عامر عبدزيد الوائليأوّلا: الرؤيّة للعلاقة بين السماء والأرض: في علاقة الانسان بالسماء نجد أنها علاقةٌ يكون بها طرف بمثابة مركز فيما يحتل الطرف الآخر الهامش الذي يدور حول المركز فهناك طاقة بالمركز تجعل من الهامش منجذباً اليه، وهذه العلاقة يحتل بها الطرف الأوّل مكاناً شاهقاً مفارقاً سماوياً، فعالاً مريداً وهو رمز للخصوبة والعطاء؛ فيما يحتل الآخر فيها مكاناً ارضياً سفلياً يكون بمثابة منفعل أنثوي، ولعلّ هكذا علاقة تكون هي بمثابة شوق الأدنى الى الأعلى؛ لأنه يمنحه وجوداً وتجدداً وحياةً، هذه العلاقة تعبِّر عن مستوى من الشعور العميق بالغبطة تحيط الهامش وهو مجذوب في حالة عشق الى المركز .اذ " هناك نوعان من الصفات في الوجود هما: النور الذي يمثِّل الصفة الإيجابيّة، وتندرج تحته الصفات الآتيّة: (الخفّة، النّار والحرارة، والرقّة، والمذكر والفاعل أو الفعَّال بمعنى المؤثر) .

والنوع الثاني من الصفات: هو الظلام الذي يمثِّل صفةً سلبيّةً، وتندرج تحت هذه الصفة مجموعةٌ من الصفات التابعة، وهي: (الأرض، والثقل، والبارد، والسمك، والأنوثة والانفعاليّة بمعنى الذي يستقبل التأثير). وبعد تأملٍ عميقٍ لهذه الصفات، أعطى بارمنيدس تسميّةً لها، فالصفات الإيجابيّة باعتبارها هي الأصليّة أُطلق عليها بـ(الوجود) . والصفات السلبيّة؛ لأنها تابعة وفرعيّة، فقد أطلق عليها بـ(اللاوجود)؛ لأنَّها نفي للأولى." (عبد الكريم عنيات، نيتشه والإغريق إشكاليّة أصل الفلسفة، ص81.)

البحث عن الشكل هذه العلاقة كما تمثّلت في تطور وعي الانسان عن علاقته بالمطلق نجدها تطوّرت من الحسي الى المجرد من المادي الى الروحي وقد اتّخذت من اللغة طاقةً؛ لتعبيرها عن تجربتها الروحيّة التي بدأت ببذرة حسيّة .

1- الجذر اللغوي للعلاقة:

فإذا ما رجعنا الى مفهوم الحب نجده يتمثل في اللغة العربيّة (الحب) في حقله الدلالي كما يظهر في مختار الصحاح ص 119: (حبب) (حبة) القلب سويداؤه وقيل ثمرته، و(الحبة) بالكسر بذور الصحراء مما ليس بقوت، وفي الحديث "فينبتون كما تنبت الحبّة في حميل السيل " و(الحُبّة) بالضم الحب يقال حبه وكرامة . و(الحب) المحبة وكذلك (الحِب) بالكسر. والحب أيضاً الحبيب ويقال (أحبه) فهو؛محب) و(حبه) يحبه بالكسرة فهو (محبوب ).و(تحبب) إليه وامرأة (مٌحبة).

فاللغة تكتنز أمرين: الأوّل السيل الذي ينبت الحبة كما في الحديث، والثاني وعلاقة محبة بين طرفين من البشر ذكر وأنثى .

2- الجذر الأسطوري للعلاقة:

لو رجعنا إلى الجذر الأسطوري للعلاقة فأننا نجد أنّ هناك علاقةً بين السماء المذكر والأرض المؤنث، والعلاقة بينهما محايثة تشبه العلاقة بين ذكر وأنثى، علاقة عموديّة، وتشبه الأمر وكأنه اخصاب .وهو اسقاط العقيلة البدائيّة التي تصور الكون على أساس تكاثرها كبشر وهذا ثابت في الفكر الأسطوري إذ رموز الخصب كما يقول علي الشوك في جولة في أقاليم اللغة والأسطورة، ص7" مذ بدأ الإنسان يفكِّر في معنى الحياة والوجود وعلاقته بالطبيعة والكون اتّخذت عنده رموز الخصب والإنتاج في الطبيعة هالة من القدسيّة " يحاول البحث في تلك العلاقة عبر اللغة السجل الثقافي الانساني عن الطبيعة التي وجدها تتمركز حول (الرحم) حرم، حرام، حريم، حرمة، احترام، بالعربيّة وفي العبريّة يحرم، يقدس , يكرِّس .وفي الحبشيّة (حرم) أي معنى الحرام والتحريم وفي الأكديّة (بغي) تذكرنا بكلمة (حريم).(جولة في أقاليم اللغة والأسطورة ص10) وقد ارتبط الإله بوعي الانسان القديم بمكان معين وهو بمثابة مكان مقدس " كلمة مقدس؛ مرتبطة بالحديث عن المواضع المقدّسة والأشياء المقدّسة والأشخاص المقدسين والمناسبات المقدّسة فإننا نعني ضمناً بأنّ الأماكن والأشياء والمناسبات على صلة خاصة ما بالإله أو برمزه " روبرتسن سميث، ديانة الساميين، ص96"

وحول كلمة الرحمة تتكاثر عدة مقابلات في اللغات القديمة فالسومريّة Ush-Taar تفيد معنى (الرحم) في السومريّة أيضا Sha-Tu,r تعني "رحم، يرقة، سرء" ويقابلها بالأكديّة "شاترو" ومنها عشتارتو الأكديّة وتعني "البغي المقدسة " ويقابلها بالعربيّة "عثتر" عشتار من الفعل العربي "عثر الذي يفيد معنى السقي والإرواء . يخلص الى نتيجة (جولة في أقاليم اللغة والأسطورة، ص11): "لما كانت الأعضاء التناسليّة تقترن بالإخصاب والإنجاب، فقد كانت عند القدماء رمزاً لعمليّة الخلق أيضاً."

3- من الاسطورة الى التوراة:

وانطلاقا من هذا التصور المحايث الأسطوري، تأتي تأملات التوراة وقد اتّخذ طابعاً رمزياً لتلك المقابلات القديمة فيخرجها من طابعها الحرفي الى معنى رمزي اذ " تلهج التوراة بالكلام على الرب كزوج لأرضه وشعبه، واسرائيل كزوجة ليهوه، جاء في سفر أشعياء:" لا يقال بعدُ لك مهجورة، ولا يقال لأرضك موحشة، بل تًدعى بعولة، لأنّ الرب يسر بك، ، وأرضك تصير ذات بعل؛ لأنّه كما يتزوج الشاب عذراء يتزوجك بنوك .وكفرح العريس يفرح بك إلهك " (62:4-5 وانظر إرميا 2:32) من هنا يأتي دور الأنثى في القبالة اليهوديّة من خلال أسقاط الرمز الأنثوي على الحب الإلهي، فقد ورد أن إمرأةً غير حواء خلقت من ضلع آدم في الشريعة اليهوديّة، أذ تأتي (ليلينت) التي خلقت من طين مساويَة للرجل ثم تمرّدت عليه، وعلى الرغم من هذا فالمرأة جزء من صورة مجازيّة متمثِّلة بحلول الإله في الشعب، فيجسِد حب الرجل للمرأة كتعبير عن حب الرب لشعبه وموت هذا الحب يشبّه بالزنى ويصبح الشعب مثل المرأة اللعوب هذه الصورة عبر عنها فـي الأناشيد.

في هذه النصوص التوراتيّة التي تعكس الأثر الأسطوري القديم بكل أبعاده المحايثة؛ إلاّ أنّه يأخذ تأويلاً رمزياً كما جاء في نص الظاهرة وكأنه يشبه النصوص الاسطوريّة التي تؤكِد على الخصب إلاّ أنّ التفاسير التأويليّة تخرج المعنى من ظاهره اذ يظهر في نشيد الأناشيد اتّسم الرمز الأنثوي بطابع أسطوري مأخوذ من العبادة القديمة: "ها أنت جميلة يا حبيبتي، ها أنت جميلة! عيناك حمامتان من تحت نقابك، شعرك كقطيع معز رابضٍ على جبل جلعاد، ... شفتاك كسلكة من القرمز، وفمك حلو، خدك كفلقة رمانة تحت نقابك عنقك كبرج داود المبني للأسلحة ألف مجنٍّ علق عليه. كلها أتراس الجبابرة ". (نشيد الانشاد) فهذا المعنى الحرفي في النشد قد استقي من الفكر القديم الكنعاني من خلال لفظة: بعل ومن السومريّة Al (يثقب) ومن الأكديّة allu (معول) وهو أداة للحفر .لكن يخرج من دلالته الحرفة الى الرمزيّة وإن كانت موجودةً في المعتقدات الكنعانيّة القديمة إذ يتحول إخصاب الارض من قبل الإله عبر المطر (جولة في أقاليم اللغة والأسطورة، ص15): "كما في كلمة "قولياء" العبريّة تعني، صوت يهوه، وترد بمعنى الرعد على نحو ما جاء في التوراة " فأعطى الرب رعوداً (قولياء) (سفر الخروج 9: 23)"ومن هنا جاء المن والسلوى .وأيضاً ثمّة علاقة أخرى الى جانب الإخصاب ثمّة علاقة كما يشير لها "شفيق مقار"، الجنس في التوراة، ص 329: كما أخذت صفَة الأب ليهوه من إيل، وأخذ له لقب "المقتني" فلقب إيل في نصوص رأس شمرا، " مقتني البشر"، أطلق على يهوه في سفر التكوين في تسميّة قايين فحواء، عندما ولدت الإبن، قالت أنه دعي قاييم لأنها " اقتنت رجلا من عند الرب " (التكوين 4:1)

4- التأويل الرمزي للعلاقة في المسيحيّة:

والى جانب التراث التوراتي يأتي التراث المسيحي في تمثلاته الرمزيّة عن الحب: إذ وجدت ملامح التصوف عند المسيح من خلال التراحم والعاطفة والتسامح الظاهر عليه، وإتِّباعه لمرآة قلبه فلغته لغة الحب لا القسـوة يقدر الذات الإنسانيّة حتى لو كان عـدوا ً لـه، إذ إبتعد عن جميع الملذّات والشهوات الدنيويّة، قاهراً الجسد معتقداً أنّ الروح أسمى ما خلق الله، فظهرت جماعات تتبع سلوك المسيح تدعى بـ(الرهبان زاهدي الحياة )وهم بمثابة المعلم الذي يعطي النصح والإرشاد والموعظة ويساعد الآخرين على سلوك المسلك المؤدي الى التقرب من الله من خلال العزلة واختيار الانسلاخ عن العالم الخارجي وزهدهم في الحياة والتوبة ونذر الصوم والامتناع عن الكلام، تكمن هنا ملامح صوفيّة الفطرة. (تور آندريه، التصوف الاسلامي).

ثانيا: الحب الإلهي في التصوف الاسلامي:

بعد تجذيرنا كيف تحوّل الوعي من التصور الحسي الى التصور الرمزي، إلاّ أنّه حافظ على البنية القائمة على مركزيّة الله في الكون نفسها والتي يكون الإنسان في هذه العلاقة بمثابة هامش يدور حول المركز، فهناك طاقة بالمركز تجعل من الهامش منجذب اليه، وهذه العلاقة يحتل بها الأوّل مكاناً شاهقاً مفارقاً سماوياً، فعالاً مريداً يعد رمزاً للخصوبة والعطاء يتجلّى من خلال تجربة المتصوف الذوقيّة وهو يشاهد تلك الأنوار التي تفيض من الله الفاعل نحو الإنسان المنفعل، ولعلّ هكذا علاقة تكون هي بمثابة شوق الأدنى الى الأعلى؛ لأنه يمنحه وجوداً وتجدداً وحياةً، هذه العلاقة تعبِر عن مستوى من الشعور العميق بالغبطة تحيط الهامش وهو مجذوب في حالة عشق الى المركز .

1- التجربة الذوقيّة:

يبقى البحث عن تجربة الصوفيّة مساراً محفوفاً بالمخاطر ومرد هذا الى كونه تعبيراً عن تجربة فرديّة تحاول نقلها الى الآخر عبر اللغة مسكن الكائن ونبع تجاربهِ الفرديّة والجمعيّة؛ لهذا عندما يروم المتصوف استعمال اللغة من أجل التعبير عن تجربته الروحيّة تلك نجدها تتسم بالبلاغة العاليّة تجانب الناسوت وعوالمه وترتقي الى اللاهوت وألطافهِ، لهذا (التصوف طرح النفس في العبوديّة والخروج عن البشريّة والنظر الى الحق بالكليّة)". "الشيخ أمين الشيخ علاء الدين النقشبندي، ما هو التصوف (ما هي الطريقة النقشبنديّة)، ص 48- 52."، فهذه العلاقة بين الله بوصفه مركز الكون ونبع الحقيقة ومركز الفيض، تظهر من خلال التجربة الذوقيّة لدى المتصوف، وقد وصف هذه العلاقة بعض أبرز الصوفيّة، فالجنيد البغدادي يعرف التصوف بوصفهِ: "(هو أن تكون مع الله بلا علاقة)، وعند الشبلي: (التصوف: هو العصمة عند رؤيّة الأكوان)"( عبد القادر أحمد عطا، التصوف الأسلامي بين الأصالة والأقتباس في عصر النابلسي، ص 185).

( وعرّف معـروف الكرخي: "التصـوف هو الأخـذ بالحقائق، واليأس مما في أيدي الخلائق"( عبد القادر أحمد عطا، التصوف الأسلامي بين الأصالة والاقتباس في عصر النابلسي، ص 185.)

نجد أنّ هذا التلون المختلف بين الصوفيّة لأنّها متضمنةٌ لأفعال عباديّة، وليس باعتبارها متضمنةً لمحتويات أو لمعاني فيلسوف متأمِّل أو شاعر يستثمر مقدرته الشعريّة، لهذا وقيل (التصوف: هو بذل المجهود في طلب المقصود، والأنس في المعبود، وترك الاشتغال بالمفقود)" (جميل صليبا، المعجم الفلسفي، ص 283.)، وورد عن سفيان الثوري أنه قال: " ليس الزهد في الدنيا بلبس الغليظ والخشن، وأكل الجشب ـ أي الطعام الغليظ ـ إنما الزهد في الدنيا قصر الأمل "، والمقصود بقصر الأمل هنا أن يكون الإنسان واقعياً في سلوكه، وأن ينهض بمسؤولياته الكاملة تجاه الخالق والمخلوقين.

2- الحب الإلهي عند رابعة العدويّة:

وبعد تأصيل الرؤيّة الكونيّة القائمة على مركزيّة الله في الفكر الاسلامي وتجلياته في الخطاب الصوفي، نجد أنّ أبرز ملمح لهذا التجلي يظهر بمعناه الروحي هو: أنّ الحب الإلهي أحد أشكال التصوف وظاهرة متميزة اذ يتجلّى هذا المفهوم في التصور الإسلامي عن الحب الالهي الذي ينسب هذا النمط من التصوف إلى رابعة العدويّة " وتكنّى بأم الخير، عابدة وصوفيّة تاريخيّة وإحدى الشخصيّات المشهورة في عالم التصوف الإسلامي، وتعد مؤسسةً لأحد مذاهب التصوف الإسلامي وهو مذهب العشق الإلهي، وهي رابعة بنت إسماعيل العدوي، ولدت في مدينة البصرة، ويرجح مولدها حوالي عام (100هجريّة و717ميلاديّة )، من أب عابد فقير، وهي ابنته الرابعة وهذا يفسر سبب تسميتها رابعة فهي البنت "الرابعة".

ورابعة تختلف عن متقدمي الصوفيّة الذين كانوا مجرد زهاد ونساك، ذلك لأنها كانت صوفيّةً بحق، يدفعها حب قوي دفّاق، كما كانت في طليعة الصوفيّة الذين قالوا بالحب الخالص، الحب الذي لا تقيده رغبة سوى حب الله وحده.

هذا النمط من الحب بين المتصوفة والله بين الانسان والمطلق إذ يأتي هذا عبر الطالب الوجد والهيام بالله، وهو ما يظهر في شعر رابعة العدويّة اذ تمتّعت رابعة بموهبة الشعر وتأجّجت تلك الموهبة بعاطفة قويّة ملكت حياتها فخرجت الكلمات منسابة من شفتيها تعبرعمّا يختلج بها من وجد وعشق لله، وتقدم ذلك الشعر كرسالة لمن حولها ليحبوا ذلك المحبوب العظيم.

ليس كل ما ينسب هو حقيقي وليس بالضرورة كاذب إلا أنّه يظهر تلك المرجعيّة الواسعة للعلاقة بين السماء والارض من معناها المادي الى بلاغتها الرمزيّة فهنا نلمس أطيافاً هي تمثل جزء من ذلك الطيف الواسع الذي يعكس البعد اللاشعوري ولكن اغلب المؤرخين الذين يراعون الظاهر يكتفون بالقول: إنّ هناك أشياءَ كثيرةً تنسب إلى رابعة لا يمكن أن تكون صحيحة، وبخاصة إنّ أقرب من ترجموا لها، وهو الجاحظ الذى عاش في القرن التالي لقرن وفاتها، لم يذكر عنها إلا أنها كانت من النساء الناسكات الزاهدات من أهل البيان، وورد ذلك في "البيان والتبيين" و"الحيوان" و"المحاسن والأضداد".

لكن تبقى تلك الأنثى تظهر كل المتن اللاشعوري بكل أطيافه في نصوصها التي وإن كانت تعبر عن مرجعيّة اسلاميّة إلا أنّها قابلة للتاويل والحفر في متونها ,ومن أشعارها في إحدى قصائدها التي تصف حب الخالق إذ تقول:

عـرفتُ الهـوى مذ عرفتُ هـَواكَ     وأغـلـقـتُ قلـبـي عـمَـن سِـواكَ

وَكــنْتُ أناجيـــكَ يـــا من      تــَرى خـَفـايـا الـقـلـوبِ وَلسْـنـا نـَراكَ

أُحُبــُـكَ حـبـيــنِ حُـبًّ الهــَـــوى      وحــبــــاً لأنــّـك أهـــل لـــذاك

فــأمّا الــذي هــو حب الهــــوى     فشـغلـي بـذكـرك عـمّـنْ سـِواكَ

وأمــّـا الـــذي أنــت أهــلٌ لــــه     فكـشـفـك للـحـجـبِ حَـتـّى أَراكَ

فـَلا الحـمْد فـي ذا ولا ذاك لـــي    ولـكـن لكَ الـحـمـدُ فـي ذا وذاكَ

أحبــك حـبـيـن.. حــب الهـــوى وحــبــــا لأنــــك أهـــل لـــذاكَ

وأشتـاقُ شوقيـن.. شوقُ النِـوى   وشـوقٌ لقرب الخلـي من حِمـاكَ

فأمـّا الــذي هــو شــوقُ النـِـوى  فمسـري الدمــوعَ لطــولِ نـِواكَ

أمـّـا اشتيـــاق لقـــرب الحمـــى   فنــار حيـــاة خبت فــي ضيــاك

ولستُ على الشجوِ أشكو الهوى   رضيتُ بما شئت لـي فـي هداكـا

في التأويلات الصوفيّة نجد تلك الشهادات التي يرويها المتصوفة الكبار اذ

وفى "التعرف لمذهب أهل التصوف" للكلاباذى (ت380هـ): "دخل جماعة على رابعة يعودونها من شكوى، فقالوا: ما حَالُكِ؟ قالت: والله ما عرفتُ لعلتي سببا. عُرِضَتْ علىَّ الجنة، فملتُ بقلبي إليها، فأحسب أن مولاي غار عليَّ فعاتبني. فله العُتْبَى".

وأيضاً في ما يرويه في "أسرار التوحيد" للمنور (ت600هـ): "قال أبو سعيد الخير إنه سمع من أبى علي الفقيه أن رابعة سُئلت كيف بلغتْ هذه المرتبة في الحياة الروحيّة. فأجابت: بقولي دائما: اللهم إني أعوذ بك عن كل ما يشغلني عنك، ومن كل حائل يحول بيني وبينك".

وأيضاً نجد تلك القراءات للنص الصوفي لدى رابعة يقول:" فأمّا قولها: "حبّ الهوى" وقولها: "حبٌ أنت أهلٌ له" وتفريقها بين الحبين فإنّه يحتاج إلى تفصيل حتى يقف عليه من لا يعرفه، ويَخْبُره من لم يشهده، وفي تسميته ونعت وصفه إنكار من ذوي العقول ممن لا ذوق له ولا قدم فيه، ولكنّنا نحمل ذلك وندّل عليه من عرفه. يعني "حب الهوى": بمعنى إنّ من لم يدرك التجربة بنفسها لا يستطيع من أن يصفها وصفاً دقيقاً وخصوصاً أصحاب العقول الذين يعتمدون على المنهج العقلي وهو مفارق الى المنهج الذوقي وبالآتي لا يستطيعون إدراكه وفهمه .وبالآتي فإنّ هذا يعني أنّ المعنى له دلالة لا يدرك أثرها إلا من عاش التجربة ولم يكتفي بتأويلها وقد تحوّلت الى نص شعري .

وانطلاقا من تلك المرجعيّة لدى اهل التصوف فان المعنى يكون:

إني رأيتك فأحببتك عن مشاهدة عين اليقين، لا عن خبرٍ وسَمْعِ تصديقٍ من طريق النعم والإحسان، فتختلف محبتي إذا تغّيرت الأفعال؛لاختلاف ذلك عليّ، ولكنّ محبتي من طريق العيان، فقَرُبْتُ منك وهربت إليك واشتغلت بك وانقطعت عمّن سواك.

وإذا ما أخذنا أنموذجاً من أصحاب العقل والبرهان اذ يقول: "الدكتور عبد الرحمن بدوي في كتاب عن رابعة قرر فيه أنّها أدخلت في التصوف الإسلامي مفهوم العشق الإلهي، ثم قارن بينها وبين القديسة تيريزا." (قائلاً إنّ تصوفها متأثر بالتصوف النصراني في موضوع المحبّة الإلهيّة (شهيدة العشق الإلهي رابعة العدويّة ص10)؛ لكنّ هذا لا يمنع من القول من وجود بنية عميقة تمثّلت بالثقافة الشرقيّة القديمة تختلف عن الثقافة المعاصرة الغربيّة، لكن تلك الثقافة الشرقيّة (التي تنتج قيما روحيّة مستقلة، لم تعد موجودةً في زمننا هذا .) (داريوش، هويّة بأربعين وجه، ص53) .لأننا على الرغم من تنوعنا الثقافي إلا إننا نعيش في ظل ثقافة حداثيّة تسهم بإعادة النظر في العلاقة الكونيّة وتمنحها بعداً جديداً .

 

د. عامر عبد زيد الوائلي

 

علي محمد اليوسفيقول احد الفلاسفة المعاصرين في معرض حديثه عن تعالق الدين واللغة عند الفيلسوف بروديكوس، (ان الانسان البدائي والذي بدا له ان كثيرا من الظواهر الطبيعية معادية له، ومع ذلك كان معجبا جدا بالهبات التي تزوده بها الطبيعة لتسهيل حياته ورفاهيته).(1)، وفي تعبير ظريف ليوربيدوس: ان الارض يجب ان تثمر شبئا لاطعام قطيعي سواء اكانت الطبيعة راضية ان تفعل ذلك ام لا.

هذه الطبيعة المادية في مجموع تكويناتها وتنوعاتها الارضية، لم تكن طبيعة جامدة (روحيا) بمعنى الثبات والسكون الفيزيقي الذي يعدم تساؤلات ما وراءها ، تساؤلات الانسان الكائن النوعي في ذكائه المتفرد به عن باقي المخلوقات والكائنات، (عقليا - روحيا) خياليا تأمليا ميتافيزيقيا في ماوراء ظواهر الطبيعة.

(ان مصير الانسان هو ارادته وتفكيره، وبمجرد ان يتخطى المرحلة البدائية، ويصبح كائنا يقرر مصيره على اسس وقوانين تتسم بالحكمة والعقل، عندئذ تظهر له الطبيعة والعالم كشيء يعتمد على فكره وارادته وتاثره بهما). (2)

وبحسب فيورباخ: حين يرتقي الانسان بفكره واداته فوق الطبيعة، فانه يصبح خارقا للطبيعة، ويصبح الاله ايضا خارقا للطبيعة.(3) هنا يتوجب التنبيه ان لا الخالق الغيبي في السماء، ولا الاله الانساني مجسدا بالانسان نفسه، يستطيع خرق قوانين الطبيعة لتلبية رغائب الانسان، ماعدا ماجاء كمعجزات منسوبة على ايدي الانبياء لتدعيم ايمان الناس بهم. ولا بمقدور الطبيعة خرق قوانينها ايضا من اجل حاجات الانسان ايضا، فهي من جهة لا تعي ذاتها ومن جهة اخرى لا تعي وجود الانسان معها ، لكن بمقدور الانسان منفردا خرق قوانين الطبيعة من اجل رغائبه واشباع حاجاته وملذاته، اذا ما توفرت له صفات الالوهية كما خلعها عليه فيورباخ من خلال علوّه واعلائه الانسان على الطبيعة. وهذا لايتم الا في وعي الانسان لذاته كائنا مميّزا عن كائنات الطبيعة الاخرى من حوله، وكونه جزءا من الطبيعة متمايز عنها متعاليا عليها.

أن انتقال الانسان من الحالة الحيوانية الانقيادية للطبيعة، هو انتقال نوعي مفارق عن علاقة تكيّف وانقياد الحيوان لها، فحين يعلو الانسان فوق الطبيعة، فبماذا؟ وكيف؟ فهو يعلو عليها بخاصيتي الذكاء والتخيّل اللتين لا يمتلكهما الحيوان في علاقته المتكيّفة مع الطبيعة المهادنة لها.وبهذا يتسيّد الانسان الطبيعة، ويكون تعامله معها غير متكيّف سلبيا انقياديا لها كما عند الحيوان، لذا نجد الانسان في علاقة رأسية احتدامية متصارعة مع الطبيعة.وبهذا النوع من العلاقة نجد الانسان يعلو على الطبيعة ولا تعلو هي عليه.رغم ضآلة وجوده الكياني وقدراته المحدودة امام لا محدودية الطبيعة في متخيله الارضي لها وفي امتلاكها من موجودات مذهلة.وانه لمن المهم ان الانسان في مراحل تاريخية متقدمة في وجوده الانثروبولوجي تمكن من اختراع اللغة في اعتلائه ظهر الطبيعة.

واكثر مما ذكرناه فان فيورباخ يصف الآلهة والتوحيد الديني قائلا مامعناه ان التأليه اوالتوحيد لانسانية الطبيعة الالهية بمعنى انتساب للطبيعةها ه للانسان له وليس انتسابه هو وتبعيته لها. انما ينبعان فقط من ربط الانسان الطبيعة بذاته، لأن الطبيعة تخضع نفسها للانسان دون ارادة ولا وعي منها.(4) كما ان الطبيعة غير ملزمة، ولا تعي اهمية تنفيذها لرغائب الانسان وتلبية احتياجاته منها، كما وليس بمقدورها خرق قوانينها الطبيعية التي تحكم الوجود الطبيعي رغما عنها ودون دراية منها، من اجل تحقيق ما يحتاجه الانسان منها كما اشرنا سابقا، لسبب يجهله الانسان كما تجهله هي الطبيعة ايضا، هو ان الانسان البدائي البقديم لا يدرك ان الطبيعة تختلف عنه جوهريا في انها لا تعي ذاتها ولا تعي وجود وظواهر الاشياء من حولها بخلاف الانسان عن الطبيعة في وعي الانسان ذاته ووعيه المحيط والموجودات من حوله.ومن منطلق تجاهل الجدل الحاصل في ان الطبيعة خالقة لنفسها وقوانينها على وفق الانتخاب الطبيعي الدارويني والتطورالبيولوجي والانثوبولوجي للانسان والطبيعة، اواعتمدنا المنحى الايماني الديني ان الله هو خالق الطبيعة ومنظّم قوانينها باحكام لا تدركه الطبيعة ذاتها ولا الانسان ايضا.

نجد من المهم التذكير بان الطبيعة التي تنتج وتسود قوانينها التي تحكمها هي والانسان معا ، فالطبيعة لا تصنع تلك القوانين في ادراك اهميتها للانسان واشباع رغائبه واحتياجاته، اي ان قوانين الطبيعة التي تعمل بمعزل عن ارادة الانسان في توفيرها وسائل بقائه وتلبية احتياجاته المعيشية له وللحيوانات معه كافة، لادخل لوعي الطبيعة بصنعها ووجود تلك القوانين التي تحكم الانسان والطبيعة وحتى الكوني ايضا. وفي الوقت الذي يندهش الانسان بالطبيعة ، في تساؤله من اوجدها وكيف؟ فالطبيعة لا تمتلك جوابها لانها لا تعي كيف وجدت ومن اوجدها.كما ان الانسان لا يقوى حل لغز حياته هو في وجوده الارضي الطبيعي والى يومنا هذا.

وبحسب فيورباخ ايضا(فان الآلهة قادرة على فعل ما يرغب الانسان، بمعنى انها تطيع وتلبّي قوانين قلب الانسان، ، فعلاقة الانسان بروحه، تعادل علاقة الآلهة بالعالم المحسوس). (5) هذه العبارة مشبّعة ميتافيزيقيا ولا تقول اكثر من ان الانسان مبتدأ ومنتهى الدين، فكلتا العلاقتين علاقة الانسان بروحه ، وعلاقة الانسان بالآلهة هي علاقة افتراضية خيالية معدومة التحقق ولا فارق بين العلاقتين لان مصدر خلقهما هو الانسان فقط. هي علاقة الانسان مع نفسه فقط ولا وجود لآلهة تعلو الانسان الا تلك التي وضعها هو في موقع الاله المقدس المعبود.

وتأكيدا لما ذهبنا له من جهة ثانية فعلاقة الانسان بروحه علاقة وجدانية نفسية لا وجود حسّي او ادراكي مادي عقلي لها، لذا هي تعادل علاقة الآلهة الافتراضية بالمحسوسات والماديات والطبيعة والعالم التي ايضا هي غير موجودة سوى في مخيّلة وتفكير الانسان فقط. فالانسان يعبد ما يتخيّله هو فقط حسب حاجته الروحية او المادية ، ويؤمن بمعبوده بروحه المجردة وليس بعقله في كل مايصنعه له خياله.

اذا ما علمنا ان فيورباخ فيلسوف وشاعر ايضا، ادركنا مدى قدرته الفكرية وقابليته الساحرة على تطويع لغة الفلسفة بالفاظ تعبيرية شفافة موحية تتوارى خلفها المعاني.فقد وضع نزعة التدين عند الانسان مستودعها (القلب) وليس العقل ولا تزال هذه الحقيقة مسّلم بها دينيا في جميع لاهوت وثيولوجيا الاديان، فالعقل بمدلولاته الادراكية والحسّية والخيالية الذهنية ، لا يتوسّله الانسان في محاولة الاستدلال المنطقي ولا الحسي التجريبي في اشباعه نزعة التدّين عنده، وانما يستعمل عقله في التساؤل التأملي التجريدي الخيالي في ترسيخ ايمانه الغيبي فقط ، ولا زالت هذه الفرضية تغلب على تديّن اكثر الموحدين لله، ان الايمان الديني مصدره القلب وعجز العقل في الاستدلال على تثبيت الايمان الروحاني ببراهين عقلية.

فالانسان يعمل عقله حسّيا وخياليا بعكس الحيوان الذي يدرك الطبيعة عقليا محدودا جدا، وحسّيا مباشرا في تامين الطبيعة ما يحتاجه في غذائه فقط، ولا يمتلك الحيوان قابلية ولا قدرة اعمال العقل خياليا تجريديا حتى في حالة تعطيل اللغة عنده..لذا الانسان يمتاز عن الحيوان بانه كائن ديني او متديّن كونه كائن عقلي وخيالي في وقت واحد.

لنمعن النظر جيدا في العبارة التالية لفيورباخ( ان الانسان يفعل من خلال الله، ما يفعله الله حقيقة بنفسه) ص96.هذه العبارة المكتنزة فلسفيا لا تحمل اكثر من تأويل اوحد وحيد يمثل معنى، لما كان بدأه فيورباخ في بداية كتابه اصل الدين، من أن الآلهة مصنّعة خياليا من قبل الانسان، وليس هناك من وجود الهي من غير تأمل الانسان واعمال عقله الخيالي في ما وراء الطبيعة، وايمانه بتخليق ما كان قد ابتدعه خياله انطولوجيا، ويحمل جميع الصفات الذاتية التي يخلعها الانسان عليه ، على الهه.

ان عبارة فيورباخ هذه في تأويلها بمنهجية علوم اللغة في المسكوت عنه الذي يتخفى المعنى فيها خلف المفردات اللغوية، تلخيصها يكون بان الاله والانسان هما وجود انطولوجي واحد هو الانسان فقط في معايشة خياله في علاقته بكل من الطبيعة والميتافيزيقيا.ولا يختلفان الا باهمية الخيال في البحث عن الامان الروحي اي الدين.

أن جميع المصادر البحثية في نشأة الدين تذهب الى بداياته حتى مراحل الوثنية قبل الاديان السماوية تشير الى الشرق العراق السومري والبابلي ومصر الفرعونية والهند والصين وفلسطين، ثم انتقلت الاديان الوثنية والميثولوجية والاسطورية والسحرية الى بلاد اليونان والرومان الى ماقبل ظهور اليهودية والمسيحية.عن طريق فتوحات الاسكندر المقدوني للشرق حوالي 320 قبل الميلاد.

فعلى لسان هيرودوتس يذكر فيورباخ(انه في الشرق يقلل الانسان من قيمة نفسه الى مستوى الحيوان كي يثبت ولاءه الديني، اما عند الاغريق والرومان فأن تأكيد الانسان لكرامته تضعه في مصاف الالهة ). ص100

طبعا في هذا مغالطة آرية عنصرية عرقية، اذ الى وقت ليس ببعيد تاريخيا فأن الاغريق كانوا يضّحون بالاطفال قرابين للالهة زيوس كم كان بفعل (آخيل) او غيره من وثنيي الارباب ولم تكن تحسب تلك حيوانية دينية، بعدها بزمن ايضا ليس ببعيد كانت قبائل الفايكونغ تضحي بالقرابين الآدمية ارضاءا للاله ايتش. واخلافهم اليوم من ارقى وفي المقدمة حضاريا من دول العالم الذين هم الدول الاسكندنافية.

لقّب فويرباخ بانه صاحب منهج فلسفي مادي تصوفي او تأملي ذاتي، البعض ينعت فويرباخ فيلسوف الذات فهو عالج موضوعة اغتراب الذات فلسفيا في سبق فلسفي يحسب له. ومن الماركسيين المحدثين الذين ينكرون التأثير المادي لفويرباخ على ماركس، بنفس معيار انكارهم الجدل الهيجلي على اعتباره هو الآخر مثاليا تجريديا تأمليا، ، علما ان جميع دارسي وباحثي الماركسية يذهبون الى أن المادية الفويرباخية والجدل او الديالكتيك الهيجلي كانتا دعامتا الديالكتيكية المادية ، والجدل المادي التاريخي الذي اعتمدهما ماركس في صياغته قوانين تطور المادة والتاريخ، بعد تخليصه مادية فويرباخ من تصوّفها التأملي الديني، وتخليص الجدل الهيجلي من مثاليته المقلوبة.

، لكن لا يمكن لأحد نكران أن المعارف والفلسفات وحتى العلوم الانسانية، هي تراكم معرفي وحضاري تاريخي محكوم بالكم والكيف، في تقادم زمني لا يلغي تماما جهد السابقين على اللاحقين تاريخيا، مهما اعتور وشاب تلك المسيرة من النقد والمراجعة والحذف والتفسير والتفنيد ..الخ.كما يتعذر ولادة معارف علمية أو فلسفية من فراغ سابق عليهما.

واذا سمحنا لأنفسنا اسقاط الفهم الحداثي وما بعد الحداثي على اي نص مكتوب ، فهو بحسب رولان بارت في مقولته الشهيرة موت المؤلف ، في ردّه كل نص الى تناصه المتعالق مع سابقاته من النصوص من جهة ، ومن جهة اخرى فأن النص بعد كتابته ونشره يصبح ملكا صرفا للقاريء المتلقي، او بالاحرى المتلقين الآخرين في تعدد وتنوع قراءآتهم للنص في ملاحقتهم ما يسمى فائض المعنى المتبقي بعد كل قراءة جديدة.وهو ما ينطبق على كل نص تداولي مكتوب سواء في الثقافة او المعارف او الفلسفة او السرديات الكبرى كالايديولوجيا والتاريخ الخ.

ويؤكد البرتو ايكو هذا المعنى لدى بارت قائلا: ان بارت يقوم بتفريق هام بين نص القراءة، الذي يستهلكه القاريء، والذي يمنح نفسه للقاريء بلا مشّقة، ومن ثم يقوم بترسيخ العادة وألمالوف، وبين نص الكتابة الذي يقوم القاريء بكتابته مرة اخرى، ومرات عديدة في كل قراءة اخرى جديدة.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

.................................

الهوامش:

1- كتاب اصل الدين لفيورباخ/ ترجمة وتقديم احمد عبد الحليم / القاهرة ص12

2- نفس المصر ص17

3- نفس المصدر السابق ص22

4- نفس المصدر السابق ص34

5- نفس المصدر السابق ص56

 

علي رسول الربيعيرغم أني مهتم بسياقات المناقشات المعاصرة حول التنوع والاختلاف، لكن يبقى لدى الليبرالية الكلاسيكية الكثير لتقوله عن الدين. وعليه من الأجدر عرض وجهة نظر التقاليد الليبرالية تجاه الدين بإيجاز لمعرفة ما هي وجهة النظر هذه، ولماذا هذا الرأي محدود القيمة لليبراليين اليوم.

على الرغم من أن العديد من الليبراليين الكلاسيكيين قد كتبوا عن الدين، لكني سأتناول آراء جون لوك، وجون ستيوآرت ميل، وجون ديوي، لأنهم جميعاً يأخذون الدين على محمل الجد، وتصور كتاباتهم الكثير من الموقف الليبرالي الكلاسيكي تجاه الدين. فما فعله لوك وميل ودوي في كتاباتهما عن الدين هو أنهم كانوا يجادلون مواطنيهم أملاً في إقناعهم بتغيير وجهات نظرهم الدينية. كانوا يأملون في جعل دياناتهم أكثر انفتاحاً، وأكثر استناداً إلى العقل منه الى الركون الى الوحي، ولتحقيق المزيد من الترابط بين الناس المختلفين، بدلاً مما يجعلهم متنافرين ومبتعدين عن بعضهم البعض.

جون لوك

لقد جادل لوك من أجل التسامح أولئك الذين لديهم معتقدات دينية مختلفة، لكنه جادل أيضاً ضد التسامح من الملحدين والكاثوليك. بأعتبار أن الإيمان بالرب سيقيّد شهوات الناس ويصبح أساس الأخلاق. يرى لوك إن الناس الذين لا يمكن الوثوق بتصرفهم الأخلاقي ليس لهم مكان في بلد أو مجتمع مستقل، لا سيما الجمهورية الديمقراطية. فمن دون خوف الاعتقاد بالآخرة  والخوف من الله، سوف يتصرف الناس وفقاً لمصلحتهم الشخصية فقط. لهذا السبب لا يمكن التسامح مع الذين ينكرون وجود الرب. لا يمكن الوثوق بهم للوفاء بالتزاماتهم في المجتمع. "الوعود والعهود والقسم، والتي هي روابط المجتمع البشري، والتي لا يمكن أن يلتزم بها".[1] هذه الثقة مهمة في مجتمع قائم على عقد اجتماعي. نحن بحاجة إلى التأكد من أن الناس سوف يحافظون على كلمتهم وعقودهم. يعتقد لوك أن الناس الذين لا يخشون الآخرة لا يمكن الوثوق بهم للحفاظ على كلمتهم.

 على الرغم من أن لوك لم يتسامح مع غير المؤمنين، إلّا أنه كان يعتقد أن التسامح يجب أن يكون بعيد المدى. فـ "التسامح" هو "العلامة الرئيسية المميزة للكنيسة الحقّة". وعلى الكنيسة الحقّة أن لا تجادل حول مسائل عقائدية ثانوية. أراد لوك أن تتوقف الكنائس عن الجدال حول أشكال العبادة المختلفة، ورأى بأن ما يهم حقاً هو تعليم وممارسة رسالة يسوع الأخلاقية، رسالة الحب والسلام. والحرص على أن يعيش أولئك الذين لهم عقائد مختلفة بسلام، حيث قال "يجب ألا نكتفي بالتدابير الضيقة للعدالة المجردة"،  بل "يجب إضافة الأعمال الخيرية ، والسخاء والحرية إليها".

ليس الأفراد فقط هم الذين يجب أن يعاملوا بعضهم البعض بشكل انساني، وهذا أمر مهم. فعلى الكنائس أيضاً أن تنظر إلى كنائس أخرى بروح المودة. يجب أن تكون الكنائس رسل حب لا كراهية. "إن السلام والإنصاف والمودة دائماً ما يتم الالتزام بها من قبل كنائس معينة، بنفس الطريقة التي يتم بها احترام الأشخاص العاديين". القسيسون أو الكهنة على حد تعبير لوك، ملزمون بالتعبير عن النوايا الحسنة تجاه كل الرجال، الخاطئين والأرثودوكس على حد سواء. إن العوائق التي تقف بوجه رسالة لوك الدينية للسلام والنية الحسنة تأتي من قبل المتعصبين الدينيين. إن مشكلتهم أنهم لا يرون أن العقل والوحي يدعم كل منهما الآخر. إن العقل استناداً لوجهة نظر لوك، هو وحي طبيعي. والوحي هو عقل طبيعي تتوسع به مجموعة جديدة من الاكتشافات التي يبعثها الله، فالعقل يثبت حقيقة، من خلال الشهادات والبرهان الذي يقدمه، أنه آتٍ من الله. المشكلة مع "المتعصبين" هي  ضياع نور العقل منهم. فعمي المتعصبون من رؤية نور الله والحكم على ما جاء من الله. إن معتقداتهم ترتكز على حشو بلا معنى فلا يمكن أن يُحكم عليهم صواباً أو كذباً.

كان العقل أساس مسيحية لوك  فليس من المستغرب أن تكون المسيحية عنده غير أرثوذكسية. ربما كان يتحول نحو التوحيد في كتاباته عن المسيحية، لأنه كان غير متأكد من عقيدة الخطيئة الأصلية وألوهية المسيح.[2] اعتقد لوك أن العقل يقود إلى الإيمان بالله، و المسيحية نفسها قائمة على هذا الإيمان والاعتقاد.[3] وقد دفعه هذا إلى القول بأن التسامح يجب أن يمتد إلى غير المسيحيين، طالما أنهم يؤمنون بالرب، لأن المسيحية هي في النهاية مسألة إيمان. ورد لوك على انتقاد عقيدته في التسامح قائلاً، "بالنسبة لك ولي الدين المسيحي هو الصحيح ولكن "كيف نعرف أنا وأنت هذا؟" لا أحد يستطيع أن يعرف أن المسيحية هي الحقيقية: لأن الايمان يبقى كذلك وليس معرفة. لقد أضاف لوك أن التسامح مع غير المسيحيين يمنح المسيحيين فرصة لهدايتهم، لأن الإقناع وليس القوة هو أفضل طريقة للوصول الى المهتدين الحقيقيين. ومع ذلك، يمكن التسامح مع أولئك الذين يؤمنون بالرب. ما هو حاسم بالنسبة الى لوك هو إيمانهم بالقوة العليا التي ستعاقبهم على السلوك بشكل اللا أخلاقي.

جون ستيوارت ميل

من الواضح أن المسيحية المعقولة والمعتدلة عند لوك والتي تتسم بحسن النية والمودة، تميل إلى الاتجاه الليبرالي. فبينما لعب الرب دوراً مهماً في نظرية لوك السياسية، فقد انقطع الرب عن دين الليبراليين اللاحقين. لم يكن جون ستيوارت ميل يريد فقط أن تعامل الكنائس غير أعضائها بنوايا حسنة، بل أنه شكّك في فكرة أن الإيمان بالرب والآخرة  يمكن أن تدعم الأخلاق. ورأى أن الايمان بالحياة الآخرة بعيد جداً عن التأثير على سلوك الناس بأي طريقة ملموسة، وأن قلة من الناس يعتقدون أن السوء والبلاء الذي  قاموا به يستحقون أن يُعاقبوا عليه بنار الجحيم الأبدي. واعتقد ميل أن المسيحية تقوّض الأخلاق الليبرالية. وبما أن معتقداتها الأخلاقية تعود الى أصل خارق فهي ثابتة، وتقف في طريق النقاش والتقدم.

إن عقيدة أخلاقية تعود لألفي عام قد لا تكون مناسبة لمجتمع متغير مثل المجتمع اليوم.[4] يرى ميل أن البشر كائنات تقدمية، بمعنى أنه يجب مناقشة الحقائق الأخلاقية وتغييرها أحياناً مع تقدم حياة الناس. إن تعليم  المسيحية للناس أن الشيء الأكثر أهمية هو دخول الجنة، فإنها تحول الأخلاق الإنسانية الى أنانية بشكل أساسي، مما يجعلها لاتلتفت الى رعاية الآخرين. إن المسيحية بأخلاقها تُعلّم الناس أن يقدموا مالديهم  إلى "الإرادة العليا" ولكنها لا تمنحهم الحافز أن يقدموا أي شئ لمحاولة خلق عالم أفضل.[5] يتعارض الطابع السلبي للمسيحية مع وجهة نظر ميل عن الناس ككائنات مستقلة وتقدمية. ويستقيل الناس في المسيحية من القيام بدورهم في العالم لأنهم ينسبون كل شئ إلى مشيئة الله ويأملون في دخول الجنة، وفي الحالة هذه لايكون لديهم دافع لتحسين العالم. وأخيراً اشتكى ميل مما تتضمنه المسيحية من أخلاق سلبية، وذلك لأن الأخلاق المسيحية في جزء كبير منها جاءت كرد الفعل ضد الوثنية. تخبر الأخلاق المسيحية الناس بما لا يجب عليهم فعله، ولكنها لا تدلهم على ما يجب عليهم فعله. كل ماتجيده المسيحية هو توجيه الناس الى أن يكبتوا شهواتهم. غير أن هذا لا يكفي لتشجيع الناس على التصرف بشكل تعاوني ومستقل، كما أراد ميل من الناس أن يقوموا به. أراد ميل من الناس مناقشة كيفية دفع المجتمع إلى الأمام. وأن يجرب الناس أفكاراً مختلفة، سواءً في المناقشة أو في الممارسة. لقد أراد أن يتعاون كل منهما مع الآخر ويشعر بالارتياح تجاه آراء الآخرين. تمنع المسيحية الناس من العمل بفاعلية ومن السعي وراء الصالح العام. فيحتاج المجتمع الليبرالي إلى تجاوز المسيحية، في رأي ميل.

وهذا لا يعني أنه لابد من التخلص من كل العقيدة المسيحية. ولكن يعتقد ميل أن الأخلاق المسيحية تحتوي على بعض الأجزاء المفيدة. كان يسوع رجل ذو أخلاق عظيمة ولديه الكثير لتعليمه الناس. ويمكن حتى غير المؤمنين أن يعجبوا بالمسيح. كان على الأرجح مصلح أخلاقي عظيم حاول أن يقود البشرية إلى الفضيلة والحقيقة. لكن الإيمان بأن يسوع كان رجلاً عظيماً لايعني أبداً الاعتقاد  بألوهيته. يمكننا أن نعجب بأشياء رائعة كما فعل أسلافنا، لكننا لسنا ملزمين بتفسيراتهم الإلهية. فقد يؤدي الالتزام بتفسيراتهم إلى عواقب وخيمة علينا في هذا العصر. قد تكون تعاليم يسوع بالعموم جيدة لكن هناك حاجة لتعديل تعاليم كثيرة في الكتاب المقدس. لكن إذا كان الاعتقاد أن تلك التعاليم تأتي من الله فأن المراجعة ستكون صعبة. طالما نعتقد أن يسوع ليس إلهاً بل انسانا مصلحاً، فيمكننا أن نتجاهل ذلك التصوّر الذي يقول بأنه إبن الله وعلينا الاحتفاظ بتعاليمه.[6] هذا ما يسمح لنا بتطوير الأخلاق التي تتجاوز المسيحية.

لم يرغب ميل في رفض فكرة الدين. وحذّر من أنه لا يوجد سبب يُذكر للتفكير في اختفائه عندما تأخذ الفلسفة مكانها ومكانتها، كما يأمل بعض المثقفين فيقول: أياً كان ظن بعض الفلاسفة، يبقى هناك احتمال ضئيل في أن تحل الفلسفة محل الدين في الوقت الحاضر. واقعاً، لقد تم الاعتقاد بالدين منذ فترة طويلة مما يعني أنه لا يمكن رفضه أو اختفاءه بكل بساطة. تعني مدته الطويلة أنه حتى لو لم يكن صحيحاً، فإنه ربما يستوفي بعض متطلبات الطبيعة البشرية.[7] الحل هو خلق دين يتمتع بالروحانية الضرورية بدون خنوع للمسيحية أو لسلبيتها. إن الأخلاق التي تقوم على "وجهات نظر حكيمة تأتي  لمصلحة كل الناس، بحيث لا يضحي الفرد من أجل المجتمع ولا المجتمع من أجل الفرد، وتستمد هذه الأخلاق قوتها مما هو افضل ما موجود لدى الناس من الخير والشغف للتميز. يتصرّف الناس بدوافع خيّرة ليس بسبب وعد بمكافأة سماوية، ولكن بسبب أتفاق وتقبل الناس الذين نحترمهم ونعجب بهم، سواء كانوا أحياء أو أموات. هذا النوع من الأخلاق وكما ادعى ميل، يشكل ديناً حقيقياً: دين الإنسانية. إن جوهر الدين هو الاتجاه القوي والجاد للعواطف والرغبات نحو كائن مثالي، معترف به كأعلى درجة من التفوق، و كقوة  أعظم من جميع الرغبات الأنانية."

بالنسبة للأشخاص الذين قد يتساءلون عما إذا كان دين الإنسان ديناً حقيقياً، أجاب ميل بأنه يتمتع بالصفات الأساسية للدين. وأنه ليس فقط يسمى دين ولكن هو أفضل دين يمكن أن يسمى بهذه الصفة. إنه دين الإنسان وغير مهتم ولا يطلب من الناس تصديق ما لا يصدق. إنه يطلب من الناس أن يتصرفوا انطلاقا من أفضل دوافعهم، وليس من أجل المصلحة الشخصية الأنانية أو من أجل مكافأة سماوية. علاوة على ذلك، فإنه لا يطلب من الناس الإيمان بإله كامل في حين يدل العالم أنه مخلوق بشكل غير متقن ويحكم بالنزوات. ليس من السهل الجمع بين عبادة إله كامل مع الاعتقاد بأن هذا العالم، بكل عيوبه، قد تم صنعه من قبل هذا الكائن الخارق. أن الكثير من المؤمنين لا يحاولون حتى تبرير ذلك، أنهم فقط يقولون أننا لا نستطيع أن نفهم عدالة وجودة العناية الإلهية. وعلاوة على ذلك، فأن دين الإنسانية لا يصر مثل المسيحية، على أن الناس يؤمنون بكائن يحكم على الملايين بالعذاب الأبدي لعدم سماعهم عن المسيح.

 جون ديوي

في أوائل القرن العشرين، كانت أفكار جون ديوي عن الدين متوازية مع أفكار ميل بطرق عديدة.  دعا ديوي على غرار ما فعل ميل إلى دين لا علاقة له بالدين التقليدي. ودعا بدلاً من ذلك لنزعة إنسانية دينية. لأن الإنسان الديني هو الذي يشجع على خاصية دينية معينة عن الحياة، وهي خاصية تخديرية. يرى ديوي أن نوعية الخبرة الدينية تمنع الوعي من ايجاد التعبير المناسب عن الظروف القائمة. تكمن مشكلة معظم الديانات في أنها عالقة في عالم قديم، عالَم له غايات ثابتة يحددها كائن خارق للطبيعة، فتلتزم بمعتقدات غير قابلة للتغيير. علاوة على ذلك، منع الدين عبر التاريخ الناس من استخدام ملكاتهم بشكل كامل للعمل من أجل عالم أفضل وذلك لأنه علّمهم أن ينتظروا قوة خارجية لتحسين أمورهم. فالاعتقاد المسيحي بقوة الصلاة لتغيير الأشياء هو أعتقاد سلبي جداً في معالجة المشاكل التي يواجهها الناس: "إنه يترك الأمور بشكل عام كما كانت من قبل."[8]

دعا ديوي إلى الإيمان بالذكاء البشري، وأعتبره إيمان ذو قيمة كبيرة. لقد أراد أن يثق الناس في قدرتهم على العمل وبشكل متناسق لحل مشاكل حياتهم في يومهم. ورأى أن مستقبل الدين يرتبط بإمكانية تطوير خبرة الإنسان، وأن  العلاقات الإنسانية ستخلق إحساساً حيوياً بتضامن المصالح المشتركة، وتلهمهم بفاعلية العمل وتجعله تعبيراً عن الشعور بالواقع.[9] أنه يمكن أن يكون للتفاني الجماعي من أجل المثل الأخلاقية والاجتماعية الكبرى قيمة دينية.

 فبينما كان يعتقد ميل أن المسيحية تشجع الناس على أن يكونوا أنانيين، دافع ديوي عن رأي يقول أن المشكلة  تكمن في أن كلا من الإلحاد والايمان بقوة خارقة للطبيعة تترك البشر معزولين. ومع ذلك، فإن الموقف الديني الذي دعا اليه ديوي يتطلب الإحساس بالعلاقات الانسانية من ناحية الاعتماد المتبادل بين الناس.

ما أراده ديوي هو الإيمان الديني بذكاء أعضاء المجتمع لمواجهة مشكلات اليوم من خلال الخبرة التجريبية. كان يريد أن يثق الناس في قدرتهم على التعاون لحل المشكلات عند ظهورها. وهذا يدعو إلى الاعتقاد بأن الناس يمكن أن يتغيروا، والأهم من ذلك بالنسبة إلى ديوي، أن يتطور الناس فكرياً وهم يستجيبون للمشاكل من خلال التجارب الاجتماعية التي ستساعدهم في إيجاد الحلول.

 كان ديوي قلقاً من أن الدين والفلسفة عالقين في البحث عن اليقين. وأكد أن كلاً من الدين والفلسفة كانا ضالعين في محاولة مضللة للعثور على حقائق أخلاقية  ثابته في عالم ديناميكي ومتغير. إننا بحاجة إلى أن نكون مرتاحين مع عدم اليقين في عالمنا.[10] العالم يتغير باستمرار، ويجب على الناس أن يتغيروا من أجل الاستجابة له. بعد أن أسقط  الإيمان في  كائن خارق الطبيعة أو في بحثه عن أهداف ثابتة، أراد ديوي أن يثق الناس في قدرتهم على حل مشاكل المجتمع. وبما أن مشاكل المجتمع لا تحل أبداً بشكل كامل، حيث أن التغيير سيحدث حتماً ويجلب معه تحديات جديدة، وتستمر دورات التغيير والنمو بلا نهاية. في نهاية المطاف، يُترجم هذا إلى اعتقاد في المجتمع الديمقراطي: "إن الديمقراطية كطريقة للحرية والنمو هي الشكل الديني للممارسة الروحية."

أريد أن أضع الآن جانباً السؤال عما إذا كانت آراء لوك، ميل وديوي حول العلاقة بين الدين والأخلاق صحيحة. ولكن أشير الى وجهات النظر اليبرالية حول الدين، هي محاولة لدرء الدين، فقد تصور الليبراليون أنه بمرور الوقت سوف يفقد الناس اعتقادهم بالدين الموحى ويعتنقوا ديناً يدور حول الانسانية وليس الرب. لم يؤمن لوك بهذا الرأي تماماً، لكن المسيحية الليبرالية كانت تهدف في الغالب إلى الجمع بين الناس بدلاً من الفصل بينهم. عرف ميل ودوي أن هذا لن يحدث بين عشية وضحاها، لكنه قد يحصل مع تقدم البشرية فاعتقدوا أن الحاجة الى الله ستكون أقل. وقال ميل إن العائق أو العيب الوحيد إذا ما قورنت به ديانة الإنسان مع الأديان الوحدانية هو أن الأول لا يعتقد  بالحياة الآخرة لكن مع مرور الوقت سيتلاشى هذا العيب. فكلما "تحسنت حالة البشرية" وأصبح الناس أكثر سعادة، فإن الأمل في السماء سيكون أقل أهمية. أعتقد الليبراليون إنه في مجتمع ما حيث يتم تشجيع الاستقلالية والمصلحة العامة يمكن أن يسود دين الإنسانية، وسيكون هناك القليل من الأنانية.

 لقد تحقق إلى حد ما ما كان يأمل به ميل وديوي ولوك. فقد أصبح الكثير من المسيحيين يقللون من  أهمية الاختلافات المذهبية باسم المودة وحسن النية للآخرين. لكني أرى أن مالم يكتشفه دين الإنسانية  هو إن الكثير من الناس باتوا اليوم ليسوا متدينين وغير راغبين بالعيش وفقاً لطريقة بتّ بها الدين منذ قرون فائته. لم يعد الناس، ولأسباب مختلفة، يلتزمون بقواعد الدين كما كانوا يفعلون في الماضي. المحافظون الدينيون لا يهيمنون على النظام الليبرالي اليوم، والعنف الذي غالباً ما يصاحب الدين في زمن لوك أصبح الآن بعيداً في الغرب. ولم يعد الدين عامل تفرقة بين الناس في الغرب كما كانوا يفعلون سابقاً. لكن ايضاً، ليس كل الناس غير متدينين أو ينتمون إلى دين ليبرالي.  وأرى ايضا كان نجاح لوك وميل وديوي محدوداً. وإن الديانات المحافِظة لا تزال قوية اليوم وليس هناك ما يدعو إلى الاعتقاد بأنها ستختفي قريباً من الديمقراطيات الليبرالية الغربية. هذا لا يعني أنها لن تصبح أصغر في المستقبل، ولكن من الممكن أن تكون أكبر. المشروع الليبرالي لتحويل الناس نحو ديانات أكثر ليبرالية لن يكون كاملاً أو ينجز النجاح الكامل في أي وقت قريب. لا يزال يتعين على الليبراليين أن يتجادلوا مع المحافظين حول الدين. لكن على الليبراليين أن يتوقفوا عن افتراض أن التقدم يعني أن الدين المحافظ سيتلاشى أو يختفي في نهاية المطاف. لايمكننا ان نفترض مع لوك وميل وديوي بأنه سيكون العالم في المستقبل بدون أديان محافظة.

حاول لوك وميل وديوي إنشاء عالم ليبرالي بدون أديان محافظة. ولكن نحن الليبراليون في هذا العصر لا يمكن أن نفعل الشيء نفسه. ولا يمكن لليبراليين أن يقولوا ببساطة إن الدين شأن خاص ويتركونه على هذا الأساس. ويرجع ذلك جزئياً إلى أن المتدينين يريدون أن تكون وجهات نظرهم الدينية حاضرة ومساهمة في الفضاء العام والنقاش العام. إنه لمن التبسيط أن نقول للناس عليهم ترك آرائهم الدينية في المنزل. وليس هذا فقط لأن العديد من المتدينين لن يتبعوا مثل هذا الأمر الزجري، ولكن لأن عواقب وجهة النظر القائلة بأن الدين يجب ألا يظهر أبداً في العلن أو في الفضاء العام  قد يضر بالدولة الليبرالية أكثر. وأبعد من ذلك، فإنه من المحتم أن هناك نقاط الاتصال بين الدين والدولة الليبرالية.

 

الدّكتور عليّ رسول الرّبيعيّ

.........................

[1] جون لوك، رسالة في التسامح، ترجمة منى ابو سنة، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 1997. ص 57 فمابعد. وأنظر:

John Dunn. , The Political Thought of John Locke: An Historical Account of the Argument of the Two Treatises of Government (Cambridge: Cambridge University Press, 1969) and Retlzi11ki11g Modem Political theory (Cambridge: Cambridge University Press, 1985).

 [2] John Locke: Socianian or Natural Law Theorist," in Religion, Secularization, and Political Thought: Thomas Hobbes to]. S. Mill, ed. James E. Crimmins (London: Routledge, 1989). For Locke's questioning that original sin is charged upon all humans, see John Locke, The Reasonableness of Christianity (1695; reprint, Washington, D.C.: Regnery Gateway, 1965), 4-5.

 [3] Locke, Essay Concerning Human Understanding, 4.rn. I should note that as he got older, Locke became less confident that people could use their reason to discover morality and the principles of justice. Locke لابد أن أشير إلى أنه عندما أصبح لوك أكبر سنا ، بدا أقل ثقة بأن يمكن للناس أن يستخدموا عقلهم لاكتشاف الأخلاق ومبادئ العدالة. Reasonableness of Christianity, 170-76

[4] John Stuart Mill, “Utility of Religion," in Three Essays on Religion (New York: Henry Holt, 1874), 99- 100.

[5] Mill، On Liberty and Other Essays، ed. John Gray (Oxford University Press، 1991) 56-57.

[6] Mill, Blakey's History of Moral Science (1833); reprinted in Collected works, vol. 1O, ed. J. M. Robson (Toronto: University of Toronto Press, 1969), 28.

[7] ohn Stuart Mill, Coleridge (1840), reprinted in Utilitarianism and Other Essays, ed. Alan Ryan (Harmondsworth: Penguin, 1987), 222, 178.

[8] John Dewey, A Common Faith (New Haven: Yale University Press, 1934), 9, 47.

[9] مقتبس  من  ستيفن روكفلر، جون ديوي: الإيمان الديني والديمقراطية الإنسانية (نيويورك: مطبعة جامعة كولومبيا ، 1991) ، 449.

[10] John Dewey, The Quest for Certainty (1929); reprinted in The Later works: 1925-1953, 17 vols., ed. Jo Ann Boydston (Carbondale: University of Southern Illinois Press, 1984), vol.4.

 

صباح الحاج مفتنيوشيهيرو فرانسيس فوكو ياما (27 أكتوبر 1952- ..) كاتب ومفكر أمريكي الجنسية من أصول يابانية. متخصّص في العلوم السياسية. حصل على الدكتوراه من جامعة (هارفارد). عدّهُ الكثيرين بأنه أحد فلاسفة ومفكري أمريكا المعاصرين؛ نظراً لما قدمه من نتاجات كان لها أثراً مهماً في السياسة الغربية بشكل عام والأمريكية بشكل خاص. كما شغل مناصب ووظائف عديدة ساعدت في ثراء خبرته وثقافته، فجعلت منه مفكراً جديراً بالاهتمام والبحث:

مع إعلان صدور كتاب (نهاية التاريخ والإنسان الأخير) عام 1992 عُرِفَ فوكو ياما وذاع صيته؛ عندما أوضّحَ نهاية الاضطهاد التاريخي والنظم الشمولية إلى غير رجعة، لتحل محلها قيم الليبرالية والديمقراطية. وترجع أصول هذا الكتاب إلى مقال كتبه فوكو ياما في صيف عام 1989 في مجلة ((The National interest بعنوان (هل هي نهاية التاريخ؟) والذي كانت له ردود فعل كثيرة ومتعددة، نال بها قسطاً كبيراً من الشهرة، واستحوذ على اهتمام إعلامي أغراه ذلك لتحويل المقال إلى كتاب قفز به قفزة كبرى من مستوى الحدث إلى أوسع المفاهيم الفلسفية؛ معتمداً ومتأثراً بمصادر أبرز الفلاسفة، لا سيما (هيغل) أحد أكبر أعلام الفكر الألماني. ويمضي قدماً إلى عمق الفكر الإغريقي؛ فيصل مقدماته الأُولى بثوابت التحليل الأفلاطوني للذات والمدنية والعالم، معرّجاً على (روسو) ونظريته حول المجتمع المدني.

يظهر لنا جلياً تأثُّر فوكو ياما بهيغل في مسألة نهاية التاريخ في النص الآتي لكتابه "نهاية التاريخ والإنسان الأخير" ص84: "إننا في الواقع مدينون لهيغل فيما يتعلق بالأوجه الأساسية لوعينا الحديث". وهكذا رمى فوكو ياما أطروحاته بالخانة الهيغلية، لكن تأثره كان من حيث المنهج فقط وليس من حيث النظرية والنتائج. مستخدماً مذهب الديالكتيك الهيغلي بنهايات مفروضة في انتصار الليبرالية الأميركية، مقحماً نفسه بتأويلات لا تتلاءم كثيراً مع الطرح الموضوعي، وتبدو لنا ذاتيةً أكثر تماسكاً، تبرز بشكل فاضح في محاولة منه لجعل النهاية التاريخية مفصّلة أميركياً قلباً وقالباً، يستطيع كل من يقرأها أن يسجل خللاً واضحاً جرّاء التحمس والانحياز التام للنظام الرأسمالي، والنبرة العدائية للأنظمة الاشتراكية على الرغم من مقدماته النظرية. فكان عليه كمحلل سياسي ومؤرخ للفلسفة التاريخية أن يبتعد عن الانحيازية ويمضي في تقديمه للأدلة والبراهين الموضوعية. وإذا رجعنا لنظرية هيغل التاريخية بقراءة فاحصة ودقيقة؛ سنرى أنها تصويراً واضحاً لنهاية التاريخ، وعليه فإنّ فوكو ياما قدّم لنا فكرة هيغلية بحُلَّة أمريكية جديدة، تعكس لنا مقدار التعطش في الخطاب الفلسفي الأميركي إلى إعادة التأسيس في المختلف، والعودة إلى التاريخ الأوربي القديم، كما ذهب قبله (جون ديوي) في تغليف براغماتية وليم جيمس بمثالية أوربية. وكما ذهب (ريتشارد رورتي) إلى التحليل البنيوي الشمولي للابستومولوجيا والانطولوجيا؛ لينهض بمكامن النقص الذي يعانيه الخطاب الفلسفي الأميركي، ليضع نفسه ضمن جيل ألماني قفز بالفلسفة قفزات تمثل نقاط فارقة في الخطاب الفلسفي، من قبيل نيتشه وهايدغر.

الحديث عن نهاية التاريخ يتجدد بين حين لآخر، وأنّ إشارة هيغل إلى نهاية التاريخ عند قيام (الدولة البروسية)؛ فهذا يعني تمجيداً بقوميته الألمانية، وتعبيراً إيديولوجياً صارخاً للبرجوازية، وشعوراً متعالياً قد كلّف الألمان والبشرية في النهاية كوارث عدّة، عندما استغلها وطوّرها أدولف هتلر(1889-1945) ليصل بها إلى تفوق الجنس الآري الجرماني على باقي الأجناس الأخرى التي أنجبتها الطبيعة. ومن هذا نرى أنّ فوكو ياما انطلق بفكرته من منطلقات قومية وذاتية وإنْ كانت تبدو للكثيرين عكس ذلك من حيث المنهج العلمي والموضوعي للطرح النسقي الفوكو يامي، ونحن لا ننكر هذا، بل على العكس، نثني عليه، ولكن النتائج الحاسمة للتاريخ لا تجعلنا نذهب باتجاه حتميته بهذه الطريقة؛ فالنظريات العلمية وحتى الفلسفية منها لم تكن تتخذ مثل هذا الطرح، وكانت النسباوية والمتوسط الإحصائي هي النتيجة المتفق عليها من الجميع، على الرغم من أنّ فوكو ياما قبل إعلانه بما توصّل إليه من نهاية تاريخية للديمقراطية الليبرالية الأميركية؛ قد أقحم نفسه في الخانة البوبرية النسباوية، إلاّ انه قد تجاوزها وذهب أبعد من ذلك متوقعاً نهايتها يوم ما.

على الرغم من أنَّ الديمقراطية الليبرالية هي النظام السياسي المتماسك الذي يتطلّع إليه المؤمنون بالحرية؛ إلاّ إننا نرى أنّ ما قدّمه هيغل وكذلك فوكو ياما من نظريات لنهاية التاريخ؛ تحملُ تشابهاً في مَن سينتهي إليه التاريخ على وفق تحليلات وأحكام قبلية- رغم استخدام هيغل لمقدمات منطقية- مع فارق في التسميات؛ فالأول يشير إلى البرجوازية والدولة الألمانية والثاني إلى الرأسمالية الأمريكية- بنمط أمركني ياباني-  فنرى هيغل في كتابه " العقل في التاريخ، مج1": يقر من أنَّ تاريخ العالَم يتجه من الشرق إلى الغرب، لأنَّ أوربا هي نهاية التاريخ على نحو مطلق، وأنَّ الشرق لم يعرف، ولا يزال حتى اليوم لا يعرف سوى شخصاً واحداً هو الحر، أما اليوناني والروماني فقد عرف أنّ البعض أحرار، في حين أنّ الجرماني عرف أنّ الكل أحرار. ونرى فوكو ياما يتحرك بقصدية عقائدية قبلية، وبغائية إيديولوجية استخدم بها جانباً سيكولوجياً من حيث التأثر والتأثير، لا تترك لنا أحياناً كثيرة حيّزاً نستدل به؛ لكثرة وأهمية الطرح الذي استدل به بأسماء فلسفية كبيرة- لا يجرأ أغلبنا نقدها- لعبت دوراً هامّاً في صياغة مقدماته المنطقية، ليجعلها مرتكزات نهائية في وصف النهاية التاريخية  للبشرية، تلك النهاية التي يريدها حقيقة تسليمية لا تقبل المراجعة والاستدلال.

إنّ انتشار النظرية العنصرية في أوروبا، والتي أدّت إلى إلغاء حق الشعوب الأخرى في الوجود، وعدَّهُم شعوب همجية متوحشة وغير متحضرة، ما هي إلاّ نظرية مغلوطة أنثروبولوجياً، فلم يقرّها علم الاجتماع الحديث، وليس لها صحة من الناحية العلمية، فالمدنية لا تتوقف على جنس دون آخر، فقد قامت حضارات عظيمة تفَوّقت على أوربا لفترة طويلة مِن الزمن، كما أنّ مِثال (اليابان) أثبت خطأ جميع النظريّات التي تتحدّث عن التفوّق الأوربي الطبيعي، وإنّ بطلان هذه النظريّات العرقيّة يثبت بصورة كاملة عندما ننظر إلى الأهمّية الثقافية والاقتصادية التي يتمتع بها (اليهود) في أوربا وأمريكا. فأنّ طبيعة البشر هي واحدة في كل زمان ومكان، والاختلاف بينهم يرجع في الغالب إلى اختلاف في تكوين المجتمع الذي ينشئون فيه، بحسب ما يذكره جرجي زيدان في مؤلفه " تاريخ التمدّن الإسلامي، ج4، إضافةً إلى أنّ الطبيعة البشرية كغيرها مِن ظواهر الكَون تجري حسب نواميس معيّنة لا يمكن التأثير بها أو تغييرها قَبْل دراسة ما جُبلت عليه تلك الطبيعة مِن صفات أصيلة؛ لأنّ الإنسان جزء لا يتجزّأ مِن الطبيعة المحيطة به ولا يمكن التأثير عليه وتغييره بمعرفة نقاط عجزه مِن خلال إطلاق الأحكام والأسباب بشكل تعميمي بدون دراسة مسبقة لطبيعته.

يذكر لنا فؤاد النمري، في مؤلفه "جديد الاقتصاد السياسي": بعد انهيار الاتحاد السوفيتي راح الكثيرون يفقدون صوابهم، ويعدّون ذلك انتصاراً حاسماً ونهائياً للرأسمالية، وما هي حقيقة إلاّ انهياراً عالمياً لها. فليس بمقدور فوكو ياما أنْ يتجاهل ما توصّل إليه كارل ماركس في تحليله التاريخي لنموذج الإنتاج الرأسمالي- الذي سيطاح به في النهاية-، ويذهب منتشياً مزهواً بما توصَّل إليه من تحليلات تجعل من الرأسمالية المعولمة آخر مراحل تاريخ الإنسان. وهنا نتساءل: أي إنسان يقصده فوكو ياما؟ هل هو الذي يتوقع له بنياناً اجتماعياً مختلفاً حين تتدخل العلوم التقنية البيولوجية فتغيّره؟ فهذا الإنسان المعاصر لابد أنْ يكون متوحّشاً حتّى يتوافق مع هذا النظام الرأسمالي الذي يسمح لشريحة محدودة من المجتمع أنْ تقهر بقية شرائحه وتخضعها للحرمان من متطلبات العيش البسيطة.

لقد قامت الرأسمالية على قاعدة تقسيم العمل الاجتماعي: طبقة تعمل وأخرى تملك، دولة تملك وأخرى تستهلك، دولة تصنع وأخرى تزرع. فقام تفتّحها وازدهارها من خلال المعرفة التي تميزت بها مجتمعات عن أخرى. أما العولمة فليس في مفرداتها أي هيكلية للمجتمعات أو أي تمايز للسيادات الدولية أو الحدود القومية؛ فهي قد تهيكلت في مركز واحد وأطراف عديدة، وتفتقد لأي هيكل يعطيها شكلاً محدّداً، وبالتالي فهي دراسة للقوميات، وإطارها المعرفي هو شيوعية المعرفة التي جاءت بخلاف ما تؤسّس له منظمة التجارة العالمية لتشريع "حق الملكية الفكرية"؛ إذ بدون معرفة شاملة لمختلف نواحي الحياة لن تستطع المؤسسات الرأسمالية الانتقال من مراكز متقدمة معرفياً إلى أطراف متخلّفة فيها.

إذا نظرنا إلى وسائل الإنتاج- والكلام هنا لا زال لفؤاد النمري- فسنجدها هي مَن يعين النظام الإنتاجي وعلاقاته، وليس الايدولوجيا والرغائب؛ فنجد الكثير مَن اعتقد أنّ نظام الإقطاع هو نظام أبدي ونهائي للتاريخ، وخاض نبلاء أوربا حروباً طاحنة من اجله؛ إلاّ أن هذا الوهم ألاعتقادي والرغائبي لم يستجب له التاريخ، وكان أقوى من سلطانهم. كذلك النظام الرأسمالي الذي حل محل الإقطاعي فلا يزعم انه نظام ابدي ونهائي للتاريخ، وان وسائله لن تتغير كما يعتقد فوكو ياما؛ لأنّ الإنسان لن يتنازل عن مهامه الأولى في تطوير أدوات الإنتاج وتغيير وسائله التي ستقيم نظاماً جديداً للإنتاج وعلاقاته.

إنّ القيم الديمقراطية الليبرالية التي يحاول فوكو ياما تصويرها على أنّ أميركا ستكون الراعية الأولى في تصديرها لبناء المجتمعات الأخرى؛ لهي تمثل انقطاعاً تاماً مع واقع الدول التي يسميها فوكو ياما بـ"الضعيفة" أو دول العالم الثالث؛ فالموروثات العديدة والمتنوعة لهذه الدول لم تزل تتفاعل بحيوية ونشاط في ذوات معتنقيها. فالشكل الديمقراطي مرتبط بمضامين تمثل جملةً من المفاهيم، وتشكّل نسقاً متكاملاً. ولا يمكن بأي حال أنْ أقوم بتصدير الشكل فقط وأُوهم هذه الدول أنهم مع الممارسة الطويلة سيجنون مفاهيماً ديمقراطية ليبرالية حر. فمن المؤكّد أنّ القطيعة التامة مع هذه الموروثات واستبدالها بأخرى مغايرة لا تجدي نفعاً وسيدفع الجميع ثمنها. ونحن هنا ننطلق من قراءة فلسفية لأبرز المجدّدين الإسلاميين وهو "محمد باقر الصدر" في مؤلفه (التفسير الموضوعي والتفسير التجزيئي) التي ترى أنّ التفسير الموضوعي لأي ظاهرة هو عندما يلتحم مع واقع الحياة، وبغيره سيكون عملية منعزلة عن الواقع، فلا بد من تفعيلها في حركة الحاضر ومعايشة الواقع، ونبحث بوعي لسد الفراغات بإنتاج وابتكار جديد، فالتحرر من التجارب الماضية لا يعني إهمالها بالكامل، بل إعادة بناء العلاقة مع الواقع بقراءة متجدّدة وواقعية بالتحرّر من نصّيّتها الجمودية. فالقراءة المتوازنة لأي ظاهرة تبدأ من الواقع المعاش وتنتهي بالإفادة من تجارب الماضي. كما ننطلق أيضاً من رؤية فلسفية لمارتن هايدجر في مؤلفه (الوجود والزمان) والتي ترى أنّ العزم الراجع القهقري إلى الذات إنّما يتحوّل إلى معاودة لإمكانية وجود متناقلة، فإنّ المعاودة هي التحرير الصريح للتراث. فـالمعاودة التي يقصد بها "هايدجر" تتزاحم على ثلاث معاني هي: التراث ونقل التراث وتحرير الإرث الذي فينا.

ولكي تنمو قيم الديمقراطية الليبرالية في مجتمعاتنا نحتاج إلى تصالح حقيقي من الداخل، مع ذواتنا، إلى إعادة بناء العلاقة مع الآخر المختلف من خلال الإرث السياسي والثقافي الذي يجمعنا، أنْ نسمو بأنفسنا حسب ليبرالية الفيلسوف الأميركي اليساري المعاصر "نوم تشومسكي 1925-....." – في كتابه (النظام العالمي القديم والجديد) والذي تعود أفكاره إلى جذور التنوير والليبرالية الكلاسيكية-  صوب تسامح حقيقي وتعددية  تحكمها الأصالة والتجذّر التاريخي، أنْ نؤمن نظرياً وعملياً مع الآخر المختلف أننا جميعاً متساوون في الحقوق والواجبات، ومن حقنا التطور والرفاهية. وبالتالي نحن أمام طروحات الفيلسوف الألماني المعاصر"هابرماس 1929-...." الحداثوية التي لم تكتمل بعد.

شروط مدنية الدولة وتحديث النظام السياسي الاجتماعي يعتمد على ركائز تكوينية تنْصَب بمجملها على تعليم الفرد حقيقة واحدة؛ وهي أنه مجرد فرد في مجموع، وهذا يتطلب معرفة حدود الأنا واحترامها من خلال احترام الآخر بالضوابط نفسها، وهذا الاحترام المتبادل هو الذي يبني الحرية ويؤسس للسلام، ليضمن للأنا عدم اختراق حدودها، كما أنّ الاحترام والتحدد الموضوعي سينتقل إلى قاعدته المجتمعية الكبيرة بكل ما فيه من دقه ليعكس وجهة نظر جماعية تؤسس لعلاقة مجتمعات وحضارات. وكل ما بنيت العلاقات الاجتماعية على هذا الفهم قلّت الحاجة لمنظومة متشددة من القوانين. وبالتالي سنجد أنفسنا أمام التزام طوعي إنساني أخلاقي "كانطي" بالقيم والمحددات التي تبني ثقافة المسئولية الذاتية بدون مراقبة خارجية، أمام نظرية تحثنا على أداء واجباتنا والتزاماتنا الأخلاقية على الشكل الأمثل بدلاً من الانسياق وراء أهوائنا وميولنا، ليشعر الإنسان في الآخر أنه قائد اجتماعي، وفي الوقت نفسه عضواً في فريق متكامل يبني وينتج بإيمان أنَّ ما يفعله هو مكسب ذاتي له قبل أنْ يكون مكسب جماعي. فالفعل الأخلاقي يرتبط بإيمان الإنسان بذاته وقدراته بمعزل عن أي شيء آخر. فقد مثّلت "فكرة الواجب الكانطية" نقطة فارقة في تحوّل المجتمعات نحو المدنية لحملها مفاهيم ساهمت بشكل كبير في تنامي الفكر الغربي بدءاً من عصر النهضة مروراً بعصر التنوير حتى يومنا هذا بانتقال المجتمعات الأوربية من عصر كنسي مظلم إلى عصر حضاري مشرق.

إنّ تصوير فوكو ياما على تركيز الولايات المتحدة حيال التعامل ابتداءً مع الواقع الأكثر احتياجاً للمجتمعات المظلومة والمسحوقة من قبل أنظمتها، دون التفكير بوضع نظم كفيلة بحل المشاكل الأخرى بترحيلها إلى أمد بعيد؛ لهو تفكير ميتافيزيقي حسب اعتقادي مبني على عصا سحرية مغلفة ومشرعنة بديمقراطية مستوردة وضعت لمجتمعات غربية معينة تعتبر نفسها هي التاريخ وهي النهاية الحتمية له دون أنْ يشاركها أحد. كما أنّ التخلص من السلاح النووي المدمر والشامل الذي يشكل تهديداً لأمن العالم- خصوصاً الأوربي- ويعد سابقة خطيرة في التاريخ الغربي؛ لهو يمثل نظرة تعسفية ونزعة استعلائية أرستقراطية غير نبيلة! وكأنّ بقية دول العالم بما فيها العالم الثالث غير معنية بهذا الأمان وليسوا بشراً، ووحدهم الغرب من صنف الإنسان الذي يمشي على قدمين ذو العقل المتطور، وذو الوجنتين الحمراويتين!!

ربما هناك مَن يرى أنّ طروحات "فرنسيس فوكو ياما" السياسية تدْخل في سياق الترويج للاستعمار الامبريالي الكولونيالي الجديد. وحقيقة الأمر يبدو هنا أنها طروحات تقترب كثيراً من هذا الرأي، ولكنْ من جانب معين يبرز من خلال التنظير الفوكو يامي في التدخل لتغيير وبناء الدول الضعيفة والفاشلة والتسلطية كما حدث فيما يسمى بـ"ثورات الربيع العربي" وقبلها في هايتي وتيمور الشرقية والصومال. فالكولونيالية هي استعمار غير مباشر عبر أجندات خاصة تهدف إلى غايات امبريالية دون أي تدخل عسكري. أي ضبط ومعرفة المجتمعات من الداخل لغرض تأمين وتسهيل عملية السيطرة الاستعمارية عليها كبديل عن الأسلوب العسكري الذي ربما يكلّف الشيء الكثير للمستعمر. لكنّ فوكو ياما يقر بالتدخل العسكري واستعمال القوة في حالة وجود خطر ما يمكنه الوصول إلى قلب العالم المتطور. كما هو الحال في دول مثل أفغانستان والعراق وما أشيع من امتلاكهما للإرهاب وأسلحة الدمار الشامل.

يرى البعض أنّ فوكو ياما قدّم لنا أفكاراً منظمة ومتصلة بعضها البعض بتصورات بدت لنا تدريجية، واضحة ومنسجمة: تاريخية، اجتماعية، سياسية، اقتصادية، تهدف إلى الانتصار للنموذج الديمقراطي بِعدّه فيلسوف النسق والتواصل، الذي يذكرنا بفلاسفة كبار حفروا أسماءهم في تاريخ البشرية، من قبيل أفلاطون وأرسطو وهيغل وكانط. ويرى البعض الآخر أنه لا يرتقي بطروحاته تلك إلى المستوى الذي حققه ديوي وراولز ورورتي في بناء مذاهب فلسفية متماسكة؛ إذ إنّ فوكو ياما- وبحسب مطاع صفدي- يقدم لنا تحليلات وحجج تبدو ذا فائدة في سجالات الخطاب السياسي اليومي، مزج فيها الخطاب السياسي الإعلامي بمفهوم الفلسفة الشمولية، ليوقع لبساً عند منتقديه؛ فاختار في خطابه التصعيد ليبلغ أعلى مراتب العقلنة التي تحاكي الكينونة وخاتمة التاريخ.

بدا لنا الطرح الفوكا يامي بعيداً كل البعد عن (الواقعية النقدية) التي تقوم على الفحص والاختبار النقدي للمعطيات التاريخية ومناقشة الأدلة والبراهين المضادة لتكوين نتائج منطقية متسقة، وسنأخذ نصّاً بسيطاً من فوكو ياما حول كلامه عن الواقعية: "كان الكثير من المراقبين المتخرجين من المدرسة الواقعية يتنبئون جميعاً بأن "غورباتشوف" سوف لا يسمح أبداً بتحطيم حائط برلين...". ما نسجلّه هنا أنّ نص فوكو ياما بدا أقرب إلى الواقعية الساذجة التي تطلق أحكامها حسب المدركات الحسية المباشرة، أحكام تنبؤية دون الفحص والبينة؛ واقعية سابقة على مرحلة التفكير العلمي والفلسفي، ونحن نذهب مع مطاع صفدي في أنَّ فوكا ياما استخدمَ أحياناً كثيرة انتقائية تجزيئية ليطلق أحكامه باستعجال مسبق، منساقٌ لـ(رغبة تيموسية) بتفسير الأحداث قبل أنْ تتكشف حقيقة عن خلفياتها، فتقع الكتابة في مسار الإخبار التأويلي.

هذه النظرة التي تشبه إلى حد معين ما كان يقصده هيغل في أنّ أوّل نظرة إلى التاريخ تقنعنا أنّ أفعال الناس تصدر عن حاجاتهم وانفعالاتهم ومصالحهم الخاصة. ولكنْ، هناك فارق كبير بين ما يريده هيغل باشتراط الحرية واستقلال الوعي، وبين ما يريده فوكو ياما من انتصار لطبيعة الإنسان الغريزية، هذه النظرة التيموسية الإحيائية لاستحضار فكرة النهاية التاريخية، والمؤطرة بأفكار وأطروحات أفلاطونية وهيغلية ونيتشويه وماركسية، وأخيراً بالبوبرية للخروج من الأزمة بطريقة الخاسر الأقل؛ تلوّح بالنهاية بطريقة أو بأخرى للرجوع إلى "فكرة ذئبية الإنسان الهوبزية"، بطريقة التأثير الانفعالي على القارئ، وإملاء الفراغ الأيديولوجي الناجم عن تهاوي جميع الأنظمة والعقائد السابقة، من خلال استخدام النصوص التبسيطية والانتقائية بشكل سردي مكرر وبدورة حلزونية دون إضافة شيء جديد، واختزال وتجاهل كل ما يتعلق بالظروف الاقتصادية والاجتماعية والتاريخية. على الرغم من أنه يلوّح بين الحين والآخر إلى أفلاطون والفلسفة النيتشوية من خلال مفهوم الاعتراف والإنسان الأخير. ولكنْ، هذا لا يعني أننا نبخس حق هذا المفكر وما قدمه من نتاجات؛ فيبدو لنا وعبر عصور مضت، تعاقب على تسيدها الفكري والفلسفي شخصيات كثيرة لم يرتقي التجاوب معها لعقود طويلة، وظلت تهاجم وتلاحق وأحيانا تتهم ويجري عليها عمليات تسقيط وقتل، نظراً لتحكّم أيديولوجيات متفاوتة على التاريخ الإنساني، ولم يُعترَف بهم إلاّ بعد أنْ تصبح كتاباتهم وأفكارهم في أغلب الأحيان طي النسيان، أو بعد تغيرات التاريخ المفاجئة وغير المفاجئة، فتنهال حولهم الترجمات والدراسات في شتى بقاع العالم. وربما اليوم نرى مَن يحاول أنْ ينال أو يسقط أو يقلل من طروحات فوكو ياما – إضافة إلى مجموعة اليسار في الإدارة الأميركية- وهو أمر يبدو اعتيادياً، ولكننا لا ندري إضافة للسمعة والإعجاب الذي ناله؛ لربما يكون لهذا المشاكس الذي رمى بأسلحته الديمقراطية الليبرالية شأن كبير في المستقبل. ونحن هنا لا يعني أننا نُنَظِّر لهذا المفكر الأميركي الياباني الأصل بقدر ما نحاول مع الكثير من الانتقادات التي وجهناها مع آخرين له أنْ نكون منصفين أمام رؤى لا زالت طرية لم يمر عليها عقدين من الزمن، وأمام نظريات ربما تصيب وربما تخطأ. ولا أعتقد أنّ فوكو ياما بحسب تصريحاته العديدة مستبداً بآرائه لدرجة أنه لا يقبل النقد والتعديل.

إنّ مشروعية القضاء على الدول التي عدّها فوكو ياما بالمتسلطة والاستيلاء عليها للأسباب التي ذكرناها في المسألة السياسية من هذا البحث لهي تمثل حلولاً نظرية حسب اعتقادي، ولا زالت تمثل حالة تناقض على الأرض عملياً بين استعمار الآخر المختلف من جهة وبين الشعار الليبرالي المرفوع والمنادي بإحلال الديمقراطية والحرية والتعددية وحقوق الإنسان. كما أنّ إتاحة فوكو ياما للغرب بالتدخل لتغير الأنظمة السياسية التي يرى أنها تنتهك حقوق الإنسان أو امتلاكها أسلحة دمار شامل،  من أجل حماية أميركا ومواطنيها؛ يعد تدخلاً بسيادات الدول؛ فمن أين له الحق في تصنيف هذه الدول كما يشاء ؟ على الرغم من أننا لا نتوافق مع الأنظمة التسلطية والإرهابية، لكنّ المسألة تعد "نسبية" من جهة إطلاق الأحكام. فلكل دولة تبريراتها وأسبابها في امتلاك ما تمتلك، ومن حق الدول أنْ تدافع عن أنفسها دون الاعتداء على الآخرين. فهل يمكن أنْ أبيح لنفسي امتلاك كافة أنواع الأسلحة ولا أبيح لغيري ذلك؟ فمن خلال هذا التحاجج تظهر لنا فكرة الاعتراف والتيموس المتداخلة في ثقافات واديان وقوميات الشعوب، ويبدو الأمر متشعباً ووشيكاً للغاية؛ فحلول فوكو ياما لا تزال تراوح في ما انتهت إليه طروحاته في النهاية التاريخية والإنسان الأخير، ولا زال الطرح حسب رأيي المتواضع يحتاج إلى "فكرة" جديدة تخرج فوكو ياما من المأزق الذي وضع نفسه فيه، على غرار فكرة "العود الأبدي" التي طرحها "فردريك نيتشه" للخروج من فكرة الإنسان الأعلى "السوبر" التي بشّر بها، ويحتاج إلى "زرادشت" ثاني يبشر له بنظام عالمي جديد بعد إكماله للطرح النسقي. نظام لا تحكمه صيرورة نهائية، مقسم إلى دورات، كل شي يغدو وكل شيء يعود والى الأبد تدور عملية الوجود، نظام طبقي حسب سمو ورقي الإنسان، لأنّ تحقيق الديمقراطية والمساواة بين الجميع أكذوبة في وجه الطبيعة.

 

د. صباح الحاج مفتن – أستاذ فلسفة

 

عامر عبدزيد الوائلياستنادا لما سبق ذكره عن الأسطورة والقراءات التي تناولتها وإبعادها الأسطورة وما شكلت من اثر عميق في الفكر العراقي القديم على وجه الخصوص من أدب رفيع المستوى توزع بين الدين والدنيا، فان الأسطورة -استنادا لما سبق عرضه -أنما هي تمثل معالم حقائق؛ لأنها تعالج الوعي البشري، وما يواجهه من تحديات جسيمة، ذالك الوعي الذي ابتداع الفكر؛ ليكون الميزة التي تميزه عن سائر الكائنات ؛ إلا إن الفكر كان مملوءا بالخيال، ويعتريه الغموض، لأنه كان يعول على الحدس الذي تمظهر عبر الأسطورة وهذه الأخيرة تقدم إبطالها لغرض، وغاية معينة من قبل المؤسسة الاجتماعية، تلك المؤسسة التي تعبر عن رغبات الأفراد بما تقدمه من معارف، وقيم وأنماط سلوك، وعوالم متخيلة تسبغ الشرعية والاستقرار على العالم الواقعي القائم . من هنا كانت الأسطورة ثوباً اختاره الإنسان وتجربةً فكريةً شكلت البداية التي مازالت مظاهرها حاضرة في النصوص المقدسة والفلسفية والأدبية ,بل وفي طريقة البشر في التعامل مع الطبيعة . فلا تخلو السياسة اليوم من الأسطورة . وكذلك الفن والأدب. ومازال الخيال يمتد عميقا في الحاضر صوب المستقبل، فهكذا جاءت تلك الصورة التي لا يمكن عزلها عن الفكر ’لأنها تمثل الشكل الذي أصبحت التجربة فيه واعية بذاتها ولذلك يجب إن تؤخذ الأسطورة دائماً بعين الاعتبار لأنها تكشف عن حقيقة مهمة وان يتعذر إثباتها، تلك هي الحقيقة الميتافيزيقية، ومن هنا جاءت فعالية قراءة البواكير الفلسفية في الموروث العراقي القديم في مباحث الوجود والمعرفة والقيم .

أولا، مبحث الوجود في الموروث العراقي القديم:

وفيه الوجود – المعنى والدلالة – فالوجود (ذلك الخليط الذي لا تفرز عناصره) والذي يعيش فيه الناس والحيوان والنبات والحجارة والنجوم على مستوى واحد من الشخصية والبقاء الحي) () ومن مميزات رؤية العراقي القديم إلى الوجود ما يأتي:

أولا، إنّ كلّ وجود هو ذات تتمتع بإرادة وفردية:

هو نظام وطبيعة يؤلف دولة كونية ولكل موجود كيان ودور في دولته بما في ذلك الأفكار المجردة كالعدالة والعائدة على إن مواطني دولته ليسوا على مستوى واحد من الإرادة والقوة والسلطة والفعل إذ يعتقد العراقيون بصدق دولتهم الكونية وتحققها الفعلي ويعتقدون أيضا بشموليتها ومطلقيتها .. وهكذا كان الوجود لدى العراقيين ذا طابع حيوي، فكل شيء حاوي على الروح والمادة بأبسط مفهوم لها . فطبيعة الوجود متمثلا بحشد الكائنات التي تتحكم بالظواهر والأشياء لذا كانت طبيعته عاقلة، ثمّ إن الموروث العراقي القديم قد جعل لتلك الطبيعة شخصيةً ووجد الإنسان في نفسه الصورة المثلى لألهته وصورها على صورته، بل كان له الشرف ان يخلق هو على صورتها، في ظل دولة كونية هي انعكاس لدولة المدينة السومرية، وهي انعكاس أيضا لتعدد الآلهة وعلى هذا جاءت تلك العلاقة على أنها علاقة أوامر إلهية مقابل طاعة بشرية فالمواطن أحس بضالته، أمام قوى الطبيعة اعتقادا منه بأنه قد خلق لخدمة الآلهة .

ثانيا، قوله (بالتغيير والحركة):

هذا ما ظهر في الصراع بين (السكون والحركة) قصة الخليقة البابلية حيث الصراع الذي حدث بين إله الحركة والعقل (أيا) مقابل (تياما) رمز الظلمة والأبدية وثانيا بين الإنسان رمز الحركة والحياة مع (انليل) اله العاصفة الراغب في العودة إلى حالته السكونية، لكن لو عاد العراقي إلى الحياة، لما اضطرب كثيراً المرأى أثارة وهي حطام لأنه كان دائما يعرف بعمق بان الإنسان أيامه معدودة ومهما صنع فما هو الأ ريح تهب جوهر الوجود ومغزاه لديه بعيد عن الإنسان، ومنجزاته، بعيد عن الأشياء الملموسة، في قوى غير ملموسة، فبحكم كون تلك بداية تشكل الظاهرة الدينية التي تقوم على فلسفة خاصة، فإذا كان الدين لغةً من "دانه" "دينه" فانه إذن عبارة عن علاقة بين طرفين يعظم احدهما الأخر ويخضع له (وضع الهي سائق لذوي العقول السليمة باختيارهم إلى الصلاح في الحال والفلاح في المال) حتى بعد وضع الهي يرشد الى الحق في الاعتقاد و إلى الخير في السلوك والمعاملات () .

فالدين مجموعة واجبات المخلوق نحو الخالق وهو الأيمان بقوة لا يمكن تصور نهايتها الزمانية ولا المكانية، هو العنصر الرئيسي في الدين، من ثم فهو الأيمان بكائنات روحية. والدين محاولة تصور ما لا يمكن تصوره والتعبير عما لا يمكن التعبير عنه وهو التطلع إلى النهاية () .

تلك ملامح الاعتقاد الديني وجدت التعبير عنها عبر "مبدأ المتشابه ومبدأ الشرك "الذين يقودان إلى الاعتقاد الأسطوري من حيث هو صلة موصولة بين الحدث الطبيعي وبين الحدث التاريخي. فالأسطورة تحاول التعبير عن ذلك الذي لايمكن التعبير عنه والتي تقود خضوع الإنسان إلى قوة خفية مفارقة فوق طبيعة الإنسان، وهذه هي الظاهرة التي يصورها" غوشيه" بوصفها اختيارا و (تأسيسا) وهذا التأسيس لا يفهم إلا من خلال فكر (الدين) فالدين هو في أصله دين البشر للعالم الأخر وللكائنات العلوية وللقوى الفائقة . وفكرة الدين هي التي تفتح المجال لإدراك طبيعة السلطة وللوقوف على ماهية الاجتماع ذاتها، وبيانه إن الدين يتضمن أولا: مبدأ الخارجية . ثانيا: يتضمن مبدأ (المغايرة) أي القول بان البشر مدينون بمعنى وجودهم إلى غيرهم، وليس إلى بشر مثلهم . ويتضمن ثالثا مبدأ(الاتصال) أي القول بوجود فارق أو مسافة بين المجتمع ومصدره , بين الجماعة والمبدأ بين المؤسسة والمشرع لها .

هكذا جاءت تصورات العراقيين القدماء، إذ يظهر مفهوم الإله الذي يأخذ لفظة (دينكر) بالسومرية و (ايلو) بالا كدية في علاقة مستعملة هي النجمة للدلالة على ماهو (فوق) و (أعلى) أي الواقع في الجزء الأعلى من الكون: (ما فوق) (الأسماء) فكانوا يتصورون الأنموذج الإلهي أساسا مثل (أعلى من كل ماهو ههنا)

وهكذا تظهر الخارجية بوجود إله له وظيفة أو كاله السماء (انو) أي (السماء) وهو يمثل السلطة العليا في مجمع للآلهة ثم يليه باقي الآلهة بالتدرج وقد اعتقد العراقيون بان الاسم يحتوي على قوة خاصة، فهو قرين الشخص ,لان ذكر الشخص (الفرد) يرتبط بذكر اسمه وفي حالة غياب الشخص يمكن استحضاره بذكر اسمه وان لم يحضر بشكل فعلي حقيقي، وهم ينطلقون في ذلك من عدم التمييز بين الوجود الموضعي والوجود الذهني فالحضور بالذهن بذكر الاسم هو نفسه الحضور الفعلي للشخص .وقد تشكل مفهوم الإله وبعده الخارجي من خلال مبدئين هما:

1- مبدأ المشابهة: إذ نلاحظ إن الإنسان يحاول أن يحدد تلك الخارجية للإله من خلال وصفه وتحديد إبعاده عبر مبدأ يقوم على نقل صفات بشرية وإسباغها على الإله وهذا يظهر من خلال تحديده لصفات ذلك الإله وهي اتخذت بعدين الأول، الصفات السلبية: الآلهة البابلية آلهة غيورة تخشى من تعاظم السلطات فيما بينها، وتخشى تعاظم سلطات الإنسان ().فتظهر هذه الصفات بوصفها انعكاسا للإنسان في تصورات العراقيين عن الآلهة من خلال المشابهة .والثاني،(الصفات الايجابية) أعطى المفكر العراقي صفات ايجابية لألهته وهي كل ما يرجوه الإنسان من اجلها الإلهة، لكي يضمن مساعدتها له انطلاقا من مبدأ الشبهة والمحاكمات التي تحكم نظرة الإنسان للإلهه وكما وجد في نفسه صفات سلبية وجد صفات ايجابية فكانت الإلهة تساعد الإنسان وتساند الضعفاء وتحب المحسنين وهي عطوفة تهب الإنسان الحكمة وفنون الحضارة ولم تكن الآلهة شبيهة بالإنسان في سلوكها وصفاتها فحسب بل في شكلها المنحوت على غرار الصورة البشرية وان كانت تمتلك رموزا وتماثيل وعلاقة التمثال بالمعبد الذي يوضع فيه فهي متطابقة مع علاقة الملك بقصره في كل الحالات الأساسية وكذلك علاقته بمدينته ()، فالملاحظ أن العراقي القديم اعتمد على مبدأ المشابهة في إعطاء صفات عن الآلهة .

2- مبدأ الشرك: حيث نلاحظ إن تخيل العراقي القديم للآلهة، قد مر بمراحل منها التعدد حيث نلاحظ أنه أعطى لكل اله وظيفة ثم جمع الآلهة في مدينة كونية وباعتقادنا إن هذا الأمر يعود إلى ظهور التعددية بالمدن التي يجمعها دين ولكن بعد التوحد الذي حدث مع "حمو رابي " أصبحت كل المدن خاضعة لسلطة واحدة في صور تظهر التفرد (Henotheism) وهي مرحلة متوسطة يين الشرك والتوحيد لأنها تتضمن وجود آلهة أخرى إلى جانب الإله المنفرد وهذه الآلهة يضمها مجلس الآلهة وهذا يظهر من خلال حرب (مردوخ) مع (تيامت) في قصة الخليقة البابلية .

ثالثا، مبدأ الخلق:

بعد تحديد ملامح الإله من خلال مبدئي "المشابهة "و"الشرك"، فان العراقي القديم قد أكد في مجال أخر على تحديد وظيفة الآلهة من خلال مبدئين هما:

مبدأ التسمية: إن الصيغة التي ابتدعها الفكر العراقي في تسمية الأشياء: هي أن اسم الشيء يدل على ماهيته المعبر عنها، ولا يتخذ الشيء (الموجود) وجودا حقيقيا إلا إذا اتخذ له اسما وعليه لايمكن ان يوجد أي شيء من دون ان يكون له اسم () والواضح إن هذا المفهوم موجود من قبل لدى انكي الذي كان يمتلك الكلمة الخالقة وكذلك أصبح يمتلكه مردوخ في قصة الخليقة البابلية حيث كان الاسم يشكل فعالية مهمة، فالشيء من خلال التسمية يمكن إن يتعين؛ أما ما قبلها فهو عماء، والاسم هو الذي يجعلها تملك القدرة على التعين ()

مبدأ الصنع: كان هناك مادة أولى ذكر وأنثى تشكل منهما العالم يشكلان باتصالهم الجنسي بينما المادة الأولى كانت- قبل كل شيء - وهي البحر الأول (نمو)،ذات طبيعة ثنائية .وهذان المبدآن ينطبقان في التأمل العراقي القديم في الوجود المجسد في:

خلق الكون:عبر الاتصال والتكاثر الجنسي: حيث تصور العراقي إن الكون تشكل بفعل التزاوج بين الظواهر التي يجسدها في هبة اِلهية من خلال مراقته المحايثة إلى التكاثر في المجتمع البدائي القديم، وما يسود القرية الزراعية من ديمقراطية بدائية، إذ لكل فرد وظيفة دون ان يؤدي هذا إلى التفرد. هكذا كان مجلس الآلهة الذي يهيمن عليه قلة من الآلهة المتحكمة بالمصائر .

لقد تمت عملية الخلق في الفكر السومري بطريقة مسالمة جدا من خلال توالد الالهة التي هي في الوقت ذاته تمثل الظاهرة الطبيعة (الظاهرة المؤلهة) فهي البحر الأول (نمو) لتشكل الجبل الكوني الذي يضم الإلهين المتحدين، اله السماء (أيا) واله الأرض (كي) فالسماء والأرض كانتا متحدتيين على شكل كتلة واحدة نشأت في البحر الأول أو (العماء الأول) ونتيجة اتصالهما (أي الأرض والسماء) ولد الإله الهواء (انليل) قد يفهم بأنه الجو أيضا . وانليل اله الهواء أنجب اله القمر (نانا) ليضيء ظلام داره، وهذا الأخير ولد بدوره اله الشمس (اوتو) الذي اصبح أكثر توهجا، وإشراقا من أبيه القمر وهكذا تستمر سلسلة التولد . حتى نشأ هذا الكون الذي نعرفه ونعيش نحن فيه ألان () .

فالفكر القديم ابتدأ ماديا حسيا وبعيداً عن التجريد وفكرة القوة المبدعة المنفصلة عن الكون الفاعلة فيه عن بعد لم تكن موجودة في الذهن فعمليات الخلق ليست فعلا صادرا عن الآلهة منفصلا عنها، بمقدار ما كانت تبديا لحركتها وتفاعلها مع بعضها () وهذا الأمر نجده في قصة الخليقة البابلية، كما تمثل الملحمة عدة انتقالات وانعطافات في الفكر البابلي إذ تشكل الملحمة – على صعيد العبادة – مرحلة انتقال من دور الأمومة التي كانت عليها المدن السومرية إلى الحاجة الديناميكية الحركية للآلهة الشابة في ظل المجتمع الأبوي وتركيز الثقافة الأبوية وهي إشارة لبدء الحضارة التي نعرفها " مما تقدم يمكننا أن نلاحظ الآتي:

1- هناك علاقة بين الإله والظاهرة بل أن الإله يجسد الظاهرة ذاتها، وهو يأخذ البعد التشخيصي لدى العراقي لكونه يريد أن يفهم تلك الظاهرة فالانفصال الذي يحدث بين السماء والأرض التي اعتقد ان بينهما علاقة مشابهة لما بين البشر ظهر نتيجتها (انليل) الذي هو الهواء والعلاقة بين اليابسة والماء بين (نخرساج) و(انكي) الذي هو اله الماء العذب عند السومرين واله الحكمة أيضا .

2- هناك تماثل في التطور الاجتماعي والانتقال من تعدد المدن إلى الوحدة السياسية، تمثل بالمقابل تغيراً نلمسه في تلك الحرب التي دارت بين الخطاب الأنثوي (تيامة) والخطاب الذكري، هذا ما تخبرنا به" قصة الخليقة البابلية ".

إما ما يتعلق بخلق الإنسان فاننا نلمس فعالية الصنع واضحة. وقد تطورت فكرة خلق الإنسان بين السومرين والاكديين، حيث كانت هناك أفكار متداولة في هذا المجال وقد ظهر هذا في الأساطير السومرية والبابلية .

فالأساطير السومرية تذكر الخلق: حيث تبدأ إحدى أهم أساطير الخلق بشرح المصاعب التي يلاقيها الآلهة في الحصول على قوتهم، بعد إن قسمت ادوار الآلهة وأعمالها ووظائفها في هذا الوجود، فتلتفت الآلهة (نمو) إلى معاناة الآلهة وتطلب من اله الماء الحكيم (انكي) إن يشترك معها في خلق الإنسان ليحمل نيرالعمل عن الآلهة ويخدمها، يشترك (انكي) مع الآلهة (نمو) (البحر الأول) في خلق الإنسان من الطين، حيث يصنعان له الأعضاء والجوارح، وتقدر له الآلهة (نمو) مصيره وتربط عليه صورة الآلهة. وقد جاء ذكر الخلق كذلك في أسطورة (الماشية والغلة) التي يبدو فيها خلق الإنسان أمرا ثانويا يذكر في نهاية الأسطورة بعد وصف للتعب والمعاناة التي مر بها الآلهة قبل خلق الإنسان ليخدمه وتختم الأسطورة بعبارة (فمن اجل مصائرها الطبيعية أعطي نفس (الحياة)).أما في الأساطير البابلية، يكون خلق الإنسان حلا لازمة نشبت في المجتمع الإلهي من قبل آلهة العمل، حيث ننتهي أخيرا بتحريرها من العمل .

ماذا سنخلق إذن؟

والالهة –العظام الحاضرون،

مع الانونا مقرري المصائر

اجابوا انليل مجتمعين:

"في مصنع –الاجساد"في دور-آنكي

سوف نضحي بالالين الهين اثنين،

بدمهما سوف نخلق البشر.()

وفي هذا نلاحظ ما يأتي:

1- انه قد تم الخلق بواسطة الطين والتضحية " عند السومريين،وإن العمل اتسم انه قد حدث في غرفة الأقدار شبيهاً بما يحدث بغرفة صناعة الفخار عند العراق القديم وهنا نلاحظ مبدأ المتماثلة مع الإنسان حيث يتحول صانع الفجار إلى نموذج للإله (انكي) . إما التضحية إذ عند البابليين فقد أضيف إلى العملية السابقة دم اله مقتول.

2- إن الخلق كان لسد حاجة تتعلق بالآلهة وليس البشر فالبشر مجرد عبيد أمام الآلهة ."وسخرة الآلهة،سوف تكون سخرتهم:"().

3- إن عالم البشر قد احتوى على جزء ارضي جزء سماوي الهي وبهذا يكون عالماً مركباً، وقد ورد في قصة الخليقة:

نفذوا الحكم صغوا شرايينه

ومن دمه صنعوا البشر

وعندها فرض "ايا" الكدح على الإنسان، حرر الآلهة .والغرض من هذا الجزء السماوي (هو إضفاء مسحة من القدسية ليكون أصلا لخدمة الآلهة) .

وهنا نلاحظ أهم ملامح الإنسان:

1- ثنائية الروح والجسد: لقد ظهر لنا إن الإنسان فيه عنصران: الأول الطين والثاني دم الإله المقتول ومن ثم اعتقد العراقيون بهذه الثنائية لكنها لم تظهر في البداية واضحة لدى البابليين (ولكنهم عدوا الإنسان مكوناً من جسد حي وبحثوا عن مصدر حياته وحركته فاعتقدوا ان مصدر الحياة شارة الدم لهذا نجدهم يرمزون لحياة الإنسان بدم الإله المقتول .

والجسد هو حسي مادي مرئي والروح أو النفس هي عنصر رقيق لا يرى، ومن هنا ظهرت ألفاظ تدل على الروح (الميموا) للدلالة على الروح للإشارة إلى ما يبقى حيا من الإنسان بعد موته، وهو ذلك الجزء من الألوهية الذي مزجته الآلهة الخالقة بالطين الفاني .

وهنا يمكننا أن نلحظ أن انكيدو بعد كان يظهر على شكل ظل أو شبح عندما يكلم جلجامش .

2- حتمية الموت: أمن العراقيون بحتمية الموتإ أذ لا مفر منه لأي إنسان مهما علا شانه، ويمثل جلجامش الرمز الذي يؤكد تلك الحقيقة التي تقدم عبرها المؤسسة الدينية والسياسية تصوراً كونياً يسبغ الشرعية عليها، ويداعب رغبة الأفراد في الحصول على الخلود، فتحقق تلك النظرة من خلال القصة الملحمية التي تقول: (إن الانوناكي) الآلهة العظام تجتمع مسبقا ومعهم (ما ميتهم) صانعة الأقدار تقدر معهم المصائر قسموا الحياة والموت لكن الموت لم يكشفوا عن يومه)

لكن هذا التصور عن الموت يشكل تصوراً محدداً للحياة جعل من الحياة المدنية أقصى ما يمكن أن يدافع عنه الفرد وأن يسعى إلى أن يخلد ذكره من خلال عمل سامي بطولي .

 

د. عامر عبد زيد الوائلي

 

 

حاتم حميد محسنالمشكلة التي تبرز الآن هي كيف يمكن صياغة نظام اخلاقي يأخذ بالحسبان مخاوف واهتمامات اجيال المستقبل، ذلك ان الافراد الذين يجري الاهتمام بهم هم لازالوا غير موجودين. بالطبع، نحن نفترض ان الاجيال القادمة ستكون موجودة مالم تحصل ظروف مثل التعرض الى دمار شامل او انقراض غير متوقع للانسان. سنعرض هنا بعض الصعوبات الناجمة عن محاولة بناء نظام اخلاقي يدمج معه الناس الذين لم يوجدوا بعد. اولا، هناك سؤال حول مدى ضرورة تضمين اجيال المستقبل في قراراتنا الاخلاقية. لو قررنا اننا يجب ان نفكر بشعوب المستقبل عند تقييم افعالنا فسيبرز سؤال عن اي نوع من النظام الاخلاقي يجب ان نستعمل للقيام بهذا؟ في الاجابة على تلك الاسئلة نكون قد فتحنا النقاش على مصرعيه حول المشاكل المتصلة باخلاق المستقبل.

هل يجب على الاخلاق الاهتمام بالمستقبل؟

قبل التفكير في صياغة نظام اخلاقي للمستقبل لابد ان نقرر ان كان للمستقبل حيز في نقاشاتنا الاخلاقية. هل يجب ان ناخذ بالحسبان شعوب المستقبل عند الحكم على صوابية او خطأ افعالنا؟

قد يبدو من السخف احيانا الاهتمام بأناس لم يُخلقوا بعد. فمثلا نحن لا نقلق حول ما يسببه تجريف الغابات للكائنات المحلية غير المرئية التي تقطن تحت الارض لأن اي شيء نفعله سوف لن يؤثر على تلك المخلوقات لكونها غير موجودة.غير ان هناك فرق كبير بين الكائنات اللامرئية والانسان الذي لم يوجد بعد. الصنف الاول قد لا يكون موجود ابدا بينما الانسان يُحتمل ان يوجد. وبهذا فان الكائن البشري المستقبلي ينتمي الى صنف خاص من الكائنات غير الموجودة. يمكن ان نسمي هذا الصنف بـ "اشخاص على وشك الوجود" ونعرّفهم بالضبط كمجموعة من الناس يستحقون الاعتبارات الاخلاقية حينما يوجدون وسوف يوجدون حتما في يوم ما.

الآن نحتاج لنقرر ما اذا كان يتوجب علينا التفكير بهؤلاء الناس وشيكي الوجود عندما نقيّم افعالنا اخلاقيا. اننا نرى اننا يجب ان ننظر بعين الاعتبار لأفراد المستقبل بصرف النظر عن النظام الاخلاقي الذي نستعمله. هنا سنميز بين صنفين رئيسيين من الانظمة الاخلاقية: وهما النظام الدينوتولوجي deontology والنظام الذرائعي القائم على المحصلة consequentialism.النظام الدينوتولوجي هو اي نظام اخلاقي يؤمن بان الافعال يمكن ان تكون صحيحة او خاطئة بطبيعتها بصرف النظر عن نتائجها. فمثلا، الشخص الدينوتولوجي يفترض اننا يجب علينا دائما قول الحقيقة، وان الكذب غير جائز في كل الظروف حتى في الظروف الحرجة. اما النظام الذرائعي فهو النظام الذي تكون فيه نتائج الفعل هي الاهتمام الرئيسي للتقييم الاخلاقي، فتكون لها الاسبقية اما على الفعل ذاته او على النوايا في آداء ذلك الفعل. المفكر الذرائعي يعتقد ان القتل ربما يصبح ملائما اذا كان ينقذ حياة الاخرين. بعض الفلاسفة يؤمنون ان هذين النوعين من الانظمة الاخلاقية يمكن التوفيق بينها في طريقة واحدة للتفكير . سنبين ان كلا النظامين بطبيعتهما مرتبطان بمستقبل الاجيال.

كيف يهتم النظام الدينوتولوجي بالمستقبل؟ انه غير معني حول ما اذا كان هدف الفعل موجود ام لا. النظام الاخلاقي الدينوتولوجي يلوم القاتل كخطأ بذاته: لذلك، يبقى القتل خطأ بصرف النظر عن هوية القاتل الذي ربما يكون هتلر او جارنا او مراهق كان يقوم بتنظيف الحديقة . المسألة هي ان الفعل لو كان خاطئا سلفا وبذاته، عندئذ فان الفرد الذي يمارس الفعل هو ليس جزءا من التقييم الاخلاقي. ولذا، فاننا في ظل النظام الديناتولوجي لا يهم ما اذا كان الفرد موجود سلفا ام لم يوجد بعد. هو يتم التعامل معه باهتمام متساوي. وبهذا، فان الانظمة الدينوتولوجية تتضمن بشكل غير مباشر اجيال المستقبل طالما يتم النظر اليهم بنفس الاسلوب كالناس الحاليين.النظام الذرائعي ايضا يتضمن افراد المستقبل في اهتماماته لأن الذرائعية هي دائما تهتم بالمستقبل. انها تقيّم ما اذا كان الفعل اخلاقيا ام لا طبقا لنتائجه وتنظر في تأثير الفعل في المستقبل. ان المستقبل هو سلفا جزء من تفكير الذرائعي . فمثلا، النتائج القصيرة الأجل لتفريغ برميل من المواد الكيميائية السامة في الماء ستكون خطيرة جدا، انها ستقتل الكثير من الاحياء وتلوث مياه الشرب في المدينة. ولكن عندما ننظر الى المستقبل بعمق سندرك ان هذا التلوث قد يسبب عيوب في الولادات وسيؤذي اولئك الذين لم يولدوا بعد. النظام الذي يضع احكاما اخلاقية بالارتكاز على النتائج سيكون منشغلا بالمستقبل وبالناس الذين سيشغلونه.

الآن، لو كنا مجبرين على الاهتمام بالمستقبل فأي اتجاه اخلاقي سنسلك؟ اي من النظامين الاخلاقيين هو الافضل في التعامل مع المستقل؟ كلا النظامين يؤكدان على ضرورة التعامل مع افراد المستقبل اخلاقيا، ولكن اي منهما يوفر علاج افضل للقيام بهذا؟

نميل للاعتقاد ان النظام الذرائعي يهتم بطريقة اكثر فاعلية من النظام الديناتولوجي ذلك بسبب اننا لا نستطيع تصميم صيغة دينوتولوجية للتعامل مع افراد المستقبل لا تنطوي بذاتها على مضمون ذرائعي. فمثلا، لو قلنا اننا يجب ان نحافظ على الكوكب لأجل مستقبل الاجيال ذلك يعني ان علينا واجب تجاههم من خلال دورنا كرعاة للارض (الواجب الخالص هو اخلاق دينوتولوجية). ولكن لو حللنا ذلك اكثر سنرى ان هناك شعور ذرائعي نحوه. من حيث الاساس نحن نقول "يجب علينا المحافظة على اجيال المستقبل دون المساس بالكوكب، لأننا اذا لم نقم بذلك فهم سوف يعانون كثيرا". وبهذا فان واجبنا يتحدد بعبارات من النتائج. ولذلك نرى من المناسب الاقتصار على النظر الى الطرق الذرائعية في التقييم.

النفعية، الألمية، افراد المستقبل

لو قررنا استعمال النظام الذرائعي في تقييم التزاماتنا الاخلاقية تجاه شعوب المستقبل، فان السؤال القادم هو اي صيغة منه هي الاكثر ملائمة؟ ربما تكون النفعية نقطة جيدة للانطلاق لانها واقعيا مرادفة للاخلاق الذرائعية. سنرى ان نوعا معين من النفعية والذي يُعرف بالألمية pianism هو الخيار الافضل هنا.

لنرى ما تعنية "النفعية" و "الألمية". النفعية بمعناها الكلاسيكي تشير الى ذلك النوع من الاخلاق الذرائعية التي صاغها كل من جرمي بنثام (1748-1832) وجون ستيوارت مل (1806-1873). بنثام لخص اهدافنا الاخلاقية بـ "أعظم سعادة لأكبر عدد من الناس". بكلمة اخرى، تدّعي النفعية ان الفعل يكون صائبا اخلاقيا حينما يضيف لكمية السعادة الكلية في العالم، عبر تعظيم المتعة وتقليل الألم او كلاهما. هذا المقدار الكلي يجب ان يأخذ بالاعتبار ليس فقط المتعة والالم اللذين يشعر بهما الفرد وانما كم هو عدد الناس الذين يشعرون بكمية المتعة او الالم. وهكذا، المفكر النفعي قد يجد التعذيب المستمر لشخص ما مبررا اذا كان يجلب السعادة لأكبر عدد من الناس. ورغم ان المتعة التي يشتقها كل فرد من التعذيب قليلة، لكن التراكم في سعادتهم يتجاوز كمية الالم الشديد الذي يشعر به الفرد تحت التعذيب. بما ان النفعية يمكنها نظريا ان تقودنا الى مواقف مثل سيناريو التعذيب الذي يبدو يحرض على ارتكاب اللاعدالة، ولأجل بعض المزايا الكبيرة، سعى بعض المفكرين النفعيين لإجراء تعديل بسيط في الافتراض الاصلي لبنثام. محاولة كهذه قام بها ريتشارد ريدر في مقال له بعنوان (الألمية مقابل النفعية) عام 2009 اوضح فيه اتجاهه الألمي في النفعية على الشكل التالي:

"الألم والمتعة لكل فرد يتم احتسابها، لكنه لا يمكن تجميعهما كتراكم لكل الافراد. لذا فانه من المبرر السماح بألم بسيط لفرد واحد لكي نقلل الالم الاكبر لفرد آخر، ولكن من غير الجائز ابدا اضافة الألم والمتع لعدة افراد في حساب كهذا.افضل طريقة لحساب نسبة السوء في الموقف هي عبر كمية الالم الذي يشعر به اكثر الناس المتأثرين به . معاناة كل فرد تعني حقا، بينما مجموع المعاناة عبر الافراد هي بلا معنى.

الالمية لا تهتم بالمجموع الكلي للسعادة او الالم فهي تركز على كثافة الالم لدى الفرد. هذا يتجنب السيناريوهات غير العادلة مثل سيناريو التعذيب. نحن لا نستطيع تعذيب شخص ما لأجل سعادة بسيطة للكثيرين. بدلا من ذلك نحن نقارن كثافة الالم للشخص تحت التعذيب بالمتعة القليلة للمراقب الفرد، ونكتشف ان المتعة لا تفوق الالم. الالمية اذا هي صيغة من النفعية تركز على الفرد. ولكن الاكثر اهمية انها صيغة هدفها الرئيسي تقليل الالم بدلا من تعظيم المتعة .

اي من هذين النظامين هو الافضل في التعامل مع اشخاص المستقبل؟ الالمية تحقق فوزا على النفعية الكلاسيكية كاخلاق للمستقبل عبر التركيز على تقليل الالم بدلا من تعظيم المتعة.نرى انه من المعقول القلق على ما يشعر به ابناء المستقبل من ألم نتيجة افعالنا قياسا بما يشعرون به من متعة. لا نعني ان نكون متشائمين ولا ندّعي عدم قدرتنا على جلب السعادة لجيل المستقبل. بل ما نقصده هو ان الالم شعور اكثر استمرارية واقل تكيفا من السعادة، لذا من السهل التنبؤ به او السماح به عند التخطيط لأفعالنا الحالية. وبكلمة اخرى، يبدو ان الاشياء المسببة للالم لا تتغير كثيرا من جيل الى آخر بينما الاشياء المسببة للفرح تتغير كثيرا. لو نظرنا مثلا لبعض الاشياء التي تجلب السعادة تتضمن الموسيقى المفضلة، الكتاب، الاغنية، برامج تلفزيونية. الان لنسأل انفسنا اي من هذه الاشياء تجعل الاجيال اللاحقة سعيدة؟ الطالب الذي يدرس في الجامعة لا يهتم للذوق الموسيقي لاستاذه. الان لننظر في الاشياء التي تجعلنا غير سعداء او التي تسبب الألم وهي تتضمن الفقر، المرض، الحروب، المجاعة، الكوارث. نميل للاعقاد ان هذه الاشياء تسبب الألم لصغار السن وكذلك لمن لم يولدوا بعد. ولذلك، اذا اردنا ان نعمل جيدا لشعوب المستقبل فمن الافضل التركيز على تقليل آلامهم لأننا سننجح في ذلك اكثر مما لو ركزنا على محاولة جعلهم سعداء.

والدليل الاخر على تفوّق الألمية هو ان نفعية بنثام تبدو كما لو انها تتناسب مع الافراد الموجودين. افتراضها الاساسي هو اننا يجب تعظيم المتعة، لكن المتعة هي شعور موجود فقط في الذهن. نحن لا نستطيع التحدث حول سعادة افراد المستقبل في هذه الصياغة لأنهم غير موجودين ولذلك لا يشعرون باي شيء. كذلك، نحن لا نعرف اي شيء عما يشعر به افراد المستقبل وعما اذا كانوا موجودين وكم عددهم. وهكذا عندما يقبل بنثام اننا يجب ان نعظّم السعادة، فهو يطلب منا ان نعظّم السعادة للافراد الموجودين حاليا او اولئك الافراد الذي نعرف انهم سيكونون موجودين بحيث نستطيع حساب سعادتهم بدقة. وبالنتيجة، النفعية الكلاسيكية لا تبدو تتعامل بشكل جيد مع الافراد المحتملين.

الألمية تحاول ان تتجنب هذا المأزق. انها تبدو للوهلة الاولى كأنها تسقط في نفس الفخ في حاجتها للتحدث عن شعور حقيقي ومعروف للالم والمتعة، وبهذا هي ليست قادرة على حساب المستقبل. لكن الالمية ترتكز في أحكامها الاخلاقية ليس فقط على المشاعر الحقيقية وانما ايضا على المشاعر المحتملة، ولهذا فهي تتحدث سلفا عن المواقف المحتملة للذهن. ولكي نرى هذا لننظر في الصياغة الدقيقة للألمية التي وضعها ريدر:

1- الشخص س يشعر بالألم س

2- الشخص ص يشعر بالألم ص

3- ولكن لا احد يشعر بـ س + ص.

ولذلك س+ ص هي بلا معنى.

الافتراض الثالث يُعد اساسيا هنا، هو يحتوي على افتراضين اثنين مختلفين. الاول هو ان لا احد يشعر حقا بكل من ألم س وألم ص في وقت واحد. الافتراض الثاني هو لا احد يمكنه الشعور بالألم س وص في وقت واحد. ولهذا، مع الألمية نحن لا نتحدث فقط عن المشاعر الحقيقية وانما ايضا عن المشاعر المحتملة. 

 

حاتم حميد محسن

 

1- حقيقة الإنسان بين التعقل والتخلق: يعتبر طه عبد الرحمن أن الأخلاقية أخص بالإنسان من العقلانية، والأخلاق أخص أوصافه بدل العقل، فلقد سلك طريقا حاول من خلالها، "أن يُعيد الاعتبار لسؤال الأخلاق باعتباره البداية الرئيسية لإعادة إحياء الإنسان بعدما تقاذفته قوى المادية الناتجة عن عمليات العقلنة غير المسددة بالأخلاق وكذا كصناعة موقف أصيل مستقل يمكن الانطلاق منه لنقد الحداثة الغربية من خلال أرضية مغايرة بحيث تكون الأخلاق كمدخل للنقد وأيضا كمشاركة أصيلة إسلامية في تلك الحداثة الكونية"[1]، ذلك أنه ثبت عنده أن المقوم الأخلاقي هو الذي المقياس الذي تقاس به إنسانية الإنسان، ف"الأخلاقية هي ما يكون به الإنسان إنسانا وليست العقلانية كما انغرس في النفوس منذ قرون بعيدة، لذا ينبغي أن تتجلى الأخلاقية في كل فعل من الأفعال التي يأتيها الإنسان مهما كان متغلغلا في التجريد بل تكون هذه الأفعال متساوية في نسبتها إلى هذه الأخلاقية حتى أنه لا فرق في ذلك بين فعل تأملي مجرد وفعل سلوك مجسد"[2]. ولما ثبت عنده " أن الاعوجاج الخلقي للحداثة بلغ تأثيره في النفوس حدا لا ينفع في تقويمه أخلاقيات السطح"[3]، واقتناعا منه أن العالم بلغ ما بلغ من الاعوجاج الخلقي جراء ابتعاده عن أخلاق الدين، فإنه يرى ضرورة العودة إلى هاته الأخلاق باعتبارها الكفيلة بإصلاح أعماق الإنسان المعاصر الميت، وهو ما يؤكده بقوله" وبناءاً على اقتناعنا بهذه الحقيقة العجيبة جئنا بقد أخلاقي غير معهود لمظاهر أساسية من الحداثة تعد عند سوانا سببا يحمله على تعظيم أمر الحداثة الغربية في حين يعد عندنا سببا يدعونا إلى تعظيم الحاجة إلى أخلاق الدين لحصول الانتفاع بهذه الحداثة"[4].

2- نحو نظرية أخلاقية تصل الأخلاق بالدين

ينطلق طه عبد الرحمن في تصوره لعلاقة الأخلاق بالدين من مسلمة مفادها" أن الدين والأخلاق شيء واحد فلا دين بغير أخلاق ولا أخلاق بغير دين"[5]، لهذا اجتهد في وضع نظرية أخلاقية من صميم الفكر الديني الإسلامي، تُقيم هذا الوصل وتقوم عليه وتحفظه. ويعد نصُّه الموسوم ب"سؤال الأخلاق" مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية، المرجع الأساس الذي عمل من خلاله طه عبد الرحمن على وصل الأخلاق بالدين، ونقد كل أشكال النظر الأخرى بخصوص العلاقة بينهما، يقول طه عبد الرحمن " وقد جعلنا من الجمع بين الأخلاق والدين أصل الأصول الذي بنينا عليه في الكتاب الذي بين يديك مساهمة نقدية للحداثة الغربية"[6]. وذلك في سبيل وضع أنموذج ائتماني يحفظ هذا الوصل، وهو ما ظهر في كتابه الموسوم ب"بؤس الدهرانية النقد الائتماني لفصل الأخلاق عن الدين".

ولما كان فصل الأخلاق عن الدين أخطر فصل دخل فيه عقل الحداثة، لكونه يؤثر في صلة الأخلاق بالإيمان كأصل من أصول الدين، ويقود إلى الشرود أي الخروج من الأخلاق بالكلية، بعد المروق أي الخروج من الدين"[7]، وبالتالي الفصل النهائي بين الإنسان والإله، -على اعتبار أن الدهرانية ترى" أن الإنسان ليس له من مجال للتحقق سوى هذا العالم الدنيوي كحدوث طبيعي يشمل الحياة والموت، فيترتب على شروط الوضع البشري كشروط موضوعية وضرورية هي قَدر الإنسان ككائن بلا إله لا يهلكه إلا الدهر الذي يفلت من قدرته ما دامت محدودة"[8]- فإن طه عبد الرحمن يعيد الاعتبار لعلاقة الأخلاق بالدين مؤكدا خصوصية هاته العلاقة القائمة على التلازم بينهما، بحيث يكون كل منهما لازما للآخر لا ينفك عنه باعتبارهما شيئا واحدا" فلا دين بغير أخلاق، ولا أخلاق بغير دين"[9] وذلك " باستحضار الفطرة التي تُحقق الوصل في وجود الإنسان وفعله بين الخَلق والأمر الإلهيين على النحو الذي يجعل الخَلق في انفتاحه موصولا بالخُلق في تجدده" [10]، وذلك بخلاف ما كان شائعا من اعتقادات عن الدين والأخلاق، جعلت الأصل في الدين حفظ الشعائر الظاهرة، والأصل في الأخلاق حفظ الأفعال الكمالية المورثة للفضائل، والمعتبرة فقط أفعال معدودة، في حين أن طه عبد الرحمن، يرى أن الأصل في الشعائر "أن تكون معقولة في العمق بما تخلفه من آثار ونتائج هي عبارة عن علامات مميزة لتصرفات المتدين وسلوكاته في تكاملها بحيث تتحدد قيمة  الشعائر بتحصيل الأخلاق" [11] و" أن الأخلاق ليست كمالات بمعنى زيادات لا ضرر على الهوية الإنسانية في تركها، وإنما هي ضرورات لا تقوم هذه الهوية إلا بها"[12]، ما يؤكد عدم تَقدم وجود الإنسان على وجود الأخلاق وإنما ملازما له، لأن ضرورة الخُلق للإنسان كضرورة خَلقه سواء بسواء فلا إنسانية بغير أخلاقية"[13] كما أن المعتبَر في أفعال الإنسان ليس معدودا وإنما " جِماع أفعال الإنسان في تعددها وتفاوت مراتبها ولا تناهي قيمها وتكامل معانيها"[14].

إن هذا التصور يجعل مدار حقيقة الإنسانية على الأخلاقية، فالدين والأخلاق وفقه " يصيران مُتعالقين بما يوجب الوصل بين الوجود والفعل البشريين، على النحو الذي يتجلى فيهما(وبهما) مقتضى الفطرة في كون الإنسان مخلوقا / مأمورا، وعاملا /عابدا، بما يفيد في نهاية التحليل أن "التأنس" إنما يكون بقدر ما يحصل من التحقق تعبدا أو تخلقا"[15] وبالتالي تتبينُ الصلة الوثيقة بين الأخلاق والدين في الفلسفة الائتمانية التي" لا تنظر في الإنسان إلا في صلته بربه خالقا رحيما وآمرا شاهدا"[16]، وتَرُد كل أنواع الفصل التي أقامها عقل الحداثة بما فيها فصل الأخلاق عن الدين الذي يفضي إلى الشرود ثم المروق وبالتالي فصل الدين عن الحياة كلها.

فلا سبيل إذن حسب طه عبد الرحمن إلى تأسيس حداثة إسلامية إلا بالرجوع إلى الأخلاق؛ التي بها تتحدّد بها ماهية الإنسان، وما هذه الأخلاق إلا الأخلاق الدينية.

 

 د. ياسين كارديدي: باحث في الفكر الإسلامي والحضارة. جامعة عبد الملك السعدي/ تطوان المغرب.

............................

[1]  ـ  كريم محمد، النقد الأخلاقي للحداثة عند طه عبد الرحمن، موقع tahaphilo الأحد 29 أكتوبر 2014م.

[2]  طه عبد الرحمن سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية" المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء المغرب، الطبعة : 5 / 2013م ص: 14 – 15.

[3]  ـ المرجع السابق ص: 26.

[4] ـ نفسه ص: 26 – 27.

[5]  طه عبد الرحمن، سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة : 5 / 2013م، ص: 52.

[6]  المرجع نفسه ص: 25 – 26.

[7]  ـ يُنظر طه عبد الرحمن "شرود ما بعد الدهرانية " النقد الائتماني للخروج من الأخلاق ص: 15 – 28.

[8]  ـ  الكور عبد الجليل، مفهوم الفطرة  عند طه عبد الرحمن، ابداع، بيروت، 2017، ط: الأولى، ص: 163

[9]  ـ  "سؤال الأخلاق " مرجع سابق، ص: 25.

[10]  ـ "مفهوم الفطرة عند طه عبد الرحمن"، مرجع سابق ص: 129.

[11]  ـ " مفهوم الفطرة " مرجع سابق، ص: 129.

[12]  ـ نفسه ص: 130.

[13]  ـ  "سؤال الأخلاق مرجع سابق، ص: 54 – 55.

[14]  ـ "مفهوم الفطرة" مرجع سابق، ص: 130.

[15]  ـ "مفهوم الفطرة عند طه عبد الرحمن، مرجع سابق، ص: 131.

[16]  ـ  المرجع نفسه ص: 169.

 

عامر عبدزيد الوائليلقد مرت الأسطورة بوصفها موضوعا للبحث والدراسة بمراحل متعددة تأثرت بها وبالمعنى الذي تم إضفاؤه عليها إذ علينا أن نميز بين المعنى الحرفي الملاصق لخطاب ما، وبين أثار المعنى المتولد عن قراءته لدى القراء . فقد يفهم القراء إيحاءات وأشياء في النص لم يكن يقصدها المؤلف ولم يفكر بها . فالقراءة تخلق النص أيضا). بمعنى أن هناك معنى خاصا بالنص (الأسطورة) مرتبطاً بالظرف التاريخي الذي كان يحيط بالنص (فكل الحوادث التي حصلت في تاريخ البشرية تعتمد على التمفصل المبتغى مباشرة من قبل المبشرين والقديسين والإبطال التاريخيين ومن المعلوم إن مقدرة هؤلاء جميعا على توليد أثار معنى جديد أو معاني جديدة تعتمد على شيئين أساسيين:

أولا: جاذبيتهم الشخصية .

ثانيا: مساعدة الظرف التاريخي أو المنعطف التاريخي لهم واجتماع هذين العاملين معاً هو الذي يؤدي إلى نجاح الشخصية التاريخية في مهمتها .

أ‌- القراءات الحديثة التي تناولت الأسطورة:

قد ساعدت تلك الوظيفة المهمة للأسطورة على القراءات المعاصرة لها والتي تنطلق من ظروف فكرية مختلفة تحاول إن تبحث في الأساطير عن معنى يهدف الى تحقيق دراسة مقارنة بين تلك الأساطير والنصوص المقدسة التي تدعي المقارنة أو محاولة البحث عن المركزية الأوربية وتطورها العرقي أو محاولة تهدف إلى دراسة التطور المعرفي الذي مر به المجتمع البشري بهدف وضع اطر علمية، لهذا تنوعت تلك الدراسات وتنوعت مناهجها واطروحتها وتأويلاتها للنصوص الأسطورية .

أمثلة من القراءات المعاصرة للأسطورة:

ذهب (ماركس مل) إلى أن دراسة اللغة هي الوسيلة العلمية الوحيدة للكشف عن جوهر الأسطورة . فتعدد المعاني والمرادفات في الكلمات ليس من المظاهر العرضية للغة أنما هو ناتج عن طبيعتها ذاتها . والذي يترتب على هذا انه أستشراك أشياء مختلفة في الاسم الواحد، وبالعكس .

وهذه هي نقطة ضعف اللغة . ولكن نقطة الضعف هذه ستمثل بالوقت نفسه الأصل التاريخي الذي انبعثت منه الأسطورة . إن تسمية الشيء الواحد باسمين مختلفين مثلا قد أدى إلى انبعاث شخصين مختلفين من الاسمين، وهذا أمر طبيعي لا مندوحة من حدوثه، ولما كان من المستطاع رواية القصة نفسها عن كليهما لذا ليس من المستبعد تصوير هاتين الشخصيتين كأخ وأخت وأب وابنة، وهكذا فان الأسطورة ليست أكثر من وهم كبير، فهي ليست خدعة واهية ولكنها خدعة ترتبت على طبيعة العقل الإنساني، فجاءت أولا - وبوجه خاص- لطبيعة الكلام الإنساني

أما سيجموند فرويد . فقد بدت الأسطورة عنده بعيدة الغور في الطبيعة الإنسانية، تعتمد على غريزة أساسية لايمكن دفعها إلا وهي الغريزة الجنسية . لقد انتهى (فرويد) عبر دراسة نظام الحرمان والنظام الطوطمي إلى وجود التوافق في المضمون بين ما ينتهي نفسه إليه هذا ن النظامان من عدم قتل الحيوان الطوطم، وعدم استعمال امرأة تابعة الطوطم نفسه ؛ لأية إغراض جنسية، من جهة وجريمة (اوديب) بذبح أبيه ثم جريمته الثانية عندما اتخذ أمه زوجة له، من جهة أخرى . والتوافق من جانب أخر بينهما وبين الرغبتين الأوليتين للطفل المتمثلين بالتجاذب الجنسي بين الطفل أمه الأم، وكراهية الطفل و لأبيه  .

أما مرسيا الياد . فقد خطى خطوة ابعد في الكشف عن جوهر الأسطورة عندما رأى فيها واقعا ثقافيا . وانطلاقا من هذا المنظور حددت الأسطورة باعتبارها قصة مقدسة تشير إلى حدث، ذلك أن الأسطورة تروي كيف إن واقعا كان قد تحقق بفضل مأثرة كائنات ما فوق الطبيعة ولا يهم إن يكون هذا الواقع هو الواقع الكلي (الكون مثلا) أو جزء منه فقط (نوعا بنائيا مثالا إن الأسطورة بهذا المعنى تمثل قصة (الخلق) فهي تروي كيف إن شيئا ما كان قد اتخذ طريق الكينونة والوجود ولكن الأسطورة لا تتحدث عن ذلك كما كان قد تم فعلا فأشخاص الأسطورة يتمثلون بكائنات ما فوق طبيعية فالذي كان قد تم كان قد تم على يد هذه الكائنات، وقد تم في الزمن المهيب (للبدايات) الأولى . إن الأسطورة تكشف، إذن عن النشاطات الخلاقة كمظهر للقدسية التي تتميز بها إعمال هذه الكائنات . فالأسطورة بهذا ترتبط بمعرفة سر اصل الأشياء من خلال منظر متميز، ويمكن إجمال أهم مميزات الأسطورة فيما يأتي:

1- أنها تمثل تاريخ الأعمال التي تقوم بها الكائنات ما فوق الطبيعية .

2- إن هذا التاريخ ينظر إليه من قبل الإنسان الذي يخضع لها بعدّه حقيقيا بشكل مطلق، بحكم كونه من عمل الكائنات ما فوق الطبيعية .

3- إن الأسطورة ترتبط (بالخلق) فهي تروي كيف إن الأشياء قد جاءت إلى الوجود وكيف ظهر إلى الوجود سلوك أو مؤسسة أو أسلوب ما في العمل كان .

4- من خلال معرفة الأسطورة، إذ يمكننا عبره أن نتعرف على (اصل الأشياء)، ومن ثم بلوغ القدرة في الهيمنة عليها والتصرف بها طبقا للإرادة .

كاسيرو: يذهب إلى أننا لا نستطيع إن ننكر بأن الأسطورة هي شكل من إشكال الوهم . فإذا ما سلمنا بان الأسطورة هي مجموعة من الأفكار أو بالأحرى مجموعة من المعتقدات فأن هذه المعتقدات ستتميز بأنها تتناقض تناقضا صريحا مع تجاربنا الحسية، فضلاً عن هذا، فأنه لا توجد أية موضوعات طبيعية تناظر التخيلات الأسطورية، وربما لهذا السبب نستطيع إن نقول بان الأسطورة هي شكل من إشكال الوهم .

ثم إن كاسيرو نظر إلى الأسطورة بأنها تقوم في الجوهر على أساس من رغبة حماسية تدفع الأفراد إلى الشعور بوجود هوية بينهم وبين المجتمع والطبيعة، ويتحقق إشباع هذه الرغبة بوساطة الطقوس الدينية فهناك تذوب الفوارق بين الأفراد ويتحولون إلى كل لا يعرف التمايز.

ويشير جورج تومسن: إلى أن الأسطورة لا تمثل (كما ذهب إلى ذلك بعض المختصين)، تفسيرا للطقوس، وإنما هي بالأحرى عبارة عن شكل المنطوق للأداء الطقسي في المرحلة الأولى في الأقل أنها التعبير الجماعي عن التجارب التي لا يمكن نسيانها،التي يشارك فيها المشاركون في الطقوس ذاتها بصورة دورية .

ب – الأسطورة والأدب:

إذ تحدثنا عن الرابطة التي تجمع بين الأسطورة والأدب فإننا لاشك سنجد أنها علاقة بين مستوى من الفكر وأداة تعبير، ولاشك ان العلاقة قوية بين الاثنين؛ لأن الأسطورة هي أدب (فالحقيقة إن الصلة بين الأسطورة والتاريخ صلة قوية تحتم ضرورة الاستفادة من المادة الأسطورية كمصدر للمادة التاريخية فالأسطورة تعبير أدبي عن أنشطة الإنسان القديم الذي لم يكن قد طور بعد أسلوبا للكتابة التاريخية يعينه على تسجيل إحداث يومه فكانت الأسطورة هي الوعاء الذي وضع فيه خلاصة فكره، والوسيلة التي عبر بها عن هذا الفكر وعن الأنشطة الإنسانية المختلفة التي مارسها بما فيها النشاط السياسي والديني والاقتصادي)

إن الحديث عن هذه العلاقة يعني الحديث عن ثلاث مستويات، الأول يتعلق بالأسطورة، والثاني يتعلق بالأدب الأسطوري، والثالث يتعلق بالمضمون الفكري للأسطورة .

أولا- الأسطورة: تشكل الأسطورة ظاهرة تتسم بالشمول؛ لأنها تحوي حقب الحضارية ففي أعماق تاريخ كل شعب ظهرت الأسطورة، بل هناك من يراها حتى في الحضارة المعاصرة التي بدورها تشكل أساطير جديدة (كما قال بارت) الذي يرى أن الأسطورة(ظاهرة لازمة المجتمعات قديمها وحديثها بحيث لا يخلو تراث أي أمة من الأمم منها.

والأسطورة من ناحية اللغة ما سطر القدماء والأساطير: الأباطيل والخرافات بوجه عام، وليس مهماً الكشف عن مصادر هذه الخرافات والشكل الذي صبغت به  .

والسطر اللغة هو الصف من الكتاب والشجر والنخل، والجمع من كل ذلك اسطر واسطار وأساطير وأسطورة كما قالوا أحدوثة وأحاديث، قال تعالى: "، والقلم وما يسطرون "، أي وما تكتب الملائكة .

وفي اللغة الإنكليزية يتشكل الحقل التداولي الذي تعتمده في تقديم تعريف للأسطورة: (tale) حكاية، أو كذبة، وشائعة (Fiction) قصة أو خيال أو تخيل و (Fictilious) خيالي أو زائف و(Romance) قصة حب ومغامرة و (Legend) أسطورة (Myth) أسطورة أو خرافة وتفريقا عن المصطلح الأخير (Mythical) أسطورة أو خرافي أو خيالي ولكن (Mythology) تعني مجموعة أساطير وبخاصة الأساطير المتصلة بالإله وأصناف الالهه في (عصور الوثنية) والإبطال الخرافيين عند شعب ما كما تعني: علم الأساطير  .

وان كلمة (Myth) مشتقة من الكلمة اليونانية (Mythos) التي تعني كلمة أو كلام ولم تستعمل هذه الكلمة بمعنى القصة إلا متأخرا() .و (Fabe) خرافة ذات مغزى .

من الملاحظ إن الحقل الدلالي يظهر ان المشترك كونها قصة أو حكاية أو أسطورة تتسم بكونها خالية زائفة خرافية متصلة بحياة الإله، وهي كلام، وقد جعلت هذه المعاني من الأسطورة لتجعل منها مرتبطة بالماضي، وكأن الأسطورة لا ترتبط إلا به . وهو تفكير غير دقيق، ذلك لان الأسطورة تواكب مسيرة الإنسان في ماضيه وفي حاضره، وفي مستقبله، إن هذا الفهم التقليدي للأسطورة - أي ربطها بالماضي – يرتبط بلا شك، بمفهومنا للمعقول واللامعقول بموضوع ما، إذ لا يمكن إن ينسجم مع الترتيب القائم للأشياء، وهي نظرة (ارسطية) تقوم على مفهوم (ماهو مؤكد سلفا) وماهو مثبت وقائم من وجهة نظر الاتفاق العام .

لكن تبقى الأسطورة ذات أهمية كبيرة لكونها تبقى هي حلقة الوصل بين (الحدث) الطبيعي وبين الفعل المقدس والفلسفي وهنا تظهر أهمية أخرى للأسطورة بعدها عتبة مهمة في فهم القدسي والفلسفي العقلي وعلى هذا تظهر ضرورة الأتي:

تشكل الأسطورة دور الوسيط بين " الحدث الطبيعي " والنص القدسي والفلسفي، لهذا يجب إضفاء الأساطير المتوسطة بين الحدث والتجريد الميتافيزيقي واللاهوتي ويجب أيضا كشف الظرف التاريخي للحدث، وعلى هذا يمكن متابعة آليات تشكل المعنى، فالتغير الذي يطرأ على الحدث الطبيعي أو التاريخي يكمن في بعدين:

البعد الأول:

إما إن يرتفع (الحدث) ليندمج في الأساطير ومن ثم تقديم تاريخ مؤسطر أو إنزال الأساطير واسطرة (الحدث) كالذي سوف يشكل معنى مضاد لتلك الأساطير، لان الأساطير في البدء جاءت استجابة لحالة وتفسيراً لظاهرة، مرتبطة بوعي معلن فإذا ما تم إنزال تلك الأساطير وإسباغها على حدث تاريخي فان هذا سيولد الضد (كما قلنا) بمعنى انه سيخلق قطيعة مع ذلك الوعي الذي نشأ فيه أي الوعي الطبيعي . لان التوظيف سوف يسبغ معنى جديداً وسوف يحرف في المعنى الأول لهذا آثرنا هنا أن نصف ذلك المعنى الأول ب"المحيط التداولي الطبيعي" . الذي شكل تعاليا بالحدث من بعده التاريخي إلى الأسطورة من خلال الآليات آلاتية:

1- حذف الزمان، مما يجعل الحدث الممتد عرضة للتغيير عبر مسيرته من الشفاهية إلى التدوين .

2- إنزال الأساطير وإضفائها على حدث أخر، عبر أسطرته وتقديم تفسير ووصف له، ذي بعد أسطوري متعال على التاريخية .

3- إخضاع الحدث إلى الطقس، مما يجعله عرضة للتكرار في سبيل إدراك الحدث الأول، المعنى الأصلي ولا تذكر الحدث ابدأ وتحسينه يساعد الإنسان البدائي على تحقيق الحقيقي والاحتفاظ به .

4- ربطه بمكان رمزي فيصل بالأعلى من ناحية وبالعالم السفلي من ناحية أخرى وهذا المكان يتغير بتغير المتحدثين الذين يريدون إضفاء ذلك التراث على أحداثهم(وإعادة امتلاك تلك الحقائق وإسباغها على تراثها من خلال إحلال ألهيتها محل الإلهية القديمة في فعالية تعكس صراع التواجد وفرض السلطة وامتلاك الأرض و" الرأسمال الرمزي" وتأميمه)

وقد تنوعت الأساطير بأشكال وهيئات فنذكر منها الأتي:

1- الأسطورة من حيث الشكل – وهي، قصة قد تكون شديدة التركيز وكأنها موعظة أو ممتدة كأنها حكاية أو تاريخ لكنها في كل الأحوال تصدر عن اعتقاد ديني يصور قصة تخضع لقواعد السرد القصصي من حبكة وشخصيات وحركة في الزمن وطابعها صوري والرمزية فيها واضحة .

2- الأسطورة ذات الصيغة الحضارية في القدم يمكن إن تتعرض للتطور(صيغتان أو صيغة منها) كما يمكن إن تتعدد طرائق روايتها ولكن هذه المستويات تجري جميعا بقوة عصرها وليس العصور التالية، إن من شروط الأسطورة أنها أبداع مارسته الجماعة، وليس من وضع شخص معين فهي ثمرة ممارسة وتأملات وخيالات مسيطرة على جماعة محددة .

3- تدور موضوعات الأساطير حول الوجود الكوني والخلق الإلهي للبشر، ولهذا تكون الآلهة، وإنصاف الإله مصدر القرار ومحور العمل في الأسطورة فإذا أظهرت في سياق الأسطورة (بعض البشر) فانه سيكون مجرد أداة ويسهم في تحمل شيء محدد .

4- الأسطورة تصور مقالا خارقا جوهريا بالنسبة للكون أو الإنسان، وهذا العدد من الجدية هو الذي جعل عصر الأساطير مقدمة ضرورية لعصر الفلسفة فلم تكن الفلسفة – في بدايتها – أكثر من قراءة رمزية للأساطير تحاول ان تستخلص من مجموعها معنى للعالم وللخلق وللوجود البشري وحماية كيانه الاجتماعي .

5- الأسطورة حكاية مقدسة، انبثقت عن الشعائر الأولى وقد منحها هذا سلطة عظيمة على عقول الناس ونفوسهم في زمانها ومن خلال المنظور الديني الذي تنتمي إليه وتثبت معتقدات تلك المنظومة وسطوتها على الاعتقاد والسلوك العام ..

 

د- عامر عبد زيد الوائلي

 

 

 

محمد كريم الساعديكينونة الاشياء بثباتها وصيرورتها في حركتها نحو الاكتمال وبين الثابت والمتحرك تعيد الاشياء جماليتها بعد ان تصل الى مرحلة الانغلاق، والتي هي عند البعض أكتمال المعنى في ذات الشيء، وعند البعض الأخر الوصول الى مرحلة الكم الذي لابد أن ينتج بعده كيف معين حتى يتغير الى ما هو أفضل حسب وجهة النظر الماركسية وما بعدها . فالأشياء عادة ما تجعلنا ننبهر بها اذا لم تكن مستقرة ويفلت المعنى في ذهننا في كل حين نعتقده أكتمل ووصل الى مبتغاه الاسمى. فالإنسان عند فوكوياما مثلاً وصل الى قمته في نهاية التاريخ في ضوء تحديد الاشياء ومسمياتها على وفق ثنائية السيد والعبد والسيد هو من يصنع الاشياء ويطورها والعبد هو من يثبت على مفاهيمه الماضية منتظر ما يصدر من العبد في هذا المجال، وهنتغتون في بحثه عن الصراع وسؤاله عن من نحن؟، يرى أن الصراع بين مركزية الاشياء وهامشها ما يزال مستمر ما دام هنالك حركة صراع دائرة في صورة تطور حضاري للسيطرة، وفي تفكيكية دريدا وخطاب فوكو وسردية ريكور وغيرهما في الأختلاف ما يزال البحث في تحطيم كل قيود الماضي المتمركزة في ذات متضخمة تدّعي تسيد الأشياء على وفق تراتبية مختلقة في اذهان خطابها الكوني، ففي البحث عن تفكيك وتفتيت هذه النظرة في نهاية التاريخ والأنسان الأخير يظهر الحاجة للبحث عن متغيرات جديدة في رؤية الأنسان الى ما سيأتي بين ثنايا الثبات والحركة، فالصراع إذن هو صراع بين التمركز والتحرر من الصنمية في داخل الانسان ذاته وانعكاسها في نتاجاته التي لابد أن يصيبها التغير مهما تسمرت مفاهيمها وانغلقت في فترة زمنية محددة .

هذا الصراع بين التوقع الثابت واللاتوقع المتغير في دروب الفكر العالمي الذي انعكس على ثقافة الفرد بصورة عامة مما انتج مفاهيم قد اسست الى تأطير الانسان في قوالب معينة لابد ان تتكسر على جدران البحث عن حقيقة الانسان . انها اذن نظرة كونية في تبدل الاشياء وتطورها نحو مصيرها القادم غير المتوقع بما يخفي وما يظهر .

أن ثنائية التوقع واللاتوقع هي مشكلة العصر كمشكلة الثبات والحركة ومشكلة البناء والهدم ومشكلة الحركة الجوهرية في داخل الاشياء ذاتها التي هي في تقدم مستمر نحو الهدم في داخلها ومتغير مستمر البناء و بطيء الاكتمال في ظاهرها .

لكن ماذا اذا تبدلت المعادلة وجعلنا ما هو سريع التغير والهدم في الظاهر وبطيء التقدم والاكتمال في الداخل؟ هنا ستصبح العملية قائمة على اللاتوقع الحركي الذي يهدم ما هو متوقع لصالح بناء ما هو لا متوقع في حركة مستمرة في ثباتها، انها فلسفة قائمة على قلب المعادلة وجعل اللامتوقع هو سمة الحياة وهو الثابت في التتبع لدى الفرد  الذي فقد الكثير من المتوقع في حياته لصالح اللامتوقع وأصبحت الصيرورة لديه هي الاساس بدلاً من كينونة الحياة الماضية التي تكسرت على جدران ما هو لا متوقع قادم .

نحن اليوم أمام تغيرات كونية لكنها في الوقت نفسه لها مساس في جزئيات حياتنا، فما عاد النظر الى أحلامنا القديمة بحياة تنقضي على مهل، ولا عاد الحاضر يدعونا الى ثبات تجارب التاريخ واستلهام عبرة في الحاضر لبناء تجارب مستقبلية . الأنسان اليوم يمر بمرحلة من الجنون الذي لا يتوقع أن سيصل به الى شيء معين ومعقول، فهي فلسفة العصر وهي معادلة تقلب كل المفاهيم تحتاج الى عقل يمتلك مفاهيم أخرى عن اللاتوقع الذي نعيشه اليوم . نحن بحاجة الى علوم أخرى تفسر لنا ما نحن به اليوم، وكذلك فنون أخرى تكون مجنونه ومشاكسة حتى نفهم هذا الانقلاب العظيم في المعادلة من داخلنا وخارج مسمياتنا التقليدية، انها فلسفة اللاتوقع الحركي، المضادة للمتوقع الثابت الذي يحتاج الى كيف جديد.  

 

الاستاذ الدكتور محمد كريم الساعدي  

 

 

علي محمد اليوسفتعريف اولي: هل الفكر ام اللغة هو وسيلة التعبير عن النظرة المادية او النظرة المثالية للوجود؟ أم ليس هنالك فرق بين الفكر واللغة في التعبيرعن الموجودات الواقعية والمثالية او الخيالية على السواء؟ كما تذهب له علوم اللغة واللسانيات المعاصرة في الفلسفة.

يبدو هذا التساؤل غير منطقي فلسفيا.... ولكن لنرى لماذا؟ لأن الفكر واللغة شيئان متلازمان في التعبير عن وجود الاشياء المادية او في التعبير عن وجودها الفكري التجريدي المثالي بواسطة التعبير اللغوي او غير اللغوي.. كيف؟ فوجود الشيء او الموضوع المستقل ماديا او خياليا يعالج من قبل الذهن فكريا في العقل قبل الأفصاح عنه وجودا ماديا او مثاليا بواسطة اللغة في العالم الخارجي.

الفكرالمادي او المثالي المعبّر عنهما باللغة في علاقتهما بالوجود لا يتم تفريقه في تعبير الفكرعنهما باللغة المجردة، فالفكر كوجود مستقل في الواقع لا تحدده اللغة كونه ماديا او مثاليا او اي شيء آخر بمقايسته باللغة كنظام دلالي يعطي معاني الاشياء في ملازمته التعبيرعنها.

وهنا يكون الفكر يمثل جوهر الوجود، بينما يكون تعبير اللغة عنه اصواتا شفاهية او مكتوبة لا تمنح الوجود ماديته او مثاليته بل صفته الظاهراتية، والذي يمنح الوجود المادي صفته والوجود المثالي صفته المتمايزة هو الفكر الناتج عن مصنع الحيوية والتخليق في العقل في ادراك الوجود واضفاء ماهيته وصفاته عليه..

ولايتم تفريق الفكرماديا او مثاليا بمقايسته بالوجود الطبيعي للاشياء وتفسيرها وفهمها لأن الوجود غير المدرك عقليا في استقلاليته في عالم الاشياء،هو غير الوجود الذي تم تخليقه وتصنيفه في تناول العقل له واعادته ثانية بتخليق فكري جديد. وليس باللغة المعبرّة عن الوجود فقط ينفرز عنها تباين الفكر المادي عن الفكر المثالي الا بعد الادراك العقلي له اولا، وفي تعبير اللغة عنه ثانيا.

فالفكر يكتسب هويته وماهيته بعلاقته بالوجود المتبادل معه، وليس باللغة التي تعبر عن الوجود في ملازمة الفكر لها. فالفكر يكسب الوجود ماهيته، ويكتسب هو بالوجود هويته وصفاته.

والفكر واللغة في تلازمهما معا لا يستطيعان خلق وجود شيء واعطائه صفاته وعلّة وجوده في علاقة تعبيرهما عنه، وانما الوجود يكتسب صفاته وماهيته في تعالقه مع الادراك العقلي له، قبل الفكر المعبّر عنه في تعالقه مع اللغة.

وجود الاشياء في نوع علاقتها مع التفكير العقلي لها، تسبق الفكر واللغة المعبّرة عنها لاحقا. فالعقل يستبق الفكر واللغة في تلازمهما ادراكهما للوجود.فهل يسبق الفكر او اللغة احدهما تراتيبيا في الوظيفة الادراكية التناوبية للموضوع، وفي تعبيرهما عن وجوده المادي في اختلافه عن التفسير المثالي على مستوى افصاح اللغة في علاقتها بالاثنين كوجودين مختلفين المادي والمثالي؟

اننا في هذه الحالة نفهم ان الفكر المادي في تمايزه عن المثالي هو في أسبقية الفكر على اللغة على صعيد الادراك الوجودي للاشياء في الواقع عقليا.

وان بدت انهما (اللغة والفكر) متلازمتان لا يمكن التفريق بين الفكرة واللغة المعبّرة عن الوجود، كما من المتعذّر اعطاء أسبقية لاحداهما على الاخرى في التعبير المختلف عن الوجود ماديا ام مثاليا.فاللغة قرينة الفكرفي عدم امكانية التفريق بينهما في تعبيرهما على الاشياء في العالم الخارجي.والفكر يتعالق مع اللغة في فهم الاشياء وادراكها.واللغة لا وجود حقيقي لها في مفارقتها التعبير عن الفكر.

عليه يكون التمييز بين الفكر المادي عن الفكر المثالي لا يتم بمنطق اللغة المجردة او المفصحة عنهما كموضوعين مختلفين في التعبير اللغوي فقط، كما فعل هيجل في اعتباره الجدل او الديالكتيك المثالي يتم بالفكرالمجرد وحده وليس في تعالقه المتخارج مع الواقع او الوجود الحقيقي للاشياء.

ان العقل وحده له الاسبقية في تحديد الوجود والفكرالمتعالق معه ان يكون ماديا ام مثاليا. واللغة تكون في هذه الحالة وعاء الفكر في تحديد نوع الوجود المادي او المثالي المفصح عنه بتعبير اللغة. وبهذا يكون التمييز بين مادية الفكر او مثاليته هو في علاقة الفكركوعي نوعي عقلي يتم في الذهن اولا مع ادراكه وفهمه الوجود او الموضوع، يليه تعبيرفكري لغوي نوعي مختلف يحدد علاقته بالوجود الواقعي للاشياء والظواهرالمختلفة في الطبيعة ثانيا ان تكون مادية أم مثالية.

فالفهم المادي يذهب الى ان الفكر انعكاس لوجود الاشياء في ديناميكية متخارجة بين وجودها والفكرالمدرك لها عقليا، بينما يرى الفكر المثالي ان لا وجود مستقل للاشياء سابق على الوعي بها صوريا في الذهن فقط وان ادراك وجود الاشياء يتم في صورها التي يستلمها العقل، ولا دور للغة اكثر من تحقيقها دلالة المعنى الفكري الصادر عن العقل المراد توصيله من غير ما نتصور ونعتقد خطأ ان اللغة هي التي تحدد الوجود المادي باختلافه عن المثالي او بالعكس. اللغة توصيف لفينوميلوجيا الفكر كشكل ومحتوى في ايعاز من العقل.

فوجود الاشياء الطبيعي المستقل هو الذي يسبق نوعية الافكار المفسّرة له بوسيلة التعبير اللغوي. وان اللغة والفكر متلازمان اثناء ممارسة العقل او الدماغ فعاليته الحيوية التخليقية في معالجة ايّا من المواضيع التي تنقلها الحواس له ماديا او صوريا، وكذلك يقوم بنفس الفعالية العقلية في تأمله تخييليا موضوعا ما لا وجود له في عالم الوقائع المادية والاشياء وانما في عالم الخيال الذي ابتدعه العقل.

وعن كليهما(التفكير المادي والتفكير المثالي) يعطي العقل نوعا من التفسير المتعّلق بتمايز فهم شخص عن غيره في حال تنفيذ الفكر واللغة نوعية الفكرة العقلية المختلفة عن الشيء في تنوّع واختلاف تفسير العقل له من شخص لآخر ان كان تفسيره وفهمه ماديا ام مثاليا.

من المهم التأكيد الى ان اللغة والفكر هما وسيلة العقل في الافصاح عن تخليقه وجود الاشياء في العالم الخارجي من جديد. وليس للفكر او اللغة اي افصاح متداخل عما يقوم به العقل في ادراكه الوجود والاشياء في تفكيره الصامت.

ان اللغة والفكر فعاليتهما الحقيقية في التعبير عن الموجودات والاشياء في الواقع المادي خارج العقل بعد تخليقها بالذهن واعطاء تفسيره في وجودها المستقل في العالم الخارجي.

ان تفكير العقل بموضوع مادي موجود في العالم الخارجي، او بموضوع خيالي يبتدعه الخيال مادة لتفكير العقل، هما فعالية واحدة يقوم بها العقل وتحديدا الدماغ بمعزل عن تدخل اللغة والفكرالافصاحي لما يقوم به العقل من تخليق للفكر في دراسة موضوعه،.

ويبدو هنا ايضا اننا وقعنا في اشكال وتعقيد أعمق علينا توضيحه عندما نجد ان وسيلتي العقل في الادراك ومعاملته للاشياء لا تتم من غير اعتماد العقل للحواس وللفكر واللغة في ادراكه الشيء والتفكير به سواء كان التفكير (صمتا) على شكل حوارفكري داخل العقل،او افصاحا عنه في التعبير اللغوي في وجوده المادي في الواقع او المتخيّل كناتج عقلي قبل كل شيء.

والوجود المادي والوجود التخيّلي لايختلفان في الماهية او الجوهر وحسب، وانما هما يختلفان بلغة التعبيرعن كليهما، فالوجود المادي تعّبر عنه اللغة المنطوقة او المكتوبة، في حين ان الوجود الخيالي لا تعبّر عنه اللغة التداولية نطقا او كتابة كما في الوجود المادي فقط، بل في غيرها من وسائل التواصل ربما كانت لغة رسم لوحة او نحت تشكيلي او غيرها من وسائل أكساب الموضوع المتخيّل حضوره الوجودي دونما الحاجة الى اللغة الصوتية الشفاهية او المكتوبة.

والا أصبح تساؤلنا كيف يفكّر العقل وما وسيلة التفكير التي يعتمدها، تقودنا الى طريق مسدود عند عدم الاقرار ان وسيلة العقل في التفكير وادراك الاشياء لا يمكن ان تتم خارج فعالية العقل توظيفه الفكر – اللغة في ادراكه الوجود للاشياء خارج التفكير العقلي وليس بداخله.لا يمكننا تمييز الفكر عن اللغة داخل فعالية العقل في تخليق الافكار بالصمت التفكيري، وانما يتاح لنا ذلك في الوجود المستقل خارج العقل التي يصدر العقل والجهاز العصبي عن طريق اللغة تخليقه الجديد له كناتج اجابته عما وصله عن طريق الحواس.

فعالية العقل تنعدم نهائيا عند افتراضنا ان العقل يقوم بفعاليته الادراكية ومعالجتة الموضوع المدرك عقليا بغير وسيلة تداخل الفكر مع اللغة (داخل) و(خارج) العقل.

وهذا يستلزم منا تبيان مالفرق بين تفكير العقل داخليا، وتفكيره خارجيا وما المقصود به وما دور الفكر واللغة في تحديد معنى المفكّر به كموجود.؟

كيف يفكّر العقل داخليا، وكيف يفكّر خارجيا؟ بالحقيقة ان العقل في كلا التفكيرين يتمّان في توافقهما والتقائهما في مصدر التفكيرالواحد الذي هو الوجود المادي او الموضوع الخيالي، فلا يوجد عمل فكري في العقل لا يرتبط بموضوع مدرك حسيا او خياليا والا كان تفكيرا وهميا لا علاقة للعقل به ولا للموضوع علاقة بالعقل المدرك له.

تفكير العقل داخليا تتم بوجود شيء مدرك محدد (موضوع) يكون مادة للتفكيرتنقله الحواس ادراكيا للعقل، وقد تتعّطل مهمة الحواس هذه عندما نجد العقل يفكّر تخييلا وتخليقا عقليا بموضوع ذهني لا علاقة له بالمادة والمحيط الخارجي للاشياء كأن يفكر الانسان في اشياء من الطبيعة او يتخيّل اي شيء او اية فكرة مجردة غير متعينّة ادراكا ماديا وجوديا امامه في الطبيعة او في الانسان كغيرها بما لا يحصى من الاشياء بالعالم الخارجي من اشياء.

ولم تقم الحواس المادية ولا من مهامها نقل موضوع التأمل الخيالي الى الدماغ وانما مخيلة الانسان وذاكرته تستذكره في الذهن خيالا مجردا وتجعل منه موضوعا للتفكير. يلي ذلك ان العقل قد يعبّر لغويا عنه بعد تخليقه الجديد له، او بغير تعبير اللغة عن موضوع التفكير الخيالي وكذلك عن التفكيرالواقعي.

اذن في البدء علينا الاقرار الآلي الثابت انه لا يمكن للعقل الانساني ممارسة التفكير مالم يكن هناك موضوعا واقعيا او خياليا يصبح مادة او موضوعا لتفكيرالعقل. وقلنا ان الحواس ليس من مهامها ولا من قدراتها نقلها موضوعا خياليا هو من ابتداع المخيّلة والذاكرة الذهنية للعقل ولا دور للحواس به. وان العقل يفكرخياليا بموضوع لم تقم الحواس او احداها بنقله له.

هنا يأتي تساؤل أهم ان وسيلة التفكير العقلي للشيء المدرك داخل العقل تتم بماذا أو بأي كيفية؟ وما هي آلية التفكيرالعقلي بالموضوع؟ لحد الان تمّكن العلم من معرفة كيف تعمل حاسة البصرالعين في رؤيتها الاشياء، وكذا مع حاسة السمع او الذوق او اللمس، اما كيف يعقل الدماغ نفسه ويعقل موضوعاته ووفق أية الية يتم الادراك العقلي فهو غير معلوم علميا اكثر مما تزودنا به الفلسفة وليس تخصص علم طب الدماغ والاعصاب على حد علمي.

فالعلم يوّضح كيف ان آلية التفكيرالعقلي تنحصر في موضوع مدرك حسيّا وعقليا عن طريق الجهاز العصبي المرتبط بملايين الخلايا الدماغية التي تتناوب الادراك في عملية معقدة من اختصاص طب علم الدماغ والجملة العصبية وهو مجال لا تعلمه وتعمل به الفلسفة ولا باستطاعتها الخروج منه بنتيجة يرضاها العقل والطب العلمي.

اما في توضيح الفلسفة فهو حين يعقل الانسان ذاته تفكيرا ماديا ام خياليا فهو يحتاج حتما لمادة او موضوع يدركه واقعيا او خياليا كما ذكرنا سابقا لا يخرج عن وصاية العقل في حال انعدام واسطة التعبيرالفكري – اللغوي عنه وبه. اي بمعنى ان التفكير العقلي لا يدركه الانسان الاخر خارج العقل الا في حالة التعبير الفكري – اللغوي عنه خارج وصاية العقل عليه حين يكون تموضعا فكريا في الواقع.

فاذا اراد العقل وجوب التعبير عن موضوعه المفكّر به للعالم الخارجي المستقبل له، توّسل لذلك الفكر – اللغة. واذا لم يشأ ذلك فانه اي العقل يجعل من موضوعه تفكيرا داخليا صامتا غير متاح ادراكه من غيره الذي هو (أنا) الفرد العاقل المفكرمن نوعه (الانسان الاخر) بمعنى ان الفكرة واللغة المعبّر بها انعدمت في التاثير وفي الحضور في كيفية نقل تفكير مصنع الحيوية التخليقية التي يقوم بها العقل.

فاللغة والفكر لا يحضران سوّية الا في محاولة تنفيذ ايعازات مصنع الحيوية العقلية بالاخبار الادراكي العقلي عن موضوع جرى التفكير به عقليا واكتملت مهمة اعادته من العقل الى عالم الاشياء كفكر وليس كوجود.في تنفيذ اللغة او غير اللغة ايعاز العقل في اعادة الموضوع المفكّر به من العقل الى امكانية ادراكه في العالم الخارجي في توّسله اللغة التي هي الفكر ولا فرق بينهما في التعريف المادي او التجريدي بالموضوع.

كيف تكون اللغة هي الفكر المعبّر عنه؟

التساؤل الآن كيف تكون اللغة هي الفكرحسب ما تذهب له جميع نظريات علم اللغة واللسانيات المعاصرة، ولماذا يعجز ادراك العقل للاشياء التفريق بينهما اي بين الفكر واللغة.اذا كانا يحملان مدلولين متباينين مختلفين في تعبيرهما عن الموضوع الواحد؟.هنا اللغة والفكر الملازم لها في التعبيرليس بمقدورهما تفسير وجود الاشياء بمعزل احدهما عن الاخر اي بمعزل اللغة عن الفكر، لانه يكون استحالة ادراكية.

ان عجز الفلسفة الخروج عن نظرياتها المفترضة شبه الثابتة ان الفكر هو اللغة المعبّرة عنه، او ان اللغة هي وعاء الفكر، او ان اللغة هي بيت الوجود.

جميعها تفهم اللغة على انها فعالية ادراكية عقلية في تحديد الفكرة او الموضوع في تموضعهما خارجيا كي يتم ادراك الشيء ومعرفته من قبل الآخرين من الذوات العقلية المدركة وهو صحيح الى حد كبيرولا يتوفر مجال أدحاضه.

في هذه الحالة حين تكون اللغة هي تعبير عن فكرة متموضعة داخل او خارج العقل،يستحيل الفصل بين اللغة والفكرة او الموضوع المعّبرعنه بهما. فبهما(الفكر واللغة) اصبح الموجود الذهني متعيّنا وجودا في العالم الخارجي، وفي هذا يكون تفكير العقل خارجيا او بالاحرى من اجل فهم الوجود الخارجي للاشياء المستقلة.

حين نقول تفكير العقل الداخلي المقصود به هو التفكير الصامت، أما تفكير العقل خارجيا فهو عندما يجري تعبير اللغة عن موضوع تفكيرالعقل.وبالواقع ان هذا التفريق في تفكير العقل داخليا صمتا وخارجيا بوسيلة اللغة، انما هما في الاصل تفكير واحد للعقل في موضوع محدد مشترك يتميّز به بمعزل عن كل موجود مادي او متخيل آخر.اي ان العقل واللغة والفكر يجمعهم (وحدة الموضوع ) المدرك.

ان ادراك العقل للاشياء الواردة له عن طريق الحواس لا يعقلها العقل دفعة واحدة، ويعطي الدماغ ردود الافعال الانعكاسية الارادية وغير الارادية من دون تراتيبية يعتمدها العقل.(وهذه النقطة اوضّحها تفصيلا نهاية المقال).

ذهبنا الى استحالة فصل اللغة عن الفكر في حالة افصاح العقل عن فهمه وتعّينه لموجود او شيء ما في العالم الخارجي. فمتى يمكننا استنباط امكانية فصل الفكر عن اللغة واين وكيف؟

قبل الاجابة نذّكر ان علم اللغة واللسانيات تعتبر اللغة والفكر هما وجهين لعملة واحدة ولا تفريق بينهما كما ذكرنا سابقا، فاللغة هي الفكر المعبّر عنه حسب ريكور وفنجشتين ودي سوسيروجومسكي وجميع فلاسفة وعلماء اللغة.

لكننا نجازف بالمباشرقولنا انه يمكننا فصل الفكر عن اللغة عندما يكون تفكير العقل صمتا داخليا في التفكيربوجود شيء مادي او خيالي لا يحتاج لغة التعبير عنه بل يحتاج الفكر وحده لانه وسيلة تفكير العقل، ويكون صمتا داخليا متخيّلا ايضا في تفكير العقل لموضوعه كوجود غير مادي اي خيالي لا يرتبط وغير ملزم التعبير اللغوي عنه.

للتوضيح فقط فالتفكيرالمادي الصامت هو في معالجته موضوعا او شيء ما بالتفكير المجرد كمتعيّن موجود في العالم الخارجي، اما في تفكير الصمت (الخيالي) غير المعبّر عنه باللغة فهو الهام تخييلي في انتاج العقل موضوعا يدرك خارجيا لم يكن ادراكه متيسرا قبل افصاح العقل له وتخليقه، كما في خيال انتاج لوحة فنية او قطعة نحتية او اي ضرب من ضروب التشكيل ومعالجات علم الجمال الذي من المتاح الممكن التعبير عنه بغير لغة الكلام او لغة الكتابة.

نأتي الآن الى معالجة اصل امكانية فصل الفكر عن اللغة، على انها استحالة ادراكية في فهم الاشياء والمواضيع في حال وجودها في العالم الخارجي في استقلالية عن الانسان سواء كانت مواضيع تناولها العقل بالادراك واعادها باللغة والفكر ثانية الى عالم الواقع، او لم يدركها في وجودها المستقل التي ايضا تستطيع اللغة التعبير عنها.

يبقى عندنا ان التفكير العقلي الصامت ماديا او خياليا فأن آلية العقل في التفكير تستطيع فصل اللغة عن الفكر طالما هما حاضران ذهنيا لحظات واثناء التفكيربموضوع ما،اي حينما يفكر العقل صمتا فهويفكّربالفكرذاته بموضوع. وليس باللغة خارج موضوعه في التفكير الصامت.،

وطالما كانت اللغة والتفكير معطّلان كوظيفة نقل ما يقترحه العقل عليهما نقله الى العالم الخارجي، اي بقاء العقل يفكر ذاتيا صمتا بمعزل عن نقل ما يفكر به لغة، فان العقل وسيلة تفكيره الفكر ذاته فقط ولا يحتاج اللغة الا على انها جزء من الفكر وملازمة له، وتفكير العقل وتخليقه لموضوعه، فلا يدرك خارجيا من غيره الا بواسطة اللغة فقط الناقلة للفكر من داخل العقل(الدماغ) الى واقع الوجود.

وعندما يتجسد ويتعين الموضوع في عالم الاشياء الخارجي بالتعبير عنه لغويا او بأية وسيلة تعبير غير اللغة الصوتية او المكتوبة، فهنا لا يصبح فصل الفكرعن اللغة ذات اهمية كبيرة، ولكن تبقى اللغة في اثناء عملية تفكير العقل (صمتا) في مرتبة ثانوية بعد الفكر في مقارنتها باولويتها في التعبير عن الوجودات الخارجية في العالم الخارجي والطبيعة خارج هيمنة ادراك الحس والعقل لها عندما تكون اللغة جزءا لا ينفصل عن موضوعها التي عبّرت عنه.

بمعنى توضيحي ان اللغة لا تستمد فعاليتها داخل تفكيرالعقل الصامت جوّانيا بموضوعه مع ذاته المستقلين عن العالم الخارجي، وانما تستمد اقصى فاعليتها في التعبير عن الاشياء في وجودها الخارجي المستقل.

وحتى في هذه الحالة فالفكر وتعبير اللغة يبقيان قاصرين عن التعبير عن الموجودات المستقلة من دون ادراك العقل لها وتحديده نوعية الفكر ونوعية اللغة المعبّرةعنها. ويكون وعي الذات هي كينونة متشّكلة من الوجود المدرك، بالمحسوسات، ومن والعقل، وايضا من الفكر واللغة.

لذا عندما يكون تفكير العقل صمتا جوّانيا، يصبح التفكير بالشيء سابق على لغة التعبير عنه خارجيا. فالموضوع المفكّر به صمتا غيرلغوي يبقى حبيس ووصاية العقل في التفكير به قبل اهمية انشغال العقل في التعبير اللغوي عنه.

كيف يعي الانسان ذاته؟

الوعي الوجودي بالمعنى الانطولوجي للذات هو وعي مفارق للاشياء في اثبات اناه الفردية المستقلة وفي ادراكه موضوعه ايضا. فالذات في ادراكها لشيء مغاير تدرك وجودها به هي اولا، وتجعل الموضوع المدرك ذاتيا مدركا من غيره يكتسب وجوده الديناميكي بوعي الذات له ثانيا، في غير وجوده المستقل بالطبيعة وجودا بذاته (نومين).

اتخذ سارتر من كوجيتو ديكارت (نقطة انطلاق الوعي وموضوعه في علاقتهما التي لا تنفك ولا تتوقف عند (الانا افكر) اي الوعي الخالص، لكنها تذهب الى ما يقصده الوعي من اشياء) نقلا عن حبيب الشاروني.

كذلك نجد هيدجر تخّطى الاثنين ديكارت وسارتر بقوله لا وجود لما يسمى الوعي الخالص، بمعنى ان الانا الذاتية لا تحقق وجودها في حيثية وعلة التفكير المجرد الذي ذهب له ديكارت في الكوجيتو ..انا افكر.

ان في انكار هيدجرما يسمى الوعي الخالص هو التعبير عن حقيقة وجودية فلسفية لا تتقبل الدحض بسهولة، فالوعي الخالص وهم وجودي حتى في حالة كوجيتو ديكارت في تحقيقه وجود الذات من خلال تجريد اللغة في التفكير والاستدلال.

الوعي الخالص هو وجود بذاته بالنسبة لكل وجود افتراضي ايضا بذاته غير فاعل في الطبيعة وعالم الاشياء بالنسبة للانسان في ان يكون موضوعا مغايرا له ويمكن الاستدلال به. والوعي الخالص وجود بذاته يطمح بلوغ الانا العليا المثالية التي اشار لها فرويد ومن قبله افلاطون.

والوجود بذاته سلب كما في تعبير وجودية سارتر له، فهو يقوم على تعطيل مغايرته الواجبة الضرورية في تبادله المتخارج مع الاشياء في العالم الخارجي في توكيد استقلالية ذاتية لا قيمة لها.

ونقلا عن الشاروني:(ان سارتر يعرّف الوعي بانه لا يحدث، الا بتمثله شيئا مغايرا عنه، فالوعي يولد موجها الى كائن ليس هو اناه) ان سارتر هنا يحول كوجيتو ديكارت نحو قصدية نادى بها استاذه هوسرل.

هوسرل ادرك في محاججته لديكارت الذي حصر وعي الوجود الذاتي(اناه) وتحققه بالتفكير المجرد، انما هو وعي اغترابي منعزل على صعيد عدم الاندماج في الكلية المجتمعية كجزء منها فاعل ومتمايز عنها. فتحقق الذات لا يتم من غير التعالق المتخارج بنوع من القصدية او الغائية مع العالم الخارجي وهو رأي هيدجر ايضا.

ان الذات لا تدرك وجودها الحقيقي بالتفكير المجرد غير المتخارج مع الوجود الخارجي وعالم الاشياء. وهذا الفهم من وعي الذات التزمه هوسرل ومن بعده سارتر وهيدجر، واجمعوا ان الوعي الذاتي الحقيقي من غير تبيان وتحديد الشيء المفكر به.

فقد نادى سارتر اننا يتوجب علينا مغادرة (انا افكر)، وطلب هوسرل بقصدية كموضوع مفكر به، واخيرا هيدجر الذي نادى بان لا وجود لذات من غير ديناميكية فاعلة تمتاز بها. بل واضاف باكثر وضوحا انه لا وجود لذات بلا عالم، والانا لا تحقق وجودها منعزلة لانها اولا واخيرا هي وجود – في – عالم.

ملحق: اعجاز الدماغ بالتفكير

كنت ذكرت في سطور سابقة من هذا المقال ان عمل الدماغ في فهم الوجود وتخليقه ثانية له لا يتم على وفق عشوائية اعتباطية، ولتوضيح ذلك في هذه الاسطر نهاية المقال هنا اردت جعله ملحقا منفصلا لوحده.

من البديهيات العلمية في علم الفسلجة، علم دراسة الوظائف العضوية لدى الكائن الحي، الانسان على وجه التحديد في الطب البشري، هو استحالة تفكير الانسان في صورتي حدثين اثنين في وقت واحد، في لحظة واحدة، في ومضة واحدة، يمكن لأي انسان اجراء التجربة على نفسه سيجد انه يفشل حتما.

مجموع الافكار الادراكية الصورية او الحسّية او الحدسّية الواصلة الى الدماغ عن طريق الحواس الخمسة في الجهاز العصبي والراجعة منه الصادرة عنه كردود افعال انعكاسية، لا يتعامل الدماغ معها بعشوائية غير منظّمة ولا من غير تراتيبية في الاسبقية. بل يعمل الدماغ والجهاز العصبي مع الافكار الواردة له من الحواس في انتقائية وفي تراتيبية معقدة النظام، هي خاصية الانسان الذكي في تعالق وظيفتي المحسوسات او المدركات مع وظائف الشبكة العنكبوتية للاعصاب الناقلة للاحساسات بالاشياء، في الاستقبال الوارد له، والراجعة الصادرة منه الى الواقع في وجود الاشياء والفكر المعّبر عنها في ظاهرياتها وفي جواهرها.

الاستجابة الادراكية الحسية التي هي رد فعل الجهاز العصبي الارادي او غير الارادي المستقبل منه او الراجع المتصل بالدماغ بما تنقله اليه الحواس الخمسة، ويمكننا اضافة حاسة سادسة هي حاسة الحدس او التنبؤ والتخاطر .

فالذي يرد الدماغ عن طريق الحواس من مدركات ينقلها الجهاز العصبي في تيار فائق السرعة غير المنظورة ولا المتوقعة من المحسوسات في العالم الخارجي الى العقلي المدرك في سطح القشرة الدماغية التي تحتوي على ملايين الخلايا العصبية،.

لترسل بعدها بعض هذه الخلايا العصبية في الدماغ والجهاز العصبي ردود الافعال المناسبة لما يتوجب على الانسان معرفته او القيام به، وتكون ردود الافعال كاستجابة لايعازات الدماغ في ومضة زمنية لايتعدى الجزء الالف من الثانية.( اجهل تحديد زمن الومضة الانتقالية من الدماغ بواسطة الجهاز العصبي علميا بضوء معرفتي سرعة انتقال الضوء المقدّرة علميا افتراضيا هي ثلاثمائة الف كيلو متر /ثانية).

ماهو مهم عدم أستطاعة الدماغ أعطاء ردود الافعال الانعكاسية سواءا منها الإرادية او اللاإرادية لحدثين اثنين في ومضة كهرومغناطيسية او ومضة واحدة في جزء جزء جزء من الثانية الواحدة يستلمها الدماغ بواسطة الجهاز العصبي وينقلها الى احساسات الانسان ثانية، ومن الثابت علميا وطبيا ان جميع الاستجابات الانعكاسية الصادرة عن الدماغ تجاه الحواس لا تنطلق من (فص) مخّي واحد موجود في قشرة الدماغ الامامية. الذي يحتوي ملايين الخلايا العصبية المسؤولة عما يرده ويصله عن طريق الحواس. مع هذا ليس بمقدور (المخ) ان يرسل ايعازين اثنين في لحظة واحدة او ومضة واحدة، بمعنى ان الدماغ وتحديدا المخ والجهاز العصبي المرتبط به ينشغل بالاستجابة لردود افعال الحواس تباعا تراتيبيا تجاه المحسوسات ووجود الاشياء التي سبق للدماغ وان ادركها عن طريق نقل الحواس الموصلة للمدركات الحسّية الى الدماغ واعادة ردود الافعال الصادرة عنه بشأنها.

مثال ذلك حين يجرّب احدنا وضع يده في ماء مغلي حار جدا. ويستخدم في نفس اللحظة اليد الاخرى في وضع شيء ما بفمه ليتذوقه نجد ان الدماغ يعجز عن اعطاء استجابتي ردي فعلين انعكاسيين للاثنين معاً في ومضة واحدة بل يجب ان يكون لاحدهما في رد الفعل الانعكاسي الصادر عن الدماغ والجهاز العصبي أسبقية تراتيبية زمنية على رد فعل الدماغ بالنسبة لرد الفعل على الآخر الثانوي المدرك حتى لو كان الفارق بين الاستجابتين لايتجاوز جزءاً من الف من الثانية، وحتى لو كانت ردود الافعال الصادرة عن الدماغ من نوع ردود الافعال الانعكاسية اللاإرادية.

ومثال آخر حين تسمع اغنية من المسجّل بجانبك وانت تقرأ في صحيفة او كتاب عندها يستحيل على الفكر الذهني المتلقي في الدماغ فهم مفردات الاغنية واستيعاب معانيها في نفس لحظة تصفّحك الصحيفة ومحاولتك فهم ما تقرأ.

الشيء المعجز ليس فقط ان هذه العمليات العصبية التي تجري ما بين الحواس والجهاز العصبي الناقل ادراكات الاشياء استرجاعيا تناوبيا الى الدماغ مع فعل الادراك للشيء او تصوره في الذهن، انها تجري هذه العملية في اقل من جزء جزء جزء من الثانية، وربما باسرع من سرعة الضوء. وانما (الاعجاز) الاهم هو في اختيار الدماغ لأسبقية ردود الافعال الواردة اليه عن طريق الحواس في النوعية والاهمية التي تقي الانسان من المخاطر واعادتها للانسان المدرك في حدثين وضع اليد بالماء المغلي والاخرى وضع شيء بالفم لتذوقه.وهكذا في تعامل الحواس والمخ مع آلاف الادراكات الحسية الواردة له، وايعازات الدماغ الاجابة الدقيقة المطلوبة منه عليها.

ولو اننا عدنا للمثل الذي اوردناه في ايّهما افضل في اسبقية الاستجابة الدماغية في الرد الانعكاسي عليه!؟ سحب اليد من الماء المغلي ام فحص حاسة التذوق للشيء الذي وضع بالفم!؟ نجد ان ايعاز الدماغ بضرورة سحب اليد من الماء المغلي يسبق ايعاز الدماغ في اعطاء الاستجابة لنوعية تذوق الشيء باللسان .

في هذا المثال التجريبي نلاحظ تأكيد الدماغ على نوعية واهمية الاستجابة الانعكاسية اللاارادية لعدد من المدركات الحسية المنقولة له بواسطة الجهاز العصبي عن مصدر الحواس وترتيب الدماغ لنوعيتها واهميتها.

في اسبقية الاستجابة يكمن فيها لغز تفضيلي اعجازي في وقاية الانسان من المخاطر وتجنبّها، ليس سهلا على العلم الطبي تفسيره وعلم دراسة فسلجة الدماغ و الجملة العصبية تحديدا الاجابة عليه على قدر فهمي اذ ربما العلم وصل الى تعليل كل هذه الامور التي اتحدث عنها كاعجازات للعقل والجهاز العصبي المرتبط به وهي كذلك برأيي في مقدرة علم الدماغ وفسلجة وظائف الجهاز العصبي تفسيرها ام لا !!.

الاعجاز التفضيلي في الاستجابات الانعكاسية للايعازات الصادرة عن الدماغ الارادية منها او غير الارادية تتوخى وقاية الانسان وسلامته من الخطر الذي قد يسببه وضع اليد في الماء المغلي وتأخر سحبها، مع ارجاء بقية ردود الافعال الانعكاسية الثانوية التأثير على سلامة الانسان ووقايته من الخطر اذا ما تلازم حضورها مترافقا مع الافعال المحدّقة الخطر بالانسان.

 

الباحث الفلسفي: علي محمد اليوسف - الموصل

..........................

ملاحظة:

- الملحق غير ماخوذ عن مصدر مطلقا ولا بكلمة واحدة آملا التصحيح بما اخطأت به علميا، ولا يمثّل هذا التوضيح اكثر من اجتهاد لكاتب المقال فقط. (الباحث علي محمد اليوسف /الموصل)

 

 

 

 

علي رسول الربيعيسنعرض تحت هذا العنوان:

- الفرق بين الفلسفة السياسية والإيديولوجيا السياسية

- المبادئ التي تستند إليها الأيديولوجيات السياسية

- ماهي أدعاءات الأيديولوجيات السياسية الرئيسية.

بحلول النصف الثاني من القرن التاسع عشر تطورت الأفكار السياسية معبره نظرة شاملة للحياة الخيرة أو الصالحة وكيف يمكن تحقيقها، بالإضافة الى نهج التعاقد الاجتماعي جنبا إلى جنب مع صعود الديمقراطية وزيادة الوعي بقيمة وحقوق الفرد. انضمت هاتان الفكرتان السياسيتان إلى فكر سياسي آخر، ممثلا في عمل مفكرين مثل كانط وهيجيل وماركس. وأصبح الناس يعون مجريات التطور والتغيير في العالم من حولهم، وأحدى سمات ذلك هو التغيير الاجتماعي والسياسي.

يعتبر الفيلسوف الألماني هيجل (1770-1831) مفتاح هذا النهج. فقد رأى أن الواقع يتجسد دائما في العملية التاريخية، وأن أمة ما، في الواقع، هي التعبير المادي عن القانون الأخلاقي، أي أن لها حياة فوق الأفراد الذين يشكلونها. فقد اعتبر أنه من الممكن إجراء تغييرات اجتماعية وسياسية كجزء من نظام عقلاني شامل. يتكشف التاريخ عن هذا النظام بعملية تغيير جدلي: تتطور حالة ("أطروحة") من داخل نفسها معارضتها (أي "نقيض")، ثم يتم حل الاثنين (في "التوليف")، وهي عملية مستمرة التكرار، وتعبر عن روح العصر الذي يعطي معنى لحياة الناس.

مزجت الفلسفة السياسية وجهات نظر عديدة حول الحياة الخيرة والصالحة وقضايا العقد وأنظمة فكرية واسعة، فتشكلت هذه القاعدة العريضة للأفكار والمفاهيم وأنظمة الفكر التي كانت موضوع الفلسفة السياسية. ولكن عندما يتعلق الأمر بالنقاش السياسي الشعبي العام، نادراً ما يكون لدى الناس الوقت لشرح أفكارهم بالعودة إلى المبادئ الأولى، أو المشاركة في أفكار تقدم نظام تفسير شامل مثل هيجل وماركس. وبدلا من ذلك، يميلون إلى اختيار أيديولوجية سياسية جاهزة أو موضبة سلفا.

ما هي الأيديولوجية السياسية؟

انها مجموعة من الأفكار والقيم والحجج التي تترابط معا لإعطاء نظرة شاملة متسقة على ما ينبغي أن يكون عليه المجتمع. كانت هناك طائفة واسعة من الأيديولوجيات السياسية المتنافسة في القرن العشرين مثل: الاشتراكية، والشيوعية، والمحافظة، والليبرالية، والقومية، والفاشية، والفوضوية، والبيئية في الآونة الأخيرة.

أحد الأخطار المرافقة للإيديولوجيات هو أنها مريحة للنفس وتقدم طريقة لجميع الأفكار في حزمة مبسطة يمكن استعمالها بسهولة كعلامة أو أشارة، يميل الناس إلى التشبث بها بشغف ولكن ليس دائمًا بطريقة عقلانية. يحتوي كل واحد منها، في الواقع، على مجموعة واسعة من وجهات النظر والأفكار.

تتعلق الخطوط العريضة لهذه الأيديولوجيات المختلفة بالسياسة، وليس الفلسفة السياسية، لكننا نحتاج إلى أن نكون مدركين لها لأنها تستخدم الفلسفة السياسية في النقاش السياسي، وتميل إلى الاعتماد على واحد أو أكثر من الأفكار الأساسية والقيم: الحرية والديمقراطية، التقاليد والقيم المعمول بها، العدالة والمساواة، تطور ونمو الشخصية والوطنية، احترام البيئة وهكذا...

قد تتعارض هذه الأفكار الأساسية مع بعضها البعض: فقد تؤدي الحرية لشخص إلى ظلم الآخر. وقد تخنق المساواة المطلقة نمو وتنميةأستقلالية الشخصية. لذا تميل الأيديولوجيات إلى أن تأخذ واحدة من هذه الأفكار بوصفها القواعد الأساس وتتنازل عن الأخريات إذا لزم الأمر. عن سبيل المثال، إذا أخذت الحرية كقيمة أساسية، فقد تتقبل حالة عدم المساواة في المجتمع، اذ يكون كل شخص حراً في العمل لتحسين أوضاع الحياتية، أو وربما تحديد ما يمكن أن تقوم به الحكومة للحد من الحرية، حتى لوتم ذلك باسم العدالة أو المساواة. أما إذا اعتبرت المساواة هي القاعدة الأساس، فقد تكون هناك حاجة الى تقييد الحريات والطموحات الشخصية إذا ما تعارضت مع احتياجات المجتمع كك . ولابد أن نشير هنا الى ان السياسية في الديمقراطية أو السياسة الديمقراطية هي دائما مسألة تسوية، لأن احتياجات الناس وقدراتهم مختلفة جداً ولا يمكن أن يكونوا راضين تماماً. الشيء المهم هو فسح مجال للتفاوض بين القيم الأساسية.

لذلك سنلقي نظرة سريعة على الإيديولوجيات السياسية الرئيسة، ولكن في البداية ملاحظة حول الطريقة المقبولة عموما لوضع العلامات على الأفكار والإيديولوجيات. تستعمل المصطلحات " يمين" و " يسار" و " وسط" " "right" و "left" و "centre" بانتظام في المناقشات السياسية. هي ليست جديدة وربما تعود إلى القرن الثامن عشر. ومعاني المصطلحات كما يلي:

- يشير "اليسار" بشكل عام إلى الإيديولوجيات التي تحبذ المساواة الاجتماعية وما تعتبره أجندة تقدمية للمجتمع. إن الإيديولوجيات الاشتراكية والماركسية المختلفة تقع تحت هذه الفئة، وايضا الفوضوية.

- مقابل ذلك، يحتضن "اليمين" تلك الأيديولوجيات الأكثر تحفظًا بطبيعتها، والتي تفضل التغيير التدريجي فقط وتضع في اعتبارها التقاليد الراسخة. كما أنه يستخدم لوصف لتلك أيديولوجيات، مثل الفاشية، التي غالبا ما تتبنى نهجا استبداديا قوميا.

- ويستخدم "الوسط" عمومًا لوصف الأيديولوجية الليبرالية، ولكنه قد يشير أيضًا إلى تلك التي من اليمين أو اليسار ذات التوجه المعتدل وتفضل إجماعًا واسعًا. ومن هنا يمكن استخدام مصطلح "يمين الوسط" للمحافظين المعتدلين، وقد يصف الديموقراطيون الاجتماعيون أنفسهم بأنهم يشغلون "يسار الوسط" في الطيف السياسي.

مع الحرية والديمقراطية

إذا تم أخذ الحرية كقيمة أساسية، فسوف يسعى مجتمع ما للسماح للأفراد بتعظيم فرص حياتهم الخاصة دون عائق من الحكومة. وسيتم الحد من التشريعات إلى الحد الأدنى الذي يكفي لحماية الأفراد من إيذاء بعضهم بعضاً، وعلى المجتمع أن يتحمل أو يتسامح ، سواء كان فرداً أو جماعةَ، مع ما لا يتعارض مع حرية الآخرين.

 يثير موقف الحرية الكاملة للفرد والوضع الذي تمارس به الدولة الحد الأدنى من السيطرة بعض الأسئلة:

- ما هي عواقب السماح للجميع بالقيام بما يريدونه ؟

- الناس بحاجة إلى العمل معًا في أطار المجتمع - هل يتوافق هذا مع الحرية الكاملة؟

- هل يمكن أن يكون الفرد حراً في تناول المخدرات، أو أرفض القيام بواجباته والتزاماته كدفع الضرائب( في معظم الدول غير الريعية)، دون أن تؤثر هذه الأشياء على الحياة؟

- ھل تعتبر وجهة اﻟﻧظر التي تطالب بعدم التدخل من قبل الحكومة ذات فائدة؟

 - هل للحكومة أي دور (كما قال أفلاطون وأرسطو) في تشكيل وتوجيه حياة الأفراد، بدلا من مجرد الاستجابة لرغباتهم؟

إن الميل العام في هذا العصر للأجابة عن مثل هذه الأسئلة التي تتعلق بالحرية إلى اقتراح الذي يقول أننا يجب أن نتخذ موقفاً أكثر اعتدالاً، وهو الموقف الذي تعبر عن الليبرالية.

تطورت الليبرالية، كما نعرفها اليوم، في القرنين السابع عشر والثامن عشر في أوربا. إنها إيديولوجية تقوم على احترام الفرد، وتسعى إلى تمكينه من تقرير مصير حياته إلى أقصى حد ممكن، بحيث يقتصر تدخل الدولة على ضمان أن تكون هذه الحرية نفسها متاحة للجميع فقط. وقد عرض جون ستيوارت ميل ذلك بوضوح في القرن التاسع عشر.

غالباً ما ترتبط الليبرالية بالفردية - وهو الادعاء الذي يقول بأن الأفراد يجب أن يكونوا أحراراً في اتخاذ خياراتهم الخاصة وعلى الدولة أن توفر بيئة يمكن أن يتحقق فيها تطبيق مثل هذه الخيارات الفردية. ومع ذلك، يتخذ هذا السعي الليبرالي للحرية عدة اتجاهات مختلفة ( ومتضاربة إلى حد ما). إذا كنت أرغب في أن أكون حراً ، فمن المعقول أن أكون راغباً في أن أكون حراً اقتصادياً وسياسياً. وقد أرغب في بدء عمل تجاري وسأرغب في القيام بذلك مع الحد الأدنى من تدخل الدولة أو تنظيمها. أدى ذلك إلى التحول الذي غالبا ما يشار إليه باسم الليبرالية الجديدة، وهي التي تقول ينبغي أن يكون هناك اقتصاد غير مخطط إلى حد كبير.

قد ينظر إلى الليبرالية الجديدة على أنها جزء من "اليمين الجديد" الذي تمتد جذوره الى التيار المحافظ في الليبرالية التقليدية. لاتقف حرية التجارة عند حرية الفرد، بل يرافقها الحرص على تطوير وزيادة قيمة الأعمال التجارية، وهذا لايحصل إلا في بيئة تنافسية. قد يؤدي رفع القيود و تحرير التجارة إلى إنتاج سلع وخدمات أفضل، حيث أن كل مزود يتطلب المنافسة ضد جميع الآخرين للحصول على حصة من السوق: إن حرية الربح تعني ضمناً حرية الخسارة، لذا قد يكون الاقتصاد المنظم بدون قيود هنا هو الآخر تهديدًا وتحديًا.

يرى الخبير الاقتصادي التحرري العظيم آدم سميث (1723-90) يجب ألا تتدخل الدولة في المصالح الخاصة للأفراد أو في عمل السوق الحرة. ويرى الاقتصادي المعاصر ميلتون فريدمان تظهر الأسواق الحرة الرأسمالية بشكل طبيعي بمجرد تحريرها من السيطرة السياسية. وبالتالي، تشجع التقاليد الليبرالية على إزالة السيطرة السياسية التي تحد من الحرية الاقتصادية للأفراد، ويشجع الاقتصاد على أن تأخذ الحياة الخاصة دورها بها في تشكيل المجتمع. لم ينكر آدم سميث أن النظام الرأسمالي أدى إلى عدم المساواة في الثروة. غير أن وجهة نظره كانت أن الثروة الشاملة للأمة ستزداد. وبعبارة أخرى، حتى إذا أصبح الأغنياء أكثر ثراءً، فإن ما يولّدونه من شأنه أن يحسّن وضع أفقر الناس.

التطور الآخر للفكر الليبرالي الذي نشأ مباشرة من أصل الاحترام لاستقلالية الفرد، هو الحقوق المدنية وحقوق الإنسان. إذا كان يجب احترام الشخص، فيجب الدفاع عن حقوقه. ومع ذلك، قد يتطلب الدفاع عن حقوق الإنسان تشريعات وفرض قيود على أولئك الذين يستغلون الآخرين. ومن ثم قد تجد نفس القيمة الليبرالية لاحترام الفرد نفسها في جوانب مختلفة جداً فيما يتعلق في النقاش حول الحرية الاقتصادية. إن منح الحرية الاقتصادية الكاملة للناس قد يترك الباب مفتوحًا أمام إمكانية عدم المساواة والاستغلال. ويمكن اعتبار تنظيمها لصالح الحقوق الأساسية للفرد بمثابة الإحباط لشكل طبيعي للتعبير عن الذات والتنمية. تتمثل المعضلة الليبرالية في كيفية حماية الأفراد وتشجيعهم في وقت واحد، وهو كيفية منعهم من إيذاء أنفسهم مع منحهم حرية القيام بذلك إذا رغبوا في ذلك.

 مع المشاركة

يرى بعض المفكرين أمثال حنة أرندت (1906-1975) أن هناك مجالاً ضئيلاً في الديمقراطية الليبرالية الحديثة لعملية المشاركة في العملية السياسية. وهي تتطلع إلى مستوى مشاركة جمهور أكثر مثل ماحصل في المدن الأغريقية القديمة والنهضة الإيطالية حيث يشارك فيها عدد كبير من الناس بشكل مباشر في صنع القرار السياسي نيابة عن الشعب ككل. ويرتبط هذا بفكرة "المجال العام" (وهو مصطلح أدخله المفكر الاجتماعي والفيلسوف الألماني يورغن هابرماس،- 1929) الذي يكون لدى كل فرد فيه مجالان في حياته، واحدة عامة والأخرى خاصة. يجب إعطاء المجال العام أهمية أكبر طبقا لأرندت و هابرماس. إن خطر المجتمع الليبرالي الحديث هو أقتصار أهتمام الفرد في "مجاله الخاص" فقط كمستهلك للسلع والخدمات ، في حين أن المشاركة السياسية هي مسألة مشاركة في الساحة السياسية العامة بالكامل على مستوى النقاش والفعل.

إن تصور هابرماس في مايتعلق بالمجال العام يتناقض بشكل صارخ غالباً مع ما يجري في الديمقراطيات اليوم، أي أن عملية اتخاذ القرار تقتصر على أقلية من المتحمسين أو المهنيين، يعملون داخل الأحزاب السياسية. قد يختار معظم المواطنين أو لا يختارون التصويت في انتخابات عامة، ولكنهم يرون أنفسهم على أنهم ليسوا أكثر من متلقين سلبيين لنظام سياسي لا دخل لهم فيه. إن المثل الأعلى للجمهورية، و "الفضاء العام" وهو التعبير الحديث عن المشاركة أن يكون كل شخص قادر على الانخراط في العملية السياسية على المستوى الذي يناسبه.

مع الفوضوية

يدفع السعي إلى الحرية في حدها المنطقي الأقصى إلى الفوضوية التي تنطلق من أن الحكومة في أفضل الأحوال غير ضرورية وفي أسوأ الأحوال ضارة. تعود الفوضوية الى تاريخ طويل وترتبط بمفكرين مختلفين للغاية. فقد أستاء ديوجينيس الكلبي من أي نوع من القواعد أو الشرط التي تُفرض على المرء ليتوافق مع توقعات المجتمع، ورأى روسو أن الحالة الطبيعية للبشرية قد أفسدها المجتمع.

لقد تطورت الفوضوية كأيديولوجية في القرن التاسع عشر وترتبط بشكل خاص بعمل وليام غودوين (1756-1836) ، وبيير جوزيف برودون (1809-65) وبيتر كروبوتكين (1842: 1921). لم يكن الفوضويين (الأناركيين) منظمين بشكل جيد في جدول أعمال سياسي واحد متفق عليه مركزيًا! هناك العديد من الأشكال المختلفة للفوضوية، يؤكد بعضها على حرية الفرد، والبعض الآخر على قيمة العمل الجماعي، ولكن يبدو لديهم جميعا وجهة نظر أساس تقول يمكن للبشرية أن تزدهر بشكل طبيعي وعفوي بمجرد إزالة القيود السياسية. لذلك فإن الأناركية تمتلك نظرة إيجابية للطبيعة البشرية ولإمكاناتها ولكنها نظرة ساخرة بشكل عام لقيمة البنى السياسية. وعليه يمكن القول "الفوضوية" هي المصطلح المستعمل عادة من قبل شخص يرفض كل القواعد حتى لو كانت النتيجة سلبية. إن الفوضويين الحقيقيين لديهم نهج أكثر إيجابية، أنهم يبحثون عن وضع يسمح بالازدهار الحر لكل فرد.

مع القيم والتقاليد المعمول بها

يرى المحافظون لا يجب وضع القيم والتقاليد جانباً بكل سهولة، خاصة إذا اعتبرت فعالة في تنظيم المجتمع. تعبر المحافظة عن موقف أقل إيديولوجية وأكثر عموميةً تجاه المجتمع والسياسة. إنها ترى هناك قيمة في تقاليد المجتمع الراسخة تعزز القانون والنظام، وتسعى إلى الاعتزاز بما تم تحقيقه في الماضي، وتشجع على احترام السلطة. وإذا كان هناك تغيير، فينبغ يأن يكون بناءً على التجربة لا على التفكير المجرد.

إن النص الكلاسيكي الذي يعتبر قلب التيار المحافظ هو تأملات إدموند بيرك عن الثورة في فرنسا، التي نُشرت في 1792 تحت عنوان نداءات بيرك (1729-1797) وهي تؤيد عملية بطيئة للتغيير في المجتمع، تعترف بالحكمة التراكمية للماضي. كان ذلك، بالطبع، في صالح الملكية الدستورية، وإلى جانب المؤسسات الديمقراطية للحكومة، كما تم تأسيسها في إنجلترا. من أجل فهم قوة حجة بيرك، على المرء أن يقرأ خصمه العنيد، توماس باين الذي كتب عن "حقوق الإنسان" بقصد الرد على حجة بيرك نقطة نقطة. يبرز الأنقسام الأساسي التفكير المحافظ والفكر الاشتراكي من خلال النظر إلى المعركة الفكرية بين مواقفهم - دفع باين بأتجاه الإطاحة بكل سلطة مُقيدة، ووضع وثقة عميقة على قدرة الناس الاتفاق معا، بينما يركز وبورك باستمرار على الحذر من التغيير الراديكالي وعلى الثقة في المؤسسات القائمة.

تم تعديل المحافظة المعاصرة لتتناسب وروح العصر وتلونت بالملامح الرئيسية لليبرالية. ينطلق جدول الأعمال المحافظة الجديدة من الناحية الاقتصادية من سياسة عدم التدخل الليبرالية إلى حد بعيد. يختلف المحافظون الجدد اختلافاً ما عن المحافظة التقليدية، ويعتمدون بشكل كبير على الأجندة الاقتصادية الليبرالية، وهي سمة من سمات التفكير السياسي التي كان لها الحضور والبروز الأكبر في الولايات المتحدة، كما أوضحها فوكوياما (في 2006، America at the Crossroads) يحتوي على أربعة ميزات مميزة:

- أهمية الطابع الداخلي والقيم المتجسدة في النظام السياسي للولايات المتحدة الأمريكية، ويجب التعبير عنها في السياسات الخارجية؛ وبالتالي ينبغي على السياسة الخارجية الأمريكية أن تعيد إطلاق قيمها الديمقراطية الليبرالية.

- الاعتقاد بأن الولايات المتحدة الأمريكية يجب أن تظل ملتزمة في الشؤون الخارجية ويجب أن تستخدم قوتها للأغراض الأخلاقية.

- نظرة متشائمة لقيمة التخطيط الاجتماعي.

- نظرة متشائمة حول قدرة القانون الدولي أو المؤسسات الدولية على أن تكون فعالة في ضمان الأمن والعدالة.

يصف فوكوياما المحافظين الجدد بأنهم يرون الصواب هو أن تستخدم الولايات المتحدة قوتها العسكرية لتحقيق "الهيمنة الخيرية" على تلك الأجزاء من العالم التي تعتبرها ذات أهمية استراتيجية. ومن المهم ملاحظة أن مواقف المحافظة الجديدة تميل إلى التأكيد على ما يرونه مسؤولية أخلاقية للحفاظ على القيم التقليدية. وبالطبع فإن الطريقة التقليدية للحفاظ على هذه القيم، أو كيف يمكن تبريرها بعقلانية، مسألة أخرى بالطبع وتفصيل آخر.

مع المساواة

إذا كانت العدالة والمساواة هي القيمة الأساس لديك، فسوف تشعر بالأهتمام بأن يتلقى كل فرد في المجتمع ما يحتاج إليه، وأن لا تتحكم أقلية بالقاعدة الاقتصادية للأمة لكي تستفيد منها على حساب الآخرين. لقد تناول أفلاطون وأرسطو هذا الأمر، إلى حد ما (رغم أن هناك تحفظات كبيرة في تناولها، حيث تم تجاهل النساء والعبيد إلى حد كبير). وأنعكس ذلك أيضًا في "العقد الاجتماعي"، الذي يؤكد على مدى أهمية وقابلية الناس للالتزام بمصيرهم، بدلا من أن يكونوا تحت سيطرة حاكم مستبد لا يخضع للمساءلة.

ولكن مع القرن التاسع عشر - بدأت تغيرات هائلة في المجتمع نتيجة للثورة الصناعية في أوربا، وتطور الرأسمالية وتكوين طبقة عاملة حضرية وصناعية - تطور هذا التفكير إلى الإيديولوجيات الاشتراكية والشيوعية.

انبثقت الاشتراكية تعبيرا عن وعي الطبقة العاملة وتمردها على التأثير الاجتماعي للرأسمالية غير المقيدة. أذ رأت إن الرأسمالية بحاجة إلى تعديل وتخفيف أهدافها السياسية والاجتماعية. لقد وقف الفلاسفة مثل برتراند رسل (في محاضرته "قضية الاشتراكية") ضد النزعة المتأصلة في الرأسمالية التي تشجيع عدم المساواة، وتجاهل محنة أولئك العاطلين عن العمل، وكذلك طالب بالعمل على بالسماح تحسين أوضاع الطبقة الدنيا. قدمت الاشتراكية نفسها على أنها حملة أخلاقية ضد أسس الرأسمالية التي أدت إلى الاغتراب والاستغلال ومعاملة الناس كسلع وكتروس في عجلة اقتصادية. قاال روبرت أوين (1771-1858) ، وهو اشتراكي، (في رؤية جديدة للمجتمع، 1814) أن مجموعات صغيرة من الناس، مسؤولة عن عملها الخاص، يمكن أن تتوحد معاً وتحكم نفسها بطريقة تعاونية.

لم تكن هذه الاشتراكية، في بعض النواحي، بعيدة عن آراء الفوضويين الأوائل، الذين قالوا يمكن أن يعمل الناس معا بشكل جيد من دون فرض السيطرة السياسية نيابة عن الدولة – لكن قولهم هذا كان في ظروف مختلفة جدا عن ظروف الطبقة العاملة الصناعية الحديثة. كان موضوع الأستقلالية وحكم الذات لذاتها من خلال العقل، وتجاوز الانقسامات القديمة (بما في ذلك الانقسامات التي أحدثها الدين) هو المعبر عن الوعي السائد أنذاك.

تسعى الإيديولوجية الاشتراكية إلى إعادة توزيع الثروة لصالح الأقل رفاهية، وتقييد تلك الجوانب من الرأسمالية التي قد تنتج عواقب غير مقبولة اجتماعيا. أراد الاشتراكيون أن يتم إنتاج السلع لصالح المجتمع، وليس مجرد ترك الاقتصاد الرأسمالي للسوق الحرة. ومن هنا تطورت الحركة النقابية كحركة تمثل مصالح الشعب العامل بهدف تحسين الشروط والظروف التي يمنحها عملهم. لذلك ، فإن التمييز الأساسي بين المجتمع الرأسمالي والاشتراكي يدور حول ما إذا كانت احتياجات رأس المال تهيمن على احتياجات المجتمع، أو العكس. من الناحية العملية، بطبيعة الحال، تقع جميع المواقف بين هذين الضدين تقريبا. فمكان الهدف الرئيسي الوصول نقطة التوازن.

مع ماركس والشيوعية

قال كارل ماركس (1818-83) أن الفلاسفة قاموا بتفسير العالم بطرق مختلفة بينما المهمة الأساس هي تغييره، وبدون شك، كانت فلسفته السياسية مؤثرة بشكل كبير، وشكلت الكثير من تاريخ القرن العشرين. وكان عمله الرئيس هو Das Kapital " راس المال: نقد الاقتصاد السياسي"، الذي نشر في عام 1867. إن الكتابات حول ماركس كثيرة، ومن غير الواقعي تفصيل فلسفته في هذه المقالة القصيرة نسبيا ، ولكن من المهم وضعه في إطار التطور العام للفلسفة السياسية.

قال ماركس ان البنى السياسية والاجتماعية متجذرة أساسا في الاقتصاد، وعلى وجه التحديد في إنتاج السلع وتوزيعها. ولذلك فسر التاريخ من الناحية الاقتصادية حيث يشكله الصراع بين الطبقات الاجتماعية وأرباب العمل الراسماليين الذين يعاملون موظفيهم كما يعامل ملاك الأراضي فلاحيهم. وينظر إلى كل شيء من حيث النضال الطبقي، وفي سياق المجتمع ككل.

تاثر ماركس بجدليه هيغل ولكنه كان مدفوعا بالأساس المادي والاقتصادي للمجتمع. وبالتالي، تسمى نظريته المادية جدليه.

 إن إنتاج شيء يحقق من خلاله شخص آخر ربحًا، يصبح منفصلاً عن عماله، ويتم التعامل معه على أنه أشياء غير شخصية، مجموعة آلات الغرض الوحيد منها في الحياة هو الإنتاج. لقد شاهد ماركس العملية الرأسمالية التي أدت إلى تركيز المزيد من الثروة في أيدي عدد قليل من "البرجوازية" ، بينما تتحول "البروليتاريا" العاملة إلى الفقر. وأعتقد أن هذا سيؤدي في نهاية المطاف بهؤلاء العمال إلى الانتفاض ضد أصحاب الملكية البورجوازية، والحصول على ملكية مشتركة لوسائل الإنتاج، وإنشاء مجتمع لا طبقي- ديكتاتورية البروليتاريا: الشيوعية.

تتضمن الأيديولوجية الشيوعية عمومًا درجة عالية من سيطرة الدولة التي يستلزم عليها توفير أساسيات الحياة في دولة الرفاهية.

كانت هناك اختلافات كبيرة في تطبيق هذه الأيديولوجية. فبينما أمسكت السلطة بالدولة وهيمنت عليها في عهد لينين، أراد تروتسكي سلطة أقل رسمية لتكون في يد الحزب الشيوعي، ويكون هناك المزيد من المشاركة المباشرة للناس في صنع القرار السياسي. واجه ماو، في الصين، وضعا مختلفا عن الوضع الذي كان ينطلق منه ماركس، ورأى أن الناس العاديين في البيئة الزراعية على استعداد لقيادة الثورة، على عكس افتراض ماركس بأن العالم الزراعي سيحتاج إلى ان يصل الى التصنيع والأنتاج الصناعي قبل أن تحدث هذه الثورة.

العامل الرئيسي الآخر في تقييم الأيديولوجية الماركسية هو أنها تنبأت بالتدمير الذاتي للرأسمالية في نهاية المطاف، وازدهار المجتمع الشيوعي الذي لا طبقية فيه. من الناحية العملية، طبعا، ازدهرت الرأسمالية في القرن الحادي والعشرين، وفشلت الدول الماركسية في تحقيق المساواة والحرية الموعودة، وبالتالي أطيح بها.

واجهت اللشيوعية السوفياتية معضلة رهيبة في I956، عندما تم الاعتراف بالحكم المرعب في عهد ستالين الذي ندد به خروتشوف في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي. وأخذ يشار إليه أحيانا باسم "التناقض الكبير" الذي يمكن التعبير عنه بمايلي:

- هل كان حكم ستالين هو نتاج حتمي للبنى الاقتصادية التي خلقته؟

- أم أن عبادة الشخصية هي التي سمحت لستالين بالحكم بهذه الطريقة، لتشكيل المجتمع والوقوف فوق القانون؟

إذا أخذت أول هذه الخيارات، فإن مسيرة المادية الجدلية أدت إلى كارثة، وليس الى المجتمع المثالي وحكم البروليتاريا. قال ماركس بأن المجتمع سينتج القادة الذين يحتاجونه. ومن هنا يمكن أن يلام النظام السوفياتي نفسه لإنتاج ستالين. لكن إذا أخذت الثانية من هذه الخيارات، فهذا يعني أن المادية الجدلية نفسها خاطئة جوهريًا، وأن التغيير يحدث من خلال تأثير الحكام الأفراد، وليس عملية جدلية الديكتاتيك.

في مواجهة حقيقة ما حدث في الاتحاد السوفياتي تحت حكم ستالين، بدا فجأة أن نظرة ماركس الأساسية لطبيعة التغيير السياسي كانت معيبة بشكل أساسي أو كانت نتائجها غير مقبولة على الإطلاق. كان ذلك اعترافًا صادمًا لم تتعافى منه الشيوعية أبدًا.

انتقد فريدريش فون هايك (1899-1992)، في كتابه "الطريق إلى العبودية" (1944)، كل الأيديولوجيات القائمة على الجماعية - فكرة أن النشاط الاقتصادي يجب أن يتم تنظيمه مركزيًا من قبل الدولة - على أساس أن الجماعية تقود بشكل طبيعي إلى الشمولية. وأعرب عن اعتقاده بأن التخطيط المركزي لن يحقق الإنصاف في توزيع الموارد، ومن الأفضل تركه لقوى السوق، وقدرة الناس على التجمع من تلقاء أنفسهم والتعاون من أجل المنفعة المتبادلة. من الناحية العملية، كان الاقتصاد المركزي الهائل للاتحاد السوفييتي تحت حكم ستالين ، يُنظر إليه، عن سبيل المثال، أنه غير كفؤ بشكل يائس، ومتعثر في البيروقراطية، ويصونه القسوة الشمولية.

جاء نقد آخر رئيسي للشيوعية الماركسية من قبل كارل بوبر (1902 - 94). كان ماركس قد رأى أن تقدمً المجتمع يتحدد علميًا من خلال المادية الجدلية، لكن بوبر رأى في هذا علمًا زائفًا، لأن الماركسيين لن يسمحوا بأي دحض نظريتهم مما يؤدي إلى رؤية ثابتة وشمولية للمستقبل. ويتماشى هذا مع مساهمته الرئيسية في فلسفة العلم - التكذيب - أي أنه من أجل اختبار النظرية، يحتاج المرء أن يعرف ما الذي سيظهر أنها خاطئة، حيث لا تتوافق أي نظرية حقيقية مع أدلة متناقضة. وقال إن الماركسيين لن يسمحوا بأي نقد ضد المادية الجدلية، وبالتالي، فإن النظرية لا يمكن أن تكون علمية حقيقية. وهذا يقوض أسس النظرية الاجتماعية الشيوعية.

لقد جمع ماركس أدلته - مثله مثل أي عالم - فابتكر نظرية تفسيرية. لكن أظهر التاريخ اللاحق أن تنبؤاته خاطئة، وبالتالي - مهما كانت المزايا الاجتماعية التي قد يقدمها النظام الشيوعي - لم يعد من المنطقي الاعتقاد بأن ديكتاتورية البروليتاريا أمر لا مفر منه.

تعتبر الاشتراكية الطريقة الجماعية لوسائل الإنتاج خطوه ضرورية على طريق تحقيق هدفها السياسي. وبمجرد ان تتحكم الدولة مباشره في وسائل الإنتاج، يمكن ان يدار الاقتصاد من أجل تلبيه الاحتياجات الحقيقية للشعب، في حين انه في ظل الراسماليه، يتم تحفيز الاحتياجات المتزايدة باستمرار للناس من أجل أدامة النظام الراسمالي.

ان النجاح العام للراسماليه وفشل الاقتصاد المخطط يعني ان الموقف الاشتراكي اليوم، وبصفه عامه، لم يعد يحاول القضاء على النظام الراسمالي، أو المبادئ العامة للعرض والطلب المضمنة فيه. وبدلا من ذلك، فانه يرى ينبغي تنظيم الراسماليه برفق، مع الاعتراف بان المنافسة العارية (كما قدمها أفلاطون في Thrasymachus ، حيث العدالة هي كل ما هو في مصلحه الأقوى) لا تعطي دائما نتيجة اجتماعيه مقبوله.

وفي هذا السياق لابد من الأشارة الى أندريه غورز الذي كان مساهمًا أوروبيًا كبيرًا في التفكير حول الاشتراكية والرأسمالية، فقد أنتقد في كتابه "الرأسمالية والاشتراكية والإيكولوجيا (1991)" "هيمنة العقلانية الاقتصادية المتجسدة في الرأسمالية". بعبارة أخرى، من وجهة نظر اشتراكية، لا تهتم بالأثر الاجتماعي للاقتصاد فقط، بل على ما اعتبره هيمنة الفكر السياسي على الاقتصاد.

 إن الديمقراطية الاجتماعية الحديثة هي نتاج هذا الاندماج للاشتراكية مع الديمقراطية و الاعتراف بالفوائد التي تعود على العاملين والتي يمكن تحقيقها من خلال اقتصاد يوفر مستويات معيشية متزايدة باستمرار. وقد أدى هذا الاعتراف إلى انتقال الأحزاب الاشتراكية الحديثة بمسافة كبيرة نحو الأجندة الليبرالية.

مع التنمية الشخصية أو الوطنية

إن العالم الذي يتغير ويتطور، من المهم ان يحدد الأفراد والأمم فيه الأهداف التي يطمحون إلى تحقيقها، ويمكن أن تصبح هذه سمة أساسية لإيديولوجية اجتماعية وسياسية أو شخصية.

فريدريك نيتشه (1844-1900) هو الفيلسوف الذي اشتهر بادعاءه بان الله قد مات وبالتالي يجب على البشرية ان تتحمل مسؤولية مستقبلها. في الوقت الذي كانت نظرية داروين للانتخاب الطبيعي، وفكره التطور عموما، أنتجت وجات نظر جديده لفهم الأنواع البشرية، رأى نيتشه رجلًا جرأياً على حبل مشدود يتحرك من بين الوحش نحو شكل أعلى مستقبليًا: 'سوبرمان'. معبرا عن تأكيده للحياة على أنها "إرادة للقوة" - ليس القوة الخارقة كما في محاورة أفلاطون Thrasymachus، بل إرادة لتأكيد الحياة والتطور والمضي قدما. ينتقد نيتشه المسيحية والديمقراطية على حد سواء، لأنه يعتقد أنها تمنع فعل الأقوياء لأجل تأييد الضعفاء. وتبدو له المسيحية تحتفل بالضعف وتقبل "أخلاق العبيد" بحماسة، بدلاً من "الأخلاق الأساسية" للتنمية الذاتية وزراعة الفضائل النبيلة. بالتأكيد نيتشه فيلسوف مهم يستحق القراءة. لكن لأغراضنا هنا، لا نحتاج إلا أن نتطرق إلى بعض الآثار السياسية لعمله - وبالتحديد، اعتباره تطور الشخصية، سواء بالنسبة للفرد أو للمجتمع، قيمة أساسية. بعبارة أخرى، إن إنتاج السوبرمان هو نقطة البداية – وهو الوظيفة الضرورية التي يجب على المجتمع أن يقوم بها حتى يبني نظامًا سياسيًا. وللأسف، قرأ كل من هتلر وموسوليني نيتشه واعتُبر عمله كرسم كاريكاتيري لتبرير قوميتهم المتشددة وأكثر أشكال العنصرية تطرفاً في نتائجها الوحشية.

ليست القومية أيديولوجية سياسية، ولكنها تعبير عن قوة سياسية مرتبطة بالدولة القومية. إنها متوافقة مع الإيديولوجيات الأخرى، لكنها تعطي الأولوية لتطور الدولة/ الأمة أو الدولة القومية، مما يعطي وزنا إضافيا للأمة، وتؤكد في كثير من الأحيان على أهمية الأمة بدلا من المنظمات الدولية أو الدينية.

يتجه التعاطف القومي في أقصى اليمين نحو الفاشية. وهنا يتم استخدام الهوية الوطنية كداعم لإدخال نظام استبدادي، مع معارضة للأفكار الليبرالية، ومطالبة الأفراد بالأندماج في الصورة الوطنية أو الثقافية النمطية. يعتبر موسوليني في إيطاليا وهتلر في ألمانيا وفرانكو في إسبانيا أمثلة على هذا النهج - في كل حالة يبدو أن هناك عبادة كبيرة للقائد، حيث ينظر إلى الحاكم على أنه تجسيد للمثل الوطنية العليا.

لا تخلو الفاشية من خلفية فلسفية. فقد رأى هيجل بأن الأفراد يجدون في الدولة تعبيرًا عن إرادتهم الجماعية ووعيهم. لذا فهم يبحثون عن دولة مثالية وزعيم مثالي، تجمع وتضع تركيزها على تطلعاتهم الجماعية. كان الممثل المبكر للأيديولوجية الفاشية هو الفيلسوف المتبنى للهيجلية الجديدة جيوفاني جنتيل (I875-I944) والذي كان الكاتب الخفي لـ"عقيدة الفاشية" لموسوليني. كانت نظريته عن المثالية الفعلية تهدف إلى التغلب على الفجوة بين الأفكار والعمل، حتى يعبر الناس عن فلسفتهم من خلال الالتزام السياسي. كما توجد مشاعر مماثلة عند هيدجر، الذي أيد آراء الحزب النازي في عام 1933 على أساس أن الناس يحتاجون إلى الإحساس بالمعنى والتوجه والحسم في حياتهم بالأضافة تأكيد الذات التي لا يمكن أن يقدمها إلا زعيم قوي في سياق قومى، معتقدا أن للشعب الألماني رسالة خاصة. وأريد أن اشير هنا الى أن أفكار جنتل تقف في تناقض مثير مع أفكار ماركس. فبينما تبنى ماركس جدلية هيغل واستند إليها في تفسيره المادي والاقتصادي للعالم، رجع جنتل الى جدلية الأفكار. اعتقد كلاهما أن فلسفتهما ستغير المجتمع، وكان كلاهما مثاليان في تصورهما لمجتمع المستقبل. أما ما أذا كانت قيمتهم كفلاسفة شوهة بالكامل من قبل البنى السياسية التي نشأت من أفكارهم فهذه مسألة أخرى.

عندما نظر مكيافيلي إلى ما هو مطلوب من أجل الاحتفاظ بالسلطة في دولة المدينة في عصر النهضة في إيطاليا، رأى أن القسوة أكثر فعالية أحيانًا من اللطف غير الحاسم للأمور. وأن القيمة الأساس والتي لها الأولوية بالنسبة للحاكم هي أمن وسلامة وقوة الدولة، ويعتبر كل ما يتعلق بالحرية أو المساواة ثانويا.

لذا فإن السؤال الرئيسي هنا هو: إلى أي مدى يجب أن يكون لتطور الدولة، من حيث قوتها وأمنها واستقرارها وقابليتها الاقتصادية، الأولوية على قيم الحرية والمساواة لشعبها؟

مع الطغاة

السمة الأساسية للديكتاتوريين أنهم يقفون فوق سيادة القانون والسياسية. قد تظهر الديكتاتورية في العديد من الإيديولوجيات المختلفة، من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين. لكنها تشترك في سمة القسوة وعدم الرحمة في تنظيم الأمم التي تقودها وتسيطر عليها. وتاريخيا سببت موت الملايين. قد يصبح رئيس الانقلاب العسكري دكتاتوراً، بسبب التسلسل القيادي والطبيعة المطلقة للانضباط العسكري، مما يحول دون تحدي السلطة القائمة، ومع ذلك، يمكن تبرير الدكتاتورية من قبل الكثيرين في بعض الأحيان لقدرتها على السيطرة على أوضاع أنقسامات طوائفية يؤدي انفلاتها الى حروب اهلية وتفكك الدولة. من المهم أن نسأل ما إذا كان أي نظام أقل من الديكتاتورية قادر على إقامة دولة مستقرة فيها فصائل داخلية متصارعة. لن يخبرنا على هذا السؤال سوى الزمن.

لقد وصل الديكتاتوريون، عموما وتاريخيا إلى السلطة في مواقف تتطلب عملاً سياسيًا حاسمًا، وكان يرحّب بهم الناس في بعض الأحيان للفوائد التي يمكن أن يقدمها الحسم من حيث كفاءة الخدمات التي تقدمها الحكومة. تكمن المشكلة في صعوبة أزالة الدكتاتورين من السلطة لسيطرتهم على الوسائل العسكرية وغيرها من وسائل التغيير.

 مع البيئة

بوجود 6.5 مليار شخص على هذا الكوكب، وموارد طبيعية محدودة، واقتصاد عالمي يشجع على زيادة استهلاك السلع والخدمات، ليس من المستغرب أن يتزايد تأثير الإنسان على البيئة، وقد أدى ادراك هذا الأمر إلى تطوير مجموعة من المبادئ التوجيهية الأخلاقية والسياسية التي تتحدى الإيديولوجيات القائمة. تشير مسألة البيئة إلى أن تشغيل الصناعة والنقل أن يُأخذ في الاعتبار أثرها البيئي. قد يكون هذا جيداً في حد ذاته، لكنه لا يعالج الافتراض الأساسي للرأسمالية بأنه سيكون هناك عدد متزايد باستمرار من السلع والخدمات التي يتم إنتاجها لتلبية الاحتياجات المحفزة دائما. يبدو هذا لبعض المفكرين ( أندريه غورزعن عن سبيل المثال) ليس أكثر من استجابة جزئية للأزمة البيئية العالمية، لأنها تترك بنية الإنتاج التي تسبب الضرر البيئي ولا تقدم لها علاجا جذريا. البديل هو نهج إيكولوجي أكثر جذرية يرجع عن الافتراضات الاقتصادية للرأسمالية ويسأل لماذا نحتاج إلى زيادة مستوى معيشتنا (الذي عادة ما يكون متطابقًا مع مستويات استهلاكنا). من شأن هذا النهج أن يوحي بأن نوعية الحياة يمكن تحسينها من خلال استهلاك حياة أقل- مقاربة الحياة وقيمها من المنظور الإيكولوجي، ومن ثم تنقيح احتياجاتنا ورغباتنا المتصورة في ضوء ذلك المنظور بدلاً من مجرد الضغط والتأكيد على افتراض زيادة الإنتاج.

الإيكولوجيا السياسية هي المصطلح المستخدم بشكل عام لإعادة تشكيل الفكر السياسي لمراعاة حقيقة أن الناس يعتمدون على بيئة تتعرض بشكل متزايد للتهديد بسبب نشاطاتهم. ولكن هناك سؤال جوهري يُطرحه: هل يجب حماية البيئة من أجل مصلحتها الذاتية، أم بسبب قيمتها للبشرية؟

إن أولئك الذين يأخذون بوجهة النظر الأخيرة يقولون بالحاجة إلى التنوع البيولوجي، عن سبيل المثال، غالباً ما تكون الأنواع النباتية النادرة مفيدة لأننا نستمد منها أدوية جديدة. وسيكون للضرر الذي يلحق بالبيئة تأثيرا مباشرا على نوعية الحياة، أو حتى بقاء الأنواع البشرية. أما ألئك الذين يأخذون بوجهة النظر الأولى (التي يطلق عليها عمومًا علم البيئة العميقة) فيقولون علينا أن نتجاوز النظرة البشرية للطبيعة - أي يجب حماية البيئة، بغض النظر عما إذا كان بإمكاننا رؤية أي منفعة مباشرة للبشرية في القيام بذلك. ويرتبط ذلك بالحجة الأخلاقية لحقوق الحيوان - وهي أن الأنواع الأخرى ليست موجودة للترفيه أو الغذاء للإنسان، بل ينبغي أن تُقيَّم في حد ذاتها وتُعامل باحترام.

من الواضح أن الإيكولوجيا السياسية تنطوي على مجموعة كبيرة من القضايا، من تغير المناخ والتلوث إلى مخاطر استغلال موارد الأرض المحدودة وانقراض أنواع أخرى. ربما أعتبرت مثل هذه القضايا في المقام الأول وفي وقت ما ذات أهمية أخلاقية للأفراد ولكن اصبح من الواضح في العقود الأخيرة أنه لا يوجد فرد، بل ولا دولة بمفردها، قادر على معالجة هذه القضايا وحدها. سيتطلب أي تغيير جوهري اتخاذ قرارات سياسية على المستوى العالمي وكذلك على المستوى الوطني، وسيحتاج نشاط الأفراد (عن سبيل المثال، إعادة التدوير أو الاستخدام الاقتصادي للموارد) إلى قدر من الدعم السياسي لكي يكون فعالا.

 تتبنى مختلف أحزاب الخضر هذه الإيديولوجية البيئية، وكذلك منظمات مثل أصدقاء الأرض والسلام الأخضر. يتم تناول هذه القضايا أيضًا مع زيادة الوعي بأهميتها، من قبل الأحزاب السياسية الأخرى. ومن ثم، لدينا أيديولوجية لا ترتبط بحزب سياسي بعينه، ولكنها قادرة على إشراك الناس من جميع الأطياف السياسية، مع الاعتراف بأن القيم الأخرى لا يمكن الحفاظ عليها إذا تم تدمير البيئة نفسها. ستشكل العلاقة بين الأفكار والقيم التي تمثلها البيئة تحديا كبيرا للنظم والقيم السياسية والاقتصادية القائمة على أي مستوى يعمل به.

مع مستقبل الأيديولوجيات

 كان الأجماع، مع اقتراب القرن العشرين من نهايته، أن الاشتراكية كنظرية ونظام سياسي قد ماتت. وإن محاولة إدارة الاقتصادات الوطنية على خطوط إيديولوجية لا يمكن أن تتطابق مع ما يمكن أن تقدمه الأسواق الحرة عن طريق الابتكار والتحسينات في أسلوب الحياة. حتى البنى الطبقية التقليدية في الاقتصادات الرأسمالية بدت ميته، حيث أن الوعي الطبقي القديم أفسح المجال لتداخل دوائر الولاء في بيئة متعددة الثقافات، ذات دوافع مالية موجهة نحو المستهلك.

قال فرانسيس فوكوياما (في "نهاية التاريخ" ، 1992) أن الطموحات العالمية للناس في المشاركة في منافع الحياة الحديثة ستقودهم في نهاية المطاف إلى اختيار شكل ديمقراطي ليبرالي للحكومة ونظام اقتصادي رأسمالي. كتب هذا، بالطبع ، في ضوء انهيار الاتحاد السوفييتي والتراجع العالمي للاشتراكية والشيوعية. وهكذا، لم يرى فوكوياما "بدائل نظرية متماسكة للديمقراطية الليبرالية"، فافترض أنها - مثل العربات التي تتحرك نحو مدينة - سينتهي كل شخص في نهاية المطاف الى المكان نفسه، فحتى لو كان البعض قد خرج عن الطريق أو اتخذ مسارًا مختلفًا، أو كانوا يحققون تقدمًا أبطأ من غيرهم. وبعبارة أخرى، نحن جميعاً نتجه في الاتجاه السياسيا نفسه.

ثمانية عشر عاما هي فترة طويلة في السياسة، ومنذ ذلك الحين تبرأ فوكوياما عن تأييده لأجندة المحافظين الجدد في الولايات المتحدة الأمريكية، ولا سيما سياستها الخارجية وردها على هجمات 11 سبتمبر، وليس واضحا اليوم ما إذا كان من هو حر في اختياره أن يختار للديمقراطية الليبرالية ونهج السوق الحرة تلقائيا. هناك عناصر أخرى تلعب دورا كبيرا اليوم، لا سيما مع صعود الأيديولوجيات الدينية الأصولية التي تتقاطع مع أي افتراضات اقتصادية بسيطة. لا يفجر الانتحاري نفسه لزيادة حصته من الفوائد المادية!

أصبحت الأيديولوجيات المتناقضة بشكل صارخ والتي ثبتت أنها مميتة في القرن العشرين متواضعة. لقد تغير جدول الأعمال اليوم وطرحت قضايا عالمية جديدة وأسئلة لا تقدم عنها الإيديولوجية القديمة إجابة مرضية. قد تكون الديمقراطية الليبرالية قد فازت اليوم من حيث النفوذ العالمي، لكن مع مرور الوقت، هناك عدد متزايد من الأسئلة التي يجب طرحها حول منهجها. كما أنها تواجه تحديات متزايدة من منظور ديني، ولا سيما الأصولية، وكذلك من منظور الإيكولوجيا السياسية - وينظر إليها بشكل خاص في قضية الاحتباس الحراري للكرة الأرضية.

لم تعد المجموعات القديمة من الأفكار التي شكلت أيديولوجيات القرن العشرين مرنه بما فيه الكفاية لانصاف المجموعة المعقدة من القضايا التي تواجه المجتمعات العالمية والوطنية والمحلية اليوم. ومن ثم، فبدلاً من التمسك بالشعارات الأيديولوجية، من المهم أن تتصدى الفلسفة السياسية لأفكارها الأساسية مباشرة ، وهذا هو مايجب عليها، والتي سأنتقل لنقاشها لاحقا.

 

الدّكتور عليّ رسول الرّبيعيّ

 

يعد مفهوم الرمز من المفاهيم ذات الاشتغالات العميقة الجذور تاريخياً وفلسفياً، وتعد من المنطلقات الأولى في تكوين البنيات الاجتماعية للشعوب الأولى ذات التكوين البدائي في التفكير البشري، والذي اخذ بالبحث فيما ورائيات الظواهر الفيزيقية التي شكلت تحدي مباشر للوجود الإنساني المبكر، مما جعل إيجاد صيغ تعامل محددة في إطار فكري وزمني معين يتطلب من الباحث في هذا المفهوم إلى فهم طبيعة الأهداف المبكرة التي وجدت من أجلها تلك الظواهر الفكرية والحياتية التي ارتكز عليها إنسان الحضارات الأولى، وفي هذا المجال يرى (عالم الانثربولوجيا البنيوية كلود ليفي شتراوس) في محاولاته في تصوراته عن الطوطمية وما أنتجه العقل المتوحش، في إن تلك الشعوب عادة ما ننظر إليها على أنها خاضعة تماماً للحاجة إلى تجنب حالة التضور جوعاً، والاستمرار في حالة قدرة على البقاء في ظل ظروف مادية شديدة القسوة. هذه الشعوب تكون قادرة تماماً على القيام بتفكير منزه عن الهوى أي أنهم يتحركون من خلال الحاجة أو الرغبة لفهم العالم المحيط بهم طبيعة ومجتمع هذه العالم.

إن مرتكزات التحرك الغريزي المؤطر بالحاجات من أجل البقاء يعطي دافعية للشعوب الأولى من أجل تحصيل الاكتفاء الحياتي للبقاء والمرور بهذه الدافعية إلى البحث عن الديمومة لجعل هذا الوجود الإنساني يسير وفق بغيات منطقية تساير ما هو محيط وظاهر عياني مع ما هو مخفي ومحرك لهذا الوجود في إطار تفكير تبريري لتلك الحوادث والظواهر وما يكمن خلفها، لذلك استعاض الإنسان في تفكيره الأول بأشياء مادية تكون محمولة عن موضوعات يعتقد هي من أوجدت تلك الصور بمختلف أشكالها المخيفة أو السعيدة المشكلة لصور الحياة الأولية وتمثلاتها في داخل الوعي البشري.

إن التفكير الإنساني الأول جعل من هذه الصور وتمثلاتها في الوعي بمختلف مردوداتها وارتداداتها النفسية في داخل الوعي الأول تشكل حافز لمعرفتها وتحليلها، ولكن بسبب قلة الإمكانيات وبدائية الحياة حولها إلى أشكال مجسمة رمز بها إلى تلك الظواهر والتي تحولت بمرور الزمن إلى أشكال مقدسة ترمز وتشير بالوعي الجمعي إلى عملية تقديسية أنتجت نظام من المعتقدات التي بني على أساسها المشروع الطقسي والعبادي الأول عند إنسان الحضارات الأولى ذلك لان التقديس ينصب على الرمز وفعل التقديس نفسه هو صانع الرموز، كما أن الدين باعتباره وعياً جمعياً هو الوعي الرمزي عن جدارة ذلك لان الوعي الرمزي عندما يتحول إلى فعل رمزي يتخذ صورة الشعائر والوعي الجمعي هو الوعي المشتغل بالرموز وعلى مستوى الرموز، وهو الذي يستخدم الرمز باعتباره مشكلاً لرؤية العالم ومحفزاً على الفعل التقديس لها.

إن فعل التقديس لما يكمن خلف الرموز البدائية الطوطمية أنتجت الشعور بالمقدس والذي كونت طبيعة المجتمع الإنساني الأول وعكست قضاياه وحاجياته نحو البقاء، حيث اشتغل الرمز المقدس في تشكيل بنية الوعي ونزياحاتها نحو فرض مساحات فكرية محددة في إطار ما يعتقد المشتغل عليه لإعطاء تبريرات لمساحة المباح في حضرة الرموز وفعل ترميزاته في الوعي المتأمل لهذا الأفعال واشتغالاتها بين "المعنى الانطولوجي والمغزى الميتافيزيقي، ابتداء من الرموز الطوطمية في المجتمعات البدائية المندثرة، وانتهاء بالرموز الدينية،إذ إن الشعور (بالمقدس) – كما استخلص العالم بتاريخ الأديان والعقائد الدينية (مرسيا الياد) (هو عنصر من عناصر بنية الوعي وليس مرحلة من مراحل تاريخ الوعي، وذلك إن عالماً ذي معنى) والإنسان لا يسعه أن يعيش في العماء أو الخواء – هو حصيلة سيرورة جدلية يمكننا أن نسميها عملية تجلي المقدس، الذي يأخذ طبيعته الحضورية في طبيعة تكوين البناء الهرمي والقيمي للطقوس المرتبطة بشكل الرمز واشتغاله الشعائري ومدلولاته التي تتحول إلى بنيات أساسية في النظام التقديسي الديني والنظام الاجتماعي وحتى السياسي لتلك المجتمعات لان هذا البناء القائم على شقيه الميتافيزيقي كمدلول والفيزيقي الانطلوجي كدال يستند إلى فعالية العمليات الرمزية وارتباطها بالفعل الوجودي المرتبط  بسلطة ظاهرة أو خفية، ولكنه في كليته عملية تحقق ضروري للإنسان، فالبدائي يرى وجوده حقيقة واقعة ليست موضوع شك أو مجال تساؤل فلسفي... كما أن عالم المجردات منفصلاً عن عالم المحسوسات... فالرموز والطقوس هي (تشيؤ) وتجسيد لهذه المجردات، كما أنها أيضاً عملية تحقيق وجودي لهذه المجردات التي تصبح بمرور الوقت والاستخدام الانطلوجي للرمز ثابتة في طبيعة الرؤية البشرية في ضوء الاستمرارية الفعلية لهذه المفاهيم الرمزية في داخل الوعي كمحمول له أثر فعلي في تدويم السلطة الرمزية وتعويضاتها عن ما يتم التخلي عنه في المساحات الفكرية في داخل الوعي البشري، أن لهذه السلطة الرمزية وظيفة قائمة على الفعالية التعويضية في حقل الوعي المعرفي وبحثه فيما يؤكد وجوده وبقائه واستمرايته، لذلك فان الوظيفة الرمزية التي تتجلى في إطارها التعويضي هي ليست الحاصل البسيط للحركات المحددة، إنما هي ما تكونه علاقة ما بين أية حركة كانت بصفتها دالاً وبين شيء وفعل وحالة بصفتها مدلولات. مع ذلك فهي ليست إضافة وإنما ازدواجية كذلك فهي ليست شراكة بين حقيقتين منفصلتين بشكل بدائي، يكمن خطأ الترابطية بإعادة تكوين الحياة النفسية إلى بداياتها، بل هي ضرورة لتمكين الوعي من الاستمرارية في عملية ديناميكية هدفها إيجاد بدائل عن كل ما هو غير ممكن التواصل معه وفيه، لذا فان كل حالة تعويضية هدفها البحث عن البديل الذي يمكن الوعي البشري من التأقلم والتكيف مع ما هو قادم، لذلك جاءت الاستخدامات المتعددة والمتغيرة للرمز مع ما يستحدث من تصورات جديدة قابلة للبحث والتطوير في الوعي البشري، الذي يعمل على إنتاج ماهية الرموز وفعاليتها الفكرية في التصورات الذهنية، ومن هنا فأن منشأ الرمز في داخل الوعي البشري يأتي من الفعل المشترك للعقل والإدراك، فالعقل (القدرة البشرية لما فوق الحسي)، والإدراك (القدرة التي تعرف وفقاً للأحاسيس) يعملان معاً تحت توجيه الخيال لإنتاج الرمز، الذي ينبغي أن يظل موسوماً بالغموض والخفاء، فهي طريقة الإنسان في التعبير بوضوح عن تجربته في العوالم التي تظل جوهرياً غامضة وعصية على الفهم لتعلقها بالأفكار التجريدية، وهي عصية التوصيل إلا بطريق الرمز الذي يحدث نمواً في الذات، فيحصل نوعاً من الاعتماد المتبادل بين الرمز والذات التي أنتجته، فيه ثراء لها، وتعميق لأثر الرمز فيها.

ان خلاصة الفكر البدائي الذي تمظهر فيه الرمز بحالته الأولى يمكن ان نجمله بما يأتي:

أولاً: إن الرمز في الفكر الإنساني قديم الوجود ويعد ظهوره مرافق لظهور حاجة الإنسان الأولى للتعبير عن أفكاره وآرائه اتجاه الظواهر الكونية والطبيعية لمعرفة طبيعة تكوين العالم وهذه الظواهر الكونية، لذا استعاض عنها بالرمز من أجل محاكاتها وتنسيقه عملية الطقس التي ترافق تكوينها.

ثانياً: تحولت الرموز بفعل التعويض عن الظاهرة الغامضة المراد تفاديها إلى دال يحاكي مدلول خفي بحيث تحول هذا الفعل إلى تقديس للرمز، بحيث انصب على الرمز وأصبح فعل التقديس هو صانع الرموز من خلال صورة الشعائر المقامة في الفعل التقديسي للرمز.

ثالثا: أنتجت عملية التقديس وظيفة رمزية تتجلى في إطار تعويضي ناتج عن علاقة بين أية حركة كانت بصفتها دالاً وبين شيء وفعل وحالة بصفتها مدلولاً، وهذه الوظيفة هي ضرورة لتمكين الوعي من الاستمرارية تهدف لإيجاد بدائل عن كل ما هو غير ممكن التواصل معه وفيه.

رابعاً: أن منشأ الرمز في داخل الوعي البشري يأتي من فعل مشترك بين العقل والإدراك والأول قدرة بشرية ما فوق حسية والإدراك القدرة التي تعرف بالإحساس، ومن خلال عملها المشترك تحت سلطة الخيال والبحث عن التأويل والتفسير للأشياء والظواهر يأتي إنتاج الرمز البديل عن الصورة التي لا يمكن تفسيرها إلا من خلال الرمز.

 

الدكتور أحمد ناصر الشندل

 

صباح الحاج مفتنيُعدّ أفلاطون أول مَن قدَّم نظرية في شرح معنى العمل الفني، وتميَّز البحث إلى جانب الواقع الخارجي عن شيء آخر أعلى من الواقع وهو "المثال"، كما طالب بوجود شيء فوق التجربة الحسية، وشيء آخر فوق الفن العادي وهي النفحات الإلهية؛ لكن أرسطو تميَّز في رفضه لهذا البناء الفوقي؛ لأنه غير واقعي وغير عقلاني؛ فرفضَ المثال المفارق والنفحات الإلهية للشعراء. وهكذا تقوَّضَت النظرة الثنائية للفن التي كانت تسود الإغريق، والتي روَّجَ لها أفلاطون حين قسَّمَ الفن إلى محاكاة والى نفحات إلهية في الشعر، ولكنَّ أرسطو استبعدَ الجانب الإلهي واكتفى بأنَّ كل الفنون هي محاكاة؛ ممّا مهَّد الطريق إلى قيام نظرية عامة موحَّدة للفن تضم فروعه كُلها.

على الرغم من موهبة أفلاطون الفنية إلاّ أنه في الوقت نفسه يعد عدواً للفن؛ فهذه النظرة الأفلاطونية لها ارتباط بالاتجاهات الفنية المعاصرة له؛ إذ يتبيَّن أنَّ الدوافع التي حرَّكَت أفلاطون للثورة على الفن هي ذلك التحرر الواضح للفنون المختلفة من القيود والقواعد القديمة التي كانت تخضع لها من حيث الثبات والغرض الأخلاقي والديني؛ إذ شهد القرنين الرابع والخامس ق. م عصراً انفتاحياً واسعاً في ظل الديمقراطية ومعلِّمي السفسطائية، ممّا حدا بأكثر الفنانين والشعراء والمفكرين إلى تبنِّي نظريات جديدة لا تهدف من الفن هدفاً خارجياً، وإنما هدفها تحقيق اللذة الجمالية عند المتذوق.

عُرفت هذه النزعة الجديدة بالنزعة الواقعية أو الطبيعية في الفن اليوناني، والتي كان من سماتها استخدام أساليب الخداع البصري في الرسم بواسطة الظلال المختلفة، أمّا في البحث فقد زاد الاهتمام بالتفاصيل المميزة لجسم الإنسان والتعبير عن العواطف والانفعالات النفسية التي تظهر على وجه الإنسان؛ ومالت "التراجيديا" إلى وصف الشخصيات والتعبير عن الانفعالات الإنسانية التي تثير العاطفة؛ فنجح "جورجياس" السفسطائي في تقديم نظرية فنية تتفق مع هذه النزعة الواقعية، وطبَّقَها على الخطابة، وأعلنَ أنَّ غايتها الإقناع الذي يسحر به الخطيب نفوس السامعين بصرف النظر عن مراعاة الحقيقة.

من هنا جاء إعلان أفلاطون ثورته على هذا الاتجاه الجديد الذي يهدف إلى اللذة وحدها ولم يراعي قيم الأخلاق والدين التي نادى بها الفن القديم، كما عارض أفلاطون الأساليب التي تلجأ إلى إثارة الانفعالات الشديدة فتقضي على ثبات النفس واتّزانها؛ ونادى بنوع مثالي للفن يتوافق مع فلسفته العامة في الوجود والسياسة والأخلاق.

تعد نظرية الفن الأرسطية أول نظرية طبيعية ترى في الفن قدرة على إعادة صياغة الواقع؛ وتعد هذه النظرية واسعة الأفق وليبرالية، وكان علم الجمال لدى أرسطو كفلسفته الأخرى بعيداً عن النظرية أحادية الجانب؛ إذ وضعَ اعتباراً للعوامل الصورية في الفن والى عنصر العاطفة في نظريته عن التراجيديا. ويمكن عدها أساس علم الجمال الطبيعي الذي ساد لفترة طويلة قبل أنْ يعود مرة أخرى إلى نظرة أحادية الجانب.

لم يخصِّص أرسطو فرعاً مستقلاً لفلسفة الفن، وقد حاول بعض المحدثين الدارسين لأرسطو إضافة الخلق الفني إلى النظري والعملي، ليكون لدينا تقسيماً ثلاثياً لفلسفة أرسطو على الرغم من أنَّ أصحاب نظريات النقد المسرحي في القرن السابع عشر عدّوا أنَّ هذا القسم الثالث- الإبداعي والإنتاجي الفني- لم يكن مقصده لدى أرسطو سوى وضع مجموعة من القواعد التطبيقية التي ينبغي مراعاتها عند تأليف رسالة أو مسرحية، وليس فحصاً نقدياً لقوانين الذوق الأدبي. وحتّى إذا قلنا أنَّ أرسطو له فلسفة في الفنون الجميلة فما هي سوى جزء من نظريته في التربية العامة عند تطرّقه لموضوعة السياسة.

بيد أنَّ أرسطو اهتمَّ بالشعر من خلال مؤلفه "فن الشعر"؛ ويمكن أنْ نلخِّص هذا الاهتمام بنقطتين:

أولاً- الوسط الذي نشأ فيه أرسطو في الاكاديمية: على الرغم من أنَّ أفلاطون دعا إلى طرد الشعراء من مدينته الفاضلة، إلاّ أنه كان غنياً بالشاعرية؛ ويبدو أنَّ "محاورة القوانين" تدل على تكفير أفلاطون عن قراره. فظهر هذا التأثير مع أرسطو في بدايات محاوراته التي امتازت بأسلوب الحوار الأفلاطوني التي تغلب عليها صناعة الشعر وسعة الخيال.

ثانياً- الوسط التاريخي الذي عاش فيه أرسطو: كان المسرح والشعر شغل المواطن اليوناني الشاغل؛ فكيف يمكن لأرسطو إغفال هذا الجانب من النشاط الروحي للإنسان؟ ممّا ازدهر الشعر في "أثينا" بشكل بارع، وفي "مقدونيا" التي ارتحل إليها. فكانت طريقته في الشعر التي وضع فيها نماذج حية وواقعية تدل على أنه كان كثير التردد على المسرح. فظهر أثَر هذا العامل في كتابات أرسطو الخاصة بالشعر والمسرح؛ فكتب عن الفائزين في المباريات الاولمبية والديونوسية؛ وكتب الإرشادات المسرحية ومقالات في الشعراء عرض فيها لمسائل تاريخ الأدب والنقد؛ وكتب في شعراء العصر والمآسي والشعر والموسيقى.

كان لهذه العناية الأرسطية بالشعر والمسرح صداها على الجمهور؛ إذ عنيت الدولة اليونانية بالشعر كعنايتها في الحرب والسياسة، وكان للجمهور مشاركة في المشاهدة والنقد، كما كانت التربية الضرورية للمواطن الحر تقتضي الإحاطة بالشعر والمسرح.

 

د. صباح الحاج مفتن

 

علي رسول الربيعيلقد تغيرت الفلسفة السياسية بشكل كبير خلال الأربعين سنة الماضية. معظم الفلسفة السياسية النظر في الدساتير آبان السبعينيات، وكيف كانت الدساتير مبررة ومدى الفائدة التي تقدمها لصالح المواطنين. بعد ذلك الوقت ، كان التركيز ينحو نحو المفاهيم الأساسية مثل:

- الحرية

- العدالة

- تكافؤ الفرص

- الحقوق

- الإنصاف في تقاسم الموارد المادية

- السلطة السياسية والأمن.

وبعبارة أخرى، فقد تغير التركيز من البنى السياسية التي يعيش فيها الناس، إلى تلك الأشياء التي قد يتوقع أن توفرها الدولة العادلة أو تسهلها. لكن المشكلة هي أن هذه المفاهيم قد تتنافس مع بعضها البعض. فإذا تم منح الجميع الحرية الكاملة، فقد لا يكون هناك عدالة أو تقاسم عادل للموارد المادية والثروة. إذا أُجبر الجميع على أن يكونوا متساوين ، وأن يحصلوا على حصة ثابتة من السلع المادية ، فإن الحرية الفردية لتحسين وضع المرء في الحياة سوف يتم تقليصها. ما قد يراه شخص ما كعدالة ونزاهة ، وقد يرى شخص آخر انتهاكًا لحقوقه الفردية.

السمة الرئيسية للفلسفة السياسية هي المفاوضة بين هذه المبادئ، ووضعها في حال من  التتشابك لتحقيق أقصى فائدة ممكنة. لكن هناك العديد من المجالات الأخرى التي تتعارض فيها المبادئ.. تشير "الفائدة القصوى" إلى شكل من أشكال العدالة التوزيعية ... وبعبارة أخرى، أن يكون المجتمع منظمًا بحيث يحصل كل فرد على حصة عادلة ومناسبة من الموارد.  يبقى هذا البرنامج الاقتصادي ،بالنسبة للبعض، محوريًا لمهمة الفلسفة السياسية.

شهد العقدين الأخيرين من القرن العشرين الفشل التدريجي للأنظمة الاشتراكية والشيوعية، مع القرن الحادي والعشرينصبحت الولايات أ المتحدة الأمريكية كقوة عظمى وحيدة. وبدا أن الديمقراطية الليبرالية والرأسمالية هما الخيار السياسي والاقتصادي الوحيد القابل للتطبيق.

قال فرانسيس فوكوياما في كتابه "نهاية التاريخ" (1992) بشكل مقنع أن هناك رغبة عالمية في حريات ومزايا المجتمع الغربي الحديث، وهذا يعني ضمنا أن النظرة الليبرالية الديمقراطية، في شكل الحرية الفردية واقتصاديات السوق الحر، سيكون الخيار المفضل للجميع.

بالنسبة للبعض ، ليس هناك ما يمكن مناقشته - فالاقتصادات المخططة على النمط السوفياتي القديم قد فشلت، وقد اختارت الأحزاب العمالية والاشتراكية الوسط، وانتصرت الديمقراطية الليبرالية واقتصاد السوق الحر. إن المعيار الوحيد للنجاح السياسي هو مستوى معيشي متصاعد باستمرار وتوفير المزيد من السلع الاستهلاكية ضمن حدود وطنية آمنة. كل ما تحتاجه الحكومة هو اعتماد السياسات التي تحقق وعودها الاقتصادية.

لكن هناك قضايا كبيرة أخرى في العالم الحديث مطلوب معالجتها. فبالأضافة الى قضية الاتصالات العالمية والبنى الاقتصادية ،هناك قضية العلاقة بين الدول القومية الفردية والهيئات الدولية، و قضايا ما بعد الاستعمار بالنسبة للعالم النامي، والقضايا متعددة الثقافات في العالم المتقدم ، تتقاطع الحدود الوطنية والثقافية التقليدية مع بعضها. تشمل هذه الاهتمامات ما يلي:

- الحقوق المدنية

- التفكير النسوي

- العولمة

- المسؤولية الدولية - سواء من حيث الحرب أو البيئة

- العناصر الدينية في الانقسامات السياسية

- تغير المناخ والبيئة السياسية

- الإرهاب.

لا يمكن التعامل مع هذه القضايا الجديدة ببساطة على طريقة المناقشات القديمة بين الأولويات الاشتراكية والرأسمالية. تتأي التهديدات المتصاعدة للمجتمع من وجهة نظر الليبرالية الديمقراطية السائدة من قبل  تلك المجموعات التي ترفض الفلسفات التي تمنح الأولية  للفردية في نظريات العقد الاجتماعي والفلسفة النفعية، التي تم تسلمها من فترة القرنين السابع عشر إلى التاسع عشر، لصالح تقديم شعور أكبر بالهدف والمعنى الديني أو الثقافي.

إن المال والسلطة والتلاعب الساخر بالأهداف السياسية محفّزات عظيمة - للأفراد والدول – و وهي دائما ذات مغزى بالنسبة للحكام  أو لقسم معين من السكان. ألقى مكيافيلي نظرة ساخرة وعجوية على استراتيجيات الحفاظ على السلطة في عصر النهضة إيطاليا، وربما ما زالت تعليقاته صالحة اليوم. يمكن أن تكون السياسة لعبة رهانات من قبل أولئك الذين تغذيهم القوة التي تقدمها السياسة.

ولكن قد يكون للسؤال الأعمق "ما هي الحياة؟" إجابات مختلفة للغاية لدى الانتحاري وعامل الإغاثة والرأسمالي المغامر. تعتمد الفلسفة السياسية نفسها على إرساء بعض الإجابات الأساسية على هذا السؤال، لأنه بدون ذلك لا يوجد شيء لمواجهة الاتهامات بأن المال والسلطة يحكمان العقل والمبدأ في المجال السياسي، ولا معنى لمناقشة الصحيح والخاطئ للتنظيمات السياسية والإجراءات والأفعال.

 

الدّكتور عليّ رسول الرّبيعيّ

 

 

علي رسول الربيعييرى بعض الفلاسفة (على سبيل المثال مايكل وايت في" الفلسفة السياسية: مقدمة تاريخية") أن يجب أن تكون الفلسفة السياسية متأصلة معيارياً في الأنثروبولوجيا. بعبارة أخرى، يجب أن يكون هناك اتفاق في الرأي (أو على الأقل تبرير عقلاني) حول قيمة الحياة البشرية والغرض منها. فبدون ذلك، لن يكون هناك أساس متين للأفكار السياسية. ولا يرى فلاسفة آخرون ذلك ضرورياً. قد ترغب أن تتبنى  وجهة نظرك الشخصية بعدما تنظر في الحجج المختلفة.

التبرير ، وليس مجرد التوضيح

ويرى البعض أن المهمة الرئيسية للفلسفة هي توضيح المفاهيم. هذا يعني أن مهمة الفلسفة هي أن ننظر إلى الأفكار الرئيسية في النقاش السياسي- الحرية والحقوق والعدالة والديمقراطية، وذلك لدراسة مالمقصود بها حقا، وكيفية ارتباط بعضها بالبعض الآخر. هذا النوع من الفلسفة التي تصفّي الذهن ولكنها ليست بالضرورة أن تستطيع تغيير العالم.

ولكن هناك تقليد آخر للفلسفة السياسية. فقد أعلن ماركس الشهير أنه يريد تغيير العالم وليس  مجرد تفسيره، وقد أثّر على العديد من فلاسفة السياسة الآخرين على مدار التاريخ. كانت كتابات روسو ذات تأثير عظيم على الثورة الفرنسية وكذلك تاثير جون لوك على بيان الاستقلال الأمريكي. وقد قرأ عمل نيتشه  كل من موسوليني وهتلر (ومن المحزن أنهما أساءا استخدامه)، وكانت الأفكار الاشتراكية وراء إنشاء دولة الرفاهية والخدمات الصحية في بريطانيا مثلاً. وحتى وقت قريب، أثّرت آراء المحافظين الجدد في الولايات المتحدة في جملة أمور مثل السياسة الخارجية الأمريكية وخصوصاً فيما يتعلق بالشرق الأوسط والحرب في العراق. فالمناقشات حول الإرهاب وكيفية مقاومته لا تتعلق بالكلمات فحسب، بل تكتسب أهمية بالغة من حيث الأمن وحقوق الإنسان. وبالتالي، لاتحتاج المفاهيم السياسية التوضيح فقط ولكنها أيضاً بحاجة إلى اختبارها والمطالبة بها أو التصدي لها والأعتراض عليها وأن يتم تحدّيها.

إذن فإنها أفكار سياسية قوية؛ ولكن هل هي صحيحة؟ اما الطريقة الوحيدة لتحقيق ذلك الذي تحتاجه المفاهيم السياسية التي ذكرناها أعلاه  يأتي من خلال إلقاء نظرة على مرحلتين ولكن قبل كل شئ لابد من ايضاح: ما الذى نعنيه بالعدل والانصاف والمساواة أو الديمقراطية، ثانياً، يجب أن يكون لها ما يبررها: فعلى أيً أساس يمكن  الحكم على نزاهة هذا النظام السياسي أو ذاك؟ وعلى أى أساس يمكن أن يتم تبرير اتخاذ إجراء عسكري؟

ولذلك، فإن الفلسفة السياسية شأنها شأن الأخلاق تعنى بالطابع العملي. وهي تعالج المسائل التي تهم الجميع مباشرة وتمتحن الأفكار - من ناحية الخير أو الشر- التي أثرت على حياة أجيال بأكملها. عندما تحصل بعض الأحداث المصيرية – مثل الحروب ،الأزمة الاقتصادية، تهديد عالمي، موجة من الهجمات الإرهابية – فمن الطبيعي أن يتم طرح أسئلة جوهرية حول كيف ينبغي أن نتعامل مع مثل هذه الأمور. فالسياسيون مطالبون بإيجاد إجابات وتنفيذها، ولكنهم بحاجة ايضاً إلى أن يسترشدوا بالمبادئ المتعلقة بكيفية عيشنا وكيف ينبغي أن يُحكم المجتمع. لذا فالظروف تطرح دائما أسئلة جديدة حول الفلسفة السياسية.

 

الدّكتور عليّ رسول الرّبيعيّ

 

علي محمد اليوسففي الفلسفة التفكيكية التي اعتمدت ما سمّي بالقراءة الجديدة المستمدة من الفلسفة البنيوية، او القراءات التأويلية الاختلافية المتعددة للنص، نجد انه جرى تداول تلك الطروحات اللغوية والفلسفية عندنا، كما هو الشأن في جميع الصرعات الفكرية التي ظهرت في فرنسا على وجه الخصوص، ومن ضمن تلك التيارات الفكرية ما جاء به تروبتسكي وجاكوبسن ودي سوسير وفنجشتين وآخرين في مجال اللغة واللسانيات.،ان انزياح واستبعاد النص الاصل يكون من خلال القراءة او القراءات التفكيكية التي تختلف عن أصل النص في متابعة الهامش في متوالية لا نهائية من الهوس التفكيكي، الذي يصبح فيه اصل النص ميّتا او ملغيا بعد موت المؤلف حسب مقولة رولان بارت،.

والاهم رجوعنا في لمحة سريعة الى البنيوية التي اعتمدت اللغة مرجعية قارة تحت شعار (لا شيء خارج النص) على خلاف التفكيكية التي جاءت في مقولات دريدا العبثية في اللغة وفي اعدام النص فاوقعت نفسها في وحل العدمية واللامعنى الفلسفي واصبحت التفكيكية اليوم محل ادانة وتندر لدى اغلب علماء وفلاسفة اللغة يتقدمهم جومسكي وفلاسفة لغة اميركان معاصرين غيره.

فقد اعتمد الشكلانيون الروس في مؤتمر لاهاي عام 1929 مصطلح البنيوية الذي وضعه جاكبسون، وقد رفضت هذه المدرسة التي أسست البنيوية الفرنسية على منطلقاتها التي جاء بها شتراوس واخرين دوسيسير ولاكان وفوكو والتوسير فيما بعد فكرة عدم توظيف النص الادبي لنصرة معتقدات فلسفية معينة، ونادى الشكلانيون ضرورة ووجوب اعتماد النظر على الشكل الجمالي للادب ، أي في اعتبار الادب ادبا صرفا يتميز بعدة دلالات تعبيرية لغوية جمالية تجعله جنسا تعبيريا مستقلا مفارقا لنصوص الفلسفة والدين والايديولوجيا وغيرها.ان من اكبر الاخطاء التي تساوي بين عبثية التفكيكية على صعيد اللغة، وبين الفلسفة البنيوية التي لم تقف مباحثها الفلسفية عند مبحث اللغة وسنوضح هذا لاحقا.

والى هذا الحد من الممكن اعتبار البنيوية من خلال تعدد اهتماماتها ومباحثها الفلسفية خارج بدعة الرقص في مخاتلات اللغة على هوامش الاختلاف كما تفعل تفكيكية دريدا، ان البنيوية تعنى بالانثروبولوجيا والاثنولوجيا تحديدا عند شتراوس، وفي علم النفس لدى جان لاكان، وجان بياجيه ،وعلى نقد السرديات الكبرى كما هي عند التوسير، والجنسانية لدى فوكو. فالبنيوية على عكس من فقر التفكيكية الفلسفي،  تيار تجديدي في مباحث الفلسفة له انصار مررنا على اسمائهم قبل اسطر، على العكس من التفكيكية التي ارادت التعكّز على البنيوية اللغوية فوقعت في حضن الابتذال المعرفي التجريدي في محاولتها تفسير اللغة بعبث تدميري وهدم لا منطقي ولا فلسفي كما يفاخر به دريدا، الذي اصبح التنّدر به على لسان غالبية علماء اللغة والمشتغلين في مباحث الفلسفة المعاصرة.

 ولنقرأ النص التالي من كتاب علي  حرب نقد الحقيقة في مقاربته التفكيكية (ان كل قراءة تختلف لامحالة عن النص الذي تقرأه او تقرأ فيه، سواء أكانت القراءة شرحا وتفسيرا ، او استنباطا وتأويلا. وهي تنزع من ثمّ، وبحكم اختلاف ما تقرأه، الحلول محله)، ولما كانت كل قراءة تأويلا(وحمل لمعنى ما على المقروء، وترجيح لمعنى آخر، أي هي تأوّل، ومآل التأويل أن يحل محل التنزيل) ص 96

أن الانزياحات التأويلية لأصل النص في تعدد القراءات واختلافها ، يعطينا بحسب أحكام الاستاذ حرب، أن فكرة او محتوى او مضمون النص ، يعطينا ترجيحا الى أن جميعها افكار اومرموزات لغوية اشارية متعالقة بما يتعّلق بأصل شكلانية النص، وبعد أجراء القراءات التأويلية والتفكيكية عليه يكون لا معنى لنص الاصل ولوجوده أيضا كمرجعية ليست ثابتة، ولا يعد النص يمتلك حضورا حقيقيا بعد تعدد قراءآته المختلفة في تغييب مقصود لاصل النص في ترجيح اعتماد الهامش.

وبذا بدلا ان يكون أصل النص مرجعية ثابتة تحاكم بها وعلى ضوئها ، صحة قراءات الهوامش على النص الاصل الجديدة والتأويلات المتعددة له،نقوم بأعدام اصل النص تفكيكيا الذي هو أساس ومرجعية جميع القراءات بتعدد واختلاف اشكالها له، الذي تريد تفكيكية دريدا اغتيال اصل النص علانية كونه يحمل معان غير متاحة لقراءة او عدة قراءات. وكيف يمكننا البرهنة ان التأويلات القرائية في الهوامش وفي محاولة استحضار الغائب المضمر على حساب المعطى الماثل في اصل النص على انها وسيلة واسلوب الاختلاف في استحضار فائض المعنى الذي تدخّره (تدميريا) القراءات التفكيكية في اعدام اصل اللغة قبل اعدامها اصل النص.(يلاحظ ان دريدا يستعير لفظة الهدم والتدمير من نيتشة وغاديمير وفي هذا تكمن نزعة العبث اللغوي الذي لا يقول شيئا وليس بمستطاع دريدا ان يجيد غير الهدم والتدمير تنفيذه).

لا توجد اية قناعة او استدلال معرفي او لغوي علمي او فلسفي يقودنا التسليم الى ان الرقص اللغوي المخاتل على الهامش القرائي الاختلافي هي اكثر مقبولية وحكمة وصواب من محتوى النص الاصل الذي قامت القراءات التأويلية التفكيكية بأعدامه والغاء قيمته لأنه لم يف بالتزامه في كشفه المسكوت عنه وفائض المعنى.

وكيف لنا ان نعرف ان المسكوت عنه هو الصحيح وليس ما يبوح به اصل النص وليس ما يذهب له وتدّعيه الهوامش من صدقية افتراضية.؟ في بحثها الدؤوب عن فائض المعنى الذي تخلفّه اللغة وراءها في تعدد القراءات والاجتهادات.

التفكيكية تنسب لنفسها الرقص على الهامش في المواربة اللغوية الاختلافية مع اصل االنص لتجعل من طروحاتها النظرية البائسة تجديدا شبحيا في الفكر الفلسفي.لا نستبق التعليق أن جاك دريدا في التفكيكية يلغي تماما اية مرجعية ثابتة يمكن الاحتكام لها، ويعتبر دريدا انه حتى العقل لايمثّل مرجعية ،لأن هذه المرجعيات التي اعتمدتها مباحث الفلسفة قبل التفكيكية ، طالما أعتبرتها مباحث الفلسفة مرتكزات محورية شبه ثابتة فهي ميتافيزيقا يتوجب مجاوزتها، كما ان دريدا يرفض (المنهج) باعتبار ان التفكيك لايحتاج المنهج لأنه (استراتيجية) آلية تفكيكية تطال كل شيء، وحتى التفكيك يعقبه تفكيك الى ما  لا نهاية له او توقّف عنده.كما ان دريدا هاجم هيدجر واعتبره ميتافيزيقيا كونه يؤمن بمرجعية العقل الذي هو ثبات لا يعتّد الاخذ به.

واذا نحن سّلّمنا بهذا التحليل القرائي التفكيكي للنص الاصل، فسنكون في حالة ضياع وتيه في استقصائنا أين يكمن المعنى الصحيح وفي أي من القراءات التأويلية التي طالت النص الاصل وغيّبته قسرا نعتمد في الوصول الى الحقيقة؟.ويصبح التشتت القرائي الاختلافي هو سيد التيه والضياع، نتيجة منطقية لما يتوجب علينا معايشته في تعدد الانزياحات المتناوبة في استهدافها أصل النص بالتغييب العمد كهدف مطلوب في ذاته ولذاته فقط في اشباع هوس التفكيك.

نعتقد أن أصل النص هو حقيقة مرجعية ليس سهلا الاستغناء عنها او تغييبها، وانه ايضا خلفية استرجاعية ثابتة لمعرفة ماذا اضافت القراءات التأويلية الشارحة عليه، وأين اصبح موقع اصل النص بعد تناوب القراءات الالغائية له وماذا بقي منه؟ واين أوجه القصور والخطأ به.؟ والنص منتج عقلي، والعقل والنص مرجعيات نحتكم لها ليس لحقيقة وجودها وثباتها، بل لانها من الضرورات البدهية التي بضوئها نستطيع الحكم على مدى اهمية قراءاتنا اللانهائية الافتراضية لأصل النص.

من المهم التذكير بان رولان بارت على اختلاف مع التفكيكية التي تذهب الى اعدام اصل النص تفكيكا اختلافيا تداوليا، فهو اكتفى بالغاء هيمنة المؤلف على النص ووصايته على القاريء، واوصى ان يكون حضور النص مرجعيا استدلالية في تعدد واختلاف القراءات هو فقط دون غيره.، ولا شيء خارج النص.

اننا نفهم أن كل نص هو كيان مادي قائم بذاته، والافكار قوة مادية تأخذ أنسنتها الطبيعية من المتلقي به واليه،ويتوجّب علينا ان ننطلق من أن كل قراءة او عدّة قراءات لأصل النص مهما أوتيت من قدرة تأويلية ذكيّة فهي ليس بامكانها ولا بمستطاعها الغاء حضور (أصل النص) حتى لو تعاملنا مع الغائه مجازّيا وليس حقيقيا، ثم والأهم لماذا نحن نعامل القراءات الهامشية الدائرة حول مركزية النص الاصل انّها هي مايمّثل الحقيقة المطلوبة وليس العكس في عدم اعتمادنا مركزية أصل النص انها هي الحقيقة التي على ضوئها نحكم على صحة منطلقات الهوامش القرائية التي تدور حول اصل النص وتستهدفه بالالغاء؟ من جهة اخرى اننا سنضع انفسنا بهذه الحالة امام سلسلة لا تنتهي من الالغاءات المتناوبة على استهداف اصل النص في اعدامه واخراجه من دائرة التلقي في تعدد وتنوع القراءات له .وهذا هوما تنادي به التفكيكية وتعتمده بالصميم

 

الباحث الفلسفي: علي محمد الوسف / الموصل

 

علي رسول الربيعيعالم اليونان القديمة والعصور الوسطى

تناولت الفلسفة السياسية في اليونان القديمة كما تجسدت في فلسفة أفلاطون وأرسطو، مسألة الحياة الجيدة وكيف يمكن أن تُعاش في المجتمع. فقد سعى هؤلاء الفلاسفة إلى ربط وتجذير السياسة في الميتافيزيقيا في مواجهة مجموعة من البنى السياسية في أيامهم، وبعبارة أخرى، من أجل فهم  الجوهر الأساس للطبيعة البشرية والهدف أو الغرض من الحياة. وقد تم تناول هذا الأمر في وقت لاحق في سياق ديني، وفي أطار فكرة أن شكل الحكم الصحيح هو الذي عكس النظام الطبيعي نفسه وكما خلقه الله، مؤسساً لهرمية العصور الوسطى من الأرض الى السماء. لكن تحولاً حدث خلال عصر النهضة جراء النزاعات بين دول المدن الأيطالية متمثلا في مؤامرات الحياة السياسية. وقد كشف هذا التحول عن أن هناك مناسبات قد تسود فيها الحيلة الماكرة، وليس الطاعة الإلهية. ويشمل المفكرون هنا: أفلاطون وأرسطو وأوغسطين ومكيافيللي.

صعود الفردية

شهد القرنين السابع عشر والثامن عشر في أعقاب الإصلاحية المسيحية والحرب الأهلية الإنجليزية، تطوير نهج مختلف تماماً للسياسة. أصبحت رغبات الفرد في هذه الفترة ذات أهمية قصوى، وتم تبرير البنى السياسية على أساس عقد اجتماعي أو اتفاق بين الأفراد. وحصلت مناقشات كثيرة حول مسألة الحقوق والحريات، وحدث في تلك الفترة الثورة الفرنسية وانفصال المستعمرات الأمريكية عن السيطرة البريطانية. كما شهدت نهاية تلك الفترة صعود النفعية كفلسفة أخلاقية، مما أدى إلى الحكم على الأنظمة السياسية وفقاً لقدرتها على تحقيق أكبر فائدة لأكبر عدد من المواطنين. وأدى هذا إلى تطور الديمقراطية. فلم يعد السؤال يتعلق بالجوهر الأساسي للبشرية، بل حول أفضل طريقة لتنظيم مجتمعنا. وأبرز المفكرين في هذه الفترة هم: هوبز، لوك، روسو، هيوم، بورك وباين.

تطور النظم

تميل أنظمة التفكير العامة إلى خلق فلسفات سياسية كجزء من فهمها العام للواقع. على سبيل المثال، أنتج كانط مبادئ عقلانية للحكم على الصواب والخطأ، بغض النظر عن النتائج المتوقعة أو الميول أو الرغبات الفردية. وصاغ  مفهوم "الأمر المطلق" الشهير، والذي يعني التزام أخلاقي غير مشروط وهو ملزم في جميع الظروف ولا يعتمد على ميل الشخص أو غرضه. أي أن هناك شيئاً صحيحاً فقط إذا كان بإمكان المرء أن يتمنى أن يتبنى الجميع مبدأ العمل نفسه، وأن يعامل الناس كأهداف وليس فقط كوسائل، وأننا يجب أن نتصرف كما لو كان التشريع للمملكة التي يكون فيها كل فرد إنساناً حراً ومستقلاً – وكان لهذا تداعيات سياسية ضخمة. واستكشف هيجل فكرة أن المجتمع يتغير باستمرار في عملية جدلية، وقد أخذ ماركس هذه الفكرة وصاغ مفهومه "المادية الجدلية" الذي يأتي فيه التغيير السياسي عن طريق الصراع الطبقي. كما كان هناك تأثير لداروين وفكرة التطور من خلال الانتقاء الطبيعي، والهجوم على الديمقراطية من قبل نيتشه، الذي رأى أنها تدعم الضعيف على حساب القوي. وعلى الطرف الآخر، طوّر "ميل" تداعيات النفعية، ودافع عن القيم الليبرالية والحرية. وبحلول نهاية القرن التاسع عشر كان هناك مجموعة كبيرة من أنظمة التفكير السياسية. وإذا كان هناك أي شك في العلاقة بين الجانب العملي والفلسفة السياسية، فكّر في تأثير فلسفة ماركس على حياة ملايين الناس في القرن العشرين، أو تطوير الأفكار الديمقراطية قبل مائتي سنة. وأهم الفلاسفة في هذه الفترة هم: كانط ، هيجل ، ماركس ، ميل ونيتشه.

صراع الأيديولوجيات في القرن العشرين

إن الصدمات التي أصابت القرن العشرين تتعلق بصراع الأيديولوجيات السياسية التي لها جذور عميقة في الفلسفة السياسية. فقد كان هناك الاتساع الهائل للشيوعية وسقوط وتحدي الفاشية في إيطاليا وألمانيا، والنمو العالمي المطرد للديمقراطية، وركوبها على ظهر الاقتصاد الراسمالي. لقد مات الملايين في ذلك القرن المضطرب من أجل الأيديولوجيات السياسية. وخلال الكثير من ذلك الوقت كانت الفلسفة السياسية في حالة جمود (doldrums). وكذلك الأخلاق التي تعرضت لانتقادات بان الأحكام المعيارية (التي تقول أن هناك شيء صحيح أو خاطئ) لا معنىً لها، لأنه لا يمكن تبريرها على أساس الوقائع. وبالتالي، اسكشفت الفلسفة السياسية أصول البنى السياسية ومعنى المصطلحات الرئيسية، دون العمل والانطلاق من المبادئ الأولية المعيارية. وبالطبع، فإن هناك استثناءات، بما في ذلك تلك المذكورة أدناه والتي تتحدي الأيديولوجيات. ومن بين الفلاسفة البارزين في هذه الفترة هم: برلين، هايك وبوبر.

أواخر القرن العشرين وسيطرة الديمقراطية الليبرالية

كان هناك تراجع تدريجي في الاشتراكية والشيوعية في العقود الثلاث الأخيرة من القرن العشرين مقابل صعود التقليد الديمقراطي الليبرالي الذي أصبح في وضع الهيمنة. وانتعشت الفلسفة السياسية إلى حد كبير نتيجة عمل جون رولز الذي وضع نظرية في العدالة تطعن في  فرضيات الفلسفة النفعية وإعادة الحيوية والأهمية الى الفلسفة السياسية المعيارية. وشكّل صعود الحركة النسائية الى فلسفة وسياسات الماضي التي هيمن عليها الذكور، ومعها افتراضات معيارية بشأن الغرض من الحياة وما يشكل الإنصاف في المجتمع. كما دار نقاش حول نطاق أو مجال  "السياسية" للعلاقة بين الأفكار والسلطة، وكذلك طبيعة الحقوق الوجودية. كما جرت مناقشة بشأن الآثار الوجودية المترتبة على السياسة والحاجة إلى استكشاف أنماط جديدة للعمل والعيش. ويعتبر راولز، نوزك، دوركين، هابرماس، أرنديت، فوكو، أوكشتو Oakeshott، سارتر، وغورز Gorz من أهم فلاسفة هذه الفترة.

إن الفلسفة السياسية هي ليست نفس تاريخ الأفكار السياسية. فالتحقيق التاريخي يتطلب منك أن تجمع كل الأدلة وأن ترى كيف ترتبط الأشياء ببعضها البعض، ومن أثّر على الآخر. وتدور الفلسفة حول الأفكار. لذلك فمن المهم اختيار المفكرين وتبنّي أفكارهم بدلاً من محاولة تغطية كل ما قيل. لذلك فإن هذا المقال انتقائي من حيث المفكرين والحجج التي يتضمنها وإنه محاولة لتغطية الموضوعات الرئيسية. وينطبق هذا بشكل خاص على فلاسفة الفترة الحديثة لكن بالنسبة لأولئك الذين يريدون المتابعة بمزيد من التفصيل فإنه بإمكانهم أن يقوموا بذلك من خلال البدء بأعمال الفلاسفة المذكورين أعلاه.

كيف تقرر ما هو الصواب؟

يجب تبرير أي حكم معياري (أي حكم حول ما هو صواب أو خطأ) بالإشارة إلى شيء يتم الاتفاق بشأنه بين الشخص الذي يقدم الدعوى والذين يسمعونه. فإن قلت "هذا هاتف جوال جيد"، فإنك على الأرجح تكون على دراية بما تعنيه، لأن الجميع في اتفاق كبير حول ما يتعين على الهاتف أن يقوم به. هل يعمل بشكل جيد؟ هل تحصل على اشارة جيدة؟ هل هو أنيق؟ هل يحتوي على كاميرا مدمجة، ومشغّل MP3 وما إلى ذلك؟ ولكن بالطبع من الممكن أن تكون هناك اختلافات - مثلا شخص يريد تبديل مشغل MP3 لإطالة عمر البطارية ولكن الأساسيات ليست محل خلاف لأنه من الواضح  للجميع ما هو الهاتف وماذا يفعل.

الأمور ليست بهذه السهولة في الفلسفة السياسية. فنرى مثلا أنه كانت لدى الإغريق القدماء وجهات نظر حول طبيعة الحياة البشرية وغرضها، ولذلك فقد تمكنوا من تقييم الأفكار السياسية من حيث ما إذا كانوا يستطيعون مساعدة الناس على تحقيق كامل إمكاناتهم كبشر. ولكن ماذا لو لم يكن هناك اتفاق عام حول ماهية الحياة البشرية؟

تدور مقاربة "العقد الاجتماعي" حول هذه المشكلة من خلال إرساء السلطة السياسية على اتفاق - إما على أساس حرفي أو ضمني - بين الشعب، أو بين الشعب وبين حكامه. بعبارة أخرى، يربط الناس بعضهم ببعض من أجل مصالحهم المتبادلة ويقررون الشروط التي سيعيشون بموجبها. وهكذا، حتى من دون اتفاق شامل حول ما يريده الناس من الديمقراطية وكيف تمكّن على الأقل الأغلبية منهم من الحصول على الحكومة التي يعتقدون أنها أفضل فرصة للتعبير عن تفضيلاتهم.

في المناقشات الحديثة هناك مستويات أخرى من التعقيد. تتحدى ما بعد الحداثة فكرة أنه يمكن أن تكون هناك طريقة "صحيحة" واحدة لرؤية الأشياء، أو أن هناك ثمة غرض ثابت في حياة الإنسان. وإذا أردنا معنى لذلك الهدف أو الغرض فعلينا أن نقدمه بأنفسنا. ولكن إذا تم وضع أو ايجاد معنى للهدف من قبل آخرين، فكيف يمكن استخدامه لإعطاء أي مبرر موضوعي لنظام سياسي محدد بدلاً من آخر. وبدون أي مقياس موضوعي، كيف يمكن لأي شيء أن يكون "أفضل" من أي شيء آخر؟ يضاف إلى ذلك بُعد آخر وهو  في مجتمع متعدد الثقافات من المحتمل أن يكون هناك مجموعة متنوعة من وجهات النظر والقيم قد يتعارض بعضها مع الآخرين. ولذلك فمن الصعوبة البالغة العثور على أساس مشترك يرتكز عليه بناء اللبنات الضرورية من اليقين في المناقشات السياسية.

ولكن حتى قبل ظهور ما بعد الحداثة، كان هناك وقت - من الحرب العالمية الثانية حتى أوائل السبعينيات تقريبا في القرن التاسع عشر -  أزدادت فيه الشكوك عامةً بين الفلاسفة حول مسألة إصدار الأحكام المعيارية. وبعبارة أخرى، تساءلوا عما إذا كان من الممكن أن تكون  القضايا الأخلاقية صحيحة أم خاطئة - وكان من المعتقد على نطاق واسع أنها كانت إما تعبيراً عن عواطف المرء أو الموافقة على شيء عاطفياً. وفي كلتا الحالتين، كانوا يفتقرون إلى نوع من اليقين وإثبات أن العلم يتطور في تقديمه وصفا  للعالم المادي.

من المهم دائماً التمييز في الفلسفة الأخلاقية بين الوقائع والقيم. الفلسفة السياسية مهتمة بشكل خاص بالقيم. وخلال تلك الفترة، كانت النظرية الأخلاقية للنفعية (الحكم على الأعمال وفقاً لما تقدمه وفيما لو كانت قد قدمت أكبر فائدة للعدد الأكبر) تميل إلى السيطرة على التفكير السياسي.

وبالتالي، يمكن الحكم على النظام السياسي وفقاً لما يقدمه وفيما لو كان يقدم منافع للناس أم لا - وهو أمر يمكن أن تتوفر بخصوصه أدلة قوي ويمكن إثباته من خلال الإحصائيات. لكن النفعية لها حدودها كما أشار إليها جون راولز في عام 1971. واقترحت "تجربته الفكرية" أن يتمكن الناس من وضع قواعد عقلانية ومنطقية لتوزيع الموارد. أثار هذا مجموعة من المناقشات وكشف عن المشكلة التي تستند إلى النفعية، فمن الصعب أن نرى كيف يمكن حماية الأقليات من قوة الأغلبيات.

لكن تبقى هناك ثمة أسئلة أساسية:

- كيف تعرف ما هو الصواب؟

- على أي أساس يمكنك أن تقرر أفضل طريقة لتسيير الحياة السياسية؟

- كيف يمكنك تبرير أو انتقاد نظام سياسي بشكل فعال؟

 

الدّكتور عليّ رسول الرّبيعيّ

 

 

ظهرت التفكيكية على يد جاك دريدا في ثلاثة كتب، وقد بدا دريدا نظريته بنقد الفكر البنيوي الذي كان سائدا انذاك بإنكاره قدرتنا على الوصول بالطرق التقليدية على حل مشكلة الإحالة، أي قدرة اللفظ على إحالتنا إلى شئ ما خارجه، فهو ينكر أن اللغة منزل الوجود ويعني بذلك القدرة على سد الفجوة ما بين الثقافة التي صنعها الإنسان والطبيعة التي صنعها الله تعالى. وما جهود فلاسفة الغرب جميعا الذين حاولوا إرساء مذاهب على بعض الحقائق البدهية الموجودة خارج اللغة إلا محاولات بائسة. وقد وصف دريدا مواصلة هذا الطريق بأنها عبث لا طائل من ورائه .

فالتفكيكية هي الة نقدية ووسيلة منهجية تنكر قدرة اللغة على أن تحيلنا إلى شيء أو إلى ظاهرة إحالة موثوقا بها .

واهم مميزات المنهج التفكيكي هي تمكين الباحث من الاندماج والتعمق في النص. كما يساعد في النظر على البحث عن اجابات لأسئلة القارئ واظهار المضامين والمعاني والمقاصد الغائبة .

وتعد مقولة الاختلاف إحدى المرتكزات الأساسية للمنهجية التفكيكية، واستنادا لكشف الدلالة المعجمية، التي تتألف من فعل أو مصدر يدل على عدم تشابه والمغايرة والاختلاف في الشكل وتعني التشتت والغياب، فدريدا يرى أن الخطاب الأدبي يكون تيارا غير متناه من الدلالات وتوالد المعاني، لا تعرف الاستقرار والثبات فإنها تبقى مؤجلة ضمن نظام "الاختلاف" .

إن القراءة التفكيكية ليست هي التي تقول ما أراد القول قوله، بل تقل ما لم يقله القول، فالقراءة بهذا المعنى تتيح تجدد القول، أي قراءة ما لم يقرا، وهذا معنى قول التفكيكيين ان النص ينطوي على فراغات، لأن النص في حقيقته كون من المتاهات وهكذا يبني النص على الغياب والنسيان ... هو غياب الجسد والدال والحجب هناك يلجا إليه المؤلف عمدا، لسبب من الاسباب ولكنه ايضا حجب يتم دون قصد المؤلف، بسبب مضامين ايديولوجية تتسرب إلى النص، ويقتصر تأثيرها على تغليف الحقيقة بقشرة خارجية .

وبهذا فالتفكيكية تاخذ على عاتقها قراءة مزدوجة، فهي تصف الطرق التي تضع بواسطتها المقولات التي تقوم عليها افكار النص المحلل، تضعها موضع تساؤل، وتستخدم نظام الأفكار التي يسعى النص في نطاقها بالاختلافات وبقية المركبات لتضع اتساق ذلك النظام موضع التساؤل.

وبهذا نصل الى ان التفكيكية منهاج نقدي وأدبي ومذهب فلسفي معاصر، ينحو إلى القول باستحالة الوصول إلى فهم متكامل، أو على الأقل متماسك للنص أيا كان، فعملية القراءة والتفسير هي عملية اصطناعية محضة يؤديها ويقوم بها القارئ الذي يقوم بالتفسير، وبناء على ذلك يستحيل وجود رسالة واحدة.

ورغم هذه الخصائص التي تتصف بها النظرية فإن دريدا يصر على عدم ارتباط مشروعه بالعدمية بل يرى أن قراءته التفكيكية قراءة مزدوجة تسعى إلى دراسة النص دراسة تقليدية لإثبات معانيه الصريحة ثم تسعى إلى تقويض ما تصل إليه من معان في قراءة معاكسة تعتمد على ما ينطوي عليه النص من معان تتناقض مع ما يصرح به، أي أنها تهدف إلى إيجاد شرخ بين ما يصرح به النص وما يخفيه. وبهذا تقلب القراءة التفكيكية كل ما كان سائدا في الفلسفة الماورائية .

 

ا. م. د. سامي محمود ابراهيم

رئيس قسم الفلسفة / كلية الاداب/ جامعة الموصل/ العراق

 

علي رسول الربيعيسنتطرق في هذه المقدمة الى:

الأسئلة التي تتناولها الفلسفة السياسية

- لماذا الفلسفة السياسية تدور حول  القيم وليس الأوصاف

- كيف تطورت الأفكار السياسية تاريخياً

- ما هي القضايا التي تغطيها الفلسفة السياسية

ما هي الفلسفة السياسية؟

- كيف تسهم السياسة في رفاهية البشرية ؟

- ما هي الحياة الصالحة، وكيف يتم تحقيقها؟

- ما هي المبادئ والقيم التي ينبغي استخدامها لتشكيل المؤسسات السياسية والحكم عليها؟

- أي نوع من المجتمع سيسمح لمواطنيه بالازدهار على أفضل وجه؟

- ماذا نعني حقاً بالمساواة والعدالة والحرية وما إلى ذلك؟

- هل من الصواب أن نذهب إلى الحرب، أم أن نتمرد ضد الحكومة؟

- ما هي المسئولية التي يجب أن تتحملها الحكومات للتعامل مع القضايا العالمية للإرهاب أو البيئة؟

تهتم الفلسفة السياسية بكل هذه الأسئلة وغيرها. إنها تتعلق بالحكومة ذات الكفاءة والفاعلية، وماذا تنطوي عليه رؤية هذه الحكومة وما تتضمنه، وكيف يتم تنظيمها وتسييرها وكيفية إحرازها لأي تقدم في مساراتها. إنها تتعلق بالمبادئ التي تساعدنا على تقرير ما إذا كانت هناك حكومة بعينها يمكن الحكم عليها بأنها جيدة أو سيئة؟ وبالطبع يتطلب ذلك فحص المبادئ الأساسية للحكومة - لماذا نحتاجها ، وما هي أهدافها، وكيف يتم تنظيمها، وكيف يمكن إصلاحها أو استبدالها، إذا حدث خطأ ما.

يمكن النظر إلى الفلسفة السياسية على أنها فرع من الأخلاقيات، أو من الفلسفة الأخلاقية. تنظر الأخلاق إلى جميع قضايا الصواب والخطأ من خلال الطريقة التي يتعامل بها الناس مع بعضهم البعض، بينما تقتصر الفلسفة السياسية نفسها على القضايا المتعلقة بحياتنا الجماعية أو السياسية. إنها أخلاقيات التنظيم الاجتماعي، تطبق عبر المجتمع  وليس بين الأفراد. لذلك، عن سبيل المثال، تُستخدم النفعية كنظرية أخلاقية (تسعى للحصول على ما يبدو في تقدم أكبر فائدة للعدد الأكبر) عند تطبيقها على المجتمع ككل، لتبرير الديمقراطية، التي تهدف إلى أخذ تفضيلات جميع المواطنين بعين الاعتبار من خلال العملية الديمقراطية.

جزء من مهمة الفلسفة السياسية هو تحديد ما إذا كانت هناك معايير موضوعية تفصل ما بين الصحيح والخطأ. هل يعتمد كل شيء على رغبات الناس، أم أن هناك مبادئ منطقية قابلة للتطبيق عالمياً لتنظيم الحكم الرشيد؟

من المهم إيجاد توازن بين المسؤولية الأخلاقية للأفراد والمجتمع. هل يخلق الناس الطيبون مجتمعاً جيداَ، أم أن مجتمعاً جيداً يجعل كل من فيه فرداً صالحاً؟ الوقوف على هذا السؤال سيحدد كيف نرى دور السياسة.

 فكما تتطلب منا الأخلاق تقديم تبرير عقلاني لأفعالنا، فإن فلسفة السياسة تتفحص التبرير للمؤسسات السياسية والإيديولوجيات. هل الديمقراطية عادلة للجميع؟ هل هناك حالة تكون فيها الديكتاتورية جيدة؟ كما أنها تفحص الأفكار والمفاهيم الرئيسية مثل، الإنصاف، العدالة، حقوق الأفراد أو المجتمعات، لمعرفة كيف ترتبط هذه المفاهيم ببعضها البعض، وكيف يمكن تحقيق ما توصف به هذه المفاهيم.

هل سيكون من العدل أن يحصل كل فرد في المجتمع على حصة متساوية من السلع والخدمات، بغض النظر عما يساهم به عن طريق العمل؟ أم هل سيكون الأمر أكثر إنصافاً إذا سمح للجميع بالربح والاحتفاظ به بقدر الإمكان؟ وهل ينبغي اتخاذ قرارات مهمة من قبل الجميع، أم فقط من جانب أولئك الذين تؤهلهم خبرتهم ومعرفتهم إلى اتخاذ القرار؟ هذه أسئلة أساسية ليس حول كيفية عمل المجتمع فعلياً، ولكن حول الكيفية التي يجب أن يُنظم بها المجتمع ويعمل. بعبارات أخرى مختصرة للتعبير عن هذا يمكن القول بأن الفلسفة السياسية معيارية بطبيعتها. مثلما قد تكون الأخلاقيات وصفية (هذا ما يفعله الناس) أو معيارية (هذا ما يجب عليهم فعله)، كذلك فإن السياسة وعلم الاجتماع والاقتصاد وصفية (هذا هو الأسلوب الذي يعمل به النظام السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي) في حين أن الفلسفة السياسية هي معيارية (هذا ما يقرر أو يشكّل العدالة والانصاف لمجتمع عادل أو جعل المجتمع حر).

من المهم اعتبار تقدير الفلسفة السياسية بأنه أمر لا يتعلق بوصف المجتمعات أو المؤسسات السياسية الفعلية، فذلك يقع في حيز الدراسات السياسة. كما أنها لا تبحث في الطريقة التي تطورت بها الدول والإمبراطوريات وانتشرت على مستوى العالم، أي دراسة الجغرافيا السياسية (على الرغم من أن المعرفة بالسياسة والجغرافيا السياسية مفيدة لأي شخص مهتم بالفلسفة السياسية)، وأيضاً أنها ليست دراسة تأثير التمويل والتجارة والأسواق في تشكيل المجتمع، فهذا هو الاقتصاد. وبدلاً عن كل ذلك، تهتم الفلسفة السياسية بالتبرير العقلاني والمعياري للكيانات السياسية.

يمكن أن تكون السياسة بحد ذاتها ممارسةً عمليةً ميكانيكيةً - حيث تقوم بفرز أفضل الطرق لتقديم الفوائد المتفق عليها. ومع ذلك، إذا كان الأمر كذلك، فستكون هناك بعض القضايا السياسية التي سيتم مناقشتها - وسيتم الحكم على كل شكل من أشكال الحكم ببساطة على أساس الأداء الفعال. لكن الحياة ليست بهذه السهولة. يختلف الناس حول المبادئ التي يجب أن تدير أو تسيّر المجتمع - وهذه الخلافات حول المبادئ هي التي تشكل أساس الفلسفة السياسية. "وحتى عندما يتم الاتفاق على الغايات، تبقى الأسئلة المتعلقة بالوسائل، وهذه لاتُعد سياسة بل مسألة تقنية ... النظرية السياسية هي فرع من الفلسفة الأخلاقية، والتي تبدأ من اكتشاف، أو تطبيق المفاهيم الأخلاقية في مجال العلاقات السياسية".

Isaiah Berlin ‘Two concept of Liberty 'a lecture given in Oxford 1958

بعبارة أخرى، تتعلق الفلسفة السياسية بالغايات التي تسعى الى انجازها من خلال السياسة. فبمجرد الاتفاق على الغايات، تكون السياسة والاقتصاد هي التخصصات التي بأدائها تُنجز الغايات. بطبيعة الحال، تميل النظم السياسية والاقتصادية إلى تحقيق أهدافها أو غاياتها الخاصة، ولكن يتم فحص هذه الأنظمة في إطار الفلسفة السياسية.

إن السؤال الأساسي هنا هو: هل هناك مبادئ مطلقة يجب تطبيقها على كل المجتمعات، أم يجب الحكم على كل نظام سياسي في ضوء الظروف الخاصة به، وتاريخ وثقافة تلك الأمة أو/ و تلك الحقبة المعينة؟

لا تُـكتب الفلسفة من فراغ أبداً. إنها تتلون دائماً بالافتراضات والأفكار العامة في عصرها على الرغم من طرح أفضل الفلاسفة أسئلة جذرية يتحدّون فيها تلك الافتراضات. فعلى سبيل المثال، عندما ننظر إلى عمل أفلاطون أو أرسطو، نعلم أنهم يكتبون على خلفية سياسات أيامهم. فعندما يتحدثون عن الديمقراطية - على سبيل المثال - لا يشيرون إلى الديمقراطية التمثيلية المعاصرة، بل إلى النظام الحكومي المباشر حيث اتخذ عدد صغير نسبياً من الأشخاص من ذوي الامتيازات قرارات حول كيفية حكم الدولة (أو Polis). لذلك تستفيد الفلسفة السياسية من رؤيتها في السياق ربما أكثر من أي فرع آخر للفلسفة. لذا سنبدأ بمراجعة تاريخية موجزة. 

 

الدّكتور عليّ رسول الرّبيعيّ

 

علي رسول الربيعييبدو لي أنه لا يوجد شيء مباشر وملائم أكثر من السؤال ما هي الحياة الجيدة المزدهرة الخيرة، وكيف يمكن تحقيقها؟ وسواء كنا نولي اهتماما مباشرا بالسياسات التي تمارسها الدولة التي نقيم فيها أم لا، فأنه لا يمكننا أن نتجنب الرضوخ الى قوانينها والى وتقاليد وقيم المجتمع الذي نعيش فيه، ولا يمكن للحياة الجيدة الخيرة الصالحة المزدهرة (مهما كن نعني بذلك) عمليا أن تتتحقق بمعزل عن الآخرين. وبالتالي، سيكون من المفيد دائمًا التوقف والتأمل في القيم التي نعتقد بها ونوع المجتمع وتنظيمه الذي نرغب في العيش فيه، وهذا حتى بالنسبة لأولئك المتشككين في العملية السياسية أو أستقامة السياسيين،. آمل أن تشجع القارى هذه المقدمات التي تحاول تغطية مجموعة واسعة من الموضوعات في هذا المالكان القصير والمحدود على استكشاف هذه الأمور بشكل أكبر والتفكير في جميع القضايا المهمة حول الحرية الفردية والعدالة والمساواة واستعمال السلطة والحرب وحقوق الإنسان وهلم جرا - التي تشكل أساس النقاش السياسي.

تهتم الفلسفة السياسية بالمبادئ والقيم الأساسية التي ترتكز عليها الحياة السياسية. وتسأل "ما هي أفضل طريقة لتنظيم المجتمع من أجل السماح لجميع مواطنيها التمتع بالحياة الصالحة أو الجيدة؟" إنها تهدف إلى محاولة الموازنة بين الرغبة في الحرية مقابل الحاجة إلى العدالة، أو حق الفرد في تحسين موقعه وحياته اقتصاديًا مقابل الرغبة في الإنصاف والاهتمام بالجماعات الفقيرة في المجتمع. لو فتحنا أي صحيفة يوميه فأننا ستواجه قضايا عديدة تتطلب الحكم عليها بالصواب أوالخطأ، وكذلك حول ما إذا كان القانون عادلًا، أو ما يجب فعله تجاه أولئك الذين ينتهكونه. وهناك، ايضا، حسابات تتعلق بالحرب والمعاناة التي تسببها، مما يؤدي إلى تساؤلات حول ما إذا كان من الصواب على الإطلاق الذهاب إلى الحرب، أو ماذا ينبغي القيام به لتقليل معاناة عامة الناس. ثم أننا جميعا نفترض أنه يجب أن نكون قادرين على القيام بحياتنا العادية دون خوف من هجوم إرهابي، أو اعتقال تعسفي، أو استغلال من قبل نخبة حاكمة. ونحن نفعل ذلك لأن لدينا شعورًا أساسيًا بالعدالة والعدالة والحرية.

 واجه الفلاسفة منذ أفلاطون فلاحقا، أسئلة حول العدالة والمساواة، حول القيم التي تجعل من المجتمع مستقراً مزدهرا، وعن كيفية مشاركة الناس في حكم المجتمع الذي يقيمون بين ظهرانيه. كيف يمكن أن يتم هذا بأفضل وجه؟ أي نوع من الحكومة يرجح أن توفر ما نحتاجه ونريده؟ تشكل هذه الأسئلة أساس الفلسفة السياسية.

ليست الفلسفة السياسية هي السياسة نفسها. تدور السياسة حول المشكلات اليومية الظرفية التي تتعلق في إدارة الدولة، فياتي وجود السياسة من حاجة الناس إلى تنظيم أنفسهم ومن أجل تحقيق أهداف أساسية معينة، بينما مصطلحات عامة جدا ومجردة مثل الحرية والعدالة هي المفاهيم الأساسية للفلسفة السياسية.

هذا لا يعني أن الفلسفة السياسية تقيم في برج عاجي، فيمكنك، فيمكنك من خالا الأستماع إلى أي نقاش بين السياسيين سوف تلاحظ يقولون إن سياستهم بالذات هي الأفضل في تحقيق الحرية أو العدالة. بعبارة أخرى، لا يمكن تبرير وجهات النظر والإجراءات السياسية إلا بالإشارة إلى المبادئ الأساسية للفلسفة السياسية.

الفلسفة السياسية في الأساس هي فرع من الأخلاق، أيً دراسة كيفية تصرف الناس أخلاقيا. نحن نعرف عموما ما نعنيه عندما نقول أن شخصًا صالحًا أخلاقًا. نفترض أن الناس الأخلاقيين سيكونون مبدئين في حياتهم الشخصية وفي تعاملهم مع الآخرين. لكن ما الذي يعادل الشخص الصالح الأخلاقي عندما يتعلق الأمر بالطريقة التي تتصرف بها الأمم؟

هناك أيضا نقاش حول مقدار ما يجب أن تفعله الحكومة. يزعم البعض أن على الحكومة أن تترك الفرد حرًا لتنظيم حياته الخاصة. ويعتقد آخرون من أجل العدالة على الدولة أن تقوم باكثر من هذا. إذن، المناقشة الأساسية هي حول ما يجب أن تقدمه الحكومة. ولكن هناك قضية أخرى مهمة ايضا يجب حلها وهي: كم او الى أيً حد نريد أن نشترك في القرارات التي يتخذها أولئك الذين يحكموننا؟

يوافق الجميع تقريباً أن الديمقراطية هي المثل الأعلى. ففي ظل نظام ديمقراطي لدىً كل شخص فرصة للتصويت، وبالتالي التأثير على قرارات الحكومة. لكن أن تصوت في الانتخابات مرة واحدة كل أربع سنوات أو نحو ذلك وضع غير كافي فالمطلوب أن يكون لديك القدرة على التأثير في القرارات السياسية بشكل أكثر مباشرة. وعليه هل ينبغي أن يكون هناك المزيد من المساءلة المباشرة والمنتظمة من جانب الأشخاص لأعضاء الحكومة الذين انتخبوهم في السلطة؟

تزودنا هذه الأسئلة الآن بجدول أعمال عام للفلسفة السياسية:

نحن بحاجة إلى تحديد ما نعنيه بالحياة الخيرة الصالحة والأنظمة السياسية التي يمكن أن تساعدنا في تحقيقها. هل الحكم الاستبدادي أكثر فعالية؟ هل الديمقراطية هي الطريقة الوحيدة لتحقيق السيطرة على إساءة استخدام السلطة من قبل الحكومات؟ هل يتم تحقيق المساواة بشكل أفضل من خلال شكل من أشكال الاشتراكية؟

علينا أن نفكر في كيفية تحقيق التوازن بين الحرية والإنصاف. وبعبارة أخرى، قد يكون من الممكن إنشاء مجتمع عادل، ولكن ذلك يأتي فقط من خلال ضمان أن يحافظ الجميع على قواعد صارمة في حدود ضيقة. من ناحية أخرى، إذا كانت الحرية ذات أهمية قصوى، فعلينا أن تقبل أن يكون هناك فائزين وكذلك خاسرين.

قامت الشيوعية بطرق عديدة للتضييق على الحرية الشخصية في معظم القرن العشرين. وكانت الزراعة الجماعية، ومنع المشاريع الخاصة، وما إلى ذلك، كلها سمات أساسية للفلسفة السياسية الشيوعية. من ناحية أخرى، جلبت الديمقراطية والاقتصاد الليبراليان، اللذان انتصرتا على الدول الاجتماعية بحلول نهاية القرن العشرين، تفاوتًا هائلاً في الثروة بين المواطنين، وجعلت الجميع عرضة للأزمات المالية والاقتصادية العالمية. لذا فإن تحقيق التوازن الصحيح بين الحرية والعدل أمر أساسي. وكذلك من المهم جداً معرفة كيفية الحكم على شرعية وفعالية الحكومات.

الواقع والقيمة

يبدأ النقاش في السياسة عمومًا بالوقائع أوالحقائق ولكن ينتقل بسرعة إلى النظر في القيم. قد تكون الوقائع المعنية مدرجة في كتب العلوم السياسية أو علم الاجتماع أو الاقتصاد. كل هذه الموضوعات تدور حول كيف يكون العالم السياسي. لكن في مناقشة حول السياسة، من المرجح أن يتم سؤالك عما إذا كنت تعتقد أنه من الصواب أن يكون الأمر كذلك. هل من الصواب، مثلا، أن تحدد تريزا ماي (رئيسة الوزراء البريطانية) موعدا لإجراء انتخابات عامة تناسب حزبها أو مصلحتها الشخصية؟ هل من الصواب أن نقبل خطتها للخروج من الأتحاد الأوربي؟ لا يمكن الإجابة عن أسئلة كهذه من خلال الأستماع أو سرد الوقائع فقط. نحن نعرف ما هي القضية، ولكننا نحتاج لمناقشة ما يجب أن يكون عليه الحال!

بمجرد أن تبدأ في هذا الطريق تواجهك الأسئلة عن القواعد والقيم التي يمكن الحكم على السياسة من خلالها. يتطلب منك هذا النهج التعامل مع الأسئلة الأساسية حول القيمة والهدف. وهنا عليك أن تسأل ما هي الحكومة أو ما الغرض منها، وما إذا كنا بحاجة إلى المزيد من حكومات بدور أكثري أو اقلي. إن طرحك لمثل هذه الأسئلة فأنك تكون قد دخلت في حقل الفلسفة السياسية. وهكذا فأن القيم الأخلاقية والأفكار الأساسية حول كيفية إدارة المجتمع تشكل أساس النقاش السياسي والحكومة. أما الفلسفة السياسية فهي الأداة الرئيسية لتشكيل تلك الأفكار والقيم السياسية. 

التعلم من الماضي

في هذه المقدمات، سننظر إلى المفكرين والأنظمة السياسية الماضية. ماذا قال أفلاطون أو أرسطو عن الأشكال المختلفة للحياة السياسية في اليونان القديمة، حول ما نعنيه بالعدالة، وحول من هو الأنسب للحكم؟ كيف اعتقد هوبز أنه يمكن تأسيس حكومة مستقرة وقوية؟ كان أهتمام الفلسفة السياسية في اوربا في اللقرنين السابع عشر والثامن عشر يدور حول كيف يجب أن يكون الناس ممثلين إلى حد ما في الحكومة، وهو تطور قدم أسس الديمقراطية الحديثة. ثم حول تأثير الاقتصاد والسوق الحرة كما في اراء آدم سميث، أو في وقت لاحق النظريات حول الأساس الاقتصادي للتغيير الاجتماعي التي طورها كارل ماركس. يمكننا، بالطبع، تقدير أعمال هؤلاء المفكرين من خلال النظر إلى السياق الذي فكروا فيه، لكنها بالتأكيد ذات صلة بالأسئلة المتعلقة بالسياسة اليوم.

اعتقد ميكيافيلي، على سبيل المثال، أن أولى واجبات واهتمامات أي حكومة يجب أن يكون الأمن والاستقرار. وعليه كان مستعد لمنح المزيد من الصلاحيات للحاكم، ومستعد للتنازل عن الحرية والحقوق إذا لزم الأمر من أجل الحفاظ على الأمن القومي. واليوم ما زلنا نناقش حقوق وأخطاء هذا النهج. استكشف جون لوك فصل القانون عن الحكومة، ولا يزال عمله صالحًا حتى اليوم عندما توجد شكاوى من أن الحكومة تمارس ضغوطًا على السلطة القضائية. لذا عندما نمارس الفلسفة السياسية نحتاج أن ننتقل ذهابا وإيابا بين أعمال المفكرين العظام وعالمنا الحالي ومعضلاته السياسية.

الأمم، الدول، أم ماذا؟

عند التفكير في شكل مثالي من أشكال الحكومة نميل إلى التركيز على الدولة/ الأمة أو الدولة القومية، ولكن من الجدير التوقف للتفكير في مدى سلاسة هذا المفهوم. لقد تم إنشاء الدول بشكل مصطنع مثل ألمانيا التي تكونت من تحالف دول أصغر، وقد تنفصل الدول التي تشكلت مرة أخرى كما في السودان ويوغسلافيا. إن الدول، كما نفكر بها الآن، هي إبداعات بشرية، وليست مجرد قطع من الأرض. إنها تنشأ وتتغير. تميل الدول إلى فرض السيادة داخل حدودها، ويعتبر التدخل فيها أمر خطير. لكننا نحتاج أيضًا إلى التفكير فيما إذا كانت الدولة لا تزال هي أنسب وسيلة للحكم. أننا نعيش في عالم تتنافس فيه دوائر تأثير عديدة مثل الأمم المتحدة والأتحاد الأوربي وتجمعات اخرى وهلم جرا. وتزدادت المناقشات بين الأمم حول المشكلات العالمية أو التي نتجت عن العولمة، ولكن اين يكون موقع السلطة في هذا الحال؟

 

الاقتصاد والايديولوجية

يرتبط الاقتصاد والسياسة ارتباطا وثيقا. لنأخذ مثلا أسباب أزمة الائتمان العالمية والركود الذي بدأ في عام 2008 حيث تم الافتراض أن الناس يريدون امتلاك منازلهم، وبالتالي فإنه من الجيد أن نقدم لهم قروضاً عقارية، فتم تشجيع الناس على الاقتراض أكثر مما يستطيعون تحمله، وتم تقاسم المخاطر التي ينطوي عليها إقراض هذه الأموال بين المؤسسات المالية. فقد تعرض بنك الاستثمار الأمريكي ليمان براذرز الى الانهيار وسقوط في الإفلاس في 2008 مما هدد بوقوع انفجار كارثة أزمة اقتصادية عالمية هزت اركان النظام المالي الغربي وزاد القلق من قدرة البنوك في توفير السيولة اللازمة لدفع التزاماتها مما ادى الى تدمير الثقة في النظام المالي برمته. وادى الى ازمة في السياسة الأقتصادية حيث كان الضغط السياسي قويا لأنقاذ البنوك من قبل الحكومات. ونتذكر كيف حصل انهيار الأسواق المالية بعد انهيار البنك ليمان براذرز، لأنها لم تثق بعد في قدرة الدولة على إنقاذها. وفي تلك الأوضاع لم يكن أصحاب السندات وحدهم ضحية الإفلاس فالمستأجرون والمدخرون ما زالوا يدفعوا التكلفة ويشكون من ارتفاع قيمة الإيجار، وقلة حصول الإدخارات المالية على فوائد وبالتالي وجب على المدخرين توفير المزيد من المال حتى يتمكنوا من تأمين تقاعدهم من الناحية المالية. وعندها اندلعت المشاكل، ومع عدم القدرة على سداد قروض المنازل، ومن ثم عدم الرغبة في إقراض المال من قبل البنوك، بالأضافة الى ماتبع ذلك من فشل الأعمال التجارية، كل ذلك جعل الحال أسوأ حيث أصبح المستهلكين مترددين في الإنفاق على السلع في وقت ساد فيه الخوف والأنكماش في الأسواق. فماحصل فعلا هو أن شعر الجميع بحالة من الفشل، وكان لهذا أتعكاسات قوية برزت جليًة في النجاحات الأنتخابية للأحزاب الشعبوية اليمينية.

وما حدث بعد ذلك هو أن وجد العالم نفسه أنه يحتاج إلى تدابير سياسية وكذلك اقتصادية للمساعدة في تحسين الأوضاع الأقتصادية العامة. وبدأ القيام ببعض التدابير في أنفاق الأموال العامة على دعم المنظمات الأقتصادية أو الشركات التي يُنظر إلى فشلها على أنه يحمل عواقب اجتماعية وسياسية غير مقبولة. في هذه الظروف، بدأ الناس بالسؤال: هل يمكننا أن نفعل الأشياء بشكل مختلف؟ هل أولوياتنا هي الصحيحة؟ هل هذه السياسة مستدامة أم هل لها عواقب طويلة الأجل على البلد أو العالم؟ لذلك تم طرح الأسئلة الأساسية لما بدأ انه نتيجة لسياسة اقتصادية تم ممارستها.

عدالة وأنصاف

كانت هناك محاولات عديدة لتحديد ما نعنيه بالعدالة وكيف يمكن تطبيقها على المجتمع. طرح جون راولز فكرة العدالة على أنها أنصاف في كتابيه "نظرية العدل" و " العدالة كأنصاف"، وقدم "تجربة فكرية" يتقابل فيها مجموعة من الناس سوية لتقرير كيفية تقسيم الموارد بينهم في وضع لا أحد منهم يعرف ما إذا كانوا فقراء أو أغنياء. فيسعى الناس في مثل هذه الظروف، كما يرى راولز، دائمًا لمساعدة أفقر الناس، لأنهم قد يكونون هم فقراء. أثارت هذه الحجة نقاشا كبيرا ، لأسباب ليس أقلها أنه في الممارسة لا يستطيع الناس أبدا أن ينسوا من هم. وهذا ما طرح تساؤلات جوهرية، اذ بدا من الواضح أن هناك وجهات نظر عميقة حول ما هو عادل. قد لا يبحث الناس عن المساواة المطلقة ولكن لديهم إحساس قوي بالعدالة. إذا كنت تتفق مع راولز، فإن أي اختلاف في الطريقة التي يعامل بها الناس يجب أن يكون لصالح الأقل حظا أو الفقراء. لكن يبدو في الممارسة العملية أن العكس هو الحال في كثير من الأحيان. إن تحقيق الإنصاف ينطوي عموما على تمرير القوانين ولكن بأي سلطة يحق للدولة تمرير القوانين وفرضها عليك؟ هناك إجابة واحدة هي أنك لاتملك الاختيار سواء كنت مولودًا في بلد ما أو تختار الانتقال إلى بلد أخر، ففي كل الأحوال تقبل تلقائيًا النظام السياسي والاجتماعي الموجود. يمكنك أن تسعى لإصلاحه بالطبع، لكن هذه مسألة أخرى. هل تثق بالحكام، وإذا لا تثق فهل لك الحق في استبدالهم؟ في نظام ديمقراطي يمكن للناس تغيير الحكومة المنتخبة واستبدالها بأخرى عبر صندوق الاقتراع. ورغم أن هذا لا يمنع الحكومات من التلاعب في العملية الانتخابية من أجل تحسين فرصها في إعادة الانتخاب ، ولا يضمن تصويت الجميع بالتساوي، لكن على الأقل هناك بعض مظاهر المساءلة.

المفكرون العمليون

لقد لعب العديد من الفلاسفة دورًا نشطًا في السياسة، حيث قاموا بحملة أحتجاج واتخذوا مواقف من قضايا اجتماعية وسياسية عديدة. فمثلا خرج جان بول سارتر إلى شوارع باريس مع الطلاب المحتجين في عام 1968، ومن بين المثقفين الفرنسيين المعاصرين واصل آلان باديو القيام بحملة نيابة عن أولئك الذين يعملون في فرنسا بلا أوراق أقامة رسمية، أيً بدون تصاريح قانونية. كذلك شارك برتراند راسل بشكل خاص في الأحتجاجات التي تطالب في نزع السلاح النووي، ودعم جون ستيوارت ميل الحملة السياسية من أجل حقوق المرأة ، وفي وقت سابق أثر روسو في الثورة الفرنسية وجون لوك في صوغ الدستور الأمريكي. وبالعودة إلى سقراط، نجد أن الفلاسفة طالما قاموا بدور نشط في تحدي المؤسسات القائمة.

 

الدّكتور عليّ رسول الرّبيعيّ