علي رسول الربيعيالإجراء والجوهر: كما ذُكر أعلاه، يقترح رورتي أن الإطار الإجرائي للديمقراطية الليبرالية هو الذي يمكّن التداول و"المحادثة" الأستمرار في الديمقراطية الليبرالية من دون مبرر فلسفي. ولتوضيح ذلك، استعار رورتي فكرة السوق، حيث يجتمع الناس من مختلف الاديان ويتعاقدون بخصوص أجراء أعمالهم، على الرغم من أنه قد يكون هناك خلافات فلسفية عميقة عنيفة بينهم.[1] يمثل هذا، بالنسبة لرورتي، الحل الوحيد لمشكلة انهيار إيماننا بالمعايير الأساسية للتنوير، وضرورة وجود إطار عمل يتم من خلاله إجراء "المحادثة" المستمرة حول الديمقراطية الليبرالية.

يصر رورتي على أن هذا الإطار الإجرائي يمكن أن يقف بذاته دون الحاجة الى مبرر فلسفي. بدلاً من الاعتماد على فلسفة التطمين، يحاجج رورتي بأن المجتمع الديمقراطي يحتاج فقط إلى عملية "توازن مناسب".[2] يستعير عبارة "التوازن المناسب" من جون راولز، الذي يعرفها بأنها "التعديل المتبادل للمبادئ والنظر في الأحكام".[3] إنها عملية ضمان توافق المبادئ والأحكام، وأن مصدر هذه المبادئ كان موضوعًا للتاملذ وللتفكير. ويحاجج رورتي ايضا بأن ما تحتاجه الديمقراطية ليس "إطارًا فلسفيًا" للمفاهيم [4]، بل إطار إجرائي، مثل التوازن المناسب، بدون محتوى حقيقي.[5] يبدو أن اعتراض رورتي على تسمية "أهداف جوهرية" هو فقط لأنها تقود إلى تبرير الأشياء أو ألأمور أو الوقائع باستعمال الفلسفة. فيأتي أعتراضه من موقفه الذي يعتبر هذا النوع من التبرير، كما أشرت سابقًا، بلا معنى أو، أو كإرباك ضار.[6] فيمكن فهم مفاهيم العدالة الإجرائية والمساواة، بالنسبة لرورتي، على أنها "تطورات ثقافية ضيقة وحديثة "تستحق المحافظة عليها.[7] ويجب الدفاع عنها عن طريق مقارنات مع البدائل الملموسة، وعلى أساس عملي برغماتي يدلل أن هذه المفاهيم تساعدنا على فهم وتحقيق نوع المجتمع الذي نريده، وليس من خلال اللجوء الى مفاهيم الأساسية أو حقائق العالمية.[8]

يعترف رورتي بأن حجته لإطار إجرائي مناسب تشبه نموذج هابرماس للفعل التواصلي. إنه يعتقد أنه يتفق مع هابرماس في أن "المجتمع الليبرالي هو مجتمع يرضى بتسميته الفعل" صواب "(أو" حق "أو" عادل ") مهما كانت نتيجة التواصل على أن لايكون مشوًه، وأيا كانت وجهة النظر التي تربح لكن على شرط أن تكون بطريقة حرة ومفتوحة.[9] يرى رورتي هناك القليل للاختيار او التفضيل بين موقفه وموقف هابرماس، على الأقل فيما يتعلق بالشكل الإجرائي الذي يجب أن يتخذه المجال العام. وتكمن نقطة الاختلاف الرئيسة، وفقًا لرورتي، في حقل "الفلسفية فقط"، لأن هابرماس ملتزم بوضع معايير عالمية وعقلانية.[10] يكتب رورتي أنه يجد أنه من الممكن "التوافق مع هابرماس الى أن يصل الى النقطة التي تتعلق بالعالمية، فينحرف عن الأتفاق معه".[11] أما بخصوص اختيار هابرماس لنمط العقلانية التي يتبناها، فأن رورتي يبدي رضاه عنها بوصفها توجها موضوعيا لكن يرفض أو يختلف منها في أدعائها العالمية، اي يتفق مع هابرماس في العقلانية ويختلف في العالمية لهذه العقلانية.[12] ويقول إن الأمر بكل بساطة، هو عدم قبوله فكرة أن الفلسفة في حد ذاتها لها صلة بالسياسة، في حين أن الجماعات والمجتمع وعلاقاته له هذه الصلة.

يعترف رورتي أن هناك خطراً وهو أن نتائج الإجراءات المتسامحة والعقلانية قد لا تكون هي نفسها متسامحة دائمًا. لكنه يرى أن الديمقراطيات الليبرالية لديها الوسائل لتجنب ذلك الخطر عن طريق "الأصغاء الى المتخصصين".[13] يزعم رورتي أن الديمقراطية الليبرالية البرجوازية يمكنها أن تطمن نفسها من خلال توظيف ما يسميه "خبراء التنوع أوصياء العالمية أو رعاتها".[14] قد يبدو "التطمين" اختيارًا فريدًا للكلمة، يستعملها رورتي للإشارة إلى نوع من التبرير الأخلاقي للمجتمع الذي لا يرتبط بالقيم العالمية. يحدد "المتخصصين،ممثلي الرقابة " (عن سبيل المثال، علماء الاجتماع والصحفيون وعلماء الأنثروبولوجيا، ولكن كما هو متوقع، وليس الفلاسفة) الذين يجلبون التنوع إلى أنتباه وأهتمام "ممثلي العدالة". يحاجج رورتي بأن الديمقراطيات الليبرالية تشتغل بالفعل من خلال الالتزام بمبادئ العدالة الإجرائية، ولكن أيضًا من خلال توظيف "متخصصين على وجه التحديد ... [مهمتهم هي] ... مواصلة المشاركة في توسيع نطاق خيالنا الأخلاقي".[15] هدفهم هو تحقيق التوازن بين الطابع العالمي للعدالة الإجرائية، من خلال تذكير المجتمع بوجود التنوع وأهميته.

العرقية المتعمدة

يدعي رورتي بخصوص الإثنية المتعمدة التي يتبناها أنها تعطي أولوية للتسامح الليبرالي، أو على الأقل القيام بذلك حتى يظهر معجم مفردات أخرى تبدو أكثر فائدة من إجراءات الديمقراطية الليبرالية. تشير كلمة "مفيدة"، في هذه الحالة، إلى قدرة معجم المفردات المعينة على خدمة مصالح الناس. وفقًا لطريقة "إعادة الوصف" لرورتي، سيسعى مؤيدو المفردات الجديدة إلى إعادة وصف الإجراءات الليبرالية الحالية والمفاهيم الماضية والمستقبلية للتمثيل والمشاركة والعدالة. عن سبيل المثال، يمكن تحديد أحد الأهداف الرئيسية للحركة النسائية، وفق تعبير رورتي، باعتبارها الحاجة إلى إعادة تعريف فهمنا للانقسام بين المجال العام / الخاص، لتمكين النساء من أن ينظر إليهن كمواطنات كاملات المواطنة.

ولكن حتى لو تم إجراء مثل إعادة التوصيف هذه، فإن العملية برمتها لا تزال إجراءً ليبراليًا أساسيًا. يمكن أن يُجبر نموذج رورتي للديمقراطية الناس على الخضوع بتسامح وصراحة لكل محادثة تهدف إلى إقناعهم باستخدام مفردات أخرى، سواء كانت مقدمة من قبل ليبرالية رورتي أو من قبل النسوية. لذلك، لم يبتعد رورتي أبداً عن هذا الإطار الإجرائي الليبرالي الذي يكمن في كونه أهم ضامن للنقاش الحر في المجال العام. يحاول رورتي الهروب من الانتقاد الذي يوجه له بأنه : في الواقع، يضفي الطابع العالمي على القواعد والإجراءات الديمقراطية الليبرالية، حيث يقول أن نموذجه يجب أن يقرأ على أنه إثني متعمد.

يجادل رورتي أن الليبراليين الغربيين الذين لم "يتبنوا ( طروحات) ما بعد الحداثة" يُجبرون فعليًا على أن يكونوا من عرقيين، لأن مفهوم المساواة الإنسانية، الذي يستند إليه نقد العرقية، هو" مركزية غربية مختلفة" أو أخرى .[16] بمعنى آخر، غالبًا ما يقوم أولئك الذين يحاججون ويقفون ضد المركزية الإثنية على أساس مجموعة من المفاهيم الأخلاقية هي نفسها نتاج ثقافة معينة ولحظة تاريخية بعينها. وفقًا لرورتي، يمكن لليبرالي ما بعد الحداثة أن يقبل أن الإجراءات الليبرالية تعبر عن مركزية عرقية، لكنها تبقى توفر أفضل إطار لجميع ثقافات العالم المختلفة حتى تتعايش، حتى تلك التي ترفض مبادئ الليبرالية المتسامحة.

نقد

تفتقد النظرية الديمقراطية التي تطرحها أعمال رورتي الأنسجام والتماسك وهي غير مقنعه في اغلب الأحيان . وقد اثارت الكثير من الانتقادات، سواء بسبب التناقضات الملحوظة في مقاربته المناهضة للأسسية الإبستيمولوجية (المعرفية)، أو لما يعتبره البعض ايديولوجية محافظة في الدفاع عن الديمقراطية الليبرالية الغربية. برنشتاين، عن سبيل المثال، يجادل بأن عمل رورتي هو "اعتذار أيديولوجي عن نسخة قديمة من ليبرالية الحرب الباردة مرتدية خطاب" ما بعد الحداثة "المعاصر.[17] على الرغم من أن بيرنشتاين يحفاظ على نقد قوي لنظرية المعرفة والسياسة عند رورتي، إلا أنه في مقال لاحق أعترف بأن عمل رورتي يشكل تحديات مهمة، ويساعد أسلوبه المثير للجدل على إحياء انضباط الفلسفة من خلال التشكيك في بعض معتقداتنا العزيزة.[18] يرى وولين، في مقال نقدي خلاف ذلك، فيقول أنه ربما هناك ميزة وجدارة في عمل رورتي تنبع من تداخل نظرية ما بعد الحداثة مع مفاهيم الديمقراطية. كما يرى وولين، إن المعالجة الواضحة للقضايا الديمقراطية هي نظرية نادرة الحدوث في طروحات مابعد الحداثة.[19]

لسوء الحظ، لا يوضح رورتي أيًا من الأشكال المختلفة للديمقراطية التي يدعم، باستثناء المؤسسات الأساسية مثل "التصويت، الصحف، المنظمات المجتمعية" لأهميتها.[20] وكما يقول برنشتاين، يبدو  رورتي وكأنه يفتراض بأن معنى "الديمقراطية الليبرالية" واضح إلى حد ما بالنسبة للجميع.[21] ويشير رورتي في بعض الأحيان بشكل منفصل إلى الليبراليةذ والى الديمقراطية ولكنه بشكل عام يجمع بينهما كنموذج سياسي واحد.[22] ليس هذا بالأمر غير المعقول، لأنه يوجد تقارب قوي بين الليبرالية والديمقراطية الغربية.[23] ومع ذلك، فإن الاثنين ليسا متطابقين، وتبقى الاختلافات بينهما مصدر خلاف. يرى وولين، عن سبيل المثال، أن تركيز رورتي على خصخصة الفلسفة ليس ديمقراطياً على الإطلاق، ويجادل بأن التمييز الصارم بين المجالين العام والخاص "ليس ما تدور حوله الديمقراطية"، مستشهداً بدلاً من ذلك بـ "المساواة والاعتقاد بأنه يجب ان تكرس السلطة العامة للمساعي المشتركة.[24] على الجانب الآخر من الطيف السياسي، يرفض منظرو اليمين الجديد مثل فريدريك هايك ارتباطًا وثيقًا بين الديمقراطية والليبرالية، من منظور أن قيمة الحرية يجب أن تكون لها الأسبقية على الديمقراطية، بمعنى ان يكون لإرادة الناس الأولوية.[25]

إن نظرية رورتي حول الديمقراطية الليبرالية لها نمطها الخاص. وإن مفهومه للحرية مفهوم سلبي، حيث يتم الحفاظ على دور المجال العام إلى الحد الأدنى عن عمد. ولأنه- كما يرى رورتي- لا يمكن أن يكون هناك معرفة يقينية، فإن التدخل في الشأن العام له دائمًا القدرة على تدمير حرية الفرد دون داع. ومع ذلك، ليس من الواضح سبب رفض رورتي الادعاءات الجوهرية لصالح إطار إجرائي. مع أن فلسفته تتضمن وتؤكد، في الواقع، على التزامات جوهرية بمبادئ التسامح وتسوية الخلافات، ومناهضة القسوة والمساواة الإنسانية.

يشير رورتي أن المضمون الجوهري للديمقراطية سيتم إعداده في مجريات النقاش العام، لكنه لايلتفقت الى أن مثل هذا النقاش يفترض مقدما وجود مساحة عامة شاملة ومتساوية للجميع . تستند نظرية رورتي للديمقراطية على افتراض أن المواطنين متساوون، وأن المجال العام الليبرالي شامل كليًا لجميع المشاركين. لكن ولين يشكك في التمييز بين القطاعين العام والخاص في عمل رورتي، ويرى أنه يحمي التمييز بين القطاعين العام والخاص من المنافسة والاحتمالية.[26]

إن حجة رورتي أن الاختلافات بين المشاركين في المجال العام يمكن اختزالها إلى مجرد "فلسفية" ومن ثم أنزالها إلى المجال الخاص هي في الواقع تهرب منه من مواجهة مسألة ما إذا كانت العدالة الإجرائية والمؤسسات الليبرالية قد تتضمن على تحيزات. يرى رورتي أن هذه الإجراءات محايدة ازاء جميع المقاصد والأغراض، وبالتالي هي مطالب مفتوحه لحق الأختلاف والنقاش حولها. لكن مثل هذا الافتراض يمكن أن يؤدي إلى خطورة تتمثل في رضا المجتمعات الديمقراطية الليبرالية عن أوضاعها. وهذا الشعور بالرضا ستكون له عواقب سياسية هي: أنه طالما كانت المتطلبات الإجرائية للمناقشة تحدث، فلا داعي لمعالجة التفاوتات الواسعة النطاق. ثم أن هناك أنواعًا أخرى من النظريات التي لا تتوافق مع أيٍّ من هذين التوصيفين. فالمنظِّرون النسويون، عن سبيل المثال، يسعون إلى فحص علاقات القوى القائمة على النوع الاجتماعي( الجندر) المتضمنة في المجالين العام والخاص.[27] يفرض رورتي انفصالاً صارما جامداً بين الفيلسوف العقلاني التنويري من جهة، وليبرالي ما بعد الحداثة في ساخريته من ناحية أخرى. وكلاهما مدعوان إلى حصر اهتماماتهما الفلسفية في المجال الخاص، وترك المجال العام حرا لتحقيق العدالة الإجرائية الليبرالية. لكن لسوء الحظ، ما يبدو أن رورتي بسبب فلسفته هذه قد ضاع فرصة نقد حقيقي لتلك الإجراءات والمؤسسات، والقيم الجوهرية التي تشكلها. فطبقًا لرورتي، لا يمكن لأولئك الذين يرغبون في تقديم وجهات نظر نقدية حول الإجراءات والقيم الأً أن يفعلوا ذلك في المجال الخاص غير السياسي، أو سيكون عليهم الانخراط في عملية "إعادة الوصف" بشكل مقنع بما يكفي لضمان حدوث تحول في "المفردات" لهذا المجتمع بالذات.

ينتقد وولين مفهوم إعادة الوصف- الذي يقول به رورتي- باعتباره يفتقد العمق السياسي المطلوب، مجادلا أن رورتي يؤيد نظرية للتاريخ تنسب كل تغيير اجتماعي إلى التلاعب في اللغة.[28] الادعاء بأن اللغة لها وظيفة بناءة ليس فريدًا من نوعه ولم يقل به أحداً غير رورتي. فيمكن القول أنها واحدة من السمات المميزة القليلة لنظرية ما بعد الحداثة ككل. لكن وفقًا لنموذج رورتي للديمقراطية، يبدو أنها عملية حميدة نسبيًا. يصفها رورتي بأنها أحدث طريقة فلسفية حيث يحدث التغيير من خلال إعادة وصف الممارسات التوافق بشكل صحيح مع الصورة الذاتية للمجتمع. يستعمل رورتي مصطلحات مؤرخ العلوم توماس كون، الذي حدد الاختراقات الثورية في العلوم بأنها "تحولات نموذجية". اقترح كون أنه بمجرد حدوث هذا الاختراق، لن يكون هناك عودة إلى الطريقة السابقة لمشاهدة أو ملاحظة شيء ما.[29] وبأستعمال مصطلحات رورتي، تتغير "مفردات" العلوم بشكل دائم. ه تصبح ذه المقارنة إشكالية عندما يسحب رورتي نظرية كون لتفسير التحولات في تصور الذات للمجتمع وتطبيقها كنظرية للتغيير الاجتماعي.

لأن – أيً رورتي- يتجاهل الصراعات السياسية الفعلية والعميقة، سواء المادية أو الأيديولوجية، التي تصاحب هذه التحولات. أحد الأهداف الرئيسية للحركة النسوية، عن سبيل المثال، نشأت عن الصراع الذي يهدف الى حق توضيح تجارب النساء. كان جزء من المشروع هو الكشف عن الثغرات في النظرية السياسية والمعرفية الناجمة عن الإهمال المسبق لهذه التجارب.[30] هذا أكثر من مجرد مناورة لغوية. هناك قوة حقيقية على المحك في هذا النوع من إعادة الوصف. إذا نظرنا إليها فقط على أنها تحولات في المفردات، يتم تجريد هذه الصراعات من أهميتها السياسية، وتأثيراتها على السلطة في المجالين العام والخاص.

الاستنتاج والخلاصة

لقد ناقشت: أن اهتمام رورتي بالديمقراطية هو، في معظمه، اهتمام بانتقاد كيف عامل وتناول الفلاسفة والمنظرين السياسيين الديمقراطية. وبمصطلحاته، إنها نظرية تدور حول معجم مفردات الديمقراطية. وهي بهذا تقدم نقد سلبي إلى حد كبير. لكن، من جهة أخرى، يقدم رورتي بعض الوصفات الإيجابية لنظرية أو ممارسة الديمقراطية مستشهدا ببعض الكتاب والروائيين ومواقفهم، مثل أوريل، أو القادة السياسيين الشعبيين مثل مارتن لوثر كنج، ولكن ليس الفلاسفة.

يشير نورمان جراس أنه بسبب الأهمية التي يضفيها رورتي على النقاش واستمراريته، فإن ليبرالية برجوازية ما بعد الحداثة تكون أكثر راديكالية وأكثر إنسانية من الأشكال السابقة لليبرالية. بمعنى آخر، على الأقل في المدينة الفاضلة الليبرالية حيث يكون كل شيء تقريبًا مشروطًا، فهذا يعني أن كل شيء متروك للمناقشة العامة.[31] لكن عمل رورتي يعتمد بوضوح على بعض الادعاءات التي لا تنشأ بوصفها مشروطة ببعض التزاماته الأخرى. وليس كل شيء متروك للسؤال. عن سبيل المثال، يعطي رورتي الأولوية لإجراء محادثة متسامحة، وهو إجراء تواصلي غير مباشر بدون أسس. إنه غير مستعد لدراسة أي من القيم الجوهرية الأخرى التي تشكل جزءًا من هذا التقليد الديمقراطي نفسه، أو التعرف على بعض التقاليد المنافسة أو التكميلية الأخرى. إن رغبة رورتي في القضاء على القسوة والمعاناة أهداف جديرة بالثناء، ولكنها لا يمكن أن تكون أكثر من التزامات تعسفية. يشير رورتي أننا يجب أن نقبل هذه الالتزامات لأن لديها صدى داخل المجتمعات الليبرالية. حتى بمصطلحات رورتي الخاصة، فإن معجم مفردات الديمقراطيات الغربية، ناهيك عن تلك الموجودة في أجزاء أخرى من العالم، تبدو أكثر ثراءً وتعقيدًا من هذا الذي يطرحه رورتي.

رغم الأنتقادات التي قدمتها لعمل رورتي لكن لا يجب أن تنتقص هذا كليا من أهمية عمله بخصوص الديمقراطية. قدمت ما بعد الحداثة تحديًا كبيرًا للطريقة التي يتعامل بها المنظرون مع قضايا أسس النظرية والممارسة السياسية. غالبًا ما يتم اعتبار ادعاءات ما بعد الحداثة حول أحتمالية وعرضية المعرفة بأنها الخطوة الأولى على طريق النسبية، مما يؤدي إلى عدم القدرة على الفعل والتصرف سياسياً. إن دفاع رورتي القوي عن "الليبرالية البرجوازية ما بعد الحداثية" هو محاولة للتوفيق بين ما يُعتبر غالبًا المواقف المتعارضة بين السياسة وما بعد الحداثة. تتحدى نظرية رورتي للديمقراطية الحكمة التقليدية المتمثلة في أنه لا يمكن أن تكون هناك سياسة قوية دون التيقن من أسس ابستيمولوجية (معرفية) تقوم عليها. إن نقطة النهاية في نموذجه السياسي هي: يتم إعادة تعريف ممارسة السلطة على أنها تحول لغوي، ويتم نقل جميع فرص النقد والتغيير في الديمقراطية الليبرالية تقريبًا إلى المجال الفردي الخاص، حيث تختفي فعليًا. لسوء الحظ، يذهب معهم الفرصة لاستجواب حقيقي للقيم الإجرائية والموضوعية والفلسفية التي تشكل مفهوم رورتي للديمقراطية الليبرالية المعاصرة.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

......................

[1] Rorty, Objectivity, Relativism, and Truth, p. 209.

[2] Rorty, Objectivity, Relativism, and T ruth, p. 184.

Rawls, A Theory of justice (Cambridge, MA, Belknap Press of the Harvard University Press, 1971), p. 20 [2]

[3] جون راولز، نظرية في العدالة، ترجمة ليلى الطويل، الهيئة السورية العامة للكتاب، دمشق، 2011، ص 32.

[4]

[5] Rorty, 'Posties', p. 12.

[6] Rorty, Contingency, Irony and Solidarity, p. 63.

[7] Rotry, Objectivity, Relativism, and Truth, p. 208.

[8] Rorty, Objectivity, Relativism, and Truth, p. 211.

[9] Rorty, Contingency, Irony and Solidarity, p. 67.

[10] Rorty, Contingency, Irony and Solidarity, p. 67.

[11] Rorty, 'Posties', p. 12.

[12] Rorty, 'Posties', p. 12.

[13] Rorty, Objectivity, Relativism, and Truth, p. 201.

[14] Rorty, Objectivity, Relativism, and Truth, p. 206.

[15] Rorty, Objectivity, Relativism, and Truth, p. 207.

[16] Rorty, Objectivity, Relativism, and Truth, p. 207.

[17] Bernstein, 'One step forward', p. 556.

[18] R. J. Bernstein, 'Rorry's liberal utopia', Social Research, 57:l (Spring 1990), 31-72.

[19] شيلدون ولين، "الديمقراطية في خطاب ما بعد الحداثة"، مجلة البحوث الاجتماعية، العدد، 57 (صيف 1990)، 5-30. ولمزيد من النقاش حول مقاربات ما بعد الحداثة للديمقراطية، بما في ذلك أراء Rortyذ وHellerذ وFeherذ وLaclauذ وMouffe، راجع M. Saward، "ما بعد الحداثة، البراغماتيون ومبرر الديمقراطية"، الاقتصاد والمجتمع، 23: 2 (1994)، 201 -16.

[20] Rorty, 'Intellectuals in policies', p. 489.

[21] Bernstein, 'One seep forward', p. 547

[22] Bernstein, 'One seep forward', p. 547.

[23] D. Held, Models of Democracy (Cambridge, Policy, 1987), p. 5.

[24] Wolin, 'Democracy in the discourse of postmodernism', p. 25.

[25] Hayek in Held, Models of Democracy, p. 248.

[26] Wolin, 'Democracy in the discourse of postmodernism', p. 14.

[27] N. Fraser, 'Solidarity or singularity, in her Unruly Practices: Power, Discourse and Gender in Contemporary Social Theory {Cambridge, Policy, 1989), p. 104.

[28] Wolin, 'Democracy in the discourse of postmodernism', pp. 19-20.

[29] توماس كون، بُنيَة الثورات العلمية، ص123 فمابعد.

[30] N. Hartsock, Money, Sexand Power: Toward a Feminist Historical Material­ ism (New York, Longman, 1983).

[31] N. Geras, Solidarity in the Conversation of Humankind: The Ungroundable Liberalism of Richard Rorty (London, Verso, 1995), p. 88.

 

 

حاتم حميد محسنكارل بوبر (1902-1994) فيلسوف نمساوي المولد اكتسب فيما بعد الجنسية البريطانية، اشتهر بمبدأ التكذيب او التفنيد falsification principle(1) وهي طريقة العلوم في بيان زيف الفرضية العلمية، وبالتالي السماح بايجاد فرضية أفضل. الفرضية يمكن بيان انها زائفة حتى ولو بملاحظة مضادة واحدة. المثال الكلاسيكي على ذلك: افتراض "كل البط ابيض اللون" ثبت زيفه عندما لوحظ وجود بط أسود في استراليا. لكن مساهمات بوبر العظمى للفلسفة هي في هجومه على التاريخية historicism(2) وهي الفكرة بان التاريخ له اسلوب وهدف ونهاية، وانه يتحرك بلا توقف نحو تلك الغاية طبقا لقوانين معينة. بوبر درس بعناية التاريخية في كتابه (فقر التاريخية) الصادر عام 1957 وذهب بعيدا نحو الفلسفة السياسية والمجتمع في كتابه من جزئين (المجتمع المنفتح واعداؤه، عام 1962).هذا الكتاب العالي الاتقان في الفلسفة السياسية يمثل حالة دراسية نموذجية في فن النقد، ويجسد دفاعا حماسيا عن الديمقراطية الليبرالية. الأعداء الفلاسفة للمجتمع المنفتح، يرى بوبر، يدخل ضمنهم افلاطون وهيجل وماركس.

الجزء الاول من الكتاب يتعلق بافلاطون الذي رأى التاريخ ليس كتقدم وانما دائري، وهو في تراجع عن العصر المثالي الذهبي. افلاطون في جمهوريته حفز على النظام الاجتماعي المحكوم بالفلاسفة الملوك، المحميين بالنخب العسكرية وبمساندة طبقة كبيرة من العمال. بعض الخصائص الكريهة في نظامه الاجتماعي دفعت بوبر للهجوم عليه.

لكننا نهتم هنا بالجزء الثاني من كتاب بوبر الذي يناقش هيجل وماركس – خاصة ماركس، رغم اننا عند مناقشة ماركس والتاريخ لا يمكننا تجنب هيجل. في الحقيقة، كان ماركس قد تأثر بعمق بنظرية هيجل في التطور التاريخي. كلاهما اعتقد بان التاريخ له غرض وقدر محتوم، وان البشرية منذ البداية تحركت نحو مصيرها مندفعة بالصراع عبر سلسلة من المراحل المستمرة، كل مرحلة جديدة تأتي الى الوجود عبر الصراع الناتج عن التناقضات او النفي للمرحلة السابقة .وعندما تتحرك العملية التاريخية نحو الامام، فان الظروف تتحسن حتى يتم في النهاية حل التناقضات والوصول الى نوع من الحرية.

ولكن رغم هذا التشابه فان النظريتين في تضاد مع بعضهما. نظرية هيجل في التاريخ التي عرضها في فينومولوجيا الروح هي تجريدية، تتكشف دائما في الذهن. مختلف حركات الفكر او العقائد تتصارع مع بعضها مجتمعة لتعطي دفعا لظهور حركات جديدة تستمر بدورها بالصراع مع اخرى في عملية مستمرة تسمى الديالكتيك. تاريخ العالم هو انكشاف لما يسمى الذهن المجرد او الروح من خلال الديالكتيك. بهذا المعنى، يعتمد العالم على الذهن، على الافكار، وعليه تسمى نظرية هيجل بالمثالية الديالكتيكية. في اوج الحركة الديالكتيكية، يمارس الفرد التحرير من خلال علاقته مع الدولة التي يمجدها هيجل حين كتب "الدولة هي فكرة دينية كما تتجسد على الارض"(محاضرات هيجل في فلسفة التاريخ، جزء 41).(3)

فكرة هيجل عن العملية التاريخية – ديالكتيك التناقضات – بدون شك اثّرت على ماركس وانجلس. ذكر انجلس في وصفه ديالكتيكية هيجل بانها منطق جديد "لامع". لكن هذا المنطق فيه مشكلة. فكما ذكر ماركس "ليس وعي الناس منْ يقرر وجودهم، وانما وجودهم الاجتماعي هو من يقرر وعيهم" (نقد الاقتصاد السياسي، 1859).

نظرية ماركس، بالمقابل،  تنكشف في عالم العمل، لذا هو يسميها المادية الديالكتيكية. صراعها هو بين الطبقات الاقتصادية، وان ذروة حركتها تتمثل في بلوغ المجتمع اللاطبقي،  وبالنهاية زوال الدولة . كلا الرجلين تأثرا بقوة بهريقليطس الذي ذاع صيته في القرن الخامس قبل الميلاد. هيرقليطس قال بان كل شيء في حالة من التدفق او السيلان، يتغير الى الابد من خلال قوانين الطبيعة التي اسماها اللوغس او المنطق، يقوده التصادم بين الاضداد، ولكن بما ان هيرقليطس كان ماديا، لذا اعتبره ماركس مبشرا لماديته التاريخية.

بوبر حول ماركس والتاريخ

طوال تفحصه لماركس، اتّبع بوبر خطا رفيعا بين الاعجاب والخشية. هو يشعر بالاحترام لماركس، وجده صادقا في عقيدته، حاد الادراك في تحليلاته، متحمسا نحو المسحوقين. اعتقد بوبر ان ماركس ذاته "قام بمحاولة شريفة لتطبيق الطرق العقلانية على معظم المشاكل العاجلة للحياة الاجتماعية ... امانته واخلاصه في بحثه عن الحقيقة ومصداقيته الفكرية ميّزته دائما، نعتقد و من خلال العديد من اتباع بوبر " ... ان الماركسية هي التي ازعجت بوبر الذي اسماها" شكل التاريخية الأنقى والاكثر تطورا والاكثر خطورة".

يرى بوبر ان الاختلاف الاساسي بين ماركس وغالبية المؤرخين (بمن فيهم هيجل) هو ان الآخرين رأوا التاريخ "ومصير الانسان"يتقرر بالصراع بين الامم. ماركس رأى التاريخ يتقرر بالصراع بين الطبقات. وكما ذكر ماركس "تاريخ جميع المجتمعات القائمة حتى الان هو تاريخ الصراع الطبقي"(البيان الشيوعي). وكما يوضح بوبر "التفسير السببي الماركسي للتاريخ بما فيه الحروب القومية، هو ان مصلحة الطبقة يجب ان تأخذ مكان المصالح القومية المزعومة والتي هي في الحقيقة فقط مصلحة الطبقة الحاكمة في الامة".

طبقة المرء تتقرر بموقع المرء في نظام المجتمع لإنتاج السلع والخدمات. في الرأسمالية، البرجوازية هي من يملك وسائل الانتاج، وبهذا هي من يصنع الطبقة الحاكمة. اما اولئك الذين يقومون حقا بالعمل لإنتاج السلع والخدمات فهم يصنعون الطبقة العاملة او البرولوتاريا. المالكون يُجبرون لزيادة الانتاجية لكي يمكنهم التنافس، وبهذا هم مجبرون لإجبار العمال على انتاج المزيد وبكلفة اقل، وهو ما يعني اجور عمل قليلة. هم ايضا واعون تماما بان حريتهم تعتمد على انعتاقهم من العملية الانتاجية. هم يمكنهم "شراء مقدار اكبر من الحرية فقط على حساب استعباد اناس آخرين"، كما يذكر بوبر. "فقط عبر جعل الآخرين يقومون بعمل قذر يمكن للحكام ان يكونوا متحررين". ولكن مع استغلال العمال، هم يطورون وعيا طبقيا: نتذكّر ان ماركس اعتقد ان وجود الانسان الاجتماعي يقرر وعيه. وبهذا فان العمال يصبحون باستمرار واعين بان حاجتهم للحرية  تتقرر بموقعهم في وسائل الانتاج. الحكام ملزمون باستعباد المحكومين، والمحكومين ملزمين بالكفاح ضد الحكام. "وهكذا دائما، الحكام ومعهم المحكومين يقعون في الفخ، ويُجبرون للصراع ضد آخر"، يوضح بوبر."انها العبودية"، هو يضيف"هذه الحتمية في الصراع  ... نبوءة تاريخية علمية".يلخص بوبر حتمية ماركس بالقول ان علاقات الطبقة التي تميز النظام الاجتماعي هي مستقلة عن رغبة الانسان الفردية.

من المفزع ان كل هذا يبدو غير شخصي – ازيل من الواقع الوحشي للحياة اليومية. لكن ماركس رأى  القسوة المميتة للراسمالية في انجلترا في اواسط القرن التاسع عشر. ماركس يعطي هنا امثلة:

1- وليم وود شاب عمره 7 سنوات .. يأتي للعمل كل يوم من الساعة السادسة صباحا حتى الساعة التاسعة مساءا .. "15 ساعة من العمل لطفل بعمر سبع سنوات، شيء مدهش حسب  تقرير رسمي للجنة استخدام الاطفال عام 1863".

2- ماريا آن والكلي شابة عملت دون توقف لمدة 26 ساعة ونصف، مع 60 من البنات الاخريات، 30 منهن في غرفة واحدة .. استدعي الطبيب لاحقا، شهد امام الطبيب الشرعي بان ولكلي ماتت بسبب ساعات العمل الطويلة في غرفة عمل مزدحمة".

النبوءة ومفارقة الحرية

يربط بوبر الظروف المزرية للرأسمالية المنتصرة بشيوع فكرة الحرية الاقتصادية :"هذا الاستغلال المخزي جرى الدفاع عنه وبسخرية من جانب المنافقين الذين لجأوا الى مبدأ الحرية الانسانية، لحقوق الانسان في تقرير مصيره، وللدخول بحرية في اي عقد يراه مفضلا لمصالحه".

مفارقة الحرية هو مفهوم يعود تاريخه الى افلاطون الذي يقول بوضوح ان "الحرية اللامحدودة تقود الى لا حرية". بوبر طبق هذه المفارقة على نوعين من الحرية هما الفيزيقية والاقتصادية. "الحرية في اي ميدان تهزم ذاتها اذا كانت غير محدودة"،  هو يكتب. الحرية الفيزيقية غير المقيدة هي حرية البلطجيين في ايذاء الضعفاء. ولكن بالنهاية، ذلك البلطجي سيأتي ضد بلطجي اقوى، وذلك البلطجي ايضا سوف يواجه آخر وهكذا. لذا من الضروري للدولة ان تقيد الحرية الفردية في طرق قانونية معينة لحماية حرية كل شخص. السلطة الاقتصادية غير المقيدة تقود الى نفس النتيجة في العالم الاقتصادي. " في دولة كهذه،  القوي اقتصاديا حر في ايذاء الضعيف اقتصاديا، وسرقة حريته"، يكتب بوبر. فمثلا، "اولئك الذين يمتلكون فائض من الطعام يمكنهم اجبار الاخرين الجياع على "عبودية مقبولة" بشكل حر".لذا من الضروري ايضا للحكومة ان تحمي الضعفاء اقتصاديا.

يجادل بوبر ان الدولة يمكن ان تبني مؤسسات لتوفير هذه الحماية من خلال الوسائل القانونية. هو سمى هذه العملية "الهندسة الاجتماعية التدريجية"piecemeal social engineering(4). ماركس اعتبر السياسة والنظام القانوني خادما للطبقة الحاكمة. هو آمن بان الانظمة السياسية البرجوازية انكرت الحريات الاساسية للعمال والفقراء. ورغم انهم جرى التعبير عنهم في لغة العدالة والحرية، لكن هذا كان مجرد ديكور خارجي. بوبر في وصفه عقيدة ماركس في هذا،  كتب" هذا يبين ان الاستغلال ليس مجرد سرقة. انه لايمكن منعه فقط بالوسائل القانونية". بالنسبة لماركس، الخيار الوحيد هو الثورة.

طبقا للتاريخية الاقتصادية لماركس، النظام الاجتماعي لفترة تاريخية معينة يجب ان يزيل نفسه لينتج الفترة التاريخية القادمة. هذا يبين كيف ان الاقطاعية انتجت الرأسمالية. الراسمالية بدورها، تحتوي على بذور فناءها. تلك البذور توجد في ظروف الانتاج. في كتاب رأس المال،  ادّعى ماركس هناك تركيز متزايد للثروة بايدي القلة، وزيادة مماثلة في شقاء وتعاسة الطبقة العاملة المتزايدة. هذه اول خطوة من ثلاث خطوات في نبوءة ماركس بالثورة. هذه النزعة ستؤدي الى الخطوة الثانية، محتوية على نتيجتين. كما يوضح بوبر حول نظرية ماركس:"كل الطبقات ماعدى البرجوازية الحاكمة الصغيرة والطبقة الكبيرة  العاملة المستغلة ملزمة لتختفي او لتصبح بلا اهمية". وايضا، "التوتر بين هاتين الطبقتين يجب ان يقود الى ثورة اجتماعية" من خلال الصراع بين المالكين والعمال. اخيرا،  في الخطوة الثالثة، العمال سيبرزون كمنتصرين على المالكين ويؤسسون ما يسميه ماركس دكتاتورية البروليتاريا. بالنسبة لماركس هذه الدكتاتورية ضرورية للدفاع ضد الثورة المضادة ولخلق المجتمع اللاطبقي.

اعتقد ماركس ان هذه العملية التاريخية حتمية. هذه التاريخية وجدها بوبر خطيرة، ومن هنا هو  فصل نفسه عن ماركس. بوبر بوضوح شجع مفارقة الحرية لمواجهة الشروط الضرورية لثورة ماركس الحتمية:

"نحن يجب ان نبني مؤسسات اجتماعية، تُفرض بسلطة الدولة، لحماية الضعفاء اقتصاديا من الاقوياء اقتصاديا ..  يجب ان نطالب بان الرأسمالية غير المقيدة تسمح بالتدخل الاقتصادي. وهذا بالضبط ما حدث. النظام الاقتصادي الذي وصفه وانتقده ماركس لم يعد موجودا في اي مكان".

يعطي بوبر امثلة لما حدث في تحديد الحرية المطلقة للسوق مثلما كان ايام ماركس: تحديد ساعات العمل، الحماية ضد المرض والعجز والبطالة والضرائب التصاعدية  وظهور اتحادات العمال وغيرها. يذكر بوبر ان ماركس "لم يستوعب ابدا مفارقة الحرية، وهو لم يفهم ابدا الوظيفة التي يمكن لسلطة الدولة تأديتها في خدمة الحرية والانسانية". يجب التأكيد ان بوبر لم يكن ساذجا فيما يتعلق بسلطة الدولة وامكانية الاستبداد. "تدخّل الدولة"، هو يكتب "يجب ان يقتصر على ما هو ضروري لحماية الحرية". باطلاع تام على سايكولوجيا الانسان، شدد بوبر على اهمية السيطرة على المسيطرين. في الحقيقة، معظم الدول الغربية اسست اطارا قانونيا للفصل بين السلطات لتحديد سلطة الدولة بالاضافة الى الحرية المطلقة للسوق.

نهاية التاريخية

سبب فشل نبوءة ماركس " يكمن كليا في فقر التاريخية "يكتب بوبر: "في ابسط الحقائق حتى لو نلاحظ اليوم ما يبدو من نزعة تاريخية، نحن لا نعلم انها سيكون لها نفس المظهر غدا". بوبر ذكر ايضا ان الناس عندما يتحدثون عن تاريخ البشرية" ما يعنونه وما تعلموه في المدرسة هو تاريخ السلطة السياسية. لا وجود لتاريخ البشرية، هناك فقط اعداد لا متناهية من التواريخ ... وأحد هذه التواريخ هو تاريخ السلطة السياسية. هذا التاريخ رُفع الى مستوى تاريخ العالم. لكن هذا هو جريمة ضد كل تصور لائق للبشرية.. بالنسبة لتاريخ السلطة السياسية لاشيء عدا تاريخ الجريمة الدولية والقتل الواسع". لكي يوضح هذا يستشهد بوبر من الثورة الروسية وتأسيسها دولة صناعية باستخدام العمل الاجباري والقمع المفرط للمعارضين.

في نهاية المجتمع المنفتح واعداؤه، يعرض بوبر مرة اخرى غموضه نحو ماركس."ماركس أوهم الناس الاذكياء ليعتقدوا بان النبوءة التاريخية هي الطريقة العلمية في حل المشاكل الاجتماعية". مع ذلك، هو يسمي عمل ماركس "نظام فلسفي فخم، مقارنا او أرقى من الانظمة الكلية لافلاطون وهيجل . ماركس كان آخر العظام من مؤسسي الانظمة الكلية . نحن يجب ان نحرص على تركه هناك، ولا نستبدله بنظام آخر عظيم".

وهنا يجب ذكر ملاحظتين. اولا،  ان بوبر الذي مات عام 1994 ربما سيشعر بالقلق من  التصاعد الاخير للقومية المتشددة في اوربا والولايات المتحدة، وايضا سيلوم الفجوة الواسعة بين الاغنياء والفقراء. كلاهما يعزز انتعاش مفاجيءللماركسية او انظمة شمولية اخرى،  وهو موقف سيواجهه بوبر بمزيد من الهندسة الاجتماعية المتدرجة.

اخيرا، ملاحظة بشان هيجل وماركس. الفلاسفة الحديثين احيانا يبحثون عن دعم من اليونان القديمة لإعطاء نظرياتهم بريق الحكمة القديمة. هيجل وماركس كلاهما وجد ضالته في هيرقليطس. هيجل كان فخورا به :"لم توجد فرضية لهرقليطس لم اتبنّاها في منطقي .. كل الاشياء تمر طبقا للصراع"، بينما ماركس اعتبره سبّاقا في ماديته الديالكتيكية للتاريخ. وكما ذكر الفيلسوف وليم ساخان في تاريخ الفلسفة 1968: "هرقليطس اعتبر العالم كنظام يتغير بلا توقف، لا يكتمل ولا ينتهي ابدا في بلوغ اهدافه او التوقف في حالة من الكمال".

 

حاتم حميد محسن

.....................

الهوامش

(1) مبدأ التكذيب اقترحه الفيلسوف العلمي كارل بوبر. المبدأ يفترض بان الشيء لكي يكون علميا يجب ان يكون بالامكان تكذيبه. اذا كانت الاشياء قابلة للتكذيب او ممكن اثباتها كاذبة عندئذ يمكن استخدامها في التحقيقات والدراسات العلمية . مثال على البيانات القابلة للتكذيب القول بان جميع السيارات حمراء. هذا القول يمكن تكذيبه بسهولة عبر ملاحظة سيارة واحدة ليست حمراء. كل شيء لا يمكن اثباته كاذبا هو غير صالح للتحقيق العلمي. مثال على بيان لا يمكن تكذيبه هو وجود كائنات خرافية غير مرئية تسكن الكهوف والجبال وتسرق الاطفال لايمكن اكتشافها من قبل الانسان. هذا القول لا يمكن اثباته صحيحا او كاذبا، ولذلك هو لايمكن تكذيبه ولا يمكن استخدامه في التحقيق العلمي.

(2) التاريخية هي الاعتقاد بان التاريخ يتقرر وفقا لقوانين، وان فهم الناس والثقافات يتطلب فهم الاحداث  التاريخية. مثال على التاريخية هي الاعتقاد بان ما حدث في الـ 100 سنة الماضية سيقرر ما يحدث اليوم.

(3) يرى هيجل ان الدولة هي أعلى تجسيد للفكرة الدينية على الارض وهي الوسيلة الرئيسية التي يستعملها المطلق في تجسيد ذاته كما ينكشف نحو الانجاز التام. جادل هيجل بان الدولة هي أعلى شكل من الوجود الاجتماعي والمنتج النهائي لتطور البشرية، بدءً من العائلة ومرورا بالمجتمع المدني وصولا الى ادنى اشكال التجمعات السياسية. الدولة هي كل عضوي متسامي يتالف من تجمعات الافراد في جماعات محلية وجمعيات وغيرها. هذه الاجزاء ليس لها اي معنى عدى علاقتها مع الدولة التي هي غاية في ذاتها. الدولة يمكنها ان تطلب من اجزاءها التضحية لأجل مصالحها. كل انسان خاضع للكلي الاخلاقي.اذا طالبت الدولة بحياة فرد ما عندئذ يجب على الفرد التسليم. بما ان كل شيء بالنهاية هو واحد، فان الجماعي له السيادة على الفرد. دولة هيجل ليس فيها مكان لفكرة الحقوق الفردية او النظرية الليبرالية للدولة.

(4) في كتابه (فقر التاريخية، 1957) انتقد كارل بوبر التاريخيين ولاسيما الشيوعيين والفاشست في محاولتهم التنبؤ بالمستقبل، وجادل بان التجارب الاجتماعية الكلية المرتكزة على هذه النظريات محكوم عليها بالفشل، ذلك بسبب ان طريق التاريخ الانساني يتأثر كثيرا بنمو المعرفة، ونحن لا نستطيع ان نتنبأ عقلانيا ولاعلميا بمستقبل النمو في المعرفة العلمية. بدلا من ذلك، ومقارنة مع الدور المركزي للتجارب المتدرجة في العلوم، هو يرى ان الشكل الوحيد للتغيير الاجتماعي الذي يمكن تبريره هو ذلك الشكل الذي يكون على نطاق صغير، وسلس ومتدرج ويمكن باستمرار تعديله في ضوء التجربة. هذا الاتجاه يرتكز على التجربة والخطأ وليس على الرؤى التاريخية القبلية، وكما يقول بوبر"نحن نصنع التقدم فقط عندما نكون مستعدين للتعلّم من اخطائنا: نعترف باخطائنا ونستعملها نقديا بدلا من الاستمرار الدوغمائي عليها. الهندسة الاجتماعية هي إدخال لتصور بوبر للطرق العلمية في التخطيط والسياسة.

 

علي رسول الربيعيأكتسب ريتشارد رورتي منذ أن نشر كتابه "الفلسفة ومرآة الطبيعة"، شهرة فلسفية، وأجتذب الكثير من الأهتمام النقدي بوصفه فيلسوفا قلب الأفتراضات التقليدية حول المعرفة، والنفس، واللغة. لم يكن منظرأ للديمقراطية، لكنه أبدى اهتمامًا قويًا بالديمقراطية في الكثير من كتاباته. يحدد رورتي هذا الاهتمام في سياق التحديات الفكرية التي تطرحها نظرية ما بعد الحداثة، حيث يجمع بين ادعاء ما بعد الحداثة حول أحتمالية المعرفة وعرضيتها وبين الدفاع القوي عن الإطار الإجرائي للديمقراطية الليبرالية. إن الطريقة التي يوفق بها رورتي بين اهتمامه الخاص باللديمقراطية الأمريكية وشكيته المابعد حداثية وموقفه ضد الصلاحيةالعالمية للأفكار، تشكل مساهمة استفزازية في المناقشات حول الدفاع عن الديمقراطية الليبرالية الغربية ونقدها ومبرراتها.

تشكل العلاقة بين المعرفة الفلسفية والديمقراطية أحد الموضوعات الرئيسية لعمل رورتي. إن هدفه هو انتقاد كيف يتناول ويُنظر المثقفون في الدول المتقدمة عن الديمقراطية. وبشكل أكثر تحديداً، يعترض رورتي على الفكرة التي تقول أن نظرية عامة عن الطبيعة الإنسانية و مبادئ المعرفة عالمية الصلاحية ضرورية لتوفير أساس للممارسة الاجتماعية للديمقراطية ومبرر لها. رغم أن رورتي لا يقدم نقدًا مفصلاً للمشاكل التي تواجه الديمقراطيات، كما أنه لا يقترح الكثير عن الطريقة التي يمكن بها التغلب على تلك المشاكل. ومع ذلك، لايختصرعمله على نقد النظريات الديمقراطية فله نظر في الديمقراطية مكتوب في مقالات تدور حول هذا الموضوع.[1] تظهر بعض مزاعم رورتي التي لا لبس فيها حول الديمقراطية في بعض المقالات القصيرة، مثل مراجعته لأعمال هابرماس، أو المقابلات التي يجريها كما في ملحق التايمز الأدبي.[2]

يكمن مفتاح حجة رورتي في الادعاء بأنه، إذا قبلنا أن معرفتنا غير مؤكدة في أحسن الأحوال، فيجب علينا أن نفكر ونتحدث عن الديمقراطية بطريقة مختلفة. يقول رورتي إذا كانت قيمنا ومعتقداتنا حول الديمقراطية مشروطة وأحتمالية، فإن أفضل ما يمكننا فعله هو إنشاء إطار إجرائي يمكّن من إجراء محادثة ومداولة متسامحة حول هذه القيم والمعتقدات. تبدو لي هذه الحجة في أغلب نواحيها عادية ولا يوجد فيها ماهو استثنائي أو جديدي يقدمه رورتي . لكن ما يميزه، حقاً، هو حجته حول اللايقين والأحتمالي في معرفتنا، وطبيعة الرد الذي يركزعلى المحادثة. يركز رورتي بشدة على "المحادثة" وطبيعتها وشروطها باعتبارها مركزية لديناميكية الديمقراطية. وينعكس هذا التركيز على رغبته للانخراط في النقاش حيث كان يتبادل الآراء، كما هو شائع، مع المنظرين السياسيين البارزين مثل يورغن هابرماس وريتشارد بيرنشتاين وشيلدون ولين.

تبدأ دراستي هذه بنظرية المعرفة عند رورتي لأن هذا ما يوفر الأسس لطريقة تناوله الديمقراطية ونقده لمنظريها أياً. ثم أفحص بدقة بعض القضايا التي اعتبرها رورتي مهمة للنظرية الديمقراطية. أتبع في مناقشتي وجهة نظر بيرنشتاين في أن هناك مسـارين مختلفين في ادعاءات رورتي بشأن الديمقراطية.[3] ينطلق الأول من نظريته المعرفية في أدعائها بأنه يمكننا الاستغناء عن الأسس الفلسفية للديمقراطية.[4] بينما يتكون الثاني من مطالبات رورتي بمركزية الديمقراطية الليبرالية في المجتمعات الغربية. سأبحث في الادعاءات التي يقدمها رورتي لدعم الديمقراطية الليبرالية، وأوجز نوع النموذج الإجرائي للديمقراطية الذي ينبثق من عمله. أريد أن أؤكد أبتداءً أن هناك توتراً بين هذين المسارين، حيث يشدد أحدهما على أولوية الأحتمالية أو العرضية، بينما يعتمد الآخرعلى الواقع التجريبي المتمثل في الارتباطات السياسية القوية. يقول رورتي إن ولاءه للديمقراطية الليبرالية لا يستند إلى المطالبة بأن لها حقيقة متأصلة وصلاحية ثابته، بل يستند إلى البرغماتية والتقاليد. أهدف، هنا، إلى توضيح كيف يجمع رورتي بين هذه الحجج المتباينة، وأشير أيضًا إلى ما يجده من قيمة يمكن الدفاع عنها بشأن الديمقراطية الليبرالية.

أزعم أن رورتي مضطر إلى تقديم مخطط إجرائي محدود لنموذجه الديمقراطي، لأنه يجادل بأن أيً ادعاء جوهري / موضوعي يستلزم نوعًا من التسويغ أو التبرير الفلسفي الذي يرفضه تماماً. يرفض رورتي هذا التسـويغ للديمقراطية، ليس فقط لأنه لا يرى أهمية ذلك، بل لأنه يرى أن هناك ضررًا فعليًا ينتج عن هذه العملية. يأتي هذا الضرر، كما يزعم، من حقيقة أن مثل هذا التسويغ أوالتبرير القوي يخاطر بتهديد التسامح الليبرالي، كما أنه يصرف الانتباه عن الهدف الرئيس للديمقراطية الليبرالية، وهو منع المعاناة. لكن نموذج رورتي للديمقراطية يمثل مشكلة في هذا الصدد. سوف أنظر وأتناول في القسم الأخير من الدراسة، ما إذا كان نموذج رورتي يمكن أن يضمن التسامح أو القضاء على المعاناة.

مقاربة رورتي الفلسفية وآثارها على الديمقراطية

حافظ رورتي على اهتمامه بالفلسفة البرغماتية الأمريكي من خلال العودة الى أعمال جون ديوي منذ كتاباته الأولى.[5] ورث رورتي من ديوي حجة براغماتية ضد الحاجة إلى أسس آمنة للمعرفة. ويعتمد رورتي أيضًا على حجة ديوي ضد ضرورة تبرير الديمقراطية الليبرالية باستخدام المعايير الإبستيمولوجية الأسسية، فمن وجهة نظر برغماتية استخدام هذه الأسس ليس له فائدة . يعرّف رورتي البراغماتية على أنها ضد ألاسسية الماهوية " المطبقة على مفاهيم مثل" الحقيقة "... والأشياء الشبيهة الأخرى في النظريات الفلسفية".[6] يقول رورتي عن ديوي إنه سيقبل بسعادة، أن التسويغ الوحيد الممكن للديمقراطية سيكون "تسويغاً دائريًا لممارساتنا ... مما يجعل إحدى سمات ثقافتنا تبدو جيدة أذا ما استشهدنا بثقافة أخرى أو قارنا ثقافتنا مع الآخرين من خلال الإحالة أو الأشارة الى معايرنا الخاصة.[7] يجادل رورتي بأن "نمط الاستقصاء أو التحقيق- العلمي وكذلك الأخلاقي بالنسبة للبراغماتيين هو المداولة/ المحادثة بشأن عوامل الجذب النسبية لمختلف البدائل الملموسة". وهذا يعارض الاستفسار أو التبرير الموجه من قبل الفكرة القائلة: أن ما نراه يتوافق مع الحقيقة أو الواقع، أو ما استهان به ديوي باعتباره "نظرية المتفرج للمعرفة".[8] إ هذا الادعاء حول العلاقة بين التمثيل والواقع أمر أساسي لنظرية رورتي للمعرفة. فإن ما هو ضد التمثيل، بالنسبة لرورتي، هو الشخص الذي يمكنه أن يتجاهل السؤال "هل نحن نمثل الواقع بدقة؟" ويركز بدلاً من ذلك على طرح السؤال "هل هناك أدوات مفاهيمية أكثر فائدة تحت تصرفنا؟".[9] يشير، في هذه الحالة، المصطلح "مفيد" إلى الأساس العملي البرغماتي للتبرير، لكن لا يخوض رورتي في التفاصيل حول المقصود بكلمة "مفيدة". في مكان آخر، يبدو أنه يعادل "فائدة" المعرفة بالكفاءة. فيقترح أنه بدلاً من الاستفسار عما إذا كانت معتقداتنا متناقضة، يجب أن نشغل أنفسنا بمسألة ما إذا كان "استخدامنا [للأدوات اللغوية] فعال أم لا".[10]علاوة على ذلك، من عواقب أو نتائج البراغماتية، يجادل روني بأن تبني مقاربة براغماتية للمعرفة يعني عرض فروع مختلفة من البحث، مثل العلم والفن، كطرق مختلفة لطرح "أسئلة حول ما سيساعدنا في الحصول على ما نريد (أو حول ما يجب أن نريد).[11] وهكذا، فإن كلمة "مفيدة"، طبقا لرورتي، يمكن أن تدل على أن المحادثة تتسم بالكفاءة، فضلاً عن دورها الفعال. وما هو غير مهم أو غير ضروري هو ما إذا كان يمكن القول أن المعرفة تتوافق مع "حقيقة" موضوعية أو لا يمكن قول ذلك.

إن معادة أو ضد التمثيلية هذه وفقًا لرورتي لا تعادل الأرتيابية الإبستيمولوجية أو الشكية المعرفية الكاملة. يدعي رورتي أننا يجب أن نميز "بين الادعاء بأن العالم موجود هناك والادعاء بأن الحقيقة موجودة".[12] هذا ليس هو نفسه مثل الادعاء بأن الفكر يحدد الواقع. إنه يعمل، بدلاً من ذلك، على إنكار أهمية مصطلحات مثل "الواقع" و "الحقيقة" واستبدالها بفكرة أنه إذا كانت مفرداتنا تبدو متماسكة وملائمة لظروفنا الخاصة، فيجب أن نكون راضين بأستعمالها الى أن نقتنع بخلاف ذلك.[13] هذا يشكل التزامًا عمليًا بفائدة المعرفة وفحص نتائجها، بدلاً من الأحكام المستندة إلى القيمة الحقيقة المفترضة لأي طريقة من الطرق التحدث عن شيء ما. لا يدعي رورتي بعزل معتقداته الخاصة من عدم اليقين المعرفي الأساسي هذا. وينعكس هذا في تأكيده وتركيزه على مفهوم الأحتمالية. يجادل رورتي بأن علينا أن نتقبل، أن معتقداتنا عن أنفسنا ومجتمعاتنا خاضعة للمراجعة في أي وقت، في حال تغيرت ظروفنا أو مفرداتنا.[14] فيعني مصطلح " الأحتمالية " أن نُبقي أي من معتقداتنا أو ممارساتنا العزيزة علينا موضع تساؤل دائمًا، أو تخضعها لما يدعو رورتي إعادة الوصف.

يستعمل رورتي مصطلح "إعادة الوصف" لشرح ما يعتقد أنه منهج أو "طريقة" جديدة للفلسفة، تختلف عن تقليد التنوير الأسسي الرئيس. تشير "إعادة الوصف" أساسًا إلى ممارسة تثبيت مفردات جديدة لتحل محل المفردات القديمة. ويعرف رورتي إعادة الوصف بأنها العملية التي تنتقل بها مفرداتنا القديمة إلى مفردات جديدة. لا يحدث الانتقال من مفردات إلى أخرى (كما قد يكون من الناحية التأسيسية) لأن المفردات الأخيرة تم اختبارها بعناية ووجدت في النهاية أن لها علاقة أوثق بالحقيقة. ولكن كما، يعتقد رورتي بأن هذا التحول "يعمل بشكل كلي وبراغماتي"، حيث يرى الناس، في المفردات الجديدة، أشياء أكثر فائدة وتماسكًا من تلك الموجودة في القديم.[15]

غالبًا ما يتم انتقاد هذا النوع من المعاداة للأسسية بادوصفه الخطوة الأولى نحو النسبية الأخلاقية غير القادرة على إدانة الشرور الكبرى مثل النازية أو قوة الشر الأمريكية. يتم رفع هذا الشبح ضد فكرة أن معايير السلوك والمعنى والمعرفة المجتمعية مشروطة وأحتمالية وعرضية فقط، ويتم تحديدها على أساس التوافق المجتمعي، أو التضامن. لكن رورتي ينكر أنه نسبي بهذا المعنى. وحجته هي أنه لا توجد طريقة لمعرفة ما إذا كانت معتقداتنا تتوافق مع الواقع أم لا، وليس جميع المعتقدات لها القدر نفسه من الإدعاء بأنها صحيحة أو خاطئة. هذا تمييز جيد، ومهم في سياق معاملة رورتي للديمقراطية. الموقف النسبي، إلى جانب كونه يدحض نفسه، لا يسمح للنسبيين بانتقاد المعتقدات الأخرى. إن أسلوب ومقاربة رورتي، كما سأوضح لاحقًا، يمكّنه من أن يكون أو يعبر بوعي عن مركزية عرقية هو يريدها، ليجادل بأن معايير الديمقراطية الليبرالية الغربية هي الأفضل، في الوقت الحاضر، لتلك المجتمعات. يطبق رورتي نفس المعاداة أو الموقف ضد الأسسية على نظريته عن الطبيعة البشرية، والتي تعد أيضًا محورية في نقده للمنظرين الديمقراطيين مثل فالزر وتايلور. تنبثق نظرية الطبيعة البشرية هذه عن نظرية رورتي للمعرفة، وعلى وجه الخصوص، حجته حول الاحتمالية اللغوية والمعرفية والذاتية ( الفردية). يجادل رورتي بأنه "لا يوجد شيء عميق داخل كل واحد منا، ولا توجد طبيعة إنسانية مشتركة، ولا تضامن بشري ثابت من داخل الطبيعة البشرية، لاستخدامه كنقطة مرجعية أخلاقية."[16] وبناءً على ذلك، يعتقد أن المنظرين الذين يبنون نماذج للديمقراطية على أساس مفهوم الذات المشتركة التي تمتد إلى ما وراء حدود المجتمع المحلي يشاركون في نوع من التفكير الخاطئ. ويرشح نظريته الخاصة عن الذات والتي هي "شبكة لا مركزية من المعتقدات والرغبات المشروطة تاريخياً".[17] ومع ذلك، فهو يعترف بأن هذا النموذج عن الذات غير كافي لأي شخص لديه قناعات ميتافيزيقية تختلف عن نظيره. تتمثل النقطة التي يريد أن يصل اليها رورتي هي أنه مثلما لا تمنع المعتقدات الدينية الناس، في معظم الحالات، من أن يكونوا مواطنين صالحين ومفيدين في الديمقراطيات الليبرالية، كذلك قد يتم اعتبار معتقداتهم الفلسفية بالمعنى نفسه في الديمقراطية الليبرالية.

نقد التنظير الديمقراطي

من الممكن أن نرى، إذن، كيف يستمد نقد رورتي للنظرية الديمقراطية من نظريته المعرفية. يجادل رورتي ضد التسويغات الأسسية للديموقراطية لأنه لا يعتبرها غير مجدية فحسب، بل إنها ضارة أيضًا. يجادل رورتي بأن التحدث هكذا يمكن أن تكون ضار لأن طرح هذه الأنواع من المسائل أو القضايا يمكن أن يصرف انتباهنا عن العمل الحقيقي للديمقراطيات الليبرالية، والذي يجب أن يكون نقيض المعاناة والقسوة.[18] وبالتالي، فإن أستفهام رورتي وتسـاؤله الرئيس عن الديمقراطية مهم إلى حد كبير حول ما إذا كانت النظرية الديمقراطية الأسسية توفر طريقًا أفضل لمنع المعاناة والقسوة من النظرية غير الأسسية. يتناول رورتي هذه المسألة من خلال التسـاؤل ما إذا كنا بحاجة حقًا إلى التنظير حول الأسس الفلسفية للمؤسسات الديمقراطية أو تبريرها. إنها في الأساس حجة حول العلاقة بين نوع معين من النظرية وممارسة الديمقراطية.

يجادل رورتي بأنه يمكننا المضي قدماً من خلال تجاهل "التبريرات الفلسفية، الصريحة أو المعقدة"، التي "يريدها بيرنشتاين، فالزر، تايلور، وماكينتير وغيرهما". هذه التبريرات مدفوعة إلى حد كبير، من وجهة نظر رورتي، بفكرة أن الديمقراطية الليبرالية "يجب ألا تنجو أو لا تستطيع أن تنجو من انهيار المبرر الفلسفي الذي نص عليه التنوير".[19] إن محاولات التبرير هذه، بالنسبة لرورتي، بمفاهيمها المصاحبة عن المواطن، أو نظريات الحقوق، أو الطبيعة الإنسانية، أو الخير، أو العادل، ليست ضرورية على الإطلاق. فمن وجهة نظر نظرية المعرفة المناهضة للتمثيل أو ضد الأسسية التي يتبناها رورتي، إن أي بيانات حول الديمقراطية أو الوصفات التي تدعي أنها تستند إلى الحقيقة أو الأخلاق، لن تكون الا أحتمالية أوعرضية على أي حال. إنً أفضل ما يمكن أن يقدمه رورتي ويسوغه هو القول، بشكل عملي برغماتي، أن الديمقراطية الليبرالية الغربية تعمل، على أساس المقارنة مع البدائل التاريخية الملموسة.

من هذا المنظور، يؤكد رورتي أن الديمقراطية أسبق من الفلسفة. يعني مصطلح "اسبق" هنا: أن الديمقراطية لا تحتاج إلى تبرير فلسفي. توفر الممارسة الناجحة للديمقراطية مبرراتها الخاصة بها. علاوة على ذلك، يقترح رورتي أنه "عندما يندلع صراع بين اثنين، تتغلب الديمقراطية على الفلسفة.[20] ونظرًا لأن رورتي لا يثق في "النظرية الكبرى"، فهو يعتبر الإجراء الديمقراطي للمحادثة المتسامحة أكثر أهمية من أي نوع من أنواع الأسس الفلسفية. يعبر هذا الأدعاء عن عدم ملاءمة نوع معين من النظريات للممارسة، وعن وضع الفلسفة في المكان المناسب لها بوصفها منفصلة عن الحياة العامة للمجتمع. فلا ينبثق التضامن الإنساني من أي شيء قد يقوله الفلاسفة، ولكن ينبثق من شعور مشترك بالانتماء والتقاليد.

يعتقد رورتي أننا لا نحتاج إلى مفاهيم الطبيعة الإنسانية العالمية، أو حقوق الإنسان، حتى نحكم على ما إذا كانت مؤسساتنا الديمقراطية الليبرالية تفي بوعدها أم لا. لا يمكن لنظرية الطبيعة البشرية أو الذات أن توفر للديمقراطية الليبرالية أساسًا لأي شيء. يدعي رورتي أنه "لأغراض النظرية الاجتماعية البيروقراطية، يمكن للمرء الاستغناء عن مثل هذا النموذج. ويمكن للمرء أن يتماشى مع الحس السليم والعلوم الاجتماعية، وهي مجالات الخطاب التي نادراً ما يظهر فيها مصطلح "الذات".[21] يرى رورتي أن هناك حاجة إلى شيء ما يوفر "الطمأنينة الجماعية للمجتمعات الديمقراطية الحديثة"، لكنه يشير إلى أن هذه الوظيفة تُؤدى على نحو أفضل عن طريق أختيار يسميه "الحالمون السطحيون"، ويرشح، عن سبيل المثال، مارتن لوثر كينج، من بين آخرين. فيقول رورتي أن هؤلاء المفكرين لهم قيمة لأنه يمكنهم "توفير الأمل المحلي، وليس المعرفة العالمية"[22]

يدعي رورتي أن الدور المناسب للفلاسفة لا يتمثل في توفير المعرفة المتخصصة في المجال او الفضاء العام؛ يجب أن تكون الفلسفة نشاطًا خاصًا. ويشيرفي كتابه "الاحتمالية والساخرية والتضامن"، إلى الأهمية السياسية لمقاربته: إن الحل الوسط الذي ينادي به هذا الكتاب يرقى إلى القول: خصخصة محاولة نيتشه - سارتر فوكو في الأصالة والتجردية، حتى تمنع نفسك من الانزلاق إلى موقف سياسي يؤدي بك إلى القول هناك هدف اجتماعي أكثر أهمية من تجنب القسوة.[23]

ما يقترحه رورتي هو أن المداولات الفلسفية ليست نشاطًا "مفيدًا" مميزًا لمجتمع ديمقراطي. وإن التكهنات حول ما هو حقيقي أو عادل أو صحيح تصبح سعيًا للانغماس في أوقات الفراغ، دون أي غرض يتجاوز الطمأنينة الفردية أو إرضاء الذات، وليس هناك أي عواقب تتجاوز تلك الخاصة.

يجادل رورتي بأن محاولات تبرير النظرية الديمقراطية الليبرالية من خلال العودة إلى المفاهيم الغريبة للطبيعة الإنسانية يجب أن يُنظر اليها بالطريقة نفسها التي نظر بها المنظرون الديمقراطيون السابقون إلى المعتقدات الدينية. وهذا هو، ليس لديهم مكان يوفير أسس الديمقراطية. يقدم رورتي مثالاً على ذلك شخص قد يكون لديه نظرة نيتشوية للعالم بغيضة ومثيرة للاعتراض وينغمس فيها "فلسفياً" بشكل فردي بينما يظل "موالي" علنًا لمجتمعه الليبرالي. هذا ممكن لأن هكذا افراد يدركون أن إحدى فضائل الديموقراطية الليبرالية هي أنها غير مبالية بإيمانهم الفلسفي الخاص[24]

دفاع رورتي عن الديمقراطية الليبرالية

تقود حجة رورتي حول قوة الإطار الإجرائي للديمقراطية الليبرالية إلى الموضوع الثاني في كتاباته عن الديمقراطية. على الرغم من تركيز رورتي على الاحتمال في نظريته للمعرفة، الاً أنه يرفض أن تطلق عليه تسمية أو صفة "النسبية"، عند اتخاذ قرار بشأن حديثه عن الأجراء والأطار الديمقراطي المناسبين. إنه يدافع عن الديمقراطية الليبرالية الغربية.، ينزلق في بعض الأحيان إلى دفاع أكثر تحديداً وهو عن الديمقراطية الأمريكية، رغم أنه لم يحدد موقفه بوضوح فيما يتعلق بالعديد من التقاليد الديمقراطية الأمريكية .[25] لقد أكد على أنه يرى أمريكا كما أكد ديوي قبله قد فتحت أفق على آفاق ديمقراطية غير محدودة، قائلا: أعتقد أن بلدنا - على الرغم من الفظائع والرذائل الماضية والحاضرة ... هو مثال جيد على أفضل أنواع المجتمع التي بُنيت حتى الآن.[26]

هذا دفاع لا لبس فيه عن الديمقراطية الأمريكية، التي عليه بعد ذلك التوفيق بينها وبين معاداته للأسسية. فيقول رورتي بأن معجم مفرداته الليبرالية يجب أن تكون لها الأولوية لأنها الوحيدة التي تتيح لنا، في الوقت الحاضر، أن تكون مشتملة على كامل معنى الديمقراطية الليبرالية. في مقابلة معه، طُلب منه توضيح الفرق بين تبرير شيء ما على أساس أنه إرادة الله، وتبرير شيء ما بوصفه جزء أساسي من المفردات الليبرالية. فأجاب أن الفرق هو "أنه ليس أمرًا مهمًا لمفرداتك الليبرالية فقط، ولكنها أساسي للمفردات التي جعلتنا جميعًا في الساحة العامة كمواطنين ديمقراطين. إنها ليست مفرداتي الخاصة، بل هي المفردات التي يجب أن نستعملهاجميعًا عندما نتجمع ".[27] بمعنى آخر، يدافع رورتي عن الديمقراطية العلمانية الليبرالية، لأنه يرى أنها المفردات الوحيدة التي ستمكن الجميع من المشاركة في الساحة العامة.

وهنا يبدو أن ما بعد الحداثة عند رورتي، والتي عُرِفت بأنها انعدام الثقة في الأسس، لا تتفق مع دفاعه القوي عن مفاهيم الديمقراطية الليبرالية. فيؤكد أنه على الرغم من أن " معجم مفردات عقلانية التنوير كانت ضرورية لبداية الديمقراطية الليبرالية الاً أنها أصبحت عقبة أمام الحفاظ على المجتمعات الديمقراطية وتقدمها".[28] إن ما بعد الحداثة التي يقول بها رورتي هي من نوع محدد للغاية ومميز إلى حد ما، وهي موجهة إلى حد كبير ضد ما يراه أساسًا لمخلفاتنا الميتافيزيقية من تقاليد فلسفة التنوير. لكن هذا الهدف مشكوك فيه، لأنه يبدو، في بعض الأحيان، كما لو أن رورتي يهاجم فقط ألأسسية الإبستيمولوجية، على رأي بيرنشتاين.[29]

ينتج عن التوتر بين عدم اليقين المعرفي وما يبدو أنه التزام أكثر تحفظًا تجاه المجتمع اتجاهين مختلفين في كتابات رورتي عن الديمقراطية. يستمد الكثير من نقده للنظريات الديمقراطية من نظريته المعرفية الما بعد حداثية، بينما يعتمد دفاعه عن الديمقراطية الليبرالية الأمريكية على التقاليد وعلى تضامن المجتمع. يبدو أن هذين المسارين يتعارضان مع بعضهما البعض،فبينما يعبر أحدهما عن حالات أحتمالية وعرضية، يمثل الآخرارتباطًا محددًا بنموذج معين للديمقراطية.

يحاول رورتي تسوية أو حل هذا التوتر بطريقتين. أولاً، يقول أن ما تحتاج إليه المجتمعات الديمقراطية ليس نوع المبررات التي قدمها الفلاسفة، بل هو إطار إجرائي يمكّن من إجراء نقاش ومحادثة متسامحة حول غايات ووسائل ذلك المجتمع. يمكن أن يصاحب ذلك، إذا رغبت المجتمعات، مداولات فلسفية خاصة بشأن الالتزامات الجوهرية/ الموضوعية. لكن رورتي يقول إن الإطار العام يجب أن يقتصر على وضع المبادئ التوجيهية الإجرائية التي بموجبها يمكن أن تُقام المحادثة أو النقاش. ساشير في القسم التالي، إلى كيفية قيام رورتي بتمييز حاد بين الادعاءات الإجرائية والموضوعية الجوهرية، من أجل تقديم هذه الحجة. الطريقة الثانية لحل التوتر بين نظرية المعرفة في مرحلة ما بعد الحداثة عند رورتي وولائه للديمقراطية الليبرالية هي من خلال فكرة التضامن. هذه هي الفكرة القائلة بأن معتقدات المجتمع وقيمه هي فقط التي يمكن أن توفر مبررات (غير مؤسسية) لمجتمع ديمقراطي تجريبي.[30] وتستند هذه الحجة إلى مركزية عرقية متعمدة من قبل رورتي حتى يتمكن من الادعاء بأن نموذجًا معينًا للديمقراطية الليبرالية أفضل لهم( الأمريكيون)، لأنه جزء من تقاليدهم.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

...................................

[1] عن سبيل المثال، راجع مقالات لرورتي في القسم الأخير من كتابه

Objectivity, Relativism, and Truth: Philosophical Papers Volume One (Cambridge, Cambridge University Press, 1991). وأنظر أيضا R. Rorty, 'Thugs and theorists: A reply to Bernstein', Political Theory, 15:4 (1987), 564-80.

[2] Martyn Oliver, 'towards a liberal utopia: An interview with Richard Rorty', Times Literary Supplement (24 June 1994), 14, and also R. Rorty, 'Pasties', London Review of Books (3 September 1987), 11-12.

[3] يرى بيرنشتاين أن هناك ثلاثة أشكال متشابكة في كتابة رورتي ؛ نقد رورتي للأسس الفلسفية، جمالية موقفه في ساخريته واعتداله التي ينسجها كأنها ضفيرة، ودفاعه عن الديمقراطية الليبرالية. أنظر: ر. ج. بيرنشتاين، "خطوة الى الأمام خطوتين الى الخلف: ريتشارد رورتي حول الديمقراطية الليبرالية والفلسفة"، جورنال النظرية السياسية، 15: 4 (1987)، 538-63 لاسيما ص. 541-2.

[4] Rorty, Objectivism, Relativism, and Truth, p. 192

[5] يعترض بيرنشتاين قراءة رورتي لديوي، بحجة أنه يسيء تفسيره على نقاط مهمة. هذا أمر مهم، لكن ليس، كما أعتقد، أساسي لتحديد كيف سيبدو نموذج رورتي الديمقراطي. قد تكون إحدى الطرق لتوفير بديل أفضل لرورتي، لكن هذا مشروع مختلف.

  • Bernstein, 'One step forward, two steps backward: Richard Rorty on liberal democracy and philosophy', Political Theory, 15:4 (1987), p. 541­
  • [6] R. Rorty, Consequences of Pragmatism: Essays, 1972-1980 (Minneapolis, MN, University of Minnesota Press, 1982), p. 162.

    [7] R. Rorty, Contingency, Irony and Solidarity (Cambridge, Cambridge University Press, 1989), p.56.

    [8] Rorty, Consequences of Pragmatism, p. 164.

    [9] R. Rorty, 'We anti-representation lists: A review of Terry Eagleton's Ideology: An Introductive', Radical Philosophy, 60 (1992), 40-2, esp. p. 40.

    [10] Rorty, Contingency, irony and Solidarity, p. 12.

    [11] Rorty, Consequences of Pragmatism, p. xliii.

    [12] Rorty, Contingency, Irony and Solidarity, pp. 4-5.

    [13] Rorty, Contingency, Irony and Solidarity, pp. 178-9.

    [14] Rorty, Contingency, Irony and Solidarity, p. 9.

    [15] Rorty, Contingency, Irony and Solidarity, p. 9

    يشبه رورتي "إعادة الوصف" بفكرة توماس كون عن تحول النموذج بطريقة ثورية في المعرفة العلمية. أنظر: بُنيَة الثورات العلمية، ترجمة د. حيدر حاج اسماعليل، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 2007.

    [16] Rorty, Contingency, Irony and Solidarity, p. 177.

    [17] Rorty, Objectivity, Relativism, and Trnth, p. 192.

    [18] Rorty, Contingency, Irony and Solidarity, p. 63.

    [19] Rorty, Objectivity, Relativism, and Trnth, p. 177.

    [20] Rorty, Objectivity, Relativism, and Truth, p. 192.

    [21] Rorty, Objectivity, Relativism, and Truth, p. 192.

    [22] Rorty, 'Posties', p. 12.

    [23] Rorcy, Contingency, Irony and Solidarity, p. 65.

    [24] Rorty, Objectivity, Relativism, and Truth, p. 192.

    [25] انظر مارغوليس للتعرف على بعض التقاليد الأكثر حداثة، ولا سيما النقاشات حول التعددية والنخبوية. م. مارغوليس، "الديمقراطية: النمط الأمريكي"، في ج. دنكان (محرر)، النظرية والممارسة الديمقراطية (كامبريدج، مطبعة جامعة كامبريدج، 1983).

    [26] R. Rorty, 'Trotsky and the wild orchids', Common Knowledge, 1:3 {Winter1992), 140-53, esp. p.141

    [27] Oliver, Martyn 'Towards a liberal utopia: An interview with Richard Rorty', Times Literary Supplement (24 June 1994), 14

    [28] Rorty, Contingency, Irony and Solidarity, p. 44.

    [29] Bernstein, 'One step forward', p. 546.

    [30] Rorty, Objectivity, Relativism, and Truth, p. 200.

     

    محمود محمد عليما زلت أؤمن بل ربما أكثر من أي وقت مضي بأن دراسة العلم، سواء في مرحلته الراهنة، أو في أي عصر من عصور التطور، ويكون ذلك من وجهة نظر فلسفية، فإن الباحث يمكن له أن يتناول الفكر بالدراسة من منظورين مختلفين، لكنهما يكمل أحدهما الآخر بالنسبة لنا.

     المنظور الأول: هو ما نطلق عليه اسم "وجهة النظر الاجتماعية لتفسير نشأة العلم وتطوره"، وفي هذه الحالة فإن الباحث يهتم بكل ما من شأنه أن يعمل على قيام العلم أصلاً، وتوفير متطلباته الاجتماعية. إنها وجهة نظر تأخذ بعين الاعتبار العوامل الاجتماعية وتنظر للعلم فقط من الخارج، وفى هذه الحالة يتعرض الباحث للنظام السياسي- الاجتماعي القائم في حضارة أو دولة معينة، والذي أصبح إنتاج معرفة علمية بعينها من جراء مشروعه الثقافي. فالعلم لا يعرف طريقة التوالد الذاتي، وإنما العلم هو في نهاية الأمر محصلة لمؤسسات بعينها ولمعدات وأجهزة بعينها، ولميزانية تمول ما هو مطلوب من أجل إنتاج معرفة معينة. إنه يحتاج إلى مناخ سياسي، واجتماعي، وثقافي معين، والمثال الواضح لذلك هو المعرفة في العالم الغربي الأمريكي اليوم على وجه التحديد .

    المنظور الثاني: ووجهة النظر المعرفية تأتى مكملة لوجهة النظر الاجتماعية، وهى وحدها القادرة على تقييم العلم "وتثمينه" من ناحية التطور المعرفي. وهذا المنظور هو الذي يسمح للباحث بالولوج إلى داخل العلم نفسه، كي يحلل هيكله ويتوقف على مساراته، وبنيانه، وطرق الاستدلال بداخله، وكيفية صياغة المبادئ العامة التي تعبر عن التقدم العلمى بداخله. كما يستطيع المعرفي أن يستخرج مراحل التطور الرئيسة التي سلكها هذا الفكر أو ذاك في بناء نفسه، وحتى بلوغه مرحلة التطور المعرفي التي هو عليها في حالته الراهنة .

    إنها وجهة نظر تأخذ بعين الاعتبار بناء العلم من الداخل، وتضع جانبًا كل العوامل الاجتماعية الخارجية التي أشرنا إليها في المنظور الأول. وغنى عن البيان أن وجهة النظر المعرفي حين تكتمل لا يجد أصحابها مفراً من توسيعها لتشمل في نهاية الأمر البعد أو المنظور الاجتماعي. فكما يقول ( أوجست كونت) إن العلم هو ظاهرة اجتماعية تاريخية لم ينشأ من فراغ، أو خارج المجتمعات، وارتبط نمو العلم وتطوره ارتباطاً وثيقاً بنمو وتطور المجتمع الإنساني، وارتبط هذا وذاك بنمو وتطور العقل الإنساني نفسه. لكننا حين ندرس وجهة النظر الاجتماعية منفصلة عن وجهة النظر المعرفية، فإننا نفعل ذلك استجابة لحاجات الدراسة الأكاديمية وما تفرضه من تجزئة للمعرفة حتى يمكن دراستها.

    ولقد لقد فرض العلم الحديث سيطرته الايديولوجية، بشكل منهجي منظم أو بعبارة أخري فرض سيطرته الايديولوجية بشكل علمي، لهذا فإن القطيعة الابستمولوجية هنا كما يري بعض الباحثين " تعلن الحرب علي الأوهام الايديولوجية، وتحاول تعرية آليات المستوي الايديولوجي . لهذا تعني القطيعة المعرفية الانفصال في لحظة عن البداهات الايديولوجية، وبهذا المعني لا تكون القطيعة حدثا تاريخياً منعزلاً وقائما بذاته، بل هي مجموع من اللحظات التي يلقي فيها العلم نظرة إلي ماضيه العلمي، ليكشف عن مواطن الزيف الايديولوجي فيه . ويكشف عن الخطأ التي اكتنفت المعرفة العلمية وغلفتها بأغلفة ايديولوجية . إن تحرير الخطاب العلمي من نوايا وأغراض الباحثين، ومن الايديولوجيات القابعة خلف تفكيرهم، يؤدي إلي إظهار هذا الخطاب علي سجيته وفي تناثره التلقائي البحت، ذلك لأن مثل هذه النوايا والأغراض الايديولوجية من شأنها أن تعرقل مسيرة الخطاب العلمي في تقدمه، وهذا لا يأتي إلا عبر القطيعة الابستمولوجية ".

    ومفهوم القطيعة الابستمولوجية، والذي أحاول أطبقه هنا في هذا المقال هو، يمثل كما ذكر أحد الباحثين " ... النقلة الكيفية من إطار معرفي إلي إطار آخر، وهي لا تعني قطيعة مطلقة، لأنه لا يمكن تصور أن خيط التطور ينقطع عند لحظة معينة من التاريخ أو يتجمد عندها، إنما القطيعة المعرفية في مفهومنا هي منعطف ثوري ننتقل فيه من مرحلة إلي مرحلة أخري متقدمة ينفتح فيها طريق، كان مسدودا أو كان يبدو مسدوداً لفترة طويلة . لقد تحرك العلم والفلسفة واللاهوت، أي الأطر المعرفية كلها في العصر القديم حول النظام الفلكي الذي شيده بطليموس منذ ما يقارب الالفي سنة والذي يقول بأن الأرض هي مركز الكون، إلي أن جاء " كوبرنيقوس" (1472-1543)، وقلب نظام الكون وقال بحركة الأرض حول الشمس فدخل بذلك علم الفلك منعطفاً جديداً. وكان العالم القديم يعتبر الأجرام السماوية كائنات روحانية تختلف عن عالم الأرض أي عالم الفساد، فجاء جاليليو (1546- 1642) وأكد مادية الأجرام السماوية وقضي علي تصور تقسيم إلي العالم الروحاني العلوي والعالم السفلي المادي الفاسد . بل وخرج بنظرية "كوبرنيقوس" من حيز الرياضيات إلي حيز الوجود الطبيعي وأثبتها تجريبيا من خلال تلسكوبه الفلكي الذي اكتشف به عددا من النجوم وهضاب القمر ووديانه، ولقد اهتم جاليليو بالبحث عن العلاقات التي تربط بين الظواهر وترك جانباً ( البحث عن المبادئ والأسباب الميتافيزيقية التي استحوذت علي الفكر القديم وبذلك أحدث قطيعة بين الفكر الجديد والفكر القديم، قطيعة لم يعد من الممكن بعدها العودة إلي أساليب التفكير القديمة والتصورات الأرسطية والوسطوية التي كانت تشكل أساس العلم والمعرفة) .

    كما أن القطيعة تعني الانتقال الجذري من تصور خاطئ أو قاصر إلي تصور يفتح الطريق أمام معرفة موضوعية وليس من الضروري أن يكون صحيحا مائة بالمائة . فما فعله فرويد مثلاً في علم النفس يعتبر نقلة كيفية بمعني القطيعة مع كل التصورات القديمة حول النفس الإنسانية . وإن كان علم النفس ذاته لم يقف عند تحليلات فرويد ولن يتجمد حيالها. والانتقال من جاليليو إلي نيوتن . والانتقال من نيوتن إلي أينشتين . لم يكن انتقالا هادئاً ولا معبداً، بل كان انتقالاً كيفياً أو قطيعة معرفية جعلت بريق القديم أقل لمعاناً مما يقدمه الجديد . فالقطيعة الابستمولوجية التي أحدثها أينشتين وماكس بلانك هي قطيعة بالنسبة إلي علم نيوتن وجاليليو .

    إن القطيعة المعرفية التي نبغيها أيضاً في هذا البحث ليست هي القطيعة التي أخبرنا عنها بعض الباحثين بأنها ذلك " .. التغير الجذري الثوري، بحيث لا نجد أي ترابط أو إفصال بين القديم والجديد، (وأن ) ما قبل وما بعد، يشكلان عالمين من الأفكار كل منهما غريب عن الاخر "، بل تعني التعبير عن التحول الواعي والهادف في مجال العلم والمعرفة العلمية، لهذا لا تمارس القطيعة عملها من خارج العلم، بل تمارس عملها من داخل العلم ذاته . فالعلم في تطوره ينشئ القطيعة من أجل المراجعة، والنقد المستمرين لأسس ومناهج ومفاهيم وتصورات العلم أو المعرفة العلمية السابقة . فالقطيعة ليست نبتة غريبية عن حقل العلم أو المعرفة العلمية، إنما هي نبتة أصيلة، تنبع أصالتها من داخل العلم ذاته، لأنها تدعم وتقوي العلم وتدفعه للأمام عن طريق النقد والمراجعة، وإعادة البناء المستمر له، لهذا فإننا نستخدم القطيعة هنا بالمعني الذي أخبرنا عنه أحد الباحثين بأنه ":" إعادة بناء ماضي العلم والمعرفة العلمية لا من أجل مهاجمة ونقد العلم والمعرفة العلمية ذاته ؛ بل من أجل تأسيس حاضر العلم وتقدمه في المستقبل، وبالتالي تكون القطيعة هي التجاوز النشط المسئول للماضي والمبدع الخلاق للحاضر، فلا تعود اللحظة تكراراً كمياً للتاريخ بل هي عمل دءوب، إنجاز الحداثة، بل الجدة " .

    وهذا المفهوم للقطيعة الابستمولوجية هو نفس ما نادي به الدكتور " حسن عبد الحميد بأنها " لا تعني هنا الحد الفاصل الزمني اللحظي، أو هذا التغير السريع الذي ينتج عنه امر جديد كل الجدة، بل عبارة عن مسار معقد ومتشابك الأطراف، تنتج عنه مرحلة جديدة ومتميزة في تاريخ العلم .

    والقطيعة الابستمولوجية تكمن " كما أكد بعض الباحثين"، " في هذا الطابع الجدلي الذي يطبع تاريخ العلم فلا يمكن أن نتخيل وفقاً لهذا التعريف تاريخاً للعلم تنقطع فيه الصلة بين ماضيه وحاضره، وبالتالي لا تفهم القطيعة إلا علي أرضية من الاستمرارية والاتصال . علاوة علي أنه لا يوجد تقدم قائم علي الانقطاع الكلي عن كل ما سبقه، فليس ثمة قطائع نهائية جذرية بين حاضر العلم، والذي يمثل أعلي مرحلة يصل إليها التقدم في العلم، وبين ماضي العلم، بل توجد قطائع بمعان معينة بين فيزياء جاليليو وفيزياء نيوتن أو بين نظرية النسبية لأينشتين والميكانيكا النيوتونية . إنها قطائع تصويبية تحاول حل المشكلات التي عجزت النظرية السابق عن حلها . إن وجود حصيلة من الاخفاقات المعرفية النظرية في مجال ما من مجالات العلوم ووجود سلسلة من العوائق المعرفية التي تؤدي بدورها إلي هذه الاخفاقات والعوائق يأذن بوجود قطيعة معرفية التي تعني هنا في هذا السياق، التحول الابستمولوجي في هذا المجال أو ذاك من مجالات العلوم الطبيعية . هذا التحول لا يتم بطريقة جذرية ؛ بمعني أن يستوعب هذا التحول تدريجياً، الاسهامات المعرفية والاكتشافات العلمية والنظريات السابقة، وأن يسقط من حسابه تدريجياً أيضاً، تلك العوائق والاخفاقات التي أعاقت نمو وتقدم وتطور العلم" .

    ريما أن المفهوم للقطيعة قد لا يرضي عنه البعض (وبالأخص الرديكاليين) ؛ لكونه كما يري بعض الباحثين " يخفي وراءه فكراً تقليدياً، حيث يشير هذا التعريف إلي وجود عنصر الاتصال بين النظريات العلمية السابقة واللاحقة، حيث يمثل هذا الاتصال أحد الصفات التي تميز التقدم في العلم بمعناه التراكمي، وإن كان الاتصال هنا يفهم بمعناه الجدلي ؛ بمعني أن النظريات العلمية المتعاقبة ( أو القضايا والاشكاليات الفلسفية )   لا تسير في خط متصل متراكم ؛ بحيث أن كل نظرية تقضي حتما إلي التي تليها، ومن ثم لا يوجد ثمة قطيعة أو ثورة أو تجاوز، وإنما عنصر الاتصال هنا بين النظرية العلمية المتقدمة وبين النظرية السابقة عليها، يتخذ في أن النظرية العلمية المتقدمة لا تلغي النظرية السابقة، بل تحتويها وتبرز عناصر النجاح التي حققتها النظرية السابقة .

    ولذلك فإنني هنا أناشد بأهمية هذا التصور للقطيعة المعرفية ومحاولة تطبيقه ليس فقط في العلم ولكن أيضاً في الفلسفة، ولذلك فإن توجهي في هذا البحث هو نفس توجه لوي ألتوسير Althusser`s L (1918-1990) ، حين استعان بمفهوم القطيعة المعرفية من أجل تناول الماركسية تناولا علمية دقيقا . فقد كانت مهمته كما أكد بعض الباحثين " تأسيس تصور للعلم يكون له دعامة قوية، ولإنجاز هذه المهمة تناول إشكالية " التعيين" Demarcation فلم يؤكد ألتوسير علي الشروط الكافية أو الضرورية للعلم، ولم تكن نيته متجهة نحو التمييز بين العلم واللاعلم، بل كان اهتمامه بالتحولات العميقة داخل العلم ذاته .. ولهذا شرع ألتوسير يقرأ كتاب " رأس المال "، قراءة ابستمولوجية بعد أن استعار مقولة القطيعة المعرفية من " جاستون باشلار "، ليشير إلي أن ماركس قد أحدث قطائع معرفية علي طول حياته الفكرية، فقد أحدث ماركس قطيعة مع أفكاره السابقة وتبني كل من فلسفة كانط وفشتة وذلك في عام 1840 إلي 1842، وكان في هذه الفترة يؤمن بالحرية كجوهر للإنسان ولكن سرعان ما هجر هاتين الفلسفتين، وأحدث قطيعة معهما ليتجه في فترة 1845 إلي فيورباخ والنزعة الإنسانية .وبحلول عام 1845، أحدث قطيعة ثالثة مع الاتجاه الإنساني الفيورباخي لصالح الاتجاه الهيجلي الايديولوجي ثم أخيراً أحدث قطيعة مع الاتجاه الهيجلي ليؤسس الماركسية العلمية إلي العلم".

     

    د. محمود محمد علي

    كلية الآداب –جامعة أسيوط

     

    علي رسول الربيعيإن الفيلسوف المعاصر الذي يختار العمل ضمن تقليد الحقوق الطبيعية يحتاج لان يفسر استعمال مصطلحاتها ويوضح مصدرها، وان يتعاطى مع أسئلة إبستيمولوجية متنوعة. كيف لنا ان نعرف ما هي الحقوق التي يملكها الناس؟ ما هو نوع الادلة التي تبرر لنا الاعتقاد بان للناس حقوق معينة وليس لهم الحق في امور اخرى؟[1] (شيفلر)

    سنقدم عرضاً لمخطط نوزك المفاهيمي لنظرية اليوتوبيا، لكن دون التطرق للعلاقة بين هذه النظرية وبقية الحجج التي يسوقها في الجزئين الأول والثاني من كتابه:[2] الفوضى،الدولة، واليوتوبيا[3]. فلا تقدم هذه الدراسة شرحا أو تفسيرا لفلسفة نوزك السياسية. إن هدفنا الأساس هو دراسة الوسائل المنهجية التي استعملها نوزك لبناء نظرية اليوتوبيا تحديدا. وعليه ستكون محاججتنا هنا على النحو التالي: سنعرض الوسائل التي وضعها نوزك لبناء نظرية اليوتوبيا، ثم الإطار التنظيمي لليوتوبيات، واليوتوبيات التي تم تعينها، وأخير سنقدم بعض الأنتقادات لنظرية اليوتوبيا هذه.

    منهجية نظرية اليوتوبيا

    يبدا نقاش نظرية اليوتوبيا بوصفها نظرية قائمة بذاتها، عندما يواجهنا غموض فكرة " أفضل عالم ممكن ". فهذه الفكرة طبقا لنوزك، تنطوي بذاتها على فكرتين مختلفين، فهي تشير مرة الى أن "أفضل عالم ممكن " هو نوع من العالم يعطي افضل نتيجة ممكنة، ومرة الى عالم مُتخيل وفقا لأفضل مبادئ التنظيم والتصميم الموؤسساتي[4].

    ينطوي المعنى الاول لهذه الفكرة على مبدأ نهاية الدولة، الذي يبرر أي تدخل أو قيود على حياة الأفراد. يرفض نوزك هذا المبدأ، لذا فإن المعنى الذي يختاره هو عالم مُتخيًل وفقاً لأفضل مبادئ التصميم المؤسساتي؛ وهذا الأختيار يقوم على أعتبار أن هناك ناس مختلفون[5]، يعيشون تعقيدات كثيرة [6] ويملكون حرية فردية. [7]

    تركز نظرية اليوتوبيا عند نوزك على فكرة أن أفضل عالم ممكن هو الذي يضع أفضل مبادئ التصميم الموؤسساتي. ومن هذا الموقع أهتمت نظريته بالخصائص العامة لما يجب أن يكون عليه العالم من أجل إعتباره عالماً أفضل، أما تفاصيل هذا العالم اليوتوبي فلم تشكل مدار أهتمام نوزك كثيرا[8]. وهنا نريد أن نشير الى أن استعمال نوزك لمصطلح اليوتوبيا ينتابه بعض الغموض، أذ يستعمله مرة ليدل على نظرية اليوتوبيا ومرة أخرى يدل على البنى التفصيلية للعالم اليوتوبي، لذا سوف نستعمل مصطلح "الميتا- يوتوبيا" لتسمية نظريتة العامة لليوتوبيا التي تتعلق بوضع افضل مبادئ التنظيم والتصميم المؤسساتي[9].

    تتألف الميتا- اليوتوبيا من جزأين؛ يعتمد الاول على وسيلة نظرية ميزتها الأهتمام بالخصائص العامة التي ضرورة ان تستوفيها العوالم اليوتوبية التي تم تعينها (أو تحديدها أو أختيارها من خلال وسائل التصفية " الفلترة") من بين خيارات عديدة، فيما يعتمد الثاني على وسيلة نظرية أخرى وظيفتها تاسيس أطار تنظيمي (framework)[10] يمكن ان تتطور به تلك العوالم اليوتوبية التي تم تعينها بعد المرور بعملية الأنتقاء والتصفية تلك. [11]

    وسائل اليوتوبيا

    يتم بناء اليوتوبيا، [12] أما عن طريق استعمال وسائل التنظيم أو التصميم، أوسائل التصفية والتنقية (الفلترة) من بين الخيارات المطروحة. تقدم وسائل التصميم بناءً ووصفا لليوتوبيا يبدأ من الصفر. والحجة التي تبرر أستعمال هذه الوسيلة هي ان هناك تعقيدات كثيرة في حياة البشر وتعقد أنظمة الموؤسسات وعلاقاتها، بالإضافة الى تعقد أفعال وسلوكيات الكثير من الناس، وعليه فمن غير المحتمل، حتى لو كان هناك نموذج مثالي للمجتمع يمكننا الوصول اليه بشكل مسبق.[13]

    وبالألتفات الى وسائل التصفية، فهي تعني عملية الغاء وتشذيب مجموعة كبيرة من الخيارات أو البدائل المطروحة. [14]وتؤخذ هذه الخيارات من مصدرين، الأول، من ما هو ناتج عن معارفنا السابقة وخبراتنا المتراكمة [15] بينما ينتج الثاني من وسائل التصميم، [16]وعموما عمليًة تصفية الخيارات والأنتقاء من ما بينها التي تم أخذها من هذين المصدرين قد تكون ثابته أو مرنة. فعملية التصفية الثابته تستبعد دائماً البدائل أو الخيارات وفقا لمعيار ثابت لديها، بصرف النظر عن عمليات التصفية السابقة التي قد شكلت مجموعة من البدائل التي تم تطبيقها على عمليات التصفية تلك. بينما عملية التصفية أو الأنتقاء المرنة فهيً ذات طبيعة حيوية، أي انها تُغيـًر معايير التصفية وفقاً للنتائج السابقة وللمتطلبات التي يمكن أن تنشأ لاحقا. [17]وهذا ما جعل نوزك يفضل هذا النوع الأخير من التصفية وللأسباب التالية:

    أولا، تأتي أفضلية وسائل التصفية على وسائل التصميم، لأنها لا تتطلب الا معرفة أقل لتعطي وصف عام مناسب لأفضل عالم ممكن، بما في ذلك معرفة ما هو مرغوب فيه.[18].

    ثانيا، أن وسيلة التصفية المرنة التي" تعتمد على قرارات الناس لها أفضلية ومزايا أكثر من تلك التي تعمل بصورة تلقائية، لأنها تعطينا القدرة على أن نصوغ وبشكل واضح المبادئ التي تعالج مقدما كل التعقيدات والمواقف المتنوعة التي قد تواجهنا.[19]

    ثالثا، إن الإستعمال البسيط لوسائل التصميم والوسائل الثابته للتصفية تخالطها شُبة أنها قد تتضمن مبدأ نهاية الدولة. [20]

    أما فيما يتعلق بوسيلة التصفية المرنة فقد يُطرح السؤال، هنا، عن طبيعة التصفية المُثلى، فرغم أن الحجة السابقة تأتي لصالح وسيلة التصفية المرنة من بين وسائل التصفية الأخرى، الاً أنه لا يمكن أعتبارها الاً خطوة أولى بأتجاه وسيلة التصفية الأمث، لذلك لابد من تمحيص الجوانب التفصيليًة لها [21] والتي يمكن تسميتها هنا بـ " ابستيمولوجيا التصفية "؛ وسأشير اليها بما يلي :

    أولا : ينبغي لفت الانتباه إلى الخصائص التي يتم اختيارها كمعيار لوسيلة التصفية. فأختيار هذا المعيار يتطلب بذاته ايضا عملية تصفية من نوع آخر، وكذلك تتطلب بعض القيود الإبستيمولوجية

    ثانيا: تنتج عمليًة التصفية التي مجموعة من الخيارات تتطلب بدورها تدقيق وتحليل إبيستمولوجي.[22]

    الا أن نوزك لم يتطرق الى هذين الجانبين في سياق حديثه عن اليوتوبيا، لذلك أفترض ان الجزئين الاولين من كتابه - المذكور - يتضمنان تطبيقات تتعلق بعملية التصفية هذه؛ وعليه فالمعايير الإبستيمولوجية للتصفية ومجموعة الخيارات يمكن أن تُستخلص من هناك.

    الإطار التنظيمي لليوتوبيات. (framework)

    يعني الإطار التنظيمي اليوتوبيات [23] مشروع وفكرة متصورة في العالم الفعلي عن الميتا- يوتوبيا؛ بينما الميتا- اليوتوبيا هيً أفضل عالم مُتخيًل لليوتوبيات التي تم صفيتها وتعينها، فالإطار التنظيمي هو أفضل تحقيق ممكن للميتا – يوتوبيا يقدم صورة عن خصائص العالم الواقعي، فالمعنى الذي يستعمله نوزك لمفهوم الإطار التنظيمي [24] هو الشرط المسبق والضروري لعالمنا من أجل تحقيق يوتوبيات معينة مختلفة في العالم الفعلي.[25] وهو يعادل مفهوم دولة الحد الأدنى،[26] أنه المكان الذي يمكن أن تنشأ فيه اليوتوبيات المعينة، ويشتمل دوره على إعتباره وسيلة تنقية ايضا.ً[27] أيً يُستعمل كوسيلة تنقية لاستخراج مجموعة من بدائل أو خيارات لليوتوبيا المعينة[28]، وسيلة، يعدها نوزك، عمليًة وملائمة لأوضاع العالم الواقعي. [29]

    وعلى هذا الأساس نجد بين الميتا- اليوتوبيا والعالم الفعلي (الواقعي) الأختلافات البارزة التالية:ـ هناك في الميتا- يوتوبيا مجتمعات متنوعة لايوجد بها أستغلال، ويوجد ما يكفي من الناس الذين يرغبون العيش بها، بينما في العالم الفعلي لا يمكننا نجد كل الناس الذين نرغب بالاقامة والعيش معهم. تؤثر المجتمعات بعضها على بعض في العالم الفعلي – الواقعي. هناك في العالم الفعلي تكلفة للحصول على المعلومات التي تمكن الشخص من معرفة أي من المجتمعات الأخرى تكون مناسبة للإقامة بها. لا يمكن ضمان حرية التنقل ولا الحصول على المعلومات دائما ـ في العالم الفعلي.[30]لأنه لا يمكن بأي وسيلة توفير كل القيم المتوقعة والمطلوبة لأكثر من شخص واحد؛ ربما علينا أن ننتهك عمدا بعض الشروط التي يمكنها توفير الرضى أو الأشباع من أجل اجراء تعويض أو تسوية عن إنتهاك بعض الاعتبارات الأخرى".[31]

    إذا نحينا جانباً الأختلافات بين الإطار التنظيمي والميتا- يوتوبيا، فلابد من الإشارة الى أن منطق اليوتوبيا - الذي يجعل التجربة اليوتوبية ممكنة – لا يلزم عنه أن هناك رابط بنيوي دائم بين شكل الإطار التنظيمي والعوالم اليوتوبية المُعينة، اي، إذا كان الإطار التنظيمي يمتلك ميزة السماح بحق معين (مثلا لك حق الحصرية الملكية لثروتك) هذا لا يدل على أن كل اليوتوبيات المُعينة تحوز الميزة نفسها؛ فهناك بعض القيود التي تحكم شروط التوافق والأنسجام بين الإطار التنظيمي واليوتوبيات المعينة. وتلك هي أنً اليتوبيات المُعينة تقوم بالتحكم بمبادئ الإطار الذي يَمنع على سبيل المثال، اليوتوبيات الإمبريالية أو يوتوبيات القوة التي تهدف الى الهيمنة على اليوتوبيات المعينة الأخرى.[32]

    يمتلك الإطار التنظيمي ميزتين تختلف عن اي نوع آخر يصف اليوتوبيا[33]: الأول، سيكون مقبولا من قبل كل فرد من اليوتوبيا مهما كانت رؤيته الخاصة في مرحلة ما في المستقبل. الثاني، يتوافق هذا الإطار التنظيمي مع تحقيق جميع رؤى افراد اليوتوبيا المعينة تقريباً ".[34] أيً؛ سيكون من الأفضل التحقيق الواقعي لهذا الإطار التنظيمي من تحقيق اي بدائل اخرى حتى لو كانت هذه البدائل أو الخيارات اقرب في طريقة اشتقاقها من نموذج العوالم الممكنة.[35] بعبارة أخرى، يُعتبر تحقيق هذا الإطار افضل من تحقيق بدائل أكثر قربا في اشتقاقها من نموذج العوالم الممكنة.[36]

    أن السؤال الذي يُطرح حول هذه النقطة: كيف يمكن التأكد من أن هذا الوصف هو الأفضل ليوتوبيا الإطار التنظيمي، وماهي الطرق أو العمليًات التي تُطمئن أن مشروع وتصور الميتا- يوتوبيا هذا هو أفضل مشروع وتصور ممكن؟ يكمن الجواب في أن الإطار التنظيمي نفسه والذي يعتبر جزءا من النظرية العامة للميتا – يوتوبيا، هو نتيجة وحاصل تطبيق الوسائل اليوتوبية هذه. وبتحديد أكثر، ياتي نتيجة لعملية تصفية مجموعة من البدائل أو الخيارات للتوصل إلى تسوية إجتماعية من شأنها أن تضمن إمكانية وجود يوتوبيات معينة متفق عليها.[37] وعلى هذا الأساس تبنى نوزك ثلاثة معايير مختلفة للتصفية؛ وهي معيار الحرية الفردية، ومعيار طبيعة الاختلاف الفعلي بين الناس،[38] بالإضافة الى معيار التعقيد في حياة وظروف الناس.[39] وهنا لابد من الإشارة الى إن عملية التصفية التي تستخدم هذه المعايير قد تم تطوير معظمها في الجزء الأول من الكتاب (وهي ليست موضوع هذه الدراسة)، لذا لن أدخل في تفاصيلها وأكتفي بها عند هذه المرحلة.

    اليوتوبيات المُعينة

    تُعتبر اليوتوبيا المعينة – أيً التي تم اختيارها من بين اليوتوبيات الأخرى من خلال عمليًة التصفية - هيً تخيًل عالم ممكن في حقل الميتا – يوتوبيا؛ فكما أن الميتا- يوتوبيا قد تكون خطة وتصورة عن العالم الفعلي فأن اليوتوبيات المُعينة هي بدورها يمكن أن تكون خطة ومشروع مُتصور عن العالم الفعلي أيضا. وبناءً عليه يمكن القول أن اليوتوبيات التي تم تعينها أو إختيارها هي عبارة عن تخيًل عوالم ممكنة داخل حقل الإطار التنظيمي. وكما لاحظنا سابقا، فأن نوزك يستعمل الإطار التنظيمي كوسيلة تصفية لإستخلاص البدائل أو الخيارات من بين مجموعة من اليوتوبيات الممكنة، تلك التي تكون عمليًة وملائمة لأوضاع العالم الفعلي. وبالتالي، يمكن توقع الأختلاف بين يوتوبيات ممكنة داخل الميتا- يوتوبيا، واخرى ممكنة داخل الإطار التنظيمي؛ لكن نوزك لم يوضح الآثار المترتبة على هكذا تمييز، لذا سيتناول النقاش اللاحق اليوتوبيات المُعينة كيوتوبيات لها تنوع متفرد. [40]

    بما أن منطق نظرية اليوتوبيا، يتمثل دوره في تبرير إمكانية وجود اليوتوبيات المعينة، فعلى هذه اليوتوبيات أن تكون ذلك العالم الذي يمكن للمرء أن يتركه أو ينضم إليه بإرادته؛[41]ويستعمل نوزك هنا مصطلحا مكافأ لهذا العالم الا وهو "الإتحاد المجتمعي."[42]وضماناً لتلك النتيجة، يمكننا استعمال ما يمكن تسميته بـ " القيد الإبستيمولوجي لليوتوبيا المعينة" وهو أن كل كائن عقلاني يمكن تخيًله في هذا العالم يمتلك الحقوق نفسها كما يمتلكها الآخرون في تخيًل لعالم ممكن للإقامة فيه. اما بالنسبة لسكان العالم الاخرين الذين يمكن تخيًلهم فلهم حرية الأختيار بين البقاء في العالم الذي تم إنشاؤه لأجلهم أو تركه والاقامة في عالم من تخيلهم الذاتي.[43]لذلك، حتى يكون لمناقشة اليوتوبيا مغزى يصبح التقييد الإبستيمولوجي لليوتوبيا المُعينة متطلب ضروري لحرية الأشخاص .

    نتيجة ذلك، ستظهر بعض اليوتوبيا المُعينة وسيختفي بعضها الآخر لعدم وجود عدد كاف من السكان يقيمون فيها. تُمثل ديناميكية اليوتوبيا المُعينة عمليًة تصفية، "منافسة بين يوتوبيات مُعينة. وعلى الرغم من أن زوال يوتوبيا معينة يُعتبر عملية مهمة، الا أن نوزك لم يقدم لنا معيارا محددا يمكننا من خلاله أن نقرر فيما إذا كان إعتماد معيارعدد السكان يعتبر كافياً أم لا للحفاظ على اليوتوبيا المُعينة. رغم هذا النقص، إلا أنه يمكن وصف المنافسة بين عدة يوتوبيا معينة من الناحية النظرية كما يلي: "إن قرارك في البقاء في الإتحاد الذي تم أُنشأؤه من قبلي ونرمز له بمجموعة 1 A أو في حال إنشاء إتحاد آخر مجموعة 1A "، ايً انت تنتمي إلى إتحاد آخر وهو مجموعة 1A لكني لا انتمي إلى نفس اتحادك ومجموعت، إذاً، يُعتبر القرار نفسه فيما إذا كان اي اتحاد منهما سيقبلني كعضو جديد في إتحاد مجموعة1 A " الذي انت تنتمي بالفعل إليه. لذلك، إن النقطة الحاسمة التي تحدد القرار في كل حالة هي نفسها؛ بمعنى، هل وضعيتك معي في نفس الإتحاد تكون أفضل بوجودي او بعدم وجودي. '' يمكن وصف خسارة او مكسب الإتحاد الذي يقبل إنضمام فرد واحد لإتحاد معين بالصيغة التالية: إن المنفعة التي يمكن ان يكسبها الإتحاد من خلال قبوله إنضمامي اليه يجب أن تكون أكبر من المنفعة التي يمكن ان يكسبها من عدم قبولي للإنضمام اليه . لذاً، ان الإنضمام الى المجموعة (s) T U يُعتبر منفعة لمجموعة T من اجل قبول إنضمام مجموعة S (مجموعة T وS يمكن أن يكونا إتحاد أو فردا)، وصيغة القبول هي UA (قبول الفردي X) ≥ UA (باستثناء الفرد X)، في حين أن صيغة الانضمام هي UX (بالتعاون مع A)) ≥ UX بالتعاون مع B) . تعني هذه الصيغة ان الفرد يُساهم بالحد الأدنى عند إنضمامه الى الإتحاد، وهذه المساهمة تصبح مثل سوق العرض والطلب[44] ونتيجة ذلك تصبح الوسيلة المنهجية المستخدمة لوصف التنافس بين اليوتوبيات مماثلة لوسيلة تنافس السوق. أما بالنسبة للأفراد، الذين يُعتبرون موضوع منافسة، ويشكلون مجموعة غير متجانسة، فإن هذا السوق يمكنه ان يستخدم فقط حقوق الملكية الفردية كشرط اولي واساسي . وان تكون حقوق الملكية حقوق ملكية حصرية، لأنه إذا كانت حقوق الملكية مقيدة، فإن هذا سيشكل أنتهاكا لحرية الأفراد في الاختيار بين اليوتوبيا المختلفة.

    طبقا لقيود السوق فقد تترب نتائج على هذه المنافسة – والتي تعتبر عمليًة تصفية - بين اليوتوبيا المعينة " نحن لا نحتاج إلى الاخذ في عين الإعتبار أن المجموعة G تُمثل كل عضو من مجموعة X وبالتالي من مجموعة G، وG- [ X] تُعطي قيمة لوجود مجموعة X أكثر من أي مجموعة أخرى من الممكن أن تُعطي قيمة لوجود مجموعة s X ‘ . نحتاج فقط للأخذ في عين الإعتبار ان مجموعات G تُمثل كل عضو من مجموعة X وبالتالي من مجموعة G، فمجموعة ] G- [ X تُعطي قيمة لوجود مجموعة X أكثر من أي مجموعة أخرى مستقرة وممكنة من الناس التي سوف تُقدر وجود مجموعة X’s ".[45] لذلك، فإن نتيجة عملية تصفية المنافسة بين اليوتوبيات المعينة تشكل مجموعة من اليوتوبيا المستقرة.

    إن تعريف اليوتوبيا(المعينة) المستقرة " أذا كان هناك عوالم مستقرة يتميز كل عالم منها بمواصفات تلبي غالبية الحاجات المطلوبة منه (...)، أي، لا يمكن لأي شخص من سكان العالم ان يتخيلوا العيش في عالم بديل افضل من الذي يعيشون فيه والذي (يعتقدون) سيستمر قائماً طالما كل سكانه الذين يفكرون بنفس المنطق العقلاني يتمتعون بنفس حقوق التخيل والهجرة. [ ... ] أذن فإن الشرط لقيام إتحادات مستقر: اذا A مجموعة من الأشخاص في اتحاد مستقر أذن ليس هناك فرع لمجموعة S من مجموعة A بحيث ان كل عضو من أعضاء مجموعة S يُعتبر أفضل حالا في إتحاد يتألف فقط من أعضاء مجموعة S من ان يكون في مجموعة A. . في حال إنشاء وكأنه أذا لم يكن موجودا مجموعة فرعية S، فإن اعضائها سوف ينفصلون من مجموعة A، لإنشاء إتحاد خاص بهم " . وفي هذا السياق"،[46] يُطلق على نظرية ابستيمولوجيا تخيًل يوتوبيا مستقرة إسم" نظرية شرط الجبرية "، وهي كالتالي :

    " من أجل تجنب فوضى وصف القيود طبقاً لتخيًل الناس، نفرض القيود التالية: (اولاً) لا يمكن منطقياً تخيل عالم بحيث أن معظم سكانه (أو واحداً منهم) (أو عدد غير محدد) يريدون العيش فيه أو (ثانياً) أن معظم سكانه (أو واحداً منهم) (او عدد غير محدد) يريدون بعبارة واحدة العيش مع (نوع) شخص معين، ويفرض ما يقوله ويفعله، وهلم جراً [ الشخص الذي يتخيل الأشخاص والعالم الممكن ] " . هذا ما يسمى بالشرط المنطقي.

    ب) كذلك، إن المرء الذي يتخيل عالماً ما بإمكانه معرفة أن الأشخاص الذين يتخيلهم سوف يمتثلون لسبب معين، وبالتالي" (اولاً) يبدو من الأفضل إضافة قيد إضافي ان المتخيل قد لا يستطيع وصف الناس والعالم لأنه يعلم سببياً ان معظم سكانه (أو واحداً منهم) (او عدد غير محدد) يريدون العيش فيه أو (ثانياً) أن معظم سكانه (أو واحداً منهم) (او عدد غير محدد) يريدون بعبارة واحدة العيش مع (نوع) شخص معين، ويفرض ما يقوله ويفعله، وهلم جراً [ الشخص الذي يتخيل الأشخاص والعالم الممكن ] . إن ما يعرفه المرء فقط يتطلب ما قد يُستبعد . اذا، سيكون من الصعب جدا عدم الحاجة لشيء من هذا القبيل لمتابعة وصف الُتُخيل. إذا كان المرء لا يعلم شيئاً، فبالتالي لا يمكنه استغلاله " وهو ما يعرف بشرط السببية .

    ج) قيود المجموعة B : " ان المتخيل للعالم لا يمكنه تصميم أشخاص آخرين من اجل دعم وضعه الخاص، لكنه قد يتخيل اشخاص آخرين يقبلون ببعض المبادئ العامة. (هذه المبادئ العامة يمكن ان تدعم وضعه)."[47]

    د) يجب تحديدعدد السكان بعدد معين، بصرف النظر عن عدد الأفراد الذين يقررون مغادرة العالم الذي اختاروه لأسباب محض اقتصادية :" ومن المعلوم انه في مبدأ سوق العرض والطلب المتواصل يكون السعرغير محدد نظرياً ".[48]

    هـ) ينطبق هذا الشرط على حالة الإطار التنظيمي: يختلف الانضمام إلى اتحاد جديد عن مغادرة إتحاد آخر بعد ان يكون المرء قد عاش فيه لفترة طويلة، وقام بتعديلات على الإتحاد المجتمعي المُتخيل او القائم سابقاً،(المغادرة يمكن ان تسبب الألم ودفع تكاليف معينة)، فإن ذلك يقتضي تقديم تعويضات للمتضررين من هذه التعديلات. يُمكن تضمين هذه التعويضات عن طريق ذكرها بشروط صريحة في الإتفاق لدى إنضمام الأفراد في إتحاد ما.[49]

    يعترف نوزك بإن هذه الحجج غير كافية نظريا لإثبات أمكانية وجود يوتوبيات معينة مستقرة. وأحد الحلول يأتي من إضعاف هامش صيغة المنفعة: "تتطور إمكانيات وجود الإتحادات المستقرة عندما ندرك قوة افتراض أن ما تلقاه كل شخص هو فقط ما تخلى عنه الآخرون. فقد يعطي العالم لشخصاً ما شيئا يُعتبر بالنسبة له ذو قيمة أكثر من قيمته لدى الآخرين الذين من اجله تخلوا عنه"، [50] لكن إضعاف هامش صيغة المنفعة هذا يبقى غير قادر على إثبات أن وسيلة التصفية ستنتج ضوروة يوتوبيات معينة مستقرة.

    نقد اليوتوبيا

    هناك نقدان فقط يستحقان الأهتمام فيهما [51]حول نظرية لليوتوبيا من وجهة نظر نوزك. الأول يعتبر بنية اليوتوبيا ثابته، والثاني يعتبر بنية اليوتوبيا تتجاهل المشاكل العملية التي يمكن أن تنشأ من وجود نظريات الحد الأقصى.

    أن السبب الذي يجعل من بناء اليوتوبيا بناءً ثابتا يعود الى المفارقتين التاليتين: إما ان التغيير سيأتي بشئ افضل، مما يؤدي ان تكون اليوتوبيا التي حصل بها التغير في حالة تناقض ذاتي (لأنه من خلال التعريف كان من المفترض أن تكون أفضل واحدة ممكنة)، أو ان التغيير سيأتي بشئ أسوأ من ذلك، وهنا لابد من رفضه طبقا لمعنى مفهوم اليوتوبيا ذاته.[52] لكن الأعتراض على هذا النقد يأتي من أنه ينطبق في الأعم الأغلب على حالة التوصيفات التفصيلية لليوتوبيا المعينة، وأن نوزك يأخذه بنظر الإعتبار فيما يتعلق بالإطار التنظيمي والميتا- يوتوبيا أيضا عندما يخلص الإطار التنظيمي من معيار الحرية الفردية تدريجيا (وهو ما يُعرف بافتراض دوتوكفيل (Tocqueville)، فيسلم بأن الإطار التنظيمي (و ربما نظريته للميتا- يوتوبيا ايضا) يفرض بعض القيود الثابته، والتي يمكن أن نوضحها من خلال السؤال المقارن، الذي لطالما يُطرح في هذا السياق، وهو هل الإطار التنظيمي ذاك يسمح للفرد – مثلا – أن يبيع نفسه؟ أتصور ذلك ممكن على قاعدة، يحق للفرد أن يختار لنفسه ولا يحق للآخرين أن يختاروا له.[53]

    إن أما النقد الثاني فينطلق بكل بساطة من أن اعتبار اليوتوبيات تمثل الحالة القصوى يواجه أعتراضا لأحتكامه الى نفس التمييز بين اليوتوبيات التي تم تعينها أو اختيارها وبين الإطار التنظيمي لليوتوبيات بإعتباره وسيلة تصفية (ما بين اليوتوبيات المُفضلة) ولأنه كذلك فلايمكن ان يكون الحالة القصوى.

    وعلى اساس هذا المفهوم تبرز ثلاثة انتقادات أخرى لهذا التصور عن اليوتوبيا. الأول لبيتر سنغر الذي يُشكك في أن مثل هذا المخطط يمكن أن يكون ممكنا[54] لكن سوف لا نقوم بتحليله لانه عام جدا وغامض للغاية.

    أما الثاني فهو أن نوزك يتجاهل بعض الخيارات التي لا يمكن تفاديها. فتاتي حجة وولف في هذا السياق لتقول أنه من الممكن جدا أن شخصا أو نظاما من القيم، أو ظروف حياة معينة الخ...، قد تتغير بسبب احد الخيارات السابقة (لنفترضه وقت T- 1)، وعليه في وقت T سوف لا يكون المرء قادرا على أتخاذ نفس الخيارات كما هو الحال في وقت T- 1. هذا يمكن أن يحدث إما بسبب أسلوب حياة الشخص الفعلية T التي تفرض نمط خيارات أكثر تقييدا عما كان عليه في T- 1، أو بسبب نمط حياة شخص T، التي يمكن ان تقدم – في لحظة اخرى هي الآن مثلا - نمط خيارات مختلف عما كان عليه في T- 1 (ربما نمط T الجديد يحتوي على خيارات كانت تعتبر مستحيلة في T- 1. [55]يوجه هذا النقد الى البنية المنطقية لليوتوبيا، فيقدم وولف بعض القيود الداخلية لتخيًل اليوتوبيا إضافة الى القيود التي قدمها نوزك، ويسمي واحدة منها قانون تطور عدد اليوتوبيات الذي يحدد عدد اليوتوبيات الممكنة. وعليه تشير هذه الحجة إلى أن المنافسة بين العوالم الممكنة قد تكون مختلفة تماما عن تلك التي يتصورها نوزك . فإذا كانت قواعد استنتاج يوتوبيا مستقرة تختلف عن تلك التي اقترحها نوزك، فاذن إن عدد الاحتمالات التي ينبغي للمرء أن يأخذها في الاعتبار عند اتخاذ قرار عقلاني لظروف عالم معين من اجل ان يكون مستقراً تكون قد انخفضت إلى حد كبير. لكن وولف، لا يُشير إلى الآثار المترتبة على نظرية اليوتوبيا هذه؛ أذ أن هناك احتمالان على الاقل يجدر النظر فيهما. الأول، ياتي من حقيقة وجود بعض القيود على مفهوم اليوتوبيا، ويترتب على ذلك أن مفهوم " أفضل عالم ممكن"[56] قد يخضع لتعديل كبير، أي لم يعد واضحاً تعريف أفضل عالم ممك . فعلى سبيل المثال، لا يمكن للمرء أبدا أن يتيقن من أن عالمه الأفضل الذي يتصوره، هو في الواقع، أفضل عالم ممكن بالنسبة له لأنه قد يكون واقعا تحت بعض القيود في ذلك الوقت الذي كان يتصور فيه أفضل عالم ممكن. أما الثاني، هو انه إذا كنا ندرك أن هناك قيودا على تخيًل اليوتوبيات، فوفقاً لأي نموذج يوتوبيا سنقوم بتصميم أفضل الموؤسسات الاجتماعية التي تستوعب أساليب الحياة المتباينة؟ [57] هل يكون وفقاً لنموذج يسمح بتحديد او تقييد مجموعة من الخيارات أو البدائل ؟

    الثالث هو أن تعدد اليوتوبيات يواجه مشكلة عملية جدية، تتعلق بعدم وجود مساحة كافية على الأرض لضمان أن المرء يمكنه تسيير حياته دون أن يعوق حياة الآخرين ولا الآخرين يفسدوا حياته[58]. وعند هذه النقطة يضيف وولف قيداً مهما لما يعنيه أن يكون المرء قادراً على ان يعيش بحرية في اليوتوبيا التي يختارها، أي أن لا يتعدى المرء او يُعتدي عليه بموجب حقوق الملكية للآخرين.[59] يتناول هذا النقد الجانب الأخلاقي من اليوتوبيا من خلال السؤال: ما هي المبادئ الأخلاقية التي ينبغي أن تنظم اليوتوبيا؟ من وجهة نظر وولف أن جواب نوزك يتوقف على مبدأ حقوق الملكية. لكن من ناحية ثانية، فيما يتعلق بالجانب الأخلاقي لليوتوبيا، أغفل وولف تقديم تفسير لماذا يجب أن تكون اليوتوبيا مقيدة أخلاقيا . كما انه لم يوضح ما إذا كانت القيود الأخلاقية مطلوبة من أجل تحقيق يوتوبيا مستقرة (والتي سيكون شرحها مهما)، أو إذا كانت القيود الأخلاقية خارجية من اجل التنظير لليوتوبيات (التي ستكون بشكل إعتباطي). إذاً كما قيل سابقاً، تُعتبر حقوق الملكية شرطاً ضرورياً لتقرير ما إذا كانت اليوتوبيا المعينة مستقرة أم لا.

    يعتبرفاولر ان القيود الأخلاقية على اليوتوبيا مسألة قاطعة، ففي رأيه،" يجب على نوزك ان يحاول تحديد أي أنواع من الاتحادات المجتمعية تلك تعيق تحقق الفضائل الليبرالية أو تلك التي تعززها، وإلا سيكون أطاره المفهومي مُنتقص أخلاقيا لأنه سيُخطئ في تحديد مجال المسموح به في التجربة اليوتوبية"[60] تقول وجهة نظر فاولر، ينبغي على الإطار اليوتوبي فرض تعليم معين على الأفراد، وإلا فإن تجربة اليوتوبيا ستكون مستحيلة. فإنطلاقاً من حقيقة، أن اليوتوبيا يجب ان تفرض تعليم معين لتكون فعًالة، إستنتج فاولر أن الطريقة التي تخيل بها نوزك اليوتوبيا متناقضة ذاتياً، لأنه يجب بالضرورة على اليوتوبيا ان تطالب بحرية الأفراد وبتقييد هذه الحرية في الوقت نفسه . لكن هذه الحجة تخلط فيما بين اليوتوبيا المُعينة وإطار اليوتوبيا. وكما أشار نوزك، هناك بعض القيود المنطقية المطلوبة على مستوى الإطار التنظيمي من أجل مناقشة معنى اليوتوبيا الذي يتبلور من خلال العلاقة بينها وبين الحرية وحقوق الملكية. بالإضافة إلى ذلك، هناك القيود التي يمكن فرضها على مستوى اليوتوبيا المعينة وهي ابستيمولوجيا تخيًل يوتوبيا مستقرة، ولكن هذه الابستيمولوجيا غير منسجمة مع مبدأ الحرية، طبقا لحقيقة ان قيود الإطار تقوم بوظيفة ضمان إمكان اليوتوبيا المعينة؛ لكن ما يحدث داخل هذه اليوتوبيا تلك قصة أخرى قضية منفصلة .

    الخلاصة

    وفي النهاية لانريد ان نقوم بتلخيص ما سبق وقد ناقشناه فيما يتعلق بنظرية اليوتوبيا ومنهجية بناءها عند نوزك، فما نريد الإشارة اليه في نهاية المطاف هو أن كتاب نوزك " الفوضى، الدولة، واليوتوبيا " تم تناوله كثيرا، وكثيرا ما كان هناك سوء فهم لنظريته من قبل نقاده ؛ فمنهجية اليوتوبيا التي قدمها قد أُهملت كثيرا وأُعتبرت مجرد إضافة أو ملحق غير ضروري.

    وعلى كل حال، من الناحية التاريخية كُتب الجزء الثالث من " الفوضى، الدولة، واليوتوبيا " الذي يتناول نظرية اليوتوبيا قبل الجزءين الأولين، حيث يمكن اعتبارهما أمثلة تطبيقية لإستعمال المنهج اليوتوبي. والناحية المنطقية تعتبر نظرية اليوتوبيا هي النقطة التي يمكن أن تكون البداية لمراجعة وإعادة بناء نظرية نوزك السياسية والأخلاقية . فجاء موضوع هذه الدراسة لتقديم فهم لنظرية نوزك السياسية من منظور إثبات أن منطق اليوتوبيا هو المفتاح الأساس لنظرية نوزك الأخلاقية والسياسية، والذي يحفظ نظرية نوزك من الانتقادات المدمرة التي أساءت الى حد كبير فهم وجهة نظره .

     

    الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

    ....................................

    [1] Scheffler, Samuel. ‘Natural Rights, Equality, and the Minimal State.’ In Reading Nozick. Essays on ‘Anarchy, State, and Utopia, Jeffry Paul ed.Oxford: Basil Blackwell, 1981, p.151.

    [2]

    [3] Nozick,Robert,Anarcy,State, and Utopia. Oxford: Blackwell, 1974.

    [4] Ibidem, p. 298, footnote

    [5] Ibidem, p. 309.

    [6] Ibidem, p. 312

    [7] Ibidem, p. 309, footnote

    [8] Ibidem, p. 332

    [9] اتبنى هنا إقتراح قصير لنوزك: يقول فيه : " تتالف اليوتوبيا من يوتوبيا متعددة. اليوتوبيا هي الميتا - يوتوبيا" .

    [10]يرى نوزك أن مفهوم الإطار التنظيمي يماثل مفهوم دولة الحد الأدنى، فدولة الحد الأدنى هي الإطار التنظيمي لليوتوبيا الذي يؤدي وظيفته كوسيلة تصفية تسمح لنا بمطابقة وفهم اليوتوبيا ؛ وعلى هذا الأساس يؤدي الإطار التنظيمي دوره كفلتر أو تصفية للإزالة غير المرغوب به من اليوتوبيات المُتخيلة واختيار وحدة معينة منها .

    [10]-Bader,Ralf, ‘ The framework for Utopia’ In Nozick’s Anarchy, State, and Utopia, ed by Bader,Ralf and Meadow croft Johan , (camridge,2011) p237. (255- 288).

    [11] Nozick,Robert,Anarcy,State, and Utopia. Oxford: Blackwell, 1974, p. 307

    [12] Ibidem, p. 313

    [13]حتى لو لم يكن نوزك صريحاً في هذه النقطة, فإن حدسي يقول ان هذه الوسائل هي جزء من الميتا - يوتوبيا, لذا فإن هذه الوسائل يمكن ان تستعمل في حالتي النظام واليوتوبيا المعينة.

    [14] Ibidem, p. 314.

    [15] Ibidem, p. 313.

    [16] Ibidem, p. 315.

    [17] Ibidem, pp. 317-318.

    [18] Ibidem, p.314.

    [19] Ibidem, p.317.

    [20] لا تبدو هذه الحجة الأخيرة واضحة في منطق نوزك, لكن يُحتمل غالباً ,ان هذه الحجة هي الأساس للحجتين السابقتين.

    [21] Ibidem, p.315, footnote.

    [22] Ibidem, p.314.

    [23] Ibidem, 297.

    يقول نوزك : " ليس هناك دولة يمكن تسويغها اكثر أتساع من "الدولة المصغرة أو دولة الحد الأدنى". لكن اليست فكرة دولة الحد الأدنى أو مثاليتها ينقصها البريق ؟ هل بمقدورها ان تحمس الفؤاد او ان تلهم للناس للكفاح او التضحية من أجلها ؟ هل يستطيع احدهم ان يحتجز تحت لوائها؟ ربما تبدو وكانها شاحبة وضعيفة مقارنة باختيار اقصى الطرف المناقض، وهو امال واحلام اصحاب النظرية االيوتوبية. بغض النظر عن مناقبها,، لا تبدو دولة الحد الأدنى يوتوبيا . لذلك نتوقع بان البحث في اليوتوبيا لا يزيد دوره عن القاء الضوء على العيوب واوجه قصور لدولة الحد الأدنى كمنتهى للفلسفة السياسية ."

    [24]Ibidem, pp309-312.

    يقول نوزك عن الإطار: " سيكون وضعا مقلقا اذا كانت هناك حجة واحدة فقط ومجموعة متصلة من الاسباب للوصول الى لوصف خاص لليوتوبيا . فاليوتوبيا هي التركيز على العديد من الخيوط المختلفة التي تطمح في ان يكون هناك العديد من الطرق النظرية التي تقود اليها ... يبدا الخيط الاول من حقيقة ان الناس مختلفون. فهم يختلفون في المزاج، الاهتمامات، القدرة الفكرية، الطموح، المواهب الطبيعية، الروحانية,، ونوع الحياة التي يرغبون ان يعيشونها. وهم يختلفون ايضا في القيم التي يملكونها وأوزان القيم التي يشتركون بها. (فهم يتمنون ان يعيشوا في مناخات مختلفة، البعض في الجبال، او السهول، او الصحاري، او الشواطئ, او المدن، او البلدات) لذلك لا يمكن التفكير بوجود مجتمع مثالي لكل الناس, فمن الواضح انه غير موجود.

    يمكننا ان نفرق بين الامور التالية:

    لكل شخص هناك نمط من الحياة الافضل بالنسبة له.

    الناس متشابهون بما يكفي، لذلك هناك نمط واحد للحياة يكون الافضل لكل واحد منهم.

    الناس مختلفون، لذلك ليس هناك نمط واحد للحياة الجيدة لكل منهم.

    الانماط المختلفة من الحياة متشابهة الى حد وجود نمط واحد من المجتمعات (والتي تتفق مع ضوابط محددة) بحيث تكون الافضل لكل شخص.

    الانماط المختلفة للحياة مختلفة جدا لذلك ليس هناك نمط واحد من مجتمع (يلبي ضوابط محددة) افضل لكل شخص (بغض النظرعن اي من انماط الحياة المختلفة هو الافضل لهم).

    طالما لكل شخص معيار موضوعي للخير يمكن ان يخبر او يحدد ... أن هناك، سلسلة واسعة من انماط الحياة المختلفة المرتبطة بشكل جيد، ولا توجد موضوعيا اي حياة افضل له من الموجودة في السلسلة,، ولا اي واحدة خارج هذه السلسلة افضل من التي في داخلها. وليس هناك مجتمع واحد افضل للعيش فيه اكثر من هذه المجتمعات المذكورة.

    غرضنا هنا، سواء Ib2 او II أستخدمنا هنا. فنكَنشتاين، اليزابيث تايلر، بيراند رسل، ثوماس ميرتون، يوجي بيرا، الين جنسبيرج، هاري ولفسون، ثورو، كاسي ستينغل، لوبفشتر ريبي، بيكاسو، موسى، اينستن، هج هيفنر، سقراط، هينري فورد، ليني بروس، بابا رام داس، غاندي، كولومبوس، فرويد، نورمان ميلر، اين راند، بارون روثستشيالد، تيد ويليامز، ثوماس اديسون، مينكين، ثوماس جيفرسون، رالف اليسون، بوبي فيسكر، ايما جولدمان، بيتر كروبوتكن، انت، ووالديك. هل هناك حقا نمط واحد لحياة فضلى لكل واحد منهم؟ تخيل بان جميعهم يعيشون في يوتوبيا لم تشاهد وصفها التفصيلي ابدا. حاول ان تصف المجتمع الذي سيناسبهم جميعا للعيش فيه. هل سيكون مجتمعا زراعي ام حضري؟ به الكثير من الترف ام يلبي الحاجات الاساسية البسيطة فقط؟ كيف ستكون العلاقات بين الجنسين؟ هل سيكون هناك رباط يسمى الزواج؟ هل سيقتصر على زوجة واحدة؟ هل سيربي الوالدين الاطفال؟ هل سيكون هناك ملكية خاصة؟ هل سيكون هناك حياة هادئة وامنة ام ستكون حياة مليئة بالمغامرات، التحديات، الخطر والفرص للبطولة؟ هل سيكون هناك دين واحد ام عدة اديان او اية اديان؟ ما اهمية وجودها في حياة الناس؟ هل سينظر الناس الى حياتهم بخصوصية ام بعمومية؟ هل سيكرسون اوقاتهم للعمل ام للترفيه عن انفسهم بانشطة مختلفة؟ هل سيربى الاطفال بتسامح ام بصرامة؟ على ماذا سيركز تعليمهم؟ هل ستكون الرياضة هامة في حياتهم؟ وماذا عن الفن؟ هل سيهتمون بالانشطة الترفيهبة ام الفكرية؟ام ماذا؟ هل سيكون هناك موضة في الملابس؟ هل ستتخذ الالام العظيمة لتجميل المظهر؟ ماذا سيكون الانطباع نحو الموت؟ هل ستلعب التكنولوجيا والالات دورا مهما في المجتمع؟ وهكذا.

    ان فكرة وجود اجابة شاملة لكل هذه الاسئلة، ووجود مجتمع واحد يعيش فيه الجميع , يبدو وكانه شيء يصعب تصديقه. (و الفكرة هنا انه وان وجد هكذا مجتمع، ولدينا الآن معرفة كافية لوصفه يبقى شئ لا يمكن حصوله.) لايمكن لأحد أن يصف اليوتوبيا مالم يعيد قراءة مثلا، أعمال شكسبير، تولستوي، جين اوستون، ريباليس ودوستوفيسكي لتذكير نفسه باختلاف الناس عن بعضهم البعض. (هذا ايضا سيذكره بمدى تعقيدهم.)

    يثق كتاب اليوتوبيا بفضائلهم وتصوراتهم ويعتقدون بانها صحيحة على الرغم من اختلافهم الواضح (ليس أقل من الأختلاف بين اسماء القائمة المذكوره أعلاه) في المؤسسة التي ينتمون اليها ونمط الحياة التي يحاكونها، على الرغم من أن كل واحد منهم يقدم تصور بسيط عن المجتمع المثالي، لكن علينا ان نأخذ حقيقة أختلافهم بصورة جدية . ليس لدى اي من كتاب اليوتوبيا مجتمع يعيشي به الحياة نفسها او يخصصون المقدار نفسه من الوقت لممارسة نفس الانشطة. لم لا؟ اليست الاسباب تحسب ضد النمط الواحد من المجتمعات؟

    النتيجة التي نصل اليها انه لن يكون هناك نمط واحد للمجتمع ونمط واحد من الحياة في اليوتوبيا .فاليوتوبيا تتكون من يوتوبيات لعدة مجتمعات مختلفة ومتباعدة، حيث يعيش الناس أنواع حياة مختلفة وفي ظل موؤسسات مختلفة، بعض أنواع المجتمعات ستكون أكثر جاذبية من غيرها لذا سيزداد بعضها وينخفض بعضها الآخر . الناس سوف بعضها للآخرين او يقضون كل حياتهم في واحدة . اليوتوبيا إطار ليوتوبيات، مكان يكون في الناس أحرارا في أن يجتمعو ا طوعيا ليسعوا ويحاولوا تحقيق تخيلهم لحياة ملائمة أو جيدة في مجتمع مثالي، مكان لا أحد في يفرض تخيله االخاص لليوتوبيا على الآخرين ". ان المدينة الفاضلة هي المجتمع للمثالية. (البعض منهم بالطبع سيقتنعون بمكانهم. لكن لن يلاحق كل واحد منهم بمجتمعات خاصة, والكثير ممن زهد او فرط بالانضمام اليها بداية سيلتحق بها لاحقا, بعد ان يتضح له حقيقة عمل من فيها.) نصف الحقيقة التي اود ان اقولها هو ان المثالية هي مثالية ذات هدف: البيئة التي ستجرب فيها المثالية, البيئة التي سيكون فيها الناس احرار ليفعلوا ما شاؤوا, البيئة التي يجب الى حد ما ان تدرك اولا ان تم ادراك بعض اراء المثاليون وتصوراتهم.

    لا يمكن لجميع الامور الجيدة ان تدرك معا, لذا لا بد ان تحصل بعض المقايضات ... [ لكن ] هناك القليل من المنطق للتصديق بان نظام واحد نادر من المقايضة سيتطلب قبول عالمي. فالمجتمعات المختلفة مع مزج االأختلافات البسيطة لكل واحد منها ستفسح مجال من يكون فيه كل شخص بأمكانه الأختيار ذلك المجتمع الذي يكون تقريبا الذي يناسبه بقيمه وفضائله " .

    [25] Ibidem, p.307

    [26] Ibidem, p.333

    [27] Ibidem, p. 317, footnote

    [28] هذا يعني, يمكن وجود مجموعة نظرية اليوتوبيا في الميتا - يوتوبيا.

    [29] Ibidem, p. 308

    [30] Ibidem, p. 307

    [31] Ibidem, pp. 308-309

    [32] Ibidem, p. 319, footnote, and p. 320

    [33] هنا, المطلوب ان يُفهم مصطلح اليوتوبيا على انه" افضل تحقيق ممكن للميتا - يوتوبيا على العالم الفعلي".

    [34] Ibidem, p. 318

    [35] مع أن نوزك يدرك وجود مشاكل مع فكرة الإطار التنظيمي، ويشكل الأطفال واحدة منها. فعلى سبيل المثال، في أي سن، يجب أن يكونوا قادرين على المغادرة ؟ هل لديهم الحق في أن يعلموا بطريقة متوازنة عن بدائل عديدة في طرق للحياة؟ إذا كان مجتمع ما يؤمن بأن مناقشة نظرية التطور تعتبر خطيئة، فهل سيلقنوا هذا المعتقد لأطفالهم ؟ إذا كان الأمر كذلك، كيف يمكن لأطفالهم احرار في الأختيار ؟ واذا لم يكن كذلك، فكيف سيتم تنظيم هذا الأمر ؟

    Wolff, Jonathan, ‘Robert Nozick: Property, Justice and the Minimal State’ Polity Press, UK, 1991, P.135.

    [36]Nozick,Robert,Anarcy,State, and Utopia. Oxford: Blackwell, 1974,309.

    [37] Ibidem, p. 317, footnote

    [38] Ibidem, p. 309

    [39] Ibidem, p. 312

    [40] يستعمل نوزك هنا سمة مميزة خاصة تعود الى فكرة، أن كل النقاش حول اليوتوبيات المعينة اقتصرت على اليوتوبيات داخل الميتا-يوتوبيا، أي أنه يرى يمكن للشخص ان يتخيل عدد لانهائي من الأفراد الذين يرغبون بالإقامة في تلك العوالم الممكنة، بينما في العالم الواقعي (وهو الإطار التنظيمي) لايوجد عدد لانهائي من الأفراد، أنظر التمميز أعلاه الذي اشرنا اليه بين الإطار التنظيمي والميتا-يوتوبيا.

    [41]والنقد هنا لتصور نوزك هذا عن ان الناس يتحركوا بحرية من يوتوبيا معينة إلى آخرى حتى يجدوا جنتهم، أنه بذلك يتجاهل التفكير في ان بعض الخيارات قد يكون لا رجعة فيها

    [42] Ibidem, p. 299.

    [43] Ibidem, p. 299

    [44] Ibidem, p. 301

    [45] Ibidem, p. 305

    [46] Ibidem, pp. 299-300

    [47]

    ما هو السبب لهذا القيد؟ إذا كان المبدأين الأولين يبدوان انهما صمما خصيصا لإفتراض نموذجا واقعيا لعوالم متنافسة مستقرة، فإن هذا القيد يبدو القصد منه السماح لوجود أخلاقية معينة. هل هو الشرط الضروري لنوزك لتأمين نظريته الكانطية في نظام اليوتوبيا (وفي هذه الحالة سيكون قيد خارجي خاص يجعل النظرية منحازة لصالحه)، أو هل من المنطق قبول مثل هذا القيد (بمعنى غير ذلك إنه من المستحيل تخيل نموذجا واقعيا لعوالم متنافسة مستقرة)؟ جوابنا على هذا السؤال لا هذا ولا ذاك، ولكن يمكن السماح لمزيد من هذه القيود الداخلية الممكنة على اليوتوبيا المعينة لأنه ليس لها أي تأثير على النظرية العامة لليوتوبيا (وهذا الأمر لضمان إمكانية وجود يوتوبيا معينة مختلفة.

    [48] Ibidem, pp. 303-304.

    [49] Ibidem, p. 324.

    [50] Ibidem, pp. 305-306

    [51] بمعنى, ان هذه النظرية تُعنى فقط بالتصميم المؤسساتي. إنظر تعريف مبدأ افضل عالم ممكن.

    [52] Ibidem, p. 328

    [53] Ibidem, p. 331

    [54] See Peter Singer, ‘The Right to be Rich or Poor, ’ In Reading Nozick. Essays on ‘Anarchy, State, and Utopia’, Jeffry Paul ed.Oxford: Basil Blackwell, 1981. Pp.37-56.

    [55] Wolf, Robert Paul. ‘Robert Nozick’s Dive ration of Minimal State’ In Reading Nozick. Essays on ‘Anarchy, State, and Utopia’, Jeffry Paul ed-106.Oxford: Basil Blackwell, 1981.,P.135.

    [56] Nozick,Robert,Anarcy,State, and Utopia,pp.298.

    [57] Wolf, Robert Paul. ‘Robert Nozick’s Dive ration of Minimal State’ In Reading Nozick. Essays on ‘Anarchy, State, and Utopia’, Jeffry Paul ed-106.Oxford: Basil Blackwell, 1981. Pp.298.

    [58] على الرغم من ان نوزك يعترف بأن الاكتظاظ السكاني سوف يؤدي إلى مشاكل في العلاقات بين المجتمعات، إلا أن نموذجه يظهر مناسبا فقط في حال توفرت مساحة شاسعة، وعدد قليل من الناس . يسأل نوزك ما إذا كان سيكون هناك مدن كبيرة، والجواب بالطبع سيتواجد مدن كبيرة، حتى ولو لم يرتادها احد من الناس، بإستثناء حالة إنخفاض معدل المواليد بشكل كبير. يبدو لي أن نظام نوزك اليوتوبي أكثر واقعية من أي رؤية ليوتوبيا أخرى.

    [59] Ibidem, p. 135

    [60] Fowler, Mark, ‘Stability and Utopia; A Critique of Nozick’s Framework Argument,’ ed.J. Angelo Corlett, Equality and Liberty.Analyzing Rawla and Nozick (London: Macmillan, 1991), p. 252.

     

    محمود محمد علييذكر بعض الباحثين أن آلان سوكال، أصبح معنياً أشد العناية بهذا الجانب مما بعد الحداثة، ما دفعه إلي أن يجري تجربة بسيطة ؛ حيث كما ذكرنا من قبل بأنه جمع عدداً من الصفحات لبحث يحمل عنوان "اختراق الحدود: نحو تأويل تحولي للجاذبية الكوانتية". ونشرته في عددها المزدوج (الربيع والصيف 1996). وقد قُبل المقال للنشر من غير أن يلفت النظر إلى أي شئ غير عادي فيه.

    وهنا يعلق ريتشارد دوكنز علي ذلك قائلاً: "لابد أن ورقة بحث سوكال بدت وكأنها هدية للمحررين، لأن " أحد الفيزيائيين " هو الذي يقول فيها كل الأشياء المناسبة التي يريدون سماعها، فيهاجم " هيمنة ما بعد التنوير " وتلك الأفكار غير الباردة، مثل وجود العالم الواقعي . ولم يدركوا أن سوكال قد حشا ورقة بحثه أيضاً بأخطاء علمية مفضوحة، من نوع كان سيكشفه في التو أي محكم حاصل علي أدني شهادة تخرج في الفيزياء . ولكنها لم ترسل قط إلي أي محكم من هذا النوع . إلا أن المحررين " أندرو روس " والآخرين، أرضاهم أن ما فيه من أيدولوجية يتسق مع أيدلوجيتهم، ولعلهم قد أحسوا بما يرضي غرورهم عند ذكر مراجع من مؤلفاتهم هم أنفسهم، وجعلهم عملهم بالنسبة لتحرير هذا المقال المهين يستحقون بجدارة جائزة نوبل 1996 في آداب الجهل " .

    ومن الملاحظ أن ورقة البحث مكتوبة بأسلوب ما بعد الحداثة المتغطرس والمسيَّس، ومن ثم كان محاكاة تبدو إلي حد ما سافرة. وبدا مثيراً للضحك لأقصى حد؛ حتي أن " جيمس تريفل علق علي ذلك قائلاً :" وأذكر للحقيقة أنني لا أعرف عالم فيزياء تأتى له أن يقرأ أكثر من فقرة من دون أن ينفجر ضاحكاً، حتى الهوامش كانت مضحكة . وعلى أي حال أرسل سوكال البحث إلي صحيفة تنتمي بفكرها إلي فكر ما بعد الحداثة اسمها " سوشيال تكست " Social Text " للدراسات الثقافية والتي يتبني هيئة تحريرها مثل هذه المجموعات، مثل فريدريك جيمسون Fredric Jameson ،       وأندرو روس .

    استقبلت إدارة المجلة مقال آلان سوكال بحماسة وبدون تردد؛ فهو شهادة نفيسة من فيزيائي محترم على مصداقية التوجه ’’المباحثي‘‘ النسباوي الذي تتبناه. وواضح أن الصحيفة كانت سعيدة جداً لحصولها علي مقال لعالم فيزياء جشم نفسه تعلم لغتها، ما حداها علي نشر المقال من دون السؤال عما إذا كان فيما يقوله أي معني مفهوم .

    والسؤال الآن، ما هي حيثيات ورقة البحث التي كتبها سوكال بأسلوب ما بعد الحداثة المتغطرس والمسيَّس، وكيف زيف سوكال تلك المقالة من خلال إعترافاته ؟

    المقالة تتكون من سبع وثلاثون صفحة من القطع، ستة عشر صفحة تمثل متن البحث، والباقي هوامش وقد وضعت الهوامش آخر المتن، وليست أسفل كل صفحة ، وكما قلنا من قبل وضعت المقالة ضمن عدد خاص يشمل سلسلة مقالات تحمل عنوان " حروب العلم ".

    تتكون المقالة من مدخل وستة محاور، حيث تتضمن مراجعة لكثير من المواضيع العلمية التي يشتغل بها العلماء في الفيزياء والرياضيات، ويخلص منها إلى بعض الدروس الثقافية والفلسفية والسياسية المختلفة التي يمكن أن تلاقي قبولاً عند أولئك الذين يشكون في موضوعية العلم .

    وقد مهد سوكال لذلك بمقدمة ماكرة ؛ حيث زعم أن " العديد مِن علماء الطبيعة ؛ وخصوصاً الفيزيائيين، لا يزالون يرفضون فكرة أن التخصصات المهتمة بالنقد الاجتماعي والثقافي، يمكن أن تساهم بشكل خارجي في بحثِهم. وما زالَ القليل منهم يستجيب لفكرة أنه يجب إعادة النظر في الأسس التي تقوم عليها نظرتهم للعالم، أو إعادة بنائها في ضوء هذه الانتقادات. وبدلاً من ذلك، يتشدقون بالايديولوجيا التي تفرضها مرحلة ما بعد التنوير كثيراً حول النظرة الثقافية الغربية، والتي يمكن إيجازها سريعاً علي النحو التالي: أن هناك عالم خارجي، يشتمل علي خصائص مستقلة عن الوجود الإنساني الفردي، ويجري حقاً علي البشرية ككل ؛ وأن يتم ترميز هذه الخصائص في شكل قوانين فيزيائية "أبديّة "؛ وأن الوجود الإنساني يمكن أَن يحصل عليها بشكل موثوقِ، حتي وإن كان يمثل معرفة تجريبية ناقصة بهذه القوانينِ المؤقته التي تهدف إلي إجراءات موضوعية وتفنيد ابستمولوجي يوصف من خلال ما يمكن أن يسمي المنهج العلمي " .

    بيد أن التغيرات التصوريةَ العميقة داخل العلم في القرن العشرينِ، كما يقول سوكال :" قد قوضت هذه الميتافيزيقيا الديكارتيةِ النيوتونيةِ ودراسات تعيد النظر في تاريخ وفلسفة العلم قد ألقت مزيداً من الشكوك علي مصداقيتِها، ومعظم الانتقادات الأنثوية وما بعد البنيوية قد ناقشت المحتوي الجوهري للممارسة العلمية الغربية السائدة، كما كشفت عن عقيدة الهيمنةِ المخبأة وراء واجهةَ "الموضوعيةِ" . لقد أصبح من الواضح بشكل متزايد أن " الواقع " الفيزيائي ليس أقل من " الواقع " الاجتماعي، بحيث يكون في القاع كياناً اجتماعياً ولغوياً ؛ وأن المعرفة العلمية أبعد ما تكون عن الموضوعية ".

    ثم يعلن سوكال الهدف الذي يسعي إليه من أطروحته، فيقول :" ... وهدفي هنا هو تنفيذ هذه التحليلات العميقة في خطوة واحدة أبعد، وذلك مع الأخذ في الاعتبار التطورات الأخيرة في الجاذبيةِ الكَوانتية : وبالأخص الفرع المنبثق في فيزياء ميكانيكا الكوانتم عند هيزنبرج والنسبية العامة لأينشتين في بوتقة واحدة . وفي الجاذبيةِ الكَوانتية، كما سنرى، الحالات الموضحة للزمان- المكان توجد بوصفها واقع فيزيائي موضوعي، وتصبح الهندسة ذات محمولات علائقيةً وسياقيةَ ؛ ومحمولات تصورية تأسيسية للعِلمِ القبلي بينهم , ويصبح الوجود نفسه نسبي . هذه الثورة التصوريِة، سوف أبرهن علي أن لها نتائج عميقة لمحتوى ما بعد الحداثة والعلوم التحررية.

    وينهي سوكال مقدمته قائلاً :" تناولي سوف يتمثل علي النحو التالي. أولاً، أنا سأراجع سريعاً جداً بعض الإصدارات الفلسفيةِ والأيديولوجيةِ التي نشأت من خلال ميكانيك الكوانتم، ومن خلال النسبية العامة الكلاسيكية . وبعد ذلك سأرسم الخطوط العامّةَ للنظرية الصاعدة للجاذبية الكوانتية، وأناقش بعض الإصدارات التصورية التي ظهرت أخيراً، وبعد سأعلق على النتائج الثقافية والسياسية لهذه التطورات العلمية. ويجب أن أؤكد علي أن هذا المقال يمثل ضرورة تجريبية وتمهيدية ؛ أنا لا أدعي أنني قد أجبت علي كل الأسئلة التي واجهتني. وهدفي، بالأحرى هو أن أوجه عناية القارئ إلى هذه التطورات المهمة في العلم الفيزيائي والتوصل لأهم النتائج الفلسفية والسياسية وسأحاول جاهدا الإبقاء علي الرياضيات بما يحقق الحد الأدنى، وإن كنت علي حذر لتزويد القارئ بالإشارات التي يمكن أن تفيده في كل التفاصيل الضرورية .

    ونلاحظ في تلك المحاور بعد أن قرأناها قرأة متأنية، أن سوكال لا يضيف جديداً، بل هو كلام يألفه الكثير من الطلاب المبتدئين، علاوة علي أنها أنه تحوي نقولاً من بعض الكتاب الفرنسيين لا يمكن فهمها ؛ حيث أن المقالة مكتوبة بلغة بأسلوب لغوي مقعر ؛ حتي الاستشهادات التي يستشهد بها من العلماء والباحثين غير مفهومة .

    وقد ذكر بعض الباحثين أن مقالة سوكال بدت وكأنها هدية للمحررين، لأن " أحد الفيزيائيين " هو الذي يقول فيها كل الأشياء المناسبة التي يريدون سماعها، فيهاجم " هيمنة ما بعد التنوير " وتلك الأفكار غير الباردة مثل وجود العالم الواقعي . ولم يدركوا أن سوكال قد حشا ورقة بحثه أيضاً بأخطاء علمية مفضوحة، من نوع كان سيكشفه في التو أي محكم حاصل علي أدني شهادة تخرج في الفيزياء ؛ علاوة علي أن اللغة التي كتبت بها ورقة البحث وإن كانت صحيحة لغوياً، إلا أنها لا تحوي أي معني وكأنها مكتوبة بلغة غير مفهومة ؛ حتي الاستشهادات التي يستشهد بها سوكال، من العلماء والباحثين غير مفهومة أيضاً، وكأنه تعمد أنه يقدمها ليضرب بها أنصار بما بعد الحداثة وما بعد البنيوية، ونذكر علي سبيل لا الحصر بعض النصوص التي عول عليها، إذ تكاد تكون مضحكة .

    والورقة من البداية حتي النهاية تبدو محض هراء . وهي محاكاة هزلية صيغت ببراعة للهذر المتجاوز عند أتباع ما بعد الحداثة . وقد حفز سوكال علي تأليفها كتاب لبول جروس ونرمان لفيت في كتابهما " الخرافة الراقية .

    ووجد سوكال أن من الصعب عليه أن يصدق ما قرأه في هذا الكتاب فتابع ما فيه من مراجع عن أدبيات ما بعد الحداثة، ووجد أن جروس ولفيت لم يبالغا في كتابهما . وقرر أن يفعل شيئاً بهذا الشأن وحسب كلمات جاري كاميا التي عاشت الحدث : " كل من حدث له أن أنفق وقتاً كثيراً وهو يخوض هذه الأناشيد المنحرفة الزائفة الظلامية المليئة بالرطانة والتي تمرر الآن علي أنها فكر " تقدمي " في الإنسانيات، كل من حدث له ذلك يعرف أنه سيكون من المحتم إن أجلاً أو عاجلاً أن يحدث أن : واحداً من الأكاديميين البارعين وقد تسلح بكلمات السر التي هي سرية جدا ( مثل "هيرمينوطيقي "، "انتهاكي " " تابع لمذهب لاكان "، " الهيمنة "، ونحن لم نذكر هنا إلا القليل )، سوف يكتب ورقة بحث زائفة بالكامل،ويقدمها إلي أي مجلة " رائجة"، وينال قبولاً لها ... يستخدم سوكال في مقاله كل المصطلحات المناسبة . وهو يستشهد بكل من هم أفضل الكتاب .

    ثم ما لبث سوكال أن كشف عن حقيقة الخدعة ؛ حيث أنه بمجرد صدور العدد الذي يتضمن المقال، بادر إلى الكشف عن خدعته من خلال مقال صادم نشره في مجلة ’’لينجوى فرنكا ‘‘ Lingua Franca الأمريكية يبين فيها أنه زيف محتوى مقاله الأول ؛ وأعلن سوكال في مقاله هذا أن الأمر كله خدعة . معترفاً بأن ما كتبه لا يعدو أن يكون خدعة لفظية وصنعة بلاغية لا يعول عليها.

    ومن ناحية أخري يؤكد سوكال بأن هدفه من كتابة المقال يعد " نداء لأي فيزيائي أو رياضي نشيط (أو الفيزيائيين في المرحلة الجامعية أو أغلب الرياضيين) أن يدركوا أنها ضالة أو خدعة Spoof .وبالفعل فإن المحررين للنص الاجتماعي قد شعروا بالراحة من نشر هذا المقال عن فيزياء الكوانتم بدون الرجوع لأي لشخص ذي معرفة بهذا الموضوع .

    ثم ينتقل سوكال للكشف عن الأسباب والدواعي التي جعلته يتعمد القيام ببحث عن مكانيكا الكوانتم ؛ حيث يؤكد أن ذلك يتمثل في هدفين:-

    الهدف الأول :- كما يقول :" أن أقتبس بعض التصريحات الفلسفية المتناقضة لهايزنبرج وبوهر وأقر بلا جدال أن الفيزياء الكمية مرتبطة بابستمولوجيا ما بعد الحداثة " .

    الهدف الثاني :- كما يقول :" أن أدعو للجمع بين دريدا و النسبية العامة، ولاكان وعلم الهندسة اللاكمية أو الطوبولوجي وبين ايريجاري Irigaray والجاذبية الكمية، وذلك من خلال بلاغة غامضة vague rhetoric عن الـ " الغير خطية nonlinearity "والجريان والترابط Flux and interconnectedness . وأخيراً فقزت ( مرة أخري بدون جدال ) لإثبات أن علم ما بعد الحداثة Postmodern Science قد ألغي abolished الواقع الموضوعي . وهنا الآن ليس هناك ما يشبه النتيجة المنطقية للفكر ؛ فالمرء قد يكتشف فقط إقتباس citations،وَتلاعب بالألفاظ plays on words، وتناظراتَ متكلفة strained analogies ومزاعمَ فارغة bald assertions " لا أساس لها .

    وهنا يؤكد سوكال أن الذي دفعه على فعلته تلك هو " أن يفضح المستوى المتدني للمهنية بين المشتغلين بالبحوث الأكاديمية، وبخاصة في العلوم الإنسانية ؛ هذا من ناحية، ومن ناحية أخري هو إحراج النزعة النسباوية المتطرفة، بوصفها تمثل في اعتقاد سوكال خطراً يهدد وجود العلم ذاته، علاوة علي اختبار مدى جدية وصرامة المنتسبين إلى ’’ما بعد الحداثة‘‘، ولا سيما حين يتعلق الأمر بموضوع العلم " .

    وثمة نقطة اخري جديرة بالإشارة يؤكد عليها سوكال، وهي أن السخافة الرئيسية the fundamental silliness لمقاله تنطوي ليس فقط من خلال تماسكها القوي، ولكن توسطها للمنطق الذي يدعمها .

    وهنا يعلق " جيمس تريفل " علي هذه المغامرة قائلاً :" ولكن ما أذهلني من عواقب هذه المغامرة كلها هو رد فعل محوري صحيفة " سوشيال تكست " ومن يدعمونها . إنهم بدلا من أن يشغلوا أنفسهم باستبطان حالهم وفهم أنفسهم علي سبيل المثال : لماذا لم يعرضوا المقال علي عالم فيزياء، قنعوا بلوم سوكال لأنه " أساء استخدم ثقتهم" .

    وهذا اللوم استفز سوكال نفسه حتي أنه وصفهم قائلاً :" وقبول النص الاجتماعي لمقالتي يوضح الغطرسة والتكبر العقلي the intellectual arrogance للنظرية الأدبية لما بعد الحداثة .... وليس من المدهش في أنهم لم يعبأون باستشارة الفيزيائي .

    تباينت ردود الفعل حيال خدعة سوكال؛ وتوزّع الناس بين مهلل ومسفه ومتفهم، فأثار بذلك ضجة من ردود الفعل عنيفة في الصحافة اليومية والأكاديمية، فالخدعة قد وجدت طريقها في الصفحة الأولي في جريدة " New York Times " بل وفي كل صفحات الجرائد الأمريكية، كما أعدت قناة الـ " CNN " برنامج لها بعنوان : العصابة الكبيرة capital gang، وكذلك الـ " rush limbaugh". وخدعة سوكال التي قد تناولتها أجهزةِ الإعلام من راديو وتليفزيون قد نظرت إليها بأنها تمثل فضيحة سياسية رئيسية .

    وذكر وانبيرج عنها قائلاً :" لقد تسليت مثل كثير من العلماء بخدعة ظريفة ساخرة قام بها الفيزيائي الرياضي آلان سوكال من جامعة نيويوك ؛ حيث قدم مقاله كاذبة لإحدي المجلات المهتمة بالدراسات الثقافية وهي مجلة " النص الاجتماعي " . وفي هذه المقالة استعرض سوكال عدداً من المواضيع الراهنة في الفيزياء والرياضيات وعرض بطريقة ساخرة بعض القضايا الثقافية والفلسفية والسياسية والأخلاقية التي أخذها من التعليقات الأكاديمية الرائجة التي كانت تشكك في العلم وموضوعيته" .

    وذهب مارا بلير Mara Beller في مقالة له بعنوان The Sokal Hoax : At Whom are we Laughing إلي أن :" الخدعة التي أعدها سوكال في عام 1996 وسلمها لمحرري مجلة النص الاجتماعي سرعان ما أصبحت معروفة علي نطاف واسع ونقاش ساخن .

    وذهب " إريتش إيتشمان " Erich Eichman، حيث كتب مقالة بعنوان " نهاية الخدعة "، حيث قال :" في وقت سابق من هذه السَنَة، وبشكل ملفت للنظر، قدم الفيزياوي واليساري السياسي آلان سوكال ورقة بحث مليئة بالهراء وسلمها لمحرري مجلة أكاديمية تسمي النص الاجتماعي حيث برهن علي أن الواقع الفيزيائي يمثل فقط بناء اجتماعي . وهو لم يعتقد بذلك ولكنه حاول أن يثبته . وبعد أن نشر المحررون المقالة، أعلن سوكال عن خدعته " .

     

    د. محمود محمد علي

     

    محمود محمد عليكانت فلسفة العلم حتي منتصف القرن العشرين، قد انصبت كل مجهوداتها في التركيز علي أهمية وقيمة المنهج العلمي والمعرفة الموضوعية، فنجد دعاة الوضعية المنطقية يعولون علي أن المنهج العلمي لا بد من تطبيقه في مرحلتي المشاهدة وجمع المعطيات، ومرحلة الحكم والتحليل. وبتعبير " آلان شالمرز": "وتأتي موضوعية العلم الاستقرائي النزعة من كون الملاحظة والاستدلال الاستقرائي موضوعين هما ذاتهما . فمن الممكن أن تجد منطوقات الملاحظة تأكيدها في أي ملاحظ يستعمل حواسه استعمالاً عادياً . فلا مكان هنا للبعد الشخصي والذاتي . فصلاحية منطوقات الملاحظة التي تحصل علي نحو صحيح، لا تتوقف علي ذوق الملاحظ ولا علي رأيه أو آماله أو انتصاراته . وكذلك الأمر بالنسبة للاستدلال الاستقرائي الذي ينتج المعرفة من منطوقات الملاحظة .فأما أن تستجيب الاستقراءات للشروط المطلوبة وإما أن    لا تستجيب . فتلك ليست مسألة ذاتية متعلقة بالرأي  ".

    وإذا انتقلنا إلي موقف " كارل بوبر" Karl Popper ( 1902-1994) من المعرفة الموضوعية، نجد أن الموضوعية عند بوبر ليست صفة يمكن العثور عليها بسهولة، إذا فهمنا الموضوعية بمعني المطابقة للواقع، إلا أنه يقبل النوع الآخر للموضوعية وهو إمكان الحكم للعموم، وبحسب تعبيره : "ما أقصده من لفظ موضوعي وذهني ليس بعيداً كل البعد عن ما يقصده كانط منهما؛ فهو يقصد من وصف المعرفة العلمية بالموضوعية أن يكون صوابها بعيداً عن الوهم والرغبات الخاصة بهذا وذاك. والدليل على الموضوعية عنده (كانط) هو أن تكون القضية قابلة للتدقيق لكل من أراد ذلك واستطاعة. ولكن الفرق بيني وبينه، هو أنني اعتقد عدم إمكان الحكم بالصواب بمعناه الكامل على أي نظرية علمية. وعليه، فالموضوعية ليست إلا إمكان التجربة والاختبار للنظرية العلمية فحسب" .

    ولذا يرفض بوبر النظرية الذاتية لدراسة نمو المعرفة، وهي النظرية التي تطابق بين المعرفة العلمية والذوات المنتجة لها، وذلك لأنه يري أن المعرفة العلمية معرفة موضوعية وتوجد في العالم الثالث Third world .

    ولقد سار علي نهج بوبر في الإيمان بفكرة الموضوعية هو العالم والفيلسوف المجري " إمري لاكاتوش " Imre Lakatos (1922-1974)، الذي يؤيد النرعة الموضوعية في العلم .

    وفي عام 1962م قام " توماس كونThomas Kuhn  (1922-1996) "بنشر كتابه ( بنية الثورات العلمية)، الذي خصصه لدراسة العلم في أطر جديدة تقوم علي تقييم العلم من الناحية الاجتماعية، حيث لم يعول علي القوانين المنطقية التي قدمها دعاة الوضعية المنطقية في الفلسفة، ليس هذا فقط بل عارض كل المواقف التقليدية في فلسفة العلم، فهو يقول " لقد بحثت المناقشات التقليدية للمنهج العلمي عن مجموعة من القواعد التي سوف تتيح لأي فرد أن يحرص علي اتباعها أن يصل إلي معرفة صحيحة . وقد حاولت - بدلاً عن ذلك – التأكيد علي أنه بالرغم من أن العلم يمارسه أفراد، إلا أن المعرفة العلمية في حقيقتها نتاج جماعة . ولن تفهم فعاليتها المميزة ولا الأسلوب الذي تتطور به دون الإشارة إلي الطبيعة الخاصة بالجماعات التي تنتجها .

    وهذا البعد السوسيولوجي الذي حاول كون إدخاله في فلسفة العلم، جعله ينظر للنزعة الموضوعية في العلم في إطار القيم المشتركة للمجتمع العلمي، وهذه القيم ليست محددة ويختلف تطبيقها من فرد لآخر، حيث لا وجود لمشاهدة صرفة محايدة ، بل النموذج القياسي الارشادي العلمي هو الذي يجعل العلماء يرون الواقع بشكل خاص دون غيره. وعليه فإن النموذج الذي يختاره العالم هو الذي يجعله يعتقد أن بعض الأمور المشاهدة مهمة وأساسية وغيرها فرعي لا أهمية له. وبالتالي عندما تكون المعايير المتبناة للموضوعية تابعة للنموذج، عندها سوف لن يكون هناك أي معيار موضوعي وغير ذاتي لتقييم المعرفة. ومع أننا نستطيع الموازنة بين النظريات ضمن نموذج واحد، إلا أن تقييم النماذج والحكم على موضوعيتها أمر لا يمكن نيله والوصول إليه .

    ويشرح " كون هذا بقوله :" إننا لا نعتقد أنه لا توجد قواعد لا ستقراء النظريات الصحيحة من الوقائع، كما أننا لا نعتقد حتي أن النظريات – سواء أكانت صحيحة – يتم استقراؤها علي الإطلاق . وبدلاً عن ذلك، فإننا نري هذه النظريات بوصفها تخمينات مبدئية يتم ابتكارها ككل من أجل التطبيق علي الطبيعة ... ومن ثم فلن يتم – من منظورنا – ارتكاب خطأ عند الوصول إلي النظام البطلمي، ولذا من العسير أن أفهم ماذا يقصد سير كارل (يقصد هنا كارل بوبر) عندما يطلق علي هذا النظام بأنه خطأ" .

    إن هذا النص يبين أن العلم تحت النموذج القياسي الجديد لا يخضع لأية معايير تجريبية، كدرجة التأييد أو افتراض استقرائي ولا عن طريق التعزيز، وإنما يخضع هذا القبول إلي معيار ذاتي اجتماعي، أي لا بد أن يكون هناك اجماع بين العلماء وتعلق بهذا النموذج القياسي الجديد.

    وإذا انتقلنا إلي " بول كارل فييرآبند " Paul Karl Feyerabend (1924-1994)، نجد أنه قد تناول في فلسفته العلمية مشكلة الصدق والحقيقة الموضوعيين بالمناقشة والنقد، فليس ثمة صدق موضوعي أو حقيقة موضوعية في العلم، حيث أن الصدق نسبي من منطقة إلي أخري، ومن مكان إلي مكان، ومن شخص إلي شخص، ويهتم فييرآبند بالنسباوية الابستمولوجية التي تنكر أن تكون ثمة أفكار جديدة أو أشكال معرفية جديدة تفرض نفوذها علي التقاليد الأخرى، وتثبت أن هناك تقليد واحد هو الصحيح بحجة أنه موضوعي، ولهذا فإن فكرة الصدق الموضوعي أو الحقيقة الموضوعية، وإن كانت مستقلة عن الرغبات الإنسانية، إلا إنها يتم اكتشافها عن طريق التأثير الإنساني ... بالإضافة إلي أن النظريات العلمية تتفرع إلي إتجاهات مختلفة وتستخدم تصورات مختلفة وأحياناً غير قابلة للقياس، فأي من هذه المضامين المتعددة يوصف علي أنه دليلاً علي موضوعية نظرية ما؟ وأي منها يوصف علي أنه إجراء علمي موضوعي مناسب لها؟ إن الإجابة، لا يوجد، فكل هذا يعتمد علي الاتجاهات والحجج التي تتغير من وقت لآخر ومن جماعة بحث إلي جماعة أخري بحث أخري لاحقة لها .

    إن الفكرة المسبقة التي يعول عليها فييرآبند هي أن المعرفة تتخذ من من الاعتقاد المسبق أساساً تنطلق منه النظرية العلمية المكتشفة، كما تدخل فيها الذات الإنسانية بشكل أساسي . وهذا يؤدي إلي شيئين أو نتيجتين :-

    1- إستحالة الوصول إلي معرفة موضوعية تماما عن العالم المادي . وإنما تقوم معرفتنا للعالم نتيجة تدخلنا فيه بقدراتنا العقلية وآلاتنا ومقاييسنا وفروضنا المسبقة .

    2- إن معرفتنا عبارة عن تركيب عقلي Mental Construction تلعب فيه الذات دوراً أساسياً، وليست معرفتنا مطابقة موضوعية للوقائع .

    ومن هنا ذهب فييرآبند إلي أن العلم لا يتمتع بأي ميزة أو مكانة تجعله يتفوق علي الأنشطة والفعاليات الفكرية الإنسانية المختلفة .من هنا نراه يدافع عن المجتمع ضد كل الايديولوجيات، والعلم من بينها بل قل هو علي رأسها . وهو يري أننا يجب ألا نتعامل مع هذه الايديولوجيات باهتمام كبير أو نعطيها قدراً أو حجماً أكبر مما تستحق، بل ينبغي أن نقرأها كما نقرأ الحكايات الخيالية .

    ومن هذا المنطق والتوجة الفكري القائم علي ما بعد الحداثة عند فييرآبند، انطلق معظم مثقفي ما بعد الحداثة في معظم أقسام الانسانيات في الجامعات الأمريكية، يتبنوا فكرة أنه ليس هناك حقيقة مطلقة أو صادقة في ذاتها، بل إن الحقائق يصنعها المجتمع بجوانبه الثقافية المتعددة لأفراده . فليس هناك " حقيقة " يجب أن يقر بها الجميع، وليس هناك حق مطلق، بل الحقيقة تصنع عن طريق اللغة، وفي داخل ذهن الإنسان لوحده . وبالتالي فما يقال عن التقدم أو التطور الذي رافق " الحداثة " أو الذي تدعو إليه ليس إلا خرافة، وما يقال عن قدرة العقل عن اكتشاف الحقيقة إنما هو وهم . فالحقيقة لا تكتشف، لأنه ما ثم حقيقة أصلاً، وإنما الحقيقة " تخلق " ولاتكتشف، فالإنسان هو الذي يخلق حقائقه . فأفكارنا ليست إلا إنعكاساً للواقع بل قراءة له، وهي قراءة تتخذ صيغاً أسطورية وايديولوجية ودينية ونظرية، وكل منظومة متعقدية تعتقد أنها تمتلك الحقيقة وتميل إلي اعتبار كل ما يناقضها ويخالف حقيقتها أكذوبة أو خطا . إن فكرة الحقيقة هي المنبع الأكبر للخطأ، والخطأ الأساسي يقوم في التمليك الوحيد الجانب للحقيقة .

    إذن فمذهب ما بعد الحداثة يقوم في الجملة علي أفكار التشكيك واللا- واقعية والذاتية والنفعية والنسبية، حتي أضحي الأمر بأنه عندما يتهور أحد العلماء، ويلفظ كلمة " حقيقة "، فمن الأرجح أنه سيجابه من اللجاج الفلسفي يذهب إلي ما يشبه القول بأنه :" لا توجد حقيقة مطلقة . إنك تفترق شيئاً من نوع من الاعتقاد الشخصي عندما توعم أن المنهج العلمي، بما في ذلك الرياضيات والمنطق، هو الطريق المتميز إلي الحقيقة . هناك ثقافات أخري قد تعتقد أن الحقيقة هي ما يعثر عليه في أحشاء أرنب أو في هذيان متنبئ في نوبة خبل . إن ما يؤدي بك إلي تحبيذك لنوعك هذا من الحقيقة هو فحسب أن لديك إيماناً شخصياً بالعلم ".

    وليت الأمر وقف عند ذلك، بل رأينا بعض الدراسات النسائية في العلم في أقسام الانسانيات في الجامعات الأمريكية تنبذ دراسة المنطق ومناهج البحث لما لها من نزعة تحيز جنسي، حيث أن هناك نسخة أنثوية لذلك كشفت عنها بتمكن " دافني باتاي" و" نورييتا كورنج "، وهما مؤلفتا " ممارسة مساواة الجنسين : حكايات  تحذيرية من العالم الغريب لدراسات النساء "، حيث يقولا :" يتعلم الآن طلبة الدراسات النسائية أن المنطق أداة للسيطرة والمعايير القياسية ومناهج البحث العلمي لها نزعة تحيز جنسي ٍSexist لأنها لا تتوافق مع طرائق النساء للإدراك ... هؤلاء النسوة " ذاتيات " النزعة يكون مناهج المنطق، والتحليل، والتجريد " كمناطق أجنبية تنتمي للرجال "، هن " يعلين من قيمة الحدس كطريقة تناول أكثر أمناً وإثماراً للتوصل إلي الحقيقة " .

    وقد أعرب المدافعون عن العلم عن قلقهم إزاء موقف علماء الاجتماع والفلاسفة وغيرهم من الأكاديميين الذين يشككون في موضوعية العلم، وفي عام 1994 قام العالمين "بول ر. جروس Poul R.Gross  ( البيولوجي في جامعة فيرجينا )، ونورمان لفييت Norman Levitt ( الرياضي في جامعة رتكرز )، اللذين قدما في كتابهما " الخرافة الراقية – اليسار الأكاديمي ومعاركه مع العلم Higher superstition – The Academic Left and its Quarrels With Science، وفي هذا الكتاب أكدا المؤلفان بأن المجتمع العلمي كان منذ وقت قريب من القوة بحيث يمكنه تجاهل منتقديه – لكن لم يعد كذلك، فمع نقص التمويل المادي للعلوم يجب شجب كل الأتجاهات التي تدعوا لعدم صحة العلم، وذلك من خلال الوقوف ضد القوي المضادة للعلم. ومن هنا إنبري جروس وليفيت نحو تقديم  نقدا لاذعاً للبنيوية الاجتماعية ولدراسات العلم والنسبوية. ولم يكتفيا المؤلفان بذلك بل راحوا يقودان هجوماً مضاداً لدعاة ما بعد الحداثة ورأو أنهم لا يعرفون سوي القليل عن النظريات العلمية، حيث حدث سوء فهم للمناهج النظرية، كما أن قراءتهم كانت خاطئة ولم يكن لديهم الدليل والحجة .

    كما تعهد جروس وليفيت في هذا الكتاب بتحدي ما أسماه " صناعة أكاديمية جديدة "- النقد النسائي للعلم . لقد أكد هذان المؤلفان أن هذا الهجوم الذي يستند إلي ثقافة رفيعة ويعتمد أيضاً علي تخصصات ذات صلة بالمجال المعروف باسم "دراسات العلم" – إنما يشكك فيما إذا كان للعلم ادعاء شرعي للحقيقة والموضوعية . وقد كتبا عن معسكر الحركة النسائية يقولان :"إن الجديد كاسح : إنه يدعي الوصول إلي صميم أسس العلم الميثودلوجية والمفاهيمية والابستمولوجية " .

    ولقد لقي كتاب الخرافة الراقية إقبالاً منقطع النظير من قبل أصحاب الثقافة العلمية، حيث، وفي 1995، عقد مؤتمرا في مدينة نيويورك عام 1995 تحت عنوان " الرحلة من العلم والعقل " . وحدد المؤتمر خصائص العلم والعقل معاً وما يواجههما من تهديدات خطيرة مثل  الخلقوية العلمية  Scientific Creationism ، التي أخذت تزداد في أواخر تسعينيات القرن العشرين، حتى وصل الأمر إلى التحفظ على تدريس التظور في بعض المدارس والجامعات، أو المطالبة بتدريس التفسيرات الحرفية للكتب المقدسة على قدم المساواة، باعتبارها رؤية بديلة من حق الدارسين التعرف عليها . ولأن الدين لا يدرس في المؤسسات العلمية في أمريكا، فقد قام أنصار هذا الرأي بإضفاء لباس العلم على تفسيراتهم الحرفية، وأعطوها اسماً جذاباً : الخلقوية Creationism، معتقدين بذلك أنه يمكن تدريسها في مقابل التطور، مدعمين أن التطور ينفي الخلق ويتناقض معه . وهذا أمر غير صحيح، ودعوة إلى تدريس " اللاعلم " كعلم !!! .

    والذين حضروا المؤتمر انتقدوا النظرة الأنفعالية لـ  "جروس" و"لفيت" و"جيرالد هولتون والتي نجم عنها تضارب ثقافي بين العلماء الغير المتخصصين.والمثقفون في الدراسات الاجتماعية التي تتعامل مع العلم .

    ولم يتوقف هذا الأمر عند ذلك، بل وجدنا العالم " ساكان " من جامعة كورنيل، يؤلف كتاباً بعنوان " العالم الذي يسكنه الشيطان"،وقد اهتم ساكان أكثر بمن يعتقدون بوجود الأشباح وباختطاف الناس من قبل كائنات من خارج الأرض وبالخلقوية، وغيرها من الظواهر التي تناقض النظرة العلمية للعالم .

    وفي أوائل سنة 1996، عقد مؤتمر بعنوان " العلم في عصر المعلومات المضللة " قرب مدينة بافلو . وقد أعلن " ب . كورتز " رئيس لجنة الفحص العلمي لادعاءات الخوارق (CSICOP) الذي نظم المؤتمر قائلاً " إلي حد كبير، يفهم الناس العلم من خلال أجهزة الأعلام . ومن المفترض أن يحصلوه في المدرسة، لكن هذا ليس إجباريا في الكثير من الحالات . إن ثلث الأمريكيين يشاهدون التلفزيون أربع ساعات أو أكثر يومياً، وتبين أن معظم الناس يحصلون معلوماتهم العلمية من التلفزيون  ".

    وفي نفس العام كشف ألان سوكال النقاب عن أن مقاله له كانت تمثل محاكاة ساخرة قصد بها أن يفضح ما بعد الحداثة ويبين كم هي جوفاء، وهذا ما نكشف عنه عنه الآن .

     

    د. محمود محمد علي

    مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

     

    علي محمد اليوسفتعريف اولي: أراد فلاسفة الحياة نقد الميراث الفلسفي الاوربي لثلاثة قرون (1600م – 1900م)، التي كان يتسيّدها تياران رئيسيان في قطبين متضادين أحكما هيمنتهما على مدارس وتيارات الفلسفة الحديثة الاوربية على وجه التحديد منذ بداية القرن السابع عشر. هما الفلسفة المادية بكافة تياراتها وانشقاقاتها، في مناوئة القطب الثاني الفلسفة المثالية أيضا بكل تنوعاتها ومدارسها الفلسفية العديدة. وأن كنا لانعدم مثل هذا التفريق والتضاد في الفلسفة منذ بواكيرها الاولى في فلسفة اليونان (بارمنيدس× هيراقليطس) وما تلاها من فلسفات على أمتداد عصورتاريخية طويلة حتى يومنا هذا.

    أرادت فلسفة الحياة كما أطلقت على نفسها، أنتسابها بمواصفات وتوصيف البيولوجيا العضوية من حيث أبتعادها عن أدانة (حقيقة) لا توجد فلسفة لم تكن من أجل الحياة في مفاهيمها كتعبير فلسفي، أو طموحها تغيير الحياة كما في غالبية مدارس الفلسفة المادية لعل أبرزها الماركسية.، طرحت فلسفة الحياة نفسها  التوسط بين كل من الفلسفة المادية والفلسفة المثالية في رفضها المنطلقات الفلسفية لكليهما وليس محاولة التوفيق غير المجدي في سعي التقريب بينهما، وبدأت فلسفة الحياة من منطلق أدانتها ونقدها الفلسفة الكانطية التي أعتبرت في حينها تمفصّلا تاريخيا كبيرا في تاريخ الفلسفة وكما أستهدفت فلسفة الحياة نقد  الديكارتية العقلية أيضا.

    كما وأستبعدت فلسفة الحياة النزعة الميكانيكية في تبادل علاقة المادة بالفكر والعقل التي تأخذ به كلا من المادية والمثالية على السواء طبعا باختلافات جوهرية. وأتخذت فلسفة الحياة من مقولة أحد أقطابها برجسون :(هناك في الصيرورة أكثر مما هناك في الوجود )واجهة فلسفية تعريفية عريضة لها أنضوت تحتها أربعة مدارس مختلفة في تنوعات طروحاتها الفلسفية لكنها جميعها تجمعها العناوين:

    - مدرسة الدفعة الحيوية عند برجسون.

    - البراجماتية الامريكية والانكليزية

    - المذهب التاريخي عند دلتاي

    - فلسفة الحياة الالمانية.(1)

    أرهاصات فلسفة الحياة

    اولا: يعتبر كتاب الفيلسوف الالماني (باوخ) الصادرعام 1923م بعنوان (الحقيقة والقيمة والواقع) من أهم الكتب التي مهدت لظهور فلسفة الحياة. وأعتبر باوخ هذه المباحث الفلسفية الثلاث الحقيقة والقيمة والواقع أنما هي في حقيقتها أشكالية بحثية فلسفية واحدة بثلاثة وجوه حيث (أن الواقع يساوي الحقيقة، كما أنه من جهة أخرى هو القيمة).(2) ويرى باوخ أن جدل قوانين تشكيل الموضوع ليست ثابتة وأنما هي في حركة دائبة، وأن العالم المادي هو في تطور أيضا، وقوانين العالم الجوهرية التي تحمل أسم المثال أو الفكرة، أنما هي وحدة موضوعية للصور المنطقية الكلية اللانهائية.(3)

    يلاحظ في العبارات المقتبسة أعلاه مدى المراوغة التي يحاولها باوخ التمّلص والهروب من تأثير النزعة المادية الكلاسيكية على أفكاره الفلسفية، وكم هو مستفيد من الجدل الهيجلي والماركسي في أهمية الحركة والتضاد والحتمية التطورية الضرورية التي تلازم كل حراك في المادة والطبيعة والتاريخ.

    ثانيا: تعتبر فلسفة الحياة، أن المدارس والتيارات الفلسفية المثالية، تعامت عن أدراك التجريبيين أثبات المرتكزات التالية التي اعتمدتها فلسفة الحياة :

    - أن العقل يختلف أختلافا جذريا عن المادة ولا يمكن تفسير العقل بالمادة وأرجاعه لها.

    - القانون المنطقي والاخلاقي لا يمكن أن يقوم على عملية نفسية.

    - أن فعل المعرفة ليس مجرد أستقبال سلبي للانطباعات.(4)

    يمكنننا القول في مداخلة سريعة وتعقيب أولي، أنه بحسب فهم فلسفة الحياة يتوجب التفريق بين العقل والمادة ولا يجوز تفسير العقل بالمادة وأرجاعه لها.وهذا منطلق مثالي مقلوب يحاول الانقلاب على مثالية فلسفة الحياة في لبوسها مفردات المادية وهو ما تعتمده فلسفة الحياة تصريحا،أذا ما علمنا أن الفكرهو في حقيقته الوجودية مادة سواء أكان مادة تخليقية داخل العقل أو مادة تعبيرية عن الاشياء خارج العقل، والفكر قسمة مشتركة بين الوجود المادي للاشياء في الطبيعة والعقل .

    وسيلة العقل في أدراكه الاشياء والموضوعات أنما يكون من خلال أستقبال العقل لمعطيات الحواس، ومن ثم يجري تنظيم علاقات هذه المدركات وتخليقها مفاهيميا قبل أرتدادها من العقل في التعبير عنها فكريا – لغويا الى عالم الاشياء الخارجي.

    والقول هنا العقل في سمته وصفته غير الوظيفية البايولوجية، ليس مادة هو من قبيل فرزه وتمايزه عن واقع الاشياء بتخليقه معطيات الادراك الواصلة له دونما أن يكون جزءا عضويا مرتبطا بها خارجه أي في وجودها الخارجي المستقل في عالم الاشياء.، والعقل يختلف عن المادة في وجودها المستقل في الطبيعة، كونه عضو وظيفي خلاّق داخل منظومة أعضاء الجسم البايولوجية، نسبة لوجوده في أدراكه عالم الاشياء ماديا عن طريق الحواس والجهاز العصبي، بنفس وقت أن عالم الاشياء الخارجي لا يمكنه أدراك العقل، كمثل الاشياء في الطبيعة، بل هو يدرك ذاته اولا وفي قدرة أدراكه عالم الاشياء المستقلة عنه والتي لا تتشابه معه لا من حيث الكيفية العضوية ولا من حيث الوظيفة الادراكية التجريدية.اذن العقل هو مادة حيّة في كلا التعبيرين سواء كعضو في الجسم، او كحصيلة معرفية فكرية منتجة للواقع المدرك تخارجيا.

    ومادية العقل الفلسفية هي خاصيته في أنه يعقل نفسه ويعقل الاشياء المادية والفكر ويعبر عنها باللغة أو غيرها من وسائل ترجمة الافكار العقلية في توصيلها تداوليا الى عالم الاشياء.

    وأذا فرضنا العقل غير مادي من حيث الفكر وليس من حيث عضويته البايولوجية في جسم الانسان، وأن كان التفريق هذا غير دقيق، فكيف يتسنى لنا أدراك الاشياء بغير وسيلة العقل المادية؟ العقل يدرك ليس الطبيعية كموضوع او موجودات وظواهر وأشياء ، وأنما من خاصية العقل أدراكه العواطف والاحاسيس المجردة والانفعالات النفسية على السواء لكن بوسائل مختلفة متنوعة في تفرده عنها جميعا والا كان العقل لا يتسم بالثبات المادي في أدراكه معطيات كلا من المادة والنفس.

    كانط لم يكن مخطئا في أعتباره العقل يدرك الوجود في زمانيته – المكانية المتجانسة مع ثبات وسائل أدراكه في العقل والوجود.لأنه لم يجد له مخرجا في أدراك الاشياء زمانا سوى الاقرار بحقيقة أن ما يدرك مكانا يدرك في زمانيته أيضا ولا تفريق بين الزمان والمكان في ادراكهما الاشياء.

    العقل يدرك الاشياء في ثباتها مكانيا وفي صيرورتها زمانيا، الزمان الذي حسب كانط لا ينفصل عن أدراكه الاشياء مكانا في حيّز وجودي مكاني أو في حيّز مكاني – زماني بصفته موضوعا متخيّلا من صنع مخيال الذاكرة لا وجود عياني له في عالم الاشياء والطبيعة، والمدرك عقليا لا يدرك زمانا منفصلا عن أدراكه مكانا بل في تلازم الاثنين معا.بمعنى أن أدراك الشيء مكانيا زمانيا هو في حقيقته تعبير أدراكي واحد.

    وهذا ينطبق تماما مع الفلسفة المثالية بغض النظر أن كانت موفقة بها أم خاطئة قولها (أن فعل المعرفة ليس مجرد استقبال سلبي للانطباعات )،كما أنهم – فلاسفة الحياة -  يذهبون الى أن القانون الاخلاقي أو المنطقي لا يمكن أن يقوم على عملية نفسية.وهي مسألة تقبل من النقاش الطويل الوقت المفتوح في فلسفة علم النفس.

    وفي هذا أقرار واضح لا ينفع معه الالغاء المزاجي، في مواربة غير منطقية التغاضي عن حقيقة أن العقل يدرك المادة والاشياء في وجودها الخارجي المستقل، كما يدرك الاخلاق والمعارف والنفسية والانطباعات باختلافات هي من صميم فعالية العقل التنظيمية للادراكات جميعها وبمختلف تنوعاتها واساليب معالجتها في الرد عليها.

    والعقل ليس مادة عضوية أو وسيلة أدراكية ميكانيكية جامدة لا على صعيد العقل العضوي البايولوجي،ولا على صعيد العقل الفكري المجرد الفلسفي أو المعرفي (اللوغوس). بل أن العقل مادة عضوية داخل الجسم أن شئنا تعريفه علميا على أنه محتويات الدماغ، مادة عضوية في أرتباطها البايولوجي الحياتي بالانسان، ويكون وسيلة معرفية تجريدية أيضا في تعبيره عن الاشياء والمدركات بالفكر واللغة...والفكر ينوب عن العقل الادراكي ولا يتجاوزه في التفكير وأدراك الوجود...ولا فكر بدون مرجعية العقل الذي يعلو على الفكر واللغة لأنهما من تخليق العقل ووسيلته، وليسا سابقين على وجود العقل التخليقي والادراكي للاشياء ولا سابقين على وجود الاشياء في استقلاليتها خارجيا.

    العقل الذي يمنح الوجود المادي الطبيعي أدراكاته التخليقية يكون جزءا من ذلك الوجود المدرك تخليقيا بوسيلة الفكرواللغة فقط، ويكون متمايزا عن المدركات الوجودية في الواقع بالوظيفة و بخصائصه المادية الفسلجية.فالعقل يعطي الفكر واللغة ماديتهما ويكون متعاليا عليهما في الكيفية الوظائفية ومعرفة عالم الاشياء.

    والعقل المقصود هنا هو ليس حزمة الادراكات الحسية او الخيالية الواصلة لعقل فلسفي يروم أعطاء تفسيرات تجريدية لها، وأنما هو العقل العضوي البايولوجي في تركيبة الجسم الذي يدير كافة العمليات المادية في حياة الانسان اليومية، وكل منظومة الافكار الصادرة عنه.فالتفكير الذهني المجرد وكذلك الواقعي كلاهما من أختصاص العقل(الدماغ) في تخليقه منظومة ردود الافعال عن طريق المخ والجهاز العصبي وتخليق الافكار واللغة.وفي أستجابته توصيل مدركات الحواس سواء اكانت واقعية أو فكرية للمخ والاجابة عنها.

    العقل ليس مادة وحسب بل هوفعالية دينامية شغّالة تجعل من كل مدرك يقع تحت تأثيرها وأتمامها التحليلي للمدركات واقعية كانت أم خيالية. وأعطاء ردود الافعال تجاهها فتصبح هذه المدركات مادة أكتسبت حيوية تخليق العقل لها في وجودها خارج وصاية العقل عندما تكون في عالم الاشياء المستقل، ويخطيء بعض الفلاسفة ومنهم فلاسفة الحياة بأن وظيفة العقل تنحصر في تجميع حزم من الانطباعات النفسية ومعطيات الادراك التي يتلقاها ويقوم هو بربط العلاقات بينها ميكانيكيا فكريا فقط،وليس في مداخلة العقل التخليقية لها مجددا، والعقل هنا لا يقوم بخلق الاشياء في العالم الخارجي وأنما يقوم بتخليقها ثانية كوجودات تسبق أدراك منظومة الحواس والعقل لها في وجودها المستقل في عالم الاشياء.

    ترتبط بعلاقات لا حصر لها مع الطبيعة ووجودها معها بعد أتمام معالجة العقل لها وتعبير الفكر واللغة عنها..العقل تخليق للاشياء وليس خلقها بالفكر واللغة.بمعنى تغييرها وتحويلها من حالة طبيعية ووجود واقعي معين لآخر متجدد متحرك ومتغيروهكذا سواء في تدخل الانسان ماديا في تغيير الاشياء أو في تداخله مع معطيات العقل الصادرة عنه بالفكر واللغة.

    واذا أفترضنا جدلا أن العقل ليس مادة فاعلة وانفعالية في نوع من التخليق الجديد لمجمل مدركاته، فبأي وسيلة يمكن أدراك الاشياء في حالة من الحركة الدائبة والصيرورة الدائمية بحسب توصيف أصحاب فلسفة الحياة؟؟ سؤال أترك الاجابة عنه لأني لا أؤمن بغيرتفسير أن يكون العقل العلمي والعملي او التجريدي الخلاق مادة تتوّسل غيرها من الماديات وغير الماديات بتخليق عقلي جديد للاشياء . ويختلف العقل في ماديته أنه مادة غير ساكنة ولا محايدة ولا سلبية لأنها تمّثل طاقة كبيرة لا محدودة من الديناميكية الحية التي تتمايز بها عن الوجود المادي للاشياء في ثباتها الطبيعي المستقل قبل أدراك العقل لها.

    ماهو جديد فلاسفة الحياة؟

    أن فلاسفة الحياة يتقدمهم برجسون جميعهم (فعليون) ديناميكيا على نحو مطلق، أي أن منطلق فلسفتهم الحركة والتغيير والصيرورة الدائمية، ولا يوجد شيء يعلو الحركة وصيرورة الحياة. ويتغاضون عن المادة والوجود باعتبارهما من (فضالة) الحركة. أي أن المادة والوجود هما فائض الفعالية الحركية للاشياء والحياة التي هي حالة تطور مستمر ولا متناهي.ويتخذون من مقولة برجسون أن هناك في الصيرورة أكثر بكثير مما في الوجود، مجالا حيويا ديناميكيا في فهم الحياة واشكالاتها.كما أنهم يتصورون الواقع على نحو عضوي بمعنى أنه سلسلة من التغيرات البايولوجية في الطبيعة التي تطرأ على الانسان والتي تسري أحكامها على الوجود والطبيعة في تنوعاتها البيئيىة، وأرتباط الكائنات الحية وكل الموجودات في شبكة عضوية من التداخل الذي ينظّم الحياة والطبيعة والوجود الانساني المتعالق بهما. ويرون العلم أنه ليس آلة وأنما هو حياة عاملة فاعلة، وفلاسفة الحياة لا عقليون ويرفضون بشدة التصورات أي القوانين القبلية والاستنباطات المنطقية. ولا يعتمدون أن يكون المنهج العقلي هو منهج الفلسفة، وانما منهج الفلسفة هو الحدس والنشاط والفهم الحي للتاريخ. وفلاسفة الحياة ليسوا ذاتيين، ويؤمنون بوجود حقيقة موضوعية تتعدى الذات العارفة وتعلو عليها وتستقل عنها. (5)

    هنري برجسون 1889 – 1941

    لا يعتبرالفيلسوف الالماني هنري برجسون مؤسس فلسفة الحياة وأن كان من أبرز فلاسفتها،فقد سبقه فلاسفة عديدين ايطاليين وفرنسيين وألمان في هجومهم على الابتذال الميكانيكي الذي تقوم عليه الفلسفتان المادية والمثالية في مبحث  الوجود.وأن كان الغاء هذا الابتذال وبديله دخول مباحث الفلسفة نفق العدمية والتفكيك والبنيوية وغيرها من الفلسفات التي أقامت وأضافت فوق تجريدات الفكر الفلسفي تجريدات لغوية لا أول لها ولا نهاية في تضييع أهتمامات الفلسفة بالانسان.

    ويعتبر دي بيران أستاذ برجسون أبرز مؤسسي فلسفة الحياة. وأفاد برجسون كثيرا من المذاهب الفلسفية التطورية والنفعية في الفلسفتين الانجليزية والامريكية وفي الوقت الذي تأثر بفلسفة هربرت سبنسر ألا أنه مالبث أن انقلب على أفكاره تماما،محاولا أن ينفرد في أربعة مؤلفات كتبها في الفترة (1889- 1932)  يعرض نظريته فيها بالاخلاق وفلسفته الدينية، وأصبح أحد رواد الفلسفة الاوربية الجديدة في القرن العشرين، بعد نجاحه في الافادة من مزج آرائه الفلسفية بخيالات ولغة الادب صاغها برشاقة نال على أثرها جائزة نوبل بالادب. (6)

    وبنى برجسون فلسفة الحياة الهجينة المستمدة أصولها من ثغرات الفلسفتين المادية والمثالية وكذلك ملابسات فلسفة كانط وهيجل على السواء، والتي كان تناولها بالتشخيص وأدانها العديد من الفلاسفة قبل وبعد برجسون، ولم يكن له قصب السبق في هذا المجال حتى الربع الاول من القرن التاسع عشر تاريخ تبلور انبثاق فلسفة الحياة التي كانت اسهامات كروتشة الايطالي وبرنشفيك الفرنسي لها الباع الاعلى في بلورة مفاهيمها.

    أن مدلولات الفلسفة الهيجلية ومن بعدها الماركسية كانت تعج بها الساحة الفلسفية والخطاب الفلسفي السائد منذ القرن السابع عشر والثامن عشر منذ عصر ديكارت، وكانت مفرداتها بالحركة والديالكتيك والتطور التاريخي ومركزية العقل واعلاء شأن العلم وغيرها من أدبيات الفلسفات المادية والمثالية تملأ مجلدات من الكتب.

    ويمكننا تلخيص فلسفة الحياة عند برجسون من منطلق (أن خواص العالم هي الامتداد والتعدد والحتمية والسببية، وأن الاجسام تخضع لقوانين لا تتبدل)، وجديد برجسون باستثناء مصادرها المستّلة من أدبيات الفلسفة المادية الهيجلية والماركسية، تناوله العلم الطبيعي قائلا :( أن العلم الطبيعي لا يدرس الحركة ، وأنما هو يدرس المواقع المتتالية فقط، التي تقع فيها الاجسام، كما أن العلم لا يدرس القوى وأنما يدرس نتائجها ومعلولاتها، لذا فأن صورة العلم عن العالم تفتقد الحركة الديناميكية للحياة).(7)

    لو تركنا جانبا مغالطة برجسون في محاولته أدانة العلم على أنه يفتقد الحركة الديناميكية في تعامله مع الحياة، بتعميم لا يمتلك خصوصية التعامل مع العلم بروحية الحجّة المقنعة والرأي الصائب، وما قاله في الفقرات السابقة، أنما هو لا يتعدى توصيف تعميمي بعيد جدا عن منطق العلم، ولو أخذنا جانب التخصص في عباراته السابقة، لوجدنا فيها تلميحات تخص علم الفيزياء الميكانيكي بتعميم لا يحتمله العلم في تخصصاته التي لا حصر لها وليست مقتصرة على تعامل علم الفيزياء الميكانيكي بحركة الاشياء وانتقالاتها وتغيراتها المكانية، أنما كان رصد العلم لها زمانيا هو في قياس انتقالاتها المكانية فقط وليس الزمانية حسب أدانة برجسون الخاطئة للعلم.

    أن في أدانة برجسون العلوم الطبيعية في تعميم جزئية تخص الفيزياء على علوم الطبيعة ليست مسألة يمكن تمريرها والتسليم بها على أنها نقد فلسفي صائب للعلم، وأدانة العلوم الطبيعية على أنها غير قادرة على مواكبة انتقالات (القوى)،  لا يقلل من منجزات النهضة العلمية المذهلة التي حصلت منذ بداية القرن التاسع عشر.

    منذ بداية عصر الانوار وفتح منافذ التقدم العلمي على مصراعيه حتى وصل أعلى قممه في القرن العشرين، وجدنا كيف جعل هذا التقدم العلمي ألمذهل، من الفلسفة وآرائها تابعا يركض منهكا متعبا وراء منجزات العلم ومحاولة الاعتياش الفلسفي عليها،.ونمشي قليلا مع برجسون في قوله:(أما الزمان على النحو الذي يدركه العلم، فهو في نهاية المطاف مكان في الواقع، وحين يزعم العلم أنه يقيس الزمان، فأن الذي يقيسه بالحقيقة هو المكان). (8) ***لا أعتقد أن أحدا من الدارسين الف باء الفيزياء ينكر هذا. الزمان لايقاس ولا يدرك بغير استدلال مكاني ملازم له.

    أذا سلمنّا أن قول برجسون في تخطئته العلم صحيحة، فما هو رأي الفلسفة في آلية قياس الزمن والمكان؟؟ لا يوجد قياس فلسفي للزمان يعتمده العلم ولا الفلسفة. هنا لم يأت برجسون بجديد لا في رأي كانط الذي حاول تفنيده بعبارات فارغة ولا أستطاع النيل من مهمة العلم بذلك ايضا. تعبير برجسون في تداخل قياس الزمان والمكان في أدراك الاشياء، كان أوضحه كانط في مؤلفه الفلسفي ألهام نقد العقل المحض، بأن الذي يدرك من المحسوسات والذهن مكانا هو في ذات الوقت عينه يكون مدركا زمانا، لأن الزمان والمكان في الادراك الحسّي يتداخلان ولا يمكننا أدراك شيء في مكانه دونما أعتمادنا تداخل الزمان في أدراكنا له في ذات اللحظة أو الآنية.ادراك وجود الشيء مكانا يتم في قياس زمانيته ولا استقلالية مكانية لوجود غير موجود يقاس بغير الزمن.

    لا يوجد أدراك مكاني لشيء لا يداخله أدراك زماني، وكذلك لا يوجد شيء يدركه الزمان متعينا ماديا بمعزل عن أدراكه مكانا، باستثناء أدراكات العقل الخيالية لموضوعات مصدرها الذاكرة لا وجود مكاني عياني لها في عالم الاشياء والطبيعة الحية. ويكون الادراك الزماني متعالقا مع المكاني في تداخل معقد يجري بالمخ خياليا من حيث أن الادراكات اللاشعورية المتخيلة التخليقية للابداع تختلف عن أدراكات الشعور للاشياء في الطبيعة في تغييراتها المادية ظاهراتيا في ثبات جواهرها.علما أن الفلسفة المادية لا تعترف بوجود شيء(بذاته) فالوجود هو الظواهر فقط.

    الزمان في أدراكه الاشياء يكون لا ماديا ولا مدركا ولا حسيا ولا حدسا عقليا لوحده، والزمان قرين الوجود مكانا، والمدرك مكانا يعني أدراكه زمانا في نفس اللحظة المكانية المتداخلة زمانيا، والمدرك مكانا عقليا يعني بالضرورة أنه مدرك حدسيا زمانا، فالادراك المكاني لا يكون نافذا ولا صحيحا ومتعذّرا أيضا، الا في حضور أدراك الشيء زمانا من دون أن يستطيع الانسان التثبت من حدس الزمان بلا مكان يؤطره شيء يدرك واقعيا....ملازمة الزمان للشيء في مكانه ضرورة لأدراكه وبغير الزمان هذا لا توجد مدركات مكانية يمكن أدراكنا لها في تجريدها عن زمنها لأن في ذلك أستحالة وجودية، ولا يوجد مكان مدرك لا يلازمه زمان ، فالوجود مكانا هو وجود زماني في ومضة واحدة غير متاح التفريق بين الزماني عن المكاني فيها.والمكان هو الوجود في الزمن ولا مكان لوجود خارج الزمن.

    وقول برجسون بأن الذي يقيسه الزمان أنما هو قياس الشيء مكانا هو تعبير صحيح لضرورة موجبة في الممارسة الادراكية للعقل، لكنها لا تشكل أدانة للعلم في تقصيره قياس ألزمن منفصلا عن الشيء المدرك مكانا على حد تعبير برجسون، لأننا نكون بهذا نطالب العلم بأدراك أعجازي عقلي.

    فمثلا أنت لا تقدرأدراك وضعية يدك مكانيا في غياب زمن أدراكك لها، وحضور اليد لا تدرك مكانا ما لم يرافقها زمن محدد هو زمن أدراكها حسّيا، وليس وضعية مكانهافقط.

    فاليد التي يدركها الانسان موضوعة في جيبه لها زمنها ومكانها الخاصين المختلفين عن وضع اليد على الرأس أو على الطاولة أو اليد التي تمسك قلما أو التي تؤشر لشيء أوغيرها بما لاحصر له من الحالات.

    هنا يكون أدراك اليد زمنيا هو ألذي يعطيها أدراكا مكانيا والعكس صحيح أيضا.بمعنى أستحالة أدراك الشيء مكانا في غياب زمنه الذي يجعل من المدرك مكانا مدركا حسيا وعقليا.

    أننا لا يمكننا أدراك أي شيء مكانا من دون ملازمة الزمن أدراكنا له معا .وضع أي شيء مدرك مكانا يتم عبر آلية زمنية تقطعها معطيات أدراك حاسة واحدة أو أكثرفي حالتي ثبات الشيء أو في حركته.وهذا يعطينا أثباتا أن الشيء لا يدرك مكانا فقط في أستحالة غياب زمن أدراكه بل لا يكون موجودا من أساسه.ولا يكفي ولا يمكن أدراك شيء يتنقل مكانا من دون زمن يلازمه.حركة الشيء هي زمنه وليس تبديل وجوده وانتقالاته مكانا.المكان هو وجود لا يدرك لوحده في زمان مفارق له.

    واذا كانت الفلسفة مليئة بالاخطاء المتقاطعة مع العلم، فأن العلم ليس ملزما أّتبّاع سذاجة الفلسفة أغلب الاحيان.أن محاولة جعل أفكار الفلسفة سابقة على أفكار العلم محاولة عقيمة تشبه معالجة الفلسفة قضايا الميتافيزيقا قرونا طويلة بلا نتيجة.

    وكما نجح العلم في أفتراقه عن الاساطيروالسحر والاديان الوثنية وخلقه منجزات مذهلة كذلك من اليسير جدا أن يفترق العلم الحديث عن الفلسفة اذا ما وجدها تقف عائقا أمامه.أن العلم الحديث وضع الاديان والفلسفة في زاوية حرجة ، كما كان سبق له أن وضع الاساطيروالسحر والميثولوجيا عموما منذ عصورفي طي التخيّلات العقيمة.... والعلم أختط له مسارا مستقلا بعيدا عن الفلسفة بعد انفصاله عن الاديان،وأخذ يحقق المنجزات العظيمة.في وقت لا تزال الفلسفة تفتش لها عن مخرج ينتشلها من الوضع المحرج الذي تعيشه وسببه عدم قدرتها مجاراة العلم منجزاته  لا غير.

    خاتمة وتلخيص

    العلم لا يحتاج من يدافع عنه أمام موقف الفلسفة المتراجع باستمرار، وليس معنى هذا أن العلم والمعرفة لا يحتاجان الفلسفة بل المقصود أنهما كما يلتقيان في أمور عديدة يختلفان في بعضها أيضا.ولم نعش بعد اليوم الذي نجد فيه الفلسفة تسحب العلم خلفها بل نعيش العكس.أنه كما رفض العلم سطوة الدين عليه بالامس، يسحب اليوم الفلسفة وراءه .

    من المهم بيان التوضيح البديهي أن العلم مجموعة حقائق وليس مجموعة تصورات فلسفية تقبل الخطأ والصح، وليس العلم من السذاجة أنه ينقل انتقالات القوى على حد تعبير برجسون، انتقالات مكانية يحسبها زمانية. ولا يعترف برجسون أن مكان الشيء وزمانيته مظهران لحقيقة واحدة هي أدراكه وجودا.

    أن المدرك مكانا هو المرتكز الاولي في فهم وجوده وصيرورته وحركته ، والزمان ليس ضرورة أدراكية لكل وجود مكاني ومتحرك وحسب، بل هو الملازم الواجب لاعطاء مواضيع الصيرورة المكانية أدراكا منظّما يرتضيه العقل وتستقبله الحواس.ان ادراك الشيء في حقيقته هو في قياسه الزماني.

    وليس هناك من أفتعالية علمية أو فلسفية يريد أثارتها برجسون في وجوب فصل المدرك زمانا عن المدرك مكانا،فالمدرك مكانا هو مدرك زمانا كما أوضحناه سابقا، وليس العلم وحده كما يذهب برجسون وقع في مطب (الخطأ الساذج) الذي أكتشفه برجسون في أدانته العلم رصده انتقالات وقياسه حركات القوى مكانا ويعتبرها أدراكا زمانيا.وهذه حقيقة علمية لا يمكن دحضها بالفلسفة.فادراك الشيء في حقيقته هو في قياس زمنه وليس قياس حركته في اشغاله حيّز مكانه.

    كانط في القرن الثامن عشر أنتبه بذكاء عبقري لهذه الاشكالية التي وضعها في صياغة مثالية وهي مقبولة علميا في غياب الافضل منها، أن الادراك الزماني- المكاني للوجود لا يتم الا عبر (قالبي) الزمان والمكان باعتبارهما وسيلتي الادراك الحسي العقلي ، وهما وجودان ثابتان في العقل، ومعطيان سابقان على الوجود والطبيعة في الادراك.

    والزمان لا يدرك وجودات الاشياء من دون تعيّنها المادي في أشغالها حيّزا مكانيا، باستثناء أدراكات العقل لمواضيع الخيال، وملازمة الزمان للشيء ليس في سكونه الثابت وحسب وأنما في جميع حركاته، وانتقالات المكان لا تؤثر في أدراكات الزمان لها.ومن المهم التنبيه الى أن العقل لا يدرك الفراغ او العدم، فالمدرك زمانا هو الموجود مكانا أو المتخيّل ذاتيا، والشيء المتحرك ليس هو الشيء الذي يغادر المكان بل الذي يغادر زمنه الادراكي، فالمكان ثابت في أدراك العقل له وملازمته الامتلاء، وكل شيء بالطبيعة من أشياء تشغل حيّزا في المكان تبقى حركاته وانتقالاته مدركة مكانا وزمانا معا مهما تبدّلت مواقع المكان وكما أن الزمان لصيق الوجود كذلك المكان لصيق ذلك الوجود... والزمان يدرك الحركة على أنها شيء ثابت وليس شيئا متحركا، لذا يكون الثابت والمتحرك في الشيء الواحد سيّان في أدراك الزمان له.

    استحالة ادراك او حدس العقل وجود الاشياء مكانا، في تعطيل فاعلية الزمان،كون الوجود مكانا لوحده فقط أستحالة أدراكية، ويصبح وجود الشيء مكانا عدما لايمكن أدراكه لأنه فراغ أو عدم، والزمان لا يدرك  الحيّز الخالي أو الفراغ من الوجود المادي للاشياء، أي الزمان لا يدرك اللاوجود غير الموجود،والزمان لا يدرك فراغات المكان التي هي عدم غير موجود لا يمكن حدسه،الفراغ يدرك الأمتلاء فقط، بمعنى أن الزمان لا يدرك اللاوجود الذي لايحده المكان، كما أن الحواس لا تنقل احساسات اللاوجود أو العدم التي هي غير حقيقية لا في وجودها الواقعي ولا  في وجودها الافتراضي.

    كما أن ملازمة الزمان أدراكه الاشياء حسّيا عقليا،لا ينفي عن الزمان حقيقته الحدسية المجردة في أدراكه الوجود المادي للاشياء في الطبيعة، وغيرالوجود المادي المتخيّل عن الذاكرة، لكنه أي الزمان في كلا الادراكين وسيلة فقط، ولا يكون بذاته مادة او موضوعا للادراك لا من العقل ولا من الطبيعة ولا من الوجود المادي للاشياء، ولا من الخيال الفكري الذاتي، ولا حتى من العلم الفيزيائي الذي تأخذ مواضيعه كامل مداها المختبري التجريبي، الزمان لا يستطيع العلم جعله موضوعا تجريبيا كحقيقة علمية يمكن البرهنة عليها أو السيطرة عليها، والزمان لا يخضع لأرادة العقل وتنفيذ رغائبه، ويبقى قانونا من قوانين الطبيعة الفاعلة غير المسيطرعليه من قبل الانسان، والزمان هو حدس عقلي متعال على الوجود والطبيعة ولا يخضع لهما. وتبقى الطبيعة والانسان تحت رحمة الزمن ، ولم يكن الزمن تحت رحمتهما.

     

    علي محمد اليوسف /الموصل

    .........................

    الهوامش:

    * للمزيد حول الموضوع أحيل القاريء الى مقالتي المنشورة على موقعي المثقف وكوة، بعنوان (كانط وتجريده المثالي للوجود) تناولت فيها أشكالية تداخل الزمان والمكان في الادراك العقلي عند كانط.

    1- ا.م. بوشنكي/ت عزت قرني/الفلسفة المعاصرة في اوربا/سلسلة عالم المعرفة/ ص 142

    2- المصدر السابق ص137

    3- المصدر السابق ص 138

    4- المصدر السابق ص 140

    5- نفس المصدر السابق تلخيص ص142-ص145

    6- نفس المصدر ص144

    7- نفس المصدر السابق ص 147

    8- نفس المصدر السابق ص 145

     

    علي رسول الربيعياهتمامات مايكل فالزر الفلسفية واسعة، لكنها تتركز في الاهتمام بقضية العدالة. فالزر فيلسوف بارز في نشر أفكار الجماعاتية اليسارية ضد العقيدة الليبرالية المحايدة للنظرية السياسية المعاصرة، تظهر أعمال فالزر الفلسفية وكأنها كورس متناغم غني لكن مخالف ومعارض داخل خطاب أكاديمي متقلب وصارم في كثير من الأحيان. تعتمد حججه في كثير من الأحيان على قراءات حاذقة للتاريخ الثقافي، وتعتمد على مصادر متنوعة يعود بعضها حتى الى الحكايات التلمودية والأساطير الأزتكية، وتعبّر عن نوع بالغ الدقة في تفسير الثقافة السياسية القائمة التي دافع عنها لإنتاج عملٍ لأصيلٍ لمُنظّر محترف. أثارت المناهج والنتائج التي توصل إليها درجة من الخصومة بينه و بين أولئك الذين يتبعون استراتيجية محاججة مختلفة.

    تكمن الاهتمامات الديمقراطية وراء كل نظرية فالزر السياسية، لاسيما نظرية "المساواة  المركّبة أو المعقدة" التي دافع عنها في كتابه الأكثر شهرة والأكثر أهمية "مجالات العدالة"، الذي نشر في عام 1983.[1] بدت قناعاته عن الديمقراطية، في مواقع أساسية من هذا النص حيث يحاول فيه أن يتثبت أسس نظريته المحيّرة لبعض القراء، الذين يشتبهون أحياناً في أن هذا المنطق الذي يتبعه يشير الى اتجاه آخر. يزعم فالزر أنه قرأ "المنطق الداخلي" للعديد من الممارسات الاجتماعية، بدءاً من أنظمة القرابة إلى الرعاية الطبية. وبناء على تلك القراءات توصل الى فكرة أساسية هي أن جوهر الظلم الاجتماعي ناتج عن الهيمنة؛ عندما تؤثر خيرات مجال اجتماعي واحد على أنماط التوزيع الخاصة بمجال آخر: أي على سبيل المثال، عندما يقوم المال بشراء الأصوات في الانتخابات أو عندما تؤمّن  المكانة الاجتماعية وظيفة رفيعة المستوى.

    وبالتالي، فإن مفتاح العدالة الاجتماعية ليس مبدأ وحيد للتوزيع، أو حتى مجموعة واحدة من المبادئ، بل هو حوار اجتماعي معقد التفسير يتم فيه توزيع خيرات المجالات الاجتماعية المستقلة نسبياً بطريقة لا يهيمن فيها مبدأ توزيع مجال واحد على مجالات التوزيع في أماكن أخرى من المجتمع. قد يبدو هذا التركيز الواضح على مفهوم العدالة من قبل فالزر غريباً إلى حد ما بالنسبة لمنظّرين ديمقراطيين أكثر راديكالية، وعندما تصبح الأفكار الأساسية لصنع القرار الديمقراطي والخطاب السياسي النظري التعددي الذي تشير إليه أفكار فالزر حول العدالة الاشتراكية لا يُدافع عنه وغير محمي إلى حد بعيد. ومع ذلك، أثبتت نظرية فالزر عن العدالة أنها نظرية للديمقراطية الاجتماعية، في الوقت نفسه.

    جوهر هذا الاستنتاج هو الأهمية التي يعطيها فالزر للدور الذي يقوم به النقد الاجتماعي، فيرى أنه في مجتمع عادل معقد ومتطور يكون النقد الإجتماعي ضروري لمنع تحجره. ولا يصر على درجة عالية من المشاركة الديمقراطية، مثل بنيامين باربر أو وليام جالستون وغيرهم من المفكرين الليبراليين "الذين يعوّلون أو يستندون إلى الفضيلة"[2]  الإجتماعية في المشاركة، غير أن فالزر يفترض ضمناً أن مفهومه عن المواطنة الديمقراطية مشروط بفكرة أن النقد الاجتماعي هو شأن يخص الجميع. ويجب أن يظل ممكناً من حيث المبدأ لجميع المواطنين أن يتخذوا موقفًا نقدياً ومتشككاً لكنه بنّاءً تجاه الثقافة السياسية التي يشكلون جزءاً منها.

    الحياة والسياق الفكري

    وُلد مايكل لابان فالزر في مدينة نيويورك عام 1935 من عائلة منخرطة سياسياً وفي مجتمع من المفكرين اليهود المتطرفين. أكمل شهادة الدكتوراه في جامعة هارفارد عام 1961،  قام بالتدريس أول مرة في جامعة برينستون، لكنه عاد إلى جامعة هارفارد عام 1966 وبقي هناك كأستاذ للفلسفة حتى عام 1980. بعدها قام معهد برينستون للدراسات المتقدمة بإعادته إلى نيوجيرسي في ذلك العام. عمل محرراً لمجلة Dissent الاشتراكية منذ عام 1976، ومحرراً مساهماً في مجلة New Republic الليبرالية. وقام فالزر بردم الفجوة بين الكتابة السياسية الأكاديمية والشعبية، حيث وضع موضع التطبيق دعمه للنقد السياسي.

    يغطي عمل فالزر الأكاديمي مجموعة من الموضوعات والقضايا التي تتعلق بالدين والحرب والنظرية الاجتماعية. وأظهر في وقت مبكر التزامه بالسياسة الراديكالية والطريقة التي تتشكل بها المجتمعات من خلال جدلية العلاقة بين الاعتقاد والنقد. وقد ظل فالزر سواء في كتابات عن الحركات الدينية[3] أو في كراساته ذات المسحة العاطفية عن الممارسة السياسية،[4] مناصراً للديمقراطية كما وصف نفسه ذات مرة في العنوان الفرعي لكتَاب المقالات.[5] لم يكن متصالحاً مع النظريات السياسية السائدة أنذاك. كان اهتمامه الدائم هو كيفية التوصل إلى استنتاجات سياسية لعقيدة راديكالية، دون الصعود إلى العوالم الروحانية المتمثلة في الحق التجريدي أو الشمولي أو الانحدار إلى الماركسية غير المختبره أو غير المفحوصة. وكانت كتاباته السياسية تعبر عن موقعه في "المنطقة الوسيطة" حيث يجد نفسه معارضاً للفكرة الأخلاقية النموذجية لليبرالية: وهي أن جميع الأشخاص يحملون حقوقاً وبالتالي يمتلكون مطالبة متساوية بالموارد. فهذا النهج، كما يعتقد فالزر، يدمر التعقيد "الكثيف" لواقع المجتمعات من أجل البساطة النظرية، ويعرض بالمثل الأشكال الحقيقية للاستبداد التي قد تحدث عندما يتم تطبيق المساواة المجردة في أشكال بسيطة للغاية - أشكال تخفي أنواعاً مختلفة من التشويه في الثقافة السياسية.[6]

    لقد وصف فالزر نفسه بأنه ذلك الناقد الذي يلبي مطالب الانتقاد الثلاثة كما أوردها في كتابه عام 1989 بعنوان "المجموعة النقدية:" فالناقد يكشف المظاهر الخاطئة لمجتمعه؛ وكتب: "إنه يعبر عن أعماق شعور شعبه بالكيفية التي يجب أن يعيشوا بها؛ ويصر على أن هناك أشكالاً أخرى من الزيف والآمال والطموحات المشروعة على قدم المساواة." [7]

    ناقش فالزر فكرة الحرب العادلة. وسلّط الضوء على الفرق بين التورط في حرب ظالمة وبين معنى الحرب العادلة، وقد ضرب أمثلة كثيرة عن حروب أمريكا الظالمة في فيتنام وكوريا وماقمت به من عمليات سيئة سرية  التي كان جزء منها في جنوب شرق آسيا، وقد أصدر أحكامه هذه بالاستناد الى نظرية الحرب العادلة الكلاسيكية. وعليه رأى أن الأحكام الأخلاقية لنظرية الحرب العادلة أصبحت مهمة كفرع لمشروع أوسع للنقد الاجتماعي.[8]

    ويرى فالزر في مقدمة المبادئ الراديكالية، أنه على الرغم من ما تمثله دولة الرفاهية من انجاز سياسي هائل وما ولدته سياساتها في مجال العمل، الا أنها لا تنتج بحد ذاتها مجتمعاً من المواطنين. إنها تحملنا إلى ما وراء البنى الطبقية للمجتمعات البرجوازية ولكن ليس بعد الى المجتمع الاشتراكي.[9]

    كان فالزر نشطاً في عمله السياسي  خلال الستينيات من القرن الماضي لإحساسه باحتمالية أن يتجسد ذلك في حركات اجتماعية جديدة، لا سيما بعد بروز الاتجاهات الديمقراطية المتمثلة في مطالبات تحرير المرأة، والمساواة للسود. وكذلك بدت له أن الحركات التي تطالب بالديمقراطية التشاركية قابلة للتحقق في المدى المنظور.

    أعرب فالزر نفسه عن المخاطر فيما يتعلق بما أسماه "التمرد". وقال إن التمرد كان شكلاً من أشكال العمل السياسي الذي أثارته التناقضات التي تلوح في الأفق في مجتمعات الرفاهية الرأسمالية المتأخرة. وكما تقول إيريس ماريون يونغ: "بما أن النظام يحتفظ بالمُثُل الرسمية للديمقراطية، فكلما أصبحت المجالات الاجتماعية تحت نظر سياسة الدولة، زاد احتمال مطالبة الناس بمناقشة عامة هادفة لهذه السياسة.[10] "وفي هذا السياق، يقول فالتزر، التمرد هو المطلب الذي تتيحه الخدمات البيروقراطية أو يجعلها ممكنة، فبدلاً من الاستعاضة عن صنع القرار محليأ المطلوب هو العمل من خلال جدلية جديدة تسعى إلى جعل "المساعدة" البيروقراطية الاجتماعية نقطة بداية سياسة جديدة للمقاومة وتقرير المصير.[11]

    بطبيعة الحال، لم يتحقق العمل السياسي المتمرد بشكل كامل، وأصبحت التناقضات واضحة. وقد رأى فالزر أنه لهذه الأسباب وغيرها، تراجعت فكرة المشاركة وتفشى الاستياء من العمل السياسي وزادت مخاطر السلطة غير الخاضعة للمساءلة وبدأ التوتر بين الديمقراطية التشاركية والديمقراطية التمثيلية واصبح التوفيق بينهما بالغ الصعوبة لا سيما في الولايات المتحدة التي يهيمن عليها الليبراليون. فيرى يجب توزيع السلطة بطريقة أو بأخرى على مجموعات من المواطنين الناشطين والمهتمين، ولكن يجب أن يكون هؤلاء المواطنون أنفسهم مسؤولين أمام جمهور أكبر من الناخبين (عضوية الدولة أو الحركة أو الاتحاد أو الحزب). وليس هناك ما هو أكثر أهمية من تلك المسؤولية؛ فبدون ذلك، لن نحصل على هذا النوع من الناشطين.[12]

    مع بروز المحافظين الجدد في الثمانينيات، وهي حركة يرأسها راديكاليون سابقون ساخطون، كانت اشتراكية القديمة لفالزر لا تحظى بالتأييد. واصبح "الإنجيل الجديد" هو المنافسة في السوق الحرة في ظل حكومة محدودة التدخل في العملية الاقتصادية، ونتج عن ذلك انخفاض في البرامج الاجتماعية وكان ذلك هو الاتجاه السياسي السائد في البلاد ( أمريكا).[13]

    شهدت الثمانينات، في الوقت نفسه، نمواً غير مسبوق لسياسة "الهوية" في الثقافة الأمريكية. وبدأت الجماعات العرقية والإثنية والمجتمعية تحتج ضد الليبرالية الكلاسيكية التي يتبعها المحافظون الجدد. وكانت النتيجة استقطاب في الجدل الأكاديمي؛ اتخذ أولاً  شكل أنقسام نقاش طويل وصل الى طريق مسدود بين الليبراليين والجماعاتيين بمختلف أنواعهم.[14] وحدث الانشقاق الثاني والأكثر خطورة بين القوى التي تدعم شكلاً ما من أشكال الثقافة السياسية المشتركة،  عندما أنسحبت بعض هذه القوى لأنها رأت في هذه الثقافة نتيجة لهيمنة (مركزية البيض، أوروبيون، ذكور) فتنكر المفهوم العالمي للإنسانية.

    على الرغم من أن عمل فالزر يتسم بخصوصية جذرية في مايتعلق بالعدالة، إلا أنه لم يجد تأييداً لدى منتقدي النظريات الليبرالية للعدالة إلّا نادراً. وتشيد يونغ عن سبيل المثال، بفالزر لانضمامه إليها في رفض قبول النموذج الحاكم للعدالة الليبرالية، الذي يفضل التوزيع الثابت على العملية الديناميكية. ومع ذلك، فهي لا تعتقد أن فالزر يذهب بما يكفي  في رفض لغة عدالة التوزيع ( الليبرالية).[15]وانتقد آخرون فلزر لعدم كونه تخصيصياً تشخيصياً بشكل كافٍ.  قام بيتر أووبين، عن سبيل المثال، عند مراجعته كتاب فالزر  The Company of Critics، بتقريعه لتجاهل أصوات أمثلة نقدية كبيرة تعبر عن التذمر السياسي للمجتمع الأمريكي.[16]

    أبدى الليبراليون المحايدون والعالميون الاعتراض على  فكرة فالزر عن الخصوصية، أي الأفكار محوم بخصوصية سياقها وهذا خلاف فكرة الليبرالية عن عالمية المفاهيم. ويمكن جمع تلك الاعتراضات كما تلاحظ جورجيا وارنك تحت ثلاثة عناوين عامة.[17] يعترض النقاد الليبراليون أولاً، على فكرة فالزر حول المعاني أو القيم المبنية اجتماعياً، والفكرة التي ترتبط بها، أيً على أن مثل هذه المعاني تشكل أو تكوّن مجتمعاً. ويعتقدون بدلاً من ذلك أن أعضاء مجتمع سياسي معين قد لا يشتركون بأي تفاهم اجتماعي ويجادلون، ثانياً، أنه حتى لو كانت هناك معاني مشتركة في مجتمعات معينة أو جماعات محلية فإن تفسيرات فالزر لها "تعسفية ومغرضة" على حد تعبير جوشوا كوهين.[18] وأخيراً، ينكر الليبراليون بأنه يمكن أن تكون المعاني الاجتماعية، حتى لو تم الأشتراك بها وتفسيرها بشكل صحيح، بمثابة أساس "للمبدأ النقدي" أو نقطة الدخول الخاصة بالتفسير الاجتماعي والنقد التي تطالب بها مفاهيم فالزر. لقد ذهب كوهين إلى حد القول بأن مناهج فالزر التفسيرية تقوض في الواقع التزامه بالرؤية السياسية الجوهرية للاشتراكية الديمقراطية. أما بالنسبة لباقي النقاد أمثال نورمان دانيلز ورونالد دوركين، وارنك، فيخلصون إلى: إن أي محاولة لاستخلاص مبادئ العدالة من الطريقة التي يتفهم بها الفاعلون الاجتماعيون خير ومصلحة مجتمعهم هي إما فارغة أو محافظة، لأنها لا يمكن أن تتجاوز فهم المجتمع نفسه.[19]

    سأعود إلى هذه الاتهامات لاحقاً عندما يتم توضيح الخطوط العريضة للنظرية العامة لفالزر ومكانتها في الفكر الديمقراطي.

     

    الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

    .................................

    [1] M. Walzer, Spheres ofJustice: A Defence of Pluralism and Equality (New York, Basic Books, 1983).

    [2] B. Barber, Strong Democracy: Participatory Politics for a New Age (Berkeley, CA, University of California Press, 1984); and W. Galston, Liberal Purposes: Goods, Virtues and Diversity in the Liberal State(Cambridge, Cambridge University Press, 1991).

    [3] أنظر أطروحته للدكتوراه:

    The Revolution of the Saints: A Study in the Origins of Radical Politics (Cambridge, MA, Harvard University Press, 1965) and, more recently, a controversial reading of biblical scripture as profound political document, Exodus and Revolution (New York, Basic Books, 1985).

    [4] M. Walzer, Political Action: A Practical Guide to Movement Politics (New York, Quadrangle, 1971).

    [5] هذا الكتاب هو نسخة والزر من البيان السياسي الفكري ، وهو سلسلة من المقالات  ، نُشر معظمها لأول مرة في Dissent و New York Review of Books ، بعنوان "المبادئ الراديكالية: تأملات ديموقراطية غير معادة البناء" (نيويورك ، كتب أساسية ، 1980)

    [6] هذه اللغة التي تشير الى السُمك والنحافة تمر عبر العديد من أعمال فالزر. لا يرغب فالزر  في استبعاد فكرة المعايير العالمية ، أو الأفكار المهمة حول العدالة التي تولدها ، لكنه يريد إعادة اللغة الأخلاقية  للظروف والأحداث والتاريخ ذات الجذور المحلية إلى مكان مركزي في النظرية الاجتماعية. انظر M. Walzer، Thick and thin: Moral Argument in home and out (Notre Dame، IN، Notre Dame University Press، 1994).

    [7] Walzer, The Company of Critics: Social Criticism and Political Commitment in the Twentieth Century (New York, Basic Books, 1989) p.271 .

    [8] M. Walzer, Just and Unjust Wars: A Moral Argument with Historical Illustrations (New York, Basic Books, 1977).

    [9] called Radical Principles: Reflections of an Unreconstructed Democrat (New York, Basic Books, 1980}. p.9.

    [10] . M. Young, justice and the Politics of Difference (Princeton, NJ, Princeton University Press, 1990), p. 81.

    [11] M. Walzer, 'Politics in the welfare state: Concerning the role of American radicals', in Irving Howe (ed.), Beyond the Welfare State (New York, Schocken, 1982), p. 152.

    [12] M. Walzer, 'A day in the life of a socialist citizen', in his Radical Principles, p. 136.

     

    [13] الكتابات حول المحافظين الجدد واسعة النطاق. قدم كريستول لمحة عامة جيدة ، على الرغم منأنها تعبر  وجهة نظر معينة ،

    Kristol, Neo-Conservatism: The Autobiography of an Idea (New York, Free Press, 1995).

    [14] S. Avineri and A. de-Shalit (eds), Communitarianism and Individualism (Oxford, Oxford University Press, 1992) and S. Mulhall and A. Swift (eds), Liberals and Communitarians (Oxford, Blackwell, 1992).

    [15] Young, justice and the Politics of Difference, pp. 17-18.

    [16] .P. Euben, 'Review of Walzer's The Company of Critics', The New York Times Book Review (18 January 1989), 18.

    [17] G. Warnke, 'Social interpretation and political theory: Walzer and his critics', Philnsophical Forum, 21:1-2 (1989-90), 204-26.

    [18] See J. Cohen, 'Review of Spheres of justice', journal of Philosophy, 83:8(August 1986), 457-68.

    [19] Warnke, 'Social interpretation', p. 205. See also R. Dworkin, 'To each his own' (review ofWalzer's Spheres of justice), New York Review of Books (14 April 1983), 4-6; and N. Daniels, 'The roots of Walzer's relativism', APA Western Division Meeting, Chicago, 26 April 1985.

     

    زهير الخويلدي"أي شيء يستطيع العقل البشري تصوره والإيمان به، تتمكن الإرادة الإنسانية من تحقيقه"

    لقد دأبت السلطة على استغباء الشعب ونشر التفاهة واحتقار الفكر وحجب الحقائق عن الناس واستخفت بالعقل وحاصرته وزينت للجمهور الاستهلاك والتقليد ودعته إلى الرضوخ والاستسلام للعادات والسائد، غير أن الوعي الذي يشتغل داخل صخب الواقع وينمو في كنه الذوات المتحاورة يرفض هذه المواقف التافهة والمتحاملة ويدخل في اشتباك مع اليقين والتصديق القبلي ويتسلح بالتساؤل المفكك والشك المحير.

    في الواقع يختلف الاستعمال العامي للعقل من طرف الإنسان العادي عن الاستعمال العمومي له من طرف الكائن المفكر والخبير المحاسب والمثقف العضوي. فماهو العقل يا ترى؟ وما دوره في حياة الإنسان؟ هل له أدوار خاصة أم عمومية؟ وفيم تتمثل أدواره العمومية؟ هل يمثل العقل أداة جلب المصالح الجزئية وتحقيق النجاعة السياسية والاقتصادية أم مملكة الغايات وفضاء للحوار والتواصل والنقد؟ وماهي حدوده؟

    مفهوم العقل هو جوهر، وقوة فاعلة، وملكة معرفية  تحولت إلى ممارسة واعية للنقاش، وتجربة تواصلية بين الذوات المتحاورة. يمكن التمييز بين المعقول والمحسوس، بين العقل والذهن، بين العقل المحض والعقل العملي، وتحديد مفهوم العقلانية بوصفها مضادة للتجريبية، أما التعقل من حيث هو نشاط عقلاني فهو يسمح بالتطرق إلى المعقوليات المتعددة والمفتوحة في العلوم والممارسات الإنسانية الجديدة، ويجعل من بنية العقل تتطور وتتغير وفق تغير المعارف التي ينتجها. كما يحتكم العقل إلى جملة من القواعد والقوانين تجعله يتفق مع ذاته ويسعى للتكيف مع الواقع الخارجي. من هذا المنطلق تكمن قيمة العقل فيما يمنح الإنسان مرتبة إنسانية يتفوق بها عن بقية الكائنات، وتجعله يساهمه في تنظيم الفوضي وترتيب ضرورات الحياة وتحقيق السعادة. من اللازم إبراز الإنسان من حيث هو كائن عقلاني لأن العقل ميزة بشرية تساعده على التغلب على المشاكل والصعوبات في حياته وتنظيم علاقاته مع الآخرين واكتشاف العالم المحيط به. كما أن مطلب التفكير من خلال استخدام العقل بشكل منهجي هو طريق التفوق.

    البعض يعطي للعقل قيمة ثانوية جزئية يمكن استكمالها بملكات أخرى على غرار التجربة أو النص أو التاريخ أو اللغة ويؤدي أدوارا جانبية ومهام ترتيبية. ولكن الموقف الحاذق هو التعامل مع العقل في الحياة العمومية من حيث هو  قيمة أساسية كلية في المعرفة والوجود والتشريع والالتزام. والآية على ذلك أن العقل يقوم بدور تأسيسي مركزي ، وتتراوح الأدوار الخاصة للعقل بين الوثوقية والريبية بينما تتحرك الأدوار العمومية بين النقدية والتواصلية. من المرجعيات الفلسفية التي اشتغلت على العقل نذكر أفلاطون وأرسطو، ديكارت وهوبز وكانط وهيجل وماركس، مدرسة فرنكفورت: هوركايمر وأدرنو وهابرماس، سارتر وفوكو وريكور وغادامير. كما يختلف الاستعمال الأداتي للعقل الذي تتمثل في تحقيق جملة من المنافع الخاصة مثل كسب النجاعة والثروة والسلطة عن الاستعمال الغائي للعقل الذي يسعى إلى تحقيق جملة من الأهداف الكلية مثل التواصل والحرية والنقد والانتصار إلى القيم المدنية والسلم الأهلي. في الحياة الملموسة يكمن الاستعمال الثوري للعقل في إحداث التغيير الجذري في الواقع الموضوعي والقضاء على الجهل والتخلف وزرع قيم التحضر والتقدم والاحتكام إلى العقل التطبيقي بغية التغلب على المشاكل المادية. لكن ألم يقل سينيكا بأن "الصعوبات تقوي العقل كما يقوي الجهد في العمل عضلات الجسم"؟ فماهي العراقيل التي تمنع العقل من أداء مهامه الجوهرية؟ وكيف يمكنه أن يتعامل معها؟ ألا يجدر به أن يعقل ذاته ويسعى إلى تطوير نفسه؟

     

    د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

     

    علي رسول الربيعيطوّر الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس رؤية عميقة، ذات تأثير كبير في الفلسفة السياسية المعاصرة، تتعلق في المجتمعات الحديثة وتجمع بين الاعتراف بالتعددية وألتزام قوي بتحديد إطار عالمي للعدالة. قدم هابرماس وعداً فيأعماله بتحليل ومعالجة بعض المشاكل المركزية التي تواجه المجتمعات الحديثة. إنه يحاول إنتاج إطار للعدالة قادر على التأكيد على التنوع الأخلاقي والتفاوض بشأنه مع تقديم  تفسير لمبدأ شرعية القانون. تنظر هذه الدراسة في تفسير هابرماس للمجتمعات الحديثة  بأعتبارها مجتمعات تتصف بالتعددية ومحاولته معالجة ذلك من خلال  وسائل إجرائية.

    تقع قضية التعددية ضمن مجال أوسع من الأهتمام بالنسبة إلى هابرماس. فهو على  خلاف رولز لا يعالج "حقيقة التعددية" فقط.[1] بل يتناولها  في أطار شرعية الدول الدستورية الحديثة التي  تواجه مشكلة مزدوجة وهي: أولاً، هناك حاجة للأعتراف بالتعددية واستيعابها، وهو ما يعتبره هابرماس، إلى جانب راولز والعديد من المنظرين الليبراليين المعاصرين الآخرين، يستلزم إعطاء الأولوية لقضايا الحق الإجرائي على مسائل الخير الجوهري في التشريعات؛ ثانياً، هناك حاجة لأستعادة الأساس لشرعية القانون. هذا الاهتمام الأخير هو نتاج تحليل هابرماس للسمة المتعارضة للمراحل المتعاقبة لما يسميه الـ Juridification،[2] أيً الميل إلى زيادة القوانين المكتوب في المجتمعات الحديثة. أيً المراحل التي يمكننا فيها التمييز بين التوسع في الحقوق من جهة  وتعزيز هذه الحقوق من جهة أخرى. حيث يهدد دور القانون غير الشرعي باحداث تشويه في عالم الحياة داخل المجتمعات الحديثه، مما يقوض إمكانية حياة جيدة على هذا النحو، أيا كانت القيم المعنية في هذا السياق.

    تستلزم منا مناقشة هذه المشكلة المزدوجة أن نقوم بكشف تفسير هابرماس وتقييم كلاً من قوته  وخصوبته والحدود التي يقف عندها أيضاً، ويتطلب منا ذلك فحص الوصف الذي يقوم به  للمصادر الاجتماعية للتعددية وللنقد الذي يقدمه ولإعادته بناء شرعية القانون. يبدأ القسم الأول من هذه الدراسة:"  العقلانية والتعددية ومشكلة الاستعمار"، بالنظر في تفسير هابرماس للحداثة كحصيلة لعملية  ثنائية للتسويغ العقلاني تنتج في وقت واحد تعددية أشكال الحياة والتهديد بتشوه أشكالها. يوضح القسم الثاني: التعددية:" أولوية الحق على الخير والحاجة إلى تفسير إجرائي للعدالة"، لماذا يستلزم اعتراف هابرماس بالتعددية إعطاء الأولوية للحق على الخير في تفسير إجرائي محض للعدالة يستند إلى الافتراضات العامة للتواصل. ويبحث القسم الثالث:" العلاقة بين  القانون والديمقراطية: صياغة تفسير إجرائي لعدالة قادر على استيعاب التعددية"، في كيف يجيب تفسير هابرماس الإجرائي للعدالة ونظرية الخطاب الديمقراطي لمشاكل التعددية والاستعمار. إن إعادة  تفكير هابرماس في أسس الحق من خلال نظرية الخطاب تنتج تفسيرأً للأصل الديمقراطي للقانون، الذي يعتبره قادراً على تحقيق التوازن بين عالم الحياة والنسق أوالنظام( system)،[3] بالإضافة إلى التوسط بين الاهتمامات الأخلاقية المرتبطة بفهم محدد للخير والمبادئ الأساسية للعدالة، واستيعاب أفهام عديدة ومختلفة للخير في إطار للعدالة تقوم عليه الدولة الدستورية. ثم نختتم القسم الأخير أو الخلاصة:" التعددية داخل حدود العقل وحده" بالتفكير في نقاط القوة  وحدود هذا التفسير الذي يقدمه هابرماس.

    تجدر الإشارة بدايةً إلى أن هابرماس يصف المجتمعات الحديثة بأنها تعددية، لكنه لا يدعم سوى نمط من التعددية المقيدة أو المحدودة.[4] يعتمد تفسيره على فرضية أن هناك تسويغ عقلاني لتعدد مفاهيم الخير، فيعترف بالتعددية على المستوى الأخلاقي ليضعها داخل أطار عدالة اجرائية، وعالمية ايضا. لكن ألم يلاحظ هابرماس أن الاعتراف أو التسليم  الكامل بالتعددية من شأنه أن يؤدي إلى تفكك ادعاءه القائل: أن التفسير الأخلاقي  يمكن أن يستند إلى افتراضات عالمية للتواصل، واذا أستعملنا مصطلحاته، من شأن هذا التسليم أن يؤدي الى التراجع عن التقدم التاريخي للمجتمعات الحديثة وحركتها نحو الاعتراف بمعايير عالمية للعدالة. لا يتعامل هابرماس مع تعددية المجتمعات الحديثة عن طريق التخلي عن البحث عن هذه المعايير، ولكن عن طريق اقتراح تفسير يدعي أنه إجرائي بحت وبالتالي فهو محايد فيما يتعلق بالتفاهمات الجوهرية حول الخير العام والمصالح العامة.[5]

    أزعم، في هذه الدراسة، أن قوة عمل هابرماس تكمن في إدراكه للأسس التاريخية والاجتماعية والثقافية للتعددية وضرورة استيعابها وحمايتها. مع ذلك، فإنني أسعى أيضًا إلى إظهار أن محاولة هابرماس لإنشاء إطار إجرائي قادر على استيعاب التنوع ينتج عنه مجموعة من التوترات بين المثل التنظيمي للتوافق وواقع الصراع الاجتماعي والسياسي الفعلي، بحيث قد يهدد تفسيره الإجرائي بتقويض التعددية بدلاً من الأعتراف بها والحفاظ عليها.

    العقلانية والتعددية ومشكلة الاستعمار

    يقوم هابرماس، في "نظرية الفعل التواصلي"، بتطوير تفسير تطوري للحداثة كنتيجة لعملية مزدوجة من العقلنه.[6] وهي الأطروحة الاجتماعية الأساس التي يفسر بواسطتها شرعية المجتمعات الحديثة على أنها منظمة ضرورةً وفقًا لأولوية خطابات الحق على خطابات الخير. وضرورة إعادة صياغة الخطابات المتعلقة بالحق من أجل أن يكون هناك أساس شرعي مناسب للقانون.

    قاد تمييز هابرماس بين الفعل التواصلي و الفعل العقلاني الغائي الهادف تفسيره وتسويغه للعقلنة؛ حيث يتجه الفعل الأول نحو التواصل فيما ينحو الثاني بأتجاه النجاح.[7] يعيد هابرماس، ضمن هذا الإطار الذي يتألف من نوعين من الأفعال، صياغة تفسير ماكس فيبر عن عملية العقلنة المجتمعية، مقترحًا أن نفهم الحداثة بوصفها تكشف عن بعدين تطوريين منفصلين. يتوافق هذان البعدان مع مفهوم ذي مستويين للمجتمع ويشتمل على "عالم الحياة" والنسق أو "النظام"

    يرى هابرماس أن عالم الحياة هو مستودع المعتقدات الثابتة التي يعتمد عليها المشاركون في التواصل بشأن طرق التفسير.[8] ويتم هذا من خلال الفعل التواصلي الذي يخدم كمصدر خلفي للمعنى. وأن عقلنة عالم الحياة تؤدي الى أنهيار علاقات السلطة التي لم يرقى إليها الشك في السابق وتزدهر تعددية أشكال الحياة.  يرافق حضور هذه العقلانية اللغة المقدسة،[9] أو تقديم المقدس بقالب وصيغة لغوية تم فيها دمج الحقائق وبما يعد صحيحا وذو صلاحية في رؤية العالم[10] الميتافيزيقية، وتم " تحصينها" من النقد، فتقوم العقلانية بفصل ذاك الأندماج وفتحه  على التساؤل النقدي،  ممايضعها – أيً اللغة المقدسة- في حالة تضطر معها أن تلجأ  الى المحاججة العقلانية. مما ينتج عن ذلك حاجة متزايدة إلى اتفاق صريح على عدد متزايد من  الأهتمامات المتنازع عليها،أيً تزداد الحاجة إلى التبرير.[11]

    يشير مفهوم "النظام"، في المقابل، إلى تلك الآليات في المجتمع الحديث التي" أنفصلت" عن السياق التواصلي لعالم الحياة وتم تنسيقها من خلال الترابط الوظيفي عبر وسائط المال والسلطة. يتعلق اندماج النظام باعادة الأنتاج المادي للمجتمع ويتم تنظيمه بشكل أساسي من خلال إضفاء الطابع المؤسسي على الفعل العقلاني الغائي في الاقتصاد والدولة الحديثين. وفي مقابل، عالم الحياة، يمكن اعتبار عقلنة النظام زيادة في التعقيد البيروقراطي، وقدرته التوجيهية [12]

    يلعب تطوير القانون دورًا رئيسيًا في تفسير هابرماس لعقلنه النسق/ النظام  وعالم الحياة وفي علاقتهما. و يشرح بالتفصيل كيف يتم التمييز بين النظام وعالم الحياة من خلال عملية التدوين القانوني، بحيث تكون العلاقات "المنظمة رسميًا" هي العلاقات "التي صيغت في شكل القانون الحديث".[13] ويحصل هذا من خلال عملية من أربع مراحل بلغت ذروتها في إضفاء الطابع المؤسسي على دولة الرفاهية الديمقراطية. بدأت المرحلة الأولى من الميل إلى زيادة القوانين المكتوب في المجتمعات الحديثة وبإنشاء الدولة البرجوازية في ظل الأنظمة المطلقة لأوروبا. ينظم هذا احتكار السيادة المفروض من خلال الإكراه ويضع الحقوق والالتزامات التعاقدية للأشخاص كشرط للمشاريع الحرة في اقتصاد السوق. المرحلة الثانية، الدولة الدستورية البرجوازية، تنظم الحقوق الفردية في الحياة والحرية والملكية ضد السلطة السياسية للملك. المرحلة الثالثة، إنشاء الدولة الدستورية الديمقراطية في أعقاب الثورة الفرنسية التي أدت إلى التحرر السياسي. المرحلة الرابعة، التشريع، وهي مرحلة الرفاه الديمقراطي في القرن العشرين التي ضمنت الحريات والحقوق الاجتماعية ضد الدولة.

    يصف هابرماس هذه العملية بأنها  تعبر عن أحد أوجه "حرية ضمان التقاضي Juridification". ومع ذلك، فهو يشير إلى أن هناك "غموضًا في عقلنة القانون".[14] ناتنج عن التطور التاريخي لمطالبالحقوق التي أدخلت التعارضات وفسحت المجال لأستعمار محتمل لعالم الحياة.[15]تُعتبر المرحلة الأولى من التشريع، طبقاً لتفسير هابرماس، بمثابة إضفاء الطابع المؤسسي على "الوسيطين [المال والسلطة] اللذين تم من خلالهما تفريق الاقتصاد والدولة إلى أنظمة فرعية"،[16] أي شهدت هذه المرحلة فصل أنظمة الاقتصاد والدولة من عالم الحياة.[17]ويتم تصور المراحل الثلاثة الأخيرة بأعتبارها محاولات من قبل عالم الحياة لمقاومة العمل المستقل للدولة والاقتصاد: "عالم الحياة الذي تم وضعه في البداية تحت تصرف السوق والحكم المطلق جعل الخيرالعام مطلبه شيئًا فشيئًا".[18]

    في المرحلتين الأوليين من الولاية القضائية، تنظم الوظائف التنظيمية للقوانين أنظمة المال والسلطة وضمان الحرية. أما في المرحلة الثالثة، فيحضر التعارض أو تتمثل الأزدواجية ليس فيصيغة القانون، ولكن في تنفيذه،  أيً: تضمن الحقوق التشاركية الحرية، لكن التنفيذ البيروقراطي لهذه القيود يقيد عملية "تكوين الرأي العفوي وتشكيل الإرادة الخطابية".[19] في المرحلة الرابعة، تنشأ التناقضات من صيغة القانون نفسه لأن في هذه المرحلة، يحل القانون كوسيلة لإدارة الدولة محل سياقات التواصل للفعل من خلال تعويض نقدي/ مالي. وبالتالي فإن التنظيم المستقل لعالم الحياة مهدد بالميول الاستعمارية للنظامالذي ينشر شبكة من الوكلاء عبر مجالات الحياة الخاصة".[20]

    يعتبر هابرماس الآثار "المرضية" لهذه المرحلة الرابعة من الاختصاص القضائي كنتيجة للترشيد "الانتقائي" أو أحادي الجانب للعقلنة، حيث يقدم القانون كوسيط أو وسيلة لإدارة الدولة المال والسلطة في سياقات من عالم حياة الأنتاج الرمزي. تجلب دولة الرفاهية "عالمًا كاذبًا" من المال والسلطة إلى عالم الحياة وتنتج أشكالًا من نزعة  المحسوبية والخصوصية. يقوض الاختصاص المرتبط بدولة الرفاهية الأسس الهشة للتعددية في عالم الحياة من خلال إنتاج أحكام وقرارات  ثابته وغير مشروعة عن الخير العام، متغلبًا على الاهتمامات الأخلاقية للمواطنين. إن الشروط الخاصة بإمكانية توليد مواضيع أخلاقية قادرة على صياغة "حياة طيبة" تقوضها ضرورات النظام بحيث من البداية، والتناقض في ضمان الحرية وسلبها يرتبط بسياسات دولة الرفاهية".[21]

    يحاول هابرماس التعامل مع كل من ظاهرة التعددية وتشوه الحياة الناجمة عن الاستعمار من خلال وضع تفسير إجرائي بحت للعدالة تستكمله نظرية للديمقراطية الخطابية. وبالتالي يلعب  هذا دور الحل المزدوج: حيث يهدف هابرماس إلى توفير صيغة للتفاوض على النزاعات الناجمة عن تعدد منظورات أو رؤية العالم وتوفير أساس نظري لـ " خزان ديمقراطي" ضد النزعات الاستعمارية للأظمة الالزامية من خلال توضيح العلاقة بين تشكيل الإرادة الديمقراطية وسن القوانين المشروعة.

     

    الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

    ....................................

    [1] J. Rawls, 'Justice as Fairness: Political not Metaphysical', Philosophy and Public Affairs, 14 (summer 1985); J. Rawls, Political Liberalism (New York, Columbia University Press, 1993).

    [2] يرى هابرماس: يمكننا التمييز بين أربع عمليات قانونية عابرة: 1. للدولة البرجوازية، في زمن الحكم المطلق، 2. إلى الدولة الدستورية، في الملكية في ألمانيا في القرن التاسع عشر، إلى الدولة الدستورية الديمقراطية التي أعقبت الثورة الفرنسية في أوروبا وأمريكا الشمالية. 4. إلى الدولة الدستورية الاجتماعية والديمقراطية في أوروبا القرن العشرين. يمكن فهم Juridification بوصف يعبر عن التحولات الإضافية في التقنين بطريقة تجعلهم يتحملون تدريجيًا متطلبات السوق والحكم المطلق في عالم الحياة الذي كان في البداية تحت تصرف السوق. وبهذه الطريقة فقط يمكن أن تحصل الدولة البرجوازية على شرعية غير طفيلية تتناسب مع مستوى التبرير الحديث. في النهاية، يبقى عالم الحياة المتباين بنيوياً والذي تعتمد عليه الدول الحديثة وظيفيًا هو المصدر الوحيد للشرعية.

    [3] تدور حياتنا اليومية في مجالين متميزين: الساحة الاجتماعية التي تضم تفاعلاتنا مع المجتمع ككل، والمجال المهني والإداري الذي نعمل فيه و / أو نتفاعل فيه مع السلطة المؤسسية. يشير هابرماس إلى الأول باسم عالم الحياة والأخير كنظام.

    عالم الحياة هو العالم اليومي الذي نشاركه مع الآخرين. ويشمل هذا جميع جوانب الحياة ما عدا تلك المنظمة أو التي تحركها المؤسسات.، يشمل عن سبيل المثال  الحياة الأسرية والثقافة والتفاعلات الاجتماعية غير الرسمية. باختصار: إنه المجال الذي نعيش فيه معظم حياتنا الاجتماعية والشخصية. يعتمد عالم الحياة على  رأسمال من المعاني والتفاهمات المشتركة التي تمكننا من تنفيذ الإجراءات التي نعرف أن الآخرين يفهمونها. وبالتالي، فإن الإجراءات اليومية التي نقوم بها في عالم الحياة هي ذات طبيعة تواصلية بشكل عام.

    في المقابل، يشير النسق أو النظام إلى أنماط العمل الاستراتيجي المشتركة التي تخدم مصالح المؤسسات والمنظمات. يتم تشغيل إجراءات النظام أساسًا بواسطة المال والقوة. وبعبارة أخرى، يستخدم النظام المال والقوة والسلطة للتلاعب بالأفراد لتحقيق أهدافهم (أي أهداف النظام). هذه عموما لا تتزامن أو تتطابق مع أهداف الأفراد. يستعمل  مصطلح  الفعل الأجرائي  لوصف الإجراءات التي يتم من خلالها التلاعب بالأفراد بهذه الطريقة. من الواضح أن هذه الإجراءات مرتبطة بالإجراءات الاستراتيجية، لأنها تهدف إلى تحقيق غايات محددة، بغض النظر عما إذا كان هناك فهم مشترك يستند إلى الأهداف أم لا.

    [4] للحصول على استنطاق شامل لموقف هابرماس فيما يتعلق بالتعددية، والذي يعالج الأهمية المعرفية والسياسية لأفكار هابرماس، انظر

    Rescher, Pluralism: Against the Demand for Consensus (Oxford, Clarendon Press, 1993).

    هذا الدراسة لها أهداف محددة، تركز على توضيح التعددية  في مباني هابرماس وتحليل الطرق التي يحاول هابرماس من خلالها تفسير السياسة

    [5] J. Habermas, Between Facts and Norms: Contributions to a Discourse Theory of Law and Democracy, trans. W. Rehg (Cambridge, Polity Press, 1996). pp.445-6

    يقوم تفسير  هابرماس  على " فكرة  يعتبرها  جوهرية بشكل  عقائدي، وهي  فكرة  الأستقلالية " التي  تأخذ شكل قيمة  جوهرية  بالنسبة له، وهذا هو الشيء الذي يفصله بوضوح عن موقف  الذين يأخذون بالتعددية بشكل كامل، وقريبا منه  ما يسميه راولز " يمكن وصف حقيقة التعددية بأنها "خلاف معقول" ؛  وهذا ينطبق على موقف هابرماس.   فهابرماس،مثل راولز  يصف المجتمعات الحديثة بأنها تعددية.

    Kekes, The Morality of Pluralism (Princeton, Princeton University Press, 1993). C. Larmore, The Morals of Modernity (Cambridge, Cambridge University Press, 1996).

    [6] J. Habermas, The Theory of Communicative Action, Reason and the Rationalisation of Society, Vol.1, trans. T. McCarthy Cambridge, Polity Press, 1984); J. Habermas, The Theory of Communicative Action, The Critique of Functionalist Reason, Vol,2 trans. T. McCarthy (Cambridge, Polity, 1987).

    [7] Habermas, The Theory of Communicative Action, Vol.1, p.86.

    [8] Habermas, The Theory of Communicative Action, Vol.1, p.124.

    [9] Habermas, The Theory of Communicative Action, Vol.1, p. 141.

    [10] عن تفصيل مصطلح رؤية العالم أنظر:

    Naugle. David, Worldview, The History Of A Concept, Wm.B. Eerdmans Publishing Co, 2002.

    [11] J.Habermas, Between Facts and Norms: Contributions to a Discourse Theory of Law, , p.97.

    [12] Habermas, The Theory of Communicative Action, Vol.2, p.152.

    يُقصد أن التمييز بين عالم الحياة والنظام بقصد  تحليلي وليس موضوعيًا، انظر

    Habermas, 'A Reply to My Critics' in J. B. Thompson and D. Held (eds.), Habermas: Critical Debates (Cambridge, Polity Press, 1982).

    انتُقد  تمييز هابرماس بين عالم الحياة والنظام، على نطاق واسع ؛ انظر بشكل خاص:

    Fraser, Unruly Practices (Cambridge, Polity Press, 1989) and A. Honneth, The Critique of Power Cambridge, MA, Massachusetts Institute of Technology Press1991.

    [13] Haberrnas, The Theory of Communicative Action, Vol.2, p.357

    [14] Habermas, The Theory of Communicative Action, Vol.1, p.270.

    [15] قدم هابرماس نظرياته عن استعمار عالم الحياة استنادًا إلى منظرين كلاسيكيين، بمن فيهم علماء الاجتماع مثل فيبر ودوركهايم وبارسونز وميد وماركس. وهي "استعمار" البنية التحتية للتواصل في عالم الحياة من خلال المال والقوة. يعتقد هابرماس أن المشكلة الرئيسية في المجتمع لا تتمثل في كيفية السيطرة عليه، ولكن كيفية الحفاظ على الفعل التواصلي، معتقدًا أن المجتمعات أصبحت أكثر ضعفا أو "مستعمرة".

    [16] Habermas, The Theory of Communicative Action, Vol.1, p.385

    [17] Ibd. P.359

    [18] Ibid. p.364

    [19]   Ibd. P.364

    [20] Ibd. P.364

    [21] Ibid. p.361.

     

    علي رسول الربيعيقد لا يكون جان جاك روسّو خيارا أوّل لمن يريد البحث عن أمثلة للّيبراليّة الجمهوريّة، ومع ذلك تبقى فلسفته محلّ اهتمام أكاديميّ من قبل الباحثين.[1] إنً تصوّره لدين مدنيّ يكون المشرّع فيه قادرا على تغيير الطّبيعية البشريّة، بالإضافة إلى مقالاته التي تدور حول ترسيخ مبدأ السّيادة وبيان أنّ النّاس قد يجبرون على أن يكونوا أحرارًا قد وضعه خارج التّصنيفات اللّيبراليّة.[2] لذلك يرى بعض الباحثين أنّ هناك فلاسفة أكثر أهمّيّة من روسّو في التّعبير عن اللّيبراليّة الجمهوريّة مثل مونتسكيو، دي توكفيل وجون ستيوارت ميل، مع أنّه لم يضمّ أحد من هؤلاء عند تحليل العقد الاجتماعيّ الالتزام بالجمهوريّة إلى قيم المواطنة المدنيّة، على خلاف روسّو الذي كان يعتقد بضرورة التّأكيد على القيم اللّيبرالية في الأداة التّحليليّة، فقام بعرض أبحاثه بطريقة قيّمة وشيّقة. لقد جاءت التّعاقديّة الجمهوريّة عند روسّو متميّزة بتصوّر عدم التّعارض مع الوسائل اللّيبراليّة، فهو يعتقد أنّ هذه الوسائل ليست في تعارض تامّ مع الجمهوريّة. لذلك فإنّ كونتين سكَينر على حقّ في ملاحظة أنّ أغلب التّصوّرات الجمهوريّة الكلاسيكيّة قد تمّ استيعابها منذ مونتيسكيو فلم يعد من الممكن التّخلّي عن مفهوم الحقوق الفرديّة،[3]وأنّ فكرة العقد الاجتماعيّ تشجّع النّاس على التّفكير بالحكومة كضامن للحرّيّة والحقوق الفرديين؛ وأنّها تقدّم الوسائل لتعميق فهم الواجبات والخير العام والالتزام بها. فروسّو يشير في أبحاثه وبكثافة إلى أنّ استعمال وسيلة التّعاقد بهذه الطّريقة يتطلّب حصول تبادل المنافع بين أعضاء المجتمع السّياسيّ، وأنّ هذه التّبادليّة هي إحدى سمات اللّيبراليّة الجمهوريّة، وبذلك يكون قد أدرك الحاجة إلى أن يعي النّاس حقوقهم وواجباتهم المتبادلة، كما أدرك الحاجة إلى مساعدتهم على الرّبط بين تلك المصالح الخاصّة وبين الالتزام بالواجبات وبالخير العامّ، إنّه بتوسّل فكرة "الإرادة العامّة" يأمل اكتمال هذه الأهداف لتتعزّز باكتمالها المواطنة. وهناك الكثير ممّا يمكن تعلّمه من معقوليّة ومقبوليّة اللّيبراليّة الجمهوريّة وفلسفة روسّو السّياسيّة بعامّة سواء نجح الرّجل في مهمّة تقديمها أم فشل، لأنّها تظلّ محاولة جادّة يلزم لمناقشتها فهم المقصود بالإرادة العامّة في كتاباته، وامتلاك تصوّر وإن بشكل أوّليّ عن اللّيبراليّة الجمهوريّة. فمن التّحليلات المهمّة[4] التي تناولت صياغة روسّو لمفهوم الإرادة العامّة تحليل براين، وسأوسّـع هذا التّحليل بما يعرض تصوّرا يسعى إلى اقتراح معيار يلزم المجتمع بمعاملة جميع الأفراد بالتّساوي. يرى هذا التّحليل أنّ روسّو قد أكّد في رسالته إلى دالامبير[5] سعيه بالأساس إلى التّأسيس النّظريّ لنظام حكم يضمن بإعمال أخلاق "اللّيبراليّة" استقلاليّة المواطنين ضمن أعراف وتقاليد تُشْعِر بأنّ حقوقهم وواجباتهم متبادلة، وأنّ حرّياتهم ترتبط بأداء واجباتهم. وهو ما جعله يتصدّى بعد صياغة مفهوم الإرادة العامّة لإيجاد وسيلة كفيلة بحمايتها حتى وإن اقتضت تلك الوسيلة الإجبار في الأقصى، مادام تهذيب الرّغبات لتكون الأفعال مطابقة للإرادة العامّة ويكون النّاس أحراراً لا يمنع من اللّجوء إلى طرق أخرى.

    الإرادة العامّة وأخلاق الحرّيّة

    تقوم فكرة الإرادة العامّة على التّمييز بين مظهرين للفرد، فهي تعتبره إنسانا بالفعل من جهة، ومواطنا بالإمكان من جهة أخرى. وطالما هي تعتبر الفرد إنسانا فهي تعترف له بهوّيّة خاصّة وبمجموع المصالح الشّخصيّة التي يكتسبها بالتّساوي مع الأعضاء الآخرين بالمواطنة وبالعضويّة في المجتمع وفي الفضاء العامّ فيتقاسم معهم المصالح العامّة من أجل رفاهية المجتمع ككلّ، وبذلك يكون لكلّ شخص مصالح خاصّة بوصفه انسانًا ومصالح عامّة بوصفه مواطنًا.[6] فبعد أن ميًز روسّو بين الإنسان والمواطن قام بتمييز مماثل بين الإرادة الخاصّة التي تهدف إلى تحقيق المصالح الشّخصيّة والوجوديّة للفرد باعتباره إنسانا، وبين الإرادة العامّة التي تتعلّق بمصالحه كمواطن في علاقتها بمصالح غيره من المواطنين الآخرين من حيث إنّ هدفها هو الخير العامّ أو المصالح المشتركة بين كافّة أعضاء المجتمع. ومن ثمّة فهو يرى أنّ الإرادة الخاصّة تتّجه بحكم طبيعتها الأنانيّة إلى التّفضيلات الفرديّة بينما تتّجه الإرادة العامّة نحو المساواة.[7] ويعتبر أنّ الفرد يميل مع الأولى بشكل عفويّ إلى التّسليم بأسبقيّة مصالحه الخاصّة وإشباع رغباته الشّخصيّة، بينما يتّجه مع الثّانية نحو المساواة والتّسليم بضرورة احترام مصالح الآخرين والتّوافق معها إقرارا بما يقتضيه العيش المشترك في المجتمع من واجبات، فبتركيز هذه الإرادة على المصالح المشتركة بين الأفراد كمواطنين واهتمامها بالمصالح الفرديّة بشكل مجرّد فقطّ تكون غير متحيّزة بطبيعتها تكرّس المساواة بين جميع المواطنين. لنأخذ مثال السّارق الذي يجد مصلحة في استعمال مهارة السّرقة، فإرادة السّرقة عنده هي لإرضاء رغبات خاصّة، لكنّ الإرادة العامّة توجّه هذا اللّصّ المحتمل إلى طاعة القانون، وبذلك فهي تقتضي منه بوصفها إرادة المواطنة أن يفكّر كمواطن في المجتمع. وإذا فكّر على هذا النّحو كمواطن فإنه سيدرك أنّ عليه واجب احترام القانون، وسيدفعه هذا التّفكير إلى أن يتجاهل الرّغبات الوضعيّة في سبيل تحقيق الرّغبات الرّفيعة، وبذلك سيدرك أنّ القوانين الموضوعة ضدّ السّرقة هي لمصلحته أيضا. فالإرادة العامّة تقوم بنفس وظيفة حجاب الجهل عند راولز، فهي تجرّد أطراف العقد الاجتماعيّ من أغلب المعلومات حول هوّيّتهم الفردية[8]، فلا يعرف الأطراف من خلف حجاب الجهل هذا موقعهم الاجتماعيّ والاقتصاديّ، كما لا يعرفون وجهات نظرهم الدّينيّة أو الفلسفيّة ولا القدرات التي يمتلكون أو تلك التي تنقصهم ولا حتى أعمارهم، فيُجبِرهم ذلك على عقد يتبنّى وجهة نظر عامّة تفترض حياديّة أخلاقيّة، تعزّز بحسب روسّو مصالحهم المشتركة كمواطنين بدلاً من تعزيز مصالحهم الخاصّة كبشر. هناك إذن بعد أخلاقيّ للإرادة العامّة يُسْتَدْعَى كمقابل يوازن المصالح الأنانيّة مادام الفرد إنسانا مواطنا، واعتبارا لذلك يرى روسّو أنّه يتعيّن على الأفراد باعتبارهم مواطنين إعطاءها الأولويّة لأنّ من شأن ذلك أن يرفع ويكرّس المبدأ الذي يقود إلى ممارسة سياسيّة عادلة. ولأنّ الاعتناء بمصالح الأفراد كمواطنين يعين على الوصول إلى قرارات تعلي سلطة القانون وترسّخ احترامه عند صوغ السّياسات، والخلاصة أنّ روسّو يرى الأسبقيّة للإرادة العامّة على الإرادة الخاصّة في تـحديد السّياسات العامّة.[9] فهي بالنّسبة له قاعدة أخلاقيّة لا تُعطى الأفضليّة للمصالح الخاصّة، ومبدأ يضمن المساواة بين الأفراد بهدف أن تأخذ القرارات العامّة بالاعتبار وجهة نظر الفرد من حيث هو مواطن فقطّ. وهنا نلاحظ أنّ العقد الاجتماعيّ طبقًا لفلسفة روسّو السّياسيّة يرسّخ المساواة بين المواطنين ويلزمهم بما متّعوا به أنفسهم من حقوق وما ألزموا به أنفسهم من شروط على قاعدة "العقد شريعة المتعاقدين".[10]وهي فكرة تأسيسيّة مفادها أنّ تشريع القوانين وفق الإرادة العامّة هو من أجل مصالح الأفراد، فالقوانين المصادق عليها من خلالها تُعزّز وتحمي مصلحة كلّ فرد منهم بوصفه مواطنا. قد لا تكون هذه القوانين هي الخيار المفضّل لدى كثير منهم ولكنهّا مقبولة بالتّأكيد من طرف الجميع باعتبار مساهمتهم في صياغتها وإقرارها، ولأنّها تمثل من هذه النّاحية إذا ما استعرنا وصف باري ذلك العامل المشترك عالي الاتّفاق[11] بلجوئها إلى القوانين وليس إلى الأحكام القضائيّة والمراسيم من حيث إنّ القانون تجسيد للإرادة العامّة، وتعبير سياسيّ عن إدارة الشّأن العامّ، وقواعد تحكم سلوك كلّ عضو في المجتمع على خلاف الأحكام القضائيّة التي تعنى بحالات شخصيّة وخاصّة. تفقد الإرادة العامّة استقامتها وإرشاديّتها متى ما وجّهت لخدمة أهداف شخصيّة محدّدة فتكون الأحكام غير ذات صلة صحيحة بمبدأ العدالة وقواعد الإنصاف.[12] إنّ تدخّل الفرد من خلال كافّة صفاته الشّخصيّة الخاصّة يُفْـقِدُ المبدأ الموجِّه إرشاديّته حتما، ويكون من الأفضل في هذه الحالة ترك مهمّة حماية الإرادة العامّة وإنفاذ مبدأ الاستحقاق والجدارة للسّلطتين التّنفيذيّة والقضائيّة، على أن يترك الأمر بيد متلاعبين استبدّت بهم الأثرة فقدّموا خدمة مصالحهم الشّخصيّة متجرّدين بإيثارها من صفة المواطنة التي تجافي الأثرة وتقوم على مبدأ التّشارك والتّقاسم واحترام حقوق ومصالح الآخرين، ولأنّ فهم الإرادة العامّة وتطبيقها كمبدأ وآليّة في تدبير الشّأن العامّ يعني إعمالها دليلًا موجّها للقرارات. وهو ما يقول به روسّو في رأيه المتعلّق بالمجتمع السّياسيّ عندما تكون للأفراد الذين يشكّلون جماعة مصالح مشتركة بوصفهم أعضاء فيها فتتشكّل لديهم إرادة خاصّة قد تدخل في تضادّ مع الإرادة العامّة للمجتمع في كلّيّته، لذلك أعرب عن التّخوّف من أن يؤدّي تمسّك كلّ جماعة بإرادتها الخاصّة إلى الانقسام الاجتماعيّ وإلى الانحراف في ولاء النّاس للمجتمع والوطن عندما ينظرون إلى أنفسهم بوصفهم ينتمون لهذه الطّائفة أو تلك. وخلص إلى أنّه من الضّروريّ الحيلولة دون تحيّز الجماعات لمصالحها الذّاتيّة والخاصّة داخل الدّولة لكي يتمكّن كلّ مواطن من أن يعطي رأيه بوصفه مواطنا فقطّ، وأنّه عندما يحصل مثل هذا التّحيّز تصبح الإرادة الخاصّة لتلك الجماعات عائقا أمام الإرادة العامّة للمجتمع تنازعها الأولويّة والسّيادة، وبطبيعة الحال ليس لأجل هذا يصوّت النّاس ويشاركون في العمليّة السّياسيّة[13]. إنّه من خلال الرّبط بين الإرادة العامّة وبين مفهوم روسّو عن أخلاق الحرّيّة يتكفّل العقد الاجتماعيّ بإيجاد حلّ المشكلة الأساس بتوفير نوع من الملاءمة التي تحمي حرّيّة الفرد وتدافع عن مصالحه، وتبقي على وحدة المجتمع وتماسكه في نفس الوقت[14].

    في مواجهة النّظريّة

    واجهت نظريّة روسّو عن العقد جملة من الأسئلة والاعتراضات نورد بعضا منها كما يلي:

    ـ كيف يمكن لفرد يدخل في العقد ويخضع للقانون أن يكون حرًّا كما كان قبل العقد؟

    ـ كيف يمكن إكراه الفرد على أن يكون حرًّا بينما الحرّيّة تعني الغياب الفعليّ للإكراه؟

    ـ لم لا يـُسمح لأعضاء المجتمع السّياسيّ بالاستفادة من بعضهم بطريقة غير عادلة؟

    ـ كيف يبقى الفرد حرًّا كما كان قبل دخول العقد الاجتماعيّ إذا خضع لإرادة الأغلبيّة؟

    ـ كيف يكون المعارضون أحرارًا ويخضعون في الوقت نفسه لقوانين لا يوافقون عليها؟

    ـ كيف يمكن للمرء أن يكون أقلّ حرّيّة إذا عبّر عن رأيه؟

    وفي هذا الصّدد يميّز روسّو بين ثلاثة أنواع من الحرّيّة: الحرّيّة الطّبيعيّة، الحرّيّة المدنيّة، والحرّيّة الأخلاقيّة، ويرى أنّ الفرد الذي يدخل في العقد الاجتماعيّ إنّما يتنازل عن الحرّيّة التي تمثّلها الحالة الطّبيعيّة ليحصل في المقابل على الحرّيّة المدنيّة ويعطي الفرصة لنشوء حرّيّته الأخلاقية. ويرى أيضا أنّ الحرّيّة المدنيّة تضمن حقّ الملكيّة المُقَيَّد بالإرادة العامّة؛ وأنّ الحرّيّة الأخلاقيّة تقتضي الانتصار على الدّوافع الغريزيّة والخضوع للقانون لكي يمتلك الفرد ذاته ويعلن استقلاليّته التي يعبّر من خلالها عن نفسه[15]. فإذا زُوِّدَ النّاس بمعلومات كافية عند الاجتماع لصياغة القوانين، وإذا سُمحَ لهم بالتّشاور فسيقـترعون كمواطنين، وسيؤيّد اقتراعهم الإرادة العامّة ليُرَسِّخَ القوانين التي وضعوها لأنفسهم، بالتالي سيكونون أحرارًا عندما يخضعون لها، لأنّ طاعتهم للقانون وخضوعهم له سيحفظ لهم حقوقهم.

    لقد كان رأي روسّو هذا محاولة جديرة بالاهتمام تسعى إلى إحداث التّوازن المطلوب بين الفرد والمجتمع، بين المصالح الخاصّة والمصلحة العامّة، بين الحرّيّة وسلطة القانون، ومحاولته هذه تبيّن الارتباط الوثيق بين الحرّيّة وسيادة القانون. فأخلاق الحرّيّة تتحقّق عنده كما عند كانط[16] من خلال الخضوع الطّوعيّ لقوانين شرعها الأفراد بأنفسهم لأنفسهم، فالحرّيّة الطّبيعيّة لا تراعي أيّ قيود بينما الحرّيّة الأخلاقيّة تفرض قيودا ذاتيّة. ولأجل صوغ قوانين تضبط السّلوك وتعدّله كان من اللاّزم والضّروريّ أخذ الغرائز، الحاجات، والظروف بعين الاعتبار، علما أن الاقتصار على إشباع الغرائز وحدها ليس حرّيّة وإنّما هو عبوديّة، وأنّ الأخلاق ومراعاة الضّمير كقيد ذاتيّ شكل من أشكال التّعبير عن حرّيّة الفرد وعن استقلاليّة تجعل منه سيّد نفسه وقراره.[17] فالحرّيّة الأخلاقيّة تعني إذن تحكّم الفرد بذاته على نحو يحفظ له استقلاليّة تدفعه إلى التّصرّف كمواطن له حقوق وعليه واجبات. لأنّ في حالة الطّبيعة يكون الإنسان حرًّا بمعنى واحد يخضع فيه لدوافع الغريزة، بينما يستمتع الأفراد في مجتمع العقد الاجتماعيّ كمواطنين بأنواع مختلفة من الحرّيّات تتيح لهم التّعامل مع الآخرين بتعاون يحكمه القانون. من هذا المنظور يُفهم العقد الاجتماعيّ أو الإرادة العامّة كمبدأ قريب من مقولة الأمر الكانطيّة ويمثّل الوجه اللّيبراليّ لفكر روسّو السّياسيّ، فهو يسوّغ السّلطة ويبرّرها من خلال إبراز قدرتها على التّوفيق بين ما يسمح به الحقّ مع ما تتطلّبه المصلحة حتى لا يكون هناك تعارض بين العدالة والمنفعة[18]، ويأخذ بالاعتبار دور الفرد في تنظيم عقد يطيع من خلاله نفسه لكي يبقى حرًّا كما كان قبل العقد[19]، ويضفي على السّلطة السّياسيّة كلّ الشّرعيّة عندما تكون الإرادة العامّة فاعلة على نحو يخضع معه المواطنون للقانون فيحكمون أنفسهم. هكذا يربط روسو الاستقلاليّة بالسّلطة السّياسيّة، وأخلاق الحرّيّة بالواجب السّياسيّ. قد يبدو هناك تناقض فيما يقترح العقد الرّوسويّ من علاقة بين الحرّيّة والواجب عندما يقول بإكراه الفرد على أن يكون حرًّا حيث يمكن اعتباره نوعا من الكلّيانيّة أو الشّموليّة، إذ كيف يمكن إجبار الفرد على أن يكون حرًّا والحرّيّة هي غياب فعليّ للإكراه؟ ولعلّ في حديث روسّو عن الحرّيّة الأخلاقيّة عندما يُجْبَرْ الفرد ذاته على طاعة قانون وافق عليه شيء من الجواب عن هذا التّساؤل مع أنّه لا يكفي لنقض كافّة الاعتراضات بهذا الخصوص. كما أنّ في تمييز الإرادة الخاصّة عن الإرادة العامّة جوابا عن التّساؤل حول وجوب إجبار الفرد على طاعة قانون وافق عليه. ذلك أنّ الإرادة الخاصّة لفرد ينتهك القانون بالاحتيال على دفع الضّرائب مثلًا تكون في صراع محتمل مع الإرادة العامّة باعتباره مواطنًا، فقد يرى الفرد المحتال أنّ ما يشترك به مع الآخرين هو مساهمة طوعيّة منه، وأنّ التّقصير بأدائه حتى وإن سبّب بعض الضّرر للآخرين إلاّ أنّه سيكون أقلّ تأثيرًا عليهم ممّا يلحق به من الأذى عند دفع الضّرائب: إنّه يرغب في التّمتّع بحقوق المواطنة دون أداء واجباتها.[20] فإذا خضع لإرادته الخاصّة سيكون فعله مناقضًا للإرادة العامّة بوصفه مواطنًا[21]، وستكون الإرادتان في صراع لأنّ الفرد المحتال يسعى إلى التّمتّع بمنافع النّظام الاجتماعيّ المتمثّلة في حقوق المواطنة في وقت يتملّص فيه من الالتزام بقواعد ذلك النّظام ومن الواجبات التي يستلزمها، إنّ انتشار هذا النوع من الظّلم سيفضي كما لاحظ روسّو إلى انهيار الجماعة السّياسيّة وغياب النّظام. لذلك، وحتى لا يكون الميثاق الاجتماعيّ مجرّد صيغة شكليّة بدون فاعليّة لا بدّ من أن يتضمّن الإلزام الذي يسمح للجماعة السّياسيّة بالمساءلة، ويشرّع لها محاسبة من يأبى الخضوع للإرادة العامّة لأجل إرغامه على أن يكون حرًّا. فالالتزام هو ما يضمن للمواطن شرط الاستقلال الذّاتيّ ويضفي الشّرعيّة على العقود المدنيّة، وبدونه تكون العقود عرضة لأعظم المساوئ.[22] وتفترض هذه الرّؤية اعتبار المجتمع السّياسيّ مشروعا للتّعاون، فهي تعتبر المواطنة ثمرة للمشاركة في أداء الواجبات، وتقترح لمواجهة نقض الالتزامات وكلّ إخلال أو تقصير في القيام بها صيغا تشجّع النّاس على الوفاء بها، وتحفّزهم على احترامها بوصفهم معنيّين كمتعاقدين وإلاّ فلا ضمان لسيادتهم على أنفسهم إذا لم تتوفّر تلك الوسائل والآليّات التي من شأنها ضمان وفاءهم وإخلاصهم.[23] ومن ثمّة يكون على أولئك الذين يريدون التّمتّع بالحقوق والتّملّص من أداء الواجبات، ويرغبون في الاستفادة من منافع المواطنة دون المساهمة في توفير وسائلها أنْ يُجبَروا على أن يكونوا أحرارًا فربّما كان التّهديد والإكراه ضروريًّا لإنفاذ شروط العقد وحماية الوفاء بالالتزامات، ولأنّه إذا تزايد عدد المتملّصين بفعل إغراء التّهرّب فسيُواجِه المجتمع خطر الانهيار. يتحدّث روسّو في العقد الاجتماعيّ عن الحرّيّة معتبرا أنّ الدّولة العادلة هي دنيا الحرّيّة ومملكتها لأنّها تضمن الحقوق بالتّساوي وتحميها، ويشير في معرض ذلك إلى أنّ فردا يقبل الخضوع للقوانين طالما كانت لصالحه ثمّ ينتهكها عندما تتعارض مع مصلحته الشّخصيّة إنّما يدمّر بانتهاكها مملكة الحرّيّة، ففعله يهدّد أخلاق الحرّيّة فضلًا عن اعتدائه على حرّيّة الآخرين. لذلك يرى للمجتمع حقّا في إجبار أولئك الذين يتسلّقون ظهره لقضاء مآربهم ولا يقومون بما عليهم من واجبات لحفزهم على التّصرّف كمواطنين وفقًا لإرادتهم المؤسّسة للعقد ليكونوا أحرارًا.[24] وهذا ممّا يمكن اعتباره رّدّا يدفع شبهة الاعتراض على الإجبار بينما يتذرّع بالحرّيّة ليطالب بالسّماح لأعضاء المجتمع السّياسيّ بالاستفادة من بعضهم البعض بطريقة غير عادلة!

    إنّ العقد الاجتماعيّ عند روسّو هو اتّفاق جماعيّ ملزم بالتّعريف، ينشئه أفراد ولدوا أحرارا تعبيرا عن إرادة عامّة تنبني في سعيها إلى الملاءمة بين الحقّ والمصلحة، وبين الحرّيّة والواجب على قاعدة الأغلبيّة كآليّة متّفق عليها بإرادة حرّة ومؤسّسة لحظة الإنشاء. والعقد من حيث هو تعبير عن إرادة الأفراد المنشئين له لا ينفي الحرّيّة، فالفرد بصفته مواطنا يظلّ حرًّا بالانتصار على الدّوافع الغريزيّة لديه، وبالخضوع الطّوعيّ للقانون الذي يمتلك من خلاله ذاته ويعلن بطاعته استقلاليّة تجعله يستمتع وعلى نحو أفضل بالحرّيّة المدنيّة والحرّيّة الأخلاقيّة التي تمكّنه من أن يتعامل مع الآخرين بتعاون واحترام، وهو ما يجعله سيدًا على نفسه، لا يحق لأحد أن يـُخضِعَهُ دون موافقته.[25]. وعلى أساس هذا التّصوّر للعقد الاجتماعيّ فإنّ قاعدة الأغلبيّة لا تثير أيّة مشكلة حينما يـُحرز القرار تصويت الأغلبيّة فيُصبح ملزما للجميع، سواء المؤيّدين منهم أو المعترضين أو المقاطعين.[26] لأنّه "عندما يتمّ اقتراح القانون في الجمعيّة التّشريعيّة لا يُسـأل الأعضاء عمّا إذا كانوا يؤيدون الاقتراح أو يعترضون عليه، ولكن يسألون عمّا إن كان هذا القانون يؤكّد ويؤيّد الإرادة العامّة أم لا، فيُعرب كلّ عضو عن رأيه حول ذلك بالتّصويت، ويُستَخْرَجْ القرار المعلن عن الإرادة العامّة بحساب مجموع الأصوات".[27]

    وأعتقد أنّ هذه الفقرة تقدّم تمييزًا مهمّا بين الإرادة العامّة كمبدأ والإرادة العامّة كسياسة على الرّغم من أنّ هذا التّمييز غير واضح في كتابات روسّو، ذلك أنّ الإرادة العامّة تظهر كمبدأ يجب أن يعمل كلّ فرد وفقًا له بوصفه مواطنا من خلال القانون المقترح في الجمعيّة التّشريعيّة، وتتكشّف كسياسة محدّدة بحساب الأصوات المؤيّدة واستيفاء النّصاب. ومن ثمّة فإنّ الإرادة العامّة لا تتعلّق بالتّصويت لأنّ المبادئ لا تُكتَشَف بالتّصويت، وإن كان التّصويت آليّة ضروريّة للاختبار لا يمكن في الغالب تحقّق الإرادة العامّة بدونها.[28] ولولا الفرق بين الإرادة العامّة كمبدأ وبين السّياسة التي تشتغل وفقًا لذلك المبدأ، لما احتاج روسّو لمناقشة مسألة التّصويت بالقول: "عندما يناقض الرّأي العامّ الرّأي المفضّل عندي فإنّ ذلك يثبت أنّني كنت على خطأ، وما تصوّرت الإرادة العامّة ليس كذلك، وإذا تغلّبت إرادتي الخاصّة أكون قد قمت بشيء آخر غير الذي كنت أريد". فمع التّسليم بأنّه لو فشل النّاس كافّة في إدراك السّياسة التي تتلاءم مع الإرادة العامّة،[29] فإنّ السّؤال هو: "لماذا يكون خطأ رأي الأغلبيّة أقلّ احتمالًا من رأي الأقلّيّة أو رأي الأفراد المنعزلين؟" فمن الممكن أن يكون الشّخص الواحد على حقّ بينما يكون الآخرون مخطئين، لكن إذا أخذنا بافتراضات بيري فصحّة رأي الأغلبيّة أكثر احتمالًا من صحّة رأي الأقلّيّة[30]، يظهر هذا عندما نفترض:

    ـ أنّ هناك جوابًا صحيحًا واحدًا، وسياسة محدّدة تتطابق مع الإرادة العامّة.

    ـ أنْ يتساوى الجميع أفضل من الوصول إلى الجواب الصّحيح.

    ـ أنّ كلّ فرد ينتصر لرأيه كجواب الصحيح.

    وتشير هذه الافتراضات على الإجمال إلى إمكانية أن يكون الفرد راضيًا رغم عدم انتصار وجهة نظره لما يغلب على ظنّه من احتمال أن تدرك الأغلبيّة سياسية مطابقة للإرادة العامّة. فالدّولة العادلة كحقل لممارسة الحرّيّة تفترض سياسة ترضي الإرادة العامّة وتجعلها هي السّائدة، كما تفترض إرادة جميع المصوّتين في الجمعيّة التّشريعيّة لتلك السّياسة، ومن ثمّة كان رأي الأغلبيّة أكثر احتمالا لإدراكها، وكان رأي الأقلّيّة إذا أيّد سياسة أخرى غير السّياسة التي تريدها الأغلبيّة خاطئاً لأنّه لا يعزّز المصلحة العامّة، ولأنّ "الإرادة الثّابتة والمستمرّة لكافّة أعضاء الدّولة هي الإرادة العامّة التي تجعلهم مواطنين أحرارا".[31] فالنّاس لا يفضلون سياسة يرون أنّها لا تخدم فعلاً أو ظاهراً المصلحة العامّة، ويدركون بالبديهة أنً الحرّيّة لا تصان إلاًّ من خلال تقييدها بالإرادة العامّة، وأنّها تضعف عندما تتناقض السّياسة مسعى الإرادة العامّة. ومؤدّى ذلك أن الإكراه قد يكون ضروريًا لضمان أن لا يـُسَتَغلّ أولئك الذين يتصرّفون كمواطنين من قبل أولئك الذين يتصرّفون كأفراد فقطّ، ومواجهة هذه المعضلة بالمصطلح الجمهوريّ هي تعزيز القيم المدنيّة وتحطيم الفساد إذ لا يمكن ضمان أن يتصرّف الأفراد كمواطنين في غياب الإجبار الذي تمثّله سلطة وسيادة القانون على الجميع دون استثناء وعلى قدم المساواة...

    صناعة المواطن من النّاس

    يعتبر التّصوّر اللّيبراليّ أنّ حجّة روسّو في العقد الاجتماعيّ تقود إلى خلاصة تتطابق مع آراء المنظّرين الجمهوريّين مع إدعاء بعض النّقّاد أنّها قد تفضي إلى الاستبداد.[32] فطبقا لفلسفة الجمهوريّة يعرَّف المواطن كمشارك في السّلطة وليس كمحلّ للامتيازات ولا كحامل للحصانات.[33] وهذا هو أساس الحجاج الرّوسويّ في إجبَار النّاس عند الضّرورة على أن يكونوا أحراراً من أجل حمايتهم من انتهاك القوانين التي أكسبتهم صفة المواطنة، فليس لمعترض أن يدفع بالحرّيّة ولا بالحاجة الطّبيعيّة إلى تلبية الرّغبات الذّاتية ليبرّر انتهاك القوانين وإنهاء العقد الاجتماعيّ بإعطاء المصالح الشّخصيّة الأسبقيّة على المصلحة العامّة... وبه تقوم حجّة روسّو على مفهوم النّظام السّياسيّ العادل أو دولة القانون كتعاون عمليّ يخضع لمبدأ الإنصاف، إذ يشير منطقه بشكل واضح إلى أنّ أحد الأْوجُه المهمّة لهذا المفهوم هو الرّغبة في تعزيز روح التّعاون من خلال تشجيع النّاس على التّفكير بأنفسهم كمواطنين لهم حقوق وعليهم واجبات من ضمنها الخضوع لقوانين شرعوها بأنفسهم لأنفسهم.

    إنّ أكبر إمكانات المجتمع السّياسيّ طبقًا لروسّو، هي رفع أيّ ظلم مادّيّ يمكن أن يقع بين النّاس بالتّوزيع العادل للثّروة والملكيّة، وبالمساواة الأخلاقيّة لأنّه "لا يبقى شيء من الحرّيّة في غياب المساواة"، ثمّ بإعمال قاعدة ترى أنّ "الحالة الاجتماعيّة تكون مريحة طالما كان الكلّ يملك شيئًا ولا أحد يملك شيئًا زائدًا أو غير ضروريّ"[34] فالسّلم الاجتماعيّ يقتضي ألاّ يكون هناك ثراء فاحش يستطيع معه الأثرياء شراء ذمم الآخرين، ولا فقر مدقع يضطرّ معه الفقراء لأن يبيعوا أنفسهم للآخرين".[35] هكذا تعزّز المساواة الحرّيّة بإقرار سلم اجتماعيّ يحمي النّاس من التّبعيّة للأثرياء والأقوياء، علما أنّ كره التّبعيّة هي روح الجمهوريّة عند روسّو يعتبرها أساس كلّ رذيلة ومبعثا على الفساد.[36] وأنّ فكرة العدالة في ظلّ القانون هي برأيه ما يمكّن النّاس من أن يتمتّعوا بالاستقلاليّة والحرّيّة الأخلاقيّة، ويشجّعهم على طاعة ما شرعوا لأنفسهم من قوانين، وعلى النّظر لأنفسهم بوصفهم مواطنين يتقاسمون الإرادة العامّة في مشاريع ومؤسّسات مشتركة.

    إميل وفكرة التّعاون

    يناقش روسّو في كتابه (إميل) المسألة التّربويّة مشجّعا على التّعاون مثلما قام بذلك في العقد الاجتماعيّ عند الحديث عن التّشريع والإعلان المدنيّ عن الإيمان، فهو يعتبر الرّغبة في الاختلاط بالآخرين عاطفة حبّ بدونها لا يكون المواطن صالحاً.[37] ويمثل تأكيده على محاولة الجمهوريّين تضمين اللّيبراليّة نزعة مدنيّة خالصة دفاعه المستميت عن التّسامح وحرّيّة الفكر والتّعبير. فالدّين المدنيّ في نظره مسألة هامّة بالنّسبة للدّولة: "أن يكون لكلّ مواطن دين يحبّب له القيام بالواجب؛ وإن كانت عقائد هذا الدّين ليست من شأن الدّولة إلاّ بقدر ما لها من صلة بالأخلاق والواجبات التي يتعيّن على كلّ فرد الالتزام بها تجاه الآخرين في المجتمع. عدا ذلك، فإنّ لكلّ فرد حقّ اعتناق الآراء التي يرتضيها ولا يحقّ لصاحب السّيادة معرفتها،لأنّه ليس معنيّا بمصير الشّعب في الدّار الآخرة، وليست له أهليّة النّظر في أمورها ولا مخوّلا بالتّدخّل في ذلك طالما هم مواطنون صالحون في الحياة الدّنيا".[38] فالوضع القانونيّ والمعياريّ للدّولة يفرض تسامحا مع كافّة الأفراد بصرف النّظر عن عقائدهم ماعدا أولئك الذين يؤمنون بعقيدة غير متسامحة تدعوا للكراهيّة وتحرّض النّاس على مواجهة بعضهم فتقف بذلك ضدّ الفضائل المدنيّة. ويتّفق روسو من وجهة النّظر هذه مع جون لوك في "رسالة في التّسامح" اعتبارا للأسباب المدنيّة المحضة، بل إنّه يفوق لوك حزما بوضع معايير صارمة تضمن قداسة العقد الاجتماعيّ وسموّ القانون. فهو يرى أنّ المشرّع المكلّف بصياغة القوانين وترسيخ قواعد دولة المؤسّسات من الواجب عليه حتما "أن يؤمن بإمكانيّة تغيير الطّبيعة البشريّة مستعينا بفكرة الوجود الاجتماعيّ، وأن يسعى إلى مساعدة الأفراد على العبور من حَالة الوجود الفيزيائيّ المستقلّ أي من حالة الطّبيعة إلى حالة المجتمع حيث يصبح الفرد جزءا من كلّ أكبر، وعضوا في كيان متكامل يتلقّى منه الوجود...".[39] ومستعينا كذلك بما يُنتِجُ هذا العبور من حالة الطّبيعة إلى الحالة المدنيّة من "تغيير بيّن حين يصغي الفرد لعقله فيحلّ في سلوكه العدالةً محلّ الغريزة، والحقّ محلً الرّغبة ليضفي على أفعاله صبغة أخلاقيّة تستجيب لنداء الواجب وتتنزّه عن النّزوة الفيزيائيّة. فهو وإن ألفىَ نفسه مرغماً على العمل بمقتضى مبادئ تصرفه عن أن يستجيب لميول كثيرة تتأتّى له من الطّبيعة، فإنّه مع ذلك يجد نفسه قد حصل على مزايا أعظم من أن تقاس على شيء دونها: يجد ملكاته قد تمرّست ونمت، وأفق أفكاره قد اتّسع، ومشاعره قد ازدادت نبلاً، وسَمَت نفسه بأكملها فبلغت ما بلغت من درجات السّموّ فيبارك تلك اللّحظة السّعيدة التي انتشلته من وضع منحطّ إلى الأبد بأن صنعت من حيوان بليد ومقيّد الأفق كائناً ذكيّاً وإنساناً سويّا".[40] فمهمّة المشرّع إذن، هيً توفير الأساس القانونيّ والمؤسّساتيّ الذي يمنع الشّطط في استعمال السّلطة وسوء استعمال الحالة المدنية من خلال توجيه النّاس باتّجاه الإرادة العامّة بهدف استكمال مشروع التّغيير ومساعدة النّاس على استعادة حالة الطّبيعة.[41]

    ما تبقّى من مشكلات

    لقد استهدف روسّو من خلال ما صاغ في نظريّة العقد الاجتماعيّ من معايير تشجيع النّاس على أن يتصرّفوا كمواطنين. وإذا بدت بعض المعايير مُفْرِطة أو مُفَرِّطة فمردّ ذلك إمّا إلى صعوبة التّوفيق بين "ما يتيحه القانون وما تقتضيه المصلحة" وهي صعوبة استثنائيّة، أو إلى ما واجهت فكرة العقد الاجتماعيّ من تحدّيات واعتراضات حينما بدت بعض معاييره في غير محلّها، أو تنطوي على مفارقة تاريخيّة إذ ربّما كانت ملائمة للجمهوريّة الكلاسيكيّة أكثر من ملاءمتها للجمهوريّة اللّيبراليّة مثل إقصاء المرأة من المجال العامّ، ورأيه المتعلّق بدور المشرّع وشروطه، أو بالإعلان المدنيّ للإيمان. كما أثارت صياغته لمبدأ الإرادة العامّة التي تتطلّب من الأفراد التّصرّف كمواطنين لا كمجرّد بشر جملة من الأسئلة منها:

    ـ كيف يمكن تطبيق الإرادة العامّة؟

    ـ ماذا يعني القول بوجوب أن تخدم السّياسة العامّة المصلحة العامّة للمواطنين وتتجاهل المصالح الخاصّة للنّاس؟

    ـ هل تظهر المصلحة العامّة للمواطن بشكل واضح دائمًا؟

    ـ هل يكفي مشروع القانون المقترح للتّصويت الحصول على الأغلبيّة في المجلس التّشريعيّ ليكون جوابا صحيحا صوابه أكثر احتمالًا من رأي الأقلّيّة؟

    ـ هل يعدّ لازما حمل رأي الأغلبيّة على الصّواب دائما؟ وهل يعدّ واجبا الاتّفاق معه باعتباره أكثر احتمالا أن يكون على حقّ؟

    لقد خطّأ روسّو الأقلّيّة عند الحديث عن الدّولة العادلة وأثناء الحجاج دفاعا عن متطلّبات الإرادة العامّة، فهل ستتغير المسألة بالانضمام إلى وجهة نظره التي تعتبر الرّأي الذي أحرز الإجماع هو الرّأي الصّواب والأقرب إلى الحقّ والأكثر تجسيدا للإرادة العامّة.[42] ماذا لو فشلت سياسية الجهة الفائزة في التّطابق مع الإرادة العامّة؟

    ألا يمكن أن تؤدّي هذه الحالة إلى العصيان المدنيّ؟

    ألا يريد كلّ الأفراد في الدّولة الظّالمة أن يسود العدل وينتصر الجواب الصّحيح؟

    لقد أهمل روسّو هذه الافتراضات فلم يجب عنها إمّا لأنّه رآها غير متوقّعة الحدوث باعتبار الظّروف السّياسية السّائدة في ذلك الحين، وإمّا لأنّه لم يكن مقتنعا تماما بفعل ذلك، لكن هل عليه أن يفعل هكذا؟

    للإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها يتعيّن الذّهاب إلى ما بعد روسّو حيث يكون من الضروريّ تنقيح تحليله ومفاهيمه وربّما طرح بعضها.

     

    د. علي رسول الربيعي*

    جامعة أبيردين، بريطانيا

    .......................

    المصادر

    روسو، جان جاك، في العقد الاجتماعي، عبد العزيزي لبيب (مترجم)، المنظمة العربية للترجمة، بيروت،،2011

    Adrian, O., Citizenship and Community: Civic Republicanism and the Modern World, (Routledge, 1990).

    Andrew L., The Politics of Autonomy: A Kantian Reading of Rousseau’s Social Contract (Amherst: University of Massachusetts Press,1976).

    Barry, B,. Political Argument (London: Routledge and Kegan Pual,1965).

    Barry, ‘’ The Public Interste’ in Political Philosophy,(ed)Anthony Quinton (Oxford: Oxford University Pres,1967).

    John C., The Social Problem in the Philosophy of Rousseau (Cambridge: Cambridge University Press, 1974).

    Klosko.G.: in The Principle of Fairness and Political Obligation,( Lanham,MD: Rowman and Littlefield.1992).

    Lester C., Rousseau’s Social Contact: interpretive Essay (Cleveland, OH; The Press of Case Western Reserve University, 1968).

    Levine, A, The Political of Autonomy: A Kantian Reading of Rousseau’s Social Contract (Amherst: University of Massachusetts Press, 1976).

    Maurizio,V., Jean-Jacques Rousseau and the ‘’ Well-Ordered Society’’ trans. Deerek Hanson ( Cambridge University Press, 1988).

    Quentin S.,‘’The Republican Ideal of Political Liberty,’’in Machiavelli and Republicanism, ed. Gisela Bock, Quentin Skinner, and Maurizio Viroli (Cambridge: Cambridge University Press).

    Rawls,J,. A Theory of Justice ( Cambridge, MA: Harvard University Press,1971).

    Riley, Patrick, The General Will before Rousseau: The Transformation of the Divine into the Civic (Princeton, NJ; Princeton University Press, 1986).

    Rousseau,J,J,. Politics and Art: Letter to M.D’Alembert on the Theatre, Trans. Allan Bloom (Ithaca, NY: Cornell University Press, 1968).

    Rousseau.J.J.,Emile, trans. Bloom Allan (New York: Basic Books, 1979).

    Rousseau, J.J, On the Social Contract, ed. Roger D. Masters and trans. Judith R. Masters ( New York: St. Martin’s Press. 1978).

    Simmons. A.J., The Anarchist Position: A Replay to Klosko and Senor,’’ Philosophy and Public Affairs 16 (1987).

    Simmons. A.J., Moral Principles and Political Obligations (Princeton, NJ: Princeton University Press, 1979).

    Talmon.J.L., The Origins of Totalitarian Democracy (New York: Praeger, 1960).

    Trachtenberg, Z. M., Making Citizens: Rousseau’s Political Theory of Culture (London, Routledge, 1993).

    هوامش

    [1] أنظر عن سبيل المثال

    Adrian, O., Citizenship and Community: Civic Republicanism and the Modern World, RoRutledge, (1990), MMaurizio, Viroli, Jean-Jacques Rousseau and the ‘’Well-Ordered Society’’ trans. Deerek Hanson (Cambridge University Press, 1988); and Z M. Trachtenberg, Making Citizens: Rousseau's Political Theory of Culture, London, RoRutledge (1993).

    [2]Rousseau, J.-J., On the Social Contract, ed. Roger D. Masters and trans. Judith R. Masters (New York: St. Martin’s Press. 1978), pp. 68, 130, 55.

    [3]Quentin S ‘’The Republican Ideal of Political Liberty ’’ in Machiavelli and Republicanism, ed. Gisela Bock, Quentin Skinner and Maurizio Viroli (Cambridge: Cambridge University Press), p. 301.

    [4]. Brain, B., ‘‘The Public Interest,’’ in Political Philosophy, ed. Anthony Quinton ( Oxford: طOxford University Press, 1967), pp. 119-26, and Andrew Levine, The Politics of Autonomy: A Kantian Reading of Rousseau’s Social Contract (Amherst: University of Massachusetts Press,1976), pp.40-43, and John C., The Social Problem in the Philosophy of Rousseau ( Cambridge: Cambridge University Press, 1974), chap.4.

    [5]Rousseau J,J,. Politics and Art: Letter to M. D’Alembert on the Theatre, Trans. Allan Bloom (Ithaca, NY: Cornell University Press, 1968),p.24.

    [6]Riley, P., The General Will before Rousseau: The Transformation of the Divine into the Civic (Princeton, NJ; Princeton University Press, 1986), P.251.

    [7]Rousseau J,J On the Social Contract P59.

    [8]Rawls.J. A Theory of Justice (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1971) Section 24 ‘’The Vile of Ignorance’’.

    [9]للإطلاع على وجهة نظر مختلفة أنظر:

    Trachtenberg Z. M Making Citizens: Rousseau’s Political Theory of Culture, London, Rutledge, 1993 PP.7-29.

    [10]Rousseau J.J., On the Social Contract, P 63.

    [11]Barry, B ‘’The Public Interest’’ P. 120

    [12]Rousseau J.J. On the Social Contract, P.62.

    [13]المصدر نفسه، ص 61-62

    [14] المصدر نفسه، ص 53.

    [15]المصدر نفسه، ص 56.

    [16]Levine, A, The Political of Autonomy: A Kantian Reading of Rousseau’s Social Contract (Amherst: University of Massachusetts Press, 1976), pp.57-58.

    [17]Rousseau J.J On the Social Contract, P.56

    [18]المصدر نفسه، ص 46 .

    [19]المصدر نفسه، ص 53.

    [20]المصدر نفسه، ص 55.

    [21]المصدر نفسه، ص 55.

    [22]المصدر نفسه، ص 55.

    [23]المصدر نفسه، ص 55.

    [24] أوضح بريان بيري في كتابه: أنّ روسّو لم ينكر أن يقوم الفرد بانتهاك قانون يفيده كعضو في مجتمع من أجل مصلحته، وما أنكره هو تصويته على ذلك القانون ثمّ انتهاكه له. فإذا كان قد صوّت لإقرار عقوبة معيّنة عن جريمة محدّدة فله ليس الاعتراض اذا ما طبّق عليه في حالته الخاصّة.

    Barry, B,. Political Argument (London: Rutledge and Keg an Pual,1965), P.19

    [25]Rousseau.J.J. On the Social Contract, P.110.

    [26]المصدر نفسه، ص 110.

    [27]المصدر نفسه،ص 111-110 .

    [28]المصدر نفسه، ص 59.

    [29]المصدر نفسه، ص 67.

    [30]Barry B. ‘’The Public Interest’ in Political Philosophy,(ed) Anthony Quinton (Oxford: Oxford University Pres,1967), P.122.

    [31]Rousseau J.J On the Social Contract P.110.

    [32]أنظر على سبيل المثال:

    Talmon J.L., The Origins of Totalitarian Democracy (New York: Praeger 1960), chap.3, and Lester Crocker, Rousseau’s Sociحخal Contact: interpretive Essay (Cleveland, OH; The Press of Case Western Reserve University, 1968).

    [33]Rousseau J.J On the Social Contract P.54

    [34]المصدر نفسه، ص 58.

    [35]المصدر نفسه، ص 75.

    [36]Rousseau J.J. Emile, trans. Bloom Allan (New York: Basic Books, 1979) P.85.

    [37]Rousseau J.J On the Social Contract P. 13

    [38]المصدر نفسه، ص 130.

    [39]المصدر نفسه، ص 68.

    [40]روسو، جان جاك، في العقد الاجتماعي،عبد العزيزي لبيب ( مترجم)، المنظمة العربية للترجمة، بيروت 2011، ص 98-99.

    [41] Simmons A.J Moral Principles and Political Obligations

    (Princeton NJ: Princeton University Press, 1979) P.139.

    ‘’ The Anarchist Position: A Replay to Klosko and Senor,’’ Philosophy and Public Affairs 16 (1987):269-79.

    ولكن أنظر الدليل المناقض الذي قدمه

    Klosko G.: in The Principle of Fairness and Political Obligation (Lanham MD: Rowman and Littlefield.1992) Appendix 2.

    وايضا قوله: "أعتقد أن تفسير الإلزام السّياسيّ بواسطة مبدأ الأنصاف ملائم لتفسير شعور الفرد بالتزامه يتقوّى عند مباشرة أعباء عديدة يعتقد أنّ الآخرين يتولّون مثلها، ويضعف إذا ما أدرك أنّهم ليسوا كذلك". ص 148 .

     

     

    علي محمد اليوسفشذرة 1: الفكر واللغة

    اختلاف الفكر عن اللغة، هو أن التفكير فعالية ذهنية صامتة داخل العقل، بينما تكون اللغة هي تعبير العقل فكريا عن الاشياء في وجودها المادي الواقعي في العالم الخارجي، واللغة تعّبرأيضا عن الوجود الخيالي بالذهن صوريا خياليا كمتعين غير مادي لا يتم أدراكه بلغة الكتابة فقط كما في تعبير اللغة عن الابداع الادبي بكافة اشكاله وأجناسه، بل وكذلك التعبير بلغة الكمون الايحائي التأويلي المختزن في محتوى التعبير عن الجمال والفنون وبعض القيم والحق الخ.

    واذا كنا لا نتوفرلا بالعلم ولا بالفلسفة على أية آلية تبّين اختلاف اللغة عن الفكر باعتبارهما تعبيرا واحدا عن وجود الاشياء، داخل وخارج الدماغ، فهذا لايمنع القول بأسبقية أدراكاتنا الحسيّة للاشياء بالفكر قبل اللغة في وجودها بالعالم الخارجي، وليس كل مايدركه الفكرعقليا يتوجب أو يمكن التعبيرعنه بالضرورة لغويا، فقد يكفينا أدراك الكثير من الاشياء فكريا دونما حاجتنا اللغة التعبيرعن ظاهرياتها الفكرية العقلية لها.

    لكن من المهم أننا لا نفكر بالصور والرموز المجردة في أدراكنا مواضيع لا تعبير لغوي يؤطرها في حال رغبة الانسان ارسالها تداوليا، كما لا الفكر ولا اللغة يعبّران عن شيء بلا معنى لا في المحتوى ولا بالشكل اللغوي الخارجي، ولا نتمكن من التعبير بالفكرعن محتوى تجريدي عن اللغة في خلو موضوع تفكيرنا من المعنى الصوري في شكل اللغة التي تعبّر عنه بعد استكمال الادراك المادي العقلي له ذاتيا وموضوعيا..وأذا كان الفكر يمثل جوهرومحتوى الموضوع المدرك فاللغة وعاء الفكر وهي شكله المؤطر لمحتواه.فهما أي اللغة والفكر يتمايزان في حدس الدلالة للشيء ولا يتمايزان في التعبير عنه سوية.

    شذرة 2: فرويد واللاوعي

    (ان اللاوعي يتجاوز الزمن)، ....فرويد

    أن اللاوعي أي اللاشعورفي علم النفس هو حالة نفسية سلبية ساكنة لا تمتلك التأثير ولا القدرة على تجاوزها الزمن لعدم أدراك حالة اللاشعور أو اللاوعي للزمن، بما يشبه الحال في أدراكنا الزمن حدسيا في شعورنا الطبيعي الواعي للاشياء .وما يجعل اللاشعور عاجزا عن وعيه الزمن أيضا هو انعدام الزمن المنظّم الناقل لحالة اللاشعورللعقل. والانسان يعي الزمن ادراكا حدسيا في اليقظة ولا يستطيع وغير متاح له حدس الزمن في الاحلام.

    بعكس الزمان الذي هو فعالية ديناميكية شغّالة بحيوية فائقة في حالة وعي الانسان أدراكه أشياء الطبيعة، وليس في حالة اللاشعور المغيّب عنه وعيه الحسّي المادي الادراكي لذاته والوجود، ويبقى الانسان الحالم اللاواعي محتفظا بالعقل في أدراكه الاشياء عشوائيا من غير أنتظام بخلاف أدراكه لها في عالم الواقع، لكن اللاشعور لا يتبادل الادراك مع الزمان الذي لا وجود له في عالم الاحلام كأدراك منظّم يقوم بترتيب تداعيات صور الاشياء في الذهن، كما في حالة الحدس به شعوريا في الواقع الطبيعي للانسان، لذا فالزمان المنّظم الغائب هو الذي تتجاوزه حالة اللاوعي الحلمية من غير وعي وأرادة الانسان، لأنه لا وجود للزمان الحدسي في حالة اللاشعور، ولعدم حاجة عقل الانسان للزمان حدسيا في حالة اللاوعي الذي يكون العقل فيه عاطل الحدس الادراكي المنظّم .

    فالزمان يحتاجه العقل في أدراكه الوجود والطبيعة والاشياء المادية الموجودة بالمحيط الخارجي ولا يحتاجه في حالة اللاوعي اثناء النوم.كون العقل ذاته لا يدرك تداعيات صور الاشياء الذهنية في حلم الانسان اثناء النوم في غياب تنظيم الزمان لاشعور الانسان من جهة ومن اختلاطات الصور الذهنية مكانيا من غير تنظيم معقلن زمانيا لها.

    ومدركات تداعيات صورالاشياء أثناء النوم في غياب الوعي وحضور اللاشعور أنما يدركها عقل الانسان الباطني اللاشعوري في عشوائية تلغي تحقيب الزمان أو توقيتاته المعتادة في تنظيم عالم الاشياء الخارجي في مرجعية الزمان للعقل، كما تلغي عشوائية تداعيات صور اللاشعور أثناء النوم تنظيم حدسها العقلي المتداخلة زمانيا - مكانيا في أستلام عقل الحالم لها.

    مجمل وعديد من صور الاشياء يتحرر فيها اللاشعور من وصاية أدراك الزمان والمكان لصور وأشكال تداعيات الموضوعات التي يستلمها اللاشعورعند النائم في أنسيابية غير مسيطر عليها ادراكا عقليا منظمّا، ودون ترابط بينها أغلب الاحيان بأختلاف أن فهم العقل للاشياء وادراكها في وجودها المادي الخارجي يكون منظّما محكوما بالزمان والمكان، وهذا غيره تراجع دور العقل الواعي الذي يكون مقيّدا وبلا وصاية مؤثرة أثناء مرور تداعيات صور الاشياء في اللاشعور الذهني عند النائم الحالم التي لا وصاية للعقل الطبيعي اليقظ في ادراك تلك التداعيات، وأن كان عقل الحالم حاضرا أثناء تداعيات صور الافكار والاشياء بشكل ادراكي غير منتظم في اللاشعور في غياب الزمان والمكان ادراكها الصحيح كما في الواقع. من جهة اخرى فان التداعيات الحلمية اللاشعورية لا تتسم بالثبات التي يجعلها طيّعة لتنظيم الزمان لها، كما هو الحال في وجود الاشياء في الطبيعة الذي يتسم بالثبات النسبي ومطواعية الموجودات المادية للزمان في نقل معطيات ظواهرها الخارجية لا جواهرها الى مصنع الحيوية التخليقية في الذهن.

    والانسان لا يدرك الزمان في حيويته حالة الوعي الحدسي به في الطبيعة، ولا يدركه حدسا عقليا في اللاشعور أثناء النوم أيضا، كذلك الزمان لا يدرك اللاوعي في عشوائية تداعيات صور الاشياء له.، فالعقل شغّال من غير تنظيم مدركاته في غياب الادراك الزماني الواعي اثناء النوم، كما أن العقل شغّال أيضا غير مفارق ذهن الانسان في حالتي الوعي واللاوعي لكن باختلاف جوهري وظيفي كبير جدا، أي أن الزمان المنظّم لا يدرك حالة اللاوعي أو اللاشعورعند الانسان أثناء النوم في الاحلام، ولا يتدخل بها كما هي الحال في تداخله مع وعي الانسان وادراكه وجود الاشياء الحدسي الحسّي في الطبيعة، . وحالة الوجود اللاوعي أو اللاشعور عند الانسان لا يدركها العقل ولا الزمان في نفس آلية ادراكهما المنظّم تجليّات وعي الانسان أدراكه أشياء الطبيعة والوجود الواقعي باليقظة الذي تتظافر به مجتمعة معطيات الحواس، والجهازالعصبي الناقل، وتعبيرات اللغة والفكر والدماغ في أدراك الاشياء المادية وأعطاء تفسيرات لها.

    الزمان في حال كونه معطى أدراكيا ثابتا في الذهن، أو كونه ديناميكية شغّالة يعتمدها العقل ترتبط بالحواس والمعطيات الادراكية المنقولة اليه في الذهن فهو في كلتا الحالتين يدرك الوعي في تجليّاته الفكرية، ولا يدرك الزمان حالة اللاوعي في ألاحلام عند النائم لأن الزمن يكون عند الحالم متداخلا مع تداعيات صور الاشياء في ذهنه، وليس متعاليا عليها في تنظيمها حدسيا كما هو دور الزمان في حدسه الاشياء في عالم الوجود والطبيعة التي يكون فيها الزمن متعاليا عليها وليس في تداخل عشوائي بها ومعها كما في حالة اللاشعور.

    والزمان لا يدرك ذاته باختلاف حالتي وعي الانسان أو اللاوعي الحلمي في ضياع ادراك ذاتيته المغيّبة وسط تداعيات مخيّلة الذاكرة التي يستلمها اللاشعور في عشوائية من التداعيات والانتقالات خارج الزمان والمكان غير المدركين حدسا عقليا كما هو في حالة وجود الانسان ضمن الطبيعة.

    والعقل لا يفهم معطيات مدركات الزمان للاشياء من غير تنظيمها الادراكي قبل استلام الذهن العقلي لها والتفكير المجدي بها.أي أن النائم الحالم يخرق قوانين الطبيعة في أحلامه من دون وعيه وأرادته الشعورية وذلك في تحييده هيمنة العقل والغاء وصاية الزمان الملازمة لوجوده..

    وفعلا تبقى مقولة فرويد أن اللاوعي لا يحتاج الزمن أو هو متحرر منه صحيحة فالانسان لا يتحرر من سطوة الزمان عليه الا في حالة اللاوعي او اللاشعور أثناء النوم والاحلام التي تتداخل فيها صور الاشياء بالذهن من غير زمن ينظمّها، ولا مكان ينتظمها، واللاشعور تنشط فعاليته في غياب وصاية كل من الحواس والزمان والعقل عليه في حالة مروره بالاحلام التي يأخذ فيها اللاشعور كامل حريته في تحقيق الوجود المتحرر للانسان الذي يفتقده في حالة الوعي والشعوربضغط قوانين الطبيعة عليه، وفي تحرره هذا من قيود قوانين الطبيعة انما يصبح كائنا خارقا لقانوني الطبيعة الزمان والمكان في لاشعوره الحلمي..

    الزمان لا يشتغل الا مع وعي الانسان المتبادل معه حدسا أو أدراكا أستدلاليا. بفارق أن الزمان يدرك الانسان كوجود في الطبيعة حاله حال جميع أدراكات الاشياء المحيطة به، لكن الانسان لا يقوى على أدراك الزمان سوى من خلال حدس تجليّاته في أدراكه ظواهر ألاشياء المنقولة للعقل عبر معطيات المدركات.

    كما لايستطيع الانسان أدراك الزمان في حالة اللاوعي أيضا عند الانسان الحالم في تداخل المكان والقطوعات الزمنية غير المنّظمة عنده في تداعيات صورية غير مترابطة تماما تتراقص في الخيال الذهني اللاشعوري من دون حضور الزمان المنظّم في تحقيقه وعي الانسان بذاته وفي محيطه في غياب لاشعور النائم وتداعيات صور الاشياء عشوائيا بالذهن الحالم.

    أن اللاوعي في مفهوم علم النفس هو وعي مغيّب الحضور الانساني على مستوى تغييب الادراك العقلي والزماني – المكاني له، واللاوعي مرادف اللاشعور، لذا يكون اللاوعي أو اللاشعور الحلمي أثناء النوم وجود مفارق للواقع الزماني والمكاني والعقلي، في الغاء الحدود التي يضعها الشعور الافتراضي في تحقيب الزمن تاريخيا الى ماضي وحاضر ومستقبل وفي توقيتاته الزمنية في التقويم الزمني المعتاد المتواضع عليه في تقسيم اليوم والساعة والايام والليل والنهار والفصول وغيرها أيضا.

    في اللاشعور أو اللاوعي عند النائم الحالم لا يدرك ذاته ولا يدرك المحيط من حوله لأنه ثبات لا يمكنه ادراك متغيّرات صورية متداعية لا ينتظمها الزمان ولا يحدّها المكان ولا يسيطرعلى تنظيمها العقل، بخلاف آلية وعي الانسان الاشياء والطبيعة في حال اليقظة، عن طريق نقل الزمان الذي يعتبره كانط أدراكا مقولبا ثابتا في العقل وسابق على وجود الاشياء، في نقل الزمان معطيات ومدركات المحسوسات، فاللاشعور في ثباته لا يدرك الزمان منتظما توقيتيا او تحقيبا تاريخيا، ولا يدرك المكان وجودا منتظما لأنه محكوم بزمن غائب ومتغّير ومكان خارق قوانين الطبيعة في تداخله مع تداعيات صور الاشياء بذهن النائم الحالم، عليه يكون تداخل التحقيب الزمني غير وارد ولا حاصل مع أدراك اللاشعور لصور الاشياء بأشكال مختلفة عنها أثناء النوم بالمقارنة في حضور أدراك الاشياء المادي الواقعي في حضور وتأطير أدراك الاشياء بانتظام زمني وانتظام مكاني معا، وأنما يدرك اللاشعور وجود الاشياء وأجترارت الذاكرة الصورية للاشياء القصّية البعيدة والقريبة في عشوائية ذهنية مكانية لا يداخلها الزمني في الحلم وغياب الشعورأثناء النوم.أن حضور الزمن العاطل في لاشعور الحالم، لا يشبه حضور الزمان الفاعل في وعي الانسان للطبيعة والاشياء وفي حدس الزمان.

    والانسان في وعيه الادراكي الشعوري الواقعي لذاته، وفي أدراكه وجود الاشياء من حوله في الطبيعة، أنما يتم له ذلك من خلال تحقيبه الزمن أدراكيا في وجود الاشياء وفي التوقيتات الزمنية بدءا من الساعة وليس انتهاءا بتعاقب الفصول الاربعة. وبذلك تكتسب الاشياء أنتظام وجودها الزماني – المكاني في الطبيعة الانسانية وليس في اللاشعور.

    كما أن أي تجزيء توقيتي للزمن أو تحقيب تاريخي له أنما هو عمل افتراضي لا واقعي لزمن واحد يعيشه الانسان في وعيه الشعوري وأدراكه وجود الاشياء، ويتعذّر على الانسان تجزئة الزمان أو تقسيمه أوتحقيبه تاريخيا في حالة اللاشعور، لأن حضور الزمان في اللاشعور لا يمكن حدسه منظّما مثلما يعيشه الانسان فقط في حدسه الاشياء في الطبيعة وليس في أدراك الزمن لذاته او معرفة الانسان ماهيته. الزمن لايدركه الانسان ولا يحس به وجودا وأنما يحدسه عقليا فقط في أدراكاته ونتائجه الاستدلالية في ملازمته الشعورالمدرك فقط وليس اللاشعور.

    والزمن واحد في تداعيات صور الموضوعات غير المنتظمة في أستقبال ذهن الانسان وذاكرته في انتظام ادراك الاشياء عقليا.فالزمن ثابت ولا يتغير لافي ثبات الاشياء مكانيا ولا في تغيراتها زمانيا بالنسبة لادراك الانسان للاشياء وليس في أدراك الزمان لها، فالزمن لايعي ذاته ولا يعي دوره في تحقيق مهمة العقل أدراك الاشياء وتفسيرها وانما يكون ناقلا صور معطيات الادراك ألى الدماغ فقط.

    وبالعودة مجددا الى مقولة فرويد، نجد غياب الزمن في اللاوعي أو في اللاشعور لايتم الا في فقدان الانسان شعوره المادي الواقعي بالحياة كذات وموضوع معا، بمعنى أن حلم النائم هو موت مؤجل في الحياة ويعيشه الانسان في لا شعوره به أثناء النوم بفارق بقاء ألعقل والنظام البايولوجي يعمل في الجسم مستيقظا أو نائما. وفي اللاشعور وفي الشعور على السواء يدرك الانسان أنه حي وليس ميّتا.

    وفي غياب الزمن التوقيتي او التحقيبي أثناء النوم كما يجري في الاحلام تتوفر أمكانية أن يجد الانسان نفسه كائنا خارقا لقوانين الطبيعة، ويستطيع بكل يسر وسهولة وبغير أرادة مسبقة منه القيام بالخوارق في كسر قوانين الطبيعة في الزمان والمكان الذي نعيشه، والتي يستحيل على الانسان في عالمه الواقعي القيام بأبسطها في وجوده الطبيعي الشعوري .. .. .

    أن خرق قوانين الطبيعة في الاحلام عند الانسان ممكنة الفعل والتصديق بها من قبل الفرد الواحد صاحب التجربة الحلمية، ولا يشابه هذا خرق قوانين الطبيعة زمانيا - مكانيا التي يحتازها الانبياء وينسبوها لأنفسهم في امتلاكهم بعضا من المعجزات كما في الاساطير الدينية على الارض، ويتم خرق قوانين الطبيعة عند غالبية الاشخاص زمانيا – مكانيا اثناء الاحلام، وبلا حدود واقعية فارقة تعودوها واستمدوها من وجودهم الارضي الواقعي الذي ينتظمه الشعور والادراك الواقعي الحسّي العقلي وتنظيم الزمان والمكان لمدركات العقل.

    كما يتحقق للانسان أثناء النوم أن يعيش الزمن في بعد واحد فقط تتداخل فيه الامكنة غير المترابطة ولا المنتظمة زمانيا، ولا يوجد هناك أكثر من بعد زمني واحد تتداخل فيه صور الامكنة الماضية بالحاضر والمستقبل المتخّيل في الاحلام وفي اليقظة ايضا. وأن تقسيم الزمن وتحقيبه هو من أبتداع ملكة الانسان العقلية والخيالية على السواء في تنظيم ادراكاتنا واساليب حياتنا المتواضع عليها عبر العصورفي خضوع الانسان لتحقيب وتوقيتات الزمن التي أبتدعها وأوجدها ملائمة لتنظيم حياته، ولم يكن الانسان في يوم ما مسيطرا على الزمن في تحقيق رغائبه وأمانيه، بل العكس هو الصحيح تماما فلا يقدر الانسان الفكاك من سطوة الزمن عليه واستعباده له منذ الولادة وحتى المماة، فالانسان في تحقيبه الزمن تاريخيا وتنظيم مواقيت التقويم الزمني له يدرك ماذا يفعل، بينما تكون سيطرة الزمان على الانسان عملية لا تعي ذاتها ولا تعي مايفعله الانسان معها ولا تدرك أن الانسان عبد لزمانه وليس سيدا عليه.فالزمان الذي هو أحد القوانين الطبيعية التي تحكم الوجود الانساني لا يخضع لرغائب الانسان ولا هو موجود لتلبية أحتياجات الانسان له.ولا دخل للزمان في ترسيم حياة الانسان ولا مستقبله، فالزمان هو اولا واخيرا وسيلة العقل في ادراكه الواقع الطبيعي حدسا زمنيا.

    شذرة 3: هيجل والوجود

    يقول هيجل ما معناه، أن كل واقعي هو حقيقي وكل حقيقي هو واقعي، أو أن كل عقلي حقيقي وكل حقيقي عقلي.

    أراد هيجل بذلك القول أن مايدركه العقل واقعيا يتحتم وجوده بالضرورة الادراكية له أن يكون موجودا حقيقيا في عالم الاشياء، وهي نظرة ميكانيكية في الادراك في بعض من جوانبها لا تقبل التعميم على أدراك جميع الموجودات والاشياء والظواهر في الطبيعة. كما نجد بارمنيدس قوله (اللاوجود موجود) ويقصد به أنه يتعذر علينا تحديد الوجود الحقيقي للاشياء بغير اللاوجود الحدسي الافتراضي لها.وكلاهما الوجود واللاوجود أنما هما حالتين متداخلتين من أدراكنا الاشياء مكانيا – زمنيا، وأدراك مكان الشيء زمانا يلزم بالضرورة أدراكه في وجود مكاني وزماني متغيّرآخر على الدوام وفي حالة من الصيرورة الدائمية. فيصبح اللاوجود هو وجود مكاني مدرك زمانيا باستمرار الاستدلال المنطقي الحدسي له.

    بعبارة ثانية أن الفراغ مكانا لا يدرك بغيرالامتلاء. وبذلك نتمكن أدراك وجود الاشياء في تحولاتها المادية. بمعنى أن الوعي الحقيقي الذاتي هو في وعينا الآخر كموضوع في وجوده المادي الواقعي أو في وجوده الخيالي. كما أن الآخر هو وجود مغاير للوعي الذي يدركه دائما.

    شذرة 4: برجسون والذاكرة

    أرجو التركيز معي في عبارات الفيلسوف الفرنسي برجسون الآتية، كي يتم ربطها ربطا توضيحيا نقديا مجديا في تعقيبنا عليها. (يرفض برجسون ربط الذاكرة بالدماغ، الدماغ العضو الذي يقدمه الماديون على أنه مركز الذاكرة، ويقول برجسون أنه لو كان للذاكرة محل محدد في الدماغ، أذن لاختفت أجزاء كاملة من الذاكرة في حالة حدوث أصابات معينة بالمخ. ويرى برجسون أن الاهم هو تشبيه الدماغ بالمكتب المكلف بتوصيل الاشارات والرسائل من جهة الى اخرى. ويضيف أن مهمة الدماغ ليست القيام بواجبات الحياة الروحية بالمعنى الدقيق، ومن جهة أخرى يرى برجسون أن الذاكرة ليست أدراكا حّسيا وقد ضعف، وأنما هي مختلفة اختلافا جوهريا عن الادراك الحسي.).

    انظرالفلسفة المعاصرة في اوربا/سلسلة كتب عالم المعرفة – الكويت/تاليف ا.م. بوشنكي/ترجمة عزت قرني ص149

    التعقيب:

    1- أن عدم ربط الذاكرة بالدماغ فسلجيا وظيفيا كما فعل برجسون لا يقول به ولا يقبله، أي طبيب أو عالم متخصص بالدماغ والجهاز العصبي، ولا يقر به فيلسوف يحترم قيمة العلم، ولم يشر لنا برجسون صاحب جائزة نوبل بالادب من هو المسؤول عن الذاكرة في غياب ربطها بالدماغ؟، وكيف تعمل وماهو فرق واجباتها عن واجبات ووظائف الدماغ؟ وما مصدر الافكار الاسترجاعية التذّكرية في الدماغ غير الذاكرة؟.

    2- في تعبير الفيلسوف برجسون الذي لا يقول به شخص عادي يعرف الف باء وظائف الدماغ، يذهب الى استنتاج يتفرد به وحده دون غيره، أن الذاكرة أذا ما كانت مرتبطة بالدماغ، فأن أي تلف يلحق بالدماغ يمحو من الذاكرة أجزاءا كبيرة منها !!

    غريب أن يصدر مثل هذا الاستنتاج الفذ من فيلسوف لا يقر بارتباط الذاكرة بالدماغ كي لا يكون أي تلف بالدماغ يستتبعه محو أجزاء من الذاكرة والذي لا ينكره عليه عاقل. لكن هل أنكار ربط الذاكرة بعمل الدماغ مقبولا ومسوّغا للحيطة والحذر من أتلاف الكثير منها في تلف أجزاء من الدماغ !! وهل الذاكرة أهم وأكثر تثمينا من الدماغ اذا صحّت السذاجة في التعبير المقارن؟ اذ ليس هناك قيمة للذاكرة في تغييب أو غياب الدماغ، كما من السذاجة الاكبر لجوئنا الى فصل التبادل الفسلجي الوظيفي المشترك بينهما، اكراما لمعلومة برجسون في تحذيره ربط الذاكرة بالدماغ .

    ولكي نتجنب خطر محو أجزاء من الذاكرة علينا عدم ربط الذاكرة بعمل الدماغ، وأيضا لايقدّم لنا الفيلسوف ولا يعطينا بمن ترتبط الذاكرة ؟، ولا بمن نتبعها ونلحقها ومن المسؤول عنها؟ كي لا تتعرض للخطر ومحو أجزاء منها؟؟هل نربط الذاكرة بعمل القلب فيكون عندنا أي عطل أو مرض يصيب القلب يمحو من الذاكرة الكثير؟، أم نربط الذاكرة بالضمير فيصبح كل صاحب ضمير ميّت بلا ذاكرة أو مجنون، وهكذا في تعدد احتمالات ربط الذاكرة بعضو من الجسم يكون مسؤولا عنها غير الدماغ.أم نبقي الذاكرة يتيمة بلا أم ولا أب ولا معيل والكل بريء منها كي نضمن سلامتها أكثر من سلامة وجود الانسان حيّا؟؟

    3- أن وظيفة الدماغ حسب برجسون هي ليست القيام بواجبات الحياة الروحانية بالمعنى الدقيق، ويريد على أفتراضنا حسن النية بسلامة فكرته بهذه المسألة، أن القضايا الروحانية يعنى ويتحكم بها ضمير الانسان أو أخلاقه او نفسيته وليست هي من واجبات الدماغ في المعنى الدقيق حسب تعبيره.

    وكي نخلص من أحراجات برجسون اللفظية، نقول أن مجمل عواطف ووجدانات الانسان وأحساساته وميوله النفسية وعلاقة الحب والكره، والشر والخير وكذلك العلاقة الجنسية واشباعها، أنما المسؤول عنها ملايين الخلايا التي يتحكم بها الدماغ لا غيره، والقول بأن مصدر تلك الفعاليات التي مررنا بها هي من خاصية القلب او اللاشعور والنفس، فهذه بمقاييس الطب العلمي النفسي والجهاز العصبي غير معمول بتصديقها كمسلمات علمية أكثر منها تعبيرات في مسائل هي من أختصاص طب علم النفس البت بها وليس الفيلسوف. وفي الاخير هي تتبع وظائف وعمل الدماغ تحديدا ولم يثبت لحد الآن علميا براءة الذاكرة من الدماغ ولا براءة الروحانيات من النفس التي تتبع الدماغ أيضا، الذي يمتلك وسائل علمية في أعطاء أجوبة كل تساؤل بهذا المجال من عاطفة وضمير ووجدان وميول وغرائز الخ.

    شذرة 5: الوضعية المنطقية الجديدة

    في محاولة أقطاب أحياء فلسفة الوضعية المنطقية الجديدة تجديدهم الافكار الكانطية، وهما الفيلسوفان الايطالي كروتشة والفرنسي برنشفيك بداية القرن التسع عشر، في طروحاتهما الفلسفية النقدية التي خرجت خروجا تاما على أفكار كانط في أدعائها محاولة تجديد تلك الافكار، فهما ينكران أن يكون الحس مصدرا موثوقا وأصيلا متقدما على باقي وسائل المعرفة، ولا يقرّان تقسيم وجود الاشياء الى فينومين ونومين، أي الظواهر والجواهر، كما لا يعترفان أيضا بما يسمى (الوجود في ذاته)، معتبرين الفلسفة هي تحليل لغة العلم فقط، وأن منهج الفلسفة منهج علمي صارم، ويدين برنشفيك في مثاليته النزعة التصورية التي تذهب الى أن الحكم على الاشياء يسبق كل انشطة العقل الاخرى، وتعريفه الفلسفة أنها (نشاط عقلي يعي نفسه).

    وبالعودة الى كروتشة فهو يرى أن الدين والميتافيزيقا عجزا عن مجاراة العلوم الطبيعية من حيث القدرة على أمداد الانسان بالمعرفة الحقيقية، وأن الميتافيزيقا كانت ومنذ البداية مشروعا عقيما مستحيلا، والدين هو اسطورة وفلسفة كاذبة، والعلم الذي يستحق أسم الفلسفة هو فلسفة العقل.

    شذرة 6: الوعي هو الجحيم

    لا يعرف الانسان قيمته الحقيقية الا بمقدار أن يجد وجوده المجتمعي الحقيقي، يضاعف وباستمرارأعداد الناكرين عليه مساهمته نقد وتجديد بعض أساليب الحياة نحو الافضل وعرقلة جهوده بل ومعاداته بدناءة أيضا، وبوسائل لم يعد العالم يتعامل بها بما تحمله من تخلف حضاري وأنانية وقتل الابداع وأعدام وسائل وفرص التغيير المجتمعي.

    الانسان ألذي يسعى أن يجد حقيقته الانسانية في مجتمعه، يرى أنه يعيش تناقضين لا يهضم أحدهما أو كلاهما، فهو يعيش تناقضه المجتمعي من خلال أنه أنسان غير متصالح مع نفسه في ألغاء ضميره وتعاطيه مسايرة المخطوء بالحياة التي هي ألوسيلة الوحيدة التي تريحه من وجع الرأس وتطمئن وجوده المجتمعي الزائف في الحياة، ويعمّق هذا الاحساس أن ضمير الانسان يصبح على المحك، فأما أن يلغي حساسية وعيه النظيف، وتكون هذه الحساسية المرضية هي التي تميت ضميره من خلال زيادة وتعميق وعيه المثالي الذي يمنعه مجانسة الانحراف والتسليم في قدره المحتوم بالانسحاق المجتمعي المنحرف، وفي سعيه اللامجدي بلوغ تحقيقه القيم الصحيحة في مجتمعه. وأما يقبل التحدي ويصارع طواحين الهواء بلا نتيجة..وبغير هذا التناقض الجدلي الذي يعيشه الانسان الموزّع الضمير بين الصحيح والخاطيء بالحياة، وفي عدم استطاعته تحقيق الاتساق المتصالح مع النفس والمجتمع. لا يبقى امامه الا أن يتطابق مع وعيه المجتمعي الزائف في نسيان وجوده باندماجه في الكلية المجتمعية ودخوله رتابة الحياة اليومية التي يستهلكها أشباع الغرائز والحاجات البايولوجية الضرورية في أدامة حياته كيفما أتفق، ويعيش عذابات الخلل الزائف في ذاته قبل أدراكه الخلل المستشري بمجتمعه وعجزه عن فعل أي شيء يؤمن به وبذلك يكون الوعي الحقيقي هو الجحيم.

     

    الباحث علي محمد اليوسف /الموصل

     

     

    علي رسول الربيعيغالبا من يتم تناول أفكار أرنديت في ما يتعلق بنقدها للتوليتارية، والعنف لكننا سنتناول أراء أرنديت في قضية أخرى وهي الديمقراطية الجمهورية. لم تكتب حنه أرندت كتابًا عن الديمقراطية لكن مع ذلك كان لأعمالها الفكرية أثرا مهما على النظرية الديمقراطية. كانت توصف ابان وفاتها عام 1975 بأنها بطلة السياسة التشاركية ولكن ايضاً في أوساط أخرى كانت ينظر اليها أنها مثالية طوباوية. منذ ذلك الوقت، دفعت الحجج والقضايا السياسية الهامة التي قدمتها أرنديت في العالم الواقعي، العديد من المنظرين السياسيين (بما في ذلك بعض المهتمين بالديمقراطية تحديدا) إلى إيلاء المزيد من الاهتمام لوجهة نظرها عن السياسة بوصفها نشاط مفتوح العضوية لا يمكن التنبؤ بمجرياته ونتائجه. هناك مساهمتان مختلفتان في النظرية الديمقراطية يمكن العثور عليها في عملها: أولاً، رؤية جمهورية بديلة لما يمكن أن تكون عليه الديمقراطية، وثانياً تفسير أصيل ومقنع عن العمل السياسي.

    كانت آريندت تنتقد بشدة النظام الديمقراطي الليبرالي القائم،[2] مفضلةً أتباع التقليد الجمهوري الكلاسيكي الذي تحدثت عنه عادة باسم "الحرية العامة"، أيً المشاركة المباشرة في السياسة من قبل المواطنين العاديين. هذه الرؤية البديلة، النظام اللامركزي المبني على ما أسمته "المجالس" رغم أنه يبدو موضوع ثانوي لكنه متكرر طوال كتاباتها.[3] كانت وجهة نظرها حول هذا الموضوع غير عادية، انتقدت من خلالها النخبوية كما سنرى؛ وكانت تحمل فضيلة مواجهة مشكلة غالباً ما يتهرب منها الديمقراطيون الراديكاليون، ألا وهي التوتر بين المثل الأعلى للعمل السياسي على مستوى القاعدة من ناحية وخبرات القرن العشرين للسياسة الجماهيرية من ناحية أخرى.

    بصرف النظر عن هذا الاهتمام بالمشاركة، فإن لنظريتها السياسية تداعيات أكثر جوهرية على الديمقراطية لأنها تعيد التفكير في السياسة نفسها، مع تركيز الانتباه على الطبيعة التعددية والعفوية للفعل أو للعمل. وقد شجع إعادة التفكير هذا الديمقراطيين من نواح كثيرة. تؤكد، عن سبيل المثال، على انفتاح المستقبل، وقدرة الجهات السياسية الفاعلة على خلق أو تشكيل بدايات جديدة والقيام بما هو غير متوقع. وتشير إلى كيف يمكن للأفراد الذين لا حول لهم ولا قوة أن يتصرفوا بشكل جماعي لأنتاج السلطة فيما بينهم. يمكن أعتبار الثورات المعادية للشيوعية في عام 1989 في بعض النواحي تبرهن على إيمانها بإمكانية دائمة للفعل والسلوك من قبل أولئك الذين يختارون قبول مسؤولية المواطنين.[4] تشهد المبادرات الشعبية، ضمن الديمقراطيات الليبرالية الراسخة، مثل حركة الحقوق المدنية الأمريكية[5] على قوة هذا النوع من السياسة غير الرسمية.

    لفتت أرنديت الانتباه، من ناحية أخرى، أيضًا إلى بعض الآثار المقلقة للتعددية والحركات العفوية. فنظراً لأن العمل السياسي يقوم بين أشخاص متعددين ومختلفين، وليس بين روبوتات، فإنه لايمكن تجنب نتائج هذه التعددية وحركاتها ولا يمكن التحكم فيها. لذلك فإن الطموح الديمقراطي التقليدي للناس وهو "الاستيلاء على السلطة" من أجل "تحديد مستقبلهم" هو مجرد وهم. علاوة على ذلك، حتى عندما تكون نتائج العمل السياسي مرغوبة، فهي أيضًا مشروطة وهشة وتعتمد على العمل المستمر لهؤلاء الذين يهتمون بالمجال السياسي. وقبل كل شيء، لا يمكن لأي فلسفة سياسية أن تخبر الفاعلين السياسيين بما يجب عليهم فعله أو تقديم مخطط للعمل. يمكن للمشاركين داخل المساحة العامة التي تنفتح بين المواطنين النشطين، أن يتعلموا من بعضهم البعض وأن يطوروا قدرتهم على الحكم، ولكن في النهاية يتعين عليهم أن يحكموا ويتصرفوا "دون أعمدة" ساندة، على حد تعبير أرندت، ودون أي وسيلة لضمان أن مبادراتهم وقراراتهم سوف تتحول بشكل جيد.[6]

    تتداخل سلسلة الأفكار الأصلية في عملها بطريقة تجعل من الصعب تلخيص أفكارها أو فصل وجهات نظرها حول الديمقراطية من جوانب أخرى من فكرها. ومع ذلك، سأحاول القيام بذلك قدر الإمكان، سأتجاوز مناقشة أراءها عن الشمولية – بأعتبار ذلك اصبح شائعا ومعروفا- الذي قادها إلى إعادة التفكير في طبيعة العمل السياسي، وأنتقل الى البحث في الآثار العامة لهذا على الديمقراطية، ومن ثم التحول إلى اهتمامها بالعمل الشعبي المباشر ودفاعها عن المواطنة التشاركية. في الختام سأحاول تقديم تقييم نقدي لهذا الجانب من تفكيرها.

    الثورة والمشاركة

    بينما كانت آريندت تعبر عن فهمها للعمل في كتابها "الوضع البشري"، بدا أن الأحداث السياسية، متمثلة في صورة الثورة المجرية الفاشلة في عام 1956، قد قدمت تأكيدًا صارخًا عن فهما ذاك. يبدو نظام الهيمنة الراسخ قد فقد السلطة فجأة: الناس الذين لا أهمية ودور لهم، والذين كأنهم خرجوا فجأة من حالة الجهالة والضلال والخمول، تحولوا إلى مواطنين واجتمعوا على مستوى القاعدة الشعبية لإنشاء مساحاتهم العامة وتوليد قوة جديدة من خلال العمل الجماعي. رغم أن هذه البداية الواعدة تم سحقها بسرعة من قبل القوة العسكرية لحكومات حلف وارسو (التي كان بإمكانه الاعتماد على امتثال قواته العسكرية في ذلك الوقت) لكنها ساعدت في تحويل انتباه أرندت إلى ظاهرة الثورة وإخفاقاتها وإمكانياتها.

    كانت النتيجة كتابها "في الثورة"، وهو مجموعة معقدة ومتعددة من الأفكار حول الحالات المتناقضة للثورتين الأمريكية والفرنسية في أواخر القرن الثامن عشر. بدأ الاثنان (مثل الانتفاضة الهنغارية) بتجربة مبهجة للتحرير، حيث تخلص الأشخاص من قيود الحكم واكتشفوا إمكانية غير متوقعة للعمل سويًا مع الجمهور ولتصرف بشكل علني. سرعان ما تحولت البهجة، إلى مأساة في الحالة الفرنسية حيث توارت الحرية في أوضاع الإرهاب. أرجعت أرندت نتائج ذلك إلى الانشقاقات في سياسة أو أدارة المشكلة الإجتماعية. ارتفع معدل الفقر الجماعي، الذي كان موجودًا دائمًا، فجأة إلى قمة جدول الأعمال السياسي، حيث حشدت الثورة الحشود الجائعة. لا يمكن للعمل السياسي في ظروف الندرة في الاقتصاديات ما قبل الحديثة، فعل أي شيء لعلاج بؤس الفقراء. ولكن بمجرد إبراز معاناتهم في الساحة السياسية، فإن إلحاحها الشديد الذي جعل الاهتمام بتأسيس جمهورية دائمة يبدو بلا قلب.[7]

    كانت التجربة الأمريكية أكثر نجاحًا حيث تمكن الثوار من الانتقال الصعب من تجربة التحرر الثوري إلى تأسيس "منزل جديد حيث يمكن للحرية أن تسكن،" جمهورية لها "مؤسسات دائمة"[8]؛ كان هذا أسهل بالنسبة لهم من الثوار الفرنسيين، ويرجع ذلك جزئيًا إلى أن الرخاء غير المسبوق للفقراء (البيض) في أمريكا أبقوا "المشكلة الاجتماعية" هذهفي أسفل جدول الأعمال السياسي، وجزئياً لأن مؤسسي الجمهورية الجديدة كان يمكنهم البناء على تقاليد العمل السياسي العائد إلى الآباء المهاجرين؛ فقد أكتشف هؤلاء المستوطنين البريطانيين الأوائل، حسب أرنديت، تقريبًا عن غير قصد لأنفسهم "القواعد الأساسية للعمل السياسي"،[9] ووصلوا إلى أرض خالية خصبة حيث كانت سلطة الملكية البريطانية بعيدة جدًا عن أن تكون مؤثرة عليهم، فبنوا نظامهم السياسي الخاص من الألف إلى الياء، وذلك باستخدام لبنات البناء كاتفاقات ملزمة. عندما قام "الشعب" في وقت لاحق بالتمرد ضد الملك جورج، واعتمدوا الدستور لاحقًا، كانوا أشخاصًا يمثلون مرحلة مفصلية في الهيئات المحلية حيث اعتاد الأفراد على العمل سويًا والقدرة على تفويض الممثلين الذين يمكنهم الوثوق بهم. في تحدٍ للتقليد الهوبيسي والروسوي في التفكير في السلطة السياسية كسيادة قانونية يمكن تقويضها بالانقسام، جادل أرندت بأن الأمريكيين عرفوا بالتجربة أن الدولة التي بها العديد من الميادين المختلفة التي يتم فيها توليد السلطة أقوى من دولة واحدة بمركز واحد.

    قارنت أرندت هذا النوع من الناس الفيدراليين، حيث تولد السلطة في مجالسهم المحلية، مع "الشعب" الذي احتج به وطلب مساعدته الثوار الفرنسيون، والذي لم يتعدى كونه مجرد خيال قانوني (أيً،مجرد بديل للملك السيادي) أو غوغاء يتضورون جوعًا في الشوارع. وتباينت ايضا مع جمهور الناخبين مثل الناخبين في الولايات المتحدة الأمريكية، الذين فشلوا في الوفاء بالوعد الثوري في الحرية السياسية التي يجب أن يتمتع بها المواطنيين الناشطين سياسياً. على الرغم من أن الجمهورية الأمريكية كانت في وقت تأسيسها قد نجت من ضغوط الفقر الشامل، إلا أنها، كما تعتقد أرنديت، أنها أصبحت مهددة من نوع مختلف من المشاكل الاجتماعية، الاستهلاك الجماعي، و"السعي لتحقيق السعادة" بمعنى الثراء الخاص. لاحظت أرندت مرددًة آراء العديد من أسلافها في التقليد الجمهوري الكلاسيكي. أنه لطالما كان يعتقد أن "الحرية والرفاهية غير متوافقين"،[10] وربطهما بالمشكلة الإجتماعية " في حين أنه من صحيح أن الحرية لا يمكن أن تأتي إلا لأولئك الذين تم تلبية احتياجاتهم، ومن الصحيح أيضًا أنها ستهرب من أولئك الذين لايعيشون الا من أجل رغباتهم.[11] قد يعني المصلحة العامة التي هي رفاهية الجمهورية القليل بالنسبة لأولئك الذين ولدوا للأستهلاك، وأولئك الذين يعانون الجوع.

    المشكلة في الديمقراطية الحديثة، في نظرها، هي "غزو المجال العام من قبل المجتمع "، [12] وهذا يعني عندها أنه بدلاً من مشاركة الاهتمام بالمصلحة العامة، يستخدم الناس السياسة كأداة جماعية لخدمة المصالح والاهتمامات الخاصة. يشغل الساحة العامة سياسيون محترفون. في حين أن الناخبين بشكل عام أصبحوا مستهلكين. وفي وضع لا يمكنهم من مناقشة الشؤون العامة وتشكيل آراء حقيقية بشأنها. يحاول السياسيون المحترفون أقناع الناس بانتخابهم من خلال اللجوء بشكل صارخ للمصالح الخاصة للناخبين. وفي الوقت نفسه، لا يحدد الناخبون اختيارهم بالنظر الى أي مصلحة عامة (ولا يتحملون أي مسؤولية عنها)، ولكن، ببساطة، أختيار من يقدم لهم أكثر كأفراد. فبدا وكأن أن عملية الانتخاب بمثابة ممارسة للرشوة. لقد جعلتها التجربة السابقة من القرن الماضي، حيث أيًد الكثير من الألمان "غير السياسيين" هتلر وأندفعوا مع مصالحهم الخاصة، تخشى أن هذا النوع من العلاقة بالسياسة لم تكن فاسدة فحسب، بل خطيرة.

    سيكون من الخطأ افتراض أن ليس لديها تقدير للديمقراطية الليبرالية الحديثة. على الرغم من أن تجربة الأنظمة الحزبية غير المستقرة والمنقسمة عقائديًا لجمهورية فايمار في ألمانيا والجمهوريتين الثالثة والرابعة في فرنسا قد منحتها نظرة متشككة في سياسات الأحزاب، فقد كانت مدركة تمامًا لقيمة النظم السياسية التي تحمي الحريات المدنية ومسؤولة عن رعاياها. وعلى وجه الخصوص، بدا أن نظام الحكم الثنائي في بريطانيا والولايات المتحدة، والذي تعتبر فيه المعارضة شرعية ومسؤولة، متفوقة إلى حد كبير على النزعات المركزية والاستبدادية التي مثلتها (كما تعتقد) معظم اشكال الحكومة التمثيلية الموجودة في ذلك الزمن.[13] وأقرت في بعض الأحيان، علاوة على ذلك، بأن الولايات المتحدة الأمريكية لم تستسلم بالكامل للسياسة المهنية، واحتفظت ببعض ملامح قوة المواطن الفيدرالية التي بدأت منها.[14]

    لكنها لم تضفي الطابع المؤسسي على "الحرية العامة" التي مرت بها الثورة. ولم يمنح الهيكل الفيدرالي للآباء المؤسسين مساحة كافية للمشاركة المحلية المباشرة في السياسة (على سبيل المثال من خلال اجتماعات المدن التي أعيد تنشيطها) والتي كانت الأجيال اللاحقة قادرة على تحمّل المسؤولية وتجربة "السعادة العامة" للتصرف كمواطنين. أكد أرندت أن توماس جيفرسون كان قد رأى (بعد فوات الأوان) "الخطر ... أن كل السلطة قد أعطيت للناس بصفتهم الشخصية، وأنه لم يكن هناك مساحة مخصصة لهم بصفتهم مواطنين"[15]. فقد فشل المؤسسون في الحفاظ على الروح الثورية على الرغم من نجاحهم من نواح كثيرة في الانتقال من الثورة إلى جمهورية دائمة.

    يتعلق الفصل الأخير من كتابها "في الثورة" بهذا "الكنز المفقود" للثورة. وكان مطالبة أرندت أن تجربة الحرية العامة في العمل بين المواطنين. على الرغم من إعادة اكتشافه مرارًا وتكرارًا في المواقف الثورية، إلا أنه لم يتم حفظه فعليًا في مؤسسات الجمهورية الأمريكية ولا في التقاليد الثورية الأوروبية، التي كانت تسيطر عليها ذاكرة الثورة الفرنسية الفاشلة كما ترى. وفقًا لوجهة نظر أرنديت حول العلاقة الصحيحة بين الفكر السياسي والعمل السياسي، لم يكن غرضها وضع برنامج لإعادة بناء الديمقراطية بقدر ما كان لاستعادة ذاكرة التجارب المنسية. "إن التجارب وحتى القصص التي تنبثق مما يفعله الناس ويتحملونه، من الأحداث والأحوال، تعود إلى العبث المتأصل في الكلمة الحية والأفعال الحية ما لم يتم الحديث عنها مرارًا وتكرارًا." [16]

    إن التجارب التي كانت ترغب في استردادها والحفاظ عليها تتعلق بما تشير إليه غالبًا باسم "نظام المجلس". لقد كان هذا شكلًا جنينيًا لجمهورية تشاركية تقوم على اتحاد من مجموعات وجهاً لوجه، ظننت أنها ظهرت مرارًا وتكرارًا في سياق الثورات، ولم يتم سحقها إلا لمصلحة دولة مركزية. عن سبيل المثال، اتخذ النشاط الشعبي خلال الثورة الفرنسية شكل التحريض الشعبي ليس فقط بخصوص "القضية الاجتماعية" ولكن أيضًا بخصوص التكوين التلقائي لهيئات الحكم الذاتي. توحّد بعضها كما في كومونة باريس، وكا (على الأقل جزئيًا) منظمات مكّنت المواطنين من الاهتمام بالمصلحة العامة.[17] على الرغم من ظهور هيئات أو مجالس بسرعة مماثلة في جميع أنحاء البلاد، الا أنها كانت "منظمات أولى لجمهورية لم تظهر إلى حيز الوجود"[18] قد تم الاستيلاء عليها وتدميرها بسرعة من قبل حزب اليعاقبة، وهو رمز للمصير ذلك الذي واجهه السوفييت لاحقًا خلال الثورة البلشفية.

    ما يبدو رائعًا واستثنائيا بالنسبة إلى أرندت هو أنه على الرغم من إهمال هذه الأجهزة الشعبية للحكم الذاتي في التقاليد الثورية، إلا أن الشيء ذاته، "المجالس والسوفييتيات، ظهر بشكل عفوي وغير متوقع تمامًا في ثورة بعد ثورة في القرنين التاسع عشر والعشرين. - في كومونة باريس عام 1871، في الثورات الروسية لعامي 1905 و1917، في ألمانيا بين عامي 1918-19، وفي عام 1956 في المجر. لكن تم تدميرها جميعًا، وعلى يد أحزاب ادعت أنها ثورية غالبًا. كان الاختراع أو الاكتشاف المتكررين لشيء غير متوقع في رأي أرنديت، هو "غياب الاستمرارية والتقاليد والتأثير المنظم الذي يجعل تشابه الظاهرة مدهشًا للغاية".[19] يمكن العثور على الأعتراض على مثل هذا التقدير لهذه الظاهرة في كتابات الفوضويين مثل برودون أو باكونين. ومع ذلك، تشدد أرندت على أن المجالس المعنية لم تكن أناركية (فوضوية)، بل كانت تهدف إلى إنشاء نظام حكم جديد يتم بناء اتحاده من القاعدة، شكل جديد من الحكم يقوم على المشاركة المباشرة للمواطنين. كانت هذه "فضاءات للحرية"[20] مزيج من المشاركة الشعبية مع الاتحاد في جمهورية أوسع، اعتقدت أنها تستطيع أن ترى فيها إمكانية وجود بديل حقيقي للديمقراطيات التمثيلية المركزية، ديمقراطية يمكن التمتع فيها بالحرية الحقيقية.

    فشل هذا "الشكل الجديد من أشكال الحكم" في الازدهار وكان إلى حدما قضية خاسرة. تناولت أرندت في مقابلة أُجريت عام 1970، أي قبل وفاتها بخمس سنوات، مسألة ما إذا كانت التفكير على هذا المنوال يعتبر حالة يوتيوبية. فقد رأت أن هناك حاجة إلى نوع جديد من الدولة غير مبني على مفهوم السيادة في ضوء مشاكل العلاقات الدولية في العصر النووي، واقترحت أن البديل الوحيد (على الرغم منأن هذا البديل لم يتجاوز بعد المرحلة الجنينية) هو هذا النوع من الجمهورية المبني على المجالس الفيدرالية التي تم الإعلان عنها بانتظام خلال الثورات. لقد كان حماسها لهذا البديل واضحًا. فتقول" في هذا الاتجاه، أعتقد أنه يجب أن يكون هناك شيء ما، مبدأ تنظيمي مختلف تمامًا، يبدأ من القاعدة ، ويستمر في الصعود، ويؤدي في النهاية إلى البرلمان." [21]

    ومع ذلك، فقد أوضحت أن ما كانت تفعله هو التعليق على الأحداث والاحتمالات (مع الأخذ في الاعتبار انفتاح المستقبل وابتكار البشر) بدلاً من تقديم نموذج: "ما إذا كان هذا النظام هو يوتوبيا خالصة - في أي حال سيكون يوتوبيا للناس، وليس يوتيوبيا للمنظرين والآيديولوجيين - واضافت إذا سألتني الآن عن احتمال تحقيقها فعنئذ أجيبك بشكل غير جازم، ربما بعد أعقاب قيام ثورة قادمة.[22]

    المشاركة والنخبوية

    جذبت وجهات نظر أرندت حول "نظام المجلس" قدراً كبيراً من النقد. لم يركز النقاد على محاولتها لإستعادة هذه التجارب الثورية في المشاركة (أو حتى على تكهناتها حول ما قد تجلبه الثورات في المستقبل) ولكن على صفحات قليلة في نهاية كتاب الثورة. كانت تدرس فيها بعض الآثار التي قد تترتب على مثل " نظام المجالس" هذا اذا تم تطبيقه. لقد أندهش معظم قرائها حيث وجدوا أن ثمن مشاركة المواطن تؤدي الى خسارة ما يعتقده معظمنا على أنه ديمقراطية، مما يؤدي إلى حكم النخبة المختارة. كانت ملاحظتها سياق هذه المناقشة، قبل بضع صفحات، بأن ما نسميه اليوم ديمقراطية هو شكل من أشكال الحكم حيث يحكم القلة بأفتراض أنهم يحكمون لصالح الكثيرين. هذه الحكومة ديمقراطية بمعنى أن الرفاهية الشعبية والسعادة الخاصة هي أهدافها الرئيسية؛ ولكن يمكن تسميتها حكم القلة بمعنى أن السعادة العامة والحرية العامة أصبحت مرة أخرى امتياز القلة![23]

    بالمقابل موجب "نظام المجالس"، فإن الحرية العامة - الفرصة لاتخاذ إجراء - ستكون متاحة ليس فقط لهؤلاء السياسيين القلائل المحترفين، ولكن للمواطنين بشكل عام، شريطة أن يكونوا مستعدين لاغتنام الفرصة للمشاركة. أنه لمن الأهمية بمكان ملاحظة أن أرندت تختلف عن معظم منظري الديمقراطية التشاركية في قبول فكرة أن معظم الناس لن يرغبون في الاشتراك في الشؤون العامة، وهذا يعني ضمناً أنهم يستبعدون أنفسهم من المشاركة في السلطة. على الرغم من أن جميع البشر قادرون من حيث المبدأ على أخذ زمام المبادرة، وبالتالي المشاركة في التفاعل الديناميكي الذي تسميه "الحرية العامة"، إلا أنها تعتقد أن معظمهم يفضلون الحياة الخاصة. إن مناقشتها صريحة وغير معتادة، ولا تخشى استخدام مصطلح "النخبة" لأولئك الذين يختارون إشراك أنفسهم في الشؤون العامة وحتى الإشارة إلى شكل الحكومة الناتج باعتباره "أرستقراطي". كما لاحظت عند النظر إلى التجربة التاريخية، أن "الحرية، حيثما وجدت كواقع ملموس، كانت دائمًا محدودة من الناحية المكانية"، وهي حالة "جزر في البحر" أو "واحات في الصحراء".[24] إن أولئك الذين تحركهم "المشاعر السياسية" من كالشجاعة والطموح والسعادة العامة والحرية العامة كانوا دائماً أقلية. إنها لا تتحدث فقط عن "المسؤولية التي تقع تلقائيًا على عاتق من يهتمون بمصير أولئك الذين لا يهتمون بها"، ولكن عن "الحاجة الماسة للقلة لحماية أنفسهم ضد الكثرة" من أجل الاستمتاع بجزيرة الحرية.[25]

    إذن، إن "نظام المجالس" مثل أشكال الحكم الأخرى، يعني الحكم من قبل النخبة. الفرق هو أنه بدلاً من أن تكون نخبة من السياسيين المحترفين المسؤولين أمام جمهور الناخبين، ستكون هذه نخبة من أولئك الذين يهتمون بالشؤون العامة، ويمكن لأي مواطن أن يكون جزءًا من ذلك من حيث المبدأ. يمكن لجميع الذين يرغبون في القيام بذلك أن يشاركوا على مستوى القاعدة، وقد يكونون أيضًا من بين النواب الذين سينتقلون إلى المستوى التالي في الاتحاد، ليس كممثلين لخط الحزب ولكن كأفراد موثوق بهم من قبل أقرانهم. لكن أولئك الذين لم يبذلوا جهدًا للحضور لن يكون لهم أي تأثير على المناقشات أو الخيارات؛ من شأن "نظام المجالس" أن يوضح نهاية الاقتراع العام كما نفهمه اليوم. إن مسؤوليات الحياة العامة تقع على عاتق "هؤلاء القلة من جميع مناحي الحياة الذين لديهم ذوق للحرية العامة ... من الناحية السياسية، هم الأفضل، وهي مهمة الحكم الجيد وعلامة على جمهورية جيدة التنظيم لتؤكد مكانهم الصحيح في المجال العام ".[26]

    يرافق هذا الدفاع الصريح عن نسخة ديمقراطية من السياسة "الأرستقراطية" محاولة مثيرة للجدل بنفس القدر لتمييز وفصل السياسة عن "الإدارة" وإبعاد القضايا "الاجتماعية" عن السياسة. لاحظت أرندت أنه عندما ظهرت "المجالس" في سياق الثورات، فقد جعلوا الأمور صعبة على أنفسهم بانتظام من خلال عدم القيام بذلك التمييز. لقد كان الخطأ القاتل للمجالس دائمًا هو أنهم لم يميزوا بين المشاركة في الشؤون العامة والإدارة أو إدارة الأمور في المصلحة العامة.[27] نتيجة لذلك، حاولت مجالس العمال إدارة المصانع، ولكن عادة ما كانت النتائج كارثية. إن هذا لا يمكن أن ينجح، وفقًا لأرندت، لأن السياسة والإدارة تتطلب صفات مختلفة تمامًا. ففي رأيها، لن تكون مهمة المواطنين المشاركين في جمهورية فيدرالية هي "إدارة الاقتصاد" - أن طريقة للتفكير في السياسة التي توضحها تنحية للسياسة بسبب المخاوف "الاجتماعية" البحتة.

    التقييم النقدي

    حظيت وجهات نظر أرندت بشأن الديمقراطية بأستقبال نقدي من قبل المدافعين عن الديمقراطية الليبرالية الغربية ومن معارضينها، كما خلقت مشاكل لمعجبيه. لقد وجد المدافعون أنه من المثير أنها إنها لم تعترف كثيرًا بفوائد النظم التمثيلية الليبرالية على الرغم من تجربتها النازية ودراساتها عن الشمولية. لأنه (على حد تعبير جورج كاتب) بدون ديمقراطية تمثيلية "سيكون هناك المزيد من الأشياء التي تخشاها وعدد أقل من الأشياء التي تحتفل بها".[28]وعلى وجه الخصوص، مثل هذا النوع من السياسات العفوية، غير الرسمية، التي تحظى برعاية الجمهور، والتي احتفلت بها - من أجل الحقوق المدنية وضد حرب فيتنام، عن سبيل المثال - تعثر على أجواء مضيافة في إطار تلك الديمقراطيات الليبرالية ذاتها رغم تشوهها بعوامل بمادية أو دنيوية للناخبين ولدغة السياسة كذلك.

    في الوقت نفسه، غالبًا ما كان أولئك الذين تعاطفوا مع نقد أرندت للديموقراطية الليبرالية مستاءين من وجهات نظرها، لا سيما من مقولتها "أنا اجتماعية". اعتاد الكثيرون من اليسار على التفكير في الثورة من حيث القوى والنتائج الاجتماعية، وكانوا مهتمين بالديمقراطية الراديكالية بشكل أساسي كوسيلة لتمكين الفقراء من تحقيق العدالة الاجتماعية. إن أدعائها بأن السياسة قد أُفسدت بسبب توغل المخاوف "الاجتماعية" يبدو لمثل هؤلاء القراء غير مفهوم. [29]

    ومع ذلك. كان هناك دائمًا بعض المنظرين السياسيين الذين يستجيبون لتأملاتها حول العمل السياسي على مستوى القاعدة الشعبية، وغالبًا ما كان هؤلاء الأشخاص يشاركون أو يستجيبون لهذا النوع من النشاط التلقائي في ما يتعلق بالمواطنين الذين كتبت عنهم.[30] تميل الأحداث منذ وفاتها لتأكيد فهمها ولفتها الانتباه إلى الجوانب الإبداعية للسياسة التي تعد أساسية للغاية للديمقراطية، ولكن النظرية الديمقراطية السائدة تجاهلت ذلك بشكل عام. أنظر في بعض الأحداث التي تؤيد وجهة نظر أرنديت خلال السنوات الماضية؛ فقد قام المعارضون في العديد من الدول العربية بالتضحية بمصالحهم الخاصة من أجل المصلحة العامة، وبخلق مساحات للحرية العفوية، واظهر الناس من مختلف المهن، كيف يمكن خلق القوة من قبل أفراد لا حول لهم ولا قوة عندما يجدوا الشجاعة للتصرف علنًا في أنسجام. قدمت ثورات وحركات وأحتجاجات المواطنين وانهيار الحكومات في الدول العربية ابان ما يعرف بـ " الربيع العربي" أمثلة حية على الثورات "الأرينديتية" (وغير الماركسية بالكامل). في ضوء هذه التجربة المعاصرة والراهنة، فإن العديد من جوانب مقاربة أرندت للديمقراطية تبدو معقولة أكثر من ذي قبل، على الرغم من استمرار المشكلات والمعضلات، لا سيما فيما يتعلق بـ"نظام المجلس".

    لقد كانت هذه الثورات علامة على خسائر السياسة الإيديولوجية اليسارية بمعنى أوسع. أذ أن مجموعة كاملة من الافتراضات، التي قُدمت في السابق بكل ثقة بأنها بديهية لم تعد هكذا. ولم يعد من المسلم به أن المجتمع والاقتصاد يمكن بل ويجب أن يعاد تشكيلهما من خلال الاستيلاء على السلطة السياسية، أو أن المستغلين والمضطهدين يجب أن يمثلوا قوى التقدم. بعد 200 عام من الإيمان الراديكالي بالعصر الذهبي في المستقبل، يبدو أن المستقبل لم يتم تحديده لنا. إصرار أرندت على التعددية وعدم اليقين في السياسة، وعلى عدم قدرة الجهات الفاعلة على التنبؤ أو السيطرة على آثار أفعالهم، استبق تأكيد ما بعد الحداثة على الانفتاح المتأصل للديمقراطية. كان الديمقراطيون الراديكاليون يشعروا بالثقة في الماضي (مستمدًا من نظرة ثاقبة اتجاه التقدم) من النتائج التي تتستلزم عن المشاركة الشعبية الحقيقية. أما الآن فهناك جمهور أوسع، يؤيد المنظرين الذين يتبنون، كما كانت أرندت، الرأي الذي يقول باستقلالية السياسة التي لا تستطيع النظرية توقع نتائجها. أو كما يقول بنيامين باربر: 'تبدأ السياسة الديمقراطية حيث ينتهي اليقين."[31]

    الاعتراض على آراء آرندت حول المواطنة التشاركية، إذن، على أساس أنها لا ترى ذلك كطريق إلى العدالة الاجتماعية، يبدو غير مناسب على نحو متزايد. علاوة على ذلك، فإن تشديدها على الدور الذي تلعبه نخبة من المواطنين الذين يتمتعون بروح الجمهور في النشاط الديمقراطي الراديكالي، يبدو مختلفًا إلى حد ما عندما ينظر إليه في ضوء الأحداث الأخيرة، في الدول العربية وما سبقه من ثورات اطاحت في الأنظمة في أوروبا الشرقية. هناك، كما يلاحظ جيفري إسحاق، توترًا حقيقيًا "بين السلوك الجماهيري والمواطنة ذات المغزى"[32] وهنا نجد أنفسنا امام تساؤل هل نحن أمام خيار إما سياسة جمهوريّة بطولية بالنسبة للقلة، من النوع الذي تعجب به أرندت، أو النموذج المألوف للديمقراطية الليبرالية، والذي قد يكون جيدًا في حماية الحقوق المدنية، ولكنه يوفر سياسات حزبية مادية للجماهير بدلا من الحرية العامة؟

    حاول جيفري إسحاق حل هذه المعضلة من خلال الإشارة إلى أن هذين النوعين من السياسات الديمقراطية متكاملان في الواقع العملي أكثر من كونهما متعارضين، وأن أرندت نفسها رأتهم على هذا النحو.[33] ويجادل على المستوى العملي، بأنه إذا أُريد للديمقراطية أن تزدهر فإنها تحتاج إلى كلا الجانبين: سياسة الخبز والزبدة للسياسيين المحترفين، والمنافسة الحزبية وتمثيل المصالح من ناحية، والسياسة غير الرسمية، كما تتحدث عنها أرنديت، التي تتعلق بالمواطنيين المتحمسين للعمل العام من ناحية أخرى.

    يزعم إسحاق أن أرنديت كانت تفكر بنفس الطريقة التي تحدثت بها عن "المجالس": إنها لم تكن تعني حقًا أن تحل محل الديمقراطية التمثيلية، أو ترحب حقًا باحتمال أن تحكم النخبة المختارة بقية السكان. كل ما كانت تقصده (طبقا هلذا التفسير) هو أن "المجالس" ستحافظ على مساحاتها الحيوية من الحرية إلى جانب السياسة التمثيلية العادية التي تهتم بالمصالح المادية للسكان، كما تفعل المنظمات التطوعية للمواطنين.

    ليس هناك شك الآن في أن هذا شيء قد قالته أرندت بشكل متماسك. كما جادلت (بطريقة قد تُعتبر متشابهة) أن العصيان المدني، رغم أنه غير قانوني بحكم تعريفه، هو بمعنى ما جزء من البنية الدستورية الموروثة للجمهورية الأمريكية لأنه يمثل واجب المواطن في تحمل مسؤولية الهيئة السياسية التي يوافق عليها.[34] ومع ذلك، على الرغم من أن هذا ما كان يمكن أن تقوله، إلا أنه ليس ما قالته. تشدد مراراً وتكراراً عند الإشارة إلى نظام المجلس على أنها تتحدث عن شكل جديد من أشكال الحكومة.[35] وهذا مايبين اهتمامها بالكشف عن اختفاء السياسة من اهتمامات ليس فقط لأولئك الذين يختارون عدم الاهتمام بالشؤون العامة، ولكن أيضًا لأولئك الذين لا يستطيعون القيام بذلك لأنهم (على سبيل المثال) كبار في السن أو مرضى أو ليس لديهم الرغبة في الشأن العام .

    يبدو أن السبب الذي جعل أرنديت نفسها تجد هذا الترتيب معقولًا يكمن في التمييز الإشكالي بين "السياسي" و"الاجتماعي"، وخاصة فصلها عما أسمته "الإدارة" عن السياسة. لقد كانت قادرة على إنكار أن المخاوف الاقتصادية لعامة الناس كانت مواضيع مناسبة للنقاش السياسي، لأنها تعتقد أن هذه أمور تتعلق بـ "الإدارة" والتي يوجد بشأنها إجماع قائم على أساس موضوعي. يبدو أن هذه كانت وجهة نظر تم تشكيلها في ذروة التدخل الكينزي، عندما كان القول أن الاشتراكية والليبرالية تقاربتا نحو نموذج مشترك للتخطيط الحكومي للاقتصاد مقبولاً.[36] هيمن بعد ذلك الحين، إجماعًا مختلفًا تمامًا في ما يتعلق بالاقتصاد السياسي، وإذا كان لممثلي الأسواق الحرة المفتوحة من اليمين الجديد طريقهم الأقتصادي، فيمكن القول بأن أرندت كانت على حق في الاعتقاد بأن مسائل الرخاء تكمن خارج السياسة، لأن جهود الحكومة حسنة النية! تضر أكثر مما تنفع. هذا التحول في النموذج الاقتصادي من النوذج الكينزي إلى نموذج هايك يكفي بحد ذاته لإثبات أن هذه مسائل مثيرة للجدل إلى حد كبير. لا يمكن أن يكون هناك شك في أنه يوجد في الوقت الحالي مجال للكثير من النقاش المعقول (بين المواطنين وكذلك بين الاقتصاديين المحترفين) حول التوازن الدقيق الذي يجب تحقيقه بين التنافسية العالمية والحمائية الوطنية أو الإقليمية، وبين الحقوق الاجتماعية للعمال والحد من البطالة. إن الإيحاء بأن المواطنين الديمقراطيين يجب ألا يهتموا بمثل هذه المسأئل أمر لا يمكن الدفاع عنه، وكذلك الفكرة القائلة بأن مصالح الأشخاص المعرضة للخطر يمكن أن تترك بأمان خارج النقاش.

    تظل بعض جوانب تفكير أرندت حول الديمقراطية إشكاليًة. ومع ذلك، يمكن للديمقراطيين أن يتعلموا الكثير مما قالته حول الطبيعة التعددية للسياسة والإبداع الذي لا يمكن التنبؤ به للعمل السياسي. علاوة على ذلك، في أجواء التشكيك التي تثيرها طروحات "ما بعد الحداثة"، قد يكون من الحكمة عدم تجاهل التوتر الذي أشارت إليه بين المواطنة التشاركية والديمقراطية الجماهيرية بكل سهولة. فإذا كان التقدم والتنوير لا يمكن الاعتماد عليهما؛ وإذا لم يكن لدينا أي سبب للاعتقاد بأن العقل يجب أن ينتصر؛ وإذا كانت الديمقراطية منفتحة حقًا ونتائجها غير متوقعة بالفعل، فقد لا تكون "ديمقراطيات جديدة" فقط ولكن تجد نفسها تواجه مشكلة الشعوبية. قد تؤدي المناشدات الناجحة للناخبين على مستوى القاعدة الشعبية إلى لفت أنتباه وأهتمام أولئك الذين يقدرون الحرية العامة. إن العلاقات بين الشعبوية والديمقراطية معقدة. ولا يمكن مناقشتها هنا، فلها تفصيل آخر. لكن أي تقييم لتفكير أرندت حول الديمقراطية من شأنه أن يؤخذ في الاعتبار ليس فقط رؤاها حول المواطنين المتحمسين للروح العامة، ولكن كذلك تذكيرها بالآثار السياسية المترتبة على الغوغاء، والناخبين المستهلكين، والدعم الجماهيري للدكتاتورين أوالمستبدين .

     

    د. علي رسول الربيعي

    ..........................

    [1]

    [2] لقد اتُهمت بالفعل بعدم تقدير مزاياها. أنظر عن سبيل المثال:

    Kateb, Hannah Arendt: Politics, Conscience, Evil (Oxford, Marcin RobertSon, 1983). p. 115.

    [3] Richard Bernstein points out, she was already thinking along these lines in the 1940s, in her interventions in Zionist controversies. R. Bernstein, Hannah Arendt and the Jewish Question (Cambridge, Polity, 1996), pp. 11­12, 117-18. 127-30.

    [4] A. Michnik, Letters .from Prison and Other Essays (Berkeley, CA, University of California Press, 1985).

    [5] R. H. King, Civil Rights and the Idea of Freedom (Oxford, Oxford University Press, 1992).

    [6] Hannah Arendt, 'Hannah Arendt on Hannah Arendt', in M. A. Hill (ed.), Hannah Arendt: The Recovery of the Public World (New York, St Martin's Press. 1979), p. 336.

    [7] Hannah Arendt, On Revolution (London, Faber and Faber, 1963), pp. 53­

    [8] Hannah Arendt, On Revolution (London, Faber and Faber, 1963), p. 28

    [9] Arendt, On Revolution. p. 173.

    [10] Arendt, On Revolution, p. 135.

    [11] Arendt, On Revolution, p. 136.

    [12] Arendt, On Revolution, p. 223.

    [13] Arendt, On Revolution, pp. 271-2.

    [14] Arendt, On Revolution, p. 134.

    [15] Arendt, On Revolution, p. 256.

    [16] Arendt, On Revolution, p. 222.

    [17] Arendt, On Revolution, p. 247.

    [18] Arendt, On Revolution, p. 249.

    [19] Arendt, On Revolution, p. 266.

    [20] Arendt, On Revolution, p. 258.

    [21] Hannah Arendt, Thoughts on politics and revolution', in her Crises of the Republic (New York. Harcourt Brace Jovanovich, 1972), p. 232. 33

    [22] Arendt, Crises o[the Republic, pp. 231. 233.

    [23] Arendt, On Revolution, p. 273.

    [24] Arendt, On Revolution, p. 279

    [25] Arendt, On Revolution, p. 280

    [26] Arendt, On Revolution, pp. 283-4.

    [27] Arendt, On Revolution, pp. 277-8.

    [28] G. Kateb, Hannah Arendt: Politics, Conscience, Evil

    [29] أنظر عن سبيل المثال: H. F. Pitkin, 'Justice: On relating private and public', pp. 261-88, and J. F. Sitton, 'Hannah Arendt's argument for council democ­racy', pp. 307-29, both in L. P. Hinchman and S. K. Hinchman (eds), Hannah Arendt: Critical Essays (Albany, NY, Stare University of New York Press, 1994).

    [30] أنظر: R. H. King, Civil Rights and the Idea of Freedom (Oxford, Oxford University Press, 1992

    [31] أنظر عن سبيل المثال: King, Civil Rights, pp. xiii, 219 n. 24.

    [32] c. Isaac, 'Oases in the desert: Hannah Arendt on democratic politics', American Political Science Review, 88: 1 (March 1994), 156-68, esp. 156-8.

    [33] . Isaac, 'Oases in the desert: Hannah Arendt on democratic politics', American Political Science Review, 88: 1 (March 1994), 156-68, esp. 156-8.

    [34] Hannah Arendt, 'Civil disobedience'. in her Crises of the Republic, pp. 82, ­102.

    [35] Arendt, On Revolution, pp. 253, 259, 262, 265, 268, 271, 282, 284; 'Thoughts on politics and revolution', pp. 230-3.

    [36] أنظر: M. Canavan, Hannah Arendt: A Reinter­pretation of her Political Thought (Cambridge, Cambridge University Press, 1992), esp. Ch. 3.

     

    زهير الخويلدي"يمكن أن يكون الطب بالنسبة للفلسفة العامة في العلوم مناسبة التفكير الابستيمولوجي الأساسي في العلاقة بين النظرية والتطبيق داخل العلم" -  ألودي جيرو - فلسفة الطب،1[1]

    لقد انتهت الفلسفة في الآونة الأخيرة أن اتخذت دلالة واسعة جدا بحيث لم تعد تفيد أي شيء تقريبا بالنظر  إلى معناها الأصلي الذي كان يشير إليه اسمها المنحدر من التراث الإغريقي: فيلوصوفيا أي محبة الحكمة. لعل الاستعمالات الضعيفة لمفردة الفلسفة هي التي تسببت في هذا الانحباس الدلالي والقصور الوظيفي عندما غدت الصناعة تقتصر على ابتكار المفاهيم وتمثيل العالم وتحليل اللغة العلمية والتفكير في المعرفة. بينما تم إهمال المعاني الجذرية للفلسفة الأصيلة والحية والتي احتمت بها البشرية عند الشدائد سابقا للدفاع عن نفسها وللاحتماء بالقيم الكونية لما كانت تربطها بالحكمة العملية وتتخذها سلاحا ثوريا ضد الظلم والتفاوت وفنا في الحياة الجيدة وتزج بها في معركة ضمان البقاء في صراع إرادات من أجل حسن الوجود للأكثر صلابة واقتدار. لا يمكن الاقتصار في تحديد مفهوم الفلسفة على اعتبارها مجرد معرفة نظرية أو رؤية تصورية للعالم ولا يجدر الاكتفاء بالتعامل معها على أنها مجرد نظرية لغوية أو مقاربة تفكيرية للحقيقة وإنما يجب التعويل على التطبيق والممارسة في صياغة المبادئ وإدخالها إلى أرض الإيتيقا الطبية. لكن كيف تتغلب المجتمعات على المؤثرات والعواطف والأهواء المخلفة للانقسامات والمنازعات وتتمكن من بناء أشكال مفتوحة من الحياة وتتقاسم  جملة من الرؤى المُيَسِّرَة على تخطي أزماتها والرد على تحدياتها؟ وماهي المهام المعهودة على الفلسفة الطبية في زمن المرض المعولم؟

    يبدو أن الفلسفة العملية في حاجة ماسة إلى منهجية المعرفة التاريخية من أجل أن تكون في مستوى الحدث الحضاري ولكي تكتسب القدرة الإجرائية على فهم عالم الحياة واقتراح توجهات معيارية تنويرية متروية.لهذا يستمد التفكير في الإيتيقا وجوده من تعقل ظروف حياة المهاجرين وإجراء نقاشات حول خاتمة الحياة والارتياب من تزايد الفساد في أجهزة الدولة والبحث المتواصل عن تحيين النزاعات حول المصالح.  إذ يكفي أن يخرج المرء إلى الشارع ويلتحق بالجامعة أو يذهب إلى السوق والمساحات التجارية الكبرى حتى يجد نفسه في عدة إحراجات أخلاقية وتنهال عليه الأسئلة حول المعيار والقيمة من كل حدب وصوب إلا أنه لا يقدر بسهولة على اتخاذ موقف وتقديم رأي وتسديد حكم حول السلوك الجيد والقرار الصائب ويحتاج إلى الكثير من التروي والمداولة والتثبت والتركيز والتدقيق والتحقيق لكي يشرع في حسن الاختيار. هكذا واجهت الفلسفة الطبية العديد من المعضلات الشخصية واصطدمت بجملة من المآزق الحقيقية عندما حاولت استعمال النماذج العلمية الكبرى بغية بلورة الرهانات الجماعية وتعذر عليها العثور على إيتيقا طبية ملائمة ووجدت نفسها مترددة بين التركيز على تخليق السياسة والعناية الطبية بالمرضى وحسن استقبال المهاجرين وإغاثة اللاجئين وتمكين الناس من حرية التنقل بين البلدان والمطالبة بحماية المعطيات الشخصية وبحق النفاذ إلى المعلومة والرفق بالحيوانات والنباتات والمحافظة عليها من الانقراض والاهتمام بصحة الشعوب وسلامة السكان ووقايتهم من الآفات والأوبئة والأمراض الخطيرة.

    تقوم الفلسفة الطبية بتحليل صارم للأفكار التي تطرحها النظريات والممارسات العلاجية وتقترح مجموعة من الحدوسات العامة التي تساعد على تطوير الطب والصيدلة والطرق الوقائية والتطبيقات الاستشفائية. وعلى الرغم من أن الأطباء لا ينظرون إلى الأمراض بنفس الطريقة ويتوزعون بين المادية المنظومية والواقعية الابستيمولوجية والروحانية العرفانية ولا يقترحون نفس الطرق العلاجية ونفس الأدوية إلا أن فلسفة الطب تساعدهم على اكتشاف أدوية جديدة وتجويد التجارب المخبرية والمحاولات الاكلينيكية[2].

     كما يمكن للفلسفة الطبية من حيث هي طرح للمبادئ الخاصة بالصحة وابتكار للمعايير المساعدة على الحياة الجيدة أن توضع على الطاولة مجادلة الحجج المقنعة وقراءة عميقة للأحداث الكبرى واهتمام دقيق بالتفاصيل والتقاط منتبه للجزئيات وتعقل شامل للأوضاع أن تكون بوصلة للناس وتدبير حكيم لحياتهم. وتضم هذه البوصلة كل من البيوإيتيقا وأخلاقيات البيئة وآداب المهنة وضوابط العمل العمومي ولذلك تقود الرهانات التي تسعى إلى تحقيقها نحو إيجاد فلسفة إيتيقية عابرة للاختصاصات وتحوز على نظرة كوكبية.

    تحاول الكثير من المجتمعات بالرغم من تعددها وتعقدها أن تصل إلى حالة من التعايش والتآنس في ظل تنوع القيم واندلاع مواجهات عنيفة ونزاعات طويلة حول أشكال استعمال الجسد وتمثلات الخير ومعايير المساواة وشروط المواطنة وسبل تحصيل السعادة والدروب الموصلة إلى الخلاص والغايات التامة للحي. فالحياة ليست معركة بين القوى المتصارعة يكون فيها الهدف هو التغلب على الخصم بكل الأساليب وإنما هي فاصل زمني يسعى من خلاله الجميع إلى تحصيل إمكانيات وإعداد قدرات للنجاح في تحقيق ذواتهم. لقد أحدث مفهوم الإنجاب الطبي انقلابا شاملا في مفهوم العائلة واحتلت وسائل الاتصال الحديثة مكانة بارزة في الوجود الاجتماعي وصارت أكثر قدرة على توفير المعلومة والتأثير في الرأي العام وتوجيهه ويمكنها أن تمثل خطرا على الحريات والحقوق وصارت التأثيرات المناخية تهدد الكوكب وبقاء الأنواع.

    لعل أهم تحدي ينتصب أمام قيام مشروع إيتيقي متكامل هو الانتقال المستمر وغير المجدي الذي يقوم به الناس من مرجعية إلى أخرى ومن سلم قيمي إلى آخر والبحث المتواصل عن تطابق المبادئ مع الواقع الأكثر عينية والوحشية الناتجة عن اجتياز السياسة عتبات الضمير الأخلاقي وعطوبية الأفعال البشرية.

    في الواقع لم تقتصر فلسفة الطب على الفحص الدقيق للأجسام والكشف عن الأمراض والتخلص من الألم والحرص على الشفاء والسلامة الجسدية وإنما أصبحت تطرح قضايا ايتيقية حارقة تهتم بالصحة العمومية والحياة الجيدة والنظافة والبيئة والمحيط السليم وتصارع قصد الرفع من الأمل في الحياة وقهر التهرم[3]. لماذا تفرض التحولات الكبيرة في أشكال الرهانات أن تظل البوصلة الإيتيقية في حالة إعادة بناء مستمرة؟

     

    د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

    ..........................

    المرجع:

    1-Elodie Giroux, la philosophie de la médicine, in le précis de la philosophie de la médicine 2011, diriger par  A. Barberousse, D. Bonnay , M. Cozik, chapitre XII, p406.

    2-Mario Bunge, Philosophie de la médicine, concepts et méthodes, 2013, traduit par Pierre Deleporte, éditions Matériologiques, Paris,2019.

    3-Jean François Braunstein,  Histoire et philosophie de la médicine, in Revue Archives de la philosophie, 2010-N°04, Tome73, pages 579 à 583

     

    حاتم حميد محسنفي عام 1784 وصف عمانوئيل كانط الانسانية بحالة اللاّنضج او "عدم قدرة المرء على استخدام فهمه الخاص بدون ارشاد من الآخرين"(جواب لسؤال ما هو التنوير؟ Trans Mary C. Smith) (1( سبب اللاّنضج هذا هو "الكسل والخوف من التحدي". لكي يحدث التقدم، يجب "ان نمتلك الشجاعة لإستخدام فهمنا".يرى كانط ان التقدم التاريخي يجب ان يُنتج شكلا ما من الحرية:" بالنسبة للتنوير من هذا النوع، كل ما نحتاج اليه هو الحرية. هذه الحرية يجب ان لا تُفهم كحرية سياسية او اجتماعية: "المستوى العالي من الحرية المدنية يبدو ذو فائدة لحرية الناس الفكرية، مع ذلك انه ايضا يضع حواجز امامها لا يمكن التغلب عليها. وعلى عكس ذلك، أقل مقدار من الحرية المدنية يعطي للحرية الفكرية مجالا كافيا للتمدد الى أقصى حد". في الحقيقة، يرى كانط ان الناس العاديين هم احرار في التفكير لكن يجب ان تكون هناك حدود لحريتهم:"ناقش بأكبر ما تستطيع ومهما تحب، ولكن أطع". عندما يبدأ الناس بالنقاش اكثر من مجرد الحديث حول افكار المجتمع، فان المجتمع سينزلق نحو الفوضى.

    ولاحقا وبعد ستين سنة، أخبر كارل ماركس الناس العاديين بان "تحرير المجتمع من القيود يتم التعبير عنه بالشكل السياسي لإنعتاق العمال" (Estranged Labor,1844,trans Martin Mulligan,1959). كان هذا بداية تفكير جديد سيعطي معنى جديدا لأفكار كانط القديمة. مقابل نظرية كانط، اعتقد ماركس ان الظروف الحالية للجماهير لم تكن نتيجة النقص في شجاعة التفكير وانما ناتجة عن حقيقة ان هناك دائما طبقة مضطهدة تعيش تحت رحمة الطبقات العليا.الحل الماركسي كان مشابها لحل كانط:الانسان(وهو العامل) يجب ان يتحرر لكي يكون حرا. العمال يجب ان يستعملوا عقلهم ليتّحدوا في حزب واحد يحمي مصالحهم ضد البرجوازية – ذلك الحزب هو الحزب الشيوعي. يوضح ماركس بان "انعتاق العمال ينطوي على انعتاق انساني عام وهو ينطوي على هذا لأن الخضوع الكلي للانسان يتجسد في علاقة العامل بالانتاج، وان جميع علاقات الخضوع ما هي الاّ أشكال ونتائج لهذه العلاقة". ان العامل هو رمز للانسانية عموما. في هذا الموقف، العامل "يشعر بنفسه متحرر فقط في وظائفه الحيوانية من طعام وشراب وتكاثر الخ، اما في وظائفه الانسانية لم يعد يشعر بذاته اي شيء عدا الحيوان. ما هو حيوان يصبح انسانا وما هو انسان يصبح حيوانا". بكلمة اخرى، الرجال والنساء يجب ان يدركوا بان الطريقة الوحيدة ليصبحوا اناسا حقيقيين هي ان يصبحوا متزودين بالمعرفة: المعرفة بالظروف، والمعرفة بكيفية ان يصبحوا افضل. هذا ربما لم يتم توضيحه من جانب ماركس لكنه جرى تضمينه. كيف يمكن للعمال التخلص من أغلال الاضطهاد اذا كانوا غير واعين بظروفهم؟ وكيف يمكن ان يكونوا واعين بظروفهم ما لم يبدأو التفكير بانفسهم، تماما مثلما اراد كانط؟

    كل من كانط وماركس اعتبرا التقدم التاريخي يلعب دورا في تحرير الناس . ولكن ايضا اعتقدا ان هذه الحرية يمكن تحقيقها بواسطة الافراد من خلال استعمال العقل والمعرفة. الفرق الكبير بينهما هو الطريقة التي فهم بها كل منهما السبب الذي جعل الانسان الحالي غير متحرر. بالنسبة لكانط، يعود السبب الى العيب في كل فرد، اما ماركس فيرى ان اللوم يقع على الظروف الاجتماعية الخارجية . طريقتهما ايضا تختلف. كانط يريد من كل فرد ان يكتشف التفكير لنفسه لكي يصل الى نوع معين من تنوير العقل، اما ماركس يريد من العمال ان ينخرطوا في جماعات وان يتخذوا فعل ضد مضطهديهم. اذا كان كانط تصوّر طريقا مستقيما للفلسفة من خلال احداث السياسة، فان ماركس اعتقد بالنقيض تماما، اراد من الفلسفة ان تهز العالم عبر تحطيم الوضع القائم. بالنسبة له الاطروحة(اصحاب الملكية) والنقيض (العمال بلا ملكية) يجب ان يخلقا المركب وهو الشيوعية وحيث تصبح الملكية للعمال. هذا يتطلب ثورة في التفكير وفي السياسة. يرى ماركس ان عبارة كانط "ناقش بأكبر ما يمكن وحول اي شيء كان، ولكن أطع" هي إهانة. الناس يعيشون في هذه الظروف الحيوانية لأنهم يطيعون. افكار كانط مطلقة، التفكير لم يعد كافيا، والمطلوب فعل بل واكثر من فعل، لابد من حدوث تغيير تام . هذا النظام القديم يجب استبداله بآخر جديد. النوع القديم للانسان يجب ان يخلق مكانا للجديد - الشيوعي. الانسان الشيوعي سوف يجسد افكار كانط الاساسية في التنوير، يفكر لنفسه حرا من تأثير الآخرين، لكن ما هو اكثر من ذلك:"الشيوعيون .. من جهة، هم عمليا، الجزء الاكثر تقدما ورسوخا من بين الاحزاب في كل دولة، ذلك الجزء هو الذي سيدفع كل الاخرين الى الامام، ومن جهة اخرى.. الشيوعيون لديهم مزايا الجماهير الكبيرة للبروليتاريا و الفهم الواضح للمسيرة، الظروف، والنتائج النهائية العامة للحركة البروليتارية"(البيان الشيوعي، 1888).

    التقدم على صعيد الفرد والمجتمع هو الانشغال المستمر لكل من كانط وماركس. هما يشعران كما نحن، ان الناس يحتاجون باستمرار لتحسين انفسهم والمجتمع الذي يعيشون فيه. كانط وماركس كلاهما يشتركان بإحساس التفاؤل، يؤمنان ان هذا ممكن. ولكن ما اذا كان الانسان المثالي يوجد حقا في الواقع، ويؤدي افعالا سياسية تجعل العالم مكانا افضل، هي قصة مختلفة كليا.

    Philosophy Now, April-May 2019

     

    حاتم حميد محسن

    ........................

    الهوامش

    (1) في هذه الرسالة يجيب كانط ان التنوير هو انطلاق الانسان متجاوزاً لانضجه الذاتي. هو يرى ان عدم النضج يأتي ليس من نقص الفهم وانما من فقدان الشجاعة لدى المرء في استخدام العقل والحكمة بدون توجيه من الآخرين. يرى كانط ان غالبية الناس يشعرون بالراحة في اتّباع ارشادات وتوجيهات مؤسسات المجتمع مثل الكنيسة او الامراء، وهم غير قادرين على التحرر من نير تخلفهم بسبب فقدانهم التصميم ليكونوا ذو سيادة. من الصعب على الافراد شق طريقهم خارج حياة الجبن والتخلف لأنهم لا يرتاحون لفكرة التفكير لأنفسهم. وحتى لو تمكّن الافراد من التخلص من الدوغمائيات والصيغ الجاهزة، فهم لايزالون عالقين لأنهم لم يعتادوا ابداً على تربية ورعاية اذهانهم. الحل الاساسي للتحرر من اغلال اللانضج الفكري هو العقل. ان كل الجماهير يمكنها ان تصبح قوة لتحفيز التفكير الحر لدى الافراد لو انها كانت حرة للقيام بذلك، ذلك لأن هناك دائما عدد محدود من الناس، حتى ضمن المؤسسات الحاكمة يفكرون لأنفسهم، وهؤلاء سوف يساعدون بقية الناس على تربية اذهانهم. يرى كانط ان الثورة قد تضع نهاية للاستبداد الاوتوقراطي واشكال الظلم الاخرى لكنها لن تنتج ابدا اصلاحا حقيقيا في طرق التفكير. وفي السياق ذاته يتحدث كانط عن اللانضج الديني religious immaturity ويتسائل عن أحقية مجلس الكنائس بتبنّي تحت القسم لعدد من التعليمات الدينية غير القابلة للتغيير. هو يجيب بان عقدا كهذا يمنع والى الأبد اي تنوير لاحق للبشرية. انه من المستحيل ومن غير الاخلاقي ان يقوم اناس من جيل معين بتقييد افكار الجيل القادم، او منع توسيع وتصحيح المعرفة السابقة وإيقاف اي تقدم لاحق. الاجيال القادمة غير ملزمة بقسم الأجيال السابقة. مع توفر الحرية، سيكون بإمكان كل مواطن، خاصة رجال الدين تقديم الافكار والمقترحات الى ان تتمكن الآراء العامة والرؤى من تغيير المؤسسة الدينية.

     

    علي رسول الربيعيفي حدود أطلاعي هذه أول مرة يُكتب بالعربية عن الفيلسوف فيليب بيتيت المختص في الفلسفة الجمهورية. ويأتي أهتمامنا بالفلسفة الجمهورية في هذه اللحظة التاريخية من مواقع سياسية وفكرية، وهي: أن الشعوب في العالم العربي قد\ قدمت تضحيات جسام (نتيجة للقمع والأغتيال وسفك الدم والحكم التسلطي الدكتاتوري ومن ثرواتها وأموالها وممتلكاتها) من أجل بناء دولها الجمهورية، لكن الكولونيالية الأمريكية في هجومها الشامل عسكريا وأقتصادياً وسياسيا على هذه الشعوب أنتهكت وحدة هذه الشعوب وقامت بمساعدة سامسرة محليين تحت عناوين سياسية بتفتيت هذه الشعوب والغاء قيًم المواطنة لصالح مكونات طوائفية ترتبط بعلاقات ماقبل الدولة الحديثة ( Nation/State). إن الحاجة الملحة اليوم هي أسئناف النظر بقيًم الجمهورية ومن بينها المواطنة التي تقوم على قيًم مشتركة ومصالح مشتركة، بالأضافة الى قيم العدالة والحرية وغيرها...

    ومن هنا نتناول أحد جوانب فلسفة فيليب بيتيت بوصفه أحد من الفلاسفة المعاصرين البارزين ومن كبار منظري الفلسفة الجمهورية وله مؤلفات ودراسات عديدة في هذا الشأن. لقد تناول بيتيت معظم قضايا الفلسفة المعاصرة من منظور الفلسفة الجمهورية. سأقدم في هذه الدراسة جانب من رؤية بيتيت للعلاقة بين الجمهورية والحرية والديمقراطية. لكن من موقع رؤيتي الفكرية أؤيد تلك الطروحات التي تُـنظر الى فلسفة جمهورية ليبرالية بوصف الليبرالية فلسفة العصر التي لايمكن تجاوزها والتي قدمت مكتسبات لايمكن التخلي عنها.

    صاغ فيليب بيتيت[1] في كتابه العمدة "الجمهورية ونظرية الحرية"، نظرية منهجية فلسفية للحرية الجمهورية أملاُ أن تمكن من إجراء تقييمات أكثر فائدة للقضايا السياسة المعاصرة، ومنها قضية الحرية كتحرر من السيطرة أو الهيمنة. يقترح بيتيت في هذه الكتاب وما تلاه،[2] إصلاحات مؤسسية يمكن من خلالها تحقيق الحرية كتحرر من الهيمنة أو السيطرة بشكل كامل، ويمكن تعزيز الديمقراطية المعاصرة بشكل دائم.[3] يستمد بيتيت هذه النظرية الجمهورية للحرية من تفسير تاريخ الفكر السياسي الأنجلو-أوروبي الذي يميز بشكل حاد، وربما بشكل حاد جدا، المفاهيم الليبرالية عن الحرية الجمهورية.[4] أكد بيتيت على أن التقاليد السابقة تؤيد حصرا مبدأ الحرية في عدم التدخل. أي أن الليبرالية تسعى إلى تحرير الأفراد من أشكال التدخل المباشر، ومن القيود الفعلية، والعقبات المادية، وما إلى ذلك. مقابل ذلك، تتمسك الجمهوريّة بمعيار أوسع عن الحرية وأكثر قوة للتحر من السيطرة. يرى بيتيت، إن "الهيمنة" تحصل في الظروف التي يعاني فيها الأفراد من التبعية، سواء تدخل آخر في حياتهم أم لا في أي لحظة معينة؛ فمجرد التهديد، سواء ضمنيًا أو صريحًا، بالتدخل التعسفي من جانب شخص آخر يكفي لتبرير ووصف هذه العلاقة بعلاقة هيمنة أو سيطرة، سواء كانت اجتماعية أو سياسية. يُعرّف بيتيت "االعسفي" بأنه أي تدخل لا يتوافق مع المصالح المتصورة أو المعلنة للأفراد؛ ويقوم بتصنيف حالات التدخل التعسفي من جانب أطراف على أطراف أخرى تحت مصطلح الهيمنة أو السيطرة؛ ويسرد، ايضاً، الإجراءات الحكومية التي تنتهك "المصالح المشتركة " للأفراد تحت مقولة الأستبداد.[5]

    سأتناول هنا تفسير بيتيت للحرية كعقيدة وأبين أنها تنطوي على هدفين يتعارضان في الواقع مع بعضهما البعض: من ناحية، فإنه يبذل جهداً كبيراً لوضع الحرية على أنها عدم الهيمنة توافقا مع "التقليد الجمهوري الواسع"، بينما من ناحية ثانية، يقدم نظريته بوصفها ضامنه للحرية من خلال الممارسات التي تربطها بـ "الديمقراطية والانتخابية والمنافسة". أزعم أن المحاولة الأول تقوض بشكل خطير المحاولة الثانية؛ لأثبت أن التزام بيتيت بالنظرية االجمهورية يجبره على تأييد بعض جوانب السياسة "الديمقراطية" المعاصرة التي هي الأقل ودية تجاه الليبرالية، المصممة وفقًا لشروط بيتيت نفسه.

    يعبر بيتيت عن الانتخابات والمنافسة، وبشكل متكرر في سياق نقاشه لنظريته الجمهورية، وبكل صراحة عن شكوكه في كل من الحكم الشعبي وسياسة الغالبية. ولا يعزو بيتيت، عن سبيل المثال، خلافا للديمقراطيين الأثينيين، والشعبيين الرومانيين ورجال النقابات في فلورنسا، بوصفهم يمثلون التقاليد التاريخية للنظام الجمهوري أي مكانة أخلاقية متفوقة للمشاركة الشعبية الواسعة والفعالة. وكما يصف بيتيت الإرث الفكري الذي يلتزم به: إن الكتاب الذين يرتبطون بتقليد التفكير الجمهوري الواسع يأخذون بتعريف يحدد الحرية من خلال وضع يتم فيه تجنب الشرور المرتبطة بالتدخل بدلاً من الوصول إلى أدوات السيطرة الديمقراطية أو المشاركة أو التمثيل.[6]

    بتابع بيتيت[7] كونتين سكينر في بعض النواحي عند رجوع الأخير إلى مكيافيلي لتشكيل تقليد جمهوري يركز على "تجنب التدخل بدلاً من تحقيق المشاركة". علاوة على ذلك، وضع مكيافيلي إلى جانب شيشرون ومونتيسكيو كمؤلف لا يتبنى "مفهومًا إيجابيًا عن الحرية"، ولا يربط الحرية بـ "ديمقراطية تحدد نفسها بنفسها" ولا يقوم بإعطاء الأولوية "للمشاركة"[8] التي تحدد الحرية الجمهورية في ضوء "المصالح المشتركة المتاحة" للمواطنين، أي المصالح التي يقرّها المواطنون على أنها مشتركة مع بعضهم البعض. وفقًا لبيتيت، يصبح الخير خيراً مشتركاً عندما "تدعم الاعتبارات المقبولة بشكل تعاوني شرطها الجماعي"[9] ومع ذلك، لا يوفر عمدا أي قائمة من القضايا التي تشكل قواسم مشتركة ديمقراطية - وهذا هو بالنسبة للمواطنين الديمقراطية بالضرورة لاتخاذ قرار. إنه يعمل في ظل افتراض أن الديمقراطيات تتمتع بالضرورة ببعض أسس القواسم المشتركة؛[10]ولكن حتى القبول بتفسير بيتيت للتقليد الجمهوري، فإن وسائل المشاركة التي يؤيدها والتي يقر بها المواطنون أو يعبرون عن هذه المصالح، تبقى ضيقة للغاية. يتفق بيتيت مع أرسطو، شيشرون، وماديسون على أن المشاركة الجماعية لا تحتاج إلى أن تتعدى مجرد اختيار الشعب لأفراد محددين يتولون المناصب الحكومية. فلا تحتاج المشاركة إلى تجاوز سياسات الانتخابات. باعتبار تمنح المكانة الانتخابية للشعب سلطة غير مباشر فيما يتعلق بالقوانين والقرارات الحكومية. قد لا يكون أفراد الشعب سلطة على ما يقوله وما يفعله أولئك الموجودون في الحكومة، لكنهم يحددون من سيكون في الحكومة أو على الأقل من سيكون المشرفون على السلطة.[11] إنه يؤكد مرارًا وتكرارًا على أنه يجب على الناس أن يتصرفوا بوصفهم الموجدين للسياسة العامة لكن بطريقة "غير المباشرة"؛ قد يتم تمكينهم، إلى حد ما، بوصفهم مشرعين القانون، لكن فقط بطريقة غير مكتملة أو غير مباشرة ". وبهذه الروح، يعرف بيتيت[12] الديمقراطية بأنها "نظام حكم يتمتع بموجبه أولئك الذين يحكمون بسلطة معينة على من يحكمهم"، ويعترف بأن فكرة "سيطرة معينة "غامض" بما فيه الكفاية بحيث لا يعني ضمنيًا أو ربما حتى رجحان أو تفوق سيطرة المحكومين· على هذه الأسس، يلتزم بيتيت[13] بشكل من أشكال الحكم لا تكمن فيه السيطرة السياسية الحقيقية عند الشعب بل "تترك كلياً أو بشكل أساسي للممثلين في البرلمان، أو إلى حكومة ذات أغلبية برلمانية، أو الإدارة المنتخبة." وبالتالي، فإن الديمقراطية التمثيلية والسياسة الانتخابية، وفقًا لبيتيت[14]، "تدرك أو تحقق" الرأي العام من خلال وسائط عالية أو بعيدة.

    تتصل الانتخابات، حسب تقدير بيتيت، عمومًا بأولئك الذين يصنعون السياسة حول ما له قيمة شعبية، أيً المتعلق بالصالح العامة،وعلى هذا الأساس يمكنهم المضي قدمًا في الحكم.[15] إنه لمن الصحيح لايصوغ الناس السياسة بأنفسهم ولا يوجهون المسؤولين المنتخبين على وجه التحديد حول كيفية صنع السياسة، إلا أنهم يمنحون المسؤولين فكرة عامة عن مفهومهم للصالح العام، بحيث يمكن للحكام ممثليهم استخدام التقدير الواسع الذي تنطوي عليه السياسة الانتخابية في جهود حقيقية لتحقيق ذلك الخير وتلك المصالح. على عكس الديمقراطية المباشرة، الأثينية أو الاستفتائية، التي تسعى للتعبير عن الإرادة الجماعية لمعظم المواطنين، يتبنى بيتيت شكلاً من أشكال الديمقراطية غير المباشرة، حيث تخدم المداولات العامة المصاحبة للمسابقات الانتخابية والتفويض السياسي الذي تشير إليه النتائج الانتخابية في توجيه صناع السياسة في أداء واجباتهم.

    فيرى أن سيطرة الناس على الحكومة ديمقراطيا هو الوسيلة الوحيدة للسيطرة التي يمكن بموجبها توقع أمكانية توجيه الحكومة من خلال المداولات المشتركة التي تنتج تقييمات ذات صلة بتحديد السياسة العامة. يمثل هذا المفهوم الديمقراطية، ليس كنظام للتعبير عن الإرادة الجماعية، بل كدليل لتمكين التقييم العام.[16]

    يلمح بيتيت مبدئيًا أن المشكلة الرئيسية في فكرة الإرادة الجماعية هي عدم جدوى التكهن بها أو التعبير عنها في ظل الظروف الحديثة المعقدة: تكمن الصعوبة الأساسية لمفهوم الإرادة الجماعية في أنها تفترض مسبقاً وجود وكالة جماعية، لكن ظروف وجود مثل هذه الوكالة تتطلب الكثير من المستلزمات لتلبيتها من أجل مصالح الشعب أو الناخبين.[17] ومع ذلك، فإن بيتيت[18] لا يرفض في نهاية " مفهوم المشاركة " المصاحب لمفهوم الإرادة الجماعية فقط على أساس أنه "غير ممكن في العالم الحديث". بل أنه[19] يرفض في نهاية المطاف مثل هذه المفاهيم على أسس معيارية؛ أي أنه يعتبر فكرة أن حكم الأغلبية يقارب بدقة الإرادة الشعبية سيكون ذلك تهديدًا للحرية داخل الديمقراطيات.

    على أية حال، على الرغم من تأكيد بيتيت [20]على المزايا الإجمالية التي توفرها الآليات الانتخابية، فإنه لا يعتبر الانتخابات الحرة طرقًا سالكة وغير اشكالية للوصول إلى العدالة. وحتى إذا كان بيتيت يؤمن باسلوب شومبيتير الذي يعتمد على نموذج حافز / مستهلك ليقول إن السياسات الانتخابية تنتج بشكل موثوق المرشحين الذين من المحتمل أن يعالجوا الصالح العام، سيكون من الظلم أن ندعي أن بيتيت يثق بالأنتخابات مسبقاً أو بشكل اعمى.، أنه يرى أن الممثلين المنتخبين، مثلهم مثل غالبية من بين الشعب، يمكن أن يصبحوا هم أنفسهم عملاء للهيمنة عندما يتابعون مصالحهم الخاصة بدلاً من المصالح  العامة المشتركة للجميع. يطرح بيتيت[21]، وفي هذا السياق، المشكلة الخطيرة المتمثلة في كيف يمكن ان تكون النخب المنتخبة مسؤولة أمام الناخبين ولا يتصرفون بطغيان.

    بما أن الانتخابات لا تسمح إلا بالسيطرة الفضفاضة على السياسات التي تنتهجها الحكومة، فقد تفشل في نهاية المطاف من منع هؤلاء المنتخبين للسلطة من ممارسة سياسات لا تستجيب لمصالح عامة معينة أو أو للمصالح الشعبية. وهنا قد تكون الدولة الديمقراطية الانتخابية بمثابة استبداد اختياري.[22]

    في ضوء هذه الاعتبارات، من المفاجئ إلى حد ما أن نجد بيتيت[23] يجادل بأن الأنظمة الانتخابية تعزز مساءلة أكبر من أيً نوع آخر من الأنظمة السياسية، حتى أكثر من تلك، مثل الديمقراطيات القديمة، والتي تم توزيع المناصب أو الوظائف في معظمها من خلال حظوظ الأفراد في المجتمع، كما يقول صراحة. ومع ذلك، فإن هذا التأكيد مضلل إلى حد ما: فبينما قد تُسَهل الانتخابات خلافاً عن غيرها، من الناحية النظرية، المساءلة بطرق لا تؤدي اليها مسألة الحظ، يتجاهل بيتيت الإشارة إلى أنه في الممارسة العملية، كل حكومة شعبية قامت توزيع المناصب على الحظوظ قد أخضعت أصحاب المناصب للفحص الصارم أبعد انتهاء ولايتهم، حيث واجه حكام سابقون محاسبة عن أفعالهم وتلقوا عقوبات صارمة لسوء سلوكهم. من المؤكد أنه لا يوجد أي دليل موثوق به ومتاح لإثبات أن مشروع أو خطط الانتخابات / إعادة الانتخاب تضمن مساءلة أكبر من قبل المواطنين لأولئك الحكام الذين تسنموا مناصبهم بالحظ ! وبالتدقيق؛ هناك أسباب جدية لاستنتاج أن مايحصل في الواقع هو العكس تماما.[24]

    في الواقع فأن بيتيت نفسه يعترف بأن الديمقراطية التمثيلية هي بطبيعتها غير المباشرة تسمح للحكام بأحتمال أن يتصرفوا باستقلال من الجمهور: التمثيل "يعني أن السيطرة الانتخابية لا تزال تسمح لعوامل تؤثر في صنع السياسة الحكومية مثل أنه قد لايكون للمصلحة المشتركة المعترف فيها للشعب أن يكون لها تأثير". يرى بيتيت[25] أن من بين العوامل التعسفية التي يمكن أن تقوض فعالية الديمقراطية التمثيلية هي وعود الحملة الانتخابية التي لا تُترجم إلى قانون في كثير من الأحيان؛ حيث يتمتع منفذي السياسات بصلاحيات واسعة في تنفيذ مهامهم؛ ويمكن أن تمارس جماعات الضغط الخاصة نفوذاً مفرطاً على عملية صنع السياسة أيضاً.

    يؤيد بيتيت[26] وسائل "التنافس" لتحدي النتائج السياسية للسياسة الانتخابية العادية وذلك من أجل مواجهة القابلية المتأصلة لهذا النوع من الديموقراطية التمثيلية للتشويه. فغالياً ما يستدعي بيتيت مؤسسات بديلة - القضاء، المحاكم، أمناء المظالم، مجلس الشيوخ والمجالس المحلية - من خلال الأفراد، مجموعات فرعية محددة من المواطنين وحتى المواطنون أنفسهم قد يتنافسون باشكال متعددة لتعديل القرارات التي اتخذتها النخب المنتخبة.[27] وهو يدعو الى هذا البعد "الأفتتاحي" للسياسة الديمقراطية الذي يجب أن يكون مكمل للبعد "الرسمي" الذي ينعكس في الإجراءات الانتخابية.[28] من خلال هذا الأخير، يعبر الناس عن المصالح المشتركة الواضحة التي يجب على الدولة تعزيزها؛ من خلال السابق، يحتجون وينددون بسياسات الدولة التي لا تتفق مع تقديراتهم لما يشكل المصالح التي يمكن تبريرها من حيث هي مشتركة بينهم.[29] .............

     

    د. علي رسول الربيعي

    .................

    [1]Pettit, P, (19996 a), Republicanism; A Theory of Freedom and Government, Oxford: Oxford University Press.

    Pettit, P, (2001) A Theory of Freedom; From the Psychology to the Politics of Agency. Oxford: Oxford University Press.

    [2] Pettit, P, (1999b), ‘Republic Freedom and Contestatory Democratization.’ In Democracy’s Value, Eds I. Shapiro and C.Hacker-Cordon, Cambridge: Cambridge University Press. 163-89.

    Pettit, P, (2004), Depoliticizing Democracy.’ Rstio Juris17, 52-65.

    [3] Pettit, P, (2000), ‘Democracy: Electoral and Contestatory.@ In; Nomos XLII: Designing Democratic Institutions, Eds I Shapiro and S. Macedo, New York, , New York University Press, 105-46.

    [4] حول الصعوبات التي ينطوي عليها التمييز الشديد بين الليبرالية والجمهوري أنظر

    Isaac 1988; Holmes 1995, 5-6; Patten 1996; Larmore 2001, 2008, 139-95; Rogers 2008.

    Holmes, S. (1995). Passions and Constraint: On the Theory of Liberal Democracy. Chicago: University of Chicago Press.

    Isaac, J. C. (1988). "Republicanism vs. Liberalism? A Reconsideration." History of Political Thought 9, 349-77.

    Larmore, C. (2001). "A Critique of Philip Pettit's Republicanism." In: Social, Political, and Legal Philosophy: Philosophical Issues 11. Eds E. Sosa and E. Villanueva, Oxford: Blackwell Publishing' 229-43.

    Larmore, C. (2008). The Autonomy of Morality. Cambridge: Cambridge University Press.

    Rogers, M. L. (2008). "Republican Confusion and Liberal Clarification." Philosophy & Social Criticism 34: 799-824.

    [5] Pettit 1999a, 55, 290-2; 2001,156-8;

    أو ما يسميه في مكان آخر "المصالح المتصورة":

    Pettit 1999b, 165, 166, 170

    [6] Pettit 1999a, 27

    يذكر بيتيت أن نظريته تشكل "قصة جمهورية مميزة "،وويدعي أنها لا تمثل "التقليد الجمهوري الساذج

    Pettit 2001,173.

    [7] Pettit (1999a, 28

    [8] Pettit 1999a, 187; 1999b, 166. Pettit, 1999a, 30.

    [9] Pettit 2001, 173.

    [10] Pettit, 2001108

    [11] Petit, 1999., 294 Pettit, 2001,161; 2000,125

    [12] Pettit, 200, 106-114.

    [13] Pettit,2004, 52.

    [14] Pettit,1999 a, 168.

    [15] Pettit, 2004, 58.

    [16] Pettit, 2004, 58.

    [17] Pettit, 2004,60.

    [18] Pettit,1999 a, 168.

    [19] Pettit, 1999b, 177

    [20] Pettit, P, 2001, The theory of Freedom: From the Psychology to the Politics of Agency, Oxford, Oxford University Press. 160-1.

    [21] Pettit, 1999 a, 293-4

    [22] Pettit, 1999 a, 293-4

    [23] Pettit, 1999b, 173.

    [24] Prz.eworski, A., S. C. Stokes and B. Manin (eds) (1999). Democracy, Accountability, and Representation. Cambridge: Cambridge University Press.

    [25] Pettit, P, 2001,162.

    [26] Pettit, P, 2001, 154, 174

    [27] Pettit, 1999b, 292-7.

    [28] (Pettit, 2001, 160-3.

    [29] Pettit, 2001, 159.

     

    علي رسول الربيعيراولز والإنصاف: غالباً ما يُنظر إلى أن إحياء الاهتمام بالفلسفة السياسية في العقود الأخيرة يعود الى  كتاب جون راولز A Theory of Justice (1972)، وكان لنظريته عن العدالة كإنصاف التأثير الكبير.  يتفق كثيرون مع نظريته ولكن هناك العديد أيضاً ممن يرون الأمور بطريقة مختلفة فاستفزتهم للرد عليها والإشارة إلى أوجه القصور فيها. أراد راولز التأكيد على أن وجهة النظر الديمقراطية الليبرالية فيما يتعلق بتوزيع الموارد يمكن أن تقدم أسس ثابتة ومنطقية. وكان أيضاً ينتقد تطبيق النفعية فيما يخص قضية العدالة والإنصاف.

    قدّم راولز "تجربة فكرية" من أجل السيطرة على منطق إعادة توزيع الموارد. تخيل مجموعة من الناس يجتمعون معا ليقرروا كيف سيتم توزيع الموارد وهم في ما يسميه راولز "الموقع الأصلي"، حيث في الحالة هذه يكون كل منهم قادر على قول ما هو في مصلحته الخاصة، لكن لا أحد منهم يعرف من هو أو ما موقعه في المجتمع. وبعبارة أخرى، إنهم لا يعرفون ما إذا كانوا هم أنفسهم أغنياء أو فقراء. يجادل راولز بأن كل واحد منهم، بما أنه لا يعرف ما إذا كان في الواقع أفقر الناس في المجتمع، لن يرغب بإصدار التشريعات بأي طريقة تؤثر سلباً عليه إذا كان الأمر كذلك. ولذلك يجادل بأن هؤلاء الأشخاص الذين يفكرون بمنطق موقعهم سيختارون أمرين:

    - أن يكون لكل شخص حقوق متساوية في نظام الحرية الأشمل، شريطة ألا يمنع الآخرين من الحصول على حريات مماثلة.

    - أنه إذا كان هناك أي عدم مساواة في توزيع الموارد، ينبغي أن تكون أوجه عدم المساواة هذه على الدوام مفيدة للأقل حظا في المجتمع، وكذلك ينبغي أن تتاح للجميع فرصة عادلة ومتساوية للحصول على المناصب والمواقع.

    هناك عدد من النقاط المهمة التي تتطلب مناقشتها فيما يخص حجة راولز، أولاً: أنه يأتي من موقع ديمقراطي ليبرالي يسعى إلى الحرية للجميع مع الحفاظ على العدالة الاجتماعية في توزيع الثروة. ما يسعى إلى القيام به في تجربته الفكرية هو وضع إطار عمل متماسك منطقياً لدعم هذه الرغبة. بعبارة أخرى، على عكس ما قاله إيمانويل كانط أن الأخلاق يجب أن تستند إلى عقل عملي خالص، دون أي تفكير في المكافآت الشخصية أو النتائج. ويجادل راولز بأن إعادة التوزيع لصالح الفقراء هو ما سيراه الجميع على أنه الشيء المنطقي الذي يريدون، إذا لم يتأثروا بموقفهم الاجتماعي.

    ولكن من المهم أيضاً أن نقدر أن راولز مهتم بقدر كبير بالعملية التي يتم من خلالها تحديد العدالة فيما يتعلق بالنتيجة النهائية. إنه يريد أن يثبت أنه من الممكن من خلال المنطق البحت والمصلحة الذاتية الطبيعية للناس، وضع قواعد لتوزيع عادل في المجتمع دون الرجوع إلى أي سلطة خارجية.

    سواء وافق المرء راولز أو لم يوافقه، فمن الواضح أن هناك وجهة نظر عميقة حول ما هو عادل. قد لا يبحث الناس عن المساواة المطلقة - ببساطة لأنه استحالة عملية ولن يستمر طويلاً ، ولأن البعض أكثر قدرة على كسب المال من الآخرين.

    إذا كنت تتفق مع راولز، فأن أي اختلاف في الطريقة التي يتم بها معاملة الناس ينبغي ان تكون لصالح الأقل حظًاً. لكن يبدو في الممارسة العملية أن العكس هو الحالة القائمة في كثير من الأحيان.

    نقد راولز للنفعية

    إن ما يقدمه راولز هو شكل من أشكال "التعاقدية المثالية" - وهو نسخة معاصرة من نظرية العقد الاجتماعي في القرنين السابع عشر والثامن عشر - والتي كان يأمل أن توفر بديلاً للنفعية. وأعرب عن اعتقاده بأن نهج العقد الاجتماعي يأخذ الفرد على محمل الجد أكثر من النفعية، لأنه لا يتطلب من أي فردٍ التضحية بأيً فائدة لصالح المجتمع ككل. وهذا بالطبع يمثل مشكلة كبيرة  للنفعية، فالأغلبيات على ما يبدو دائماً تتفوق على الأقليات. لكن رولز شعر أيضاً بأن النفعية تتعارض مع أحكامنا الأخلاقية المعتادة. وبعبارة أخرى، لدينا رؤية بديهية لما ينطوي عليه الإنصاف والذي لا يتوافق بالضرورة مع نتيجة تقييم النفعية للمنافع.

    ولذلك أراد راولز إنشاء "توازن " بين مبادئ العدالة والأحكام الأخلاقية التي ينظر فيها الناس. ولقد أراد أن يكون مقترحه للعدالة متوافقاً مع التقاليد الأخلاقية التي يمتلكها الناس بالفعل، ولديه افتراض أخلاقي أساسي مفاده أن الأفراد يستحقون الاحترام على قدم المواساة. بعبارة أخرى، "الموقف الأصلي" ليس مستقلاً كطريقة لإرساء مبادئ العدالة - لأنه يعتمد على المواقف الأخلاقية السابقة أو "البديهيات".

    هير(1919-2002) واحد من أولئك الذين قالوا أن راولز يتلاعب بالحجج من البداية لإعطاء استنتاجات مناهضة للنفعية. بعبارة أخرى، يعمل راولز على الافتراضات الأساسية التي هي جزء من التقاليد الديمقراطية الليبرالية الحديثة، ومن ثم يخلق حالة مفتعلة بشكل مصطنع تحاول تثبيتها على أساس المنطق البحت.

    لا يعمل الناس  دائماً على أساس العقل وحده. والأكثر أهمية هو قناعاتهم وقيمهم العميقة، التي يكتسبونها من خلال أسرهم أو جماعاتهم الاجتماعية أو خبراتهم أو من خلال الدين. يجب أن تأخذها بنظر الأعتبار  كل من الفلسفة السياسية والأخلاقيات.

    مشكلات مع الموقع الأصلي لراولز

     نواجه هنا مشكلة رئيسية وهي، أن التجربة الفكرية فيما يخص الموقع الأصلي لراولز هذه لاتعكس ما يحدث في الحياة الحقيقية. لم يكن هناك أبداً ولن يكون وضع لا يعرف فيه الناس مكانهم في المجتمع، وبالطبع فإن رولز لم يقترح أبداً أنه يمكن أن يكون هناك. ولكن هل هذه المحاولة لبناء وضع غير واقعي من أجل إظهار منطق المصلحة الذاتية، تعطي نتيجة يمكن ترجمتها إلى العالم الحقيقي؟ يكمن هذا السؤال وراء انتقاد راولز من وجهة نظر جماعاتية.

     يعتقد الجماعاتيون  بأن الناس هم دائماً جزء لا يتجزأ من المجتمع؛ وأننا نكون على مانحن عليه طبقاً لمكاننا في مجتمعنا ولما نقوم به وكيف نرتبط بالآخرين وإلخ. وعدم ادراك الناس لموقعهم يمثل مشكلة باعتبار ذلك الإدراك ضروري لأي شكل من أشكال الوعي السياسي واتخاذ القرار. إن القرارات التي يتخذها هؤلاء في "الموقع الأصلي" لرولز منطقية، لكنها لا تعكس ما يحدث فعلاً عندما يجتمع الناس معاً.

     هذا لا يعني أن الناس قد لا يختاروا لأسباب إيثارية شكلاً من أشكال العدالة لا يفيدهم شخصياً - ولكن إذا فعلوا فإنهم يفعلون ذلك بأعين مفتوحة. في الواقع، قد يرغب الكثير من الناس بالمخاطرة - لاختيار موقف، إن كانوا أغنياء أفضل حالاً، فيمكنهم  الاستفادة بشكل أكبر. وقد يحسبون أن خطر الخسارة يستحق المخاطرة. يعتبر ذلك، في بعض النواحي، نموذجاً لرجل الأعمال داخل النظام الرأسمالي، أيً يعتبر من الأفضل المخاطرة على أمل تحقيق ربح أكبر بدلاً من اللعب بأمان وتحقيق القليل جداً من المكاسب. وبالتالي، حتى لو كان منطق راولز سليماً، فهو لا يمكن أن يكون نوع المنطق الذي يمكن أن يستخدمه الأشخاص الحقيقيون في مواقف سياسية حقيقية.

    الفرص العادلة

    اتخذ روبرت نوزك مقاربة مختلفة تماماً عن مقاربة أو نهج رولز في كتاب الفوضى، الدولة واليوتوبيا (I974) ، وهو كتاب آخر مؤثر بشكل كبير في الفلسفة السياسية المعاصرة. رأي نوزك أنه يجب إعطاء الأولوية إلى حق الأفراد في خلق الثروة والاحتفاظ بها لأنفسهم. إنه يعتقد أنه من الخطأ أن تفرض الدولة المساواة عن طريق أولئك الذين كسبوا المال قسراً للمساهمة في تقديم الخدمات للمحتاجين. ويجادل نوزك بأن للشخص كل الحق إن أختار أن يعطي من أملاكه أو أمواله لشخص أخر، ولكن ليس أن يجبره المجتمع على عمل ذلك. هذا بالطبع يعكس تقليداً قوياً في العطاء الخيري في الولايات المتحدة الأمريكية. عندما تكون ضرائب الدولة وتوفيرها أقل، تزداد فرصة المسؤولية الأخلاقية الفردية تجاه الاخرين.

    بينما اعتقد رولز أنه يمكنك تجريد أشخاص من خلفياتهم من أجل الحصول على نظرة مثالية حول مبادئ العدالة. وجادل نوزك بأنه من المهم إدراج الاستحواذ التاريخي للممتلكات في تقييم العدالة. بمعنى آخر، فقد أدرك أن السمة الرئيسية لهوية الشخص هي ما يمتلكه وكيف حصل على امتلاكها. وترتبط أيضاً قدرات الناس بخلفيتهم وتعليمهم وفرصهم في المجتمع وما إلى ذلك. لذلك من الصعب أن نرى كيف يمكن إقامة أي عدالة ما لم تؤخذ الخلفية الاقتصادية والاجتماعية للأفراد بعين الاعتبار.

    الإنصاف هو مفهوم فلسفي قائم على فهم كيفية عمل مختلف أجزاء المجتمع معًا، وما يحتاجون إليه، وكيف يمكن أن يزدهروا. هل يبدو هذا مألوفا؟ بالطبع - لقد عدنا هنا الى أفلاطون وتقسيمه الثلاثي المجتمع. ولكل القيود التي فرضها في الجمهورية، وتمييز الناس المختلفين أن لديهم احتياجات مختلفة. وهل ينبغي منع أولئك الذين لديهم القدرة الطبيعية على النجاح من بين زملائهم من تحقيق قدراتهم  الاقتصادية والسياسية؟ حتى لو تم توفير فرص التساوي بينهم، فإنهم  لن يبقون متساويون اقتصادياً لفترة طويلة. لقد عدنا هنا مع نيتشه الى معنى الوجود البشري الذي يمضي قدماً في التطلع إلى تغيير نفسه، والعمل على الوصول الى الإنسان الأعلى.

    قد تبدو المساواة المطلقة جيدة، لكن كيف تمنح الناس الحافز على العمل والمساهمة فيه قدر إمكانهم، إن تلقوا الشيء نفسه في المقابل مهما كانت قيمة مساهمتهم؟ هل من الطبيعي أن يتوقع الناس أن يحصلوا على فوائد مساهمتهم وأن يعتبروا عادلين؟

    لاحظ كيف يرتبط هذا بالإيديولوجيات السياسية (التي بيناها في مقال سابق من هذه السلسلة "الايديولوجيات والافكار"). إنه يعكس الصراع بين النظرة الاشتراكية للمساواة والنظرة الليبرالية للحرية والرأي المحافظ القائل بأنه على الحكومة أن لا تتدخل إلا بأقل قدر ممكن في الوضع الاقتصادي الطبيعي القائم.

    المساواة في  حق إدارة الذات والمراعاة الأخلاقية

    المساواة مفهوم أساسي لكثير من النقاش السياسي والفلسفة السياسية. وزعم بيان الاستقلال الأمريكي لعام 1776 أن "جميع الرجال يولدون متساوين" كنقطة انطلاق لإقامة نظامها السياسي. ولقد اعتبرنا بالفعل عدالة التوزيع كوسيلة لمعاملة الناس على قدم المساواة، ولكن ماذا يعني ذلك؟

    هناك أشكال مختلفة من المساواة:

    - تكافؤ الفرص - حتى لو انتهى الأمر بالناس في مناصب مختلفة من حيث الثروة والإنجاز، نظراً لاختلافهم في القدرات أو الذكاء، يجب أن يتمتعوا جميعاً بالفرص نفسها التي يتم تقديمها لهم. وهكذا، على سبيل المثال، ينبغي أن يكون الوصول إلى فرص التعليم أو العمل متاحاً للجميع بالتساوي.

    - المساواة في الخير- ويقترح أن يتلقى الناس حصة متساوية من الموارد. ولكن لا يمكن الحفاظ على هذه المساواة في الممارسة العملية، باستثناء  المجتمعات المُقيدة لفترة طويلة، لأن الناس يستخدمون الموارد  التي يتم تقديمها لهم استخدامات مختلفة.

    - المساواة في الحقوق - أن هناك حقوقاً أساسية مُقدمة للجميع على حد سواء، مثل الحق في الحياة والحرية والسعي لتحقيق السعادة، أو التحرر من الاضطهاد بسبب اللون أو العرق أو الدين أو ما إلى ذلك.

    - المساواة في الاحترام - مهما اختلف الناس في قدراتهم، إلا أنه يجب أن يحصلوا على نفس الدرجة من الاحترام جميعاً، وذلك وبكل ببساطة بأعتبارهم أعضاء في الجنس البشري.

    - المساواة في التمثيل - يجب أن تتاح لكل شخص الفرصة نفسها للتصويت، أو بأي طريقة أخرى  تتعلق بالمشاركة في عمليات الحكومة وتنصيبها. وبالتالي وعلى سبيل المثال، يزعم أعضاء البرلمان أن جميع أعضاء دوائرهم الانتخابية يمكنهم الوصول اليهم على قدم المساواة. قد لن يستفيد الجميع من هذا الوصول، ولكن على الأقل يتم تقديمه.

    تسهم هذه الجوانب المختلفة للمساواة في متطلبين أساسيين للغاية لمجتمع عادل ومتساوٍ - المساواة في  حق توجيه الذات (أو حق اختيار الشخص لنفسه ما يختار) والاحترام الأخلاقي. أولها هو حق الفرد في أن يقرر كيف ينبغي له أن يعيش، وأن يتخذ إجراءات قدر الإمكان، لوضع خطط للحياة تهدف إلى تحقيق الذات.

    لم يناقش كل الفلاسفة ذلك. حيث إدعى أرسطو أن النساء والعبيد لم يكونوا قادرين على التفكير، أو على الأقل التفكير بفعالية (في حالة النساء)، وبالتالي كانوا بحاجة إلى أن يوجههم الرجال. في الواقع، كان فحوى حجته هو أنهم سيستفيدون من هذا، وسيعيشون حياة أكثر سعادة، حيث يتم تزويدهم بطريقة معيشية منظمة لن يكونوا قادرين على تحقيقها إن تركوا لحالهم. يستمر هذا الرأي في أي مكان تدعي فيه السلطة أنها تعرف ما هو في مصلحة الفرد حتى لو لم يكن هو ما يريده. المساواة في الاعتبار الأخلاقي ضرورية لإيجاد طريقة عادلة للتعامل مع الأشخاص الأكثر ضعفاً وفي النظر في حقوق الأشخاص وفي الالتزام الأخلاقي للمجتمع تجاههم. وبالتالي، لا ينبغي أن يحدث فرقاً معنوياً، سواء كان الشخص قيد النظر صغيراً أم كبيراً، ذكراً كان أم أنثى ، يجب أن يكون لهما جميعاً اعتبار أخلاقي متساوٍ.

    هناك طريقة أخرى للتعبير عن نطاق المساواة في النقاش السياسي وهي ببساطة القول بأنه يجب معاملة الناس على قدم المساواة.

     

    الدّكتور علي رسول الرّبيعي

     

    علي محمد اليوسف

    من المهم التنبيه أني استعمل هنا في هذه الشذرات الفلسفية، مصطلح العقل العلمي العملي أي العجينة الرمادية داخل جمجمة الانسان التي تحتوي الدماغ بتركيبته البايولوجية الفسلجية الوظائفية العلمية المتكوّنة من المخ والمخيخ والنخاع المستطيل المتفرعة عنه شبكة الجهاز العصبي والنخاع الشوكي ولا يرد هنا تعبير العقل في معناه التجريدي الفلسفي الذي هو (اللوغوس) الا بمقتضى ضرورة التمييز او المقارنة فقط بينه وبين العقل الطبيعي في التحليل العلمي أو في الاستدلال الفلسفي.

    - فلسفة اللغة التفكيكية هي لغو فارغ وثرثرة خالية من أية مسألة جديرة بالبحث الفلسفي،لأنها تقوم على تقويض النص والمعنى في عملية تشتيت ذهني وتفكيكه بلا جدوى أو غاية ترتجى، فالهدم من اجل الهدم والتقويض، وكل ماينتجه الهدم يجب أن يطاله التقويض، والغياب حضور آني مؤقت،لأن مآله الى زوال حاله حال الحضور الذي طاله الهدم والتدمير، وأنه لا شيء خارج النص من حيث هو تفكيك تجريدي لغوي مقطوع الصلة نهائيا عن الانسان والحياة في حالة دائمية من الهدم والتقويض اللانهائي في اللعب باللغة كما يلعب الطفل بدمية لا يعرف معناها.

    كما أن الفلسفة البنيوية قرينة التفكيكية حسب جياني فايتمو تضع في أسبقية اهتماماتها بنية اللغة (النص) فقط بما هو نص مكتوب مدوّن، ولا أهمية عندها للمتلقي ولا تعير اهتماما للمستقبل الانساني.

    وأمام هذا الافلاس الفلسفي في التفكيكية وفي البنيوية الى حد ما يذهب جورج مور قائلا:( أن التحليل الفلسفي للغة ليس هدفا في ذاته، بقدر ما هو وسيلة لتوضيح افكارنا وتصوراتنا وقضايانا، والنظرية الفلسفية تقاس قيمتها بقدر اتساقها مع معتقدات الرجل العادي، فاذا جاءت النظرية متنافرة مع هذه المعتقدات حكمنا عليها بالافلاس.) نقلا عن ابراهيم طلبة سلكها.

    وفي نفس المنحى ذهب فنجشتين انه (يتوجب على الفلاسفة العودة الى اللغة العادية والاستخدام المألوف لها). بعيدا عن تفكيك نحوي وبلاغي في اللغة كمبحث لغوي نصّي تجريدي يخص قضايا الادب بما هو تجنيس ادبي وليس بما هومبحث فلسفي منتج في أثراء مباحث الفلسفة.

    - الحياة ليست خطأ وخطيئة يتحمّلها وجود الانسان رغما عنه وحسب، بل الخطأ الأهم أن يعيشها الانسان مرغما يائسا بانتظار حتمية فنائه بالموت. وفهم سارتر الوجود بفلسفته أنه خواء مطلق مجرد من كل قيمة حقيقية، ويلازم العدم أي الموت الفاني الوجود الانساني كدودة داخل وجوده تعمل على تقويضه والتعجيل بفنائه.

    أن خلع صفة التشاؤم الفلسفي في أدانة سارتر الذي يعدم سعادة الحياة وبهرجها في تخريجهم الميتافيزيقي لا يغيّر من حقائق خواء الوجود الانساني من أي معنى من أجله يتحّمل الانسان شقاءه الدائمي في كل مفردة من حياته طيلة سني عمره، الذي لا معنى فيه أن يعيش ويفنى،وأن الانسان عليه أن يعيش قدره بكل غبطة وانتشاء، لا يعدو في حقيقته أنه كلام فارغ لا يلبث الانسان أن يصطدم بجدار حقيقة وجوده الخاطيء بالحياة الذي لا أرادة له به ولا قناعة حقيقية ترضى دوامه واستمراره.

    - ثبات الاشياء وموجودات الطبيعة ثبات نسبي مكانا وزمانا على الدوام وليس كما يذهب كانط أن ثبات الاشياء هو السمة اليقينية المستمدة من ادراكنا لها بثبات كل من الزمان والمكان في اسبقيتهما على الوجود، وبخلاف كانط أن ثبات الزمان في أدراكه ثبات الاشياء في وجودها الظاهري الحسّي أنما هو أي الزمان يدخل في علاقة جدلية في تغييره الاشياء دون أن يتغير، كما أنه يساعد العقل على الادراك من دون أن يدرك هو بذاته، بل كل مانعرفه عن الزمان انه حدس نتلمسه في ظواهر نتائجه في الاستدلال على وجود الاشياء بعد تخليق العقل لها وليس في اختراع وجودها.

    - ان ادراك وجود الاشياء في  العالم الخارجي مكانيا – زمانيا، أنما هو في حقيقته ادراك زماني واحد فقط، فلا يمكننا أدراك الشيء مكانا من غير زمن لكننا نستطيع ادراك الاشياء زمانا من غير وجود مكاني متعيّن لها، فنحن ندرك الاشياء القيمية كالاخلاق والفنون والجمال زمنيا في تفكيرنا الخيالي الذهني لموضوعاتها تستحدثها الذاكرة مادة لتفكير العقل،وهي أي موضوعات الخيال غالبيتها ليست محددة وجودا مكانا في العالم الخارجي لكننا نحدسها من خلال تناول التفكير بها زمانيا الذي يخلع عليها وجودها المادي في الواقع.

    - الديالكتيك في المادية التاريخية قانون يحكم المادة والتاريخ والطبيعة، لكنه ليس حتمية غائية في تحديد المراحل التاريخية التي يصلها ماركسيا بالضرورة. فالديالكتيك الذي يحكم المادة والوجود والتاريخ يشتغل على مسارات عديدة تحكم المادة وكل ظواهر الحياة بما لا حصر له ، والتاريخ ومساره التطوري أحداها، فالديالكتيك قانون يعمل في الطبيعة مستقلا عن الانسان ورغائبه، وليس قانونا وضعيا من أجل الفلسفة او تفسير تطور التاريخ مراحليا، فقد يعمل الديالكتيك في بلورة معطيات جديدة في الوجود والحياة ليس التاريخ من ضمنها كمرتكز محوري كما في المادية التاريخية، وأخيرا الديالكتيك ليس قانونا وضعيا أوجده فلاسفة مثل هيجل وفيورباخ وماركس وانما هو قانون يعمل في مجال الطبيعة بمجملها قبل وبعد اكتشافه فلسفيا.

    - الحواس تدرك وجود الاشياء في العالم الخارجي صوريا بالفكر، وليس صوريا باللغة، وأدراك الشيء بالفكر لا يشبه تعبير اللغة عنه، واللغة في تعبيرها عن وجود الاشياء تكون أولويتها سابقة على الفكر، فادراك الاشياء بالفكرذهنيا هو أدراك صامت، والصمت لغة حوارية كامنة بالذهن غير مفصح عنها بالكلام او الكتابة، في حين يكون تعبير اللغة عن الاشياء في وجودها الخارجي (صائتا) مسموعا او رموز اشارية سيميائية سواء أكان ذلك كلاما شفاهيا أو تعبيرا لغويا مكتوبا.

    ويسبق الفكر الصامت في الذهن أدراكنا الاشياء والتعبير اللغوي عنها داخل العقل وليس خارج العقل، وأولوية التفكير العقلي في الذهن يسبق تعبير اللغة عن الموجودات خارجيا، على العكس من أن اللغة تسبق الفكر في التفكير خارج العقل فقط وليس داخله، اللغة تعبير والفكر محتوى، وجود الاشياء في العالم الخارجي تكون فيه الاولوية للتعبير عنه باللغة التي تعبّر عن الاشياء كناتج تخليق عقلي فكري لها.

    - صمت الفكر في أدراكه العقلي لوجود الاشياء وأن كان يلتقي مع صمت اللغة في حالتي الادراك العقلي ذهنيا، وفي التقائهما في الافصاح اللغوي – الفكري التعبيري عن وجود الاشياء في العالم الخارجي، لكنما يبقى أدراك الفكر للشيء لا يطابق ولا يشابه تعبير اللغة عنه.وبذا لا يستطيع الفكر الذي هو نتاج عقلي كما هي اللغة أيضا، أن يتطابق مع اللغة في الافصاح عن المعنى التام في تلازمهما التعبير عن الشيء، ويبقى الفكر متخلفا عن اللغة في عجزه أيجاد حقيقته الوجودية في منافسة اللغة له في التعبير عن الموجودات والاشياء. وتبقى عبقرية اللغة سابقة على تخليق الفكر العقلي في محاولته التعبير عن الوجود بملازمته اللغة او بمفارقته لها كما في حال انشغال الفكر في حدسه وتنظيمه ادراك ما تفرضه الذاكرة التخييلية من موضوعات مستمدة خياليا من الذاكرة ولا علاقة للحواس في أي دور بنقل مواضيع الخيال الى العقل وفي تعطيل اللغة اولويتها داخل العقل في مزاحمتها الفكرلها، فالمدركات الحسّية وظيفتها هي فقط نقل معطيات وجود الاشياء في ظواهرها بالعالم الخارجي وليس مواضيع الخيال التي مصدرها العقلي الادراكي لها الذي هو الذاكرة فقط. وبهذه الحالة تتراجع اللغة المنطوقة او المكتوبة الى مراتب متأخرة امام فاعلية العقل والفكر معالجتهما مواضيع الخيال في الذهن. وتكتسب اللغة أهميتها المتمايزة عن الفكر في التعبير عن تخليق العقل لمواضيع الخيال أمّا في محتوى وشكل لغة ادبية او فنية او جمالية حال خروج اللغة عن وصاية العقل عليها داخل الذهن المفكّر، وتنتهي وصاية العقل على الفكر واللغة بعد تعبيرهما عن الاشياء في العالم الخارجي.لأن اللغة والفكر يصبحان جزءا متداخلا مع وجود الاشياء التي تّم التعبير عنها خارجيا، بعد ان كانا(الفكر واللغة) جزءا من التفكير داخل العقل في تفكيره الذهني.

    - يفهم كانط الزمان والمكان معطيان قبليان في العقل سابقان على وجود الاشياء وهما وسيلتا أدراك تلك الاشياء، ومن دون هذا الافتراض لا يمكن للعقل والذات أدراك الاشياء في وجودها الخارجي، وجواهر وظواهر الاشياء لا تدرك من غير ثباتها في تجانسها مع ثبات الزمان والمكان في الذهن كما يذهب كانط أيضا، كما أن ثبات الاشياء يتناسب طرديا توافقيا ادراكيا مع الزمان في ثباته، وبهذا يكون كانط أعفى العقل من مهمة اثباته ماهيات وجواهر الاشياء في وجودها بذاتها أو حتى في ظاهرياتها المتغيرة على الدوام وباستمرار، وأعطى الثبات المكاني والادراك الزماني المجانس لثبات الاشياء مكانيا اولوية على العقل.وفي هذا التناقض يصبح عدم اعتراف الفلسفات المثالية بالعقل والوجود خارج ادراك الفكر مقبولا دوغمائيا في المثالية المنطقية التحليلية التي يتزعمها ديفيد هيوم وجورج مور وبراتراندرسل ، متناسين تماما أن الفكر هو نتاج عقلي وليس نتاجا مكتسبا في أدراكه وتفسيره للاشياء وفي هذا مأزق الفلسفة المثالية الحديثة انكارها وجود العقل في تأكيدها على الفكر الذي هونتاج لصيق بالعقل. ونجد من المهم التنبيه أن العقل لا يفرز الافكاروظائفيا، لكنه هو منتج الافكار في عملية تخارج التفكير العقلي مع وجود الاشياء في ادراكها الخارجي، وليس هناك من فكر لا يسبقه وجود او موضوع. وليس من السهل أبدا الاقرار بأن الفكر له الاولوية في تغييب العقل وليس غيابه كما تذهب له الوضعية المنطقية الحديثة..

    - رغم وجودية كيركارد التي أصبحت مادية لاحقا على أيدي هيدجر وسارتر، الا أنه يذهب نحو مثالية لا تختلف عن المثالية التي يذهب فلاسفتها جميعا أنه لا وجود للاشياء ولا العالم الخارجي الا في الوجود الصوري الادراكي لها في الفكر فقط لا غير، وأن النسق الفلسفي يحتوي ويقرر ماهيات الاشياء والوجود من خلال الفكر المنطقي المجرد ، وذهب كيركارد نحو وجود غير مادي وغير ميتافيزيقي أيضا بالتبشير بعالم الوجدانات والاخلاق والجمال والعواطف الايمانية في اعتباره لها ايقونات فلسفته الوجودية في ظاهرها فقط، معتبرا أن الوجود الانساني تابعا للنسق الفلسفي لا خالقا لوجوده من خلاله.وفي هذا يخرج كيركارد عن وجوديته المادية واستبدالها بوجودية أيمانية دينية صوفية مثالية.

    - الحقيقة الفلسفية هي محاولة استدلالية دائمية في ملاحقة تطابق ما في الاذهان مع وجودها الافتراضي الدائم في المطلق الفلسفي، كما أن الذات ليس بمقدورها تخليق وجود الاشياء بالتفكير الذهني المجرد بها، وحقائق الفكر الفلسفي الافتراضية غير المتعينة الا بوسائل الاستدلال عليها، تبقى محتفظة بصفتها أنها صيرورة تطورية دائمية في مباحث الفلسفة.

    - ذهب تطرف براتراند رسل ومعه جورج مور ووايتهيد نوعا ما ، فيما أطلقوا عليه الواقعية الجديدة الانجليزية حصرا، في أعلائهم من شأن معطيات ومدركات الحواس أهمية كبيرة وصلت براسل أعتباره تلك المعطيات الحسية هي العقل بمعناه العلمي التجريبي العلمي، وليس اللوغوس بمعناه الفلسفي الذي هو نتاج المعرفة بمختلف مباحثها وألوانها. وأعتبررسل تكوين العقل العلمي يقوم على أولوية معطيات الحواس بخلاف أن المعرفة الفلسفية لا تنتج لنا سوى مناهج ونظريات في التفكير الذي لا يقود الوصول الى عقل تجريبي علمي.أنه من الواضح ان راسل اراد ان تكون الفلسفة علما تجريبيا يقودها العلم ولا تقوده هي العلم.

    - في نفس المنحى الذي أشرنا له في الفقرة السابقة نجد أن ديفيد هيوم ذهب نحو علم النفس معتبرا أن ليس هناك معرفة مباشرة (للأنا)، بالمعنى الفلسفي الذي نفهمه أنه وعي الذات، وأنما الموجود هو النفس البشرية وليس الذات التي يشكك هيوم بوجودها، معتبرا النفس هي (حزمة من الافكار) المستمدة من معطيات الحواس لا علاقة بما يدعى ذاتا الى جانب او محل وجود النفس، وقام بتطوير فكرته هذه في كتابه (تحليل العقل) الذي لم يكتف به نكرانه الذات الانسانية بل ذهب أبعد من ذلك قوله (لا يوجد شيء اسمه المادة كما ولا يوجد شيء اسمه العقل). وبتعبير فلسفي يعتبر هيوم (أن ما يمّيز ماهو نفسي هو ذاتيته، وهذه الذاتية تعني ماديا تجميع معطيات الحواس وتركزّها في مكان واحد هو الدماغ).

    لكن من المهم الاشارة أن راسل ينكر على هيوم (وجود نفسي على هيئة جوهر قائم بذاته،) ومع ذلك فهو يقر لهيوم (ان الظواهر النفسية اكثر حقيقية من المادة لأننا لا نتوصل للمادة بادراك مباشر لها مطلقا).

    من وجهة نظر هيوم وراسل أنه لا يسبق الوجود الانساني ولا الوجود الطبيعي قاطبة سوى معطيات الادراك وحزمة الافكار المستمدة من معطيات الادراك الحسي للاشياء في وجودها المادي المستقل الذي ينكران ادراكنا له بغير ما تزودنا به الحواس فقط، كما لا يعترفان بوجود عقل مستقبل لمجموع معطيات الحواس بما اطلقا عليه حزمة الافكار وتنظيمها عقليا،وأنما الموجود هو حزمة الافكار ليست المستمدة عن وجود الاشياء السابق عليها في العالم الخارجي بل حزمة الافكار في الدماغ التي بضوئها نستدل على وجود الاشياء من عدمه.ضاربين عرض الحائط حقيقة أنه لا وجود لفكر لا يتقدم عليه ويسبقه وجود ثم يعقبه عقل.

    من جهة ثانية نجد أن هيوم وراسل اللذين يدعوان أعتماد العقل الفلسفي تجريبيا كما في العلوم الطبيعية والرياضيات، يتوسلان اللوغوس فلسفيا في تدعيم دعوتهم الى جعله مبحثا عقليا تحليليا علميا خارج مختبرات العلوم ، وليس العكس المطلوب في أعتماد معطيات العلوم الطبيعية في الوصول الى قناعات فلسفية تأخذ من العلم تجريبيته التحليلية بما ينتشل مباحث الفلسفة من الدوران في فلك معرفة الوجود بوسائل تجريدية تستبعد العلم التحليلي والتجريبي. باختصار العبارة الموجزة أن محاولة جعل مباحث الفلسفة (علما) لا يتم الا بمنطق العلم الذي لا يلغي قدرات العقل العلمي البرهنة عليه فلسفيا.

    - الانسان كينونة وجودية تمتلك وجودها الظاهراتي والعقلي وماهيتها التي هي مجموع صفاتها وكيفياتها كانسان،  تجعل منه هوية جوهرية ماهوية مستقلة. وفي هذه الخاصية يتأكد استحالة الاتحاد غير القابل للتسوية بين الوجود في ذاته، والوجود من أجل ذاته، أي بين الخالق الالهي والمخلوق الانساني كما تدّعيه الصوفية في تغاير (كيفيتين) أحداهما روحانية لا يدركها الانسان هي الخالق ، والاخرى مادية تتمايز ذاتيا عن غيرها بقوانين الطبيعة زمكانيا وهي الانسان ، ولا تلتقي كيفية الانسان المادية الا مع كيفيات مادية تتجانس معها في كل او بعض الصفات والماهيات.

    - لغة الخيال هي قسمة مشتركة بين الفلسفة والشعر، باختلاف ان لغة الفلسفة تخضع لسطوة العقل المنطقي في لجم الخيال ان يكون تهويميا ،بينما الشعر يعيش ويخضع لمرجعية تنظيم اللغة وتنظيم خيال اللاشعورجماليا فنيا أيضا بعد برودة عاطفة الشعر وبرودة تهويم اللاشعور العقلي في تدوين النص مسموعا او مكتوبا او جماليا ممثلا في نص شعري او في لوحة فنية وفي جميع انواع التشكيل الفني التي  تكون اللغة فيها في حالة كمون يستنطقها المتلقي المشاهد.

    - عبقرية اللغة سابقة على عبقرية الفكر الذي تعبّر عنه، رغم أن انتاجية العقل للفكرسابق على انتاجية الذات للغة، وكلاهما حوار غير معلن لشيء واحد، ويفترقان (اللغة والفكر) عن الخيال العقلي، والتمايز الدلالي بينها ايضا، متى ما اصبحت الفكرة واقعا ماديا معبرا عنه لغويا يدركه الاخرون في عالم الاشياء.

    - الانسان ذات وموضوع يتبادلان الادراك بالتناوب.فالانسان يدرك الموضوع في وعيه العقلي او الخيالي. والانسان يدرك ذاته بذاته عقليا أيضا. والموضوع لا يشترط أن يدرك ذاته الا بشرط علاقته بمن يدركه وهو الانسان، أذا كان وعي الذات ووعي الموضوع من نفس النوع.بمعنى أن يدرك الانسان غيره من البشر لا غيره من الكائنات في الطبيعة والعالم الخارجي. فهنا لا يكون الادراك بين الذات والموضوع متبادلا ، بمعنى أن الانسان في هذه الحالة يدرك موضوعه، لكن موضوعه لا يدرك الانسان ولا وعيه به كموضوع.

     

    الباحث علي محمد اليوسف /الموصل

     

     

    زهير الخويلدياستهلال: "ليس أمام الفلسفة الشخصية عمل أهم من اكتشاف الواقع الأصيل الذي يختفي وراء ستار العموم المصطنع"1[1]

    لقد مارس نيقولاي برديائيف (1874-1948) تأثيرا عميقا على الفكر الفلسفي في الحقبة المعاصرة وذلك ليس من خلال تناولها لقضايا الحرية الخلاقة وبحثه الأساسي في الشأن الإنساني من زاوية وجهه ومعنى وجوده بل عندما ساهم في قيام أنثربولوجيا جديدة تضع الإنسان في مواجهة إمكانية صناعة مصيره بنفسه عن طريق الوعي الباطني بالفعل وتنمية الموهبة الإبداعية وتمكين الذات من الابتكار والتجديد والإضافة.

    لقد عُرِفَ على نيقولاي برديائيف التصاقه بالإيمان وانتمائه للمؤسسة الدينية ولكن هذا الارتباط لم يمنعه من ممارسة النقد التاريخي ليس من حيث الماهية والجوهر وإنما من جهة الحضور التاريخي والممارسة السلطوية وتأثير الانفعالات الإعتقادية في السلوكيات الدنيوية وتدخل رجال الدين في الشؤون البشرية.

    لقد تميز برديائيف بروحانية نبيلة جعلت يصغي إلى كرامة الإنسان وينادي باستقلالية الإيمان عن التراتبية الهرمية في المؤسسات الدينية وعن الدور المحافظ الذي تؤده التيولويجيا الرسمية تجاه شبكة القيم السائدة.

    لقد حملته الروح الثورية إلى رفض الوصاية والقطع مع الظلامية التي تكرس الهرمية والتبعية والوثوقية وتوجه صوب تجديد الإيمان والتعبير عن نبل الشخص الإنساني وإنقاذ الحرية من اكراهات الضرورات.

    لقد نحت مفهوم الفلسفة الإبداعية بوصفها حرية خلاقة ترنو إلى المطلق وتأتي قبل الوجود وتتسلح بفضيلة الشجاعة وتمثل المحرك الإلهي الذي يسمح بالحدس ويمنح الذات البشرية معنى الحياة والقدرة على الخلق.

    لقد اشتغل على تنمية الشخصية الحرة الخلاقة وبحث عن الوجود الحق واعتمد الحدس كطريق للعمل والالتزام وتناول بالدرس معنى التاريخ وصراع الروح مع الطبيعة وانتبه إلى أن السعادة والكامل هما غاية لا تدرك سوى في الخواتيم وحلم بعصر جديد تنتهي فيه المعاناة والعبودية وتنتصر فيه الحرية. في هذا الإطار، كيف عمل برديائيف على بناء فلسفة دينية ضمن رؤية وجودية للإيمان وقراءة إنسانية للاعتقاد؟ وماهو المعنى الذي منح للمصير الذي ينتظر البشرية في أفقها المنشود؟ وعلى ماذا تتأسس إذن العلاقة بين الإنسان والله؟ وهل تؤثر هذه العلاقة في تجربة الحرية من حيث هي انعتاق وخلاص وتحرر؟ وما علاقة الفلسفة بالإبداع؟ وأي دور للشخص الإنساني في الثورة على السائد واحترام الإلهي في ذاته؟

    لا تنحصر الفلسفة بالاهتمام بالظواهر الأنثربولوجية من أجل إدراك أسرار الطبيعة فحسب وإنما تهتم بالشروط الإيتيقية لممارسة الفعل ونحت القيمة واختبار حرية الذات من خلال المشاركة في الخلق الفني والإبداع العملي بالنظر إلى "أن معرفة الحقيقة هي تشارك معها وحياة فيها: إنها أيضا معرفة بالعدالة"2[2]

    ما تمت المراهنة عليه من الفلسفة الدينية من طرف نيقولا برديائيف ليس بلوغ المعرفة وإدراك القوانين التي تتحكم في ظواهر الطبيعة، فهذه مهمة العلم، وإنما الاستناد على تجربة الحرية بماهي فعل الروح من أجل خلق القيم الحقيقية وتدريب الكائن البشري على المحبة والشعور ببهاء الكون وعدالة الله وعنايته.

    1- فلسفة دينية ذات نفس وجودي:

    " عمق الوجود في ذاته، عمق الحياة، ليس لا طيب ولا شرير، ولا أخلاقي ولا غير أخلاقي، انه لا يقوم إلا بأن يرمز وأيضا أن يعبر وفق مقولات هذا العالم"3[3]

    فلسفة المعرفة والوجود عند نيقولا برديائيف هي فلسفة شخصية والشخصية الإنسانية هي الموضوع الرئيسي للمعرفة الفلسفية والقول بالتقابل بين المعرفة والوجود وبين العقل والواقع يجعل الفلسفة تصل إلى سد لا سبيل إلى تجاوزه والفيلسوف لا يرتاح إلا بأن تصل رؤيته المعرفية إلى ما في الوجود من امتلاء.

    يجب أن تكون الفلسفة الوجودية حسب برديائيف إنسانية طالما أن معرفتها بالوجود مستمدة من الإنسان وكل المحاولات التي بذلت لإبعاد الفيلسوف عن التجارب الإنسانية باءت بالفشل وثبت أنها وهمية وزائفة، ولا يمكن للفلسفة الحقيقية منبثقة من شيء آخر لأنها قائمة على أساس من الحكمة الإنسانية، ولذا يجب أن تكون محبة الحكمة تجربة حية يشترك فيها الفيلسوف اشتراكا فعليا مع البعد الاجتماعي والمحيط الطبيعي.

    ليس من شأن المجتمع أن يملي شيئا على الفلسفة وإنما من شأن الفلسفة أن تملي أشياء عديدة على المجتمع وفي الواقع توضع الفلسفة على الدوام موضع تساؤل واستنكار من المجتمع وهي من أكثر الجوانب الثقافية والفكرية التي تتعرض للاستهجان والتشكيك، وهذه القطعية المنحدرة من الدين والعلم والرؤية العامية هي أصل المعارضة التي تقف بالمرصاد ضد الفكر المستنير وضد كل ابتكار عقلي ونقد اجتماعي هادف4[4].

    يبدو أن المجتمع كله يتحد لكي لنكر على الفيلسوف كما يقول برديائيف حقه في التفكير الحر وفي الواقع لم يسمح للفيلسوف بالتفكير الحر إلا في لحظات قليلة فحسب وحتى الجامعة لا ترضى عن الفيلسوف إلا بشرط أن يلتزم الصمت فيما يتعلق بفلسفته الخاصة وأن يعتني بتدريس تاريخ الفلسفة والمذاهب الفلسفية بينما الفيلسوف الحق لا يقنع بأن يفهم العالم فقط وإنما يسعى بكل جهده إلى تغيير العالم وإصلاح الجامعة.

    تنمو الفلسفة من التجربة الحية وأي اكتفاء بالتجريد الخالص يجعل موقف الفيلسوف متخاذلا في علاقة بقضايا الواقع الملموس ويبقي لغته في مجال مشترك مع اللغة الدارجة ولكن لا تقف الفلسفة عند الوظيفة الاجتماعية حسب برديائيف بل توجد وراء كل فكر إرادة مضنية لتحقيق الحياة وإشباع رغبة حسن البقاء.

    رسالة الفيلسوف وثيقة الصلة بهموم الناس وقضايا المجتمع ولذلك هو الأكثر تعرضا للاضطهاد والنكران والجحود بالنظر إلى أن الفلاسفة بشكل خاص هم الأوفر حظا من الإهمال من طرف الدولة ولا يمتثلون بيسر للسلطة وتقف الفلسفة وحدها معزولة وما من أحد يتقدم للدفاع عن الفيلسوف في محنته ويفتقر للسند ومعرضا للتنكيل والإقصاء ويتصف بعدم الاستقرار وتصادر أفكاره وتحجب نصوصه عن الناس5[5].

    كانت الفلسفة الوجودية عند برديائيف أول من عالج اللاّمعقول الديني بوصفه المشكلة التي لا مفر للعقل من مواجهته وكانت حاولت تعقل التمزق ومقاومة العبث وحملت على العدم وزرعت الأمل أمام الحرية.

    لا يمكن للفلسفة من منظور برديائيف إلا أن تكون ذاتية حتى وهي تسعى لكي تكون موضوعية بما أن كل فلسفة صادقة تحمل طابع شخصية الفيلسوف الذي أبدعها وأيضا طالما أن هدف الفلسفة يتحدد من تفكير الفيلسوف في وضعه الاجتماعي ومصيره وأي شعور بالنفور من الفلسفة فهو يحمل في داخله أسوأ فلسفة، و لا يؤدي الفيلسوف وظيفة اجتماعية وحسب بل إن قيمة رسالته يسمو بها على كل الواجبات الاجتماعية.

    لقد عمل برديائيف على إدماج الثورة الفلسفية التي فجرها كل من نيتشه وماركس على الميتافيزيقا المثالية ضمن الرؤية المسيحية للعالم بالرغم من انغراس فكره في التراث الأرثدوكسي وتأثره بالغنوص الروحي. كما ساهم في بلورة مشروع الاستيقاظ الحر للتراث الديني في بلده تماشيا مع الحالة الإبداعية التي عرفتها الثقافة التي ينتمي إليها في حالتها الأدبية والفنية والسياسية مع غوركي وتولستوي ودوستوفسكي ولينين.

    لقد استعمل برديائيف الفكر الأماني وخاصة فلاسفة الحياة مثل كانط وشيلنغ وصوفية بوهام في حواره مع الثقافة الغربية في سبيل الإسهام في تأسيس الفلسفة الوجودية التي انطلقت قبل ذلك مع سورين كركيجارد. لقد شيّد برديائيف فكره في صورة فلسفة دينية تجمع بين التصوف والعرفان وتتضمن عدة عناصر نبوية وتجعل من المعرفة وظيفة حياتية وتنحت للتجربة الروحانية رمزية دلالية تتحرك ضمن جدلية وجودية بين الإلهي والإنساني وتتعامل مع الفعل الإبداعي على أنه المعنى الوحيد الذي يمكن منحه للتاريخ الحي. كما أن التجارب التي يجريها الإنسان وتتسبب في هيمنة الانفصال والإكراه لا تقدر على النفاذ إلى الواقع.

    بهذا المعنى تنفتح تجربة المقدس على بعد مغاير من الوجود العميق أكثر نبلا وسموا وتجعل من بعض الروحانيين مصلحين اجتماعيين ومبدعي لأشكال رحبة من الحياة وخالقي لأبهى الأوجه الشفافة والجميلة.

    لقد قام برديائيف بتمكين الشخص من تحصيل معرفة تامة وتعميق الصلة بين الباطنية الذاتية والتعالي الروحي وأجاز الاختزال الأنثربولوجي للنزعة الإنسانوية دون السقوط في قتل الإنسان والاكتفاء بالواقعية الروحانية التي تنزل البشر منزلة عالم صغير داخل عالم كبير وتحاول تخليص الفردانية من الجمعانية.

    تعتمد الفلسفة الدينية عند برديائيف على نمط روحاني من الوجود تعبر عنه الحرية عبر تراجيديا الشر حيث تكون غير معقولة وأولانية في الآن ذاته وحيث تنبثق بفضل الله من اللاّوجود لكي يتكون الآخر.

    لقد بذل برديائيف مجهودات من أجل تفسير السر المخفي للتساهل من طرف الإله أمام الحرية المطلقة للإنسان حقيقة الدراما التي تمزق مشاعر المحبة تجاهه وحاول التعبير عنها بشكل غامض ومتناقض وبعبارات غير منظمة وغير نسقية مثل الرأفة والإحسان والرحمة في مواجهة الشر والإثم والخطيئة.

    هكذا اقترن الشروع في تجربة الإبداع باكتشاف وتحقيق القانون الكلي وتحرير الإنسان بالفضيلة والوعي والتخلص من الإثم والتغلب على الذنب وتخطي إمكانية الوقوع في الخطيئة وتهيئة الروح لمعانقة المطلق.

    لقد اتضح أن الوجود عند برديائيف لا يحدد إلا من طرف تجربة الحرية وأن السقوط البشري في الأرض قدوما من السماء هو حدث آدمي للروح تلتصق بالمكان والزمان والمادة ويصبح الله يتكلم اللغة البشرية.

    على هذا الأساس لا يحمل الإنسان إنسانيته إلا من خلال الله ويمكن للإله أن يفصح عن ألوهيته من غير الإنسان ولكن ميزة الإنسان أنه يمثل تماما كل ممكنات التجسد وأشكال المحايثة بين الألوهية والبشرية.

    حينما تنير الروح الحرية الإنسانية يصير العقل قوة خلاقة تصبح قادرة على إتمام تكاملية الكون ويبقي الله في انتظار مجيء الإنسان الحر ليستجيب للمحبة الكونية ويجيب عبر الحب الخلاق على سؤال المصير.

    والحق يكون حسب برديائيف "إلى جانب الدين في الصراع الناشب بين الدين والفلسفة حينما تطالب الفلسفة بالحلول مكان الدين في ميدان الخلاص والحياة الأبدية غير أن الحق إلى جانب الفلسفة حينما تتطلع إلى بلوغ درجة في المعرفة أعلى من تلك العناصر الساذجة من المعرفة التي يتضمنها الدين"6[6].

    من هذا المنطلق أقر بأهمية الدور الذي تقوم به الفلسفة في تطهير الدين من الشوائب والجهالات والتعصب لدى اللاهوتيين ورجال الدين وحرص على حماية الايمان من النزعات الموضوعية والطبيعية التي تشوه الحقائق الدينية وراهن على الفهم الفلسفي للوحي الالهي لكونه فهم عقلي يقدم لنا مبادئ معرفية هامة.

    لقد دشن برديائيف من خلال وجوديته المؤمنة أزمة المعنى التي وقعت فيها الحضارة الصناعية ودعا إلى إعادة تشكيل العلوم الرمزية والوسائط الثقافية قصد إعادة بناء جسور متينة بين الذوات والمجموعات. كما أن معنى التاريخ لا يستمد من العلوم الطبيعية والمباحث القانونية ولا من الفلسفة المادية بل من تجليات الحياة الروحية للمجتمعات ومن رمزية الثقافة الإنسانية ومن الحرية التي تتمتع بها الذوات أثناء فعلها في هذا التاريخ عينه وان النضال الاجتماعي لا قيمة له دون الالتزام الديني واحترام المقدسات والمؤسسات الروحية والقيم الرمزية وان الالتزام الديني لا معنى له دون وعي الأفراد بأهمية التحرر من الاغتراب الاجتماعي ودون التزام بالنضال من أجل العدالة الكونية والمساواة بين الناس في الحقوق والواجبات .

    لكن لماذا انتقل برديائيف من الانخراط في الماركسية إلى الدفاع عن إصلاح المؤسسة الدينية والروحية؟ وكيف تساعد الفلسفة الوجودية على بلوغ مستقبل يكون فيه الدين مؤسسة جمهورية خالية من الجحيم؟

    2- معنى المصير الإنساني:

    "حكاية الجنة والسقوط هي بالتحديد حكاية تكون الوعي في تجربة الروح"7[7]

    تحتل مسألة المصير عند نيكولا برديائيف منزلة هامة ومركزية في فلسفته وتحوز على قيمة رمزية في رؤيته للإنسان والتاريخ بسبب ميلاده في أسرة نبيلة وتربيته المنعزلة ذات الحساسية الدينية وكذلك بحكم وجوده عند نقطة يتلاقي الغرب المسيحي في نسخته الأرثدوكسية مع التجربة الروحية للانسانوية الملحدة.

    لم يتأخر برديائيف في التمرد على الوسط الثقافي الذي تربى فيه والدخول في صراع مع النزعة الامتثالية ويتبنى أفكارا اشتراكيا وينادي بالحرية الاجتماعية ويحاول الجمع بين النقد الكانطي والالتزام الماركسي. لقد حافظ على مطالبته بتحقيق العدالة الاجتماعية بالرغم من ابتعاده عن ماركس وتأثره المفاجئ بالنزعة التراجيدية عند فريدريك نيتشه وفكرة العبقرية الخلاقة ومشاركته في النهضة الروسية مع عدد من العلماء واعتمد على الوعي الديني المتحفز الذي قام بالتأليف بين المعتقد الروحي والمعنى الديونوزوسي للحياة.

    لقد جعل من ضعف المؤسسات الكنسية وفتور الإيمان لدى الطبقات الشعبية بيئة ملائمة لاندلاع الثورة الاجتماعية وإحرازها الانتصار السياسي على الشرائح المحافظة وانتبه إلى انحصار الإحياء الديني في نخبة ضيقة وعدم ملامسته شريحة واسعة من الناس وما ترتب عن ذلك من فقدانه التأثير على المجتمع.

    كما قام بنقد فكرة الديمقراطية من منظور ميتافيزيقي واعتبرها تفرغ الناس من فرديتهم وتحطم الإنسان الباطني من أجل منفعة الإنسان الخارجي ويرى أن الإنسان في النظام الديمقراطي يتم تعريفه ميكانيكيا بواسطة مقولة اجتماعية متبلورة جاهزة ويتم إهدار قدرته الخلاقة وطاقته التجديدية وفعله الإبداعي الحر.

    من هذا المنظور يتحدد معنى التاريخ من خلال الانكسار الذي أحدثه الوحي الإلهي في النظام الدوري للكون وفي التعاقب المسترسل للأحداث التاريخية والأزمنة الثقافية بالنسبة للإنسان ويجد الزمن التاريخي المعنى الذي كان يفتقده في إطار هذا التوتر الاسكاتولوجي أولا ومن الامتلاء الدلالي للكتاب المقدس ثانيا.

    يحرص برديائيف على طرح مسألة المعنى الديني للإبداع من زاوية الوعي للرد على الأزمة التي تعاني منها الحداثة الثقافية التي تتوزع بين العلوم والفنون وتسعى إلى إعادة اكتشاف السر الإبداعي للإنسان.

    بهذا المعنى تعتمد التجربة الإبداعية على تسويغ الحياة من جهة القوة والقيمة بالانطلاق من الإيمان الذي يسمح بتشكيل ماهية مختلفة والارتقاء إلى عالم جديد يفيض بالنور والإشراق والعرفان والمحبة واليقين.

    " من الضروري لكي تكتشف الشخصية طبيعتها الاجتماعية الحقيقية ورسالتها أن يتحرر وجودها ووعيها من الضغط الاجتماعي ومن تأثير العام الذي يضع حولها القيود ومن تأثير التصورات النوعية الكلية"8[8].

    لقد ربط مشكلة المصير بفكرة الزمان وتأثريها في الإنسان من جهة مراوحته بين الجبرية والحرية وبحث في قضية الزمان من جهة متناهي واللاّمتناهي وأدرك أن الذات في علاقة تناقض مع الزمان فهي تحاول السيطرة على الزمان ولكنها تتحول إلى موضوع عابر للزمان وتتدارك ذلك بالبحث عن الأبدية وتتعلق بالروح بغية التغلب على الخوف والفزع من قدوم المستقبل وتترك للحرية امكانية بلوغ علة عليا للوجود.

    لقد انتصر برديائيف إلى الفرد على حساب المجموعة وبحث في العلاقة بين الأنا والشخصية ودفع الأنا إلى امتلاك شخصية واثبات ذاته وفرديته عن طريق امتلاك الوجود الذاتي ولكنه نبذ العزلة والانطواء وربط تنميته لشخصيته بربط جسور الاتصال الروحي بالمجتمع وقيامه بمهامه الإصلاحية والتربوية.

    لقد فكرة في علاقة الوحدة بالكثرة والواحد والمتعدد ودفع الشخصية في اتجاه التفرد عن العام وتحقيق الخاص مع الحرص على تنمية النوع البشري وصقل الحرية الانسانية التي تسمح له بالانتقال من العدم الى الوجود ولذك صرح بأن " الشخصية هي التضاد المجسد للفردي والاجتماعي...للحرية والمصير"9[9].

    لكن بماذا يمكن تفسير الحضور الدائم في مؤلفات برديائيف للزوج المفهومي: الله والإنسان؟، ثم ماهي الشروط التي ينبغي أن تتوفر لكي تجعل من الإنسان الكامل الصورة الحقيقية والمتشبهة بالذات الإلهية؟

    3- الإنسان والله والعالم

    " يحرر الإنسان في ذاته مكانا يحتفظ به لله، وانه يعود إلى حضن الله دون منفعة ترتجى منه"10[10]

    إذا كانت العصور القديمة والوسيطة قد منحت الامتياز لله على حساب الإنسان وجعلت التيولوجيا تتقدم على حساب الأنثربولوجيا فإن الأزمنة الحديثة قد أعادت الأوضاع إلى نصابها المعرفي ونزلت الإنسان المكانة التي تليق به وجعلت ويتبوأ المنزلة التي يستحقها من حيث هو كائن فان يقتدر على تحدي الآلهة.

    لقد تم التخلي عن اله على صورة إنسان يقوم البشر بصنعه وفق ما يتخيلونه واستبداله بإنسان على صورة اله وفق ما يتصورنهم من خلال مركزية الذات وقدرتها على التشريع على الصعيد المعرفي والوجودي.

    لا ضير في القول بأن عصر الروح هو عصر الوحي الإنساني وأن الديني لا تشيد حواجز تبقيه مسافات بعيدة عن الحياة وإنما يقوم بحذف كل العراقيل التي تمنع الناس من الكيان في العالم والتدرب على الحياة.

    لهذا يتمثل العامل الديني في التجربة الخلاقة والعمل الإبداعي الذي يقوم باختراق العالم الموضوعي والسماح للمحبة والجمال والحقيقة بالانبثاق ضمن إطار رموز ثقافية للبعث وتراجيديا أخروية للأمل.

    كما يعود الفضل إلى العامل الديني في توطيد التمدن على التوحش وذلك عندما ساعد على توحيد ظواهر الكون وقام بعقلنة اجتماعية وتقنية للحياة العالمية وتخليص العلم من السحر والأساطير والخرافة والجهل.

    بعد ذلك قامت الفلسفة الوجودية المؤمنة ببلورة مصالحة بين الإيمان بالإله والإيمان بالإنسان ودمج بين التيولوجيا والأنثربولوجيا وذلك بغية إنقاذ الإنسان من وهم التيولوجيا وإنقاذ الله من بؤس الأنثربولوجيا.

    يرفض برديائيف أن يكون الله سيدا أتوقراطيا ولا حاكما بصورة فوقية ومطلقة للعالم ويرى معرفة الله مقترنة مقترنة بوجود الإنسان والعلاقة المبرمة معه ضمن حياة باطنية يبلورا فيها شكلا من الحضور المتلازم ويقترح وجود قوة إبداعية أصلية تنظم العناية الإلهية وتمنح الإنسان الحرية والنشاط والإبداع.

    الاكتشاف الكبير عند برديائيف هو تصوره الله على أنه قريب من البشر ويوجد في دواخلهم والنظر إليهم على أنهم موجودون فيه طالما أن الطبيعة البشرية تشارك وتتقاسم حسب الأول والأكثر الطبيعة الإلهية.

    لا يمكن تصور الله دون المرور معرفة الإنسان ويفقد الإنسان معنى حياته إذا ما تصور نفسه خارج الله، ولذلك الله والإنسان عنصرين وجوديين لا يقبلان القسمة والانفصال، فالله المحبوب والإنسان هو المحب، ولا أحد يمكنه خرق الروابط المتينة التي توحد بينهما، فالإنسان منغرس في الله والله منغرس في الإنسان. على هذا النحو يظهر الإنسان على هيئة علامة مرئية تمثل حقيقة غير مرئية ويشهد على حضور الله.

     بيد أن الروح لا ترضها الميتافيزيقا الأخروية ولا الأنثربولوجيا الدينية وذلك لعجزها عن بيان صلة القرابة بين الله والإنسان ولقد كان عيبها الأبرز تقديس الله واحتقار الإنسان وبالتالي يكون من الأجدر أن تدفع التجربة الدينية نحو الاقتراب من سر الحياة الإلهية بغية فهم سر الحياة الإنسانية والبحث عن الإلهي الذي يوجد في الإنسان من حيث هو عنصر تكويني والإقرار بطبيعة مزدوجة (إنسانية وإلهية) للمسيح.

    هكذا تتخطى عملية تشكل الطبيعة البشرية نظام العالم الموضوعي الذي تتشكل فيه الأشياء المادية وتقترب من نظام العالم الذاتي الذي يترك للأشخاص حرية الاختيار في عملية صناعة وجودهم وتقرير مصيرهم وذلك بالانطلاق من الصورة الإلهية التي يحملونها في ذواتهم بغية إعادة شحن أنفسهم بطاقتهم الخاصة.

    قد تأتي التراجيديا الإنسانية من الانتماء المزدوج للروح والمادة و تزامن حضور الفكر والجسد في طبيعته ولكن هوية البشر تتجلى من حيث هي ميدان تنازع بين قطبين سمائي وأرضي حيث يتواجه الله مع العالم. ولو حاول الإنسان أن يتوجه كليا نحو الله فإنه يعيد تشكيل ذاته ويرتقي من طور طبيعي إلى آخر روحي ويصير مغمورا بالأبدية ويشارك عالما جديدا وبدل تحقيق مملكة البشر يقترب من الانتماء إلى مملكة الله.

    لقد اهتدى برديائيف إلى أن الأخلاق الدينية هي أخلاق القوة وتجربة العزيمة وإطلاق للإرادة بالرغم من حضور الانفعالات والعذابات والمثال الزهدي والمحبة وربط بين البعد التراجيدي والأخلاق الطاقوية وبين طبيعة الفعل الإبداعي وبين نقد الوعي المحض وارتقاء الكائن البشري وإحرازه لمطلب الحرية.  لا يتحقق الفعل الإبداعي إلا من خلال قدرة العبقري على اكتشاف العناصر التائهة في الوجود واستثمار العذاب البشري في نحت السعادة المرجوة ضمن معاناة تراجيدية يهدم فيها الكائن الثبات وينتشل نفسه من الفوضى في مسار من اللاّاستقرار على العادة والتقاليد ومعاودة التقاط المدهش وشهادة على عالم مختلف.

    كما يؤكد برديائيف على وجود ترابط بين الفعل الإبداعي والعبقرية البشرية ويكشف عن العبقري المبدع لا يحكم على العالم بالطرق الفكرية المعتادة ويبدي عدم فهمه للأنظمة المعرفية السائدة ويتحلى بقابلية كونية نحو الأشياء ويسلك دروب متشعبة وينخرط في فعالية إبداعية مضنية ويعتمد على القدرة على التضحية التي توفرها التجربة الدينية ومنظورها الرمزي للحياة ويعبر عن حركة الروح في وحدتها مع الجسد. "نحن لا نستطيع أن نستغني عن الحب في علاقاتنا بالآخرين أو بأنفسنا وليس الشخص الأناني يحب نفسه بالضرورة فقد يحتقر نفسه ولذلك تراه يضمر أشد أنواع الحقد للناس ويكون في حرب مع نفسه"11[11]. لكن هل تقوم الإيتيقا على الرمزية أم على الواقعية؟ وما دور الفعل الإبداعي في بلورة مشاكلها المتعينة؟

    4- مفارقات الإيتيقا والانتظار الأخروي:

    "ينبغي أن تناضل الإيتيقا من أجل الصورة المثالية للإنسان من حيث هو كائن حر وأصلي وأن تتعارض بشكل صارم مع كل ما يجعلها محددة بواسطة اليومي. اذ أن مثال الإنسان هو قبل كل شيء الشخص."12[12]

    إذا كانت الحياة الإنسانية تتأرجح في وضعها التاريخي بين رذيلة الكذب وفضيلة الصدق وبين الشر الآثم والخير النافع ويداهمها الخوف والانشغال والحنين والغضب وتتراوح بين انفعالات التراخي والاستسلام والتلاشي وبين مهارات الإقبال والنشاط والعزم فإن بناء إيتيقا للفعل الإبداعي في الحياة الأخلاقية تشتغل على تدبير تراجيديا الوعي الشقي وتعتمد الخيال طاقة تأليفية للمتناقضات هو جسر العبور نحو الأبدية.

    اذا لم يقدر الإنسان على بلورة نسق المثل التي يطمح إليها في وضعيته التاريخية وحياته السياسية ووجوده الاجتماعي فإنه قد يحاول تجسيمها في نظامه الروحي وتجربته الأخلاقية ووسطه التربوي وإيمانه الديني.

    لقد ارتبطت الإيتيقا بمفاهيم الشخص والكرامة والحرية وعينت الحكمة العملية والتعقل الميداني والحذر والفطنة بماهي تدبيرات وفضائل تساعد المرء على التغلب على الأهواء والرذائل لتطوير الذات المنتدبة.

    هكذا تعمل الإيتيقا على احترام الاستحقاقات الفردية لدى الكائن البشري مع ترك مساحة للحياة الاجتماعية وتفسح المجال للتلاقي بالغير قصد دعم التعاون والمودة والألفة والصداقة والتبادل والإحسان والتعارف.

    تأتي الإيتيقا من أجل إنقاذ الشخص من الضياع في اليومي وتحاول انتشال الظاهرة الروحية والأخلاقية من هيمنة الظروف الاقتصادية وضغط المتطلبات المادية وتوجه أنظار البشرية نحو التعلق بالإلهي وتوظيف الحرية في الإبداع والإحساس بالغير والإنصات إلى نداء الضمير ومبادئ القدسية الطاهرة.

    لا ترتكز الإيتيقا التي يعمل برديائيف على تأسيسها على تشكيل الحياة النفسية والمادية بصورة بعدية وإنما تهتم بوضع قواعد جزئية ونماذج فردية للفعل البشري عبر تفهم الحياة الأخلاقية من وجهة نظر رمزية وذلك بجعل مشاعر الشفقة والتراحم والمحبة تنتصر على نوازع التوحش والغضب والضغينة والتدمير.

    على هذا النحو تنتصر الرمزية على الواقعية في الفلسفة الإيتيقية عند برديائيف والإبقاء على الواقعية هو تنمية للروحانية وهنا يكمن الطابع الإشكالي وتنبجس المفارقات التي تبدو عليها الإيتيقا عند برديائيف. لهذا يمثل القلب الإنساني المعين الذي لا ينضب للفعل ضمن تقلبات الحياة واضطراب الوجود الاجتماعي ويعتمد على الأبعاد الرمزية ويوظف الخيال الخلاق في معركته ضد الشر والألم والاكراهات الخارجية.

    بيد أن الإيتيقا الرمزية تلتقي في الرؤية الأخروية بحثا عن النعيم الأبدي وذلك عن طريق الانجاز الفعلي للالتقاء بين الخالق والمخلوقات والتطابق النسبي بين مملكة الله ومملكة البشر ضمن رؤية جمالية للوجود تزال فيه كل تباعد وافتراق بين الشخص والفكرة وبين الفردي والكوني وبين وجود الإنسان ووجود الله.

    " انه من الأهمية بأن نتخطى التصور الانفعالي للأبوكاليبس، من حيث هو انتظار النهاية والمحاكمة، وينبغي أن نتصورها على أنها نداء من أجل النشاط الإبداعي للإنسان والجهد والاستثمار البطولي"13[13]

    لكن إذا كان تحقيق الجمال يستوجب اكتشاف البعد الإلهي في الشخص الإنساني، فكيف يستلزم معالجة المشاكل المتعينة للايتيقا الفارقية طلب التدخل من طرف الاسكاتولوجيا الختامية ؟ وهل تقدر الرؤية الأخروية للدين على معالجة التناقض بين الحرية البشرية (التخيير) والضرورة الكونية ( التسيير)؟

    خاتمة:

    " تغزو الحرية العالم ومجموع استعداداته ومنافعه، إنها مؤشر للروح عن هذا التفاعل الأكثر علوا، إنها الطريق الذي يتبعه المبدعون الروحيون الكبار، طريق التركيز والتضامن الروحي."14[14]

    جملة القول أن نيكولا برديائيف يعد فيلسوف الأبدية وأن هذه الأخيرة لا يمكن إدراكها إلا في الزمن وذلك بالخروج من الزمن طالما أنها تضيء الحاضر وتمنح الوجود الإنساني عمقه الحقيقي وأصالته المستحقة.

    لقد رسم لنا رؤية دوستويفسكي للعالم وفكر في إخراج الفرد من العزلة وبناء جسور الاتصال الروحي بينه وبين المجتمع وجعل الحلم الإنساني يتغلب على الواقع المادي وأسس "الأكاديمية الحرة للثقافة الروحية".

    كما فرّق برديائيف بين الروح والنفس ومنح الروح كيفية أكثر اختلاف بصورة دقيقة من النفس ورأى في الأول مصدر انبثاق النور الذي يحقق انصهار النفس في الجسد وتحول الجسد عينه إلى فضاء روحاني.

    انه بالاعتماد على جلاء الروح ووضوحها يقتدر المرء على تجاوز اكراهات حقل الطبيعة ويتمتع بالحرية ولذلك يكون الروح نفخة من الله تخترق الإنسان وتبلور وحدة الذات البشرية واستقلاليتها عن الضغوطات. كما يستطيع الإنسان من خلال الروح أن يستهدف أعلى مستويات الألوهية سموا وقداسة دون أن يعرض لأي تغير، بينما كان الجسم والنفس يحجبان عنه الحياة الروحية ويبعدانها عن التحليق في مجاله الخاص.

    غاية المراد أن العنصر الإلهي الذي ينتمي إلى الإنسان من حيث أصله ومصدر طبيعته يمثل منبع الشعور بالكرامة والعزة والكبرياء والشرف وعماد الإحساس بالعظمة والتميز والشرف مقارنة مع بقية الكائنات.

    ثمة مفارقة عجيبة تتمثل في أن الإنسان بقدر ما يحترم العنصر الإلهي الموجود فيه يصير أكثر إنسانية وبقدر ما يهمل هذا العنصر نتيجة غشاوة طارئة أو يتجاهله نتيجة جحود واع يصير أقل إنسانية بكثير، وبالتالي لا يكون الإنسان إنسانيا عن طواعية ولوحده بل الله هو من أمره بذلك وألزمه السير في طريق تحقيق الإنسانية انسجاما مع البعد الإلهي الموجود فيه، بما أن الله هو من فرض عليه أن يحترم إنسانيته.

    يترتب عن ذلك أن الإنسانية تصير إنسانية إلهية وأن الإلهي من حيث هو متعال بالمقارنة مع الإنسان يبدو متحدا بصورة سرية مع الإنسان في الإنسان الإلهي والإله الإنساني الذي يمثل المسيح طبيعته المزدوجة. ولو قدر للإنسان أن يتخذ الله نموذجا معرفيا ووجوديا فإنه يشكل النموذج المطلق بالنسبة إليه ويقتدر على المشاركة وتقاسم الحياة الروحية والصفات الإلهية وينصاع للأثر الإلهي في طبيعته ويتم عملية الخلق ويستجيب بتلقائية وطواعية للمصير الذي ينتظره ضمن تدافع الإرادات وصيرورة القوى المنتجة للتاريخ.

    خلاصة الموضوع أن فكرة الله تحتل مكانة بارزة في فلسفة برديائيف الدينية الوجودية والآية على ذلك أن الوجود البشري لا يمتلك معناه ولا يحوز على هدفه السامي وقيمته إلا عندما يشارك في الحياة الإلهية وبعد إجراء حوار حقيقي بين الإنسان والإله واستحضار الأمر الإلهي بصورة واعية في الفعل البشري.

    بيد أن الله يحتاج إلى أن يعاد اكتشافه في كل مرة وينبغي على ذات بشرية أن تكدح إليه وتلاقيه بنفسها ولو لم يتم ذلك تظهر خطورة في تحويله إلى صنم يعبد مثل بقية الأصنام التي تحتل مكانا عاليا لا تنتمي إليه. لقد جانب برديائيف الصواب حينما صرح بان "الله لا يشبه الفكرة التي نكونها عنه في شيء ومطلقا". فإذا كان كانت الثقافة النقدية قد استندت إلى الهوة العميقة التي تفصل بين الله والإنسان وتعتمد على وعي باله متعال عن الإنسان وبعيد كل البعد عن العالم ضمن مسافة لامتناهية فإن الإحساس بأن الله محايث للإنسان وحال في العالم يسمح للكائن البشري بأن يغير هذه الثقافية الفقيرة من الناحية الرمزية إلى وجود أصيل.

    يصرح في هذا السياق طارحا الآسئلة التالية:"واني لمدرك أن هذا الميل إلى التمرد والمعارضة والمخالفة يعرضني لإغراء الاكتفاء الذاتي والغرور... فهل تمردت على الله يوما؟ أليس في مجرد هذا التعبير التمرد على الله ماهو عرضة لسوء الفهم ؟ من المحال على المرء أن يتمرد إلا بالرجوع إلى قيمة نهائية يحكم بها على ما يزعم معارضتها، وباسم هذه القيمة يتمرد، أعني باسم الله، الحاكم الأعلى والمنقذ الأكبر."15[15] في نهاية المطاف كيف يتصور برديائيف المصير الأخروي؟ وماذا ينتظر الإنسان بعد الموت؟ والى أي حد يمثل الخلود في الجنة جزاء مستحقا يوجد ماوراء الخير والشر للجحيم الذي ذاقه الكائن في الدنيا ؟

     

    د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

    .............................

    الإحالات والهوامش:

    [1] برديائيف نيقولاي، العزلة والمجتمع، ترجمة فؤاد كامل، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، الطبعة الثانية، 1987.ص43.

    [2] Berdiaev )Nicolas( , de la destination de l’homme, essai d’éthique paradoxale, éditions l’âge de l’homme SA, à Lausanne, suisse, et à Renne, France, 1979.p24

    [3] Berdiaev )Nicolas( , de la destination de l’homme, essai d’éthique paradoxale. op.cit.p32.

    [4] برديائيف نيقولاي، العزلة والمجتمع، مرجع مذكور.ص22.

    [5] برديائف نيقولاي، العزلة والمجتمع، مرجع مذكور، ص26.

    [6] برديائف نيقولاي، العزلة والمجتمع، مرجع مذكور، ص32

    [7] Berdiaev )Nicolas( , de la destination de l’homme, essai d’éthique paradoxale .op. cit.p57.

    [8] برديائف نيقولاي، العزلة والمجتمع، مرجع مذكور، ص162.

    [9] برديائف نيقولاي، العزلة والمجتمع، مرجع مذكور، ص159.

    [10] Berdiaev )Nicolas( , Berdiaev )Nicolas( , le sens de la création, un essai de la justification de l’homme, traduit du Russe par Lucienne Julien Cain, éditions Desclée de Brouwer, 1955.p147

    [11] برديائف نيقولاي، العزلة والمجتمع، مرجع مذكور، ص177.

    [12] Berdiaev )Nicolas( , de la destination de l’homme, essai d’éthique paradoxale .op.cit.p313

    [13] Berdiaev )Nicolas( , de la destination de l’homme, essai d’éthique paradoxale .op.cit.p373

     [14] Berdiaev )Nicolas( , le sens de la création, un essai de la justification de l’homme, traduit du Russe par Lucienne Julien Cain, éditions Desclée de Brouwer, 1955.p31.

    [15] برديائف نيقولاي، الحلم والواقع، ترجمة فؤاد كامل، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، طبعة 1984، ص65.

     

    المصادر والمراجع:

    برديائيف نيقولاي، العزلة والمجتمع، ترجمة فؤاد كامل، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، الطبعة الثانية، 1987.

    برديائف نيقولاي، الحلم والواقع، ترجمة فؤاد كامل، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، طبعة 1984.

    Berdiaev )Nicolas(, les sources et le sens du communisme russe, traduit du Russe par Lucienne Julien Cain, collection idées, editions Gallimard, Paris, 1951,

    Berdiaev )Nicolas( , le sens de la création, un essai de la justification de l’homme, traduit du Russe par Lucienne Julien Cain, éditions Desclée de Brouwer, 1955

    Berdiaev )Nicolas( , de la destination de l’homme, essai d’éthique paradoxale, éditions l’âge de l’homme SA, à Lausanne, suisse, et à Renne, France, 1979.