علي رسول الربيعيسوف نتناول تحت هذا العنوان:

ـ الحرية السلبية والإيجابية.

 ـ النظر فيما إذا كان يجب أن يكون لحرية التعبير حدودأ.

 ـ وجهة نظر جون ستيورات ميل التي مفادها أنه يجب أن تكون حراً في فعل ما تريد، بشرط ألا تؤذي أحداً آخر.

 ربما تكون الحرية هو المفهوم الأساسي والأكثر أهمية في الفلسفة السياسية. ويتفق الجميع على أن الحرية شيء جيد، ولكنها تثير الكثير من الأسئلة:

- ما هو الغرض من الحرية؟

- هل أريد ببساطة ألا يفرض المجتمع أي قيود على ما يمكن أن أفعل؟

- هل أريد أن أكون حراً في التخطيط لحياتي كما أتمنى؟

- كيف تتلاقى رغبتي في الحرية مع الحاجة الواضحة إلى نوع من النظام السياسي والاجتماعي؟

- إذا كان ما أريد فعله يتعارض مع مصالح الآخرين، كيف سيتم التوفيق بين حريتي في القيام بذلك وحريتهم في إيقافها؟

إذا لم تكن هناك مشاكل مع الحرية، فربما لن تكون هناك حاجة إلى الفلسفة السياسية أو السياسة بالفعل. لدينا مشكلة لأنه من الواضح في مجتمع معقد، لا يمكن للناس ببساطة القيام بأشيائهم الخاصة دون إدراك أن ما يفعلونه يؤثر على الآخرين، وأنهم يتأثرون في المقابل. وبالتالي، فالسياسة هي وسيلة للتفاوض بين القيد المنظم وحرية الفرد.

إنً الأسئلة الرئيسية هي:

- كيف ترتبط فكرة الحرية بالحاجة إلى القانون ووالحكم أو السيطرة السياسية؟

- أين هو الخط الذي يجب رسمه بين الأشياء التي يجب تركها للفرد وبين الأشياء التي يكون التوافق فيها مع الدولة هو الخيار الأفضل؟

من الواضح أن الحرية الكاملة للجميع قد تؤدي إلى الفوضى (بالمعنى المشترك لهذا المصطلح)، وتتعارض مع الطبيعة المعقدة للمجتمع - لا يمكنك تنظيم التعليم والرعاية الصحية والدفاع وما إلى ذلك، إذا كان الجميع حر في فعل ما يحلو لهم، لأن كل هذه الأشياء تعتمد على قابلية الناس للتوقع ومطابقة للقواعد الأساسية لتمكين المجتمع من العمل.

من ناحية أخرى، لا أحد سيعتبر أنه من الصحيح للناس أن يتصرفوا مثل النمل، وأن يطيعوا القواعد الثابتة وأن يكرسوا كل طاقاتهم دون تفكير لصالح الجماعة ككل. إن أشد الانتقادات التي كانت موجهة إلى بعض الدول الاشتراكية والشيوعية هي أنها حاولت، من أجل الصالح العام، حرمان الناس من حرية العيش كما يختارون. بوضوح، يجب أن يكون هناك توازن.

السؤال الأساسي هو بكل بساطة: لماذا يجب أن أقبل من أي شخص آخر أن يقول لي ماذا أفعل؟ لماذا لا يجب علي أن أفعل ما يعجبني؟

يؤدي هذا إلى تعريف سلبي للحرية - بمعنى آخر، الحرية هي ما تبقى لك بمجرد تأخذ تدخل الآخرين في حياتك في الاعتبار. ومع ذلك، تعني الحرية، بمعناها الإيجابي، اختيار كيفية العيش، وما يجب القيام به، والقدرة على تحديد جدول أعمالنا وأهدافنا.

 أشتهر إشعياء برلين بهذين المعنيين للحرية - الحرية السلبية والحرية الإيجابية - في محاضرة بعنوان "مفهومان للحرية"، ألقاها في جامعة أكسفورد في عام 1958، وهي نقطة انطلاق جيدة للغاية لأي شخص مهتم بـ الفلسفة السياسية.

الحرية السلبية

 الحرية هي التحرر من تلك الأشياء التي تحد مما يمكننا القيام به. يحاول الفلاسفة الذين يركزون على هذا الشكل من الحرية تحديد الحد الأدنى من الحرية الذي يجب السماح به للأفراد حتى يتمكنوا من الحفاظ على كرامتهم كبشر. إنها الحرية "من" بدلاً من الحرية "إلى".

اقترح جون ستيوارت ميل (1806-73)، الذي يعد كتابه On Liberty نصًا أساسيًا للنظر في هذا النهج للحرية، أن الإبداع الإنساني سيتم سحقه دون مستوى مناسب من الحرية. لم يوافق إشعياء برلين على ذلك، بحجة أن الإبداع يمكن أن يزدهر حتى داخل أكثر الأنظمة قمعية. هذه نقطة مهمة، لأنه إذا كان ميل على حق، فإن الحرية من القيود ضرورية للغاية إذا كان لديك الحرية في التعبير عن نفسك وتطويرها كفرد مبدع. من ناحية أخرى، إذا كان برلين على حق، فإن الوعي بـ "الحرية في" تستطيع أن تمكّن من العيش بشكل إيجابي وخلاق، حتى في الحالات التي تكون فيها الظروف الخارجية قاسية وتقييدية.

مبدأ ميل "الضرر"

أدرك ميل أنه ليس كل مجتمع مستعد أفراده لتحمل مسؤولية الحرية بالطريقة التي كان على وشك أن يقترحها. فيقول عن الحالة التي يسميها: الاستبداد هو أسلوب شرعي للحكومة في التعامل مع البرابرة، بشرط أن تكون بهدف تحسينهم، وتبرر الوسائل من خلال تأثيرها الفعلي من أجل تلك الغاية. (من: كتاب الحرية)

بمعنى آخر، تقوم الحكومة بتحسينهم حتى يصلوا الى النقطة التي يمكن أن يتصرفوا فيها ويفكرون كأفراد مستقلين. إن كل ما يحتاجه الناس هو حاكم حكيم يخبرهم بما يجب عليهم فعله.

أراد ميل تعظيم الحرية. فيجادل بأن: الغرض الوحيد الذي يمكن من خلاله أن تكون السلطة شرعية، وتمارس على أي عضو في مجتمع متحضر، ضد إرادته، هو منع إلحاق الأذى بالآخرين. فمصلحته، سواء الجسدية أو الأخلاقية، ليست أمرًا كافيًا. لان: الفرد هو صاحب السيادة على جسده وعقله، فقط (كتاب الحرية)

بمعنى آخر، حتى لو كنت تعتقد أنه سيكون لمصلحة شخص ما، أو سعادة طويلة الأجل، أنه يجب إجباره على القيام بشيء ما، أو الامتناع عن فعل شيء ما، فهذا سبب غير كاف للتدخل. حتى لو استطاع المرء أن يرى أن شخصًا ما سوف يؤذي نفسه، فيجب ألا يُمنع من ممارسة حريته من القيام بذلك. القيد الوحيد هو أنه لا ينبغي السماح لهم بإيذاء أي شخص آخر. يجب أن يكون الشخص حرًا في التخطيط لحياته لتناسب شخصيته، ولديه الحرية الكاملة في "الأذواق والملاحقات"، حتى لو اعتقد الآخرون أنه "أحمق أو منحرف أو مخطئ".

وعلى هذا الأساس، يناقش ميل حرية الضمير والفكر والشعور والتعبير، وكذلك حرية الاتحاد مع الآخرين. بمعنى آخر، يجب أن يُسمح لك بحرية بالتفكير والتحدث والتصرف كفرد - وجمع الأشخاص الآخرين معًا للقيام أو التفكير أو التصرف - بشرط ألا يحدث أي ضرر للآخرين في هذه العملية.

والحرية الوحيدة التي تستحق الاسم، هي السعي لتحقيق مصلحتنا في طريقتنا، طالما أننا لا نحاول حرمان الأخرين من حريتهم، أو التغلب عليها. (كتاب الحرية)

حرية التعبير

يرى ميل في كتاب الحرية: إذا أنعقد إجماع البشر على راي وكان هناك شخص واحد له راي مخالف، فلن يكون هناك ما يبرر للبشرية اسكات ذلك الشخص وبالمقابل لا يحق له اسكات البشرية اذا أمتلك سلطة تمكنه من ذلك، حتى لو كان الراي لا قيمة له الاً عند صاحبه.

من بين السمات الرئيسية لوجهة نظر ميل للحرية حرية التعبير، والتي اشرنا اليها أعلاه هو التعبير الأوضح والأكثر تطرفًا. ومع ذلك، هناك بعض القيود التي قد تفرض عليها، في ضوء مبدأ "الضرر" - حيث يمكن اعتبار التعبير عن وجهة نظر بمثابة تحريض على الكراهية. وبالتالي هناك قيود على حرية التعبير وضعت لمنع ارتكاب أي جريمة على أساس الدين أو العرق أو الجنس أو العمر مثلاً.

المشكلة في هذا هي معرفة بالضبط ما يمكن اعتباره يسبب جريمة أو أذى. ماذا عن الفكاهة أو السخرية؟ ألا يستطيع الكوميدي أن يشير إلى الدين أو الجنس أو العرق أو العمر في مزحة؟ هل القصد من أهمية مثل الكلمات المستخدمة؟

لذلك، عند النظر في هذا الموقف، نحن بحاجة إلى تحقيق التوازن بين مبدأ ميل "الأذى"، مع إصراره على حرية التعبير حتى بالنسبة لشخص ما في أقلية واحدة. ومع ذلك، قد يقيد ميل حرية التعبير لوجهات نظر في موقف من المحتمل أن يثير المتاعب. وبالتالي، لن يكون لديه أي مشكلة مع فكرة تقييد حرية التعبير حيث يكون عرضة للتحريض على الكراهية - في الواقع، كان يرى أنه هذا بالضبط نوع الموقف الذي يجب أن يتدخل فيه القانون لمنعه.

الاعتراضات على ميل

هناك اعتراضان أساسيان على الأقل على وجهة نظر ميل للحريات التي ينبغي السماح بها للأفراد. الأول هو:

- قد يكون لكل عمل تأثير على الآخرين، حتى لو لم نكن على دراية بما قد يكون عليه هذا التأثير. بعبارة أخرى، من السذاجة أن نفترض أن ما أقوم به في خصوصية منزلي لا يكون مصدر قلق للآخرين.

على سبيل المثال الشديد، يتم تنزيل الصور الإباحية للأطفال مثلاً، ويمكن القول أن المادة متاحة بالفعل على الويب، في انتظار الشراء، وبالتالي فإن إجراء أي تنزيل معين لا يضر أي شخص ماديًا. قد لا يؤثر إجراء التنزيل على أي شخص آخر، ولكنه يعتبر جريمة جنائية خطيرة، لأن الاتجار في المواد الإباحية عن الأطفال يستند إلى الاستغلال الجنسي للأطفال. لذلك فإن الشخص الذي يقوم بالتنزيل يكون بالنتيجة متورط في إنتاجه، وبالتالي ضرر السابق لحق بهؤلاء الأطفال. بالطريقة نفسها، لا يمكن فصل الفعل الخاص بتناول المخدرات غير القانونية عن الضرر الذي قد يحدث للآخرين من خلال الطبيعة الاستغلالية لتجارة المخدرات.

وبالتالي، على الرغم من أن تلك الأفعال يبدو أنها تتم على انفراد، إلا أن حجة ميل ستظل تدينها على أساس الأضرار السابقة التي حدثت. هذا لا ينكر أنه قد تكون هناك حالات حيث يجب السماح بالنشاط الخاص لأنه لا يضر حقًا بأي شخص آخر - إنه يشير ببساطة إلى أننا بحاجة إلى استعمال الشدة للغاية. ونكون حذرين عندما نحاول رسم الحدود بين الأفعال الخاصة وآثارها العامة.

الاعتراض الثاني أكثر أهمية من منظور الفلسفة السياسية:

- إنه يجب أن تهتم الدولة بالرفاه الأخلاقي للمواطنين. لا ينبغي تركهم لتقرير ما الذي سيفعلونه بأنفسهم.

لقد أعتقد أفلاطون وأرسطو أن الدولة تتحمل مسؤولية توفير الظروف التي يمكن للناس أن يعيشوا فيها حياة جيدة، وبالتالي فإن الأسئلة التي تحدد طبيعة هذه الحياة الجيدة كانت بحق جزءًا من الفلسفة السياسية.

بالنسبة لميل، فإن المسؤولية التي منحها الإغريق القدماء للدولة أصبحت الآن تُمنح للأفراد. يجب على الناس أن يحددوا لأنفسهم ماهية حياتهم، ومهمة الدولة هي السماح لهم بمتابعة هذه الحياة الطيبة بكل الوسائل الممكنة، شريطة ألا تقيد قدرة الآخرين على فعل الشيء نفسه.

ولكن هل كان محقًا في التركيز كثيرًا على الفرد؟ ندرك اليوم أن آراء الناس تلون من قبل وسائل الإعلام والمواقف العامة للمجتمع، وكلاهما قد يتاثر بالحكومة. ومن المتوقع أن تتبنى الحكومات وجهات نظر حول الصحة والبيئة والتعليم والعصيان المدني واحترام السلطة وما إلى ذلك. لكن من خلال القيام بذلك، فهم يؤثرون في مجال الحياة الذي ربما يعتبره ميل مسؤولية الفرد وحده. لذلك، بالنظر إلى طبيعة وسائل الإعلام والمجتمع، هل من العدل أن نتساءل عما إذا كان نهج ميل الفردي لا يزال واقعيا؟

الحريات الأساسية

تعتمد درجة الحرية المسموح بها للفرد على ما إذا كنت تعتقد أن الأشخاص، الذين تركوا لوسائلهم الخاصة، سيعملون بشكل منسجم فيما بينهم، وفي هذه الحالة يمكنك السماح لهم بالحرية القصوى. أما إذا شعرت، مثل الفيلسوف هوبز، أنه في الحالة الطبيعية، يكون الكل في حرب مع الكل وتحدث فوضى، فربما تريد تقييد الحرية أكثر من ذلك.

يتناقض راي بنيامين كونستانت (1768-1830)، الذي كتبه في فرنسا في أعقاب الثورة الفرنسية وحكم نابليون، مع "حرية القدماء"، التي كانت هي حرية المشاركة في الحياة السياسية للجمهورية كما في اليونان القديمة وروما، مع "حرية الحداثة" التي حددها من ناحية تلك الأشياء التي يمكن للأفراد القيام بها دون خوف من سيطرة الحكومة أو الاعتقال.

 أيً، أنه قام بالتمييز بين الحرية الإيجابية والسلبية. فبالنسبة له، كان هناك أيضًا تناقضًا بين محاولة الثورة الفرنسية بالعودة إلى تقليد جمهوري للحياة المدنية، والذي لم ينتج الحرية المقصودة، و "الثورة المجيدة" في بريطانيا عام 1688، التي أسست حكم القانون في ظل نظام ملكي دستوري، يضمن الحريات الأساسية للمواطنين. من الواضح أنه، يأسًا من الأول، اختار كونستانت الشكل الأخير من الحرية؛ الذي يحدد بعض الحريات الأساسية، والتي يتم اعتمادها على نطاق واسع كحد أدنى، وهي حرية:

- الدين

- الرأي

- التعبير

- الملكية.

كان يعتقد أن المجتمع يجب أن يحمي كل فرد من العقاب أو القيود في سعيه لهذه الحريات الأربع. يميل تعريف الحرية بهذه الطريقة، إلى تعزيز النظرة الفردية للبشرية - وبعبارة أخرى، أننا نعرّف أنفسنا بشكل رئيسي بما نختار القيام به كأفراد، بدلاً من اعتبار أنفسنا أجزاء صغيرة من كل اجتماعي أكبر.

كما كان كونستانت يدرك جيدا، هذا هو التقليد الذي تطور في العصر الحديث. إذا عدت إلى اليونان القديمة، كان هناك شعور بأن الفرد لا يمكنه إلا أن يعمل ويؤدي هدفه من خلال المشاركة في السياق الاجتماعي والسياسي بأكمله. فبالنسبة لأرسطو، كان الإنسان حيوانًا سياسيًا، وليس حيوانًا فرديًا يعمل لمصلحته الشخصية، بل للاتفاق مع الآخرين حول كيفية العيش معًا. لكن هذا، بطبيعة الحال يقع تحت مسألة " الحرية الإيجابية".

الحرية الإيجابية

الحرية الإيجابية هي حرية اختيار ما سنفعله في حياتنا، ووضع الأهداف والعمل لتحقيقها. هل ينبغي للحكومات أن تعزز هذه الحرية؟

يكمن الخطر في هذه المقاربة، كما قدمه برلين، أن هناك إغراءً أن يتمتع الناس بحرية "أعلى" من تلك التي يختارونها بالفعل لأنفسهم. وبعبارة أخرى، من المغري لمن هم في السلطة ويمتلكون القوة أن يعتقدوا أن الناس يجهلون إمكاناتهم الخاصة وأفضل مصالحهم.

وهناك خطر من إخبار الناس بأنهم أحرار حقًا، عندما تكون قد فرضت عليهم حقًا تصور عما يجب أن يكونوا "أحراراً" في فعله. إنها خطوة قصيرة من ذلك إلى تقييد الأشخاص الذين لديهم تصور أنانية أقل أو أكثر حول ما يجب أن يكونوا أحرارًا في البحث عنه في الحياة.

يقتبس برلين في محاضرته المعنونة "مفهومان للحرية" من كتاب كانط قائلاً "الأبوية هي أعظم طغيان يمكن تخيله". هناك دائمًا خطر قيام مصلح حسن النية بمعاملة الناس على أنهم مادة تتشكل من خلال الإصلاحات التي اختارها، سواء اختاروا المساعدة أم لا. وتلك الأهداف المفروضة، والحرية المفروضة لتحقيقها، هي في الحقيقة مجرد شكل آخر من أشكال السيطرة.

هناك مثال واضح لفرض الحرية الإيجابية في أعمال روسو، حيث يقول إن السعادة والحرية الحقيقية للناس تكمن في تنحية إرادتهم الخاصة وإيجاد حريتهم الحقيقية عن طريق التوفيق من أجل الإرادة العامة للناس. وبدلاً من أن يظلوا عبيداً لمشاعرهم وتوجهاتهم الخاصة، فإنهم سيختبرون بعد ذلك حرية إعطاء أنفسهم للمشروع السياسي الأكبر. وبطبيعة الحال، إذا لم يدرك الناس أن مصلحتهم وحريتهم الخاصة تكمن في هذا الاتجاه، فسيتعين عليهم - حسب عبارة روسو المخيفة - أن يكونوا مجبرين على أن يكونوا أحرارًا.

يجادل برلين بأنه لكي يكون المجتمع حراً، من الضروري ألا تعتبر أي قواعد مطلقة. بمعنى آخر، من حق الفرد دائمًا أن يفسر ويفهم أي قاعدة كما هي تنطبق عليه، ولا يجب إجبار أي شخص على التصرف بطريقة غير إنسانية. من المهم أيضًا أن تستند هذه الحرية إلى تعريف ماذا يعني أن تكون إنسان. يحتاج الناس أن يكونوا قادرين على تطوير فكرة عن نهاية أو غرض الحياة البشرية؛ يجب أن كونوا أحراراً في النظر في هذا ومناقشته، وتعديله حسب الاقتضاء. وفي النهاية، هذا ليس شيئًا يمكن فرضه على الناس، إنه شيء يتعين عليهم احتضانه بأنفسهم.

يتعلق جانب آخر من جوانب الحرية الإيجابية بتشجيع المشاركة في النظام السياسي (وليس وفقًا للجمهوريين، كما هو موجود في مدينة اليونان القديم) من خلال تقديم مدفوعات لكل مواطن، حتى لا يحتاجون إلى توظيف من أجل التمتع والمساهمة في المجتمع. يشير هذا إلى أننا قد لا نكون أحرارًا في القيام بما نشاء لأننا مشغولون للغاية في كسب المال - وقد تحررنا من هذه الحاجة، وسنكون أحرارًا في استخدام وقتنا بشكل أكثر إبداعًا.

من ناحية أخرى، فإن طرح مثل هذه الحرية سيتداخل مع الكثير من الافتراضات حول العمل والنظام الاقتصادي، بحيث يصعب رؤية كيف يمكن تنفيذها دون بعض الجملة.

الحرية الفعالة

من المهم التمييز بين أن يُسمح لك قانونًا بعمل شيء ما، وبين القدرة فعليًا على القيام بذلك. يمكن إصدار قانون يسمح لكل واحد، إذا رغبوا في ذلك، بالجري مسافة ميل في دقيقتين. ومع ذلك، لن يؤدي ذلك إلى زيادة حريتهم الفعلية، لأنه على الرغم من السماح لهم بذلك، فإنهم غير قادرين عليها فعليًا. وجود حد أدنى من القيود والحد الأقصى من الاحتمالات على ما يرام. ولكن في العالم الواقعي، لن تتاح الفرصة أمام الناس أبدًا إما لأن يصبحوا كل ما يسمح لهم بأن يصبحوا فيه، أو يحتاجون إلى ضبط النفس من القيام بكل ما هو ممكن لهم. تعتمد حريتهم الفعالة على امتلاك الوسائل والقدرة على فعل ما يختارونه.

إن فكرة الحرية الفعالة هذه تعود إلى النظر في الإنصاف الذي ناقشناه في حلقات سابقة من هذه السلسلة. إن السعي من أجل مجتمع عادل - سواء من خلال نوع من الاتفاقيات التي اقترحتها راولز، أو من خلال التقييم النفعي للفوائد - هو في نفس الوقت السعي لتحقيق مجتمع يتم فيه تعظيم الحرية الفعالة. أن تُعامل بشكل غير عادل هو أن يكون لديك إمكانات محدودة، وبالتالي أن تُحرم من الأشياء التي من الممكن أن تحصل على نصيب أكبر من الموارد. لا يقتصر الفقر على عدم وجود أموال أو موارد كافية، بل يتعلق الأمر أيضًا بالحرية في القيام بالأشياء التي يستطيع الأشخاص الذين لديهم أموال أكثر أن يختاروا القيام بها بحرية.

يبدو لي أنه يجب الحكم على النظام السياسي من خلال درجة تمكن شعبه من الاستفادة من الحريات المقدمة، وليس فقط من خلال استحقاقهم لها. السؤال الأساسي: ما الفرق الذي تحدثه هذه الحرية بالنسبة لي؟

تتحسن الحرية الفعالة إذا كان المجتمع مستقراً ومنظمة تنظيماً جيداً. علق ديفيد هيوم، في مقالته "حول الحرية المدنية"، والمهتم بتوازن الحرية والسلطة، وفوائد الأشكال السياسية المختلفة، على كيف أصبحت الحياة أفضل في ظل الملكيًة:

"لقد تأكد أن الملكية المتحضرة، وكما قيل سابقًا في مدح الجمهوريات وحدها، إنها حكومة قوانين، وليس حكومة اشخاص. أنها حساسة للنظام، والأسلوب، والثبات، لدرجة مذهلة. تشجع الصناعة، تزدهر الفنون، ويعيش ولأمير في أمان بين رعاياه، مثل الأب بين أطفاله." (كتاب الحرية)

على الرغم من أنه لا يعتقد أن الملكية هي شكل مثالي من أشكال الحكومة، إلا أنه يتخذ موقفا براغماتيا. إذا تم وضع القوانين وتطبيقها بنزاهة، وأصبحت الممتلكات آمنة، فمن غير المرجح أن يعيش الناس في خوف وبالتالي تزداد حريتهم الفعلية.

الخوف من الحرية

جادل الفيلسوف الوجودي الفرنسي جان بول سارتر بأن الوجود يسبق الماهية - وبعبارة أخرى، ليس لدينا ذات ثابتة نحتاج إلى التوافق معها، لكننا نبني من نحن كما نمضي في الحياة. لكن هذا يجلب معه مسؤولية فظيعة، وهي أننا أحرار في اختيار ليس فقط ما سنفعله، ولكن أيضًا ما سنصبح. بالنسبة لسارتر وغيره من الفلاسفة الوجوديين، مثل مارتن هايدغر، فإن هذا النوع من الحرية هو شيء يغري كثير من الناس بالفرار منه. إنه تهديد وكذلك تحد. من السهل اعتماد دور أو قناع ثابت بدلاً من مواجهة حرية تشكل حياتنا.

 

الدّكتور عليّ رسول الرّبيعيّ

 

علي رسول الربيعيسنتناول تحت هذا العنوان:

 ـ استكشاف مقدار الحرية التي نحتاجها لفهم الأخلاق

 ـ كيف تتحدى الاختزالية الحجج الأخلاقية

 ـ كيف تعامل الفلاسفة مع قضية الحرية والحتمية.

ـ أي نوع من الحرية؟

لا أحد حر تمامًا في فعل أي شيء يرغب فيه. الحرية محدودة بطرق مختلفة:

- كثير منا لاسيما ايام الصبا نود الانطلاق في الهواء، ننشر أذرعنا ونطير، وربما كنا نحلم بذلك، قد يكون لدي بعضنا شغف بأفلام سوبرمان، ونشعر أنه لابد أن يكون ذلك ممكناً بطريقة ما. لكن جسدنا غير قادر على الطيران بدون مساعدة. للتغلب على القيد، لا بد لي من اللجوء إلى التكنولوجيا.

- قد أرغب في أن أكون فنانًا أو موسيقيًا أو هي ترغب أن تكون لاعبة جمباز شهيرة وذات موهبة عالية، لكن حريتي محدودة. قد لا يكون من المستحيل فعليًا تحقيق هذه الأشياء، لكنه يتطلب مستوى من الخبرة والتدريب والقدرة الطبيعية، مما يجعل فرصي في تحقيق ما أريد مقيدة بشدة.

هناك أمثلة على تقييد الحرية الفعلية. سواء أكان ذلك بقوانين مادية أو قدرات طبيعية أو قيود قانونية أو اجتماعية، فنحن جميعًا مقيدون بما يمكننا القيام به. إذا كنت سأقوم باختيار أخلاقي، يجب أن أكون حراً في القيام، أو عدم القيام، بالشيء المعني. لا يمكن أن يكون من الخطأ أخلاقيا عدم الطيران لأنني غير قادر على القيام بذلك. من ناحية أخرى، يمكن أن يصبح المشي عارياً في العلن قضية أخلاقية - إذا قيل إن ذلك سيؤدي إلى ارتكاب جريمة - لأنه سيكون شيئًا اخترت أن أفعله وقد كان من الممكن أن أرفضه لو أنني اعتبرته خطأ .

الحتمية

سنعرض هنا وجهة نظر الحتمية. يعتمد العلم على مراقبة الأحداث الطبيعية وأسبابها، ومن المعلومات الناتجة نكون قادرون على تطوير النظريات التي يمكن التنبؤ بها الأحداث. اذا قلت "أعتقد سيهطل المطر". لا تعني بذلك أن الطقس لديه شخصية، وأنك تخمن أنه قد قرر هطول الأمطار. بل بالأحرى أنك قلت بناءً على السحب والرياح والرطوبة في الهواء، أيً أنك كنت لاحظت أشياء مماثلة التي أدت إلى المطر في أوقات سابقة.

- يُتوقع هطول المطر طبقاً لبعض الظروف الجوية .

- قد تكون غير دقيق في التنبؤ بهذه الظروف، وبالتالي بقدوم المطر، لكن هذا لا ينتقص من الطبيعة المحددة بشكل أساسي لهذا الحدث.

- ستمطر في ظل ظروف معينة وبدونها لا، لأن: الجو يتحرك بشكل حتمي. ممكن التبوء به من الناحية النظرية، حتى لو كان صعباً عملياً.

ممكن التنبؤ بالمطر لأنه من المسلم به أن جميع الظواهر الفيزيائية مترابطة بشكل سببي، ويمكن شرح كل شيء من الطقس إلى النبضات الكهربائية من خلال القوانين الفيزيائية. هذه هي الحتمية.

يمكن القول أنه منذ صعود العلم الحديث في القرن السابع عشر إلى أوائل القرن العشرين، كان العلم ميكانيكيا. كان ينظر إلى العالم أجمع كآلة، من شأنها أن تمكًن البشرية من التنبؤ به والتحكم في عمل الأشياء الفردية. حتى عملية التطور، كما حددها داروين، كان لها أساس ميكانيكي وحتمي. لدينا مثال واضح مع نظرية الانتقاء الطبيعي على الطريقة التي يتم بها دفع التغيير إلى الأمام من خلال تطبيق قانون موضوعي؛ أن أولئك الذين يبقون على قيد الحياة إلى مرحلة البلوغ هم وحدهم القادرون على التكاثر، وهم هم الذين ينقلون خصائصهم إلى الأجيال القادمة، وليس الآخرين.

لا يزال العلم يبدو حتمياً إلى حد كبير في الأطار العام للأشياء، ولذلك ركب بعض الفلاسفة كثير من الحقائق على اساس أنه في ميكانيكا الكم، على سبيل المثال، تحدث الأشياء في المستوى دون الذري بطريقة عشوائية. نعم يمكن رؤية الاتجاهات العامة، لكن لا يمكن التنبؤ بعمل الجزيئات الفردية. لكن هذا لا يعني أنه، على المستوى الذي يعمل ويشارك فيه البشر إن العالم بأسره غير محدد - فهذا يقتصر على عالم فيزياء الجسيمات.

احتفظ العلم بوجهة نظر حتمية إلى حد كبير إجمالاً، بما في ذلك مجالات علم الاجتماع وعلم النفس التي تستكشف القضايا المهمة أخلاقياً. هناك فكرة عامة مفادها أن جميع الأحداث (بما في ذلك الفعل البشري) يمكن شرحها بناءً على الأحداث السابقة، التي تعتبر المسبب لها. ويمكن تفسير ذلك في ما يخص الفعل البشري (إلى حد ما) من حيث تأثير البيئة أو التنشئة على الفرد، إلى جانب جميع القيود المادية الأخرى التي تحد من عملنا.

قد نكون مؤهلين اجتماعيًا أو نفسيًا للتصرف بطريقة معينة، نتيجة للتربية أو البيئة. أو تعطي الجينات الوراثية استعدادًا للعنف أو الاكتئاب أو الفصام . هل هذا يعني أننا لا نتحمل أي مسؤولية عن هذه الأشياء؟ إذا كان من الممكن كشف صلة سببية مباشرة، فسيتم تعزيز حالة الحتمية في هذه المجالات من الحياة. من ناحية أخرى، كشفت الدراسات أنه بينما تكون الصفات الجسدية (مثل لون العينين) 100 في المائة بسبب الوراثة، لكنها كشفت أن العوامل السلوكية للتوائم، مثل الميول النفسية - الجسدية، يمكن أن يكون لها عامل وراثي منخفض يصل إلى نسبة 31 في المائة. يوضح هذا ما يمكن أن يوحي به المنطق السليم، وهو أن هناك عوامل أخرى بالإضافة جيناتنا التي تؤثر على سلوكنا. لكن هذا لا يدحض الادعاء بأن كل شيء محدد. إنه يدل على أنه لا يوجد عامل وحيد فقط يمكن أن يحدد النتيجة النهائية، ولكن مجموع العوامل تقوم معًا بذلك، يساهم بشيء كل منهما في المعادلة الحتمية.

قد تؤثر هذه الأشياء على حريتنا، وليس بالضرورة على حرية إرادتنا (التي سنتناولها لاحقاً). ربما نعتقد أننا أحرار في الاختيار، حتى إذا كان عالم النفس أو عالم الاجتماع أو عالم الوراثة السلوكي يدعي معرفته بشكل أفضل.

الاختزالية

 هي مشكلة فلسفية وليست مشكلة أخلاقية، لكنها مهمة لأنها تدعي أنها تجعل اللغة الأخلاقية، وفكرة الحرية الشخصية بأكملها بلا معنى.

 عندما ترفع ذراعك لالتقاط القلم مثلاً. ما يحدث في الواقع؟ لقد تعلمنا في المدرسة منذ كنا طلبة في المرحلة الثانوية وما نجده في كثير الكتب التعليمية المبسطة، أن ما يحدث هو:

- تقلص العضلات بسبب تغير كيميائي.

-يحدث هذا التغيير الكيميائي من خلال المنبهات التي تمر عبر الخلايا العصبية.

-النبضات الكهربائية الصغيرة في الأعصاب تنشأ في الدماغ.

 -يحتوي المخ على ملايين كثيرة من الدوائر الصغيرة لكل حركة للجسم والفكر الذي يمر عبر العقل، هناك الدافع الكهربائي المقابل في الدماغ.

إذا مررت شحنة كهربائية عبر عقلي، فسوف أرخ عضلاتي بشكل لا إرادي. إذا تم قطع إمدادات الدم إلى جزء من الدماغ، فإن خلايا الدماغ هذه ستموت، ونتيجة لذلك ستتوقف أجزاء من جسدي عن العمل بشكل تلقائي (كما يحدث عندما يصاب شخص ما بتخثر دماغي). قد لا أدرك أن الضرر في ذهني؛ كل ما أعرفه هو أن ساقي لن تعمل.

الآن هذا يقود المُختزل أو الذي يتبنى نظرية الاختزال إلى الادعاء بأن الأفكار التي لدينا ليست سوى نبضات كهربائية. الحرية إذن هي وهم بطريقتين: أولاً، من الممكن نظريًا التنبؤ بأي خيار؛ ثانياً، الاختيار ليس في الواقع سوى مجموعة من النبضات الكهربائية التي تتبع قوانين الفيزياء. في مقابل هذا، يمكن الرد على الاختزالية مثلا بأنها تختزل الكتاب ما هو إلا مجموعة من الحروف المطبوعة على الورق، أو أن اللوحة ليست سوى بقع من صبغات على قماش. أيا كان التحليل المادي الذي قد يقدمه المختزل، فإن تجربتي للكتاب أو اللوحة هي شيء أكثر من قواعدها المادية.

بالطبع لكي يكون للاختيار الأخلاقي (وبالتالي الأخلاق) أي معنى، يجب أن أؤيد أن الشخص أكثر من مجرد نبضات كهربائية محددة. لكن مع ذلك، لا يوجد شيء يمكنني القيام به ولا يشمل أيضًا تشغيل عقلي، فبمجرد موت عقلي لم أعد أشعر بالمعنى المادي للشعور على الأقل.

إن وجهة نظر الاختزالية تستنزف وتفرغ اللغة الأخلاقية من أي معنى صحيح. لقد كانت هناك حركة فلسفية لها تأثير كبير تدعى "الوضعية المنطقية " في الجزء الأول من القرن العشرين، تبنت وجهة نظر مفادها أن الاقوال ذات معنى فقط إذا كانت صحيحة بالتعريف، أو إذا كان يمكن إثبات أنها صحيحة بالملاحظة. "اثنين زائد اثنين يساوي أربعة" صحيح لأنه مسألة تعريف رياضي، ايً أن محمولها لا يزيد عن موضوعها فهي قضية تحليليلة. والعبارة "هناك شجرة في الحديقة" اعتبروها تعني "إذا كنت تريد أن تنظر إلى الحديقة، فسترى هناك شجرة"- لذلك فهي ذات معنى لأن هناك دليل فعلي أو مؤكد) لإثبات صحتها أو خطئها. لكن عبارة "من الخطأ أن تقتل" ليست تعريفية (تحليليلة)، وكذلك لا يمكنك أن تجد أي شيء " هناك" في العالم يقابل كلمة "خطأ". وعليه إن الأخلاق لا معنى لها، طبقاً لهذا الأختبار، لأنها لا تعتمد على المنطق ولا على الأدلة التجريبية.

لاحظ لماذا من المهم التفكير بوضوح في المطالبات الاختزالية والحتمية:

- تقول الحتمية أن جميع القرارات هي نتيجة لعوامل سابقة. إذا كانت الحتمية صحيحة، فلسنا أحرار في اختيار ما يجب القيام به. لذلك نحن لا نستحق الثناء ولا اللوم على أفعالنا. لا يتعين علينا أن نعرف كل الأسباب وراء وجهة نظر أديتميترية - يجب علينا أن نعتقد أن هناك أسبابًا كافية.. ليس علينا أن نعرف كل الأسباب لنتبنى وجهة نظر حتمية - علينا فقط أن نعتقد أن هناك أسباب كافية.

- يدعي الاختزال أن جميع العمليات العقلية هي في الواقع نبضات كهربائية في الدماغ. على هذا الأساس، فهي جزء من العالم المادي وتخضع للحتمية.

- لا يمكن أن يُقال أنه يتعين علينا القيام بشيء ما، بدون أن نتمكن من فعل ذلك. لأنه بدون قدر كافٍ من الحرية الأخلاق لا معنى لها.

الحرية والدولة

في المناقشة التي تمت حتى الآن، نظرنا بطريقة مجردة إلى حد ما في ما إذا كان الشخص حرًا في تقرير كيفية التصرف أم لا. لكن من الناحية العملية، حتى لو شعرنا بأننا أحرار، فنحن مقيدون بالفعل بالقواعد القانونية والاجتماعية للمجتمع الذي نعيش فيه.

إذا خرقنا القانون، فإننا نعاقب. إذا لم يتم ضبطنا ونحن نقوم بأنتهاك القانون، فقد لا نزال نشعر بالذنب. الحرية ليست مجرد مسألة بيولوجية، ولكنها مسألة حياة اجتماعية وسياسية. إذا شارك شخص ما في مظاهرة مؤيدة لمزيد من الحرية، فمن غير المرجح أن يكون قلقًا بشأن ما إذا كان يمكن أن يكون هناك تفسير علمي لكل نشاط عضلي أثناء سيره إلى الأمام؛ ولكن من المرجح أن مايهمك أن تقوم بحملات من أجل الحرية الاجتماعية أو السياسية واستعادة الفرد للخيارات التي تحظرها بعض السلطات.

ولكن هل يجب أن يكون لكل فرد الحرية في اختيار الطريقة التي سيعيش بها؟ في أي بلد معين، يحتاج الناس إلى اتخاذ قرار بشأن ما إذا كانوا سوف يقودون سياراتهم جميعًا على اليمين أو اليسار، وإلا ستكون هناك فوضى على الطرق. تملي الفطرة السليمة أنه يجب ألا يحق للفرد حرية القيادة على الجانب الآخر. ولكن هل يجب أن يتمتع الجميع تلقائيًا بالحق في المشاركة في العملية الديمقراطية لاختيار الحكومة؟ الإجابة على هذا السؤال ليست واضحة، لأن النتائج أقل وضوحًا.

جادل أفلاطون، على سبيل المثال، (في كتاب الجمهورية افصل التاسع) بأن معظم الناس العاديين لم يكن لديهم طبيعة عقلانية قوية،، وبالتالي يحتاجون إلى التقييد فيما فعلوه بحكمهم من قبل أولئك الذين كانوا أكثر عقلانية بشكل طبيعي. اعتقد أن الفلاسفة وحدهم سيكون لديهم القوة الكافية ليتمكنوا من التشريع من أجل مصلحة المجتمع ككل. في هذا الكتاب، يقدم أفلاطون الحجج المختلفة في شكل نقاش بين الأفراد. واحد من هؤلاء هو ثريماخوس، Thrasymachus، الذي يعتقد أن القوانين دائما ما تصب في مصلحة الطبقة الحاكمة، وتعليقات غلوكون Glaucon الذي يعتقد بالمقابل أن الجميع يودون أساسا التصرف بدوافع أنانية بحتة، على الرغم من أن جميعهم سيعانون نتيجة للفوضى التي تلت ذلك. كل من هذه الآراء حول الدوافع الإنسانية والاجتماعية تجد أصداءها تتردد على مدار تاريخ الأخلاق.

 

الدكتور علي رسول الربيعي

 

عبد الجبار الرفاعي

تفرضُ رؤيةُ الكائنِ البشري للعالَم الذي يعيش فيه كيفيةَ صلته بالعالَم، ويتشكّل نمطُ وجودِهِ في ضوئها، وتمثّلُ هذه الرؤيةُ إطارًا مرجعيًا موجّهًا لتفكيرِهِ ومواقفِهِ وسلوكِهِ في الحياة.

لقد صنع علمُ الكلام رؤيةَ معظم المسلمين للعالَم، بعد أنْ تسيّدت الرؤيةُ التوحيديةُ للمتكلمين مبكرًا الحياةَ الدينيةَ في عالم الإسلام، واستولت بالتدريج على شعورِ المسلم ولا شعورِه، وصاغت أشكالَ علاقته بذاته والآخر، وتشكّلَ في سياقها منطقُ التفكير الديني في الإسلام، وظهرت بصمتُها في تدوينِ علومِ الدين ومعارفِهِ المختلفة. وانتهت إلى ضربٍ من الاغترابِ الوجودي للمتديّن عن عالَمِهِ الذي يعيشُ فيه.

في لاهوتِ المتكلّمين يغتربُ الإنسانُ وجوديًا عن الله، لأن ذلك اللاهوتَ يبرعُ في نحتِ صورةٍ لله تحاكي علاقةَ السيد بالعبد المكرّسةَ في مجتمعات الأمس. الله في هذا اللاهوت تسلطي كما الملوك المستبدّين، نمطُ علاقته بالإنسان كأنها علاقةُ مالكٍ برقيقه، فهو يمتلك الناسَ كما يمتلك الأسيادُ الرقيقَ، ويمتلك أقدارَهم، ويمتلك التصرّفَ بكلّ شيء في حياتهم. وقد وُلدت عقيدةُ الجبر في أفق هذه الرؤية مبكرًا، وأصبحت منبعًا لشرعنة الأشكال المتنوّعة للاستبداد في تاريخ الإسلام. وحاولَ بعضُ الفقهاء تبريرَ استبدادِ الحاكم في أدبيات الأحكامِ السلطانية، وتفويضِه بحقِّ الاستحواذِ على السلطةِ واحتكارِها، وبحقِّ ممارسةِ كلّ ما من شأنه تدبيرُ الشأن العام وبسطُ الأمن ما دام عادلًا. ولا أدري كيف يمكن أنْ يجتمعَ الضدان (الاستبداد/العدالة) في أفعالِ وأوامر شخصٍ واحد، على نحوٍ يكون عادلًا في استبدادِهِ، ومستبدًا في عدالتِهِ. وهو ما تفنَّن بعضُ المتكلّمين في تسويغِه عندما نحتوا صورةً لله تحاكي شخصيةَ المستبدّ الظالم في أوامرِهِ، لكنَّه العادلُ مع خلقِهِ في تلك الأوامر.

1071 ثلاثيةـالرفاعي

إن الصورةَ التي صاغها المتكلّمون لله في كتاباتهم لا يتجلّى فيها شيءٌ من رحمته، بل تظهر قاسيةً شديدةً، إذ عمل المتكلمُ على رسم صورةِ الخالق بوصفه مُعاقِبًا لخلقه عقابًا مريرًا، ومعذِّبًا لهم عذابًا مريعًا، ومتسلِّطًا عليهم، يراقب كلَّ زلّةٍ أو خروجٍ عمَّا فرضته تلك الصورةُ من أوامر ونواهٍ تتّسع لكلّ صغيرة وكبيرة في حياتهم. وتغلّبت صورةُ الالهِ المرعبِ وتغلغلت في آثار المتكلمين، حتى طمستْ ما يشي بمحبةِ اللهِ لخلقِه، ورحمتِه، وعفوِهِ وتوبتِهِ ومغفرتِهِ لهم. من هنا نشأ جدلٌ واسعٌ بين المتكلّمين حولَ مصير فاعل الكبيرةِ، حتى قال بعضُهم بخلوده في النارِ.

ولم تشأ تلك الصورةُ قبولَ التنوّع والاختلاف الطبيعي بين البشر، ولم تقبل صورةُ الله التي نحتوها إلّا النموذجَ الواحدَ الذي صاغه علمُ الكلام، وهو نموذج يجب أنْ يتماثلَ فيه كلُّ الناس الذين يعيشون في الأرض أمس واليوم وغدًا.

 وكان من نتائج تسيّد صورة الله هذه، بناءُ علاقة عدائية بين الله والإنسان، لأن رسمَ صورة مخيفة لله تقود الإنسانَ للنفور منه، الإنسانُ بطبيعته ينفر من كلّ ما هو مخيف، ولا ينجذب إلّا لما كان محبوبًا جميلًا.

قادتْ تلك الصورةُ المكفهرّةُ الإنسانَ للهروب من الله بسبب ما أثارته من قلق، وذعر، وكآبة، وربما اشمئزاز. فإنه لا يمكن أن يحبَّ الإنسانُ عدوَّه، أو يظلّ محايدًا حياله، بل عادةً ما يلجأ لمقاومته، فإنْ لم يستطع يلجأ للاحتماء، بالاختباءِ والغيابِ عنه تمامًا. وعندما يحتجب الإنسانُ عن الله يحتجب اللهُ عنه.

عندئذٍ ينتهي الحالُ بالإنسان للسقوطِ في الاغترابِ الوجودي أو «الاغتراب الميتافيزيقي»، الذي هو ضربٌ من الاغتراب يختلف عن اغتراب الوعي والاغتراب الاقتصادي والاجتماعي والنفسي والسياسي. إنه ضياعُ كينونة الكائن البشري وتشرّدُها عن أصلها الوجودي.

يفتقرُ الإنسانُ في وجوده المتناهي المحدود إلى اتصالٍ بوجودٍ غنيّ لا نهائيّ لا محدود، وعندما لا يتحقّق له مثلُ هذا الاتصال الوجودي يسقطُ في الاغترابِ الميتافيزيقي. والاغترابُ الميتافيزيقي يعني أن وجودَ الذات البشرية وكمالَها لا يتحقّقان ما دامتْ مغتربةً في منفى عن أصلها الذي هو الوجود الإلهي.

الاغترابُ الميتافيزيقي ضربٌ من الاغتراب لا يرادف تفسيرَ جورج ويلهم فردريك هيغل (1770 - 1831) الذي يرى أن الاغترابَ ينشأ من وعي الإنسان بالهوة الشاسعة بين وجوده والحقيقة النهائية «الروح المطلقة» أو العالم المثالي. فالإنسانُ يكون مغتربًا عندما لا يجد ذاتَه في العالم المثالي.

ولا يرادف الاغترابُ الميتافيزيقي تفسيرَ لودفيغ فويرباخ (1804 - 1872) الذي يرى أن خيالَ الانسان هو من اخترع فكرةَ الإله وأسقط عليها كلَّ كمالاته، فأصبح الانسانُ مُستلَبًا، عندما صيّر الإلهَ كلَّ شيء في حين سلب من ذاته كلَّ شيء.

ولا يرادف الاغترابُ الميتافيزيقي تفسيرَ كارل ماركس (1818 - 1883) الذي جعل سببَ الاغتراب استغلالَ الرأسمالي للعامل، واستلابَ قيمة عمله، الذي يفضي إلى: اغترابِ العامل عن ناتج عمله، واغترابِه عن عملية الإنتاج، ومن ثم اغترابِه عن وجوده النوعي ككائن بشري، واغترابِ العمال بعضِهم عن بعضِهم الآخر.

كما لا يرادف الاغترابُ الميتافيزيقي تفسيرَ سيغموند فرويد (1856 - 1939)، الذي رأى أن الاغترابَ ناتجٌ عن وجودِ الحضارة واستلابِها لغرائز الإنسان، اثر ما يحدث من تعارض بين متطلّبات بناء الحضارة وما تفرضه الدوافعُ الغريزية للإنسان من متطلّبات مضادّة.

وأعني بـ «الاغتراب الميتافيزيقي» أن الانسانَ هو الكائنُ الوحيد في هذا العالم الذي لا يكتفي بوجود ذاته، فيشعر على الدوام بافتقاره إلى ما يثري وجودَه، لذلك لا يكفّ عن الاتصال بمنبع لا محدود للوجود، يتكرّس به وجودُه الشخصي، ويظلّ يعمل كلّ حياته على توسعة وجودِه وإغنائه، من خلال السعي للعثور على ذلك المنبع اللامحدود للوجود، فإنْ عجز عن الاتصال بالمطلق عاش حالةَ ضياعٍ واغترابٍ وجودي.

ولما كان كلُّ شخص يحتاجُ لما يتخطّى وجودَ ذاته المحدود، فإنْ لم يصل إلى المطلق يحاول أن يعوّض حاجتَه بما يعتقد به من مطلق، بقطع النظر عن نوع ما يعتقد به، سواء أكان أيديولوجيًّا، أو ميثولوجيًّا، أو فكرةً، أو أمةً، أو إثنيةً، أو بطلًا، أو وطنًا، أو ملحمةً، أو سرديةً، أو غيرها، وكلها تنتمي إلى المتخيَّل الذي تنسجه كلُّ جماعة لنفسها، ويتحقّق فيه شكلٌ من أشكال حضورِها، وحضورِ كلِّ فرد ينتمي إليها، وشعورِه بالاتصال بمطلق. لكنه عندما يستفيق متأخرًا يجد ذاتَه مقذوفةً في متاهات، وكأنه يهرول وراء سراب، لأن كلَّ ذلك لا يشعره بأن وجودَه الفردي يتكرّس بمزيد من الوجود. بمعنى أن لدى كلِّ فرد حاجةً إضافيةً في ذاته للوجود عابرةً لوجوده الشخصي الضيّق، وهذا الوجودُ لا يفيضه سوى الاتصال الحيوي بالمطلق. إذ يتّسع وجودُ الكائن البشري بمدى قدرته على تحقيق ضربٍ من الاتصال بهذا الوجود اللامحدود.

وجودُنا الفقيرُ يبحثُ عن وجودٍ يتسعُ له ويتحررُ به من كلِّ حدود وقيود الوجود. الزمانُ والمكانُ واللغةُ قيودٌ وحدودٌ تُفقِر الوجود، وتغرقه في اللامعنى أحيانًا، لذلك يبحث الإنسان عن لغة بديلة للغته تستوعب ما يتوالد في متخيله وأحلامه وأوهامه وقلقه وآلامه، فينتقل للرمز الذي يتسعُ لما لا تتسعُ له أيةُ لغةٍ. الرمزُ يتكفل بتزويد الإنسان بمعانٍ تضيقُ بها اللغةُ، الرمزُ لغةُ الأديانِ والفنون، لذلك كانت الأديانُ والفنونُ من أثرى منابع المعنى في حياة البشر.

كلُّ وجودٍ يقترنُ بزمانٍ ومكانٍ ولغةٍ فقيرٌ، لأن الزمانَ والمكانَ واللغةَ قيودٌ تقيّدُ الوجودَ وحدودٌ تحده، وكلُّ قيدٍ وحدٍ نهايةٌ، والنهايةُ افتقارٌ، وكلُّ افتقارٍ ضربٌ من الظلامِ. لذلك لا يمتلكُ الوجودُ المحدودُ كينونتَه إلا عندما يتحررُ من حدودِ الزمانِ والمكانِ واللغةِ. الزمانُ الذي هو غطاءٌ من الظلامِ يحتجبُ به الوجودُ، فيغترب عن ذاته. الصلةُ الوجوديةُ بالوجود المطلق، وهو الله، هي ما يحرّرُ الوجودَ المحدود من اغترابه، أي من فقرهِ الناتج عن قيوده وحدوده، التي عندما يتخلصُ منها يمتلكُ كينونتَه، فيكتمل وجودُه، وتُمحى غربته عن ذاته. لا يمتلكُ الوجودُ المحدود ذاتَه الا بصلته الوجودية بالوجود المطلق. وهذه الصلة لم أجدها في مدونة علم الكلام الإسلامي، الذي أنتجَ غربةَ المسلم عن ذاته وعالَمه.

  هذا المعنى هو الذي أفهمه من آية النور: "اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ"١. "وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا"٢. هذا النور هو الوجود المطلق الذي يخرج به الوجود المحدود من فقره وظلمته، أي من اغترابه.

 إن القرآنَ كتابٌ ميتافيزيقي بامتياز، وكلُّ ما جاء فيه ينشدُ بناءَ صلةٍ وجودية بالله، وتكريس الحياة الروحية والاخلاقية، نلحظ أن حضورَ الله يتفوّق كثيرًا على كلِّ حضورٍ في هذا الكتاب، وهذا الحضورُ لله لا نراه بهذه الكثافة في أيّ كتابٍ مقدّسٍ آخر غيرِ القرآن. فقد ورد ذكرُ اسمِ "الله" 1567 مرةً في آياته، ولو أضفنا لذلك عددَ أسماءِ الله وصفاتِه المتنوّعةِ في القرآن لتجاوز هذا العددَ بكثير، فمثلًا تكرّر ذكرُ كلمة "رب" فقط 124 مرة.

 الدينُ هو ما يخلّص الإنسانَ من الاغتراب الميتافيزيقي من خلال الاتصال الوجودي بالمطلق، الذي هو الله في الأديان الإبراهيمية، والإله أو الروح الكلّي في أديان أخرى. والمطلقُ يمثّل أغزرَ منبع يستقي منه الكائنُ البشري مزيدًا من الوجود، وهذا الوجودُ هو الذي يحدّد كيفيةَ حضور الذات البشرية في العالَم، لأن الكائنَ البشري يتحقّقُ فيه بمرتبة أكمل من الوجود.

الاغترابُ الميتافيزيقي حالةٌ أنطولوجية، تُستلَب فيها كينونةُ الكائنِ البشري، ولا يتخلّص منها الإنسان إلّا ببناءِ صلةٍ ديناميكيةٍ يقظةٍ بالمطلق، تتحقّق فيها أُلفةُ الإنسان مع الوجود، بعد أنْ تحدث عمليةُ توطينٍ له، بنحو يتحوّل الوجودُ فيه إلى مَسكَنٍ يقيم فيه. وحيث يسكن الإنسانُ الوجودَ يجدُ ذاتَه، وعندما يجدُ ذاتَه يشعر بالأمان في المأوى الذي يأوي إليه. ويتبدَّل نمطُ علاقته بإلهِهِ، فيتحوّل من عداءٍ إلى حبٍ، بل قد يتسامى الحبُّ إلى مرتبةٍ يكون فيها الحبيبُ هو الأنا.

وعلى الرغم من الآثار الموجعة لاغتراب الوعي والاغتراب الاقتصادي والاجتماعي والنفسي والسياسي، لكن الخلاصَ من أنواع الاغترابِ هذه لا يعني الخلاصَ من الاغتراب الميتافيزيقي، لأن الاغترابَ الميتافيزيقي اغترابٌ لكينونة الكائن البشري عن وجودها، وهذه الحالةُ من الاغتراب تنتج القلقَ الوجودي، إذ بعد أن تنقطعَ صلتُه الوجودية بإلهِهِ، يفتقدُ ذاتَه، وعندما يفتقد الإنسانُ ذاتَه يمسي عرضةً لكلِّ أشكال التبعثر والتشظّي، وربما يتردّى في حالةٍ من الغثيان الذي يعبثُ بروحِهِ ويمزّقُ سلامَه وسكينتَه الجوانية.

ونشأ اغترابُ الإنسان الوجودي عن إسقاط المتكلّمين لصورة الإنسان على الله. فقد تورّط المتكلّمون بقياس الغائب على الشاهد في دراسة توحيدِ الله وصفاتِه وأفعالهِ، وكان نموذجُهم المحسوس علاقةَ السيد بالعبد، فصاغوا في إطارها نمطَ علاقةِ الله بالإنسان. ووُلدت الرؤيةُ التوحيدية الكلامية في أفق هذا الفهم، وكُتبت المدونةُ الفقهية في سياق هذه الرؤية، وتبعًا لذلك أنتجت فقهًا يشرعن بعضَ أشكال العنف. بل تغلغلت رؤيةُ المتكلّمين في معارف الدين المختلفة، وظهر أثرُها في كثير مما أستلهمه المسلمون من النصوص الدينية.

الرؤيةُ التوحيديةُ للتصوّف الفلسفي عالجت الاغترابَ عن الله ببناء صلة وجودية بين الله والإنسان، إذ يسافرُ الإنسانُ في ضوء هذه الرؤية إلى الله حتى يصلَ إليه، ويحضر في حضرته، كذلك يقترب اللهُ من الإنسان، حتى يصيرَ الإنسان مرآةَ الله وأظهرَ تجلياته، كما يشرح ذلك مفهومُ الإنسان الكامل، وأسفارُ الإنسان في عوالم الأسماء والصفات الالهية، وكيف يصعد الإنسانُ سُلّمَ تلك العوالم، ويتسامى ليتصل وجوديًا بالحق. في إطارِ هذه الرؤية تتلاشى المسافاتُ بين الإنسان ومقامِ الربوبية، ويتخلّص الإنسانُ من اغترابه الوجودي عن الله، ويكفّ الدينُ عن أن يكونَ منبعًا للعنف.

ويمكن العثورُ على بعض الجذور العميقة للعنف في الاغتراب الميتافيزيقي، فقد كشفت الدراساتُ الأنثروبولوجية عن اقترانِ العنف بالمقدّس٣ . وتشير التوراة والقرآن إلى أن أولَ عملية عنف دموي في الحياة البشرية قتل فيها أحدُ أبناء آدم أخاه كانت بسبب نزاع على قربان إلهي.

عندما نتحدّث عن التصوّفِ الفلسفي، وكيفيةِ رسمه لوحةً ميتافيزيقية مختلفة تمامًا عن لوحة المتكلمين، لوحة يتصل فيها الإنسانُ بالله، فيتحرّر من اغترابه الوجودي، وتبعًا لذلك يتحرّر المتدينُ من أحد بواعث الحاجة للعنف، فإن البحثَ يتناول الموضوعَ من زاوية تنشد الكشفَ عن أثر هذا النوع من الاغتراب، بوصفه يسهم في تشكيل البنيةِ العميقةِ لظهور العنف. ولسنا هنا بصدد الحديث عن الأسباب الأنثروبولوجية والاجتماعية والنفسية والسياسية والاقتصادية المختلفة للعنف، والتي لا يمكن استبعادُها ونفي الأثر المباشر والكبير لها في ظهور الأنواع المتنوّعة للعنف، وتطوّر أساليب ممارسته.

 

د. عبد الجبار الرفاعي

.......................

١-  النور، 36. 

3- الزمر، 69.

٣-  راجع كتاب: رينيه جيرار. العنف والمُقدَّس. ترجمة: سميرة ريشا. بيروت: المنظمة العربية للترجمة.

 

 

حاتم حميد محسنيجب على النظرية العلمية:

1- ان تقدم توضيحا متماسك منطقيا

2- ان تكون مدعومة بالدليل

3- ان تكون مفيدة

اذا كنت تؤمن بان واحدة من الصفات الثلاث اعلاه هي خاصية معرّفة للعلم فأنت بالتعبير الفلسفي اما

1- واقعي او 2- تجريبي او 3- برجماتي.

واذا صادف ان تكون عالِما فمن المحتمل ان يكون اهتمامك الرئيسي اما

1- نظري 2- او تجريبي 3- او ذرائعي (اداتي). وبشكل عام انت ربما تحب فقط

1- ان تكون لديك فكرة عن الكيفية التي يعمل بها الشيء او

2- اكتشاف كيفية عمل الشيء او

3- فقط لتجعله يعمل.

 عندما يقوم فلاسفة العلوم بتأدية عملهم فان الشيء الاساسي الذي يأخذونه بالاعتبار هو أي مزيج من العناصر أعلاه يجعل الفعالية علمية. الموضوع ليس شديد الصعوبة، هناك فقط ثلاثة متغيرات. بدلا من التفكير بعبارات من الافكار المطلقة، يمكن بسهولة تقليد العديد من فلاسفة العلوم والنظر الى امثلة من التاريخ. قصة الجاذبية هي مثال مفيد عن تطور الفهم العلمي لأنها شيء نلمسه جميعا، يستلزم العلم بها جميع النقاط اعلاه مع انها لاتزال اسطورة.

هناك قصة بسيطة عن الكيفية التي تطورت بها الافكار حول الجاذبية حتى القرن العشرين بدءا من ارسطو مرورا بغاليلو ونيوتن حتى اينشتاين وذلك عبر مسار بدأ في التوضيح ثم البرهنة ثم على شكل معادلات مفيدة.

ارسطو (384-322 ق.م)

اذا كانت مدة الاستخدام هي المقياس لصلاحية النظرية فان نظرية الجاذبية الاكثر نجاحا هي تلك التي عرض ارسطو توضيحا لها . واحدة من بين تلك الافكار ترتكز على سلوك العناصر الاربعة اليونانية وهي الارض والماء والهواء والنار (اضاف ارسطو عنصرا خامسا وهو الاثير).

جميعنا نعرف ان الاحجار تغطس في الماء وان فقاعات الهواء تصعد الى السطح، والدخان يقفز الى الاعلى، لأننا شاهدنا الدليل على ذلك. ارسطو اوضح بان طبيعة مختلف العناصر تبحث عن مكانها الطبيعي: الارض والماء يتحركان نزولا، الهواء والنار يتحركان صعودا. بكلمة اخرى، هناك شيء ما حول العناصر يجعلها تتحرك بالطريقة التي تقوم بها. ولكن هل تسميتها "طبيعة" يجعلها علما؟

ارسطو ذهب ليطرح ادّعاءا كميا بدائيا: المزيد من الطبيعة المعينة التي يحتوي عليها الشيء (مصنوع من المزيد من الارض والهواء) يعني الأسرع او الأبطأ في السقوط. بكلمة اخرى، ان سرعة السقوط هي تناسبية مع الكتلة. هذه فرضية يمكن قياسها بسهولة ومن المفيد معرفة ان كانت صحيحة. لذا هل ذلك يجعلها علما؟ ارسطو لم يختبر الفكرة ابدا.

ما اعتقد به ارسطو حقيقة وبشكل ادق هو ان العناصر الارضية تتحرك نحو او بعيدا عن مركز الكون، وان الارض تكون في الوسط. طالما ان الارض وصلت سلفا الى مكانها المقصود فان ارسطو يجادل بان الارض لم تكن تتحرك. دليله على هذا الادّعاء هو انت عندما ترمي صخرة فهي تسقط عند قدميك. اذا كانت الارض تتحرك كان يجب للصخرة ان تسقط بعيدا عنك لأن الارض تكون قد تحركت اثناء الوقت الذي استغرقته الصخرة في السقوط . توضيحه لماذا الشمس والقمر والكواكب والنجوم تتحرك حول الارض هو لأنها وُضعت في سلسلة من الافلاك متحدة المركز تدور حول محور يمر عبر النجم القطبي. الافلاك صُنعت من الاثير وهو العنصر الخامس وهو يختلف عن العناصر الاخرى في كونه يتحرك دائريا . وهكذا يوضح ارسطو ان هناك فقط نوعان من الحركة الاساسية هما الخطية والدائرية. كل حركة يمكن وصفها كمجموعة مركبة من هذين الاثنين، وبما ان الارض والماء والهواء والنار كلها تتحرك بخطوط مستقيمة، فيجب ان يكون هناك عنصر يتحرك دائريا.

ان الاسس المعتمدة اعلاه هي ضعيفة، ولكن لو قبلنا بها فهي توضيحات منسجمة منطقيا. بطليموس قام بتطوير نموذج ارسطو الى وصف رياضي نجح في التنبؤ بمواقع الاجرام السماوية. لذا نال الدعم بالدليل واذا كانت مواقع النجوم هامة لأغراض الملاحة او الاحتفالات الدينية، فسيكون النموذج مفيد ايضا.

الان نحن ندرك عمليا ان كل ما قاله ارسطو حول الجاذبية هو غير صحيح، لكن توضيحاته ككل بقيت ذات معنى كبير واستمرت تقاوم التحديات طوال الفي سنة. في القرن اللاحق لارسطو، جادل الفلكي اليوناني اريستارشوس بان الشمس وليس الارض هي مركز الكون، لكن هذه الفكرة لم تُراجع بالكامل حتى مجيء كوبرنيكوس في القرن السادس عشر الميلادي. وبهذا النصر جرى ايضا تجاهل توضيحات ارسطو في الجاذبية. اذا كانت الارض تتحرك، وهي ليست في المركز، عندئذ فان توضيحات ارسطو لسبب سقوط الاحجار نزولا، او لماذا تسقط اساسا، يجب ان تكون خاطئة ولابد من توضيح جديد.

بعد وفاة كوبرنيكوس انتقلت مسؤولية نشر كتابه (حول ثورات الاجرام السماوية، 1543) الى اندريه اوساندر Andreas osiander. اوساندر اضاف مقدمة جادل فيها ان مختلف التوضيحات يمكن ان تنال الدعم من نفس الدليل. لا يهم ما اذا كان الناس يختارون التوضيحات الاكثر اقناعا لهم او التي يجدونها اكثر فائدة للعمل بها. وكما ذكر اوساندر "اذا كانت التوضيحات توفر حسابات منسجمة مع الملاحظات، ذلك وحده يكفي". ورغم ان رياضيات كوبرنيكوس لم تكن كتلك التي طورها بطليموس لكن قسما منها كان يسهل العمل بها. لذا فان بعض الرياضيين والفلكيين تبنّوا نموذج كوبرنيكوس، ليس بسبب ايمانهم بتوضيح مركزية الشمس وانما بسبب انه كان مفيدا.

غاليلو (1564-1632)

هناك صورة رمزية وُضعت على برج بيزا بايطاليا في بداية القرن السابع عشر يظهر فيها غاليلو على قمة برج مائل، يرمي كرات حديدية مختلفة الاحجام لكي يثبت انها تسقط في نفس السرعة.

عدد قليل من المؤرخين اعتقد حقا ان غاليلو قام بتلك التجربة. غاليلو كان حائرا بالنتائج المربكة لإيمان ارسطو ان الاشياء الثقيلة تسقط اسرع من الاشياء الخفيفة. ماذا يحدث لو ان الشيء الثقيل والشيء الخفيف رُبطا مع بعضهما؟ من جهة، طبقا لفلسفة ارسطو، الوزن الاثقل سوف يسقط اسرع، وطالما الاخف وزنا سوف يمسك الاثقل نحو الاعلى، فان الحزمة سوف تُسحب باحكام، وان السرعة الكلية للسقوط يجب ان تكون شيء ما بين سرعة الوزنين على انفراد. من جهة اخرى، طالما الوزنان متحدان، فهما والحزمة شيء واحد مع وزن مركب، لذا فان السرعة المركبة يجب ان تكون اسرع من السرعة الانفرادية. هاتان المحصلتان لا يمكن ان تكونا كلتاهما صحيحتان. رغم ان غاليلو ربما رمى او لم يرم اوزانا من البرج، هو بالفعل قام بهذا وسجل الكثير من التجارب لرمي مختلف الاوزان نحو الاسفل والتي تتعارض نتائجها بشكل قاطع مع ادّعاء ارسطو في ان الاكثر وزنا يساوي اكثر سرعة.

ان ملاحظات غاليلو التي استخدم بها التلسكوب لا تستبعد امكانية ان تكون الارض في المركز، لكنها بالفعل كشفت بوضوح ان الكون ليس كما وصفه ارسطو. اكتشاف غاليلو لأقمار المشتري، مثلا، اظهر ان ليس كل شيء يدور حول الارض.

نيوتن (1643-1727)

في 28 نوفمبر 1660 اعلنت مجموعة من الفلاسفة الطبيعيين في لندن عن تكوين "كلية لدعم التعليم الفيزيورياضي التجريبي". عندما سمع الملك شارلس الثاني بالخطة أعطى موافقته، وخلال سنتين صدر مرسوم بتأسيس الجمعية الملكية في لندن. شعار الجمعية كان "لا تأخذ بكلمات اي شخص"(1). في عام 1660 كانت عبارة "اي شخص" تعني ارسطو.

في عام 1687 نشرت الجمعية الملكية (المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية) لأحد زملائها وهو اسحق نيوتن. في هذا الكتاب وصف نيوتن قانونه في الجاذبية الكونية . قصة سقوط التفاحة على رأس نيوتن لها نفس المصداقية التاريخية لسقوط كرات غاليلو من فوق برج بيزا. مع ذلك، ادرك نيوتن ان سبب سقوط الاحجار على الارض هو نفس سبب دوران القمر حول الكواكب، ونفس سبب دوران الكواكب حول الشمس . بكلمة اخرى، لاتوجد هناك قوتان بل قوة واحدة وهي قوة الجاذبية . الفيزيائيون يحبون البساطة، وهم عمليا يحبون القوى الموحدة. نيوتن اظهر انه بدلا من ان طبيعة الارض تتحرك باتجاه المركز والهواء يتحرك بعيدا، فان كل جسيم في الكون ينجذب الى الاخر. وبهذا يمكننا نسيان افلاك الاثير.

ورغم ان نيوتن وآخرين اعترفوا بان هناك حاجة الى مزيد من الدليل لتأكيد قانونه، لكن مع تقدم الزمن اصبح واضحا انه كان ناجحا جدا في حساب مواقع الكواكب التي لم يُعرف منها في السابق سوى ستة . وبعد قرن، في عام 1781 اعترف وليم هيرشل William Herschel ان نقطة الضوء التي اخطأ الفلكيون القدماء في اعتبارها نجما كانت كوكبا اسماه اورانوس. وفي عام 1845 حينما اكمل اورانوس معظم مداره كان واضحا انه لم يتصرف كما افترض قانون نيوتن. الرياضيون في باريس وكامبردج بدأوا بحساب الكتلة وموقع جسم اخر قد يكون مسؤولا عن ذلك الانحراف. (جوهان غل) حدد كوكب نبتون الذي كما في اورانوس جرى اعتباره في السابق نجما . لذا فان فكرة نيوتن عن قوة الجاذبية اوضحت حركة الكواكب، انها نالت الدعم بمزيد من الدليل وانها طُبقت بنجاح في اكتشاف كوكب جديد. ولكن هل القول "هناك قوة" يختلف عن القول "هناك طبيعة؟ ."قبل ان يجف الحبر من كتاب (المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية) حتى بدأ الناس يشكون من ان نيوتن أدخل قوة بدون آلية: لأنه مع كل القوة التوضيحية لفكرة "قوة الجاذبية"، لم يكن هناك توضيح لكيفية عمل الجاذبية. معظم التحدي جاء من أتباع ديكارت (1596-1650). حيث كان ديكارت ايضا مهتما في حركة الكواكب لكن اهتمامه الرئيسي كان اعطاء توضيح للمدارات. هو قام بهذا عبر تشجيع فكرة الـ vortices او الدوامات التي طبقا لها يكون الفضاء مركب من مواد غازية صغيرة جدا تتحرك كالسائل. هذه تحوم حول الشمس بطريقة تشبه انجذاب الماء نحو ثقب صغير، وانها بدورانها تسحب الكواكب معها. في عام 1713 عندما نشر نيوتن الطبعة الثانية من مبادئ الفلسفة الطبيعية، هو شعر مجبرا ليضيف مقالة سميت "تعليق عام"فيه تحدى مباشرة فكرة الدوامات . اشار نيوتن الى ان مدارات المذنبات هي ايضا شاذة ولاتنسجم مع النموذج: "ولذلك فان الفضاءات السماوية التي من خلالها تتحرك الكواكب والمذنبات حرة و باستمرار وفي جميع الاتجاهات وبدون انخفاض ملحوظ في الحركة، هي خالية من اي سائل مادي". نيوتن تجاهل توضيح ديكارت حول عمل الجاذبية، وارفق مقطعا ذكر فيه "انه لا يضع فرضيات" "انا لا اعمل فرضيات". هو كتب : " ولكن حتى الان انا لم اكن قادرا على اكتشاف سبب هذه الخواص للجاذبية من ملاحظتي للظاهرة، وانا لا اعمل فرضيات. لانه كل ما لايُستنتج من الظاهرة يسمى فرضية، والفرضية سواء كانت ميتافيزيقية او مادية، سواء كانت ذات خواص اسطورية او ميكانيكية، ليس لها مكان في الفلسفة التجريبية". يرى نيوتن ان التوضيحات حول كيفية عمل شيء ما ليس بالضرورة ان تكون علما، طالما النموذج الرياضي يعطينا القوة لرسم وتنبؤ واستغلال بيئتنا، فان مهمة الفيزياء تكون قد تمت. وكما يستنتج المقطع: "بالنسبة لنا ذلك يكفي، ان الجاذبية توجد حقا، وتعمل طبقا للقوانين التي اوضحناها وهي مسؤولة عن كل حركات الاجسام السماوية". التوضيح لكيفية عملها ليس هاما للعلم. وكما يذكر اوساندر، ما يهم هو هل تستطيع استعمال النظرية؟ نيوتن كان بامكانه ان يسمي بسهولة قوة الجاذبية بـ "طبيعة" الجاذبية. الفرق الحقيقي بين "طبيعة" ارسطو و "قوة" نيوتن هي ليست في التوضيح :هي في النوعية وفي فائدة الرياضيات ووفرة الدليل عليها. ولكن اذا كانت الصحة هي معيار العلوم عندئذ سوف نهمل نيوتن بالاضافة الى ارسطو.

اينشتاين (1879-1955)

لم يكن اورانوس الكوكب الوحيد الذي خرق قوانين نيوتن في الحركة. في الحقيقة كان Leverrier في اكتشافة لنبتون كان يعمل ومنذ عام 1840 لفهم اسباب حالات الشذوذ في كوكب عطارد. عندما جرى اختبار لتنبؤاته بملاحظة حركة عطارد في مواجهة الشمس في عام 1843 وجد انها غير متطابقة ولكن مع النجاحات في اكتشاف نبتون، عاد Leverrier الى المشكلة مرة اخرى بهدف حساب الكتلة وموقع كوكب آخر قرب عطارد يمكنه توضيح السلوك غير المنتظم لعطارد. هو كان شديد الثقة لدرجة اعطى الكوكب اسم فولكان او اله النار. الفلكيون بدأوا يبحثون عن اله النار. البعض ادّعىوا انهم عثروا عليه: ولكن مع الفحص الدقيق ثبت ان كل الادعاءات لا اساس لها. لا وجود لاله النار.

توضيحات نيوتن لم يدعمها الدليل. لابد من وجود شيء آخر هو الذي يسبب الخلل في الحساب. هناك ايضا قصة اخرى، تتعلق بالكيفية التي اكتشف بها اينشتاين النسبية. في عام 1865 نشرت الجمعية الملكية نظرية ماكسويل (النظرية الديناميكية لحقل الكهرومغناطيسية). معادلات ماكسويل الانيقة وصفت الكهرومغناطيسية كموجات تسافر في الفضاء بسرعة الضوء. لكن الموجة، كقاعدة، تحتاج الى وسيط، الموجة في المحيط ليست موجة اذا لم يوجد هناك محيط. ومقابل نصيحة نيوتن، كان ماكسويل مستعدا لعرض توضيح: ان "الضوء والمغناطيسية هما تاثيرات لنفس المادة، وان الضوء هو اضطراب الكترومغناطيسي انتشر طبقا لقوانين الالكترومغناطيسية". المادة الافتراضية التي من خلالها تنتشر الموجات الضوئية – توضيح السلوك الملاحظ – اصبح يعرف بـ "الاثير ناقل الضوء" . على خلاف وسيط الجسيمات الدائرية التي اقترحها ديكارت، هذه يُعتقد انها ثابتة، وشيء تتحرك من خلاله الارض وجميع الاجسام السماوية : اكثر شبها بالضباب منه الى الدوامات.

ومع افتراض ثبات سرعة الضوء خلال الاثير، وافتراض ان الارض تتحرك من خلال الاثير فان سرعة الضوء المقاسة هنا يجب ان تتغير اعتمادا على ما اذا كانت تتحرك في نفس الاتجاه كما على الارض او عمودية لها. في عام 1887 اثنان من الفيزيائيين الامريكيين وهما البرت ميشلسن و ادوارد مورلي صمما تجربة حسية لمقارنة الوقت الذي يقطعه الضوء خلال مسارين متساويين بزوايا قائمة لكل منهما. هما توقعا ان يكونا قادرين على اثبات وجود الاثير وحساب سرعة واتجاه حركة الارض خلاله. هما وجدا ان لا فرق في الوقت الذي يقطعه الضوء الى المسارين. ذلك يعني اما الارض ثابتة – وهو شيء غير صحيح، او ان سرعة الضوء للمراقب على الارض هي ذاتها بصرف النظر عن حركة الارض.

الفيزيائيون طرحوا توضيحا للكيفية التي يتسبب فيها الاثير- ناقل الضوء بمثل هذه النتائج المربكة. وفي عام 1905 وضع اينشتاين نظريته في النسبية. هو تخلى عن الاثير الناقل للضوء لصالح الفضاء الفارغ وعرض وصفا رياضيا يتطابق تماما مع الدليل: ان سرعة الضوء هي ذاتها لجميع المراقبين .

غير ان اينشتاين آمن برؤية مختلفة عن الفضاء عندما نشر النظرية العامة للنسبية عام 1915. النسبية العامة توضح الجاذبية بتصور انه بدلا من ان يكون الفضاء مجرد فراغ فهو وسيط ينحني بوجود الكتلة. اينشتاين لا يقدم فرضية لكيفية حدوث انحناء الكتلة للزمكان اكثر مما قدم نيوتن حول كيفية عمل الجاذبية. "انحناء الزمكان" هو توضيح للجاذبية بدون توضيح . ولكن مرة اخرى ذلك لا يهم لكي تكون النظرية مفيدة. وكما اوضح الدليل حالا، المعادلات التي استنتجها اينشتاين هي اكثر دقة في التنبؤ بحركة الكواكب قياسا بقوانين نيوتن.

فلسفة العلوم في القرن العشرين

في عام 1919 وبعد الكسوف الشمسي الكلي قام الفلكيون البريطانيون بتجربة ثبت فيها ان الضوء القادم من النجوم ينحني بفعل جاذبية الشمس وهو ما يؤكد صحة النظرية النسبية. في نفس الوقت كان كارل بوبر يحاضر في جامعة فيينا وكان قد تأثر كثيرا بالتنبؤات التي طرحتها النظرية النسبية. انها كانت تنبؤات جريئة لأنها اذا لم يدعمها الدليل فالنظرية ستكون خاطئة. بوبر قرر ان هذه هي السمة المعرّفة للعلم: النظرية تُعتبر علمية فقط اذا أمكن من حيث المبدأ إظهار انها كاذبة . طبقا لهذه الرؤية فان ادّعاء ارسطو بان سرعة السقوط الحر التناسبية مع الكتلة سيكون ادّعاءاً علمياً، لأن تجربة بسيطة واحدة يمكن ان تقرر ان كان ذلك صحيحا ام خاطئا. غاليلو أظهر ان ذلك ليس صحيحا. ولكن طبقا لبوبر انه لايزال ادّعاءاً علميا، لأن الادّعاء الصحيح ليس سمة معرّفة للنظرية العلمية.

 عندما كان بوبر يطور نظريته في التكذيب، كان العلماء سلفا يشيرون الى ان ذلك ليس ما يعملون به . البايولوجي Ludwik Fleck أدخل فكرة "الفكرة الجمعية" – مجموعة من العلماء يشاركون بنفس النظرية والتطبيق، وفي نفس الطريقة العلمية ويتعاونون لتطوير ذلك البحث الى اقصى حدوده الممكنة . البروفيسور ميخائيل بولوني في الكيمياء عرض نقطة مشابهة. العلم حسب تجربته ليس طريقة موضوعية منفردة يمكن ببساطة تقديمها كوصفة واتّباعها، بل ان العلماء يضعون قيد التطبيق الفلسفة والطرق التي تعلّموها من العلماء الآخرين . اساسا، حالما يبدأ العلماء في التفكير الجماعي فهم يساهمون في ذلك المشترك. الفيزيائي ماكس بلانك يشبه اينشتاين فهو لم يقبل بالكامل تفسيرات ميكانيكا الكوانتم للعلماء الشباب، بل لاحظ ان "الحقائق العلمية الجديدة لا تنتصر بإقناع خصومها لأن خصومها بالنهاية يموتون ويظهر جيل جديد اكثر اطلاعا على تلك الحقائق". لذا فان البايولوجيون والكيميائيون والفيزيائيون البارزون كلهم يقولون في تجربتهم المهنية ان العلم لا يعمل مثلما يعتقد الفلاسفة كبوب، ولا توجد هناك طريقة علمية واحدة، هناك العديد من الطرق. وفي عام 1962 نشر توماس كن Thomas Kuhn (1922-1996) كتابه (تركيب الثورات العلمية) الذي جعل الناس ينتبهون للاعتقاد المتزايد بان العلم هو ليس المشروع الاصلي المنفرد الذي حاول وصفه الفلاسفة.

(تركيب تقدّم العلوم) الذي اشير اليه في كتاب (كن) له ثلاثة اجزاء. هناك فترة "ما قبل العلوم" فيها توجد بعض الخصائص في العالم ليس لها توضيحات علمية. الناس يتأملون ويقدمون مقترحات حتى يأتي مقترح يرى عدد كافي من العلماء انه يستحق بذل الوقت والموارد للبحث فيه. بدلا من تحطيم الفكرة، كما يرى بوبر، اذا كانت التجربة المصممة وفق هذا التوضيح تنتج نتائج تطابق النظرية، عندئذ سيتعاون العلماء لتعزيز النموذج الجديد Paradigm النموذج هو النوع الشمولي للتوضيح المستخدم).اذا كان النموذج جيدا فهذه ستكون فترة بنّائة لانها تعطي العلماء اطارا مفاهيميا لإستكشاف القدرة على اثارة اسئلة لن تحدث خارج النموذج. حل اللغز هذا ضمن النموذج يسميه كن "العلم الطبيعي". ولكن مهما كان النموذج جيدا فنحن لا نعرف ابدا بان اكتشافا جديدا سوف لن يلقي به في عالم النسيان. ذلك حدث لنموذج ارسطو في الطبيعة، وحدث لنيوتن، لا عالِم يضمن ان ذلك لا يحدث مع نماذجنا الحالية. عندما يحدث ذلك فالشيء المحتمل اولاً ان يحصل بعض الترقيع لحماية النموذج القديم من خلال دراسة تاريخ العلوم كما يرى كن. ولكن مع تراكم الشذوذ الذي سيُغرق النموذج القائم في أزمة، فان نموذج جديد سيكون مطلوبا لتوضيح كل شيء في النموذج القديم اضافة الى اشياء اخرى لم يستطع توضيحها، تماما مثلما اوضحت النظرية النسبية سلوك معين لم توضحه جاذبية نيوتن.

Paul feyerabend (1924-1994)  كان من بين اربعة اشخاص شكرهم (كن) في مقدمة كتابه تركيب الثورات العلمية. paul رفض ان يكون مساعد باحث لبوبر. هو بدأ عمله كفيزيائي وكان مؤهلا لإصدار مثل ذلك الحكم. مثلما يوضح تاريخ الجاذبية، ان التوضيح، البرهنة، الفائدة جميعها لعبت دورا حاسما في العلوم. paul كان قلقا من ان أي طريقة علمية اختزالية كطريقة بوبر سوف تستبعد جزءا من ذلك التاريخ. لا أحد يحب ان يقال له ما يفكر او يعمل، والعلماء ليسو استثناء. بدلا من ذلك، اعتقد paul ان الوصفة الوحيدة للعلوم التي يمكنها استيعاب كل عثرة وقفزة هي الفوضى الابستيمولوجية (2). هو آمن بان المعيار الأكثر اهمية للنظرية هي ان تكون مفيدة. يقول paul " استمعت الى موعظة الفوضوي البروفيسور (وغنر) قائلا: "بالتأكيد انت لم تقرأ كل المخطوطات التي يرسلها الناس لك، انت يجب ان تلقي اكثرها في سلة النفايات". يؤكد paul انه فعلا يقوم بذلك، انه لا يقرأ كل الاوراق المكتوبة، انا أعمل اختياري بطريقة فردية جدا وتفضيلية لأني لا يمكنني ازعاج نفسي بقراءة ما لا يهمني وان اهتماماتي تتغير من اسبوع الى آخر ومن يوم الى آخر لأني مقتنع ان الانسانية والعلم سيستفيد من الأعمال الخاصة لكل فرد "(ضد الطريقة، 1975). مهما يعتقد المرء انه يجب او لا يجب ان يكون مؤهلا للعلوم، الحقيقة هي ان العلوم تتم من جانب الناس. بعض منهم عقلاني، والبعض الآخر تجريبي، بينما آخرون برجماتيون. لايهم مهما كانت القواعد المفروضة فان الناس سيخرقونها .

 

حاتم حميد محسن

.........................

الهوامش

(1) كان شعار الجمعية Nullius In Verba ويعني لا حجة بدون دليل، وهو تعبير عن تصميم أعضاء الجمعية على الصمود ومقاومة اي هيمنة من اي سلطة وتأكيد الادّعاءات باللجوء فقط الى الحقائق التي تقررها التجربة.

(2) الفوضوية الابستيمولوجية Epistemological anarchism هي نظرية ابستمية طورها الفيلسوف النمساوي Paul Feyerabend الذي اعتقد بعدم وجود قواعد منهجية مفيدة تحكم تقدم العلوم او نمو المعرفة. هو يرى ان فكرة وجود قواعد ثابتة وعالمية للعلم هي فكرة غير واقعية وخبيثة وضارة للعلم نفسه. ان استعمال مصطلح فوضوية يعكس التعددية المنهجية للنظرية، لأن الطريقة العلمية المزعومة لاتمتلك الحق في احتكار الحقيقة او اي نتائج مفيدة. هو ذكر بما انه لا توجد طريقة علمية ثابتة فمن الأحسن اعتماد مبدأ "كل شيء مباح" في الطرق المنهجية. هذا المبدأ هو الوحيد الذي يمكن الدفاع عنه تحت اي ظروف وفي جميع مراحل التطور الانساني .هو شعر ان العلم بدأ كحركة تحررية ولكن بمرور الزمن اصبح دوغمائيا وجامدا. وعلى الرغم من نجاحات العلم فهو بدأ يكتسب سمات قمعية واصبح من غير الممكن بهذه الطريقة الغامضة المقارنة بين العلم والدين او بين العلم والميثولوجي.

 

 

علي رسول الربيعيالـمقدمة: بداية أريد القول بأنني سأناقش أحد المسائل الأساس في فلسفة هابرماس: وهي المسألة التي تتعلق  بأسئلة  تخص نظرية الخطاب. بمعنى آخر، السؤال عن،  نظرية الخطاب في القانون،  أو  عن سبب أو داعي وجودها، لماذا يجب علينا أن نتعامل مع مسألة نظرية الخطاب هذه للقانون؟

لماذا يريد هابرماس إنتاج نظرية جديدة للقانون (وحقوق الإنسان) حيث توجد بالفعل نظريات أخرى كثيرة؟

ما الذي يميًز نظرية الخطاب هذه وماذا تمتلك بحيث لا نعثر عليه  في نظريات القانون (وحقوق الإنسان الأخرى؟

هل نظرية الخطاب في القانون وحقوق الإنسان ضرورية في نوعها؟ أم أنها ليست أكثر من مجرد ضرب لما هو موجود بالفعل، من خلال استعمال وتكرار الكلمات نفسها؟

إذا كانت نظرية الخطاب للقانون وحقوق الإنسان ليست استنساخًا لنظريات موجودة بالفعل، فما الذي يجعلها مختلفة بشكل واضح عن نظريات القانون الأخرى و عن الأسس الفلسفية الأخرى لحقوق الإنسان؟

في مواجهة كل هذه الأسئلة، هناك شيء واحد يبرز في الذهن هو أن شيئًا ما قد حدث في مجريات ومسالك الحياة للنظام القانوني. لقد حدث شيء جدي وعميق في التاريخ القانوني، خاصة في المنطقة التي يتم فيها التوجه إلى النظام الاجتماعي. كما نعلم أن القانون والمجتمع مرتبطان بشكل وثيق. تؤثر تغييرات وتطور المجتمع على  صياغة القوانين وتشريعها. يتطلب الفهم الصحيح للقانون الحديث أيضًا بعض التبصر في الخلفية الاجتماعية التاريخية. هذه الرؤية بالذات تكشف عن صورة القانون الأكثر حداثة كصورة الشرعية في المجتمع الديمقراطي. وبعبارة أخرى، فإن معظم النماذج النظرية التي توجه تنظيم القانون الحديث وعمله أصبحت الآن غير مكتملة. هذا هو  ناتج عن تأثير تطور المجتمع بسبب ترشيده، الذي يدمر الأنماط التقليدية والأخلاق الاجتماعية التي تستند إليها هذه النماذج النظرية القانونية. في مجتمع ما قبل الحداثة، استندت صحة المعايير الاجتماعية إلى توافقها مع التقاليد أو الأخلاقيات الاجتماعية المشتركة. هذه التقاليد والأخلاقيات الاجتماعية المشتركة كانت تستند بدورها إلى بعض مبادئ الافتراضات القديمة. الآن، كشف ترشيد المجتمع وعالم الحياة عن فراغ معظم هذه الافتراضات. نتيجة لذلك، انهارت الأمور، ولا يمكن للمركز الصمود مرة أخرى.

 لذلك  يشعر هابرماس  أن إعادة بناء النظام القانوني ليست ضرورية فحسب بل ملحّة. نظرية الخطاب القانوني هي إعادة بناء النظام القانوني. لقد  لفت عمله انتباهنا إلى الحالة القانونية، وإلى مطالباته الترميمية. ف أحاول أن اتعمق في هذه الدراسة في الأساس أو القوام  التأسيسي لنماذج قانونية نظرية لنرى ما حدث.  يأتي هذا التحقق والفحص بالطبع من وجهات نظر فلسفية. وهذا ما يلفت انتباهنا إلى الفلسفة Kantian للعدالة، ونظرية Rawls للعدالة، واذا سنحت الفرصة نشمل ايضاً نظرية النظام القانوني ل N. Luhmann، وعلم الاجتماع القانوني لكل من M. Weber و Parson و Marshall. الأساس مهم جدا لكل هيكل ؛ لذلك، إعادة بناء الأساس القانوني يتطلب حصن قوي. فمن أجل هذا الساس و من أجل التخلص من الأخطاء القديمة، يضع هابرماس أساسًا جديدًا معًا. هذا الأساس الجديد هو عن نظام الحقوق.

بعد  النظر في إعادة بناء صلاحية الأساس القانوني، سأتولى شرح مهمة الأساس القانوني الجديد، الذي  قام به هابرماس من خلال نظام الحقوق. بعد إعادة تعريف المحتوى المعياري من خلال نظام الحقوق، سأقوم بتتبع العلاقة بين الشرعية والصلاحية (الشرعية)، مع تسليط الضوء على بعض مشاكل التشريعات مع التأكيد في الوقت نفسه على عوامل التحقق من الصحة. يتميز التطور التاريخي لمذهب الحق بآراء متنوعة؛ سوف أتتبع في هذه الدراسة ولو مختصرا تاريخ الحقوق هذا  لا من أجل أن اكشف فقط المدة التي تم فيها  أزاحة أو أقتلاع نظام الحقوق ولكن أيضًا كم ماقاست وعانت  حقوق الإنسان. سأحاول عن طريق نظرية الخطاب تخفيف التوتر بين الحكم الذاتي الخاص والعام. واشير ايضا الى أختلاف مواطن توماس هوبز وأفكار حقوق الإنسان عما لدينا اليوم. سأضع حقوقه ومواطنته جنباً إلى جنب مع حقوق هابرماس في شرح المعنى والشرعية والمصادقة على القانون.

واحدة من خصائص النظام القانوني هي طبيعته الغامضة.   ورثت حقوق الإنسان  شئ من  الغموض أو الميل الطبيعي المثير للدهشة. وبالتالي، يرفض بعض القضاة اليوم اعتبار حقوق الإنسان مماثلة للمبدأ القانوني. لتحرير حقوق الإنسان من هذا اللغز الموروث، سأناقش أولئك الذين يؤكدون أن حق الإنسان ليس مبدأً قانونياً، لأنه وُلد أصلاً من اتفاقية الأمم المتحدة. ثم الى نحتاج الى  استنتاج حق الإنسان من الخطاب القانوني العملي، من أجل إعطاءه مكان مناسب بين المبادئ القانونية. سوف يستلزم هذا أولاً استبعاد الحق في علم الأخلاق من الشكل القانوني. ويتطلب توضيح  مقولات  الحقوق عند هابرماس. بقدر ما نعيش في مجتمع ديمقراطي، فإن مسألة حقوق الإنسان لا تشكل مشكلة خطيرة. في أي وقت، في اللحظة التي نتخطى فيها الدائرة الديمقراطية، تصبح قضية حقوق الإنسان مهمة مختلفة تمامًا. في هذه الحالة يجب علينا أولاً تثقيف الناس وإقناعهم وبشأن حقوق الإنسان، وبالتالي سنكون مهتمين أكون بهذه المشكلة الحساسة في عصرنا. هذا هو الاعتراف بحقوق الإنسان خارج المجتمع الديمقراطي.  وهذا يتطلب منا مناقشة حقوق الإنسان والدين وحقوق الإنسان والدول والحقوق وإعلانات الأمم المتحدة. تعتمد الدراسة اساسا على كتاب هابرماس المرجعي الأساسي  Facts and Norms بين الوقائع والمعايير

 

د. علي رسول الربيعي

........................

why must we occupy ourselves with the issue of the discourse theory of law and human rights? why does Habermas want to produce a new theory of law and human rights where many other legal theories already exist? what special about this discourse theory that could not be found in other theories of law and human rights? Is the discourse theory of law and human rights necessary in its own kind? Or is it not merely a multiplication of what is already there, through the use and multiplication of words? If the discourse theory of law and human rights are not a reproduction of already theories, what makes it distinctly different from other theories of law and the other philosophical foundations of human rights?

 

علي محمد اليوسفتعريف اولي: منذ القرن السابع عشر عصر ديكارت أخذ مبحث (الوعي) في الفلسفة أهتماما أستثنائيا في أعقاب أطلاق كوجيتو ديكارت أنا أفكر.. الذي كان قمّة الوعي الذاتي المثالي في جعل الواقع الخارجي وجودا لا أهمية له في أمتلاك الوعي الفردي القصدي لمعرفة الذات..

في أعقاب مجيء فلاسفة عديدين على مراحل زمنية متباعدة ظهر الفيلسوف  برينتانو بمقولته (أن اللاوجود القصدي هو ككل هدف قصدي موضوع ومضمون مختلفان) وسنجد تأثيرهذه العبارة على سيرل.. ليعقب – برينتانو -  تلميذه هوسرل مستعيرا قصدية الوعي منه في شرح معنى أدراك الذات على أنها أشباع لوعي معرفي هادف في شيء محدد مقصود  سلفا في وجوب الادراك بلوغه.. وبذلك تأثر تلميذه من بعده، هيدجر في أعتباره الوعي القصدي هو نتاج الواقع المادي الذي لا يكون له معنى ما لم يكن وعيا ديناميكيا– في – عالم مؤكدا أهمية الوجود المجتمعي ومقصّيا وعي الفردية الذاتية في سلبيتها، وجاء سارتر ليتوّج ذلك في الوجودية أن الوجود سابق على الوعي به ليلتقي بالفهم المادي الماركسي من غير رغبة منه بذلك وأنما مكرها لخلاصه من مثالية ديكارت الذاتية المقفلة في علاقة الأنا بكل من الفكر والوجود..وخروج سارترلاحقا على الماركسية نفسها في جوانب فلسفية خلافية عديدة أفادت منها الفلسفة البنيوية كثيرا في نقدها القاسي للماركسية لدى كل من التوسير، وشتراوس، وفوكو، وبياجيه.. وغيرهم.

الفيلسوف الامريكي المعاصر جون سيرل ناقش موضوعة الوعي والقصدية من منطلق مغاير تماما هو تعالق فعاليات اللغة والعقل والوعي والقصدية وحاسة البصروالاشباع والشخصانية في تحقق تجربة الادراك بما أطلق عليه فلسفة العقل واللغة وهو مبحث تخصصه الفلسفي..وكان سيرل أبرز الفلاسفة المعاصرين الذين تناولوا دور القصدية في الوعي بتعالقها مع كل من الادراك الذاتي واللغة والعقل، وكان في فلسفته قريبا من فينجشتين الذي أعتمده في بعض طروحاته في فلسفة اللغة، مبتعدا عن جاك دريدا الذي فهم اللغة فهما تجريديا جعلها تدور في فلك التقويض غير الهادف لتحقيق فائض المعنى، وأعتبر اللغة على أنها كلمات في ترتيب معيّن مجّرد عن نيّة وقصدية المتكلم، مؤكدا سيرل قدرة العقل على تمّثل الاشياء، وأن جميع الحالات القصدية أنما هي سعي نحو شيء معين نتمّثله أدراكيا..وبهذا الفهم الوظيفي القصدي للعقل واللغة خرج سيرل تماما على مقولة دريدا الذي يفهم التفكيك اللغوي نظام أستراتيجي من التقويض والهدم المستمرفي تناول النص اللغوي بمعزل عن أية علاقة له بغيره.. وفي ألغاء دريدا مبدأ الأحالة على أيّا مما أطلق عليه المرجعيات الميتافيزيقية الثابتة التي يأتي في مقدمتها الغاء هيمنة العقل بأعتباره من سرديات ميتافيزيقا الحداثة الواجب مجاوزته كما بشّرت به ما بعد الحداثة لاحقا لتفتح الطريق واسعا أمام أستهداف البنيوية لمرتكزات الحداثة في العقل ومركزية الانسان وما أطلق عليه السرديات الكبرى من ضمنها الماركسية..وتبنى دريدا هذه المباحث في التفكيكية بتطرف لغوي لا يزال مثار جدل واسع....

جون سيرل وقصدية الوعي

يذهب سيرل أنه أستنادا الى تقليد معرفي في الفلسفة المثالية فرضية خاطئة معتمدة تلك هي أننا لا يمكننا أدراك العالم الحقيقي بصورة مباشرة، وهي تشبه محاولة شخص تطوير علم الرياضيات على أفتراض عدم وجود الارقام.(1)

بضوء ما مر بنا في عبارة سيرل أن أدراك العالم الحقيقي لا يتم عبر الاحساسات المنقولة للدماغ بصدقية يعتمدها الادراك العقلي المباشر وهو طرح سليم ودقيق، ومن هنا يكون الادراك العقلي منقوصا ويفقد الواقع الحقيقي كموضوع للادراك الكثير من مزاياه، هذا من جهة.. من جهة أخرى يتمّثل عدم امكانية معرفة الواقع على حقيقته في تعّذر الادراك الحقيقي المباشرله، أن وسيلة العقل الادراكية للعالم الخارجي تقوم أساسا على تأطير صادرات الاحساسات المنقولة الى الدماغ بزمن أدراكها الذي يجعلها متعيّنا مكانيا – زمانيا في بنية واحدة لا تنفصم، وبغير هذه الآلية يتعذّر على الادراك العقلي أن يكون واقعيا وسليما في أدراكه الأشياء المنّظم  فكريا بعيدا عن الادراكات الهلاوسية الناقصة، فجوهر الادراك هو الوعي بموضوع يأتي الدماغ ويستلمه عبر منفذ الحواس، أي بمادة خام يكون مصدرها بالنسبة للعالم الخارجي الحواس والزمن الذي يحتويها وجودا،أو بالنسبة لموضوع الخيال المستمد من الذاكرة تأمليا أسترجاعيا في فعالية ذهنية تجريدية لا يكون فيها الموضوع متعّينا وجودا في عالم الاشياء.. وبخلاف هذين الآليتين لا يكون هناك أدراك للواقع الحقيقي سليم يعتمده العقل أو الدماغ تحديدا.. ويبقى ألادراك القصدي ناقصا تماما في تعّذر أدراك العالم الحقيقي مباشرة بفهم يمّكن العقل من معالجته لمواضيع أدراكاته بالمقولات التي تجعل من المدركات مواضيع معرفية وليس مواضيع أشباعات بيولوجية خالصة..ويوجد فرق بين الادراك المعرفي والادراك الغريزي يتضح معنا لاحقا أكثر..

أننا نفهم الوعي المثالي المتطرف عند كل من بيركلي وهيوم وجون لوك في أعتبارهم موضوعات العالم الخارجي ما هي سوى أنطباعات في الذهن وأفكار العقل المجردة، وأنكر بيركلي وجود المادة ليتبعه هيوم بتطرف أكثر في الغائه العقل ونظام السببية معتبرا أياها خبرة متراكمة تجريبية يتعوّدها العقل بالتكرار المستمر ليجعل منها قانونا يحكم نظام الاشياء في العالم الخارجي والطبيعة..

وينتقد سيرل ديفيد هيوم حول مفهوم السببية بشراسة قائلا( في الفلسفة التحليلية عانت المناقشات حول مفهوم السببية تقليديا من المفهوم الهيومي –نسبة الى هيوم – القاصر على نحو سخيف، فمن هذا المنظور التقليدي تكون السببية دائما علاقة بين أحداث منفصلة تعمم قانونا، وأما العلاقة السببية وهي العلاقة الضرورية فلا يمكن معايشتها أبدا، هذا الرأي غير كاف فنحن نعيش في بحر من السببية التي نعايشها بصورة واعية، وعلى العكس تماما في كل مرة تدرك فيها أي شيء أو تقوم بأي شيء عن قصد فانك بذلك تمارس وتشهد علاقة سببية )(2)

والصحيح أيضا أن العقل وتحديدا وسيلته الادراكية الحواس والدماغ لا يتعامل مع مواضيع مدركاته المادية أو الخيالية الا بتجريد فكري تصوري ذهني يتم داخل الدماغ، والحقيقة التي لا يجهلها العديدون أن النظرة او المنهج المثالي هو نفسه ينطبق عليه التفكير المادي بالاحتكام كليهما الى مرجعية العقل، فالمثالية التجريبية تعطي العقل أرجحية قصوى في الادراك، ومثلها وربما أكثر تنحو المادية في أعتمادها العقل كمنهج وحيد في المعرفة العلمية والحقيقية....أشتراك كل من الفلسفتين المادية والمثالية في مرجعية العقل في أختلاف جوهري لا يمكن طمسه أو أغفاله، فالمثالية تعتمد العقل في أنتاجه الواقع المجرد فكريا بالذهن، بينما المادية تعتمد العقل أنعكاسا للوجود المادي لعالم الاشياء في أنتاجية الفكر المتعالق جدليا مع الواقع بعرى وثيقة من الديالكتيك المتخارج بينهما..ولا وجود مادي مدرك لا يتعالق مع فكرأنساني...

لكن يبقى العقل في أي نوع من التفكير الادراكي والمعرفي بحاجة الى متعّين مادي يكون مادة خام لوعيه الادراكي يمثّل موضوعه.... وهذا ما تتوفر علية الاشياء في عالم الموجودات الواقعي عبر الحواس أو عالم الموضوعات في وجودها الافتراضي المستمد من الذاكرة التخييلية الاسترجاعية وهذا يقاطع مقولة سيرل (التجربة الواعية ليست موضوعا للادراك، فهي في الواقع تجربة الادراك ) (3).

في هذه المقولة نعجز عن فهم محدّد ماذا يعني لنا الوعي ، وماذا تعني لنا القصدية ، وماذا يعني لنا الادراك العقلي، وماذا يعني لنا موضوع الادراك ، فجميع هذه الفعاليات الادراكية وتوابعها تجمعها تلك المقولة في ما أطلق عليه (تجربة) الادراك..الوعي الادراكي القصدي يحتاج الى أشباع معرفي لمدركاته لا تنفصل عن مواضيعها الادراكية من خلال التجربة الادراكية لموضوعات معرفية تختلف تماما عن أشباع القصدية لغرائز أدراكية بيولوجية مثل أشباع العطش والجوع والجنس..في هذا النوع من الادراك البيولوجي يكون الاشباع استهلاكيا بمعنى نهاية تجربة الادراك في الاشباع البيولوجي، بخلاف الاشباع الادراكي المعرفي فهو يدّخر خزينا أستراتيجيا معرفيا في الذاكرة..

التجربة الادراكية في المعرفة فعالية من فعاليات العقل (الدماغ) لكن موضوع الادراك هو في كل الاحوال شكل ومضمون (محتوى) لموجود متعّين في عالم الاشياء غير مرتهن وجوده بأهمية الادراك العقلي له..ولا يمكن للادراك القصدي المباشر الفصل بين محتوى الشيء ومضمونه، فالمرتبة الاولى للادراك هي في معرفة الشيء كوجود فينومينولوجي موّحد بصفاته البائنة الخارجية التي ربما تكون معرفتها هي معرفة ماهيّة الشيء المحتجبة خلفها،... وفي نفس المعنى تقريبا فعل منهج الفينامينالوجيا في أدراك الظواهر الخارجية فينومين والماهيات غير المدركة للوجود بذاته (نومين) وجاء هذا التمييز الذي أصبح تقليديا راسخا في فلسفة كانط..

فأدراكنا وجود كرسي هو أدراك شخصاني أنفرادي لموضوع يتألف من شكل ومحتوى متعيّن أنطولوجيا، ولا يوجد مضمون من دون شكل يلازمه..كما لا يوجد شكل من دون مضمون يلازمه ويفصح عن ماهيته الانطولوجية كجوهر.. والادراك يكون قصديا هادفا لاشباع رغبته الفطرية الغريزية أو في الاشباع المعرفي، فأشباع غرائز فطرية عند الانسان مثل الجوع والعطش والجنس هي من باب الاشباعات البيولوجية لاهداف الادراكات القصدية، وهذه القصدية الادراكية الاشباعية أنما تكون بعفوية بيولوجية تختلف عن قصدية الادراك المعرفي للاشياء..فالفعاليات الادراكية القصدية الغريزية العفوية البيولوجية كما في حالات أشباع العطش والجوع والجنس وغيرها لا يكون العقل المدرك لاشباعها ملزما بتجربة أدراك قصدي هي أبعد من المتحقق الاشباعي البيولوجي لها..وتكون القصدية هنا شخصانية مكتفية ذاتيا.. وهذه تختلف عن قصدية أشباع الموضوع غير الفطري الغريزي في الالمام بتفسيره كمعرفة خالصة تبغي معرفة الشيء المدرك بخصائصه البائنة أوماهيته المحتجبة لما يجعله العقل خزينا معرفيا أستراتيجيا في الذاكرة.. ويختلف الوعي بحقائق الموجودات في ألادراك المعرفي عنه في الاشباع البيولوجي وفي هذا النوع من القصدية المعرفية (لا يكون الوعي بالشيء وعيا حقيقيا ألا بمقارنته الشخصانية الفردية بغيره من حالات الوعي الاخرى كجزء من الوعي الشخصاني الكلّي )(4) وهذا لا يتم بغير أعتماد الخزين المعرفي الاستراتيجي في الذاكرة التي هي بنك المعلومات المكتسبة بالخبرة العقلية والتجربة،،. فقد تكون موضوعات الوعي هي أدراكات تتم في الذهن والخيال ألاسترجاعي من الذاكرة ولا يقابلها وجود متعيّن وحضورموضوعي في عالم الاشياء (وتمثل الاحلام شكلا من اشكال الوعي المختلف تماما عنه في حالات اليقظة )(5) أي ألادراك في موضوعات الخيال المستمد من الذاكرة جميعها تعتمد الشعور المسيطر عليه عقليا بينما لا يكون الشعور حاضرا في الاحلام لذا يكون الادراك الحلمي اللاشعوري تداعيات متقطعة لا ينتظمها أدراك تحسّسي مترابط ولا زمن تنظيمي لها..

سبق لي في غير هذه المقالة أني اشرت بالفارق بين أحلام اليقظة وأحلام المنام أن الاولى تقترن بالشعور المنّظم زمنيا، والثانية هي تداعيات لاشعورية لا يقوم الزمن الادراكي بتنظيمها.. لذا تكون الادراكات في أحلام المنام ناقصة فهي تأتي على شكل تداعيات صورية ذهنية متقافزة تتخللها قطوعات تفتقد الزمن الأدراكي المنتظم لها مما يجعلها عسيرة على الفهم القائم على الوضوح الادراكي المنظّم زمانيا كما في اليقظة..

خصائص الوعي القصدي

- الوعي حقيقي غير قابل للاختزال.(6) بمعنى غير قابل للقفز من فوق آليات السياق الادراكي الذي يبدأ بالحواس ولا ينتهي بالدماغ والجملة العصبية..

- الوعي نوعي بمعنى ( هناك نوعية تجريبية لكل حالة واعية، والوعي شخصاني أنطولوجي لا تتم معايشته ألا من قبل موضوع بشري أو حيواني).(7).

- جميع ملامح الوعي ناتجة من دون أستثناء عن عمليات بيولوجية – عصبونية داخل الدماغ ومنظومة الجهاز العصبي.(8)

- الوعي القصدي المعروف الوحيد هو الموجود في الجهاز العصبي للانسان او الحيوان..(9)

- تجربة الوعي الادراكي القصدية النوعية الشخصانية بكاملها هي جزء من مجال وعي ادراكي كلي.(10) بمعنى أشتراك أكثر من حاسة واحدة في تجربة الادراك من جهة، وكل تجربة شخصانية تعتبر محدودة بالنسبة لتجارب لا حصر لها من أدراكات وعي كلي متنوع بتعدد موضوعاته من جنبة أخرى.

- مضمون الوعي القصدي يفيد معنى شروط الاشباع (11) بمعنى غاية وهدفية الادراك هو أشباع الرغبة في تحريك القصد نحوتحقيق غاية محددة يتوجب بلوغها..والوعي القصدي وعي هادف يتحدد بالذهن سلفا..

مفهوم التجربة الادراكية

يأخذ سيرل على الفيلسوف أ.ج. آير صاحب كتاب (اسس المعرفة التجريبية) في معرض بناء حجته على آراء مستمدة من هيوم بأن ما ندركه هو بيانات حسيّة .. ليطرح سيرل بضوء ذلك تساؤله :ما الموضوع الذي نحن واعون به مباشرة في حالة الادراك اذا لم يكن جزءا من أي شيء مادي؟؟(12) طبعا هنا كان تركيز سيرل على الادراك والوعي القصدي الناتج عن رغبة الاشباع المعرفي التي تفترض سلفا تحقق الوجود الانطولوجي لمواضيع العالم الخارجي للاشياء كمجال أدراكي واقعي، وأغفل أمكانية قيام الادراك على غير متعيّن مادي يحضر كموضوع كما ألمحنا له سابقا، فالعقل يقوم بفعل الادراك القصدي في معالجته مواضيع أدراكية غير مادية مستمدة من الذاكرة التخييلية الى جانب أدراكه مواضيع الواقع المادي، ولا وجود في حالة الادراك القصدي التخييلي شرطا لموضوع يكون جزءا من شيء مادي كما في رغبة سيرل في عبارته السابقة..ليس شرطا أن يكون الوعي الادراكي بموضوع يمّثل جزءا من واقع مادي حصرا ، فالخيال الادراكي يستطيع التعامل مع موضوعات لا وجود لعلاقة أنطولوجية لها تربطها بحواس الادراك ..

ويضرب سيرل مثالا: عندما يرى الرجل سرابا في الصحراء فهو بالتالي لا يدرك أي شيء مادي، لأن الواحة التي يعتقد أنّه يراها غير موجودة أصلا.. (13)، ويأخذ سيرل على (آير) أنه هو وفلاسفة آخرون يقولون مع هذا (أن تلك التجربة في رؤية الواحة ليست تجربة تتعلق بلا شيء ومن هنا فلها مضمون محدد ).(14). وبضوء هذا الفهم الادراكي يتضح معنا أباحة صحة الذهاب الى أن الادراك هو معايشة بيانات حسية مستمدة من الذاكرة والذهن كما يرى هيوم، ولا يختلف الحال مع أدراك موضوع ماثل متعّين وجودا أو مع موضوع غير موجود واقعيا حقيقيا.. يكونان سببا في بعث أدراكات الاحساسات، وهو تأويل صحيح في تتبعنا آلية الوعي الادراكي وليس قصديته...

من الملاحظ رفض سيرل أن المضمون في حد ذاته يمّثل موضوع التجربة مؤكدا على ما عزاه أنه خطأ (آير) قوله (أن تجربة الواحة للرائي ليس تجربة لا تتعلق بلا  شيء، بل التجربة هنا تتحدد بموضوع محدد ).(15).

ولتوضيح هذا الالتباس يذهب سيرل الى (أن المضمون القصدي الذي هو الموضوع في المعنى البنيوي – يقصد في واقع تجربة الادراك الحقيقي النسقي الكلية – ليس هو ذات الموضوع في المعنى القصدي).(16)

في هذا التفريق يؤكد سيرل وجهة نظره الفلسفية أن تجربة الادراك انما تقوم على موضوع يتخذ صفته ومعناه الوجودي – البنيوي في ممارسة تجربة الادراك الواقعة عليه في وجوده وفي غيابه على السواء..فالموضوع هو في المحصلة النهائية التي تفرض نفسها هو وجود انطولوجي مستقل بذاته في حالتي الادراك المباشر له أو في حالة معاملته كموضوع للادراك يفتقد الوجود المادي المتعيّن واقعيا..وربما لا ينطبق هذا على مثال سراب الواحة كما أوحى سيرل بذلك..

هل يتم الوعي القصدي خارج الدماغ؟

ينقل جون سيرل عن الفيلسوف الامريكي (الفا نوي) في مقال لهذا الاخير بعنوان (تجربة من دون رأس) الى أن الوعي الادراكي القصدي يمكن أن يتم خارج الدماغ ،موضحا قوله (أن تجربتنا في الوعي غير معتمدة فقط على ما يتمّثل في أدمغتنا ،بل يعتمد على تفاعلات دينامية بين أقطاب الوعي – الدماغ -  والجسم -  والبيئة)(17).

الوعي القصدي عند سيرل يشمل جميع حالات الذهن ولا ينفك عنها، حتى أنه يرى في تصّور حالة ذهنية غير واعية، عبارة متناقضة ذاتيا، وبحسب رأيه الوجود مادة صماء فمن أين يأتي الوعي؟ ويرى أن الوعي لا بل العقل كله ظاهرة بيولوجية مادية بالكامل وهو المذهب المعروف بالطبيعانية البيولوجية.. نلاحظ للمرة الثانية سيرل يكرر فهمه الفلسفي أن موضوع الادراك القصدي هو المتعّين أنطولوجيا في عالم الاشياء فقط، وقد قمنا توضيح هذه المسألة في سطور سابقة من هذه الورقة البحثية..

اللغة والعقل في الوعي القصدي

سعى سيرل الى اكتشاف طبيعة الارتباط بين اللغة والعقل فهما يتوّجهان الى أدراك الاشياء معا، فيتمّثل العقل الشيء ويقصده بالتزامن مع أستحضار لغة التعبير فيه، تزامنا يكاد يكون آنيا،، ويطرح سيرل بهذا المعنى سؤالا لمن تكون الاسبقية للعقل أم للغة؟ ويجيب على تساؤله عن الاسبقية للعقل مؤكدا وجهة نظره التي ضمنها مقدمة كتابه (القصدية) حيث جاء في فلسفة العقل من الكتاب المنشور عام 1983، أن الافتراض الاساسي القائم وراء تناولي لمشكلات اللغة هو أن فلسفة اللغة هي فرع من فلسفة العقل..(18).

ويطلق سيرل على أن الهلوسة الادراكية (الواعية) لا تمتلك موضوعا من أيّ نوع كان ، وتعقيبنا أن هلاوس الادراكات غير (واعية) تماما بموضوعها وليس كما ورد أنها (واعية) في أمتلاكها مضمونا ولا تمتلك موضوعا، ويتعّذّر التفكير في وعي أدراكي لا يحمل موضوعه المتعيّن كمادة أدراكه الملازمة له ، ولا يشترط في موضوع الادراك أن يكون متعينا أنطولوجيا بل من الممكن أن يكون الموضوع مستحدثا من الذاكرة الاسترجاعية، وبخلاف الهلاوس غير المنتجة تكون أدراكات الاسترجاعات التذكرّية واعية تحمل موضوعها معها في ملازمة تخليق الادراكات المجردة في الذهن.. وحالة الادراكات الهلاوسية تكون حالة من تداعيات الصور الذهنية المرتبطة الدلالة بغيرموضوع واحد محدد ، وتجارب الهلوسات الادراكية التي لا تحمل موضوعها الادراكي معها بوعي كاف لا تعبّر عن تجربة واقعية من الممكن تصديق حدوثها الواقعي..والا كيف لنا تعليل سلسلة الادراكات التي يمتزج بها اللاشعور الهلاوسي مع الوعي الشعوري التام باكثر من موضوع تخييلي كما نجده في معظم الابداعات الفنية والادبية وبالتحديد في الشعر؟؟ ففي مثالنا هذا لا نستطيع القطع أن تلك التجارب الادراكية هي من نوع الهلاوس غير المنتجة التي تفتقد موضوعها.. بل هي تمتلك موضوعها بكل جدارة وأستحقاق.

تلخيص ختامي

1- يذهب سيرل أن الوعي الادراكي القصدي ظاهرة بيولوجية، أي أنه وعي شخصاني نوعي أنطولوجي وهو جزء من مجال وعي كلي شامل.(19)

هنا بضوء هذا التعريف يجب التفريق بين موضوع الادراك المعرفي الذي لا يشترط حسب فهمنا أن يكون أشباعا بيولوجيا كما في مثال الاشباع الغريزي الجنس والجوع والعطش وغيرها، وبين الموضوع المدرك في الوعي القصدي في مجال المعرفة والسعي لاكتسابها.. الذي يكون أدراكا نوعيا يخص بيولوجيا الانسان كركن أساس تحديدا في أكتسابه المعرفة شخصانيا.. فهوأدراك بيولوجي على مستوى الشخص المدرك للاشياء وليس بيولوجيا على مستوى موضوع أدراكه..ومواضيع الادراك القصدي نوعين موضوع أدراك معرفي، وموضوع أدراك غريزي فطري..وكلاهما يشكلان هدفين متمايزين لتجربة الادراك في أشباعهما...

2- ينطلق سيرل من نظرة أحادية فينامينالوجية في الادراك ، تقوم على مرتكز محوري أن موضوع الادراك هو المتعيّن أنطولوجيا في عالم الاشياء المادية فقط ، ويهمل الادراكات الفكرية التي يكون منشؤها الذاكرة الاسترجاعية في أدراك موضوعاتها، ولا يناقشها في صفحات كتابه الموسوم (رؤية الاشياء كما هي) كفعالية أدراكية لا يمكن أهمالها..وعنوان كتابه رؤية الاشياء.. أنما تقوم في تركيزه على المدركات الحسّية في الواقع  فقط..علما أن مدركات مواضيع الادراك المستمد من الذاكرة أنما تنتج عنها جميع ضروب الابداع في الادب والفكر والثقافة والفنون وجميعها أدراكات قصدية حيوية في خياتنا وهكذا..

3- يحدد سيرل أن محددات أي أدراك قصدي تتألف من ثلاثة عناصر فقط يؤكد عليها هي المدرك (بكسر الراء) أي الشخص، وثانيا موضوعه،أي موضوع الادراك، وثالثا حاسّة الابصار العين، التي تكون البداية منها في أستقبالها ضوء الشيء المدرك الصادر منه، أي ضوء الموضوع المنبعث منه في تجربة الادراك الساقط على شبكية العين.. ولا نعرف أهمية الادراكات الناجمة عن بقية الحواس عند الانسان كالسمع واللمس والتذوق والشم فجميعها تعتبر مصادر الاحساسات الاولية في عمليات الادراكات لم يعرها سيرل أهتمامه.. كما لم يعر أنتباها الى الدماغ ومنظومة الجهاز العصبي الفاعل في أتمام عمليات الادراكات..ركّز كثيرا على أهمية العين فقط في تجربة الوعي الادراكي المادي.. وعنونة الكتاب هو (رؤية) بمعنى الابصار في العين وعلاقتها بالوعي الادراكي القصدي فقط هو محتوى الكتاب كاملا...

4- ورد على لسان سيرل أن علاقة الادراك في الهلوسة لا تنطبق على حالات الادراك الحقيقي السليم، كون أدراكات الهلاوس لا تمتلك موضوعا حتى وأن أمتلكت (وعيا) أدراكيا في مضمون متعيّن أدراكا، وناقشنا هذا الغموض في أسطر سابقة، فالوعي القصدي في أدراكات الهلاوس لا يمتلك وعيا مثمرا لكنه لا يعدم أمتلاكه موضوعات أدراكية لا يشترط أن تكون مستمدة انطولوجيا من واقع الاشياء بل يمكن أن تكون مواضيع الادراك الهلاوسي منطلقها تداعيات الفكر الصادرعن الذاكرة... والوعي هو وعي بموضوع يتألف من شكل ومضمون ولا وعي من غير موضوع يدركه، لكن الموضوع المستقل لا يشترط بالوعي ملازما له..

5- لكي يقوم سيرل في تأكيد رغبته أن أدراكات الهلوسة السيئة لا تمتلك (موضوعا) وقد تمتلك (مضمونا)، الى التفريق بين الموضوع ومضمونه في تجربتي الادراك الحقيقية والسيئة أي بين تجربة الادراك السليم وتجربة الهلوسة، وهذا التفريق لا يلغي ولا يلعب دورا حاسما بين التجربتين ويعبّر عن هذه الاشكالية المفتعلة قوله (في التجربتين – يقصد الحقيقية والهلاوسية -   يتكرر لدينا نفس الموضوع القصدي بالضبط ولكن في وجود موضوع قصدي في أحدى الحالتين فقط دون الاخرى) 20

لا نعتقد العبارة سليمة من ناحية ترابط المعنى في خلوّها من التناقض بمعنى توفر الموضوع القصدي في التجربة الحقيقية وأنعدامها في تجربة ألهلوسة حتى وأن أمتلكت مضمونا وليس موضوعا.. علما أن عبارة سيرل تشي باشتراك التجربتين في أدراكهما موضوعا واحدا.. كما لا يمكن أستساغة التفريق بين الموضوع ومضمونه في تجربة الادراك الخطأ الذي زرعته الفينامينالوجيا في تكريسها ثنائية أدراك الظاهراتية هذا وأستحالة أدراك النومين ذاك، عندما فصل منهج الفينامينالوجيا أدراك الاشياء في ظاهرياتها البائنة عنها في عدم أمكانية أدراك ومعرفة ماهياتها التي كان رسّخها كانط قبل هوسرل..، وفي العودة الى علاقة شكل الموضوع مع مضمونه نرى أستحالة أدراك مضمون متحرر عن موضوعه في (شكل) أنطولوجي يمكن أدراكه منفصلا غير متعالق بموضوعه، فالمضمون هو محتوى ملازم لموضوع محدد في شكل.. وأدراك موضوع كشكل أنطولوجي لا ينفصل عن مضمونه حتى وأن لم يدرك المضمون مباشرة كماهية أو جوهر..ولا يمكننا تصورأدراك مضمون بلا موضوع يؤطره..ما يدرك كموضوع يدرك وحدة واحدة شكلا ومحتوى والثالث مرفوع على حد تعبير الفلاسفة..

6- يطرح سيرل تساؤلا أشكاليا صعبا، يذهب الى تدعيم صحته وصوابه كلا من فلاسفة الشكيّة التقليديين ديكارت وبيركلي وهيوم ولوك وكانط، هو أن كل ما يمكننا أدراكه هو تمثّلات تجاربنا الشخصية الفردانية صوريا عن الواقع، فهل يمكننا تعميم حقيقة مدركاتنا على الجانب الأخر (مجموع الاخرين) (21).

لن نأخذ بتفنيد سيرل لهذا الادعاء لأن تفنيده يقوم على حجّة أشكالية قوامها مرتكز حاسة البصر (العين) في التجربة الادراكية، وهناك أجماع على حقيقة ثابتة لا يمكننا العبور من فوقها هو لا تتمكن الحواس من أدراك الاشياء على حقيقتها بصورة كاملة، كما لا يمكن للعقل تكوين أفكاره عن مدركاتنا كحقيقة قاطعة، وتبقى على الدوام أدراكاتنا ناقصة في معرفة العالم .. من جهة أخرى سحب سيرل التساؤل المار ذكره الى مضمار التعبير اللغوي الالتباسي المعقد كما يطرحه فينجشتين، وهذا ما لا يعتمده فلاسفة الشكيّة الكلاسيكية بدءا من ديكارت وليس أنتهاءا بفلاسفة التحليلية الانجليزية جورج مور وبراتراندرسل من حيث أن الحواس خادعة ولا تحمل أكثر من نصف الحقيقة على الدوام كما هي اللغة أيضا خادعة ومخاتلة ومعرفة الواقع على حقيقته أمر غير متيّسر لا بالادراك ولا بتعبير اللغة... كذلك فأن مخاتلة اللغة تنسحب على التعبير عن التجربة الفردية كما تنسحب على تعبير الادراكات الجماعية أيضا ولا منجاة لأحد مما يعرف بخيانة اللغة... التجربة الحقيقية بالادراك الشخصاني يمكننا تعميم بعض أستنتاجاتها، من حيث أن مواضيع الادراك في غالبيتها تكون متعّينات أدراكية ثابتة أنطولوجيا تقريبا، بينما يكون الادراك الذاتي متغيّرا ومتعددا بالنسبة لموضوع وجوده في حكم الادراك الثابت أو ظاهرة تتسم بالثبات النسبي، وكذلك فالادراك الفردي لا يتوّصل الى حقائق علمية قاطعة بل الادراك قسمة مشاعة أمام الجميع في ممارستها ضمن الامكانيات المتعددة في تنوع ألادراكات الشخصانية في الاشباع القصدي، عليه تكون نتائج الاستدلال الادراكي لا تلزم غير صاحب التجربة من الأخذ بها لدى أصحاب زوايا رصد متباينة أخرى.. يوجد تفاوت أدراكي بين شخص وآخر لكن لا يوجد تفاوت في أدراكنا حقيقة الوجود يسبق أدراكاتنا الفكرية عنه..مما يجعل أمكانية الخطأ الجمعي متراجعا في أدراك الموضوع الواحد..

جون روجرز سيرل: فيلسوف امريكي ولد عام 1932 ويشغل ألآن درجة أستاذ فخري في فلسفة العقل واللغة، وأستاذ طلبة الدراسات العليا في جامعة بيركلي – كالفورنيا، معروف على نطاق واسع في مساهماته في فلسفة اللغة والعقل والفلسفة الاجتماعية، بدأ التدريس في جامعة بيركلي عام 1959..

 

علي محمد اليوسف /الموصل

.....................

الهوامش :

1- جون ر. سيرل/ رؤية الاشياء كما هي/ سلسلة عالم المعرفة /ترجمة

ايهاب عبد الرحيم/ ص 163

2- المصدر اعلاه ص 34

3- المصدر السابق ص 58

4- المصدر السابق ص 59

5- المصدر السابق ص 57

6- المصدر نفسه نفس الصفحة

7- المصدر نفس الصفحة

8- المصدر نفس الصفحة

9- المصدر نفسه ص 59

10- المصدر نفس الصفحة

11- المصدر نفس الصفحة

12- المصدر ص 94

13- المصدر نفس الصفحة

14-  المصدر نفس الصفحة

15- المصدر ص 59

16- نقلا عن موقع اضاءات الالكتروني

17- المصدر السابق ص 99

18- المصدر السابق ص 97

19- المصدر السابق ص 193

20- المصدر السابق ص 181

21- المصدر السابق ص 194

 

علي رسول الربيعييختلف الفلاسفة الليبراليون حول الطريقة التي يجب أن نفهم بها استحقاقات الأفراد المتدينين.[1] تُخاض هذه الخلافات أحيانًا حول كيف نُـنَظر لمكان الدين في السياسة. يصر بعضهم على أن لاينبغي معاملة المعتقدات الدينية بأعتبار لها خصوصية واستثنائية مقارنة مع أنواع أخرى من القناعات أو التفضيلات؛ ويزعمون أنه لا يوجد سبب مبدئي لإعطاء أهمية أكبر لمتطلبات الورع الديني عند تقرير ما يجب أن يكون عليه القانون. ينكر آخرون هذه الادعاءات ويحتجون بأن الممارسات الدينية تستحق اهتماما وحماية خاصتين، أما لأن الدين بذاته له خصوصية، أو لأنه يشترك مع رؤى للعالم غير دينية أ وراابط خاصة يقع على الأفراد الذين يخضعون لها واجبات صارمة للعيش بطريقة معينة.

يختلف الليبراليون بالإضافة إلى هذا النزاع حول كيف يجب أن نتداول شأن الدين في السياسة. يختلفون حول كيفية تعامل القانون مع الأفراد المتدينين وحمايتهم. السؤال الأول هنا هو ما إذا كان ينبغي على التنظيمات والتشريعات القانونية أن تعفي المتديننين من بعض القوانين حتى تكون عادلة أو شرعية. يتعلق السؤال الثاني حول حماية القانون الأفراد من أستبعادهم من الخير العام من قبل أفراد آخرين

على الرغم من اختلاف السؤالين من الناحية التحليلية، إلا أنه من السهل نرى خلافاتهما، حول ما يجب أن يكون عليه القانون، وحول الكيفية التي يجب أن تكون فيها العلاقة بين القانون والدين. إذا اعتقد المرء أنه لا ينبغي أن تكون هناك إعفاءات من القانون بالنسبة للأفراد المتدينين، فمن المرجح أنه لا يعتبر الدين يستحق مراعاة وأهمية خاصة في المداولات السياسية. مقابل ذلك، إذا اعتقد المرء أن للدين خصوصية، فمن المرجح أن يكون أكثر تعاطفا مع الإعفاءات الدينية وحماية الأفراد المتدينين وتوفير الفرص لممارسة معتقداتهم دون تعرضهم أو فرص عملهم للخطر.

على الرغم من أن الأسئلة المتعلقة بالإعفاءات الدينية تشكل الخلفية لهذا النقاش الفكري الذي أثيره، الاً أن هدفي هنا هو مراجعة وتفسير ودفاع عن الموقف الليبرالي المميز لرونالد دوركين الذي يتعلق بتصوره للمغزى و الأهمية الأخلاقية للالتزامات الدينية في السياسة، وهو ما يؤكد "الحق العام للاستقلالية الأخلاقية"، ولكن عدم حقانية أي خصوصية لممارسة دينية، وبعبارة أخرى لايوجد أيً حق خاص في ممارسة دينية. إن معالجة دوركين للدين هي جزء من رؤيته السياسية الأخلاقية العامة التي تستند الى مفهوم معين للكرامة الإنسانية، وأنا أعتبر مفهومه هذا للكرامة أمر جوهري لتقدير الطبيعة الراديكالية لوجهة نظره.

أحد الاعتراضات البارزة على رؤية دوركين هي أن الاستقلال الأخلاقي يفتقر إلى الملاذ والوسيلة اللازمة للدفاع عن الترتيبات القانونية التي تمنح الأفراد فرصة كافية لمتابعة معتقداتهم الدينية. ولأن رؤيته لا تولي أهمية خاصة للدين أو الضمير، فهي تنظر إلى القناعة الدينية على أنها مجرد تفضيل لا يحمل أيً دلالة معيارية، أنها ليست أكثر من الرغبة في بعض الطقوس. وبناءً على ذلك، يستمر الاعتراض على وجهة نظر دوركين، بوصفها تقييد فرص المواطنين في متابعة التزاماتهم الدينية: أيً أن رؤية دوركين غير قادرة على تبرير الإعفاءات للمتدينين من قوانين معينة، فمثلا، هي غير قادرة على الدفاع عن القيود القانونية على أصحاب العمل وغيرهم لحماية الأفراد الذين يرغبون في العمل دون المساس بهويتهم الدينية.

قبل مراجعة تصوره لمكانة المعتقد الديني ضمن الأخلاق السياسية، تجدر الإشارة إلى أنه على الرغم من رفضه للحق الخاص في ممارسة دينه، فإن دوركين منفتح على فكرة أن ترتيبات معينة تتمتع بها بعض الجماعات الدينية بإعفاءات من قوانين أو قواعد معينة قد يكون لها ما يبررها. إن كراهية دوركين تجاه الحق الخاص في الحرية الدينية هي، في الواقع، رفض للراي الشائع عن "الحق الخاص"، أيً الدفاع عن الإعفاءات الدينية. ومع ذلك، وكما تكشف لنا ملاحظاته،  انه يبقى منفتح العقل ليصغي الى دعاة الإعفاءات لتقديم حجج مختلفة لهم غير تلك التي ينقدها. فيرى أنه من المحتمل أن تكون هناك حجج عن حالات من الإعفاءات ونوعها وتوزيعها مختلفة عن لك الحجج التي نعرفها تمامًا، لأن إذا كان دوركين على صواب ، فلن نتوقع من نظام الإعفاء يتبع الالتزام الديني.[2]

تفسير الحريات الدينية: حق خاص أم استقلال أخلاقي؟

يقدم دوركين في كتابه المنشور بعد وفاته، Religion without God (الدين بدون الله ) (2013)، مقارنة مزدوجة للحق في الاستقلال الأخلاقي وتصور مختلف للكيفية التي يجب على المجتمع السياسي أن يستجيب فيها للادعاءات والمطالب الدينية، والتي تفرض حقًا خاصًا للحرية الدينية. حجته هي أن هذه الأخيرة تواجه صعوبات مختلفة يتجنبها الأول.

ينطوي الاستقلال الأخلاقي على ادعاء بشأن الأسباب التي تنطبق على المجال السياسي الذي به نسنّ القوانين ونفسرها وننفذها. على النقيض من ذلك، يدعي دعاة الحق الخاص في الحرية الدينية بالأهمية الأخلاقية للأفراد الذين يتابعون بحرية معتقداتهم الدينية الخاصة. ويزعمون أن المجتمع السياسي يقع على عاتقه واجب ثقيل للغاية يتمثل في عدم تشريع قوانين تمنع سعي الأفراد من ممارسة قناعاتهم الدينية. لأن هذا النقاش يدور على خلفية الاتفاق على حقيقة ما يسمى بعدم المأسسة أو التأسيس، أيً لا ينبغي للدولة أن تؤكد أو تؤيد أي وجهة نظر دينية معينة - وأن الحماية التي يسعى إليها المدافعون عن حق خاص للدين يمكن أن تنطبق على كل دين بغض النظر عن حقيقته أو معقوليته.

أريد أن أشير هنا الى أن مصطلح "التأسيس" يدل على أي من الترتيبات الممكنة المتعددة للدين في الحياة السياسية للمجتمع. إنه يعبر الفكرة الضيقة المتمثلة في أنه لا ينبغي للدولة أن تنحاز إلى دين معين، بدلاً من الفكرة الأوسع المتمثلة في أن الدولة لا ينبغي أن تنحاز إلى دين ضد وجهات النظر غير الدينية. المطالبة السابقة الأكثر تقييدًا هي وجهة النظر التي يشترك فيها المدافعون عن حق خاص في الحرية الدينية وهي التي يناقشها دوركين. بالطبع، إن حجته هي أن عدم التأسيس على نطاق أوسع هو الراي الصحيح. ومع ذلك، فإن هذا الراي هو أستنتاج لحجة تتحدى تماسك عدم التفسير الضيق لراي من يتبنون عدم التأسيس.

هناك وجهات نظر مختلفة حول الكيفية التي يجب أن نصف بها واجب الحكومة الثقيل أزاء الحق الخاص المفترض للحرية الدينية. يستخدم دوركين تشبيه الحق في حرية التعبير والمختلف في المعنى عن الحرية الدينية، بأعتباره يكفي لضمان مثل هذه الحماية وبالتالي لاحاجة الى الحق الخاص للحرية الدينية. فطبقاً لحق حرية التعبير من غير المسموح أخلاقياً بشكل عام منع الأفراد من التعبير عن آرائهم، حتى لو كان لخطابهم عواقب سلبية على الآخرين، لأنه، عن سبيل المثال، حماية حقهم في قول أشياء معينة يعتبر أمر ثمين للغاية. قد يحصل أن يتم حظر الكلام أو يكون خاضعا للرقابة، كما يعتقد دوركين، ولكن في حالات الطوارئ وفقط إذا كان الخطاب يهدد المجتمع السياسي بخطير كبير.[3] يقدم المدافعون عن الحق الخاص في الحرية الدينية، على الأقل كما يصفهم دوركين، ادعاء مشابهاً حول واجبات المجتمع السياسي تجاه المتدينين: أنه في غياب خطر جسيم، يجب ألا يمر تشريع يمنع احترام ألتزاماتهم الدينية للأفراد. وبدون ان يكون هناك سبب وجيه ومهم، يجب أن تعفي التشريعات التي تحظر سلوكًا معينًا أولئك الذين يطلب منهم دينهم أن يتصرفوا بطريقة معينة. من وجهة نظري، إن مناقشة الحق الخاص في حرية التعبير يوضح فقط معنى "الحق الخاص"، الذي يرفضه عند تطبيقه على الحرية الدينية. لا أقصد تأييد روايته لحرية التعبير.

يقول دوركين انه ينبغي رفض المفاهيم التي تتعلق بالحق الخاص في الحرية الدينية لأنها تضع قيودا كثيره جدا على المجتمع السياسي. هناك جزآن لحجته. أولا، يشير إلى ان بعض الحجج المتعلقة بالحرية الدينية فاشلة من ذاتها لأنها لا تؤيد توسيع نطاق الحق الى كل دين. فعن سبيل المثال، إذا كانت القضية المتعلقة بالحق مرهونة بتجنب الحرب الاهليه، فان الحق في الحماية لا يحمي سوي مجموعه فرعيه من الديانات، وهي الأديان التي يهدد اتباعها بالاضطراب الاجتماعي إذا منعت قانونا من التقيد بممارساتها الخاصة.[4]

الجزء الثاني من قضية دوركين هو أن الحجج التي تنجح في أن تشمل جميع الأديان التوحيدية/ السماوية قابلة للتعميم لتتضمن العقائد غير التوحيدية ايضا. وهو يصف بعض العقائد غير الإيمانية بأنها "دينية"أيضاً. ويكرس الفصلان الأولان من كتابه "الدين بدون الله" لتوضيح مفهوم جديد للدين يمكن أن يشاركه فيه الذين ينكرون وجود الله. فعن سبيل المثال، إذا كان هناك ما يبرر الحماية الخاصة لمعتقدات عميقة حول قيمة ومعنى الحياة البشرية وما يعنيه العيش بشكل جيد، فإن هذا الحق سوف يمتد إلى كل من يمتلك مثل هذه المعتقدات العميقة مثل رفض التجنيد العسكري من قبل أولئك الذين يعتقدون أن القتل ممنوع أخلاقيا. ومع ذلك، على الرغم من أن هذا التمديد للحماية يبدو جذابا للوهلة الأولى، الا أن مثل هذا الحق من شأنه أن يقيد الحكومة أكثر من اللازم. يقدم دوركين بعض الأمثلة التوضيحية مثل أن الاعتقاد بأن استهلاك العقاقير المسببة للهلوسة يمنح نظرة خاصة عن معنى الحياة، أو هو جزء من اسلوب حياة ممتع مما يتطلب حماية خاصة؛ وبالتالي من شأنه أن يضع حداً صارماً على حق الحكومة في سن قوانين تمنع المواطنين من المواد المسببة للإدمان. وبالمثل، فإن من شأن حق خاص في الحرية الدينية سيجعل من المستحيل على المجتمع السياسي فرض ضرائب على أولئك الذين وصفهم ماكس فيبر الشهير بأنهم ملزمون بجمع الخيرات المادية.[5]

وعندما يتم تعميم (ما ذكرناه أعلاه) فإن الحق الخاص في الحرية الدينية سوف يدين الكثير من التشريعات، وهذا سبب قوي لرفض مثل هذا الحق. نحتاج، بدلاً من ذلك، إلى محاولة تحديد مفهوم مختلف للحرية الدينية لا تترتب عليه مثل هذه العواقب غير الجذابة.

يترتب على رأي الذين يدافعون عن الحق الخاص في الحرية الدينية نتائج ضارة، فطبقا لرأيهم: يجب على الحكومة ألا تقيد الحرية لمجرد أنها تفترض أن هناك طريقة واحدة للناس ليعيشوا حياتهم، وتدعي أن فكرة معينة عن الحياة هي أفضل من غيرها وتستحق العيش في حد ذاتها، ليس لأن عواقبها أفضل فقط كما تعتقد الحكومة ولكن لأنها ترى أن الناس الذين يعيشون بهذه الطريقة هم ناس أفضل. فيجب على الدولة التي تمنح الحرية للمواطنين وأن تتركهم يقرروا مثل هذه المسائل أو الأمور بأنفسهم، وليس للحكومة الحق في فرض وجهة نظر واحدة على الجميع. وبناءً عليه وطبقا لهذا الرأي ليس للحكومة الحق أن تحظر استخدام المخدرات لمجرد أنها تعتبر استخدامها مخجلًا، أو تمنع قطع الأشجار لمجرد أنها تعتقد أن الأشخاص الذين لا يقدّرون الغابات الكبيرة سيئون أخلاقيا؛ وقد لا تفرض ضرائب تصاعدية لمجرد أنها تعتقد أن المادية شر. ولكن بالطبع، هذه نتائج غير مقبولة فلا يمنع الاستقلال الأخلاقي الحكومة من التدخل في طرق الحياة التي اختارها الناس لأسباب أخرى، منها: من أجل حماية الآخرين من الأذى، مثلا، أو لحماية عجائب الطبيعة، أو لتحسين الرفاهية العامة. لذلك فقد تمنع المخدرات من أجل حماية المجتمع من التكاليف الاجتماعية للإدمان، وقد تفرض ضرائب لتمويل الطرق ومساعدة الفقراء، وقد تحمي الغابات لأنها في الواقع رائعة ومهمة لتوازن الطبيعة ولفوائد أخرى.[6]

إن حجة دوركين هي: أن الحق العام في الاستقلال الأخلاقي أمر مفضل، لأنه يلبي العديد من الرغبات دون تقييد المجتمع السياسي أكثر من اللازم. ولا يقتضي هذا الحق إقامة أي تصور تفصيلي خاص بأساليب أو أنماط الحياة الجديرة بالمتابعة والعيش؛ إنه يصر على أن المجتمع السياسي يجب ألا يتعامل مع المزايا الجوهرية لأي تصور خاص بالأهداف الشخصية التي يسعى إليها الناس كسبب للتشريع. نعم. يجب عدم التقليل من الحقوق القانونية للمواطنين الدينيين لأن قناعاتهم خاطئة أو أن ممارساتهم لا تستحق الأحترام أو الألتزام بها. إلا أن الحق، وبشكل حاسم، يسمح بفرض قيود على الحريات القانونية حيث توجد أسباب للقيام بذلك لا تعتمد على تفوق التصورات الخاصة للأهداف والعلاقات الشخصية التي تستحق السعي من أجلها. فعن سبيل المثال يمكن للحكومات فرض ضرائب عادلة لأنها مسؤولة عن ضمان تمتع كل مواطن بحصة عادلة من الموارد. لا تفترض مثل هذه السياسة أن المعيشة بدون دفع الضرائب سيئة بشكل جوهري. إنها سياسة مبررة على أسس العدالة .[7] يتناقض الحق الخاص مع الحرية الدينية بشكل واضح: يحاول الحق الخاص ترسيم مجال النشاط الذي لا يجوز للحكومة التدخل فيه؛ بينما يضع الحق العام فيما يتعلق بالاستقلال الأخلاقي قيودا على الأسباب التي يلجأ اليها المجتمع السياسي عند البت في القانون وتقرير السياسات، ولكن هذا القيد يتوافق أو ينسجم، من حيث المبدأ، مع فرض قيود على حرية الأفراد.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

...........

[1] Bou-Habib, P., 2006. A Theory of Religious Accommodation. Journal of Applied Philosophy 23: 109- 26.

[2] Dworkin, R., 2013. Religion without God. Harvard University Press.136.

[3] Dworkin, R., 2013. Religion without God.131-2.

من وجهة نظري إن مناقشة دوركين للحق الخاص في حرية التعبير توضح فقط معنى "الحق الخاص"، الذي يرفضه عند تطبيقه على الحرية الدينية. لا أقصد تأييد تفسيره لحرية التعبير طبعاً .

[4] Dworkin, R., 2013. Religion without God.110-11.

[5] فيبر، ماكس، الأخلاق البروتستانتية وروح الراسمالية، ترجمة محمد علي مقلًد، مركز الأنماء القومي، بيروت، الفصل الأول.

[6] Dworkin, R., 2013. Religion without God. 130-1.

[7] Dworkin, R., 2013. Religion without God. 128 - 37.

 

 

علي رسول الربيعيالموقف من تاريخ الفلسفة 

سألوني عن معنى العنوان ودلالته، فقلت: أرى أن الرغبة في التفلسف قد تقع بين حالين في موقعين طرفيين وهما جاذبية المدارس الفلسفية في أن يتبنى المتلفسف طروحات ونظريات أحداها بطريقة مذهبية عقيدية يرفعها فوق التاريخ وبين الوقوع في النسبية التاريخية لكل الأفكار والمشكلات والقضايا الفسفية. فاذن على التفلسف أن يحذر الوقوع كلا الحالين. ومن هنا النظر في طبيعة العلاقة بين الفلسفة وتاريخها.

هناك أعتراف على نطاق واسع أن تاريخ الفلسفة مهم للغاية في مجال الفلسفة وللتفلسف ايضاَ. وأنه يلعب دائمًا دورًا في التدريب الفلسفي وأستيعاب الفلسفة، وغالبًا ما يحتل مكانة بارزة فيهما. علاوة على ذلك، يكرس الكثير من ذوي الأهتمامات الفكرية أنفسهم لدراسة تاريخ الفلسفة. وإن القضايا الفلسفية التي ليست في الأساس تاريخية، أيً بمعنى غير مرتبطة بمرحلة من التاريخ، غالباً ما يتم طرحها في المناقشات الفلسفية المستمدة من تاريخ الفلسفة.

لا جدال في أن تاريخ الفلسفة مهم للفلسفة، إلا أنه من غير الواضح ماسبب هذه الأهمية. تكمن هذه الصعوبة عمومًا في أن الفلسفة هي بالأساس بحث عن حلول لمشاكل بعينها. ولكن لا يقتصر النشاط الفلسفي على حل هذه المشاكل فقط، بل يحاول حل مجموعة معينة أخرى من المشاكل المختلفة ايضاً، وهذه هي العلامة الرئيسة التي تميز العمل الفلسفي من أشكال النشاط الفكري الأخرى. ليس من السهل تحديد المشاكل التي تندرج ضمن هذا النطاق بطريقة دقيقة. لكننا يمكن ندرك مثل هذه المشاكل الفلسفية بسهولة إلى حد ما، عن طريق تشابهها، وكذلك لأن المشاكل الفلسفية عادة ما تنطوي على قضايا ذات تجريد عالي نسبياً تتجاهلها التخصصات الأخرى التي يتم تحديدها بسهولة أكبر.

يمارس معظم الفلاسفة تقريبًا من خلال هذا المفهوم للتفلسف في مجالهم هذا اليوم. ويتضح هذا سواء في عملهم الفلسفي الفعلي أوعلى مستوى الأحكام التي يقررونها بشأن نجاح عملهم أوفشله. لقد سيطرت وجهة النظر الفلسفية هذه على كتابات الفلاسفة السابقين الذين نعتبر أعمالهم فلسفية بشكل نموذجي.

قد تكون آراء الفلاسفة السابقين مفيدة في الجهود الحالية لحل المشاكل الفلسفية الراهنة، من خلال اقتراح استراتيجيات لحلها أو عن طريق الإشارة إلى الوقوع في المغالطات والمزالق والعيوب سابقاً مما ستوجب تجنبها. لكن هذه الفوائد بالكاد تبدو متناسبة في أهميتها المركزية للفلسفة في تاريخها . دعنا هنا نسأل إذا كانت الفلسفة هي أساسًا حل المشاكل، فهل سيكون تاريخ هذه الجهود في حل المشاكل جزءًا راسخًا من مجال الفلسفة، و جزءاً أساسياً من التدرب على التفلسف؟ لماذا لا يُنظر إلى النجاحات السابقة كجزء من معرفتنا الفلسفية الحالية ؟ لماذا يدرس الكثير من أصحاب الأهتمامات الفلسفية تلك الأعمال الفلسفية السابقة، بدلاً من تكريس أنفسهم مباشرة للمشاكل التي تحدد هذا المجال راهناً؟ لماذا ينبغي دراسة تاريخ الفلسفتة، كما هو، على وجه الحصر تقريبًا من قبل أولئك الذين تكون اهتماماتهم وتدريبهم فلسفيًة وليس تاريخيًة؟ قد لايكون الحصول على إجابات مرضية لهذه الأسئلة الصعبة بسهولة إذا كانت الفلسفة نشاطًا أساسيًا لحل المشاكل.

سيكون أحد الردود على هذه الصعوبة هو الأرتياب أو تفنيد الرأي القائل أن الفلسفة نشاطًا لحل المشاكل. فقد يصر المرء على أن تاريخ الفلسفة ليس مهمًا تمامًا للعمل الفلسفي. أو ربما ينكر، من ناحية أخرى، أن الفلسفة مجال هدفه الرئيس هو حل المشكلات. يبدو أن كلاً من الموقفين، الموقف الذي يؤيد مفهوم للفلسفة بوصفها حل للمشكلات والموقف الآخر الذي ينظر اليها بوصفها مرتبطة بتاريخها وهو ذو ذو أهمية لها، راسخين. ولكن أنْ ينكر أيً منهما الآخر عليه أن يقدم وجهة نظر متماسكة ومقنعة .

هناك طريقة أخرى أكثر تفصيلاً تركز على أن تاريخ الفلسفة يقود الى شكوك حول نموذج حل المشاكل. لقد أكد علماء التاريخ مثل R. G. Collingwood [1] بقوة على أن المشاكل الفلسفية تنشأ في سياقات فكرية معينة، وهذا ما يعطي تلك المشاكل الأهمية التي تمتلكها. إذا كان المرء يؤكد بقوة على فكرة أن المشاكل الفلسفية هي بهذه الطريقة علاج لسياقاتها التاريخية، فقد لا يبدو أن مثل هذه المشاكل لها مكانة مستقلة بوصفها ذات أهمية فكرية جدية. قد يبدو نموذج حل المشاكل وكأنه مجرد خدمة يقدمها الفلاسفة لتبقى الفلسفة على قيد الحياة. وهكذا يمكن أن تقوض هذه التاريخية فكرة أن الهدف الحقيقي للفلسفة هو حل المشاكل. هذا هو التحدي أزاء المفهوم التقليدي للفلسفة الذي واجهه ريتشارد رورتي ورد عليه في الفلسفة ومرآة الطبيعة، وفي عواقب البراغماتية والكتابات الحديثة الأخرى.[2]

إن هدفي الرئيسي هو شرح أهمية الفلسفة في تاريخها، بالنظر إلى أن الفلسفة هي في أحد اوجهها الأساس نظام لحل المشاكل. لكن قبل أن أضطلع بهذه المهمة، أريد أن أواجه التحدي المطروح على صورة حل المشاكل من قبل التاريخية المتطرفة بالصوغ الذي يقدمه رورتي. في القسم الأول، أعرض حجة رورتي التاريخية ضد الرأي القائل بأن الفلسفة مكرسة لحل المشاكل. وأبين بعد ذلك في القسم الثاني أن مثل هذه التاريخية لا تقوض صورة الفلسفة في حل المشاكل، وأن تاريخية رورتي والصورة البديلة التي يعطيها للفلسفة تعتمد على معيار مزدوج يؤثر على فكرته عن التاريخية. وأنتقل في القسم الثالث، إذن إلى أهمية تاريخ الفلسفة للفلسفة. وأتناول الخطط السابقة المعتادة لأهمية تاريخ الفلسفة، وأزعم أنها غير كافية. في الجزء الرابع، أختتم حديثي بالقول إن تاريخ الفلسفة له أهمية خاصة للفلسفة لأن فهم وجهات النظر الفلسفية والتوصل إلى الحقيقة حول القضايا الفلسفية يسير بالضرورة جنبًا إلى جنب. تاريخ الفلسفة له أهمية فلسفية مفعمة بالحيوية لأننا يجب أن نواجه ونفكر في القضايا الفلسفية من أجل تفسير الموقف الفلسفي لأي شخص آخر وبالتالي تفسير أي موقف فلسفي من الماضي.

 موقف روريتي العدائي

تُعرف الفلسفة، في بعض الأحيان، من خلال مجموعة من المشاكل التي تميًزها أو الخاصة بها و تتصف تلك المشاكل بأنها ثابته ومستمرة. تؤدي مثل هذه المشاكل إلى جذب انتباه الفلاسفة في كل عصر، ما لم يتم حلها بشكل حاسم. يعتبر رورتي، إن هذا الرأي أفتراض مقبول وشائع على نطاق واسع في النصوص المعيارية والنموذجية حول تاريخ الفلسفة.[3] ويرى أن هذا النوع من التاريخ يعكس الفكرة السائدة في مثل هذه النصوص وهي، "أن الفلسفة" اسم لحقل معرفي، وأنه، في جميع الأزمنة والأمكنة، يمكن الوصول إلى الأسئلة الأساسية العميقة نفسها.[4]

لكن ليست هذه النصوص المعيارية النموذجية للفلسفة هي المصد الرئيس لفكرة أن الفلسفة تعالج المشكلات الدائمة أو الثابتة والمستمرة. بل بالأحرى، تستمد تلك الفكرة قوتها أساسًا من الطريقة التي يناقش بها الفلاسفة أنفسهم وسابقيهم. بأعتبار أن الفلاسفة السابقين واجهوا المشكلات نفسها التي تشكل جوهر المناقشات الحالية ومعالجتها.

نتعامل بهذه الطريقة مع أسلافنا الفلاسفة حتى يومنا هذا. وقدم أرسطو وكانط مثل هذا التفسير لأسلافهم الفلاسفة، وكانت تلك التفسيرات منهجية ومثيرة للإعجاب وقدمت نموذجين للأجيال المتعاقبة. حتى هيجل، الذي رأى أن الفلسفة تطورت بشكل منهجي ديالكتيكي وأن هناك تقدم في تاريخ الفلسفة، قرأ ضمنيا القضايا الحالية في الماضي. لأنه تصور أن الفلاسفة السابقين طرحوا أسئلة لا يمكن فهم معناها الحقيقي إلا من حيث المشاكل التي ظهرت لاحقاً. المشاكل السابقة هي، في الواقع، نصوص جدلية غير مكتملة من الأسئلة الحقيقية التي عالجها هيجل بنفسه، ويمكن فهمها بشكل كامل وصحيح فقط من حيث هذه الأسئلة. أنا أزعم في الأقسام اللاحقة أن هذه الطريقة لتمثل المرء لأسلافه طبيعية ومثمرة وفي الوقت نفسه لا مفر منها إلى حد كبير. وإن وصف أسلافنا الفكريين يعزز بوضوح الانطباع بأنهم قد شاركونا أهتماماتنا حول المشاكل الدائمة.

لكن علينا أن نكون حذرين بشأن ما نستنتجه من هذه الممارسة المتمثلة في تمثيل الفلاسفة السابقين على أنهم عالجوا المشاكل التي تثير أهتمامنا الحالي. قد تعكس هذه الممارسة الطريقة التي نمثل بها وجهات نظر الآخرين أكثر من أي صفة أبدية للمشاكل التي تمت معالجتها. علاوة على ذلك، هناك أسباب مقنعة لرفض فكرة المشاكل الفلسفية الدائمة. نعم أنه لمن الصحيح أن المشكلات التي عالجها الفلاسفة في العصور المختلفة تشبه بعضها بعضًا من نواحٍ عديدة، لكنها نادراً ما تكون متطابقة تمامًا. كما أكد الكثيرون من ديوي إلى رورتي، أن هذه المشاكل تنشأ في سياق مواقف فكرية واجتماعية معينة، وفي مراحل مختلفة من اكتساب المعرفة التي تتصل بها. إن هذه السياقات حاسمة لفهم بقاء أو الأحتفاظ الفكري بالمشاكل الفلسفية التي نواجهها اليوم؛ وإلى هذا الحد، تعيًن هذه السياقات جزئياً ما هي تلك المشاكل. فعرض المشاكل بصرف النظر عن تلك السياقات لا يؤدي الاً إلى تشويه حتما. وغالبًا ما نجد هذا التشويه واضحًا في الأوصاف التي قدمها بعض الفلاسفة لأسلافهم. ويكون الأمر أكثر دراماتيكية عندما تتباين التهم المعاصرة للفلاسفة السابقين بطرق تعكس الاختلافات الفلسفية بين أولئك الذين يقدمون الأوصاف.

 يبدو إلى هذا الحد، أنه من المعقول اعتماد نظرة تاريخية تجاه المشاكل الفلسفية. لأنه في الواقع، حتى في عصر معين، قد تكون المشاكل أقل تشابهًا من ظهورها للوهلة الأولى، ويرجع ذلك جزئيًا إلى أختلاف السياق الثقافي ذي الصلة بهذه المشكلات. لكن لا تهدد هذه التاريخية بأي حال نموذج الفلسفة الذي ينظر الى الفلسفة أو ودورها كحل للمشاكل. في الواقع، سيكون من المفاجئ، من وجهة النظر هذه للنشاط الفلسفي، إذا لم تتحول المشاكل أو حتى تتطور تدريجياً. من المفترض أن تسفر الجهود المبذولة لحل المشاكل عن نتائج محددة في بعض الأحيان – وحاسمةً في أحيان أخرى، وربما في كثير من الأحيان تؤدي الى تحسينات في الصوغ وتوضيحات الافتراضات. وعندما يحدث هذا التقدم، مهما كان متواضعا، فإن المشاكل التي نعالجها ستتغير. وإذا رأينا، مع راسل، أن المشكلات الفلسفية معمرة حقًا، فعلينا أن ننكر، أن مثل هذه المشاكل عرضة لأي حل على الإطلاق.[5]

إذا كانت المشاكل الفلسفية مدفوعة جزئياً بالسياق الفكري أو الاجتماعي التي تنشأ فيه، فمن المرجح أن يؤدي التحول في السياق إلى حدوث تحول مماثل في المشاكل التي يتم معالجتها. قد يحدث هذا التغيير حتى عندما لا يُعتقد أن المشاكل السابقة قد تم حلها بشكل مرض. عندما الأهتمامات التي أدت بنا إلى طرح أسئلة معينة لم تعد تجذب انتباهنا، ستبدو هذه المشاكل مصطنعة وغير مُحفزة للأهتمام. وإذا استمرت هذه المشاكل في جذب الاهتمام فستبدو المناقشات حول الحلول المتنافسة عديمة الجدوى وبلا معنى، وأن هذه الحلول المقترحة ليس أكثر من تمارين فكرية. ولن يعكس هذا العمل الفلسفي رغبتنا في تعلم شيء جديد أو تعميق فهمنا للأشياء.

يزعم رورتي أن هذا الوضع بالضبط يحصل اليوم. ويجادل قائلاً إن المشاكل المتعلقة بالعقل والمعرفة والمعنى التي هيمنت على الفلسفة المعاصرة، بل والمحددة للفلسفة الحديثة ايضاً مستمدة من اهتمامات القرن السابع عشر والثامن عشر ولم تعد لها أي هيمنة لأن لم نعد نعتقد بها. لاتمثل المناقشة الفلسفية لهذه المواضيع الأن الأً قطع أثرية نموذجية لمحاولات حل المشاكل التي لا معنى لها. فيخلص رورتي الى أنه بدلاً من الاستمرار في محاكاة المفكرين السابقين لإيجاد حلول مرضية، يجب علينا بكل بساطة التوقف عن معالجة هذه المشاكل على الإطلاق.ويمكن للقارى أن يجد تفصيلا لموقفه هذا في الجزء الأول والثاني من كتابه "الفلسفة ومرآة الطبيعة ."

إذا كان رورتي محقًا أن المشكلات المركزية للفلسفة الحديثة أصبحت فارغة أوبلا معنى، فقد نتوقع إعادة صياغة تلك المشاكل في نهاية المطاف، أو حتى استبدالها بأسئلة جديدة تعكس بشكل أفضل أهتمامات اليوم. وقد حدثت مثل هذه التحولات من قبل، ومن الطبيعي أن نفترض أنها ستحدث مرة أخرى.

 ومع ذلك، فإن تاريخية رورتي هي الأكثر تطرفًا. إذا لاحظ المرء أن المدارس في فترة ما تفسح المجال مرارًا للمشاكل التي صاغها جيل جديد في وقت لاحق، وقد يتوصل المرء في النهاية إلى رأيً أن كل هذه المشاكل هي مثل الظواهر الثقافية العابرة، وبالتالي تصبح قيمة محاولة حلها موضع تسـاؤل.

 

وإذا كانت الأهتمامات الفلسفية لا تمر إلا عندما تبدو المشاكل بلا جدوى، وليس لأننا نجد حلولاً مقنعة لها، وقد يشك المرء فيما إذا كانت مثل هذه الحلول ممكنة. وفقًا لذلك، يرى رورتي أن التخلص من المشاكل التي عفا عليها الزمن اليوم لا يؤدي إلى مشاكل جديدة أكثر حيوية، ولكن إلى نهاية الفلسفة التي يُنظر إليها على أنها نظام لحل المشاكل. إن تحذيراته المتعلقة بالقضاء على المرض تتجاوز الاهتمامات الحالية للفلسفة بوصفها صورة لنموذج حل المشاكل الى الفلسفة نفسها. مساران للتخلص من المرض ممكنان. يمكننا أن نفكر في الفلسفة بعبارات لا تحل المشاكل، كما يوصي في الجزء الثالث من "الفلسفة ومرأة الطبيعة" أو يمكننا التخلي عن الفلسفة تمامًا والدخول في "ثقافة ما بعد فلسفية"، كما يتنبأ في كتابه: Consequences of Pragmatism (xxxvii-xliv). يأمل رورتي، مثل ماركس، أن إدراكنا للنمط الذي حكم مرورنا من مرحلة تاريخية إلى أخرى حتى الآن، سيجعلنا قادرين على التحرر من هذا النمط.[6]

 يعبر موقف رورتي التاريخي عن قدر لا بأس به من جاذبية حدسية على الرغم من أهدافه الجذرية. يختلف الفلاسفة بشكل كبير حول القضايا المركزية؛ فعلى الرغم من الدور المركزي للتفكير ( العقلي) في النشاط الفلسفي، لكن نادراً ما يتم حل هذه الخلافات طبقاً لحجج عقلانية. أنه من المثير للدهشة كيف أنه نادراً ما تقود الحجة أي شخص في الواقع إلى تغيير موقفه في النقاش. تبدو الخلافات غير متأثرة بالحجة أو المحاججة العقلانية في جميع المجالات عندما تنشأ قضايا ذات أهمية نظرية شاملة. وأن مثل هذه الخلافات وباء شائع في الفلسفة. من الصعب أن نتخيل كيف يمكن أن نفهم ونضفي معنى على "تلك الاختلافات المذهلة في الاعتقاد الفلسفي"، كما لاحظ جون ديوي، والتي غالبًا ما "أذهلت المبتدأ وأصبحت لعبة الخبير".[7] علاوة على ذلك، تحدث مثل هذه الخلافات على جميع مستويات التجريد، مما يترك القليل من الأرضية المشتركة للمتنازعين على التراجع عنها. تدعو هذه الاعتبارات، توافقاً مع رورتي، إلى أن القضايا نفسها تكون عديمة الجدوى وفارغة المعنى. وأن صف القضايا بطريقة تاريخية يزيد من هذا الحدس. إن النظر إلى قضية ما كجزء من ماضينا التاريخي، يجعل النظر اليها تلقائيًا أنها تفتقر إلى أهتمام حقيقي بالحاضر.

 أريد أشير هنا الى قضية منهجية ضرورية، وهي أنه من المهم التمييز بين رؤية شيء ما بأعتبار أنه ينتمي إلى تاريخنا ورؤيته في سياق التطورات والتغيرات التاريخية. يمكن أن يؤدي تطبيق المنظور التاريخي أو السياق التاريخي إلى تعزيز فهمنا للأشياء، دون أن يشير على الإطلاق إلى أي نقص في الاهتمام الحالي في القضايا المطروحة. ويمكن للمناقشة التاريخية أن تحيي الاهتمام في موضوع ما. لكن عندما لا تزال القضية تثير الاهتمام الحالي، فإن تاريخها يكون غير مكتمل. لذلك عندما نصف مشكلة من الناحية التاريخية فقط، وكجزء من ماضينا فقط، فإننا نصفها بأنها خالية من الاهتمام الحالي.

وبالعودة الى سياق نقاشنا يمكننا ان نقول؛ لكن مثل هذه الاعتبارات العامة لا تكاد تكون مقنعة. فالمناقشات الفلسفية تضيف القليل إلى معرفتنا أو فهمنا إذا قمنا بقياس هذا التقدم من خلال ما إذا كان يتم تحويل أتباع أو مؤيدي موقف ما إلى موقع وموقف آخر. ولكن من وجهة نظر مدرسة معينة، يلتزم أعضاؤها بموقف لا يزال مستقرًا بشكل معقول، غالبًا ما تؤدي هذه المناقشات إلى تقدم كبير بشأن القضايا محل النقاش. ولا تختلف الفلسفة عن المجالات الأخرى في هذا الصدد. عادة ما تبدو برامج البحث المتنافسة عقيمة نسبيًا لبعضها البعض، ولا يوجد مجال آخر. علاوة على ذلك، فإن القدرة على شرح وتمثل قضية تاريخية فقط، لا تكاد تكون دليلًا موثوقًا لحالتها المعرفية.

لكن رورتي لا يبقي قضيته في حدود هذه الاعتبارات؛ بل أنه بدلاً من ذلك، يكرس الكثير من كتابة "الفلسفة ومرآة الطبيعة" لتقديم تفسيرات موسعة حول المناقشات الفلسفية المعاصرة للعقل والمعرفة واللغة، والخلفيات التاريخية التي أدت إليها، من أجل إالكشف عن أن القضايا التي تشغل هذه النقاشات هي فارغة في النهاية، . ويكفي النظر في معالجته، في الجزء الأول، لمشكلة العقل والجسم، لأن الحالتين الأخريين تتبعان النمط والطريقة نفسها في المحاججة.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

...............

[1] Collingwood, An Autobiography (London: Oxford University Press, 1939), 70.

[2] Philosophy and the Mirror of Nature (Princeton: Princeton University Press, 1979 Consequences of Pragmatism (Minneapolis: University of Minne­ sota Press, 1982). 'Realism and Reference', The Monist, LIX, 3 {July 1976): 321-340

 'The Historiography of Philosophy: FourGenres', in Philosophy in History,edited by Richard Rorty, J.B.Schneewind, and Quentin Skinner (Cambridge: Cambridge University Press, 1984): 49-75.

[3] Richard Rorty, 'The Historiography of Philosophy, 49-75.

[4] Rorty, 'The Historiography of Philosophy: Four Genres',63.

[5] Bertrand Russell, The Problems of Philosophy (London: Oxford University Press, 1912), 155-57

[6] Jonathan Ree, Michael Ayers, and Adam Westaby, Philosophy and its Past [Hassocks: The Harvester Press, 1978], p. 7

[7] John Dewey, Experience and Nature,Dover Publications Inc.; Reprint edition (25 July 1998), 30.

 

رحيم الساعدياستخدامات وحدود فلسفة كانط العملية

 تقديم: جوناثان بيترسون، جامعة لويولا، نيو أورلينز

ترجمة: د. رحيم الشياع الساعدي

هذه محاولة لتقييم نجاح نظرية كانت الأخلاقية في مجال الأخلاقيات التطبيقية، فالكتاب يدافع عن إجابات كانتية على عدد من الأسئلة الأساسية في الأخلاقيات التطبيقية ولكنه يثير أيضًا اعتراضات على نظرية كانت الأخلاقية والكتاب ليس محاولة لتأسيس الأخلاقيات الكانتية والنظرية السياسية بشكل لا جدال فيه (ينظر ص 140)."

كما أنه لا يهدف إلى إظهار أن نظرية كانت يمكنها التعامل بشكل واف مع جميع الأسئلة المهمة في الأخلاقيات التطبيقية.  وقد كتب ألتمان أن الغرض الرئيسي من الكتاب هو الدفاع عن كانت "بقدر ما، وليس أكثر من ذلك (ص 8).   

ان التمان يريد الحفاظ على مكانة مركزية للمفاهيم الكانتية حول ما يخص الكرامة والعقلانية والمبدأ الأخلاقي القاطع ضمن الأخلاقيات التطبيقية، لكنه بنفس الوقت لا يريد أن يدعي أن كانت "  وهب الأخلاق ما يمكنها فعل ما نحتاج من نظريات أخلاقية لما نقوم به من عمل ويشير التمان إلى أنه "يجب أن نكون حريصين على عدم جعل (كانط) يقول ما كنا نتمنى أن يقوله (ص 287)، بناءً على ذلك، فان  الكتاب غالبًا ما يأخذ على محمل الجد بعض المقاطع (قليلة الجاذبية ) في نصوص كانت الأخلاقية التي يبدو أنها تمثل نظرة ضيقة للعالم في القرن الثامن عشر.

يشتمل الكتاب على نطاق واسع لمشكلات اساسية للأخلاقيات التطبيقية ويقسم إلى ثلاثة أجزاء، في الجزء الأول، يجادل التمان بأن أخلاقيات كانط تقدم حسابات ناجحة للقضايا المهمة في أخلاقيات البيئة وأخلاقيات البيولوجيا وفي الفصل الأول، يناقش التمان بأن لدينا التزامات أن نكون مهتمين برفاهية الحيوانات لأن القسوة أو اللامبالاة بمعاناة الحيوانات تفسد شخصيتنا وتجعلنا أكثر عرضة للقسوة تجاه العوامل العقلانية البشرية اما في الفصل الثاني، فيقول بأن لدينا واجبات لحماية البيئة الطبيعية واستعادتها لأن رفاهية العوامل البشرية العقلانية (بما في ذلك الأجيال المقبلة) تعتمد عليها ولأن تقدير الطبيعة يساعدنا على تطوير شخصية فاضلة ويقدم في الفصل الثالث اهتمامه بالرعاية الصحية وفي الفصل الرابع، يستكشف سردًا كانطيًا لقيمة استقلالية المريض في أخلاقيات البيولوجيا ويضيف ألتمان بأن هناك حدودًا لاختيار المريض ينشأ من قيمة الاستقلالية نفسها فهو يدعي أن الانتحار بمساعدة الطبيب أمر غير أخلاقي على أساس أن الانتحار ينتهك واجب المريض تجاه نفسه. ويضيف ايضا إنه من الخطأ بالنسبة لشخص عاقل أن يرفض العلاج في الحالات التي تقود الى الموت. أخيرًا في هذا الفصل، يدافع عن واجب التبرع بأعضاء الفرد بناءً على واجب الإحسان. 

يقول التمان في الجزء الثاني من الكتاب (الفصول 5-6)، بأن النظرية الأخلاقية لكانت لها آثار مختلفة عما كان يعتقد كانط في قضيتين أخلاقيتين مهمتين: 1- عقوبة الإعدام 2- الزواج، فعلى الرغم من ادعاء كانط بأنه يجب قتل القتلة، إلا أننا لم نتمكن من إصدار قانون يمكن بمقتضاه إعدام شخص بريء ويعطي ألتمان تصوره بأن رواية كانط عن الحياة الجنسية والزواج تعني أنه يجب علينا منح حقوق الزواج للأزواج من نفس الجنس

وفي الجزء الأخير من الكتاب، يقدم التمان أربعة انتقادات لأخلاقيات كانط ففي الفصل السابع، ينتقد رواية كانط عن الاختيار، بحجة أن كانط يتجاهل الطريقة التي تشكل بها الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي تقف وراء خياراتنا وتؤثر على مسؤوليتنا عن خياراتنا

 اما في الفصل الثامن، فإن رواية كانط للحكم الأخلاقي لا تأخذ في الاعتبار الظروف التاريخية والاجتماعية التي تشكل فهمنا لما يعقل القيام به، وفي الفصل العاشر   فأن مفهوم كانط للشخصية مقيد للغاية بحيث لا يسمح لنا بالتفكير مليا من خلال مسألة الوضع الأخلاقي للإجهاض.

ويختتم الكتاب بفصل قصير يقترح فيه التمان أن شكلاً من أشكال الشيوعية الهيغلية قد يكون أكثر قدرة على التعامل مع قضايا الاختيار والحكم والمسؤولية الجماعية والشخصية أكثر من النظرية الكانتية البحتة.

قد تكون هذا نقطة ضعف لا مفر منها في كتاب يغطي الكثير من الأسس بحيث لا يبدو أن بعض استنتاجاته قد تم الدفاع عنها بالكامل. على سبيل المثال، في الفصل القصير حول الرعاية الصحية، يناقش التمان واجب الاستفادة بان نوفر للناس إمكانية الحصول على المساعدة الطبية (ص 74)، وعلى الحكومة أن تقدم الرعاية الصحية للفقراء (ص 80) وأن وجوب العمل من أجل السلام الدائم يدعم واجب تعزيز صحة الناس بكل مكان (ص 83). وان الحكومة توفير الرعاية الصحية للفقراء.

ويمكن توضيح نقطة مماثلة حول حجة التمان ضد الانتحار بمساعدة الطبيب فعندما يدعي ألتمان مثلا أن (المريض المصاب بمرض عضال والذي يختار الموت ضمنيًا، يلتزم بفكرة أن قيمة حياته تعتمد على مقدار الألم أو السرور الذي يعاني منه) (ص 95) قد لا يكون هذا صحيحًا، لأنه، كما يدرك ألتمان، فإن المريض الذي يختار الموت قد يهتم بالكرامة بدلاً من الألم.  وإذا كان التمان يزعم أن اختيار الانتحار يرغمني على الادعاء بأن قيمة حياتي تعتمد فقط حول مقدار الألم أو السرور الذي أشعر به، فانه ليس من الواضح أن هذه قضية صحيحة، وإذا كان يدعي، أن اختيار الانتحار يرغمني على الادعاء بأن الألم له بعض التأثير على قيمة حياتي، فإن المطالبة تكون أكثر منطقية، لكن ذلك لا يبدو واضحا، فلماذا أقوم بأنهاء حياتي لأنني أعاني من ألم شديد، فهذا خطأ.

نظرًا لأن الكتاب موسع، فمن المستحيل التعليق على جميع جوانب حجة التمان هنا وسأركز بإيجاز على ثلاثة مواضيع، واحد من كل جزء من أجزاء الكتاب.

الأول هو واجبنا تجاه الحيوانات فقد يبتعد الكثير من الكانتيين المعاصرين عن الحرفية الصارمة لنظرية كانط عندما يتعلق الأمر بمسألة واجباتنا تجاه الحيوانات ونظرية كانط الانسانية، أي أنه يعتقد أن لدينا واجبات أخلاقية مباشرة فقط تخص العقلاء وبحسب ألتمان، فان هذا ليس مجرد تحيز غير مبرر من جانب كانت.

وترتكز نظرية كانط الانسانية على نظريته حول القيمة ورؤيته القائلة بأن العوامل العقلانية فقط هي التي لها قيمة أخلاقية (ص 33). كيف إذن نحسب المتطلبات الأخلاقية حتى لا تكون قاسية على الحيوانات؟ (وبحسب التمان) يجب فهمها كواجبات غير مباشرة وبوصفها واجباتنا في عدم إساءة معاملة الحيوانات فهي هنا متطلبات أخلاقية غير مباشرة تستند إلى واجباتنا تجاه أنفسنا (وخاصة واجبنا في تطوير شخصية فاضلة).

أن القسوة على الحيوانات كما يقول ألتمان "تقلل من حساسيتنا لمعاناة الآخرين (ص 17) وهذا لا يفسد شخصيتنا فحسب، بل ويجعلنا أكثر عرضة لسوء معاملة البشر (الصفحة 17)، وبالتالي نحن مدينون لأنفسنا وللبشر الآخرين بعدم القسوة على الحيوانات ويستشهد  بدليل تجريبي على الصلة بين القسوة على الحيوانات وإساءة معاملة البشر (الصفحة 38 ) ويناقش رواية كانت البشرية التي تحدد واجبنا بعدم دعم تجارب المصانع ومعارضة التجارب على الحيوانات بانه يجب أن يفهم على أنه واجبات غير مباشرة. واجباتنا في عدم إساءة معاملة الحيوانات هي متطلبات أخلاقية غير مباشرة تستند إلى واجباتنا تجاه أنفسنا (وخاصة واجبنا في تطوير شخصية فاضلة)

ولكن ماذا عن أولئك الذين ما زالوا يجهلون معاناة الحيوانات؟ فإذا اشتريت اللحوم المستزرعة في المصنع، فإنني أجهل معاناة الحيوانات التي تسببها المصانع، وحقيقة أن أفعالي تدعم هذه المعاناة لا تؤثر على شخصيتي أو معاملة الآخرين (انظر الصفحات 20-21)

ان "عدم وجود اهتمام بالحيوانات التي لا ندرك معاناتها قد يقودنا للتعامي فيما يتعلق بمعاناة البشر الذين لم يتم توجيه انتباهنا إلى محنتهم (ص 21) كما يشير التمان ويبدو انه يدرك أسباب الفشل في فهم ان القسوة على الحيوانات هو امر خاطئ.

ومع افتراض أن هناك علاقة سببية بين المعاملة القاسية للحيوانات ومواقفنا تجاه البشر أو علاجهم، فأن ذلك لا يبرر كون القسوة على الحيوانات سيئة وسيكون الأمر أشبه بالقول إنني يجب ألا أسيء معاملة أطفالي لأن ذلك يجعلني أكثر عرضة للقسوة على موظفي، يشير التمان ان معاناة الحيوانات هي السبب الرئيسي لرفض نظرية القيمة لمسالة زراعة المصانع.

الموضوع الثاني هو الزواج المثلي (الشاذ –المترجم -) وهنا يدافع ألتمان عن حجة كانت لزواج المثليين في الفصل السادس، ويبدأ التمان من ادعاء كانط بأن الجنس يمثل مشكلة أخلاقية متعلقة بان الرغبة في ممارسة الجنس هي في جوهرها رغبة في استخدام شخص ما كوسيلة ويناقش كانط، أن الزواج القانوني هو الحل الأخلاقي الوحيد المناسب لمشكلة الاستبدال.  هذا (على الأقل جزئيًا) لأنه في الزواج يصبح المرء ملزمًا قانونًا بتعزيز مصالح الزوج (ص 148). ثم يمضي إلى اقتراح أن منطق حجة كانط يتطلب تمديد حقوق الزواج للأزواج من نفس الجنس وإحدى المشكلات في هذه الاستراتيجية هي أن وجهة نظر "كانت" حول الجنس غير معقولة تماما، فمن المعقول الاعتقاد أن الجنس يمثل مشكلة أخلاقية عندما يعرض مواقف من القسوة أو عدم احترام الآخرين، ولكن من الصعب أن نكون مقتنعين بأن ممارسة الجنس خارج إطار الزواج تعامل الجنس الآخر على أنه مجرد وسيلة.

علاوة على ذلك، يبدو أن هناك استراتيجية غريبة لإيجاد حجة للزواج من نفس الجنس حول نظرية الحياة الجنسية التي تدين تعدد الزوجات، ناهيك عن الممارسات الجنسية الأخرى التي يدافع عنها الكثيرون في مجتمع المثليين، ويؤمن ألتمان بهذا الاعتراض (انظر الصفحة 159)، لكنه يبدو أنه يريد التمسك بفكرة أن الزواج فقط هو الذي يمكن أن يوفر السياق لنشاط جنسي مقبول أخلاقيا (ص 161). هذه الفكرة تحتاج بالتأكيد إلى دفاع أكثر مما توفره ألتمان هنا.

على الرغم من أن الجزأين الأولين من الكتاب يدافعان عن إجابات كانت عن الأسئلة الأخلاقية، إلا أنهما يكشفان أيضًا عن بعض التناقض حول النظرية الأخلاقية الكانتية والتمان في الجزء الأخير من الكتاب، يتحول إلى ناقد لكانط.

 وسأذكر واحدة فقط من هذه الحجج هنا، ففي الفصل التاسع يقول التمان ان الاخلاقيات الكانتية لا يمكن أن تحاسب المسؤولية الجماعية أو المؤسسية من الناحية الأخلاقية على أفعالها (على عكس الجهات الفاعلة الفردية)، وحجة التمان تبدو مقنعة للادعاء بأن الشركات والشركات الأخرى ليست عوامل أخلاقية، وإذا كنا نريد مع ذلك تحميل شركة ما مسؤولية أخلاقية عن إنتاج هذه النتائج السيئة، فنحن بحاجة إلى حساب مختلف لظروف المسؤولية الأخلاقية التي يتوجب ان يقدمها لنا كانط بهذا الخصوص .

 في قراءة الفصل، وجدت نفسي أتوصل إلى استنتاج مختلف نوعًا ما عما يريده التمان، فتعتبر النظرية الكانتية التي يناقشها التمان فكرة قوية تتحدث عن شروط المسؤولية الأخلاقية بذك النحو، ويبدو أنه يثير مشكلة خطيرة لفكرة مسؤولية الشركات.

ان (كتاب كانت والاخلاقيات التطبيقية) هي محاولة محفزة لتقييم أهمية النظرية الكانتية للمشاكل الأخلاقية المعاصرة وسيجد الفلاسفة الأخلاقيون الكانتيون أشياء مختلفة لا يتفقون معها، ولكن لا شك أن الكتاب يثير ألغازًا مهمة للنظرية الأخلاقية الكانتية، فأولئك الذين لم تستغلهم النظرية الكانتية قد يجدوا ذخيرة لاستخدامها ضد الكانتية، والذين يرغبون في الدفاع عن نظرية كانت قد يجدوا صياغة مفيدة لبعض التحديات الخطيرة لفلسفة كانط الأخلاقية

 

ترجمة: د. رحيم الشياع الساعدي – الجامعة المستنصرية

..............................

1- المقال من موقع - مراجعات كلية الآداب - جامعة نوتردام.

2- المقال هو استعراض لكتاب حول الاخلاق التطبيقية عند كانت

3- الاخلاق التطبيقية هي مفهوم علمي يتحدث عن تفرعات المسائل الأخلاقية او اخلاق المهنة بدلا من الحديث عن الأسس مثل الفضيلة والسعادة والخير والشر

 

علي رسول الربيعيالدين ظاهرة أنثروبولوجية عالمية في تطور الوعي البشري. إنه مرافق لكل المجتمعات المعروفة تاريخيا. يبدو أن عالمية الدين ونجاحه التاريخي لهما علاقة على الأرجح بخلق أوامر ذات مغزى وأنظمة ذات معنى للبشر وكذلك بالإسهام في الاندماج الاجتماعي، ومع ذلك لا يوجد إجماع علمي على السبب في كيف حافظ الدين بالضبط على هذا الدور الحيوي والمستمر خلال التطور البشري. أدخلت الحداثة والتنوير أنقطاعاً قيصرًا مهمًا، في تاريخ المجتمع البشري، لا يزال يمثل أشكالية في الفلسفة السياسية المعاصرة. أن الترتيبات السياسية العلمانية تسبق الحداثة والتنوير وليست غربية على وجه التحديد. لكنها برزت خلال عصر الحداثة والتنوير بأشكالها وآثارها المتعددة؛ ومنها كتوجه سياسي وفكري، وكان للعلمانية تأثير هائل، حيث نشر فكرة الممارسة الدستورية الحديثة للدولة المنفصلة عن الأمور الإلهية أو مايتعلق بماهو ديني، وبشكل أكثر جذرية، فتحت إمكانية  قيام مجتمع بدون دين. كان المفكرون العلمانيون الكبار من ماركس وفرويد إلى بارسونز وهابرماس في فلسفته المبكرة مقتنعين بعمق بأن تقدم الحداثة سيؤدي إلى موت الله ووأنحلال  الدين وموته.

تعد "العلمانية" اليوم، مفهومًا مثيرًا للجدل، ويتم استعماله بطرق وسياقات مختلفة تمامًا. إن فحص أوليً  ومقاربة أبتدائية للعلمانية نقوم بها هنا تكشف أن لها ثلاثة ابعاد قد لاتتوافق مع بعضها بالضرورة.

 أولا، تشير إلى الترتيبات السياسية بين الدولة والدين بناءً على المبادئ الدستورية الحديثة مثل الاحترام المتساوي، وحرية الضمير، فصل السلطات. النزاهة  أو العدالة والموضوعية والحياد . لقد تم التعبير عن هذه الترتيبات والمبادئ بشكل مختلف في السياقات الغربية وغير الغربية، مما أدى إلى تشكيل أنواع من العلمانية من النموذج الليبرالي الأمريكي في طريقة فصله بين السلطات  والجمهوريّة العلمانية الفرنسية إلى الأنظمة التعددية القانونية الهندية والإندونيسية.

ثانياً، تشير العلمانية إلى الاعتقاد الفلسفي والإيديولوجي بأن الدين هو وهم، شكل من أشكال ما قبل الحداثة من الاغتراب والأستلاب وغياب الحرية.  تم تطبيق هذا الاعتقادفي أقصى أشكاله  من قبل الدول الشيوعية التي كانت تهدف إلى ابعاد الدين عن المجال العام والقضاء عليه، وفي حالات مثل ألبانيا وكوريا الشمالية، ابعاده عن المجال الخاص أيضًا. فينادي الإلحاد المتشدد الجديد بفكرة شرور الدين التي يُنظر إليها على أنها بقايا "العصور المظلمة" والتي تقوض التحرر السياسي والحياة الديمقراطية. في أكثر إصداراته تطوراً، يزرع هذا الاتجاه العلماني شكلاً من أشكال العلوم التي يمكن أن تعتمد على النظرية التطورية وعلم الأعصاب. إن هذا الاتجاه العلماني، في صيغته الأكثر تطوراً، يرعى ويشجع  شكلاً من أشكال العلموية التي تعتمد على نظرية التطور وعلم الأعصاب. لكن الاعتقاد الفلسفي بأن الدين هو بالضرورة شكل من أشكال غياب الحرية ونوع  خداع الذات فقد جاذبيته عند عدد كبير من الفلاسفة والعلماء. مقابل الأتجاه  العدائي للدين  هناك  اتجاه علماني مؤثر، استبدل مفكرون مختلفون مصطلح "العلمانية" في صيغته الصارمة بعلمانية منفتحة مثل: Sen، Nussbaum، (Taylor، أو ما بعد العلمانية Habermas. تجادل هذه المنظورات، أولاً، أن الدين هو وسيلة لتوضيح المواقف القيميًة  أزاء الوجود، والبحث عن تجارب ذات معنى، والإجابة على الأسئلة النهائية (معنى الحياة، والمعاناة، والموت، والشر، والله ؛ علاوة على ذلك، يرون بأن الدين يمكن  للدين، في ظل ظروف محددة، أن يكون بُعدًا للحياة الديمقراطية وأداة للتحرر السياسي.

ثالثًا، تشير العلمانية على المستوى  السوسيولوجي (الاجتماعي)، إلى الفرضية القائلة بأن صعود المجتمع الحديث يتسبب في تراجع لا يمكن إصلاحه للدين وتأثيره على المجتمع ككل. وقد تم تفسير هذه الفكرة (والتي تسمى أيضًا بأطروحة العلمنة) بأشكل مختلفة، مما أدى إلى نقاش اجتماعي معقد للغاية لا يمكن  أكثر من الأشارة إلى ابرز المفكرين الذين شاركوا في هذا النقاش راهنا  واهم اعمالهم:

Casanova, J. (2008) "Secular Imaginaries: Introduction", International Journal of Politics, Culture, and Society 21(1):

Bruce S (1992) Religion and Modernization: Sociologists and Historians Debate the Secularization I11esis. Oxford: Clarendon Press.

Bruce, S. (2011) Secularization: In Défense of an Unfashionable Theory. Oxford: Oxford University, Press.

Beck, U. (2010) A God of One's Own: Religion's Capacity for Peace and Pote11tial for Violence. Cambridge, UK: Polity.

Berger, P. (ed.) (1999) The Desecularization of the World: Resurgent Religion and World Politics. Grand Rapids, MI: William B. Eerdmans.

 

Norris, P. and Inglehart, R . (2004) Sacred and Secular: Religion and Politics Worldwide. Cambridge, UK: Cambridge University Press.

Pollack, D. and Olson, Daniel V.A. (eds.) (2008) The Role of Religion in Modern Sodeties. New

York: Routledge.

Pollack, D., Milller, 0., and Gert, P. (eds.) (2012) The Social Significance ef Religion in the Enlarged Europe: Secularization ,Individualization and Pluralization. New York: Routledge.

Roy, 0. (2004) Globalized Islam: The Search for a New Ummah. New York: Columbia University Press.

Roy,0 . (2007) Secularism Confronts Islam. New York: Columbia University Press.

R oy, 0. (2010) Holy Ignorance: When Religion and cullture Part Ways. New York: Columbia Uni¬versity Press.

يعتقد البعض بأن الدين سيختفي مع ظهور المجتمع الحديث المحرّر. يختفي الدين على رأي ماركس، في المجتمع الشيوعي الجديد لأنه تم القضاء على أساس وجوده، الصراع الاقتصادي والنضال الطبقي. بالنسبة للآخرين، فإن أطروحة العلمنة تعني أن تقدم الحداثة يجعل الدين غير ذي صلة بالتدريج في تحديد التكامل الاجتماعي والسياسي للمجتمع، أيً "تقلص الأهمية الاجتماعية للدين" . كانت هذه الفرضية سائدة في الأوساط الأكاديمية الغربية حتى وقت قريب. ومع ذلك، فإن التاريخ الحديث  ونظرية التطور، وعلم الأعصاب، والبحوث الاجتماعية لم تؤكد بوضوح أطروحة العلمنة. على الرغم من أنها لا تزال مفتوحًةً ومؤثرًةً، إلا أنها  فقدت بعضًا من دعمها ومعقوليتها. كما لاحظ  دي تو كفيل بالفعل في القرن التاسع عشر،أن التحديث في الولايات المتحدة أتثبت أنه يتوافق مع مستوى عالٍ من التدين، على الرغم من أن السخط الديني والإلحاد بين المواطنين الأميركيين (وخاصة الشباب) قد زاد في الآونة الأخيرة. علاوة على ذلك، وحتى في أوروبا، القارة الأكثر علمانية، فقد نجحت في إحياء الاهتمام بالمسائل الروحية والدينية. على المستوى العالمي، يرتفع عدد المؤمنين فعليًا: سكان العالم هو في الغالب هم توحيديون، ومن المتوقع أن يرتفع العدد الإجمالي للتوحيد إلى حد كبير، ولأسباب ديموغرافية إلى حد كبير، حتى لو كان عدد الملحدون ينمو في الولايات المتحدة وبعض الدول الإسلامية ببطئ؛ و بسرعة أكبر في أيرلندا وإسبانيا) كما تقول الأحصاءات المنتشرة أو الشائعة.

أدت صعوبات أطروحة العلمنة التي تضخّمت بظهور الدين في المجال العام خلال العقدين الماضيين إلى دفع بعض العلماء إلى الحديث عن إلغاء العلمانية. وفقًا لفكرة إلغاء الحرية، كان إعلان وفاة الله متسرعًا للغاية: بعد فترة من التراجع، عاد الدين بكامل قوته. "انتقام الله" و "صراع الحضارة"  هي الكلمات التي اصبحت طنانة في الكتابات التي تصور "معركة الآلهة والشياطين" العالمية. ومع ذلك، فإن فكرة تفكك العلمنة أمر مشكوك فيه تجريبياً؛ لقد  طغت المعركة بين الرأسمالية والشيوعية على مشكلة الدين خلال الحرب الباردة، ولكن ايضاً مع ذلك فإن التحديث لم يجعل الدين يتراجع أو يختفي، في "الستينيات" حيث كانت الأسطورة التقليدية للعلمنة  في أوجها، والدليل عودته بعد ذلك للحضور القوي في الساحة العامة. لا يؤكد التاريخ الحديث والبحث الاجتماعي بشكل لا  لبس فيه قصة العلمنة ولا العكس. المشهد  العالمي الحالي هو صيغة الجمع: فهويتكون من اتجاهات مختلفة لا يتم الأمساك بها  بالكامل من خلال سرد بعينه  أو فرضية واحدة. إلغاء التنظيم. لهذه الموجة الجديدة من العنف علاقة متناقضة بالدين: على الرغم من ادعاء تنظيم القاعدة وداعش بالعودة الى نقاء الإسلام الأصلي  إلا أنهم في كثير من النواحي عصريون للغاية في الاعتماد على الأفكار القادمة من الغرب، وفي كونهم طفيليين على التكنولوجيا والتطورات الدينامية للرأسمالية. يدعي تنظيم القاعدة وداعش أنهما يعيدان تثبيت الأسس القديمة للإسلام، إلا أنهما يتعارضان مع تعقيدات التقاليد والثقافة الإسلامية: العنف الإرهابي الجديد هو تعبير عن "الجهل المقدس" كما يقول روي .

كان هناك تغيير كبير هو أن الأغلبيات والأقليات الدينية في جميع أنحاء العالم أصبحت أكثر نشاطًا في المجال العام السياسي والقانوني. أصبح النفوذ السياسي للأغلبية الدينية في الساحة العالمية،أقوى،  وأندمج في بعض الأحيان مع القومية الإثنية ومع الشعبوية ايضاً. يؤثرهذا الاتجاه على الأنظمة الديمقراطية وغير الديمقراطية، ويشكك في الإيمان بإمكانية تشكيل السياسة من خلال الحوار، والتفكير العمومي، وأشكال التبادل، ويشكل مستقبل يتسم بعدم اليقين.أصبحت النزاعات السياسية والقانونية المتعلقة بالدين وتحت مظاهر مختلفة، جزءًا من العناوين الرئيسية والنقاشات العامة من فرنسا وبولندا وتركيا إلى الولايات المتحدة وإندونيسيا والهند.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

 

حاتم حميد محسنهل اصبحت الفيزياء الحديثة اكثر ميتافيزيقية؟

سعت الوضعية المنطقية كحركة فلسفية في العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي الى إدخال طريقة العلوم والرياضيات الى الفلسفة. وكجزء من هذا الطموح، حاولت حلقة فيينا للوضعيين المنطقيين تطهير الفلسفة من الميتافيزيقا او التأملات التي لايمكن ختبارها بطرق العلم التجريبي الحديث. وجد أعضاء حلقة فيينا بما فيهم قائدهم الرسمي موريتز شليك Moritz Schlick ان ادّعاءات الميتافيزيقا التقليدية خاصة تلك المرتكزة على الدين هي زائفة وغير مؤكدة وعقيمة. اما رودلف كارنب وهو عضو فاعل آخر في الحلقة يرى ان بيانات الميتافيزيقا الزائفة لا تساعد في وصف الوضع القائم. انها تشبه الشعر والموسيقى (هي في عالم الفن وليس في عالم النظرية) (من نهاية الميتافيزيقا في الفلسفة الغربية: انثولوجي، مراجعة John Cottingham).

ادّعى كارنب وبكل ثقة انه في فلسفة العلوم المادية الجديدة للحلقة، "تم القضاء الراديكالي على الميتافيزيقا، والذي لم يكن ممكنا في ظل وجهات النظر الميتافيزيقية المضادة المبكرة" . في الحقيقة، ان الوضعيين المنطقيين تجاهلوا كليا جميع التأملات غير العلمية ليس فقط في الفلسفة، مصرّين على ان جميع الادّعاءات والنظريات هي في الاساس لا معنى لها ما لم يمكن اثباتها بالتجربة او الملاحظة. هذا ما سمي بمبدأ التصديق او الإثبات verification principle. لم يكن J.Ayer A. عضوا في حلقة فيينا لكنه كان متأثرا بها بقوة ونشر افكارها في العالم الناطق باللغة الانجليزية بكتابه (اللغة، الحقيقة والمنطق).هو جادل ان كل افتراض قابل للاثبات هو ذو معنى، وان اي ادّعاء غير قابل للاثبات سواء كان حول العلوم او حول الميتافيزيقا او حول وجود الله، هو بلا معنى. الادّعاءات حول الاخلاق هي ايضا غير قابلة للاثبات وان معناها الوحيد هو التعبير عن مواقفنا العاطفية. طبقا لمبدأ التصديق، يكمن معنى اي ادّعاء في طريقته في التصديق.

حالا جاء كارل بوبر في عمله (منطق الاكتشاف العلمي) أشار فيه الى وجود مشكلة في التصديق او الاثبات: لا يمكن لعدد الملاحظات التي تتفق مع النظرية مهما كان ان يثبت صحتها. المثال الكلاسيكي هو الادّعاء بان جميع البط ابيض اللون . لايمكن لعدد المشاهدات للبط الابيض مهما كان كبيرا ان يثبت صحة ذلك الادّعاء، ولكن فقط مشاهدة واحدة لبطة سوداء (كما عُثر في استراليا) سوف يبطل ذلك الادّعاء (يكذّبه). هو جادل بان "النظرية" التي لايمكن تكذيبها بأي حدث متصور هي غير علمية. عدم التكذيب هو ليس فضيلة للنظرية (كما يظن الناس) وانما عادة سيئة ... معايير المكانة العلمية للنظرية هي تكذيبيتها او اختباريتها او تفنيديتها. لذا بالنسبة لبوبر التكذيب وليس التصديق هو الاختبار الذي يميز العلم الحقيقي عن ما يسميه بوبر "العلم الزائف"او "الميتافيزيقا".

في المقابلة الثانية من أربع مقابلات لـ البي بي سي مع Bryan Magee حول الوضعية المنطقية وميراثها، أكّد A.J.Ayer بان أعضاء حلقة فيينا "اعتبروا عمل اينشتاين في النسبية وايضا نظرية الكوانتم الجديدة كدفاع وتبرير لاتجاههم". يبدو حقا ان استبدال فيزياء نيوتن بنظرية اينشتاين في النظرية العامة للنسبية كان له تأثير راديكالي على الوضعية المنطقية. وكما يكتب جون ايرمن "اختبار مختصر للتاريخ الحقيقي للوضعية المنطقية يكشف بان احدى اهم طموحاتها الاساسية هو بالضبط هذه الثورة لاينشتاين. الكتابات المبكرة للوضعيين المنطقيين - شليك، Reichenbach، وكارنب بالذات - جميعهم ركزوا على نظرية النسبية، النظرية التي نالت الاعتراف بتاثيرها الثوري في الجدال الشائك ضد اسلافهم الفلاسفة".(استدلال، توضيح، واحباطات اخرى، ص85، 1992).

ولكن هل الثورة في الفيزياء التي بدأها اينشتاين عام 1905 حقا تثبت صحة مبادئ الوضعية المنطقية؟ يرى البعض انها تتعارض مع فلسفة حلقة فيينا خاصة في تبنّي الحلقة الكبير للمنهجية التجريبية لديفد هيوم وايرنست ماش و بتراند رسل بالاضافة الى مبدأ موريتس شليك في التصديق. وعلى الرغم من العديد من الافكار الجديدة وغير العادية التي وضعها اللاحقون لاينشتاين مثل الثقوب البيضاء، المادة المظلمة، الطاقة المعتمة، سلاسل دون الذرة، الاكوان الموازية، الابعاد المختبئة للزمكان و موجات الجاذبية والتي تظهر في معادلات رياضية وحسابات الفيزيائيين النظريين، لكن في معظم الحالات لم يُعثر حتى الان على اي دليل في الكون الملاحظ يؤكد وجودها.

فلسفة ميتافيزيقية ام خيال علمي؟

طبقا للفيزيائي الشهير لي سمولن Lee Smolin مؤسس المعهد الكندي للفيزياء النظرية، ان الانتقال الحالي للفيزياء بعيدا عن حلقة فيينا واسلوبها التجريبي، يعود الى "انتصار طريقة معينة في عمل العلوم التي سيطرت على الفيزياء في اربعينيات القرن العشرين. هذا الاسلوب يفضل المهارة في الحساب على التفكير في المشاكل ذات الصعوبة المفاهيمية" (المشكلة مع الفيزياء، 2006، ص 22).

سمولن يشكك كثيرا بهذه "الطريقة المعينة في عمل العلوم". انها قادت لما يسميه "الازمة الحالية" في الفيزياء الاساسية:

"نظريات جديدة برزت واستكشفت، بعضها في تفاصيل اكبر، ولكن لا شيء منها تأكد تجريبيا . وهنا النقطة الاساسية في المشكلة: في العلوم، لكي يمكن تصديق النظرية، يجب ان تطرح تنبؤا جديدا يختلف عن ذلك في النظريات السابقة – في التجارب التي لم تتم بعد. لكي تكون التجربة ذات معنى يجب ان نكون قادرين على الحصول على جواب لايتفق مع ذلك التنبؤ. في مثل هذه الحالة، نحن نقول ان النظرية يمكن تكذيبها. النظرية ايضا يجب ان تكون ممكن تاكيدها، انها يجب ان يكون بامكانها تصديق تنبؤ جديد تعمله فقط هذه النظرية، فقط عندما يتم اختبار النظرية والنتائج تتفق معها نكون حقا طورنا النظرية الى مصاف النظريات الحقيقية" (المشكلة مع الفيزياء، ص 13).

في ضوء هذا، العديد من النظريات التي احتضنها الفيزيائيون النظريون اليوم تشبه ما يسميه سمولن "تصورات ميتافيزيقية". من بين الافكار الاكثر بروزا هي فكرة تعدد الاكوان. مختلف الصيغ لهذه الفكرة طُرحت كجواب للالغاز في العديد من فروع الفيزياء، انها كانت موضوعا لعدد كامل من مجلة العالِم الجديد عام 2011، وبين العديد من مؤيديها كان ستيفن هاوكنك. ولكن رغم كل هذا، تبقى فرضيات الأكوان المتعددة نظرية تأملية خالصة بمعنى لا يمكن فحصها بالملاحظة المباشرة . في الحقيقة لا وجود لدليل تجريبي واضح يدعمها. لا يمكن اثباتها باستخدام مبدأ شليك في التصديق، ولا يمكن تكذيبها تجريبيا بطريقة كارل بوبر . بما انها مجرد نتاج للتأمل النظري ونماذج رياضية، فهي فلسفة وميتافيزيقا اكثر من ان تكون علم تجريبي قابل للاختبار. حدودها تقع في الخيال العلمي.

نظرية اخرى مشكوك فيها نالت شعبية كنتيجة للمشاكل المحيطة بنظرية الانفجار الكبير Big Bang، تتعلق بالتوزيع المتساوي للمادة الملاحظة في الكون المرئي. انه شيء يصعب الاعتقاد به كنتيجة لإنفجار كبير في الطاقة المكثفة في نقطة اصغر بكثير من الذرة قبل اكثر من 13 مليار سنة.لكن الصورة الاولى لما بدا عليه الكون بعد الانفجار الكبير بـ 380 ألف سنة تبيّن ان هناك توزيع متساوي للمادة في كل اتجاه. لتوضيح هذا الشيء غير العادي، افترض Alan Guth وغيره من علماء الكون ما سمي بنظرية "التضخم"، والتي طبقا لها فان الكون الجديد الناشيء تمدد اساسا بنسبة اسرع بكثير من سرعة الضوء بجزء من الثانية مباشرة بعد الانفجار الكبير. لكن هذا "المساعد النظري" حسب تعبير Thomas Kuhn يفشل في توضيح التوزيع المتساوي للمادة في جميع الكون، لأن بقايا حطام الانفجار الكبير لاتزال تنتشر بشكل غير متساوي وملتبس كليا حتى لو كان الكون نما بشكل سريع. كذلك، النظرية الجديدة خلقت تعقيدات اخرى مثل الأبعاد الأحد عشر للزمكان، الانفجارات العظيمة اللامتناهية، وجود نسخ هائلة لكل واحد منّا يسكن الاكوان الموازية المتعددة. لاحظ سمولن ان "نظرية التضخم طرحت تنبؤات مشكوك فيها" (ص11) وأعتبر ان هذا لايتفق مع العلم البوبري:

"هذه مهارة ارادوا بها تحويل الفشل الى نجاح. اذا نحن لم نفهم... كوننا، مجرد افتراض ان كوننا هو عضو في مجموعة اكوان لا محدودة وغير ملاحظة... هنا خطأ كبير في هذه كفرضية علمية .. من الصعب رؤية كيف يمكن عمل اي تنبؤات قابلة للتكذيب لتجارب ممكنة".

(مقتبس من Joh Horgan، المجلة العلمية الامريكية، جنوري 2015).

كذلك، لننظر في اكثر النظريات الفيزيائية تداولاً اليوم بين الفيزيائيين النظريين :نظرية الاوتار String theory. طبقا لسمولن، نظرية الاوتار "تقترح بان كل الجسيمات الاولى نشأت من اهتزازات لكينونة واحدة – وتر "والذي هو صغير جدا لدرجة لا يمكن رؤيته حتى بالوسائل العلمية المتطورة. لكن سمولن يرفض القيمة العلمية لنظرية الاوتار لأنها "لا تطرح اي تنبؤات جديدة يمكن اختبارها بالتجارب الحالية او التجارب المتصورة .. وهكذا لايهم ماذا تبيّن التجربة، فان نظرية الاوتار لايمكن تكذيبها. لكن العكس ايضا صحيح: لا تجربة ستكون قادرة على إثبات ان تلك النظرية صحيحة"(المشكلة مع الفيزياء، ص.14). يرى سمولن ايضا هناك عيوب اخرى خطيرة في نظرية الاوتار. "احد اسباب ان نظرية الاوتار لا تطرح تنبؤات جديدة هو انها تأتي في عدد لامتناهي من الصيغ ... كل صيغة لاتتفق مع البيانات التجريبية الحالية"(نفس المصدر). هو يستمر ليسهّل فهم الادّعاءات الميتافيزيقية لنظرية الاوتار رغم موقعها المهيمن الواضح في عالم الفيزياء اليوم ."نظرية الاوتار... تشير الى ان العالم مختلف جوهريا عن العالم الذي نعرفه. اذا كانت نظرية الاوتار صحيحة، فان العالم له الكثير من الابعاد والكثير من الجسيمات والقوى قياسا بما لدينا ملاحظ . العديد من منظّري نظرية الاوتار يتحدثون ويكتبون كما لو ان وجود هذه الابعاد الاضافية والجسيمات حقيقة مؤكدة بحيث لا يمكن لعالم مرموق الشك فيها. "في الحقيقة، لا النظرية ولا التجربة يقدّمان اي دليل على وجود الأبعاد الاضافية"(ص16).

جرى اعتبار الفيزياء الاساسية كموديل للكيفية التي تتطور بها العلوم الاخرى. التجريبيون المهتمون مثل سمولن، يرون انه من المأساة "رغم جهودنا الحثيثة، فان ما نعرفه بشكل مؤكد عن قوانين الفيزياء الاساسية هو ليس اكثر مما عرفناه في السبعينات"(ص 8). هو يلقي اللائمة على "الفخر المفرط"للعديد من منظّري نظرية الاوتار (ص269).

كل شيء في الرياضيات

اثناء الكسوف الشمسي الكلي عام 1919، لاحظ الفلكيون البريطانيون دليلا بان جاذبية الشمس تسبب انحناءا في مسار الضوء القادم من النجوم الاخرى، بما يؤكد تنبؤات النظرية العامة للنسبية لاينشتاين. في مقالة هامة لريتشارد بانك Richard Panek في مجلة Discover للعلوم في مارس 2008 وصفت كيف ان اينشتاين قاطع احد الطلاب الذي كان يحاول تهنئته لهذا النجاح العلمي، قائلا "لكني اعرف ان النظرية صحيحة".لكن الطالب سأل ماذا لو ان الملاحظات ناقضت حساباتك؟ أجاب اينشتاين، " عندئذ انا سأكون متأسفا يا عزيزي – النظرية صحيحة". انه رفض واضح لمبدأ الوضعيين في التصديق التجريبي. اينشتاين صرح بعد سنوات "تجربتنا حتى الان تبرر لنا الاعتقاد بان الطبيعة هي ادراك ابسط الافكار الرياضية المتصورة. انا مقتنع باننا يمكننا عبر هياكل رياضية خالصة اكتشاف المفاهيم والقوانين التي تربط كل واحد منهما بالآخر."يلخص (بانيك) المضامين العظيمة للقفز من الطريقة التقليدية للملاحظة التجريبية الى ايمان اينشتاين بالتفكير التصوري والتصور الرياضي". منذ الاف السنين درس الباحثون سلوك السماوات وسعو الى الامساك بها بعبارات رياضية. اينشتاين قلب ذلك رأسا على عقب: هو بحث عن الحقيقة في معادلات ومن ثم وثق بان دراسة السماوات سوف تدعمه. تقريبا كل علم الفلك الحديث والفيزياء النظرية تأتي من قفزة الايمان تلك او ربما قفزة العقل".

سمولن لن يقبل بقفزة العقل هذه ما لم تنل الدعم بدليل تجريبي صلب: عبر الملاحظة والتجربة اللذان يثبتان او يبطلان اي فرضية مقترحة في انسجام تام مع كل من حلقة فيينا لفلسفة العلوم ورؤية بوبر. هو يكتب "حالما انت تفكر بهذه الطريقة، انت تفقد القدرة على تعريض نظريتك لنوع من الاختبار الذي اثبت تاريخ العلوم مرات ومرات انه مطلوب لغربلة النظريات الصحيحة من الجميلة الخاطئة. للقيام بهذا، يجب على النظرية ايجاد تنبؤات معينة ودقيقة يمكن اما تاكيدها او ابطالها. اذا كانت هناك مخاطرة عالية في عدم التأكيد، عندئذ سيكون للتأكيد قيمة عالية. اذا لم تكن هناك مخاطرة في اي من الاثنين عندئذ لا توجد طريقة للاستمرار في العلوم"(المشكلة مع الفيزياء ص 169).

استنتاجات غير وضعية

لذا هل التحليلات النظرية التي يتّبعها ورثة اينشتاين هي علم تجريبي قابل للاختبار ام فلسفة ميتافيزيقية ام خيال علمي؟ ورثة اينشتاين يبدو نسوا كلمات اينشتاين التحذيرية عام 1933 بان "التجربة تبقى بالطبع المعيار الوحيد للاستعمال الفيزيائي للبناءات الرياضية". يضيف سمولن تحذيره:"الرياضيات هي وسيلتنا الاعظم فائدة، لكن فكرة وجوب ان تكون تنبؤية خلقت المزيد من الاذى"(مجلة العلوم الامريكية، جنوري 2015).

مقالة (بانك) في مجلة Discover تختتم بتحديد التحديات الضخمة التي يواجهها حقل علم الكون والتي تُقاد الان بنظرية مرتكزة على الرياضيات و"جمال رياضي" بدلا من تجريبية صلبة مرتكزة على الملاحظة. "هذان المفهومان الاخيران يوجدان جماليا ولكن حتى الان لم يجد المراقبون اي اشارة لهما في العالم الواقعي ... كيف ننتقل الى ما وراء الانصياع العبودي للتجربة كان اعظم هدية لاينشتاين للقرن العشرين. كيف نجلب التصور الرياضي نزولا الى الارض يمثل التحدي الاكبر له في القرن الواحد والعشرين".

اذا لم تتم مواجهة هذا التحدي، عندئذ فان انجازات المستقبل في الفيزياء الاساسية - وهو الحقل الذي يعاني بوضوح من فائض كبير جدا في التصورات وعجز في البيانات"(Horgan) – قد يسير مرة اخرى من الملاحظة والتنبؤ القابل للاختبار الى عوالم غير واقعية للتأمل الميتافيزيقي. وبالنهاية، ماذا نظن عندما يقول اشهر عالم امريكي في الكونيات Dr Neil degrasse بان احتمالية ان يكون الكون محاكاة رقمية "ربما عالية جدا .. وفي هذه الحالة، من السهل تصور ان كل شيء في حياتنا هو مجرد خلق لكينونات اخرى لأجل الترفيه". في الواقع، من غير الواضح هل ان فرضية المحاكاة نفسها هي نظرية علمية ام مجرد خيال علمي؟

 

حاتم حميد محسن

 

علي رسول الربيعيسوف نتناول تحت هذا العنوان:

كيف يرتبط الدين بالأخلاق

بحث قضية الحرية الدينية.

تعتمد الاختيارات الأخلاقية التي يتخذها الناس والقيم التي يعبرون عنها (بوعي أو من غير وعي) عن فهمهم لطبيعة العالم ومكانة البشرية فيه. لكن هذه أيضًا أمور تتعلق بالأديان. فكل دين:

- يقدم وجهة نظر معينة للعالم

-  يعزز مجموعة من القيم التي يجب أن يعيش أتباعه طبقا لها

-  يقدم نصيحة محددة حول كيفية العيش - أي من القواعد يتبع أو المواقف الواجب اتخاذها.

قد تستند القواعد أو القيم الدينية إلى:

- سلطة زعيم ديني أو كتاب مقدس

- التجربة التراكمية لهذه الجماعة الدينية

- لفكر العقلاني، أو فهم ما هو "طبيعي".

قد تؤثر القيم الدينية على المجتمع بشكل عام، وليس فقط على الأفراد الذين يعتنقون هذا الدين. فعلى سبيل المثال، تستند العديد من الحجج الأخلاقية إلى الأفكار والقيم التي روج لها الإسلام في المجتمعات في السياق الإسلامي والدين المسيحي في المجتمعات التي تعتنقه.هذا لايعني كل مفكر اخلاقي هو اسلامي في فكره ولكن كل من يعيش في أطار الثقافة الاسلامية عرضة للتأثر بالأفكار الإسلامية، والأمر نفسه ينطبق على شخص يعيش في مجتمع مسيحي او يهودي ابو بوذي او هندوسي او غيرها من الاديان  الأخرى في العالم. وغالبًا ما تعكس الافتراضات التي يفترضها الناس عن طبيعة وقيمة الحياة خلفيتهم الدينية، أو رد فعل متعمد ضدها.

كيف يرتبط الدين والأخلاق؟

هناك ثلاثة احتمالات:

تكون الأخلاق مستقلة إذا كانت تستند إلى العقل وحده، دون أي إشارة إلى الأفكار الدينية. وإذا كانت قيمها هي نفس قيم دين معين، فإن ذلك  من باب المصادفة البحته.

أن الأخلاق معتمدة على قواعد قادمة من الخارج، إذا كانت تعتمد مباشرة على المعتقد الديني أو على مجموعة من القيم يعطيها الدين.

الأخلاق تأتي من الله، إذا كان يعتقد لكل منها والدين مصدرًا مشتركًا للإلهام والمعرفة، وهو مصدر قد يشير إليه الدين باسم "الله."

بعض الحجج  المؤيدة للأستقلالية الأخلاقية

-  تعتمد مسؤولية الاختيار الأخلاقي على الحرية والقدرة على الاختيار بعقلانية. لكن بعض الأديان تتوعد بالثواب والعقاب بعد الموت - الجنة أو الجحيم، أو الولادة من جديد في أشكال الحياة العليا أو الدنيا. فهل يعتبر تصرفك أخلاقي إذا كنت تطيع القواعد الدينية خوفا من العقاب؟

-  قد تتخذ الديانات المختلفة (أو حتى الطوائف المختلفة داخل دين واحد) مقاربات مختلفة للقضايا الأخلاقية. فيتعين على الشخص من أجل الاختيار بين الآراء الدينية المتضاربة استخدام عقله كعامل حاسم ونهائي وهذا هو الاستقلال الذاتي!

-  إذا أعتنق إحدى الديانات التوحيدية (أي أؤمن بالله)، فسوف أؤمن أن الله يعرف بالفعل ما سأختار فعله قبل أن أفعله. وإذا كان الله يتمتع بالقوة الكاملة، فيجب أن يكون قادرًا على منعي من ارتكاب الأخطاء. وإذا لم يفعل ذلك، فهو مسؤول عن عواقب أفعالي، أيً مساعدتي أوتحريضي من خلال الإهمال الإلهي! وفي الحالة هذه ، أكون غير مسؤول أخلاقيا، أيً افقد مسؤوليتي الأخلاقية عن أفعالي.

بعض الحجج  المؤيد لأعتماد الأخلاق على الدين

-  لا يمكن للناس الهروب من تأثير القيم والمواقف الدينية. فلها تأثير على اللاوعي، حتى بالنسبة لأولئك الذين يرفضون الدين. الأعتراف بهذا التأثير أفضل، إذن، من محاولة إنكاره.

-  بمجرد أن تحاول تعريف المصطلحات الأخلاقية، مثل، " الخير" أو" العدالة "، فأنت تستعمل لغة تم تشكيلها بواسطة الأديان السائدة. قد يكون القانون الطبيعي، على سبيل المثال، أتى أصلاً من أرسطو، لكن يتم فهمه  إلى حد بعيد اليوم من قبل المسلمين  بوصفه يعبر عن الفطرة، أو كما  يستخدم  من قِبل الكنيسة الكاثوليكية أو الأكويني بوصفه يعبر عن المسيحية. لقد زود  الدين لغة النقاش الأخلاق إلى حد كبير.

- إن يكون لديك الفهم بأن هناك ما هو الصواب، وأن يكون لديك الشجاعة أو الاقتناع لوضعه موضع التنفيذ. وهنا يمكن القول أن الدين هو مصدر هذه الشجاعة والاقتناع ، وأنه يوفر مجتمعًا يمكن من خلاله مشاركة القيم والمواقف الأخلاقية وتعزيزها.

-  غالباً ما يفترض الفلاسفة أن الجميع عقلانيون. بينما على خلاف ذلك تدرك الأديان الأنانية البشرية وعدم المعقولية. من المرجح أن يقدم الدين نظرة أكثر واقعية للطبيعة البشرية من الفلسفة، وبالتالي تجعلني أكون قادرًا بشكل أفضل على توجيه الاختيار الأخلاقي.

بعض الحج  المؤيدة  للحدس

-  مؤيد الحدس يقول إن هناك بعض الأشياء المعروفة، لكن لا يمكن وصفها. لدينا شعور بديهي بمعنى كلمة "جيد" مثلا. يكمن هذا الحدس وراء كل من الدين والأخلاق.

-  يمكن القول أن للدين والأخلاق مصدرًا مشتركًا في التجربة "الصوفية" - لحظات من الإدراك الحدسي بالمعنى أو الغرض أو الكمال في الحياة والرفاه والقبول. هذه هي الميزة الأساسية للتجربة الدينية، وتمنح الزخم للتصرف بطريقة هادفة وأخلاقية.

- يمكن اعتبار الميتافيزيقيا (الاستكشاف العقلاني للمعنى والغرض أو الهدف  في العالم) كأساس للأخلاق (كما هو الحال في الفكر اليوناني، وفي تقليد "القانون الطبيعي"، وكما تقول اليوم، على سبيل المثال، الفيلسوفة إيريس مردوخ الميتافيزيقيا دليل للأخلاق) وأساس للدين.

معضلة إيوثيفرو

سميت على اسم احد من حوارات أفلاطون، وتثير معضلة إنثيرو مسألة العلاقة بين الأخلاق المستقلة والدين وهي بأختصار يسأل: هل يكون الشئ صحيح لأن الآلهة أمرت به؟ أم أن الآلهة أمرت به لأنه صحيح؟ إذا اتخذت الخيار الأول، عليك أن تسأل نفسك ما إذا كان من الصواب أن تطيع أي أمر إلهي، مهما كان الأمر يتعارض مع إحساسك الشخصي بالصواب والخطأ. خذ قصة النبي ابراهيم، في العهد القديم، الذي أمر الله بالتضحية بابنه الوحيد. وأرجاء التنفيذ في اللحظة الأخيرة، تم الإشادة بإبراهيم لاستعداده لقتل ابنه بأمر من الله.  لقد كانت هناك العديد من الفظائع (إذا حكمنا عليها من خلال الأخلاق المستقلة) التي نفذت باسم الدين. إذا كان يُعتقد أن الله قد أمربتلك الأعمال بالفعل، فهل هذا يجعل هذه الأفعال على حق؟ إذا اتخذت الخيار الثاني، فأنت تقر بإحساس الصواب والخطأ المستقل عن الله - وبالتالي بالأولوية والطبيعة المستقلة للأخلاق. في الواقع، تقوم بتقييم أخلاق أوامر الله  بأنها ضد عقلك.

القيم الدينية والمجتمع

تعتمد الأختيارات الأخلاقية التي يتخذها الشخص، وموقف المجتمع ككل تجاه المعايير الأخلاقية المقبولة، إلى حد ما على حيوية الحياة الأخلاقية لذلك المجتمع. يتم تعريف بعض المجتمعات بقالب أو بمصفوفة دينية وثقافية واحدة، ولكن في عالم اليوم أصبحت هذه حالة استثناء وليس القاعدة. فنجد اغلب المجتمعات مزيج من الجماعات الدينية والعرقية في زمننا هذا . ما هو أكثر من ذلك، ربما كان من المفترض في أن وجهات النظر الأخلاقية لدين معين ستكون هي نفسها أين ما تم ممارستها. وهذا ايضا موضع تساؤل الآن؛ حيث  أعضاء الدين الواحد، المرتبطون بتقاليد دينية مشتركة، منقسومون على نمط الحياة وتوقعات المجتمعات التي يعيشون فيها.

وبالتالي هناك مجال حقيقي لمشاكل الالتزام والاعتراف بالمعايير الأخلاقية. فشخص ما ينتمي إلى دين، يعيش في مجتمع علماني إلى حد كبير، من المرجح أن يستجيب لهذا الموقف بإحدى طريقتين:

-  عن طريق التمييز بين نمط الحياة والأخلاق عند جماعته الدينية  وبقية المجتمع. إذن فإن مايبدو مغريا  هو تحديد الأختلاف، والتأكيد على تلك الأشياء التي يختلف فيها الدين عن القاعدة العلمانية المقبولة.

-  بالتسوية أو حل وسط بخصوص القواعد الدينية أو إعادة تفسيرها بطريقة تجعلها متوافقة مع نمط الحياة السائدة. بمجرد حدوث ذلك، يبدأ أعضاء من الدين نفسه، الذين يعيشون في مجتمعات مختلفة، في الاختلاف حول أخلاقياتهم الدينية.

إن اتخاذ قرار أخلاقي مسؤول ينطوي على تقييم جميع العوامل التي تؤثر على فهمك لذاتك. هل أنت في الأساس عضو في ديانة، وصادف أنك تعيش في هذا المجتمع العلماني؟ أم أنت علماني  أوملحد، صادف أنك تعيش في مجتمع يهيمن عليه الدين؟ أو هل أنت عضو في هذا المجتمع يعتبر تعاليم دين معين مفيدة؟ ستحدد كيفية موازنة مثل هذه النزاعات (أو النزاعات المحتملة) في الاهتمام والالتزام الطريقة التي توازن فيها بين الحجج الأخلاقية العلمانية والدينية.

تتوافق، في بعض الأحيان ،المبادئ الأخلاقية للمجتمع الديني مع مبادئ المجتمع العلماني، ولكن قد تظل السلطة الكامنة وراء هذه المبادئ والطريقة التي يتم بها تبرير القواعد الأخلاقية مختلف تماما.

هل النية كافية؟

الفيلسوف الأمريكي، دانييل دينيت، الذي يكتب في"  فلاسفة  بدون الله "، قارن بالمساعدة المقدمة  أزاء مرض يهدد الحياة، بين المتديننين الذين يقولون بأن ما يهم هو نية الشخص بأن يفعل الشيء الصحيح، وليس بالضرورة نجاحه فيه، اي حتى لو لم ينجح فيه المهم النية. وبين  المطالب الأخلاقية التي يفرضها الطب للتأكد من أن كل شيء ممكن القيام به  في حدود قدرة البشر لابد من القيام به. ويختتم بقوله:

أحييك على ولائك لموقفك الخاص ، لكن تذكر أن الولاء للتقاليد لا يكفي. عليك أن تسأل نفسك: ماذا لو كنت مخطئًا؟ على المدى البعيد ، أعتقد أنه يمكن مطالبة المتدينين بالعيش في نفس المعايير الأخلاقية مثل ضمير الناس العلمانيين والطب. ) فلاسفة دون آلهة، مطبعة جامعة أكسفورد، المحرر، لويز أنتوني، 2007، ص 117).

على الرغم من أن العديد من المتدينين يجدون أنفسهم أيضًا يتبعون مطالب مهنة الطب، فإن ما يذكرنا به دينيت هو أنه ، بدون الدين، يقدم  الطب والعلم  مطالب أخلاقية وفكرية صارمة على ممارسيهم.

في الأخلاق العلمانية ، بقدر ما هي دينية ، ليست مجرد مسألة إطاعة القواعد، ولكن استخدام كل ما في وسع المرء لفعل ما هو صواب. حسن النية وحدها ليست كافية. في الأخلاق العلمانية ، ليست كما هي  الدينية  مجرد مسألة إطاعة القواعد، ولكن استخدام كل ما في وسع المرء لفعل ما هو صواب. حسن النية وحدها لايكفي.

هل يجب تقييد الحرية الدينية؟

هناك حالات تؤدي فيها المعتقدات الدينية إلى أفعال تتعارض مع المعايير السائدة في المجتمع الذي تعمل فيه. المعضلة هنا هي ما إذا كان من الصواب، باسم مجموعة واحدة من القيم الأخلاقية، حرمان أي فرد أو مجموعة من حرية العيش بمجموعة مختلفة من القيم الأخلاقية.

-  هل تفوق قيمة السماح للأفراد أو الجماعات بحرية التصرف وفقًا لآرائهم الأخلاقية أو الدينية أي ضرر محتمل (من وجهة نظر المجتمع) قد تترتب عليه هذه الحرية؟

- أيهما أفضل للمجتمع ككل: الحرية، مع خطر قيام الأقليات بأشياء تعتبرها الأغلبية خاطئة، أم مدونة أخلاقية مفروضة؟

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

 

علي المرهجحار المفكرون وتخاصموا حول علاقة المعرفة بالمصلحة، فبعضهم ذهب إلى استهجان الربط بينهما وآخرون وجدوا في الربط بينهما استهانة بقيمة المعرفة الحقة التي لا يبتغي أصحابها سوى جليل القول في عوالم الطموح والمُثل، ولكن بالضدَ منهم هُناك مفكرون وفلاسفة يبحثون عن الجميل النافع لا الجليل المُفارق.

كتب (وليم جيمس) فيلسوف البراجماتي وجوهرتها عن الجميل النافع، وأفاض من قبله فيلسوف "نقد العقل المُجردَ" (إيمانويل كانت) في الحديث عن الجميل والجليل المُفارق العظيم الشأن الذي تصح عليه اطلاق مفردة "الروعة" التي تختلط فيها مشاعر الانبهار التي تبدو لنا وكأنها مُختلطة بالشعور بالخوف المختلط باللذَة، لأن من مقتضيات الشعور بالجلال الاحساس بالقداسة حين النظر لمخلوقات أبدعها الخالق فيها من هيبة الحضور ما يُشعرك بقيمة (جلال) الموجد لها وإن احترت بتوصيفه وتعظيمه وفق رؤاك الحسية والشعورية أو بحسب ادراكك العقلي أو طبقاً لتجليات الأديان في روحك خارج هيمنة التوصيف الفقهي القاصر لمعنى (الجلال) وارتباطه بـ (الألوهية).

الجلال تستشعره حين النظر للجبال العالية الشاهقة لحظة تهيبك لصعودها، والجلال تجده في رؤيتك لثورات البراكين وما تُحدثه الأعاصير. إنه شعور متجانس بين الاحساس بالعظمة والقداسة وبين الخوف المختلط باللذة الجمالية.

الجليل كما الجميل عند كانت لا يرتبطان بغرضية البحث عن منفعة كما هو الحال عند وليم جيمس.

المعرفة والمصلحة هو عنوان كتاب للفيلسوف (يورغن هابرماس) يسير فيه على هدي الفلسفة البراجماتية في قبولها لعوالم (الميتافيزيقا) إن كان فيها تحقيق لمصلحة على قاعدة (وليم جيمس) في المرادفة بين ما هو صادق وبين ماهو نافع، فهابرماس لا يرفض الميتافيزيقا كما هو حال الوضعيين.

تعامل (هابرماس) مع الدين بوصفه (ميتافيزيقا) لها حضور اجتماعي مقبول، ولكنه يعمل على جعل الدين بلغته الرمزية بل وحتى الظاهرية رديفاً لمقبولية اللغة العقلانية المغايرة للغة دُعاة (الراديكالية الدينية)، مُحاولاً ايجاد (فضاء عمومي) يتشارك فيه العلمانيون مع المتدينين يُسميه (هابرماس) بـ "التعددية الثقافية" التي يدعو فيها كلاً من العلمانيين (الماديين) والمُتدينيين (الروحيين) للحوار والتواصل الثقتفي والاجتماعي الذي تفرضه طبيعة العلاقات البشرية.

أفاد هابرماس من نظرية المعنى عند فيلسوف البراجماتية ومؤسسها (جارلس ساندرس بيرس) بوصفها نظرية ممهدة لنظريته في الفعل التواصلي أكثر مما أفاد من نظرية الحقيقة وربطها بالمنفعة عند (وليم جيمس).

لم يتنكر هابرماس لغرضية المعرفة، ولكنه يجد في اللغة تعبيراً عن ماهية الوجود البشري كما هو العمل، وكلاهما عنصران يتميز فيهما الإنسان عن الحيوان، وفي اللغة كما في العمل قصد غرضي هو التواصل لذلك نجده يدعونا للتحررمما أسماه "فلسفة الوعي" لتنشغل الفلسفة في الكشف عن الفعل الغائي العقلاني، وفعل التواصل الذي يرمي لايجاد فلسفة اجتماعية تستفيد من رؤى الفلاسفة البراجماتيين الذين صنعوا فلسفة لهم خارج سطوة الفلسفة الانجليزية بطابعها التجريبي الصارم ليكتب لنا وليم جيمس عن فلسفة (مُحايدة) بعبارة مستعارة من (يحيى هويدي) تتخذ مقفاً وصطاً بين المثالية من جهة والواقعية من جهة أخرى، وبين الروحية من جهة والمادية من جهة ثانية، وهي القول الفصل لفض النزاع بين مذهبي الفلسفة التقليديين: العقلانية والتجريبية، لألنها تبحث عن الثمار ونتائج الأفكار في المستقبل، ولها قيمة تربوية وأخلاقية عُليا في فلسفة (جون دوي) "الاداتية" وتأكيده على أهمية المعرفة التواصلية أو (الاتصالية) في ردم الهوة المعرفية بين التلميذ وعالمه.

 

ا. د. علي المرهج

 

محمد المرجانيتلخص السؤال المركزي لهذه المداخلة[2] فيما يلي:

إذا كانت التشكيلات الاجتماعية تتحدد حسب تطورها وحسب حركاتها الخاصة، وبأهمية وضرورة الصيرورات المتولدة عن التناقضات التي تكونها وتحدد مستقبلها، فأي دور يقوم به الفعل السياسي من أجل الدفع بهذه التشكيلة نحو التغير والتحول الاجتماعي؟ هل العلاقة الممكنة بين السياسي والاجتماعي تتأسس على رؤى تطورية أم تحولية؟ كيف يمكن أن يتحقق التحول في بنية ما دون أن تصبح مهددة بالزوال؟

1- الفعل السياسي هو فعل اجتماعي: حاول كلود لوفور قلب المعادلة الدوركهايمية القائمة على أسبقية الاجتماعي على السياسي، ورفض اعتبار السياسي كاشتقاق مباشر من الحياة الاجتماعية، مؤكدا أن السياسي هو ذلك القطب الرمزي الذي تكتسب فيه الجماعة اسمها وتمثيليتها وبفضله تتأسس وتتخذ شكلها المتميز، فالسياسي يعني التمثيل الذاتي للمجتمع ولمؤسسة المجتمع. وبالتالي يعتبر لوفور، من غير المعقول أن يكون بناء موضوع(الاجتماعي) هو النمط المحدد لتعريف"السياسي"، مما يؤثر على محدودية مضمونه وفهمه. وعلى هذا الرأي يسير جان بودوين Jean Baudouin مؤكدا على أهمية الفلسفة القديمة في تعاطيها مع "السياسي"، والتي اعتبرته نظاما يمنح للمجتمع معانيه المركزية، وينظم مؤسساته وقواعده، ويبني العادات وأنماط الحياة الخاصة بالأفراد. فالسياسي هو في نفس الوقت طريقة لبناء المدينة ووسيلة لبناء أشكال الحياة فيها[3]. من الصعب جدا مناقشة هذا الرأي في تفاصيله الدقيقة، ولكن ينبغي القول أنه يستحيل التمثيل لموضوع غير موجود أساسا، بما يعني أن السياسي يتداخل يتواصل ويتمازج مع الاجتماعي ولا يمكن تصوره بمعزل عن الأخير إلا في حالات التمييز المنهجي. فالكلام عن النظام السياسي وعن السلطة السياسية وعن المؤسسات السياسية وعن السلوكات السياسية، لا يمكن أن يستقيم إلا بالإشارة إلى الحاضن الاجتماعي وإلى بنيته المادية والرمزية باعتبارها دالة وضاغطة على مجموعة من الممارسات والمواقف التي يستبطنها الفرد بإدراك أو بدونه. لقد حققت السوسيولوجية الفيبيرية تقدما كبيرا في توضيح الارتكازات الاجتماعية للمفاهيم السياسية. واعتبرت هذه الأخيرة مؤشرات دالة على سياق التحول في النظام الاجتماعي. فالنمذجة Typologisation التي اقترحها ماكس فيبر هي في النهاية الأنساق الاجتماعية التي تؤطر التحولات على المستوى السياسي. ماركس ومنذ كتابته الأولى حول الدولة وضدا على الاتجاه الهيجلي اعتبر"أن جوهر الكائن الإنساني اجتماعيا وليس سياسيا، وبالتالي فمن غير المعقول اعتباره حيوان سياسي. والقوى الاجتماعية الباحثة عشوائيا عن طريق تحررها عبر صراعاتها المختلفة تنقاد للسلطة السياسية أي للدولة. وهو الأمر المفسر لهيمنة السياسي، وعدم إدراك خلفياته الاجتماعية.

من زاوية أخرى هنالك مسافة حقيقية بين الذات الاجتماعية والانخراط السياسي، فالعديد من المواطنين لا يتوافقون أو يندمجون بشكل فعلي في المجالات السياسية التي يمارسون من خلالها مواطنتهم[4]. الفعل السياسي يعني كل ضروب السلوك البشري التي تدفعها وتوجهها المعاني التي يكونها الفاعل عن العالم الخارجي، وهي معاني يضعها الفاعل ويستجيب لها في تفاعله مع الآخرين. ومع ذلك في سياق توضيح أهمية هذه العلاقة من الضروري إيجاد منطق للفهم والتفسير (حسب ماكس فيبر) حتى لا نسقط في شرك "الحدثية" (اعتبار السياسي كحدث ) أو على الأقل عدم الاكتفاء بها. هذا الحرص في تقديرنا يرجع إلى سببين:

- الفعل السياسي هو فعل علائقي، يتكون من علاقات دائمة (متقطعة أو مؤقتة) بين فاعلين (الأحزاب، الدولة، المنظمات السياسية..) ولذلك فعلاقاته تدوم وتستمر أكثر من الفاعلين الذين يقيمونها.

- بقراءتنا للفعل السياسي لابد من العمل على إدراك البعد الأنطولوجي للمجتمع، مما يعني عدم الاكتفاء بقراءة الأحداث السياسية من زاوية تطابقها مع الواقع "لسنا في حاجة إلى العلم عندما تتطابق مظاهر الأشياء الخارجية مع جواهرها". والسؤال الملح الذي يطرح في سياق هذا النوع من الإدراك هو: ما هي العلاقات الغير الظاهرة، أو ما يمثل البنية الاجتماعية التحتية للعمل السياسي، المفسرة لمجموعة من العلاقات الاجتماعية الظاهرة على السطح؟

- التناول المنطقي لمفهوم "السياسي" يفرض كذلك عدم الخلط بين النقد الإيديولوجي للممارسة السياسية، والذي يعمل على تحليل التشوه الذي يلحق رؤية الواقع الاجتماعي، من جراء الالتزام السياسي (نقد الوعي المغلوط)، وسوسيولوجيا المعرفة المهتمة أصلا بالجذور الاجتماعية لهذه الممارسة.

هذه الملاحظات لا تروم بالدرجة الأولى، إثارة النقاش الإبستمولوجي والنظري بين الاجتماعي والسياسي، ولكن الإشارة إلى مسؤولية السياسي المهيمن ضمن بنية اجتماعية مركبة، في إخفاء وتعطيل الآليات الكفيلة بتحقيق التحول المجتمعي. وبصورة أوضح يتقدم السياسي كاقتدار كبير لتحقيق الفصل بين ذاته كموضوع وبين الموضوعات الأخرى، ويتربع في مجال التعليل والفهم والإدراك، كقوة تفسيرية مقنعة ومنطقية، دون حاجته للتفسيرات الأخرى[5].

ومن هذا المنطلق تبدو الرغبة في اقتراح مجموعة من الصعوبات التي تواجه الكتابة أو التفكير في الفعل السياسي الحالي بالمغرب، عملية بالغة الأهمية، قد لا تخلو على أهميتها من عثرات.

ليس ثمة شك في وجود أدبيات كثيرة وعلى قدر كبير من الأهمية العلمية حول الدولة والأحزاب والتطورات السياسية ودور النخب السياسية والشرعية السياسية والانتخابات، حققت إنجازات نظرية ومعرفية فعلية، لكن القليل منها استطاع الوصول إلى صياغات مفاهيمية جديدة، يمكن أن تشكل مفاتيح لفهم وقراءة البنيات والسلوكات السياسية بوجه عام. ولربما أغلب الاجتهادات تسير على منوال الاقتناء السهل للمفاهيم المصاغة خارج التجربة المغربية، دون عناء مراجعتها أو تمحيصها. والمثال البارز في الموضوع يتعلق بظاهرة "العزوف السياسي" والذي تسلل لقاموس النقاشات السياسية فيما بين النخب والدولة وحتى المجتمع المدني. على أساس أن الظاهرة تعبير صريح عن أزمة عميقة في التمثيلية وفي صورة النخبة، ومن علاماتها رفض السياسة والسياسيين، الصناديق الفارغة، التعرية الحاصلة في الالتزامات النقابية والحزبية. إلى حد الآن يبدو الأمر مقبولا، فكل هذه العوارض موجودة في مجتمعنا حاليا. غير أن الاجتهادات السوسيولوجية أبانت على الوجه الآخر لهذا العزوف، واعتبرته عودة إلى السياسة، ولكنها عودة من أجل تشنيج وقتل هذه السياسة، وعلى أساس هذه التصورات العدوانية ستتشكل الممارسة السياسية المقبلة (Albert Hirschman) وبصورة أوضح تتوازى الممارسة السياسية في النهاية مع التصور السلبي للعرض السياسي، حيث يبقى الأشخاص والمنظمات والأفراد التابعين أو المعبرين عنها، موضوع رفض مطلق[6].

في ظل هذه الوضعية ما هي النماذج الاجتماعية التي تنتظم أو تقوم عليها الممارسات السياسية؟ هل يمكن الكلام عن نماذج مثالية (حسب المفهوم الفيبيري) يمكن الإحالة عليها في تفسير وفهم هذه الممارسات.؟ هل يمكن لمفهوم التحول المستعمل حاليا في القاموس السياسي أن يكتسي نفس المعنى في المجال الاجتماعي؟

2- مفهوم التحول في المجال السوسيولوجي: أهمية مصطلح التحول أصبحت متعاظمة حاليا، لأن كل المجتمعات باتت مجبرة على التحرك، وأدركت أن الاستمرارية لم تعد مقبولة بشكل تام. وعلى الرغم من إحساسنا بحدة التغيرات بتراكمها بتعدد مظاهرها وأشكالها، مع كل ما يفترضه ذلك الأمر من حركيات وقطائع وانتقالات أصبح الوعي بها ظاهرة شاملة، لا يكاد الناس يختلفون على وجودها، رغم كل ذلك، ينبغي أن نتساءل: هل يتعلق الأمر فعلا بتحولات عميقة ومدركة في سياق تطورها المنطقي من طرف الجميع؟

لقد ظهر مصطلح التحول في القرن 12 الميلادي، حينما تم طبع نظام معين بالتغيير وكان ذلك بالتحديد في مجال العلوم القانونية. أما الاستعمال العلمي فقد جاء متأخرا. استعمله لامارك لتعريف التغيرات المورفولوجية ذات الانتشار الضعيف والمحدود. أما التعريف الأكثر دقة جاء على يد علماء الحفريات، الذين اعتبروا سلسلة أشكال النوع الواحد من الحفريات، تتعارض فيها التغيرات Variation (الاختلافات المورفولوجية الموجودة بين الأفراد المنتمين لنفس الفئة) مع "التحولات"Mutation (الاختلافات بين الأفراد المنتمين للشرائح المتتالية). بعد ذلك انتقل المفهوم للمجال البيولوجي والفلسفي، وتمت الإشارة إليها بمصطلحات مرادفة (القفزات)Saltation الاختلاف عن الأصل (Heterogenése). وعندما انتقلت إلى الحقل الثقافي أصبحت دالة على الثورة بمفهومها الواسع (الثورة التي أحدثها ظهور المحرك في أوروبا، الثورة الصناعية، ثورة الإلكترونيات وغزو الفضاء). وبعد انتقالها لقاموس العلوم الاجتماعية عبرت في معناها عن التغيرات الملامسة للعديد من مكونات المجتمع الشامل، محيلة على التغيرات العميقة والظاهرة في البنيات الاجتماعية والترتيبات الثقافية والأزمات الناجمة عنها. وعلى هذا الأساس دل مفهوم التحول من الناحية السوسيولوجية على التغيرات المحققة لانتقال بنية اجتماعية إلى أخرى، ومن نظام للبنيات إلى نظام آخر. وقد أكد Roger Bastide هذا المعنى بقوله "لا يمكن الكلام عن تحول طالما نظل في نفس البنية. بما يفيد بأن التحول يشير إلى كل تغير يعرف كانتقال من بنية إلى أخرى، أي كاضطراب عام للأنظمة"[7].

لا شك أن هناك مفاهيم أخرى في الحقل السوسيولوجي تستعمل للدلالة على نفس المعنى: كالتغير، التطور، الثورة، التنمية، التحديث...إلخ. هذه المصطلحات لا تخلو من غموض، لأنها في الغالب تستعمل للتعبير عن الاختلافات التي تظهر في مسار إعادة الإنتاج أو التكرار الذي يحصل في الأشكال الاجتماعية. ولذلك فالبعض منها يؤكد على استمرارية هوية أساسية على الرغم من التغيرات البارزة، في حين يصر البعض الآخر على القطيعة.

هذا التدقيق المنهجي والمعرفي في تعريف طبيعة التحولات ومعانيها، يعبر عن حجم الحذر الإبستمولوجي الذي تستعمله السوسيولوجية من أجل إدراك الواقع بكيفية أعمق وأشمل، حتى لا ينساق الإنسان مع الوهم، ويحمل في ثنايا خطاباته حول التحول، عجزا حقيقيا في تعريفها وتحديدها، أو في بعض الحالات تحميلها بمعان ثانوية، تدفعنا للمزيد من عدم الإدراك والمعرفة الحقة بتفاصيلها.

وعلى هذا الأساس تم وضع شروط أساسية لكي تتحقق التحولات الاجتماعية:

- التغيرات الملامسة للمجتمع الشامل ينبغي أن تكون لا رجعة فيها (أي قوى المحافظة يمكنها تغيير موازين القوى مع كتلة التغيير).

- التحقق والتأكد من الانتقال من بنية إلى بنية أخرى مغايرة.

- الانتباه إلى كون طبيعة المجتمع الشامل هي المسؤولة عن صعوبة معاينة أو فهم التحولات الموجودة داخل المجتمع. لأنه كنظام غير قادر على تسوية البنيات وترسيخها كبنيات معاصرة ومتوافقة فيما بينها، في حين يحتوي بناءه على عناصر موروثة من الماضي (الاستمرارية) وعناصر حديثة (جزء الحاضر الذي له الأسبقية) والعناصر المحتملة كجزء من تصور المستقبل (جزء من الاحتجاج والتغير). والتوافق الوحيد الذي يحرص على استمراره هو الوقوف في وجه المخاطر المهددة للنظام الاجتماعي، ولا يسمح بإنجاز التغيرات إلا تلك التي تضمن الحفاظ على النظام الذي يحرسه هو نفسه. ولتأكيد هذا التصور، تستعمل الأنتربولوجيا المعاصرة مصطلح "التحول" لوصف التباسات الوضع الحالي، وغموض القيم، وفقدان المعالم، أي تلك الفترة التي تتعايش فيها الأشكال القديمة للمجتمع، مع أشكال لم تتبلور بعد كأشكال جديدة. زمن التحول يصبح بهذا المعنى، "زمن معلق" والتغيير الذي يحدثه في الحاضر، يجعل المستقبل غير موثوق به. إذا كيف يمكن تأكيد التحولات السياسية في بنية لا تتحقق فيها القطائع ولا التجديد القائم على الابتكار وليس إعادة إنتاج القديم في حلة جديدة Retraditionnalisation، ولا التطورات العميقة المتجاوزة بشكل جدلي للموروث الثقافي العتيق وكل أشكال "الحجر" التي تمارسها قيم لا تؤهلنا للتصالح مع الذات والكون معا.

3- خصوصية التحولات السياسية ومرتكزاتها الاجتماعية: السؤال العريض الذي يطرحه الباحثون والمهتمون بالشأن السياسي العربي. لماذا هذا القصور والإخفاق السياسي المتكرر في الحياة العربية؟ ولتفسير هذا الإشكال يتم تقديم العديد من المبررات: كاستبداد السلطة وضعف النخبة وغياب الديمقراطية مع التغول الظاهر للنظام الرأسمالي وما ينتج عنه من سحق واستغلال لتطلعات وحاجيات الجموع. في حين يعتبر البعض أن السبب راجع لافتقاد الممارسة السياسية لقدرتين: القدرة على إدارة الائتلاف، والقدرة على إدارة الاختلاف. وبمعنى آخر لا التوافق السياسي يمكنه أن يستمر، ولا المعارضة يمكنها أن تستمر في ظل افتقاد شرط التدبير المعقلن والناجح لهذه الفترات من الممارسة السياسية. طبعا تخضع هذه القراءات لطبيعة الظرف وخصوصية الزمن وسياق الأحداث المحددة للتطورات السياسية العامة في كل بلد. هل يصح طرح هذا السؤال بالنسبة للواقع السياسي المغربي لما بعد الاستقلال؟. ربما قد نعثر في مجتمعنا على ما يتماثل مع هذا الإشكال، فالتدبير السياسي الضعيف للاختلاف أو الائتلاف سمة تكاد أن تكون عامة ومتشابهة في العديد من البلدان العربية والمغاربية.

لكن السؤال المهم وربما الاستراتيجي الذي يميز تجربتنا في هذا السياق هو: لماذا أخفقت كل المشاريع السياسية والمجتمعية المقترحة من طرف النخب والهيئات الوطنية والفاعلين والممارسين السياسيين المختلفين، وانتهت في الغالب –مع استثناءات قليلة- بإدماج كل هؤلاء واستيعابهم في المنظومة الدولتية؟. هذا السؤال لا يلغي بتاتا الدور التاريخي للحركات الاجتماعية بكل أقسامها، وكل التضحيات المادية والمعنوية التي قدمتها من أجل النهوض بالمجتمع وتجاوز تناقضاته المفجعة. لكن يبدو أن هناك قوانين اجتماعية وتاريخية دفعت بهذه الحركة نحو التوافق أكثر من القطيعة، وجعلتها استنادا إلى اعتراف المؤرخ المغربي عبد الله العروي خلال دراسته لمفهوم السيبا القبلية في القرن التاسع عشر، موسومة بطابع المشاركة والاقتسام (في التدبير والتفكير)[8]. ولعل القارئ المتمعن في الأدبيات السياسية التي اهتمت بمساءلة طبيعة النظام السياسي ومدى قابليته للتغير والتطور، سوف يستنتج تمحور القاسم المشترك لأغلب هذه الأدبيات حول فكرة الثبوتية والجمود النسبي للبنيات الاجتماعية والسياسية[9]. وبالتالي فإن المظاهر الدالة على التغيرات الاجتماعية (مكانة المرأة، الطفل، الأسرة..) والسياسية (المؤسسة الدستورية والممارسة الانتخابية...) ليست في النهاية سوى إعادة إنتاج لنفس الأوضاع بصياغات جديدة.

كيف السبيل إذا لمعرفة خصوصية النظام الاجتماعي الذي يحول دون تحقيق التحولات السياسية بمعناها الحقيقي؟

في حوار مع بيير بورديو حول علمية السوسيولوجيا يكشف هذا الأخير أن المهمة الأساسية لهذا العلم هو تنوير الرأي العام بالقضايا التي تكون مخفية وغير ظاهرة بكيفية ملموسة، أو تلك التي يحاول الخطاب التكنوقراطي أن يستبعدها في التصورات المتداولة بين الناس بشكل عام. مثلا الذكاء يرجع إلى قوى فطرية وليس إلى الأصل الاجتماعي، والرأسمال الثقافي الموروث عن العائلة. ألا يمكن إرجاع مفهوم التحول إلى هذا النوع من التلاعب، ليصبح الكلام عن التحول محاولة لطمسه وعدم تأكيده[10]. في نفس الإطار أثار أندري كورزGorz A. فكرة مشابهة لما طرحه بورديو في إشارته للمجتمع الذي يتكلم كثيرا وبصفة دائمة عن التغيير، ولكنه يرفض أقل تغيير واقعي وفعلي، وأهم أسلحته في هذا المجال هو قدرته الخارقة في إخفاء هذا الواقع والتشويش عليه. كما يتميز هذا النوع من المجتمعات بإعاقة مثقفيه الحائرين بين موقفين: الاعتقاد في الحتمية بمعنى أن الآلية الاجتماعية في شموليتها لا تترك أي مجال للحرية الإنسانية، وبالتالي ليس هناك مجال لتحقيق التغير أو التحول. وهم الإرادية أي الاعتقاد بإمكانية إصلاح وتغيير المجتمع حسب الأهداف التي يرسمونها بكامل حريتهم وبدون الخضوع لأية إكراهات[11]. الموقفين معا لا ينفتحان على آفاق رحبة وواسعة، ولكن كلاهما يقف في وجه الآخر، بكيفية تحقق الانغلاق وليس التكامل أو التواصل الإيجابي. على الرغم من محاولات التوفيق أو الترقيع بين الموقفين، والمتبلورة في اتجاهات إيديولوجية وسياسية، رغبت من خلال ذلك في الحصول على امتيازات الطرفين (المادية والمعنوية). دون الانتباه من طرفها إلى كون الموقفين معا يعبران عن نفس الانغلاق. هل بإمكاننا في إطار البحث عن نسق فكري يسمح لنا بفهم وإدراك ما يمنع من تحقيق التحول المجتمعي في بلادنا؟

4- تشكيلة بدون تمفصل: يتفق معظم الباحثين في العلوم الإنسانية، على أن المجتمع المغربي مركب في تكوينه، وبالتالي تتواجد فيه العديد من الأنظمة الاجتماعية والاقتصادية، وأن هذه الأنظمة في مسارها العام محكومة بالمواجهة والتناقض والهجانة، نتيجة لانجذابها الحاد نحو الماضي أو الحاضر أو المستقبل، ولطبيعتها المتباينة بين ما هو مخزني عتيق، وليبرالي حديث وحتى ما بعد حداثي. غير أن السمة الأساسية الطاغية في هذا التركيب هو كون الانقسام الذي يغطي أفقيا العلاقة التاريخية والسياسية بين الدولة والمجتمع، يبقى على الرغم من المحاولات المهمة لتغييره غير مخترق. والسبب على وجه التقدير يرجع لكون الكتلتين تتحددان من خلال اعتمادهما على نفس التشكيلة المركبة. في ظل هذه الوضعية، يبقى الحقل السياسي رهين حتى في حالة انفتاحه على الإصلاح، بتجاذباته المركبة. لأن الدولة ليست بشكل عام نظام منسجم ومتناسق، تسعى من خلال أجزاءها المكونة إلى تحقيق هدف واحد. بل تميل إلى التجزيء والتفريق بين مكوناتها وعناصرها، والتي تكون في تماس مباشر مع المجتمع، من أجل ضبط وتوسيع سلطتها السياسية. الأمر الذي لا يمنع من احتمال تصدعات بين السلطة المركزية وبعض ممثليها حينما يخضع هؤلاء إلى عقلانية مختلفة نسبيا عن المركز. لكن سرعان ما يتحول هذا الأخير إلى مراقب حقيقي "لنظام المنازعات" لكي يتمكن من التحكم في الحركيات الاجتماعية الجارية في عالم سريع التغير، مسيطرا على كل حقول العالم الاجتماعي[12].

هذه السيطرة تحتاج لعمليتين: الميل للتجزيء والفصل بين المنظومات كمبرر للتأكيد على خصوصية وتفرد واختلاف كل منظومة عن الأخرى. إقرار الأفضلية أو السيطرة التامة لمنظومة على المنظومات الأخرى، حسب مقتضيات المواجهة مع التغيرات الداخلية أو الخارجية، والتي قد تحمل في طياتها تهديدا مباشرا لهذا النوع من التوازن.

في حين لا يستطيع المجتمع حل التناقضات المتعلقة بمشروعه الإصلاحي نتيجة لقوة التأثير الخاصة بهذه الأنظمة المتضاربة على تصوراته وتمثلاته ومواقفه السياسية أو الاجتماعية. ونتيجة أيضا لاهتراء وتآكل الثقة في ممثليه الذين فقدوا مصداقيتهم نظرا لضعف تدبيرهم الاستراتيجي للمرحلة، ولسرعة انجذابهم القوي نحو مآلات اجتماعية مخالفة تماما لأوضاعهم الحقة. لفهم هذا الواقع نقترح مفهوم "الاستعصاء المتجدد" (يقارب إلى حد ما ما اقترحه Alain Roussillon بالنسبة للتجربة المصرية في مفهوم La clôture du système) [13].

وللمزيد من التوضيح، يتجلى هذا المفهوم في العجز البادي في إحداث أي تغيير في طبيعة السلطة أو المجتمع على السواء. لكي تعبر الأزمة ليس فقط عن عجز السلطة في احتضان أو تقبل المشاريع الإصلاحية، ولكن أيضا عن عجز المجتمع عن تقديم بدائل حقيقية، تضمن التقدم والرقي للكتلتين معا. ليس غريبا في مثل هذه الحالة، أن ينحصر التقدم والتطور في القمة وليس في القاعدة، في حين يتم ترسيخ البنية السياسية السائدة، التي تعمل أيضا على تجديد شروط هذا الاستعصاء اعتمادا على تفوقها ومقدراتها السياسية والقانونية والمؤسسية والاقتصادية، وتتقدم كنظام رمزي للتمثيلية، حتى ولو تم ذلك على أساس خواء اجتماعي. في حين يبقى المجتمع حتى في حالة ممارسته للتفاوض العمومي، والحوار الصاخب الذي يجريه مع ذاته بشكل سلمي في الغالب من أجل تدبير وإنتاج تاريخه الخاص، عاجزا عن الاستجابة الطبيعية لكل مستلزمات هذا التفاوض، نتيجة بالضبط لواقعه المركب. هذه الصورة هي نفسها التي قدمها آلان تورين في وصفه "للمجتمع بدون نموذج" حيث تكون البنية العامة التي تجري فيها التغيرات ومقاومة هذه التغيرات موسومة بطابع "الأزمة" أي بمعنى آخر غياب البنية واستحالة التكوين الدال والمعبر على "القوى المعارضة "[14]. لكن المعنى الأهم الذي يضيفه آلان تورين والمتعلق بطبيعة التغيرات، هو"انغلاق العلاقات الطبقية". لأن التعارض الممكن بين مختلف الطبقات يقتضي وجود علاقات السيطرة. مما يعني أن السلطة المركزية السائدة لها القدرة على تحديد شكل العلاقات الاجتماعية، وكذلك الصيرورة السياسية، وبشكل عام تحديد الفئات المختلفة للممارسة الاجتماعية[15].

بفعل هذا الانغلاق المرتبط بعوامل تاريخية وبنيوية، تحولت البنية السياسية إلى مشهد سياسي ثابت تقدم الأنظمة والأحزاب والنخب إبداعها عليه، في حين تصبح الممارسة السياسية فرجوية في الغالب، وأبعد ما يمكن أن تصل إليه، في جميع مظاهرها الرسمية أو غير الرسمية، هو العمل على إرساء "تقليد متنور" من أجل تبرير تغير جد متأن، وإصلاحات بطيئة جدا. المجتمع في مثل هذه الحالة يطمح للتغيير، يتكلم عن التغيير بمبالغة كبيرة. لكنه يرفض، رغم المظاهر الدالة على حركاته وتمرده، تصور تغيير حقيقي. وأهم سلاح يستعمله في هذا الإطار هو قدرته على تقنيع الحقيقة أو تعتيمها. وغالبا ما يتم هذا الأمر تحت ضغط "الازدواج الوظيفي للسلطة" التي تتمثل في أذهان الناس وفي واقعهم كعلاقات، وفي نفس الآن، كصيرورة محددة لطبيعة وشكل هذه العلاقات. أي أن المجتمع يعمل لفائدة نسق آخر يسلبه فائض القيمة، بينما تهدر الدولة الوسائل الكفيلة بتحقيق الانسجام داخل المجتمع، أي الوسائل الكفيلة بتصفية المخلفات وتجاوزها. أهم شيء يمكن ملاحظته في إطار هذا التقابل بين الكتلتين المجتمع والدولة، هو الانتفاء النسبي للعلامات الدالة على وجود "الأبواب" و"الجسور"[16]. المعاني السوسيولوجية للمفهومين تدل على وجود حركية عميقة قادرة على تشكيل فضاءات متناسقة ومتفاعلة فيما بينها. وبالتالي لحصول هذا الأمر، ينبغي في البداية، التمكن من مبادرة الربط والفصل، بمعنى آخر القدرة على تصور الفصل القائم بين الكتلتين (الدولة والمجتمع) من أجل الوصول إلى فكرة الربط بينهما عن طريق الجسر. فالجسر بمعناه السالف يقوم بوظيفة الربط بين ضفتين متعارضتين، أي تصورين مختلفين لأوضاع وأشخاص ومؤسسات. والباب على الرغم من تعيينه للحدود والموانع، يمكننا من الانتقال بين الخارج والداخل، وبالتالي الانفتاح على العوالم الأخرى. الباب هو المدخل القائم بين عالمين، بينما الجسر هو المنتج للعالم الممكن. وبلغة أكثر وضوحا، في الغياب التام للوسائط القادرة على تقليص المسافة المباعدة بين الكتلتين، وفي غياب التصورات القادرة على استيعاب الفصل المترسخ والمتجذر بينهما، مع انتفاء هيكلة حقيقية للمجتمع المدني من أجل إقامة علاقات مسالمة بين الدولة والساكنة، نتيجة لغيبة الوساطات ولغيبة الفاعلين ذوي الرأسمال الرمزي، الذي يسمح لهم باحتلال مراكز القرار والسلطة والامتياز والشرعية حتى يصبحوا المحاورين الأساسيين بين المجتمع والسلطة [17]، ستبقى كل الأبواب موصدة وكل الجسور منسوفة. وهو ما يشكل أرضا خصبة لنمو هذا الاستعصاء المتجدد في مضاعفته للحدود المسيجة للبنية السياسية المركزية، وفي ضبطه عبر عمليات التنشئة الاجتماعية والسياسية لأفق التحرك المجتمعي. وهكذا ستغدو كل الأنشطة المنتجة بهدف البحث عن مقومات التجاوز الممكن لهذه الحدود، في نظر الطرف الآخر، تهديدا مباشرا للاستمرارية أو الشرعية الممكنة لهذه البنية السياسية. وغير خاف أن هذه الوضعية تلقي بثقلها على الممارسة السياسية، حيث يتعذر المجازفة باقتراح أي برنامج سياسي يتجاوز في أبعاده الإصلاحية حدود هذه البنية (تعطل العديد من المشاريع القانونية والاقتصادية...) وبهذا المعنى تتقلص الممارسة السياسية إلى مجرد تحقيق فضاءات التوافق والتكيف، والمراعاة وإدراك إكراهات "الخصوصية"، وفي أقصى الظروف إنتاج القيم والرموز التي تبلور من جديد هذه البنية كما تعيد إنتاج عوامل احترامها[18].

لا شك أن العلاقة القائمة بين السلطة العمومية وباقي مكونات المجتمع، تخضع بالضرورة للتغيرات التدريجية، التي من الممكن أن تشكل تهديدا مباشرا لاستمرار الأنظمة التقليدية (الأبوية، الإقطاعية،...). غير أنها لا تستطيع إزاحتها بالكامل. وعلى هذا الأساس تتقدم كاقتدار سياسي برؤوس عدة، شاملة في نفس الوقت، للأسس التيوقراطية والدستورية والعرفية والقانونية، والتقليدية والحداثية. هذا الواقع يتخذ منحى آخر بالنسبة للتغير الحاصل داخل المجتمع. لقد منحت صيرورة التغير الاجتماعي الجارية بشكل تدريجي، مكانة جديدة للفرد فيما يتعلق بعلاقات السيادة والسيطرة الاجتماعية. ولذلك تغيرت صورة الأب التسلطي والعلاقات القهرية المستبدة داخل العائلات والعنف الممارس على النساء أو على الفئات الهشة اجتماعيا وفيزيقيا[19].

المكانة الجديدة للفرد، والمكتسبات المدنية التي حققها عبر نضالاته الاجتماعية والسياسية، لم تتبلور كمعادل موضوعي لتحول شامل وقوي، لدرجة التأثير في طبيعة وتضاريس السلطة بشكل عام. وذلك لأن طبيعة هذه الحركات، نابعة أصلا من الشعور العام بالحرمان، ومن استحالة استمرارية الأوضاع التي أصبحت محط تساؤل، دون الالتزام الكامل "بتصور" أوضاع جديدة مغايرة. وقد يجوز القول بأنها حركات بدون نخب، أي قيادات تمثل نماذج يسترشد بها في السياسة والاجتماع والثقافة، لكن خطورة الأمر أن ما يهددها أكثر، هي تلك النخب نفسها، حينما تمتلك مقاليد القرار فتنحرف عن التوجهات العامة لهذه الحركات، لتحكم عليها بالفشل أو التوقف. وهذه الملاحظة هي المبررة لظهور مجموعة من المفاهيم التي تعترف بمحدودية التغير، وبعجزه الظاهر عن إحداث التوترات المخلة بالتوازن العام. إن استعمالات: الردة، والرجعية، والنكوص، والفوضى.. في خطابات نخبوية، تكشف أيضا أن بنية السيطرة والانصياع هي ثابت بنيوي، ولا يمكن التخلص منها بسهولة، حتى لدى أولئك الذين يدعون مقاومتها. وعلى افتراض تحقيق بعض التغيرات على المستوى السياسي، فإن استعصاء التجاوز ينتقل إلى ميادين أخرى، اجتماعية وثقافية ورمزية.. فخلال البحثين اللذين أنجزتهما - 2011- 2006 economiste'L اتضح أن مفاهيم التغير الاجتماعي ومكانة الفرد وعلاقته بالسلطة، حتى وإن تحولت في بعض أشكالها وفي اللغات المعبرة عنها، لازالت مرتبطة بالبنية العميقة التقليدية التي تؤثث المخيال الاجتماعي والرمزي لحامليها.

أما في الحالة التي نريد من خلالها الإحاطة بمختلف الديناميات الأخرى الفاعلة والمساهمة في مثل هذا التغير عبر كلمة "مجتمعي" تبقى هناك مناطق غامضة، تحتاج بالضرورة إلى توضيح. فهل يتعلق الأمر في هذه الحالة بالمجتمع أم بالوطن أم بالجماعة؟ لأن ما يقع الآن على مستوى الحراك العام هو ميل للخلط بين الوطن والمجتمع. فبدلا من أن يكون المجتمع هو فضاء للتفاعلات الاجتماعية المعقدة والصراعات المفتوحة، في أفق تحقيق العدالة والديمقراطية، يختلط في الغالب بمفهوم الوطن الذي يمثل في النهاية الجماعة الهوياتية الممثلة لثقافة ونمط عيش خاص ينبغي المحافظة على استمراره.

من الحقائق المثبتة سوسيولوجيا، أن إدراك التغيرات الحاصلة يتم دائما بشكل متفاوت، لأنه نادرا ما يبدو واضحا، بل يكون في البداية عن طريق أشخاص متمردين منحرفين أو مهمشين أكثر ما يكون إدراكا جماعيا. ولذلك فالمفاهيم أو اللغات التي يستعملها الأفراد كمحاولة للتعبير عن التحول، تأتي غالبا متأخرة، لأنها لا تعبر سوى عن تحول منجز وقائم أكثر مما هو جار. مما يفرض الانتباه إلى كون اللغة المستعملة أساسا في توضيح وشرح التحول، قد تفتقد بدورها لخاصية التأويل وتفسير الظواهر. الانتباه لهذا الافتراض يحثنا على التساؤل التالي: هل ينبغي التسليم بواقع التحول لمجرد الكلام عنه، أو التداول اليومي لمعانيه بين الناس؟ لقد أوضح ميشيل مافيزولي الدور المزدوج الذي تلعبه اللغة اليومية، والتي بتركيزها على موضوع التغير- وأحيانا حتى في سعيها لتحقيقه- تتلمس ضمنيا الطريق لمقاومته وإخفاءه[20]. هذا الواقع لا يتأسس عفويا، وإنما ينساق مع ضغوطات ثقافية تلعب فيها كل من وسائل التواصل وطبيعة المرحلة وخصوصيتها البنيوية، أدورا مهمة:

أ- السيطرة على وسائل الإعلام وضبط إيقاعها وتوجهاتها وثقافاتها، حتى لا تتحول إلى مراكز لبث الرسائل المختلفة عن الاختيارات العامة للبنية "المركبة". إن الملاحظة التي أبداها بيير بورديو فيما يخص هذه الوسائل معتبرا إياها وسيلة" للتلاعب بالعقول" غير كافية فيما يتعلق بأوضاعنا، بل يمكن القول بأن هذه الوسائل تبني العقول وتعيد تأسيسها بكيفية منهجية وذكية. هذا الذكاء يتجلى في إنتاجها لخطاب إعلامي "مركب" (ينساب بين مشاريع اجتماعية متباينة ومتناقضة وهجينة) لا يسمح في النهاية بالحصول على نموذج اجتماعي لشخصية وطنية متوازنة، قادرة على الاستفادة الحقة من عطاء الثقافة الكونية والمحلية، دون الدخول في متاهات الأسئلة المقلقة حول الذات والهوية واللغة ...الخ. حقيقة تسعى هذه الوسائل وبكيفيات مختلفة للإشادة بالتغير الخاص بالقيادات والزعامات والنخب، ولكن على أساس أن تظل بنية السيطرة ثابتة ومنسجمة مع ذاتها. مما يجعلها في النهاية بافتراض مجازي مصدرا لإنتاج نوع من البالونات الحرارية التي تشتت انتباه الإدراك، وتدفعه للاهتمام بقضايا بعيدة عن الأسئلة الحقيقية.

ب- تمديد المرحلة الانتقالية: ونعني أن زمن الانتقال يشكل في النهاية أزمة حقيقية، لكون العناصر المتعارضة والمختلفة والمتناقضة تتعايش فيما بينها، في إطار يتسم بالاستمرارية مع تعذر أو استحالة سيطرة نظام معين على باقي الأنظمة، أو بروز الأشكال الاجتماعية الجديدة والمتناسقة فيما بين مكوناتها. ولكون الاعتبار الأساسي الذي انطلقنا منه يشير إلى أن الدولة في بناءها تقوم على لحظة التفكك بين ما هو سياسي وما هو اجتماعي، وأن وظيفة الضبط والمراقبة التي منحت للأجهزة المختصة، أصبحت بدورها في يد الدولة، بمعنى التحكم في الأشكال الوسيطية للسلطة، فمن الطبيعي أن لا يحظى الاجتماعي سوى بهامش محدود للتعبير عن مطامحه. ولهذا كان الصراع المحتدم داخل البنية يجري في سياق غير متكافئ، حيث لا يتم حل الصراعات والتناقضات، ولكن تجاوزها نحو صراعات وتناقضات أخرى. هذا التفكك يحيلنا على إشكال يرتبط بالعلاقة بين الهوية الاجتماعية والسلوكات السياسية. فالعديد من المواطنين لا يعترفون بكون المجالات السياسية التي يمارسون من خلالها مواطنتهم، تعبر بالفعل عن هوياتهم الاجتماعية. والأهم في هذا السياق كون هذه الهويات تلعب دورا حقيقيا ودافعا مهما في الانخراط السياسي، ولكن دون أن يكون لها أية مساهمة في تحديد طبيعة هذه العملية. "غربة الممارسة السياسية" وابتعادها المفروض أو الاختياري، عن الانشغالات الجوهرية للمجتمع، ليست نابعة فقط من الضرورات الأمنية المتشددة، ولكن من رفض الهويات الاجتماعية، لهذه المجالات التي لم تعد قادرة على تحقيق رغبتها في المشاركة الفعالة في الهيكلة السوسيوسياسية الشاملة للدولة والمجتمع.

لذلك انحصرت جل التغيرات الجارية على هذا الصعيد أو ذاك، في إحداث تغيرات تمس الأشخاص والوجوه والكفاءات، ولكنها بقيت عاجزة تماما، عن التأثير في البنيات والمؤسسات والأنظمة. ومرد ذلك أن التجاذب الثنائي الذي أشرنا إليه (بين الدولة والمجتمع) ينعكس سلبا على هذا الأخير، ما دامت الدولة قادرة على إحداث التغير وتعيين طبيعته وحدوده ومآله وفاعليه.

ومع ذلك ينبغي الإشارة إلى العناصر الأساسية التي تلعب دورا مهما في إنتاج هذه الوضعية. نظرا لصعوبة التفسير الأحادي الذي يجعل النظام إما مجبرا على إحداث التغيير، أو قادرا على التصرف فيه بكامل الحرية. وحتى لا يختلط علينا الأمر نتيجة عدم التمييز بين "الحركة" كاستجابة طبيعية لرفض جمود الواقع وثباته، وبين حجم التأثيرات التي تمارسها على مكونات هذا الواقع وطبيعته. هذه العناصر يمكن حصرها في ثلاثة أنواع:

- تحقيق توازن جديد بدون تغيير للنظام، أي أن هذا الأخير يتوصل من خلال وظائف التكيف والإدماج إلى تأمين سير النظام الشامل. وبصورة أوضح يتعلق الأمر فقط بالتغير الداخلي للتوازن.

- إذا كانت العوامل الدافعة للتغيير قوية جدا، فسوف يختل التوازن، ويتم البحث عن نظام جديد وتغيير في البنية.

- إحداث التغيرات في منظومة القيم المؤثرة على الوظائف الخاصة بوضعية الأفراد والجماعات، داخل النظام نفسه.

هذه الوضعية الانتقالية لا يمكن أن يحددها الأفراد الذين يعاينونها ويعيشونها، فالشخص في وضعية انتقالية هو في نفس الآن (ليس هذا وليس ذاك) وكلاهما أيضا. خصوصية هذا الوضع، تتحول إلى تساؤل مستمر حول حدود الهوية ومآلها وشرعية مكوناتها، حول القيم ومدى توافقها مع التغيرات الجارية وحول المفاهيم السياسية المؤطرة للممارسات المرتبطة بالمؤسسات والتنظيمات الحزبية، كحقوق الإنسان والديمقراطية والعدالة الاجتماعية..الخ.

الرجوع إلى الماضي قد يكون في هذه الحالة محاولة لربط العلاقة مع التغير، أي كوسيلة لإقرار التمفصل بين مجموعة من الأنظمة المتباينة. وغالبا ما يشكل الدين في هذه الحالة نظاما ثقافيا ملائما للوصول إلى هذا الهدف. لكنه غير قادر على الصمود في وجه التجاذبات القوية للأنظمة الأخرى. يترتب عن ذلك ظهور توترات تحيل بدورها في تقديرنا على ذلك الاستعصاء المتجدد، الملامس للقمة والقاعدة على السواء:

- التوتر المرتبط بشرعية النظام السياسي الذي يعمل على حماية هذه الاستمرارية الدينية بشتى الطرق والوسائل، حتى ولو كانت متعارضة مع الأسباب الأخرى، الكفيلة بتحقيق التقدم والتطور والتغير الاجتماعي.

- التوتر الناجم عن التغير الاجتماعي الذي يحدث بكيفية سريعة، بحيث لا تمنح هذه التغيرات الوقت الكافي للأفراد لكي يستوعبوا مضامينها وحدودها.

- طبيعة المشروع المجتمعي المفتقد للأساس و"القوة الثقافية" المخاطبة للعقول في صفاءها وليس للمشاعر في هيجانها.

إذا جوابا على الافتراضات المطروحة سابقا كيف السبيل لتحقيق التحول المجتمعي، في بنية شاملة مركبة؟ بأي معنى نستطيع الخروج من هذا الانغلاق السياسي بأبعاده الاجتماعية، دون السقوط في دائرة المواجهة الطاحنة بين الفاعلين الأساسيين داخل المجتمع؟ كيف نعمل على تذويب هذا الاستعصاء المتجدد، والدفع به إلى مستوى التلاؤم والتوافق والاعتراف المتبادل بين الفاعلين على أساس القيم المعززة لكرامة الإنسان وحريته وأمنه ووجوده؟.

ربما من بين الأولويات المطروحة في هذا السياق هو الوصول إلى تأسيس بنية تمفصلية قادرة على الربط بين مختلف الأنظمة المتواجدة في حالة تنافر (مخزنية، ليبرالية، رأسمالية، إقطاعية...) الأمر الذي لا يعني محاولة الترقيع أو الدمج التعسفي بين نظامين أو أكثر. لكنها صيرورة معقدة تقتضي التفاوض الدائم والإيجابي بين المرجعيات المختلفة المحددة لسلوكاتنا السياسية والاجتماعية. ولحظة حاسمة في الاتجاه نحو إقرار الهيمنة، أي إيجاد بنية قائمة على التحكم في المتناقضات والدفع بها لتحقيق مخارج ومنافذ لعملية الاستعصاء المتجدد أو الانسداد السياسي والاجتماعي على السواء. ليس معنى ذلك الدفاع عن المشروع التوازني الذي ينتصر دائما إما بإدامة الأنظمة، أو بتسهيله لظهور بنية جديدة حيث الرجوع إلى تلك الأنظمة. وإنما البحث عن الشروط الكفيلة بتحقيق التوازن الديناميكي الذي لا ينتهي دائما بربح طرف وخسارة الطرف الآخر (الدولة والمجتمع) ولكنه يسعى تفاديا لحالات التنافر المتنامية لإقرار التحول المعبر عن لحظة الربط المنهجي بين السياسي والاجتماعي، مفعلا آليات الاندماج التي تسمح بالعثور على المقابل الضروري حتى لا تتغلب "الأنوميا" على الانسجام الاجتماعي الشامل. وبهذه المناسبة نتذكر رأي توكفيل في الثورة الفرنسية حين قال "كل ما حققته الثورة كان يمكن بدون شك تحقيقه بدونها، فلم تكن سوى إجراء عنيف وسريع مكن في النهاية من تكييف الوضعية السياسية بالوضعية الاجتماعية والوقائع مع الأفكار والقوانين مع العادات".

وذلك لأن الإطار العام الذي تتبلور في سياقه جل الأسئلة حول التغير والتحول والانتقال، سواء من خلال رصد علاقتنا مع الماضي (تفسير التراث بأدوات معرفية حديثة) أو في دفاعنا المستميت من أجل الانتماء للمشروع الحداثي. كل هذه المحاولات على أهميتها الكبرى، لم تتبلور كحركة فكرية واجتماعية قادرة على التحرر من ثقل الماضي والتوجه لاستشراف المستقبل. وكل ما توصلنا إليه هو فقط المواجهة المصطنعة بين الأصالة والمعاصرة، والتي لم تقتصر على السياسي وحده (المواجهة بين الدولة التراثية والمناداة بالنظام الديمقراطي وألتعددي)[21] بل انتقلت إلى العلاقات الاجتماعية الفردية والجماعية، تجلت مظاهرها على مستوى السلوك والتفكير والممارسات المختلفة. ولعل أقرب الطرق لفك حصار هذا الاستعصاء الكامن في السياسي والاجتماعي، هو محاولة الكشف عن طبائع البني ( السياسية والاقتصادية والثقافية..) التي نميل ميلا غير يسير إلى معاودة تركيبها على فراغ تاريخي. وأن يكون سؤال التحول "المجتمعي" هو بداية الشروع في تدمير الأقنعة التي تمنعنا من رؤية وتحقيق المظاهر الحقة لهذا التحول. شريطة أن يكون الرهان الأكبر في هذه العملية برمتها هو كيف "نعمل على أن نكون في نفس الوقت في انتماء دائم لهويتنا –كصيرورة منفتحة –بانتباه حاد إلى الكوني، لاستحداث كلي مشترك، يقبل به الناس جميعا من جهة الرضا لا على جهة القسر، تمهيدا لتحقيق رهانات الإنسانية ضمن كونية تراهن على الإنسان في تعدده واختلافه وتنوعه"[22].

 

محمد المرجان[1]

أستاذ باحث في علم الاجتماع ـ المملكة المغربية

......................

المراجع المعتمدة:

خلدون حسن النقيب: الآفاق المستقبلية للعلوم الاجتماعية، العدد 3 يناير 2002.

عمر بن بوجليدة: العرب ومسألة التنوير: كيف الخروج من عصر تمجيد الطاعة؟ ابن النديم للنشر والتوزيع 2016.

Abderrahmane Rachik: La société contre L’Etat, mouvements sociaux et stratégie de la rue au Maroc ;Rabat, 2016.

Alain Roussillon: Réformes sociales et identité ; La Fennec, 1996.

Alain Touraine: Production de la societé, ed.Seuil, 1973.

André Gorz:La societé bloquée .ED,du seuil 1970.

Balandier George: Sens et puissance, Ed. P.U.F, 1981.

Dimitri Deflandre:identité (politique)comportement politique et determinants sociologiques ;Revue:F,R ;vol- 6- 2006.

Dominique REYNE: Aux sources de dépérissement democratique, L’OBS (Hors Série) démocratie et populisme N95, 2017.

Jean Baudouin: Introduction à la sociologie politique, seuil, Paris, 1998.

Laroui Abdallah: Les origines sociales et culturelles de Nationalisme Marocain Maspero, 1977.

Mafesoli Michel: Résistance et identité, identités collectives et travail social, PRIVAT, Toulouse, 1979.

Michel Amiot: contre l’Etat les sociologues, éléments pour une histoire de la sociologie urbaine en France (1900- 1980).Paris 1986.

Pierre Bourdieu: La sociologie et la démocratie, Tribune Libre, Zellig, N 3, octobre 1996.

Rémy Leveau: Aperçu de l’évolution du système politique Marocain depuis 20 ans, Maghreb/Machrek,N 106, 1984.

Thierry Paquet: En lisant G.Simmel ; Revue, Hermés, 2012/2, N 63.

................

هوامش

[1] . أستاذ باحث في علم الاجتماع بكلية الآداب والعلوم الإنسانية ـ جامعة ابن طفيل، القنيطرة ـ المغرب، ورئيس الجمعية المغربية لعلم الاجتماع، حاصل على دكتوراه الدولة في علم الاجتماع سنة 2005 من جامعة محمد الخامس بالرباط. من بين مؤلفاته: "مقاربة سوسيولوجية لآليات التغيير الاجتماعي بشمال المغرب" وهو مؤلف صدر عن منشورات جمعية تطوان أسمير في سنة 2004. و"الرحلة والمعرفة الكولونيالية: المغرب بعيون الرحالة الإسبان خلال القرن التاسع عشر الميلادي" والذي صدر عن دار أبي رقراق في أواخر سنة 2016.

[2] . ألقيت هذه المداخلة في الندوة التي نظمتها جمعية الشعلة للتربية والثقافة بالدار البيضاء، (الملتقى الوطني السابع للفكر المغربي: المغرب وأسئلة التحولات المجتمعية)، وذلك يوم السبت 09 مارس 2019 ـ الخزانة البلدية، الحي المحمدي، على الساعة 10:00 صباحا. وقد تم نشرها في مجلة باحثون: المجلة المغربية للعلوم الإنسانية والاجتماعية، العدد 6، 2019، الذي يتمحور حول:"العلوم الاجتماعية من الدرس الجامعي إلى الفضاء العام"، ص: 75 - 84.

[3]. Jean Baudouin: Introduction à la sociologie politique, seuil, Paris, 1998, P.99.

[4]. Dimitri Deflandre:identité (politique)comportement politique et determinants sociologiques ;Revue:F,R ;vol- 6- 2006.

[5] . لقد سبق لجوليان فرود تعريف السياسة بما يلي:"إن السياسة هي حقيبة المسافر المشتملة على كل الأشياء التي يحتاجها الإنسان في سفره".

[6]. Dominique REYNE:Aux sources de dépérissement democratique, L’OBS (Hors Série) démocratie et populisme N95, 2017, P.15.

[7]. Balandier George: Sens et puissance, Ed. P.U.F, 1981, P.76,

[8]. Laroui Abdallah: Les origines sociales et culturelles de Nationalisme Marocain Maspero, 1977, P.124.

[9] . المؤلفات الخاصة بكل من واتيربوري وريمي لوفو وعبد الله حمودي تذهب في نفس الاتجاه نسبيا

[10]. Pierre Bourdieu: La sociologie et la démocratie, Tribune Libre, Zellig, N 3, octobre 1996.

[11]. André Gorz:La societé bloquée .ED,du seuil 1970, P.17.

[12]. Rémy Leveau: Aperçu de l’évolution du système politique Marocain depuis 20 ans, Maghreb/Machrek,N 106, 1984, P.23.

[13]. Alain Roussillon: Réformes sociales et identité ; La Fennec, 1996, P.47.

[14]. Michel Amiot: contre l’Etat les sociologues, éléments pour une histoire de la sociologie urbaine en France (1900- 1980).Paris 1986,P.116.

[15]. Alain Touraine: Production de la societé, ed.Seuil, 1973, P.402.

[16]. Thierry Paquet:En lisant G.Simmel ; Revue, Hermés, 2012/2, N 63, P.21.

[17]. Abderrahmane Rachik:La société contre L’Etat, mouvements sociaux et stratégie de la rue au Maroc ;Rabat, 2016, P.24.

[18] . أنظر في هذا الشأن كتابات:عبد الله حمودي، محد الطوزي، محمد الناجي.

[19].:kAbderrahman Rachi ibid, P.193.

[20]. Mafesoli Michel: Résistance et identité, identités collectives et travail social, PRIVAT, Toulouse, 1979, P.48- 49.

[21]. خلدون حسن النقيب: الآفاق المستقبلية للعلوم الاجتماعية، العدد 3 يناير 2002، ص 9.

[22]. عمر بن بوجليدة: العرب ومسألة التنوير: كيف الخروج من عصر تمجيد الطاعة؟ ابن النديم للنشر والتوزيع 2016، ص.11- 12

 

علي رسول الربيعينظرا لما تمر به المجتمعات في السياق الإسلامي في العالم العربي من حالة انهيار منظومة القيًم الأخلاقية وما يرافقها ايضاً من ضمور البحث والدراسات في فلسفة الأخلاق أرتيأينا أن نسـتأنف النظر في في المشكلة الأخلاقية مبتداين من مدخل اساس في فلسفة الأخلاق . قد لا يكون هذا المدخل لعلم الأخلاق يأتي بمتسلسلا بطريقة مدرسية اذا قد نقدم موضوع على أخر لاسباب فنية وموضوعية لكن في النهاية سنتناول في هذه السلسلة ولو بأختصار القضايا المركزية في الفلسفة الأخلاقية.

المـقدمة

ماذا يجب أن أفعل؟

كيف أعرف ما هو الصحيح؟

هذه الأسئلة الأساسية هي نقطة انطلاق النقاش الأخلاقي، فتدور الأخلاق حول الخيارات الأخلاقية. إنها تتعلق بالقيم التي تكمن وراء هذه الخيارات والأسباب التي يقدمها الناس لها واللغة التي يستعملونها لوصفها. إنها تتعلق بالبراءة والشعور بالذنب، الصواب والخطأ، وماذا يعني أن تعيش حياة جيدة أو سيئة. إنها تتعلق بمعضلات الحياة والموت والجنس والعنف والمال. إنها تستكشف فضائل الإنسان والرذائل والحقوق والواجبات.

أن تكون مهتماً في الأخلاق هو أن تكون مهتماً في الحياة! تأتينا الأخبار كل يوم عن الخيارات الشخصية وعواقبها، عن عنف ومأساة الحرب، إلى التخريب العرضي والجريمة البسيطة في الشوارع . قد تختلف تفسيرات هذه الأشياء، والمبررات فيما يتعلق بأيديولوجية سياسية أو اقتصادية، إلى الشكوى العامة المتمثلة في اختفاء القيم التقليدية. لا يمكننا الهروب من القضايا الأخلاقية، حتى لو كنا محظوظين بما يكفي أن حياتنا الخاصة لم تمسها قرارات مؤلمة أو أفعال مذنبة.

لدى الشخص الناضج القدرة الفكرية على التساؤل حول كيفية وقوعه في فوضى خاصة به، أو الخطوات التي يحتاجها للخروج منها. يعرف الشخص الناضج عندما تكون هناك مشكلة يجب التغلب عليها، أو أن يتحمل مسؤولية اختيار صعب. والأخلاق هي المناقشة المنطقية لذلك.

سننظر في هذا المدخل في مجموعة متنوعة من الحجج الأخلاقية التي قدمها الفلاسفة مثل، مكيافيلي، هوبز، بنثام، كانت، نيتشه، وربما آخرين، نختبرها ونطبقها على مجموعة من القضايا الأخلاقية. لكن أولاً نحتاج إلى استكشاف ما الذي يجعل شيئًا ما أخلاقي أو لا أخلاقي.

ما الذي يجعل شيئًا أخلاقيًا؟

تعبر العديد من الخيارات مباشرة عن التفضيل الشخصي، والأفعال التي تنبثق عنها ليست أخلاقية أو غير أخلاقية. إنها تصبح فقط موضوع نقاش أخلاقي بسبب النوايا التي تقف وراءها، ونتائجها، وقيم المجتمع أو الفرد التي تعكسها.

أن السؤال الأساسي للأخلاق هو سؤال الحرية. إذا لم نكن أحراراً في اختيار ما نقوم به، فلا يمكننا أن نتحمل المسؤولية الأخلاقية عن أفعالنا. غالبًا ما تكون حرية اختيارنا مقيدة باختيارات الآخرين، وكذلك تتناسب مسؤوليتنا الأخلاقية مع الدرجة التي يكون بها خيارنا مهماً. وعندما يتم تقاسم الحرية بالتساوي، يمكن رؤية مساهمة الشخص بشكل إيجابي ("المساعدة أوالتحريض") أو سلبًا ("الإهمال أو الغفلة").

يمكن تقسيم الأفعال إلى:

- أخلاقية - إذا كانت تعكس قيم الفرد وقيم المجتمع

- لا أخلاقية - إذا كانت تتعارض مع قيم الشخص (أو المجتمع)، وإذا لم تعكس الخيارات القائمة على القيم أو الأعراف الاجتماعية.

بالطبع، قد يظن الفرد أن شيئًا ما أخلاقيًا حتى لو كان بقية المجتمع يعتقدون أنه لا أخلاقي. فعل شيء لا أخلاقي لايعني أنه يخالف القانون. يمكن أن تكون الأفعال أخلاقية ولكنها غير قانونية أو لا أخلاقية ولكنها قانونية.

إن أعتقاد بفعل ما أخلاقي أو لا أخلاقي يعتمد على قيمك والحجج الأخلاقية التي تستخدمها لتحديد ما هو صحيح. يعتمد أعتبار أفعال أو اختيارات أخلاقية، وأخرى لا اخلاقية على حساسيتك الأخلاقية، ومجموعة القيم التي تشترك فيها بوعي، إذا كنت تنتمي إلى مجتمع يعمل وفقًا لقواعد وقيم محددة.

لا تقرر الحقائق وحدها ما إذا كان هذا الشئ صواب أو خطأ: "الناس يموتون جوعا" ليس قولاً أخلاقيا. لكن إذا أضفت "... ولم تفعل شيئًا للمساعدة"، فستصبح مشكلة أخلاقية إذا كان الشخص الذي تمت الأشارة اليه في وضع يسمح له بالمساعدة، لكنه لا يفعل ذلك. بمعنى آخر، لكي يتم وصف قضية أو فعل ما على أنه أخلاقي، يجب أن نأخذ في الاعتبار الخيارات والنوايا الإنسانية والقيم التي تكمن وراءها.

ما هي غاية الأخلاق؟

يمكن أن تقدم دراسة الأخلاق شيئين من الناحية العملية. بادئ ذي بدء، إنها تساعد الفردعلى تقدير الخيارات الأخلاقية التي يتخذها الناس، وتقييم التبرير الذي يقدمونه لتلك الخيارات. ثانياً، إنها تنطوي على شحذ عكسي لوعي الفرد الأخلاقي - دراسة واعية للقيم والمبادئ، وكيف أثرت هذه على حياة الفرد، (والأهم من ذلك) كيف يمكن استخدامها لتشكيل المستقبل.

إن القارى الكريم يعرف بالفعل الكثير عن الأخلاق أكثر مما قد يدرك، لأنه على الرغم من أن "الأخلاق" هي فرع من الفلسفة ولها تاريخ طويل من النقاشات ومصطلحاتها الخاصة وحججها القياسية والمعيارية، الاً أنها تستند إلى مبادئ يستخدمها الناس، بوعي أو بغير وعي. تقرير ما يجب القيام به لايتطللب منك أن تعرف مصطلح "النفعية" مثلا، حتى عندما تكون الرغبة في اختيار ما يعطي أكبر فائدة لأكبر عدد من الناس. لذلك، على الرغم من أن هذا المدخل لعلم الأخلاق سوف يحدد النظريات الأخلاقية والمصطلحات المستخدمة في النقاش الأخلاقي، لكن ايضا سيتم فحصها في سياق المعضلات الفعلية. بعض الخيارات الأخلاقية واضحة المعالم؛ لكن البعض الآخر أكثر إشكالية. نبدأ من خلال النظر في المشاكل التي نبدأ بها في تقدير القضايا التي ينطوي عليها النقاش الأخلاقي

تميل الأخلاق، في الممارسة العملية، الى البدء في مراقبة الخيارات الأخلاقية التي يتخذها الناس والأسباب التي يقدمونها لهذه الخيارات. ومن هذا تنتج نظريات حول ما هو، أو ما ينبغي، أن يكون الأساس لقول أن شيئًا ما صحيحًا أو خطأً من الناحية الأخلاقية. ثم نعود للنظر في المواقف الفعلية، لمعرفة ما إذا كانت النظريات تساعد على فهم القضايا الأخلاقية وتؤدي إلى استنتاجات منطقية وعملية أم لا.

وهنا اريد اشير الى ملاحظة وهي أن هذا الأجراء يشبه الأجراء الذي يستخدمه العلم، حيث يتم تأطير الفرضيات كنتيجة للملاحظات ثم يتم اختبارها مقابل أدلة لاحقة لمعرفة ما إذا كانت كافية. لكن بينما يسعى العلم إلى شرح الواقع، تسعى الأخلاق إلى تغييره والتأثير عليه، مع الالتزام بذلك بينما يتعلق منهج العلم بالمعرفة الموضوعية.

ما ثمن الأستقامة والنزاهة الأخلاقية؟

يدل النضج على تحمل الشخص المسؤولية في مايتعلق بحياته الخاصة والتصرف بطريقة تعكس قيمه ايضا. ومن السمات الرئيسة للنضج النزاهة الشخصية - تطبيق القيم الأساسية على عملية صنع القرار، وبالتالي العيش بطريقة تسمح بالتعبير عن شخصيتك فيما تفعله. ولكن ما ثمن الذي يدفعه مقابل هذا؟ أحد مخاطر أخذ الأخلاق على محمل الجد، ومحاولة الارتقاء إلى مستوى القيم، هو تحمل العواقب، وقد لا يؤدي ذلك إلى حياة أكثر راحة أو خلو من المتاعب. وهناك أمثلة كثيرة عن أولئك الذين يخاطرون بحياتهم من أجل إنقاذ الآخرين؟ أولئك الذين يكشفون علانية الفساد؟ أولئك الذين يدافعون عن حقوق الإنسان في بلد يُحرمون منه بصورة منهجية؟

إن الاختبار الحاسم، هو الاختيار بين النزاهة والبقاء على قيد الحياة. إن اختيار الموت بدلاً من فقدان النزاهة هو السؤال الأساسي وراء كل استشهاد، من سقراط، الى قرون من الاضطهاد الديني، وحتى إلى أولئك الذين يوافقون على الإدلاء بشهاداتهم ضد المجرمين أو الإرهابيين، مع علمهم أنهم يخاطرون بحياتهم في القيام بذلك.

الحقوق والمسؤوليات

لقد درسنا حتى الآن كيف تعكس الاختيارات الأخلاقية الفردية الأفكار حول الصواب والخطأ، ولكن هناك جانب آخر للأخلاقيات. يدور الكثير من النقاش في الأخلاقيات حول الحقوق التي يجب أن يتمتع بها الشخص. بمعنى آخر، ما الذي يمكن أن يتوقعه الفرد وبشكل معقول أن يقدم له المجتمع، وما ذا يتوقع في المقابل عليه من مساهمة في المجتمع. نجد هذه مجسدة، على سبيل المثال، في إعلان الأمم المتحدة العالمي لحقوق الإنسان. نحن نفترض أنه في مجتمع متحضر، سيتم التعامل مع الناس بطريقة تحترم احتياجاتهم الأساسية (كما في الدستور الأمريكي) من أجل الحياة والحرية والسعي لتحقيق السعادة. عندما تكون هناك انتهاكات جسيمة لهذه الحقوق الأساسية .

بالنظر إلى المجتمع ككل، يمكننا أن نسأل:

- ما هي الحقوق التي يجب أن تتمتع بها؟

- ما المسؤوليات التي يجب أن تتقبلها؟

- هل عليك واجب أداء دور معين في المجتمع؟

بمعنى آخر، ما الذي يمكن أن نتوقعه من الآخرين، وما الذي يمكن أن يتوقعوه منا؟ ما الذي يجعل المجتمع "متحضرًا"؟

ليست كل القواعد التي يفرضها المجتمع بالضرورة أخلاقية. في المملكة المتحدة التي اعيش فيها مثلا، يُطلب من الشخص القيادة على الجانب الأيسر من الطريق، بينما في الولايات المتحدة، يتعين على نفس الشخص القيادة على اليمين. إنها اتفاقية اجتماعية، لذا فإن إطاعة الأمر ليس مسألة أخلاقية. ليست قواعد السلوك الاجتماعي والملائمة هي نفس الشيء بالنسبة للأخلاق الاجتماعية، على الرغم من أنها يمكن أن تؤثر على السلوك. انها تصبح فقط موضوع نقاش أخلاقي عندما يتعلق الأمر بمسائل تخص القيم، وتنطوي على آراء عامة حول الغرض من حياة الإنسان وطبيعتها.

لقد بدأنا بالفعل عملية النقاش الأخلاقي عند طرح هذه الأسئلة. لقد سألنا عن القوانين والحقوق وعن النتائج المتوقعة للأفعال؛ قد نشعر غريزيًا بأن بعض الأشياء خاطئة، بغض النظر عن الظروف، وأن نسعى لتبرير هذه القناعة.

فن العيش

إن العمل الفني هو شيء تم خلقه، من خلال الإلهام، والحدس، والشعور بالتوازن، والاستخدام المدروس للمواد المتاحة. إنه يقدم أكثر من مجرد عرض بسيط من قماش أو دهان أو حجر أو أي شيء آخر تم استخدامه. قد يكون باستعمال ادوات الحد الأدنى الممكن لكن يقول شيئا من خلال بساطته. وقد يكون غني بالرمزية أو اللون أو الشكل، معقد وصعب. ولكن مهما كان، فإن العمل الفني هو المنتج المتعمد للعقل. إنها محاولة لقول شيء للتعبير عن المعنى، أو القيمة، أو الأمل.

كذلك تتعلق الأخلاق بفن العيش – نرى حياتنا على أنها المادة نبنيها من خلال الخيارات التي نتخذها، كأننا نقوم ببناء عمل فني تدريجياً. نحن أكثر من اللحم والعظام والرهون العقارية. لا يمكن تعريفنا من خلال المال، العمل أوالحالة الاجتماعية أوالسياسية. لسنا مجرد مستهلكين. لسنا مبرمجين بعوامل وراثية وبيئية واجتماعية. لدينا مشاعر، حدس، أحلام، طموحات. تتشكل حياتنا باستمرار من خلال الخيارات التي نتخذها، والقناعات والقيم التي تكمن وراءها. بهذه الطريقة، حياتنا مثل الأعمال الفنية: إنها ما نحن عليه.

ولكن ما علاقة هذا بقائمة من القضايا الأخلاقية؟

- هل يجب عليّ الإجهاض؟ قد تسأل المرأة

- هل يجب أن أساعد الناس إذا كانوا يعانون من الألم على الموت؟

- هل يجب أن أنضم إلى الجيش أو أن أكون مسالمًا؟

- هل يجب أن أستفيد من سوء التقدير المالي لشخص آخر؟

ربما تختار أن تفكر في كل هذه الأشياء، لكن إذا واجهتك أحد هذه الخيارات، خاصة إذا كانت المخاطر كبيرة جدًا، فقد لا يكون اختيارك قائمًا على التفكير العقلاني وحده. سوف يستند، في جميع الاحتمالات، إلى التأثير التراكمي للعديد من الخيارات الأخرى التي اتخذتها على مر السنين. سوف يعتمد، في الأساس، على ما تحاول حياتك قوله فعلاً. ستستند إلى الصورة التي لديك عن نفسك وعن قناعاتك (ربما غير الواعية) عن الحياة.

قدمت هذه المقدمة ما يمكن أن نسميه الجانب "الوجودي" للأخلاق - أيً النظر في الطريقة التي تعكس بها خياراتنا الأخلاقية من نحن وما نريد أن نصبح. هذا هو نهج شخصي للغاية للموضوع قد لايفضله الجميع، لكنه مفيد في تذكيرنا بأن الأخلاقيات ترتبط بالأسئلة الأساسية حول قيمة الحياة البشرية ومعنىها.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

 

قحطان الياسكما ان الوقوع على بنى المعرفة والنظام والمجتمع في الواقع مقاربة معقدة ومتشابكة في التشكيل والإنتاج، كذلك فأن القبض على اصل الدلالة والتكوين والفكر والتوهم في محركات التاريخ قد تكون مقاربة مستحيلة في اصل النشوء لمعنى المفاهيم والقيم وابعاد الإنتاج والتطور، ومن المؤكد ان التاريخ لا يتوخى الحتمية ولا الغائية وربما لم يتوخى السيرورة في اصل الأسباب والنتائج، ولذا فمن الوهم الاستمكان من الاشتغال على الإنتاج والتراتبية والتراكمية من نظرية علمية او فلسفية او جدلية مادية كانت ام حسية، ولعل محركات التاريخ غير مرتبطة الجوهر بكينونة الصفة او الاكتساب ولا يمكن قراءة التاريخ من رؤى محددة وثابتة قطعية، فذلك وهم وطوبى ضريرة، فليس من المحتم ان الوقائع هي بنية لإنتاج عالم واحد بمرجعية أصولية كي يمكن التوصل الى معادلة يقينية في الحركة والتطور والتشكيل والتغاير، بل انتاج لعوالم بأبعاد ومستويات غير قياسية ولا معيارية، غير متسقة ولا متوازنة، فما انتجته الخيالات والتصورات العقلية البشرية في اشتغالها بالصراع المتعدد في نسبية الزمان والمكان كان ولازال ينتج ديناميكية الصراع بأبعاده الافقية والعمودية وربما بأبعاد لا يمكن الولوج اليها في الادراك كونها تمثل صراع مصطنع يخفي ويحجب مكنونات السلطة والنظام والمجتمع، غير معرّف البنية ولا التكوين، ويمثل مرجعية لذاته في انتاج بنى فوقية استراتيجية تقوم بالدفق والبث في مخزون تراكمي من البداهات والتوهمات بما يمكن ان يتشكل ضمن هيكليات السيطرة والهيمنة واصطناع الاحداث والوقائع، كونها فقدت الهيمنة النظرية بما تمتلكه من مدونات الانغلاق والتوهم والتضليل او الطوباوية المثالية أو الأيديولوجية، بل بات من المسلمات ان دفقات التاريخ تستلب مكنون العالم الى عوالم ، مرئية ولا مرئية، ظاهرة وخفية، تحتية و فوقية.

وكما ان المعرفة البشرية عاجزة عن إقامة علائق اختبارية لاستنباط دلالة المعنى والغاية، فلم يكن انتاج الواقع بأصله من عقل ذاتي وفكر فرداني وانما هي عملية معقدة جدا من التطور الذهني لعوالم العقول والمعرفة والمجتمعات والأنظمة والمفهوم والقيمة والصراع خلال سبر اغوار التاريخ وما تم خزنه في البنية من توهمات وخيالات وحاجات واحداث وتحولات، وتبقى العلائق مع اصل الدلالة في التاريخ يشوبها الكثير من الرموز والغموض مهما تطورت وتشاكلت وسائل التفكير والتحليل والتفكيك لتلك العلائقيات المتشابكة والمعقدة في مدى تأثيرها وفاعليتها وانعكاساتها على اصل المعنى في اشكاليته الأولى عند الانبثاق، وكل قراءات التاريخ تدخل في اكبر تيه فكري ومعرفي في إشكالية القراءة في حد ذاتها، فليس التاريخ مجرد حدث، او حقبة او تحول او عصر، ومن التوهم بان تكون القراءة له بمستوى الاشتغال من بعد واحد، كون الإنتاج في حد ذاته كان بأبعاد تفوق التصور والخيال في بيئته، ليس هناك صناعة لتاريخ ما بكل ارثه ومخلفاته، فليس الامبراطور هو من انتج الحرب لوحده، بل هي نتاج مرتبط بالآلة العسكرية والتنظيم والتمويل وبالعدة والخطة والثروة والسياسة والطموح والمصلحة والتعبئة والتملك والتسلط والاستبداد، وكل ما شكل مفهوما ثنائيا في وقت وقوع الحرب، ومع ان العقل البشري يدحض الحرب كدلالة، الا انه لا يملك ان يخلع ضرورتها وادامتها حتى مع التطور المعرفي والذهني، بل قام بتطويرها وإنتاج أسلحة متطورة وترسانات هائلة وأصبحت وسيلة انتاج عالمية ولغة خطاب ورمز وردع وفضاء يتشابك فيه الامن والأمان للفرد والاجتماع والعالم، وتعدى الامر بان تكون الحرب شرعية عقائدية من اصل واحد في الدلالة المرجعية، وكذلك ما انتجه العقل البشري من خيالات في تشكيل هيئة الاله وتعدد صوره ومسمياته، قبل ان يدرك العقل معنى الاله في دلالته كأصل لمعنى، ولكنه تطور ليصبح مرجعيات كبرى في الفكر والمعرفة والممارسة في معنى الوجود واللاوجود، بل وكيف تشكل عبر التاريخ كمنتج واقعي ليصبح سلطة تفرض تنظيمها وقوتها وادواتها، وكيف اصبح علما وفكرا وحجة وانساق فقهية وكلامية ليس لها حدود، فهل يمكن الاستدلال على مفهوم الاله في اصل النشوء والدلاله المرجعية ؟؟ وهل يمكن ان نغادر ما انتجه التاريخ في تطور التشكيل والهيئة والمعرفة للمقدس والدين كمفهوم عام لنتاج بشري تاريخي؟

ان كل التراتبية في اصل الدلالة للتاريخ لم تكن انتاج لمحض الصدفة او القصد او التوهم، بل هي عمليات إجرائية متراكبة معقدة من الرموز والأفكار والتمثلات والخيالات الذهنية التي انتجها العقل بقدرة تفوق تشكيل الواقع بما يمكن ان يكون حقيقة متوهمة او حقيقة افتراضية او حقيقة مصطنعة، وفي هذا التوليد يستدعي الواقع كل فيض الحركة والصراع وتجليات المفهوم والقيمة لينتج واقعا بأبعاد أخرى وبضياع المعنى والفراغ في الثنائيات بجدلية التضاد والتكامل، وعشوائية التدفق والانبثاث في التلاشي والتشكيل، لم يكن يفترض على التاريخ البشري ان يكون واعيا في اصل دلالات التكوين ولا يمكن التوهم بإجراء التفكيك الذهني لمراحل التحول والحدث، فلم يكن انتاج مفهوم الدولة الحديثة مثلا الا اصطناع تنظيري في اصل الاشتغال، ولكنه استطاع ان يجد بعدا تحويليا من نسق تنظيمي الى اخر، ليتم الهدم وإعادة الصياغة والتشكيل لواقع مصطنع اخر في عمليات إجرائية تحويلية تفند صراعا وتزيح هيئات لتنتج صراعات وهيئات بتشكيلات وصور ورموز أخرى، فإنتاج الدولة الحديثة كان انقلابا على البنيوية الاستراتيجية لأنظمة الحكم الغابرة، وهذا يستدعي صراع اخر مع الاصوليات والمرجعيات التي سوف تفقد السلطة التي تمثلت فيها ورسخت رموزها، ولكن الإشكالية هي ان ذات الدولة الحديثة المصطنعة قد انتجت اصطناعا اخر بعنوان الاستعمار وبالتالي انبثقت دولا مصطنعة بعنوان دول الهجرة والاستيلاء على القارات والاستكشاف ومن ثم الهيمنة والاستعمار، ثم تم اصطناع اخر يتمثل في هوية الدولة وفكرها، ليبدأ صراع اخر يستدعي فيه مخزون ما تم تشكليه من المفهوم القومي والديني والعنصري والاشتراكي والرأسمالي، وهكذا يقوم الصراع في تأسيس الدلالة بإنتاج صراع فوق الواقع لإنتاج صراع أخر، كل هذه الصراعات تجري بأبعاد لا يمكن الولوج اليها بما تمثله من دلالات، لأنها لا تعني في انتاجها بما يمكن ان تعنيه الدلالة في حد ذاتها، لأنها تدور في مسبار لثقب دودي لا نهائي الابعاد والمستويات، اطلق العقل البشري عليه مصطلح (التاريخ) .

لا مراء ان هناك ديناميكية لا نهائية من التبادل والتأثير بين الدلالة التاريخية وبين الدلالة الواقعية، فما تشكل في واقع الامس اصبح تاريخا وما تشكل في التاريخ انتج واقعا، ليكون التاريخ والواقع بنية هرمية هائلة من المخزون الفكري المعرفي والذهني، وبهذا يستحيل الاشتغال على ما تمثل من ابعاد ودلالات الا من نظرية كونية متجردة من التكوين الأول، وبمجرد التفكير بان هناك قدرة تكوينية كاملة القدرة تقوم بتسيير مطلق المعايير خارج حدود الزمان والمكان فهو مجرد تنظير عمودي لا يشكل أي نظرية علمية في تحديات وتجاوبات الواقع والتاريخ، وكما ان أي تفكير أيديولوجي يقوم بإخضاع التاريخ والواقع الى نظرية علمية وجدلية مادية هو محض هراء، فلم يتشكل تاريخ البشر الا من واقعهم، ولم يتشكل واقع البشر الا من تاريخهم، وهذا دوران هائل في تعميق التوليد والانسلاخ، التطور والازاحة، التأصيل والتجديد، التداعي والنهوض، الاظهار والحجب، في تفاعل هائل من استحضار ثنائيات الاضداد ونسبية تشكيلها في التمثيلات الإجرائية والنظرية، فيما ينتج من المعنى واللامعنى، من المنطق واللامنطق، من العقلانية واللاعقلانية، من الوجود والعدم، من المحتوى والفراغ، من كل ما انتجه وينتجه الخيال الذهني الجبار للعقل البشري في إخراجه النسبي بين الفرد والموضوع والمجتمع والسلطة والنظام، لم يعد التاريخ مجرد الغاز وخفايا يمكن سبر اغوار العالم  من مجرد تحليل وتفكيك، بل انه كم هائل من عوالم لا يمكن الوقوع والقبض على اصل الدلالة والتوهم فيها .

 

قحطان اليابس

 

علي محمد اليوسفجدل الفكروالواقع: نجد في التضاد الجدلي الهيجلي (أن حركة الافكار هي نفسها حركة الاشياء، وصراع التضاد هو قانون النمو التطوري) قصة الفلسفة ص 379

فموجودات الطبيعة ومكوناتها، والوجود والحياة والتاريخ بمجملها، تتداخل معها علاقة الفكر الانساني وأرادة التغيير القائمة على رصد الفكر لحركة الاشياء في تضادهما المستمر، ويرتبط الفكر والواقع بعلاقة جدلية متخارجة التأثير لكليهما.. فالواقع لا يتطور بمعزل عن الفكر ولا الفكر يتطور بمعزل عن الواقع.. ومعرفة حقيقة الاشياء تكون بمرجعية مقارنة خصائصها المدركة بما تختزنه الذاكرة في معرفة غيرها من الاشياء بالتجربة والتكرار.. فمعرفة الشيء لا تكون من غير مخزون تجريبي في الذهن يساعد على فهمه وتفسيره بالمقارنة المغايرة بغيره.. بمعنى معرفة الشيء لا تدرك من غير ذخيرة ذهنية مكتسبة ومختزنة بالذاكرة تخص غيره من الاشياء ليجد حضوره المعرفي الخاص به في تلك المقارنة المعرفية.. .

التضاد الجدلي ليس قانونا يحكم الوجود والطبيعة في وجودهما المستقل وحسب.. وأنما هو ناتج تضاد الفكر الانساني وتقاطعه مع تلك القوانين كعامل موضوعي خارجي يعمل على أنضاج الجدل الذاتي داخل الاشياء في تحقيق طفرات تغيراتها الكمية والكيفية على السواء.. والواقع في كل تمظهراته هو مواضيع الفكر ولا يكون الفكر موضوعا مدركا من الواقع..

الفكر يستمد فاعليته وحيويته الجدلية في التغيير من أسبقية أنطولوجيا الموجودات في العالم الخارجي عليه، التي يدخل معها الفكر في تضاد جدلي متخارج كعامل موضوعي مساعد لتطورها الذاتي، والموجودات التي يرصدها الفكر خارجيا أنما هي تحمل جدلها الخاص بها في التناقض الذاتي الداخلي الذي يحدد صفاتها الخارجية مع ماهياتها الذاتية أو جواهرها المحتجبة خلف صفاتها الخارجية البائنة.. مواضيع الادراك الفكري تحمل تناقضين من الجدل، الاول هو الجدل الذي يعتمل داخل الاشياء ذاتيا ولا يقوى على تغييرها، الثاني هو التناقض الجدلي مع الفكر الخارجي الموضوعي الذي به ومن خلاله وناتجه يحصل التطور والانتقالات التغييرية في الاشياء..

الاشياء والموجودات الواقعية المادية تدخل في علاقة تضاد خارجي مع الفكر الانساني وأرادة التغيير المستمر وبذلك تمتلك قدراتها التطورية التي تكون معطلة ذاتيا في الاشياء قبل تداخل الجدل الفكري معها.. ويكون ناتج هذه العلاقة الجدلية المتخارجة تطور كل من موجودات الواقع والفكر الانساني المتعالق معها كليهما،، أي أن الفكر في الوقت الذي يستهدف الاشياء في التغيير هو الآخر يتغير أيضا في موازاة تغييره الاشياء.. كما أن الموجودات والاشياء في العالم الخارجي والطبيعة لا تتغير ذاتيا بفعل التناقض الذي يعتمل داخلها من غير ما دخولها مع تناقض جدلي مع الفكر الانساني الذي هو العامل الموضوعي الخارجي في أحداث التطور المطلوب في واقع الاشياء والموجودات كما اشرنا له سابقا.. الفكريقود الموجودات الى حالات ومراحل متغيرة تطورية مستمرة..والفكر يقود الواقع ولا يقود الواقع الفكر، ومهمة الفكر تحفيز الجدل الذاتي داخل الاشياء في تحقيقه قفزات من حالة تطورية الى حالة جديدة تطورية أخرى أكثر تقدما وهكذا..

أن من المهم الاشارة له الى أن الواقع لا يتغير ذاتيا ولا يغير الافكار بقدر أمكانية وقدرات الافكار تغييرها واقع الاشياء في سيرورتها التطورية.. لكن يبقى الفكر ملزما أن يتغير هو أيضا في مواكبته التطور الحاصل في متغيرات الواقع ويكون تطوره سابقا على تطور واقع الاشياء بأستمرار دائما.. وحركة التغيير في الواقع لا تستبق حركة التغيير بالفكر والا أنعدم حضور تأثير وأهمية الفكر في قيادة تغييره الواقع .. وفي الوقت الذي يكون الفكر عاملا موضوعيا في تسريعه الجدل الذاتي التطوري المعتمل داخل الاشياء فهو يستمد من حركة الواقع المتغيرة تطوره هو الآخر في استباقه وتقدمه على حركة التغيير بالاشياء.. الفكر يكون على الدوام سابقا حركة الاشياء ويكون في وضع قيادي في سحبه الموجودات وراءه في تطورها الحركي المتغير على الدوام، والفكر ليس أنعكاس الواقع على وفق آلية ميكانيكية تفتقد الجدل التنموي بين الاشياء من جهة وتعالق الفكر تنمويا بها من جهة أخرى..

عليه يمكننا القول أن الواقع بكل مكوناته وموجوداته المادية المستقلة أنما هي تحمل عوامل التضاد والتناقض داخليا لكنها تعجز عن أحداث التغيير المطلوب بقواها الذاتية المجردة عن قيادة الفكر لهذا التناقض بل في وجوب دخول تناقض الاشياء الذاتية مع الفكر الذي يمثل العامل الموضوعي المحرك لجدل التناقض الداخلي واكسابه التطور المتلاحق على الدوام معه في تخارج يحقق أرادة التغيير والتطورعلى مراحل من التجديد المستمر..الفكر الجدلي التطوري في جوهره أرادة ملزمة في نشدانها تغيير الواقع، والفكر الذي لا تقوده أرادة تحقيق الهدف يكون فكرا أعزلا من أمكانية قيادة تناقضات الواقع وفي تحقيق التطورات المستمرة فيه..

تعالق الواقع والفكروبينهما العقل

(العقل هو جوهر الكون، وتصميم الكون عقلي خالص ومطلق) المصدر نفسه ص 379، الفكر نتاج عقلي لا يعمل في غياب الواقع المادي للاشياء او في غياب الموضوع المتخيل من الذاكرة، بمعنى الفكر لا فاعلية له تذكر في غياب مواضيع تفكيره المادية والخيالية، والفكر قوة مادية يكتسب ماديته من علاقته الجدلية بالواقع في تخارجه مع مواضيعه المدركة..والفكر من غير مدركات مواضيعه لا قيمة له وغير موجود اذ بالموضوع المدرك وحده في تعالقه الجدلي به هو وحده الذي يحدد قيمة الفكر وأهميته..الواقع والفكر وجهين لعملة واحدة لا يكتسب احدهما قيمته بمعزل عن الاخر أوفي غياب حضور أحدهما المتعالق مع الآخر..وحضور فاعلية العقل تكون الى جانب الفكر بعّلة الفكر أنه نتاج عقلي بخلاف الواقع الذي هو وجود مستقل لا علاقة للعقل في أيجاده بل علاقة العقل به في وجوب تغييره.. العقل يكسب الفكر ماديته في تعالقه الجدلي مع الواقع، ويبقى الفكر والواقع وسيلتي أدراك العقل يؤثر بهما ويصوغهما حسب مقولاته العقلية لكنه يحتفظ بمسافة رصد وتخليق تجعل من أستقلالية العقل حقيقة مطلقة على العكس من نسبيتي الواقع والفكر، فهما موضوعي ادراك عقلي وليسا حقائق مطلقة خارج وصاية العقل عليهما..

التاريخ والفكر

يبقى التاريخ في النهاية مسارا عشوائيا لمختلف الوقائع والاحداث لا تحكمه الضرورة الحتمية في الزامها تطوره ذاتيا، التاريخ لا يتطور تصاعديا بقوى خفية تلهمه التقدم الى أمام من غير أرادة انسانية تقود حوادثه نحو الافضل أو الاسوأ على السواء تبعا لنوعية الارادة في تغيير ورسم مساراته الفوضوية التي تدخل عليه الصدف العفوية والصدف المصّنعة..ولو كان التاريخ حتمية تطورية تحكمها الضرورة لما كانت ولادة العولمة لقيطا بعد انهيار منظومة الاتحاد السوفييتي، فالعولمة لم تكن حتمية تحكمها الضرورة بل هي انبجاس تاريخي لقيط ولد من العشوائية والصدفة المصنّعة التي تحكم التاريخ أكثرمنها حصيلة وثمرة روحية التاريخ التي كما تذهب له التنظيرات الفلسفية يسير بقوى خفيّة تقود مساره الى مراحل متقدمة متصاعدة، .. التاريخ تحقيب زمني بعدي لا قبلي لا سيطرة للانسان عليه قبل وقوعه وحدوثه ويبقى الاستدلال عليه في التحقيب الزمني له فقط وليس في تحقيبه الانثروبولوجي الذي هو متحفية التاريخ وليس حيوية التاريخ.. التاريخ ملهم.. نعم ملهم.. التاريخ يقود نفسه نحو غايات مرسوم بلوغها له سلفا.. لا.. معرفتنا التاريخ هي معرفة الفكر للزمن..أدراك لأحداث أنثروبولوجية ماضية من العبث أن تحكم الاحياء في قانون كان الاجدر أن يحدث هذا ولم يحدث ذاك.. وهذا دليل قاطع أن التاريخ أخطاء قاتلة نتيجة فوضوية مساراته المتعثرة بالصدف العشوائية على الدوام.. والمسكوت عنه في التاريخ هو نبش في الوقوف على فوضوية وعشوائية المسار التاريخي..

يبقى فهمنا التاريخ أنه قراءة فكرية في النهاية، التاريخ يبقى حضوره كنتاج الفكر الذي يقود وقائع وأحداث التاريخ المتحفية الانثروبولوجية، وتورخة التاريخ في جوهرها عملية فكرية في تنظيم مسارالتاريخ، والفكر هو أرادة التغيير الانساني الهادف بعيدا وبمعزل عن أمكانية التاريخ أن يصنع تطوراته الخطيّة ذاتيا، ومن غير تنظيم الفكر الانساني لعشوائية مسار التاريخ لا يخرج هذا الاخير من مطبّات الأعاقة والصدف الطارئة على تشكيل أحداثه ووقائعه،، وقائع وأحداث التاريخ هي نظام الافكار المحكومة بأرادة التغيير المستمر الدائم نحو الافضل..

المادة والفكر

علاقة المادة بالفكر تعتبر أهم مبحث فلسفي أستحدث لاحقا بعد مبحثي الانطولوجيا والميتافيزيقا، منذ نشأة الفلسفة في القرن السادس قبل الميلاد، وعلى أمتداد قرون طويلة من تاريخ الفلسفات المثالية وصل مبحث علاقة الفكر بالمادة الى تمفصّل جوهري متمايز كبير بمجيء كلا من هيجل وفيورباخ وماركس في القرن التاسع عشر.. وقبل هذا التاريخ كانت الفلسفة بمجمل مباحثها نزعات مثالية صرفة أشتملت على أرهاصات مادية متناثرة لا يعّول عليها كثيرا تمّثلت في نزعات مادية بدئية لدى كل من ديمقريطس في الذرات الذي أخذها عنه لايبتنز في الموناداة وهيرقليطس في الحركة والتغيير المستمرين اللذين يحكمان المادة وظواهر الحياة التي أخذها عنه هيجل في الحركة والديالكتيك..

نستطيع الجزم أن الفلسفات جميعها الى ماقبل القرن التاسع عشر وقبل مجيء ماركس، كانت فلسفات مثالية محورها الارتكازي هو الفكر التجريدي المحض الذي يعالج الواقع المادي بتصورات عقلية ذهنية تكتفي بتفسير بعض مظاهر الحياة ولا تمت بصلة لمحاولة تغييرها وتبديلها.. وقد ورثت النزعات الفلسفية المثالية الحديثة التي رافقت نشوء الماركسية المادية، أهمية أسبقية وأولوية الفكر على المادة معتبرة الفكر المجرد جوهر مستقل قائم بذاته يستطيع تفسير العالم ولا وجود لشيء أسمه مادة أو واقع خارجي يحتوي مكونات لا حصر لها، ولا وجود حتى لعقل خارج تصورات الذهن الواصلة عبر الحواس..فقد أنكر بيركلي المادة في وجودها المتموضع واقعيا في عالم الاشياء معتبرا اياها صور في الذهن، وذهب ديفيد هيوم في نفس المنحى في أنكاره العقل ومبدأ العليّة السببية، معتبرا العلاقات التي تربط العلة بالمعلول هي تجربة تتكرس في الذاكرة بحكم التكرار والتجربة حتى تصبح العادة في حكمنا على الاشياء.. وفي نفس المنحى المثالي ذهبت التجريبية الانكليزية الحديثة والتحليلية عند جورج مور وبيراتراندرسل مستفيدة من أرث كانط المثالي وبيكون التجريبي الى أفشاء التفكير المثالي الفلسفي المناويء للماركسية، كما عمدت الفلسفة البراجماتية الامريكية في نفس المنحى لدى أقطابها ريتشارد بيرس، وليم جيمس، وجون ديوي.. الذين رفعوا شعارهم المعروف بالمنفعة العملانية للافكار، والافكار صحيحة ليس باتساقها المنطقي بل بما تحمله من أمكانية تحقيق المنفعة الواقعية في الحياة..

وبمجيء أقطاب المادية الماركسية الثلاثة هيجل، فيورباخ، وماركس، ظهرت الفلسفة المادية منتصف القرن التاسع عشر وبداية العشرين بأجلى صور التمايز عن المثالية، فقد بعث هيجل مبدأ الديالكتيك أو الجدل في تأكيده أهمية الحركة والتناقض، وذهب معاصره المنشق عنه فيورباخ الى تبني نزعة مادية أراد تطبيقها تحديدا على نشأة الاديان في ثلاث من أهم مؤلفاته الفلسفية، ليأتي من بعدهما كلا من ماركس وأنجلز ليكملا المسيرة في وضع قوانين المادية الديالكتيكية على صعيد المادة، والمادية التاريخية على صعيد التطور الانثروبولوجي والسيوسيولوجي الطبقي.. ومن الجدير الاشارة له في دراسة علاقة الفكر بالمادة التي أشبعت تناولا فكريا وفلسفيا لدى أقطاب فلاسفة المادية الماركسية بدءا من لينين وستالين وتروتسكي وروزا لوكسمبورغ ولوكاتش وغرامشي وعشرات وأكثر غيرهم..أن علاقة الفكر بالمادة تفرض فرز وتشخيص نوعية الفكرالذي هو حركة دائبة متغيّرة على الدوام في علاقته بالمادة التي تكون في حال من الحركة غير المدركة التي توهم بالسكون والثبات.. من جنبة أخرى المادة ليست هي الفكر ولا الفكر هو المادة، فالمادة باعث للفكر وحافز له على تناول مواضيع أدراكاته بالتفسير والتحليل والتأويل والعلة، والفكر الذي هو في سمته الاساس المميزة له أنه عقلاني مصدره العقل تقابله المادة في لا عقلانيتها أنها لا تعي ذاتها ولا تدرك ما حولها ولا تفهم علاقاتها بغيرها، فهي وجود انطولوجي لا عقلاني مجرد من الفاعلية الادراكية..والمادة وجود لا يمتلك الادراك لكنها تمثل موضوع الادراك للفكر، المادة وجود سلبي لاقيمة حقيقية له من غير معالجة الفكر لها، ..

أخيرا ما الذي يجعل أي من المذهبين الفلسفيين المادي أم المثالي قادرا على خدمة الانسان ومواكبة تطور الحياة ؟ طبعا هنا يبرز دور العلم في كلمة الفصل، فالعلم بمنجزاته الهائلة لم يعتمد الفلسفات المثالية التي لا تجد في الحياة غير تصورات الذهن المجردة المعزولة، وانما يعتمد العلم التجربة التي تقوم على أسبقية المادة التي هي الركن الاساس في التفكير المادي والمثالي والعلمي على السواء..

الفكر واللغة

اللغة والفكر لا يحضران سوّية ألا في محاولة تنفيذ أيعازات مصنع الحيوية العقلية في الاخبار الادراكي العقلي عن موضوع جرى التفكير به عقليا وأكتملت مهمة أعادته من العقل الى عالم الاشياء كفكرجديد بلغة جديدة وليس كوجود سابق مستقل في عالم الاشياء.

التساؤل الآن كيف تكون اللغة هي الفكرحسب ما تذهب له جميع نظريات علم اللغة واللسانيات المعاصرة، ولماذا يعجز أدراك العقل للاشياء التفريق بينهما أي بين الفكر واللغة أذا كانا يحملان مدلولين متباينين مختلفين في تعبيرهما عن الموضوع الواحد بأكثر من أدراك وتأويل واحد؟ وهل التفريق بين الفكر واللغة هو لغرض مصطلحي مجازي غير حقيقي ولا واقعي في التطبيق؟؟.

هنا اللغة والفكر الملازم لها في التعبيرليس بمقدورهما تفسير وجود الاشياء بمعزل أحدهما عن الاخر أي بمعزل اللغة عن الفكر، أو الفكر عن اللغة لأن في ذلك أستحالة أدراكية تعجيزية للعقل في أمتناع الفكر واللغة التعبير عما يرغب العقل التعبير عنه وجودا مدركا.

أن في عجز الفلسفة الخروج عن نظرياتها المفترضة شبه الثابتة أن الفكر هو اللغة المعبّرة عنه، أو أن اللغة هي وعاء الفكرحسب دي سوسير، أو أن اللغة هي بيت الوجود كما عند هيدجر.. وأن اللغة مبتدأ ومنتهى أدراك وجود الاشياء في العالم الخارجي.. جميع هذه التعبيرات الفلسفية تفهم اللغة على انها فعالية ادراكية عقلية في تحديد الفكرة أو الموضوع في تموضعهما خارجيا كي يتم أدراك الشيء ومعرفته من قبل الآخرين من الذوات العقلية المدركة وهو صحيح الى حد كبيرولا يتوفر مجال أدحاضه في الاحتكام للعقل وأدراكه الوجود.

في هذه الحالة حين تكون اللغة هي تعبير عن فكرة متموضعة داخل أو خارج العقل، يستحيل الفصل بين اللغة والفكرة أو الموضوع المعّبرعنه بهما. فبهما (الفكر واللغة) أصبح التفكير الذهني العقلي موضوعا و متعيّنا وجودا في العالم الخارجي بعد تخليقه بمقولات العقل، وفي هذا يكون تفكير العقل خارجيا أو بالاحرى من أجل فهم الوجود الخارجي في مكوناته المستقلة.

حين نقول تفكير العقل الداخلي المقصود به هو التفكير الصامت، أما تفكير العقل خارجيا فهو عندما يجري تعبير اللغة عن موضوع تفكيرالعقل واقعيا ماديا.. وفي الواقع أن هذا التفريق في تفكير العقل داخليا صمتا وخارجيا بوسيلة اللغة، أنما هما في الاصل تفكير واحد للعقل في موضوع محدد مشترك يتميّز به بمعزل عن كل موجود مادي أو متخيّل مصدره الذاكرة .. أي أن العقل واللغة والفكر يجمعهم (وحدة الموضوع) المدرك في زمن واحد.. وهكذا هي الحال في تناول أي موضوع أو شيء من العالم الخارجي.

نذّكر أن علم اللغة واللسانيات تعتبر اللغة والفكر هما وجهين لعملة واحدة ولا تفريق بينهما كما ذكرنا سابقا، فاللغة هي الفكر المعبّر عنه حسب ريكور وفنجشتين ودي سوسيروجومسكي وجميع فلاسفة وعلماء اللغة.. باعتبار اللغة هي فعالية العقل في تعيين أدركاته للموجودات والاشياء الخارجية.

نأتي الآن الى معالجة أصل امكانية فصل الفكر عن اللغة، على أنها أستحالة أدراكية في فهم الاشياء والمواضيع في حال وجودها في العالم الخارجي في أستقلالية عن الانسان سواء كانت مواضيع تناولها العقل بالادراك وأعادها باللغة والفكر ثانية الى عالم الواقع من جديد بعد تخليقها غقليا، أو لم يدركها في وجودها المستقل التي أيضا تستطيع الحواس و اللغة التعبير عنها.

وطالما كانت اللغة والتفكير معطّلان كوظيفة نقل ما يقترحه العقل عليهما نقله الى العالم الخارجي، أي بقاء العقل يفكر ذاتيا صمتا بمعزل عن نقل ما يفكر به لغويا، فأن العقل وسيلة تفكيره هو الفكر ذاته فقط ولا يحتاج اللغة الا على أنها جزء من الفكر وملازمة له خارج الدماغ أو العقل في وجود الاشياء، وتفكير العقل وتخليقه لموضوعه، فلا يدرك خارجيا من غيره الا بواسطة اللغة فقط الناقلة للفكر من داخل العقل (الدماغ) الى واقع الوجود في عالم الاشياء.

وعندما يتجسد ويتعين الموضوع في عالم الاشياء الخارجي بالتعبير عنه لغويا أو بأية وسيلة تعبير غير اللغة الصوتية أو المكتوبة، فهنا لا يصبح فصل الفكرعن اللغة ذات أهمية كبيرة، ولكن تبقى اللغة في أثناء عملية تفكير العقل (صمتا) في مرتبة ثانوية بعد الفكر في مقارنتها باولويتها في التعبير عن الموجودات الخارجية في العالم الخارجي والطبيعة خارج هيمنة أدراك الحس والعقل لها بعد تخليقها، عندما تكون اللغة جزءا لا ينفصل عن موضوعها الذي عبّرت عنه في عالم الاشياء والموجودات في العالم الخارجي.

وحتى في هذه الحالة فالفكر وتعبير اللغة يبقيان قاصرين عن التعبير عن الموجودات المستقلة من دون أدراك العقل لها وتحديده نوعية الفكر ونوعية اللغة المعبّرةعنها. ويكون وعي الذات هي كينونة متشّكلة من الوجود المدرك، بالمحسوسات، ومن العقل، وأيضا من الفكر واللغة.

لذا عندما يكون تفكير العقل صمتا جوّانيا، يصبح التفكير بالشيء سابق على لغة التعبير عنه خارجيا.. فالموضوع المفكّر به صمتا من غير تعبير لغوي يبقى حبيس ووصاية العقل في التفكير به قبل أهمية أنشغال العقل في التعبير اللغوي عنه.

أن اللغة أثناء وزمنية تفكير العقل بموضوعه صمتا داخليا، تكون ملازمة لعملية تفكير العقل ذاتيا، لكنها لا تتقدم تفكير العقل.. فليس كل تفكير داخل العقل صمتا يلزم حضور اللغة معه لكنه يلزم حضور الفكر وحده، ولكن التفكير داخل العقل الصامت لا يستطيع التفكير من غير صور لغوية وهذه أشكالية تؤكد أستحالة فصل الفكر عن اللغة بالمطلق والاستحالة القطعية لا في تعبير العقل عن موضوعات أدراكه الخارجية ولا في تعبيره عنها بالفكر داخله..

 

علي محمد اليوسف /الموصل

....................

** للتفريق بين الاحاسيس والاحساسات، الاحاسيس هي ما يصدر عن النفس سايكولوجيا مثل العواطف والانفعالات والضمير، اما الاحساسات فهي ما تصدره الحواس في النظر والسمع والشم والتذوق واللمس.

 

علي رسول الربيعيالمعاناة والبهجة: يقدم روبرتو أنجر ملاحظة لافتـه تقول بأننا "نقدم لبعضنا البعض أحتياج غير محدودة وتهديد غير محدود"1 وهذه تمثل معضلة أساسية للتجربة الإنسانية. نحن بحاجة إلى بعضنا البعض من أجل أن نصبح بشرا ونحافظ على حياتنا كمشاريع قابلة للحياة. تتشكل هوياتنا مبدئيًا من خلال عمليات المشاركة في الأعتراف، ثم يتم دعمها من خلال الممارسات والمؤسسات التي تحمي تلك المشاركة. لكننا أيضًا نهدد وجود بعضنا البعض: قد نتجاهل الآخرين أو نعزلهم أو نسيطر عليهم أو نستوعبهم. باختصار، نحن نشارك ومندرجين في صراعات من أجل الاعتراف، محاصرون في علاقات القوة التي يناضل فيها الفرد من أجل التفوق على الآخرين.2 من الضروري، في ضوء هذه المعضلة، أن نجد طريقة للتواصل مع الآخرين دون عزلهم أو السيطرة عليهم. كيف يمكن أن نكون بمعيًة الآخرين مع الحفاظ على مسافة مناسبة منهم؟ كيف يمكننا الحصول على ما نحتاجه من الآخرين دون تعريض أنفسنا للخطر من قربنا منهم؟ يمكن العثور على نموذج العلاقة المثالية التي تسعى إلى موازنة هذه التوترات في عدد من السياقات المختلفة. تقترح منظرة التحليل النفسي جيسيكا بنيامين، على سبيل المثال، أن هناك "توترًا ضروريًا بين تأكيد الذات والاعتراف المتبادل".3 في العلاقات التي تعمل بشكل جيد. يؤيد بعض علماء الفينومينولوجيا مثالًا مشابهًا جدًا، وحجتهم في ذلك أنه في "الحوار الحقيقي" يجب أن يكون هناك "توليفة من المشاركة والمسافة".4 أما اذا أنتقلنا إلى المستوى السياسي - الإثني، تصبح المشكلة هي إيجاد طريقة لتوليف المساواة والاختلاف. يقدم البريخت فيلمر، على سبيل المثال، من منظور النظرية النقدية، "نموذجًا لعلاقة الحوار بين الأفراد، الذين يتعرفون على بعضهم البعض كأفراد متساوين ومتنانظرين في الوقت نفسه".5

الفرضية التي أنطلقت منها لكتابة هذه الورقة البحثية هي أنه، بالنظر إلى المعضلة التي يحددها أنجر، من الضروري تحديد كيف يمكن إقامة علاقات الاعتراف بين الأهداف التي توازن بين الشراكة والمسافة، والمساواة والاختلاف. هذا، بالتأكيد، تصور مثالي له شروط عامة معروفة بما فيه الكفاية لأي شخص مطلع على النظرية الاجتماعية والسياسية المعاصرة. الادعاء الخاص الذي أدلي به هنا هو أن يورغن هابرماس وميشال فوكو لهما اسهامات مميزة خاصة بهذا الصدد. يتم تقديم هؤلاء المفكرين غالبًا على أنهم متعارضون، لكن يبدو هذا الادعاء تنقصه الدقة بدرجة كبيرة. وهكذا نجد أن نقاد مابعد الحداثة يجادلون، أن أخلاقيات خطاب هابرماس تهدد الأختلاف: حيث إنه مهتم بالاعتراف بالأفراد طالما أنهم يتمتعون بكفاءات تواصلية عالمية معينة فقط، وإنه يتجاهل الاختلافات بين الذوات. وإن التفاعل التواصلي، بالنسبة إلى هابرماس، هو الذي يقبل فيه الأشخاص الإجراءات الشائعة للمحاججة التي يمكن من خلالها التعرف على بعضهم البعض وعلى قدم المساواة بوصفهم متماثلون.6 مقابل ذلك، يزعم نقاد فوكو الحداثيون نظرًا لأنه يعتبر تجربة الآخرين تجربة تتسم بالأختلاف الرفيع، فإنه يفتقر إلى أي تفسير للتداخل وعلاقة المشاركة بينهم . علاوة على ذلك، تقوض علاقته الرومانسية بالأختلاف والتغيير نوع العمل السياسي المنسق الذي يتطلبه الدفاع عن هذا الأختلاف. وعليه يمكننا القول عندما يفشل هابرماس فيإقامة معادلة توازن بين المسافة والأختلاف، فإن فوكو لا يقف في جانب الشراكة والمساواة. أما فيما يتعلق بفكرة الاعتراف بحد ذاتها، يبدو لي أن نظرية هابرماس أكثر استعدادًا لأن أحقق من خلالها أهدافي الخاصة بدراسة هذا الموضوع من نظرية فوكو. كما سأوضح لاحقًا، إن سردًا للاعتراف المتبادل بين الذوات يدعم ويعزز تفسير هابرماس للفعل التواصلي. لكن من السهل رؤية فوكو كمفكر معادي لهذه الطريقة في التفكير. يبدو أن ملاحظته "لا شيء في الإنسان - ولا حتى جسده - مستقر بما فيه الكفاية ليكون أساسًا للاعتراف بالنفس أو لفهم الناس الآخرين"7 تستبعد أي وصف وتفسير بنًاء للاعتراف. سأجادل، ضدأ من هذا الانطباع، بأننا يمكن أن نجد في نظرية فوكو تفسيرا للأعتراف، وأن جرثومة مثل هذا التفسير موجودة في عمله.

سيكون هدفي هنا هو متابعة هذه المواضيع واثبات أن فوكو وهابرماس يطوران تفسيرات للعلاقات بين الذوات يمكن أن تساعد في توفير حل لمعضلة أنجر التي ذكرتها منذ البداية . سيتضمن ذلك في بعض الأحيان، استخدام أجزاء مألوفة ومعروفة من نظريتيهما؛ وفي أوقات أخرى، سأهتم بتطوير تفسيرات لهؤلاءالمفكرين والتي قد تتعارض مع القراءات المعتادة ؛ في أوقات أخرى، سيتطلب الأمر مني التخلي عن جوانب نظرياتهم تمامًا واستبدالها بمكونات جديدة تمامًا. على الجانب السلبي، يفتقر هابرماس إلى تفسير قابل للتطبيق عن الاختلاف الجذري، كما أن فوكو لديه تفسير نادر الحدوث عن المشاركة . ولكن على الجانب الإيجابي، إن تفسير فوكو عن الصراع هي محاولة قيمة للتعامل مع حقيقة التعارض أو هذا الصراع بين الذوات، ويوفر هابرماس أجزاء مفيدة من سرد وتفسير للعلاقات المعيارية الأدوار بين الشركاء أو في المشاركة. وبشكل أكثر تحديدًا، بينما يساعد فوكو في إظهار كيف يمكن التعرف على الآخرين بأعتبارهم مختلفين (على الرغم من أنه ليس كآخرين بشكل مطلق)، فإن هابرماس يساعد في سرد تفسير للاعتراف بالآخرين على أنهم متساوون (ولكن ليس متماثلون). أعتقد،بهذه الطريقة، من الممكن الاعتماد على أعمال فوكو وهابرماس، ولكن بعد تعديلها وتوليفها من أجل تقديم سرد وتفسير للاعتراف المتبادل بالآخرين على أنهما متصلان ومنفصلان ومتساويان ومختلفان.

 

 د. علي رسول الربيعي

..................

 1- Unger, R. (1984) 'The critical legal studies movement', Harvard Law Review, 96:

561-75.

2- ديالكتيك السيد والعبد عند هيجل هو بالطبع المكان الكلاسيكي هنا. انظرO'Neill أونيل (1996) للاطلاع على النص الأصلي لهيجل وكذلك سلسلة من التعليقات القيمة.

O'Neill, J. (ed.) (1996) Hegel's Dialectic of Desire and Recognition: Texts and Commentary. New York: State University of New York Pres.

3- Benjamin, J. (1988) The Bonds of Love: Psychoanalysis, Feminism, and the Problem of

Domination. New York: Pantheon.12

4- Gardiner, M. (1996) 'Alterity and ethics: a dialogical perspective', Theory, Culture and Society, 13 (2): 121--43. 140.

5- Wellmer, A. (1983) 'Reason, utopia and the dialectic of enlightenment', Praxis International,1: 83-107.94.

6- Simons, J. (1995) Foucault and the Political. London: Routledge, 114.

7- Foucault, M. (1984) The Foucault Reader. Harmondsworth: Penguin .87-8 .

 

 

علي رسول الربيعيالوقت والقبول: يقول ديفيد هيوم (في مقال عن الطبيعة البشرية (1740: إن إنشاء نظام سياسي وإثبات أنه يعمل بفعالية، فإن هذه الحقيقة وحدها ستمنحه قدرًا من الشرعية. وينطبق الشيء نفسه على القوانين. ما يمكن اعتباره انتهاكًا غير مشروع للحرية الشخصية عند تقديمه لأول مرة، قد يصبح لاحقًا مقبولًا كتدبير عملي وشائع. إن ارتداء أحزمة الأمان في المركبات بشكل إلزامي، وشرط أن تجتاز المركبات اختبارًا سنويًا لجدارة الطريق، وارتداء خوذة تصادم على دراجة نارية وعدم التدخين في الأماكن العامة تحد جميعها من الحرية الشخصية، ولكن جميعها مقبولة على نطاق واسع.

وهكذا، لن تكون الحجج النظرية حول كيفية تبرير السلطة السياسية هي القصة الكاملة، لأنها تتجاهل الجوانب العملية والتاريخية. لا يأتي الناس إلى السلطة من فراغ. إنهم يأتون من رحم التيارات التاريخية والسياسية الجارية وقد تدفعهم اسباب ليس لهم السيطرة على الكثير منها. قد تكون النظرية المتعلقة بسلطة الدولة بمثابة وسيلة لتبرير النظام السياسي، لكن هذا لا يعني أنه يعكس الأساس الذي يتم فيه قبول هذه السلطة فعليًا - قد تكون هذه مسألة عادية بالنسبة للناس لأنهم أعتادوا عليها وعاشو حايتهم في ظلها فبدأ أنها ملائمة لهم .

عقود افتراضية

 أكد رونالد دوركين وآخرون على أن العقد الافتراضي ليس في الواقع عقدًا على الإطلاق. إنه يوضح فقط ما قد يتم الاتفاق عليه، وليس ما تم الاتفاق عليه بالفعل. ومن هنا قد يوفر أساسًا للحجج الأخلاقية (بمعنى آخر، يمكن أن يُظهر ما يمكن أن يكون عادلاً) لكنه لا يعكس الوضع الواقعي. يولد الناس، في الواقع، في أطار نظام سياسي وليسوا في وضع يُمكنًهم من اختيار أو إلغاء أي عقد نظري.

وكما أشار هيوم وآخرون، عندما ننظر إلى التقليد السابق للعقود الاجتماعية نلاحظ يولد الناس في دولة وشعب معين؛ أنهم لم يختاروا الانضمام إليه. وما قد يبدو وكأنه عدالة لشخص يجلس ويتفاوض، قد يشعر وكأنه فرض على أولئك الذين وجدوا أنفسهم يعيشون في ظل هذا النظام السياسي أو القانوني.

لذلك، يجب أن نكون حذرين للغاية بشأن العقود الافتراضية أو "تجارب الفكر"؛ إنها رائعة لفرز منطق المحاججة والنقاش، أو لتوضيح القيم الأساسية، لكنها لا تعكس ولا يمكن أن تعكس حقيقة ما يحدث في العملية التاريخية الجارية.

تشريع

ما هي طبيعة القانون؟ إلى أي مدى يمكن أن يطبق القانون بدقة رغبات الحاكم أو الحكومة؟ فلسفة القانون موضوع كامل في حد ذاته، وكذلك فلسفة التشريع، وبالتالي لا يمكننا أن نبدأ في دراسة كيفية عمل القانون بالضبط. ما نحتاج إلى فعله، مع ذلك، هو رؤية كيف يلائم عمل القانون الشرط العام والمطلب الضروري المتمثل في أنه يجب على النظام السياسي تعزيز العدالة والإنصاف والمساواة والحرية.

كتب أفلاطون محاورة "القوانين" في نهاية حياته، ويبدو أنه قد أصبح أكثر واقعية في فكره السياسي، مقارنة مع الجمهورية التي كتبها في وقت سابق. انه يريد تقييد المواطنة من أجل استبعاد أولئك الذين لا يستطيعون إحراز تقدم في المعرفة والفضيلة (وبالتالي أقل قدرة على المشاركة في الحكومة) من ناحية، لكن يدرك من ناحية أخرى، أن أولئك الذين هم في موقع أدنى من الفلاسفة قد يحرزون او يكونون في مواقع القوة والسلطة. لذلك فهو يدرك أنه لا يوجد نظام مثالي.

على الرغم من أن أفلاطون يوافق في " القوانين" على عملية سن القوانين وتطبيقها، إلا أنه يعتبرها أدوات حادة مقارنة بحساسية الحاكم الفلسفي الماهر. هذا لأن القوانين بطبيعتها غير قادرة على رؤية التفاصيل الدقيقة والاختلافات التي تميز حالة ما عن أخرى. بعبارة أخرى، القانون مسألة تسوية. لا يمكنه التعبير، في كل حالة، عما يريد ان يراه الشخص الحكيم.

إن القضية الحاسمة، إذا كان يمكن أن يعتبر القانون أنه عادلاً فذلك يتأتى من مدى الحساسية أو الدقة والمرونة اللذين يتم تطبيقه بهما. ولكن حتى في السوابق القضائية، حيث يساعد سجل القرارات القضائية في توجيه تطبيق القانون، لا يمكن أبدًا أن نأخذ جميع خصائص الوضع القائم في الاعتبار.

يقارن أفلاطون، في "القوانين" بين الرغبات التي تجذب الناس بطريقة أو أخرى مع العقل الذي ينبغي أن يشرع القانون العام للدولة. إنه يدرك أن كل مجتمع سوف يطور عادات، يمكن تطبيق بعضها على الجميع وبالتالي قد تصبح قوانين، وهذا السبب (كما يتجسد في الحاكم الحكيم) له دور في تقييم العادات المختلفة وتعزيز البعض لتكون قوانين و تطبق بعد ذلك على الجميع.

يترك هذا، بطبيعة الحال، مسألة كيف يمكن صياغة القوانين في مجتمع متعدد الثقافات. إذا كان هناك مجموعة من العادات الثقافية، فقد لا يكون تقييمها بالعقل دقيق، لأن بعضها سيكون أكثر أهمية لجماعة معينة من جماعات أخرى. مهمة العقل إذن هي العمل كحكم عام وعالمي بين العادات الاجتماعية المتضاربة.

لقد وصف الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان لعام 1789 القانون بأنه "تعبير عن الإرادة العامة" (وهو مصطلح نجده في كتابات روسو) - ويمضي إلى القول بأن لكل مواطن الحق، من خلال ممثله، أن يكون لها رأي في اساسه.

ولكن من المهم أن يتم تأسيس القضاء بشكل صحيح ويعترف به مستقلاً عن الضغوط الخارجية. كانت الشكوى في إعلان الاستقلال الأمريكي، المرفوعة ضد الملك أنه "عرقل إقامة العدل برفض موافقته على القوانين لتأسيس صلاحيات قضائية" و "جعل القضاة يعتمدون على إرادتهم بمفردهم طوال فترة ولايتهم، ومبلغ رواتبهم.

وبالتالي، أهمية الفصل بين الوظائف الثلاث المختلفة للدولة:

- الهيئة التشريعية للبرلمان، التي تضع القوانين وتضع المبادئ التي ينبغي تدار عليها الدولة.

- السلطة التنفيذية، التي تضع هذه المبادئ موضع التنفيذ، تأخذ سلطتها من قرارات الهيئة التشريعية.

- القضاء، الذي يضع موضع التنفيذ القوانين التي وضعتها ووافقت عليها الحكومة.

المبدأ المهم هو أنه إذا تم تطبيق القانون بطريقة عادلة، فيجب أن يكون مستقلاً عن تاثير السلطة التنفيذية، ويجب ألا يتأثر بأي سلطة أو مال.

ما هو القانون الذي نحتاجه؟

اعتقد كل من أفلاطون وأرسطو أن الغرض من القانون هو مساعدة الناس على العيش بشكل أفضل، وقدموا توجيهات موجزة تستند إلى حكمة الحكام. ولكن هل يؤدي المزيد من التشريعات تلقائيًا إلى نوعية حياة أفضل،من خلال تقديم إرشادات إضافية، أم أنه يقيد الفرد بشكل غير عادل؟ ما هي مجالات الحياة التي يجب أن تكون خالية من القانون؟

يقول ميل في كتاب الحرية :   

"لا يجب معاقبة أي شخص لمجرد أنه سكران؛ ولكن يجب معاقبة جندي أو شرطي لأنه في حالة سكر أثناء تأديته لوظائفه. فأينما حدث أو تعرّضت لضرر مؤكد، أو لحدوث خطر مؤكد بحدوث ضرر، سواء أكان فرداً فردياً أم للجمهور، فإن القضية تُخرج من مجال الحرية، وتوضع في الأخلاق أو القانون."

من الواضح أن هذا الراي ينطلق عموما من مقاربته النفعية للحرية والأخلاق. حيث يرى أن المسائل الخاصة يجب ألا تتطلب تشريعًا. إنه أيضًا ضد حساسيات أي جماعة دينية أو ثقافية يتم فرضها قانونًا على الآخرين. يعطي ميل مثالين على هذا:

- نظرًا لأن المسلمين طبقا لتقاليد دينهم، لا يأكلون لحم الخنزير،فأن تناول لحم الخنزير في الدول الإسلامية يمكن أن يكون غير قانوني. ولكن إذا تم أعتباره غير قانوني عالميا، سيكون ذلك خطأ.

- منع المتشددون في أنكلترا خلال فترة الكومنولث معظم أشكال الترفيه. إن هذا، حسب اعتقاده، خطأ لأنه فرض على المجتمع بأسره حساسيات الأقلية. لذلك كان ضد فرض قيود السبت على الترفيه والعمل.

يطبق ميل هذا المبدأن:

- أن الفرد ليس مسؤولاً أمام المجتمع عن أفعاله، طالما أنها لا تتعلق بشخص اخر غيربنفسه.

- يكون الفرد خاضعًا للمساءلة بالنسبة للأفعال التي تضر بمصالح الآخرين؛ وقد يكون خاضعًا إما للعقوبة الاجتماعية أو القانونية، إذا رأى المجتمع أن ذاك ضروري لحمايته .

إن مبرر العقاب، بالنسبة لميل، هو في الأساس مسألة حماية اجتماعية. هناك خمسة أسباب على الأقل للعقاب:

- القصاص

- الردع

- حماية الجمهور

- إعادة تأهيل وإصلاح الخارج عن القانون

- إقرار القانون.

كل ذلك ما عدا الأول هو في المصالح العامة للمجتمع، ويمكن تبريره على أساس النفعية. إن الأخير مهم من وجهة نظر الفلسفة السياسية، لأنه يشير إلى أنه إذا تم اعتبار أن القانون قد تعطل مع الإفلات من العقاب، فلن يحظى باحترام، وبالتالي لن يؤدي وظيفته الاجتماعية الأساسية. الأول، الجزاء، مختلف تمامًا لأنه يفترض أن بعض الأعمال تستحق أن يُعاقب عليها، بصرف النظر عن أي فائدة لاحقة يمكن أن تحققها العقوبة.

قد يرغب المرء في التساؤل عما إذا كان القصاص، بمعزل عن الأربعة الآخرين، سبباً كافياً للعقاب، لكن ذلك يأخذنا إلى مجموعة كاملة من الأسئلة ذات الطابع الأخلاقي على نطاق واسع، بدلاً من أن تكون محددة في الفلسفة السياسية.

إن الشيء الرئيس الذي يجب الاعتراف به، فيما يتعلق بالحقوق والعدالة، هنا هو أن القانون تعبير عن سلطة الحكومة. إن السؤال عما إذا كان من الصواب الاحتجاج ضد القانون أو خرقه، سيكون مساوياً للسؤال عن متى قد يكون من المناسب الاحتجاج ضد الحكومة أو السعي لتغييرها. قال لوك أن الحكومة مسؤولة أمام الشعب. منطقيا يجب أن يكون، القانون، أيضا، مسؤولا جدا. قد يتم تطبيق القانون الذي لا يحظى بموافقة واسعة من الناس، ولكن من دون هذه الموافقة من الصعب أن نرى كيف يمكن أن يوصف بأنه عادل.

إثبات الحلوى ( مصطلح هيوم)

ديفيد هيوم فيلسوف يمكن الاعتماد عليه عمومًا لما يتمتع به من دقة الملاحظة والفطرة السليمة. يقول (في "الحرية المدنية"، وهي أحد مقالاته الأخلاقية والسياسية، 1741) أن الملكيات قد تحسنت مؤخرًا، لأنها: أصبحت متقبلة للنظام، والطريقة، والثبات، إلى درجة مفاجئة. وتكون الممتلكات آمنة، وتشجع الصناعة، وتزدهر الفنون، والأمير يعيش في أمان بين رعايا، مثل الأب بين أبنائه. هذه هي طريقته المباشرة في الحكم على فعالية النظام السياسي - وهو ما يؤدي إلى الأمن والأزدهار . ويبدو أن هذه طريقة عادلة لتقييم ما إذا كانت الحقوق والعدالة والقانون مطبقة جيدًا أم لا.

ويبقى هذا صحيحًا في القرن الحادي والعشرين. إن القول بأن دولة ديمقراطية يعني ببساطة انتخاب قادتها؛ لا يعني أن شعبها حر أو أن الحياة مستقرة ومتحضرة. لقد قامت كل من أفغانستان والعراق، على سبيل المثال، بانتخاب حكومات، لكن هذا لا يوقف الفوضى وإراقة الدماء.

إن المفتاح لحياة مستقرة ومتحضرة لأي أمة هو في تطبيق سليم لحكم القانون ؛ ومن المهم "السليم" هنا لأن فرض قيود قانونية صارمة من قبل الطغمة العسكرية، على سبيل المثال، لا يفعل سوى القليل لتأمين التعاون طويل الأجل لشعبها. عندما يُنظر إلى القانون على أنه منصف، فمن المرجح أن يكون مطاعاً. وهذا بدوره يؤدي إلى احترام الحكومة والاستقرار السياسي.

بطبيعة الحال، قد نتذكر هنا سخرية ملاحظات نيتشه في الجزء 2 من كتابه "جينالوجيا الأخلاق" (1887)، الذي راى فيه أن الناس يبررون طاعتهم للقانون، ويعتقدون أنهم أخلاقيون، لكنهم في الواقع يطيعون أولاً قبل كل شيء لأن ليس لديهم بديل. أما فيما يتعلق في السياسية، فأنه على الرغم من أن الكثير من منظري "العقد الاجتماعي" يعتقدون بأنها مبنية على العقل والموافقة، لكنها تستند فعليًا إلى السلطة – وهذه الحجة والحجة القائلة بأن العدالة هي كل ما هو في مصلحة الأقوى تعود مباشرة إلى ثريماخوس في جمهورية أفلاطون.

 

الدّكتور علي رسول الرّبيعي

 

حاتم حميد محسنيوصف الواقع "بما هو موجود" اما الحقيقة truth فهي تتألف من صياغة فرضيات تشير بشكل صحيح لذلك الواقع. بهذه الطريقة، يمكن النظر الى الحقيقة كطريقة نرتّب بها افكارنا وعقائدنا نحو الواقع. خصائص كل من الواقعيين واللاواقعيين هي تصوّر مشكلة الحقيقة والواقع باعتبارهما يتألفان من نقاط ثابتة، المراقب وما يُراقب، الموضوع والذات. ربما نرى ان المراقب لديه افكار تتطابق مع الواقع، او لديه عقائد تلتحم بإحكام مع بعضها لتشكل صورة حقيقية للواقع. البرجماتيون بدلا من الأخذ بهذه الرؤية في إعتبار الذات والموضوع كنقاط ثابتة، ينظرون الى العلاقات بينهما باعتبارها تتميز بالتدفق والتغيير.

مؤسس الرؤية البرجماتية هو شارلس ساندر بيرس Charles sanders peirce في القرن التاسع عشر. رؤيته جرى تطويرها من قبل وليم جيمس و جون ديوي، رغم انهما لم يتفقا حول تطبيق البرجماتية. وصف جيمس طريقتين في معرفة الاشياء. نحن يمكننا معرفة الشيء فطريا من التجربة المباشرة، مثلما يرى المرء كرسيا مباشرة امام عينيه، او ان المرء يمكنه المعرفة من خلال "سلسلة خارجية من الوسائط الفيزيقية والذهنية تربط بين الفكر والشيء"، مثال على هذا معرفتنا بطيور البطريق في جنوب الاطلسي. بالنسبة الى جيمس، الشكل البديهي للمعرفة هو استيعاب مباشر، لم يتوسطه اي شيء آخر، والحقيقة بالنسبة للمعرفة البديهية هي مسألة وعي مباشر في تدفق التجربة. بالمقابل، بالنسبة للمعرفة المفاهيمية وغير المباشرة، لكي نعرف ان العقيدة حقيقية ... "ذلك نصل اليه من خلال سياق يوفره العالم". لذا بالنسبة للبرجماتي، نحن يجب ان ننظر للنتائج التطبيقية المعينة للشيء او النظرية لتحقيق الوضوح في تفكيرنا حوله. بدلا من التفكير بالفرضية اما كصحيحة بالمطلق او كاذبة، ينظر البرجماتي في نتائج الفرضية المصممة ليرى ان كانت صحيحة ام زائفة اعتمادا على هذه الاعتبارات.

ومن هنا بدلاً من الاقتراب نحو الحقيقة والواقع من خلال نظريات المطابقة والانسجام، يرى البرجماتي ان الحقيقة هي شيء مرن وعرضة للمراجعة اعتمادا على ما اذا كانت "تعمل" ام لا. البرجماتيون لا يعتقدون ان الفرضية كشيء اما صحيح كليا او خاطيء كليا، بل هم ينظرون الى نتائج تخصيص الفرضية هل هي صحيحة ام كاذبة، ويقررون ما اذا كانت صحيحة ام لا اعتمادا على ما سيلحق بها. عبارة "انها مفيدة لأنها صحيحة" لها نفس المعنى للبرجماتي تماما مثل "انها صحيحة لأنها مفيدة".

ربما نلاحظ هنا معارضة (رسل) للبرجماتية في جداله حول وجود بابا نويل (الشخصية الاسطورية المسيحية التي تقوم بتوزيع الهدايا على الاطفال): البرجماتي "يحكم على العقيدة بنتائجها، بينما انا أحكم عليها بأسبابها وحيث يتعلق الامر بأحداث الماضي . انا أعتبر هكذا عقيدة "صحيحة"او قريبة من الصحيحة، عندما تمتلك نوعا معينا من العلاقات المعقدة (احيانا شديدة التعقيد) مع اسبابها. ديوي يرى انها تمتلك "ادّعاء مبرر"— وهو التعبير الذي يستعمله بدلا من "حقيقي" حينما تكون لها انواع معينة من التأثيرات. رسل يشير الى ان الجدال المرتكز على البرجماتية قد يثبت وجود بابا نوئيل، بسبب بعض النتائج المفيدة للاعتقاد بوجوده. غير ان هذا غير مقنع للبرجماتية. نحن لسنا احرار لإقتراح اي صيغة للحقيقة نسعد بها، تقييماتنا تحدث في تجربة ملموسة، اما من النوع المباشر والبديهي، او من النوع الفكري الذي يستعمل عمليات فكرية ضمن "السياق الذي يوفره العالم". سياق تطوير افكار ذهنية يتضمن القوانين الطبيعية، الانظمة التي طورتها جماعات سابقة لوصف الطبيعة، العالم الاجتماعي، العلاقات بين التدفق المستمر للفكر ولردود الافعال على الأحداث. الانواع الفكرية للتجارب توفر عملية للتصديق وتصبح جزءا من عملية تصديق حقائق المستقبل ايضا. من الصحيح اننا، كافراد نشطاء في عملية صنع الحقيقة هذه، لكننا نحتاج ان نتذكر اننا "نقف على اكتاف" أسلافنا.

ان مساهمات البرجماتية للحقيقة الديالكتيكية والواقع ستحتاج لإدراك حقيقة انها نظرية للحقيقة اكثر من كونها نظرية للواقع. "ان الفكرة المصممة لتكون متفق عليها في النهاية من جانب جميع المحققين، هي ما نعنيه بالحقيقة، والشيء الذي جرى تمثيله في هذه الفكرة هو الواقع". (لاحظ ان المقرر سلفا يعني مؤكد ثبوته كحقيقة، ولايمكن تجنبه بأي وسيلة").بيرس. ايضا "حقيقة ما هو واقعي يعتمد فعلا على الحقيقة الواقعية التي اريد بالتحقيق ان يقود للايمان بها اذا استمرت لما يكفي من الوقت".

بيرس، ليس لديه نظرية راديكالية مثيرة يفترضها للحقيقة، واعتبر نفسه محافظا متشددا في السؤال حول ما يسمى حقيقة. هو مهتم فقط بمحاولة تطبيق "الطرق المثمرة للعلوم"على "الحقول اللامثمرة للميتافيزيقا". بيرس طبق طريقته في التوضيح على مفهوم الواقع، هو يختزل الواقع الى الحقيقة. حدّد الاثنين. عندئذ لا يبقى هناك واقع مستقل يتولى التصديق على الحقيقة. هذا كان مقترح نظريته في العلوم. عندما تشترك الاشياء في الواقع، فان الواقع يوجد سلفا وينتج تلك التأثيرات. الواقع يتم تصوره في آن واحد كأشياء مُنتجة وايضا كمنتج لتلك الاشياء.

لذا فان الواقع يُحكم عليه ليكون الغاية النهائية للبحث عن الحقيقة. اذا كان هذا البحث بالنهاية يلتقي على نقاط ثابتة، ربما عند حافة التحقيق العلمي، عندئذ يقول البرجماتيون ان هناك شيء ما يمكن تسميته "الواقع"، مع انه بعيد جدا عنّا. لو قالوا ان الواقع الوحيد هو الذي يبرز من الحقائق التي لدينا، ويمكن تعديلها بواسطة حقائق اخرى تتأسس في عملية التحقيق، عندئذ هم ليس لديهم رؤية منفصلة عن الواقع. الواقع ربما موجود للبرجماتيين لكنه يبدو مساويا للنومينا noumena الكانطية (الشيء في ذاته)، وليس له اهمية تطبيقية بذاته. المهم عمليا هو البحث عنه، وهذه العملية من البحث تصبح هي واقعنا. هذه هي اكبر مساهمة للبرجماتية. ربما لا تكون هذه الكلمة الاخيرة حول العلاقة بين الحقيقة والواقع، لكن البرجماتيين سيتحققون من امكانية ان تكون هناك "كلمة اخيرة".

 

حاتم حميد محسن