إليها وكيف كان تقييمه لها ؟ وما مدى إنعكاس الثورة الفرنسية كحدث تاريخي على وعي هيجل وفلسفته ومنطلقاته النظرية ومواقفه العملية؟اخيرا وليس آخرا، هل كان اهتمام هيجل بالثورة الفرنسية وبأحداث عصره من باب الترف الفكري أم من باب المسؤولية التاريخية ؟ .

وقبل الإجابة على هذه التساؤلات لابدّ أن نؤكد على حقيقة جوهرية وهي أنّ فلسفة هيجل يجب فهمها والنظر إليها انطلاقا من واقعها وليس من مفاهيمها الميتافيزيقية، بل حتى هذه المفاهيم الميتافيزيقية تظل مغلقة وملتبسة بمحتوى ومضمون من الواقع، وبالتالي فإنّ الواقع بالنسبة لهيجل يشكل ورشة عمل حقيقية لنحت وإبداع المفاهيم الفلسفية، فالفلاسفة لا يخرجون من الأرض كما تخرج النباتات الفطرية بل هم ثمرة عصرهم ومجتمعهم، وهذا ما يسميه هيجل روح العصر أو إنتماء الفيلسوف لروح العصر، ومعناه المعاصرة الوجدانية والفكرية لمنطق العصر والتقيد بإشكالياته الكبرى ومحاولة الإجابة على تحدياته واستفهاماته « هكذا إذن كان موقف هيجل إن لم نقل مواقفه من الثورة الفرنسية تعبيرا صادقا عن اهتمام هيجل بأحداث عصره، فهيجل قد عاصر حقبة كاملة عرفت أحداثا دينية وثقافية وسياسية كانت تنذر بميلاد حقبة جديدة وعصر جديد، لقد واكب هيجل هذه الأحداث لا فقط لمسايرتها، وإنّما كذلك لتحويلها إلى آراء نظرية، هكذا إذن تكون دلالة الحماس الهيجلي إزاء الثورة وليدة اهتمام خاص يوليه هيجل للتاريخ وأحداثه الكبرى، لم يكن إذن ذلك التأييد والإنفعال مع الثورة وليد الصدفة أو لمجرد الترف الفكري، بل كان دافعه الأول والأخير هو الإرتباط بالعصر أو ما يسميه هيجل الإنتماء لروح العصر » (21) .

إنّ الإنتماء لروح العصر يعني بالنسبة لهيجل على صعيد الوعي والفكر مسؤولية الفيلسوف التاريخية أمام واقعه ومجتمعه، خاصة إذا كان هذا المجتمع يمر بمنعطفات وتحولات جذرية في بنيته الداخلية والخارجية ومن هنا يمكننا أن نطرح التساؤلات التالية: كيف عاصر هيجل أحداث الثورة الفرنسية ؟ وكيف تجسدت واقعيا في فكره وسلوكه السياسي ؟ وهل موقف هيجل الشاب من الثورة الفرنسية هو نفسه موقف هيجل الكهل والناضج ؟ وللإجابة على هذه التساؤلات لا بدّ أن نعود بخطوات منهجية وزمانية إلى الوراء وأعني إلى بداية قيام الثورة الفرنسية سنة 1789 حيث في هذا التاريخ تحديدا « ولم يكن هيجل يومها قد بلغ العشرين من عمره، وكان خلال هذه المرحلة يتلقى تكوينه التيولوجي في إطار ما يسمى بملتقى تبنجين، وقد جاء أول تعبير عن مساندة الثورة حينما شكل هيجل وهولدرلين وشيلينغ النادي السياسي لطلبة هذا المعهد، وحيث بدأ هيجل يلقي خطبا حول مبادئ الحرية والمساواة والعدالة، كما أنّه قد عبّر عن نفس الحماس والتأييد طيلة حياته معتبرا أنّ الثورة الفرنسية هي الحدث الذي تتمحور حوله كلّ تحديدات الفكر الفلسفي في علاقته بالزمن» (22).

لقد كان حماس هيجل للثورة الفرنسية يرتقي إلى مستوى الإيمان والإعتقاد، فليس في الإمكان إبداع أحسن مما هو كائن من حيث الأفكار والمبادئ والقيم الإنسانية وفي طليعتها قيمة الحرية التي هي ماهية الإنسان وجوهره الحقيقي، وكخطوة رمزية وعملية من هيجل ورفاقه بإيمانهم بمبادئ الثورة الفرنسية حيث في يوم من الأيام « وفي صباح يوم أحد في ربيع عام 1791 إنضمّ هيجل إلى مجموعة من الشباب المتحمسين للحرية الذين ذهبوا إلى أحد المروج خارج مدينة توبنجن ليزرعوا شجرة الحرية وهم ينشدون نشيد المارسليزيه ويتلون قصيدة شيلر (أنشودة الفرح) التي استخدمها بيتهوفن فيما بعد في السيمفونية التاسعة » (23).

لقد شكلت الحرية إذن بالنسبة لهيجل محور فكره الفلسفي وتأملاته النظرية في الواقع والتاريخ خاصة ما اتصل منها بتاريخ الأمم والحضارات، إنّها المفتاح الإستكشافي لكل نسقه الفلسفي، بحيث لا يمكن فهم نظرية ما عند هيجل بدون إحالتها وربطها بمفهوم الحرية، ألم يقل هيجل نفسه في كتاباته الفلسفية أنّه (إذا كان الثقل ماهية المادة فإنّ الحرية هي ماهية الفكر) ولقد رأى هيجل على ضوء أحداث عصره وانطلاقا من مفهومه للحرية أنّ من يجسد هذا المبدأ على أرض الواقع إنّما هو نابليون الشخصية التاريخية والعالمية والذي يسميه هيجل (روح العالم) ، حيث وفي ليلة 12 أكتوبر ضرب نابليون (يينا) بالقنابل، وفي اليوم التالي دخلت قواته المدينة وكانت لا تزال أوراق الكتاب (ظاهريات الروح) في جيب هيجل الذي كتب إلى نيتامر يقول « لقد رأيت الأمبراطور روح العالم ممتطيا صهوة جواد يستكشف المدينة إنّه لإحساس عجيب أن ترى مثل هذا الفرد متمركزا هنا في نقطة واحدة ممتطيا صهوة جواد، ومع ذلك يعبر العالم ويتحكم فيه » (24) .

يبدو لنا من الوهلة الأولى أنّه من الصعب علينا أن نتفهم هذا الموقف الهيجلي من الإحتلال فبأيّ منطق وبأية فلسفة يمتدح هيجل نابليون كل هذا المدح وهو المحتل لوطنه وشعبه ويصفه بروح العالم ؟ لا شك أنّ هناك نظرة أخرى لهيجل من هذا الحدث وهذا التوصيف الأسطوري، خاصة أنّ هيجل ظلّ طوال حياته يحمل هموم ألمانيا ومآسيها في عقله ووجدانه، لقد كان يمثل نابليون لهيجل فيما نعتقد القيم الإنسانية الجديدة التي يمكن أن تنقذ المأساة الألمانية، إنّه العصر الجديد الذي يأتي على أنقاض العصر القديم، لقد كان الهاجس الحقيقي والفعلي لهيجل وهو يتأمل الثورة الفرنسية هو الواقع الألماني ذاته، كما اعتبر هيجل هذه الثورة من جهة أخرى أنّها تمثل حدثا إنسانيا وعالميا وهذا عندما يصف هيجل نابليون بأنّه (روح العالم) لقد كان ينظر إليه بأنّه الناطق الفعلي والشرعي لضمير الإنسانية وليس للأمة الفرنسية وحدها، ومن هنا عالمية وكونية هذه الثورة بأبعادها ومبادئها التي هي مبادئ كل إنسان في كل زمان ومكان، ومن هنا أراد هيجل أن تكون فلسفته فلسفة للثورة الفرنسية التي تبقى في نظره أمل ألمانيا وأوربا في تحرير شعوبها من القيود الفكرية والسياسية والإجتماعية خاصة أنّ الثورة الفرنسية رفعت شعار (حرب على الملوك وسلام مع الشعوب) .

ولا شكّ أنّ الإندماج الفكري والوجداني لهيجل مع أحداث عصره خاصة الثورة الفرنسية يجسد لديه بحق مقولة الإنتماء لروح العصر، إذ الإنتماء لروح العصر «هو الشرط الضروري الذي بتوفره يمكن أن يوصف الإنسان هيجيليا بكونه إنسانا حديثا، وهو كذلك الشغل الشاغل بالنسبة للتفكير الفلسفي الهيجلي، لذلك فإنّ الإهتمام بالثورة هو تعبير عن الإنتماء لروح العصر، فلسفة هيجل إذن أرادت أن تكون فلسفة للثورة الفرنسية، لأنّ هيجل يرى أنّ الثورة بنت الفلسفة كما يرى كذلك أنّها دافع إلى التفكير الفلسفي لأنّها كانت الوسيلة التي من خلالها تنبه المثقف في ألمانيا إلى أنه يعيش واقعا مرفوضا، فعلى أساس توجهاتها إنبنى نقد الأوضاع في ألمانيا، لقد كانت الثورة الفرنسية بالنسبة لهيجل هذه الشمس التي ترفع في سماء فرنسا وتضيئ بنورها الساطع المأساة الألمانية»(25).

ولكن الثورة الفرنسية كحدث سياسي وتاريخي والتي جسدت فلسفة عصر الأنوار والمفكرين الموسوعيين قد مرت بمراحل وتحولات ظرفية وتاريخية إلى أن أنقلبت على نفسها ودخلت في أزمة حقيقية وقامت حكومة الإرهاب والمقاصل الجماعية وتحولت الحرية إلى رعب والثورة إلى فوضى وسادت المقولة السياسية الشهيرة (الثورة تأكل أبناءها) ومن هنا أخذ هيجل يتساءل بعمق « فما الذي جعل الفكر العقلي الحي ينقلب على هذا النحو إلى طوفان مدمر؟ » (26) .

وبعد أن تأمل هيجل مبادئ الثورة الفرنسية وتجسيداتها العملية والتطبيقية وجد أنّ هناك تناقضا بين المادة والصورة، بين المفاهيم النظرية ومحتواياتها الواقعية، بينما هو كائن وما يجب أن يكون، ويقول هيجل في هذا الإطار معلللا « السبب أنّ رجال الثورة لم يسمحوا بالتطبيق العملي الجاد للأفكار التي نادوا بها، ذلك لأنّ تحقق هذه الأفكار بالفعل يحد من حرياتهم لأنّ قيام المؤسسات الدستورية وسيادة القانون وإعطاء كل ذي حق حقه سوف يعني في الحال أن تتحول الحرية المطلقة إلى حرية مقيدة متناهية محددة، ولهذا راحت الثورة تدمر ما تقوم هي نفسها ببنائه » (27) .

إنّ تراجع الثورة الفرنسية وانقلابها على نفسها جعل هيجل يفكر كثيرا في محتوى مفهوم الحرية، فلا وجود لحرية طبيعية أو حرية عمياء في نظره، فالحرية هي الخضوع الواعي لمبدأ أو قانون عام، ولا وجود لحرية مطلقة، وبالتالي فإنّه على ضوء أخطاء الثورة الفرنسية في مساراتها قام هيجل بتأمل وتصحيح الكثير من المفاهيم السياسية والفلسفية كمفهوم الحرية تحديدا، لذلك فإنّ الثورة الفرنسية في نظره وإن نجحت على صعيد المبادئ والشعارات واندفاعاتها الأولى المبكرة والمبشرة فإنها أخفقت على مر الزمن في تجسيد هذه المبادئ على أرض الواقع، ومع ذلك فقد «ظل هيجل طوال حياته يحتفل بيوم الباستيل وظلت الحرية الشغل الشاغل في فكر هيجل، وفي سنواته الأخيرة كان يسترجع روح عام 1789م، لقد كان سقوط الثورة الفرنسية عند هيجل وعند كثير من معاصريه في خوف مطلق يمثل أعمق أزمة للروح ويحاول قسم هام في أول كتاب كبير لهيجل (ظاهريات الروح) أن يعرض للإرهاب ويفسره بأنه كان نتيجة للحرية التي أكدت نفسها بطريقة مجردة على أنّها شيء مطلق لا يرتبط بسياق العلاقات الأخلاقية أو تنظيم المؤسسات»(28).

وما يمكن إستخلاصه من كل هذا أنّ الثورة الفرنسية شكلت المنظور العام لهيجل في رؤيته لتاريخ العالم، وبقدر ما ألهمت الفكر الألماني بصفة عامة والفلسفة الهيجيلية بصفة خاصة فإنّها سمحت لهيجل بمراجعة هذه الثورة على صعيد الوعي النظري خاصة في جوانبها العملية، لقد كانت الثورة الفرنسية في نظر هيجل مبادئ مجردة بدون ضوابط أخلاقية أو قانونية، وهذا ما ألهمه في كتابه (أصول فلسفة الحق) ليركز على مفهوم الدولة الواقعية وفكرة المؤسسات والمجتمع المدني، فالمؤسسة هي القالب الواقعي للمفاهيم النظرية والفلسفية، وبالتالي فإنّ ما يتحقق ولو قليلا هو أكثر غنى واتساعا مما لم يتحقق ولو كثيرا، وذلك هو جوهر فلسفة هيجل في مقاربته للواقع العيني وفي رؤيته الفلسفية في المطابقة بين الفكر والوجود والمصالحة بين المجرد والعيني.

 

الدكتور قادة جليد

....................

هوامش البحث

(1) هيجل: أصول فلسفة الحق، تر: د. إمام عبد الفتاح إمام، 1996، مكتبة مدبولي، مصر، ص:116.

(2) د.إمام عبد الفتاح إمام، دراسات في الفلسفة السياسية عند هيجل، دار الثقافة للنشر والتوزيع، مصر، 1993،ص: 22.

(3) نفس المرجع، ص: 43،42.

(4) هيجل، أصول فلسفة الحق، مرجع سابق، ص:27.

(5) نفس المرجع، ص: 29.

(6) د. زكريا إبراهيم، هيجل أو المثالية المطلقة، مكتبة مصر، 1970، ص: 24،23.

(7) هيجل، أصول فلسفة الحق، مرجع سابق، ص:119-120..

(8) د.إمام عبد الفتاح إمام، دراسات في الفلسفة السياسية عند هيجل، مرجع سابق،ص: 79.

(9) د. زكريا إبراهيم، هيجل أو المثالية المطلقة، مرجع سابق، ص:10.

(10) نفس المرجع، ص: 38.

(11) د.إمام عبد الفتاح إمام، دراسات هيجلية، دار الثقافة للنشر والتوزيع، مصر 1985، ص: 59.

(12) د.إمام عبد الفتاح إمام، دراسات في الفلسفة السياسية عند هيجل، مرجع سابق،ص: 6.

(13) نفس المرجع، ص: 13.

(14) نفس المرجع، ص: 18.

(15) د.إمام عبد الفتاح إمام، دراسات هيجلية، مرجع سابق،ص: 85.

(16) د.إمام عبد الفتاح إمام، دراسات في الفلسفة السياسية عند هيجل، مرجع سابق،ص: 40.

(17) نفس المرجع، ص: 41.

(18) د. زكريا إبراهيم، هيجل أو المثالية المطلقة، مرجع سابق، ص:76.

(19) د.إمام عبد الفتاح إمام، دراسات في الفلسفة السياسية عند هيجل، مرجع سابق،ص: 41.

(20) د.يعقوب ولد القاسم، الحداثة في فلسفة هيجل، مركز الكتاب للنشر، مصر، ط1، 2003، ص 85.

(21) نفس المرجع، ص: 81.

(22) نفس المرجع، ص: 85.

(23) ليود سبنسر /أندرزجي كروز، هيجل،تر: إمام عبد الفتاح إمام، المجلس الأعلى للثقافة، مصر، ص21.

(24) نفس المرجع، ص: 58.

(25) د.يعقوب ولد القاسم، الحداثة في فلسفة هيجل، مرجع سابق، ص82.

(26) د.إمام عبد الفتاح إمام، دراسات في الفلسفة السياسية عند هيجل، مرجع سابق،ص: 7.

(27) نفس المرجع، ص: 7.

(28) ليود سبنسر /أندرزجي كروز، هيجل،مرجع سابق ، ص22-23.

 

 

ali mohamadalyousifبالنسبة للرومانتيكيين وشلنج فقد منح الموت يقينا مسيحيا من خلال الاقتناع بالوحدة الحقيقية لله والطبيعة التي غدت متجليّة في المسيح. واليقين بان المسيح اجتاز الموت وارسى من جديد الارتباط بين الطبيعة والعالم الروحاني.

يعتبر انصار فرويد ان غريزة الحنين الى الموت التي نادى بها الرومانتيكيون تتطابق مع صحة نظريتهم. ويلاحظ شلنج انه بدلا من الموت فان التعبير الصحيح هو في التخلّي عن الروح. والروح التي يتخلى عنها المرء في غمار الموت انما هي روح الرغبة المتمحورة حول الانا. والخلاص لا في قمع الارادة المتمحورة حول الانا.كما اشار افلاطون. (1)

لايمكن ان يكون اخلاص الرومانتييكيين مثار شك للموت. ومعظمهم عاشوا تقارب حميم مع الموت ومات اغلبهم شبابا. وكان نوفاليس مصدورا حينما لفظ انفاسه الاخيرة في التاسعة والعشرين من عمره. ونقرا في مذكراته قوله لن انجز شيئا هنا وسأقول وداعا لكل شيئ في ريعان شبابي. وقد مضى الموت راحلا بأخيه الاثير اراسموس. اما بطلة حبه العظيم صوفي فون كين فقد قضت نحبها في الخامسة عشرة من عمرها ومعها مات العالم باسره بالنسبة لنوفاليس. (2)

وعبارة ايفان في قصة الكاتب الروسي دوستوفسكي الاخوة كرامازوف التي وردت على لسانه- (اذا لم يكن الله موجودا فكل شيء مباح للانسان.) وقد عالجها باهتمام كبير نيتشة.كما اقتبسها سارتر فيما بعد. وتولستوي ايضا.

وعن الموت في اللاهوت المسيحي، فحينما يتحدث اللاهوتيون المسيحيون عن الموت فانهم يعطونه معنى ثلاثيا، فهناك بادئا ذي بدء "الموت الطبيعي" الذي هو نهاية الحياة العضوية.

ثم هناك "الموت الروحي" ويعبّر عنه وضع الانسانية خارج الايمان المسيحي، وهناك اخيراً "الموت الصوفي" وهو المشاركة في الحياة الالهية التي تجري بالفعل خلال هذا الوجود الارضي على الرغم من الموت الطبيعي.وقد جعل المسيح الوصول اليه ممكنا، إذ يقول القديس بولص "بموتكم تتوحد حيواتكم مع المسيح الرب" ويعد الموت الصوفي انتصاراً على الموت العضوي، وما البعث الا مرحلة اخرى في هذا الموت الصوفي الذي هو في الوقت ذاته حياة خالدة.

بينما يعد الخلود في الفكر الاغريقي سمة باطنية للنفس يكون في الرؤية المسيحية الله وحده يمكنه ان يخلع حياة جديدة على الانسان الفرد كهبة لايستحقها هذا الانسان بسبب طبيعته الخاطئة. وقد اقرّ بعض اللاهوتيين المعاصرين صراحة صعوبة اثبات مبدأ البعث والخلود.

وقد استعيض لدى البعض خلود السماء بخلود الانسان على الارض. وراودهم حلم امكانية البقاء اللامتناهي للحياة البشرية على الارض.بل وفي بعض الاحيان طرحت براهين لاهوتية لتاكيد ذلك. وزعم جون اسجيل في كتيب له ظهر اوائل القرن

الثامن عشر في لندن انه وفقا لعهد الحياة الازلية الذي كشف عنه النقاب في الكتب المقدسة سينقل الانسان الى الحياة الازلية دون ان يمر بالموت. وكانت ردة الفعل عليه عنيفة فاحرق الكتيب علنا وحرم المؤلف من مقعده في البرلمان.(3)

ويذهب جاروسلاف في كتيبه-(شكل الموت)-ان موت الانسان لايمكننا فهمه بمعزل عن الموت لدى آدم والمسيح. والصليب يترك اسئلة دون اجابة وشطرا من الموت دونما اشتهاء الانطلاق ومصاحبة المسيح. ولاقت الفكرة صدى صوفيا بليغا لدى القديس اغناطيوس الانطاكي فيما كان يستعد لاستشهاده الوشيك في مدرج روما. اتجهلون اننا كل من اعتمد المسيح اعتمدنا لموته. وقذفنا معه في المعمودية للموت حتى كما قام المسيح من الاموات بمجد الرب.

هكذا نسلك نحن ايضا في هذه الحياة. ان انساننا العتيق صلب معه ليبطل جسد الخطيئة.(4)

كما تشير "فيكي بيل" في بحثها "فوكو والجنسانية" الى فينومينولوجيا الروح، وطريقة تكونها الانطولوجي الوجودي من الخارج، فالذات هي من عناصر "الحيز" اما النفس (الروح) فهي الحيز او الفضاء الذي تتحرك فيه الذات حينما تتجه الى الداخل.

اما ميشيل فوكو فيأخذ الموت في جنبته البيولوجية –السيسيوتاريخية ,وليس في جانبه الوجودي الفلسفي فيقول: كان الملك في القرون السابقة تحديدا القرون السابع عشر ,الثامن عشر, والتاسع عشر, يمارس حقه في الحياة بتشغيل اساليب حقه في القتل وهو لا يثبت سلطته على الحياة الا بالموت , ان الحق الذي يصاغ كحق على (الحياة والموت) هو في واقع الامر الحق في الاماتة او الابقاء على الحياة , وبعد فلقد كان يرمز الى نفسه بالسيف. اما الحروب اليوم منذ القرن التاسع عشر والعشرين لم تعد تجري بأسم الملك الذي يتوجب الدفاع عنه , ولكنها باتت تجري بأسم وجود الجميع ,وقد غدت شعوب بكاملها تتقاتل فيما بينها بأسم ضرورة ان تحيا , وصارت المجازر حيوية مديرة للحياة والموت, للاجساد والجنس ,وقادت كثير من الانظمة كثيرا من الحروب بقتلها كثير من الناس.(5)

الموت في العهد القديم (التوراة)

الفريسيون، فرقة في اليهودية تعني حرفيا "المنعزلون" او المنشقون، وهم يؤمنون بالبعث وقيامة الاموات، وان التوراة خلقت منذ الازل. والصدوقيون، هم فرقة اخرى وتسميتهم نسبة الى الصادق الكاهن الاعظم في عهد سليمان وهم ينكرون البعث والحياة الاخرى ويوم الحساب، ويرون ان جزاء الانسان يتم على الارض في الدنيا. وعندهم حتى التوراة غير مقدّسة.

والقبالة او القبلانين فهي نزعة صوفية مارسها رجال الدين اليهود للكشف عن المعاني الخفية والرمزية في الكتاب المقدس، لاسيما اسفارهم الخمسة، وكلمة القبالة مشتقة من الاحرف الاولى الخمسة من الوزراء اختارهم شارل الثاني عام 1667. وسفر الزوحار هو مجموعة نصوص صوفية يهودية كتبت معظمها باللغة الآرامية كانت تسمى سفر الجلال انعشت الحياة الصوفية التي كانت تمارسها القبلانية في البحث عن المعاني الرمزية والخفية لنصوص الكتاب المقدس. وافكارهم تصوفية من نوع ما.

ان العهد الجديد لم يعتبر خلود النفس من المسيحية في شيء وانما هو من امور الوثنية. وعقاب يوم الدينونة هو عقاب الاجسام الميتة التي تبعث من جديد. وهذا ماأكده بولص الرسول في احدى خطاباته ماأثار سخرية الفلاسفة الوثنيين.

اما ابيقور صاحب مقولة: الموت لا يعنينا في شيء فهو يقترح علاجا للروح باسم العلاجات الاربع، لسنا بحاجة الى تخوف من الله، الموت يعني غياب

الاحساس، من اليسير تحقيق الخير من اليسير احتمال الشر، ويقول ابيقور: " اللاجدوى كلمة يقولها الفيلسوف ولا تخفف أي معاناة للانسان"، والابيقورية ارادت

التهوين من نهاية الموت فنادت بان الروح هي الاخرى تنحل بعد الموت، حالها حال الانحلال الجسمي للجثة، وبذلك جعلت من جميع المخاوف الدائرة حول معاناة النفس وعذابها بعد الموت اموراً لا اساس لها. وتذهب الابيقورية انه ما دامت الروح موجودة فانها تبتلى بالمرض الذي تسببه المعتقدات الدينية من خشية الالهة وعذاب العالم الاخر، وهكذا نجد في الابيقورية احالتها الآلهة على التقاعد و وبذلك تكون بذرت البذرة الاولى في الالحاد، الذي تبنّاه نيتشه وهيدجر وفويرباخ وسارتر.

كما دعت الابيقورية الى اللذة ومتعة الحياة بغير ابتذال ففناء الحياة أمراً يمكن الاستمتاع به، لأنه خارج اطار لا نهائية الزمن الذي يستبعد شوق الانسان للخلود. وفيما دأبت الابيقورية في منهجها التخفيف من رعب الموت, فانها تعارض أولئك الذين ينتقصون من قدر الحياة مؤكدين ان الخير الاسمى هو ألا يولد المرء، وهنا نعثر في الابيقورية على البذرة الثانية في فلسفة الوجودية الحديثة (سارتر، هيدجر، كيركارد) التي تذهب في مقولتها الشهيرة: ما معنى ان نولد وما معنى ان نموت!؟

ومن هنا تجد الابيقورية ان من يشكو انه ولد فانيا. وهذه الحقيقة انطولوجية انثروبولوجية لا يبالغ في الانين, وفي هذا تحاول تخفيف هواجس الرعب لمرحلة ما بعد الموت، لا في ما قبله، وبهذا تعود الابيقورية لتبذر بذرة وجودية اخرى، في قولها خواء الحياة ورتابتها، اليومية، فنحن دائما منهمكون غارقون في المشاغل. ان هجعة الموت تبعث العزاء في هذه الابيات:

لـ"لوكر يشيوس" لا لشيء إلا لأن الحياة

مؤلمة وحافلة بالعذاب.

سوف ترقد ولن تستيقظ ابدا

وعندما تفارق الحياة تتخلى عن ألمك العنيف

واسوأ ما يمكن ان يحل بك

هوسبات عميق وليل طويل

فكل الخطايا الكئيبة الموحشة التي ينشدها الشعراء

تثبت صحتها على الارض لا في الجحيم

استخلاص

- الموت موضوع ومحرك للفلسفة

تعد مشكلة الخوف من الموت وطبيعته تقليديا من اختصاص الدين.والدين ينكر عادة الطابع المتناهي للموت اذ يؤكد استمرارية الشخصية الانسانية في شمولها النفسي-البدني, او كنفس متحررة من البدن. مؤكدا طابعها المميز المألوف.ومن ثم فان الفلسفة لم تشرع في الاهتمام بالموت الا حينما اصبح التاكيد الذي يطرحه الدين مشكوكا فيه وموضع ريبة. او حينما بدا هذا التاكيد في تناقض لامفر منه مع شهادة حواسنا المباشرة التي لاجدال فيها. وحينما اصبح الرد الديني موضع تشكك سعت الفلسفة الى دعمه بحجج عقلانية. وعندما غدا الامر متعلقا بالتناقض راحت الفلسفة تسعى الى الوصول من خلال النظر العقلي الى رد مؤكد مماثل لذلك الذي طرحه الدين منذ وقت طويل او تصدت للوصول الى التصالح مع الموت منظورا اليه باعتباره عدما نهائيا او بحسبانه خلودا غير شخصي.

من هنا فاننا في غياب اقتناعات دينية محددة تماما كما كان الامر في القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد في بلاد الاغريق على سبيل المثال. او في القرنين الثاني والاول قبل الميلاد في روما نجد الموت لا كموضوع للفلسفة وحسب وانما كمحرك لها ايضا. ولكن مع مجيء المسيحية ووعدها بالبعث والحياة الخالدة في العالم الاخر تقلصت الضرورة الحيوية لقيام الفلسفة بتناول الموت حيث بدت المشكلة وكأنها قد حلّت.

اضف الى ذلك ان حل مشكلة الموت لم يكن سوى احدى مشكلات الحياة والفكر المسيحي. حيث غدت الفلسفة ذاتها لاسباب عديدة تابعة للاهوت. لكنه سيكون من قبيل الخطأ الاستنتاج بان الانشغال بالموت اختفى في العصر المسيحي. ولكن ادّى الظهور التدريجي لتصور محدد للحياة الاخرى التي طورها اللاهوت وجعلها الشعر والتصوير والنحت واقعية بصورة مرئية. وتزايد التأكيد على صعوبات الخلاص من الموت الابدي ادى الى تكثيف الخوف من الموت والاحتضار الذي بلغ ذروته خلال القرنين الرابع عشر والخامس عشر في نوبة تسلط الموت على الاذهان والقلوب. حيث اثارت لحظة الموت الفزع والشؤم في هروب النفس من الجسد المحتضر وهي الفرصة الاخيرة لقوى الجحيم من السيطرة على هذه النفس.

ونجد مع استئناف التفكير الفلسفي المستقل في عصر النهضة ان الفلاسفة يميلون فيما يتعلق بمشكلة الموت الى انكار الخلود الشخصي. ويمكن ان يقال انه منذ اللحظة التي انحاز فيها بيترو بومبو ناتزي الى صفوف القائلين بانكار الخلود, اصبح انكار خلود النفس بصورة تدريجية هو الموقف الفلسفي غير المنازع في القرن الثامن عشر في فرنسا والقرن التاسع عشر في المانيا. غير ان ذلك لايعني الاهمال الكامل لمشكلات الموت في الفلسفة. فحتى الماديون الفرنسيون في غمار انكارهم خلود النفس ووصفهم بانه (كذبة كهنوتية) – وانه عقبة في وجه تحسين الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الا انهم تناولوا الموت بالدراسة. وذلك على الرغم من ان المشكلة قد ضاق نطاقها وانحدر الى مستوى السيطرة على الخوف من الموت ومنعه من افساد بهجة الحياة. وكان هناك دائما جهد دائب من جانب بعض الفلاسفة لاثبات خلود النفس. غير انه بصفة عامة مع تحول الفلسفة الى فرع مستقل من فروع المعرفة راحت تطور وتركز على مشكلاتها الفلسفية بصفة خاصة واصبح الموت كموضوع للتفلسف استثناءا. وهكذا فانه بالاضافة الى الفوارق بين الفلسفات فيما يتعلق بنوعية الرد الذي تقدمه على الموت فان هناك فارقا تتعين ملاحظته يتمثل فيما اذا كانت تتناول مشكلة الموت او تهملها كلية.

واقعة الموت في عجز الفلسفة

ان جميع الفلسفات التي تتناول مشكلة الموت تظهر العلاقة بين واقعة الموت والبحث الفلسفي في ثلاثة جوانب هي:

1. يمكن ان يكون الموت مصدر الهام للفلسفة وقوة الدفع الكامنة وراء التفلسف الذي يهدف اساسا الى السيطرة على الخوف من الموت والتصالح مع حتمية الموت. وتلك هي على نحو ما رأينا نظرة شوبنهاور الى هذه العلاقة.

2. يمكن ان يكون الموت اداة الفسلسفة التي تزعم انها وحدها تناسب الوصول الى فهم الوجود والكشف عن طبيعته الحقة التي يتخللها اللاوجود فيما يقول هيدجر.

3. اخيرا فان الموت كما يقول افلاطون يمكن ان يكون الوضع المثالي للتفلسف وحالة يمكن فيها وحدها ان يتحقق سعي الفيلسوف وراءالمعرفة الحقة.

واذا ما فهم الامر على وجهه الصحيح في اطار المثالين الاولين امكن القول بان الخوف من الموت وليس واقعة الموت اي اليقين المرعب من الموت. او القلق الذي يكشف فيه اللاوجود عن نفسه هما مصدر الوحي او اداة الفلسفة على التوالي.

اما في المثال الثالث فليس الموقف الانساني من الموت وانما طبيعة الموت هي التي تمثل منطلقا. وهذه الطبيعة يفترض بصورة تعسفية انها تعرف باعتبارها انفصال النفس الالهية الخالدة عن الجسم الفاني.

اما الميل الى تجاهل موضوع الموت وهو ما يزعم بعض مؤرخي الفلسفة انه قد بدا تحت تاثير اسبينوزا, فكان يؤكد نفسه بصورة متزايدة واصبح سائدا في حوالي منتصف القرن التاسع عشر.

ولقد سهّل استبعاد مشكلات الموت عن الفلسفة الى حد كبير ذلك التحوّل الحاد الذي طرأ على البحث الفلسفي بكامله تحت تاثير ضروب التقدم المذهلة التي احرزتها العلوم الدقيقة.وساعدت التخمة المتزايدة من التفكير الميتافيزيقي على سيطرة الرؤية العلمية والوضعية. وكنتيجة لذلك لم يكن الفلاسفة يميلون ولا يتوقع منهم احد ان يفعلوا الى الرد على الاسئلة الهائلة والمطلقة التي تطرح حول الغرض من الكون والمصير النهائي للانسان. وبالتالي ترك الموت ومشكلاته على قارعة الطريق.

وعلى اية حال فقد اعلن انصار النزعة العلمية حماس احتضار الموت بينما اعترف به في اسى ممثلو الدين التقليدي. فيكتب مراقب معاصر مقالا بعنوان احتضار الموت يقول: - ان الموت كمحرك قد احتضر... لقد فقد الموت ضروب افزاعه -.

وكتب اخر يقول :– ان القرن العشرين اكثر انشغالا من ان يشغل نفسه كثيرا بالمشكلات التي يطرحها الموت وما يعقبه. فالرجل المحّنك يكتب وصيته ويؤمن على حياته ويزيح موته جانبا باقل صور التاديب.

 الموت والروائيين

يجد ارثر شنتزلر انه كالمعتاد ما من شخص جدير بالاحترام لايفكر بالموت في ساعة هادئة. وبينما انسحب الفلاسفة المحترفون الى البحث المتخصص وراحوا يفكرون في معالجة مسائل لا تقل اهميتها عن مشكلة الموت. اعرب كتاب وشعراء من امم عديدة عن ادراكهم للموت واساهم ازاء الظل المعتم الذي يلقيه على كل ما يحيى ويتنفس وعلى وجودهم بصفة خاصة. فهناك تولستوي الذي كانت فكرة الموت تطارده دونما توقف والذي واصل التساؤل في يأس (– اي حقيقة يمكن ان توجد اذا كان هناك موتا) -. وهناك اونا مونو الذي كانت شهوته للخلود نهمة وشكّه في الحياة بعد الموت يجعلانه ينشد عبثا الهرب من المعنى الماساوي للحياة بان يكرر لنفسه دونما توقف ان على المرء ان يؤمن بالايمان ذاته. وهناك ريلكه الذي اصيب بعذاب الزوال وناضل ببسالة ليحوّل الموت من شبح مفزع الى اعظم حدث في الحياة. وهناك بروست الذي سعى للوصول الى مهرب من المرور الفاني للزمن من خلال محاولة استرجاع الماضي بأمل باطل هو انه اذا كان بوسعه القيام بذلك فان كلمة الموت لن يعود لها معنى بالنسبة له. واذا كان الادب ذو المعنى في عصرنا يصلح كمؤشر للمزاج الحديث فيكفي ان نشير الى همنجواي-فوكنر-مالرو-كامي-اليوت-وديلن توماس- فالموت يثقل كاهل شريحة هامة من الانسانية المعاصرة.

ومع بداية القرن الحالي على وجه التقريب فحسب حدث رد فعل في الفلسفة ضد استبعاد الموت من التأمل الفلسفي. فتمرّد وليم جيمس وهنري برجسون على استبعاد جميع العناصر الشخصية من الفلسفة. ولاحظ جورج زمل بأسى ان  جانبا بالغ الضالة من المعاناة الانسانية شق طريقه الى الفلسفة .

الموت والفلاسفة المعاصرين

هناك انقسام حاد بين الفلاسفة المعاصرين فيما يتعلق ان كان من الضروري اعتبار الموت موضوعا مناسبا للفلسفة من عدمه. وذلك غالبا جاء من نطاق فصل الفلاسفة التحليليون عن اولئك الذين يتعاطفون مع تصور اشمل لمهمة الفلسفة. باعتبارها تعنى كذلك بمسائل المصير النهائي للانسان. ولكن هناك كذلك اشكالا آخر لهذا الانقسام فمثلا كان يعتقد ان اهتمام مارسيل جبريل الفيلسوف اللاهوتي الوجودي بالموت كان اهتماما مرضيا وانعدام الاهتمام عنده بالموت يرجع الى واقعة ان هذه المشكلة بالنسبة له قد حلت بالفعل حيث ان الوجود الانساني يكتسب في مؤلفه ( فلسفة الروح) معنى لايمكن للموت ان يقضي عليه.

لدى نيكولاي هارتمان 1882 – 1950  وهو فيلسوف مثالي الماني صاحب مذهب الانطولوجيا النقدية كما وضع مذهبا للاخلاق ونظرية القيم وعلم الجمال ونظرية المعرفة. له اسباب اخرى حول الانقسام الفلسفي اتجاه الموت. فهو يتحدث عن رجال الميتافيزيقيا الذين يعذّبون انفسهم وينكر عليهم اهتمامهم الفلسفي بالموت لان تعذيب الذات امر لااخلاقي. ويذهب الى القول بانه اذا لم يكن الموت الا عدما فانه لايمكن ان يكون شرّا. والمشكلة ان الانسان ينظر الى نفسه بأكثر مما ينبغي من الجدية. ولو انه احتفظ بالمنظور الصحيح فانه سينظر الى نفسه على ما هو عليه بالفعل. اي بوصفه قطرة في غدير الاحداث الكلية. ويكف عن جعل ضرورة موته قضية تثار باستمرار وعلى الدوام.  غير ان شلر يسخر من العبث الميتافيزيقي للفلاسفة الذين لايرغبون في معالجة المسائل المطلقة ومشكلة الموت بشكل خاص.

ويكتب بردياييف قائلا... انني لااميل الى الخوف من الموت على نحو ما كان يفعل تولستوي على سبيل المثال لكني شعرت بألم حاد ازاء فكرة الموت وبرغبة جامحة في اعادة الحياة لكل من ماتو. وبدا لي قهر الموت هو المشكلة الاساسية للحياة. فالموت حدث اكثر اهمية وحيوية من الميلاد.

ينبغي لعبارة بردياييف ان تجعلنا حذرين ازاء محاولات تفسير كل اهتمام بالموت وبالمشكلات الناشئة منه على انها نتيجة للخوف من الموت. فهي توضح لنا ان الضيق بمشكلات الموت يعادل فصل الفلسفة عن اعمق الموضوعات التي حيرت وضايقت ولازمت البشرية منذ الازل. والمبرر الاخر لعدم اهتمام المرء بالموت هو ان مشكلة طبيعة الموت تنتمي لعلم الاحياء.كما ان مشكلة الخوف منه تنتمي الى علم النفس وعلم النفس المرضي. لكن الامر يقتضي الكثير من حدة الذهن ليدرك المرء على سبيل المثال ان قضية خلود الكائنات وحيدة الخلية هي اساسا مسالة تهم التفسير والسيمانطيقا او السيمائية وهي احد فروع علم اللغة ويبحث في دلالات الالفاظ وتطورها.

وفي ما يتعلق بمشكلة الخوف من الموت فانه على الرغم من الاسهامات الهامة التي قدمها التحليل النفسي في هذا المجال لاتزال مشكلة القلق باسرها ابعد ما تكون عن الوضوح. ولا يزال التساؤل قائما حول ما اذا كان الخوف من الموت هو في نهاية المطاف القلق الاساسي. وفكرة ابيقور القائلة بان مهمة الفلسفة مداواة جراح القلب لاتزال وثيقة الصلة بالموضوع حينما تكون هذه الجراح بسبب موت المرء او موت اولئك الذين نحبهم.

مشكلة الموت حياتيا واجتماعيا

ان الحجة القائلة بان الاهتمام بالموت يؤدي الى اهمال المهمة المحدد والملحة المتمثلة في تحسين الوضع الانساني والاهتمام بالرخاء الانساني تتجاهل واقعة ان الموت بدوره ينتمي الى الوضع الانساني. وان الابحاث التي اجريت في السنوات الاخيرة مقنعة بما يكفي لاظهار ان الشخص العادي يفكر بالموت اكثر بكثير مما كان يفترض عا دة  حتى الان.وذلك على الرغم من ضيق نطاق هذه الابحاث. وان اهمال المشكلات العاطفية والعقلية النابعة من واقعة الفناء يساوي التراجع عما ينبغي ان يعتبر المسؤولية الخاصة للفيلسوف ازاء مهمة يمكنه هو وحده القيام بها في وقت تنحسر فيه المعتقدات الدينية.

صحيح ان الانسان قادر على ان يعيش حياة طيبة على الصعيد الاخلاقي دون ان يكون على يقين مما اذا كان للوجود الانساني معنى يتمتع بالحصانة ازاء القوة المدمرة للموت. بل يجد البعض ان بالامكان الحياة بقناعة ان الحياة عبث. وانها مجردة من المعنى. ولكن بغض النظر عن مسالة المرض المحتمل الكامن وراء هذا الموقف الاخير فانه ليس بمقدور انسان عرف وفكر في مصير زهرة الرجال كافة في اوربا وامريكا والخسائر الحربية والمدنية التي اسفرت عنها الحربان العالميتان ان يغلق عينيه ازاء الجانب العبثي لمثل تلك الصراعات ويقمع بضمير خال التساؤل عن معنى الحياة التي تنتهي قبل الاوان وعلى نحوا مفزع.

ولكن ضروب الموت اللامعقول ستستمر حتى عندما يتوقف الانسان عن التسبب فيها. ويجعل التساؤل عن معنى الحياة الذي وضعته في بؤرة حادة ضروب الموت السبقة لاوانها والمجردة من المعنى الردود المعقولة التي طرحت فيما يتعلق بالموت الطبيعي تبدو سطحية وموضع تشكك طالما انها ليست قابلة للتطبيق على ضروب الموت الاخرى ايضا. وقد اقر فولتير بالفعل حق الانسان هذا المخلوق المثير للاشفاق في ان يتذمر في اتضاع وان يجتهد لفهم السبب في ان القانون الكلي لايشمل خير كل فرد.

ومما لايمكن تجنبه ان هذا المازق الذي شغل بسكال طويلا يحتل بؤرة حادة في الحضارة الغربية بتركيزها على القيمة اللا متناهية للكائن البشري الفرد. اذ كيف يمكن التوفيق بين هذه الفكرة الاساسية وبين فناء الفرد الذي يبدو شاملا في الموت.

ويقدم مالرو صياغة بليغة لذلك حينما يقول ان الحياة رخيصة ولكن – في الوقت نفسه – لاشيء غال كالحياة.

قد يقال ان كل ما يمكن ان يطمح اليه البشر هو ان يعيش ذلك النوع من الحياة الذي يسمح لهم بالا يشعروا قبل ان يسدل الستار الاخير بما شعر به رابلييه من ان المهزلة قد تمت.

 

علي محمد اليوسف

..................

 المصدر الاساس الذي اعتمدناه في هذا البحث كاملا:  كتاب جاك شورون، الموت في الفكر الغربي صفحات 279 -289 ، ترجمة كامل يوسف حسين، مراجعة وتقديم د. امام عبد الفتاح امام، سلسلة عالم المعرفة الكويت.

ونود التنبيه الى اننا اهملنا تثبيت المصادر والاقتباسات التي اعتمدها المؤلف في اللغات الانكليزية والفرنسية والالمانية بضمنها احالات وهوامش المترجم والمراجع ايضا.

...........

 

هوامش

(1) جاك شورون مصدر سابق هامش ص318 -.

(2) المصدر السابق جاك شورون ص 148.

(3) جاك شورون-مصدر سابق هامش ص313.

(4) المصدر السابق هامش ص316-.

(5) ميشيل فوكو-حق الموت والسلطة على الحياة- تاريخ الجنسانية- ارادة العرفان ص113 -114.

 

الجواب الخامس: "الحب" مبدأ جديد للأخلاق والمعنى

لماذا نريد مرة أخرى الذهاب إلى ما هو أبعد، لماذا بعد كل شيء لا نبقى عند حدود "نيتشة" ووضوحه اللاذع؟ لماذا لا نكتفي كما فعل الكثيرون بتوسيع برنامجه وبإملاء الخانات التي ما زالت فارغة وبالتطريز حول الموضوعات التي أورثنا إياها؟ وإذا كنا لا نحبه أو كنا نجد أنّ فكره يقارب إلى حد بعيد وقاحة وعقائد الفاشية  – الحمراء أو السمراء – لماذا لا نرجع إلى الخلف، إلى حقوق الإنسان مثلا، أو إلى الجمهورية، أو إلى الأنوار؟

إنّ أي تاريخ للفلسفة، ومهما كان مبسطا لا يمكنه تجنّب هذه الأسئلة؛ لأن التفكير بالعبور من حقبة إلى أخرى ومن نظرة للعالم إلى أخرى يعتبر حاليا جزءا من الفلسفة نفسها.

إنّي أقول وببساطة ما يلي: إنّ تفكيك معبودات علم ماوراء الطبيعة كشف من الأشياء ما لا يمكننا عدم أخذها في الحسبان. ولا يبدو لي، ولا من الممكن ولا من المرغوب فيه، أن نعود إلى الوراء. إنّ " الرجوع المتكرر إلى ... " ليس له أي معنى: لو كانت المواقف الأخرى موثوقة ومقنعة بالقدر المطلوب لما أمكنها تحمل قسوة النقد، ولما توقفت عن أن تكون في مكانها المناسب. إنّ إرادة إحياء الفراديس المفقودة تنتج دائما عن نقص في الحس التاريخي. إن المشاكل التي على الديمقراطيات حلها لم تعد هي نفسها التي كانت في القرن الثامن عشر: فالانتماءات الطوائفية لم تعد هي ذاتها، والتطلعات تغيرت، وكذلك علاقاتنا مع السلطات وطرق استهلاكنا، إنّ حقوقا وفعاليات سياسية جديدة (اللأقليات العرقية، النساء، الشباب، ...) قد ظهرت ومحاولة حجب وجوهنا لا تفيدنا بشيء.

إنّ الأمر ذاته يحصل في تاريخ الفلسفة. وسواء أردنا ذلك أم لا، فإنّ " نيتشة " قد طرح أسئلة لم يعد من الممكن التغاضي عنها. لم يعد بإمكاننا التفكير بعده كما كنا نفكر قبله، وكأنّ شيئا لم يحصل، أو كأنّ المعبودات الشهيرة ما زالت في كامل تماسكها؛ لأن الواقع لم يعد على هذا النحو بكل بساطة. لقد حصلت زعزعة، ليس فقط مع " نيتشة " بل مع كل فلاسفة ما بعد الحداثة: لقد مرّ الطليعيون من هنا ولم يعد بإمكاننا التفكير والكتابة والرسم أو الغناء تماما كما في السابق. لم يعد الشعراء يتغنون بضوء القمر، ولا بمغيب الشمس. لقد حصل نوع من الخيبة من العالم، ولكن رافقته أشكال جديدة من الحرية أيضا. من منا في هذه الأيام يريد العودة جديا إلى زمن " بؤساء " فكتور هوغو، أي الحقبة التي لم يكن فيها للنساء حق الاقتراع ولا للعمال إجازات، والتي كان أثناءها الأولاد بسن الثانية عشر يعملون، وكنا نستعمر بنشوة أفريقيا وآسيا؟ لا أحد، ولهذا السبب فإنّ الحنين إلى الفراديس المفقودة ليس سوى تصنّع وإظهار للضعف.

أين نحن من كل هذا إذن؟ ومرة أخرى، إذا كان من غير الممكن تجنب " نيتشة "، فلماذا لا نتوقف عنده ونكتفي كما فعل الكثير من مريديه، مثل: ميشال فوكو، وجيل دولوز، بمتابعة عمل المعلم؟

إنّ هذا ممكن، فعلا، ولكن السؤال الذي يُطرح: إلى أين ستؤدي الدعوى المستمرة المقامة ضد " معبودات " الأنسية باسم نفاذ البصيرة والفكر النقدي؟ أي مخطط تخدم؟ هذا سؤال ليس ممنوعا طرحه، ولما لا، بما أنّ هذه المسألة هي بامتياز مسألة علم الأنساب أيضا، ولا شيء يمنع من إعادة السؤال إليه، من أين أتت؟ لأنّ خلف المظاهر الطليعية والجريئة للتفكيك وخلف ادعاء ابتكار " ثقافة مضادة " معارضة " للمعبودات " المتبرجزة، هناك، وبشكل متناقض، احتمال لانتصار التقديس المطلق للواقع كما هو، وهذا بالأحرى منطقي: إذ لشدة اسقاط أهلية المعبودات المعروفة وعدم قبول أفق آخر للفكر غير أفق " الفلسفة بالمطرقة "، كان من المحتم أن ننتهي كما توصل " نيتشة " إلى السجود أمام الواقع كما يسير. هذا معناه أنّ التفكيك الذي كان يريد تحرير العقول وكسر أغلال التقليد، قد انقلب إلى عكسه، أي إلى خضوع خائب أكثر من كونه واعيا، إلى الواقع القاسي للكون المعولم الذي نغوص فيه.

كيف يمكن في هذه الأوضاع تجنب مصير قدامى مناضلي الثورة الذين بدّلوا قناعاتهم للالتحاق بـ " عالم الأعمال "، والذين صاروا " وقحين " بالمعنى الأكثر سوقية للكلمة، أي فاقدين للأوهام ولأي طموحات غير تلك الرامية إلى تكيف فعّال مع الواقع؟ وفي هذه الشروط،. هل يجب فعلا، وباسم وضوح فكر يحتوي على الكثير من الإشكاليات، التسليم بإعلان موت " العقل " و " الحرية " و " التقدم " و " الإنسانية "؟ أليس هناك بين هذه الكلمات التي كانت في الماضي القريب محملة بالضوء وبالأمل، شيء يمكنه الإفلات من صرامة التفكيك والاستمرار بعده؟

هذه في نظري هي الأسئلة التي تفتح للفلسفة المعاصرة طريقا غير التمديد اللامتناهي لـ " مذهب التفكيك ". إنّها ليست كما يمكن أن تشك في ذلك طريق عودة إلى الوراء، إلى " الأنوار "، إلى " العقل "، إلى " الجمهورية "، وإلى " الإنسية "، إذ من الممكن أن لا يكون هناك معنى لذلك، بل محاولة إعادة التفكير فيها تستوجب مشقّات جديدة، ليس " كما من قبل " ولكن " على العكس، كما من بعد وعلى ضوء التفكيك الذي حصل ". لأنّ عدم القيام بذلك يعني أنّ الخضوع للواقع كما هو قد ينتصر.

نأتي الآن إلى ما أعتبره فلسفتي الخاصة، المرتبطة بتلك الحقبة الخامسة من التفكير، التي نحياها الآن، وقد سميتها " الإنسانوية الثانية ". إنّها خلافا لإنسانوية " ديكارت " و " الأنوار "، إنسانوية ما بعد التفكيك، تعطي معنى لأبعاد الوجود الإنساني التي حرّرها القرن العشرون المتميز بابتكارات باهرة وبالبلى الكامل للتقاليد. فبدل أن تقصر هذه الإنسانوية الجديدة قيمة الحياة الإنسانية، كما تفعل الأنوار على ما يتبع العقل والحقوق والتاريخ والتقدم، فإنّها تبدو إنسانوية قائمة على الحب – وسنرى لماذا أصبحت كذلك – . إنّ الدور المركزي الذي تعطيه الإنسانوية الجديدة لهذا الشعور الفريد للغاية هو الذي مكنّها في هذه الرؤية الخامسة للعالم من الإجابة عن مسألة معنى الحياة.

إنّ الحب ليس واحدا من بين مشاعر أخرى يمكن مقارنته بالخوف والغضب والاستياء على سبيل المثال، بل أنّه أصبح مبدأ ميتافيزيقيا جديدا؛ إذ هو الذي يعطي حياتنا معنى. وبالفعل هو وحده القادر على إضفاء طابع مثالي على كل ما يمكن أن يكون محبوبا، على وجه الدقة، في جميع الفرديات الإنسانية، مع إيجاد مثل جمعية جديدة، لأننا نريد أن نترك عالما يمكن العيش فيه ويكون أكثر ما يمكن استقبالا لمن نحبهم، لأطفالنا وللأجيال القادمة. ومن هذا المنظور يؤدي الحب اتجاه الأقرباء إلى الاهتمام بالانسان الآخر المثيل (وهو عكس القريب، اي من لا نعرفه)، كما نرى ذلك بالخصوص في نشأة الانسانوية الحديثة منذ " هنري دينان ".

الحب قيمة في تزايد، هذا بارز للعيان ! (لا أحد بوسعه على كل حال أن ينكر أنّ كل المثل التقليدية  – الدينية منها والأخلاقية والوطنية والثورية – فقدت قوتها وبريقها في الجذب، على الأقل في الديمقراطيات الكبرى، بحيث يبدو الحب، بشكل ما هو القيمة الوحيدة " في تزايد ") إلا أنّ أغلب المثقفين لا يهتمون بذلك، أو أنّ اهتمامهم غير كاف، إذ لا يزالون حبيسي المبادئ القديمة. ففي بلادنا لا أحد أو يكاد مستعد للتضحية من أجل الاله، أو في سبيل الوطن أو الثورة. إنّ هذا العدول عن الدواعي التقليدية للتضحية السياسية في سبيل كبريات القضايا، وهذا التراجع للمثل التي تؤدي إلى جلد الذات والتي قتل باسمها عشرات الملايين من الأفراد، ذاك في نظري أفضل حدث من أحداث القرن ! وفي المقابل نكون مستعدين للتضحية بأنفسنا من أجل من نحبهم، إذا لزم الأمر بالطبع، ليس سعيا وراء لذة التضحية، بل لأنّ حياتهم في خطر أو أنّنا كنا من جديد في حالة حرب على سبيل المثال.

إنّنا نعيش " ثورة حب ". إنّ ما أسميه " ثورة الحب "، هو الانتقال في أوروبا – بعد الثورة الصناعية – من الزيجات المعدّة في القرى أو العائلات بحسب مصالح المجموعة أو تقاليدها، إلى الزواج القائم على الاختيار الحر من قبل الشبان. إنّها إذن نشأة العائلة الحديثة في مقابل العائلة التقليدية التي لم تكن على أساس الاختيار، بل كانت مفروضة. وفي الواقع، فإنّ الاعتبارات المصلحية، وكذلك الخضوع لمختلف الضغوط الاجتماعية التي تمارس على الشباب في المجتمعات التقليدية، تضعف من الآن أمام الاختيارات التي تمليها عاطفة الحب وحدها. فيعلو شأن الحب أكثر من أي وقت مضى؛ لأنه فيه تعبير عن الفرد الذي تحرّر من إكراهات التماثل الاجتماعي، فبحث عن حياة موفقة في الانفتاح على الآخرين. هكذا يتضح كيف أنّ الضعف الذي عانته المثل التقليدية جعل من الحب المصدر الكبير لمعنى وجودنا، ليس في دائرة الحياة الخاصة فحسب، بل وأيضا في دائرة الحياة الجمعية. إنّ السياسة نفسها ستتغير كليا إذ أنّ مسألة الأجيال القادمة ستحل شيئا فشيئا، بمفعول هذا التاريخ للحياة الخاصة، محل مواطن المعنى القديمة التي كانت تحدو السياسة التقليدية (الوطن بالنسبة إلى اليمين، الثورة بالنسبة إلى اليسار). إني أعتقد أنّ مسألة معرفة أي عالم سنتركه لمن نحبهم، ستحل تدريجيا محل الغايات التي كان النقاش الديمقراطي يدور حولها إلى ذلك الحين. وهذا ما يبيّن من جهة أخرى، أنّ الحركة المدافعة عن البيئة هي وحدها الحركة السياسية الجديدة منذ ظهور الليبرالية والاشتراكية، لأنّها بالأساس الحركة الأولى التي طرحت في صلب النقاش السياسي مسألة الأجيال القادمة. وهكذا، عوضا عن الإنسانوية ألأولى، وهي إنسانوية الأنوار وحقوق الإنسان، تقوم إنسانوية ثانية، موسّعة للغاية: إنسانوية جديدة متّسمة بالأخوة والتعاطف، لم تعد تضحي بالإنسان لفائدة الأمة أو الثورة أو حتى التقدم (وهي مثل اشتهرت بأنّها خرجت عن الإنسانية ومتعالية عليها)، بل تجد في محايثة وجودنا ذاتها وفي مشاعرنا تجاه الآخرين مصدر يوتوبيا إيجابية يحملها المشروع المتمثل في توريث من سيأتون بعدنا عالما يوفّر لكل واحد وسائل التحقق.

قد يتساءل البعض عن أيّ شيء نتكلم حين نذكر الحب؟ هل يتعلق الأمر بـ " إيروس " ذلك الحب التملكي والغيور الذي يأخذ ويستهلك؟ أم بـ " فيليا "، أي حب الصداقة الذي يبتهج بمجرد وجود الآخر؟ أم بـ " أجابي "، أي الحب الذي يُعطي مجانا دون أن ينتظر أيّ مقابل ويمكن أن يتسع ليشمل حتى العدو؟ أم هل يتعلق الأمر بالثلاثة معا؟ من اعتبار هذه الأشكال الثلاثة للحب يستخلص " أندري كومت سبونفيل " درسا يستحق التفكير: ((إنّه من الواضح أنّه لا يمكنني أبدا، بمعنى " فيليا " أن أحب أكثر من عشرة أو عشرين شخصا في هذا العالم. يبقى إذن كثير من الناس، أكثر من خمس مليارات في الحقيقة، خارج حقل هذا الحب. وبالنتيجة في ما وراء فيليا، فإنّ الأخلاق، والاحترام الشرعي، المجرد، وفي الحقيقة اللامبالي، هو الذي يأخذ المكان. إنّه هو الذي يسمح لي بالتصرف مع أولئك الذين لا ينقصني نقصهم وغيابهم أبدا، ولا يعنيني وجودهم في شيء، تقريبا، كما لو كنت أحبهم. وهو الذي يأمرني بتوجيه شيك إلى أكثر الناس احتياجا، والمشاركة في مظاهرة ضد هذا الظلم أو ذاك. أو ببساطة أكثر قبول فكرة أنّ حريتي تتوقف عندما تبدأ حرية الآخر. وإجمالا حد أدنى من الاعتبار والمراعاة تقوم لدينا غالبا، وإذا مرّ كل شيء على ما يرام ، مقام " أغابي ". إنّ أغابي قد تحول الأخلاق إلى شيء تافه، ولكن هذا الحب مجاني جدا، ومنزه جدا إلى حد أنّه يبدو منيعا كليا على الإنسان، لذلك يصير ما هو تافه، أي الأخلاق، في نهاية التحليل، ضروري جدا. " تصرف كما لو كنت تحب ... " تلك هي الكلمة الأخيرة في القضية. إنّه شيء قليل، من دون شك، بالنظر إلى المثال المسيحي، ولكنه قد يكون كثيرا، بل حتى غير مؤمل لو فكرنا في إيجابية العالم كما يسير)). إلى هذا التحليل أود فقط أن أضيف هذا الشيء: إذا كانت " فيليا " هي التي تدخل الأسرة مع مجيء الفردانية الحديثة، فهل من العبث تخيل أنّها تجعلنا أكثر حساسية تجاه فضائل " أغابي؟ قد يُعترض على هذا بدون شك بأنّ الحب أناني، وأنّ الأسرة، وهي الدائرة الخصوصية بامتياز، لا تهتم بما هو جماعي إلا بقدر التأثيرات التي يمارسها عليها: فالآباء ينشغلون بالوضع الاقتصادي عندما يشكل تهديدا لأطفالهم، وبالمدرسة أو الجامعة عندما يدخلون إليها، وبمستقبل الطب والضمان الاجتماعي عندما يمرضون ... كل هذا ليس خاطئا. ولكن بين هذه الأنانية المتعددة من جهة، والأخلاق المجردة للأوامر الكونية من جهة أخرى، هناك فيما يبدو لي، حلقة متوسطة، رابطة، وحدة ملموسة، لا تصير مدركة واقعيا إلا فيما بعد وبدخول " فيليا " إلى الحياة الخاصة. فأن ننشغل أولا وقبل كل شيء بأقاربنا، فإنّ هذا لا يمنع من إنّنا نشعر بشفقة معينة أمام معاناة أولئك الذين نعرف الآن بأنّهم بشر مثلنا. وبالفعل، فإنّ بدون هذا التوسط لا يمكن أن تكون ثمة رحمة ممكنة تجاه الجنس البشري برمته. والحال إنّ هذا التعاطف المحسوس هو الذي سيقود، فيما يبدو لي، إلى تنسيب الحدود الضيقة للتناقض، تناقض الأنانية والغيرية، الذي كان الحب الحديث يحبس ذاته فيه – لقد كان هذا التناقض ضروريا لكي لا تظل أخلاق الواجب تجريدا محضا، ولكي تكون، إذا جاز لنا القول، ملحقة بـ   " أغابي ". فمن المستحيل بالنسبة لمن يحب أطفاله أن يظل غير مبال كليا بالمصائب التي تضرب " أشباههم "، ولو كانوا في أقصى الطرف الآخر من العالم. وفي إطار ديمقراطي تتطور فيه فكرة أن ليس هناك اختلافا في الطبيعة بين الأفراد، فإنّ الأنانية محكوم عليها، مهما كان ذلك قليلا، بتجاوز نفسها بنفسها. إلا أنّ هذا التجاوز ليس، في أغلب الأحيان، حتى في حاجة إلى أن يكون أثرا لاستدلال أو لنهج فكري. فعلى هذا العمق الجديد سوف تنطلق مغامرة العمل الانساني أواسط القرن التاسع عشر. ولعل بفضله سيمكنها أن تنوب عن دين مسيحي سبق لبنيته التقليدية سلفا، بنية اللاهوتي – الأخلاقي، أن دمرتها تماما تقدم الفردانية.

يفتح لنا الحب تجربة ما نسميه مع " هوسرل " بـ " التعالي في محايثة الحياة "، أي أنّه يعطي بعدا مقدسا للمعيش ذاته، دون التردي مع ذلك في الأوهام الميتافيزيقية التقليدية التي فضحتها فلسفات التفكيك. فالحب يفرض نفسه كبعد من أبعاد المطلق والمقدس في صميم جواز وجودنا بالذات. والدليل على ذلك أنّنا نستعد لكل شيء من أجل من نحبهم. وفي هذا تذهب الحقبة الخامسة من الفلسفة إلى أبعد مما كانت عليه حقبة التفكيك التي سبقتها: ففي نفس الوقت الذي تتبنى فيه الحقبة الخامسة بقدر كاف من الاتساع إعادة النظر في القيم المشتهرة بأنّها عليا وخارجة عنا، نجدها تكتشف في اتجاهها إلى آخر هذا الحراك شكلا من أشكال التعالي يتنزل هذه المرة برمته داخل تجربتنا الدنيوية، وهو تعال سنتمكن بفضله من إعادة تأسيس مثل مشتركة، ولكنها لن تكون مقامة " ضد الحياة " كما كان " نيتشة " يخشى قبْليا من كل تعال. إذن نجد من جديد تعاليا للمعنى في تجربة الحب؛ لأنّه يجعلنا نخرج، تقريبا، من ذواتنا، ومع ذلك نحس هذا الشعور، ليس باعتباره موجودا في عالم أخروي ما، بل بكل بساطة باعتباره متجذرا في الأرض، في قلوبنا كبشر. فالحب يضطرنا إلى تجاوز ذواتنا، بحكم تعالي الآخر فقط، تعالي الشخص المحبوب الذي يتغلب على أنانيتنا الطبيعية، إلا أنّ هذا التعالي الذي يحْمله إنّما نعيشه ضمن المحايثة الأكثر حميمية، محايثة حياة القلب الباطنية. وبمعنى آخر: عندما أقع في الحب، ليس هناك من شك في أنّي خضعت لغواية كائن خارجي بالنسبة إلي، من قبل شخص لا سيطرة لي عليه، لا بل في الغالب أخضع له. في هذا المعنى هناك حتما سمو، لكن من الواضح أنّني أشعر به في نفسي، لا بل أكثر من ذلك، إنّ موقعه، إذا جاز القول، قائم في أعمق أعماق كياني أي في دائرة الشعور أو كما يقال عن حق " في القلب ". إنّ من غير الممكن إيجاد استعارة للملازمة أجمل من صورة القلب هذه؛ ذلك لأنّه هو وفي آن معا موطن السمو بامتياز – سمو حب الآخر الذي لا فضل لي فيه – وموطن ملازمة شعور الحب في أعمق أعماق شخصي. إنّه سمو في الملازمة إذن. إنّ ما نحياه ليس نهاية المقدس أو المعنى، بل على العكس هو بروز صورة جديدة لما أسميه  " المقدس ذو الوجه الإنساني ".

ليس لما تقدم فحسب تذهب الحقبة الخامسة إلى أبعد مما أنجزته فلسفات التفكيك، بل، أيضا؛ لأنّ هذه الأخيرة تعطي الأولوية للقوى اللاواعية التي لا نحس آثارها إلا بصفة غير مباشرة، بينما تسعى قوة الحب بالذات إلى تأسيس الحياة الطيبة على شعور نحسه مباشرة في بداهة المعيش.

يمكن أن نتوجس في هذا بروز وثن جديد بالمعنى النيتشوي، ولكن لا شيء من ذلك البتة؛ إذ ليس الحب مثلا سماويا نحاول فرضه على الحياة الدنيوية، بل على العكس هو الحياة ذاتها. فأنا على استعداد لكل شيء من أجل الحبيب، مستعد على كل حال لصنع الكثير: وهنا من الأكيد أنّ الأمر يتعلق بتعال، ولكنه لأول مرة تعال إنساني صرف، روحاني وجسمي في آن واحد. ومن هنا فصاعدا تتخذ فكرة التضحية في نظرنا معنى متجاوزة حتى من نحبهم ومن هم أقرباؤنا، ولكنها تعني على كل حال أشخاصا أكثر مما تعني كائنات مجردة. فهنالك من زاوية فلسفية شيء غير مسبوق: هنالك تعال يعطي في النهاية معنى قويا جدا للحياة، ولم يعد في نفس الوقت متعاليا على الوجود الإنساني؛ إذ الحبيب في الأرض وليس في السماء. وبذلك لا تقع إنسانوية الحب تحت طائلة النقد النيتشوي للأوثان.

من ألآن فصاعدا، تكون القيم الخاصة هي ما يؤسس لأقوى انتظارات المجتمع في الدائرة العامة، وبالتالي للجدل والعمل السياسيين. ذاك على نحو متزايد شأن المجالات التي تشمل الصحة والتربية والبيئة والشغل وإعادة التأهيل والوقاية من الحوادث، الخ. أيّ عالم سنتركه لمن هم الأحب إلينا، أي لأطفالنا، وبوجه أعم للشباب، أعني الإنسانية التي تأتي بعدنا؟ تلك هي المسألة السياسية الجديدة. إذن يفتح الاهتمام بالأجيال القادمة فضاء مشتركا بين الدائرة الخاصة (العاطفة التي تزدهر في الأسرة وتؤدي إلى تقديس من تُجَمّل صورتهم) والدائرة العامة  (مستقبل الشباب وفيما بعد مستقبل البشرية قاطبة). ذلك أنّ العالم الذي سنتركه لأطفالنا يتطابق مبدئيا مع العالم الذي سنتركه لكل البشر، وأنّه من جهة أخرى عندما نختار للجميع توجهات سياسية نحكم بأنّها أفضل ما يمكن لأطفالنا نحن، فإنّنا ننطلق من معيار على قدر كاف من المصداقية للبحث عن الحلول الأكثر صوابا وسخاء والأفضل رويّة. مثلا، عندما كنت وزيرا للتربية الوطنية، لم يكن يخطر ببالي أن أقوم بإصلاح لفائدة بناتي الثلاث فحسب، بل كنت أفعل ذلك، بداهة، لفائدة أطفال فرنسا جميعا؛ إذ كان مَرَدّ هذا الأمر إلى ما هو جمعي، وليس إلى الحياة الخاصة. ولكني مع ذلك كنت أطرح على نفسي بلا انقطاع هذا السؤال الذي أعتقد أنّه يشكل أفضل معيار: إذا كان هذا الإصلاح لا بد أن يُطبق على البنات الأحب إلي، هل كنت أنجزه بنفس الصيغة، هل يكون هو عين الإصلاح الذي كنت أختاره؟ ذاك هو ما أسميه " سياسة في الحب " ذلك أني لا أتفق مع الفكرة القائلة بأنّ السياسة تحرّكها المصالح، بل أعتقد على العكس من ذلك أنّ الإنسانوية الثانية تُدخل أو تستدعي على الأقل، في السياسة بعدا من التعاطف والأخوة أشد حضورا وتحديدا مما يُتصور، ويبدو لي إنّ السياسيين يمكن أن يغنموا، إن تعلقوا بهذا البعد، أكثر مما يفعلون. من هذا المنظور اقترحت أمرا واجبا جديدا، متميزا عن الأمر القطعي الكانطي، وقد صغته تقريبا على النحو الآتي: " افعل بحيث يمكن لقاعدة فعلك أن تُطبق على من هم الأحب إليك ". ويبدو لي أنّه لو امتثلنا لهذه القاعدة لعاملنا الأجانب والمعطلين عن العمل بغير ما نفعل اتجاههم. لنتخيل أطفالنا مكانهم، ماذا سنفعل؟ فلو تفحصنا كل القرارات السياسية بحسب هذه القاعدة، لما كان هنالك أي شك في أنّ الاختيارات المتبناة وفق هذا المعيار قد تكون مختلفة بدرجة بالغة عما هي عليه في الإطار المعهود. وبالطبع هناك نصيب من اليوتوبيا في مثل هذا الأمر أو الواجب. ولكن على عكس اليوتوبيات التي أدمت القرن العشرين، فإنّ هذه اليوتوبيا إنسانية صرف، وبناء عليه فهي غير قاتلة.

إنّ الإنسية " اللاماورائية " لا تزن شيئا بالنسبة للعقيدة المسيحية، وخاصة بالنسبة للوعد الذي تعطينا إياه بقيامة الأجساد وبلقاء من نحبهم بعد الموت. نعم، لاشيء يمكن منافسة المسيحية على مستوى التجربة الأولى لعقائد الخلاص، ولكن شرط أن نكون مؤمنين، وإذا لم نكن كذلك – ولا يمكننا بالطبع إجبار أنفسنا عليه ولا ادعاؤه – فيجب عندها أن نتعلم النظر بشكل مغاير إلى المسألة النهائية لكل عقائد الخلاص، أي مسألة الحداد على الكائن المحبوب.

إنّني أعتبر أنّ على كل منا صياغة حكمة حب خاصة به، بصمت، ولكن يبدو لي أنّ علينا، وبعيدا عن البوذية والمسيحية أن نتعلم أخيرا العيش وأن نحب الراشدين ونحن نفكر، إذا توجب الأمر ذلك، كل يوم في الموت. ليس تحت تأثير سحر مرضي أبدا، بل على العكس، من أجل البحث عما ينبغي القيام به، هنا، والآن، وبكل فرح مع أولئك الذين نحبهم والذين سنفقدهم، إلا إذا فقدونا هم قبل ذلك. ومع أنّني بعيد كل البعد عن امتلاك هذه الحكمة، فإنّني متأكد من أنّها موجودة ومن أنّها تشكل تتويجا لأنسية متخلصة من أوهام علم ما وراء الطبيعة ومن الدين. (48)

لنلاحظ كيف تمكّن " فيري " من عرض فلسفة كاملة. إذ أنّه قدّم لنا من خلال " مبدأ الحب " سبيلا جديدا لبناء فكر في المحاور الثلاثة المكونة لكل فلسفة كبرى (نظرية، وإتيقا، ومذهبا في الخلاص):

على مستوى النظرية: اقترح " فيري ": " فكرة مبتكرة للسمو "، أعادت الاعتبار للسمو، لكنها أعطتها دلالة جديدة استطاعت بها الإفلات من الانتقادات الآتية من " المادية المعاصرة والتموضع في مجال فكري ليس " لما قبل " بل " لما بعد " " نيتشة.(49) وقد أوضحنا ذلك فيما تقدم.

وعلى مستوى الأخلاق قدّم لنا " فيري " أخلاقا مبنية على تقديس الغير: " تأليه ما هو إنساني ": يؤكد  " فيري " على إنّنا نستمر، سواء كنا ماديين أم لا، بالاعتقاد أنّ بإمكان بعض القيم عند اللزوم دفعنا إلى المخاطرة بالموت. فالعديد منا ما زالوا يعتقدون بأنّ حفاظ الشخص على حياته، برغم كونها أثمن موجود، ليس بالضرورة وفي كل الظروف القيمة الوحيدة المعتبرة. إنّك وبدون شك قد ترتكب أعظم المخاطر في سبيل إنقاذ من تحب. من هنا يستدل " فيري " على وجود هذه القيم السامية التي تعلو فوق الحياة المادية أو العضوية، ولكنه يرفض أن يكون هذا السمو هو سمو الله أو الوطن أو الثورة كما هو الحال عند السابقين، ويختلف مع المادية المعاصرة التي تستبدل السمو بالملازمة الجذرية. وبعبارة أخرى: لم يستبدل " فيري " أنواع السمو الماضية – سمو الله أو الوطن أو الثورة – بالملازمة الجذرية العزيزة على الماديين ولا بالعودة عن ما هو مقدس متزامنا مع التضحية، بل بالأحرى بأشكال سمو جديدة، أفقية وليست عمودية، إذا أردنا، بل متجذرة في ما هو إنساني، أي في كائنات موجودة على ذات المستوى بالنسبة لنا، وليس في كيانات قائمة فوق رؤوسنا. إنّه يؤكد أنّنا نعيش حركة تأليه أو تقديس لما هو إنساني: لقد بتنا قادرين – بحسبه – على ركوب المخاطر من أجل الانسان الآخر، إذا لزم الأمر، وليس بالتأكيد من أجل كيانات الماضي، مثل الوطن أو الثورة – بالطبع، يمكننا أن نبقى محبين للوطن، لكن معنى الوطن قد تغير: صار يعني الأرض بشكل أقل من البشر التي يعيشون عليها، كما صار يعني الوطنية أقل من الأنسية –. يعطينا " فيري " مثالا على ما تقدم، إنه ينصح بقراءة كتاب " هنري دونان " – مؤسس الصليب الأحمر، وبعيدا عن هذه المؤسسة الخاصة مؤسس العمل التطوعي الإنساني الحديث الذي خصص له حياته – " ذكرى من سولفيرينو ": لقد استخلص " دونان " من معاناته التي مرّ بها درسا صار مبعث الثورة الأخلاقية الحقيقية التي تمثلها المنظمات الإنسانية. إنّها الثورة التي اعتبرت أنّ الجندي ما أن يُطرح أرضا، مجردا من السلاح وجريحا، فإنّه لا يعود منتميا إلى أمة إو إلى معسكر، ليصبح إنسانا فقط، يستحق بسبب هذا الحماية والمساعدة والعناية، بغض النظر عن ارتباطاته السابقة بالصراع الذي شارك فيه. وإذا كان " دونان " يلتقي هنا بالفكرة الأساسية لحقوق الإنسان، فإنه يذهب أبعد من ذلك؛ لأنّه دعانا أن نتغاضى أيضا عن الانتماءات بطريقة تطلب بها المجموعات الإنسانية، كوريثة للمسيحية، أن نعامل، من الآن فصاعدا، عدونا الشخصي، ما أن نجده في حالة الكائن البشري غير المؤذي، بطريقة وكأـنه صديقنا. (50)

أما على مستوى الخلاص فإنّ " فبري " يقترح علينا إعادة التفكير في " مسألة الخلاص " من خلال ثلاثة عناصر: " لزوم الفكر الموسع، حكمة الحب، تجربة الحداد ":

فكرة " الفكر الموّسع " لم تعد تعني فقط، كما عند " كانط "، إلزامية الفكر النقدي واللزوم البرهاني (وضع النفس في موضع الآخرين من أجل فهم أفضل لوجهة نظرهم)، بل طريقة أخرى للرد على التساؤل عن معنى الحياة: بالتعارض مع الفكر " المحدود " يمكن تعريف الفكر الناقد، للوهلة الأولى كفكر قادر على انتزاع نفسه من نفسه. من أجل " وضع نفسه مكان الآخرين "، وهذا ليس فقط من أجل فهمهم بشكل أفضل، بل من أجل النظر إلى أحكامه الشخصية، في عودة إلى ذاته، من وجهة نظر يمكنها أن تكون لآخرين. على المرء من أجل وعي ذاته أن يكون بطريقة ما " على مسافة من نفسه ". هناك يبقى الفكر المحدود منغمسا في طائفته الأصلية لدرجة يحكم معها إنّها الوحيدة الممكنة، أو على الأقل، الوحيدة الصالحة والشرعية. يتوصل الفكر الموسع، بأخذه بقدر المستطاع بوجهة نظر الغير، إلى تأمل العالم كمشاهد صاحب مصلحة وحنون. وبسبب قبوله بعدم مركزة منظوره الأصلي وبانتزاع نفسه من الدائرة المحدودة للأنويّة، يتمكن الفكر الموسع من الدخول في العادات والقيم البعيدة عن تلك التي يتبناها، ثم ولدى عودته إلى نفسه، ووعي ذاته بطريقة متجردة وأقل جزما، فإنّه يُغني وجهات نظره الشخصية. إنّ هذا المسار هو الذي يُعطي للحياة معناها ويبرّرها: علينا انتزاع أنفسنا من الأنّوية، إنّنا بحاجة إلى الآخرين لكي نفهم أنفسنا، وبحاجة إلى حريتهم وسعادتهم، إذا أمكن ذلك، لإتمام حياتنا الخاصة. وفي هذا يشير الاعتبار الأخلاقي، من تلقاء ذاته، نحو إشكالية أعلى: إشكالية المعنى. ففي التوراة، أن نعرف يعني أن نحب. وإن أردنا قول الأمور بفجاجة: عندما نقول عن شخص ما " لقد عرفها توراتيا "، هذا يعني أنّه ضاجعها. إنّ إشكالية المعنى هي علمنة هذه المعادلة التوراتية: إذا كانت المعرفة والحب نفس الشيء فإنّ ما يُعطي معنى لحياتنا، عندئذ وفوق كل شيء، ويُعطيها كذلك توجها ودلالة، هو مثال " الفكر الموسع " عينه، فهو وحده، فعليا، وبدعوته لنا للسفر بكل ما للكلمة من معنى، وبِحثّنا على الخروج من ذواتنا من أجل إيجاد أنفسنا بشكل أفضل، يتيح لنا أن نعرف وأن نحب الآخرين بشكل أفضل. لأجل هذا ولا شيء غير هذا ينفع أن نشيخ، من أجل توسيع رؤيتنا وتعلم حبّ فرادة الكائنات والأعمال، وكذلك من أجل إلغاء الزمن الذي يوفره لنا وجود هذا الحب عندما يكون قويا. وفي هذا نتوصل، ولكن في بعض اللحظات، وكما كان يدعونا إليه اليونانيون، إلى تحرير أنفسنا من ظلم الماضي والمستقبل، لكي نسكن هذا الحاضر الخالي من الشعور بالذنب والآمن، والذي فهمت الآن إنّه كان مثل " لحظة خلود "، ومثل هنيهة لم يعد يعني فيها الموت من الخوف شيئا بالنسبة لنا.

لكي نفهم أفضل الفكر الذي تبشر به العبارات السابقة، علينا أن نذهب أبعد من ذلك وأن نحاول اكتشاف كيفية وجود " حكمة حب " أو نظرة لـ " الحب " تتيح الادراك الكامل للأسباب التي من أجلها يعطي وحده، على الأقل من منظور الأنسية، معنى لحياتنا. لكي نحيط بـ " حكمة الحب " بشكل أفضل علينا الانطلاق من معرفة ما يميز أيّ عمل فني كبير، لأنّه وفي أي مجال كان يتميز في البداية بفرادة سياقه الثقافي الأصلي. إنّ ما يميّز العمل الفني العظيم، وخلافا للفن الشعبي، هو أنّه لا يرتبط بشعب خاص، بل إنّه يرتقي إلى العالمية. إنّ وصول العمل إلى المستوى العالمي – بحسب " غوته " – لا يُكتسب عن طريق الاستخفاف بخصوصيات الأصل، بل بالقبول بواقع الانطلاق منه ثم الانقطاع عنه من أجل تحويله إلى شيء آخر ولكن دائما في فضاء الفن. لهذا السبب يتحدث العمل العظيم، بخلاف الأعمال الأخرى إلى كل الكائنات البشرية مهما كان المكان أو الزمان الذي نعيش فيه. إنّ ما يلزم فهمه هنا، لكي نفهم في أيّ ميدان يُعطي الحب معنى، هو أنّ بين الواقعين الخاص والعالمي، يوجد مكان لأجل متوسط: الفريد أو الفردي. إنّما هذا الأخير وحده، وفي آن معا، موضوع حبنا وحامل المعنى. لكي نفهم هذه الفكرة الأساسية التي تمثل الجسر الرئيسي في البناء الفلسفي لللإنسانية المعلمنة، لا بد من الانطلاق من بيان ما نعنيه بـ " الفرادة ": إنّنا إذا قصدنا بـكلمة " فرادة " أو " فردية " خصوصية لم تتوقف عند ما هو خاص بل ذابت في أفق أعلى لكي تصل إلى عالمية أكبر، عندها سندرك في أيّ مجال يقدم عمل فني عظيم النموذج الأكثر كمالا عنها. كوننا ما زلنا نقرأ " أفلاطون " أو " هوميروس " أو " موليير " أو " شكسبير " أو نسمع " باخ " أو " شوبان "، فهذا يعود بالمعنى الدقيق إلى أنّهم مؤلفون لأعمال فريدة ومتجذرة، في آن معا، في ثقافتهم الأصلية، وفي زمانهم، لكنها أيضا قادرة على التوجه لكل البشر وفي كل الحقبات. هذا هو الأمر بالنسبة لكل الأعمال العظيمة وحتى لكل الآثار التاريخية الكبرى. لأنّها ارتقت إلى المستوى الأعلى من " الفرادة " ، ولأنّها لم تتوقف، لا عند الخاص الذي كان يشكل، كما عند أيّ إنسان، موقع الانطلاق، ولا عند العام المجرد والروحي، مثل التركيبة الكيميائية أو الرياضية، مثلا. إنّ ما نحب في العمل الفني هو تلك الفرادة التي ليست خاصة فقط ولا عالمية بالكامل. إنّك ترى هنا بأية وسيلة تلحق الفرادة مباشرة بمثال الفكر الموسع: عندما أنتزع نفسي من نفسي من أجل فهم الغير، وعندما أوسّع حقل تجاربي، فإنّي أتفرد بما أنني أتجاوز ما هو خاص في وضعي الأصلي من أجل التوصل إما للعالمية أو على الأقل لمراعاة إمكانيات الإنسانية جمعاء. إذا اتبعنا خيط التميّز الذي قادنا إليه الفكر الموسع، علينا إضافة بعد الحب إليه؛ لأنّه وحده القيمة والمعنى النهائيين لكل تطور " التوسيع " الذي يستطيع كما يجب عليه أن يقود التجربة الإنسانية. إنّه لهذا الاعتبار، نقطة وصول الإنقاذ الأنسي والجواب الوحيد المُرضي عن التساؤل عن معنى الحياة، وبهذا نكرر القول، تظهر الأنسية اللا ماورائية وكأنّها علمنة مسيحية. إنّ التميّز بعد ذاتي شخصي للكائن البشري كما هو. إنّ هذا البعد، دون الآخرَين، هو الموضوع الرئيسي لحبنا. إنّنا لا نحب الخاص لأنه خاص ولا العالمي المجرد الفارغ. إنّ الفرادة وحدها بتجاوزها في آن معا الخاص والعام، يمكنها أن تكون موضع حب. إذا توقفنا عند المزايا الخاصة/العامة وحدها فلن نحب أحدا بشكل حقيقي. إن ما يجعل كائنا ما محبوبا وما يُعطي الشعور بأنّ بالإمكان الاستمرار في حبه، حتى ولو شوهه المرض، لا ينحصر في صفة واحدة مهما كانت مهمة. إنّ ما نحبه فيه (وما يحبه فينا) وما يجب علينا بالنتيجة تنميته بالنسبة للغير كما لأنفسنا، ليس الخصوصية الصرفة ولا الصفات المجردة العامة، بل الفرادة التي تميزه وتجعله غير شبيه لأحد. إنّنا نستطيع القول مثل " مونتاني " لمن نحبه أو نحبها " لأنه كان هو ولأنني كنت أنا " وليس " لأنه كان جميلا أو قويا أو ذكيا " ... وهذه الفرادة ليست معطاة منذ الولادة، إنّها تصنع بألف طريقة دون وعي منا، بالضرورة، لا بل بالعكس. إنّها تصاغ طوال الوجود والتجربة، ولهذا السبب بالضبط، لا يمكن استبدالها بالمعنى الحقيقي. إنّ الرضع يتشابهون كلهم مثل صغار القطط، إنّنا نحبهم كثيرا، بالتأكيد، ولكن فقط عند بلوغه الشهر الأول ومع ظهور أول ابتسامة له، يصبح صغير الإنسان محبوبا " إنسانيا "، وذلك لأنّه منذ تلك اللحظة يدخل في قصة إنسانية حقيقية، ألا وهي العلاقة بالغير. في هذا المجال، وباتباعنا الدائم للخيط الأحمر للفكر الموسع وللفرادة المفهومة هكذا، يمكننا إعادة تزويد المثال اليوناني بهذه " اللحظة الخالدة "، أي هذا الحاضر الذي وبسبب فرادته بالضبط، لاعتبارنا أنّه لا يستبدل، ولأنّنا نقدر حجمه بدل إلغائه باسم الحنين لما سبق أو الأمل بما يمكن أن يتبعه، يتحرر من مخاوف الموت المرتبطة بالنهائية والزمن. من جديد وفي هذه النقطة تلاقي مسألة المعنى مسألة الخلاص. إذا كان الانتزاع من الخاص والانفتاح على العام يشكلان تجربة فريدة، وإذا كان هذا التطور المزدوج يجعل حياتنا فريدة ويوصلنا في آن معا إلى فرادة الآخرين، فإنّه يمنحنا بالتزامن مع وسيلة توسيع الفكر وسيلة وضعه في احتكاك مع لحظات فريدة، لحظات نعمة حيث يغيب الخوف من الموت المرتبط دائما بأبعاد خارجية بالنسبة للحاضر.

نحن نعلم أنّ ما يقال عن الخلاص هنا لا يزن شيئا بالنسبة للعقيدة المسيحية، لا شيء يمكنه منافسة المسيحية على هذا المستوى، ولكن على غير المؤمنين أن يتعلموا النظر بشكل مغاير لكل عقائد الخلاص، أي مسألة الحداد على الكائن المحبوب. هناك ثلاث طرق للتفكير بالحدادعلى شخص نحبه: الطريقة الأولى: توصي البوذية بـ " عدم التعلق "، ليس بدافع عدم الاكتراث، أي أن نحب ونصادق دون أن نقع في " فخ التعلق ": " أن تكون متعلقا " لا يعني فقط " أنك ستُحرم من السعادة والطمأنينة "، بل يعني أيضا " أنّك مربوط " وغير حر . الطريقة الثانية: على العكس تماما، ما توصي به الديانات الكبرى، وخاصة المسيحية: إنّها توصي بأن نمارس مع الكائنات العزيزة " الحب في الله "، أي الحب الذي يطال ما فيهم من وجه خالد وليس فانيا. وهي تعدنا إذا ما فعلنا ذلك بأن نحصل على سعادة لقياها، مما يعني أنّ التعلق ليس محظورا، شرط أن يوظف في موضعه.الطريقة الثالثة: لا يرى " فيري " في عقيدتي الخلاص السابقتين اللتين تعالجان بشكل متناقض تماما إشكال موت الكائنات العزيزة علينا، ما يناسبه، فهو في نفس الوقت الذي يؤكد فيه أنه لا يستطيع منع نفسه من التعلق، بل ليس لديه أية رغبة بالعزوف عن ذلك، والعيش وحيدا، يجد أنّ العرض المسيحي أكثر جذبا بكثير، ولكن إلى الدرجة التي لا يستطيع معها الإيمان به. قد لا يكون في وسع المرء أن يعمل شيئا غير انتظار الكارثة، ولكن قد يكون في وسعه، أن ينمّي، فقط لنفسه، بهدوء وبدون وهم نوع من " حكمة الحب ": الكل يعلم، مثلا، أن على المرء التصالح مع أهله – إذ لا مناص من توترات خلقتها الحياة – قبل أن يرحلوا، لأنّ الأوان بعد ذلك يكون قد فات، مهما قالت المسيحية عن ذلك. إن كنا نعتقد أنّ الحوار مع الكائنات العزيزة علينا لا يمتد إلى ما لا نهاية، فمن الواجب علينا استخلاص النتائج من ذللك. ما علينا أن نفعله، وبعيدا عن البوذية والمسيحية، أن نتعلم العيش وأن نحب الراشدين ونحن نفكر، إذا توجب ذلك كل يوم في الموت. ليس تحت تأثير سحر مرضي أبدا، بل على العكس، من أجل البحث عما ينبغي القيام به، هنا والآن، وبكل فرح ، مع أولئل الذين نحبهم والذين سنفقدهم، إلا إذا فقدونا هم قبل ذلك. " حكمة الحب " هذه هي التي تشكل تتويجا لأنسية متخلصة أخيرا من أوهام علم ما وراء الطبيعة ومن الدين. (51)

 

رضا حسن الغرابي

...................

الهوامش

48 - لوك فيري، تعلّم الحياة، مصدر سابق، ص303 – 310، ص354، ص382 – 387. وانظر أيضا: لوك فيري، الإنسان المؤله أو معنى الحياة، مصدر سابق، ص129 – 133. وأيضا: لوك فيري، أجمل قصة في تاريخ الفلسفة، مصدر سابق، ص59-66، ص317-338.

49 – لوك فيري، تعلّم الحياة، مصدر سابق، ص346-354.

50 – المصدر السابق، ص360-364.

51 – المصدر السابق، ص346-387..

 

zouhair khouildiلقد أشكلت الفلسفة على الإنسان أيما استشكال واستعصت على الفهم أيما استعصاء سواء من جهة العبارة أو الفكرة أو المنهج أو الموقف. ولقد زاد هذا الغموض عند قيام الاتجاهات الفلسفية وبروز الفلاسفة الكبار واكتساح المدارس الفكرية والمذاهب العلمية واندلاع نزاع العمالقة حول الوجود.

إذ تبدو الفلسفة من جهة أولى تجربة فكرية صعبة تجلب الحيرة والارتياب وتوقع الذهن في الكثير من المزالق ومن جهة أخرى يمكن حفظ قواعدها واستعمال طرقها في الحياة والتعويل عليها في التطور.

لم تقل هذه الحيرة ولم يتناقص هذا الالتباس إلا عندما تم اعتبار الروح الفلسفية هي بلوغ نصيب من المعرفة بشكل متأني بالاعتماد على مسالك منهجية معلومة والتمتع بجرعة من سعادة الحكمة المرحة.

لقد ربط الفلاسفة حينئذ التفكير بالحياة والمعرفة النظرية بالاهتمام بالمعلومات المفيدة وجعلوا عملية اكتساب الحقيقة مقترنا بإنتاج المنفعة وصناعة الذكاء وابتكار الآلة واختراع القانون وإضفاء القيمة.

بيد أن الفلسفة ليست مذهبا تام التكوين ولا عقيدة جامدة تشكلت بصورة مكتملة ولا تتضمن نسقا مغلقا وإنما هي فلسفات أوجدها العديد من الفلاسفة وتوجد في التاريخ وترتبط بالواقع وتعرف حدوث عدة تغيرات والكثير من المراجعات بحيث تتجدد فيها المفاهيم وتنمو عبرها المناهج وتتوالد المقاربات.

بهذا المعنى تحبذ الفلسفة التفكير الحر عبر آليات السؤال والحوار وتمارس النقد والتفكيك والتأويل والتغيير وتشيد النظريات المعرفية وتبني الأنساق المفتوحة وتدفع اللغة إلى وصف الواقع الطبيعي.

غير أن تاريخ الفلسفة شهد ظهور مجموعة من الأزمات وبروز الكثير من الظواهر الملغزة والمسائل المستعصية مما دفعت بالعقول إلى الاستنجاد بالتجربة التطبيقية حينا أو الاعتصام بالرياضيات أحيانا.

في هذا السياق يعتبر أرسطو 384- 322 قبل الميلاد من أول الفلاسفة الإغريق الذين كانوا على وعي تام بحدة الأزمة التي عصفت بالمدينة وعجلوا بتوجيه الفلسفة نحو تفقد مقولاتها للرد على التحديات.

تبدو الملامح الأولى للأزمة بشكل واضح في نوع علاقة التلميذ أرسطو بالأستاذ أفلاطون أو في علاقة فيلسوف سابق بفيلسوف لاحق التي تدعو إلى ممارسة الابتكار والإضافة والخروج عن السابق من ناحية أولى والى الوفاء والالتزام والإيمان باستمرارية وتواصل القيم الفلسفية من ناحية ثانية.

بعد ذلك تكمن أهمية أرسطو، ثانية، في وضعه جملة من المباحث الأساسية كالميتافيزيقا والمنطق والإيتيقا والسياسة والفيزياء ولكن الأكثر استشكال هو طرحه قضية العلل الأولى ومبادئ القصوى.

من جهة ثالثة انتمي أرسطو إلى اللحظة التأسيسية للفلسفة الإغريقية التي دفعت بالعقل إلى القطع مع الخرافة ولكنه ظل يُعتَبرُ أول الفلاسفة الإغريق الذين حاولوا أن يكونوا طبيعيين بلا حاجة للأساطير.

على مستوى رابع تبني أرسطو تصورا موسوعيا للفلسفة وأنتج نظرة كونية للأشياء واحتلت مسألة الكلي منزلة محورية في فكره ولكنه دعا إلى التعمق في دراسة الظواهر ودافع على التخصص وكان أول الذين قسموا المعرفة إلى علوم دقيقة وميزوا حقل التجربة إلى دوائر معلومة وأدراج متصلة.

على هذا الأساس تطرح العديد من الأسئلة حول نظريته في المعرفة وفكرته عن الطبيعة ونظرته للكون والمنهج المنطقي للتفكير وعلاقة النفس بالجسم ومنزلة المادة من الحياة وتصنيف العلوم لديه. إذ كيف يكون واضع علم مابعد الطبيعة وعلم الطبيعة في الآن نفسه؟ وبأي معنى قام ببناء المنطق من مقولات عن اللغة والفكر والوجود وأصناف من الكائنات الحية والتاريخ الطبيعي مثل النوع والجنس؟

1- الحكمة النظرية:

لقد انطلق أرسطو من الآراء اليقينية حول الأشياء المجهولة والمدركة والمظاهر الموثوق بها من قبل عدد كبير من الناس واعتبرها حقائق تقودنا إلى إدراك الوقائع و معرفة منزلتنا في الكون والتفلسف.

لقد اعتبر الحياة الإنسانية تتضمن ضرورة الحاجة إلى البحث والتحرك ومطلب تحصيل كل المعرفة وممارسة التفلسف والنظر في الطبيعة والاعتبار من الظواهر الكونية وبلوغ الحكمة من خلال التفكر.

لقد تصور الحكيم على أنه الإنسان المتحصل على معرفة بجميع الحقائق لكل الأشياء في كل الأزمنة والقادر على بلوغ السعادة من خلال الرغبة في المعرفة وليس عن طريق انتماء سياسي لنظام عادل.

لقد قاد الفكر الموسوعي الذي تبناه أرسطو إلى بناء معرفة شمولية تنظر في الكون من جميع جوانبه الظاهرة والخفية وكذلك الأجسام الهائلة والأجسام الدقيقة وأيضا الظواهر البعيدة والظواهر القريبة.

لقد ارتكزت المعرفة الفلسفية عند أرسطو على التأمل النظري وطاردت الكلية وبحثت عن المطلق ولكنها في ذات الوقت أدخلت الملاحظة إلى الفكر وعولت على حركة اليد المتجهة إلى الأرض من أجل الاحتكام إلى التجربة والعودة إلى التاريخ الطبيعي واستعان بالسبر والاستقراء بعد الاستنباط.

لقد اعتمد أرسطو على الرياضيات في مقاربته الفيزيائية والمنطقية للطبيعة التي استقاها من العلماء الإغريق الذين سبقوه على غرار فيثاغورس وطاليس وأرخميدس وإقليدس وديمقريطس وهرقليطس. ولكنه ظل مشدودا إلى أستاذه أفلاطون في تعويله على مبدأ اللّوغوس من حيث هو تفكير عقلاني قادر على النظر إلى الطبيعة من جهة العلاقات التي تتكون منها الوقائع والتعبير عنها عبر خطاب متماسك.

في المقابل خالف فيلسوف الأرض أرسطو فيلسوف السماء أفلاطون- حسب الرسام رافيال في لوحته الشهيرة- بمنح الرأي والخطابة والشعر والمجاز منزلة في الشغل المعرفي الذي يؤديه الفكر الفلسفي.

من المعلوم أن أفلاطون جعل الفلسفة في قطيعة جذرية مع الرأي واعتبر محب الرأي فيلسوف مضاد والآية على ذلك أن الرأي هو مجرد عتمة يجب على النفس جبه من أجل الشروع في التأمل والتفكر، واعتبر السفسطائيين شياطين ومهرجين لزعمهم امتلاك الحكمة واستعمالهم اللغة للخداع والهيمنة.

إذا كان أفلاطون قد أجاز اعتماد التفكير الفلسفي على جل الأساطير من أجل بلورة الأفكار وتوضيح المفاهيم فإن أرسطو ابتعد عن ذلك وعَوَّلَ على تجميع ملاحظات عن الحياة المشتركة واللغة الجارية.

علاوة على أن أرسطو تفلسف بشكل مغاير حيث اعتبر الأفكار المشتركة وألفاظ اللغة المتداولة نقاط انطلاق نافعة من أجل بناء معرفة يقينية بالكون واتخذها أصلا ومصدرا لكل حكم عقلي على العالم.

كما أعاد الاعتبار للسفسطائيين حينما أخذ محمل الجد الدور المعرفي لتقنيات الكلام في فن الخطابة وثمن التوازي بين النحو كنظام اللغة والمنطق بوصفه نظام التفكير، بين حسن القول وحسن النظر.

لقد جعل أرسطو من تجربة التفلسف مقترنة بالدهشة والتعجب عند النظر إلى الموجودات وطرح سؤال لماذا؟ وقام بتفريع ذلك إلى أسئلة أخرى على غرار ماذا؟ وكيف؟ وأين؟ ومتى؟ ومن؟ ولمن ؟...

من هذا المنطلق يقر أرسطو بوجود ترابط أصلي بين بنية الوجود وبنية الفكر وبنية المعرفة، ولما بقي الوجود يقال على أنحاء عدة والفكر يقطن بين الكلي والجزئي فإن المعرفة تقال على أنحاء عدة أيضا.

كما أن الوجودêtre  إلى دلالة واحدة لا يشير وإنما يتم الإشارة إليه من زوايا مختلفة والتدلال عليه بطرق شتى وهذا الرأي ينطبق على كل نوع وكل جنس بنفس الكيفية. لكن إذا كان أفلاطون قد بحث عن كيفية إرجاع كثرة الموجودات وتعدد الأشياء إلى مبدأ موحد أسماه الأيدوسeidos أو المثال وأقر بوحدة الحقيقة والقيمة والأصل ووضع معايير كونية وخصائص عامة تميز المعرفة العلمية عن الظن والرأي والوهم وفتش عن ماهية الفضيلة في حد ذاتها عند كل تحديد واستقر به الأمر على إعلاء قيمة العدالة عند الحكام والجشاعة عند الحراس والاعتدال عند العامة من أجل بلوغ السعادة فإن أرسطو على العكس من ذلك أبقى على حركة الموجودات في تنوعها واعتبر الاختلاف الموجود بين الفضائل أمرا لا يقبل الإرجاع إلى أي مبدأ أول مهما كان شرفه وحتى إن زادت منزلته أو نقصت.

من ناحية ثانية إذا تعذر على الفكر الفلسفي بلوغ معرفة موحدة وشاملة يفترض أرسطو وجود علم أسمى أطلق عليه تسمية علم الوجود بماهو موجود وتم نعته في مقام آخر بالفلسفة الأولى والميتافيزيقا.

لقد ميز أرسطو بين خمسة فضائل هي التقنيةtechné  والمعرفة epistimé والحذر phronésis والحكمةsophi a والعقل nous ، كما قسم أرسطو ميدان المعرفة إلى ثلاثة مجموعات كبرى:

- علوم نظرية théorétiques تدرس المعرفة الخالصة مثل الفلسفة الأولى والمنطق أو الفيزياء

- علوم تطبيقية pratiques تتعلق بقوى الفعل وأغراضه وخاصة الأخلاق والسياسة والاقتصاد.

- علوم إنشائية poïetiques تمس عناصر الإنتاج والخلق في التقنية الصناعية والفنون التشكيلية.

في الواقع ، يفرق أرسطو هنا بين théorétiques وthéoriques  وذلك لوجود تقارب كبير في المعنى بينهما ويرى أن النظري لا تنطبق هنا على العلم بقدر ما تنطبق على موضوعه. كما أنه يفرق بين المتقاربين poïetiques و poétiques ويرى أن الجذر الإغريقي poïesie قد تفرع عنه لفظ الشعرpoésie والذي يعني الإنتاج بينما العلوم التشكيلية يمكن أن تدل على العلوم الموهوبة بالشعر.

بعد ذلك يرفض أرسطو القول بوحدة الحقيقة وينفي وجود معيار كوني ويبرر ذلك الرفض باحتمال إسناد صفة التقريب والمرجح والممكن والجائز والعرض على بعض جهات الوجود ومناطق المعرفة.

كان أفلاطون قد اعتبر الجدل صعود روحاني للنفس نحو المثل فإن أرسطو قلل من وظيفة هذا المنهج وذلك لما أطلق تسمية منطق الاحتمال على الجدل بالتعارض من المنطق الذي يعالج الحقيقة اليقينية.

فماهي الفروقات التي يكشف عنها أرسطو بين منطق ضعيف للاحتمال ومنطق قوي للبرهان؟

والحق أن المنطق البرهاني هو الفكر القادر على الحكم في القضايا والبت في الأحكام والتمييز بين الحقائق. وبما أن الوجود يقال على أنحاء عدة ولما افتقد فعل الوجود المعنى نفسه بين عبارة "هذا أبيض" وعبارة "انه إنسان" وعبارة "انه جالس" فإنه يجب تعريفه عبر المحمولات الممنوحة له.

في هذا الصدد يميز أرسطو بين عشرة محمولات التي لا تعني لوحدها شيئا ولذلك ينبغي أن تدخل في علاقة مع محمولات أخرى ويجب أن تخضع إرادة القول لبنية الخطاب عن الوجود لكي تمتلك معنى.

تتبلور قائمة المقولات العشرة على النحو التالي: الجوهر، الكم، الكيف، العلاقة، المكان، الزمان، الوضع، الملكية، الفعل ، الانفعال. وتمثل هذه المقولات أجوبة على الأسئلة التي يمكن طرحها حول أي كائن بالشكل الآتي: من؟ ماذا؟ كيف؟ كم؟ مع من؟ أين؟ متى؟ بأي طريقة؟ من ماذا؟ وبماذا؟

يتكون المنطق الأرسطي من تعريفات وقضايا واستدلالات ونتائج، ويتمثل الاستدلال في التفكير أو الإحالة إلى مرجع واقعي من أجل استخلاص قضايا معينة تتكون من جملة من الملاحظات التجريبية والأوليات الرياضية التي يتم استنتاجها من قضية بديهية أخرى تكون لازمة بصورة ضرورية عنها.

إن الاستدلال هو مرور من المعلوم إلى المجهول ومن الضمني إلى المعلن ومن الباطن إلى الظاهر عبر آلية القياس التي تتكون من ثلاثة عناصر مترابطة فيما بينها بشكل منطقي ومتساوق: وهي المقدمة الكبرى تشير إلى القاعدة العامة التي والمقدمة الصغرى التي تمثل الواقعة الخاصة والنتيجة.

 يبلور القياس ترابطا بين طرفين يشكل الطرف الأول الموضوع ويمثل الطرف الثاني المحمول على النتيجة وبعبارة أخرى يجب إيجاد الحد الأوسط بين ذات القضية الكبرى ومحمول القضية الصغرى.

إذا كان الاستنباط عملية ذهنية خالصة تتم داخل التجربة الفكرية بالانتقال من العام إلى الخاص فإن الاستقراء هو تعميم عقلاني يجري داخل التجربة الميدانية ويقوم على استخلاص الكلي من الجزئي.

لقد رفض أرسطو نظرية المثل الأفلاطونية التي تفترض وجود معقول مغاير للوجود المحسوس وبين أن الكائنات تتكون بامتزاج وتشاكل بين المادة والصورة في كيفيات الليونة والسيولة والتجمد والتبخر.

لقد كان أرسطو المنظر الأول لعمل التجريد عن طريق انتزاع صور المحسوسات من الأشياء المادية والاستنجاد بالتذكر والتخيل والتصور والانتقال من حال الوجود بالقوة إلى وضع من الوجود بالفعل.

إن الفكرة أو المثال بالنسبة إلى أرسطو لا يتنزه لوحده في السماء العقلي بمرافقة الآلهة وإنما يكمن في الوجود ذاته ويقوم بتحديد نوعه وضبط جنسه ضمن نظام الوجود بواسطة الخاصة والعرض الذاتي.

المعرفة الفكرية تتطلب استخلاص الصور من المحسوسات بتجريدها من مواد الأشياء دون الاعتقاد بإعادتها إلى عالم مثالي وقع افتراضه مسبقا والاجتهاد بإخراجها من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل.

من هذا المنطلق تبدو الفلسفة الأرسطية فلسفة غائية لأن الأهم من وجود الموجودات ومعرفتها هو الغاية التي تصل إلى تحقيقها وتتشوق إلى محاكاتها ولذلك عرف الفلسفة بأنها علم المعلوم الأسمى.

يفهم أرسطو كلمة غاية بمعنيين: الهدف الذي يتطلب توفير جملة من الوسائل قصد بلوغه والعلة التي تمنح الوجود وتفسره ولذلك كان قد صرح أن الطبيعة لا تفعل شيئا عبثا وأنها تتحرك من أجل غايات.

إذا كان أنكساغور قد رأى بأن الإنسان يفكر لأنه يمتلك يدين فإن أرسطو قد تصور العكس وقد أقر بأن الإنسان يحوز على يدين لأنه يفكر وبالتالي لا يكتفي بابتكار جملة من الأدوات والوسائل وإنما يتبع سلم تراتبي من الغايات ويحول غايات نسبية إلى وسائل بغية بلوغ غايات أسمى وأهداف مطلقة.

بطبيعة الحال ترتب عن ذلك تغيير في نظرة الفلسفة إلى وجود الله فإذا كان ما قبل السقراطيين يؤمنون بتعدد الآلهة على غرار ديونوزوس وأبولون وزوس ويدرجوها ضمن تصورات أسطورية فإن أرسطو في كتاب الميتافيزيقا يتحدث عن الله في المفرد لا في الجمع ويعرفه وفق ثلاثة صيغ ملغزة: محرك أول يحرك بقية الكائنات وهو لا يتحرك، العقل الذي يعقل ذاته، الحركة الخالصة. بهذا المعنى تم نفي الطابع المشخص للألوهية الذي كان موجودا في معظم التصورات الإغريقية الخرافية ولم يعد الله شخصا ولا يملك أي خاصية أخلاقية ولم تعد له قدرة خلاقة للكون وبقي له دور تنظيمي.

لقد أبقى أرسطو لله وظيفة كوسمولوجية بحيث يمثل الضرورة الفكرية وأساس السببية الطبيعية وأصل حركة الأشياء والعلة الأولى ومصدر التناغم والانسجام والنظام في الكون والمعشوق الأول للكائنات.

 من جهة ثانية قدم أرسطو فكرة عن عالمين ينتميان إلى حقيقة فيزيائية واحدة ويوجد الأول فوق القمر وتكون حركة الأجسام فيه دائرية وكاملة وترمز إلى الأبدية بينما ينتمي العالم الثاني إلى ما تحت القمر وتتحرك الأجسام الأرضية بصورة اضطرارية بالدفع أو الجذب في وضع ناقص باحثة عن كمال أول وفق مسارات متنوعة وتكون من الأسفل إلى الأعلى أو العكس ومن اليمين إلى الشمال أو العكس.

لقد كان أرسطو قد ميز بين أربعة أنواع من الحركة: الأولى هي العلة الغائية وتتمثل في اكتمال مشروع التمثال ، الثانية هي العلة المادة وتتمثل في المادة التي صنع منها التمثال، والثالثة هي العلة الفاعلة وتتمثل في يد النحات التي قامت بصنع التمثال، والرابعة هي العلة الصورة ويمثل في الشكل.

تمثل العلة الفاعلة، في التصور العادي، العلة الحقيقية لإحداث الشيء أو الفعل وتظل العلل الأخرى مجرد ظروف محيطة وشروط محددة ووضعيات معينة تحدث فيها الأشياء وتقع الأحداث والأفعال.

بيد أن أرسطو يخالف الموقف المعتاد ويعتبر العلة الغائية هي الأكثر أهمية بينما يطلق تسمية الأسباب على العلة المادية والعلة الصورية ويبرر ذلك بأن السبب هو الذي يمنح الشيء وجوده ويتيح معرفته.

اللافت للنظر أن التصور الأرسطي للعالم يندرج ضمن نظرية السطوح التي صاغها أيدوكس edoxe الذي جعل الكون متشكلا من مركز الأرض ومن مجموعة من السطوح الصغيرة التي تدور حولها.

لقد أخذ أرسطو كذلك عن بارمنيدس وأفلاطون نموذج الكون المسطح الذي يتضمن جملة من الأبعاد والعناصر والأحجام التي تكون صورة العالم من جهة كليته وكماله وتناهيه وأبديته وانغلاقه وتساوقه.

بناء على ذلك كان لأرسطو السبق في تشييد علم جديد اصطلح على تسميته فيما بعد بالميتافيزيقا ولقد تراوح معناها بين الفلسفة الأولى التي تدرس الوجود من حيث هو موجود وبالتالي الأنطولوجيا التي تهتم بمعرفة الماهيات والجواهر و مابعد الطبيعة تماشيا مع ما كان أندرونيكوس الروديسي قد قام به عندما وضعها في ترتيب المباحث بعد الفيزياء وجعلها تعني العلم الذي يدرس حقائق الوجود الواحد.

بهذا المعنى يفيد لفظ meta ما بعد الطبيعة وما وراء الظواهر وما فوق المحسوس ولقد عني هذا التقدم المجال الزمني والبعد المكاني والنظام المنطقي واقتصر في النهاية على الله والروح والعالم.

لقد أشار أرسطو إلى أن طبيعة الفلسفة من حيث الأصل الذي تنبع منه هي دهشة النظر في الوجود ونقد نظرية المثل الأفلاطونية التي تستمد موضوعيتها من قسمة الموجودات إلى المحسوس والمعقول واعتبر الشيء الحسي هو صورة الموجود الواقعي وأقر بالمحايثة بين الفكرة الحقيقية والشيء المادي. ولقد تعامل مع الفلسفة الأولى من حيث هي معالجة ليس للوجود كماهو وإنما للوجود بما هو موجود وللوجود بصفة عامة ، ويتضمن هذا المبحث أيضا مبادئ الاستدلال التي تتحكم في كل فكر إنساني وتتمثل في مبدأ عم التناقض الذي يقر باستحالة تضمين محمول إلى نفس الموضوع ونفيه في ذات الوقت وضمن نفس العلاقة ، ومبدأ الثالث المرفوع الذي يؤكد على أن قضيتين متناقضتين تكون واحة منهما صائبة وتكون القضية الثانية كاذبة ، ومبدأ الهوية الذي يقر باستمرارية تطابق الشيء مع نفسه.

 بعد ذلك قام أرسطو بالتمييز بين ثلاثة أنماط من الأنفس تماشيا مع ما يوجد في الطبيعة من النباتات والحيوانات والبشر وأوضح أن النفس النباتية حساسة والنفس الحيوانية محركة والنفس العاقلة مدركة.

إذا كانت النفس النباتية تسمح للكائن الحي بالتغذي والنمو والتكاثر وإذا كانت النفس الحيوانية أهم منها لأنها تسمح بالحركة والتنقل والتأقلم مع الظروف فإن النفس العاقلة أكثر أهمية بالنظر إلى أنها تسمح للكائن البشري بالتفكير والمعرفة وتمنحه الإحساس بالكرامة والحرية والكلام والوعي بالكمال.

إذا كان النموذج الرياضي يهيمن على فلسفة أفلاطون ويمنح المثل صور تامة التشكل ويجعلها حقائق أبدية ويمنح الكيانات العقلية أسبقية وجودية ويطلب من الكيانات الحسية محاكاتها والتشبه بها على قدر استطاعتها فإن النموذج العلمي المهيمن على فلسفة الحياة عند أرسطو هو النموذج البيولوجي الذي يجعل الصورة نتيجة تكوين معرفي وإدراك تجريبي للواقع الخارجي ويعطي قيمة للبعد المادي.

هكذا يميز أرسطو بين العضو والأداة ويرى أن العضو لا يصبح عضوا إلا إذا استكمل وظيفته على أحسن وجه وأن اليد البشرية تختلف عن اليد الصناعية من حيث صورتها وحركتها وفاعليتها وغايتها وينتبه إلى أن الجسم هو أكثر كلية من الكل وأنه يتفوق على عدد العناصر التي يتكون منها مجتمعة وبالتالي يفرق بين الكل والمجموع الذي يتكون من عدة عناصر مجموعة مع بعضها البعض فحسب.

بطبيعة الحال يضع أرسطو الكل الطبيعي في مرتبة متقدمة على الكل الاصطناعي وذلك للتداخل والاندماج في العناصر التي يتكون منها في حين يمكن إنقاص أو زيادة عنصر في تكوين الثاني. وتجدر الإشارة إلى أن الفن الكلاسيكي عند الإغريق يرى أن الثر الفني لا يكون جميلا إلا إذا شكل كلا تاما ولذلك ظل الفن رهين الطبيعة ضمن نظرية المحاكاة وظل الكل الطبيعي مرجعا أولا للجمال، في حين تم معاملة الآثار اللاّمكتملة والناقصة والمبتورة والمشوهة بوصفها غير جملية وغير لائقة.

غاية مراد الحكمة النظرية عند أرسطو هي نفي وجود اللانهائي على المستوى البيولجي والفيزيائي والإستطيقي وذلك بالنظر إلى أن اللانهائي مترامي الأطراف وهوته متسعة بينما النهائي تام ومكتمل.

لكن ماهي تبعات الحكمة النظرية في المجال التطبيقي؟ وكيف أسس أرسطو الحكمة من حيث الفعل؟

2- الحكمة العملية:

لقد قام أرسطو بتقديم الإيتيقا على السياسة والقانون على التربية وميز في المستوى الأخلاقي بين الفضائل العقلية التي تتطلب تربية فكرية والفضائل الأخلاقية التي تبقى ناتجة عن الإيتوس ethos أي من العادة.

لقد تناول أرسطو المسألة الأخلاقية في عدد من المؤلفات والرسائل، ولعل أهمها هي رسالة إيتيقا إلى إيديم التي كتبها في الفترة التي سبقت تأسيسه المعهد ودرس فيها قضية الموضوعات السلوكية بطريقة مبسطة ومقتضبة ، ثم رسالة إيتيقا إلى نيقوماخوس التي جمع فيها جملة المقاربات التي حلل بها المشاكل الأخلاقية ووضع فيها دراسة متأنية عن طبيعة الفضيلة والخير الأسمى والطبائع الضرورية لبلوغ هذه الفضيلة.

لقد حدد أرسطو الإيتيقا بوصفها حقل العلم العملي وراهن على دراستها من أجل السماح للكائنات البشرية من أجل قضاء حياة جيدة بالتقيد بالفضائل الأخلاقية مثل العدالة والشجاعة والاعتدال على الرغم من مزج عناصر متنافرة من البعد العقلاني مثل التعقل والبعد الغرائزي مثل العواطف والبعد الاجتماعي كالعادات.

لقد اتجهت الإيتيقا تماما مثل السياسة والاقتصاد نحو البحث عن الخير واصطبغت بنزعة طبيعية تعتبر المدينة مجرد خلية عضوية لا تستطيع أن تتطور وتحافظ على كيانها الوجودي بلا عدالة ومحبة وصداقة.

إذا كان أفلاطون قد ظل يعتقد في أن دراسة العلوم والميتافيزيقا هي التي تمنح الإنسان فهما عميقا بطبيعة الخير والفضيلة فإن أرسطو صار ينظر إلى أن الحياة الجيدة هي التي تستوجب على المرء اكتساب القدرة على فهم نوعية الأفعال المطابقة للعقل في كل حالة والالتزام بقيمها وتطبيقها وفق الوضعيات المناسبة.

ماهو هام بالنسبة إلى المرء ليس إتباع قواعد عامة في وضعيات خاصة وإنما العمل على تحصيل عن طريق استعدادات تداولية وعاطفية واجتماعية اقتدارات لفهم أعمق بالوجود الأحسن في المجال العملي.

بهذا ليس الهدف من الإيتيقا معرفة ماهية الفضيلة وغايتها وإنما بيان الكيفية التي تجعل المرء يكون سعيدا ولا تعد الإيتيقا نسقا من الأوامر والنواهي بل تمثل حقلا مستقلا لا يحصل على أي خبرة من حقول أخرى.

لقد أمن أرسطو بأن الإنسان في حياته لا يرغب إلا في أن يكون سعيدا وبالتالي كان تفكيره الأخلاقي منصبا على تحصيل هذه الغايةّ، ولكن إذا كان جميع الناس يرغبون في السعادة فإنهم اختلفوا حول الوسائل التي يمكن إتباعها من اجل بلوغ هذا المطلب، فالبعض طالب بالمواطنة الفاعلة في المدينة، بينما البعض الأخر اعتقد في الحياة المنعزلة عن الناس والتمتع بالملذات الجسمانية، من جهة ثالثة حذر فريق آخر من الاستغراق في تجرد التصوف أو طلب منافع مادية تدور حول راحة الجسم لما تجلبه من ضرر وشقاء.

لقد أعلن أرسطو أن كل فعل بشري يرنو إلى الخير الذي هو غايته وما تم تسميته خيرا أولا أو خيرا أسمى اعتبره أرسطو في ذات الوقت منبع السعادة والحياة الجيدة ولذلك لأن الوجود السعيد هو الغاية القصوى للكائن البشري بالمقارنة مع الغايات الأخرى التي تحقق خيرات جزئية مثل امتلاك الثروة والصحة واللذة الجسمانية والسلطة والشهرة تبقى تابعة للخير الأسمى وتظل مجرد غايات جزئية مشروطة بالغاية التامة.

على هذا النحو يتصف الخير الأسمى بثلاثة خصائص وتتمثل الأولى في أنه مرغوب فيه لذاته والثانية في أنه غير مرغوب فيه من أجل خيرات أخرى والثالثة هي أنه لا يرغب في الأخرى إلا من أجل بلوغه هو.

بهذا المعنى تعتبر الإيتيقا هي المرجع التكويني للسياسة عند أرسطو وذلك لأن التحكم في الحياة يستوجب المعرفة بالخير الأسمى ويتطلب امتلاك علما معماريا بامتياز هو السياسة التي تحدد الضروري للمدينة.

إن الغاية الجوهرية للكائن البشري هي مهمته في الحياة ووظيفته في المجتمع والتي تتمثل في استعماله للقسم العاقل من ماهيته لشكل متطابق مع الفضيلة ومن أجل تحقيق الأسمى بالنسبة إلى الوجود البشري، وانه لكي يعيش المرء حياة جيدة مطالب بأن يمارس الأنشطة طوال حياته تحين فضائل العاقلة من النفس.

توجد تصورات مختلفة عن السعادة وربما الصورة الأكثر عمومية هي التي تقع في الخلط بينها وبين اللذة ولكن هذا التصور عن السعادة هو الخاص بالغالبية العظمى من الناس ويشتركون فيها مع معظم الحيوان. بعد ذلك هناك شكل أعلى من السعادة يرتكز على التقدير التي يمنحه المجتمع من خلال الاعتراف بالنجاح ويحقق للمرء الرضا والراحة والإشباع ويعتبر بمثابة اللذة المطلقة من حيث هي لذة خالصة وليست مادية.

بيد أن شكل آخر من السعادة أكثر سمو من السابق يظل ممكنا بالنسبة إلى الكائن البشري ويتطلب التأمل من أجل البحث عن الحقيقة والسعي إلى ماهو ثابت وأبدي وذلك بالارتقاء إلى مستوى بلوغ الغاية السامية ويتعلق الأمر في هذا الشكل بتحصيل الأشياء الإلهية والعناصر الكونية والقيم المطلقة والمبادئ الأساسية.

لقد رفض أرسطو النظرة المثالية الزهدية عند أفلاطون التي تحصر السعادة في الغبطة النفسانية ولقد قادته نظرته الواقعية إلى التفكير في أخلاق الممكن بالانطلاق من الرغبة في السعادة من حيث هي مطلب كوني تجمع بين هدوء النفس وسلامة الجسم وتربط اللذة بالحركة وتشترط إتباع الفضيلة لتحصيل السعادة.

على أثر ذلك طرح أرسطو في كتبه الأخلاقية الصريحة إيتيقا الحد الأوسط التي تعترض على أخلاق القداسة وتعتمد فضيلة التعقل والحذر قصد إصابة الحد الأوسط في كل مسألة دون إفراط أو تفريط والتي تتفادى الزيادة أو النقصان وتكتفي بالضروري والمطلوب واللازم والمتاح والممكن والطبيعي والمعقول.

كل الناس الأحرار يولدون ولهم الإمكانية لكي يصيروا فاضلين أخلاقيا وذلك لأن الفضيلة ليست مجرد اقتدار في حالة معينة وفي ظرفية خاصة وإنما هي تحقيق لفعل مستمر في كل حالة وفي جميع الظروف. إنها ترتبط بالموضع والمقام والطبع والعادة على الفعل الجيد وحسن التصرف التي يتقنها المرء في حياته.

إذا كانت الفضائل العقلية تتقوم بالتعليم الذي يتحصل عليه المرء أثناء تجاربه الحياتية فإن الفضائل الأخلاقية تظل من إنتاج العادة وتتطلب ممارسة الأفعال العادلة بالتعقل والتروي والحذر وقوة التمييز.

وإذا كانت الفضائل العقلية تتضمن المعرفة التي تستند على الاستقراء وتشتغل على القياس والتقنية التي هي فن يعمل من خلال استعداد مرافق للقاعدة الصحيحة على غرار المعمار وإذا كان الحذر هو التروي الصائب حول الأعمال الجيدة والمفيدة وإذا كان الفهم بالحدس هو التجربة المدركة للمبادئ بشكل مباشر فإن الحكمة النظرية تعتبر أكثر الفضائل الفكرية علوا وأكثر صور المعرفة قربا من الحقائق اليقينية. لهذا السبب يحتل الحذر عمليا مركز الثقل في شبكة الفضائل الأخلاقية وذلك لأنه يعد الحكمة العملية بامتياز.

لقد تفطن أرسطو إلى أهمية فضيلة التعقل في سبيل إصابة الحد الأوسط في جميع الأعمال وبرر ذلك بأن الشخص غير المعتدل لا يتبع العقل وإنما يتصرف وفق الانفعالات المتقلبة ويظل عرضة لتأثير الأهواء، بينما الفضيلة الأخلاقية تستلزم الاعتدال وتختار التوسط بغية تفادي الوقوع في رذائل التفريط والإفراط.

اللافت للنظر أن أرسطو استخرج أربع أشكال من الغلو وهي التوتر الناتج عن الإفراط اللذة والغضب والعجز الناتج عن التفريط فيهما ، وأقر بأهمية التربية الذاتية التي تقويها العادة ويقودها العقل وتشحذها الإرادة ويتحكم فيها ميزان الاعتدال وحذر من لعبة الأهواء وفوضى الباثوس المضاد لنظام اللّوغوس.

توجد ثلاثة عوامل مهيمنة هي التي تحدد الفعل والحقيقة وتتمثل في الإحساس والعقل والرغبة ويقر بأن الرغبات لا تقود إلى الخير في أغلب الأحيان ولكنها تقدر على قيادة المرء إلى توفير الإشباع المباشر.

لكي يفعل المرء بطريقة جيدة كان لزاما عليه أن يتبع أوامر العقل وأن يتروى في الاختيارات ويتفحص في الإمكانيات المتاحة أمامه ويدرس الوسائل التي يستطيع استعمالها ويفضل الغايات الممكنة التحقيق.

يلخص أرسطو العوامل الثلاثة التي تمثل حوافز من أجل الفعل وهي الجميل والنافع واللذيذ ويطلق على أضدادها تسميات القبيح والضار والمؤذي ويترك المجال للتروي في الوسائل والاختيار العقلاني منها.

لا يتم التعقل حول الغاية في حد ذاتها بل يدور حول الوسائل الممكنة التي تفضي إلى بلوغها ولهذا تتمثل جودة الروية في الاختيار التفضيلي الصائب وحسن التمييز بين الرذائل والفضائل واستهداف الغاية التامة.

لا يستعمل أرسطو مفاهيم حرية الاختيار والمسؤولية طالما أنها اختراعات الذات الحديثة بل يقتصر عمله على الإرادة والتفضيل والتعقل من خلال الدراية وبواسطة المعرفة وليس عن جهل وفي ظل غلبة التقليد.

التفضيل يتطلب فعلا إراديا وميزة إنسانية وتعقلا واعيا ومقصدا غائيا وليس أمرا مشتركا عند جميع الناس بما في ذلك غير العقلاء الذين ينقادون نحو الميولات والأهواء ويتبعون الغرائز ويتأثرون بنداء العواطف.

على هذا النحو تقود الإرادةُ المرءَ إلى الغاية المنشودة ويقود التفضيل نحو فرز الوسائل التي تستهدف هذه الغاية والإنسان يطلب غاياته ويفاضل بين وسائله بالتعقل والتروي وليس بالجهل أو إتباع الغرائز العمياء.

اللافت للنظر أن الفرونيزيس عند أرسطو لا يدل فقط على الحذر بالمعنى الذي صار عليه عند اللاتينيين فيما بعد وليس نتيجة انشطار داخل العقل واعتراف بهذا الانشطار من حيث هو شرط لعقلانية نقدية جديدة وإنما متطابق مع فضيلة التعقل الذي هو قسم من النفس يتدبر كل ماهو حادث واحتمالي وجائز وعرضي.

إذا كان أفلاطون قد تصور العلاقة بين المثل والأشياء على منوال العلاقة بين الأصل والنسخة وانتهى إلى ضرورة حضور الوسائط لردم الهوة بين المعقول والمحسوس والسماح بالمشاركة بين المثالي والمادي فإن أرسطو يقسم العالم الواقعي نفسه إلى قسمين يسميهما الضروري والحادث أي الجوهري والعرضي وبعبارة أحرى الكلي والجزئي ويمنح التعقل الشرعية الفلسفية لردم الهوة بينهما بعد العجز الذي وقع فيه العلم عند محاولته معرفة الجزئي والحادث بالرغم من كونهما الميدان الخاص بالفعل والتجربة والتاريخ.

بهذا المعنى يقيم التعقل صلة وثيقة بالحدس من أجل إحراز الحد الوسط وتحقيق سرعة الانتقال من المعلوم إلى المجهول ويجمع بين التفكير الثاقب والفعل الحصيف ويلقي النظر بشكل دقيق على المنشود والمتوقع.

بناء على ذلك توصل أرسطو على الصعيد الأخلاقي إلى نظرية في المقيس تعتمد على الاعتدال في الحكم والتوسط عند اتخاذ القرار والتروي عند التفضيل وتستهدف الفاضل اللائق من جهة التربية والفن والطبع.

لكي يصير المرء فاضلا ينبغي أن يبلغ هدفا يتنزل في مقام وسط بين احتمالين مستبعدين بصورة واسعة. زد على ذلك تساعد نظرية الكيل mesureعلى فهم خصائص الأفعال الفاضلة وتقوم بتمييزها عن الأفعال الشريرة وتفرض احترام الأسرة التي تعمل على التربية بإتباع الفضائل وتولي عناية بالشيم الاجتماعية .

من هذا المنطلق يعتبر أرسطو الفضيلة وسط بين رذيلتين، فالشجاعة هي فضيلة تتوسط رذيلة أولى هي التهور الذي ينتج عن الإفراط والزيادة في الثقة ورذيلة ثانية هي الجبن الذي ينتج عن التفريط في القوة.

اللافت للنظر أن الحد الأوسط ليس موقفا ضعيفا ولا يسير إلى تعليق الحكم كما الشأن عند الريبيين وإنما يمثل الحكمة العملية بامتياز ويتطلب دراية بالظروف وإحاطة بالكليات والجزئيات وقدرة على التصميم.

من هذا المنطلق كل الذين لا يمنحون الفضائل قيمة يسقطون في أفعال مشينة ويوصفون بأبشع النعوت وينحرفون نحو الرغبة في الهيمنة والبهرج ويسقطون في رغبات غير قابلة للإشباع ولا يعرفون حدودا ويفقدون القدرة على العيش في تناغم مع الكون وفي سلام داخلي مع النفس وفي تلبية غاية الحياة الجيدة.

يبرهن أرسطو على ذلك بقوله: " أن عصفور واحد لا يصنع الربيع" ويشير بذلك إلى أن فضيلة واحدة يتمتع بها المرء لا تجعل منه متخلقا وكائنا فاضلا على الدوام بل يجب أن يكون الخير صادرا عن تعقله وترويه صدورا بديهيا ويفترض أن يحوز على الشيم الأخلاقية بصورة دائمة وليس بشكل عرضي.

يضرب أرسطو من أجل أن يستدل أيضا على ضرورة الفضيلة وحقيقة الخير في الاجتماع البشري في جميع الأحوال مثالا عن خضوع عصابة من السرّاق إلى مبدأ عدالة تقسيم المسروق على الأعضاء.

على هذا النحو تختلف العدالة عن المنفعة العامة وتعتبر أقل منها درجة في السلم المعياري، لأن العدالة يطلبها الإنسان من أجل نتائجها وتبعاتها في الوجود الاجتماعي بينما تطلب المنفعة العامة من أجل ذاتها.

بيد أن معنى العدالة يختلف عن معنى المساواة، ولذلك يميز أرسطو بين المساواة العددية الكمية التي تعترض أن يحصل الجميع على نفس الحصة والمساواة الهندسية التناسبية التي تقر بحصول كل واحد على حصة تناسب وظيفته واستحقاقه ، وبعد ذلك بكثير صارت العدالة الجزائية تفيد المساواة المطلقة وأصبحت العدالة التوزيعية تعني المساواة النسبية أي الإنصاف من حيث هو حق وليس وفق القانون.

على هذا الأساس يتضمن النسق القيمي للحياة الاجتماعية عدد كبير من الفضائل التي تتعارض فيما بينها وتطرح على المرء العديد من الإحراجات ولذلك يلجأ إلى المداولة والتروي والاختيار التفضيلي للأحسن.

على خلاف أفلاطون الذي افترض وحدة الجميل والحسن والنافع والحقيقي ضمن إطار أحدية مثال الخير الأسمى يسجل أرسطو التعارض الممكن بين الفضائل المختلفة وخاصة عندما يكون المال النافع أحد منابع الخسائر والأضرار وعندما يتحول الكاذب والزائف والوهمي في المحاكاة إلى مصدر لتشكيل الجميل. فإذا كان أفلاطون مبدئيا بجعله الخير الأسمى أساس الحياة الأخلاقية ومصدر الأفعال الحسنة فإن أرسطو اتخذ خيارا استتباعيا وأسند صفة الخير إلى الأفعال التي ترنو إلى السعادة في غاياتها وتتجنب الضرر والشقاء.

من هذا المنظور ربط أرسطو بين الأخلاق والسياسة من خلال فضيلة المحبة وأضاف إليها مبدأ الصداقة وكانت النتيجة هي اعتماد أخلاق المحبة وسياسة الصداقة وفي شأن آخر أخلاق الصداقة وسياسة المحبة.

من المعلوم أن أرسطو لا يمنح مشاعر الحب أي قيمة في فلسفته ولا يترك لها أي مكان في نسقه القيمي ولكن المحبة كانت حاضرة بقوة على اعتبار أنها فضيلة شاملة وقيمة أخلاقية وسياسية في ذات الوقت. ويبرر ذلك بأن المحبة تسمح للمرء بالتقيد بالفضائل المرادفة على غرار الحلم والطيبة والتآخي والعفو والتواضع والنصيحة والتعارف وتشكل فرصة للجود ومناسبة من أجل البذل وتقوى من تلاحم الاجتماع وتشيد أرضية مشتركة يتقاسمها الناس المتساوون والأحرار وتترجم نجاح التواصل البشري بامتياز. لكن ماهو النظام السياسي الأمثل عند أرسطو؟ هل هو المدينة الدولة الإغريقية أم يفيد الحكم السياسي الفاضل؟

لقد تراوحت البحوث السياسية عند أرسطو بين تحليل ظواهر المدينة والعبودية والمواطنة والتأكيد على أهمية التربية والقوانين والعدالة ولقد وقعت في النظرة الطبيعية إلى المؤسسات المدنية والأفعال السياسية ولقد أثمرت نظرية عامة في الحكم عملت على التمييز بين عدة دساتير وحكومات ولقد أعطت الفاعل السياسي الدور الطليعي من أجل قيادة الاجتماع البشري نحو التحضر والمدنية وترسيخ القيم المواطنية.

إذا كان العلم السياسي عند أرسطو هو علما مدنيا عن الخير والسعادة لكل المواطنين وإذا كانت الدولة الأكثر اكتمال هي التي يتسنى فيها لكل مواطن أن يمارس الفضيلة ويبلغ السعادة على أحسن صورة فإن السياسة لا تقتصر على الفلسفة السياسية بل تضم التربية والإيتيقا والاقتصاد وتعالج طرق وشروط خلق ووضع وتشييد وبناء الأنظمة السياسية المتوازنة وتفتش عن وسائل وأدوات من أجل تقويتها والمحافظة عليها وتدمج في برامج عملها ميادين علم القانون وفقه القضاء وفن الحرب وتدبير المنزل وفن الخطابة.

لكي ينتج النظام السياسي مجتمعا سليما ينبغي أن يمارس حكما عادلا وأن يجعل من مبدأ العدالة فضيلة اجتماعية تنظم العلاقات بين الأفراد وأن يُرفِقَهَا بفضيلة المحبة من أجل البحث عن الخير للعين والغير.

كما يجب أن تكون القوانين التشريعية صائبة وجيدة وواضحة في تفريقها بين العدل والظلم وبين الجائز والممنوع وأن تتحول العدالة من مجرد قيمة أخلاقية الى معيار تشريعي من اجل وضع قوانين دستورية.

لقد أقام أرسطو فكره السياسي أيضا على مبدأ الصداقة أو المحبة وميز بين ثلاثة أنواع منها وهي الصداقة التي تبنى على المصلحة وتبادل الخدمات بين الطرفين وثانيا الصداقة التي تبنى على المنفعة المادية واللذة وفي مستوى ثالث الصداقة الحقيقية التي تخلو من التبادل ويحب فيها الصديق صديقه لذاته ودون غرض.

إن الصداقة الحقيقية هي المحبة الخالصة التي ترتقي إلى مستوى الفضيلة السياسية التي يبنى عليها النظام السياسي والقانوني وتمكن الجميع من المشاركة في الحياة العامة وتقاسم بصورة عادلة المنفعة المشتركة.

إذا حضرت المحبة الخالصة في المدينة بقوة وظهرت للعيان بصورة ملموسة في مستوى العلاقات بين المواطنين وانعكس ذلك في مستوى علاقات القربى والمجاورة والضيافة فإن الحكم يزدهر ويتقوى وإذا غابت بشكل ملحوظ وحلت محلها العداوة والبغضاء في العلاقات فإن النزاعات تتكاثر والحكم يتهاوى.

تلعب التربية دورا هاما في نظرية أرسطو السياسية ولذلك خصص في مؤلفه السياسة عدة فصول بهذا الموضوع وطالب المشرع بأن يضع أوامر صارمة يكون غرضها تربية الناس وتحثهم على طلب العلم وجعل مسألة تربية الأطفال والعناية بهم منذ الصغر من مسؤوليات المشرع ولقد تعارض مع النزعة الجماعية عند أفلاطون ونظر إلى التربية على أنها الوسيلة التي تصل الفرد بالجماعة وتمنح الدولة التي تتكون من كيانات فردية وعناصر كثيرة الوحدة والانسجام ولذلك حرص على توحيد نظم التعليم فيها.

من المفيد هنا الإشارة إلى التمييز الأرسطي بين تربية العقل وتربية الجسم وثنائه على التربية الفنية وعنايته بالرياضيات والموسيقى من جهة نظرية روحية وبالألعاب الرياضية من جهة مادية وجسمانية.

لقد كانت الألعاب الأولمبية أحسن مثال عند أرسطو لكي يضمن الرياضة بعدا تربويا ولكي يمنح التربية دورا سياسيا ولقد انتبه إلى حيازة المشاكل السياسية في المجتمع على حلول رياضية ومخارج تربوية.

لقد تعامل أرسطو مع المدينة والقوانين الذي تنظمها بوصفها أشياء طبيعية وفسر تشكل المجتمعات والدول بالعوامل الطبيعية التي تساعد على النمو والتي تخضع لها كل الكائنات الطبيعية وبالتالي قد رأى في تقابل الذكر والأنثى فرصة للتزاوج والتوالد وتكوين الخلية الاجتماعية الأولى التي هي الأسرة والتي عندما يتكاثر عددها تتكون الاجتماعات الصغرى والوسطى والكبرى وتظهر العديد من القرى والمدن والدول.

لقد وجد أرسطو في انقسام الناس إلى عبيد وأسياد من الأمور الطبيعية وذلك لأن هناك من وجود ليعمل بالجهد العضلي وهناك من وجد ليحكم بصفة طبيعية بالجهد الذهني ويأمر بإتباع العقل واحترام القانون.

من هذا المنطلق الإنسان حيوان سياسي ويصيح كائنا يعيش في مدينة ويشكل مع غيره من الناس مجتمعا سياسية يتكون من شبكة من العلاقات تتسم بالتعاون والتبادل وتنظمها فضيلة العدالة وتقاسم الخير العام. غير أن مفهوم الطبيعة البشرية مازال غائبا عن الفكر السياسي زمن أرسطو ولذلك انحصر الاهتمام بالبعد الإنساني الذي لا يتم تحقيقه إلا عندما يقع تحويل الإنسان من عبد بالطبع إلى إنساني نصف اله أي مواطن.

على هذا ينبغي أن يتصف المواطن بصفات القاضي والحاكم وأن يكون في مقدوره الحكم على الأفعال والتمييز بين العمل المحمود والعمل المذموم وقادرا على إتباع مبادئ الفضائل وتفادي ارتكاب الرذائل.

بهذا المعنى تتكون المدن العادلة التي ينظما دستور وتشرف عليها حكومة متوازنة من مواطنين فاضلين ولكن المواطن يمكن أن يظل مواطنا حتى خارج المدينة وفي ظل غياب الحكومة وعدم التقيد بالقانون.

هكذا يحمل أرسطو تصورا تراتبيا للاجتماع البشري يقصي فيه الطفل والمريض والنساء والغريب من المواطنة ويحرم فيه المواطنين من ممارسة الحكم إذا لم يحوزوا على القيم الفاضلة ويبتعدوا عن المفاسد ويضع فيه الناس الأحرار في الدرجة العليا ويمنحهم قيادة المجتمع ولذلك لما يتمتعوا به من إرادة وتعقل.

إذا كانت مهمة الطبقة السفلى من العامة هي الشغل من خلال الجهد الجسماني من أجل المحافظة على البقاء فإن مهمة الطبقة العليا هي تحقيق وظيفة القيادة والحكم ونيل السعادة من خلال الحكمة والعمل بها.

لهذا كانت المهمة الأكثر أهمية عند السياسي هي وضع النواميس وعملية التشريع nomothetês ولذلك شبه أرسطو السياسي بالحرفي والصانع الذي يبدع في عمله ويتقن حرفته ويجعل الموضوع يبدو جميلا وكذلك السياسي يعمل على إصلاح ماهو ضروري في النظام واستعماله بصورة مشروعة وان تعذر عليه يحرص على تغييره ووضع مكانه نظاما سياسيا أكثر مواءمة وتناسب وانسجام مع الظروف والأوضاع وذلك بتطويع المبادئ الكلية والقواعد العامة مع تحولات التجربة وتغيرات التاريخ وتقلب أمزجة الناس.

إن المواطن حسب أرسطو هو من يحوز على حق المشاركة في الحياة العامة ويؤدي دورا بارزا وأساسيا وينخرط بصورة طوعية في الأنشطة التي تفيد الناس من جهة التربية والثقافة ومن جهة التمدن والتطور..

أما المدينة السعيدة مثل أثينا وأسبرطة وقرطاج وملطية والاسكندرية وروما فهي التي شهدت قيام حكومة جيدة تعتمد على دستور صالح وعلى تنظيم قانوني محكم وعلى مواطنين ضمن طبقات اجتماعية تراتبية.

في هذا الإطار يفرق أرسطو بين مؤسسات صحيحة تعتمد على القانون وتؤدي وظيفتها على أحسن وجه ومؤسسات محرفة تعتمد على الأهواء وتعاني من صعوبات في مستوى الأدوار التي أوكلت إليها الدولة.

بينما نجد من الحكومات العديد من الأشكال على غرار الحكومة المَلَكِية والحكومة الأرستقراطية والحكم الدستوري والحكم المطلق الذي ينتج الطغيان والحكم الجماعي والحكم الفردي والجمهورية والديمقراطية.

إذا كانت الديمقراطية هي نظام شعبي يعتمد بالأساس على السلطة المنبثقة من الشعب فإن الأرستقراطية هي نظام لا يحكم بالوراثة بشكل ضروري ولا من خلال أفضلية المولد وإنما الشخص الأحسن المستحق.

بطبيعة الحال يفترض أرسطو أن يتم اختيار الحكام بالانطلاق من خصالهم الأخلاقية ومواهبهم السياسية واستعداداتهم الطبيعية وأن يكونوا قادرين بالفعل وبصورة ملموسة على الحكم وأن يضمنوا الخير للجميع.

بهذا المعنى رفض أرسطو معايير الثروة والنسب العائلي والدرجة الاجتماعية عند اختيار الحكام بشكل تام وأبقى على صفات الجدارة والكفاءة والأهلية والاستحقاق والتي تتحقق باقتناع الجمهور والرضا التام عنه.

إن الحكومة الجيدة هي تلك التي تساوي بين الأغنياء والفقراء أمام القانون وتستهدف حياة جيدة للمواطنين من خلال أعمال نافعة وبإتباع قواعد منطقية وطرق منهجية وتضع دوام السعادة للمجتمع هدفها الأبرز.

كما أن الجماعات السياسية الناجحة هي التي تشكلت من عدد كبير ممن انتموا إلى الرتبة المتوسطة والتي عرفت عدد القليل من الفقراء ومن الأثرياء وإمساك الحكم من المعتدلين المنحدرين من وسط المجتمع.

لقد عُدَّ أرسطو في المجال السياسي فيلسوف الحد الأوسط ، ولقد كان على خلاف مع أفلاطون الذي ظل يعتقد بوجود نظام سياسي أفضل يوضع في مرتبة عليا بالمقارنة مع أنظمة سياسية أخرى اعتبرها فاسدة. لقد انطلق أرسطو من أنظمة سياسية متعددة هي الأرستقراطية والملكية والجمهورية الدستورية وحاول أن يصوغ نظاما سياسيا مختلطا يتفادى به السلبيات والرذائل التي رآها فيها ومبقيا على ايجابياتها وفضائلها.

إذا كان رذيلة الطغيان هي فساد الديمقراطية بسيطرة الأقلية على الأغلبية وإذا كانت رذيلة حكم الفوضى هو فساد الأرستقراطية باكتساح ثقافة العامة مجالس الخاصة فإن رذيلة الديمقراطية هي فساد الجمهورية بالاحتكام إلى الرأي العام بدل اعتماد العلم اليقيني ووضع ممثلي السكان بالاقتراع بدل تكليف خير الأكفاء.

غني عن البيان أن معيار التمييز بين الشكل الخالص للحكم والشكل الفاسد هو مكانة المصلحة العامة بالمقارنة مع المصلحة الخاصة ، فإذا هيمنت المصلحة العامة يتحقق الشكل الخالص للحكم السياسي سواء في الملكية أو في الأرستقراطية أو في الجمهورية وإذا هيمنت المصلحة الخاصة يظهر منها الشكل الفاسد للحكم السياسي سواء في الطغيان أو في حكم الفوضى أو في الديمقراطية التي تعجز عن التعبير عن الكل.

لقد انتبه أرسطو إلى أن الحشد، حيث يعجز كل عضو أن يكون إنسانا فاضلا ، بواسطة اتحاد الكل، يمكن عندئذ أن يصير في مقام أحسن من النخبة منطلقا من المدنية الطبيعية للبشر والحاجة الغريزية للتعاون، ولكنه اشترط حضور الوازع من أجل حثهم على طاعة القوانين طالما أنهم ليسوا آلهة ولا معظمهم بلهاء.

بهذا المعنى يكون الإنسان حسب أرسطو كائنا اجتماعيا بالطبع وإذا اختار الحياة بمفرده ولعيدا عن الناس فإنه يترجم عجزه عن الحياة مع الآخرين ويفشل في تلبية حاجياته ويفقد إنسانيته وينحط إلى مرتبة الأبله.

لقد عاصر أرسطو الحقبة التاريخية التي عرفت سقوط المدينة الإغريقية وتلاشيها ولكنه ظل على مستوى الإطار الفكري متعلقا ومتأثرا بالمناخ السياسي الذي شهدته أثينا في مستوى ازدهارها وتطورها المدني.

لقد راهن على أن الإنسان الأثيني لن يصير مواطنا صالحا ولن يحقق ذاته ويبلغ غايته إلا ضمن الوجود الاجتماعي وعندما يتحول إلى عنصر فاعل في المدينة ويبلغ السعادة عن طريق اكتسابه لدرجة الحرية.

والحق أن الفلسفة السياسية عند أرسطو تتضمن مجموعة من المسلمات الضمنية والخلفيات الفكرية التي بقيت تتحكم في تصوره للمدينة وتؤثر على نظريته في الدولة وتحدد النطاق الذي يتحرك ضمنه الحق وتتمثل في مبادئ الغائية والكمال وأسبقية الجماعة على الفرد وخضوع الحكومة للقانون وقاعدة العقل التي تستوجب قيادة الجوانب العقلانية في الطبيعة البشرية للجوانب اللاعقلانية التي تتكون من الأهواء.

هذا التصور الفلسفي السياسي دفع به إلى مواجهة تلميذه الأسكندر المقدوني الذي تخطى مستوى المدينة التي تُنظمها عدة قوانين تُجمَعُ في دستور وقام بغزو العالم ساعيا إلى بناء إمبراطورية عن طريق القوة.

لكن كيف يمكن الإفلات من اللاّتجانس بين الوطنية عند أرسطو والنزعة الكوسموبولوتية لدى الإسكندر؟

لقد ارتكب أرسطو العديد من الأخطاء السياسية أبرزها تبرير العبودية وموافقته على الاستعمار اليوناني للبلدان المجاورة والتوسع في المجال البحري المتوسطي عن طريق الآلة العسكرية وشن الحرب عليها.

لقد كان أرسطو عصريا في المجال السياسي ولكنه ظل يتبني نزعة محافظة في المجال الاجتماعي ولقد تصور العلاقة الضرورية بين الحكام والمحكومين على منوال العلاقة الهرمية التي تتم بين الأسياد والعبيد وكان يذم العمل العضلي للعبيد ويعلي من شأن العمل الذهني مصرحا بأن الآلات لو اشتغلت لوحدها لكف الاحتياج إلى العبيد وقد تبنى رؤية مادية للتاريخ تؤمن بأن العبودية قدر مع بقاء أدوات الإنتاج على حالها.

إذا كان أفلاطون قد سبق غيره في الحديث عن مواضيع ذات صبغة اقتصادية وعرضها ضمن مشاكل فلسفية في مشاريع مثالية حالمة فإن أرسطو كان أول المنظرين للعملة ضمن النشاط الاقتصادي وأقر بوظيفتها القانونية التعديلية للنشاطات المالية ضمن عمليات التبادل والتوزيع للمنافع والخيرات المادية. لقد قام أرسطو على خلاف أفلاطون بوضع العملة من حيث هي وسيط بين البائع والمشتري في المعاملات التجارية وعمل على تسويغ طلب الثراء من خلال تحقيق الكثير من الأرباح وتفادي الوقوع في الخسائر.

لقد تناول أرسطو مواضيع اقتصادية في الكتاب الخامس من إيتيقا إلى نيقوماخوس في الفقرة الخامسة وفي الفقرة رقم 1.8.10 من كتاب السياسة ولقد تركز بحثه على الخيرات الجزئية والفوائد المادية وضرورة التفريق بين العدالة التوزيعية التي تسعى إلى إقامة توازن عادل وتتفادى تقسيم متساو بين أشخاص غير متساوين والعدالة الجزائية التي تميز بين تبادل إرادي في المنافع وتبادل عير إرادي وبالتالي غير عادل

لقد تفطن أرسطو إلى حاجة النشاط الاقتصادي إلى وجود طبقة عاملة متدربة بشكل جيد من اجل الزيادة في الإنتاج وتشغيل الآلات ولكي تكون في خدمة الطبقة الحاكمة من الأسياد والتي تهتم بالتفكير والتدبير.

علاوة على ذلك انتبه إلى الحاجة في التبادل لصك النقود وتوحيد العملة من أجل تحقيق التوازن في السوق بين المعروض والمطلوب وبين الإنتاج المحلي والإنتاج الوافد ولكنه نفى أن يمتلك المال قيمة في حد ذاته أن يكون ذا طبيعة جوهرانية وأقر بالقيمة الاستعمالية للنقود والخاصية الاتفاقية للعملة وتسهيلها للتبادل.

اللافت للنظر أن أرسطو نبه من مخاطر تطور الاقتصاد السوق على الجوانب الاجتماعية وركز على أهمية الجوانب الأخلاقية في المعاملات المالية والمبادلات التجارية في سبيل بناء نظام اقتصادي إنساني.

لقد ترجم التحليل الاقتصادي الجهد العقلاني الذي بذله من أجل فهم الظواهر الإنتاجية والمعاملات المادية وأسس النظام الاقتصادي عبر تبادل حر للمنتجات بواسطة التجارة البحرية التي تمثل نقطة قوة الإغريق.

بطبيعة الحال قام بمدح الثراء المادي وما يجلبه من سعادة للمرء وما يدفعه للحصول على بعض الفضائل وفي المقابل عمل على تحقير الفقر وما يسببه من شقاء وتعاسة وبؤس وما ينعكس عليه من رذائل ومفاسد.

بيد أن أرسطو بقي يتحرك ضمن دائرة أخلاقوية في حكمه على القيم المادية ونصح بأن يبقى المال مجرد وسيلة ورفض تحويله إلى غاية في حد ذاته وانتبه باكرا إلى الفرق بين القيمة الإستعمالية والقيمة التبادلية.

لماذا اعتبر أدم سميث النظرية الاقتصادية عند أرسطو قد فرملت الحرية والنمو الاقتصاديين واتجه إلى تعويضها بنظرية علمية أكثر اتساعا وأكثر ديناميكية من تصوراته الطبيعية عن النشاط الاقتصادي؟

3- الحكمة الذوقية:

إذا كان أفلاطون في مجال القيمة الفنية عمل على إدانة نظرية المحاكاة ومحاصرة المقلدين لما تفضي إليه من تشويه للطبيعة وابتعاد عن الحقيقة وانتبه إلى أن المحاكاة تشتغل على المظاهر وتهمل الوقائع الحقيقية فإن أرسطو في كتاب افن الشعر أمسك عن نعت الشعراء بالكذب وبرر المحاكاة من خلال تأكيده على أهمية التمثيل في الاقتراب من الظواهر الواقعية ومعرفتها والتحكم فيها وإعادة تشكيلها وإعادة إنتاجها.

لقد برهن على أطروحته من خلال نموذج التراجيديا في المسرح التي تتماشى مع القدرة على التقليد باعتبارها موهبة طبيعية تجعل جميع الناس يميلون إلى المحاكاة بحكم الغريزة مثل بقية الكائنات الحية ويستخدمون آلية التمثيل من اجل التحكم في الانفعالات وتسكين الأهواء والتطهير من مشاعر الخوف والكراهية والحزن وتقوية مشاعر المحبة والشفقة والفرح وتغليب الرغبة في الحياة على نازع الفناء.

لقد قدم أرسطو نقدا منهجيا للمسرحيات والنصوص الأدبية من خلال تركيزه على ثلاثة وحدات تتحكم في وصف تقنيات الإنتاج الفني لهذه المؤلفات وتتمثل في وحدة في الزمان ووحدة في المكان ووحدة في الفعل.

من ناحية أخرى ترك أرسطو نظرية في الزمان فيها الكثير من المفارقات وحيرت العقول وذلك حينما ربطها بالحركة بالنسبة للأشياء في الكون وبحدس اللحظة بالنسبة إلى شعور النفس بتدفق نهر الديمومة.

إذا كانت الفلسفة الإغريقية تفتقد إلى مباحث فكرية مستقلة وخاصة بظاهرة اللغة بالرغم من نعت بعض من السوفسطائيين بعشاق الكلام وعلى الرغم من دراسة بعض الفلاسفة طبيعة اللسان وأصوله وعلاقته بالحق والخير والجمال والنافع وجعلهم النطق ميزة إنسانية جديرة بأن ترفع الكائنات البشرية إلى مرتبة العاقلية فإن أرسطو هو الفيلسوف الأول الذي صاغ قواعد من أجل فن الخطاب ووضع شروط الإقناع وألف كتاب الخطابة من أجل قيس القدرة التي يمتلكها المرء من أجل السيطرة على الغير بالاعتماد على الكلام وأول من اعترف بوجود صلة بين الخطابة والجدل ودحض المزاعم التي رددها السفسطائيون.

لقد أعطى باعث المعهد في النظام التعليمي لفن الخطابة استقلالية كانت غائبة عند أفلاطون واهتم بالحجج المنطقية التي تسمح بإنتاج خطاب إقناعي وفتح باب هذا الفن ليس على المختصين فحسب بل على الجميع.

من هذا المنطلق تجمع التجربة الإنشائية عند أرسطو التي تدور حول استعمار اللغة بين الصور الرمزية والعلامة والاستعارة والتشكيل والمحاكاة والتخييل والمجاز وتضم فن الشعر وفن الخطابة وفن السفسطة.

فن الخطابة هو قبل كل شيء فن نافع يتم التعويل عليه من المرء بغية الدفاع على وجهة النظر الخاصة به ويستعمل الملكة الضرورية في كل مسالة من أجل تقديم الجواب الشافي والتوضيح المقنع بالنسبة للآخر.

زيادة على ذلك يتم استخدام فن الخطابة من أجل البرهنة على صحة الكلام والتأثير في المتقبل واستمالته وذلك بالانطلاق من معان مشتركة وعناصر عقلانية ومقدمات ضرورية وحقائق مشهورة ووقائع مألوفة.

لقد قام أرسطو بتشييد الخطابة بشكل مستقل عن الفلسفة وضمن المنطق وعدها علما شفويا يضبط العلاقة التواصلية الاقناعية بين الباث والمتقبل وبين المتكلم والسامع وبين المرسل للصور والمشاهد المتلقي لها.

يستخرج ثلاثة أنواع من الخطاب البلاغي ويفرق بينهما من جهات الزمن والحركة والقيم والحجة، فإذا كان الخطاب الحكمي يتعلق بقرار القاضي حول الماضي ويتراوح بين الاتهام والدفاع وبين العدالة والظلم ضمن حجة إستنتاجية وإذا كان الخطاب البياني يتعلق بالمادة المقررة التي يتلقاها المستمع في الحاضر وتتراوح بين القبول والرفض وبين المحبة والكراهية ضمن حجة تدعيمية فإن الخطاب التداولي يتعلق بالحضور ويتجه نحو المستقبل ويتراوح بين النصح وعدمه وبين النفع والضرر ضمنة حجة استقرائية.

والحق أنه توجد أربع حجج من أجل البرهنة على منفعة هذا الفن وتتمثل الأولى في إمكانية خدمة الخطابة للحق والعادل، والثانية تكشف أنه ليس علكا دقيقا بشكل تام بل معرفة مقنعة بالنسبة لعدد كبير من الناس. أما الحجة الثالثة فتشير إلى كون فن الخطابة قادر على الدفاع على الدحض التام للمتخاصمين الضالين وعلى البرهنة على وجهات نظر متعارضة ومواقف متناقضة وليس انحيازا لدعوى والابتعاد عن أخرى. في حين أن الحجة الرابعة تكمن في حقيقة أن الخطابة هي وسيلة سلمية للدفاع بالأساليب المدنية والنافعة وتمسك عن استعمال القوة بصورة مفرطة وتخلو من كل مظاهر العنف والكذب والأساليب الهمجية.

علاوة على ذلك يتحقق الإقناع الأرسطي وفق ثلاثة طرق هي التداولي والبياني والقضائي ويضع ثقته في المشاهد المتقبل من حيث هو يؤسس معيارا رئيسيا من أجل البت في القضايا الشائكة والتمييز بين الأنواع.

بهذا المعنى يفترض أن يراعي الحكم الحالة المستقبلية للمعني بالأمر في القضية المثارة وأن يتضمن القرار مجال لممارسة التروي وفرصة قصد القيام بالاختيار التفضيلي بين احتمالات على أحسن وجه.

إن وظائف ومقاصد الأنواع الكلامية متميزة عن بعضها البعض، فإذا كان النوع التداولي يؤدي وظيفة هو الترغيب والترهيب وتكون غايته إظهار النافع والضار وإذا كانت وظيفة النوع البياني هو المدح والذم وغايته إظهار الحسن والقبح فإن وظيفة النوع القضائي هي الدفاع والاتهام وغايته إظهار العادل والجور.

اللافت للنظر أن أرسطو يتحدث هاهنا عن منهج تعقلي مشترك يرجعه إلى أنماط متميزة من الإقناع ويسمي النوع الأول الحجاج المتعقل ويربط النوع الثاني بطبع الخطيب والنوع الثالث بحالة المتقبل.

لا يتعلق الأمر هنا بالاستدلال الاستنتاجي الذي يبني قياسا على أوليات يقينية وإنما يدور التعقل حول مقدمات ظنية ومنطلقات احتمالية وقضايا تقريبية تحتاج إلى تأييد المتقبلين من أجل تصير أحكام معقولة.

يطرح أرسطو قواعد الخطابة وشروط الإقناع وخصائص البلاغة ليس فقط ضمن كتاب فن الخطابة وإنما أيضا في الكتاب الخامس والكتاب السادس من الأورغانون الذي يعتبر النواة الصلبة التي تشكل منطق القيم وحدد الأمكنة الخطابية ضمن كتاب التبكيتات التي ضم إطار الإمكانيات الحجاجية بين أجزاء متعددة.

بيد أن كتاب الخطابة لا يحتوي فقط على نظرية في الإحالة البلاغية للإقناع وإنما يشمل أيضا نظرية في الانفعالات والتهذيب في الكتاب الثاني ونظرية في الأسلوب في الكتاب الثالث الذي يتناول مسألة التأثير.

من هذا المنطلق أمكن لأرسطو التطرق إلى الحجاج الخطابي بدل القياس البرهاني والتثبت التجريبي، وواضح تأثير طبع والأحوال النفسية للمتقبل في مسار الحجاج ونتائجه ودور العوامل الذاتية في القرار وأهمية المعرفة التي يمتلكها الخطيب عن السامعين من أجل استمالتهم والتأثير فيه وتوجيههم إلى مراده.

بعد ذلك يأتي كتاب فن الشعر Poétique في المرتبة الأخيرة في المدونة الأرسطية ولكنه الكتاب الأكثر شهرة بالمقارنة مع كتب أرسطو الأخرى والأقل معرفة وإلمام من طرف المتابعين للنظريات التي شيدها.

 فن الشعر هو علم إنتاج موضوع معين يسمى أثرا فنيا ويتوزع هذا الفن إلى الشعر والنحت والرسم والموسيقى والرقص وتهتم جميعها بالتراجيديا والملحمة وتضع المؤلف أو الكاتب في منزلة الفاعل وذلك لأنه لا يقتصر على المحاكاة بالنسبة للأحداث الطبيعية وإنما يحاكي الأفعال الإنسانية التي تتخيل الواقع.

بهذا المعنى لا يكون الشاعر مؤرخا متابعا يقول ما وقع فعليا بصورة مطابقة وضرورية وإنما يقول ما يحتمل أن يقع وما قد يحدث في نظام الممكن. من هذا المنطلق يتضمن الشعر بعدا فلسفيا أكثر من المتابعة التاريخية والتعليق على الأحداث لأن الشعر يتناول العام ويصف أنماط الشيء بينما المؤرخ يهتم بالجزئي ولأن التراجيديا تنقل الأحداث التاريخية بصورة مضخمة وبشكل انتقائي والتاريخ أهم من الخصائص.

تعمل التراجيديا على تنظيم العمل الفني من خلال العناية بوحدة الحركة ووحدة الزمن وتبتعد بالسرد عن اللامعقول وعن اللامنطق وتوجهه نحو الأحداث الضرورية والمحتملة وتحقق انسجام الجمهور المتفرج.

هكذا ترتبط التراجيديا بالتطهير أي تهذيب الأهواء وتسكين الانفعالات والسيطرة على الغرائز وذلك بترك المتلقي يستمتع بالعرض على الصعيد العاطفي ويرضي شهواته ويتحرر على المستوى التخيلي والممكن.

يوجد تأويلان للتطهير من الانفعالات، الأول كلاسيكي ويتمثل في دفع التراجيديا المتلقي إلى جلب النافع وترك المضر، أما التأويل الثاني فهو طبي ويركز على ما يحدث في نفس المتلقي من استراحة واستمتاع.

لقد أحصى أرسطو أربعة عشر من الانفعالات المتعارضة التي تخرج النفس من الهدوء إلى الاضطراب وتتمثل في المحبة والكراهية، والغضب والكياسة، والخشية والضمان ، واشترط على الخطيب أن يجيد استعمال هذه الانفعالات من أجل تحويل الحكم وينطلق من قناعات المتقبل وأحكامه المسبقة بغية إقناعه.

بعد ذلك يجدر بالفكر الفلسفي التطرق إلى شبه الدراسة التي تركها أرسطو عن النوم وما يلحقه من الرؤيا في الأحلام والفرق الذي وضعه بينهما وبين اليقظة والأحداث الواقعية وما تمثله من تطوير للأفكار التي قدمها في كتاب النفس ومحاولته تنمية الظواهر النفسانية بالانطلاق من وعلى أساس قواعد فزيولوجية.

يرفض أرسطو على غرار كزينوفان وهرقايطس الأفكار المتداولة عند الإغريق التي ترى في الحلم تعبيرا عن رؤيا تنبؤية بالمستقبل وينفي أن يكون الحلم علامة أو سببا لواقعة قد تأتي في وقت لاحق ويبدو غير مهتم برمزية الحلم وبعها السردي مركزا انتباهه على الوهم الذي ينتجه عند الإنسان والهلوسات التي تنجر عنه ويبتعد كذلك عن موقف أفلاطون في محاورة الجمهورية الذي يسند للنفس قدرة على التحرر من المكان والزمان أثناء النوم واستفاقة في اتجاه البحث عن الحقيقة ويستبعد فرضية أن ينتج الإنسان النائم معرفة من الجانب المدرك من النفس أو الجانب العقلاني ويفسر بروز الأوهام بكونها من انتاجات الخيال.

كما يفسر ذلك بأن الإنسان عندما يكون نائما تصاب كل واحدة من حواسه بالعطالة ويظهر عليه العجز تنتقل مختلف الانطباعات والتي لم يشعر بها أثناء النوم إلى مركز الحساسية وتصبح واضحة تماما لديه.

على هذا النحو يفسر أرسطو ظهور الأحلام عند النوم بأنه انبعاث للتجارب التي عاشها الإنسان في حياته عند اليقظة ولكن على شاكلة ضعيفة لأن الادراكات المتحققة طوال النهار لا تترك على الروح سوى أثار وبالتالي تمثل الأحلام بواقي من الإحساس تشكلت بصورة آلية ليس لها غائية ولا وظيفة وليس لها دلالة.

أما المبادئ التي وضعها أرسطو من أجل تأويل الأحلام فهي تدور حول معرفة المتشابهات ودرك النظائر والأشياء المتماثلة بما أن صور الأحلام تشبه الى حد كبير الأشياء الممثلة عندما تنعكس على صفحة الماء.

على الرغم من ذلك التفت أرسطو الى تجربة الحلم الواضح الذي يمثل شاهدا مكتوبا على قدرة المرء أثناء النوم على مراقبة أحلامه وإمكانية وعي الحالم بعملية تكوينه لحلمه وتوجيهها نحو رغباته وتحقيق آماله. ألم يبقى فرويد أرسطيا لما وضع التشابه على أنه الأساس الأول في عملية تكوين الحلم لدى الإنسان؟ وأليس المطلوب من الخطيب أن يظهر بمظهر لائق وأن تكون سمعته أخلاقية حسنة لكي يقنع الناس؟

 خاتمة:

 لقد بقي أرسطو إلى جانب أفلاطون وسقراط من اكثر المفكرين تأثيرا في العالم ومن الفلاسفة القلائل الذين تناولوا مختلف ميادين المعرفة في زمانه حينما اهتم بالبيولوجيا والفيزياء والميتافيزيقا والمنطق والرياضيات وفن الشعر والخطابة والسياسة والاقتصاد ولما جعل من الفلسفة تتساءل عن العالم وتبحث عن المعرفة من أجل المعرفة وليس من أجل منفعة أخرى وتنتج نظرة موسوعية عميقة وعلم العلوم.

لقد تضمنت المعرفة الفسلفية عنده ثلاثة ميادين هي العلم النظري أو التأملي الذي يمثل استعمالا حسنا للعقل في تفسير الطبيعة وتحليل الواقع ومواكبة العصر ويجمع بين الفلسفة الأولى من حيث هي ميتافزيقا وفلسفة الطبيعة التي تتضمن الفيزياء والرياضيات، والعلم العملي الذي يصوب نظره بشكل مباشر نحو الفعل ويمارس الالتزام وينخرط في البراكسيس من أجل التغيير في الميدان الأخلاقي والسياسي، أما العلم الإنشائي فهو يغطي مجالات يكثر فيها استعمال اللغة من أجل التأثير والإقناع وخاصة الخطابة والشعر.

لا يعتبر أرسطو المنطق علما وإنما آلة تسمح للعلوم الأخرى بأن تعي ذاتها وتراجع مكوناتها وتجدد نفسها ولذلك عمل أرسطو على عرضه في صورة أورغانون أو منهج يتكون من مبحثين هما القياس والمقولات.

من جهة أخرى يبدو مفهوم الطبيعة مقولة هامة في فلسفة أرسطو وتحتل مكانة بارزة وذلك لكون الأشياء المادية تمتلك في حد ذاتها مبدأ حركتها وبذلك تحوز على جملة من الماهيات وعدد من الطبائع الجوهرية.

هذه الحقيقة تسمح للفيزياء بأن تختص في دراسة الحركات الطبيعية التي تتسبب فيها المبادئ الخاصة بالمادة وتتيح للميتافيزيقا أن تهتم بالماوراء وتنظر إلى الله من حيث هو المحرك الأول الذي يمنح الحركة للأشياء في العالم دون أن يقوم هو نفسه بحركة ودون أن تؤثر حركة الكائنات الأخرى على كماله الذاتي.

من الناحية العملية يتميز الكائن البشري عن بقية الكائنات الحية بامتلاكه النفس الناطقة التي تمنحه قدرة إدراكية على التمييز وطاقة ذهنية على التعقل والفهم واستطاعة وجدانية يسيطر بها على الأهواء ويتحرر.

في نفس السياق تتمحور الحياة الإنسانية حول مبدأ الفضيلة ويرى أرسطو أنها تتحقق من خلال بلوغ توازن بين حدين فيهما زيادة أو نقصان و يعتبر الإنسان المتعقل هو الذي يجد شجاعة في إصابة الحد الأوسط بين التفريط في القوة عن طريق الخوف والإفراط في استعماله من خلال ارتكاب أعمال عنيفة.

لقد غطى مفهوم الحكمة العملية مختلف الأفعال التي يسعى بها الإنسان إلى بلوغ سعادته وتوجهت أنشطة المرء على الصعيد الأخلاقي والسياسي والاقتصادي نحو الخير الأسمى من أجل تحقيق خيرات جزئية ولكنها وجدت في مفهوم الفيليا من حيث هو محبة أو من جهة كونه صداقة قاعدة إيتيقية هامة للتصافي.

مهما يكن الأمر بالنسبة لفلسفة أرسطو فإن الفضل يعود له بإحداث ثلاثة حواضن ثقافية أساسية ظلت تقوم بأدوار تربوية وفنية وعلمية تتمثل في بناء المعهد والمكتبة والمتحف بدل الأكاديمية والمعبد والملعب. بعد ذلك قام أرسطو بوضع المعرفة على ذمة السلطة وقرب العقل من ميدان الحكم وأشركه في تدبير الشأن لمدينة ونزل الحكمة النظرية ضمن الممارسة العملية وزاوج ميدان التشكيل اللغوي بالمهارة الصناعية.

بهذا المعنى لا يلقى الفيلسوف الكبير تألقا في عصره فحسب وإنما معنى أثره يظل راهنا دون انقطاع على مر العصور الموالية ويبقى فكره موضوع للنقاش والنقد ومحل تحليل وتأويل بصورة غير قابلة للاكتمال.

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

..............

المصادر والمراجع:

Aristote, œuvres complètes, sous la direction de Pierre Pellegrin, édition Flammarion, Paris, 2014

 

 

jamil hamdaouiالمقدمة: لقد انصب اهتمام الظاهراتية (phénoménologie) على دراسة الظواهر (الفينومين)، ولاسيما المدركة منها عن طريق الوعي أو الشعور في الزمان والمكان، أو دراسة تجارب الذات الإنسانية المعاشة في هذا العالم المشترك و المدرك في علاقة وثيقة بالغير أو الآخر، أو البحث في محتويات الشعور ومضامين الوعي . ويعني هذا أن الظاهراتية لاتدرس النومين الذي تحدث عنه إيمانويل كانط، والذي يتمثل في معرفة الله، وبداية العالم، ودراسة النفس أو الروح الإنسانية؛ لأن هذا سيخرجها عن نطاقها العلمي الموضوعي الصارم والدقيق. ومن هنا، ترفض الظاهراتية الاشتغال الميتافيزيقي. وبالتالي، لا يهمها سوى إدراك الوجود الظاهري، أو ما يبقى في الذاكرة الإدراكية من مدركات راسخة. لذلك، تنكر هذه الفلسفة كل الأشياء التي لايمكن إدراكها وجوديا.

إذاً، ما الفلسفة الظاهراتية؟ وما سياقها التاريخي؟ وما مرتكزاتها النظرية؟ وما موقفها من الميتافيزيقا؟ هذا ما سوف نتعرف إليه في هذه المطالب التالية:

المطلب الأول: نشأة الفلسفة الظاهراتية

ارتبطت فلسفة الظواهر بالفيلسوف الألماني إدموند هوسرل (1)(Edmund Husserl)(1859-1938م)(2)، وقد كان رياضيا في بداية الأمر؛ إذ نشر كتابا بعنوان (فلسفة الحساب) سنة 1891م، " وقد قادته الرياضيات إلى الفلسفة كما كان شأن كثيرين من المحدثين، فقد استوقف نظره دقة الرياضيات ومتانتها واتفاق العقول عليها، بينما العقول مختلفة على النظريات الفلسفية وعلى منهج معالجتها، فأراد أن يجد للفلسفة أساسا لايتطرق إليه الشك، ويسمح بإقامتها علما بمعنى الكلمة أي برهانيا، وتوسل إلى غرضه باصطناع فكرة القصد كما بينها فانتز برانتانو(1838-1917م)، وشرع يبني مذهبه، فنشر كتابا (في المنطق) في مجلدين (1900-1901) وكتابا ( في الفينومنولوجيا) (1913)، وآخر في الموضوع نفسه (1928)، و(تأملات ديكارتية أو المدخل إلى الفينومنولوجيا) (1931) وهو مجموعة محاضرات ألقاها في السوربون."(3)

ومن هنا، فقد ظهرت الفلسفة الفينومنولوجية في بداية القرن العشرين بألمانيا، بعد أن أرسى دعائمها النظرية الفيلسوف الظاهراتي إدموند هوسرل. وقد انتعشت جامعات ميونيخ وكوتينجان بتأسيس مختبرات علمية تعنى بالفسلفة الظاهراتية في منحاها العلمي والرياضي والموضوعي.

وقد انتشرت فلسفة الظواهر على يد مجموعة من الفلاسفة الألمان، أمثال: مارتن هيدجر(Martin Heidegger)، وإيديث شتاين (Edith Stein)، ورومان إنجاردان (Roman Ingarden)، وأوجن فينك (Eugen Fink,)، وماكس شيلر(Max Scheler)، ونيكولاي هارتمان (Nicolai Hartmann)، إلى جانب أتباعها الفرنسيين كبول ريكور (Paul Ricœur)، وإيمانويل ليفيناس (Emmanuel Levinas)، وجان بول سارتر (Jean-Paul Sartre)، وموريس ميرلوبونتي (Maurice Merleau-Ponty)… أما أعضاؤها في الولايات المتحدة الأمريكية، فهم ألفرد شوتز ((Alfred Schütz)، وإيريك فوجلان (Eric Voegelin)...

وقد تأثرت هذه المدرسة بالفلسفات الحديثة للقرن السابع عشر الميلادي، كما تأثرت بالرياضيات المنطقية للقرن التاسع عشر. علاوة على تأثرها بالظاهراتية المتعالية لهوسرل (Husserl) (1859-1938م)(4)، والفلسفة الوجودية عند سانت أوغستين (St. Augustin) (354-430م) (5)، وباسكال (Pascal) (1623-1662م) (6)، وكيركغارد (Kierkegaard) (1813-1855م)(7)...

المطلب الثاني: مفهوم الفلسفة الظاهراتية

تعنى الفلسفة الظاهراتية بدراسة الوجود في ظاهره، دون النفاذ إلى باطنه وعمقه، أو البحث عن علله ومبادئه الأولى، أو رصد الأمور المجردة التي توجد ماوراء الطبيعة، بل تحاول الظاهراتية أن تنساق وراء البحث العلمي الطبيعي والرياضي؛ حيث تدرس الفلسفة وفق هذا المقترب الموضوعي الدقيق والصارم، وإن كانت الفلسفة بصفة عامة، والميتافيزيقا بصفة خاصة، تتنافى، بشكل ما، مع المقاربات العلمية والتجريبية بشكل كبير.

علاوة على ذلك، فقد اهتم هوسرل بالعلم ونتائجه الدقيقة والرصينة، فقرر دراسة الوجود دراسة علمية موضوعية(8)، باستعمال الملاحظة في دراسة الوجود بشكل ظاهري وخارجي. أي: أرد أن يبني فلسفة وفق النسق العلمي، دون الانطلاق من فرضيات أو مسلمات أو أطر قبلية، بل لابد من الارتكان إلى التحليل العلمي المنطقي والتجريبي في دراسة الوجود من الظاهر. ولكن هذه النظرية الفلسفية لم تستطع أن تثبت نفسها في الساحة الفلسفية الغربية، مادامت تهدف إلى علمنة الفلسفة، وربطها بالظاهر الموضوعي والمرصود. وفي هذا، يقول عبد الرحمن بدوي، في كتابه (تاريخ الفلسفة الحديثة): "إنه يضع مبدأين: أحدهما سلبي والآخر إيجابي، المبدأ السلبي أنه يجب التحرر من كل رأي سابق، باعتبار أن ما ليس متبرهنا ببرهان ضروري فلاقيمة له". والحالة النفسية المطلوبة هنا تشبه حالة الشك الكلي عند ديكارت مع هذا الفارق وهو أن هوسرل لايستند مثل ديكارت إلى أسباب للشك فلاينكر العالم الخارجي ولايرتاب في وجوده ولكنه يطلب إلى العقل أن يضع بين قوسين الوجود الواقعي للأشياء لكي يحصر نظره في خصائصها الجوهرية كما هي ماثلة في الشعور، ومع اعترافه بأن هذا الموقف غير طبيعي وأنه مؤقت يتيح للعقل أن يتناول الموضوع بريئا من كل واسطة مشوهة فينظر فيه نظرا صافيا."(9)

أما المبدأ الإيجابي عند إدموند هوسرل، فيدل على " ماهية هذا الموضوع؛ إذ يقول: إنه يجب الذهاب إلى الأشياء أنفسها. أي: إلى الأشياء الظاهرة في الشعور ظهورا بينا، مثل اللون الأزرق أو الأحمر والصوت والحكم وما إلى ذلك من ماهيات ثابتة مدركة بحدس خاص."(10)

ويعني هذا كله أن الظاهراتية فلسفة تكتفي بماهو ظاهري وحسي ومدرك من قبل الوعي الراصد، دون النفاذ إلى عمق الأشياء وجواهرها وماهياتها غير الظاهرة . وبذلك، ترفض الظاهراتية كل ماهو ميتافيزيقي وماورائي غير مدرك في الزمان والمكان من قبل الذات المدركة.

المطلب الثالث: مبادىء فلسفة هوسرل

ترتكز فلسفة هوسرل الظاهراتية على مجموعة من المبادىء الأساسية التي يمكن حصرها فيما يلي:

1- القصدية : وتعني أنه لايمكن الحديث عن إدراك للذات بدون موضوع، فوعي الذات مقترن بالشيء أو التفكير في الموضوع الخارجي. ومن ثم، لا يمكن الحديث عن الأنا دون الغير، أو دون الواقع الخارجي الموضوعي. فالمقصدية هي المسؤولة عن ملء البياضات والفراغات بفهمها وتأويلها. وهنا، رد واضح على ديكارت الذي يقول: أنا أفكر، إذاً، أنا موجود. والصحيح: أنا أفكر في شيء مقصود، إذاً، أنا موجود.

ومن هنا، فقد تشكلت القصدية مع الفلسفة الفينومنولوجية، ولاسيما مع الفيلسوف الألماني هوسرل(Husserl) الذي أثبت مدى الاتصال الملتحم بين الذات العارفة والموضوع الذي تعرفه. وليس هناك فاصل أو حاجز بينهما. وقد تبعه في ذلك مجموعة من الوجوديين المعاصرين بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. فقد كان الفلاسفة، قبل ذلك، يفصلون بين الذات العارفة وموضوع المعرفة. بيد أن هوسرل رفض هذا الفصل بين الذات والموضوع، وجعل الذات والموضوع معا يتفاعلان تواصلا وترابطا وتشاركا، ويحضران معا، بتواجدهما الحي، في عالم مشترك واحد.أي: لا يمكن فصل الذات عن الموضوع، ولا الموضوع يمكن فصله عن الذات. ومن هنا، فقد كان هوسرل يرد على الذين كانوا يعتبرون العقل مثل صندوق يحتوي على الأفكار الذهنية بمعزل عن محتوياته وموضوعاته.

كما رفض هوسرل تصور ديكارت القائم على الأنا المفكرة في انفصال تام عن موضوعها المعرفي. بمعنى أن الذات تفكر في موضوع ما. أي: ثمة قصدية تربط الذات بالموضوع المفكر فيه. وتعني القصدية أن كل وعي هو وعي بشيء، وكل فكرة هي فكرة عن شيء، وهكذا، " لقد أخذ هوسرل على ديكارت قولته:" أنا أفكر..." دون أن يذكر لنا في أي شيء يفكر، لأن الفكر بغير شيء يتعلق به ضرب من المحال."(11)

ويقول إدموند هوسرل موضحا القصدية بنقده للكوجيطو الديكارتي الذي يركز على الأنا مفصولا عن الموضوع الخارجي: "إذا بقيت البداهة المتعلقة بالقضية " أنا افكر، أنا موجود عقيمة، فذلك راجع إلى أن ديكارت قد أهمل اعتبارين هما: الأول، إنه أهمل كليا توضيح المعنى المنهجي الخالص لمفهوم التعليق المتعالي للحكم؛ والثاني، أنه لم يأخذ بعين الاعتبار أن بإمكان الأنا، عن طريق التجربة المتعالية، أن يوضح ذاته بذاته بشكل لامتناه ومنظم، مما يعني أنه قد أهمل إبراز أن الأنا يشكل لوحده مجالا خاصا ممكنا للبحث والتفكير. لهذا سنقوم بتوجيه أضواء البداهة المتعالية ليس إلى الكوجيطو (الأنا المفكرة بالمعنى الديكارتي الواسع)، بل إلى أفعال الوعي المتعددة، أي إلى تيار الوعي الذي يشكل حياة الأنا هاته (الذات المتأملة). تستطيع هذه الأنا في كل لحظة أن تتخذ من هذه الحياة الذاتية موضوعا لتفكيرها، سواء كان إدراكا أو تمثلا أو حكما وجوديا قيميا أو إرادة (...). إن إدراك هذه الطاولة مثلا هو، قبل أي شيء، إدراك لهذه الطاولة بالذات؛ وعليه سيكون كل وعي بشكل عام وفي ذاته وعيا بشيء ما، مهما كان الوجود الواقعي لهذا الشيء(...)؛ لهذا السبب، فإنه من الضروري توسيع مضمون عبارة أنا أفكر بأن نضيف إليها عنصرا جديدا، فنقول بأن كل ذات مفكرة أو كل حالة وعي تقصد شيئا ما، وأن هذا الوعي يحمل في ذاته ذلك الشيء الذي يفكر فيه.على أن كل أنا مفكرة تمارس ذلك بطريقتها الخاصة؛ فإدراك المنزل يقصد أو يتعلق بمنزل، أو بالتدقيق يقصد منزلا فرديا محددا بطريقة واعية. أما استذكار المنزل، فيقصد المنزل كذكرى، بمثل ما أن التخيل يقصده كصورة خيالية. أما الحكم المنطقي الذي يتخذ المنزل المائل أمامي موضوعا، فيقصده بطريقة الحكم المنطقي. وأخيرا إن الحكم القيمي سيقصد ذلك المنزل بطريقته الخاصة...إلخ.

إن حالات الوعي هاته نسميها حالات قصدية، ولاتدل كلمة قصدية سوى على الخاصية الأساسية والعامة المميزة للوعي بوصفه وعيا بشيء ما؛ وعي يحمل في ذاته، بوصفه أنا مفكرة، الشيء المفكر فيه..."(12)

إذاً، تعني المقصدية انفتاح الذات أو الوعي على العالم، وانفتاح العالم على الذات أو الوعي بشكل عكسي.

2- الإدراك الظاهري: تهدف المقاربة الفينومينولوجية إلى إدراك الشيء أو الموضوع في ظاهره بطريقة علمية موضوعية، دون مساءلة الجواهر المجردة التي لايمكن إدراكها ظاهريا وعلميا. أي: تهتم فلسفة الظواهر بكيفية إدراك العالم أو الوجود بطريقة ظاهراتية علمية تجريبية. ومن ثم، فالفينومنولوجيا هي العلم الذي يدرس الظواهر التي تدركها الذات، أو يدركها الوعي أو الشعور، بفهمها وإدراكها ووصفها كما تظهر للذات الباحثة أو المتفلسفة.

وعليه، فلقد ركزت الظاهراتية على القصدية في علاقتها بالوعي والموضوع. بمعنى أن كل وعي مرتبط بقصد ما، أو تفكير في شيء ما، كأن يكون ذلك، مثلا، طاولة، أو قلما، أو شجرة،...ومن ثم، يستحيل الفصل بين الذات والموضوع... فما هو مدرك فهو موجود، وما ليس مدركا، فهو غير موجود. فما ندركه - مثلا- عبر النافذة فهو موجود. وإذا أغلقنا النافذة فما لا نراه لا يعد موجودا، على الرغم من وجوده الحقيقي. وفي هذا السياق، نتحدث عن مدرك لذاته.

وما يهمنا في هذا التيار الفلسفي ما يقوله ميرلوبونتي عن الإدراك الذي بواسطته تنقل الذات الواعية التجارب المعاشة في العالم. أي: إن الإدراك عبارة عن بعد حيوي إيجابي يساعد على انفتاح أساسي على العالم المعاش. ومن هنا، فكل وعي هو وعي إدراك. ويتم هذا الوعي بتوظيف الجسد في التقاط تجارب هذا العالم المدرك. وهنا، يصبح الجسد المخالف للعقل جسدا مقصديا. ومن ثم، ينبني الإدراك على الذات المدركة من جهة أولى، والعالم الخارجي المدرك من جهة ثانية، ويكون الإدراك بمعطيات حسية ظاهرة من جهة ثالثة.

وغالبا، ما يدرك العالم الظاهري بواسطة الزمان، والمكان، والأشكال، والأشياء. ويشكل هذا كله ما يسمى بالعالم الخارجي. والدليل على تأثر سيميوطيقا التوتر بالظاهراتية وجود مصطلحات عدة، مثل: الإدراك، والحضور، والحقل، والناحية، والعمق، والقصدية، والظاهر، والحسي...

وعليه، فالظاهراتية هي منهج في البحث والدراسة، ووصف للظواهر والتجارب المدركة أكثر مما هي فلسفة مدرسية.

3- تجاوز الميتافيزيقا وتخطيها: ترفض الفينومنولوجيا الميتافيزيقا التي تتعامل مع الظواهر المجردة والبعيدة عن إدراك الوعي أو الشعور. وبالتالي، فالمعرفة العلمية الحقيقية هي معرفة الجواهر الثابتة التي لاتتغير، كما يدركها - فعلا- الوعي أو الشعور، برصد بنياتها وتوصيفها، ولو باستخدام الحدس الذي يتعامل معها وفق منطق القرب، والتعاطف، والتعايش الظاهري.

4- ارتباط الذات بالموضوع: إذا كانت المدرسة الشعورية الذاتية قد أعطت أهمية كبرى للشعور، أو لتدفق المشاعر والأحاسيس والعواطف، وإذا كانت العقلانية الديكارتية قد أعطت أهمية كبرى للشعور، أو للأنا، أو للوعي، كما يبدو لنا ذلك جليا في الكوجيطو (أنا أفكر، إذاً، أنا موجود)، فإن الظاهراتية (La Phénoménologie) تقول بالشعور المستقل بمحتوى خارجي. أي: يرتبط الشعور بموضوع مدرك ما. فكل شعور هو أن يكون شعورا بشيء، أوشعورا بموضوع ما. وهنا، ترتبط الذات بالموضوع والمقصدية. ومن هنا، ندرك ألا وعي بدون موضوع، ولا ذات بدون موضوع. وبهذا، يكون الشعور بشيء ما، ولايمكن الحديث عن الشعور كقوة مستقلة، وإلا فهي قوة وهمية لاوجود لها. ومن ثم، فالشعور مرتبط بالعالم الخارجي، وبمحتويات الشعور نفسه؛ تلك المحتويات التي تلازمه وتلاصقه. ومن ثم، تجمع الفينومينولوجيا بين الذاتية والموضوعية بشكل متوازن. وينصب الوعي الإنساني أو الذاتي على موضوعات مدركة، ضمن تفاعل إدراكي معاش في العالم.

5- فلسفة الحضور: ويعني هذا حضور الذات في العالم عبر الجسد في الزمان والمكان، وعبر مجموعة من التجارب الإنسانية الذاتية والموضوعية المدركة. ومن هنا، فالحضور هو حضور الذات في العالم، وتأكيد الوجود الإنساني.

هذه هي أهم المبادىء النظرية التي ترتكز عليها الفلسفة الظاهراتية، وتدل كلها على فلسفة التواجد الحسي الظاهري القائم على ثنائية الذات والموضوع، وثنائية الوعي والقصدية...

الخاتمة:

وخلاصة القول، يتبين لنا، مما سلف ذكره، أن الظاهراتية قد اكتفت بدراسة الظاهر أو الفينومين بدل الاهتمام بالنومين الكانطي، وقد سعت جادة إلى مقاربة الفلسفة وفق مقترب علمي موضوعي، بتجاوز الميتافيزيقا وإنكارها وتخطيها، والاكتفاء بدراسة الظواهر المدركة عن طريق الحس والشعور دراسة علمية موضوعية . ومن ثم، لم تكتف الظاهراتية بالتصورات الفلسفية فقط، بل اهتمت كذلك بالسيكولوجيا.لذا، يصعب الفصل بين الفلسفة وعلم النفس الفينومنولوجيين. وبالتالي، تنتقد الظاهراتية كل التيارات والمدارس التي تتعامل مع الإنسان والعالم باعتبارهما أشياء موضوعية. ويعني هذا أن الظاهراتية ذاتية بشكل كبير، على الرغم من انفتاحها على العالم الخارجي الموضوعي.

وعلى الرغم من نجاعة هذه المقاربة في ربط الذات بالموضوع، وربط الوعي بالقصدية، فإن هذه المقاربة قد جنت كثيرا على الفلسفة عندما حاولت علمنتها وفق مقترب فيزيائي موضوعي دقيق وصارم، بإنكار الميتافيزيقا برمتها، والدعوة إلى تخطيها وتجاوزها وتعويضها بالعلم الظاهري الحسي. في حين، يعتبر الإنسان حيوانا ميتافيزيقيا بامتياز، لا يمكن أن يعيش بالظاهر دون الاهتمام بالغيبيات والروحيات، أوالانشغال بالقضايا الكونية والأنطولوجية والميتافيزيقية، بل أصبح العلم - اليوم- خاضعا للتصورات الميتافيزيقية، يدافع عنها بإخلاص، وصدق، واستماتة لانظير لها.

 

د. جميل حمداوي

...............

(1) إدموند هوسرل فيلسوف ألماني ومؤسس الظاهراتية. ولد في موراویا في تشيكوسلوفاكيا في عام 1859م. درس هوسرل الرياضيات في لايبزغ وبرلین على کارل وایستراس وليوبولد کرونکر. ثم ذهب إلى فيينا للدراسة بإشراف ليو کونیکس ‌برکر في عام 1881م.

(2) Edmund Husserl : Leçons pour une phénoménologie de la conscience intime du temps, Ed.: Presses universitaires de France, 1996 ; L'Idée de la phénoménologie, Paris, PUF, 1992.

(3) عبد الرحمن بدوي: تاريخ الفلسفة الحديثة، دار المعارف، القاهرة، مصر، الطبعة الخامسة، 1986م، ص:460.

(4)-Edmund Husserl: Leçons pour une phénoménologie de la conscience intime du temps, Ed.: Presses universitaires de France, 1996.

(5) القديس أغسطينوس كاتب وفيلسوف أمازيغي من أصل نوميدي. ولد في عنابة بالجزائر.ويعد أحد أهم الشخصيات المؤثرة في المسيحية الغربية. تعتبره الكنيستان الكاثوليكية والأنجيليكانية قديسا وأحد آباء الكنيسة البارزين.

(6) بليز باسكال (Blaise Pascal) فيزيائي ورياضي وفيلسوف فرنسي، اشتهر بتجاربه على السوائل في مجال الفيزياء، وبأعماله الخاصة بنظرية الاحتمالات في الرياضيات . وهو من اخترع الآلة الحاسبة.

(7) كيركغارد فيلسوف ولاهوتي دانماركي. كان لفلسفته تأثير حاسم في الفلسفات اللاحقة، ولاسيما في ما سيعرف بالوجودية المؤمنة. ومن أشهر من تأثر به وأذاع أفكاره الفيلسوف الألماني كارل ياسبرس، واللاهوتي البروتستانتي كارل بارث.

(8)-Edmund Husserl : La philosophie comme science rigoureuse, traduction Q. Lauer, Paris, PUF, Epiméthée, 1954.

(9) عبد الرحمن بدوي: تاريخ الفلسفة الحديثة، ص:460.

(10) عبد الرحمن بدوي: نفسه، ص:460.

(11) زكي نجيب محمود: نافذة على فلسفة العصر، سلسلة كتاب العربي، الكويت، الكتاب السابع والعشرون، 1990م، ص:53.

(12) E.Husserl:Introduction à la phenomenology, éd.Vrin, Paris;pp26-28.

 

الجواب الثالث: المبدأ الإنسانوي (الانسانوية الأولى) الخلاص بالتاريخ والتقدم

المصالحة بين أنسنة الخلاص واستقلالية العقل هو التحدي الذي ستخوضه الحقبة الثالثة (بدءا من عصر النهضة)، حيث ستقوم هذه الأخيرة بتأسيس معنى الوجود، ليس على الكوسموس أو الألوهية بعد، وإنما على الانسان بما هو انسان، على عقله وحريته، على الاقتناع أنه بفضل قواه الذهنية وحدها، يستطيع، بل ينبغي أن يصبح صانع مصيره الخاص. فلأول مرة سوف لا يستقي الخلاص مصدره ولا غايته القصوى من كينونة خارجة عن الإنسانية ومتعالية عليها، بل من الانسان ذاته.

هذه الأفكار بدأت في القرن الخامس عشر مع مفكرين كبار ذوي شأن مثل " بيك دي لاميرندول " فبعد أن فتحت المسيحية أفقا فيسحا لإثبات استقلالية الأفراد (قيمتهم الذاتية المستقلة عن أشكال التراتب الاجتماعية الارستقراطية)، وبعد أن قبلت استدماج عناصر عديدة من فلسفة أرسطو، لم يبق سوى خطوة واحدة للاستقلال عن كل مرجعية دينية وللانقلاب نحو الحقبة التي نحن بصددها الآن. إنّ الفكرة الأساسية التي تحدو هذه الحقبة، منذ تعبيراتها الأولى عند " لاميرندول " هي التالية: لا وجود لطبيعة إنسانية، ولا لأي نظام طبيعي، يكون الانسان ملزما بالامتثال لهما، بوسع الانسان أن يتخلص من الطبيعة لأنّه حر، ولأنّه حر فله حقوق وله تاريخ، بمعنى آخر لأن الانسان لا شيء (مما تحدده الطبيعة)، يستطيع أن يصبح كل شيء (أن يبني شتى ضروب التاريخ والمصير المختلفة). إنّ خصوصية الانسان وعظمته تتأتيان من أنه يتنزل ليس في وسط الطبيعة – كما هو المقبول فيما قبل " لاميرندول" – بل بكل بساطة خارج العالم، بمعنى أنّ له القوة على تغيير الاكراهات الطبيعية بفعل إرادته الحرة، وبالتالي على التموقع تقريبا خارج الطبيعة (إن " لاميرندول " يحدث بذلك ثورة حقيقة في الفكر، بقطيعة أساسية مع العالم القديم). وبما أنّ الانسان يصنع مساره الخاص في الوجود، فسوف يستطيع أن يكون طيبا أو قبيحا، وأن يختار الخير أو الشر ... وهكذا، فإنّ رؤية أخلاقية جديدة للعالم، إتيقا خاصة بحرية الاختيار ترتسم، كما نرى، في أفق هذا التعريف الجديد للانسان.

مع ديكارت سيُعطى في القرن السابع عشر لهذه الرؤية للعالم أساسا أوليا صلبا. وبذلك سيخطو بالفلسفة خطوة حاسمة على طريق أنسنة الأجوبة عن معنى الحياة. يرى ديكارت أننا مهما شككنا، سنمسك أخيرا بفكرة تفلت من الشك (يسميها بداهة)، سيكون بوسعنا انطلاقا منها إعادة بناء صرح العلم والفلسفة برمته. إن الهدف من عملية الشك الديكارتية يكمن في البحث في صميم التجربة الانسانية – مهما تكن ناقصة ومحدودة – عن عنصر حقيقة مطلقة على أساسه سيكون بالإمكان إعادة بناء رؤية موضوعية للعالم بوسائلنا الخاصة. إنّ المسألة تدور هنا حول استبعاد كل حجج السلطة بواسطة الممارسة الحرة للروح النقدي، أي رفض الخضوع بلا تمحيص للأفكار الجاهزة المتقبلة من الخارج، وذلك على اعتبار مقتضى أساسي، وهو أن نفكر بأنفسنا. على هذا النحو يحرر ديكارت البشرية من الالزام الصعب التجنب إلى ذلك الحين بالبحث عن مصدر معنى حياتها خارج ذاتها، سواء في النظام الكوني أو في روعة الآلهة. وأخيرا بوسع البشر، كما يقول صراحة، أن يصبحوا " وكأنهم أسياد الطبيعة ومالكوها ".

يمثّل " كانط " التحقق الفلسفي الأكثر اكتمالا للمبدأ الانسانوي؛ فأعماله تغطي المسائل الأساسية في الفلسفة برمتها (نظرية في المعرفة، في الأخلاق، وفي مذهب الخلاص) محدثة في نفس الوقت قطيعة مطلقة ونهائية مع الكسمولوجيات القديمة. يبيّن " كانط " : إذا كان الكون، كما تؤكد ذلك " فيزياء نيوتن " لم يعد سوى فوضى بلا قيمة (إنّه محايد من الناحية القيمية)، حقل من القوى تنتظم بالتأكيد، لكن في نطاق الصدمات، دون تناغم ولا دلالة من أي نوع، فمن الوضح أنّ المعرفة لم تعد تأخذ شكل تأمل خالص. وبالتالي سوف يكون من اللازم صياغة نظرية أخرى في نظرية المعرفة والحقيقة. إنّ الانسان ذاته، وفي هذه الحالة العالِم، هو الذي سيضطر من الآن إلى إدخال بعض النظام في عالم يكاد لا يقدم بعدُ للوهلة الأولى أيّ نظام. من هنا جاءت المهمة الرائعة الجديدة بحق، التي يضطلع بها العلم الحديث ولا تقوم في التأمل، وإنّما في عمل وصياغة نشيطة وبناء تنصب كلها على قوانين تسمح بإعطاء معنى لكون خال بعدُ من السحر. وعلى سبيل المثال، سيحاول العالِم "المحدّث "، مستعينا بمبدأ السبيية إقامة علاقات منطقية، روابط ما بين أسباب ومسببات (بين ظواهر معينة يعتبرها مسبَّبات وأخرى معينة يتوصل إلى أن يكتشف فيها أسبابا بفضل المنهج التجريبي). لذا يتسأءل نقد العقل المحض عن قدرتنا على صنع " توليفات "، " أحكام توليفية "، أي بالمعنى الاشتقاقي للكلمة " روابط "، وبالتالي قوانين علمية تقيم صلات متماسكة ومضيئة بين ظواهر لم يعد تنظيمها معطى، بل هو مبني.

في ضوء ذلك سيكون من تحصيل الحاصل أن تتغير المسألة الخلقية؛ إذ لم يعد أيّ نموذج طبيعي قادرا من الآن على الإجابة عن المسألة الكلاسيكية: " ماذا يجب علي أن أفعل "؟ فكيف لنا أن نحاكي نظام الكون إذا كان هذا النظام بكل بساطة غير موجود؟ إنّ الطبيعة لا تبدو البتة طيبة في حد ذاتها، ليس هذا فحسب بل في أغلب الأحيان يبدو حتى أنّنا نضطر إلى التصدي لها والصراع ضدها لنيل بعض الخير أيا كان. أما الأمور في داخلنا فقد تكون أسوأ بكثير: إن أنصّتُّ إلى " ميولي الطبيعية "، فالأنانية أكثر غريزية لا تفتأ تتكلم فيّ بقوة وتأمرني باتباع مصالحي الخاصة على حساب مصالح الآخرين. كيف إذن أستطيع للحظة أن أتخيل أنّي أتوصل إلى الخير المشترك والمصلحة العامة، إذا كنت أكتفي بالانصات إلى تلك الميول فحسب؟ الحقيقة: إنّه مع هذه الميول بوسع الآخرين الانتظار على الدوام ! ومن ثم تطرح مسألة الأتيقا المصيرية في كون حديث قبل بموت الكسمولوجيات القديمة: في أيّ كينونة يمكن تكريس نظام جديد، كوسموس مكرّر إن شئنا، يكون في ذات الوقت ضد الطبيعة ولاعلاقة له بالدين؟ يجيب المبدأ الانسانوي بما يمثل تأسيسا له سواء في المستوى الخلقي أو في الدائرتين السياسية والحقوقية: على إرادة البشر وحدها، شريطة أن يقبلوا بوضع حدود لأنفسهم إدراكا منهم بأنّ حريتهم لا بد أحيانا أن تقف حيث تبدأ حرية الغير. هذا الكوسموس الجديد، وهذه " الطبيعة الثانية " سيطلق عليهما " كانط " عبارة " ملكوت الغايات " (أي عالم مبني قدر المستطاع بأفعال الأفراد الحرة وغير النفعية ومن أجلها). إنّ مبدأه الأعلى هو احترام الآخرين الذي يمثل الشيء الأقل طبيعة في العالم ويفترض جهدا منصبا على الذات، إرادة تفلت من الميول القائمة على الأنانية. ومن هنا نجد أنّ القانون الأخلاقي يفرض نفسه في شكل أمر وواجب؛ إذ هو على وجه التحديد ليس بالقانون الطبيعي، ولا تحصيل حاصل، بل يفترض بذل مجهودات و" طيب الارادة " أو بتعبير أفضل " الارادة الطيبة ". إذن: مثلما أنّ المعرفة لم تعد نظرية، أي تأملا، أي أصبحت عملا يتمثل في "التوليف " والربط، فإنّ هذا الكوسموس الإيتيقي الجديد هو أيضا كون أخلاقي " اصطناعي "، مبني بناءا تاما، عالم يوجد فيه الانسان بعيدا عن أن يكون قطعة صغيرة جدا لا قيمة لها من كل يحويها من جميع الجوانب، وعن أن يكون كائنا يمكن " استخدامه أداة " بحكم ما يتطلبه الكل الكبير، فيصبح الانسان " غاية في ذاتها "، مبتدأ ومنتهى كل قيمة وكل كرامة أخلاقيتين. وباختصار، يتعلق الأمر بكون لم يعد معطى تماما من قبل الطبيعة، بل هو على العكس يُصنع بإرادة الكائنات البشرية، ومن أجلها (أي الارادة).

من الواضح – بحسب ما تقدم –: إنّ الخلاص لم يعد بالإمكان أن يقوم في الذوبان في العالم بعد أن تشظى النظام الكوني، ومن ناحية أخرى بالنسبة لمن عدلوا عن الإيمان لا ينبغي أيضا البحث عن أجوبة من جهة الدين. كيف إذن سيصبح مذهب الخلاص في ظل الفلسفة الجديدة؟

في أفق هذه الفلسفة الجديدة، ترتسم سمتان ستميزان الحياة الطيبة من منظور الانسانوية الحديثة:

الأولى: تُعلي من شأن المعارف والثقافة والتربية التي تمدّن وتؤنسن لتجعلنا نرتقي إلى ما يسميه كانط بـ " الفكر المتسع ". يملك " كانط " تصورا للتأمل يسمح له بطرح مسألة معنى الوجود الانساني في صياغة جديدة. يكمن التأمل في أصل ما يسميه " الفكر المتسع " في تعارض مع " الذهن القصير النظر ". ذلك أن " الفكر المتسع " هو بالذات الفكر الذي يتوصل بفضل التأمل إلى الإفلات من وضعه الأصلي الخاص ليرتقي إلى فهم الغير. ولإعطاء مثال بسيط يمكن القول: حين أتعلم لغة أجنبية، لا بد من أن أبتعد عن ذاتي – عن الشرط الأصلي الخاص الذي يلازمني، وهو في هذه الحالة الفرنسية – للدخول في دائرة أكثر اتساعا وكونية، حيث تحيا ثقافة مغايرة ومجموعة بشرية أخرى. فحين أفلت من خاصياتي البدئية أدخل في مزيد من الإنسانية. وبتعلم لغة أخرى أرتقي نوعا ما من الخاص إلى العام، بمعنى أنّه ليس بوسعي التواصل مع عدد أكبر من الكائنات البشرية فحسب، بل أكتشف أيضا عبر اللغة مفاهيم أخرى وأشكالا أخرى من العلاقة بالغير وبالعالم. وعلى هذا النحو أوسّع الأفق وأدفع الحدود الطبيعية التي يوجد عليها الذهن المشدود إلى جماعته. إذا تجاوزنا المثل الخاص باللغة، فإنّ المقصود هنا هو كل معنى التجربة الإنسانية. فإذا كان فعلا المعرفة والحب ليسا سوى شيء واحد، كما يريد ذلك الكتاب المقدس، فإنّي أدخل زيادة على ذلك في بعد من أبعاد الوجود الإنساني يكون – بمعنى لاهوتي يمكن وصفه بالمعلمن – مبررا لهذا الوجود ويعطيه معنى بحق، أي في آن واحد دلالة واتجاها. وبمعنى آخر: إذا كان الحب والمعرفة يشكلان وحدة، فإنّك تدخل لدى توسيع أفقك ولدى تثقفك في بعد من الوجود البشري " يبرر " هذا الوجود ويعطيه معنى، أي في ذات الوقت مغذىً وتوجهاً. إنّ هذه الفكرة حتى لو كانت لا تنقذنا من الموت، فإنّها على الأقل تعطي معنى لمواجهته. إذن إلى جانب التجربة المسيحية – التي يواصل " كانط " تبنيها – تحملنا أيضا فلسفته شيئا فشيئا إلى إجابة ذات نفس لائكي، وبهذا تقودنا إلى عتبة الفكر المعاصر.

أما السمة الثانية، فتتمثل في اقتناع المرء بأنه أوجد تبريرا لحياته، وأنقذها تقريبا حين قدم بفضل عبقريته الأدبية والفنية أو عظمة فعله أيضا إسهامه في التاريخ ولبنته الصغيرة في تشييد صرح التقدم وبناء مستقبل أفضل إلى كل الكائنات البشرية. سيُرسم اسم هذا العبقري، جزاءا لما قدمه على الرخام أو على يافطات الشوارع، وقد يقام له تمثال أو ... الخ. وهنا مجددا، نجد العلاقة بالموت، وفكرة أن إسهاما متميزا في مسيرة البشرية نحو مستقبل أفضل وأفضل حرية وعدلا وعلما، يعطي صاحبه بعدا من أبعاد الخلود. وكأننا أذ نرسم اسمه في التاريخ والمكتبات والمعالم، نشترك في اللانهاية. هذا الخلود يبدو في العالم الانسانوي واللائكي، والملحد إن اقتضى الأمر، بديلا عن الخلاص المسيحي، حتى لا نقول عوضا لا يضاهيه في القيمة. وهذا هو السبب في أنّ الانسانوية ستدخلنا شيئا فشيئا في عهد " أديان الخلاص الدنيوي " الكبرى التي ستمثل الماركسية أوجها بلا منازع.

يبدو المثل الأعلى للخلود في المبدأ الانسانوي هشا، فإذا كان أفضل ما يمكن أن يأمله الفرد هو أن يكون إحدى الآليات التي لا تحصى في تقدم البشرية العام، فلا بد من الإقرار بأن نصيب حياتنا المؤهل للنجاة من الموت ضئيل وتافه إلى حد ما (إذ لن يبقى منا في أحسن الحالات إلا اسم مع ذكرى أعمالنا). خلافا لكل انتظار يقع المبدأ الانسانوي هكذا في صعوبة شبيهة بتلك التي يثيرها ذوبان الفرد في النظام الكوني لدى الفلاسفة اليونانيين (مثلما إن البشر في الكوسمولوجيا اليونانية لم ينجو إلا بصفتهم قطعا كونية، كذلك لا ينجو المرء في منظور الانسانوية الحديثة إلا باعتباره قطعة من تاريخ التقدم، ومجرد اسم منحوت على الرخام). وهذا مجددا غير مرض تماما إذا ما قارناه بالوعد المسيحي بخلاص المرء كشخص محبوب سيلتقي ثانية بأشخاص يحبهم. ذاك ما يفسر من جانب آخر ، لماذا لن تقدر الانسانوية الحديثة على طرد المسيحية من المشهد الأوربي.

إنّ المبدأ الانسانوي لا يعاني فقط من هشاشة المثل الأعلى للخلود، بل أنه يعاني أيضا عوزا ورؤية ضيقة لما هو إنساني تهمش جوانب كاملة من الوجود. وهي تفعل ذلك بصفة واعية؛ لأن الأمر يتعلق بالتركيز على سمات الانسان الأكثر تجريدا وكونية، وعلى الاستعدادات للحرية والعقل الكامنة في كل شخص والتي سيسمح لنا نموها بتأمين سيادة متزايدة على مصيرنا. ولا يمنع ذلك كون الانساني الذي نحيطه بهالة من المثالية هو نوعا ما غير مكتمل. فماذا نصنع آنذاك بهذا النصيب من الانسانية المتعين الملتحم بالجسم الذي تركه المبدأ الانسانوي، تقريبا، على حدود معنى الحياة. إنّ هذا السؤال النقدي يدخلنا في الحقبة الرابعة من تاريخ الفلسفة، حقبة  " التفكيك ". (46)

الجواب الرابع: مبدأ التفكيك

إنّ " نيتشة " يبيّن بصورة جلية مصادر ودواعي وحركية " حقبة التفكيك " في نصوص تظل أساسية لفهم الخيط الناظم لهذا التاريخ. " نيتشة " بالفعل هو من ابتكر فكرة التفكيك قبل " هيدغر " و " دريدا " بكثير. إنّه يريد على حد قوله أن " يتفلسف بالمطرقة " لتحطيم " الأوثان "، أي المثل العليا التي تحملها الأديان والميتافيزيقا الكلاسيكية، ولكن تحملها أيضا الأيديولوجيات " التقدمية " التي تدعي باسم العقل والاخلاق والتاريخ إخضاع الحياة لـ " قيم مثالية عليا " مزعومة – الشيوعية، الديمقراطية، حقوق الانسان، العدالة الاجتماعية، الخ. إنّ الأمر يتعلق بفتح السبيل لشكل مغاير تماما من المقاربة النقدية سوف يكون بوسعنا انطلاقا منه الكشف عن الحوافز الخفية لدى " المثاليين " من كل الآفاق: يكفي آنذاك أن نخلع قناعهم المتلبس بحكمة مزيفة لرفع المشروعية عن استدلالاتهم الأكثر صلابة في الظاهر، وذلك ببيان نواياهم المستترة. مع هذه الفلسفة المتوسلة بالمطرقة لا تتعلق المسألة بمناقشة صلاحية استنتاجات خصومها، بل بتحطيم هذه الاستنتاجات من الأصل والكشف عما تعبر عنه من تلاعب مزدوج ومتفاوت من حيث الوعي، وذلك من خلال نسف الأوهام التي تشكلها تلك الاستنتاجات وكأنّها على حد سواء ضروب من البهرج الكاذب. يقدّم " نيتشة " نفسه على أنّه في آن واحد وريث للأنوار وخصم لها، أو بتعبير أفضل على أنّه خصم لها لأنّه وريثها: إنّه ينتسب إلى هذا الروح النقدي الذي أخذه الموسوعيون من " ديكارت "، ولكنه يريد أن يدفعه حتى نتائجه القصوى، الأمر الذي يجعله يدير الروح النقدي ضد الأنوار ذاتها، المذنبة في أنّها توقفت في الطريق أثناء صراعها ضد الأوهام الميتافيزيقية؛ إذ لم تستطع الكشف عنها في الأوثان الجديدة التي أنشأتها الانسانوية. فيرى " نيتشة " في الاعتقاد في التقدم وفي فضائل العلم والديمقراطية وحقوق الانسان نفس القدر من السمات الدالة على دين بوسعه أن يكون دين خلاص دنيوي، ولكنه مع ذلك يظل دينا: إنّ تلك المثل شأنها في ذلك شأن المثل في كل دين، تزعم تبرير التضحية من أجلها وإدانة كل من يرفض الخضوع لها وتبرير فرضها على الجميع بصفتها المصدر المشروع الوحيد للمعنى بالنسبة للوجود الانساني. وباختصار: يُفترض أن تلك المثل تشكل حقيقة تعلو على الحياة، وأنّه لا بد للحياة أن تطمح إلى بلوغها، ولو أدى الأمر إلى أن تقمع في ذاتها كل ما يكون غير صالح للمشروع. إنّ هذا النفي للحياة باسم قيم يُفترض أنّها تتجاوز الحياة، هو بالضبط ما يحكم " نيتشة " بأنّه وهمي وخطر وشاذ: فهو وهمي؛ إذ يستحيل علينا في واقع الأمر ونحن في الحياة أن نحكم بشأنها " من الخارج "، وهو خطر؛ لأنّه يؤدي إلى إضعافنا، إلى إخماد قوانا الحية، وهو شاذ؛ لأن هذا الكبت لغرائزنا يحملنا على إعادة إيجادها خفية لإشباعها من خلال المظاهر الخادعة التي تبدو عليها أكثر الأخلاقيات نبلا. صحيح أنّ تقدم الأنوار والثورة الصناعية سيعلنان عن موت الاله وعلمنة المجتمعات الحديثة، وعن خيبة الأمل في العالم. ومع ذلك يكون من السذاجة تماما في رأي " نيتشة " أن نتصور أنّنا نكون قد أنهينا الأمر مع المثل التي تنفي العالم الواقعي؛ لأنه بعد الكوسموس وبعد الاله يتم إيجاد إنسان الانسانوية، بما هو سيد نفسه كما هو سيد الكون. إنّ إضفاء طابع مثالي على التاريخ، على الأقل بالنسبة إلى من يضيفون لبنتهم الصغيرة إلى صرح التقدم، يحل في رأي " نيتشة " محل الأديان التقليدية ويخلق من جديد توهّم معنى للحياة ومثل أعلى يتفانى في خدمته، وقضايا كبرى يضحي من أجلها. وهكذا عوّض الانسان الاله والكوسموس، ولكنه مع ذلك ظل مشدودا إلى المثل العليا. فبعد قتل الاله سيكون من الواجب قتل إنسان الانسانوية، ذلك الانسان المثالي في الأنوار، الخالي من اللاشعور، المغترّ بتوهم أنّه شفاف تماما مع نفسه. ذات مطلقة، موحدة، قادرة على أن تخضع لإرادتها الواعية الدوافع المتناقضة والقوى الحيوية أو الاجتماعية، بينما هو في حقيقة الأمر لا يعدو أن يكون نتاجها اللاإرادي بقدر كبير.

إنّ أعمق قيمة في الحياة، " ما وراء الخير والشر " هي قوّتها. لذلك تسعى فلسفة " نيتشة " كلها إلى هدف أقصى: وهو البحث عن توافق متناغم بين القوى الحيوية فينا، توافق لا بد أن يسمح لها بأن تنمو بأكثر ما يمكن من الفعالية، دون قمع بعضها أو تشويهه لمنح الأحقية للبعض الآخر. ذاك نموذج الفنان العبقري الذي تحمل أعماله بأعلى درجة من الثراء والقوة كل الموارد الكامنة فيه في توازن خاص به يفرض نفسه مباشرة دون التواء ولا برهان. من هذا المنظور سيقدم " نيتشة " من خلال مفارقة نادرة جوابا جديدا عن مسألة معنى الحياة ، بينما كان قد فند على وجه التحديد كل ادعاء لرسم مَثَل متعال. فحالما تُحطّم الأوثان، لن تبقى أي وجهة نظر مطلقة، خارجة عن الواقع أو متعالية عليه، يمكن انطلاقا منها الحكم بشأن القوى الحيوية وترتيبها هرميا. وعندئذ يمر الجواب عن مسألة الحياة الطيبة من خلال هذا الاهتمام غير الخارج هذه المرة عن المحايثة التي تظل مرسومة في مجال الحياة دون ادعاء لخلق أي قيمة تعلو عليها (أي الحياة) لإصدار أي حكم بشأنها وتشويهها. إنّ الأصل في هذا الفهم الجديد للحياة الطيبة يستقي قوته من خاصية اللذة، التي يلخصها " نيتشة " في العبارة الجميلة التالية: " كل لذة تطلب الأبدية ". فعندما نعرف لحظات قوة وحرية قصوى، عندما يكون المرء محبا إلى حد الجنون على أساس حب متبادل، أو حين يتوصل إلى إبداع عمل يكشف لنا عن جانب مجهول من العالم أو من التجربة الإنسانية، فإنّه يحس ما يسميه " نيتشة ": " خفة الراقص "، يحس شعورا بالتصالح مع الواقع يبلغ من القوة ما يجعله لا يتمالك عن رجاء استمرار تلك اللحظات إلى الأبد. إنّها لحظات توافق كامل مع الحاضر الذي يقيم فيه المرء آنذاك بلا احتراز ودون التفكير في الماضي ولا في المستقبل، بحيث لم تعد اللحظة الراهنة نسبية بالنظر إلى الذكريات والمشاريع، بل تصبح وكأنّها بذرة من الأبدية. ذاك هو العود الأبدي. وهنا ننجو من الحيرة أمام الموت، ونلامس الأبدية، وتزول الحيرة في تلك اللحظات من التصالح مع الحاضر. تلك هي رسالة " نيتشة " التي نقطع بها مرحلة جديدة في تاريخنا. إذ يقترح " نيتشة " من هنا فصاعدا سبيلا يمكّن من انبعاث شروط الحياة الطيبة في صلب الوجود الدنيوي بالذات. ها هي إذن القيم الخارجة عن الإنسانية والمتعالية عليها، وقد ألغيت نهائيا: ذاك هو عين المبدأ في فلسفات التفكيك، التي ستكون معادية لكل أشكال التعالي الماضية، سواء كانت كونية أو إلهية، أو حتى إن بقيت إنسانية. والتي ستحرّر أبعاد الوجود الإنساني التي حجبتها الإكراهات المثالية: ذلك أنّ الدوافع واللاشعور واللامعقول ستُعتبر عن وعي ومن بين أبعاد أخرى موضوع اكتشاف وتثمين. سيتم التكفل أخيرا بهذه " المواد البشرية " في كل تنوعها الذي سيسهم في تحديد الحياة الطيبة بما هي حياة قوية وحرة. فنكون في آن واحد قد تغلبنا على المبادئ المتعالية التي كانت تحدّد تقليديا معنى الحياة، وغرسنا مسألة المعنى هذه في كائن بشري أكثر التحاما بالجسد مما كان عليه يوما في ما مضى.

لقد تمكّن " نيتشة " بعد أن قام بتفكيك جذري لفكرة الحقيقة الموضوعية وللمبادئ الأخلاقية والمثل العليا من عرض فلسفة كاملة. فقد اكتشف " نيتشة " – انطلاقا من تفلسفه بالمطرقة وتفكيكه للمثل – سبيلا غير مسبوق لبناء فكر في المحاور الثلاثة المكونة لكل فلسفة كبرى (نظرية في المعرفة، وإتيقا ومذهبا في الخلاص).

فيما يخص نظرية المعرفة، كانت نظريته، هي بالتأكيد لا نظرية. إنّ لا نظرية المعرفة هذه التي تكوّن المسعى الجينالوجي، تكتسي وجهين: من جهة تقوم بنقد جذري لكل يقينياتنا، ناسفة على سبيل المثال القناعة بأنّ وعينا شفاف مع ذاته، وأنّ حقائق العلم الموضوعية تستحق أن نخضع لها لأنها فوق الأهواء الإنسانية، وبأنّ قيمنا الأخلاقية لا بد أن تفرض نفسها علينا لأنها كونية. ومن جهة أخرى تفتح (لا نظرية المعرفة) بعدا جديدا في المعرفة، يتمثل في سبر أعماق تمثلاتنا على نحو ما، لاكتشاف حوافزها الدفينة المرتبطة بدوافعنا واستراتيجياتنا اللاواعية المُعدّة لتبرير علاقتنا الحذرة بالحياة. لم يعد لجوهر الحقيقة والجوهر الأكثر حميمية للإنسان، بالنسبة لـ " نيتشة "، أي شيء كوني أو إلهي. هذا من جهة، ومن جهة أخرى لا تندرج نظرية المعرفة ضمن أصناف الرؤية. إنّها ليست تأملا أو مشهدا سلبيا كما كانت عند القدماء. وهي ليست محاولة لإيجاد روابط بين الأشياء بهدف إيجاد شكل جديد لنظام ولمعنى ، كما عند المحدثين. إنّها، على العكس، " تفكيك " سماه " نيتشة ": " علم الأنساب ".

أما فيما يخص الإتيقا: الكل يعرف، دون أن يكون قارئا جيدا لأعماله، أنّ " نيتشة " عرّف نفسه بـ " اللا أخلاقي " بامتياز، وأنّه لم يتوقف عن مهاجمة المحبة والعطف والغيرية بكل أشكالها، مسيحية كانت أم لا، وأنّه كان يحتقر فكرة " المثال "، وينتمي إلى أولئك الذين لا يهدأ غضبهم أمام الصيغ الأولى للعمل الخيري الحديث التي لا يرى فيها إلا أثرا معتلا للمسيحية، بل أنّه كان يستسيغ الكوارث. أليس ادعاء الكلام عن " أخلاق نيتشة " أمرا شاذا؟ وفي النهاية، ما الذي يستطيع أن يقدمه في هذا المجال؟ إنّ " نيتشة " يستبدل الأخلاق التقليدية بـ " لا أخلاق " بأخلاق " اللاأخلاقي "، وإذ يعلم هذا الأخير أنّه لا وجود لقيم كونية، نجده يسعى إلى تحقيق تناغم بين القوى الكامنة فيه ليبلغ على شاكلة الفنان شدّة قصوى في الحياة. إنّ جواب " نيتشة " على الصعيد الإيتيقي – (إذا ما استبعدنا نهائيا تأويل من يقدّمون لنا نيتشة على أنّه فوضوي، من أنصار مذهب اللذة، منظّر قبل الأوان لتحرّر الأجسام والجنس والحواس، ونظرنا إلى جوابه بالمعنى الأوسع للكلمة، بما أنّ الأمر يتعلق بالنسبة إليه بتحديد ما يمكن أن يجعل الحياة أفضل دون السقوط في أوهام المثل الأعلى أو القيم المتعالية) – إنّ هذا الجواب يقف على النقيض من الانسياق الجامح وراء تجاذب الأهواء. نموذجه الكبير هو ما يقدّمه الفن الكلاسيكي اليوناني، وحتى الفرنسي في ثناياه: تراتب القوى فينا، إن اقتضى الأمر تحت إشراف العقل الواضح. فبالتحكم في القوى وإيجاد تراتب بينها وبتنظيمها في داخلنا بحيث لا تقوّض ولا تشوّه بعضها البعض ولا تتناحر فيما بينها، سوف نحصل على أقصى حد من القوة، وبالتالي أعلى درجة من البهجة والشدّة، ونحس بحق إنّنا نحيا. وهذا ما يسميه " نيتشة " الاسلوب الكبير "، وهو أخلاق أو " لا أخلاق " قائمة على " التحكم في الذات " والعظمة و " الانتصار على العدو الداخلي ".

أما بالنسبة لمذهبه في الخلاص: يتخذ " نيتشة " مجددا عكس أشكال الحكمة الدينية والميتافيزيقية أو الإنسانية التقليدية (التي بلا استناء تحط في نظره من قيمة الحياة في محايثتها) ليفضل عليها حكمة مغايرة تماما: وهي حكمة " العود الأبدي "، حكمة حريصة على تمجيد قوة الحياة في الحاضر، كما هو واضح مما تقدم.

يمكن أن يقال عن فلسفة " نيتشة " ما كنا قلناه عن الفكر المسيحي، أي أنّها تمثل في ذات الوقت تقدما وتراجعا. فإذا نظرنا من زاوية المنطق الذي يحكم أنسنة مبادئ المعنى (وهو منطق يفترض في آن واحد تفكيكا للتعالي واعتبارا لأبعاد جديدة من الوجود الإنساني)، فإنّ الفلسفة الماسكة بالمطرقة لدى نيتشة تشكل تقدما ذا أهمية حقيقية وذا أفق يجعل من المحال أي رجوع إلى الوراء. غير أنّ ذلك يثير مشكلتين أساسيتين: فمن جهة يؤدي تفكيك الأخلاق بـ " نيتشة " إلى تقريظ الحرب ونقد الشفقة وما يمكن تسميته اليوم بـ " الاهتمام الإنساني "، ومن جهة أخرى إنّ نقده للحقيقة ينتهي بنا إلى نسبوية مطلقة يصبح تجذرها أمرا لا يطاق. فحين يُعلن أن  " لا وجود لوقائع بل ثمة مجرد تأويلات ". كيف نتبع هذا الرأي أمام الترهات التحريفية مثلا؟ إنّ الذين ينتسبون إلى فكره مضطرون بلا انقطاع إلى استعمال خطاب مزدوج، إذ يتم التسليم بوقائع يقينية تماما، مع الادعاء التام بأنّ الحقيقة المطلقة مجرد وهم، ويقع إصدار أحكام أخلاقية بشأن الناس جميعا وفيما يخص الجار، مع التصريح للتو بأنّ كل أخلاق عدمية، الخ. وباختصار يتم التلاعب على جميع الأصعدة، مما يثير الحنق في بعض الأحيان. (47)

 

رضا حسن الغرابي

........................

الهوامش

46 - لوك فيري، تعلّم الحياة، مصدر سابق، ص222-223. وانظر أيضا: لوك فيري، أجمل قصة في تاريخ الفلسفة، مصدر سابق، ص38-46، ص149-161، ص204 – 210.

47 – لوك فيري، تعلّم الحياة، مصدر سابق، ص238، ص263. وانظر أيضا: أجمل قصة في تاريخ الفلسفة، مصدر سابق، ص46-56، ص285-302.

 

raed jabarkhadomالاختلاف لا الخلاف، والتنوع والتعدد في الآراء والافكار، هو ما يميز الفلسفة والفكر الفلسفي عن غيره من أنماط التفكير، وهذا ما شكل طريقة تفكير الفيلسوف، وأدى الى تعدد الفلسفات وكثرة الفلاسفة وتنوع المناهج والمذاهب الفلسفية، وقد تعددت الخيارت الفلسفية لدى المتلقي، واصبح من حقه أن يختار ما يريد وما يرغب وما يرفض من أفكار وفلسفات، حسب حريته الفكرية والثقافية واختياره المعرفي، وهذه الحرية والاختيار المتواجد في التفكير الفلسفي تتسم بالمسؤولية والاقتناع الشخصي التام بما يتجه اليه الشخص من افكار وآراء ونظريات، وهو ايمان وقناعة وحرية لا تتاح الا في المجال الفلسفي والعلمي، بينما في انماط التفكير والمجالات الاخرى قد تكون السلطة اكثر ضغطاً وعنفاً ومركزية وهيمنة على الانسان، ولا تتيح له تعدد الخيارات وتمحيص الافكار ونقدها ورفضها، وليست هنالك مساحة من الحرية واتاحة الاحتمالات ومحاربة المسلمات والقضايا المطلقة ومحاولة اكتشاف صدقها من كذبها، هذا ببساطة ما جعل الفلسفة نظاماً معرفياً وفكرياً مغرياً للبعض، وعصياً ومرعباً للبعض الآخر، ومرفوضاً من قبل التقليديين من المتلقين، ومحاربة ومواجهة من يتبنى ذلك النمط الحر من التفكير على مر التاريخ، وقد دفع أتباع الفكر الحر والفكر الفلسفي تحديداً ضريبة كبيرة وتضحيات جسيمة جراء ذلك الواقع السيء وتلك الخصومة والعنف الفكري والنفسي والجسدي الذي تعرضوا له طوال التاريخ ولا يزال.

والفلسفة النيتروسوفية (Neutrosophic philosophy)، هي نمط معرفي وعلمي وفلسفي جديد، له خصوصيته وفاعليته وخصائصه، وهي تعني الفكر المحايد، والنيوتروسوفيا (Neutrosophy) كلمة مؤلفة من مقطعين Neutro الأول بمعنى محايد، والثاني Sophia  بمعنى حكمة، ومن ثم اصبح معنى الكلمة  معرفة الفكر المحايد، وهو فرع جديد للفلسفة التي تدرس أصل وطبيعة ومجال الحياد، بالإضافة إلى تفاعلاتهم بالأطياف التصورية المختلفة. وهي فلسفة جديدة تم طرحها من قبل فلورنتن سمايرنديكي (Florentin Smarandache)، العالم والمفكر والفيلسوف والاديب الروماني الامريكي(*). وتتبنى هذه الفلسفة المواقف المحايدة دائماً، والتي ترفض الثنائيات، وتؤمن بالابعاد المتعددة والمتنوعة للافكار والاراء والمواقف وقضايا العلم والفكر والفلسفة والحياة والمجتمع، والاختلاف في الاختلاف، ليعطي لنا رأياً جديداً، قد لا يكون موافقاً ولا رافضاً وانما رأياً ثالثاً ورابعاً وخامساً، وهي ايضاً كما يعبر عنها مؤسسها بأنها فلسفة في الفلسفة وفكر في الفكر، يحاكم جميع الآراء والافكار المطروحة، أبيضها وأسودها، وكذلك رماديها، ليقدم رؤية جديدة، وأحتمالاً آخراً يضاف الى سلسلة الحقائق، ويوسع من الحقيقة نفسها، ولا يقرنها ولا يحصرها بحدين فقط، بين حق وباطل، وخير وشر، وجمال وقبح، وصادق وكاذب، بل يوسع كل الدوائر ويبحث حتى في المستحيلات، فلا شيء يقف امامه، ولا يوجد مطلق في الفلسفة النيتروسوفية، حتى المطلق نفسه، فكل شيء يخضع لمنطق المعالجة والاحتمال والتعدد، وهذه الفلسفة وهذا المنهج والمنطق ما كان ليكون لمؤسسه لولا الجانب والفكر والتخصص العلمي الذي ينطلق منه في الدراسة والتحليل، وهي ليست فلسفة مادية كما قد يظن البعض من خلال منهجها العلمي والفلسفي، بل لها بعداً ميتافيزيقياً وسحرياً جميل، يجذب نحوها الكثير من المتلقين، لما تعطيه من مساحة وسعة في الطرح والتفكير والتحليل. وتناقش الآراء والافكار الدينية والصوفية والميتافيزيقية الى جانب الافكار العلمية والفلسفية والفيزيقية، فهي فلسفة ومنهج وطريقة جديدة في التفكير تضاف الى المناهج والفلسفات المتعددة. وقد وضع سمايرنديكي فلسفته النيتروسوفية في العديد من مؤلفاته العلمية والفلسفية والتي منها:

Neutrality and Many-Valued Logics.

Neutrosophic Dialogues.

Neutrosophy in Arabic Philosophy

(الفلسفة العربية من منظور نيتروسوفي) وقد أشترك معه في تأليفه الدكتور صلاح عثمان، أستاذ الفلسفة والعلم في جامعة المنوفية في مصر، وتم ترجمته من قبل الاخير عام 2007، ويتألف الكتاب من قسمين، حيث كتب القسم الاول منه سمايرنديكي والقسم الثاني كتبه صلاح عثمان. هذا بالاضافة الى العشرات من المؤلفات والكتابات والبحوث التي وضع سمايريرنديكي فيها فلسفته النيتروسوفية، تلك الفلسفة التي فيها من العلم والرياضيات والفلسفة والفن والادب، بتنوع العلوم والفنون.

وتمتاز طريقة التفكير حسب الفلسفة النيتروسوفية بالسمات الاتية :

1ـ تقترح قضايا، ومبادئ، وقوانين، ومناهج، وصيغ، وحركات فلسفية جديدة.

2ـ تميط اللثام عن نمط اللاتحديدية المكتنف لعالمنا.

3- تؤول غير القابل للتأويل.

4ـ تنظر – من زوايا مختلفة – في التصورات والأنساق القديمة، حيث توضح أن أية فكرة صادقة في نسق إسنادي معين يمكن أن تكون كاذبة في نسق آخر، والعكس بالعكس.

5-  تسعى إلى نشر السلام بين الأفكار المتحاربة، وإلى إيقاد نار الحرب بين الأفكار التي تعيش في سلام.

6ـ  تقيس مدى استقرار الأنساق غير المستقرة، ومدى عدم استقرار الأنساق المستقرة.

وبمثال تبسيطي نبين فيه طبيعة التفكير النيتروسوفي في قضية منطقية تم اقتباسها من الكتاب الذي أعتمدناه في كتابة هذا الموضوع، والذي هو:

لنفرض أن (أ) هي فكرة، أو قضية، نظرية، حدث، كيان ...، وأن (ليس أ) هي نفي (أ)، وأن (نقيض أ) هي مضاد (أ). ولنفرض أيضاً أن (حياد أ) تعني ما لا هو (أ) ولا (نقيض أ). أي أن الحيادية تقع فيما بين النهايتين . ولنفرض كذلك أن (أ ) هي نسخة من (أ). وعلى هذا النحو نجد أن (ليس أ) مختلفة عن (نقيض أ)، فعلى سبيل المثال:

إذا كانت (أ) = أبيض، فإن (نقيض أ) = أسود (تناقض الدلالة).

لكن (ليس أ) = أخضر ، أحمر ، أزرق، أصفر، أسود،...إلخ (أي لون فيما عدا الأبيض ).

بينما (حياد أ) = أخضر، أحمر، أزرق، أصفر، ... إلخ (أي لون فيما عدا الأبيض والأسود ) .

ولعل سائل يسأل ما هو الهدف من هذه الفلسفة وما جدواها، وما هي المرامي التي سعى من اجلها مؤسسها، والنقاط الآتية تبين جدوى تلك الفلسفة وهدفها الاساس وهي :

1ـ تهدف إلى بناء مجال موحد في الإنسانيات.

2ـ تستكشف الاختلافات بين: المفكرين ،المدارس، والحركات، والنظريات، والمبادئ الفلسفية؛ 3ـ تميط اللثام عن أنه ليس ثمة مدرسة فكرية أفضل من أخرى، وليس ثمة فيلسوف أعظم من آخر.

4ـ هي محاولة للتوفيق بين وجهات النظر الأبية والمسالمة.

5ـ تُوضح أن الصدق قد لا يكون منفصلاً عن الكذب.

6ـ إذا صرح فيلسوف ما بقضية معينة (ق)، حاول أن تفكر في عكسها، وأن تقارنها أيضاً بـ (حياد ق).

التفكير النيتروسوفي من ميدان العلم والفلسفة الى ميدان المجتمع والحياة

اشتغال المفكر سمايرنديكي في ميدان الرياضيات والعلم والفلسفة جعله يسعى للتوظيف بين هذه الحقول المعرفية، وأن يداخل ويمازج بين التخصصات، ليستفيد من خصائص وطريقة كل واحد منها ويمازجه مع الأخر، وهذا ما جعله رائداً في مجال فلسفة العلم، والاستفادة من العلم والفلسفة في مجالات مختلفة، وهذا التمازج بين الحقول المعرفية المختلفة هو الذي جعله مؤسساً لنمط جديد من التفكير، ومنطقاً ومنهجاً مغايراً للتفكير العلمي والفلسفي، ولكنه يقتبس منهما ويختلف عنهما في نفس الوقت، انها الفلسفة النيتروسوفية، او التفكير النيروسوفي، والمنطق النيتروسوفي، الابن الجديد للفلسفة والعلم والرياضيات، الذي لديه من الصفات والخصائص ما لدى الابن من آبائه وما يختلف عنهما في نفس الوقت.

فعلاً ان ما فعله سمايرنديكي انما هي ضربة فنان، انه يحترف الرسم والشعر والادب، الى جانب الرياضيات والعلم والفلسفة، وبالتالي تأسيسه لهذا النمط من التفكير ينم عن ذكاء وفطنة وموهبة، في توظيف كثير من الفنون والعلوم والمناهج، بمختلف معارفها ومناهجها ليؤسس لنا نمطاً اشبه بالفسيفساء الجميلة التي تحمل الكثير من التنوعات والاختلافات التي تجذب الكثير، وهذا النمط من التفكير يقوم اساساً على الاختلاف والتنوع ومتعدد الابعاد، لا ثنائي ولا ثلاثي، بل رباعي وخماسي وسداسي....الخ، نمط جديد من التفكير يغادر انماط التفكير الاحادية والمتفردة وذات الانساق المتصلبة والمنطق السكوني، ويؤمن بالحركة والامتداد والاحتمالية، نمط من التفكير متعاون مع الجميع، يأخذ ويعطي، ولا يعادي أحد، ولا يؤمن بالاقصاء والتهميش، فما أحرانا الى هكذا نمط جديد من التفكير نستعين به لمعالجة الكثير من قضايانا العلمية والعملية والحياتية والاجتماعية، وهذا فعلاً ما عمل على تطبيقه سمايرنديكي وسعى اليه جاهداً في فلسفته الجديدة، وهي محاولة نقل هذا النمط من التفكير من ميدان العلم والفلسفة الى ميدان الاجتماع والحياة والممارسة، ليمكن الاستفادة من صفات وخصائص هذه الطريقة من التفكير في حياتنا، لتسهم في ايماننا بذواتنا وايماننا بالآخر ايضاً، على درجة واحدة من الاهمية والضرورة، لنؤمن بأننا ذوات مختلفة في هذا العالم لا ذاتاً واحدة، لنؤمن بضرورة الاختلاف والتنوع كضرورة الاتفاق والانسجام بين الاشياء، فهذا هو منطق الحياة والتاريخ والوجود، منطق متعدد القيم والاحتمالات.

لقد اراد سمايرنديكي الاستفادة من هذا المنطق وطريقة التفكير تلك وتوظيفها في ميدان المجتمع والحياة، فاذا كانت تلك الطريقة قد اثبتت نجاحها وجدواها في مجال الرياضيات والعلوم والفلسفة، فما احوجنا لتطبيقها على المجتمع والواقع الذي نعيشه، وأن نكتسب صفات وخصائص ذلك التفكير، لأنه يؤمن بالآخر والمختلف، وهو يحرر الذات من عقدها ومن فزعها من الآخر، الذي لا ينسجم وما تصبو اليه الذات من تطابق وتوافق، وبالتالي قد يكون هذا المختلف وفق التفكير النيتروسوفي، شريكاً أو عضواً أو رقماً أو عنصراً في تكوين معادلة ما، أو قضية أو مسألة ما، من مسائل الحياة أو المجتمع او العالم الذي يجمعنا بمختلف تنوعاتنا واختلافاتنا وتوجهاتنا، وبالتالي سيكون لكل شخص أو جماعة أو مكون ما خصوصية وكينونة تحمل بصمته الخاصة به، كالتي للعناصر الكيمائية والفيزيائية والارقام والرموز الرياضية، وعند ذلك سيكون لكل موجود ولكل فرد في هذا العالم أثراً ووظيفة يؤديها، كل حسب بيئته ومحيطه ومجتمعه وظروفه الخاصة به، على أن لا تكون تلك الخصوصية والهوية والانتماء الذي يمتلكه الشخص عبئاً على الآخرين، وأن لا تكون أيديولوجية مطلقة وموجهة ومفروضة على الجميع، وانما يكون روح الحوار والنقاش والاقناع هو الوسيلة التي يؤمن بها الجميع، من دون قمع أو عنف أو اكراه، وهذا هو المنطق والتفكير الذي نحتاج اليه اليوم في ممارسة حياتنا، واستمرار وجودنا، وتحقيق أهدافنا الانسانية في هذا العالم.     

       

د. رائد جبار كاظم 

كاتب وباحث أكاديمي عراقي. أستاذ الفلسفة والفكر العربي المعاصر المساعد في الجامعة   

...................

 (*) الدكتور فلورينتين إسمرنديجي  Florentin Smarandache) ) (1954ـ ) أستاذ مشارك في الرياضيات في جامعة نيو مكسيكو في الولايات المتحدة الأمريكية، ومتخصص في الرياضيات والعلوم . وهو من اصول رومانية، وهو صاحب الفلسفة النيتروسوفية، وقد نشر أكثر من 75 كتاب و100 مقالة وملاحظات في الرياضيات والفيزياء والفلسفة وعلم النفس والأدب واللغز. بحث في الرياضيات في نظرية العدد والهندسة الغير إقليدية والهندسة الصناعية والتراكيب الجبرية والإحصائيات والمنطق النيوتروسوفي والمجموعة النيوتروسوفية والاحتمال النيوتروسوفي (تعميم الاحتمال الكلاسيكي والغامض). وكذلك قدم مساهمات صغيرة في الفيزياء النووية والذرية وفي اندماج المعلومات (نظرية ديزرت إسمرنديجي عن الحجج المعقولة والمتناقضة 2002) والفلسفة (النيوتروسوفي تعميم للجدل) وعلم النفس (قانون الأحاسيس والمحفّزات) وعلم الاجتماع (تناقضات اجتماعية) وعلم اللغة (تناقضات وترادفات سيمانطيقية).

في الأدب بدأ في 1980 حركة التناقضات، المستندة على الاستعمال المفرط للتناقضات والأضداد في التخليق. وفي الفنّ، في احتجاج ضد الفنّ العشوائي حيث اعتبر كل شيء فنًا، ناشد تهكميا للفنّ الخارجي الذي يعني عملا فنيا مقلوبا، وبمعنى آخر: لدراسة الفنّ بطريقة غير مفترضة، جعل الفنّ قبيحا وسخيفا وخاطئا بقدر الإمكان، وعموما مستحيلا بقدر الإمكان. وفي الفلسفة عمّم في 1995 الجدل إلى النيوتروسوفي الذي هو فرع جديد للفلسفة التي تدرس أصل وطبيعة ومجال الحياد، بالإضافة إلى تفاعلاتهم بالأطياف التصورية المختلفة. وتأخذ هذه النظرية بعين الاعتبار كلّ فكرة أو فكرة <س> سوية مع مضادها أو نقيضيها <معادي س> وطيف "الحياد" <حياد س> (يعنى الأفكار أوالأخيلة المستقرة بين النهايتين، غير المؤيدة ل <س> ولا ل<معادي س>). إن أفكار <حياد س> و<معادي س> معا تدعى باسم <غير س>. وطبقا لهذه النظرية تميل كلّ فكرة <س> إلى أن تكون محايدة ومتوازنة من قبل أفكار <معادي س> و<غير س> كحالة للتوازن. ولاسمرنديكي العشرات من المؤلفات والكتابات التي تؤسس لفلسفته وفكره ومنطقه النيتروسوفي، الذي يتشكل من مجموعة من العلوم والفلسفات والمناهج.

 

13 - فيما يلي سأعرض باختصار ما عرضه " فيري" بالتفصيل في مجموعة من كتبه حول الأجوبة الفلسفية الخمسة الكبرى عن سؤال الحياة الطيبة، ومن ضمنها إجابته.

الأجوبة الفلسفية الخمسة الكبرى

ثمة أسئلة متعددة تطرح نفسها هنا: لماذا تغيرت الفلسفات في مجرى التاريخ؟ كيف نفسر أنّه رغم كل شيء لا تنفك أقدم الفلسفات تخاطبنا؟ وفي ظل تعدد الفلسفات التي تدعي كل واحدة منها الحق، أو ليس يُنتظر إما أن يقود العقل إلى حل واحد مشروع، وإما أن يُنتج سلسلة متتالية من ضروب التقدم باتجاه أجوبة مرضية أكثر فأكثر، وذلك على شاكلة نموذج العلم؟ ولكن ألا يعني الافتراض الثاني أن تصبح فلسفات الماضي في نظرنا لا قيمة لها تذكر، مع أن الأمور لم تجر على هذا النحو؛ إذ ما زالت الانساق الفلسفية جميعها تخاطبنا؟ بما أن ثمة أجوبة متعددة عن مسألة الحياة الطيبة، أليس أعلى درجات الحكمة الاقتصار على الشك؟ ألا يقدّم تعدد الفلسفات على أرضية المثل الشائع " الحقيقة واحدة والخطأ وحده متعدد " حجة ذات وزن لفائدة الريبية؟ إذ لو اكتشف الفلاسفة الحقيقة لعلم بذلك الناس، أليس كذلك؟ ولما كانت هناك سوى فلسفة واحدة، كيف نجيب على هذا الاعتراض؟ كيف القبول بتعدد الفلسفات مع عدم الوقوع في فخ الريبية؟

الاجابة الاجمالية التي يمكن تقديمها هنا: إنّ تاريخ الفلسفة يشبه تاريخ الفن أكثر مما يشبه تاريخ العلم، ففي الأول يمكن أن نحب رؤى للعالم مختلفة تماما (الكلاسيكيين كما الرومانسيين، الفن القديم والفن الحديث على سبيل المثال)، وسنرى لماذا يكون الشأن نفسه بالنسبة إلى رؤى العالم الفلسفية الكبرى، وكيف أن الأجوبة الكبرى التي تقترحها في مسألة الحياة الطيبة هي كلها لا تزال بوجه ما إلى الآن " قابلة لأن نقيم فيها " نحن. (43)

الجواب الأول: تناغم الكوسموس

ظهر أول جواب منذ فجر العصر القديم اليوناني ثاويا في البدء في القصص الاسطورية. وفيما بعد استعيد هذا الجواب ونُقل وتمت علمنته (تخليصه من الآلهة) في خطاب مفهومي ومدعّم بحجج عقلية من قبل مفكرين كبار ينتمون إلى التقليد الفلسفي اليوناني (افلاطون، ارسطو، الرواقيون).

يقوم هذا الجواب على فكرة أساسية، وهي أنّ العالم ليس فوضى وعدم انتظام، بل هو على العكس متناغم تماما، وهو ما يطلق عليه اليونانيون اسم " الكوسموس " أو النظام الكوني، وبالتالي فهو عادل على الاطلاق، جميل وحسن، لكل كائن في صلبه منزلة محددة تتفق مع الدرجة التي يحتلها في التراتب الشامل بالنظر إلى صفاته الطبيعية.

الكون إذن، بالنسبة لـ " نظرية " الجواب الأول، وبعيدا عن الكوارث التي تُعتبر أحداثا عابرة ومؤقتة، متناسق في الأساس، وستترتب على هذا نتائج عظيمة على المستوى العملي (أي الأخلاقي والحقوقي والسياسي). لهذا السبب فإنّ الطبيعة الكاملة التناسق ستصلح، بشكل ما، أن تكون مثالا يحتذى للإنسان في سلوكه. بمعنى آخر: إذا سألنا: أيّ علم للأخلاق يتطابق مع " النظرية " التي وصفناها بإيجاز فيما تقدم؟ الجواب دون شك: التواصل والتلاؤم مع الكون، هذا هو سرّ كل عمل صحيح وعادل، والمبدأ الأساسي لكل أخلاق ولكل سياسة؛ لأنّ العدالة أولاً سداد الرأي: فكما أنّ الحرفي الماهر أو العوّاد يضع قطعة الخشب في مكانها المناسب ضمن مجموعة أوسع، فإنّه ليس من شيء أفضل نقوم به سوى أن نبذل جهدنا للتلاؤم مع النظام المتناسق والصحيح الذي بينته لنا " النظرية ".

لن تكتفي الفلسفة بـ " النظرية " ولا بـ " المبادئ الأخلاقية " التي يمكن استنتاجها من النظرية، والتي يجب أن يعمل بنو البشر بموجبها. بل أنّها ستمضي إلى غايتها القصوى، المتجسدة في البحث عن " الخلاص " أو " الحياة الطيبة ": تقضي الحياة الطيبة وفق هذا الجواب بإلغاء كل خوف مرتبط بالمحدودية أو بفكرة مرور الزمن والموت.

وهنا نرى في الأثناء كيف أنّ الجزء النظري من الفلسفة (الجزء الذي يهتم بالمعرفة) يهيئ للجزء العملي (أي الجزء الذي يرسم الأخلاق وسمات الحياة الطيبة). فكلما ازداد احساسنا بأنّنا نشارك في ألوهية التناغم الكوني السرمدي – وهو منبع كل قيمة حقيقية ومنتهاها – قلّ خوفنا من الموت، ذلك لاعتبارنا قطعة من هذا النظام السرمدي المسمى " الكوسموس "، وبحسب هذه الرؤية للعالم، لن يفقدنا الموت بالأساس إلا النصيب الأتفه من وجودنا الفردي، ولن يستطيع القضاء على ذلك البعد من حياتنا الذي يشترك في الروعة غير القابلة للزوال والمميزة لقوانين الكون. من هذا المنظور فإن الخطأ الأكبر الذي يمكن ارتكابه من قبل الانسان هو الافراط في تقدير أنفسنا أكثر مما نحن عليه، بحيث يخرجنا من المنزلة التي أسندت إلينا، بل يجعلنا على هذا النحو نهدد بالقطع مع التناغم الآلهي للكوسموس. والاساطير والمسرحيات المأساوية مليئة بالترميز إلى هذا المعنى ... وبوجه عام يكون المرء قد أعطى مبررا لحياته وجعل منها حياة طيبة وسعيدة حين يجد منزلته الخاصة ومكانه النوعي في النظام الكوني. من لا يظل في منزلته يتعرض تماما لافتقاد الرشد وللتيه في الخلط على اعتباره فردا، ويُدخل في آن واحد عدم التوازن في التناغم الكوني. هذا بالضبط ما يطلق عليه اليونانيون اسم " إبريس " وهو ذلك الافراط في الغرور وافتقاد الحكمة الذي يؤدي إلى الحياة القبيحة. تلك هي الفكرة التي ستسود العالم اليوناني، وتُلهم كل العالم القديم، عمليا حتى الثورة الفرنسية، وعلى كل حال حتى عصر النهضة .

والآن يبرز السؤال الآتي: ما الغاية القصوى من هذا الجواب الأول الكبير عن مسألة الحياة الطيبة؟

إن الماضي والمستقبل في نظر اليونانيين يبدوان وكأنّهما شران كبيران يُثقلان على الحياة البشرية، فالماضي يمنعنا من الإقامة في الحاضر، إما لأنّه كان سعيدا ويشدُّنا في شباك الحنين، وإما لأنه كان شقيا ويُغرقنا في ما يسميه سبينوزا بتعبير جميل " الأهواء الحزينة "، وفي ضروب الأسف والندم والخجل والشعور بالاثم التي تصرفنا عن الفعل وتلجم مبادراتنا وتضعف قدرتنا على اغتنام الوجود والعيش في اللحظة الراهنة. وعندئذ تساورنا الرغبة في الارتماء بين أحضان خيال وهمي آخر، متجه هذه المرة نحو المستقبل: وهو الأمل، بيد أنه لا يملك الأمل أن يقودنا إلا إلى الهلاك: إنه لا يزيف علاقتنا بالواقع الراهن فحسب، وإنما يُفرغه من قيمته المباشرة لفائدة تخمينات حول مستقبل غير مضمون. في نظر اليونانيين الحنين كما الأمل والماضي كما المستقبل، كلها إن هي إلا عدم؛ لأنّ الماضي زال والمستقبل لم يحن بعد، فلا يُمثلان إلا تقديرات خيالية تفقدنا البعد الواقعي الوحيد للزمن، وهو الحاضر، فنكاد لا نقيم فيه. وعلى حد تعبير " سينيك " – أحد الواقيين الكبار – فإننا من فرط العيش في الماضي او في المستقبل " تعوزنا الحياة " وهنا نلتقي بقولة هوراس الشهيرة: اقطف اليوم الحاضر دون أن تتلهى عنه بمشاعر الغم على الآتي من الأيام أو الحنين إلى الماضي ... حين يلتحق كائن بشري بـ " مكانه الطبيعي " ، ويستعيد منزلته في التناغم الكوني، حينها فحسب يحس (وهذا بداية الحكمة) أنّه قطعة من الكوسموس، وبالتالي قطعة من الخلود [وسيعلم أنّ هذا الوصف، أي أنّه قطعة من الكوسموس ومن الخلود، هو وصف ثابت له في كل لحظة من لحظات حياته] ومنذ تلك اللحظة لا يكون الموت سوى عبور وانتقال من حالة إلى أخرى [لأنّ الموت – كما ذكرنا فيما تقدم – لن يفقدنا بالأساس إلا النصيب الأتفه من وجودنا الفردي، ولن يستطيع القضاء على ذلك البعد من حياتنا الذي يشترك في الروعة غير القابلة للزوال والمميزة لقوانين الكون]. الحكيم الذي يفهم هذا المعنى قادر على التغلب على كل ضروب الخوف بدءا بالخوف من الموت وتبعا لذلك لا شيء يمنعه الآن لا من [التصالح مع هو موجود في العالم أو تقبل العالم كما هو في أي لحظة من لحظات حياته] ولا من الإقامة في الحاضر بنفس مطمئنة. إنّ الرهان الروحي الذي يسعى المرء لكسبه من خلال التمرن على تنقية نفسه من التعلق الثقيل بالماضي والمستقبل واضح إذن، ويقضي بقهر المخاوف المرتبطة بمفهوم المحدودية. هناك لحظات نعمة في الحياة، هنيهات نشعر خلالها أنّنا متصالحون مع العالم. كمثل نزهة في غابة أو غروب شمس أو حالة عشق أو شعور هادئ وبهيج بعد أداء عمل جيد أو أخيرا كحالة صفاء ذهني تأتي أحيانا بعد لحظة إبداع عظيمة، لا فرق. على كل حال عندما يصبح التطابق بيننا وبين العالم المحيط بنا كاملا، عندما يحصل الوفاق من تلقاء نفسه دون إكراه، أي في حالة تناغم كامل، يبدو لنا فجأة وكأنّ الزمن قد اختفى تاركا مكانه لحاضر مستمر، لحاضر ذي كثافة لا يمكن معها لأي شيء من الماضي أو المستقبل أن يفسدها. إنّ العمل على جعل الحياة بأكملها مشابهة للحظات كهذه هو، في العمق، المثل الأعلى للحكمة، وفي هذه النقطة نلامس شيئا من قبيل الخلاص، بمعنى أن لا شيء يمكنه تعكير السكينة التي يولدها محو المخاوف المرتبطة بأبعاد الزمن الأخرى. عندما يتوصل الحكيم إلى هذه الدرجة من تفتح الذهن فإنّه يستطيع العيش " كإله " في أبدية اللحظة التي لا يقلل منها شيء، وفي سعادة لا يفسدها أيّ قلق. هكذا ندرك أنّنا هنا نمسك بإجابة رائعة عن مسألة الحياة الطيبة تدعونا إلى تجنب فخاخ الماضي والمستقبل، وإلى الاقامة في الحاضر، كما تدعونا إلى التغلب بهذا الشكل على الخوف من الموت. (44)

الجواب الثاني: المبدأ المسيحي

على المستوى النظري: كفّ الإلهي عن التماهي مع النظام الكوني وتجسّد في شخص المسيح، فالعقل الذي عرفنا كيفية اختلاطه، حسب الجواب الأول، بالمنظومة اللاشخصية والمتناغمة والإلهية للكون بأكمله، سيتماهى عند المسيحيين مع شخص فريد هو المسيح. على الرغم من اعتبار اليونانيين لذلك فضيحة، فإنّ المؤمنين الجدد أعلنوا أنّ العقل، أي ما هو إلهي، لا يتساوى أبدا، كما يدعي الجواب الأول، مع النظام المتناغم للعالم كماهو، بل تجسد في كائن استثنائي هو المسيح. ليس الإلهي فقط هو من يتغير هنا بالكامل ليصير كائنا مشخصنا، بل أيضا النظر، أو إذا أردت، طريقة تأمل هذا الكائن وفهمه والتقرب منه. على وفق هذا الجواب لم يعد العقل الملكة النظرية المثالية، بل الإيمان. مما سيدفع الدين للتنطح، وبكل قواه، لمجابهة العقلانية التي كانت قلب الفلسفة، ثم إنزال الفلسفة ذاتها عن عرشها.

ستبلور المسيحية – مستندة إلى هذه " النظرية " الجديدة التي تستند هي أيضا إلى مفهوم لا سابق له للإلهي وللإيمان – أخلاقا تختلف جذريا مع العالم اليوناني حول العديد من الموضوعات الحاسمة. أول هذه الموضوعات: حرية الاختيار (حرية الفكر) أصبحت أساس الأخلاق، وفكرة المساواة في الكرامة لكل بني البشر ظهرت لأول مرة. مع المسيحية خرجنا من العالم الارستقراطي لندخل في " عالم الجدارة " أي في العالم الذي سيعطي قبل كل شيء القيمة ليس للمزايا الطبيعية المعطاة منذ البداية، بل للجدارة التي سيتحلى بها كل واحد لدى استعمالها. الانقلاب الثاني مرتبط مباشرة بالأول: وهو يقضي بالتسليم، على المستوى الأخلاقي، بأنّ الروح أهم من الحرف، وبأنّ الميدان الداخلي أهم من التطبيق الحرفي لقانون المدينة الذي يبقى قانونا خارجيا. المقطع من الانجيل الذي يصلح نموذجا هو المقطع المعروف حيث يدافع المسيح عن المرأة الزانية التي كان الكل متحضرا لرجمها تطبيقا للقانون، فقد اتخذ المسيح موقفا مغايرا خرج به من دائرة " العقلاء " الذين لا يفكرون إلا بالتطبيق الحرفي والآلي للقانون. لقد خاطب ضميرهم بما معناه: في عمق ذاتكم هل أنتم متأكدون من أن ما تقومون به جيد؟ وإذا تفحصتم أنفسكم هل ستجدونها أفضل من هذه المرأة التي قد تكون زنت بسبب الحب؟ من منكم بلا خطيئة فليضربها إذن بأول حجر. التجديد الثالث: ظهور الفكرة الحديثة للإنسانية، التي اتخذت مع انتشار المسيحية بعدا جديدا؛ إذ أنّها اكتسبت بحكم استنادها إلى المساواة في الكرامة بين كل بني البشر، دلالة أخلاقية لم تكن تملكها سابقا. فمنذ أن وضع الفكر الحر في أساس العمل الأخلاقي، ومنذ أن صارت الفضيلة تكمن ليس في المواهب الطبيعية الموزعة دون مساواة، بل في اختيارنا لكيفية استخدامها، متمتعين بحرية كلنا متساوون فيها، صار من المفروغ من أن يكون كل الناس متساوين، على الأقل من وجهة النظر الأخلاقية؛ لأن من الثابت أنّ المواهب الطبيعية تبقى دائما موزعة بشكل لا متساو، لكن في العمق لا أهمية لذلك على المستوى الأخلاقي.

في مسألة الخلاص جدّدت المسيحية بطريقة غير مسبوقة، موجهة بذلك ضربة قاضية للفلسفة: ففي الوقت الذي كان الجواب الأول يصوّر الموت وكأنّه عبور من حالة شخصية إلى حالة لا شخصية، أو كأنّه انتقال من وضع الفرد الواعي إلى وضع الجزء الكوني اللاواعي، لم تتردد الفكرة المسيحية عن الخلاص في أن تعدنا أخيرا وقطعيا بالخلود الشخصي. إنّ الخلود الذي يعدنا به الجواب الأول لا ينقذ شيئا من تجربتنا الشخصية؛ فهو يذيبنا في نظام وواقع خارجين عنا تماما ولسنا فيهما سوى قطعة. هذا هو أحد دواعي بروز إجابة جديدة قائمة على الدين المسيحي، وهو ما مكّن هذا الدين من الاتساع والحلول محل النموذج اليوناني الروماني؛ فبينما الفلسفة اليونانية لا تترك للأمل سوى خلود جزئي جدا، لا واع، أعمى، يذيب الفرد في نظام كوني لا شخصي أسمى من البشر. فإنّ العقيدة المسيحية على العكس من ذلك، تأخذ على عاتقها فكرة البعث " جسدا وروحا " للأفراد في تفردهم، بحيث ستكون نجاتنا على اعتبارنا أشخاصا، وليس بصفتنا مجرد قطع. فلم نعد فتات نظام كوني خفي، بل فرديات مخصوصة يجعلها خالدة حب الآله. ما يحقق لنا الخلاص في نظر المسيحية لنا هو إله له سلفا – إن أمكن القول – وجه إنساني؛ لأنه إله شخصي. ثمة سلفا حركية مضاعفة في الأنسنة بالنسبة إلى الجواب المسيحي: نوعا ما أنسنة للالهي وتأليه للإنساني (وهنا تجدر الاشارة إلى أن مايسميه اليونانيون بـ " الالهي " هو بكل بساطة، الكوسموس، النظام السرمدي للكون، فالآلهة اليونانية – وبالذات الجيل الأول – ليست على وجه الدقة أشخاصا، فهي قلما تكون مفردة لأنها وقبل كل شيء قطع من الكوسموس وقوى في الكون، جايا = الأرض، أورانوس = السماء، بنتوس = السيول، بوسيدون = البحار، التارتار = باطن الأرض ... وهكذا)

إنّ الجواب المسيحي هو في ذات الوقت أكثر إنسانية من جواب اليونانيين، لأنه مشخص أكثر، وهو في آن واحد أقل إنسانية، بمعنى أنّ العقل اليوناني يُزاح جزئيا لصالح الوحي والإيمان. إن الجواب المسيحي بهذا المعنى يسجل تقدما من جهة وتأخرا من جهة أخرى (التقدم والتأخر هنا مأخوذان بمعنى محدد عند " فيري "، فالتقدم إنما يكون كلما كان الجواب عن الحياة الطيبة أقرب إلى التجربة الانسانية ومستندا إلى العقل، وعلى العكس من ذلك يكون التأخر بابتعاد الجواب عن التجربة الانسانية وإخضاع العقل لسلطة أعلى) فالتقدم يتمثل في أنّ المبادئ التي تقوم عليها تصورات الحياة الطيبة بينما كانت في الجواب الأول خارجة عن الإنسانية ومتعالية عليها، أصبحت تقترب أكثر فأكثر من التجربة المعاشة، وتستوعب أبعادا متزايدة باستمرار من التجربة الإنسانية. أما التأخر فيتمثل في أنّ ما يتضمنه الجواب الثاني من خضوع العقل للايمان يمكن أن يبدو تراجعا بالنظر إلى استقلالية العقل التي كان الفلاسفة اليونانيون صانعيها الكبار. بهذا المعنى تسجل المسيحية تراجعا بالنسبة للعقلية اليونانية، فهي تُلجم حرية التفكير النقدي وتُبقينا على الاعتقاد في حقيقة منزلة، ملغزة بالأساس، ولا بد أن تظل كذلك. وبتعبير آخر: لا يستطيع العقل أن يحل محل الوعي.

ليست فكرة الخلاص الشخصي – رغم أنها مرضية كثيرا قياسا بما نحن فيه، بحسب الجواب الأول: لسنا سوى قطع أو فتات نظام كوني خفي – هي التي مكنت المسيحية من أن تغيّر الفكرة التي تتصورها الانسانية عن ذاتها تغييرا ذا أهمية، ولكنها بالأحرى ستحقق ذلك بتغيير فهم التجربة الانسانية. فمن جهة اعتبار أنّ البشر لهم نفس القدر من الكرامة قائما على قدرتهم على إظهار إرادة طيبة باستعمال حريتهم في الاختيار، هذا الاعتبار يعطي الجميع نفس الامكان في تحقيق الذات على نحو كامل من حيث هم بشر. ومن جهة أخرى هذه الأولوية التي تحظى بها الارادة الطيبة إذ تفتح السبيل إلى خلاص شخصي، تستلزم تبخيس التقيّد الحرفي بالشعائر والأوامر لفائدة التوافق التلقائي لحوافزنا وأفعالنا مع روح القانون. بفلسفة الحب ستقطع المسيحية مع التراتب المعقول اليوناني ومع التقليد اليهودي الذي يسند دورا مهيمنا للقانون. في هذه النقطة يستعين " فيري " بتحليل " هيجل " لما يسمى " عظة الجبل " (إنها تبين فيم الحب في أقصى الحالات هو أهم من القانون، وكيف لا يقضي على القانون في شيء، بل يمكّن من تحقيقه أو بتعبير أفضل من الالتزام به وإعطائه معنى لا يتوفر عليه بغير الحب) حيث يبين هيجل أنّ ذلك القطع مع العالمين اليهودي واليوناني يتضح عند الوقوف على رؤية حادثة الطوفان من قبل اليونان واليهود: اكتشف الناس بعد حادثة الطوفان أنّ عداوة الطبيعة يمكن أن تتحول الى كارثة وتصبح قاتلة، وسوف تعتبر هذه العداوة من قبل اليونانيين ظرفية فحسب، بحيث سيعود التناغم الكوني بعد الحادثة مباشرة، ويمكن من جديد استخلاص القانون من نظام الكون الذي ينبغي على المدينة العادلة والعدل أن يحاكيا تناغمه الكامل (بحسب هذا التأويل خرجت البشرية من الانشقاق والتمزق، ولم تعد منفصلة عن المطلق، عن الالهي). وعلى العكس من ذلك – بحسب اليهود – لن يتم التصالح أبدا مع الطبيعة، بل لا بد من الهيمنة عليها لحماية أنفسنا، بحيث سيكون القانون مضادا للطبيعة (الموجودة فينا كما الخارجة عنا) يفرض نفسه بالقوة عليها في شكل واجب إلزامي. سيستعان للهيمنة على الطبيعة بالخضوع للإله، بواسطته يصبح الانسان " سيدا ومالكا للطبيعة ". ومن هنا ظلت اليهودية – بتعبير هيجل – حبيسة القطيعة والتمزق، حيث يستحيل التصالح مع الإلهي إلا بالخضوع المطلق والأعمى له، هذا من جهة، ومن جهة أخرى يكون التناغم مع الطبيعة ضربا من اللامعقول. أما المسيح فسيقترح سبيلا آخر: توافقا بين الطبيعة (النوازع الطبيعية) والقانون، ولكن على نحو مختلف جذريا عما سلكه اليونانيون. المسيح لا يريد البتة تغيير القانون، ولكنه يعني أنّ مجرد العمل الحرفي بالقانون لا يكفي مع ذلك للدخول في ملكوت السماوات. وبتعبير آخر: لا يدعونا المسيح إلى العمل أقل من القانون بل أكثر: ينبغي إضافة الروح إلى حرفية الفعل. فاتباع القانون حتى أشد ما يكون لا قيمة له بتاتا إن لم يكن فيه إحساسا بالقلب. هذا " التحقيق " للقانون، الذي هو " تجاوز " أيضا، سيسمح به الحب الذي نستمده من الاله. الحب وحده سيعطي هذا النفس، ويسمح بتحقيق القانون مع الالتزام بروحه، والعمل به على نحو مغاير لمجرد طاعة " العقل العملي ".

هذه النظرة السريعة لعقيدة الخلاص في العهد المسيحي ولامتداداتها لم تخل من تناقضات رهيبة، فمن جهة أن المسيحية أضفت معنى جديدا بالخلاص الشخصي وفهم التجربة الانسانية، ولكنها سرعان ما قامت في صلب الكنيسة والمجتمعات التي أصبحت فيها المرجعية المركزية بإعادة إنشاء نظام تراتبي وقواعد قسرية وصورية تعبدية أقل ما يقال فيها أن اتساقها مع الرسالة الانجيلية ليس بالأمر البديهي. ثم إن الفلسفات التي نمت على أساس المسيحية فضلت لمدة طويلة – كما بينا – استخدام جديد للفلسفات القديمة كان مفعوله إعادة إدخال مقدار معين من المبادئ الأرسطية وإضفاء القداسة على القانون الطبيعي. والحق – وكما يقول هيجل – فإنّ جانبا من أطرف ما يوجد في الرسالة المسيحية لم يلق تحقيقا مقنعا بالفعل إلا متأخرا وفي إطار فلسفات إنسانوية أو ما بعد إنسانوية مستقلة تماما عن الدين. إذن مضى كل شيء وكأن المسيحية، من زاوية فلسفية على كل حال، ظلت لمدة طويلة ممزقة بين انشداد الماضي الذي ألغته وبين مستقبل يكون فيه تأثيرها بارزا بقدر ما يصبح طي النسيان أنّها كانت الأصل فيه. ذاك بالتحديد ما يؤدي بنا إلى الحقبة الموالية، وهي حقبة الانسانوية. (45)

 

...............

الهوامش:

43 - لوك فيري، أجمل قصة في تاريخ الفلسفة، مصدر سابق، ص21-23.

44 - لوك فيري، تعلّم الحياة، مصدر سابق، ص54-66، ص88-90. وانظر أيضا: أجمل قصة في تاريخ الفلسفة، مصدر سابق، 23-31.

45 – لوك فيري، تعلّم الحياة، مصدر سابق: ص100-127. وانظر أيضا: أجمل قصة في تاريخ الفلسفة، مصدر سابق، ص31-37 و ص126–145.

 

 

(كان القرن العشرون قد بدأ بإعلان "موت الفلسفة" وقد انتهى بالتحقق من "عودتها". مع التراجع، كان تشخيص الوفاة مبكرا؛ ذلك أنّه ما دام الانسان سيتساءل عن قدره ووجهته فإن الفلسفة ستجد مكانها في الفكر الإنساني ... الفلسفة أبدية وخالدة، لكن الفلسفات بنات عصرهن. فقد انطرحت دائما المسائل المتعلقة بالمعرفة والحقيقة والعمل والأخلاق والسياسة وفن العيش الخ، لكنها تتخذ في عصرنا وجها محدّدا بدقة) (1)

هدف هذه المقالة هو إثارة النقاش حول موضوع الأخلاق في العصر الجديد، الذي يمثّل أحد الموضوعات الكبرى التي تشغل بال الفلاسفة المعاصرين، من خلال عرض الرؤية الفلسفية للفيلسوف الفرنسي المعاصر " لوك فيري "، التي يقدم لنا فيها " الحب " على أنّه المبدأ الجديد للأخلاق والمعنى، والتي هي واحدة من النظرات والرؤى المتعددة في هذا المجال: (" مبدأ المسؤولية " لهانس جوناس، " اخلاق التواصل " لكارل أوتو آبل وجورجن هابرماس، " أخلاق الكمون " لروبير مسراحي ومارسيل كونش وأندريه كومت سبونفيل، " دوائر العدالة " لمايكل والرز، ...، الخ).

في كل فلسفة حق، أو كما يقول " جان فال ": " ليس ثمة رأي لا يوجد فيه شيء من الثراء ". (2) وهكذا هو حال الرؤية الأخلاقية لـ " فيري ": فعلى الرغم من أنّها تنتمي إلى ما يُطلق عليه حاليا " مذاهب أخلاق المحايثة " الحريصة على البقاء في ميدان عالمنا ذاته، والرافضة لكل ما يتعالى عليه، وهو أمر لا يستقيم مع ما نعتقد به كمسلمين، لا تخلو هذه الرؤية – فيما نرى – من العديد من الأفكار المفيدة كما هو الحال في تأكيدها على " الحاجة الفطرية للتعالي " والتدليل عليها، وكذلك في تأكيدها على " أهمية الدين ودوره في بناء الأخلاق " وأيضا في افكارها التي تكشف عن " تنااقضات التفكيك " وترفض " التنازل لصالح العدمية ".

فيما يأتي من النقاط عرض مختصر لفلسفة الأخلاق والمعنى عند " فيري ":

1 – تأتي محاولة " فيري " مع العديد من المحاولات الأخرى في سياق ما يشار إليه على أنّه عودة للفلسفة الأخلاقية، بعد أن كان هجرها قسم كبير من المفكرين في فترة ما بين الحربين العالميتين. (3) إذ (تود نهاية هذا القرن، ليس دون تباه أحيانا، أن تتعين تحت الرعاية الملاطفة لـ " عودة الأخلاقية "، وكما بتناقض غريب مع الجو السائد فإن خطاب القيم يُعلن عن نفسه في كل مكان: في انبعاث المنظمات الإحسانية، في المعارك ضد العنصرية والإقصاء، في متطلبات أدبيات أكثر صرامة بالنسبة لوسائل الاعلام والاتصال، في تخليق الحياة الاقتصادية والسياسية، في الانشغال بالبيئة، في صعود سلطة القضاة، في الأخلاقية البيولوجية، في الصراع من أجل حماية الأقليات ضد التحرش الجنسي ... إنّ اللائحة لا تنتهي عن هذه الأوامر المطلقة الجديدة التي قد يمكنها فيما يبدو أن تجعل فكرة انشغال جديد ومعمم من أجل الخير مقبولة). (4) كل شيء اليوم يبدو أنّه يُعلن العودة للفلسفة الأخلاقية النظرية، كل شيء يجري كما لو أنّ السنوات الراهنة كانت سني تجدّد أخلاقي [ أو كما يعبّر " فيري ": كل شيء يتم كما لوكان الشعور بالمقدس رغم " موت الله " لا يزال قائما. (5) ]، أجل إنّ الأخلاق النظرية تحتل " المنزلة الأولى " على مستوى الفكر العالمي، وإنّ الطلب الأخلاقي يبدو أنه ينمو نموا لا محدودا. (6)

2 – لم ينتج انبعاث الفلسفة الأخلاقية من عودة النظام الأخلاقي بل نتج عن ظواهر اجتماعية أخرى كثيرة، مثل: إفلاس المعنى، غروب شمس الأيديولوجيات والمثاليات، الوعي بالمشاكل التي ولّدّها تزايد السيطرة على الطبيعة، ظهور تقانات جديدة محدِثة زيادة قاسية في قدرات الانسان، فقدان الثقة في أفق العلم، زوال حظوة السياسي وازدهار الفردانية، التقلبات التي شهدتها العائلة، حق التدخل في البلدان التي تعيش حروبا أهلية، الانجاب الصناعي، التعديلات الجينية، الدفاع عن البيئة و... الخ

يقول " فيري " في بيان العوامل التي أدت إلى انبعاث فلسفة الأخلاق ما نصه: (إنّ الفلسفة تولّد اهتماما متزايدا، وربما الأمل في العثور على علامات ومعنى لوجودنا، وذلك في عالم متأزم حيث يبدو أن منطق المنافسة الخاص بالعولمة ينتشر على نحو أعمى، دون أن يستطيع أحد تغيير مساره، لا رؤساء أقوى الدول ولا أرباب الشركات المتعددة الجنسيات. فالرغبة في الافلات من هذا الاحساس بضياع مصيرنا من أيدينا تتعاظم بقدر ما أنّ المثل التقليدية والسير الكبرى – الروحية والوطنية أو الثورية – التي كانت تستلهم لتوجيه حياتنا افتقدت على نحو واسع قوتها في الاقناع حيال واقع لم يعد لها تقريبا أي نفوذ عليه. ومنذ اللحظة التي لم نعد فيها نؤمن بتلك المثل والسير إيمانا كافيا، فإنه لم يبق لنا من اختيار سوى البحث عن سبيل للنجاة، اللهم إلا إذا انسقنا راضين بنوع من الغيظ المتسم بالحنين. ترى ما الذي يجعل الحياة في أعيننا تستحق أن تعاش رغما عن الموت، ويبرّر أن نصرف فيها أهم جهودنا؟ لا عجب البتة إنّ كان هذا السياق يساعد على بروز قدر جديد من من الاهتمام بالفكر الفلسفي ... الذي ثبُت أننا ما نزال بحاجة إليه لإضفاء معنى على حياتنا؛ فالعلم – رغم خصوبته – لا يخبرنا أي ضرب من الحقيقة نستطيع بلوغه، ولا يكفي لإضفاء مشروعية على قيمنا الأخلاقية، بل لا يروي تعطشنا إلى الظفر بإجابة عن تساؤلاتنا عما ينبغي أن تكون عليه حياتنا، حياة طيبة لنا نحن البشر الفانون، حياة كفيلة بإنقاذ وجودنا من السخف الذي به يتهددنا قصر وجودنا وجوازه (فضلا عن انّه هو نفسه أصبح موضع تهديد؛ فالعلم لأول مرة في تاريخه، يقدّم للجنس البشري وسائل دماره بالذات، وهذا يصدق بالطبع ليس على الأخطار الحاصلة داخل المجتمعات الحديثة جراء الاستعمال الصناعي للتكنولوجيات الجديدة، ولكن على الأخطار الناجمة عن استعمالها من قبل الإرهابيين). والإجابة عن هذا التحدي بالوسائل الانسانية الصرف التي يوفرها التفكير العقلي إنما هي تحديدأ موضوع الفلسفة الأقصى). (7)

ومما تجدر الإشارة إليه أنّه على الرغم من أنّ العديد من الظواهر الاجتماعية التي أدت إلى إنبعاث فلسفة الأخلاق في الغرب، هي ظواهر عالمية لا تنحصر تأثيراتها على المجتمعات الغربية فقط، بل تمتد إلى المجتمعات الأخرى، نرى أنّ " فلسفة الأخلاق " غير مطروحة بالشكل المطلوب في أجواء المثقفين في المجتمعات الإسلامية.

يُرجع البعض سبب ذلك إلى أنّ أفراد المجتمعات الإسلامية، سواء على مستوى عامة الناس أو على مستوى النخبة من أهل الفكر والثقافة، يعيشون أمرا موهوما وهو أنّنا نملك قيما أخلاقية عالمية، وبالتالي لا حاجة بنا إلى البحث في العلوم الأخلاقية، نحن نشعر دائما أنّنا بحاجة إلى طرح مسائل اقتصادية، ونشعر أنّنا بحاجة إلى طرح بحوث سياسية؛ لأننا نتصور أنّنا متخلفون واقعا في الجانب الاقتصادي والسياسي، ولكننا لا نشعر أبدا أنّنا متخلفون أيضا في الجانب الأخلاقي. وبما أنّنا لا نشعر بهذا الشعور فالمسائل الاقتصادية والسياسية ستتصدر سلّم الأولوية في دراساتنا. وأما المسائل الأخلاقية فتأتي بالدرجة الثانية على مستوى الأولويات، في حين أنّ الإنحطاط الأخلاقي والتخلف المعنوي ليسا بأقل من التخلف السياسي أو الاقتصادي في مجتمعاتنا. (8)

لا أعلم حقا لِم يربط الكلام السابق بين تراجع البحث في الفلسفة الأخلاقية – والذي هو على الدوام بحث نخبوي – وبين ما يعتقده عامة الناس؟ فمن الناحية المعرفية لا يرتبط البحث الفلسفي لا من بعيد ولا من قريب بمعتقدات عامة الناس، فلهذا البحث أصول ومصادر ليس منها، بالتأكيد، هذه المعتقدات، اللهم إلا ما كان منها على مستوى البداهة. نعم، من نواحي أخرى غير معرفية، إذا كان ذلك هو المقصود، ربما يكون لما يعتقده الناس تأثير على البحث الفلسفي. هذا من جهة، ومن جهة أخرى: حتى لو كانت جميع النخب الفكرية تؤمن بأنّنا نمتلك قيما كونية، فإنّ ذلك لا يبرّر غياب فلسفة الأخلاق عن أجواء هذه النخب. نعم قد يبرّر ذلك غيابها عن أجواء النخب التي لا تؤمن بالفلسفة. ولكن ماذا عن النخب الفلسفية، التي تؤمن بأهمية الفلسفة ودورها الإيجابي، والتي من طبيعتها أنّها لا تؤمن بشيء من خارج الفلسفة من دون أن تدعّم إيمانها بذلك الشيء من خلال الفلسفة؟ لماذا لا تظهر فلسفة الأخلاق، بالشكل المناسب، في أجواء هذه النخب؟

ما نراه: هناك العديد من الأسباب، لا يسعنا المجال لبحثها هنا، تقف وراء جمود التفكير الفلسفي بشكل عام في مجتمعاتنا الإسلامية: إنّ جميع البحوث الفلسفية ليست متداولة في محافلنا الفكرية بشكل عميق، وهذا الأمر لا يختص بـ " فلسفة الأخلاق "، فكما لا توجد دراسات وبحوث عميقة ترتبط بـ " فلسفة الأخلاق " فكذلك لا توجد مثل هذه الدراسات العميقة في مجال " فلسفة الذهن "، " المعرفة "، " فلسفة علم المعرفة "، " فلسفة العلم "، " فلسفة الفن "، " فلسفة المنطق "، فهذه البحوث والدراسات تكاد تنعدم في مجمل أوساطنا العلمية. (9)

3 – تشير " جاكلين روس " في مدخل كتابها " الفكر الأخلاقي المعاصر إلى " مفارقة أولية "، تتمثل في أنّ الأخلاق النظرية المعاصرة ضرورية وإشكالية: (إنّه مطلب أحجية: فعندما يكبر طلب الأخلاق النظرية، وعندما تتكاثر النظرات الأخلاقية والأوامر العتيدة من كل جانب، وفي كل مجال، لا يستطيع المراقب الفطن، إلا أن يشير، مع ذلك، إلى المفارقة التي تلازم مجتمعاتنا، مجتمعات " ما بعد الحداثة " (تلك التي تفرغ المسارد الشمولية الكبرى). إنّ الأخلاق النظرية، وهي محل طلب في كل مكان، تغرس بمشقة معاييرها وقيمها في أرض هي أساسها ومسوغها. بل إنّها تبدو أحيانا مما يتعذر العثور عليه. فمن " كارل – أوتو آبل " إلى " بول ريكور "، ثمة مفارقة يُعنى بها عدد جم من المفكرين: إنّ زماننا الشغوف بصنع النظريات الأخلاقية يحيا، مع ذلك، في ظل أخلاق نظرية إشكالية في الغالب ... والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: إذا كنا من جهة أولى بحاجة إلى أخلاق نظرية، ومن جهة أخرى، تبدو مهمة تحديد أساس لأخلاق نظرية لما بعد الحداثة، تبدو أحيانا أنّها مهمة يائسة، وأنّ المعايير الأصلية ترتسم في الأفق بعسر. فكيف، من ناحية أخرى، يمكن أن يكون الأمر على غير هذا المنوال؟ إنّ مهمة التأسيس تبدو بطبعها ذاته أقسى غرض لعصرنا. فإذا كان التأسيس يعني أن نجلب للأشياء المعطاة هنا – الآن مبدأ معقولية، ومسوغا، تحديدا، بصورة صحيحة أو كلية، للحقل النظري أو العملي، فكيف ننهض بمثل هذا المشروع ، وكيف نرقى لنبلغ فكر التأسيس الأخلاقي النظري؟ ) (10)

لقد أِشار " فيري " إلى " الثغرة الفاغرة بين الطلب الأخلاقي النظري والعمل التأسيسي "، وحاول علاجها، وتقليص المسافة بين الحاجة والبناء المبتغى من خلال " تفكيك التفكيك " وفضح مساوئه؛ لأنّه يعتقد إنّ التفكيك هو المسؤول الأول عن هذا الوضع. ولذلك ولكي تسير الأمور على غير هذا المنوال، كان لا بد من تجاوز التفكيك، أو بمعنى أدق كان لا بد من تجاوز مساوئ التفكيك، دون التضحية بمكتسباته. سيتبين لنا مما سيأتي لاحقا: كيف أن " فيري " وإن كان لا يُنكر أنّ تفكيك معبودات علم ما وراء الطبيعة كشف من الأشياء ما لا يمكننا عدم أخذها في الحسبان. بحيث لا يبدو لنا، ولا من الممكن ولا من المرغوب فيه، أن نعود إلى الوراء: " لا يمكننا التفكير في ما بعد التفكيك كما كنا نفكر قبله ". إلا أنّه مع ذلك يرى أنّ ثمة مخاطرة كبيرة تكمن في متابعة التفكيك وعدم تجاوزه.

السؤال الذي يمكن أن يثار هنا هو الآتي: إذا كان يصدق على " الأخلاق النظرية المعاصرة " في الغرب إنّها ضرورية وإشكالية في نفس الوقت. فهل إذا صدق على " الأخلاق النظرية المعاصرة " في مجتمعاتنا الإسلامية، على ألأقل من وجهة نظر النخب الفلسفية، أنّها ضرورية، سيصدق عليها أيضا أنّها إشكالية؟ هل ستبدو لنخبنا الفلسفية أنّ مهمة تحديد أساس لأخلاق نظرية هي مهمة يائسة؟

ما يمكن قوله هنا: إنّ مهمة تحديد أساس لأخلاق نظرية ستبدو للنخب الفلسفية في مجتمعاتنا الإسلامية أكثر يسرا مما هي عليه لدى النخب الفلسفية في الغرب. ذلك أنّ معظم النخب الفلسفية في المجتمعات الإسلامية لا تعيش أزمات نفسية وعقد فكرية في مسألة " المقدس "، فما دام يمكنها من الناحية المعرفية إدراج " المقدس " أو أيّ مفهوم له علاقة به " في أطروحاتها الفكرية، طالما كان ذلك من طريق الاستدلال العقلي الحر، فإنّها لن تتحاشى التصريح بذلك والانتصار له، وبهذا فإنّها لن تعاني أزمة في الأخلاق النظرية أو قل أنّها لن تعيش في " الفراغ الأخلاقي النظري "؛ إنّها لا تحصر نفسها في مساحة ضيقة. أما النخب الفلسفية في الغرب فإنّها وإن كانت تعلم أنّها يمكنها من الناحية المعرفية إدراج " المقدس " وكل ما له علاقة به في إطروحاتها إلا أنّ قليلا من تلك النخب سيجازف بإعلان ذلك والدفاع عنه، ذلك أنّها تعلم أنّ ذلك سيكون مدعاة للسخرية. هذه هي الأجواء التي تحيط بالنخب الفلسفية في الغرب، إنّها أجواء " التفكيك ": فـ (منذ نيتشة وحتى الفلاسفة الفرنسيين في الستينات من القرن العشرين، كانت الفلسفة معظمها تفكيكا للفلسفة المثالية الألمانية وللفلسفة الذاتية كما وضعها " ديكارت " وطوّرها فيما بعد " لا يبنيز " و" هيجل " وربما " ماركس ". إنّها إعادة نظر في الطابع الديني للأنساق الكبرى، لكل ما يسمى " الأوهام الميتافيزيقية "). (11) لقد بات (الفكر الغربي يغرق في العدمية، التي تعني، بوجه الدقة، إنّ كل المرجعيات أو معايير الإلزام تتبدد، وإنّ القيم العليا تخسر قيمتها. العدمية تدل على الظاهرة الروحية المرتبطة بموت الإله والمثل فوق الحسية. ومن هذه العدمية يتولد " الفراغ الأخلاقي النظري " ... إنّ الأخلاق النظرية في الغرب تجد ذاتها اليوم مزعزعة من حيث منطلق ممارستها ذاته. فالأمر الأساسي (الأسس) يعوزها اليوم. (12)

4 – رغم نقده للتفكيك، يقدّم لنا " فيري " فلسفته على أنّها تمتثل للمعايير التي تواضع الفكر الغربي الحديث على مراعاتها: على الفلسفة أن تصل إلى غاياتها من خلال استقلالية العقل وحدة الوعي، بالوسائل المتاحة وحدها – إن صح القول – وبفضل القدرات وحدها التي يمتلكها الكائن البشري بنفسه. (13) إنّ الحضارة الأوربية - بحسب " فيري " –: هي بؤرة تنصهر فيها ثقافة هائلة، قائمة على الاستقلالية، ستطبع العلوم والفنون والفلسفة، وكذلك السياسة والعادات: إنّها ستتحرر تدريجيا من كل الصيغ التقليدية والدغمائية التي يتخذها التعالي. وبهذا تتوفر الحضارة الغربية على ما هو فريد وريادي ورائع. (14)

وفي وصف جوابه الفلسفي عن سؤال الأخلاق والمعنى، يقول " فيري ": يفتح لنا الحب على كل حال تجربة ما نسميه مع " هوسرل ": " التعالي في محايثة الحياة ": أي أنّه يعطي بعدا مقدسا للمعيش ذاته، دون التردي مع ذلك في الأوهام الميتافيزيقية التقليدية التي فضحتها فلسفات التفكيك. (15) فهو جواب قادر في آن واحد على الاحتفاظ بمكتسبات التفكيك وتجاوز تناقضاته (16) بمعنى آخر: يبيّن " فيري ": إنّ جوابه الفلسفي وإن كان قد تجاوز " التفكيك " الذي يقف بالضد من كل أنواع التعالي والتقديس إلا أنّ ذلك لم يكن على حساب الامتثال لمعايير الفكر الغربي الحديث الملتزم بالاستدلال العقلي والمتحرّر من كل الصيغ الدغمائية التي يتخذها التعالي.

5 – تنتمي الرؤية الأخلاقية لـ " فيري "، والتي ترتكز في الأساس على مفهوم " التعالي في المحايثة " إلى ما يطلق عليه اليوم: " مذاهب أخلاق المحايثة "، التي تدل على طائفة من النظريات القيمية المعقلنة، على مذاهب ما وراء الأخلاق، الحريصة على البقاء في ميدان عالمنا ذاته. وعندئذ تجد القيم أنّها مؤكدة، لا بالانطلاق من مرجعية مثل أعلى كلي، وليس من بعض " ما وراء العالم "، بل في قلب ما هو معطى لنا هنا الآن. (17)

إنّ " التعالي في المحايثة " – بحسب فيري – لون من التعالي يختلف عن التعالي الذي كان القدماء يسخرونه لوصف " الكوسموس " أي الكون، (إذ أنّ الالهي عند اليونانيين، باختلافه عن إله المسيحيين، ليس كائنا من خارج العالم، بل هو إذا جاز القول تنظيمه بالذات بما أنه كامل. إنّ كلمة " سام " تُفهم هنا بالنسبة للانسانية. إنّها تدل على واقع يتجاوز البشر دون أن يكون في مكان خارج العالم. إنّ السمو ليس في السماء بل فوق الأرض). وهو يختلف أيضا عن مفهوم التعالي الذي ينطبق على إله الديانات التوحيدية الكبيرة (إذ إنّه يشير ببساطة إلى واقع أنّ " الكائن الأسمى " قائم، بعكس الإلهي عند اليونانيين، أبعد من العالم المخلوق من قِبَله، أي أنّه في ذات الوقت خارجي ومتفوق بالنسبة للخليقة جمعاء. الأمر هنا يتعلق بسمو لا يحدد مكانه بالنسبة للانسانية فقط، مثلما هو الحال عند اليونانيين، بل أيضا بالنسبة للعالم نفسه باعتباره مخلوقا يخضع وجوده لكائن خارجي بالنسبة له). إنّ " التعالي في المحايثة " ليس معبودا جديدا أو اختراعا من علماء ما وراء الطبيعة أو من المؤمنين، وهو ليس خرافة " أبعد من " ما قد يستخدم للحط من من قدر الواقع باسم المثال، بل إنّه فعل وإثبات فعل وبعد لا شك فيه من الوجود الانساني المدون في قلب الواقع نفسه. إنّه تعال يظهر في داخلي في فكري وفي احساسي، وبرغم تموضعه في ذاتي (محايثة أو ملازمة) كل شيء يحدث وكأنه يفرض نفسه على ذاتيتي أو كأنّه قادم من مكان آخر. من أجل هذا، لا يمكن لهذا التعالي أن يسقط تحت ضربات الانتقادات الكلاسيكية الصادرة ضد المعبودات من قبل الماديين أو من مختلف دعاة التفكيك، إنّه بهذا المعنى ليس ما ورائيا، بل " ما بعد نيتشويا ". وببساطة أكبر – كما يعبّر " فيري " -: نحن لا نخترع لا حقائق رياضية، ولا جمال مؤلف ما ولا ضرورات أخلاقية، وكما يقال، " إنّنا نقع في الحب " أكثر من أن نقرّر ذلك بخيار متعمد. إنّ سمو القيم في هذا المعنى، واقعي جدا، لكنه معطى في هذه المرة في تجربة محسوسة جدا وليس في خرافة ما ورائية أو على شكل معبود كـ " الله " أو " الجنة " أو " الجمهورية " أو " الاشتراكية "، الخ. إنّ بإمكاننا أن نجعل منه " ظواهرية "، أي وصفا بسيطا ينطلق من الشعور الملّح بضرورة ما، ومن وعي استحالة التفكير أو الإحساس بشكل مغاير: إنّ " 2 + 2 = 4 "، وهذا ليس مسألة ذوق أو اختيار ذاتي، إنّه مفروض عليّ وكأنّه آت من الخارج، بيد أنّ هذا السمو حاضر في داخلي حتى يكاد أن يكون ملموسا. إنّ القيم الأخلاقية من وجهة النظر هذه، وببساطة، ليست مفروضة علينا باسم حجج سلطوية ولا مستنتجة من خرافة ما ورائية أو دينية ما. طبعا، إنّنا نكتشف ولا نخترع حقيقة اختراع رياضي كما أنّنا لا نخترع جمال المحيط أو شرعية حقوق الإنسان. ورغم ذلك، فإنّ هذا ينكشف في داخلنا وليس في أيّ مكان آخر. إذ لم تعد هناك سماءُ أفكار ما ورائية ولم يعد هناك إله، أو على الأقل، لم نعد ملزمين بالإيمان به لكي نقبل فكرة وجودنا أمام قيم تتجاوزنا رغم أنّها غير مرئية في أيّ مكان غير أعماق وعيي الذاتي. (18)

6 – الحاجة إلى (المتعالي) هي الحاجة التي جبل عليها الشعور الانساني الأكثر عمقا. (19) ولهذا – والتعبير لأريك فروم –: تجد أنّ الانسان الذي يحاول أن يعيش دون اعتقاد (لايربط فروم الاعتقاد بدين معين ولا بفكرة إله محدد بقدر ما يعتبره خاصية إنسانية جد مهمة، يمكن أن تتمظهر في أشكال أخرى) يصبح عقيما، دون أمل وخائفا في عمق وجوده. (20) يؤكد " فيري " هذا المعنى باستمرار، وهو يشير إلى أن هذه الحاجة المتجذرة في الانسان هي التي تدفعه باستمرار إلى أن يسدها بأشكال مختلفة، وإذا كنا في الوقت الحاضر نرى أنّ تلك الأشكال مبتذلة، فهذا لا يلغي أنّ الحاجة إلى التعالي ما زالت قائمة. يتساءل " فيري ": (هل يمكن لأخلاقياتنا الخالية من كل تعال أن تعوض هذا الاختفاء للالهي؟ وهل ينبغي لها أن تفعل ذلك؟ وهل يمكن لحجب الحكمة القديمة أن يكون أساسيا إلى درجة أنّ المسألة الجوهرية المتعلقة بمعنى الحياة قد صارت ببساطة لاغية وغير ذات موضوع؟ وهل لا خيار لنا حقيقة إلا بين أديان مكونة والعلاجات النفسية؟ أو الشجاعة بالنسبة لمن يرفض هذه وتلك؟ فالأولى تقدم خدماتها عن طيب خاطر، وتعود، كما على طريقة التهريب، بمناسبة أدنى حداد. أما الثانية، فهي تبيع لنا مساعيها الحميدة وتعلمنا كيف نتقنه في ستة مراحل وبمساعدة العقاقير المحركة. فهل لا فائدة في أمل التركيز على نمط آخر تحت طلب المعنى الذي يفرض نفسه علينا في هذه اللحظات المقدسة؟ إنّه قد يكون من الأفضل، على الأقل، التأكد من ذلك بأنفسنا بدل الهرب من التساؤلات التي تلاحقنا، سيما وأنّ حياتنا العاطفية قد سارت منذ ما يقرب من القرنين من الزمان في اتجاه طائش). (21)

يبين لنا " فيري ": إنّ الحاجة إلى التعالي هي التي تفسر لنا كيف أن عشرات، بل مئات الملايين من الناس قد اعتنقوا الماركسية بكل قواهم، فلقد كانت الماركسية حتى في صيغها الأكثر دنيوية تتضمن فكرة " ما وراء " للحياة الحاضرة، بل أكثر من ذلك، كانت تتصور هذا الماوراء بكيفية لاهوتية ... لقد كانت تمنح دلالة شاملة لمشروع نضالي يقوم على التضحية بالذات باسم قضية، إذا كان من المفروض أنّها مادية، فإنّها مع ذلك متعالية. ورغم إلحاد مبدئي فلقد عرفت الماركسية كيف تمفصل هذا التعالي المطلق للمثل الأعلى على المحايثة الجذرية للدنيوي، فالمناضل كان يعمل من أجل المستقبل، من أجل الأجيال المقبلة، من أجل مجئ المجتمع الكامل، الجنة الأرضية، ولكن هذا التطلع إلى الماوراء كان يتجسد في سلسلة الممارسات الملموسة التي كانت تزعم منح دلالة معينة لأدنى تفاصيل الحياة الأرضية. (22)

7 – هل ثمة حدود واضحة المعالم يمكن ترسيمها بين فلسفتي الأخلاق والمعنى؟

يشدّد " فيري " على أنّ وظيفة الحياة الأخلاقية تنحصر في توفير قواعد تجعل العلاقات الانسانية ممكنة، مدنية ومسالمة. ولا علاقة لها بما يثوي حقا في في صميم المعنى الذي نضفيه على حياتنا، والذي يندرج تحت دائرة القيم الروحية. ومن هنا هو يوصي بضرورة عدم الخلط بين ما ينتمي إلى دائرة القيم الروحية، وما ينتمي إلى دائرة القيم الاخلاقية. يحاجج " فيري " كالآتي: لنفترض أننا نعيش حياة أخلاقية: لا حروب، ولا جرائم قتل، ولا أشكال من الإبادة الجماعية، ولا خوف من وقائع الاغتصاب والسرقة، فيُستغنى عن الجيوش وعن فرق الأمن والسجون ، ومن المحتمل أن يُقضى على اللا مساواة الاجتماعية، أو على الأقل على أكثرها فظاعة . هنا بالذات ستدركون في الحين الفارق بين القيم الاخلاقية والقيم الروحية. فحتى مع تحول هذا الافتراض الاسطوري إلى واقع، فإنّه سوف يصيبكم الهرم، وتفنون لا محالة، ولن يحول ذلك أيضا بينكم وبين معاناة محنة الحداد المرعبة أثر وفاة أحد الأحباء أو فراق شخص عزيز عليكم. فلو شهدت البشرية تحولا خارقا للعادة نتيجة هذا " السحر الأخلاقي " لما منع ذلك في شيء وفاة من نحبهم، ولما دفع عنا الموت، ولا قصص الحب ذات النهاية البائسة، ولما حال ببساطة بيننا وبين القلق الناجم عن حياة يومية في غاية الرتابة. وتلك موضوعات مفعمة مع ذلك بقدر هائل من الانفعالات والقيم. إنّ هذه القيم بعينها – يقول " فيري " –: هي التي أنعتها بـ " الروحية " أو " الوجودية " لأنّها تمس مباشرة مسألة الحياة الطيبة بالنسبة للبشر الفانين. ومن هنا يتبين أنّ الحب ينتمي إلى دائرة " القيم الروحية". (23)

ما يعدّه " فيري " تمييزا بين دائرتي القيم الأخلاقية والقيم الروحية. يراه آخرون تمييزا بين دائرتين من القيم الأخلاقية، فليس ثمة شيء مما ينتمي إلى دائرة القيم الروحية بخارج عن القيم الأخلاقية. وغاية ما في الأمر: إنّ للحياة الأخلاقية ثلاث وظائف وبإمكانها أن تتوافر على ثلاثة أنواع من النتائج والمعطيات: أولها: توفير الغايات الاجتماعية، ومنها (النظم، الأمن، الرفاه، العدالة، الحرية). وثانيها: توفير الغايات النفسانية، ومنها (السكينة، البهجة، رضا الباطن، إيجاد معنى للحياة). وثالثها: إيجاد تحول روحي لدى الانسان. وهؤلاء يشككون في إمكانية أن تتحقق الغايات الاجتماعية لمن يعيش الحياة الأخلاقية، بدون أن يكون لذلك أي أثر في توافره على الغايات النفسانية، وبالتالي إيجاد تحول روحاني لديه. (24)

ويبدو لنا عند التأمل في ما كتب في فلسفتي الأخلاق والمعنى، ومنها ما كتبه " فيري " نفسه، أنّ هاتين الفلسفتين متداخلتان إلى حد، يكون معه، من المتعذر حقا ترسيم حدود واضحة المعالم بينهما.

8 – ما الغاية من الفلسفة؟ وما هو موضع " الأخلاق " و" المعنى " من تلك الغاية؟

لم يكن " فيري " مقتنعا بالرؤية التي تذهب إلى أنّ نظرة في آفاق تاريخ الفكر الفلسفي تسمح بالتعرّف على ثلاث " وضعيات أو مواقف " تعايشت دائما على مرّ الزمن (تنظر الأولى إلى الفلسفة على أنّها " تفكير نقدي "، وتعزو لها الثانية " طموح إيجاد الحقيقة النهائية "، أما الثالثة " فترى أنّ هدف الفلسفة هو تعليم كيفية العيش الحسن ")؛ فليس هناك سوى وضعية قصوى للفلسفة على مر التاريخ، رغم الاختلافات الظاهرية بين الفلسفات المختلفة. ترى ما الحياة الطيبة بالنسبة إلى بني الانسان المعرضين للفناء؟ تلك هي المسألة القصوى في كل الفلسفات الكبرى؛ إذ ولا واحدة منها غضّت الطرف عن هذه المسألة، وهي جميعا قدمت أجوبة كبرى وقوية. (25)

يبيّن " فيري " بهذا الصدد: (لتبديد سوء فهم محتمل، نقول: تنقسم الفلسفة بكل بداهة إلى مجالات متعددة: المعرفة (ما الحقيقة؟)، الأخلاق والسياسية (ما العدل؟)، مسألة معايير الجمال، مسألة الخلاص (ما الحياة الطيبة؟). وهناك العديد من الموضوعات الأخرى. ومن الواضح أنّ بعض الفلاسفة لم يعالجوا في حياتهم إلا موضوعا واحدا من هذه الموضوعات، فميكافيلي قصر اهتمامه على السياسة، ولم يعترض أحد على انتمائه لتاريخ الفلسفة. الفكرة الأساسية هنا: إنّ مسألة الحياة الطيبة بالنسبة إلى البشر الفانين، هي المسألة القصوى في الفلسفة، تلك التي تحكم في السر بدرجات متفاوتة سائر المسائل: فإذا كان سبينوزا والرواقيون – مثلا – يصوغون نظريات في الفلسفة " تقول بمذهب الحتمية "، فذلك للوصول في النهاية إلى تعريف للحكمة بما هي توافق مع العالم وحب للواقع. إنّ هذا التساؤل حول الحكمة نجده في كل الرؤى الفلسفية الكبرى التي تتسم بالكلية والشمول، ذلك بلا استثناء على الاطلاق وحتى لدى الفلاسفة الأكثر معارضة للفكر القائل بمثل أعلى، بل حتى لدى كبار التفكيكيين أمثال " نيتشة أوهيدغر "، كذلك نرى هذا جيدا لدى اسبينوزا؛ إذ يعدنا بأنّه إذا اتبعناه في السبيل الذي يفتحه كتابه الكبير " الإتيقا " فسنصل إلى " خلود من البهجة ". غاية الفلسفة إذن ليست نظرية فحسب، أي ليس الوصول إلى الحقيقة فحسب، بل هي أيضا أن نحيا جيدا (وبديهي أنّ الوسيلة للحياة الجيدة لا بد من الانطلاق من الحقيقة). وعلى هذا النحو تثبت الفلسفة ذاتها في ما أسميه " الروحانية اللائكية ". إنّه لأمر بسيط وعميق للغاية في آن واحد أنّنا في حاجة لإضفاء معنى على حياتنا – وحتى اسبينوزا وشوبنهاور يقولان هذا صراحة – فيكون معنى صالحا بعيدا عن المتغيرات الطارئة التي تفرض نفسها علينا، معنى لا يقوضه الموت كليا. والفلسفة إنما تأخذ على عاتقها تحديد الشروط والوسائل الكفيلة بإيجاد هذا المعنى بواسطة الموارد البشرية وحدها، وبالتالي بواسطة مواردنا نحن تماما، تلك المتمثلة بالعقل وحدة الذهن دون المرور بالآله والايمان. وبذلك ستبدو الفلسفة على المدى الطويل لتاريخ الفكر الأوربي هي المنافسة الكبرى للأديان). (26)

على أن نشير هنا إلى أنّ " فيري " ينبه إلى أنّه: حتى لو كان البحث عن الخلاص بدون الله في صلب أية فلسفة كبيرة، إذا اقترضنا أنّ هذا هو هدفها الأساسي والأخير، فإنّ من المفروغ منه أنّ هذا لا يمكن أن يحصل دون المرور بتفكير معمق حول فهم ما هو موجود – وهذا ما يسمى عادة بـ " النظرية " – وكذلك ما يجب أن يكون أو ما يجب فعله – والذي يشار إليه عادة تحت اسم الأخلاق أو " المبادئ الأخلاقية "، وبعبارات أخرى – يوضح فيري -: إنّ معادلة " الموت + الوعي بأنّنا فانون " تشكل مزيجا يحمل في طياته بذرة كل التساؤلات الفلسفية. فالفيلسوف هو ذاك الذي يعتقد أنّنا لسنا هنا لنتسلى كسيّاح ، أو بالأحرى، هو الذي حتى إذا وصلت به الأمور إلى الاعتقاد، على عكس ما قلته سابقا، بأنّ وقت التسلية وحده جدير بأن يُعاش، فذلك هو نتيجة فكر، وتفكير، وليس ردة فعل عفوية. هذا يفرض المرور بثلاث مراحل: مرحلة " النظرية "، مرحلة " الأخلاق "، ثم مرحلة اكتشاف " الخلاص " أو " الحكمة ". بحسب هذا الفهم تقضي المهمة الأولى للفيلسوف ، أي النظرية، أن يكتسب الحد الأدنى من معرفة العالم الذي سنقضي فيه حياتنا، ولكن ليس بدون التساؤل عن " الوسائل " الموجودة في متناولنا لكي نعرف. هاتان المسألتان، مسألة طبيعة العالم، ومسألة أدوات المعرفة المتوفرة لبني البشر، تشكلان، إذن، جوهر القسم النظري من الفلسفة. إنّما ومن المسلّم به أنّه يتوجب علينا هكذا، علاوة على معرفة العالم والتاريخ الذي تتموضع فيه حياتنا، الاهتمام بسائر الآدميين أولئك الذين سيشاركوننا في لعبة الحياة، كيف نعيش مع الآخرين، ما هي قواعد اللعبة التي يجب اعتمادها، كيف نتصرف بطريقة عادلة مع الآخرين؟ هذه مسألة القسم الثاني من الفلسفة، الذي ينتمي لـدائرة " الأخلاق ". لكن لماذا بذل الجهد لمعرفة العالم وتاريخه، لماذا بذل الجهد حتى للعيش بوئام مع الآخرين؟ ما هي غاية أو معنى كل هذه الجهود؟ بالأحرى، هل يجب أن يكون لهذا معنى؟ كل هذه الأسئلة وغيرها من نفس المجال تقودنا إلى دائرة الفلسفة، تلك التي تلامس المسألة النهائية لـ " لخلاص " أو " الحكمة ". (27)

ربما يسأل البعض: إذا كان " فيري " يرى أنّ على الفيلسوف أن يبني فكرا في المحاور الثلاثة (النظرية، الأخلاق، الخلاص)، فهل فعل " فيري " ذلك، أم أنّ جهده الفلسفي استهدف محورا من هذه المحاور دون غيرها؟

" فيلسوف الخلاص " هو اللقب الذي يطلقه البعض على " فيري "؛ لأنّ فيري يعطي لمسألة " الخلاص " المساحة الأكبر من فلسفته، تماشيا مع ما يعتقد به من أنّها تمثّل المسألة القصوى للفلسفة، دون أن يعني ذلك أنّه يُهمل المسائل الفلسفية الأخرى، فأعماله – وكما سيتضح لاحقا – غطت المسائل الفلسفية الأساسية برمتها (النظرية، الأخلاق، الخلاص).

9 – ما طبيعة العلاقة بين الدين والفلسفة؟

بحسب " فيري ": تتصارع الفلسفة مع الدين في تقديم رؤى توضح لنا من خلالها طبيعة العالم، وكيف نعيش مع اللآخرين، وترسم لنا معنى للحياة. فبينما تستعين الأديان، في فعل ذلك، بشكل أساسي بـ " الإيمان " الذي يتطلب التمتع بفضيلة التواضع التي تتعارض في نظرتها مع غطرسة وغرور الفلسفة. تستعين الفلسفة " بقوانا الذاتية وبنعمة العقل وحده ". هنا تكمن بامتياز، على الأقل من وجهة النظر الدينية، الغطرسة الفلسفية، وجرأة لا تطاق يمكن ملاحظتها لدى الفلاسفة على امتداد التاريخ.

يُفضّل " فيري " كفيلسوف الفلسفة على الدين، لسببين - في رأيه – بالغي الأهمية ويشكلان دون ريب أصل الفلسفة: الأول: إنّ ما تعدنا به الأديان أجمل من أن يكون حقيقة. والثاني: صعوبة التوفيق بين الصورة التي يقدّمها الدين عن الله وبين التكرار الذي لا يطاق للمجازر والمآسي التي تنوء الإنسانية بحملها. وينتهي الأمر – كما يوضح فيري - بأن يشك الفيلسوف بأن الأجوبة التي يقدمها الدين في هذا المجال لا تكفي، وبالتالي إلى التفكير بأنّ الإيمان بالله، الذي يأتي بشكل صدمة معاكسة، كمواساة لنا قد يجعلنا نخسر من وضوح الرؤيا أكثر مما يُكسبنا من الطمأنينة. تفضيل التفلسف على الإيمان، يعني في العمق، تفضيل وضوح الرؤيا على الرفاهية، والحرية على الإيمان. في الحقيقة وبمعنى من المعاني يتعلق الأمر بـ " إنقاذ الذات "، ولكن ليس بأيّ ثمن. (28)

لا يرفض " فيري " دور الدين في تكوين المعرفة والأخلاق والمعنى، لا بل إنّه يؤكد إنّه يستقي معظم إلهامه من المسيحية، (29) لكنه يشترط أن يكون ذلك من خلال بوابة الفلسفة. وبلغة " فيري ": يمكن للفلاسفة إدراج فكرة الإله في مذهبهم، بل يمكنهم حتى إيلائها دورا مركزيا. ولكن رغم كل شيء يبقى مسعاهم، وإن في هذه الحالة، مختلفا عن المقاربة الدينية، بمعنى أنّ إسهامهم الفلسفي في حد ذاته لا يقوم على الإيمان ولا على سلطة النصوص المقدسة، وإنما على ممارسة الاستدلال الحرة. (30)

يرى " فيري ": إنّ الأجوبة الدينية شأنها في ذلك شأن الأجوبة القديمة تبقى مشتملة على عناصر مغرية جدا، بل قد تكون من نواح معينة أقدر على الاقناع مما في النظريات الحديثة أكثر. ثم يتساءل: ما السبب الذي يجعل هذه الأجوبة لا تحتفظ بكونها جذابة وحسب، بل أيضا بشكل من الراهنية قد يبدو باستمرار مضيئا على نحو خارق؟ وفي إجابته عن هذا السؤال يعتقد أنّ ذلك يرجع أولا إلى أنّ كل جواب كبير يكشف عن طريقة جديدة في مجابهة عمق الحيرة الوجودية التي تحسها كل الكائنات البشرية في ذواتها. وهو يميل إلى القول بأننا " نسكن " فلسفة ما، طواعية أكثر من فلسفة أخرى بحسب ما تبدو لنا أقدر على التغلب على مخاوفنا ... ومن هنا هو يتفهم وجود عدد كبير من الناس يتبنون إلى الآن جوابا دينيا سواء اعتمد على أحد الأديان التوحيدية الكبرى (اليهودية، المسيحية، الإسلام) أو ارتبط بتقاليد أخرى ذات أصول أبعد . (31)

يعتقد " فيري ": إنّ الدين ما زال ينبوعا حيا للأخلاق. فهو يرى: إنّ مثل الوزنات الوارد عند متى، هو بلا شك مقطع الأناجيل المعبر بأكثر قوة عن الانقلاب في وجهة النظر، الذي أدى بالمسيح إلى سحب المشروعية عن القيم الأرستقراطية لاستبدالها بقيم المساواة والحرية. ويمكن أن يصلح كخيط مثالي ناظم لفهم ما تقدمه لنا إلى الآن الثورة اليهودية المسيحية على الصعيد الإيتيقي ... لا بد أن ندرك جيدا ما يحويه هذا المثل من بعد إيتيقي. إنّه يمثل في عالم ما زال مليئا بالإيتيقا الارستقراطية زلزالا بحق، ثورة لا بد أن نقدرها. إنّها تُدرج لأول مرة فكرة المساواة كما سنجدها في العصر الحديث: معنى ذلك إن الطفل المصاب بالمنغوليا له نفس الكرامة هو وأينشتاين وأرسطو أو نيوتن. ... إنّ الرؤية التي يحملها مثل الوزنات هي أحد إسهامات الأناجيل الذي بفضله سينفتح العالم المسيحي على العالم الانسانوي والديمقراطي ... ومثلها عظة الجبل. إنّها تبين فيم الحب في أقصى الحالات هو أهم من القانون، وكيف لا يقضي على القانون في شيء، بل يمكّن من تحقيقه، وإعطائه معنى لا يتوفر عليه بغير الحب (وهذا موضوع ذو دلالة عميقة للمؤمنين وغير المؤمنين على حد سواء). (32)

في كتابه " الانسان المؤله أو معنى الحياة " ينصح " فيري " الإنسية الحديثة الرافضة لتأويلها ماديا، والمؤكدة على جانبها الروحي أن تعمل على إعادة تأويل إنسي للمفاهيم الرئيسية للدين المسيحي. بمعنى آخر لا بد لهذه الإنسية – بحسبه – من إعادة استثمار معين للمعجم، ومعه لرسالة الديانة المسيحية. وهو يقدّم في هذا السبيل مجموعة من الحجج، تعمل لفائدة إعادة بناء الديني هذه. (33)

إنّ اعتقاد " فيري " بأنّ الدين ما زال ينبوعا حيا للاخلاق والمعنى، سوف ينعكس بشكل واضح في جوابه الفلسفي، فالحب كمبدأ للأخلاق والمعنى يمتلك رصيدا كبيرا في الدين.

ثمة أمور لا بد من الإشارة إليها قبل الانتهاء من هذه الفقرة.

أ – من المؤسف حقا أن يضخّم الاختلاف بين الدين والفلسفة حول أهمية العقل ودوره في تكوين المعرفة والأخلاق والمعنى، فالدين، في الأصل، لا يختلف كثيرا عن الفلسفة في تقدير أهمية " قوانا الذاتية ونعمة العقل "، لا بل أنّه يشدّد على أنّ بداية المسير لا بد أن تنطلق من العقل وحده. إنّه يرفض رفضا قاطعا " الإيمان الأعمى "، ويرحب فقط بالإيمان الذي يقرّه العقل ويصدق به. لا بل أنّ محاججاته إنّما تقوم على هذا الأساس : إنّ الدين – وانطلاقا من ثقته بأنّ الاستدلال العقلي الحر لا بد وأن ينتهي إلى الإيمان – يحاجج بالشكل الآتي: إذا لم ينته بك الاستدلال العقلي إلى الإيمان، فيمكنك، في مثل هذه الشروط، التفتيش في مكان آخر والتفكير في طريقة أخرى. ولكن إذا قادك الاستدلال العقلي إلى الإيمان الذي يترتب عليه أن تعترف بالحدود التي ينبغي لعقلك أن يقف عندها ولا يصارع فيها الدين، فلماذا تسمح لعقلك أن يتجاوز الحدود التي رسمها له الإيمان الذي قادك له الاستدلال العقلي. لا صراع، إذن، بين الدين والعقل، بل هناك مرحلتين من الحوار: المرحلة الأولى (مرحلة ما قبل الايمان): يحاور فيها الدين العقل حول ضرورة الايمان من دون أن يفرضه عليه. المرحلة الثانية (مرحلة ما بعد الإيمان): يحاور فيها الدين العقل ليلزمه بما ألزم به نفسه. ما يفرضه الدين على العقل في هذه المرحلة مبني على إلزام العقل نفسه بذلك. أما الفلسفة فهي من جهتها لا تمانع أن ينتهي العقل إلى نتائج تتطابق مع ما يطرجه الدين، فهي لا تهدف إلا لبلوغ الحقيقة من خلال العقل أيا كانت طبيعة هذه الحقيقة. الفلسفة، في الأصل، لا تحدّد، بشكل مسبق طبيعة الحقيقة التي ينبغي أن تصل إليها من خلال الاستدلال العقلي الحر.

ب – بعد أن أوضحنا أنّ الفلسفة والدين كلاهما يبدأ مسيرته بالاستدلال العقلي، نقول: من الطبيعي أن يفرق المؤمن بين الفلسفة والدين على أساس أنّ الفلسفة نتاج بشري وأنّ الدين معطى من السماء. ولكن من الصعب أن نقبل من الملحد أن يفرق بينهما بشكل جوهري؛ فكلاهما من وجهة نظره نتاج بشري. ينبغي للملحد أن ينظر إلى الفلسفة والدين على أنّهما نوعين من الفلسفة، والفرق بينهما يكمن في أن النوع الأول منهما (الفلسفة) يقودك إلى جميع نتائجه من طريق الاستدلال العقلي، بينما يقودك النوع الثاني (الدين) من خلال الاستدلال العقلي إلى نتائج أولى يلزمك من خلالها أن تتقبل منه ما سيأتي لا حقا من نتائج أخرى من دون أن تطالبه بالاستدلال العقلي عليها. وعلى ضوء هذا الفهم لا يحق للفلسفة أن تناقش الدين في النتائج من النوع الثاني؛ لأنّ هذه النتائج لا تقدم نفسها على أنّها حصيلة للاستدلال العقلي، بل هي تقدّم نفسها على أنّها نتائج ألزمتك نتائج سابقة على الإيمان بها دون استدلال. نعم يحق للفلسفة أن تناقش الدين في النتائج التي يدعي أنّها حصيلة الاستدلال العقلي. من هنا نفهم أنّ " فيري " لم يكن محقا بشأن الأسباب التي بها فضّل الفلسفة على الدين، لأنّ تلك الأسباب تناقش نتائج تنتمي – فيما يبدو – إلى فئة النتائج من النوع الثاني، التي تقدّم لنا نفسها على أنّها نتائج تلزمنا نتائج سابقة على الإيمان بها من دون استدلال.

جـ – من الغريب ذلك التناقض الواضح الذي يقع فيه العديد من الفلاسفة الغربيين، ومنهم " فيري " : فهم من جهة، حينما يتحدثون عن الاستدلال العقلي الحر، لا يضعون حاجزا أمام ذلك الاستدلال لدرجة أنّهم يذهبون إلى أنّه من الممكن للفلاسفة إدراج فكرة الاله في مذهبهم، بل يمكنهم حتى إيلائها دورا مركزيا، بمعنى أنّه من غير المستبعد، منطقيا، العودة لفكرة الآله بمعناها الديني. طالما كان ذلك قائما على الاستدلال العقلي الحر. ولكنهم من جهة أخرى، حينما يتحدثون عن تاريخ الفلسفة، يعتقدون أنّ الفلسفة تسير باتجاه لا يمكن معه العودة إلى معبودات ما وراء الطبيعة، إنّهم يحكمون بشكل مسبق على الإمكانات المتاحة أمام الاستدلال العقلي، فهم يعتقدون أنّ خطا موجها سيظهر بداهة في نهاية التاريخ، ويمكن الحكم بأنّه إيجابي على الأقل إن كنا إنسانويين؛ لأنه يتوافق مع وجود منطق في أنسنة الأجوبة عن مسألة الحياة الطيبة.

د- يفضل " فيري " الفلسفة على الدين، ولكنّ الأسباب التي يُقدّمها، هي مجرد إشكالات قابلة للنقاش، ولا تكفي لإثبات ذلك. نعم، للفلسفة دور مهم وإيجابي و(فيها محاولات لتفسير معنى الحياة وشيء من إجابات سؤال الموت وأسئلة ميتافيزيقية أخرى، لكن الدين هو مصدر التفسير الأخصب والأثرى لمعنى الحياة والموت، وغير ذلك من الأسئلة الميتافيزيقية، وكل أسئلة المبدا والمصير والخلود ... إنّ الدين هو ما يروي الظمأ للمقدس، ويشبع الحاجة للخلود، بوصف الكائن البشري ينزع للكمال، وهو في توق أبدي للخلود، ولا يشبع الشغف بالكمال والخلود سوى الحق تعالى، وهو ما يحدّد الدين السبل للوصول إليه). (34)

10 – يتخذ تاريخ الفلسفة في ضوء إجابة " فيري " عن سؤال الأخلاق والمعنى منعرجات غير متوقعة، فهو ينكشف حاملا على الأقل شكلا معينا من التدرج على مدى الزمن، وذلك في مستويين متكاملين ، إن لم يكن حاملا لمنطق ما: فمن جهة نجد أن البحث عن هذه الحياة الطيبة، التي كانت توضع أصلا في ما هو خارج عن الإنسانية وأسمى منها (تناغم الكوسموس، الألوهية)، سيقترب أكثر فأكثر مما هو حميمي في صميم التجربة الانسانية (في العقل ثم في الحرية، وأخيرا في معيشنا المباشر أو في أحاسيسنا). ومن جهة أخرى سيحرص هذا البحث على أن يدمج من حقبة إلى أخرى أبعادا من الوجود منسية إلى هذا الحين مهمشة أو مقموعة (الجنسانية، نصيب الأنوثة لدى الرجال ونصيب الرجولة لدى النساء، الطفولة الحيوانية، الطبيعة فينا، اللاشعور، المحددات الاقتصادية، الخ. (35)

إذن، آمن " فيري " بالتقدّم: بمعنى أنّ المبادئ التي تقوم عليها تصورات الحياة الطيبة، وهي في البداية خارجة عن الانسانية ومتعالية عليها، تميل إلى الاقتراب أكثر فأكثر من التجربة المعاشة، وتستوعب أبعادا متزايدة من التجربة الانسانية. وعلى الرغم من أنّه يدعو لتدقيق فكرتي " التقدم " و" التأخر "؛ (ففي الفلسفة والفن، لا تقدم بالضرورة، بل ثمة بالأحرى تصورات مختلفة للعالم، متعاقبة بالتأكيد في التاريخ، لكن لا يمكن الحكم بشأنها وترتيبها هرميا إلا شريطة أن نوضح جيدا مقياسنا في الحكم. فلا بد دوما من تدقيق وجهة النظر التي يمكن انطلاقا منها القول بأنّ خطا ما موجها يظهر في ذلك التاريخ. بل أكثر من ذلك بأنّ خطا يتجه نحو الأفضل). غير أنّه مع ذلك يصرح منذ البداية بأنّه يعتقد أنّ خطا موجها سيظهر بداهة في نهاية التاريخ، ويمكن الحكم بأنّه إيجابي على الأقل إن كنا إنسانويين؛ لأنه يتوافق مع وجود منطق في أنسنة الأجوبة عن مسألة الحياة الطيبة.(36)

بغض النظر عما ينطوي عليه موقف " فيري " من مفهوم " التقدم " من تناقض؛ إذ أنّه من جهة يرفض " التقدم " كـ " مثل يشكل حقيقة تعلو على الحياة، وأنّه لا بد للحياة من بلوغها "، متفقا في ذلك مع نيتشة. (37) ولكنه من جهة أخرى يؤمن في مضمار البحث الفلسفي بوجود خط متصاعد باتجاه أنسنة الأجوبة عن مسألة الحياة الطيبة. أقول بغض النظر عن هذا التناقض: فإنّ النظر إلى: " خط سير البحث الفلسفي في ابتعاده شيئا فشيئا عن التعالي والاقتراب أكثر فأكثر مما هو حميمي في صميم التجربة الانسانية " على أنّه يشكل تقدما، قد انتهى بالفكر الغربي إلى مأزق خطير؛ فالفكر الغربي بإقصائه للتعالي إنما يقصي تطلعا إنسانيا فطريا.

ويبدو أنّ الفكر الغربي المعاصر قد أدرك مأزقه، وهو يعيش معاناة حقيقية في محاولة الخروج من هذا المأزق، فهو من جهة أصبح يدرك أنّ التطلع نحو التعالي حالة فطرية ليس من الصحيح إقصاؤها، لكنه من جهة أخرى لا يجد نفسه مستعدا للتخلي عما يعتقده أنّه من مكتسبات الفكر الغربي، عما هو فريد وريادي ورائع في هذا الفكر، والمتمثل في تخليص الانسان من القيود الأيديولوجية والأوهام الميتافيزيقية، وتحريره أبعاد من الوجود لطالما ظلت مهملة أو مقموعة. إنّ المخاطرة – كما يؤكد " فيري " – كبيرة إذن في أن تؤدي متابعة لا محدودة للتفكيك إلى تحطيم باب مفتوح على مصراعيه. فالمسألة لم تعد للأسف، الاستمرار في كسر " أرجل الصلصال " الضعيفة للمثل التعيسة التي لم يعد بامكان أحد رؤيتها لكثرة هشاشتها وافتقارها لليقين. لم يعد ملحا بالتأكيد أن نهاجم " السلطات " التي لم تعد موجودة لفرط ما أصبح سير التاريخ آليا ومجهولا، بل على العكس، إنّ المطلوب هو العمل على بروز افكار جديدة، لا بل مثل عليا جديدة، لكي نستعيد الحد الأدنى من السيطرة على مسار العالم.(38)

وفي محاولات الخروج من هذه المعاناة يقترح بعض المفكرين الغربيين ومنهم " فيري " – ما يمكن تقييمه بحذر على أنّه خطوة في الاتجاه مجددا نحو التعالي – توليفة تعيد الاستحقاق للتطلع الانساني الفطري للتعالي وللمقدس، ولكنها في نفس الوقت تحافظ على مكتسبات الفكر الغربي. ما يقترحه " فيري " هو " شكل جديد للتعالي "، يتناغم مع ما يسميه هوسرل " التعالي في محايثة الحياة ". أي أنّه يعطي بعدا مقدسا للمعيش ذاته، دون التردي مع ذلك في الأوهام الميتافيزيقية التقليدية التي فضحتها فلسفات التفكيك. إنّه شكل من التعالي يتنزل داخل تجربتنا الدنيوية. إنّ ما يقترحه " فيري ": " تعاليا للمعنى في تجربة الحب ". (39)

11 – في مقال تحليلي لكتاب " تعلُّم الحياة " لـ " فيري "، يشير الدكتور " سعيد الولي " إلى أن " فيري " في هذا الكتاب – وهو ما يصدق على كتبه الأخرى في حدود ما اطعلنا عليه – (عرض كل مراحل الفلسفة منذ نشوئها في اليونان القديمة وحتى المادية الجديدة ومرحلة ما بعد الحداثة والمرحلة التقنية في عصرنا الحاضر. وقد توقف طويلا عند بعض الأسماء الكبرى التي شكلت معالم في تاريخ الفلسفة وتطوّرها، بما فيهم الممثلين للفلسفة المسيحية، ولم يُهمل البوذية، لكنّ هذا العرض بقي، حسب رأيي، ناقصا ، خصوصا بالنسبة لقراء فرنكوفونيين، في فرنسا أو خارجها، إذ لا يُعقل لمن يتصدّى لتاريخ الفلسفة أن يجهل أو يتناسى أو " يهمل " " الفلسفة الاسلامية " و" فلاسفتها "، ولا سيّما أنّ الكل في الغرب يعترف بأهميتها ... إني أعتقد أنّ تخصيص مساحة مناسبة في هذا الكتاب للفلسفة الاسلامية ومفاهيمها كان، ليس فقط من المسلمات لدى فيلسوف بحجم " فيري "، بل ضروريا في أيامنا هذه حيث يُلقي تطرّف بعض المتشددين بظله على الدور الحضاري والفكري المهم للدين الإسلامي وعلى القيم الإنسانية التي بشّر بها، والتي يجب أن لا يجهلها الراغب في اكتشاف معنى الفلسفة). (40)

لم يكن " فيري " ينظر إلى الفلسفة الإسلامية على أنّها فلسفة أصلا: وما لدى فلاسفة المسلمين – بحسبه – ليس سوى فكر عميق، ولكن مهما كان الفكر عميقا، فإنّ ذلك لا يجعل منه فلسفة، إذ لا يمكن التفلسف دون التحرّر نهائيا من قبضة الدين. فالفلسفة لا بد أن تكون علمانية أو لا تكون. (41)

يبدو أنّ " فيري " لم يكن مطلعا بما يكفي على تراث الفلاسفة المسلمين، ليذكر ما ذكره. وإلا فإنّ الفلاسفة المسلمين كانوا كغيرهم من الفلاسفة لا يستندون في بحوثهم الفلسفية إلا إلى الاستدلالات العقلية فقط، وكانوا حريصين أن لا يخلطوا بين العلوم ومناهجها، فالفلسفة تُدرس بالمنهج العقلي المحض، والعلوم النقلية تُدرس بمنهجها الخاص بها. بيد أنّ ذلك لا يعني أنّه ليس بمقدورنا أن نصل إلى نتائج مشتركة بين علمين. (42)

12 – إنّ المنهج الذي اتبعه " فيري " في تتبعه لتاريخ الفلسفة لم يقتصر فقط على التتابع الزمني للفلسفات المختلفة، بل اعتمد – في الأساس – على رصد التحولات المذهلة في ما تطرحه هذه الفلسفات المتتابعة والمتعاقبة في إطار البحث عن الحياة الطيبة، ولذلك وجد نفسه إزاء خمس حقب زمنية كبرى تختلف فيما بينها، لا من حيث أمد كل حقبة، ولا من حيث عدد الفلسفات التي تنتمي لكل حقبة، بل من حيث الأجوبة التي قدمتها الفلسفات التي تنتمي لكل حقبة عن الحياة الطيبة.

الهوامش

* " لوك فيري " فيلسوف فرنسي معاصر، ولد عام 1952م. بلغ أعلى الدرجات الجامعية والأكاديمية. شغل منصب وزير التربية والتعليم ما بين عامي 2002-2004. هو واحد من الفلاسفة الفرنسيين الجدد الذين أحدثوا تحولا عميقا في الأوساط الفلسفية السائدة، حيث ابتعدوا بالفلسفة من المباحث الفكرية والمعرفية العويصة والمعقدة والتي لا يفهما إلا الخواص، واتجهو بها نحو الإنشغال بالواقع. تقوم فلسفته على البحث عن الخلاص بالاعتماد على القوى الذاتية ونعمة العقل دون اللجوء إلى قوى خارجية. من مؤلفاته: " النظام الإيكولوجي الجديد " و" الإنسان المؤله أو معنى الحياة " و" تعلّم الحياة " و" أجمل قصة في تاريخ الفلسفة " وغيرها.

 

رضا حسن الغرابي

...................

1 – جان فرانسوا دورتييه، فلسفات عصرنا، ترجمة ابراهيم صحراوي، منشورات الاختلاف، الجزائر، 2009م، ص17-18.

2 – دراسات في الفلسفة المعاصرة، زكريا ابراهيم، مكتبة مصر، ص6.

3 – جان فرانسوا دورتييه، " نظرة عامة على الفلسفة في ساعة و12 دقيقة "، من كتاب فلسفات عصرنا لـ " جان فرانسوا دورتييه "، مصدر سابق، ص56.

4 – لوك فيري، الإنسان المؤله أو معنى الحياة، ترجمة محمد هشام، أفريقيا الشرق، المغرب، 2002م، ص93.

5 – المصدر السابق، ص145.

6 – جاكلين روس، الفكر الأخلاقي المعاصر، ترجمة وتقديم: د. عادل العوا، عويدات للنشر والطباعة، بيروت، 2001م.

7 – لوك فيري، أجمل قصة في تاريخ الفلسفة، ترجمة محمود بن جماعة، دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت، 2015م، ص6-7، ص321.

8 – مصطفى ملكيان، جدلية الدين والأخلاق، ترجمة أحمد القبانجي، الانتشار العربي، بيروت، 2013، ص22، علما أننا قد تصرفنا بعض الشيء بكلام " ملكيان "، فبينما كان يتكلم هو عن واقع " فلسفة الأخلاق " في إيران، عممنا نحن الكلام على المجتمع الإسلامي.

9 – المصدر السابق، ص21.

10 – جاكلين روس، الفكر الأخلاقي المعاصر، مصدر سابق، ص10.

11 – لوك فيري، " المهمات الحالية للفلسفة "، من كتاب فلسفات عصرنا لـ " جان فرانسوا دورتييه "، مصدر سابق، ص84.

12 – جاكلين روس، الفكر الأخلاقي المعاصر، مصدر سابق، ص13-14.

13 – لوك فيري، أجمل قصة في تاريخ الفلسفة، مصدر سابق، ص17.

14 – المصدر السابق، ص67.

15 – المصدر السابق، ص64.

16 – المصدر السابق، ص59.

17 - جاكلين روس، الفكر الأخلاقي المعاصر، مصدر سابق، ص53.

18 – لوك فيري، تعلُّم الحياة، ترجمة د. سعيد الولي، مراجعة د. زهيدة درويش، أبو ظبي للثقافة والتراث. ص346-354

19 – عبد المجيد الشرفي، " مدخل إلى مقاربة إسلامية حديثة للتوحيد "، مجلة قضايا إسلامية معاصرة، العدد: 61-62، 2015، ص59.

20 – إيريك فروم، الإنسان المستلب وآفاق تحرره، ترجمة وتعليق: د. حميد لشهب، تقديم: د. راينر فونك، فيديبرانت، الرباط، ص10-11.

21 - لوك فيري، الإنسان المؤله أو معنى الحياة، مصدر سابق، ص11-12

22 – المصدر السابق، ص14-15.

23 - لوك فيري، أجمل قصة في تاريخ الفلسفة، مصدر سابق، ص13.

24 – مصطفى ملكيان، جدلية الدين والأخلاق، مصدر سابق، ص65-66.

25 - لوك فيري، أجمل قصة في تاريخ الفلسفة، مصدر سابق، ص16.

26 – المصدر السابق، ص18-20.

27 – لوك فيري، تعلّم الحياة، مصدر سابق، ص37-43.

28 - المصدر السابق، ص35-37.

29 - المصدر السابق، ص391.

30 - لوك فيري، أجمل قصة في تاريخ الفلسفة، مصدر سابق، ص17.

31 - المصدر السابق، ص69-70.

32 - المصدر السابق، ص122-127.

33 - لوك فيري، الإنسان المؤله أو معنى الحياة، مصدر سابق، 202.

34 – عبد الجبار الرفاعي، الدين والظمأ الأنطولوجي، ، مركز دراسات فلسفة الدين، بغداد، 2016م، ص7.

35 – لوك فيري، أجمل قصة في تاريخ الفلسفة، مصدر سابق، ص6-7.

36 - المصدر السابق، ص35.

37 - المصدر السابق، ص45.

38 - لوك فيري، تعلُّم الحياة، مصدر سابق، ص327.

39 - لوك فيري، أجمل قصة في تاريخ الفلسفة، مصدر سابق، ص65.

40- لوك فيري، تعلُّم الحياة، مصدر سابق، ص400-402.

41 – حميد زنار، صحيفة العرب. حوار مع لوك فيري نشر في 13/3/2016 في العدد (10213)، ص12، بالاتفاق مع مجلة " الجديد " الشهرية الثقافية اللندنية.

42- السيد محمد حسين الطباطبائي، رسالة التشيع في العالم المعاصر، ترجمة جواد علي كسار، مؤسسة أم القرى للتحقيق والنشر، 1418ه، ص414.

 

hatam hamidmohsinفي القرن السابع عشر برز باروخ سبينوزا الفيلسوف الهولندي من اصل برتغالي - يهودي. ورغم ان سبينوزا كان رقيقا ومرنا، لكنه نُبذ من جماعته بسبب افكاره الراديكالية المشاكسة. اهم كتاب له كان كتاب الاخلاق Ethicsعام 1677 ويتعلق بعرض مضامين طبيعة الله في السعادة الانسانية. ومن المدهش ان هذا العمل هو ملائم جدا لزماننا الحالي، انه يساعدنا في فهم بعض القضايا المربكة في العلوم المعاصرة. سنحاول بيان ان ميتافيزيقا سبينوزا اضافة الى كونها نظاما جيدا نفهم من خلاله سلوك الجسيمات الاولية كما وصفتها ميكانيكا الكوانتم، فهي ايضا تسمح لنا بتوضيح ادق لمشكلة الجسم-الذهن في علوم الادراك.

موقفان ميتافيزيقيان حديثان

ليس من السهل تعريف ذلك الفرع من الفلسفة الذي يسمى ميتافيزيقا، لكننا نستطيع القول ان الميتافيزيقا عموما تتعلق بالافكار الاساسية التي تشكل اساس الحقيقة. انها تتعامل مثلا مع المادة، السببية، الهوية، والنشوء، وانها تعتمد على مقدرتنا في التفكير حول اشياء لا يمكن ملاحظتها او قياسها بشكل مباشر. في العلوم الحديثة هناك تاكيد كبير على الملاحظة والقياس والذي لسوء الحظ يميل لطمس اهمية النظرية في العلوم. موضوع الميتافيزيقا يساعدنا في جعل رؤيتنا العامة اكثر شمولية عبر دمج رؤى من العلوم ضمن فهمنا العام للحقيقة وهو الفهم الذي لا يمكنه الاعتماد فقط على الملاحظة.

هناك رؤيتان ميتافيزيقيتان هامتان معاصرتان هما الاختزالية العلمية scientific reductionism وهي الموقف المادي، والمثالية الرياضية mathematical idealism التي تؤمن بان اساس المكان والزمان ليس الجسيمات دون الذرة وانما هو حقائق رياضية معينة. كلا الموقفين ينطلقان من تقاليد طويلة في الفكر الغربي، وكلاهما يُنظر لهما بجدارة. الاختزالية العلمية تشتق قوتها من نجاحات العلم الحديث، والذي هو ذاته مشروع اختزالي الى حد كبير- بمعنى انه يميل لتوضيح العالم المعقد باعتباره طبقات من مكونات اساسية. المثالية الرياضية تحفزت خصيصا بنجاح علوم الكومبيوتر في خلق نماذج للعالم مرتكزة على اساس رياضي، وهي في الحقيقة كانت ناجحة جدا لدرجة اننا وجدنا في التيار الرئيسي للفلسفة دخول فكرة ان الكون ذاته هو برنامج محاكاة كومبيوتري انتجته حضارة متقدمة .

غير ان كلا الموقفين غير مقنعين. فمثلا، من غير الواضح ان سمات لتجاربنا يمكن اختزالها او التعبير عنها كليا باشياء فيزيقية. واذا كان العالم مركب من حقائق رياضية، فان السؤال الذي يبرز هو كيف نستطيع الحصول على اي معرفة بهذه الحقائق، كونها خارج الزمان والمكان؟ ايضا، اذا كنا نفترض ان هذه الاشياء الرياضية هي ذهنية في طبيعتها فنحن ربما ننتهي بجدال دائري: اذا كان الذهن يمكن اختزاله الى نشاط الدماغ، ونشاط الدماغ يمكن اختزاله الى التفاعلات بين الخلايا العصبية، العمليات داخل الخلايا العصبية تُختزل الى التفاعلات بين الجزيئات، والجزيئات الى الذرات، والذرات الى جسيمات دون الذرة، والجسيمات دون الذرة الى نقاط الزمان والمكان، وهذه الى مجموعة من الأعداد، واخيرا هذه المجموعة من الأعداد تُختزل الى قوانين رياضية تربط بينها - والتي يرى البعض انها بالضرورة كينونات ذهنية - وهذا ما سيعود بنا الى نقطة البداية.

ميتافيزيقا سبينوزا: المخطط العام

قبل ان نتخلى عن المشروع الميتافيزيقي ونأخذ برؤية الشك بان المحرك لهذا العالم الذي نلمسه لايمكن معرفته (او غير مثير للاهتمام)، لننظر في فكر سبينوزا والذي كما سنرى منسجما مع العلم الحديث. يرى سبينوزا ان الطبيعة – التي يساويها مع الله – هي تامة بالمطلق، ومقررة، لانهائية ولا يحدها زمن. هذا الاله اللامتناهي او الطبيعة ينطوي على كل شيء. جميعنا جزء منه ولاشيء موجود خارجه. نحن الكائنات الانسانية نستطيع ادراك خاصيتين لهذا الوجود اللامحدود وهما التمدد والتفكير، وكلاهما يعبّران عن جوهره اللامحدود، وهما يتطابقان مع بعضهما، لانهما يعبّران عن نفس الحقيقة. الى جانب التمدد والفكر هناك العديد من السمات اللامحدودة للوجود اللامحدود لا نستطيع بلوغها ولكنها مع ذلك تعبيرات عن نفس الوجود الذي هو ايضا غير مقيد بالزمان.

ولكي نثمّن عظمة هذا التفكير، تجدر ملاحظة ان الرؤية التي كانت سائدة ايام سبينوزا للكون في اوربا لازالت فكرة القرون الوسطى الموروثة من ارسطو وبطليموس عن الكون المحدود. وكما يشير جوزيف راتنر في (فلسفة سبينوزا، 2014)، ان رؤية سبينوزا للكون لاتتفوق فقط على نزعة القرون الوسطى، وانما ايضا على الرؤية المعاصرة السائدة عن الكون كنظام فيزيائي خالص. لذا دعنا نفصّل اكثر عن ميتافيزيقا سبينوزا ونعرض بعض الامثلة التي توضح لماذا هي مثيرة لأي شخص التبست عليه صلتنا بهذا الكون.

نظرية الوجود الواحد Spinoza’s Monism

كتاب الاخلاق لسبينوزا ينقسم الى خمسة اجزاء. الجزءان الاوليان يتعلقان بالميتافيزيقا ويناقشان الله وعلاقة الذهن بالجسد. في الجزء الاول يساوي سبينوزا بين الله والمادة المتفردة اللامحدودة التي تحكم كل الواقع. تجدر ملاحظة ان ما يعنيه سبينوزا بالجوهر substance (1) هو كلي متكامل لا يمكن لنا ممارسته مباشرة. بعض المعاصرين لسبينوزا يؤمنون بان هناك العديد من الجواهر. ديكارت (1560-1650) جادل بان هناك جوهران هما الذهن والمادة واللذان لهما سمات مميزة من التفكير والتمدد. هو ادّعى ايضا ان كل فرد هو بطريقة ما اتحاد متفاعل من هذين الجوهرين. بالمقابل، سبينوزا يؤمن ان هناك جوهر واحد فقط. ولأنه لامحدود ويشمل كل شيء، و مبدع، لذلك فهو مساوي لله. في المتبقي من كتاب الاخلاق يكشف سبينوزا مضامين هذه الرؤية لفهم العلاقة بين الذهن والجسد، ومن ثم لاحقا لغرض فهمنا للعواطف والمعرفة والاخلاق.

احد الاهداف التي يرسمها سبينوزا في الصفحات الاولى من كتاب الاخلاق هو إعطاء توضيح لوجود الاشياء. فمثلا، ربما يسأل احد هل ان سبب وجود الاشياء يقع ضمنها او خارجها؟ يجيب سبينوزا على هذا السؤال بالقول ان تعاريف الوجودات عادة لا تتضمن العدد المحدد من الافراد من ذلك النوع الموجود. فمثلا، لاشيء هناك ضمن الطبيعة الانسانية، او في تعريف "الانسان"، يحدد ان هناك حاليا سبعة بلايين انسان. هذا يشير الى ان جوهرنا وتعريف "الانسان"، لايقرران كم سيكون عدد الناس الافراد . ولذلك، فان وجودنا ككيانات فردية يتقرر بكيان اكبر من انفسنا. سبينوزا يعمم فيما بعد هذه الملاحظة ليقترح اذا كان هناك افراد عديدون لنوع الشيء، فان سبب وجودهم لا يمكن ان يكون ضمنهم، ولذلك فان جوهرهم لا يستلزم الوجود. هذا يستدعي السؤال: ما هو السبب الحتمي والنهائي لكل التنوع والتعقيد الذي نراه في الطبيعة اذا لم يكن تلك الاشياء ذاتها؟ يجيب سبينوزا بان المصدر النهائي لجميع الاشياء الموجودة – التي تحتوي على جميع الاشياء الاخرى الموجودة، والتي بدونه لن توجد – يجب ان يكون شيئا ما يستلزم جوهره الوجود فعلا.وبسبب تعريف هذه الكينونة لذا فانه يستلزم الوجود بالضرورة، انه لا يمكن ان يستلزم اي انكار للوجود. هذا يعني ان هذا الوجود غير مقيد، يشتمل على كل شيء، وغير محدد وابدي. هذه هي الخصائص المعرّفة للسبب الذي وراء كل ما في الوجود.

هذا يقود سبينوزا لتعريف الجوهر بـ "ذلك الذي في ذاته ويتم تصوره من خلال ذاته"(الاخلاق الجزء الاول، تعريف3). وبتعبير اخر، الجوهر هو ذلك الجزء او المظهر للطبيعة الخالق لذاته.وباستعمال مصطلح سبينوزا، الجوهر هو طبيعة نشطة، او nurturing nature – والذي هو يساويها مع الاله. علاوة على ذلك، بما ان الجوهر بحكم التعريف يستلزم وجودا ضروريا، فاننا لا نستطيع انكار وجود هذه الكينونة . وبسبب انها لامحدودة وتضم كل شيء، فسيكون هناك فقط جوهر واحد.

اقتراح ان هناك مظهر للطبيعة خالق لذاته هو ليس غريب على الذهن الحديث المطلع على نظرية البغ بانغ، و مع نظرية التطور. غير انه من الصعب قبول ان هناك فقط عملية خلق ذاتية واحدة (والتي بسبب تميّزها نسميها الله). كذلك، بسبب ان هذه الكينونة تامة بالمطلق ومتفردة فان وصفها بـ "العملية"ليست ملائمة تماما طالما ان مصطلح عملية يتضمن شيئا ما يتطور. الجوهر "substance" هو مصطلح اكثر ملائمة لوصف هذه الكينونة التي لاتفتقر الى اي شيء، ولهذا طبيعتها لن تتغير.

ان الذكاء الانساني يستوعب جوهر سبينوزا من خلال خاصيتيه الاثنتين التوسع والتفكير(2). وبهذا نستطيع الاعتراف بالجوهر اما عبر تأمل لامحدودية – كون فيزيقي متمدد، او عبر اعتبار ان لامحدودية الافكار ممكنة ضمنه. الواقع بالنسبة لسبينوزا هو كل من نظام للاشياء ونظام للافكار او تجسيداتهما.الكائنات الانسانية، مثلا، هم اجسام مركبة من اجزاء فيزيقية ولكنها ايضا تجسيدات representations، تشكل الاذهان الانسانية. وكما ذكرنا، ان جوهر سبينوزا يتضمن ايضا عدد غير محدود من خصائص اخرى غير معروفة بالاضافة الى الاثنين الذين نعرفهما. هذه الخصائص هي التي تجعل الشيء واقعيا ومتميزا – انها الوسائل التي من خلالها تتميز كينونة محددة واحدة عن غيرها. في اصطلاح سبينوزا، كل فرد في الطبيعة هو شيء معين لجوهر واحد.

يرى سبينوزا ان الفكر والتمدد هما مستقلان عن بعضهما مفاهيميا وسببيا، ولكن في نفس الوقت يتطابقان مع بعضهما. هذه المطابقة من السببية والمفاهيمية تُعرف بالتوازي parallelism وستكون هامة عند دراسة علاقة الذهن-الجسد.

ان الذهن لدى سبينوزا هو ليس سبب الكون الفيزيائي ولا ان الكون الفيزيائي سببا للذهن. سبينوزا يرى ان القوة الكامنة وراء وجود الطبيعة المادية ووراءعمل الذهن هي نفس الجوهر المتفرد والشامل لكل شيء، والذي ينطوي على كلا الخاصيتين بالتساوي.

الجوهر والعلم

لذا فان الله هو كينونة توجد بالضرورة، او بالتعريف. انه مظهر الطبيعة الخالق لذاته وسبب وجود اي شيء اخر. السؤال اللاحق هو لماذا الله/الطبيعة كما عُرّفت من جانب سبينوزا ملائمة لنا اليوم؟ الجواب هو ان هذه الفكرة توفر رؤية عن العالم منسجمة مع العلم المعاصر، والذي لايزال يفتقر لميتافيزيقا يمكنها استيعاب اكتشافاته المربكة.

اول مثال عن اكتشافاته المربكة هو ميكانيكا الكوانتم. لقد اصبح من الصيغ المألوفة بان لا احد يستطيع فهم السلوك الغريب للجزيئات الاولية التي تصفها ميكانيكا الكوانتم. فمثلا كيف يمكن للالكترون غير المُشاهد ان يكون في عدد لامحدود من الأماكن في وقت واحد ؟ او كيف يمكن لحزمة من الضوء –فوتون- الانتقاء من كل الفضاء لإختيار اسرع ممر بين نقطتين، مثلما يقول ريتشارد فينمان في تفسيره لميكانيكا الكوانتم؟الفكرة الشائعة في ميكانيكا الكوانتم هي بالضبط سلوك "غير مقيد"للجسيمات. هذا ينسجم مع فكرة ان هناك مظهر لامحدود في الطبيعة يحكم الواقع الذي نعيشه والتي هي بالضبط فكرة سبينزا عن الجوهر.

فكرة اخرى في ميكانيكا الكوانتم هي ان الجواب الذي تعرضه التجربة عادة يعتمد على السؤال الذي تسأله فمثلا، الموجة - الجزيئات الابتدائية يمكن رؤيتها تتصرف اما كموجات او كجسيمات اعتمادا على الكيفية التي تتأسس بها التجربة. كذلك، يبدو ان الملاحظة مطلوبة لمنح كينونات الكوانتم شكلا محددا. هاتين الخاصيتين للكوانتم يشيران بان هناك علاقة وثيقة بين الذكاء والطبيعة المادية في الكون تماما مثلما يرى سبينوزا. وفق تعبير سبينوزا، الذكاء واحداث الكوانتم المادية التي يراقبها الذكاء هما غير منفصلين لانهما مظهران لنفس الجوهر المتفرد والغير مقيد.

ان مبدأ وجود الانسان anthropic في علم الكون يشير الى ملاحظة مدهشة وهي ان الكون الذي نعيش فيه يبدو كما لو انه جرى ضبطه بطريقة تسمح بوجود الحياة. عدد من الحقائق الاساسية حول الكون، مثل حجم قوى معينة (مثل القوى النووية داخل الذرة) و طبيعة بعض الجزيئات دون الذرية هي ذات قيم دقيقة مطلوبة لتطوير المراقب الذكي كنحن. وكما يذكر الفيزيائي جون اي ويلر عام 1986، انه يبدو ان "عامل منح الحياة يكمن في قلب الماكنة الكلية والتصميم للعالم". هذا الوصف ينطبق بجدارة على تصور سبينوزا للطبيعة/الله.

باختصار، العلم الحديث يمنح دعما للوجود الواحد لسبينوزا بالاشارة الى ان هناك مظهر غير مقيد وخلاّق في الطبيعة، وايضا ان الذكاء والجسمانية هما مترابطان بقوة لاينفصلان.

المطابقة بين الذهن – الجسد

الآن نلتفت الى واحدة من اهم نتائج احادية سبينوزا، اي، عقيدة المطابقة بين الذهن والجسد.

في اول مقطع من الجزء الثاني من الاخلاق، متعاملا مع الذهن، يسعى سبينوزا ليكون واضحا في استنتاجاته حول الذهن مستتبعا رؤيته عن الله:"انا اسعى الان لتوضيح تلك الاشياء التي يجب اتباعها بالضرورة من كينونة الله او كينونة لامحدودة وابدية". كما لاحظنا، الله او الجوهر هو مظهر الطبيعة الخالق لذاته والذي، بسبب ضرورة وجوده، لايمكن تحديده باي شيء، ولهذا هو لانهائي.

بالنسبة لسبينوزا، الجسم الانساني له خاصية التمدد، والذهن الانساني له خاصية التفكير او التمثيل. كذلك، الذهن والجسم هما تجربتان متماثلتان لحقيقة اساسية واحدة، او نحن نستطيع القول ان الذهن والجسم هما نفس الشيء (جوهر) يُنظر اليه تحت مختلف الخصائص. في لغة سبينوزا التي ورثها من ديكارت، الفكرة هي تمثيل للشيء المرتبط بالفكرة. هذا يقود سبينوزا لاستنتاجه الشهير بان الذهن الانساني مساوي لفكرة الجسم الانساني. مطابقة سبينوزا تعني ايضا ان كل تغيير في جسم الانسان يجب ان يترافق مع تغيير في ذهنه :"مهما كان موضوع الفكرة المؤلفة لذهن الانسان يجب تصورها من جانب ذلك الذهن الانساني ... اي، اذا كان موضوع الفكرة المشكلة لذهن الانسان هي جسم، فلاشيء يحدث في ذلك الجسم الذي لم يتم تصوره من جانب الذهن" (الجزء الثاني، مقترح 12).

هذه العقيدة في مطابقة الذهن-الجسم هي ملائمة لتفكير العلم المعاصر، وحيث هناك اعتراف متزايد بالكيفية التي يرتبط بها الادراك والتجسيد. ربما نقول ان جدال سبينوزا يتضمن ان التجسيد الكلي الذي يشكل الذهن الانساني للفرد هو مساوي للنشاط الكلي للنظام العصبي لذلك الفرد، وكل واحد يعمل بالتوازي مع الاخر. لذا فان ميتافيزيقا سبينوزا تبين الكيفية التي يرتبط بها الذهن مع النظام العصبي. هذا الاتجاه في مشكلة الذهن-الجسم هو ملفت ايضا لانه يقترح ان الذهن ليس خارجيا للطبيعة وانما جزء من كل متكامل. بالنسبة لسبينوزا، المظهر المزدوج للشيء (المطابقة) ينطبق على كل شيء في الطبيعة، ولذلك، فان كل شيء في الطبيعة له نوع من الذهن. الكائنات الانسانية لاتشغل مكانا ميتافيزيقيا خاصا ماعدا ان الجسم الانساني هو الشيء الاكثر تعقيدا في الطبيعة، ولذلك فان تجسيده او الذهن الانساني هو الذهن الاكثر تعقيدا في كل الطبيعة. او كما يذكر سبينوزا:"بمقدار ما ان جسما ما اكثر قدرة من الاخرين في عمل عدة اشياء في وقت واحد، كذلك بنفس المقدار ان ذهنه اكثر قدرة من الاخرين في تصور عدة اشياء في وقت واحد"(جزء 2، مقترح 13، scolium ). بكلمة اخرى، تعقيد الذهن الانساني يتطابق مع تعقيدية الجسم الانساني.

استنتاج

طبقا للدراسات المعاصرة حول نظريات سبينوزا التي اشرنا لها، فان مظهر الطبيعة اللانهائي الخالق لذاته يتضمن:

1- السلوك اللامقيد للجزيئات في ميكانيكا الكوانتم

 2- كل وجود للعالم يدعم الذكاء

3- ظهور اشكال الحياة من خلال التطور

كل هذه الظواهر التي تبرز من جوهر واحد هي مترابطة: لا يوجد هناك ذكاء بدون تجسيد، ولا وجود لزيادة في تعقيدية التجسيد بدون التطور، ولاوجود للتطور بدون كون متفرد يسمح للحياة بالنشوء، واخيرا وكما تعلّمنا من ميكانيكا الكوانتم ومبدأ وجود الانسان، فلا وجود هناك لكون مادي ملاحظ دون وجود ذكاء فيه. وجود الكون والذكاء الذي ضمنه هما بالنهاية تعبير لجوهر واحد. خاصية التفكير والتمدد لا يمكن اختزالهما الى احدهما او الآخر ولكن كلاهما يشيران الى نفس الوجود الابدي اللامحدود. نفس القوة غير المقيدة المعبر عنها بتعقيدية جسم الانسان هي ايضا يُعبر عنها بقوى الذهن الانساني. القوة التي تقف خلف السلوك اللامقيد للجزيئات في ميكانيكا الكوانتم والمعبر عنها باتساع الكون، هي ايضا تعني التطور المستمر للمعرفة الانسانية. لايمكن ان يكون هناك اي شيء اكثر تأكيدا للحياة من هذا. هذا هو الذي يجعل سبينوزا اكثر ملائمة للفكر المعاصر.

Spinoza’s metaphysics and its Relevance for Science Today, philosophy Now June/July 2017

.................................

الهوامش

(1) ان مصطلح جوهراستُخدم ليلعب ادوارا نظرية مختلفة الانواع . فمثلا، يقال ان الجوهر هو 1- الوجود المستقل 2- الشيء الذي يستمر عبر التغيير 3- الخلفية التوضيحية للاشياء 4- الاتحاد الحقيقي 5- الجواب على سؤال ما هو الوجود؟. سبينوزا لم يعرّف الجوهر ضمن اي من العبارات اعلاه، هو يعرّف الجوهر بـ "بذاته ويُتصور من خلال ذاته".

(2) الخصائص Attributes هي اساس ميتافيزيقا سبينوزا، حيث نستطيع من خلالها التحدث وادراك العالم المتمدد وعالم التفكير بطريقة نفهم بها الاجسام والاذهان. لم يكن سبينوزا اول من استخدم مفهوم الخصائص، فهو تأثر بديكارت. لذا من الضروري العودة الى ديكارت لكي نفهم ما يقصده سبينوزا بالخصائص. في كتابه مبادئ الفلسفة يقول ديكارت ان الخصائص هي جوهر الشيء، لذا فان جوهر الذهن هو التفكير، وجوهر الجسم هو التمدد. ولكي يوضح لماذا هذا، يستخدم ديكارت مثال الشمع. عندما جلس ديكارت الى جانب موقد النار، فحص قطعة من الشمع وسأل نفسه ماذا يعرف عن الشمع. هو بدأ بادراج جميع الصفات المحسوسة للشمع، فهو ابيض وله رائحة معينة ويطلق صوتا معينا حين يُضغط باليد وهو صلب وله ذوق خاص.بعد ادراج جميع تلك الصفات قام بوضع قطعة الشمع الى جانب النار ولاحظ كيف بدأت القطعة تفقد كل تلك الخصائص: حيث تغيّر لونها ورائحتها ومذاقها. استنتج ديكارت ان جوهر الشمع بمقدار ما هو جسم، هو التمدد في الطول والعرض والعمق لأن هذا هو الشيء الوحيد الذي يبقى مستمرا بشأن الشمع. قطعة الشمع لاتختلف عن اي جسم آخر، اي ان جوهرها هو التمدد.كذلك استدل على جوهر الذهن بالتفكير من خلال الشك.الشك هنا لا يختلف عن الفهم، التأكيد، الانكار، الرغبة، التصور، اللارغبة. لهذه الاسباب يكون الفكر والتمدد هما الخاصيتان الرئيسيتان للجسم والذهن، وهما مستقلان عن بعضهما.وهو يرى ان اي جوهر مخلوق له خاصية واحدة بينما الله له خصائص لامحدودة.سبينوزا يتفق على بعض مظاهر ديكارت بينما يرفض الاخرى، هو يوافق بان الفكر والتمدد خاصيتان مرتبطتان بالجوهر لكن لايوافق بوجود خصائص لجواهر مخلوقة لانه يرفض وجود مثل هذه الجواهر .هو يرى ان الفكر والتمدد، واي خصائص اخرى موجودة هي خصائص الهية او خصائص لنفس الجوهر الواحد اللامحدود.

 

emadadeen ibrahimتستجلب فلسفة هيدجر يوما بعد يوم مزيدا من الاهتمام في الغرب، وخاصة بعد مرور السحابة النازية وما أثارته من زوابع فكرية، وما رانت به علي نصوص هيدجر من حذر وإهمال. وتتجلي أهمية هذه الفلسفة أولا في عمقها وفي جدة تناولها للعديد من القضايا الفلسفية كالحقيقة والماهية والتاريخ والإنسان، بالإضافة إلي كونها محاولة جدية لتشخيص الحاضر أو الحداثة عبر مختلف مكوناته كالعلم والتقنية والعقل. وتأتي أهمية فلسفة هيدجر من قدرتها علي تجاوز الجدل الذي دار طويلا بين الاتجاهات الفلسفية المختلفة حول أولوية الفكر علي الواقع والواقع علي الفكر، كما أنها أحدثت تغيًيرا جذرًيا في العديد من المفاهيم الفلسفية سواء نظرية المعرفة أو في فهمها للزمان. كما أنها استطاعت طرح السؤال عن الوجود علي مستوي أكثر أصالة من أي فلسفة آخري منذ فجر الفلسفة اليونانية.

 ويجب أن نشير إلي ملاحظة مهمة أن هيدجر يرفض أن يصنف بأنه فيلسوف وجودي، ويصف نفسه بأنه فيلسوف علم الوجود أو فيلسوف انطولوجي. والسؤال المحوري في فلسفة هيدجر هو سؤال عن الوجود منه تبدأ كل ودروبها وإليه تؤوب، وهذا لا يعني أن فلسفة هيدجر تفتقر إلي الجدة وثراء الممكنات، كما لا يعني أن تفكير هيدجر لم يخضع لتحول، إذ أن هيدجر الذي شق ضربًا جديًدا في التفلسف ابتداء من كتابه (الوجود والزمان) قد طرا عليه تطور ملحوظ فابتداء من محاضرته (ما الميتافيزيقا) التي ألقاها في عام 1935 بدا ينحو نحو البحث في الموجود بما هو موجود. ونشير بداية إلي حقيقة مهمة وهي أننا لا نستطيع أن ندرس الوجود عند هيدجر بدون دراسة الموجود الإنساني، لان الموجود الإنساني هو نقطة انطلاقه لدراسة الوجود. والسؤال المطروح الآن ما هو الموجود؟ وما هي الموجودات؟ يجيب هيدجر بقوله أننا نطلق كلمة الموجود علي أشياء كثيرة وبمعان مختلفة، فالموجود هو كل ما نتحدث عنه وما نسلكه حيال كذا، والموجود أيضا نحن أنفسنا نكونه . وإذا كانت كل الموجودات بما هي موجودات توجد وتظهر في نور الوجود، فهل بإمكان جميع الموجودات الاخري أن تكشف لنا عن هذا الوجود بنفس الدرجة أم أن من الموجودات ما تتجلي فيه الوجود بشكل أوضح عن باقي الموجودات؟ بطبيعة الحال هناك موجود بعينه يملك بطبيعة وجوده الكشف بشكل أوضح من سائر الموجودات  عن الوجود، أنه ذلك الموجود الذي يملك إمكانية التساؤل عن الوجود، أو بالاحري يملك إمكانية التساؤل عن وجوده هو ذاته، لان الوجود هو في الحقيقة وجوده، وهو يملك الوجود بالقدر ذاته الذي يملك به الوجود. إذن الوجود والإنسان ينسبان لبعضهما وينتميان لبعضهما، ووفقا لذلك فان الوجود نفسه ينتمي إلينا، لأنه يسكن فينا، يعني يحضر فينا علي نحو أصيل دون سائر الموجودات، وهذا الموجود يكونه كل منا. وعلي أيه حال يري هيدجر أن الوجود والموجود وخاصة الموجود الإنساني يتمتع دون سائر الموجودات بالأولوية لماذا؟ لأنه وجود حقيقي، كما أنه في نفسه انطولوجي. ويشير هيدجر إلي حقيقة مهمة وهي وجود علاقة وثيقة بين الإنسان والكينونة عبر عنها أن من ذكر اسم الإنسان فقد ذكر بالضرورة اسم الكينونة، أيضا إذا كان الإنسان مناط بالكينونة فان الكينونة مناطة بالإنسان. وحاصل القولين أن الأصل في الإنسان أنه كائن منطرح أو منقذف، وهو منطرح لا إلي العدم أو الخواء، وإنما منطرح إلي حقيقة الكينونة التي يسهر عليها ويحافظ عليها. فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي يفهم الكينونة، وهو الذي يهمه أمر الكينونة. فالكينونة في حاجة إلي الإنسان إلي احتياجها إلي كنهه حتى تنبسط. ثم يتدرج حديث هيدجر إلي الهوية من خلال كتابه الشهير (الهوية والاختلاف) ويري أن مفهوم الهوية قدم دوما من خلال المعادلة الشهيرة (أ=أ) غير أن حقيقة مبدأ الهوية تتجاوز هذا التعريف لمفهوم الهوية. ويقول علي لسان أفلاطون والذي يتكلم علي لسان الغريب في محاورة السفسطائي أن كل واحد منهم الآن مختلف عن الآخرين، ولكنه بذاته هو نفسه بالنسبة إلي ذاته . يريد هيدجر أن يقول أن مبدأ الهوية يفصح عن الصيغة التالية : أن كل واحد بالنسبة إلي ذاته وأن كل واحد هو بذاته مع نفسه، فالهوية فينا تستنتج منطقيا العلاقة المشار إليها بحرف الجر مع أي توسط وارتباط أي اتحاد مع الوحدة. ومن سمات الهوية عنده أنها تمثل وحدة، لكي تتمثل علاقة الهوية مع نفسها . ويري هيدجر أن الصيغة الجديدة للهوية تفصح عن كينونة كل ما هو موجود، وأن هذه الصيغة الجديدة ستخبرنا بالعلاقة الوطيدة بين الهوية والوجود. فكل كائن له الحق في ذاته والوحدة مع ذاته، فأينما كنا في الوجود فأننا

 نسمع نداء الهوية اي نداء الوجود . فنداء الهوية يتكلم انطلاقا من كينونة الكائن. ويري هيدجر أن الهوية تمثل انتماء مشترك بين الفكر والوجود، فهي تقوم كمماثلة بين الفكر والوجود.

بناء علي ما سبق أن الجوهر الحقيقي لفلسفة هيدجر هو السوال عن الوجود، لان من الوجود تنبثق المعارف الاخري، لذا يسمي هيدجر فيلسوف الوجود الأول. كما اتضح لنا وجود علاقة ووثيقة بين الوجود والهوية، لان نداء الهوية هو نداء الوجود الإنساني

 

بقلم د.عماد الدين ابراهيم عبد الرازق - اكاديمي مصري

 

zouhair khouildi"ينبغي أن تتعرض التربية إلى تحول كلي على ضوء هذين الواقعين: العدد الراهن من الناس والعجز الذي يوجد فيها الكثير منهم والذي يمنعهم من الوصول إلى الثقافة كما وقع تكوينها بصورة تقليدية"1

 يطرح أنطونيو غرامشي المسالة التربوية ضمن تناوله للمشكل الذي يمكن إثارته حول الزوج المفهومي الحضارة والثقافة وفي إطار حرصه على تكوين المثقفين تكوينا ثوريا وتنظيم الثقافة وإصلاح المدرسة بحيث تمنعا ظهور المثقفين العضويين والأكادميين المحافظين وتنتج مثقفين عضويين وأطر ثورية2.

من هذا المنطلق يرفض غرامشي وجهة النظر التي تقول بها الفلسفة المثالية حول عبارة اليوتوبيا السياسية التي تمنح للمفكرين والمثقفين وضعا استثنائيا وتعترف باستقلاليتهم ضمن المجال الإيديولوجي والسياسي.

و يمتحن مسألة إنتاج النخب الفكرية وتكوين شريحة من المثقفين العضويين داخل مجموع الأطر التربوية والمؤسسات التعليمية التي تمدرسوا فيها وضمن المناخ الفكري العام الذي أنتج تصورهم للعالم وللإنسان.

كما أن حضور بعض العلوم والمعارف والاختصاصات على غرار الفلسفة والعلم والأخلاق والقانون والإدارة والتربية بات ضروريا في بناء شخصية ثورية ومن أجل عقلنة الإيديولوجيا الدينية وتنويرها.  

زيادة على ذلك يرفض التمييز الذي يتم في نظم التعليم بين رجال الفكر والفلسفة ورجال الدين والقانون ويبحث عن توفير شروط اجتماعية تساهم في عملية زرع مفهوم المثقف داخل فضاء القداسة دون حدوث مشاكل ودون حصره في الفضاء الدنيوي والقيام بتجارب علمنة على الحياة الثقافية والتربوية بشكل عام .

والحق أن لفظ مثقف يمكن قبوله داخل مؤسسة تربوية تساهم من حيث البدء في إنتاجه وتضع المعايير التي تضبط بين الفعاليات الثقافية التي تنخرط فيها زمر اجتماعية والآراء المشتركة التي ترزح في الجهل. لقد صار الدخول إلى المدرسة أو العزوف عنها والانقطاع عن متابعة دروسها أو مواصلتها هو الذي يحدد المثقف من غيره ويميز المتعلم عن الأمي والمفكر الحر عن التابع الجاهل والإنسان العارف عن الصانع.

بهذا المعنى لا تعاني الحياة التربوية من غياب البعد الثقافي ومن تفشي الجهل والخرافة بل يئن من هيمنة المطالب الاقتصادية التي تطرح ضمن حاجيات السوق والوظيفة الإيديولوجية التي يقدمها التعليم للسياسة.

ثمة أخطاء من جهة المناهج المتبعة ضمن المنظومة التربوية ومن جهة نسق العلاقات بين جملة الفاعلين التربويين وقد أدت هذه الأخطاء إلى تعقد الوضعية وبروز مشاكل مستعصية أفرغت المدرسة من دورها التنويري ومن أبعادها التوعوية والتثقيفية وجعلتها تقتصر على التكوين والإعداد وفق البرمجة الإدارية.

إذا كانت المدرسة تفصل بين النشاط الذهني والجهد العضلي وبين التعليم النظري والفعل الميداني فإن خلق شريحة موهوبة من الخرجين تقتضي التأليف بين البعدين والجمع بين تمرين الذكاء وتقوية الجسم. على المدرسة أن تأخذ بعين الاعتبار تصورا للإنسان يضم الصناعة إلى المعرفة والتعمق في البحث إلى التوسع في الأبعاد وتضيف البراعة اليدوية إلى الموهبة الفكرية وشرط التخصص إلى النظرة الموسوعية. على هذا النحو يفترض أن يكون التعليم قادرا من جهة عناصره التكوينية والأسس التي استند عليها وتصوراته للعالم وتفسيره للحياة على تخريج العديد من المهن والمهارات من جميع الأصناف والحرف وأن يكون منبع ميلاد المثقف والمفكر والفيلسوف والفنان والخبير والسياسي والقانوني والإداري وغيرهم.

كما تعمل الثقافة الراقية على التقليل من المسافات الفاصلة بين الكائن البشري الذي يتقاسم مع غيره تصورا عن العالم من جهة ذائقته الفنية وضميره الأخلاقي والكائن البشري الملتزم بقضايا مجتمعه والمدافع عن القيم الكونية في النطاق السياسي الذي يخصه من خلال نشاطه الصحفي ونضاله السياسي.

بطالب غرامشي بأن يتحول الإنسان العارف والإنسان الصانع إلى كائن واحد من أجل تطوير مفهوم جديد عن المثقف العضوي يطرح المشاكل الفعلية التي تتناسب مع الحقبة الصناعية وينتج أشكال حياة جديدة. لكن كيف تقدر التربية التقنية التي ترتبط بالعمل الصناعي الأكثر بدائية وتعبا على تكوين مثقفين مبدعين؟

يطرح غرامشي قضية إصلاح التعليم في اتجاه التربية على الإبداع والالتزام ويطلب تشكيل مقاما وجوديا للمثقف الجديد الذي يتعدى الحضور الشكلي عبر الخطابة إلى الفعل في الحياة العملية بشكل ملموس من حيث هو مبدع ومنظم وموجه ومقنع بصورة محايثة وينتقل بالتجربة من تقنيات الشغل إلى العلوم التقنية.

لا يتم الخروج من العالم القروسطي بالنسبة المجتمعات المتأخرة إلا بإتباع سياسة تربوية تركز على تنظيم الحياة المدرسية وفق المقولات المتطورة والتجارب العصرية والنماذج الناجحة التي تمكنت من توسيع دوائر التثقيف في كل فرد وكل مجموعة ومن الإكثار من فئة المختصين والمبدعين للنمط العالي للثقافة.

بهذا المعنى يضع غرامشي على ذمة مشروع بلورة الثورة الثقافية كل الأجهزة الإيديولوجية التي تتشكل منها البنية الفوقية للمجتمع بما في ذلك المؤسسات التربوية التي تمثل الواجهة الأمامية للتحديث والارتقاء.

  بيد أن تنظيم المؤسسات التربوية قد يعتريه الخلل من جهة التخصص والتراتبية وغلبة الامتداد العمودي على الامتدادي الأفقي وهيمنة مادة التقنية الصناعية ومجال بناء الآلات على مادة العلوم الإنسانية والآداب التي تسهر على صناعة العقول والضمائر وتنتج أدوات الصعود الحضاري وقوى التحرر الاجتماعي.

على هذا الأساس يناضل أنطونيو غرامشي في اتجاه تضمين المؤسسات التعليمية بنية ديمقراطية في مستوى البرمجة والتدريب ويحرص على العودة إلى الواقع الملموس ومعالجة انخفاض الوعي والتصدي للبطالة والفقر ويتخلى عن التحرك فوق ميدان ديمقراطي مجرد تتحكم فيها مسارات تاريخية تقليدية.

 قد يؤدي اعتماد غرامشي على أسلوب السياسة المباشرة التي تتعهد بإصلاح فلسفة الحشود والانتقال من الحس المشترك إلى الحس السليم إلى تبني أسلوب التعليم عن قرب ومراجعة النزاعات الوضعية والمثالية. علاوة على ذلك يبتعد غرامشي عن تنزيل المسألة التربوية ضمن إطار العلاقة بين التعليم وعالم الإنتاج ويركز على القوى الاجتماعية الأساسية والوسائط المعرفية التي توكل إليها مهمة تنظيم الإدارة وبلورة الطوابق التي تكون البنية الفوقية بصورة هيكلية وعقلنة الروابط بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي.

لقد أدى التوزيع المختلف لأنماط متنوعة من المدارس على الأرضية الاقتصادية إلى تكريس فجوة من حيث الجودة والمستوى بين مدارس المهن والحرف والفنون والمدارس الكلاسيكية التي تعيد إنتاج السائد. على الرغم من كون المؤسسات التعليمية الخاصة بالبرجوازية الريفية دأبت على إنتاج شريحة الموظفين وفئة المهن الحرة بينما تنتج تلك التي تخص البرجوازية الحضرية شريحة الصناعيين والتقنيين والخبراء.

بهذا المعنى تساهم  نظم التربية ومؤسسات التعليم في تمكين الهيجيمونيا من الهيمنة على الحياة السياسية وتحكم في بقية الشرائح الاجتماعية والفردية وتمنح المشروعية للدولة وتساعد النظام القانوني على الحكم.

يبدو أن المناخ العام الذي تشكلت فيه المدرسة في الحقبة المعاصرة ينبني على تعقد الأنشطة التطبيقية وتجذر العلوم في الحياة العامة وتغلغل التخصص في مختلف جوانب المعرفة البشرية والذكاء العملي.

على هذا النحو يميز غرامشي بين النمط الإنسانوي للمدرسة الذي يتعلق بالعصر القديم ويقوم بتطوير الثقافة العامة لدى الفرد من حيث القدرة على التفكير والمعرفة وتوجيه في الحياة الاجتماعية وبين النمط التخصصي الذي تفرد باختراع نسق من الاختصاصات التطبيقية التي تنمي لدى المتكونين جملة من المهارات وتدرب الملكات على عدد من الاقتدارات الدقيقة في مجالات صناعية فنية وأبعاد مهنية متنوعة.

لقد تفطن غرامشي إلى خطورة الأزمة التي يمكن أن يعاني منها القطاع التربوي بسبب غياب التنظيم وضعف البرمجة والكادر المؤهل وشيوع الفوضى وتعدد الأخطاء في المناهج المتبعة والتوجهات العامة.

كما أن المدرسة الكلاسيكية بقيت حكرا على الطبقات المهيمنة وتقوم بمهمة تخريج فئة المثقفين الذين يحافظون على هذه الهيمنة بينما المدرسة المهنية ظلت مشرعة أمام الشرائح الاجتماعية الصاعدة وتنتج فئة من التقنيين والحرفيين والصناع الذين يفتقدون إلى الثقافة العامة والوعي السياسي الضرورة للتغيير.

تتمثل الصورة العقلية لهذا التربوي المعاصر في بناء القاعدة الصلبة لكل تنمية اقتصادية وتوفير الموارد البشرية المؤهلة لكل انطلاقة تحديثية للمجتمع بالنظر لتمتعها بقدرة تكوينية تأسست على تراكم التحضر.  لذا يراهن غرامشي على نمط جديد من المدارس غير مكترث بالتكوين والتوجيه ومعني بالتثقيف والتنوير يغلب درجات الجودة والنوعية والكيفية والكفاءة والاقتدار على الكم العددي والمستقبل المهني للمتعلمين.

يطالب غرامشي بالتعويل على مدرسة موحدة مختصة في الثقافة العامة تجمع بين كسب القيم الإنسانية والمهارات التكوينية وتحقق التوازن بين تطوير ملكات النشاط الذهني وقدرات العمل العضلي واليدوي.

تتمثل الخطة المرصودة لهذه المدرسة في مراكمة الذكاء والابتكار والتشجيع على العمل الخلاق والحاذق وتنمية روح المبادرة لدى الأفراد واتجاه مختلف الممارسات المختصة في بعث حلقاتها الثقافية الخاصة. لكن كيف يمكن المرور من مدارس متخصصة في مهن دقيقة إلى المدرسة موحدة في التثقيف والتنوير؟

يتحدث غرامشي على المؤسسات التي تحتضن المبدعين في المرحلة التي تعقب التمدرس المختص ويشير إلى تنظيم الشروط الذاتية والأطر الموضوعية التي تسمح لكل فرد بأن يسير في اتجاه الارتقاء بمستواه الى درجة فوق مدرسية  postscolaire تفيض بالقيمة والمعرفة والتربية على الثقافة والسياسة3.

يمكن التمييز داخل كل جهاز إداري تربوي بين بعدين عضويين: الأول هو نشاط تحرري ثقافي والثاني هو نشاط تقني صناعي، ويفترض أن يكسب التمدرسُ الإنسانَ الخبرة في التحليل واتخاذ القرار الصائب.

 لا تهدف المدرسة إلى إنتاج معرفة مطابقة بشكل تقريبي للواقع الاجتماعي الذي تتوجه إليه ولا تمثل مرآة عاكسة للقضايا الشائكة للزمن التاريخي الذي توجد فيه وإنما هي ورشة عمل كبرى يشتغل فيها الفاعلون التربويون حول الطرق النظرية والمسالك العملية والدورات التدريبية التي تساعد المرء على خلق الحياة.

صحيح أن الدولة هي التي تشيد المدارس والمعاهد والكليات وتضع البرامج وتسهر على التوجيه والإدارة ولكن الفعل التربوي الهادف يظل من مشمولات الناشطين في هذا المجال وقدرتهم على التفاعل والابتكار.

كما يتطلب كل تحول مأمول في النشاط المدرسي تطويرا في التنظيم العملي للمدرسة من جهة تحسين في الأبنية وتغيير في المادة العلمية وخلق ديناميكية في الإطار الإداري وتجديد شباب المدرسين والأساتذة4. من ناحية أخرى يبحث غرامشي في العلاقة بين المعلمين والمتعلمين ويرى أنه كلما كان عددهم أقل كانت العلاقة أصعب وظهرت المراتبية والتعالي وكلما ازداد عددهم وتنوع كلما يسرت العلاقة وظهرت الأفقية.

هكذا تتوقف نجاعة المؤسسة التربوية وقدرته على تشريع القيمة وإضفاء المعنى على وجود المتعلمين في العالم على إيجاد علاقة تفاعلية بين المتعلمين والمعلمين وعلى بلورة تعاقد بيداغوجي وفق منطق حواري قوامه لعبة الأسئلة والأجوبة وضمن إطار تشاركي بين التخصصات المتنوعة يتحمل فيها الكل المسؤولية.

 من هذا المنطلق ينصب جهد المؤسسة في الفترة الأولى من التعلم على مسارات القراءة والكتابة والفهم ثم يقع التركيز على مهارات مركبة مثل الحساب ويتم الانتقال بعد ذلك نحو ماهو أكثر تعقيدا مثل تحليل المشاكل ونقد الدغمائيات وفتح الدوائر المغلقة وتأليف المتنافر وإقامة تصور جديد للعالم مكان ماهو قديم.

من المفروض أن تدخل المدرسة في صراع مع الجهل والخرافة والتقاليد البالية وأن تواجه جل العناصر الضارة من الفلكور وتجادل الخطابة وتنقي أقوال البشر من المغالطات وتتسلح بالمقاربات الموضوعية.

يعود غرامشي إلى الفترة التي تسبق عملية التمدرس وينصص على ضرورة أن تكون الأسرة هي الرحم التربوي الأول وأن تتضمن عناصر عامة تدرب على المعرفة وتدفع إلى التفكير وتوجه نحو حب الحكمة. بطبيعة الحال يصبح التنظيم العقلاني داخل المدرسة تتمة وتتويج للتنظيم الاجتماعي الذي كان انطلق في العائلة في مرحلة الطفولة ويتدعّم من قبل أجهزة الدولة في المرحلة المدنية ضمن سير الحياة الجمهورية.

يجد الطفل في الحياة الأسرية الطبقات الفكرية التي تمنحه العناصر التربوية والقواعد التوجيهية وتمثل تحضيرا جيدا للحياة المدرسية التي لن تكون سوى عمليات استنبات واستخراج واستكمال وتتمة لها 5.

 في ظل عملية التعميم والتوسيع والتبسيط التي تعرض لها التعليم وما خلفت من مشاكل وأزمات انعكست على مستوى البطالة والهجرة والأمية تحتاج المؤسسات التربوية بشكل استعجالي خارج المراوحة بين التنظيم الذي ظل سائدا في الفضاء الديني والطريقة العسكرية في ترتيب الأولويات والانضباط والأداء إلى إتباع تنظيم ديمقراطي وعقلنة ذاتية في التسيير تطور الحقوق والواجبات مع استحقاقات المجتمع والدولة.

لا يمكن الدخول في التسرع عند القيام بمراجعات للتنظيم المتبع في المؤسسات التربوية ويُفتَرَضُ التركيز على تيسير طرق التعلم لدى الناشئة ومجابهة الصعوبات وتمكين المتعلمين من وسائل التعبير والمعرفة. التحدي الكبير الذي يطرح في نمط التعليم ومضمون البرنامج وأسلوب النظام التربوي هو البحث عن التطابق مع التجربة المتراكمة لدى المعلمين والنفور من التجديد والمختلف وغياب الشخصيات النموذجية والأخلاقية التي تنقل المتعلم من مرحلة الضياع والتردد التي يعاني منها أغلب الشباب إلى مرحلة الكهولة.

 في هذا السياق يضع غرامشي يده على الداء الذي تعاني منه المنظومة التربوية ويكمن في صعوبة الانتقال من المدرسة إلى الجامعة وبالتالي تشهد مرحلة المعهد حدوث العديد من التغيرات والمشاكل للمتعلم على الصعيد النفسي والعاطفي والاجتماعي والاقتصادي وتصادم رغبة انجاز الذات مع احترام أخلاق المجموعة التي ينتمي إليها ويتناقض مطلب الاستقلالية عن العائلة مع منطق المؤسسات القائمة.

يحاول المتعلم أن يجمع بين دوغمائية التواصل والاستمرارية في مستوى الرموز الثقافية والفولكلور وثورية الانفصال والقطيعة التي يطمح إلى بلورتها على صعيد الالتزام الوجودي والنضال السياسي.

يبدو المتعلم من جهة الذاكرة والتاريخ الماضي محافظا ومطيعا ولكنه من جهة العمل والخيال والحلم واعيا بأهمية الممارسة النقدية وضرورة التسلح بالأمل في تغيير الأوضاع الجماعية من أجل الانعتاق من الظلم.

الرد على التردي الذي تعاني منه التربية لا يكون بإعادة إنتاج السائد بشكل ميكانيكي وتكريس الامتثالية الاجتماعية والخضوع التام للقيم البالية وإنما يكمن في ممارسة الخلق والإبداع والثورة على البيروقراطية.

يدور محور العملية التربوية حسب غرامشي حول القيم الأساسية التي نادت بها النزعة الإنسانوية وبالخصوص التنوير العقلي بدل التعصب الايديولوجي والحرية بدل العبودية والكرامة بدل التشيؤ والاستقلالية الأخلاقية بدل الاغتراب الاقتصادي والانضباط الذاتي بدل الامتثالية الاجتماعية.

تنبني المدرسة الإبداعية على  تنمية الحس النقدي والشعور بالمسؤولية والتخصص المفيد والممارسة الخلاقة والتمرس بالمناهج والتطبيقات النافعة والاستعمالات الاجتماعية للنصوص والطاقة الايجابية.

يضيف غرامشي إلى المدرسة الخلاقة ecole créatrice مفهوم المدرسة النشطة أو الايجابية active ويمنحها خاصيات البعد التحرري وثيمة القيم الجديدة التي تتماشى مع الأجيال الناشئة وتواكب المستقبل وتنهل من المنبع الطبيعي بالقطع مع العقلانية الكلاسيكية والمرحلة الرومنطيقية وتبلور مناهج مبتكرة وتشكل صور غير معهودة وتوسع من دوائر التشاركية المرنة وتساعد نمو الشخصية المستقلة والمسؤولة.

اللاّفت للنظر أن التطرق إلى المدرسة الإبداعية يفترض أن يقترن بممارسة الإبداع والخلق والابتكار من طرف المتعلمين أنفسهم وأن يمتلكوا المناهج والآليات المساعدة على ذلك وليس النسخ والتقليد والتكرار.

 يتعلق الأمر بمرحلة وبمنهج في البحث وبمعرفة وليس ببرنامج محدد بشكل مسبق مع إلتزام بالأصالة والاكتشاف مهما كان الثمن. يتعلق الأمر بتدرب يتم عن طريق جهد عفوي ومستقل عن الأستاذ والمشرف وقد يفضي هذا المسار التحديثي إلى تحول الفضاء التربوي إلى مصنع للمكتشفين والمخترعين والمبدعين.

يدعو غرامشي إلى التخلي عن الإكراه السلطوي التي يمارسه المعلم على المتعلم وأن تكون العلاقة بينهما متأسسة على الاحترام والتقدير وأن يوجه المعلم المتعلمين بشكل ودي وإقناعي ويدفعهم إلى التعلم الذاتي ويساعدهم على تثقيف ذواتهم وصقل شخصياتهم بأنفسهم واكتشاف الحقائق الجديدة بملكاتهم التي تخصهم.

من المفروض أن تتشكل علاقة تفاعلية بين الجهد الذهني والعمل العضلي في حدثان المدرسة الموحدة وأن يؤدي الشغل داخل المكتبات والمخابر وحلقات النقاش ودروس التطبيقي والمسير إلى تراكم الإبداع.

لكن ماهو المبدأ التربوي الذي وقعه غرامشي ونادي بتلقيح الأجسام الثقافية والأجهزة الإيديولوجية به؟

من المعلوم أن المدرسة تقوم بدور الوسيط بين الإنسان ومحيطه الاجتماعي وتردم الفجوة بين الثقافة والحياة وتقرب المسافة التي كانت تفصل بين أبناء الطبقات المالكة والمنحدرين من الطبقات الشعبية. ويزداد هذا الامتزاج والاختلاط والتلاقي في الفضاء الجامعي حيث تمحي الفوارق وتتوقف عملية الفرز ويتم الاحتكام إلى القيمة الأكاديمية في الانتقاء وإسناد الدرجات العلمية والجدارة المهنية وكفاءة التواصل.

من المفترض أن يتوازى البحث العلمي في الجامعة مع الأنشطة الثقافية في المجتمع المدني وأن يستفيد الحراك المدني في الحياة السياسية من الأعمال الأكاديمية التي يتم بلورتها في المؤسسات الجامعية وذلك من أجل التخلي عن المركزية وتمكين الجامعة من ممارسة وظيفتها التنويرية بالنسبة للمجتمع والأفراد.

يقوم المبدأ التربوي على السعي إلى طلب العلم في الحياة بأسرها من جهة وعلى تقديس قيمة العمل في اتجاه جلب المنفعة ودفع المضرة من جهة أخرى. بيد أن إحراز درجة عالية من الإنتاجية والتنمية غير ممكن دون تحصيل معرفة دقيقة بقوانين الطبيعة ودون احترام الترتيبات التي تنظم العلاقات بين الأفراد.

أن الأساس الأول الذي تستند إليه المدرسة هو نقد المستوى الثقافي للناس والارتقاء بدرجة الوعي المدني لديهم وتسليحهم بالأفكار الفلسفية التي تعتبر عن رؤيتهم للعالم وتحيين ذاكرتهم ضمن لحظتهم التاريخية6. على هذا النحو تكون المؤسسات التعليمية المستقلة هي المنارات التي يهتدي بها المجتمع زمن الاضطراب وتكون الشخصيات الأكاديمية هي البوصلة التي تحدد اتجاه الطريق المدني للشعوب وتمثل أطروحاتهم العلامات المرشدة إلى هذا الدرب الطويل والشاق الذي تتبعه الدول الحية نحو التحضر والانعتاق والتوحد. فإذا كانت البيداغوجيا المثالية تفرق بين التدريس والتربية وتنتج العقلية الدوغمائية التي تقنع بالجاهز وتركن إلى البديهيات وتتعامل مع المعارف على أنها حقائق مطلقة وتسلم بحصة النظريات إلى الأبد فإن التنظيم الجديد للحياة المدرسية يكرس التعددية من خلال الوحدة في التنوع والتنوع في الوحدة ويتبنى البيداغوجية النقدية التي تسعى إلى البناء والتشييد والتعمير وتمنح المتعلمين فرص التعلم الذاتي وتنمية المهارات وتمكنهم من معايشة الوضعيات التي ترفع المنسوب النضالي لديهم من أجل الوعي بالمسؤولية.

من المفروض أن يتم تنظيم المدرسة بحيث تجمع بين الحياة المشتركة وتقاسم الفضاء العمومي بين الأفراد المكونة لها وبين احترام الحياة الخاصة ومنح المتعلمين عدة فرص للتعبير عن نماء شخصياتهم وذكائهم.

إن تغلب المدرسة على أزمتها رهين التخلي عن الميكانيكية في البرمجة والتطبيق وعن الفصل بين الذهني والعضلي وبين الإنسان العارف والإنسان الصانع والتحلي بالتربية الذاتية الذهنية والاستقلالية الأخلاقية وامتلاك فاض القيمة من جهة الدقة الأكاديمية والتسلح بالمناهج والتجارب عند دعوة الوقائع والظواهر.

الوصفة السحرية التي ينادي بها غرامشي هي مدرسة الإبداع وبيداغوجيا الابتكار التي تؤمن بالتخصص والجدارة دون التحول إلى بيروقراطية وتحرض على بناء النظرة الموسوعية دون الوقوع في العموميات.

تكمن الوظيفة الايديولوجية لهذه المدرسة في التصدي لبرامج التسطيح والبلاهة ومقارعة الجهل والخرافة والتقليل من هيمنة الاقتصادوي على السياسي والاعتصام بالثقافي والإيتيقي وتقر بلزومية الإبداع الفني. بهذا المعنى تخرج المدرسة العناصر الاجتماعية من السلبية الفكرية ومن الثقافة الاستعراضية والمناسباتية وتمنحهم من خلال التنظيم العقلاني والانخراط العضوي من المنفعة العمومية والصلابة الاجتماعية وتجعل من النشاط العلمي القاعدة الأساسية للتغيير الاجتماعي والتحديث السياسي للشعب.

يطالب غرامشي بإدراج العمل الأكاديمي ضمن الأنشطة الثقافية التي تتم في الحياة المشتركة وفي عالم الشغل والإنتاج دون المرور بوساطة الدولة والمجتمع السياسي والتعويل على المجتمع المدني وأجهزته.

في هذا الإطار قد تساعد الجامعة من خلال تنظيم المؤتمرات والندوات والدروس والمحاضرات على تجنب الوقوع في العديد من الأخطاء وتفادي الكثير من المآزق والخيارات الفاشلة وفي المقابل توفر بشكل استباقي واستراتيجي الأبعاد التقنية للمشاكل الاقتصادية والقيم الأخلاقية للتحولات السياسية وعقلنة العمل الموجه نحو دراسة المجتمع وتخليد ذاكرته ومراجعة تاريخه وتفقد عناصر القوة في الاقتصاد الوطني7.

اللافت للنظر أن غرامشي يراهن على التلازم بين قيمة التمدرس وقيمة التربية وعلى الاقتران الضروري بين ارتفاع المستوى الإيتيقي وارتفاع المستوى التعليمي في العناصر التي تكون بنية المنظومة المدرسية.

لن يتحول التدريس إلى تربية إلا إذا كان المدرس يؤمن بشكل مبدئي بالوحدة العضوية بين المدرسة والحياة وصار واعيا عبر عمله الحي بالتناقضات بين نمط المجتمع والثقافة التي يمثلها بشكل غير معهود ونمط المجتمع والثقافة التي يتبناه المتعلمين من منظور الحس المشترك ويمثل النظام السياسي القديم. لعل مسؤولية المدرس كبيرة في هذه المهمة ، إذ لا يقتصر عمله على إيجاد حلول شعرية للمشاكل تصوريا وداخل إطار المؤسسة التي ينتمي إليها وإنما يضطر للنزول إلى الشارع والانخراط الميداني في الصراع لكي يؤثر في المتلقين ويكافح ضد النمط القديم من المدرسة ويفتح العالم التربوي على معنى مختلف. يطلب الآن من المربي أن يكون فنانا وفيلسوفا ومهندسا وحقوقيا وعالما لكي يتمكن من النفاذ إلى قلوب المتعلمين ووجدانهم من أجل امتلاك عقولهم وتدريب ملكاتهم على المعرفة والفهم والإحساس والاقتناع.

لا يوجه الصراع ضد البرامج بصورة شكلية ومجردة وإنما كل المجمع المركب الذي يمثله الأشخاص الذي يحملون البرامج القديمة ويحتلون المواقع ويشكلون عقبة نابذة لكل تجديد ومانعة لكل تطور وتقدم.

تلعب الصدفة دورا كبير ا في النجاح بالنسبة إلى البعض ويطلب من المتعلمين إتقان فن التعريف والقيام بتحليل صحيح لقضية معينة وإصدار حكم موضوعي على مسألة شائكة ولكن ذلك ليس دليلا كافيا على الارتقاء بالمستوى الثقافي والإيتيقي للمتعلمين على الرغم من الارتقاء في الدرجات وإحراز الألقاب8.

المفارقة أن مدرس جديد قد يبلد أذهان المتعلمين ويفرغ التعليم من محتواه عندما يظل يتحرك ضمن برنامج قديم ويشتغل بالطرق القديمة وأن مدرس قديم قد يشحذ الذكاء ويوقظ الوعي لما يعمل ببرنامج جديد ويبتكر طرق بيداغوجية مختلفة ويوجه الاهتمام نحو الحياة المألوفة ويغادر الموقف الطبيعي. ماهي مبادئ البيداغوجيا الجديدة التي يقترحها غرامشي؟

بيت القصيدة حسب غرامشي هو ضمان النجاعة التربوية للمؤسسة التعليمية وهو أمر لن يتم إلا إذا توفرت إرادة وجود للمدرسة العمومية تنظيما وبرمجة ورفع مستوى الحلم بعالم جديد ضمن الحياة. لهذا فإن فصل المدرسة عن الحياة وتجنيبها الصراع وقبول البرامج الحالية والتنظيم الإداري الراهن يعني تركز الأزمة تستفحل داخل المشهد التربوي وإعداد المتعلم من أجل مشاركة نشطة وفعالة هو بداية المخرج. إن التخلص من الانفعالية السلبية في مستوى التقبل لدى المتعلم ومن الصورة الميكانيكية في الدراسة على مستوى الإملاء والتلقين والحفظ والتكرار والنسخ عند الاختبار هو توجه جدي للقطيعة من التعليم القديم. على هذا النحو الهدف من قيام المدرسة الإبداعية ليس مهنيا فقط بل بناء التنمية الداخلية للشخصية بأن يكون ذاته بمعرفته لذاته وفق حداثة متعددة الأصوات وبحسن الوجود في العالم والالتقاء المفيد بالآخر. بناء على ذلك تظل الجامعة تدور في حلقة مفرغة من الإنتاج وإعادة الإنتاج وقد تشكل بيئة أكاديمية فقيرة وبعيدة كل البعد عن خلق كفاءات علمية مؤثرة وأطر معرفية مناضلة تستطيع أن تقود المرحلة التاريخية. بطبيعة الحال   يتضمن البرنامج التربوي التاريخ السياسي للدولة وعناصر النسق اللغوي ومبادئ الدين الحميد ومدونة القانون الوضعي والبعد الوطني الشعبي للثقافة ودراية بالمحيط الجغرافي والحضاري وبالعلوم الدقيقة.

اذا كانت المدرسة القديمة فاسدة ومهترئة وتسببت في نشوب أزمة عضوية فلأنها تناست الديمقراطية والتعددية وشجعت على الأوليغارشية والأنانية وسلحت المتخرجين منها بالطمع والشجع وقيم السوق. لقد ظلت عاجزة من جهة أنشطتها الدورية عن خلق عقول مفكرة تكون قادرة على التخطيط العلمي للمستقبل وقيادة المرحلة التاريخية المضطربة ومارست الإقصاء والازدراء على المجتهد والمبدع والمختلف.

رأس الأمر اليوم في المدرسة الإبداعية ليس الاكتفاء بتوفير الأيدي العالمة بل نحت المواطن الذي يصيرا حاكما لنفسه ومحكوما ضمن ديمقراطية سياسية يتساوى فيها بطريقة أفقية الحكام والمحكومين أمام الحق.

علاوة على أن المدرسة الإبداعية تقلل قدر الإمكان الدوغمائية والبيروقراطية والميكانيكية والمثالية في التعليم وتوسع دوائر العدالة عبر تبني نزعة نقدية تاريخية وعناية بالبراكسيس والمشاركة والتكيف9.

ترتكز المدرسة على الانفتاح والنشاط والحرية والارتباط بالحياة والصراع ضد النظام الطبيعي من أجل خلق الإنسان والعمل على تخطي العفوية والوعي بالزمن والاتصال بالتاريخ واستهداف حضارة جديدة.

" ينبغي أن تتعرض التربية إلى تحول كلي على ضوء هذين الواقعين: العدد الراهن من الناس والعجز الذي يوجد فيها الكثير منهم والذي يمنعهم من الوصول إلى الثقافة كما وقع تكوينها بصورة تقليدية"10

 يطرح أنطونيو غرامشي المسالة التربوية ضمن تناوله للمشكل الذي يمكن إثارته حول الزوج المفهومي الحضارة والثقافة وفي إطار حرصه على تكوين المثقفين تكوينا ثوريا وتنظيم الثقافة وإصلاح المدرسة بحيث تمنعا ظهور المثقفين العضويين والأكادميين المحافظين وتنتج مثقفين عضويين وأطر ثورية11.

من هذا المنطلق يرفض غرامشي وجهة النظر التي تقول بها الفلسفة المثالية حول عبارة اليوتوبيا السياسية التي تمنح للمفكرين والمثقفين وضعا استثنائيا وتعترف باستقلاليتهم ضمن المجال الإيديولوجي والسياسي.

و يمتحن مسألة إنتاج النخب الفكرية وتكوين شريحة من المثقفين العضويين داخل مجموع الأطر التربوية والمؤسسات التعليمية التي تمدرسوا فيها وضمن المناخ الفكري العام الذي أنتج تصورهم للعالم وللإنسان.

كما أن حضور بعض العلوم والمعارف والاختصاصات على غرار الفلسفة والعلم والأخلاق والقانون والإدارة والتربية بات ضروريا في بناء شخصية ثورية ومن أجل عقلنة الإيديولوجيا الدينية وتنويرها.  

زيادة على ذلك يرفض التمييز الذي يتم في نظم التعليم بين رجال الفكر والفلسفة ورجال الدين والقانون ويبحث عن توفير شروط اجتماعية تساهم في عملية زرع مفهوم المثقف داخل فضاء القداسة دون حدوث مشاكل ودون حصره في الفضاء الدنيوي والقيام بتجارب علمنة على الحياة الثقافية والتربوية بشكل عام .

والحق أن لفظ مثقف يمكن قبوله داخل مؤسسة تربوية تساهم من حيث البدء في إنتاجه وتضع المعايير التي تضبط بين الفعاليات الثقافية التي تنخرط فيها زمر اجتماعية والآراء المشتركة التي ترزح في الجهل. لقد صار الدخول الى المدرسة أو العزوف عنها والانقطاع عن متابعة دروسها أو مواصلتها هو الذي يحدد المثقف من غيره ويميز المتعلم عن الأمي والمفكر الحر عن التابع الجاهل والإنسان العارف عن الصانع.

بهذا المعنى لا تعاني الحياة التربوية من غياب البعد الثقافي ومن تفشي الجهل والخرافة بل يئن من هيمنة المطالب الاقتصادية التي تطرح ضمن حاجيات السوق والوظيفة الإيديولوجية التي يقدمها التعليم للسياسة.

ثمة أخطاء من جهة المناهج المتبعة ضمن المنظومة التربوية ومن جهة نسق العلاقات بين جملة الفاعلين التربويين وقد أدت هذه الأخطاء إلى تعقد الوضعية وبروز مشاكل مستعصية أفرغت المدرسة من دورها التنويري ومن أبعادها التوعوية والتثقيفية وجعلتها تقتصر على التكوين والإعداد وفق البرمجة الإدارية.

إذا كانت المدرسة تفصل بين النشاط الذهني والجهد العضلي وبين التعليم النظري والفعل الميداني فإن خلق شريحة موهوبة من الخرجين تقتضي التأليف بين البعدين والجمع بين تمرين الذكاء وتقوية الجسم. على المدرسة أن تأخذ بعين الاعتبار تصورا للإنسان يضم الصناعة إلى المعرفة والتعمق في البحث إلى التوسع في الأبعاد وتضيف البراعة اليدوية إلى الموهبة الفكرية وشرط التخصص إلى النظرة الموسوعية. على هذا النحو يفترض أن يكون التعليم قادرا من جهة عناصره التكوينية والأسس التي استند عليها وتصوراته للعالم وتفسيره للحياة على تخريج العديد من المهن والمهارات من جميع الأصناف والحرف وأن يكون منبع ميلاد المثقف والمفكر والفيلسوف والفنان والخبير والسياسي والقانوني والإداري وغيرهم.

كما تعمل الثقافة الراقية على التقليل من المسافات الفاصلة بين الكائن البشري الذي يتقاسم مع غيره تصورا عن العالم من جهة ذائقته الفنية وضميره الأخلاقي والكائن البشري الملتزم بقضايا مجتمعه والمدافع عن القيم الكونية في النطاق السياسي الذي يخصه من خلال نشاطه الصحفي ونضاله السياسي.

يطالب غرامشي بأن يتحول الإنسان العارف والإنسان الصانع إلى كائن واحد من أجل تطوير مفهوم جديد عن المثقف العضوي يطرح المشاكل الفعلية التي تتناسب مع الحقبة الصناعية وينتج أشكال حياة جديدة. لكن كيف تقدر التربية التقنية التي ترتبط بالعمل الصناعي الأكثر بدائية وتعبا على تكوين مثقفين مبدعين؟

يطرح غرامشي قضية إصلاح التعليم في اتجاه التربية على الإبداع والالتزام ويطلب تشكيل مقاما وجوديا للمثقف الجديد الذي يتعدى الحضور الشكلي عبر الخطابة إلى الفعل في الحياة العملية بشكل ملموس من حيث هو مبدع ومنظم وموجه ومقنع بصورة محايثة وينتقل بالتجربة من تقنيات الشغل إلى العلوم التقنية.

لا يتم الخروج من العالم القروسطي بالنسبة المجتمعات المتأخرة إلا بإتباع سياسة تربوية تركز على تنظيم الحياة المدرسية وفق المقولات المتطورة والتجارب العصرية والنماذج الناجحة التي تمكنت من توسيع دوائر التثقيف في كل فرد وكل مجموعة ومن الإكثار من فئة المختصين والمبدعين للنمط العالي للثقافة.

بهذا المعنى يضع غرامشي على ذمة مشروع بلورة الثورة الثقافية كل الأجهزة الإيديولوجية التي تتشكل منها البنية الفوقية للمجتمع بما في ذلك المؤسسات التربوية التي تمثل الواجهة الأمامية للتحديث والارتقاء.

  بيد أن تنظيم المؤسسات التربوية قد يعتريه الخلل من جهة التخصص والتراتبية وغلبة الامتداد العامودي على الامتدادي الأفقي وهيمنة مادة التقنية الصناعية ومجال بناء الآلات على مادة العلوم الإنسانية والآداب التي تسهر على صناعة العقول والضمائر وتنتج أدوات الصعود الحضاري وقوى التحرر الاجتماعي.

على هذا الأساس يناضل أنطونيو غرامشي في اتجاه تضمين المؤسسات التعليمية بنية ديمقراطية في مستوى البرمجة والتدريب ويحرص على العودة إلى الواقع الملموس ومعالجة انخفاض الوعي والتصدي للبطالة والفقر ويتخلى عن التحرك فوق ميدان ديمقراطي مجرد تتحكم فيها مسارات تاريخية تقليدية.

 قد يؤدي اعتماد غرامشي على أسلوب السياسة المباشرة التي تتعهد بإصلاح فلسفة الحشود والانتقال من الحس المشترك إلى الحس السليم إلى تبني أسلوب التعليم عن قرب ومراجعة النزاعات الوضعية والمثالية. علاوة على ذلك يبتعد غرامشي عن تنزيل المسألة التربوية ضمن إطار العلاقة بين التعليم وعالم الإنتاج ويركز على القوى الاجتماعية الأساسية والوسائط المعرفية التي توكل إليها مهمة تنظيم الإدارة وبلورة الطوابق التي تكون البنية الفوقية بصورة هيكلية وعقلنة الروابط بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي.

لقد أدى التوزيع المختلف لأنماط متنوعة من المدارس على الأرضية الاقتصادية إلى تكريس فجوة من حيث الجودة والمستوى بين مدارس المهن والحرف والفنون والمدارس الكلاسيكية التي تعيد إنتاج السائد. على الرغم من كون المؤسسات التعليمية الخاصة بالبرجوازية الريفية دأبت على إنتاج شريحة الموظفين وفئة المهن الحرة بينما تنتج تلك التي تخص البرجوازية الحضرية شريحة الصناعيين والتقنيين والخبراء.

بهذا المعنى تساهم  نظم التربية ومؤسسات التعليم في تمكين الهيجيمونيا من الهيمنة على الحياة السياسية وتحكم في بقية الشرائح الاجتماعية والفردية وتمنح المشروعية للدولة وتساعد النظام القانوني على الحكم.

يبدو أن المناخ العام الذي تشكلت فيه المدرسة في الحقبة المعاصرة ينبني على تعقد الأنشطة التطبيقية وتجذر العلوم في الحياة العامة وتغلغل التخصص في مختلف جوانب المعرفة البشرية والذكاء العملي.

على هذا النحو يميز غرامشي بين النمط الإنسانوي للمدرسة الذي يتعلق بالعصر القديم ويقوم بتطوير الثقافة العامة لدى الفرد من حيث القدرة على التفكير والمعرفة وتوجيه في الحياة الاجتماعية وبين النمط التخصصي الذي تفرد باختراع نسق من الاختصاصات التطبيقية التي تنمي لدى المتكونين جملة من المهارات وتدرب الملكات على عدد من الاقتدارات الدقيقة في مجالات صناعية فنية وأبعاد مهنية متنوعة.

لقد تفطن غرامشي إلى خطورة الأزمة التي يمكن أن يعاني منها القطاع التربوي بسبب غياب التنظيم وضعف البرمجة والكادر المؤهل وشيوع الفوضى وتعدد الأخطاء في المناهج المتبعة والتوجهات العامة.

كما أن المدرسة الكلاسيكية بقيت حكرا على الطبقات المهيمنة وتقوم بمهمة تخريج فئة المثقفين الذين يحافظون على هذه الهيمنة بينما المدرسة المهنية ظلت مشرعة أمام الشرائح الاجتماعية الصاعدة وتنتج فئة من التقنيين والحرفيين والصناع الذين يفتقدون إلى الثقافة العامة والوعي السياسي الضرورة للتغيير.

تتمثل الصورة العقلية لهذا التربوي المعاصر في بناء القاعدة الصلبة لكل تنمية اقتصادية وتوفير الموارد البشرية المؤهلة لكل انطلاقة تحديثية للمجتمع بالنظر لتمتعها بقدرة تكوينية تأسست على تراكم التحضر.  لذا يراهن غرامشي على نمط جديد من المدارس غير مكترث بالتكوين والتوجيه ومعني بالتثقيف والتنوير يغلب درجات الجودة والنوعية والكيفية والكفاءة والاقتدار على الكم العددي والمستقبل المهني للمتعلمين.

يطالب غرامشي بالتعويل على مدرسة موحدة مختصة في الثقافة العامة تجمع بين كسب القيم الإنسانية والمهارات التكوينية وتحقق التوازن بين تطوير ملكات النشاط الذهني وقدرات العمل العضلي واليدوي.

تتمثل الخطة المرصودة لهذه المدرسة في مراكمة الذكاء والابتكار والتشجيع على العمل الخلاق والحاذق وتنمية روح المبادرة لدى الأفراد واتجاه مختلف الممارسات المختصة في بعث حلقاتها الثقافية الخاصة. لكن كيف يمكن المرور من مدارس متخصصة في مهن دقيقة إلى المدرسة موحدة في التثقيف والتنوير؟

يتحدث غرامشي على المؤسسات التي تحتضن المبدعين في المرحلة التي تعقب التمدرس المختص ويشير إلى تنظيم الشروط الذاتية والأطر الموضوعية التي تسمح لكل فرد بأن يسير في اتجاه الارتقاء بتكوينه. ودعا الى التمييز داخل كل جهاز إداري تربوي بين بعدين عضويين: الأول هو نشاط تحرري ثقافي والثاني هو نشاط تقني صناعي، ويفترض أن يكسب التمدرسُ الإنسانَ الخبرة في التحليل واتخاذ القرار الصائب. وبالتالي لا تهدف المدرسة إلى إنتاج معرفة مطابقة بشكل تقريبي للواقع الاجتماعي الذي تتوجه إليه ولا تمثل مرآة عاكسة للقضايا الشائكة للزمن التاريخي الذي توجد فيه وإنما هي ورشة عمل كبرى يشتغل فيها الفاعلون التربويون حول الطرق النظرية والمسالك العملية والدورات التدريبية التي تساعد المرء على خلق الحياة.

صحيح أن الدولة هي التي تشيد المدارس والمعاهد والكليات وتضع البرامج وتسهر على التوجيه والإدارة ولكن الفعل التربوي الهادف يظل من مشمولات الناشطين في هذا المجال وقدرتهم على التفاعل والابتكار.

كما يتطلب كل تحول مأمول في النشاط المدرسي تطويرا في التنظيم العملي للمدرسة من جهة تحسين في الأبنية وتغيير في المادة العلمية وخلق ديناميكية في الإطار الإداري وتجديد شباب المدرسين والأساتذة12. من ناحية أخرى يبحث غرامشي في العلاقة بين المعلمين والمتعلمين ويرى أنه كلما كان عددهم أقل كانت العلاقة أصعب وظهرت المراتبية والتعالي وكلما ازداد عددهم وتنوع كلما يسرت العلاقة وظهرت الأفقية.

هكذا تتوقف نجاعة المؤسسة التربوية وقدرته على تشريع القيمة وإضفاء المعنى على وجود المتعلمين في العالم على إيجاد علاقة تفاعلية بين المتعلمين والمعلمين وعلى بلورة تعاقد بيداغوجي وفق منطق حواري قوامه لعبة الأسئلة والأجوبة وضمن إطار تشاركي بين التخصصات المتنوعة يتحمل فيها الكل المسؤولية.

 من هذا المنطلق ينصب جهد المؤسسة في الفترة الأولى من التعلم على مسارات القراءة والكتابة والفهم ثم يقع التركيز على مهارات مركبة مثل الحساب ويتم الانتقال بعد ذلك نحو ماهو أكثر تعقيدا مثل تحليل المشاكل ونقد الدغمائيات وفتح الدوائر المغلقة وتأليف المتنافر وإقامة تصور جديد للعالم مكان ماهو قديم.

من المفروض أن تدخل المدرسة في صراع مع الجهل والخرافة والتقاليد البالية وأن تواجه جل العناصر الضارة من الفلكور وتجادل الخطابة وتنقي أقوال البشر من المغالطات وتتسلح بالمقاربات الموضوعية.

يعود غرامشي إلى الفترة التي تسبق عملية التمدرس وينصص على ضرورة أن تكون الأسرة هي الرحم التربوي الأول وأن تتضمن عناصر عامة تدرب على المعرفة وتدفع إلى التفكير وتوجه نحو حب الحكمة. بطبيعة الحال يصبح التنظيم العقلاني داخل المدرسة تتمة وتتويج للتنظيم الاجتماعي الذي كان انطلق في العائلة في مرحلة الطفولة ويتدعّم من قبل أجهزة الدولة في المرحلة المدنية ضمن سير الحياة الجمهورية.

يجد الطفل في الحياة الأسرية الطبقات الفكرية التي تمنحه العناصر التربوية والقواعد التوجيهية وتمثل تحضيرا جيدا للحياة المدرسية التي لن تكون سوى عمليات استنبات واستخراج واستكمال وتتمة لها 13.

 في ظل عملية التعميم والتوسيع والتبسيط التي تعرض لها التعليم وما خلفت من مشاكل وأزمات انعكست على مستوى البطالة والهجرة والأمية تحتاج المؤسسات التربوية بشكل استعجالي خارج المراوحة بين التنظيم الذي ظل سائدا في الفضاء الديني والطريقة العسكرية في ترتيب الأولويات والانضباط والأداء إلى إتباع تنظيم ديمقراطي وعقلنة ذاتية في التسيير تطور الحقوق والواجبات مع استحقاقات المجتمع والدولة.

لا يمكن الدخول في التسرع عند القيام بمراجعات للتنظيم المتبع في المؤسسات التربوية ويُفتَرَضُ التركيز على تيسير طرق التعلم لدى الناشئة ومجابهة الصعوبات وتمكين المتعلمين من وسائل التعبير والمعرفة. التحدي الكبير الذي يطرح في نمط التعليم ومضمون البرنامج وأسلوب النظام التربوي هو البحث عن التطابق مع التجربة المتراكمة لدى المعلمين والنفور من التجديد والمختلف وغياب الشخصيات النموذجية والأخلاقية التي تنقل المتعلم من مرحلة الضياع والتردد التي يعاني منها أغلب الشباب إلى مرحلة الكهولة.

 في هذا السياق يضع غرامشي يده على الداء الذي تعاني منه المنظومة التربوية ويكمن في صعوبة الانتقال من المدرسة إلى الجامعة وبالتالي تشهد مرحلة المعهد حدوث العديد من التغيرات والمشاكل للمتعلم على الصعيد النفسي والعاطفي والاجتماعي والاقتصادي وتصادم رغبة انجاز الذات مع احترام أخلاق المجموعة التي ينتمي إليها ويتناقض مطلب الاستقلالية عن العائلة مع منطق المؤسسات القائمة.

يحاول المتعلم أن يجمع بين دوغمائية التواصل والاستمرارية في مستوى الرموز الثقافية والفولكلور وثورية الانفصال والقطيعة التي يطمح إلى بلورتها على صعيد الالتزام الوجودي والنضال السياسي.

يبدو المتعلم من جهة الذاكرة والتاريخ الماضي محافظا ومطيعا ولكنه من جهة العمل والخيال والحلم واعيا بأهمية الممارسة النقدية وضرورة التسلح بالأمل في تغيير الأوضاع الجماعية من أجل الانعتاق من الظلم.

الرد على التردي الذي تعاني منه التربية لا يكون بإعادة إنتاج السائد بشكل ميكانيكي وتكريس الامتثالية الاجتماعية والخضوع التام للقيم البالية وإنما يكمن في ممارسة الخلق والإبداع والثورة على البيروقراطية.

يدور محور العملية التربوية حسب غرامشي حول القيم الأساسية التي نادت بها النزعة الإنسانوية وبالخصوص التنوير العقلي بدل التعصب الايديولوجي والحرية بدل العبودية والكرامة بدل التشيؤ والاستقلالية الأخلاقية بدل الاغتراب الاقتصادي والانضباط الذاتي بدل الامتثالية الاجتماعية.

تنبني المدرسة الإبداعية على  تنمية الحس النقدي والشعور بالمسؤولية والتخصص المفيد والممارسة الخلاقة والتمرس بالمناهج والتطبيقات النافعة والاستعمالات الاجتماعية للنصوص والطاقة الايجابية.

يضيف غرامشي إلى المدرسة الخلاقة ecole créatrice مفهوم المدرسة النشطة أو الايجابية active ويمنحها خاصيات البعد التحرري وثيمة القيم الجديدة التي تتماشى مع الأجيال الناشئة وتواكب المستقبل وتنهل من المنبع الطبيعي بالقطع مع العقلانية الكلاسيكية والمرحلة الرومنطيقية وتبلور مناهج مبتكرة وتشكل صور غير معهودة وتوسع من دوائر التشاركية المرنة وتساعد نمو الشخصية المستقلة والمسؤولة.

اللاّفت للنظر أن التطرق إلى المدرسة الإبداعية يفترض أن يقترن بممارسة الإبداع والخلق والابتكار من طرف المتعلمين أنفسهم وأن يمتلكوا المناهج والآليات المساعدة على ذلك وليس النسخ والتقليد والتكرار.

 يتعلق الأمر بمرحلة وبمنهج في البحث وبمعرفة وليس ببرنامج محدد بشكل مسبق مع إلتزام بالأصالة والاكتشاف مهما كان الثمن. يتعلق الأمر بتدرب يتم عن طريق جهد عفوي ومستقل عن الأستاذ والمشرف وقد يفضي هذا المسار التحديثي إلى تحول الفضاء التربوي إلى مصنع للمكتشفين والمخترعين والمبدعين.

يدعو غرامشي إلى التخلي عن الإكراه السلطوي التي يمارسه المعلم على المتعلم وأن تكون العلاقة بينهما متأسسة على الاحترام والتقدير وأن يوجه المعلم المتعلمين بشكل ودي وإقناعي ويدفعهم إلى التعلم الذاتي ويساعدهم على تثقيف ذواتهم وصقل شخصياتهم بأنفسهم واكتشاف الحقائق الجديدة بملكاتهم التي تخصهم.

من المفروض أن تتشكل علاقة تفاعلية بين الجهد الذهني والعمل العضلي في حدثان المدرسة الموحدة وأن يؤدي الشغل داخل المكتبات والمخابر وحلقات النقاش ودروس التطبيقي والمسير إلى تراكم الإبداع.

لكن ماهو المبدأ التربوي الذي وقعه غرامشي ونادي بتلقيح الأجسام الثقافية والأجهزة الإيديولوجية به؟

من المعلوم أن المدرسة تقوم بدور الوسيط بين الإنسان ومحيطه الاجتماعي وتردم الفجوة بين الثقافة والحياة وتقرب المسافة التي كانت تفصل بين أبناء الطبقات المالكة والمنحدرين من الطبقات الشعبية. ويزداد هذا الامتزاج والاختلاط والتلاقي في الفضاء الجامعي حيث تمحي الفوارق وتتوقف عملية الفرز ويتم الاحتكام إلى القيمة الأكاديمية في الانتقاء وإسناد الدرجات العلمية والجدارة المهنية وكفاءة التواصل.

من المفترض أن يتوازى البحث العلمي في الجامعة مع الأنشطة الثقافية في المجتمع المدني وأن يستفيد الحراك المدني في الحياة السياسية من الأعمال الأكاديمية التي يتم بلورتها في المؤسسات الجامعية وذلك من أجل التخلي عن المركزية وتمكين الجامعة من ممارسة وظيفتها التنويرية بالنسبة للمجتمع والأفراد.

يقوم المبدأ التربوي على السعي إلى طلب العلم في الحياة بأسرها من جهة وعلى تقديس قيمة العمل في اتجاه جلب المنفعة ودفع المضرة من جهة أخرى. بيد أن إحراز درجة عالية من الإنتاجية والتنمية غير ممكن دون تحصيل معرفة دقيقة بقوانين الطبيعة ودون احترام الترتيبات التي تنظم العلاقات بين الأفراد.

أن الأساس الأول الذي تستند إليه المدرسة هو نقد المستوى الثقافي للناس والارتقاء بدرجة الوعي المدني لديهم وتسليحهم بالأفكار الفلسفية التي تعتبر عن رؤيتهم للعالم وتحيين ذاكرتهم ضمن لحظتهم التاريخية14 .

على هذا النحو تكون المؤسسات التعليمية المستقلة هي المنارات التي يهتدي بها المجتمع زمن الاضطراب وتكون الشخصيات الأكاديمية هي البوصلة التي تحدد اتجاه الطريق المدني للشعوب وتمثل أطروحاتهم العلامات المرشدة إلى هذا الدرب الطويل والشاق الذي تتبعه الدول الحية نحو التحضر والانعتاق والتوحد.

إذا كانت البيداغوجيا المثالية تفرق بين التدريس والتربية وتنتج العقلية الدوغمائية التي تقنع بالجاهز وتركن إلى البديهيات وتتعامل مع المعارف على أنها حقائق مطلقة وتسلم بحصة النظريات إلى الأبد فإن التنظيم الجديد للحياة المدرسية يكرس التعددية من خلال الوحدة في التنوع والتنوع في الوحدة ويتبنى البيداغوجية النقدية التي تسعى إلى البناء والتشييد والتعمير وتمنح المتعلمين فرص التعلم الذاتي وتنمية المهارات وتمكنهم من معايشة الوضعيات التي ترفع المنسوب النضالي لديهم من أجل الوعي بالمسؤولية.

من المفروض أن يتم تنظيم المدرسة بحيث تجمع بين الحياة المشتركة وتقاسم الفضاء العمومي بين الأفراد المكونة لها وبين احترام الحياة الخاصة ومنح المتعلمين عدة فرص للتعبير عن نماء شخصياتهم وذكائهم.

إن تغلب المدرسة على أزمتها رهين التخلي عن الميكانيكية في البرمجة والتطبيق وعن الفصل بين الذهني والعضلي وبين الإنسان العارف والإنسان الصانع والتحلي بالتربية الذاتية الذهنية والاستقلالية الأخلاقية وامتلاك فاض القيمة من جهة الدقة الأكاديمية والتسلح بالمناهج والتجارب عند دعوة الوقائع والظواهر.

الوصفة السحرية التي ينادي بها غرامشي هي مدرسة الإبداع وبيداغوجيا الابتكار التي تؤمن بالتخصص والجدارة دون التحول إلى بيروقراطية وتحرض على بناء النظرة الموسوعية دون الوقوع في العموميات.

تكمن الوظيفة الايديولوجية لهذه المدرسة في التصدي لبرامج التسطيح والبلاهة ومقارعة الجهل والخرافة والتقليل من هيمنة الاقتصادوي على السياسي والاعتصام بالثقافي والإيتيقي وتقر بلزومية الإبداع الفني. بهذا المعنى تخرج المدرسة العناصر الاجتماعية من السلبية الفكرية ومن الثقافة الاستعراضية والمناسباتية وتمنحهم من خلال التنظيم العقلاني والانخراط العضوي من المنفعة العمومية والصلابة الاجتماعية وتجعل من النشاط العلمي القاعدة الأساسية للتغيير الاجتماعي والتحديث السياسي للشعب.

يطالب غرامشي بإدراج العمل الأكاديمي ضمن الأنشطة الثقافية التي تتم في الحياة المشتركة وفي عالم الشغل والإنتاج دون المرور بوساطة الدولة والمجتمع السياسي والتعويل على المجتمع المدني وأجهزته.

في هذا الإطار قد تساعد الجامعة من خلال تنظيم المؤتمرات والندوات والدروس والمحاضرات على تجنب الوقوع في العديد من الأخطاء وتفادي الكثير من المآزق والخيارات الفاشلة وفي المقابل توفر بشكل استباقي واستراتيجي الأبعاد التقنية للمشاكل الاقتصادية والقيم الأخلاقية للتحولات السياسية وعقلنة العمل الموجه نحو دراسة المجتمع وتخليد ذاكرته ومراجعة تاريخه وتفقد عناصر القوة في الاقتصاد الوطني15.

اللافت للنظر أن غرامشي يراهن على التلازم بين قيمة التمدرس وقيمة التربية وعلى الاقتران الضروري بين ارتفاع المستوى الإيتيقي وارتفاع المستوى التعليمي في العناصر التي تكون بنية المنظومة المدرسية.

لن يتحول التدريس إلى تربية إلا إذا كان المدرس يؤمن بشكل مبدئي بالوحدة العضوية بين المدرسة والحياة وصار واعيا عبر عمله الحي بالتناقضات بين نمط المجتمع والثقافة التي يمثلها بشكل غير معهود ونمط المجتمع والثقافة التي يتبناه المتعلمين من منظور الحس المشترك ويمثل النظام السياسي القديم. لعل مسؤولية المدرس كبيرة في هذه المهمة، إذ لا يقتصر عمله على إيجاد حلول شعرية للمشاكل تصوريا وداخل إطار المؤسسة التي ينتمي إليها وإنما يضطر للنزول إلى الشارع والانخراط الميداني في الصراع لكي يؤثر في المتلقين ويكافح ضد النمط القديم من المدرسة ويفتح العالم التربوي على معنى مختلف. يطلب الآن من المربي أن يكون فنانا وفيلسوفا ومهندسا وحقوقيا وعالما لكي يتمكن من النفاذ إلى قلوب المتعلمين ووجدانهم من أجل امتلاك عقولهم وتدريب ملكاتهم على المعرفة والفهم والإحساس والاقتناع.

لا يوجه الصراع ضد البرامج بصورة شكلية ومجردة وإنما كل المجمع المركب الذي يمثله الأشخاص الذي يحملون البرامج القديمة ويحتلون المواقع ويشكلون عقبة نابذة لكل تجديد ومانعة لكل تطور وتقدم.

تلعب الصدفة دورا كبير ا في النجاح بالنسبة إلى البعض ويطلب من المتعلمين إتقان فن التعريف والقيام بتحليل صحيح لقضية معينة وإصدار حكم موضوعي على مسألة شائكة ولكن ذلك ليس دليلا كافيا على الارتقاء بالمستوى الثقافي والإيتيقي للمتعلمين على الرغم من الارتقاء في الدرجات وإحراز الألقاب16.

المفارقة أن مدرس جديد قد يبلد أذهان المتعلمين ويفرغ التعليم من محتواه عندما يظل يتحرك ضمن برنامج قديم ويشتغل بالطرق القديمة وأن مدرس قديم قد يشحذ الذكاء ويوقظ الوعي لما يعمل ببرنامج جديد ويبتكر طرق بيداغوجية مختلفة ويوجه الاهتمام نحو الحياة المألوفة ويغادر الموقف الطبيعي. ماهي مبادئ البيداغوجيا الجديدة التي يقترحها غرامشي؟

بيت القصيدة حسب غرامشي هو ضمان النجاعة التربوية للمؤسسة التعليمية وهو أمر لن يتم إلا إذا توفرت إرادة وجود للمدرسة العمومية تنظيما وبرمجة ورفع مستوى الحلم بعالم جديد ضمن الحياة. لذا فإن فصل المدرسة عن الحياة وتجنيبها الصراع وقبول البرامج الحالية والتنظيم الإداري الراهن يعني تركز الأزمة تستفحل داخل المشهد التربوي وإعداد المتعلم من أجل مشاركة نشطة وفعالة هو بداية المخرج. إن التخلص من الانفعالية السلبية في مستوى التقبل لدى المتعلم ومن الصورة الميكانيكية في الدراسة على مستوى الإملاء والتلقين والحفظ والتكرار والنسخ عند الاختبار هو توجه جدي للقطيعة من التعليم القديم. على هذا النحو الهدف من قيام المدرسة الإبداعية ليس مهنيا فقط بل بناء التنمية الداخلية للشخصية بأن يكون ذاته بمعرفته لذاته وفق حداثة متعددة الأصوات وبحسن الوجود في العالم والالتقاء المفيد بالآخر. بناء على ذلك تظل الجامعة تدور في حلقة مفرغة من الإنتاج وإعادة الإنتاج وقد تشكل بيئة أكاديمية فقيرة وبعيدة كل البعد عن خلق كفاءات علمية مؤثرة وأطر معرفية مناضلة تستطيع أن تقود المرحلة التاريخية. بطبيعة الحال   يتضمن البرنامج التربوي التاريخ السياسي للدولة وعناصر النسق اللغوي ومبادئ الدين الحميد ومدونة القانون الوضعي والبعد الوطني الشعبي للثقافة ودراية بالمحيط الجغرافي والحضاري وبالعلوم الدقيقة.

اذا كانت المدرسة القديمة فاسدة ومهترئة وتسببت في نشوب أزمة عضوية فلأنها تناست الديمقراطية والتعددية وشجعت على الأوليغارشية والأنانية وسلحت المتخرجين منها بالطمع والشجع وقيم السوق. لقد ظلت عاجزة من جهة أنشطتها الدورية عن خلق عقول مفكرة تكون قادرة على التخطيط العلمي للمستقبل وقيادة المرحلة التاريخية المضطربة ومارست الإقصاء والازدراء على المجتهد والمبدع والمختلف.

رأس الأمر اليوم في المدرسة الإبداعية ليس الاكتفاء بتوفير الأيدي العالمة بل نحت المواطن الذي يصيرا حاكما لنفسه ومحكوما ضمن ديمقراطية سياسية يتساوى فيها بطريقة أفقية الحكام والمحكومين أمام الحق.

علاوة على أن المدرسة الإبداعية تقلل قدر الإمكان الدوغمائية والبيروقراطية والميكانيكية والمثالية في التعليم وتوسع دوائر العدالة عبر تبني نزعة نقدية تاريخية وعناية بالبراكسيس والمشاركة والتكيف17.

ترتكز المدرسة على الانفتاح والنشاط والحرية والارتباط بالحياة والصراع ضد النظام الطبيعي من أجل خلق الإنسان والعمل على تخطي العفوية والوعي بالزمن والاتصال بالتاريخ واستهداف حضارة جديدة.

لكن ما تأثير نظرية غرامشي الثورية في الثقافة على تصوره  الإصلاحي في مستوى الحقوق والحريات الفردية والمواطنة؟ وكيف يمكن الاستفادة من الدافعية الايديولوجية في تحريك عناصر الخلق والابتكار؟

 

د. زهير الخويلدي- كاتب فلسفي

.......................

الإحالات والهوامش:

[1] Béguin (Albert), Quelques aspect des rapports de l’prient et de l’Occident, in Humanisme et éducation en Orient et en Occident, entretien international organisé par l’Unesco, Paris, 1953. p63.

[2] Gramsci dans le texte, traduction de l’italien par  François Ricci, Jean Bramant, Armand Monjo, Gilbert Moget, éditions sociales, Paris, 1975.pp.595-638

[3] postscolaire

[4] Gramsci dans le texte, op.cit.p614.

[5] Gramsci dans le texte, op.cit.p615.

[6] Gramsci dans le texte, op.cit.p615.

[7] Gramsci dans le texte, op.cit.p618.

[8] Gramsci dans le texte, op.cit.p620.

[9] Gramsci dans le texte, op.cit.p633.

[10] Béguin (Albert), Quelques aspect des rapports de l’prient et de l’Occident, in Humanisme et éducation en Orient et en Occident, entretien international organisé par l’Unesco, Paris, 1953. p63.

[11] Gramsci dans le texte, traduction de l’italien par  François Ricci, Jean Bramant, Armand Monjo, Gilbert Moget, éditions sociales, Paris, 1975.pp.595-638

[12] Gramsci dans le texte, op.cit.p614.

[13] Gramsci dans le texte, op.cit.p615.

[14] Gramsci dans le texte, op.cit.p615.

[15] Gramsci dans le texte, op.cit.p618.

[16] Gramsci dans le texte, op.cit.p620.

[17] Gramsci dans le texte, op.cit.p63

المراجع والمصادر

Gramsci dans le texte, traduction de l’italien par  François Ricci, Jean Bramant, Armand Monjo, Gilbert Moget, éditions sociales, Paris, 1975.

Béguin (Albert), Quelques aspect des rapports de l’prient et de l’Occident, in Humanisme et éducation en Orient et en Occident, entretien international organisé par l’Unesco, Paris, 1953.

 

 

ali mohamadalyousifمنجز الإبداع الأدبي-الفني هو قدرة الإمساك بلحظة الإلهام الذي هو تركيز المخيال الحلمي المخصب في ما وراء المدرك والمتعين المحسوس ومحاولة سيطرة المبدع عليها وإدامتها أطول زمنية ممكنة بغية توظيفها في انجاز تقنية جمالية وتكوين إبداعي على شكل قصيدة شعرية، قصة، رواية، لوحة، نحت، تشكيل ...الخ. ويؤكد ماريو يوسا الروائي والكاتب البيروفي الحائز على جائزة نوبل في الاداب انه من دون الخيال سنكون اقل وعيا باهمية الحرية لتكون الحياة قابلة للعيش، وبالجحيم الذي تتحول اليه الحياة عندما يتولى امرها طاغية او ايدلوجيا او دين.

تركيز المخيال الحلمي المتعين في الأثر الإبداعي أو التعبيري الأدبي والفني، في حقيقته الجوهرية، الغامضة، المعقدة المتمثل في تكوين عمل إبداعي يتجلى في إمكانية وقدرة المبدع تحويله الخيال من تهويم أثيري إلى اثر إبداعي متعين في الزمكان . على وفق تقنية جمالية تحكمها تقنية بنائية في ترتيب الأفكار الجامحة وتضمينها العمل الفني بتناسق واستقبال يتركان في المتلقي ردة فعل وحسب. وكل عمل ابداعي مهما كان جنسه مرتبط بالخيال، وبوسيلة التعبير اللغة. وهو ذو وظيفة مزدوجة، فهو من جانب ذو بعد ذاتي تعبيري انفعالي كاشف عن الحالة الشعورية لصاحبه، وهو من جانب ثان يتوجه الى متلقي الاحداث والتغيير المتوخى في نفسيته ومواقفه .(1)

الأثر الإبداعي هو صب وتعليب الأفكار والمخيال في نمذجة جمالية وتشكيل نوعي من معمارية فنية، والمخيال الإبداعي هو اللامتناهي في القدرة على استيلاد الخامات الإبداعية التي هي الإخصاب الدائم المستمر للفكر والحياة والجمال، لكنه في النهاية يحتاج المخيال المبدع إلى ان يصبح (متعّينا) أدبيا أو فنيا .. وفي العلوم الطبيعية الخيال العلمي يكتشف أو يخترع قوانين جديدة لم يكن يعرفها الإنسان من قبل كمثل تحقيق رغبة الإنسان في الطيران وتحقيق حلم الإنسان في غزو الكواكب الأخرى ومثل ذلك في اختراعات واكتشافات وتطور علوم الطب، الفيزياء، الكيمياء، والتكنولوجيا المتطورة وغيرها . جميع المنجزات الإبداعية التي يلعب فيها المخيال العلمي استثارة البحث والتجريب والاكتشاف لم تكن تتعدى اكثر من لجم جموح الخيال غير المدرك ولا المحسوس ولا العقلاني في انطلاقاته السائبة غير المتعينة باتجاهات ولا وسائل ولا غايات، وتحويله إلى كينونة ومتعيّن في الجماليات الادبية والفنية والعلوم على حد سواء.

مخيال المبدع حدسي، غامض، معقد، كشفي، تصوفي، استبطاني، عصابي، مخصب للنفس والعاطفة والفكر والشعور، انه حالة من التنويم الحلمي المتخيل، يعي جيدا ذاته ويتأمل المحيط، وفي هذا تفريق واضح عن حالة التنويم الخيالي العقيم الذي يستهلكه متعاطي المخدرات في الحصول على المتعة المغيّبة عن الذات والمجتمع والمحيط، وهي متعة تخييلية زائلة معدمة لسلامة العقل في إنتاج منظومة الأفكار والأفعال وتدمير الذات والنفسية . من الظريف ان الدوس هكسلي دعا ضرورة تعاطي المبدع للمخدرات لاخصاب قدرة الإبداع لديه وهو تجاوز سن الستين عاما حين دعا لذلك واخذ يمارسه بنفسه ولم يضف لابداعاته السابقة شيئا ذا قيمة. وكما دعا الدوس هكسلي ضرورة توزيع وبيع المخدرات للناس مثل السكائر والكحوليات، نجد ان لب العقيدة الراستفارية، يتمثل في الاسهام الناتج عن استخدام مخدر القنّب، وهو مخدر يشبه الحشيش يطلق عليه بالانكليزية (الغانجا Ganga) .حيث يمكن لاتباع الرستفارية بمزيد من السهولة ادراك ان (هيلا سيلاسي) هو الاله المخلص، وادراك كذلك هوياتهم الشخصية على نحو كامل، وان افضل الحجج التي يمكن ان تؤيد تشريع الحشيش هو تناول الحشيش لجميع الناس .(2)

حالة تأطير المخيال الإبداعي في المتعيّن الأدبي أو الفني يحتاجها المبدع ليتحرر من سطوة ومهيمنات ترسانة المحسوسات والمدركات الواقعية من حوله، وهي قاطعة حادة في هندسيتها ومعمارها البنائي المتصلب، صعبة المطاوعة للفن والاستجابة لما هو فوق المحسوس، والفنان المبدع يحتاج ثنائية لجم الخيال الابداعي والامساك بلحظة التركيز الحلمي الالهامي من الافلات والضياع في الاعتيادي المألوف في مجرى سريان ظواهر المجتمع والحياة. هذا من جهة وهي مرحلة أولى تليها مرحلة ثانية في توظيف (الخامات) الإبداعية في متعيّن جمالي وفق آلية تقنية (صنعة) يأخذ المدرك المحسوس نصيبه الأكبر منها في ترتيب المنجز وخلق التناسق والتجانس في إكمال واستقبال المتلقي له.

والعمل الإبداعي بعيد جدا عن رياضيات التفكير بل هو محتاج دوما إلى خلق تقنية جمالية في متعيّن تعبيري أو فني تتلقفه الحواس والعاطفة والوجدان قبل العقل . الإبداع بحاجة دوما ان يكون (شكلا) في تأطيره للمخيال الإبداعي في متعيّن جمالي أدبي او فني هيكلاني منسق ومنظم يكمله المضمون.وفن الحداثة اليوم بضوء ثورة المعلومات والاتصالات والتكنولوجيا المتطورة جدا في تبنيها الفن التجريدي الغى جملة من الركائز الهامة للعمل الابداعي على يد رائد الفن التشكيلي (كاندنسكي) الروسي لتتحول الاعمال التشكيلية الى مجرد مساحات من الالوان والخطوط تتناغم احيانا وتتنافر احيانا، كما الغت ما بعد الحداثة (الفنون الرقمية) ان يكون للعمل الفني موضوع يجسده، ولايبقى بعد ذلك الا فكرة،كما هي الحال فيما يعرف بالفن المفهومي،ويؤكد الفنان المجري المبدع (فازريلي) رائد فن التجريد الهندسي قائلا : انني لا ارسم بل اضع معادلة اللوحة (3) .

ولقد تخلص الفن على المستوى المفهومي من ماديته بعد ان تخلص من موضعته،في الفن التجريدي ليبدأ رحلته صوب الصورية المحضة،فالافكار المجردة لها جمالها، ويذكر عن براتراند رسل قوله : ان الرياضيات ذات جمال من نوع اسمى (4) .

ثمة عناصر ثلاث من دونها يكون العمل المنجز إبداعيا تقانة حرفية تشبه حرفة النجارة أو الحدادة أو ميكانيك السيارات، وهذه العناصر تمثل مرحلة بدئية أولية في استكمال المنجز الإبداعي في ثلاثية : الحلم المبدع، المخيال المخصب، اللاشعور، بغير هذه العناصر لا يمكن الحصول على متعيّن (شكل) جمالي تعبيري أو فني، لايوجد شكل بلا مضمون ولا يوجد شيء من دون شكل، قد نحصل على مئات من تمظهرات الطبيعة والواقع هي/ في متعينات باشكال جمالية منوعة لكنها تبقى اثرا وشكلا من اشكال الصنعة الحرفية تقودنا إلى حتميات رقمية محنطة خالية من دفق الحياة وحيويتها. تغلب فيها الصنعة والحرفية على الجانب الفني الجمالي.

نجد هذه الصنعة الحرفية من بدئيات وأوليات وضرورات إقامة التاسيسات المعمارية الجمالية ذات التقنية والصنعة الهندسية والزخرفية وزاوية النظر الموظفة بشكل بنائي جميل .. وهذا يمكننا مشاهدته في بناء الجوامع والمساجد والأضرحة وفي الكنائس والمعابد، والكاتدرائيات، القلاع، والموروث من معمار الأديرة والقصور الفارهة الماثلة إلى يومنا عبر العصور.

في هذا النوع من التقنية المعمارية الجمالية يمكن للرائي المشاهد استقراء عنصري الحلم الإبداعي والمخيال الفنان المكملان لأدوات وسائل الصنعة الهندسية والتنفيذ يمكننا ان نجدهما أي عنصري الحلم والمخيال الفني بالمتعيّن المعماري الجمالي الماثل أمامنا لكن من الصعب جدا اكتشاف غير المتعين وغير المدرك في ما وراء هذه المتعينات المعمارية الجمالية في مساحة ما ابدعه اللا شعور.

ينتابنا حين نشاهد ونتفحص ونندهش بروعة وعظمة هذا المعمار العمراني الذي يأخذنا إلى نوع من التسامي الروحاني والحنين المؤلم في العودة إلى نوع من الطبيعية يغالبها خليط من الشاعرية الرومانسية والروحانية المحلقة في مشاهداتنا لتلك الروائع وفي تكرار المشاهدة أكثر من مرة لاثر واحد او اكثر يتملكنا البحث في أبعاد إنسانية لا نجدها، انغلاقات عصيّة على الغور في مجاهلها وتفكيك رموزها وطلاسمها وتعقيداتها المقيّدة، المنحبسة . ربما يكون مبعث هذه المشاعر وتأملات التلقي اننا نعيش عصرنا بالمقايسة والمعيارية المقارنة مع عصور تلك المعمارات المعجزة وفي هذه المقارنة وحدها تكمن عظمة تلك الاثار ورغبة التجاوز لدينا. غير ان الخاصية المزدوجة للابداع بوصفة يحقق الجمع بين كونه علامة مستقلة في جانب، وعلامة توصيلية في جانب اخر كما يذهب لذلك بعض السيميائيين، تفرض علينا ان نعير كبير اهتمام للحقيقة الماثلة امامنا كابداع في علاقتها بالمتلقي (الناظر) هنا الذي يدخل في جدل فعال مع هذه العجائب المعمارية المدهشة.

كما يشير احد منظري التلقي الى ان المعنى لايتم استجلابه بوصفه دلالة محددة، ومصورة بشكل دقيق،وانما بوصفه تمثلا او تصورا او بوصفه صورة جمالية.(5)

(2)

هل من الممكن ان يكون لحوادث الحياة اليومية العادية قدرة الاستحواذ والسيطرة على مجمل الفعاليات الإنسانية في مناحي الحياة الأخرى وعلى حسابها بحيث نجد أنفسنا نعيش الزمن ببعد واحد فقط من الحياة، كأن يكون البعد البايولوجي، الأكل، النوم، ممارسة الجنس!؟ بمعنى آخر هل من الممكن لنا ان نعيش الزمن خارج فاعلية الحياة المخصبة للزمن؟ هذه الفكرة تناولها (سارتر) في فلسفته الوجودية الحديثة وركّز عليها في كتابه (كلمات) الصادر عام 1960 . إذ اعتبر سارتر الزمن الوجودي في الحياة العادية وهما زائفا وان الإنسان لا يحيا حقيقة الحياة بل زيفها، وسبقه الفيلسوف الألماني فويرباخ في معالجته ما اسماه (ثيولوجيا الاغتراب) Alienation معتبرا ان جميع أشكال وأنواع اغترابات الإنسان في الحياة هي اغترابات زائفة غير حقيقية مصدرها الأساس الذي تتفرع عنه باقي الاغترابات منشأه اغتراب الإنسان الديني وأطلق على هذه الحالة (ثيولوجيا الدين) الذي أقام عليه كتابه الشهير (جوهر المسيحية)(*).

الاختلاف بين فوير باخ وسارتر، ان الأخير –سارتر- سحب الزيف الوجودي في الزمن مؤكدا على ثيمة وجودية أساسية ان الناس يعيشون رتابة الحياة اليومية، ويتصرفون، ويقدمون على اتخاذ القرارات غير مدركين أنهم يعيشون (وهم) الوجود وليس حقائق وجودهم(**) طبعا وفق هذا الفهم الفلسفي لسارتر تأتي (الواقعية الاجتماعية) في المجتمع والطبيعة،وفي الفلسفة والفن ابتذالا مأساويا لحقيقة الحياة والوجود الإنساني . لم يسع (سارتر) ولم يؤمن أيضا في أفكاره تشييئ الحياة الإنسانية إلى وقائع، بل عمد إلى جعل الإنسان الفرد وليس المجتمع المركز الذي يدور في فلكه حاضر ومستقبل الوجود الإنساني على خلاف كبير جدا مع تأكيد الماركسية لأولوية المجتمع، تلتقي الوجودية مع الماركسية في ان الإنسان الملموس الكائن الوحيد الذي هو موجود فعلا وهذا يعني ان الانطلاق هو من الذاتية على حد تعبير آرنستوساباتو . الوجودية والماركسية شعارهما (الإنسان أثمن رأسمال) باختلاف ان سارتر ضحى بالمجتمع من اجل الفرد في حين أكدت الماركسية على التضحية بالفرد ان كان في ذلك خدمة المجموع.

عمد سارتر إلى تشييئ شخوص أعماله الروائية والمسرحية بالتأكيد على نوع من اغترابية وجودية إنسانية استطاع بسهولة إثباتها الانطولوجي لكنه عجز عن تحقيقها كمنهج خلاص يقبل التطبيق والتسليم به في سعيه إثبات طموحه الفلسفي ألا هو خلاص الإنسان من محنته في الحياة . اما فوير باخ الذي كان سابقا على المفاهيم اللاحقة الجديدة في الوجودية الحديثة على أيدي سورين كير كارد وهيدجر فقد سحب الزيف الوجودي للإنسان إلى ان جميع أنواع الزيف الوجودي للإنسان أصلها ومنشأها (ثيولوجيا الدين)اللاجوهر الحقيقي للدين، لذا فان الإنسان اغترابي عن ذاته قبل وبعد كل شيء، اغتراب الذات لدى فوير باخ ثيمة فلسفته الأساس.

وعن محنة الحياة بالنسبة للانسان يعبر اونا مونو : اننا لانحيا الحياة وانما نحيا على متناقضات، ومن اجل متناقضات، فليس الحياة الا مأساة وصراعا مستمرا لايعرف الانتصار بل ولاحتى امل الانتصار، انها تناقض ولاشي سوى التاقض، ان فكرة الموت تقض مضجع الانسان وتقلق باله، وتكاد تلاحقه في حله وترحاله، حتى ان ضميره ليخفق دائما بتلك القشعريرة الاليمة التي يسببها له سر المموت، وما قد يجيء بعده .

وفي بحث الدكتور عبد الرحمن التمارة كتب : الاهتمام بالحياة التي يكون الاقبال عليها تخليصا للذات من عمق الاحساس بالانسحاق الوجودي امام جبروت الموت، وعنفه التراجيدي مادام يهدف الى اعادة الانسان الى اصوله الاولى(الارض - التراب) وبذلك يضمر الانشغال بالموت بوصفه فعلا ولحظة تحول وجودي مؤلم ان المعرفة الحقيقية للحياة لاتتأتى الا من خلال معرفة الموت.

(3)

الكثير جدا من أفكارنا المعرفية الأدبية الثقافية عبر اللغة هي نسخ كاربونية في تراكمها الكمي-النوعي التي هي ميراثنا والميراث البشري عبر العصور التي نتداولها باستمرار سبق لاكثرها ان قيلت وكتبت بأكثر جاذبية على يد اللذين سبقونا في الحياة . معارفنا الأدبية والثقافية نسخ مكررة معادة بالإضافة اليسيرة . الجديد فيها فقط شكل اللغة-المضمونية . كل ما يمكننا فعله اليوم بمعارفنا الأدبية والثقافية هو محاولة الإضافة البسيطة بالتحايل على وسيلة التعبير (اللغة) أو الهروب باتجاه تخوم عوالم من الفانتازيا التي تحاول اخذ سمات التجديد واللامألوف الاجوف السطحي، كي يخرج الإنسان من حياة الرتابة إلى عوالم غير مألوفة، لا واقعية، مغرقة في التهويم .أردأ أنواع العاطفة هي التي تستوعب اللغة صياغتها بسهولة ويسر وتعليبها واردأ انواع الافكار هي التي تسلم قيادها إلى اللغة بيسر وسهولةايضا .اذ تتحول الافكار بواسطة اللغة إلى مرئيات تصويرية استهلاكية وتخرج عن وظيفة نقل المعرفة الجادة في تأمل الحياة بجدية وتفاؤل في المسكوت عنه وغير المعلن فيما وراء النص اللغوي. عبّر عن ذلك (المتصوفة) المسلمين في استحالة نقل تجاربهم التصوفية الكشفية الاستبطانية عبر التوصيل باللغة لذا عاش معظم المتصوفة وجودهم الحياتي الإنساني باغترابية سلبية عن المجتمع مدمرة للذات.. باستثناء ممن كتبوا عن بعض تجاربهم وشطحاتهم الفكرية مثل الحلاج وابن عربي والنفري وعديدين آخرين استثنائيين . ومن المعروف ان التصوف لا يقتصر على (حكمة) الشرق، العرب، الفرس، الهنود، الصينيون وغيرهم . فالتصوف الفلسفي والديني على السواء له مشاهيره وأقطابه ومؤيدوه من فلاسفة الغرب واللاهوتيين والادباء والشعراء من الغربيين..

ويذهب نيتشه اذا كان الفكر الحديث ينظر الى الحداثة على انها انتصار الوعي الانساني، فان نيتشه ينظر الى الوعي الانساني باعتباره اغترابا للطاقة الانسانية المنفصلة عن نفسها والتي تعادي ذاتها، عندما تتماهى مع اله، وقوة غير انسانية، بل وتطالب الانسان بالخضوع لها، واهتم نيتشه بالشعور العفوي لدى الانسان بل اهتم بنوازعه وغرائزه التي جعل منها اهم العناصر داخل الانسان الامر الذي اعتبره تفريغا للطاقة الانسانية نفسها.

إذن الإبداع الأدبي هو تكرار اجتراري في إعادة شكل اللغة يسبق الإضافة والتجديد في المضمون وفي إنتاج الفعالية الجمالية في الفنون التشكيلية رسم، نحت، تشكيل تجريدي خارج بالكامل عن المألوف، تكون فيها اللغة المكتوبة واللغة المنطوقة في حالة (كمون) خفي مستور خلف المنجز الإبداعي التشكيلي وليس كمثل لغة الأدب والثقافة المكتوبة أو المنطوقة . لذلك نجد ان تجديد الشكل في الفن يتغير ويتبدل أسرع وأكثر غرابة منه في الأدب التعبيري المكتوب. اللوحة أو المنجز التشكيلي هو تأمل في اللغة وليس تأمل في كيفية استخدامها أو توظيفها في حين نجد اللغة المكتوبة والمنطوقة توظيفاً صرفا لها في المتعين او الاثر الادبي المنجز.الرسومات الساحقة في القدم التي وجدت على جدران الكهوف وبعضها استخدم اللون في رسمها ونقشها الألوان الأبيض / الأسود، الأصفر، والأحمر إذ اكتشفت اعمال رسومات على جدران الكهوف بالالوان هذه الأعمال التي تعود إلى العصور الحجرية في كهوف استوطنها الإنسان في وادي الرافدين ومصر وأوروبا، واستخدام اللون في رسومات العصور الحجرية ابتداءا من تلك الرسومات والى يومنا هذا عصر العولمة والتكنولوجيا والتقانة والاتصالات وانتقال المعرفة عبر الأقمار الصناعية. كل ذلك أبقى الانسان دلالة انثروبولوجية مقنعة تؤكد بقاء الانسان (جوهرا) و(ماهية) قبل ان يكون وجودا متعينا (كينونة). بقي الإنسان ويبقى كينونة وجودية يسبق فيها (الجوهر) والماهية الوجود المفارق لحياة الحيوان منذ مغادرته عصر الصيد والالتقاط ودخل عصر صنع الحضارة حين عرف الزراعة والري. تناولت الواقعية ومن ثم الانطباعية فالرومانسية في التشكيل،فان كوخ، ماتيس رامبرانت، سيزان، وفي تعاقب أسلوبي متغير دائما وصل الفن التجريدي القمة في سيريالية (سلفادور دالي) الذي أراد تعبئة الإنسان ككيان وجودي شكلاني تلاعب دالي به بسخرية فائقة اراد بها تجريد الانسان من اسبقية ماهيته على وجوده وجوهره الحقيقي والاكتفاء به كينونة وجودية فقط، ولم يفلح ولم يفقد الإنسان ماهيته و(جوهره) الحقيقي. كانت نزعة التجريد في الفن وادب اللامعقول واللامنتمي جامحة في تفكيك الوجود الإنساني جسدا وروحا وجودا وجوهرا ومحاولة إعادة تشكيله من جديد على وفق أسلوب يتجاوز ما بعد الحداثة ولم تفلح إلا في تعرية الإنسان من ملابسه فقط. ليبقى الإنسان (ماهية) قبل كل شيء.في التجريد التكعيبي والوحشية لدى (بيكاسو) كانت القمة في اللعب في الشكل الوجودي للإنسان إذ أضاف بيكاسو على ثنائية الجسد والروح بعدا هندسيا ثالثا،بمعنى بعدا ثالثا من التهشيم، والعديد من الرؤوس النسائية في رسومات بيكاسو تملك عينا واحدة من الامام، وعينا واحدة من الجانب، مما دفع هذا (كانفلير) وهو جامع لوحات بيكاسو الى القول بأنه يخشى ان لايكون هذا النوع من الرسم مقبولا ومفهوما من الاخرين، مادام لايوجد هناك اتفاق واضح ومقبول عن هكذا نوع من الرسم، فيما اذا كان هذا الرسم صورة لامرأة حقيقية ام صورة وحش (6) فازدادت تجريدية بيكاسو صرامة وتقاطعات هندسية وعجز عن المساس الجوهري بكينونة الإنسان الوجودية، حقيقته في ماهيته وجوهره. حطم بيكاسو وبراك الشكل وهيكلية المعمار الفني من قبل التكعيبية الفرنسية، حيث سحقت الاشكال وتناثرت عناصر بنائها في وحدات تشكيلية صغيرة تتداخل وتتباعد،تستقيم وتنحرف، تتضخم تارة، وتتقلص تارة اخرى مكونة بناءا تشكيليا مستقرا على الرغم من شدة تشظيه (7) . ويمكننا سحب هذا العجز المستدام الملازم للإنسان إلى بدايات القرن الرابع عشر فروحانية دافنشي المتسامية وتحليق مايكل أنجلو وروفائيل الملائكية حين ارادوا بواسطة التشكيل التصويري الوصول إلى قمة رائعة تتوقف عندها محاولة المجاوزة في الشكل الابداعي الممزوج بروحانية أخاذة . وكان لا بد للفن التشكيلي من محاولة الإفلات من الفوتوغرافية التصويرية والخلاص من عجز الشكل حين لم يعد الواقع، ولا التسامي الروحاني الديني منقذا ايضا . دافنشي ومايكل أنجلو أرادا التسامي بالإنسان إلى مرتبة (الملائكة) وربما إلى ما بعدها كانت تلك عظمة لم يسبقهما إليها احد، لكن رغم كل هذا الإبداع الشكلاني بقى الإنسان كقيمة وماهية وجودية متفردة ملتصقة على جدران الكنائس والكاتدرائيات العملاقة مشيرة إلى عجز الفن إيصال الانسان إلى مرتبة ما فوق الإنسان.

(4)

مخيال المبدع هو القدرة الخلاقة في لا معنى النظام وفي افتقاده ايضا . ينطبق ذلك على صعيدي المنجز الإبداعي الأدبي والفني معاً، وفي المنجز السياسي عموما ايضا يعيش الإنسان بوحدة ثنائية من الجدل المعرفي المنطقي والحركي التطبيقي المتحقق . هذه الثنائية الجديدة المترابطة المتداخلة ليست دينامية وحدة الأضداد الديالكتيكي في إنتاج كيفية مغايرة تحمل في أحشائها وحدة جدلية الأضداد ثانية، كما جاء به (هيراقليطس) واستقبلها من بعده (هيجل) في التفسير المثالي للجدل ليخطو ماركس ابعد من الاثنين بل ابعد من الجميع من فلاسفة عصره ومن سبقه في مقولته : اكتفى الفلاسفة بتعريف وتحليل العالم بينما كان المطلوب تبديله وتغيره. فعمد ماركس إلى توظيف (الجدل) الذي يحكم المادة وقوانين الطبيعة وأقام بناءه على التفسير المادي للحياة والطبيعة والتاريخ .

الثنائية التي نعيشها اليوم تقوم كما في السابق على انفصام الجانب المثالي من حياة الإنسان بالمفهوم الفلسفي الأخلاقي وليس بمفهومه المعرفي الوجودي للإنسان وفك ارتباط لحمته بالجانب المادي لما يجب ان يكون عليه مستقبل الحياة اقصد بهذا مجتمعنا العربي تحديدا فيضيع أكثر من عمر نصف الإنسان في الجانب الغيبي من التفكير وممارسة الحياة المهدور عبثا ... استطاعت الإرادات لدى غيرنا من الأمم وشعوب الأرض ان تصنع (معظم) تاريخها وأقصت عن طريقها (الصدفة) ان تقوم كما فعلت على امتداد عصور طويلة جدا في سابق عصور البشرية من ترسيم وصنع معظم التاريخ البشري وحياة الانسان. وبرهنوا ان الإرادات القاصرة لاتصنع الحياة بما يليق بالإنسان وحين تنعدم الوسائل تموت الغايات.

 

علي محمد اليوسف

....................

الهوامش:

(1). دكتور عبد الفضيل الادراوي / عالم الفكر مج 41 ع 2 ص 344.

(2) الثقافة والمساواة – منشورات الكويت –بريان باري- ترجمة كمال المصري ص 74-75 .

(3) د.نبيل علي _ العقل العربي ومجتمع المعرفة_ سلسلة عالم المعرفة ج1، ع369، ص221 .

(4) نفس المصدر السابق ص222 .

(5) دكتور فضيل ادراوي / معيار التلقي / عالم الفكر مج41 ع2، 2012 ص 331.

(6) نفس المصدر السابق ص225 .

(7) مجلة الثقافة الاجنبية العراقية، الابداع وعملية التشويه عند بيكاسو،ع1،2010 ترجمة عن الفرنسية د.جبار حنون .

(*) لم يترجم الكتاب إلى اللغة العربية.

(**) يراجع تفاصيل ذلك في الفصل السادس من كتاب المؤلف (سيسيولوجيا الاغتراب) بعنوان الاغتراب في الوجودية الحديثة.

 

 

hatam hamidmohsinما هي الفلسفة؟ سؤال في غاية الصعوبة، واذا كان المطلوب تعريف يجمع الوضوح مع الإيجاز فسيكون الجواب مستحيلا. التعريف الموجز للفلسفة قد يكون "استكشاف اسئلة ذات اهمية دائمة " او "انها تتعلق بطبيعة العالم والذات" او "هي حول طبيعة الحقيقة المطلقة" او الترجمة الحرفية للفلسفة "حب الحكمة". جميع هذه الصياغات صحيحة، لكنها ليست مفيدة لو ابتدأ القارئ في معرفته من الصفر.

سيكون من المفيد لو اقتربنا من التعريف من خلال الموضوع subject matter وعبر طرق الفلسفة. التعريف البسيط الذي يرتبط عن قرب بهذا الاتجاه هو ان "الفلسفة فعالية، وطريقة في التفكير حول مجموعة محددة من الأسئلة". لنستكشف الآن ماذا يعني هذا. قبل وقت ليس ببعيد كان موضوع الفلسفة يغطي جميع حقول الدراسة. حاليا معظم موضوعات الفلسفة التي تتعلق بالمادة (العالم المادي) قد انفصلت كعلوم، مثل الفيزياء والكيمياء. بعض الجامعات القديمة لاتزال تصنف العلوم كفلسفة طبيعية (مثل جامعة St Andrews). الكثير من الفلسفة المتعلقة بالذهن انفصلت كعلم نفس وعلوم اعصاب، وهذه تُعتبر خاصية هامة للفلسفة. حالما يُنتج الجدال والخلاف نظرية ومنهجية قادرة على التعامل بفاعلية مع القضايا فان القضايا تنفصل عن الفلسفة ويمكن اعتبارها كموضوع مستقل. هذا احد اسباب صعوبة التعاريف المبسطة. فحدود الفلسفة ليست ثابتة، والموضوع يعيد تعريف نفسه باستمرار.

اذاً، ماهي الأسئلة المحددة التي تهتم بها الفلسفة؟ كلاسيكيا، تتعلق الأسئلة الكبرى بـ

- ماذا يوجد ؟ (ميتافيزيقا)

- ماذا نعرف؟ (ابستيمولوجي)

- ماهي الاخلاق؟ (اخلاق)

- ماهو الجمال؟ (الجمال)

- المنطق (عملية التفكير السليم)

في الاوقات الحديثة ظهرت مجموعة من التخصصات الفرعية كحقول مستقلة وبعضها كان اكثر فعالية من الحقول الرئيسية الاصلية . مثال على ذلك فلسفة اللغة وفلسفة الذهن (بالرغم من انفصال السايكولوجي لكن بعض المجالات الحيوية للذهن لازالت باقية في عالم الفلسفة). بعض الاسئلة الاساسية طُرحت منذ الاف السنين مثل "مالذي يجعل الفعل صحيحا او خاطئا؟، كيف يجب ان نعيش؟، كيف يجب ان نعامل الناس الآخرين؟، ما صلة كل هذا مع الحياة الواقعية؟ لايوجد هناك دليل اخلاقي مقبول لدى جميع الناس، لكن الدليل يمكن ان يوفر افكارا حول كيفية التعامل مع القضايا الاخلاقية الكبرى كمشكلة الإجهاض والهندسة الوراثية .

كيف يتم التعامل مع الأسئلة الفلسفية؟ يتم اولا تحليل السؤال ومن خلال التفكير النقدي والمنطق يتم صنع استدلالات لأحسن توضيح، وهو التوضيح الأكثر احتمالا ان يكون صحيحا. هذا سيثير نقطة هامة اخرى حول الفلسفة، انها لا تنتج جوابا نهائيا. التفكير السليم والحجة يمكن ان يقودا الى استدلالات مختلفة . المهمة المتبقية هي ان نقرر اي الجواب هو الافضل. حالما يصبح الجواب نهائيا فلن تبقى هناك حجج اساسية حول تلك القضية، ستكون لدينا حقيقة عن حقل جديد من الدراسة.

لكي نوجز: الفلسفة هي صياغة اسئلة حول قضايا تتعلق بالواقع، المعرفة والمسائل الاساسية الاخرى ومن ثم، البحث عن حلول وتوضيحات عبر التعليل والمحاججة.

دعنا ننظر عن قرب بهذه الفعاليات مستخدمين مشاكل في فلسفة الذهن كمثال. نحن نستطيع البدء بسؤال اساسي، "ما هو الفرد؟ من الواضح ان الفرد كائن معقد. هو يستطيع المشي والتحدث والرؤية. هو لديه وظائف دماغية تنظم الجسم . لكن الفرد يستطيع عمل اشياء تتجاوز وظائف الجسم مثل التفكير وعمل القرارات والرغبة والحلم. هذه الاوضاع الذهنية تبدو مختلفة جدا عن اوضاع الجسم. السؤال عن ماذا وكيف نعمل كان دائما من اهتمامات الانسان. هذا اعطى دفعا لحجم هائل من توضيحات المنطق السليم والعقائد التي يرى البعض انها تشكل نظرية، احيانا توصف بمقدرة الانسان على التنبؤ بسلوك وذهنية الآخرين. ورغم ان الفرد ربما لديه ايمان عميق ببعض هذه العقائد لكن العديد منها غير منسجمة مع بعضها، ومع القليل من التحقيق نكتشف انها تقوم على اسس ضعيفة. لننظر مثلاً في الايمان المبني على خلفية دينية بان هناك روح منفصلة كليا عن الجسد، وان روح الفرد مرتبطة بالجسد لكنها لا تموت معه. عند فحص هذه العقيدة سنواجه صعوبات قبل البدء بالتحقيق. اين تقيم الروح في الجسد؟ كيف تغادر الجسد عندما يموت؟ كيف يوجّه الذهن/ الجسم الجسد الفيزيقي بدون ممارسة بعض القوى الفيزيقية (بافتراض ان الروح خالدة)؟ لقد اصبح من الواضح ان اي محاولة لتسوية الاختلافات بين المنطق السليم والعقائد الدينية انما هي نوع من العبث، وان العديد منها لا يمكن ان يوجد الا بغياب الآخر. اذاً ما هي الفلسفة . انها تبدأ بصياغة الأسئلة الاساسية التي بحاجة للعلاج، التحليل الاولي والدقة التي تأتي معه هما ذات اهمية كبيرة. بعد ذلك ومن خلال عملية الجدال النقدي نطور توضيحات صالحة ومفيدة تجعلنا اقرب الى الحقيقة (على الاقل في انتاج اسئلة افضل). بالتأكيد لاشيء هناك نهائي وقطعي حول التفكير في هذا الحقل: حاليا هناك سبع مدارس للفكر حول مشكلة الذهن/الجسد. هل هذا يعني ان الفعالية هي بلا فائدة؟ كلا، من المؤكد هناك تطور واضح . في مجال الفلسفة المتعلقة بالذهن كانت هناك اختلافات متساوية حول فعالية الدماغ، وبالنهاية كانت هناك ميثدولوجيا و إجماع كافي لعلم النفس ليصبح كامل التطور.

الآن ومع ماتم انجازه من سلوك على اساس بايولوجي وتطور علم الاعصاب، جرى رسم معظم مجالات الدماغ . ربما لا يمكن حل مشكلة الذهن/الجسد ابدا على نحو من اليقين لكن الشيء المهم هو ان يبقى البحث مستمرا . من هذا النقاش الموجز لمشكلة الذهن/الجسم فان التعريف الاكثر فائدة ودقة ربما هو "الفحص النقدي لخلفيات العقائد الاساسية وتحليل المفاهيم الرئيسية المستخدمة في التعبيرعن هذه العقائد". ولكن حتى مع هذا لازلنا بعيدين عن الحقيقة . النظرية مفيدة لكن الفلسفة هي بالضرورة فعالية.

 

حاتم حميد محسن

 

 

zouhair khouildi"ظهرت العديد من الأفكار الى الوجود على شكل أخطاء وأوهام ولكنها صارت حقائق لأن الناس جعلوا موضوعها حقيقيا بعد فوات الأوان" – فردريك نيتشه- انسان مفرط في انسانيته،II، شذرة 190،

لقد أيد ديكارت في السياق اللاتيني تأويل ميتافيزيقا أرسطو حينما ضرب مثال عن الفلسفة الأولى في رسالة التصدير للطبعة الفرنسية لكتابه مبادئ الفلسفة باستعارة الشجرة وقارن بها مجموع العلوم حيث "الجذور هي الميتافيزيقا والجذع هو الفيزياء والأغصان التي تتفرع من الجذع هي كل العلوم الأخرى".

على هذا النحو إن الميتافيزيقا هي معرفة الله والنفس بواسطة العقل الطبيعي. وبرهنته على ذلك أن الفكر يطمح لبلوغ المطلق سواء بالمعنى الوجودي أو الأخلاقي بواسطة الحدس العقلي والاستدلال الرياضي. وبالتالي الميتافيزيقا هي جذر شجرة العلوم ولا تبحث في الله ووجوده وصفاته وفي النفس وخلودها فحسب وإنما تبحث أيضا في المبادئ التي تقوم عليها العلوم وفي أسس المعرفة بوجه عام. ومن هذه الناحية يهتم بالفلسفة بصفة عامة وبالميتافيزيقا بصفة خاصة ومعناها الحكمة ويقصد بها الفطنة التي يجب أن يتم السلوك في الحياة وفقا لها بل المعرفة الكاملة، وبالتالي فإن الفلسفة الأولى معرفة العلل الأولى والمبادئ القصوى. إن مضمون الميتافيزيقا هو تفسير الصفات الرئيسية المنسوبة إلى الله وتفسير كون أرواحنا لا مادية وإيضاح كل المعاني الواضحة القائمة فينا. أما منهجها فيقوم على استنباط النتائج من المبادئ. هكذا تبحث الميتافيزيقا عند ديكارت في أسس المعرفة وتشير إلى معرفة الأمور المعقولة.

غير أن لايبنتز في "خطاب حول الميتافيزيقا" يرى أن ديكارت أحدث انشقاقا في وحدة الميتافيزيقا باختلافها عن أرسطو في تفسير طبيعة المبادئ التي تهتم بها. إذا كان أرسطو قد أطلق اسم المبادئ على البديهيات والقضايا الأولية الأكثر عمومية في استعمال البرهان فإن ديكارت يفيد بكلمة مبادئ على جملة من الحقائق الفلسفية التي اكتشفها على غرار الكوجيتو ورأى أن أنا موجود هي في الحقيقة مبدأ أي ينبغي أن يبدأ التفكير منها، وبالتالي يجب التفريق بين مبادئ المعرفة مثل مبدأ عدم التناقض عن مبادئ الوجود.

" ان القول أنا هو نتيجة شعور مباشر بينما مبدأ عدم التناقض لا يمكن أن يدرك الا نتيجة سير تحليلي ارتدادي يرجع البرهان إلى الافتراضات الأولى التي بدأ منها".  لقد سعى لايبنتز الى أغناء ميتافيزيقا أرسطو وذلك بإضافة مبادئ عقلية جديدة إلى جانب مبادئ الذاتية أو عدم التناقض ينحت لايبنتز مبد العلة الكافية الذي يقر بأن لا شيء يحدث دون سبب. كما يضيف مبدأ الاتصال في أحداث العالم، والذي يقرر بأن الطبيعة لا تقوم بالفطرة بل كل ما فيها متصل مع بعضه البعض دون أي انقطاع. كما أضاف مبدأ الأحسن وقرر فيه بأن الطبيعة تسلك أبسط السبل في انجاز أفعالها والبشر يوجدون في أحسن العوالم الممكنة. لكن كيف واصل عمونيال كانط هذه المراجعة النقدية للميتافيزيقا التي بدأها لايبنتز؟ ولماذا جعل من ميتافيزيقا الحرية  إمكانية ميتافيزيقية مقبلة في صورة علمية تفتك لنفسها مكانا بين الضرورات؟

" كان فلاسفة القدم ينظرون إلى كل صور الطبيعة بوصفها حادثة والى المادة حسب حكم العقل العامي بوصفها أصلية وضرورية ولكن لو أنهم بدل ان ينظروا إلى المادة نسبة إلى كونها أسا للظاهرات نظروا إليها في ذاتها في وجودها لكانت فكرة الضرورة المطلقة تبددت على الفور". بهذا المعنى كان كانط يرى أن أشياء الميتافيزيقا هي غير يقينية وغامضة ومثيرة للحيرة ويسهل الشك فيها وتوقع المرء في المتاهات والمضيقات التي لا مخرج له منها وتنتشر حيث الظلامية والتعصب وتسبب التناقض والجهل.

بيد أن العقل البشري له من حيث الطبيعة هذا الميل نحو طرح عدة أسئلة التي لا يقدر على الإجابة عليها وذلك لكونها تتجاوز قدرته على المعرفة وبالتالي يسقط العقل عندما يحاول التفكير فيها التناقض والوهم.

" حقل معركة من هذه النزاعات التي لا تملك هدف معين. هذه هي ما سوف يكون الآن الميتافيزيقا"

لقد سميت الميتافيزيقا ملكة العلوم لأنها تهتم بالأشياء اللامادية مثل الله والروح وتتميز عن الدين وعن التويولوجيا بماهي تعبيرته العقلية ولكنها تتجاوز إلى ماوراء التجربة بواسطة مفاهيم مجردة ومقولات فارغة وبسبب ذلك لم تقدر على بلوغ الطريق الواثق للعلومية وأعلن كانط عن نهاية مباحثها العقيمة.

بيد أن كانط أبقي إمكانية قيام ميتافيزيقا مقبلة بعد الانتهاء من النزاعات التي غذت المعارك في حقلها.

تصبح الميتافيزيقا داخل الفلسفة النقدية تقييم المعارف التي تعود إلى العقل وحده بمعزل عن التجربة وترتبط بشروط ممارسته. هكذا لا يقدر العقل على معرفة الأشياء في ذاتها ( جواهر الأشياء) ولكن هذه الأخيرة تمثل نبض الإيمان العقلاني الذي يثبت المسلمات العقل العملي (الله والنفس والحرية). تتمثل وجهة نظر كانط في التمسك بإمكانية الميتافيزيقا حتى إن لم تكن في صورة علم بالمعنى الدقيق للكلمة.

لكن هل يمكن للتفكير الماورائي أن ينزل من سماء التجريد المثالي ويكون مقدمة لميتافيزيقا تجريبية؟

  لقد بين برجسن في كتابه الفكر والمتحرك أن الميتافيزيقا هي العلم الذي يطمح إلى تخطي الرموز ويسعى إلى امتلاك الحقيقة بشكل مطلق بدل معرفتها بصورة نسبية والانتقال إليها بدل معالجتها عن بعد من نقاط مرجعية مختلفة هي اللغة والذكاء الصناعي ويقوم الحدس بهذه المهمة بماهو معرفة مباشرة.

بهذا المعنى لا يوجد شيء مشترك بين الميتافيزيقا وتعميم التجربة بل تعرف التجربة التامة والحاسمة وتكون الروح هي الموضوع المحدد للميتافيزيقا والحدس هو المنهج الخاص بها. بيد أن الميتافيزيقا ليست أعلى علم وضعي ولا تأتي بعد العلم، بل تعتبر نفس الموضوع من أجل تحصل على معرفة أكثر علو. إذا كان العلم يهتم بالمادة فإن الميتافيزيقا يدرس الروح، ولما كانت المادة والروح يتماسان فإن الميتافيزيقا والعلم يحوزان على قدرة من تلاقحهما على طول المساحة المشتركة بينهما.

من هذا المنطلق تشير الميتافيزيقا إلى المعرفة التي تتجاوز من جهة مواضيعها المحدودة الهوة التي تفصل بين العلم البشري والحقيقة وتتمكن من بلوغ المطلق. من المعلوم أن الهوة التي تفصل المعرفة عن الحقيقة لا يمكن اجتيازها وذلك بفعل ثلاثة أسباب: كل تجربة تفترض موضوعا حقيقيا ، وكل تحريف لهذا الموضوع بواسطة معرفتنا يكون جائزا ويخضع لمعايير محددة وبالتالي نملك أداة لتجاوز هذا التحريف المختزل في لاتواصل المكان والارتباط بتلبية الحاجات التي تفترضها الحياة الانسانية.

إن الحدس هو قبل كل شيء الجهد الروحي المبذول في اتجاه الحقيقة الكلية والمعطى من هذا الواقع الذي تفترضه كل معرفة بالمطلق ويتطلبها تجاوز الحياة اليومية ببلورة الوحدة المفقودة بادراك الديمومة.

غير أن نظرية برجسن في الميتافيزيقا تطرح مشكلين هما: امتداد الميتافيزيقا من جهة موضوعها ومنهجها من ناحية ، وكذلك علاقتها بالعلوم من جهة نظرية المعرفة ونظرية الوجود من ناحية ثانية.

لقد كشف برجسن في مقدمة إلى الميتافيزيقا التي كتبها عام 1903 أن الميتافيزيقا تمتلك المشروعية بالمقارنة مع كل الواقع حتى ولون كان بطريقة خاصة وعلى كل المواضيع المحددة والوقائع الجزئية، وأن العلم مطالب بأن يتخطى منهجه الخاص وأن يستهدف الديمومة بواسطة جهود حدسية.

اذا كان الذكاء قادر على بلوغ الحقيقة المطلقة للمادة ضمن إطار المكان فإن الميتافيزيقا تضاعف هذا المحصول بأن تبلغ الحقيقة المطلقة للروح ضمن إطار الديمومة وتلتقي مع العلم في نفس التجربة. ويبدو من المفارقة التمييز بين الميتافيزيقا والعلم لأن العلم يحوز على بعد ميتافيزيقي عندما يطمح إلى بلوغ الواقع وأن الميتافيزيقا تتضمن بعدا علميا عندما تبتعد عن التعميم وتريد امتلاك موضوع محدد (الروح).

هكذا لا توجد ميتافيزيقا عامة وإنما تحمل على وقائع جزئية ومواضيع محددة تبعا لذلك تصور برجسن الميتافيزيقا على أنها علم وضعي وبالتالي هي اختصاص تقدمي يقبل الاكتمال والتكامل بصورة تدريجية.

لقد جسد برجسن ، وفق عبارة مرلوبونتي، بشكل تام المقاربة الميتافيزيقية للعالم والميتافيزيقي في الانسان وذلك حينما  حاول ردم الهوة  بشكل محايث في حضن الواقع بين بعدين من المعرفة أو العلاقة مع الواقع.

ثمة دائما في كل علاقة مع كل حقيقة وفي علاقة الذات بذاتها جانب ميتافيزيقي يستحق العناية واللحاق به.

-لكن كيف جعل مارتن هيدجر من ميتافيزيقا التقنية مطية من أجل استئناف السؤال عن الكينونة؟

تبحث الميتافيزيقا من وجهة نظر النزعة الوجودية في المعنى الشامل والعام للوجود البشري ولكن دون أن تقوم ببلورة نسق مغلق وفكرة كلية وتظل في علاقة مع الحرية وتجد اكتمالها على صعيد الفعل والأخلاق.

لقد أعلن ماراتن هيدجر نهاية الميتافيزيقا الغربية والاقرار في نفس الوقت باخفاقها وذلك بالانطلاق من الإرادة النتشوية التائقة نحو قلب الأفلاطونية. لقد ضاعت بالانشغال بالموجودات ونسيت الوجود ولذلك حرص هيدجر على الاستئناف عن طريق بناء الأنطولوجيا الأساسية ودفع الفكر نحو إعادة طرح السؤال الأساسي ماهو الوجود؟ ولقد دشن بذلك عصر العدمية بالنسبة للفلسفة الغربية. غير أن هذه النظرية الماورائية تعرضت الى موجة تشكيك وعملية هدم من طرف فلاسفة الرجة وخاصة نيتشه وفرويد ولقد تعامل الفكر الماركسي مع الميتافيزيقا تعاملا سلبيا واعتبرها بنية فوقية زائفة وفي تعارض مع الجدلية العلمية وسبب اغتراب الوعي وتشير إلى الوجود الثابت وغير الزمني وتؤدي إلى الإيديولوجيا الزائفة. 

فماهو مصير المطلق في ظل سيطرة النسبي؟ وبماذا يلبي المرء رغبته في المعرفة بعد اكتفائه بالعالم؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

.....................

المصادر والمراجع:

Bergson Henry, introduction à la métaphysique 1903

Bergson Henry, Pensée et mouvant , 1907

Daval (Roger), la métaphysique de Kant, édition PUF, Paris,1951.

Descartes (René), Méditations métaphysiques (1641), II, 10-18, 1963,

Kant Emmanuel, critique de la raison pure, préface de 2 éditions,

Jolivet (Régis), l’homme métaphysique, collection je sais-je crois, troisième partie qu’est-ce que l’homme ?, Librairie Arthème Fayard, Paris, 1958.

Leibniz, discours de métaphysique, 1686

Lefranc (Jean), la métaphysique, édition Armand Colin, Paris, 1998.

Zarka (Yves  Charles) et Pinchard (Bruno), Y a-t-il une histoire de la métaphysique ?, édition PUF, Paris, 2005.

 ...................

 ديكارت (رونيه)، مبادئ الفلسفة، المقدمة.

 

 

ibrahim telbasilkhaيرى اشفيترز أننا نعيش اليوم فى ظل انهيار الحضارة، وأن الحضارة الغربية الراهنة بسبيل الانتحار، وهذا الوضع نتيجة لما بلغه هذا العصر من تقدم فى النواحى الصناعية والمادية، وافتقاره إلى المعتقدات الأخلاقية الأصيلة .

فالأحوال الاقتصادية اليوم تحاول أن تجعل من الإنسان كائنا بغير حرية ولا تفكير ذاتى ولا استقلال، تريد بقوة أن تجعل منه كائنا حافلا بالنقائض إلى حد أن يفقد صفات الإنسانية . لقد ضعف عدد النفوس الحرة المستقلة فى ظل المكاسب المادية الهائلة التى تحققت، فالصانع الذى كان سيد نفسه أصبح بقهر الآلات مجرد أداة فى المصنع، كما أن نظام المصانع يخلق باستمرار تجمعات للسكان متزايدة تصبح بالضرورة منفصلة عن الأرض التى تغذيها، والبيوت التى تسكنها، وعن الطبيعة . ومن هنا تقع الأضرار النفسية الخطيرة ذلك أن الحياة غير السوية تبدأ حقا بفقدان الإنسان لحقله أو مسكنه .(1)

وإلى جانب الافتقار إلى الحرية يمكن أن نضيف نشر الإرهاق، فلقد أصبحت القاعدة اليوم فى كل دائرة من دوائر المجتمع هى القيام بدور مفرط من العمل والنتيجة أن العنصر الروحى فى العامل لا يمكن أن يترعرع . وهذا الإرهاق يؤذيه حتى فى طفولته بطريق غير مباشر، لأن أبويه لا يستطيعان أن يخصصا وقتا وجهدا لتنشئته. كما يجب بسبب انشغالها بالعمل الذى لا يرحم وهكذا يفتقر نموه إلى عنصر لا يمكن أبدا تلافيه، فيشعر من بعد فى مجرى حياته حينما يصبح هو نفسه عبدا لساعات العمل المرهقة، يشعر بالحاجة المتزايدة إلى مرفهات خارجية وإمضاء الوقت ال(2)

لكن هذا كله يحتاج إلى توفر عقلى وضبط نفسى لا سبيل له إليهما . فهو لا يود أن يفكر ولا يبحث عما يصلح لنفسه، إنه يبحث عن تسلية من النوع الذى لا يتطلب من قواه الروحية إلا أقل مجهود . وعقلية هذا الجمع من الناس المتراخين روحيا، العاجزين عن حشد أنفسهم وخواطرهم لها آثارها فى كل تلك المنشآت التى كان ينبغى أن تخدم قضية الثقافة وبالتالى قضية الحضارة . فالمسرح الجاد أصبح فى مركز ثانوى بالنسبة إلى الملاهى ودور السينما، والكتاب الجديد توارى فى الظل مفسحا المجال للكتاب المسلى أو البوليسى، وتكيفت الثقافة بدورها مع هذه الحياة . فكل صحيفة بها الكلمات المتقاطعة لشغل وقت الفراغ، وكل صحيفة أصبح اهتمامها منصبا على المعلومات السطحية فى المقام الأول، على المعلومات التى يستسيغها القارئ بسهولة ويسر .(3)

والدليل على أن هذا الافتقار إلى القوة المفكرة قد أصبح طبيعة ثابتة فى الناس الآن، ما نجده إذا اجتمع شخصان للمناقشة، نجد أن كل منهما يحرص على أن يكون حديثهما لا يتجاوز نطاق العموميات ولا يتحول إلى تبادل فعلى للأفكار فليس عند أحد ما يعرضه . وكل إنسان يتسلط عليه نوع من الخوف حتى لا يتطلب منه شئ مبتكر وهذه الروح التى لا تركيز لها تفضى إلى تصور وضيع لما يجب أن يكون عليه الإنسان . ففى أنفسنا وفى غيرنا لا ننظر إلى القدرة على العمل المنتج، ونقنط ونكف عن تطلب مثل أعلى .(4)

وإلى جانب العائق الناشئ عن افتقار الإنسان الحديث إلى الحرية وإلى قوة التركيز العقلى، هناك عائق آخر ناشئ عن التخصص فى المعرفة . ففى ظل هذا التخصص يتضاءل المعنى الروحى إذا أصبحت الدعوة موجهة إلى بعض ملكات الإنسان فحسب، الأمر الذى جعله يرضى ويقنع ببعض المهارات الجزئية. وعلى الرغم من أن هذا التخصص قد أدى إلى نتائج مدهشة فى مجال العمل، إلا أنه أصاب المجتمع بالضياع الروحى، وفى هذا توضيح لذلك القانون المفجع الذى يقول إن كل مكسب تصحبه، على نحو أو آخر خسارة مقابلة .(5)

لذلك وجَدَ اشفيتسر أن الخلل ناشئٌ عن اهتمام الناس ببناء قدراتهم وتطوير وسائلهم والاندفاع مع رغباتهم والاستغراق في مصالحهم وإهمال الجانب الأخلاقي الذي هو المزية الكبرى التي تميز الإنسان عن بقية المخلوقات. لقد شَخَّص خلَل الحضارة بأنه خللٌ أخلاقيٌّ فلقد امتلكتْ الإنسانيةُ معارف دقيقة وأفكارًا خلاقة وتقنيات مذهلة وأقامت مؤسسات فاعلة لكنها لم تملك الأخلاق العالية التي تتلاءم مع هذه الإمكانات الهائلة، إن الشعوب والأمم تنافست في اتجاه بناء القدرات من أجل التفوق والتغلُّب والهيمنة وليس من أجل التفاهم والتآخي والتقارب والمشاركة فحدث هذا الخلل الفظيع الذي تعاني منه الإنسانية في كل مكان..(6)

والإنسان اليوم أيضا معرض إلى أن يفقد إنسانيته، فالموقف السوى من الإنسان نحو الإنسان قد أصبح صعبا جدا . ذلك أنه بسبب السرعة التى يعيش فيها، وازدياد وسائل الاتصال والاضطرار إلى العيش والعمل مع كثيرين آخرين فى مكان مكتظ بالسكان فإن كل منا يقابل الآخر باستمرار، وفى مختلف أنواع المناسبات يقابله كأنه غريب عنه . فإن الظروف الراهنة لا تسمح لنا بأن يلقى بعضنا لقاء الإنسان لأخيه الإنسان لأن القيود المفروضة على الإنسان العادى أصبحت من العموم والوثوق بحيث اعتدنا عليها فلم نشعر بعد بأن الاتصال الآلى اللاشخصى القائم بيننا هو أمر غير طبيعى .(7)

ولذلك ترانا نميل إلى تناسى علاقتنا مع أخواننا، ونسير فى الطريق المؤدى إلى عدم الإنسانية . وقد شاعت بيننا أفكار غير إنسانية بصورة وقحة وبقوة المبادئ المنطقية . واختفى الأدب الناشئ عن الشعور الطبيعى، وحل محله سلوك من عدم الاكتراث التام وإن تستر بستار من ناموس الأخلاق . ومنذ عشرات السنين ونحن نتحدث باستخفاف متزايد عن الحرب والغزو وكأن هذين ليسا إلا ألاعيب على رقعة الشطرنج . كيف أمكن أن يقع لو لم يكن نتيجة اتجاه عقلى لم يعد يرسم لنفسه مصير الأفراد، بل صار يفكر فيهم على أنهم مجرد أشكال أو موضوعات تنتسب إلى العالم المادى ولما نشبت الحرب انطلقت عدم الإنسانية من عقالها . وكم من إهانات بعضها مقنع بأدب، والبعض الآخر مكشوف، انصبت على كثير من الشعوب فى السنوات الأخيرة وعدها الناس حقائق معقولة سواء فى الكتب الاستعمارية أو البرلمانات حتى أصبحت عنصرا فى الرأى العام .(8)

وهكذا يؤكد اشفيتزر أن التقدم المادى يكون شرا وخطيئة عندما يصبح بالنسبة لنا مجرد وسيلة أو أداة لتحقيق المنافع والأغراض الذاتية الخالصة على حساب تحقيق المثل والمبادئ الإنسانية العليا . كما يرى أن التفاعل بين ما هو مادى وما هو روحى قد اتخذ طابعا مضرا كل الأضرار، وأننا نبحر بسفينة مصيرنا فى تيار مليء بالأمواج العاتية تحت شلال هائل . ولقد انحرفنا عن مجرى الحضارة لأننا لم نقم بالتفكير الجدى فى معنى الحضارة . ولم تفلح تلك المؤلفات التى تناولت الحضارة فى إيضاح الأحوال الراهنة فى حياتنا العقلية، أو وصف مضمون حياتنا الروحية وبيان حقيقة الأزمة الحالية .(9)

واشفيتزر يرجع هذا الموقف أساسا إلى انصراف الفلسفة عن القيام بواجبها . فالفلسفة كانت تقود الإنسانية وتتضمن فى داخلها تفلسفا أوليا عن الإنسان والمجتمع والجنس والإنسانية والحضارة مما جعل لها سمة شعبية واضحة، ومن ثم كانت تهيمن على التفكير العام وتحافظ على التحمس للتحضر. كما كانت الفلسفة عاملا فعالا فى إنتاج معتقدات عامة عن الحضارة . أما الآن فالروح المبدعة أصبحت خاوية من التفكير الحقيقى، لقد راحت تتأمل فى النتائج التى وصلت إليها العلوم الجزئية، وبالتالى فقدت القدرة على التفكير الأصيل .(10)

وإن كان لا يزال لهذه الفلسفة دورها فى المدارس والجامعات، فإنه لم يعد لها رسالة تؤديها للعالم الكبير . لقد أصبحت مجرد حذلقة فلسفية يقوم بها منحلون، أصبحت غريبة عن العالم ومشاكل الحياة الروحية العامة . إنها لم تتفلسف فى الحضارة إلا قليلا لأنها خدعت بثرواتها، وأهملت غرس الأرض بمحاصيل مفيدة، وبالتالى أسلمت العصر لمصيره، وتجاهلت ما فيه من جوع .(11)

ويضع اشفيتزر مجموعة من المهام الكبرى التى ينبغى أن تؤديها الفلسفة لإصلاح الوضع الحضارى الراهن : فيطالب بضرورة أن تكون الفلسفة دليلا للعقل وحارسا، وأن تعترف للدنيا بأن المثل الأخلاقية العليا هى أساس الحضارة . وأن تكافح من أجل هذه المثل، وأن تجعل لها وجودا مستقلا، وبالتالى تحفظ لها حياتها ووجودها . وأن تبذل كل الجهد لتوجيه اهتمام المثقفين وغير المثقفين معا إلى مشكلة مثل الحضارة، وعليها أن تعمل على بعث القوى الضرورية لوضع وتمكين مثل الحضارة، وأن تظل ساهرة يقظة من أجل الحفاظ على الحضارة .(12)

يؤمن اشفيتزر إذن بأن مستقبل الحضارة يتوقف على توكيد المثل والمعتقدات الأخلاقية وترسيخها . ولذلك تجده يصرح أنه بعد أن بحث فى ماهية الحضارة وطبيعتها تبين له فى نهاية المطاف أن الحضارة فى جوهرها أخلاقية . ومن ثم فليس ثمة ضرورة إلى اليأس الذى يعترينا فى عصرنا، لأنه إذا كان العنصر الأخلاقى هو العنصر الجوهرى فى الحضارة فإن الانحلال يستحيل إلى نهضة بمجرد أن يعود النشاط الأخلاقى إلى العمل من جديد فى معتقداتنا وفى أفكارنا، والقيام بهذه المحاولة أمر جدير بالسعى إليه ويجب أن يمتد إلى العالم كله .(13)

لكننا لن نستطيع القيام بهذه المحاولة إلا إذا كنا قادرين على أن نهب العالم والحياة معنى حقيقيا . وطالما نظرنا إلى وجودنا فى العالم على أنه عديم المعنى، فلا معنى أبدا للرغبة فى إحداث أى أثر فى العالم . فنحن لا نعمل من أجل ذلك التقدم الروحى العام والمادى الذى نسميه الحضارة إلا بالقدر الذى به نؤكد أن العالم والحياة كليهما ينطوى على نوع من المعنى، وبعبارة أخرى إلا بالقدر الذى نفكر به تفكيرا متفائلا.

وأن الحضارة تنشأ عندما يستلهم الناس عزما واضحا صادقا على بلوغ التقدم،ويكرسون أنفسهم، تبعا لذلك، لخدمة الحياة والعالم . وفى الأخلاق وحدها نجد الدافع القوى إلى مثل هذا العمل، فنتجاوز حدود وجودنا . ولتعلم أنه لن يتحقق أى شئ له قيمة فى هذه الدنيا إلا بالحماسة والتضحية بالنفس .(14)

فالإنسان لن تكون له قيمة حقيقية بوصفه شخصية إنسانية إلا من خلال كفاحه ليكون ذا خلق وخلال حسنه . لكن لا سبيل إلى إقناع الناس بحقيقة توكيد الحياة والعالم، وبالقيمة الصادقة للأخلاق عن طريق الدعوة والوعظ . بل لابد أن تنشأ العقلية الإيجابية الأخلاقية التى تمتاز بها هذه المعتقدات فى الإنسان نفسه كنتيجة لصلة روحية باطنة بالعالم . فحينئذ وحينئذ فقط تكون له معتقدات قوية واضحة راسخة، تكيف كل أفكاره وأفعاله .(15)

ويحدد (إشفيتسر) مضمون الحضارة بثلاثة أنواع من التقدم هي:

أ- التقدم في المعرفة والسيطـــــرة

ب ـ التقدم في التنظيم الاجتماعي للإنسانية

جـ ـ التقدم في الروحيــــــــــة

ويضيف أن الحضارة تتألف من مثل عليا هي:

أـ المثل العليـــا للفــرد

ب ـ المثل العليا للتنظيم السياسي والاجتماعــــي

ج ـ المثل العليا للتنظيم الاجتماعي والروحي والديني

د ـ المثل العليا للإنسانية بوصفها كلاً متكامـــلاً

وينتقل (إشتفيتسر) من مضمون الحضارة إلى وضع مفهوم لدوافعها: فهي "بذل المجهود، من أجل تكميل النوع الإنساني، وتحقيق التقدم في أحوال الإنسانية وأحوال العالم الواقعي".(16)

ومن هنا يطالب اشفيتزر بالتغلب على فقدان المعنى واليأس اللذان يميزان أفكار الناس ومعتقداتهم فى هذه الأيام . وعلى بلوغ حالة من الأمل النضير والعزم الفتى . ولن يكون فى وسعنا ذلك إلا إذا اكتشفت غالبية الناس لأنفسهم موقفا أخلاقيا عميقا راسخا يؤكد الدنيا والحياة عن طريق نظرية فى الكون مقنعة وقائمة على الفكر.(17)

وتطور الحضارة إنما يقوم به عامة أفراد من الناس يفكرون فى المثل التى تهدف إلى تقدم المجموع . ويكيفونها مع وقائع الحياة على نحو يجعلها قادرة على التأثير الأقوى، وفى ظروف العصر. ولهذا فإن مقدرة الإنسان على أن يكون رائدا للتقدم وأن يفهم ماهية حضارته، وأن يعمل لها تتوقف على كونه مفكرا وعلى كونه حرا. إذ ينبغى أن يكون مفكرا ليكون قادرا على فهم مثله وتصويرها وينبغى أن يكون حرا ليكون فى وضع يتهيأ له منه أن يدفع بمثله فى الحياة العامة . إن الحضارة تفترض أناسا أحرارا، فعن طريق الأحرار وحدهم تتحقق الحضارة وتتقدم .(18)

ولهذا فإن تجديد الحضارة لا شأن له بالحركات التى تحمل طابع تجارب المجموع فهذه التجارب ليست إلا ردود فعل تجاه الأحداث الخارجية . لكن الحضارة لا يمكن أن تتجدد إلا إذا نشأت فى عدد من الأفراد نزعة عقلية جديدة مستقلة عن تلك السائدة بين الجمهور، وفى تعارض واياه. نزعة عقلية تكتسب التأثير تدريجيا على النزعة الجماعية، وفى النهاية تطبعها بطابعها . ولا سبيل إلى النجاة من الهمجية إلى بحركة أخلاقية، ولا وجود للأخلاق إلا فى الأفراد .(19)

وواجب الأفراد هو الارتفاع إلى تصور أعلى لمعتقداتهم والقيام من جديد بالوظيفة التى لا يستطيع أداءها غيرهم، أى إيجاد أفكار روحية أخلاقية . فإن لم يحدث هذا فى عديد من الحالات فلا يمكن إنقاذ الحضارة . ولابد من خلق رأى عام جديد بطريقة عامة، والرأى العام إنما يتكون حاليا عن طريق الصحافة والدعاة والمنظمات والوسائل المالية وأساليب القوة التى تحت تصرفها . وهذه الطريقة غير الطبي2عية فى نشر الأفكار يجب أن تقابل بطريقة طبيعية تنتقل من الإنسان إلى الإنسان ولا تستند إلا على الصدق فى الأفكار، واستعداد السامعين لقبول الجديد من الحقائق . وعليها أن تهاجم وهى عزلاء من السلاح بطريقة الكفاح الروحى، الطريقة الأخرى المدججة بالسلاح كأنها داود فى مواجهة طالوت .(20)

إن على الروح اليوم أن تخلق القدرة على فهم الحق الذى هو فعلا حق بينما لا يشيع اليوم إلا الحق الذى صنعته الدعاة . وعليها أن تخلع التعصب الوطنى الذميم، وأن تنصب مكانه الوطنية النبيلة التى تهدف إلى غايات جديرة بالإنسانية كلها، فى الدوائر التى تعمل فيها النتائج اليائسة للأعمال السياسية الماضية والحاضرة على إذكاء نيران التعصب الوطنى حتى تبين لأولئك الذين يودون من صميم قلوبهم أن يخلصوا منها وعليها أن تبين للجميع أن مسألة الحضارة أمر يهم جميع الناس، والإنسانية كلها، وأن تهبنا الإيمان بإمكان التقدم وأن تزودنا بكل أسباب الأمل .(21)

ويؤمن اشفيتزر بأن يقظة هذه الروح الغريبة يجب أن تنطلق من شعور الشعب المثقف منه وغير المثقف بضرورة إعادة النظر فى المعتقدات والمثل التى نحيا فيها ومن أجلها، وفى معنى الحياة كلها ولو أننا جميعا خصصنا ثلاث دقائق كل مساء للنظر فى السماء المرصعة بما لا نهاية له من النجوم لمهدنا لعهدنا لإصلاح الأحوال التى نعيش فيها اليوم وكذلك لو أننا ونحن نشترك فى تشييع الجنائز فكرنا فى لغز الموت والحياة بدلا من الخوض فى الأحاديث الفارغة . علينا أن نبدأ بالتأمل فى المتناهى واللامتناهى فى الكون والفساد ولنعلم كيف نميز بين المعايير الصادقة والمعايير الزائفة، بين ذوات القيمة وبين تلك عديمة القيمة وبهذا نتلقى مزيدا من القوة المعنوية الأخلاقية والصمود، ومن ثم نكون قادرين على وضع مثل عليا حضارية تحمل روح الإنسانية الصحيحة .(22)

ولا يعنى ذلك أن اشفيتسر يدعو الى الزهد والتخلى عن الحياة وانما ينادى بترشيد الحضارة، فهو مع دعوته الملحة الى الأخلاق كان فى قمة العقلانية فهو الذى يقول:" ان المذهب العقلى حركة فكرية وظاهرة ضرورية لكل حياة روحية سوية .. ان كل أشكال التقدم الحقيقى فى العالم يتضح بعد التمحيص الدقيق بأن مردها هو العقلانية، وهذا المبدأ الذى ترسخ والذى يستند الى اعتماد الفكر فى أفكارنا للعالم هو المبدأ الصحيح لكل زمان".(23)

 

..................

الهوامش

**راجع هذا الموقف من خلال كتاب اشفيتسر " فلسفة الحضارة " .

1- ألبرت أشفيتسر: فلسفة الحضارة، ترجمة د. عبد الرحمن بدوى، مراجعة د.زكى نجيب محمود، المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة والطباعة والنشر، ص ص 21-22

2- الموضع نفسه

3- المرجع نفسه، ص ص 22-23

4- المرجع نفسه، ص ص 23-24

5- الموضع نفسه

6- ابراهيم البليهى:من الطب والجراحة الى فلسفة الحضارة، جريدة الرياض، 5يوليو 2015م العدد 17177

7- ألبرت اشفيتسر: مرجع سابق، ص 26

8- المرجع نفسه، ص ص 26-27

9- المرجع نفسه، ص 11

10- د.ابراهيم طلبه سلكها : رؤى الفلسفة، دار الحضارة للطباعة والتوزيع، الطبعة الثانية، 2003، ص ص 23-24

11- ألبرت أشفيتسر: مرجع سابق، ص 18

12- المرجع نفسه ص ص 18-91

13- المرجع نفسه، ص 56

14- المرجع نفسه، ص ص 5-6

15- الموضع نفسه

16- حسن محمد طوالبة: العرب والغرب بين خيارى الصراع والحوار الحضارى، صحيفة الحوار المتمدن، العدد 3376

17- ألبرت أشفيتسر: مرجع سابق، ص 7

18- المرجع نفسه، ص 20

19- المرجع نفسه، ص 62

20- المرجع نفسه، ص 63

21- المرجع نفسه، ص ص 64-65

22- المرجع نفسه، ص 83

23- ابراهيم البليهى: مرجع سابق

 

 

hatam hamidmohsinان مصطلح الاستقلالية (autonomy)، مشتق من الاصل اليوناني "اوتوس" و"نوموس" (الذات + القانون) ويشير الى حق الافراد او مقدرتهم على حكم انفسهم. الافراد يقال مستقلون اذا كانت افعالهم هي حقا تعود لهم، ويحوزون على حرية اخلاقية. ان ضرورة هذه الحرية الاخلاقية اُعلن عنها بوضوح في اعمال العديد من الفلاسفة كجان جاك روسو، على سبيل المثال، الذي ناقش في عقده الاجتماعي ما اعتبره علاقات مركزية هامة بين ما اسماه الرغبة العامة، الحرية، المساواة. وتأتي من هذا العمل ايضا عبارة روسو الثورية الشهيرة "الانسان ولد حرا وهو مقيد بالسلاسل في كل مكان".

مصطلح الاستقلالية هو ايضا حجر الزاوية في نظرية كانط الاخلاقية التي تكون فيها حيازة استقلالية الرغبة شرطا ضروريا للفرد الاخلاقي. يرى كانط ان الاستقلالية تعمل بمثابة القدرة على معرفة ما تتطلبه الاخلاقية منّا بدلا من ان تكون حرية في السعي لتحقيق غاياتنا. ان حيازة الاستقلالية تسمح للفرد بالتصرف وفق قواعد موضوعية وعالمية صالحة تستمد شرعيتها من العقل وحده. في المعجم الكانطي نجد هذه الفكرة منفصلة كليا عن مصطلح الـ "heteronomy" (التأثر بقوى خارج الفرد) وهو المصطلح الذي استخدمه كانط ليشير الى ظروف التصرف وفق الرغبات والتي لم يشرعها العقل. في (الفصل الثاني  صفحة 46 من المبادئ الاساسية لميتافيزيقا الاخلاق) يجادل كانط اننا يجب ان نرفض كل الاحكام التي لا تنسجم مع ارادة سن قانون عالمي و" اننا يجب ان نتصرف فقط وفق الاحكام التي تصبح بها الرغبة في ذات الوقت قانونا عالميا". يرى كانط ان اي تفكير قائم على رؤية ان القانون الاخلاقي يتم فرضه من الخارج هو قانون  مشابه تماما لقانون الآخر (heteros) .

بالنسبة للاخلاقي الكانطي، لايمكن انجاز النضج الاخلاقي بدون القبول بالحاجة للاستقلالية كما عُرّفت اعلاه. قبول النظريات الخارجية التي تتطلب الطاعة العاجلة لأوامر الدولة او المجتمع او للايمان الديني، ستضع الافراد في موقع الإذعان وقبول الاوامر المفروضة عليهم كي يعملوا بطرق لم يقوموا ولا يستطيعون القيام بها.ومن جهة اخرى، اذا كان الافراد يميزون بشكل مستقل ويقررون قيمهم الاخلاقية الخاصة، فهم عندما يتصرفون طائعين لها، انما يقومون بهذا ولديهم الاحساس العميق بحريتهم في تقرير طبيعة افعالهم .التصرف بهذه الطريقة، كما جادل كانط ذاته، يعني التصرف باسلوب من استخدام القدرات العقلانية المشتركة لدى جميع الناس لأغراض اكتشاف القانون الاخلاقي الذي هو ايضا قابل للتطبيق بشكل عام وكوني.

هذا الموقف لايشبه فكرة ان الاستقلالية تمثل السيادة الكلية للفرد على خياراته للقيم الاخلاقية وافعاله وتطوره الذاتي . الفرق بين هذين الموقفين الموقف الكانطي والموقف الذي يوصف بالنسخة الوجودية المتطرفة، يؤثر بوضوح وبشكل هام على رؤيتنا للمفاهيم المتصلة بالحرية والمسؤولية. "الحرية"، في هذا المعنى الاخير تمنح اهمية عظيمة لـ "الاصالة" وتجنّب الايمان الزائف(1). طبقا لهايدجر، الاصالة هي ظروف اولئك الذين يفهمون البناء الوجودي لحياتهم، الذين يقودهم القلق العميق لتحمّل المسؤولية عن حياتهم وبالتالي اختيار هوياتهم الخاصة بهم والعيش  بطريقة هامة وملائمة عاطفيا  ."اللااصالة"، من جهة اخرى، يعرّفها هايدجر بالحالة التي تنسلخ بها الحياة عن الهدف والمسؤولية وهي بهذا يتم الانحدار بها انسانيا وشخصيا.

عند الذهاب الى ما وراء الاصل الكانطي لفكرة الاستقلالية، فان الاستقلالية الاخلاقية بهذا المعنى الهايدجري "فهم البناء الوجودي للحياة"، بدلا من الاعتماد السلبي على انظمة القيم التقليدية ستساعد الافراد تجاه الوعي بقيمة واهمية تجاربهم المتميزة والخاصة بهم وبهذا يصبحون في موقف يمكنهم فيه الانخراط كافراد بالاسئلة الاخلاقية المعقدة كتلك الناجمة عن الحاجة لتطبيق التحليلات الاخلاقية على المجالات الجديدة والممتدة من المعرفة الانسانية والتي لاتزال شائكة اخلاقيا.

ان التحفظ من القبول اللانقدي للمواقف الاخلاقية بشأن الاسئلة الاساسية يمكن اعتباره كرغبة من جانب الافراد لبناء الفكر الفلسفي على تجاربهم الخاصة بالحياة والقضايا اليومية اكثر ما هو على سلطة الاخرين. هذا التطور، مع انه ليس جديدا، لكنه بوضوح يمثل انعاشا لنمط التحقيق الاخلاقي الذي انعكس على سبيل المثال في تفكير الفلاسفة الاغريق والرومان حول اسئلة مثل كيف يجب ان نعيش وكيف يجب ان نموت. وبالمثل، كتب هيوم عن الانتحار، وفي القرن التاسع عشر، كتب جميع فلاسفة النفعية الكبار عن قضايا الاخلاق التطبيقية.

 ان الانهماك بالعلاقة بين الاستقلالية الذاتية والقضايا الاخلاقية يجب اعتباره شديدة المركزية وهو ايضا تعبير عن الطبيعة المستمرة لاثنين من النقاشات ذات الصلة: الاول نقاش حول ما اذا كانت الاخلاق ذاتها مستقلة وقادرة على تزويد حقائق اخلاقية موضوعية لا تستمد سلطاتها من مصادر غير اخلاقية مثل الأوامر الدينية او حقائق الطبيعة او اوامر العقل الخالص، والثاني، السؤال المنفصل (طالما ليس من الضروري ان الايمان بالاسباب الموضوعية للفعل تنطوي على تصور اخلاقي مطلق للقيم الاخلاقية) عن مدى مقبولية الاتجاهات المطلقة اخلاقيا وليست النسبية للقضايا الاخلاقية المعاصرة .لو حدث ان الافراد يؤمنون بان الحقائق الاخلاقية  تتقرر بالاحداث في مجالات اخرى للفعالية، او ان المواقف الاخلاقية النسبية تعرض فعلا وسائل عقلانية اكثر قبولا تحاول بواسطتها تحليل ما يمثل السلوك الصحيح او الخاطئ في موقف معين، فانه من المحتمل ان يبرز بين هؤلاء الافراد مناخا من النقاش الاخلاقي  المتعدد والذرائعي والاكثر انفتاحا .

اذا كان الاخلاقي التجريدي يجادل، بطريقة تُظهر في تفكيره  بعض العناصر الدينوتولوجية (المتعلقة بالواجب والالتزام)، وان انواعا معينة من الافعال هي دائما خطأ او دائما الزامية، فمهما كانت النتيجة، فان الاخلاقي النسبي سيتخذ رؤية ان التقييم الاخلاقي هو بالضرورة معتمد على المعايير التي تعرّف نظام او دليل اخلاقي معين وعلى الممارسات والمعتقدات المقبولة من جانب جماعة اجتماعية في مكان وزمان محددين. في ظل وجود التعددية في مثل هذه الجماعات الاجتماعية، كل واحدة لها عاداتها وقيمها الخاصة، فان النسبي يجادل بعدم وجود مرجعية يمكن بها تقييم تلك النظم الاخلاقية ذاتها، ولا وجود لمعيار مطلق يمكن بواسطته انتقادها. وفي دعم موقفه، يُحتمل للنسبي ان يشير الى دليل انثربولوجي للتنوع الثقافي وليشير الى ان هناك الكثير يُعرف الآن حول العالم وسكانه مقارنة بما كان ايام كانط وهيوم.

من الواضح ان هناك حجة معارضة من المحتمل ان تبرز وهي على سبيل المثال امكانية ان يبالغ النسبي في دلالات بياناته، او ان يوجد هناك بين الجماعات المختلفة ثقافيا قيم انسانية اساسية مشتركة، مثل الادانة الاخلاقية للقادة الذين يستغلون شعوبهم، او الاعتراف بالحاجة الى بعض اشكال الوساطات الموضوعية والاحكام في النزاعات المتعلقة بالملكية او الحقوق. السؤال يبقى مفتوحا ما اذا كانت هذه الحجة مقنعة كنقد للموقف النسبي.

حين يباشر اعضاء المجتمع  تحولات سريعة ومزعزعة للاستقرار في طريقتهم التقليدية للحياة سوف يحتاجون دائما الى زمن اكبر مما لديهم يكيفون ويعيدون فيه دراسة الاسس التي اقاموا عليها قراراتهم بالطرق المعتادة.عندما يفرز التغيير مشاكل جديدة ومعقدة في مجالات لا تتوفر فيها العادة او المألوف او القوانين كبدائل للتعامل، فلابد من تطوير معايير جديدة للسلوك والتشريعات . احيانا هذه يتطلب انجازها بنفس سرعة التغيير المحفز لها لكي تواكب التغيير وتستمر في السيطرة عليه، او لأسباب تتعلق بالاستقرار او  بالنظام السياسي والاجتماعي . في مواقف كهذه، يجب على الفرد الذي يرغب الاحتفاظ بالاحساس بالمشاركة في هذه العملية ان يجد وسائل يمكن بواسطتها استيعاب القيم الجديدة ضمن مجموعة قيمه الموجودة سلفا، او انه يجب عليه تحدي القيم الجديدة:"ماذا ينبغي ان اعمل؟ اي موقف يجب ان اتبنّى؟ اي نوع من الافعال ينبغي ان اقوم؟".

بالنسبة للفرد الذي لأجل جميع الاهداف العملية، يرى نفسه كفرد مستقل يتحمل المسؤولية عن قراراته وعن نتائجها، فان دلالات كل هذه والعدد الكبير من الاسئلة المتصلة الاخرى هي هامة جدا. انها، على سبيل المثال، ربما تقود الى الاحساس بضرورة النظر بمدى امكانية الاستمرار بمراقبة الاعراف والعادات المتبعة ضمن جماعته الاجتماعية، وعملية التحليل الذاتي التي ربما تجعله يعاني من الاتهامات بالخروج عن المالوف، والاحساس بالاغتراب والتهميش والاضطهاد. ربما يبدو من الضروري ايضا تبنّي مواقف بشأن القضايا الاخلاقية التي تتطلب مشاركة في اعمال العصيان المدني والتحدي او حتى خرق القوانين.

ان الفرد الذي يأخذ على محمل الجد معنى استقلاليته كفرد اخلاقي ولن يواجه هذه المآزق او ليس لديه الوعي  بمدى نطاق ونوعية حقوقه والتزاماته، قد يشكل في نفس الوقت تحديا لحقوق الاخرين او الى نسيج العقد الاجتماعي الذي يمثل الاساس للمجتمع الذي نعيش فيه. ان تعقيدية وخطورة هذا الموقف عبّر عنها بشكل واضح الكسندر سوزينش Alexander Soizhenitsyn (2) الذي تحدّث عن "ان هناك العديد من المستويات المختلفة للقيم في العالم، هناك مستوى للاحداث القريبة ومستوى للاحداث البعيدة،  مستوى للمجتمعات القديمة ومستوى للمجتمعات الشابة، مستوى للاحداث السعيدة وآخر للاحداث التعيسة. من الواضح ان تقسيمات المستويات هذه تفشل في الانسجام، انها تؤذي العيون وتسبب الدوار...".

المسألة التي يشير لها سوزينش هي واضحة. التعقيدية اللامتناهية للعالم تجعل من الصعب للافراد اكتشاف القيم التي بواسطتها يجب ان يعيشوا او يكونوا متأكدين من الافعال التي هم اما يجب او لا يجب ادائها. وبالنتيجة، ليس من السهل للمجتمع تصميم العمليات، الانظمة والمؤسسات التي تلبي بشكل ملائم حاجات مواطنيه او يكون متأكدا انه فهم بشكل صحيح طبيعة المستقبل الذي يتحركون نحوه. ولهذا،  من الصعب للافراد انجاز اجماع اخلاقي او، على سبيل المثال، تأكيد الفيلسوف البريطاني جورج ادوارد مور G. E. Moor المطلق،  في "مبادئ الاخلاق ص 249"، عندما يجادل ان المعايير التي يجب ان يُحكم فيها على الفعل الخير اخلاقيا هي المدى الذي يُخلق فيه المزيد من الخير في العالم قياسا باي بديل ممكن اخر. يستمر مور بالقول ان مثل هذه الاشياء الخيرة هي خيرة بطبيعتها ولذا يجب ان توجد لأجل ذاتها . هو يؤكد ايضا انه من المستحيل رفض الاعتراف بهذه الخيرية الفطرية حتى عندما لا يمكن اثبات او عدم اثبات وجودها، لأن طبيعة "الخير" كما يرى لايمكن تحليلها.

بالنسبة للفرد المهتم بتعظيم استقلاليته الفردية، وشق طريقه عبر التعقيدات الاخلاقية للحياة ومع ذلك يبقى مندمجا كليا ضمن نسيج المجتمع، فان العالم لايبدو منسجما بشكل صريح امام هذا الاطار. في الحقيقة، ربما يرى البعض ان الشك في نفعية المبادئ الاخلاقية في الحياة اليومية يبرز تماما من مثل هذا الوعي السطحي وبشكل كبير من التنظير غير المبرر كما في مور.

عند تطوير معنى لكيفية الاستجابة للمآزق الاخلاقية، يحتاج الافراد للشعور بالثقة في الاحاطة التامة بالحقائق المتصلة بمواقف اخلاقية معينة والشعور بالاطمئنان قدر الامكان، لا ان يفسروا موقفهم في ضوء المبادئ الاخلاقية التي تعلموها كأطفال، بل ان رؤيتهم الاخلاقية يجب ان تكون واضحة ومركزة حيثما امكن . هذه الخصوصية في الاستجابة تبدو مصيرية. عند التعامل مع كل من المعرفة الجديدة والمأزق الاخلاقية المصاحبة لها، هناك حاجة واضحة للواقعية، وبما ان الافراد يجب ان يفعلوا ويفترضوا المسؤولية عن افعالهم، فهناك القليل من القيمة تُكتسب منها كما يرى الكاتب McNaughton (2) في كتابه رؤية اخلاقية: مدخل في الاخلاق ص57" انه حيثما تكون هناك العديد من الرؤى المتصارعة فسوف لن يكون هناك جواب صحيح". لأن الفرد اذا كان مهتما بربط احساسه بالاستقلالية الفردية بالبحث الحقيقي عن الحقيقة الاخلاقية، فسيكون من الضروري الاحتفاظ بالايمان الراسخ بوجود الحقيقة حتى وان كانت يصعب اكتشافها.

Personal autonomy and individual moral growth, pathways school of philosophy

 

..................

الهوامش

 (1) الايمان الزائف bad faith مفهوم فلسفي استخدمه الفيلسوف الوجودي جين بول سارتر ليصف الظاهرة التي يكون فيها الانسان تحت ضغط شديد من جانب القوى الاجتماعية ليتبنّى قيما زائفة لاترتبط بحريته الفطرية، وبهذا سيعمل بلا اصالة.

(2) هو روائي سوفيتي (1918-2008)، انتقد في اعماله النظام السوفيتي ثم سُجن ونُفي الى سيبريا بعدها رُحّل الى الغرب عام 1974. في عام 1991 اُسقطت عنه جميع التهم وعاد الى روسيا ثم حصل على جائزة نوبل في الادب عام 1970.

 (3) كتاب رؤية اخلاقية: مدخل في الاخلاق للكاتب McNaughton David،  صدر عام 1992 عن دار بلاكويل.

 

 

zouhair khouildiاستهلال: "إن كانت الإنسانية كلها باستثناء فرد واحد على رأي وكان هذا الفرد على عكس هذا الرأي لما كان للإنسانية حق فرض الصمت عليه، أكثر مما يكون له هذا الحق لو كانت السلطة بيده"1

يظن البعض أن النفعية تنتصر للحرية على حساب المساواة وتضع نفسها بجوار الخاص على حساب العام وتقر بالمصلحة الجزئية على حساب المبدأ الكلي للتقسيم وتحرص على حضور البعد الأداتي على حساب البعد الغائي وتشبع المادي على ضد الرمزي. كما يعتقد آخرون أن الفلسفة النفعية مع جون سوارت ميل (1806-1873) تدافع بشكل مطلق على اقتصاد السوق والملكية الخاصة والحرية الفردية والنظام اللبيرالي وتنشد الرفاه ضمن مجتمع الاستهلاك عبر آليات الاستثمار والمنافسة الحرة وبالتالي تخلو من كل حديث عن العدالة والحقوق الجماعية والمساواة الاجتماعية والمصلحة المشتركة. غير أن هذا الظن يبدو كاذبا إذا تم التفريق بين المذهب النفعي عند المحدثين والفلسفة النفعية التي برزت مع التيار الأنجلوساكسوني وبين البعد البراغماتي بماهو نمط تداولي يتكامل مع النمط التركيبي والنمط الدلالي والفلسفة البراغماتية بماهي اتجاه ذرائعي وانتفاعي وتم التأكيد على أهمية القيم الاشتراكية عند ميل وارتباط الحياة الفردية بالأخلاق وتأسيس القيم على المنفعة باعتبارها مبدأ السعادة القصوى وتفضيل لذات العقل على لذات الجسم والبحث عن حياة خالية من الأم وثرية بالعمل وما يجلبه من منافع ومسرات.

"ومع ذلك فإن هذا الكائن الأرقى سيتعلم بسهولة تحمل هذا النقص (في تحقيق اللذة التي يرغب فيها) ولن يكون غيورا من ذلك الكائن الذي لا يعي هذا النقص لأنه لا يستشرف الامتياز الذي يحفزه كل نقصان"2.

لقد تحركت النظرية النفعية على قاعدة جلب المصلحة ودفع المضرة عند نشاط الفرد ضمن دائرة المجتمع وحرصت على توفير حياة خالية من أشكال الظلم والعوز والألم ومليئة بالمتع والفوائد والخيرات والملذات بالنسبة للعقل والجسم على السواء وتخص الفرد لوحده وتطال الإطار الاجتماعي الذي يعمل ضمنه وينتج.

فماهو دور مسألة العمل ضمن الفلسفة النفعية؟ ولماذا يحتاج الإنسان إلى هذا النشاط المرهم إذا كان هدف وجوده يرتكز على تحصيل السعادة؟ والى ماذا يؤدي مسار العمل؟ وماهي تبعات ارتباط العمل بالإنتاج؟ وهل يترتب عن النظرية النفعية تكريس التفاوت والاحتكار والاستغلال؟ وبأي معنى تنتصر هذه النظرية للتنمية على حساب التوزيع وتفتقد إلى علاقات إنتاج اشتراكية وتحول دون التقارب بين الفئات المنتجة؟

1- تجديد منهج البحث الفلسفي:

" تكسب الحقيقة من أخطاء المرء الذي يفكر بنفسه بعد دراسة وتحضير أكثر مما تكسبه من الآراء الصائبة لمن يعتنقونها بسبب أنهم لا يريدون تكبد عناء التفكير."

لقد انطلق جون ستورات ميل في طرحه للمسألة المنهجية على الصعيد المعرفي من الثورة الحاسمة التي قام بها فرنسيس بايكون في كتابه الأورغانون الجديد وتخليه عن مبدأ الاستنباط واعتماده على الاستقراء. بالرغم من استخدامه للمنهج التجريبي وإتباعه بصورة متلازمة لمراحله الأربع: الملاحظة والفرضية والاختبار والاستنتاج إلا أنه ارتأى أن يضيف عدد هام من العناصر إلى هذه الطريقة التجريبية الثورية:

- منهج الاتفاقconcordance:

يتمثل في تجميع الملاحظات التي تسمح بحضور الظواهر المدروسة واستبعاد الظروف التي لا تشترك معها. وبالتالي يمكن احتساب هذا الشيء الواحد الذي يظل حاضرا باستمرار هو سبب وجود الظواهر.

- منهج الافتراقdifférence :

يرتكز على بناء قائمة حول مجموعة الملاحظات التي تتلعق بحضور الظواهر وغيابها وذلك لاستبعاد الظروف التي لا تشترك معها.

-منهج المتغيرات المتساوقةvariations concomitants :

كل تغير في الظاهرة يشير إلى أن مجموعة الظروف المتساوقة التي تتغير وتطلب استبعادها أو تظل على حالها ثابتة.

-المنهج المشترك للاتفاق والافتراق:

لما كانت مجموعة الظواهر متصلة بمبدأ سببي فإن أي تغير يحدث في المقدمات يفضي الى تغير في النتائج وأي تغير يلاحظ على النتائج فإنه يدل على وجود تغير في المقدمات.

- منهج البواقي: résidus:

يسمح باستبعاد بشكل قبلي لكل الظروف الحاضرة التي يعرفها المرء بواسطة أشكال من الاستنباط الأولى والتي تظل عاجزة عن إنتاج الأثر بمجرد أن يبحث المرء عن السبب.

هذه التقنية المنهجية تنتمي إلى فلسفة الحكم المعرفي وتتحرك ضمن تقنية التثبت والمراقبة أكثر من أن تكون تقنية الكشف والاختراع وتسمح بالتمييز بين الظواهر أكثر من الانتقال من الأسباب إلى النتائج.

خلاصة القول أن منهج الاتفاق يدل على التلازم في الوجود بين السبب والنتيجة وأن منهج الافتراق يدل على التلازم في العدم بين السبب والنتيجة وأن المنهج المشترك يقر وجود النتيجة بوجود السبب وعدمها بانعدامه وأن منهج التغيرات المتضايفة يشير إلى أن أي تغير يحدث في السبب يؤدي الى تغير في النتيجة بينما يثمر منهج البواقي تفسيرا يقوم على أن سبب شيء ما لا يكون سببا لشيء آخر مختلف عنه. لكن كيف يمكن للمرء التأكد من أن ما يلاحظه من علاقة ثابتة بين الظواهر هو علامة على وجود علاقة سببية ضرورية تقر بوجود سبب لكل ظاهرة وتعطي قانونا ثابتا لكل علاقة بين الظواهر؟ أليس من الضروري أن نميز بين المنفعة والمصلحة في المادة من جهة وبين العدالة والاستقامة في الحق من جهة أخرى؟

2- العلاقة بين المنفعة والعدالة:

" يتضمن ميدان العدالة ليس فقط ما يؤدي إلى نفع عند فعله والى سوء عند عدم فعله بل هو أيضا ما يمكن لشخص أن يشتكيه منا بالانطلاق من حقه الأخلاقي"

يمارس مبدأ المنفعة الذي ينطلق منه ستيوارت ميل تأثيرا عميقا على تشكيل القناعات المعرفية والمعتقدات الأخلاقية والأفكار السياسية وساعد على نقد النظريات الأخلاقية الحدسية والنظريات التأملية وطرح المشكل ضمن منطق الحس السليم وتناوله من منطلق الملاحظة التجريبية والتكلم عنه بلغة خبرية كمية.

لهذا حاول ميل تفهم النظرية النفعية ضمن إشكالية السعادة التي تم إهمالها من طرف الفلسفة الكانطية وربطها بالوسائل النافعة التي يتبعها الطب من أجل البلوغ بالجسم الإنساني إلى حالة سوية وصحة جيدة.

لا تتوقف المنفعة التي تنشدها نظرية ميل عند مطلب تحقيق اللذة وإنما ترى بأن الشيء الوحيد الذي يرغب فيه الفرد والمجموعة على السواء من حيث هو غاية هو السعادة عند غياب الألم وحضور اللذة. ولا يمكن النظر الى التصور النفعي للحياة على أنها تصورا مبتذلا وأنانيا وذلك لارتباطه بالمتعة المادية بل يمكن الاعتماد على نوعية اللذات وليس كمياتها وتوفير شروط تجربة صالحة لتحصيل كيفيات هامة.

في نفس الاتجاه يميز ستيوارت ميل بين السعادة التي تحقق الفرح والانتشاء والبهجة على مستوى نوعية وكمية اللذات والإشباع الذي يحقق الرضا والراحة والقبول على مستوى الأحاسيس والطموحات والآمال. على هذا الأساس يكمن الهدف الأقصى للنفعية بإحراز السعادة العمومية للجميع وليس السعادة الشخصية ويتم تحديد الأخلاق النفعية على أنها مجموع القواعد والوصايا التي تطبق على السلوك البشري وتجعل من نمط وجود أمرا مستقرا وتدفع الناس الى التصرف بنا يحقق للذتهم وينمي في أحاسيسهم ملكة الخلق.

لهذا ليست السعادة التي يأمل كل إنسان الحصول عليها أمرا مستحيلا وإنما تتعلق مباشرة بما يبذله من جهد في سبيل دفع المضرة وجلب المنفعة وتجنب الأم وإنتاج اللذة من جهة ماهو طبيعي وماهي ثقافي.

بهذا المعنى تتعلق السعادة بأسلوب التربية الذي يحصل عليه المرء ومسارات التقدم التي يسير فيها ضمن منجزات الإنسانية سواء فيما يخص التنظيم العقلاني للمجتمعات أو أثناء الصراع ضد ضرورات الطبيعة.

ماهو أشكالي أن النفعية تدرج مبدأ التضحية بالذات بماهي مكابدة ونضال واستعداد للمساعدة ضمن نسقها القيمي ولكنها تشترط تحقيقها لسعادة الغير لكي تمنحها القيمة الأخلاقية وتجعلها فضيلة من درجة رفيعة. لذا يحتاج التطور في المجتمعات والتعليم الى اعتماد التضحية بالبعض من أجل تحسين شروط الوجود ضمن جدل الجزء مع الكل وداخل دائرة حقوقية تتحرك ضمن الأقلية والأغلبية دون إهمال حق الحياة. لقد وصف البعض النفعية بأنها أخلاق مصلحة غير محتاج إلى قيم مطلقة وذلك لارتباطها بالأفعال الواقعية وتحركها ضمن نظام الوسائل وحرصها على الحساب في الأوقات والطاقات من أجل بلغو السعادة العامة.

على خلاف ذلك تلتزم النفعية بمجموعة من القواعد الباطنية والقوانين الخارجية بغية نقد ميتافيزيقا القيم وتخطي تعقدية الشعور بالواجب الأخلاقي والأحاسيس الفطرية وتنزيلها ضمن دائرة المكتسب والتجربة ودمجها ضمن الإحساس الاجتماعي والمشاعر المشتركة التي تظل إحساسات طبيعية وضرورية للتطور.

ماهي الحجة التي تثبت قابلية المنفعة للتحصيل البشري؟ وهل يمكن ايلاء عناية بمقتضيات العدالة بواسطة منح الاعتبار لمستلزمات تحقيق المنفعة؟ ألا يحتاج إلى إجراء تحليل لفكرة الإحساس بالعدالة واللاّعدالة؟

ينتبه ميل إلى أن فكرة الحق هي مجرد بعد من فكرة العدالة ولكنه يقر بأن الحصول على حق معين هو أمر يقوم به المجتمع ويمنحه للفرد ويضمن امتلاكه من وجهة نظر المنفعة العمومية والسلامة الشخصية.

بعد ذلك يعتمد على معيار المنفعة من أجل انهاء حالة التعارض بين الحق الشخصي والعدالة العمومية ويقدم مجموعة من الأمثلة التطبيقية على غرار تقاسم الضرائب وحق العقاب واحتساب عائدات الشغل .

لكنه يؤكد على المنفعة العليا لقواعد العدالة وذلك حينما يؤدي إلى ترسيخ السلام وتوطيد الأمن بين الناس. فهل يمكن أن يرجع المرء أمرا سيئا إلى المسيء وأمرا حسنا إلى المحسن تطبيقا للمبدأ الجوهري للعدالة؟ وكيف يكون الفاعل مستقيما وغير منحاز ويمسك نفسه عن الهوى ويرفض أشكال اللاّعدالة غير المبررة؟

3- دوائر العدالة ضمن التقسيم الاجتماعي للعمل:

" فكرة العدالة تفترض شيئين: قاعدة التوجيه والإحساس الذي يضمن احترام القاعدة. الأولى هي مشتركة لكل الإنسانية وترنو إلى فائدتها ... الأخرى هي الرغبة في تسليط العقوبة على من يخترق القاعدة"

تكمن الصعوبات التي تعاني منها النظرية النفعية كما يتحسسها جون ستوارت ميل في التناقض في مسار العمل بين المنفعة والعدالة وذلك بالاستخفاف على مستوى نظام التأجير بقيمة الكفاءة والدرجة العلمية والمهارة والموهبة في ظل مجتمع تعاوني يساوي في الأجور وفق تعادل ساعات العمل ووظائف العمال.

أما في المجتمع الرأسمالي حيث تتفاوت الأجور والامتيازات حسب الدرجة العلمية والكفاءة التي يحرزها العامل والوظيفة التي يقوم بها وساعات العمل التي يقضيها فإنه يتم التضحية بمطلب توزيع الفوائد بالقسط ويحرم الناس من الاستفادة من الخيرات التي يحرزها الاقتصاد الاستثماري عن طريق تقديس قيمة العمل.

يعبر ستوارت ميل عن هذه الصعوبة بمقولة اللاتكافؤ غير المبرر في المنفعة التي يقع فيها العمل عندما يعطي امتيازات أكثر من اللزوم إلى أكثر الناس مهارة ضمن اقتصاد حر باسم احترام قيمة الجدارة وتحفيز النجاعة ويمنح تعويضا إلى أقل الناس موهبة ضمن اقتصاد تعاوني باسم احترام قيمة العدالة.

إنه من الظلم عندئذ أن نمنح العامل أجرة أقل من قيمة ما يبذله من مجهود وما ينتجه من فائدة ومردود على المجتمع وأن نضعه في موضع دوني بمقتضى العدالة والتعويض وتقاسم الخيرات مع من لا يعملون. وإنه ضرب من الاستغلال أن يستفيد المجتمع من كفاءة العامل ولا يمنحه مقابلا مستحقا لهذا المجهود.

فكيف يستفيد المجتمع من العامل؟ وماهو المعيار الذي يحدد به الأجر المناسب لما يبذله من جهود؟ ولماذا يجب أن على المجتمع أن يمنح العامل الأجر المناسب لمردوده ونجاعته ؟ وماذا لو طالبه بمقتضى العدالة أن ينتج نفس ما ينتجه الآخرون طوال المدة ذاتها وبنفس الكمية المبذولة من الجهد والذكاء وبنفس القيمة؟

يطرح ستورات ميل هذا الإشكال بالبحث في مبادئ العدالة وذلك بتحليلها ليس من جهة علاقتها بالعمل فقط وإنما أيضا بتنزيلها ضمن مطلب النجاعة الاجتماعية وذلك بتبني الفكرة الأكسيولوجية التي تجعل من العدالة منفعة عمومية ومن المنفعة المتأتية من العمل استحقاقا عموميا تتكفل الدولة بتوزيعها دون استثناء.

ينتهي المسار التحليلي الذي يتبعه ميل الى اكتشاف وجهين للعدالة لا يمكن تحقيق التلاؤم بينهما والتعادل:

الوجه الأول: الدائرة الفردية تتمثل في ضمان حق الفرد على المجتمع الذي ينتمي اليه.

الطرف الذي يحدد العدل في الحق الذي يطالب به العامل من المجتمع وفق مردوده العالي.

الوجه الثاني: الدائرة الجماعية تتمثل في ضمان حق المجتمع على الفرد الذي ساهم في تكوينه.

 الطرف الذي يحدد العدل في القيمة المقابلة التي يعطيها المجتمع إلى العامل حسب نظام التأجير.

لا يمكن الحسم بين الخيارين إلا بالاحتكام إلى مسألة النجاعة الاجتماعية وبالتالي لا يجوز تبرير واقع اللاّتكافؤ بين العمل واللاّعمل وبين الكفاءة واللاّكفاءة وبين المردود والتعويض وبين الربح والخسارة.

خاتمة:

" إن كل ما يقيد المنافسة الحرة هو الشر المطلق وكل ما يطلقها هو الخير المعمم"

 عندما يقوم ميل بتتبع أصل وفصل الإحساس بالعدالة والحق ويحلل فكرة المنفعة فإنه يميط اللثام عن عنصرين أساسين هما الرغبة في العقاب ووجود الشخص المظلوم ويتعمق أكثر في التحليل لكي يكتشف بأن شعورين غريزيين ينبعان من الرغبة في العقاب وهما الحاجة إلى الدفاع عن النفس وحس التعاطف.

إن الإحساس بالعدالة هو الرغبة الحيوانية في دفع الضرر أو الشر الذي يحدق بالذات أو بالآخرين ، في بينما الرغبة في تسليط العقاب على المعتدين هو توسيع للإحساس بالتعاطف والحد من أنانية حب الذات.

بطبيعة الحال يظهر أن كل ماهو نافع للجميع هو عادل في نظر الجميع وكل ماهو حق للجميع يطالب الجميع بالحصول عليه وبالتالي يتلازم ماهو نافع مع ماهو حق ويتكامل ماهو عادل ماهو مستحق.

غير أن تحويل المنفعة إلى خير أخلاقي ضمن إطار العدالة يتطلب الانتقال من درجة الإحساس ب... إلى وضوح الفكرة ودقة المصطلح ويقتضي ضمان تلبية الحاجيات وإشباع الرغبات وحماية الوجود المشترك.

بهذا المعنى يشترط تحقيق العدالة مراعاة مصلحة الفرد بالنظر إلى موقعه ونشاطه من جهة وأن تتلاءم مع تحقيق المصلحة الاجتماعية وتوزيع سعادة رفاه على الجميع من جهة مقابلة4. فلماذا يستفيد صاحب رأسمال عند ازدهار الحركة الاقتصادية في المجتمع ويرفض تقاسم المساوئ عند الركود والمشاركة في الخسائر؟ وأين العدل في استفادة المجتمع من العامل أكثر من المقابل الذي يمنحه له على مردوده؟ ألم يقل ماركس في مخطوطات 1844:"يزداد العامل فقرا بقدر الزيادة في إنتاج الثروة ونماء حجما وقوة"5؟ وما السبيل إلى المراهنة على العمل من أجل بناء علاقات تشاركية تحقق العدالة والنجاعة في ذات الوقت؟ وماهو رأي بول ريكور فيلسوف الأصوات المتعددة حينما وضع معنى "العادل بين الشرعي والنافع"6؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

....................

الإحالات والهوامش:

[1] ميل (ستوارت جان)، عن الحرية، الفصل الثاني،

[2] Mill (John Stuart), l’utilitarisme,1863. Edition. G. Tanesse, 1965. II, p191.

[3] Mill (John Stuart), l’utilitarisme, édition Flammarion, Paris, 2010.p134.

[4] Mill (John Stuart), l’utilitarisme,1863. Edition. G. Tanesse, 1965.

[5] Marx (Karl), Manuscrits de 1844, éditions sociales,

[6] Ricœur (Paul), le juste entre le légal et le bon, revue esprit, n°9 ,septembre, 1991.

[7] Ricœur (Paul), le juste entre le légal et le bon, revue esprit, n°9 ,septembre, 1991.

المصادر والمراجع:

Mill (John Stuart), l’utilitarisme, édition Flammarion, Paris, 2010.

Mill (John Stuart), l’utilitarisme,1863. Edition. G. Tanesse, 1965,

Mill (John Stuart), Oeuvres completes, edition J.P. Mayer ; collected work , Toronto et londres, 1963.

Marx (Karl), Manuscrits de 1844, éditions sociales,

Revue esprit, n°9, septembre, 1991.

 

 

hatam hamidmohsinمن بين اهم حوارات افلاطون التي تتحدث عن الروح هو حوار فيدو phaedo الفيلسوف اليوناني الذي يصف الظروف التي احاطت بموت سقراط. حوار فيدو يجسد ارتباطا واضحا بنظريات ما قبل سقراط عن الروح والعالم، خاصة نظريات فيثاغوروس و انكساغوروس و هيرقليطس . نظرية الأشكال (وتسمى احيانا نظرية الافكار) هي المظهر الاكثر اهمية في الحوار(1). واقعة سقراط تعطينا وصفا لإنسان ابتعد كليا عن حاجات واهتمامات الجسد لدرجة يمكن لروحه ان تنسلخ دون اي شكل من الاضطراب. الحوار يجري في مدينة فيلوس الصغيرة جنوب اليونان . فيدو هو احد تلاميذ سقراط والحاضر اثناء موته، يقوم بزيارة لـ Echecrates . هذا الاخير سمع بمحاكمة سقراط، لكنه سمع ايضا ان هناك فترة انقطاع طويلة بين محاكمة سقراط وموته . يشير فيدو الى انه قبل يوم من محاكمة سقراط كان الاثينيون قد اكملوا زخرفة سفنهم وارسالها الى جزيرة ديلوس، حيث في كل عام يرسلون سفنهم الى ديلوس للاحتفال بانتصار ثيسوس على الكائن العملاق في حضرة الاله ابولو، وخلال هذه الفترة تتوقف جميع الأحكام ضد السجناء.

في الحوار يناقش سقراط طبيعة ما بعد الحياة في يومه الأخير وقبل ان يُنفذ به حكم الاعدام. النقاش الفلسفي يبدأ عندما يشير سقراط الى ان الفيلسوف الحقيقي يجب ان يرحب بالموت لكن الانتحار غير جائز . يندهش سيبيز مما يبدو تناقضا في ان منْ يعتبرون الموت نعمة لا يستطيعون سلب حياتهم بينما يجب عليهم الانتظار الى ان تُسلب حياتهم منهم، ويسأل سقراط ليوضح ذلك، يجيب سقراط اننا ملك للالهة وليس لنا الحق في ايذاء انفسنا. يرى سقراط ان افضل انواع الحكمة هي التي تأتي من العقل وحده وحيث نبتعد اقصى ما يمكن عن ملوثات البدن. يؤكد سقراط ان هناك اشياء توجد بذاتها مثل العدالة بذاتها والخير بذاته والجمال بذاته . هذه الاشياء لا يمكن اكتشافها بالحواس وانما فقط عبر جهود الفكر.

سقراط عوقب بالسجن ثم الإعدام من قبل هيئة محلفين في اثينا بسبب عدم ايمانه بالآلهة (رغم ان البعض يعتقد ان سبب ذلك هو دعمه للحكام الفلاسفة المناهضين للديمقراطية) وبسبب افساده شباب المدينة. سقراط كان منشغلا في حوار مع اصدقائه ثيبانس، سيبيس و سيميس مستكشفا مختلف الحجج لخلود الروح ومبينا ان هناك حياة اخرى تقيم بها الارواح بعد الموت.

حديث تمهيدي

المسرح اُعد في فيلوس وحيث يتقابل ايكريتس مع فيدو يسأل عن اخر اخبار سقراط. فيدو يوضح لماذا حصل التأجيل بين محاكمته وموته، ويصف المشهد في السجن في اثينا في اليوم الاخير مسميا اولئك الحاضرين. هو يقص كيف انه زار سقراط مبكرا في الصباح مع الآخرين. زوجة سقراط Xanthippe كانت حاضرة لكنها كانت حزينة جدا وطلب سقراط ان تؤخذ بعيدا.

سقراط يخبر سيبيس ان ينقل لصديقه تحية الوداع، قائلا يمكنه ان يأتي بعدي لو كان رجلا حكيما، وهو ما اثار الحيرة لدى الحاضرين عن سبب مسارعتهم للّحاق بسقراط الى الموت. بعد ذلك يعلن سقراط"... ان من يمتلك روح الفلسفة، سوف يرغب بالموت، لكنه سوف لن ينتحر".

 جاء في الفيدو"ان الفيلسوف هو اول الناس المحررين لروحهم من جسدهم ". الجسد والروح اذاً منفصلان. الفيلسوف يحرر نفسه من البدن لأن الاحاسيس تفشل في ادراك الحقيقة كما يقول سقراط لسميناس :هل انت توصلت لها (للحقائق) باي احساس بدني؟ ... وانا لا اتحدث عن هذه وحدها وانما عن العظمة المطلقة والصحة والقوة، وباختصار، عن الحقيقة او الطبيعة الحقة لاي شيء. هل حقيقة كل ذلك يتم تصورها من خلال اعضاء بدنية؟

 عندما يحب الفيلسوف الحكمة الحقيقية وليس العواطف ورغبات الجسد، سيدرك بانه يستطيع المجيء اقرب للمعرفة الحقيقية وحكمة الموت، لانه لم يعد يلتبس عليه الجسد والاحاسيس. في الحياة، تكون الوظائف العقلية والفكرية للروح مقيدة باحاسيس الجسد من متعة، وألم ونظر وصوت .الموت هو طقس للتنقية من تلوث البدن. عندما يواجه الفيلسوف الموت، هو يجب ان يرحب به وديا وان لا يُحبط من بلوغه، لانه طالما ان العالم الذي تخلقه لنا الالهة في الحياة هو خير بالضرورة، فلماذا لا يكون الموت سوى استمرار لهذا الخير؟ الموت هو المكان الذي فيه افضل الالهه واكثرها حكمة حيث تقيم انبل الارواح: "ولهذا انا ليس فقط لا احزن وانما لدي امل كبير بان هناك شيء مخزون للاموات، شيء افضل للخيرين وليس للاشرار ". الروح تنال الفضيلة عندما تُنقى من البدن: "انها تتخلص قدر الامكان من العيون والاذان ومن كل اعضاء البدن، هذه العناصر المربكة عندما ترتبط مع الروح تمنعها من اكتساب الحقيقة والمعرفة... سقراط يعرض اربع حجج لخلود الروح:

اولا- الحجة الدائرية cyclical Argument

يفصح سيبيس عن خوفه من الموت لسقراط: " ... هو يخشى عندما تترك الروح البدن فربما لا تجد مكانا لها، وانها في نفس يوم الموت قد تُفنى وتصل نهايتها حالا عند تحررها من البدن... فتختفي وتتلاشى في رحلتها الى لاشيء.

ولكي يخفف سقراط من خوف سيبيس من فناء الروح عند الموت يطرح اولى حججه في خلود الروح. هذه الحجة عادة تسمى الحجة الدائرية. انها تفترض ان الروح يجب ان تكون خالدة طالما ان الحي يأتي من الميت. سقراط يقول "الآن اذا كان صحيح ان الحي يأتي من الميت، فيجب على ارواحنا ان توجد في عالم آخر، لأنه اذا لم تكن ذلك، فكيف ستولد مرة اخرى؟". هو يستمر ليبين مستخدما امثلة عن العلاقات، مثل النائم-اليقظ و الحار-البارد، بان الاشياء التي لها اضداد تأتي من اضدادها. يسقط احد نائما بعد ان كان يقظا. وبعد ان يكون نائما يستيقظ. الاشياء التي هي حارة تصبح باردة والعكس صحيح. سقراط بعد ذلك يدفع سيبيس ليستنتج ان الميت ينشأ من الحي من خلال الموت، وان الحي ينشأ من الميت من خلال الولادة. روح الميت يجب ان توجد في مكان ما فيه تكون قادرة على الرجوع للحياة.

هذه الحجة وتسمى ايضا حجة المتضادات توضح ان الأشكال خالدة ولا تتغير. وبما ان الروح تجلب الحياة دائما، فذلك يعني انها يجب ان لا تموت ومن الضروري ان تكون خالدة. واذا كان الجسد فان وعرضة للموت الفيزيقي، فان الروح يجب ان تكون المضاد له والغير عرضة للفناء. هنا يعرض سقراط حجته الدائرية في خلود الروح مستلهما من الاسطورة اليونانية القائلة بان ارض الحياة تمتلأ بالاحياء كلما امتلأت ارض الاموات بارواح الموتى. الحجة تسير وفق التالي:

1- كل الاشياء تأتي من اضدادها. فمثلا، لكي يصبح الشيء أطول، لابد ومن الضروري انه كان قصيراً.

2- لكي تسير الاشياء من نقيض الى آخر والعودة مرة اخرى، ذلك يستلزم عملية مزدوجة تتم بين النقيضين وحيث كل نقيض يأتي الى الوجود من النقيض الاخر . في المثال السابق، الذهاب من الأطول الى الاقصر يتطلب التقليل، بينما ذهاب الشيء من الأقصر الى الأطول يتطلب الزيادة.

3- اذا لم يكن هناك توازن بين هذين الموقفين المتضادين فان كل شيء سينتهي بالضرورة الى نفس الحالة. في مثالنا الحالي، اذا لم يحصل توازن بين الأطول والأقصر، او الزيادة والنقصان، فان كل شيء سيستمر ليصبح اطول او اقصر.

4- الحياة والموت هما موقفان متضادان، بينما الوفاة والولادة هما عملياتهما المتضادتان، وبالتالي فان الموت والحياة، والوفاة والولادة سيتوازنان.

5- لذلك فان كل منْ يموت سيعود الى الحياة مرة اخرى.

ثانيا- نظرية التذكر Theory of Recollection

نظرية التذكّر وتوضح اننا نحوز على بعض المعرفة اللاتجريبية (مثل شكل المساواة) عند الولادة، بما يعني ان الروح وُجدت قبل الولادة لتحمل تلك المعرفة. تفسير أخر للنظرية وُجدت في حوار مينو لإفلاطون والذي يؤكد ايضا المعرفة السابقة بكل شيء.

سيبيس يدرك العلاقة بين الحجة الدائرية ونظرية سقراط في التذكر. هو يقاطع سقراط ليشير قائلا:...

عقيدتك المفضلة ياسقراط ان تعليمنا هو مجرد تذكّر، واذا كان صحيحا، فمن الضروري ايضا ان يكون هناك وقت سابق فيه تعلمنا ما نتذكره الآن.لكن هذا مستحيل مالم تكن روحنا في مكان ما قبل الوجود في هذا الشكل من الانسان، هذا اذاً برهان آخر على خلود الروح.

حجة سقراط هذه تبين امكانية استخلاص معلومات من الفرد الذي يبدو لا يمتلك اي معرفة بالموضوع قبل الاستفسار منه حوله (معرفة قبلية). هذا الفرد يجب ان يكون حصل على هذه المعرفة في حياة سابقة وهو الان فقط يستعيدها من الذاكرة. طالما الفرد قادر على تزويد اجوبة صحيحة لمستجوبه فيجب ان تكون اجوبته نشأت من تذكّر المعرفة المتحصلة اثناء الحياة السابقة.

ثالثا- حجة الشبه والتقارب The Affinity Argument

توضح ان الشيء اللامرئي والخالد واللامادي يختلف عن المرئي والفاني والمادي. روحنا من النوع الاول بينما جسدنا من النوع الاخير، لذا عندما تموت اجسامنا وتتحلل فان روحنا ستستمر في الحياة.

في هذه الحجة يبين سقراط ان الروح تشبه كثيرا اللامرئي والالهي، والجسد يشبه المرئي والفاني. من هنا يستنتج انه بينما يُنظر الى الجسم بعد الموت كمجرد جثة عرضة للفناء، فان الروح يجب ان تعيش اطول من الجسد.

الناس الفضلاء اثناء الحياة هم اناس عظماء يقيمون بشكل دائم كروح تحت العالم الارضي. اما منْ هم غير فضلاء اثناء حياتهم وفضلوا الجسم والملذات المرتبطة به فان سقراط يصف روحهم هذه : ... بالملوثة، غير نقية في وقت رحيلها، وانها خادم دائما للجسد وهي في حب معه و تُسر بالجسم والرغبات حتى يُقاد هؤلاء للاعتقاد بان الحقيقة توجد فقط في شكل مادي يمكن للانسان لمسها ورؤيتها من خلال الشرب والاكل واشباع النزوات الاخرى. سقراط يستنتج ان روح الانسان الفاضل هي خالدة، والطريق الذي تسلكه الى عالم الاموات يتقرر بالطريقة التي عاش بها حياته. الفيلسوف او اي انسان فاضل هو لا يخاف الموت ولا يحب الحياة المادية كشيء مثالي ولكن عبر حب الحقيقة والحكمة تكون روحه دائما غير قلقة بعد موت الجسد، وستكون الحياة الاخرى مليئة بالخير.

الحجة الرابعة – الحجة من شكل الحياة

 في النهاية يعرض سقراط برهانه الأخير حول خلود الروح مبينا ان الروح غير فانية لأنها سبب الحياة. هو يبدأ ببيان انه "اذا كان هناك اي شيء جميل غير الجمال المطلق فهو جميل فقط بمقدار ما يمتلك من ذلك الجمال المطلق". وبالنتيجة، بما ان الجمال المطلق شكل، وكذلك هي الروح، عندئذ فان اي شيء له خاصية الامتلاء بالروح سيكون ايضا مملوءاً بشكل الروح. وبهذا سوف لن تصبح الأشكال هي الاضداد لذاتها. وبسبب ان الروح تجعل الجسم حيا وان المضاد للحياة هو الموت، يتبع ذلك "... ان الروح سوف لن تقبل بالنقيض الذي تجلبهُ دائما". بهذا يستنتج سقراط بان روحنا هي خالدة وموجودة حقا في عالم آخر.

الحجة من شكل الحياة، توضح ان الاشكال لامادية وثابتة وهي سبب جميع الاشياء في العالم، وان جميع الاشياء تشارك في الأشكال. فمثلا، الاشياء الجميلة تشارك في شكل الجمال، والرقم اربعة يشارك في الشكل الزوجي، وغيرها. الروح بحكم طبيعتها تشارك في شكل الحياة والذي يعني ان الروح لن تموت ابدا.

نقد وتعليق:

حوار فيدو والذي عُرف ايضا لدى القدماء (حول الروح) هو من اشهر حوارات افلاطون الى جانب الجمهورية والندوة . الحوار تُرجم لأول مرة من اليونانية الى اللاتينية من قبل هنري ارستيفوس عام 1160. واليوم يُعتبر احد اعظم اعمال افلاطون . الحوار هو رابع وآخر حوارات افلاطون يشرح الايام الاخيرة لسقراط. يجب التنويه الى التشابه بين وصف سقراط لمصير روح الفيلسوف بعد الموت والتصور المسيحي للعالم الآخر. الثيولوجية المسيحية تأثرت بعمق بالتفكير الافلاطوني ونقاشاته في الروح وما بعد الحياة.

لم تسلم حجج سقراط في خلود الروح من النقد خاصة حجته الاولى وحجة التذكّر. يشير سقراط الى الولادة والموت كحالتين متضادتين بنفس الطريقة التي يشير بها الى الاكبر والاصغر. ولكن لا يمكن لأحد ان يكون اكثر موتا او اكثر حياة بنفس الطريقة التي يصبح بها اقصر او اطول. هنا ربما يرتكب سقراط مغالطة منطقية equivocation)) يتغير فيها معنى نفس الكلمة اثناء الجدال.

وفي نظرية التذكّر يسعى سقراط لبيان اننا جئنا لنعرف الآن ما كنا نعرفه قبل الولادة. لكنه لم يوضح متى اكتسبنا هذه المعرفة قبل الولادة وكيف حصل ذلك. اذا كنا جئنا لهذه الحياة ونحن نعرف ما تعنيه المساواة، فمتى عرفنا المساواة اول مرة؟اذا لم توجد معرفة حقيقية من التجربة وكل ما لدينا اعطي لنا فطريا، فان التجربة من الحياة السابقة لا يمكنها ايضا اعطائنا المعرفة بالمساواة. ربما يفترض سقراط ان ذلك حصل عندما خُلقت روحنا اول مرة واكتسبت حياتها الاولى، فهي خُلقت ومعها المعرفة بالأشكال. لكن هذا يثير اسئلة اخرى لم يُجب عليها سقراط: متى وكيف بدأت الروح دورة الحياة والموت ؟ واذا كانت لها بداية فلماذا لم تكن لها نهاية؟

 

حاتم حميد محسن

..................

الهوامش

(1) وفق نظرية المُثل او الأشكال يرى افلاطون اننا وقبل ان نولد بوقت طويل كانت ارواحنا تقيم في عالم المثل وكانت على اطلاع تام بجميع الحقائق، ولكن حالما ارتبطت روحنا بالجسد نسينا كل معارفنا واصبح كل شيء نتعلمه مجرد تذكّر للحقائق الاولى في ذلك العالم .ان نظرية المثل تسعى لحل مشكلتين اثنين، المشكلة الاخلاقية ومشكلة الدوام والتغيير. المشكلة الاولى: كيف يمكن للانسان ان يعيش حياة سعيدة وذات معنى في عالم ظرفي متغير وحيث كل شيء نربط انفسنا به يمكن ان يزول في اية لحظة؟ المشكلة الثانية:كيف يمكن ان يبدو لنا العالم بشكليه الدائم والمتغير؟ العالم الذي نفهمه عبر الحواس يبدو يتغير دائما اما العالم الذي نفهمه عبر العقل مستخدمين مفاهيمنا يبدو ثابتا ولا يتغير. اي العالمين اكثر واقعية ولماذا يبدو لنا بكلا الطريقتين؟ لحل المشكلة يقسم افلاطون الوجود الى عالمين :العالم المادي وعالم المثل .عالم المثل يستطيع الانسان ادراكه عبر العقل، هذا العالم دائم ولايتغير وهو الاكثر واقعية، اما العالم المادي او عالم التغيير هو مجرد صورة غير تامة لعالم المثل.

 

hatam hamidmohsinعرض افلاطون في "الجمهورية" افكاره الفلسفية الشمولية والأكثر نضجا، حيث تعامل بشكل موسع مع  المبادئ الأساسية للسلوك في حياة الانسان. نظر افلاطون- مستخدما شخصية سقراط كمتحدث قصصي -  الى طبيعة وقيمة العدالة والفضائل الاخرى كما تبدو في كل من هيكل المجتمع ككل وفي شخصية الانسان الفرد. هذا قاد بالطبع الى مناقشة الطبيعة الانسانية، وانجاز المعرفة، والتمييز بين الحقيقة وما يبدو ظاهريا،  وعناصر التعليم الفعال واسس الاخلاق. وبما ان كتاب الجمهورية يغطي العديد من القضايا، فهو يمكن قرائته بطرق مختلفة: كرسائل في النظرية السياسية وتطبيقاتها، كمرشد بيداغوجي تربوي، كدفاع عن السلوك الاخلاقي. ومع اننا سنلقي الضوء على كل من تلك الخصائص،  لكن تركيزنا الرئيسي اللاحق  سيكون على القضايا الميتافيزيقية والابستيمولوجية الاساسية، وعلى الاسئلة الجوهرية حول منْ نحن وماهي الحقيقة وكيف سنعرف كل ذلك. هذا الحوار ككل يدعونا للمشاركة مع افلاطون في رؤيته عن مكاننا ضمن البناء الاصلي للحقيقة.

ماهي العدالة؟

الكتاب الاول من الجمهورية يظهر على شكل حوار سقراطي حول طبيعة العدالة. وكما هو دائما،  الهدف من النقاش هو اكتشاف الطبيعة الحقيقية للموضوع قيد الدرس، لكن العملية تستلزم اقتراحات، انتقادات، ورفضا للعديد من المحاولات غير الكافية في تعريف ماهية العدالة الحقة.

سيفالس (cephalus) المسن والثري يقترح ان العدالة لا تستلزم اكثر من قول الصدق واعادة الديون الى اصحابها. لكن سقراط يشير الى انه في ظروف معينة، يؤدي اتّباع هذه القواعد البسيطة بدون استثناء الى نتائج كارثية (الجمهورية  331c). إعادة السلاح المستعار الى صديق مختل الذهن مثلا، لايبدو مثالا على السلوك العادل. ان عرض مثال مضاد من هذا النوع يبيّن ان التعريف المقترح للعدالة هو غير صحيح، طالما لا يتلائم تطبيقه مع فكرتنا المألوفة عن العدالة.

في محاولة لتجنب مثل هذه الصعوبة، يُجري بولمارشس polemarchus تعديلا للتعريف باقتراح ان العدالة تعني "إعطاء كل فرد ما يعود له". التعريف الجديد يصحح الانطباع الراسخ لدينا في ان العدالة هي السعي الدائم لمساعدة الصديق والإضرار بالعدو. هذا يتجنب المثال المضاد السابق، طالما ان السلوك العادل في رفض اعادة السلاح المستعار لصاحبه سينفع ذلك الصديق . لكن سقراط يشير الى ان التعامل الخشن مع اعدائنا يقود فقط لجعلهم غيرعادلين اكثر مما هم فيه سلفا (الجمهورية 335D ). اذا كنا شاهدنا في حوار phaedo،  ان المتضادات تستبعد بعضها البعض، فان انتاج اللاعدالة سوف لن يكون ابدا عنصرا ضمن سمة العدالة الحقيقية، لذا فان هذا التعريف ايضا يجب ان يكون خاطئا.

امتياز القوة

في هذه المرحلة من الحوار، يأتي افلاطون بـ (ثراسيماشوس) السوفسطائي،  كقصصي آخر. يشير ثراسيماشوس الى اننا نعتبر العدالة كميزة للقوي، اولئك الذين في موقع القوة ببساطة يستخدمون قوتهم لفرض ما يجب ان يكون صحيحا. هذا ايضا يعبر عن رؤية شائعة (وان كانت نوعا ما متشائمة) عن حقائق التنظيم الاجتماعي. ولكن بالطبع سقراط لديه افكار اخرى . لانه يرى،  اذا كانت الجهة الحاكمة   تشرع بطريقة خاطئة ضد مصلحتها الخاصة، فان العدالة ستتطلب من باقي الناس اداء ما يبدو عملا متناقضا وذلك في انجاز ما طُلب منهم  وايضا عمل ما هو الأحسن لهم. وما هو اكثر اهمية ان سقراط يجادل بان احسن حاكم يجب دائما ان يكون شخص ما يعرف كيف يحكم، يفهم الحكم كحرفة. لكن بما ان الحرف من اي نوع تهدف لانجاز هدف خارجي، فان الممارسين الجيدين من كل حرفة دائما يتصرفون لأجل ذلك الهدف، وليس لمصلحتهم الخاصة وحدها. وهكذا فان الحكام الجيدين هم كالرعاة الجيدين، يجب ان يحاولوا عمل الافضل لاولئك الذين وثقوا بهم بدلا من البحث عن رفاهيتهم الخاصة (الجمهورية e342).

ونظرا لقوة الجدال السقراطي اضطر ثراسيماشوس للرد بغضب شديد لكي يحوّل تركيز النقاش كليا. اذا كان سقراط  محقا حول طبيعة العدالة، معنى ذلك ان تكريس حياة الفرد نحو اللّاعدالة سيكون لمصلحته اكثر مما لو ركز على العدالة . بالتأكيد كل واحد يفضل الانتفاع من تبنّي سلوك اللاعدالة ضد الآخرين بدلا من ان يكون ضحية لسلوكهم غير العادل(إعمل ضد الآخرين قبل ان يعملوا ضدك) .

وهكذا، طبقا لثراسيماشوس ان اللاعدالة هي افضل من العدالة. هنا ستأتي بعض الاجوبة التمهيدية الى الذهن فورا : المكافئات الفردية المتحصلة من اداء العمل جيدا هي بشكل عام مختلفة عن غاياتها الباطنية،  الناس العادلون يُعتبرون حقا متفوقون على الناس غير العادلين في الذكاء والشخصية، كل مجتمع يعتقد ان العدالة (كما هي متصورة في المجتمع) ملزمة اخلاقيا، وان العدالة هي الفضيلة الملائمة للروح الانسانية. ولكن اذا كان سقراط ذاته مقتنعا بالاجابات من هذا النوع، فان افلاطون الكاتب الفيلسوف لم يكن كذلك. يجب ان يكون هناك جواب يُشتق جوهريا من طبيعة الواقع.

هل العدالة افضل من اللّاعدالة؟

عندما يلتزم ثراسيماشوس الصمت، تستمر الشخصيات الاخرى في الحوار في متابعة السؤال المركزي: ما هي العدالة، كيف نستطيع تحقيقها، وما هي قيمتها؟ لايتفق جميع الناس على وجوب الدفاع عن العدالة كقيمة بذاتها وليس لأجل ما ينتج عنها من فوائد خارجية .

يلجأ غلاكون الى استخدام مثال قوي من  قصة كايغ، الراعي الذي اكتشف خاتما يجعله غير مرئي للناس مما دفعه فورا لممارسة  حياة الجريمة مع إعفاء تام من العقوبة. المسألة هي ان الكائن البشري لو حصلت له هذه الفرصة دون الإمساك به وبدون تحمّل العقوبة او ضياع السمعة سوف يختار بالطبع حياة اللاعدالة لكي يحقق مصالحه الخاصة.

ادمينتس يضيّق النقاش الى مدى أبعد عبر الاشارة الى ان المنافع الفردية بالحصول على السمعة الجيدة هي عادة ما تُكتسب من جانب اي شخص مجرد ظهوره يتصرف بعدالة سواء كان ذلك الفرد يقوم بذلك حقا ام لم يقم (الجمهورية 363a). هذا معناه امكانية انجاز اعظم فائدة ممكنة من خلال التصرف بلاعدالة مع المحافظة على المظهر الخارجي للعدالة . لكي يبيّن افلاطون ان العدالة دائما تنطوي على قيمة بذاتها،  يجب عليه ان يثبت ان الحياة حين تُمارس العدالة لذاتها هي أسمى من الحياة حين تُمارس العدالة لنتائجها.

ثراسماتس، غالكون و ادمينتس انشغلوا بقضية اساسية تشكل الاساس في اي جهد  لتحسين السلوك الانساني عبر اللجوء الى مبادئ الفلسفة الاخلاقية. اذا كان ما يتوجب ان افعله اخلاقيا (في بعض الظروف) مختلفا عما يمكنني اختياره لمصلحتي الخاصة، عندئذ لماذا يجب ان اكون اخلاقيا؟ افلاطون كتب الباقي من الجمهورية في محاولة لإعطاء جواب مقنع وكافي لهذا السؤال.

بعد الكتاب الاول، انتشر الحوار بالكامل عبر ايجاد تشابه موسع بين عدالة الكائن البشري وعدالة كامل مجتمع المدينة - الدولة. بما ان العناصر الحاسمة للعدالة ستكون اسهل ملاحظتها حين تكون على نطاق اوسع(الجمهورية 369a)، لذا بدأ افلاطون بتحليلات مفصلة عن تكوين وبناء وتنظيم الدولة المثالية قبل تطبيق نتائجه على وصف الحياة الفردية.

لماذا نكوّن المجتمع؟

تصوّر افلاطون المجتمعات في ما قبل التاريخ وجادل بانها تكونت لهدف معين. لم يكن الكائن البشري  مكتف ذاتيا، لا احد يعمل بمفرده يستطيع اكتساب جميع ضروريات الحياة الاساسية. لكي نحل هذه الصعوبة لابد ان نجتمع مع بعضنا في جماعات لتحقيق متبادل لأهدافنا المشتركة. هذه العملية ستنجح   لاننا نستطيع ان نعمل بفاعلية اكبر اذا كان كل واحد منا يتخصص في ممارسة مهنة معينة: احد يصنع كل الاحذية، آخر يزرع كل المحاصيل، ثالث يقوم بكل النجارة وهكذا. افلاطون يؤمن بان فصل الوظائف والتخصص في العمل هما اساس بناء مجتمع جيد.

ان النتيجة من هذه الرغبة هي مجتمع مركب من عدة افراد منظّمين في طبقات متميزة(اصحاب الملابس، الفلاحين، البنائين وغيرهم) كل منهم له دوره في توفير بعض عناصر السلعة المشتركة. لكن العمليات المنسجمة للمجتمع ككل سوف تتطلب بعض الخدمات الاضافية الضرورية للتنظيم الاجتماعي ذاته،  اي الحكم في النزاعات بين الاعضاء،  والدفاع عن المدينة ضد الهجمات الخارجية، لذلك ولكي يتقدم بمبدأ التخصص  خطوة اخرى، اقترح افلاطون تأسيس طبقة اضافية من المواطنين، طبقة الحراس الذين هم مسؤولون عن ادارة المجتمع ذاته.

في الحقيقة، يؤمن افلاطون ان الحياة الاجتماعية الفعالة تتطلب نوعين من الحراس :  جنود وظيفتهم  الدفاع عن الدولة ضد الاعداء الخارجيين وفرض القوانين،  وهناك الحكام الذين يحلّون الخلافات بين المواطنين ويتخذون قرارات بشأن السياسة العامة. الحراس جماعيا هم افراد مهمتهم الخاصة هي مهمة الحكومة ذاتها.

تدريب الحرّاس

لكي ينجزوا وظائفهم الصحيحة، هؤلاء الافراد يجب ان يكونوا اناسا متميزين. في الحقيقة اشار افلاطون مبكرا الى ان احدى اهم خصائص الحراس الواضحة ستكون ميلهم المزاجي نحو التفكير الفلسفي.ان الفيلسوف يتفوق على الآخرين في حسن التحقيق في الاسئلة الخطيرة حول حياة الانسان والحكم حول ما هو الحقيقي والأحسن. ولكن كيف يمكن تعزيز هذا النوع من الصفات الفردية لدى عدد مناسب من المواطنين؟(الجمهورية 376d).

الجواب كما اعتقد افلاطون يكمن في الوثوق بقيمة التعليم الجيد. (نتذكر ان افلاطون ادار مدرسته الخاصة في اثينا) . خطته في التعليم الابتدائي للحراس بالدولة المثالية تظهر في الكتاب الثالث. اهتمامه المركزي هو التأكيد على تحقيق التوازن الملائم بين العديد من المكونات المختلفة - التدريب الفيزيائي والآداء الموسيقي الى جانب التنمية الفكرية الأساسية.

الموقف من الادب

احدى الخصائص المتميزة لهذه الطريقة في تربية الاطفال هي إصرار افلاطون على منع صارم لجميع المواد الادبية خاصة الشعر والدراما. هو جادل بان الشعراء ينجذبون الى الجزء الاسفل من الروح عبر تقليدهم للميول غير العادلة، هم يشجعوننا على اطلاق المشاعر غير الشريفة حين نتعاطف مع الشخصيات التي نسمع عنها وبهذا فان الشعر يجعلنا غير عادلين. الاستيعاب المبكر للاعمال القصصية طبقا لافلاطون  يمكنه التقليل من قدرة الافراد على عمل أحكام دقيقة بشأن مسائل الحقيقة وان الإفراط في المشاركة بالدراما ربما يشجع بعض الناس على تقليد السلوك السيء للابطال الاشرار(الجمهورية 395c). ان الاسوأ في كل ذلك هو ان الاهتمام المفرط في السياقات القصصية ربما يقود الى نوع من الخداع الذاتي فيه يكون الافراد جاهلين في الحقيقة المتعلقة بطبيعتهم الخاصة ككائنات بشرية. وهكذا، حسب رؤية افلاطون من المهم جدا للمجتمع ممارسة رقابة صارمة على محتوى كل شيء يقرأه او يسمعه او يراه الاطفال. تجدر الاشارة ان ارسطو عرض افكارا مختلفة جدا حول هذا الموضوع.

ان التدريب من هذا النوع قُصد به فقط لاولئك الاطفال الذين سيصبحون في النهاية حراسا للدولة. ادائهم في هذا المستوى من التعليم سيقرر ما اذا كانوا مؤهلين ام غير مؤهلين للقيام بتلك المهمة، وكذلك (اذا كانوا مؤهلين) تحديد منْ منهم يستحق ان يكون حاكما ومنْ يستحق ان يكون جنديا . يجب على المجتمع  تصميم نظامه التعليمي كوسيلة للتمييز بين مواطني المستقبل الذين سوف تختلف وظائفهم وايضا لتوفير التدريب الملائم لقدرات كل واحد منهم.

تقسيم الدولة

 ان مبدا التخصص هذا يقود الى مجتمع طبقي. افلاطون اعتقد ان الدولة المثالية تضم اعضاءا من ثلاث طبقات متميزة: الحكام والجنود والناس. اذا كان افلاطون ذكر علناً ان العضوية في طبقة الحراس يجب ان ترتكز فقط على امتلاك مهارات مناسبة، فهو ايضا افترض ان مستقبل الحراس سيكون في الاساس من أحفاد اولئك الذين يشغلون حاليا مواقع الشرف. اذا كان المواطنون يعبّرون عن عدم قناعة بالادوار التي اسندت لهم، هو اقترح بان يقال لهم "الكذب المفيد"باعتبار ان الناس (كما السلع المادية من ذهب وفضة وبرونز) يحوزون على مختلف الخصائص الطبيعية التي تجعل كل واحد منهم منسجما مع وظيفة معينة ضمن عملية المجتمع ككل(الجمهورية 415 A). لاحظ ان هذه الاسطورة يمكن استخدامها كسيف ذي حدين . انها بالتأكيد يمكن استخدامها كوسيلة للسيطرة الاجتماعية، عبر تشجيع الناس العاديين على قبول موقعهم في قعر السلم الاجتماعي وخضوعهم لحكم الطبقات العليا. لكن افلاطون ايضا يرى ان الاسطورة تبرر قيود صارمة على حياة الحراس: بما انهم وُهبوا سلفا طبائع متفوقة، فهم لا حاجة لهم بالثروة او المكافئات الخارجية. في الحقيقة، يؤمن افلاطون ان الحراس يجب ان لا يمتلكوا ملكية خاصة، يجب ان يعيشوا ويأكلوا سوية على حساب الدولة ويجب ان لا يستلموا اي رواتب اكثر مما هو  ضروري لتلبية الحاجات الاساسية. في ظل هذا النظام، لا احد لديه الحافز للرشوة لأجل الحصول على موقع قيادي، واولئك الذين اختيروا ليكونوا حراسا سيعملون فقط من اجل رفاهية الدولة التي فيها يكون جميع المواطنين افضل حالا .

بعد ان طور افلاطون وصفا عاما لهيكل المجتمع المثالي اكّد بان الوظائف الملائمة التي تقوم بها مختلف الطبقات، والتي تعمل مجتمعة نحو الخير العام، توفر توضيحا ملائما للحاجة لتطوير فضائل او نوعيات اجتماعية هامة.

1- بما ان الحكام مسؤولين عن اتخاذ قرارات لحكم كامل المدينة، هم يجب ان تكون لديهم فضيلة الحكمة والقدرة على فهم الواقع وعمل احكام صائبة .

2- الجنود مسؤولون عن الدفاع عن المدينة ضد الهجمات الخارجية والاعداء الداخليين،  وهم يحتاجون الى فضيلة الشجاعة والرغبة في تنفيذ واجباتهم تجاه الاخطار دون اعتبار المخاطر الفردية.

3- باقي الناس في المدينة يجب ان يخضعوا لقادتهم بدلا من السير وراء مصالحهم الخاصة، لذا يجب ان يعكسوا فضيلة الاعتدال وخضوع الرغبات الفردية الى اهداف عليا.

عندما تؤدي اي من هذه الطبقات  دورها بشكل ملائم ولا تستحوذ على وظائف الطبقات الاخرى فان كامل المدينة حسب افلاطون ستعمل بانسيابية وانسجام كاملين وهذه هي العدالة الحقيقية(الجمهورية 433E).

لهذا نستطيع فهم جميع الفضائل عبر النظر الى الكيفية التي تتجسد بها في تنظيم المدينة المثالية:

الحكام – قرارات حكيمة

الجنود – افعال شجاعة

الفلاحون والتجار والناس الاخرين – قرارات معتدلة

العدالة ذاتها ليست مسؤولية حصرية لأي من طبقات المواطنين وانما هي تبرز من العلاقات المترابطة المنسجمة لكل مكون من المجتمع مع المكونات الاخرى. سنرى الان كيف ان افلاطون طبق هذا التصور للفضائل على حياة الانسان الفرد.

الفضائل في الروح الانسانية

لنتذكر ان الخطة الاساسية للجمهورية هي رسم تشابه منهجي بين عملية المجتمع ككل وحياة اي انسان فيه كفرد. لذا فان افلاطون افترض ان الناس يعرضون نفس الخصائص، ويؤدون نفس الوظائف، ويجسدون نفس الفضائل التي تؤديها الدولة. تطبيق التشابه بهذه الطريقة يفترض ان اي واحد في المجتمع هو، كالدولة،  كلّ معقد صُنع من عدة اجزاء متميزة، كل جزء له دوره الخاص. لكن افلاطون جادل بان هناك ما يكفي من الدليل حول هذا في حياتنا اليومية. عندما تواجهنا عدة خيارات حول ما يجب ان نعمل،  نشعر ان الرغبات المتضادة تسحبنا في اتجاهات مختلفة، وان التوضيح الطبيعي لهذه الظاهرة هو ان نميز بين عناصر متميزة في ذواتنا(الجمهورية 436B).

وهكذا يحصل التشابه. الى جانب الجسم المادي الذي يتطابق مع الارض والأبنية والمصادر المادية الاخرى،  يؤكد افلاطون ان كل انسان ينطوي على ثلاث ارواح تتطابق مع ثلاث طبقات من المواطنين داخل الدولة، كل واحدة من تلك الارواح تساهم بطريقتها الخاصة في نجاح الفرد ككل .

1- الروح العاقلة (الذهن او التفكير) هي الجزء المفكر في كل واحد منّا،  وهو الذي يميز الحقيقي من المظهر، يحكم على ما هو حقيقي وما هو زائف، ويعمل قرارات حكيمة يمكن بموجبها ان تُعاش الحياة الانسانية بشكل اكثر ملائمة.

2- الروح الروحانية (الرغبة او الخيار الواعي)، هي الجزء النشط، ووظيفته تنفيذ اوامر العقل في الحياة العملية، والتنفيذ الشجاع لكل ما يراه الفكر هو الافضل.

اخيرا،  الروح الشهوية (العواطف او النزوات) هي ذلك الجزء الموجود فينا والذي يرغب ويشعر بعدة اشياء، معظمها يؤجل في مواجهة السعي العقلاني اذا اريد لنا انجاز مقدار جيد من الانضباط الذاتي.

وفق رؤية افلاطون ان الانسان يقال عادل عندما تؤدي الارواح الثلاثة وظائفها الصحيحة بانسجام مع بعضها  لأجل خير الانسان ككل.

الروح العاقلة (التفكير)    = الحكمة

الروح الروحانية (الارادة) = الشجاعة

الروح الشهوية (الشعور) = الاعتدال

وكما في الدولة المنظّمة جيدا، تنشأ عدالة الانسان الفرد فقط من العلاقات المتبادلة بين مكوناته المتباينة والمنفصلة (الجمهورية 443d).

ان توضيح افلاطون للتقسيم الثلاثي للذات جسّد تأثيرا هائلا على فلسفة الطبيعة الانسانية في الثقافة الغربية. رغم ان القليل من الفلاسفة دعموا افتراضه للتقسيم الثلاثي للروح، لكننا نجد تقريبا كل شخص يعترف بالتمايز في وظائف التفكير والارادة والشعور. اي رؤية متكاملة للحياة الانسانية تتطلب بعض التوضيح للكيفية التي ندمج بها التفكير والارادة والرغبة في وجودنا الكلي.

ان نظرية افلاطون في طبيعة الانسان توفر الاساس لجواب آخر لسؤال عن سبب افضلية العدالة على اللاعدالة. وفق الرؤية المعروضة هنا، العدالة الحقيقية هي نوع من الصحة الجيدة يتم الحصول عليها من خلال الجهود التعاونية المنسجمة للارواح الثلاث. في الفرد غير العادل تكون الاجزاء المتباينة في حالة من الاضطراب الدائم، تتواجد مع بعضها ضمن شخصية غير صحية، غير متكاملة، تعمل بشكل سيء. افلاطون طور هذه الفكرة بتفاصيل اكثر في الجزء الاخير من الجمهورية.

استنتاج وتعليق

في نهاية الجزء الرابع، يحاول افلاطون توضيح ان عدالة الفرد هي مرآة للعدالة السياسية. هو يرى ان الروح لدى كل فرد تتكون من ثلاثة اجزاء تتقابل مع ثلاث طبقات في المجتمع. هناك الجزء العقلي من الروح الذي يبحث عن الحقيقة وهو مسؤول عن ميولنا الفلسفية . وهناك الجزء الروحاني والذي يرغب بالشرف وهو مسؤول عن شعورنا بالغضب والاستياء. وهناك الجزء الشهواني والذي يرغب بجميع انواع الاشياء، وفي مقدمتها النقود لأنها تُستعمل لإشباع جميع الرغبات الاساسية. ان الفرد العادل يمكن تعريفه بشكل مماثل للمجتمع العادل،  الأجزاء الثلاثة من روحه تنجز علاقات القوة والنفوذ الضرورية لكل جزء. في الفرد العادل، يكون الجزء العقلاني من الروح هو الذي يحكم، اما الجزء الروحاني من الروح فهو يساعد هذا الجزء الحاكم،  اما الجزء الشهواني فهو يخضع ويتبع ما تمليه قيادة العقل. بتعبير آخر في الفرد العادل تهدف كامل الروح الى انجاز رغبات الجزء العقلي مثلما في المجتمع العادل تهدف كامل الجماعة الى انجاز رغبات الحاكم .

التوازي بين المجتمع العادل والفرد العادل يذهب اكثر عمقا عندما تخضع كل واحدة من الطبقات الثلاث في المجتمع  لسيطرة احد الاجزاء الثلاثة من الروح. المنتجون يخضعون لسيطرة شهواتهم تجاه النقود والمتعة والكماليات. المحاربون يخضعون لسيطرة ارواحهم التي تجعلهم شجعانا. الحكام تسيطر عليهم ملكاتهم العقلية ويكافحون لأجل الحكمة. الفلاسفة يشكلون الطبقة الوحيدة من الناس الذين يحوزون على المعرفة وهم الأكثر عدالة . روحهم تسعى، اكثر من غيرهم لإنجاز رغبات الجزء العقلي . يستمر افلاطون في الجدال بانه مع ان كل من الانواع الرئيسية الثلاثة(حب النقود، وحب الشرف، وحب الحقيقة) لهم تصوراتهم للسرور والحياة الخيرة، لكن الفيلسوف وحده يستطيع الحكم لأنه مارس جميع الانواع الثلاثة من السرور. الآخرون يجب ان يقبلوا حكم الفيلسوف،  ويستنتج بان السرور المرتبط بالفيلسوف هو السرور الأعظم وبهذا فان الحياة العادلة هي ايضا الحياة الاكثر سرورا . هو يكشف بان سرور الفيلسوف هو وحده السرور الحقيقي، لأن كل المسرات الاخرى هي ليست اكثر من منع او إيقاف الألم.

ان نموذج افلاطون في العدالة تعرّض للعديد من الانتقادات يمكن تلخيصها بالآتي:

1- ان نظرية افلاطون في العدالة تخلو من الاهمية الخاصة  للفرد. لم يعد الفرد ذاتا منعزلة وانما جزءا من النظام ككل الذي هو الدولة المثالية. ان الفرد ليس هو الكل وان افلاطون لا يستطيع اثبات ان الكل هو الدولة. لم يترك افلاطون مجالا للفرد للتفكير بهذه الطريقة. الفرد في الدولة المثالية ليس له هوية خاصة وانما هو مندمج كليا بالدولة.

2- مفهوم افلاطون عن العدالة يواجه عقبة اخرى. ان طبقة الحراس التي وُهبت الحكمة سوف تسيطر على كامل المجتمع. من المألوف جدا ان الفرد او الطبقة التي تسيطر على الشؤون الادارية للدولة سوف تؤسس بالنهاية هيمنة على المجتمع بأكمله .

3- الانسجام يمكن ان يحصل في المجتمع السياسي عندما يمارس جميع الافراد من مختلف الطبقات  الانضباط الذاتي ويتبعون واجباتهم الخاصة. بدون سيطرة ذاتية لا يمكن تحقيق العدالة. الانضباط الذاتي لدى افلاطون هو مبدأ اخلاقي وليس قانوني. عندما يفشل الناس في تطبيقه سينتج عن ذلك مشاكل. ان الترتيبات القانونية تُعد امرا ضروريا . يقول باركر"ان العدالة التي يتحدث عنها افلاطون هي ليست عدالة حقيقية ابدا... انها تكمن في الروح، وهي أقل من اي قانون. القانون شيء والاخلاق شيء آخر. القانون متعلق بأحكام خارجية بينما الاخلاق تتعلق بافكار تكمن خلف الأحكام.. افلاطون أضاع الفرق والتبست عليه الحدود الفاصلة بين الواجب الاخلاقي والالتزام القانوني... بدون قوة قانونية، سوف لن يجد الواجب الاخلاقي طريقه للنجاح".

4- هناك من النقاد من ذهب بعيدا في اعتبار افلاطون معاديا للديمقراطية كونه مهد الطريق للاستبداد والفاشية وأجاز "الكذب النبيل"، وهاجم الادباء والشعراء مطالبا بنفيهم خارج البلاد.

 

حاتم حميد محسن

....................

المصادر

1- Plato: The state and the soul, philosophy pages, Britannica

2- Plato’s Theories: Theory of justice, Education and com