علي محمد اليوسفتعريف اولي: كنت في مقالة سابقة بعنوان (هوسرل ومثالية ادراك الوجود) ناقشت سريعا كوجيتو ديكارت (انا افكر اذن انا موجود) وتعالقه المتداخل بالوحود والعقل والفكر، بين الذات والموضوع. الذي كان سبق للفيلسوف الالماني الظاهراتي هوسرل، اعتباره كوجيتو ديكارت ينحصر في (وعي الذات) كوجود في ذاته، لذا طرح مقولته التصحيجية (انا افكر بشيء ما اذن انا موجود)، وتبعه عالم النفس والفيلسوف الفرنسي البنيوي جان لاكان قائلا (انا افكر حيث لا اوجد، واوجد حيث لا افكر)، ليتبعهم ميلان كونديرا (انا اتألم اذن انا موجود)، وكنت اقرأ في كتاب استاذ الفلسفة المصري حبيب الشاروني (فلسفة جون بول سارتر)، وجدت ان هنالك تعالقات هامة متفرعة عن الكوجيتو الديكارتي، ليس فقط في مسالة ثنائية الوجود والماهية واسبقية احداهما على الاخرى، بل وجدت هناك تداخلا فلسفيا هاما مع الجدل او الديالكتيك، وفي الاشكالية الرباعية الموزعة في الوجود والماهية والعدم والجدل، وجدت الاختلافات العميقة بين كل من كيركجارد، وهيجل، وكانط، وهيدجر، وصولا الى الماركسية في صياغتها ديالكتيك القوانين الطبيعية الثلاث، قانون وحدة وصراع الاضداد، وقانون تحول الكم الى كيف (نوع)، وقانون نفي النفي. كما وجدت ان مفهوم (العدم) الوجودي، هو الاخر الى جانب الجدل الديالكتيكي، يتعالقان مع ثنائية الوجود والماهية، ولا اجد مهما اطلت في هذا التمهيد انه يقول كل شيء عن الموضوع قبل مطالعته كاملا بهذه الورقة.

جدل الوجود والماهية

ان ديالكتيك او جدل الوجود والماهية، ليس في وارد هذه المقالة ارجاعه الى اصوله الفلسفية الاولى التي جاءت عند هيراقليطس وبروتوغوراس، وزينون مرورا بالمراحل التاريخية الفلسفية التي قطعها كمبحث هام، حتى تبلورت صيغته المتداولة المعروفة واستقرت لدى ماركس في قوانين الديالكتيك الطبيعية الثلاثة التي ذكرناها.

نبدأ بما يهمنا في هذه المقال تعالق الوجود والماهية في الفلسفة الوجودية عند ابرز فلاسفتها سورين كيركارد، وكيف انبثق الجدل (الديالكتيك) كمفهوم فلسفي متداخل مع هذه العلاقة الثنائية، بين الماهية والوجود عند هيجل في تفسير ترابطهما الوجودي الفلسفي وتداخلهما في علاقة الجدل بهما.

اعتبر اقطاب الوجودية الملحدة لدى ابرز فلاسفتها فيورباخ، هيدجر، سارتر، اندريه جيد، كامو، بيكيت، سيمون دي بوفوار، كاسبرز، ان الوجود سابق على الماهيية في الانسان والطبيعة وكل الظواهر التي يدركها العقل حسيا وذهنيا او حتى التي لا يدركها او لا يستطيع ادراكها ميتافيزيقيا.

بينما ذهبت الوجودية المؤمنة لدى اقطابها الفلاسفة سورين كيركارد، مارسيل جبريل، تيليش، والقس الفيلسوف باسكال، بيركلي، ليبينتز، الذين اعتبروا الماهية تسبق الوجود، معللين رأيهم ان ماهية الله الخالق تسبق وجوده، وهنا بدأ التشّظي بالرأي فمنهم من ذهب الى ان الخالق بلا ماهية يمكننا معرفتها او ادراكها، اوالماهية في الخالق وجود بذاته فقط لا يفصح عن صفاته الجوهرية او الظاهرية، وذهب اخرون ان الماهية هي (الوجود) في الانسان وفي الطبيعة والكون ايضا، ولا تفريق حقيقي بين الاثنين(الوجود والماهية) في تداخلهما في الوجود الواحد.وبعضهم الأخر قال ان ماهية ووجود الخالق تتداخل معلنة عن افصاحاتها بوحدة الصفات الالهية بخلاف جميع الموجودات في الطبيعة والانسان فهذه يكون وجودها وماهيتها شيء آخر وافصاحاتها في ادراك صفاتها الظاهرية او الجوهرية. فصفات الله التي نستمد ادراكها الايماني من صفات الطبيعة وصفات الاسمى التخييلي المثالي المتعالي المقدس وصفاته ايضا في ما نجده بالحياة والانسان، هي صفات تأكيد وجود الله المتداخل في ماهيته الميتافيزيقية وربما في احتمال ان يكون الوجود الالهي متمايزا في ماهية مستقلة بذاتها لا يمكن معرفتها او ادراكها كما هوالحال في عدم ادراك وجوده كينونة ماهوية مكتفية بذاتها، لكن الاهم من كل ذلك هو في عدم القدرة الانسانية على ادراكهما او معرفتهما (الماهية والوجود) الالهي. لا عقليا ولا روحيا مدركا متعينا لا في وجود الخالق ولا في معرفة ماهيته.

وبقيت هذه الاشكالية الفلسفية حول ماهية ووجود الخالق متداولة بين اصحاب الطرق والمذاهب الصوفية في اختلافاتهم العميقة، لما ترتبط به هذه الاشكالية في تفسيرهم مذهب (وحدة الوجود) الذي هو مرتكز الفهم التصوفي الايماني. علما ان (ماهية) الله هي كمثل وجوده يصعب على فلاسفة التديّن اثباتها، ولا على فلاسفة الالحاد نفيها او اثباتها ايضا ولا عند الصوفية قاطبة، هذا في حال تسليمنا الفلسفي ان للخالق وجودا مغايرا لماهيته او متداخلة معه في وحدة لا يمكننا تجزئتها.

كما تذهب الوجودية الملحدة في اختلافاتها داخل فهم فلاسفتها انفسهم لها، فمثلا نجد هيدجر لا يتعارض مع سارترفي فهمه الماهية عند الانسان، ويلتقي معه في مثلا (انه في حالة عدم وجود (اله) خالق، فلابد ان يكون هناك كائنا واحدا على الاقل، وجوده سابق على ماهيته هو الانسان، الذي لا نستطيع تعريفه باي فكرة، لكنه هو الكائن الذي يوجد قبل كل شيء وانه يلتقي ذاته ويبرز للعالم ثم تتم معرفته (1).

سارتر وهيدجر والثنائية الوجودية:

رفض سارتر النزعة الايمانية الوجودية في تحديد علاقة الماهية بالوجود التي يعتمدها الفلاسفة غير الالحاديين، وهو نفس المفهوم في لاهوت معظم الديانات التي منها الاديان التوحيدية السماوية الثلاث الموزعة في عالمنا اليوم. في اعتبار الاديان الابراهيمية الثلاث وفلاسفتها ان الله هو ماهية تسبق وجوده، وطرح سارتر البديل الالحادي في نقل الخلاف من الالهي السماوي الى صعيد الوجود الانساني الارضي، بدلا عن هذا الطرح الايماني الميتافيزيقي اللاهوتي، مؤكدا انه لا وجود لكائن ارضي يسبق وجوده ماهيته سوى الانسان. وان وجود الانسان هو ماهيته، وفي نفس المنحى ذهب هيدجر مؤكدا مركزية الوجود الانساني، وان الانسان هو ماهيته، وبذلك تملّص من الزام سارتر قوله الوجود يسبق الماهية الانسانية .مؤكدا – هيدجر – بانه لا وجود يسبق ماهية الانسان، وانما لدينا وجود واحد فقط هو الانسان الذي تتداخل فيه الماهوية والوجود في تناوب افصاحي متداخل، ولا اسبقية ولا افضلية احداهما(الوجود او الماهية) على الاخرى .ومن الجدير بالذكر كما المحنا له سابقا، ان انكار ماهية الخالق او الاقرار بها كما هي في وجوده او عدمه لا اهمية فلسفية كبرى يترتب على نتائجها شيئا حتى على صعيد الفلسفة، فكلا الرأيين ميتافيزيقيين عاجزين عن اثباتهما (الوجود والماهية) ومعرفتهما لا عند الوجوديين الملحدين ولا عند الوجوديين المؤمنون. وان المفهوم هو محض جدل فلسفي ميتافيزيقي لا يرتّب عليه شيئا لا معرفيا فلسفيا، ولا ايمانيا دينيا عقليا. واعتبره الفلاسفة من مباحث الميتافيزيقا التي لاطائل منها ولا تقود الى نتائج يمكن الركون لها او التسليم بها.

حين يؤكد هيدجر ان الانسان ماهية متداخلة بوجوده ولا افضلية او اسبقية بينهما، فانه بذلك وعوضا عن هذه الاشكالية يقول ان الانسان يختلف عن باقي الموجودات في انه يمتلك (ماهية ديناميكية)، وفي هذا الرد الفلسفي الذكي يدحض المستمسكين بان لله ماهية ثابتة مستقلة بذاتها، كونها ماهية لا يمكن ادراكها او التحقق منها من جهة، وهي ثابتة ساكنة مكتفية كوجود بذاته لنفسه ان وجدت عند غير الانسان من جهة اخرى، ماهية بذاتها ولذاتها فقط، ولا علاقة للانسان بها لا في الادراك الواقعي ولا الخيالي او الايماني بها، ولا بوجودها بالطبيعة ايضا في غير صفات موضوعة سلفا من قبل الانسان بما يرغبه ويتمناه متحققا على الارض او مرجوا مؤملا في السماء. في حين ان امتلاك الانسان ماهية ديناميكية كما ذهب هيدجر تعني انه يمتلك وجودا مفارقا يتسّم بامكانية التعرف على خصائصه المنفتحة امام معرفة العالم لها. انها ماهية تفصح عن نفسها وتغني وجودها.وليس مهما لدى هيدجر اولويتها او اسبقيتها في وجود الانسان وانما المهم ان الانسان كينونة واحدة تحمل صفاتها الوجودية وماهيتها الجوهرية معا.

ماهية الانسان الديناميكية والوجود:

ان في طرح هيدجر الانسان يمتلك ماهية من نوع ديناميكي تبطل الجدل الوجودي حول اشكالية اسبقية الماهية على الوجود او العكس، في حضور ابجدية فلسفية بديلة ان ماهية الانسان هي وجوده، كما ان هيدجر يذهب ابعد من ذلك في مقولته ان الانسان يمتلك خاصية ماهوية متفردة (ديناميكية) تمنحه وجودا خارج ذاته (ان ماهية الانسان هي وجوده خارج ذاته في العالم، وهذا الوجود ليس مجرد الواقع التجريبي)(2). وان هيدجر يعتبر الانسان ليس وجودا بحاجة الى اثبات ماهوي، فالانسان هو الانسان كوجود طبيعي نوعي في خواصه الماهوية، كما ان الطبيعة هي الطبيعة في وجودها وكيفياتها الصفاتية غير المحدودة . وكلاهما الانسان والطبيعة معطى وجودي لا يحتاج التحقق من وجودهما او احدهما ماهويا خارج مدركات الحس والعقل في وعي الذات ووعي الطبيعة والعالم لهما.

ان اروع عبارة في هذا المعنى وردت عن كانط قوله (ان الوجود لا يستخرج من الفكر) وبهذه العبارة نسف كانط مثالية هيجل الجدلية التي سنأتي عليها لاحقا، كما نسف بعبارته تلك الميتافيزيقا، واخيرا أبطل مفهوم المثالية ان تكون الافكار المجردة بمستطاعها توليد وخلق الموجودات كما في الكثير من مدارس الفلسفة المثالية وفلاسفتها الذين يعتبرون الوجود واقع تصوري في الذهن من غيره لانعرف الاشياء ولا ماهيتها او صفاتها، وليس وجودا مستقلا عنه. وان عبارة كانط التي مررنا بها مهدت الطريق امام الماركسية في تطبيق جدلها المادي على الانسان والطبيعة والتاريخ، وليس الجدل المثالي الفلسفي الفكري المجرد كما فعل هيجل .

انه لمن المهم التذكير به ان اللغة قرينة الخيال، اكثر مما هي قرينة الواقع غير الملازم لها ادراكيا خياليا. فالواقع لا يدركه الخيال ذهنيا بل هو يعبر عنه لغويا في حال الحاجة والضرورة التعريف به. عليه تكون اللغة هي خيال يدرك المواضيع والاشياء عقليا و بطريقتين في التلقي له، الاولى ان يكون التفكير بموضوع ما بلغة حوارية داخلية تحتويها الذات المفكرة خياليا اكثر مما تعني الموجودات والاشياء كوقائع وجودية مستقلة، بما هي موضوعات واقعية يدركها العقل كوجود محايث لوجودها المادي. وبحسب تعبير هيراقليطس (ان الفكر والفلسفة كلاهما يستلزمان وجود اشياء خارجة عنهما) بمعنى ان الفكرلا يداخل موضوعه في وحدة اندماجية واحدة كما في تعبير هوسرل ان الفكر والموضوع شيء واحد ولا مجال الفصل بينهما.بنفس المعنى يذهب سارتر قوله (الوعي هو وعي الاخر الموجود المغاير للوعي) والمغاير للوعي هنا هو الموضوع، فالذات لا تعي ذاتها ولا موضوعها الا بالتمايز عن الشيء المفكر به وهو الموضوع.فالذات لا تعي وجودها بلا موضوع، والموضوع لا يكون وجودا متعينا بغير ذات تدركه.

الثانية ان واقع الاشياء لا يمكن التعبير عنها انطولوجيا من غير واسطة تعبيرية قد تكون اللغة او طرق غير اللغة باساليب مختلفة تستغني فيها عن لغة الاشياء التداولية، كمثل التعبير عن الجمال والفنون والقيم التي لاتحتاج اللغة وسيطا ملزما في معرفة الاشياء المتعالقة معها،  وايضا لا ضرورة اللغة الملزمة في جميع الطقوس الدينية التي لا تحتاج اللغة المنطوقة، بمقدار حاجتها الى لغة حوار داخلي فكري لا يستلزم بالضرورة الطقسية اللغة المنطوقة المسموعة تواصليا كدلالة.

علاقة الفكر بوعي الذات والموضوع:

عندما يقول ديكارت في التأملات السادسة (ان ماهيتي انحصرت في اني شيء مفكر او جوهر كل ماهيته وطبيعته ليست الا التفكير فقط) . ونجد قبل تعقيبنا على هذا نجد ان سارتر يقول (ان الكيفية لا تصبح موضوعية اذا كانت اصلا ذاتية) .في مقارنة بسيطة بين الاقتباسين عن ديكارت وسارتر السابقين نجد بديهة منطقية ذكرناها قبل سطرين هو استحالة ان يكون الموضوع ذاتا في نفس ان يكون الذات موضوعا، فالعقل يعقل نفسه كذات واعية مدركة لمواضيعها المستقلة، ومتى ما اصبح الموضوع متداخلا في الذات في وحدة اندماجية عندها يتعذر على العقل تمييز(كيفيتهما) المتمايزة بضوء تفسيرنا لعبارة سارتر اعلاه.،

كما يتضح لنا ان جوهر الوجود الانساني عند ديكارت انه كائن مفكر قد يكون تفكيره ذهنيا غير معبر عنه في فهم الواقع لا كمتعين مادي ولا تعريف به لغويا مرموزيا اشاريا او صوريا، اي يكون التفكيرالديكارتي هو فقط من اجل اثبات الوجود السلبي غير الديناميكي الذي يطالب به هيدجر.تفكير لذاته مكتفيا به (نومين يعني الشيء في ذاته)، مما جعل هوسرل يتساءل بدهشة لكن تفكير ديكارت بماذا؟ اي ما اراده هوسرل انه يتوجب الافصاح بماذا يفكر الانسان في اثبات وجوده غير السلبي، وتساؤل هوسرل يحمل قيمة حقيقية له في ادانته كوجيتو ديكارت، استعارها هيدجر في قوله ان الوجود الحقيقي ليس في ادراك وعي الذات السلبية بالتفكير المجرد في حوار داخلي، بل في ديناميكية هذا الوجود. لان التفكير غير المعلن عنه تواصليا بالواقع او بموضوع معين، انما هو اساس تفكير عقلي في وعي الانسان لذاته قبل وعيه الموضوع المستقل عنه، ولما كان التفكير خاصية انسانية دينامية عقلية، لذا يكون العقل يعقل ذاته قبل ان يعقل بالتفكير موضوعا مستقلا عنه، والاهم يصبح حقيقة العقل انه لا يعقل العالم الخارجي من غير موضوع يكون مادة العقل بالتفكير.

نرى من المهم الاشارة الى تعالق فهم سارتر في تاييده هوسرل والانفصال عنه كما في هذه العبارة :(يجب ان نتجاوز انا افكر الى انا افكر في شيء ما، والوعي لا يكتفي ان يكون منفردا)، والوعي يوجد حيث يتوجب تفكيره بشيء مغاير، (والوعي عند سارتر لا يحدث الا بتمثله شيئا غريبا عنه، والوعي وموضوعه وحدة واحدة مترابطة، لا يقف الفكر عند انا افكر، وانما بالذهاب الى ما يقصده الوعي من اشياء) نقلا عن حبيب الشاروني، فلسفة سارتر/ ص107 -108 .

وربما يكون هذا التفكيرالديكارتي في وعي الذات وحتى الموضوع هو دايلوك او حوار داخلي لا صلة له بالخارج الذي يمكن ادراكه من قبل الاخرين، ويقلل سارترايضا من ادعاء ديكارت المكابر في اثبات الوجود في اعتماده فاعلية التفكيرفقط في وعي الذات واثبات الوجود، بان (الكيفية) هي احدى صفات الذات الفطرية التي لا تحتاج الى اثبات فهي الوسيلة الوحيدة في اثبات ماهية الوجود الانساني، بمعنى ادانة ديكارت في اثبات وجوده بوعي ذاته فكريا تجريديا فقط، بنفس الوقت اجاب على تساؤل هوسرل عندما اعتبر التفكير في اثبات الوجود عند ديكارت هو (وعيه لذاته) فقط في تجريد غير فاعل بالحياة، وهذا غير ممكن خارج الغاء ديكارت العالم الخارجي ان يكون التفكير مدركا عقليا به لتغييره في اعتبار الوجود الانساني حسب هيدجر لايمتلك ماهية ديناميكية منتجة وحسب، وانما في وجوده كصانع لذاته وصانع لموضوعاته معا حسب سارتر، بل ان وجود ديكارت الذي تعيّن بارتباطه في اثبات الوجود المفكر لذاته فقط، هو وجود سلب لا يحمل اية دلالة ديناميكية لافي ذاته ولا في امكانيته تبادل التأثر والتأثير في العالم الخارجي.ومأخذ سارتر على ديكارت هي لا تشبه حجة هوسرل التي ناقشناها قبل اسطر، اذ استعار سارتر عن الماركسية، بان الفكر المجرد الذي لاصلة تربطه بالواقع جدليا غير ذات قيمة تذكرله، قائلا (الجدل يصنع الانسان بنفس وقت صناعة الانسان ذاته). وفي عبارة كانط التي مررنا بها باننا يجب ان لانعوّل ان الافكار بمستطاعها خلق الاشياء والموجودات، وهي عبارة تدخل في صلب الفهم المادي. واضاف سارتر بضوء هذا الفهم الديكارتي في علاقة الذات بالتفكير، الرد عليه مامعناه، ان تكون الكيفية غير موضوعية اذا كانت صفة للذات تتعالق مع الماهية الانسانية غير المدركة عقليا واقعيا، لكن متى ما تم التعريف بها بصفاتها الطبيعية (لغويا) خارج وجودها الذهني فقط او حتى بوسائل غير اللغة، عندها تكون الذات موضوعا لا يدرك ذاته منفصلا عن مصدره، ويتعين وجودا(موضوعا) بالنسبة للمصدر الذي صدر عنه اي في وعي الذات موضوعه كما مر بنا، او كناتج فكري لغوي متعين موضوعا يمكن ادراكه بالنسبة للاخرين الذين يجدونه موضوعا متعينا عبّرت عنه اللغة، او اية واسطة تداول تواصلي تجعله مدركا موضوعيا لغيره، وليس وعيا بذاته فقط.لا قيمة للموضوع ولا للشيء بدون ادراكه بالفكر عقليا والتعبير عنه باللغة عقليا ايضا.

الجدل المادي والجدل الفكري المثالي:

وبالعودة لمقولة كانط التي ثبتناها في اسطر سابقة ولاهميتها الكبيرة في التمييز بين التفكير المثالي والتفكير المادي، حول علاقة الفكر بالوجود نجد هيجل قائلا (ان طبيعة الواقع يمكن ان تستنبط من الاعتبار الوحيد القائل ان الواقع يجب ان لا يتناقض مع ذاته) (3). هذه العبارة تؤكد الجدل المثالي الذي اقامه هيجل على صعيد الفكر، وقلبه ماركس ماديا في اعتماده التناقض الجدلي، فحسب قوانين الجدل المادي الماركسي الطبيعية الثلاث، فلا يوجد شي في الوجود والمادة والطبيعة والكون (ثابتا) لا يتحرك بفعل عوامل تناقضاته الذاتية الداخلية، والعوامل الموضوعية المحيطة به، والضرورات الحتمية التي تحكم تطوره، والذات الانسانية تتناقض ذاتيا وكذلك الحال في تناقضها مع الواقع والاشياء، وتتناقض مع كل ظاهرة حادثة في الواقع المتغير والحياة في حيويتها .

ان من اهم المآخذ التي رفضتها الماركسية بشدة ان تكون الموجودات والاشياء في حالة (الثبات) وعدم التغييرالمتطور المتحرك باستمرار، وان الجدل الديالكتيكي لا يعمل في الافكار المجردة بمعزل عن الواقع والاشياء في الحياة، ولا قيمة للجدل او ما يناتج عنه من تجريد منطقي كما يرغبه هيجل ومارسه فلسفيا مثاليا. بل ان الديالكتيك مجال اشتغاله الواقع والمادة والطبيعة والانثروبولوجيا والتاريخ وفي كل ظاهرة او وجود يتموضع في الادراك العقلي او الذهن المجرد، اي جميع الوقائع والموجودات والظواهر التي تستلزم استحضار الجدل في وجود التناقض الذي يحكم كل الاشياء ويسبب فيه وله الحركة والتغيير بعوامل ذاتية وموضوعية، باختلاف جوهري ان الجدل الفكري الذهني المجرد، يختلف جوهريا ومتناقضا مع الجدل بمفهومه المادي الذي اوضحناه.

انه من المحذور ماديا التفكير ان جدل الافكارنسق عقلي ذهني يمتلك قدرة ذاتية مادية خاصة به على تحريك الواقع وتغييره. قد ندرك الاشياء ذهنيا واردا جدا انما ان تخلق الافكار وجودات واقعية مدركة فهو مستحيل، لان وجود الطبيعة والانسان وكل الاشياء وجود مستقل بذاته ولا علاقة للفكر في تخليقه او ايجاده بل في ادراكه واقعيا ومحاولة التفاعل معه . وهذا ينطبق على جميع الفلسفات المثالية التي حاولت دحض المادية الماركسية، بمقولات الفكر المثالية التي تزعم امكانية خلق الموجودات والاشياء من الفكر تجريدا صوريا .

ان الواقع لا يتحدد وجوده كمتعين مادي او فينومولوجيا ظاهراتيا كماهيات، او جوهر وصفات دونما تناقض جدلي على تغيير الواقع وتبديله المستمر، وقول هيجل او طلبه ان لا يناقض الواقع ذاته سواء اراد به هيجل الوجود الطبيعي او وجود الانسان فهو باطل ولا يحمل مصداقية التسليم به.ولا وجود لواقع لا يناقض ذاته وتعتمل بداخله التناقضات اللامحدودة، والا يكون فاقدا سبب وعلّة وجوده، انه وجود واقعي لا يحمل ادنى صفات الاهتمام به.

ولقد أخذ ماركس على هيجل ان الجدل لا يعمل بالفكر بمعزل عن الوجود والواقع والتاريخ والحياة، فلا وجود حقيقي لشيء او واقع ينتجه جدل الفكر المجرد، وان الجدل ايضا لوحده كما هو شأن الفكر لايخلق موضوعاته الوجودية واقعيا بل ذهنيا كتفكير فقط، بل هذه الموضوعات في الوجود والمادة وتفسير التاريخ تفرض اهمية التغيير فيها عوامل التناقض التي تقوم على الجدل ذاتيا وموضوعيا . وهذه المباحث التي ذكرناها هي التي تخلق ديالكتيك تطورها وليس بمكنة او استطاعة الجدل خلق مواضيعه واعمال الجدل في تطورها خارج وجود الطبيعة والانسان. ولا وجود ايضا لانسان متصالح مع ذاته ومتطابق معه في الماهية والوجود، ولا تعتمل في دواخله محركات التناقض التي توجب عليها الخضوع لها في مسيرة التطور والحياة وفي كل مشكلة تواجهه.

الوجود والماهية والعدم:

ان سارتر يفهم الوجود الانساني على انه خواء مطلق لا قيمة حقيقية له، والانسان انما هو وجود لأجل الموت (عدم)، لذا الانسان كوجود يعتبر اصل العدم واساسه. وفي لا اهمية ان يكون للوجود ماهية تداخله، فعند سارتر الوجود بذاته، والوجود من اجل ذاته، والوجود في الجميع، هو سلب بمعنى اللاوجود خال من اي قيمة حقيقية انسانية في المتداول الطبيعي، وليس الوجود موجودا كي يعقبه عدم بل الوجود والعدم شيئان ليسا متلازمين بالضرورة وحسب، بل (الوجود والعدم) هما الانسان كينونة واحدة تمتلك حقيقتها الوجودية الوحيدة التي جاء بها معه الى الحياة ليموت ويفنى. وهكذا يكون اكثر مقبولية منطقية ان نقول بثلاثية تلازم (الوجود والماهية والعدم) انهم ثلاثتهم تعبيرات لوجود واحد لاغيره.بل يذهب سارتر الى ان اهمية العدم تأتي ليس كمرحلة لاحقة تعقب نفي الوجود السالب، انما هو اي العدم الذي يعمل في تلازم متداخل مع الوجود يعمل بداخله ومن اجل تقويضه، فالعدم الوجودي هو حتمية الوجود الانساني القلق المقذوف به في اتون الطبيعة والحياة والذي يولد كي يموت .

وفي نفس المنحى يذهب هيدجر قوله: (نحن لا نشعر بهذا اللاشيء الذي هو العدم، لا باعتباره مقولة منطقية، بل باعتباره مقوّما داخليا في تكوين الوجود)(4).اي باعتبارالعدم حتمية يعيشها الانسان تلازمه وينتظر فناءه بها.

(واول ماينبغي ملاحظته ان فكرة العدم في فلسفة هيجل لاحقة على الوجود وهذا بخلاف الفهم السارتري والهيدجري ان الوجود والعدم هما شيئ واحد، بمعنى اننا حسب هيجل لانضع الوجود اولا، لنتداوله بالعدم ثانيا).(5)

وفي هذه التراتيبية الهيجلية ان الوجود يسبق العدم، نؤكد ماذهب له سارتر في سطور سابقة بانه لايوجد لدينا وجود انساني مستقل يعقبه عدم مغاير متمايز عنه، بل هما وجود واحد هو الانسان، الذي يرقب الموت في صورة العدم الذي يلازمه من الولادة والى مماته .

ولو عدنا الى افكار كيركجارد الوجودية نجده (يرفض الجدل التصوري المجرد)(6) لان هذا النوع من الجدل هو فكري مثالي في محاورته الذات الداخلية التي المحنا لها سابقا، والذي اراد هيجل احياءه فكريا مثاليا وفشل . وان كان هذا الجدل المجرد (مطرد متجانس منفصل عن العالم)(7) فهو لا يتماشى مع نظرة كيركجارد (في اقامته بدلا عنه جدلا متقطّعا غير متجانس، هو الجدل الوجداني العاطفي المليئ بالتقطعات والوثبات . كما يرى كيركجارد ان الوجود الحقيقي بما يحمله من عناصر الذاتية والتناقض ينفر منه النسق الفلسفي)(8) ..بهذا المعنى بقي كيركجارد مؤمنا حقيقيا في وجوديته المؤمنة، وابتعد عن التجريد الذهني الجدلي المثالي كما عند هيجل ومن بعده جميع فلاسفة المثالية، والاهم من هذا فسح المجال واسعا امام ظهور وبروز الجدل المادي الماركسي.

في ادانة اعتبار ان النسق الفلسفي المثالي يحتوي ويقرر ماهيات الوجود من خلال الفهم المنطقي الفكري المجرد كما يريد فهمه هيجليا وكل الفلاسفة المثاليين من بعده، وليس كما يفهمه كيركجارد ان النسق الفلسفي وجود مفعم بالوجدانات الايمانية التي ترفض ان يكون الوجود الانساني تابعا للنسق الفلسفي منقادا له او في احتوائه له، وليس خالقا له في وجود الانسان الديناميكي الذي اشار له هيدجر من بعد كيركجارد واشرنا له في السطور السابقة .

انه لمن المهم جدا ليس للفلسفة الوجودية وحدها وانما للفلسفة الماركسية ان وضع كانط هذا التصور الفلسفي النسقي المدهش حقا وباعجاب يلخص ماأخذه عنه الاخرين (فقد اقام هيجل نسقه الفلسفي على اساس المنطق الجدلي الذهني العقلي، وجعل الحقيقة الوحيدة هي المطلق الذي هو الوجود الواقعي بما فيه من روح لا متناه او مثال او عقل كلي توجد عنه جميع الاشياء، بحيث يبدو الفكر وجوديا واقعيا، والوجود الواقي منطقيا عقليا اي انه طابق بين الوجود الواقعي والمعقول)(9) .

والجملة التي حملها كيركجارد على هيجل تنصّب على دحض هذه القضية بحيث يفصل كيركجارد بين العقلي والواقعي، فيبدو الوجود لديه منافيا للعقل معارضا له كما يذهب له حبيب الشاروني . لقد اراد هيجل القول ان ما يدركه العقل واقعيا يتحتم وجوده بالضرورة الادراكيه له.وهي نفس عبارة بيركلي الغارق في المثالية قوله ان مايدرك هو وجود حقيقي واقعي، وكل ما لايدرك بالحواس لا وجود حقيقي له.اي ان حقيقة الشيء هو الذي تدركه الحواس وتنقله الى العقل صوريا.

كذلك يلتقي كيركجارد بهيجل في فكرة الجدل المثالي ذاتها (فهو يرى الوجود في تغير دائم باعتباره ينقسم الى ثلاثة مراحل متداخلة مع بعضها، المرحلة الجمالية، المرحلة الاخلاقية، المرحلة الدينية)(10) وهذا لايتماشى مع الفهم الجدلي الهيجلي الذي يحكم الوجود والمادة والتاريخ في قوانيين الديالكتيك، والاهم ويعارض المادية الماركسية في فهمها المادي الجدلي..وحقيقة ان لا الوجودية ولا الماركسية تؤمنان بطرح كيركجارد الايماني في المراحل الثلاث التي وضعها الجمالية والاخلاقية والدينية في تداخلهما الجدلي غير المادي.

هذا ليس بمعنى ان كيركجارد كان وجوديا يفهم قوانين الديالكتيك حتى في تطبيقها على تداخل مراحله الثلاث في الحياة، ولا المادية والجدل الذي جاء به بعده، التي وضعها هيجل وفويرباخ وصاغها ماركس ماديا . فهيجل وكيركجارد يفهمان الديالكتيك نوعا من تثبيت الوجود الانساني على صعيد الفكر والنسق الفلسفي كل حسب طريقته في التفكير والمواضيع التي يختارها في تطبيق الجدل عليها، بعكس ماركس الذي اعتبر الديالكتيك ضرورة مهمة وحتمية لتغيير الحياة والتاريخ وليس تجريدا منهجيا على صعيد الفلسفة والفكر وانما واقعيا على صعيد معرفة التطور الواقعي في الحياة .

 

الباحث الفلسفي علي محمد اليوسف/الموصل

.......................

الهوامش:

1- د. حبيب الشاروني/ وجودية سارتر/ ص14

2- المصدر السابق ص 26

3 - المصدر السابق ص 31

4 - المصدر السابق ص37

5- المصدر السابق ص 41

6 - المصدر السابق ص 44

7 - المصدر السابق ص 50

8- المصدر السالق ص 52

9 - المصدر السابق ص 54

10- المصدر السابق ص 56

 

 

مجدي ابراهيميلزم لنا في بداية هذا التمهيد من كلمة تشمل الحديث عن فلسفة الدين والفرق بينها وبين سائر العلوم التي تسبقها لفظة فلسفة، قد يجئ هذا التمهيد ليحمل وجهة نظر كاتبه فيما يقرأ للمجدّدين الذين يطلقون على أنفسهم مفكرين وأشباه مفكرين، لكنهم في الواقع يُغرقون في التقليد بمقدار إغراقهم في الترقيع، ويحسبون هذا وذاك من علامات التفرُّد والامتياز لأنهما من علامات التفكير الصحيح !

وليس أقسى على المرء ولا أدعى إلى العجب منه والدهشة، من أن تأخذه الحماسة بعيداً عن التفرقة بين التجديد القائم على أصول معرفية فيما هو قادم عليه وبين التقليد المؤدي إلى الترقيع، فتتفرّق النظرات إلى عمله فلا يدرى القارئ : أهو ممّن يجدّدون أم ممّن يرقعون، فإذا غلبت عليه دعوى التجديد وفحصت مجمل ما انتهى إليه فما هى إلا سويعات قليلة وحكمت عليه من فورك بما يتعارض مع أحكام العقل ويتقارب نحو الإغراق في التقليد. إنه ولا شك ترقيع هو أقرب إلى التقليد منه إلى التجديد المؤسس على أصول معرفية يتكئ عليها.

ولا يعدُّ كاتب هذه الدراسة بتمهيدها الطويل إلاّ واحداً ممّن اشتغلوا بالبحث والتدريس في تخصصات الفلسفة المختلفة وفروعها الدقيقة المنوّعة، فلا هو بمفكر ولا هو بفيلسوف، وليس من دعواه، وإنما هو مجرّد باحث يحاول الوصول من طريق قناعاته إلى ما يُرضي فيه الضمير، وإن كان تخصصه الذي ينطلق منه وهو الفلسفة الإسلامية يستوحيه ويفرّعه بالرأي على بقية فروع الفلسفة كلما استطاع؛ ليفرض نفسه عليه بحكم الخبرة وحكم الغيرة العلمية سواء.

الأصلُ في فلسفة الدين، أو فلسفة أي علم من العلوم مثلاً كاللغة والفن والتاريخ والقانون هو أن المادة تكون دائماً من الدّين أو من العلم الذي تتقدّمه كلمة (فلسفة) ثم يجئ النسق عمل العقل المُجرّد؛ لا ليكون من الدين أو من أية مادة علمية كانت، ولكن من الفلسفة. ولذلك، كانت كلمة الفلسفة دلالة تشير إلى أن نسقاً فلسفياً يكمن وراء المادة المُراد دراستها، وأنّ هذا النسق الفلسفي صناعةٌ فلسفيةٌ هو من الأهمية بمكان بالنسبة للمادة المدروسة يتمُّ من خلاله معالجة نقدية لقضاياها.

والمعالجة النقدية إذا هى تمّت بوضوح واتساق واستندت على قواعد منطقية، تتسلسل فيها الأفكار وتنضبط القناعات تشكل آخر الأمر نسقاً فلسفياً منظماً لا مندوحة عنه بحال، تقف وراءه منهجية نقدية (Methodology of Criticism) تدعمه وتصقله ويستند عليها هى أخص خصائص العمل الفلسفي. المهم أن تكون هنالك أفكار منظمة تحيل المادة المدروسة من شتات متفرّق الأجزاء إلى نظام تتكامل أنساقه فتكتمل فيه الرؤية الفلسفية وتتوحّد أجزاءها في إطار الوحدة والتعميم.

والفرقُ بين القراءة الفلسفية وقراءة أخرى غيرها هو في الغالب تواجد النسق العقلي المضبوط في قراءة الفلسفة، والمحكوم بالنظر والتوجّه، والمرهون بالصعود من الجزء إلى الكل، ومن الأدنى إلى الأعلى، ومن المحسوس إلى المعقول، ومن المرئي المشهود إلى الغيبي المحجوب.

وبمجموعة الأفكار المُوجّهة تتأتى هذه الفلسفة انساقاً متعدّدة التوجُّهات مختلفة الزوايا والسياقات تفعل في موادّها المختارة أفاعيل النظم المعرفية المنوعة، فما يُصلح لتوجُّه معيّن قد لا يصلح لتوجُّه آخر، وما يُقاس بزاوية مُحدّدة ويساق بطريقة معينة قد لا يصلح أن يقاس بنفس الزاوية ويساق المساق نفسه وبذات الطريقة، فالتعدُّد له في الشمول سعة التنوع، والتعدُّد أصالة والتوجُّه ثراء؛ ومن هنا جاءت المتعة التي يضفيها الهمُّ الفلسفي والمشاغل العقلية، وبما أن النسق نظام عقلي يلمُّ شتات المادة المتفرّقة ويجمعها تحت وحدة عقلية ذات روابط مشتركة لا خلل في اتساقها ولا اعوجاج، صار قبولها - من ثمّ - في العقل أولاً من حيث اتساقها النظري هو مُهمّة الفلسفة كونها نسقاً يُحدّد متفرقات المادة وأجزائها، ولا يفرّق الذهن شتاتاً بين شعابها وآمادها؛ فإذا الوجهة المقصودة محدّدة الغاية معروفة القياس.

تحديداً، معنى فلسفة الدّين أن تكون المادة من الدين والنسق من الفلسفة كما هو الحال في فلسفة التاريخ : المادة من التاريخ والنسق من الفلسفة، وقل نفس الشئ في فلسفة اللغة، المادة من اللغة، والنسق من الفلسفة، أو كما هو الأمر في فلسفة الفن، المادة من الفن والنسق من الفلسفة، أو كما هو الشأن في فلسفة القانون، المادة من القانون والنسق من الفلسفة، وهكذا دواليك تكون الفلسفة بالنسبة للعلم الذي تختاره لتجري عليه عملية البحث فيه.

وإذا كان النسق يعني النظام العقلي، فإن الفلسفة تشمل هذا النظام بمقدار ما تشمل البحث فيما ورائه أي البحث في المعنى الكامن وراء هذا العلم أو ذاك، فهى إذن "نسق" ثم "معنى"، أو أن شئت قلت : هى معنى تُجلى صورته في نسق مضبوط. النسق للفلسفة كالكائن الحي، أو هو : كالوحدة العضوية للعمل الفني أو الأدبي، إذ يجمع الأفكار المشتتة رغم تعددها وتكثرها في موادّها يُعمل فيها من جهة المنهجية النقدية ما شاء له أن يعمله لتصبح - من بعدٌ - كائناً حياً هادفاً إلى الوحدة كما تكون الوحدة في كل ذي حياة. ولنتذكر هاتين المسألتين جيداً ونحن ندرس فلسفة الدين ليتم تطبيقها على أي ما شئت كان، فلا تقوم لها قائمة بغير ذنبك المسألتين: مسألة النسق ومسألة المعنى.

وليس لقائل أن يقول إن الفلسفة فعل التفلسف فيما هو أمامك منظوراً كان أو محجوباً، وليس لها أن تتصل بصلة فيما تخرجه قريحة الإنسان المعرفيّة، فلا شأن لها بعلوم الدين والتاريخ واللغة والفن والقانون وما شابه ذلك من علوم الأوائل والمتأخرين، لأن هذه العلوم ليست هى الفلسفة مادامت الفلسفة نسقاً ولا يزيد! وإنه ما دامت الفلسفة نظاماً معرفياً يتوخّى المعنى ويخلفه النسق الفلسفي، فبوسع كل علم من تلك العلوم أن يسوق نظامه المعرفي خالياً من التناقض والاضطراب، ومن ثمّ فليس هو بحاجة إلى الفلسفة ولا إلى التفلسف.

وأعجب ما في هذا القول هو نكران التفلسف باعتباره خاصّة عقلية يلزم عنها حيوية النشاط العقلي فيما لو تذكرنا مقولة أرسطو الشهيرة :" إذا لزم التفلسف، فلنتفلسف، وإذا لم يلزم وجب هنالك التفلسف لنثبت عدم جدواه "، ولهذا وجد من الفلاسفة من يرفض أساساً الإقرار بأن للحياة أو للتاريخ أو للعالم ككل معنى من المعاني، بل ويرفض الإقرار بوجود شئ اسمه العالم ككل أو الحركة العامة للتاريخ، فرفض الإقرار من هذه الجهة إنما هو ضربٌ من ضروب التفلسف، في حين غلب على بعضهم من جانب آخر أن الفلسفة إن هى إلا المعرفة بالمعاني أو بالقيم المعرفية، وبما إن المعاني متباينة فإن الفلسفة التي تصدر عنها تتفرع إلى فلسفة التاريخ وهى التي تبحث في معنى التاريخ، وفلسفة الدين وتبحث في معنى الدين، وفلسفة القانون وتبحث في معنى القانون، وهكذا قل الشئ نفسه في فلسفة اللغة والفن والحضارة، ولكن الفلاسفة وإن اختلفت مذاهبهم وتباينت توجُّهاتهم إلا أنهم جميعاً يصدرون عن رأي واحد هو أن نشاط الفلسفة العقلي شكل من أشكال الوعي الأمين وأن التفلسف فعل التبصير في كل حين.

كنتُ أناقش صديقاً مفتوناً بالفلسفة في مسألة النسق هذه، فإذا هو يرى إن الفلسفة لم تكن نسقاً وإنما هى ثورة ضد ما هو متعارف عليه، خروج عن المألوف، ليست بذات إطار، إلى فضاء أوسع مفتوح، وبالتالي تكون بعيدة عن النسق من حيث إنها تقود العلوم والمعارف، وعلل ذلك في رأيه أيضاً إن الفلسفة تبدأ بفكرة مجنونة لا تتفق مع المنطق، وقال لولا التفكير الفلسفي لظللنا نركب الدواب في ترحالنا ونعيش عيشة البداوة الأولى، فلا نتقدّم قيد أنملة، فكأنما الصديق أراد - ومعه الحق فيما أراد - أن يربط الفلسفة بالتقدّم، ولكن لا أدري كيف يتأتّى أن تقود الفلسفة العلوم والمعارف وهي في نفس الوقت تتخلى عن نسقها، وعن طبيعتها المعرفية، وعن نظامها العقلي؟

هنالك رحت أرمقه بنظرات حانية مقدّراً حبّه الشديد للفلسفة وفتنته بها، ولافتاً نظره إلى أن هنالك حركات فلسفيّة خارجة بحكم تموضعها التاريخي عن النسق، الوجودية مثلاً ليست نسقاً عقلياً، السريالية حركة أدبية فلسفية لا تعبّر عن نسق، ولا تسيغ أن يكون في فلسفتها نسق، فلسفة برجسون ضد النسق العقلي.  وليس يخفي أن الإنسان الغربي قد طور العلم والفلسفة بسبب رغبته الملحة الحارقة والساعية دوماً إلى المغزى الوسيع فيما وراء الواقع وفيما وراء العقل المحدود فتوجّب عليه أن يفهم أن العقل الصحيح لا مناص له أن يستخلص من العالم زاداً من المعنى إذا أراد أن يستمر في الحصول على نتيجة من المجهود الحيوي.

وليس يخفي كذلك أن دراما "فاوست" لجوته باعتبارها أعظم دراما رمزية أبدعها العقل الغربي لهي دراما الإنسان العقلي الذي يختنق في غرفة وعيه الشخصي؛ ليعيش واقعاً متخبطاً في دائرة الضجر والعقم المفزعة التي لا تؤدي بدورها إلا إلى مزيد من العقم والضجر.

واشتياق "فاوست " إلى التطلع لمعرفة الغيب هو الرغبة الغريزية في التعلق بحقائق الإيمان به، وتلقي تجليات المعنى الذي يحيط بالعالم الإنساني المحدود. فلن يكبر الإنسان وهو مُعلق بالمحدود مصوّب النظر إليه على الدوام. ولكن مع ذلك كله؛ ليس ينفي ظهور هذه الحركات وما ينحو نحوها وجود النسق الفلسفي كما لا ينفي وجود النسق العقلي ظهور مثل هذه الحركات وما يشابهها، هذه نزعة ماثلة في الإنسان وتلك نزعة أخرى، هذه ملكة وتلك ملكة أخرى، هذا وجود وذاك وجود آخر ولا شك. ثم قلت : حتى الأفكار المجنونة التي ذكرتها - يا صديقي - باعتبار إنها خارجة عن النمطية التقليدية وإن بدت لك فوق النسق هى عمل من أعمال العقل : إجهاد العقل في التفكير الي درجة الإعياء، ألم تكن تفاحة نيوتن عملاً عقلياً؟ ألم تكن نسبية أينشتاين عملاً عقلياً؟ ليس من صدفة بل جهد عقلي منظم ربما يصل إلى حدٍّ المرض ووعكة الإعياء.

وشاركنا النقاش زميل متخصص رأي هو الآخر أن الفكرة باختصار شديد تتلخص فيما رآه من وجهة نظره أن فلسفة أي علم من العلوم ما هى إلا حديث عن العلم من الخارج، وليست حديثاً عنه من الداخل، ولعله يعني أن مادة العلم هى ما يقرّره في نفسه، أمّا فلسفته فهي التي تتناول معناه في شموله وعمومه، فالفلسفة في نظره لا تهتم إلا بنقاط ثلاث أوجزها صاحبنا في:

- الدراسة النقدية لأسس ومبادئ العلم .

- توضيح مصادرات هذا العلم ومبادئه .

- علاقة العلم بالعلوم الأخرى من حيث أصولها ومبادئها.

وعلى ما تقدّم؛ فلا يصحُ أن توصف الفلسفة في نظره بوصفها علماً من العلوم الأخرى وإنما هى أمُّ لجميع العلوم، وشأنها في ذلك شأن أي أم تهتم بأبنائها، لا يتأتى اهتمامها مع العلم بل هى تأتي فوقه أو تحته وتحيطه معها كأم حنون. وعليه؛ يمكننا فهم دور الفلسفة بالتحليل حين تتناول علم الدين.

ولئن كنت أوافق الصديق فيما ذهب إليه من وجهة نظر منطقية فإنني هنا ألفت النظر إلى حقيقية منهجية وهى الفرق الفارق بين علم الدين وفلسفة الدين، فعلم الدين من حيث المنهج شئ وفلسفة الدين شئ آخر، فالأول هو مجموعة المبادئ والأحكام التي تقام على النص الديني تتولد عنه، فالدين هنا مادة يقام عليها العلم ولا يقوم العلم على لا شئ بغير مادة، تماماً فكما يقام علم الفيزياء على الواقع الطبيعي فكذلك يقام علم التاريخ على الواقع التاريخي وعلم القانون على الواقع القانوني، وقل نفس الشئ في العلوم التي تقام على موادها وطبيعتها. فمعنى العلم هو ما يوصف بقابليته للحكم عليه بالصواب أو الخطأ، ولذلك كانت المعرفة العلمية لا تتخطى هذه الحدود. فكلام الصديق السابق هو ممّا يؤخذ من تلك الزاوية.

ويشبهُ أن يكون علم الدين من حيث المنهج هو سير الباحث في مجال العلوم الرياضية يحذو حذوها وينهج منهجها. خطوتان لابد منهما الأولى، المقدمات المُسلم بصوابها وهي هنا النص الديني، والخطوة الثانية استخراج ما يمكن استخراجه منها من طريق توليد الأفكار عن الأفكار، أو توليد النتائج عن المقدمات، ومقياس الصدق في هذا هو سلامة استدلال النتائج من المسلمات. فالعلم هنا منهج وليس هو بالموضوع.

أما فلسفة الدين فمنهج وموضوع في وحدة واحدة لا ينفصلان، معنى ونسقاً، فليست كلها معرفة علمية بل المنهج العلمي فيها وان كان من الأهمية بمكان فهو جزء يسير منها غير أنها في ذاتها كلية عامة شاملة تنزع إلى الوحدة بعد أعمال المنهج العلمي وإلى الشمول بعد معرفة التفاصيل والأجزاء في اتساق كليّ متكامل. هذا جانب لا مناصّ من التنويه إليه، ولا مناص من وضعه في الاعتبار إذا دلت الإشارة عليه.

ولكن في فلسفة الدين على التخصيص - فيما لو نحن نظرنا إليها من هذا الاعتبار - لا يمكن، في تقديري، الوقوف على حقيقة الدين ونشأته، أو على تعاليمه ومقرراته، أو على آثاره في الضمائر والقلوب أو على تعميمه من جهة فلسفة الدين؛ ليتمّ ترقيعه من خارجه، بخلاف ما عليه من مضمون وخصوصيّة، فلا معنى عندي لتلك المشروعات الفلسفية الزائفة برمتها ما لم تضع شرط المضمون الديني الذي تقوم عليه خصوصيّة العقيدة ينتسب إليها المدينون لها بالولاء فوق كل اعتبار، فيكون كل تجديد لخطاب تلك العقيدة أو لفروعها مثلاً قائماً من داخلها : تثويرها الباطن وحماستها الداخلية، أي من داخل مجموعة قيمها المعرفية الثابتة التي تستند عليها، لا محاولة ترقيعها بخارجها مهما كانت نظريات الخارج جذابة تستهوي وتلفت النظر، وتهول.

أكثر مشكلات كتابنا المعاصرين هو التقليد المتعمّد لكتّاب الغرب، والنسخ منهم والسلخ، تقليدهم في منهج العمل إزاء الموضوعات المطروحة من قضاياهم الدينيّة ومعارفهم الاعتقادية وأنظارهم الفلسفية، ثم تقليدهم الواضح الملموس كذلك في رؤاهم النقديّة ومناهجهم المعاصرة، وربما تخريجاتهم التي تناسب واقعاتهم الحياتية وظروفهم الحضارية؛ وهى في مجملها لا تناسب واقعاتنا ولا ظروفنا ولا عقائدنا، فليس شرطاً لجودة المنتج الفكري هو أن يجئ ما يتمُّ نتاجه هناك يتمُّ بنفس الكيفية هنا، وأن ما يتناولونه فيما بينهم من محاولات تتصل بفلسفة الدين أو عطايا النظر والتفكير بمناهج مختلفة وأطروحات متباينة، نتناوله نحن هنا ونطبّقه على عقائدنا تقليداً ليس أكثر! غير موضوع في الاعتبار اختلاف الظروف والعقائد والمنطلقات المعرفية والتوجهات ثم اختلاف القيم فيما وراء هذا كله، لا لشيء إلا ليكون منتجنا الفكري يضاهي منتجهم وهو في الحق لا يضاهيه ولا يسمو إليه بل يقلّده وينزع إليه نزوع الرطانة الأعجمية.

هذا ترقيع بغيض لا يقرّه العارفون، ويجيده المتحذلقون الأفاكون المضللون، ولا ينجم عن استقلال فكري بل يكشف عن غرور التبعيّة المعرفية التي لا ترعى الفواصل ولا الظروف، وتخلط بين مجال ومجال، ولا تسلم تحت دعوى الثقافة من كُلفة الادعاء والحذلقة، كما يحدث دائماً عند الشعور بالنقص والرغبة في مداراة الجهل والسذاجة، وهى تبعية معرفية لا تراعي كذلك تلك الخصائص الثقافية والدينية لما عساه أن يُقام بين دين ودين أو بين علم وعلم أو بين ثقافة وثقافة أو بين حضارة وحضارة : فنٌ من المتع الفكرية الرخيصة اللاهية يلهو به الأدعياء في زماننا هذا كما لهى به المتحذلقون في كل زمان.

بالطبع، أنا لا أعني مطلقاً أن تجئ هناك قطيعة معرفية (Epistemological  cut)  بتعبير المفكر الفرنسي المعاصر "باشلار" تكون بيننا وبينهم، فهذا ما لا يقول به أحد له مسكة من عقل واعي أو حظ من وعي معقول، فضلاً عن الخلط العاري من الصحة بين المناهج والتوجّهات. غير أن عناية (باشلار) بتلك القطيعة هى عناية خاصة بنقطة التحول التاريخية في حياة النظريات العلمية وفقدان فاعليتها إزاء تفسير الواقع، إذ تصبح النظرية العلمية باطلة لا تستطيع تفسير كل ما يعترضها من ظاهرات الواقع، وإذ ذاك تتجه البحوث العلمية المعاصرة مع عجز تلك النظريات القديمة عن أداء دورها، لمثل هذه القطيعة المعرفية، ماضية نحو بناء نظرية أخرى أكثر تكاملاً وأقوى تفسيراً للواقع من التي سبقتها، لأن ماضي هذ النظرية أو تلك كان عجز عن تفسير الواقع والإحاطة به، فأبطل العجز الدور الفاعل لها، وبالتالي تصبح القطيعة المعرفية معها مشروعة، ولكن هذا كله مجال يقال في فلسفة العلم ولا يقال مثلاً في مجال فلسفة الدين.

ومع ذلك، تظل الفروق واسعة بين فلسفة العلم وتاريخ العلم، فكل ما يتعلق بتاريخ العلم لا تجوز معه القطيعة المعرفية لأنه إذ ذاك يُصبح العلم مع القطيعة في هذه الحالة بلا تاريخ، ويصبح استخلاص النظريات العلمية من ركامها التاريخي لا يعوّل عليه ولا تقام له فائدة ترجى، فليس هناك من قيمة لنظريات أرسطو ولا الحسن ابن الهيثم ولا جابر بن حيان ولا أحد من هؤلاء وأولئك أو غير هؤلاء أولئك ممّن اسهموا في الماضي بمنجزات علمية لها في التاريخ دور وقيمة وريادة.

المهم في الموضوع هو أن بعضهم أخذ مصطلح باشلار هذا منقولاً عن حقله المعرفي، وحاول تعريته عن العلم الذي نشأ فيه، واستخدم المصطلح لأجله ثم تطبيقه على مجال العلوم النظرية، ومنها بالطبع علوم الدين أو فلسفة الدين التي نحن بصدد الحديث عنها فأوجد قطيعة معرفية مع التراث؛ لتكون مجرد هجين لا يتجاوز الترقيع والإغراق في التقليد، مع تجاهل الفارق الهائل بين علم وعلم أو بين معرفة ومعرفة.

"كله عند العرب صابون" كما يقول المثل الشعبي المصري! على معنى الخلط العجيب بين التصورات والأفكار، وإزالة الفوارق بينها في معرض المقارنة، وإذابة المنطلقات التي تنهض بخصوصيتها، وإباحة الطرق الدائم على تطبيقها ولو بالقدح الظالم لخصوصية العقائد وخصوصية المسائل التي تتعلق بها.

هل للدين فلسفة؟ والجواب، نعم له فلسفته إذا كانت له منطلقاته وقواعده وأحكامه وكان معناه فيما يمس بؤرة الشعور الإنساني ويستغرق بالكلية منطق الوجدان، وكيف تقام فلسفة على منطق تدّعيه هو منطق الوجدان؟

هذا سؤال من الأسئلة اللافتة للنظر من الوهلة الأولى غير إنه لافت للنظر مع غيبة البديهة ولكن مع حضورها لا تجد له معنى.

نعم ! تقام الفلسفة على منطق الوجدان كما تقام على منطق القانون أو على منطق اللغة أو على منطق الدين، او على أي منطق أرادت الفلسفة أن تقيمه. ليس هناك ما يمنع من قيامها على منطق الوجدان مع المعرفة التامة التي لا شك فيها بالفروق الفارقة بين منطق العقل ومنطق الشعور والوجدان؛ لأن هذه المعرفة مع دعوى تمامها ناقصة عجزاء إذا أغفلت بديهة حاضرة وهي حقيقة الإنسان، فليس الإنسان يعي أو يعيش بالعقل والفلسفة وحدهما، وليس هو بالشعور والوجدان إنساناً وحده ولكنه يجمع بينهما في أتساق لا تناقض فيه، إذ من المؤكد استناد الفكر على الوجدان والعقل على الشعور وهو المقرر هنا فيما لا شك فيه، كما تقرر سلفاً لدى الإمام محمد عبده ومحمد إقبال لا بل كما تقرّر لدى افلاطون عندما قال إنّ التفكير كلام نفسي، وصاغته ملكة الطبع العربي شعراً :

إنّ الكلام لفي الفؤاد وإنمّا       جُعل اللسانُ على الفؤاد دليلاً

وبعدُ، فلئن كنتُ أنا لا أعني مطلقاً أن تكون هناك قطيعة معرفية تجئ بينا وبينهم، فكل ما أقول به هو التفكير الدائب في التقليل من مثل هذا النزوع الغريب إزاء تقليد المدارس الغربية المعاصرة، ومحاولة محاكاة روادها ومؤسسيها في مناهجهم ومذاهبهم، وليس محاولة نقدها وفحصها، بل لتطبيقها عنوة على عقائدنا وتراثنا وخصوصيتنا الحضاريّة وهُويّتنا الثقافية، وهى من بعدُ أفشل المحاولات.

مثل هذا الترقيع البغيض غير مقبول ببداهة المنطق من الوهلة الأولى، ومع ذلك يقع فيه الباحثون رغم عرفانهم ببديهة رفضه، وفشل الاعتماد عليه مع تطبيقه أو التنويه إليه، كما فشلت محاولات قبل ذلك ومحاولات، فمن يعتمد على الترقيع لا يسلم آخر الأمر من المهانة العقلية، فهو موضع الخطر يقع فيه كثيرون ممّن مارسوا في السابق عملية نقد التراث أو تجديد التراث أو التماس لغة مغايرة للخطاب الديني أو دعوى التفكير العقلاني المُوغل في الدعوى المؤسسة على الاستقلال وهى في نفس الحال دعوى غارقة في التقليد للغرب والمحاكاة لهم في غير استقلال.

لا ينجم التقليد عن أصالة ولا يسفر عن استقلال أو عن شعور بالتبعة من الوجهة الأخلاقية، يستوي في ذلك من يقلّد الأفكار الغربية أو يقلد الأفكار التي تنتمي إلى بني جلدته، وهو ضد المعرفة وضد التفكير، وهو مذموم في العقل مذموم في الدين، وفوق هذا هو مذموم في البحثّ عن الحقيقة، وموضع الذم فيه أنه يعتمد على المتابعة التي لا يظلها تفكير ولا تجمعها وحدة معرفية أو عقلية بمقدار ما يعتمد على المغالطات لتزوير الحقيقة لأنه لا يتوخى عرضها بالتجرّد والانصاف، ولكن يعرضها بمطلق الهوى ومطلق الغرض ثم لا يقتصر الأمر على هذا الحدّ بل يتفاخر بمعرض السوء وصناعة الأمجاد الكاذبة.

 

بقلم: د مجدي إبراهيم

 

علي محمد اليوسفان في الاعتماد على الواسطة اللغوية التواصلية التداولية في نقل الافكار والمعارف معناه ان شكل اللغة كحامل لا يسبق الفكرة العلمية والمضمونية في تراتيبية الانتاجية العقلية لهما (الفكرة واللغة)؛ شكل اللغة حامل؛ ومضمون الفكرة او (الموضوع) كمحمول دلالي.  يستوعبه تعبير اللغة كحامل دال تواصلي له اي المدلول للموضوع؛ و تتم هذه العملية المركبّة البسيطة داخل مصنع انتاجية العقل؛ عبر اللغة- المضمون كاداة استقبال وتلّقي في مرموزاتها واشاراتها المكتوبة المقروءة. وتجريد اللغة المكتوبة والمقروءة عن هذه المواضيع والمعارف كمضامين ومباحث متنوعة لا محدودة؛ يصبح من المحال نقلها كمادة تلقّي استقبالي وتواصل معرفي وثقافي مع الاخرين. فاللغة تجريد صوري سابق على مضمونه؛ ولا شكل لغوي يمكننا ادراكه من غير محمول دلالي يتضمنه شكل وتعبير اللغة. اي لاوجود للغة بلا مضمون؛ والا اصبحت اللغة هذاءات لامعنى لها غير منظمة ولا مترابطة؛ وبهذا المعنى المقارب يقول دي سوسير : (اللغة سابقة على الفكر بل هي تستوعبه وتحتويه كما يحتوي الكوب الماء.وهذا يعني ايضا عدم وجود شيء خارج اللغة. وحقيقة الفكر ليست مادية. وانه ليس ثمة افكار مسبقة ولا شيء واضح المعالم قبل ظهور اللغة.) (1).

ان قول دي سوسير كما نسب اليه في الاقتباس اعلاه؛ ان حقيقة الفكر ليست مادية خطأ منهجي باعتباره يعتمد المثالية في التفكيرالمجرد ذهنيا فقط. وهذا لايلزم غيره الاخذ به كمسلمات. كما نجده يحذّر من اعتبار اللغة بعدية غير قبلية في انتاج المعارف الانسانية وهوما يدعم وجهة نظرنا التي نؤكد عليها ان اللغة بعدية.***

ولا  تتقاطع تماما مع ماجاء على لسان دي سوسير في الاقتباس اعلاه في قوله": ليس ثمة افكار مسبقة ولا شيء واضح المعالم قبل ظهور اللغة. في هذا يؤكد دو سوسير ان اللغة ليست متعين مادي او حتى خيالي خارج فعالية التفكير العقلي داخل /الدماغ العاقل في شيء او موضوع؛ بمعنى استحالة وجود لغة خارج مادية العقل في ادراكه للاشياء؛ مجردا من واسطة اللغة التعبيرية الناقلة؛ كما ان من المحال ان يصدر تفكير او فكرة من غير واسطة توصيل انتقال التفكير من العقل الى المستقبل المتلقي.اي ان لا مادية تواصلية وجودية للغة بلا مضمون يداخلها ومعها؛ والعكس صحيح فلا وجود لفكرة او موضوع يمكن ادراكه ذهنيا؛ لا يجد تعبيره اللغوي او الاشاري او الايحائي او الرمزي كي يصبح وجودا مدركا من قبل مستقبل متلقي اي ان تكون اللغة في ابسط معانيها المعجمية غير الفلسفية (دال ومدلول) في التواصل.

لنذهب اكثر من ذلك فنقول ان كينونة الانسان العاقل تتألف من التالي: الوعي بالذات؛؛ العقل؛ الحس؛ الادراك؛ خاصية التفكير؛ اللغة؛ الذكاء؛ الخيال؛ التجريد؛ الضمير؛ الوجدانات؛ والعواطف.هذه الملكات الفطرية والمكتسبة متعددة  الابعاد هي ماتعطي الانسان طبيعته كوجود وماهيته؛ واي نقص او خلل في واحدة منها او اكثر كفيلة بأعادة بالانسان الى (الحيوانية) في التعامل مع الطبيعة كما تفعل الحيوانات.

في المقابل نجد العلوم الطبيعية العلمية الصرف التي تهتم بالانسان كجسد وروح وعقل ونفس؛ هي الاخرى لايمكنها الاستغناء عن مرموزية التواصل ب (اللغة) مع الاخرين اجتماعيا؛ كمعادلات علمية تخصصية ايضا تواصلية. حتى في علوم الرياضيات والهندسة والطب والكيمياء والفيزياء تكون فيها مرموزات اللغة تواصلية – سيميائية في شكل المعادلات الرياضية وكتابة صياغة النظريات التي في الغالب عادة ما تكتب بغير اللغة الابجدية الدارجة المتداولة اجتماعيا. فهذه العلوم تكتب وتنقل مفاهيمها بلغة رمزية صورية خاصة تسمى المعادلات الرياضية والفيزيائية والكيماوية كما هو معلوم.

وفي العودة الى علاقة البنيوية باللغة والميتافيزيقا؛لا نعتقد هنا يبقى معنى مطلوبا القول ان البنيوية علميا وبحثيا انتشرت خارج نطاق بنية اللغة الصوتية او المكتوبة او التصويرية؛ كما في علوم اللغة و اللسانيات كما بدأها واعتمدها دي سوسير. فهذه مسألة لا تحتاج كثيرا من النقاش اذ يتعذر دراسة كل موضوعات المعرفة بنيويا نظريا ومنهجيا بلغة الصوت والكلام الشفاهي المنقول فقط بلا تدوين لغوي؛ ولا معرفة تواصلية من دون تدوين لغوي توثيقي.

وعندما نأخذ شتراوس في الانثروبولوجيا البنيوية او التوسير في نقده السرديات الكبرى والانساق الايديولوجية الماركسية القارة؛ نجد من العسير المتعذر في هذه الموضوعات التاريخية والفلسفية نقل وتوصيل رؤى وافكار جديدة من غير اعتماد فك شفرات ورموز لغوية وصورية مكتوبة توارثتها اجيال. وهي رسومات وكتابات لغوية جيولوجية يتم دراستها وفق نظرية ومنهج البنيوية في حفريات المعرفة والاثنولوجيا التاريخية؛ التي نجدها في مخلفات الانسان البدائي وقبائل ما قبل التاريخ؛ وفي الاساطير والاديان وما تركوه لنا من اثار حضارية وثقافية قديمة جرى اكتشافها في احقاب تاريخية متلاحقة تقوم البنيوية بنقدها واعادة قراءتها نسقيا.

على سبيل الاستشهاد كان من الصعب جدا دراسة الحقبة التاريخية الفرعونية من دون اعتماد الكتابة والنقوش والرسومات في اللغة الهيروغليفية القديمة لغة المدونات الحجرية والاثارية والحفريات لتلك الحضارة؛ومثلها في اللغة المسمارية السومرية؛ كما ليس بامكان دراسة شعوب وامم وحضارات تملأ الارض من دون مراجعة تدوينات الاف اللغات واللهجات المنتشرة اليوم عالميا بما فيها المندثرة تاريخيا. وفي دراسة مخلفات واثار ولغات اية حضارة عالمية سادت على الارض في حقبة زمنية تاريخية معينة.

وللتوضيح في مثال على ذلك فقد لعبت الصورة والعلامات والرسومات البسيطة في المرحلة البدائية للبشرية دورا مهما  في توصّل الانسان اختراع الكتابة.

وتعبر عن ذلك الباحثة د.فاطمة بدر قائلة: (ان الصورة هي اول شيء لجأ اليه الانسان البدائي للتعبير عن نفسه وعن افكاره. فقد كانت الحروف الهجائية تشكّل صور الاشياء والطيور والحيوانات المحيطة بالانسان الاول. فالصورة مخزونة في عقل الانسان الباطني ومحفورة في خياله ومصبوبة في تجاربه الذاتية لتعبر عن مكنوناته لانها تمثل وعيه الاول. فقد كانت الجماعات البشرية قبل اختراع الكتابة تقوم بمطابقة دوال العلامات وما تشير اليه وتوحد بين الشيء وصورته. لذا كان الانسان في العصر الحجري القديم عند رسمه للحيوان على الصخر يعتقد انه انتج حيوانا حقيقيا. ويذكر ليفي بريل في كتابه العقلية البدائية عن اعتقاد شخص هندي احمر رأى باحثا يقوم بأعداد صور تخطيطية لمجموعة من الثيران البرية؛ بأن الباحث في عمله ذاك عندما وضع الثيران البرية في كتابه لذا لم تعد عندهم ثيران (انفقدت) منذ ذلك الحين)(2).

ما اردناه في هذا المثال ان اللغة قرينة الفكر اولا وقرينة الوجود البشري ثانيا ولا لغة ولا معطيات لغوية خارج ثنائية الوجود-اللغة. الشيء الآخر ان اللغة في جميع مراحلها هي وجود عقلاني حتى في اشكالها البدائية في مثال الرجل الهندي الذي فهم اللغة فهما ميثولوجيا سحريا خرافيا فحدود فهمه الاسطوري هو تفكير ايماني روحي و عقلاني ابن مرحلته التاريخية البدائية.

وعندما نقول ان البنيوية في منهجها حفريات المعرفة تسعى لفك مرموزات الاساطير او بعض الرسومات النقشية الاثارية الحجرية وكذلك في المدونات التوثيقية التاريخية للاستدلال على معطيات معرفية غير مكتشفة فانها لاتعتمد في تنقيباتها غير اللغة النقشية التصويرية المكتوبة والمقروءة او الشفاهية المتداولة وليست اللغة الصوتية اذا ما كان ذاك متيسرا ومتاحا.او في اللغة المكتوبة او التنقيبية او اللغة الصوتية في حال توفرها؛ هي الوسيط والوسيلة المعرفية الوحيدة في نشر وتثبيت الجديد في مكتشفات وحفريات جيولوجيا المعرفة. ونقلها وتداولها على وفق منهجية واستدلالات جديدة غير مكتشفة من خلال التوظيف الانثروبولوجي او البنيوي البحثي.

ومن تناقضات الباحث العنزي في البنيوية الخلط بين البنيوية نظرية ومنهج نقدي نسقي لكافة الموضوعات التي تعنى بالانسان والطبيعة والتاريخ وعلم النفس وبعض العلوم الاخرى وبين اللغة المكتوبة المقروءة كاداة توصيل وتلقي وحيدة لتلك الموضوعات. يقول الباحث من بحثه المشار له سابقا ص40: (المحاولة البنيوية من وجهة نظر جاك دريدا تقوم على مركزية الصوت واسبقية الكلام على الكتابة. وكذلك تكريس مركزية العقل والاصل الميتافيزيقي من خلال اللغة).طبعا دريدا بخلافه مع البنيوية يعتمد اولوية اللغة على الكلام؛ ولا يقر ماتذهب له البنيوية في اسبقية الكلام على اللغة عندها.

كما اشرنا سابقا لاتعتمد البنيوية في دراستها المعارف والموضوعات الانثروبولوجية والسرديات التاريخية العامة وعلم النفس والطبيعة والاجتماع او الاقتصاد؛ بالاعتماد على مركزية الصوت في اللغة واسبقية الكلام الشفاهي المنقول اجتماعيا على ثانوية اللغة المكتوبة التدوينية المقروءة. او فك مرموزات وشفرات اللغات البدائية والغابرة في التاريخ بلغة الكلام والصوت كدال وحيد؛ بل هي تعتمد اللغة التدوينية المكتوبة ايضا.

نعم بعض فلاسفة وباحثي وعلماء البنيوية اشتغلوا في مجال النقد الادبي والثقافي على مركزية الصوت واللسانيات وتفكيك مفردات اللهجات الشفاهية لدى الاقوام البدائية في تدوين مرموزاتها الصورية والاشارية لغويا؛ في التعبير عن آرائهم الفلسفية.؛ لغة الكتابة في التواصل المعتاد. في مقدمتهم يأتي شتراوس؛ فوكو فينجغتشين ونعوم جاموسكي ودي سوسير. اي انهم درسوا النص الماثل لغويا ونقده بما يحمله من خصائص تجنيسية تجعل منه ادبا اولا واخيرا.

الموضوعات الهامة الكبرى في الفكر والفلسفة لم يتم الاهتمام في دراستها ونقدها ومراجعتها منهجيا بنيويا في اعتماد مركزية العقل فقط دونما وظيفة اللغة؛ هذه التراتبية انعكست في الفلسفات المعاصرة في اعتمادها (اللغة) مرتكز اساس يسبق اية مرجعية مثل العقل او اللوغوس. فمدارس الحداثة وخصوصا ما بعد الحداثة والبنيوية والتفكيكية جميعا شككت بكل اليقينيات العلمية والتاريخية والسردية والفلسفية القارة طويلا ومن ضمنها التشكيك بهيمنة العقل والعلم والانسان والتاريخ. واعتبروا الكثير من الانجازات البشرية في تلك الموضوعات غير مقنعة وناقصة؛ بل ذهب بعضهم على انها اكاذيب اخترعوها وتم لهم تصديقها. كما اعتبروا كل نص في تلك الموضوعات غير بريء. بمعنى وجود غايات ودوافع سياسية مصلحية وراءها؛ونقص دائم تحمله اللغة في مردود المعنى فيها؛ في مجاوزتها المسكوت عنه. واعتبروا ايضا تلقي وقراءة وتأويل اي نص مكتوب يحتاج قراءة نقدية مغايرة للسائد.بمعنى في مثل التفكيكية التي لا يمثل لديها الحضور المتجاوز بالتفكيك دوما في نشدانها الغياب الذي تحمله اللغة في متعين النص وفائض المعنى؛ الذي لا يلبث الاخر ان يصبح واقعا يطاله التفكيك الى ما لا نهاية.

نؤكد للمرة الثانية استحالة التطبيق التجريبي للافكار في اعتماد مركزية الصوت اللغوي واسبقية الكلام على الكتابة اللغوية المجتمعية؛ نعم هذا صحيح ومقبول في دراسة اهمية الكلام واسبقيته على الكتابة فيما يخص مجتمعات واقوام ما قبل التاريخ البدائية؛ اي قبل اختراع الكتابة التدوينية في القرن الثالث او الرابع قبل الميلاد.

وفي غير الدراسات التخصصية المعرفية باستثناء ما يتعلق بالادب والموسيقا والفنون؛ فالبنيوية كمنهج يشتغل على حفريات جيولوجيا البحث والمعرفة تكون لغة الكتابة التوصيلية التداولية مركزية في هذا النوع من الموضوعات والدراسات تتراجع فيها مركزية اللغة الصوتية(الكلام) التي هي تخصص معرفي دقيق يخص اللغة من حيث هي تجنيس ادبي. امام الطموح السيسيولوجي في المعرفة التي لا تبتغيه البنيوية بخلاف الشكلانية التكوينية او التوليدية عند نعوم جومسكي .

اذن ما المقصود قول الباحث تكريس الاصل الميتافيزيقي من خلال اللغة... واي لغة يقصدها الباحث... واي اصل ميتافيزيقي... !؟

اللغة وعاء للوجود البشري في جميع ظواهره وتمظهراته. ووسيط تواصل اجتماعي بشري ولم تكن اللغة ميتافيزيقا يوما ما. وحتى الموضوع الفلسفي او المعرفي او الانثروبولوجي؛ من غير تعيّنه في شكل لغوي معّبر عنه لا يمكن ان يكون ميتافيزيقيا او اي شيء آخر من غير تعينه في شكل لغوي. واللغة التواصلية اداة توصيل ونقل الموضوع ووعاء للافكار؛ كما هي شكل تعبيري للمضمون الذي يستحيل في حالة تجرده عن شكل اللغة في توصيله وتداوله ان يكون شيئا او وجودا ماديا.. واللغة حيادية بالنسبة لمضمون الاشياء والموضوعات؛ ولا تتحمل اللغة سوء وضحالة مضمون التفكير. وهي الحيّز الذي تصب فيه المعارف الانسانية.

اللغة بالمعنى المجتمعي كاداة توصيل وتلقي؛ تسبق الفكرة المعرفية او الموضوع** او البحث النظري او التطبيقي وهي التأطير الشكلي الظاهري والموضوعي في المعرفة والسرد على السواء. واهمية اولوية اللغة على الفكر تكون في العقل الداخلي غير المفصح عن تفكيره لغويا؛ عندما يكون التفكير واللغة في الذهن صمتا مطبقا لا يعبر عن اي شيء موجود واقعيا. والخطيئة المتهمة بها اللغة ليس في عجزها عن نقل الافكار نقلا امينا واضحا مفهوما؛بل في عجز الفكرة المعرفية والفلسفية الاتساق مع المضمون التوصيلي للغة. وما يدعى خيانة اللغة ومخاتلتها في الافصاح عن المعنى؛ يجب ان توجه هذه التهمة الى تقصير العقل التوليدي للافكار في الذهن؛وفي وسوء استعمال اللغة التعبير عن الفكر القاصر في اكتمال المعنى لديه قبل دفعه الى شكل اللغة التعبير عنه كمضمون. لذا اعتبر عبقرية اللغة سابقة على عبقرية الفكر.

الدراسات الألسنية للادب فقط تؤكد – ظهور البنيوية التكوينية او التوليدية كحركة وكاتجاه او مدرسة نقدية في البحث اللغوي والنقد الادبي والثقافي وكذلك في علم الاجتماع والسرديات..الخ-.وتعتبر البنيوية التكوينية هي الابرز في مجال النقد الادبي معتمدة المبدا التوفيقي الذي يمزج مابين الجدل المادي والتفسير التاريخي الماركسي من جهة؛ وبين الشكلانية البنيوية من جهة اخرى. في عملية توفيقية توليدية للافكار الجديدة او نقد القديم منها وتخليصها من المخطوء .  وهذه تختلف عن البنيوية كفلسفة تقوم على توظيف علوم اللغات الالسنية ولغة الصوت فقط كما هي عند دو سيسير في اعتماده اللغة قاموسا نحويا في تفكيك مفردات اللغة في لعبة  اعدام وظيفة اللغة ان تكون قاموسا حافظا لكل تاريخ و معاني الحياة. .

البنيوية نظرية ومنهج مثالي عند دي سوسير لا تقيم وزنا للتفسير المادي للاشياء والتاريخ. البنيوية الصوتية واللغوية تروم لوي عنق الوقائع والموضوعات والفكر تحت وصاية مراجعتها المثالية النقدية المقطوعة الصلة في التجريبية التطبيقية والفهم العقلي التجريدي بما يتوجب ان تكون عليه تلك الموضوعات.

البنيوية اللغوية الشكلانية استبدلت الفيض الميتافيزيقي في الفلسفة منذ فلاسفة الاغريق القدامى وصولا الى افلاطون وارسطو. وكذلك التخمة الميتافيزيقية في التفسير اللاهوتي للعصر الوسيط الى نوع من الفيض اللغوي الشكلاني الذي يعتمد اللغة منهج ومرتكز معالجة الموضوعات وقراءتها قراءة نقدية شكلانية جديدة. ولا تقر البنيوية (الكلام الشفاهي) ان اللغة وجود مادي مثل باقي الموجودات؛ لكنها لا تسبق  الوجود الواقعي للاشياء والطبيعة والانسان فهذه الموجودات والاشياء جميعها مع اللغة وجود مادي سابق على اي نظرية او منهج او تفسير فلسفي. اللغة معطى عقلي اجتماعي تسبق اي تفسير او نظرية او منهج يتوخى نقد او اعادة صياغة او تفكيك للوقائع الموجودة باستقلالية موضوعية لغوية في الواقع.نعيد مرة اخرى ان اللغة في تعالقها بالتفكير داخل العقل؛تكون ثانوية تراتيبية بالمقارنة مع الفكر التوليدي ذهنيا؛ قبل انطلاقته في تعبير لغوي عن الشيء الذي تم التفكير به؛ وما ان تخرج اللغة من مكمنها في صياغتها الفكرة كمتعين واقعي مضموني تصبح هي سيدة الموقف وتمتلك اوليتها على الفكر.(يرجى ملاحظة توضيح هذا التعالق في الهامش).

لا اعرف لماذا يتحفظ الكثير عن حسم مصطلح البنيوية على صفحات بحوث كاملة.. في ان تكون البنيوية فلسفة او حركة او اتجاه او مدرسة او نظرية او تياراً او منهجاً. ويعتبر الباحث التمييز في ان تكون البنيوية نظرية ام منهجا.. سؤال تقليدي ليس من واجب الباحث الاجابة عنه.!!

ثم اذا كانت البنيوية باعتراف باحثين متخصصين ربما تكون في احدى اهتماماتها مدرسة نقدية في البحث اللغوي والنقد الادبي والثقافي... وفي موقع سابق اشرنا له ان البنيوية عندهم حركة علمية في مجالات معرفية اخرى غير الادب. فاين يكون موضع اللغة في هذا المتحف البنيوي؟ هل هي لغة الصوت والكلام...ام هي لغة الكتابة المقروءة ام هي كما يعبرعنها اشكالية ميتافيزيقا اللغة...؟ وان كنا نتحفظ كثيرا على تسمية ميتافيزيقا اللغة لعدم وضوح المعني والمقصود بذلك. فاللغة برأينا رموز واشارات متفق على عقلانيتها سواء في الاساطير والميثالوجيا والعقائد الدينية الخرافية. او جاءت هذه الرموز عبر الموروث المنجز للبشرية في المجالات البحثية المعرفية كافة.وهي بعيدة تماما عن المجال الميتافيزيقي الا فقط كونها وسيلة التعبير عن الافكار بضمنها الافكار الميتافيزيقية.

بالتاكيد ان تغليب لغة تفكيك الصوت والكلام الشفاهي في النقد الادبي وفي دراسات علم اللغة بعيدا عن اللغة التواصلية في المنهج البنيوي النقدي لا يكفي.فقد يصبح النقد الادبي البنيوي المعتمد لغة الصوت والكلام يشبه كتابة – نوتة – موسيقية بعيدة عن معالجة اشكاليات الادب والنقد الثقافي في مرجعية النص المكتوب.

وحتى النوتة تحتاج تدوين سيميائي رمزي اشاري خاص؛ من هنا يمكننا طرح اهمية ما جاء به غولدمان في البنيوية التكوينية لحل هذا الاشكال الصعب.وذلك في تظافر المفاهيم الماركسية مع البحث التوليدي التوفيقي . والادب يحتاج لغة كتابة ايضا في كل الاحوال ولا غنى عن ذلك. لذا نجد خروج البنيوية على الرموز الصوتية واللسانية التي لم تكن صالحة في التطبيق الانثروبولوجي لدى شتراوس ولا لدى لاكان في علم النفس البنيوي ولا لدى جاك دريدا او فوكو او التوسير في مباحث البنيوية في السرديات والانساق الايدولوجية الكبرى. ولا في المعارف والدراسات الفلسفية التي كانت قيد المراجعة والقراءات الجديدة للمنهج البنيوي.

*** عندما نقول اللغة تسبق الفكر؛ فهي تبدو لنا غير صحيحة في تراتيبية الوظيفة الفسلجية للدماغ في توليده الفكر واللغة؛ من حيث ان اللغة وعاء الفكرة المعبّر عنها؛ والفكرة او الادراك الموضوعي لشيء ما هي نتاج العقل؛ وبهذا المعنى تكون الفكرة او التفكير بالموضوع اسبق على لغة التعبير عنها؛ لكن عندما نعبّر عن الفكرة لغويا تواصليا فهي من حيث التراتيبية المحصورة بين لغة تعبير ومستقبل لها في تموضعهما واقعيا؛ تنعدم هنا اسبقية الفكرة عن لغة التعبير عنها؛ كونها فكرة اخترعها العقل في كمون غير مدرك قبل اللغة؛ ولو لم يأت دور اللغة في التعبير عنها؛ لكانت الفكرة نتاج التفكير العقلي المجرد تسبق الافصاح اللغوي عنها.(كاتب المقال).

 

علي محمد اليوسف /الموصل

..........................

(1) المصدر السابق ص 51.

(2) د.فاطمة بدر/ الصورة في السرد الروائي والسرد السينمائي/ مجلة الاقلام العراقية العدد2 حزيران، 2010

 

علي محمد اليوسفاذا ما اخذنا على محمل الجد كما يراد لنا التسليم به اعتبار نيتشة هو اول من استبعد الميتافيزيقا الفلسفية والمعرفية التي سادت قرونا طويلة قبله عن مباحث الفلسفة.ومتنكرين لريادة كانط في شنه حربا شعواء على الميتافيزيقا قبل مايزيد على اكثر من قرن قبل مجيء نيتشة 1844 - 1900، وانه – نيتشة– حسب زعمهم يمّثل التمفصّل الفلسفي المعرفي الوحيد الذي الغى كل ما سبقه من ارث الميتافيزيقا باعتبارها لغوا فارغا بلا معنى ولا نتيجة، وفكرا غاطسا في مستنقع الغيبية غير العقلانية ليس في مباحث الميتافيزيقا وحسب، وانما ممثلة ب (اشكالية اللغة). هذا الرأي من وجهة نظرنا تضخيم فلسفي لشخصنة فلسفة نيتشة واستنباط مفهوم لا تاريخي ولا معرفي دقيق او صحيح. اذ يوجد هناك من وضع وفهم نيتشة فهما قاصرا منحازا لافكاره على حساب الحقيقة المعرفية وتاريخ الفلسفة. صنّف هذا البعض هيدجر كفيلسوف ميتافيزيقي وهو الوجودي المعروف بآرائه المعاصرة التي هاجم فيها الميتافيزيقا مطالبا انهاء هيمنتها لقرون طويلة. واعتبر هيدجر أن نيتشة نفسه هو آخر ركّاب عربة المتافيزقيين التي وصلتنا بداية القرن التاسع عشر. كما هاجم هيدجر البنيوية معتبرا اياها من مخلفات الميتافيزيقيا التي وصلتنا وتم بعث الحياة فيها على ايدي شتراوس والتوسير ولاكان ودو سوسير وفوكو وعشرات غيرهم. ومثل هيدجر وسارتر فعل جاك دريدا في اعتباره البنيوية برمتّها ضربا جديدا من الميتافيزيقيا،واعتباره هيدجر ميتافيزيقيا لايمانه بمرجعية العقل والوجود الانساني كثابت استرشادي في فهم تقويضات النص المتتالية تفكيكيا عليه، وكل مرجعية ثابتة او متغيرة في فلسفة دريدا هي ميتافيزيقا يتوجب نبذها والتخلص منها، ونعتقد ان كل قاريء منصف يستبعد ان يكون هيدجر فيلسوفا ميتافيزيقيا وهو الوجودي الملحد الى نخاع العظم.

الى ذلك ذهب ايضا البعض ممن اعتبر الحداثة وما بعد الحداثة التي تداخلت معهما البنيوية في تحقيب تاريخي زمني. واعتبروا الحداثة وما بعد الحداثة مرحلتين متداخلتين من مراحل التجديد  الفكري الفلسفي والمعرفي عموما. وهذه ايضا مغالاة في الحكم والاستنتاج غير العقلاني والتاريخي الصحيح. فمن المتعذرعلينا قبول امكانية الغاء معطيات ومنجزات قيم الحداثة وما بعد الحداثة انهما كانتا عبئا معرفيا واشكالية (لغوية) بالاساس لاغير. او كما ارادت البنيوية ذلك ولم يتحقق لها، الغاءاً وتجاوزا مشروعا لما سبقها من فلسفات لم تكتشف قبل البنيوية محورية واشكالية (اللغة) في تعقيد قضايا الفلسفة والمعرفة التي بقيت ولعصور طويلة تدور في مماحكات المنطق الفلسفي اللغوي التجريدي الذي لم ينجز شيئا معتّدا به في مجال الفلسفة كما فعل العلم وحققه في تقدم الحياة، وحسب اقطاب البنيوية والتفكيكية كانت (اللغة) وحدها هي السبب في عجز الفلسفة ومراوحتها مكانها في الدائرة المفرغة من حيوية وفاعلية الحياة الواقعية المعيشية التي كان من المفروغ منه اسهام الفلسفة في تغييره كما فعل العلم في تخليه عن كل ما ليس عقليا ولا عمليا في التاثير بالواقع والحياة.

من المعروف رغم معطيات نيتشة الفلسفية اللامعة الا ان العديد من مؤرخي الفلسفة وبعض الفلاسفة المعاصرين يذهبون الى ان فلسفة نيتشة لم تقد الموروث الفلسفي السابق عليه سوى نحو العبث والعدمية والجنون والاغتراب وعدم الاعتراف بحقيقة في مجمل تاريخ وحياة الانسان التي عاشها و لا اكثر من ذلك.

واهمية فلسفة نيتشة انها جاءت على شكل شذرات فلسفية مستفيدة من الامكانية الشعرية في تغييبها الشعور العقلي، في صياغتها لافكارها في لغة فلسفية حمّالة اوجه عديدة في التفسير والقراءة والتاويل، خاصة في مؤلفه هكذا تكلم زرادشت، ولم يعتمد في تصدير افكاره الفلسفية على اسلوب فلسفي منطقي تجريدي متماسك في توصيله افكاره الفلسفية كما فعل غالبية الفلاسفة من قبله ومن بعده. كما لم يفتح نيتشة طريقا سالكا امام ظهور فلسفات من بعده ربما كانت البنيوية او غيرها من مدارس المعرفة النقدية الحديثة او الفلسفية كما ينسب البعض له.

وخير دليل على ذلك ان سارتر في بنائه الوجودية الحديثة بمرتكزاتها الثلاث الوجود لذاته، او الوجود من اجل ذاته/ والوجود في ذاته الله – والعدم – والحرية/ والوجود من اجل الاخرين لا تعترف به الوجودية، فهو اخذ اي سارتر اكثر من فكرة فلسفية سابقه عليه فقد اخذ عن سورين كيركارد وشوبنهاور وغيرهما بنفس الوقت الذي اخذ عن هيجل وفيورباخ و هيدجر ونيتشة. كما هو الحال بالعود الابدي لنيتشة المستقاة عن هيراقليطس وقبله فلاسفة الاغريق القدماء منذ القرن السادس ق. م. والعود الابدي لنيتشة لم تكن فتحا تجديديا غير مسبوق في الفلسفة. وان كان تمسّك نيتشة به شديدا في معاداته ميتافيزيقا اللاهوت بضراوة. الا اننا نجد ارهاصات العود الابدي في كتابات هايني وهولدرين وبلانكي وجويو وهناك اشارات غامضة للعود الابدي لدى كلا من بايرون وسبنسر بحسب الفيلسوف ريتشارد شاخت.

وعلى خلاف ايضا مع الذين التقطوا الدرة الثمينة والفتح المعرفي الفلسفي التجديدي الفريد لنيتشة كما يفهمه ويبشر به الباحث الكويتي استاذ فلسفة احمد العنزي. فهو احد الذين يعتبرون نيتشة الملهم الروحي للفلاسفة المعاصرين في سعيهم القضاء على الميتافيزيقا والهراء الفلسفي المتعالق معها. وان افكار نيتشة ايضا حسب الباحث وغيره مهدت لظهور كتابات اقطاب البنيوية امثال ميشيل فوكو وليفي شتراوس ودي سوسير ورولان بارت وجاك دريدا وجيل ديلوز والتوسير في اشتغالاتهم التخصصية المنوّعة على موضوعات الفلسفة البنيوية المختلفة. ونكرر ونقول ان هذه المصادرات والاستنباطات الفلسفية والمعرفية غير صحيحة ولا تكتسب الموضوعية البحثية العلمية، في اعتبار واعتماد سذاجة تحليلية ان كل من اتيح له قراءة نيتشة من فلاسفة البنيوية اصبح تلميذا له في اختراعه فلسفة هي من بنات افكار نيتشة وارهاصاته الفلسفية.لا نعتقد تقاس الامور بهذه البساطة. فقد كان لاسهامات كانط وهيوم وبيكون وجون لوك، من اقطاب التجريبية التحليلية الانكليزية، وكذا الحال مع اقطاب الفلسفة البراجماتية النفعية العملية الذرائعية الامريكية، (تشارلز بيرس، وجون ديوي، وليم جيمس) وقبلهم جميعا كان ديكارت في القرن السابع عشر الميلادي، صاحب الفضل الاعلى في اقصائه الميتافيزيقا من اهتمامات الفلسفة ونادى بالعقل والمنطق العلمي والمنطق الرياضي فوق كل مبحث في الفسفة والمعرفة اذا ما ارادت الفلسفة احترام العلم لها وعدم استخفافه بها.

يذكر الباحث احمد العنزي ان نيتشة: (اعتبر اشكالية القيم الميتافيزيقية لم تكن سوى لغو واشكالية (لغوية) بامتياز. لذلك اعطى نيتشة (اللغة) اهمية مميزة ومكانة مركزية. وهو ما تابعه هيدجر عند نيتشة الذي اعتبر اللغة مسكن او بيت الوجود. فلم يتبق اذن من رواسب الميتافيزيقا سوى هذا المسكن الصغير اي اللغة)([1]).

لا يوجد اي سند فلسفي تاريخي معرفي يؤكد صحة ان اللغة كانت ميزة وبؤرة مركزية في فلسفة نيتشة تفوق ولعه الجنوني جدا في مهاجمة اللاهوت المسيحي والميتافيويقا. ولم يسبق لاحد ان ادعى ميتافيزيقا اللغة هي آخر المتبقي من رواسب الميتافيزيقا الفلسفية كما مر بنا عند الباحث. لا في كتابات نيتشة وافكاره الفلسفية ولا في كتابات من اشادوا بميراثه الفلسفي واستاذيته لهم من رواد فلاسفة البنيوية امثال سوسير او فنجشتين او شتراوس او فوكو او بارت او التوسير الذي هو اكثرهم مغالاة في التطرف البنيوي المثالي التجريدي التهويمي في محاولة تطويعه الوقائع التاريخية والسرديات االكبرى والايديولوجيات وموضوعات المعرفة قسرا لمنطق التشتيت الفلسفي والفكري باسم الاخلاص للبنيوية، كل هؤلاء مدينين لنيتشة كما يرى الباحث في هدايته لهم كشفهم الجديد ان اللغة هي ام كل مصائب الميتافيويقا، وهي ام كل الفلسفات التي تعتمد مركزية اللغة في التفكير الفلسفي ومراجعته نقديا بضوء ماتفصح عنه وتكشفه اللغة من جديد لم ير النور، كانت اللغة سببا في انغلاقه الفلسفي التجريدي.

الشيء الآخر الذي يغفله هؤلاء المتزمتون ان الاهتمام بمركزية اللغة في مراجعة وشروحات مواضيع الفلسفة انما جاءت في مرحلة متأخرة عن نيتشة 1844 _1900بدايتها كانت في مطلع القرن التاسع عشر لدى جاكوبسون وجماعة الشكلانيين الروس الذين عقدوا مؤتمرهم اللغوي الفلسفي في لاهاي عام 1920،وهم اول من اطلق مصطلح البنيوية، وكان ابرز من خلفهم في مجال اللغة هو دوسيسير و فنجشتين ومن ثم رواد الفلسفة البنيوية اللغويين بارت وميرلوبونتي... وبعدهم ورواد التفكيكية ابرزهم جاك دريدا. وجومسكي صاحب التوليدية البنيوية.

ولم يذهب احد من هؤلاء الى اعتبار (اللغة) هي الأرث الاخير المتبقي من رواسب الميتافيزيقا، بل اعتبروا اشكالية الفلسفة وليس اشكالية اللغة كانت ولا تزال على حد زعمهم تمثل محور دوران كل مواضيع ومباحث الفلسفة في دائرة الخواء اللغوي الخالي من معاني معالجة الوجود الواقعي للانسان وقضاياه.. اللغة التواصلية التداولية مرتكز ووسيلة اعتماد ظهور البنيوية والتفكيكية وغيرهما في جميع ونواحي اشتغالات الفلسفة في قضايا الانثروبولوجيا والتاريخ وعلم النفس والادب والاساطير والسرديات العامة. وليس هناك من ادعى اهمية الالتفات الى (اللغة) لانها كانت سببا في جعل معظم تاريخ الفلسفة يدور حول مسائل الميتافيزيقا فقط، بل كانت اللغة ضحية سوء استخدامها في كتابة وتدوين مباحث الفلسفة المكتشف عقمها التجديدي في النصف الثاني من القرن العشرين ونعود لهذا في توضيح لا حق.

باعتقادنا ان سوء استخدام اللغة واشكالاتها الفلسفية في جميع قضايا الفلسفة هي من بقايا الميتافيزيقا والارث الفلسفي الكثير الذي وردنا، وخير دليل ان الشغل الشاغل لجميع التيارات الفلسفية مثل البنيوية و التفكيكية والتاريخية وصولا العدمية، تعتبر اللغة مرتكزا محوريا في الفلسفة المعاصرة، ولا نعتقد وجود فيلسوف يعامل (اللغة) فلسفيا اليوم في نفس معاملته الميتافيزيقا الفلسفية التي اصبحت شتيمة تسم الفلسفة  في تخلّف معرفي ارتدادي يدين مباحث الفلسفة وليس اللغة كتعبير فلسفي تداولي.

مع كل هذا نجد من اعتبر اللغة الارث الاخير المتبقي من رواسب الميتافيزيقا بخلاف المنطق العلمي الفلسفي التاريخي الذي يشير باطلاق انه لولا اللغة لما كانت الفلسفة على امتداد التاريخ كان لها حضورها ومثلها جميع العلوم الانسانية والمعرفية، كون اللغ ببساطة شديدة هي التعبير عن العقل والفكر والفلسفة. ولولا اللغة رغم الادانة الاشكالية لها اليوم في دورها المعرقل للفلسفة على حد تعبيرهم، لما كانت البنيوية ولا غيرها من المعارف الانسانية والفلسفات لها حيز اهتمام فكري محترم. وفي البدء كان الكلمة كما وردت في اللاهوت وهي عبارة وردت في اللاهوت المسيحي قبل ظهور الفلسفة بعدة قرون. اذن من الخطأ الكبير تحميل الفلسفة وزر اشكالية عقم الميتافيزيقا وموضوعاتها الباقية لحد اليوم دونما حسم مقنع، فالاشكالية اليوم هي اشكالية مباحث الفلسفة التجريدية التي كان همها الوحيد الدوران حول مركزية الفهم وتعميم الفهم التجريدي المنطقي لطروحات الفلسفة المستغلقة والبعيدة عن واقع الحياة.،وكذلك اشكالية قضايا ومباحث الميتافيزيقا المتعالقة مع تزمت اللاهوت الديني العقيم تجديدا وعلميا، قبل عصري النهضة والانوار، وكانت اللغة ضحية تلك الاشكاليتين وغيرهما من اشكاليات الفكر التي تتوسل اللغة تدوينا توثيقيا وتواصليا. اللغة هي التعبير عن الوجود ومشكلاته، و تعبير عن غير الموجود واشكالاته، و تعبير عن الشعور واللاشعور وعن اشكالاتهما. اللغة وسيلة حل كل اشكالية في الوجود، لكن ولم ولن تكن مشكلة قائمة بذاتها، اللغة هي ام كل المشاكل في الوجود، لكنها ليست مشكلة مجردة عن ذاتيتها ووجودها المعبّر عن كل شيء يدركه العقل كوجود اشكالي.

لا اعتقد علينا فهم الامر بالمعكوس كما يرغب البعض من الباحثين ان البنيوية كنسق فلسفي معرفي غائم في معظم طروحاته الفكرية يتقدم اللغة بدلا من اعلائه شان اللغة – وهذا هو جوهر ما نادت وجاءت به البنيوية والتفكيكية وغيرهما من الفلسفات في جميع معالجاتها في فضاءات المعرفة –والفكر، في اعتبارهم الساذج ان حل مشكلة اللغة، يعني حل كل المتصّلات والمعضلات التي خانت اللغة التعبير عنها  من فلسفة وفكر ووجود.

ولم يكن في اهتمام البنيوية تحطيم هيكلية النسق اللغوي الشكلاني كتجديد لا يمس مضمونية المحتوى اللغوي،كما فعلت التفكيكية عن سبق قصد واصرار . بل بالعكس ان اللغة متقدمة على الفلسفة كوسيلة تواصلية عامة و البنيوية كنظرية ومنهج فلسفي نسقي وجدت  في اللغة رمزية دلالية نقدية وتاويلية تاريخية غير مسبوقة غير مكتشفة. وملاذا مسعفا لها في معالجة قضايا وامور ومشاكل عالقة في الفلسفة والانثروبولوجيا والتاريخ وفي الايديولوجيا والسرديات الكبرى والادب وغيرها. وهي من اختصاصات وميزات الرمزية اللغوية البنيوية والتداول المعرفي التواصلي في الاشتغال على وسيلية وتوظيف اللغة حصرا.

ولم تكن البنيوية ولا غيرها من نظريات المعرفة ان تظهر وتكون الا واحدة من اختراعات ومكتشفات مجالات استخدام وظائف اللغة المتعددة. تضحية اللغة ان لاتكون سببا في سوء التعبير اللغوي لمضامين مباحث الفلسفة كما في الادب والتاريخ وعلم النفس. فاللغة سابقة معرفية مادية على الفلسفة البنيوية او غيرها من الافكار،  ومن النظريات والمناهج الفلسفية كافكار تعبير قاصرة في غياب حضور توظيف اللغة الصحيح في نقل الافكار، لذا فالجميع يرفع شعار (خيانة اللغة) مهملين خيانة التفكير القاصر السابق على التعبير اللغوي في كل مجالات التاريخ والفلسفة والسرديات وغيرها. ولم تكن ولن تكون الفلسفات و النظريات والمعارف المنهجية سابقة دالة تتقدم اللغة كوجود تواصلي يمتلك التعبير الجودي لها. ان من اهم المسائل التي تغيب عن الاذهان، ان الوجود لا يكتسب حقيقته المادية قبل ومن غير مادية التعبير عنه لغويا سواء في الذهن، أوفي وجوده ماديا متعينا بفضل اللغة عليه لا فضل الفكر على اللغة.

اللغة بالمعنى الذي ذكرناه سابقا ميراث تاريخي متطور لا ميتافيزيقي (قبلي وبعدي) في مختلف التوظيفات والاشتغالات المعرفية الفكرية والتاريخية القديمة والمعاصرة. اللغة هي المرموزات اللغوية الدالة التوصيلية العابرة للازمان والتاريخ وهي المهمازالنسقي القبلي المحايث الذي اعطى الفتوحات النظرية المعرفية والفلسفية مغزى الظهور والبقاء التداولي عبر العصور. في كل هذا وغيره لم تكن اللغة اشكالية خائنة للوجود بل كانت الوسيلة الوحيدة التي عرّت الوجود في حقيقته.

لا نعتقد ان الارث المعرفي العلمي والفلسفي علّة ميتافيزيقيته هو في اشكالية اللغة وميتافيزيقتها وخيانتها بامتياز، كما ينعتها ويعبّر عن ذلك بعض الباحثين المتخصصين الذين الهمتهم محورية اللغة في الاشكالية البحثية الفلسفية في كل من البنيوية والتفكيكية ومباحث اللغة وغيرها ان اللغة هي ام كل رذائل الفلسفة الملحقة بها. بل ذلك الارث الفلسفي البحثي اشكاليته فكرية عقلية مضمونية قبل ان تكون اشكالية في قصور تعبير اللغة القيام بوظيفتهاالمعرفية والتواصلية، وان اشكالية الفكر الفلسفي تحديدا وعجز تجديده، وليس عقم ومخاتلة اللغة  بمعزل عن كل المستلزمات الضرورية التي تحكم المادة والظواهر والطبيعة والانسان والتاريخ والمعارف بالتغيير المستمر والتطور الزمني- الحضاري هو ما يتوجب  الاهتمام به كما دعت له التجريبية المنطقية التحليلية الانكليزية عند هيوم وجورج مور وبراترانرسل،والكف عن تحميل اللغة مساوىء الفلسفة واخفاقاتها عبر التاريخ.

اي ضيق افق ودوغماتية  ان نعتبر جميع القضايا التي شغلت البشرية قبل ولادة الفلسفة البنيوية هي محض هراء ميتافيزيقي لا علاقة له بالفلسفة... وماذا وصلنا من ارث هذه الحقول المعرفية التي اعتمدتها البنيوية في النقد والتطوير الجديد المحتمل.؟ وكذا الحال مع التفكيكية او العدمية والتاريخانية المعاصرة، وعلى ماذا طبّقت هذه الفلسفات والمعارف مفاهيمها الفكرية المنوعة في المراجعة ومحاولة اعطاء البدائل لما اخفقت به الحداثة وما بعد الحداثة في تجريدهما من التاريخية التحقيبية... ان جدل وحركة المادة والطبيعة والانسان والتاريخ يشير الى بداهة معرفية انه لا يمكن خلق قناعات جديدة وقراءات جديدة لميراث الانسانية بمعزل عن منهجية نقد ورفض او اعتماد بعض ما توارثته البشرية في هذه المجالات. والجديد يتخلق وينبثق دوما من رحم القديم. ان مشكلة البشرية ليس في اشكالية (ميتافيزيقا اللغة) كما يعبّر البعض. وانما الاشكالية في تعثّر المنجز البشري من معارف وافكار ونظريات يطالها التغيير الزمني التاريخي بالاضافة والتجاوز.

البنيوية فلسفة نظرية ومنهج مراجعة فكرية واسلوب نقدي قابل للقبول والاخذ به في نفس وقت انه قابل للدحض وابطال وتوقف فعالياته بحكم التطور التاريخي الزمني. وتمجيد البنيوية ليس معناه غلق الابواب امام بروز تيارات معرفية جديدة لاحقا لعل التفكيكية ومنهج حفريات اركيولوجيا المعرفة احداها وان لم تكن بافضل من البنيوية. وكذلك البنيوية التكوينية التوليدية عند ناعوم جومسكي التي تقوم على التوفيقية اللغوية هي واحدة من مناهج تطور البنيوية وتعدد اشتغالاتها.

يستبعد الباحث العنزي – دكتوراه فلسفة معاصرة – ان يكون للغة غير الصوتية والكلام الشفاهي اشتغالا مع شتراوس قائلا: (عندما نكون بصدد الحديث عن البنيوية كحركة علمية علينا ان نسجل اننا لم نعد في الحقيقة امام بنيوية واحدة كما نادى بها فردينان دي سوسير 1857–1913 سرعان ما وجدت اصداء واسعة وانتشرت في ميادين مختلفة وحقول اخرى غير اللغة)([2]).

ويضيف (اننا مع ليفي شتراوس 1908 – 2009 اصبحنا بصدد بنيوية انثروبولوجية اهتمت بدراسة حياة الانسان البدائي محاولة فك شفرة رموز الاساطير البدائية.... الخ.) ([3]).

البنيوية في تفرعاتها المختلفة في بحوثها مواضيع لاتعتمد علوم اللغة واللسانيات هي الاخرى لم تكن اشتغالاتها خارج نطاق اللغة التداولية، فهل كتابات شتراوس والتوسير وفوكو هي خارج فاعلية اللغة المكتوبة في توصيل افكارهم الفلسفية؟ ام هي خارج موضوعات دي سوسير في تناوله اللغة الصوتية والكلام الشفاهي لدى القائل البدائية في تشفيره حل تلك المرموزات داخل وظيفة اللغة التواصلية؟.

وصف الباحث (البنيوية بانها حركة علمية بعيدة عن اشتغالات واهتمامات اللغة).متناسيا شعار البنيوية (لا شيء خارج النص).- ويقصد الباحث هنا باللغة علم الاصوات واللسانيات اللغوية الصرف في تحويلها بحثيا وتوثيقها تدوينا فلسفيا مكتوبا، وهو لا اعتقد من الممكن ان لايستبعد وثاقة ارتباط اللغة، اللغة بمعناها المعجمي التداولي التواصلي الشامل كتابة وقراءة وتدوين اللهجات الشفاهية ومرموزاتها الدلالية التواصلية مجتمعيا على صعيد القرية والقبيلة واخيرا المدينة عند اقوام لا تزال تعيش حقب ما قبل الاتاريخ.

ولكن العلمية في اي منحى من ضروب التجريبية العلمية تكون خاصية اللغة كرمز تواصل تعريفي تداولي غير مستبعدة ولا تستغني عنها جميع العلوم الانسانية والطبيعية في نقل وتوثيق منجزاتها واضافاتها الجديدة كما في علوم الرياضيات مثلا، فهي تستعمل رموز علمية(المعادلات) لا يفهمها غير الشخص المعني بتلك الدراسات الرياضية والفيزيائية والكيميائية والطبية او الفلكية وهكذا.

ولو نحن القينا جانباً العلوم الانسانية الانثروبولوجيا والتاريخ وعلم الاجتماع والادب والسرديات والانساق الايديو لوجية ...فهذه جميعا علوم توثيقية تقوم على رمزية اللغة التواصلية التداولية المكتوبة والمسموعة والمرئية قبل كل شيء آخر. ونقدنا لهذا الميراث المعرفي  والعلمي والفلسفي والتاريخي. انما هنا ينصب نقدنا له ومراجعته على تصحيح المفاهيم الخاطئة في محمولات اللغة، وليس الاهتمام بتصحيح نحو اللغة والبلاغة وغيرهما. قريبا من هذا المعنى وافضل منه مايؤكده براتراند رسل قوله ما معناه :اننا اذا ما كرسنا جهودنا في قضايا وامورخصوصية اللغة قاموسيا، من نحو وبلاغة واستعارة ومجاز، لكنا اقرب الى العاملين في مجال وضع القواميس اللغوية، اكثر من ان نكون مفكرين تشغلنا قضايا الفلسفة التي تهم مصير الجنس البشري. واعتبر الفيلسوف رسل ان مشكلة اللغة في الفلسفة وغيرها من مجالات المعرفة، هي ان سوء استخدام اللغة طمس غالبية المعارف وكثير من المباحث الفلسفية وراء غموض وتجريدات اللغة المستعصية، وانه حان الوقت التعبير في كل مجالات الفلسفة والمعرفة بلغة واضحة وبسيطة تسمي الاشياء بمسمياتها الحقيقية التي تدخل في صلب اهتمامات الانسان العادي في حياته والابتعاد عن التجريد التخيلي الذي استهلك نفسه فلسفيا.

يتبع في الجزء الثاني من الدراسة

 

علي محمد اليوسف /الموصل

.....................

(1)  د. احمد عقلة العنزي-البنيوية اللغوية عند دي سوسير-عالم الفكر الكويت-ع2 مج42  ص43

(2) المصدر السابق ص42.

(3) المصدر نفسه، ص44

 

عبد الجبار الرفاعيمن ينسى الفلسفةَ تنساه أعيادُ التاريخ. الفلسفةُ بصمةُ العقل في كلِّ الثقافات، الفلسفةُ لغةُ العقل بين كلِّ المجتمعات. الفلسفةُ تفكيرٌ نقديّ بلا حدود وقيود، يتحرك خارجَ الأطر والأوعية والأسوار، وأيّةُ محاولة لتعليبه في أوعيةٍ جاهزةٍ تسجنه، وتنتهك حريتَه.

الفلسلفةُ لا عقيدةَ لها، الفلسلفةُ لا هويةَ لها، الفلسفةُ كونية، لا بوذية، ولا يهودية، ولا مسيحية، ولا إسلامية، ولا مذهبية، ولا قومية، ولا محلية، ولا جغرافية. نعم، وُلِدت الفلسفةُ في سياقاتٍ معرفية وميتافزيقية مختلفة، تنوّعت بتنوّع بيئات وعصور الفلاسفة، وعلى هذا يمكن التعبيرُ عن الديانة والموطن الجغرافي والزمن والثقافة والمجتمع الذي وُلِدت الفلسفةُ في فضائه، إذ نصفها بكونها: فلسفةَ مسلمين، أو فلسفةَ يهود، أو فلسفةَ مسيحيين، أو فلسفةَ بوذيين، أو فلسفةَ غربيين، أو فلسفةَ شرقيين، أو فلسفةً قديمة، أو فلسفةً حديثة، أو فلسفةً معاصرة. ولو كانت الفلسفةُ أسيرةَ معتقدات دينية أو مقولات أيديولوجية فإنها تصبح: لاهوتًا، أو علمَ كلام، أو عقيدة، أو أيديولوجيا.

ولا نريد أن ننفي أثرَ أنماط التربية والبيئة والثقافة والديانة في "لاوعي" الفيلسوف، وما يترسّب في أعماق شخصيته في المراحل المبكرة من حياته، وأن شيئًا من أثرها ربما لا يختفي كليًا من الانعكاس في تفكيره. ولكننا ننفي الاستسلامَ الطوعي لعقل الفيلسوف وانحيازَه الواعي للبيئة والثقافة والمعتقد والديانة، وتأثيرَ ذلك في طريقة تفكيره، وما ينتهي إليه من نتائج، كما يفعل المتكلم الذي يختصر الدفاعُ الواعي عن معتقداته مهمتَهُ.

وظيفةُ علم الكلام تجفيفُ منابعِ الأسئلةِ الحائرة، وتوطينُ العقل في جزميات وثوقيةٍ، ومناهضةُ اللايقينِ والتفكيرِ خارج أسوار المعتقدات، وتحريمُ الشك والأسئلة اللامكررة، وإسكاتُ صوت العقل حالة الدهشة، كي لا يسأل الأسئلةَ التي تبني الأرضيةَ الخصبة لنمو وازدهار التفكير الفلسفي.

عندما يتسلط اللاهوتُ على العقل تضمحل الفلسفة. في المجتمعات التي تحضر فيها الفلسفةُ ينحسر حضورُ اللاهوت. هكذا كان المجتمعُ اليوناني في عصر سقراط وافلاطون وأرسطو، وهكذا كان المجتمعُ الصيني في الشرق في عصر كونفوشيوس والحكماء، قبل أن يقدّسَ المجتمعُ الصيني نصوصَ الحكماء، ويتعاطى معهم بوصفهم قديسين.

وقد ظهرت محاولاتٌ في الإسلام تعمل على "أسلمة الفلسفة"، وتحاول أن تصوغَ فلسفةً مشتقة من الكتاب والسنة، ومؤطَّرةً بإطار وحياني. تبدأ هذه المحاولاتُ عادة بمقدّمات منطقية وفلسفية لكن تنتهي إلى نتائجَ كلامية. ويتجلى ذلك بوضوح في آثار صدر المتألهين محمد بن إبراهيم القوامي الشيرازي المعروف بـملا صدرا الشيرازي "980-1050هـ"، الذي صاغ نظامًا فلسفيًا يلتقي فيه القرآنُ بالبرهان والعرفان، وكان يحرص على تجنيس فلسفته بهوية اعتقادية، تستلهم العرفانَ النظري لمحيي الدين بن عربي، ومفهومَه عن الولاية والإنسان الكامل ورتبتِه في العوالم الربوبية.

"أسلمةُ الفلسفة" تعني أن تتحول الفلسفةُ في عالم الإسلام إلى علم كلام، وعلمُ الكلام يمتلك مقولاتٍ اعتقاديةً جاهزة، ومهمتُه تحصيلُ نتائجَ قطعية نهائية، في حين تحرص الفلسفةُ على اللايقين، وتحرّض على الأسئلة، ولا تقبل الأفكارَ الجاهزة من دون غربلة وتمحيص. علمُ الكلام يقوّض الفلسفةَ مثلما تقوّض الأيديولوجيا الفلسفة، الفلسفةُ تبحث عن التمايز والاختلاف والغَيريّة والتنوع. أما الأيديولوجيا فتشدّد على طمس الاختلافات وتتنكرُ للتنوع، وتحرص على المحاكاة والتماثل والمطابقة.

وكما لم يستطع الدرسُ الفلسفي في حواضر العلم التقليدية في عالم الإسلام، كالأزهر في القاهرة والحوزة في النجف وقم ، أن يتحررَ من أدوات المنطق الأرسطي في قراءة ونقد الفلسفة الغربية الحديثة، لم يستطع هذا الدرسُ أيضاً أن يتحررَ من مناهج علم الكلام في قراءة ونقد تلك الفلسفة، بل استعار بعضُ الباحثين علمَ أصول الفقه ومناهجَ استنباطِ الأحكام الشرعية في قراءة النص الفلسفي. إن قراءةَ كلِّ نص ترسمها أدواتُ القراءة، وكيفيتُها، وأفقُ المتلقي ورؤيتُه للعالم. لذلك تفضي القراءةُ الكلامية للنص الفلسفي إلى نتائج َكلامية، يغيب معها العقلُ في مدارات الاعتقاد، وتفضي القراءةُ بمنطق أصول الفقه أو القراءةُ الفقهيةُ للنص الفلسفي إلى نتائجَ فقهية يغيب فيها العقلُ في مدارات الأحكام ومسائل الحلال والحرام.

وكان الشيخُ مصطفي عبدالرازق "1885-1947"[1]، وتبعاً له تلميذُه د. علي سامي النشار "1917-1980"[2]، قد نبّها إلى أن فلسفةَ الإسلام هي علمُ أصول الفقه وعلمُ الكلام.

علمُ أصول الفقه جزمياتٌ تلتمس منطقَ الحجج الشرعية، وعلمُ الكلام يحيل على مسلّمات لاهوتية. وهناك تضادٌّ بين المناهج والنتائج في هذه المعارف الثلاث، فالنظامُ المعرفي في أصولِ الفقه تختلف فيه وجهة التفكير والنتائج عن وجهة التفكير الفلسفي ونتائجه.كما أن النظامَ المعرفي في التصوّف والعرفان يختلف عن الفلسفة، بوصف العرفان طريقُه القلب، أما الفلسفةُ فطريقُها العقل. وإن كان العرفانُ النظري يحاول أن يلتمسَ منطقَ الدليل العقلي للبرهنة على مقولاته في اللوحات التي يرسمها لعوالم الربوبية.

الحقيقةُ في المنطق الأرسطي محصلةٌ برهانيةٌ لتطبيق أحد أشكال القياس المعروفة باعتماد مقدّمات يقينية، في حين لا يتوقف إنتاجُ الحقيقة في عصر تكنولوجيا المعلومات على منطق الحجج والبراهين، بل يتلاعب بمفاعيلها منطقُ الصورة وبراعةُ الخطابات التي تثير العواطفَ، وتؤجج المشاعرَ، وتشحن الغرائز. الاقتصادُ السياسي للمعرفة يكشف – كما يقول فوكو تبعًا لنيتشه - عن النسيج المعقّد للتأثير المتبادَل بين المعرفة والسلطة، فكلُّ سلطة تنتج معرفةً من جنسها، تعمّمها وترسّخها، وكلُّ معرفة تنتج سلطةً من جنسها. الاقتصادُ السياسي للمعرفة مرهون بإرادة القوة والسلطة، فلم تعد المعرفةُ - حسب فوكو - محصَّلةَ طُرُقِ الوصول للحقيقية، والمنطقِ العقلاني في البرهنة عليها، بل هي نتاجُ أنظمةِ خطابٍ تبرع في ابتكارها السلطاتُ السياسية والروحية والاجتماعية. إرادةُ القوة للسلطة السياسية تبتكر معرفةً تمنحها الهيمنةَ على الحياة الدنيوية. وإرادةُ الهيمنة للسلطة الروحية تبرع في ابتكار نمطِ معرفة يحتكر أنظمةَ إنتاجِ معنىً مقدّس لحياةِ الناس وموتِهم، ويتحكم بأرواحهم ومصائرهم الأُخروية.

كان معظمُ مدرسي وتلامذةِ الفلسفة في حواضر العلم التقليدية في القرن الماضي يفتقرون إلى تكوين لغوي يمكّنهم من مطالعة نصوص الفلسفة الغربية بلغاتها الناطقة بها، ما اضطرهم لمطالعة نصوصها المترجمة. ولم تتوافر للنصوص الفلسفية قبل منتصف القرن الماضي ترجماتٌ دقيقة، فقد اعتمد العلامة محمدحسين الطباطبائي بشكل أساسي في فهمِ الفلسفة الغربية ومناقشة آراءِ الفلاسفة، وقت تدوينه لكتاب "أصول الفلسفة والمنهج الواقعي"، كتابَ: "تطور الحکمة في أوروبا" لمحمدعلی فروغی "ت 1952"[3]. وكان فروغي مثقفًا سياسيًا وصحفيًا، ولم يكن متخصصًا في الفلسفة الغربية، وكتابُه هذا يمثّل معلوماتٍ عامةً وانطباعاتٍ سريعةً عن الفلسفة الغربية، ومما يؤسف أن فهمَه كان فهمًا سطحيًا مبسطًا، وملتبسًا أحيانًا، إذ كان يقرأ نصوصَ الفلاسفة ومقولاتِهم في سياق ثقافته المحلية، ولم تمكّنه أدواتُ قراءته من الغوصِ في أعماقها وإدراكِ كلياتها الكبرى، وتبصّرِ نسيج مفاهيمها وشبكاته المتشعبة، لذلك عمد الى خلع مصطلحات عليها لا تحكيها، وتقويلها ما لا تقوله.

وشكّل كتابُ فروغی هذا عقبةً أمام الفهم الصحيح للفلسفة الغربية، عندما فرضَ على التفكير الفلسفي في الحوزة فهمَهُ الملتبس لهذه الفلسفة في تلك المرحلة، وأضحى هذا الكتابُ منبعَ إلهامٍ رئيسٍ لبعض دارسي الفلسفة في الحوزة في مراحل لاحقة، ممن يهتمون بالتعرف على آراء الفلاسفة الغربيين، كما تشي بذلك الإحالاتُ المرجعية في كتاباتهم.

وتأثر بالفهم، الذي قدَّمه فروغي، العلامةُ الطباطبائي وتلميذُه الشيخ مرتضى المطهري وبعضُ تلامذته الآخرين، وظهر تأثيرُه على فهم الفلسفة الغربية في مدرسة النجف، فكان فهمُهم وبعضُ تفسيراتهم ونقدُهم للاتجاهات الفلسفية الغربية لا يخلو من التباس في الفهم أحيانا.

ونلاحظ مواردَ متعدّدةٍ من كتاب "أصول الفلسفة والمنهج الواقعي" لا تعبّر بدقة عن مضمونها، فقد كان فهمُ الفلسفة المثالية في هذا الكتاب ملتبسًا، إذ نُسب إلى المثالية نفي الواقعية وانكار كل شيء في الخارج. كما التبس الفهمُ لفلسفة كانط، وديالكتيك هيغل، وغيرِهما من فلاسفة الغرب الحديث. وهذا ما يشهد به تلميذُ الطباطبائي الشيخ مهدي الحائري اليزدي الذي كان مدرّسًا لامعًا للفلسفة في الحوزة، وخبيرًا بالفلسفة الغربية، إذ حصل الشيخ مهدي على دكتوراه في المنطق الرياضي من جامعة تورنتو في كندا. يقول الحائري اليزدي: "من يقتصر على دراسة واحدة من الفلسفتين، لن يفهم الأخرى؛ لأنهما موضوعان منفصلان، فلو درس الطالب الفلسفة الإسلامية ووفّاها حقها، من دون أن يطّلع على الفلسفة الغربية اطلاعاً منظّماً دقيقاً، لم يفهم كنه الفلسفة الغربية، والعكس صحيح أيضاً. مثال ذلك ترجمات أعمال كانط إلى الفارسية والعربية، التي أعتقد أنه حتّى حبراً  كالعلامة الطباطبائي لن يستطيع تكوين فكرة جليّة عن فلسفة كانط من هذه الترجمات، ناهيك عن الأشخاص العاديين"[4].

لقد وقعت الكتاباتُ النقدية في الحوزة للفلسفة الحديثة ضحيةَ مفارقة في فهمها ونقدها لتلك الفلسفة، فلم تستطع أن تقارب الفلسفةَ الغربية في سياق لغتها ومصطلحاتها ومقولاتها ومنطقها ورؤيتها الخاصة للعالم، بل درستها ونقدتها في سياق لغة فلاسفة الإسلام ومصطلحاتهم ومقولاتهم ومنطقهم الأرسطي ورؤيتهم الخاصة للعالم.

وهكذا تحوّل الفكرُ الغربي الى أزمة في ثقافتنا، بدلاً من أن يصبح حلاً، ومنطلقًا لتحديث التفكير الفلسفي لدينا، لأننا قرأناه وفهمناه في أفق المنطق الأرسطي، ومسلّماتنا، ورؤيتنا للعالم، ومعتقداتنا. فمثلاً قدّمنا تفسيراً لـ "ديالكتك هيغل" في قوالب المنطق الأرسطي من دون أن نتنبه إلى أن "ديالكتك هيغل" لا علاقةَ له بمفهوم التناقض والتضادّ بالمعنى الأرسطي. وهكذا تم تفسيرُ مفهوم الحقيقية والهوية في منطق هيغل الديالكتيكي في أفق تفكير الفلاسفة المسلمين. كما قرأنا "الكينونة والزمان" عند هايدغر[5] في أفق مفهوم الوجود عند ابن سينا أو ابن عربي أو ملا صدرا.

إن من يقرأ ديفيد هيوم وكانط وهيغل وهايدغر بعدساتِ أرسطو وأفقِ تفكير الفلاسفة المسلمين كمن يقرأ الفلاسفةَ الغربيين في العصر الحديث بعدسات المتكلمين المسلمين.

 

د. عبدالجبار الرفاعي

.....................

[1] انظر: مصطفي عبدالرازق، تمهيد لتاريخ الفلسفة في الإسلام.

[2] انظر: د. علي سامي النشار، نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام.

[3] صدرهذا الكتاب بالفارسية في طهران بعنوان: " سیر حکمت در اروپا"، ج1 سنة 1310= 1931، وج 2 سنة 1318=1939، وج3 سنة 1320=1941.

[4] كفت وكوهايي بادكتر مهدي حائري يزدي، طهران، 1379= 2000، ص 35.  مسعود رضوي

[5] "الكينونة والزمان" عنوان كتاب مارتن هايدغر الشهير، الذي صدر عام  1927، وترجمه للعربية أخيرًا: د. فتحي المسكيني.

 

يعد كارل بوبر أشهر فلاسفة العلم في القرن العشرين، وأكثرهم تأثيرًا في مسيرة فلسفة العلم الحديثة، وسواء اتفقنا أو اختلفنا معه، يمكن القول إنه قد أحدث ثورة في المنهجية العلمية لا تقل عما أحدثه أينشتين في الفيزياء حين غيّر لنا نظرتنا إلى الزمن.

وعندما نتحدث عن نظرية المعرفة عند بوبر فنحن نريد أن نفهم طبيعة المعرفة الإنسانية ومبادئها ومصادرها وقيمتها وحدودها كما يراها كارل بوبر.

اللافت أن جانبيّ فلسفة بوبر الميثودولوجي (المنهجي) والابستمولوجي (المعرفي) يتطابقان تطابقًا تامًا في المباحث المشتركة بينهما؛ فالمنهج العلمي عند بوبر هو نفسه نظرية المعرفة.

والهدف من هذا المقال هو تحليل أهم أفكار بوبر الفلسفية، كذلك تحليل لعلاقة التأثير والتأثر بين أفكار كارل بوبر وبعض أهم النظريات العلمية السائدة في عصره، والتي ‏تبلورت أفكاره بالاتفاق والاختلاف معها.‏

نوعا الاستدلال العقلي

ينقسم الاستدلال العقلي إلى قسمين رئيسيين، هما: الاستقراء والاستنباط؛ إذ يرتبطان ‏بإقامة الحجج العقلية، وكلاهما يوصلانا إلى استنتاجات، لكن لكل منهما منهج يختلف عن ‏الآخر. فالتفكير الاستنباطي ينقلنا من العام إلى الخاص؛ بمعنى أن الاستنتاج الذي نتوصل ‏إليه نتيجة القياس المنطقي أقل عمومية من المقدمة الكبرى التي انطلقنا منها، وعلى العكس ‏منه فإن آلية الاستدلال في التفكير الاستقرائي تنقلنا من الجزئيات إلى استنتاج عام.‏

قبل كارل بوبر كان يُنظر إلى الاستقراء على أنه الأداة الرئيسية لبناء العلم؛ فماذا عساه يضيف الاستنباط للعلم؟، فالعلم بُني بالاستقراء لا بالاستنباط، لأن الاستقراء يمثل إضافة؛ كونه ينطلق من جزئيات وصولًا إلى تعميمات أوسع تضيف إلى بنية العلم، بينما الاستنباط لا يُمكِّننا سوى من التحقق من صحة نتيجة هي أضيق من المقدمة المعلومة التي انطلقنا منها.

فالمنهج العلمي كان يقوم أساسًا على الاستقراء، لكن بوبر لم يره كذلك.

الاستدلال العقلي عند بوبر استنباط فقط!

كان تمييز بوبر بين الاستنباط والاستقراء مناظرًا للتمييز بين المذهب العقلي والمذهب التجريبي، فالأخير كان قائمًا على الاستقراء، وتحديدًا الاستقراء الناقص، فالتجريب ما هو في حقيقته سوى وسيلة لإضافة ملاحظات يتم التعميم منها استقرائيًا للخروج باستنتاج سليم.

ولأن الاستنباط باعتباره منهج استدلال عقلي أكثر موضوعية، وأكثر توافقية وانضباطًا مع قواعد المنطق، وقدرتنا على التحقق منه أكبر بكثير من المتاحة في حال الاستقراء، فكارل بوبر يرى الاستنباط منهج الاستدلال العقلي المقبول الوحيد!، وهاجم الاستقراء كطريقة كلية بل وكعمليات صغيرة أثناء الاستدلال. كما أن بوبر يرفض الخبرة كمصدر لصدق الاستقراء لكون البرهنة عليه لا بد أن تقوم على استدلالات استقرائية!

ومفهوم نمو المعرفة هو من أهم المفاهيم التي تشيع في فلسفة بوبر العلمية، بل هو أساسها؛ فبوبر لا يقتنع بالمنهج الاستقرائي الذي يوصلنا وفقًا لملاحظاتنا إلى نظرية واحدة، من المفترض أنها تحدد ماهية المعرفة بشكل كامل، وتعطي تفسيرًا كاملًا، لن يكون قابلًا للنمو.

في رأيي أن هجوم بوبر على الاستقراء كان غريبًا. صحيح أن نتائج الاستدلال الاستنباطي تكون يقينية لأنها استنتاج من مقدمات أكبر منها، وأن الاستقراء تظل نتائجه مشكوك فيها لأنه رد صحة وصدق القضية الكلية إلى قضايا مفردة، لكن لا يمكن أن يكون الاستنباط متفردًا بالقبول المنطقي، فما بالنا بالقبول العلمي. لكن بوبر، الذي هاجم الاستقراء لم يستطع أن يستغني عنه، وكثيرًا ما نُقِد لاستخدامه عمليات استقرائية رغم ادّعائه أنها ليست كذلك. سنذكر أمثلة عليها في حينها.

ولم يركز بوبر فيما يخص الاستقراء سوى على إثبات فشله كمنهج ومبدأ، ثم كمعيار للتمييز بين النظريات العلمية. وقدّم منهجه في الكشف العلمي للرد على مشكلة الاستقراء.

وكما يرفض بوبر المنهج الاستقرائي على أساس منطقي، فهو يرفضه على أساس سيكولوجي!، فعند بوبر "ما يصدق في المنطق يصدق في علم النفس"؛ فنحن نبحث عن إطرادات لنفرضها على العالم، لأجل أن يوافق توقعاتنا. والحقيقة أن تلك الأفكار الأخيرة عن الإطرادات أو الاعتقاد بتوقعات معينة إن لم تكن استقراءً، فماذا عساها تكون؟!

لكن بوبر يدّعي أن الميل والتوقع للإطراد في الطبيعة هو اعتقاد براجماتي، إلى حد ما فطري، يرتبط بالاختيار ‏بين البدائل، وليس ناشئًا عن تكرار؛ فنظرًا لرفضه الاستقراء الذي يقود إلى نظرية واحدة، فإن منهجه قائم على الاختيار بين بدائل؛ حيث يفترض نظريات متكافئة أمامه يبحث في صحة كل منها، وصولًا لاستنتاج صحة أفضلها، والتي تبقى مع ذلك قابلة للمزيد من الفحص مع توفر بدائل أخرى.

وتتوفر تلك البدائل من خلال حدس العلماء؛ فعلى العالم أن يحْدِس (يفترض) أكثر من حَدْس، وهو تخمين ذكي لحل المشكلة، ثم باستخدام المنهجية العلمية الموضوعية يختار أفضلها؛ وبذا ينمو العلم بهذه الإضافة.

والصدق عند بوبر دائمًا مشكوك فيه، ودائمًا مؤقت. ينتظر ظهور النظرية البديلة أو الحل البديل.

في المقابل، يمكن القول إن بوبر لم يحترم الأساليب الأمبريقية كأساس لتقرير صحة نظرية أو مقارنة أفضلية عدد من النظريات أو الفرضيات المتكافئة كما كان يراها لأجل الوصول إلى نظرية أصدق وأشمل وأعمّ. وإن كان يرى أنه يمكن استخدام الأساليب الأمبريقية أحيانًا.

ويمكن تلخيص فكرته الأساسية في أنه دون خطوات استقرائية يمكن أن ينمو العلم، وذلك عن طريق وضع فرضيات، ثم اختبارها بأن نستنتج استنباطيًا ما يترتب على كل فرض، ومستعينين بالملاحظة أو التجربة نقارن تلك الاستنتاجات بالواقع، ‏فيتعزز الفرض، أو يتم ‏تكذيبه. ‏فيمكن الاختيار بين النظريات المتكافئة المطروحة وصولًا للنظرية الصحيحة.

ونلاحظ هنا أن الاستنباط عند كارل بوبر ينطلق من مقدمات غير مؤكدة، على عكس ‏الاستنباط الديكارتي؛ فمقدماته الاستنباطية هي فروض حَدْسية تخمينية مؤقتة وقابلة للتغير.‏

منهج الكشف العلمي

تبدأ خطوات المنهج الاستقرائي بالملاحظة والتجربة، ومن خلالهما يُكوِّن الباحث تعميم استقرائي أولي، وللتيقن منه يتم وضع الفروض، ثم التحقق من صدقها، وصولًا لإثباتها أو نفيها، ومن ثم يخلص الباحث إلى معرفة مُتحقق منها.

بينما خطوات منهج الكشف العلمي عند بوبر تبدأ بمشكلة ترتبط بنظرية ما، ثم يتم اقتراح حل لها عبارة عن فرض ونظرية جديدة، ثم استنباط واشتقاق قضايا قابلة للاختبار من النظرية الجديدة، ثم محاولة تفنيد وتكذيب تلك القضايا عن طريق اختبارها في ضوء الملاحظات والتجارب، ونظرًا لأنه عادة توجد فروض ونظريات متكافئة تم تفنيدها فإن الخطوة الأخيرة تكون تفضيل إحدى النظريات وترجيح إحداها.

في المنهج الاستقرائي يكون الاستدلال على صحة النظريات ومعيار التمييز بينها هو التحقق منها (استدلال إيجابي)، ويرتبط بالملاحظة والتجربة، وحساب الاحتمالات. وهذا يؤدي إلى استقرار وثبات للنظريات لا يتفق مع مفهوم بوبر عن نمو العلم، المرتبط باستمرار نقد النظريات.

في المقابل فإن منهج الكشف لبوبر لا يبدأ بالملاحظة والتجريب، والاستقراء منهما، بل هما وسيلتان مساعدتان فقط في اختبار النظريات والفروض، وتكذيب وتفنيد غير الجيد منها واستبعاده؛ فلا بد من فرض يحْدِس به العالم يسبق الملاحظة والتجريب وليس العكس. وهو ما يعكس الجرأة والجسارة العلمية من وجهة نظر بوبر، ولكن غيره يراه تعطيلًا عجيبًا للحواس، ورفضًا لأن تكون مدخلاتها نقطة بداية في طريق المعرفة.

وسنُفصِّل في توضيح منهج بوبر، ونقارن ما لزم الأمر بينه وبين المنهج الاستقرائي.

معيار التمييز الأساسي عند بوبر (قابلية التكذيب)

كانت لبوبر طريقته التي افترضها -بديلًا عن الاستقراء- لنمو العلم والمرتبطة بمنهجه العلمي، وبمعيار القابلية للتكذيب (الدحض) falsifiability الذي وضعه للتمييز بين ما هو علمي وما هو غير علمي، وغيّر من خلاله طريقة الاستدلال على صحة النسق العلمي، من التحقق (استدلال إيجابي) إلى التكذيب (استدلال سلبي)؛ فالبيّنة (الملاحظة والتجربة) بدلًا من أن كانت تدعم فرضًا في المنهج الاستقرائي صار عليها في منهج بوبر أن ترفضه.

والاختبار العلمي للنظرية عند بوبر يتمثل في البحث عن الملاحظات المُكذِّبة؛ فإن لم تنجح البيّنة في رفض النظرية فقد نجحت النظرية في الاختبار. بل يصل الأمر أن بوبر يعتقد أن البيّنة المؤيدة لأي نظرية هي في حقيقتها كانت اختبارًا لتكذيب النظرية، ولم ينجح، وبالتالي فهي تدعم النظرية عن طريق إثباتها لصمود النظرية أمام اختبار التكذيب.

والأهم أن النظرية غير القابلة للتكذيب؛ أي التي لا يمكن التنبؤ بوقوع حادث ما يمكن أن يُكذِّبها، هي نظرية غير علمية، لأنها تفتقد شرط الاستدلال على صحتها. أما النظرية العلمية الجيدة  فهي التي تحدد ما الذي لا يمكن أن يحدث لو كانت فروضها صحيحة. وتلك المُكذِّبات المحتملة للنظرية Potential falsifiers يُعطيها بوبر مصطلح "المحتوى التجريبي للنظرية".

أما المحتوى المنطقي للنظرية فيتمثل في النتائج التي يمكن أن تُشتق من النظرية. واختبار النظرية يعتمد كثيرًا على التطبيق التجريبي للنتائج المشتقة منها. وتضم النتائج المشتقة إضافة للمُكذبات المحتملة، القضايا التي لا تناقض النظرية.

وكلما زاد المحتوى المنطقي لنظرية علمية كلما زاد المحتوى التجريبي لها "المُكذِّبات المحتملة". أي أنه كلما  أمكن اشتقاق عدد أكبر من القضايا الأساسية من النظرية كلما كانت النظرية أكثر قابلية للتكذيب.

والنزعة الشكية ظاهرة تمامًا عند بوبر، فهو لا يبحث عن اليقين، بقدر ما يسعى لتكذيب فرض، ثم البحث بعد ذلك عن فرض أفضل منه، لن يلبث أن يبحث له عن مكذبات هو الآخر. لكن شك بوبر ليس الشك المطلق الذي يدّعي استحالة الحصول على المعرفة، بل هو شك منتج ومتجدد يسعى لاختبار المعرفة وإنمائها. كما أنه يجعل العلماء في ادعائهم المعرفة الإنسانية أكثر تواضعًا.

لكن بوبر لم يفهمنا بشكل واضح ما هي الشروط التي يشترطها والتي تجعل نظرية ما كاذبة!

أسس المفاضلة الثانوية (التعزيز والصدق)

إذا وُجِدت أكثر من نظرية ذات قابلية للاختبار والتكذيب عالية، ومحتواها المعرفي واسع، فإن أساس المفاضلة عندها ينتقل عند بوبر إلى اختيار النظرية الأكثر قابلية للتعزيز corroboration. والتعزيز عند بوبر يختلف عن التأييد Confirmation المرتبط بالاستقراء وبحساب الاحتمالات، اللذين يرفضهما بوبر.

وإن كان الأمر لا يخلو من شبهة استقرائية، نُقد بوبر كثيرًا بسببها؛ كونه يستخدم النظريات المعززة القديمة كجزء من المعرفة الأساسية Background Knowledge، ويصيغ في ضوئها الفروض، ويبحث في ضوئها عن الأمثلة المكذبة لنظرية ما، وأيضًا يستدل بتلك المعرفة القديمة للوصول إلى استدلالات تنبؤية!

كما أن بوبر في مرحلة لاحقة من حياته العلمية قد اعترف بمفهوم الصدق للنظرية "الصدق هو مطابقة النظرية للوقائع"، وأنه قد تكون هناك نظرية كاذبة في جوانب وصادقة في أخرى، ونظرية أو نظريات غيرها تعاكسها. وكان عليه تحديد معيار لترجيح الصدق في ضوء أن كل نظرية من النظريتين كاذبة في بعض جوانبهما.

وكان من مرجحاته للنظرية الأفضل: إعطاء أحكام أكثر دقة تصمد أمام اختبارات أكثر دقة، وقدرة وصفية وتفسيرية أعلى للوقائع، واجتياز اختبارات، واقتراح اختبارات تجريبية جديدة، وربط مشكلات لم تكن مترابطة. وكلها معايير ترتبط بالمحتوى الأكثر ثراءً. ويؤكد بوبر أن تلك المُرجِّحات لا علاقة لها بدرجات الاحتمال أو أي شكل من أشكال الاستقراء! وهو ما لا يخلُ من شبهة هو الآخر.

"لكن تبقى قابلية التكذيب المعيار الأساسي لدى بوبر، وليست درجات التعزيز أو درجات رجحان الصدق، فالأخيران معياران تفاضليان".

وباختصار يمكن القول إنه:

في المنهج الاستقرائي: القضايا المفردة تتجمع للتحقق وللوصول إلى القضية الكلية.

في منهج بوبر: القضايا محل الاتفاق يجب أن تكون مفردة وليست كُلية. يقوم باستغلال الاستنباط وليس الاستقراء للوصول إلى القضايا الكلية وبناء العلم؛ ذلك بأن تتجمع القضايا المفردة باعتبارها أمثلة لتكذيب القضايا الكلية، والإبقاء على القضية الكلية الصادقة منها بعد استبعاد القضايا الكاذبة.

فالنظرية العلمية تأتي من فروض العالم حول القضية الكلية وليس من استقراء الملاحظات من القضايا المفردة. ويمكن باستخدام الاستنباط التوصل إلى قضية كلية عامة باستخدام ملاحظة وحيدة.

وبوبر يستخدم الاستدلال العقلي (الاستنباطي) كما يستخدم الملاحظة والتجريب، فمصادر المعرفة عنده هي عقلية وتجريبية معًا، فلا توجد منابع مؤكدة للمعرفة، ونقد المعرفة أهم عنده من البحث في مصدرها، بالتالي هو يرفض أن يتدخل نوع المصدر في تحديد صدق المعرفة، ويصر على أن قياس الصدق يكون فقط عن طريق الفحص النقدي للمعرفة وما يترتب عليها من نتائج. كما لا يفوته أن يؤكد أن تعلم الإنسان النقد -والذي بدأ مع فلاسفة الإغريق- كان علامة فارقة في تطور ونمو المعرفة الإنسانية، وهو الذي وصل بها إلى ما هي عليه الآن.

وينبغي اللفت إلى أن منهج البحث النقدي The method of critical discussion عند بوبر أعم وأشمل من طريقة الحذف بالمحاولة والخطأ The method of trail and error elimination لأنه يضم إضافة إليه نمو المعرفة. ويمكن صياغة المعادلة التوضيحية الآتية:

منهج البحث النقدي لبوبر= قابلية التكذيب (معيار التمييز عند بوبر) + نمو المعرفة.

ويوجد على الانترنت مقطع فيديو شهير وقديم للغاية من زمن الأبيض والأسود للعالم الكبير ريتشارد فاينمان عن الطريقة العلمية  The Scientific Method، والتي تبدأ عنده بالافتراض، ثم يحسب ما يترتب على افتراضه، ثم مقارنة ذلك بالواقع، وتحديد ما إن كانت الفرضية صحيحة أو خاطئة بتوافقها أو عدم توافقها مع التجربة. وأيًا كان من وضع الفرضية فإن عدم توافقها يقتضي رفضها مباشرة. وطبعًا هذا يقتضي المحاولة مرة أخرى وافتراض فرضية جديدة. وهذا اتفاق كبير من فاينمان مع بوبر يوضح تأصل ذلك التصور للمنهجية العلمية لدى العلماء في العصر الحديث وليس فقط لدى فلاسفة العلم.

https://www.youtube.com/watch?v=0KmimDq4cSU

بوبر ونظرية الاحتمالات

يمكن القول إن حساب الاحتمالات لا وزن له في منهج بوبر على العكس من المنهج الاستقرائي. في المنهج الاستقرائي المعتمد على التحقق وليس التكذيب، يرتبط صدق النظرية بزيادة درجة احتمالها، أما في منهج بوبر فمعيار قابلية النظرية للتكذيب يرتبط طرديًا باتساع المحتوى المعرفي لها، ولكن هذا الأخير يعني درجة أقل من الاحتمالية. ونظرًا لاهتمام بوبر بفكرة نمو العلم وزيادة محتواه المعرفي فهو لا يهتم بدرجة الاحتمالية المرتفعة.

أي أن النظرية العلمية الجيدة عند بوبر محتواها المعرفي واسع، وقدرتها التفسيرية من ثم كبيرة، وهذا يجعل قابليتها للتكذيب أكبر، ولكنه على العكس يجعل فرضياتها قليلة الاحتمال! رغم أن الاحتمال المنطقي يعني الاقتراب من الصدق الشامل!

كما أن بوبر يعتبر الفروض الجريئة أكثر علمية، وليست الفروض العينية، والأخيرة هي التي تحقق درجة احتمالية مرتفعة.

ويؤكد بوبر على أن قضايا تحصيل الحاصل -كظهور أحد وجوه زهر النرد- ليست قضايا تجريبية، وهي قضايا احتمالية غير علمية لأنها غير قابلة للتكذيب؛ كونها تحدد نتيجة محددة مسبقًا.

كان اهتمام بوبر أن يجعل قضايا الاحتمال قابلة للرفض التجريبي.

ومشكلة الاحتمالات بالنسبة لبوبر أن المنطق الاستقرائي وليس الاستنباطي هو الذي يُعبِّر عن منطقة الاحتمال (ما بين الصفر والواحد)، وهي الأكثر شيوعًا وليست العلاقات التامة الموجبة أو السالبة؛ لأنه في نظرية الاحتمالات تؤثر التقديرات القديمة على تصوراتنا لما يمكن أن يحدث. أي أن الاعتقاد أو الحكم الاحتمالي يُطبق على حوادث في الواقع ليست لنا بها أي خبرة، وهذا منطق استقرائي خالص.

والاحتمال عنده هو أقرب لرغبة نفسية أو هو اعتقاد يعبر عن مقدار الثقة في القضية من خلال البيانات، مشعرًا باليقين أو عدم اليقين. وفي نظره أنه لا قيمة علمية له. فبوبر يرى نزعة ذاتية وتأويل ذاتي في نظرية الاحتمال لا تتناسب مع الموضوعية الواجب توفرها في المعرفة.

بالرغم من ذلك كان بوبر في البداية يعتمد تعريفًا للاحتمال في ضوء النظرية التكرارية بأن احتمال حادث ما هو تكرار الحدوث النسبي له، باعتباره عضوًا في سلسلة حوادث. على سبيل المثال فإنه عندما نقول إنه توجد درجة احتمال قدرها 2/1 لإحدى خاصيتيّ رمي العملة، فهي تعبر عن تكرار الحدوث النسبي داخل نطاق فئة الرميات كلها. وهي بهذا تعبر عن صورة العالم الواقعي. ويرتبط هذا التصور للاحتمال عند بوبر ببدهية واحدة وهي العشوائية، فالعشوائية هي التي تحكم سلسلة الحوادث. ولا نستطيع أن نتنبأ بنتيجة محددة لأي حالة جزئية، ولكن التجارب والملاحظات ستوضح الثبات الإحصائي.

في حين سجل بوبر اعتراضه على بدهية التقارب التي يربطها آخرون بالاحتمال في ضوء النظرية التكرارية؛ ذلك أنه رأى للتقارب نزعة استقرائية؛ حيث يُفترض أن التكرارات الملاحظة تقارب التكرارات الفعلية، وأن هناك ما يشبه التأييد التجريبي لهذا الاستنتاج.

لكن كانت المشكلة عند تقدير احتمال الحوادث المفردة، فإنه وإن كان يمكن تناوله بشكل سليم كما لو كان متعلقًا بسلسلة واقعية من الحوادث ترتبط بها درجات الاحتمال، لكن أحيانًا يتعلق الحادث بعدة سلاسل واقعية، وتتغير درجة احتماله في كل منها باختلاف الشروط المنتجة له.

أيضًا أضاف بوبر إشارة للقوى اللا حتمية الموجودة حين تعبر الاحتمالات عن تكرارات حدوث إحصائية للسلاسل.

ونظرًا لأن تصور بوبر عن الاحتمال يرتبط بالعشوائية، فقد حاول أن يضع ضوابط لهذه العشوائية، والتي هي النزوعات الطبيعية الكامنة في الحوادث القابلة للتكرار. فقد فسر بوبر قضايا الاحتمال تفسيرًا نزوعيًا، فالاحتمالات عنده هي استعدادات موضوعية، وليست أمورًا تُفسَر إحصائيًا.

وباختصار، فإن حساب الاحتمالات عند بوبر هو نظريته في "النزوع الطبيعي" التي وضعها أساسًا لتقديم تفسير موضوعي لنظرية الكم. والنزوعات هي سمات واقعية للمواقف الفردية، لا تستند إلى أي أمر غير واقعي متوهم عند تفسيرها لقضايا الاحتمال الخاصة بالتجارب المفردة، وهي بذلك تختلف عن تكرار الحدوث الذي يتناول الموقف باعتباره أمرًا غير واقعي. فالنزوعات هي حَدْس عن بنية العالم، وهي محاولة للتفسير والتنبؤ، ولكنها قابلة للتعديل أيضًا.

ويرى بوبر أن هناك علم حتمي وعلم لا حتمي، ويظهر هذا في موقفه المتذبذب من التنبؤ العلمي، والذي يمكن القول إنه -في النهاية- قد تقبله جزئيًا؛ بمعنى أن إمكانية التنبؤ قائمة، ولكنها غير تامة وغير ممكنة لجميع الأنماط الممكنة من الحوادث، فالعلم نامي ولكن هناك صعوبة في التنبؤ به.

وكذلك نزوعات بوبر هي علل حتمية ولا حتمية في آن واحد، فهي قد تكون حتمية باعتبار الاحتمال، ‏عندما تنتج عن النظام التجريبي نزوعات محددة.

كما أن بوبر يرفض الحتمية في مواضع أخرى، ويرى أن بعض الحوادث تخضع عند مستوى محدد للنزوع أكثر مما تخضع لقوى حتمية.

ولبوبر مقال شهير عن "السحب والساعات" ‏كمثالين شهيرين لنسق فيزيائي لا حتمي، وآخر حتمي.‏

وتعقيبًا على آراء بوبر فإن ميكانيكا الكم تخبرنا أن الحوادث في الطبيعة محتملة. قوانين الطبيعة مثل السقوط الحر للأجسام، هي حوادث متكررة، لذلك قوانين الطبيعة تبقى لا حتمية. بينما قوانين الفيزياء تبقى حتمية. والملاحظ هو خلط الكثير من العلماء بين قوانين الطبيعة وقوانين الفيزياء؛ حيث أن الأخيرة هي وصف للظاهرة والذي يعبر عن فهمنا لقوانين الطبيعة. كارل بوبر من الواضح أنه لم يميز هذا وخلط مثلما خلط كثيرون.

موقف بوبر من الماهوية والذرائعية والمادية

يرى الماهويون أن الهدف من البحث العلمي هو معرفة ماهية الأشياء بشكل كامل ونهائي، بينما لم يهتم بوبر أبدًا بالبحث في الماهية، ولا يعنيه إثباتها أو نفيها، كونه يراها لا قيمة لها! ربما يبدو هذا غريبًا للغاية بالنسبة لفيلسوف.

بوبر أيضًا لا يؤمن بالكمال العلمي، ويكثر التشكك في إمكانية التنبؤ، كما أنه قد تشكك كثيرًا في أنه ربما يؤدي ‏التمسك بعقيدة ما عن ماهية ما إلى إعاقة نمو ونشر المعرفة.‏

كما لم يتفق بوبر بتاتًا مع الذرائعيين في نظرته إلى نمو المعرفة، فبينما يراها نامية باتساع قدرتها التفسيرية، يرى الذرائعيون أن العلوم الحقيقية هي فقط العلوم التطبيقية، لأنهم يركزون على الفائدة منها، ونمو العلم يرتبط بنمو التطبيقات التكنولوجية، ولا يعطون أي أهمية لما يوجه بوبر عنايته له من اختبار نسق النظرية للحكم عليها.

بوبر أيضًا رغم أن نظريته المعرفية قد تبدو للوهلة الأولى مادية، إلا أنه قد رفض المذهب المادي من المنظورين الفلسفي والنفسي، والذي لا يعطي أصحابه –على اختلافهم- أهمية للعمليات العقلية والشعورية وأحيانًا ينكرونها، ولا يقيمون للنفس (العقل) قيمة في علاقتها بالجسد. بينما كان يؤمن بوبر بالتفاعل المتبادل بين العقل والجسد.

العوالم الثلاثة

عالم المعرفة الموضوعية عند بوبر (العالم العقلي) (العالم الثالث) ينفصل عن العالم المادي (الفيزيائي) (العالم الأول) وعن العالم النفسي (عالم الخبرات الشعورية أو العالم الذهني العقلي) (العالم الثاني)، رغم أنه المنوط بحل مشاكل العالمين الآخرين.

بالرغم من ذلك فعالم المعرفة (العالم الثالث) الذي يضم النظريات والقوانين والبراهين له درجة من الواقعية عند بوبر كونه يؤثر في العالم الأول المادي الفيزيائي، عن طريق العالم الثاني كوسيط بينهما.

والمعرفة عند بوبر أيضًا موضوعية غير ذاتية، ومستقلة عن حاجتنا لها واعتقاداتنا وتأكيداتنا حولها، بل هي أيضًا أزلية وأبدية. وإن كان بوبر رغم حديثه عن أزلية وأبدية عالم المعرفة، واعتقاده بإمكانية ذلك فإنه لا يحبذ القول به، ويرى الأفضل أن نعتبر عالم المعرفة نتاجًا للعقل الإنساني. ولكن كيف تكون المعرفة مستقلة وتكون نتاجًا للعقل في آنٍ واحد؟!

هذا التعبير الأخير "المعرفة نتاج العقل" يقصد به بوبر أن المعرفة تنتج لحظة يكتشفها العقل، فنحن لا نؤثر في المعرفة، وطالما بوبر يصر على أن منهجه العلمي قائم على الاكتشاف، فالاكتشاف يكون لشيء موجود ومستقل عني، ولكنه غائب عن إدراكي حتى اللحظة التي أدركه فيها، ولو فقدت المعرفة الاستقلال لفقدت موضوعيتها، وبهذه الرؤية لا محيص عن الإذعان بأن المعرفة أزلية، سابقة على اكتشاف العقل، لأنها لن تكون مستقلة وموضوعية بغير هذا التصور، وكونها أزلية أبدية سيحيل بدوره إلى قوة عاقلة أزلية أبدية هي مصدرها. وقطعًا لم يحبذ بوبر ذلك أيضًا. وإن كان بوبر دائم التشاغل عن تحديد مصدر المعرفة، ويدّعي أنه غير معني بتحديده!

كما أن عالم المعرفة عند بوبر يعتبر نشازًا وسط فلسفة بوبر التي تسودها النزعة الشكية.

الملفت أن بوبر قد اجتهد في فلسفته أن يصور لنا عالم المعرفة عنده بصورة تخالف تمامًا عالم الأفكار عند أفلاطون؛ فعالم أفلاطون إلهي النزعة، والأفكار عنده ثابتة وصادقة وغير قابلة للتشكيك، بينما بوبر، وإضافة لعدم استقرار المعرفة عنده، فقد أراد للمعرفة أن تكون وليدة عقل الإنسان، رغم كونها سابقة عليه!، فناقض نفسه وطعن في استقلالية المعرفة وموضوعيتها، وكأن خوفه من غائية الإله قد أوقعته في غائية أخرى للمعرفة التي هي من نتاجنا!

كما أن بوبر لم يجزم بأن المعرفة تؤثر فينا أو لا تفعل، أو ربما تتفاعل معنا عند اكتشافنا لها، وهل هذا يؤثر في دعاوى استقلاليتها.

علاقة التأثير والتأثر بين فلسفة العلم عند بوبر ونظريات علمية أخرى

يقولون: كما أن من أهم خصائص العلم التراكمية، فإن من خواصه أيضًا التكاملية. وتلك التكاملية وعلاقة التأثير والتأثر قد تتخطى فروع العلم المختلفة وتتعداها إلى فلسفة العلم.

ويمكن أن نقرر بثقة أن أفكار كارل بوبر الأساسية حول نظرية المعرفة ومنهج العلم قد تبلورت بسبب تأثره بنظريات في مجالات علمية مختلفة، اتفاقًا أو اختلافًا. وربما كانت العلاقة ارتباطية وارتباطاتها غير مباشرة بين أفكاره وتلك النظريات. بل يمكن القول إن أفكاره أولًا وآخرًا قد تبلورت للاتفاق مع نظريات راقته ورآها علمية، ونظريات أخرى لم يرها كذلك.

وربما يكون تأثر بوبر واضحًا مثلًا بنقد ديفيد هيوم للاستقراء، ولكن تأثره بآخرين في مجالات أخرى غير فلسفية لا يبدو على نفس الدرجة من الوضوح؛ لذا فإن هدفي هو تحليل لموقف كارل بوبر من النظريات العلمية التي كانت ثورة في عصره.

حل المشكلات

يبدأ بوبر منهجيته العلمية بمشكلة علمية أو فكرية تواجه صعوبات وتبحث عن حل، وليس بملاحظات متفرقة متجمعة ينبغي الاستقراء منها وصولًا لاستنتاج عام، كما هو الحال في المنهج الاستقرائي.

ويتم فرض الفروض لتفسير الظاهرة المشكلة، والفرض ما هو إلا (حَدْس) أو (توقع) لما يمكن أن يحدث تحت ظروف معينة، وبعد اختصار واستبعاد الفروض التي يظهر عدم ملاءمتها ما أمكن، نضع استنتاجات (عن طريق الاستنباط وليس الاستقراء) مترتبة على الفروض الملائمة المتبقية، وعن طريق التجريب نقارن تلك الاستنتاجات بالواقع، فإما أن تتفق فيتعزز الفرض، أو تختلف الظاهرة في الواقع عن الاستنتاجات المترتبة على الفرض، فيتم تكذيب الفرض.

وفي منهج بوبر، سنجد أنه حتى الفرضيات والنظريات الجيدة التي صمدت أمام اختبار التكذيب، يمكن أن تظهر أمامها صعوبات تفسيرية تؤدي إلى ظهور مشكلات جديدة، فيتم دحض تلك الفرضية أو النظرية بعد ذلك.

ويعبر بوبر عن ذلك رمزيًا بأربعة رموز تمثل تدرجية المراحل التي ينتقل فيها:

P1: وهي المشكلة، ثم TT وتعبر عن وضع نظرية مؤقتة، ثم EE استبعاد الخطأ باختبار النظرية، ثم نصل إلى P2 وهي مشكلة ثانية جديدة بحاجة إلى حل جديد.

وظهور مشكلة جديدة بحاجة إلى حل هو تعبير أيضًا عن مفهوم نمو المعرفة وتطورها الدائب، وهو مفهوم رئيسي عند بوبر.

وبوبر حين يتحدث في منهجه العلمي عن المشكلات وقدرة الفرضيات على حل المشكلات هو ابن عصره؛ ففي القرن العشرين أيضًا ناقش علماء كثيرون في نطاقات علمية مختلفة أسلوب حل المشكلات، وشغلهم.

التحليل النفسي (فرويد وأدلر)

في مطلع شبابه عمل بوبر بمستشفى (ألفرد أدلر). وقد حكى بوبر ذات مرة أنه حكى لأدلر عن حالة طفل لم يعرضها بعد عليه، وفوجيء بوبر بأدلر يُشخص الحالة قبل أن يراها في ضوء نظريته، مدّعيًا خبرته بأكثر من ألف حالة مماثلة، ولمّا كان بوبر يعرف الطفل صاحب الحالة، ومقتنعًا بأن تشخيص أدلر غير سليم، فقد كان هذا مبعثه الأول للسخرية من الدور الذي يعطيه الاستقرائيون للخبرات والتعميم منها.

التعلم بالمحاولة والخطأ في مقابل الاستبصار والإدراك عند الجِشطلت

جوهر فكرة قابلية التكذيب عند بوبر هو التعلم بالمحاولة والخطأ لثورنديك، وهي نظرية سلوكية شهيرة في علم النفس التربوي، ظهرت في أمريكا في العقد الثالث من القرن العشرين،  وكانت أفكارها تقابل وتعاكس تمامًا أفكار مدرسة الجِشطلت الألمانية التي ركزت على الاستبصار الفجائي باعتباره أساسًا للتعلم.

والتعلم بالمحاولة والخطأ هو شكل من أشكال التعلم التدريجي نكتسبه من خبراتنا أثناء حل المشكلة، وعند بوبر، هو فرض تفسيرنا على الظاهرة قبل الملاحظة، وإن ظهر أنه خاطيء نضع تفسيرًا آخر ونختبره هو الآخر! فتكذيب نظرية أو فرضية ما عند بوبر تجعل العالم يقترب من الصدق ويتعلم من خطئه.

ونظرية التعلم بالمحاولة والخطأ هي نظرية توحد طريقة التعلم بين ‏الحيوانات الدنيا والعليا. وعلى العكس منها نظرية الجِشطلت للتعلم بالاستبصار، وهو شكل من أشكال التعلم لا يناسب إلا مرتفعي الذكاء. وقد بدا لي هذا عجيبًا أن يتبنى بوبر تصورًا بأن العلماء يتعلمون بنفس ‏طريقة الحيوانات الدنيا والأطفال الصغار! نتيجة رفضه التام والحاسم لأي ملاحظة واستبصار للواقع تسبق فرض الفروض! وربما كان السبب أن الاستبصار ذو نزعة استقرائية واضحة فهو يقتضي أن تنظر إلى الواقع وتلاحظه قبل أن تصل إلى الحل.

العجيب أنني اكتشفت أثناء قراءتي في السيرة الذاتية لبوبر أن كارل بوهلر، وهو عالم نفس ولغوي ألماني، وأحد أساتذة مدرسة الجِشطلت، كان أستاذه في معهد التعليم بفيينا، وكان مشرفًا على رسالته للدكتوراه! وإن كان واضحًا أن بوبر قد أخذ بتقسيم بوهلر الثلاثي حول وظائف اللغة (التعبيرية- الإشارية- الوصفية)، قبل أن يضيف إليه وظيفة المُحاججة التي هي أساس النقد، إلا أنه من الواضح أيضًا أن بوبر لم يقتنع بنظرية الجشطلت نهائيًا أثناء دراسته الجامعية؛ فأهم أفكاره جاءت انطلاقًا من رفضه لمباديء الجِشطلت؛ فموقف كارل بوبر من الكشف العلمي القائم على الحَدْس، والتعلم من خبراتنا وتعثرنا في حل المشكلة هو في حقيقته مناهضة لأفكار الجِشطلت الأساسية؛ فالمحاولة والخطأ معاكسة تمامًا للاستبصار عند الجشطلت.

فهل كان بوبر شخصًا متمردًا إلى هذا الحد؟!، فقد تمرد على دائرة فيينا الفلسفية الوضعية المنطقية، وتمرد على فكر أدلر الذي عمل في مستشفاه في شبابه، وتمرد كذلك على مباديء الجِشطلت. الرجل يكاد يكون تمرد على كل ما كان أمامه في شبابه في فيينا.

وكذا فإن رفض الاستقراء هو رفض للتسليم بمبادئ الإدراك الحسي الجِشطلتي؛ فالعقل الإنساني عند بوبر يتميز بالوعي والتركيز الشديد، وليس مجرد الإدراك الحسي. كما أن الاستقراء هو رفض لنظرية الإدراك العام Common sense في المعرفة، فالفلسفة تبدأ من نقد الإدراك العام. وبوبر يرفضها لأنها ذات طابع ذاتي وليس موضوعيًا، يختلف باختلاف ذوات ومشاعر واعتقادات أصحابه؛ بينما المعرفة عند بوبر هي معرفة مستقلة دون ذات عارفة، وهي موجودة، بغض النظر عن إدراكنا لها.

والاستقراء كما نعلم يبدأ بالمُلاحظات المرتبطة بالإدراك الحسي للمُلاحظ. وكان بوبر يركز على أن إدراكنا الحسي مهما تكرر فإنه قد يقودنا إلى استنتاجات خاطئة، مثل إدراكنا لشروق الشمس يوميًا، والذي اعتقد البشر لآلاف السنين أنه يعني أن الشمس تدور حول الأرض من الشرق إلى الغرب، بينما حقيقة الأمر أن الأرض تدور حول الشمس من الغرب إلى الشرق، فتبدو الشمس تشرق.

لكن هذا لا يمنع أن بوبر كان لا يقف في عداء تام مع معطيات الحِس بقدر ما يؤكد على ضرورة نقدها والتدقيق فيها وعدم التسليم بها كما تبدو لنا، ولكنه في الوقت ذاته ينقد نظريات الإدراك لعدم أخذها الحَدْس العقلي في الاعتبار، والذي يراه لبنة التفكير العلمي. كما أنه يلفت إلى أن مدركاتنا الحسية تكون كثيرًا هي المشكلات وليست ملاحظات قابلة للاستقراء منها! كما أن تلك المدركات تكون مرتبطة بآرائنا ومعارفنا السابقة، وبالتالي يراها بوبر تفسيرات للبيئة.

الانتخاب الطبيعي (دارون)

مع تحفظي الشديد، ورفضي الشخصي على أسس علمية لنظرية دارون، فإنه من الملحوظ في حديث بوبر المتكرر عن نمو المعرفة الإنسانية وتطورها، تأثره الواضح فيه بأفكار دارون عن عملية التطور الحيوي.

ولا أصدق للبرهنة على ذلك من قول بوبر إنه لا فارق بين معرفة الإنسان ومعرفة الحيوان، لأن البداية المعرفية لهما واحدة، إلا أن الإنسان أكثر تطورًا. فالإنسان وفقًا لبوبر يُعدِّل ويُطوِّر توقعاته وفرضياته ونظرياته، فتزيد المعرفة. وكما أسلفنا فهو يتبنى نظرية التعلم بالمحاولة والخطأ، وهي نظرية توحد طريقة التعلم بين الحيوانات الدنيا والعليا.

ملمح آخر لتأثر بوبر بالداروينية، وهو فكرة الفروض الجريئة الجسورة التي يجب أن يحْدِس بها العالم دون انتظار لملاحظات الواقع من حوله، فهي عنده أقرب للطفرات التي تفترض الداروينية –في مرحلتها الثانية بعد دارون- أن الأنواع الحية تحدثها لأجل التكيف والتطور. ونلاحظ أن الأنواع الحية هي التي تُحدث التغيير ولا تنتظر أن تفرضه البيئة! وكذا الفروض عند بوبر تسبق الملاحظة وليس العكس.

والحقيقة أن هذه النقطة تحديدًا تبدو غريبة في فلسفة بوبر، فهو رغم أنه يسمي منهجه منهج الكشف العلمي، يتحدث أحيانًا كما لو كان العالِم عندما يحْدِس بالفرض كأنه سيفرضه على الطبيعة، ويصير قانونًا!

بوبر أيضًا لم يعط اهتمامًا لمصادر المعرفة، وكان حديثه منصبًا عن كيفية نموها، وهو في هذا يشبه دارون الذي لم يحاول نهائيًا تفسير بداية الحياة، واقتصر على الحديث عن تطورها!

والقابلية للتكذيب وصولًا للنظرية الأكثر صحة ليس فقط تأثرًا من بوبر بنظرية التعلم بالمحاولة والخطأ لثورنديك، بل يظهر فيها أيضًا تأثر بوبر بفكرة الانتخاب الطبيعي لدارون، فاستمرار اختبار الفرضيات سيُطيح بالفرضيات غير الصحيحة أو يُعدِّلها لتبقى أصح فرضية، والتي هي بدورها قابلة للتطور، وهذا بشكل ما مرادف عقلي لفكرة البقاء للأصلح الداروينية البيولوجية.

فكرة أخرى يظهر فيها تأثر بوبر بتطور الأنواع الحية، وهي تسلسل المشاكل وتعدّلها وتغيّرها أمامًا وخلفًا، فنحن نبدأ بـ P1، وننتهي بـ P2 جديدة، والتي تشكل بعد ذلك بداية جديدة، ننتهي منها إلى P3، وهكذا. والعكس، فإن المشكلة التي بأيدينا نفترض أن هناك مشكلة سابقة عليها وقد تعدّلت منها، وهكذا، وهو نفس ما يفترضه التطوريون بخصوص الأنواع الحية.

كذلك كان مدخل بوبر في معالجة مشكلة علاقة العقل بالجسد مدخلًا تطوريًا. فاللغة، وهي أهم منتجات العقل، ترقّت بالإنسان من الوصف إلى النقد ثم العلم. كذا افترض بوبر أن البداية لترقِّي الوعي تكون شعورًا غامضًا عندما يواجه الفرد مشكلة متطلب حلها، ثم يتقدم ويتطور تدريجيًا، فينمو وعيه شيئًا فشيئًا من خلال تفاعل الفرد في خطوات حل المشكلة.

موقف بوبر أيضًا من التنبؤ وعدم لزومه كشرط على صدق النظرية العلمية كان له ارتباطه الواضح بنظرية التطور. كما أن رفض بوبر لتقييم النظرية العلمية على أساس درجة احتماليتها المنطقية هو تأثر بالجو العلمي في وقته، والذي وُجِّهت فيه سهام النقد للداروينية لأن درجة احتماليتها وفقًا لحساب الاحتمالات صفرية.

ولكن رغم محاولاته الكثيرة للتماهي مع نظرية التطور فقد فشلت النظرية في التلاؤم مع مقتضيات منهجه، وأهمها نمو العلم والقابلية للتكذيب. على سبيل المثال:

بوبر كان قد أسرف في الحديث عن القضايا من نوع تحصيل الحاصل، المعروفة بمغالطة الدور أو الاستدلال الدائري، وقال إن أيًا منها ليس علميًا، ونظرية دارون إحدى فرضياتها الرئيسية لا تخبرنا أكثر من أن "البقاء للأصلح ومن الواضح أن الأصلح هو الباقي"!، كما أن هذه الفكرة هي توقف لنمو العلم، ولا يوجد ما يمكن أن يُبنى عليها وفقًا لمنهجه.

كذلك فإن نظريته الأثيرة لم تنجح في تجاوز معياره الأهم لتكون نظرية علمية، وهو القابلية للتكذيب! لقد كانت غير قابلة للتكذيب في وقته، وجعل دوكنز وجماعته فرضياتها غير موجهة ومتعاكسة، فزادوا الطين بلّة، بحيث يستحيل تخطئتها، وليس هنا موضع التفصيل في ذلك.

نظرية الكم [اللا حتمية (بُور) واللا يقين (هايزنبرج)]

الاستقراء في جوهره اعتراف بإطراد الحوادث في الطبيعة، وسيطرة القوانين، حيث يمكن التعميم من قضايا مفردة وصولًا لقضية كلية. رغم قبول بوبر للإطراد في الطبيعة، لكن رفضه الاستقراء هو تعبير عن اعتقاده باللاحتمية تأثرًا بــــــــنيلز بُور وثورة ميكانيكا الكم.

إيمان بوبر باللا حتمية ظهر في كثير من المباحث في فلسفته، فرفض مصادر محددة للمعرفة. ومنهج الكشف العلمي ذاته هو تعبير عن حرية العالم في الافتراض، والتي سبق وأن ألمحنا أن بوبر يتحدث أحيانًا كما لو كان العالم سيفرض قانونه الذي حدس به على الطبيعة.

ومعروف مبدأ عدم التأكد "عدم التعين" لهايزنبرج، وهو أيضًا في إطار نظرية الكم، والذي على أساسه يستحيل أن نحدد موضع وكمية حركة الاكترون في وقت واحد.

وكان من تأثر بوبر بنظرية الكم، والتي تؤكد على اللاحتمية واللا يقين أن قدم نظريته في النزوع الطبيعي ليقدم من خلالها تفسيرًا لنظرية الكم.

بل إن بوبر يرفض حتى استخدام لفظ "اعتقادات" التي ترتبط دومًا بالاستقراء، ويرى أن الأصح استخدام لفظ "توقعات"، كونها مؤقتة ومتغيرة. فهو يبحث في الأفكار والفرضيات والنظريات ولا يرى ضرورة للاعتقاد بها.

ويصل الأمر أن يعتقد بوبر أن التنبؤ ليس من أهداف العلم، لأن النظريات العلمية عنده لا نستنتجها من الملاحظة والتجريب كما هو الحال في منهج الاستقراء، بل تُكتشف بالاستنباط من فروض العلماء، كما كان يؤكد بوبر على أن المعرفة مستقلة غير قصدية، نحاول اكتشافها دون تعمد ومن غير تنبؤ منا. لكنه في كتاباته الأخيرة لم ينفِ القدرة التنبؤية للنظريات. والنزوعات هي محاولة للتفسير والتنبؤ ولكنها قابلة للتعديل أيضًا.‏ وكما قلنا فعنده هناك إمكانية للتنبؤ، ولكنها ‏غير تامة وغير ممكنة لجميع الأنماط الممكنة من الحوادث.‏ ولكن كان تأكيده الدائب على مبدأ نمو المعرفة، وإن كان يصعب التنبؤ بما يمكن أن يكون عليه المحتوى المعرفي بعد نمائه.

وبوبر فوق ذلك لا يرفض السببية كما أنه لا يقبلها، وفقط هو يستبعد مبدأ السببية بوصفه مبدأ ميتافيزيقيًا.

النسبية (أينشتين)

كان استبدال بوبر التوقعات بالاعتقادات ليس فقط رفضًا للحتمية، بل هو تعبير عن تصوره لنسبية المعرفة، وهو بهذا ابن عصره، ابن عصر أينشتين.

يعترف بوبر في سيرته الذاتية أن نظرية أينشتين هي التي ألهمته لوضع فلسفته في العلم. وافتراضه أن أي نظرية نقبلها الآن هي ولا شك عرضة للتغير بعد ذلك وأن يطرأ ما يُكذبها غالبًا قد تأثر بما أحدثته نظرية أينشتين عندما قلبت المفاهيم النيوتينية التي كانت راسخة رسوخ الجبال رأسًا على عقب. كما أعتقد أن فكرة القابلية للتكذيب تحديدًا تبدو من بنات أفكار أينشتين، وإن كان بوبر هو من صاغها. فأينشتاين كان قد حدّد تنبؤات في ضوء نظريته، إن لم تتفق مع حساباته، فمعنى هذا أن النظرية النسبية ستكون خاطئة.

كما ان أينشتين إضافة لذلك يُنسب إليه القول بأنه لا يوجد سبيل منطقي يؤدي إلى القوانين الكلية العامة، وإنما سبيلنا إلى ذلك حَدْس يعتمد على الشغف العقلي. وهي مقولة تعكس اتفاقًا مع أفكار بوبر، فالانطلاق يكون من حَدْس، والاستدلال عن طريق الاستنباط، وليس من ملاحظات متجمعة كما في الاستقراء. فطالما اعتقد أينشتين أن القوانين يخلقها عقل الإنسان ولا يستنتجها استقراءً من الخبرات الحسية. ومعروف عن أينشتين أنه كان يضع الفروض قبل جمع الملاحظات.

وقد التقى بوبر بكلا الرجلين؛ أينشتين وبور، في رحلته لأمريكا أوائل الخمسينات وعبّر عن سعادته بهذا اللقاء.

وأختم بأن أقول إنه ولا شك كانت لأفكار كارل بوبر أثرها الكبير في مسيرة فلسفة العلم، وأثرها على النظرة لطبيعة العلم؛ بحيث أصبحت لا تعطي قيمة كبيرة للإطرادات في الطبيعة، فهي تطورية غير ثابتة، تحْدِس بالنتائج دون البحث في المقدمات!، وقابلة للتكذيب.

بل وكان لأفكاره أثرها على الفكر البشري بوجه عام، وأعتقد أن نزعته التشككية وعدم قبوله استقرار أي معرفة مهما كانت، ورفضه الخروج بتعميمات كلية من قضايا مفردة وغيرها كان له أثر كبير في انتشار الإلحاد.

لكن، وحتى يومنا هذا، لا زال المنهج الاستقرائي الذي هاجمه بوبر فاعلًا، ولا زال الاستقراء مع الاستنباط يُشكلان معًا جناحي الاستدلال العقلي.

 

د. منى زيتون

........................

للاستزادة من القراءة بالعربية عن فلسفة العلم عند بوبر أنصح بكتب د/محمد قاسم ود/يمنى الخولي. يمكن تحميلها من جوجل درايف

https://drive.google.com/drive/folders/0B28-lgXs2FQmUkJzU3NNVTFSTVk

 

الحسين اخدوشكلّما تحدثنا عن الحياة والاهتمام بها، بل والبحث عن سبل تعزيزها في الفكر والنظر، كلّما اعترضتنا تجربة الفيلسوف فريدريش نيتشه (Friedrich Nietzsche) بصفة خاصّة كما سجّل ذلك تاريخ الأفكار بوضوح بارز. غير أنّ الأمر عينه قد تكرّر لدى الفيلسوف المعاصر جيل دولوز (Gille Deleuze)  الذي صرف فكره للتفكير في قضايا الراهن، أو إلى ما يسمى لدى فلاسفة الاختلاف بأسئلة الـ"هنا" والآن (Questions d’ici et maintenant)، والتي تمثّل في مجملها قضايا الحياة الأساسية بالنسبة للإنسان المعاصر. لكن، كيف طَرَقَ هذا الفيلسوف الفرنسي مسألة الحياة باعتبارها أفقا اختلافيا يخترقه التكرار والهامشي؟

قام الفيلسوف دولوز من خلال انفتاحه البارز على أفكار وتصوّرات نيتشه بنقد التقليد الفلسفي العقلاني الغربي من خلال العمل الفلسفي الأساسي الموسوم لديه ب "التكرار والاختلاف" (Répétition et Différence). وفي سبيل ذلك ارتأى نهج المنحى الاختلافي للفكر المعاصر، مثله في ذلك مثل جاك دريدا (Jacques Derrida) ومشيل فوكو (Michel Foucault) في فرنسا، ثمّ مارتن هايدغر (Martin Heidegger) في ألمانيا. وكان على وعي كبير بأهمية ترك المسالك التأملية التقليدية في التفكير والبحث النقدي، حيث تجنّب الطرق التحليلية والأساليب الاستدلالية العقيمة التي لطالما توسّلتها فلسفات المنطق والظاهراتية والتحليل اللساني والبياني.

والواقع أنّه غَلَّبَ إستراتيجية الاختلاف على طريقة التمثل في فكره وفلسفته، فكان من الضروري أن يصرف نظره عن التقليد الديكارتي الغالب على الفكر الفرنسي الحديث نحو المزيد من الاهتمام بقضايا الهامش. وتعتبر هذه القضايا مدار التفكير في الحياة الآنية، وهي في مجملها أسئلة همّشها التاريخ الرسمي للفكر الأوروبي ذي النزعة العقلانية التأملية، وبشكل خاص: مشكلة الرغبة ومسألة الجسد وقضية اللون والصورة، بالإضافة إلى مسائل الاختلاف والتكرار.

تمكّن الفيلسوف جيل دولوز من جعل مهمّة الفكر قمينة بتناول الأبعاد الجديدة للفكر المعاصر، بصفة خاصّة الجوانب المختلفة التي همّشها العقل الغربي، وذلك رغبة منه في تخطّي تقليد فلسفي عتيق يأبى التغيّر والاختلاف، تحديدا التقليد الميتافيزيقي. فحسب هذا المفكّر "ما-بعد ميتافيزيقي" (Post-métaphysique)، فإنّه لم يعد التعالي هو منطق التفكير، ولا هو غاية للفكر والفلسفة؛ وإنّما صيرورات الحياة والجسد والحركة، بما هي عوامل ونشاطات حيّة ومتحركة، هي ما أصبح مهمّا وحاسما لفهم الحياة من حولنا. بذلك، يمكننا القول أنّه لا يوجد في الصيغة الجديدة للفلسفة كما يمارسها دولوز تلك المكانة البارزة لفكرة للتعالي كما هو الشأن عليه في التقليد الكلاسيكي للعقلانية الغربية، وإنّما تغلب عليه فكرة المحايثة المحضة (Pure Immanence) التي طالما اعتد بها، وجعلها ما يستحق المتابعة والرصد والتفكير والمساءلة، باعتبارها مسألة واقعية وحياتية حقيقية تخلو من كلّ عمق مزعوم مسبقا.1  

إنّ المحايثة كما يقترحها دولوز هي فلسفة للخارج وليس للأعماق والداخل. فلسفة لا تفكّر بنفس الطريقة التقليدية، بل هي مأخوذة بهذه الحياة التي نقع في صلبها، حيث المفكرّون لا ولن يفكّروا بنفس الطريقة التقليدية، كما لن يتفقوا وليس من مهمّتهم ذلك. ليس يوجد في هذا النمط الجديد من التفكير ما هو مشترك، ولا تاريخ عام، لكن الكثير من الأحداث المتشابكة والخيوط المتقاطعة بشكل ضروري ومؤقت.  

والحدث (Événement) بالنسبة لفلسفة دولوز ليس مأخوذا على منوال الفكر العقلاني، وإنّما ينظر إليه هنا باعتباره واقعا معاشا. إنّ المَعِيش في الواقع، وكذا اللحظي، هو ما يجعل الحدث يطفو ويكتسب راهنيته في الفكر الاختلافي الدولوزي. والواقع هنا أنّ فكر دولوز يستجيب لإحدى أهم الدعوات التي طالب بها الفيلسوف نيتشه قراءه في المستقبل، والمتمثّلة في ضرورة أن يكونوا فلاسفة أطباء وفنانين. حاول جيل دولوز تجسيد هذه الفكرة حين وضع الحدث (الواقع) مركز اهتمام الفلسفة؛ فالتفكير كلّ التفكير في الحدث لا يمكن إلاّ أن يكون اختلافيا، وهذا ما يستعصي على الفكر التمثّلي (La pensée présentative) التقليدي الذي ينطلق من قوالب جاهزة ومقولات تمثلية مجرّدة (مفاهيم مسبقة).  

تعتبر الحياة بالنسبة لهذا المنظور المختلف للفكر كلّ ما يستحقّ أن نتفلسف حوله ةمن أجله؛ وبالتالي، فهي ما يُتوقّع أن يتّخذه الفكر المعاصر منطلقا لتفلسف حقيقي حول الوضع البشري المعاصر. لكن ذلك لن يتاتى من دون تخطي الميتافيزيقا التي دأبت عليها العقلانية الفلسفية الكلاسيكية القاضية بالانطلاق دوما من المثالي والقبلي والمتعالي، عوضا عن الاهتمام بقضايا الـ"هنا" و"الآن" (Ici et Maintenant). إنّ التفكير في هذه الحياة لا يعني بأي حال الركون للمبتذل والاعتيادي، أو للحس المشترك كما يدّعي الزعم العقلاني الكلاسيكي؛ وإنّما، بخلاف ذلك، هو كلّ ما يدعو إلى جعل الفكر تِرْحالِيا بين قضايا الحياة، وبصفة خاصّة في كيفية طرق قضايا الفنّ والصحّة والسينما والأدب والموسيقى..إلخ. يدعو سبيل دولوز للفلسفة إلى نهج تفكير مختلف وجاد وحازم، تلبية لمطلب فكريّ ملحّ يقضي بضرورة تخطّي أسوار الميتافيزيقا البالية، وإعادة الاهتمام بالحدث (L’évènement) والهامش. غير أنّه ليس سهلا بالمرّة أن نفكّر في الحدث والهامشي، لأنّ التفكير في هذا الحدث هو في حد ذاته تفكير بالحدث، أي جعل الفكر نفسه متعلّق باللحظي، ومن ثم الوقوع في أسر التكرار والاختلاف.

إنّ الارتباط بالحياة لهي مسألة ضرورية للفكر الناهض بالاختلاف، إذ في الحياة تتولّد حركية الفكر، حيث يحدث  الحدث الباعث على التفكير والإبداع والتفلسف. والفكر المرتبط بالحياة هو بالأساس فكر يجابه الحماقات التي تعجّ بها هذه الحياة؛ فالحماقة هي الباعثة على التفكير الجدّي في شؤون الحياة. فالفكر الجاد فكر يتوجّه إلى الحماقة ويجابهها. يأخذ دولوز بالمفهوم البرغسوني (نسبة إلى الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون) للحياة كما يأخذ بمفهومه للديمومة ليعطيهما أبعادا فلسفية مختلفة، فيراها الأنسب لاستعمالهما، جاعلا تلك الديمومة تكرارا، وتلك الطاقة الحيوية نشاطا وحركة للفكر داخل هذه الحياة. (G. Deleuze: Répétition et différence)

من هنا يركّز جيل دولوز على الجسد من خلال معطى الرغبات باعتبارها إنتاجا اجتماعيا، ومن خلالها كان اهتمامه بحركة الفكر في الحياة حاسما في تقرير ضرورة الحسم مع التقليد العقلاني الكلاسيكي وتجاوزه في مثل هذه القضايا. هنا كان نقده للمفهوم النفسي اللاشعوري الليبيدي للرّغبة، كما جاءت به نظرية التحليل النفسي، في مؤلّفه المشترك مع فليكس غَتَاريL'Anti-Œdipe) ). وقد كان هذا المفهوم مثالا حاسما يجسّد قوّة دعاويه في استبعاد المسلك الذي تم من خلاله مقاربة قضية الرغبة في الحياة بما هي مشكلة لاشعورية. غير أنّه وفقا لطريقته الاختلافية في فهم منطق الرغبة، فإنّه ليس من الممكن فهم تدفّق الرغبة من دون العودة إلى حقل إنتاجها الواقعي الذي هو الحياة؛ فهذا الحقل الاجتماعي بما هو حياة واقعية، فإنّه يبقى محكوما بالرغبات ومخترقا بها، وهو بهذا المعنى نتاج تاريخي لها.2  

التفكير الفلسفي في الحياة كما يمارسه جيل دولوز لا يكون ممكنا من دون التفكير في الجسد، ومنه في الرغبة أيضا. إنّ الحياة هنا هي الواقع الذي يعيشه الإنسان باعتباره جسدا وليس باعتباره عقلا وعيا وفكرا كما تزعم فلسفات الوعي الحديثة. لذلك ليس الفكر سوى إفراز طبيعي لهذه العلاقة القوية القائمة بين الجسد الراغب والحياة التي يعيشها المرء كجسد. أمّا الفلسفة، باعتبارها طريقة في عيش الحياة، فإنّها في ظلّ هذه العلاقة لم يعد أمامها سوى الانصراف نحو الاهتمام بالعلاقات الشائكة بين الإنسان الراغب والحياة المؤثّرة فيه لا على جهة التأمل والوعي، ولكن على جهة الاختلاف والتكرار الذي يحكم منطق إنتاج المعنى كإبداع وليس تمثل أو تصور.

يفتح فكر الاختلاف الباب هنا مشرعا لمواجهة قضايا الواقع الحقيقية، وليست الصورية والمثالية المتعالية التي زعمت الميتافيزيقا الغربية الكلاسيكية أنّها الحقّة. لذلك، فقد كان من أخصّ سمات هذا الفكر الجديد قدرته على التِّرْحال بين مختلف جوانب المعرفة والآداب والفن والسياسة، دون أن يفقد ذلك التفلسف هويته المتمثّلة في إبداع المفاهيم الفلسفية. ومن حسنات هذا النمط من التفكير، أنّه قد فتح المجال للممكن أمام التفكير في الحياة، بعدما غلبت سطوة الضروري والمنطقي عليه. إنّ الاختلاف بهذا المعنى هو كلّ ما يتكرّر التفكير حوله دون أن يفقد بريقه أمام استمرارية الحياة والفكر معا. 

البيّن ممّا سبق ذكره هنا أنّ النقاش حول قضايا ال-"هنا" و"الآن" إنّما تسدعي التفكير في مسألة الحياة برمّتها. وهنا تكمن أهمية فلسفة جيل دولوز بما هي  تجسيد لهذا التوجّه المختلف في طرق مسائل من صميم هذه الحياة التي نعيشها. غير أنّ فكر الاختلاف، كما مارسه دولوز في مختلف مقالاته وكتبه وتأليفه، يصعب الإلمام به في بضعة سطور تعريفية إن لم نقرأ مجمل الأعمال الفلسفية لهذا الفيلسوف الاختلافي المعاصر؛ كما أنّه ليس باليسير تقريب مجمل هذا الفكر المتعدّد والمختلف في بضعة فقرات تعريفية. لذا، فلئن إذا كان ضروري أن نلخّص القول في محورية الحياة لدى هذا الفيلسوف، فإنّنا سوف نلخّصها في كونها تجسيد لإرادة تجاوز سطوة العقلاني والانفتاح قدر الإمكان على قضايا ال"-هنا" و"الآن" بما هي قضايا الاختلاف والتكرار.  

521 جيل دلوز

جيل دولوز أمام المرآة

الصورة في حدّ ذاتها تجسيد لفكرتي التكرار والاختلاف

 

إعداد الحسين أخدوش / المغرب

.......................

 

  1- Logique du sens, éthique de l’événement » John Rajchman ; in Magazine littéraire, num 257, septembre 1988.p 37

 2- Gille Deleuze et Félix Guattari : l’anti-oedipe, éd minuit, paris, 1976. P 36

 

علي محمد اليوسف

ان ديالكتيك او جدل الوجود والماهية، ليس في وارد هذه المقالة ارجاعه الى اصوله الفلسفية الاولى التي جاءت عند هيراقليطس وبروتوغوراس، وزينون الاليني مرورا بالمراحل التاريخية الفلسفية التي قطعها كمبحث هام، حتى تبلورت صيغته المتداولة المعروفة واستقرت لدى ماركس في قوانين الديالكتيك الثلاثة، وحدة وصراع الاضداد، وقانون تحول الكم الى نوع، وقانون نفي النفي. الذي ساهم في ارسائها هيجل وفويرباخ وماركس.

سنبدأ بما يهمنا في هذه المقال هو تعالق الوجود والماهية في الفلسفة الوجودية عند ابرز فلاسفتها سورين كيركارد، وكيف انبثق الجدل (الديالكتيك) كمفهوم فلسفي متداخل مع هذه العلاقة الثنائية، بين الماهية والوجود عند هيجل.اي في تفسير ترابطهما الوجودي الفلسفي وتداخلهما وفي علاقة الجدل بهما.

اعتبر اقطاب الوجودية الملحدة لدى ابرز فلاسفتها فيورباخ، هيدجر،سارتر، اندريه جيد، كامو،بيكيت، سيمون دي بوفوار،ان الوجود سابق على الماهيية في الانسان والطبيعة وكل الظواهر التي يدركها العقل ذهنيا او حتى التي لا يدركها او لا يستطيع ادراكها.

بينما ذهبت الوجودية المؤمنة لدى اقطابها الفلاسفة سورين كيركارد، مارسيل جبريل، تيليش، والقس الفيلسوف باسكال.الذين اعتبروا الماهية تسبق الوجود،معللين رأيهم ان ماهية الله الخالق تسبق وجوده، وهنا بدأ التشّظي بالرأي فمنهم من ذهب الى ان الخالق بلا ماهية يمكننا معرفتها او ادراكها، اوالماهية في الخالق وجود بذاته فقط لا يفصح عن صفاته، وذهب اخرون ان الماهية هي الوجود في الانسان وفي الطبيعة والكون ايضا،ولا تفريق حقيقي بين الاثنين(الوجود والماهية) في تداخلهما في الوجود الواحد.وبعضهم الأخر قال ان ماهية ووجود الخالق تتداخل معلنة عن افصاحاتها بوحدة الصفات الالهية بخلاف جميع الموجودات في الطبيعة والانسان فهذه يكون وجودها وماهيتها شيء آخر وافصاحاتها في ادراك صفاتها.فصفات الله التي نستمد ادراكها الايماني من صفات الطبيعة وصفات الاسمى المثالي المتعالي المقدس وفي الحياة والانسان، هي صفات تأكيد وجود الله المتداخل في ماهيته ميتافيزيقيا،وربما في احتمال ان يكون الوجود الالهي متمايزا في ماهية مستقلة بذاتها لا يمكن معرفتها او ادراكها، لكن الاهم من كل ذلك هو في عدم القدرة الانسانية على ادراكهما او معرفتهما (الماهية والوجود). لا عقليا ولا روحيا مدركا متعينا لا في وجود الخالق ولا في معرفة ماهيته.

وبقيت هذه الاشكالية الفلسفية حول ماهية ووجود الخالق متداولة بين اصحاب الطرق والمذاهب الصوفية في اختلافاتهم العميقة، لما ترتبط به هذه الاشكالية في تفسيرهم مذهب (وحدة الوجود) الذي هو مرتكز الفهم التصوفي الايماني. علما ان ماهية الله هي كمثل وجود الله يصعب على فلاسفة التديّن اثباتها، ولا على فلاسفة الالحاد نفيها او اثباتها ايضا ولا عند الصوفية قاطبة، هذا في حال تسليمنا الفلسفي ان للخالق وجودا مغايرا ماهيته.

كما تذهب الوجودية الملحدة في اختلافاتها داخل فهم فلاسفتها انفسهم لها، فمثلا نجد هيدجر لا يتعارض مع سارترفي فهمه الماهية، ويلتقي مع سارتر في مثلا (انه في حالة عدم وجود (اله) خالق، فلابد ان يكون هناك كائنا واحدا على الاقل، وجوده سابق على ماهيته هو الانسان، الذي لا نستطيع تعريفه باي فكرة، لكنه هو الكائن الذي يوجد قبل كل شيء وانه يلتقي ذاته ويبرز للعالم ثم تتم معرفته (1).

رفض سارتر النزعة الايمانية الوجودية في تحديد علاقة الماهية بالوجود التي يعتمدها الفلاسفة غير الالحاديين، وهو نفس المفهوم في لاهوت معظم الديانات التي تصل الى اربعة الاف معتقدا، عدا الاديان التوحيدية السماوية الثلاث الموزعة في عالمنا اليوم. في اعتبار الاديان الموحدة الثلاث وفلاسفتها ان الله هو ماهية تسبق وجوده، وطرح سارتر البديل عن هذا الطرح الايماني الميتافيزيقي ان وجود الانسان هو ماهيته، وفي نفس المنحى ذهب هيدجر مؤكدا مركزية الوجود الانساني،وان الانسان هو ماهيته، وبذلك تملّص من الزام سارتر قوله الوجود يسبق الماهية الانسانية .مؤكدا – هيدجر – بانه لا وجود يسبق ماهية الانسان، وانما لدينا وجود واحد فقط هو الانسان الذي تتداخل فيه الماهوية والوجود في تناوب، ولا اسبقية ولا افضلية احداهما(الوجود او الماهية) على الاخرى .ومن الجدير بالذكر كما المحنا له سابقا، ان انكار ماهية الخالق او الاقرار بها كما هي في وجوده او عدمه، فكلا الرأيين ميتافيزيقيين عاجزين عن اثباتهما ومعرفتهما لا عند الوجوديين الملحدين ولا عند الوجوديين المؤمنون. وان المفهوم هو محض جدل فلسفي ميتافيزيقي لا يرتّب عليه شيئا واعتبره الفلاسفة من مباحث الميتافيزيقا التي لاطائل منها ولا تقود الى نتائج يمكن الركون لها او التسليم بها.

حين يؤكد هيدجر ان الانسان ماهية متداخلة بوجوده ولا افضلية او اسبقية بينهما، فانه بذلك وعوضا عن هذه الاشكالية يقول ان الانسان يختلف عن باقي الموجودات في انه يمتلك (ماهية ديناميكية)، وفي هذا الرد الفلسفي الذكي يدحض المستمسكين بان لله ماهية ثابتة مستقلة، كونها ماهية لا يمكن ادراكها او التحقق منها من جهة، وهي ثابتة ساكنة مكتفية كوجود بذاته لنفسه ان وجدت عند غير الانسان،ماهية بذاتها فقط، ولا علاقة للانسان بها لا في الادراك الواقعي ولا الخيالي او الايماني، ولا بوجودها ولا بالطبيعة ايضا. في حين ان امتلاك الانسان ماهية ديناميكية تعني انه يمتلك وجودا مفارقا يتسّم بامكانية التعرف على خصائصه المنفتحة امام معرفة العالم لها. انها ماهية تفصح عن نفسها وتغني وجودها.وليس مهما لدى هيدجر اولويتها او اسبقيتها في وجود الانسان.

ان في طرح هيدجر الانسان يمتلك ماهية من نوع ديناميكي تبطل الجدل الوجودي حول اشكالية اسبقية الماهية على الوجود او العكس، في حضور ابجدية فلسفية بديلة ان ماهية الانسان هي وجوده، كما ان هيدجر يذهب ابعد من ذلك في مقولته ان الانسان يمتلك خاصية ماهوية متفردة ديناميكية تمنحه وجودا خارج ذاته (ان ماهية الانسان هي وجوده خارج ذاته في العالم،وهذا الوجود ليس مجرد الواقع التجريبي)(2). وان هيدجر يعتبر الانسان ليس وجودا بحاجة الى اثبات، فالانسان هو الانسان كوجود طبيعي نوعي، كما الطبيعة هي الطبيعة وكلاهما الانسان والطبيعة معطى وجودي لا يحتاج التحقق من وجوده الماهوي خارج مدركات الحس والعقل في وعي الذات ووعي الطبيعة والعالم له.

ان اروع عبارة في هذا المعنى وردت عن كانط قوله (ان الوجود لا يستخرج من الفكر) وبهذه العبارة نسف كانط مثالية هيجل الجدلية التي سنأتي عليها لاحقا، كما نسف كانط بعبارته تلك الميتافيزيقا، واخيرا أبطل مفهوم المثالية ان تكون الافكار المجردة بمستطاعها توليد وخلق الموجودات كما في الكثير من مدارس الفلسفة المثالية وفلاسفتها الذين يعتبرون الوجود واقع تصوري في الذهن، وليس وجودا مستقلا عنه. وان عبارة كانط التي مررنا بها مهدت الطريق امام الماركسية في تطبيق جدلها المادي على الانسان والطبيعة والتاريخ، وليس الجدل المثالي الفلسفي الفكري المجرد كما فعل هيجل .

انه لمن المهم التذكير به ان اللغة قرينة الخيال، اكثر مما هي قرينة الواقع غير الملازم لها ادراكيا خياليا . عليه تكون اللغة هي خيال يدرك المواضيع والاشياء عقليا و بطريقتين في التلقي له، الاولى ان يكون التفكير بموضوع ما بلغة حوارية داخلية تحتويها الذات المفكرة خياليا اكثر مما تعني الموجودات والاشياء كوقائع وجودية مستقلة، بما هي موضوعات واقعية يدركها العقل كوجود محايث لوجودها المادي.

الثانية ان واقع الاشياء لا يمكن التعبير عنها انطولوجيا من غير واسطة تعبيرية قد تكون اللغة او طرق غير اللغة باساليب مختلفة تستغني عن لغة الاشياء التداولية، كمثل التعبير عن الجمال والقيم التي لاتحتاج اللغة وسيط ملزم في معرفة الاشياء المتعالقة معها، وفي جميع الطقوس الدينية التي لا تحتاج اللغة المنطوقة.

فمثلا عندما يقول ديكارت في التأملات السادسة (ان ما ماهيتي انحصرت في اني شيء مفكر او جوهر كل ماهيته وطبيعته ليست الا التفكير فقط) .

ونجد قبل تعقيبنا سارتر يقول (ان الكيفية لا تصبح موضوعية اذا كانت اصلا ذاتية) .في مقارنة بسيطة بين الاقتباسين عن ديكارت وسارتر السابقين، يتضح لنا ان جوهر الوجود الانساني عند ديكارت انه كائن مفكر قد يكون تفكيرا ذهنيا غير معبر عنه في الواقع لا كمتعين مادي ولا تعريفا به لغويا مرموزيا اشاريا، مما جعل هوسرل يتساءل بدهشة تفكير ديكارت بماذا؟، وربما يكون هذا التفكير دايلوك او حوار داخلي لا صلة له بالخارج الذي يمكن ادراكه، ويقلل سارتر جدا من ادعاء ديكارت المكابر في اثبات الوجود في فاعلية التفكير فقط، بان (الكيفية) هي احدا صفات الذات الفطرية التي لا تحتاج الى اثبات فهي الوسيلة الوحيدة في اثبات الوجود الانساني، بمعنى ادانة ديكارت في اثبات وجوده فكريا تجريديا فقط، ولم يجب على تساؤل هوسرل عندما اعتبر التفكير في اثبات الوجود عند ديكارت هو (وعيه لذاته) فقط، خارج الغاء ديكارت العالم الخارجي ان يكون التفكير مدركا عقليا به لتغييره، بل ان وجود ديكارت الذي تعين بارتباطه في اثبات الوجود المفكر لذاته فقط، هو وجود سلب لا يحمل اية دلالة ديناميكية لافي ذاته ولا في امكانيته تبادل التأثر والتأثير في العالم الخارجي.

بضوء هذا الفهم الديكارتي في علاقة الذات بالتفكير،كان الرد السارتري عليه مامعناه،ان تكون الكيفية غير موضوعية اذا كانت صفة للذات تتعالق مع الماهية الانسانية غير المدركة عقليا واقعيا،لكن متى ما تم التعريف بها بصفاتها الطبيعية (لغويا) خارج وجودها الذهني فقط، عندها تكون الذات موضوعا لا يدرك ذاته منفصلا عن مصدره، ويتعين وجودا (موضوعا) بالنسبة للمصدر الذي صدر عنه، او كناتج فكري لغوي متعين موضوعا يمكن ادراكه بالنسبة للاخرين الذين يجدونه موضوعا متعينا عبّرت عنه اللغة، او اية واسطة تداول تواصلي تجعله مدركا موضوعيا لغيره.

وبالعودة لمقولة كانط التي ثبتناها في اسطر سابقة ولاهميتها الكبيرة في التمييز بين التفكير المثالي والتفكير المادي، حول علاقة الفكر بالوجود نجد هيجل قائلا (ان طبيعة الواقع يمكن ان تستنبط من الاعتبار الوحيد القائل ان الواقع يجب ان لا يتناقض مع ذاته) (3). هذه العبارة تؤكد الجدل المثالي الذي اقامه هيجل على صعيد الفكر، وقلبه ماركس ماديا، فحسب قوانين الجدل المادي الماركسي الطبيعية الثلاث، فلا يوجد شي في الوجود والمادة والطبيعة والكون (ثابتا) لا يتحرك بفعل عوامل تناقضاته الذاتية الداخلية، والعوامل الموضوعية المحيطة به، والضرورات الحتمية، والذات الانسانية تتناقض ذاتيا وكذلك الحال في تناقضها مع الواقع والاشياء، وتتناقض مع كل ظاهرة حادثة في الواقع المتغير والحياة في حيويتها .

ان من اهم المآخذ التي رفضتها الماركسية بشدة ان تكون الموجودات والاشياء في حالة (الثبات) وعدم التغييرالمتطور المتحرك باستمرار، وان الجدل الديالكتيكي لا يعمل في الافكار المجردة ولا قيمة له او ناتجة عنه كما يرغبه هيجل ومارسه فلسفيا مثاليا. بل ان الديالكتيك مجال اشتغاله الواقع والمادة والطبيعة والانثروبولوجيا والتاريخ وفي كل ظاهرة او وجود يتموضع في الادراك العقلي او الذهن المجرد، اي جميع الوقائع والموجودات والظواهر التي تستلزم استحضار الجدل في وجود التناقض الذي يحكم كل الاشياء ويسبب فيه الحركة والتغيير بعوامل ذاتية وموضوعية، باختلاف جوهري ان الجدل الفكري الذهني المجرد، يختلف جوهريا متناقضا مع الجدل بمفهومه المادي.

انه من المحذور ماديا التفكير ان جدل الافكارنسق عقلي ذهني يمتلك قدرة ذاتية على تحريك الواقع وتغييره. قد ندرك الشيء ذهنيا واردا جدا انما ان تخلق الافكار وجودات واقعية مدركة فهو مستحيل، لان وجود الطبيعة والانسان وكل الاشياء وجود مستقل بذاته ولا علاقة للفكر في تخليقه او ايجاده . وهذا ينطبق على جميع الفلسفات المثالية التي حاولت دحض المادية الماركسية، بمقولات الفكر المثالية التي تزعم امكانية خلق الموجودات والاشياء من الفكر صوريا .

ان الواقع لا يتحدد وجوده كمتعين مادي او فينومولوجيا كماهيات، او جوهر وصفات دونما تناقض جدلي على تغيير الواقع وتبديله المستمر، وقول هيجل او طلبه ان لا يناقض الواقع ذاته سواء اراد به هيجل الوجود الطبيعي او الانسان فهو باطل ولا يحمل مصداقية التسليم به.ولا وجود لواقع لا يناقض ذاته، والا يكون فاقدا سبب وعلّة وجوده، انه وجود واقعي يحمل ادنى صفات الاهتمام به.

ولقد أخذ ماركس على هيجل ان الجدل لا يعمل بالفكر بمعزل عن الوجود والواقع والتاريخ والحياة، فلا وجود حقيقي لشيء او واقع ينتجه جدل الفكر المجرد، وان الجدل ايضا لوحده كما هو شأن الفكر لايخلق موضوعاته الوجودية واقعيا بل ذهنيا كتفكير فقط، بل هذه الموضوعات في الوجود والمادة وتفسير التاريخ تفرض اهمية التغيير فيها عوامل التناقض التي تقوم على الجدل ذاتيا وموضوعيا . وهذه المباحث التي ذكرناها هي التي تخلق ديالكتيك تطورها وليس بمكنة او استطاعة الجدل خلق مواضيعه واعمال الجدل في تطورها. ولا وجود ايضا لانسان متصالح مع ذاته ومتطابق معه في الماهية والوجود،ولا تعتمل في دواخله محركات التناقض التي توجب عليها الخضوع لها في مسيرة التطور والحياة وفي كل مشكلة تواجهه.

ان سارتر يفهم الوجود الانساني على انه خواء مطلق لا قيمة حقيقية له،والانسان انما هو وجود لأجل الموت (عدم)، لذا الانسان كوجود يعتبر اصل العدم واساسه. وفي لا اهمية ان يكون للوجود ماهية تداخله،فعند سارتر الوجود بذاته، والوجود من اجل ذاته، والوجود في الجميع، هو سلب بمعنى اللاوجود خال من اي قيمة حقيقية انسانية في المتداول الطبيعي، وليس الوجود موجودا كي يعقبه عدم بل الوجود والعدم شيئان ليسا متلازمين بالضرورة وحسب، بل (الوجود والعدم) هما الانسان على حقيقته التي جاء بها الى الحياة ليموت ويفنى. وهكذا يكون اكثر مقبولية منطقية ان نقول بثلاثية تلازم (الوجود والماهية والعدم) انهم ثلاثتهم تعبيرات لوجود واحد لاغيره.بل يذهب سارتر الى ان اهمية العدم تأتي ليس كمرحلة لاحقة تعقب نفي الوجود السالب، انما هو اي العدم الذي يعمل في تلازم متداخل مع الوجود يعمل بداخله ومن اجل تقويضه، فالعدم الوجودي هو حتمية الوجود الانساني القلق المقذوف به في اتون الطبيعة والحياة والذي يولد كي يموت .

وفي نفس المنحى يذهب هيدجر قوله :(نحن لا نشعر بهذا اللاشيء الذي هو العدم،لا باعتباره مقولة منطقية، بل باعتباره مقوّما داخليا في تكوين الوجود)(4).اي باعتبارالعدم حتمية يعيشها الانسان تلازمه وينتظر فناءه بها.

(واول ماينبغي ملاحظته ان فكرة العدم في فلسفة هيجل لاحقة على الوجود وهذا بخلاف الفهم السارتري والهيدجري ان الوجود والعدم هما شيئ واحد،بمعنى اننا حسب هيجل لانضع الوجود اولا، لنتداوله بالعدم ثانيا).(5)

وفي هذه التراتيبية الهيجلية ان الوجود يسبق العدم، نؤكد ماذهب له سارتر في سطور سابقة بانه لايوجد لدينا وجود انساني مستقل يعقبه عدم مغاير متمايز عنه، بل هما وجود واحد هو الانسان، الذي يرقب الموت في صورة العدم الذي يلازمه من الولادة والى مماته .

ولو عدنا الى افكار كيركجارد الوجودية نجده (يرفض الجدل التصوري المجرد)(6) لان هذا النوع من الجدل هو فكري مثالي في محاورته الذات الداخلية التي المحنا لها سابقا، والذي اراد هيجل احياءه فكريا مثاليا وفشل . وان كان هذا الجدل المجرد (مطرد متجانس منفصل عن العالم)(7) فهو لا يتماشى مع نظرة كيركجارد (في اقامته بدلا عنه جدلا متقطّعا غير متجانس، هو الجدل الوجداني العاطفي المليئ بالتقطعات والوثبات . كما يرى كيركجارد ان الوجود الحقيقي بما يحمله من عناصر الذاتية والتناقض ينفر منه النسق الفلسفي)(8) ..بهذا المعنى بقي كيركجارد مؤمنا حقيقيا في وجوديته، وابتعد عن التجريد الذهني الجدلي المثالي كما عند هيجل ومن بعده جميع فلاسفة المثالية، والاهم من هذا فسح المجال واسعا امام ظهور وبروز الجدل المادي الماركسي.

في ادانة اعتبار ان النسق الفلسفي المثالي يحتوي ويقرر ماهيات الوجود من خلال الفهم المنطقي الفكري المجرد كما يريد فهمه هيجليا وكل الفلاسفة المثاليين من بعده، وليس كما يفهمه كيركجارد ان النسق الفلسفي وجود مفعم بالوجدانات الايمانية التي ترفض ان يكون الوجود الانساني تابعا للنسق الفلسفي منقادا له او في احتوائه له، وليس خالقا له في وجود الانسان الديناميكي الذي اشار له هيدجر من بعد كيركجارد واشرنا له في السطور السابقة .

انه لمن المهم جدا ليس للفلسفة الوجودية وحدها وانما للفلسفة الماركسية ان وضع كانط هذا التصور الفلسفي النسقي المدهش حقا وباعجاب يلخص ماأخذه عنه الاخرين (فقد اقام هيجل نسقه الفلسفي على اساس المنطق الجدلي الذهني العقلي، وجعل الحقيقة الوحيدة هي المطلق الذي هو الوجود الواقعي بما فيه من روح لا متناه او مثال او عقل كلي توجد عنه جميع الاشياء، بحيث يبدو الفكر وجوديا واقعيا، والوجود الواقي منطقيا عقليا اي انه طابق بين الوجود الواقعي والمعقول)(9) .

والجملة التي حملها كيركجارد على هيجل تنصّب على دحض هذه القضية بحيث يفصل كيركجارد بين العقلي والواقعي، فيبدو الوجود لديه منافيا للعقل معارضا له كما يذهب له حبيب الشاروني . لقد اراد هيجل القول ان ما يدركه العقل واقعيا يتحتم وجوده بالضرورة الادراكيه له.وهي نفس عبارة بيركلي الغارق في المثالية قوله ان مايدرك هو وجود حقيقي واقعي، وكل ما لايدرك بالحواس لا وجود حقيقي له.اي ان حقيقة الشيء هو الذي تدركه الحواس الى العقل صوريا.

كذلك يلتقي كيركجارد بهيجل في فكرة الجدل ذاتها (فهو يرى الوجود في تغير دائم باعتباره ينقسم الى ثلاثة مراحل متداخلة مع بعضها، المرحلة الجمالية، المرحلة الاخلاقية، المرحلة الدينية)(10) وهذا لايتماشى مع الفهم الجدلي الهيجلي الذي يحكم الوجود والمادة والتاريخ في قوانيين الديالكتيك، والاهم ويعارض المادية الماركسية في فهمها المادي الجدلي..وحقيقة ان لا الوجودية ولا الماركسية تؤمنان بطرح كيركجارد الايماني في المراحل الثلاث التي وضعها الجمالية والاخلاقية والدينية.

هذا ليس بمعنى ان كيركجارد كان وجوديا يفهم قوانين الديالكتيك حتى في تطبيقها على تداخل مراحله الثلاث في الحياة، ولا المادية والجدل الذي جاء به بعده، التي وضعها هيجل وفويرباخ وصاغها ماركس ماديا . فهيجل وكيركجارد يفهمان الديالكتيك نوعا من تثبيت الوجود الانساني على صعيد الفكر والنسق الفلسفي كل حسب طريقته في التفكير والمواضيع التي يختارها في تطبيق الجدل عليها، بعكس ماركس الذي اعتبر الديالكتيك ضرورة مهمة وحتمية لتغيير الحياة والتاريخ وليس تجريدا منهجيا على صعيد الفلسفة والفكر وانما واقعيا على صعيد معرفة التطور الواقعي في الحياة .

 

الباحث الفلسفي علي محمد اليوسف / الموصل

...............................

الهوامش:

1- د. حبيب الشاروني/ وجودية سارتر/ ص14

2- المصدر السابق ص 26

3- المصدر السابق ص 31

4-  المصدر السابق ص37

5- المصدر السابق ص 41

6- المصدر السابق ص 44

7- المصدر السابق ص 50

8- المصدر السالق ص 52

9- المصدر السابق ص 54

10 - المصدر السابق ص 56

 

 

 

 

منصور مهيديمن المعلوم أنّ الدراسات الأدبية كانت في مرحلتها الأولى منصبّة أساسا على عنصر المؤلف لما له من أهمية قصوى في تفسير النصوص والأعمال الأدبية.

وهكذا شكل المؤلف قطب نقطة تقاطع مجموعة من الدراسات والمقاربات ذات المنحى السياقي "النفسي والاجتماعي والتاريخي"، حتى ترسّخ في الأذهان ما يمكن تسميته بـ: "سلطة المؤلف".. ففي بعض الأحيان لم يكن المتلقي في النظريات القديمة أكثر من متأثر بالنص الأدبي وهو لا يحق له إلاّ الاستئناس إلى الخطاب دون أن يمارس موقفا ما.

أماّ المرحلة الثانية، فقد عرفت تحولاً في المسار النقدي في اتجاه ترسيخ سلطة أخرى على غرار سلطة المؤلف وهي"سلطة النص"، حيث كان الإعلان عن موت المؤلف من قبل أقطاب البنيوية إيذاناً بتحرر الفكر النقدي من سطوة المتكلم وبالتالي الولوج إلى مسرح الكلام، وهو الإعلان عن تحول وجهة النظر من الناطق بالنص إلى النص بذاته أو من ناسخ القول إلى نسيج القول1، ولذلك سيكون من المهام المنوطة بالنقد النصّي، مقاربة النص الأدبي: "بما هو بنية مغلقة ومكتفية بذاتها،لا تحيل على وقائع مجاورة للغة قد تتصل بالذات المنتجة أو بسياق الإنتاج، بل تحيل على اشتغالها الداخلي فقط مكرساً بذلك فيتشية* النص ولا شي سواه"2.

أماّ المحطة الثالثة، فعرفت فيها الدراسات الأدبية تحولا نوعيا في اتجاه ارساء دعائم التأويل من خلال الاهتمام بدور التلقي الذي أصبح جزءا لا يتجزأ من كل عملية تأويل، ونال القارئ فيها حقه، حين أصبح النص يتوجه إليه، باعتباره الموجود الوحيد والحكم الفصل وهو الكاتب الجديد للنص والمفترض دائما.

وينبثق مفهوم التأويل من جملة التطورات التي حصلت في التيارات الفكرية والنقدية مسايراً تطوراتها المعرفية باعتباره جهدا عقليا يحاول الوقوف على النصوص في انفتاحها اللانهائي لاستكشاف الدلالة التي تربط بمفهوم القراءة، ومن ثم تصبح العلاقة بين القراءة والتأويل جدلية تقوم على التفاعل المتبادل بين النص والمؤثر فيه القارئ الذي يحدد آليات القراءة وإجراءاتها المنهجية.

ارتبط فنّ التأويل بإشكالية قراءة تفسير النص الديني ممّا دفع ماتياس فلاسيوس "matthiase flacius" إلى الثورة على سلطة الكنيسة في مسالة مصادرة حرية قراءة النص المقدس ليقترح أولوية التراث في تأويل بعض المقاطع الغامضة من النص وطابع الاستقلالية في فهم محتوياته بمعزل عن كل إكراه.

فمصطلح الهيرمينوطيقا "التأويلية" مصطلح قديم بدأ استخدامه" في دوائر الدراسات اللاهوتية ليشير إلى مجموعة القواعد والمعايير التي يجب أن يتبعها المفسر لفهم النص الديني "الكتاب المقدس" فيما يعرف بـ: التفسير التوراتي lexégèse biblique"3، وقد كان لهذه النشأة في كنف الدراسات الدينية ما يبرره، لاسيما إذا علمنا مدى صعوبة الصراعات التي نشبت بين كل من حاول تفسير التوراة خارج إطار التفسيرات الرسمية لدى الإكليروس*، أو رجال الدين réformateurs، الذين يصرون على ضرورة أن يكون الفهم أحاديا littéralement، بعيداً عن التأويل المجازي "الرمزي".

ليبقى بذلك تأويل الكتابة المقدسة، وفق الرؤية الدينية البروتستانتية** حبيس مسلمات رجال الدينباعتبارهم يمثلون المخلص″ السيد المسيح″، لتصبح تأويلاتهم نصوصا مقدسة تحجب أو تزيح النص المقدس/الأصل.

وأمام هذه المشكلات، في المجتمع المسيحي القديم تبلور مفهوم الهرمينوطيقا ليشير إلى " مجموعة القواعد والمعايير التي يجب أن يتبعها المفسر لفهم النص الديني "الكتاب المقدس""4، ليتسع بعد ذلك مفهوم المصطلح في الممارسات الحديثة، فاستخدم في تأويل كل أنواع الأعمال الفنّية، والحكايات الأسطورية، والأحلام ومختلف أشكال الأدب واللغة بوجه عام.

فكلمة "هرمينوطيقا herméneutique تعني في الأصل فن أو علم التأويل هي أقدم الاتجاهات اهتماما بفن فهم النصوص" 5، ويعود أوّل استخدام لمصطلح الهيرمينوطيقا للدلالة على هذا المعنى عام 1654م.

أمّا في ما يخص نشأة الهرمينيوطيقا الأولى وممارستها، فهي ليست مشكلة حديثة، وإنّما موغلة في القدم، فقد اقترن ظهورها عند اليونانيين في العصر الكلاسيكي بوصفها إجراءً أو طريقةً في قراءة النصوص.

الأدبية وفهمها، ويتعلق الأمر بتأويل النص الهوميري* تجدر الإشارة إلى أنّنا نبتغي صيغة" فنّ التأويل لترجمة كلمة herméneutique تمييزًا لها عن التأويل بمعنى interprétation، إذ أنّ البعض يفضّل تعريبها بـ: علم التأويل"6، ويفضّل البعض الآخر تعريبها بالتأويلية وأيضًا الهرمينوطيقا، ومن المهمّ الملاحظة أنّ الكلمة اليونانية herméneute تعني ثلاثة أسماء: " التعبير، والشرح، والترجمة"7.

تكاد المعاجم المتخصصة تجمع على الأصل الإغريقي لمصطلح هرمينوطيقا فهو عند: "برناردو دوبي Bernard Dupuy مشتق من أصل إغريقي هرمينيا harmonia الذي يدلّ على التأويل، أمّا عند صاحبي المعجم النقد الأدبي تامين و هوبر " hubert " et "tamine" فهو فنُّ تأويل العلاقات"8. وهو تأمل فلسفي يعمل على تفكيك كل العوالم الرمزية، وبخاصة الأساطير والرموز الدينية، والأشكال الفنَية، وأمّا "جون غروندين jean grondin فيعتبرها فنَ تأويل النصوص"9، وقد اتسع مجال استخدامه إلى دلالات جديدة، فيذهب غروندين إلى القول بأنّ لفظة "الهرمينوطيقا herméneutique مشتقة من الفعل اليوناني هيرمينويو hérméneuo الذي يحمل معنى الترجمة، والتفسير والتعبير"10، وفي هذه الحالات الثلاث يحمل هذا الفعل الاتجاه إلى الفهم إدراكاً ووضوحاً ونجد أنّ مصطلح الهرمينوطيقا حصلت له تحولات دلالية عبر مختلف حقب العصر الإغريقي الكلاسيكي، من خلال تطوَر الفلسفة اليونانية "النصوص المقدسة"، أو من ترجمة المصطلح من اليونانية إلى اللاتينية، إذ أنَ ترجمته بـ: interpréta قد أثّرت على دلالة الهرمينيا l'herménia فانزاحت عن معناها الأصلي.

تميّزت الهرمينوطيقا بكونها فلسفية، لارتباطها في بدايتها بتفسير وتأويل النصوص الدينية، فهي فن للتأويل وفهم النص يعتبر موضوعاً ينوب عن العالم الذي تحمله دلالاته ورموزه، والتأويل ينجز الخطاب الذي تحمل فيه اللغة العالم إلى النص.

فالهرمينوطيقا هي:" نظرية عمليات الفهم في علاقاتها مع تفسير النصوص، هكذا ستكون الفكرة الموجَهة هي فكرة انجاز الخطاب كنص"11.

إنَ لفظ التأويل ليس جديدًا، لقد كان قديما "يعني التغلب على مسافة زمنية أو لغوية ما من المعنى، ومع المحدثين و خاصَةً ديلتاي* اكتسب هذا المصطلح حمولة جديدة تتعلق بوضع قواعد كلية لفهم النصوص، بالتحكيم بين التأويلات وكذا بإعلاء التفسير exégèse إلى مستوى العلم12حاول ديلتاي تأسيس منهج موضوعي للإنسانيات، وبعد ديلتاي بدأ التأويل يأخذُ معنى أكثر اتساعاً من وضع قواعد عامّة لفهم النصوص وذلك نتيجة للأفكار التي أرساها هايدغر*، فأصبح التأويل ضمن هذا التحوّل الهايدغري " فلسفة التأويل التي تتجاوز المنظور الميتودولوجي** لتصعد إلى شروط إمكانه، والتي تتناول الطابع اللغوي للتجربة البشرية من جهة ما هو محايث لها وللوجود في العالم من جهة أخرى"13.

فتداخل اللّفظين interprétation ولفظة herméneutique وتشعّبهما وجب التفريق بينهما "فالكلمة الأولى interprétation تعني الجهد العقلي الذي نقوم به في إرجاع معنى ظاهر ومجازي إلى معنى باطن أو حقيقي في حين أنّ الثانية ذات حمولة فلسفية بما أنّها تهدفُ إلى الإمساك بالكائن من خلال تأويل تعبيرات جهده من أجل الوجود"14، وتُطلق كلمة هرمينوطيقا في العادة على اتجاهات مختلفة التي يعتنقها بعض الفلاسفة والمفكرين الذين يعطون اهتماما خاصاًّ لمشكلات "الفهم" و"التأويل" أو "التفسير" فالكلمة كذلك تصدق على نظرية التفسير ومنهاجه.

إنّ هذا التباين بين المعنى الحرفي والمعنى الرمزي للكلمة اليونانية hérmeneuein تولّدت عليه مدرستان في علم التأويل الأدبي، ظهرتا بشكلٍ مبكر وهما: التفسير النحوي، والتفسير المجازي"الرمزي"، الذي وضعه الرواقيون*، وهذا راجع لقيمة الفرق بين المناهج التي تقضي بتفسير نص قديم عسير الفهم بلغةٍ حديثةٍ.

كما نجد أنّ السيميائيين الغربيين توقّفوا عند المفاهيم الكبرى للتأويلية أمثال: جورج غادامير*، وبول ريكور**، وامبرتو ايكو*** فتعريفهم لهذا المفهوم "التأويلية" كانت متباينة فهو" طورًا لديهم العلم الذي موضوعه تأويل النصوص الفلسفية والدينية، وهو طورًا يستعمل خصوصاً من أجل تحديد مجموعة القضايا المتمحّضة للقراءة وفهمها، كما أنّه يصطنع أيضاً من أجل تأويل كل الإبداعات الفنية، والحكايات الأسطورية،والأشكال المختلفة للأدب واللغة"14، ولكن بول ريكور ذهب إلى أبعد من ذلك حيث عدّ التأويلية تجاورًا مع السيميائية حين يقول:" إنّها تقرن النظرية العامة للمعنى بالنظرية العامة للنص"15، ذلك بأنّ النظرية العامة للمعنى لا ينبغي لها أن تختلف اختلافا كثيرا عن النظرية العامة للنص إذ هل يوجد نص ولا معنى له؟.

التأويلية استنباطاً لمعنى النص أو لمعنى اللغة كما أطلق عليه الشيخ عبد القاهر الجرجاني رحمه الله معنى المعنى "وهو أن تعقل من اللفظ معنى ثم يفضي بك ذلك المعنى إلى معنى آخر"16.

إنّ التأويلية لا ترفض السياق، أي أنّها لا ترفض ربط الأدب بالمجتمع الذي نشأ فيه فهي مسألة تشترك فيها التأويلية، في الحقيقة، في قراءتها النص مع معظم التيارات الجديدة، الخاصة بتحليل النص وقراءته: من الشكلانية الروسية" formalisme russe " إلى السريالية " surréalisme" إلى البنيوية"structuralisme" إلى السيميائية " sémiologie "، فالتأويلية توظف السياق الاجتماعي التاريخي من أجل بلورة المعاني الممكن استقبالها لدى المتلقي فكأنّها تفرض وضعًا فلسفياً للمرجعية بما هي معيار للتقويم.

هكذا الهرمينوطيقا تأتي لتتوج الجهد الظاهراتي الهوسرلي* في الاستعاضة عن المناهج العلمية في العلوم الإنسانية بمقاربة معرفية أعمق وأشمل وهي تنطلق من فهم الذات، ولذا "إذا ميّزنا بين الهرمينوطيقا وبين نظرية المعرفة** فإنّه لا يوجد أي سبب لتخيل أن الناس يجدون صعوبة كبيرة في فهم أن الأشياء توجد ببساطة، وبأنّ الهرمينوطيقا ضرورية، لأنّ الناس هم الذين يخاطبون وليست الأشياء "17، فالهرمينوطيقا تبحث عن الذات التي تستند إليها عملية المعرفة تحتاج إلى إثبات وجود موضوعاتها من حيث الماهية أي من خلال تصور الظاهرة في كليتها من خلال الفكر، والفكر كما يقول هايدغر :" يتم العلاقة بين الوجود والماهية"18، ففي حضن ثلاثية الفكر- الوجود- الماهية تنشأ أرضية ظاهراتية للوعي بالأشياء لكي لا تدع الوهم يتسرب إلى الذات.

فالظواهرية أو الظاهراتية " الفينومينولوجيا" التي عرض أفكارها برانتانو وارتقى بها "إيدموند هوسرل" إلى درجة التنظير التي تجعل الذات محطة انطلاقها.

يشير هايدغر " m.heidgger" في كتابه :"الوجود والزمن" 1927م أنّ الهرمينوطيقا هذه الكلمة تعود إلى الجذرين اليونانيين ״ phainomenon" ومنه نجد تداخل الهرمينوطيقا والظاهراتية "فينومينولوجيا". إذا كانت الفينومينولوجيا تبحث في مشكل "فهم الوجود" فإن التأويل انصب اهتمامه على إشكالية "وجود الفهم" أو بما يسمى "كينونة الفهم" وهكذا تتغذى نظرية التأويل بالظاهراتية القائلة بأن الإدراك يتم عن طريق تفاعل الذات بالموضوع " القراءة مثلا"، وتجاوز معادلة الفصل بين الذات والموضوع التي رسمتها المناهج العلموية، ويقول إ.هوسرل في أحد الدروس التي ألقاها خلال العشرينات من القرن الماضي تحت عنوان "علم النفس الفينومينولوجي": "لسنا هنا من أجل الشروع في تأملات فلسفية حول "الماهية الداخلية للروح" أو من أجل أن نتصور أسسا لأبنية ميتافيزيقية، وإنما نحن هنا من أجل تأسيس سيكولوجيا مفهومة كعلم تجريبي."19، وفي سياق البحث عن مقاربة علمية للذاتية، وهي ما يشكل الموضوع الرئيسي للفينومينولوجيا، عمد هوسرل إلى اختراع منهج غير مسبوق أطلق عليه اسم "الإرجاع" réduction كما أعطى الأولوية لمنهج غير مألوف في مجال البحث الفلسفي هو"الوصف"، ملحا بالعودة إلى التجربة الفريدة للذات، مؤكدا أن العقل الإنساني الفردي هو مركز كل معنى وأصله .

اهتمت الفينومينولوجيا في النظرية الأدبية بوجوب توجه النقد إلى الولوج إلى أعمال الأديب من خلال فهم الماهية الباطنية لكتاباته، وذلك كما تظهر لشعور الناقد وليس كما يظن المؤلف، بمعنى أن فهمها للنص هو عملية إنتاجية له، وكشف عن إمكانيات جديدة فيه، فهكذا ولدت الفينومينولوجيا لتحد من هيمنة الصراعات الفلسفية والفكرية " فكلمة فينومينولوجيا مشتقة من الكلمة اليونانية prainomenon تعني المظهر والظاهرة: وهي علم الموضوعات القصدية للوعي" 20. والفينومينولوجيا لها بنية ثلاثية: أنـا + أفكـــر + بموضوع فكــري

تقوم الظاهراتية على كشف الطبيعة الباطنية لكل من الشعور الإنساني والظواهر، وتلحّ على أنّ الذات هي وحدها المسؤولة على الفهم والإدراك، فأصبحت بدورها " لا تسعى إلى تفسير العالم من خلال البحث عن شروطه الممكنة كما صرّح بذلك "ميرلو- بونتي" وإنّما تهتم بتشكيل التجربة كأوّل لقاء أنطولوجي* بين الوعي والعالم الذي يعتبره لقاء على كل تفكير حول هذا العالم"21.

إنّ الفينومينولوجيا ترتبط بالتأويل ارتباطا عضويا ووظيفيا، وهكذا ما أكّده هايدغر بأنّ المنهج الفينومينولوجي أنّه هرمينوطيقا، " فالمعنى ليس شيئا يمنحه شخص ما لموضوع ما، بل هو ما يمنحه الموضوع للشخص من خلال إمداده بالإمكان الأنطولوجي للكلمات واللغة"22.

أثارت الهرمينوطيقا جدلاً عنيفاً مع رواد التأويلية الحديثة بداية مع المفكر الألماني شلايرماخر*1843م الذي يمثل الموقف الكلاسيكي بالنسبة للتأويلية، وهو السبّاق لتحويل المصطلح من الإستخدام اللاهوتي إلى عملية الفهم وشروطها في تحليل النصوص، بنى تأويليته على أساس أنَّ النص عبارة عن وسيط لغوي بين فكر المؤلف وفكر القارئ، ورصد العلاقة الجدلية التي تحكمها واعتبر للنص جانبين: جانبا موضوعيا يشير إلى اللغة وهو المشترك الذي يجعل عملية الفهم ممكنة،وجانبا ذاتيا يشير إلى فكر المؤلف، وهذا أن الجانبين يشيران إلى تجربة المؤلف التي يسعى القارئ إلى إعادة بنائها بغية فهم المؤلف أو فهم تجربته مما يجعل عملية الفهم ممكنة كما قال شلايرماخر: "إنّني أفهم المؤلف بقدر توظيفه للغة، فهو- من جانب- يقدم استعماله للغة أشياء جديدة، ويحتفظ- من جانب آخر- ببعض خصائص اللغة التي يكررها وينقلها"23.

أمّا مارتن هايدغر أقام الهيرمينوطيقا على أساس فلسفي، واعتبر الفهم هو أساس الفلسفة وجوهر الوجود، فرفض فكرة الوعي الذاتي وعلا عليه، فوحّد الفن بالفلسفة في مهمتها الوجودية.

بينما غادامير استند لتطبيقات هايدغر ونظّر لتأويليته في كتابة "الحقيقة والمنهج": مبادئ فلسفة التأويل1965 توصل إلى أن "الهرمينوطيقا منهجية للعلوم الإنسانية ولكنها محاولة من أجل فهم الحقيقة "..."وما يربطها بكليّة تجربتنا في العالم"24، فهو يرى ليس بالضرورة وضع منهج للفهم العلمي بل الذي يهمه هو المعرفة والحقيقة.

كما جاء بعد ذلك في المشروع الفلسفي لريكور لتصبح قراءة النص معه ليس مجرد لعبة لغوية في نطاق الزمن والعلامة، أو تكهناً عبقرياً في سبيل إدراك المقاصد الخفية للمؤلف، وإنّما القدرة التأويلية على تشكيل عالم النص في ضوء مادته وشيئيته بالموازاة مع تشكيل عالم الذات أو نسج رؤية بواسطة النص.

هكذا امتدّ زحف المذهب الهيرمينيوطيقي مع بول ريكور الذي ركّز أساساً على تفسير الرموز واعتماده على العلامات وخاصة في كتابه "نظرية التأويل"1976 الذي كان ثمرة مراجعاته النقدية واطلاعاته المتبحرة على المناهج النقدية الذي أتاحت له الاغتراف منها مثل سيميولوجيا غريماس، والتحليل النفسي عند فرويد وبنيوية لفي شتراوس ومنطقية الفلسفة الأنجلوسكسونية،ومفاهيم أرسطو وكانط وهوسرل و هايدغر وجون نابير، فكانت تأويلية ريكور تجاوز مستمر هو دينامية المعنى في تحوله وتطوره.

سعت التأويلية الحديثة إلى قراءة النص وتلقيه وكان ذلك بإيعاز من رواد جمالية التلقي ياوس* وآيزر** اللّذين أسسا مشروعا متفتحا على جمالية التلقي، وخاصة مع "آيزر" في كتابه "فعل القراءة" التي كانت محاولة لتصميم نظرية في القراءة باعتبارها شرطا مسبقا وضروريا لجميع عمليات التأويل، فأصبحت هذه النظرية الجديدة "حركة تصحيح لزوايا انحراف الفكر النقدي لتعود به إلى قيمة النص، وأهمية القارئ"25، بعد أن تهدمت الجسور الممتدة بينهما بفعل الرمزية والماركسية، ومن ثم كان التركيز في مفهوم الاستقبال على القارئ والنص،"إن جوهر منظور التلقي هو إعادة الصلة الحميمية والضرورية بين النص ومتلقيه"26، وضمان قراءة فاعلة تفسح المجال للقارئ قصد التجول في مدائن النص وسراديبه"27.

إنّ التلقي أعاد القيمة إلى القارئ، وأعاد أهمية السياق التاريخي والاجتماعي، وكأنّه نفي لتطرف الشكلانية*وصرف البنيوية**التي أصبح فيها النص يتيمًا بدون أب, مع إعلان موت المؤلف . ومن ثم استفحل هذا اليُتم مع التفكيكية التي ألغت النص من الوجود لتؤسس لمشروعية وجود ما يسميه منظّروها" القارئ النص " حيث يكون النص حسب المنظور التفكيكي لا قيمة له من دون القارئ.‏

شهد تاريخ التلقي الأدبي مجموعة من المقاربات في بعض الاتجاهات، ويتعلق الأمر بجمالية التلقي بشقيها الفينومينولوجي عند " آيز " والهرمينوطيقي عند "ياوس""h.r.jauss"، وفي بلاغة القراءة عند "م.شارل" "m.charles"، وفي سيكولوجية القراءة عند "م. بيكار""m.picard"، وفي أسلوبية القراءة عند "م.ريفاتير""m.riffaterre"، وفي سوسيولوجية القراءة عند "لينهارت" "leenhardt".

ويبقى التأويل يرتبط بالإمكانات التي يوفرها المجال الاستقبالي للسان ما، وهذا الربط هو ما يؤدي إلى التأويل والطريق التي بها يمكن القبض على المعنى وتحصيله باللفظ المعبر، وعلى هذا يكون"المجال اللساني للغة شرطا في الإمكانية التي تحمل التأويل إلى اللغة وتهيئ استقبالية المعنى الذي يتأسس وجودا عندما تتعاين ألفاظه في السياق اللساني لخطاب ما"28.

إنّ هوميروس* لم يؤسس قانون الأدب العالمي من المنظار الشعري فحسب، بل كذلك وبسبب الصعوبات المتزايدة في تفسير أعماله، كان أول من وضع من جهة نظر التأويل مسألة الفهم الذي هو محاولة الدرس إدراك المعاني والدلالات التي تتفجر في النص وهو يستلزم دائما إعادة بناء تاريخية للعالم"الماضي"، فالفهم يطرح إشكالية حين يتعلق الأمر بالنصوص القديمة التي تفصلنا عنها مدة زمنية معينة. ذلك أن النص كلما كان منتميا إلى عصر ليس عصرنا، إلا واجتهد الدارس في تفكيكه واستنطاقه بغية الاقتراب من فهمه. من هنا يكون الفهم هو المكوّن الجوهري لعملية القراءة فالتأويل هو الشكل الظاهر للفهم، ذلك أن الفهم والقراءة والتأويل وجوه متعددة لعملية واحدة يستدعي كل منها الآخر.

عملية الفهم " تقوم على نوع من الحوارية بين تجربة المتلقي الذاتية والتجربة الموضوعية المتجلية في الأدب من خلال الوسيط المشترك، ويتغير مفهوم "الفهم" نفسه من أن يكون عملية تعرف عقلية، إلى أن يكون مواجهة تُفهم فيها الحياة نفسها، الفهم- بهذا المعنى هو الخصيصة المميزة للدراسات الإنسانية "29، وهو القدرة على تفهم الغير أو الطرف الآخر من خلال إنجاز فعل لغوي يقوم به الفاهم لصالح المتلقي، ويستفيد من الطرف الآخر لمبررات أخلاقية أو دينية أو عاطفية.

إن معنى الفهم الذي أملته فلسفة الأنوار* ينتقل خلسة من الفهم إلى التفسير ويصدر حكم قيمة على كل الظواهر التي لا ترقى إلى عتبة الفهم، معتبرا أن "كل ما لا يرقى إلى عتبة الفهم يدخل في دائرة اللامعقول"30 والتركيز على الفهم لا يعني إيجاد تعارض مطلق بينه وبين التفسير، بما أننا قد نجعل فهم ظاهرة ما مقدمة لتفسيرها كما أننا قد نجعل تفسير ظاهرة ما مقدمة لفهمها، كما أن الحدود التي نضعها على التفسير هي نفس الحدود التي نضعها أحيانا على الفهم .

وإلى جانب الفهم والتفهم نجد معنى التفاهم،"وهو يبرز عملية تفاهم متبادل أو يبرز ثمرة العملية أو المعنى الذي يفيده اللفظ الفرنسي se comprendre l'un l'autre أو مفردة "séntendre ""31، لذا إذا أردنا معالجة إشكالية الفهم داخل مبحث الهرمينوطيقا لابدّ أن نأخذ بعين الاعتبار الفروق الدقيقة الموجودة بين الفهم والتفهم والتفاهم، وهناك من نقل مصطلح"الفهم" إلى دائرة النزعة السيكولوجية ليقترن الفهم بالمشاركة الوجدانية في حياة الآخر، عند محاولة عوالمه الباطنية دون اللجوء إلى منظومة تفسيرية فوقية، ويتحقق بدخول عالم الآخر والإحساس بأحاسيسه كما يصطلح عليه في الرومانسية* بجماليات العبقرية"esthétique, du génie".

وقد قام بول ريكور بنقد النزعة السيكولوجية وميّز بين سيكولوجية الفهم ومنطق التأويل معتبرا الأولى ذات طبيعة ذاتية معرفية والثاني ذو طبيعة أونطولوجية.

أمّا شلايرماخر انطلق من الخطاب الشفهي وليس من النصوص فهو يعتقد بأنّ"كل عملية فهم انعكاس لعملية الكلام"32 ويمحور عملية الفهم على المتكلم الأجنبي وعلى ذاتية المؤلف، كما أنّه ميّز بين ثلاثة أشكال للفهم في فلسفته التأويلية هما: "الفهم التاريخي الذي يرجع إلى المضمون، والفهم النحوي الذي يرجع إلى الشكل واللغة والعرض والفهم الذهني الذي يعتد بذهنية الكاتب وذهنية العصر"33. أما غادامير ميز بين نوعين من الفهم:

- الفهم الجوهري وهو فهم محتوى الحقيقة.

- الفهم القصدي وهو فهم مقاصد وأهداف المؤلف.

إذا كان التأويل هو عبارة عن إضفاء الصراحة على الفهم فان الفهم هو أساس اللغة والتأويل، لأن الفهم متقدم على التأويل فيكون التأويل مبني على أصل الفهم لا العكس، كما أن الفهم يتركز في ثلاثة أبعاد غير منفصلة عن بعضها.

- المهارة العمــــلية.

- المهارة الفهــــمية.

- المهارة التفسيـريــة.

وبهذا يصبح التأويل بدوره هو عمل الفهم الذي يشتغل على فك الرموز، وهو مرحلة أولية من مراحل التأويل الثلاثة: الفهم، والتفسير، والتطبيق: application.

والفهم عند ريكور يعني متابعة حركة النص من دلالاته إلى مرجعيته، أو من تعبيره إلى حول ما يعبر عنه وهو أشياؤه ووقائعه، ويخلص ريكور إلى أن دلالة النص ليست وراء هذا النص بمحاذاة قصدية المؤلف ولكن قبله من جهة المرجعيات أو العوالم التي يفتحها ويتيحها، ويمكن لنا أن نرسم الدوائر الثلاثية: تفسير- فهم- تأويل على الشكل التالي:35

التفسير: هو التنسيق الرمزي للدلالات وفق قواعد وآليات.

الفهـم: هو الانتقال من دلالة النص إلى المرجعية الخارجية على سبيل المطابقة أو الاختلاف بما تتيحه المصداقية.

التأويل: هو الانتقال داخل مرجعية النص من المعنى إلى الحدث أو الواقعة النصية.

هكذا سيشكل الفهم،والتأويل أهم الآليات الموظفة في فعل القراءة، ويمثلان الوجه الخفي لها، ومن هنا، كان التأويل يشتغل في إطار الهرمينيوطيقيا، وتكون القراءة وما تستند إليه من أوليات مجالا خصبا يمكننا من العودة إلى تراثنا المعرفي عامة، والنقد خاصة،عودة منهجية تشتغل على قطبين هما: فهم النص/ التراث في بعده وسياقه التاريخي، ثم قراءته من زاوية معاصرة تنطلق من هموم الخطاب الفكري وإشكالياته من حيث هو حاضر زمنيا ومعرفيا، بغية خلق حداثة فكرية حقيقية وهذا تماشيا مع مشروعنا الدلالي"الدرس الدلالي بين التراث والحداثة عند العرب".

قال أمبرتو إيكو:"لكي نؤول يجب أن نتلقى"36 حينها يصبح التلقي فنا معماريا يبنى وفق هندسة القراءة التي تصنع النظرية وتحدد المفاهيم الجمالية، فالقراءة ليست تلقيا سلبيا أبدا وإنما هي تفاعل خلاّق ومشاركة حقيقية بين النص والقارئ تستلزم أن ندرك حضور الكاتب في داخل النص الأدبي، ليرتقي التلقي ويصبح حدثا تواصليا يعكس نوعا من أنواع التفاعل بيننا وبين الباث، وينبغي أن يكون "التأويل شكلا محددا للتفاعل بيننا وبين النص، أي محاولة إقامة بنية للتلقي أو جهاز للقراءة في مقابل رسالة أو جهازها الإبداعي والفني الراجع إلى نظامها الذاتي"37 فنحن بصدد مستويين اثنين للتفاعل هما:

- تفاعل المتلقي بالباث: تواصـل.

- تفاعل المتلقي بالنص: تأويــل .

-

العقل التأويلي يرى أن النص لا يمكن احتواؤه فهو المتلقي الذي تتقاطع عند التأويلات وتتفجر الدلالات ويضحى التأويل فعل تعدد وتشتتت، فإشكالية المعنى المتعدد، وجعل الخطاب مفتوحا لأفاق التأويل والفهم غدا إشكالا كبيرا في الدراسات التأويلية وخاصة الدينية منها إذ ليس ثمة تأويل يفضي إلى دلالة وحيدة أمام لغة قوامها المجاز.

يقول الفراء*نقلا عن عبد القادر عبو: "ظل النص الديني"القرآني" إشكالاً قائماً أمام العقل العربي الإسلامي فكان ابتداع مفهوم التأويل من قبل أهل الكلام مفتاحًا لولوج مغاليق هذا النص بلغته البيانية التي تحمل تأويلات مختلفة وذلك لرفض التناقض بين النص والعقل"38.إذ أنّ لغة النص مجازية يجوز استخدام اللفظ لغير ما وضع له أصلا. فإنّ التأويل يستعيد الدلالة المفقودة وبالتالي ينتج سوى التعدد والاختلاف، فالنص البياني عامة ينفتح على أكثر من تأويل ويميل إلى إنتاج التعدد والاختلاف. وهذا ما أكده الشيخ عبد القاهر الجرجاني** في دلائل الإعجاز وما لمّح إليه بإمكانية تعدد المعاني مع توحد "النظم" وصرّح بأنّ علم البلاغة هو العاصم من زلل التأويل وما يرتبط به من جهل، ومما يجعل التعدد والاختلاف قائمًا في القراءة هو ما ذهب إليه ابن العربي* حين تناول فكرة أساسية يقترب اقتراباً شديداً من فهم معضلة" القصد/ النص/الفهم" حيث يرى "أنّ للغة قوى دلالية في ذاتها تجعلها قابلة لتعدد التفسيرات على مستوى الدلالة الوضعية الظاهرة للغة"39.

فإنّ تعدّد القراءة يحقق إمكاناً دلالياً لم يتحقق من قبل، و"كل قراءة هي اكتشاف جديد،لأنّ كل قراءة تستكشف بعداً مجهولاً من أبعاد النص، أو تكشف النقاط عن طبقة من طبقاته الدلالية"40 فلا حياد إذن في القراءة بل تصبح"كل قراءة لنص من النصوص هي قراءة فيه، أي قراءة فعّالة منتجة، تعيد تشكيل النص، وإنتاج المعنى، ولهذا نقول بأنّ القراءة الحرفية هي خدعة، اللّهمّ إلاّ إذا كانت تعني التكرار الأجوف أو الصمت، أي اللاقراءة "41.

وبهذا الاختلاف المتشعب والمتضارب، تعدد مفهوم الهرمينوطيقا بالمنظور الدقيق والرؤيا الناقدة المتمحصة وتعددت اتجاهاتها ومقارباتها من نص لآخر ومن فترة زمنية لأخرى، فكان التأويل عند الغربيين "وضع فرضيات حول معرفة الذات الناطقة وعلاقتها بالمجال الغوي، ثم هو تطوير للقصد"42، حتى الدراسات التأويلية في العلوم الإنسانية قادت تعريف الإنسان نفسه كنشاط تأويلي والوجود كلغة.

***

 

الدكتور مهيدي منصور

........................

1- ينظر عبد السلام المسدي، اللسانيات، وإبستيمية النقد، المجلة العربية للثقافة، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم،ع 32،مارس1997،ص:19.

* نسبة إلى العالم فيتش.

2- رشيد بن جدو، العلاقة بين القارئ والنص في التفكير الأدبي المعاصر، مجلة عالم الفكر، المجلد23، ع:01،1994

3- نصر حامد أبو زيد، إشكالية القراءة و آليات التأويل2006، ص:13.

* الإكليروس Clergy، هم رجال الدين وهم ثلاث فئات: الأساقفة"المطارنة "،القسوس "القمامصة"، الشمامسة.

** حركة مسيحية رمت إلى إنقاذ المسيحية من رجال الدين ومن سلطة الكنيسة و البابا.

4- عبد الغني بارة، الهرمينوطيقا والترجمة مقاربة في أصول المصطلح وتحولاته،مجلّة الآداب الأجنبية فصلية، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، ع:133، شتاء2008

5- فاطمة الطّبال بركة، النظرية الألسنية عند رومان جاكبسون، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، ص56.

* نسبة إلى هوميروس، شاعر إغريقي شهير وكاتب الملحمتين - الإلياذة والأوديسا - قام بتخليد حرب طروادة شعرا بدقة متناهية التي يعتقد حدوثها العام 1250 ق.م.

6- محمد شوقي الزين، تأويلات وتفكيكات، ص:29.

7- هانز روبرت جونس، علم التأويل الأدبي، حدوده ومهمّاته، ص:56.

8- عبد الغني بارة، الهرمينوطيقا والترجمة، مقارنة في أصول المصطلح وتحولاته، مجلة الآداب الأجنبية، ع:133.

9- عبد الغني بارة، الهرمينوطيقا والترجمة، مقارنة في أصول المصطلح وتحولاته، مجلة الآداب الأجنبية، ع:133.

10-المقال نفسه، ص:4.

11- بول ريكور، من النص إلى الفعل، أبحاث التأويل، ترجمة محمد براءة، حسّان بورقية، الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، الهرم القاهرة،ط:1،2001، ص:58.

* الفيلسوف الألماني فيلهلم ديلتاي "1833-1911"، من تلامذة شلاير ماخر،كرّس حياته لتنظير وشرح ابستومولوجيا الوضع العلمي للعلوم الإنسانية التي يسميها "علوم الروح".

12- حسن بن حسن، النظرية التأويلية عند بول ريكور، منشورات الاختلاف، ط:02،الجزائر2003، ص:14.

* مارتن هيدغر الألماني الوجودي "1889 ــ 1976".

** الميتودولوجيا "من methodos اليونانية، ومعناها الطريق إلى... المنهاج المؤدي إلى..." هي علم المناهج، والمقصود هنا: مناهج العلوم، والمنهج العلمي هو جملة العمليات العقلية والخطوات العملية التي يقوم بها العالم، من بداية بحثه حتى نهايته، من أجل الكشف عن الحقيقة والبرهنة عليها.

13- حسن بن حسن، النظرية التأويلية عند بول ريكور، ص:14.

14-حسن بن حسن، النظرية التأويلية عند بول ريكور، ص:15.

* نسبة إلى الرواقية: مدرسة فلسفية تعتمدعلى زينون الرواقي"333ق م،264ق م"، تجعل الإنسان مفكرا سليما، متزن التفكير وموضوعي. أحد جوانب الرواقية الأساسية هي تحسين رفاهة الفرد الروحية.

*غادامير فيلسوف ألماني شهير ولد في ماربورغ 11 فبراير 1900،، وتزامن ميلاده مع نفس العام الذي مات فيه الفيلسوف الأشهر "فريدريك نيتشه" ما يعطينا تصوراً جيداً لمحيط فيلسوف التأويل "هانس" الفكري والمعرفي.

** بول ريكور، فيلسوف فرنسي وعالم لسانيات معاصر ولد سنة 1913 و توفي سنة 2005،من ممثلي التيار التأويلي، اشتغل في حقل الاهتمام التأويلي ومن ثم بالاهتمام بالبنيوية، وهو امتداد لفريديناند دي سوسير. يعتبر ريكور رائد سؤال السرد. أشهر كتبه "نظرية التأويل -التاريخ و الحقيقة-الزمن و الحكي- الخطاب وفائض المعنى".

*** امبرتو إيكو: باحث إيطالي من أبرز منظّري المنهج السيميائي المعاصر من مواليد 1932، مؤلفاته:" العمل المفتوح"، " البنية الغائبة"، "العلامة"، "القارئ في الحكاية".أشهر أعماله الروائية: "اسم الوردة" " و"بندول فوكو" و"باودولينو".

15- عبد المالك مرتاض، نظرية القراءة، دار الغرب للنشر والتوزيع، وهران ط:01، 2003، ص:183.

16- عبد المالك مرتاض، نظرية القراءة، ص: 184.

17- عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز،شرح وتعليق:محمد عبد المنعم خفاجي، دار الجيل للنشر والتوزيع، بيروت ط:01، 2004م،ص:16.

* نسبة إلى إدموند هوسرل "1859 - 1938"،مؤسس الفينومينولوجيا في ألمانيا الذي اشتُهر بـ"أبي الفينومينولوجيا"

** علم المعرفة من العلوم التي تبحث في تقييم جميع المناهج الفلسفية والعلمية، الخ، ويعتبر هذا العلم مدخلا لدراسة بقية العلوم، إذ يكون له السبق في تأصيل الأدوات المعرفية التي يحتاجها الباحث في ذلك العلم، وذلك وفقا للأفق الفلسفي والعلمي الذي يعتنقه الباحث.

18- عمارة ناصر،اللغة والتأويل، مقاربات في الهرمينوطيقا الغربية والتأويل العربي الإسلامي، ص:15.

19- عمارة ناصر،اللغة والتأويل ص:15.

20- نتالي دوبراز،الفينومينولوجيا،ترجمة: الحسين بوتبغة، مجلة الآداب الأجنبية، اتحاد الكتاب العرب، ص:15.

21- عادل مصطفى، مدخل إلى الهرمينوطيقا، دار النهظة العربية، ط:01،مصر: 2003، ص:133.

*الانطولوجيا تعود إلى الأصل اليوناني من ONTO : وتعني الوجود،IOGIE: أي العلم، وontoiogy: هو علم الوجود،احد مباحث الفلسفة، وهو العلم الذي يدرس الوجود بذاته،وورد هذا المصطلح أول مرة سنة 1613.

22-محمد شوقي زين، تأويلات وتفكيكات، ص48.

23- عادل مصطفى، مدخل إلى الهرمينوطيقا، ص162.

* شلاير ماخر فريدرش ارنيست دانيال، "1768-1834" فيلسوف ألماني أسهم في نمو نظرية التأويل .

24- نصر حامد أبو زيد، إشكاليات القراءة وآليات التأويل، ص21.

25- نصر حامد أبو زيد، إشكاليات القراءة وآليات التأويل، ص21.

* ياوس: ناقد ألماني شهير، صاحب نظرية جمالية التلقي.

** اﻟﻨﺎﻗﺪ اﻷﻟﻤﺎﻧﻲ. " ﻓﻮﻟﻔﺠﺎﻧﺞ إﻳﺰر. " Wolfgangiser. اﻟﺬي ﻋﻤﻠﺖ اﻷأكاديمية اﻷﻣﺮﻳﻜﻴﺔ ﻋﻠﻰ ﺗﺮﺟﻤﺔ أﻋﻤﺎﻟﻪ.

26- محمود عبّاس عبد الواحد، قراءة النص وجماليات التلقي،دار الفكر العربي، القاهرة، ط:01، 1996، ص:17.

27- رجاء عيد، ما وراء النص، مجلّة علامات، السعودية، المجلد الثامن، ع:30، شعبان، ديسمبر 1999،.

28- المقال نفسه193.

* هي إحدى المذاهب المؤثرة في ميدان النقد الأدبي في روسيا في الفترة بين العام 1910 و 1930, أبرز شخصيات المدرسة الشكلية.

فيكتور شيكلوفسكي ورومان جاكوبسون وجريكوري فينكور, هم من أحدث ثورة في ميدان النقد الأدبي بين العام 1914

**البنيوية أو البنوية : منهج بحث برز في بداية مطلع القرن التاسع عشر، وهو الاسم الذي أطلقه جاكبسون عام 1929، وهو فكر شامل "paradig"، مخترقا جميع أنواع العلوم و التخصصات . أبرز منظروها : فريديناند دي سوسير و كلود ليفي شتراوس .

28-عمارة ناصر، اللغة والتأويل، مقاربات في الهرمينوطيقيا الغربية والتأويل العربي الإسلامي، ص:151.

* هوميروس شاعر إغريقي شهير وكاتب الملحمتين - الإلياذة والأوديسا .

29- نصر حامد أبو زيد، إشكاليات القراءة وآليات التأويل،،ص:27.

30- * فلسفة الأنوار فتحت عبقرية،في أوروبا إبان القرن الثامن عشر،عمل أصحابها على إعادة الاعتبار للعقل والذكاء البشري، مستهدفين القضاء على المعالم الفيودالية للنظام القديم وجعل حد لهيمنة الفكر الأسطوري والاستبداد التي كانت تكرسه الكنيسة.- انتقد فلاسفة الأنوار الفكر السياسي والديني ووضيعة الثقافة السائدة في المجتمع، ودعوا إلى تأسيس علاقات جديدة بين الحكام في إطار مجتمع علماني يفصل فيه الدين عن الدنيا وهي الأفكار التي تبنتها طبقة البورجوازية الصاعدة.، فانتقدوا الرقابة شعارهم: " دعه يعمل، دعه يمر".،

31- نفسه، ص:62.

* مصطلح "الرومانسية" يُطْلَقُ على مذهبٍ أدبيٍّ بعينه ذي خصائص معروفة، استخلصت على المستوى النقدي من مجموع ملامح الحركة الأدبية التي انتشرت في أوربا في أعقاب المذهب الكلاسيكي، يعود مصطلح الرومانسيّة إلى كلمة رومان "Roman" ومعناها في العصر الوسيط: حكاية المغامرات شعراً ونثراً.

32- هانز روبرت جوس، علم التأويل الأدبي، حدود ومهمّاته، ترجمة، بسّام بركة، مجلة العرب والفكر العالمي، ع: 3

33- المقال نفسه، ص: 56.

35- ينظر محمد شوقي الزين، تأويلات وتفكيكيات، ص: 78.

36- إدريس بلمليح، من التركيب البلاغي إلى المجال التصوري عند عبد الله راجع، من قضايا التلقي والتأويل، منشورات كلية الأدب والعلوم الإنسانية بالرباط، سلسلة ندوات ومحاضرات، ص:85.

37- نفسه ص:85

* الإمام الفرّاء " 144 هـ - 206هـ" هو أبو زكريا يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور الفراء . والفراء لقبه لا اسمه، و لقب بالفراء لأنه كان يفري الكلام ويغلب الخصوم .

38- عبد القادر عبو، مركزية التأويل في محاورة النص الشعري المعاصر.

** عبد القاهر، أبو بكر بن عبدا لرحمن بن محمد الجرجاني، فارسي الأصل، جرجاني الدار، ولد في جرجان عام 400هـ-1010م وعاش فيها دون أن ينتقل إلى غيرها حتى توفي سنة 471 هـ-1078م.

* ابن العربي العلاّمة الحافظ، القاضي أبو بكر محمّد بن عبدا لله بن محمّد الاشبيلي. ولد سنة 468 هـ بإشبيليا و المتوفّى سنة 543هـ بفاس من كبار الحفّاظ والفقهاء البارعين.

39-نصر حامد أبو زيد، إشكالية القراءة وآليات التأويل،ص:100.

40- علي حرب، نقد الحقيقة، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، بيروت، ط: 03،1995،ص:08.

41- علي حرب، نقد الحقيقة، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء،ص:08.

42- عمارة ناصر، اللغة والتأويل،ص: 123.

 

محمد كريم الساعديترتكز عملية البناء الفكري والمعرفي في خطابات الرد الثقافي على مغيرة الافعال المستمدة من البنى الايديولوجية التي كانت عليها الكولونيالية سواء كانت في قديمها التي مارستها على الشعوب الواقعة فيما مضى تحت السيطرة بكافة اشكالها (السياسية والاقتصادية والعلمية) وحتى على مستوى البناء السيكولوجي للفرد في المستعمرات البريطانية والفرنسية،أو في جديدها التي تهيمن عليه الآلة التقنية الأميركية وأسلحتها الفتاكة في إخضاع العالم ومنها المستعمرات الغربية السابقة، وفي محورها  قلب معادلة الشرق الأوسط بمسمياته المختلفة وحسب ما يرسم له من خارطة جديدة وتقسيمات تقوم على أهداف للمائة عام القادمة، وهنا تأتي أفعال المغايرة للقديم والجديد من الكولونيالية بمختلف أشكالهم،وأهمها الثقافية التي أصبحت أكثر تغلغلاً في الأوساط كافة، وهنا تأتي أفعال المغايرة من أجل دق جرس الإنذار لما يحصل وسيحصل مستقبلاً، لأن الثمن سيكون محو الهوية الثقافية لصالح الآخر الذي يوظف كل شيء لذلك الهدف، على اعتبار أن الإمبريالية الثقافية في أشكالها الأكثر كلاسيكية هي شكل المركزية وعنصرية فاعلة سياسياً. إنها اثنومركزية تحولت الى أيديولوجية تقدم نفسها كطريق لخلاص الجماعات الدنيا والفكرة الأساسية هي أن الشعوب الأخرى أما أن تضع نفسها على الصفحة مع الحضارة الغربية، وإما أن تكون غير جديدة بالإعتبار ككيانات قابلة للاحترام  والتدوين في الصفة الثقافية الغربية، وهذا يعني الكثير من التغيرات والتشكلات الجديدة في الملامح الثقافية للشعوب الطائعة لرؤية الحضارة الغربية ومقاساتها  التي تجلب الإحترام، لكن هذا الإحترام يبقى ناقصاً لأنه سيكون من الدرجة الثانية أو على هامش الحضارة،ولأن الغربي على وفق المفهوم الكولونيالي يبقى السيد والآخر الشرقي يبقى هو التابع على وفق المتقابلات التي وضعها العقل الغربي لتصنيف سلم الحضارة وتحويل شعوبها الى أول وثاني وثالث، وسجل الإستعمار حافل بهذه الصور والتصنيفات التي أصبحت علامات فارقة في الخطابات الكولونيالية أو ما يسمى بالعالمية ومركزيتها وهنا يرى الدكتور (جابر عصفور) في (الهوية الثقافية) في ما تعني العالمية وما تلقي بظلالها على البناء السيكولوجي للشعوب التي تكافح من أجل الخروج الى النظام الجديد بكرامة دون أن تقع تحت استجداء العطف من المركزية يقول عصفور: ولذلك ترتبط مفاهيم (العالمية) الغالبة على وعينا، من حيث هي علامة وصول الى محطة التقدم بتوترات قديمة لا تخلو الى اليوم من شعور بالدونية الذي لا يفارق الشعور بالغبن في عالم يخلو من معنى التكافؤ بين الإبداعات القومية والوطنية،أو المحلية وهي تراكمت لتصنع هذه العقد النفسية التي ينطوي عليها المتخلف في علاقته بالمتقدم والتي تؤدي الى أستجابات عصابية في حالات كثيرة ولم تنحل بعد في مرحلة إيجابية تتوازن فيها الدوافع المتناقضة،أو المتعارض اعني استجابات تتقلب ما بين المواقف الحديّة وتنهي إما الى الرفض المطلق أو القبول المطلق للمعايير،أو التمثيلات، أو الصور المفروضة من الأعلى على الادنى، لأنه ما فرض على الأدنى في زمن القوة والسيطرة العسكرية لا يمكن ان يستمر في هذا الزمن، لذلك ينظر لهذه على أنها صراع حضارات،أو صِدام حضارات بحسب (صامويل هنتجتون) في تواصل للرؤى الغربية التي تفرض على المهمش حضارياً .

  إن هذا الصراع النفسي الذي تعيشه الشعوب بين العودة والحفاظ عل الهوية الثقافية المحلية والتعايش بسلام مع الثقافات الاخرى ومنها الغربية صاحبة الإمكانات التقنية الهائلة التي يسوق لها في كل أغلب المحافل العالمية،أو التصادم مع المركز العالمي من أجل التنافس معه حضارياً حتى تكون هناك فرص متساوية للحياة، وما هذه الحروب التي تحصل وتملأ الأرض إلا ردات فعل لما هو مفروض على الادنى وما هذا التطرف الحاصل اليوم في العودة الى الاسلاف، ما هو إلا صورة أريد لها ان تكون حاضرة حتى  يقال إن الصراع هو بين ثقافة وحضارة متقدمة وأخرى متخلفة،وهذا التوجه مت المركزية الغربية هو ليس موجهة فقط للأخر الذي يقع خارج أسوار الحضارة الغربية ومفاهيمها المتمركزة في اللوغوس الغربي، بل هو ايضاً موجه نحو أفراد المجتمعات الغربية لتأكيد اختلافها عن الآخر الشرقي،  وهذه الممارسات لها سياقاتها في تشكيل العقل الغربي بصورة ممنهجة ومستمرة،أي ان هذه الممارسات لا تنطبق السيطرة على الخطاب بوصفها ممارسة اجتماعية فحسب بل تنطبق أيضاً على عقول الذين يتحكم بهم،أي التحكم بمعرفتهم وآرائهم واتجاهاتهم وأيديولوجياتهم وكذلك تمثيلاتهم الشخصية أو الأجتماعية وبصورة عامة قد تكون السيطرة تعني – ايضاً – السيطرة غير المباشرة على الأفعال،وهذا ما يجعل عملية البناء المؤسساتي في الأنظمة السياسية والاقتصادية الغربية تقوم على استطلاعات الرأي العام تجاه المواقف المعينة وخصوصاً في العصر الحالي على النظرة للآخر الشرقي وبالأخص الإسلامي،واستغلال ما يحرك من صور كولونيالية قديمة قائمة على أوصاف عدائية متجددة على وفق الحرب على الإرهاب والمعنى القديم المطابق للإرهاب في العقل الغربي هو الإسلام كما هي في ذاكرة الحروب الصليبية، وهذه النظرة وغيرها هي من شّكل الذاكرة الغربية المركزية وخطاباتها الكولونيالية في الثقافة،لذا فأن صورة المركزية العالمية ثقافياً هي قائمة على مشروع بعيد المدى أنتج في مؤسسات متعددة المسميات لكنها مشتركة الأهداف والغايات في ايجاد مساحات معرفية تستطيع أن تمارس من خلالها رغباتها في السيطرة و الإخضاع، لأن المركزية الأحادية السياسية والثقافية للمشروع الكولونيالي كانت نتيجة طبيعية لتقاليد العالم الأوربي الفلسفية وأنساق التمثيل التي أضفت عليها تلك التقاليد امتيازاً  وقد اسفر ذلك في المقام الأول عن انتاج ممارسات الخضوع الثقافية التي أعتبرها أحد نقاد ما بعد الكولونيالية (انكماشاً ثقافياً) خلفته الأفعال الكولونيالية ضد الشعوب التي وقعت تحت السيطرة والخضوع لها مما جعل في بداية الأمر تتولد صور سلبية قامت بالتركيز عليها في البناء الاجتماعي الاخلاقي لهذه الشعوب وبالتركيز على الجوانب السيكولوجية من خلال توظيف بعض المفاهيم التي أصبحت ملازمة للهوية المحلية ثقافياً، ومن هذه المفاهيم المهمة هي تأكيد معنى الاستلاب والابتعاد عن الذاتية ما يولد إنفصال وإنفصام عن الشخصية وإرثها الثقافي والحضاري الذي يستند عليه الوعي الفردي والجمعي في أي مجتمع قائم على بناء العلاقة الإيجابية مع جذوره،  لكن الفكر الكولونيالي  عمل على  حصول هذا الإنفصال حتى يتمكن من بناء قاعدة فكرية وأخلاقية جديدة تجعل من الوضع الثقافي الأصيل وضع مستلب وخارج عن الأصلانية،من خلال تهديم الصور الأجتماعية والثقافية المرتبطة بأهم الموروثات ودلالاتها في تشكيل الوعي الوطني والقومي، وحتى القيم الإنسانية المشتركة مع المجتمعات الإنسانية الأخرى، لأن مبدأ الاستلاب والابتعاد عن الذاتية تجعل من الفرد يعيش حالة اغتراب ذاتي مع من حوله من المؤسسات الوطنية وقيمها التي قام عليها المجتمع، وبالتالي يتحول هذا الإستلاب الى مرحلة من التشكيك واليأس من الوضع الراهن الذي يعيشه الفرد في هذه المؤسسات ومدى تأثيرها عليه في التواصل المعرفي والاجتماعي والنفسي مع محيطه وبيئته الثقافية،وهذا ما ساعد وسهل عمل التغلغل الثقافي للعالمية ومركزيتها في الثقافات المحلية، وأصبح ما هو ثقافي عالمي مرغوب أكثر من المحلي، مما أدى الى السيطرة الثقافية ممارسة التهميش الذي أخذ صور ثلاث كان للآداب والفنون وغيرها من وسائل التعبير نصيباً مهماً في السيطرة وإخضاع الثقافات الأصلانية ومن  أولى هذه صور التهميش الذي يتقلص بالحضور، ويدني به الى حال أقرب الى الغياب،وثانيتها اختيار ما لا يخلف في الوعي الثقافي العام سوى الاوهام التي يراد تثبيتها والإبقاء على شيوعها،وثالثتها رفض دعم ترجمة الآداب المهمشة والأنصراف عن نشر المترجم منها على اوسع نطاق وذلك جنباً الى جنب وتضييق دائرة التعريف بهذه الآداب الى أبعد حد  تجعل من الثقافات المهمشة تعيش العزلة المعرفية خارجياً من خلال السيطرة على منافذ الترويج الثقافي، وداخلياً من خلال جعل المنتمين لهذه الثقافات يبتعدون عنها شيئا فشيئاً، مما يولد الأغتراب الداخلي عن الثقافة الأم /الثقافة الأصلانية صاحبة الهوية المحلية التي يهدف الفكر الكولونيالي الى التخلي عنها لصالح الثقافات الاخرى.

إن خطابات الرد الثقافي مارست افعال المغايرة ضد التهميش الثقافي وتغييب الهوية الأصلانية، لأن المهمة التي وجت من أجلها هذه الخطابات هي إعادة بعث الحياة في هكذا أنواع ثقافية وأدبية وفنية،كان لها الأولوية في تأكيد الهوية الوطنية وإعادة الثقة للمواطن الأصلاني بمثل هكذا ممارسات تعيد اليه روح الانتماء الى تراثه ولغاته التي تعيد بمثابة حلقة الوصل مع الجذور الثقافية لمثل هكذا ممارسات،حتى تجعل من التهميش الثقافي لها داخلياً وخارجياً يقل في ضغوطه وممارساته على الهويات الوطنية،وهنا يأتي دور الخطابات الرد الثقافي لنظرية ما بعد الكولونيالية، والذي يهتم بتقصي وتطور إقتراحات حول الأثر الثقافي للغزو الأوربي على المجتمعات المستعمرة وطبيعة استجابات تلك المجتمعات  وتتعلق نظرية ما بعد الكولونيالية بمدى أوسع من الإنشغالات الثقافية : اثر اللغات الإمبريالية على المجتمعات المستعمَرة، تأثير (الخطابات الكبرى) الأوربية كالتاريخ والفلسفة، طبيعة وسياقات التعليم الكولونيالي والروابط بين المعرفة الغربية والسلطة إنها تتعلق بالتحديد باستجابات المستعمرين : والصراع للسيطرة على التمثيل الذاتي  للشعوب المهمشة في ساحة الحضارة العالمية،إذ سعت ما بعد الكولونيالية من خلال خطاباتها الى البحث والتفتيش بين ثنايا الخطابات الكبرى الكولونيالية من أجل زعزعت وتحريك تمركزها وتموضعاتها حول المبادئ الأساسية التي قام عليها اللوغوس الغربي في تدوين الصور النمطية للآخر المغاير لها على صفحات هذه الخطابات ومدى أهليته في تمثيل نفسه ذاتياً ووصف عجزه عن أداء أدواره الثقافية للبحث عن هذه الأوصاف النمطية التي عملت خطابات الرد المغايرة فيما بعد الكولونيالية على متقابلات يستطيع الأصلاني أن يعيد انتاج هويته الأصلانية ومعرفة مدى حركة التهميش التي وقعت عليه وبدأت حركة أخرى هي البحث في الفضاءات المهجنة التي عملت الثقافة الأعلى على إنتاجها وتذويب ما هو ذاتي ومحلي فيها لصالح الثقافة الأعلى المسيطرة .

 

الأستاذ الدكتور محمد كريم الساعدي

 

علي محمد اليوسففي الفلسفة البنيوية التي اعتمدت ما سمّي بالقراءة الجديدة، او القراءات التأويلية المتعددة للنص، نجد انه جرى تداول تلك الطروحات المعرفية او اللغوية والفلسفية عندنا كنوع من الحداثة الادبية الفكرية المسلّم بها، كما هو شأننا مع جميع الصرعات الفلسفية المتنوعة التي ظهرت في فرنسا على وجه الخصوص، ومن ضمن تلك التيارات الفكرية ما جاء به تروبتسكي وجاكوبسن ودي سوسير وفنجشتين وآخرين في مجال فلسفة اللغة واللسانيات.

ان انزياح واستبعاد النص الاصل يكون من خلال تعدد القراءات المتجددة او القراءات التأويلية التي تختلف عن أصل النص في الاضافة او الحذف لا فرق، الذي تصبح قراءة النص محور كل دراسة تقوم على اماتة او الغاء حضور المؤلف الذي انتهى وجوده ودوره المؤثر لحظة خروج النص من تحت سيطرته ليصبح ملكا للمتلقي فقط كقيمة قرائية حسب مقولة رولان بارت، وفي تفكيك محورية النص وتشظّيها الذي ذهبت به التفكيكية ابعد من ذلك في اعدام اصل النص تفكيكيا في اعتماد القراءات الجديدة المتشظية التي تحمل معها الاختلاف الدائم مع قراءات سابقة عليها، واهمية تجاوزكل حضورنصي لغوي متجدد تخلقه تعدد واختلاف القراءات في سعيها الدائب- اي تلك القراءات – الى استحضار (فائض المعنى) الذي تمكنت اللغة اخفاءه في لعبة مخاتلة في تغييبها على الدوام لمعنى غير المعلن في ظاهرية النص القرائية على الدوام تحت رغبة حضور قرائي دائمي متجدد للنص لغويا في عملية تفكيك وتجاوز مستمرين الى ما لانهاية له.

وقد اعتمد الشكلانيون الروس في مؤتمر لاهاي عام 1929 مصطلح البنيوية الذي وضعه جاكبسون، وقد رفضت هذه المدرسة التي تأسست البنيوية الفرنسية على منطلقاتها وارهاصاتها، التي اعتمدت لغة النص (الادبي) تحديدا، التي جاء بها دوسيسير، ولاكان في علم النفس، وفوكو في حفريات المعرفة، والتوسير في هجومه على الماركسية، والاب الروحي للفلسفة البنيوية ليفي شتراوس في الانثرويولوجيا، الذي ابعدت عنها فيما بعد فكرة عدم توظيف النص الادبي لنصرة معتقدات فلسفية معينة، ونادى الشكلانيون ضرورة ووجوب اعتماد النظر على الشكل الجمالي للادب بما هو ادب، أي في اعتبار الادب ادبا صرفا يتميز بعدة دلالات تعبيرية لغوية جمالية تجعله جنسا تعبيريا مستقلا مفارقا لنصوص الفلسفة والدين والايديولوجيا وغيرها.

وفي فضاء الالتقاء والاختلاف البنيوي مع التفكيكي في وجوب التفريق بين اعتماد النص اللغوي شكلانيا في دراسته الاجناس الادبية من حيث هي كينونة كادب معرفي مستقل ويجب ان تكون دراستها كذلك، كلية باستثناء تعالقهما اللغوي (النصين الادبي والفلسفي) في التقائهما على صعيد النص اللغوي، في تداخلهما مع الفلسفة في مباحث اشتغالاتها المتنوعة خارج الاجناس الادبية.

ولنقرأ النص التالي من كتاب المفكر علي حرب نقد الحقيقة (ان كل قراءة تختلف لامحالة عن النص الذي تقرأه او تقرأ فيه، سواء أكانت القراءة شرحا وتفسيرا، او استنباطا وتأويلا. وهي تنزع من ثمّ، وبحكم اختلاف ما تقرأه، الحلول محله)، ولما كانت كل قراءة تأويلا(وحمل لمعنى ما على المقروء، وترجيح لمعنى آخر، أي هي تأوّل، ومآل التأويل أن يحل محل التنزيل) ص 96

أن الانزياحات التأويلية لأصل النص في تعدد القراءات واختلافها، يعطينا بحسب أحكام المفكر علي حرب، أن فكرة او محتوى او مضمون النص، يعطينا ترجيحا الى أن جميعها افكار اومرموزات لغوية اشارية متعالقة ببعضها، بما يتعّلق بأصل النص المتآكل تفكيكيا باستمرار تداولياته، وبعد أجراء القراءات التأويلية والتفكيكية عليه يكون لا معنى لنص الاصل ولوجوده أيضا كمرجعية، بل يصبح الاهتمام في تداولية النصوص المتفرعة عنه، ولم يعد اصل النص يمتلك حضورا حقيقيا بعد تعدد قراءآته المختلفة. وبذا بدلا ان يكون أصل النص مرجعية ثابتة تحاكم بها وعلى ضوئها، صحة قراءات الهوامش على النص الاصل الجديدة والتأويلات المتعددة له، نقوم بأعدام اصل النص تفكيكيا الذي هو أساس ومرجعية جميع القراءات بتعدد واختلاف اشكالها له المتفرعة عنه، وكيف يمكننا البرهنة ان التأويلات القرائية هي اكثر مقبولية وحكمة وصواب من محتوى النص الاصل الذي قامت القراءات التأويلية التفكيكية بأعدامه والغاء قيمته لأنه لم يف بالتزامه في كشفه المسكوت عنه واحتفاظه على الدوام بفائض المعنى لغويا.وكيف لنا ان نعرف ان المسكوت عنه هو الصحيح وليس ما يبوح به اصل النص وتعدد قراءاته، وليس ما يذهب له وتدعيه الهوامش من صدقية افتراضية.؟ في بحثها الدؤوب عن فائض المعنى الذي تخّلفه اللغة وراءها في تعدد القراءات والاجتهادات والاختلاف للنص الواحد.

لا نستبق الحكم أن جاك دريدا في التفكيكية يلغي تماما اية مرجعية ثابتة يمكن الاحتكام لها، ويعتبر دريدا انه حتى العقل او الانسان لايمثّل ايّا منهما او كليهما مرجعية، لأن هذه المرجعية طالما نعتبرها كينونة ثابتة نسبيا فهي ميتافيزيقا يتوجب مجاوزتها، كما ان دريدا يرفض المنهج باعتبار ان التفكيك لايحتاج المنهج لأنه استراتيجية آلية تفكيكية تطال كل شيء، وحتى التفكيك يعقبه تفكيك الى ما لا نهاية له او توقّف عنده.كما ان دريدا هاجم هيدجر واعتبره ميتافيزيقيا يؤمن بمرجعية العقل الذي هو ثبات لا يعتد الاخذ به.(يبدو دريدا مدلل الفلسفة ولو جاء غيره بهذا الهراء الفلسفي لرجموه حتى الموت، ونبشوا قبره بعد مماته بيومين على اثر خيبة امله في الحصول على جائزة نوبل).

واذا نحن سّلّمنا بهذا التحليل القرائي التفكيكي او البنيوي للنص الاصل، فسنكون في حالة ضياع وتيه في استقصائنا أين يكمن المعنى الصحيح وفي أي من القراءات التأويلية التي طالت نص الاصل وغيّبته قسرا نعتمد الوصول الى الحقيقة؟.ويصبح التشتت القرائي الاختلافي هو سيد التيه والضياع، نتيجة منطقية لما يتوجب علينا معايشته في تعدد الانزياحات المتناوبة في استهدافها أصل النص بالتغييب العمد كهدف مطلوب في ذاته ولذاته فقط في اشباع هوس التفكيك في ما لنهاية عنده.

ومقولة البنيوية (لا شيء خارج النص) تبدو اكثر اعتدالا ومقبولية امام فوضوية دريدا بالتفكيك الذي يطال النص وكل شيء في متوالية لا نهائية من التفكيك.

نعتقد أن أصل النص هو حقيقة مرجعية ليس سهلا الاستغناء عنها او تغييبها، وانه ايضا خلفية استرجاعية ثابتة لمعرفة ماذا اضافت القراءات التأويلية الشارحة عليه، وأين اصبح موقع اصل النص بعد تناوب القراءات الالغائية التفكيكية له وماذا بقي منه؟ واين أوجه القصور والخطأ فيه.؟ والنص منتج عقلي، والعقل والنص مرجعيتان نحتكم لهما ليس لحقيقة وجودهما المادي وثباتهما، بل لانهما من الضرورات البدهية التي بضوئها نستطيع الحكم على مدى اهمية قراءاتنا اللانهائية الافتراضية لأصل النص كما يرغبه جاك دريدا.

من المهم التذكير بان رولان بارت على اختلاف مع التفكيكية التي تذهب الى اعدام اصل النص تفكيكا اختلافيا تداوليا، فهو اكتفى بالغاء هيمنة المؤلف على النص ووصايته على القاريء، واوصى ان يكون حضور النص مرجعيا هو فقط دون غيره في مقولة البنيوية الفلسفية الشهيرة( لا شيء خارج النص).ليتدارك دريدا هذا التنازل البنيوي في تاكيده ان اللغة وليس النص الادبي هو كل شيء.

اننا نفهم أن كل نص هو كيان مادي قائم بذاته، والافكار قوة مادية تأخذ أنسنتها الطبيعية من المتلقي به واليه، ويتوجّب علينا ان ننطلق من أن كل قراءة او عدّة قراءات لأصل النص مهما أوتيت من قدرة تأويلية ذكيّة فهي ليس بامكانها ولا بمستطاعها الغاء حضور (أصل النص) حتى لو تعاملنا مع الغائه مجازّيا وليس حقيقيا، ثم والأهم لماذا نحن نعامل القراءات الهامشية الدائرة حول مركزية النص الاصل انّها هي مايمّثل الحقيقة المطلوبة وليس العكس في عدم اعتمادنا مركزية أصل النص انها هي الحقيقة التي على ضوئها نحكم على صحة منطلقات الهوامش القرائية التي تدور حول اصل النص وتستهدفه بالالغاء؟ من جهة اخرى اننا سنضع انفسنا بهذه الحالة امام سلسلة لا تنتهي من الالغاءات المتناوبة على استهداف اصل النص في اعدامه واخراجه من دائرة التلقي في تعدد وتنوع القراءات له .وهذا هوما تنادي به التفكيكية وتعتمده بالصميم.

العقل وفلسفة الشعر

ذهب علي حرب في كتابه نقد الحقيقة الى (ان الفلسفة الى ماقبل نيتشة كانت (عقلية) تبحث عن البداهة في معرفة الاشياء، وكانوا جميعا ينتمون الى الفضاء العقلي نفسه، اما ما حاوله نيتشة هو الخروج من هذا الفضاء بفتح الممارسة الفلسفية على الجسد والرغبة، على الارادة والقوة، وبكتابة نص فلسفي ينبض بحرارة الشعر ويعيد الاعتبار للجسد المقموع وللشعر المطرود) ص107

ويمضي مكمّلا (بيد ان الشعر لم يصبح اجراءا فلسفيا من اجراءات الحقيقة قبل هيدجرالذي فتح الممارسة الفلسفية على المجال الشعري قراءة انطولوجية.. وان هيدجر باهتمامه بالشعر سيقصي الاجراء المنطقي العلمي كشرط رئيس من شروط التفلسف لصالح الاجراء الشعري، معتبرا انه لا شيء يضاهي الفلسفة في قول الوجود غير الشعر) ص 107 ايضا.

ولنا الآن تسجيل ملاحظاتنا:

انه بغضّ النظر عن أن نص الفلسفة يضاهي النص الشعري ويتماهى معه أو يضّادده، ومن هو الباديء بهذا الترويج، ؟ نجد حقيقة الشعر ماثلة امامنا لا يمكننا مجاوزتها بالالفاظ واللغة فقط، ان الشعر فعالية يغلب عليها اللاشعور غير المنطقي للغة الذي يقاطع نص الفلسفة بالصميم، وفي تجاوزه لغة النمطية التداولية المجتمعية وخرقها الى ما فوق التراكيب المعتادة، كما نجد اختلاط المخيال اللاشعوري الشعري في تغييبه الادراك العقلي الذهني للواقع، وأبتداع الشعر للصور الشعرية المحّلقة بلغة حركية تخييلية غير منضبطة عفوية وانسيابية، في تغييبها وصاية العقل، وانثيالاتها في تداعيات من العاطفة التهويمية يصعب معها السيطرة عليها وتنظيمها اغلب الاحيان ولا تتدخل الذهنية العقلية بها او محاولة لجمها قبل برود العاطفة وحضور العقل، واغلب الاحيان لا يكاد تداخل العقل بالشعر يعتد ويؤخذ به اذ يصبح عندها جميع الناس شعراء وكل كلام الناس العادي شعرا. وبهذا المعنى لا يمكننا الاقرار امكانية ان يكون الشعر فلسفة، والفلسفة شعرا وهو ما حاوله فيختة وفيورباخ ونيتشة وهيدجر ووفلاسفة آخرون.ان لغة التجريد في الفلسفة والشعر وان التقيا على صعيد التعبير التداولي فهما يختلفان كليّا في الفهم الوجودي للانسان.

وليس معنى ان تجارب هؤلاء الفلاسفة تعطينا مبررا كافيا في تماهي الخطاب الفلسفي مع الخطاب الشعري فكريا او منطقيا متعذرّا، فهما كبنية إبداعية فنية وجمالية مختلفتان ولا تلتقيان مهما بذلنا من جهود في التنظيرلتسويغ مثل تلك المحاولات العقيمة.وتبقى المسألة ضمن اجتهادات لا تلزم غير متبنيها الأخذ بها كمسّلمة يقينية فلسفية او حقيقة ابستمولوجية نخلص لاهميتها وصحتها.ان دراسة انطولوجية الشعر بلغة التجريد الفلسفي المنطقي لا يتماهى مطلقا مع الكيان الراسخ في ان بنية المبحث الفلسفي الذي يقوم ايضا كما في الشعر على تجريد منطقي يعدم مخيالية الشعركلغة وتعبير تداولي يقوم عليه الشعر، كذلك يكون مخيال الشعر متمردا على منطقية البنية الفلسفية التجريدية وان جمع الشعر والفلسفة المخيال المنتج، فوصاية العقل على الخيال الفلسفي اكثر صرامة في المحافظة على المخيال الفلسفي ان لا يخرج عن وصاية العقل في تنظيمه لغة الافكار الفلسفية، وهذا ما لا يقوم عليه او يلتزم به الشعر كونه لغة غير نمطية في تنظيم لغة التواصل مع الاخر.

وخروجا تهويميا على كل ضوابط لجمه في ان لاتكون تداعيات العاطفة لغويا هي الغالبة في وصاية العقل على لغة الشعر.ان في اشتراك اللغة تجريديا في الفلسفة والشعر ليس معناه توفر كتابة مبحث الفلسفة بلغة الشعر والعكس صحيح ايضا.

2.المسألة الثانية أن هيدجر بسبب هذه الاشكالية الفلسفية كان يتبادل التهم مع العديد من الفلاسفة الذين نعتوه بالفيلسوف الميتافيزيقي ابرزهم نيتشة وردّه عليهم هو أن نيتشة كان آخر الفلاسفة الميتافيزيقيين الذين اوصلتهم عربة الميتافيزيقا الينا، ومن الغرابة ان يحذو هيدجر حذوالنعل بالنعل لنيتشة في اعلائه أهمية الشعر الى مستوى التفلسف وتداخلهما، نص الفلسفة ونص الشعر.ومحاولته تفسير الوجود فلسفيا بماهية الشعر.فقد حاول ذلك نيتشة في كتابة مؤلفه الشهير هكذا تكلم زرادشت على شكل شذرات فلسفية تداخلها لغة الشعر كثيرا، وفعل نفس الشيء هيدجر في محاولة فاشلة دراسة الشاعر الالماني هولدرين. قوله مامعناه ان اقرب تعبير لغوي للفلسفة هو لغة الشعر.

3.ان هذه الافكار الشعرية المتداخلة مع الفلسفة هي التي قادت كل من نيتشة وهيدجر الى التبشير وفتح الطريق والابواب الموصدة امام ظهور النزعتين اللتين دمرتا العالم في الحربين العالميتين . النازية والفاشية، التي راح ضحّيتها عشرات الملايين من القتلى والجرحى والمعاقين والمفقودين. فلو كان تسنّى لنيتشة قبل جنونه ووفاته لما تردد لحظة واحدة في الانضمام لحزب هتلر النازي كما فعل خلفه هيدجر، ولو حاكمنا افكار نيتشة الفلسفية – الشعرية وافكار هيدجر الشعرية بمعيار النقد العقلي البسيط، وبقليل من البراجماتية الخسيسة التي ينعتها براتراند رسل بفلسفة النذالة، فهل كان بقي لافكار أرادة القوة وارجاع الاعتبار الى لذة الجسد ومتعة الشعر النيتشوي اي معنى؟

4.ان ما يعيب محاولة نيتشة ومن بعده هيدجر في اقصائهما النص الفلسفي عن مجال اشتغاله العقلي المنطقي، لغاية تمجيد الشعر، والتخييل التهويمي غير المنطقي الذي يقاطع النص الفلسفي، منذ مقولة افلاطون في طرده الشعراء من جمهوريته الفلسفية والى يومنا هذا، هو تاثير شعراء كبار من امثال غوتة،، وهولدرين وشكسبير وغيرهم من الذين كان تأثيرهم على الفلسفة مهّما ولا يستهان به.

أن ما يعرف بتاريخ الجنون لفوكو الذي تطرق الى ما يسميه الفلاسفة تنويعة هولدرين، التي حاول فيها الشاعرالالماني الكبير تقمّص حالة الجنون الى ان أودت به الحال الى الجنون المطبق، وكذا فعل الشاعر لتريامون، وقد حاول هيدجر دراسة شاعرية هولدرين، في تفسيره الوجود انطولوجيا بماهية الشعر، ودعا الى هذا المنحى بالفلسفة. ولم يكتب لغيره النجاح في هذا المسعى على ما اعتقد، حيث في نهاية كل نفق لا بد من وجود نور عقلي يعيد المسارات الضالة الى الطريق الصحيح ..........

 

 علي محمد اليوسف / الموصل

 

ساحاول في ورقتي هذه أن ارشف من عذوبة الجمال، التي رشف منها "كانت" كي اقترب من معاني الوجود وما ألذها من معاني تروي القلب المشتاق فيتحد العقل والقلب والجسد ليكون فلسفة الجمال في لقاء الحب الخالص.

فمن نعم الله تعالى على الإنسان أن وهبه شعورا فياضا، ورهافة حس تنزع به نحو الجمال والسعي إليه، فأصبح الجمال من مكونات حياته، حتى أصبح الجمال علما وفنا وصناعة، ودخل في الإبداع الأدبي بكل أجناسه وارتبط بجميع أنواع الفنون، وصار اللمسة الإنسانية الراقية في كل مرافق الحياة.

حققت اراء "كانت" الجمالية انجازا مهما في مجال النقد الفلسفي من خلال مجموع الظواهر المعرفية التي كشف عنها في آلية التعامل مع موضوعة الجمال وازاحة الجميل من منطقة العلاقة الصميمية بالقيم الموضوعية وجعله نشاطا حسيا عقليا لاعلاقة له بالحقائق المطلقة ، فالحقيقة نسبية بحد ذاتها، والاحساس بالجمال نسبي ايضا لتباينه من فرد لآخر أو من جماعة أو جنس لآخر، وعلى مستوى الفرد الواحد ايضا.

فبعد ان كان الجمال ملحقا بمحمولات الحق وضرورات التطابق مع مظاهره المعرفية أو اليقينة، حظي الجمال بأستقلالية نسبية ترحله من منطقة الغرضية والنفعية المادية، إلى منطقة اللذة الخالصة والمتعة الجمالية.

من هذا المنفذ المهم ولج "ايمانويل كانت" إلى صلب المشكلة الجمالية. إذا رأى ان كلا المذهبين: التجريبي والعقلي قد قدما تفسيرا منقوصا ومن جانب واحد لبناء المعرفة الانسانية ومضمونها . ليفتح ابوابا جديدة في الحكم الجمالي المستند إلى حقيقة راسخة مفادها: ان للانسان غاية بذاته، وان الذات لا تنظر للاشياء على اساس معياري، انما تقديي، وبهذا قلب اليات اشتغال علم الجمال ليصبح تأمل الذات للموضوع ليس اكثر من تقديرات تخضع لعملية الذوق لما جعله يمضي قدما في وضع اسس منطقية لعملية التذوق هذه، التي تستبعد من ادائياتها القيم النظرية والعملية أي المعرفية والاخلاقية وفق الفهم الكلاسيكي لتأخذ مديات اكثر رحابة بتفعيل ملكات الذات الكامنة والمغيبة خلف استار العقل .

اذ يعتبر "امانؤيل كانت"  أهم من تحدث عن الجمال فقد أسس لعلم الجمال من خلال كتابه الشهير (نقد ملكة الحكم) الذي صدر عام1790 فأثار مسألة الحكم الجمالي وعلاقة الشكل بالمضمون في الأثر الفني ثم مسألة علاقة الفن بالطبيعة وعلاقة الجميل بالجليل .

ويحدد كانت الجمال بأنه وسيلة الاتفاق بين العقل والحس، كأنما العقل يجد في الجميل ضالته المنشودة دون أن تكون فيه صورة لماهية الجمال، والجميل كونه محسوسا يمثل للعقل صورة اكتمال . فهو لا يخضع لقاعدة وليس له وجود بالفعل.

نلاحظ هنا أن الحكم على الشيء الجميل فيه شمول ينطبق على الجميع، بحيث يتمتع بحرية الغاية النفعية أو العملية، وهذه الحرية قاعدة مسبقة يقاس عليها الجمال وهو التقارب أو الاتفاق بين ما يتخيل وما يرى، فالتوافق بين ما تخيله العقل من جمال، وبين ما شوهد أو سمع بحاستي السمع والبصر، ينتج عنه الإحساس بقيمة الجمال .

كما يفرق كنت بين الجمال والجلال قائلا: "أن الجمال الطبيعي يحمل غائيته في صورته مما يجعل الموضوع متلائما مع ملكة الحكم عندنا وهكذا يتحول إلى موضوع رضا . أما الجليل فيبدو فيما يخص صورته بأنه ينافي الغاية بالنسبة إلى أحكامنا ويكون غير ملائم، بمعنى أن الصورة الغائية الموجودة في الجمال الطبيعي تجعله واضحا لمخيلتنا لذلك فالحكم الجميل يكون متطابقا مع ما تمدنا به المخيلة من تصور" . ومن هنا فإننا نخطئ، لو أننا حاولنا أن نفهم الجمال من خلال إطاراتنا الذهنية العادية . فحكم الجمال ينبغي أن يكون شيئا عاما وصادقا بالضرورة ، فإن الأساس الخاص به لابد أن يكون متطابقا لدى جميع البشر، لكنه أشار أيضا إلى أن المعرفة هي فقط القابلة للتوصيل، ومن ثم فإن الشيء الوحيد أو الجانب الوحيد في الخبرة الذي يمكن أن نفترض أنه مشترك أو عام بين جميع البشر هو الشكل وليس الإحساسات بالادراكات العقلية. وقد اعتبر بعض الباحثين هذه الفكرة المبدا الأول للمذهب الشكلي المعاصر في الفكر النقدي الجمالي المعاصر. بالإضافة إلى ذلك، يفهم كانت الجميل على أنه رمز للخير، كما أنه تصور النشاط الجمالي باعتباره نوعا من اللعب الحر للخيال. ولكي نميز الشيء هل هو جميل أو غير جميل فإننا لا نعيد تمثل الشيء إلى الذهن من اجل المعرفة، بل إلى مخيلة الذات ومدى شعورها باللذة أو الألم . فضلا عن ذلك، فإن فلسفة "كانت" انتهت إلى أن الجميل الخالص، هو خير خالص، وهذا ليس ببعيد عن طروحات الروائي الروسي (تولستوي)، باقتران مفهوم الجميل بمفهوم الخير.

ولهذا كان الجميل في رأي كانت هو فن العبقرية، والتي هي موهبة طبيعية فطرية خاصة، خاصة انه يرى إن الجمال الطبيعي شيء جميل، في حين أن الجمال الفني تصوير جميل لشيء ما. من جانب اخر هنالك وجهة نظر ترفض هذه المواقف ، وتؤكد على أن الجمال لايمكن أن يوجد الا بالاعتماد على الشخص المفكر والطبيعة الحيوية ، وان هذا الجمال الخارجي لا وجود له الا فينا . اذا الجمال لايرجع الى الاشياء بل الى الطريقة التي تتصور بها الاشياء والوقائع والالوان ، اذا هي ليست قبيحة وليست جميلة بل هي والصفات الخارجية نحن الذين نضفي عليها مثال ذلك فكرة غروب الشمس ـ عند الريفي تشير في فكرة العشاء وعند عالم الطبيعة فكرة التحليل الطيفي وهما ليس لهما علاقة بالجمال ، اذا غروب الشمس يكون جميلا او قبيحا لمن نظر اليه بعين فنان متأمل عاشق .هذه هي نظرة الجمال الموضعي . يرى " كانت " أن جمال الشيء لا علاقة له بطبيعة الشيء وانما هو نتيجة اللعب الحر للخيال والفهم يحدث لدى المشاهد وهو امام الشيء.

 

ا. م. د. سامي محمود ابراهيم

قسم الفلسفة / كلية الاداب/ جامعة الموصل/ العراق

 

علي محمد اليوسفيبّين الجدل الدائر عن الخلود موجّه باسره ضد علم اللاهوت الطبيعي،  ماراد (بومبو ناتنزي) ان يسخر من هذا الجدل واراد ان يدافع من خلال اظهار ان النفس بطبيعتها فانية، عن الارثوذوكسية ضد الافلاطونين. فالديانة الارثوذكوسية وحدها تضم الحقيقة، أي بعث الجسد من خلال العناية والخلاص الفائقين للطبيعة.

وفي دفاعه عن الموقف الارسطي لم يكن موفقا، في تأكيد ان النفس تتحد على الصعيد الفردي مع الجسد في وجوده، وقد اذهله السؤال عن السبب في ان العقل ليس عضواً يسكن اليه. ومما له اهمية اذا كان قبوله الرد المسيحي على الموت املته عليه النفعية والخوف من الاضطهاد، أو انه كان يؤمن فعلا بذلك!؟

التفلسف الافلاطوني يعني على نحو ما  تدريبا على الموت، والموت هو لحظة التحقق العظمى التي تنفصل فيها النفس عن الجسد. فانه كان يعني لمونتاني ان نتعلم كيف نتقبّل الموت باعتباره الفناء النهائي للشخصية الانسانية(1).

ومونتاني رغم كونه مسيحيا بالاسم فحسب اذ ان سخريته من اللاهوت لا حدود لها، الا انه يعارض الالحاد بشدة، وغالبا ما كان يوحد بين الله والطبيعة والقدر في ارهاصات اولية تمهيدية لظهور مذهب وحدة الوجود بخاصة عند اسبينوزا.

وبمجيء جيورد انو برونو الذي يندفع في فهم الدين والحياة والموت والروح من منظار (كوني Cosmology) فبعد ما جعل كوبرنيكوس الشمس مركز الكون عام 1534م، أو بالاحرى اعتبارها مركز المنظومة الشمسية فقط، اطاح برونو بهذا المجد لكوبرنيكوس قائلا ان الشمس مركز الكون لكنها مجرد جرم صغيرفي عدد لا محدود من الاجرام السماوية، و(نجم) من نجوم وشموس اخرى.... ويبدو ان الكنيسة التي مررت على مضض لكوبرنيكوس وغاليلو مركزية الشمس، الا انها لم تفّوت تطاول برونو على الشمس ذاتها واعتبارها جرما صغيرا، فما كان منها إلا ان احرقته على الخازوق، وقال برونو على لا نهائية الكون (ان من يظن انه ليس هناك من الكواكب اكثر مما نعرف بالفعل يشبه في غروره ذلك الذي يعتقد انه ليست هناك طيور اخرى تحلق في الهواء غير تلك التي يراها من نافذة صغيرة) (2).

بل ان برونو يعني متجاوزاً هذا بقوله: (ان من يعتقد ان في الفضاء اللامتناهي وفي العوالم التي لاحصر لها، والتي من المؤكد ان معظمها يتمتع بحظ افضل من حظنا، ولا يوجد في الاجرام الا الضوء الذي نراه، هو شخص احمق تماما، انه لمن السخف ان نفترض انه لاتوجد كائنات حية ولا عقول اخرى أو حواس اخرى غير تلك المعروفة لنا)(3).

ان هذا السبق والتوقع الذي يرقى إلى مرتبة النبوّءة يبدو اكثر قدرة على التأثير من حيث انه قيل قبل اختراع التلسكوب، وفي وقت لم يكن فيه عدد النجوم التي يمكن رؤيتها بالعين المجردة لا يتجاوز (1500) نجما.

يحتل (اسبينووزا) مكانة مرموقة بين فلاسفة القرن السابع عشر العظام وكان بدوره ينشد الخلاص في طريق يتعارض فيه مع كل من (باسكال) ومع التراث المسيحي اللاهوتي بصورة عامة، وهو نموذج الفيلسوف الذي دعا وطبق على نفسه عدم الاكتراث للموت واللامبالاة. وبهذا الصدد يقول ان الانسان يعيش في هدي العقل، ولا يقوده الخوف، وانما يرغب بصورة مباشرة فيما هو خير، وبتعبير آخر، يكافح من اجل التحرك والحياة، والحفاظ على وجوده على اساس من السعي الحق، ولذلك فان مثل هذا الانسان لايفكر في شيء اقل مما يفكر بالموت، وحكمته تأمل الحياة(4).

واسبينوزا لايقصد بعدم التفكير والاكتراث للموت، ان تنتاب العقل السليم الذي تتقاذفه الهواجس من الموت والرعب في ما يشل مقدرة الانسان من توظيف سلامة عقله في معرفة الموت، وقرن سلامة العقل بالحكمة والحرية في التفكير والتمتع بمباهج الحياة.

يقول وولفسون (ان تصور اسبينوزا لخلود النفس يمكن ان ينظر اليه مرتبطا بالتصورات الاخرى للحياة الآخرة، باعتبارها اما تأكيدا للخلود أو نفيا له، غير انه بقدر ماينكر استمرار وجود النفس بعد الموت بكاملها، وبقدر ما ينكر امكان فناء النفس تماما فان فلسفته تظل تأكيدا للخلود)(5).

يصف براتراندرسل الفيلسوف (ليبنتز) بانه واحد من اعظم العقول في كل العصور، الذي يقول ما من كائن حي يفنى تماما، هناك تحولات فحسب، وبذل جهودا كبيرة في فلسفته لتحقيق مصالحة بين الدين والفلسفة، ويؤكد ليبنتز التفريق بين الخلط بين غياب طويل عن الوعي، ينبع من تخبط عظيم في الادراك، ويعتقد ان الحيوانات العامة لاتولد كلية من خلال الحمل أو التوالد، وبالتالي فانها لاتعود وتفنى كلية في ما نسميه بالموت، ذلك ان العقول  تؤمن ان مالايأتي إلى الوجود من خلال الوسائل الطبيعية، ينبغي ان لايصل إلى نهايته في مجرى الطبيعة(6). ويختتم انه من الضروري ان نربط بين الوعي الاخلاقي وبين اصحاب الميتافيزيقيا، أي ان على المرء ان يعتبر الرب لا المبدأ هو المسبب لكل الجواهر وجميع الموجودات.

اشتغالات علم الميتافيزيقا، أي ما وراء الطبيعة، هي عن الخالق (الله)، الاساطير والميثولوجيا، نشأة الاديان وطقوسها، والنصوص المقدسة، كما تبحث الميتافيزيقيا في مسائل النفس والروح والخلود والفناء، ومن اشتغالاتها البحثية ايضا الزمان والمكان، وما يتصل بهذه العناوين المذكورة من مديات استقصائية فلسفية، دينية، اجتماعية، واعتبرت الميتافيزيقيا عبر العصور فكرا خصبا بل وشديد الخصوبة، ينافس الفلسفة واحيانا يحتويها، فالفلسفة على تعبير المفكر محمد الشيخ هي ميتافيزيقيا بعينها وكانت تسمى ملكة العلوم، وقد ردد شوبنهاور: الانسان كائن ميتافيزيقي.

واول من فرق بان الحيوان لايدرك الموت، بخلاف الانسان الذي يعي جيدا حتمية الموت هو فولتير بمقولته: ان الجنس البشري هو الجنس الوحيد الذي يعرف انه سيموت.

ومعرفة الانسان للموت تعلمها وجاءته عن طريق التجربة، وتعتبر الميثولوجيا الدينية في قتل قابيل لأخيه هابيل، وفزعه واضطرابه ماذا يفعل بجثة اخيه القتيل، حتى وجد غرابيين يقتتلان حد الموت، فوارى احدهما (القاتل) الغراب الميت تحت التراب، فقام قابيل في محاولته ستر فعلته النكراء بان دفن جثة اخيه تحت التراب، كما فعل احد الغرابين بالآخر.

وتعتبر الميثولوجيا الدينية مقتل هابيل علامة مفصلية فارقة في تاريخ البشرية في معرفة معنى الموت، واستطاع الانسان البدائي اكتشاف حتمية الموت بعد مراحل طويلة قضاها،  حينما تجاوز مراحل العقلية البدائية، أي حينما كف الانسان ان يكون بدائيا على حد تعبير جاك شورون.

وقبل انتقالنا لميتافيزيقا افلاطون وصولا الى آراء بعض فلاسفة عصر النهضة، نشير الى افكار فلسفية عرضية كمثل العبارة لفيلسوف يوناني مجهول: (الاموات يحكمون الاحياء)، عبارة فلسفية ميتافيزيقية عميقة المعنى والتأويل والاستدلال أخذت بعداً تاريخياً راسخا في فلسفة الميتافيزيقا، فقد أفاد منها ماركس وآخرين سبقوه، ومن جاؤوا بعده، رددها في تنظيراته الفلسفية بنفس المعنى: هناك (كم) هائل من افكار وموروثات الاموات تجثم على صدور الاحياء من البشر.

والعبارة اليونانية (الاموات يحكمون الاحياء) ذات مدلولات فلسفية رغم اختصارها بالمفردة اللغوية، لكن اكتنازها بالمعنى وهي تنطبق اليوم على معظم شعوب الدول النامية، وبوجه التحديد منها شعوب الوطن العربي، في تكبيل الموروث التاريخي والحضاري المتحفي فقط، نهضة الشعوب العربية ومنعها ان تعيش عصرها، بهيمنة الموروث في الفكر الديني الاجتهادي على حركة الحاضر والمستقبل، فيما الاموات يحكمون الاحياء بحق.

وفي نبرة تفاؤلية على غير ما أنهى سقراط حياته، والروائي الامريكي آرنست همنجواي، هو الآخر مات منتحرا رغم مقولته الشهيرة التي كتبها في تصدير روايته الشهيرة (العجوز والبحر) قائلا: (قد يتحطم الانسان لكنه قط لا يهزم). وفي المعنى ذاته يذكر الروائي المغربي محمد الاشعري على لسان بطل روايته (القوس والفراشة): (كلنا ننهزم امام الموت، لكن لاشيء افضع من الهزيمة امام الحياة). وتقول الكاتبة المبدعة ديزي الامير: ان الحكم على الانسان بالحياة اقسى من الحكم عليه بالموت. ويبقى الموت اكبر من كل مصائب الحياة واحزانها والامها، فالموت يمثل اوج ذروتها وبداية نهاية للانسان على الاقل بايولوجيا، ومفهوما ميتافيزيقيا ملغزا يثير التساؤلات الازلية الدائمة.

كتب آرنست كاسبرز يقول: ان العقل وهو على مستوى الميتافيزيقيا لابد له ان يسعى الى ادلة لبقاء الروح بعد الموت، وتسود العلاقة العكسية في بداية الثقافة الانسانية، ان ما يتعين اثباته هنا ليس الخلود وانما الفناء(7).

كما نعت الشاعر البرتغالي (بيسوا) الميتافيزيقيا انها امتداد لجنون خفي ليس الا. من جهة اخرى قال اونا فونو: (أننا لا نحيا الا على متناقضات، ومن اجل متناقضات، فليست الحياة الا مأساة وصراعا مستمرا لايعرف الانتصار، بل ولا حتى امل الانتصار، انها تناقض ولا شيء سوى التناقض، ان فكرة الموت، تقض مضجع الانسان وتقلق بالهُ، وتكاد تلاحقه في حلّه وترحاله. حتى ان الضمير ليخفق دوما بتلك القشعريرة الاليمة التي يسببها سر الموت وما قد يجيء بعدهُ)(8).

ويؤكد ماكس شيلر (1784-1928) وهو فيلسوف ظاهراتي اجتماعي، أخذ عن (هوسرل) منهج الظاهريات وطبقه على مجالات الاخلاق وفلسفة الحضارة، يذهب شيلر ان الانسان يعرف على نحو حدسي انه يتعين عليه ان يموت، وان الموت مدركه حتى ولو كان وحيدا في العالم ولم يسبق له قط ان شاهد مخلوقات او كائنات اخرى عانت الموت وتحولت الى جثة، فالموت حسب شيلر قبلي سابق على اية ملاحظة (حيث ان الموت ليس احتضارا عرضيا بدرجة او باخرى يدركه هذا الفرد او ذاك، وانما هو جزء لا يتجزأ من الحياة)(9).

ويضيف شيلر، الموت ليس جدارا نرتطم به في الظلام، وليس سحقا للكائن الحي، على يدي قوى خارجية معادية، صحيح ان الموت قد يحدث بتأثير ما، عمل يقوم به الكائن الحي ذاته باستمرار, واختصارا فان هناك يقينا حدسيا بالموت، وبقدر ما يتعين علينا ان نعزو لكل حياة شكلا من اشكال الوعي، ينبغي علينا ان نعزو لها ايضا ضربا من اليقين الحدسي، ويتسائل شيلر كيف يمكن اثبات (الخلود)؟ انه لايمكن اثباته، فان تكن (خالدا) فهي واقعة سلبية لايمكن اثباتها لانها لاتقبل برهانا(10).

كما نعت هيدجر اصطلاح الميتافيزيقيا بثلاث نعوت قاسية: انه مفهوم سطحي شكلي، وقلق مضطرب مشوش، وغير مستوف المضمون، الذي وضع له، ولا مكترث باشكاله، كما قال ان الميتافيزيقيا علم غامض، وقيل فيها ضدا، انها الوضوح بعينه. كما يعتبر هيدجر القلق هو يكشف عن العدم الذي يحدد اساسا الوجود الانساني، وهو يربط بشكل وثيق الصلة بظاهرة السقوط في (الناسّية) الذي هو استسلام الانسان للعالم، والتحلل في الكلية (العام) أي اندماج الفرد بالمجتمع، ونسيان الوجود الحقيقي، وهو بتعبير هيدجر يعني فرار الوجود الانساني من ذاته، ومن امكانية ان يكون المرء ذاته الصحيحة، وما نهرب منه انما هو الوجود الذاتي الحقيقي الجوهري. هنا يصوغ هيدجر مفهوم الاغتراب الذاتي، اغتراب الذات (الأنا) عن (أناها) العليا المثلى بالقيم.

ويذهب ابيقور الى انه ما دامت الروح موجودة، فانها تبتلى بالمرض الذي تسببه المعتقدات الدينية من خشية الالهة. ونشير الى ما ذهب له الرواقيون، عن النار الخلاّقة باعتبارها المبدأ الروحي والمادي في آن معا، وعندهم ان العالم ليس واقعا تحت رحمة (الصدفة) وانما هو يخضع لقوانين كونية، والعناية الالهية التي تحكمه سامية في مكانتها، وفي هذه الضرب من وحدة الوجود، نجد موقفا وسطا بين النزعة التشبيهية المنتمية الى الديانة الشعبية، والنزعة الالحادية الابيقورية، ان النفس البشرية ذات طبيعة مادية، وهي تنشأ مع الجسد، وان كانت مادتها اكثر نقاءا او اكثر نبلا، انها جزء من الروح الالهي التي صدرت عنه في نهاية العالم.

ويتساءل سنكا (4 ق.م – 65م) أليس بمقدوري ان أبحث عن بدايات الاشياء كافة، من الذي شكلها، ومن الذي ميّز ما كان ملقى في كتلة مختلطة غير متميزة ؟ اليس باستطاعتي تساؤل من هو مبدع هذا الكون كله؟ أينبغي عليّ ان اكون جاهلا بالمكان الذي انحدرت منه؟ والى اين انطلق من قيد البشرية؟ (11).

كتب الاستاذ صلاح سالم: ألهمنا المسيح مفهوما عن دين مجرد يمثل اجابة عن السؤال: كيف تحيا ذاتك؟ وتواجه هذه الذات، تقمع غرائزها، ومطالبها، وليس اجابة السؤال: كيف نعيش العالم مع الاخرين، وكيف نغيّره للافضل، نهضت الكاثوليكية، أي تأسست وتمت في ظل علاقة مراوغة مع المفهوم المسيحي، عن الانسان اذ كان عليها ان تدير موروثا روحانيا، يدعي السمو على الارض، من ناحية، فيما تحيا معضلات الواقع من ناحية اخرى، وقد دفع بها هذان الامران الى تناقض وجودي بين روحانية نظرية، ودنيوية عملية، كانت كفته تميل باستمرار ضد الروحانية الصرفة، ولمصلحة الانشغال على قلب الاقطاع الاوربي(12).

يبدو لنا ان هذه الاشكالية التي طرحها الاستاذ صلاح سالم هي ذات الاشكالية الازلية التي صاحبت ظهور الديانات السماوية وغير السماوية ولا يمكننا فصل ما هو دنيوي، عما هو روحاني آخروي الا في اديان لا سماوية كما في البوذية مثلا، لكنها كأشكالية قديمة – حديثة هي قائمة في جميع الاديان تقريبا، ولكل مجالات اشتغاله.

نيكولوميكافيلي (1949- 1527) كان ابن محام في فلورنسا، اهم كتبه (الامير) و(الخطابات)، صاحب القول بعد اعدام المصلح الدومنيكاني (سانفونارولا) حرقا عام (1498) (الانبياء غير المسلّحين يخفقون دائما). ويمكننا تعميم العبارة على الكثير من الانبياء والرسل والكهنة في مختلف الديانات. هذا حدا بماركس ان يقول ان تاريخ البشرية هو تاريخ القوة، ومن المرجّح انها مستمدة عن نيتشه في مقولته عن (السوبرمان) التي بدورها مهدت لظهور النازية. كما يؤكد ميكافيلي ان كل حرب تصبح عادلة عندما تصبح ضرورية، ومنها تحولت فكرة (العدالة) من الجانب الاخلاقي الى الجانب النفعي البراجماتي.

الدين في نظر وليم جيمس (1842-1910) احد ابرز اقطاب البراجماتية الامريكية: هو مجموعة وجدانيات وافعال وتجارب يعانيها الافراد في وحدتهم، وكلما ادركوا انهم على علاقة مع شيء يعتبر (الها). والدين يقدم لنا نفسه اولا على انه امر خطير الشأن لانه افترض اننا سنجني من وراء اتباعه خيرا كثيرا، نحتاج اليه في حياتنا، وسنخسر بالاعراض عنه ذلك الخير الحيوي، ويقدم الدين ثانيا على انه تخيير ملزم ضروري لان ذلك الخير متوقف عليه(13).

ويضيف وليم جيمس القول بوجود الله، بقطع النظر عن الادلة الخارجية يحتل مكانا طبيعيا في نفوسنا، منسجما مع طبقة عقولنا كمفكرين، واضاف ينبغي لنا كفلاسفة ومن اجل تحقيق غايتنا من ايجاد نظام اخلاقي موحد، وذلك ان نفترض وجود الله، وان نتمنى انتصار الدين على الالحاد، كما ان الدين عند جيمس اعتقاد فردي وموقف شخصي لا يقرّه منطق العلم، ولايدعمه مصدر سماوي.

وقد أقرّ بعض اللاهوتيين صراحة بالصعوبة التي يمثلها مبدأ البعث، هكذا يحاول جيمس على سبيل المثال التغلب على تلك الصعوبة: من الواضح ان ذلك لايعني ان الجسد المعّين هو جسدي في الوقت الراهن سيستمر الى الابد، فعناصره في الحقيقة لن تدوم سبع سنوات، لكن يعني انه ستكون هناك استمرارية لشخصيتي، وان الله يقدر الشخصية والفردية الانسانيتين(14).

ولكن (جاروسلاف بيليكان) يقول: ان موت الانسان لايمكن فهمه عن موت المسيح، والشكل الذي يمكنه ان يقول كل هذا هو الصليب، والصليب يترك اسئلة عديدة دون اجابة وشطرا من الموت دون رصد.

مع مونتاني ظهر في العالم الغربي ردا على الموت قدّر له ان يكون البديل الاكثر شيوعا في الاعم الغالب للرد المسيحي على الموت، وان طبيعة الموت كفّت ان تكون القضية الرئيسة، فالموت اصبح ينظر اليه على نحو ما يبدو للحس العام أي باعتباره فناءا شاملا. والحياة مقدر عليها الموت، ذلك الموت الذي يتهددها في كل لحظة، فما الذي يمكن للمرء ان يفعله ازاء تسلط فكرة الموت عليه، والاثار التي تصيبه بالشلل والمترتبة على الخوف من الموت؟. ان على المرء - حسب مونتاني – ان يتعايش مع هذه الفكرة والطريق لذلك هو الفلسفة هي التي يمكن ان تعلم الانسان كيف لايخشى الموت والاحتضار، ويكرر مونتاني نصيحة سنكا، انه على المرء ان يألف الموت، وعليه ان يبقي نعليه في قدميه طول الوقت، وان يستعد للرحيل بمجرد اخطاره!! وان من يتعلم الموت ينسى العبودية، ان الموت المخلّص يحررنا من كافة القيود من العبودية، ومن يعرف ان الحرمان من الحياة ليس شرا سيعرف كيف يتمتع بالحياة(15).

ونجد في مؤلف مونتاني (مقالات 1580) ما ساهم في تغيير نظرة مونتاني للموت فأخذ يردد (اننا نعكر صفو الحياة بخشيتنا من الموت، ونعكر الموت بانشغالنا بالحياة)، ويرى ان من المؤكد الاستعداد للموت خلق من الاضطراب ما يفوق ما خلقه الموت ذاته، وتواجه مونتاني ان الهدف من سعينا الى الموت، الى انه الى حد قوله اصبح واضحا انه نهاية الحياة وليس هدفها. من الجلي ان تعريف مونتاني القائل: ان التفلسف هو ان تتعلم كيف تموت، له معنى مختلف تماما عن المعنى الذي كانت الفلسفة تعنيه بالنسبة لشيشرون الافلاطوني الذي ينقل عنه مونتاني قوله: بأن التفلسف لا يعد ولا يكون استعدادا للموت.

 

علي محمد اليوسف/الموصل 

......................

(1) الموت في الفكر الفلسفي الغربي/ جاك شورون / ت امام عبدالفتاح امام  بتصرف، ص111.

(2) الكون اللامتناهي.

(3) نفس المصدر السابق.

(4) كتاب الاخلاق لاسبيوزا، ترجمة الويز،1951.

(5) وولفسون، فلسفة اسبينوزا، نيويورك، 1958، ج3، ص322.

(6) جاك شورون، مصدر سابق، ص141.

(7) نقلا عن جاك شورون، فلسفة الاشكال الرمزية، 1995، ج2، ص37.

(8) د. عبداللطيف الزكري / عالم الفكر، مج41، ع2، 2012، ص307.

(9) جاك شورون، مصدر سابق، ص19.

(10) نفس المصدر السابق، ص20.

(11) جاك شورون، مصدر سابق، ص71.

(12) صلاح سالم، مجلة العربي، شباط، 2013، ص23

(13) د. محمد الشيخ، عالم الفكر، الكويت، مج41، ع2، 2012.

(14) سكريبنر، 1953، ص126.

(15) جاك شورون، مصدر سابق بتصرف، ص107.

 

علي محمد اليوسفالفهم الفلسفي الاغترابي لدى فيورباخ وماركس: يفهم (فويرباخ) الذي سبقت مفاهيمه الفلسفية الوجودية غيره من فلاسفة الوجودية لفترة زمنية طويلة قوله: (الاغتراب طارئ على الصحيح وليس ناشئا منذ البداية والعودة الى الحقيقي هو عود الى طبائع الامور والاشياء، الصحيح هو الاساس والاغتراب هو العرض واذا كنا جميعا مازلنا مغتربين فان تطورنا الاساس –الانثروبولوجيا- هي علم المستقبل ومبادئ فلسفة المستقبل(1).

هذا التصور الذي يبدو ظاهريا انه يتناسق ومفهوم الوجودية الحديثة للاغتراب فهي لا تأخذ به… لقد ركز (فويرباخ) في فلسفته عن الاغتراب، على الاغتراب الديني معتبرا ثيولوجيا الدين هي منشأ كل أنواع اغترابات الانسان بالحياة، ولا نعتقد انه في دعوته للتحرر من الاغتراب كان يرغب ان يرى مجتمعا خال من الاشكال الاغترابية للانسان في الطبيعة والمجتمع، غير الاغتراب الديني فقط، فتلك امنية تدحضها –الانثروبولوجيا- والتطور التاريخي الحضاري للانسان الذي استشهد هو فيه .¸فقد كرّس فويرباخ فهمه للاغتراب بانه ديني فقط وبنهاية هذا النوع الاغترابي لا تبقى بواعث اغترابية لدى الانسان باشكال اخرى … اذا اعتبرنا اغتراب الانسان الديني اغترابا زائفا يمثل ثيولوجيا الدين أي الجوهر اللاهوتي المزيف للدين(2).

واعتبر فوير باخ اغتراب الانسان الديني اصل ومنشأ كل شكل آخر من اشكال اغترابات الانسان في عصر طغى عليه اللاهوت وسيطرة الكنيسة طغيانا تاما شاملا، واعتبر تخليص الانسان من اغترابه الديني يعني خلاصه وتحرره من كل اشكال وانواع الاغترابات الانسانية الاخرى… وسارع ماركس الى نقل هذه الفكرة عن الاغتراب الى نظريته لديه ولدى هيجل في العمل المغترب واعتبر اغترابات الانسان منشأها طبقيا أي اغتراب الطبقة العاملة اصل ومنشأ جميع الاغترابات الاخرى التي تنتاب الانسان. ومتى ما تخلص الانسان من اغترابه الاقتصادي نتيجة تقسيم العمل وملكية وسائل الانتاج وعلاقات الانتاج زالت جميع مظاهر واشكال اغترابات الانسان الاخرى لديه ... وهذه ليست المرة الاولى التي يقتفي ماركس اثار الافكار الفلسفية لفيورباخ الملقب باللاتينية (قناة النار).وكلا الفيلسوفين الكبيرين وقعا في خطأ حصر اصل اغترابات الانسان (في بعد انساني واحد) اما ان يكون دينيا (فيورباخ) او طبقيا(ماركس).

ففي معرض نقد فويرباخ الاغتراب الديني اوضح كيف ان الانسان في اغترابه الديني– قد وضع افضل صفاته الانسانية في الالوهية المستمدة من (الطبيعة) الى ان اصبح الاله صورة الكمال وغدا الانسان خاطئا يفتقد الكمال بصورة لا يرجى منها البراء، (ان الانسان – والكلام لفيورباخ- يصف ذاته في كل ما هو طيب وقوي ليخلعه على الاله . وكلما جعل الهه أعظم جعل من نفسه اكثر ضآلة).

وقد سعى ماركس ثانية اقتفاء فكرة فويرباخ ونقلها الى قوانين الاقتصاد السياسي والتفاوت الطبقي، واعزى ماركس سبب اغتراب الانسان الى العلاقات الانتاجية والاقتصادية الجائرة بحق البروليتاريا، وملكية وسائل الإنتاج، وفائض القيمة، والى اغتراب رأس المال والعمل المغترب واكد انه بزوال هذا النوع من الاغتراب الانساني تنتهي الى الابد من حياة الناس جميع اشكال اغتراباته الاخرى . ونادى ماركس بنفس فكرة فويرباخ المثالية الدينية الروحانية المتصوفة وانزلها الى واقع الحياة الاجتماعية – السياسية فقال : كلما زاد العامل من طاقته الانتاجية زادت (قيمة) وجوده ووفرة ناتج العمل … وكلما ازداد العامل بؤسا وفقرا (قلّ) شأنه وتضاعفت (وضاعته) وقلّت قيمته الانسانية… وبالتالي يتعمق اغترابه .

اثبتت الوقائع التاريخية وتطور الحضارة الانسانية ان حصر ظاهرة الاغتراب في بعد انساني واحد غير صحيح مهما توفر ذلك البعد على الأهمية المجتمعية. ومحاولة ازالة اغترابات الانسان باشكالها دينيا واقتصاديا واجتماعيا ونفسانيا وغيرها قمين بازالة كافة اشكال الاغترابات الاخرى في المجتمع، رؤية قاصرة واستنتاج غير دقيق اثبتت الانثروبولوجيا لا واقعية ولا تاريخية ولا حضارية هذا الطرح…

فاغتراب الانسان بجميع اشكاله الشاملة هو توأم الوجود الإنساني بالفطرة المكتسبة لا بالفطرة الجينية الموروثة، وحتمية ذلك الوجود هو القلق المسكون به الانسان بنقد الحياة دوما وتبديلها وتطويرها نحو الافضل …الاغتراب تساؤل ملازم يؤرق الوجود الإنساني منذ وعى الانسان وجوده الطبيعي على الأرض، ولا ينحصر في بنية اجتماعية معينة،ولا في ظاهرة من الحياة ولا في عصر من العصور.

والاغتراب يلازم الانسان بهذا الشكل او ذاك ملازمة الظل للوجود. ولا يمكننا ان نتصور عصرا من العصور القديمة او مجتمعا من المجتمعات الحالية ولا في المستقبل لا يكون الانسان فيه اغترابيا ليس بالمعنى المرضي في الفهم الابتذالي للاغتراب باعتباره انكفاء جوّاني، فمثل هذا الافتراض النظري الوهمي في إزالة اغترابات الانسان الوجودية والى الابد، هي رغبة مستحيلة يدحضها حاضر الانسان ودحضها قبل ذلك ماضيه، ويدحضها مستقبله، ونحن الآن في كل مجتمعات الارض نعيش الاغتراب جزءا هاما وحيويا جدا في الحياة العصرية واغتراباتها الدائمة المنوّعة دليل هذه الحقيقة في اعلى المجتمعات الانسانية تحضرا في تفشي ظاهرة الانتحار وما يسمى القتل الرحيم فيها.

وفي رأي الدكتور مراد وهبة ما معناه : اذا افترضنا جدلا ان يأتي يوم يتمكن الانسان فيه انهاء اغترابه الارضي ذاتيا ومع الطبيعة والوجود الآخر بمثالية انسانية في ارقى درجاتها وصورها الحضارية المتقدمة فان الانسان سيتحول باغترابه نحو (الكون) وما وراء الطبيعة والفضاء التي بدأت اولى مراحله في وضع ارمسترونغ اقدامه على ارض القمر تموز 1969.

الاغتراب ظاهرة وجودية تلازم الانسان وتستحدث نفسها:

من اعتبارنا الاغتراب كما يذهب (والتر كوفمان) حتمية وجود و حياة وعصر وزمن ومكان، وان الانسان مسكون باغترابه فاننا بذلك نرتد ثانية الى الاخذ لا اراديا فهم الاغتراب وجوديا كما في فلسفة سارتر فقط بفارق:

ان ظاهرة الاغتراب في الفلسفة الوجودية وجود انساني سلبي والاغتراب ليس ظاهرة ولا ظّلا لذلك الوجود وانما هو جوهر ذلك الوجود . والانسان في جوهره حقيقة اغترابية وان لم تكن الوجودية السارترية تعترف بان للانسان جوهر وجوده يسبق ماهيتة بخلاف انساني ماهوي عنيف مع فهم الماركسية بان الوجود سابق لكل ماهوي وصفاتي ظاهراتي مكتسب.

استحالة تفسير الوجود الانساني بمعيارية الاغتراب استاتيكيا سكونيا ثابتا، ولا في اعتبار المجتمعات البشرية تجمعات كونية تتطور في الزمن الأرضي تاريخيا ماضي وحاضر ومستقبل، لا بل ان الزمن الارضي هو ملايين السنيين التي استغرقتها عملية التطور في الحياة -الارض والانسان– بوضعه الحالي وحضارته التي بلغها ودرجة رقي نموذجها المعاصر، من هنا فاغتراب الوجودية مرحلة فقط من الحياة تمت مجاوزتها اغترابيا تاريخيا لتستحدث نفسها لاحقا على الدوام في مختلف العصور ومختلف الازمان والحضارات.

ما يؤكد كلامنا هذا ان مفاهيم الفلسفة الوجودية الحديثة التي بلغت اوجها في النصف الثاني من عهد الخمسينات وذروتها في النصف الاول من عقد الستينات من القرن العشرين، اصبحت الان بعد مرور مدة لا تزيد على عدة عقود تراثا فلسفيا حضاريا انسانيا محفوظا بين سطور الكتب ورفوف المكتبات والمتاحف اكثر من ان تكون او تشكل مفردات حياة يتقبلها و يعيشها بضعة ملايين من سكان العالم الان!!! كفلسفة وفكر ونظام حياة وحتى كـ(منهج) بالدرجات الدنيا من الانتساب الى الفلسفة الوجودية الحديثة التي الهبت نفوس وعقول اجيال مابعد الحربين العالميتين في اوربا اجمع بل وحتى في مناطق عديدة من العالم.

فهمت الوجودية - ولا اقول تفهم - الاغتراب الانساني انه مركز ثقل الانسان الذي يمر خطه الشاقولي الوهمي من اعلى لاسفل، الذي يحفظ توازن الجسم ابتداءا بعمل المخ وانتاجية الدماغ… بمعنى ان اغتراب الانسان البؤرة المركزية الطاردة التي يدور في فلكها الوجود الانساني برمته، تفكيرا وممارسة، ابداعا، فلسفة، ادبا، مسرحا، وعلى ضوء ذلك فقط يتوّجب تفسير ذلك الوجود .

بينما الفهم الصحيح ان اغتراب الانسان هو المرتكز او المنطلق الذي ينطلق الانسان منه في تمكنه من صنع وجوده الايجابي وتاريخه وحضارته وهذه الانطلاقة تتم مجاوزة ظاهرة الاغتراب فيها باعتبارها وان كانت ظاهرة خلاّقة فهي (واجبة النفي) بالحتمية والضرورة التاريخية . تنتهي من مجتمع معين وعصر معين لتستحدث نفسها ثانية باشكال مختلفة اخرى وفترة لاحقة اخرى وهكذا… قانون الدياليكتيك المادي (نفي النفي) تنطبق على ظاهرة الاغتراب كظاهرة اجتماعية يتوجب نفيها لتستحدث نفسها ثانية بصورة أعلى من رحم الاولى انها العنقاء التي تولد من النار.

ان نموذج الاغترابي السلبي في الوجودية لدى سارتر وبيكيت وهيدجر وغيرهم هو النموذج الذي تفصّل وتخيط الوجودية له مقاس اغترابه من قماشها وطريقة فهمها من عبث وهدف وقلق ولا جدوى اغتراب الانسان المستمد من لا جدوى خلاصه، ولا معنى حياته. فالانسان اغتراب قبل ان يكون وجودا او جوهرا وهو ماتسعى الى تثبيته الوجودية في عبثية منغلقة ميؤوس الخلاص منها.

الوجودية اخطأت ايضا بتوظيفها الفلسفي السلبي للاغتراب في مخاطبة الفرد عندما اعتبرت الاغتراب ناشئا منذ البداية ولازمة الانسان في وجوده لا يمكنه الخلاص او الفكاك منه، واعتبرت اغتراب الانسان هو الوجود الحقيقي القلق المذعور للوجود الإنساني الزائف الذي يعيشه كقدر ينتهي في كارثية الوجود بالموت الذي لا معنى له لولا وجود الانسان، والتخلص منه اما بالموت او الفناء او بنوع مختار من الانتحار الجسدي او العقلي… كل ذلك متأت من فهم الوجودية لقدر ونهاية الانسان في الموت على انه الحقيقة الأولى والنهائية في دائرة الوجود الفارغ من المعنى. من الإقرار في صواب هذا التفسير الوجودي لا مهرب امام الانسان الا ان يعيش الحياة بمهزلة كوميدية في نسيان مهزلة الوجود.

لم تول الوجودية اهتماما كافيا في دراسة علاقة ارتباط الانسان بمؤثرات البيئة والمحيط والمجتمع بل نقلت الاغتراب الى نقطة منتهاه علاقته بالميتافيزيقا ووضعته امام تساؤلات ازلية مريرة وادخلته دوامة اللاجدوى من عمل شئ، فاغترابات الانسان تصل به الى علاقة الانسان بالوجود وبالطبيعة وبالكوني وبالمغزى وبمعنى الحياة ومعنى الموت… لكن كل هذه مفردات ظواهر اغترابية ناضجة جدا فلسفيا وثقافيا، لاتفارق جديّة التفكير في معنى الحياة، ولهذا يمكننا القول ان سارتر وان خاطب جيل ما بعد الحربين الكونيتين، لكنه بالخصوص كان يخاطب الثقافة البرجوازية والراسمالية الناشئة، بل وازلية التوالد واستمرارالاجيال القادمة، ولهذا أيضا يمكن اطلاق عليها فلسفة نخبة مثقفة تعي وجودها التعس اكثر من غيرها، وليست فلسفة الانسان في كل مجتمع وفي كل مكان لم يبلغ بعد مراحل من التطور الحضاري الذي بلغته اوروامريكيا، حتى في تأكيد الوجودية على ان الانسان حقيقة اغترابية ولازمة وجودية ترافقه من ميلاده حتى مماته كصبغة كروموسومية مكتسبة في الحياة،وليست فطرية في تركيب جينات الوراثة البشرية التي لا تتفتح الا بعد وجود ومجيء الانسان على الأرض، والتي تنتقل عبر الاجيال بيولوجيا DNA .

اعتبرت الوجودية ذلك مسلّمة فلسفية واغلقت ابواب الزنزانة على الانسان وتركته وحيدا يحاول خلاصه منفردا ان كان ثمة امل في الخلاص. والاغتراب في الوجودية قدر انساني لافكاك للانسان منه. اغتراب لصيق بالانسان المتحضر وهو احدى حقائق ذلك الوجود. انما الاهم ان لا يمتلك الانسان قهر اغترابه في مجتمعه واعدام كل فرص الخلاص امامه لم تكن دقيقة. وفي تفسيرها الاغتراب في سلبياتها المعهودة بانه حالة من اللاجدوى وتعتبر الانسان مشاركا فاعلا في المأساة مأساته ومأساة الاخرين وفي ذلك تشل قدرة الانسان وتقتل فيه روح الامل والعمل والابداع في توقه الدائم لعقلنة وجوده بجدل ايجابي بالمجتمع والطبيعة والعالم. والحرية المطلقة في الوجودية هي غيرها التي عبر عنها (سبينوزا): ( لقد اطلقت حرا على ذاك الذي يسترشد بالعقل فقط) فمثل هذه الحرية تكون مسؤولة ملتزمة في التمرد والرفض للواقع المدان بكل سوءاته وانحطاطيته واستلابه الانساني وتفاهة بعض جوانب تلك الحياة وذلك الواقع وهو بعيد جدا عن الفهم الوجودي العبثي للحياة.ان الوجودية في حكمها القاسي على الانسان كحرية مسؤولة عن مصيرها، كما فعل نيتشة تلغي حقيقة ان ولادة الانسان ضحية وجودية وليست تضحية بالحياة.

نخلص ان ثمة رأيان: الاول يقول الاغتراب ظاهرة ملازمة للوجود الانساني لا فكاك للانسان في التخلص منها والاغتراب جزء من طبيعته ووجوده . والثاني يقول الاغتراب ظاهرة عرضية يمكن ان تزول بزوال بواعثها ومسبباتها وللأرادة الانسانية في ذلك دور اساس في تحقيق ذلك(3).

اننا وكما سبق واشرنا مع الرأي الثاني الذي يقر ملازمة الاغتراب للانسان وعلى ضرورة بل واجب ازالته والتخلص منه ولكن لا يمكن ازالة كل اشكال اغترابات الانسان في مختلف المجتمعات وعلى مر العصور والى الابد نهائيا من حياته .. فالاغتراب يمثل تحدي الطبيعة والوجود الانساني والكوني للذات الانسانية وهو تضاد ازلي لا انتهاء له، لان الانسان كوجود في الحياة الارضية امتداد مطلق غير محدود ولا نهائي أيضا محكوم بقوانين الطبيعة في الزمان والمكان … وسعي الانسان المضني الصعب في الحياة تحديد ما لا نهاية له والامساك او الوقوف على ابعاد شمولية الوجود والاشياء وليس الاكتفاء بسبر اغوار اجزائها وظوهرها المحدودة في تنوعاتها، … وليست كل سلبية اغترابية هي بالضرورة تمثل اغترابا وجوديا يقود بالحتم والنتيجة الى سلبية لا جدوى الحياة وعبث الانتماء والرفض والتمرد لتنتهي بالحقيقة الازلية ماساة الموت، الحتمية والمصير الذي يؤرق الانسان … وماذا بعد العدم !؟ نتيجة امتلاء الانسان بخواء نفسي وجودي وضياع بلا حدود في تجويف وجودي غامض يلازم الانسان في معاناته الدائمة… فالمعاناة الاغترابية احيانا – حتى لدى غير المبدعين – عامل مهم في تحويل سلبية اغترابهم الى ايجابية اغترابية وايقاظ ارادته الفاعلة فمثلا (روكانتان) بطل رواية الغثيان يجد هدفا لخلاصه الاغترابي الوجودي عندما يشرع في كتابة رواية. بمعنى ان العمل الدؤوب في تفاهة اليومي بالحياة يلخّص معنى الوجود الإنساني الزائف الذي لا جدوى منه .

اكدت الوجودية الحديثة على مضمون ومعنى الانسان (لذاته) والاخرين وليس الانسان في (ذاته) بمعنى لا وجوده، وبما لا يؤكد او يحاول ان يكون انسانا فاعلا في محيطه او مجتمعه، ولا نعني بهذا ان تلزمه الوجودية بشكل من اشكال الالتزام المفروض على الانسان الوجودي من الخارج قسرا… وحاول سارتر في اعماله المبكرة الاستفادة من المنظور الماركسي للانسان بشكل تلفيقي ولم يفلح . كذلك اعطت الوجودية للانسان تحت الحاح هوسها المبالغ فيه على الحرية الفردية والرفض والتمرد ان تكون امينة ربما عن غير علم على ان يرفع كل انسان شعار (بوذا) في الخلاص :( ابحث عن خلاصك بنفسك) ولم تقم اعتبارا للآخرين الذين وصفتهم بـ(الجحيم) ولا للمجتمع الذي حذرت منه واعتبرته (فخ) فآخر اهتمامات الفلسفة الوجودية كانت تناول الاغتراب الجمعي للانسان وخلاصه الجمعي منه. فالمسلمة الوجودية كانت تدعو (كل انسان ان يكون صانعا لقيمه الاخلاقية الخاصة به وحده)(4).

ملتقانا في ج3

 

علي محمد اليوسف/الموصل

..............................

(1) الاغتراب الديني لدى فويرباخ مصدر سابق د. حسن حنفي ص 45.

(2) نفس المصدر السابق.

(3) ندوة حول الاغتراب، مصدر سابق د. فتح الله خليف ص 137.

(4) سارتر بين الفلسفة والادب موريك كرانستون ترجمة مجاهد عبد المنعم ص90

 

علي محمد اليوسفتمهيد: اود ايجاز بعض التوضيح في ما يخص هذا المبحث (التاريخ البدائي والنزعة الانسانية في الفلسفة البنيوية)، اني استقصيت ابرز عاملين او مرتكزين اعتمدتهما البنيوية لدى فلاسفتها ليفي شتراوس الاب الروحي للبنيوية، والتوسير، ولاكان، وفوكو، ودي سوسير أركان البنيوية وغيرهم سنأتي عليهم لاحقا.

كما اود الاشارة ان المقصود بالانسان هنا، ليس الكائن النوعي المتفرد عن جميع الكائنات الاخرى في الطبيعة، كائن بيولوجي - انثروبولوجي وحسب، ميزته المتفردة (العقل والخيال واللغة)، وانما يعني في هذا المبحث (النزعة الانسانية) بمعناها الفطري الاجتماعي القيمي والفلسفي في طبيعة صنع الانسان لتاريخه التطوري الحضاري، وليس المقصود الوجود الانساني كنوع في تمايزه عن الطبيعة والكائنات الاخرى غير حضاري كما كان في مراحل بدائية سحيقة من عمر البشرية.من الجدير بالذكر ان الانسان اكتسب فرادته النوعية وانسنته بالطبيعة عن بقية المخلوقات والكائنات الحية على الارض بامتلاكه وحده خاصية الذكاء العقلي واللغة والخيال.

العاملان اللذان اعتمدتهما البنيوية هما:

اولا التاريخ البدائي للاقوام البشرية او ما يسمى علم الاثنولوجيا، وهو علم اجتماعي مستمد من الانثروبولوجيا يدرس الجماعات البشرية البدائية، اعتمدته البنيوية، فحواه ان تلك الاقوام السحيقة في العصر الحجري والكهوف، لا تاريخ لها بمعنى التطورالخطي الحتمي الحضاري لتاريخ الانسان، اذ تعتبرالبنيوية تاريخ تلك الاقوام البدائية تاريخا ساكنا يحكمه العقل في ثباته ومحدوديته في التفكير. وهذا التاريخ البدائي الانساني توقف تطوره البطيء مراحليا مع بداية عصور اكتشاف الانسان للزراعة سبعة الاف سنة قبل الميلاد.

ان عصر اكتشاف الانسان البدائي للزراعة الذي أعقب عصر الصيد والالتقاط، هو بداية صنع الانسان للحضارة الانسانية، فقد عرف الانسان تخزين الحبوب الفائضة عن حاجته، وراقب بدقة تغّير الفصول وموسم سقوط الامطار، وسكن على شكل مجموعات قرب الانهر والترع، وعرف كيفية تدجين الحيوانات الاليفة والاستفادة منها، وعرف ايضا الوسائل البدائية في الري، وبدأ تشكيل الجماعات البشرية.

لكن الاهم من اكتشاف الانسان للزراعة هو اختراعه ابجدية الكتابة اربعة الاف سنة قبل الميلاد في وادي الرافدين (الكتابة المسمارية) عند السومريين، ومثلها 3200 قبل الميلاد عند الفراعنة المصريين (الكتابة الهيروغليفية). هنا مع اختراع الانسان الكتابة بدأ تاريخ جديد للبشرية اذ اصبح التدوين كتابة صورية ورمزية متاحا على الواح الطين واوراق البردي والجلود وغيرها، وكل المراحل التاريخية التي سبقت اختراع الكتابة تعتبر تاريخا بدائيا غير مدوّن ولا معروف توثيقيا فقط آثاريا تنقيبيا في مراحل تاريخية لاحقة، واصبحت تلك الاقوام التي عاشت تلك الاحقاب بلا تاريخ او خارج التاريخ الإنساني الموّثق المدوّن. وكل التجمعات البشرية التي عاشت قبل عصر اختراع الانسان للكتابة تعتبر انثروبولوجيا اقوام بدائية لا تاريخ لها، او اقوام خارج التاريخ.

العامل الثاني هو النزعة الانسانية مرتكز الفلسفتين الماركسية والوجودية مع اختلاف المعنى المفهومي بينهما.الذي انكرته البنيوية جملة وتفصيلا، مقصية من طروحاتها الفلسفية الانسان والنزعة الانسانية التي كانت علوم الانثروبولوجيا اعتمدتها كمحك مفصلي هام في تطور التاريخ وبناء الانسان للحضارة.

ان البنيوية تيّار فلسفي معاصر نشأ قبل الحرب العالمية الاولى في مؤلفات توبتسكي وجاكوبسون ومدرسة الشكلانيين الروس، تلتها اعمال هوسرل وفنجشتين ولاكان لاحقا، وفي فرنسا التي كانت معقل الفلسفة العقلانية والحداثة التي ارساها رينيه ديكارت في القرن السابع عشر(العقل والعلم)، مقصّيا الميتافيزيقيا من مباحث الفلسفة معتبرا اياها لغوا فارغا لا يقود الى نتائج وثوقية صحيحة . كما ان العديدين يصنفون شتراوس فيلسوف البنيوية الرائد بانه وريث مدرسة فرانكفورت النقدية الالمانية التي ضمت شلنغ و بارسونز وشتراوس وماركوزة وفيختة، والبنيوية هي اقرب الى فلسفة الحداثة التي يقودها الفيلسوف المعاصر يورغن هابرماس في اعتمادهما مركزية اللغة في مراجعة ودراسة مواضيع الفلسفة، والتي كانت التجريبية التحليلية الانكليزية سابقة عليها في استلامها الراية بضرورة مغادرة اللغة محورا مركزيا تدور في فلكه مواضيع الفلسفة. وابرز فلاسفة هذا التيار جورج مور وديفيد هيوم وجون لوك، ويعتبر بيكون الاب الروحي لهؤلاء جميعا في وجوب اعلاء قيمة العقل والعلم اولا واخيرا في وجوب تلازم الفلسفة والعلم.

والبنيوية تيارات فلسفية متشعبة تأثرت اول الامر بالماركسية والوجودية قبل ان تنقلب عليهما. (معظم فلاسفة البنيوية والوجودية كانوا في بداياتهم ماركسيين وشيوعيين). وقد عنت البنيوية على يدي دوسوسير ولوفيدج فنتجشتين بعلم اللسانيات والصوتيات واللغة. ويوضح شتراوس: ان الوقائع التجريبية لا معنى لها في ذاتها، ولكن متى وضعناها في نسق فكري له معنى او نموذج اكتسبت معنى علميا.

كما اجد ضروريا التنويه ان تيارات الفلسفة المعاصرة اصبحت مفاهيمها الفلسفية متداخلة في خطاباتها الرؤيوية الفلسفية والمعرفية، بحيث لم نعد نمتلك معه القدرة الكافية على تمييز تلك الفواصل والفروقات المتباينة في ما بين تياراتها بيسر وسهولة، فمثلا نجد فلسفة الحداثة تتداخل مع تيارات ما بعد الحداثة بحيث صار بعض الفلاسفة ينكرون فواصل الاختلاف الكبيرة بين الفلسفات المعاصرة، فمثلا التداخل نجده مع ابرز فيلسوف الحداثة يورغن هابرماس الذي تحسب الكثير من افكاره الفلسفية الى البنيوية، فقد اختلف ايضا في مقالة مهمة له بعنوان (الحداثة مشروع لم ينجز بعد) مع ابرز فلاسفة ما بعد الحداثة فرانسوا ليوتار الذي يعارض تلك الفكرة بقوله (ان مشروع ما بعد الحداثة مشروع مختلف عن مشروع الحداثة التي هي وليدة عصر النهضة والانوار التي يجب مجاوزتها. وانها استنفدت اغراضها) في كل ما جاءت به فلسفات ما بعد مرحلة العصور الوسطى، من اصلاح ديني وظهور النزعة الانسانية معتبرة الفرد محور الوجود، ودخول عصر النهضة يليه في القرن الثامن عشر عصر الانوار في ظهور البرجوازية الاوربية.

في حين يصر هبرماس ان فلسفة وعصر الحداثة لم يستنفدا اغراضهما ومهامهما بعد.عديدة هي الانتقادات اللاذعة التي واجهتها تيّارات الفلسفة البنيوية، من فلاسفة ومدارس مناوئين لطروحاتها الفلسفية، كونها (البنيوية) أثارت اشكاليات في الفكر الفلسفي جديدة غير مسبوقة في تاريخ الفلسفة، استلزمتها واحتاجت معها الى نقودات متباينة معها او ضدها، جاءت في مقدمتها من مفكرين وفلاسفة ماركسيين وغير ماركسيين، تلاهم بالتزامن معهم فلاسفة الوجودية الحديثة لعل أبرزهم كان سارتر، في مسألتين او منحيين اثنين نسلّط الضوء عليهما دون غيرهما من قضايا اشكاليات البنيوية المتعددة التي لا تزال وستبقى لفترة غير محدودة مثار نقاش وحوار فلسفي مستمر.

الاول: التاريخ البدائي:

التركيز البنيوي تاريخيا على (الاثنولوجيا) دراسة تاريخ الجماعات البشرية البدائية، التي اعتمدها أبرز اعلام الفلسفة البنيوية بمختلف الاختصاصات (شتراوس) في دراسة تاريخ انثروبولوجيا الحضارة، (التوسير) في نقده الماركسية وكتاب رأس المال، (لاكان) في علم النفس، (دو سيسير و فنتنجشتين) في علم اللغات واللسانيات، (فوكو) في تاريخ الجنسانية وتاريخ الجنون وهو صاحب مصطلح (اركيولوجيا المعرفة) او مايسمى تعريبا حفريات المعرفة، ويعتبر كتابه الشهير (الكلمات والاشياء) من اشهر كتب الفلسفة في القرن العشرين، و(جان بياجيه) في علم النفس ايضا وهكذا.

أعتبرت البنيوية أن دراسة الاقوام البدائية تمتاز بأنها تعنى بأقوام، كانت تعد خارج التاريخ البشري وتطوره الخطي واهتماماته، ولا تمتلك تلك الاقوام البدائية تاريخا مدّونا يوّضح أنتقالاته في مراحله القديمة والمتعذّر رصد تغييراته البطيئة أسوة بغيره من مراحل لاحقة عليه سابقة في القدم كما في تاريخ شعوب ما قبل التاريخ التي عرفت بمراحل تاريخية طويلة بدءا من العصور الحجرية البدائية (انسان نياتردال)، وبعدها عصر الصيد والالتقاط تلاها العصور الزراعية والصناعات المعدنية البرونزية اليدوية بأبسط اشكالها واشتمالاتها، ثم في اهم انتقالة جاءت اختراع الانسان الكتابة والتدوين من جهة، ونشوء الديانات الوثنية من جهة اخرى، وأعتبرت البنيوية تلك المراحل البدائية في العصور الحجرية، مقارنة بالتاريخ الانساني لمراحل ما قبل التاريخ المدّون والموّثق تنقيبيا وآثاريا بعد ظهور الكتابة المسمارية في بلاد مابين النهرين والهيروغليفية في مصر في القرن الرابع ق. م، على ان ما سبقها تعتبر مراحل اللاتاريخ البشري كما اشرنا له سابقا.

كما أعتبرت البنيوية التاريخ البدائي (تاريخ ساكن) بحكم طبيعة العقل البدائي في ثباته ومحدوديته، وفي سذاجة تفكير الانسان وخيالاته البسيطة فيه، وفي بطء تغييراته التاريخية، وبالتالي أصبح هذا التاريخ أنموذجيا في التناول المنهجي البنيوي البحثي المتعدد التيارات، الذي تخدمه حالة الثبات والسكون ومحدودية العقل التي تعتري التاريخ البدائي وتقعده عن الحركة التطورية السريعة المتلاحقة كما في تاريخ اختراع الانسان الكتابة.

ان هذه المسألة التي اعتمدتها مرتكزا اساسيا الفلسفة البنيوية، أثارت حفيظة الماركسيين من الذين عابوا على البنيوية انها لم تجد في التاريخ الانساني، الا المجتمعات البدائية ما قبل التاريخ، لدراسة تاريخها على وفق منطلقات أسمتها (قطوعات التاريخ) ميزتها ثبات وسكون تلك المجتمعات تاريخيا ومراحليا بما يفتح المجال الى دراستها وتحليلها الانثروبولوجي بدقّة وتناولها أيسر بالقياس الى اقوام شهدت تاريخا تطوريا متسارعا في متغيراته.

واذا كانت البنيوية نجحت في اقامة بناءات نسقية معرفية تحت مسمى (التكوين الثابت) للانسان، وتشابه قضاياه الحياتية في مختلف الازمان والعصور، ليس على صعيد الحقب التاريخية البدائية السحيقة وحسب، وانما على صعيد التاريخ الساكن للانسان في مختلف المراحل التاريخية، لأن مشاكل الانسان كانت وبقيت ثابتة ومتشابهة لم تتغيرجوهريا في التعاقب التاريخي، على حد زعم البنيوية. لكن ما يلحظه الدكتور الباحث فؤاد زكريا وآخرين عديدين غيره من باحثين ماركسيين ووجوديين، أن البنيوية تغاضت واخفقت معا ولم تنجح في تعليل التقدم التطوري والتاريخي الى حد اعتقادها بان ما يدعى التقدم البشري بفعل الاشكاليات البشرية المتنوعة والمتتالية هو محض خرافة ووهم، وان التحديات التاريخية سراب خادع ولم تكن في يوم من الايام عاملا لتقدم حضاري من أي نوع كما ذهبت له البنيوية في ادبياتها البحثية والفلسفية. واكثر فان التاريخ لم يشهد في مسيرته تطورا حتميا تقوده ضرورات التقدم باستمرار.(*)

ولقد ذهب فوكو الى أبعد من ذلك في قوله: انه يتجنب الخوض في/ ومع كل ما له صلة بمقولات التحّول والتغيير، ولا يرى في كل مرحلة تاريخية الا (ثوابتها) فحسب، ووصل الحد به الى التشكيك بالانسان نفسه، واسقاط التاريخ البعدي القديم والحديث والمعاصر من الحساب الفلسفي البحثي البنيوي نهائيا باستثناء الوقوف عند مراحل اللاتاريخ الذي تمثله الاقوام البدائية باعتبارها مراحل بشرية خارج التحقيب التاريخي الخطي في التطور الحضاري البشري .

لقد انساق خلف هذه المنطلقات الفلسفية البنيوية العديد من الذين انشقّوا عن الماركسية، ربما كان ابرزهم (التوسير) في استهدافه المادية التاريخية وكتاب رأس المال في انتاج ماركسية خيالية وتجريدية تعتمد خطابات غامضة واقامة بنى نسقية لا تمّت بأدنى صلة لها مع الواقع العيني ومعالجة مشاكله، وعجزت عن دحض الاسس المادية والجدلية التي قامت عليها الماركسية. وأكثر من ذلك نجده عند اقطاب البنيوية الذين سقطوا في الذهان التجريدي الفلسفي، وخلقوا أنساقا معرفية خارج اهتمام مركزية الانسان وجعلوها حقائق في مواجهتها الفكر المادي والماركسي تحديدا.ان البنيوية تجاهلت الطبيعة الاجتماعية التاريخية الصاعدة للانسان وحوّلت الانسانيات نحو مملكة التجريد الميتافيزيقي. لكن في اعتماد اللغة وعلوم اللسانيات هذه المرة، واعتماد اللغة كمحور ارتكاز في مراجعة جميع مواضيع الفلسفة تجريديا لغويا قديمها وحديثها، وان جميع قضايا الفلسفة هي لغوية صرف.

و من أبرز الامور في هذا المنحى البنيوي، أن غالبية مدارسها أستقت ينابيع تفلسفها من التاريخ السحري والخرافي والاسطوري والميثولوجي، الذي أعتبرته البنيوية الأنموذج الأمثل لدراسة القطوعات التاريخية الساكنة التي لايحكمها التغيير او التطورالمتسارع والتبديل. وبذلك تسهل وتتوفر دراستها، وفي اعتمادها الاساطير كما يعتمدها علم النفس الفرويدي على انها حلم جماعي لاشعوري لدى جميع الشعوب قبل وبعد التاريخ، متجاهلة تماما أن ارتباطات مثل اللغة والاسطورة والدين والطقوس والمجتمع او القرابة و القبيلة، والزواج جميعها مرتبطة بالانسان ووجوده الارضي التاريخي بعرى وثيقة جدا لا ينفع معها المكابرة في تقليل اهميتها في دراسة أي منحى تاريخي او معرفي او فلسفي مبتور لغرض الحصول على استنباطات تعميمية خاصة فقط بالاقوام والقبائل البدائية . ربما كانت تلك المفردات الحياتية بعيدة جدا عن سياقاتها الاجتماعية والانسانية والتاريخية كما حصل في التوظيف البنيوي لها في قراءاتها فلسفة العصروالمعرفة.

ومن الجدير ذكره ان مركزية الانسان في الفلسفة قديمة، ورائدها هو الفيلسوف السفسطائي بروتوغوراس، القرن الرابع قبل الميلاد في مقولته الشهيرة (الانسان مقياس كل شيء). واعقبه فلاسفة الوجودية جميعهم، سورين كيركارد، وهيدجر، ومارسيل جبريل، وصولا الى سارتر وكامو واخرين في اعتبارهم الانسان وسيلة وهدف كل شيء يالحياة. كل هذا الغته البنيوية في لا محورية الانسان كمعيار كل منجز معرفي او حضاري، من دون ادنى تأنيب ضمير ولا اسف على الانسان الذي اعتبرته الماركسية اثمن راس مال في الوجود.

كما ان الاسطورة التي هي حلم جماعي لا شعوري لدى الشعوب البدائية كما يذهب له علم النفس الفرويدي، الذي يختلف دلالة ومضمونا مع مفهوم البنيوية له، ففي علم النفس الفرويدي يكون المحلل النفسي أعلى مرتبة تمييزية عن المريض، ويعد الطبيب النفسي نفسه، أعلى مرتبة انسانية عن الشخص المعالج، مادام يستطيع كشف أبعاد أعمق من تلك التي يبوح بها الشخص له عن تجاربه اللاشعورية العفوية.

اما في البنيوية في اتجاهها التحليلي البنيوي السايكولوجي عند (لاكان) و(بياجيه) فان المحلل النفسي (لا يعتبر نفسه سوّيا وسليما بالقياس الى من يقوم بتحليله، كما لا يتخّذ منه اي موقف مميز عنه).1 وبهذا التفريق الافتعالي بين الفهم الفرويدي للاسطورة من جهة، وفهم الفلسفة البنيوية لها في التحليل النفسي من جهة مغايرة، لا اجده يشكل مسألة فلسفية جديرة بالاهتمام والاختلاف حولها. كما اجد ان انحسار المد الفلسفي عن معالجة أمور حقيقية تهم معاناة الانسان في الحياة المعاصرة، واعتبار مسائل اللغة محورا مركزيا في معالجتها كل المسائل الفلسفية، سيجعل من الفلسفة هراءا لا طائل من ورائه وهي تحتضر اليوم سريريا بخاصة في تفكيكية دريدا.

الثاني النزعة الانسانية:

البنيوية بحسب النقاد الماركسيين لها، يلازمهم ومعهم (سارتر) وأقطاب الوجودية الحديثة مثل هيدجر، (فقط بمنطلقات متباينة مختلفة كما سيتضح معنا لاحقا)، يجمعون على ان البنيوية ألغت في فلسفتها مسألتين على جانب كبير من الأهمية في تاريخ الفلسفة، (الذات / والانسانية) واقصتهما نهائيا من التفكير الفلسفي ب (المطلق)، بما يترتّب عليه نسف التاريخ الفلسفي السابق على البنيوية. ان لم يكن نسف ضرورة ذلك التاريخ في عزل البنيوية الانسان كمحوروجودي مركزي في جميع وعلى امتداد تاريخ الفلسفة القديمة والمعاصرة.

قبل التطرق لرد البنيوية على الماركسيين والوجوديين، نرى انه من المتعذّر لأي جديد في الفلسفة الغاء (الذات) والغاء (النزعة الانسانية) من الفلسفة، وماذا يتبقى منها بعدئذ؟ ولمن تخاطب او تكتب من أجله أو له؟ معظم تاريخ الفلسفة في أشد تجريداته وميتافيزيقيته الفلسفية لم يكن الانسان غائبا ولا مغيّبا منها، كمحور مركزي في التفلسف (مرسل ومتلقي) (فاعل ومنفعل) (وجود وقضايا) (كينونة وجوهر) (حياة وموت) (خير وشر) (مظهر وماهية) وهكذا، ليقوم العقل بعدها وحقول المعرفة والعلوم في اختصاصات الاجتماع، علم النفس، الاقتصاد، السياسة، وامور عديدة لا حصر لها بدورها المكمّل أو المفارق، وفي مختلف شؤون الحياة المتعالقة بالفلسفة.

علما ان الوضعية المنطقية التي هي الاخرى كانت سبقت البنيوية في تجاهلها موقع الانسان المحوري في الحياة والوجود. وفي معرض دفع (سيباج) هذه المثلبة عن البنيوية يقول (ان كل ما ينتمي الى مجال الانسان لا بد ان يكون من صنع الانسان، ثم لا يصح ان نتصور البنيوية على انها نظرية تجعل أصل الانساق التي تفسر بها الظواهر الانسانية خارجا عن نطاق الانسان.)2، بمعنى اراد سيباج الدفاع ان البنيوية لا تلغي الاهتمام بالنزعة الانسانية من قاموسها الفلسفي لكن بالفهم الذي ادرجه.

كما ان الوضعية المنطقية في رائدها الفيلسوف اوجست كونت (1798 – 1875) اهتمت بدراسة الظواهر الواقعية المادية فقط، متبنية شعار(ما لايمكن رصده لا وجود له) في تطرّفها تغليب الحس في ادراك الوجود رافضة كل تفكير في الغيبيات واعتبرت الميتافيزيقيا لغو فارغ لا معنى له، وان الوضعية هي التي تلتزم العلم في فهم الظواهر الطبيعية والبشرية.

وفي هذا الشعار للوضعية المنطقية يظهر جليّا تناقضها المثالي وفي تطرفها ايضا (رغم ما تدعيه من عقلانية واقعية)، ولا ارغب العودة وتكرار خطر وخطأ التفكير المثالي في اعتماد ان الفكر سابق على الوجود ومنتج له. ناقشت هذا الموضوع سابقا في (اللغة والاشياء) وفي اكثر من موضع في مقالاتي.

ان كل تجاوز ونفي للنزعة الانسانية فلسفيا، يجعل من تاريخ الفلسفة قبل البنيوية، تراثا كميّا استذكاريا لا نفع له، ولا علاقة صحّية تربطه بالانسان كوجود نوعي في الحياة التي نحياها على الارض. وأن تاريخ الفلسفة مدموغا بعدم الفاعلية الانسانية، انما تريده البنيوية خطابات من السرد التجريدي المنطقي، وأنساق فكرية فارغة أجترارية لمفاهيم موغلة في التجريد من جهة، وموغلة في الغياب من الاسهام في تغيير العياني الواقعي، والتي استنفدت جميع متبنيّاتها ومجالات تناولها البعيدة عن تحقيق حلول حيوية ماثلة في حياة الانسان المعاصر.

مؤكد اننا ليس بمقدورنا ان نصادر منطلقات فلسفية تشغل الباحثين عقودا طويلة مثل الفلسفة البنيوية قبل ان نتبيّن ردودها ووجهة نظرها وتعليلها لمثل تلك التوجّهات المصادرة للذات والنزعة الانسانية من قبلها، خاصة ان ماتدّعيه البنيوية بانها بصدد قلب جميع المفاهيم الفلسفية السابقة عليها من اجل خلق انساق وبناءات لخدمة العلم وتقدم الحياة الانسانية، وهذا التوجه لا يخدم الغرض المعلن عنه بوسائلها المحدودة القاصرةعلى الاقل. وليس من الواقع في شيء ان تخرج البنيوية الفلسفة من ذاتيتها الانسانية مهما كانت الذرائع التي ترفعها، على صعيدي التفلسف، وصعيد التلقي الاستقبالي. ويطلق شتراوس على الذاتية انها احد اشكال الوعي البرجوازي التجريدي لذا هو يرفضها.في وقت ان الذات الانسانية انثروبولوجيا مرتكز تاريخي حضاري لا يمكن مصادرة مزاياه الحيوية في تقدم البشرية.

كانت البنيوية موفقّة في ادانتها لوجودية سارتر انها فلسفة مغرقة في ذاتيتها غير الانسانوية في نزعتها على مستوى المجموع، وهو شيء لا تنفرد به البنيوية عن سائر منتقدي وجودية سارتر، المغرمة بالتشاؤم والعدم، واللاجدوى، وان الانسان قذف به بمحنة الحياة، حاملا حريته المسؤولة عن ذاته وعن الاخرين الذين هم الجحيم، وعليه خلاص نفسه بقواه الذاتية منفردا من المأزق الوجودي كما في دعوة بوذا (ابحث عن خلاصك وحدك).

كما أعتبرت ذاتية سارتر الفلسفية ذاتية متضخّمة ومتطرّفة لكن ماهو مهم اكثر، وجوب التفريق بين تأكيد سارتر (للذات الانسانية) التي يحاجج بها البنيوية ويحمّلها مسؤولية اضاعتها، وبين (النزعة الانسانية) التي تطالب الماركسية بها البنيوية لأضاعتها لها. فالنزعة الانسانية التي يدّعيها سارتر في فلسفته هي غيرها النزعة الانسانية التي تريد الماركسية حضورها في الفلسفة البنيوية وتفتقدها لديها.و أن البنيوية مهما سعت وبذلت من جهد في ربط منطلقاتها الفلسفية بعلم النفس او الانثروبولوجيا اوالتاريخ، اوعلم الاجتماع او اللغة او الفلسفة وغير ذلك فهي بالنتيجة عاجزة عن تحقيق منجز تدّعيه بصدد اقامة (بناءات نسقية)تدّعم مسار العلوم وتساهم بتطويرها وتقدم الحياة بالتزامن مع اعلانها الفلسفي المتشدد ان دور الوجود الانساني في التاريخ اصبح خارج مقولات البحث الفلسفي والمعرفي.

محاورة جان بياجيه:

هنا نعيد قبل ان نعرض محاججة (جان بياجيه) على أدعاءات كل من الماركسيين وسارتر المختلفتين حول (الذات، والانسانية) وتقاطع واختلاف سارتر حول النزعة الانسانية الذي اشرنا له سابقا مع البنيوية، عنه في تقاطع واختلاف الماركسية في فهمها النزعة الانسانية المصادرة فلسفيا عند كل من البنيويين وسارتر على السواء.

يذهب بياجيه في رده على نقد سارتر للبنيوية، وتأكيده أهمية محورية الذات الانسانية المستلبة في حقيقتها في فلسفته الوجودية، التي أتهم سارتر بها البنيوية العبور عليها ومجاوزتها بافتعال غير مقبول او مبرر، فكان رد بياجيه: (ان الذات الانسانية التي يؤكدها سارتر لا تشيّد بناء العلم بحكم طبيعة عملها انها تجريدات لا شخصية، لا يمكننا الاستدلال عنها الا من خلال هذه التجريدات فقط)3 وليست هي (ذات) فاعلة يعتد بها من واقع تأصيل النزعة الانسانية كفاعل تنموي في مجرى الحياة.

هنا بياجيه في رده على سارتر يضع نفسه، بالمثل الدارج فاقد الشيء لا يعطيه، فاذا كانت الذاتية الانسانية عند سارتر تجريدات غير شخصانية، فالبنيوية لا تعتمدها وتلغيها هي اصلا ولا تعترف على لسان فوكو بشيء عياني تتمحور الفلسفة حوله وحول قضاياه ومشكلاته ذلك هو الانسان (كذات) ووجود، وحتى على لسان شتراوس وفوكو فهما لا يقرّان بأن للانسان تاريخ حضاري أوصله الى مانعيشه اليوم. وان قضايا الانسان واحدة وتطلعاته لم تتغيرعبر العصور لذا يكون كافيا دراسة تاريخ الاقوام البدائية فقط لنفهم التاريخ البشري بمجمله، بمعنى تعميم منجزات الجزء على الكل. ومن الجدير ذكره ان المفكر الكبير محمد عابد الجابري في دراساته وفلسفته القيّمة حول صياغته لمشروع عربي نهضوي استبعد البنيوية وتحفّظ على التسليم بالكثير من منطلقاتها، لانها وبحسب ادانته لها عملت على تعميم منجز الجزء على الكليات، ونادت بنسق فلسفي بمكنته معالجة كل القضايا التي تهم الانسان ولم تستطع انجاز شيء من هذا الادعاء، وهو سبب كاف لرفض الجابري لمنطلقاتها الفلسفية..

ويمضي بياجيه في التوضيح أكثر انه يوجد فرق كبير بين العلاقات الشخصية التي تختفي من خلالها الذات الانسانية، كنزعة فطرية (انسانية مجتمعية)، وبين ما يطلق بياجيه عليه (الذات الانسانية في مجال المعرفة)، وهذا بحسب بياجيه فرق كبير وهام، اذ يجده بياجيه ان التخلي عن الذات الانسانية في مجال المعرفة، انما يحررنا في تخلّينا عن اتجاهنا التلقائي في التمركز حول انفسنا، و(نتحرر من ذاتية العلاقات الشخصية، ولا يكون هناك بعدها للذات وجودا بوصفها ذاتا عارفة، الا بمقدار ترابطاتها المتداخلة التي تتولد منها البناءات)4..رد تجريدي يتلاعب بالالفاظ فقط.

ونكمل مع بياجيه توضيحه: ان البنيوية تفرق بين (الذات الفردية) التي لا تأخذ منها موضوعا للبحث الفلسفي على الاطلاق، وبين (الذات المعرفية) أي تلك النواة التي تشترك فيها الذوات الفردية كلها على مستوى واحد، وهي موضوع الفلسفة ان صح التعبير، كذلك تفرّق البنيوية بين ما تحققه الذات بالفعل، وما بين ما يصل اليها وعيها، وهو محدود بطبيعته، وما تركّز البنيوية عليه هو اهتمامها بتلك العمليات التي تقوم بها الذات وتستخلصها بالتجريد من افعالها الذهنية العامة.5

ان ما يلاحظ على حجة بياجيه تجاه درء تهمة اغفال البنيوية النزعة الانسانية، ركيزة الفكر الفلسفي الماركسي انها لم تكن مقنعة بما فيه الكفاية، اذ عمد بياجيه باسلوب تجريدي صرف تفنيد مقولات فلسفية تاريخية علمية ومادية صلبة لا تزال تمتلك حراكها العملياني الواقعي التاريخي المقبول ليس لدى الوجودية والبنيوية، وانما في الماركسية، فهي تمتلك حضورا انسانيا فاعلا في مجرى الحياة وتداخلها معها. ولم يكن بياجيه الوحيد الذي وقع بمطب التجريد الفلسفي المسرف في مناكفة وتضاده مع الماركسية حتى احيانا من دون تسميتها، اذ نجد ان (ألتوسير) كان أنشطهم وأبرزهم تأثيرا في نقده المادية التاريخية وكتاب راس المال كما اشرنا له سابقا.*

وقبل ان نختم مبحثنا هذا نشير الى ان البنيوية ترى ان الكلام يسبق الكتابة، وان الحقائق التاريخية تثبت ان اقدم نظام كتابي يرجع الى خمسة الاف سنة قبل الميلاد، وانه لا يمكن لأي مجتمع الوجود من غير اللغة الكلامية، لذا يكون من المنطقي ان نفترض ان الكلام يرجع الى بداية ظهور المجتمع الانساني، وعلى العكس من البنيوية ترى التفكيكية ان الكتابة تسبق الكلام وان الكلام ولد من رحم الكتابة، وينعتون الكتابة بالعدم والكلام بالوجود ومنطقيا فالعدم يسبق الوجود.

كما ان النص في الفلسفة التفكيكية يظل دائما يحمل عوامل اندثاره وتلاشيه بحسب الباحثة والناقدة سارة كوفمان من رواد الفلسفة التفكيكية، وتجد ان التفكيكية تتعامل مع النص اللاهوتي المتعالي، بانه نص يحمل اسباب تفككه ومغادرته احتكار مركزية خطاب النص، الى ان تصبح حسب رأيها جميع النصوص نسبية الوجود ونسبية التلقي ومتعددة القراءات. كما ان الفيلسوف الانثروبولوجي جيمس فرايزر يذهب الى انه كما استطاع الدين ابطال عمل السحر، فان العلم في طريقه الى ابطال لاهوت الدين.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

.......................

الهوامش:

* ساقوم قريبا تفنيد التطور الخطي الغائي للتاريخ بدراسة انشرها لاحقا على صفحات الزمان الغراء.

1- توضيح اكثر انظر، فؤاد زكريا، افاق الفلسفة صفحات 363-365

2- المصدر السابق ص 360

3- نفس المصر السابق ص 366

4- نفس المصدر السابق ص 368

5- نفس المصدر السابق ص 364

 

عدنان عويدمدخل: ما دفعني إلى الكتابة في هذا الموضوع هو النتائج السلبية التي انعكست على المواطن في الدول العربية التي قام بها ما سمي بالربيع العربي، لما نال الإنسان هنا من دمار في ممتلكاته وتشريد لأبناء مجتمعه، وفقدان للأمل في الخلاص من قهر وظلم واستلاب وضياع عاشه بسبب الفساد الذي استشرى لعقود طويلة. وأخيراً بسبب العنف والعنف المضاد الذي مارسه من يدعون حمايته والدفاع عنه من كل الاتجاهات وتحت كل المرجعيات الأيديولوجية التي سخرت في هذا العنف.

والسؤال المشروع هنا أمام ما نجده من انتشار لقيم الوجودية بين الكثير من أبناء المجتمع في دول الربيع العربي، هل سيعيش شبابنا الحياة بهذا الفهم الوجودي. بكل ما يحمله هذا الفهم من عبثية وضياع وفقدان للمسؤولية الفردية والجماعية؟.

في المفهوم:

الوجودية تيار فلسفي يميل في جوهره إلى الحرية التامة، غير المشروطة بأية مسؤولية، أو أية قيود في التفكير والممارسة. وهي تؤكد على تفرد الإنسان، كونه صاحب تفكير حر وإرادة حرة واختيار لا يحتاج إلى موجه. وبالتالي على الإنسان في المذهب أو التيار الوجودي، أن يتخلص من كل موروث عقدي، أو أخلاقي يؤثر على رغباته وطموحاته الذاتية، كي يمارس حياته بحرية مطلقة دون أي قيد. والوجودية تعني من اتجاه آخر، أن وجود الإنسان الفرد يسبق ماهيته الإنسانية كمجموع أو ككتلة اجتماعية مهما كانت مرجعياتها دينية أو عرقية أو سياسية .. الخ، فماهية الكائن الفرد هي ما يحققه فعلاً عن طريق وجوده، ولهذا هو يوجد أولاً، ثم تتحدد ما هيته ابتداء من وجوده. ولكن هذا التأكيد في الوجودية ليس أكثر من دعوة خادعة، كي يجد الإنسان نفسه أو يؤكد وجوده. ولكي يجد أو يؤكد الإنسان نفسه في الفهم الوجودي، عليه أن يتحلل من القيم، وينطلق لتحقيق رغباته وشهواته بلا قيد. وعلى هذا الأساس، يبدأ فهم معنى الوجود عبر الدخول بالتجربة الوجودية الفردية الداخلية القائمة على التخيل والأحاسيس الداخلية المشبعة بعواطف ورغبات ذاتيه بحت، لذلك فالفرد الوجودي يقوم بمعايشة الواقع وجدانيا أكثر من معايشته عقليا، ومن خلال هذه المعايشة مع الواقع للذات المقهورة والمشيئة والمستلبة أصلاً، يبرز عنده اكتشاف المعاني الأساسية في الوجود الإنساني، وهي معانٍ تمثل: العدم، والفناء، والموت، والخطيئة، واليأس، والعبثية، والعنف، ثم القلق الوجودي. إنها بتعبير آخر، فلسفة العدم.

منشأ التيار الفلسفي الوجودي وسبب نشأته:

ترجع بذور الوجودية كحركة أو تيار أو حتى مذهب، إلى الكاتب الدانماركي (سورين كيركجارد)، وتعمق فيها فيما بعد الفيلسوفان الألمانيان (مارتن هايدكر) و(كارل جاسبرز)، ومن ثم الفرنسيون: جان بول سارتر، سيمون دي بوفوار، وغابريل مارسيل، والبيركامو، وغيرهم. ويمكن القول: إنها ظهرت في أوروبا عقب الحرب العالمية الأولى (1914 - 1918)، ابتداءً بألمانيا، ثم فرنسا، وأخذت فيما بعد تنتشر في بقية الأقطار الأوربية، وبعدها في العالم بوجه عام، ليبدأ وجودها بالانحدار مع نهايات السبعينيات وبدايات الثمانينيات من القرن العشرين.

يلتبس مفهوم الوجودية على الكثير من رجال الشارع وحتى على بعض المثقفين، لأن المصطلح غامض رغم ارتباطه بأدب فترة ما بين الحربين (الشعر والرواية والمسرح) حيث كثر الموت وأصبح الفرد يشعر بوحدته في عالم مليئ بالعبثية واللامعقول. أي في عالم فقد أي معنى لوجود الحياة الايجابية المشبعة بالروح الإنسانية، حيث فرضت على الفرد حالة تسمى بـ (القلق الوجودي)، بعد أن فقد هذا الإنسان حريته وتوازنه الاجتماعي وقيمه النبيلة التي تفرض عليه الشعور بالمسؤولية تجاه نفسه ومجتمعه ووطنه بسبب ما حل به وبمجتمعه ووطنه من دمار. ومن هذا الوجود (العدم) أصبح هناك حاجة فكرية لمناشدة الإنسان كي يلتفت إلى إبراز قيمة الوجود وأهميته، ثم إلى معناه ومواضيعه، ولكن بنظرة وجودية تحمل كل المضامين اللاعقلانية التي جئنا عليها أعلاه.

اتجاهات الفلسفة الوجودية:

هناك في الحقيقة اتجاهان للوجودية هما:

أولاً: الوجودية الملحدة:

وهي وجودية تميل إلى الالحاد وعدم الاعتراف بالإله، وتجد أن الإنسان إله نفسه، ولابد أن يقدس ذاته، وهو خالق لأفعاله. وغير معذور بارتكابه للخطأ، والسبب في هذه التوجه هو ما تعرض له هذه الإنسان بسبب الحرب من ظلم وقهر ومعاناة بسبب الدمار، وشعوره بغياب واضح لوجود الرب ورحمته في تخليصه من هذه المتاهة التي دخل فيها، لذلك راحت الوجودية تعول كل التعويل على الفرد ووجوده وقدراته في تحقيق خلاصه. وهذا ما أكد عليه "جان بول سارتر" راعي المدرسة الوجودية في فرنسا في كتابه "الوجود والعدم" حيث يقول: (إن الإنسان لو كان مشلولا وعلى عربة مدولبة ودخل سباقا مع كبار العدائين في العالم ثم هزم يجب ان لا يعذر لعاهته، لأنه خالق لأفعاله، فإذا أخفق فإنه يلام على هذا الفعل). فحتى الخطأ أصبح مرفوضاً عندهم إذاً، وغير مبرر مها كان نوع هذا الخطأ ومقداره.

ثانياً الوجودية الروحية أو (الإشراقية):

وهي التي تؤمن بوجود إله طبيعي موجود في كل فرد، وأن ما يصدر عن الفرد، هو حق، وأن الإنسان خالق لأفعاله، ولو أخفق فعليه أن يتقبل ذلك، لأن الإله أراد له ذلك فعليه بالقبول، ويقصدون بالإله هنا الإله الطبيعي، وليس الديني. ومن أبرز مؤسسي هذا التيار (سورين كيركجارد)، وله الكثير من الآراء في الوجودية المثالية أو الدينية، وهي وجودية أقرب إلى التصوف في حركتها وفهمها بالنسبة لعالم الإنسان.

أهم أفكار الوجودية في شقيها:

الحرية:

إن من أهم مبادئ الوجودية، الحرية. فالإنسان حر في اختياراته، وفي اختياره يقرر نقصانه أو عدم كماله، لأنه لا يملك الممكنات كلها. والذات الوجودية، تسعى بين الإمكان وهو الوجود الماهوي (الفكرة أو القيمة المطلقة في الحرية)، وبين الواقع، وهو الوجود النسبي في طبيعته وعلاقاته. والذات الوجودية تعلو على نفسها عندما تحاول أن تنقل في ممارستها القيم الماهويّة إلى الواقع بما ينطوي عليه أو يشتمله هذا الواقع من علاقات اجتماعية غالباً ما تفتقد قيمها الايجابية، وفي هذا التحقيق أو النقل، تخاطر هذه الذات لأنها معرضة للنجاح والإخفاق، ولكن من المخاطرة تولد ضرورة التصميم، وبالتالي يعتبر هذا التحقيق أو النقل الماهوي للفكرة المطلقة، ضروري عند الوجوديين، لأنه محاولة لتغيير الواقع بناءً على القيم الماهويّة الفردية، والحرية المطلقة التي يتمتع بها الإنسان الفرد الوجودي.

إذاً إن أهم خصائص الذات هو الاختيار بين الممكنات المتاحة للفرد في وجوده، ولكن الاختيار يقتضي الحرية، فلا اختيار مع غياب الحرية، ولهذا وضع "كيركجور" الأسس الأولى للوجودية، فالإنسان الحر بوصفه الذات المفردة، هو مركز البحث، ومركز أحواله الوجودية الكبرى المشبعة بالموت والخطيئة والقلق والمخاطرة وغيرها، وهذه هي المقومات الجوهرية لوجوده، فالحرية والمسؤولية تجاه الذات الفردية في فهم الوجودية، هما المعاني الكبرى في حياته.

إن الافراد في الفلسفة الوجودية وحدهم المهمون، والوجود ذو طابع فردي، والالتزام والمسؤولية بما يفكر به الفرد الوجودي من المبادئ المهمة في فلسفتها. وإن الذات الإنسانية ليست هي الإنسانية بوجه عام، فإن الإنسانية كماهويّة لا توجد، وإنما الممكنات الإنسانية الفردية هي الموجودة. والواقع الوجودي لا يقوم في الجنس أو النوع، بل في الفرد العيني.

2- الموقف من الدين

يكفُر الوجوديون بالله ورُسله وكتبه، وبكل الغيبيات، وكل ما جاءت به الأديان، ويعتبرونها عوائقَ أمام الإنسان نحو المستقبل، وقد اتخذوا الإلحاد مبدأً، ويرون أن الأديان والنظريات الفلسفية التي سادت خلال القرون الوسطى والحديثة لم تحلَّ مشكلة الإنسان وبخاصة مشاكله التي ورثتها الحربين العالميتين. ولكونهم يؤمنون بحرية الإنسان المطلقة، لذلك على هذا الإنسان أن يثبت وجوده كما يشاء، وبأي وجه يريد، دون أن يقيده شيء، وعليه أن يطرح الماضي وينكر كل القيود، دينية كانت أو اجتماعية أو فلسفية أو منطقية. أما المؤمنون (الروحانيون) منهم وخاصة في الاتجاه الوجودي الاشراقي، فيعتبرون أن الدِّين محله الضمير، أمَّا الحياة بما فيها فهي مقيدة بإرادة الشخص المطلَقة.

الشعور باليأس والإحباط:

يعاني الوجوديون من إحساس أليم بالضيق، والقلق، واليأس، والشعور بالسقوط والإحباط كما اشرنا قبل قليل. لأن الوجودية لا تمنح شيئًا ثابتًا (نظرية ذات بعد طبقي) يساعد على التماسك بالقيم الإنسان وضرورة العمل على تحقيق سعادة الإنسان الفرد والمجتمع من خلال تغيير علاقات الواقع القائمة على القهر والظلم والاستغلال والاستعباد والتفاوت الطبقي. بل هي تجرد الإنسان من قيمه الجمعية وبالتالي قدراته على تغيير الواقع من خلال تغيير علاقاته الاجتماعية، كونها تعتبر الإنسان قد أُلقي به هكذا جزافاً في هذا العالم، وسط مخاطر تؤدي به إلى الفَناء، ورغم كل ما أعطَوه للإنسان الفرد من حرية ومسؤولية عن أفعاله، فإن فكرهم ظل يتسم بالانطوائية الاجتماعية والانهزامية في مواجهة المشكلات المتنوعة التي تحيط بالإنسان، والتي دفعته أصلاً إلى هذه الحالات من الانطواء والتفرد والتشيئ والاستلاب والقهر والظلم والاستلاب.

الإنسان عند الوجوديين:

يؤمن الوجوديون إيمانًا مطلقًا بالوجود الإنساني، ويتخذونه منطلقًا لكل فكرة، ويعتقدون بأن الإنسان أقدم شيء في الوجود، وما قبله كان عدمًا، وأن وجود الإنسان سابقٌ لماهيته، ويقولون: إنهم يعملون لإعادة الاعتبار الكلي للإنسان، ومراعاة تفكيره الشخصي، وحريته، وغرائزه، ومشاعره. هذا وقُسم الإنسان إلى ثلاث نماذج في الفلسفة الوجودية وهي:

أ- رجل الجمال: هو الذي يعيش للمتعة واللذة ويسرف فيها، وشعاره (تمتع بيومك) (أحب ما لن تراه مرتين) ولا زواج عند هذا الرجل ولا صداقة، والمرأة عنده أداة للغزو وليست غاية.

ب- رجل الأخلاق: وهو الذي يعيش تحت لواء المسؤولية والواجب تجاه المجتمـع والدولة والإنسـانية، ولكن كما يراها هو كفرد وليس ككتلة اجتماعية لها هموم وطموحات ومصالح مشتركة. فهو مثلاً يؤمن بالزواج، ولكنه الزواج الذي لا علاقة له بدين أو غيره.

ج ـ. رجل الدين: وهو عندهم لا يحيا في الزمان، (ليس عند ربكم صباح ومساء) ولهذا فهو متجرد عن الدنيا، وأحواله في الجملة هي تلك الأحوال المعروفة عند الصوفية.

وقد تجد هذه الأنواع والصنوف عند رجل واحد، فيتدرج من المرحلة الجمالية إلى المرحلة الأخلاقية إلى المرحلة الدينية. ويستطيع الإنسان الوجودي كما بينا في مكان سابق من هذه الدراسة، أن يحل مشاكله بإرادته وحريته، فالإنسان مجبور أن يكون حرا. لذلك يطلب الوجوديون من الإنسان أن يكوّن نفسه. بمعنى أن يلتزم بطريقة يرضاها هو لإثبات ذاته. ويؤكدون على قيمة العمل الإنساني. والوجودية تسعى من الناحية التربوية إلى خلق إنسان يتصف بالقدرة على المبادرة، والسعي وراء الرُّقي والتقدم الشخصي من جميع النواحي، سواء أكانت جسمانية أم عقلية أم نفسية! وهذا لا يتم إلا من خلال فهم الإنسان لنفسه أولًا، والإنسان الذي يستحق المكافأة والثواب هو من لديه المبادرة والرغبة في التعلم والمعرفة، ويريد أن يبحث عن ذاته، ويحاول إبراز ذوات الآخرين، والبحث عن الخِبرات التربوية التي تسهم في بناء الوجود الذاتي.

القيم والأخلاق عند الوجوديين:

لا يؤمن الوجوديون بوجود قِيَم ثابتة توجه سلوك الناس وتضبطه، إنما كل إنسان يفعل ما يريد، وليس لأحد أن يفرض قيَمًا أو أخلاقًا معيارية معينة على الآخرين، وقد أدى فكرهم إلى شيوع الفوضى الخُلقية، والإباحية الجنسية، والتحلل والفساد. والوجوديُّ الحقُّ عندهم هو الذي لا يقبل توجيهًا من الخارج، إنما يسيِّر نفسه بنفسه، ويلبي نداء شهواته وغرائزه دون قيود ولا حدود. من هنا تأتي الوجودية تمرُّداً على الواقع التاريخي، وحرباً على التراث الضخم الذي خلَّفته الإنسانية.

ملاك القول:

لقد حظيت الحرية الفردية في الفلسفة الجودية باهتمام كبير، عند كل فرد وجودي وبأي اتجاه من اتجاهاتها، فالحرية عندهم ليست هي الحرية الملازمة للإنسان فحسب، بل هي جوهر وجوده أيضاً. فقيمة الإنسان في المحصلة هي حريته، بيد أن هذه الحرية في جوهرها عصية على التفسير عند الوجوديين، وهي لا يُعبر عنها بالمفاهيم، وبالتالي ظلت الحرية عندهم رغبة جامحة لتحقيق ما تحركه الغرائز أكثر مما يحركه العقل، فالحرية يعارضونها بالضرورة، التي تقوم على قوانين موضوعية وذاتية تفرضها البيئة الاجتماعية بكل مكوناتها التي يحياها الإنسان، وغالباً ما تشترط هذه البيئة اختيارات الإنسان أي تحددها. لذلك فحريتهم تأتي خارج المحيط الاجتماعي، فهي حالة باطنية، ومزاج نفسي، ومعاناة ذاتية. وعلى هذا الأساس تكون حرية بلا معنى أو قيمة، أو هي مبدأ شكلي فارغ ونداء عقيم لا فائدة منه. إن الحرية في الفلسفة الوجودية لا يهمها تحرير البشر من قسوة الطبيعة، ولا من ظلم الاستغلال الطبقي وصراعاته الدامية. إن الوجودية في مشروعها العام ليست أكثر من نصائح تقدم للفرد كفرد كي يبحث عن حريته في أعماق وجوده الذاتي المنعزل والمتعالي عن تناقضات الواقع وصراعاته وقضاياه الجوهرية في أبعادها الإنسانية العامة.

 

د. عدنان عويّد - كاتب وباحث من ديرالزور- سورية

...........................

المراجع

1-  تعريف الفلسفة الوجودية . موقع : موسوعة وزي وزي.

2- الفلسفة الوجودية: عرض المذهب ونقد الفكر. غادة الشامي شبكة الألوكة / ثقافة ومعرفة / فكر.

3- الوجودية. موقع نشرة المحرر - ٢٠ فبراير ٢٠١٦ .

4- الفلسفة الوجودية. للأستاذ عبد الفتاح الديدي . مجلة الرسالة - العدد 851 - بتاريخ: 24 - 10 – 1949

5- الوجودية - ويكيبيديا، الموسوعة الحرة .

6- موجز تاريخ الفلسفة – مجموعة من الباحثين السوفيت – دار الجماهير – دمشق –ار الفكر- 1979.ص 976 وما بعد.

 

علي محمد اليوسفاغتراب المثقف يختلف ايضا عن الاغتراب التي بشرت به الفلسفة الوجودية الحديثة كما تذهب له المدلولات الفلسفية في الادب والمسرح والرواية والقصة وفي ادب اللامعقول ومسرحه وفي وجودية كولن ولسون المتفائلة (سارتر، كولن ولسون، كامو، كافكا، بيكيت، اوجين اونيسكو،.. الخ) اغتراب العبث في لاجدوى الوجود الانساني ولامعقولية هذا الوجود وعقم الحياة ولامعناها، وعدمية الخلق ولاغائيته، وقلق الانسان السلبي المسكون به منذ يعي ذاته حتى مماته وظلامية التخبط والعشوائية في لا امكانية الاختيار اصلا .. واين الصحيح كي تختار!؟

وكل اغتراب مهما كانت نظرته مختلفة في تفسيرها لمعنى الوجود الانساني هو التزام بشكل ما، وطريقة ما بالانسان كوجود ومصير فقط بفارق ان يكون هذا الالتزام جادا اراديا مستقلا يخدم الانسان في حياته ام لا يخدمه بالمعنى المختلف عليه مع/او ضد من اغتراب فلسفة الوجودية لدى ابرزهم (سارتر) ويليه الاخرون غير الذين مرّ ذكرهم من امثال اللاهوتي ( مارسيل جابريل)(*) واللاهوتي الوجودي (تيليش) فهما يجمعان على (ان لا معنى لأن نعيش ولا معنى لأن نموت) وان الانسان في تعبير سارتر (نزوة لا جدوى منها).

الا ان الاهم من كل ذلك هو ان الاغتراب في الوجودية الحديثة صنو او قرين الانسان في وجوده منذ ان قذف به من غير ارادته واختياره في اتون هذا العالم الصاخب. فالوجودية وادب ومسرح اللامعقول يعتبرون الاغتراب اكثر من حتمية تاريخية إنسانية انها فطرة طبيعية غير موروثة تلازم الانسان في كل مراحل حياته.

وان الاغتراب داخل في صميم الوجود الإنساني وانه داخل في نسيج الانسان ونحن مدانون بالاغتراب ومهما حاول الانسان من خلال الحرية ومن خلال احساسه بالزمن ومن خلال علاقاته الاجتماعية ومن خلال العمل ان ينحاز او ان يشفى من الاغتراب فانه سيموت اغترابيا لان الحياة نفسها اغتراب، والانسان يوجد مغتربا، وان الاغتراب ناشيء منذ البداية.(1)

وبدءا نحاول التنبيه الى الفارق الجوهري الكبير بين حتمية اغتراب الفرد وجوديا الذي تؤكده الفلسفة الوجودية وبين (حتمية الاغتراب الإنساني كنوع) الذي تجمع عليه تقريبا جميع الفلسفات الاجتماعية والنفسية والاقتصادية والسياسية المعاصرة في العالم اليوم.

ومثال هذا الاختلاف نأخذ (حتمية الاغتراب) كما يفهمها (والتركوفمان) وهو من اقطاب فلسفة الاغتراب المعاصرين وكاتب مقدمة كتاب الاغتراب لريتشارد شاخت مؤلف اهم كتاب حول الاغتراب: (ان الاغتراب هو احد السمات الجوهرية للوجود الانساني والنزعة الخلاّقة.. هي احد ردود الافعال ازاءه والالتزام به هو رد فعل آخر.. وكلاهما – يقصد النزعة الخلاقة والالتزام- يترتب عليهما المزيد من الاغتراب وهناك اشكال عديدة للانفصال والاندماج والنزعة الخلاقة يمكنها التزام

اللا مبالاة ازاء المشاكل الاجتماعية بينما العمل في القضايا الاجتماعية يمكن ان يكون غير خلاّق بصورة نسبية وان لم يكن ذلك بالضرورة.)(2)

ويضيف كوفمان: (ان كل من يحاول حماية الشباب من الاغتراب انما يعلن يأسه من الانسان وسوف يكون اكثر التزاما بروح الانبياء بني اسرائيل وكونفوشيوس وسقراط ان نقول بدلا من ذلك ان الحياة بدون اغتراب ليست جديرة بان نحياها.. وان ما يهم هو زيادة طاقة الانسان على معالجة الاغتراب..)(3).

اما الانسان الوجودي وحتمية اغترابه كما تريده وتفهمه ودعت له الفلسفة الوجودية الحديثة هو الانسان الاغترابي السلبي الذي يفهم جوهر اغترابه هو في اعتزاله المجتمع والتمرد والرفض له وبالتالي الانسحاب التبريري الذاتي الطوعي من الحياة..ولو ان سارتر الذي رسّخ الوجود الاغترابي الفردي يدعو للمشاركة بالحياة في اعتباره الوجود حرية مسؤولة تقع على كاهل الانسان ولا مجال التنصل منها.

الانسان الوجودي لديها - أي في الوجودية - يعي اغترابه جيدا على مستوى الذات والموضوع وبفهم ثقافي فكري عميق . وهو ساخط ليس بالضرورة على الاخرين ولكن على الحياة وقدر الانسان ومصيره التعس فيها . الحقيقة في الفلسفة الوجودية هي الذات المنعزلة وليست الفردانية التي هي جزء من مجموع اذ (ليس هناك ما يمكننا ان نسميه انسانا وان الوجود يسبق الجوهر) (4).

من الامور التي لا نريد عبورها . هو ماالفرق بين اغترابية المثقف المبدع واغترابية الفلسفة الوجودية !؟

ان مشكلة الوجودي الاغترابي في الفلسفة الوجودية الحديثة وادب ومسرح اللامعقول جزء منها هي ذاتها مشكلة (روكانتان) بطل رواية الغثيان او أي رواية اخرى لسارتر. او (ميرسو) بطل رواية الغريب لكامي او ابطال القلعة او المحاكمة لكافكا، اوبطل مسرحية في انتظار جودو لصموئيل بيكيت وهم جميعا نماذج سلبية اغترابية. واتبعناهم بنماذج التصوفية السلبية الدينية وغير الدينية كما هي في الوجودية الصوفية الروحانية غير الدينية لدى كولن ولسون.. وكلهم نماذج صارخة عن تمزّقات الاغترابات السلبية وابتعادهم عن الصفة الايجابية للاغتراب. لأنها كما اشرنا في تجربة التصوفي، الوجودي الاغترابي يبدأ رحلته الذاتية المفارقة لجوهر ذاتيته المثلى(الانا العليا) من جهة والمفارق لموضوعه الذي هو البنية الاجتماعية او الكلية الاجتماعية من جهة اخرى أي ان اغترابه مزدوج او مركّب .

والفرق بين اغترابية التصوفي عن اغترابية الوجودي ان كليهما يبدآن نقطة شروع اغترابي واحدة فالمتصوف يحاول ويسعى في رحلته التي لاعودة مثمرة منها في محاولة العثور على الجوهر الكامل المثالي المطلق في التطابق مع الذات، تطابق الذات الاغترابية التصوفية مع الذات المثلى ذات الصفات الحلولية الالهية ولا يهمه– التصوفي- ان كان في نظر الآخرين مغتربا عنهم وجودا ام لا. في حين ان الوجودي الاغترابي يبحث عن ذات اخرى جوهرية مثالية في ما وراء الطبيعة ليطابق ذاته الاغترابية معها قد تكون متحققة موجودة والاكثر احتمالا وترجيحا انها غير موجودة بالنسبة لمدركاته العقلية المحدودة والمحكومة في واقعية الزمن والمكان .. لذا هو ينكفئ ذاتيا باغترابه أصلا عن المجموع الذي هو مجتمعه.

الفرق الثاني ان رحلة الاغترابي التصوفي تبدا بنقطة وكذلك لدى الوجودي تبدا بنقطة شروع واحدة مختلفة التوجه والغايات اذ كلما غاص وتعمّق التصوفي في تجربته فانه في امتداده الاستكشافي الاستبطاني نحو المقدس الالهي المتعالي يشكل حركة ديالكتيك دائرية حلزونية صاعدة تحاول الاقتراب من هدف الوصول للمثالي والمطلق الكامل في الحلول بالذات الإلهية .. اما الوجودي فحركته نحو تؤكيد ذاتيته تبدا بنقطة ولا تنتهي بنقطة أي لا تشكل الا امتدادا مستقيما سائبا فهو لا يسعى الى التطابق مع ذاته بمواصفات مثالية يفتقدها ويسعى لها وهو من جهة اخرى يرى في الاخرين هم الجحيم الذي لا يفهمهم ولا يفهمونه على حد تعبير سارتر.. واللاعودة لدى التصوفي مسافة تقرّبه من الهدف .. اما اللاعودة لدى الوجودي فهي في محاولته الوصول تخوم بعيدة جدا من الضياع المطبق تخوم الحد الفاصل بين الجنون المطبق..او الانتحار الخلاص . والمنتحر يبقى يعي ذاته ويعي موضوعه بينما يضيع الوجودي السلبي الاحساس بالذات ولايعي المحيط من حوله ويدور في مركزية خلاص نفسه فقط.

ويختلف الاغترابي الايجابي الذي اطلقنا عليه الاغترابي المثقف المبدع في عودة انفصال تأمله الادراكي الذاتي لاسباب اغترابه بعد انسحاب مؤقت من مسافة رصد معينة من منطلق استثارة واستفزاز المحيط له . وفي تأمله الذاتي يكون الخارج دوما ماثلا في تفكيره

- أي الموضوع - وعودته الى المجتمع ثانية ليس بصيغة التجانس والتسليم او التكيف وانما بصيغة الاتيان بافكار جديدة تتجاوز اغترابه عن المحيط .

عن هذه الحقيقة، حقيقة ظاهرة الاغتراب في بعديها التاريخي - الحضاري يوضح نفس الفكرة الفيلسوف المؤرخ توينبي دونما استعماله لمصطلح الاغتراب بمعناه الوجودي- الفلسفي بل يستعمل عوضا عن ذلك ما يطلق عليه قانون التحدي والاستجابة او صيغة الانسحاب والعودة أي تحدي المجتمع واستفزازه للفرد يعقبها استجابة من الفرد في الانسحاب عن المجتمع ومن ثم العودة اليه بمعالجات ويشرح توينبي فكرته قائلا : (ان الاقليات المبدعة أي النخبة وقد لا تعني مجموعة الكثرة من الناس وانما قد يجوز ان يكون الفرد الواحد هم الذين يصنعون الحضارة الناجحة هذه الاقلية المبدعة تتألف من مجموعة من الافراد القلائل الذين يستطيعون ان يجابهوا التحدي الذي يواجه المجتمع بعملية يطلق عليها الانسحاب والعودة فهؤلاء القلة ينسحبون من المجتمع ويغرقون في الوحدة (*) ليصارعوا المشاكل وحدهم وتزداد في هذه الوحدة طاقتهم ومدركاتهم بعد ذلك يكونون مزودين بالقوة على تحريض بقية افراد المجتمع للتغلب على التحدي)(5)، وعلى وفق هذه العملية تتم جدلية الاغتراب وايجابيته في الاحتدام مع جدلية

الحياة .من نافلة القول ان بن سينا والفارابي وابن طفيل هم أصحاب هذه الرؤية الاغترابية.

*****

تعبيرات السلبية الاغترابية لدى الوجودية تتلخص

- برأينا - بألفاظ لا تستوعبها معان ومعان لا تستوعبها ألفاظ . ففيها الوجود علّة بلا معلول وموضوع بلا جوهر وحقيقة بلا معنى ووجود لذاته مفعم بالحرية المسؤولة المقعدة بقصور الارادة وواقع مجرد من ايجابية وفاعلية الادراك والوعي الجمعي للحياة والهدف.. وفي عبارة محسّنة للتخفيف عن المغالاة الوجودية - السارترية : (لا يمكن ان يكون هنالك حياة بلا معنى الهدفية) وكما عبر (تورانس) من أن ابداعية الانسان هي اكثر المصادر النفسية القيّمة في صراعه مع مشّقات الحياة اليومية واحباطاتها .

الفهم السكوني الاستاتيكي الذي ارادت الفلسفة الوجودية تكريسه في العمق الانساني للوجود كما هو مهيأ الانسان له رغم ماطفت على سطحه من فقاعات المغالاة بالحرية وتيارات الزبد المتلاطمة بان الانسان لذاته والاخرين في مركزية الوجود والعالم .. هذا الفهم لخصّه صموئيل

بيكيت : (لا شيئ يمكن عمله لاشئ يستحق العمل) انه تكريس سلبية اغترابية الانسان في وجوده المقذوف به بلا ارادة في اتون الحياة المغتربة عنه المغترب عنها . في حين الاغتراب الايجابي السوي يمثل جوهر الاشياء وعلة الوجود ومهماز الفعل وملهم الابداع وهو (الضرورة) التي تحكم جدل الاغتراب بالحياة في حركتها وملازمته لها متى ماكان استثارة مسؤولة في فهم الحياة وتحمل مسؤوليتها الوجودية.

يقول (نيل ويتنبرج) (الاغتراب متعدد الابعاد ليس بمعنى تعدد مظاهره وتجليّات الظاهرة الواحدة،وانما بتعدد مصادره الدفينة المستوحاة) يغترف من دينامية الواقع وحركة التاريخ وسيرورتهما ومن العلم في تحققاته وانجازاته ومن الحضارة في امتدادها الانساني غير المحدود.. لذا فاغتراب المثقف المبدع يمثل جدل الفكر بالواقع، والفعل بالطبيعة، انه يمثل ضرورة الوجود الانساني الفاعل في الطبيعة والكون والوجود وحيويته في امتلاك المصير والحرية والارادة . اغتراب الفلسفة الوجودية للفرد ارتداد سلبي الى داخل الانسان في عبوديته الطوعية واستلابه الانساني الميئوس منه. امام غول الحياة والوجود بدلا من انفتاحها على الخارج في تحقيق حريته وارادته.. وتؤكد الفلسفة الوجودية مبدأ الحرية بتقديس مبالغ فيه لأرضاء نوازع الذاتية-الفردية في اطمئنان الانسان الوجودي الى حذر زائف في تمتعه بالحرية وارادة الاختيار على وفق فهمه الخاص للوجود متحررا من المسؤولية المتحررة التي يعرف حقيقتها سارتر انها مفردة لا يستطيع الالتزام بها وتنفيذها الاغترابي الوجودي دونما الوصول لمحصلة اجتماعية وان كانت صرختها: حقّق حريتك بحرية الآخرين صدى مقولة (هولباخ) (ان حرية الانسان لا تتحقق فعلا الا في حرية الاخرين). وفعلا كانت صرخة استنجاد جمعي للانعتاق والافلات من فوضى وعشوائية الحياة المنمّطة على الطريقة السارترية وادب اللامعقول والسريالية في الفن. حاول جورج لوكاتش الجمع بين تقديس فردانية الفرد في حريته المطلقة لدى الوجودية ومزاوجتها بتقديس وحدة المجموع في اجتماعيته الاقتصادية النفسية في الالتقاء على ارضية - الاغتراب - في الجمع المشترك بين الماركسية والوجودية لدى سارتر وفشل كما حاولها سارتر وحصد نفس الفشل لسبب واضح ان مرتكز الوجودية الانسان الفرد ومرتكز الماركسية المجتمع وصراع الطبقات على حساب الفرد مما يتعذر تحقيقه في الموازنة بالالتزام.

الخلاص الذاتي الذي تمجدّه الوجودية تؤدي بكل انسان الى ان يرى الآخرين لا يحققون حريتهم المسؤولة وانما يقيدونها حبيسة فرديتهم النرجسية على حد فهم الماركسية في حين ذهب سارتر في كتابه نقد العقل الجدلي الى ان تموضع الذات ظاهرة ايجابية اساسا ومن خلالها وحدها يمكن ان تتطور حياة المرء وشخصيته وفرديته(6) وهو تبرير غير مقنع ولا جدير بالاهتمام.

يقول شاخت : لا يمكننا اعتبار الاغتراب نمطا من انماط التحلل من الاعراف الاجتماعية(7) وهنا يتوجب علينا فهم العبارة باكثر من بعدها الاخلاقي في وجوب المشاركة الفاعلة بالحياة التي حاولت الماركسية تقعيدها على مقعد العجز واجترار المصير الميؤوس منه في الحياة.

ولنتأمل كم جاهدت الفلسفة الوجودية لقلب هذه المعادلة الرصينة وفشلت ايضا. لان التركيبة الاجتماعية لعصر ماهي مجموعة تفاعل نظم وافكار وقوانين وايديولوجيات وثقافات وعلاقات اقتصادية وغيرها ومن حصيلة تفاعل كل هذه العوامل وغيرها تبرز تركيبة اجتماعية معينة بملامح وصفات زمانية وتاريخ ذلك العصر..عليه فان زوال او تحلل واضمحلال أي عرف اجتماعي لا يشترط ان يكون اخلاقيا فقط. يستغرق حتما امدا زمنيا يطول او يقصر بفعل اطرادي مع نضوج عوامل انحلاله الذاتية والموضوعية في الاضمحلال والتلاشي في ظاهريات اخرى لاتشبه الاصل الذي انحلّت عنه . لذا يكون التحلل من العرف الاجتماعي السائد - اؤكد غير الاخلاقي- لا يتحقق بنزوة فرد او رغبة مجموعة من الافراد الا اذا توافقت تلك الرغبة مع نضوج عاملي الذاتية والموضوعية باضمحلال ذلك العرف الاجتماعي السائد الذي يمثل مصالح شريحة اجتماعية اصبحت مجاوزتها حتمية وضرورة.

 

علي محمد اليوسف الموصل

 ..................................

(*) ربما يتبادر الى ذهن القارئ أليس هؤلاء الفلاسفة والمفكرين والادباء والفنانين هم مبدعون وينطبق عليهم اغترابهم الابداعي الاصيل:؟ والجواب بكل تاكيد نعم .. والفرق في الالتباس انني هنا اناقش (اغتراب فلسفة) اغتراب فكر فلسفي ولا اناقش اغتراب فيلسوف بذاته وسأتطرق لهذا الالتباس . ومر بنا قبل هذا المجال اقتباس ثبته الدكتور محمد شفيق شيا قوله: (ما يمكن ملاحظته في الغثيان كما في غيرها او ما قد يقال هو ان شخصيات سارتر هي نتاج خيالي لا واقعي، هي افكار مشخصة اكثر مما هي وقائع فعلية فغدت ابطاله صفات منمذجة مجردة بلا روابط واقعية) . انظر كتاب د. محمد شفيق شيا في الادب الفلسفي، ص 249.

(1) عالم الفكر، مج1-، ع1، 1979، ندوة حول الاغتراب، مصدر سابق، د. حسن حنفي، ص136.

(2) مقدمة كتاب شاخت (الاغتراب)، مصدر سابق، والتركوفمان، ص 55.

(3) نفس المصدر السابق نفس الصفحة ايضا.

(4) سقوط الحضارة، كولن ولسون، ص 289.

(*) حتما مايعنيه بالوحدة هو الاغتراب والعزلة المجتمعية .

(5) نقلا عن كتاب سقوط الحضارة مصدر سابق ص105

(6) شاخت ص 245

(7) شاخت ص 245

 

علي محمد اليوسفاسبينوزا ومذهب وحدة الوجود: يذهب والتر ستيبس وهو فيلسوف يعنى بالتصوف في كتابه الذي نناقش بعض أفكاره (التصوف والفلسفة) تقديم وترجمة امام عبد الفتاح امام الى ان: المشكلة الأساسية في وحدة الوجود الصوفي تتصل بالعلاقة بين الله والعالم من حيث الهوية والاختلاف، هل الله والعالم متحدان في هويه واحدة؟ ام انهما متمايزان تماما؟ (1) كما يذهب له الادراك والتفكيرالذهني العقلي واللاهوت الديني في مختلف الديانات السماوية وعديد من الديانات الأخرى من الذين لا يؤمنون بوحدة الوجود ويعتبرون ان الله والعالم متمايزان ومختلفان بالكينونة و بالهوية والكيف والصفات ولا علاقة اتحاد بينهما تحصل في أي شكل من أشكال الترابط او الحلول الصوفي بينهما.*

ولا بد من المرور برأي اسبينوزا صاحب مذهب وحدة الوجود الكلاسيكي الذي قال به فلسفيا ان الله شأنه شان جميع الظواهر الطبيعية والموجودات يتكون من جوهر وصفات موزعة على جميع الكائنات الحية والطبيعة والانسان والكوني، لذا نجده يتحدث عن الله والطبيعة او العالم والكون انهم جميعا مترادفات لمدلول ومعنى واحد، ولا يمكن الفصل بينها من حيث انها جميعا تعني دلالة واحدة، هي ان الله موجود في كل شيء، ولا تفريق هوّياتي مختلف متمايز ذاتيا من أي نوع بينهم. (كما لا يسلّم اسبينوزا باي وجود خالص خارج الطبيعة). ( 2).اي لا وجود لله خارج صفاته التي يمكن ادراكها او التي يتعذر علينا ادراكها ومعرفتنا بها بل نستمدها من الطبيعة.

بمعنى اكثر وضوحا ان الله وجوده ملحوظ في توزع صفاته على الطبيعة والانسان والكوني وما عدا ذلك فلا وجود الهي خارج هذه العوالم يمكننا ادراكه خارج صفاته بها وخلقه لها التي نحيا بها ومعها، ومن الملاحظ ان فيورباخ ذهب نفس المذهب في تأصيله نشأة الدين في علاقة الانسان بالطبيعة ولا وجود من أي نوع من المقدس عابر لهذه الحقيقة قائلا (ان عبادة الله تعتمد فقط على عبادة الانسان لنفسه).

من الواضح ان اسبينوزا في فهمه وحدة الوجود يتأرجح بين الالحاد غير المعلن صراحة، وبين الايمان الذي تعجزه البرهنة عليه، فهو يطرح مسألة وحدة الوجود بتلاعب لفظي فلسفي نجده نحن انه يفترض ان الطبيعة تلتقي ب (الله) بالصفات لا بالجوهر، وانهما الله والطبيعة كلاهما وجود بجوهروصفات اختلافية، وهذا الجوهر أساسا ليس مفتقدا بالنسبة لظواهر الطبيعة، كظواهر وماهيات لا حصر لها،  لكنه مفتقد بالنسبة ل (الله)، فالله بلا ماهية ولا جوهريمكن معرفتها، وله صفات لاهوتية تجريدية فقط، كالرحمة، والقوة، والخير، والمحبة، والعذاب، والعفو وهكذا، وهي غير صفاته المدركة حسّيا بالطبيعة وقوانينها المستمدة من الطبيعة في كل ماهو خير يتطلع الانسان الاقتداء به، صفات لاهوتية يقرّها الايمان و لا يقرّ بها العقل والعلم اصلها الطبيعة.

ومحاولة اسبينوزا الربط بين الله والطبيعة والوجود الكوني بالجوهروصفاته، يؤكد لدينا نحن فقط ان صفات الله الالهية بلا ماهية ولا جوهر، فهوأي (الله) ليس ذاتا ولا موضوعا يمكن وعي وادراك ماهيته وصفاته غير المذكورة في اللاهوت الديني المستمدة جميعها من الطبيعة والصفات الخيرّة كما يتمناها الانسان، بل هو ممكن ان تكون بعض صفاته ادراكية في الطبيعة والكوني فقط لا غير، ومعدومة في كل مجالات التعرف او التعريف بها خارج الطبيعة الحسية والادراك العقلي، ولكل شخص تفسيره لهذه الصفات وايمانه بها، بخلاف ان الطبيعة ظواهرها في اغلبها هي جواهر وظواهرمعا تحكمها قوانين الطبيعة المدركة منها وغير المدركة إنسانيا في فضائي الزمان والمكان المحكوم بهما الانسان، بخلاف ان الله بلا ماهية ولا جوهر يمكن للإنسان ادراكها.فالله مدرك غيبيا بصفاته وليس مدركا بماهيته العصّية على المعرفة والادراك الحسي والذهني.

الصفات الطبيعية في صوفية الاوبنشاد

وحدة الوجود التي تعتمدها الاوبنشاد التي يطلبها الصوفية عند الهنوسية والبوذية في اقتفائهم تعاليم المعبود براهمان او بوذا، هي من منطلق اسباغ قدسية الصفات الطبيعية على المعبود عندهم، ولا وجود لحياة أخرى فيها حساب وثواب بخلاف اديان الوحي التوحيدية، ويبدو ان هذا التعبير قريب من فهمنا لمقولة اسبينوزا بانه لا وجود لخالق فوق مدركات صفاته الأرضية والكونية له التي ندركها، ولنقرأ هذه الابيات الشعرية للاوبنشاد:

انت النار والشمس والهواء/ وانت القمر/وانت الفلك المرصّع بالنجوم/ انت براهمان الأعلى /انت المياه/ (انت خالق كل شيء)/ انت الشاب والصبية والشيخ الذي يتوكأ على عصاه/ فثم وجهك في كل مكان/ انت الفراشة السوداء/ انت الببغاء ذو العينين الحمراوتين/ انت السحاب وانت الفصول وانت البحار/(انت البداية وانت فوق الزمان والمكان) . (3)

من الواضح جدا ان وصف الاوبنشاد الصوفي هو وصف حسي ادراكي عقلي لظواهر الطبيعة والكون لمعبودهم وهو توصيف لاهوتي مشترك في غالبية الأديان التوحيدية وبعض غير التوحيدية من الأديان الوثنية، ولا يوجد بهذه الصفات خرق لقوانين الطبيعة على شكل معجزات ايمانية مجردة الا في عبارة(انت البداية وانت فوق الزمان والمكان) التي هي كسروخرق لقوانين الطبيعة التي تحكم قدرات البشرالادراكية حسيا وعقليا في اللانهائي زمانا ومكانا، وبهذا الفارق نكون نحن بشر، ويكون الله الها يعبد.

هذا الإحساس الصوفي والتعلّق بالصفات الطبيعية المنسوبة للخالق على انها صفات خارقة لقوانين الطبيعة هي في حقيقتها ليست كذلك في القداسة المسبغة عليها، ولا تنسجم مع القول: (براهما انت خالق كل شيء)، وفي هذا لا نجد ميزة قدسية تنفرد بها صوفية براهما عن باقي الأديان التوحيدية التي لا تجمع بين ان تكون الطبيعة بصفاتها هي الخالق، في نفس ان تكون مخلوقة أيضا، كما تدعي الاوبنشاد انها مخلوقة من خالق أسبق عليها بمعنى (ان الكون خالق للكون)(4) ذاتيا ولنفسه فقط، والطبيعة مخلوقة بصفاتها من قبل خالق هو في حقيقته عدم وخواء وامتلاء في وقت واحد، صاحب الصفات في الطبيعة، والخالق غير المدرك للبشر لا في ماهيته ولا في صوره وتجليّاته وهو ما ينطبق على الفهم الديني واللاهوتي في مختلف الأديان التوحيدية في عجزها العقلي اثبات وجود الخالق او في اثبات عدم وجوده أيضا ولا في امكانية الاستدلال على صفاته غير الأرضية او الكونية التي يدعي الصوفية الاتحاد بها في العرفان والاشراق في مدارج الحال الصوفية.

شيء عن صوفية zen البوذية

نبدأ بالتساؤل الازلي والاشكالية المتقادمة زمنيا في مختلف العصور ومختلف الأديان هي كيف يمكن لما لا يمكن ان يقال عنه انه موجود او موضوعي، ان يكون علّة أولى لكل ما هو موجود، وموجود وخالق من عدم او لاشيء ؟ (5)

من العبث اللامجدي ان نتدخل في حل إشكالية وفك رموز شفرة ليست عصيّة على الصوفية وحسب، وانما عصية في محاولة سحبها على إشكالية اشبعت اجتهادا دونما نتيجة هي كيف يكون الخالق علة بلا معلول، صانع وخالق كل شيء، وجوده من غير عدم سابق عليه لا قبله ولا بعده؟ وهكذا ندخل في دوامة من التجاذبات التي لا نهاية لها، في ادراك المسار الازلي لخلق العالم من عدم. من الخطأ الاعتقاد ان يكون ما ذكرناه حجة كافية لاصحاب الاشراق الصوفي والاتحادي على انها إمكانية حقيقية ومتاح لهم تحقيقها، وانها وان كانت لا تمتلك الاقناع العقلي بها لكنها كافية لديهم للتعايش مع إشكالية الأصل في عدم إمكانية تفسير الخالق بانه علة بلا معلول، وأنه وجود ازلي واجب بالضرورة والحاجة البشرية له. فلماذا لا تكون التجربة الصوفية بزعمهم في مثل هذه الإشكالية العصّية على التفسير بمنطق او منهج فلسفي او لاهوت ديني تلتقي باشكالية الميتافيزيقا واختلافات التفسير اللاهوتي المنوعة.؟ التي لا تمتلك لحد الان حلولا مقبولة.بمعنى ان القضايا الميتافيزيقية والدينية التي ليس لها حل، هي نفسها الايمان الغيبي في قضايا الصوفية كيقينيات لا تمتلك برهان صحتها ولا نفيها، ولكن يوجد من يؤمن بها ويدعو لها.

ان ما يجعل الشك وعدم الترجيح والتسليم في ان تكون التجربة الصوفية حقيقة وليست ذهانات خيالية تغذيها الجوانب النفسية اللاشعورية الوجدانية التي يخلعها المتصوف على الخالق المتصور، ويرتد فيها وعليها في وعيه وفي تأكيد ذاتيته الاضطرابية مستعينا بنفس المعيار الاشكالي غير المحسوم في غالبية الإشكاليات اللاهوتية والفلسفية في معالجتها قضايا الميتافيزيقا التي يدخل ضمنها الدين و الصوفية من دون حل مرضي ونتيجة مقبولة.

ترى البوذية التصوفية zen ردا على إشكالية عدم وجود المتعين وجودا بنفس معيارية عجزالعقل البشري في ادراك أي نوع من أنواع الصفات الإلهية او إمكانية الاتحاد بها في تجربة المتصوف في غير مجال الطبيعة والانسان والكوني، وهي وجهة نظر لا تبتعد كثيرا عن الدوران حول مركزية الإشكالية اللاهوتية في غالبية الأديان التي تجمع على ان وجود الله هو في تجلياته الطبيعية وصفاته المدركة عقليا وعاطفيا التي يتساوى في ادراكها المتصوف وغير المتصوف، وعليه لا تطرح البوذية معالجات جديدة يمكن الاعتداد والتسليم بمقبوليتها فتقول (طالما ان النرفانا هي الحقيقة النهائية التي هي بغير تمايز ولا اختلاف او ثنائيات، وانه لا توجد تفرقة في الحقيقة النهائية بين النرفانا واللانرفانا، بين الحقيقة واللاحقيقة وبين التعاليم واللاتعاليم، لذا يعلن بوذا ان الوجود واللاوجود ينبغي رفضهما معا، لا على انه وجود ولا على انه لا وجود او عدم). ص 253 من المصدر .

بضوء ما ذكرناه آنفا انه لمن المهم ان نعيد للذهن عدم إمكانية المتصوف تجاوز ذاتيته الصوفية التعبدية التي تعني التشتت واللانظام والكثرة بصفات لا (انسية) او لا بشرية تصوفية امام الواحدية الكلية الإلهية التي هي غير ذاتية ولا موضوعية، كي يستطيع الصوفي تنظيم وبرمجة مدركاته الحسية والتخييلية في امكانية الاتحاد الصوفي بها، فالواحدية الالهية هي اللامتعين اللانهائي غير المحدود زمانا ومكانا، ولا المختلف في واحديته ولا هوية تمييزية له يمكن ادراكها باي وسيلة تصورية ادراكية بشرية، فهو الخالق بذاته وليس من اجل ذاته بعلاقته بالاخر فهو ليس بحاجة الى غيره وبعيد عن امكانية التشيؤ بأي معنى او مظهر ولا التخييلي امام من يرغب ذلك من مريدي الاتحاد الصوفي به.

كل هذه العلاقة غير السوية وغير المتكافئة بادنى شروط المعيارية المقارنة بين الله والانسان، انما تجعل المتصوف يسلك طريقا خاطئا، ولا يعود بحصيلة لتجربته يمكن الوثوق بها والتيقن منها، ليس كتجربة خارج ادراك الشخص غير المتصوف، ولا كتجربة ذاتية تمتلك اقل الإمكانات الادراكية او المقومات غير المنظورة في إمكانية كسر قوانين الطبيعة الشغالة في حيزي الزمان والمكان ان جاز التعبيروتحقيق الاتحاد بالله صوفيا.حتى عندما يعجز الصوفي التعبير عن تجربته الصوفية لغويا، فهم يعزون ذلك العجز الى ادعائهم ان اللغة كيان محدود بمدركات الطبيعة ومفهوم الزمان والمكان الأرضي فقط، ولا يمكنهم توظيف اللغة المحدودة الصوفية للتعبير والاحاطة بكيان لا متناهي ولا محدود ولا متعيّن بصفات يتسنى للبشر ادراكها او معرفة ماهيتها.

 

وحدة الوجود في المسيحية

يطرح والتر ستيبس إشكالية وحدة الوجود في الأديان السماوية بالتساؤل التالي:(ما الذي يحدث في لحظة الاتحاد الصوفي مع الله؟ هل تصبح روح الصوفي ببساطة متحدة بالله؟ ام تبقى وجودا متمايزا ومختلفا عن الله تماما؟ ام ينتج عنهما هوية ثالثة في الاختلاف الاتحادي) (6) .

من المبكر التأكيد بالقطع ان المسيحية تفهم الاتحاد بالله انه لا يعني بالمطلق وحدة الوجود الذي تدينه كما في ادانة الإسلام له عند الصوفية ولا تقرّبه.فالقديسة تيريزا تصف الاتحاد بالله بقولها (واضح جدا ما الذي يعنيه الاتحاد، شيئان متمايزان يصبحان شيئا واحدا (7). تفسير الاتحاد هنا يعني ان الشيئين كلاهما يحتفظان بكيفياتهما المتمايزة غير المشتركة بعد الاتحاد، ويفقدانها وقت الاتحاد، فمثلا التقاء نهر مع نهر اخر يكونان نهرا ثالثا في كيفية واحدة جديدة، (مثال واقعي التقاء نهري دجلة والفرات وتكوينهما شط العرب) لكنهما في حقيقتهما يلغيان خصوصيتهما كلا لوحده في الكيفية الجديدة التي اوجداها في دمج كيفياتهما المتجانسة المشتركة (بالماء) وذوبانها في المجرى النهري الثالث بلا رجعة، ويكتفيان بتمايزهما كنهرين غير متصّلين قبل التقائهما واتحادهما معا في نهر شط العرب، ربما هذا المثل يفيدنا في الاتحاد الطبيعي المادي بين شيئين ماديين بكيفيات معلومة محسوسة ومشتركة عقلانيا لدينا، لكن هذا النوع من الاتحاد في الطبيعة غير صحيح في التعميم في وصف تجربة الاتحاد الصوفي بالله، من حيث اذا ما حقق المتصوف (كيفية) متمايزة عن كيفية البشر في الاتحاد الصوفي المؤقت بالله، فالنتيجة رجوع كل من الله والصوفي الى كيفياتهما الاصيلة قبل تحقيق اتحادهما وعودة المتصوف الطبيعي الخارج من تجربة الاتحاد الصوفي كأنسان مثلنا قبل الاتحاد. لكن يتعذر على أي من النهرين العودة الى كيفياتهما قبل اتحادهما وتكوينهما حالة كيفية جديدة ناشئة من اتحادهما. لانهما يمتلكان كيفيتين ماديتين من نوع واحد هو (الماء). فالكيفيات المختلفة في حالة الاتحاد الصوفي تبقى متمايزة بالصفات فالاله هو الخالق والصوفي يبقى هو بشر لا غيراذا صح تواصله مع الخالق ام لا.

ولنطالع على هذه العبارات لفيلسوف كبير في قضايا الصوفية تذهب لتاكيد ما ذهبنا له في العبارات السابقة، يقول روز بروك: (كما ان النار لا تصبح حديدا، ولا يصبح الحديد نارا، فان المخلوق المتحد بالله لايكون الها، كما لا يصبح الله مخلوقا).(8). وهذا مناقض تماما لقول القديس يوحنا :(ان الاتحاد بالله اتحاد مشابهة يحدث عندما تتطابق ارادتان، إرادة الله وإرادة الروح معا، تلك الروح التي وصلت مرحلة التطابق الكامل والمماثلة فتتحد اتحادا تاما مع الله وتتحول الى الله على نحو يفوق الطبيعة ). (9) هنا واضح جدا ان الانسان يكتسب صفة فوق بشرية بالاتحاد مع الله ليرجع يفقدها بعد زمن انتهاء تجربة الاتحاد الصوفي.

عند امعان النظر جيدا في عبارات يوحنا الرسول نفهم انه لا يتحدث عن الاتحاد الصوفي بالله في المسيحية، ولا يتحدث أيضا عن وحدة الوجود، بل يتحدث عن اتحاد اعجازي مستمد من تجربة المسيح في الصلب والقيامة، وفي خرقه نواميس الطبيعة في اعجاز لا يستطيعه البشر المتصوفة ولا الناس العاديين، عليه لا يترتب على مثل هذا النوع من الاتحاد مبدأ التعميم الصوفي في مفهومة الاتحاد بالخالق. وهذا لا يمنح تفويضا لاهوتيا ان بمقدور كل صوفي تجربة ما مر به المسيح .فالمسيح يمتلك اعجازا ممنوحا له من قبل الخالق في تمكينه اجتراح المعجزات التي لايستطيعها أحد من البشر في قيامه بخوارق الأفعال، وهو ما يعجز عنه الصوفي او أي كائن عادي.

(بعبارة أخرى فان الله والروح من حيث الوجود هي موجودات متمايزة، واتحادهما هو اتحاد تشابه كيفي أي نوعي لارادتين متفقتين، ويمكن تسمية هذا النوع من الاتحاد بالاتحاد الكيفي كتمييز له عن الاتحاد في الوجود – وحدة الوجود – او في الجوهر او في الهوية). (10) لاحظ العبارة تقول ارادتين متفقتين ولم يقل صفتين متشابهتين لكيانين يمتلكان كيفيتين متمايزتين جدا ومختلفتين هوياتيا، ولا مجال في تكافؤهما.(خالق الهي ومخلوق بشري).

تفهم المسيحية (ان العلاقة بين الله وجزء من العالم – المقصود بهذا الجزء الانسان – التي هي الذات الفردية في وصولها حالة الاتحاد الصوفي بالله انما تعني الهوية مع الله حتى لو كانت خلال فترة الاتحاد على الأقل).(11)

أيضا في الاقتباس أعلاه نلاحظ مدى التحفظ اللاهوتي المسيحي حول إمكانية وحقيقة الاتحاد بالله وفي امكانية اكتساب الصوفي كيفية خارقة لعالم البشر، وتستمد هذا الاكتساب – حتى لو كان اكتسابا مؤقتا خلال لحظة الاتحاد كما مر بنا – في الاتحاد المتكرر بالله تصوفيا.هذا الفهم الهوياتي الصوفي للاتحاد بالله قد يعطي تصورا زائفا لدى الصوفي انه بمستطاعه ان يكون ذاتا فردية وهوية صفاتية مكتسبة مغايرة لحقيقتها الاصلية البشرية الطبيعية، في اكتسابه هوية جزئية بصفات الوهية في اتحاده بالله.وهذا غير صحيح فلا يمكن لكيفيات متباينة مختلفة في الهوية والتكوين ان تتحد ويكتسب احدها من الاخر الذي هو الإلهي صفات تجعل منه فوق الانسان البشري حتى ولو لبعض الوقت، التي هي التجربة الصوفية وزمنها، وهذا النوع من وحدة الوجود يطلق عليه الكتاب المسيحيين اسم (الهرطقة).

 

علي محمد اليوسف/ الموصل

..........................

الهوامش

* نحن هنا نصف الخالق بان له كينونة وهوية وماهية وصفات، قولا مجازيا فقط فلا احد بمستطاعه الجزم ان هذه من معالم الادراك البشري لها لا ايمانيا ولا عقليا. (كاتب المقالة).

1- والتر ستيبس /التصوف والفلسفة/ ترجمة امام عبد الفتاح امام / ص262

2- نفس المصدر السابق ص 267

3- نفس المصدر السابق ص 269

4- نفس المصدر السابق ص 256

5- نفس المصدر السابق ص 270

6- نفس المصدر السابق ص 281

7- نفس المصدر السابق ص 282

8- نفس المصدر السابق ص 283

9- نفس المصدر السابق ص 285

10- نفس المصدر السابق ص 287

11- نفس المصدر السابق ص 257

 

 

علي محمد اليوسفتعريف اولي: يعتبر كتاب الدكتور الشهيد عامر جميل الراشدي استاذ الفلسفة في جامعة الموصل، بعنوان (النص الصوفي/ دراسة تفكيكية/ ابو يزيد البسطامي نموذجا) من افضل الكتب في فرادة تناول موضوعه الفلسفي وصعوبته، دراسة اكاديمية منهجية عالية الجودة والتمكن والاتقان من ادوات معالجة موضوع فلسفي شائك يعالج موضوعة النص الصوفي في اشكاليته (اللغوية) المتعالقة مع التصوف والتفكيك معا، وعن هذه المهمة الصعبة يقول المؤلف (ان هذه الدراسة حاولت ان تكون رائدة في مجال تخصصها ولاسيما وهي تتناول نصوص ابو يزيد البسطامي من جهة والتفكيك من جهة ثانية، لما يعنيه هذا من قلة الدراسات وندرتها التي تناولت هذين الموضوعين مع غياب اي شاخص علمي يمكن الاستهداء به) ص12.وفعلا اجدها كذلك عن جدارة واستحقاق، اذا ما علمنا اشارة الباحث المؤلف الى صعوبة ربط التصوف بالتفكيك بقوله(وهذا ما يجعل الدراسات التطبيقية للتفكيك تكاد تكون معدومة). ص2، هذا على صعيد تفكيك النص الادبي والسردي، فكيف تكون الصعوبة في تفكيك النص الصوفي الذي هو نص لاديني ولا ادبي؟ إشكالية لغوية فلسفية متعالقة ليست سهلة.

النص الصوفي الملغّز المكتوب بعامة وليس في خصوصية شطحات نصوص البسطامي الذي يجده المؤلف متفردا عن غيره من المتصوفة، انه نص متسام متعال فوق الادراك العقلي من جهة، وفي تحرره من عرى الانشداد للطبيعة والوجود الانطولوجي والجمعي من جهة اخرى.كما يرى المؤلف ان البسطامي كان في طريقته العرفانية نموذجا متفردا وقدوة للذين جاؤا من بعده وسلكوا طرق الحال التصوفي الاشراقي وافادوا منه واخذوا عنه، من امثال الحلاج ورابعة العدوية وابن الفارض والسهروردي وجلال الدين الرومي وغيرهم.

والنص الصوفي يحمل اشكاليته اللغوية المنطوقة او المكتوبة ليس من اجل توظيف اللغة وسيلة تواصل تداولية تروم تعميم المعنى الاستقبالي لحالة المتصوف، وانما من اجل تعطيل متعّمد ومقصود في اعدام مثل هذا التوظيف الذي درجت عليه اللغة المنطوقة والمكتوبة في تداولية تعميمم النص قرائيا سيسيولوجيا كما في ضروب الادب والسرديات في توصيل المعنى او المراد.

فالمتصوف يروم بلغته المتعالية روحيا واشراقيا توكيد نفي ما يريد الاخرون استحضاره انطولوجيا حسيا وعقليا لغويا ايضا. (فالنص الصوفي يشكل ظاهرة في مجمل النشاط البشري اذ تعد مدونته خروجا على انتماء النص الديني والنص الادبي، فالكتابة الصوفية امكان واحتمال غير قار، وشعرية هذه الكتابة تفصح عن توتر دائم بين امكانية اللغة والعالم المتجلي الصوفي) ص5 من الكتاب.

وبهذا الفهم الاشكالي تكون اللغة التصوفية لغة اغترابية في منحيين فهي مغتربة في عجزها توصيل المعنى الاستقبالي العمومي التداولي المعهود بوظيقة اللغة اولا، ومغتربة ذاتيا في تساميها الروحاني الذي تجد اللغة نفسها فيه من خلال تجربة المتصوف قاصرة في بلوغ مراحل متقدمة في رحلة عبورها مدرجات الحال العرفاني نحو الاقتراب من المطلق الروحي في توازي التجربة الصوفية مع النص اللغوي المنطوق او المكتوب المنفرز عنها والملازم لها ثانيا.

التفكيك اللغوي

نجد من المعاد ان نشير الى ان التفكيكية التي جاء بها دريدا ليست فلسفة قائمة بملامح ثابتة بذاتها، ولا هي منهج في التفكيك والتاويل والاستدلال في البحث الدائب عن (فائض المعنى) الذي تتركه القراءات المتتالية المتعددة للنص. فهي خارج هذه الانماط الاصطلاحية لتكون كما يشير المؤلف على لسان دريدا ان (التفكيكية استراتيجية) طويلة الامد، او بتعبيرنا هي آلية تفكيك نظرية تسعى تقويض ذاتيتها باستمرار في تعالقها بالنص المكتوب تفكيكيا.كون الاستراتيج في المصطلح المتداول محكوم بغائيات بعيدة تجعل منه مركزية محورية ثابتة يرفضها قطعا التفكيك في اعتبارها محور ارتكاز افتراضي وهمي يتوجب ان يطاله التفكيك ايضا.

فالتفكيكية لا تقر بأية ثوابت او مرجعيات او مرتكزات مثل العقل، الذات، الوجود، الموضوع، السرديات الكبرى وتعتبرها جميعها من صنع مخلفات الميتافيزيقا المتوارثة القارة عبر العصور، لذا يكون التفكيك انحلالات متعاقبة للنص، تثري نفسها ضمن صيرورة من التاويلات والتحولات غير المنتهية في سعيها تحقيق (فائض المعنى) الذي تتركه لغة النص دائما بعد كل قراءة جديدة، الفائض الناتج من اختلاف وتعدد القراءات التداولية للنص التي تتوسم بالقادم القرائي افضلية مجاوزته للماثل قيد التفكيك والمجاوزة والنفي المطلوب تفكيكيا.

كما ذكرنا ان التفكيك لا يقوم على محورية تمثّل مركزا استقطابيا حتى لو كان هذا المركز هو الانسان ذاته فهي لا تؤمن باشياء او موجودات خارج سلطة النص كتفكيك (لغوي)، وفي هذه النقطة ربما يبدو التقاء البنيوية مع التفكيكية واردا لاول وهلة لكنه في الحقيقة غير ذلك، اذ ان البنيوية نادت ان (لا شيء خارج النص)، وقد تجاوزت التفكيكية هذا الادعاء البنيوي في مفارقة اختلافية ان لا شيء ذو اهمية خارج سلطة (اللغة) بعامة في تفسير كل شيء، وفي اعتبار التفكيك يطال كل شيء ولا شيء معا.

واذا كان رولان بارت قد بشّر بموت المؤلف فان جاك دريدا بشّر بموت النص، من خلال ان التفكيكية لا تقّر بمرجعية ثابتة يمكن الاحتكام لها في مجرى تاويلات وتفكيك النص في استهداف تحقيق فائض المعنى الذي تتركه اللغة المكتوبة تفكيكيا على الدوام .وانكرت التفكيكية على البنيوية انها تفترض سلفا مركزية المعنى الذي يتحّكم بالبنية او النسق، وبرأينا هنا ان البنيوية كانت مصيبة في تثبيت حاكمية وسلطة المركز الذي يكون هو صمام الامان الذي يجعل من الحقيقة امرا مقبولا ليس في المطلق وانما في مثول النص للقراءة التداولية المنتجة على عكس التفكيكية التي تركت مستقبل النص مبهما متواريا لا نهائيا خلف لعبة اللغة المخادعة.

ويذكر الباحث عبد السلام المسدي ان الناقد البنيوي لا يكترث لشيء خارج النص، لا بالمؤلف وسياقه النفسي، ولا بالمجتمع وضروراته غير الثقافية، ولا بالتاريخ وصيرورته ويصب جام اهتمامه على العناصر التي تجعل الادب ادبا فقط، تلك العناصر الشكلية الماثلة في النص، التي تحدد جنسه الفني، وتتكيف مع طبيعة تكوينه، وتحدد مدى كفاءته في أداء وظيفته الجمالية. (المسدي قضية البنيوية).

من جهة أخرى مناوئة لهذا الطرح نجده في عبارة شكري عزيز: كون اللغة مادة الادب لا يعني ان الادب هو اللغة، فالحجر هو مادة التمثال، لكن التماثيل ليست مجرد احجار، ومن العبث ان نعرّف التمثال بانه جسد حجري، كما يرغب رولان بارت ان الادب جسد لغوي لا اكثر.فاللغة لا تكتفي بهويتها الذاتية المعلن عنها بالبلاغة والنحو وشكل التعبيرات الأدبية، وانما هي وسيلة فكرية تطال الوجود الانطولوجي برّمته كاملا في محاولة اللغة التعريف به وان تكون جزءا فاعلا منه.

كما عارض نعوم جومسكي كلا من البنيوية والتفكيكية في اتجاهه المسمى البنية التحويلية التوليدية بوجهة مختلفة قوله:ان الانسان المتكلم هو الموّلد للكلمات والعبارات وله الدور الفاعل في صنع اللغة وإيجاد توليدات جديدة لا تنتهي.(صلاح فضل/ نظرية البنائية). هنا جومسكي يعتبر ان اللغة هي افصاح الوجود عن نفسه ضمن ديناميكية الحياة وجريانها الحيوي المتدفق غير المحدود.

ولما كانت الدراسات البحثية في التفكيك هو اعتبار ان الاستراتيجية الافتراضية الوهمية هي الآلية المستمرة في التفكيك، لذا يكون من حقنا ان نعتبر هذه الآلية نوعا من الجدل الديالكتيكي الذي يحمل المغايرة مع الجدل الماركسي في استحداث الظاهرة الجديدة عبر قوانين الديالكتيك الماركسي المعروفة في وحدة وصراع الاضداد، وتحول الكم الى كيف، وقانون نفي النفي .

هذه القوانين الثلاثة التي تقوم على نقائض اصطراعها وتضادها ونفي ذاتها باستمرارية في حكمها المادة والتاريخ والوجود الانساني، وهو ما تسعى له الجدلية التفكيكية تطبيقه في الاشتغال على لغة النص خارج مفهوم وآلية الجدل الماركسي المادي الذي تعتبره من مخلفات الجمود المتوارث القار في الفلسفة والمدونات التاريخية والميتافيزيقا .ان هذا التفكيك الجدلي يحمل كل متناقضات اندثاره لاحقا ايضا في تحولات لا نهائية، اي تحولات النص في استمرارية تجاوزه غير المحدودة في تعاقبات التفكيك عليه، ويوجد هناك فرق كبير بين الجدل الماركسي الذي يشمل كونية الوجود الإنساني المادي في الطبيعة والتاريخ وفي كل شيء، وبين ديالكتيك التفكيكية الذي يقف عند حدود جدل النص لغويا فقط وعلى مستوى التجريد الفلسفي المنطقي.

لقد عبّر هيجل قائلا ان طبيعة الواقع يمكن ان تستنبط من الاعتبار الوحيد القائل بأن الواقع يجب ان لا يتناقض مع ذاته. وهذه العبارة تناقض الديالكتيك الانطولوجي الذي وضعه هيجل في حركة الجدل المادية الثلاثية في عملية استحداث الظاهرة الجديدة، وحدة تناقض الاضداد في قوانين الديلكتيك الثلاثة التي مررنا بها.

واذا كانت البنيوية نادت لا شيء خارج النص، وان خيانة اللغة متمثلا في عجزها ونقائصها التي تسمها بالمراوغة والخداع دوما، نجد دريدا (يعتبر اللغة اصل كل الفنون) وانه لا شيء خارج (اللغة) وليس خارج (النص) كما تدعو البنيوية، والتفكيك يعتبر النص المكتوب لا يتحدد بوجود انطولوجي مجازي مؤقت لا بمواصفات الثبات ولا بمتغيرات الصيرورة الدائمية في اماتة النص واستحداث احيائه ثانية وهكذا، (فالتفكيك هو الوعي بتقادم المعنى وارتداد دائم لتطابق الوعي مع مقولاته). ص 12 (والتفكيك استراتيجية تمتلك صفات المنهج ولكن بخصوصية واعية لمخاطر سكونية المنهج، مما يجعل صفة الاحتمال اهم خصائص المنهج، فالشك يسكن قلب الحقيقة ان لم يكن جزءا منها) . ص 10

أبو يزيد البسطامي والتفكيك

تعتمد نصوص البسطامي (على ذاكرة المعجم الصوفي الذي يتتبع أصول الكلمة ودلالاتها حسب أحوال ذائقيها) ص56، وذائقيها هم أصحاب أحوال الشطح الصوفي وليس عامة الناس.(ما يجعله نصا مفارقا لانتمائه باستمرارغير منتسب سوى لنفسه بالرغم انه يفكر بكونه يمتلك وجودا قارا، فوجود الكتابة الصوفية ليس من اجل اثبات وجودها بل من اجل نفيها)ص58.

ان ذاتية النص الصوفي واستقلاليته هو سيد الموقف في أحوال الشطح التصوفي المتسامي في معارج العرفان والاشراق، فالكتابة الصوفية ذات خصوصية فردانية لا تعبأ بالوجود الانطولوجي العقلاني والحسّي، فهي تداعيات لا شعورية منجذبة في عاطفة جيّاشة لتجربة حب وانجذاب تتعطل فيها اللغة المنطوقة او المكتوبة في عجزها البوح عن اسرارالتجربة وخفاياها وما تحمله من مشاق لا تخلو من الغبطة الروحانية اللذيذة التي تتلبس المتصوف خارج سطوة العقل ووصاية المدركات الحسية وقيود اللغة المألوفة.

وعندما تكون الكتابة الصوفية قاصرة معطّلة قصديا يصبح من المهم نفيها ومجاوزتها، فهي حتما تلتقي بالتفكيك في سعيه نفي كل ثبات او مركزية مرجعية ضالة تقوم على خيانة وخداع اللغة، وفي هذا ينتفي النص المكتوب متعينا وجوديا لأن اثبات الكتابة الصوفية نفي بالصميم ان تكون التجربة الصوفية لصاحب النص صادقة ورحلته العرفانية مخصّبة منتجة في مسالك الحال والعرفان. ولا معنى لها في معرفة الاخرين شيئا عنها.

بالمعنى الذي مررنا به يكون معنا التقاء الكتابة الصوفية مع أي نص تفكيكي يسعى نحو نفي الثبات في نشدان التقادم (فالتفكيك هو الوعي بتقادم المعنى، وارتداد دائم لتطابق الوعي مع مقولاته) ص21بمعنى كما ان نفي التفكيكية لأي ثبات هي غاية معالجة كتابة أي نص في استجلاب تقادم فائض المعاني الجديدة منه التي تخّلفها اللغة وراءها على الدوام بنوع من المخاتلة والتضليل المضمر الذي يعبّر عنه بخيانة اللغة، كذلك تكون الكتابة الصوفية او الصوتية الشفاهية هي نفي دائم ليس بتقادم معاني اللغة وانما بتقادم المعنى المتجدد في رحلة الاشراق والعرفان التصوفي دائب السعي والحركة والانجذاب التي تمثل خصوصية وفردانية التجربة الصوفية فقط.

يطرح المؤلف مسألة مهمة بأن الكتابة الصوفية تختلف عن النص الديني وعن النص الادبي، اذ لكل من هذين الضربين من فنون القول والكتابة ميزات ومحددات وأساليب وجماليات متواضع عليها لا يتوفر عليها النص الصوفي بل هو ينأى بنفسه عنها ولا تشكل لدى صاحبه المتصوف اهتماما في نقل تجربته الذاتية المتفردة (فالامتاع والتسلية والتاثير علل تفقد مقاصدها في الكتابة الصوفية، لتغدو معها كتابة ابي يزيد البسطامي كائنا لا زمنيا، كتابة تعاني انفصاما مستمرا في كينونتها وتعاليا دؤوبا على كل سكون يدفعها نحو الاكتمال، لان العلاقة بين الكتابة والزمن علاقة اقتصادية) ص58-61، ونختم قراءتنا لكتاب الشهيد عامر الراشدي القيم بهذا الهامش التوضيحي التالي الذي يعرض تعالق النص الصوفي مع كل من الفلسفة والادب والجنون.

لغة التصوف والفلسفة وهذاءات الجنون:

أهم انواع التعبير اللغوي التي يمتزج فيها الادراك العقلي مع اللاشعور المتسامي نحو المثال والحلول في الذات الالهية، هي لغة الخيال التصوفي، فالمتصوف او العرفاني ينطلق بحسب رأيي من منطلق أن أردأ انواع العاطفة والوجدان هو ما تستطيع اللغة التعبير عنه واستيعابه..والعواطف والوجدانات العميقة الّثرّة المتسامية تعجز اللغة التعبير عنها.

من هذا المنطلق يعتبر تعطيل فاعلية اللغة التواصلية مع الآخر قاصرة تماما في حال مرور المتصوف بتجربة الكشف الاستبطاني وحالة التسامي الذي يّشل الحواس والادراك الواعي للعقل، اللغة التصوفية تأتي على شكل مرموزات وشطحات لغوية فكرية تخييلية منجذبة نحو التعالي على/ فوق الواقع الحسي والتعالي على العقل أيضا. لغة المتصوف غائبة تماما عن مجريات الحياة والمحيط والوجود الانساني الاجتماعي للآخر بجميع اشتمالاته المادية، ما عدا الشحن الوجداني العاطفي اللاشعوري المرتبط بأمعان ورغبة التدرج في معارج الكشف نحو المثال المتسامي ونشدان الوصول الى مراتب متقدمة من الخالق والذات الالهية. لغة التصوّف ترتبط بحالة اللاشعور في تغييب الوعي والحس المادي ليلتقي بهذاءات المجانين الى حد ما مع فارق انه في بعض الحالات التصوفية كما هي عند ابن عربي والحلاج والنفري وابن الفارض والسهروردي وغيرهم، فهي(لغة) تحمل مدلولات تواصلية فلسفية مع الآخر يتداخل الوعي الشعوري والادراكي بتسجيلها . في حين تكون مثل هذه الفعالية التواصلية بقدرات اللغة والتعبير معدومة تماما في هلوسة وهذيان المجنون، وهذا ينطبق ايضا على الكثير من التجارب التصوفية غير الناضجة في عجزها اللغوي.

كلا التعبيرين اللغويين لغة التصوف وهذاءات المجانيين يتقاسمان صفة لغة الخيال اللاشعوري غير المنتج انطولوجيا ماديا في تغييب الوجود الواقعي العقلاني، وأعدام فرص التواصل بالآخر.

لغة التصوف تلغي الفاعالية الواقعية العقلانية في جانبين: تلغي فاعلية الوجدان المنتج – ماعدا استثناءات تجارب تصوفية ناضجة غير مبالغ بها ولا مفتعلة مجال اشتغالها التعبيري الشطحات التصوفية اللغوية على شكل ومضات حكمية واقوال ملغزّة وفي مجال قول الشعر الملغّز ايضا، وأعدام رقابة العقل على اللغة المنطوقة تصّوفيا، يتجلى ذلك في عدم قدرة المتصوف ضبط تداعيات اللغة التعبيرية المنطوقة عنده، بمنطق لغوي نسقي منظّم يستطيع التواصل مع الآخر بعيدا عن شطحات التفكير وتداعيات اللاشعور في توصيل التجربة الذاتية من خلال امكانية المتلقي فك مرموزات اللغة الاشارية، بما يخدم تجربة المتصوف والمتلقي معا.

الجانب الثاني من الألغاء في لغة المتصّوف يتمثل في تخريب الاخصاب التخييلي المنتج ماديا وليس التخصيب روحيا، في عجز التعبير التصوفي، وفي اللقاء مع هذاءات المجنون في عجزهما المشترك أن يكون تعبيرهما اللغوي لغة تواصل يعّتد الأخذ بها، فقط باستثناءات تجارب تصوفية متقدمة يمكن ان يكون التواصل التصوفي مع المجتمع متحققا فيها اشرنا لها سابقا.

اذن ما الفرق بين غطرفة وهذاءات المجنون، وشطحات المتصوف اللغوية التعبيرية !؟

هذاءات المجنون وهلوسة الانفصامي المرضية تصدر عن غياب تام لتداعيات الشعور التخييلي الحلمي المنتج في الإحساس بالواقع، بخلاف ما نجده عند المبدع والفنان من تداعيات الشعور الخلاق، فهي عند المجنون تخيّلات لا شعورية مكبوتة انفصامية تفصح عن نفسها، في تعبيرات مشّفرة ناقصة المعنى المفهومي، سائبة غير منظمة ولا منضبطة سطحية وانفعالية هستيرية، غبر مفهومة ولا متسّقة تعبيريا، طلاسم لغوية مغلقة على عوالم خيالية مرضية انفصامية لا رابط لها مع الاخرين والواقع او المحيط.

الخيال اللاشعوري عند المتصّوف يطرح لغة مفككة أيضا لا تعطي فهما ومعنى منظّما في ادعاء ان التجربة الصوفية فوق اللغة وفوق ادراك الاخرين لها، ومن هنا تلتقي لغة المتصوف مع هلوسات المجنون، ويفترقان كليهما عن لغة الخيال الابداعية المنتجة كما نجدها عند الفنان او الاديب الذي يعود الى الواقع من رحلة الخيال بحصيلة فكرية او فنية. في حين يبقى زعم المتصوف ان تجربته هي فوق الوصف او انه لا يستطيع التعبير عنها بالكلمات.

يقترب هيدجر في تناوله وظيفة اللغة في التجربة الصوفية، انها لغة رمزية صعبة وعسيرة في التعبير عن تجاربهم ومعاناتهم التصوفية، اذ يعجز المتصوف نقل او تمييز الوجود، عن نسيان الوجود الحقيقي، اذ يقع المتصّوف في حالة من تغييب الوجود عقليا وحسيا، ويعيش حالة من المثالية العرفانية في تجربته الذاتية الصرف.اما افلوطين فيقول ان الصوفي يجد صعوبة في استخدام اللغة اثناء التجربة الصوفية لكنه يستطيع استخدامها بعد التجربة عندما يتذكرها.

كما يعيب براتراند رسل على المتصوفة عقم وعجز اللغة عندهم، بانها عاجزة ان تقول شيئا يعتد ويؤخذ به.كما ان العلم من وجهة نظره أيضا يسخر من اللغة التصوفية سخرية لاذعة.ويتراجع براتراند رسل في أهمية التصوف في كتابه الفلسفة الغربية المعاصرة قوله (لقد شعر عظماء الرجال من الفلاسفة بالحاجة الى العلم والتصوف معا، وان وحدة المتصوف مع رجل العلم تشكل اعلى مكانة مرموقة).

وفي المنحى ذاته يذهب جورج باتاي (ان التجربة الايروسية- الشبقية تتوازى مع التجربة الصوفية في كونهما فيضين لا تستوعبها اللغة).من هنا يمكنني التذكير بأهمية العبارة التي اورد تها سابقا حين أشرت ان المتصوف ينطلق من واقعة أن أردأ انواع العاطفة والوجدان هو ما تستطيع اللغة التعبير عنه واستيعابه.على أعتبار أن التجربة الصوفية هي غوص في مسالك الكشف الاستبطاني المتسامي المتعالي، التي تنعدم معها ان تكون اللغة ذات جدوى تواصلية مع الآخر.هنا بحسب هذا الفهم لانستغرب ربط جورج باتاي بين التجربة الصوفية والتجربة الجنسية والتقائمها في أن اللغة بكلتا التجربتين تتماهى في العجز واستعصائها تحقيق التواصل بالآخرلغويا.

أما الشاعر المفكر ادونيس فيعتبر لغة التصوف (الاسلامي) هي لغة استكشاف معرفي في الدين والفلسفة والوجود.وأن السرياليين أخترعوا الكتابة الاوتوماتيكية— يقصد بذلك كتابة تداعيات اللاشعور--- والغاء العقل واستخدموا لذلك المخدرات. ويضيف ان المتصوف الغى رقابة العقل بالسيطرة الذاتية على الجسد .وسميّ آنذاك الكتابة (الهيا سماويا) وهي ذاتها الكتابة التي نادى بها السورياليون. (اندريه بريتون في الشعر، وسلفادور دالي في الرسم والتشكيل، والى حد ما ادب اللامعقول عند صوموئيل بيكيت.).

هنا ادونيس استخدم عبارة الغاء العقل عوضا عن تغييب تداعيات اللاشعور الحلمي المنتج في كتابة الشعر وانتاجية الفنون التشكيلية كما في السريالية والتجريد الفني. وهذا الخيال الانتاجي الخصب عند الفنان او الاديب يختلف جذرياعن المخيال المعّطل غير المنتج عند المتصوف، الذي يتأرجح بين تغييب الرقابة العقلية والحسّية، وبين تداعيات اللاشعور عندما تكون اللغة أقرب الى الهلوسة والهذاءات عند المجنون. بأختلاف بسيط أن المتصوف يعي عجز اللغة عنده في تحقيق التواصل مع الآخر، وقدرته أحيانا على البوح بافصاح تعبيري لغوي يتجاوز هذاءات المجنون المغلقة.بينما هي غير ذلك عند المجنون في هذاءاته بلا معنىى ولا ترابط مفهوم.

اما المفكر محمد عابد الجابري يرى أن الحقيقة في التصوف الاسلامي هي عندهم ليست الحقيقة الدينية، ولا الحقيقة الفلسفية، ولا الحقيقة العلمية، بل الحقيقة عندهم هي الرؤية السحرية للعالم التي تكرسها الاسطورة. وأن العرفان (التصوف) يلغي العقل، ومن حق العقل الدفاع عن نفسه ليس بالطريقة السحرية بل بالتحليل العقلي.

اود توضيح نقطة مررنا بها سريعا، ما هو الفرق بين لغة الابداع الادبي - الفني ولغة التصوف!؟

أن فرويد تعامل مع الخيال بوصفه مصدر الألهام وخزّان الابداع، وكشف تأثير اللاشعور في السلوكيات المنحرفة والسلوكيات السّوية.

برأينا الفنان كالعصابي المريض او المنفصم الشخصية كلاهما ينسحبان من الواقع المحسوس والمدرك عقلانيا الى دنيا الخيال غير المحدود، بخلاف جوهري مهم جدا ان العصابي المريض لايستطيع العودة من رحلة الخيال الى واقع الحياة والمجتمع ثانية، وأن ما يبتدعه له الخيال من واقع وهمي يتصوره ويتعامل معه انه الواقع الحقيقي والحياة السوّية. في حين ان الفنان المبدع او الاديب صاحب الفعالية الابداعية يستطيع العودة ثانية من رحلة الخيال الى واقع الحياة، وبحصيلة ابداعية فنية مميزة على شكل انتاج ادبي او فني او غيرهما.

علي محمد اليوسف/الموصل

...........

الهوامش:

(1) (لتفصيل اكثر ينظر كتابنا / فلسفة الاغتراب في طبعتيه الاولى عن دار الشؤون الثقافية بغداد 2011، والثانية دار الموسوعات العربية بيروت 2013.الفصل الخامس: الاغتراب والصوفية./ والفصل السادس:الاغتراب في الوجودية الحديثة).

 

 

حاتم حميد محسنمن الواضح ان ظروف الانسان لا يمكن النظر اليها بمعزل عن الآخرين، نحن بالضرورة كائنات اجتماعية متشابكة ضمن سياق اجتماعي. يعترف سارتر بهذا العامل وهو بالاضافة الى الاساليب الرئيسية لـ (الوجود لأجل ذاته)، و(الوجود في ذاته) يستخدم عبارة الوجود لأجل الاخرين ليصف الابعاد المتداخلة للوجود الذي يعترف بوجود "الاخرين"وكيف يمكننا مواجهتهم ضمن العالم ككل. في الحقيقة، ان الفرد نادرا ما يكون وحيدا في العالم وهو باستمرار يواجه وجود "الآخرين"كأجسام او اذهان. ورغم ان سارتر يعتبر الناس الآخرين من اهم الوسائل لدينا لأجل معرفتنا بانفسنا، فان اساس العلاقات الانسانية هو المسؤول عن فقدان المرء الفهم لوجوده والسيطرة عليه . "الآخر"لا يمكن النظر اليه مجرد شيءآخر في العالم(وجود في ذاته) لأنه في الواقع فرد(وجود لأجل ذاته) يحوز على المقدرة عبر "النظرة" للحكم علينا وبالنهاية يختزلنا الى شيء في عالمه. ولذلك، فان مفهوم الوجود لأجل الاخرين يستلزم تداخلا معقدا بين الذاتية والموضوعية، وبالنتيجة، فان استنتاج سارتر المتشائم هو ان علاقاتنا الرئيسية مع الآخرين هي مرتكزة على الصراع : "الجحيم هو الآخرون".

طريقتان للوجود

لنتذكر ان في فلسفة سارتر خاصة انطولوجيا الكائن الانساني، هناك طريقتان مختلفان للوجود في العالم، (الوجود لأجل ذاته) و(الوجود في ذاته) . الاخيرهو بالضبط وجود الاشياء التي ليس لها وعي ولا تتغير، هي مليئة بذاتها . اما الوجود لأجل ذاته هو بالضرورة شكل الوجود الواعي لكنه ايضا غير كامل، انه وجود الكائن الانساني، وعي بذاته، يفكر حول ذاته وبالنهاية له علاقة مع ذاته.

يرى سارتر ان هذه الطبيعة غير المعرّفة والغير محددة للوجود لأجل ذاته هي التي تحدّد الانسان. طالما الوجود لأجل ذاته (كالانسان) يفتقر الى كينونة مقررة فهو سيُجبر على خلق ذاته من اللاشيء. هذه العدمية طبقا لسارتر هي السمة المعرّفة للوجود لأجل ذاته . الشجرة هي شجرة وتفتقر للقدرة على التغيير او خلق وجودها. الانسان من جهة اخرى، يصنع نفسه من خلال العمل في العالم . فهو بدلا من ان يكون مجرد وجود مثلما هو الشيء في ذاته، الانسان كشيء لأجل ذاته يجب ان يحرّك وجوده.

بعد ذلك ينتقل سارتر لإدخال حقيقة متصلة وهي ان الوجود لأجل ذاته يمتلك المعنى فقط من خلال رحلته الابدية الى المستقبل المجهول. بكلمة اخرى، الانسان ليس بالضروره ما يصفه المرء كما هو الان. ، فمثلا، اذا كان هو مدرس، هو ليس مدرس بالطريقة التي تكون بها الصخرة كوجود في ذاتها كصخرة. الانسان ليس له كينونة ابدا، لا يهم كم هو يكافح للكينونة الذاتية. الطريقة التي يفسر بها ماضيه ويتنبأ بها مستقبله هي ذاتها سلسلة من الخيارات.

يوضح سارتر حتى لو قيل ان الفرد لديه طبيعة فيزيقية معينة، مثلما لدى الكرسي (هو بطول ستة اقدام والكرسي قدمين)، مع ذلك فانه يقيّم نفسه باضفاء معنى الى او اخذ معنى من خصائصه الملموسة وهكذا يقوم بنفيها.

المأزق الكبير هنا هو ان الوجود لأجل ذاته يرغب ليصبح وجودا ضمن الوجود في ذاته، يفرض موضوعيته على ذاتية الآخرين وهنا يتأكد اللانسجام الغير قابل للتسوية بين الوجود في ذاته والوجود لأجل ذاته.

ثنائية الوعي

 فيما يتعلق بالوجود لأجل ذاته يفترض سارتر ثنائية في الوعي، وعي ما قبل التفكير prerefletive consciousness ووعي التفكير reflective. طريقة الوعي في ما قبل التفكير التي يعتبرها سارتر طريقة رئيسية تصف الوعي في حالته الخام والتي هي مقصودة وموجّهة بفاعلية نحو الخارج باتجاه اشياء في العالم بينما طريقة التفكير تمثل تفكير بالذات، فهو وعي بهدفه وافعاله الخاصة .

نظريا، في اي لحظة زمنية سابقة للتعرف على الآخر، انا فرد حر والخالق الوحيد للمعنى في عالمي. لكن، حالما يبرز الاخر فان حريتي سوف تضطرب وتنكمش . وبالتالي انا افقد كل ما لدي من سيطرة، وان وجودي لأجل الاخرين يتقرر الى حد كبير بواسطتهم، هم يمتلكون الآن القوة والسيطرة لإعطاء اي معنى لأفعالي التي يرغبون هم بها، كشيء للاخر انا لم اعد موجود كفرد حر لنفسي وبدلا من ذلك اصبح موجود كشيء غير حر للآخر. سارتر يتصور الاخر كفجوة للاستنزاف يتدفق نحوها عالم تفكير الافراد الأنوي. هذه العملية هي جوهر التفاعل المعقد بين الذات والموضوع المتجسد في وجود سارتر لأجل الاخر وجرى وصفه بمصطلح "النظرة" التي تصف وعي الافراد بكونهم شيء"لنظرة" الآخر.

"كل شيء في مكان، كل شيء لايزال موجودا لي، لكن كل شيء يتنقل برحلة غير مرئية ومثبت في اتجاه واحد لشيء جديد. ظهور الاخر في العالم يتطابق مع انزلاق ثابت لكل الكون، الى حالة من فقدان السيطرة تتحقق لي في نفس الوقت".

بينما انا اعيش الحياة من الداخل أنظر الى الخارج بعيدا عن نفسي(وعي قبل التفكير)، مقابل ذلك عندما ينظر الاخرون لي انا اصبح شيء للتقييم لهم في عالمهم مثلما اي شيء اخر يلاقونه، وبالنتيجة انا الان اصبح واع بنفسي كشيء (تفكير ذاتي). وبهذا، فان الوعي الذي كان يعمل باسلوب قبل التفكير اصبح الان عبر "نظرة" الاخر ينظر الى نفسه كشيء ثابت في المكان والزمان بخصائص ونوعيات محددة. سارتر، يرى هذه كنقطة جوهرية حيث ان الاخر يصبح وسيط بيني وبين ذاتي . بدون الاخر انا لا استطيع الهروب من تجربتي ومنظوري الموضوعي الخاص بي. وعليه، بالنسبة لسارتر، نظرة الاخر تسمح لي لانجاز معنى الذاتية حول نفسي. سارتر يؤكد على ان الذات يمكن فقط تصورها عبر وجود الاخرين، حيث انه قبل وجود الاخرين لا معنى لمفهوم الذات. من خلال كوننا واعين بالاخر فاننا بدورنا نصبح واعين بانفسنا. وبالنتيجة، بالنسبة لسارتر اننا عندما نسمح لانفسنا لنكون عرضة لـ "نظرة" الاخر فان عواطف معينة كالفخر والخجل تجسد نفسها. المثال الذي استخدمه سارتر في التنصص والنظر الخاطف يمكن توظيفه لتوضيح هذا الادّعاء:

 لو كنت بدافع الفضول، او الحسد او الشر واخترت الاستماع او النظر من خلال ثقب المفتاح الموجود في الباب، فانا اساسا في طريقة التفكير السابق للوعي حيث ان وعيي الكامل موجّه نحو ما يحدث في الجانب الاخر من الباب. لكن، لو فجأة عند سماع وقع خطى خلفي انا اصبح واع بان شخص ما ينظر لي. هذا الحضور للاخر يقلقني، انا الان اصبح شيء لأجل الاخرين في عالمهم، وبالنهاية انا ارى نفسي لأن شخصا يراني. انا الان ارى واشخّص افعالي من خلال عيون الاخرين، جسدي ينحني للنظر عبر ثقب الباب. انا أحكم على نفسي من خلال عيون الاخر كمتلصص وبالنتيجة اشعر بعواطف الخجل عند ظهور كهذا. اذا كنت وحيدا في العالم فسوف لن يكون هناك سبب للخجل من سلوكي. ان سارتر يؤكد بان الاخر لا يحتاج ليكون حاضرا فيزيقيا لكي يمكن للنظرة ان تتجاوز الى تفكيرنا ووجودنا، فقط التفكير بالاخر يمكنه التاثير في تصوراتنا عن الذات من خلال النظرة الخيالية والحكم على الاخرين. يرى سارتر ان "النظرة"للاخر هي التي تبدأ الصراع الحتمي المترافق مع جميع العلاقات الاجتماعية. عبر النظرة للاخر، انا امارس احساسا بالاغتراب عن نفسي لأن "النظرة" تجسّمني وتختزلني الى وجود في ذاته بدلا من وجود لأجل ذاته محتويا على طبيعة ثابتة وتُنسب لي سمات شخصية خارج سيطرتي، تهدد بدورها حريتي الشخصية. في محاولة لتجنب هذا الاحساس بالاغتراب انا ادافع عن نفسي بمحاولة تشيؤ الاخر، وعليه احتفظ بحريتي الشخصية وانكر مقدرة الاخر على تشخيصي. غير ان عمل كهذا يعزل الاخرين كثيرا بما يقودهم لتصنيفي مرة اخرى بطريقة او باخرى وهكذا تبدأ دورة الذات - الموضوع مرة اخرى.

"كل شيء يقال عن علاقاتي مع الاخرين ينطبق عليهم ايضا. بينما احاول تحرير نفسي من التقيد بالاخر، فان الاخر يحاول تحرير نفسه مني، بينما انا اسعى الى استعباد الاخر، فان الاخر يسعى لاستعبادي." 

السيد والعبد

منطلق سارتر الاساسي هذا تمت استعارته من تعبير هيجل "السيد والعبد" الذي ينقل قصة تتعلق بشكلين اثنين من الوعي الذاتي في التاثير على الكائن الانساني. كل واحد يبحث عن الاعتراف والمكانة في العالم. وهكذا، عند الالتقاء فان الاثنين يدخلان فورا في نزاع حتى الموت حيث ان كل واحد يحاول التغلب على الاخر لكي يدّعي وجوده الخاص، احد الوعيين يهدد رؤية الاخر في الحرية والاستقلال. غير ان المفارقة هي ان موت الاخر سيقضي على الشاهد الوحيد كبرهان. ولذلك، سيسمح المنتصر للخاسر ليعيش متبنيا دور السيد بينما الخاسر يصبح عبدا. احد الوعيين يوجد كوسيط من خلال وعي الاخر. عبر هذه العملية الديالكتيكية كلاهما يتعلم بان الهوية الفردية هي مركب معقد من الاستقلالية واللااستقلالية والتي لايمكن للوجود الفردي ان يكون مسؤولا عنها، لا وجود هناك للسيد بدون العبد ولا عبد بدون سيد. ولذلك، من الواضح ان كل العلاقات هي بالنتيجة لايمكن لأحد ان يعيش مع الاخرين ولكن في نفس الوقت لا يستطيع العيش بدونهم. غير ان هذه العلاقات هي هامة جدا لانها المفتاح لفهم كامل لوجودنا في العالم.

وفي النهاية، انا باعتباري وجود لأجل ذاته فان رغبتي هي تحقيق كينونة ثابتة (وجود في ذاته) ابحث عن القوة والاستقرار ومع ذلك في نفس الوقت انا اقاوم مثل هذه المحاولات لكي لا اخسر حريتي (وجود لأجل ذاته). انا اتابع هيكل الوجود في ذاته، لكن، الوجود لأجل ذاته بطبيعته هو من كليهما. السير و المتابعة لايصلان ابدا وهما دائما في حركة. ولذلك، الشيء المثالي هو الوجود في ذاته لأجل ذاته، شيء بدون خسارة وجوده كوعي حر. مع ذلك، انه فقط من خلال مساعدة الاخر اتمكن من انجاز هذه الحالة التامة للوجود لان الاخر هو الذي يمسك المفتاح لذاتيتي ومن ثم أسرار وأصل وجودي، ومع ذلك بالنسبة لسارتر، هذا المشروع محكوم عليه بالفشل من البداية.

السادية والماسوشية

يعرض سارتر موقفين اساسيين عند مواجهة الاخر، الاول محاولة تقليل نفسي الى لاشيء الاّ شيء في ايدي الاخر، لكي امسك بحرية الاخر ولكي اصل وانظر الى ذاتيتي، وهذه تسمى الماسوشية. الثاني يستلزم محاولة تجاوز الاخرين، انكار حريتهم في جعلي شيئا، هذا الموقف يسمى السادية. يصر سارتر ان اي من الموقفين لن ينجح في تحقيق الحالة المرغوبة للوجود في ذاته ولأجل ذاته لأن الآخر ايضا سوف يتبنى ستراتيجيات مشابهة عندما يواجهني، ولذلك، يقود الى دورة حتمية من صراع السيد العبد.

 في الحقيقة، ان الماسوشية محكوم عليها بالفشل لأني لا يمكن بحكم تكويني كوجود لأجل ذاته ان افقد النظر الى موضوعيتي واصبح شيئا الى الاخر الى ما لانهاية . وفيما يتعلق بالسادية هذا سيفشل ايضا لأني عندما أجعل الاخر شيء لي معنى ذلك ان الاخرين لا يستطيعون تزويدي باساسي للوجود لانه فقط الشخص يستطيع بالنهاية تزويدي بهذا. بالاضافة الى هذين الموقفين هناك موقف ثالث متوفر لي، هو اللافرق، عندما اختار هذا انا اسعى لرفض او الاعتراف بموضوعية الاخرين انظر اليهم مجرد عقبات يجب تجنبها او كاشياء وظيفية في العالم يجب استخدامها عند الحاجة .

يعرض سارتر هذا الموقف كشكل من العمى الذي رغم انه يضعف احساسي بالاغتراب من خلال رفض التشيؤ، لكن هذا بالنتيجة يمنعني كليا من الوصول الى ذاتيتي، في الواقع انه يؤدي الى اغترابية لانه يجعل من الضروري التخلي عن محاولة تاسيس وجودي على العلاقة مع الاخر. 

علاقات الحب

في محاولة لتعريف علاقات واضحة يناقش سارتر مفهوم الحب، الذي بُني على اساس من الوجود الانساني (وجود لأجل ذاته) مفتقرا الى هوية وطبيعة معينة (وجود في ذاته). في مشروع الحب هدفي هو تحقيق كلية الوجود (لأجل ذاته- في- ذاته) من خلال استعمال الاخر، الذي قد يقدّم راحة مؤقتة من الألم الوجودي المرتبط بهذا النقص ومن ثم يبرر وجودي. بدون الاخر انا سيادة خالصة، ولذلك، انه عبر توظيف "النظرة" للاخر كوسيط، فان مصدر الذات او الهوية الفردية هو متوفر لي، الاخر هو اصل وجودي، انا ابحث عن الاخر كي اعرّف نفسي عبر دمج منظور الاخر مع منظوري. غير ان هذا بالنسبة لسارتر مشروع بلاجدوى محكوم عليه بالفشل. الحب يجب ان يفشل بسبب طبيعة الوعي ومع ذلك هو سوف يبحث عنه الى الابد، الحرية (الوجود لأجل ذاته) سوف دائما تمنع المعرفة الذاتية والهوية لأن الوعي يرغب بمعرفة ذاته لكنه سوف لن يستطيع ذلك ابدا.

 يتصور سارتر الحب كاتحاد بين شكلين من الوعي الحر، اتحاد يشكل وعيا واحدا. غير ان، هذه الفكرة تخلق تناقضا في ان هذا الاتحاد الاحادي سوف يزيل اخروية الاخر التي هي بالنهاية الاساس لوجودي. انا يجب ان لا أحرم الآخر من خاصية كونه شيء ما غيري لأن عمل كهذا يؤدي الى تحطيم وجودي لأجل الآخرين ومن ثم، تحطيم ايّ تصور واضح لهويتي المتحققة . انا احتاج لإمتصاص الآخر ولكن ليس كشيء لأن الشيء غير قادر للنظر لي واعطائي كينونتي. حرية الاخرين مطلوبة لتزويد الاساس لوجودي ومع ذلك تبقى تلك الحرية هي التي تُدخل الصراع الى العلاقات وان مشروع الحب كحرية لا يمكن حيازته ابدا، في الحب انا احتاج الحرية المستسلمة من اجل توفير الآمان لكني لاازال أرغب لأكون محبوبا عبر حرية تختارني. اساسا، انا ارغب في ان أعرض نفسي جيدا بما يكفي للآخر لكي يقيّد حريته ويكون مختارا بحرية على هذا الاساس. هذه العملية بالنسبة لسارتر هي هشة جدا وسوف تنتهي حتما بصراع الذات-الموضوع فيه يحاول احد تجاوز الآخر، وطبقا لذلك فلن تكون هناك راحة :"الجحيم هو الآخرون". وبالنهاية، لا إنكار لوجود الترابط الوثيق ضمن عالمنا في علاقة لابد منها بين الذات والاخر . نحن كأفراد نبذل وقتا وجهدا كبيرين في متابعة وبناء علاقات مع الآخرين، ولكن اذا كانت الحقيقة هي صراع حتمي تبادلي، كيف لنا كأفراد ان ندير هذا التحدي؟ سارتر يرى الحل الاساسي هو تبنّي الايمان الزائف(1).

 

حاتم حميد محسن

...........................

المصادر:

-1Hell is other people: Sartre and being-for-others, Pathways philosophy

-2Being and Nothingness,SparkNotes philosophy study guide

الهوامش

(1) الايمان الزائف bad faith هو مفهوم فلسفي استخدمهُ كل من الفيلسوف الوجودي سيمون دي بيفور وجان بول سارتر ليصف الظاهرة التي يكون فيها الانسان تحت ضغط شديد من القوى الاجتماعية السائدة، فيضطر الى تبنّي قيما زائفة منكرا ومتخليا عن حريته الفطرية وبالتالي يتصرف بلا أصالة.