محمد كريم الساعدييعد كل من (هانس روبرت ياوس) و(فولفغانغ أيزر) اهم منظرين رئيسيين لنظرية التلقي الأدبية، ويعد (ياوس) من أبرز المتأثرين بمفاهيم (غادامير) التأويلية، وبالأخص مفهوم (الأفق التاريخي) الذي طوره في نظرية التلقي إلى (أفق التوقعات)، إذ يرى ياوس أن العمل يشتمل في وقت واحد على النص بوصفه بنية معطاة، وعلى تلقيه أو على إدراكه إدراكاً حسياً يقوم به القارئ أو المشاهد، بمعنى ان العمل الأدبي يتكون من محورين أولهما النص كبنية أبدعها المؤلف، والثاني تلقيه من القارئ، ويتشكل معنى النص في تجدده الدائم، معنى متجدد هو نتيجة تطابق واتحاد عنصرين : أفق التوقع المفترض في العمل وأفق التجربة المفروضة في المتلقي، بحيث تجري عملية الاتحاد والتطابق في أفق توقعات المتلقي الذي يمثل الفضاء الذي تتم من خلاله عملية بناء ورسم الخطوات المركزية للتحليل ويتشكل أفق التوقعات لدى المتلقي من ثلاثة عوامل أساسية هي التجربة المسبقة التي يمتلكها الجمهور عن الجنس الأدبي، ثم شكل الأعمال المسبقة وموضوعاتها ثم التعارض القائم بين اللغة الشعرية ولغة الممارسة،أي التعارض بين لغة الخيال ولغة الواقع اليومي، ويؤكد (ياوس) على اللحظة الأولى للفهم على اعتبار أن استقبال العمل الأدبي في اللحظة الأولى يتضمن اختبار قيمته الجمالية بالمقارنة مع أعمال تم تلقيها سابقاً . أن عمل المتلقي وفق مفهوم (أفق التوقعات) يعطي إمكانية ربط العمل الأدبي مع تاريخ استقباله، ولا يستطيع الفصل بينهما، لذا يصبح العمل وسيطاً بين الأفاق وبالتالي فهو غير مستقل عن أي أفق من الأفاق   وبما أن النص غير مستقل، وافقنا الحاضر في تغير، فأن اندماج الأفاق يتعدل من خلال عملية الاستمرار والتواصل الحاصلة بين الأفاق لذا فأن فهم النص أصبح ممكناً بهذا الاندماج وأصبح وظيفة التاريخ، وباختصار فأن النص يفهم في مدى ملاءمته أكثر من كونه وحدة ثابتة، وبالتالي فأن العمل الأدبي يتشكل في ذهن المتلقي، حيث يبدأ هذا التشكيل منذ الاستقبال الأول له ويأخذ بالتكامل تدريجياً من خلال مجموعة الإعلانات والإشارات الظاهرة أو الكامنة، ومن الاحتمالات الضمنية والخصائص المألوفة ليكتمل أفق توقعات المتلقي وصولاً إلى المعنى، والمعنى هنا يتغير كلما اختلفت وتغيرت شروط التلقي التاريخية والاجتماعية .

إذن فعملية التلقي عند (ياوس) في ضوء مفهوم (أفق التوقعات) هي عملية اتحاد وتطابق بين الأفاق التي يتضمنها العمل الأدبي في داخل فضاء التلقي لدى القارئ (المتلقي) لتنتج عملية بناء المعنى وفق عملية تكوين مركزية تساهم فيها مكونات أفق توقعات المتلقي الثلاثة، التجربة المسبقة عن جنس العمل لدى الجمهور، وشكل الأعمال المسبقة وموضوعاتها والتعارض بين لغتي الخيال والواقع اليومي .

أما (فوفغانغ أيزر) الذي قام بتأسيس طروحات خاصة بالتلقي منطلقاً من بعض مفاهيم (هوسرل) و (أنجاردن) التي أسس من خلالها مدخلاً لتحليل عملية القراءة يتشكل من أبعاد ثلاثة هي : النص والقارئ وأهم من هذا وذاك الظروف التي تحكم عملية التفاعل بينهما . لقد وضع (أيزر) عدداً من المفاهيم التي يقوم على أساسها تلقي العمل الأدبي، ويأتي في مقدمتها (القارئ الضمني) : وهو بنية نصية تتوقع حضور متلق دون أن تحدده بالضرورة : أن هذا المفهوم يضع بنية مسبقة للدور الذي ينبغي أن يتبناه كل متلق على حدة أن القارئ الحقيقي أياً ما كان وكيف ما يكون، فأنه يسند له أساساً دور خاص يقوم به، وهذا الدور هو الذي يكّون مفهوم القارئ الضمني.

أما المفاهيم الأخرى التي استندت عليها طريقة تلقي العمل الأدبي عند (أيزر) فهي مفهوم (الفراغات)، ومفهوم (وجهة النظر الجوالة) ومفهوم (المركب السلبي) .

أن مفهوم (الفراغات) في النص و (عمليات النفي) هي التي تحقق فعل التواصل لدى المتلقي، فالتواصل الناجح يتحقق عندما تكون عملية القراءة محكومة بالنص، أي عن طريق اكتشاف الفراغات فيه، وهذه الفراغات تمثل ما يخفيه النص، وهي تلك المساحات في النص التي يقوم عندها القارئ بصنع العلاقات. ويأتي بعد ذلك دور عمليات النفي التي تختص باستحضار عناصر مألوفة أو محددة ثم تقوم بنفيها إلا أن ما ينفى يبقى موضوعاً في الاعتبار، ومن ثم يكون مصدراً لأحداث تعديلات في اتجاهات القارئ إزاء ما هو محدد ومألوف.

أما المفهوم الثالث فهو مفهوم (وجهة النظر الجوالة) التي تعد وسيلة من وسائل وصف الطريقة التي يكون بها القارئ حاضراً في النص . ويقع هذا الحضور عند نقطة التقاء الذاكرة والتوقع . وتحدث الحركة الجدلية الناتجة عن ذلك تعديلاً متواصلاً للذاكرة وصولاً إلى فهم النص، أي من خلال التفاعل الحاصل بين بنيات النص المتجزئة أو المتفاعلة فيما بينها، وينتج من هذا التفاعل الحاصل توليداً لنشاط أساسي يوصل القارئ المتلقي إلى فهم النص . وهذا النشاط الأساسي يعتبر نشاطاً ذاتياً " نتاجه المعنى الذي يرشحه الفهم والإدراك.

أما المفهوم الأخير، فهو مفهوم (المركب السلبي) الذي يصفه (أيزر) بأنه   نشاط القارئ في إنتاج الصور . فعندما نقرأ نصاً نكون بوعي أو بلا وعي في حالة تركيب صور، وهذه الصور هي موضوعات من نتاج مخيلة القارئ، والقارئ بالنسبة (لأيزر) حر في تشكيل صورة العمل الأدبي و بطرق مختلفة وليس هنالك من تفسير لمفردة تستطيع أن تستنفذ كل دلالاتها الكامنة . ولكن هذا الكلام يحدد بقاعدة قوية . يجب على القارئ أن يبني النص ليجعله متناغماً من الداخل هي عملية تفاعلية تقوم على القصدية في إشراك الذات المتلقية في عملية بناء   المعنى، وظروف التفاعل مقرونة بوجود عدد من المفاهيم الأساسية وهي (القارئ الضمني) و(الفراغات) و(وجهة النظر الجوالة) و(المركب السلبي)، وهذه المفاهيم تساعد في التحكم بالعملية التفاعلية بين بنيات النص المتجزئة لتولد نشاطاً ذهنياً يوصل المتلقي (القارئ) إلى فهم العمل الأدبي .

 

الاستاذ الدكتور محمد كريم الساعدي

 

زهير الخويلدي"كل شيء يتوقف على قيمة ما نفكر فيه وعلى معناه. إن لدينا دائما الحقائق التي نستحقها تبعا لمعنى ما نتصوره ولقيمة ما نعتقده"1[1]

جيل دولوز (1925-1995) فيلسوف رحال بامتياز ويعود ذلك إلى كونه مؤسس النومادولوجيا في تاريخ الفلسفة وأدب البورتريه والفيلم الفلسفي من خلال الفرجة على الأزمنة المتحركة والأمكنة المستكشفة، لقد أصبحت صورة الفيلسوف معه مرتبطة برحلته وسيرته الذاتية في الحياة ولا تقتصر على تجربة تدريس الفلسفة واللقاءات والأفلام التي أجريت معه وصار الفكر الفلسفي زرع الروزومات على مسطح المحايثة.

لقد اشتغل دولوز مدرسا للفلسفة منذ 1950 في وضعية مساعد للعديد من الأستاذة الكبار المشهورين ولكنه أنتج دراسات تاريخية حول كانط وسبينوزا وبرجسون ونيتشه وهيوم وجمع مونوغرافيا لامعة حولهم، ولم يجد فرصته الاستثنائية إلا عندما التحق بالمكان الذي تركه ميشيل فوكو في المركز الجامعي التجريبي لفانسان الذي مكث فيه الى حد 1987 وقدم فيه مجموعة من الدروس عكست كلها اهتماماته في بناء فعالية فلسفية مستقلة تدور حول الإبداع الفني والفعل السياسي وتبذل مجهودات من اجل إعادة الاعتبار للذات وتفكر في الحرية وتهتم بالعلوم وتحاور علم النفس التحليلي وفرويد وتجعل من قضية الزمن مسألة بارزة.

لقد ألف دولوز منذ 1962 كتاب نيتشه والفلسفة ووقع سنة 1967 رائعة الفرق والمعاودة وفي سنة 1969 منطق المعنى وبعد ذلك صاغ بدأ تأليفا مشتركا مع طبيب نفساني اسمه فليكس غتاري أثمر أولا كتاب ألف سطح وبعدذلك في سنة 1991 كتاب ما الفلسفة؟ ولكنه تفاعل مع الأركيولوجيا في كتاب فوكو عام 1986.

لقد تعامل فرانسوا زورا بيشفيلي مع فكر دولوز بوصفه فلسفة الحدث بامتياز أين طور فيها تفكير فارقيا في الاختلاف وجابه العقلانية مدافعا على الحياة في جميع أبعادها مناصرا الرغبة والكثرة والصيرورة ولقد أبدى احتراما كبيرا لكل الرحالة والبريين والمشردين من المفكرين الأحرار وأرسى النومادولوجيا.

في هذا السياق " يقول الوجود عن نفسه انه من الصيرورة والواحد من المتعدد والضرورة من الصدفة ... هكذا إنها ميزة الإثبات أن يعود أو الاختلاف أن يتولد من جديد. العودة هي وجود الصيرورة ، الواحد هو وجود المتعدد، والضرورة هي وجود الصدفة: وجود الاختلاف بماهو كذلك، أو العودة الدائمة"2[2]

إذا كان جيل دولوز هو أول فيلسوف قد كتب بغزارة عن السينما والصورة وثمن الفرق والاختلاف وحدد الفلسفة بكونها فن إبداع المفاهيم فإن جاك دريدا (1930-2004) كان قد واصل هذا المجهود الاستثنائي وما بعد الحديث وفق نبرة لغوية عائدة إلى نيتشه وهيدجر ومتأثرة بهوسرل ومرلوبونتي وفوكو وريكور وغادامير وتنغرس في الأدب والغراماتولوجيا واعتمد على التفكيك في تعامله مع الميتافيزيقا وضد نزعة التمركز العرقي والصوتي والعقلي التي أخفتها الثقافة الغربية عن الأنظار تحت مسمى التقنية الذاتية للسيطرة على العالم وفي المقابل اتجه دريدا نحو الرسم باحثا عن الحقيقة ونحو الصداقة مؤسسا للسياسة وشرع حق الفلسفة بصورة كونية وحق الضيافة بين الشعوب والثقافات بواسطة الترجمة والمثاقفة الفنية.

لقد كانت انطلاقة جاك دريدا الفرنسي الجنسية والجزائري المولد من كتاب حول هوسرل بعنوان الصوت والظاهرة وفي سنة 1967 ألف أبرز كتاب له وعنونه بالكتابة والفرق وأحدث به ضجة في الأوساط الباريسية أدت إلى ثورة الطلاب لم تفهم إلا في عام 1972 حينما أخرج كتاب هوامش للفلسفة وزاد عليها في سنوات التسعينات أطياف ماركس والحق في الفلسفة وسياسات الصداقة وبطاقة بريدية وتاريخ الكذب.

لقد تحول دريدا الى وجه مألوف على الصعيد العالمي بعد رحلته الى الولايات المتحدة الأمريكية وترجمة أعماله من الفرنسية إلى الإنجليزية ولكنه كان قد درس الفلسفة لمدة طويلة في المدرسة العليا بباريس وناضل من أجل نشر الفكر الفلسفي في الأوساط الثقافية والشعبية وفي مختلف الفضاءات التربوية في بلده وأشرف من هذا المنظور على تكوين أساتذة الفلسفة وأسس فرق بحثية حول تدريس الفلسفة وأسس المعهد الدولي للفلسفة الذي استدعى إليه كل الدول والجمعيات المحبة للتفلسف سنة 1979 في جامعة السوربون.

لقد صرح جاك دريدا حول علاقته المهنية بالفلسفة واندراجه العضوي في رسالة التفكير والالتزام بالقول التالي:"أنا أعلم الفلسفة، وأحاول أن أعلم شيئا له علاقة بما أكتب. عليّ هنا أن أتبنى استراتيجية للتعليم"3[3]

لقد تميز فكر دريدا بالفنومينولوجيا التي تعلمها عن هوسرل وهيدجر وبعد ذلك أخضع كل الأنساق الفكرية لتفكيك معمق وتحطيم جذري وخلخلة للأزواج الميتافيزيقية التي ظلت مسلمات ضمنية للفلسفة الغربية، وكان همه الأساسي ملاحقة اللاّمعنى وتقصي شروط إمكانه بالحفر في الظواهر والانفتاح على التخوم.

لهذا "وجب علينا أن لا نقتصر على التعايش مع كل وسائل العنف الضرورية لعمليات الصنع وانما أيضا أن نتخلص مما صنعنا، كما نتخلص من شيء لم نتوفق في صنع متوسلين في ذلك بوسائل الهدم"4[4].

لكن كيف جعل دريدا من مساءلة نص الآخر الفتحة التي يطل من خلالها على انغلاق الأنا و يفكك ذاته؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

..............................

الإحالات والهوامش:

[1] جيل دولوز، نيتشه والفلسفة، ترجمة أسامة الحاج، المؤسسة الجامعية للنشر والتوزيع ، مجد، بيروت، طبعة ثانية، 2001. ص133

[2] جيل دولوز، نيتشه والفلسفة، مصدر مذكور، ص241.

[3] جاك دريدا ، الكتابة والاختلاف، ترجمة كاظم جهاد، دار توبقال، الدار البيضاء ، المغرب، طبعة1988،ص54.

[4] جاك دريدا ، المصالحة والتسامح وسياسات الذاكرة ، ترجمة حسن العمراني، دار توبقال، الدار البيضاء ، المغرب، طبعة2005،ص 56.

 

حاتم حميد محسنلم تكن نظريات علم الاجتماع المصدر الوحيد في خلق وتطوير الآراء حول الثقافة وانما هناك مؤثر آخر يتمثل بالتقاليد الفكرية السائدة والتي بدورها تأثرت بميادين اخرى كالنقد الادبي. هذا الاتجاه سمي بثقافة وتقاليد الحضارة culture and civilization tradition(1).

ان ما نقصده بالتقاليد هي محاولة تقييم مختلف الثقافات تماما كما يقوم الناقد الادبي بتقييم اهمية وعلمية مختلف الكتب. كان الاتجاه التقليدي هذا خطيرا في نقده للثقافة الشعبية . وممجدا لقيمة الثقافة العليا بينما يعطي قيمة اقل لثقافة العامة . ان الاتجاه الحضاري التقليدي بشكل عام يدعم الميول النخبوية في الثقافة والتي ترى ثقافة الجماهير هي ادنى قيمة من ثقافة النخبة. وتعبير الثقافة العليا يواجه خطرا ويتجه نحو الانحدار. ان العديد من الكتاب يطرحون اسبابا مختلفة لتدهور الثقافة. لقد برز الاتجاه الحضاري التقليدي من اجواء القلق التي رافقت مظاهر التصنيع والتمدين urbanization والحداثة في القرن التاسع عشر . فالتغيرات الكبيرة التي احدثتها الثورة الصناعية قادت الى حالة من القلق الحاد حين اصبحت المظاهر الجميلة تحت التهديد.

ويرى جون ستوري ان اسباب القلق تلك تعود الى ظهور الثقافة المتميزة للطبقات الخاضعة. فالطبقة الصناعية في المدن النامية كان بامكانها خلق ثقافة مستقلة بعيدة عن تدخل الطبقة المسيطرة. فالتصنيع والتمدين اعاد رسم الحدود الثقافية، فلم يعد هناك ثقافة مشتركة مع الثقافة القوية وانما اصبح ولأول مرة في التاريخ وجود ثقافة منفصلة للطبقات الخاضعة في المراكز الصناعية والضواحي.

الثقافة (دراسة الكمال)

يُعتبر ماثيو ارنولد (1822-1888) من أشهر كتاب الثقافة والحضارة، فهو كان شاعرا وناقدا ومدرسا في احدى المدارس. الا ان اهم اعماله هو كتاب (الثقافة والفوضى) الذي صدر لاول مرة عام 1869 واعيد طبعه عام 1960. يرى ارنولد ان الثقافة هي دراسة الكمال والتي من شانها ان تقود الى كمال متناسق لكل جوانب انسانيتنا ثم الى كمال عام بتطويرها لكل اجزاء المجتمع. والناس يصبحون مثقفين باتباعهم طريق الكمال.

يرى ارنولد ان متابعة طريق الكمال لم يعد هو الشائع في بريطانيا في القرن التاسع عشر، فالناس اصبحوا ماديين الى حد كبير ويهتمون كثيرا بالماكنة والانتاج، لقد وصف ارنولد قداسة الماكنة وتحدث عن خطورة المساواة بين الحضارة والثروة المادية. فالثقافة الحقيقية يتم اكتسابها فقط بمعرفة جميع المسائل التي تهم الناس وكذلك معرفة افضل ما قيل وافضل المعتقدات في العالم، حيث من خلال المعرفة يتم تحويل روافد من الافكار الحرة والجديدة الى ما لدينا من مخزون من العادات والافكار. وحين يدرس الناس ارقى انواع الشعر والادب سيصبح بمقدورهم تطوير انسانيتهم ليصبحوا قريبين من الكمال، وبذلك سوف يدفعون مجتمعهم نحو الاحسن. ان القراءة تعتبر هي المفتاح في كل ذلك. يقول ارنولد ان حياة الانسان في كل يوم تعتمد من حيث قيمتها وتماسكها على ما يقوم به من قراءة او عدمها، وكذلك على نوع الشيء الذي قرأه. حيث ان بعض القراءات اكثر قيمة من غيرها وان الذوق الشعبي للقطاعات الواسعة من السكان هو بالتأكيد غير مثقف. فالطبقة العاملة في الضواحي هي اساس الخطورة وهي تشكل المجموعة الاجتماعية غير المثقفة فهي فقدت احترام ومراعاة سلّمها الاجتماعي والحّت على عمل ما تحب وهذا قاد الى احتجاجات سياسية خطيرة وخلق اجواءً هددت بالانحراف نحو الفوضى التي من شأنها ان تحطم الحضارة والثقافة. يصف ارنولد ما حدث بقوله (أعداد من الرجال في جميع انحاء البلاد يبدأون في التحدي وممارسة حقوق الرجل الانجليزي بعمل ما يحب وحقه في التظاهر متى ما يحب وبالاجتماع والتمرد والتهديد وتحطيم الاشياء كيفما يشاء).

ان الحل لمشكلة الطبقة العاملة يكمن في تعليمهم، وبدون التعلم لن يتمكنوا من الحصول على الثقافة ولن يسهموا بدور بنّاء في المجتمع.

من الانتقادات التي وجّهت الى ارنولد انه كان يحاول ابقاء الطبقة العاملة في مكانها وانكاره لحقّها في تطوير ثقافتها، كذلك يؤخذ على ارنولد عدم رغبته في المشاركة بالسياسة كوسيلة لاستخدام الثقافة في الحفاظ على النظام الاجتماعي، وهذا ما جعله غير قادر على تحقيق اهدافه وجعل كتاباته بلا جدوى.

انحطاط الثقافة

حاول ليفس (F.R.Leavis) ان يكشف تأثير ضياع الثقافة الفلكلورية على قيمة الفن والادب، فهو يقول: في الماضي كانت الثقافة، حتى الثقافة العالية في متناول الجماهير.فالنخبة المثقفة ليس وحدها من يشاهد مسرحيات شكسبير بل كذلك الجموع الواسعة للناس العاديين. اما في الثلاثينات فقد تغير الموقف كليا. هو يعتقد انه في كل عصر هناك جماعة صغيرة جدا يعتمد عليها مدى الاعجاب بالادب والفن، وهذه الجماعة الصغيرة كانت قادرة على تمييز الادب العظيم من السطحي طبقا لما تحكم به فطرتهم في الجمال. وهؤلاء هم وحدهم يقررون من سيعقب الكتاب المعاصرين مثل شكسبير ودانتي. اما المجموعة التي هي اكبر بقليل فهي بامكانها التمييز بين الرديء والجيد من الادب والفن لكنها سوف لن تتمكن ابدا من تكوين حكم جمالي حول الاعمال الجديدة في الفن.

ثقافة النخب وثقافة الجماهير

يرى ليفس ان صيانة وديمومة الثقافة يعتمد على احتفاظ الاقلية النخبة باكثر الاذواق تميزا. ولكن في اعوام الثلاثينات من القرن الماضي اصبح ذوق هذه المجموعة وثقافة الجماهير كلاهما تحت تهديد خطير. فالنخبة المثقفة تعرضت للتهديد من جانب المنتجات التي افرزتها ثقافة الجماهير، وهذه المنتجات اصبحت متوفرة لكل شخص وبكميات كبيرة مما اغرق الاحساس الجمالي لثقافة تلك النخبة. يقول ليفس (كان القارئ اثناء مراحل حياته يتحرك ضمن عدد محدود من الاشارات (signal)، حيث لم يكن التنوع فيها كبيرا. وبذلك فهو كان قادرا على اكتساب قدرة التفرد او التميز وهو يتجه على طول الخط. اما القاريءالحديث اصبح عرضة لسيل من الاشارات الهائلة في تنوعها وأعدادها مما جعل من الصعب عليه القيام بالتمييز ما لم تكن لديه موهبة خاصة او مزايا معينة). وهذه المشكلة اصبحت اكثر سوءا بفعل تأثير التغيرات الاجتماعية والثقافية على بقية السكان. يرى ليفس ان الأضرار الثقافية نتجت عن مظاهر التحديث مثل اختراع السيارة وانتشار الثقافة الامريكية وتشتت العوائل وتأثير عمليات البيع والانتاج الواسع والتنميط السلعي. لقد كان ليفس حادا في نقده للاعلام المسيطر انذاك كالراديو والافلام باعتبارهما نوع من التسلية السلبية كونهما لايشجعان الناس على التفكير لانفسهم ولا يسمحان باستخدام العقل بشكل بنّاء. والسينما خصيصا تعرضت للهجوم الشديد لأن الافلام تستلزم الاستسلام والانسياق وراء الاغراءات العاطفية الرخيصة في ظل اجواء من التنويم للمتلقي.

نقد آراء ليفس

1- انه بالغ في مدى جاذبية وانسجام الثقافة الفلكلورية لما قبل الصناعة.فهو تجاهل امية وفقر وقصر حياة الناس العاديين في فترة ما قبل الصناعة في بريطانيا. والافراد الذين هم بدون نقود وبدون تعليم ويعيشون سنوات قليلة يصبح من الصعب عليهم تطوير ذائقتهم للفن والادب.

2- يرى سترانيتي (Dominic Stranati) ان نظريات النخبة مثل (نظرية ليفس) فشلت في تبرير ادعاءاتها بان الثقافة العليا لها خصائص سامية، ومن هذه الزاوية فنحن لا ننظر فقط باعجاب الى انواع معينة من الثقافة الشعبية وانما نثمن اي منتج للثقافة الشعبية باعتباره فنا عظيما لدى من يحبون تلك الفنون.

ويقول سترانيتي ان آراء النخبويين ارتكزت على مجموعة من القيم الافتراضية المزعومة التي تطبع الثقافة الشعبية . فاذا رأى احد الافراد ان موسيقى معينة افضل من سمفونية بيتهوفن او فيلم معين افضل من موسيقى موزارت، فلا نستطيع الحكم على الرأي الصواب لأنها ببساطة مسألة ذوق.

3- وبناءً على النقطة اعلاه فان آراء النخبويين حول الثقافة لا تأخذ بالاعتبار كون التذوق تعبير عن بنية اجتماعية، فكما يذكر بورديو عام 1984 ان ما يعتبر ذوق جيد هو مرتبط بعادات مجموعات اجتماعية معينة بما في ذلك اسلوب الحياة وشكل السلوك.

ثقافة الجماهير

كان في امريكا في الخمسينات اهتماما كبيرا بما يسمى ثقافة الجماهير، والكتابات التي تدور حول هذا الموضوع كانت تتشابه بشكل او بآخر مع أعمال الكتاب الآخرين مثل ليفس. غير ان اهتمامات الثقافة الجماهيرية ذهبت الى ما هو أبعد من الفن الذي كان محل التركيز الاساسي للنقد الادبي.

والنقاد في الخمسينات كانوا ايضا اقل نخبوية من ارنولد و ليفس. فهم كانوا ربما من الراديكاليين الذين يسعون الى تغيير المجتمع وليسوا من المحافظين الراغبين بالعودة الى العصر الذهبي حين كانت الثقافة العليا هي صاحبة السيادة، ومن الكتاب الذين مثّلوا هذا الاتجاه اثنان هما روسنبرك و ماكدولاند.

برنارد روسنبرك وثقافة الجماهير في امريكا

في عام 1957 شن روسنبرك هجوما عنيفا على الثقافة الجماهيرية في امريكا. وحسب رأيه انه بالرغم من المستوى المعيشي المرتفع الذي حققه المجتمع الامريكي الا ان ذلك كان على حساب الثقافة التي عانت من التدهور. فالتكنلوجيا الجديدة أزاحت معظم الأعمال اليدوية الشاقة والروتينية ذات الطابع المتكرر والتي استهلكت المزيد من وقت الافراد، فحصلوا على المزيد من التسلية والراحة ومع ذلك فهم يشعرون بأقل قناعة مما في السابق. ويصف روسنبرك ذلك الموقف بقوله:(قبل ان تمكّن الانسان من تطوير ذاته كانت انسانيته في تراجع، وقبل ان يتمكن من بناء عقله كان يتعرض الى الموت، فالحرية وُضعت امامه لكنها انتُزعت بعيدا، فالحياة الغنية والمتغيرة التي يعيشها الفرد اصبحت نمطية، فالتشابه دائما في تزايد حيث اننا اكثر شبها مما كنا في الماضي ونشعر بإحساس عميق بالغربة والاحتباس).

التكنلوجيا وثقافة الجماهير

اذاً من المسؤول عن هذا الموقف المؤسف؟ طبقا لما يراه روسنبرك ان التكنلوجيا هي المتهم الأخير في ذلك. ففي الدول الشيوعية كالاتحاد السوفيتي والدول الرأسمالية كالولايات المتحدة نجد ان تكنلوجيا الاعلام الجديد سمحت بتطوير ثقافة الجماهير، حيث ان الافراد وحين اصبح لديهم مقدار لا بأس به من وقت الفراغ، سارع الاعلام الواسع مثل الراديو والافلام والروايات الشعبية الرخيصة لملء ذلك الفراغ، حيث وفرت المسلسلات التلفزيونية والاذاعية وقصص البوليس السرية والمجلات الشعبية شكلا من التسلية النمطية الرخيصة، وحتى الجامعات التي نجحت في تبسيط علومها وجعلها سهلة الفهم اصبحت من الجامعات الشعبية. لقد كان روسنبرك حادا في نقده للكتب الشعبية المكتملة ذاتيا والتي تعد الناس بتعليمهم المهارات الضرورية لتحقيق النجاح بقليل من الجهد. فهناك سلسلة من الكتب بعنوان (كيف) او (How to) تنصح وتوجه الافراد على كيفية استعمال خيالهم لتوليد طريقة جديدة في فن البيع. فالنجاح لازال شيئا مقدسا لدى المجتمع الامريكي، والمسوقون للثقافة الجماهيرية يقولون بإمكانية ترويجها عبر الاستيعاب السلبي. يرى روسنبرك ان الناس لم يعد امامهم من التحديات كي يفكروا لأنفسهم، واصبحوا بلا حيوية ويسهل استغلالهم، والثقافة الجماهيرية اصبحت تهدد ليس فقط ذائقتنا وانما تدمر احاسسنا وتفتح الطريق امام الاستبداد. اعتقد روسنبرك كغيره ان ظهور الفاشية في المانيا في الثلاثينات كان بسبب كون المانيا ذات مجتمع جماهيري كان فيه هتلر قادرا على استغلال انصياع وسلبية الجماهير عبر الإعلام الواسع.

نظرية ماكدونالد في الثقافة الجماهيرية

اتّبع ماكدونالد اتجاها مشابها لروسنبرك ولكن بشكل اكثر تفصيلا.فقد ميز بين ثقافة العامة والثقافة العالية وثقافة الجماهير.فالفن الفلكلوري folk art هو ثقافة عامة الناس في مجتمعات ما قبل الصناعة، وقد خرج هذا الفن من الأسفل على شكل تعبيرات عفوية للناس خلقوها هم بانفسهم دون الاستعانة بالثقافة العليا لكي تلائم حاجاتهم الخاصة. وثقافة العامة لا تنتج فنا عظيما ولكنها لها بعض المزايا كونها ثقافة اصيلة وحقيقية رغم اساليبها المحدودة، فهي انبثقت من جماعات حقيقية فيها تفاعل الافراد مع بعضهم.

اما الثقافة العليا لم تُعرّف بشكل واضح الا ان ماكدولاند اعتبر معناها الظاهر يكفي للاشارة اليها، وهو يصنف ضمن الثقافة العليا الأعمال الكلاسيكية للفنانين الكبار والموسيقيين والكتاب (مثل ليوناردو دافنشي وبيتهوفن وشكسبير) وكذلك اعمال الفنانين المبدعين في القرن العشرين امثال الرسام بيكاسو والشاعر رامبو والموسيقار سترافنسكي والكاتب جيمس جويس. والثقافة العليا يُنظر اليها كانتاج للاشخاص العظماء الذين بمقدورهم انتاج اعمال تروق للاقلية من الناس الذين يقدرون باعجاب مثل هذه الاعمال.

اما الثقافة الجماهيرية فهي تختلف عن كل من الثقافتين السابقتين فهي تمتلك القليل من المزايا ان وجدت، وهي صُممت لتنال اعجاب ذوي المكانة المتدنية، فلا تحمل صفة التحدي وليس لديها ما تقوله من حيث الاهمية فهي لا تعبر عن ثقافة حقيقية كما تقوم بذلك ثقافة الفلكلور ولا تحقق اي قيمة فنية ذاتية كما تفعل الثقافة العليا، هي ببساطة ثقافة نمطية ذات صبغة تجارية فرضتها شركات الاعمال على الجمهور بهدف تحقيق الربح.

يقول ماكدولاند (الثقافة الجماهيرية فُرضت من الأعلى حيث جرى تصميمها بواسطة التقنيين، وجرى استئجارها من جانب رجال الاعمال، اما المتلقين لها هم من المستهلكين الانفعاليين والسلبيين، حيث ان هؤلاء كانت مشاركتهم مقيّدة بالاختيار بين الشراء او عدمه. والمسوقون لهذه الثقافة انما يستغلون الحاجات الثقافية للجماهير لغرض جني الارباح او لغرض الحفاظ على السيادة الطبقية لهم). الثقافة الجماهيرية مهدت لخلق الدكتاتورية فهي ليست مجرد ثقافة يختارها الفرد وانما هي سيطرة سياسية ايضا.

ماهي مشكلة الثقافة الجماهيرية؟

لماذا اصبحت الثقافة الجماهيرية تشكل مشكلة؟

1- اعتقد ماكدولاند ان الثقافة الرديئة تطرد الثقافة الجيدة.الناس وجدوا ان الثقافة الجماهيرية سهلة الفهم وتأخذ القليل من الجهد الذهني ولذلك فهي قُصد منها تجاهل او إضعاف الثقافة العليا.(انها تهدد الثقافة العليا بسبب انتشارها الواسع وكمياتها الهائلة والمخيفة، فالطبقة العليا التي بدأت باستعمال هذه الثقافة لتوليد النقود من الاذواق السخيفة للجماهير ولكي تسيطر عليهم سياسيا، انتهت لتجد ان ثقافتها الخاصة تتعرض للهجوم بل وللتدمير بنفس الاداة التي طورتها هي بغباء).

2- ان نتيجة ذلك هو ان تقود ثقافة الجماهير الى خلق ثقافة نمطية واحدة.والثقافة العليا سوف تُبتذل وتندمج بشكل مبسط من ثقافة الجماهير، فمثلا، الثقافة العليا للمسرح سوف تُقوّض من جانب الثقافة الجماهيرية للسينما، فالمسرحيات صُممت بطريقة مبسطة في محاولة لبيع حقوق الافلام، فلو كانت المسرحية شديدة التعقيد من حيث صعوبة تحويلها الى فيلم، سوف يصعب تسويقها. ان أشكال الثقافة الجماهيرية كالقصص البوليسية كانت تأخذ اسلوبا ابتكاريا زائفا لكي تبدو ذات اهمية فنية اكثر مما هي عليه في الواقع. لذلك اصبح التمييز بين الثقافة العليا والثقافة الجماهيرية اكثر صعوبة بعدما تحطمت الحدود بينهما.

3- رأى ماكدولاند ان الثقافة الجماهيرية قادت الى تحويل الكبار الى يافعين والاطفال الى بالغين، حيث اكدت البحوث ان البالغين الامريكيين يقرأون بشكل متزايد الرسوم الساخرة في الصحف وكذلك مشاهد العراة، وهم يشاهدون ايضا برامج التلفزيون المخصصة للاطفال. اما الاطفال كان بامكانهم مشاهدة الافلام الموجهة للبالغين سواء في السينما او التلفزيون، ونتيجة ذلك هو خلق حالة من (صبيانية البالغين) ان صح التعبير يصبحون فيها غير قادرين على مسايرة حياة البالغ بدون الهروب الى الثقافة الجماهيرية لغرض التسلية، وكذلك ايجاد اطفال يقظين اكثر من اللازم ينمون بسرعة.

4- والأخطر من ذلك ان الثقافة الجماهيرية تقوّض النسيج الاجتماعي، فهي تخلق مجتمع جماهيري يصبح فيه الافراد ذرات متناهية حين يفقدون التزامهم تجاه الجماعات الصغيرة ويصبحون غير قادرين على التفاعل مع بعضهم بطريقة ناجحة، وبدلا من ذلك يصبح الناس منعزلين يرتبطون فقط بانظمة مركزية ومنظمات كالاعلام الواسع والاحزاب السياسية والشركات. فالفرد الجماهيري هو ذرة منعزلة نمطية لا تختلف عن آلاف وملايين الذرات الاخرى التي تشكل هذا الحشد المهجور(المجتمع الامريكي).

خلاصة آراء مكدولاند

تعتبر آراء مكدولاند من الآراء المتشائمة، فهو لايرى هناك اشارات قوية لبقاء الثقافة العليا.وحتى جهود النخبة من الفنانين والمبدعين هي تحت تهديد خطير من جانب الثقافة الجماهيرية، حيث اصبح الناس تحت طوق شديد من المجتمع الجماهيري والثقافة الجماهيرية بزخمها المتواصل مما احبط رغبتهم في المقاومة تحت تأثير منتجات عدة أجيال من الثقافة الجماهيرية الساذجة. والابطال فقط يستطيعون مقاومة مثل هذا الضغط وهم قلة والمسافة بينهم متباعدة. غير ان مكدولاند لا يرى الموقف ميؤوسا منه بالكامل. فلاتزال ثقافة النخبة رغم ضآلة عددها وتأثيرها قادرة على اضاءة شعلة الثقافة العليا.

نقد نظرية الثقافة الجماهيرية

قام سترانيتي (عام 1995) بتقييم نظرية الثقافة الجماهيرية، وهو في عمله هذا يركز على النقاط التالية:

1- ان نظرية الثقافة الجماهيرية لا تختلف كثيرا عن نظريات النخبة مثل (ليفس) و (ارنولد) كونها فشلت بالاعتراف بامكانية فهم وتفسير واحترام الثقافة الجماهيرية من جانب الجماعات الاخرى الغير نخبوية في المجتمع. وهو يرى ان هذه النظرية تعتمد على افتراضات زائفة حين اعتبرت الجماهير مغفلة ثقافيا تستهلك اي شيء من النفايات القديمة حين تُطرح امامها بواسطة الإعلام الواسع.

ان مستهلكي الثقافة الجماهيرية هم عادة واعون ويرفضون العديد من المنتجات مثل الافلام والبرامج التلفزيونية التي يرونها غير كافية وغير ممتعة. فالمستهلكون هم غير سلبيين ويميزون في اختياراتهم من حيث نوعية المعروض امامهم.

2- لم يقبل سترانيتي بالرأي القائل بامكانية التمييز بين ثقافة فلكلورية اصيلة ومتعالية وثقافة جماهيرية وضيعة. مثال على ذلك الموسيقى التي تتأثر دائما بالتقاليد الموسيقية . فالاصالة لا تقرر عدد المستمعين الذين يتمتعون بالموسيقى، فموسيقى البوب تعطي المشاهد نفس المتعة التي تعطيها اي موسيقى شعبية اخرى.

3- ان نظرية الثقافة الجماهيرية تفترض وجود حدود فاصلة بين الثقافة العليا وثقافة الجماهير ولكن ذلك لم يثبت في الواقع.حيث هناك دائما تداخل واعادة رسم لتلك الحدود ولا يوجد ثبات موضوعي او تاريخي لهما. هذه النظرية هي عمل سياسي بدلا من ان تكون تقييما موضوعيا لمختلف الثقافات، حيث انها تمثل رد فعل النخبويين حين شعروا بالتهديد من جانب النمو المتزايد في الثقافة الشعبية. فالثقافة الشعبية تهدد الترتيب الهيكلي للاذواق لانها تعطي لكل شخص فرصة اختيار ما يراه الافضل بين الكتب او الافلام او الموسيقى او اللوحات الفنية ومثل هذا العمل يضعف القوة الرمزية للمبدعين والمثقفين تجاه معايير الاذواق التي تُطبق على استهلاك المنتجات الثقافية.

يرى سترانيتي ان تلك الحجج غير مقنعة ومن غير المحتمل الاحتفاظ باستمرارية سلطة تلك الحجج في احكامها النخبوية.

 

حاتم حميد محسن

................

الهوامش

(1) وفق هذا المفهوم يُنظر الى ثقافة الجماهير كمصدر قلق للاقليات. اولئك الذين بيدهم السلطة السياسية يعتقدون دائما بضرورة مراقبة ثقافة منْ ليس بيدهم السلطة. الثقافة يُنظر اليها كمؤشر لأشياء اخرى. قادة المجتمع والحكومة جعلوا من اولى مهامهم السيطرة على ثقافة الناس والطريقة التي يتصرفون بها. هم استعملوا هذه كوسيلة لمنع اي معارضة لهم وايضا كوسيلة لترسيخ طرقهم في الاخلاق. الرؤية العامة كانت لو ان الجماهير تطور ثقافة بدون تدخّل او اتجاه مفروض عليها فان ذلك سيقود الى الفوضى (كيف يمكن للناس غير المتعلمين وغير المنضبطين ان يطوروا لوحدهم مجتمعا سلميا متكاملا بشكل جيد؟)

 

محمد كريم الساعديتعد الاعمال الفنية هي الصور التي تميز كل امة عن غيرها من الامم، لإن هذه الاعمال تكشف عن مرحلة مهم في تاريخ كل امة ومدى تطورها وازدهارها ورقيها من خلال رقي ثقافتها سواء كانت في الآداب أو الفنون أو العلوم او غيرها من النشاطات الثقافية المختلفة، وما دُون في كتب التاريخ من اعمال فنية خالدة مَجدت تلك الامم وجعلتها في الحضارات المؤسسة للتاريخ البشري، كما في الحضارات العراقية القديمة،السومرية والبابلية والحضارة المصرية والصينية والهندية . ..الخ . لذلك تركز دور العظماء في التاريخ من الملوك والقادة على تمجيد اعمالهم من خلال الرسوم و الملاحم والاساطير التي كانت مادة ثرة للإبداع البشري سابقاً ولاحقاً .ان تركيز الامبراطوريات القديمة وملوكها واباطرتها على الفن كان ضرورياً لتمجيد افعالهم واعمالهم وكان وسيلة ناجحة في الوصول الى الخلود وما ملحمة كلكامش الا صورة واضحة لذلك الاهتمام وكذلك الرسوم واللقى الاثرية وما رسم عليها وعلى جدران القصور والمعابد صور للانتصارات والقوانين والشرائع كما في مسلة حمورابي وغيرها هذا يؤكد اهتمام الامم السابقة بالفن لتأكيد تميزها على غيرها من الامم الاخرى على اعتبار ان الفن "نشاطاً يهدف الى غايات عقلية ثقافية مميزة تبقى محفورة على جدران الذاكرة الجمعية للامة التي طًورت ادواتها بفعل قدرات ابنائها المبدعين من فنانين وشعراء وادباء وغيرهم في مجالات الحياة المختلفة.

ان الاعمال الفنية التي انتجتها الامم السابقة وحتى في الوقت الحاضر قدمت لنا صور مختلفة ومعبرة عن مجالات متنوعة في الحياة، واختلفت منابع رؤياها بحسب اختلاف المنتج لها لان العمل الفني هو الجهد الفكري المدرب والمنظم والمرتبط بمستوى ثقافة وتربية نمط حياة صاحبه ومنتجه، كما يرتبط مدى نجاحة ومستواه بمستوى الحكم على نجاح ورقي الامة والحضارة التي ينُسب اليها، وبهذا يكون العمل الفني جهداً انسانياً بل هو نمط او محاولة انسانية للتعبير عما يدور في داخل الانسان من مشاعر واحاسيس مختلفة بل هو محاولة البشر لتصوير الايقاع الذي يتلقونه من حقائق الوجود او من تصورهم لحقائق الوجود .

أن العمل الفني يتكون من ثلاث عناصر اساسية يجب ان تتوافر فيه كي يكون صورة نافعة يمكن الاستفادة منها في تفسير الرؤيا الخاصة به، حيث يرى (زكريا ابراهيم) بأن العمل الفني اذا اُريد له ان يكون ضمن المنظور الاستاطيقي سواء كان عملاً تشكيلياً او موسيقية أو غيره فلابد ان نلاحظ وحدته المادية التي تجعل منه موضوعاً حسياً يتصف بالتماسك والانسجام من ناحية، كما ان له مدلوله الباطني الذي يشير الى موضوع خاص ويعبر عن حقيقة روحية من جهة اخرى فلا بد للعمل الفني بنية (مكانية) تعد بمثابة المظهر الحسي الذي يتجلى على نحوه الموضوع الجمالي، كما انه لابد ايضا من بنية (زمانية) تعبر عن حركته الباطنية ومدلوله الروحي بوصفه عملاً انسانياً حياً.

تبعاً لذلك فقد ذهب بعض علماء الجمال الى ا ن ثمة عناصر ثلاثة لابد من ان تدخل في تكوين العمل الفني، الا وهي على التعاقب :المادة والموضوع والتعبير .

تدخل في بناء العمل الفني ثلاث محاور اساسية في تكوين حقيقة العمل الفني سواء كان فردياً او جماعياً وهي :-

اولاً-البناء التشكيلي : الذي يتكون من عناصر اساسية في العمل الفني ومنها الوحدة والانسجام والتناسب والايقاع وهذا البناء التشكيلي له عناصر هي اللون والخط والشكل .

ثانياً- المضمون : الذي يتكون من الموضوع، الفكرة، المحتوى، والهدف.

ثالثاً- الخامة: التي وهي مادة العمل الفني كاللون (الرسم والتصوير)، والصوت (الموسيقى) والحركة (الرقص)، والمادة (النحت والخزف) والممثل والخشبة (المسرح) واللغة المكتوبة والمنطوقة كما في الادب والشعر وايضاً المسرح والسينما.

ان الرؤية الفلسفية (الجمالية) للعمل الفني قد تعددت واختلفت وحسب وجهه نظر الفيلسوف للفن وللعمل الفني وهنا سوف نستعرض بعض اراء الفلاسفة عن حقيقة رؤيتهم للعمل الفني وبمختلف اختصاصاته. حيث يرى (افلاطون) ان الفنون التي لا تحث على الفضيلة وتفسد العقل يجب ان ترفض، لأنها، اي الفنون، يجب ان تطبع بصورة الخير ويعتبر ان القيم الجمالية لابد ان تتوحد مع القيم الاخلاقية . وحسب رؤية افلاطون القيم الاخلاقية هي التي تسود في العمل الفني،واذا لم يحتوي العمل الفني تلك القيم فهو مرفوض، اذن ما هو الوصف الذي يطلق على بعض الاعمال الفنية سواء كانت مسرحية كما في مسرحية اوديب ملكاً الذي يتزوج امه ويقتل اباه، فهل هذا العمل بمكوناته ومضمونه يدعو الى الخطيئة التي استيقنها اوديب متأخراً، اذن فأن نظرة افلاطون للعمل الفني سوف تحيلنا الى تقسيم الاعمال بين اخلاقي ولا اخلاقي بحسب قيم الخير التي توجد في العمل الفني وهذه النظرة الافلاطونية للفن والاعمال الفنية نراها قد تكررت عند (روسو والعدميين الروس) فقد اعُتبر جان جاك روسو قبيل الثورة الفرنسية ان الفن شأنه شأن الصناعة فهو يُدنس الطبيعة، وفي روسيا وجدت جماعة يسمون انفسهم انصار العدمية حملوا على الفن بأسم الثورة حتى ان احد افراد هذه الجماعة وهو (بيساريف) نادى بإنحلال القيم الجمالية لحساب القيم العملية او البراغماتية.

اما ارسطو فرأى العمل الفني مكمل للطبيعة ومقومها لان هكذا اعمال يجسدها الانسان لاستكمال ما يراه غير مكتمل في الطبيعة وهو ما يندرج تحت نظرية المحاكاة الأرسطية التي يفصلها لنا في كتابه فن الشعر والذي يرى بأن فن الشعر قد نشأ في الانسان بفضل غريزة طبيعية فيه هي غريزة المحاكاة. والتي انتجت لنا مفهوم التطهير الذي ينظف النفس البشرية مما علق بها من

ادران من خلال الخوف والشفقة . وهو ما نراه واضحاً في اعمال اسخيلوس (اغاممنون) وسوفوكلس (اوديب ملكاً) ويوربيدس وغيرها من الاعمال المسرحية.

اما افلاطون صاحب النظرة الصوفية للعمل الفني فأنه يرى بأن الفنان "ينقل فكرتة الى المادة، ويعبر من خلال وسط مادي عن ادراكه لحضور المبدأ الالهي للعالم الزماني والمكاني، ولنتأمل ذلك الحجر الذي تحول على يد الفنان الى تمثال، ويكتسب بفضل هذا التحول جمالاً.

وترى مجموعة من الفلاسفة بان الفن والعمل الفني هو متعة ووعظ حيث تزعم هذه الرؤية (عمانوئيل كانط) وقال بها (هيجل) و(كروتشيه) حيث يرى (كانط) ان الربط بين العقل النظري والعقل العملي يأتي من خلال اقامة جسر بينهما عن طريق التجربة الجمالية .اذ يعلن ان عالم الطبيعة و عالم الاخلاقية يتداخل احدهما بالآخر تماماً بحيث ما هو محكوم عليه بالجمال في العالم الاول يثير علاقة سارة بشكل متناسق مع العالم الاخر. وهنا يكون العمل الفني هو الذي يصبح الجسر الذي يربط العقلين العملي والنظري. أي يربط عالم الطبيعة من خلال الشكل بعالم الاخلاق من حيث المضمون لذلك فأن العمل الفني المتمثل في ملحمة كلكامش والذي يروي قصة كلكامش في بحثه عن الخلود يروي لنا شكل المغامرة التي تتضمن الانسان بكل تناقضاته والتي يبدأها كلكامش بالشر والدكتاتورية وينهيها بالعدل وحسن السلوك تضمنت مضموناً بأن الخلود بالأفعال الخيرية لا بالأفعال الشريرة.

ونصل الى نظرة (برغسون) للفن والفنان والعمل الفني، فهو يرى بأن للفن عيناً ميتافيزيقية، ويرى الفنان ذلك الانسان الذي يذهب الى برؤياه ابعد مما يذهب اليه غير الفنانين ويرى في العمل الفني بأنه "كمثل الكون بأسره من حيث هو سمفونية الموسيقار الاعظم- يملك من الجد والاصالة والصيغة الابداعية، ما يجعل من المستحيل على اي عقل كائناً من كان ان يتنبأ سلفاً بما سيكون عليه.

إذن، فأن الرؤية الفلسفية للعمل الفني يمكن ان نحرج منها بما يأتي:

اولاً- تعددت الرؤيا الفلسفية اتجاه العمل الفني بحسب رؤية الفلاسفة لكل من الفن والفنان والعمل الفني وبحسب اهميته ونوعيه تناوله للموضوع وما يمثله من فائدة للبشرية او عكس ذلك.

ثانياً- ان النظرة الفلسفية عند بعض الفلاسفة للعمل الفني لم تكن على اساس عناصره واهميه هذه العناصر للعمل او للمتلقي بل جاءت على اساس ما يفيد به المجتمع البشري، فالبعض من الفلاسفة وعلى رأسهم افلاطون رفضوا العمل الفني ان لم يكن يحتوي على قيم خيرة بل البعض الاخر رأى بأنه لم يكن ملزم للبشرية كما في نظرة العدميين الروس وجان جاك روسو.

ثالثاً- توزعت الرؤيا الفلسفية للعمل الفني حسب انتماء الفيلسوف الى المدرسة الفلسفية واراء فلاسفتها، فكانت هناك رؤية اخلاقية واخرى صوفية وثالثة متعة ووعظ ورابعة رافضة للفن كضرورة وخامسة كونية كما عند برغسون اي خارج عن حدود معرفة الانسان العادي وسادسة تعد بأن العمل الفني هو محاكاة للطبيعة كما عند ارسطو.

رابعاً- من خلال النظريات المتعددة للفن والعمل الفني يستطيع الناقد الواعي ان يميز بين رؤية كل فلسفة للعمل الفني ومكوناته وجنسه وكيفيه تمييز هذه الاجناس والانواع عن بعضها البعض من خلال عناصرها وهيأتها وشكلها ومضمونها وغير ذلك.

 

محمد كريم الساعديأن ظهور أية نظرية وتبلور مفاهيمها بشكل نظري وعملي في أي مجال من المجالات، يجب أن يكون لها الأساس الفكري والجذور التاريخية التي تستند أليها، كي تبرر وجودها بشكل فعلي ومنطقي في الميدان الذي تظهر فيه . و(نظرية التلقي الأدبية Theory of Reception ) التي بدأت بالظهور، ولفتت أنظار الدارسين في الحقل الأدبي، منذ ثلاثينيات القرن العشرين، كانت بفضل الألماني (رومان أنجاردن) الذي قدم، في تلك المرحلة الكتابات الأولى حولها، مستمداً أفكاره وجذوره الفلسفية من الفلسفة (الظاهراتية) (الفينومينولوجيا)، تلك الفلسفة التي أنصب جل اهتمام مؤسسها (هوسرل) على (الوعي بالأشياء) . حيث بدأ (هوسرل)، كسلفه الفيلسوف (رينه ديكارت)، بحثه عن الحقيقة برفضه المؤقت لما أسماه (الاتجاه الطبيعي)، يقول (هوسرل) أنه على الرغم من عدم استطاعتنا التأكد من الوجود المستقل للأشياء، نستطيع التأكد من هيأتها في شعورنا فوراً، سواء أكان ما نعنيه وهماً أم لا . أن الأشياء لا تعتبر لذاتها بل أشياء مفترضة، أو مقصودة بالوعي والإدراك، كل وعي هو وعي بشيء، في عملية التفكير، أدرك أن فكري في هذه الحالة يشير إلى شيء . أن ثمة علاقة داخلية تربط عملية التفكير وموضوع التفكير ويعتمد أحدهما على الأخر . أن شعوري ليس مجرد تسجيل سلبي للعالم ولكنه تصوير له. أن اعتقاد (هوسرل) بأن أدراك الأشياء يأتي من خلال وقوع إدراكنا الحسي عليها، أي عندما تصبح تلك الأشياء ظواهر تثيرنا وتجذب اهتمامنا مكونين لها معانٍ في وعينا، أي يحدث الوعي إذا كان هناك شيء ما يقع عليه الوعي في العالم الخارجي . أن عملية تكوين المعاني في وعي المتلقي تأتي من خلال عملية تفاعلية تحدث داخل وعي المتلقي بين الذات والشيء أو العالم الخارجي، أنه نزوح نحو الأشياء، فالوعي لا يتضمن فقط قطب الأنا(Noese ) النازح نحو الأشياء، ولكنه يمثل أيضاً قطب الشيء (Noeme ) المتفاعلة مع الذات والمكونة لعملية فهم الأشياء، بحيث تنطلق عملية معرفة الشيء من خلال حدس المتلقي المباشر الموجه إلى الشيء . والحدس هنا لا يقوم بالضرورة على العقل والتحليل المنطقي، أنه نوع من المواجهة والمعاناة والإدراك المباشر،فالوعي الظهوري قد يقوم على الإدراك الحسي ولكنه يتخطاه إلى أبعد من ذلك لأنه يترافق بالمعاناة والحدس، بحيث تبرز من خلال علاقتنا بالشيء، معانٍ جديدة ومشاعر ذاتية تبلور فهمنا لطبيعة تلك الأشياء وأدراك جوهرها الاتي عن طريق تفاعلنا معها، وبالتالي تكتمل صور الأشياء من خلال معرفة معانيها ليتحول هذا العالم من حالة الكينونة إلى الظهورة، أي إلى المعنى، إلى الوجود.

ومن أكثر المفاهيم الظاهراتية تأثيراً في نظرية التلقي هما (القصدية) و (التعالي ) . و(القصدية) فيرى (هوسرل) فيها بان الوعي هو دائماً (قصدي intentional ) ولا يعني بالقصدية أنه خاضع للإرادة المتقصدة وإنما يعني بذلك أنه موجه دائماً نحو (موضوع) (object) . وبتفسير أخر، أن تكون دائماً واعياً بشيء ما. أما المفهوم الثاني فهو (التعالي) الذي ينشأ من خلال المعنى الموضوعي بعد ان تكون الظاهرة معنى محضاً في الشعور، أي بعد الارتداد من عالم المحسوسات الخارجية المادية إلى عالم الشعور الداخلي الخالص. وهنا تكون المسألة فردية متعلقة بتكوين المعنى، من خلال خاصية الفهم عند الفرد، أي ما يتعلق بشعوره الخالص المرتد في داخله معنى الأشياء .

إذن فعملية التلقي عند (هوسرل) تنبع من الوعي المقصود بالأشياء وذلك من خلال إدراكها حسياً عن طريق الحدس أو المعرفة المباشرة لها، لترتد من العالم المادي للأشياء إلى عالم الشعور الداخلي للفرد المتقصد في تلقيه لها، ومن خلال ارتباط عملية التفكير بموضوع التفكير تنتج عملية التفاعل التي تحدث داخل الوعي بين قطب الأنا وقطب الشيء، ليتوصل المتلقي إلى تكوين صور الأشياء، وهذه الصور مفترضة في داخل الوعي للأشياء وليست صور الأشياء ذاتها .

وجاء (رومان أنجاردن) الذي يعد من ابرز تلامذة (هوسرل) الذي سخَّر بعض مفاهيم أستاذه وصاغها بالشكل الذي يخدم أهدافه في خلق مفاهيم جديدة تقوم عليها نظرية التلقي لديه، حيث قام بتحويل المنظور والأفكار (الفينومينولوجيا) إلى نظرية واضحة حول الطريقة التي نمر فيها بتجربة العمل الأدبي . وفي تحليل (أنجاردن) ينبع العمل الأدبي إنتاجاً فينا من الأعمال المتقصدة لوعي كاتبه ـ و(المتقصدة) هنا تأتي بمعناها (الفينومينولوجي) بوصفها موجهة نحو موضوع معين . أن هذه الأعمال المتقصدة مسجلة في نص مما يمكن القارئ أن يعيد المرور بتجربة العمل الأدبي في وعيه الخاص . وتجري هذه العملية من خلال معرفة المتلقي بمكونات العمل الأساسية . حيث يرى (أنجاردن) أن العمل الأدبي يتكون من بعدين متميزين، الأول يتكون من أربع طبقات وهي : الطبقة الأولى تضم (المواد الأولية) للأدب، حيث (كلمات، أصوات) والتكوينات اللفظية تنبني فيها والطبقة الثانية تضم جميع وحدات المعنى، سواء كانت كلمات، جملاً أو وحدات مكونة من جمل متعددة، والطبقتان الثالثة والرابعة تتكونان من أهداف مشكلة وأوجه مخططة تظهر من خلال تلك الأهداف .أما البعد الثاني، والذي يطلق عليه بالبعد المؤقت فيضم سياق الجمل والفقرات والفصول التي يتضمنها العمل الأدبي. وبعد ذلك يتم أدراك ماهية العمل الأدبي من قبل المتلقي من خلال تركيب وتشكيل تلك المكونات الأساسية التي يقوم عليها العمل الأدبي، أي عن طريق فكرة تشكيل تلك الطبقات والأبعاد، الهيكل التكويني، فيها أو هي (البنية المخططة) والتي يجب استكمالها من قبل المتلقي، وصولاً إلى المعنى الكامن في العمل الأدبي الذي هو حصيلة التفاعل بين بنية العمل الأدبي وفعل الفهم لدى المتلقي .

إذن فعملية التلقي عند (أنجاردن) هي عملية صياغة تجربة العمل الأدبي مرة أخرى في وعي المتلقي الخاص، وهذه العملية تعتمد على العمل الأدبي باعتباره عملاً متقصداً لوعي كاتبه من جهة وعلى مكونات العمل من جهة أخرى، ومن خلال عملية التفاعل التي تتم بين بنية العمل وفعل الفهم لدى المتلقي ينتج معنى العمل الأدبي في ذهن المتلقي .

أما (هانز جورج غادامير) فقد أسهم إسهاماً مهماً في تدعيم المفاهيم الأساسية للتلقي الأدبي وذلك عن طريق نظرته إلى التأويل وعمل الفهم وإعادة الاعتبار إلى التاريخ في إعادة إنتاج المعنى وبنائه. فقد طرح (غادامير) مفهوم (الأفق التاريخي) كأساس لنظريته التأويلية حيث رأى أن (الأفق التاريخي) لا يكتمل خارج زمانية الكائن التي تسمح باندماج الأفق الحاضر بالأفق الماضي فتعطي للحاضر بعداً يتجاوز المباشرة الآنية ويصلها بالماضي . وتمنح الماضي قيمة حضورية راهنة تجعلها قابلة للفهم، ذلك الفهم الذي تكون لدى المتلقي من خلال اندماج أفقي الماضي والحاضر بحيث أصبحا أفقاً متصلاً ينقل كل ما للماضي من تصورات وأفكار وتقاليد متداولة آنذاك إلى الحاضر، ويجعل من الحاضر يتعدى حاضريته إلى أبعد من ذلك، فالفهم يعني تطبيق الحاضر : الحقيقة متضمنة دائماً في الفهم التاريخي وهي الفكرة حيث التقاليد التي تصل إلينا تتحدث عن الحاضر ويجب أن تفهم ضمن هذا الوسيط . لقد رأى (غادامير) أن المعنى يتكون عند المتلقي عن طريق سلسلة من الترسبات المتعاقبة من حقبة زمنية إلى أخرى، بحيث يستوعب الفهم الأخير الإفهام السابقة ويزيد عليها في الحاضر ، أي أن الطاقة الاستيعابية المتكونة لدى المتلقي للإفهام المتراكمة والمندمجة مع الفهم الأخير هي التي تنتج المعنى . وعملية إنتاج المعنى لا تعتمد على المتلقي (القارئ) فقط ولا على العمل الأدبي (النص)، بل هي عملية مشتركة تأتي عن طريق إنتاج (دمج للأفاق) يجلبه القارئ للنص والنص للقارئ للوصول إلى معنى العمل الأدبي من قبل المتلقي .

إذن فعملية التلقي عند (غادامير)، ضمن مفهوم (الأفق التاريخي) هي عملية اندماجية تفاعلية للأفاق (الماضي، الحاضر) في محيط زمانية المتلقي جاعلة كل أفق امتداد للأخر . مكونة في داخل ذهنية المتلقي فهماً أخيراً مستوعباً لعملية التواصل بين الأفاق المندمجة المكونة لمعنى العمل الأدبي عند المتلقي.

 

الاستاذ الدكتور محمد كريم الساعدي  

 

 

زهير الخويلدي"انه من المستحيل أن ننفي أن الله، في كلامه، لم يضيء في ذات الوقت الكينونة والكائن"1[1].

تناول مارتن هيدجر(1889-1976) عدة قضايا دينية في فلسفته الأنطولوجية تخص مسألة التعالي والصلة بين الإيمان والمعرفة وبين الله والكينونة ومشكل وحدانية الله وتعدد أحواله وقضية حضور الله في الوجود ومشكلة الشر في العالم والتضاد مع وجود الإله المسيحي أم الذهاب إلى ما بعده، ولكنه إضافة إلى ذلك ركز بالخصوص على مطلب مجيء الآلهة ومنزلة منتظر عودة الإلهي والتصالح مع المقدس2[2].

منذ الدروس الأولى التي ألقاها الشاب هيدجر على طلبته في جامعة فرايبورغ في الفترة الفاصلة بين 1919 و1923 وضع الملاحم التي تبدو عليها علاقته بالديانة المسيحية والتي تفرض لونها على كتابه العمدة "الوجود والزمان" وتناول فيها مفاهيم دينية مثل الهبوط déchéance والذنب faute والإثم dette والضمير واللاّأصالة التي تنحدر من الأنثربولوجيا الدينية التي وضعها كل من باسكال وكيركجارد.

لقد أكد هيدجر نفسه القرابة التي تربطه بالتراث الديني واعتبره ليس فقط من بين مصادره الأساسية التي استقى منها العديد من المفاهيم والأفكار والتصورات والمسالك الاستكشافية بل المحدد لمستقبله الفلسفي وهذا ما أعاد تأكيده في مقابلته مع الياباني التي نشرها في كتابه "طريق الكلام"3[3]حيث قام بتثمين الدين.

من هذا المنطلق تعود مصادر هيدجر اللاهوتية سواء نظرنا إلى فلسفته قبل المنعطفKöhler أو بعده إلى القديس أوغسطين وأنجلوس سيليسيوس وباسكال وكيركجارد ولكن الاهتمام المخصص إلى هؤلاء لم يرتقي إلى مستوى الأهمية التي تعامل بها مع كتب كانط وشيلنغ وهيجل ونيشته وكذلك عند عودته إلى الإغريق وخاصة المفكرين ما قبل السقراطيين (بارمنيدس وهرقليطس وأناكسمندر) وأفلاطون وأرسطو.

بيد أن الاهتمام الديني من طرف فيلسوف الكينونة لم يقتصر على العناية بالنصوص الفلسفية للمفكرين اللاهوتيين بل انتقل إلى بذل مجهودات بغية الشروع في تشييد تأويلية للحياة الدينية لدى الكائن البشري.

لقد تحدث مارتن هيدجر في محاضراته بين 1918 و1919 عن الأسس الفلسفية للتصوف الوسيط عند كل من القديس برنار والسيد أكهارت والقديسة تيريزا دافيلا وبعد ذلك أنجز أثناء دروس 1920 و1921 مدخلا إلى فنومينولوجيا الدين جعلها ترتبط بصورة عضوية بمشروعه الفنومينولوجي الذي أداره حول هرمينوطيقا الحياة الحدثية قبل أن يطبقها على أطروحات القديس بول، لكن في سنة 1921 قام بقراءة الكتاب العاشر من الاعترافات للقديس أوغسطين بالأفلاطونية المحدثة عبر إنتاج معنى الحياة الحدثية4[4].

ماهي أشكال فلسفة الدين عند مارتن هيدجر؟ لماذا قام بوضع فنومينولوجيا الحياة الحدثية في مواجهة المسيحية الأصلية؟ وكيف تأثر بصورة أو بأخرى بالتفسيرات التي أنجزها بولتمان على النص الديني؟ وبأي معنى عمد فيلسوف الدازاين إلى التخلص من ظلام الأدغال الدينية عبر الاستضاءة بأنوار العقل؟

تطرح الكلمة الألمانية التي عنون بها هيدجر محاضرته الشهيرةGesamtausgabe مشكلا تأويليا حول الترجمة قد تم التغلب عليه من طرف اللسان الفرنسي بالإشارة إلى أنها تفيد هرمينوطيقا الحياة الحدثية .

إذا كان كل من أوتوOtto ورايناخReinach  قد سبقا الجميع في اقتحام بحار التجربة الدينية من أبواب فنومينولوجية فإن هوسرل يعد الفيلسوف الأول الذي جمع كل هذه المداخل الخاصة في مسلك واحد وأسس المنهجية الفنومينولوجية للدين ومهد الطريق بشكل معمق لمارتن هيدجر من استكمال فنومينولوجيا الدين.

لم يتمكن هيدجر من الدخول بصورة فعلية إلى المجال الديني في درس 1920 وذلك لأن هذا الموضوع بقي مجال للاحتجاجات ومحل تجادل كبير وحقل مليء بالألغام يجدر مجانبة السير فوقه بتوخي الحذر.

لقد سعى هيدجر إلى إنقاذ الفلسفة من مأزقها بالتخلي عن التوجه الجديد الذي سلكه هوسرل نحو جعلها علما بالمعنى الدقيق للكلمة وقام بالفصل التام بينها وبين العلم لما يوجد بينهما من فرق بدئي، وفي المقابل أعاد التفكير في المنهج الذي يمكن أن يلاءم موضوعها بصورة ملموسة ووجد في الفنومينولوجيا ضالته بشرط التوقف عن أن تكون علما وصفيا أولانيا للوعي وتصبح مقاربة تأويلية للحياة بعدما كانت وصفية.

إذا كان هوسرل قد أراد للفلسفة أن تكون علما دقيقا فإن هيدجر قد حرص على منح الفلسفة لوحدها الدقة اللازمة دون العلم الذي اعتبر غير جدير بالثقة وذلك لعجزه عن التفكير وإتقانه لغة الحساب والافتراض.

الدقة الفلسفية هي التي تجعل من بعض العلوم معارف دقيقة ودون الفلسفة تظل العلوم مجرد أبحاث ظنية، وبالتالي تقوم الفلسفة بفهم ذاتها بذاتها وتوضيح مشروعها بالعودة إلى أصلها عند حقل التجربة في الحياة.

عندما تقوم الفلسفة بفهم ذاتها بذاتها فإنها تفهم الحياة في حد ذاتها وتتحول إلى هرمينوطيقيا الحياة الحدثية بالمعنى التكويني الذي يشتغل على توضيح هذا الفهم الذاتي للحياة وبالمعنى الثاني الذي يجعلها تنبثق منها.

من هذا المنطلق تقوم الفلسفة باعتبارها هرمينوطيقا بتوضيح معنى الحياة الحدثية التي تختلف عن الحياة بالمعنى البيولوجي وتلتقي بالحياة التي يعيشها الكائن في وجوده اليومي وتصبح الحياة اليومية أو الراهنة.

إن الأمر يتعلق بالحياة التي هي نحن وتمثل حياتنا بأسرها والتي نحياها نحن أنفسنا بذواتنا وبكل كياننا والتي تشير إلى واحدة من الصفات التي يتميز بها الدازاين كما وقع تعريفها في التحليلية الوجودانية.

من الضروري أن تمتد تجربة الحياة الحدثية لتشمل المعنى التكويني بالنظر إلى أن الحياة هي ما يسمح بالتجريب على شيء معين بأن يقع وأن يستخلص منه ما يراد وفي ذات الوقت ما قد يتعرض للامتحان.

لا يعني فعل التجريب expérimenter في فلسفة هيدجر إحاطة معرفية بمجموعة من الأشياء كما هو الشأن في الفنومينولوجيا عند هوسرل وإنما تتبع حدوث الأشياء ومسار تكونها في تجربة الحياة اليومية.

لقد ظلت فنومينولوجيا هوسرل مجرد نظرية في المعرفة تؤسس التجربة على البعد النظري وعلاقة الذات العارفة بموضوع المعرفة التي تطرحه في الواجهة المقابلة لها والتي يمكن لها أن تقصده بطريقة نزيهة.

إن لفظ Factice في اللغة الفرنسية يعني الشيء غير مطابق مع مفهومه أي الشيء الفاقد للصواب ويفيد الوهم والكذب والخداع وبالتالي يجدر بالترجمة الفرنسية أن تعمل على ابتكار لفظ جديد يعبر عن المفردة الألمانيةFaktich من جهة المعنى المقصود ولقد اخترعت مفاهيم الحدثي facticiel والحدثية facticité.

إذا كان هوسرل قد أقام تعارضا بين علوم الواقع وعلوم الماهية وأسند إلى الفنومينولوجيا وظيفة استخراج الماهيات من الوقائع بواسطة تنويع أولاني فإن هيدجر تعامل مع واقعة الحياة على أنها من الأمور التي لا يمكن التجرد منها، خشية أن يتم إضاعة الحياة نفسها، وبالتالي دعا إلى النظر إلى الحياة في إطار الزمان ومنحها منزلة تاريخية وتند عن كل تجريد يحاول وضع تصورات الحقبة الزمانية بين معقفين (الأيبوخيا).

إن الحياة لا تقبل التفسير إلا إذا كانت ضمن وضعية هرمينوطيقية والفهم الذي تنتجه الحياة حول نفسها هو دائما فهما تاريخيا ولهذا استند هيدجر على مفهوم الحدثية لكي يجعل من الفنومينولوجيا اختصاصا تاريخيا ومن أجل أن تكون تجربة الحياة الحدثية هي ميزة الكيان في العالم بالنسبة إلى الدازاين ضمن تعدد أبعاده.

والحق أن الكيان في العالم يختلف عن القصدية عند هوسرل التي تقتضي وجود ذات عارفة في مواجهة موضوع معرفة خاصة وأن الاستهداف النظري للموضوع بواسطة الذات يفترض صلة مشتقة للموجود.

إن علاقة الدازاين بالعالم هي علاقة قبل نظرية لأن تجربة الحياة تعد أغنى من تجربة تحصيل المعرفة ولذلك تم تعريف تجربة الحياة الحدثية بأنها كلية التموضع الايجابي والسلبي للإنسان في مواجهة العالم.

يبين هيدجر في الوجود والزمان بأن الدازاين بعد الانحدار يعيش غريبا عن نفسه ويهتم بالموجودات في وجوده في العالم وينسى نفسه من حيث هو موجود يقدر على أن يفهم ذاته من حيث هي كيان داخل العالم.

في هذا الإطار يقوم هيدجر باستخراج صعوبة أساسية عند تدقيقه الهرمينوطيقي في فحوى الحياة الحدثية تتمثل في ربط المعنى الذي يمكن إنتاجه حول الحياة الحدثية بالعالم والانحدار الذي تتعرض له الحياة لما تتطابق مع العالم وتصير غير مبالية ومهتمة بنفسها من جهة كونها حياة ومن حيث هي أسلوب في الحياة.

فحوى تجربة عالم الحياة الحدثية تقتضي إنتاج الدلالة بحيث تصبح العالمية هي التحديد الأساسي للعالم.

على خلاف هوسرل، أوضح هيدجر بأن بناء ترابط بالحياة المعيشة لا يستدعي معرفة نظرية ولا يتم عن طريق الإدراك الباطني، وإنما يقتضي أن تفهم الحياة نفسها على المنوال الذي شكلها ضمن إطار العالم ويتيح للدازاين أن تفهم ذاتها بواسطة الأشياء العالمية التي يحولها الفهم الانعكاسي إلى مرايا للنظر الذاتي.

إن العالم الخاص هو ما يسميه هيدجر الشاب الفهم الذاتي من خلال الحياة اليومية بالانطلاق من الراهن وقد ساعده ذلك على تخطي مقولة الكوجيتو وممارسة النقد على الذات العارفة وسحب تعريف الإنسان بكونه وعي بالذات والتخلي عن اعتبار علاقة الذات بذاتها هي علاقة معرفة وعن الأسلوب الذي تتبعه الذات العارفة في دراستها لموضوع المعرفة والرجوع على العلاقة قبل النظرية وقبل المعرفية التي صلها بالعالم والاهتمام بالكائن داخل العالم من حيث هو انشغال بنفسه مع تجاور مع الآخرين واهتمام بالأشياء.

فكيف يستمد معنى الحياة الحدثية عند فيلسوف الغابة الدكناء والجسر الخشبي من طلب السؤال وضياع الحيرة والانشغال بالعالم وذلك ليس من جهة المعرفة ومن طريق النظرية وانما بالتعلق والاهتمام بالذات؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

.......................

الاحالات والهوامش:

[1] Emiloi Brito, sieworth et le problème de dieu chez Heidegger, in Revue philosophique de Louvain, année 1997, 95-02, pp2979-297.

[2] Voir Philippe Capelle, le divin et le dieu chez Martin Heidegger, in les philosophe et la question de dieux, editions PUF, Paris, 2006, 424p.

[3] Pinat (Etienne), Heidegger : Phénomenologie de la vie religieuse,Lien : : http://www.actu-philosophia.com/spip.php?article398,

[4]   Serban, C. (2015). ‪La Phénoménologie de la vie religieuse du jeune Heidegger : une mise en perspective‪. Archives de sciences sociales des religions, 171,(3), 213-230. https://www.cairn.info/revue-archives-de-sciences-sociales-des-religions-2015-3-page-213.htm.

 

 

محمد كريم الساعدييشكل الجسد كمفهوم ما بعد كولونيالي جزءاً مهماً في الرد الثقافي للمفاهيم الكولونيالية، التي أخذت بتأكيد تطبيقاتها مع استخدام الوسائل المتاحة التي أوجدها الإستعمار بصورة عامة والإستعمار الثقافي بصورة خاصة، لذا فأن الجسد في هذه الدراسات أصبح يشكل مساحة لدراسة التعارضات بين الخطابين الكولونيالي وما بعده في هذا المجال، وهنا أصبح لمفهوم التمثيل بعد آخر عن سابقه في الإجراءات ما بعد الكولونيالية، لذا فإن لفضة الجسد كانت محورية للخطابين الكولونيالي بأنواعه المختلفة فقد جاء في الكثير من كتابات ما بعد الكولونيالية في الأزمنة الحديثة أن الجسد مكان حيوي للنقش فالطريقة التي ينظر بها الناس تتحكم في الطريقة التي يتعاملون بها والإختلافات الجسمانية كمكان للتمثيل والسيطرة محورية لدى الكثير من المحللين الأوائل لتجربة ما بعد الكولونيالية لا سيما فرانز فانون   (1961)، الذي نظر للعودة الى الجذور التاريخية للثقافة الأفريقية التي كان الجسد ذات البشرة السمراء محور الطقوس فيها رافضاً لثنائية التعامل بين الجسدين الأبيض الأوربي والأسود الافريقي، من خلال رفض العنصرية التي كانت تروج بشكل مباشر ومكثف في لغة التعامل بين اللونين والتي تنتج عنها مفهوم الإستلاب، أو عقدة النقص المتشكلة في نفسانية الشعوب الافريقية والمنعكسة في سلوكيتهم وأفعالهم تجاه المركز الأوربي، لذلك تحول هذا الجسد الأفريقي الى خادم لدى السيد الأبيض، بل كان يمارس الأعمال التي لا يطيقها البشر بل تقترب من الحيوانية، وكذلك ما نظر له كل من (أيمي سيزار والبير ميمي) في مفهوم (الزنوجة) للدفاع عن حقوق الأجساد الأفريقية المضطهدة من قبل العقل الكولونيالي، هذا العقل الذي اخترع شكل الجسد المستعَمر من خلال مواقف عنصرية وإستلاب الوعي الثقافي للشعوب التي وقعت تحت سلطة الأستعمار .إن هذه الصورة من التعامل والأستلاب عُممت على أغلب الشعوب التي وقعت تحت السيطرة الكولونيالية سواء في أفريقيا، أو أمريكا اللاتينية والشرق الادنى، أو المتوسط وغيرها من المساحات الجغرافية الواسعة التي خضعت للفكر الكولونيالي .

إنَّ الأعتماد على مبدأ المفاضلة بين الشعوب وبين الأجساد وحسب الأستجابة للخضوع جعلت من عملية تدوين الثقافة الكولونيالية قابلة للتحقق في أوقات معينة مقابل الرد في أوقات اخرى تجاه السياسات الكولونيالية للمستعمر التي قد قسمت العالم الى نوعين من السلوكيات والأفعال، أي الى عرقين من الأجساد وإذا ما أخذنا تصور كل من (ماكس هوركهايمر وثيودور ف . أدرنو) في كتاب (جدل التنوير) في حقل (أهمية الجسد) : ثمة عرقان في الطبيعة ؛ عرق أعلى وعرق أدنى، وتحرر الفرد الأوربي يتم بالعلاقة مع التحول الثقافي في العالم الذي حفر بعمق الحفرة بين الشعوب المحررة في وقت كان الأكرة الجسدي اخذ بالتقلص. فالجسد المضطهد يجب أن يمثل الشر بالنسبة للأدنى، والعقل الذي كان على الآخرين الوقت الكامل لتخصيصه له، يمثل الخير الأعلى. إن تصورهما يمكن أن يطبق على النظرة الكولونيالية الكونية للشعوب على وفق تقسيمات العقل القائد والجسد التابع، العقل الذي يمثل الطابع الأوربي الغربي في التقدم والحضارة والجسد التابع الذي يمثل الأنحطاط والخضوع والتبعية الى السيد مقابل العبد الأدنى الذي لا يفقه شيء من الحضارة الانسانية التي أوجدها السيد الاوربي صاحب الإنجازات الكبيرة، وهنا يضع (فوكو) تصوره عن الطريقتين لصورة الجسد في كلا الجانبين وهذا التصور يأخذ في النظر الجسد في حقبة الخضوع، أي أن الجسد يصبح ساحة للصراع بين الخطابين وكل خطاب منهم يعطيه (فوكو) طريقته الخاصة الطريقة الأولى هي طريقة السلطة على الأجساد: أن لعلاقات السلطة نفوذاً مباشراً على [الجسد] بحيث تستثمره وتقنعه وتروضه وتعذبه وتجبره على تنفيذ الواجبات وعلى أقامت الطقوس وعلى إرسال علامات الطريقة الثانية للسلطة هي سلطة الجسد قوة الإرادة والرغبة لديه، فاذا كانت سلطة الجسد تعارض السلطة على الأجساد فأنها بذلك تمثل مصدر كل ثورة ، وكل رد على الطريقة الأولى، أي على فعاليات وسلوكيات الإكراه التي تمارسها السلطة على الأجساد وهاتان الطريقتان توضحان اليات الخضوع والرد عليه التي يمكن أن نطبقها على الخطابين الكولونيالي وما بعده، اللذان أتخذ كل منهما الجسد مساحة للصراع وحيز لترجمة الأفعال في ساحته المعرفية وخصوصاً اذا فهمنا أن الجسد هو النص، أو العرض، أو المشروع الذي يدون عليه، وفيه، ومن خلاله كل الرغبات سواء كانت رغبة السلطة الكولونيالية، أو رغبة الأنفلات منها تجاه فضاءات معرفية لا تعرف الخضوع والتبعية للمركز، بل تأخذ في نظرها البحث عن أحقية الهامش في تجسيد ذاته والبوح عن مكنوناته في أزمنة الأنفتاح على اكثر من ثقافة لذلك فان سلطة الجسد مقابل السلطة على الجسد هي التعبير الأمثل لهذا الصراع .

إنَّ البحث في آليات الرد في حيز ثقافي للجسد لا بد من النظر والبحث والحفر في الحوادث التي سطرت على الخارطة المكانية للجسد وما يمكن أن تعكسه من ملامح وعلامات جديدة من خلال الأفعال التي تمارس في ضوء الضد الثقافي لتلك الحوادث التي سطرت بشكل قسري ساهم في إبراز ملامح الخضوع والتبعية في مجال الخطاب الاول (الكولونيالي)، ومن هنا يمكن أن نعثر فوق الجسد على أثار الحوادث الماضية لأن الرغبات والإخفاقات منه تتولد، وفيه تنعقد عراها   الجسد مسافة لتسجل الحوادث، التي تحاول أن تشكل صورة الأجساد وطبيعتها في ظل الصراع بين الرغبة وبين الخضوع، بين أمل التواصل وبين خوف الخروج من تلك الحوادث التي أصبحت ترسم ملامح الخوف وتقولب في إطار ما رسم لها في الظهور وأبعاد الرغبات المتخفية، لذلك يدعو (فوكو) في ضوء آليات الرد على مفهوم المقاومة للقولبة التي وضع فيها الجسد وما ترتكز عليه السلطة من أفعال في إخضاعه، فهو يرى بأن العملية في الرد تحتاج الى أن تقوم على أسلوب بحث مغاير لما وضعته السلطة في هذا المجال، أي مجال التخضيع للأجساد، وهذا الأسلوب القائم على الرد من خلال إعتماد أشكال مقاومة مختلفة لأنواع السلطة كنقطة انطلاق، أو باستعمالها لتشبيه آخر نقول إنه يعتمد على أستخدام المقاومة باعتبارها حافزاً يسمح بتوضيح العلاقات السلطوية وتوضيح موضع إندراجها واكتشافها نقاط أرتكازها، والطرائق التي تستخدمها، يستطيع الفرد بنظر (فوكو) على تشكيل ذاتياته بمعزل عن كل سلطة، ومن ثمة فهو قادر على التخلص من هيمنتها وهنا يكون الخلاص بالمقاومة لأساليبها بعد أن يستطيع تفكيك أهدافها ونواياها التي رسمت على الجسد، فمثلاً يعد في حاضرنا اليوم من ضمن آليات الهيمنة التي تمارس على الجسد في طريقة الملبس، أو التقليد لبعض ما يروج في إطار الثقافة العالمية، وما يقدم من خلالها من وسائل إخضاع على الجسد سواء كانت بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، فمثلاً وسائل الإتصال الحديثة وما أتت به الحضارة الغربية التي تعمل على إكمال مشروعها في الهيمنة وإخضاع الآخر عمدت على أن تجعل الاجساد تعيش في حالة عزلة عن ممارسة الطقوس الحياتية القائمة على التواصل اليومي بين افراد العائلة الواحدة او بين ابناء المجتمع في القرية أو المدن الصغيرة، وجعلت هذه الاجساد تحاكي العالم الافتراضي الذي بدأ يبتعد بهذا الجسد شيئاً فشيئاً عن وجوده المادي وتأثيره في الحياة الاجتماعية والأخلاقية، وهذه واحدة من أساليب الهيمنة التي تمارس ضد الجسد وإذا رجعنا الى الوراء سنلاحظ أن العديد من أساليب الهيمنة قد مورست ضد الأجساد الخاضعة بحجة الثقافة والتنوير والخروج عن عالم الخرافة السحر الذي كان غارقاً فيه الشرق، كما روجت له السياسات الكولونيالية التي مارسها المستشرق، أو الفيلسوف، أو المفكر الغربي تماشياً مع المساحات الكافية التي وفرت له، والمتزامنة مع السلطات المحتلة المستعرة للشعوب، والتي فرضت شكل التعليم والصحة والأقتصاد، وحتى ما يجب أن يقرأ على المستوى الأدبي كي يكوّن ملامح هذا الجسد يقع ضمن الحضارة العالمية، وفي هذا المضمون يوضح (نغوجي واثيونغو) كيف كانت تمارس سياسة التمييز الكولونيالي في التعليم، والتمييز الذي يمنح للجسد الافريقي الذي كان يتقن اللغة الكولونيالية لغة الثقافة العالمية وهي الانكليزية، وهنا يروي كيف كان يتم القبول في الجامعات على هذا الأساس، إذ يقول؛ أن متطلبات القبول في الجامعة في كلية (ماكير يري) الجامعية فتكاد تكون مثل السابقة : لا أحد باستطاعته ان يرتدي عباءة الطالب الحمراء مهما كان متفوقاً في المواد الاخرى إلا اذا كان لديه امتياز في اللغة الانكليزية، وليس مجرد مقبول ! وهكذا كان ارقى مكان في الهرم والنظام مقصوراً على من يحملون بطاقة إمتياز في اللغة الانكليزية، كانت الإنكليزية الواسطة الرسمية والوصفة السحرية للنخبة الكولونيالية . صارت اللغة المسيطرة تقرر الدراسة الادبية وتعزز السيطرة وتجعل من الجسد الذي يرتدي العباءة الحمراء والذي يحمل الفكر الكولونيالي وعلى ضوئه تسير كل الأمور الأخرى مثل السلوك والأفعال والأكل والشرب، وطريقة التعامل وكل هذه العلاقات وغيرها ستجعل من الجسد في هذه الجامعات في (كينيا) في القارة السمراء تقع تحت بند الخضوع للثقافة الجديدة مقابل التخلي عن الثقافة الأصلانية، أي كان بالإمكان أن يمد السيد الكولونيالي يده لمساعدة الشعوب الفقيرة، أو التي تحتاج الى تطور دون أن يسلبها انتماءها الى الأرض التي عاشوا فيها، لكنه أراد أن يسلب الشعوب انتماءاتها وإبعادها عن إرثها وتاريخها مقابل أن يكون جزءاً من الثقافة الجديدة، وهذه السياسة مورست أيضاً في أرجاء أخرى من العالم تحت نفس الحجج والمسوغات من أجل التغيير والدمج في الحضارة الجديدة، فالسلطات الكولونيالية هي من عملت وتعاملت على صناعة القوالب الأخرى للأجساد والبحث في المختلفات والمغايرات في هذه الأجساد، هي من صياغة الدراسات ما بعد الكولونيالية، أي هي جزء من حفريات بما في هذه الأجساد من صناعة لهذه الاجساد على اعتبار أن السلطة صنع وإعادة صنع جسدي، ولنكون أكثر وضوحاً نقول أن السلطة هي فن صناعة الاجساد فلولا هذه الاجساد ما كان يمكن أن يكون للسلطة حضور في الخارطة الثقافية للبلد الذي وقع تحت سلطتها وبخاصة السلطة الكولونيالية التي عملت على ترويض الأجساد للشعوب المستعمرة , إنَّ هذه القوالب المادية المبنية على أفكار ليست بالواقعية بل هي مصممة في أماكن أخرى مثل ما نعيشه اليوم من استيراد ثقافات في كل الأشياء من مأكل وملبس وترفيه، وكل هذا مدعوم بالتكنولوجيا وماكنة إعلامية ضخمة التي اصبحت حكراً على أمم مصنعة لها مقابل أمم مستهلكة لا تستطيع أن تخرج من هذه الدائرة، كون كلمة السر لا يمكن أن يمتلكها الهامش حتى يصبح مركزاً منافساً للمركز الكولونيالي، وتعمل السلطة الكولونيالية على تكييف هذه الأجساد، وكما يرى (فوكو) أن السلطة تعمل على أن تجعل من الجسد الصورة المقابلة الى تبريز خطاباتها وسياساتها من خلال ممارستها عليه وضبطه من كل انحراف تعتقد بأنه خارج خطاباتها وهو بذلك يكون الحد النهائي للتكييف وتطبيق هذا التكيف بحسب تداول علاقات القوة تجاه وضعه في أنظمة من الهيمنة والسيطرة .

 

الاستاذ الدكتور محمد كريم الساعدي

 

 

محمد كريم الساعديلقد تأثر (سعيد) في كتاباته ما بعد الكولونيالية بمفكرين غربيين، هما (ميشيل فوكو) و(انطونيو غرامشي)، إذ كان لـ (فوكو) تأثيراً أكبر على (سعيد) وبخاصة في مفاهيم (الخطاب والسلطة والمعرفة والتمثيل والجسد)، بينما انحصر تأثير (غرامشي) في مفهوم (الهيمنة) فقط.

ان نقطة بداية التلاقي بين افكار(فوكو) و(سعيد) تعود الى نظرتهما الى مفهوم الخطاب السلطوي الغربي،إذ يراه (فوكو): سلسلة من الإجراءات الداخلية (في داخل الفكر والمجتمع الغربي) وطريقة الممارسة التي شكلت خطابات السلطة وما تخفيها من ممارسات ضد الآخر في داخل مجتمعات المؤسسة الغربية ذاتها، اما (سعيد) فيركز على الخطاب السلطوي الغربية ممارساتها الإيديولوجية ضد الآخر، ويوظف آليات الخطاب عند (فوكو) في دراسة الظاهرة (الإستشراقية) بوصفها نوعاً من أنواع الخطاب الذي بنته المؤسسة الثقافية والسياسية المهيمنة في الغرب لإيجاد بعد ثقافي وأخلاقي لحركات التوسع العسكري الاستعماري، واحتلال أجزاء واسعة في قارة أفريقيا وقارة أسيا. ويتفق (سعيد) مع (فوكو) إن للسياق التاريخي والاجتماعي والحضاري أثراً كبيراً على النص وعلى قدرته في توليد المعنى في كشف للخطاب الكولونيالي الغربي.

إن مفهوم الخطاب عند (فوكو) يرتبط بطريقة فعالة بالذات المؤسسة وتكون هذه العلاقة هي ما يمكن أن تحدد آليات بنائه وتطبيقاته والتحكم في طرق تنفيذه، وكلما كانت الذات المؤسسة تمتلك معرفة جديدة عن الآخر،كلما كانت صياغة آليات الخطاب أفضل وأكثر فعالية، وذلك لأنها الجهة القادرة على أن تنشط وتحفز بصورة مباشرة الأشكال الفارغة للغة، وأن تزودها بمقاصدها، فالذات المؤسسة، وهي تخترق سمك أو جمود الأشياء الفارغة، هي التي تلتقط عبر الحدس، المعنى الموضوع فيها، وهي أيضاً التي تؤسس – خارج الزمن – آفاقاً من الدلالات لا يكون على التاريخ فيما بعد سوى أن يقوم بتوضيحها، آفاقاً من الدلالات تعثر فيها القضايا والعلوم والمجموعات الاستدلالية، في النهاية، على أساسها. أن الذات المؤسسة في علاقتها بالمعنى، تتوفر على رموز وإشارات وآثار وحروف، لكنها ليست في حاجة لان تمر عبر الهيئة الخاصة بالخطاب لكي تظهرها . ومن ثمَّ فان الذات المؤسسة عبر خطاباتها سوف تكّون المقولات الخاصة بها ونظامها الذي يميز ممارستها ضد جماعة ما.

إن الخطاب عند (فوكو) يأخذ بعده المعرفي إذا تحدد بأربعة مبادئ أساسية، تكون هي الإطار الذي يتحدد من خلاله الخطاب وهي كالآتي :-

1. مبدأ القلب :- التعرف على منبع الخطاب.

2. مبدأ عدم اتصال:- أن تكون هناك انساق للتقليل من الخطابات، أي ليس فوق الخطاب خطابات أو وراءه خطاب كبير متصل وصامت يسوده.

3. مبدأ الخصوصية:- يعني ألا نذيب الخطاب في لعبة دلالات مسبقة.

4. مبدأ الخارجية:- أي لا ننطلق من الخطاب نحو نواته الداخلية والمخفية، بل نذهب انطلاقاً من الخطاب نفسه، وانطلاقاً من ظهوره وانتظامه.

ومن هذه المبادئ الاربعة عند (فوكو) يتمظهر الخطاب بشكل أساسي في مفهوم السلطة لديه، فهي التي تمارسه على الآخر، وهي التي تعطيه مبررات وجوده، لذلك لم يكن مفهوم السلطة لديه مفهوماً عابراً بل هو مفهوم يأخذ فعله وأثره في تنفيذ وتفعيل الخطاب في الوسط المعني، وارتباطه بفعلها الزماني والمكاني بالأفراد والجماعات بل وحتى في مفردات الحياة اليومية، فالسلطة عند (فوكو) صيغة للفعل لا تمارس تأثيرها مباشرة وفورية على الآخرين، أنها بدلاً من ذلك تمارس تأثيرها على أفعالهم، على أفعال موجودة، أو على تلك التي تبرز في الحاضر أو المستقبل.

لقد وظف (سعيد) مفهوم آخر استقاه من (فوكو)،وهو مفهوم (التمثيل)،الذي يحدد فيها آلية ظهور الأحداث في الخطابات، أي أن أي نوع من الأحداث التي تظهر في خطاب ما، سواء كانت واقعية أو متخيلة مثلاً، كما هي صورة الأوصاف التي أطلقت على الآخر الشرقي في الخطاب الغربي، وحتى في نتاجاته الأدبية ستكون جزءاً من آليات التعامل مع المواقع وتوجيهه على وفق الخطاب المعني، إذ إن نظام التمثيل تتجلى فيه الأحداث في الخطابات بكل أشكالها، فمعلوم بأنه لا توجد أحداث مجردة، إنما الأحداث الواقعية (التاريخية) منها أو المتخيلة (الأدبية) تظهر في سياق خطاب، تعمل استراتيجياته على التحكم في نوع الحدث، وتظهره طبقاً لسلسلة متكاملة من التغيرات الثقافية الخاضعة لذلك السياق الخطابي وتوجهاته على صعيد آليات فرض صيغة في أوقات معينة ضمن دائرة عملية توظيف خاضعة لتوجيهات السلطة.

ويتبنى (سعيد) مفهوم آخر من (فوكو) هو مفهوم (الجسد)، إذ يرى فيه أن السلطة توظف هذا المفهوم من خلال الاستحواذ عليه وجعل خطابها ينفذ فيه، فالجسد يعد وسيطاً بين عالمي السلطة وخطابها، وكذلك يكون حاملاً لخطاباتها، فالجسد عند (فوكو) مجال لـإنتاج النظام والانتظام، ووطن ممارسة السلطة سلطاتها عبر تكنولوجيا لغوية (الخطاب). يمكننا القول أن السلطة تكتب نصها بالخطاب على صحيفة الجسد فهي تحظر من حيث تغيب إن آليات الخطاب وآليات الجسد تسير وفق منطق علاقات قوى، فيتحول الجسد إلى وسيط ويتحول الخطاب إلى مراقب تمكنه السلطة المحايثة له والمبثوثة من ترويض كل شيء والسيطرة على كل شيء، نظام التعليم، نظام الكتابة، نظام القضاء، نظام الطب... الخ.

يظهر مفهوم الخطاب الكولونيالي الذي تمارسه السلطة الإمبريالية ضد الشعوب، والذي يظهر على الممارسات الجسدية للشعوب المقهورة بفعل الاستعمار الثقافي وما يفرض عليها من أنظمة التعليم والكتابة والقضاء وغيرها، ويأتي الرد على هذه الممارسات السلطوية عن طريق الرفض والمقاومة لتلك الممارسات، إذ تدخل معها في ثلاثة اشكال من الصراع : صراع ضد الهيمنة الثقافية التي تدعو الى الغاء الثقافة الاصلية للشعوب، وصراع ضد الاستغلال بحجة التثقيف وتغيير الاحوال الثقافية والاقتصادية وغيرها، مما يجعل طرق الاستغلال قادرة على تسيير ارادة الآخر في منحى التغيير الثقافي الكولونيالي لصالح المستعمر، وصراع ضد الخضوع والخنوع الذي يجبر الشعوب الى الاستسلام الثقافي لهذا الخطاب.

أما مفهوم (الهيمنة) الواردة في مؤلفات (سعيد) ولاسيما في (الإستشراق) فقد أخذه عن (غرامشي) الذي ميز بين تصورين عن المجتمع الغربي في دراساته الاجتماعية. إذ يرى (غرامشي) أن المجتمع ينقسم الى قسمين : مجتمع مدني تدخل في تكوينه المؤسسات المعنية بالعمل المجتمعي، أي خارج نطاق عمل الدولة مثل النقابات والعائلات والمدارس وممارساته عقلانية غير قسرية. والثاني المجتمع السياسي وهو تشكيل مؤسساتي تشرف عليه الدولة مثل أجهزة المجتمع ويلعب دوراً مهماً في السيطرة المباشرة على المجتمع الأول من خلال ما يراه (غرامشي) بأسلوب (التسلط)، والتأثير في الأفكار لصياغة صورة الدولة على أفرادها في الداخل ونقل هذه الصورة إلى الخارج أيضاً، والمفهوم (التسلط) ومن ضمنه التسلط الثقافي هو ما يمنح الإستشراق متانته وقوته في جعل شكل الفكر الغربي هو المهيمن في داخل المجتمع الغربي وخارجه.

إن مفهوم الهيمنة عند (غرامشي) يأخذ أبعاد اجتماعية وسياسية وأخلاقية تمارس ضد الأخر من خلال التفوق الذي تحققه الطبقة المتحكمة في قيادة المجتمع والذي يبدأ في مسارين مختلفين : (السيطرة Domino) أو (القسر) والقيادة الفكرية والأخلاقية (Intellectual Moral Direction) ويشكل هذا الأخير من السيطرة والهيمنة والتحكم الاجتماعي، وبمعنى آخر، ينقسم هذا النوع إلى شكين أساسيين : فبجانب تأثيره على السلوك والاختيار خارجياً بواسطة الثواب والعقاب، فهو مؤثر داخلياً أيضاً، وذلك بواسطة صياغة للقناعات الشخصية وفي نسخة مطابقة للعبادات السائدة، وينطلق مثل هذا التحكم الداخلي من الهيمنة.

يرى (سعيد) في مفهوم الهيمنة عند (غرامشي) من خلال التاريخ الاجتماعي والواقع الذي يعيشه أبناء الجنوب في ايطاليا في ضوء التمايز الذي يقعون فيه نتيجة للسياسات والقوى الاقتصادية الشمالية فيها، وتأثير هذه السياسات على الطبقات الاجتماعية في الجنوب، وذلك من خلال تشكيلات ثقافية متمايزة، حيث قدم (غرامشي) انموذجاً جغرافياً فيه التمايز الثقافي الذي يعالجه عن طريق ربط الشمال والجنوب من خلال تنظيم ثقافي يدعو فيه إلى عدم تمييز الجنوب بوصفه إقليماً متخلفاً من ايطاليا، وهنا يحاول سعيد أن يوظف مفهوم الهيمنة الثقافية والجغرافية في فهم الخطاب الكولونيالي الذي طبق على جغرافيا المستعمرات.

لقد طور (سعيد) عمله في نقد الخطاب الكولونيالي وتفكيكه من خلال إيجاد منظومة من المفاهيم التي وظفها في دراساته للإسشراق الغربي، حيث وضع مجموعة من المحاور التي تناول فيها هذه المفاهيم في دراسة ظاهرة الإستشراق وصورة الشرق فيها، فقد حدد (سعيد) أصول الإستشراق في أربعة محاور، هي :

1) الامتداد الامبريالي الغربي وسلطة الخطاب الكولونيالي في الشرق.

2) التفاعل والاقتحام التاريخي.

3) الأنا أو الذات المفكرة والمستعمرة.

4) الآخر الكسول أو الشرير أو البربري.

إن الامتداد الامبريالي الغربي اتخذ من الخطاب الثقافي الكولونيالي مبدأ أساسياً في الظهور الثقافي والسياسي والاجتماعي في الشرق، حيث عمل (سعيد) من خلال مناقشته للإستشراق والثقافة الامبريالية على مناقشة الامتداد الكولونيالي الغربي في الشرق من خلال ما قدمه المستشرقين من صورة منحازة للعقل الغربي وحضارته، كذلك حرص سعيد في (الإستشراق) على النظر إلى المعرفة كلحظة من لحظات السلطة، فالمعرفة ليست، في نظره، محض وعي بارد بالعالم، بل هي تكييف للعالم، وإخضاعه، وإعادة بنائه، وإذا كانت هناك آليتان في عمل المعرفة الأولى نظرية ويعبر عنها ميل المعرفة إلى أن تكون نسقاً من التصورات أو التمثلات للعالم والأشياء، وتعبيراً رمزياً عنها، والثانية عملية، ويعبر عنها ميلها إلى التعبير عن آلية الإرادة فيها، من حيث الإخضاع والتكييف ذروة الإفصاح عن تلك الإرادة التي استطاع من خلالها الاستعمار بخطابه الكولونيالي وامتداده الامبريالي أن يوظف المعرفة لخدمة أهدافه في الشرق.

اما ثنائية (الأنا والآخر) وصفات كل منهما لم تأتِ مع الامتداد الامبريالي، بل هي صفات قديمة جاءت نتيجة للصراع الثقافي بين قطبي العالم القديم وما بعده، من المكونات العالمية التي أخذت بالظهور بحسب قوة كل قطب على الآخر، لكن هذه الثنائية تكونت بشكل مميز في بنية (الاستشراق) من خلال ما علق في تسمية الآخر العديد من الصفات التي يراد بها أن تكون صورة مركزة في الوعي الإستشراقي خاصة، كطابع إيديولوجي، وفي الوعي الغربي عامة، حتى تتحول كمفهوم أساسي في اللاوعي عند ابناء المجتمعات الغربية فيما بعد. لذلك يتأسس مفهوم الآخر بالنسبة للذهنية الغربية على مفهوم (الجوهر)، أي إن ثمة سمة أساسية جوهرية تحدد (الذات) مما يجعل الآخر مختلفاً عنها، وبالتالي لا ينتمي إلى نظامها.

إن سوء (التمثيل) بحسب رأى (سعيد) اوجد مفهوماً ثانياً يقوم عليه التمثيل، هو (الجغرافيا التخيلية أو المتخيلة)، اي الأرضية المفترضة التي وقع عليها بناء صورة الآخر الشرقي في الذهنية الغربية وفي خطابه الكولونيالي وحتى في الثقافة الداخلية للشعوب الغربية، حيث درسه سعيد هذا المفهوم من خلال وجهات نظر ثلاث (فلسفية ونفسية وبلاغية) مستعرضاً لعدد من الأحداث التي تؤيد وجود المفهوم في الذهنية الغربية بامتداداتها التاريخية والأدبية والفكرية، ففي المجال التاريخي يقرنها بصورة الصراع التاريخي الممتد بين الشرق والغرب في ساحات المواجهة بين الطرفين، أما في المجال الفكري فالنتاج الإستشراقي وما قدم فيه من إشارات كثير على هذه المساحات المتخيلة المبنية على صور لا حقيقية عن الشرق. ويرى في وجهات النظر الثلاثة، بأن الاستشراق في صورته الفلسفية نمط اللغة أو الفكر أو الرؤيا التي ما زالت أسميها في هذا البحث بصورة عامة جداً الاستشراق، هو شكل من أشكال الواقعية الجذرية (الراديكالية). وأي أمرئ يستخدم الاستشراق وهو عادة معالجة أسئلة، أو أشياء، أو خصائص، أو أقاليم اعتبرت شرقية، يخصص، ويسمى، ويثبت، ويشر إلى ما يتحدث عنه، أو ما يفكر به، بلفظه أو بعبارة يرى فيما بعد إنها (اكتسبت طبيعة الواقع أو ببساطة أشد، أصبحت عين الواقع. الذي يفهم من خلاله الشرق، وفي الإستشراق هناك العديد من الأشياء التي حفلت بها هذه الدراسات والتي لم تقتصر على الجانب الوصفي الذي كان يقدمه المستشرقين عن ما يشاهدونه، بل أيضاً كانت هنالك صور تؤلف عن الشرق في داخل المجتمع الغربي ذاته كما ذكر الباحث عن (الرسائل الفارسية) التي ألفها (مونتسكيو)، وكذلك في شخصية (عطيل) (لشكسبير) الذي يتناولها الباحث في المبحث الثاني والتي أصبحت صورة تمثل الفرد (المغربي) العربي وما حمل من أوصاف في دراسات عن هذه الشخصية. أما في وجهة النظر البلاغية، هو بشكل مطلق تشريحي وتعدادي، واستخدام مفرداته، هو الاشتغال بتخصيص الأشياء الشرقية بدقة، وتقسيمها إلى أجزاء تسهل السيطرة عليها، أما نفسياً، فان الإستشراق شكل من أشكال العصاب التوهمي (بارانويا) ومعرفة من نمط آخر مختلف – على سبيل المثال – عن المعرفة التاريخية العادية، وهذه في اعتقادي، بضع من النتائج التي تؤدي إليها الجغرافيا التخيلية والحدود الاحتدامية التي تقوم برسمها.

لقد أضاف (سعيد) إلى مفهوم (الجغرافيا التخيلية) كلمة (الشرقنة) التي أصبحت مفهوماً يتلازم مع ما أفرزه العقل الغربي للجغرافيا التخيلية، إذ أصبح مفهوم (شرقنة الشرق) فعل تكوين الشرق في الجغرافيا التخيلية بمعنى أن الشرق قد خلق. وهي كلمة يريد أن يشير بها سعيد إلى أن العلاقة بين الشرق والغرب هي علاقة من القوة، ومن السيطرة ومن درجات متفاوتة من الهيمنة المعقدة المتشابكة يشير بها إلى عملية تحويل منتظمة ومنضبطة للشرق، وبالتالي فان صناعة الشرق في المخيال الغربي يعني تثبيت مصطلح الشرق بأوصافه السلبية في العقل الغربي ومخيلته ليكون بذلك مفهوم (شرقنة الشرق) بناء صيغ ثابتة لها مرجعياتها التاريخية والثقافية عن الكيان الجغرافي الواقع في شرق الغرب، وأوجد من خلاله تقسيمات عمل من خلاله على تجزئة الشرق ووضعه في ثلاثة حقول وهي (الشرق الأدنى، الشرق الأوسط، الشرق الأقصى) للوصول إلى جغرافيا جديده هدفه منها إعادة بناء الشرق بعيداً عن واقعه، ووفق مسلمات ذهنية غريبة عن ذلك الواقع، يراد لها أن تمثل موقع الحقيقة الواقعية، مستبعدة الواقع التاريخي والنفسي للأمم الشرقية، ومستبدلة إياه بصورة خيالية، ابتكرتها مخيلة الإنسان الغربي ورسمتها ريشة قلمه، معيداً بذلك ترتيب الوقائع والأحداث بالطريقة التي ترضي غروره وإحساسه بالفوقية، بتعبير آخر، إنها أسطرة للشرق من قبل الذهن الغربي.

إن (سعيد) حينما يصف الذات المؤسسة (بالأنا)، ويعطيها دورها ومفاهيمها التي تعمل على تمييز نفسها عن (الآخر) يأتي بمفهوم جديد يصور فيه (الأخر)، وحسب وقوعه تحت دائرة التوصيف الثقافي الكولونيالي، حيث يرى بأن أبناء الشعوب التي وقعت تحت الاستعمار ورضخت في أول الأمر لهذه الأوصاف كانت توصف بـ(الاصلاني الصامت) الذي لا صوت له. والذي يجب أن يمثل أمام العالم من أجل صياغة حياته من جديد، على وفق ما يريده الحاكم الاستعماري بخطابه الكولونيالي، فمن أجل تغيير هذا الاصلاني يجب أن يمثل بثقافة جديدة مبنية على فكر يكون فيه الاصلاني هو التابع،لأن أوصافه السابقة ستكون كالأثقال التي يقيد بها، ومن أجل أن يبقى بعد التغيير مديناً للمغير الذي أسهم فعلاً في تثبيت أوصاف غرائبية وغير واقعية، ومن ثم عمل على تشكيل شخصية وهمية للأصلاني مبنية على كونها إنساناً كسولاً، تقتضي شخصيته المتحللة وفسوقه الطبيعي سيداً آمراً أوربياً. ونرى ذلك في ملاحظات الحكام الاستعماريين مثل (غاليني، وهوبير ليوتيه، واللورد كرومر، وهيو كليفورد، وجون باورينغ): يداه كبيرتان، وأصابع أقدامه رخوة مرنة، وقد تمرست يستلق الأشجار لقد حولته هذه الأوصاف الاصلانيين وعملهم إلى سلع وغطت ببريق مموه الشروط التاريخية الفعلية، مهربة ومبخرة منها حقائق الكدح والمقاومة.

أما في المقابل الصمت عمل (سعيد) في البحث عن التفاعل والاقتحام التاريخي الذي حول الاصلاني الصامت إلى مقاوم عن ثقافته ومفرداتها التي حاول الغربي محوها أو استبدالها بأخرى من صناعة غربية. حيث حاول (سعيد) قراءة (مرويات) الخطاب الكولونيالي الكبرى من خلال (قراءة طباقية) وما نتج عن مبدأ التفاعل بين الخطاب الكولونيالي والثقافات الأخرى وأثر هذا التفاعل القسري على جسد الثقافات المحلية ومدى الكفاءة بين طرفي المعادلة.

 

أ.د محمد كريم الساعدي

 

 

ali mohamadalyousifذهب فلاسفة التنوير الى ان السعادة يمكن تحقيقها في هذه الحياة الدنيا، وهي الحياة الوحيدة التي يمكن ان توجد، وبالتالي هي الحياة الوحيدة التي لها قيمة، اما الخلود فهو اكذوبة كهنوتية يتعين كشف النقاب عنها، والقضاء عليها، لتحقيق حياة افضل في اطار من الحرية والسعادة، وعن الموت، فأن معرفة كيفية الموت على الوجه السليم: ((فن الموت هي عند الرجل المستنير جزء من فن الحياة)).

ويعتمد هولباخ (1723-1775) مؤلف كتاب (نظام الطبقة) معتبرا الفلسفة تأملا للموت، والخوف من الموت هو العدو الحقيقي الوحيد الذي يتعين قهره، وعدم وجود حياة اخرى، يحررنا من سلطة القساوسة(1).

كما هاجم ديفيد هيوم (1711-1776) نظرية الخلود، وان واقعة ان الانسان يخشى الموت هي ذاتها تؤكد الافتراض بان الموت ينهي كل شيء وبدون وقت الموت ما كان للجنس البشري ان يبقى. ونقد هيوم المدمّر لنظرية الخلود تزداد عمقا من خلال تفنيده لمفهوم الجوهر Substance، فيما يخص النفس البشرية، ويرفض ان هناك شيء يسمى (الذات Self)، حيث ان الذات لايمكن ادراكها حسّيا وليست لدينا فكرة عنها، وما ندعوه ((أنا)) ونعتز به، ونتوقع أن يواصل الحياة لا يعدو ان يكون حزمة من الادراكات الحسية(2).

كما فنّد (كانط) برهان مندلسون في خلود النفس في كتابه (نقد العقل الخالص) معتبرا دوام النفس الذي ينظر اليه كموضوع للاحساس الداخلي يظل بلا برهان بل غير قابل للبرهان اساسا.

اما برونو (1564-1600) فكان اقتناعه باستحالة الموت كعدم، في تأكيده ان الكون اللامتناهي الذي عد تأمله (المهمة السامية للانسان) فالانسان اذ يسعى الى اكثر الاهداف نبلا ومشروعية والمتمثل في الكمال اللامتناهي يتوافق مع الكون حيث ينتظر هناك كل كائن الخلود والتحقق، وفي الكون اللامتناهي للكون عند برونو لاسيطرة للموت.

بقي ديكارت مؤمنا بأن النفس تبقى بعد الموت، وان الطب الجاد مع التغذية الصحية الصحيحة ممكن ان تطيل عمر الانسان الى قرون عديدة، ولم تتمالك الملكة كريستينا ملكة السويد في حينها من التهكم الخفي على نظرية ديكارت حين ماتوفي في الثالثة والخمسين، لكن ديكارت عرف طوباوية افكاره قبل وفاته. وفي رسالة الى (شانو) وهو عاكف على تأليف كتابه (حول انفعالات النفس) يقرر: (بدلا من ايجاد السبيل للحفاظ على الحياة، اكتشفت سبيلا اكثر سهولة ويقينية هو ان لا نخشى الموت) لان النفس حسب تصوره باقية بعد فناء الجسم، وان ذلك ليس من تعاليم الدين، وانما في الاطلاع على اسباب طبيعية تؤكد ذلك، ويناقض نفسه حين يقول: اني لاستطيع التفكير في اولئك الذين ماتوا باعتبارهم ينتقلون الى حياة اكثر سلاما وعذوبة من حياتنا، واننا سننضم اليهم يوما ما(3).

ويعني ديكارت ان شهادة العقل الطبيعي تثبت ان الجسم ينتمي الى عالم المادة (الجوهر الممتد...) والذي يخضع لقوانين الحركة والذي يمكن ان يفهم باعتباره نظاما ميكانيكيا، بينما الفعل جوهر مفكر غير ممتد (جوهر مفكر) وهناك ثنائية متطرفة بين هذين النوعين من الجوهر، وما يمنح الجسم الحياة ليس العقل او النفس وانما (الارواح الحيوانية) فالعقل او النفس لسكن الجسم، ومسألة تفاعلهما هي المشكلة المحورية التي يتوجب علينا ان نميز بين وظائف النفس من وظائف الجسم. ويؤكد انه (من الخطأ الاعتقاد بان النفس تمنح الجسم حركته وحرارته.) (4)

واوقع ديكارت نفسه في سخرية لايحسد عليها حين اعتبر ان الجسم مركب من اجزاء مختلفة، لكن جزءا واحدا من الجسم هو على اتصال مباشر بالنفس وهو الغدة الصنوبرية. التي تحتل موقعا مركزيا في الدماغ، وقد اراد ديكارت بهذه الفكرة الخروج من المأزق الذي وقع فيه بعد ان فصل تماما بين الجسد وجوهر النفس.

بمجيء باسكال: (افضل ما في هذه الحياة هو الامل في حياة اخرى)، وباسكال يرى ان الفلسفة ليست جديرة بساعة من الدراسة والاخفاق في دعم الامل في الخلود عن طريق العقل الطبيعي هو الذي جعل رفض باسكال للفلسفة الشرط المسبق للاعتقاد في الخلود بعد الموت. وكان اهتمامه منصّبا على البرهنة على صحة النظرية المسيحية. ومشكلة الخلود هي في رأي باسكال، المشكلة الاكثر عمقا والاشد الحاحا، وهو على استعداد لمساعدة الآخرين في العثور على الرد الذي عثر عليه هو في ايمانه الديني، فهو يبدأ بالقول بانه ما من احد يستطيع ان يلوم مسيحيا، لعدم قدرته على اثبات معتقدات عقلانية, لان – الله – اذا كان موجودا فانه لايمكن الاحاطة به على نحو لا متناه... فنحن عاجزون لا عن ادراك ماهيته فحسب، وانما كذلك من ادراك ما اذا كان موجودا(5).

في حل هذه المعضلة، يعطي باسكال حلا براجماتيا فيقول في ما يتعلق بوجود الله، فاما ان الله موجود، او انه غير موجود، والشيء الذي يمكن عمله هو الرهان، فاذا ما راهنا على ان الله موجود فاننا نكسب كل شيء في لانهائية النعيم، اللامتناهي، واذا ما اتضح ان الله غير موجود فاننا لا نخسر شيئا.

وفي هذا الصدد يقول كانط: (انني أؤمن حتما بوجود إله وحياة مستقبلية واني على يقين من انه ليس هناك ما يهز هذا الايمان). (6)

ويقيم كانط ايمانه هذا على اساس اخلاقي قائلا:

(الاخلاق ليست حقا النظرية التي بمقتضاها يمكن ان نجعل من انفسنا سعداء ولكنها النظرية التي توضّح لنا كيف نصبح جديرين بالسعادة).

وعن الخلود يقدم كانط في كتابه (نقد العقل الخالص) صياغته الاولى لنظريته في الخلود باعتباره شرطا ضروريا للعقل العملي، فالسعادة والفضيلة لاتتطابقان في هذه الحياة وذلك على الرغم من ان العقل يتطلب ضرورة تطابقهما، فعلى الرغم من امكانية تحقيق السعادة في هذا العالم فان الفضيلة يمكن تحقيقها بصورة حقيقية اذا ما كان هناك تقدم لامتناه فحسب، ومن هنا يتعين ان تكون هناك حياة اخرى. كما يتعين – حسب كانط – فهم الاعتماد على الحجة الاخلاقية لأثبات الخلود بدلا من الرجوع الى التجربة الدينية او الايمان الاعمى.

ويشير كوجيف في كتابه (مقدمة لدراسة هيجل.... الى ان فلسفة هيجل الجدلية او الانتثروبولوجية هي في التحليل النهائي فلسفة الموت أو والمعنى واحد فلسفة الالحاد وان الانسان ليس فانيا وحسب، وانما هو تجسيد للموت. انه موت الانسان وبالتالي الوجود الانساني الحق هما بمعنى ما انتحارا، كما ان الواقع وما يحدث فيه كل يوم لايأتي من الله فحسب، وبموافقة الله، وانما هو بالاساس عمل الله ذاته).

يتساءل (شوبنهاور) لماذا يخاف الانسان الموت رغم ان ابسط تأمل للحياة يظهر بجلاء ان الحياة (عوز وتعاسة واسى وبؤس) ولماذا يعتير الموت الشر الاعظم، واسوأ عقاب يمكن التهديد به؟ ولماذا يعد الخوف من الموت، الخوف الاعظم؟ ويضيف (ان فكرة اللاوجود non-being ليست هي التي تجعلنا نخاف الموت والا لكنا سنفكر بفزع في الاوقات التي لم نكن موجودين فيها بعد. كما يدين شوبنهاور الانتحار لان النفس حقها على من يريد الخلاص بالانتحار، ولان الانتحار ينفي الفرد فحسب لا النوع. فبالتالي فأن الافناء الارادي للوجود الظاهرة المفرد هو عمل احمق وعابث. وأن مبدأ الخلود الطبيعة العظيم هو الذي يسعى الى تعليمنا انه ليس هناك فرق هائل بين الرقاد والموت وان هذا الاخير لا يفوق الاول في تعريضه وجودنا للمخاطر. والنقطة الاساسية في حجة شوبنهاور هي انه ليس هناك خلق من العدم، واننا اذا اكدنا هذه الفكرة فأن علينا ان نوافق كذلك على ان الموت هو النهاية المطلقة أي العدم. وصحة المبدأ القديم: لاشيء يخرج من لاشيء وفي العدم لايستطيع شيء العودة من جديد.(7) ويعود شوبنهاور ثانية الى الانتحار في تساؤل ماذا عن أولئك الذين لايمكنهم تحمل الحياة ويرغبون كخلاص من الالم والمعاناة؟

ان الموت بحسب شوبنهاور هو (الارادة) والانتحار ليس مهربا وليس حلّا فحيث ان طبيعتنا الحقّة ليست قابلة للفناء، فأن الانسان يمكنه انهاء حياته لكنه لا ينهي ارادة الحياة، وبالموت يتخلى الانسان عن الحياة فقط ويبقى محتفظا بارادة الحياة.

أهمية ارادة الحياة كخلود غير فان لدى شوبنهاور يتمثل في التوضيح التالي:

(ان التمييز القاطع بين الارادة والمعرفة بالاضافة الى اولوية الاولى وهما ما يشكلان السمة الاساسية لفلسفتين هما المفتاح الوحيد لحل التناقض الذي يطرح نفسه بالعديد من السبل وينشأ من جديد في كل وعي، حتى في اكثر ضروب الوعي فجاجة والقائل بان الموت هو نهايتنا، واننا مع ذلك ينبغي ان نكون خالدين وغير قابلين للافناء. ومن هنا يأتي شعورنا بالخلود، عند اسبينوزا، وقد أخطأ الفلاسفة جميعا في هذا، فقد وضعوا العنصر الميتافيزيقي غير القابل للافناء والخالد، عند الانسان في الذهن على حين انه يكمن حصرا في الارادة، التي تختلف كليا عن الذهن وتتسم وحدها بالاصالة، اما الذهن فهو ظاهرة ثانوية ويتحدد بالمخ، وبالتالي يبدأ وينتهي معه، اما الارادة فهي وحدها التي تحده، انها جوهر كافة الظواهر وبالتالي متحررة من الاشكال الخاصة بالظواهر التي ينتمي اليها الزمن، والتي هي بالتالي قابلة للافناء، تنقضي الحياة، ولكن لاينقضي معها مبدأ الحياة(8).

في مقولة فويرباخ ينبغي ان تعاش الحياة بكامل امتلائها رغم الموت، جمع فوير باخ منذ كتاباته الاولى، الفرح بأن تعيش الحياة والوعي بالموت ومن الصعوبة ان يحذوا الناس حذوه. في كتابه الاول (تأملات في الموت) يبدو كان واقعا تحت تأثير كبير لهيجل، وعلى نحو مميّز في المغزى الاخلاقي للموت، الذي كانت بذوره الاولى كما مر بنا لشوبنهاور، ويذهب فوير باخ بان كل الاعمال الانسانية يمكن ان تشتق من الحب، ولا بد للانسان ان يحب. ويصبح انسانا حقيقيا حين ينفض عن نفسه الانانية الطبيعية، والحياة الاسمى عنده في الدين، والفكر، والاخلاق، انما هي الحياة حين يتخلى المرء كليا عن انانيته وذاتيته الزائفة. والحب في نظره لا يكتمل اذا لم يكن هناك موت، فالموت هو التضحية الاخيرة والبرهان النهائي على الحب. والانسان يحقق ذاته الحقة مرة واحدة، حين يصبح في لحظة اللاوجود.

ويتساءل فوير باخ لماذا اذن تموت الحيوانات والنباتات؟ واجابته ان ذلك يرجع فحسب الى ان البشر يموتون. فالموت البشري هو سبب موت الكائنات الحية الاخرى. والاسمى (الانسان) هو دائما سبب الادنى (مخلوقات الطبيعة ما عدا الانسان)، وموت الاسمى هبوط الانسان بالموت لما هو ادنى منه.

كما يؤكد فوير باخ ان للموت علّة وسبب وأصل ميتافيزيقي، ونفسي وعضوي، والعلة الاولى غير المحددة واللامتناهية للموت هي اللامتناهي في الله. اما العلل المحددة المتناهية فهي الزمان والمكان والحياة. والسبب المحدد واللامتناهي هو العقل والروح والوعي(9).

والنفس لاتصبح نفسا بدون الجسم تماما كما ان السيد لايصبح سيدا بدون العبد، وانفصال الجسم عن النفس ووجود هذه الاخيرة خارج الجسم انما يمكن ان يعني شيئا واحدا: ان النفس مختلفة عن الجسم بالطريقة ذاتها التي يختلف بها التفكير عن العقل، والا لتعين علينا ان ننظر الى علاقة الجسم – النفس باعتبارها شيئا مكانيا، كما لو كانت النفس تشغل حيّزا، ومن ثم فان الاعتقاد بالخلود بقدر ما يتمثل الخلود في صورة النفس وهي تغادر حقا الجسم هو (جنون نظري) (10). والقول بأن الموت قانون الطبيعة هو قول سطحي لانه حينما لاتوجد روح ولا حرية لايوجد موت، فالموت يفترض الروح مقدما.

فالانسان لايموت الا لأنه كائن حر ومفكر واع، وهنا بحسب جاك شورون، يبدو فوير باخ غارقا في التراث المثالي الذي سرعان ما يتنكر له بعد قليل، وقد بدأ على نحو ما فعل شوبنهاور قبله، بالانسان الذي يتميز عن كل الكائنات الحية الاخرى بقدرته على ان يصبح موضوعه الخاص، فالانسان ذات وموضوع في آن معاً، وهو عارف وموجود وكلما ازدادت روحانية الانسان، اتسع نطاق حريته، وسما رقيهّ، على وجوده الفيزيقي. والنتيجة التي توصلها فوير باخ هي انه لا الخلود ولا الموت على نحو ما يفهمان عادة حقيقيان: (لايغدو الموت حقا مؤلما الا قبل وقوعه، وليس في غمار هذا الوقوع، فالموت اشبه بوجود الشبح او الطيف بحيث انه لايوجد الا عند لا وجوده، كما ان لا وجوده يعني وجوده).

فماهية الانسان تسمو كثيرا عن فنائه او خلوده. (كما ان الموت والزوال لايحرمانه من أي شيء، فكذلك الخلود لايضيف أي شيء له، فليس هناك شيء بعد الموت، ومن السمات الاخرى التي ربما لاتقل اهمية في تدعيم فلسفة فويرباخ عن الموت، هو تمجيده للموت، (الطبيعة ليست توّاقة للحياة) وغريزة المحافظة على التراث هي في الوقت نفسه غريزة تدمير... فميلاد كائن هو في الوقت نفسه موت كائن اخر(11). والانسان نجمة المساء في الطبيعة ونجمة الصباح للروح، والحمقى وحدهم يظنون ان هاتين نجمتان منفصلتان، وانهم بعد الموت وحده يصلون الى عالم الروح، وان الحياة الروحية تبدأ بعد الموت فحسب، وينكر فوير باخ الخلود الشخصي في العالم الاخر، ويتبنى وجهة النظر القائلة بان الخلود الوحيد، هو الخلود العضوي في نسلنا(النوع)، وان النعيم الحق يتمثل في الحياة من اجل الاجيال المقبلة، والبقاء في ذاكرتها.

وفي قصيدته (القصيدة المقّفاة عن الموت) يبين وحدة الجسد والنفس وخرافة الخلود: أنا من طبيعة لا تتجزأ / فالانسان لايمكن ان يصاغ في اشلاء/ أو يتجزأ على نحو ما تهوى/ لان الموت ليس نكتة سخيفة/ والطبيعة لا تأتي حيلا مرحة/ فأنها تنهي الحياة بأسرها بالموت/ والحق ان الوجود يتبدد/ ويلحق بمرتبة العدم/ لن أنهض أبدا من جديد/ فالموت ينهي حياتي/ ولابد ان افنى واتحوّل الى عدم.

أعجب نيتشه بالفيلسوف شوبنهاور اعجابا كبيرا، لكنه لم يخلو من اختلاف مع ذلك المتشائم العظيم حول العديد من القضايا الجوهرية، ووصف نيتشه: (شوبنهاور كفيلسوف، اول ملحد يعلن الحاده على رؤوس الاشهاد، ويرفض انصاف الحلول في صفوفنا نحن الألمان). وقد أثّرت في نيتشه بعمق الحقيقة المروعّة القائلة بأن (الرب قد مات) وفي خطاب ارسله لاحد اصدقائه كتب (ان العذاب المخيف الذي لايكّل وينتهي لحياتي، يجعلني في ظمئي للنهاية... وبقدر تعلّق الامر بالمعاناة والتخلي، فأن حياتي خلال هذه السنوات الاخيرة تعادل حياة أي ناسك في أي وقت... غير انه ما من ألم استطاع اغوائي او سيكون بمقدوره ان يغويني للادلاء بشهادة زائفة عن الحياة على نحو ما ادركها)، (ان المعاناة ليست حجّة ضّد الحياة) طموحي وعذابي وسعادتي ان اتجاوز محيط الوعي المعاصر بأسره... وان اقهر النزعة التشاؤمية. وبعد معاناة مريرة على الصعيدين الفكري والشخصي الذي مرّ بهما نيتشه، تملكته فكرة الانسان الاعلى (Superman) نوعية جديدة من البشر لا بالمعنى الدارويني، وانما موجود عظيم وانساني حقيقي، والانسان الاعلى الذي يقهر طبيعته الحيوانية، وينظّم نفسه مع الكل، والانسان الاعلى ضرورة، فهو وحده الذي يمكنه تحمّل الحقيقة وان يجد الحياة قابلة للاحتمال، كما كتب قبل اصابته بالعمى عام 1888: (ان العيش مع الحقيقة امر مستحيل)(12).

كما تملكته ايضا نظرية العود الابدي وغدت حجر الزاوية في فلسفته: (كل شيء يمضي كل شيء يعود، وتدور الى الابد عجلة الوجود، كل شيء يموت كل شيء يتفتح من جديد، وخالدا يمضي زمن الوجود، الاشياء كلها تعود في خلود ونحن انفسنا كنا بالفعل مرّات، لاحصر لها، ومعنا كل الاشياء).

وكان لشوبنهاور ان كتب (العالم كارادة وتمثل – المجلد الثالث، ص267- ان الرمز الحق للطبيعة في كل زمان ومكان هو الدائرة لأنها نموذج او نمط التواتر). نظرية العود الابدي كانت عند نيتشه دفاعا في مواجهة الفناء والموت، فقد كان يرغب في تخليد الوجود الزائل للانسان المتناهي، ويبدو ان الايمان بـ (العود الابدي) كان يحقق له الوظيفة ذاتها التي يؤديها الايمان بخلود النفس للآخرين، وهناك تشابه بين نظرية العود الابدي ونظرية التناسخ، ففيهما معا نجد ضربا من الحفاظ على هوية الذات الشخصية بفارق في نظرية التناسخ النفس وحدها هي التي تعود وتشارك في تحقيق المزيد من التقدم للعالم ذاته. واصبحت العدمية ميراث الانسان الحديث، وعذاب النفس الموحشة، ويأسها وهو ما اعترف به زرادشت صراحة (ان الحياة الانسانية مخيفة، ولاتزال بغير معنى)(13).

لا يتساءل شيلر كيف يمكن اثبات الخلود لأنه لايمكن اثباته فأن تكن (خالدا) هو واقعة سلبية لاتقبل برهانا. لذا يتحدث عن بقاء الشخص وليس عن خلود النفس.

ما الذي ينتمي الى ماهية الشخص حينما يكف الجسم في غمار حدث الموت عن ان يكون موجودا..؟ يرد شيلر بانه ليس شيئا جديدا وانما هو على وجه الدقّة ما انتمى الى الشخص عندما كان الجسم حيّا، أي الوحدة العينية الفعلية لكل افعاله، وكما ان افعال الشخص الروحي خلال الحياة تندفع متجاوزة الحالات الجسمية، فكذلك على وجه الدقة ستدفع الشخص الروحي نفسه حين ينهار جسده. ويعتبر شيلر النقد الموجه له من قبل انصار (كانط) القائل ان الظواهر الروحانية لايمكن ان تقدم لنا اشارة الى الواقع القابع خلفها، حيث ان اندماج الظواهر في سياق القوانين الطبيعية هو على وجه الدقة الذي يعد معيارا لحقيقتها الموضوعية، رغم صحّة النقد يعتبره شيلر غير صحيح. فهو يؤمن بعالم الروح الخالدة، ويعتقد ان وجوده يمكن ان تنكره نزعة وضعية بيولوجية تتجاهل ابسط الاشياء حسب تعبيره. وشيلر يشاطر (برجسون) الرأي بأن عبء برهان عدم الخلود يقع على عاتق الذين ينكرونه لا على عاتق المؤمنين به (غير انه حتى حينما يصر شيلر على ان عبء البرهان على كاهل من ينكر البقاء (الخلود) وينحاز الى القول باستقلال الشخص عن افعاله، وعن القوانين الروحية والبيولوجية، فانه لايؤكد اكثر من ان الخوف من الموت ليس سببا كافيا لافتراض توقف الشخص، ولايمكن القول بحال بأن بقاء الشخص تبرهن عليه واقعة ان منكريه يخفقون به في البرهنة على عدم بقائه، اضافة الى ذلك فان البقاء يعتمد دوما على موقف الشخص منه، وعلى افعاله الحرة المستقلة عن القوانين البيولوجية، ومن ثم فأن استمراره سيكون رغم ذلك في مهب الاحتمالات تماما)(14).

ومن بين المحاولات التي بذلت لتأكيد حقيقة الخلود والدفاع عنه هو البروفيسور الفريد نورث وايتهيد، لما له من مكانة في الفكر الفلسفي المعاصر، يقول وايتهيد ان مفهوم الخلود يتعيّن فهمه بالأحالة الى نقيضه أي الى الفناء، ويطلق على الخلود والفناء (عالمين) يتطلب كل واحد منهما الآخر، وهما معا يشكلان الكون المتعيّن. وهذان العالمان هما تجريدات من الكون، وكل تجريد يتضمن احالة الى شمول الوجود، تتضمن سمات مستعارة من العالم الاخر. ويأخذ وايتهيد على مأساة الفلسفة الأفلاطونية انها في اساءتها لفهم فكرة الوجود المستقل، في حين يرى هو ان كل كيان يتعيّن فهمه من خلال الطريقة التي يتداخل بها مع باقي الكون فحسب. ..........

 

علي محمد اليوسف - الموصل

.........................

(1) جاك شورون بتصرف، ص144 الموت في الفكر الفلسفي الغربي- سلسلة عالم المعرفة

(2) نفس المصدر السابق بتصرف، ص148.

(3) جاك شورون، مصدر سابق، ص122.

(4) نفس المصدر السابق بتصرف، ص123.

(5) جاك شورون، مصدر سابق، ص127.

(6) نقد العقل الخالص، ص247.

(7) جاك شورون، مصدر سابق، ص187.

(8) جاك شورون، مصدر سابق، نقلا عن العالم كارادة وتمثل، ج3، ص291.

(9) نقلا عن جاك شورون، مصدر سابق، عن الاعمال الكاملة لفوير باخ، ص63.

(10) المصدر السابق، ص200، الاعمال الكاملة لفوير باخ، نظرية المرض الروحي، ص62.

(11) جاك شورون، مصدر سابق، بتصرف ص205-207، نقلا عن الاعمال الكاملة لفوير باخ.

(12) جاك شورون مصدر سابق، بتصرف، ص211-215.

(13) المصدر السابق بتصرف، ص219-220.

(14) جاك شورون، مصدر سابق، ص230.

 

hatam hamidmohsin2في السنوات الاخيرة أعلن عدد من العلماء وفي مقدمتهم عالم الفيزياء البريطاني ستيفن هاوكنك عن موت الفلسفة(1). هم زعموا بان العلم يستطيع الاجابة على جميع الاسئلة الهامة، واذا كانت هناك بعض الاسئلة لم يُجب عليها، فهي فقط لأنها وهمية لا تستحق التفكير.من الواضح ان كل من العلم والفلسفة يسعيان لمعرفة الحقيقة لكن لكل منهما طرقه المختلفه ويتعاملان مع مشاكل مختلفة.

قد نتسائل ما هو الدليل التجريبي لدى هاوكنك والعلماء الأخرين لهذا الادّعاء. فهل قاموا ببعض التجارب لإثبات فرضيتهم؟ او ان ادّعائهم كان يمكن اشتقاقه من ميكانيكا الكوانتم؟ الحقيقة هي ان الادّعاء بان المشاكل الفلسفية هي مجرد أوهام، ولن تُسوّى بالحقائق التجريبية، هو ذاته موقف فلسفي لا يُسوّى بالحقائق التجريبية، وهو نوع من السخرية.

يطلق الفلاسفة على هذه الرؤية التي يتبنّاها هاوكنك وآخرين بـ "الوضعية" positivism"- الرؤية بان اي زعم لا يتم اثباته او تكذيبه علميا هو هراء لا اكثر. كانت الوضعية ذائعة الصيت في بداية القرن العشرين لكنها لقيت معارضة من الجميع- على الاقل من الفلسفة- لأنها فشلت في الاختبار، وهو ما جعلها غير متماسكة. من المدهش ان يسعى هاوكنك من جديد لبعث هذه الرؤية عن العلم والتي نُبذت منذ وقت طويل. هذه الرؤية الجديدة للعلم ترى ان الفلسفة لا تصنع تقدما.

وفيما يتعلق بالتقدم نرى ان الجزء الاكبر من الخلاف بين بعض الفلاسفة والعلماء يبرز من الاختلاف في الرأي حول ما اذا كانت الفلسفة انجزت حقا اي تقدم في الالفين سنة الاخيرة.في الحقيقة، الفلاسفة انفسهم لا يتفقون على هذا السؤال. الجواب يعتمد بالطبع على الشيء الذي يُعد تقدما وعلى كيفية قياسه.

في العلوم، يُنظر الى التقدم باعتباره التقاء convergence على الحقيقة. نحن نعرف الكثير الآن عن العالم الذي نعيش به قياسا بما عرفه الناس قبل الفين سنة. كل نظرية لاحقة يتفق عليها العلماء تأتي اقرب ثم اقرب للحقيقة، وبهذا نحن نحقق تقدما. هذه احدى الطرق في حكاية القصة. (توماس كن) في كتابه (تركيب الثورة العلمية) يقول قصة مختلفة، حيث يُستبدل احد النماذج العلمية بنموذج آخر غير خاضع لنفس القياس او لا يمكن قياسه incommensurable paradigm. وبما انه لا توجد نظرية محايدة او نموذج محايد يقول ما هي الحقيقة، فان القول بان العلم يتقدم عبر الالتقاء على الحقيقة يصبح فكرة هشة لا يمكن الدفاع عنها. اذا كان (كن) محقا، اذا علينا المجيء بتصور مختلف للتقدم في العلوم، تصور لا يفترض الموقف البسيط بان نظرياتنا تصبح اقرب واقرب للحقيقة.

لكن دعنا نترك لبرهة جانبا هذه المخاوف الفلسفية حول العلم. دعنا فقط نفترض ان العلم هو بالفعل يحقق تقدما. السؤال عندئذ هو حول ما اذا كانت الفلسفة تحقق نفس التقدم، وتصبح اقرب ثم اقرب للحقيقة، ام ان الفلاسفة منشغلون فقط بلعبة من الجدالات الذهنية.

ان الاقتراح بان الفلسفة لم تصنع تقدما يبدو غير معقول. الفلسفة لعبت دورا هاما في ميلاد العلم، بدءً من الرياضيات في العصور القديمة مروراً بالفيزياء في القرنين السادس عشر والسابع عشر وصولا الى السايكولوجي في الاوقات الحديثة. انه فقط في القرون الاخيرة اعتُبر العلم حقلا منفصلا عن الفلسفة. ما نسميه الآن علما كان لقرون يسمى "الفلسفة الطبيعية"، وجميع المفكرين الكبار من ارسطو الى ديكارت كانوا علماء بنفس المقدار الذي هم فيه فلاسفة. ديكارت مثلا قام بأعمال هامة في البصريات والفيزياء والكيمياء والبايولوجي والسايكولوجي والرياضيات واللسانيات – جميع هذه الحقول كانت تحت مظلة كبيرة هي الفلسفة. لذا، اذا كان اي من تلك الحقول حقق تقدما، واصبح اقرب الى الحقيقة، عندئذ من المنطقي ان يصح ذلك على الفلسفة. لا يمكن القول بعدم حصول تقدم في الآلفين سنة الاخيرة فقط لأننا لم نعد نسمي هذه الطرق من التحقيق "فلسفة" . ومن جهة اخرى، اذا كان مقياس التقدم في الفلسفة هو انها أنتجت علوما تمكنت من الاجابة بشكل افضل على مشاكلنا القديمة، عندئذ ربما يكون العلماء امثال هاوكنك على صواب في ادّعائهم. كم مقدار التقدم الذي حققته الفلسفة في المشاكل الفلسفية المتفردة مثل وجود الله او الرغبة الحرة او طبيعة الصح والخطأ؟ وهل هناك طريقة لعمل تقدم ضمن الفلسفة، او هل ان جميع اشكال التقدم هي بالنهاية حركة بعيدة عن الفلسفة؟

الاجابة على تلك الاسئلة تخرج عن حدود هذا المقال لكن يمكننا القول انه من الخطأ الافتراض ان الفلسفة يجب ان تحقق تقدما تماما بنفس الطريقة التي يقوم بها العلم. احيانا يأتي التقدم ليس بحل المشاكل وانما بإعادة صياغة الاسئلة. نحن ربما نكون امام وضوح اكبر حول القضايا مع مرور الزمن، حتى لو لم نصل الى اجوبة نهائية متفق عليها. بعض العلماء يرون ان الافتقار الى الاجماع في الفلسفة يشير الى ان هناك خطأ في نوع الاسئلة التي نطرحها. ولكن هل ذلك هو الطريقة الصحيحة للتفكير حول عدم الاتفاق؟ الاسئلة الفلسفية صعبة ولا يمكن تسويتها بالحقائق التجريبية وهو احد اسباب قلة الاتفاق في الفلسفة. لو اخذنا الاسئلة الاخلاقية كمثال، اننا ربما لدينا كل الحقائق عن الكيفية التي يؤثر بها سلوك معين على كل شخص، لكن ذلك لا يقول لنا هل من الصحيح القيام بذلك السلوك ام لا. وحتى لو اتفقنا على الشيء الصحيح للفعل فلانزال مختلفين على سبب صوابيته. لو كان لدينا علم كامل، وعرفنا كل الحقائق فنحن لانزال لا نمتلك اجوبة لمشاكلنا الفلسفية. ذلك لا يعني القول ان الحقائق التجريبية لا تنفع النظريات الفلسفية وانما هي لا تستطيع إعطاء اجوبة للاسئلة الكبرى في الحياة.

 

حاتم حميد محسن

...........................

الهوامش

(1) Stephen Hawking عالم فيزياء بريطاني ومؤلف وموجّه بحوث في جامعة كامبردج، وُلد عام 1942، وهو اول من وضع نظرية في الكوسمولوجي جمعت بين النظرية النسبية العامة وميكانيكا الكوانتم.اعتُبر الثاني بعد اينشتاين وعمل بروفيسورا في الرياضيات في جامعة كامبردج بين عام 1979و2009.كتابه (تاريخ موجز للزمن) بقي الافضل مبيعا لسنوات. كان هاونك ملحدا، حيث اعتقد ان الكون محكوم بقوانين العلم، وان هناك فرق جوهري بين الدين المرتكز على السلطة والعلم المرتكز على الملاحظة. وفي عام 2008 ذكر ان الله ربما أوجد القوانين لكنه لا يتدخل في عملها. وفي مقابلة له مع الغاردين وصف مفهوم الحياة بعد الموت بـ "حكاية اسطورية للناس الخائفين من الظلام". وفي مجال السياسة كان مناصرا لحزب العمال البريطاني، ورفض غزو العراق واعتبره جريمة حرب. اصيب هاوكنك منذ وقت طويل بنوع من المرض سبّب له الشلل التدريجي، توفي الاسبوع الماضي(14 مارس 2018) في كامبرج ودُفن الى جانب اسحق نيوتن و دارون.

 

hatam hamidmohsin2احدى النقلات الهامة في الفلسفة اليونانية للاجابة على سؤال كيفية تحقيق الحياة الجيدة eudaimonia كانت في تطويرها لمفهوم آخر مهم في الفلسفة القديمة وهو مفهوم "الفضيلة". يقول ارسطو ان الحياة الجيدة هي "الفعالية الفاضلة المنسجمة مع العقل"(1097 b22- 1098a20). وحتى ايبيقور الذي يرى بان الحياة الجيدة هي حياة المتعة يؤكد بان حياة المتعة تتطابق مع حياة الفضيلة. لذا فان النظريات الاخلاقية القديمة تميل للاتفاق بان الفضيلة مرتبطة بإحكام بالسعادة. غير انها لا تتفق على الطريقة التي يتم بها هذا. سننظر باختصار في النظريات الرئيسية ولكن لابد اولا من التحذير من مشكلة تعريف الحياة الراقية والتي تُرجمت في الانجليزية بمعنى الفضيلة.احدى المشاكل هي اننا نميل لفهم الفضيلة بمعنى اخلاقي وهو ما لم يكن دائما في اذهان الفلاسفة القدماء. الاغريق يرون ان مفهوم الحياة الراقية arête)) يتعلق بكل انواع الحياة والتي قد لا تتلائم مع الاخلاق،مثال على ذلك،الجمال الخارجي. لذا من المهم الانتباه الى ان معنى الفضيلة في الاخلاق القديمة لا ينحصر فقط في الاخلاق وانما يتضمن حالات اكثر من معاني الحكمة والشجاعة والتعاطف. ان معنى الفضيلة الذي لا يتضمنه مفهوم الحياة الراقية يقول اشياءا مثل "السرعة هي فضيلة الحصان" او "الطول هو فضيلة في لاعب كرة السلة".ان عمل اي شيء جيد يتطلب فضيلة،وكل فعالية متميزة مثل النجارة ولاعب موسيقى الناي لها فضائلها الخاصة بها. ان الفضائل الاخلاقية هي ببساطة فروع من المعنى العام الذي يكون فيه الكائن الانساني قادرا على العمل بتميز وبشكل جيد.

سقراط

كما في جميع المفكرين الاخلاقيين القدماء،اعتقد سقراط ان جميع الناس ارادوا الحياة الجيدة اكثر من اي شيء آخر. لكن سقراط تبنّى شكلا راديكاليا للحياة الجيدة: هو يبدو اعتقد ان الفضيلة هي ضرورية وايضا كافية للحياة الجيدة. سقراط مقتنع ان فضائل مثل الانضباط الذاتي والشجاعة والعدالة والعطف والحكمة والاشياء الاخرى المرتبطة بالروح هي حاسمة للفرد اذا اراد حياة سعيدة.الفضائل تضمن حياة جيدة سعيدة. فمثلا،في (Meno)،فيما يتعلق بالحكمة هو يقول:"كل شيء تسعى اليه الروح تحت ارشاد الحكمة ينتهي الى السعادة"(Meno 88c).

في الـ (Apology)،يعلن سقراط بوضوح عدم اتفاقه مع اولئك الذين يعتقدون ان الحياة السعيدة هي حياة الشرف او المتعة،فهو انتقد الاثنيين لإهتمامهم المفرط بالثروة والشرف بدلا من روحهم. "حسنا سيدي،انت مواطن اثني،من مدينة عظيمة ذات سمعة عظيمة بالحكمة والقوة،الا تخجل من تلهفك على امتلاك المزيد من الثروة والسمعة والشرف،بينما لا تهتم بالحكمة او الحقيقة او بأفضل حالة ممكنة لروحك"(29 e).

... قد لا يبدو من طبيعة الانسان ان أتجاهل كل شؤوني الخاصة وقبلت بهذا التجاهل لعدة سنوات حين كنت دائما اهتم بكم ،اقترب الى كل واحد منكم كأب او اخ كبير لإقناعكم للإهتمام بالفضيلة (31a-b).

لذا فان سقراط يشير الى ان الاثنيين يجب ان يهتموا بروحهم وهو يعني الاهتمام بالفضيلة بدلا من البحث عن الشرف او الغنى. الفضيلة هي حالة الروح. عندما يتم الاعتناء المناسب بالروح فانها تمتلك الفضيلة. طبقا لسقراط،هذه الحالة من الروح والفضائل الاخلاقية هي الخير الاكثر اهمية. صحة الروح هي الاكثر اهمية للحياة الجيدة قياسا بالثروة او السلطة السياسية. الشخص ذو الروح الفاضلة هو احسن من الشخص الثري او الشريف الذي تلوثت روحه بالافعال غير العادلة. هذه الرؤية تأكدت في Crito حينما يجبر سقراط كريتو على الموافقة بان كمال الروح او الفضيلة هو الخير الاعظم اهمية:هل الحياة تستحق ان نعيشها بذلك الجزء الملوث منّا؟ الا ترون ان الفعل غير العادل مؤذ بينما الفعل العادل مفيد؟ هل ان ذلك الجزء منّا المتعلق بالعدالة والّاعدالة هو ادنى منزلة من الجسد؟كلا. انه اكثر قيمة بكثير(47e-48a).

هنا يجادل سقراط بان الحياة لاتستحق ان نعيشها اذا فسدت الروح بالاعمال الخاطئة. باختصار،سقراط يعتقد ان الفضيلة هي ضرورية وكافية للحياة الجيدة. الفرد غير الفاضل لا يمكن ان يكون سعيدا،بينما الفرد الفاضل بامكانه ذلك. سنرى لاحقا ان اخلاق الرواقية ستعتمد في افكارها على هذه الرؤى السقراطية.

افلاطون

في عمله العظيم"الجمهورية"يسعى افلاطون للاجابة على التحدي الذي جسّده السوفسطائي Thrasymachus بان الاخلاق التقليدية وخاصة "فضيلة" العدالة،تمنع الرجل القوي من تحقيق الحياة الجيدة. رؤية ثرسماتوس هي اعادة تأكيد للموقف الذي ناقشه افلاطون مبكرا في كتابه الـ Gorgias.الفكرة الرئيسية التي عرضها ثرسماتوس و كاليكيلس هي ان العدالة(كونك عادلا) تحول او تمنع انجاز الحياة الجيدة لأن الاخلاق التقليدية تتطلب منا ان نسيطر على انفسنا ومن ثم نعيش برغبات غير مشبعة. هذه الفكرة جرى توضيحها في الجزء الثاني من الجمهورية عندما يتحدى غلاكون ثراسماكوس مستخدما قصة الخاتم الاسطوري . طبقا للقصة،Gyges يصبح ملكا لليدا معتمدا على خاتم اسطوري عندما يستخدمه بطريقه يجعله مخفيا،وبذلك يستطيع اشباع ا ي رغبة له دون خوف من العقوبة.فقام غيجز بقتل الملك وتزوج زوجته واخذ العرش. قوة جدال غلاكون تكمن في ان لا وجود لفرد عادل اذا كان بامكانه الهروب من العقوبة واشباع رغباته. ولكن اذا اريد تحقيق الحياة الجيدة عبر اشباع الرغبات،وكانت العدالة او التصرف بعدالة يتطلب قمع الرغبات ،عندئذ سيكون ليس لمصلحة الرجل القوي العمل طبقا لأوامر الاخلاق التقليدية.(هذا الخط العام من الجدال يتكرر لاحقا في فلسفة نيتشة). في المتبقي من الجمهورية،يسعى افلاطون لرفض هذا الادّعاء ببيان ان فضيلة العدالة هي ضرورية للحياة الجيدة.

جدال الجمهورية طويل ومعقد. باختصار، يجادل افلاطون ان الفضائل هي مواقف للروح،وان الفرد العادل هو الذي تكون روحه منظمة ومنسجمة،جميع اجزاءها تعمل بشكل ملائم لفائدة الفرد. مقابل ذلك،يرى افلاطون ان روح الشخص غير العادل،بدون الفضائل،هي في اضطراب وفي حرب مع ذاتها،لذا حتى لو كان الفرد قادرا على اشباع معظم رغباته ،فان افتقاره للانسجام الداخلي والوحدة تمنع اي فرصة لديه لتحقيق الحياة الجيدة. النظرية الاخلاقية لافلاطون هي نظرية حياة جيدة لأن الحياة الجيدة تعتمد على الفضيلة. افلاطون يصف الفضيلة باعتبارها الجزء الحاسم والاكثر اهمية في الحياة الجيدة.

ارسطو

تفسير ارسطو ورد في (اخلاق Nicomachean) و(اخلاق الحياة الجيدة). يرى ارسطو ان الحياة الجيدة تستلزم فعالية،تجسد الفضيلة في انسجام مع العقل . هذا التصور للحياة الجيدة يُشتق من الفهم الضروري للطبيعة الانسانية،باعتبار ان العقل هو شيء خاص و متميز للكائن البشري وان الوظيفة المثالية للانسان هي الممارسة التامة للعقل. اساسا،يتم اكتساب الرفاهية او الحياة الجيدة عبر تطوير أعلى القدرات لدى الانسان الذي هو"حيوان عاقل". يتبع ذلك ان الحياة الجيدة للانسان هي تحقيق التفوق في العقل.

طبقا لارسطو،الحياة الجيدة تتطلب الفعالية والنشاط ،لذا لا يكفي للفرد حيازة القدرة على التميز. الحياة الجيدة تتطلب ليس فقط الشخصية الجيدة وانما الفعالية الرشيدة. ارسطو يؤكد بوضوح انه لكي نعيش في انسجام مع العقل ذلك يعني تحقيق التفوق النوعي او التميز. هو يشير ايضا الى ان التميز لا يمكن ان يكون معزولا ولهذا فان الكفاءة ايضا مطلوبة بما يتلائم مع الفعاليات ذات الصلة.فمثلا،اذا كان عالم الرياضيات المتميز حقا يتطلب مهارات هامة في الرياضيات ،سيُقال اذاً "ممارسة رياضيات بشكل جيد هو ضروري لتكون عالم من الدرجة الاولى".يتبع هذا ان الحياة الجيدة تقوم على فعاليات تمارس الجزء العقلي من الروح بالانسجام مع الفضائل او التميز او العقل (1097b22- 1098a20).ذلك يعني ،انشغال المرء كليا بعمل محفز فكريا ينجز فيه نجاحا جيدا.المتبقي من كتاب اخلاق ارسطو يتعلق بالادّعاء بان احسن حياة للانسان هي حياة التميز المنسجمة مع العقل. العقل حسب ارسطو هو ليس نظري فقط وانما تطبيقي ايضا ،هو يمضي وقتا في مناقشة تميز الشخصية،الذي يمكّن الفرد من ممارسة عقله التطبيقي(العقل المتصل بالفعل) بنجاح.

نظرية ارسطو الاخلاقية هي نظرية في الحياة الجيدة لانها تؤكد بان الحياة الجيدة تعتمد على الفضيلة. كذلك،رؤية ارسطو الواضحة تشير الى ان الفضيلة ضرورية لكنها ليست كافية للحياة الجيدة. ومع ان ارسطو يؤكد على المظهر العقلي للروح ،هو لم يتجاهل اهمية الخيرات الاخرى مثل الاصدقاء، الثروة والسلطة في الحياة والتي هي جيدة.

هو يشك بامكانية الحياة الجيدة اذا افتقر المرء لخيرات خارجية معينة مثل "الولادة الجيدة"،اطفال جيدين،الجمال".لذا،فان الفرد القبيح او من فقد اطفالا او اصدقاء جيدين من خلال الموت"،او منْ كان معزولا ،من غير المحتمل ان ينال حياة جيدة. بهذه الطريقة،"الحظ السيء"يحول دون تحقيق الحياة الجيدة.

ابيقور

نظرية ابيقور الاخلاقية تقوم على مبدأ اللذة(هذه الرؤية كان لها تأثير كبير على مؤسسي ومناصري النفعية كجرمي بنثام و جون ستيوارت مل).فكرة اللذة Hedonism تعني ان المتعة هي الخير الداخلي الوحيد وان الألم هو الشر الداخلي الوحيد. الشيء او التجربة او الموقف هو ثمين بذاته داخليا اذا كان جيدا بذاته فقط .القيمة الداخلية Intrinisic value تتعارض مع القيمة السببية Instrumental value.الشيء او التجربة او الموقف يكون ذو قيمة سببية اذا كان يعمل كوسيلة لأجل بلوغ قيمة ذاتية. كمثال على ذلك لو ان شخصا يمضي ليله ونهاره في العمل في ممارسة فعاليات ليست ممتعة كليا بهدف استلام نقود.شخص ما يسأله "لماذا انت تحتاج الى النقود؟"،هو يجيب "لكي استطيع شراء منزل على البحر وسيارة سباق حمراء".هذا الجواب يعبّر عن مسألة ان النقود هي ذات قيمة سببية لأن قيمتها تكمن بما سيحصل عليه الفرد منها كوسيلة – في هذه الحالة ،النقود وسيلة للحصول على المنزل والسيارة وان قيمة هذه النقود تعتمد على سعر المنزل والسيارة.

يحدد ابيقور الحياة الجيدة بحياة المتعة. هو يفهم الحياة الجيدة كممارسة مستمرة للمتعة بمقدار ما، وايضا التحرر من الألم والقلق. لكن يجب الانتباه الى ان ابيقور لا يدعو لمتابعة كل متعة. بل هو ينصح بسياسة تعظيم المتعة في المدى الطويل. بكلمة اخرى،ابيقور يدّعي ان بعض المتع لا تستحق المتابعة لأنها تقود الى ألم كبير،وان بعض الآلام تستحق لأنها تقود الى متعة كبيرة.احسن ستراتيجية للحصول على أعظم متعة كلية هي ليست البحث عن اشباع فوري وانما اتباع سياسة معقولة طويلة الامد.

اخلاق اليونان القديمة هي اخلاق الحياة الجيدة لأنها تربط الفضيلة مع الحياة الجيدة وحيث تشير الاخيرة الى رفاهية الفرد. مذهب ابيقور يمكن اعتباره مذهب للحياة الجيدة طالما يرى ابيقور ان حياة المتعة تتطابق مع حياة الفضيلة. هو يعتقد اننا يجب ان نبحث عن الفضيلة لأن الفضيلة تجلب المتعة. العقيدة الاساسية لايبيقور هي ان حياة الفضيلة هي الحياة التي تولّد اكبر كمية من المتعة،وانه لهذا السبب يجب ان نكون فضلاء.

احد الفروقات الهامة بين الحياة الجيدة لدى ابيقور وتلك لدى افلاطون وارسطو هو ان فضيلة الاخير هي جزء اساسي من الحياة الجيدة،بينما ابيقور يجعل الفضيلة وسيلة للسعادة.ارسطو يؤكد ان الحياة الجيدة هي ما يريده كل شخص(ابيقور يوافق على هذا). هو يعتقد ايضا ان افضل وسيلة لتحقيق الحياة الجيدة هي عبر الفعالية الفاضلة المنسجمة مع العقل. الشخص الفاضل ينال المتعة بعمل الشيء الصحيح كنتيجة للتدريب الاخلاقي الملائم. غير ان ارسطو لا يعتقد ان الفعالية الفاضلة تُمارس من اجل المتعة. المتعة شيء عرضي للفعل الفاضل: انها لا تشكل سببا لموضوع لماذا الفعل الفاضل يكون فاضلا.الفضيلة هي اكبر مكوّن للحياة الجيدة.اما ابيقور يرى ان الفضيلة وسيلة لتحقيق السعادة لكنها ليست جزءا مكونا للحياة السعيدة،كونك فاضلا لا يشبه كونك تعيش حياة سعيدة .فاذا كان ارسطو لا يتفق على انه يجب على الانسان ان يهدف للفضيلة لكي ينال المتعة،فان ابيقور يوافق على هذا الادّعاء.

الرواقية

تبدأ الفلسفة الرواقية مع زينو Zeno of citium سنة 300 قبل الميلاد،ثم طُورت من جانب كلينثس(331-232 قبل الميلاد). اعتقد زينو ان السعادة هي "تدفق جيد للحياة"،اما كلينثس اقترح بان السعادة(ان تعيش بانسجام مع الطبيعة). اخلاق الرواقية هي نسخة قوية للحياة الجيدة. طبقا للرواقيين،الفضيلة هي ضرورية وكافية للحياة الجيدة(هذا ينطلق من حوارات افلاطون السقراطية المبكرة). تجدر الاشارة ان المفهوم اليوناني التقليدي للحياة الراقية لا يشبه تماما المفهوم المشار اليه بالفضيلة طالما ان الحياة الراقية تتضمن العديد من الفضائل غير الاخلاقية كالقوة البدنية والجمال. غير ان المفهوم الرواقي للحياة الراقية اقرب بكثير للتصور المسيحي للفضيلة الذي يشير الى الفضائل الاخلاقية.الرواقية تؤكد على العدالة ،الصدق، الاعتدال، البساطة ،الانضباط الذاتي والشجاعة. يطرح الرواقيون ادّعاءا راديكاليا بان الحياة الجيدة هي الحياة الاخلاقية. الفضيلة الاخلاقية هي جيدة،والشر الاخلاقي هو سيء،وكل شيء آخر كالصحة والشرف والغنى هي محايدات فقط. ولهذا يتبنّى الرواقيون القول بان الخيرات الخارجية كالثروة والجمال الخارجي هي ليست جيدة ابدا. الفضيلة الاخلاقية هي ضرورية وكافية للحياة الجيدة. هم بهذا اقرب الى فلاسفة الـ ( cynic) القدماء مثل انتيثنيس و دايوجينس في انكار اهمية الظروف او الخيرات الخارجية للحياة الجيدة التي اعترف بها ارسطو حين اعتقد ان الحظوظ السيئة جدا (مثل موت احد افراد العائلة او احد الاصدقاء) قد تنتزع الحياة الجيدة لأكثر الناس فضيلة. هذه العقيدة الرواقية تعود للظهور لاحقا في تاريخ الفلسفة الاخلاقية في كتابات عمانوئيل كانط الذي يجادل بان امتلاك (رغبة جيدة)هي الخير الوحيد غير المشروط. فرق واحد بينه وبين الرواقية وهو بينما ان الرواقيين يعتبرون الخيرات الخارجية محايدة (لا خير ولا شر)،فان كانط يعتبر الخيرات الخارجية جيدة ولكن فقط بالمقدار الذي تكون فيه شرطا لتحقيق السعادة.

الفلسفة الاخلاقية الحديثة

في القرن العشرين انتعش مفهوم الحياة الجيدة والنظرية الاخلاقية القديمة. الكاتبة G.E.M.Anscombe في مقالة لها بعنوان "الفلسفة الاخلاقية الحديثة،1958"(اعيد نشرها في مجلة الفلسفة في 5 حزيران 2010) جادلت بان التصورات الاخلاقية المبنية على الواجب هي غير منسجمة مفاهيميا لأنها مرتكزة على فكرة "قانون بدون مشرع ". هي ترى ان نظام الاخلاق المتخيل وفق خطوط الوصايا العشر يعتمد على شخص ما صنع هذه القواعد. الكاتبة تنصح بالعودة الى نظريات القدماء في الاخلاق ذات الحياة الجيدة ،وخاصة ارسطو،الذي يؤسس الاخلاق على مصالح ورفاهية الانسان،ويمكن القيام بهذا دون اللجوء الى أي مشرّع للقوانين.

مقالة الكاتبة حفزت على تطوير فضائل اخلاقية بديلة للنفعية او الاخلاق الكانطية او نظريات العقد الاجتماعي.المسألة الرئيسية في مقال الكاتبة هي ان النظرية الاخلاقية كإتجاهات علمانية، لا تمتلك الاساس.انها تستخدم مفاهيم مثل "صحيح اخلاقيا"،"التزام اخلاقي"،"واجب اخلاقي" ،وهكذا،هي أحكام تشريعية وتتطلب مشرّع كمصدر للسلطة الاخلاقية. في الماضي شغل الله هذا الدور،لكن الانظمة التي استغنت عن الله كجزء من النظرية تفتقر للأساس الملائم للاستخدام الهادف لتلك المفاهيم.

 

حاتم حميد محسن

 

 

ali almirhigدرج أغلب مؤرخي الفلسفة على تأكيد القول أن الفلسفة بدأت مع طاليس، ورغم أن ما قاله طاليس من "أن الماء هو أصل الوجود" لم يكُن من بناة أفكاره وأصيل إبداعه، فلك في تراث الأقدمين في وادي الرافدين وعند قُدماء المصريين تفسيرات لأصل الوجود على أن الماء، والأمر ذاته ذكره الهندوسيون، وباقي حضارات الشرق، وهو ذات الأمر الذي جعل كثير من المفكرين يذهبون إلى القول بأصالة الشرق وفضله على اليونان والغرب، مثل "توملين" و"صوموئيل كريمر" و"سارتون" و"برنال" بما يُظهر أسبقية الشرق على الغرب في جدية السعي والبحث عن أصل واحد للوجود، أو مُسبب الأسباب، وتحول المادة لحالاتها الثلاث، السائلة والغازية والصلبة، ولكل هذه الرؤى تجذير وتأصيل في الفكر الشرقي القديم، ولكن ما ميَز طاليس، هو منهجه وأسلوب تفكيره الذي تجاوز فيه دائرة الثقافة الأسطورية المُهيمنة على الفكر الشرقي القديم بوصفها بنية أساسية شكلت كل علاقات الحضور والغياب في الوجود.

مع طاليس بدأ تاريخ فكر جديد هو تاريخ بداية مُغادرة الوعي الأسطوري للبحث عن بنية تفسيرية جديدة للوجود، أساسها الملاحظة الحسية والتجربة العملية في الوصول للقول بوجود علة أولى للموجودات، فيها قدرة كامنة للتحول التدريجي في ضوء تصوراتنا الشائعة عن حالات المادة. إنه الماء، فهو مبدأ الحياة، فأخرج بذلك طاليس مُجمل التصور الإنساني ومُجمل موقف الإنسان إزاء الطبيعة من دائرة الثقافة الأسطورية إلى دائرة النظر الحسي التجريبي ضمن حدود الضوابط المنطقية وأحكام العقل: واضعاً أساساً لفلسفة طبيعية غير ميتافيزيقية وغير إسطورية وغير لا هوتية ودينامكي لا يُميز الطاقة من المادة. وهذه التصورات هي التي جعلت جُل كُتاب تواريخ الفلسفة يؤرخون لبداية الفلسفة مع طاليس، لأنه:

1ـ لم يتوجه بالسؤال والبحث عن العُنصر المُشترك ومبدأ الحياة.

2ـ إنه أرجع التغيير والتبدل والصيرورة والتكوين والنمو والإندثار وكل حوادث الطبيعة إلى أحد موجوداتها وهو الماء.

3ـ إنه لم يبحث عن علل وأسباب مُباينة للمحسوس ومُفارقة للمادي فيتخذ منها أسباب وجود ومكبادئ تحريك هذا العالم.

4ـ إنه لم يتحدث عن موجودات هذا العالم وخروجها إلى الوجود بواسطة الصراع بين الآلهة أو بواسطة التزاوج بينها، فإنجاب الموجودات ولم يُرجع مبادئ التحريك والحركة والحياة إلى قوة أسطورية.

5ـ إنه لم يُرجع أسباب وجود الموجودات وعلل أحداث الطبيعة إلى قوة وإرادة إلهية.

6ـ إنه لم يبحث عن مبادئ التحريك المادي في طاقة مُنفصلة عن الأشياء...ذلك لأن كل الموجودات عنده مُفعمة بالأرواح..أي مظان الحرك = الطاقة عنده هي الأصل.

أما لماذا إختار طاليس الماء كي يكون هو علة الوجود وأصل الموجودات، فهو أمر مُرتبط بعدة أمور، أهمها:

أـ أن المُعتقد الفلكي السائد عند الأغريق أيام طاليس وما قبله، هو النظر للأرض على أنها قرص مُتولد من الماء، وأن الشمس تتولد كل صباح في الماء وتخرج منه لتغيب كل مساء مُنطفئة في الماء.

ب ـ مرونة الماء وتعاقب الحالات الثلاث للمادة عليه.

ج ـ تجذر الرواية الأسطورية لقيمة الماء في الحضارات القديمة، ما قبل الحضارة اليونانية، وأهمها العراقية والمصرية والهندية.

ومع ذلك يرى مدني صالح أن البداية في الدرس الفلسفي بمعنى الفلسفة على أنه "حُب الحكمة" وأن طاليس إعتقد بأن الماء هو أصل كل الأشياء، هي بداية "هازلة" "ليس فيها من وقار الفلاسفة ورصانة العُلماء ما يستوقف إهتمام طالب معرفة، فكل بداية بالفلسفة للعلم، ولا ترقى بالعلم إلى أي من الفلسفات" فهي بداية خائبة.

 

د. علي المرهج – استاذ فلسفة

...............

ـ بوحي وتصرف غير مخل من رؤى أستاذ الفلسفة الكبير "مدني صالح": مقالات في الدرس الفلسفي، إعداد وتحرير د.محمد فاضل، بيروت، ط1، 2016، مقال "من قضية بداية الفلسفة إلى مناهج ىتدريسها"، ص17ـ 21.  

 

 

zouhair khouildi2"يتشارك الناس على الأقل في الأدوات اللغوية وكل الوسائل الاتصالية المرتبط باللغة"1[1]

لعل وضع الشخصية المفهومية الذي يتقمصها بول ريكور في مواجهة العالم الجديد الذي تنتمي إليه الفلسفة التحليلية هو رحلة استكشافية غريبة الأطوار تكاد تكون مغامرة على أنماط متعددة ومختلفة، ربما قد تكون مماثلة لرحلة كريستوف كولومبس الأولى وتشبه إلى حد كبير وضع شخصيات مفهومية أخرى في مواجهة عوالم غريبة وعجيبة أخرى مثل حنبعل وروما والأسكندر الكبير والشرق وأفلاطون والبحر المتوسط وابن رشد والعالم اللاّتيني وتنقل ابن خلدون بين شمال إفريقيا ومصر والمشرق العربي وكذلك قدوم هوبز إلى باريس وحملة نابليون على مصر والشام وتونس وتفكيره في غزو الصين ووقوفه أمام سورها العظيم عاجزا، وأيضا مجهودات هيجل أو نيتشه وهيدجر في استعادة الثقافة الإغريقية، وسفر الأسكندر كوجيف بالرغبة من أجل الاعتراف نحو الغرب أو تصدير دي توكفيل قيم الثورة الفرنسية إلى أمريكا، ولقد وقع إعادة تصوير بنفس المنوال خروج حنة أرندت من ألمانيا الاضطراري وفرار ولتر بنيامين من الضغط الشمولي وتأثير فوكو ودريدا وغادامير بدرس رورتي الفلسفي في الجامعة الأمريكية، وهي كلها رحلات معرفية مشوقة تندرج في الظاهر في أدب الرحلات العلمية وتقليد السفر المعرفي ولكنها في الباطن محاولة إجراء مقارنة مع ما لا يمكن مقارنته وذلك للتباعد بينهما ولوجود سوء تفاهم تاريخي والسعي إلى فتح ماهو مغلق وطرق الأبواب الموصدة ومخاطبة العقول في شكلها اللغوي المغاير.

ربما تكون العلاقة الإشكالية التي تبدو بين ريكور والفضاء الأنجلوساكسوني راجعة إلى التوتر التاريخي الموروث بين فرنسا وانجلترا وبين الكاثوليك والبروتستانت وبين الاتجاه العقلاني والاتجاه التجريبي وتنازع المشروعية المعرفية بين النزعة الوضعية العلموية والنزعة الوجودية الذاتية إلا أن الفيلسوف الباريسي لم يذهب إلى أمريكا غازيا ولا مبشرا وإنما حاملا معه فانوسه وسط الضياء ممسكا في سفره الفلسفي حقيبة تتضمن مكتبة من العلوم والآداب والفنون القارية ومسلحا بمناهج ومقاربات قوية ومتطلعا إلى الإفادة والاستفادة والى التدريس والتعليم والى التعلم والتحاور وباحثا عن فهم معمق للأنا من منظور الأخر والتفاهم معه بالإصغاء والإنصات والترجمة والتكلم بلغته والانفتاح على الكلام المتداول في الساحات العلمية والفضاءات العامة وتفقد الذات الحضارية الغربية في توسعها في المحيط الأطلنتيكي.

فهل كان نية ريكور منصبة على دراسة الفلسفة في نسختها التحليلية من أجل فتح مغاليقها وفهم أسرارها واستكمال ما ينقص مشروعه الفلسفي في حقولها اللغوية وسجلاتها الثقافية ومداراتها القيمية والحقوقية؟

في الظاهر يبدو ريكور الفيلسوف الذي ينتمي إلى الفلسفة القارية وتيارها التأملي المثالي الرسمي بفرعيه الفرنسي والألماني الذي يهتم بدارسة الفكر والذات والعالم بعيدا كل البعد عن الفلسفة التحليلية ذات المنبت الأنغلوساكسوني والانتشار الأمريكي والتي ركزت بحوثها حول اللغة والذهن والتجربة والواقع والفعل.

غير أن الرجوع للسيرة الذاتية لعميد كلية نانتير أحد ضواحي العاصمة باريس ندرك أهمية المنعرج الذي حدث لفكره الفلسفي لما قرر مغادرة فرنسا والانتقال إلى العالم الحر من أجل تدريس الفلسفة في جامعة شيكاغو والتفاعل التوليدي مع الفلسفة التحليلية في مختلف مدارسها ونظرياتها حول الخطاب والمعنى.

اللافت للنظر أن اللقاء بين ريكور والفلسفة التحليلية كان قبل ذلك ومنذ الفترة الأولى من بداية تشكل وعيه الفلسفي كانت تحدوه عزيمة كبيرة للاستفادة من ابتكارات فلاسفة التحليل والبراغماتية والوضعية الجديدة. فهل كان اللقاء بين ريكور والفلسفة التحليلية اضطراريا واستكشافيا أم تجربة تفاعلية ومغامرة معرفية مثمرة غيرت بطريقة لافتة المسارات المعرفية والورشات الفكرية التي دشنها منذ بداية المرحلة القارية؟

إذا كان بول ريكور يعد استمرارا للفلسفة الفنومينولوجية التي بدأها على نحو جديد هوسرل في كتابه الذي ترجمه مع صديقه دوفرين في سجون النازية أفكار وعمل أيضا على تطوير الفلسفة التأويلية التي تقاسمها مع هانز جورج غادامير صاحب كتاب الحقيقة والمنهج واستخلص منها نظرية في الحق والسلطة والفعل فإن الفلسفة التحليلية قد شهدت ميلاد تيارات قريبة من روافد الفلسفة العلمية والنظرية البراغماتية والمنهج التجريبي واتخذت صبغة منطقية وتفرعت إلى اختصاصات تهتم بفلسفة الذهن ونظرية المعرفة وتمارس التحليل المنطقي للخطاب العلمي وتطبق النقد والتفكيك وفق المناهج ما بعد البنيوية والفكر ما بعد الحديث.

قد تكون فلسفة اللغة هي المحور المشترك الذي تتقاطع فيه الفلسفة الريكورية مع الفلسفة التحليلية ولكن إظهار القيمة المضافة للسرد والاستعارة الحية والمخيال والحقيقة الشعرية وفلسفة الدين كفيل بأن يؤكد هذا التأثير والتأثر الذي حصل بين الفيلسوف الباريسي وفلاسفة التحليل عند المرور من النص إلى الفعل.

الهجرة التي قام بها ريكور إلى أمريكا امتدت من 1970الى1985 وجاءت بعد عقد الستينات الذهبي الذي واجه فيه أقطاب الظنة وتحاور بالخصوص مع فرويد ونيتشه وماركس وحاول عبور التحليل النفسي والأثنولوجيا وتخاصم مع بنيوية لاكان وألتوسير وغريماس وحاول تطعيم الفنومينولوجيا بالهرمينوطيقا وزرع الفنومينولوجيا في الهرمينوطيقا وانتهي إلى خلع هالة الأسطرة عن الكاثولوكية والبروتستانتية وتدشين الهرمينوطيقا التوراتية ضمن الأفق الشعري. لقد دفع خيار نانتير وملحة الطلاب سنة 1968 ريكور إلى السير على الحافة ورسم الحدود وعبور القارة الى العالم الجديد بدعوة من بول تليش صديق مارسيا ألياد لكي يخلفه في التدريس وليدشن ريكور مرحلة مغايرة من التدريس الممتع في أمريكا حيث وقّع مفهوم الهوية السردية وطمح إلى الإفلات من قبضة هيجل وتمكن من عبور الشر المطلق وكتب ثلاثية الزمن والسرد وحقق الاعتراف بوصفه الفيلسوف الأبرز في فرنسا سنة 1988 وجعل من فكره جسر عبور بين ثقافات متعددة وأحدث المنعطف البراغماتي والتأويلي للعلوم الإنسانية وسلك الطريق الطويل للأنطولوجيا والمسلك القصير بين الذات ونفسها بالمرور عبر الغير والغريب ضمن قيمتي العدالة والصداقة وأكد على أهمية حضور الفيلسوف في المدينة وطور قارة التاريخ وفق مقاربة تستدعي ثنائية الذاكرة والنسيان من خلال عمل الحداد وشريعة المصالحة والغفران عن طريق معالجة الجراحات التي أصيبت بها الهويات الجمعية وتبني أخلاقيات تطبيقية تنتشل معنى الحياة وتمنح الكرامة البشرية التقدير.

لم يخصص بول ريكور مؤلفا مستقلا تناول فيه بالدرس الفلسفة التحليلية بشكل مستقل وعميق ولا يوجد حضور لافت للفلسفة الريكورية على المستوى العنونة والفصول في مؤلفات الفلسفة التحليلية الرئيسية. لكن في سنوات 1974 قام ريكور ببحث حول سيمونيطيقا الفعل يمثل نقطة التقاء بارزة، بعد كتب سجال التآويل وفي التأويل : مقالة حول فرويد والذي ترجم بعنوان فرويد والفلسفة، والاستعارة الحية الذي ترجم إلى الانغليزية بصورة مغايرة حكم الاستعارة، مع مواضيع الفلسفة التحليلية حول الفعل والكلام العادي، وبعد ذلك تزايد حجم الحضور لهذا الفكر الفلسفي الرائد في المتن الريكوري وخاصة في كتاب الزمن والسرد وفي من النص إلى الفعل وفي عين الذات غيرا وفي الايديولوجيا واليوتوبيا. وفي المقابل نجد في العديد من الكتب التي تخصصت للفلسفة التحليلية قد تطرقت في فصول عديدة للفنومينولوجيا والقصدية.

" يكون فعل الفهم أقل تاريخية وأكثر منطقية...ومقابل هذا الانقلاب من التاريخية الى المنطقية في التفسير العام للتعبيرات الثقافية قد نشير الى حركة مشابهة في حقل النقد الأدبي في كل من أمريكا وأروبا."2[2] لكن ماهي الاستفادة التي حصلت لكل من الفلسفة التحليلية والمدونة الريكورية من التقاطع المتنافر بينهما؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

....................

الهوامش:

1- ريكور (بول)، محاضرات في الايديولوجيا واليوتوبيا، ترجمة فلاح رحيم، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، طبعة 2002،ص354.

2- ريكور (بول)، نظرية التأويل، الخطاب وفائض المعنى، ترجمة سعيد الغانمي، المركز الثقافي الغربي، طبعة 2003، ص143

المصادر:

ريكور (بول)، محاضرات في الايديولوجيا واليوتوبيا، ترجمة فلاح رحيم، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، طبعة 2002،

ريكور (بول)، نظرية التأويل، الخطاب وفائض المعنى، ترجمة سعيد الغانمي، المركز الثقافي الغربي، طبعة 2003،

hatam hamidmohsin2اعتبر بعض الكتاب ان المجتمعات الحالية تمارس عملية ما بعد الحداثة، فهي في طور التحول من مجتمعات الحداثة الى ما بعد الحداثة. لقد تتبّع الباحثون (ستيفن كروك، جان باكلسكي، مالكون واتر) التغيرات التي انطوت عليها تلك العملية وذلك بالمقارنة بين هاتين الثقافتين.

ثقافة الحداثة

يرى (crook) وزملاؤه هناك ثلاث خصائص رئيسية للحداثة وهي: التميّز والعقلانية والتشيؤ.

1- التميّز Differentiation

ويستلزم تجزئة المجتمع الى عدة اجزاء مختلفة. فالمجالات الثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية اصبحت وبشكل متسارع متميزة بعضها عن البعض الآخر. وبالاعتماد على آراء ماكس ويبر جادل كروك وجماعته ان مختلف مظاهر المجتمع يُحكم عليها تبعا للاطار الذي تتحرك فيه . فالعلوم يُحكم عليها بعبارات مثل الحقيقة والاخلاق، القانون تُطبق عليه عبارات الخير والعدالة، اما الفن تحكمه عبارات الجمال . كل واحد من هذه المجالات يطور مؤسساته المهنية الخاصة والتخصصات كذلك.

في البدء كان الأغنياء من الناس يعود لهم الفضل في تمكين الافراد ليكونوا موسيقيين محترفين او رسامين او عازفين. ولاحقا اُنشئت المؤسسات المتخصصة مثل مدارس الفن لتتولى تدريب اجيال المستقبل على التخصص الثقافي. اما المؤسسات الاخرى مثل المسارح والقاعات الفنية وصالات الاحتفالات فقد صُممت لتزيد من كمية المنتجات الثقافية المتوفرة. ولذلك فان الثقافة فُصلت او تميزت عن مظاهر الحياة الاخرى، حيث اُنتجت من قبل المتخصصين الذين تدربوا في مؤسسات خاصة، ثم استُهلكت في اماكن معينة وهذا ادى بالنتيجة الى وضع اساس للتمييز بين ثقافة العامة (السائدة بين صفوف الناس العاديين) والثقافة العالية التي هي إنتاج المتخصصين من الافراد والمؤسسات.

ومع تقدم الحداثة ظهرت انواع جديدة من الثقافة الشعبية مثل قاعات الموسيقى والسفرات السياحية او ملاذات السواحل لأيام العطل. وهذه الثقافات ايضا تميزت عن جوانب الحياة الاخرى ولكنها لا تدّعي كونها من الثقافة العليا.

لابد من الاشارة الى ان البعض حاول تحطيم تلك الحدود بين الثقافة العليا والحياة اليومية بالادّعاء ان كل الاشياء اليومية هي جزء من الفن، ولكن تلك المحاولات لم تنل التأثير الكبير على المجتمعات الحديثة.

2- يؤكد (كروك) ورفاقه ان الترشيد او العقلنة rationalization طبع ايضا الثقافة الحديثة ولكن ليست بالكامل كما في التميّز. فالموسيقى تأثرت كثيرا بالعقلانية المنسجمة التي استُعملت فيها الرياضيات في خلق الموسيقى النغمية. وكان هناك ايضا عقلانية لا بأس بها في إعادة انتاج الموسيقى وأشكال الفن الاخرى. والتكنلوجيا استُعملت لغرض تسهيل استنساخ واعادة خلق الثقافة. فمثلا البيانو سمح بإعادة انتاج نسخة معقدة من الموسيقى بآلة موسيقية واحدة. الراديو وجهاز التسجيل سمحا للموسيقى الاصلية بان تُستهلك على نطاق واسع. وتكنلوجيا الطباعة مكّنت من إعادة انتاج الأعمال الفنية، فلا حاجة للاعتماد على جهود الفنانين من الافراد لكي نشاهد نسخة من الصورة. واذا كان البعض يرى هذه التطورات قد أضعفت التمييز بين الثقافة العليا والحياة اليومية، الاّ ان (كروك )لا يتفق في ذلك. فالناس ربما بإمكانهم الجلوس في بيوتهم والاستماع الى بيتهوفن عن طريق الـ hi-fi غير ان ذلك انما يعزز من قوة ومنزلة الثقافة العليا، لأنه يعطي شرعية لفكرة ان افرادا معينين هم فنانون عظام.

3- التشيؤ commodification

ويعني تحويل المنتجات الثقافية الى أشياء او سلع يمكن بيعها وشرائها بسهولة. وطبقا لنظريات الثقافة الجماهيرية فان ذلك يحط من القيمة الجمالية ويهدد نقاء الفن الراقي. ذلك العمل سوف يجلب للجماهير ثقافة متدنية ووضيعة تهدد النوعيات المتميزة للفنون العليا. ولم يتفق (كورك) وجماعته على هذه الرؤية لأنهم يرون ان تنمية الذوق هو عنصر اساسي في الثقافة الحديثة. الاذواق تتطور فقط عندما تتوفر لدى الناس موارد كافية كي يختاروا طبيعة ما يستهلكون. وفي بدايات الحداثة كانت فقط الطبقات العليا تستطيع ذلك، ولكن مع تقدم الحداثة انتشرت قابلية الاختيار للاستهلاك الى جميع طبقات المجتمع. ان ذلك سوف لن يؤثر في إضعاف السلم التراتبي للاذواق، فأذواق الطبقات الاجتماعية العليا لازالت ذات قيمة أعلى مما لدى الطبقات الدنيا، والموسيقى الكلاسيكية الحديثة لازالت تُعتبر هي الأرقى قياسا بموسيقى البوب الاخيرة.

ما بعد الحداثة postmodernization

في مجتمعات الحداثة تميزت الثقافة عن مجالات الحياة الاجتماعية الاخرى، وكذلك تميزت الثقافة العليا عن الثقافة الشعبية. غير ان ما بعد الحداثة غيرت ذلك الاتجاه بشكل معاكس. يقول كروك ورفاقه ان تكثيف بعض العمليات السائدة ضمن أعمال الحداثة قاد الى ما بعد الحداثة. فالتميّز والعقلانية والتشيؤ جرى استبدالها بالتميز الواسع والعقلانية الواسعة والتشيؤ الواسع. وعلى الرغم من ان كل واحدة من هذه العمليات تنشأ من الحداثة وتكثّف من عمليات الحداثة الاّ انها أثّرت في تحويل بعض ميول الحداثة. وهذا قاد الى نوع جديد من الثقافة أطلق عليه كروك بما بعد الثقافة.

التشيؤ الواسع

ويعني ان كل مجالات الحياة الاجتماعية تصبح ذات صفة سلعية خاضعة للبيع والشراء. وفي المجتمعات الحديثة بقيت بعض اوجه الحياة الاجتماعية بعيدة عن المتاجرة وشكّلت مصدرا رئيسيا للهوية مثل الحياة العائلية والخلفية الطبقية للفرد والارتباط بالجماعة. وتلك الأوجه أثّرت على ما يستهلكه الفرد لأنها أثّرت على الاذواق. وهكذا نجد مثلا مختلف العوائل من مختلف الطبقات والمواقع تأكل مختلف الانواع من الطعام وتلبس انواع مختلفة من الملابس. وحينما حصل التشيؤ الواسع جرى إضعاف لتلك الاختلافات وتجاهل لها بعد ان حصل غزو سلعي لكل مجالات الحياة الاجتماعية. فمثلا النشاطات المتعلقة بالعائلة مثل الطعام اصبحت خاضعة لبرامج التسويق السلعي، والاستهلاك الذي كان يتم في المنزل وضمن أعضاء نفس العائلة اصبح وبشكل متزايد يأخذ طابعا مختلفا وذلك عبر استهلاك مختلف الاشياء. فالاطفال اصبح لهم تلفزيون خاص بهم ويجلسون في غرفة مختلفة عن غرفة الوالدين ويشاهدون برامج تلفزيونية وإعلانات مختلفة وحتى يتناولون طعاما مختلفا.

وبدلا من وجود ثقافة عائلية موحدة اصبح كل فرد في العائلة له اسلوب حياته الخاص به. وكذلك بالنسبة لأعضاء الطبقة الواحدة لم يعودوا يمارسون ذوقا واحدا بل اصبح بامكانهم الاختيار من بين بدائل كثيرة من اساليب الحياة . ان اساليب الحياة lifestyle ذاتها اصبحت متحررة من الارتباط بمجموعات معينة. فمثلا الافراد من مختلف الخلفيات يفضلون اسلوب الحياة الخضراء تعبيرا عن خوفهم على البيئة، او ربما يختارون العابا رياضية معينة او فريقا رياضيا محددا.

يرى كورك ان الاسلوب هو مختلف عن الذوق لأنه غير مقيد بالعوامل الاجتماعية الخارجية كالطبقة. الاساليب هي انظمة من الاشارات . فالاسلوب الذي تختاره يحكي شيئا ما الى الآخرين حول نوعيتك انت كفرد، والاساليب تتأثر فقط بالافضليات الشخصية، فكل شخص يستطيع ان يصبح (بالاختيار) اي فرد.

العقلانية المفرطة

تتطلب العقلانية المفرطة استعمال التكنلوجيا الرشيدة في نشر الاستهلاك الثقافي على نطاق واسع. فالتكنلوجيا مثل الستلايت TV يسمح للافراد بالمزيد من الحرية في اختيار ما يشاهدون او يسمعون وكذلك الفيديو وجهاز التسجيل يسمحان باختيار زمان ومكان استهلاك المنتجات الثقافية. كل ذلك يساعد الافراد في اختيار اسلوب حياتهم الخاص، اما الاحداث الثقافية العامة مثل المسارح وقاعات الموسيقى التي عادة يتجمع فيها الناس ويستهلكون الثقافة في وقت واحد، اصبحت اقل اهمية وهو ما ادى الى خلل في التمييز بين الثقافة الاصيلة والثقافة غير الاصيلة. فصور الإعلام- ميديا سيطرت على المجتمع . فالاستنساخ الاعلامي وإعادة الانتاج بدأت تحل محل الأصالة ومحل الاشياء الحقيقية التي تمثلها. وبالتالي فقدت الاشارات والصور images ارتباطها بالحقيقة وهو ما يُطلق عليه بـ simulacrum (وتعني الصور عن شيء لم يوجد وهو غير موجود). فالمجتمع الحديث اصبح يرتكز على انتاج وتبادل التدفق الحر للصور، اي ان الكلمات والصور لم تعد مرتبطة بأي شيء حقيقي تشير اليه.

التميّز المفرط

يرى كروك ان ما بعد الحداثة رافقها تفتّح الآلاف من الأزهار، حيث نشأت مختلف اشكال الثقافة الجذابة دون سيطرة شكل محدد. فمثلا الثقافة الشعبية تجزأت الى عدد كبير من الاساليب المختلفة كل له مستمعيه الخاصين. وبما ان التنوع اصبح هو الطابع المميز ذلك جعل من الصعب ان يدّعي اي اسلوب معين تفوقه على الاشكال الاخرى.

اضافة الى ذلك قاد التميز الواسع الى دمج الثقافة العليا بالاشكال الثقافية الاخرى التي لم تحصل تقليديا على صفة الرقي والتميز. فمثلا الموسيقى الكلاسيكية استُعملت خلفية للاعلان او الافلام او البرامج التلفزيونية.

لقد ادّى التشظي المتزايد للتنوع المفرط الى حالة من إزالة الفروق dedifferentiation تحطمت فيها الحدود الفاصلة بين مختلف اشكال الثقافة وخاصة بين الثقافة العليا والثقافة الشعبية السائدة في مجتمعات ما بعد الحداثة.والثقافة العليا ليست وحدها اندمجت مع الثقافة الشعبية وانما الثقافة الشعبية ادّعت باستمرار كونها فنا خطيرا. فاصبح لكل شكل ثقافي مناصروه يعتبرونه الافضل من بين الفنون والاساليب الاخرى. فلم يعد للثقافة العليا حقا انفراديا بالتميز.

الخصائص الرئيسية لما بعد الحداثة

يحدد (سترانيتي) تلك الخصائص بالنقاط التالية:

1- انهيار الفروق بين الثقافة والمجتمع. وهذا يستلزم وجود مجتمع مشبّع اعلاميا فيه يصبح الاعلام الواسع ذا قوة شديدة. وبدلا من ان يعكس الاعلام للحقيقة اصبح التركيز منصبا على خلق احساس للمشاهد بذلك الواقع. فتكنلوجيا الحاسوب ساعدت في خلق واقع افتراضي يستبدل الصورة الحقيقية المقابلة لذلك الواقع. والفعاليات الاقتصادية ينصب اهتمامها على بيع وشراء صور الاعلام media images بدلا من المنتجات المادية.

2- والخاصية الثانية لما بعد الحداثة هي التأكيد على الاسلوب او الشكل على حساب الجوهر. وهكذا فان منتجات معينة تصبح شعبية لأن لها مصممين ماهرين في وضع علامات تجارية تضفي جاذبية لاسلوب الحياة بدلا من ان تكون مفيدة. فالمجتمع يخلق مصممين للايديولوجيا . فالنوعيات السطحية تكون اكثر اهمية من اي شيء عميق آخر (المزاح والسخرية، هما المسيطران على حساب المحتوى والجوهر، وبالتالي فان مواصفات نوعية مثل الجدارة الفنية والسلامة والأصالة والواقعية والعمق الفكري وقوة الرواية اخذت تتضاءل).

وكمثال على ذلك الفيلم الذي يُحكم عليه بالنجاح بقدر ما يقدم اثارة مرئية بصرف النظر عن كون القصة التي يحكيها الفيلم جيدة ام لا.

3- هناك تحطيم للاختلاف بين الفن والثقافة العليا. في ثقافة ما بعد الحداثة اصبح كل شيء قابل للتحويل الى نكتة او الى اقتباس او اشارة، وهكذا اندمجت عناصر ما يسمى بالثقافة العليا ضمن الثقافة الشعبية. الفنان اندي وارهول مثلا استطاع ان ينتج نسخة شهيرة للوحة الموناليزا لدافينشي تتألف من ثلاثين اخراج للّوحة. وقد اُطلق على ذلك العمل بـ (ثلاثين افضل من واحد) وهو يقلل او يضعف من اهمية اللمسات الفنية المتميزة لـ اللوحة الاصلية وذلك عبر امكانية استنساخ عدد لا متناهي من اللوحة.

ان ثقافة ما بعد الحداثة ترفض احترام خصوصيات الفن الذي اصبح جزءا من الحياة اليومة للمجتمعات الخاضعة للاشارات، وبذلك لم يعد هناك اي شيء خاص يتعلق بالفن.

ان نقاد الثقافة الجماهيرية في العقود المبكرة من القرن الماضي كانوا في قلق جدي حول نفس ما يحصل الان، فما كان يخشاه اولئك اصبح حقيقة الان. غير ان انصار ما بعد الحداثة يؤكدون ان لا سبب يدعو للخوف، هم يرحبون بالمرح والتنوع في الثقافة الجديدة لما بعد الحداثة والتي اصبح فيها الفن جزءا من الحياة.

4- والخاصية الرابعة لثقافة ما بعد الحداثة هو ظهور الفوضى في الزمان والمكان. بعد افكار ديفد هارفي يعتقد سترانيتي ان الانتقال السريع والاتصالات الفورية وسرعة انتقال رأس المال والمعلومات والتدفق الثقافي من مجتمع الى آخر كل ذلك قاد الى حالة من الارتباك بخصوص الزمان والمكان. والاعلام جعل من السهولة بمكان مشاهدة الأحداث في النصف الثاني من العالم تماما كما لو ان المشاهد هناك، ونتيجة ذلك حصل نوع من الالتباس لدى الناس من حيث احساسهم بالمكان.

ان ثقافة ما بعد الحداثة تخلق ايضا التباس في مفهوم الزمان. فمثلا الفنانين المعماريين عادة يسعون الى دمج اساليب من العهود السابقة وكذلك مهندسو الحدائق العامة يحاولون خلق المستقبل باعادة خلق الماضي. اما افلام ما بعد الحداثة فهي تحاول الابتعاد عن متابعة القصة من البداية (زمان خطي) وتقفز حول وبين الماضي والحاضر والمستقبل بطريقة مشوشة . ان عنوان ومحتوى فيلم (عودة نحو المستقبل) يبين مدى تجاهل ما بعد الحداثة للافكار التقليدية في الزمان الخطي.

5- واخيرا اتسمت ثقافة ما بعد الحداثة بتراجع رمزية القصة او الرواية، فلم يعد للناس ايمان بقصة كبيرة او فكرة عظيمة في العالم. فاصبحت هناك شكوك في اي معرفة مطلقة او كونية كالدين والعلم او الفن الماركسي وفن الحداثة، ان ما بعد الحداثة انكرت وجود اي معنى للتقدم في التاريخ. فافلام ما بعد الحداثة عادة تمزج مختلف العناصر وكذلك شكل الابنية ينطوي على مزيج من مختلف الاساليب . وكل ذلك يسعى الى ايصال رسالة غير مباشرة بعدم وجود اي اسلوب او نوع افضل من الاساليب والانواع الاخرى. فكل شيء متساوي مع الآخر واي بحث عن الحقيقة هو لا معنى له وخطير في نفس الوقت.

اسباب ظهور ما بعد الحداثة

حدد سترانيتي ثلاثة اسباب رئيسية لظهور ما بعد الحداثة:

1- ان المجتمعات الرأسمالية أبدت اهتماما متزايدا في النزعة الاستهلاكية. ففي المراحل الاولى من الرأسمالية كان التركيز ينصب على الانتاج وزيادة الطاقة الانتاجية للمكائن واشباع الحاجات الاساسية للناس، فاصبح لدى المجتمعات الرأسمالية المتقدمة مستويات معاشية عالية وكان الهدف هو ان يصبح بإمكان الناس استهلاك اكبر حجم ممكن من السلع. ان تزايد السكان مع توفر المزيد من وقت التسلية والفراغ كل ذلك تطلّب وجود اعمال للترفيه وكان لا بد للناس ان يوجد من يقنعهم بانفاق النقود اذا اريد للشركات ان تستمر بالعمل وتحقيق الارباح. فكان الاعلام هو المحور في هذه العملية وبالتالي كانت الصورة الاعلامية هي المسيطرة على المجتمع.

2- نشوء وظائف ومهن جديدة للطبقة الوسطى ساهم في تعزيز ثقافة ما بعد الحداثة. هذه الوظائف تتضمن التصميم والتسويق والاعلان والاعمال ذات الفعالية في مختلف مجالات الاعلام. وكل تلك الوظائف تتطلب اقناع الناس باهمية الذوق، وحالما يقتنع الناس بذلك فهم سوف يحتاجون الى خبرة المتخصصين بتلك المجالات والتي عادة يحصلون عليها من خلال الاعلام.

يرى سترانيتي ان مجموعات مثل المعلمين والعمال الاجتماعيين والمحاضرين والمعالجين الصحيين تُعتبر ذات اهمة كبيرة لأن اعمالهم تنطوي على فكرة الانجاز الضروري والسايكولوجي والنمو، وهي تشجع الناس على الاهتمام الجدي باسلوب الحياة. ان تلك الفئات الوظيفية تشجع الافراد على استهلاك السلع والخدمات المطلوبة لاشباع اسلوب الحياة الذي يعتبرونه الافضل لهم. ويصل سترانيتي الى ان الوظائف الجديدة للطبقة الوسطى وفي بحثها عن القوة الثقافية كل ذلك قادها نحو ما بعد الحداثة وبعيدا عن ثقافات الطبقات الاخرى مثل الثقافة العليا للطبقة الوسطى/انتلجنسينيا.

3- ان ما بعد الحداثة نتجت عن التخريب والإخلال في الهويات الجماعية والفردية فكان هناك اختفاء تدريجي للهويات القائمة على الطبقة او الدين او الجماعة المحلية او الدولة القومية، وهي لم تُستبدل بأشكال اخرى للهوية. فهوية الافراد اصبحت اكثر شخصية وفردية، والثقافة الشعبية ومعها الاعلام الواسع دخلا في المهمة باعتبارهما الاطار الوحيد المتوفر ليشير الى بناء هويات فردية وجماعية.

نقد نظريات ما بعد الحداثة

1- يرى سترانيتي ان فريق ما بعد الحداثة يبالغون حين يقولون ان الاعلام الواسع اختطف الحقيقة. فالاعلام الواسع يعتبر هاما ولكن ليس لتلك الدرجة. فالادّعاء باهمية الاعلام (كمنتج ايديولوجي لاولئك الذن يحققون المنافع المادية منه)هو ادّعاء مبالغ فيه، ولا يرتكز على دليل عملي، حيث لا يوجد سبب للاعتقاد ان اغلب الناس لا يستطيعون التمييز بين الانطباع الذي يعكسه الاعلام والواقع. فمثلا القليل من الناس يعتقدون بواقعية الشخصيات المشاركة في مسلسلات الدراما الاذاعية والتلفزيونية (soap operas). وما بعد الحداثة فشلت ايضا في ان توضح بدقة سبب اهمية الاعلام وهي تتجاهل المجالات الاخرى للحياة الاجتماعية مثل العائلة والعمل والتي هي هامة ايضا.

2- كذلك تبالغ نظرية ما بعد الحداثة باهمية الاعلام في تشكيل الطابع الاستهلاكي للناس، والناس لا يشترون السلع فقط بسبب الصورة الانطباعية عنها او بسبب تصاميم الماركات التجارية الجذابة، بل هم يشترونها لانها مفيدة. كذلك ان الناس غير الاثرياء في المجتمع لا يستطيعون شراء المنتجات الغالية الثمن فقط لأن لها سماتها التجارية الشهيرة. واخيرا ليس كل فئات المجتمع لديها ثقافة تولي اهتماما للصور الانطباعية للسلع.

3- وفيما يتعلق بموضوع الزمان والمكان يرى سترانيتي ان بعض الناس لم تتوفر لهم الفرصة للتمتع بالسفر السريع او تكنلوجيا الاتصالات، فالفقراء ليست لديهم امكانية الوصول الى تلك الخدمات . كذلك ان بعض هذه التغيرات (مثل الطائرة والسينما) تعود الى فترات مبكرة سبقت ظهور ما بعد الحداثة. ان ما بعد الحداثويون لم يوفروا الدليل القوي على حدوث تغير في وعي الناس، فلا يوجد من الدراسات ما يشير الى ان الناس بالفعل لديهم التباس في موضوع الزمان والمكان.

4- رغم ان البعض قد يتفق مع ما بعد الحداثويون بشأن انهيار الحدود بين الفن والثقافة الشعبية، الاّ انهم يرون ان هذا الادّعاء ينطبق فقط على ثقافة الطبقة الوسطى من ذوي المهن الجديدة والتي يرونها مسؤولة عن ظهور ما بعد الحداثة.وعموما يستطيع الناس التمييز بين ما يعتبرونه فنا وبين الثقافة الشعبية، كذلك ان ما بعد الحداثويون انفسهم يميزون بين منتجات ثقافة الحداثة ومنتجات ما بعد الحداثة، واذا كانوا كذلك فان التمييز الثقافي يجب ان يستمر في ظل ما بعد الحداثة.

5- ان عناصر ما بعد الحداثة شائعة كثيرا في الاعلانات وفي البناء المعماري وهي قليلة الاثر في المجالات الاخرى وخاصة مجال السينما. فالعديد من الافلام التي يُنظر اليها ضمن ما بعد الحداثة في جانب معين، تُعتبر ضمن الحداثة في جوانب اخرى. فمثلا فيلم (عودة الى المستقبل) ربما فيه نوع من الالتباس في الزمان والمكان ولكن ايضا فيه جانب قصصي قوي يعكس جانبا من خصائص افلام الحداثة. فالعديد من مظاهر الحداثة للسينما المعاصرة هي ليست جديدة. ورغم ان الادّعاء بتأثير ما بعد الحداثة لا يمكن انكاره او تجاهله تماما الاّ انها تبقى عرضة لعيوب واخفاقات نظرية وميدانية، وهي بالتأكيد غر كافية كاساس في تطوير علم اجتماع في الثقافة الشعبية. فلابد هنا من التأكيد بان اي نظرية كاملة يجب ان تأخذ بالاعتبار عنصرين رئيسيين هما اذواق المشاهدين او المتلقين وحاجة القطاع الصناعي للثقافة في تحقيق الارباح.

 

حاتم حميد محسن

................

من كتاب سوشيولوجيا الثقافة والهوية، تأليف هارلمبس و هولبورن، ترجمة حاتم حميد محسن، دار كيوان للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق 2010

 

 

ali mohamadalyousifالجدل الماركسي: موضوعة الجدل او الديالكتيك في التاريخ والفلسفة، قضية جوهرية معقّدة وحاضرة بقوّة، ومبتدأها في الفلسفة يمكننا ارجاعه الى زينون الأيلي وهيراقليطس وصولا الى كانط وهيجل وفويرباخ وأخيرا عند ماركس وأنجلز ومن بعدهما سارتر في الوجودية وفلاسفة البنيوية شتراوس والتوسير وغيرهم.

أن مرتكز الجدل المادي التاريخي وبؤرته في الفلسفة الحديثة وعلوم المعرفة هي عند الثلاثي (هيجل، فيورباخ، ماركس) أي في التوليفة المادية الجدلية التي اشترك بأيجادها وصياغتها هؤلاء الفلاسفة حصرا، فقد أخذ فويرباخ (المادية) عن هيجل، وأخذ ماركس عن هيجل أيضا (الجدل او الديالكتيك) ، بعدها عمد ماركس وانجلز باستقلالية تخليص مادية فويرباخ من تأمليتها التصوّفية غير الجدلية، وتخليص الجدل الهيجلي من مثاليته المقلوبة غير المادية، ليخرج ماركس بعدها بما عرف بقوانين المادية الجدلية التي تحكم المادة والتاريخ وهي:

1.قانون وحدة وصراع الاضداد

2.تحوّل التراكمات الكمية الى كيفية (نوعية)

3. قانون نفي النفي

ومن هذا السبق الفلسفي تشظّت تيّارات فلسفية ومعرفية عديدة في تبنّيها أو في مناوئتها وفهمها المغاير للجدل الماركسي، ليس بمعنى عدم أمكانية تفنيده وحسب وانما بمعنى الخروج عليه ونقده كما فعل سارتر واقطاب البنيوية شتراوس والتوسير وآخرون.

كما ونجد تداخلا مفهوميا مربكا في تناول الجدل الديالكتيكي بين تلك التيّارات، فعبارة سارتر على سبيل المثال (ان المادة حقيقة بشرية تكتسب معناها وخصائصها بفعل الانسان فقط.) انما تمثل مداخلة واضحة مستمّدة من الجدل الماركسي.وهذه عبارة لا تغني عن كتب ومؤلفات عديدة تفصح تداخل الوجودية مع الماركسية ليس على صعيد الجدل فقط وانما على مستوى جميع القضايا التي تهم الفلسفة والتاريخ والمعرفة والعلوم.

وقول هيجل (ان الفكرة بدون واقع هي فكرة صورية فارغة لا معنى لها، وتصبح الفكرة حيّة ولها امتداد من خلال الواقع فقط) هي مقولة لا تخرج عن الفهم المادي الجدلي الماركسي المنبثق اساسا من التفكير الديالكتيكي المثالي لدى هيجل.

لكن هذا لا يعني ان سارتر الوجودي المنشّق عن الماركسية أو التوسير البنيوي المنشّق هو الآخر عن الماركسية لا يعاديان الماركسية بضراوة، فالوجودية والبنيوية كلتاهما تناهضان الجدل الماركسي وتعتبرانه من مخلفّات الايديولوجيا والسرديات الكبرى التي لم تعد صحيحة ولا صالحة في دراسة التاريخ تحديدا وان عبارة أنجلز (ان انهيار جميع الانظمة الفلسفية التأملية أمر حتمّي) هي عبارة أكثر من استفزازية لدى متبنّي الطروحات الوجودية والبنيوية في التزامهم المنهج النقدي المثالي في مواجهة الماركسية بماديتها العلمية الجدلية.

استهداف الجدل الماركسي

هناك مقولات عديدة فلسفية صدرت عن سارترحول ادانة الجدل الماركسي كانت مثار نقاش فلسفي حاد وعنيف بين الماركسيين والوجوديين والبنيويين على السواء.فقد أصدر سارتر كتابه (نقد العقل الجدلي) وأصدرشتراوس كتابه (التفكير المتوحش) وأقتفى أثره لاكان في كتابه (كتابات) وأستقر المقام مع اكثرهم ضراوة عدائية للماركسية التوسير في كتابه (نقد راس المال) كما اصدر فوكو كتابه (الكلمات والاشياء) .

ان المرتكز الاساس في هذه المؤلفات وغيرها العديد كانت جميعها تدين الفهم الجدلي الماركسي، والتحليل المادي للتاريخ محاولين (تحويل مفهوم البنية المادية للوجود والاشياء الى مفهوم ميتافيزيقي مثالي) وتسويق الجدل برؤى مثالية بعيدة عن علاقة التأثير المتبادل مع الواقع العيني للمجتمعات البشرية.أي ابعاد الجدل عن محيطه الشغّال في الحياة الاجتماعية والطبيعة كما سبق لهيجل ذلك قبل تصحيح ماركس جدله المثالي.

وحين يوجّه النقد من البنيوية والوجودية الى الماركسية في صلب مرتكزها أن العامل الاقتصادي المتداخل بالحراك الاجتماعي هو مبعث التطور الذي يقود الى التغيير والتطور التاريخي، فان البنيوية تعمّدت من جانبها في المقابل الى أعتماد (علم اللغة) في فلسفتها كبنية محورية لها الدور الحاسم في احداث التطورات التاريخية.وأهتم كلود ليفي شتراوس باللغة على انها ظاهرة ثقافية تميّز الانسان عن الحيوان – وهي مقولة مقتبسة عن ديكارت – وان علاقة ارتباط اللغة الوثيق بالانثروبولوجيا تعتبر المرتكز الاساس الذي بموجبها يمكننا فهم التطور التاريخي، وليس الجدل الديالكتيكي الذي تعتمده الماركسية الذي اصبح من مخلفات السرديات الايديولوجية التي تمت مغادرتها حسب الادانة البنيوية.

ولتكريس هذا النمط من التفكير غير المادي يذهب شتراوس الى أن (التاريخ كعلم ينبغي فهمه من ان طبيعته لا تختلف عن طبيعة الاسطورة) .ويفهم من هذا أن التاريخ هو مجموعة أحلام جماعية أسطورية للشعوب والجماعات البدائية لا ينتظمها قوانين تحكمها تطوريّا، لكنما لا تخلو من عقلانية سحرية، وانها مراحل لا تاريخية تتقبّل الشروحات المتباينة الكثيرة عنها وفي دراستها.بمعنى أكثر تكثيفا أن شتراوس أراد أن يخرج التاريخ من تاريخيته التطورية والحضارية المادية تحديدا وينقله الى مصاف الاساطير والميثولوجيا والسحر.

الجدل والوجود غير الموجود

يميّز سارتر بين نوعين من الجدل التاريخي، الاول ويطلق عليه (الجدل الحقيقي) وهو الذي يعتبره خاصّية المجتمعات التي لها تاريخ، والثاني يطلق عليه (الجدل التكراري) القصير الأجل وهوما تختّص به المجتمعات البدائية التي لا تاريخ لها.1

كما أن سارتر يقارن بين الاثنولوجي، والمؤرخ في فهمهما جدل التاريخ: ( اذ يرى الاثنولوجي في التاريخ حركة تعرقل الخطوط – يقصد المسارات الحركية التطورية للتاريخ – في حين يجدها المؤرخ في دوام واستمرار البناءات.) 2اللاشعورية والشعورية المستنبطة من دراسة التاريخ بمنهج تأملي واحيانا في تجميع احصائي ميداني يفيد في تعميم خلاصة نتائج الجزء على الكل والخاص على العام.

ويطرح سارتر من خلال الجدل التاريخي اشكالية فلسفية معقّدة، هي الذات الانسانية والوجود الفردي للانسان منطلقا من (ان حقيقة الانسان تكمن في انه الموجود الوحيد الذي يسأل عن وجوده باستمرار، أوهو الموجود المتحقق براكسيا.) 3

أي أن الانسان يتساءل عن وجوده المقلق مرّة باعتباره موجودا كمعطى طبيعي انثروبولوجيا - بيولوجيا، وكينونة انسانية تاريخية متفردّة نوعيا، والتي تكون تساؤلاته الدائمية قرين وجوده غير المفارق، ومرّة اخرى يكون الانسان هو الموجود المتحقق براكسيا (بالفعل والعمل) كناتج وجوده في الطبيعة وفي تناقضاته الوجودية الدائمة المستمرة.

أن هذا السبق الجدلي يعود لصاحبه هيراقليطس الأب الروحي للجدل والتغييرفي مقولته: انك لا تعبر النهر مرّتين، وعبارته الجدلية (ان الوجود واللاوجود شيء واحد موجود وغير موجود) وكما هو مثبّت في تاريخ الفلسفة أعتمد هيجل كثيرا على آراء ومقولات هيراقليطس في اختراعه الجدل، منها هذه العبارة التي مرّت بنا وضّحها هيجل بقوله (ان حركة الشيء تفصح عن ان الشيء موجود وغير موجود ايضا، ) اي ان هيجل يقصد طالما ان (الحركة) تحكم كل شيء موجود، فيصبح حينها وجود الشيء متحركا لا يختلف عن وجوده ثابتا، فهو ثابت ومتحرك في نفس الوقت، موجود وغير موجود، والحركة تجعل من الموجود (الثابت) غير موجود في وقت واحد.

نلاحظ بالعودة الى سارتر انه يعبّر عن رؤى فلسفية ماركسية لم يستطع الخلاص منها لازمته، بأن الوجود الانساني يتحقق بالفعل الانساني (براكسيس) الذي يفارق به حياة الحيوان، كما نجد نفس هذه المداهنة مع الماركسية لدى ليفي شتراوس الاب الروحي للبنيوية قوله (ان للتاريخ والانثروبولوجيا موضوعا واحدا فقط مشتركا، هو الحياة الاجتماعية وان هدفهما الواحد فهم الانسان بشكل افضل واحسن) 4— معظم فلاسفة الوجودية والبنيوية وغيرها من تيارات فلسفية كانوا جميعهم ماركسيين وشيوعيين لذا نجد صعوبة خلاصهم من خلفياتهم الفكرية اللاشعورية -.

أن المنهج الجدلي الصارم (انما يفترض احلال المقولات التاريخية، محل المقولات المنطقية وبدلا عنها) 5 بمعنى ان دراسة الانسان تاريخيا في صيرورته المتغيّرة على الدوام، اي في واقعه، العملي والاجتماعي العيني هو ما تؤكد عليه الماركسية، بدلا من دراسة الانسان تاريخيا (صوريا تجريديا وظاهراتيا) في مقولات فلسفية منطقية يجري تداولها على مستوى الفلسفة وعلوم المعرفة.أي أن تلك المفاهيم المثالية هي التي تقوم عليها ادبيات الفلسفتين الوجودية والبنيوية، في التسليم ان الفكر التأملي التجريدي هو الذي يخلق للانسان تواريخه (مراحل التاريخ) على مدى العصور، التي تنعدم معها الصلة بالانسان كواقع عيني وجودي حيوي متغيّر ومتطّور غير ساكن. اي ان الانسان لا يصنع تاريخه بنفسه نتيجة حراكه الدائم طبقيا اجتماعيا .، وهي منطلقات فكرية مغرقة في مثاليتها الى أبعد الحدود.

من هنا نرى أهمية عبارة دي لاكروا (ان عصرنا يشهد نهاية المنهج المنطقي في تفسير التاريخ) .ليس بتأثير العلم وانجازاته العظيمة فحسب، وانما بأتجاه تأكيد أهمية تغيير الوجود الانساني نحو الافضل على صعيدي المعرفة والفلسفة على السواء.أي ( نهاية الجهد الانساني الذي يحاول الامساك بالعلاقات الثابتة بين افكار محضة تخرج عن الصيرورة التاريخية للفرد والانسانية) 6

واذا كان المنهج المنطقي الوضعي يفترض أمكانية معرفة الانسان والعالم من الخارج، فأن منهج الديالكتيك يكتشف النفس الانسانية وهي تعي ذاتها تدريجيا او عندما تخلق ذاتها من خلال تناقضاتها وايجاد حلول ومخارج منها لتطوير ذاتها.7

أنه مع الاقرار بالاختلاف أن الانسان لا يمتلك طبيعة واحدة غير متغيّرة او شبه ثابتة، أو طبيعة مشتركة ثابتة لا تتغيّر مع غيره من نوعه على مّر العصور، نجد البنيوية وقعت في مطب يحسب عليها لا لها، عندما حاولت تأسيس انثروبولوجيا معرفية تصورية استنباطية، في محاولتها الغاء الجدل المادي التاريخي، وشطب الغائية الحتمية في التاريخ كما تذهب له الماركسية، سواء في النظر الى دراسة المجموعات البشرية المتعددة من خلال التزامن وليس التحقيب التاريخي الذي تعتمده الماركسية، أي أن البنيوية درست مراحل تاريخية لعيّنات قبائلية واقوام كقطوعات تاريخية ساكنة، وليس من منطلقات التحقيب التاريخي الماركسي والحضاري للصيرورة التاريخية المراحلية المتغيّرة على الدوام في تظافر عوامل عدة تكون سببا في احداث تلك التطورات التصاعدية في التاريخ.

وعلى الرغم من الاختلاف في الطبيعة الانسانية بين الجماعات البدائية من جهة، وبين المجتمعات المعاصرة من جهة اخرى فانه (من الممكن – حسب البنيويون – ان يقوم هناك اتصال حقيقي، وتفاهم ايضا متبادل بين الفريقين المتمايزين.) 8 والمقصود بالتبادل والتفاهم هنا هو ايجاد استنباطات دراسية مستخلصة وفلسفة بناءات تجمع القضايا التي كانت تهم الجماعات البدائية مع المجتمعات المعاصرة من حيث ان البنيوية تذهب الى ان المشاكل والقضايا التي كانت تشغل الانسان قديما وحاضرا هي قضايا مشتركة تقريبا، ولا توجد فروقات جوهرية كبيرة بينها.ومن هذا الفهم والتبادل المقصود بين عدم وجود طبيعة انسانية واحدة ثابتة غير متطورة، وبين الاتصال الممكن الدائم بين شعوب وجماعات الجنس البشري، أعادت انثروبولوجيا البنيوية بصورة متجددة مسألة ايديولوجيا الوجود في تفسير تاريخ الجماعات والاقوام، لكن ليس بالاقتراب من الفهم الايديولوجي الماركسي الذي جرى نبذه وتحريم الأخذ به.

ولما كانت نقطة الضعف في الفلسفة الوجودية، هي الانطلاق من مسلمة (امتناع التواصل بين الذوات) الانسانية المنفردة، نجد سارتر يستنجد بايديولوجيا الوجود ايضا للخروج من مازقه الوجودي ان الانسان وجود لذاته بدلا من وجوده بذاته.

نماذج من التلفيق الساذج:

في ندوة للأحتفاء والترويج لأفكار التوسير المعادية للجدل الماركسي اثبّت هنا نموذجين من الابتذال الفكري احدهما لكاتب علي الرحال في جلسة من اعمال ندوة أقامتها مؤسسة مؤمنون بلا حدود تاريخ 16/5/2016 يقول فيها (يفهم التوسير الجدل على صعيد الايديولوجيا انها بنية جوهرية ومجموعة من الصور والتمثّلات التي تلقي الضوء على المعاناة الانسانية في الواقع المعيشي – ولا يلبث ان يناقض نفسه اي الكاتب مكمّلا على لسان التوسير – وان الايديولوجيا مجرد تصورات فكرية عن عوالم وهمية، رافضا وبشدة مقولة ماركس في وجوب ربط الايديولوجيا بالوعي.)

قبل التعليق على ماورد على لسان علي الرحال أنتقل الى نفس الكلام في ادانة الماركسية وفي نفس الندوة بعنوان:التوسير..اعادة قراءة الماركسية بعيون بنيوية، للكاتبة نزهة صادق تقول (دعت البنيوية الماركسيين الى اعادة قراءة الماركسية بعيون بنيوية، وانكار مبدأ الحتمية، وعدم اعتبار العامل الاقتصادي اساس الحركة التاريخية، والاعتراف بدور الدين والثقافة والفكر بحركة التاريخ)

وفي نفس الندوة شارك آخر ثالث بما أطلق على موضوعه (كوميديا الماركسية) التي تسبب له الماركسية السخرية والكآبة !!، ولم أجد في كل ماذكره جملة واحدة او عبارة تستحق الوقوف عندها.

أصحاب هذه الافكار من حقهم التعبير بما يعتقدونه صوابا بالنسبة لهم فقط ولا تلزم غيرهم الوقوف عندها الا من باب أن لا يمّر التشويه الفكري في تحميل الماركسية ما لم تقله وليس بها، وتعليقي ليس دفاعا عن الماركسية الغنيّة عن الدفاع عن منطلقاتها الفلسفية التي لا يدحضها تقادم الزمن بسهولة، ليس لأنها معصومة من الخطأ، ولكن لأن دعاة الطعن بها ومريديهم من المثقفين يبنون تصوراتهم المخطوءة من منطلق الدفاع عن افكار فلسفية مثالية تجريدية غير علمية، يقّر اصحابها بالعجز امام الكثير من الافكار الماركسية المادية التي تؤيد سلامتها مسيرة العلم وتقدم الحياة. ففي مقابلة مع باحثة متخصصة بافكار التوسيرلا يحضرني اسمها من امريكا اللاتينية سألت الباحثة التوسير من ضمن اسئلة عديدة، هو انك متهم نتيجة نقدك الماركسية، انتجت مجموعة من الخيالات الوهمية والافكار التجريدية التي لا رصيد حقيقي لها تاريخيا، أمام المنهج العلمي ألذي تتمتع بها الماركسية، وكان جوابه المحرج وهو كذلك وليس عندي ما أرد به لتفنيد هذا الادعاء!! اي أنّه بدأ يعي او لايعي، هل أن ماجاء به كان صوابا مقنعا لغيره أم كانت هذاءات فلسفية لا يجمعها رابط تحليلي علمي منهجي يعتّد الأخذ به في ادانة الفكر الماركسي.

أجد من السذاجة الفكرية ان نقّر ان ماركس اعتبر العامل الاقتصادي والاجتماعي المرتبط به، هو العامل الاساس الوحيد الذي تقوم عليه الماركسية في التطورالجدلي المادي للتاريخ في كتاب راس المال، وقد اكّد انجلز ذلك، وأنما أعتبر التناقض والتفاوت الطبقي يتصّدر أولوية عوامل الحراك مع غيره من عوامل في تحقق جدل التغييرالتاريخي، وان الدين والثقافة والفنون (بنى فوقية) لكل واحدة منها دورا تاثيريا متبادلا، ويرتبط بعلاقات جدلية لا يمكن اغفالها مع البنية الاقتصادية والاجتماعية (البنية التحتية) ، وهذه البنى الفوقية الثقافة والدين والفنون مفروزة عنها لكنها لا تعدم التاثير والتاثر بها ومعها في احداث جدل التغيرات التاريخية.

ومن نافل القول ان نقول في هذا المجال وان لم يكن هو موضوع مقالتنا هذه، بأن الاديان منذ بدء الخليقة والى يومنا هذا لم تلعب دورا تقدمّيا في حياة البشرية حتى نعتبر الدين عامل مهم في دراستنا التطور التاريخي، ونحمّل الماركسية مسؤولية أغماط او مصادرة دورالدين في المقولة المنسوبة لماركس (الدين افيون الشعوب) .

من الصحيح أن الدين أكل من تاريخ البشرية آلافا من السنين لكنه لم يكن بالضرورة عامل تقدم ايجابي في التقدم التاريخي الانساني، بل كانت الاديان والى يومنا هذا عامل حراك في استثارتها لنوازع التقدم المتقاطعة معها من عوامل تحريك التاريخ حضاريا.وأن التقدم التاريخي والحضاري الذي حصل هو من نتاج منجزات العلوم حصرا ولم يكن للاديان اي اسهام به يذكر.

الحتمية التاريخية الماركسية و مابعد الحداثة

كذلك مسألة الحتمية التاريخية التي تعتمدها الماركسية في المادية التاريخية، وهي مسألة تحتمل النقاش المستفيض، الا انه من المؤكد لا البنيوية ولا الوجودية ولا غيرهما من فلسفات حديثة، أعطت دحضا بديلا منهجيا علميا مقنعا يمكن الأخذ به في اعتبار الحتمية التاريخية التي جاءت بها الماركسية عفا عليها الزمن وأصبحت من مخلفّات الايديولوجيا.فلا تزال ساحة الفلسفة والفكر والمعرفة خالية من نظرية تاريخية تلغي وتبطل النظرية المادية التاريخية علميا وفلسفيا.وبهذا الصدد اشارت الباحثة الامريكية (كميل باليا) بان البنيوية في حجاجها الماركسية أثبتت انها فاقدة الصلابة الفكرية امامها.

وأن من المهم جدا الاشارة له أن الحتمية في التقدم التاريخي لم تكن حكرا على الماركسية فقط، بل أن فلسفات الحداثة وما بعد الحداثة، التي تعارض الوجودية والبنيوية على السواء في منطلقاتها الفكرية، فهي تلتقي مع الماركسية حول الحتمية التقدمية للتاريخ، طبعا من منطلقات لا تعترف بأهمية الجدل في المادية التاريخية حسب التنظير الماركسي التقليدي لها، في تحريك التاريخ نحو الامام، وتذهب هذه المنطلقات الفلسفية من واقعة أن الانسان بطبيعته مسكون بتغيير حياته ونشدان تحقيقه الأفضل على الدوام، وبحسب (جيدنجز) ، وهو من فلاسفة الحداثة صاحب النظرية الخطيّة العلمية في التطور التاريخي يذهب (أن التاريخ الانساني يصعد من مرحلة الى أخرى صعودا غائيا ارتقائيا دائميا) 9 وهي نظرية الحداثة في تطور التاريخ.واضح ان مابعد الحداثة تذهب الى التطور الغائي للتاريخ بفعل ما يشبه (الروح المطلق ) الذي دعا له هيجل مثاليا، ومأخذ الحداثة على التطور الماركسي للتاريخ هو من مصدر الأدانة الايديولوجية الماركسية في تفسير التطور الغائي.

أن نقد تيارات الحداثة وما بعد الحداثة التي تدين التطور الغائي المتصاعد للتاريخ، كما دعت له الماركسية من منطلق الادانة الايديولوجية للتفسير الغائي، وليس الفلسفي حصرا كما تفهمه وتدعو له فلسفات ما بعد الحداثة، وأبلغ تعبير عن ذلك يأتينا من ( يورغين هابرماس) أبرز فلاسفة مابعد الحداثة المعاصرين قوله وبنبرة قاطعة (ان أنساق التفكير الكبرى – السرديات الكبرى – قد سقطت ولم يعد لها وجود ) 10، الحداثة وما بعد الحداثة لا تخفي رفضها وتشكيكها بالتاريخ (الرسمي) المعاصرالقائم على اختلاف (الايديولوجيا) الذي كانت تتوزعه ثلاثة اقطاب ايديولوجية، ايديولوجياالفكرالشيوعي، وايديولوجياالفكرالرأسمالي، وفكرأوايديولوجيات العالم الثالث بمختلف تنوعاتها الهجينة التلفيقية.

واضح أن هابرماس يقصد الانساق الكبرى هي سرديات الايديولوجيا التي تتصدرها ايديولوجيا الماركسية. (التي لها حجج تنبؤية بالمستقبل وسقطت سقوط الانساق الفكرية المغلقة، والدعوة موجهة اليوم الى انساق فكرية مفتوحة تتلاقى فيها الافكار المتباينة المختلفة) . 11وهذا تأكيد أدانة صريحة هدفها الاساس النيل اكثر من (الايديولوجيا) الماركسية.

لكن أدانة التطور الغائي حداثيا لم يسلم هو الآخر من نقودات لاذعة خارج مدارات التفلسف والايديولوجيا، في ( أعتبار أن حكاية التاريخ الصاعد في المجتمعات المختلفة كلام باطل، والا لماذا ظهرت الفاشية والنازية لو أن المسألة تتعلق بالارتقاء الصاعد كما يزعم انصار الحداثة، فالحقيقة ان التاريخ ليس صاعدا على الدوام بل قد يرتد ويتراجع ومن ثم يتقدم، ونظرية التقدم التاريخي المطلق قول لا اساس له من الصحة) 12. وهذه الانتقادات اللاذعة هنا تدين الارتقاء الايديولوجي للتاريخ وحصرا ايديولوجيا الماركسية، بنفس وقت ادانتها للارتقاء التاريخي (الفوضوي) الذي تنادي به الحداثة وما بعد الحداثة.علما ان البنيوية لا تؤمن أصلا بوجود تاريخ كانت لارادة الانسان دورا في تشكيله وانبثاقه.وبذا تبقى الغائية او الحتمية التاريخية تدور في دائرة مغلقة لا يعرف أمدها.

 

علي محمد اليوسف – الموصل

........................

الهوامش

1. عبد الوهاب جعفر/ البنيوية في الانثروبولوجيا وموقف سارتر/ ص204

2. المصر السابق نفسه ص 199

3. المصر السابق ص 211

4. المصدر السابق ص 216

5. المصدر السابق ص 222

6. المصدر السابق ص 225

7. المصدر السابق ص 231

8. المصر السابق ص 237

9.ا. سيد ياسين، نقلا عن ندوة فكرية، الحداثة وما بعد الحداثة، ص 19

10. نفس المصدر السابق ص 20

11. نفس المصدر ص 20

12. نفس المصدر ص21

* يراجع مقالتنا المنشورة على صفحات المثقف الغراء (التاريخ ماكان وليس ما سيكون ) وبعنوان جديد التاريخ ووهم التطور الغائي.

http://www.almothaqaf.com/index.php?option=com_content&view=article&id=923920&catid=288

 

 

 

hatam hamidmohsin2بعد ان عادت فلسفة العلوم والاخلاق والسياسة في الغرب لتتخذ مرة اخرى المسار الما بعد حداثوي للنسبية واللاعقلانية، فلا شيء افضل من الالتفات الى كارل بوبر (1902-1994) وفلسفته في العقلانية النقدية. (1)

الفلسفة كمشكلة

في اكتوبر عام 1946 قرأ كارل بوبر ورقة مثيرة للجدل في نادي صغير للعلوم الاخلاقية بجامعة كامبردج في انجلترا. انه نادي خاص للنقاش. كان من بين الشخصيات المميزة في النادي لودفيغ فيتغينشتاين (1889-1951)، وهو احد الدعامات الاساسية لـ"الفلسفة اللغوية". هذه الطريقة في ممارسة الفلسفة بدأها Moritz Schlick في حلقة فيينا في الفترة ما بين الحربين العالميتين. بوبر تلقى الدعوة للحديث في نادي كامبردج كفرصة ثمينة لمواجهة فيتغينشتاين، بطل التفلسف اللغوي وهي الممارسة التي اعتبرها بوبر منذ شبابه في فيينا ليست اكثر من لامعنى. برتراند رسل احد الذين اعجب بهم بوبر كان من بين الحاضرين بانتظام وكان بوبر اعتبره حليفا له في خلافه ضد الفلسفة اللغوية والوضعية واراد اظهار فهما عميقا معه اثناء الجلسة. حديث بوبر كان بعنوان "هل هناك وجود للمشاكل الفلسفية؟"، اعتقد بوبر ان الفلسفة تعاملت ويجب ان تتعامل مع المشاكل الحقيقية. لذا هو اراد مهاجمة فيتغينشتاين الذي كان على عكس بوبر يؤمن بعدم وجود مشاكل في الفلسفة وان ما موجود هو فقط الغاز لفظية. يرى فيغينشتاين ان مهمة الفيلسوف كانت توضيح المفاهيم وتصحيح استخدام الكلمات، وحل الالتباسات اللفظية . هذه كانت المهمة التي سخر فيتغينشتاين لها نفسه في اول كتاب له (رسالة منطقية فلسفية) عام 1922. لاحقا، وفي اوراق جُمعت بعد وفاته بعنوان تحقيقات فلسفية(1953)، هو لم يكتف بالدعوة الى حل الاشكالات الفلسفية باستخدام اللغة دون غموض وانما قام بهذا عمليا . وعلى اية حال، هو اعتقد بمذهب حلقة فيينا في ان الفرضيات ذات المعنى تكون فقط على شكل نوعين: افتراضات تحليلية وتعني تيلولوجيا منطقية ورياضية، وافتراضات تجريبية يتم التأكد منها بالملاحظة. كل شيء آخر هو ميتافيزيقا لامعنى له.

وعلى عكس ذلك، كان بوبر دائما يعتقد بان على الفلاسفة ان يواجهوا المشاكل الواقعية حتى لو لم يستطيعوا حلها بشكل كامل: مشاكل مثل فشل الاستقراء ، طبيعة الاحتمالية، العلاقات بين السبب والنتيجة، امكانية الرغبة الحرة، معنى الافتراضات الاخلاقية. (كان دائما يلوم من يضع في بحثه فقرة ماهي المشكلة؟بقوله ان المشكلة لا يمكن فهمها كليا الا بعد ان تُحل). في الحقيقة ان كل اكتشافات منطق العلوم الذي صرف فيه بوبر جزء كبير من وقته، هو "ميتافيزيقي"لكنه لايزال مليء بالمضمون والمعنى.

الطريقة العلمية

في رسالته للدكتوراه عام 1928، عرض بوبر حلا جزئيا لعدد من المشاكل الاساسية في نظرية المعرفة. الاولى كانت حول الخط الفاصل demarcation line الذي وضعه وضعيو حلقة فيينا بين الفرضيات ذات المعنى وتلك التي بلا معنى . خطهم الفاصل بين الاثنين كان حول ما اذا كانت الفرضيات قابلة للاثبات تجريبيا ، فاذا لم تكن كذلك فهي بلا معنى . يرى بوبر ان لا وجود لفرضيات ذات معنى يمكن اثباتها، خاصة الفرضيات الاخلاقية والجمالية. الخط الفاصل لديه لم يكن بين الفرضيات ذات المعنى وتلك التي بلا معنى وانما بين الفرضيات العلمية(يمكن دحضها) وتلك الغيرعلمية(اي التي لا يعرف المرء كيفية دحضها)(2).

المشكلة الثانية التي حلها بوبر جوهريا كانت مشكلة الاستقراء. ديفد هيوم اشار الى اننا لا نستطيع التأكد من ان الشمس ستشرق غدا فقط لأنها اشرقت مرارا وتكرارا في الماضي. بوبر عمم هذا بالقول انه يستحيل الاعلان عن صحة النظرية عبر المشاهدات المتكررة لظروفها، ما هو ممكن فقط هو دحضها عندما نكتشف ان تنبؤاتها كاذبة. المرء يستطيع فقط الزعم متاكدا ان فرضية جميع البط هو ابيض بالاستقراء بعد ملاحظة جميع البط في الماضي والحاضر والمستقبل، هذه المنهجية ليست مثمرة جدا. من هنا يطرح بوبر استنتاجين اساسيين: انه من الخطأ السعي الى اليقين، وان المعرفة لم تتقدم عبر اثبات او تأكيد الفرضيات وانما عبر محاولات دحضها.

وكما اشار بوبر ان حل اي مشكلة سيثير مشكلة اخرى جديدة. الطريقة العلمية هي اكثر من مجرد تطبيق ميكانيكي للطريقة الاستنتاجية الافتراضية. التفنيد هو نادرا ما يكون نهائي واحيانا يتمسك المرء بالنظرية المفندة ليعطيها صلاحية لما يترتب عليها من نقود- لكن هذا يستمر فقط ليوم آخر. نشير هنا الى صورة ادبية على الغلاف الخارجي لكتاب (منطق الاكتشافات العلمية، 1959) تذكر ان "النظريات هي كشباك الصيد، فقط من يقوم برميها هو الذي سيصيد".

المجتمع القبلي (المغلق) والمجتمع المنفتح

 في كتاب "المجتمع المنفتح واعداؤه لكارل بوبر 1945، 1957"نجد على غلاف الطبعة الاسبانية صورة لاولئك الأعداء الثلاثة وهم افلاطون وهيجل وكارل ماركس. كان للكتاب تاثيرا عميقا في الولايات المتحدة وبريطانيا. ذكر بوبر لأحد اصدقائه انه وبعد ان اعلن هتلر عن ضم النمسا لالمانيا النازية بدأ يفكر ان كان يتوجب عليه قتل هتلر. هو قرر تحطيم الفلسفة التي جسدت فكر القيادة الالمانية. ذلك خلق فضيحة في الحلقات الاكاديمية بسبب ذلك الحماس الكبير في تدمير اولئك المفكرين الكبار الثلاثة. رفض بوبر فكرة التاريخية التي ترى ان التاريخ يتطور بشكل مستمر وضروري طبقا لقوانين عامة ممكن معرفتها نحو غايات حتمية ودقيقة، واعتبر هذه الرؤية هي الافتراض المسبق الذي يؤطر كل اشكال التوتاليرية والسلطوية ، فالتاريخية يراها تأسست على افتراضات خاطئة بشأن طبيعة القانون العلمي والتنبؤ. فاذا كان النمو في المعرفة الانسانية عامل سببي في تطور التاريخ الانساني، وبما ان "لا مجتمع يستطيع التنبؤ بوضعه المستقبلي من المعرفة"، يتبع ذلك ان لا وجود لعلم تنبؤي للتاريخ الانساني.

 بوبر تحدى افلاطون كعدو رجعي لاثينا وكصديق لسبارتا. برنامجه السياسي لا يسمو اخلاقيا على التوتاليرية ، وهو في الاساس مشابه لها. هو يقول ان افلاطون يعترف فقط بمعيار نهائي واحد هو مصلحة الدولة. كل شيء في هذا المجال هو جيد واخلاقي وعادل ، وكل شيء يهدد الدولة هو سيء وشرير وغير عادل. الافعال التي تخدم الدولة هي اخلاقية، وتلك التي ضدها هي غير اخلاقية، بكلمة اخرى، برنامج افلاطون هو برنامج نفعي صارم يضع الدولة قبل الفرد.

وبوبر اتُهم بسوء الفهم العتيق للثقافة اليونانية وبعدم القدرة على فهم الفلسفة الالمانية. وفي الدوائر المحافظة كانت هناك صدمة اخرى في رؤيته لماركس بتعاطف اكثر من شعوره نحو افلاطون وهيجل. قد لا يتفق البعض مع بوبر حول نقده لافلاطون، ولكن يجب تذكير المعجبين بجمهورية افلاطون انهم يجب عليهم تأمل خطر الفيلسوف-الملك ومقارنة ذلك الحوار بالخطاب الجنائزي لبريكلس في الذكرى السنوية الاولى لحرب البيليبونيسية بين اثينا وسبارطا.

وبالنسبة لهيجل فهو اصل التاريخية المعاصرة ، وهو باعتباره خادما للدولة البروسية كان اسوأ من افلاطون، لا نجد هناك اسوأ من الصورة التي خلقها بوبر عنه. لنتذكر معركة جينا عام 1806 التي سحق بها نابليون الجيش البروسي. كتب هيجل قائلا"انا رأيت الامبراطور ، روح العالم، يسير ممتطيا حصانه متأملا مملكته". للمعجبين بهيجل يمكن القول انهم في مثل هذا النمط من إعطاء الاشياء اقل مما تستحق لابد ان تكون لديهم صعوبة في فهم لغته الالمانية.

وفي نقده لماركس اعلن ان الماركسية هي مشابهة للنظريات النفسية. فهي تتألف اساسا من ادّعاءات لا يمكن تفنيدها، وهي كانت تاريخية، ولهذا لا يمكن وصفها بالعلمية. ماركس ادّعى ان نظامه السياسي تنبؤيا . لكن ماركس لم يتبع المعايير الصارمة للتفنيد ، فعندما فشلت تنبؤات النظرية (مثل فشل الطبقة العاملة بالثورة في اوربا) فان النظرية لم تُرفض.

مستقبل التاريخ لم يُكتب بعد

تحليل بوبر لفلسفة ماركس يركز بالاساس على اخطاء التاريخية "historicism "التي ورثها من هيجل. التاريخية ترى ان التاريخ يتبع مسارا ضروريا. البعض اعتقد ان هدف العلوم الاجتماعية هو التنبؤ بتطور التاريخ. محاضرات بوبر في التاريخية نبهت الناس الى فكرة ان التاريخ لم يُكتب بعد. هو طور هذه الفكرة في كتابه(فقر التاريخية، 1947)، فيه ميز بين نوعين من النظريات في التاريخ: "ضد الطبيعي"(رفض تطبيق العلوم الطبيعية على العلوم الاجتماعية) و "المناصرة للطبيعي"(تطبيق العلوم الطبيعية على العلوم الاجتماعية). الاولى اعتبرت المجتمعات الانسانية لا يمكن دراستها بطرق العلوم الطبيعية، اما الثانية ترى ان طرق الفيزياء يجب ان تطبق على السوسيولوجي. النظريات الهيجلية تنتمي الى النوع الاول لأن هيجل يرى التاريخ تطور للذهن او العقل. النوع الثاني من النظريات اقترحها اوكست كومت، فيه رأى ان ملاحظة البيانات الايجابية كشفت عن ان المجتمعات الانسانية تقدمت بالضرورة نحو التنظيمات الشمولية والمركزية.

بوبر كان مقتنعا بالقول "نحن لا نستطيع التنبؤ بمستقبل اكتشافاتنا العلمية بواسطة الطرق العلمية او العقلية ". لو استطعنا ذلك، فهي لا يمكن ان تكون المستقبل. هذه الاعتبارات تنطبق ايضا على التكنلوجيا كما كشفت عنه تجربة الخمسين سنة الاخيرة.

سبب تعامل بوبر مع ماركس بتعاطف كبير هو ان ماركس انتج بلا قصد نظرية قابلة للاختبار عن النزعة الضرورية للرأسمالية نحو الاحتكار والافقار الحتمي للطبقة العاملة وان هذه النظرية ثبت زيفها عبر المسار الذي اتبعه المجتمع الغربي . هناك ايضا شعور بوبر العاطفي نحو الديمقراطية الاجتماعية التي دعا اليها Malachy Hacohen (2002) والتي شجعت بوبر لتوجيه اللوم لقسوة الرأسمالية المبكرة وتفضيله دولة الرفاهية.

Library of Economics and Liberty,5 Feb 2018

 

حاتم حميد محسن

. . . . . . . . . . . . . . . . .

 

الهوامش

(1) العقلانية النقدية critical rationalism هي فلسفة ابيستيمولوجية طورها كارل بوبر، وترى بوجوب اختبار جميع الاجوبة مع ابقاء العيون مفتوحة نحو الفشل. بوبر لا يعتقد بان النظرية هي نهاية البحث وانما هي البداية. جميع الادّعاءات المعرفية هي بالنهاية نظرية قابلة للدحض، انها مجرد تخمينات نستطيع اختبارها لكنها لا يمكن ابدا ان تصبح مؤكدةً عبر اجتياز تلك الاختبارات. لا يمكن ابداً تأسيس حقيقة بأي مقدار. ان تفنيد النظريات العالمية ممكن منطقيا، نحن نحتاج فقط الى حدث مضاد واحد. فرضية "كل البط ابيض" لا يمكن اثبات صحتها باي عدد محدد من الشواهد الايجابية للبط الابيض، ولكن ممكن دحضها فقط بحالة واحدة من البط غير الابيض، وبهذا فان هذه النظرية بالنهاية جرى دحضها بعد اكتشاف بط اسود في استراليا.

(2) منهجية بوبر الفلسفية تؤكد بان النظريات العلمية تتميز باحتوائها على تنبؤات ربما ينكشف زيفها في الملاحظات المستقبلية . وعندما تُدحض النظريات بمثل هذه الملاحظات يستجيب العلماء اما باعادة مراجعة النظرية او برفض النظرية لمصلحة المنافس لها، او عبر الإبقاء على النظرية كما هي مع تغيير الفرضيات المساعدة، وفي جميع الاحوال، هذه العملية يجب ان تهدف الى انتاج تنبؤات جديدة يمكن دحضها. يرى بوبر ان العلماء حين يحققون في النظرية فهم يقومون بمحاولات متكررة وصادقة لتفنيدها، بينما انصار النظريات الميتافيزيقية يتخذون وبشكل روتيني معايير لكي يجعلوا الواقع الملاحظ ينسجم مع تنبؤات النظرية. اذاً النظرية وفقا لبوبر تُعتبر علمية فقط عندما يمكن تفنيدها، هذا قاده لمهاجمة الماركسية ونظريات التحليل النفسي باعتبارها نظريات لا يمكن تفنيدها.

 

 

ali mohamadalyousifعديدة هي الانتقادات اللاذعة التي واجهتها تيّارات الفلسفة البنيوية، من فلاسفة ومدارس عديدة مناوئة لطروحاتها الفلسفية، كونها (البنيوية) أثارت اشكاليات في الفكر الفلسفي جديدة غير مسبوقة في تاريخ الفلسفة، استلزمتها واحتاجت معها الى نقودات متباينة معها او ضدها، جاءت في مقدمتها من مفكرين وفلاسفة ماركسيين وغير ماركسيين، تلاهم بالتزامن معهم فلاسفة الوجودية الحديثة لعل أبرزهم كان سارتر، في مسألتين او منحيين اثنين نسلّط الضوء عليهما دون غيرهما من قضايا البنيوية الاشكالية المتعددة التي لا تزال وستبقى لفترة غير محدودة مثار نقاش وحوار فلسفي مستمر.

الاول: التاريخ البدائي

التركيز البنيوي تاريخيا على (الاثنولوجيا) دراسة تاريخ الجماعات البشرية البدائية، التي اعتمدها أبرز اعلام الفلسفة البنيوية بمختلف الاختصاصات (شتراوس) في دراسة تاريخ انثروبولوجيا الحضارة، (التوسير) في نقده الماركسية وكتاب رأس المال، (لاكان) في علم النفس، الالسنية وعلوم اللغات (دو سيسير و فنتنجشتين) و (هابرماس) على صعيد التواصل الانساني المفتوح الفضاءات، و (فوكو) في تاريخ الجنسانية وتاريخ الجنون و (جان بياجيه) في الفلسفة وهكذا.

أعتبرت البنيوية أن دراسة الاقوام البدائية تمتاز بأنها تعنى بأقوام، كانت تعد خارج التاريخ البشري، ولا تمتلك تاريخا مدّونا وليس لها تاريخ بالمعنى التاريخي المتغّير والمتطّور، والمتعذّر رصد تغييراته المتسارعة أسوة بغيره كما في تاريخ شعوب ما قبل التاريخ التي عرفت الحضارة الزراعية والصناعات المعدنية البرونزية اليدوية بأبسط اشكالها واشتمالاتها، وأعتبرت البنيوية تلك المراحل البدائية، مقارنة بالتاريخ الانساني لمراحل ماقبل التاريخ المدّون والموّثق تنقيبيا وآثاريا على انها مراحل اللاتاريخ البشري.

كما أعتبرت البنيوية التاريخ البدائي (تاريخ ساكن) بحكم طبيعة العقل البدائي في ثباته ومحدوديته، وبالتالي أصبح هذا التاريخ أنموذجيا في التناول المنهجي البنيوي البحثي المتعدد التيارات، الذي تخدمه (حالة الثبات والسكون) التي تعتري التاريخ البدائي وتقعده عن الحركة التطورية السريعة المتلاحقة.

ان هذه المسألة التي اعتمدتها مرتكزا اساسيا الفلسفة البنيوية، أثارت حفيظة الماركسيين من الذين أعابوا على البنيوية انها لم تجد في التاريخ الانساني، الا المجتمعات البدائية ما قبل التاريخ، لدراسة تاريخها على وفق منطلقات أسمتها (قطوعات التاريخ) ميزتها ثبات وسكون تلك المجتمعات تاريخيا ومراحليا بما يفتح المجال الى دراستها وتحليلها الانثروبولوجي بدقّة وتناول أيسر.

واذا كانت البنيوية نجحت في اقامة بناءات نسقية معرفية تحت مسمى (التكوين الثابت) للانسان، وتشابه قضاياه في مختلف الازمان والعصور، ليس على صعيد الحقب التاريخية البدائية السحيقة وحسب، وانما على صعيد التاريخ الساكن للانسان في مختلف المراحل التاريخية، لأن مشاكل الانسان كانت وبقيت ثابتة ومتشابهة لم تتغيرجوهريا على حد زعم البنيوية. لكن ما يلحظه الدكتور الباحث فؤاد زكريا وآخرين عديدين غيره من باحثين ماركسيين ووجوديين، أن البنيوية تغاضت واخفقت معا ولم تنجح في تعليل التقدم التطوري والتاريخي الى حد اعتقادها بان ما يدعى التقدم البشري بفعل الاشكاليات البشرية المتنوعة والمتتالية هو محض خرافة ووهم، وان التحديات التاريخية سراب خادع ولم تكن في يوم من الايام عاملا لتقدم حضاري من أي نوع كما ذهبت له البنيوية في ادبياتها البحثية والفلسفية.

ولقد ذهب فوكو الى أبعد من ذلك في قوله: انه يتجنب الخوض في ومع كل ما له صلة بمقولات التحّول والتغيير، ولا يرى في كل مرحلة تاريخية الا (ثوابتها) فحسب، ووصل الحد به الى التشكيك بالانسان نفسه، واسقاط التاريخ البعدي القديم والحديث والمعاصر من الحساب الفلسفي البحثي البنيوي نهائيا باستثناء الوقوف عند مراحل اللاتاريخ الذي تمثله الاقوام البدائية.باعتبارها مراحل بشرية خارج التحقيب التاريخي .

لقد انساق خلف هذه المنطلقات الفلسفية البنيوية العديد من الذين انشقّوا عن الماركسية، ربما كان ابرزهم (التوسير) في استهدافه المادية التاريخية وكتاب رأس المال في انتاج ماركسية خيالية وهمية تعتمد خطابات تجريدية واقامة بنى نسقية لا تمّت بأدنى صلة لها مع الواقع العيني، وعجزت عن دحض الاسس المادية والجدلية التي قامت عليها الماركسية. وأكثر من ذلك نجده عند اقطاب البنيوية الذين سقطوا في الذهان التجريدي الفلسفي، وخلقوا أنساقا معرفية خارج اهتمام مركزية الانسان وجعلوها حقائق في مواجهتها الفكر المادي والماركسي تحديدا.

ومن أبرز الامور في هذا المنحى البنيوي، أن غالبية مدارسها أستقت ينابيع تفلسفها من التاريخ الاسطوري والميثولوجي، الذي أعتبرته البنيوية الأنموذج الأمثل لدراسة القطوعات التاريخية الساكنة التي لايحكمها التغيير او التطور والتبديل.وبذلك تسهل وتتوفر دراستها، وفي اعتمادها الاساطير كما يعتمدها علم النفس على انها حلم جماعي لاشعوري لدى جميع الشعوب قبل وبعد التاريخ، متجاهلة تماما أن ارتباطات مثل اللغة والاسطورة والدين والطقوس والمجتمع او القرابة و القبيلة، والزواج جميعها مرتبطة بالانسان ووجوده الارضي بعرى وثيقة جدا لا ينفع معها المكابرة في تقليل اهميتها في دراسة أي منحى تاريخي او معرفي او فلسفي مبتور لغرض الحصول على استنباطات تعميمية ربما كانت تلك المفردات الحياتية بعيدة جدا عن سياقاتها الاجتماعية والانسانية والتاريخية كما حصل في التوظيف البنيوي لها.

كما ان الاسطورة التي هي حلم جماعي لا شعوري للشعوب البدائية كما يذهب له علم النفس الفرويدي، الذي يختلف دلالة ومضمونا مع مفهوم البنيوية له، ففي علم النفس يكون المحلل النفسي أعلى مرتبة تمييزية عن المريض، ويعد الطبيب النفسي نفسه، أعلى مرتبة انسانية عن الشخص المعالج، مادام يستطيع كشف أبعاد أعمق من تلك التي يبوح بها الشخص له عن تجاربه العفوية.اما في البنيوية في اتجاهها التحليلي البنيوي السايكولوجي عند (لاكان) فان المحلل النفسي (لا يعتبر نفسه سوّيا وسليما بالقياس الى من يقوم بتحليله، كما لا يتخّذ منه اي موقف مميز عنه) 1

الثاني: النزعة الانسانية

البنيوية بحسب النقاد الماركسيين لها، يلازمهم ومعهم (سارتر) وأقطاب الوجودية الحديثة مثل هيدجر، (فقط بمنطلقات متباينة مختلفة كما سيتضح معنا لاحقا) ، يجمعون على ان البنيوية ألغت في فلسفتها مسألتين على جانب كبير من الأهمية في تاريخ الفلسفة، (الذات / والانسانية) واقصتهما نهائيا من التفكير الفلسفي ب (المطلق) ، بما يترتّب عليه نسف التاريخ الفلسفي السابق على البنيوية.ان لم يكن نسف ضرورة ذلك التاريخ في عزل البنيوية الانسان كمحوروجودي مركزي في جميع وعلى امتداد تاريخ الفلسفة القديمة والمعاصرة.

قبل التطرق لرد البنيوية على الماركسيين والوجوديين، نرى انه من المتعذّر لأي جديد في الفلسفة الغاء (الذات) والغاء (النزعة الانسانية ) من الفلسفة، وماذا يتبقى منها بعدئذ؟ ولمن تخاطب او تكتب من أجله أو له؟ معظم تاريخ الفلسفة في أشد تجريداته وميتافيزيقيته الفلسفية لم يكن الانسان غائبا ولا مغيّبا منها، كمحور مركزي في التفلسف (مرسل ومتلقي) (فاعل ومفعول) (وجود وقضايا) (كينونة وجوهر) (حياة وموت) (خير وشر) وهكذا، ليقوم العقل بعدها وحقول المعرفة والعلوم في اختصاصات الاجتماع، علم النفس، الاقتصاد، السياسة، وامور عديدة لا حصر لها بدورها المكمّل أو المفارق، وفي مختلف شؤون الحياة المتعالقة بالفلسفة.

علما ان الوضعية المنطقية هي الاخرى كانت سبقت البنيوية في تجاهلها موقع الانسان المحوري في الحياة والوجود.وفي معرض دفع (سيباج) هذه المثلبة عن البنيوية يقول (ان كل ما ينتمي الى مجال الانسان لا بد ان يكون من صنع الانسان، ثم لا يصح ان نتصور البنيوية على انها نظرية تجعل أصل الانساق التي تفسر بها الظواهر الانسانية خارجا عن نطاق الانسان.) 2

ان كل تجاوز للنزعة الانسانية فلسفيا، يجعل من تاريخ الفلسفة قبل البنيوية، تراثا كميّا استذكاريا لا نفع له، ولا علاقة صحّية تربطه بالانسان كوجود نوعي في الحياة التي نحياها على الارض.وأن تاريخ الفلسفة مدموغا بعدم الفاعلية الانسانية، انما تريده البنيوية خطابات من السرد المنطقي، وأنساق فارغة أجترارية لمفاهيم موغلة في التجريد من جهة، وموغلة في الغياب من الاسهام لتغيير العياني الواقعي، و التي استنفدت جميع متبنيّاتها ومجالات تناولها البعيدة عن تحقيق حلول حيوية ماثلة في حياة الانسان المعاصر.

مؤكد اننا ليس بمقدورنا ان نصادر منطلقات فلسفية تشغل الباحثين عقودا طويلة مثل الفلسفة البنيوية قبل ان نتبيّن ردودها ووجهة نظرها وتعليلها لمثل تلك التوجّهات المصادرة للذات والنزعة الانسانية، خاصة ان ماتدّعيه البنيوية بانها بصدد قلب جميع المفاهيم الفلسفية السابقة عليها من اجل خلق انساق وبناءات لخدمة العلم وتقدم الحياة الانسانية وهذا التوجه لا يخدم الغرض المعلن عنه بوسائلها المحدودة القاصرةعلى الاقل.وليس من الواقع في شيء ان تخرج البنيوية الفلسفة من ذاتيتها الانسانية مهما كانت الذرائع التي ترفعها، على صعيدي التفلسف، وصعيد التلقي الاستقبالي.

كانت البنيوية موفقّة في ادانتها لوجودية سارتر انها فلسفة مغرقة في ذاتيتها غير الانسانوية على مستوى المجموع، وهو شيء لا تنفرد به البنيوية عن سائر منتقدي وجودية سارتر، المغرمة بالتشاؤم والعدم، واللاجدوى، وان الانسان قذف به بمحنة الحياة، حاملا حريته المسؤولة عن ذاته وعن الاخرين الذين هم الجحيم، وعليه خلاص نفسه بقواه الذاتية منفردا من المأزق الوجودي كما في دعوة بوذا.

كما أعتبرت ذاتية سارتر الفلسفية ذاتية متضخّمة ومتطرّفة لكن ماهو مهم اكثر، وجوب التفريق بين تأكيد سارتر (للذات الانسانية) التي يحاجج بها البنيوية ويحمّلها مسؤولية اضاعتها، وبين (النزعة الانسانية) التي تطالب الماركسية بها البنيوية لأضاعتها لها. فالنزعة الانسانية التي يدّعيها سارتر في فلسفته هي غيرها النزعة الانسانية التي تريد الماركسية حضورها في الفلسفة البنيوية وتفتقدها.و أن البنيوية مهما سعت وبذلت من جهد في ربط منطلقاتها الفلسفية بعلم النفس او الانثروبولوجيا اوالتاريخ، اوعلم الاجتماع او اللغة او الفلسفة وغير ذلك فهي بالنتيجة عاجزة عن تحقيق منجز تدّعيه بصدد اقامة (بناءات نسقية) تدّعم مسار العلوم وتساهم بتطويرها وتقدم الحياة بالتزامن مع اعلانها الفلسفي المتشدد ان دور الوجود الانساني في التاريخ اصبح خارج مقولات البحث الفلسفي والمعرفي.

محاورة جان بياجيه:

هنا نعيد قبل ان نعرض محاججة (جان بياجيه) على أدعاءات كل من الماركسيين وسارتر المختلفتين حول (الذات، والانسانية) وتقاطع واختلاف سارترحول النزعة الانسانية الذي اشرنا له سابقا مع البنيوية، عنه في تقاطع واختلاف الماركسية في فهمها النزعة الانسانية المصادرة فلسفيا عند كل من البنيويين وسارتر على السواء.

يذهب بياجيه في رده على نقد سارتر للبنيوية، وتأكيده أهمية محورية الذات الانسانية في فلسفته الوجودية، التي أتهم سارتر بها البنيوية العبور عليها ومجاوزتها

بافتعال غير مقبول او مبرر، فكان رد بياجيه : (ان الذات الانسانية التي يؤكدها سارتر لا تشيّد بناء العلم بحكم طبيعة عملها انها تجريدات لا شخصية، لا يمكننا الاستدلال عنها الا من خلال هذه التجريدات فقط) 3وليست هي (ذات) فاعلة يعتد بها من واقع تأصيل النزعة الانسانية كفاعل تنموي في مجرى الحياة.

ويمضي بياجيه في التوضيح أكثر انه يوجد فرق كبيربين العلاقات الشخصية التي تختفي من خلالها الذات الانسانية، كنزعة فطرية (انسانية مجتمعية) ، وبين ما يطلق بياجيه عليه (الذات الانسانية في مجال المعرفة) ، وهذا بحسب بياجيه فرق كبير وهام، اذ يجد بياجيه ان التخلي عن الذات الانسانية في مجال المعرفة، انما يحررنا في تخلّينا عن اتجاهنا التلقائي في التمركز حول انفسنا، و (نتحرر من ذاتية العلاقات الشخصية، ولا يكون هناك بعدها للذات وجودا بوصفها ذاتا عارفة، الا بمقدار ترابطاتها المتداخلة التي تتولد منها البناءات) 4..

ونكمل مع بياجيه توضيحه: ان البنيوية تفرق بين (الذات الفردية) التي لا تأخذ منها موضوعا للبحث الفلسفي على الاطلاق، وبين (الذات المعرفية) أي تلك النواة التي تشترك فيها الذوات الفردية كلها على مستوى واحد، وهي موضوع الفلسفة ان صح التعبير، كذلك تفرق البنيوية بين ما تحققه الذات بالفعل، وما بين ما يصل اليها وعيها، وهو محدود بطبيعته، وما تركّز البنيوية عليه هو اهتمامها بتلك العمليات التي تقوم بها الذات وتستخلصها بالتجريد من افعالها الذهنية العامة.5

ان ما يلاحظ على حجة بياجيه تجاه درء تهمة اغفال البنيوية النزعة الانسانية، ركيزة الفكر الفلسفي الماركسي انها لم تكن مقنعة بما فيه الكفاية، اذ عمد بياجيه باسلوب تجريدي صرف تفنيد مقولات فلسفية تاريخية علمية ومادية صلبة لا تزال تمتلك حراكها العملياني الواقعي المقبول، وحضورا انسانيا فاعلا في مجرى الحياة وتداخله معها.ولم يكن بياجيه الوحيد الذي وقع بمطب التجريد الفلسفي المسرف في مناكفة وتضاد مع الماركسية اذ نجد ان (ألتوسير) كان أنشطهم وأبرزهم تأثيرا في نقده المادية التاريخية وكتاب راس المال كما اشرنا له سابقا.*

 

علي محمد اليوسف / الموصل

.........................

الهوامش:

1.توضيح اكثر انظر، فؤاد زكريا، افاق الفلسفة صفحات 363-365

2. المصدر السابق ص 360

3. نفس المصر السابق ص 366

4. نفس المصدر السابق ص 368

5. نفس المصدر السابق ص 364

* ينظر دراستنا المنشورة على صفحات المثقف الغراء (التوسير.. والعبث بالماركسية)

 http://www.almothaqaf.com/index.php?option=com_content&view=article&id=916161&catid=288

 

 

zouhair khouildi2"النقد يعطي لأحكامنا مقياسا يسمح لنا بالتمييز الصحيح بين العلم والتظاهر بالعلم" .. كانط

 

توطئة:

إذا كانت الميتافيزيقا قد مارست الإقصاء على الحس المشترك وأدرجته ضمن دائرة المحسوس والخيال وحكمت عليه من زاوية المعيار المنطقي والحكم العقلي واستندت إلى أولوية الروح على البدن وأفضلية الرمزي على المادي والمعقول على الحسي فإن الفلسفة النقدية المعاصرة قد أعادت له الاعتبار ورفعت عنه الضيم وصارت تعول عليه في العديد من المجالات وتعتمده كأداة للمعرفة والتواصل وقوة اجتماعية.

فما المقصود بالحس المشترك؟ ماهي المبررات التي جعلت الفلسفة الميتافيزيقية تحتمي بها لكي تقوم بتهميشه؟ ولماذا عادت إليه الفلسفة النقدية بقوة؟ وما الفرق بين الحس المشترك والعقل؟ وهل يمكن أن يمثل الحس المشترك دورا مركزيا في نظرية المعرفة وفي مجال التجربة العملية والتشريع الأخلاقي؟

 لا يمنع الإقرار بمركزية الحس المشترك ضمن التناول الفلسفي من تعقيد المسألة وصعوبة الظاهرة ولا تمنع القراءات المتضاربة التي ظهرت حولها وتردد التأويلات التي مورست عليها دون جدتها وتأصلها.

لقد وفر لنا التراث الفلسفي حول الحس المشترك مسارين من التفكير في المبحث مع إمكانية التقاطع بينها:

- لقد صاغ أرسطو للمرء الأولى مفهومkoine aisthesis أثناء التفكير في مسألة الإدراك (الحس المشترك) وظل حاضرا في قلب الإشكاليات الفلسفية التي تطرح ضمن نظرية المعرفة إلى حد القرن 18 ميلادي.

- المسار الثاني من التفكير هو الذي جعل من الحس المشترك في اللاتينية sensus communis وفي الفرنسية sens commun متماثلا مع مصطلح الفاهمة المشتركة والرأي العام l'opinion..

ما نلاحظه في هذا المعجم اللغوي هو بقاء مصطلح sensus communis وراء التبسيط الظاهري للمعاني المتداولة حس مشترك وشعور عام وعقلانية مشترك ورأي ولكن الفلسفة المعاصرة أزالت عنه الغموض وفكت عنه الغرابة وأوضحته بالصورة الكافية.

بهذا المعنى يظهر للعيان رهانا نظري وعملي من تقاطع المسارين ويمكن إثارة الإشكال التالي: هل يتنزل موضوع الحس المشترك ضمن دائرة الإدراك والمعرفة أم ضمن العلاقة المتشابكة بين الفلسفة والرأي؟

لذا يمكن رسم خطوط التفكير في هذا المشكل بافتراض معنى أول عن الحس المشترك يفضي إلى معنى ثان للحس السليم يُشتَقُّ من الأول ولكنه يتماشى مع التطوير الذي يخضع لها التفكير الفلسفي عبر التاريخ.

من هذا المنظور لقد أدت عملية خلق أشكال من الحس المشترك إلى إعطاء عناية خاصة بتحولات المعنى التي حدثت للحس المشترك من مجرد سبيل مشترك للمعرفة إلى أمكنة عامة تسهر على تكوين الخطاب.

لكن ماهي الأبعاد التي يتوزع إليها الحس المشترك في تاريخ الفلسفة من جهة نافل القول وبادئ الرأي؟

1- مفهوم الحس المشترك:

لغة: وحدة المعرفة الحسية والرأي المشترك sens commun

اصطلاحا: الفطرة السليمة nature bonne

دلالة فلسفية: الرأي السديد والحكم الصائ والذوق الحسن والروح الطيبة والقلب المبصر Raison –sagesse - bon gout- jugement ,bon esprit,bon coeur، tact

تشكل الحواس بالنسبة للأجسام الحيوانية مكونات الأجهزة الذي تسمح لها بمعالجة خصوصية للمعلومات التي تتأتى لها من العالم الخارجي. لقد اعتاد الناس على التمييز بين خمسة حواس بالانطلاق من عدد الأعضاء اللاقطة (النظر والسمع والذوق والشم) باستثناء حاسة اللمس التي تتطلب تفاعلا مع الأشياء.

لقد ظلت نظرية الحواس من ميلادها متأصلة في العلاقة التي تتبلور وفق كيفيات متنوعة عن العالم، ولكن الناس تتكلم اليوم عن نظرية الإدراك وتطرح مسائل بالغة التعقيد وفق نماذج يوفرها الذكاء الاصطناعي.

تمتلك الحواس بصورة طبيعية سمة تقبلية وقد أتاحت هذه الخاصية للفلاسفة بأن يمنح عدة وظائف أخرى للملكات الحسية ويميزوا بين الحس الحميمي عند جون لوك والحس الباطني عند عمونيال كانط للإشارة إلى التفكير أو الوعي بالذات من طرف الذات ، والحس الأخلاقي عند hutcheson الذي يدل على ملكة التمييز بين الخير والشر بصورة حدسية. من جهة أحرة تفضي الحواس إلى عملية الشعور باللذة والألم ، وتسمح بإمكانية البناء عبر الترميز في ميدان الفن حيث يحد الغياب من وظائف الذوق واللمس والشم.

لقد سبق لأرسطو أن كشف عن الشكل المعقد للحياة الذي تترجمه الملكات الحسية وخاصة إقراره بوجود نفس حسية إلى جانب النفس الناطقة و بعد ذلك تم التضحية بالطبيعة المادية للحواس دون أن يقع المساس بحساسية المادية الجامدة بل إن ديدرو اعتبرها ملكة أساسية تتكون منها بصورة جوهرية ظواهر الكون.

لقد تلاقى على تفسير الحساسية منذ ولادتها في شكلها الأكثر رهافة كل من الفيزيولوجيا في القرن 18 وعلوم الحياة ولقد حاولت الفلسفة الكانطية تجاوز الثنائية المعرفية باختزال المجال الحسي إلى القابلية المحضة وأوقف الذم الأفلاطوني للمحسوس ووضع حدا للتبخيس الأخلاقوي للجسد من طرف اللاهوت المسيحي الذي حمل الحواس مسؤولية الضعف البشري وجعلها تحكم من منطلق قيمي على الكائن الحسي.

ماهي دلالة الحس السليم من حيث هو نمط من الحس المشترك؟ وكيف يرتبط بالمعقولية والحكمة؟

الحس السليمBons sens هو الفطرة الحسنة التي تشير إلى ملكة البداهة لدى الكائن البشري تخول له الحكم على المعارف والأشياء والأشخاص بصورة صحيحة دون أن يقوم باستدعاء التفكير المركب ودون الاستعانة بالمعارف الدقيقة. بهذا المعنى يفيد الصواب في الحكم بصورة فطرية وسداد الرأي دون توسط المعرفة. كما يتعارض الحس السليم من حيث هو حكم الرأي السديد مع الظن ومع الحكم المسبق وتغيب عنه بالعادة كل المعاني السلبية ويشكل عند ديكارت " القدرة على الحكم الحسن وعلى تمييز الصواب من الغلط"ويمثل ميزة الإنسان وعلامة العاقلية والحكمة والتبصر والفاهمة والتفكير الجيد بوصفه أعدل توزيعا بين الناس1[1]. من هذا المنطلق لا تطلب معرفة حقائق العلوم حينئذ سوى قيادة منهجية لهذه القدرة على الحكم وتعارض المعرفة المتأتية عن طريق التقليد. ولكن ديكارت يميز بين العقل الذي يستعمل المفاهيم المحددة ويشتغل وفق تمشي صارم يسمح له ببلوغ الموضوعية والكلية والحس السليم الذي يستهدف موضوعه بطريقة مباشرة وبصورة حدسية ويمكن أن يحصل على تصديق عدد كبير من الناس في الميادين التي يتعذر على فن المنطق توفير نتائج يقينية. بهذا المعنى يشمل الحس السليم مجال أحكام القيمة وبالخصوص الأخلاق والآداب ومبادئ الحياة العامة. لكن كيف يلعب الحس المشترك دورا مركزيا في الحياة الإنسانية. فماهي الوظيفة التي يمكن أن يؤديها الحس المشترك في الحياة الانسانية؟

2- قيمة الحس المشترك:

إذا كان الحس المشترك قد وقع التعامل على أنه شيء تافه ومبتذل وتم احتقاره ونظرت إليه الميتافيزيقا نظرة سلبية ، فإن الفلسفة النقدية قد غيرت الموقف النظري وتعاملت معه من معيار مختلف ومنحته تثمينا معرفيا وقيمة اعتبارية حينما جعلته قادرا على حل التعارض بين الكوني والجزئي وبين الكلي والفردي. فماهي الأدوار الجديدة التي يمكن أن يؤديها الحس المشترك بماهو حس سليم على صعيد النظر والعمل؟

"إن الفاهمة المشتركة ، إذا ما اعتبرت من جهة كونها فاهمة سليمة (لم تتثقف بعد)، أي بماهي أقل الصفات التي يحق لنا أن ننتظرها دائما من أي كان يستحق اسم الكائن البشري، تشعر بخدش في كبريائها عندما ينسب إليها اسم الحس المشترك sensus communis ، حيث لا نعني بصفة المشترك شيئا آخر غير ماهو متداول، أي ما نعثر عليه في أي مكان وما لا يجلب امتلاكه أي جدارة أو امتياز. والحال أن ما يجب فهمه من عبارة الحس المشترك هو فكرة حس مشترك لدى الجميع أي فكرة ملكة الحكم التي تأخذ بعين الاعتبار نمط تمثل كل الكائنات البشرية الأخرى عندما تفكر قبليا وذلك لكي تجعل أحكامها، إن جاز لنا القول، معاضدة للعقل البشري في كليته. وهكذا نفلت من الوهم الذي يتولد عن ظروف ذاتية من قبيل ماهو شخصي فيمارس تأثيرا ضارا على الحكم." (عمونيال كانط، نقد ملكة الذوق (الحكم)، الفقرة 40)2[2]

والحق أن الحس السليم هو القدرة على تمييز ماهو بديهي بوضوح تام دون الأخذ بالاعتبارات الأخرى، وقد يفيد جودة الروية والحكم السديد والصواب والشفافية والوضوح والصفاء والإشراق ويتشكل فطريا.

 لكن ثمة فجوة قائمة بين النظر الذي يمتد فيه المعنى اللغوي والفكري والعملي الذي يوجب على المرء المرور إلى الممارسة والتقيد بالتطبيق دون أن يكون ضامنا القدرة على الفعل وفق المعرفة بالسبب.

لذا يحتل الحس السليم المكان الوسط بين الجهل والمعرفة المضمونة بصورة جيدة ويردم هذه الفجوة القئمة بين النظر العقلي والممارسة العملية ويشير إلى الرأي المستقيم3[3] والى العلة التي لا تحتاج إلى تعليل.

من جهة ثانية لقد عرف منجد "روبار الصغير" الحس المشترك على أنه الذكاء والنور الفطري الذي يوجد عند جميع الناس بالولادة، في حين أن الحس السليم هو العقل الذي يسد الفراغ الذي يتركه العلم وهو كذلك القدرة على الحكم بصورة جيدة ودون انفعال مع قدرة على التأثير في المشاكل التي عجزت الاستدلالات العلمية على حلها في الوقت الحاضر. بهذا المعنى يمثل الحس السليم واحدا من الشروط الأساسية التي تسهر على ضمان حرية التفكير وذلك عندما يسمح للناس بإبداء الرأي واتخاذ موقف حول دواعي الفعل ويتم الاستنجاد به في الوضعيات القصوى وهو ملكة يتصف بها العبقري الموهوب من جهة الخاصية والقانون بغية اختيار الرأي الأنسب الذي يمكن السير به أثناء الفعل.

لو أضاع الناس في مجتمع معين حسهم السليم وتعودوا على هذا الضياع فإن الضار يثير الخوف فيهم ويؤدي هذا الإضرار بأن تفقد الإنسانية بأسرها رأيها تحت تأثير هيمنة الإعلام والدعاية والإشهار. وتضيع بالتالي فكرة ديكارت الشهيرة القائلة بأن الحس السليم هو أكثر الأشياء قسمة وتوزيعا بين الناس.

في حين أن كانط اعتبر الفاهمة المشتركة هي ما يؤمّن انسجام الحكم المعرفي لدى الشخص مع الأحكام الصادرة عن مجموع الكائنات العاقلة التي يتواصل معها وعدّها متعاضدة تماما مع العقل في كليته.

إذا كان الحس المشترك يشير إلى الكيفية التي تلتقي بها مجموع الحواس لإدراك شيء ما والى الوعي بالإحساس أي الكيفية التي نحس بها أننا نحس فإن الفاهمة المشتركة أو الذهن هي الملكة التي تؤلف معطيات الحساسية ضمن وحدة عامة يسميها كانط المقولة ويعتبرها مشتركة وشاملة وقبلية وموزعة بين جميع الناس. ومن المعلوم أن العنصر القبلي عند كان هو القضية التي تكون معرفة صدقها أو كذبها مستقلة عن التجربة وراجعة للذهن أما العنصر البعدي فهو القضية التي تكون معرفتها مرتبطة بالتجربة.

 في هذا السياق يقيم كانط علاقة وطيدة بين الفاهمة المشتركة والحس المشترك على الرغم من اعتباره صفة المشترك تضفي دلالة سلبية على مفهومي الحس والذهن ويخضعها للمراجعة النقدية بغية تخليص العبارة من دلالتها السلبية وربطها بالعقل والسماح للفاهمة المشتركة من التمكن من تجاوز الوهم.

" الحس المشترك هو الملكة المعرفة القادرة على استخدام القواعد استخداما عينيا في مقابل الذهن النظري وهو الملكة القادرة على معرفة القواعد معرفة نظرية"4[4]

- الحس المشترك لا يدرك إلا القاعدة التي تنصص على أن كل ما يحدث يتعين بعلته ولكنه لا يفهم هذه القاعدة بصورتها العامة.

- يطالب الحس المشترك بمثال من التجربة اليومية ولا يمكن الاستعانة بالحس المشترك الا كلما أمكنه وجود تأييد لقواعده من التجربة.

- العلامة السيئة هي اعتماد العقل الفلسفي على ضمان الحس المشترك الذي لا يحق له الحكم في هذا المجال وجرت العادة التعامل معه باحتقار وازدراء.

- أصدقاء الحس المشترك غير الحقيقيين هم الذين يجدونه في وقت الحاجة ويحتقرونه في العادة

- الأشنع أن نعتمد على الحس المشترك فيما يتعلق بالتصورات والمبادئ من حيث صحتها خارج شروط التجربة

- لا نستطيع في الميتافيزيقا اي في العلم النظري للعقل المجرد ان نعتمد على الحس المشترك إلا إذا أرغمتنا الظروف على ترك هذه المعرفة.

- العقل السليم هو الحس المشترك بوصفه قادر على الحكم السليم.5[5] لكن كيف يتحول الحس المشترك إلى تجربة تعقلية تقوم على إصابة الحدس الأوسط وقوة التمييز وبراعة ولباقة وكياسة تساعد المرء على التواصل مع غيره والمصالحة مع الذات وإضفاء المعنى على العالم؟

3--مستويات الحس المشترك:

يرتبط الحس المشترك بصورة من المعرفة المجمعة لكل المعارف التي قامت الثقافة المعيارية باستبعادها واحتقارها وتتشكل هذه المعرفة المشتركة في أنظمة مترابطة وأنساق رمزية ، ولهذا السبب لم يظل مفهوم الحس المشترك حبيس النظريات الفلسفية والمنطقية وإنما هاجر إلى عوالم الأنثربولوجيا والسوسيولوجيا والسياسة والألسنية والايديولوجيا6[6].

من هذا المنطلق صار الحس المشترك يتكون من معارف تقوم بتنظيم الحياة الاجتماعية ولكن بطريقة جزئية وليس بالضرورة بصورة كونية. لهذا يمكن للحس المشترك أن يخضع لقواعد الصلاحية التي تفرضها العلوم ، ولكن من وجهة نظر براغماتية، ويمكن أن يتحول الحس المشترك إلى استدلال تاريخي يسمح بإيجاد أجوبة للمشاكل المطروحة وبإعطاء المعنى للقضايا التي تعترض الأفراد في حياتهم اليومية.

تبعا لذلك يكون الحس المشترك طبيعيا وفطريا وبديهيا ولا يعتقد المرء أنه يمكنه التفكير والفعل بطريقة مغايرة له. لقد طالب الفكر الفرنسي الحر آلان في كتابه حول السعادة بأن "يتأقلم الحس المشترك كل واحد مع الشروط الواقعية للحياة في المجتمع". لهذا ظهر مفهوم الحس المشترك الجماعي واستوطن بصورة لافتة في العديد من الحقول المكتشفة في الحقبة المعاصرة:

- لقد أصبح الحس المشترك مع ديكارت وكل مؤسسي فلسفة الأنوار حسا سليما وأخلاقا طيبة ومنطقا كونيا ومعرفة متجذرة في الأشياء عينها يمتلكها كل مجتمع بشكل فطري وتكويني.

- لقد شيد جون لوك دعائم فلسفة تجريبية مرتكزة على الحس المشترك للكائن البشري وتواصلت هذه النزعة الحسية النفعية مع جورج مور وريد الذين دافع عن مدرسة الحس المشترك .

- لقد عرفت الأنثربولوجيا مع كليفورد غيتز الحس المشترك بكونه النسق الثقافي الذي يمكن أن يتغير بصورة جذرية من شعب إلى آخر ويخترق الطابع الكلي الذي يميز المفاهيم وينقد التمركز.

لقد كشف غيتز في كتابه "أبحاث عن العالم العادي" عن المشكل الذي تلاقيه العقلانية حينما تريد فهم العالم الاجتماعي بالنظر الى ما يتضمنه من تناقضات واستعارات ومشاكل ولذلك تعجز الدراسات السوسيولوجية عن التمييز الكافي بين عقلانية الملاحظ والمحيط الثقافي للفاعل البشري. في هذا الصدد يستخدم ألفرد شولتز الحس المشترك كطريقة استعمال يسمح للمعرفة بأن تتصرف في نسق ثقافي بصورة رمزية بالاتفاق مع مقتضيات السلوك الجماعي المنظم.

- لقد قدم هنري برجسون في كتابه الضحك تعريفا رائعا لمفهوم الحس السليم7[7] أين اعتبره معرفة تذكرية وقدرة على النسيان بقوله: "انه الجهد الذي تبذله الروح في التعود والتعود باستمرار وتغييرها للأفكار بتغيرها للأشياء. انه حركية الذهن الذي ينتظم بصورة مطابقة لحركية الأشياء. انه استمرار الانتباه إلى الحياة بصورة متحركة".

- لقد دعا غرامشي في كتابه رسائل من السجن أهل الفكر إلى الانطلاق من نقد الحس العام وإجراء تحليل للفلكلور وفلسفة اللاّفلسفة والدين الشعبي التي توافق الوضع الثقافي والاجتماعي للجمهور وتتكون من تصورات وثوقية للعالم تظل على حال وحيدة عبر الزمان والمكان بحثا عن النواة الحسنة التي توجد على صورة الفطرة السليمة في الحس العام وقامت المجموعات بطمسها. فالحس العام يحتوي على تصور متقطع ولامتماسك وغير منطقي ويشير إلى مفهوم ملتبس ومتناقض ومحافظ وذميم يعادي الأشياء الجديدة ولكن هذا لا يعني انه ليس من حقيقة في الحس العام بل يمكن لأهل الفكر من إنفاذ حقيقة جديدة فيه وذلك بتأسيس حس عام جديد في إطار ثقافة جديدة وفلسفة جدية تتأصلان في وجدان الشعب بقوة المعتقدات الشعبية الجديدة وما فيها من طابع إلزامي وأمري بالبرهنة على ضرورة تجديد المعتقدات الشعبية لما تتمتع به الحقيقة من قوة جميلة وبداهة وجاذبية تساعدها على الانتشار والإقناع.

 لقد طرح أنطونيو غرامشي في نفس السياق النقدي السؤال التالي: على أي شيء تقوم بالضبط ما يمسى عموما الحس العام أو الفطرة السليمة؟ لقد كان جوابه أن الحس العام لا يتضمن مبدأ السببية فحسب بل يحسن استخدامها في واقع ضيق وإذا عرضت عليه مجموعة من الأحكام المعرفية حول جملة من الأشياء والأحداث والأشخاص فإنه لا ينحرف عن الصواب بتأثير الميتافيزيقا ولا يقع ضحية مزاعمها في عمق النظر ودقة العلم بل يدخل في مقاومة مبدأ السلطة ويصدر حكما تقويميا ويعرف السبب الحقيقي البسيط والسهل بالنزوع إلى التجريب والملاحظة المباشرة للواقع ويراعي تبدل الموقف واختلاف القيمة8[8].

- بعد ذلك قامت حنة أرندت في كتابها "شرط الإنسان الحديث" بالتنبيه من أزمة الحداثة التي أدت بالغرب إلى الوقوع في العدمية بسبب فقدان الحس المشترك وبحث بشكل ايتيقي عن إمكانية تحوله إلى حس سليم وفسرت ذلك التحول من خلال اعتماد الفلسفة الذاتية على منهج الاستبطان وحرصت على الكف عن منح الحس المشترك التقاعد المبكر في المنظومة العقلانية9[9].

4- وظائف الحس المشترك:

من المفارقة أن يقوم ايميل دوركايهم باختزال الحس المشرك في نوع من المعرفة أقل بكثير من نوع المعرفة العلمية وذلك بأن جسد القطيعة الجذرية معه التي تلتزم بصرامة المنهج العلمي وجمعه مع الأشكال القبلية للمعاني المتداولة ، في حين أن بيير بورديو اعتبره أول الشروط العلمية المناسبة في سبيل بناء معرفة سوسيولوجية. هكذا يقوم الحس المشترك بوظيفة إدماجية داخل المعرفة والقيمة والوجود لكل من الظن أو الرأي والإدراك والثقافة الشعبية والمعتقدات ويصل الفردي بالاجتماعي وينفرد بمعاملة النزعة الحسية بوصفها المضمون الأساسي الذي تتكون منه المعرفة العقلية.

على هذا النحو يمكن توزيع وظائف الحس المشترك في النقاط التالية:

-يمكن الاعتماد على الحس المشترك في تمييز المعارف الاجتماعية عن المعارف التي يكونها الناس عن الحياة الاجتماعية ومكوناتها ويساعد هذا التمييز العمل السوسيولوجي في بناء حس مشترك كبير.

-يساعد الحس المشترك في عملية تجميع المعرفة غير العلمية ويسهل عملية معامتها بواصفها معارف علمية وخاصة الثقافية العامة التي يتم إرسالها من طرف الأفراد والمجموعات من جيل إلى آخر.

-يساعد الحس المشترك على تشييد تفاعل بين الأفراد في وسط سكني بواسطة مجموعة من القواعد والشفرات والمعارف المقبولة بينهم والتي تسمح لهم بالاستمرار والبقاء والمحافظة على تعاونهم.

- يقود الحس المشترك إلى إزالة سوء الفهم حول مقصد الخطاب الذي يتم تقاسمه بين المتحاورين وذلك بتفادي ضغوطات الحجاج وشكلانية البرهنة والاعتماد على البلاغة من أجل الفهم المشترك والإقناع العمومي.

-يتناسب الحس المشترك مع الدين الشعبي والمعتقدات الموروثة والكفاءة المتناقلة عبر الأجيال في التعامل مع المقدس عبادة وطقوس وأحكام تفصلية بشأن الحياة والواقع وتصورات للطبيعة ومابعدها ورؤية للعالم.

-يشكل الحس المشترك الجذور والينابيع التي تشكل منها القول الفلسفي منذ البواكير الأولى ويستمد منه مبادئه وقوة نموه واتجاه سيره ويظل يتغذى طوال تاريخه التقدمي. فماهي الرهانات المرجوة من تحويل الحس المشترك الى حس سليم في الفترة المعاصرة؟ ألا يعني ذلك تجديد العقلانية بالعودة الى هوامشها؟

خاتمة:

يجب الانتقال من الحس المشترك إلى الحس السليم وذلك بالعمل على نمذجة الأشياء وفق معيار الأفكار الواضحة والمتميزة وليس العكس أي نمذجة الأفكار وفق معيار الأشياء الحقيقية والفعلية (الوقائع المادية) ، ويتمثل الحس المشترك على هذا الأساس في النظر فيما نفكر فيه وليس التفكير فيما ننظر إليه. إن الحس السليم الذي يتعلق بالمعرفة المشتركة يقوم بتوجيه النداء إلى العقل من أجل استرجاع الوضعية الراهنة من أجل واستحضار الواقع الاجتماعي. بهذا المعنى يتسنى للفلسفة أن تقوم بتجميع قواعد الحس المشترك من أجل توجيه الحياة اليومية وتضعها على ذمة الإنسان لكي يتبعها في طريق تحصيله للنجاح والسعادة والعاقبة الحسنة وتحقيق أهدافه المرجوة. فأنى يكون الحس المشترك فلسفة العالم المعاصر؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

...............................

الإحالات والهوامش:

 [1] Descartes René, Discours de la méthode, I, La Haye, 1637, « Le bon sens est la chose du monde la mieux partagée : car chacun pense en être si bien pourvu, que ceux même qui sont les plus difficiles à contenter en toute autre chose, n’ont point coutume d’en désirer plus qu’ils en ont. En quoi il n’est pas vraisemblable que tous se trompent ; mais plutôt cela témoigne que la puissance de bien juger, et distinguer le vrai d’avec le faux, qui est proprement ce qu’on nomme le bon sens ou la raison, est naturellement égale en tous les hommes ; et ainsi que la diversité de nos opinions ne vient pas de ce que les uns sont plus raisonnables que les autres, mais seulement de ce que nous conduisons nos pensées par diverses voies, et ne considérons pas les mêmes choses. Car ce n’est pas assez d’avoir l’esprit bon, mais le principal est de l’appliquer bien. Les plus grandes âmes sont capables des plus grands vices, aussi bien que des plus grandes vertus ; et ceux qui ne marchent que fort lentement peuvent avancer beaucoup d’avantage, s’ils suivent toujours le droit chemin, que ne font ceux qui courent, et qui s’en éloignent ».

[2] Kant (Emmanuel), Critique de la faculté de juger, édition G. Flammarion, Paris, 2000,§40, pp278-279.

[3]Dictionnaire le Littré : http://www.littre.org/,

[4] كانط (عمانويل) ، مقدمة لكل ميتافيزيقا مقبلة يمكن أن تصير علما، ترجمة نازلي إسماعيل حسين، دار الكتاب العربي ، القاهرة، طبعة ، 1968.ص215-216

[5] كانط (عمانويل) ،مقدمة لكل ميتافيزيقا مقبلة يمكن أن تصير علما، المرجع مذكور، ص217

[6] Pour Destutt de Tracy la diversité de nos dispositions individuelles n'empêche pas que la vérité soit la même pour tous et qu'il y ait une raison générale et un sens commun et universel. Nous sommes toujours d'accord quand nous ne mettons dans une idée que « ce qui est »

[7] Bergson dans son livre Le Rire dit : « Le bon sens consiste à savoir se souvenir, je le veux bien, mais encore et surtout à savoir oublier. Le bon sens est l'effort d'un esprit qui s'adapte et se réadapte sans cesse, changeant d'idée quand il change d'objet. C'est une mobilité de l'intelligence qui se règle exactement sur la mobilité des choses. C'est la continuité mouvante de notre attention à la vie »

[8] Gramsci dans le texte, traduction de l’italien par François Ricci, Jean Bramant, Armand Monjo, Gilbert Moget, éditions sociales, Paris, 1975. p171.

[9] Arendt Hannah, condition de l’homme moderne, préface de Paul Ricœur, traduit de l’anglais par Georges fradier, edition Calmann-lévy, , imprimé en France, 1961-1983 , pp315.

 

 

ali mohamadalyousifاللغة والوجود: (اللغة هي استفهام حول المعنى والوجود). بول ريكور

يتوسط الوجود بين حقيقة الشيء واللغة المعبّرة عنه، وكلاهما الحقيقة واللغة، مفاهيم وتصورات نسبية، تنعكس عن الوجود المستقل للاشياء، وحقيقة اللغة كما يعبّر عنها عالم اللغات دي سوسير(نظام معرفي قائم بذاته) من جهة، ونسبية الحقيقة الوجودية من جهة اخرى.وفي تعالقهما الثنائي بالاشياء والموجودات يتعيّن بهما الوجود الحقيقي.

(كما ان الانسان لا يوجد في المطلق، بل يوجد في الزمان والتاريخ، يوجد حيث يفكّر، ويفكّر حيث هو موجود، ولا يمكن فهم الذات من دون توسّط اللغة والعلامة والرمز والنص).1

هذه الجدلية التعالقية العلائقية بين الوجود والفكر كان تم حسمها منذ قرون، في اما ان تكون علاقة (مثالية) او ان تكون علاقة (مادية) ويتوضّح معنا هذا لاحقا.

ان اللغة ادراك عقلي مفاهيمي تداولي، شفاهي ومكتوب ومرئي، وتعبير رمزي صوري تواصلي. اما لغة الصمت فهي نوعين من التعبير اللغوي، من حيث الادراك العقلي لها، فهي لغة حيّة لا تقل اهميتها الوظائفية عن اللغة المنطوقة او المكتوبة، او المرئية، حين تكون لغة الصمت ادراكا ذاتيا واعيا بضروراته التواصلية والوظائفية، كما نجده في طقوس الديانة البوذية التأملية وبعض الاديان الوثنية الاخرى المعبّر عنها بلغة الصمت الطقسي الشعائري، واليوغا، المسرح الصامت، رقص الباليه، ولغة بعض المتصوفة المجذوبة الاغترابية عن المجموع.*

اما ان تكون لغة الصمت غير مدركة عقليا، بمعنى التعطيل الوظائفي لها في الحياة، عندها تكون وهما، وتعبيرا زائفا عن وجود الاشياء، بل تكون وهما خارج فاعلية الوجود، فهي لغة خارج المدرك الحسّي والعقلي للاشياء والموجودات، وهذه اللغة نجدها عند بعض الحيوانات وفي غطرفة وهذاءات المجانين العصّية على التلقي والاستقبال. فهي لغة غير منطوقة بنظام لغوي تعبيري تعريفي، ولا تهتدي بالعقل ادراكيا، وهي بلا معنى ولا هدف. فلغة الحيوان هي نوع من اللغة التواصلية(غريزيا) فقط، ليست لها امتدادات وظائفية خارج الحاجات البيولوجية الغريزية المحدودة للحيوان، بينما اللغة العقلانية لدى الانسان، لغة تواصل تداولي لمحمولات وظائفية لا حصر لها تغطّي جوانب الحياة بمجملها من ابسط الامور والى أعقدها.وبذا تكون اللغة المؤنسنة بالنوع خاصية انسانية لا يشاركه بها الحيوان، هنا الانسان يتأنسن باللغة وهي تتأنسن به، مثلها مثل علاقة الانسان بالطبيعة فهو يتأنسن بها وهي بدورها تتأنسن به .

اللغة وجود ادراكي عقلي يتفرّد الانسان بحيازته ويختّص به دون غيره من الكائنات. واللغة هنا وسيلة العقل لأثبات وجود الاشياء، وبحسب غاديمير:(الكائن الذي يمكن ان يفهم هو الكائن اللغوي، وان اللغة هي الفهم، وهي التي تحدد علاقة الانسان بالعالم).2

يذكر الزواوي بغورة ان الفلسفة الوضعية المنطقية حوّلت التحليل اللغوي المنطقي الى واقع فلسفي قائم، وحصرت مهمة الفلسفة في التحليل اللغوي، واعطت اولوية اللغة على الفكر. كما سبق لفنتجشتين قوله (ان اللغة هي الفكر).

تساؤلنا ايهما أسبق ادراكيا الوجود ام اللغة؟

في معرض اجابتنا اود تثبيت هنا تناقض كبير في عبارة عالم وفيلسوف اللغة دي سوسير يقول: (وجود الاشياء يسبق فكرتنا عنها) وهذا منطق مادي سليم ليس فلسفيا وحسب وانما علميا ايضا، لكن لنتأمل تكملة العبارة حين يقول: (الا انه يمكن القول بأن تصوراتنا هي التي تخلق الاشياء)؟؟؟ كيف؟؟

طبعا هذا التناقض في عبارة واحدة، ينكردي سوسير موضوعة فلسفية معرفية ان مثالية التفكير تقود لمثل تلك الاستنتاجات الفكرية البائسة، في تقاطع ان وجود الشيء يسبق فكرتنا عنه، وهذه نظرة علمية مادية صحيحة، اما اننا ندّعي اننا نستطيع خلق اشياء من تصوراتنا عنها فهو لا يستقيم مع اي منطق عقلي اوعلمي.وجود الشيء لا يحدده التفكيربه، وانما يحدد الفكر وجود الشيء السابق على الفكر.

في هذا التناقض المثالي لسوسير نجده ينسف ابجدية الفكر المادي حين يقول بامكانية المفاهيم المدركة واللغة خلق وجود الاشياء، فالجدل الماركسي يقول ان وجود الشيء يسبق ادراكنا له، وليس بأمكان تصوراتنا ان تخلق واقعا حقيقيا لوجود الاشياء، وانما وجود الشيء يخلق تصوراتنا التجريدية والمفاهيم عنه، واللغة او التصورات المنبثقة عنها لا تخلق حقائق الوجود، وانما الوجود يخلق حقائقه لغويا تجريديا بعد ادراك العقل له.

اما اذا أخذنا في نفس السياق مقولة فينجشتين(اللغة هي الفكر) فيكون معنا ادراك العقل للوجود والاشياء هي أسبق على أدراك العقل للفكر، من حيث ان الفكر هو انعكاس تجريدي وصوري لغوي في فهم الواقع والوجود.والعقل مستودع الافكار ومكمن انطلاقها، لذا فان ادراك العقل للوجود والاشياء يسبق ادراك العقل للافكار او اللغة المتعالقة بالتبعية التراتبية لوجود الاشياء.والادراك اللغوي مستمد من علائقية ادراك العقل للاشياء.وهذا الادراك يكون قاصرا وظيفيا ما لم تسعفه اللغة كنسق منظّم في تبيان خواص وتمظهرات الاشياء والموجودات المدركة عقليا (الحواس+العقل)، وكذلك وجود الانسان في الطبيعة ومحدداته كينونته وجوهره.

انه من المهم جدا ان لا نغفل ان اروع الافكار هي التي تصوغها عبقرية اللغة، ولا يعطي وجود الاشياء المادية اللغة جمالية التعبير العبقري.

اهمية ادراك اللغة للاشياء

ادراك العقل للوجود والاشياء ادراك ناقص ولا فاعلية له من دون مدركات اللغة التعبيرية الافصاحية عنه. الوجود يتم ادراكه عقليا كموضوع مستقل فقط قبل ادراك اللغة له، الوجود من غير ادراكه لغويا وجود مكتف بذاته يفتقد الحيوية والفاعلية والتأثير، اللغة كشف ادراكي عقلي للاشياء والموجودات، والوجود الواقعي لا ندركه ادراكا واعيا حقيقيا في تجريدنا ادراك اللغة له، ومن غير الادراك العقلي وتزامن الادراك اللغوي معه تصبح معرفتنا للوجود قاصرة غير منتجة.

وتعجز اية فكرة مدركة عقليا، أن يكون ادراكها مثمرا تواصليا منتجا من غير ادراك اللغة لها تداوليا، والفكرة التي لا تستوعبها اللغة بأرقى درجات التعبير التواصلي تبقى ناقصة ومشوّهة كفكرة ادركها العقل ولا يستطيع البوح بها ومقيّدة لا تستطيع التعبير عن نفسها.

نجد في دعوة كروتشة ان اهمية اللغة، يجب ان تكون مقتصرة على دراستها (جماليا) على صعيد الشعر تحديدا، فيها الكثير من التطرّف في تجاوز أهمية دراسة ابعاد اللغة كوسيط تداولي تعبيري، فلسفيا، اجتماعيا، وثقافيا واقتصاديا.ودراسة اللغة جماليا هو دراسة لواحدة من خصائصها الوظائفية العديدة وليس منتهاها .

ومثل ذلك ذهب هيدجر في اهمية دراسة اللغة، وايضا الشعر تحديدا لتبيان(المقاصد الوجودية من اللغة) وهي دعوة ايضا تستبطن اهمية اللغة جماليا، وفي تعطيل السمات والخصائص المتعددة للغة وظائفيا.

ان اهمية ادراك الشيء والتواصل به ومن خلاله ومعرفته لغويا، هو اكبر من اهميته كمدرك عقلاني (موضوع) مكتف بذاته خارج فاعلية واهمية اللغة له، اللغة بعد العقل هي المتعيّن الوجودي لجميع الافكار في ان تكون تداولية تواصلية ذات حيوية واثراء نافع للحياة.

 

علي محمد اليوسف/الموصل

....................

هوامش

(1) و(2) نقلا عن الزواوي بغورة، شذرات عن كتاب الفلسفة واللغة، عرض وتلخيص.

* احيل الى دراستنا الخيال واللغة والتصوف، صحيفة المثقف الغراء

 

 

mohamad bakohيرى دولوز أن تأكيد نيتشه على البعد التراجيدي للممارسة الفلسفية يرجع إلى حرصه الشديد، في معظم كتاباته الفلسفية، على المقابلة بين الرؤية التراجيدية للعالم، والرؤى الأخرى المختلفة، وتحديدا بين الرؤية الجدلية والرؤية الدينية المسيحية. بحيث أن نيتشه انتقد بقوة الرؤيتين الأخيرتين للعالم، واعتبر الرؤية الجدلية بصفة خاصة المنظور الفكري والفلسفي المسؤول المباشر عن اغتيال الفكر الفلسفي التراجيدي، كما مارسه فلاسفة الإغريق الحكماء ما قبل الفلسفة السقراطية، ودافع عنه نيتشه نفسه في جميع أطوار مساره الفكري – الفلسفي. لهذا يفسر نيتشه وفق تحليل دولوز دائما، ظاهرة ما سماه بالاغتيال الفلسفي الجدلي للفعل الفلسفي التراجيدي انطلاقا من ثلاث طرائق مختلفة الأدوات الفكرية والمعطيات التاريخية، غير أنها تؤسس لنفس المساعي والأهداف الإيديولوجية والحضارية، ونعني بها :

أ – الجدل السقراطي: مارستها بقوة الفلسفةُ السقراطية التي اهتمت بالجدل الأخلاقي، ونسيت الانصات العملي للسلوك الطبيعي الجميل العام. أي حولت البحث الفلسفي من مبحث الوجود الذي يعني الأصل المدهش والكلي لفعل التفلسف النقدي التراجيدي، إلى مبحث المعرفة والأخلاق الذي لم يكن عند نيتشه سوى مبحث جزئي مما ينبغي أن يكون والبحث فيه، وبالتالي، نجح – أو سقط الفيلسوف سقراط، ومن تمّ الجدل السقراطي الذي سار على نهجه أفلاطون وأرسطو، في خندق أول انحراف فكري للعقل الفلسفي في تاريخه.

ب – الفكر الديني المسيحي : يعتبر المنتوج الأول للفكر الجدلي السقراطي. بحيث، لولا ذلك الانحراف الفكري والمعرفي الذي حققته الفلسفة الجدلية السقراطية، باعتنائها واحتفالها الكامل بالإنسان والأخلاق والمعرفة كمباحث جديدة لفعل التفلسف، لما نجح العقل الديني المسيحي في تأسيس أول قاعدة لانتصاره التاريخي على العقل التراجيدي النقدي.

ج – الجدل الفلسفي الحديث : يذهب نيتشه، حسب دولوز، إلى أن الفلسفة الحديثة، بدءا بفلسفة ديكارت، المتردد، وفلسفة كانط، العامل، وليس الفيلسوف، وغيرهم من الفلاسفة الجدليين الألمان النظريين، كما يسميهم نيتشه، لم تعمل سوى على تعميق المعنى السقراطي الأصلي والمعنى الديني المسيحي. بمعنى، أن نيتشه في هذا المقام كان يؤكد، في حديثه الفلسفي عن القيمة السلبية للجدل الفلسفي الحديث، وخاصة في إطار فلسفة فاغنر الحالمة ..

هكذا يثبت نيتشه، وفق تحليل دولوز، سقوط وعدم قدرة الفكر الفلسفي الجدلي على تجاوز قصوره الفكري النظري، لفهم وإعادة إنتاج معرفة فلسفية نقدية تراجيدية. ويفسر نيتشه سبب هذا السقوط الفلسفي لدى التجربة الفلسفية الجدلية الحديثة، باعتبارها تجربة نظرية لم تعرف كيف تجعل من الفلسفة الجدلية فلسفة نقدية يكون مبحث انشغالها المعنى والقيم في الحياة بكل تجلياتها، ومن تمّ، لم تتمثل بما فيه الكفاية العمق الفلسفي للفكر التراجيدي، من حيث أنه فكر أقام صرحه الفكري على أساس ربط الجدل بالنفي، وربطه بالتضاد، ثم ربطه بالتناقض. إلا أن الشخصية الفلسفية المفهومية ديونيزوس عند نيتشه كانت الأكثر عمقا تراجيديا بكونها تعيد إنتاج التناقض التراجيدي في بعده النقدي والجمالي، كما أسست له الفلسفة النيتشوية في جميع مراحلها الفكرية والتاريخية. 

   

......................

المرجع : كتاب:

Nietzsche et La philosophie – Gilles Deleuze