علي محمد اليوسفتعريف: العدم هو الوجه الآخر للوجود حسب ما تذهب له الموسوعة الحرة، وبذلك يكون العدم في علاقة متداخلة تشبه علاقة الفكر باللغة أوعلاقة الروح بالجسد فلا معنى لوجود أحدهما في غياب تعالقه المتداخل بالآخر.. والعدمية Nihilism المشتقة من العدم تذهب الى أن العالم كله بما في ذلك وجود الانسان بلا قيمة وخال من أي مغزى أو معنى حقيقي..وهو ما يرتّب على الانسان أن يستغل حياته من منطلق التسليم بهذه الحقيقة الحتمية التي لا يمتلك درءا لها ولا الأفلات منها..بما يتوجب عليه تنضيج تفكيره بأستمرار من أجل أن يسمو بحياته عن حياة الحيوان الذي لا يعرف ولا يدرك معنى العدم... كما أن على الانسان أن يدرك ويتصرف من خلال التسليم بحتمية العدم بأن الحياة الانسانية قيمتها الحقيقية أنها فانية ولها نهاية...

ويعرّف عالم الفيزياء النظرية لورانس كراوس أن العدم يتألف من لا زمان ولا مكان ولا مساحات ولا جزئيات ولا تنطبق عليه قوانين الطبيعة على الاطلاق.. وبناءا عليه نستطيع القول بأن العدم هو وجود حدسي غير موجود ولا مدرك، ولا يحده الزمان ولا المكان قانونا الطبيعة اللذان يحكمان الوجود في أدراكنا الاشياء بالطبيعة..وتجاهلنا القلق الوجودي للعدم لا يقدم ولا يؤخر من حقيقة أنه يحزم حياتنا بحتمية لاخلاص ولا فكاك منها هي الموت والفناء.

وبالعودة الى فهم كراوس للعدم من وجهة نظر فيزيائية نجده يقول اذا كان من الصعب علينا تخيّلنا العدم بأنه (لاشيء) وغير حقيقي ،فهناك العديد من الاشياء بالعلوم لا يمكنك حدسها لكن ذلك لا يعني عدم وجودها..ويختم تايسون وهو عالم فيزياء أيضا القول معضلة العدم لا تحل أبدا..

العدم والفلسفة

يعرّف هيدجر العدم بأنه النفي القاطع لكل وجود أو شيء يحكمه الفناء الحتمي القطعي بالموت.. والقول بأن العدم موجود قول متناقض لأن العدم سلب وهذا ما يقرّه العقل...

.. وتعقيبنا أن العدم ليس وجودا (قبليا) متعيّنا يسبق وجود الموجودات في عالم الاشياء التي يستهدفها الفناء ،كما هو ليس وجودا (بعديا) يخلف نهاية الاشياء المحكومة بالعدم.. أي حقيقة وجوهر العدم أنه أستدلال أفتراضي غير مدرك يسكن جوهر الاشياء كما تسكن الدودة قلب الشيء المحكوم بالنفي العدمي على حد تعبير سارتر، العدم هو أستدلال أفتراضي لموجود غير بائن للادراك لا كمظهر ولا كجوهر على السواء..والعدم هو حالة من ملازمة الوجود لا يمكننا التعبير عنها بالكلمات، فالعدم ليس جوهرا ولا ماهية ولا موجودا منفصلا متعيّنا يمكننا أدراكه بحواس وأحساسات الادراك العقلي بل هو ملازمة دائمية للموجودات لأفنائها.. أنه حقيقة مطلقة نعرف نتائجها بالحدس ولا نعرف ماهيّاتها بالادراك.. نستشعر تقويضه الموجودات الحية وأفنائها،، لكننا عاجزين معرفة ماهية العدم والاحاطة به لا بالادراك ولا بالتعبير عنه بالكلمات.. وحدس العدم يتيح لنا معرفة الموجودات على حقيقتها قبل أستهداف العدم الحتمي لها كما الموت في أفنائه الكائنات الحية من الوجود.. وأبلغ تعبير عن ذلك أنما جاء على لسان سارتر في تعريفه معنى العدم بقوله أن العدم يركب ظهر الوجود المحكوم بالفناء والزوال لا يتقدمه ولا يسبقه بل يلازمه ملازمة الظل والقرين المتداخل به.. وهو كالسوسة في باطن الموجودات والاشياء التي تنخرها..

العدم هو غير اللاوجود أو الفراغ (الخلاء) الذي يتوسط موجودين محكومين بالفناء بل هو يلازمهما كجزء من تكويناتهما كلا لوحده وصولا الى حتمية فنائهما لا قبليا ولا بعديا عنهما بل في ملازمة حتمية لا أنفكاك لها.. فالعدم لا يسبق الوجود ولا يأتي بعده، بل يداخله وهو دلالة أفتراضية يستهدف غيره من الموجودات والاشياء بالفناء،، وهو لا يفنى بالفناء ولا يعدم نفسه كما في تعبير هيدجر، بل هو نتيجة حتمية شاخصة متبقية بعد فناء الموجودات المحكومة بحتمية العدم والزوال.. أنه الموت الذي يعدم الحياة ولا يعدم نفسه في أستمرارية بقائه كحقيقة أزلية في معايشته الحياة والانسان والطبيعة والموجودات.. ..

العدم والقلق

يتحدث هوسرل عن العدم من منظور فلسفي فيعتبره لصيق القلق النفسي المتداخل في الوجود الانساني، ويأخذ القلق عنده دور العدم في حين نرى العدم ليس حالة من حالات القلق النفسي التي يمكن الشفاء منها بأنفصالها عن الوجود المادي للانسان فقط والقلق لا يشمل كافة أشكال الكائنات الحية الاخرى مثل الحيوان المحكومة هي الاخرى بالعدم فهي لا تشعر بالقلق من الموت الذي سيدركها..

فالعدم يطال الوجود كاملا برمته ويبقى القلق مرهونا بالموت الذي هو شكل العدم والفناء عند الانسان..وأنفلات السيطرة على العدم وأنعدام أمكانية الاحاطة به والتعبير عنه بالكلمات لا يجعل منه قلقا نفسيا يلازم الوجود بأنفصالية مستقلة والخوف منه.. بل بأعتباره وجودا متداخلا ملاصقا الوجود الانساني ويتهدده بالموت والفناء.وعندما نقول العدم هو الوجه الآخر للوجود فليس معنى هذا أننا نستطيع أدراك العدم كما هو الحال مع أدراكنا الوجود، فالعدم جزء متداخل بالوجود لكنه لا يمتلك وجودا متعينا بل هو أفتراض حدسي فقط نلمس نتائجه دونما أدراكه..

وعندما يعبر هيدجر (أن العدم مصاحب للوجود وليس نفيا للوجود) يكون وضع العدم في مفهومه وسياقه الوجودي الحقيقي الصحيح، فالعدم  ينفي الوجود لأنه جزء لصيق بهذا الوجود، ويتعذر على العدم بأعتباره وسيلة أعدام الوجود أن يعدم نفسه ولا نستطيع الجزم أن العدم يفنى بفناء الوجود..فالعدم ليس وجودا قبليا ولا وجودا بعديا يمكن حدسه كمدرك بعد فنائه موجوده المتداخل معه.. ولا نجد نفس الدقة السابقة في عبارة هيدجر التي مررنا بها قوله (فنحن يخرسنا القلق ويطوينا العدم فلا نقوى على نفي الوجود عنه ولا أثباته، ولا يعني هذا أن يكون في القلق فناء للموجود في مجموعه بل أن الموجود يترنح ويتأرجح ويغيب بسببه) 1، هنا هيدجر يجعل من القلق بداية العدم معتبرا القلق هو حالة نفسية لا تعدم الوجود بمجموعه بل تتركه مترنّحا؟؟ القلق ليس عدما ولا ينوب عن العدم في أستهدافه الوجود بالفناء.. القلق حالة من التهيؤ النفسي غير المجدي من العدم..لكن القلق ليس هو العدم بذاته بل مظهرا من مظاهر النفس والتحسّب له..

وفي تعبير برجسون (ان ما يسلب عنه الوجود بكلمات مثل العدم أو الخلاء لا يدخل في نطاق الفكر بل الوجدان، والعدم صيغة وجدانية للفكر، والعدم المطلق فكرة زائفة ) 2، ونكمل مع هيدجر نفس المنحى قوله (اذا كان المنطق لا يوصلنا الى العدم فمن الممكن ان نلجأ الى لغة العامة، لأن العدم ينبغي أن يوجد بطريقة وأخرى والا ما كان موضوعا نبحثه هنا) 3 .

من الملاحظ في تعبيري برجسون وهيدجر على السواء في اختلاف بسيط فقط أن العدم في الوقت الذي لا تستوعبه اللغة ولا المنطق في تحديد ما هو.. يكون متوجّبا أستحضاره كموضوع فلسفي ميتافيزيقي يكون أرتباطه بالوجدان وليس أرتباطه بالوجود المادي للاشياء في فنائها الحتمي، لكن المنطق الفلسفي يقر بأن العدم قرين أفنائي للموجودات المادية والاشياء في الطبيعة من بينها الانسان كوجود يدركه الموت والفناء، وتعبير برجسون يدور في نفس الدوامة الميتافيزيقية بأعتباره العدم صيغة وجدانية للفكر، والعدم المطلق فكرة زائفة حسب تعبيره..والدلائل الحقيقية تشير الى أن العدم في الوقت الذي لا يكون وجودا منفردا لوحده بل مصاحبا دائميا للموجودات المادية فهو بالضرورة الادراكية أن ما يقوم بنفي المادة لا يكون فكرا بل هو موجود يستمد ماديته من مواضيع أعداماته المادية.. والعدم بمعنى الفناء هو أكثر صيغة تجريدية مقبولة تمكنّه من أن يكون العدم المطلق ليس فكرة زائفة بل فكرة حقيقية يمكننا أن نجد حقيقتها في أقترانها بالوجود من حيث هو مطلق فاني ومعدوم على الدوام ولا يمكننا تصور موجودات لا يطالها العدم..فليس بمقدورنا القول أن الموت الذي هو عدم مطلق ليس مطلقا..

 

علي محمد اليوسف /الموصل

.............................

هوامش

1- الفلسفة واللغة /عبد الوهاب جعفر ص 86

2- المصدر اعلاه ص84

3- المصدر اعلاه نفس الصفحة

 

زهير الخويلديمقدمة1[1]:

"ذاكرة الرهيب ضرورية للغاية

La mémoire du terrible nous est absolument indispensable "2[2[

لم يكن بول ريكور أول من حذر من إخفاق مشروع الأنوار في الحضارة الغربية ومجيء العدمية وبلوغ الإنسان زمن الخواتيم فقد تحسس ذلك بصورة جنيالوجية فيلسوف المطرقة فريدريك نيتشه وسانده مارتن هيدجر ضمن رؤيته الأنطولوجية الأساسية وتفطن إلى المنحدر الخطر عالم الاجتماع ماكس فيبر وأدرك اقتراب النهاية كل من المؤرخين أرنولد توينبي وأوسفالد شبلنغر واتضحت الأزمة في العلوم الأوروبية مع أدموند هوسرل وانتبه يورغن هابرماس إلى مأزق الحداثة التقنية وسقوط العقلانية في مستنقع الآداتية.

بيد أن الطرافة التي ميزت بول ريكور هو كشفه عن حالة الإنهاك التي بلغها مشروع الأنوار وعن الأزمة التي يعاني منها الوعي التاريخي وتأخره عن الزمن التاريخي والتعارض بين فضاء التجربة وأفق التوقع واستشكاله الأزمة التي أصابت الحضارة الكونية من جهة القيم والمبادئ التوجيهية التي تحكم المؤسسات وطرقه أبواب الديمقراطية عبر الإنسية التعاونية وتطعيمها بالسياسة التي تراهن على الحريات الفردية.

من هذا المنطلق تبدو مسؤولية الفيلسوف كبيرة في المدينة حول مهام الانتقال من الانحلال إلى إعادة البناء ومن الفوات والتأخر إلى اللحاق والتدارك وحول الأدوار التي يجب أن يقوم بها في الوساطة بين الأقطاب المتعارضة وفي رأب الصدع بين الذات والعالم وتخطي وضع الهشاشة وفشل العدالة ومفارقات السياسي.

مصادر الهشاشة حسب بول ريكور تنبع من النقائض التي تشق الواقعة الإنسانية بين الإرادي واللاّإرادي والمنزلة الوسطى التي يحتلها الكائن البشري وتجعله يتأرجح بين الكينونة والعدم وبين اللانهائي والنهائي وتظهر ذلك في التباعد بين المنطقي والمؤثري وبين المتعالي والعملي وحالة اللاّتنساب بين الذات وذاتها بسبب التناقضات بين الحرية والطبيعة وبين القرار والمشروع وبين الباعث والقصد وبين الطبع والأفق.

يتراوح الوجود البشري من وجهة نظر ريكور بين الهزل والجد وبين الكوميدي والتراجيدي ويستنجد بالطابع الملحمي لكي يتغلب في لعبته مع حركة التاريخ ويتحدى سلطة القدر المحتوم ويعلن انتصاره في معركة الحرية على العراقيل والضرورة والإرادة على التناهي واللاّعصمة ويجعل الإقرار شهادة للكائن البشري باللاّتناسب من جهة وقابلية الاقتدار من جهة أخرى ببناء الجسور وإبرام مصالحة بين الأضداد.

مفارقات السياسي التي أثارها ريكور تتوزع إلى ثلاث دوائر: تتعلق الأولى بالشكل العقلاني للدولة المدنية والقوة الفيزيائية المرافقة للقوانين والقرارات، الدائرة الثانية تقسم السلطة بشكل مغاير ضد نفسها وتعطب العلاقة بين البعد العمودي والتراتبي للهيمنة أولا والبعد الأفقي والتوافقي للرغبة في الحياة المشتركة ثانيا، أما الدائرة الثالثة فتتعلق بالنقد المعاصر لفكرة العدالة الواحدة واللاّمنقسمة والقول بوجود دوائر للعدالة تحتاج إلى تبرير من جهة وتوزيع منصف من جهة مقابلة بالنظر لأن الدولة الممسكة بالسلطة تظهر في ذات الوقت كدائرة مثل بقية الدوائر والهيئة العامة التي تحول دون اختراق الدائرة الأولى للدوائر الأخرى.

فشل العدالة الذي كشف عنه بول ريكور ناتج عن تعارض بين فكرة العادل من حيث هو مبدأ عال للحقل الإيتيقي والمعاناة التي تسللت من الخارج في الحكم الصادر من حقل العدالة الجزائية إلى الجاني المدان ويظهر إخفاق مؤسسة العدالة في مستوى التبرير العقلاني للعذاب الذي يعاني منه المتهم لحظة الإدانة.

أما عن المسؤولية فهي تشهد الكثير من المراوغات ومحاطة بالغموض والشبهات ويتم النصل منها في السر والعلن وتكثر التبريرات وتتزايد التسويغات ويقدم الفاعلون العديد من الأعذار وجملة من التعلات والخاسر الأكبر هو العزوف عن الفعل والإخلال بالوعود والتقاعس عن الواجب والتقصير في الالتزام.

هنا ، فيما تتمثل مسؤولية الفيلسوف تجاه هذا الخطر؟ هل هي مسؤولية فردية أم مشتركة؟ وماهي أنواع المدائن الحضرية؟ ولماذا حدث النزاع بينها؟ ما طبيعة الأزمة التي يعيشها الإنسان المعاصر ؟ هل هي أزمة تاريخية ناتجة عن الصراع بين الموروثات؟ وما المقصود بالمدائن المتصارعة؟ وكيف يتم الانتقال من المدينة إلى العالم؟ ومتى يتم بناء العوالم المشتركة بصورة تأسيسية؟ وماذا يتطلب الأمر من ناحية شغل الفيلسوف؟ وهل يمكن لإيتيقا المسؤولية التي تنبع من المصالحة مع الذات أن تكون بديلا عن إيتيقا الاقتناع التي تتشكل من خلال الفعل التواصلي في الفضاء العمومي؟ هل مسؤولية الفيلسوف تتعين من حيث هو مواطن حر أم تتنزل ضمن المؤسسات الرسمية التي يتحرك ضمنها ؟ ألا يُطالب بالمسؤولية الأخلاقية والوجودية إلى جانب المسؤولية السياسية والمسؤولية القانونية؟ والى أي مقام جديد يتطلع؟ هل يقتصر دور الفيلسوف على ممارسة الحكم وتحمل المسؤولية؟ هل هو الحكم المعرفي ام الحكم السياسي؟

حري بالفكر الحاذق أن يقسم بحثه عند معالجة هذه الإشكاليات إلى جملة اللحظات المنطقية التالية وأن يقوم باستدعاء الأنثربولوجيا الفلسفية التي تجمع بين المجتمع والاقتصاد ضمن جدلية الإيتيقا والسياسة:

اللحظة الأولى: مظاهر أزمة الوعي التاريخي بين التخصيص والتعميم

اللحظة الثانية: المدائن المتصارعة وإخفاق العدالة والشر السياسي

اللحظة الثالثة: العوالم المشتركة : السياسي من حيث هو استكمال المقصد الإيتيقي

اللحظة الرابعة: مسؤولية المجتمع الدولي والمقام الجديد للفيلسوف

ما يراهن عليه في الشخصية المفهومية هو تجنيب الحشود الالتجاء إلى العنف والنزاع واللاّتسامح والانزواء والاقتصار على التنظير والانتظار وانحيازه إلى قضايا المجتمع والتدخل في الفضاء العمومي والانتصار إلى المعية الوجودية بين المواطنين الأحرار على أرضية إيتيقية تشيدها إرادة الحياة المشتركة.

ما معنى قول يسبرس وأرندت "الفلسفة ليست بريئة"؟ هل هي مورطة بالضرورة وغير قادرة على إنتاج خطاب موضوعي؟ ما المقصود بفلسفة المدينة ومدينة الفلسفة؟ ولماذا نحتاج إلى التفلسف من اجل التمدن ونعتمد على التفلسف من اجل التمدن؟ ومتى كان التفلسف يساعد على فض النزاعات في المدائن وبناء المشترك؟ وأين يسكن الفيلسوف مدينته بالمعنى الأصيل للكلمة؟ وماذا عليه ينجز في المدينة لكي يصير فيلسوفا من جهة ومتمدنا من جهة أخرى؟ هل ينتصر للفلسفة إذا تصدت لها المدينة ام يحتمي بالمدينة بحثا عن ملاذ لا توفره الفلسفة؟ لماذا ينزوي الفيلسوف بصناعته بعيدا عن الأنظار ويخدم للسلطة؟ وهل يتحمل الفيلسوف مسؤولية كل ما يحدث في العالم ومطالب بتشييد المدينة؟ أليس من المطلوب أن يفكر الفيلسوف دون سلسلة مقيدة وخارج الصندوق ويسير في دروب جديدة ويساهم في صناعة العالم الإنساني؟ كيف يا ترى دور الفيلسوف في صناعة الأمل والتوقي بالثقافة والأدب والتاريخ من التطرف العنيف؟

ماهي خصائص الأزمة التي يعاني منها الإنسان في حياته العادية؟ وكيف تأثرت الحداثة بهذه الأزمة؟

1- مظاهر أزمة الوعي التاريخي بين التخصيص والتعميم:

"الأزمة ليست حادثًا طارئًا، ناهيك عن مرض حديث: إنها مكون من الوعي"3[3]

لقد عرفت البشرية منذ التشكل الأول العديد من الأزمات وأوجدت الوسائل اللازمة لحلها تصديقا لقول ماركس بأن الإنسانية لا تطرح مشاكل لا تكون قادرة على حلها وبالنظر إلى العقل يجد لكل سؤال جوابا ولكل مرض دواء ولكل آفة علاجا ولكن الأزمة الحديثة التي طوقت الوضع البشري طالت واستحكمت ولم يجد الإنسان المعاصر لها مخرجا وتسببت في ظهور العدمية واللاأدرية والانحطاط والحيرة القيمية والفراغ الأكسيولوجي ودفعت بالناس إلى التحرك في الممكن وقبول بالواقعية والبحث عن بدائل مؤقتة.

بعبارة أخرى نحن لا نعيش أزمة لأول مرة في التاريخ، فالوجود البشري شهد ظهور الكثير من الأزمات ولكن ما نعيشه في الزمن الحاضر هي أزمة شاملة لا نظير لها في السابق لأنها تظهر أزمة دائمة ونهائية.

كما أنها طرحت في الميزان قيمة التقدم التاريخي الذي سار إليه البشر وأعادت التساؤل عن معنى الحداثة وتماسك الذات في مواجهة التحديات والعناصر التي تكونها وصلابة المؤسسات في ظل عنف التحولات. لقد تفطن بول ريكور إلى تعدد أسباب الأزمة في العالم وتوزعها بين وراثة العنف التأسيسي وهشاشة ثبت الهوية ومخاطر اللقاء بالآخر ونشر اللاّتسامح بين المجمتعات وإفساد المال للأخلاق والسياسة والاقتصاد.

اللافت للنظر أن الأزمة عامة ومعولمة من جهة وتشمل جميع القطاعات بشكل خصوصي من جهة مقابلة ويضع لها بول ريكور ثلاث أسباب:

1- إن مصطلح الأزمة مزروع في الجسد البشري بطرق متنوعة ومبهمة بما أنه يشمل القيم والوعي والحضارة ويمس المؤسسات والجمعيات والوزارات والأحزاب والمرافق العمومية والخاصة.

2- مرت الأزمة بسرعة من الطابع الجهوي والقطاعي والخصوصي إلى الطابع العام والشمولي والكلي واخترقت بصورة تامة الظاهرة الاجتماعية وبرز ذلك في مستوى تمثل المجتمع لنفسه.

3- أزمة الحداثة لم تعد تشير إلى ظاهرة من بين ظواهر أخرى وإنما صارت ترمز إلى حقبة كاملة ومساءلة جذرية للحاضر واستشكال للراهن بسبب الصراعات التي تخترقه والتي يتعذر حلها[4].

 لقد ترتب عن اشتداد الأزمة تزايد المشاحنات الإيديولوجية وبروز تمثلات عقيمة للمجتمع وغياب التقدير للأفكار القيمية وتزايد الاهتمام بالقيم المعولمة التي تدور في فلك المنفعة والإجراء والربح ومتعة الاستهلاك وتكاثر المشاكل في المجالات التي كانت مستقرة وتفاقم النزاع في الحقول التي كانت هادئة.

يتوقف بول ريكور عند الدلالة الطبية للأزمة ويرى أنها تشير إلى لحظة المرض الذي يختص بتغير في السير العادي للمريض ويرتبط بالمعاناة أو العذاب في وجود شيء كعلامة رئيسية على سياق باثولوجي وتستوجب إحداث قطيعة في الإيقاع الزمني للمرض من خلال التشخيص المبكر والتدخل العلاجي ومحاولة إيقاف المضاعفات وتنمية القدرات الدفاعية التي يختزنها الجسم وتقوية المناعة عبر العقاقير5[5].

القطاع النموذجي الثاني الذي يحلل فيه ريكور مصطلح الأزمة هو حقل التطور النفسي الفزيولوجي الذي يشير الى حالة من البؤس العميق التي يعيشها الكائن وتكون في ذات الوقت في المستوى الجسدي والنفسي وتؤشر على مرور من حقبة عمرية معينة إلى مستوى زمني آخر وتظهر بوضوح في اللاتوازن الذاتي.

النموذج القطاع النموذجي الثالث هو الإطار الكوسموبوليتي الذي كان عمونيل كانط قد اشتغل عليها في كتاباته عن فلسفة التاريخ والتي أقر فيها بإمكانية ملاحظة التطور التام على الصعيد النوعي وحجبها عن الصعيد الفردي بسبب لاإجتماعية الاجتماعي في الحالة الأولى ووجود استعدادات طبيعية لاستعمال العقل تظهر بشكل متأخر في الأجيال المتعاقبة التي تطور قابليتها للتحول إلى المجتمع المدني ودولة القانون6[6].

أما النموذج القطاعي الرابع الذي يشهد بشكل منتظم ميلاد أزمات هو تاريخ العلوم وكشف فيه توماس كوهن في "بنية الثورات العلمية" عن النموذج الإبستيمولوجي للأزمة والطابع المنكسر للإبداع العلمي وبيّن فيه أن التقدم يتم عن طريق سلسلة من الثورات والقطائع التي تحدث من خلال تغيير في النماذج وذلك بعد وقوع تشويهات في النظرية وتعقيدات في المعرفة واختلال في التوازن وبروز أزمات عابرة7[7].

في نهاية المطاف يصل ريكور إلى تحليل المفهوم الاقتصادي للأزمة ويعتبره مفهوما مشتركا ومهيمنا ويعد النموذج الوحيد الذي يمكن أن يؤثر على النماذج الأخرى وينتشر في جل مجالات الحياة الإنسانية وذلك بالنظر إلى تأثير البنية التحتية المادية على البنية الفوقية الثقافية ومسه بقوة الحضارة الكونية وسلم القيم والمبادئ وشبكة المعايير الرمزية وتسببه المباشر في ظهور أزمات في مختلف الميادين الأخرى8[8].

يترتب عن اندلاع الأزمة في المجال الاقتصادي تشكل أزمة بالمعنى المنظومي النسقي واتخاذها الطابع المتنوع التتابعي وانتشارها السريع في المجتمعات المتقدمة والمتأخرة عن نمو أنماط الإنتاج الرأسمالية واكتساحها لكتل بشرية عريضة عوضت حالة الرخاء والرفاه والاستقرار بحالة الكساد والشقاء والعوز.

لقد تولد عن الأزمات القطاعية في المجال الطبي والنفسي الفزيولوجي والكوسموبوليتي والابستيمولوجي والاقتصادي تناقضات اجتماعية وعدة فوارق وعذابات واختلال في القيم وشرر سياسي وحروب متناسلة.

من هذا المنطلق تميزت الأزمة في العالم المعاصر بثلاثة خصائص أساسية حسب بول ريكور: التمكين9[9] والدورية 10[10] والعولمة11[11] ويؤدي ذلك إلى حصول تحولات كبيرة وتغييرات جذرية في مستويات الحياة للنوع. لكن ماهي المعايير التي يعتمد عليها ريكور أثناء تحليله لظاهرة الأزمة المعممة généralisée؟

اعتمد ريكور على عدد من المعايير أثناء دراسته للأزمة التي يعاني منها المجتمع الحديث ويراها تدور كلها حول المعيار الطبي والمعيار البيداغوجي والمعيار السياسي والمعيار الابستيمولوجي والاقتصادي. وكأن الحل في هذه الميادين يكون بالتخلص من المرض بالعلاج الكافي والدواء الشافي والخروج من الفشل المدرسي بالتربية المتكاملة والتعليم الجيد ومقاومة الشر والظلم بالحوكمة الرشيدة والسياسة العادلة والتغلب على الجهل الواعي والغباء المبرمج والخلط المتعسف بالنقد وتحصيل التنمية ضد الفقر12[12].

فكيف أدى التفاوت في امتلاك الثورة وفي درجة إنتاجها إلى ظهور فوراق اجتماعية ونزاع بين المدن؟

اللحظة الثانية: المدائن المتصارعة بين إخفاق العدالة والشر السياسي

" الآخر هو أقصر طريق بين الذات والذات عينها"13[13]

لقد تفطن ريكور إلى أن أزمة المدينة villeتعكس إلى حد كبير الأزمة الطارئة على السياسي والتي تعود هي بدورها إلى أزمة في المشاركة14[14] السياسية وقلة التدخل في الفضاء العمومي وعدم المحاسبة.

تعني المدينة Cité عند ريكور الجماعة السياسية بمختلف المؤسسات التي شيدتها وأعطتها شكل الدولة وتختلف عن المدينةville التي تشير إلى منطقة حضرية تكون في ذات الوقت وسطا فيزيائيا وبشريا يتركز داخله السكان وينتظمون وفق مساحة لها موقعها وبيئتها وفقا لاحتياجاتهم وأنشطتهم الاقتصادية.

المدينة في خطر هذا مؤكد والمهدد فيها هو الجانب الحضري والمدني والعمراني بسبب هبوب رياح العدمية والتوحش واشتداد عود الهمجية واتساع رقعة كثبان الرمال المتحركة القادمة من الصحراء والتي تهدد ما تبقى من مناطق خضراء وواحات ديمقراطية آمنة التي تنتشر فيها المحبة والتصافي والتعاون. ترصد أرندت تنامي ظاهرة فقدان العالم للتمدن وترى أن الواحات التي تستطيع توفير الحياة تم إبادتها عندما كنا نبحث عن ملاذ، يمكن أن يبدو في بعض الأحيان أن كل شيء يتآمر لتصبح الصحراء في كل مكان. لكن ليس هذا سوى خيال، في النهاية العالم دائما نتاج الإنسان، نتيجة حب الإنسان للعالم15[15].

بيد أن اللافت هو عدم الاكتفاء بالتحارب بين قوى الهدم وقوى البناء داخل المدينة بل نشوب نزاع بين المدائن في حد ذاتها وذلك ليس بسبب المشاريع التحديثية فيها والبرامج التنموية والمخططات السياسية ولكن بمفعول إخفاق العدالة16[16] ونتيجة اتساع الهوة بين المركز والأطراف والتناقض بين سكان المدن وسكان الأرياف وبعد استفحال التعصب والازدراء وتفشي التمركز على الذات والنزعة الفرادنية التملكية. من المفروض أن تحوز كل مدينة على مشتغلين بالفلسفة وتتوفر على منتجين للمعرفة وطلاب للحقيقة ومحبين للحكمة وعاشقين للمفاهيم ومناضلين من أجل المواطنة ومشاركين في الفضاء العمومي وبالتالي تبدو مسؤولياتهم مضاعفة في التصدي للانحراف ومقاومة التشويه وفي الانتصار للقيم الكونية والتربية السياسية للجماهير ويطلب منهم أن ينحازوا إلى قضايا الناس الجدية ويتحولوا إلى ناطقين بلسان الضمير.

والحق أنه توجد أنماط مختلفة من المدائن بحسب اختلاف النشاط البشري داخلها والمشروع الإنساني الذي يتم الانخراط فيه من طرف الكائنات البشرية المنتمية إليها وبحسب تأرجح العلاقات بين التنابذ والتعاون.

في هذا الإطار يستأنس بول ريكور بالتحليلات العميقة للوك بلتانسكي ولورنت تيفينو في كتابهما التسويغ : اقتصاديات العظمة17[17] ويحاول تحديد مكانة الفيلسوف ضمن النسق الوظيفي للمدائن المتصارعة ويرى أنه توجد مدينة للتسوق cité marchande حيث ندرة الخيارات تجعل الأشخاص يتنافسون على الحصول عليها ويخضعون ويتوحدون وهناك أيضا المدينة الصناعية cité industrielle التي تهيمن فيها القواعد الوظيفية الخاضعة للمبادئ العليا للمنفعة ومدينة الرأي cité de l'opinion التي تتحدد فيها الشهرة برأي الآخرين بدل الارتباط بالعظمة الحقيقية ويعيش فيها المشهورون من الرياضيين ونجوم الفن والمحترفون والمدينة الملهمة cité inspiré التي تتحدد فيها عظمة الأشخاص بالفضل وليس بالمال والمنفعة والمجد ، والمدينة المحلية cité domestique التي تشير إلى الموطن الأصلي ومسقط الرأس حيث تسود قيم الولاء والوفاء والإجلال والإكبار والرضوخ والانحناء للتقاليد تحت اسم قبول الإقامة المنزلية maisonnée والمدينة المتحضرة cité civique التي يتنازل فيها المواطنون عن مصلحتهم الشخصية لإرادة الجميع التي يعبر عنها القانون الوضعي ضمن الانتماء للمجموعة الوطنية، ومدينة المهمشين cité des marginaux والتي تضم الفنانين الهواة والتأمليين contemplatifs والمفكرين والفلاسفة ومعظم الحالمين من الشعراء والأدباء والنقاد واللاسلطويين والمحبطين والمنبوذين18[18].

هذا التعداد الفلسفي للمدائن يذكرنا بما قام به أفلاطون عند الإغريق وأبي نصر الفارابي عندنا في التفريق بين المدينة الفاضلة ومضاداتها من المدائن الضالة والجاهلة التي يفقد أهلها كل الأشياء المشتركة19[19].

 فكيف يتخطى الفيلسوف المنتمي إلى مدينة المهمشين وضع الهشاشة لكي يقتدر على تحمل المسؤولية؟

يبدو أن وجود المدائن في حد ذاته معرض للهشاشة ومداهم من طرف الشر السياسي وأشكال التراجيديا التي تظهر على مسرح التاريخ ويتطلب اتخاذ تدابير تتعلق باتخاذ القرار وممارسة الحكم والاقتدار على تبني جملة من الإجراءات والسماح للمواطنين بالمشاركة في تنظيم أنفسهم والمساهمة في إدارة الشأن العام وافتكاكهم لحقوقهم والتعبير عن أفكارهم الفلسفية الصامتة والوعي بالتصورات الإبداعية العفوية. كما تتعلق الهشاشة بالممارسة العمومية للفعل السياسي أكثر من تراجيدية الفعل الناتجة عن بروز صراع بين الكائنات البشرية المتناهية وعظمة التحديات التي تواجها على مسرح التاريخ والتحولات الهائلة.

علاوة على ذلك تشهد بعض المدائن تفكك الروابط الاجتماعية وعدم استقرار في شبكة التواصل بينها وغياب الاعتراف[20] بين الأفراد والمجموعات وتجاهل البعض للبعض بالنظر إلى الاختلاف في الانتماء اللغوي والديني والاجتماعي وصراع الأجيال والاحتدام بين الطبقات واندلاع حرب الجميع ضد الجميع.

 في الواقع يساهم تصاعد العنف داخل المدائن ونشوب الحروب الأهلية في الداخل وتعرضها للعدوان العسكري من الخارج والمشاركة في الحرب الشاملة في ظهور أزمات دورية في الحياة العامة ضمنها.

زد على ذلك انتشار التصور البراغماتي للحكم الذي يؤثر التبرير على العدالة والهشاشة على المسؤولية ويصعب عليه إرجاع المجتمع السياسي للمجتمع المدني وما يحمله معه من مصادر القسوة وتحميله للسلطة من مسؤوليات بخصوص منابع النزاع وجذور السياسي ويرى بول ريكور أنها متقدمة على التقاء خطان من القوة هما عنف السادة ومالكي الأراضي ومستولين على الموروث والمهيمنين على الأقليات الاثنية والثقافية والدينية وشرعنتهم للعنف ومأسسته تحت ضغط العقلانية القانونية ضمن التوازن الذي تقيمه دولة الحق عندما تقوم السلطة السياسية بتعريفه من حيث هو قوة تحتكر العنف المشروع وبوصفها شكل قانوني تخضع هي نفسها لقواعده المؤسساتية. لذلك تظل الدولة القانونية في حالة من التأرجح بين القطبين المتكونين من العنف البدئي المؤسس والعنف المشروع الردعي بقوة البوليس والجيش والأمن21[21]. هنا ترى حنة أرندت أن" إدارة الحرب مكنت مرة أخرى كما في القدم من إهلاك القسم الأعظم ليس فقط من الشعوب التي أصابتها بل حولت العالم الذي تسكنه هذه الشعوب إلى صحراء"22[22].

 في هذا الإطار إذا كانت السياسة هي مواصلة الحرب بوسائل غير عنيفة وإذا كانت الحرب هي مواصلة السياسة بوسائل عنيفة فإن الحرية رهينة أسوار المدينة وتتحقق في الأغورا بالمطالبة بوقف الحرب23[23].

المصدر الثاني من الهشاشة يتمثل في التقاطع في مستوى السلطة بين العلاقة العمودية للهيمنة والخضوع التي تتحكم في الحاكم والمحكومين والعلاقة الأفقية التي ترسمها إرادة الحياة المشتركة للجماعة والتي يجعل الرابط السياسي الجامع للمواطنين هشا بالمقارنة مع الرابط الاجتماعي الممتنع عن الخرق24[24].

المصدر الثالث للهشاشة يعود إلى طبيعة الدولة الديمقراطية المعاصرة التي تستمد سيادتها من ابرام اتفاق افتراضي يترجم صيغة تمثيلية تشاركية، ولكن تبقى هذه السيادة منقوصة وتحت رحمة رضا المتعاقدين وتزعم أنها تؤسس ذاتها بذاتها وتخضع العالم السياسي إلى قانون جاذبية خاصة بالمجتمع الذي تحكمه25[25]. يمكن إضافة حالة المعاناة والعذاب التي يعاني منها المذنب والذي يظل يبحث عن إعادة الاعتبار ويهدد بالانتقام كرد فعل عن تأخر الصفح وفي المقابل تنتاب الضحية الذي تعرض للتعدي والإجرام مشاعر بالاهانة ويظل في حاجة إلى إنصاف ورد الاعتبار حتى يظل يحترم العدالة26[26].

يترتب عن هشاشة السياسي ضعف في مستوى الكلام السياسي وفقدانه إلى البرهنة المنطقية واشتغاله عن طريق المغالطة والحجاج والسفسطة والمجادلة ورغبته في الإرغام واستمالة الناس باللعب على العاطفة واصطدام الفعل السياسي بالتراجيدي الذي يظهر على مسرح التاريخ كقدر محتوم لا يمكن تغييره27[27]. أمام هذه الهشاشة المتعددة التي يعاني منها الفضاء السياسي يبدو تحمل المسؤولية الفردية والجماعية من أجل مواجهتها من الأمور الصعبة والتحديات الجسيمة التي تتجاوز اقتدار المواطنين والحكام على السواء.

لذلك تبدو مسؤولية المثقفين جسيمة في معالجة الهشاشة اللغوية للخطاب السياسي وتوضيح المصطلحات الغامضة وتقويم الخطابات المرتجلة وحملها إلى مستوى المفاهيم الدقيقة واستخلاص رهاناتها الأساسية وبيان الروابط الحاسمة بين الاختيارات السياسية للدولة والاختيارات التابعة للمجتمع المدني والصراع الناشب ضمن دوائر العدالة والتنافس بين المدائن والعوالم التي نسكنها على الأدوار والوظائف28[28]. لكن كيف يتم الانتقال من المستوى العنيف للمدائن المتصارعة إلى الأرضية التواصلية للعوالم المشتركة؟

اللحظة الثالثة: العوالم المشتركة بين حذر السياسي واستكمال المقصد الإيتيقي

" أن تكون موجودا في العالم يعني في العمق أن تكون منفتحا على الوجود ولكي تجد نفسك في ضياء الوجود" – مارتن هيدجر ، الوجود والزمان،

السؤال الذي يطرح هنا هو: ماهي الأشياء التي يعول عليها في المدائن المتنازعة لبناء عوالم مشتركة؟

المدينة هي تعدد محدود من النماذج القادرة على تأسيس اتفاق في حالات التقاضي وأنظمة فعل مبررة يسمح الانتماء إليها بانضواء الفاعلين إلى حقول من الأنشطة المتساوقة والتبادلات الضرورية29[29].

هناك مدائن مكتظة ومزدحمة ومليئة بالأنشطة والمشاكل والمخاطر ويصعب فيها العيش وهناك مدائن مهجورة ومتروكة وفارغة من كل حركة وتحولت إلى مقابر للحياة وهناك مدائن منظمة ومشيدة بطريقة عصرية ومتحضرة ومليئة بالحركة والإنتاج والوفرة والرخاء والناس فيها مقبلون على التمتع بالحياة. كما لا يجوز التكلم عن ضرورة الانتقال من المدائن المتصارعة إلى العوالم المشتركة إلا بعد استبدل التحليل الذي تؤمنه طيبولوجيا المواقع30[30] إلى الفهم الذي توفره فلسفة هرمينوطيقية سردية في مقصدها الإيتيقي. الأولى تقتصر على الكشف عن مواضع الصراع وأشكال الخلاف بين المدائن وصعوبة تجسير الهوة وتذليل الصعوبات التي تولد اللاّتفاهم بينما الثانية تبحث عن أسس الاتفاق وشروط إمكان التفاهم وتبني جسور التواصل وتصوغ نظرية التفاوض والتوافق وتتغلب على مواطن الهشاشة والضعف في المدائن.

الخروج من المدائن المغلقة المتزاحمة إلى العوالم المشتركة المفتوحة يقتضي استبدال نظرية في الصراع والتنازع غير المبرر بنظرية في التفاهم والاتفاق المفيد والتوقف عن الهدم والتحطيم وقبول لعبة الوجود معا والرضا بقواعد حسن الجوار وحسن الضيافة وإرادة الحياة المشتركة والانطلاق في البناء والتعمير.

إن القوانين هي المكون الأساسي للمدائن التي يتم احترامها من طرف المواطنين ولا معنى للقوانين خارج البوليس والخاصية المكونة للعالم هي العلائقية والارتباط والمعية التي تجمع بين الأفراد والجماعات31[31].

إذا كان النزاع على الحدود والبحث عن مشروعية داخلية من خلال التشبث بمؤسسات العظمة وفق مبادئ مثالية عليا هو الذي يتسبب في اندلاع الصراع بين المدائن فإن تحمل تراجيديا التاريخ يبدأ بعمل المكاشفة النقدية والاعتراف بالخطأ في حق الغير وطلب الصفح والاهتمام بالتبرير داخل العالم وفق قيمه ومبادئه.

إن التلاقي بين المدائن داخل العالم المشترك أمر ممكن وفق استراتيجية تواصلية مبنية على تقاسم المصير ضمن نظرة ايكولوجية تحترس من ما يتهدد مستقبل الحياة على الكوكب من مخاطر وتنذر بحلول الكارثة.

في هذا الإطار يتسلح الفاعل السياسي بالحذر والحيطة والتعقل والمداولة وجودة الروية في مستوى اختيار الوسائل الأنسب والأقل ضررا على الطبيعة والبيئة والمحيط والتي ترفق بالأغيار وتصون الحياة من كل تهديدات ومخاطر وتتبع منهجية متدرجة وسياسة مرحلية قصد بلوغ الأهداف المرتقبة والغايات المحتسبة.

يمكن للحاكم العادل أن يقوم بالتخطيط التعقلي للسوق الاجتماعي على المستوى الاقتصادي وان يتصرف في الحياة السياسية بشكل ديمقراطي بحيث يشجع على التعددية الحزبية ويصون التنوع والاختلاف ويقوي متانة الروابط الاجتماعية ويشيد إنسية تشاركية واعية بين الفاعلين المدنيين في الصعيد الثقافي والروحي.

من هنا يقترح ريكور التفكير في العلاقة بين الاقتصاد والسياسة ضمن ثلاثة حدود هي الأخلاق والإيتيقا والسياسة بدل الاكتفاء بالثنائيات القديمة: سواء أخلاق وسياسة أو إيتيقا وسياسة ويبرر ذلك بأن التمييز بين الأخلاق والإيتيقا لا يستمد مسوغاته من المستوى الشخصي وإنما من المستوى المؤسساتي السياسي32[32].

ينادي ريكور بأن يكون السياسي الوسط الذي يجد فيه المقصد الإيتيقي إكماله لأغراضه وانجازه لمهامه ويحدد السياسة بأنها تدفع الفرد لكي يحصل على السلطات التي يقدر عليها ويقتدر بها ضمن إطار الرغبة في الحياة الجيدة التي تحدد البعد الإيتيقي للفعل بينما يعتبر العدالة الفضيلة الأولى للمؤسسات التي تمارس فيها هذه القدرات وتتحقق ضمنها هذه الرغبات وذلك عندما يؤشر على المرور من الإيتيقي إلى الإلزام الأخلاقي وذلك من خلال التقيد بالجهاز المعياري والضوابط السلوكية للنسق الصوري للقيم التوجيهية ويبحث زيادة إلى ذلك وفق تمشي نقدي عن ضرورة ممارسة السلطة ضمن القواعد الإجرائية للعدالة.

إذا كان الأخلاقي يتحرك ضمن مدار الإلزام وإذا كان الإيتيقي يبحث عن الجيد وإذا كان الاقتصادي يوفر النافع فإن السياسي يفتش عن تسويغ قانوني لممارسة سيادية للسلطة بغية تطبيق القوانين والتدابير33[33].

على هذا الأساس ينبغي أن يكون الفاعل السياسي مسؤولا بالمعنى القانوني والأخلاقي على ما يحدث من جرائم وتعديات ويتحمل تبعات قراراته واختياراته والإجراءات التي اتخذها عند محاولته عقلنة المجتمع.

ينتبه ريكور إلى أن مفهوم المسؤولية تم استيعابه ضمن مفهوم العزو وتحمل تبعية الأفعال وضرورة جبر الإضرار والتعويض للضحايا وأنه آن الأوان لكي يقع التفكير فيه ضمن شروط إمكان جديدة ومختلفة34[34]

هكذا ترتبط مسؤولية السياسي باقتداره وعزويته ونسبة أفعاله اليه وحيازته على القدرة على اتخاذ القرار والحكمة العملية والحذر السياسي والاختيار التفضيلي والمداولة الحصيفة والتصميم على الانجاز والإتمام.

لكن المدينة الشمولية لا تمنح الفيلسوف فرصة للكلام ولا توفر له فرصا للفعل والمبادرة والتأثير واللقاء بالناس وتسطر له مجالات تحركه وترسم له حدود نفوذه وتحاصره وتصده إن قاوم وتمرد وثار عليها ولا مطمح له إلا السفر والاختلاء والهجرة من أجل بلوغ مدينة الحرية المفقودة والتشبث بالحلم اليوطوبي في الثورة والبحث عن سبل الخلاص واتخاذ مسافة نقدية من الواقع السائد والمرابطة في الأقاصي وملازمة الصمت الحكيم والاشتغال على إعداد البديل الحضاري وطي صفحات الجهل والخرافة والهمجية والظلم.

لكن هل تكفي إحالة السياسة على المقصد الإيتيقي لكي تصلح ما أفسده الاقتصاد الرأسمالي من هشاشة؟

اللحظة الرابعة: مسؤولية المجتمع الدولي والمقام الجديد للفيلسوف:

" أي مسؤولية اليوم في العالم الذي نعيش فيه؟"35[35]

تحميل الفيلسوف مسؤولية مآل الأحداث في عصره هو أقرب إلى الهزل منه إلى الجد ويقتضي التلاعب بالمسؤولية أكثر من التطرق إلى البحث في تاريخها عن تسويغ نظرا لحالة الإلقاء به في مدينة المهمشين واستحالة نسبة أفعاله وأقواله وأفكاره إليه من حيث وجوده في وضعية هشة ومحاصرته بالسلطة المقيدة.

بيد أن مهمة الفيلسوف لا تكمن في ممارسة الوعظ الأخلاقي والإرشاد التربوي ولا تقتصر على تقديم النصيحة بالمعنى الاجتماعي والاستشارة بالمعنى السياسي وتوفير المشروعية بالمعنى القانوني للحاكمين وإنما تتعدى كل ذلك إلى تعليم المواطن القيم المدنية والأنسنة الثقافية والتسامح الديني ويمكنه أن يصبح مهندسا معماريا للمدينة من حيث المساهمة في العقلنة والتنظيم والتحفيز والبناء المدني والتنضيد التقني.

من ناحية ثانية يظل الفيلسوف مطالب بالتفكير في أفق ثالث يوجد في خضم المواجهة بين المجتمع المدني والمجتمع الثالث ويلتصق بالفضاء العمومي ويسهل إبداع مؤسسات سياسية ضمن إطار مابعد وطني وفق رؤية اندماجية وحدوية مع الأقطار المجاورة على أساس الانتماء إلى المحيط الجيوسياسي وتقاسم فكرة الإنسانية التقدمية ويسهر على تغذية الخيال السياسي للمواطنين بجملة من التصرفات الإيتيقية والجمالية.

هذا المطلب لن يتحقق إلا من خلال إجراء تحويل في مفهوم السيادة وفق ديناميكية جديدة عابرة للحدود ومربكة للهوية الوطنية وللذهنية التقليدية التي تنتمي إلى سلوك سياسي حزبي ظل رهين مقولات تقليدية .

ان الخروج من منطقة الهشاشة ومجال النزاع والتراجيدي يشترط التزام الفيلسوف بنظام معياري وقيمي يضم مجموعة من النماذج الإدماجية التي تدفعه إلى تحمل المسؤوليات حول الانفتاح على المجتمع الدولي وتبادل الذاكرات بغية تصحيح السرديات وبلورة الضيافة بين الثقافات عبر توسط الصفح والرجاء والأمل.

يتم بناء العالم حسب أرندت بواسطة الفانين من أجل خلودهم المحتمل ولكنه يظل دائما مهددا من قبل الظروف المميتة التي تحيل الذين شيدوه والذين يولدون لكي يحيوا فيه إلى التقاعد والفناء36[36]. لذلك يبقى"العالم هو دائما صحراء في حاجة إلى أولئك الذين يبدؤون ليكون قادرا من جديد على الابتداء"37[37]

لا يتكون العالم المشترك من الذوات والمواضيع ولا يتوقف على الأبعاد الرمزية والأشياء المادية بل ثمرة فعل الجماعة ونتيجة تضافر الإرادات وتعاون الملكات وتقاطع الدوائر ويوجد في العتبات وعند بين بين.

العالم ليس مجال للتأويل والسرد فحسب وإنما هو كذلك مجال للتغيير وإعادة التشكيل وبالتالي لا يقتصر على تدبير الذوات ولا على التأثير في المواضيع بل يضم الحقول المشتركة لتخصيب المعنى والقيمة والأرضية العامة التي تتحرك ضمنها الإرادات لكي تقتدر على الفعل والتذكر والكلام والقص والوعد.

لا مفر أمام الفيلسوف من توقي مخاطر اللقاء بالغير والتخلص من ميراث العنف التأسيسي الذي تلوث به الضمير الإنساني وتسبب في أزمة في الوعي التاريخي سوى إعادة بناء مشروع الأنوار من خلال تبادل تجارب الذاكرة بين المدائن واعتماد نماذج الصفح واللاّعنف والتسامح والعدالة من منظور المحبة والهبة. " فالمسؤولية ليست فقط مسؤولية عدد من المثقفين : الأكثر أهمية هي المسؤولية عند كل مواطن"38[38].

الأمر يتعلق بتحمل الفيلسوف مسؤولية التغيير الجذري في مقامethos الأفراد والمجموعات والدول والذهاب إلى ابعد من ثنائية الأنا والغير ضمن أفق مابعد مقولي يحوز على كثافة روحية وطاقة عالية.

بعد البناء السردي للهوية الخاصة يجدر انتزاع الاعتراف المتبادل من خلال تثمين البعد السردي للعوالم المشتركة عن طريق حركات الترجمة من حيث هي أفعال مثاقفة وتبادل الذكريات وممارسة الغفران. بهذا المعنى يولد المقام الجديد من الفهم المطبق على التعقيد في بعضه البعض للقصص الجديدة التي تهيكل وتشكل هذا التقاطع بين الذكريات. لا يتخلى المقام الجديد عن الإحداثيات التاريخية الهامة وما رافقها من عنف تأسيسي وإنما يبذل جهدا تأويليا من أجل الانخراط في قراءات متعددة للتاريخ والذاكرة39[39].

بعد ذلك يجدر المعالجة من مرض التقاليد وجراحات الذاكرة الجمعية والاهانات التي خدشت الكرامة البشرية والشفاء من الإفراط في الإيديولوجيا والتفريط في اليوتوبيا ونفي عنف الحدث التأسيسي وإطلاق العنان للفاعلية النقدية للحاضر وتحطيم الأوهام المتعلقة بالوضع وتفكيك الاغتراب واستشراف المستقبل.

غني عن البيان أن استكمال المشروع الأنواري بالنسبة للحضارة الكونية لن يتحقق إلا بتغلب الذاكرة على النسيان ونبذ التمركز العرقي للثقافة الغربية التي تزعم الانطلاق البدئي من الإغريق والرومان واللاّتينين وإحراز التحديث من خلال الانتصار في المعركة مع الكهونت وتكريس النموذج العلموي التقنوي كمعاير للتمدن وإقصاء البعد الرمزي والروحاني والاعتراف بمساهمة كل الثقافات الشرقية والإفريقية والآسيوية وخاصة العلوم والفنون والآداب العربية والإسلامية في قيام حداثات متعددة للعالم المشترك40[40]. اللافت أن مسؤولية الفيلسوف في العالم المشترك ضمن الجماعة التاريخية الناطقة بلغة الضاد تتمحور حول استئناف المشروع الأنواري ضمن مقاربة تأصيلية حداثية تسعى إلى إعادة تملك التراث ضمن رؤية تأويلية ايتيقية تراوح بين النقد والتواصل وتعتمد المضيافية والمسلكية العبرمنهاجية والعقلانية المركبة.

من المفروض أن يتم التذكر السردي للتجارب الحضارية المشتركة الحاصل فيها تثاقف وترجمة واستفادة بين الشعوب وحوار بين المذاهب وتلاقي بين الأديان في الأندلس وصقلية والشام وبيت المقدس حيث يجب أن نمارس النسيان العلاجي للاضطهاد الديني والتمييز الهووي ونتحمل مسؤولية الغفران41[41].

كما يمثل باراديغم الاعتراف المتبادل بين الذوات والمجموعات والدول أكثر أرضية إيتيقية ضرورية لارساء عدالة اجتماعية خالية من الظلم والازدراء وتستطيع التنازل وتكف عن التعديات وتجبر الأضرار.

في هذا الصدد تصرح أرندت عن الحكم والمسؤولية "أنت طبيعي، شخص عادي ، لا مجرم ولا مؤدلج، ولا وحش مريض، في يوم ما تنهار كل المعايير التي اعتدت عليها. منذ ذلك الحين فصاعدا تواجه خطر التواطؤ مع الأشياء السيئة. كيف تتجنب ذلك كيف تميز الخير عن الشر؟ كيف تقول لا؟ - في محاولة تقييم الوضع- لذلك عليك التفكير والتفكير بنفسك، هذا الفعل ليس مقصورا على النخبة: إصدار حكم وتحمل المسؤولية ، يمكن للجميع أي كان يمكن أن يفعل ذلك ، لا تزال في حاجة إلى الإرادة..."42[42]

لكن كيف يستدعي اقتصاد العطاء شعرية الحياة الأخلاقية لكي تمنح الفعل السياسي ديناميكية وإبداعية؟

خاتمة:

"هل يمكننا أن نحيا دون أن يكون للتاريخ معنى؟"43[43]

الثورة في الخطاب الفلسفي تعني تشييد خطاب فلسفي في الثورة وبدل البحث عن موقع للفلسفة في مدينة الثقافة والنضال الثقافي في سبيل مكان للمدينة الفلسفية والاكتفاء باللاّمكان واللاتحدد والانحياز إلى المدنية وتثوير الذهنية النخبوية وتطهيرها من التعالي والنرجسية والتمركز على الذات وزرع التواضع والإيثار.

لقد ظلت المدينة عندنا أسيرة مفهوم أم القرى وغير بعيدة عن المخزون الرمزي للبادية بالرغم من التخلص من لفظ المدائن الكسروي واستنبات مفهوم الحاضرة والتصالح مع مفاهيم البيت والمنزل والساحة والأسوار والأبواب والأسواق والمخازن ولم يقبل الفارابي الاقامة بمدينة الحرية واعتبرها جالبة للفوضى والتخاصم وفضل عليها مدينة السعادة ولقد بقيت الثورة مجرد خروج مسلح على الحاكم ولم تتحول في لسان العرب إلى مشروع تحرري ومقام انعتاقي وطريق نحو الحرية وتدريب على الكرامة.

كما ارتبطت الثورة بالانقلابات العسكرية وقيام الأنظمة الشمولية ورفضتها الأحكام الفقهية في مختلف المذاهب وتم اعتبارها فتنة وردة وإضعاف للملة باسم المصلحة ولم يقع اعتبارها هي المصلحة العامة.

صرحت أرندت ما يلي:" أصبحت الثورات أمرًا مألوفًا ، بعد تصفية الإمبريالية ، ونهض الكثير من الناس ليأخذوا من بين قوى الأرض حقهم في المكان المنفصل والمتكافئ الذي تسنه قوانين الطبيعة والإله"44[44]، ولعل العلامة البارزة التي تسم الوضعية الراهنة بالنسبة إلينا هي سلسلة الثورات التي توالت في عالمنا.

لم يعد ممكنا السيطرة على المجال الحيوي من خلال اختلاق حروب أهلية داخلية بين الأشقاء المتجاورين ولا عن طريق شن حروب شاملة مدمرة تحت مسمى التدخل العسكري من أجل حقوق الإنسان ونشر ثقافة الديمقراطية وإنما مرت المبادرة الشعبية من الحرب إلى الثورة ومن المطالبة بالخبز والأمن والحماية إلى المطالبة بالاعتراف والعدالة وانخرطت الجماهير في النضال من أجل الحرية والانتصار للكرامة البشرية.

لقد شهدنا عدد من الثورات الناجحة ليس فقط بمجرد تمكن مكونات إراداتها الشعبية من مغادرة المدائن المتصارعة والتخلص من النظم الشمولية وإنما بفضل ما اقتدرت عليه من تشييد واحات العوالم المشتركة.

لقد تحولت الثورات من حيث هي الأحداث الأكثر دلالة في تشكيل العالم الراهن الى القوة الأكثر فاعلية في تغيير وجهة التاريخ وصناعة مستقبل الشعوب لما تمتلكه من قدرات تأسيسية للجمهوريات45[45].

بطبيعة الحال تتطلب كتابة سردية الثورة وفق المنوال الفلسفي الملائم استنطاق اللاوعي الجمعي للجمهور وإدراك المخيال السياسي للفاعلين الاجتماعيين وترجمة الشعارات المرفوعة وتطلعات الشبيبة وأمنياتها وتحويل انتظاراتها وتوقعاتها لبرنامج سياسي للقوي الثورية ومخطط استراتيجي قابل للتبلور والانجاز.

تكمن مهمة الفيلسوف في التحول إلى مهندس معماري يتقن فنون التخطيط والتصميم والتعمير والإسكان وينفتح على الوظائف العلاجية للأزمات والأدوار الجراحية للزوائد ويقوم بتنظيم علاقتها بالعالم46[46].

لا يجب تنظيف المدينة من الشخصيات المعارضة ومن الأفكار الثورية من أجل تدعيم السيستام وتركيز النظام ولا ينبغي الخجل من حركات التفكيك والخلخلة التي تحطم كل ما قائم وتجهز على القديم طالما أنها تمثل شرط إمكان بناء قويم ومناسبة ضرورية للتأسيس المختلف للمدينة الثورية والسيستام غير الشمولي.

لقد أخرجت الثورة الفيلسوف من دائرة الاتهام وجعلت من براءة الفلسفة والغفران والصفح مقاما جديدا بالنسبة إلينا وأوجد الربيع عالما مشتركا يضم الجميع من أبناء الوطن ويلوح بالتصافي والسلم في العقول.

لا مقام للفيلسوف دون مدينة ولا تعمر مدينة تجبر فيلسوفها على مغادرتها ولا يكون التفلسف الحق سوى تمدينا حقيقيا ولا يصل الناس إلى رتبة المدنية إلا بالعقل الفلسفي وإذا غاب تعطل منحى الإقامة في العالم.

 لقد ذكرت أرندت أن كلمة الثورة مهما كان القاموس السياسي الذي يستعملها تحوز على معنى عام بغض النظر عن مكانها وزمنها والقائمين بها والظاهرة السياسية التي عبرت عنها والذاكرة التي تريد احتكارها. غير أن العلاقة الملتبسة بين الثورات والحروب هي التي تستحق الدراسة والتحليل وإبراز مواطن التباين بينها والانتباه إلى المعنى السياسي النبيل الذي يرتبط بالثورات والإقرار باستهدافها للتشييد والتعمير47[47].

إذا كان الأيتوس القديم أصبح غير جدير بالسكنى ولا يصلح للعناية بالذات وتدبير المصالح العامة ويثير الاشمئزاز ويبعث على الغثيان والتمرد والعصيان فإن المطلوب من الفيلسوف هدمه وإقامة أيتوس مغاير. إن الانتقال من لحظة المدينة الشمولية إلى لحظة العالم الديمقراطي يقتضي مد جسور التواصل بين الفرقاء والإجماع على المشترك الثوري وترك الخلاف والتباغض والتكاتف على تأمين مصالح الناس والارتقاء بهم نحو مرتبة المشاركة الفعالة في الشأن العام والانخراط في العمل البناء والإنتاج المولد للتنمية والثروة.

من الطبيعي أن يتبوأ الفيلسوف مكانة هامة في المدينة وأن يكون ضمن القيادة الثورية ولا يقتصر دوره على التغريد خارج السرب والبقاء في حالة استنفار دائم ولا يتورط في مواقف مرتجلة ويقول الحقيقة في وجه السلطة ويشهد على العصر ويتمسك بالحلم وينقد الواقع ويعد الفلسفة سلاحا ثوريا وأن" الثورات تطرح مسألة الحرية السياسية على النمط الأكثر واقعية والأكثر جذرية، حرية المشاركة في الشؤون العامة، حرية الفعل- لما تخفق الثورات تصير كل الحريات السياسية والمدنية الأخرى مهددة"48[48].

مقتضى القول أن إيتيقا المسؤولية التي يلتزم بها الفيلسوف في تعامله مع الظاهرة المدينة تجمع بين تقدير الذات وتقدير الغير وتحرص على زرع الأمل والعلاج بالغفران وجدلية الحب والعدالة وتسعى إلى إنقاذ العالم من الانحلال إلى إعادة البناء ومن الذوبان إلى إعادة الأعمار وتعيد كتابة التاريخ وفق رؤية تعددية تضرب الاحتكار والتمركز وتنفتح على المسكوت عنه والضمني والمبعد والمهمش والمقصي والمختلف. ولا يحوز التاريخ على معنى وتعود للفلسفة قيمتها في الحياة اليومية إلا إذا تخلص من الحلول النهائية وإذا تمكن العقل العملي من التعافي من أمراض الوعي التاريخي وتدارك آفات ونقائص النسيان المتعمد واقتدر على التغلب على الذاكرة الجريحة وأمراضها وجعل فضاء التجربة يتحرك ضمن أفق الانتظار وتحمل واجب قضاء الدين والوفاء بالوعد وجدارة الرد على السؤال الكانطي: ما الذي يجوز لي آمل؟49[49]. في هذا المنحى"إن جوهر الاحترام هو ما أحترمه في الآخر، وما أنتظره منه هو تكريس احترامي من قبله، هذا ما يسمكن أن نسميه وجودنا-قيمتنا، قيمتنا الموجودة، بهذا المعنى يقول كانط: الكائنات العاقلة تسمى أشخاصا لأن طبيعتهم تعني أنهم غايات بذاته" وأيضا الطبيعة العاقلة توجد كغاية بذاتها."50[50]، فمتى يكف الناس عن التزاحم باسم التمدن على الكوكب ويعتصموا بالتراحم ليجعلوه عالما فسيحا؟ وأليس الأمل الذي ينشده الفيلسوف من المدينة هو الحرية في أن أصبح مواطنا حرا دون الحاجة إلى دفع ثمن الاستيعاب؟ وما المطلوب من الفيلسوف على المستوى الثوري والإيتيقي أن ينجزه لكي تتشكل المصالحة بين فضيلة العدالة ونعمة الحرية ويتم التحوط بالآفات المهددة للعمران ويقع التغلب على المخاطر المحدقة بالحياة المشتركة داخل المدينة الجامعة؟ وألا تكون المدينة الجامعة هي الأكثر دلالة عن المدينة المدنية؟

 

د. زهير الخويلدي – كاتب فلسفي

.....................................

الهوامش والإحالات:

[1] مداخلة في ملتقى الفلاسفة ومدائنهم ، كلية الآداب والعلوم الإنسانية بصفاقس أيام 24-25-26 أكتوبر 2019.

 [2] Ricœur Paul, Ethique et responsabilité , textes réunis par J.-Ch. Aeschlimann Neuchatel, la Baconniere, coll : langages, 1994, p20.

[3] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, éditions seuil, Paris, 2019, p300.

[4] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p166.

[5] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p167.

[6] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p169.

[7] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p173.

[8] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p174.

[9] autonomisation

[10] périodicité

[11] mondialisation

[12] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p184.

[13] Ricœur Paul, Soi-même comme un Autre, édition du seuil, Paris, 1990.

[14] Jérôme Porée, Paul Ricœur, le philosophe, l’architecte et la cité, in Revue juridique de l’ouest, Université de Rennes 1, Année 2008, n°3, pp301-320.

[15] Voir Arendt Hannah , qu’est-ce que la politique ?, les déserts et les oasis, texte établi par Jerome Kohn, édition française et préface de Carole Widmaier, édition du seuil, Paris , 2014.pp291-294.

[16] Ricœur Paul, le juste, la justice et son échec, Cahier n°81, éditions de l’Herne, Paris, 2005.p07.

[17] Luc Boltanski et Laurent Thévenot, De la justification : les économies de la grandeur, édition Gallimard, 1991,

[18] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p122.

[19] أبو نصر الفارابي، آراء أهل المدينة الفاضلة، تقديم وتعليق ألبير نصري نادر، دار المشرق، بيروت، طبعة2، 1986، ص131.

[20] Ricœur Paul, Anthropologie philosophique, écrits et conférences 3, édition du seuil, Paris, 2013.pp445-451

[21] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p124.

[22] Arendt Hannah, qu’est-ce que la politique ?,op cit p237

[23] Arendt Hannah, qu’est-ce que la politique ?,op cit p256.

[24] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p125.

[25] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p126.

[26] Ricœur Paul, le juste, la justice et son échec, op, cit, pp30-31

[27] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p127.

[28] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p127.

[29] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p122.

[30] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p123.typologie des situations.

[31] Arendt Hannah , qu’est-ce que la politique ?, op.cit.p267.

[32] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p95.

[33] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p96.

[34] Ricœur Paul, le concept de responsabilité : essai d’analyse sémantique, revue Esprit, n 206 , 11, 1994, pp28-48.

[35] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p115.

[36] Arendt Hannah , qu’est-ce que la politique ?, op- cit, p293.

[37] Arendt Hannah , qu’est-ce que la politique ?, op-cit, p294

 [38] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p127.

[39] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p277.

[40] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p305.

[41] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p307.

[42] Voir Hannah Arendt, Responsabilité et jugement, traduit par Jean-luc Fidel, éditions Payot&Rivages, Paris, 2009.p205

[43] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p308.

[44] Hannah Arendt, la liberté d’être libre ,traduction de Françoise Bouillot, Payot, Paris, 2019.p17.

[45] Hannah Arendt, la liberté d’être libre , op.cit, pp22-23.

 [46] د زهير الخويلدي، تنظيم المدينة من خلال السياسة الاجتماعية عند أرسطو، مجلة النور، نشر بتاريخ 15، 06، 2019.

[47] Hannah Arendt, la liberté d’être libre , op.cit, p30.

[48] Hannah Arendt, la liberté d’être libre , op.cit,pp83-84 .

[49] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p309.

[50] بول ريكور، فلسفة الإرادة ، الإنسان الخطاء، ترجمة عدنان نجيب الدين، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، بيروت، طبعة أولى، 2003، ص185.

 

حاتم حميد محسنكان ابيقور اول من وضع الصياغة الاولى لمشكلة الشر او المشكلة المنطقية للتعامل مع الايمان بالله حيث كتب:"الله اما يرغب في ازالة الشر وهو غير قادر على ذلك، او هو قادر ولايرغب، او هو لايرغب ولا هو قادر، او هو يرغب وقادر. اذا كان الله يرغب وغير قادر على ازالة الشر فهو ضعيف وهذا ما لا يتفق مع شخصية الاله، واذا كان قادرا ولايرغب فهو حسود وهذا ايضا لاينسجم مع الله، اما اذا كان لايرغب وغير قادر فهو سيكون ضعيفا وحسودا في آن واحد، ولذلك فهو ليس اله. وفي حالة كونه يرغب وقادر فهذا وحده ملائما لله. فمن اي مصدر اذاً يأتي الشر؟ او لماذا لايزيله الله.

في القرون الاخيرة صاغ ليبنز (1646-1716) مصطلح العدالة الالهية (theodicy) (1) ليشير الى المحاولات المنهجية في الدفاع عن الايمان بالله في وجه الشر والمعاناة، كالحجج التي عرضها القس اوغستين. وفي السنوات العشرين الاخيرة، قام الملاحدة الجدد امثال ريتشارد دكنز بإعادة الحديث عن العدالة الالهية لتكون في موقع الصدارة، منتقدين اله الانجيل والآلهة الاخرى.

التعتيم على الشر

كانت هناك ردة فعل ضد ذلك النوع من النقاش الفلسفي الذي يجادل متأرجحاً، منتقدا ومدافعا عن مفاهيم معينة لـ لله في العلاقة مع مشكلة الشر. ردة الفعل هذه تأتي من فلاسفة هم انفسهم متدينون. تيرانس تلي (Terrance Tilley) مثلا، في كتابه (شرور الثيودسي) يكتب: "ان الممارسة العادية للعدالة الالهية الاكاديمية همشت واستبدلت وبالنهاية أسكتت اولئك المعبّرين عن الأسف، والداعين الى الله، المواسين للاحزان، والساعين عمليا الى فهم ومواجهة الأحداث والافعال والممارسات الشريرة. يمكن القول ان الثيودسي كممارسة خطابية انما تخفي الشرور الحقيقية بينما تستمر تلك الشرور في الإضرار بالناس" (تيلي، شرور الثيودسي).

لننظر في مسألتين مترابطتين بقوة في ادّعاء الكاتب أعلاه 1- ان الثيودسي تخفي طبيعة الشر الحاصل حقا في العالم. نضيف هنا ان الافكار المضادة للثيودسي هي ايضا مذنبة في هذا الشأن. 2- وفقا لما تتضمنه النقطة الاولى، فان النقاشات الفلسفية حول مشكلة الشر وعلاقتها بالاله هي شائكة لأنها تتجاهل الطرق الاخرى في التعامل مع الشر، وفهمها و مواجهتها. وبما ان هذه الطرق الاخرى ذات قيمة اخلاقية فهذه ستكون مشكلة اخلاقية.

النقطة الاولى هنا تتعامل مع الشر باعتباره متحولا من شيء ما يمارسه المرء الى ظاهرة الشخص الثالث(ادراك الناس الآخرين له). الحقائق الفيزيقية او السايكولوجية السيئة للناس الواقعيين تبتعد عنا عندما تصبح اشياءً او ملاحظات وتحليلات عقلانية."البُعد الفينوميلوجي" بين غرف التعذيب او معسكر Auschwitz النازي من جهة، وجماعات الفلسفة من جهة اخرى، تحتاج الى اعتراف اكبر اذا اردنا ان نكون صادقين في القضية. الاعتراف بهذا يستلزم القبول بان النقاش الاكاديمي يسهل عليه دائما تشجيع بعض عيوب الفهم الخطيرة. اذا كانت طبيعة النقاش حول مشكلة الشر تخفي طبيعة الشر ذاته، عندئذ فان الموقف يصبح اكثر سوءاً.هذا يعيدنا الى النقطة الثانية لدى تيلي بان النقاش بين الثيدوسيين ومعارضيهم يمكن ان يتجاهل انواع اخرى للخطاب، مثل القبول بالشر و مواجهته . كل من المناصرين والمعارضين للعدالة الالهية يمكن ان يكونوا مذنبين في هذا مع ان تيلي يركز على عيوب الفريق الأول. مثال حول هذا ذكره ريتشارد دكنز Richard Dawkins في "خداع الرب". فيما يتعلق بالمواجهة مع الفيلسوف المسيحي ريتشارد سونبرن Richard Swinburne، يذكر دكنز: "حينما كان في حوار تلفزيوني مع سونبرن وآخر من كلية اكسفورد البروفسور بيتر اتكنس. حاول سونبرن تبرير قضية الهيليكوست على اساس انها منحت اليهود فرصة رائعة ليكونوا شجعانا ومتسامين. أجاب بيتر اتكنس بصوت غاضب "ربما ينتظرك عقابا طويلا".(خداع الرب ص 64).

في ردة الفعل على ملاحظات سونبرن كانت المشكلة ليست في ان الفكرة غير منطقية (وهي كذلك)، بل في المعارضة الاخلاقية لسوء الفهم العميق والصمت والانفصال عن الموقف الانساني، الاندفاع للدفاع عن مفهوم معين لـ الله مع ترك الانسانية تغرق في حالة من الاحباط واليأس. سونبرن ربما يُتّهم من خلال ايمانه الوثني بتحويل المفاهيم الى شيء مقدس، وإقامة اماكن عالية للقرابين مع كل ما يقاسيه الانسان لأجل ذلك الهدف.

ان ما اظهره سونبرن حول هذه المسألة التي تحدّث عنها تيلي هو مدعاة للتساؤل. تفضيل الدفاع عن مفهوم الله على المشاركة العاطفية مع ضحايا الشر هو خيار مشكوك به اخلاقيا عند محاولة الدفاع عن الخير.

هذا الاتجاه من تفكير تيلي يمكن تطبيقه ايضا على معارضي الثيدوسية . معارضو الثيدوسية يرون انه من غير العقلاني الايمان بآله متسامح قدير في ضوء وجود الشر. هم احيانا يعرضون هذا كسبب لعدم احترام القوة التي تقدمها الصلاة والصيام والطقوس الدينية. بالنسبة للعديد من معارضي الثيدوسية، هذه المجموعة من الاوهام، مع انها تعطي الأمل، لكنها سوف لن تغير الجدال . هم يقولون ان اتّباع الحجج بشكل محكم سوف يتطلب منّا الرؤية في ضوء فجر باهت، وعالم بدون اله، عالم بلا قلب، بلا روح يجب علينا ان نكون فيه واثقين ذاتيا وفيه جميعنا نكون افضل. هذه الرؤية تفترض ان غير المؤمن هو صائب في جداله. لكنها ايضا تفترض انه بسبب انه على صواب، فان الحجج المنطقية لها وزن اكبر في المواجهة الشخصية مع الشر قياسا بالتجارب الايجابية التي يمتلكها المتدين من خلال انشغالاته الدينية. هو يجب ان يترك انشغالاته الدينية والتزاماته الحياتية بعيدا لأجل الحجة. بالنسبة للعديد من المؤمنين الدينيين مهمة تخفيف عبء المقاومة ضد اليأس والاحباط هي مكملة لإيمانهم، انها ليست شيء يمكن اشتقاقه من مجموعة من العقائد وانما هو نظام حياة كامل تكمن قوته التحفيزية في استقامته. ان منطق اي حجة معينة حول مشاكل الشر يجب ان يُنظر اليها طبقا لمشاعر ومحتوى الفرد ذاته (وجهة نظر الشخص الاول) كجزء من نطاق كامل من الاعتبارات حول كيفية عيش الحياة. هذه الاعتبارات تتضمن مختلف الطرق من التعامل مع الشر والتي نجدها اكثر فاعلية.

جعل المنطق اخلاقيا

سنشير هنا الى نواقص فلسفة النقاشات الدينية. في أحسن الاحوال، النقاش بين انصار ومعارضي الثيدوسية هو مشروع منطقي واخلاقي في آن واحد. ان الايمان او عدم الايمان في آله خيّر ومتسامح وبالانسجام مع وجود الشر هو سؤال عظيم الأهمية لحياة معظم الناس، وان النقاش هو محاولة لمتابعة ذلك السؤال الحيوي. للقيام بهذا بصدق، فان السعي نحو ايمان عقلاني مهما كانت خلفية المرء او ميوله ومهما اصطدمت استنتاجاته مع العقائد القائمة، هو سعي اخلاقي. لذا لابد من استمرار هذا النقاش . انه يجب ان يبقى جزءا من الاستطلاع المستمر داخل وخارج الاكاديميا. من الواضح ان النقاش يمكن ان يقود بعض الناس للايمان بالله وآخرين ليفقدوا ايمانهم. هذه الحجج هي جزء من نسيج مشاورات ورؤى العديد من الناس، ولكن الكيفية التي تنسجم بها الحجج مجتمعة مع الرؤى الشخصية هو سؤال معقد. انه عادة من المعقول ان يُشتق ليس كثيرا من اوامر مفروضة من فلاسفة والتي قد تكون منطقية ولكن من ضرورات الحياة. في بحثنا عن المعنى او البقاء السايكولوجي او الانجاز الشخصي، نحن عادة نهتم بما نعتقد انه من المعقول الايمان او العمل به .من الصعب تبرير الادّعاء في اي دور يجب ان يلعبه الجدال في حياة اشخاص آخرين، بدون الدخول في حوار معهم، وبدون محاولة حقيقية لتقدير موقفهم في الحياة. المفكرون من اي جانب من النقاش الذين يفشلون للقيام بهذا انما تنقصهم المهارة والموهبة، بهذا المعنى تكون الثيودسي سيئة. النقاشات حول مشاكل الشر تكون في احسن حال عندما يضع المشاركون جانبا الرغبة في تحويل شخص ما لوجهة نظرهم في الجدال، وبدلا من ذلك يكونون منفتحين للتبادل الذي يهدف للتعامل عمليا مع الشر بينما في نفس الوقت يفكرون في طبيعته.

لا يجب تجاهل ارتباط التجربة الانسانية ضمن ووراء السؤال عن الايمان بالله . جدالات العدالة الالهية تجد مكانها ضمن سياق الحياة المعاشة وضمن حياة الاخرين.هذا يعني الاحتجاج على عقلانية ديكارت المنفصلة والسماح بان هناك قضايا حقيقية تهم خيارات واقعية حول كيف نعيش الحياة مع وجود خلافات حول السمة المنطقية للحجج الفلسفية. المؤمنون وغير المؤمنين سيقومون بالافضل لو سلكوا هذا الاتجاه.

الملاحدة الجدد كان موقفهم على الشكل التالي: اذا كان الايمان بالله يشكل مأزقا اخلاقيا (حماية من المخاطرة) عندئذ فان اقناع الناس لعدم القيام بهذا سيبدو خيرا اخلاقيا، والايمان بالله يكون حماية من المخاطرة، لذلك فان الجدال ضد العدالة الالهية هو واجب اخلاقي. نحن يجب ان نكون واضحين ان الثيودوسيين يؤمنون انهم لديهم تبرير مشابه في الدفاع عن الله والجدال لإثبات وجوده. اذا كانوا يستطيعون اقناع الناس في الايمان بالله عندئذ بالنسبة لهم هذا خير اخلاقي وحياة اولئك الذين تحوّلوا ستكون أحسن بكثير. لكن هذا موضوع شائك لأن ما هو "خير" الذي تُقيّم به الحياة اخلاقيا هو موضوع عرضة للخلاف. عناصر التقييم الاخلاقي مثل اهمية الجماعة، تكافؤ الفرص، التسامح، الحرية الفردية، هي ذاتها في قلب الخلاف. في كل الاوقات، المقدس و "المقدس العلماني"يتصادمان ولا حل واضح.

الرعاية المشتركة

ان الرغبة في الفهم والعمل المشترك لاتحتاج لتتحطم بسبب الخلاف، كما لاحظ الفيلسوف بول هيج Paul Hedges في كتابه (الدين والالحاد في حوار، 2016): الناس اكثر قدرة للوصول الى فهم مشترك حول التجارب التي يشتركون بها. الناس من جميع القناعات الدينية ومن غيرهم يتقاسمون تجارب الأسى والمأساة واحتمال الموت. هم ايضا يتقاسمون السؤال العملي والايديولوجي الذي يبرز في العلاقة مع الشر والمعاناة: كيف يمكن ان نعيش حياتنا ونستمر نعيشها في اسوأ الظروف؟ التبادل المشترك بين العقائد حول هذا السؤال يحدث في كل الاوقات. عندما ضرب تسونامي عام 2004 حياة البوذيين والمسلمين والهندوس والمسيحيين في اجزاء من جنوب شرق اسيا، العديد من الناس وجدوا الكثير من الصداقات الحميمة ضمن مختلف التعدديات الثقافية بما خلق اكبر نسبة من المجتمعات الانسانية. هم يقدمون للبشرية فرص ثرية للتغلب على سوء الحياة لأنهم بعملهم هذا يقدمون فرصا متميزة ونادرة لتبادل الرؤى والقيم واساليب الحياة . سواء أكانت في المدن او في التواصل الاجتماعي او في القرية العالمية، ستكون الرؤى الالحادية والدينية اكثر غنى في رؤية ذاتها كاجزاء متكاملة في الوطن المتعدد ثقافيا.

 

حاتم حميد محسن

.....................

الهوامش

(1) في عام 1710 استخدم الفيلسوف والرياضي الالماني ليبنز مصطلح ثيودوسي في محاولة لتبرير وجود الله في ضوء عدم الكمال الظاهر في العالم.ثيدوسي تعني الدفاع عن الله، هي جواب لسؤال لماذا آله خيّر يسمح بظهور الشر، وبهذا تُحل قضية الشر. وفقا للثيدوسيين يكون وجود آله قدير وعارف ومتسامح منسجما مع وجود الشر والمعاناة في العالم.هناك العديد من الاتجاهات والنظريات الثيودوسية المتعلقة بتفسير الشر، منها مثلا تفسير اوغستين وعمانوئيل كانط وتوما الاكويني والثيولوجي اليوناني ايريناوس Irenaeus.وبالنسبة للاخير الذي ولد في القرن الثاني الميلادي عرض افكارا توضح ان وجود الشر ضروري لتطور الانسان. هو يرى ان خلق الانسان مركب من جزئين: الناس خُلقوا اولا في صورة الله (ايميج) ومن ثم في الشبه مع الله. صورة الله تنطوي على امكانية تحقيق الكمال الاخلاقي، بينما الشبه مع الله هو تحقيق ذلك الكمال. لكي نحقق الكمال الاخلاقي يرى ارينوس يجب على الانسان ان يمتلك الرغبة الحرة. ولكي ينجز الرغبة الحرة، لابد ان يمارس المعاناة وان الله يجب ان يكون على مسافة معرفية من الانسانية epistemic distance. ولهذا، فان الشر يوجد لكي يسمح للانسان ليتطور كفرد اخلاقي.

 

علي محمد اليوسفيقترن مصطلح النحو التوليدي في فلسفة اللغة وعلوم اللسانيات بأسم العالم الفيلسوف نعوم جومسكي 1928.. وهو يشير به الى بنية لغوية (فطرية) تتضمن تكوين وأنشاء بنيات مركبة جديدة للغة المستحدثة على الدوام في توليد جمل وعبارات لم يكن أستعمالها موجودا سابقا في المعنى التداولي العام مجتمعيا، وليست هذه التوليدية الفطرية مكتسبة من المحيط والبيئة وأنما هي ترجع بالأساس الى ملكة يحتازها الانسان منفردا عن نوعه في أمتلاكها كما يمتلكها غيره من الاشخاص لكن بأختلاف جوهري أن كل انسان لوحده كائن أجتماعي يعبّر عن الحياة باللغة الخاصة به ويفهم العالم من خلالها بما تمّكنه وتسعفه مخيلته الفطرية توليد لغته الخاصة منذ الطفولة نظرا لما يمتلكه من أستعداد فطري لغوي توليدي تطوري..وبهذه العبارات نكون أمينين في نقل ما هو جوهري في فلسفة جومسكي في التوليدية اللغوية ولنا مداخلة معها خاصة في مفهوم هل اللغة حصيلة معرفية ينشؤها الفرد لتكون سلوكا مجتمعيا كما تذهب له المدرسة السلوكية الامريكية يجمع الكل أم تبقى اللغة منتجا فرديا يسعى كل شخص لوحده أيجاد لغته الخاصة في تعامله مع الحياة بمعزل عن لغة الجماعة كما يذهب له جومسكي في خلافه مع المدرسة السلوكية؟؟..

وفي كتابه (البنيات المركبة للغة) يذهب جومسكي الى أن البنية الفطرية التي يمتلكها الانسان تمكنه من تكوين جمل وعبارات وبناء تراكيب لغوية تجديدية لم يسبق للفرد أن تعلمها من المحيط الاجتماعي من قبل، وهذه البنية الفطرية التوليدية المركبة للغة هي بمثابة الآلة التي توّلد جمل وعبارات اللغة باستمرار.(1)

في مقالة سابقة كنت أشرت الى أن تفكير الانسان العقلي باللغة المجردة يمتلك دائما خاصية توليدية في أغناء اللغة بأستمرار بما أطلقت عليه (فائض المعنى) الذي يدّخره التفكير العقلي ويعود الى ضخّه ثانية بواسطة تعبير اللغة عنه كأداة التواصل الاجتماعي وأكتساب المعرفة. وفائض المعنى هو أمكانية التفكير العقلي المتجدد على الدوام في تزويد اللغة بشكل ونوع الافكار التعبيرية الجديدة التي لم يكن سبق للغة التعبير عنها...وفائض المعنى كمصطلح ورد عرضا في الادبيات الفلسفية التي تناولت تحليل اللغة في التفكيكية..

وفي توليدية جومسكي كل تعبير لغوي جديد تضّخه ملكة التفكير العقلي في عبارات وجمل وتراكيب هي ليست من أختراع ملكة التوليد اللغوي بما هي لغة تقوم على الصوت والكلام والكتابة.. وأنما مصدرها يكون من أختراع مخيّلة الانسان في القدرة على التوليد اللغوي المتجدد بما يحمله على الدوام من فائض المعنى المدّخر بالعقل التفكيري كمفاهيم أدراكية متجددة في تفسير ظواهر الحياة والسلوك والمحيط الاجتماعي يأخذ الافصاح عنها شكل تعبيرات اللغة..

أننا يجب علينا التمييز بضوء ما أوردناه عن التوليدية هو وجوب التفريق بأن توليدات مفردات اللغة الجديدة الصادرة عن ملكة التفكير العقلي التوليدي المجرد ليست هي خاصية من أبتداع العقل الفطري التجريدي بعيدا عن مؤثرات البيئة والمحيط التي لها الأثر البليغ في تطور اللغة على مستوى الفرد والجماعة..

ونجد أيضا من المهم التأكيد أن اللغة والفكر كلاهما متلازمان يتطوران سوية مع التطور الذي يحكم الحياة التي يعيشها الانسان ضمن مجتمع معيّن.. ويؤكد جومسكي (أن الدماغ البشري مبرمج بيولوجيا لتعلم اللغة، ولذلك فان القدرة العقلية لتعلم اللغة تعد فطرية وليست سلوكية مصدرها البيئة، والانسان يمتلك لغة فطرية وهي عبارة عن آليات وقدرات لغوية غريزية تنمو من خلال التفاعل مع البيئة اللغوية المحيطة به من الطفولة). نقلا عن موقع الباحثون السوريون.

جومسكي في أدانته المدرسة السلوكية الامريكية في التحليل اللغوي وصف: اللغة أنها أبعد ما تكون عن مجرد تسلسل عادات، كما أنها تختلف عن وسائل الاتصال لدى فصائل الحيوان.. من جهة أخرى يرى جومسكي أن الآلات لن تقدر مطلقا أن تستعمل الكلمات أو أي أشارات أخرى تؤلفها، كما نفعل نحن في تصريحنا للآخرين عن أفكارنا.(2) بضوء ما مر بنا نستنتج:

- لغة الآلات نمط من لغة صوتية مبرمجة لا تقوم على ملكة الابداع التوليدي في الجمل والعبارات كما هي عند الانسان في تجريده الذهني.. وأنما هي تلقين صوتي ببغائي لا يتمّكن من الربط الخلاق في علاقات الجمل ضمن السياق الابداعي الممّيز بقدرات أنسانية لغوية في التعبير ...

- اللغة التي تكرّس السلوك المتداخل فرديا - اجتماعيا وتخدمه تصبح بمرور الوقت عادة من علاقات لغوية - مجتمعية تستحكم السلوك بعيدا عن التوليد الابداعي في تجديد اللغة وهذا ما لايقّربه جومسكي...حيث يرى أن تطورات اللغة هي مجموع قدرات الافراد ضمن مجتمع معيّن..ولا تكتسب اللغة صفة السلوك الجمعي المتواضع عليه أجتماعيا برغبة مجتمعية هي أساسا تقوم على مجهودات لغوية تعبيرية فردية، تكوينها من نتاج تكامل ملكة التعبير اللغوي الفطرية مع مؤثرات البيئة والمحيط التي تختلف بتأثيرها من شخص لآخر..

- اللغة عند الانسان تختلف عنها عند الحيوان كرابط تواصلي في النوع لكليهما، فهي عند الحيوان غريزة متحكّمة، وليس كما هي عند الانسان ملكة أبداعية تفهم الحياة وتحاول تطوير الوسائل والتعابير اللغوية بما يشبع التطور الحاصل بالحياة ويغني اللغة ككائن عقلي حي متجدد..بينما تكون لغة الحيوان مقيّدة بحاجة التكاثرالموسمي وبعض الحاجات المتعلقة بالغذاء والتي لا يحتاج الحيوان في أشباعها لعقل توليدي منتج للغة تتطور دائما كما يفعل الانسان لذا لا تحتاج اللغة عند الحيوان الى التطورلأنها أصبحت غريزة صرف وليست فعالية متجددة على الدوام كما هي عند الانسان..

كما نجد أيضا عند جومسكي أهم ميزة في لغة الانسان التي يتوّحد بها الفكر السياسي والفلسفي واللغوي أن الانسان يمتلك جانبا فطريا يتميز به على أنه خالق للفكر واللغة...ونفهم من هذا أن اللغة ليست معطى أجتماعيا مكتسبا من البيئة التواصلية، بل هي أستعداد فطري يمتلكه الانسان منفردا في تطويرأدواته اللغوية التي يرافقها على الدوام دخول الفكر مع البيئة في علاقة جدلية تحكم الاثنين معا (الفكر واللغة) تكون نتيجتها لغة أبتكارية متطورة بأستمرارتنمو مع نمو مدارك الانسان في فهم الحياة من حوله وتلبية حاجاته المجتمعية عبر التواصل اللغوي ..

أن اللغة تخرج من فضاء الابداع الفكري الشخصي الى الفضاء المجتمعي العام وتصبح فهما مشتركا وسلوكا عاما مجمعا عليه مجتمعيا حين يكون تفاعل الانسان مع محيطه البيئي يستلزم منه تطوير قدراته اللغوية التي تشكل بالضرورة الاجتماعية التواصلية لغة مجتمعية مبتكرة في التقائها مع لغة المجموع....

أي بمعنى تصبح اللغة الشخصية قاموسا لغويا يفهمه ويتعامل به المجتمع وليس خاصا بفرد أو مجموعة أفراد.. قيمة اللغة أجتماعيا وتطورها التداولي لا يتم من غير صهر وأندماج أبداعات الافكار اللغوية الشخصية في مصهر التداول الاجتماعي للغة كسلوك معرفي وتواصلي..وتطور اللغة في تداخلها مع البيئة والحياة لا تتم عن طريق جهود فردية معزولة كتوليدات أبتكارية فردية للغة بل في أندماجها ضمن لغة جامعة لجميع أفراد مجتمع معيّن...أغلب علماء اللغة يدركون هذه الحقيقة ويتعاملون معها على أن اللغة تتطور بتطور حياة الانسان..

اللغة في الوقت الذي تكون فيه قابلية أدراكية فطرية تواصلية فردية فهي عاجزة عن التطور ما لم تتحول الى سلوك مجتمعي عام تنتظمه اللغة الموحدة.. (وقد نجحت البنيوية في جذب الانظار الى وجود بنية معقولة لنسق فونولوجي (صوتي) قد يظن أنه نتاج فكري رغم أنه ليس ثمرة تفكير أي فرد لوحده)(3)...

أننا نكون مخطئين حقا حين ننطلق من أن اللغة وتطورها يسبق ويوجه أفكارنا ومدركاتنا العقلية في فهم العالم من حولنا في حين يكون المطلوب هو العكس أن الفكر هو داينمو ومحرك تطوير اللغة التي ندخل بها ومن خلالها معترك فهمنا الحياة في سيرورتها الواقعية.. ولا نعتقد نكون مخطئين أذا ما أخذنا سلامة تفكير المدرسة السلوكية الامريكية في فلسفة اللغة أعتبارها اللغة القانون العام الذي يحكم السلوك المجتمعي،، فاللغة لا تنمو وتتطور قبل تطور الفكر الذي تعبر عنه هي..فالجانب الفطري الخلاق في توليدية اللغة أنما يتم عن طريق توليدية الفكرمعرفة الحياة ولا يكون سابقا عليه تعبير اللغة..الفكر هو ملكة توليدية خلاقة مثابرة ولا يمكن أن تكون اللغة تمتلك مقومات بناءاتها الانشائية بمعزل عن هذه الخاصية العقلية التي تحكم الانسان فكرا ولغة متكافلين معا..

وأذا كان الكشف على النحو التوليدي في فلسفة جومسكي هو الذي أكد على أهمية الجانب الفطري في الانسان، فان التحليل العميق للتواصل عن طريق اللغة قد بيّن أن اللغة الى جانب القيم الاجتماعية والاخلاقية والثقافية تكون تعبيرا عن واقع روحي يشمل جميع الافراد ويعني لديهم مصدرا وسببا لوحدتهم دون المساس بتفردهم .(4). رغم أن تعبير مصدر وسبب لوحدتهم الروحية تمثل نظرة ميتافيزيقية تكون لفظة توّحدهم الاجتماعي أخف وطأة من الاولى... (فليس مستبعدا أن نتصور اللغة عضوا في الجسم البشري..)(5) وهي كذلك قطعا..

اللغة والاشياء

للشاعر الفرنسي بوالو مقولة تذهب (أن ما تتمثله جيدا تأتي صياغته واضحة، والكلمات التي تقوله تظهر فينا طائعة)(6) وهي مقولة تعطي مؤشرا واضحا في أسبقية وأولوية الفكر في توليد تعبيرات اللغة التي نعبّر فيها عن أفكارنا..اللغة أداة طيّعة يقودها الفكر ولا تقود هي الفكر..

وبالرغم من مزاعم علماء اللغة من أن الكلمات والاصوات الدالة تتصف بالعشوائية، الا أن المرجّح التاكيد أن اللغة تقوم في جوهرها على تنظيم العلاقة الواقعية التي يفهمها جميع الاشخاص بين الكلمات والاشياء.. ويتمثل هذا في تعبير هيجل المادي قوله (اللغة تعبير عن الواقع وعن الفكر، واللغة مكنّت النفس من التشيؤ)(7) وهو تعبير مادي جدلي يتعارض مع جميع نعرات ومدارس تجريدات اللغة ميتافيزيقيا المعتمدة تحت مباحث فلسفة اللغة التحليلية..

قد نجد فروقات بين الاصوات الانفرادية المعبرة عن معنى أو لا معنى في مقطع صوتي أو كلمة منفردة معزولة عن سياقها التعبيري اللغوي، لكنما هذا لا نجده في تعابير يكون التعبير اللغوي في سياق عبارة أو جملة تكون تعبيرا دقيقا أمينا عن الاشياء في واقعيتها وتصوراتنا الذهنية المتعالقة مع ذلك الفهم عنها....فالصوت العشوائي غير المعبّر عن معنى واضح كونه غير منتظم في نسق لغوي دال هو الذي لا يعطينا تطابقا حسيا بين الشيء والتعبيراللغوي الصوتي عنه.. بينما تكون العبارات أو الجمل ضمن سياقاتها المنطقية المتماسكة في التعبير لا يمكن أن تكون عشوائية في عدم توصيل المعنى المطلوب..وتكون تعبيراتنا عشوائية في حال عدم أنتظام العلاقة التي تحكم تداخل اللغة والفكر..

اللغة وقصدية الفكر

أن طبيعة تراكيب الجمل أو العبارات اللغوية الكاملة أنما تكون طبيعة قصدية في توصيل المعنى الواقعي المطلوب عن الاشياء في وجودها الخارجي.. وهو ما لا يتوفر عليه نظام الاصوات الذي لا يكون معبّرا حقيقيا واضحا من غير أعتماده خلفية الفكر التوليدية للغة..بمعنى الصوت بلا لغة تؤطره مفهوميا تواصليا يكون عملا عشوائيا لا معنى له... ففي التأملات السادسة لديكارت يقول (أنما أنحصرت ماهيتي في أني شيء مفكر أو جوهر كل ماهيته أو طبيعته ليست سوى التفكير).

فألانسان تفكير عقلي قبل أن يكون لغة تعبيرية عن الاشياء.. واللغة لا تستمد فاعليتها من الوجود الانطولوجي للاشياء فقط وأنما من قابلية العقل أمتلاكه ملكة التعبيرالفطرية عن تلك الاشياء باللغة بما يراه العقل لا بما تدركه الاحساسات فقط..

أن وضوح الافكار بأعتبارها معيار اليقين الديكارتي- الذي نجده عند فينجشتين ودي سوسير- هو مرفوض عند لا يبنتيز، الذي يعتبر الوضوح منزلقا نحو أرتكاب الاخطاء، أذ كثيرا ما نجد الشواهد الواضحة خادعة، لذا يقترح ليبنتيز أن يحل محله ما يطلق عليه تحليل المفاهيم.(8)، وفي أرجائنا الخوض في القاموس اللغوي التحليلي الذي أبتدعه لايبنتيز في (تحليل المفاهيم) وكان فيه سيّد مباحث فلسفة اللغة بحق، والذي أرسى وأصبح هذا المصطلح مرتكز جميع فلاسفة اللغة التحليلية من بعده...

ونكمل مع لايبنتيز وعلينا الانتباه كم يتطابق ما قاله لا يبنتيز حول الوضوح في المعنى الذي كان أستعاره كما أشرنا سابقا عن ديكارت لكن بفارق جوهري أن ديكارت كان واقعيا في تبسيط اللغة التعبير عن الاشياء والواقع المادي الذي تأثر به ونقله حرفيا هيجل.. في حين وضع لايبنتيز هذا المصطلح تحت وصاية تجريدية أعتمدتها مدارس وتيارات فلسفة تحليل اللغة الحديثة من دون أستثناء وتسمية أسماء فلاسفة بعينهم..الذين تناولوا الفلسفة كمبحث فلسفي تجريدي وليس كعلم اللغة القائم بذاته بعيدا عن الفلسفة...

يرى لايبنتيز(أن ما لا يمكن التعبير عنه بلغة العامة هويكون ضربا من الخيال والوهم خصوصا وأن الفيلسوف لا يختلف عن الانسان العادي بما لديه من معرفة بقدر ما يمتلكه من منهج المعرفة نفسه)(9) ص 39

لا نعتقد لا يبنتيز كان واضحا بما فيه الكفاية بما يقول، فوضوح الافكار التي تساير السلوك المعرفي المجتمعي لا يمكن أن تكون لغة فلسفية واضحة عند الجميع يفهمها المعني المختص وغير المعني من عامة المجتمع ..وأنها تختلف معرفيا ليس بنوعية المعرفة بين العامة والفيلسوف ألا فقط بامتلاك (المنهج) المعرفي حسب تعبيره..هذا المنطق الفلسفي لا يمتلك القبول والتمرير بسهولة...

الا أن الشيء ألهام الجدير بالاشادة والوقوف عنده في تعبير لايبنتيز هو أبتكاره مصطلح (تحليل المفاهيم) الذي أصبح من بعده أنجيل فلاسفة التحليلية اللغوية واللسانيات رغم أرسائه نزعة التفلسف اللغوي التحليلي المجرد في مراجعة وتفسير المفاهيم الفلسفية..عندما جعلت تلك المدارس من متاهات العقل الانساني الفلسفية تقوم على مرتكز متاهات التحليل اللغوي التي لا نعتقد وضوح التعبير في حال تحققه فيها يعطيها مقبولية..الغموض الفلسفي في تحليل لغة الفلسفة طريق مسدود أمام كل رغبة جادة أو غير جادة في أن يكون للوضوح الفلسفي معنى التداول العام..

التجريد اللغوي

يقول تيسو،Tissot 1767 كلما كان العلم مجردا أو معقدا كلما كثرت مخاطر التردي في الجنون.. وكان لا يبنتيز يرى أن ما لا يمكن التعبير عنه بلغة العامة يدخل في نطاق الخرافة.. واللغة هي المرآة الحقيقية للعقل، فالواقع عقلاني واللغة هي المعبر عنه...(10).كما يرى برجسون:ليس طريق اللغة هو ما يجب أن نسلك أذا أردنا أن نسبر أغوار الحياة..فالواقع الحقيقي لا يمكن التعبير عنه باللغة، وبريقه يلمع من وراء الكلمات.(11) ص 42.

امام هذه المتناقضات الفلسفية يتأكد معنا مايلي على الاقل:

- أن الواقع المادي ليس تجريدا لغويا، بل هو تجريد فكري معرفي مفهومي قبل أن يكون موضوعا لتعبير اللغة عنه تجريديا أيضا..وفي كل الاحوال هناك حقيقة علينا التسليم بها أن اللغة لا تنوب عن تمّثل الواقع في الذهن كما هو الواقع على حقيقته خارجه.فالتفكير العقلي تجريد لغوي فقط..

- أن العلاقة المتداخلة التي تربط ثلاثية الواقع والفكر واللغة ليس من المتاح الميسور الاجتهاد الفلسفي في التعبير عنها من منطلقات ميتافيزيقية، وعبارة برجسون تشير بوضوح لما ذكرناه..فهو يرى الواقع الحقيقي لا يمكن التعبير عنه باللغة وبريقه يلمع من وراء الكلمات..

- هل أصبحت وسيلة فهم الواقع الحقيقي هي فهم ماهية الواقع بعد أن تحوّل في الذهن الى ميتافيزيقا لا يصح الاستدلال عنها بوسيلة اللغة وأنما بالحدس غير القاطع في التفكير به قبل التعبيرتجريديا عنه؟

وهو ما يتطلب من برجسون الأجابة عن مسالتين متداخلتين ترك توضيحهما: ماهو الواقع الحقيقي المختلف عن الواقع غير الحقيقي في مدركاتنا التصورية العقلية؟ الواقع الحقيقي الذي لا تستطيع اللغة التعبير عنه كيف يمكننا أدراكه وما هي وسيلة التعبير عنه في عجز اللغة القيام بالمهمة حسب برجسون؟ وكيف نوّفق هذا مع عبارة لا يبنتيز الذي يرى الواقع هو كل ما هو عقلاني تستطيع اللغة التعبير عنه كمرآة حقيقية للعقل، ولم يشر لا يبنتيز الى وجود واقع حقيقي هو غير الواقع الذي لا تستطيع اللغة أدراكه في التعبير عنه؟؟

القضية الثانية المتعالقة مع ما ذكرناه هو التساؤل أذا ما كانت اللغة عاجزة عن فهم الواقع الحقيقي والتعبير عنه،، فبأي وسيلة يمكننا معرفته والتعبير بغير اللغة عنه؟؟

عجز اللغة في التعبير عن الواقع هو تحول الواقع المادي الى تجريد ميتافيزيقي يدركه العقل بالحدس وليس باللغة التي هي وسيلة العقل الطبيعية في التعبير عن الواقع في تجلياته المدركة حسيا وليس الواقع عندما يتحول الى ميتافيزيقا لا يستوعبها تعبير اللغة.. ويتحوّل الواقع الى ميتافيزيقا عندما يكون موضوعا أو قضية تشغل العقل الادراكي في محاولة فهمها وتفسيرها قبل أمكانية التعبير عنها كمدركات تجريدية باللغة مثلما يجري التعبير عن الواقع المادي بما هو مدرك عقلي يمكن التعبير عنه باللغة..

 

علي محمد اليوسف /الموصل

........................

الهوامش

1- الفلسفة واللغة، د. عبد الوهاب جعفر/ ص 17/نقلا عن المصدر الاجنبي.

2- المصدر اعلاه ص 18

3- المصدر اعلاه ص 21 نقلا عن المصدر الاجنبي

4- المصدر اعلاه ص 19 نقلا عن المصدر الاجنبي.

5- المصدر اعلاه ص21

6- المصدر اعلاه ص 31

7- المصدر اعلاه ص 41 نقلا عن المصدر الاجنبي

8- المصدر اعلاه ص38 نقلا عن المصدر الاجنبي

9- المصدر اعلاه ص 39 نقلا عن المصدر الاجنبي

10- المصدر اعلاه ص 42

 

حيدر جواد السهلانينظرية المعرفة (المعنى والتاريخ)

نظرية المعرفة هي البحث في طبيعة المعرفة واصلها وقيمتها ووسائلها وحدودها، ومعنى ذلك ان نظرية المعرفة هي البحث في المشكلات الفلسفية الناشئة بين الذات المدركة والموضوع المدرك، او بين العارف والمعروف، واقدم صور هذه النظرية بحث الفلاسفة عن درجة التشابه بين التصور الذهني والشيء الخارجي.(1) وقد كانت اول محاولة في تاريخ الفكر الفلسفي لوضع مشكلة المعرفة الانسانية موضع بحث مستقل كانت في القرن السابع عشر للميلاد مع الفيلسوف الانجليزي جون لوك(1632- 1704) في كتابه (مقالة في العقل البشري- 1690) الذي يعد بحق اول بحث علمي منظم يتناول بالفحص والدرس اصل المعرفة وماهيتها وحدودها ودرجة اليقين فيها.(2) ويتفق مع هذا الرأي محمد فتحي الشنيطي الذي يرى أن نظرية المعرفة قديمة قدم التفلسف، وان لم تقرر لها ابحاث مستقلة الامنذ عهد جون لوك، فلا نجد قبل جون لوك محاولة جدية وواضحة لدراسة مسائل المعرفة دراسة مستقلة، فعند افلاطون تنظيم جدليات للمعرفة، اما ارسطو تدخل بحوث المعرفة في دراسات مابعد الطبيعة، ولم يعني كل من افلاطون وارسطو بوضع حد فاصل بين موضوعات المعرفة ومسائل مابعد الطبيعة، ولا بين هذا الموضوعات من جهة والدراسات المنطقية من جهة اخرى، وجاء بعد لوك الفيلسوف كانت فهو اعظم من كتب في نظرية المعرفة وارسى قواعدها على اسس علمية سليمة.(3) ويعارض هذا الرأي مصطفى النشار الذي يرى ان نظرية المعرفة مبحث قديم فقد كان واضح المعالم عند افلاطون وارسطو، اذ كانت لهم بحوث مستقلة في المعرفة، فقد خصص افلاطون عدة محاورات اهمها ثياتيتوس والسفسطائي، وارسطو تناول المعرفة في مباحث النفس والذاكرة والكتاب الاول من الميتافيزيقا.(4) ويتفق مع هذا الرأي الدكتور صالح الشماع ويرى ان افلاطون اول فيلسوف نجد عنده اهتمامآ عظيمآ بكيفية الادراك والعلاقات بين المحسوس والمعقول مما يدخل في مجال نظرية المعرفة.(5) ويرى ايضآ يوسف كرم، افلاطون هو اول فيلسوف بحث مسألة المعرفة لذاتها وافاض فيها من جميع جهاتها.(6) ومع ذلك يخبرنا تاريخ الفكر البشري، ان المفكرين قد عبروا منذ اقدم العصور الفلسفية عن الجدل حول طبيعة المعرفة ومصدرها، كما يخبرنا أن بعضآ منهم قد اشترط ان البشر غير قادرين بطبيعتهم للوصول الى المعرفة، ومن راى بأن العقل سبيلآ او حد للحصول على اي نمط من المعارف، في حين هناك من ذهب الى ان المعرفة لاتكون معرفة مالم ترتد بشكل او بأخر الى اصول حسية.(7)

أن المعرفة عند فلاسفة الطبيعة الاوائل لم تكن قد اتضحت معالمها بعد، اذ كان المذهب منصبآ على الطبيعة مستغرقآ في ظواهرها، فالطبيعيون الاوائل والفيثاغورين والايليون تركزت عنايتهم في وصف الطبيعة، محاولة تفسير ظواهرها دون ان يثيروا الشك في الوسائل التي نستخدمها، اما المعرفة عند السفسطائيون، وقد كانت فكرتهما الاساسية أن من المستحيل أن يصل الانسان الى معرفة موضوعية، وقد نشأ موقفهما من النظر في اختلاف اراء الفلاسفة الطبيعيون.(8) والسفسطائيون كانوا اول من وجه النظر الى مباحث المعرفة وحدودها فأثاروا مشاكل هامة منها، عملوا على هدم ابسط مسلمات العقل واستحالة قيام العلم، الامر الذي دفع بشخص سقراط الى الظهور للدفاع عن العلم وموضوعيته بطريقة جدلية، التي كانت تستهدف في وضع تعريفات لكي يقوم العلم.(9) وقد كان سقراط اول من ميز تميزآ فاصلآ بين موضوع العقل وموضوع الحس، وكان له اسلوب في الجدل ليس كغيره وحاصل الطريقة التي تبناها سقراط في الوصول الى الحقائق، القاء الاسئلة السؤال تلو الاخر، وقد كان مؤمنآ بالحقائق الواقعية كما كان مؤمنأ بأمكان الوصول اليها، وكان من طلائع اصحاب اليقين.(10) وقد كان بالضد من السفسطائيون، فأن غاية العلم عنده هو كشف الماهيات وهي قائمة في العقل.(11)

اما افلاطون تتركز المعرفة عنده على اربعة مراحل هي الحس، الظن، الاستدلال، اليقين، المرحلة الاولى يختص بأدراك ظواهر الاشياء والامور النفسانية ولايصلح ان يكون سبيلآ الى المعرفة لأنه ينقل لنا الصيرورة الدائمة والتغير المستمر. المرحلة الثانية وهي مرحلة الحكم على المحسوسات المتغيرة استنادآ الى ماتم استنباطه من العلاقات القائمة بينها، وهي مرحلة ارقى من الحس، الا انه يضل معرفة ناقصة.المرحلة الثالثة، وهي ارقى من المرحلة الثانية لأن موضوعها غير حسي وموضوعها عبارة عن معان كلية، كالمعاني الرياضية والهندسية. المرحلة الرابعة، وهي عبارة عن ادراك عالم المثل وموضوعه هو حقائق الاشياء وهي كليات مجردة عن المادة ولاتدركها الحواس.(12) والمثل في رأي افلاطون هي المعايير الدائمة الثابته التي يتم بمقتضاها العلم، وذلك بانطباع صورها في العقل، اما الاشياء المحسوسة التي نراها ونشاهدها فليست حقائق وانما هي اشباح تحاكي المثل، وبذلك المعرفة عند افلاطون هي ليست معاني عامة مستخلصة من المظاهر المتعددة في العالم المحسوس، وانما نستكشفها بالحدس المباشر وهذا الحدس لايأتينا من التجربة، بل هو المرحلة الاخيرة في منهج جدلي.(13) اما ارسطو يرى الحقيقة ليست في العالم المفارق، بل علينا ان نبحث عنها في نطاق الاشياء المحسوسة، والحق ان الوجة الحسية من نظرية المعرفة الارسطية يتظافر مع جانبها العقلي منذ البداية، اذ يحدثنا في مؤلفاته المبكرة عن أنواع المعرفة بادئآ من الوجة التجريبية الحسية.(14) اما الرواقية والابيقورية فهم كانوا ماديون يسلمون بيقين المعرفة الحسية، ويرون انها تتوافر فيها عناصر القوة والثقة والوضوح، والافكار الحقيقية آتية من المعرفة الحسية، اما بيرون مؤسس الشك، كان يرى ان كل قضية تحتمل قولين، اما الافلاطونية المحدثة ترى اليقين بالمعرفة مستنده الى الله تعالى.(15)

اما في الفلسفة الاسلامية، فقد ميز فلاسفة المسلمين بين ضربين من المعرفة، معرفة تدرك بالعقل وهي الحكمة، ومعرفة تدرك عن طريق النصوص الدينية من القران الكريم والاحاديث النبوية.(16) ويرى الكندي الحس هو احد المصادر الاساسية للمعرفة، اما الفارابي يذهب بأن المعرفة انما تحصل عن طريق الحس، فالمعاني او المقولات مصدرها ليس الالفاظ بل الاشياء الحسية، اما ابن سينا المعرفة عن طريق الحواس، والحواس نوعان ظاهرة وباطنة، اما الغزالي فقد وقف موققف الشك المنهجي الذي يؤدي الى اليقين.(17) اما المتصوفة لهم منهج فريد في المعرفة يختلفون فيه عن كل المتكلمين والفلاسفة، فبينما يعتمد هؤلاء على العقل يتوسل المتصوفة بالذوق والقلب، فالمعرفة الصوفية نفحه الهية يصل اليها الانسان وهي نور رباني يملأ جوانب نفسه.(18) اما فلاسفة المسيحية يدخلون عنصر الايمان في نظرية المعرفة، فالايمان هو منبع اليقين، وقد وضح القديس اوغسطين دور الايمان في المعرفة واخذ يسعى للربط بين الايمان الديني واليقين العقلي برباط وثيق.(19) اما في الفلسفة الحديثة فقد تحددت معالمها، ويرى ديكارت في الشك هو السبيل للوصول الى اليقين، والمعرفة عند ديكارت هي المعرفة العقلية وهي المعرفة التي تنظم الافكار الواضحة، فديكارت كان داعيآ الى قدرة العقل على اقامة المعرفة الموضوعية اليقينية، وراى ان سبيل اليقين هو الاستنباط وليس الاستقراء الذي يؤدي الى معرفة احتمالية، ويعرف ديكارت الحدس هو رؤية عقلية مباشرة ونور فطري او غريزة عقلية يدرك بها الذهن الحقائق، اما الاستنباط هو فعل ذهني نستخلص بواسطته من شيء لنا به معرفة يقينية نتائج تلزم عنها. اما سبينوزا يرى في الفكرة الواضحة، تبدد كل شك، ذلك لأن الشك ينجم عن فكرتين مختلفتين متعارضتين والفكرة الواضحة تحمل معها اليقين، وتقوم حجته على اساس ان الفكرة الواضحة متضمنة اليقين. اما لايبنتز يفرق بين ثلاث ضروب من المعرفة، معرفة حدسية ومعرفة برهانية ومعرفة حسية، واليقين كذلك على انواع يقين حدسي ويقين برهاني ويقين حسي. اما جون لوك هو اول من وضع النظرية التجريبة في المعرفة بصورة البحث المستكمل، وقد انكر الافكار والمبادئ الفطرية في المعرفة، ويرى ان العقل عاجز عن تزويدنا بمعرفة اولية فطرية.(20) اما كانت يرى مصدر المعرفة هو عن طريقين طريق التجربة والافكار القبلية في العقل، ويرى في المقولات والتصورات القبلية في العقل الانساني معيار موضوعية الادراك الحسي، ويرى في التجربة هي من تستيقظ الافكار القبلية.(21) وقد ظهرت عدة اسئلة في نظرية المعرفة، حول طبيعة المعرفة، ومصدر المعرفة وامكان المعرفة، اما طبيعة المعرفة فيرى الواقعيون ان المعرفة هي صورة للعالم الواقعي، ويذهب البراجماتيون الى انها طريقة في سلوك دنيا الواقع، اما المثاليون، المعرفة هي مدركات العقل وتكون هي الفكر وهي الاشياء في آن واحد. اما مصدر المعرفة، فظهرت عدة مذاهب منها المذهب التجريبي، الذي يرى مصدر المعرفة هو عن طريق الخبرة الحسية، والمذهب العقلي، يرى ان مصدر المعرفة هو العقل، لأن الحواس كثيرآ ماتخدع، المذهب النقدي، ويرى المعرفة لاتتم الابالخبرة الحسية والمبادئ العقلية معآ. اما امكان المعرفة، فظهر مذهب الشكاك ويرون لايمكن الوصول الى المعرفة، ومذهب الاعتقاديون الذين يذهب الى انه من الممكن الوصول الى المعرفة.

مصدرالمعرفة عند المادية الجدلية

المادية الجدلية، وهي مذهب (ماركس وانجلس) تدخل على المادة حركة جديدة تجمع بين التغيرات الكمية والتغيرات الكيفية، وفي نظر المادية الجدلية العالم مؤلف من مادة متحركة ذات تطور صاعد على مستويات متتالية متزايدة في التعقيد في الكم حتى اذا بلغت هذا المستويات اعلى درجات التعقيد، نشأ عنها بالضرورة تحول مفاجئ وتغيرات كيفية جديدة.(22)

النظرية الماركسية ترفض المثالية كلها وتجعل الحقيقة النهائية للمادة، ثم تجعل اعتماد العقل الانساني على تلك المادة، فالمادة هي خارج الذهن وليس بحاجة الى أي ذهن لكي يوجدها.(23) وفي المعرفة يجب التفكير ديالكتيكيآ، اذن المعرفة عند المادية الجدلية لاتستطيع أن ترتقي الى ماوراء الاحساس، وتعتبر أن الاحساس هونتيجه ديالكتيكية، فتكون مهمة النظرية المادية للمعرفة على وجه التحديد أن لاتقطع أبدآ الفكر الفلسفي عن الفكر العملي ولاعن النشاط العملي التاريخي، والفكر يستطيع أن يعرف الطبيعة لأنه جزءآ منها، وأن الاحساس هو الصلة بين الوعي والعالم الخارجي، والانتقال من المادة الى الوعي هو انتقال ديالكتيكي والحركة من الاحساس الى الفكر هي ايضآ ديالكتيك، فالمعرفة هي:

1- المعرفة هي انعكاس ذاتي للواقع الموضوعي .

2- المعرفة هي تسلسل تأريخي.

3- المعرفة مكيفة بالممارسة العملية.

4- المعرفة هي ثمرة فاعلية الانتاج العملية.(24)

وبذلك تكون المعرفة عند المادية الجدلية تصل الى الحقيقة عن طريق المعطيات الحسية وتأخذ بنتائج العلم، اذا تعد المادية الجدلية من الفلسفات التي قامت على العلم وتعترف بنتائج العلم، ولاغريب في ذلك اذ كثير من الفلاسفة اعتمدوا على نتائج العلم وبنوا نظريات على نتائج العلم مثل (النظرية الالية التي تقول بأن الكون عبارة عن الة ويوجد هناك محرك قام بتحريكها، كمثل الساعة)

المادية الجدلية تنظر الى الاشياء والمعاني في ترابطها بعضها ببعض ومايقوم بينهما من علاقة متبادلة وتأثير كل منهما في الاخر، وماينتج عن ذلك من تغير، كما تنظر اليها عند ولادتها ونموها وانحطاطها وبذلك تتعارض الجدلية في كل ناحية مع الميتافيزيقا وليس ذلك لأن الجدلية لاتقبل أي سكون أوفصل بين مختلف جوانب الواقع بل هي ترى في السكون جانبآ نسبيآ في الواقع . وتنظر المادية الجدلية الى العلم الطبيعي على أنه مصدر المعرفة الموضوعية، وهدف المعرفة هوالمساعدة في تغير الواقع وينطبق هذا بنفس القدر على العلم الطبيعي والاجتماعي. لذلك اكد ماركس على أن الوعي الانساني هو الذي يحدده الوعي الاجتماعي، وليس الوعي هو الذي يحدده الوجود الاجتماعي، وأنما الوجود الاجتماعي هو الذي يحدد الوعي.(25)

المعرفة هي ممارسة، أي أن كل النظريات التي تدعي العلمية، تجد أختبارها الحاسم في الممارسة، وبذلك المادية الجدلية هي مبدؤها أن المادة هي كل الموجود وأن مظاهر الوجود على اختلافها نتيجة تطور متصل للقوى المادية، غير أن ماركس قليل العناية بدراسة المراتب العليا، وهو يوجه همه الى دراسة التاريخ ومن هنا جاء وصف مذهبه بالمادية التاريخية.(26)

إذاً القضية الاساسية التي تقدمها المادية الجدلية هي أن كل مايفكر فيه الانسان، ماهو في النهاية الانتيجة حاجاته الاقتصادية التي تحددها طرق الانتاج والعلاقات الاجتماعية التي يخلقها هذا الانتاج، وهذا الطرق تتنوع وتتطور بطريقة جدلية تعبر عن نفسها في قانون الصراع الاجتماعي بين الطبقات والفكرة الجوهرية عند ماركس هي أن كل مضمون الوعي الانساني يحدده المجتمع، وهذا الوعي يتعدل ويتغير ويتنوع بحسب التطور الاقتصادي.(27) أخيرآ المادية الجدلية ترى في المعرفة هي عملية جدلية بين المادة والعقل الانساني وترى في الحاجة الانسانية ونتائج العلم والتأريخ هو من يقوم المعرفة، فالمعرفة الانسانية تشكل تطور الفكر الغربي الذي يرتقي صاعدآ في سلم المعرفة البشرية، وينطلق من مستوى المعارف القائمة ويستند الى نتائجها، اذآ المنهج الماركسي في المعرفة مثل منهج العلم يتعارض مع الحقيقة المطلقة، وتتوالى فيه لحظات الجدل، اي ظهور المشكل ثم النقيض ثم الحل، الذي يشكل تجاوزآ للوضعية، وكذلك هو حال النظريات العلمية، التي تتجاوز بعضها البعض، بل قد تلغي بعضها البعض بناء على معيار الابطال، كما يعتمد المنهج الماركسي في تصوره لبناء المعرفة على الجدل الدائم بين النظرية والممارسة، فالنظرية توجه للمارسة والممارسة تحقق النظرية لتطورها وتغنيها.(28)

 

حيدر جواد السهلاني

...........................

الهوامش

1- ينظر جميل صليبا: المعجم الفلسفي، ج1، ص478.

2- ينظر عادل السكري: نظرية المعرفة، ص32.

3- ينظر محمد فتحي الشنيطي: المعرفة، ص53.

4- ينظر مصطفى النشار: نظرية المعرفة عند ارسطو، ص28.

5- ينظر صالح الشماع: مشكلات الفلسفة، ص32.

6- ينظر يوسف كرم: تاريخ الفلسفة اليونانية، ص84.

7- ينظر رودك وتشيز هولمز: نظرية المعرفة، ص6.

8- ينظر محمود زيدان: نظرية المعرفة، ص32.

9- ينظرصباح حمودي المعيني: نظرية المعرفة في الفكر العربي المعاصر، ص6.

10- ينظرجعفر السبحاني: المدخل الى العلم والفلسفة والالهيات، ص78.

11- ينظرمحمد فتحي الشنيطي: المعرفة، ص69.

12- ينظريوسف كرم: تاريخ الفلسفة اليونانية، ص85.

13- ينظرمحمد فتحي الشنيطي: المعرفة، ص70.

14- ينظر مصطفى النشار: نظرية المعرفة عند ارسطو، ص33- 34.

15- ينظر محمد فتحي الشنيطي: المعرفة، ص76.

16- ينظرالمصدر نفسه، ص88.

17- ينظر محمود زيدان: نظرية المعرفة، ص171.

18- ينظر محمد فتحي الشنيطي: المعرفة، ص89.

19- ينظر المصدر نفسه، ص90.

20- ينظر المصدر نفسه، ص99- 109.

21- ينظر كانت: نقد العقل الخالص، ص45.

22- ينظر جميل صليبا: المعجم الفلسفي، ج2، ص309- 310.

23- ينظر الموسوعة الفلسفية المختصرة، ص405.

24- ينظر روجية غارودي: النظرية المادية في المعرفة، ص62.

25- ينظر جورج بوليتزر وجي بيس و موريس كافين: اصول الفلسفة الماركسية، ص26.

26- ينظر كريس هارمن: كيف تعمل الماركسية، ص32.

27- ينظر عادل السكري: نظرية المعرفة، ص89- 90.

28- ينظر يوسف تبيس: الماركسية من الثورة المعرفية الى الثورة الاجتماعية، ضمن الماركسية الغربية ومابعدها، اشراف علي عبود المحمداوي، ص34- 35.

 

 

علي رسول الربيعيالمقدمة: قبل نقاش مشكلات الأنتقال الديمقراطي وتعزيزها والكيف ولماذا يحصل الأنكسـار البنيوي أو التاريخي الظرفي في عمليًة التحول الديمقراطي، والعلاقة الجوهرية بين ترسيخ الديمقراطية وحكم القانون، نعرض في هذه الدراسة مدخل اساس بوصفه تعريف عملي عن أشتغال الديمقراطية في نظام سياسي يتمتع بأنتخابات تنافسية بالإضافة إلى حماية الحريات السياسية. ولفهم هذا المنظور بشكل أفضل، نحتاج إلى فهم مجموعة وجهات النظر حول ما يشكل الديمقراطية. سوف نناقش عدة توجهات متعارضة مختلفة: الديمقراطية كعملية، ديمقراطية المشاركة، وديمقراطية حكم الأغلبية polyarchy وهي قد تكون السلطة في هذه الحالة ليست ديمقراطية تماما وليست دكتاتورية ايضاً كما وصفها روبرت دال والذي سنشير الى نظريته لاحقاً. بعد ذلك، نلخص بإيجاز ثلاث قواعد بيانات مقبولة على نطاق واسع عن الديمقراطية ويستند إليها المختصون في استكشاف أسس ومقومات الديمقراطية، لأن كل واحدة منها تحدد خصائص معينة للديمقراطية. إن الغرض من مسح المفاهيم المختلفة وعمليتها وأشتغالها هو لفرز خصائص الديمقراطية من خلال مراجعة مصادرها الكبرى.

وجهات نظر متباينة للديمقراطية

نلخص هنا الخصائص المميزة للديمقراطية من ثلاث وجهات نظر فلسفية مختلفة.

الديمقراطية كعملية: شومبيتر وأتباعه

يعتبر جوزيف شومبيتر مثال مشهور لهذا الرأي. نقطة انطلاقه هي ما يسميه "المذهب الكلاسيكي للديمقراطية" القادم من القرن الثامن عشر. ويصف هذا المبدأ بأنه مجموعة من الترتيبات المؤسسية لأتخاذ القرارات السياسية التي تؤدي إلى تحقيق الصالح العام، حيث يقرر الأشخاص مثل هذه القضايا من خلال انتخاب المسؤولين المفوضين لتنفيذ إرادة الشعب. و يصف احد المشاكل من خلال استعمال وضع أفتراضي.[1]

لنفترض أن هناك بلد يمارس بطريقة ديمقراطية اضطهاد المسيحيين، وحرق السحرة، وذبح المسلمين. من المؤكد أننا يجب ألا نوافق على هذه الممارسات حتى لو أنها أتخذت قراراتها وفقًا لقواعد الإجراءات الديمقراطية. لكن السؤال الحاسم هو: هل سنوافق على الدستور الديمقراطي نفسه الذي أسفر عن مثل هذه النتائج مفضلينه على الدستور غير الديمقراطي الذي من شأنه تجنبها؟

باختصار، يمكن للناس اختيار الأهداف الشريرة أو غير الأخلاقية بشكل أساسي.

يفضل شومبيتر التوجه نحو فهم الديمقراطية. إنه يشك في قدرة الناس ككل على اتخاذ قرارات جيدة. لديه المزيد من الثقة في قدرة الممثلين المنتخبين. من هنا، يجادل بالقول: "الطريقة الديمقراطية هي ذلك الترتيب المؤسسي للتوصل إلى قرارات سياسية يكتسب فيها الأفراد القدرة على اتخاذ القرار من خلال الصراع التنافسي على تصويت الشعب."[2] "فتهني الديمقراطية أن الناس لديهم الفرصة لقبول أو رفض الذين يحكمونهم".[3] ومن ثم، يتم تصور الديمقراطية كعملية، ونظام سياسي يتحول فيه الناس إلى سلطة فعالة لاتخاذ قرار بشأن أولئك الذين ينتخبونهم.

وقد اتبع آخرون راي شومبيتر. فيلاحظ كارل بوبر أن الديمقراطية هي النظام الوحيد الذي يستطيع الناس من خلاله تخليص أنفسهم من قادتهم دون عنف وإراقة دماء.[4] ويؤكد برزيورسكي أيضًا على أن احتمال تشكيل الحكومة من خلال الاقتراع من قبل الناخبين يجعل حل النزاع أكثر سلمية.[5]

نجد هنا، السمة المميزة الرئيسية للديمقراطية هي الانتخابات التنافسية، هناك العديد من النقاد لمنظور الحد الأدنى للديمقراطية.[6]

ديمقراطية المشاركة  participatory democracy

يجادل بيتر باشراخ بأن وجهة نظر شومبيتر للديمقراطية هي في الحقيقة شكل خفي من النخبوية، مما يسمح للسلطة الحقيقية بالبقاء في أيدي دائرة سياسية محدودة، مع وجود دور ضئيل للمواطنين في التصويت للمرشحين للمناصب. ويدعي أنه لا يمكن للديمقراطية أن تكون شكلاً حيوياً من أشكال الحكم إلا إذا كانت هناك مشاركة واسعة من قبل المواطنين.[7] يختصر باشراخ نظريته بالقول: " أعتقد أنه يجب أن تستند نظرية الديمقراطية إلى الافتراضات والمبادئ التالية: يكتسب غالبية الأفراد ثقتهم بأنفسهم وتطورهم نحو تأكيد أكمل لشخصياتهم من خلال المشاركة بنشاط أكبر في القرارات المجتمعية الهادفة؛ لذلك لدى الناس عموماً مصلحة مزدوجة في الأهتمام بالسياسة، في نتائجىها النهائية وفي عملية المشاركة،"[8] أو الأشتراك في مجرياتها، بالإضافة إلى ذلك، فأنه يزعم حتى المؤسسات الخاصة - إذا كان لها تأثيرات عامة - مطلوب أن تكون ديمقراطية، ومع صوت الناس في القرارات التي لها تأثيرات عامة.

تناقش كارول باتيمان[9] في كتابها "المشاركة والنظرية الديمقراطية" الوظيفة التثقيفية للمشاركة، متبعة أراء جون ستيوارت ميل، في أن الناس يصبحون أفضل كمواطنين بمجرد أنخراطهم ومشاركتهم السياسية. كما أنها تجادل - مثل بشراخ - بخصوص أهمية تمكين المواطنين من الحصول على أدوار في صنع القرار.

تستند الحياة السياسية في ديمقراطية المشاركة على عدة مبادئ أساسية:

- إجراء عملية صنع القرارات المتعلقة بالآثار الاجتماعية الأساسية بواسطة مجموعات عامة من المواطنين؛

- أن ينظر إلى السياسة بشكل إيجابي، على أنها فن خلق نمط جماعي مقبول من العلاقات الاجتماعية؛

أن السياسة لها وظيفة إخراج الناس من العزلة وأدماجهم في المجتمع، وبالتالي فهي وسيلة ضرورية، وإن لم تكن كافية، لإيجاد معنى في الحياة الشخصية ...

في التحليل النهائي، يعتقد أنصار ديمقراطية المشاركة أن إشراك المواطنين العاديين في السياسة ستمكنهم، وسيؤدي إلى اكتساب الثقة في القدرة على المشاركة بشكل هادف، وسوف يشجعهم على أن يصبحوا أكثر اطلاعاً على السياسات والقضايا السياسية، وسوف يكون في هذه العملية إثراء للديمقراطية.[10]

السمة المميزة الرئيسية لهذا المنظور هي أنه يجب أن يكون هناك انفتاح في النظام السياسي للسماح بمشاركة حقيقية من الشعب. وبالتالي، يجب أن يكون الدعم لمختلف أشكال التعبير الحر حاضراً حتى تتحقق الديمقراطية. النقطة الأساسية، هنا،هي أنه يجب احترام أشكال الحرية المدنية، للسماح لديمقراطية المشاركة بالازدهار.

الديمقراطية باعتبارها حكم الأغلبية

يأتي واحد من أكثر فروع نظرية الديمقراطية تأثيراً من عمل عالم السياسة روبرت دال في كتابه "مقدمة للنظرية الديمقراطية"[11] و" في الديمقراطية"[12] حيث دعا بشدة إلى أهمية وقيمة هذا الشكل من الديمقراطية.

يستخلص دال مصطلح polyarchy من اللغة اليونانية، في مقابل الملكية (حكم الفرد) أو الأوليغارشية (حكم الأقلية). ويعني " حكم الأغلبية".[13]

يحدد دال هذا النمط من الحكم بست خصائص:

1- المسؤولون المنتخبون؛

2- انتخابات حرة ونزيهة ومتكررة.

3- حرية التعبير؛

4- الوصول إلى مصادر بديلة للمعلومات؛

5- الاستقلال الذاتي للجمعيات والأتحادات؛

المواطنة الشاملة

يشير معيار المسؤولون المنتخبون إلى الناخبين الذين ينتخبون ممثلين لاتخاذ القرارات نيابة عنهم. وهكذا، تُعرّف الديمقراطيات المعاصرة بأنها ديمقراطية تمثيلية. وتتطلب حرية التنافس في الانتخابات وإجرائها بشكل روتيني نسبيا. وأن يكون الإكراه في الانتخابات نادرًا نسبيًا حتى يتم تعريف بلد ما على أنه ديمقراطي. وأن يتمتع المواطنون بحرية التعبير حتى يمكن انتقاد النظام القائم. كذلك يحتاج المواطنون، من أجل أتخاذ خيارات مستنيرة في الانتخابات والحكم على الأنظمة في الفترة الفاصلة بين الانتخابات، إلى الوصول إلى مجموعة متنوعة من مصادر المعلومات - وليس فقط المصادر التي تسيطر عليها الحكومة.

يحتاج المواطنون إلى أن يكونوا قادرين على المشاركة مع بعضهم البعض أثناء الانتخابات وفيما بينها. وأن يكونوا أحرارأ في الانضمام إلى المجموعات القائمة، وتشكيل مجموعات جديدة، والمشاركة في المنافسات السياسية. تعد المشاركة في المجموعات آلية رئيسية للمواطنين للتأثير على المسؤولين.[14] وأخيرا، المواطنة الشاملة. كما يقول دال "لا يمكن حرمان أي شخص بالغ يقيم في بلد بشكل دائم ويخضع لقوانينه من الحقوق المتاحة للآخرين وهو ضروري للمؤسسات السياسية ".[15]

يدرك دال أن هذا يعطي للمواطنين دورًا أقل من دوره في الديمقراطية التشاركية، الاً أنه هو يؤكد أن حكم الأغلبية هو أكثر أشكال الديمقراطية عملية في المجتمعات الكبيرة والمعقدة. فبالنسبة إليه، إذن، هناك معياران أساسيان في تحديد الديمقراطية: الانتخابات الهادفة والحريات والحقوق المدنية.[16]

البيانات الأساسية الثلاث

سنقوم بفحص ثلاثة من مجموعات البيانات الأكثر استخدامًا واحتراماً على نطاق واسع لاستكشاف الخصائص المحددة للديمقراطية: مجموعة بيانات Vanhanen ومجموعة بيانات Polyarchy وتصنيفات Freedom House.

مجموعة بيانات نظام المشاركة المتعددة Vanhanen

يلاحظ Tatu Vanhanen[17] أن مقياسه يتبع عن كثب منطق نموذج دال لحكم الأغلبية (فليس من قبيل الصدفة، يُطلق على موقع Vanhanen عنوان Polyarchy Data). والمتغيران الذي يستخدمهما لإنشاء "مؤشر الديمقراطية" هما: 1- النسبة المئوية للحصة من الأصوات المدلى بها في الانتخابات من قبل أحزاب الأقليات / المرشحين المستقلين؛ 2- النسبة المئوية للراشدين البالغين الذين يصوتون في الانتخابات. يرى الأول كدليل على التنافس الحقيقي والثاني كدليل على حرية الوصول إلى الاقتراع.

يصر Vanhanen على أنه لكي يتم تصنيف بلد ما كدولة ديمقراطية، فإنه يحتاج إلى أحزاب / ومرشحين مستقلين للحصول على ما لا يقل عن 30 في المائة من الأصوات ويتطلب نسبة إقبال تتجاوز 20 في المائة. انه يضاعف هذه معا؛ إذا تم الوصول إلى كل عتبة وإذا كانت النتيجة الإجمالية ست نقاط مؤشر (0.3 X 0.2 X 100)، فسيتم تصنيف الدولة كدولة ديمقراطية.

يقول Vanhanen طبقاً لمنطق قيم العتبة: "إذا كانت نسبة الأحزاب الصغيرة منخفضة للغاية، على سبيل المثال، أقل من 30 في المائة من الأصوات المدلى بها ...، فإن هيمنة الحزب الأكبر تكون قد تغلبت لدرجة أنه من المشكوك فيه ما إذا كان يمكن اعتبار هذه دولة ديمقراطية ".[18] "يزعم أن أي شيء أقل من نسبة المشاركة 20 في المائة يشير إلى أن الناخبين المحتملين قد لا يتمتعون بحرية كاملة في التصويت، مما يشير إلى وجود مشكلة في الحريات المدنية.

وهكذا، يعترف Vanhanen بمكونين من عناصر الديمقراطية: انتخابات معبرة عن منافسة حقيقية، وحرية الوصول إلى الاقتراع من قبل الأفراد. بالنسبة له، يمثل الأخير مثالًا على حماية الحريات المدنية وحكم القانون، رغم أنه يرتبط بالانتخابات.

تقييمات Freedom House ( بيت الحرية)

ينشر بيت الحرية ( Freedom House ) تقريراً سنوياً مشهوراً ومتاح لمن يريد الوصول اليه عن الحرية في العالم. يتناول فيه جميع دول العالم ليصف ويصنف بعد ذلك المدى الذي تكون فيه الحرية، أيً هل هناك حرية أم لا ولأي درجة. يتم التعامل مع درجة الحرية كمقياس للديمقراطية. يقوم بيت الحرية كل عام بدراسة استقصائية ومن خلال كمية هائلة من المعلومات حول كل بلد، وويقيًم أعضاء الفريق كل دولة علىاساس سلسلة من العناصر من O إلى 4، ويعتبر O الأقل حرية و 4 الأكثر حرية. هناك بعدان لنقاط بيت الحرية: (1) الحقوق السياسية و (2) الحريات المدنية. هوناك عدد من الأسئلة المحددة لكل بعد منهما لوضع التصنيف 0-4 على النحو المذكور أعلاه.

هناك سلسلة من الأسئلة للتي تتعلق بالحقوق السياسية، نأخذها على سبيل المثال لا الحصر، فهناك أويمكن اضافة قضايا أخرى حسب البلدان تحت الفئات التالية - العملية الانتخابية (على سبيل المثال، "هل رئيس السلطة التنفيذية، أو البرلمان ... منتخب من خلال انتخابات حرة ونزيهة؟"، هناك واحد من ثلاثة بنود تحت هذا العنوان ؛ التعددية السياسية والمشاركة (على سبيل المثال، "هل الخيارات السياسية للشعب خالية من هيمنة الجيش أو اي قوى مسلحة أخرى، [إلخ]؟") ؛ أداء الحكومة (على سبيل المثال، "هل الحكومة خالية من الفساد المتفشي؟")؛ أسئلة إضافية تتعلق بالحقوق السياسية التقديرية (على سبيل المثال، "هل الحكومة ... تعمد تغيير التكوين العرقي ... لتدمير ثقافة أو قلب التوازن السياسي لصالح مجموعة أخرى؟"). ثم يتم حساب النقاط. يتم ترميز درجة 36-40 كـ 1 (الأكثر حرية) ؛ 30-35 ك 2 ؛ 24-29 إلى 3، وهكذا ...، حتى نصل إلى أقل درجة من الحرية 7، ثم يأتي تصنيف الدول بين 0-5 من النقاط. حيث تعني علامة 1 دولة حرة من ناحية الحقوق السياسية؛ ويمثل 7 منافسة قليلة الحرية. وتنطبق العملية نفسها على البعد الثاني في تصنيفات بيت الحرية- أيً الحريات المدنية؛ والتي تشمل الفئات التي تتعلق بحرية التعبير والمعتقد (على سبيل المثال، "هل هناك حرية نقد الحكومة والأحزاب الحاكمة ونقد السلطة ونقد القادة والحكام نقد ايديولوجيا السلطة دينية أو وضعية، أو حرية أكاديمية، ...؟")؛ وكذلك الحقوق التنظيمية (على سبيل المثال، "هل هناك حرية التجمع وتشكيل الجمعيات واحزاب ...؟")؛ وحكم القانون (على سبيل المثال، "هل هناك قضاء مستقل؟")؛ الاستقلالية الشخصية والحقوق الفردية (على سبيل المثال، "هل هناك تكافؤ في الفرص في المناصب والوظائف العامة وغياب استغلال اقتصادي؟"). يتم منح 0-4 نقاط لكل عنصر محدد، كما اشرنا أعلاه، يتم احتساب 53-60 نقطة على أنها 1 ( حرية)، مع 0-7 نقاط تؤدي إلى درجة 7 (الأقل من الحرية).يتم إضافة التصنيفين معًا ثم تقسيمهما على اثنين. النقاط من 1-2.4 تؤدي إلى تسمية الدولة "حرة"؛ 3-5.5 "حرة جزئيًا" ؛ 5.5-7 يتم تعريفها على أنها "غير حرة". ولأغراضنا، فإن الشيء الرئيسي الذي يجب ملاحظته هو أن اثنين من البعدتن يركزان على الانتخابات والحريات السياسية الممنوحة للأفراد.

تقييم النظام

يمكن تلخيص جوهر تصنيفات النظام السياسي من حيث تصور الديمقراطية على النحو التالي.[19] هناك ثلاثة عناصر أساسية مترابطة للديمقراطية، حيث يتم إدراجها في الثقافة السياسية المعاصرة. أولاً، وجود المؤسسات والإجراءات التي يمكن للمواطنين من خلالها التعبير عن التفضيلات حول السياسات والقادة البديلين. الثاني هو وجود قيود مؤسسية على ممارسة السلطة من قبل السلطة التنفيذية. ثالثا، ضمان الحريات المدنية لجميع المواطنين في حياتهم اليومية وفي المشاركة السياسية.

تم تطوير سلسلة من التدابير المحددة، ويقوم المبرمج بتصنيف كل بلد وفقًا لهذه المقاييس الملموسة. تشمل الفئات التي يتم ترميزها في نظام المشاركة السياسية هو،هل هناك فئات معينة محرومة أو محرومة؟ القدرة التنافسية السياسية في الانتخابات؛ القيود المفروضة على رئيس السلطة التنفيذي؛ ما مدى انفتاح العملية السياسية؟ هل تتميز العملية بالاستيلاء العنيف على السلطة؟؛ وتعقيد هياكل السلطة، أيً ما مدى مركزية السلطة الحكومية؟.

بمجرد أن يتم ترميز كل عنصر محدد، يتم حساب درجة من الديمقراطية (مع الإشارة إلى مدى ديمقراطية جماعية للأبعاد المختلفة) إلى استبداد ( درجة الاستبداد في بلد معين). يتم استخلاص درجة الاستبداد من درجة الديمقراطية (أيً أن المنطق وراء هذا هو أن العديد من المجتمعات لها بعض خصائص ديمقراطية واستبدادية) وتضاف عشر نقاط إلى المجموع الكلي. تمتد النتيجة المتحصلة من O (الأقل ديمقراطية) إلى 20 (الأكثر ديمقراطية).

تعريف عملي للديمقراطية

نعتقد أن المناقشة السابقة للمناهج المختلفة لتحديد وقياس الديمقراطية تكشف عن بعدين متمايزين. بعبارة موجزة، هي (1) حكومة بالأغلبية، و (2) ما يسمى عادة "بسيادة القانون". نحن نرى أن هذين المعيارين البسيطين ينتجان من عدة مقاربات مختلفة لاستكشاف الديمقراطية. يؤكد نهج شمبيتر على الانتخابات. تعكس ديمقراطية المشاركة بالتأكيد وعيًا بأهمية الانتخابات وتطالب أيضًا بأن تتاح للناس فرصًا كبيرة وحقيقية وأن يشاركوا في السياسة بحرية وبعدة طرق أخرى غير مجرد التصويت. فقد أكدت ديمقراطية المشاركة على كل من الانتخابات والحريات المدنية. وهكذا، تتحدث كل من المنظورات التي تم فحصها بشكل أو بآخر عن كل من هذه الخصائص.

وهذا يتوافق مع تعريف واحد قياسي للديمقراطية.[20]

نظام الحكم الذي تُمنح فيه السلطة السياسية المطلقة للشعب، قد تكون الديمقراطية مباشرة، كما تمارس في اجتماعات أثينا القديمة وبلدة نيو إنغلاند، أو تتطلب الديمقراطية غير المباشرة والتمثيلية نظامًا لصنع القرار يستند إلى حكم الأغلبية، مع وجود أقلية محمية الحقوق محمية. اقدم تعليق موجز على كل من هذين الجانبين المميزين للديمقراطية.

"قاعدة الأغلبية"

 إن كل من كتب تحت هذا العنوان يقصد بها، نظامًا تمثيليًا للحكم، انتخابات حرة تنافسية وجراء انتخابات جماعية، والمساءلة النهائية للممثلين أمام الناخبين، والوزن المتساوي للتأثير في التصويت بعنى الأقتراع الواسع أن لم يكن الشامل الذي يجسد مبدأ "شخص واحد، صوت واحد".

يتم في النظام الديمقراطي اختيار الممثلين حسب نوع التصويت الشعبي حيث تختلف الطريقة من بلد إلى آخر. ولكي تكون ديمقراطية حقيقية، يجب على النظام تمكين الأغلبية - إذا كانت هناك أغلبية - من انتخاب نسبة مقابلة تقريبًا من الممثلين.، وإن يتم اتخاذ نفس الحكم بشأن طريقة منصفة لتمثيل الأقليات. ويكون في في جميع الديمقراطيات الممثلون مسؤولين أمام الناخبين من حيث أن ناخبيهم يختارونهم وأن إعادة الانتخاب مرهون بالناخبين في تلك الدائرة الانتخابية. تتطلب الانتخابات الهادفة نوعاً من المنافسة الثنائية أو متعددة الأحزاب وقدرة جميع الأحزاب على عرض مشاريعها أمام الناخبين. وعليه تدعو قاعدة الأغلبية إلى حق الاقتراع الذي يعطي التصويت لمعظم المواطنين البالغين.

"سيادة القانون"

يمكن توضيح جميع المتطلبات المذكورة أعلاه، وكذلك قائمة طويلة من الحقوق والحريات المدنية في دستور وقوانين الدولة. ومع ذلك، كما رأينا في كثير من الأحيان، فإن هذه القيم لا تأثير لها في حالة عدم وجود نظام قضائي قادر على تنفيذها بفعاليًة. إن هذه الحزمة من العواملهي المقصود بمصطلح "سيادة القانون". يدرج بيت الحرية Freedom House صراحةً "حكم القانون" باعتباره معيارًا للحريات المدنية.

يجب أن تكون الحقوق الانتخابية والحريات المدنية أكثر من مجرد كلمات رائعة على الورق. فإذا تم تجريد أولئك الذين يخسرون الانتخابات من حقوقهم المدنية أو حريتهم أو ممتلكاتهم من قبل أغلبية منتصرة، فهذا شكل حكم يضاد الديمقراطية. تتطلب قاعدة القانون وجود سلطة قضائية مستقلة، وحكومة مستعدة لفرض حتى تلك القرارات القضائية التي لا تعجبها، والحماية الفعالة للحريات السياسية والمدنية ضد التعدي والأنتهاك العام والخاص. كما قال اللورد أكتون في تعليقه الشهير (1877) "إن الاختبار الأكثر تأكيدًا الذي نحكم من خلاله على ما إذا كانت دولة حرة حقًا، هو مقدار الأمن الذي تتمتع به الأقليات".وطبعا الأقليات ليس فقط عرقية أو دينية ولكن سياسية أو فكرية أو غيرها. لا تزال المؤسسة الأمريكية لسلطة قضائية مستقلة هي النموذج الأساسي في هذا الصدد وقد تشكل المساهمة الأمريكية الأكثر أهمية في النظرية والممارسة الديمقراطية.

إن حكم الأغلبية وسيادة القانون هما المكونان الأساسيان للحكم الديمقراطي. والمفارقة العظيمة، بطبيعة الحال، هي على الرغم من أن كلاهما ضروري للغاية، إلا أنهما يتعارضان مع بعضهما البعض، ونتيجة لذلك، كانا مصدرًا للجدل السياسي المستمر. لكن هذا التناقض الأساسي لا يمكن الهروب منه: إنه ثمن العيش في ظل نظام ديمقراطي.

اقول كتعليق ختامي على حكم الأغلبية وسيادة القانون. من المسلم به أن أيا من هذين الشرطين لا يفسح المجال لتقدير مرضٍ تماماً؛ تختلف الآراء حول بلد معين بشكل مشروع من ناحية القواعد والقوانين في بعض الحالات. ومع ذلك، عندما ننظر إلى التقييمات والقوائم العديدة للحكومات الديمقراطية وغير الديمقراطية، هناك اتفاق أكبر بكثير على عدم الاتفاق.

الديمقراطية وبناء الأمة

عندما نتحدث عن "بناء الأمة الديمقراطية"، نتوقع في نهاية المطاف أن تتميز الحكومة الديمقراطية الجديدة بحكم الأغلبية بالإضافة إلى حكم القانون الذي يضمن حقوق الأقليات والحريات السياسية. أما إذا كانت "الديمقراطية" الناشئة لا تفي بهذه المعايير فلا يمكننا، بالطبع، أن نقبل تلك الدولة الجديدة كديمقراطية. سنوضح في الدراسة اللاحقة في سياق هذا الموضوع/ النقاش طبيعة بناء الدولة، والتي غالبًا ما يتم اعتبارها حاليًا بمثابة بناء دولة ديمقراطية. وعلى كل حال تستند هذه المناقشة إلى تصور لمصطلح "ديمقراطي" وكان هذا هو محور هذه الدراسة. شكراً لمن قرأ وصبر وفهم. 

 

 الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

......................

[1] Schurnpeter, Joseph. (1975). Capitalism, Socialism, and Democracy. New York: Harper & Row.242).

[2] Schurnpeter, Joseph. (1975). Capitalism, Socialism, and Democracy.269.

[3] Schurnpeter, Joseph. (1975). Capitalism, Socialism, and Democracy.285.

[4] بوبر، كارل، المجتمع المفتوح وأعداؤه،، ترجمة السيد نفادي و حسام النايل،، بيروت، دار التنوير،2014.

[5] Przeworski, Adam. (1999). Minimalist conception of democracy: A defense. In Ian Shapiro and Casiano Hacker-Cordon (eds.), Democracy's Value. Cambridge: Cambridge University Press.

[6] Bachrach, Peter. (1967). The Theory of Democratic Elitism: A Critique. Boston: Little, Brown.

[7] Bachrach, Peter. (1967). The Theory of Democratic Elitism: A Critique.101.

[8] Casiano Hacker-Cordon (eds.), Democracy's Value. 101.

[9] Pateman, Carole. (1970). Participation and Democratic Theory. New York: Cambridge

University Press.

[10] يرتبط أحد الأنواع الفرعية الحالية لمدرسة الفكر الديمقراطي التشاركي بعمل الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس، الذي يدعو إلى إقامة نظام اجتماعي سياسي يعتمد على التواصل الحواري والخطاب المفتوح. وهو يدعي أن النظام الرأسمالي الراحل يعاني من أزمة شرعية وأن هناك تحول لهذا النظام يلوح في الأفق. فهناك حاجة إلى معايير جديدة. لكن كيف سيتطور هذا الوضع؟ يجب هابرماس في :

Habermas, Jurgen. (1975). Legitimation Crisis. Boston: Beacon Press (trans.T. McCarthy).

إن أخلاقيات الاتصال فقط هي التي تضمن عمومية القواعد أو المعايير المقبولة واستقلالية الأشخاص الذين يتصرفون فقط من خلال إمكانية خطاب يستوفي مطالب الصلاحية التي تظهر بها القواعد. وهذا يعني أن ضمان العمومية يأتي من فقط من القواعد التي يوافق عليها جميع المتأثرين دون أي قيد إذا دخلوا في عملية تشكيل الإرادة الخطابية.،"لا تستند المطالبة بصحة القواعد إلى الأعمال اللاعقلانية الأختيارية للأطراف المتعاقدة، ولكن في الاعتراف بدوافع عقلانية للقواعد، والتي قد يتم التشكيك فيها في أي وقت." وما الذي يحدد الصلاحية؟ يدعي هابرماس أن الحجة الأفضل التي تنبثق عن الحوار التعاوني يجب أن تحكم - إذا كان هناك إجماع حول هذا الاحتمال الوحيد. تفترض نظرية الاتصال هذه أنه لا توجد حقيقة عالمية لتوجيه صياغة المعايير المتفق عليها بين الناس. يجب أن يكون تطوير هذه المعايير وظهورها نتيجةً للمناقشات التي تؤدي إلى توافق الآراء.

قام هابرماس بتأليف سلسلة من الأعمال التي توضح نظريته في العمل الاجتماعي بمزيد من التفصيل .

Habermas, Jurgen. (1979). Communication and the Evolution of Society. Boston: Beacon Press (trans. T. McCarthy).

 Habermas, Jurgen. (1984). The Theory of Communicative Action, VOL 1. Boston: Beacon Press (trans. T. McCarthy).

وهو يجادل بأن المواطنين سوف يختبرون صحة ادعاءات مختلف الأفكار والقواعد قيد المناقشة. وفقا لتحليله النهائي

Habermas, Jurgen. (1975). Legitimation Crisis. Boston: Beacon Press (trans. T. McCarthy)150.

يجادل جون دريزيك بأن عقلانية التواصل والديمقراطية يمكن أن يخفف الكثير من المشكلات التي تواجهها الأنظمة الديمقراطية في القرن العشرين. تتضمن الترتيبات للمساعدة في ما يسميه دريزيك "الديمقراطية الاستطرادية"، المجالات العامة المفتوحة للنقاش، والتأكيد على المواطنة النشطة والخطاب العام النابض بالحياة. إن التمردات التي ترعى الديمقراطية الاستطرادية ستحمي الناس من قوة الجماعات المهتمة بالذات ومن التكنوقراط / البيروقراطيين الذين يقدمون خبراتهم الفنية كقوة مصدر. ستؤدي النتيجة النهائية إلى مزيد من الديمقراطية الحقيقية، أنظر:

Gutmann, Amy and Dennis Thompson. (1996). Democracy and Disagreement.

Cambridge, MA: Harvard University Press.

 [11] Dahl, Robert A. (1956). A Preface to Democratic Theory. Chicago: University of Chicago Press.

[12] Dahl, Robert A. (1998). On Democracy. New Haven: Yale University Press.

[13] Dahl, Robert A. (1998). On Democracy.91.

[14]Dahl, Robert A. (1960). Who Governs? New Haven: Yale University Press.

[15] Dahl, Robert A. (1998). On Democracy.86.

[16] Dahl, Robert A (1970). After the Revolution. New Haven: Yale University Press.

[17] Vanhanen, Tatu. (2003). Democratization: A Comparative Analysis of 170 Countries.

London: Routledge.

[18] Vanhanen, Tatu. (2003). Democratization: A Comparative Analysis of 170 Countries.65.

[19] Gurr, Ted Robert, Keith Jaggers, and Will H. Moore. (1991). In Alex Inkeles (ed.).On Measuring Democracy. New Brunswick, NJ: Transaction Press.97.

[20] Plano, Jack and Milton Greenberg. (1993). The American Political Dictionary. Fort Worth: Harcourt Brace Jovanovich, 9th edition. 8-9.

 

علي محمد اليوسفتقديم: ماقام به فينجشتين (1889-1951) في فلسفة اللغة تعتبر أنعطافة تاريخية كبيرة مثيرة وغير مسبوقة في تاريخ الفلسفة، حتى لقّب بالفيلسوف الذي كان له تأثيرا قويا على أمتداد القرن العشرين، أجبر فينجشتين بآرائه التي لا ترى وجود فيلسوف منافس له حسب أدعائه أنه توصل الى حل معضلات الفلسفة من خلال منهج تحليل اللغة للمفاهيم، ما جعل فلاسفة حلقة اكسفورد وحلقة فيّنا يعيدوا النظر جذريا بمباحث الفلسفة وكيف يمكن أن تحل تلك المباحث بضوء تحليل أشكالية اللغة التي أثارها فنجشتين، وكانت أفكاره دعامة ومرتكز فلاسفة البنيوية الفرنسية دي سوسير وجان بياجيه ورولان بارت وميرلوبونتي وفوكو والتوسير أن يراجعوا منطلقاتهم الفلسفية بضوء جديد فلسفة اللغة، أما فلسفة جاك دريدا التفكيكية فكانت أتجاها راديكاليا في فلسفة اللغة مثلت خروجا على آراء فنجشتين عندما أدخلت التفكيكية مباحث الفلسفة الحديثة في عنق الزجاجة حيث كانت التفكيكية منهجا في اللغة زاد الارباك الفلسفي وليست منهجا في حل معضلات قضايا الفلسفة بمنهج تحليل اللغة، لا كما أراد فينجشتين تحقيقه في تحليل اللغة وسيلة تقويم على اساس من تحليل مفاهيم الفلسفة العالقة وليس الغوص في نحو اللغة بما هي تجنيس ادبي.

لم يكن فينجشتين كغيره من الفلاسفة المحدثين والمعاصرين بعيدا عن جمع المتناقضات في حياته الخاصة والفلسفية، فقد كان صوفيا غامضا وعصابيا نفسيا لا يعير أهتماما للدين بعد رفض قبوله راهبا في ديربسبب ميوله الجنسية المثلية، وكان يلازمه القلق الوجودي العصابي وشبح الجنون والانتحار،وعمل معلما في مدرسة ابتدائية وبستانيا ومهندسا معماريا، في وقت تنازل عن ميراث والده  الكبير لشقيقه وشقيقته، مكتفيا بحياة مليئة بالمعاناة التي كان يسعى لها بأرادته وقناعته الحصول على نوع من التطهير الذاتي والخلاص النفسي من العصاب المرضي الذي يلازمه بلا جدوى.. تطوّع في الجيش أبان الحرب العالمية الاولى على أمل أن ينقذه الموت في المعركة من فكرة الجنون والانتحار اللتين تلازمانه كما أخبر صديقه وزميله مارتن شيرلتنيز.. وبعد أنتهاء الحرب أطلق سراحه من الأسر في أيطاليا ليموت أخيرا في سرطان البروستاتا..

فلسفة اللغة والفكر

ذهب فنجشتاين ومعه فلاسفة الوضعية المنطقية التحليلية الجدد حلقة فينا الى التسليم (أن ما لا يمكن أن يقال لا يستحق أن يؤخذ بنظر الاعتبار) (1).

لقد أراد فلاسفة اللغة وعلماء اللسانيات العودة الى أهمية الوضوح في تعبير اللغة كوسيلة ابتدائية اولى لمحاولة حل قضايا الفلسفة العالقة منذ قرون بسبب اشكالية اللغة في التعبير الغامض العصي على الفهم الاستقبالي الذي غالبا ما ينشغل بشكل التعبير اللغوي في ازاحته المضمون المتعالق والمتخّفي في تغييب اللغة وسيلة حضور الفكر ذي المعاني المدّخرة من دونها،، ومخاتلة اللغة القائمة على الدوام التي تجمع بين تضاد اللغة مع الفكر الذي تعبّر عنه رغم تعالقهما كوجهين لعملة واحدة (اللغة وعاء الفكر).. ولا صحيح أن اللغة تخون الفكر في تغييب أمكانيات الفكر مخاتلة اللغة وخيانته لها في عدم أستطاعتها التعبير عما هو كامل ومقبول بالفكر قبل اللغة.. من المهم التنبيه الى أن الثابت في فلسفة اللغة، هو اللغة والفكر هما وجهان لعملة واحدة لا انفكاك بينهما الا أن معظم مباحث فلسفة اللغة تذهب الى الفصل بينهما لمقتضيات البحث الفلسفي في تحليل اللغة.

خيانة الفكر للغة تكون قبل خيانة اللغة للفكر وما يضمره الفكر من أدّخار معرفي مسكوت عنه لا يبوح به أفصاحيا باللغة وبما تعجز اللغة التعبيرعنه بوضوح مطلوب، لذا فالافكار دائما ما تكون محمّلة بفائض من المعنى التي لا تستطيع اللغة التعبير عنه والألمام به دفعة واحدة على الدوام من خلال النص المكتوب، التي يكون الفكر أضافة نوعية متجددة متكررة بسبب ما يحمله من فائض المعنى المغيّب في تتالي التعبير اللغوي القاصر في النص التداولي على أعتباره فكرا متجددا قرائيا في تعبير اللغة عنه بأستمرار.. ومهمة اللغة أنها وسيلة توصيل المعنى المدّخر في الفكر..

من المفروغ منه أن (شكل) اللغة يستتبعه تعالقيا تواشجيا (مضمون) الفكر، ولا شكل بلا مضمون كما لا مضمون بلا شكل يعّبر عنه يحتويه، ومن هنا يكون تلازم الفكر مع اللغة تلازم الضرورة التي تدّخر فيها كل معاني التضاد القائم بينهما، بين الفكر واللغة.. أذ ليس كل تفكير تستطيع اللغة التعبير عنه كاملا لا نقص يعتريه..

فكيفما يكون مضمون الافكار تطاوعه اللغة في التعبير عنه كشكل لغوي يحدد ثباته الفكر وليس اللغة ذاتها، بمعنى اللغة لا تستطيع تحديد مضامين الافكار التي تعبّر عنها بينما يكون مضمون ومحتوى الفكر هو الذي يحدد شكل اللغة في التعبيرعنه.

أن وضوح التعبير اللغوي لا يجعل من الافكار ذات قيمة منفردة مميزة يمكن تجاوز كل ما لا تستطيع اللغة التعبير عنه أن يكون بلا قيمة ولا معنى، أذ يوجد الكثير جدا من أشكاليات معرفية وقضايا فلسفية وأمور حياتية تستحق الجدارة والاهتمام في عجز اللغة التعبير عنها بشكل واضح لكنها تمتلك لها حضورا دائميا غائبا خلف نص اللغة المعاد تكوين بناءاته التعبيرية بالتكرار التجديدي في البحث عما تغفله اللغة من معنى مفقود يلازم النص المتداول المتجدد القراءة.. كما أن عبقرية اللغة سابقة ومستمدة من عبقرية الفكر.. وأغلب ما تستطيع اللغة التعبير عنه بأمانة وصدق ووضوح يكون سهلا استهلاكيا غير جدير بالاهتمام لأن لغة التعبيرعنه تكون متطابقة مع المضمون الدلالي بما يجعل فائض المعنى المغيّب خلف قصور تعبير اللغة عن الفكر غير موجود بأستمرار وتفتقده لغة التعبير في وقت يدّخره الفكرالجوّاني على الدوام.. الفكر تعبير لغوي صامت، واللغة تعبير لغوي واضح.

وضوح الافكار يحمل معه داء السطحية المباشرة التي تفتقد محمولات فائض المعنى المدّخر خلف تداولية النص كنص لغوي.. كما يجعل وضوح النص لغويا عرضة للانحراف الساذج في التعبير عن الافكار السليمة.. ومن المشكوك به أن نعتبر تعبير اللغة صادقا وكافيا عندما يعبر بوضوح عن الافكار التي غالبا ما تكون سطحية بسيطة بالقياس لما تعجز اللغة التعبير عنه من أفكار جديرة بالقيمة والاهتمام لا تستطيع اللغة مجاراتها في صدق التعبيرعنها.. فالوضوح في المعنى اللغوي لا يشترط به التعبيرعن ألمهم الجدير بالاهتمام من القضايا والمفاهيم..

اللغة هي فن التعبير عن الفكر في زمن محدد ونص متعيّن قابل للاضافة على الدوام من خلال استمرارية تداوليته كنص، لذا تكون اللغة دائما محل أتهام وعجز وتقصير عندما تكون عاجزة الا عن تعبير فكري سطحي ضحل، ويكون ما لا قدرة لغوية التعبير عنه هو الجدير بالاهتمام في محاولة كشفه بتعبير صدق اللغة معه.. ودائما ما تكون الافكار الجديرة بالاهتمام غائبة عن التداول اللغوي الذي ينجذب نحو السهل والجاهزالمباشر في أستهلاك المعنى.. من هنا نجد قيمة الادّخار الفكري الجوّاني الصامت الذي تعجز اللغة التعبير عنه في النزعة الصوفية مثلا حيث يكون الفكرالصامت يحمل قيمة كبيرة في عجز اللغة التعبير الواضح عنه هو أبرز مثال على تلك الحقيقة التي أشرنا لها. ولا يشترط فهمنا تطابق تعبير اللغة مع دلالة محتوى الفكر يلغي من حسابنا أن القضية المعبّر عنها أصبحت سليمة وحقيقية..

ومقولة فنجشتين (أي شيء لا يستطيع الانسان التعبير عنه يجب عليه أن يبقى صامتا) مقولة تحذيرية تتحاشى هفوات اللغة المفترضة مسبقا أنها مخاتلة في التعبير وعدم أيفائها أعطاء كل مدّخرات الفكرالمعنى المعبّر عنه.. لذا يكون الأسلم صرف التركيز عن التعبير لغويا لأشياء ومفهومات ليست مكتسبة اليقينية التامة بالوضوح الفكري القاطع قبل الافصاح اللغوي عنها.. أي الهروب دوما الى أمام من أستحقاقات مواجهة الافكار الثرّة العميقة في عجز اللغة التعبير عنها كأفكار..

فضاء الفكر وفضاء اللغة

من الضروري الاقرار بأن فضاء الفكر غير المكتسب صفته التعبيرية الناجزة باللغة يكون دائما أوسع بمدياته التفكيرية وما يدّخره من معاني، من تعبير فضاء اللغة المحدود بكلمات النص والالمام به كاملا في مطابقة معنى الدال والمدلول التي تكون على الدوام علاقة متفاوتة المعنى بينهما..تفاوت لغة التعبيرعن مجاراة الفكر.

وشكل اللغة الذي يتطابق مع مضمون الفكر تطابقا كاملا يكون أستهلاكيا مستنفدا كل أضافة تداولية من فائض المعنى في أهمية تداوله المتتالي كنص لم تسطع اللغة التعبير عنه بصدق على الدوام.. فليس كل دال لغوي يكون بالحتم والضرورة معبّرا تعبيرا صادقا عن مدلوله لكي تكون جميع معارفنا جاهزة في التصديق والقبول لأن اللغة أستطاعت التعبير عنه بصدق ووضوح.. هذا ليس كافيا أن نجعل ما تستطيع اللغة التعبير عنه يكون جديرا بنا التسليم بصحته وأهميته فكثير وبما لا يحصى من تداول أفكار بلا معنى بفضل قابلية اللغة السطحية مجاراتها في التعبير عنها وهي لا تحمل من القيمة غير الاستهلاك المجاني التداولي المؤقت القابل الى حتمية زواله وأندثاره كنص ميت لا يحمل معه مدّخرات من فائض المعنى بما يبقيه حيّا ..

وبالتأكيد كثيرا ما تكون اللغة عاجزة تماما عن التعبير في حال يكون الصمت لغة تعبير أسمى من لغة التعبيرالمكشوف تداوليا في الوقاية من السقوط في تعبير لامعنى محدد واضح له، فالصمت المقترن بوعي قصدي مسّبق يكون لغة صائبة فكريا خذلته لغة التعبير التواصلية، ولغة الصمت غير المفصح عنها تكون بالحتم هي (فكر) مكتنز بمحمولات فائض المعنى لأنها فكر غير معبّر عنه باللغة ..فالصمت الهادف يكون هنا لغة حضور غائب يتوخى الوضوح التداولي الكامل في معنى تعبير اللغة عنه.. والصمت القصدي لغة غير عادية في أتخاذها موقفا صائبا من الوعي ..الصمت قد يكون عجزا لغويا لكنه حتما لن يكون تفكيرا بلا معنى..فالصمت تفكير لغوي هادف بما يرغب الافصاح عنه باللغة.

ولا يشترط أن يكون الصمت الانساني عجزا تعبيريا لغويا عندما يكون الصمت لغة تحذر من الوقوع في براثن الغموض العصّي، وأن الصمت لغة تحمل من المعاني والدلالات تأويلا ما لا تستطيع اللغة التعبير عنه، فليس كل صمت هو وقاية وحذر بمقدار أن يكون لغة أحترازية لا يمكن التعبيرعنها بدقة في لغة المعنى المطلوب أحيانا.

وبالعودة الى عبارتي فنجشتين وتعالقهما الفلسفي، الاولى أن ما لا يمكن أن يقال ليس جديرا بالأهتمام.. والثانية على المرء أن يصمت في حال أعجزه التعبير اللغوي بوضوح، أنما تؤكدان حقيقة واحدة هي أنه ليس بمقدور اللغة على الدوام التعبير عن عبقرية الافكار بأمانة وصدق، وفي أعتمادنا لغة الصمت ليس عجزا في تعبير اللغة وأنما هو أرجاء مقصود لما يدّخره الفكر من فائض المعنى التي لا تدركه اللغة في تعبير النص لاول مرة.. لغة الصمت ليست خلوّا من المعنى في عجز اللغة بل هو محمولات لحقائق حياتية تبّين لنا بوضوح تضاد التفكير العميق مع سطحية تعبير اللغة أغلب الاحيان..

ولتوكيد هذه الحقيقة نستنطق عبارة المتصوف العربي الكبير محمد بن عبد الجبار النفري قوله (كلما أتسعت الرؤيا ضاقت العبارة) وهي عبارة غاية في دقة التعبير الواضح القائم على التضاد الدائمي بين الفكر ولغة التعبير عنه. هنا نفهم التضاد هو القدرة على المعايشة التي تجمع اللغة والفكر ديالكتيكيا في تشكيل الظاهرة الجديدة أو في التعبير عن المفهوم المستحدث جدليا، وليس تناقضا في وجوب زوال أحدهما لصالح ديمومة وبقاء الآخر..فلا يوجد شكل تعبيري لغوي لا يداخله فكر قصدي هادف..

العلاقة بين الرؤيا بتعبير النفري التي هي الفكر الصامت الذي يدّخر المعنى قبل التعبير اللغوي عنه، وبين عبارة التعبير شكل (اللغة) هي علاقة تناسب عكسي وليس علاقة تناسب طردي، وهذا التضاد في التناسب العكسي ضروري وقائم بذاته لا يقبل وسطية الحلول التوفيقية الثالث المرفوع ويبقى يحكم علاقة الفكر باللغة داخل وخارج التجربة الصوفية قائما ما بقيت حقيقة اللغة أنها وعاء الفكر..وأننا نفكر من خلال اللغة وبها في كل امور الحياة ..

التحول اللغوي وفائض المعنى

كانت اللغة قديما تعتبر مجرد أداة للتعبير عن الفكر، وهذه الفكرة لم تعد تلقى حضورا في وقتنا الحاضر حسب أدعاء بعض فلاسفة التحول اللغوي الذين يرون فيه تحولا في وظيفة الفلسفة نحو الاهتمام (بتحليل مفاهيم ) واقعية وليس تعبير عن أفكار مجردة لقضايا لا يمتلك الكثير منها معنى حقيقيا غير زائف..

في مفهوم فلاسفة عديدين معاصرين منهم فينجشتين لا يخرجون عن النظرية التي ترى (اللغة هي الفكر ولا يوجد فاصل بينهما بل هما شيء واحد، ووضع حد لأفكارنا أنما هو وضع حد للغة فقط، وما يخرج عن هذا الحد لا معنى له، فالفكر هو القضية ذات المعنى) موقع اضاءات انترنيت.

عليه تكون كل فكرة لا تكتسب معناها الا بوسيلة التعبير المعبّرة عنها باللغة، وهو شيء صحيح أذا ما أعتبرنا أن حقيقة الفكر لا تكون بغير تعبير اللغة، والمسألة التي نجد فيها مجال النقد الذي هو في حقيقته الفلسفية اليوم هو نقد أفكار الفلسفة وليس القيام بتفسيرها وتوضيحها التي كانت مباحث الفلسفة مشغولة قرونا طويلة في تفسير مباحث وأشياء تقوم على أفكارفارغة بحاجة الى نقد تقويمي..

ومن الواضح أننا لا نستخدم حسب رغبة فلاسفة التحول اللغوي أن المفاهيم التي يدّعون وظيفة اللغة تحليلها هي أولا واخيرا أفكارا أكتسبت اللغة التعبيرية عنها، وألا نكون ملزمين التفريق بين الفكر والمفهوم وكيف نتعامل معهما بالنقد الفلسفي؟

أن فكرة تحجيم ووضع حد لأفكارنا لا يكون الا بوضع حد للغة فقط مسألة تقبل سلامتها أذا ما أعتبرنا أمكانية فصل الفكرة عن لغة التعبيرعنها واردا مقبولا، وهذا ما يرفضه فلاسفة اللغة والعلوم الانسانية ويعتبرونه بلا معنى يفتقد السند المنطقي التوضيحي.. وتماشيا مع هذا المعنى لا يكون لدينا أمكانية تحجيم سلطة وحدود اللغة بمعزل عن لا يطال هذا التحديد الفكر الذي هو بحسب تعبير فينجشتاين المررنا به (الفكر هو القضية ذات المعنى) في تحجيمه ووضع حد له من خلال تحجيم حدود اللغة.

أذا ما أعتبرنا الفكر هو لغة غير مكشوفة ولا تعبيرية مرئية تداولية حين يكون العقل يتمّثل موضوعاته داخل بنية العقل الموزعة بين الاحساسات والاحاسيس وما تنقله الحواس والذهن والدماغ والجهاز العصبي عندها لا تكون هناك قيمة سابقة للغة على الفكر باعتبارهما شيئا واحدا غير مفصح عنه ولا يعبّر عن شيء أو معنى طالما هو تفكير جوّاني صامت داخل المنظومة العقلية المؤلفة من الاحساسات والجهاز العصبي والدماغ... أما في حالة تعبير اللغة عن الافكار في تعالقها مع وجود الاشياء خارجيا أو حتى القضايا المجردة فكريا عن توصيف الألمام بالموجودات في العالم الخارجي عندها تفقد الافكار قيمتها لأنها صبّت في وعاء اللغة وأصبحنا نتعامل مع الافكار أنها لغة تعبير فقط..

أذن أصبح لدينا الآن حقيقة ماثلة أننا لا نستطيع تحجيم أفكارنا الا من خلال تحجيم اللغة التداولية وليس من خلال تحجيم لغة تفكير العقل جوانيا بموضوعاته، فالفكر في كل الاحوال يبقى تجريدا ذهنيا غير مفصح عنه ولا يمكننا التعامل معه الا من خلال أفصاح اللغة عنه فقط التي هي علامات صور التفكير المجردة.. وبهذا الفهم الدقيق يصبح تعبير فينجشتاين (الفكر وحده هو القضية ذات المعنى) يفتقد وسائل التحقق الفعلي منه ولا يقلل أهمية التساؤل وألادعاء أنه الوحيد الذي يحمل معنى بوسيلة اللغة أم بعدمها؟ يبدو التساؤل منطقيا قائما حينما نتعامل مع الفكر لا يمثل اللغة تارة وتارة أخرى نتعامل مع حقيقة أننا لا يمكننا الفصل ما بين الفكر واللغة.. وعندما يقول فينجشتين الفكر هو القضية ذات المعنى،، يكون تساؤلنا كيف نتأكد من صحة هذا الاستنتاج الذي يجعل الفكر هوغير اللغة، وكيف لا تكون اللغة هي صاحبة القضية التي تحمل معنى بدلا من الفكر؟ وكيف نستدل على أن الفكر يحمل قضية وهو قرين متداخل باللغة في معنى التعبيركليهما عن شيء واحد..

عليه نكون ملزمين كي يتسنى لنا الفهم الصحيح في تعالق اللغة مع الفكر أننا يمكننا الفصل بينهما من حيث كوننا لا نستطيع فهم الافكار في التعبير الخارجي الا بوساطة تصورات وتجريدات اللغة فقط.. بنفس أهمية أننا لا نستطيع التعويل على أننا نفكر جوّانيا في صمت اللغة بأفكار هي ليست علامات لغوية صورية في تحديد التفكير العقلي وهو أستحالة لا يمكن نتوقع حدوثها أبدا..فتفكير العقل لغة صورية لأفكار مجردة سواء كان التفكير بالاشياء خارجيا أوكان بها تفكيرا داخليا..

فرز محددات اللغة عن محددات الفكر في عدم أهمال أفتراض التداخل العضوي القائم بينهما يكون واردا من ناحية التحليل الفلسفي وليس في أعتبار التداخل بينهما هي وظيفة بايولوجية تساعدنا بفهم الاشياء التي يكرس حقيقتها منطق العلم في دراسة وظائف الاعضاء في الجسم البشري قبل تسليم الفلسفة بصحتها القاطعة..والفكر واللغة وجهان لعملة واحدة حقيقة صحيحة لا يمكن التلاعب بها كما أشرنا ومجمع عليها فلسفيا وعلميا في حال تكون اللغة تعبير خارجي عن الموجودات والاشياء، ويكون الفكر تعبير ذهني قصدي صامت في تفكيره بموضوعات مستمدة خارجيا أو مستمدة من خزين الذاكرة المعرفية على السواء. وفي حال يكون الفكر كمضمون لغوي يهدف الى معنى لم يأخذ حيّزه اللغوي الشكلي في التعبيركنص متداول القراءة، عندها يكون عالما قائما بذاته لا يمكننا أدراكه ألا بدراسة علمية تعمل على فهم كيف يفكر العقل؟؟ وهل الفكر لغة داخل العقل كما هو لغة خارج العقل في التعبير عن فهمنا للاشياء؟؟

بألتاكيد تكون لغة التعبير في كلتا الحالتين واحدة في الدلالة اللغوية كشكل تعبيري يقوم على التجريد، لكنها مختلفة في دلالة المعنى الفكري كمحتوى مضموني..فما تعبّر عنه اللغة من أفكار ليس بالضرورة يكون نفسه تفكير العقل بتجريد اللغة داخل تفكير العقل الصامت..

كيف لنا أن نفهم؟

أن مصطلح التحول اللغوي الذي قلب الفلسفة رأسا على عقب، الذي ترجع أصوله الى كل من جوستاف برجمان وجاتلوب فريجة اللذّين يذهبان الى ذات المنطلقات عند فينجشتاين، على أن هذا المفهوم قدّم خدمة جليلة لا يمكن تثمينها للفلسفة التحليلية عندما جرى (تعيين حدود الفكر بتعيين حدود اللغة) من دون توضيح فك هذا التعالق الاشتباكي بين اللغة من جهة والفكر من جهة أخرى.. وجرى الاستنتاج أن هذا التفريق بالحدود باللغة حصرا دون الفكر وضع حدا للمعنى واللامعنى.. (فاصبحت اللغة في مركز البحث الفلسفي المعاصر..) العبارة بين مزدوجين نقلا عن موقع ضفاف انترنيت.

وهذا يضعنا مرغمين أمام تساؤل بماذا نربط المعنى واللامعنى هل نربطه بالفكر أم باللغة أم بكليهما معا؟؟ وهذا خلاف مايراه فينجشتاين أن الفكر وحده يمثل قضية المعنى بمعزل عن اللغة حيث تكون قيمتها التعبيرية متوارية خلف حجب تسيّد الفكر على اللغة خارج العقل وأنه وحده يحمل قضية المعنى.. وهذا هو النفق المسدود الذي يحرّم تحريما قاطعا مسألة التفريق بين اللغة والفكر ولمن تكون الأسبقية في فهم العالم والتعبيرعنه؟؟ يذهب فيلسوف اللغة نعوم جومنسكي (الى أن اللغة تفرض بشكل وآخر على الانسان طريقة التفكير) من حيث أستحالة التفكير بغير تصورات اللغة الدلالية في معرفة الاشياء..

أشكالية فصل الفكر وأستبعاده عن اللغة أنما جاء من أعتبار أن اللغة أصبحت هي التعبير الوحيد عن الفكر، وبغير اللغة لا يمكن فهم وقائع الحياة لذا هي أستأثرت بالمعنى بدلا من الفكر الذي لا تستوعبه اللغة وهو يحمل فائض المعنى المطلوب على الدوام...أشكالية فصل اللغة عن الفكر معقدة جدا لما تحمله من محذورات الوقوع في أخطاء قاتلة عند تناولها فلسفيا وليس وظائفيا علميا كما هو المفروض..

يعترف فينجشتين أنه أرتكب أخطاءا فضيعة في رسالته المنطقية والتي تراجع عنها بضوء تشخيص فرانك رامزي لتلك الاخطاء، وعندما سئل جون سيرل كيف أستطاع فنجشتين التخلص من أستخدام الصورة لتوضيح المعنى؟ أجاب سيرل تم ذلك من خلال تراجع فينجشتين الى أن أستعمال العلامة اللغوية قيمتها تكون في وسيلة أستخدامها في مجرى الحياة وأهمية اشتغالها في الحيّز الاجتماعي..

وفي معنى مصطلح (لعبة اللغة) وصورة الحياة الذي أبتكره فينجشتين يقول: (اللغة ليست نوعا من الخيال أو الوهم اللامكاني و اللازماني وأنما هو ظاهرة مكانية وزمانية ) نقلا عن موقع اضاءات..مؤكد هنا الاقرار بحقيقة أن اللغة تعبير عن فكرة مدركة عقليا بزمانها ومكانها وليست تجريدا خارج هذا الادراك والا كنا نقع في اللامعنى، في لا جدوى اللغة وأستحالة أن يكون هناك معنى خارج الادراك اللغوي لعالم الاشياء والتصورات الذهنية، كما لا توجد أفكار ذات معنى في تعبير اللغة الافصاح عنها خارج عالم الواقع الخارجي المحدود أدراكيا بالزمان والمكان..ولا توجد أفكار تستطيع اللغة ممارسة التعبير عنها خارج تجريد عالم الاشياء وفهم العالم..

 

علي محمد اليوسف / الموصل

............

هامش 1،جنون الفلاسفة، نايجل رودنجرز وميل ثومتون، ترجمة متيم الضائع ص 173

 

 

حاتم حميد محسنكتب ادورنو وزميله هوركهايمر رسالة هامة اثناء حياتهما في المنفى ليتوصلا الى رؤية تشاؤمية عن الحياة في نظام زائف. كتاب ديالكتيكية التنوير لثيودور ادورنو وماكس هوركهايمر هو ربما " أهم اصدار لمدرسة فرانكفورت".

قامت مدرسة فرانكفورت مجتمعة بتطوير نظرياتها في عالم دمرته الحرب العالمية الاولى. جمهورية ويمر(1) شكلت صدمة نفسية خطيرة للمجتمع حين تحطمت العديد من اليقينيات القديمة الى اشلاء متناثرة. وما هو اسوأ من ذلك، لم يبرز أي شيء من بين ذلك الحطام ليعطي الناس املاً في المستقبل.

عندما فشلت الديمقراطية الليبرالية وتحولت ويمر الى نازية، اضطرجميع اعضاء هذه المدرسة وهم من المثقفين الماركسيين اليهود الى الهروب خارج البلاد الذي تحوّل ضدهم لأسباب عنصرية وسياسية. احد اهم اعضائها البارزين ولتر بنيامين قتل نفسه عام 1940 على الحدود الاسبانية الفرنسية، وهو الحادث الذي ترك باقي الأعضاء في كآبة شديدة.

وبعد ان غيّروا بلدهم اكثر مما غيروا احذيتهم كما يقول برتولت بريت، انتهى بهم الحال في الولايات المتحدة اثناء سنوات هتلر، ورغم ان هذا كان ملاذا لهم، لكنه ليس المجتمع الذي يوفر الانسانية. ارنست بلوتش وصف الولايات المتحدة بـ "طريق مسدود مضاء بالنيون" وهم شعروا ان المجتمع الملزم للسعي وراء السعادة الفردية كان مثالا لعالم من الضحالة والنفاق واللااصالة. في واحدة من اهم حكايات ادرنو الشهيرة في Minima Moralia (2) التي نشرها عام 1951 يقول من غير الممكن ان تعيش حياة حقيقية في نظام زائف.الشيء الاكثر اهمية في هذا النص، ان المفكرين من مدرسة فرانكفورت لم يميزوا كثيرا بين مختلف أشكال الراسمالية سواء ديمقراطيات استهلاكية كانت ام دكتاتوريات فاشية. ورغم ان السطح الظاهر للآليات الظالمة كان مختلفا بشكل واضح، لكن بالنسبة لهم القاعدة الاساسية لرأس المال كانت ذاتها.

ديالكتيكية التنوير يصل الى رؤية متشائمة حول ما يمكن القيام به ضد نظام زائف والذي، من خلال "صناعة الثقافة" يخلق باستمرار وعيا زائفا حول العالم الذي حولنا مرتكزا على الاساطير والتحريفات التي انتشرت بقصد لمنفعة الطبقة الحاكمة.

هذا بالطبع ليس غريبا على الرأسمالية، ولكن الرأسمالية تتخذ شكلها السلعي الكامل لكي نصبح مستهلكين راغبين ومنتجين للاغتراب. بالنسبة لادرنو وهوكمر، الثقافة الاصيلة لا تتساوى ببساطة مع الثقافة العالية، والتي هي سلعية بنفس المقدار. الثقافة الاصيلة تقاوم بشكل مباشر التسليع وتعاقب المشاهدين بسبب توقعهاتهم للترفيه .

وبالاعتماد على نظرية الديالكتيك السلبي، تجادل ديالكتيكية التنوير بان قيم التنوير ذاتها ليست تقدمية بشكل اوتوماتيكي وان عملية التحرير المحتملة للحرية الانسانية كما عرضها هيجل وماركس جرى إضعافها باستعبادنا ضمن شمولية العلاقات الاجتماعية الرأسمالية.

رؤيتهم هي ان الفاشية والستالينية ورأسمالية المستهلك كلها انتج الانتشار الواسع للانماط الاجتماعية لوسائل الانتاج وتوسيع نطاق الشركات مع دور مركزي للدولة.

هذا الالتقاء ترافق مع اسوأ استغلال للطبقة واستبدلها بنوع من التواطؤ الاجتماعي بين الطبقات بالرجوع الى الميثولوجيا والسيطرة الايديولوجية.

السيطرة تمت ليس فقط عبر القمع المباشر وانما من خلال مظاهر غير ايديولوجية لحياتنا اليومية وخاصة الطرق التي تشجع بها الحداثة على إنجاز ومتابعة الرغبات بدلا من سحقها او السيطرة عليها. هنا، جاءت السادية الى جانب نيتشة لإظهار كيف ادّت الحداثة والتنوير الى إعادة تقييم منظومة القيم واضعفت كل التقاليد. ماركس ايضا لاحظ ان الرأسمالية قادت الى ان (كل ما هو متماسك تبخر في الهواء). ان ما حصل من سوء فهم في هذه المسألة هو ان مدرسة فرانكفورت لم تكن السبب في الانهيار الظاهر للقيم الاجتماعية وانما كانت تجذب الانتباه للطريقة التي كانت بها الرأسمالية وبإصرار تحطم اليقينيات القديمة.

في قسم اللاّسامية هما يوضحان الطرق التي اُستعملت بها الاساطير حول اليهود من جانب كل من الفاشية والليبرالية الديمقراطية لخلق جماعة خارجية يمكن القاء اللوم عليها لكل المشاكل. هذا بلغ ذروته في النظرية النازية بان العالم خضع لمؤامرة يهودية فيها موّل المصرفيون اليهود الاغنياء الشيوعيين لكي يسيطر رأس المال على القيم الانتاجية التقليدية الجيدة.

فرويد دخل في اللعبة هنا بالقول ان كراهية الآخر(هنا اليهود، ويمكن ان يكون اي جماعة اخرى) هي في الحقيقة طريقة لإخفاء الغيرة عما لديهم، ليس بالنسبة للثروة، وانما في تقاليدهم الجمعية الظاهرة والتماسك الاجتماعي، الذي حافظوا عليه بينما الامة المضيفة تتآكل من حولهم. الفاشية هكذا نجحت ليس بسبب قمعها وانما لأنها تجيز وتشجع رغباتنا العميقة لإيجاد سببا لإشتراكنا او قبولنا الخطأ.

 

حاتم حميد محسن

....................

الهوامش

(1) جمهورية ويمر هو الاسم التاريخي اللارسمي للدولة الالمانية من 1918-1933. الاسم مشتق من مدينة ويمر التي عُقد فيها اجتماع الجمعية الدستورية اول مرة، اما الاسم الرسمي للجمهورية (جمهورية الرايخ) بقي لم يتغير منذ عام 1871. بعد ان عقدت الجمعية الوطنية اجتماعها في ويمر كُتب دستور جديد وجرى تبنّيه في 11 اغسطس عام 1919. وطوال سنواتها الـ 14 واجهت جمهورية ويمر مشاكل هائلة بما فيها التضخم المتسارع، التطرف السياسي(لكلا جناحي اليمين واليسار تدعمهما قوى مسلحة) بالاضافة للعلاقات الشائكة مع المنتصرين في الحرب العالمية الاولى. الاستياء في المانيا تجاه معاهدة فرساي بدأ يتصاعد خاصة في جناح اليمين حيث هناك غضب شديد تجاه اولئك الذين وقّعوا على المعاهدة وخضعوا لشروطها، لكن جمهورية ويمر لبّت معظم شروط المعاهدة. ومنذ عام 1930 فصاعدا، استعمل الرئيس هندبيرغ قانون الطوارئ لدعم المستشارين. الكساد الكبير المتزايد في ظل سياسة الانكماش قاد الى ارتفاع حدة البطالة. في عام 1933 قام هندبيرغ بتعيين ادولف هتلر مستشارا للدولة وجعل حزبه النازي جزءا من ائتلاف الحكومة حيث استلم النازيون مقعدين من مجموع المقاعد الوزارية العشرة للحكومة. وخلال اشهر، تم فرض حالة الطوارئ وفقا لقانون تفويض السلطات لعام 1933. وهنا تم إلغاء تام للحكومة الدستورية والحريات المدنية مع سيطرة هتلر التامة على الحكومة. هذه الأحداث وضعت حدا لجمهورية ويمر حيث انهارت الديمقراطية وبدأ عصر جديد للدكتاتورية النازية بتاسيس دولة الحزب الواحد .

(2) minima moralia هو عنوان كتاب للفيلسوف ثيودور ادرنو نُشر عام 1951. ادرنو بدأ في كتابة الكتاب اثناء الحرب العالمية الثانية حين كان يعيش في المنفى في امريكا، ثم اكمل الكتاب عام 1949. عنوان الكتاب مشتق من Magna Moralia وهو كتاب في الاخلاق يعود تقليديا لارسطو. في مقدمة الكتاب رسالة عن الموضوع الذي يهتم به الكتاب وهو "تعليم الحياة الجيدة"، وهي الفكرة المركزية في الاصول اليونانية والعبرية للفلسفة الغربية. في اواسط القرن العشرين يؤكد ادرنو ان الحياة الجيدة والنزيهة لم تعد ممكنة لأننا نعيش في مجتمع لا انساني. في بداية الكتاب يضع ادرنو عبارة ان "الحياة لا تُعاش". يوضح الكاتب هذا في سلسلة من الكتابات القصيرة والامثال التي تتوزع على طول الكتاب منتقلا من الممارسات اليومية الى المعالم المقلقة للنزعات العامة للمجتمع الصناعي. المواضيع تضمنت الطبيعة التدميرية للالعاب، حالات اليأس والاحباط على مستوى العائلة، عدم حقيقة ما هو حقيقي، تآكل الحوار، تصاعد الايمان الماورائي. يبيّن ادرنو كيف ان تغيرات بسيطة في السلوك اليومي تنعكس في العلاقة مع الأحداث الكارثية للقرن العشرين.

 

علي محمد اليوسفتقديم: كانت لافكار (كانط) 1724 – 1804الفلسفية تأثيرا قويا لترسيخ الثورة الكوبرنيكية 1543م،ومن بعدها الثورة العلمية التي قادها غاليلو 1616م، وأنسجاما مع الفكر الديكارتي العلمي في القرن السابع عشر التمهيدي المزامن لثورة أسحق نيوتن 1672م التي زلزلت جميع اليقينيات اللاهوتية الثيولوجية، والتي فرضت على الفكر الفلسفي تبّني النزعة العلمية في تأمين تطابق الاشياء مع معرفتنا لها حسب تعبير رورتي،، وقد كرّس كانط طيلة أحد عشر عاما جهوده لهذه المهمة التي أثمرت عن ثلاث مؤلفات له تمثّل أهّم رصيده الفلسفي الموروث من بعد وفاته هي على التوالي (نقد العقل المحض) و(نقد العقل العملي) و(نقدالحكم) التي سببت ثلاثتها أمتعاضا وعداءا شديدين لكانط شخصيا واجهها بكل ثبات وبسالة وتحمّلها بشجاعة وسط كنيسة متزمتة وسلطة ملك جاهل ومجتمع قطيعي مبرمّج لاهوتيا لم يدّخروا جميعا جهدهم في محاربته بكل الوسائل حتى الوضيعة منها.

كانط وفلاسفة التجريبية المنطقية

لقد راجع كانط بمنهجه النقدي العقلي الأخطاء التي وقع فيها الفكر الفلسفي الحسي - التجريبي عند بيركلي وهيوم وجون لوك حول ثنائية شغلت التفكير الفلسفي زهاء قرن كامل بدءا من القرن السابع عشر حتى بداية مطلع القرن التاسع عشر، وهي ثنائية العقل والادراك المعرفي التي تمرّكز حولها مبحث الابستمولوجيا في تقليب صفحات الجدل الفلسفي الواسع حول علاقة الادراك الحسي بالتصور الذهني – العقلي،.. والتي أصبحت الآن بالنسبة لفلاسفة البسكيولوجيا** واللغة المعاصرين مسألة لا نفع من البحث فيها حالها حال الميتافيزيقا ليست جديرة بالاهتمام الفلسفي والوقوف عندها..

ورغم الاختلاف الجوهري الفلسفي الكبير بين فهم كانط لهذه الثنائية وأختلافه مع كل من جون لوك وديفيد هيوم من حيث أن كانط ناقش ثنائية العقل والمعرفة تجريدا فلسفيا محضا تماشيا مع منهجية أفكاره المثالية في كتابه نقد العقل المحض، في الوقت الذي كان تناولها قبله كلا من هيوم وجون لوك من منطلق أبستمولوجي تجريبي وليس من منطلق تجريد نظري فلسفي، وقد لخّص ريتشارد رورتي هذا التباين حول تلك الثنائية الفلسفية الخلافية (الابستمولوجيا والعقل) في عبارته ( أنه قد ذهب كانط الى مناقشة معرفة (قضايا) وليس معرفة (أشياء) كما ذهب له جون لوك) 1. معنى العبارة المباشر أن كانط ناقش قضايا وافكار (نظرية) في حين عمد جون لوك الى مناقشة (اشياء) فيزيائية متعينة انطولوجيا في العالم الخارجي.

نجد من المهم التنبيه أن كانط في معالجته قضايا المعرفة والعقل يلتقي مثاليا مع مناطقة المثالية التجريبية الواقعية الانجليزية التي يمثلها بيركلي وهيوم وجون لوك بأختلاف بسيط يتوّضح معنا لاحقا مرتكزه الاساس أن كانط يذهب الى أن الوجود سابق على الفكر.. والفكرأجراء عقلي يتعامل مع الوجود تخليقيا له ديالكتيكيا متخارجا معه وليس في أيجاده كواقع من عدم بالفكر المجرد كما يدعو هيوم ولوك، وكانط رغم هذا الاختلاف الجوهري عن المثاليين فهو بعيد عن الفهم المادي الماركسي المعروف في ثنائية أسبقية الواقع على الفكر.. بينما ذهب هيوم ولوك نحو عدم وجود عالم خارج مدركات الحواس وما يختزنه الذهن من أحساسات تصله عبر الحواس والجهاز العصبي تمّثل وجود أشياء العالم الخارجي في العقل التجريدي ومن دون الاحساسات التي مصدرها الحواس لا وجود لمادة في تفكير العقل ويمسي فارغا.

واضح من عبارة رورتي السابقة أن كانط ناقش ثنائية العقل والابستمولوجيا من منطلق تجريدي فلسفي على نطاق الفكر النظري المحض كما أشرنا له، في حين كان لوك ناقش الثنائية من منطلق حسّي تجريبي يفهم المعرفة فهما تجريبيا علميا تماما لكنه فهم مثالي لا مادي أيضا.. . وعبّر رورتي عن فهم جون لوك المثالي التجريبي الذاتي بما يرتّب عليه قوله (عدم وجود موضوعات في العالم الخارجي قبل عمل العقل التكويني، والموضوع هو الشيء الذي تصدق عليه محمولات عدة هي دائما نتيجة تركيب في العقل له داخليا) 2.. جون لوك هنا يلغي وجود عالم مادي مستقل خارج الادراك الحسّي العقلي له.. .علما أن عمل العقل التكويني داخليا يعطي بالضرورة الاستنباطية فلسفيا تكوينات العقل الانشائية للاشياء في وجودها الخارجي كمواضيع مستقلة للادراك العقلي.. ولا يخلقها العقل أنطولوجيا بالفكرالتصوري المجرد.. ولا يعدم ويلغي وجود الاشياء باستقلالية عدم الادراك الحسّي لها.. فالموجودات هي أشياء مادية موجودة سواء أدركها الحس والعقل أم لم يدركانها.

و تعبير رورتي واقعي موضوعي الى حد ما في فهم أكتساب المعرفة علميتها التجريبية عند لوك، فالموضوع حسب عبارته تكون محمولاته العديدة هي نتيجة لمعالجته عقليا بما أطلق عليه كانط مقولات العقل البنائية التشكيلية لموضوع الادراك بالذهن ، ومن حيث أنكارجون لوك الاقرارالمبدئي بحقيقة أن وجود الشيء واقعا مستقلا في عالم الموجودات يكون قبل أدراكه، هو غيره موضوعا مدركا جرت عليه عملية تخليق ذهني – عقلي وجعلت منه موضوعا تركيبيا معرفيا راسخا في الذاكرة في جملة مواصفاته وماهيته الجديدة.. وهو ما يلتقي مع وجهة نظر كانط القريبة من هذا الفهم الفلسفي بشأن تخليق العقل التخارجي الجدلي لمواضيع مدركاته وأقرار كانط بخلاف فلاسفة المثالية المنطقية التجريبية أن الواقع وجود مستقل لا يصنعه الفكر التخليقي العقلي له بل يضفي عليه مقولاته الادراكية في تكوينه الانشائي معرفيا داخليا وفي تشكيله تصوريا خارجيا كمدرك حقيقي واقعي في عالم الاشياء والموجودات بالتعبير عنه بالفكر واللغة وليس بخلقه واقعيا بالتصورات الفكرية.

كانط وثنائية المعرفة - العقل

قام كانط بمراجعة وتصحيح أفكار جون لوك كما أشرنا له سابقا، التي يذهب فيها الى أن تصورات العقل هي التي تمنح الوجود الخارجي والعالم الموضوعي حقيقته الموضوعية المادية، وأعتبر لوك صور الاشياء التي هي نتاج التفكير العقلي (داخليا) أي في الذهن هو الذي يمنح الحواس (واقعية) ما تدركه من الاشياء في وجودها (خارجيا).. .أي بحسب جون لوك الاحساسات القادمة من الحواس كافية لمعرفة عالم الاشياء وأدراكه خارجيا بالذهن وليس كواقع انطولوجي مستقل سابقا على التفكير الذهني.. وما لا تستطيع الحواس أدراكه لا يمتلك وجودا حقيقيا في عالم الاشياء الخارجي حسب لوك.

وبخلافه ذهب كانط الذي رأى العكس في نزعة الفهم المثالي الذاتي لدى هيوم ولوك متمثلا في عبارته ( الحدوس بلا تصورات تكون عمياء ) ويقصد كانط بذلك تصورات العقل التكوينية الانشائية عن مواضيع الادراك الخارجية في وجودها المتعيّن المادي المستقل، فهذه التصورات تكون عقلية في تفسيرها الحدوس،،التي هي بداية المعرفة المستمدة من (قبلية) الواقع كوجود وليس من (بعدية) التصورات العقلية التخليقية الانشائية له كمدرك واقعي وموضوع لوعي العقل..

وبهذا يكون كانط يرفض مثالية جون لوك في مثالية نقدية ذاتية أبتدعها لنفسه في أسبقية الواقع على الفكر وفي أهمية تخليق العقل للواقع وليس خلقه وأيجاده من لاشيء بوسيلة أدراكه الذهني فقط،،ومقولات العقل هي من مهمة العقل التكويني الانشائي للموجودات.. وعليه لا يكون العقل مرآة عاكسة للحدوسات وأنما هو (ملكة) فكرية تنظيمية أجرائية لتلك الحدوسات.. وتصورات عقلية أنشائية تكوينية جديدة لها وهو أهم أختلاف جوهري بين مثالية كانط الجديدة عن مثالية جون لوك وهيوم التقليدية الكلاسيكية الابتذالية.. .

وكان قدعبّر جون لوك عن تصوراته المثالية تجاه هذه الاشكالية الفلسفية القائمة حول أبستمولوجيا الادراك العقلي قوله (أن الطبع – يقصد ما يطبع من حدوسات الادراك على صفحة العقل من معارف – ليس ألا جعل الحقائق – بمعنى مواضيع المعرفة قبل أكتسابها صفة الحقيقة - مدركة حسّيا، هذا أذا كان لذلك معنى، لأن طبع أي شيء على العقل من غير أن يدركه العقل يبدو غير معقول). 3

والتساؤل المنطقي على هذا الفهم الفلسفي لجون لوك هو هل من الممكن تصوّرنا طبع صور الاشياء بالذهن أو العقل يكون من غير أدراكها العقلي القبلي المسّبق لها؟؟ وهل يكفي معرفة ما تنقله الحواس ويطبع بالذهن لا علاقة للعقل بتمّثله أدراكيا ؟؟ والأمر الآخر المهم أن مواضيع المعرفة لا تكون (حقائق) ولا تكتسب صفة حقائق بالحواس الناقلة لها قبل تأكيد العقل لصفتها الحقيقية بعد معالجتها أدراكيا وأنطباعيا في الذهن،، لذا لا يكون قبول الأمر والتسليم به يمرّعبر هذا الاسلوب المصادر للمنطق الفلسفي في التعبير عن آلية ميكانيكية تجعل من الذهن صفحة أستقبال وطبع ما يرده من الحواس عليها.. .وليس للعقل علاقة أدراكية أولية بها بفهمها مادة خام قبل أنطباعها في لوحة الذهن الذي هو الآخر غير الحواس وما تنقله من أحساسات..

ولمّا كان العقل هو (ملكة) تخليق وعي ذكي لمعالجة مدركاته، لذا يكون ما تطبعه تلك المدركات على صفحة العقل من أحساسات داخليا الواصلة اليه عبر الحواس ومنظومة الجهاز العصبي كمادة خام، أنما تكون بالمحايثة السببية والعليّة وحكم الضرورة المعرفية هي مدركة عقليا كتحصيل حاصل.. ولا يمكن للعقل ولا غيره أنكار حقيقة حدوث أشياء تطبع على صفحة الذهن المفكر لم يكن العقل قد أدركها مسّبقا وألا لم تكن تأخذ فرصة الانطباع المعرفي المخزّن في الذهن والذاكرة.. .فالعقل ليس لوحة مستباحة لكتابة حدوسات مدركات الحواس قبل أستحالة العقل أدراكها كما يذهب جون لوك أن العقل صفحة بيضاء فارغة في خلوّها مما تطبعه عليها الحواس من أحساسات.. وهذه العملية الادراكية تتم من دون رقابة العقل والانتباه لما يدركه على لوحة صفحته وما يطبع عليها من حدوسات خارجية...

وما تغاضى عنه جون لوك أن ما تنقله الحواس من أحساسات يستجيب العقل لها ويقبلها أنطباعا أوليا في الذهن قبل تخزينها في الذاكرة ليس بآلية ميكانيكية بعيدة عن الادراك والفهم المبدئي الاولي لها في منظومة العقل الحسية - الادراكية - العصبية - الفكرية - الذهنية.. وأن عملية الانطباع الحسي للمدركات وأن كانت تتم في ومضات كهربائية في نقل الحواس لها وأستقبال منظومة الجهاز العصبي والعقل لها،، الا أن العقل من المستحيل تمرير ما لا يدركه ذهنيا بالدماغ أن يكون (مطبوعا) على لوحته بالذهن والذاكرة داخليا،، والذهن والذاكرة هما من خصائص تكوينات العقل البيولوجية العصبية وليستا من خصائص ما تنقله الحواس من حدوس.. ليمّحص العقل بعدئذ حقيقة مطبوعات ما تنقله الحواس من زيفه وهو أفتراض آلي ميكانيكي لا يأخذ بكثير أهتمام قدرات العقل الخلاقة التي لا تحد بتنظيمه ومقولاته الاجرائية الصادرة عنه.. ألانطباع الذهني هو أدراك بدئي أولي لصور الاشياء وهي خام يسبق أدراك يقيني آخر يستتبعه في أعطاء العقل مقولاته النهائية عن تلك المدركات كوقائع سواء أكانت بالذهن كمواضيع تفكير أو موجودات في العالم الخارجي على السواء..

الخبرة عند جون لوك

أستعمل جون لوك مفهوم الخبرة بفهم فلسفي خاص على غير معناها العملاني الدارج تجريبيا - علميا في المهنة والسلوك الطبيعي العملي العلمي بالحياة التي تعني حصيلة تراكم التجارب المعرفية المكتسبة في مهنة ما أو أختصاص معيّن، فالخبرة بهذا المعنى تكون هي خزين معرفي مكتسب يحتاجها العقل العملي في تدبير شؤون أختصاصه بالمعرفة التراكمية التي يمتلكها بمرور الوقت..

أما لوك فيعتبر الخبرة هي (افكار الاحساس والتفكير) الآني Moment المباشرdieredct في التعبير عن المدركات من الاشياء والموضوعات.. .والخبرة عنده ليست خزين الذاكرة المكتسب من تجارب الحياة التي يمّر بها الانسان.. .وأنما هي ردود الافعال الآنية المباشرة للاحساسات الواصلة الى الذهن اللاارادية منها والارادية على السواء.كما يرفض لوك كل ما يسمى خبرات فطرية بالذهن.

أي أن الخبرة عند جون لوك هو ما يعطي صور الاشياء في الذهن حقيقتها الانطولوجية المادية في عالم الموجودات الخارجي وليس ما تختزنه الذاكرة عنها من أفكار تجريدية.. وبهذا الفهم يبتعد جون لوك عن حقيقة أمتلاك العقل قدرات تخليق لموجودات الاشياء بما يضفيه عليها من مقولاته الاجرائية والتنظيمية التكوينية غير مكتف بالتفكير العقلي المجرد بشأنها كما هي عند كانط.. .

أن المبدأ المفارق حول فهم كانط هو أن العقل عنده لا يفكر بالاشياء بميكانيكية حيادية من دون ملاحقتها بمقولات أجرائية صادرة عن العقل تعمل على تخليقها الانطولوجي بالجديد المضاف لها.. .وخطأ جون لوك أنه أعتبر الاحساسات المباشرة الواردة للذهن تستطيع تنظيم نفسها ذاتيا وتمنحنا معرفة الشيء المدرك من قبل الحواس بمعزل عما يسمى مقولات العقل الاجرائية عن الاشياء..

ونجد من المهم التعرّض لتفسير أعتراض التباسي بأن لوك فيلسوف تجريبي قريب جدا من الفهم المادي في معرفة حقائق الاشياء علميا، فأين يكون تفكيره من المثالية في المنهج المعرفي المادي؟؟

ألأجابة أن لوك يتعامل مع الأحساسات (كأشياء) فكرية مجردة يخضعها للتجريب العملاني الفكري للتأكد من صحتها من عدمه وهذه الاحساسات التجريبية هي تمهيد لأرهاصات بروز المذهب الذرائعي البراجماتي العملاني في الفلسفة الامريكية وهو ليس موضوعنا الآن.. وصحيح أكثر أن الفكر التجريبي يكون في محصلته وما يتوصل له من نتائج يقينية قاطعة يكون (واقعيا) أي ماديا نوعا ما،، لكن الفرق الجوهري في مثالية لوك باختلافه عن المنهج المادي أنه يعتبر الفكروحده وصور الاشياء في الذهن هو ما يحدد وجود الاشياء واقعيا من جانب أحادي ومنظور وحيد الجانب هو (الفكرة) الصورية عن المدركات وليس وجود الاشياء المستقل واقعيا في العالم الخارجي.. . في حين أن علاقة الفكر مع الواقع وتكويناته جدليا تخارجيا في المنهج المادي هي التي تقرر حقيقة الواقع من جهة وحقيقة الفكر من جهة أخرى على السواء.. . فالمادية تقر بيقين راسخ أسبقية الواقع على الفكر المنبعث عنه كأنعكاس مرآتي لكنها لا تعطي أحقية الفكر تقرير حقيقة ذلك الواقع وصدقية صفاته الظاهرة وماهيته المتوارية المحتجبة بمعزل عن وجوده الانطولوجي وما يفصح عنه من صفات حسّية بائنة وما يحتويه من ماهية وجوهرتتداخل جدليا مع الفكرالمعّبرعنه كموضوع مدرك عقليا.. ولا تعطي النظرية المنهجية المادية أيضا الواقع المادي العياني منفردا تحديد ما يجب أن يكون عليه الفكر لمدركاته..

الاحساسات بين المنهج المادي والمنهج المثالي

أننا ملزمون بتوضيح الفرق بين المنهج المادي عنه واختلافه مع المنهج المثالي في تحديد نوعية الادراك الحسي، أن هذا الاخيراي المنهج المثالي يتعامل مع ماتنقله الحواس هو سبب ونتيجة وجود الشيء، في حين يعتبر المنهج المادي الاحساسات المنقولة له ليست كافية أن تكون هي الالمام الكامل بوجود الاشياء والحكم عليها، والاحساسات هي وسيلة تجريدية لنقل ماتدركه الى العقل ليقوم بمعالجتها..

كما يكون الفرق في (المنهج) أي في المنهجية المادية تعطي للجدل المتخارج بين الفكر والواقعة التي يمثلها ويعبّر عنها نتيجة حقيقتها وحقيقة الفكر التعبيري عنها ماديتهما.. كما والمادية لا تقرّ أن وجود الاشياء متوقف على أدراك العقل لها.. وأن عالم الاشياء موجود أساسا من دون الادراك الصوري له في الذهن تفكيريا بخلاف مثالية لوك التي تجعل وجود الواقع هو تصورات فكرية ذهنية فقط وليس الواقع المادي الخارجي سوى تصورات الذهن له وفي غياب هذه التصورات فلا يكون هناك واقع مادي حقيقي للاشياء .. أن لوك يبدأ بداية صحيحة عندما يعتمد التجريد الصوري هو وسيلة العقل الوحيدة المتاحة بالتفكير وأدراك الاشياء في الذهن، بعدها يستنتج لوك نتائج غير صحيحة هي أن وجود الشيء هو ناتج تفكير العقل به فقط، ولا وجود حقيقي خارجي له مستقل بغير تصورات الذهن عنه..

ومن المعلوم جيدا أن سارتر أخذ بالمبدأ الماركسي بعيدا فهو لم يقل الوجود سابق على الفكركما في الماركسية وكفى،، وأنما ذهب أبعد من ذلك حين أعتبر الوحود سابق على الوعي والفكر والماهية والكينونة،،فلا تفكير من غير (واقع) مدرك ولا توجد للانسان (كينونة) مكتملة وأنما الكينونة ما يصنعه الانسان في كل مراحل حياته العمرية.. .وأخيرا فالانسان يصنع (ماهيته) بقراراته الحرة المسؤولة عن فرديته المجتمعية، وبذا يكون الانسان من أجل ذاته وليس(بذاته).. فالماهية والكينونة عند سارتر لا تسبق وجود الانسان.. وأنما هما صيرورة حياتية يبنيها الانسان لنفسه بالحياة ويكتسبهما بمرور الوقت.. .

مع جون لوك والمنهج

وأمام هذه المعضلة ثنائية العقل والابستمولوجيا أعتبر جون لوك أدراكات الحواس لا تجعل من تلك المدركات حقائق عقلية وهذا يحمل صواب تفكيره الدقيق ، كما ينكر لوك أن المدركات الحسّية هي وقائع مستقلة في عالم الموجودات وهو خطأ مغرق في مثاليته،، ويعتبر لوك يقينية وجود الاشياء المستقل ماديا بالعالم الخارجي ناقصا ما لم تتناوله (التجربة) العلمية بالاختبار وهو فهم تمهيدي يقترب كثيرا من الفهم الفلسفي البراجماتي الذي كانت أفكار ديفيد هيوم وجون لوك الارهاصات الفلسفية الاولية لها.. المدركات الحسيّة ليست نتاج تفكير العقل بها وأدراكها بل هي وسيلة مدركات لأشياء قائمة مستقلة وجوديا في العالم الخارجي بمعزل عن وجوب ادراك الحواس والعقل لها من عدمه..

المنهج المادي لا ينكر العلمية التجريبية بالتفكير كما يرغبه هيوم ولوك لكنه لا يأخذ بالفكر التجريبي المجرد ذهنيا على أنه يمثل سبب ونتيجة في وقت واحد لتأكيد حقيقة وجود الاشياء وحقيقتها الابستمولوجية أيضا.. والأهم الذي يجمع بين المادي والمثالي هو أن وسيلة العقل الوحيدة المعتمدة في أدراك الوجود وفهمه وتفسيره هو التجريد الصوري الفكري العقلي في أدراك ومعرفة الاشياء مبدئيا عن طريق الحواس، سواء أكان منهج التفكير الادراكي لموضوعاته مثاليا أو كان ماديا. فأين الاختلاف بين المنهجين المادي والمثالي في الادراك الحسي؟؟

الاختلاف أن ما تنقله الحواس والجهاز العصبي للذهن هو مادة خام ليس من عمل المنهج الادراكي المادي أو المثالي للعقل أعتبارها حقائق،، لكن ما يصدره العقل من مقولات فهم وتفسير (منهجي) لمدركاته الواصلة اليه كأحساسات مجردة هي التي تعطي منهجية التفكير المادي في أختلافه عن منهج التفسير المثالي.. فالفكر يكون ماديا حينما يعتبر في منهجيته العقلية أن الوجود سابق عليه والفكر أنعكاس الواقع.. والفكر المثالي في منهجيته العقلية يذهب الى أن الفكر يسبق الوجود ولا وجود مستقل يسبق الفكرالذي هو تخليق الوجود وتطويره وتغييره وليس خلقه وأيجاده من عدم كما ترى المثالية.. والاشياء لا تكتسب حقيقتها الانطولوجية في تعبير الحواس عنها بل تكتسبها في تخليق الفكر العقلي في التعبير عنها.. .

ما نريد التأكيد عليه أن وسيلة أدراك العقل هي نقل تجريدات الحواس للادراك العقلي صوريا في المنهجين المادي والمثالي، ويكون الاختلاف بينهما بما يصدره العقل منهجيا عنها من تفسيرات ومقولات تكوينية أنشائية بفهم مغايرأحدهما عن الآخر..

رورتي والخبرة

يعتبر ريتشارد رورتي الكلام الابتذالي غير الفلسفي عن الخبرة هو أنه (يمكن للتفكير العادي أن يتكلم عن الخبرة بمعناها المبتذل، كأن نفكر فيما أذا كانت لدينا خبرة كافية بشيء لكي نحكم عليه، غير أن هذا ليس تعبيرا فلسفيا، فالتفكير الفلسفي يكون فقط عندما نبحث كما يفعل كانط عن علل causes ومسببات الآراء الخاصة بالمعرفة التجريبية الحسّية وليس مجرد مبرراتها.)4.

ويوّضح رورتي مفهوم الخبرة بقوله (تتشكل خبرتنا المعرفية من عنصرين هما: المعطيات المباشرة مثل معطيات الحس التي تقدم للعقل أو تعطى له، والثاني صورة أنشاء أو تأويل يمّثل نشاط الفكر) 5. وهذا الفهم متماهي كثيرا مع فهم كانط للخبرة ويقاطع فهم جون لوك لها.. وأذا أستعرنا تعبير جاستون باشلار الذي سعى أن يرى الفلسفة والعلم متكاملان ببعضهما الواحد للاخر يقول الخيال والتفكير المستمد من العقل، هو ملكة تشكيل صور تتجاوز الواقع بل تعمل على صنعه وتغييره لوجدنا أن العقل تخليق جديد لمدركاته وليس عملية ميكانيكية بالتعريف الظاهراتي السطحي لصفات تلك المدركات.

بضوء هذا الفهم الذي يقدمه رورتي يكون بعيدا كثيرا عن كل من جون لوك وكانط كليهما ليقترب من الفلسفة البراجماتية الراسخة أمريكيا كفلسفة ابستمولوجية – وسياسية في تسيير المجتمع الامريكي، أن كانط يفترق عن هذه البراجماتية ليس في أبتعاده عن الأخذ بالتجربة في تأكيد صحة أختبار حقائق الابستمولوجيا وحسب وأنما أيضا يعتبر(مقولات) العقل هي صفات قبلية (فطرية) في الذهن وليست (بعدية) مكتسبة من الجدل المتخارج الذي يجمع بين المعرفة المدركة والفكرة المعبّرة عنها.. وبخلافه تماما لا يعترف جون لوك بشيء أسمه (خبرة فطرية) ويعتبرها خرافة.

أن كانط مثالي نقدي ولا يخرج على مثالية هيوم التجريبية فكريا ألا في القليل، فهما كليهما يتعاملان على أن الفكر هو جوهر الادراك وجوهر المعرفة بالاشياء معا.. فكانط يعتبر العقل يمتلك معارف فطرية ومكتسبة مخزّنة في الذاكرة بعضها مستمد من الواقع الخارجي،، يتمكن بها العقل من أصدار مقولاته (القبلية) وهذا بخلاف رورتي الذي يرى بمقولات العقل هي قدرات فكرية (بعدية) في أنشائها تكوينات المعرفة ومعالجة مدركات العقل.. والمقولات القبلية يوضحها كانط أنها خبرة متراكمة عن الاشياء تسمح للعقل أصدار مقولاته التي يطلق عليها (حقائق تركيبية قبلية) بضوئها يكون العقل ممتلكا قدرات المقارنة بين حقيقة الشيء المدرك ومطابقة معرفته له مع الخبرات القبلية عنه وعن غيره من المدركات..

أن كانط يؤمن بوجود خبرات قبلية (فطرية) كمعطى ذهني ويعتبر قانوني الادراك (الزمان والمكان) هما معطيان فطريان يولد الانسان مزوّدا بهما لمعرفة العالم.. ولا يقلل كانط أهمية تراكم التجارب المكتسبة سببا في تكوين الخبرة المخزّنة بالذاكرة متبّعا آلية تجمع الاثنتين (الخبرة الفطرية والخبرة المكتسبة) في تكاملهما معرفة العالم وأدراكنا الاشياء.

ولا يخرج كانط بهذا الفهم أن علّة وسبب وجود العالم الخارجي يكون مصدرها بالذهن وليس بالعلاقة الجدلية التخارجية مع المدركات والموجودات المتعالقة مع الفكر بعلاقة سببية، تلك السببية التي ينكرها هيوم ويعتبرها تراكم تجارب تمتلك بالتكرار صفة (العادة) المستديمة التي تفسّر ظاهرة ما بتعالقها مع أخرى ليس كسبب ونتيجة وأنما هي تكرارعلاقاتي بالصدفة تختزنه الذاكرة كمعرفة مكتسبة في تعليلها ترابط الاشياء بالصدف العمياء وليس سببيا في العلاقات التي تربط الاشياء علة ومعلول.. وهو ما يعتبره الفلاسفة سقطة كبيرة لهيوم في عالم نعيشه تحكمنا فيه السببية من أصغر حركة نقوم بها في حياتنا الى أعقد ظاهرة تحكم قوانين الكون ندركها أو لا ندركها..

الوعي والمعرفة

يشن سلارز هجوما لاذعا على منتقدي ومصادرة عبارته الفلسفية مفادها (عدم الاقرار لوجود وعي سابق على اللغة).6 وليس من السهل التسليم بصحة ماذهب له سلارز فالوعي عند الطفل في معرفته ألوان بعض الاشياء وصفات بعضها الآخر والعلاقة السببية بين الالم وتعابير الجسم عنها وغيرها عديد جميعها حالات يسبق الوعي بها تعلم اللغة وسيلة تعبير لما يدركه ويعجز التعبير عنها باللغة،، فالطفل يعرف النار تحرق قبل معرفته التعبير اللغوي عن ربطه النار سبب الاحتراق.. .

وجود الاشياء السابق على الوعي التعبيري المادي اللغوي عنها كمدركات هو مبعث الوعي السابق بها وسابق على تعبير اللغة عنها، كما يعتبرسلارز أيضا (أن كل وعي للكائنات المجردة، وحتى كل وعي للجزئيات هو شأن لغوي) 7. من المفروغ منه عدم مناقشة صحة هذه البديهية التي تذهب الى أن الوعي هو تفكير العقل لا يتم الا بتعبيراللغة عنه،، وعليه هل من الممكن التساؤل أن الوعي بالكائنات المادية والفيزيائية غير المجردة هي ليست شأنا لغويا؟؟ بالتاكيد البدهي لا.. .ولا أختلاف في التعبير اللغوي عن الكليّات كما هو الحال مع الجزئيات في الوعي الادراكي لهما كليهما.. .. فالوعي التعبيري هو أدراك لغوي وليس أدراكا حسّيا مجردا عن موضوعه كما هو في عجز التعبيرعن الوعي باللغة أحيانا.

الوعي هو ملكة العقل في أجتراحه اللغة وسيلة الافصاح عن مدركاته، لذا لا يكون الوعي تجريدا لغويا منعزلا عن وصاية العقل الملازمة علائقيا له. وأن كانت اللغة هي وسيلة الافصاح التعبيري عن قصديات الوعي الا أنها لا تمثل جوهرا ينوب عن الوعي الادراكي العقلي، وتبقى اللغة جوهرا للوعي تكتسب ماهويتها التعبيرية من ملازمتها الوعي كما في ملازمة الوعي لادراك الاشياء المادية وموضوعات التفكير التخييلية التجريدية.. .أننا يمكننا القول وبأطمئنان أن الوعي هو تصورات فكرية لا تحتاج التعبير اللغوي التواصلي أحيانا..

لذا يكون التساؤل هل توجد غير التصورات الفكرية اللغوية وسيلة للتعبير عن الاحاسيس والوعي بها؟؟ نعم يوجد مثلا شعور الطفل كما أوضحنا في سطور سابقة أو شعور الشخص البالغ بالالم هو وعي تصوري تجريدي للألم قبل أن يكون لغة معبّرة عنه،، لذا فالوعي بالوقت والحين الذي يمّثل رد فعل أستثارة الواقع له كمواضيع أدراكية، فأن الوعي لا يستطيع التعامل مع تلك المدركات في التعبير عنها الا بوسيلة التصورات العقلية المجردة (لغويا).

 

علي محمد اليوسف /الموصل

..........................

الهوامش :

** البسكيولوجيا تيار فلسفي أشار له وليم جيمس في مؤلفاته بعلم النفس ويقوده رورتي وسلارز وكواين من بعده.. ويمثلون هؤلاء بفلسفتهم تطوير مبحث اللغة التحليلية عند جورج مور وبراتراندرسل وفينجشتاين، كما ويعتمدون منهج علم النفس التجريبي مرتكزا في محاربتهم مبحث الابستمولوجيا فلسفيا بأعتبارها مبحثا ميتافيزيقيا لا فائدة منه.

1- ريتشارد رورتي / الفلسفة ومرآة الطبيعة / ترجمة: د. حيدر حاج اسماعيل/ مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت ص 236

2- المصدر السابق ص 220

3- المصدر السابق ص 219

4- المصدر السابق ص 227

5- المصدر السابق ص 225

6-  المصدر السابق ص 264

7- المصدر السابق نفس الصفحة

 

 

علي رسول الربيعيتؤكد الرؤية الحديثة على أن  تعريف الأفراد بوصفهم من الذوات المستقلة لا يتحقق إلا عندما  تدرك كل ذات أنها حرة في اتخاذ القرارات والأفعال. وتنظر إلى التحديث من خلال التصنيع والتوسع الحضري والعلاقات التعاقدية في السوق بوصفها الوسيلة التي يسمح بها المجتمع لكل مواطن أن يصبح ذاتاً مستقلة ًوقادرة على تعريف نفسها. استيقظت صحوة الذات، فعليًا في هذه المرحلة المعاصرة وتعمقت خلال الأزمات الاقتصادية والنمو الاقتصادي الديناميكي بدرجة ما. ومع ذلك، فإن السلطات السياسية الاستبدادية في بعض مناطق العالم متعاونة مع التكنوقراطية وتعيق ظهور الذاتية الناضجة. هو ذا ما يمكن أن يسمى ظاهرة التحديث المضاد. قد يجد التدرب على المواطنة من خلال الحوار الفلسفي طرقًا لحل هذا المأزق بإعادة تصور أهداف الحداثة ووسائلها من حيث تمكين الإمكانيات الكامنة في الذاتية.

تدور الحوارات الفلسفية التي تؤطر عالم اليوم متعدد الثقافات عادة حول مقارنات بين التقاليد المتنوعة لوجهات نظر عالمية. وتدرس مقاربات المقارنة التقاليد الفلسفية المختلفة من حيث قابليتها على الاتساق أو الانسجام  أو عدم قابليتها على التأثر. هناك رأيان متعارضان في هذه المقاربات. يقول أحدهما  إنه لا يمكن إجراء مقارنة ذات مغزى وقيمة بين الاختلافات لأنه لا يوجد أساس للمقارنة لتبدأ منه. بينما يقول الآخر بأن هناك جوهرا واحدا، وأنه يمكن تحديد هذا الجوهر في أي تقليد ثقافي، بغض النظر عن الثقافة.

تفترض هذه المقالة  أنه على الرغم من الاختلافات الظاهرة بين الأفكار وتقاليدها المتنوعة إلا أنها تتعامل دائمًا مع طبيعة الواقع وأساليب المعرفة وكيف يجب أن يعيش الناس معًا ويمكن العثور على قدر كبير من القواسم المشتركة وكذلك التقارب الاختياري بينهم في كثير من النواحي. علاوة على ذلك، تبدو المجتمعات الصناعية والمتقدمة اليوم وكأنها تتخلى عن وجهات نظرها الثقافية التقليدية ورؤيتها للعالم (worldviews) أو وجهات نظرها عن العالمية، أو تغيًر جوانب معينة منها. والنتيجة هي تقارب وجهات نظر العالمية بين مختلف الشعوب، لا سيما فيما يتعلق بالكيفية التي يجب أن يعيش بها البشر الذين يتشاركون معًا في البيئة العالمية نفسها.

إن شرحًا اجتماعيًا تاريخيًا شاملاً، وقد أضيف، تفسيريًا، وهرمينوطيقياً لهذا التقارب قد تم التعبير عنه في وثيقة “تحالف الحضارات” التي أصدرتها الأمم المتحدة والتي تؤكد أن “الحضارات والثقافات تعبر عن ثروة للبشرية وتراثها الكبير؛ وطبيعتها أن تتداخل وتتفاعل وتتطور فيما بينها. تشترك جميع الحضارات في التاريخ في علاقة الاقتراض المتبادل وكذلك التكيًف واستيعاب أفكار وعادات بعضها البعض. تتطور الثقافات والحضارات من خلال التفاعل مع الآخرين، وتتحول وتتبدل العادات المحلية والمعارف والأفكار خلال عمليات الانتقال من ثقافة إلى أخرى في جميع أنحاء العالم. تتشكل الحكايات التي تلعبها الحياة الفردية والجماعية في كل ثقافة من خلال تفاعلات اجتماعية وتجريبية معقدة داخل ديناميات التاريخ والثقافات والهويات والعولمة والروح الجماعية. لا يمكن لأحد من هؤلاء وحده أن يدّعي أنه القوة المثالية الرئيسية لمصير البشرية. أو يمكن لأيّ منهم أن يعيش دون الآخرين؛ أو يرسم ويحدد تعقيد التفاعلات المرتبطة بالتطور الديناميكي والمستمر لأنفسنا وثقافاتها عبر الزمان والمكان بدقة”.

كل ما يمكن قوله بدرجة معقولة من اليقين هو أن التغيير المجتمعي، سواء كان دقيقًا متقناً أو صارماً صارخًا، معترفًا به أو غير معترف به هو ثابت ومتعدد بطبيعته. حتى هيجل، الذي أعطانا مفهومنا الحالي عن التاريخية، أكد أن معاني التغيير لا يمكن فهمها أو بناؤها إلا في نهاية حقبة زمنية، وأصرّ على أن تعقيدات التغيير لا تتوقف أبداً.

 يمكن أن يكون أفضل مثال على تعقيد عملية التغيير هي المجتمعات الصناعية الحديثة وهي منطقة أو دول شرق آسيا، التي نريد أن نأخذها مثلا هنا، التي طالما اعتبرت منطقة للتقاليد الخالدة، والتي لا تتغير، وتوصف الآن، بأنها منطقة “الأسواق الناشئة” في الاقتصاد العالمي. لقد أحرزت تقدمًا سريعًا في إنجاز  التجديدات العلمية والتكنولوجية في الإنتاج، وبالتالي خلق وفرة مادية وتحسين نوعية الحياة لأعداد أكبر في مجتمعاتهم. لقد أصبحت عوالم الحياة اليومية مع تطور هياكلها الاقتصادية بشكل متزايد، في المناطق الحضرية  كما بكين وسيول وبانكوك ومانيلا وكوالا لامبور وجاكارتا أكثر انغماسًا في الثقافة التكنولوجية العلمية بحيث من المستحيل الآن على مواطني هذه العواصم الكبرى ممارسة الحياة اليومية دون التكنولوجيا.

لقد أصبحت التنمية والنمو الاقتصادي والعلوم والتكنولوجيا، بالنسبة إلى الأسواق الناشئة، ملاحق حيوية لبعضها البعض. فأضحى الشرق والغرب والشمال والجنوب، ومع تقدم وانتشار العلم والتقنية ليشمل جميع أنحاء العالم، يعمل بشكل متزايد في نفس مجال العقلانية، وبالتالي لم يعد بالإمكان ادعاء مفاهيم الواقع والموضوعية والعقلانية كخاصية للحضارة الغربية فقط. لقد تم دمج كل من التجريبية والعقلانية، التي كانت تعتبر يومًا ما المرحلة الأساسية التنموية للتاريخ الفكري الأنجلو-أوروبي، بسلاسة في تاريخ الفلسفة العالمية.

لا يوجد أي شك على الإطلاق في أن تراث هاتين المدرستين للفلسفة الحديثة يتردد صداها عميقا في العصر الحديث للمجتمعات الصناعية الجديدة في شرق آسيا وكذلك في أميركا اللاتينية، تمامًا كما كان له صدى عميق في المجتمعات الأنجلو-أوربية. في الواقع، عندما أتحدث عن روح العصر، أو روح الفكرة الكبرى المهيمنة في سياق حداثة اليوم، أجد نفسي أفكر في المصطلح بقدر ما استعمله هيجل، كشيء دائم وقوي، خارق للطبيعة تقريباً، يوجّه الجنس البشري. فبالنسبة إلى هيجل، إن روح أو مزاج فترة معينة من التاريخ كما هو مبين في أفكار ومعتقدات العصر قد تم تصوره ثم تجلى في الحياة المادية للشعب. ولأن كل فكرة لها فكرة معارضة وينشأ الصراع بشكل أو بآخر حتى يتم حل الصراع، ويتم  نقض هذا الحل أو الطعن فيه دائما وتستمر الدورة الجدلية. اعتبر هيجل أن كل تصميم هو توليفة للروح عمومًا، يوفر توسيعًا لمعناها، حتى يمكن إدراكه مرة أخرى بنقاء رائع وشامل. الفكرة نفسها، بكل تداعياتها، أطلقَ عليها أحيانًا العقل، وأحيانًا الحرية، وأحيانًا، بكل بساطة، الفكرة.

الحرية هي فكرة قوية بشكل رائع. لكن منطق هيجل يدفعنا إلى إدراك أن العديد من الأفكار لها التوجيه نفسه والإرشاد لنا. تنتمي جميع الأفكار، في تناقضها أو أنسجامها، إلى الحياة المجتمعية؛ ويتم التعبيرعنها أحيانًا وتضطهد أحيانا أخرى؛ تتعدد بتنوع السياقات والعقلانيات واختلاف التقاليد والعادات. ونظرًا لأن مفاهيم مثل الحرية ذات ميزة عالمية، فهي تتخطى الحدود وتتشابك فيها ثقافتان أو أكثر، فيكون قبول المواقف أو العادات أو أنماط التفكير لدى كل منهما تجاه الآخر هو فتح طبيعي أو توسيع لعناصر مفاهيمية موجودة في كل منهما أساساً أو على الأقل توجد إرهاصاتها.

توسع عملية الاستلام في حالة الفرد أفق عالم حياته، وأيضا سواء كانت المشاركة في العملية جماعية أو فردية، فهي تحدث “إزاحة” لما هو مستقر في البيئة الثقافية التي استلمت المفاهيم الجديدة. وطبقاً لـلرؤية أو الأيديولوجية التي تقوم على تضامن وتنوع المواطنين العالميين وإنشاء قوانين تتجاوز الحدود الوطنية بهدف الرد على الجوانب اللاإنسانية للعولمة تتفاعل الأفكار والمعتقدات والقيم والعادات في عوالم مختلفة ويصيبها التحول من خلال التفاعل، وتتغير، وهي بهذا تتجدد مرة أخرى في عوالمها أو بيئاتها الأصلية، التي  تتغير هي بدورها أيضًا. فما كان غريباً وغير مألوف يتحول إلى شيء مألوف وحميم. وهذا يعني أنه يتم تكييفها أو استيعابها من خلال وساطة عناصر عالمية مشتركة موجودة في عالمين أو أكثر، فتتغير الثقافات والأفراد وتصبح أكثر تركيباً وقدرة على التعبير عن إمكانات البشرية المتعددة الجوانب. تشترك المجتمعات التقليدية والحديثة في عناصر ومخططات توجيهية عديدة. فعلى سبيل المثال، يربط العمل في كل مجتمع زراعي أو صناعي البشر بالطبيعة. بالإضافة الى استعمال الأدوات سواء كان العمل منزلي أو في معامل التصنيع الحديثة.

التناقضات الثقافية

إن العمل تفاعلي في جوهره حتى وإن بدا أنه يتم تنفيذه بمعزل عن الآخر. إنه مشترك أساسا، واجتماعيته واضحة في تقسيم العمل، وفي تجارة مُنتج العمل تداوله. يخلق العمل مع الآخرين شعورا بالتضامن والغايات المجتمعية. ينبع من هذا التضامن الجماعي من شرائع  الأخلاق للعيش معا في سلام. ليس من المستحيل، كما أشار هيجل في كتابه “ظاهريات العقل”، أن أفكاراً، مثل الاعتراف المتبادل، والعدالة الاجتماعية، والحقوق المدنية، مستمدة من إدراكنا للطابع التعاوني الجماعي للعمل الإنساني. ورغم أنه غالباً ما يشدد مسؤولو مشروع العولمة على قوة التعاون في العمل من أجل السلام والتنمية الناجحة إلا أنه تم في بعض الأوقات والظروف والمرة تلو الآخر إنكار الطبيعة الاجتماعية للعمل، فكان لهذا الإنكار تداعياته على التعايش السلمي في سياق هذه العولمة الاقتصادية، تمامًا كما كان ذلك في عهود بناء الإمبراطورية وتوسعها واستعمارها.

يتناقض هذا الإنكار، بطبيعة الحال، مع أهداف التحول الديمقراطي، التي تدعي جميع الدول المشاركة في مشروع العولمة، أنها تتبناها. إن من أكثر الأمثلة الصارخة لهذا الإنكار ممارسة نقل الصناعات إلى مواقع تكون فيها الضمانات الخاصة بالعمال والبيئة ضعيفة أو غير موجودة، مما يجعل الوعد بالحرية من خلال التنمية يتلاشى. بدأت الدول المتقدمة في الترويج لهذه الممارسة داخل حدودها في سبعينات القرن العشرين، لكنها منذ بضع عقود قامت بنقل الصناعات إلى البلدان النامية التي غالبًا ما تكون في منافسة فيما يتعلق بأقل الأجور وتكاليف السلامة الأقل. ما تلا ذلك، بالطبع، هو تكاثر الجيوب من العمال الفقراء والعاطلين عن العمل في الدول المتقدمة وضمان استمرار الفقر والفقراء في الدول النامية وتركيز  شديد للثروة في أعداد صغيرة من المواطنين في كلا النوعين من الدول.

 لم تكن الدول الصناعية الجديدة في شرق آسيا، والتي سنأخذها مثالاً في هذا المقال، قد فُرض عليها التحديث بحركة مد التاريخ. بل اختارت التنمية الاقتصادية حتى تتمكن من التمتع بالكرامة الإنسانية والحرية الفردية والعدالة الاجتماعية نفسها التي تصورت أن مجتمعات الدولة المتقدمة تمتعت بها في سياق التحديث. تبنت معظم دول العالم اليوم، ومن بينها الدول العربية، خطة التحديث التي طرحتها الليبرالية الجديدة التي عززت نظام البلوتوقراطية على حساب النظام الديمقراطي. ولكن كيف حدث هذا؟ كيف يمكن للدول التي يُفترض أنها اختارت الحداثة  أن تنتهي الى البلوتوقراطية وليس الديمقراطية؟

 شدد كل من كانط و هيجل على الدور المحفز للمواطنين لإيقاظ أنفسهم كأفراد في جماعة من أجل تحقيق الحداثة في مجتمعاتهم. يعد وجود درجة عالية من الحراك الاجتماعي عاملاً حافزًا لتطوير الوعي الفردي في طبقة متوسطة من طبيعتها تكون آخذة في التوسع. يحمل التحديث من خلال التصنيع وعدًا من قِبل المجتمعات الصناعية الجديدة بالاعتراف بمبدأ العقلانية في العلاقات التعاقدية في اقتصاد السوق، وبالتالي السماح لكل شخص بالوقوف على مؤهلاته ومزاياه الخاصة، متخلياً من الروابط الطبقية التقليدية. عندما ينظر إلى التحديث في ضوء ذلك، يصبح من الضروري لنجاحه أن يصبح كل مواطن مدركًا لذاته باعتباره فردًا له حق العيش كما يرغب. بالنسبة إلى شعوب شرق آسيا، يمكن القول إن عملية الاستيقاظ الذاتي هذه بدأت بالفعل منذ عقود وتتعمق في نمو ديناميكي، والأمل أن تستيقظ إرادة المستقبل للشعوب العربية.

 هناك الكثير من العوائق الكبيرة التي تنتظر على الطريق المؤدي إلى الفردية في مجتمعات الدول العربية. على الرغم من التقدم المطرد للعلم والتكنولوجيا وفاعليًة العقلانية الأداتية والترشيد  للإنتاجية في العالم إلا أنه ما تزال التغييرات في طرق التفكير التقليدية والإدراك تسير بخطى بطيئة في المجتمعات العربية، وهناك فجوة واسعة ومقلقة بين الحداثة والتقاليد. فبينما تدور القوى الإنتاجية حول محور العقلانية الأداتية-الذرائعية ذات الفاعليًة في المجتمعات الأكثر تقدماً، لا يزال الوعي السياسي والاجتماعي متمسك بأنظمة وطرائق تفكير تقليدية. فلا يبدو أن عملية العقلنة والترشيد مصحوبة بتغييرات مقابلة في البنية الفوقية للمجتمع. نرى، بدلاً من ذلك، أن الوعي السياسي والاجتماعي الوراثي/السلطوي هو الذي يوجه اتجاه التنمية الاقتصادية. تؤثر هذه الأنماط الراسخة بقوة في توجهات وتصرفات أولئك الذين  يتخذون القرارات ويديرون شؤون المؤسسات الرسمية.

تكررت ظاهرة مقاومة الحداثة بشكل أو بآخر في الغرب على مدى قرنين أو ثلاثة قرون ، ونشهد ذلك في البلدان الناميًة المعاصرة مرارًا وتكرارًا اليوم أيضاً. إنها القوة الدافعة للعقيدة الانقسامية للنسبية الثقافية. فعندما يكون التحديث متعمدًا، كما هو الحال في معظم البلدان النامية، تعارض المشاعر التقليدية الإصلاحات وتسعى إلى استيعابها في إطار النظام القديم. غالبًا، في عصر العولمة هذا، ما يتم التغاضي عن حركات مكافحة التحديث بحجة التسامح مع الأنظمة والأطر التقليدية باسم حق التعددية الثقافية. فبينما يتم التحدث عن التسامح في العالم بأسره، يتبنى العديد من الزعماء السياسيين في الدولة الناميًة أيديولوجية التنمية التي تعتمد فقط على حكمهم التسلطي والقمعي. عندما تتحد السلطوية التقليدية مع التكنولوجيا الحديثة، تكون النتيجة  قيام تكنوقراطية غير ديمقراطية. إن هذا الشكل من أشكال الحكم يضرّ بشدة بالمجتمعات التي لم تنضج فيها الظروف التاريخية لقيام وتعزيز الثقافة المدنية.

يزعم القادة السياسيون في الدول النامية بأنه يمكن تحقيق تنمية اقتصادية مستقرة من خلال الإدارة التكنوقراطية بزعم منهم بأن المواطنين سيتمكنون في نهاية المطاف من تبني حريات ومسؤوليات الديمقراطية. يبدو أن هذا يؤدي إلى نتائج ملموسة في البداية؛ ولكن مع مرور الوقت، يصبح من الواضح تمامًا أن عملية الاستيقاظ الذاتي للمواطنين كذوات فردية لا تظهر ببساطة لأن نمط حياتهم قد تعزز بالاتكالية والاستهلاك. تشجع القيادة السلطوية، في غياب مواطنين استيقظوا ذاتياً، أن يصبح الناس مستهلكين، ولا يهتمون إلا بالنمو الاقتصادي. وبالتالي سيكون بالنسبة إلى مثل هذه الدولة أنها ليست بحاجة للديمقراطية.

 من المؤكد أن النزعة الاستهلاكية هي واحدة من أكبر العوائق التي تحول دون اليقظة الذاتية للمواطنين كأفراد. لكن رغم أنها ليست جديدة، ولا يلزم بالضرورة أنها تخنق الذاتية، إلا أنها عندما تكون تحت تأثير انتشار التكنولوجيا المتقدمة، فإنه يصعب تجنب أن تصبح شمولية. وكما أشار هربرت ماركيز في نقده للتكنولوجيا الحديثة والنزعة الاستهلاكية في الغرب، هناك ثلاث احتياجات وهمية، تغذيها الابتكارات التكنولوجية، يتم تلفيقها من قبل وسائل الإعلام والنتيجة هي أن العمال الذين من المفترض أن يحررهم التقدم التكنولوجي يُجبرون اجتماعيًا ونفسيًا على العمل بجهد أكبر من أجل تلبية حاجات دائمة التجدد ولا تشبع.

إن الخطاب الذي ينظر بإيجابية ومثالية للتكنولوجيا يرى فيها وسيلة لدعم نوعية حياة جيدة في كل جانب ولجميع المواطنين. ولكن في مستوى أقل من العالم المثالي هذا، أي في العالم الذي نعيش فيه، كانت التكنولوجيا دائمًا ولا تزال أداة هائلة للسيطرة السياسية والاجتماعية. ثم إن الاستهلاك، الذي تنشطه تكنولوجيا المعلومات المكررة إلى ما لا نهاية، يشل ذكاء المواطنين ويضعهم في حال وعي ضحل وفارغ. هذا الشعور الفظيع للفرد، الذي وصفه ماركيز جيدًا وعبّر عن مدى قوته، يتفشى في مجتمعات الأسواق الناشئة الآن. إن إشباع مواد الاستهلاك وحده لا يعزز الذاتية. تتغلب المادية في العالم الذي وصفه ماركيز، على الحساسية  تجاه الآخرين مما يخلق جهلًا مخدرًا بالحياة نفسها.

الحداثة كذاتية

السمة الأساسية المميزة  للحداثة هي وعي الذات بوجودها  كفاعل يؤكد بعض المؤرخين الغربيين أن استيقاظ الذات هذا أصبح واضحًا في الشكل السياسي للثورة الفرنسية عام 1789 من ناحية وفي شكل المثالية الألمانية من ناحية أخرى. يشير هذا المنظور التاريخي إلى أنه لكي تحصل عملية الفردنة في المجتمع تتطلب تأملاً عميقاً في هذا العصر حتى يمكن مواكبة التغييرات المستمرة في العقلية التي تحدث نتيجة  التحولات السريعة للبنية الاجتماعية  في العالم  الأكثر حداثة.

يسمح لنا ربطنا الفلسفة بالواقع من خلال الأنثروبولوجيا، التي فسرها كانط وهيغل في سياق ملاحظاتهما للظروف السياسية والاجتماعية في زمانهما، بإمساك أحد الآثار السياسية لنظرية المعرفة المتعالية عند كانط وهي مشكلة الذاتية، التي يصبح فيها أولئك الذين يحرزون الذاتية أفرادًا أحرارًا يقررون لأنفسهم، إذ أن الحرية الفردية محور أساسية في فلسفة كانط السياسية. وكذلك الذاتية علامة فريدة لا نظير لها للكرامة الإنسانية في فلسفته الأخلاقية.

عند قراءة كانط، من الصعب تصديق أنه عاش حياته كلها في المدينة نفسها ولم يغامر مطلقًا بأكثر من بضعة أميال خارجها. فقد كان ودون مساعدة من أيّ من وسائل الاتصال الحديثة التي نعرفها اليوم يعرف الكثير عن العالم خارج مدينته وبلده وأوروبا. لقد صرخ ضد العبودية وضد الحروب والوسائل القمعية المستخدمة لفتح الأسواق في الأراضي البعيدة. ويشمل اتحاد الدول الذي تصوره تلك الأراضي التي اعتبرها الأوربيون مأهولة بالمتوحشين. ورأى كانط، أن ممارسات الأوروبيين كانت أكثر وحشية من ممارسات “المتوحشين”. يحدد كانط المادة 3 من شروط السلام الدائم، والتي كانت  تشير إلى حقوق الناس كمواطنين في نظام عالمي، بما يسميه “أوضاع الضيافة العالمية”. كان يعتقد أن جميع الدول تطمح إلى التجارة ولكن فقط في ظل ظروف وشروط عملية متفق عليها للضيافة العالمية، ولا يحق الدول الأنجلو-أوروبية من التعامل مع الأراضي الأجنبية كما لو أنها غير مملوكة لأيّ بشر ومتاحة لغزوها ونهب ثرواتها.

إن كانط نفسه الذي أصر على حسن الضيافة بين الأمم، فهم جيدًا الطبيعة التنافسية والصراعية للبشر. وقد اشتهر كانط باكتشاف لـ”اللااجتماعي في المجتمع” كصفة للطبيعة البشرية. لقد وصل البشر، كأفراد، إلى بناء النظام الاجتماعي بعد إدراكهم الحاجة إلى العيش في مجتمع، وأنه ضروري للبقاء على قيد الحياة. وتوصلت الأمم إلى فكرة الحفاظ على السلام الدائم للسبب نفسه. عندما تحدث كانط عن الانتهاكات التي ارتكبها التجار الأوروبيون لدول أضعف وأقل تطوراً من دولهم ، ربما كان يتنبأ بمشاكل اليوم. اعتقد كانط  أنه سيكون هناك دستور عالمي، لكن ما ندعو إليه الآن بدلاً من ذلك هو نداءات من المجتمع المدني، من مختلف المنظمات غير الحكومية من أجل حكم ونظام عالمي يحقق العدالة الاجتماعية ويحافظ على البيئية من خلال دستور وقوانين عالمية وتدابير سياسية، لأن التحديث، كما يُمارس اليوم، خلق عدم مساواة لا مثيل لها بين المواطنين داخل الأمة الواحدة وفضلاً عن تلك التي بين الأمم.

تحدث كانط عن تدمير الطبيعة بالحرب والاستعمار وأساليب التسويق القسرية، لكنه لم يصل به التخيًل الى أن الحداثة قد تعرّض موارد العالم للخطر. لقد اعتقد أن البشر سوف يوفّقون بين طبيعتهم التنافسية وميلهم للصراع من أجل الحفاظ على مجتمع يسوده السلام. يُخيًل إليّ أن رسالته ستكون هي نفسها فيما يتعلق بإعادة رؤية الحداثة بحيث لا يمكن إدامتها فحسب، بل تستحق أن تكون مستمرة في تطورها. ولن يجد صعوبة في ربط إعادة النظر هذه بالعدالة الاجتماعية والبيئية.

أما بالنسبة إلى هيجل، فتتحقق الذاتية في العمل لأن في العمل نتعامل مع الطبيعة والبشر. وفي العمل يصنف فرد ما الآخرين من خلال بيذاتية أو موضوع ما ، ويحقق البشر ذاتيتهم عندما يدركون قيمة عملهم. يربط العمل، من الناحية المثالية، المواضيع معًا من خلال اجتماعيته وموضوعيته. فالعمل هو الإمكانات البشرية المتحققة في الفعل الاجتماعي. يحرص هيجل على الإشارة إلى أن العمل، الذي في جوهره ليس فرديًا أبدًا، يسمح للبشر باكتساب الاعتراف من الآخرين بأنهم يتوقون ويحتاجون له بطبيعتهم. يتم تلبية الحاجة إلى الاعتراف في تقسيم العمل داخل المجتمع، بوصف العمل عنصر ملزم للفرد في المجتمع. يكتسب الأفراد من خلال نتاج العمل، الاعتراف المتبادل على قدم المساواة. إن الأفراد، بوصفهم عمالًا، هم أشخاص مستقلون يتحملون مسؤولية الآخرين، وبالتالي فهم جماعيون أيضًا.

كان كل من كانط وهيجل مدركين تمامًا لعواقب اقتصاد السوق، وتصويرهما للذاتية على أنها وعي بقدرة الفرد على التفكير والتصرف بشكل مستقل، وكان التأكيد على التعاون هو استجابة للمشاكل الناجمة عن تحديث المجتمع الألماني في فجر الثورة الصناعية الكبرى. وطالب الأخير على وجه الخصوص، بتجاوز الدولة التي تم فيها معاملة الأفراد كتروس في آليًات السوق. لقد تصور مجتمعًا يشجع الخصوصيات الذاتية والاعتراف العالمي بالفرد الحر. ثم تطور هذا التفكير وعلى أساس قوي مع النظرية النقدية للرأسمالية المتأخرة. فهناك، المزيد من الأدلة التي تشير إلى أن الذاتية موجودة في جميع مجالات  الحياة، وأن سمتها المميزة، الإرادة الحرة، وليست حاضرة حتى في أكثر الدول استبدادية وقمعًا. فقد تتجاوز الدول أو لا تتجاوز أدوارها القمعية وقد يتم خنق الشخصية، لكنها تبقى موجودة ولا تتوقف أبدًا عن العثور للتعبير عن نفسها على مستوى ما.

تأويل أخلاقيات عابرة للثقافات

يحول البشر بقوة الخيال والعمل الطبيعة إلى شيء جديد تمامًا، وبهذا الإبداع، يميـزون أنفسهم. ويكشف العمل كيف يغير البشر الأحرار العوالم الخيالية إلى العالم الفعلي، وهم بهذا يشكلون ذاتيتهم. وفي هذا السياق  نطلب من الفلسفة أن تسـاهم في هذا التشكيل حتى نستعيد  الذاتية قوتها لتطوير أخلاقيات عالمية.  وجاءت فلسفة هوسرل الظاهراتية المتعالية للذات في مطلع القرن العشرين، في إطار المساعي الفلسفية لتأمين الذاتية البشرية من التهديد ضد إعادة توحيدها، وتبعتها وجودية هيدجر وسارتر، وصولاً إلى النظرية النقدية لهوركهايمر، أدورنو وماركيز وهابرماس حتى تشارلز تايلور وآخرين. لقد عالج كل واحد من هؤلاء الفلاسفة مشكلة اختفاء الذاتية عن طريق تناولها من وجهات نظر ومصادر مختلفة. لم تختف أزمة الذاتية أبداً باختلاف المنظورات. واجهت مجتمعات عديدة، منذ فجر الألفية الجديدة، أزمات أنثروبولوجية عميقة مما دعا الفلاسفة إلى إعادة النظر في قضية الذاتية في هذه اللحظة المعاصرة المحفوفة بالمخاطر حيث تخنق السيبرانية والنزعة الاستهلاكية ليس فقط ميل الأشخاص إلى التفكير والعمل المعارضين، ولكن إبداعهم وإرادتهم أيضًا.

إن المفاهيم الديمقراطية مثل “الفرد” و”المساواة أمام القانون” و”العدالة الاجتماعية” و”حقوق الإنسان” لا تُعطى لنا بداهة. إنها مفاهيم تنتمي إلى الإرث الذي بناه أولئك الفلاسفة والمفكرون الذين عكسوا نضال البشرية من أجل تحرير الذات من روابط  الماضي. لقد تمكّنت هذه المفاهيم من الوصول إلى الكثير عبر قرون من خلال عمليات النشر المعقدة والمتنوعة وأصبحت تشمل  كل البشرية الآن تقريبًا. يحفز اكتساب المعاني المركبة  لهذه المفاهيم من خلال علاقاتنا الاجتماعية، من الحب والكراهية والعمل واللعب، وكافة الروابط العابرة للثقافات التي تقوم من أجل ضمان كرامة الإنسان والعدالة لجميع البشر.

نحن مدينون بالفهم لعمق وأهمية هذه المفاهيم للحث المتزايد باستمرار من قبل المجتمع المدني في جميع أنحاء العالم على استعادة الرؤية الأساسية للحداثة، مع التركيز على المساواة. لقد أوضحت منظمات المجتمع المدني والفلاسفة والنقاد، الذين كرسوا عملهم من أجل مفاهيم الحداثة الأصيلة والاستطلاعية، لمختلف الحكومات أن الذاتية والمساواة والعدالة الاجتماعية ومراعاة حقوق الإنسان تختنق تحت ضغط الاقتصاد في عالم اليوم. إن المجتمع المدني هو الذي يحث الحكومات على الاهتمام بما يقوله لنا العلماء عن بيئتنا. وهو الذي يُبلغ المجتمعات بالمخاطر التي تطرحها عليهم أيديولوجية الليبرالية الجديدة ونظامها الاقتصادي، واستغلالها البيئة. وهو الذي لفت الانتباه إلى حدود التحديث.

يحثني هذا الفهم على الدعوة إلى تعليم التفكير النقدي لحل المشكلات والوعي بالقضايا التي تهدد العالم. ألاحظ أن العديد من الجامعات في أنحاء العالم لديها تخصص في الدراسات البيئية والعدالة الاجتماعية. يجب أن يكون مثل هذا التعليم من أولويات الدول الحديثة، ولا ينبغي أن تنتظر حتى يصل الطلاب إلى سنوات الجامعة، ويمكن أن يبدأ في وقت أقرب بكثير. هناك برامج رائعة تعرض للمجتمع نوعا من الاستقصاء الفلسفي (CPI) الذي يستكشف عدة أنواع من التفكير، بما في ذلك التفكير الأخلاقي. يجب أن يقدم التعليم المستمر بالتأكيد دورات مجتمعية في الدراسات البيئية للبالغين من جميع الأعمار. هناك العديد من الطرق الأخرى لتثقيف المواطنين حول الذاتية والعمل. يبدو لي أن تلك الدول التي اختارت التحديث لديها أفضل فرصة لاستكشاف ذلك مع مواطنيها من جميع الأعمار. يوجد الأمل في الحفاظ على مفاهيم الحرية والمساواة بين الثقافات على قيد الحياة وتنميتها من خلال التعليم والنقاش محليا وعالميا.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

 

 عامر عبدزيد الوائليعلى الميت أن يعرف خارطة الموت و جغرافية؛ ليستطع ان يدرك اسراره مكابدته التي سوف ترشده إليها خرائطَها وعوالمَها سوف يتغير مصيره بحسبها .ومن هنا ياتي السؤال الوجودي من ذا الذي يرمي إلى تلك المرامي سواه؟ ومن سواه قادر على أن ينقش على وجه الطين ملامحه ويرسل الى البشر رسالته المعتقة بريح الجنوب التي لعنها ادابا وبكى الجنوبيين على عذاباتها؟ من ذا ينسى حزن جلجامش على فقدانه غريمه ومن ثم حبيبه الأوحد الذي غيبت ارض كور نايه،وصدى صوته الحزين يعلن الحزن على أرض عشقها عذاب وفراقها عذاب ..صوت مازال لدى كل عراقي صداه يتردد في كل المنافي وحنينه إلى ارض أوروك ؟ حزن ترك ضلاله تمتد على انليل الفاجر الملعون المبعد إلى حيث أرض إللاعودة، تلك الأرض القاسية التي خاطتها مخيلة أدباء أوروك ومن قبلهم أدباء سومر تعلن كل المراسيم الحزينة وهي تبكي عشتار الجميلة التي جدبت خصالها الحية عند أبواب الموت الأبدي وخاطت حول كل الذكور قربان اخصاء كان حبيبها أول من ذهب قربان لها، اه يا تموز و أنت تهرب متخفيا وعين الإله تحميك من عيون متعطشة للموت تروم اعتصار رغبتك، عذاب سوف يتكرر صداه لدى كل أصحاب الرؤوس السوداء وأحفادهم من بعد ما أضاعوا الحلم بالخلود منذ غادرهم جلجامش الجميل الذي غيب ذاته من اجل بقاء أوروك، وآدابا من قبله أرام الخلود إلا أن خديعة شمش غيبة عليه وعلى جنسه فرصة الخلود؟ هكذا كان الكهنة يحاولون زخرفة لعنة الموت الأبدي الذي ينتظره الجميع وحتما ملاقوه ومن ثم الحديث عن جغرافية للموت تعني البحث عن إبعاد ومواقع تخيلية للجغرافية،التي شكلتها المخيلة العراقية معتمدة على آليات تخيل رسمت إبعاد لتلك العوالم امتدت أثارها عميقا في الذاكرة لدى الشعوب الأُخرى التي استعارتها من بعد؛ ونحن هنا نحاول تحديد جغرافيا للموت نحاول إعطاء مرتسمات لتلك العوالم الموازية التي تشكل إحدى الممكنات التي ممكن إن تكون قد فاز بها بعض الإبطال سواء أكان ذلك على مستوى الواقع أم على مستوى التخيل الرمزي، إلا إننا ندرك عظمة العراقي القديم الذي برع في تخليق عوالمه الرمزية وإكسابها بعد قيمي أضفى على الحياة قيمة عندما منح تلك الوقائع عمق ميتافيزيقي مرتبط بمنظومة من القيم إذ مثلما وظف الطين ليكون أداة للكتابة، كذلك وظف الخيال ليكون حقل فعال يتم من خلاله بناء الذاكرة وشحذها بالرموز التي هي صدى الواقع اليومي الاجتماعي والسياسي .

إن البحث في الواقع الديني "الموت " أو المخيال الديني وما يصطنعه من عوالم تخيلية تعود إلى الواقع الاجتماعي والمؤسسات الفاعلة فيه - قديما كان المعبد والقصر - كما يرى الكثير من الباحثين في هذا الأمر فهي نشاطاً يحمل معنى يشد إليه الفاعلين الاجتماعيين فينظمون سلوكهم بعضهم إزاء بعض، بمعنى انه فعالية جمعية يذوب فيها الفردي داخل الجماعة من اجل الحماية والشعور بالاطمئنان في تلك الفترة الفرد ليس فاعل بل منفعل على الرغم من أنها حقبه رعوية تبحث عن منقذ يقود الجماعة على الرغم من أنها هي من يصنعه خصوصا في فضاء الحاجة إلى قادة في الحروب هنا يتم تخليق الإبطال، ساعتها تصدق مقولة (إن مصير الشعوب لا يتوقف على الجماعة بقدر ما يتوقف على قيمة الفرد)(1) تشكل قيمة الوجود المتخيل من خلال وجود معبد يقرر الحقيقة ويكون الواسطة فيها كل هذا هو منطق الدين القديم الذي يرجع كل شيء إلى ما هو خارج البشر إلى القوى المفارقة التي تريد تبرير ذاتها، بعدها سلطة، وتفعل ذلك باستعمال مقولات قابلة للتعميم والشمولية، أيّ صالحة لكلّ النّاس نجد هذه المقولات بطابعها القديم من خلال التشريع المدعوم بالسرد الديني عبر الاسطرة إبطالها شخصيات مفارقة أو متميزة أو إنصاف آلهة. 

يفترض من اجل إنجازه هذه الغاية أن يندمج كل سلوك فردي في عمل يحمل طابع الاستمرارية وان تنتظم التصرفات وتتجاوب بعضها مع بعض طبقاً لقواعد ضمنية مستضمرة. من أجل النجاة من التيه، وكلّ ما يعاكسه هو التيه والجنون بحسب رواية المعبد إلا أنه كان ضروري لتنظيم وحده الجماعة فالممارسة الدينية- الاجتماعية، بوصفها تنتظم شتات تصرفات الأفراد وتوجهها نحو غايات مشتركة، تفترض وجود بنية معقدة من القيم وعمليات التعيين والاندماج المحمل بمعانٍ ودلالات في أو ملة أو طائفة أودين يتخذ من إله يحتمي به وبحياضه المقدس،هنا ظهر المكان المتخيل (المقدس) وظهرت أيضا حاجه إلى وجود , كما تفترض لغة رمزية (شيفرة) اجتماعية ومستضمرة ليست هناك أية ممارسة اجتماعية يمكن إرجاعها فقط إلى عناصرها الفيزيقية، والمادية بل لابد من اختلاق منظومة رمزية مرتبطة بالقوى التي يستمد المجتمع منها وجودة التي تبدو أنها في بداياتها الجنينية (تشكل عفوي، تكون متأصلة في الاديان ذات الصبغة الدعوية الكونية) (2) هكذا تدعم السلطة نفسها بالقوة القهرية سواء أكانت مادية بالرجال أم مفارقة إلهية تغدو السلطة كنتيجة لضرورة خارجية إن كل مجتمع كلي على صلة بالخارج بالإلهة التي أنزلت الملكية من السماء، وأنزلت القوانين للملوك كما استلم حمورابي شريعته من شمش (3) يبدو عبر سرد المعبد والقصر أن المجتمع يستمد قوانينه من خارجه لا من ذاته. ويتضمن ثانياً، مبدأ (المغايرة) أي القول بأن البشر مدينون بمعنى وجودهم إلى غيرهم وليس إلى بشـر مثلهم، ويتضـمن ثالثاً، مبدأ (الانفصال)، أي القول بوجود فارق أو مسافة بين المجتمع ومصدره، بين المجتمع ومصدره. (4)

ومن هنا فإن كل مجتمع -المجتمع ممثل بالقوة الفاعلة فيه هي هنا كما قلنا المعبد والقصر - ينشيء لنفسه مجموعة منظمة من التصورات والتمثلات، أي مخيالاً، من هنا فإن كل مجتمع هو إنتاج نفسه، مخيالاً يقوم ـ على وجه خاص ـ بجعل الجماعة تتعرف بواسطته على نفسها، ويوزع الهويات والأدوار ويعبر عن الحاجات الجماعية والأهداف المنشودة.

لهذا ظهرت اللغة الدينية ونخبويتها بوصفها وسيط بين الناس ومصدر وجودهم هنا اللغة ليس هي الأخرى - بحسب تلك المخيالات- ليس صنيعة البشر وضرورة من ضرورات تواصلهم بل هي صنيعة الإله هو الذي علم البشر الأسماء المحب للمعرفة هو إله الحكمة(انكي) هنا تصبح الحقيقة بيد الإلهة لكن كيف يمكن التواصل معها أو معرفة نواياها الملغزة هنا برعت المعرفة القديمة بقيادة المعبد في خلق علوم العرافة والتنجيم والرثاء والتأبين وصناعة مخال الموت .

كل هذا ساهم في خلق الهوية الموحدة لجماعة أنه (بقيام الجماعات البشرية معانٍ ودلالات مخيالية اجتماعية تتمكن من إعطاء معنى لكل ما هو (موجود)، لكل ما يمكن أن يقوم فيها أو يقوم خارجها) (5) وهو أمر موجود في عمق كل ممارسة إنسانية إذ يحاول المجتمع أن يرصن وحدته من الانقسام فيخلق أعداء يمثلون تهديداً واستناداً إلى هذا التهديد الخارجي.سواء كانوا من عالم مفارق إلهة أم شياطين أم أعداء . كيف يعمق وحدته من خلال صناعة المنظومات الدينية التي في اغلبها موروثة، فإنها تؤدي بالنتيجة إلى تمجيد وحدة المجتمع عبر "سلطة الرمز" التي تمظهر عبر المخيال الاجتماعي(6) بما أنه منظومة من البداهات والمعايير والقيم والرموز فهو ميداناً لتحصيل المعرفة بل هو مجال لاكتساب القناعات، مجال تسود فيه حالة الإيمان والاعتقاد.

كل هذا يتحقق من خلال "الدين" (7) فهو في أصله دَيْن البشر للعالم الآخر وللكائنات العلوية وللقوى الفائقة. بمعنى أن الدين على رغم من أنه ينبع من حاجات داخلية ؛ إلا انه ينزل من السماء التي تشرف وتدير شأن الأرض وفكرة الدين هي التي تتيح المجال الموت هو اعتداء على وجوده سواء أكان فردأ أم جماعة هنا أقام المجتمع منظومات قيمة تسوغ حدوث الموت إما بخطاء بدئي وإما بقرار كوني قامت به الإلهة مثل الطوفان فأن هذه المبادئ تحدد أسـس الواقعة "الدينية البدائية "فإنها تشــكل من جهة أولى شروط أمكان الدولة ؛ لأن نشوء الدولة ما كان ممكناً ؛ إلا أن يعقل المجتمع نفسه بواسطة مبدأ خارج عنه.(8)

بمعنى إن تلك الرؤية تستمد منها الدولة الشرعية كونها جاءت بقرار يعود إلى قوى مفارقة هي التي تصنع رؤية البشر ووجودهم ومن ثم ليس أمام البشر من قدرة بالخروج ؛إلا بحاله من حالات ثلاث :

الأولى، توجيه الشكوى إلى تلك القوى المفارقة فهي التي نصبت الملك ورسمت الأقدار .(9) وإما الثاتية فهي تكفير تلك القوى ومن ثم تجريمها وهكذا حدثت اغلب الانشقاقات الدينية من خلال ظهور ديانات جديدة .وربما هناك حاله ثالثة هي الاعتماد على القوة ثم إعادة بناء السرد الرسمي والقول إنّ الإلهة اختارت الإله الذي يعود إليه الشعب المنتصر أن يكون زعيم الإلهة كما حدث في قصة الخليقة البابلية عندما أنتصر حمورابي انتصر معه مردوخ كزعيم لإلهة هذا ترقيع للاهوتي يعيد بناء السرد من جديد حتىّ يسبغ المشروعية على المنتصر والقول إنه قرار مفارق .(10)

إذا كانت هذه آلية المجتمع البدائي في المحافظة على وحدته من التمايز فإنها تسهم في خلق عالم مفارق وأسبغ الشرعية على الملوك على حين هي جزء من نظام تشريعي ماضي من الشفاهيه بوصفه عرفاً يضفي القدسية على الوضع السياسي يرجع تشريعاته إلى الآلهة واوجب الخضوع لها ويعلي من شأن الملك في الوقت نفسه . في مجال تحليل المخيال الديني الناظم إلى وحدة الجماعة المتمثل في تلك المنظومة القيمة التي يشيدها المعتقد الاجتماعي الديني من خلال سلطة المعبد،يمكن رسم خرائط هذا العالم التخيلي من خلال سرديات أسطورية تشي بملامح هذا العالم من خلال سرد حبكات تروي رحلات متخيلة إلى هذا العالم المستحيل الذي تم تخليقه خياليا، فالخيال يستطيع بقدرته الخاصة التأليف بين الأشياء، والألوان والأحاسيس فيبدع الصورة مستفيداً من التعاقب والحركية في الزمان ومن التشكيلية في المكان. يعني أن الوعي مرتبط بعلم النفس والاجتماع والمعرفة التي يظهر عندها من خلال مفهوم الخيال إذ يرى (جيلبار ديران ـ Gilbert Durand ) أن الوعي يتمتع بطريقتين لاستحضار العالم ؛ واحدة مباشرة يبدو فيها الشيء ذاته حاضراً في الذهن، وذلك عند الإدراك أو الإحساس البسيط، كأن تتخيل إنسان تعرفه، أو شجرة أو شيئاً مادياً محسوساً وأما الثانية فهي غير مباشرة عندما لا يمكن لوعينا إن يستحضرا موضوعه استحضاراً حسياً، كما هو الشأن عندما تتذكر طفولتنا أو نستحضر عالم ما بعد الموت. (هكذا أتاحت تلك الطبيعة الجميلة "حيث تلك السهول الفسيحة والسماء الشديدة الزرقة التي ما كانت تشوبها سحب أو تكدرها غيوم، بينما النجوم تتلألأ فيها )(11) وقد تجلت تلك الحقيقة في تلك الحقب، في أماكن عديدة كانت بمثابة أول الأحلام التي عصفت بها الريح في خضم تراجيديا رهيبة جعلت منها مجرد نصوص أثرية ـ أحلام ظهرت بأشكال هندسية على جدران الفخاريات أو نصوص خطتها أنامل الكهنة(12) في كل الأحوال التي يكون فيها الوعي لا مباشر يكون موضعه غائباً أي من جنس المجردات التي يمكن أن يقال عنها أنها تمثل (قيمة أخلاقية سياسية) ولا يمكن للوعي أن يتمثل، إلا بوساطة الصور.(13) إذا كان للرموز وظيفة فهي الدافع الذي يعين ويجعل الإنسان قادرا على المواجهة، ومن هنا فالنصوص التي ظهرت شكلت مرحلة نضج، أمَا القراءة فهي من جانب مؤرخي الأفكار في محاوله تأويليه، تتجلى من خلال محاولاتهم الحفر و دراسة مراحل ظهور الرموز والبنية المعرفية التي أنتجتها والظروف التي ساهمت في ذلك ؛ أي هي مهمة القارئ الذي يبحث عن المعنى وهذه السطور مساهمة في جهود القراءة فأننا نلمس في الحفريات المعرفية الاثارية التي ظهرت باحثة عن مراحل تكون الفكر العراقي والإنساني القديمين والتي وجدتها تتمفصل إلى ما قبل التأريخ وما بعده .

والتي تعد محاولات حضارية ناضجة ؛ وفي الوقت نفسه تعد مدوناتها من أقدم المدونات التي تناولت مسائل وجودية:" كالحياة والموت، وخلق الكون والإنسان، والخير والشر، والثواب والعقاب "(14) .كانت تلك المدونات قد عكست قلق الإنسان الوجودي إذ الإنسان " هو كائن قلق الحس، يبحث عن ملجأ يأتمن إليه "(15).

هكذا فإن الأمر بقدر ما يمثل جانباً معرفياً فانه يقوم على بعد حسي يحصل فيه الإدراك بشكل مباشر، وبعد حسي باطن يعتمد على المدركات السابقة. فعندما يتصور الوعي بأشياء فأنه يريد أن يراها في الخارج بينما هي مخزونة في ذاكرته، بل حتى عندما يتصور صور جديدة و فأنه يتصورها بالمقارنة مع تلك الموجودة في الحس الباطن أو العقل بوصفها نتيجة لتجارب سابقة، يمكن ترميزها والتعبير عنها من خلال الرغبة (معاني الألم، الشر، و الحياة، و الموت) عبر الوسيط البطل الأنموذج الذي سعى إلى تحقيق رغباته من خلال محور الرغبة يظهر من يناصره ويظهر من يعاديه والذي يحول بينه وبين موضوع رغبته.الرغبة بالحياة الطويلة والصحة الجيدة بعيدا عن عوالم الموت والتقلبات كل هذا يمثل موضوع يمكن استثماره عبر جعل المخاوف تهجع والأماني تورق يتحقق هذا عبر السرد والقدر المدهشة للغة التي تمكننا من أن نحقق أحلامنا عبر السرد والمحكي من ثم نستطيع أن نبني مخيالا أسطوريا (لا يوجد أي مجتمع بشري يمارس دوره او آليته بشكل مختلف أي بدون تشكيل متخيل ما) (16) لأن التخيل يمنح المجتمع القدرة على أن يقدم حلول لما يحيط به من معضلات طبيعية (فالدين أو الأديان في مجتمع ما هي عبارة عن جذور .. ونجد إن كل الأديان قد قدمت للإنسان ليس فقط التفسيرات والإيضاحات، وإنما أيضاً الأجوبة العملية القابلة للتطبيق والاستخدام مباشرة في ما يخصّ علاقتنا بالوجود والآخرين والمحيط الفيزيائي الذي يلُّفَنا، بل وحتى الكون كله، وفيما وراءه بالأشياء الموعودة (فوق الطبيعة)(17) ومن هنا يلجأ الأفراد إلى رموز متعدد: فالحديث أو الكلام يستعمل نطاقاً من الأصوات ليكوَن أشكالا كثيرة من الرموز مثل الكلمات، واللغة المكتوبة، ويمكن تذكرها بسهولة جداً ؛ لان المكتوب يكون مطبوعاً، ويمكن للغة أن تأخذ أشكالا أخرى لا متكلمة ولا مكتوبة (..) يمكن تحقيق الاتصال باللغة، والهيئة، ووضع الجسم أو التعبيرات الوجه وهذه الوسائل للاتصال تشكل المستوى الأول للرمزية بينما تشكل المفاهيم، التي تعبر عن حقيقة ما المستوى الثاني التي تقدم صوراً أو تمثيلات ذهنية، تأخذ موقع الأشياء التي تعبر عنها ولكون المفاهيم شخصية لكل إنسان، فإنها تكون بالضرورة أيضاً نتاجاً اجتماعياً لعدد كبير من الناس(18)، ليس من الضروري أن نجد هيمنة الموضوعية على منظومة معتقدات المجتمع (فإن منظومة المعتقدات الفاعلة ضمن مجتمع غير محددة لا بالحقائق المنطقية أو التاريخية ولا بالأدلة الواقعية) (19) وهذا يظهر ونحن نتطرق إلى منظومة من المعتقدات الأخروية والدنيوية العراقية التي تخط ملامح جغرافية تخيلية للموت ؛من اجل فهم التمثلات القديمة لابد من الوقوف عند أمرين:أولهما، مفهوم الزمان كما تصوره العراقيين، والثاني المنظومة التي يمكن من خلالها كشف الصورة التي تمكننا من فهم الفكر القديم وموقفه من الموت . ونحن نجد نمطين من السرديات الأسطورية تغاير مقاصدها بتغاير المتن الوجودي لها فهي الأفاق التي تمكن الإنسان من خلالها أن يستوطن اللغة ويتخذها سفينة النجاة التي تحيل تخيلاته إلى أماكن قابله للعيش؟

لعل محاولتنا هذا هي رحلة إلى العالم الافتراضي الممكن أو المستحيل، الذي خلقته تلك الثقافات في محاولتها فك سر حدث الموت.

 

 د. عامر عبدزيد الوائلي

...........................

(1) عبد الرزاق الجبران، جمهورية النبي، بيروت،2007،ص57.

(2) ميشال مسلان، علم الاديان، ترجمة عز الدين عناية،المركز الثقافي العربي،ط1، بيروت، 2009، ص126.

(3)(3) شريعة حمورابي 1795-1750(ق.م) تعد انظم وأكمل شريعة في تاريخ الحضارات القديمة .انظر :نائل حنون، شريعة حمورابي،ج1،ص13.بواسطة : سالم الالوسي، شريعة حمورابي،بيت الحكمة سلسلة رواد الفكر، بغداد،2007،ص13.

(4) بيار كلاستر، مارسيل غوشيه، في اصل العنف، تعريب: على الحرب، دار الحداثة، بيروت، ط1، 1985، ص35ـ36 

(5) فاخر عاقل، معجم علم النفس، دار العلم، ج3، بيروت، 1979، ص25

(6) فاخر عاقل، معجم علم النفس، المصدر السابق، ص25ا

(7) الدين : بشكل عام، ثمة تصوران متواجهان يفترضان نفسيهمما . التصور الاول يقول بوحدة الظاهرة الدينية الاساسية . ففيما يتجاوز التاريخ وتنوع التمظهرات العينية، نجد ماهية واحدة للدين وحدة الظاهرة الدينية من خلال الايمان بوجود عالم غير مرئي، مفارق ومقدس، مأهول بالارواح أو الالهة واليه يتقدم الناس باستمرار بالنمط نفسه،من العباداة .

خلاف لذلك يرفض بعض الكتاب استخدام كلمة "دين" ويرون فيها تصنعا مفهوميا يشبه تحكميا واقعا واحدا لظواهر مختلفة ..لمزيد انظر :جان فرنسوا دورتيه، معجم العلوم الانسانية، ترجمة : جورج كتورة،مؤسسة الكلمة، ط1، ابو ظبي،2009،ص412.

(8) فاخر عاقل، معجم علم النفس المرجع السابق، ص 36ـ 37 ـ 38.

(9) انظر :محمد عابد الجابري،نحن والتراث دار الطليعة، بيروت .

(10) قصة الخليقة : إينوما إلش ... حينما في العلى،ترجمة ثامر مهدي محمد عن كتاب قصة الخليقة البابلية واثرها في العهد القديم تاليف الكسندر هايدل،دار الشؤون الثقافية 2001،طباعة : إنانا الأمير.

(11) صموئل نوح كريمر، ترجمة : فيصل الوائلي، كويت، (بدون تاريخ)، ص156.

(12) تربو عدد الرقم الطينية للعراق القديم على المليون لوح متعددة الإغراض .انظر : فاضل عبد الواحد، من ادب الهزل والفكاهة،م/ كلية الاداب، جامعة بغداد،ص82,

(13) صموئل نوح كريمر المرجع السابق الذكر،ص27-26.

(14) المرجع السابق، ص78.

(15) يوسف الحوراني، الإنسان والحضارة، ط2 بيروت، 1973، ص6-7.

(16) محمد أركون، العلمية والعلمانية، ترجمة : هاشم صالح، الساقية بيروت،ص32.

(17) - المرجع نفسه، ص23.

عبدالهادي عبد الرحمن، سحر الرموز، ص137. (18)

(19) خوان بايا وبونثا، العمارة وتفسيرها، ت سعاد عبد علي، الشؤون الثقافية، بغداد، ط1، 1996، ص39.

 

 

علي محمد اليوسفتعريف أولي: المبحث الذي توليه الفلسفة الحديثة حقه من الاهتمام كثيرا هي أن علم النفس الوظائفي التجريبي المرتبط فيزيائيا بمبحث الابستمولوجيا المعاصرة يعتبرأهم ركيزة تقوم عليها مباحث الفلسفة المعاصرة اليوم،، وغالبية تلك المباحث الفلسفية خاصة فيما يخص الابستمولوجيا يلعب علم النفس التحليلي الوظائفي التجريبي وعلم وظائف الاعضاء والجهاز العصبي والدماغ، دورا مركزيا هاما فيها يوازي الاهتمام بالجانب الادراكي المنطقي الفلسفي على صعيد علاقة (الفكرباللغة) في فلسفة اللغة بل ومحاولة تجاوزهما (ثنائية الفكر واللغة) كأهم محورمركزي تقوم عليه الفلسفة الاوربية المعاصرة بدءا بالتحليلية التي ساهم بأرسائها فينجشتاين الى جانب جورج مور وبيرتراند رسل، وليس انتهاءا بتفكيكية دريدا التي قامت على ميراث كل من التحليلية الانجليزية والبنيوية الفرنسية... ومدرسة مابعد التحليلية المعاصرة التي يقودها ريتشارد رورتي وسلارز وكواين وكارناب ويشكل علم النفس التجريبي محور أرتكازها الفلسفي معلنة أحتضار الابستمولوجيا كمبحث فلسفي أثير دام قرونا طويلة كما أحتضرت وماتت الميتافيزيقا كمبحث شغل التفكير الفلسفي قرونا من قبل ...

سلارز واللغة

يعتبر سلارز( 1912- 1989) وهو من رواد الفلسفة الواقعية النقدية القرين والوريث القوي لأفكار فينجشتاين (1889- 1951) في فلسفة اللغة حول أعتماده اللغة ودورها المركزي في تحليل وفهم وحل أشكاليات قضايا الفلسفة الموروثة العالقة منذ عصور طويلة. وأعتبر سلارز اللغة مفتاح أدراك العالم ووسيلته في التعبير عنه وفهمه وتفسيره.. (ولم يقدم سلارز براهين على نظرية العلاقة بين اللغة والفكر) كما يصفه رورتي.1، وسيلارز صاحب المقولة المعروفة (الوعي كله شأن لغوي بدايته اللغة). وبأعتباره فيلسوف أبستمولوجي فهو يعتقد (أن الافكار أحداث داخلية لا يمكن أعتبارها غير ذات صلة ضرورية باللغة، أو الى حالات الدماغ أو الى حالات مختلفة بحسب حاجات علم النفس التجريبي الحسّي ) 2.

من الناحية المبدئية لا ضير في أهمية التسليم بصوابية أن الافكار هي أحداث داخلية تجري بالذهن صوريا (تجريديا) لكنما نريد التوقف قليلا عند معنى الدلالة اللغوية لمعنى كلمة التجريد غير المصطلحي خارج مباحث فلسفة اللغة. فالتجريد على المستوى الفني في أبداع ضروب الانتاج الفني هي التعبير بالفكر اللغوي الصامت عن أشكال ومحتوى الفن من غير الاستعانة بدلالة اللغة التعبيرية المسموعة أو المكتوبة كوسيط تواصلي، فاللوحة التشكيلية أو القطعة النحتية هي شكل من أشكال اللغة في التعبيرعن دلالة فكرية مضمونية كامنة غير مفصح عنها في لغة تعبير دلالية تواصلية مباشرة وأنما معبّر عنها بدلالة التأويل الايحائي بفهم المعنى.

أما التجريد الفلسفي فهي التفكيرالمنطقي الصوري بالذهن داخليا أو التفكير المعبّر عنه خارجيا باللغة المجردة في صور الادراك للاشياء والموضوعات و محاولة فهم العالم بتجريد لغوي يمّثل الفكر...فالتجريد هو صورة التفكير بواسطة اللغة وليس التعبير بها،، ولا توجد لغة تعبيرية غير مجردة في التعبير عن الواقع...لذا يبقى الواقع عصيّا على محاولة أحلال الفكر عوضا عنه بدلا من التعبير عنه.

بهذا التوضيح البسيط جدا لا نستدرك سلامة تعبير سلارز ولا نتحفظ على تعبيره أن الافكار الداخلية يمكن أعتبارها ذات صلة تعالقية ضرورية باللغة، على أنه تعبير موّفق متماسك المعنى فلسفيا،، فالتفكير الذهني داخليا تجريديا لا يتم بغير أدراك صور الاشياء خارجيا، وكذلك العقل يفكّر بصور الاشياء تجريدا على مستوى أدراك الاحاسيس داخليا أي من داخل أجهزة بيولوجيا الحياة التي يتوزعها جسم الانسان مثل جهاز الهضم وجهاز الدورة الدموية والجهاز العصبي والعضلي وهكذا،، وكذلك على مستوى الأستجابة للاحساسات الخارجية عن الموضوعات والاشياء أيضا.

وعندما نقول أدراك الذهن لصور الاشياء خارجيا وداخليا، أنما المعني به صور الاشياء بالفكر التي لا يمكن للعقل البشري التفكير من غيرها، وكل صورة مجردة لشيء مدرك بالذهن هو صورة لغوية مجردة لنفس الشيء ماديا أيضا.. والتفكير الصوري بالاحاسيس داخليا أنما هي لغة صورية صامتة ساكنة لم يفصح العقل التعبير عنها خارجيا..لذا فالعقل الذي يبدو لنا أنه يفّكر بصور الاشياء تجريديا، فأنما في الحقيقة يكون هو يفكر بلغة أيحائية مجردة عن مواضيع أدراكها الحسّي باستثناء صور الاشياء الملازمة للفكر عنها .. وعليه تكون حقيقة تفكير العقل قائمة على التفكير باللغة التي تعبر عن صور الاشياء موضوعة التفكير.. وحواس الانسان والجهاز العصبي المرتبط بها والذهن العقلي الذي يستقبلها أنما هو يشبه عمل كاميرا التصويرالتي تكتفي بطبع صور الاشياء فيها فقط،، لكن بفرق جوهري أن الكاميرا مرآة الوقائع والاشياء هي صمّاء لا تعي ولاتفكر كما يفكر ذهن الانسان في التقاطه صور الاشياء ومعالجتها بتجريد لغوي يقوم على الصورة قبل لغة التفكير التجريدية للمدركات، فالذهن يفكر تجريديا بصورة الشيء قبل التعبير عنه باللغة الأبجدية....فصور الاشياء بالذهن هي تعابير لغوية كامنة صامتة وليست صورا مجردة عن مدلولاتها اللغوية في عالم الاشياء.

ونجد الالتباس بين علاقة الفكر بالذهن داخليا يبحث عن أفصاحها رورتي خارجيا بدلالة موضوعات العالم الخارجي الحسّية فهو يعتبر (المعرفة اللاتصورية واللالغوية للاحساسات الاولية الخام تنسب الى كائنات على أساس عضويتهم الممكنة في المجتمع) 3. لا يفهم بالضبط معنى تعبير رورتي أن المعرفة تكون لاتصورية ولا لغوية للاحساسات الخام بنسبتها حسب تعبيره الى كائنات عضويتهم ممكنة في المجتمع، والتعليل الوحيد الذي نفهمه منها يبقى أن الابستمولوجيا هي سلوك مجتمعي قبل أن تكون مادة لغوية بالذهن من أجل المعرفة.. ..فالاحساسات الاولية حسب رأينا هي أشعارات تحفيزية صادرة منقولة أدراكيا شعوريا الى مناطق محددة وظيفيا بالدماغ.. وكل مايتم أدراكه أو الشعور به يكون بالضرورة المعرفية التكاملية في فهم الشيء هو (لغة) وأن كانت لغة لا تعبيرية منطوقة كما في الصمت، لكنما هي لغة تفكير ذهني تتم داخليا وهي في حالة كمون غير معبّر عنه بالصوت أو الكلام أو بالكتابة.

الفرق بين أن تكون المحفزات الفيزيائية عن الاشياء هي وسيلة أحساسات نفسية مرتبطة بالسلوك أكثر منها وسيلة أكتساب معارف علمية حسب رغبة فلاسفة البيسكولوجيا فلاسفة بعد التحليلية اللغوية في قول رورتي (الابستمولوجيا نظام نظري وليس نظاما عمليا بيسكولوجيا)،، بمعنى أن الابستمولوجيا نظام تجريدي نظري من حيث هي خزين الاحساسات بالذهن بينما البيسكولوجيا هي نظام بيولوجي تجريبي نفسي عملي يتخذ صفة السلوك الانساني. وتكون الاحساسات الفيزيائية في كلتا الحالتين (النفسية السلوكية والمعرفية النظرية) أنما تمثل وسيلة أدراك وليس هدفا أدراكيا قائما بذاته.

المعرفة الوهمية والعلم

على خلاف الكثيرين من الفلاسفة القدماء والمحدثين عمد كارناب (1891-1970) وهو فيلسوف التجريبية المنطقية الحديثة الى ضرورة فصل الفلسفة عموما عن العلم، رغم محاولات العديد من فلاسفة القرن السابع عشر المتأثرين بديكارت قلب تلك المعادلة في وجوب التكامل الضروري بين العلم والفلسفة وليس مهما عندهم لمن تكون الأسبقية ولا التبعية بينهما هل تكون في ريادة وأسبقية العلم على الفلسفة أم العكس.. كما (وأعطى كارناب ومعه فلاسفة آخرين من حلقة فينا كلمة ميتافيزيقا توصيف محتقر قولهم أنها تفيد (اللامعنى) وخلعوا نفس التوصيف القاسي على مبحث الابستمولوجيا بالفلسفة بانها بلا معنى).4

من المهم التفريق بين صحة القول الفلسفي أن الميتافيزيقا لامعنى لها، أي لا جدوى من الخوض في مسالكها وقضاياها، وبين تحفظ الاتجاه الجديد الذي يلازم بعض الفلاسفة المعاصرين البسكولوجيين أعتبارهم الابستمولوجيا مبحثا حان وقت تجاوزه كما حصل مع تجاوز الفلسفة قضايا الميتافيزيقا باعتبار الابستمولوجيا هي مبحث فلسفي يترّتب عليه الادراك السلوكي النفسي وليس وسيلة اكتساب المعارف التجريبية كما يفعل العلم مختبريا،، فمبحث الابستمولوجيا ليس علما ينوب عن العلم بل هي سلوك نفسي مكتسب لا علاقة له بمنجزات العلم..

ومثال تأكيد ذلك فقد وجد فينجشتاين ومعه فلاسفة اكسفورد أن هناك وظيفة فلسفية باقية في ضرورة العلاج النفسي لفلاسفة هم بحاجة الى الشفاء من الوهم بوجود مسائل أبستمولوجية.5 ويعتبر كواين أن فلاسفة الابستمولوجيا كانوا يحلمون أيجاد فلسفة أولى أكثر ثباتا من العلم وتوظيفها في تسويغ معرفتنا العالم الخارجي. 6

والحقيقة التي لا يمكن العبورمن فوقها هي أن الابستمولوجيا كانت الفلسفة الاولى على أمتداد تاريخ الفلسفة منذ افلاطون وكانت الابستمولوجيا مبحثا في الفلسفة قرينة مبحث الوجود (الانطولوجيا)، قبل أن تصبح الابستمولوجيا في الفلسفة الحديثة والمعاصرة لا قيمة حقيقية لها كما هي الحال بلامعنى ولا قيمة للميتافيزيقا وزيف التفلسف بقضاياها عند رواد الفلسفة الاوربية والامريكية المعاصرة.

الاشكالية التي تعاني منها الفلسفة المعاصرة حول مبحث الابستمولوجيا هو حقيقة أن تاريخ الفلسفة بقي قرونا طويلة يعتبرها الفلسفة الاولى،، ويراد منها الآن أخلاء الطريق امام الفلسفة المعاصرة التي ترى أن المعرفة اليوم هي مشكلة البحث عن المعنى في فلسفة اللغة...وهذا ما عبّر عنه كارناب ممثلا عن حلقة فيينا وفينجشتاين ومعه حلقة اكسفورد (أن مهمة الفلسفة الاولى اليوم أن لم تكن الوحيدة هو تحليل المعاني) في لغة الفلسفة فقط..

ومن غير المجدي محاولة ربط الايستمولوجيا ومقارنتها معياريا بالعلم ومنجزاته في الحكم على أنها لامعنى حقيقي لها،، أكثر من أعتبارها وسيلة أكتساب السلوك المجتمعي وليس أكتساب حقائق ومنجزات العلم التجريبي... والعودة بحسب أجتهادهم الى أصل الابستمولوجيا على أنها ترتبط بعلم نفس السلوك المجتمعي، وأصبحت الابستمولوجيا اليوم لا تعني جدوى ملاحقتها منجزات العلوم ولا حتى الاسهام بها أو المفاضلة معها بين العلم والابستمولوجيا أحدهما بمعزل عن الآخر ليس على صعيد آلية الاشتغال وحسب وأنما على صعيد المنجز المتحقق لكل منهما... كما من المفروغ منه أن تكون الابستمولوجيا مبحثا فلسفيا يتكامل بالعلم لكن لا ينوب عنه ولا يأخذ دوره.فالابستمولوجيا ترجع الى أصلها الفلسفي المنطقي غير العملي التي تقاطع العلم في تطبيقاته العملية التجريبية..

الابستمولوجيا والوهم الفلسفي

على خلاف مع الكثيرين من الفلاسفة عمد كارناب الى وجوب وضرورة فصل الفلسفة عن العلم القائمة فعلا كجوهرين منفصلين،، في وقت أستمات فيه العديدون من الفلاسفة منذ ديكارت القرن السابع عشر محاولتهم قلب المعادلة في أهمية تلازم وتكامل الفلسفة مع العلم وليس مهما التفكير لمن تكون الاولوية والاسبقية بمقدار أهمية تحقيق النتائج المتوخاة من مثل هذا التوجه العلمي - الفلسفي..وقد أعطى كارناب وفلاسفة آخرين معه من حلقة فينّا كلمة ميتافيزيقا توصيفا تحقيريا بالقول انها (بلامعنى) لها، وفي وجوب أن تلحقها الابستمولوجيا بنفس التوصيف الفلسفي.. وعبّر فينجشتين ومعه فلاسفة اكسفورد بان هناك وظيفة فلسفية باقية علينا انجازها بالعلاج النفسي تتمثل باشفائنا لبعض الفلاسفة المرضى وتخليصنا لهم من وهم وجود مسائل ابستمولوجية بالفلسفة علينا معالجتها. 7. ويكمل كواين هذا التوجه قوله (لقد حلم الابستمولوجيون بفلسفة اولى اكثر ثباتا من العلم وتوظيفها في تسويغ معرفتنا العالم الخارجي) 8.والمقصود بالفلسفة الاولى هنا هي مبحث الابستمولوجيا المتعالق بمبحث الوجود ومبحث القيم والاخلاق.

في محاولتنا فهم وأستقصاء كيف يفكر هؤلاء الفلاسفة اقصاء الابستمولوجيا أن تكون مبحثا غير ذي جدوى حاله حال الميتافيزيقا، نجدهم يحاولون ربط الابستمولوجيا من الناحية التوظيفية الآلية بالاحاسيس وعلم النفس التجريبي، وليس ربطها بالعلم معتبرين بداية ما يطلق عليه معرفة ابستمولوجية لا تكون غير استجابة كهربائية للاعصاب ناتجة عن مثيرات تحفيزية فيزيائية لا علاقة لها باكتساب معرفة علمية تجريبية بمقدار ما تمثله من علاقة وطيدة بعلم النفس الوظيفي التجريبي.

لكن الصحيح الذي تمت مصادرته من فلاسفة البيسكولوجيا ان المؤثرات التحفيزية الفيزيائية للاعصاب لا تمثل قيمة معرفية علمية حقيقية مباشرة بذاتها بالقياس الى القيمة الحقيقية التي نكتسبها عن طريق التجربة المختبرية الدقيقة في قضايا العلم.. فوظيفة المؤثرات التحفيزية أنها لا تمّثل قيمة علمية ناجزة بحد ذاتها مسألة قائمة صحتها ولا مجال مناقشة دحضها... الا أن تلك المحفزات الفيسيولوجية تحمل بدايات التفكير في معرفة العالم ليس بالضرورة أن تكون معارف تجاري حقائق العلم أو تنافسها ولا حتى التكامل معها كما يرغب العديد من الفلاسفة القدماء الذين كانوا يحلمون مزاوجتهم مباحث الفلسفة بالعلم بشكل تلفيقي أعتباطي لم يكتب له النجاح..فكما أن معرفة العالم لا تستأثر به منجزات العلم لوحدها كذلك لا يمكننا نكران المعارف الابستمولوجية المكتسبة بغير طرائق العلم أنها لا تمثل أحدى أهم الوسائل في معرفتنا العالم بغير وسائل العلم وحدها.

أن استماتة فلاسفة البيسكولوجيا مابعد التحليلية المعاصرين ضرورة التخلي عن فكرة أعتبار الابستمولوجيا هي الفلسفة الاولى التي تسبق العلم،، يجب أن يتم بنفس الاسلوب الفلسفي المنهجي في تخلي الفلسفة عن مباحث الميتافيزيقا حسب تعبيرهم..بحكم حقيقة التفوق العلمي الذي نشهده باعتبارها اليقين الوحيد الذي يمكننا به معرفة العالم والاحتكام على حقيقته القائمة على التجربة العلمية المتحققة بنتائجها..لكن هذه وجهة نظر ناقصة غير متكاملة وحيدة الجانب تغفل أن معرفة العالم لا تتم بمنجزات وحقائق العلم وحدها بل أن معرفة العالم تتم بأكثر من مجال فلسفي أو معرفي أو علمي أو نفسي أو تاريخي أو انثروبولوجي ولا حتى في تكامل هذه الجوانب مجتمعة معا، فمعرفة العالم عملية مطردة متجددة على الدوام تلغي الكثير من الوسائل القديمة لكنها تستحدث الكثير الجديد غير المسبوق بدلا منها.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

..................

الهوامش

1- ريتشارد رورتي/ الفلسفة ومراة الطبيعة /ت : د. حيدر حاج اسماعيل/ ص271

2- المصدر اعلاه نفس الصفحة

3- المصدر اعلاه ص 272

4- المصدر اعلاه ص 311

5- المصدر اعلاه ص 313

6- المصدر اعلاه ص 314

7- المصدر اعلاه ص 311

8- المصدر اعلاه ص 313

 

 

حاتم حميد محسنعُرف شوبنهاور بالتشاؤم، هو يعتقد ان الحياة دولاب يتأرجح بين الألم (عندما نريد شيء ما ولا نمتلكه) والضجر (عندما نمتلك الشيء ولم نعد نهتم به). هو ايضا يرى ان اساس فهم الحياة هو التفكير في الصراع لأجل البقاء، وخاصة الحصول على الطعام. لننظر في طبق البيتزا المصنوع من لحم البقر. بالنسبة للبقر التي تُصنع من لحمها البيتزا يُعد الامر كابوسا: لكي يوفروا اللحم لابد من تربية السجين ثم ذبحه وتقطيعه ثم أكله. (الحياة بالنسبة للحيوانات البرية ليست افضل حالا، كل ما هنالك يتم استبدال حياة الحيوان السجين المحصور في مكان معين بحياة الخوف والصراع المستمر لأجل البقاء وباحتمال ان تنتهي حياته في مواجهة مجموعة من الحيوانات الجائعة لتأكله حيا). احيانا ينال المرء تعاملا لائقا وايجابيا، ولكن نسبيا، ليس هناك الكثير من الراحة، ففي أي مكان من الحياة يتفوق الألم على المتعة بشكل كبير.

وهناك ما هو مشابه مع انه أقل عنفا يُقال عن حياة معظم الناس. نحن نكره المدرسة، ولانستطيع الانتظار حتى ننضج، نكره العمل او كوننا(عاطلين)، ولا نستطيع الانتظار لسن التقاعد، حينذاك سنكره الضجر، السأم، وظروف الخجل او عدم احترام كبار السن.

هذا النوع من التفكير هو الشائع لدى شوبنهاور. لكنه ليس كل القصة. شوبنهاور المتفائل لديه أخبار جيدة لكل منْ يقبل برؤيته التشاؤمية. انت تعتقد اننا افضل من الأموات؟ حسنا، ولكن لماذا؟ (طبقا لشوبنهاور) نحن سنكون امواتا، وقبل ان يمضي وقت طويل سوف لن نعاني الى الابد في الجحيم. عندما نموت، نموت، وما كنّا عليه سيبصبح ترابا.

هل تلك اخبار جيدة؟ نعم: هل تعتقد ان التراب شيء سيء؟"بقايا لبقايا وتراب لتراب" ربما يبدو شيء سيء؟ لكن التراب شيء عظيم. كما يقول شوبنهاور في "العالم كرغبة وتجسيد":

"تعلّم ان تعرفها قبل التقليل من اهميتها. هذه المادة التي تكمن الآن كتراب وبقايا سوف تتحلل حالا في الماء، من ذاتها الى بلّور(كريستال)، سوف تلمع كالمعدن، ثم تطلق شرارا كهربائيا، وبسبب كهربائيتها المكثفة ستجسد قوة تتحلل بدورها الى اقرب العناصر، مختزلة الارض الى معادن، انها سوف تكوّن ذاتها دون ان يُطلب منها ذلك الى نباتات وحيوانات، ومن رحمها الاسطوري تتطوّر الحياة التي لفقدانها نكون قلقين جدا".

نحن سوف نموت، لكن المادة التي خُلقنا منها ستبقى. هذه اخبار جيدة لأن المادة ساحرة، وحياتنا مليئة بالألم. المادة التي صُنعنا منها لا يمكن تحطيمها وسوف تكوّن كريستال ومعادن ونباتات وحتى حيوانات. انه شيء رائع. نحن من جهة اخرى، مع اننا صُنعنا من مادة رائعة، لكننا سنكون ضحية للقلق والمعاناة. ومن الافضل لو يصل ذلك القلق والمعاناة الى نهايته.

ليست فقط المادة ساحرة. كل شيء هو ساحر. هذا يوضح لماذا الفنانون العظام يستطيعون رسم او التقاط صورة لأي شيء ويخلقون منه عملا فنيا راقيا. نحن عادة لا ندرك هذا الجمال العالمي بسبب انانيتنا. بكلمة اخرى، نحن نهتم كثيرا بانفسنا وقليلا ببقية العالم. نحن نميل لنهتم قليلا بالاشياء التي لا نريد امتلاكها، اما الاشياء التي نريدها حقا هي اما تقلقنا لأننا لانستطيع امتلاكها او انها بالنهاية تزعجنا عندما نمتلكها.

عالم هادف

ولكن ماذا لو تخلّينا عن الرغبة او التفكير في حيازة الشيء، بعيدا عن الخوف او التفكير بما يعنيه الشيء لنا؟ ماذا لو نترك الاشياء فقط لتكون؟

هذا هو النوع من امكانية الحياة التي تعرضها لنا اللوحة. لا سؤال هناك عن أكل الفاكهة في اللوحة او شراء المزرعة في الريف- وعندما تزول امكانية الاستعمال او الامتلاك، عندما نتحرر من رغبتنا الجامحة، وعقولنا تتحول الى تأمل بسيط، نحن نستطيع بالنهاية التمتع براحة البال ونرى كم هي الاشياء جميلة – كل الاشياء-. الفن يستطيع توضيح هذا لنا، اي لماذا نحبه: ولكن عندما تضع ذهنك في الموقف الصحيح سوف تستطيع في كل يوم ممارسة الاشياء كما لو كانت فنا بدون الحاجة لإنفاق الملايين على الأعمال الفنية. العالم ذاته قطعة فنية كبيرة، وهو متاح مجانا للتمتع به. كتاب شوبنهاور يسمى (العالم كرغبة وتجسيد) لأنه يعتقد ان العالم يمتلك هذين المظهرين. التجسيد هو كيف تبدو لنا الاشياء. انه كل الظهور، ليس اكثر واقعية من الحلم، والرغبة التي هي الطبيعة الحقيقية المؤطرة للعالم.

ماذا يعني هذا؟ (للتبسيط اكثر) حسب شوبنهاور، هو انني أعرف في وجودي الحقيقي الداخلي، بأني رغبتي، ومن السخف الاعتقاد انني شيء ما متفرد، لذا كل شيء يجب ان يكون رغبة. كيف أعرف انا بالنهاية رغبة؟ انا أعرف اني لست جسما ميتا. الاختلاف الكبير بيني وبين الميت هو اني أعمل اشياء لا تتم بالتآكل البطيء. لذا فان أفعالي تجعلني منْ او ماذا انا. أفعالي تعبّر او تجسّد رغبتي. انا ما أعمل وانا أعمل ما أرغب. حتى عندما لا أقوم بما اريد عمله (مثلا عندما أكون في العمل) انا أعمل ما اخترت ان أعمل لسبب معين، كأن يكون الرغبة في الحصول على الراتب. انا اذاً تجسيد لرغبتي. ولايوجد هناك سبب للاعتقاد اني خاص في هذا الشأن. انت تجسيد لرغبتك. والشيء ذاته ينطبق على الحيوانات وكل الاشياء الحية، وبالنسبة الى شوبنهاور حتى الاشياء غير الحية ايضا. النباتات غير واعية، لكنها تنمو بطرق تساعدها في ايجاد ضوء الشمس والماء وفرص التكاثر. انها تُقاد بالرغبة بالحياة. حتى الاشياء غير الحية تخلق مواد خام. الانهار تجري الى البحر، الجبال تنمو ببطء او تتآكل، وهكذا. شوبنهاور لا يعني ان الانهار تريد ان تتبع المنحدرات، وانما تدفّقها هو تعبير عن الرغبة. نحن نعرف ان الاشياء الحية تتصرف بدافع الرغبة (تتجسد كرغبة لتعيش)، وان الاشياء الحية تُصنع من نفس المادة كما في الاشياء غير الحية. لذا، كما شوبنهاور، نحن نستطيع التفكير بكل الاشياء كأنها تتحفز بنفس القوة الاساسية التي يمكن ان نسميها رغبة. هذه الرغبة لن تقتنع ابدا طالما ان الطبيعة الدقيقة للرغبة هي الكفاح لأجل اشياء اخرى، وانها ليست عقلانية، لذا انها تطلب دائما وبجشع. هذا يبدو مخيف نوعا ما، كفم مفتوح دائما. غير ان شوبنهاور يقول اننا نستطيع القول بنفس الطريقة ان العالم ليس رغبة وانما موسيقى.

الموسيقى، المادة، المعنى

يرى شوبنهاور ان الموسيقى يمكنها ان تحرّكنا بقوة بدون ان تمثل بذاتها أي شيء في العالم المتجسد. هذا يبيّن، اولا، ان الموسيقى يمكن ان تكون تجسيد مباشر للرغبة، لم يتوسطها اي شيء آخر. الموسيقى او القصة ربما تملأنا بالخوف من تصوّر وحش عملاق او معركة، تؤثر على ذاتنا الداخلية حين تجعلنا نفكر بالاشياء التي نخاف منها. لكن الموسيقى يمكنها وبدون أي تدّخل فكري، ان تتحدث مباشرة عن الرغبة. بهذا المعنى هو يعتقد ان الموسيقى يمكن ان تكون تجسيد مباشر للرغبة ذاتها.

وفي جدال آخر يكشف ان الموسيقى تشبه الرغبة. الرغبة العمياء التي يفترض شوبنهاور انها تؤطر طبيعة الواقع هي ليس لها اي هدف: انها فقط تريد، بدون ان تريد اي شيء محدد يمكن ان يشبعها. انها موجهة نحو هدف بدون هدف محدد. هذا يجعلها مشابهة جدا للفن كما عُرّف من قبل عمانوئيل كانط. كانط ذكر ان الفن، خاصة الفن الجميل، هو هدفية بدون هدف. بهذا المعنى، يصبح ما هو واقعي حقا (الرغبة) وما هو جميل حقا (الفن العظيم، مثلا)هما الشيء ذاته. شوبنهاور يعتبر الموسيقى أرقى أشكال الفن. لذا فان الموسيقى تشبه الحقيقة النهائية – وهو ما يعني ان الحقيقة النهائية تشبه الموسيقى. "نحن لهذا السبب نستطيع القول ان العالم يجسد الموسيقى كما يجسد الرغبة".

ذكر الشاعر والروائي الالماني غوث Goethe ان البناء المعماري هو عبارة عن "موسيقى جامدة"، لكن شوبنهاور يرى ان كل شيء يمكن تصوره كموسيقى متجسدة. وكما لاحظنا، هو يرى الاشياء المادية عُرّفت ليس كثيرا بما صُنعت منه وانما بما تقوم به. لذا فان كل شيء يقوم بما هو تجسيد مادي او تجسيد موسيقي. الكون هو عرض راقص، او مهما كان نستطيع تسميته موسيقى متحركة بثلاثة ابعاد. القطارات تقوم بحركة، سمك القرش يجسد القرش، البراكين تجسد البراكين وهكذا. عندما تسير على طول الشارع، كل شيء تجتازه يمارس رقصته الخاصة، معبّرا عن الرغبة بطريقته. كل نبتة تشبه الانفجار البطيء للاغصان، الاوراق والازهار. التلال هي حقا صيرورة حية تنبض بصوت الموسيقى "الصامتة". لكنها ليست انفرادية تماما كما نصفها نحن لأنه طبقا لشوبنهاور الكل هو واحد. لذا بينما القطط تعمل كقطط وقوس قزح يبدو كقوس قزح، لكن كل هذا هو جزء من سمفونية واحدة ضخمة. الطبيعة هي تناغم، تؤطرها وتحركها رغبة واحدة وليست متعددة. ت اس. اليوت كتب في " The Dry Salvages"(المقالة الثالثة من مجموع اربع، 1941) "انت الموسيقى طالما الموسيقى تستمر". هذا ما يعتقد به شوبنهاور ايضا لكنه يضيف انه الموسيقى ايضا، وكذلك آليوت، وكل شخص او شيء آخر. وبينما لا يستمر أحدنا الى الابد، لكن الموسيقى تستمر. انها خالدة.

خلاص شوبنهاور

الفن، وخاصة الموسيقى و أي شيء آخر حين يدفعنا لتأمل الحقيقة النهائية دون إشراك رغبتنا الخاصة فهو يقدّم لنا علاجا للرغبة والضجر. انت ربما تنزعج من اشياء لديك، ولكن ماذا عن الاشياء التي ليست لديك؟ انها رائعة، فقط عندما تتغلب على انانيتك بما يكفي لتقدير تلك الاشياء.

يبدو ان شوبنهاور نجح احيانا في تحقيق نوع من السعادة الغامرة بين عجائب الطبيعة. في احدى المرات هو أضاع نفسه بين الازهار في حديقة Dresden. المسؤول الذي شاهده سأله منْ هو، شوبنهاور أجاب انه يرغب لو هو (المسؤول) أخبره بذلك. كل واحد يمكن ان يكون هو الغريب بين الازهار لو قبل بفلسفة شوبنهاور.

لسوء الحظ، فلسفة شوبنهاور لا توفر علاجا للألم. لكنها لا تخلق الألم ايضا، انها فقط تعترف بحجم المعاناة . انها تسلط الضوء على مقدار الجمال والدهشة في العالم، وبعمل كهذا، تجعلنا ربما اقل رغبة في اكل اللحوم . اذا لم نأكل تلك البيتزا الحيوانية، مفضلين البيتزا النباتية سوف نقلل المعاناة في العالم.  سوف لا نقلل معاناتنا، بالطبع، ولكن كلما اعتنينا اكثر بالزهور والحيوانات وكل شيء آخر، كلما كانت رعايتنا لمشاكلنا الخاصة قليلة، والتي هي مؤقتة وعديمة الأهمية.

الاختلاف بيني وبين الآخر هو تافه كلون الشعر، العمر، اللباس، وهكذا. لكن المشترك بيننا هو اكثر اهمية، هو انسانيتنا. المشترك بيننا وبين كل الاشياء الحية وحتى غير الحية هو أفضل، نحن كلنا تجسيد للرغبة الأبدية.

الوجود ذاته شيء هائل. عندما نموت ستموت المادة التافهة معنا، لكن الشيء الهام سيستمر. ان ما هو حقيقي جدا واكثر واقعية هو غير فان، وتلك حقا أخبار جيدة.

 

حاتم حميد محسن

.....................

Schopenhauer the optimist, philosophy Now, Oct-Nov 2019

 

 

1186 عقول خطرةعند البحث عن نيتشة في اليوتيوب سنجد هناك رابط شوهد اكثر من ثلاثة ملايين مرة.انه امر مثير للاعجاب لفيلسوف في القرن التاسع عشر. بالمقابل، جون ستيوارت مل لم يحظ باكثر من مائة الف مشاهدة. اذا كان الرابط يكشف عن شعبية نيتشة(1844-1900)، هو ايضا يخبرنا عن الكيفية التي نُظر بها اليه كمرشد ساحر ومحبوب منقطع النظير.

ان الرسالة الاساسية لـ "عقول خطرة" هي ان لا وجود هناك لقراءة لنيتشة تجعله مقبول اخلاقيا لجناح اليسار السياسي او الوسط. اي تفسير يصفه بهذا هو غير ناضج وخطير .

ان النقاش الحالي هو من النقاشات الملحّة حول نيتشة. نحن نعيش في وقت حيث اليمين المتطرف يتحفز احيانا بنيتشة، يعود للظهور مجددا حيث يُقابل باحترام كبير لدى المعلقين المؤثرين مثل غوردن بيترسون، وحيث القادة الشعبويين السلطويين مثل بوتن واردوغان ورئيس الفليبين يتّبعون اسلوب نيتشة في التقليل من قيمة القواعد والحقائق مفضلين الرؤية البطولية للقوة والمصير. وكما بالنسبة لترامب، الحقيقة البديلة او ما بعد الحقيقة، فيها يكون الواقع صدى لفكرة نيتشة بان"لا وجود هناك لحقائق وانما فقط تفسيرات"، هذه الرؤية تصدرت عناوين الاخبار متسائلة ما اذا كان بالإمكان إلقاء اللوم على المانيا في بروز ظاهرة ترامب ام انها مجرد تنبأت به.

الكاتب بينير(Beiner) كان يركز على هجوم نيتشة الواضح على الليبرالية والمساواة بما جعله فيلسوفا مؤثرا لليسار. انها ليست محاولة من نيتشة لإخفاء رؤيته الرافضة للاخلاق الليبرالية. هو أطلق النارعليها من الأعلى. لكي يطرح جداله ضد التفسيرات اليسارية لنيتشة، يعمد بينير الى تكرار بعض تعبيرات نيتشة الشهيرة التي يحرّض فيها على العبودية، وتشجيع التطهير العرقي، وكراهيته العميقة ورفضه للمساواة الانسانية.

بعض الباحثين في نيتشة يمنحون العذر لهذا العنف المتطرف من خلال قرائته باعتباره استعارات غير حقيقية وبلاغات ساخرة، هي لم تكن توجهات ضرورية مرشدة للفعل. رغم ان نيتشة يترك نفسه مفتوحا للتفسيرات، لكن لا دليل على انه ليس خطيرا ومميتا في هذه القضايا.

هناك جزءان اساسيان واضحان لفلسفة نيتشة : هو يجد المساواة انحدارا اخلاقيا مثيرا للاشمئزاز، وهو يريد الانسانية ان تخرج من فكرة الاخلاق العالمية. كل فرد يجب ان يقرر دليله الاخلاقي. مفاهيم الخير والشر يجب الغائها. بينير يذكّر الليبراليين بان الالتزام بالمساواة الانسانية فيما يتعلق بالحقوق والحرية او اعتبارات الكائن الاخلاقي هي المبدأ المعرّف لأي اخلاق في مرحلة ما بعد التنوير. انها لا يمكن التفاوض عليها. لكن أي نوع من المساواة، وأي شفرات اجتماعية مرتكزة على المساواة، هي ببساطة تثير الكراهية الشديدة لدى نيتشة، وبصرف النظر عن قرائتك لأكثر اقوال نيتشة الصادمة، فان فلسفته الاخلاقية لا يمكن ان تمثل أي نوع من سياسات اليسار او الوسط. بالطبع، اليمين المتطرف هم ايضا يشعرون بالاضطراب لو ارادوا إسناد ايديولوجيتهم على اكتاف نيتشة. هو وجد مناهضة السامية سخيفة، ونصح دائما بالبحث عن منظور جديد لفهم العالم. وما هو اكثر جوهرية، ان نيتشة كان واضحا برفضه الراسخ لأي نوع من ذهنية القطيع، اليسار، اليمين او الوسط.

آفاق نيتشة

يسعى بينير الى انجاز ثلاثة اشياء في كتاب "عقول خطرة". اولاّ، هو يعرض فكرة الحدود او الآفاق Horizons كعامل اساسي لكشف نقد نيتشة للحداثة. ثانيا، هو يريد القول بانه – على عكس ما يريده منك كبار الاكاديميين – فانه من غير الصحيح القول بعدم وجود فلسفة سياسية لنيتشة. اخيرا، هو يقول ان كل ما ذُكر آنفا – تحطيم الاخلاق، سيادة الفلسفة السياسية، ومركزية الآفاق- تنطبق ايضا على مارتن هايدجر (1889-1976).

هجوم نيتشة على الديمقراطية الليبرالية لازال يتسبب في اراقة الدماء. المجتمعات الحديثة هي في ازمة روحية، كما يقول نيتشة، بسبب تقديسها الشديد للعقلانية والمساواة. نيتشه يرى هذا كارثيا لأنه يقود الى تحطيم أفاق الثقافة التي يحتاجها الناس لكي يعيشوا حياتهم الحقيقية.

الآفاق الثقافية هي حدود ثابتة من الافكار والتصورات بها يُعرّف الناس بالضبط منْ هم وما هي اهدافهم في الحياة. في هذا الجانب نيتشة يمجّد فوائد الطاعة الطويلة لقواعد معينة، والتي كما يقول تقود الى انتعاش الاشياء التي"لأجلها نستحق الحياة، مثل، الفضيلة، الفن، الموسيقى، الرقص، العقل، الروحانية "(ما وراء الخير والشر، v188، 1886). اليونان ما قبل سقراط امتلكت مثل هذه الآفاق، وكما فعلت الثقافات الاخرى غير الدينية. المسيحية ايضا لديها حدودها التي يجب احترامها، لكن نيتشة يكره المسيحية. تفسير بينير لهذا هو ان المسيحية رغم انها تفرض آفاقا، لكنها لا تسمح بالخلق الذاتي الأصيل لأن عقيدتها بالخلاص تنكر المأساة المطلقة للحياة، او فكرة ان كل شيء ينتهي بالموت وبالنتيجة كل جهودنا بالنهاية تذهب هباءاً. بالنسبة لنيتشة ان الثقافة الحزينة مليئة "بتشاؤم القوة" المطلوبة لمواجهة الفراغ. وبما ان ذلك يتطلب الشجاعة، فهو يجيز التفوق او النبل Nobility. المسيحية، من جهة اخرى، ترسّخ ما يسميه نيتشة "اخلاق العبودية".

ان ما هو اكثر إشكالية للمجتمع الغربي هو انه عبر"موت الاله" (1) وفقداننا ايماننا التاريخي، نكون قد محونا آفاقنا الثقافية، كما يذكر ذلك نيتشة بطريقة بلاغية في" الانسان المجنون"(The Gay science، 1882). بدون آفاق سوف نتحرر من القيود نحو فراغ يبتلع كل المتعة والمعنى من الحياة. هذا، كما يقول بينير، هو اصل كراهية نيتشة الخاصة للمسيحية: انها جسر من القديم النبيل الى الحداثة الساقطة.

ان اقتراح بينير في ان الآفاق توضح كراهية نيتشة للمجتمعات الحديثة يبدو صحيحا. ادّعاء بينير هو "ان نيتشة أراد الابداع والافاق المفتوحة للفيلسوف البطل وأراد الافاق المغلقة والضيقة لكل شخص آخر"(ص36). ولكن كيف تكون الآفاق مفتوحة للسوبرمان لو نال نيتشة رغبته وعاد الى الافاق المغلقة لما قبل ثقافة المسيح؟ وبعبارة اخرى، اذا كان السوبرمان يضع آفاقه الخاصة به فلماذا يشعر نيتشة بالحزن على ازالة الافاق التي جلبتها المسيحية والتنوير لاحقا معهما؟

الشيء ذاته مع هايدجر

فكرة ان نيتشة ليس لديه فلسفة سياسية جرى الدفاع عنها من جانب الباحث البارز في نيتشة وهو بران ليذر Brian Leiter في انسكلوبيديا ستانفورد للفلسفة. هنا هو يجادل بانه رغم ان نيتشة يدّعي انه مفكر سياسي هام، ومع انه لديه الكثير ما يقوله عن مشكلة الديمقراطيات الحديثة، لكن فلسفته السياسية الايجابية تنقصها التفاصيل. الوصفات الايجابية الكامنة في نقد نيتشة هي في الحقيقة تنطبق على الفرد وليس على الدولة وتهتم بالكيفية التي يصل بها الناس العظام الى طاقتهم الخلاقة.

بينير يسمي رؤية ليذر هذه بالسخيفة. فقط لأن الفلسفة السياسية سلبية ذلك لايجعلها غير سياسية. في الحقيقة، ليذر يعرض نفس الجدال في مناقشة الفلسفة الاخلاقية لنيتشة. هو يرى بانها في الاساس سلبية في نقدها اخلاقية القطيع لكنه لايزال يستنتج منها اخلاق ايجابية بافتراض ان الاخلاق الايجابية هي المضاد لما يكرهه نيتشه.

كتاب "العقول الخطرة" بوضوح ينطبق بالتساوي على نيتشة وهايدجر، لكن هايدجر اُلقي عليه اللوم بسبب ما فعله نيتشه . بينير يشير الى ان تحليل هايدجر للمجتمعات الحديثة تأثّر وبطريقة مشابهة بنيتشة. الآفاق تلعب دورا موازيا. ونفس الشيء ايضا ان هايدجر افتقر الى تفاصيل في فلسفته السياسية الايجابية. لكن بينير يقول، كما في نيتشة، نحن لا نستطيع القول ان فلسفته ليست سياسية.هذا الادّعاء يصعب اثباته . من كتاباته وافعاله يبدو من الواضح ان هايدجر كان نازيا على الاقل في جزء من حياته، والافتراض بانه تنقصه الفلسفة السياسية هو غير صحيح.

استنتاج

الكتاب يختتم بتحذير من القناعة بالليبرالية. الليبراليون ربما يشعرون بالآمان من هجوم نيتشة لأنهم يعتقدون ان افتراض المساواة متأسس جيدا لدرجة ان فكرة نيتشة السلبية وكراهيته لا يمكنها زعزعة ذلك الاساس. الاعتقاد بان القيم الليبرالية مقبولة عالميا هو واضح في القواعد المتفق عليها في القرن العشرين خاصة قواعد جون رولس" Proceduralism". يرى بينير ان تفضيل الاخلاق الاجرائية، "هي طريقة للقول اننا بالاساس جميعنا ليبراليون" . في الحقيقة، ان المشروع الليبرالي هو بعيد عن الانجاز، في ظل عودة الفاشية والبروز العالمي للسلطوية. بينير لا يتوسع هنا كي يوضح الكيفية التي يرتبط بها تحليله بالمشهد السياسي المعاصر(رغم انه قام بهذا في مقال لاحق في تاريخ شبكة الاخبار).هو ربما اضاع الفرصة هنا لكن جداله يبقى صامدا. نيتشة و هايدجر كشخصين ذكيين مثلما كان نقدهما للحداثة، اعتبرا جزءاً كبيرا من الانسانية لاقيمة له، وهما بديا ليس لديهما شك في استعباده او تحطيمه كليا. ولذلك هما كانا شريرين.

 

حاتم حميد محسن

.........................

* كتاب (عقول خطرة: نيتشة، هايدجر، وعودة اليمين المتطرف) للكاتب رولاند بينير، صدر عن مطبوعات جامعة بنسلفانيا عام 2018 في 176 صفحة.

الهوامش

(1) استعمل نيتشة عبارة "موت الاله" ليلخّص تأثير عصر التنوير على مركزية مفهوم الله ضمن الحضارة الاوربية الغربية والتي كانت مسيحية الطابع منذ الامبراطورية الرومانية. التنوير ادّى الى انتصار العقلانية العلمية على الكشف المقدس والى صعود المادية الفلسفية والطبيعية التي استغنت عن دور الاله في شؤون الانسان ومصير العالم. اعترف نيتشة بخطورة موت الاله على الافتراضات الاخلاقية في اوربا القائمة على الايمان المسيحي التقليدي."عندما يتخلّى المرء عن الايمان المسيحي، فهو يتخلّى عن الكل: لاشيء ضروري يبقى لديه".المشكلة هي في كيفية الحفاظ على نظام للقيم في غياب الامر الديني. الاستنتاج التنويري لـ "موت الاله" أعطى دفعا للافتراض بان الناس و الحضارة الغربية ككل لم تعد تؤمن بالنظام الاخلاقي الديني. موت الاله هذا سيقود، حسب نيتشة، ليس فقط الى رفض النظام الفيزيقي وانما ايضا الى رفض القيم المطلقة ذاتها. ومن هنا فان خسارة الاساس المطلق للاخلاق يقود الى العدمية. هذه العدمية وجد فيها نيتشة الحل عبر إعادة تقييم اسس القيم الانسانية.

 

 

علي محمد اليوسفأين نحن من الفلسفة اليوم؟

هذه وجهة نظر لا أتوخى أن يشاركني الجميع بصحتها بمقدارهدفي أن يشاركني الجميع مناقشتها في أعطاء بدائل حقيقية لها، قضية ثقافية – فلسفية تمتلك زوايا رصد ومعاينة متباينة عديدة تعني المشتغلين بقضايا الفلسفة والفكر بغية الوصول الى قناعات نحن بحاجة لها وليس أستعراض عضلات حجاج من أجل الحجاج ولا نقد من أجل الانتقاد لا يسمن من جوع ثقافي ولا يغني من صقيع فلسفي عربي.

لم يعد عجبا أننا دائما ما نصطدم بتساؤل لا نمتلك له جوابا شافيا مقنعا ، أين نحن من الفلسفة الغربية المعاصرة اليوم؟ وهو شقّ متفرع عن تساؤل مركزي مزمن أكبر مؤرق لنا وأكثر أهمية هوأين نحن من الحداثة المعاصرة المتقدمة بمتواليات علمية في مختلف مجالات الحياة المتخلفة المتراجعة باستمرارراسخ عندنا؟ في كلا التساؤلين نحن نعيش الهامش بالأجابة الثقافية النخبوية التضليلبة والأجابة المجتمعية الاستهلاكية المتخلفة.

وما يهمنا في مفتتح هذه المقالة هو الشق الاول من التساؤل العقيم، عندما نجد أنفسنا ضحية كذبة فلسفية كبرى مجدبة راسخة لدينا،، حقيقة زائفة تعيشها النخب الثقافية بدوغمائية فجّة رغم وضوح ضحالتها الفكرية البائنة القاصرة الفهم والاستيعاب النخبي والمجتمعي عندنا ، تلك هي أن الفلسفة الغربية المعاصرة الخاوية التي نكتب هوامش بعض قضاياها بتقديس مفرط، لا تقول شيئا جديدا ذا قيمة معرفية تفيدنا في نشداننا تحقيق أمل نهضوي ثقافي معرفي حضاري يراودنا، فالفلسفة الغربية المعاصرة غاطسة في عبثية تفسير الماء بالماء بعد جهد جهيد، ولا نملك سوى أن نردد تأسّينا قولنا هذه هي فلسفة (العصراليوم) التي يتوجب علينا عصرما يردنا منها مترجما أو في أصوله اللغوية الاجنبية بهوامش من التعليق والتفسير الطفيلي الشارح كي يدرعلينا ضرعها لبنا يسقينا ، وهيهات ما نبتغي ففاقد الشيء لا يعطيه..كل هذا ترك أسوأ الأثر عند متلقي التفلسف الهامشي عندنا حين وجدنا أنفسنا ومعنا المتلقي المثقف أن تفلسفنا اليوم هي كتابة هوامش تريد أن تقول أشياء عن لا شيء غير موجود في الفلسفة الغربية المعاصرة أصلا !!...كي لا يلحظ الآخرون سذاجتنا الثقافية المتهمة بالتخلف كما هو موقفنا المخجل من تناولنا الحداثة المعاصرة بعيون غيرنا، وربما تكون مفارقة غريبة لا تصدّق أنه أحيانا وفي القليل جدا ربما نكتب بعض الهوامش الفلسفية النقدية بما هو أكثر أقناعا للمتلقي في مقارنته بجدب وخواء متون التفلسف الغربي البائسة المعاصرة التي تمتلك هالة التعظيم بلا أهلية حقيقية تستحقها...وربما يؤاخذ على من يمارس كتابة الهامش النقدي أنه يستمسك بضحالة التفكيرالهووي المتشّنج على حساب الاقرار بالحقيقة الثقافية المعاصرة المسبوقين عنها كثيرا...وربما تكون المصادرة النقدية الهامشية في مناوشتها بعض معطيات الفلسفة الغربية المعاصرة من منطلق المقايسة المعيارية المجحفة بحقنا وهي قائمة فعلا هي أننا نمارس الهامش النقدي من غير أمتلاكنا مسوغات الندّية المؤهلة لمثل تلك المهمة لذا يجدر بنا الأخذ في الاستيعاب قبل ممارسة النقد الهامشي لمتون غربية لا نمتلك قدرة الأتيان بمثلها أو مجاوزتها بمغايرة التجديد والاضافة لها.

حقيقة هوامشنا الفلسفية التي تمتح من متون مباحث الفلسفة الغربية المعاصرة التي بات يستهويها الدوران المجدب العقيم حول ذاتها الفكرية المحتضرة بأعتراف فلاسفتهم يجعلنا نتوقف قليلا أمام مفترق طريقين نحاول فيهما أو أحدهما التماس منفذ الخروج والخلاص من جاذبية الدوران التابع المزمن حول المركز الفكري البؤري الغربي الذي يعيش أمجادا بالية أخترعها لنفسه وأراد فرض تعميمها والباسها ثقافات أمم وشعوب العالم اليوم..وليس عسيرا علينا ملاحظة العديد من باحثي شؤون الفلسفة عندنا تنّطّعهم اللغوي في كتابة تقعرات وتهويمات لغة هوامشهم الفكرية - الفلسفية للتدليل على سعة اطلاعهم في ممارسة الفذلكات والتدليس على القاريء في تداول تفكيرفلسفي فارغ لعرض متن غربي مجدب كل رصيده اللغة المقعرّة العصيّة التلقي وفي هامش عربي خجول بائس يحاول فك طلاسمها بحس نقدي غير جديرالقدرة والامكانية..

أمام هذه الحقيقة القائمة فأما أن تكون هوامشنا المتفلسفة تعرية صادقة وحقيقية صادمة للمشهد التمثيلي الفلسفي الغربي ممثلا في أسطورة ملابس عاهل الامبراطور الجديدة، ونكون بهذا خرجنا من رثاثة التهريج الكاذب والتصفيق المنافق الذي لا يمّل من ركض التسابق في مارثون الوصول الى نهاية الوهم والسراب الخادع والتضليل الاجوف المنتهك لهويتنا في عقر تفكيرنا.

وأما أن تكون هوامشنا في المسار الثاني هو تأصيل هووي راسخ في أعماق الوجدان الجمعي الثقافي فينا، وتأصيل جيني غائر في الروحانية الفلسفية للامم والشعوب الشرقية عموما منها مجتمعاتنا العربية في وجوب مفارقتنا الحتمية المعرفية المفروضة علينا في يباس الفلسفة الغربية وجفاف تخوم آفاقها الثقافية المجددة التي أستنفدت نفسها في الدوران حول مركزيتها الذاتوية، فأخذت تغتذي من منجزات العلم عكاز أستناد وطوق نجاة لها لأنها عاجزة من أبتداع فلسفة ثقافية جديدة تنقذهم من التكرار الملتبس المستنفد لحيويته الفكرية المعرفية لديهم.. وكل هذا الاختلاف التفاوتي في الاعلى والادنى، وفي المتقدم والمتخلف بيننا وبينهم لا يغّير من حقيقة أننا نعيش عصر أصبح العالم فيه قرية على صعيد أستهلاك المعرفة الحضارية ومنتجات العلم والاتصالات والمثاقفة..

الحلم الذي يراودنا سبقنا غيرنا فيه وجعله قيد التطبيق

لقد كانت الماركسية أول فلسفة وجدت على يدي ماركس وانجلز الفخ الهرائي المنصوب في مباحث الفلسفة الغربية الحديثة التي تغوص في مياه البحث الموحلة عن الحقيقة المطلقة في نسبيتها المتحققة المنجزة والمطلقة المغيّبة وهي خالية الوفاض لا تحمل أية قيمة أجرائية نتائجية في مصادرتها واقع المعرفة الحقيقية في خدمة الانسان والحياة...أمام هذا الطريق الفلسفي المسدود أنعطف ماركس بالفلسفة أنعطافة تاريخية ايديولوجية سياسية أقتصادية أستقرأت واقع الانسان الطبقي المتفاوت في توزيع الغنى والفقربالعالم وقرأت التاريخ بحس نقدي أجرائي سليم انثروبولوجيا – سياسيا - اقتصاديا جعل من مباحث كلاسيكيات الفلسفة الغربية كمن يغرف ماء البحر ليسقي به ظمأ الارض المتشققة ويبّل يباسها القاحل فيزيدها ملوحة على ملوحة وتصّحرا فوق تصّحرهاعالميا...وكان ما جرى للماركسية بعد التطبيق الاجرائي المّخل معلوم منذ تسعينيات القرن العشرين في تفكك تجربة الاتحاد السوفييتي في مفارقة مصاحبة مذهلة حقا بمقايسة نجاح تجربة الصين والتجربة الكوبية والفيتنامية والكورية الشمالية بتحفظ مقبول....لكن بقي مفترق الماركسية عن الفلسفة الغربية مؤشرا لا يمكن دحض تنبؤه المستقبلي في تأشيره المتقدم المبكرلعقم الفلسفة الغربية الرأسمالية...

ثم تبعتها بنفس المنحى المتضاد والتوّجه بالاهداف الفلسفة البراجماتية الذرائعية العملية الامريكية في أنعطافة فلسفية لا تزال قائمة حيّة الى اليوم في صدقها الحياتي (البراجماتي) الذي لا نتعامل معه والاستشهاد به هنا من منطلقات أخلاقية سياسية عربية ولا من منطلقات ايديولوجيات مشرقية بل من منطلقات فلسفية ثقافية علمية براجماتية حققت منجزات لا تحد ولا تحصى في زمن قياسي قصير من عمر التاريخ لرقعة جغرافية تتسّيد العالم اليوم هي أمريكا،، في معالجة واقع الحياة في المجتمعات الرأسمالية قبل تبديد جهودها وعبثية أنشغالها في فذلكات وتدليس التفلسف العقيم المجرّد عن واقع الانسان الحقيقي في قضايا أشباع حاجاته الحياتية بمنطلقات رأسمالية ناجزة قد تبدو لنا فيها مسألة أستلابها القيمة الحقيقية للانسان لا تصب في رجحان كفتها لكن هذا لا يمنع حقيقتها الفلسفية التي أصابت النجاح تاريخيا على صعيد التطبيق الميداني أمريكيا...

وفي صلب هذا التوجه الايديولوجي الرأسمالي كانت الفلسفة البراجماتية حاضرة وبألحاح شديد بما يجب أن تكون عليه الفلسفة المعاصرة في ظل النظام الرأسمالي حصرا.. معتبرة كل مدارس وتيارات الفلسفة الاوربية الحديثة والمعاصرة هي كثبان رملية لا تصلح مثابات أرتكاز لفلسفة أمريكية جادة حقيقية،،وأعتبرت فلسفات مثل المثالية الذاتية والدوغمائية الخيالية والبنيوية والتفكيكية والتحليلية والعدمية وما بعد الحداثة وغيرها من تيارات فلسفية فرنسية والمانية وانجليزية معاصرة موضات أستهلاك فلسفي لا مانع أن ينمو بعضها بالاستقبال وليس في الانبثاق التأسيسي المضاد على الارض الامريكية موسميا كنباتات صبّار لا تضر مزارع الفلسفة البراجماتية دائمة الاخضرار طالما هناك علوم تحقق المنجزات الباهرة وبأستمرار في صالح المجتمع الرأسمالي البراجماتي حصرا..

ولم يقلل من أهمية وتأثير النزعة البراجماتية الامريكية أدانتها أنجليزيا على لسان شيخ الفلاسفة المعاصرين براتراند رسل قوله (الفلسفة البراجماتية فلسفة خسيسة ونذلة).. لكن الحقيقة التي لم تستطع الفلسفة البراجماتية القفز من فوقها لصالحها فلسفيا هي محاولتها جعل الفلسفة تقود العلم كما هي واقعيا تقود السياسة الامريكية ..وتلك هي الحقيقة الصادمة التي تواجهها الفلسفة الغربية اليوم، هي أن العلم بتخصصاته العالية الدقة والابهار التقدمي ترك الفلسفة تركض وراءه من دون أن يلتفت لها في محاولة عرقلة مساره أو أبطاء تحقيق منجزاته المعجزة الهائلة..وهادنت الفلسفة البراجماتية العلم كما هادنته من قبل الكنيسة الكاثوليكية..وكلتاهما(الكنيسة والبراجماتية) كان مقدّرا لهما الاندثار لولا تعايشهما البراجماتي المهادن  للعلم.

الاميركان في أبتداعهم الفلسفة البراجماتية لم يكونوا متنبئين ناجحين في معرفة مستقبل الفلسفة الغربية وأنحطاطها المستقبلي القادم بل كانوا في منتهى الامانة والاخلاص لحاضرهم الرأسمالي الذي ألزمهم أختيار الحد الادنى الوسط في مزاوجة الفلسفة البراجماتية مع الجانب التفضيلي لمنجزات العلم في ضرورة تجربة صلاحية الافكار وصدقها العملاني التطبيقي الواقعي في الحياة...

وبذا كانت البراجماتية أيديولوجيا الفلسفة المعاصرة الرأسمالية الامبريالية بلا منافس حقيقي لها،، تماما في موازاة ما فعله ماركس بالاشتراكية الشيوعية بتحويله الفلسفة الى أيديولوجيا يهمّها تغيير العالم وليس تفسيره باللغة المنطقية الفلسفية المجردة فقط.وليس في وارد هذه المعيارية في التماثل بين ايديولوجيا الرأسمالية البراجماتية وايديولوجيا الشيوعية الماركسية وكلاهما حوّل الفلسفة الى علم في السياسة أن يقول التاريخ قولته الحاسمة في مستقبليتهما..فكلتاهما صنعتا التاريخ في وقت لم يكن متاحا للتاريخ صنعهما.

وفي تطورأضافي متراجع لاحق بالفلسفة أريد له أن يكون أنتقالة نوعية متقدمة الى أمام حين حاول فلاسفة اللغة وعلماء اللسانيات أنقاذ الفلسفة من براثن العقم المجدب المزمن في البحث عن اللامعنى الغائب في لعبة أختبار أن تكون اللغة  محور أشكاليات الفلسفة اليوم حسب أدعائهم، وأستحضار الغياب بدلا من الحضور والبحث عن فائض المعنى التي تدّخره اللغة في مخاتلة التعبير بما أطلقوا عليه الاختلاف والارجاء، الذي سرعان ما تطوّع شراح الهوامش الفلسفية على تعريبه أفتعاليا مصطنعا تماشيا مع (المصطلح التفكيكي) بغير مرادف لغوي عربي له موجود في معاجم اللغة العربية بمصطلح يساير موضة تبديل الحرف (a)  على الطريقة الفرنسية بدلا من (e) عند جاك دريدا في كلمة (diffarance) عن كلمة (difference) وبذلك الانجاز الفلسفي العظيم ؟؟ أنقلبت قضايا الفلسفة المعاصرة رأسا على عقب في تعمية أيجاد الحل المثالي الفوضوي في اللغة وليس في تعقيدات قضايا الفلسفة الموروثة المزمنة عبر العصور،،، وبلغ الانبطاح التفكيكي عربيا قمته في أستماتة بعض نقاد الادب العربي أن يكونوا تفكيكيين أكثر من ملك التفكيك دريدا في محاولتهم سد النقص الثقافي العربي وأبتداع فذلكة النقد العربي الاغترابي مابعد الحداثوي التفكيكي الجديد.. وأنطلت اللعبة الفلسفية في صمت الجميع المريب في المسكوت عنه هو ألادانة الغائبة لهذاءات النقد العربي الادبي التفكيكي على يدي أفراد معدودين من طالبي وهواة بناء الامتيازات الادبية الثقافية الزائفة في بذرهم بذور التيه والهجنة والاغتراب في مناهج النقد الادبي العربي السليمة المنبثقة من رحم النص الادبي العربي حصرا كما هو المنطقي المطلوب..

اشكالية في اللغة أم اشكالية في المنهج الفكري؟

ونرى هنا أهمية الاستشهاد برأي فلاسفة المدرسة الانجليزية التحليلية الحديثة عند كلا من جورج مور وبراتراندرسل، ومن بعدهم لوفيدج فنجشتين الذين وضعوا ولأول مرة في تاريخ الفلسفة معيارا نقديا فلسفيا غير مسبوق أنه يتوجب على متفلسفي اليوم وفي المستقبل البداية من منطلق أنه يجب أن تكون لغة الفلسفة هي لغة عامة الناس التداولية الدارجة كي يجدوا ما تقوله الفلسفة معبّرا عن قضايا حقيقية تمس حياتهم بدل الامعان بتخريجات الفلسفة القائمة على فبركات لغوية عصيّة على التلقي لا تفصح عن شيء يستحق الوقوف عنده،، كما وجدوا في تفكيكية دريدا موضة أستهلاكية متطرّفة لا تحمل معاني فلسفية تغني عن مراجعة ودراسة موروث قضايا الفلسفة الاشكالية، ورفض فلاسفة التحليلية محورية أن تكون اللغة أشكالية قائمة بذاتها كقضية محورية تخص الادب قبل الفلسفة وما تقوم عليه من(نحو وبلاغة) قضية تشغل مباحث الفلسفة أن تكون معيارا مجديا في مراجعة قضايا الفلسفة في القاء مسؤولية الاستعصاء الاشكالي المعرفي فلسفيا في حل اشكاليات قضايا الفلسفة على عاتق اللغة بما هي تعبير فكري أبهامي غامض ملتبس تأويليا في عجزه أن يسمّي الاشياء بمسمياتها الحقيقية وعدم قدرته أن يقول أفكارا جديدة بدلا من اللف والدوران في لعبة استهلاك اللغة بما هي لغة ادب وليس لغة حلول قضايا فلسفية عالقة، وميّزوا بين أن تكون اللغة هي اشكالية قائمة في تركيبية النحو والبلاغة والاستعارة والمجاز بمعزل عن دورها كمنهج تحليلي في معالجة حل أشكاليات فلسفية لا تقوم أخطاءها على تعبير اللغة الخاطيء عنها فقط بل الخطأ في فكر الفلسفة الفارغ من معالجة قضايا حقيقية بالفلسفة..، وبين أن يكون تقويم اللغة وسيلة مراجعة نقدية منهجية تحليلية في حل تلك الاشكاليات الفلسفية التي لن تكون اللغة أكثر من منهج في التحليل للوصول الى حقائق كانت الفلسفة عبر تأريخها الطويل تدور حولها باللغة المستعصية المبهمة على الفهم الواضح والدقيق في معالجة قضايا فلسفية لا وجود حقيقي لها كما أشار له بتشخيص علمي سليم فلاسفة التحليل الانجليز، وليس بالفكر التخليقي التجديدي الذي لا يقف أمام اللغة كأشكالية محورية تستأثربالاهتمام الفلسفي بما هي لغة قائمة في مقوماتها الذاتية الخاصة بها، بل في توسيل وتوظيف اللغة منهجا تعبيريا في مراجعة وحل قضايا الفلسفة العالقة منذ قرون، وأعتبروا تحليل اللغة ليس من أعتبارها دالا ومدلولا يقوم على البحث في المعنى الضيق لدلالات اللغة بما هي لغة (مدلول فقط كما في التفكيكية) من منطلق أنها مجازات بلاغية ونحو وأستعارة وجناس وطباق ومحسنات لفظية وكنايات وغيرها بما يخص علم اللغة.. فهذا لا يحل لا قضايا اللغة الادبية ولا يحل أشكاليات الفلسفة منهجا لغويا...وعن هذه المفارقة نجد تعليقا متندّرا لبراتراند رسل لا يحضرني نصّه لكن في مقاربة معناه قوله أننا بفهمنا اللغة قضية يقوم على حل اشكاليتها الداخلية بما هي لغة أدب، حل قضايا الفلسفة، يصبح من الأجدر بنا نحن الفلاسفة أن نعمل (أجراء) خدم تحت أمرة علماء اللغة والمشتغلين المتخصصين بشؤونها، وليس فلاسفة نعالج قضايا كونية انسانية تهم حاضر ومستقبل الانسان..

ما يعنينا أنه لمن الحقائق الصادمة التي نواجهها بما لا خلاص منه أن نعيش الثقافة الغربية المعاصرة من ضمنها الفلسفة شرّاح هوامش في محاولتنا سد النقص الثقافي البعيد عن محاولة تأسيس مشروع ثقافة عربية تحمل مقومات تلبية تحقيق حلم نهضوي حضاري متكامل ننشد به بلوغ أولى درجات اللحاق بالركب العالمي..لكن واقع الحال يشير العكس تماما في أعتياشنا على الهوامش كقدر لا خلاص ولا فكاك منه لا تحكمنا فيه عجزالقدرة النديّة بل التطبّع بحكم العادة على أستمراء وضع التبعية والاستكانة التي ترسخت بأذهاننا وممارستنا كتابة الهوامش الذيلية لأفكار غيرنا وكلاهما خلوّا من المعنى..أن المأزق التي تراوح الفلسفة الغربية بين فكيّه اليوم في منظورنا نحن المجتمعات الشرقية والعربية هو أما أن تكون مباحث الفلسفة عندنا مؤدلجة كي يتم هضمها وأستساغتها وأما أن تكون الفلسفة الغربية ثرثرة لا تناسبنا بأكثر من أستقبالها نزعة أستهلاكية نخبوية هامشية في طريقها الى الانقراض والتلاشي في الاصل الغربي بعد وفاة معيلنا الغربي على التفلسف في دوام كتابة هامشنا العربي التمجيدي لها.. وفي كلتا الحالتين لا يكون ضياعنا الثقافي الفلسفي أكثر من ضياع الاصل الغربي الغائص في وحول التخبط الفلسفي.

خاتمة التباسية مرفوضة

لا غرابة في مصارحة مكشوفة لأنفسنا بضوء قراءتنا لما سبق ذكره في هذا المقال أننا نرفض ما يريده مثقفي السلطة ومرتزقة الاعتياش على ثقافة الاعلام الهابط في التسويق الاستهلاكي البغيض للمفلسين من العطاء المعرفي والثقافي والفلسفي وترجمة واقع منتجات الحضارة المعاصرة من حولنا بحس نقدي سليم يستشرف طموحنا الثقافي المشروع،،، للخلاص من المأزق الثقافي الفلسفي الذي أستعرضنا بعضا من مشاكله هو في ضرورة أن نجعل حسب رغبتهم المشبوهة من المنطق الفلسفي الهامشي (ايديولوجيا) يمكن التعامل معها مجتمعيا وبلا حدود تلغي الفوارق الجوهرية بين المعارف اليومية الاستهلاكية والفلسفة كتعبير وأفصاح حضاري متقدم،، فكل شيء في الحياة العربية أصبح بفضل هؤلاء المرتزقة الذين يمّثلون الثقافة العربية الزائفة ومؤسساتها الرسمية وغير الرسمية زورا وبهتانا جواز مروره المجتمعي مرتهن في أدلجته كما جرى الحال معنا في أدلجة الدين وأدلجة التاريخ وأدلجة الاقتصاد وأدلجة الاخلاق والقيم والعادات وكل ماله صلة بالحياة العربية ماضيها وحاضرها ومستقبلها،، فلا يضيرنا الامر حسب رغبتهم أن تكون الفلسفة والادب والفنون (ايديولوجيا مسيّسة) في خدمة تراجع الوعي الجمعي عن مواكبة التجديد المستمر بالحياة من حولنا والتشبث بالمتخلف الرّث في الوعي والسلوك الذي يصب في خدمة السلطة الفاسدة والحاكم المتسلط الجائر.. والسبب أن مجتمعاتنا العربية لا تمتلك مصيرها الثقافي ولا السياسي الا بالانقياد الاذعاني القطيعي للايديولوجيا التي تحكم جميع مناحي حياتنا الغاطسة بهيمنة قدرية التخلف المجتمعي المصنوع بالوعي الجمعي التضليلي التعبوي المتخلف الزائف..

 

علي محمد اليوسف /الموصل

 

حاتم حميد محسنمقال كانط "البداية التخمينية للتاريخ الانساني"(1) يُعتبر محاولة لإعادة صياغة قصة الخلق في سفر التكوين. الفعل المنتج للرب (يهوه) هو تعاوني بمعنى اتحاد الارض والسماء. طبقا لسفر التكوين 2:4 فان الخلق هو من عمل الاجيال، لكن خلق كانط يتجسد كفعل مباشر احادي، هذا التفسير يختلف كثيرا عن السلسلة المعقدة من الاحداث المتجسدة في كتاب التكوين والذي ايضا يحتوي على التعددية في الافعال الابداعية وانها جميعها تمت نتيجة التدخل الالهي. كانط يفضل ان يغير ظروف أصل الخلق، جاعلا من اطروحته مشروعا ثوريا. هو يضع خطة نستطيع بها فقط تحسين قدرنا المعروف في الحياة من خلال الجهود الفردية. ومن جهة اخرى، تسمح القصة الانجيلية لنا بحيازة معظم القدرات الانسانية من اللحظة التي ندخل بها الجنة. ونتيجة للسقوط، يقرر كانط عرض البشرية كحركة تتجه من ظروف القطيع الى ظروف اكثر حضارية.

النوع المبسط للتفسير في سفر التكوين يأخذ شكل فهم انطولوجي للكون، وجود الانسان يصبح مرتبط برمزية الخلق. قصة الخلق لدى كانط هي رفض لهذا المظهر من الثقافة الانجيلية، رغم انه وحسبما يشير ستانلي روسر يوفر لكانط فرصة ملائمة لإعطاء نسخته الخاصة للحدث(2).

القسم الذي اختاره كانط (التكوين 2-6) لا يمكن فصله عن التقليد الاكثر اهمية. كانط تعلّم تكتيكا من اكبر مناوري التكوين، السيد روبت فيلمر، الذي استعمل الفصل الاول من التكوين للدفاع عن الحق الديني للملوك. لكن لوك و سدني وآخرون رفضوا هذا الاستغلال للنص، وعرضوا صيغتهم الخاصة  لمختلف الانواع. فيلمر و كانط تبنّيا نفس الخطأ. كُتب التكوين لـ جوشوا، بشكلها الحالي، تشكل قصة هائلة مترابطة. وفي اية حال، يجب على القارئ ان ينتبه الى القصة ككل، والى السياقات التي تنسجم معها كل الاجزاء الانفرادية والتي يمكن الفهم من خلالها.

مشروع كانط يرتكز على تشويه الحدث المجسد للاله، كما جرى فهمه تقليديا. لكي نتجاهل العوامل التاريخية الاكثر اهمية والتي جرى ادخالها كـ "اسباب وسيطة"، يرى كانط ان "ننشئ التفسير التاريخي من التخمينات وحدها"(3). النتيجة من هذا الاتجاه هي فقط عرض "قطعة من قصة"(4).الله يعبر عن نفسه من خلال افعاله وان هذه الافعال ثبت عليها الدليل بمواقف قيل لنا "ان الله عرف" الموقف في الجنة، رغم ان تفسير كانط عن الجنة هو نتيجة لطبيعة سخية بدلا من فعل توليدي لله. التفسير الانجيلي للتكوين يعرض الله كمشارك دائم في التاريخ الانساني محافظا على الرغبة في تحسين قدر الانسانية، حتى وان كان الله لا يأخذ دائما دورا نشطا في هذه الفعاليات.

ان الافعال الموحية التي يسخر منها كانط في "تاريخه" هي امثلة بارزة على استمرار العهد  والتي يمكن العثور عليها في التكوين والانجيل العبري. السابق للعهد الانجيلي جرى تجديده واصلاحه في مختلف الفترات طوال الكتاب، الحضور المشترك لله والبشرية في الحوار الذي اختاره كانط للتفسير جرى توسيعه الى حضور مشترك لله وشعبه. كانط والعديد من باحثي الانجيل المعاصرين يجادلون بان بناء وعرض فكرة الخلق هي جزء من عالم كوني يستجيب للمشاكل التي اُجبر على مواجهتها.الناس الكونيون، من هذا المنظور، لايمتلكون الادوات الحديثة للتوضيح وكانوا اجبروا للاعتماد على هذه المفردات. الـ "قصة" عُرضت في الفصلين الاولين من التكوين اللذين هما جزء من شريعة اكبر من التوضيحات للكون. قصة التكوين يجب النظر اليها الى جانب الملحمة البابلية والاعمال الاخرى كتفاسير تحاول انارة الفعل الابداعي. لسوء الحظ، كانط ورجاله من الصف الثاني فشلوا في تقدير حقيقة الحدث،  وهو لم ينجح في اعادة ادخال نسخته من التوضيح الرمزي.

كانط يدس حلّه "للصراع الحتمي بين الثقافة والكائنات الانسانية" عندما ينتقد رعاة اقدم وثيقة للعرق الانساني بالاشارة اليها بالجزء القديم للوجود الانساني: "القناعة بالرعاية الالهية"(5).ما يتبع ذلك يأتي للوجود من خلال عملية الطبيعة وحركة يمكن القول هي من الطبيعي الى الاخلاقي. هذا "التبرير للطبيعة"المختلف كثيرا (6) استدعى ان تبتعد الرعاية بشكل كبير عن الفكرة المسيحية للرعاية كعلم مسبق للرب استخدمها بطريقة لحماية شعبه على الارض. استعمال الطبيعة ايضا ياخذ معنى اكثر صرامة متضمنا انه قد يكون تيليلوجي بشكل ما. الرعاية يجب فهمها كدور الطبيعة الكانتي في التاريخ(7).

رغم ان كانط تأثر بروسو، لكنه رفض فلسفة روسو في التاريخ. يرى كانط ان التاريخ هو تحوّل مرتبط مباشرة بـ "المقارن للطبيعة"(8).هو يرى ان الحالة الاصلية للبشرية لا يمكن انكارها، لكنه يقترح انها ليست حالة من الخشونة لأن الطبيعة "اتخذت سلفا خطوات جبارة في الاستخدام الماهر لقواها"(9). كانط يتقدم ليعترف بالحركة من الغريزة الطبيعية وحدها الى حالة جديدة للقوة.

لاحظ كانط ان تطور البشرية كقدر اخلاقي قد يحسّن الصراع بين الثقافة والكائنات. البشرية بالنسبة لكانط يمكن اعتبارها تتطور نحو غاية صحية: الناس وحدهم قادرون للتحرك الى ما وراء الحالة البهيمية للوجود الى حياة اكثر انسانية. لكن الانسانية تواجه على الاقل ثلاثة انواع مختلفة من اللاقناعة المرتبطة بهذه الحرية الجديدة. النضج الطبيعي يسبق النضج المدني. اذا كان الشخص الشاب قد يحوز على القدرة البدنية للانجاب وتربية عائلة، هو مع ذلك لا يمتلك المؤهلات "المدنية"لعشر سنوات اخرى، طبقا لكانط. هذا يصبح اقل حدة مع تطور الانسان الى كائن اخلاقي، ولكن ستكون هناك فترة متقطعة من الشقاء. كانط يستخدم قيود العمر كمانع للبشرية من تحقيق امكاناتها الاخلاقية. هذا تتبعه مشاكل عدم المساواة الانسانية وفرض "الحقوق المدنية" كحل للمشكلة(10). ولكن مع وجود هذه العيوب، يستطيع كانط الآن اعطاء فروقات ضرورية لجعل اتجاهه متماسكا.

الحل سيكون اكثر تعقيدا عندما يصبح اساس التعليم الاخلاقي والثقافة غير قادرين على انجاز دورهما في المجتمع. الثقافة، في السياق الكانطي، يجب فهمها ليس كسعي جمالي نحو الخير والحقيقة والجمال،  وانما كاساس شمولي للتحسين الاخلاقي لكل الناس. الثقافة يمكنها تزويد الانسان بالحرية لو انها تجاوزت الطبيعة. الثقافة غير قادرة على تغيير الحاجات الاصلية للبشرية لأن نجاحها مقيد بالرغبات المصنوعة الناتجة عن استخدام البشرية للعقل. في ضوء ما تقدّم، نحن لدينا شكل ما من المجتمع المدني، متأسس على صناعة قرار مستقل"متجنبا اي سلطة خارجية على الرغبة" وهو يشبه جموحنا نحو الايمان المفرط  بالعقل كمرشد للحياة الاخلاقية.

ان إعادة قراءة كانط للتكوين قد يُنظر اليها كعملية خطرة من جانب الاديان والسلطات الاخرى؟ لكن بالنسبة لكانط يرى الخطورة في قراءة التكوين بطريقة تشجع على عدم القناعة بالرعاية الالهية. ان قراءة كانط هي ربما اكثر ايجابية مما يتصور البعض وذلك لعدة اسباب:1- ان الكائنات البشرية تتقدم تدريجيا نحو التنوير 2- التقدم يحدث جزئيا من خلال الصراع ممهدا الطريق للحرية وبما يقودنا لتطوير عقولنا والعيش مع بعضنا بشكل افضل. 3- لا يجب ان نحزن على فقدان العصر الذهبي للراحة والسلام قبل السقوط لأننا لم يكن بامكاننا البقاء هناك طويلا بما يكفي للانسانية. 4- ان السقوط هو حقا خطوة ضمن تقدمنا الشامل نحو حالة افضل. 5- قراءة كانط تعني ان التاريخ يسير من الاسوأ الى الافضل وببطء ونحن نستطيع تحريكه عبر تحرير عقولنا.

 

حاتم حميد محسن

.......................

* مقال (كانط حول التاريخ والثقافة كوسائل للتطور الاخلاقي) للكاتب LEE CHEEK، نُشر في مجلة The imaginative conservative في سبتمر 2013.

الهوامش

(1) عمانوئيل كانط "البداية التخمينية للتاريخ الانساني"،  trans-Emil fackenheim, in Immanuel Kant on history.

(2) ستانلي روسن، الهيرمونطيقا كسياسة (نيويورك:مطبوعات جامعة اكسفورد)، 1987، ص31.

(3) كانط،  ص53.

(4) المصدر نفسه

(5) كانط ص 68

(6) كانط ص 25

(7) هنا فكرة كانط عن التاريخ ايضا تحتوي على عنصر الرعاية.

(8) كانط ص 53-54

(9) نفس المصدر السابق

(10) نفس المصدر ص 62.

 

حمزة المليحتقديم: شكل التفكير الفلسفي داخل النسق الفكري المغربي ـ الأكاديمي ـ محورا للإهتمام الإبستيمولوجي، ونقطة للإرتكاز النقدي، من قبل مجموعة من الباحثين والنخب المثقفة، وقد أثارت أشكلة تعميم الفلسفة داخل المجتمع المغربي، وطبيعة تمثل "الشخص" المغربي للفلسفة كمعرفة إنسانية، جدلا عارما في كتابات العديد من المفكرين، الذين حاولوا مقاربة الدرس الفلسفي داخل أبعاده السياسية، والتنظيمية، والإجتماعية.. إلا أن طبيعة هاته الإنشغالات لم تعر إهتماما وافرا، لدور البنية الرمزية والمتخيل الشعبي في مدارسة التصورات العامية لطبيعة الممارسات الفلسفية . وإذا كان الأمر هكذا . فكيف ترتسم ملامح التفكير الفلسفي داخل بنية المجتمع المغربي؟ وما علاقة المتخيل الشعبي بعملية رسم حدود الفكر الفلسفي ورمزنته داخل فكرانية الإنسان المغربي؟ وما دور التنشئة الإجتماعية وحدودها في عملية التهيئة السليمة لتقبل فكر جديد "كان مغضوبا عليه" في سياق زمني سابق؟ وما دلالات المنهج الديني وضوابط الركن التعليمي في انتشار طبائع الإستهزاء ومسالك التخوف والإستنكار من الفكر الفلسفي؟

1 ـ الصورة الفلسفية وحواجز التمثلات الرمزية:

شكل مفهوم المتخيل لدى العديد من المغاربة بإختلاف مشاربهم وإنتماءاتهم، قاعدة أساسية في التحليل الواقعي للنمط الإجتماعي، ورغم أن هذا المفهوم نقيض لما هو واقعي في الأصل، إلا أن النسق السوسيوثقافي بالمجتمع المغربي ينطلق بالأساس، في رؤيته للوقائع والأحداث، وكذا في إستشفافه للمعارف وإستكناهها ... من المقاربة التاريخية التي تنظر للثرات بمنطق العين الواحدة، وتقطع بالمقابل مع كل ما هو موضوعي وعقلي، وتمجد الدلالات الرمزية للمتخيل الشعبي الراسخ في روح المجتمع . ومن الناحية السيكولوجية  " يتجسد المتخيل بالمعنى الحقيقي لكلمة تجسد، في لحظة معينة من حياة الفرد، ربما تكون هي الحدث الوحيد الذي يمكن تحديده بما هو كذلك في المتن التحليلنفسي[1]، فعندما نتحدث عن الفكر الفلسفي داخل الاوساط الشعبية المغربية، نجد أن معظم التفسيرات حوله كانت ولازالت رهينة إنغلاق وإنسداد إبستيمي في أفق التجديد العقلي، فتعريفهم للفلسفة أو التفكير الفلسفي ينطلق من مبدإ الثقافة الشعبية التي تتيح قدرا من التفاعل الإجتماعي بين أفرادها، وفقا للخلفية القيمية والرمزية لهم، وكذلك وفق البنية النفسية الكامنة في لاشعورهم الباطني .

هكذا نجد بأن الفلسفة أمست عرضة للنكتة المغربية ومصدرا لزلات اللسان المرتبطة بالخلافات والشجارات التافهة بين الأفراد، فصار ذلك الأرعن الذي يجيد فن الكلام الفارغ بؤرة للتفلسف وعمقا له، حتى قيل في من أكثر الحديث  والغوغاء "باراكا ما تفلسف علينا" . والحقيقة أن " هذه الضروب من السلوك والتفكير لا توجد خارج شعور الفرد فقط، بل إنها تمتاز أيضا بقوة قاهرة آمرة، هي السبب في أنها تستطيع أن تفرض نفسها على الفرد، أراد ذلك أو لم يرد [2]، مادام المجتمع هو الذي يقرر سلوكاته وتمثلاته للأفكار والأشياء . من هذا المنطلق بالذات ندرك بأن الفلسفة كنمط من المعرفة لا ترى في المجتمع المغربي بعين التقدم والتجديد، بل بعين الجمود والتخلف المستمد من نظرة الأباء والأجداد حول هذا النمط المعرفي، بسبب بعض الإرهاصات التاريخية  والسياسية التي مر منها المجتمع المغربي، وكذا لما يتشربه الأفراد من عملية التنشئة الإجتماعية، التي تلعب دورا حاسما في تشويه البنية النسقية للحقائق الإجتماعية التي يتلقاها الفرد عند احتكاكه بالمعرفة الفلسفية، حيث تصبح الشخصية عبارة عن " تمظهر وتجل وتعبير عن المشترك بين النفسي والإجتماعي لدى الفرد الذي يتشرب سيكولوجية مجتمعه، ليبني سيكولوجيته الشخصية، فالجماعة التي ينتمي إليها تظل حاضرة داخله مهما ادعى التملص منها [3] . ولعل هذا ما أدى بالفلسفة ـ كأرقى أشكال التعبير الإنساني ـ إلى السقوط في دوامات المتخيل الشعبي المغربي، المنبثق من النظرة الماضوية للأشياء، حتى أصبح الفكر الفلسفي بمثابة علم باطل لا يسمن ولا يغني من جوع، ولعل السبب وراء هاته الظنون الخاطئة هو إيمانهم بمعتقدات وإيديولوجيات فاسدة هدفها الأسمى إغتيال العقل المغربي المبدع، في ظل غياب القدرة على مواكبة التقدم والعمل على تغييب الأفكار التجديدية والنهضوية .

2 ـ  الصورة الفلسفية في تناقضات المنظومة التعليمية:

ويمكننا أن نلمس هذا الإعتقاد الخاطئ في منظومتنا التعليمية السابقة، فقد إقترف النظام المغربي السابق خطأ فادحا حين قام بتهميش الجزء المتعلق بالفلسفة والمنطق، حيث قلص من كل ما يغني الحس النقدي البناء لدى الطالب والتلميذ المغربي، وذلك بحجة أن الفلسفة تساهم في نشر الإلحاد وطمس القيم الأخلاقية الدينية، وأن المنطق الأرسطي هو السبب في تخلف العلوم والنظرة العلمية العربية، وبهذا فقد " عمد بعضهم إلى قلب الحقيقة، جاعلين من الضعف قوة ومن النقص كمالا، فينسبون إلى العقل ما كان ينسب إلى نقيضه ـ أي الجهل ـ [4]، معتبرين أنفسهم دعاة الإصلاح و نور الهدى، وتقوى الفكر والمعرفة، وبالتالي كانت النتيجة أن أدرنا رؤوسنا إلى الوراء ودخلنا في سرداب معتم ونفق مظلم قادنا في آخر المطاف إلى شلل فكري شعاره اللاإبداع . لكن هل كان المجتمع المغربي مستعدا لهذا النوع من التفكيرالمقلق والمزعج؟

إن هذا السؤال يتطلب منا نظرة مزدوجة للواقع السياسي السابق، وللبنية الفوقية لنسقية الثقافة المغربية، فعندما نتحدث عن إمكانية إندماج العقل المغربي المتشبع بقدسية الإسلام الشعبي، مع طبيعة الفكر الفلسفي، نصطدم مباشرة بمفهومي "القابلية" و"الإستعداد" النفسي والأخلاقي " فالثقافة الفلسفية لم تتبيأ في الثقافة العربية الإسلامية . إذ نظر إليها دوما منذ القديم على أنها بضاعة إغريقية، أو فكر نقدي تجاه الفكر الديني عامة [5]، وهذا ما جعل العقل المغربي ـ العامي ـ أرضية غير قابلة للإخصاب الفلسفي . هذا كما لعب السياق السياسي السابق دورا كبيرا في عملية قولبة التوجهات الفكرية المتأثرة بممارسة الفكر الفلسفي والداعية إلى تعميمه، " ويتمثل هذا الوجه السياسي في أن دروس الفلسفة في الثانوي والجامعة كانت مورودا للفكر اليساري الحديث بالنسبة للطلبة، وكان معظم أساتذة الفلسفة متأثرين بالماركسية، مما جعل هذه المادة مشبوهة إيديولوجيا وسياسيا [6]، ومنبوذة إجتماعيا وأخلاقيا .

ولعل زعزعة المتن السوسيوـ سيكولوجي لفكرانية الأشخاص، تنتج لنا مجتمعا متخبطا في تناقضات أفكاره، فالقوة السياسية و السلطة التنظيمية حينما تحضر في المجتمع بطريقة عكسية ومنحرفة عن أهدافها الأساسية، تعطل مسار الأفكار النورانية في جسد المجتمع، فيتأخر النمو المعرفي والعقلي لدى الأفراد، وتتمثل لديهم المعارف والسلوكات والأحكام على نقيضها . لكن سيرورة التعطيل هاته لا يمكن لها أن تستمر ما دامت قد بنيت على صرح الباطل، " فالفكرة عندما تخرج إلى النور فهي إما صحيحة أو باطلة، وحينما تكون صحيحة فإنها تحتفظ بأصالتها حتى آخر الزمان، لكنها بالمقابل يمكن أن تفقد فعاليتها وهي في طريقها حتى ولو كانت صحيحة [7]، وكذلك الفكرة الفلسفية، يمكن لها أن تنقطع لبعض الوقت في مجتمع ما، لكنها تعاود النهوض مجددا وبقوة أكثر من السابق . ولهذا فقد أريد لدروس الفلسفة في الماضي أن تلعب دور إبعاد الناس عن دينهم، والحقيقة وراء هكذا إتهام هو إنتاج الإنسان الفاقد للقدرة على التمييز وتفعيل العقل بالشكل المناسب .

ونتيجة للتشدد الأعمى حرص الفكر الإسلامي والدراسات الإسلامية – سابقا – على إعتماد مناهج وبرامج هدفها إبعاد الطلبة عن ممارسة التفكير الحر المستند إلى مبدإ النقد، وكأن العالم الإسلامي لم ينتج فطاحلة الفكر والفلسفة، " ولو تأملوا هؤلاء الأشخاص الذين حاولوا إزاحة الفكر الفلسفي وعقلوا " لعلموا أن من لا قديم له، لا جديد له، وأن الشرف والنبل يرجعان إلى عراقة الأصل، وأن أفخم البنيان يشاد حتما على أمتن أساس[8]  ذاك الأساس الذي خلفه السابقون من فلاسفة الإسلام .

3 ـ الصورة الفلسفية في نوازل الشرعة الربانية:

إن لله وهو الحق العليم، قد منح الإنسان ملكة العقل البرهاني ـ الرباني ـ، لإخراجه من دوامات الجدل العرفاني الكلاسيكي، بمعنى أن وظيفة العقل الإنساني تقتضي منطق التفاعل الكوني مع ظواهر الأشياء وتجلياتها في الكون، فالمجتمع لا يقوم إلا من خلال التفاعل الإجتماعي بين أفراده، ذلك التفاعل الذي يقوم على أساس القوة العقلية والأخلاقية، وإن الفيلسوف هو الشخص الوحيد الذي يستطيع " الكشف عن إستبصارات يكون العالم مدينا لها على الدوام [9]، ولهذا لا يصح أن ترشق الفلسفة – كلما تسنت لهم فرصة الحديث عنها – بأسهم الجهل والتضليل، فإذا كانت الشريعة الإسلامية تخدم مصالح الناس العامة فإن الفلسفة تخدم العقل الإنساني وتنميه، وتخرجه من وحل الإيديولوجيات الفاسدة بالبحث والتفكر والتأمل… في الكون ومن عليه، " فالإنسان الذي لم ينهل من الفلسفة تكون حياته أسيرة أحكام سابقة، إستمدها من الفطرة المشاعة [10]، وبهذا يصبح التفكير الفلسفي ومضة النورالمتبقية في ظلمات التهافت المبتذل، وسلطان العادة، وقيد المسلمات العرفانية . ذلك أن انتشار الأضاليل، وسعة  بعض الأقاويل، قد أدى إلى إعادة صراع فكري قديم كان قد حسم قبلا، في هيازج الهدي الفكراني، لصلابة الفلسفة الرشدية، فقد كفر الإمام أبو حامد الغزالي الفلاسفة ومن سار على دربهم في ثلاث مسائل " إحداهما مسألة قدم العالم، وقولهم إن الجواهر كلها قديمة، والثانية قولهم إن الله تعالى لا يحيط علما بالجزئيات الحادثة، والثالثة إنكارهم بعث الأجساد وحشرها [11]، ويتضح لنا من خلال هاته المرافعات المجحفة في حق الفلسفة  " بأن هذا الرجل أخطأ على الشريعة كما أخطأ على الحكمة [12] ، وإذا أردنا أن نخرج بخلاصة في هذا الباب يمكن أن نقول بأن هذا الموقف الذي عاشه، ولازال يعيشه المجتمع المغربي ليس سوى إعادة إنتاج حرب التناطح الفكري " الكبير والطويل والمستمر بين العقل والنقل [13]، والتجديد والجمود، المحايث لسيرورة التنشئة الإجتماعية المنحرفة والمشوهة .

4 ـ  الصورة الفلسفية في حقيقة الحياة اليومية:

إن ممارسة التفكير الفلسفي وفقا لضوابطه العقلية والتنظيمية، يوجب على الإنسان أن يسعى لتبيأته ومحاولة ممارساته، كنمط سلوكي عام داخل المجتمع،  والحقيقة أن المجتمع المغربي مجتمع غير مبال، فمعظم تفكيره مقترن بالأساس في صعوبة عيشه، إنه مجتمع يحتاج إلى روح الفيلسوف، إلى من يندهش ويسأل ويستغرب، لا إلى من يقضي يومه بالتفكير في كيفية تحصيل لقمة العيش، والتلهف لإشباع نزوة الشبق الجنسي . فعامة المغاربة لا يتخذون موقفا من الحياة، فقد تعودوا على الأشياء لدرجة أنهم فقدوا الحس النقدي الذي يرتكز على مبدأ التساؤل والإندهاش . إن الشباب المغربي اليوم ـ وبدون تعميم مسبق ـ  شباب غير مبال، يستهلك أيامه بدون حماس، يبتعد كل يوم عن دائرة العلوم والمعارف، " والشعب بغير هدى المعرفة، جمهور بغير نظام، هو بذلك كالرغبات بغير نظام، أو القطيع بغير راع، إن الشعب يحتاج إلى هدى الفلاسفة كما تحتاج الرغبات إلى ضوء المعرفة [14] ، ولهذا نحتاج إلى التفكيرالفلسفي بإعتباره تفكيرا نقديا يسلك طريق السؤال والشك، لنتذوق الطعم الحقيقي للحياة . ومادام الفكر الفلسفي مجرد تفكير عقلي خالص لا يتبناه المجتمع كممارسة فعلية لضبط السلوكات الإجتماعية، تبقى الحياة اليومية مجرد صورة مختزلة للتفاعل الوهمي ـ المزيف ـ بين أفراد المجتمع المغربي .

خلاصة عامة:

إن أهم ما يمكن الخلوص إليه، هو أن إشاعة الفلسفة وتعميمها في المجتمع المغربي، يتطلب بعد الإرادة السياسية الجادة والملحة، إدراكا ووعيا بأهمية البعد السوسيوـ ثقافي ودوره، في مقاربة الوضع التفاعلي بين: الفلسفة كمعرفة والتمثلات القبلية للشخص المغربي، الناتجة عن سيرورة التنشئة الإجتماعية . والمخلفات التاريخية التي تحيط بالأفراد من كل جانب . ولن يتم ذلك إلا من خلال إعادة بناء النسق الفكراني للتحليل الرمزي لبنية المتخيل الشعبي عند التلميذ الدارس للفلسفة، والأشخاص المهتمين بهذا الحقل المعرفي .

 

حمزة المليح ـ باحث في علم الإجتماع ـ المغرب

..........................

المراجع المعتمدة:

كاترين كليمان ـ التحليل النفسي ـ تعريب محمد سبيلا ـ محمد أحجيج، منشورات الزمن، سلسلة ضفاف .

إميل دوركايم ـ قواعد المنهج في علم الإجتماع ـ ترجمة محمود قاسم، دار المعرفة الجامعية، 1988 .

عبد الرحيم تمحري ـ شخصية المدرس المغربي، الهوية والتوافق ـ تقديم أحمد أوزي ـ منشورات مجلة علوم التربية، العدد 34 .

طه عبد الرحمان ـ سؤال الأخلاق، مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية ـ المركز الثقافي العربي .

محمد سبيلا ـ دفاعا عن العقل والحداثة ـ مركز دراسات فلسفة الدين ـ بغداد 2004

مالك بن نبي ـ مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي ـ ترجمة بسام بركة، واحمد شعبو ـ أفاق معرفية متجددة .

مصطفى لطفي جمعة ـ تاريخ فلاسفة الإسلام في المشرق والمغرب ـ دار العلم والمعرفة .

وليم كلي رايت ـ تاريخ الفلسفة الحديثة ـ ترجمة محمود سيد أحمد، دار التنوير ـ بيروت .

برتراند راسل ـ مشكلات الفلسفة ـ ترجمة : سمير عبده ـ دار التكوين للنشر

الإمام الغزالي ـ تهافت الفلاسفة ـ دراسة وتعليق أبو عبد الرحمان محمد بن علي، دار الفن والثقافة

إبن رشد ـ تهافت التهافت ـ دراسة وتعليق أبو عبد الرحمان محمد بن علي، دار الفن والثقافة

الهوامش

[1]  ـ كاترين كليمان ـ التحليل النفسي ـ تعريب محمد سبيلا ـ نحمد أحجيج، منشورات الزمن، سلسلة ضفاف ـ ص 56

[2]  ـ إميل دوركايم ـ قواعد المنهج في علم الإجتماع ـ ترجمة محمود قاسم، دار المعرفة الجامعية، 1988

[3]  ـ عبد الرحيم تمحري ـ شخصية المدرس المغربي، الهوية والتوافق ـ تقديم أحمد أوزي، ص 12

[4]  ـ طه عبد الرحمان ـ سؤال الأخلاق، مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية ـ المركز الثقافي العربي، ص 13

ـ محمد سبيلا ـ دفاعا عن العقل والحداثة ـ مركز دراسات فلسفة الدين ـ بغداد  2004، ص 40 [5]

[6]  ـ محمد سبيلا ـ نفس المرجع السابق ـ ص 40

[7]  ـ مالك بن نبي ـ مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي ـ ترجمة بسام بركة، واحمد شعبو ـ أفاق معرفية متجددة، ص 103

[8]  ـ  مصطفى لطفي جمعة ـ تاريخ فلاسفة الإسلام في المشرق والمغرب ـ دار العلم والمعرفة، ص 9

[9]  ـ  وليم كلي رايت ـ تاريخ الفلسفة الحديثة ـ ترجمة محمود سيد أحمد، دار التنوير ـ بيروت، ص 21

[10]  ـ برتراند راسل ـ مشكلات الفلسفة ـ ترجمة : سمير عبده ـ دار التكوين للنشر، ط1 ـ 2016، ص165

[11]  ـ الإمام الغزالي ـ تهافت الفلاسفة ـ دراسة وتعليق أبو عبد الرحمان محمد بن علي، دار الفن والثقافة، ص 174

[12]  ـ إبن رشد ـ تهافت التهافت ـ دراسة وتعليق أبو عبد الرحمان محمد بن علي، دار الفن والثقافة، ص 301

[13]  ـ محمد سبيلا ـ نفس المرجع السابق ـ ص 40

[14]  ـ ول ديورانت ـ قصة الفلسفة ـ من أفلاطون إلى جون ديوي، دار الوطن 2017، ص 32

 

علي محمد اليوسفتوطئة: افكار هذه المقالة مستوحاة من مصدر كتاب الفيلسوف الامريكي ريتشارد رورتي بعنوان (الفلسفة ومرآة الطبيعة) كما معلن عنه في هوامش الاقتباسات، الا أني فوجئت بأن الفصلين الاول والثاني من الكتاب لا يطرحان أفكارا فلسفية وأنما هي آراء طبية تخصصية في علم وظائف الاعضاء والجهاز العصبي، وتتحدث باسلوب تخصصي معقد عن افتراضات مقارنة لكوكب آخر يسكنه أناس لا عقول طبيعية لهم كعقول أهل الارض... وعمد المؤلف أجراء مقارنات غاية في التعقيد الفسلجي الوظائفي في علم وظائف الاعضاء في تدعيم وجهة نظره في فرضية المقارنة التي أقترحها للتدليل على صحة ما يريده.

ما وجدته في الكتاب المصدر أحتجاب الآراء الفلسفية تماما من الحضور في متون الفصلين الاولين من المحتويات، مما يجعل الباحث عن الفلسفة بعيدا جدا عما يتحدث عنه الكتاب على أنه فلسفة معاصرة وليس كتابا في علم وظائف الاعضاء والجهاز العصبي وعلم النفس الطبي التخصصي الدقيق.. لذا وجدت نفسي ملزما كي أقدم مقالة فلسفية للقاريء أن أخرج على الكثير من آراء رورتي في علم وظائف الاعضاء متوخيا البحث بين ثنايا فصلي الكتاب عن قطوعات وشذرات فلسفية تعينني عرضها ومناقشتها بحجاج منطقي فلسفي مفهوم واضح..

وأستشهد على ما سبق لي ذكره بمثالين:

- الاول هل بأمكاننا أعتبار ماهو فيزيائي لا يكون بالضرورة الادراكية عقليا؟؟ الجواب الذي عثرت عليه في فلسفة رورتي أن هذه بديهة لا يمكننا مناقشة التسليم بها ولا مجال في مناقشة تخطئتها أو التحفظ في تعميمها على جميع الظواهر الفيزيائية بدءا من ظواهر المادة وليس انتهاءا بظواهرالسديم الكوني، وهذا برأيي قطع يقيني غير سليم تماما...فكل متعين فيزيائيا يكون متاحا أدراكه عقليا باستثناء بعض الظواهر الفيزيائية التي تخص فيزياء الكون والقوانين العامة الذي تحكمه.

- المثال الثاني الذي لا يقل أستعصاءا على قبول التسليم به هو في أعتبار رورتي أحاسيس طبائع الجسم الداخلية النفسية المزاجية مثل الالم والحزن والسعادة والبكاء والجوع والعطش والجنس أنما هي محض أستثارات لألياف عصبية وليست أستثارات عقلية ولا تعني أستجابة الدماغ لها في وجوب الردود الاجرائية عليها وأشباعها غريزيا ماديا..

لما ذكرته وغيره لا يحضرني كثير أستوجب مني التنبيه أن ما تحويه المقالة من أفكار هي من وحي الفصلين الاوليين من كتاب رورتي لكن ليس بالضرورة الالتزام بما ورد فيهما من أفكار وجدتها بعيدة عن التناول والاهتمام الفلسفي، لذا فالمقال هو أفكارخاصة بي وأجتهاد شخصي فقط في مناقشة اقتباسات عرضية من الكتاب..

في معنى علاقة العقل بالجسد

يذهب فلاسفة غربيون عديدون قدماء ومعاصرون الى أهمية وجوب التفريق في مسألة بديهية لا تحتاج عناء برهان عليها، هي فصل العقل عن الجسد ليس على صعيد البيولوجيا وحسب وأنما على صعيد الوظيفة الفسلجية والمعرفية والفلسفية التي تحتّم وجوب هذا الفصل القائم أساسا،، فالعقل ليس هو الجسد، ولا الجسد هو العقل،، ووصاية العقل على الجسد لا تجعل من هذا الاخير جوهرا لا أهمية له من دون ملازمة العقل له كجوهر ثابت..فالجسد موجود في فاعلية العقل الحيوية الملازمة له وموجود ايضا في عطالة العقل كما في حالات الجنون أو فقدان الوعي والامراض العصابية العقلية، وهذا يؤكد حقيقة أن العقل لا ينتج مقولاته الاجرائية عن مدركاته خارج تكامله مع الجسد في كينونة انسانوية واحدة،، كما لا قيمة حياتية من أي نوع لجسد لا يتوّجه ويقوده عقل واع في  السيطرة عليه وتقويمه من الزلل المستديم والضلال المميت.

فالجسد والعقل هما جوهرواحد قيمة أحدهما لا معنى لها من دون قيمة الآخرمعها،فالانسان جوهر متكامل يستمد كينونته من ثنائية جوهر العقل - الجسد، بينما لا ينوب الجسد كجوهر عن جوهر العقل، ولا أهمية للعقل ولا للجسد من دون تكاملهما العلائقي الفسلجي الوظيفي في أعطاء العقل والجسد جوهر كينونة الانسان الواحدة. والجسد كينونة غير كاملة حقيقتها تكمن في تواشجها مع العقل ولا يمكن معرفة الانسان بالعقل مجردا منفصلا عن الجسد وبالعكس أيضا..فلا عقل حي فاعل بغياب الجسد الصحي غير المريض عنه..

الجوهر الجسدي الناقص

الجزء المنفصل عن الجسد لا يمتلك صفة الجوهر الكامل، فالذراع المبتورة عن الجسد لا تمثل علاقة الجسد بالعقل كجوهر متكامل ينوب في تمثيله الجسد، بل تمّثل الذراع المبتورة جزءا علاقتها بالجسد تكون قبلية سابقة على علاقتها الغائبة عن مدركات العقل لها كجوهر متكامل..لذا تكون الذراع المبتورة جوهرا غير كامل يعجز عن تمثيل الجسد كجوهر متكامل بمجموع أعضائه..وهذا الاخير أي الجسد لا قيمة حقيقية له في أنفصاله عن العقل الذي هو جوهر انساني..بل أستحالة أن يكون هناك وجود حي حقيقي للجسد المتعافي في غياب أرتباط العقل التكاملي به.. .وهو ما يرتّب لا أهمية أي جزء من الجسد أن يكون جوهرا كاملا ينوب عن تمثيل كامل الجسد.

الفصل بين العقل والجسد من الناحية البيولوجية والفسلجية والفلسفية أنما يقوم على أن وظيفة العقل ليست أدراك الاشياء في وجودها الخارجي المتّعين ماديا للتدليل على أهمية العقل في الوعي القصدي الادراكي للاشياء وحسب، بل العقل ينفصل عن الجسد في تحديد مدركاته الواردة الواصلة اليه عن طريق الاحساسات عبر الحواس من جهة، ومن جهة أخرى أدراك العقل للأحاسيس الواردة اليه التي يكون مصدرها اجهزة الجسد نفسه داخليا ذاتيا متحررا من الحواس مثل غرائز النفس من شعور الانسان بالعطش والجوع والسعادة والمرض والحزن والضحك والالم والبكاء والكآبة التي هي تجليّات النفس المزاجية،، فهذه وعشرات غيرها هي أحاسيس يصدرها الجسد على شكل أيعازات ترد عقل الانسان عبر منظومة الجهاز العصبي لا علاقة للحواس بها فهي أحاسيس يصدرها الجسد داخليا وليست أحساسات تصدرها الحواس خارجيا ناتجة عن مدركات الاشياء في العالم الخارجي.. والعقل يتعامل مع الاحساسات والاحاسيس على أنهما وسيلة أدراك واحدة لا أنفصال بينهما الا بمقدار أهميتها التراتيبية في مدركات العقل الواصلة اليه..ونجد مهما في تعالق مع هذا التوضيح ضرورة عدم القفز فوق حقيقة وحدة الجسد مع النفس في علاقة لا أنفكاك فيها، وهي علاقة لا تشبه ولا تتعين بضوء علاقة العقل بالجسد كجوهرين متلازمين بالتكامل الوظيفي الاجرائي وليس بالاندماج العضوي البايولوجي العفوي كما هو في علاقة النفس بالجسد فهما كيان واحد بخلاف علاقة العقل والجسد كجوهرين متكافئين تكامليا..

ويجمع العديد من الفلاسفة على (أن جدول وعي الاحاسيس من غير جسد لا يعقلها العقل)(1)،وما تجدر الاشارة له بهذا الخصوص أن رورتي ينكر أن تكون الاحاسيس التي مصدرها النفس في الجسد واجهزته البيولوجية التي يتكون منها الجسد داخليا مثل جهاز الهضم والجهاز العصبي وجهاز الدورة الدموية وجهاز العضلات وغير ذلك داخليا وعنها جميعا تصدر الاحاسيس كما في حالات الالم وامزجة النفس المتنوعة العديدة التي ينكرها رورتي أن تكون (عقلية) بل يعتبرها أستثارة لالياف عصبية لا علاقة للعقل في أدراكها ولا علاقة له في ردود أفعال أشباعها ومعالجتها..

وعليه نكون غير مجانبي الصواب قولنا أن الجسد هو الوعي الكامل لمدركات العقل، وتبقى الاحساسات الصادرة عن الحواس تجاه العقل، والاحاسيس الصادرة عن أنفعالات وطبائع الجسد جوّانيا كليهما من نوع الوعي الناقص غير الكامل الذي يقوم العقل بتوحيدهما وتشكيلهما بهذا التوّحد وعيا كاملا كمدركات عقلية يرتّب عليها مقولات العقل الاجرائية.. فلا معنى لشعور الانسان بالجوع والعطش ورغبة الجنس والالم والحزن من غير تكامل جسد - نفس يحتويها ويصدرها على شكل أيعازات تستثير العقل عبر الجهاز العصبي كي يتم اشباعها أجرائيا... كما لا معنى لأحساسات الحواس المنقولة عبر الجهاز العصبي من غير أسبقية الجسد على العقل في أستلامه الاحساسات كمستودع تخزين لما يطلبه العقل من خزين معرفي بالذاكرة عند الحاجة للبت بها تفسيرا ، تعليلا ،علائقيا، وأجرائيا أيضا.

العقل جوهر لامكاني... ديكارت

يعتمد ديكارت مقولته (العقل جوهر لا مكاني) فبأي معنى أو أي معيار يمكننا الذهاب معه ؟؟ علما أن ديكارت يعتبر الاقانيم الجوهرية القارة الثلاث هي (الله، العقل، المادة..). كما يرد على لسان الفيلسوف المعاصر ريتشارد رورتي أن افلاطون كان يمكن أن يكون أكثر قربا من ديكارت بخلاف ارسطو، في مسألة الفصل الديكارتي بين العقل والجسد وأعتبارهما جوهرين متمايزين يمتلكان الاستقلالية أحدهما عن الآخر. ونجد ان ديكارت محق بما ذهب له بضوء أجتهادنا أنه لو كان العقل جوهرا (مكانيا) لما كان أمتلك القدرة على أدراكه المادة التي هي خاصّية أمتداد متحرك في الزمكان، لذا عندما تكون ميزة العقل (لا مكانية) كما يرى ديكارت فهو بهذا المعنى يخرج العقل من الثبات ليكون جوهرا غير محدود في قابليته رصد الحركة والامتداد والتغيير والتحولات في المادة،، أي يكون العقل زمانيا متغيرا وليس مكانيا ثابتا، فالمكاني كجوهر عقلي ثابت يدرك المحدود مكانا الثابت المتجانس معه في ثباته المجرّد عن صفات وتحولات التغيير بخلاف (اللامكاني) بتوصيف ديكارت الذي هو ميزة العقل في أدراكه متغيرات المكان المتعالقة معه باستمرارفي الزمان والمكان، ف (لامكانية) العقل كما ينعت بها ديكارت العقل هي في حضوره الزماني الادراكي للاشياء في ثباتها وفي حركتها مكانا على السواء.. فالعقل بتعبير ديكارت (هوجميع المحركات التي لا تتحرك) وأصلها عبارة ارسطو في المحركات التي لا تتحرك(2) هنا بهذا المعنى يكون العقل (نوس Nouse) جوهرا يدرك الحركة والتغيير في المادة ويستوعبهما، ولا يكتفي بادراك المادة في أمتدادها ولا في ثباتها النسبي الزائف، بأعتبار المكان فضاء مادي ممتد فلا بد للعقل من ملاحقة حركات الاشياء المادية فيه وانتقالاتها وتغيراتها الدائمة المستمرة..وفي مقاربة معنى ماذهبنا له يرى ديكارت أمكانية فصل العقل عن الجسد بالمنظور الفلسفي في أعتبارنا العقل جوهر عديم الامتداد يقاطع المادة التي هي جوهر ممتد.(3) هنا التقاطع المقصود لا يأتي بمعنى التضاد غير المتعايش علائقيا بالاخر، بل بمعنى التمايزالمتعايش في الوظيفة تكامليا مع الضد.. ميزة العقل أن لا يكون مكانيا هو في قدرته أن يلعب دور الزمان في أدراكه الاشياء المتحركة المتغيرة باستمرار،، وبذلك يكون ديكارت مصيبا في نعته العقل أنه جوهر لا مكاني..مؤكدا أهمية العقل الزماني في ثباته الادراكي للاشياء في حركتها...والعقل الثابت المكاني المجرد عن زمانيته لا يقوى أدراك الاشياء في حركتها أي في ثباتها المكاني ولا في زمانيتها المتغيّرة على الدوام..

أنه لمن المهم التنبيه أن العقل ثبات في وجوده البايولوجي لكنه متغير غير ثابت زمانيا - مكانيا في أدراكه حركة الاشياء في تغيراتها وانتقالاتها، لذا يكون العقل بهذا المعنى (لا مكانيا) تعبير دقيق صائب لديكارت.

والجوهر (اللامكاني) للعقل عند ديكارت رفضه كانط وستراسون حسب رورتي بأعتباره فكرة غير متماسكة مثّلت القرن السابع عشر. حيث كان من مألوف التاريخ الفكري تصور حدوث أشياء غريبة في فكرة الجوهر في ذلك القرن(4)، وهو رفض غير مقنع وتعبيرلغوي مبتورفلسفيا،، فهما كانط وستراسون كانا محقيّن في أعتبارهما أن الجزء لا يمّثل جوهر الكل، فمثلا ذراع الانسان المبتورة هي ليست جوهرا يمثل الانسان كاملا ولا يمثل الجسد كاملا أيضا، كما لا يكون الذراع جوهرا لامكانيا له قدرة الحركة والامتداد التي هي خاصية مادية فيزيائية يترتب على العقل الانساني كجوهر ثابت لامكاني أمتلاكه زمانية أدراكها.

وفي أنفصال العقل عن الجسد لا يفقد الانسان ماهيته الجوهرية وبتعبير ديكارت(العقل والمادة كائنان متمايزان لا يعتمدان أي شيء آخر لوجودهما )(5)،، فماهية العقل لا يكتسبها من المادة موضوع الادراك الحسي -  العقلي، لكن بمقدور العقل أن يكسب هو المادة ماهيتها في الادراك الحسي لها فقط وليس بمقدور العقل أكساب الموجودات ماهياتها بمعناها الانطولوجي(وجود مستقل) الذي هو حق مكتسب في وجود المادة (ظواهر وماهية) كمعطى أزلي لموجودات الطبيعة لا يحتاج الى وجود ماهوي يكتسبه في أدراك العقل له فهو تحصيل حاصل مكتسب بالفطرة الانطولوجية في الطبيعة كوجود مستقل عن الادراك العقلي له..

الفكر الذي هو نتاج عقلي متخارج مع مواضيع الادراك يكتسب ماديته من موضوعه المتخارج معه أدراكيا.. ولكن هذا المعيار العلائقي بين الفكر والمادة لا يصح أستنساخه بعلاقة الفكر مع العقل..فالعقل مادي بالفطرة الخلقية قبل الاكتساب لصفة المادي له بالمعرفة المنطقية التجريدية..بينما تكون مادية الفكر مكتسبة موضوعيا بالتخارج مع مواضيع أدراكه وليست المادية من الخصائص الذاتية للفكر المجرد بل من خصائص اكتسابه لها موضوعيا..

ويعبّر ديكارت قائلا :( لا شيء أسهل للعقل معرفته أكثر من معرفة نفسه )(6) وأن أقرب شيء للعقل هو ذاته  ، وحسب مداخلة ريتشارد رورتي أنه ينسب لكثير من الفلاسفة أصرارهم القول أنه لا معنى أطلاقا لتحديد مكان لحدوث الفكر داخل الجسد ، وهو تعبير فلسفي غامض ومعقد على التفسير الدقيق الا بضوء التمييز بين ما هو المقصود تحديدا بالعقل (نوس Nouse ) أو (مايند Mind) أو (لوغوس Logos)عن أختلافه بمعنى (برين Braine) الذي يعني العقل والدماغ أيضا...ونجد من السهولة نفسها أن نقول بضوء ذلك أنما يعقل العقل نفسه في أدراكه معرفة الاشياء والموضوعات الخارجية ولا يوجد تعبير آخر يعطي الجملة معناها أكثر من أعتبارنا العقل تفكيرمستمد من موضوعات أدراكه الخارجية وموضوعات تفكيره الداخلية معا تكامليا..ومعرفة العقل لذاته القريبة منه أنما تتم في تفكير العقل بموضوعات أدراكه ذاتيا ليس الا..وألا نكون مجبرين الأخذ بالكوجيتو الديكارتي أن معرفة العقل تتم بالتفكير الذاتي المجرد من موضوع أدراكه ،، أنا افكر.. من دون تحديد التفكير بماذا؟؟ وهو المطب الفلسفي الديكارتي الذي تناوله الفلاسفة بالكثير من المثالب بحق الكوجيتو الناقص..

وكما سبق لنا التذكير به أن التباس التعبير في ما هو المقصود(نوعيا) من العقل تحديدا وبدقة يكون في وجوب أخراجنا العقل من التعميم الفلسفي المجرد الذي يعني أن العقل هو تفكيربالفكرالمنطقي المجرد المقطوع الصلة بمدركاته وكفى، هذا غير كاف لتنويرنا كيف يستطيع العقل أن يعقل نفسه بسهولة لا أجرائية كما يذهب له ديكارت، بمعزل عن الوظيفة الفلسلجية العصبونية التي لا يكون العقل عقلا(دماغا) من دونها..

التفكير عبر اللغة هو السمة الجوهرية التي يمتاز بها العقل لكنها لا تمثل (كل) وظائف العقل لأن العقل منظومة لا تحد من الفعاليات الحيوية الواسعة المهام يصعب علينا حصرها بالفكر المفّكر ذاتيا....العقل لا يكتفي بالتفكيرالمجرد المنطقي المتماسك فقط وعدم أصداره (مقولاته) الاجرائية العابرة للفكرة التي هي ميزة عقلية أكثر أهمية من مجرد عملية الادراك الفكري الصوري التجريدي للاشياء.

ما يصدر عن المادي فهو مادي

يقول رورتي على لسان رايل  Rylean أن حالات المزاج هي صفات العقل والطباع فلا تتطلب وسطا (لاماديا) كأساس وأنما تتطلب الانسان.(7)، وهذا دليل قاطع على الخلط بين أن يكون العقل تفكيرا أستيعابيا غيرأجرائي وبين أن يكون أساسا ماديا أجرائيا في معالجة مدركاته. كما أن النفس وما تصدره من أيعازات الاحاسيس العواطف والوجدانات والالام وغيرها أنما تكتسب ماديتها من مادية الوجود الانساني مصدر فعاليات النفس التي هي جزء من جوهر كينونة الانسان كجسد مادي.. وكل ما يصدر عن المادي هو مادي حتى لو كان على مستوى التفكير أو أحاسيس النفس،، فهي أي صفات العقل والطباع وما تصدره النفس لا تحتاج وسطا غير مادي على حد تعبير رايل في الافصاح الذاتي عنها لكنها في ذات الوقت تحتاج الانسان كوجود مادي من دونه لا يمكننا تصور وجود انفعالات نفسية تصدر عن انسان..وعليه تكون صفات العقل والنفس العاطفية والوجدانية والالام أنما هي في المحصلة النهائية أجراءات مادية يتحسسها الشخص الذي يصدرها بغية أستثارة منظومة الجهاز العصبي والدماغ في وجوب معالجتها أجرائيا من جهة وفي التأثير التواصلي مع الآخر قدر تعلق حاجة الحالة النفسية معرفة الاخرين بها..كما في تعبير النفس عن الحب والفرح والسعادة والحزن والالم وهكذا..

ثم نتساءل كيف لا تكون صفات العقل المزاجية لاتحتاج وسطا لا ماديا في الوقت الذي تحتاج الانسان كجوهر مادي جسمي ممثلا بجوهر العقل المادي أيضا كما يذهب له رايل؟؟ صحيح أن الاحاسيس النفسية صفات مجردة عن دلالاتها المتعينة ماديا وليس كما هو حال غيرها من أدراكات الانسان للاشياء المادية،، وصفات العقل المزاجية لا تحتاج سوى اللغة وبعض أيماءات الجسد أحيانا في التعبيرعنها كأستثارة نفسية - عصبية لكنها تبقى الاحاسيس في المحصلة صفات مادية نفسية مصدرها العقل المادي ولم تأت من فراغ لا مادي غير معروف ولا متعيّن هوالجسد قرين النفس مصدر المزاج والعواطف والوجدانات..

وبحسب رورتي أيضا فأن الفلاسفة يأخذون على ديكارت أنه يمنح الاحساسات صفة اللامادية من غير مسوّغ مع أنها الصفة المميزة للعقل.(8) .، وهذا مصداق ما ذهبنا له في تفسير عبارة رايل المناقضة تماما لديكارت التي يأخذها عليه رورتي مثلبة خاطئة بالانتصار لتعبير رايل الخاطيء مع الاخذ بعين الاعتبار الاختلاف بين رايل الذي قصد الاحاسيس وبين ديكارت الذي قصد الاحساسات..أن رورتي يقرّ بأن كل مظهر لأي شيء موجود في الواقع هو حالة دماغية بالمنهج المادي..لكنه ينكر أن تكون الاحساسات مدركات عقلية بل هي أستثارات لحزم عصبية لكل حالة فقط ولا علاقة للدماغ بها ولا في ردود الافعال عليها.

أن من المهم توضيح أن ما يصدر عن المادي هو مادي بالضرورة العلائقية المتخارجة المحكومة بعلاقة الفكر بالموضوع، فالفكر الذي يصدره العقل هو مادي يستمد ماديته في تخارجه مع موضوعه وليس من تفكير العقل بموضوعه تجريدا ذاتيا ولا يمكننا أعتبار العقل غير مادي بكل المعايير وما يصدرعن العقل من مقولات فكرية لغوية منطقية يكتسب صفة المقولات الاجرائية الواقعية، ولو كان العقل غير مادي فهو يكون حتما بالضرورة العلائقية مع موضوعه عاجزا عن أدراك كل ما هو مادي ويعجز عن أعطاء أفكاره صفة المقولات الاجرائية عن مدركاته..التي تكون أجراءات مادية تغيّر واقع الاشياء في وجودها.وليست أفكارا منطقية نسقية تظهر متانة التجريد التفكيري وتماسكه فقط بمعزل عن واقع مدركاته..

ميزة العقل الجوهرية التي نتجاهلها في بعض الاحيان هي أن العقل لا يفكر تجريديا منطقيا بالاشياء من أجل التفكير بها فقط، فالوعي هو تفكير قصدي بالشيء،، عليه يكون تفكير العقل من أجل أن يقود هذا التفكيرالتجريدي العقلاني الى أجراءات هي ردود أفعال يصدرها العقل عبر منظومة الجهاز العصبي كي تأخذ حيّز التنفيذ في الواقع وموجوداته وتكويناته..وهذا ما سبق لكانط أن أعتمده بما أطلق عليه (مقولات ) العقل الاجرائية في معالجته مواضيع مدركاته.

أن ألتباس ديكارت قوله الاحساسات التي مصدرها الحواس المادية هي لا مادية؟؟ هي مقولة صحيحة في حال أعتبارنا الاحساسات مادة خام لم تتم معالجتها بالذهن الاستقبالي لها من الحواس ولم يصدر تجاهها ردود أفعال أجرائية.... وخطأ رايل المبني على الفهم الخاطيء لعبارة ديكارت قوله أن الاحاسيس الصادرة عن الجسد هي نفسية مزاجية لا تحتاج وسطا لا مادي في أدراكها؟؟ هنا يجب الانتباه جيدا لما سبق لنا توضيحه في أسطر سابقة هو ان ديكارت يتكلم عن أحساسات مصدرها الحواس، ورايل يتكلم عن أحاسيس مصدرها النفس وطباع الانسان المزاجية..

وتعقيبنا أزيد من السابق أن صفة اللامادية للحس لا تقاس بمعيارية أن العقل لا يكون ماديا على الدوام كون التفكير المجرد بصور المدركات ذهنيا هي ميزة العقل الاساسية في أستقباله جميع حالات الاحساسات الادراكية الموضوعية كمواد خام.. بل وأكثر أن ميزة العقل الاكثر أهمية أنه يتعامل مع حالات الحس المزاجية مثل الالم والحزن وقضايا النفس والمزاج اللامادية بنفس معيارية أدراكه الاحساسات المادية الواصلة اليه عن موضوعات العالم الخارجي عبر الحواس بوسيلة التفكير العقلي المنطقي المادي.. ويبقى في المحصلة أن مايصدر عن العقل أجرائيا يكون ماديا سواء أكانت أحساسات الحواس أو كانت أحاسيس النفس والمزاج.. وما لا يحتاج الى وسط لا مادي في الافصاح من أحاسيس النفس والمزاج يكون لا معنى ولا وجود حقيقي له،، فالنفس جوهر مكمّل لجوهر الجسد تكتسب ماديتها من مادية الجسد قبل مادية رقابة ووصاية العقل عليها لذا مايصدر عنها من انفعالات تكون مادية ترتبط بأجراءات أشباعية لها مادية أيضا...فمثلا أحساس الانسان بالجوع لا يتم أسكاته واشباعه بالكلام الشفاهي ولا بالصوم، وقل مثل ذلك في حالات العطش والجنس والمرض والالم والحزن..

وليس من السهولة تمرير الافتراض الخاطيء بالقول أن الافكار تنتج أفكارا تجريدية متتابعة متماسكة ومنظمة بلا وسط مادي الى ما لا نهاية لها من التناسل الفكري المنطقي بمعزل عن مدركات العقل الاجرائية في التماس المباشر بالواقع، ويبقى التساؤل المهم كيف يكون لأفكارنا جدوى من غير تعالقها الضروري بالواقع الاجرائي لعملية تناسل الافكار في توليدها المستمر لافكار التجريد الى ما لا نهاية له من غير وصاية العقل المادية الاجرائية على تلك الافكاركي تكون جزءا من الواقع؟؟ تفكيرالعقل لا يشبه اللعب باللغة كما ذهب له فينجشتين، فاذا كان بمقدور اللغة اللعب في مخاتلة وتضليل المعنى، فالعقل لا يخاتل في تضليل وهمي غير موجود لحقيقة أن التفكير المنطقي من دون مقولات أجرائية مادية لا معنى ولا ضرورة له.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

.............................

الهوامش

1- ريتشارد رورتي/الفلسفة ومرآة الطبيعة/ ت :حيدر حاج اسماعيل/ مركز دراسات الوحدة العربية/ص 127

2- المصدر السابق ص 126

3- المصدر السابق ص 123

4- المصدر السابق ص 127

5- المصدر السابق ص 128

6- المصدر السابق ص 123

7- المصدر السابق ص 128

8- المصدر السابق نفس الصفحة

 

 

حيدر جواد السهلانيأن هيجل لم يعزل الفن عن الحضارة فكل سمات نسقه الفلسفي الميتافيزيقي تظهر في رؤيته للفن بشكل واضح، وهو يضع الفن بصف واحد مع الدين والفلسفة، ومهمة النشاط الفني هو ان يجعل وحده بين الذاتي والموضوعي، لذلك مضمون الفن عند هيجل هو الفكرة وشكل الفن هو التجسيد الحسي وليست فكرة منطقية مجردة، بل فكرة تتجسد في الواقع بعد ان تدخل في وحده مباشرة معه.

يتفق هيجل مع ارسطو بأن للفن وظيفة تطهيرية اخلاقية، فهو ينقي العواطف والانفعالات ويطهرها.(1) ويرى هيجل "ان هدف الفن يكمن لا في استحضار الاهواء فحسب، بل ايضآ في تطهيرها وبعبارة اخرى فأن تهذيب الاخلاق هو الذي يشكل هدف الفن".(2) ويذهب هيجل بأن الفن والدين والفلسفة مضمون واحد، لذلك يرى أن الروح الكلي في الفن حدس وصورة وفي الدين عاطفة وتمثل وفي الفلسفة فكر خالص وحر، ويفسر هيجل تتابع العصور الفنية لفكرته عن التطور الزمني فيقسم الفن الى ثلاثة انماط (الفن الرمزي وظهر في العصر العصر الشرقي القديم، والفن الكلاسيكي وظهر في العصر الاغريقي، والفن الرومانطيقي وظهرفي العصر الحديث).(3)

الفن الرمزي:

ساد هذا النمط الرمزي فترة طويلة من تاريخ الفن هي فترة الحضارات الشرقية القديمة، وأول مايتميز به هذا النمط هو تعارض الموضوع الفكري مع الشكل الخارجي، ومن جهة اخرى يتميز المضمون الفكري فيه بصفات الايهام والالغاز ومن هنا يسود الطابع السحري الممتلئ بالاسرار.(4) ويكافح الذهن البشري في الفن الرمزي، لكي يعبر عن افكاره الروحيه ، لكنه يعجز عن أن يجد لها تجسيدآ كاملآ، ولهذا يتقدم الرمز وسيلة للتعبير، وماهية الرمز هو أن يوحى بالمعنى، كما هي الحال حين يتخذ الاسد رمزآ للقوة والمثلث رمزآ للفكرة الدينية.(5) ويلاحظ أنه في اعمال الفن الرمزي يقف الانسان عاجزآ عن التعبير الكامل عن المضمون الروحي، ولهذا فهو يكتفي بأن يوحى بهذا المضمون عن طريق الرمز، كما نجده في شعر الاساطير حيث لانعثر الا على اشارات مبعثرة.(6) لكن ثم مرحلة لاتكون الاعمال الفنية فيها متميزة تمامآ عن الموضوعات الطبيعية، ويكون الصراع بين المضمون الفكري والشكل الخارجي موجودآ، ولكن على مستوى الرمزية اللاواعية ويمثله الفن الهندي.(7) ثم يبلغ مرحلته الثانية حين يظهر صراع المضمون والشكل والوعي الانساني، بحيث يمكن التفرقة فيه بين الجانبين وتبلغ الرمزية هنا مرحلة الرمزية الواعية، اذ هي مرحلة اعلى قليلآ من المرحلة الهندية (الرمزية اللاواعية) اذ نجد فيها الانفصال بين الجانب الالهي والتجسد المادي أكثر وضوحآ، وأن لم يكن ادراكآ كاملآ.(8)

الفن الكلاسيكي:

يظهر هذا النمط من الفن حين تصل الروح في تطورها الى مرتبة التحرر من الطبيعة، وتسمو عن التجسدات الحيوانية لتتخذ من الشكل الانساني مظهرآ لها، وعندئذآ تدرك الروح ذاتها منفردة ذات شخصية.(9) وبذلك تتطابق الصورة المحسوسة مع المحتوى الباطن، أي أنه يهتم بأبراز الحقيقة الجمالية في الصورة الظاهرة، أو في الجمال المحسوس.(10) وقد كان فن النحت هو اقدر تعبيرآ عن المثل الاعلى للجمال الكلاسيكي، ذلك لأنه اقدر الفنون على التعبير عن التغيرات والانفعالات الانسانية، وان اعمال النحت اليوناني اقرب الى التعبير عن المبدأ الكلي، وقد امكن للتشكيل في فن النحت أن يعبر عن الالوهية تعبيرآ مباشرآ، ذلك لأن التمثال لايشير الى الاله بواسطة المعبد كما كان الحال في العمارة الرمزية.(11) ولقد ارادو اليونان أن يبلغوا في الفن المثل الاعلى، أي ان يصلوا الى التوازن والاتفاق والانسجام بين الصورة والمضمون.(12)

الفن الرومانطيقي:

لم ينجح الفن الكلاسيكي في تقديم الروح الا متمثلآ في وجودها الجسدي الفيزيائي، أما الروح في ذاتها مستقلة عن تجسدها المادي وفي وعيها فقد تمثلت في الفن الرومانطيقي.(13) وهكذا يبدو أن المضمون في الفن الرمزي خارجيآ بالنسبة للشكل، لأنه لم ينفذ فيه بعد ومن هنا طغت المادة على الروح، اما المضمون في الفن الكلاسيكي فقد نفذ الى الشكل واصبح داخليآ، فكان التعبير تامآ وكاملآ وامتزجت الروح بالمادة امتزاجآ كاملآ في وحده منسجمة، ولكن الروح في الفن الرومانتيكي لم تنفذ الى الشكل المادي وانما تجاوزته، فهنا تسود الروحية وتنفذ الى الوجود المستقل مخلفه وراءها تجسدها المادي.(14) وبذلك يرتفع الفن فيه من العالم المنظور الى العالم المعقول ليعبر عن الجمال المعنوي أو اللامتناهي، والفن هنا مثله مثل الدين يؤدي كل منهما الى الفلسفة، وهي جميعآ تعبر عن روح لامتناه، اي من المطلق ولكن بينما نجد الفن والدين وليدا العاطفة والمخيلة، نجد الفلسفة تتحقق عقليآ، اذ الفلسفة تحول الصور الفنية والمعاني الدينية الى مقولات عقلية.(15) ويركز الفن الرومانطيقي على الجانب الذاتية، أعني المضمون الروحي واهماله الجانب الموضوعي أعني التجسيد المادي.(16) وتتمثل أول مراحل تطور الفن الرومانطيقي في المرحلة الدينية وهي تدور حول قضية النداء المستمد من تاريخ حياة المسيح في مولده وبعثه.(17)

انواع الفنون عند هيجل:

ينظم هيجل الفنون كلها في نسق درجي يخضع لنظريته الخاصة بالأنماط الثلاثة التي تتحقق من خلالها الفكرة ويتداخل مذهبه بالفنون بتاريخ الفن، فهو يبدأ نسق الفنون بفن العمارة ويتوج بالشعر. ويقسم هيجل الفنون الى نوعين الفن الموضوعي (كالعمارة والنحت والتصوير) والفن الذاتي (كالموسيقى والشعر).(18)

فن العمارة:

هو فن رمزي يدل على الفكرة ولايعبر عنها تعبيرآ مباشرآ، وتكون العمارة هي أول خطوة على طريق الفن، وهي أقل الفنون قدرة على تقديم المضمون الروحي، لأنها الفن الذي يقف عند حد الفكرة المتعارضة مع الصورة، كما أن المادة المستعملة في هذا الفن هي المادة الصلدة الخالية من الروح، وبذلك فن العمارة لاتمثل الالوهية مباشرة.(19)

فن النحت:

الوسط الذي يعمل فيه النحت لايزال بغير شك هو المادة الجامدة.(20) ويرى هيجل" أن النحت يتقارب من فن العمارة بمعنى أنه يصوغ الحسي بما هو كذلك، لكنه يجسد في هذا الفن الروحية بالذات الغائية والاستقلال في ذاتها ولذاتها في شكل جسماني موافق لمفهوم الروح ومطابق لفرديته".(21) وقد اصبح الفنان في فن النحت اكثر حرية للتعبير عن الشخصية او الفكرة التي يتناولها، ومن هنا امكن للالهة أن تتعود ويتخذ كل منهما شخصية وفردية واسمه الخاص، كما امكن للنحت اليوناني ان يكون تعبيرآ عن الروح القومية والمعتقدات.(22)

فن الشعر:

الشعر هو اكثر الفنون تحررآ من المادة غير انه ايضآ الفن الذي يوشك أن تخبوه فيه الروح جذوة الروح الفنية، ويرى هيجل"أن حقيقة الشعر يتشعب الى انواع وضروب شتى ويتنوع من شعب الى اخر، في الاغريق نلقى لديهم الشعر الملحمي، وفي الشرق الشعر الملحمي الرمزي، ثم الشعر الملحمي الكلاسيكي، ثم الشعرالملحمي الرومانسي".(23) وبذلك الشعر هو انسحاب الروح من الغلاف الحسي، ويعمل بالتصورات او التمثل الذهني الداخلي تمامآ.(24)

 

حيدر جواد السهلاني

.............................

الهوامش

1- ينظر محمد علي ابوريان، فلسفة الجمال، ص45.

2- ينظر هيجل: المدخل الى علم الجمال (فكرة الجمال)، ص52.

3- ينظر محمد علي ابو ريان: فلسفة الجمال، ص47.

4- ينظراميرة حلمي مطر: فلسفة الجمال، ص130.

5- ينظر ولتر ستيس وميشيل متياس: هيجل، ج2، ص610.

6- ينظر محمد علي ابوريان: فلسفة الجمال، ص47.

7- ينظر اميرة حلمي مطر: فلسفة الجمال، ص131.

8- ينظر ولتر ستيس وميشيل متياس: هيجل، ج2، ص612- 613.

9- ينظر اميرة حلمي مطر: فلسفة الجمال، ص132.

10- ينظرمحمد علي ابوريان، ص47.

11- ينظر اميرة حلمي مطر: فلسفة الجمال، ص133.

12- ينظر ولتر ستيس وميشيل متياس: هيجل، ج2، ص618.

13- ينظر اميرة حلمي مطر: فلسفة الجمال، ص134.

14- ينظر ولتر ستيس وميشيل متياس: هيجل ج2، ص618.

15- ينظر محمد علي ابوريان: فلسفة الجمال، ص47.

16- ينظر ولترستيس وميشيل متياس: هيجل، ج2، ص618.

17- ينظر اميرة حلمي مطر: فلسفة الجمال، ص136.

18- ينظر اميرة حلمي مطر: فلسفة الجمال، ص137.

19- ينظر اميرة حلمي مطر: فلسفة الجمال، ص137.

20- ينظر ولتر ستيس وميشيل متياس: هيجل، ج2، ص633.

21- ينظر هيجل: موسوعة علم الجمال الهيجلي (فن النحت، ج7)، ص6.

22- ينظراميرة حلمي مطر: فلسفة الجمال، ص133.

23- ينظر هيجل: موسوعة علم الجمال الهيجلي (فن الشعر، ج10)، ص206- 207.

24- ينظر ولتر ستيس وميشيل متياس: هيجل، ج2، ص640.

 

 

علي رسول الربيعيإذا كان من المهم التمييز بين تاريخ الفلسفة (ما فعله الفلاسفة) من تأريخ الفلسفة (ما يفعله مؤرخو الفلسفة) في سياق مناقشة قضية التفلسف وعلاقة الفلسفة مع تاريخها، فإنه من المهم بداية تقديم نظرة تصنيفية لتاريخ الفلسفة. هناك نظرتان مختلفتان لتاريخ. لدى مايكل فريد، في مقدمة مقالاته في الفلسفة القديمة، رواية  توضح الطريقة التي دخلت بها دراسة الفلاسفة العظماء في الماضي في المناهج الفلسفية العامة في نهاية القرن الثامن عشر. وقال إن ذلك يعتمد على مفهوم تاريخ الفلسفة: حيث يتم عرض وفهم بعض الأسئلة التي تحدد المشروع الفلسفي بشكل أكثر وضوحا حتى تصبح إجابات هذه الأسئلة أكثر وضوحا، والتي ربما يكون من المفترض حتى أن هناك بعض من الآليات التي تضمن نوع من التقدم في  تاريخ الفلسفة، لكي تكون مفهومة. أنظر:

Michael Frede, Essays in Ancient Philosophy (Oxford: Clarendon Press, 1987), p. XXV.

يقول فريد للأسف لا يزال ، هذا المفهوم مؤثراً في بعض الأوساط ولا يزال الأعتقاد الخاطئ  سارياً، وهو أنً الطريقة الصحيحة لفهم وتفسير فكر أرسطو كانت وستكون بمثابة خطوة حاسمة بأتجاه فهم الكانطية، أو أي نظام فلسفي لاحق قد نتبناه.

يمكن للمرء  أن يستفيد من دراسة الفلاسفة العظماء في الماضي كنماذج تاريخية. لكن، وكما يؤكد فريد، أنه يختلف تمامًا عن دراسة تاريخ النصوص الفلسفية الذي تم إجراؤه بالطريقة التي يجب أو من المفترض أن يتم بها.

هناك معاني عديدة للفلسفة بأختلاف السن المتحدثين عنها، وهذا يسري على تاريخ الفلسفة الذي له ايضاً معاني مختلفة تعتمد على مايعتبره مؤرخ معين ضرورياً للفلسفة. كان هذا صحيحًا بالنسبة لأرسطو، الذي كان أول مؤرخ للفلسفة، وأيضا لهيجل، الذي كان يأمل في أن يكون الأخير. وكان لكل منهما وجهة نظر مختلفة نوعا ما عن طبيعة الفلسفة. لكن كلاهما، عندما شرحا آراء الفلاسفة السابقين - أرسطو في الميتافيزيقا مقالة الـ "ألفا"، وهيجل في محاضراته حول تاريخ الفلسفة -  نظر لهما بوصفهما يمثلون خطوات بأتجاه رؤية كانوا يعتبرونها  كانت غير مكتملة ومتعثرة.

هناك رأي عكس ذلك تماما، يقول، لا تزال جميع المشكلات الفلسفية الرئيسية موضع جدال بعد قرون من النقاش، وهي ليست أقرب في هذه المرحلة  إلى أي حل نهائي. وأي شخص ينظر إلى الوراء عبر التاريخ الطويل للفلسفة لا بد أن يتساءل: هل تصل الفلسفة إلى أي مكان؟ هل تعلم الفلاسفة، رغم كل جهودهم على مر القرون، أي شيء؟ قارن فولتير علماء الميتافيزيقا بالراقصة الصغيرة التي تتحرك عبر غرفة في موقف رائع ورقيق، بحركة  دائرية دائمة دون التقدم خطوة واحدة، وأنهم ينتهون عند النقطة نفسها التي انطلقتوا منها.

كتب فيتجنشتاين، في زمننا هذا:

تسمع دائمًا أن الناس يقولون إن الفلسفة لا تحقق أي تقدم وأن المشكلات الفلسفية نفسها التي كانت تشغل اليونانيين ما زالت تثيرأهتمامنا  اليوم. لكن الناس الذين يقولون ذلك لا يفهمون السبب وراء ذلك. والسبب هو أن لغتنا ظلت على حالها ودائمًا ما تقودنا الى الأسئلة نفسها ... لقد قرأت الفلاسفة وهم ليسوا أقرب إلى معنى "الواقع" مما كان عليه أفلاطون.

  1. Kenny, The Wittgenstein Reader (Oxford: Blackwell, I994), p. 2.73.

الفرق بين هذين الموقفين حول اللتقدم في الفلسفة - قد نسميها الأرسطي  والآخر لفيتجنشتاين - يعبران عن رأين مختلفين حول اللفلسفة نفسها. الفلسفة هي تخصص غير عادي للغاية ، يصعب تصنيفه. قد ينظر إليه كعلم ، أو كفن.

اذا كان الفيلسوف، من ناحية، مثل العالم، هو بالتأكيد يسعى وراء الحقيقة. يبدو هناك اكتشافات تمت في سياق الفلسفة: أشياء معينة نفهمها لم يفهمها حتى أعظم فلاسفة الأجيال السابقة. وهكذا ينتمي الفيلسوف إلى عملية مستمرة ، تعاونية، و تراكمية  كما يفعل العالم؛ ويكون لدى الفيلسوف الطموح في أن يساهم في بناء  صرح الفلسفة الكبير. وإذا كانت الفلسفة مثل العالم في هذا الصدد، فهناك التزام على الفيلسوف  أن يستوفيه وهو القيام بمواكبة التفكير  الجاري أو الحالي. وهذه مهمة ملحة، لأن مدة صلاحية مقال علمي تقدر بنحو خمس سنوات. وعليه تكون الفلسفة، من وجهة النظر هذه، مجال تراكمي يحل فيه العمل الحديث محل العمل السابق. لا شك أننا نقف على أكتاف الفلاسفة الآخرين والأكبر، لكننا نقف فوقهم.

يبدو للفلسفة، من ناحية أخرى، جاذبية الفنون والتخصصات الإنسانية. فبالتأكيد، الأعمال الفلسفية الكلاسيكية لا تنتهي بمرحلة تاريخية معينة، أنه تُقرأ مرة ، ومثنى، وثلاث، ورباع،. بينما إذا كنا نريد أن نتعلم الفيزياء أو الكيمياء، فأننا لا نهتم لتاريخ هذا الحقل العلمي، إننا لا نقرأ هذه الأيام نيوتن أو فاراداي مثلا ، في حين أننا في الأدب  لانزال نقرأ هومر وشكسبير ليس فقط لمعرفة الأشياء الغريبة التي كانت في  عقول الناس في تلك المناطق البعيدة وفي تلك  الأيام . وينطبق الشيء نفسه على الفلسفة، فنحن  نقرأ أفلاطون وأرسطو ليس فقط بروح من الفضول القديم كشئ أثري.

إن الفلسفة، من وجهة النظر هذه، هي أساسًا عبقرية، نتاج أفراد أستثنائين. فإذا رأى المرء أن الفلسفة في تاريخهاهي سلسلة من العقول الكبيرة، فليس هناك من معنى أن يحل كانط  محل أفلاطون، أوأكثر يحل  شكسبير محل هوميروس. يمكنك ، طبقاً لهذا الرأي أن تدرس الفلسفة عن طريق قراءة  ديموقريطس وكذلك عن طريق قراءة ديفدسون.

ليست الفلسفة علمًا، لأن التقدم في الفلسفة ليس مسألة توسيع المعرفة  لاكتساب حقائق جديدة عن العالم. إنها مسألة فهم ، بمعنى تنظيم ما هو معروف. نظرًا لأن الفلسفة مظلة شاملة لجميع المعارف، فهي كليًة في مجالها  وتنظيم المعرفة التي يتطلبها هذا المجال أمر صعب للغاية لدرجة أن العبقري وحده هو الذي يستطيع القيام بذلك. لا يمكن إلا للعقل الاستثنائي أن يدرك تمامًا عواقب حجة أو استنتاج فلسفي أبسط. بالنسبة لنا جميعًا نحن المختصين والمهتمين في الفلسفة لسنا عباقرة، لذا فإن الطريقة الوحيدة التي يمكننا أن نأمل أن نتوصل بها إلى الأمساك بالفلسفة  وفهمها هي الوصول إلى عقول بعض الفلاسفة العظماء في الماضي.

الفلسفة مثل العلوم الإنسانية ، لها علاقة أساسية بالنصوص وأثار المؤلفين. ويتم تعريف الفلسفة كموضوع من قبل ممارسيها العظماء، لأنه لا يوجد لديها موضوع معين، ولكنها  تمتلك الأساليب والمناهج المميزة. كان الناس الأولين الذين ندعوهم  ونعترف بهم كفلاسفة، ما قبل سقراط، من العلماء، وكان العديد منهم أيضًا قادة دينيين. كان التمييز بين العلم والدين والفلسفة غير واضح في زمنهم، كما أصبح في القرون اللاحقة. كان هناك مرجل فكري، في القرن السادس، اختمرت فيه عناصر كل التخصصات المستقبلية. لقد نظر المؤمنون الدينيون والتلاميذ الفلسفيون وورثة العلم ،في وقت لاحق، إلى هؤلاء المفكرين بوصفهم أسلاف لهم. لكن لم يفكر هؤلاء الفلاسفة في أنفسهم أنذاك على أنهم ينتمون إلى مهنة مشتركة يمكننا أن ندعي  نحن الاستمرارية لها. كان أفلاطون هو الذي استخدم في كتاباته لأول مرة كلمة "فلسفة" في معنى قريب من معناه الحديث. يمكن لأولئك الذين نسميهم  فلاسفة اليوم أن يدعوا بصدق أنهم ورثة أفلاطون وأرسطو. لكنهم يبقون مجموعة فرعية صغيرة من ورثتهم. أنهم ليس حاشية على أفلاطون. لكن كان أفلاطون الذي وضع جدول أعمالهم. ما يميزالفلاسفة  في هذا الزمن عن الورثة الآخرين لليونانيين العظام، ومايخولهم استعمال اسمهم، على عكس الفيزيائيين والفلكيين والأطباء واللغويين،  هو أنهم، أيً الفلاسفة، يتابعون أهداف أفلاطون وأرسطو بنفس المناهج التي كانت متاحة ومستعملة من قبل فلاسفة الأغريق هؤلاء بالفعل. وهذا هو السبب في أن التاريخ حميم للغاية مع الفلسفة، ولماذا الفلسفة مهمة جدا لمؤرخ الفلسفة.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ