علي رسول الربيعينظرا للأنتهاك الصارخ للحقوق في مجتمعات الدولة العربية، وغيًاب النقاش الواسع والعلني عن  فلسفة الحقوق ونظريات الحقوق واجراءات حفظ الحقوق وصيانتها من الأنتهاكات، أو ضعف  الدفاع عنها، نرى أنه من الراهن الفكري/ السياسي  فتح النقاش عن هذا الملف الحار والحارق. المشاركة في هكذا نقاش من قبل المختصين والمهتمين والمظلومين  يعتمد على مدى الوعي بالمسؤولية الفكرية والأخلاقية بهكذا قضية. سنتناول هنا في هذا القسم من الدراسة موضوعة محددة وهي العلاقة بين الحقوق القانونية والأخلاقية في أطار مسألة العدالة الإجتماعية.

الحقوق القانونية والأخلاقية والعدالة الإجتماعية

تتمثل نقطة انطلاق أولئك الذين يرغبون تحليل مفهوم الحق في التمييز بين الحقوق القانونية والأخرى الأخلاقية - بين حقوق الفرد التي تنشأ من موقعه في أطار نظام قانوني (كصاحب المُلك أو المتملك لشئ ما، على سبيل المثال، أو كطرف في عقد) وتلك التي تنشأ بطرق أخرى، مثل، تلك التي تنشأ من وعد أو اتفاق ليس له وضع قانوني. ولكن تفحص هذا التقسيم يكشف أنه تقسيم  تبسيطي جداً. فلدى معظم الناس عدد كبير من الحقوق وأنواع مختلفة منها، نتيجة لأدوارهم العديدة التي يقومون بها في المجتمع، كموظفين، وكأعضاء في أيً تجمع ، ومشاركين في أنشطة جماعية ، وما إلى ذلك ك، ولا يمكن استيعاب أو وضع  جميع هذه الحقوق بشكل  صحيح سواء تحت مقولة  قانونية أوأخلاقية؛ فحق استاذ في  الجامعة أن يضع درجات على اجابات الامتحان مثلا، ليس حقًا قانونيًا أو أخلاقياً بشكل مباشر (رغم أنه قد يصبح حقًا أخلاقياً في ظل ظروف معينة). يمكن للمرء بالطبع حل هذا من خلال النص عليها أو تأكيدها أو الأشتراط على أن جميع الحقوق غير القانونية يجب أن تعتبر "أخلاقية"، لكن ذلك لن يكون حلاً مفيدًا؛ إذ لايمكن أن تنشأ الحقوق الأخلاقية عن القواعد الأخلاقية بنفس الطريقة التي تنشأ بها الحقوق القانونية عن القواعد القانونية.

ومع ذلك ، فإن تركيز انتباه المرء على الحقوق القانونية والأخلاقية ليست عملية  مُضللة بكاملها. يمكن ملاحظة أن هناك أنواع الأخرى من الحقوق (التي يمكن أن نجمعها معًا تحت عنوان "الحقوق المؤسسية") تقع بين النوعين الخالصين، اقصد الحق القانوني والأخلاقي. انها تشبه قواعد الجامعة بإجراءاتها الثابتة، وقواعد المحاكم ، وحقوق الاستئناف، وما إلى ذلك، أنها نظام قانوني في صورة مصغرة. إن امتلاكك حقًا كعضو في الجامعة يشبه إلى حد كبير امتلاك حق قانوني. على النقيض من ذلك، إذا أبرمت اتفاقًا مع مجموعة من الأصدقاء تحدد كيف نستخدم منزلًا تتشاركون فيه، أنه يشبه تمامًا وعد رسمي ومختار بدقة؛ وأن الحقوق التي أمتلكها والتي يجب على الآخرين تنفيذها بما هو منصوص عليها في القواعد هي بمثابة حقوق للوفاء بالوعود. أرى  أن أفضل مقاربة  للحق المؤسسي في " نوعه المثالي"  القانوني أو حالته القانونية  المثلى - الذي اشرنا اليه أعلاه-  يعتمد على ثلاثة عوامل:

(1) تحديد القواعد التي تمنح الحق بوضوح.

(2) فرض العقوبات المحددة على من ينتهك هذا الحق.

{3) تحديد الأفراد المعينين لفرض مثل هذه العقوبات.

إذا كانت الحقوق الأخرى لها هذا الوضع الوسيط، فيمكننا أن نرى لماذا كان ينبغي على المنظرين السياسيين إيلاء معظم الاهتمام بالحقوق القانونية والأخلاقية المناسبة. هذه هي الحالات التي تمثل أكبر صعوبات التحليل، وبالنسبة للمجموعتين، فإن الحقوق الأخلاقية هي الأصعب في التعامل معها من وجهة نظر فلسفية. يُنصح فيلسوف السياسة بتجنب التحليل الفني( التكنيكي) لأنواع الحقوق القانونية، والتي ينبغي تركها لأولئك الذين لديهم معرفة دقيقة بممارسة القانون. سوف أعتبر هنا  نتائج أحد هذه التحليلات وأقصد تحليلات (Hohfeld's)[1]  البارزة و المشهورة جداً أمراً مفروغًا منه وأتساءل ما إذا كان يمكن تطبيق المخطط التحليلي هذا بشكل صحيح على الحقوق الأخلاقية. ولكن أرى من الضروري ابتداءً تقديم ملاحظة عامة حول القانون قبل أن ننتقل عنه.

ما تحدثت عنه حتى الآن، هو الوصف الوضعي للقانون بأعتبار أن نظرية القانون الطبيعي تبالغ في العلاقة بين القانون والأخلاق، فجاء القانون الوضعي كرد فعل ضد هذا الجانب من نظرية القانون الطبيعي. وعليه  فأن نظرية القانون الوضعية – وكما هو شائع - هي التي تقول أن القواعد أو القوانين القانونية صالحة ليس لأنها متأصلة في القانون الأخلاقي أو الطبيعي، ولكن لأن يتم تشريعها أو سنها من قبل سلطة شرعية وقد قبلها المجتمع على هذا النحو. وهنا يتم التمييز بوضوح بين الحقوق القانونية والحقوق الأخلاقية، وتقديم الحقوق القانونية باعتبارها ناشئة بطريقة مباشرة عن قواعد القانون الوضعي. بعبارة أخرى، يُنظر إلى القانون على أنه مجموعة من القواعد التي يكون مضمونها واضحًا وثابتًا نسبيًا، وتخلق هذه القواعد، في بعض الحالات، حقوقًا للأفراد الذين يخضعون لها. ولكن يمكن أن يُساءل هذا الوصف للقانون من خلال  الاعتراض الذي يقول: إن  الوصف الوضعي للقانون يجعله يبدو أكثر تحديدا مما يمكن أو ينبغي أن يكون.

لا تكون القواعد القانونية دقيقة تمامًا كما يوحي هذا الوصف، أذ تتطلب أن  يقدم لها تفسيراً مرافقا لكل حالة محددة، ومثل هذا التفسير يعدل القاعدة للمستقبل. لذلك، فإن إثبات أن لديك حقًا قانونيًا ليس مجرد ذكر للقاعدة ذات الصلة؛ ولكن عليك أيضًا تبرير التفسير الذي تقترح وضعه للقاعدة، وللقيام بذلك من الضروري طرح اعتبارات أخلاقية. ومع ذلك، لا ينبغي اعتبارها اسس قانونية اضافية أو أعتبارها اسس مستوردة من خارج  القانون كمبادى قانوية  لإصلاح أوجه القصور فيه.[2]

قد يكون هذا الأعتراض  موجها ضد موقف قانوني بسيط  لذا لا يبدو لي حاسمًا ضد  الصياغات أو النسخة الأكثر تطوراً له. قد يقبل الوضعي بأن قواعد القانون لا تفسر نفسها، وأن هناك حالات صعبة لا يعطي فيها القانون بصيغته القائمة أوالحالية أي إشارة واضحة إلى ماهية الحقوق القانونية للأطراف المختلفة. والسؤال هو كيف ينبغي النظر إلى هذا الوضع.  إنه يشير، من وجهة نظر الوضعي، إلى فشل في القانون، ويصبح من المناسب الخروج عن القانون نفسه للنظر في الجوانب الأخلاقية للقضية،وذلك من أجل أن يتم تشريع قانون مناسب لهذه القضية وغيرها من الحالات المماثلة في المستقبل. لكن من الواجب  أن تعتبر مثل هذه الحالات استثنائية وليست صفة أو خصيصة ثابته للطريقة التي تُقرر بها الحقوق القانونية. من ناحية أخرى، فإن الحالات الصعبة هي التي تكشف لنا عن الطبيعة الأساسية للقانون، كما يرى نقاد مثل رونالد دوركين.

لحسن الحظ، لا يتعين علينا اتخاذ قرار بشأن القضايا العامة المتعلقة بأهدافنا الخاصة. نحن مهتمون فقط بماذا يعني أن تمتلك حقاً قانونياً، وهذا ما ستفعله هنا النظرية الوضعية بالنسبة للغالبية العظمى من الحالات.  فمن أجل تحديد الحقوق القانونية لشخص ما، يكفي الرجوع إلى قواعد القانون ذات الصلة، دون الأخذ في الاعتبار الاعتبارات الأخلاقية. سيكون من الغريب القول عندما يأخذ شخص ما شيئاً يخصني، يجب أن أقدم أسبابًا أخلاقية لتأكيد حقي القانوني في الشيء المعني. لن يكون هذا مجرد وصف واضح لما يحدث بالفعل، ولكن النظام القانوني الذي  له هذه الخاصية سيكون له عيوب عملية واضحة. وبالتالي، بغض النظرعن مزايا أو جدارة النظرة المناهضة  للنظرية للوضعية بوصفها تفسير عام للقانون، إنها لا تساعدنا على فهم الحالات  الرئيسة، والخصائص المتمثلة في حالات وجود الحق القانوني.

واذا أنتقلنا إلى الحقوق الأخلاقية فأننا نجد أن هناك العديد من القضايا الأساسية التي يجب تسويتها قبل أن نتمكن من البدء في تحليل مفصل لمفهوم الحق الأخلاقي وعلاقته بمفهوم العدالة. أولاً هو ما إذا كان من المجدي التحدث عن الحقوق الأخلاقية على الإطلاق؛ لأنه قد يًقال، في بعض الأحيان، إن الحقوق القانونية هي فقط التي يمكن وصفها بأنها حقوق. لقد تم التعبير عن وجهة النظر هذه بشكلها الكلاسيكي  المعروف من قبل بنثام  Bentham، ولاحقا من قبل للامونت W. D. Lamont.[3] إن الحقوق من وجهة نظر بنثام، هي، ثمار القانون والقانون وحده. لا توجد حقوق بدون قانون - لا حقوق مخالفة للقانون - لا حقوق أمام القانون. وقد تكون هناك أسباب يُتمنى فيها وجود قوانين قبل وجودها.[4]

يقول منطوق حجة بنثام: أن المطالبة بحق أخلاقي أو طبيعي طريقة مضللة للادعاء بوجود حق قانوني معين. أنه لأمر مضلل  عندما  نعتبر القول أن هناك  حقاً قانونيا  مساوي أو مطابق  للقول أنه حقيقة واقعية بالفعل. لأن "الحقوق الأخلاقية" المزعومة لم يكن لها هذا الوجود الواقعي؛ أنها مجرد خيال. أرى أن وصف وتعليل بنثام هذا غير صحيح لسببين. أولاً، ليس صحيحًا أن الغرض من رفع دعاوى "الحق الأخلاقي" هو المطالبة بتشريع الحق القانوني المقابل أو المماثل؛ ففي كثير من الحالات، سيكون من غير المعقول أن يعزى  هذا إلى الشخص الذي يقدم المطالبة، كما في  في حالة الحقوق الأخلاقية الناشئة عن الوعود، على سبيل المثال. ثانياً، إن رأي بنثام غير متسق، وذلك لاستعداده بالاعتراف بأن الواجبات الأخلاقية قد تكون مدعومة بعقوبات على  شكل استنكار أونبذ اجتماعي، إلخ.

إن وجهة نظره بأن مَن يكون له الحق هو أن يكون مستفيدًا من واجب ما، وأن يكون من واجبه أن يواجه تهديدًا بفرض عقوبات، إذا لم يتم القيام بشيء ما، فقد لا يكون كافيًا في حد ذاته، "لكن إذا كان يعتقد بهذه الآراء فهو ملزم الاعتراف بوجود تلك الحقوق الأخلاقية المقابلة للواجبات الأخلاقية المعترف بها والمعاقب عليها. أما بالنسبة إلى لامونت فأن الحقوق  تنشأ من القانون. فإذا لم يكن هناك قانون، فلا حقوق، ويصبح هذا استفهام يعتمد على توسيع مفهوم القانون بما يتجاوز فهمنا العادي لفكرته، حتى يتم النظر إلى القواعد الأخلاقية كنوع من  القوانين. من الثابت اعتبار هذا بشكل عام اقتراحًا عقيما ومربكًا. إنه يشير إلى أننا عندما نفكر ونتحدث عن الحقوق، فإننا نعمل في مجال أخلاقي قانوني. نرى خلاف ذلك، أي لا يوجد شيء في ما يقوله بينثام ولامونت يجعلنا نغير ممارستنا المعتادة المتمثلة في إسناد الحقوق الأخلاقية للناس، دون التفكير في أنه يجب الاعتراف بهذه الحقوق قانونًا، أو أن هناك شكلًا من أشكال القانون الباطني متورط على أي حال.

الاعتراض الأكثر خطورة على فكرة الحقوق الأخلاقية هو أن "الحق الأخلاقي" تعبير غامض بحيث أن  القول "س له حق أخلاقي  في ص" لا يعني أكثر من "إنه من الصحيح أخلاقيا أن تعطى    ص لـ س "  أو "س يجب أن يُعطى ص". إذا كان هذا صحيحًا، فسيحظر اعتبار الحقوق أسبابًا مميزة لمطالب العدالة. ومع ذلك، أعتقد أنه يمكننا مواجهة النقد لو فكرنا في موقف نموذجي يتم فيه إنشاء الحقوق الأخلاقية، ايً  تقديم وعد. (س)  يعد (ب) بأنه سيعطيه شيئًا معينًا؛ هذا يخلق عند  (ب) حقًا أخلاقيًا في الحصول على الشيء ، ويستمر هذا الحق حتى يستلم (ب)  ذاك الشيء ما لم  يتخلى طوعًا عن التزامه. لكن لنفترض أن الشئ المعنى  سيضر بشدة بـ (ب) ، أو أن (ب) سيستخدم  الشيء  لإلحاق الضرر بالآخرين. لم يعد حقًا في إعطاء (ب) الشيء - لكن حقه الأخلاقي  في ذلك لا يزال قائماً (لقد تم تجاوز الحق الأخلاقي بسبب اشتراط تجنب إلحاق ضرر جسيم كلما أمكننا ذلك).

يمكن وضع الحجة بطريقة أخرى. إذا قلنا "يجب إعطاء  " ص لـ  س "، لأنه يتمتع بحق أخلاقي في ذلك" ، فإن الفقرة الثانية لا تعيد التأكيد على الأولى. إذا كان هناك ستة رجال على متن قارب في البحر، واحد منهم فقط يمكنه التجديف، فقد يكون من  الحق إعطاء رغيف الخبز الأخير كله، على أمل أن يتمكن من التجديف بهم على الشاطئ. ولكن هل لديه الحق في ذلك؟ هل يمكن أن يشتكي إذا تم اتخاذ قرار عام بتقسيم الخبز بالتساوي والتخلي عن فرصة إضافية للوصول إلى الأرض؟ لا أعتقد ذلك.

هناك بعض الإغراءات لتوسيع مفهوم الحق  ليتضمن هذه الحالات، ولا شك في أن الاستخدام اليومي العادي يمكن ذكره كداعم. لكنني سأحاول اثبات أنه ينبغي مقاومة هذا التوسع ، لأن الاستخدام الرئيس لهذا المفهوم هو تقديم نوع معين أو خاص من المطالبة الأخلاقية ، بدلاً من التعبير عن الحقانية بشكل عام. سنرى لاحقًا أن هناك عددًا محدودًا من الأسباب أو الأسس التي يمكن أن تستند إليها الحقوق الأخلاقية بشكل صحيح أو كما ينبغي، و ليس الرفاهية العامة واحدة من هذه الأسباب بالتأكيد.

النسخة الأضعف (والأكثر مقبولية) للوضع السابق هي الرأي القائل بأن "س له حق أخلاقي في ص" يعني "سيكون من المناسب إعطاء ص إلى س" ؛ أي أن العدالة تتعايش مع الحقوق. وهذا من شأنه أن يتجنب الاعتراضات المذكورة أعلاه، شريطة أن لا يطابق المرء كل  العدالة  بالأخلاق أو يستغرق العدالة بالأخلاق ويعتبرها كلها أخلاقية؛ لكن سيكون من الضار لطرحي هنا  القول: أن الحقوق هي نوع واحد من أسس المطالبات العدالة. ناقش جون ستيورات ميل هذا  الرأي قائلاً: "لا تعني العدالة شيئًا ليس فقط من الصواب القيام به، ومن الخطأ ألا تفعله، بل يمكن لشخص ما أن يطالبنا به كحق أخلاقي له."[5]

إن الأسباب التي أعطاها ميل للتأكيد على أنها مفيدة،  لأنها توضح السبب لماذا من المغري توسيع مفهوم الحق حتى يمكن التعبير عن جميع "مطالبات العدالة" وأنها "مطالبات حق " وصحيحة. فكلما حدث ظلم، يكون هناك شخص مظلوم سواء تعرض للسرقة أو معاملته بشكل أسوأ مما يستحق. وهكذا، يقول ميل، ينطوي الظلم على شيئين - خطأ تم القيام به، وشخص وقع عليه الخطأ. ثم يشير  من خلال افتراض ضمني أنه عندما يُظلم الفرد، تُنتهك بعض حقوقه الأخلاقية. لكن أرى أن هذا الافتراض الضمني  الذي يتبناه ميل خاطئ. والدليل على خطأه لاحظ حالة يُعامل فيها شخص ما أسوأ مما يستحق. وأنظر على سبيل المثال  ممرضة مخلصة ضحت بسنوات من  حياتها لرعاية شخص مريض ولم تحصل على أي جزء من الميراث عندما توفى ذلك الشخص. لقد تعرضت الممرضة للظلم، لكن من الخطأ القول لديها حق أخلاقي في الميراث. الخطأ والعدل ينتجان مباشرة من استحقاقها، فمن الخطأ أن نتدخل في حق وهمي بين الاستحقاق والخطأ. إذا كان هناك وعدا منه بأنه سيترك شيئًا للممرضة، عنئذ ستكون الحالة مختلفة؛ ولكن  في هذه الحالة سوف تنشأ حقوقها من الوعد وليس من استحقاقها. إنه من السهل أرتكاب الخطأ  الذي وقع به ميل، المشكلة أن هذا الخطأ يؤدي إلى تشويش كبير لإخفاقه في التمييز بين الأسباب المختلفة للتأكيد على أن هذا الفعل عادل أو غير عادل. سوف أعرض مزيدًا من الشرح  لاحقًا حول سبب وجوب الحفاظ على  التمييز بين مفاهيم الاستحقاق،  والألتزام في شيء ما.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

........................

[1] يعرّف هوفيلد Hohfeld العلاقات المتبادلة من حيث العلاقات بين شخصين. في نظرية "الحقوق العينية"، هناك علاقة مباشرة بين الشخص والشيء.كان الهدف الرئيسي لمشروع هوفيلد هو توضيح العلاقات القانونية بين الأطراف المعنية. فيقدم لنا Hohfeld مخططًا تحليليًا يقسم الحقوق إلى أربع فئات مختلفة من العلاقات  تمثل عددًا من الفروق التحليلية بين المواقف القانونية المختلفة. يكمن تحليل هوهفلد للحقوق في الممارسة الوصفية للمواقف القانونية المرتبطة ببعضها البعض عن طريق العلاقات المنطقية بين الاستلزام والنفي. يتركز عمل هوهفلد على  الجانب التحليلي  والتعريفي ولا يهتم بالتحقيق الموضوعي أو التجريبي  لمفهوم الحق. لقد كان طموح هوهفلد  توفير تصور مفاهيمي لاستخدامنا للحق والواجب وما إلى ذلك في الممارسة من أجل  تسهيل فهم أفضل لطبيعة حقوقنا. وفلم يكن يهدف الى مع ذلك  إبلاغنا ما هي  هذه الحقوق والواجبات وما هي أو ينبغي أن تكون أو ما هي أساسها الأخلاقي أو ما هو ضروري لشيء  حتى يعتبر حق ، واجب وما إلى ذلك. فهو لا يقول أي شيء عن تبرير الحقوق. يقدم جدول هوهفلد تمييزًا بين أربع مجموعات مختلفة من العلاقات القانونية.  وهي طريقة لتقسيم مفهوم الحق إلى عناصره المكونة، وهي طريقة لها فوائد عديدة ومهمة.  تجعل هذه الطريقة الواضحة والدقيقة  تحليل هوهفلد للحقوق ليس أنيقًا وجذابًا فحسب ، بل أساسي أيضًا لأي شخص يرغب في إجراء تقييم مستنير وواضح للموقف القانوني بين الأطراف المعنية في ما يتعلق بالحقوق.

أنظر: htt//classic.austlii.edu.au/au/journals/MurUEJL/2005/9.html

[2]R. Dworkin, 'Is Law a System of Rules" in R. S. Summers (ed.), Essays in Legal Philosophy (Oxford, 1968).

[3] W. D. Lamont, 'Rights', Proceedings of the Aristotelian Society, Supp. vol. xxiv(1950(.

[4] Cited in C. K. Ogden, Bentham's Theory of Fictions (London, 1932}, p. cxxviii.

[5] J. S. Mill, Utilitarianism in Utilitarianism; On Liberty, · Representative Government, ed. A. D. Lindsay (London, 1g64), p. 46.

 

علي محمد اليوسف(أن اللاوعي يتجاوز الزمن).. فرويد

اللاوعي أي اللاشعورفي علم النفس هو حالة الانسان النفسية السلبية الساكنة لا تمتلك التأثير ولا القدرة على تجاوزها الزمان العشوائي الذي يكتنفها، لعدم أدراك حالة اللاشعورأو اللاوعي للزمن من حيث الزمان وسيلة أدراك عقلي وليس موضوعا للادراك وأنما يدركه العقل حدسا أستدلاليا في معرفة غيره من اشياء الطبيعة والموجودات،... والانسان لا يعي الزمن أدراكا حسّيا شعوريا موضوعيا لا في اليقظة ولا في المنام... بعكس الزمان الذي هو فعالية ديناميكية شغّالة بحيوية فائقة في حالة وعي الانسان أدراكه أشياء الطبيعة وليس هناك من أدراك شعوري لا يداخله الزمن، ولا قيمة حقيقية للزمان في حالة اللاوعي او اللاشعور.. ولا فاعلية للزمان يعتّد الأخذ بها في حالة النائم الحالم المغيّب عنه وعيه الحسّي المادي الادراكي لذاته والوجود فيكون الزمان في الاحلام عشوائيا غير منظّم بخلاف الزمان في حالة الشعور واليقظة فهو يقوم على تنظيم الاشياء المدركة في ملازمته الوعي الحسي والعقلي للاشياء...، ويبقى الانسان النائم اللاواعي الحالم محتفظا بالعقل في أدراكه صور الاشياء في الاحلام عشوائيا من غير أنتظام لكنه لا يتبادل الادراك مع الزمان الذي لا وجود له في عالم الاحلام كأدراك حدسي منظّم يقوم بترتيب تداعيات صور الاشياء، كما في حالة الحدس بالزمان شعوريا في الواقع الطبيعي للانسان كوسيلة أدراك، لذا فالزمان المنظّم الغائب هو الذي تتجاوزه حالة اللاوعي الحلمية عند الانسان من غير وعي به وأرادته وتكون الذات النائمة الحالمة متحررة من سطوة الزمان عليها نهائيا، لأنه لا وجود للزمان المحسوس كموضوع في أدراك العقل بل هو وسيلة العقل في أدراكه ألاشياء في حالة الشعوروالوعي الانطولوجي بها وليس في واقعها الحلمي الصوري التجريدي المبعثر، والزمان يمتلك حضورا وهيمنة على الانسان في وعيه، ولا سيطرة من الانسان على الزمن لا في وعيه ولا في غير وعيه في اللاشعور.....

وعدم حاجة عقل الانسان للزمان في حالة اللاوعي بسبب أن الزمن في حضوره بالاحلام وغياب الوعي يكون حضورا غير منتظم وعشوائي كما ذكرنا سابقا....والزمان في حالة اللاشعور هو حالة من التداعي الصوري المتداخلة في عشوائية في مرور صور الاشياء مكانيا في ذهن الحالم التي لا ينتظمها أدراك الزمن لها...، ومكانية الاشياء تكون هي الاخرى بالاحلام وغياب الوعي مشوّشة في تعدد وتوالي صور الاشياء وتداخلها مكانيا على شكل قطوعات صورية لا وصاية ولا حضور للزمن عليها في الذهن اللاشعوري الاسترجاعي من الذاكرة في تنظيمها، بل يكون في تداخل زمني عشوائي لا يستدل على تنظيمه صور تداعيات الاشياء والامكنة في أحلام النائم كما هوالحال على خلافه في المدرك الزماني شعوريا في اليقظة....، الزمان المنتظم في حالة الشعور الطبيعية عند الانسان في اليقظة هو وسيلة أدراك العقل الاشياء منتظمة بفضل تنظيم الادراك الزماني لها قبل توصيلها كمدركات حسّية أو غير حسية للعقل ومن بعده الدماغ فالذهن تحديدا...وفي حالة غياب الشعور اثناء النوم لا تتوفر للعقل قدرة أدراك الاشياء في طبيعتها المنتظمة في غياب زمن أدراكها تنظيميا.

أن حدس أو أدراك الانسان لموجودات الاشياء مكانيا تصبح لاغية وحالة من غياب الادراك العقلي لها في تغييب الزمان أدراكه الاشياء في مكانها بأنتظام قبل نقلها الى الدماغ أو العقل والوعي الذهني بها... لذا يكون الزمان في حالة الوعي والشعور الطبيعي هو نظام مدركات الاشياء زمنيا الذي تفتقده هذه المدركات في حالة حضورها في اللاوعي المجرد من الزمن الادراكي النظامي لها في الاحلام.

أن الاختلاف هنا بين أدراك الزمان للاشياء، وأدراك العقل للاشياء مكانيا أن جاز لنا التفريق بينهما هو أن الزمان في أدراكه وجود الاشياء يلغي ملازمة مدركه الزماني للشيء مع مدركه المكاني له كما يرغب ذلك الادراك العقلي للانسان، بمعنى أن الادراك العقلي للاشياء يتم مكانيا مجردا من زمن الادراك بخلاف الزمان الذي يدرك الاشياء مكانيا في زمنها وليس في وجودها في حيّز مكاني محدود يشير لها... أن الزمان الذي يدرك الاشياء بمعزل عن العقل أنما يدركها زمانيا فقط والعقل يدركها مكانيا فقط بوسيلة توصيل الزمن لها،.... لذا نجد أن الزمان يدرك الثابث والمتحرك مكانيا من الاشياء بآلية واحدة في لحظة واحدة هي خاصية أدراك الزمان للاشياء بعيدا عن فهم الادراك العقلي المكاني لها الذي يمنحه الزمان للعقل في أدراكه وجود الاشياء مكانيا مجردا من الزمان الادراكي لها،.... والعقل على خلاف الزمان لا يدرك من الاشياء زمانيتها بل يدرك وجودها مكانا أو موضوعا مدركا بالذهن في حالة تجريد العقل فهم الاشياء من وجودها المادي المكاني لمعالجتها وفهمها وتفسيرها بمقولاته....وفي هذه النقطة بالذات يكون للزمان أولوية أدراكية على العقل في أمتلاكه القدرة على منح العقل أدراك الاشياء مكانيا بوسيلة الزمن غير المدركة عقليا كموضوع بل كوسيلة أدراكية للاشياء،... والزمان الادراكي يعلو على العقل الادراكي ويسبقه في الاولوية، وبغير الزمان لا يمكن للعقل أن يعمل لا في أدراكه المحسوسات ولا في أمكانية معالجتها ويتوقف أدراكه للاشياء كليّا...ولنا توضيح أكثر لاحق لهذه المسألة..

والعقل لا يستطيع أدراك الاشياء في وجودها المادي مكانيا بغياب أولوية أدراك الزمان لها قبل الحواس والجهاز العصبي والعقل، والمدرك مكانا هو ما يمّثل كل وعي العقل بالشيء المدرك، ومدرك العقل لا يسحب معه زمانية ذلك المدرك بل يفهمه العقل كوجود موضوعي مكاني مجردا من زمانيته...

..وأدراك العقل يهمه معرفة الاشياء في وجودها كمواضيع للادراك ألمتعيّن انطولوجيا وليس في زمانيتها المغيبّة التي هي وسيلة العقل لادراك الاشياء في متخيل مكاني فقط مجردا من حدس العقل حضور الزمن أو لا حضوره كملازم ضروري في جعل الزمان المدرك للعقل هو مدرك مكاني فقط كما يرغبه ويريده العقل... فمعالجة المدركات بالعقل لا تحتاج زمانية أدراكها بل تحتاجها كموضوعات موضوعية موجودة مكانا كمتعيّن مادي، في حين يعجزالعقل عن جعله أدراك الزمان موضوعا للادراك بل الزمن هو وسيلة العقل في أدراكه وجود الاشياء في مكانيتها فقط...العقل لا يحتاج الزمان بعد توصيله أدراك الاشياء بالذهن ومحاولته معرفتها وأخضاعها لسلطة العقل النقدي لها وتفسيرها وفهمها... وفي هذه العملية لا يحتاج (الذهن) حضور الزمان كمدرك تعريفي للاشياء، والعقل لا يحتاج الزمن في تفكيره المجرد لكنه قطعا يحتاج مدركات متعينة مكانيا في الذهن تجري معالجتها كمواضيع للادراك منقولة له عبر الحواس في وعي الزمان لها وتنظيم أدراكها قبل وعي العقل بها.......وفي هذا تكون أسبقية الوعي الزماني للاشياء على مدركات العقل لها أنطولوجيا.

لماذا يحتاج العقل الزمان في أدراكه الاشياء مكانا؟ ألا يمتلك العقل آلية غير أعتماده الزمان في أدراكه الموجودات والاشياء مكانيا في وجودها الخارجي فقط بلا زمن يداخلها؟

الجواب على هذا التساؤل فيما نراه هو طالما لايكون أدراك الاشياء مكانا الا بواسطة الزمان، لذا لا يكون بمقدور العقل الاستدلال في وعيه الاشياء وأدراكه لها كموضوعات بمعزل عن أدراكها الزماني، أذ لا يوجد أدراك عقلي للاشياء مكانا قبل أدراك العقل لها زمانا.... وهذا يتم في عملية التخارج الخارجية التي تربط الزمان والعقل في عملية الادراك للاشياء في وجودها الانطولوجي المستقل ...

أما داخل الذهن فالعملية تختلف بعد أدراك العقل للاشياء وأستلامها عن طريق الحواس والجهاز العصبي والادراك الزمني لها، فالاشياء تصبح داخل الذهن مواضيع أدراكية لا يحتاج فيها العقل الزمان في معالجته لها وأنما يحتاج صور الاشياء بالفكر واللغة المجردين عن الزمان والمكان معا فقط.

اشكالية تداخل العقل والزمان في عملية الادراك

ماذكرناه قبل أسطر يضعنا في أشكالية جوهرية هامة جدا، هو كيف يكون الزمان وسيلة أدراك تنظيمية للاشياء والموجودات قبل توصيلها للعقل، في وقت أن الزمان وسيلة أدراك عقلي لا يعرف العقل الادراكي كنهها ولا ماهيتها هذا من جهة، ومن جهة أخرى الزمان فعالية ووسيلة أدراك ألاشياء وتوصيلها للعقل في وقت هو أي الزمان معطى قبلي أدراكي للعقل لا يعي ذاته وربما لا يعي ما يقوم به في عملية الادراك العقلي للاشياء؟ وربما يكون دور الزمان في أدراك الاشياء أفتراضا مغلوطا، وهذا غير صحيح ولن يكون لأستحالة أدراك العقل الاشياء بالحواس كموجودات فقط من غير ملازمة ذلك الادراك الحسّي زمن أدراكها....

وهذا يجعلنا نذهب ونلوذ الى ترجيح مفهوم كانط للزمان أنه معطى قبلي في الذهن سابق على أي وجود أو أدراك عقلي من دونه..... ومن هنا يكون الادراك الزماني للاشياء سابقا على أدراك الحواس والعقل للاشياء على الاقل في تراتيبية الادراك بدءا من الحواس وانتهاءا بالدماغ والذهن عبر منظومة الجهاز العصبي المعقدة، والزمان لا يعي الاشياء في أدراكها ألا بتوجيه مسّبق من العقل في الوصاية عليه وتوجيهه كوسيلة في الادراك لكنه يبقى الزمان لا يشكل موضوعا للادراك من قبل العقل أي لا يفهم العقل ماهية الزمان أكثر من الحدس الاستدلالي به في معرفة الاشياء...

ويبقى الادراك الحسي للاشياء زمانيا سابقا أدراك العقل لها تجريديا مكانا، وهذا تحليل تراتيبي فكري فلسفي منطقي مجرد لا يلزم العلم الأخذ به لما تحتويه عملية الادراك من تعقيد يشترك به وجود الشيء والاحساس به وكذلك تداخل كل من الزمان والعقل عبر الجهاز العصبي المستقبل والموصل للادراكات الى المخ.

ويبقى التساؤل المحيّر قائما ومشروعا كيف تكون علاقة تواصل الادراك الزماني للاشياء في ملازمته العقل الادراكي وأيهما أقرب للتصديق لاوعي الزمان في الادراك أم وعي العقل في الادراك وأرتباط الوعي الزماني بوصاية العقل عليه ؟؟ وكيف يرتبط أدراك الزمان مع أدراك الحواس والعقل للاشياء في عملية واحدة؟؟ وأيهما له الأسبقية والاولية بذلك؟؟ وهل ممكنا للزمان أدراك الاشياء بمعزل عن وصاية العقل عليه وتوجيهه؟؟ لا نجد المسألة سهلة تنتهي بأجوبة فلسفية منطقية غير مهتدية بما يقوله العلم بهذا المجال الاشكالي الذي لا يمتلك هو الآخر جوابا شافيا.

وتبقى مهمة البت في علاقة الارتباط الادراكي للاشياء مابين العقل والزمان ووفق أية آلية تتم لا تستطيع الفلسفة ولا المنطق الاجابة الشافية عنه....كما وليس من مهامهما القيام بذلك وأنما تبقى الاجابة على عاتق ومسؤولية العلم الطبي التخصصي في علم فسلجة الدماغ والجهاز العصبي، فالفلسفة في النهاية هي تجريد فكري منطقي لا تخضع منطلقاته ومباحثه الفلسفية الى نوع من التجريب المختبري أو التحليلي العلمي.

قد يكون من السهل علينا معرفة أكتشاف العلم كيف ترى عين الانسان والآلية الفسلجية المعقدة التي تجري بين الضوء والعين والدماغ والجهاز العصبي ومثلها مع بقية الحواس كالسمع والتذوق وغيرهما، لكن نجد من الصعوبة العلمية الأجابة كيف تتم عملية التفكير الوظائفي في الدماغ علميا قبل عجز الفلسفة الاجابة عن ذلك على حد معرفتي!؟ لا أعتقد العلم توصّل الى معرفة ألآلية التي يتم بها تفكير العقل ذاتيا بمواضيعه الادراكية داخل المخ وكيف يقوم بتخليق وتفسير وفهم مواضيعه المدركة قبل أعادتها الى العالم الخارجي مجددا....وسأطرح وجهة نظري في مقاربة توضيحية لهذا اللألتباس الشائك.

العقل والزمان في الادراك الشعوري واللاشعور

الزمان يحتاجه العقل في أدراكه الوجود والطبيعة والاشياء المادية الموجودة بالمحيط الخارجي، ولا يحتاجه في حالة تخليق الذهن للاشياء في الدماغ، الدماغ يفكر في صور الاشياء في رمزية اللغة وتعبير الفكر عن الوعي الذهني بهما... ولا يحتاج العقل الزمن النظامي في اللاوعي أثناء النوم والاحلام حيث ترتبط تداعيات صور الاشياء بنوع من عشوائية وتداخل المكان والزمان في قطوعات عشوائية مبهمة يقوم عليها اللاشعورفي غياب الادراك العقلي المنّظم لها، ولا يحتاج العقل الزمان أيضا في حالة أتمام العقل وصول مدركاته للاشياء الى الذهن في صورها المكانية وليس في ملازمة الزمان تفكيرالذهن لها،... العقل لا يقوم بالتفكير الذهني بالاشياء كموضوعات بالزمان تجريديا، أي الزمان ليس وسيلة من وسائل تفكير العقل بل هو وسيلة لأيصال مدركات الاشياء للعقل فقط... والعقل يقوم بمعالجة مدركاته في تعينّها كمواضيع والزمان ليس موضوعا ولا من ضمنها، علاقة الادراك الزماني للاشياء بالعقل التخليقي لها هو في توصيل الزمان مدركات العالم الخارجي له فقط كما هي وظيفة الحواس.... العقل ذاته لا يدرك تداعيات صور الاشياء الذهنية في حلم الانسان أثناء نومه في غياب تنظيم الزمان لاشعور الانسان من جهة وأختلاطات الصور الذهنية مكانيا من غير تنظيم زماني لها من جهة أخرى.....وسيلة العقل في التفكير بالاشياء في الذهن هو الفكرالمجرد واللغة الصورية فقط وليس الزمان كوسيلة أدراك من ضمنها....تفكير العقل الذهني لا يحتاج الزمن الادراكي للاشياء بل يحتاجها موضوعات مكانية يجري تجريدها في الذهن عند معالجة العقل لها بمقولاته المعرفية والتفسيرية.

ومدركات تداعيات صورالاشياء أثناء نوم الحالم في غياب الوعي أنما يدركها عقل الانسان الباطني اللاشعوري في عشوائية تلغي تحقيب الزمان أو توقيتاته المعتادة في تنظيم عالم الاشياء الخارجي في مرجعية الزمان للعقل، كما وتلغي عشوائية تداعيات صور اللاشعور أثناء النوم، وعدم تنظيم صورالمكان المتداخلة زمانيا - مكانيا في أستلام عقل النائم لها من ذاكرة الحالم فقط في أثناء لاوعيه،.

مجمل وعديد من صور الاشياء يتحرر فيها اللاشعور من وصاية أدراك الزمان والمكان لها في أشكال من تداعيات الموضوعات التي يستلمها اللاشعورعند النائم في أنسيابية ودون ترابط بينها أغلب الاحيان بأختلاف أن فهم العقل للاشياء وأدراكها في وجودها المادي الخارجي يكون شعوريا منظّما لأن مدركات الزمان لها يكون منتظما، وهو غيره نجده في تراجع دور العقل الواعي الذي يكون مقيّدا وبلا وصاية مؤثرة أثناء مرور تداعيات صور الاشياء في اللاشعور الذهني عند النائم التي لا وصاية للعقل عليها في أدراكها منتظمة غير مشّوشة وعشوائية وأن كان عقل الحالم حاضرا أثناء تداعيات صور الافكار والاشياء بشكل أدراكي غير منتظم.

الانسان لا يدرك الزمان وجودا ماديا ولا مدركا حدسيا كموضوع في الذهن، في حيويته وأهميته في حالة وعيه الحدسي به في أستدلال العقل لأدراكه موجودات الطبيعة في وجوداتها المستقلة، ولا يدرك العقل الزمان في اللاشعور أثناء النوم، كذلك الزمان لا يدركه اللاوعي في ثباته وسكونه أثناء النوم....،فالعقل شغّال من غير تنظيم أدراكي للاشياء في غياب الادراك الزماني اللاواعي أثناء النوم بسبب أن العقل لا يدرك نظام وتنظيم مدركاته من دون أن يقوم الزمان بهذه المهمة قبله أو بعده لا فرق بذلك فتنظيم الادراك بين العقل والزمان مشتركة وليس مهما معرفة الاسبقية الادراكية لأي منهما على الآخر....، كما أن العقل شغّال أيضا غير مفارق ذهن الانسان في حالتي الوعي واللاوعي، أي أن الزمان المنظّم لا يدرك حالة اللاوعي عند الانسان أثناء النوم في الاحلام، ولا يتدّخل بها كما هي الحال في تداخله مع وعي الانسان وأدراكه موجودات الطبيعة من الاشياء في اليقظة،.

وحالة الوجود اللاوعي أو اللاشعور عند الانسان لا يدركها العقل ولا الزمان في نفس آلية أدراكهما المنظّم تجليّات وعي الانسان في أدراكه أشياء الطبيعة والوجود الواقعي باليقظة الذي تتظافر به مجتمعة معطيات الحواس، والجهاز العصبي الناقل، وتعبيرات اللغة والفكر والدماغ في أدراك الاشياء وأعطاء تفسيرات لها...وكل هذه الفعاليات البيولوجية المعقّدة المعجزة تكون معطّلة في غياب فاعلية الزمان أدراكه الاشياء في وجودها المادي المستقل في الطبيعة وعالم الاشياء.. العقل كما هي الحواس أيضا تحتاج الزمن الادراكي لنقل فعالياتها الادراكية الى ذهن الانسان...ولا أدراك للاشياء في غياب زمن أدراكها، والحواس لا تدرك الاشياء من غير أدراك زماني ملازم لها متطابق معها في الادراك....

الزمان في حال كونه معطى أدراكا قبليا ثابتا في الذهن كوسيلة أدراك العقل للاشياء كما يذهب له كانط، أو كونه ديناميكية شغّالة يعتمدها العقل ترتبط بالحواس والمعطيات الادراكية المنقولة الى العقل أو الذهن فهو في كلتا الحالتين يكون الزمان حدسا في ملازمته الضرورية الوعي في تجليّاته الفكرية وليس موضوعا للادراك، ولا يدرك النائم الحالم الزمان في حالة اللاوعي عنده... كما أن ألزمان لا يدرك ذاته بأختلاف حالتي وعي الانسان أو اللاوعي الحلمي في محاولته أدراك ذاتيته المغيبّة وسط تداعيات مخيّلة الذاكرة التي يستلمها اللاشعور في عشوائية من التداعيات وانتقالات خارج الزمان والمكان المدركان في حالة وجود الانسان ضمن الطبيعة...أي أن النائم يخرق قوانين الطبيعة في أحلامه من دون وعيه وأرادته. وخرق قوانين الطبيعة لا يتم الا في تغييب الزمن وهذا متحقق في غياب الوعي عند الحالم....

وفعلا تبقى مقولة فرويد أن اللاوعي لا يحتاج الزمن أو هو متحرر منه صحيحة فالانسان لا يتحرر من سطوة الزمان عليه الا في حالة اللاوعي أو اللاشعور أثناء النوم والاحلام التي تتداخل فيها صور الاشياء بالذهن من غير زمن ينتظمّها، ويكون فيها اللاشعور في أوج فعاليته المتحررة في غياب وصاية الزمان التنظيمية لهذه الصور المتقافزة بالذهن في عشوائية نجدها في الاحلام مثلما لا نجدها في وصاية الزمان على الشعور والوعي في اليقظة وقيامه تنظيم المدركات الحسية والعقلية.

الزمان لا يشتغل الا مع وعي الانسان المتبادل معه حدسا أو أدراكا أستدلاليا في معرفة الاشياء والوعي بها.... بفارق أن الزمان يدرك الانسان كوجود في الطبيعة حاله حال جميع أدراكات الاشياء المحيطة به كمواضيع أدراكية له، لكن الانسان لا يقوى على أدراك الزمان كموضوع له سوى من خلال حدس تجليّاته الاستدلالية في أدراكه ألاشياء المنقولة للعقل عبر معطيات المدركات الحسية المادية للاشياء... كما لايستطيع الانسان أدراك الزمان في حالة اللاوعي أيضا كما هو الحال عند الانسان الحالم في تداخل المكان والقطوعات الزمنية غير المنّظمة المرافقة عنده من دون حضور الزمان المنظّم في تحقيقه وعي الانسان بذاته وفي محيطه في غياب لاشعور النائم وتداعيات صور الاشياء عشوائيا بالذهن الحالم.

أن اللاوعي في مفهوم علم النفس هو وعي مغيّب الحضور على مستوى تغييب الادراك العقلي له زمانيا، واللاوعي مرادف اللاشعور، لذا يكون اللاوعي أو اللاشعور الحلمي أثناء النوم وجود مفارق للواقع الزمني والمكاني، يلغي الحدود التي يضعها الشعور الافتراضي في تحقيب الزمن تاريخيا الى ماضي وحاضر ومستقبل وفي توقيتاته الزمنية في التقويم الزمني المعتاد المتواضع عليه في تقسيم اليوم والساعة والليل والنهار والفصول وغير ذلك أيضا.

في اللاشعور أو اللاوعي عند النائم لا يدرك الانسان ذاته ولا يدرك المحيط من حوله لأنه حالة ثبات في أنعدام الزمن المنظّم الواجب في ملازمته صور تداعيات الاشياء مكانا عند الشخص الحالم، ولا يمكنه أدراك متغيّرات صورية متداعية لا ينتظمها الزمان المنظّم للاشياء الصورية الحلمية وفي ترتيبه قطوعات المكان، بخلاف آلية الزمان الادراكية في وعيه الاشياء والطبيعة كما هي في حالة اليقظة، عن طريق نقل الزمان الذي يعتبره كانط أدراكا مقولبا ثابتا في العقل وسابق على وجود الاشياء، ونقله معطيات المحسوسات للذهن التجريدي، فاللاشعور في ثباته لا يدرك الزمان منتظما توقيتا أو تحقيبا تاريخيا، ولا يدرك المكان وجودا منتظما لأنه محكوم بزمن غائب ومتغير ومكان خارق لقوانين الطبيعة في تداخله مع تداعيات صور الاشياء بذهن النائم الحالم، عليه يكون تداخل التحقيب الزمني غير وارد ولا حاصل مع أدراك اللاشعور لصور الاشياء بأشكال مختلفة عنها أثناء النوم بالمقارنة في حضور أدراك الاشياء المادي الواقعي في حضور وتأطيرأدراك الاشياء بانتظام زمني وأنتظام مكاني معا،.. هنا نؤكد لما سبق أوضحناه أن المكان في غياب أدراك الزمان له غير موجود الا في وجوده المستقل في الطبيعة كمتعين مادي ولا وجود ادراكي له بالذهن قبل أدراك الزمان له وتنظيم الوعي به.... العقل عاجز عن أدراك الاشياء قبل أدراك الزمان لها...، ووجود الشيء مكانا في الطبيعة لا يمنح العقل أدراكه له من غير أدراك زمني له يزامنه في تسهيل مهمة العقل أدراكه. واللاشعور يدرك وجود الاشياء وأجترار الذاكرة الصور القصّية البعيدة والقريبة في عشوائية ذهنية مكانية حالمة لا يداخلها الزمني في حلم غياب الشعورأثناء النوم...أدراك الاشياء مكانيا في اليقظة وحضور الشعور أنما هو (زمن) حدسي قبلي يأتي بعد وجود الاشياء في العالم الخارجي المحسوس، وبعد أدراك العقل لها وأستقرارها في الذهن يعطي الذهن صحة مدركاته الاشياء في تنظيم ألوعي المعرفي بها في تداخل الادراك بين الزمان والعقل.

والانسان في وعيه الادراكي الشعوري الواقعي لذاته، وفي أدراكه وجود الاشياء من حوله في الطبيعة، أنما يتم له ذلك من خلال تحقيبه الزمن أدراكيا في وجود الاشياء وفي التوقيتات الزمنية بدءا من الساعة واجزائها وتعاقب الليل والنهار وليس أنتهاءا بتعاقب الفصول الاربعة. وبذلك تكتسب الاشياء أنتظام وجودها الزماني – المكاني في الطبيعة وليس في اللاشعورالذي يكون فيه حضور الزمن غير منتظم وغائب تقريبا.

أن أي تجزيء توقيتي للزمن أو تحقيب تاريخي له أنما هو عمل أفتراضي لا واقعي لزمن واحد يعيشه الانسان في وعيه الشعوري وأدراكه وجود الاشياء والتاريخ، ويتعذّر على الانسان تجزئة الزمان أو التقسيم أو التحقيب التاريخي في زمان مدرك كموضوع وأنما كقطائع أفتراضية واقعية، كما يعيشه الانسان فقط كوسيلة في مدركاته الاشياء في الطبيعة وليس في أدراك الزمن (بذاته) أو معرفة الانسان ماهيته فالزمن ليس موضوعا للادراك ولكنه وسيلة العقل في الادراك كما أشرنا له أكثر من مرة.... ألزمن لايدركه الانسان ولا يحس به وأنما يحدسه عقليا فقط في أدراكاته ونتائجه الاستدلالية وفي ملازمته الشعور فقط وليس اللاشعور...الزمن في تنظيم الانسان له على مدار الساعة وانتهاءا بالتحقيب التاريخي له ماض وحاضر ومستقبل، أنما هي عملية يقوم بها الانسان في تنظيم مدركاته للاشياء والوجود انطولوجيا وليس تنظيم الزمن في علاقته بالمكان.

والزمن واحد في تداعيات صور الموضوعات غير المنتظمة في أستقبال ذهن الانسان وذاكرته في أنتظام أدراك الاشياء عقليا...فالزمن ثابت ولا يتغير لافي ثبات الاشياء مكانيا ولا في تغيراتها زمانيا بالنسبة لادراك الانسان للاشياء وليس أدراك الزمان لها،... فالزمن لايعي ذاته ولا يعي دوره في تحقيق مهمة العقل أدراك الاشياء...والزمن يدرك حركة الاشياء في سيرورتها ولا يدرك الاشياء في ثباتها المكاني الافتراضي كما ذهب له كانط، فثبات الاشياء المكاني في أدراك الزمان لها هو في واقعه الحقيقي أدراك الاشياء زمانيا فقط ليس بالنسبة لأدراك العقل وليس لأدراك الزمن، بمعنى الزمن وسيلة أدراك الموضوعات والاشياء في زمانية هي خاصيته في أحتوائه الاشياء كمدركات مكانية ينقلها للعقل، وبالحقيقة المثبّتة صحتها علميا أنما يكون الزمن بهذه الحالة في أدراكه مكانية الاشياء في مهمة تسهيل أدراك العقل لها هي مدركات ألزمان لذاته فقط ويكون وجود الشيء مكانا أنما هو مدرك زماني...أمام هذه الحقيقة العلمية ذهب برجسون الى تخطئته العلم بمنطق الفلسفة الخاطيء.(تراجع مقالتنا بعنوان كانط والمعطى القبلي للزمان والمكان).

الزمان يدرك ذاتيته المرتبطة بالعقل ولا يدرك الاشياء في وجودها المكاني المستقل الا بأستثناء أفتراضي أن يكون الزمان مدركا عقليا يسيّره العقل كيفما يشاء ويريد.. وأنه ليس هناك زمن لا تكون فاعليته من غير عقل أنساني يسيّره....وهذا خلاف المنطق الفلسفي والعلمي فالزمان وجود قبلي في ملازمته حدس العقل الانساني له، والزمن يعمل في الطبيعة كواحد من قوانين الطبيعة المستقلة التي لا قدرة للانسان في السيطرة عليه سواء أدركه الانسان أو لم يدركه، فالزمن قرين وجود الطبيعة قبل أن يكون قرين وجود الانسان في تكوين معارفه وتشكيل وعيه....

وبالعودة مجددا الى مقولة فرويد، نجد غياب الزمن في اللاوعي أو في اللاشعور لايتم الا في فقدان الانسان شعوره المادي الواقعي بالحياة كوجود انطولوجي، كذات وموضوع معا، بمعنى أن حلم النائم هو موت مؤجل في الحياة يعيشه الانسان في لا شعوره به أثناء النوم بفارق بقاء ألعقل والنظام البايولوجي يعمل في الجسم أثناء اليقظة وأثناء النوم ولا يتوقف العقل عن حضوره الواعي والتفكيري الا بعد ممات الانسان.

وفي غياب الزمن التوقيتي أو التحقيبي أثناء النوم كما يجري في الاحلام تتوفر أمكانية أن يجد الانسان نفسه كائنا خارقا لقوانين الطبيعة،ويستطيع بكل يسر وسهولة وبغير أرادة مسبقة منه القيام بالخوارق في كسر قوانين الطبيعة في الزمان والمكان الذي نعيشه، والتي يستحيل على الانسان في عالمه الواقعي القيام بأبسطها في وجوده الطبيعي الشعوري، والسبب في هذا هو غياب الزمن في تنظيم تداعيات اللاشعور في صور الاشياء المتقافزة عشوائيا في الاحلام .. .. .أن خرق قوانين الطبيعة في الاحلام عند الانسان ممكنة الفعل والتصديق بها من قبل الفرد الواحد صاحب التجربة الحلمية، ولا يشابه هذا خرق قوانين الطبيعة التي يحتازها الانبياء وينسبوها لأشخاص يمتلكون بعضا من المعجزات كما في الاساطير الدينية على الارض، ويتم خرق قوانين الطبيعة عند غالبية الاشخاص زمانيا – مكانيا أثناء الاحلام، وبلا حدود واقعية فارقة تعودوها واستمدوها من وجودهم الارضي الواقعي الذي ينتظمه الشعور والادراك الواقعي الحسي العقلي وتنظيم الزمان لمدركات الاشياء... كما يتحقق للانسان أثناء النوم أن يعيش الزمن في بعد واحد فقط تتداخل فيه الامكنة غير المترابطة ولا المنتظمة زمانيا فأدراك الاشياء منتظمة لا يتم من غير ملازمة الزمان أدراكها والوعي بها، ولا يوجد هناك أكثر من بعد زمني واحد عشوائي تتداخل فيه صور الأمكنة الماضية بالحاضر والمستقبل المتخّيل في الاحلام... وأن تقسيم الزمن وتحقيبه هو من أبتداع ملكة الانسان العقلية والخيالية على السواء في تنظيم أدراكاتنا وأساليب حياتنا المتواضع عليها عبر العصورفي خضوع الانسان لتحقيب وتوقيتات الزمن التي أبتدعها وأوجدها ملائمة لتنظيم حياته في حدس الزمان وليس في أدراكه، ولم يكن الانسان في يوم ما مسيطرا على الزمن في تحقيق رغائبه وأمانيه، بل العكس هو الصحيح تماما فلا يقدر الانسان الفكاك من سطوة الزمن عليه وأستعباده له منذ الولادة وحتى الممات، فالانسان في تحقيبه الزمن تاريخيا وتنظيم مواقيت التقويم الزمني له يدرك ماذا يفعل مكانا وليس زمانا، بينما تكون سيطرة الزمان على الانسان عملية لا تعي ذاتها ولا تعي مايفعله الانسان بها ولا تدرك أن الانسان عبد لزمانه وليس سيدا عليه.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

 

زهير الخويلديترجمة وتعليق: د. زهير الخويلدي

1- الرمز:

ظاهرة لسانية يشتغل عليها التحليل في حقلين مختلفين:

- مسطح اللغة، جثة هامدة، نسق مغلق حول نفسه.

- مسطح الكلام، من حيث هو حركة التي تتخذ من الجملة نقطة ارتكازها.

- المعنى الرمزي:

في الظاهر لا يعدو أن يكون سوى حالة خاصة من المعنى.

- الكلمات هي متعددة المعاني: إن لها أكثر من دلالة واحدة، حيث إمكانية عدة استعارات التي لها معنى مضاعف، أو معنى المعنى.

- تمثل الحلم يتطور في مشهد معين، لكن من جهة أخرى تريد صوره أن تقول شيء معين ولا تتجاوز إذن نحو ماوراء الصور ذاتها. نزيف المعنى.

- الانزياح، تشرد شعب، يعني في درجة ثانية بعد من الوضع البشري تم انتزاعه من مكان معين في حركة نحو مكان آخر.

- النور هو الوسط في مرآوية الأشياء، لكن هو أيضا رمز لشفافية الأشياء وللعلاقة بين الأشياء.

في كل هذه الحالات يتعلق الأمر بمعنى مضاعف، الذي هو في ذات الوقت حالة خاصة وحجر الزاوية في تحليل الدلالة. هذه الأخيرة تم اعتبارها طريقة في تناول الواقع، نمط في القول، لكن أيضا واقع كلام. إن تسلسل هاتين الوجهتين من النظر: وجهة نظر الكلام من حيث هو قطع مجرد من الكلام، انتعاشة وإعادة الحركة الى الكلام، يطرح مشكل المعنى المضاعف. وفي الوقت نفسه مواتية له لأن الأمر يتعلق بمقاربتين تم توزيعهما على مستويين استراتيجيين مختلفين. ولا يتعلق الأمر بنفس المستوى الذي يكون فيه كلامنا دالا ومن جهة أخرى تكون له بنية.

الاختصاصات في التأويل:

إنها تعمل على إظهار الرمز الذي يلاحقه التفسير في مستوى الوحدات الكبرى: تلك النصوص) المسرح، الشعر، الحلم (في حين يهتم المستوى البنيوي بالوحدات الأكثر صغرا: الكلمات، وحتى المعاني- وحدات هي تمثل عناصر من الدلالة. راجع غريماس: الدلالية البنيوية. مع النص، الوحدة العليا للجملة، يظهر الكلام الأساسي للجملة، لقول شيء ما الذي يتم أخذه من قولك عل القول، وحدة الكلام. لكن الرمز، في الوحدات الصغيرة أين يتم ترتيب العناصر الواحدة بالمقارنة مع الأخرى ليس أكثر من الكلام لا يقول شيئا. في مستوى ظهوره، يحيل الكلام إلى الواقع. يقود التحليل إلى عناصر إلى بنية الكلام وليس إلى وظيفته ولا يتزامن طريق التحليل مع التأليف.

يمثل مستوى التأويل سطحا منسجما: حتى لو تختفي مواضيعه، تظل قابلة للمقارنة من وجهة نظر معينة. لأن الحلم والأسطورة أو القصيدة تختلف بواسطة نمط تكوين المعنى، لكن تشترك في ظاهرة المعنى المتعدد. إنها تعني الكثير من الأشياء عندما تعني شيئا واحدا. انه المعنى المزدوج: عندما يدل الرمز على شيء فإنه يدل على شيء آخر دون أن ينقطع عن الدلالة على الأول. إننا نسمي تفسيرا، يكتب ديلتاي، فن فهم التجليات الحياتية المثبتة من طرف مؤلف النص. لكن النص لا يكشف عن تكوينه للمعنى المتعدد إلا عند مستوى معين من التعقيد. على سبيل المثال الحقبة التوراتية: قطيعة تأخذ بعين الاعتبار الكثير من الشخصيات والأحداث- هي موضوع نشر الكثير من طبقات المعنى التي بقيت مختلطة.

إنه داخل هذه المعمارية للمعنى التي تَكَوَّنَ فيها مشكل الرمز. على سبيل المثال علوم التحليل النفسي: انه برفض المعنى الأول غير المعقول يتطور الفهم في نص ثان. بالمثل تستند فنومينولوجيا الدين على تأويل للعلامات متجذرة في الكون (مارسيا ألياد). بالمثل أيضا بالنسبة إلى الرموز الاجتماعية والكلام الشعري.

انه دائما داخل مجموع كبير يصبح المعنى المتعدد كثرة منظمة، لكن ليس في مستوى وحدة صغيرة. ان الوحدة لمختلف التأويلات تتم بانفجارها في اتجاهات كثيرة. إذا كانت للرمز وحدة صورية في التكوين بواسطة تعدد المعنى فإنه قد وقع امتصاصه بواسطة الوظيفة الخارجة عن اللغة. انه تعبير حرفي لطبقة قبل لغوية: كون، حالة نفسية، مجتمع الذي تكمن وظيفته في أن يظهر.

إذا كانت الألسنية تشتغل تحت المسلمة المنهجية لانغلاق النسق الذي يكتفي بذاته، فإن النص،على سطح التأويل، يكون مفتوحا على المغاير عنه.انفتاح في اتجاهات مختلفة التي تختص بها هرمينوطيقيات مختلفة. وهذا الضرب للكلام على الوجود الذي يحدث وفق أنماط مختلفة أليس من غير الممكن جمعها في معرفة مطلقة؟. الحلم يضفر بين البعد الطاقوي والبعد التفسيري، الرمز هو وسط الانبثاق والتمفصل للمعنى لأي شيء كان غير لغوي. مشكل فرويد ليس مشكلا لغويا، بل مشكل تمثلات الرغبة التي تعلب وراء هذه الأقنعة. تكون سلطة الرمز، بين الايروتيقي والسيمنوطيقي، هي التعبير المتعدد لأقنعة الرغبة. إنها تخوف غير مباشر من تكوين التعبير لا نوجد له أي كلام مباشر. إن الأمر يتعلق بكثرة من التعبير التي لا تتجلى ليس بواسطة نقص في الوضوح، وإنما بواسطة انفجار في المعنى.

يعبر الرمز عن ظهور المعنى خارج انغلاقه: انه يوجد من أجل الآخر. وظيفته هي أن يظهر.

لا تختلف الهرمينوطيقيات المتنوعة سواء بواسطة تكوين الدلالة ولا بواسطة نمط الانفتاح. حيث هناك في ذات الوقت القوة والضعف في هذه الاختصاصات في التأويل، لأنها تأخذ الكلام في اللحظة التي يهرب فيها من نفسه. لهذا السبب يظهر على الاختصاص البنيوي الكثير من الدقة العلمية. لكن هذا الضعف هو الجانب المعاكس لقوة. لأنه في اللحظة التي يهرب فيها يأتي الكلام إلى ذاته ويقول شيء ما في حركة من الاكتشاف والاختباء. انه يلوح بالمعنى عند ماقبل السقراطيين. انه يكشف في ماوراء البني اللغوية عن غموض équivocité معنى الوجود (أرسطو).

دياكروني diachronie وتعدد المعانيpolysémie

ماذا يحدث عندما نغير مستوى الاعتبار لوحدات الدلالة التي تتكون منها الكلمة؟

في الواقع، الكلمة لها وجهين: إنها تنتمي إلى اللغة وتأخذ معنى بتنزيلها في الجملة. تضعنا المقاربة البنيوية في مواجهة العلامات المعجمية، والفوارق في نسق وليس البتة في موضع دلالة. يظهر هنا ميكانيزم المعنى المضاعف، تعدد المعني polysémie. بيد أن كل كلماتنا هي ذات معان متعددة، الأمر الذي يتطلب استخدام محورين في وقت واحد: السانكروني synchronie والدياكروني diachronic. إنها في الزمان قد تحصل الكلمة على عدة دلالات. إن مصطلح الاستعارة نفسه هو دياكروني : انه يفترض تحويلا في المعنى. والمعنى المتعدد لكلمة هو تسريع لعدة استعمالات. ما ندركه في مقاربة سانكرونية، هذه التكاثر في المعنى، هو التعبير عن لحظة معطاة في تحويل المعنى. بينما التفريق في العلامة مع محيطه تتنزل في السانكورني. تنتج البنية،في مستوى الرمز، عن مسارين. من كثرة التدليل، تفيد كلمات معينة العكس، وإذن لا تعني شيئا لأنها تنفجر في التناقضات:هذه كلمات الهائل، الفظيع. هناك من ناحية توسع لانهائي، شحن زائد للمعنى، لكنها من ناحية أخرى محدودة بالحقل السياقي. تم حظر التوسع بواسطة التحديد السياقي للعلامات داخل النسق. ومع ذلك، يحدث أن تتداخل الكلمات مع بعضها البعض في التشبيه homonymie والترادف synonymie. يبقي ذلك أن معنى الكلمات في معجمية هو تاريخ مسقط على حالة من النسق، وقوة الكلمات هي تبادل بين الحاضر والماضي. هكذا يأتي التاريخ إلى البنية ويجعلها تتحرك. انه على هذا العمق المتعدد من المعاني الذي يتمفصل فوقه الرمز. يجب إذن أن تكون بعض القيم مستخرجة في نفس الوقت من استعمال الجملة حيث يتم تحيين المعنى المتعدد. نمر من وجهة نظر الرقم code إلى وجهة نظر الرسالة. لو كانت كل كلماتنا متعددة المعاني، وحدها البعض منها تكون رمزية. لقد ظهر الرمز بعد المرور من التعدد العام لمعاني العلامات إلى التعدد الخاص للمعاني. ويوجد مفتاح المرور في مستوى الرسالة.

كل الدلالات في مستوى الرقم هي مجرد دلالات افتراضية. والنشر في السياق يكشف البعض ويحجب البعض الآخر. ثم سواء تتحقق نسبية وحدانية المعنى في السياق وعندئذ تحصل على تأويل واحد، أو يحافظ السياق على تعددية معنى الكلمة ونحوز على الرمز. ما تبقى من الكنز مع الرمز يعوم حول الجملة ويعطيها التباسا، كما هو الحال في المزاح أو الشعر. لم يتم إذن فرز تعدد المعني، لقد وقع حفظه،: اثنان أو أكثر من طبقات المعنى تم تثبيتها بواسطة الفعل المشترك لتعدد المعني في كل المصطلحات. هذه هي الطريقة التي تقرأ بها نشيد الأغاني كقصيدة حب، قصيدة صوفية أو كلمة مرور للحركة الثورية. هكذا يتم تبرير العديد من خطوط المعنى بتشكيل معنى الخطاب.

الرمز ككشف لتعدد المعنى:

 لقد تم تكوين رمزية الكلام بفضل هذا التغيير في السلم.

- في مستوى النسق، تَجَذَّرَ الرمز (الحلم، الأسطورة، الشعر) في غرض أساسي من الكلام: تعدد معنى الوحدات المعجمية، الكلمات المرتبطة فيما بينها، وأسقطت الصيرورة الاستعارية الزمنية في البنية السانكرونية أين تم تثبيت تعدد المعنى.

- في مستوى القول، هذا التعدد في المعنى الذي أثر في كل الكلمات يوجد متأثرا بسياقات معينة التي تتيح لتعدد المعنى بالظهور وحتى المحافظة عليه بدل أن تخرقه.

هكذا تفترض الرمزية شيئين. من ناحية الطابع متعدد المعنى للكلام مأخوذ من وجهة نظر الرقم، من ناحية أخرى تنظيم بعض السياقات الذي يسمح بظهور هذا التعدد في المعنى الممكن. بهذا المعنى، لا يصير الرمز ناطقا إلا في البنية: هناك توجد الحقيقة في البنيوية. داخل البنية، في حدود بنية ثقافة يشتغل عليها وفي حدود منظمة يتم تنظيم ثرائها وكأنها متقنة. لكن أصل ثراء المعنى لا يمكن تفسيره بهذا التحديد الذي لا يزال سلبياً. هذه هي فائدة هذا المنعطف اللغوي الذي يتوقف عن أن يكون لغزا لأنها تحدد في تعدد معنى الكلمات وتقع في خطة للعلاقات. لكن شيء ما لا يمكن أن يتم تبينه بواسطة سيمينوطقا بنيوية: لقد تم وضع انفتاح الرمز بين قوسين بواسطة القرارات المنهجية. تعود دراسة خطة ظهوره إلى اختصاص أخر، ذلك الذي يقترح فهم قصد الدلالة.

قد يكون هناك لغز في الكلام، ولا يوجد أي لغز في اللغة. الرمز الأكثر شعرية يعمل مع نفس المتغيرات السياقية مثل الكلمات في القاموس. لكن اللغز في الكلام يكمن في سطح ظهوره أين يأتي قول ثراء الوجود إلى الخطاب. تكمن مهمة الفيلسوف في الانفتاح نحو كينونة قول اللغة بينما ضرورة المنهج في الألسنية البنيوية ينغلق على النسق في علاقاته الداخلية.

2- قوة الكلمات:

يظهر الخطاب والعنف لأول مرة على أنهما متعارضان: إما أتكلم، وإما أضرب، وإما أخضع الآخر بالقوة، وإما أدخل في نقاش معه. لكن هذا التقابل في الكلام الذي يكونه العنف، هو أيضا شريك، ارتكاز وأيضا منبع ديناميكية التي تمنح القوة للكلامات. بيد أنه يجب الدفع بالفهم النظري إلى الأمام قبل دراسة علاقته بالعنف والتكلم عن مقصده في الخطاب لأنه على سطح المقصد، يجعل البحث عن المعنى العنف حقيقة إنسانية، وعلى العكس تماماً يجب أن يتم صده أو الالتفاف عليه.

مقصد الكلام في الخطاب

التحدث عن المقصد دائمًا مليء بالمخاطر والأوهام: إنه يخاطر بفرض الأهداف الخارجية، وفي الوقت نفسه يعرض نفسه لانتقاد الأسباب النهائية لديكارت، سبينوزا، كانط، نيتشه. ومع ذلك، فإن هذا النقد للغائية مفهومة كغائية خارجية، لا يستنفد مسألة المقصد. انه لا يبلغ سوى مستوى أكثر سذاجة من الغائية. توجد الغائية الحقيقية في الظهور الكامل للتوجه الحميم للديناميكية.

يجب أن نذكر هنا شخصية عظيمة تهيمن على فلسفة الكلام: هي غيوم دي همبولدت Guillaume de Humboldt الذي فكر في الكلام بشكل كامل. لا يمكن لفيلسوف الكلام أن يحصر نفسه في دراسة المنتجات الخاملة في مجموعة ميتة، بل يجب عليه أن يجد وراء هذه المجموعة حركة الإنتاج ذاتها، وبالتالي نشر جميع الديناميكية. من وجهة النظر هذه، فإن الغائية في الكلام هي المظهر الكامل لهذا النشاط الذي هو في أصل نشره بالكامل.

هذه الرؤية لا تأخذ كل معانيها إلا إذا تم استبدال الكلام كعنصر في دورة كبيرة من خلالها نعبّر عن العالم إلى أشياء من ناحية، ومن ناحية أخرى إذا ما نحن نمتلك العالم لنكون فرديتنا الإنسانية أو فردية الشعب. انه مثل النبض الكبير الذي هو الحركة ذاتها التي يظهر من خلالها الروح.

من هذه الرؤية لهمبولدت يستنتج ثلاث لوازمcorollaires :

1- اللاّزمة الأولى: لو أخذنا الكلام في حركة دائرية أين يصير الروح ويتكون رؤية للعالم، فإنه ينبغي القول بأن التواصل ليس سوى هدف جزئي للكلام. بالطبع، لدينا الكلام للتواصل مع الغير، لأنني لا أستطيع الخلط بين سلسلتين من المعيش vecu: معيش وعيي ومعيش وعيي بالغير. انه بسبب إنغلاق هذا الوعي يجب انشاء التواصل. ولكن من ناحية أخرى، إذا كنا نتواصل، فذلك لأننا نتحدث عن نفس الشيء، من نفس العالم، وبالتحديد عن طريق استيعاب هذا العالم الذي أصبحنا فيه فردية، ذات متكلمة.

لكن الهدف من الكلام langageهو التعبير الذي يعمل في حركة مزدوجة. من ناحية أعبر عن نفسي: تصبح حميمية كياني موضوعا لي ولغيري، ومن هذه الضربة تنتشر في التفرد الحي والمفكر الذي كان مجرد استيعاب غامض. من ناحية أخرى، أعبر عن ماهو موجود، وأفقد من الوجود بالكلام. حركة مزدوجة حيث القصد هو استنفاذ المفكر فيه: هذا ما نسميه الخطاب discours .

2- اللاّزمة الثانية: منذ ذلك الحين، فإن المنطق البسيط، والتماسك المنطقي أو الذكاء الأداتي لا يستنفد قصد الخطاب بالكامل. لا يمكن للمصطلح عن المعقول أن يكون مختزلا في الذكاء الحسابي، لأن الذهن المقسم ليس كل المعنى. الحضارة التي نعيش فيها تترك مكانا كبيرا لهذا الذكاء الأداتي. بينما يبقى كل اختزال للمعنى المعقول إلى هذا الذكاء الأداتي المجرد في خارجه كل قسم من العقلانية الذي بنفس الضربة يجد نفسه متجها نحو العنف. لهذا السبب لا يبقى خارج الصراع من أجل تنظيم الطبيعة سوى عالم اللاّمعنى. ليس من قبيل المصادفة أن التقدم التقني أين يحكم التخطيط ولامعنى الشواذ و يظهران معا و في ذات الوقت، وأين يتفاعل الثاني ضد الأول. ومن هنا جاءت فكرة القتل من اجل القتل وتحرير إمكانية العنف التي لا تجد مكانها في استعادة المعنى.

3- اللازمة الثالثة: أي اختزال يفضي إلى الذكاء الجزئي. انه ارتقاء خاطئ لتخليص الذات من الموضوع للوصول إلى كائن محايد. انه إخلاء للذات المتكلمة لصالح اللغة بوصفها حركة مجردة في عملية كاملة. الإخلاء الذي يكشف عن الذهن الانقسامي ويترك المكان الفارغ من أجل الإثبات العنيف للذات. وبالتالي تطور عبادة الشخصية على الإخلاء للذات عينها. لأن كل ذكاء أداتي فقط هو شريك دائم في عبادة التفرد.

إن الكلام هو الوسيلة الحاملة للقصد الذي لا يفرغه من الخارج، بل ينظمه من الداخل، بفاعلية ذاتية الإدارة والتي هي إرادة المعنى. هذه الإرادة تتضمن انسجاما مع ذاتها واتفاقا مع الغير. ومن هذا المنطلق يطرح الخطاب نفسه بوصفه ضديد العنف. يتعارض الخطاب مع العنف، ويطرحان في تناقض يستمدان منه معناهما الكامل.

العنفviolence : هو مشكل يفتقر إلى وحدته الخاصة طالما أن المرء لم يقم بمواجهته عبر إرادة المعنى والخطاب. لم نكن لنقدم فكرة مطمئنة عن العنف إذا اختزلنه إلى أقصى شكل من أشكال القتل، أو إلى الطرف الآخر الذي هو قوة الطبيعة لما تقوم بالاعتداء على الإنسان ولا يقوم الإنسان بالسيطرة عليها: عنف الإعصار، والعاصفة، والوباء. بين هذه التطرفات توجد إمبراطورية بين الاثنين برمتها التي هي الفرد بوصفه عنف منظور وعلى حافة الإعصار: إنها الكراهية، والى جانب القتل: إنها العنصرية أو الامبريالية.

اعتراض: أليس من شأن ذلك إغراق جميع أشكال العنف أين تجري في مشاكل القمع والثورة والكراهية الخاصة من إنسان إلى آخر؟

تكمن مهمة الفيلسوف في اتخاذ مسافة عن الطبيعة الخارجية بالمرور عبر الطبيعة الداخلية وخلع القتل.

ليست وحدة مشكل العنف في شكل تعدد العبارات. وحدة هذا المشكل تكمن في الكلام الذي يواجه به: انه بالنسبة إلى الكائن الذي يتكلم ويقطع خطوة في اتجاه المعنى يمثل العنف مشكلا. لأن العنف يمتلك معناه من آخره: الكلام. وبالمقابل، فإن العقلانية تستمد معناها من ما تقوم به للحد من العنف. يقيس العنف والكلام كل بعقب الحقل الكامل لميدانه. لا يمكن لأحد أن يجادل عن العنف في قوله المضاد. من الذي يجادل، يود أن يكون على حق، وهكذا يترك سلاحه. إن التعارض الصوري بين الاثنين: يجب أن يكون المفهوم فارغا من الكلام وأن يكون العنف ممنوعا بشكل خاص من قبل أي شخص يتحدث. هذا التعارض الصوري لا يعمل سوى أن يحدد المشكل للبعد الأكبر الذي يقوم بغلقه الفراغ. لأن التعارض الذي نحن جزء منه ليس بالضبط بين الكلام والعنف، بل هو تعارض بين العنف والخطاب المتماسك. لأنه لا يمكن لأحد أن يدعي الحصول على الخطاب المتماسك بدقة دون أن يصبح بالضبط عنيفًا. ادعاء امتلاك الخطاب المتماسك هو الغموض الذي يجعل من الكلام يمارس العنف. وبالتالي إن العنف يتكلم، أي إنه هذا الذي يتكلم من أجل استهداف المعنى. الوسط بين العنف والخطاب هو مجال التعبير البشري ذاته. مثل هذا المشكل غير معروف على مستوى تشريح اللغة. إن المشكل يتم طرحه فقط على مستوى الفزيولوجيا. لأن اللغة في حد ذاتها تبدو بريئة، إنها لا تتكلم. انه مثال الخطاب، القول، الذي هو عرضة للتأقلم مع هذه الجدلية الخطاب –العنف. عندما نضع أنفسنا في ديناميكية الكلام ننضم إلى نقاش الخطاب – العنف. لكن من الضروري أيضا أن قصد قول شيء ما تخترق التعبير بحيث يمكن لهدف المعنى أن يتعارض مع العنف. هكذا يتلقي التعبير عن العنف وإرادة المعنى. أن اللغة كقول هي المكان الذي يأتي فيه العنف للتعبير، في الوقت نفسه الذي يعزّز فيه مقصد المعنى المعقول الوجود المنطوق. إن هذا القتال يستمر أكثر بشكل ملموس في كتابة الكلمة، وفي عمل التسمية داخل الكلام. يمكن للمرء التحقق من ذلك على ثلاثة أمثلة، وهي ثلاثة مجالات مختلفة من القول: القول السياسي والقول الشعري والقول الفلسفي- أين تكون الكلمة، تزويق القول، عقدة العنف والمعنى. يبدو السياسي أكثر قرب من النزاع بين إرادة المعنى والعنف. الشعري هو تسامي عن العنف في التعبير عن المعنى. الفلسفي هو في مكان ما بين الاثنين . لكن هذا التخطيط أمر مشكوك فيه.

السياسي: هو التقاء العنف والمعنى. نحن نميل هنا إلى اختزال تفكيرنا في الطغيان الذي يتكلم فيه العنف. إن السلطة القصوى هي عكس الفلسفة: يبين أفلاطون كيف أن الاستبداد يتم عن طريق الإقناع والإطراء. خدمة مقدمة من طرف الكلام إلى قوة الطاغية: خدمة السفسطائي. هتلر يمر بواسطة هذه الخدمة للسفسطائي، هذا قاده إلى الحل النهائي للمشكل اليهودي الذي حرك الكراهية واستدعى الموت. في العنف لكل ثورة، يقوم الصوت بتحريك القصد: ينبغي إيجاد تمفصل دونه ليس ثمة ثورة. لكن لكي نفكر في عمق العلاقة السياسية، يجب أن نعتبر السلطة لي في شكلها المغتصب بل في ممارستها العادية. هنا يكون الاقتران بين المعنى والعنف هو الأكثر خفية والأكثر قيمة. هناك سياسة لأن هناك مدينة، لأن الأفراد تخطوا عنفهم الخاص وأخضعوه الى قاعدة الحق. لكن في نفس الوقت الذي تسامت فيه المدينة عن عنف الأفراد لا يتم تجميع الجماعة سياسيا الا بواسطة قوة مضاعفة من هذا الشكل: الجماعة تم تجميعها في سلطة مركزية وفي حكومة. هناك مرور من السياسي كنظام للحق وشكل إلى السياسي كإرادة ومعطى كقوة. هذه الإرادة في نفس الوقت فرد كبير غضبي الذي يتحدث كلام الخوف والكرامة المهانة ويرجع للسفسطائي. انه عنف كبير الذي يمنح الكلام للقيمة والشرف، لغة تم الاستيلاء عليها ككلمة سلطة.

مفارقة سياسية ومفارقة الكلام: مفارقة المعنى والعنف. هذه المفارقة تسكن الكلمات الكبيرة التي ترفع الحشود في اللحظة التي يكون فيها الوطن في خطر ويواجه الموت. الكلام يفتن رغباتنا ويعبر المرء عن العنف كما يعبر عن عصير الفاكهة. إنه من خلال معنى السياسي يتم نقل العنف ولا يموت البتة.

كلام الشاعر: إذا ظهر أن الكلام لا يخرج من هذا التناقض، ينبغي أن يقال أن الكلام بأكمله مقيد بالعنف ومعرّف به. لكن كلام الشاعر هو انفتاح على الوجود الذي يظهر. يمنح هيدجر الكلام كخضوع إلى وصفة القيس والضبط المتعلقة بانفتاح الوجود. يمكننا أن نجد هنا نقطة الانطلاق للتفكير في الطاعة. إنها ليست معاكسة للتمرد بل إرادة السماح للوجود. إن الفعل الشعري هو النقطة المتقدمة من اللاّعنف. يحوز الكلام على القدرة الكلية للطبيعة بالمعنى للماقبل سقراطيين. حتى الآن يتم جمع في هذه النقطة القصوى الخصوصية العنيفة: وبالتحديد في قوة الضرب بالكلام. لو كان صحيحا أن الشاعر يمنح الوجود للكلام (هيدجر) فإنه في ذات الوقت يمنح الوجود إلى الكلمة. بيد أن تشكيل الكلمة، هيدجر يقول بأنها تمثل الفعل الذي من خلاله يشيد الإنسان الوجود في وجوده ومن ثمة يصونه في انفتاحه. صيانة ماهو مفتوح، هنا يحتمي العنف أين يقول عنه المرء بأنه يستدعي مملكة السماوات. انفتاح تم التقاطه: هذه هي الخصوصية العنيفة الشاعر في الوقت الذي يبلغ فيه الوجود المكتشف، ويكره الأشياء على التكلم، إنه جزء من اللعبة.

كلام فلسفي

ربما تعرف الفلسفة بالتمام بواسطة إرادة المعنى. انها اختيار من أجل الخطاب المتماسك. ليس ثمة فلسفة لا تكون عقلانية. هذا القصد ذاته يواجه الإخفاء والتكتم على الخصوصية العنيفة للفرد. إلا أنه يوجد هنا عنف ثلاثي: عنف السؤال: يطرق التحقيق الفلسفي إلى سؤال الذي يستثني به الآخرين. وضيق السؤال هو نقطة الانطلاق، حتى عندما نبدأ بالجوهر المطلق مثل سبينوزا. عنف التقليد: كل فلسفة تستعمل كلمات مبدعة سلفا. كل فلسفة هي في خلاف مع ذاتها وتفقد بالخطأ الكلام الذي يسبقها. ولكن أكثر من ذلك، إغلاق البناء الفلسفي هو عنفه. لأن الفلسفة هي دائما إغلاق سابق لأوانه، وكل كتاب هو توقف في جهد التشميل. هناك كل شيء في فلسفة عظيمة: يمكن للمرء أن نفسر أي سؤال جزئي وسط فلسفة معطاة. لهذا السبب، كل الفلسفات صحيحة، ولكن كل منها وفقًا لزاوية معينة. مثلما تنظر جميع الذوات إلى المدينة بأكملها، ولكن على جانب مختلف. انه من وجهة نظر خاصة، أرى فلسفات كل الكليات الخاصة. هذا هو السبب في عدم وجود طريقة أخرى للخروج من الصراع الودي بين الفلاسفة.

خاتمة:

يوجد استعمال جيد للكلام في الوسط بين العنف والمعنى.

1- من الضروري الإبقاء على هذه الحقيقة الصورية، بمعنى أحمق، حتى ولو كانت فارغة في نقطة الانطلاق: خطاب وعنف هما متضادان. لا يذوبان، انه الصدق. الاعتراف بهما كمتضادين، انه الشرط الوحيد للاعتراف بالعنف حيث يكون والعودة اليه اذا توجب الأمر. هكذا يتم احتساب الاثم والحد منه ويكون أيضا على درب المعنى.

2- هذا التعارض الصوري تم تحويله إلى أمر: لا يجب علينا، من أجل توحيد إيتيقانا قبل الأوان، أن نقبل نظامًا معينًا غير متوافق هو أخلاق الاقتناع. اللاّعنف هو المعنى الحاد للممكن. من هنا يتم التخفيض من أخلاق المسؤولية. تجنب هذا التوتر بين أخلاق الاقتناع التي هي مطلقة (لا تقتل) ومن ناحية أخرى معنى كل ماهو ضروري من الناحية التاريخية لصيرورة تواصلنا. هذا يقودنا إلى الاعتراف بالطابع المطلق لللاّعنف في النقاش. وبهذه الطريقة، من خلال الحفاظ على خطة الإيتيقا العقلانية دون تغيير، والتي بموجبها أدرك أن الآخر عقلاني وأستمر في احترامه، أي أن أحافظ من حيث الواجب على إمكانية الدخول في المناقشة. يجب ألا نرتكب في زمن الحرب شيئًا يجعل السلام مستحيلاً. الحد الداخلي هو الأمل الذي يخلو من المعنى إذا لم يكن لديه اللاّعنف كأفق. إن وظيفة اللاّعنف هي فقدان الشهادة أثناء النقاش، غاية العنف.

3- قبول التعددية اللغوية عن قصد: هناك عدة لغات قيد التداول، ويجب أن نتركها في مكانها (فتغنشتاين). هناك مساحة للكلام الحسابي للذهن، من أجل البحث عن المعنى، والكلام الشعري أو الأسطوري. والمكان المفتوح للتسمية التي تحترم التنوع هو الطريقة الوحيدة للعمل بمعنى معقول، أي اللاّعنف."

تعليق: ماذا تعني فلسفة الكلام اليومي؟ ومن أين تستمد الكلمات قوتها؟ وما علاقة الرمز بالفكر؟ وما الفرق بين كلام الشاعر وكلام الفيلسوف؟ وما السبيل للتخلص من العنف اللغوي وتأسيس اللاعنف؟ وهل يمكن استعمال الكلام بشكل جيد؟ وكيف ترد المفارقة السياسية إلى الكلام؟

لقد لعب ريكور دورا بارزا في فرنسا والقارة الأوروبية في استقبال وتعريف بالفلسفة التحليلية التي تنحدر من التقليد الانجلوسكسوني سواء كانت براغماتية أو تعلقت بفلسفة الكلام اليومي.

هذا النص هو جزء من تفكير بول ريكور حول علاقة الرمز والفكر الذي قطع من خلال طريقه الطويل عالم اللغة بأكمله وتناوله مسائل التفسير والترجمة والدلالة والقصدية والعالم المعيش.

تتمثل خاصية اللغة الرمزية في التمفصل بين الدال والمدلول والعبور من الثانية إلى الأولى. هناك رمز عندما تنتج اللغة علامات على درجة مركبة حيث يشير المعنى، وليس المحتوى لتعيين شيء ما، إلى معنى آخر لا يمكن تحقيقه إلا من خلال هدفه. لذلك فإن الرموز هي تعبيرات ثنائية الاتجاه لمجموعات الإشارات "التي يدعو نسيجها المتعمد إلى قراءة معنى آخر بالمعنى الحرفي والفوري". إذا كانت سمة الرمز هي تعيين شعور غير مباشر بالمعنى المباشر وبمعنى مباشر، فما هو مكان عمل التفسير؟ وكيف يمكن القيام به؟ وماهي شروطه ومبادئه؟ وماهي حدوده؟

لو كان لبعض المصطلحات المستخدمة في السرد لها معنى مجازي، فليس كافيا أن يقصر عمل التفسير على فك شفرة شيء ما سيكون مجرد غطاء سطحي يسمح بالوصول إلى المعنى الثاني وحده أهمية. يجب التأكيد على أنه يمكن قراءة المعنى الثاني فقط بالمعنى الحرفي الفوري ويجب أن يضاف التحقيق الذي لا يتعلق ببعض المفاهيم، ولكن بالقصة كلها. فكيف حاول ريكور إقامة علاقة بين تعدد اللغات والحاجة إلى التأويل وبين وفرة المعنى في الكلام وحق الضيافة اللغوية؟

 

كاتب فلسفي

 ..................

 محاضرات بول ريكور،، فيفري، 1967،

Philosophie et langage, Paul Ricœur, Revue Philosophique de la France Et de l'Etranger 168 (4):449 - 463 (1978).

 

محمد كريم الساعديإن تكرار الصورة بين الماضي والحاضر، أو تأكيدها في حضورية الماضي في الوعي الجمعي وذاكرته، تجعل من مبدأ المطابقة لخطاب السلطات الممتدة على مر التاريخ، يقع تحت دائرة الشك، والدعوة الى ضرورة الفصل بينها وبين رغبات السلطة بمؤسساتها المختلفة، لذلك فأن القراءة التاريخانية لقصدية الإساءة والتشويه لمرتكزات الرغبة الثقافية في الخطابات السلطوية، تقوم على ما يقابلها من معاني الخفية لرصدها وتوضيح النوايا التي كانت وراء إخفائها، فأن أي منجز أبداعي، أو ثقافي، أو أخلاقي قائم على مبررات سلطة ما في فترة من الفترات، لابد ان يكون هناك مبررات لدعمه والترويج له في الوسط الثقافي في داخل مجتمعات السلطة أو خارجه، لذلك ان المعنى الذي ينتجها المنجز وخطابه، سواء كان منتج ثقافي أدبي فني أو ديني أخلاقي، أو سياسي، أو اجتماعي وغيرها من الجوانب، لم يكن دون تأثير للأجواء والبيئات الحاكمة آنذاك على هذا النتاج الثقافي سواء بطريقة مباشرة من توجيه ودعم وغير ذلك كما حصل في الحشد الخطابي للحروب الصليبية وما بعدها من حملات استعمارية غربية، أو عن طريق غير مباشر، من خلال أنتاج نصوص تروج لشيء معين في ذات الموضوع نحو جهة ما، كما حصل في جعل النصوص الشكسبيرية هي الحاكمة في أي نتاج أدبي يكون مقايسة النص الشكسبيري، حتى أصبح الأدب الانكليزي ممثلاً بالمسرحيات الانكليزية وخصوصاً الشكسبيرية قاعدة لتعلم الثقافة العالمية واللغة الرسمية الممثلة للعالم المتحضر وكما حدث في أفريقيا واسيا، وعندنا نحن العرب في مناهجنا الدراسية، علماً ان شكسبير كان قد كتب مسرحياته في فترات زمنية تعود الى أكثر من أربعة قرون مضت، ونحن الى الآن في عصر أصبح فيه النتاج الأدبي أكثر غزارة وتنوع، نعتمد على الفترة الشكسبيرية، وما أنتج فيها من نصوص، وهي تعبر عن السياسة الإمبراطورية الاستعمارية، وما مسرحية (العاصفة) الا مثال لحقبة الرجل الغربي المخلص لأي بقعة يدخلها ويحررها من الركود.

إن قراءة أهم النتاجات الثقافية الغربية، التي تناولت ظاهرة الإساءة والتشويه، والتي نحاول ان نقرأها من خلال المناهج السابقة التي ذكرناها في الخطاب والتفكيك والهيمنة الثقافية، ونضيف اليها القراءة التاريخانية التي سنتكلم عنها في هذه النقطة تحديداً، أي ان قراءة النتاج الثقافي الغربي سيتم من خلال البحث في الماضي والذاكرة والتاريخ وكذلك الحاضر الذي هو امتداد طبيعي لتلك الحقب، فالذاكرة الغربية وما تحتويها بحاجة الى قراءة تاريخانية وربطها بالخطاب الحاضري الغربي في صيغه ودلالاته، مثلاً أذا كان العربي شهواني وقاتل، فأن أوصاف هذا العربي المسلم الذي تجسدت في صورة الرسول محمد (ص) في الفيلم المسيء الذي أنتج في الوقت الحاضر، فهل هذه الأوصاف رآها المنتج والمخرج للفلم في الصورة الداعشية؟ أم انه استقاها من الذاكرة الغربية وما حفلت به من صور مشابه لذلك، وكذلك الرسوم المسيئة، وغيرها من أمور حاولت الإساءة والتشويه لمبادئ الدين وقيم الرسول الكريم (ص).

إن طبيعة النتاجات الثقافية ذات القصدية في الإساءة والتشويه لا يمكن ان نفصلها عن واقعها وبيئتها، لذلك فأن القراءة التاريخانية لهذه النتاجات الثقافية، تتطلب قراءتها ضمن سياقها لتاريخي مع التركيز على التاريخ الأدبي والثقافي والانفتاح على تاريخ الأفكار، التي كانت تعبر عن أيديولوجيات السلطة، أو الفئة المهيمنة، أو الطبقة الحاكمة، لأنها تعد من المرتكزات التي ساهمت في صنع الصورة المقصودة من النتاج الثقافي وطبيعة التوجيه الذي أريد منها في نعت الأخر، لذلك فان هذه القراءات التي ستجعل من النتاج الثقافي السلبي، ان صح التعبير، أو المشوه لصورة الآخر، كان في الأصل قائم في الأفكار والتوجيهات والأيديولوجيات المسيطرة التي عملت على تأكيد هذه الأفكار أو ما ساعد على قيامها في النتاجات الثقافية بصورة مباشرة من خلال تبني ودعم لهذه الأفكار في خطاباتها الصريحة، أو تحويلها الى ثيمات ثابتة في المجالات التكوينية التي تأسست عليها مفاهيم ثقافية قابلة لان تندرج ضمن خط، أو منهج أدبي، أو فني، أو ديني، أو أخلاقي يضمر في داخله هذه الأفكار، أو يتمظهر بها في سلوكياته وفعالياته المجتمعية، في كون ان المقابل تأسس عليه هذا البنيان، أو الهيكل المعرفي المسيطر على البيئات الفاعلة في الوسط المنتج للأفعال المؤثرة في عقول الناس وذهنياتهم، فأن أراد أي باحث أو مطلع على قراءة وتحليل هذه النتاجات، لا بد ان يعتمد بالدرجة الأولى على ان هذه الأفكار القابعة خلف النتاجات الثقافية هي ليست أمينة، أو حيادية في نقد الآخر أو أظهار ملامحه، بل هي قائمة على تأكيد ما في ذلك العصر من أيديولوجيات مسيطرة قائمة على الأفكار المناقضة للآخر، فلا بد للقارئ ان يعتمد على لغة التفكيك والتشريح وتقويض المقولات المركزية وفضح الأوهام الأيديولوجية السائدة في المجتمع، وتعرية أساطير المؤسسات الثقافية الحاكمة، ولا يمكن بأي حال من الأحوال الحديث عن تاريخ متجانس متطور بشكل متسلسل كرنولوجي، بل هناك تاريخ متقطع يعرف مجموعة من الثغرات والبياضات، حيث تهمش فيه فئات، وتسود أخرى، لذلك يتقابل التاريخ المنسي مع التاريخ الرسمي الذي يُعبر عن الطبقات الحاكمة التي تسود المجتمع، ويعني هذا ان ثمة تاريخيين متناقضين: تاريخ السُلطة وتاريخ الشعب، أو تاريخ السيادة والتاريخ المهمش . وكذلك يوجد على وفق هذا التصنيف ثقافة السلطة، وثقافة الشعب، ثقافة السيادة، وثقافة المهمش، وآداب السلطة المتسيدة، وآداب المهمشين، وينتج عن كل هذا التصنيف في النتاجات الثقافية، من أفكار عليا تصبح مثال لكل من يريد ان يندرج تحت مظلة أدب العصر وثقافته، لينتج ايضاً، صور تكون هي صور السلطة في نتاجاتها الثقافية والأدبية والفنية المُعبر عنها بالأفكار والأساليب، التي تدعم ويروج لهما عالمياً في مقابل صور المهمش التي تقبع خلف المشهد العالمي وتكون ذات تاريخ وفكر منسي في ظل السيطرة على هذا المشهد الثقافي الكوني ومرجعياته ذات الأبعاد الثابتة في الفكر العالمي المسيطر عليه مؤسساتياً ومنهجياً وايدلوجيا وهذا هو منطق القوة، قوة الثقافية المدعومة بكل أنواع الدعم المادي والمعنوي، والتاريخي الذي روجت له السلطات المتعاقبة على صناعة التفوق .

ومن هنا فان طرفي النتاج الثقافي المرسل والمرسل اليه (الكاتب والقارئ) سواء كانوا أفراداً أم جماعات، فأنهم لا يخلون في نتاجاتهم وتلقي هذه النتاجات من تأثيرات ايدلوجية قائمة على التوجيه نحو هدف معين قريب كان أم بعيد، مباشر كان أم غير مباشر .

إن مفهوم الأثر الأيديولوجي يبقى هو المبرر الذي يستمر بعد الدائرة الاتصالية بين طرفي المنتج الثقافي، لذلك فأن القارئ كالمؤلف معرض للمؤثرات الأيديولوجية في عصره، ومن هنا فلا أمكانية لتفسير أو تقييم موضوعي للنص الأدبي، بل ان ما يحدث هو ان القارئ أما ان يُطبع النص – في حالة اتفاق أيديولوجية كقارئ مع أيديولوجية الكاتب – فيمنح خصائص الموضوعية والفنية صفه العالمية والديمومة، أو ان يستعيد النص – في حالة اختلافه مع الكاتب –بإسقاط فرضياته على ذلك النص، وفي كلا الحالتين فأن التأثير الايدلوجي موجود أصلاً حتى في حالات الاختلاف، فمن يقوم العمل لصالح الايدلوجيا الخاصة في ذلك العصر سواء كان الكاتب في نتاجه أو المتلقي فرداً وجمهور جماعته في تلقيها، لذلك فأن الايدلوجيا التي تشكلها المؤسسة الثقافية ستكون في كل الأحوال هي قادرة على نشر ثقافتها وتحقيق أهدافها من كلا الطرفين، أو من احدهما.

إن المؤسسات الحاكمة، والقصد بالحاكمة ليست فقط السلطات الدنيوية، بل حتى اللاهوتية، والاجتماعية والفكرية في عصر ما تستطيع ان تتفق على ان عدوها واحد هو من يريد ان يمحي أو يغير من كيانها وملامحها، لذلك فأن في اغلب الأحيان يمكن لهذه المؤسسات ان تتقاسم السلطات، أو ان تعيش في سياق ومبدأ عدم التصادم من اجل الاستمرارية في تشكيل المجتمع، حتى وان حصلت بينهما بعض الإشكالات المعرفية، لكنها تبقى شأن داخلي، أما في نظراتها الى خارج كيانها ومصالحها، فأنها تتحد من اجل ان تكون أكثر قوة وصلابة، وبهذه الطريقة تجاوز الغرب المسيحي خلافاته مع الملوك والأمراء وحكام المقاطعات في قضية الحروب الصليبية مثلاً، وكذلك أعيد المثال في الوقت الحاضر، إذ تم أعادة هذا التجاوز في الخلافات بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001،  وقالها (بوش الابن) سواء كانت مقصودة، أم زلت لسان، بأنها حرب صليبية، والتاريخ قد أعاد نفس الأسلوب في التحفيز وإعادة صورة الآخر المسلم، فان هذا المثال هو سلوك منظم قائم في الوقت السابق وأعيد انتاجه في الوقت الحالي لذلك فأن دلالة الحروب الصليبية كبيرة وقد لا تتطابق مع الوقت الحاضر لدول تدعي العلمانية وبعيدة عن الدين، فما هذا التشابه، هل هو سلوك منظم لبناء صورة العالم من جديد، أم إعادة صورة الماضي من جديد في هذا العالم؟. وهنا يطرح (ستيفن غرينبلات) في مقدمته كتابه (التشكيل الذاتي لعصر النهضة 1980)، والذي يناقش فيه عدد من مؤلفي عصر النهضة، يركز على مفهوم تنظيم السلوك لإدراك العالم، وإذا ما طابقناه على كُتاب ومؤلفو الوقت الحاضر ستكون النتيجة متطابقة الى حد ما مع ما يريد ان يقوله (غرينبلات) في هذا الكتاب، اذ يشير فيه على وفق تصورات (هانتر كادزو) في التاريخانية الجديدة ونظرته لهذا الكتاب عن مؤلفي عصر النهضة قد تحكمت في هذا العصر مجموعة متنوعة من المرجعيات-المؤسسات كالكنيسة والبلاط والكتاب والعائلة والإدارة الكولونيالية، بالإضافة الى قوى أخرى مثل الرب والكتاب أو الكتاب المقدس من خلال وجهة نظر غرينبلات التاريخانية الجديدة، فأن المدونات المتنافسة والممارسات التي مولتها تلك المرجعيات كانت بنى ثقافية، قصص جماعية ابتدعتها تلك الجماعات من اجل تنظيم السلوك وإدراك العالم الذي هم فيه على الرغم من ان هذه السلطات نفسها مالت الى ان تبين أن تقاليدها أمور طبيعية، وبحثت في ان تمثل أعداءها على أنهم غرباء عن النظام الشرعي أو مقلدين هزليين له، ولأن القوى البشرية قد تأسست على ذوات في اللحظة التي خضعت فيها لواحد من هذه السلطات الثقافية، فأن سلوكها قد تشكل بالمدونات (الدساتير) التي مولتها المؤسسة التي يعودون اليها وتعلموا ان يخافوا أو يكرهوا (الآخر) الذي هدد وجودهم الفعلي، فمن هنا يأتي تشكيل الوعي بالآخر الذي هو مناقض للوجود الفعلي لهذه المؤسسات التي حاولت بناء نظام صارم تنوعت به الوسائل ولكنها اتفقت على هدف واحد وهو (الآخر)، قد تكون بعض الخلافات الداخلية موجودة في السيطرة على هرم الدولة والنظام العالمي، لكن هذا داخلياً لم يمنع من الاتحاد ضد من هو خارج الحدود الثقافية الغربية، فالصراع الداخلي يتضح من خلال تغير من هرم السلطة الغربية، في مراحله الأولى منذ تكون الصراع حول السيطرة، كانوا اليونانيون وبعدهم الرومان، وبعدهم الكنيسة ورجالها، ومن ثم في عصر التنوير تغير رأس الهرم نحو قيادات تؤمن بالتطور الصناعي والاقتصادي والتجارب التي أخذت من الواقع الغربي ورغم الصراعات الداخلية حول قيادة كل مرحلة، لكن الهدف الخارجي والعدو الخارجي بقي بمواجهة موحدة في كل الفترات حتى لا يتغير وجودهم الفعلي، وهو الذي أطلق عليه (هنتنجون) بصراع الحضارات، فالصراع الحضاري يبقى فيه العدو هو من يهدد حضارتهم ووجودهم وكيانهم، فان هذا الصراع سيتوج بصراع مع المسلمين فقط دون غيرهم، والمقصود في هذه الحرب هو وجود المسلمين الفعلي الذي هدد وجود الغرب، ومن أين يستمد المسلمون وجودهم وكيانهم وتعاليمهم؟، من نبي الإسلام محمد(ص)، لذلك فأن هذه المؤسسات المجتمعة كانت تنظر للآخر بأنه العدو، والآخر كان لابد ان يصور داخلياً في ذهنية أبناء المؤسسات الغربية، ويصور ايضاً في الخارج على وفق ما تريده هذه المؤسسة ليكون مصداقاً لكلامهم وهو ما حصل ويحصل في الوقت الحالي من جعل الإسلام كلمة مرادفة للإرهاب، بجعل المسلم الحالي في وجوده هو من يمثل بتصرفاته وسلوكياته نبي الرحمة محمد(ص)، حتى تنطبق هذه المواصفات بين الماضي والحاضر فالتشويه يقصد به الجذور وليس الحاضر فقط، حتى لا نعود ونقول بأن الجذور سليمة والحاضر مشوه، فعملية التشويه هي ليست آنية، بل لها امتدادات بعيدة تعود الى بدايات ظهور الإسلام وتشكل المرحلة الثانية من الصراع بين الإسلام والمسيحية.

لقد أرتبط هذا البناء المعرفي في جعل صورة الآخر مشوهه، ويجب ان تستمر من خلال رسم سياسة تخلف مستمر ثقافياً ومعرفياً، والسيطرة على البنى التاريخية والاجتماعية وتدوين تاريخ الشعوب، وان من يصيغ الحياة الجديدة هو ليس ابن الحضارة المحلية، بل ابن الحضارة المنتصرة في أواخر الحرب الكونية بين طرفي الصراع الحضاري، لذلك فبعد تنظيم السلوك لإدراك العالم الجديد في ضوء الحضارة الغربية، كان لابد من رسم سياسة مكملة في الجانب الآخر حتى تكتمل مراحل السيطرة الثقافية، وهو ما طالق عليه (تطور التخلف) في مختلف المستويات ومنها الثقافية، لذلك جاءت النظرة الى العالم الثالث بوصفه هامشاً على نظام اقتصادي عالمي، فيه المركز –أي الغرب- يراكم الأرباح، ويبقى العالم الثالث على الهامش في وضع التبعية الدائمة، وهكذا فأن التخلف ليس موقفاً بل هو عملية، والعالم الثالث ليس متخلفاً، ولكن الغرب يبقيه في حال من التخلف . وقد صاغ اندريه جوندر فرانك Andre Gunder Frank أكثر صيغة لافته له (تطور التخلف)، حتى لا يكون العالم الثالث ومنهم الدول الإسلامية قادرة على مجارات العالم الأول ثقافياً واقتصادياً، فأن تطور التخلف يرتبط بفلسفة الساسة الرومانية التي تجعل من الشعوب والحضارات التي تقع تحت سيطرتها غير قادرة وخاضعة وخانعة، ولا تواجهه، وتصل الى مستويات من عدم الإرادة في مواجهه المحتل، كذلك فأن (تطور التخلف) الذي يأتي من خلال إدراك العالم وجعله تحت سيطرة ثقافية كونية، فأن هذا الإدراك يأتي من خلال تجسيد خطر كل فئة، أو شعب، أو امة، أو حضارة على الجانب الغربي،  ومنها ما شكله الإسلام في ذلك، لذلك فقد خضعت هذه الشعوب الخارجة عن الحضارة الغربية الى أسلوب ممنهج من الدراسة والمعرفة، وما خلفته المصادر السابقة في هذا المجال من دراسات عن الشعوب سواء جاءت عن طريق الرحالة، وعدد كبير من المستشرقين، أو البعثات .. الخ، الذين قاموا بدراسة الشعوب كل حسب الخطر الذي يشكله ففي الأراضي الواطئة، على سبيل المثال، كانت تتم دراسة الصينيين، بسبب الجماعة الصينية المهمة الموجودة في جزر الهند الشرقية، وتتم دراسة اليابانيين بسبب (الخطر الأصفر)، كما تتم دراسة الإسلام بسبب خطر (التعصب الإسلامي). لذلك فأن الخطر الذي يأتي من الخارج سيصنف بحسب أهميته واستمراريته على المركز، ومهما كان الهامش بعيد لكنه يبقى ماثل في أعين وأذهان الناس في العالم الغربي، ويبقى التعامل مع الشعوب بحسب تاريخها وما قامت به من مواجهات مستمرة مع الغرب التمدد شرقاُ، لذلك فأن الشرق الأوسط كان الأهم والإسلام كان المهم والصراع هو حضاري وليس مصالحي أو من اجل أطماع وقتيه في ثروات وغيرها، وأكثر الذين استمر الصراع معهم في منطقة الشرق الأوسط الإسلامي هم الغرب ابتداءً من اليونان والرومان وأوربا المسيحية وصولاً الى الاستعمار وأخيرا وليس أخرا بعد أحداث (11سبتمبر 2001) وحربي أفغانستان والعراق والقادم أعظم في هذه المنطقة .

 

الاستاذ الدكتور محمد كريم الساعدي

 

محمود محمد عليفي هذا المقال نعود للمرة الرابعة والأخيرة ونكمل حديثنا عن القطيعة المعرفية عند فتجنشتين، حيث نقول  :في هذه المقدمة الطويلة يريد فتجنشتين أن يوضح أن هناك بعض المبررات التي جعلته يتراجع عن صحة ما كتبه من أفكار وقضايا فلسفية في الرسالة، ومن أهم تلك المبررات مناقشاته مع " فرانك رامزي "، والتي قال عنها فنجنشتين في هذا الصدد : " أن ما ساعدني على تبين هذه الأخطاء النقد الذي وجهه لأفكاري فرانك رامزي الذي كنت أتناقش معه مناقشات عديدة أثناء السنتين الأخيرتين من حياته ".ولقد فنجنشتين يقول إن مناقشاته تأخذ الطابع البرجماتي وخاصة حول كتابات رامزي المتأخرة . وكذا حول بعض الأفكار الواردة أيضا في " الأبحاث الفلسفية" لفتجنشتين ؛ وأيضا نقد سرافا Piero Sraffa – أحد الاقتصاديين الإيطاليين – وكان فنجنشتين قد التقي به في كمبردج، وقد عبر فنجنشتين عن ذلك بقوله إن مناقشاته مع سرافا كانت تجعله يشعر كأنه مثل الشجرة لم تكن لتورق من جديد إلا بناء علي ما فيها من حيوية وخصوبة . ويروي تورمان مالكوم كيف كان نقد سرافا للنظرية التصويرية للقضايا عند فنجنشتين ذا أثر كبير في تخليه عن هذه الفكرة فيما بعد، فيقول :" كان فنجنشتين وسرافا – المحاضر في الاقتصاد بجامعة كمبردج – يتناقشان كثيرا حول الأفكار الواردة في " الرسالة " . وفي ذات يوم كانا يركبان – فيما أظن – قطارا، وكان فنجنشتين ما زال مصرا علي أن القضية وما تصفه – يجب أن يكون لهما نفس الصورة المنطقية . ونفس الكثرة المنطقية فقام سرافا بعمل إشارة مألوفة عند أهالي نابولي تعني الاحتقار والازدراء – وذلك بحك أسفل ذقنه بظهر أطراف أصابع إحدى يديه . ثم يسأل فنجنشتين ما هي الصورة المنطقية لذلك ؟ وكان المثل الذي ذكره سرافا كافيا لكي يحدث في فنجنشتين شعورا بعدم جدوي إصراره علي أن القضية يجب أن يكون لها نفس الصورة التي يوجد عليها الشئ الذي تصفه هذه القضية . وهذا ما جعله، يتخلي فيما بعد عن فكرته القائلة بأن القضية يجب أن تكون رسما للواقع الذي تصفه .

وأهم الأفكار التي تناولها فتجنشتين في فلسفته الأولي، ثم تخلي عنها فيما بعد علي أنها أفكار خاطئة هي :

- إن العالم ينحل إلي وقائع لا أشياء .

- إن الوقائع الذرية تتكون من أشياء بسيطة بساطة كاملة .

- إن اللغة تنحل إلي قضايا، والقضايا تنحل إلي قضايا أولية تتكون من أسماء، كل منها يشير إلي شئ من الأشياء، فيكون معني الاسم هو الشئ الذي يسميه .

- إن القضايا ليس لها إلا تحليل واحد كامل، وذلك بردها إلي القضايا الأولية .

- النظرية التصويرية للغة – من حيث إن القضايا ذات المعني تكون رسما للوقائع الموجودة في الواقع الخارجي .

- فكرة الأنا وحدية .

- فكرته عن التصوف.

ومما هو جدير بالذكر أن كل هذه الأفكار، كانت نتائج طبيعية لفكرته عن الذرية المنطقية التي كانت بمثابة الأساس الذي شيد عليه بناءه الفلسفي المتمثل في الرسالة، أو كانت بمثابة المبرر الذي جعله ينتهي إلي مثل هذه النتائج .

ويمكن أن نجمل مظاهر القطائع الابستمولوجية في كتاب " البحوث الفلسفية " علي النحو التالي :-

1- تخلي فتجنشتين عن فكرته التي أفتتح بها "رسالته" من أن العالم ينحل إلي وقائع ذرية تتكون من أشياء أو من بسائط منطقية .. إذ أن السبب الأساسي الذي دعا " فتجنشتين" إلي القول بتحليل العالم إلي وقائع، كان هو ضرورة وجود وحدات أولية ينحل إليها العالم، لكي تقابل الوحدات الأولية التي تنحل إليها اللغة، بحيث يتوقف صدق أو كذب الوحدات الأولية للغة (وهي القضايا الأولية) علي وجود أو عدم وجود هذه الوحدات الأولية التي ينحل إليها العالم (أي الوقائع الذرية) . وعلي ذلك كان تحليل " فتجنشتين" عليها النحو تبريرا لتحليله للغة إلي مجموعة من القضايا الأولية . ولما غير " فتجنشتين" من وجهة نظره بتحليل اللغة في كتابه "الأبحاث الفلسفية"، تخلي بالتالي عن فكرته السابقة في تحليل العالم، فلم تعد اللغة تنحل إلي مجموعة من القضايا الأولية أو الذرية التي يتوقف صدقها أو كذبها علي مدي مطابقتها للوقائع الذرية الموجودة، والتي تعتبر جميع القضايا الأخرين دالات صدق لها، بل أصبحت في نظره اللغة وسيلة للاتصال بين الناس الذين طوروها بحيث تخدم الأغراض المختلفة لنشاطات حياتهم المتعددة .وعلي ذلك أصبح تحليل اللغة في نظره بمثابة الكشف عن التشكيلات اللغوية (أي ألعاب اللغة) المختلفة التي تستخدم فيها الألفاظ أو العبارات المختلفة وأصبح تحليل معني اللفظ، ليس هو البحث عما يشير إليه، بل هو الكشف عن الطريقة التي يستخدم بها في اللغة بالفعل. وهكذا نجده يتخلي عن فكرته الذرية المنطقية – من حيث تقسيم العالم إلي وقائع – لزوال المبرر الذي كان يبرر به اعتقاده في هذه الفكرة، وهو تحليل اللغة إلي قضايا ذرية .

2- إذا كان فتجنشتين قد نبه في رسالته إلي ضرورة وجود لغة كاملة منطقيا واعتقد الوضعيون المناطقة – من جانبهم – أنه يشير بهذا إلي الحساب الرمزي الذي كان يستهدفون تحقيقه من أجل تحليل اللغة العلمية، فإن فتجنشتين في مرحلته المتفاخرة قد رفض مثل هذا الحساب ولم يعترف بأهميته في حسم مشاكل الفلسفة، فقد ركز – بتأثير جورج مور – علي تحليل اللغة الجارية . وبعبارة أخري نستطيع أن نقول أن فتجنشتين قد استبعد اقتناعه الأول بأن منطق رسل يعد – علي نحو ما – حجر الأساس لكل فكر إنساني، فقد أصبح ينظر إلي منطق رسل علي أنه عرض لتركيب أنواع معينة من التفكير الرياضي المنظم .

3- كما تخلي فتجنشتين عن فكرته عن وظيفة اللغة التي كانت في فلسفته الأولي تصويرا للواقع الخارجي، فأصبحت في فلسفته الجديدة بمثابة وسيلة للتفاهم مع الآخرين والتأثير فيهم . وبمعني آخر بعد ان كانت وظيفتها فردية تتفق مع فكرة الأنا وحدية التي انتهي إليها، ومع فكرته عن الذرية المنطقية التي بدأ بها، أصبحت وظيفتها اجتماعية – وهو في هذا المعني يقول :"إنني لأقول (بدون اللغة ما كنا نستطيع أن نتصل بعضنا ببعض فقط) بل إنني أقول أيضاً (بدون اللغة لا يمكننا أن نؤثر في غيرنا من الناس) علي هذا النحو أو ذاك .

4- أما فيما يتعلق بأفكاره الفلسفية المتأخرة، فيمكننا أن نقول بصفة عامة إن فتجنشتين لم يستطع أن يسد كل الثغرات التي نشأت عن اعتقاده لبعض أفكاره الأولي . لأنه لا يتعرض في فلسفته المتأخرة لنفس المشكلات التي بحثها في فلسفته الأولي، فهو لا يبحث في كتابه " أبحاث فلسفية" في تحليل العالم الخارجي وما إذا كان مكونا من وقائع أو من أشياء، ولا ما إذا كانت الأشياء بسيطة أو مركبة – بل يحيل مناقشاته لمثل هذه الأفكار إلي مناقشة لغوية تتناول طريقة استخدام الألفاظ الدالة علي هذه الأشياء في اللغة . مثل استخدامنا لما هو بسيط أو مركب – فهو يقول مثلا " إننا نستخدم كلمة "مركب" (وبالتالي كلمة "بسيط") بطرق عديدة ومختلفة " . (وهل اللون الموجود في أي مربع من مربعات رقعة الشطرنج بسيط أم أنه مكون من ألوان قوس قزح ؟..) وفيما يتعلق بالسؤال التالي ؟ تكون الإجابة الصحيحة عنه هي" (إن ذلك يتوقف عل ما نفهمه من كلمة " مركب") " وعلي ذلك فمعيار بساطة الأشياء أو تركيبها إنما يتوقف علي طريقة نظرتنا إلي الشئ "، وعلي طريقة استخدامنا للألفاظ الدالة في اللغة .

5- إن فكرة الذرية المنطقية التي ذهب إليها فتجنشتين كانت تمثل مرحلة معينة من مراحل تفكيره وهي المرحلة الأولي – والتي كان ما زال متأثرا فيها بالاتجاهات المثالية الميتافيزيقية . ولذا فإننا نجده يميل إلي رفض هذه الفكرة في فلسفته المتأخرة التي عبر عنها في كتابه " أبحاث فلسفية "، ويرفض بالتالي تحليل العالم إلي وقائع وإلي أشياء، وإن لم يكن رفضه لها واضحاً قاطعاً شأنه في أغلب أفكاره الفلسفية المتأخرة، لأنه في كتابه " أبحاث فلسفية"، وفي كتابه " بعض الملاحظات علي أسس الرياضيات " من قبل، لم يكن مهتما بتحليل العالم أو ببحث العناصر الأولي التي يتكون منها، بل كان مهتما بتحليل اللغة- من حيث دلالتها، ومن حيث استعمالاتنا المختلفة لها .." فقد تبين فتجنشتين في " أبحاثة الفلسفية" أن العالم والخبرة ليسا منسقين بحيث نقسمهما قسمة ذات حدود فاصلة إلي وقائع  ذرية، كما أنه بدا ينظر إلي اللغة، بعد أن توقف عن اعتبارها وسيلة للتعبير عن قضايا ذات صورة منطقية ثابتة بحيث تصور هذه القضايا، والوقائع تبعا لقواعد محددة – بدأ ينظر إلي اللغة علي أنها وسيلة للاتصال  بين الناس الذين طوروها بحيث تخدم الأغراض المختلفة لنشاطات حياتهم المختلفة . ولذا نجده يناقش هذه النظرة السابقة إلي تحليل العالم إلي وقائع، وإلي تحليل الوقائع إلي أشياء بسيطة، بشكل غير مباشر في فلسفته المتأخرة أثناء مناقشته لمعني اللغة وتحليلها .

6- كان المنطق هو محور تفكير فتجنشتين في الرسالة ... ( فنحن لا نستطيع أن نفكر في شئ ما تفكيرا غير منطقي وإلا كان علينا أن نفكر بطريقة غير منطقية)، ونحن " لا نستطيع أن نفكر بطريقة غير منطقية، ولذا فنحن ملتزمون بقواعد المنطق في كل تفكير وبالتالي في كل كلام نقوله لا رتباط اللغة بالفكر . ولذا كان فتجنشتين حريصاً علي أن يوضح لنا الطريقة المنطقية الصحيحة للتفكير، حتي نأمن الوقوع في الخطأ، ويضرب لنا الأمثلة المختلفة لعملية التفكير الصحيح، وكيف نبدأ من القضية الأولية – التي يجب أن تشترك مع الواقعة الذرية في صورتها المنطقية – لكي نكون منها القضايا المختلفة التي تكون بمثابة دالات صدق لها . وبمعني آخر، كان فتجنشتين مهتماً في فلسفته الأولي بالقواعد المنطقية التي يجب اتباعها في التفكير، سواء كان تفكيراً مرتبطاً بالواقع الخارجي – من حيث البحث في الأسس التي يقوم عليها – أو كان تفكيرا استدلالياً يقوم علي استنتاج دالات الصدق من القضايا الأولية – وهذا كله ما كان يعبر عنه فتجنشتين بنية اللغة . إلا أن فتجنشتين تخلي عن هذا الموقف في فلسفته المتأخرة فلم يعد الاهتمام الأساسي عنده هو البحث في بنية اللغة من الناحية المنطقية، بل أصبح اهتمامه الأساسي بالطريقة التي تستخدم فيها الألفاظ بالفعل في اللغة الجارية . ويتلخص رفض فتجنشتين لموقفه القديم من المنطق في العبارة التي يقول فيها ساخرا مما كان يعتقد في صحته من قبل :" من الطريف أن نقارن بين كثرة الأدوات (أي كثرة عدد الألفاظ والعبارات)، في اللغة، والطرق التي تستخدم بها، وكثرة أنواع الألفاظ والعبارات، نقارن ذلك كله بما كان يقوله رجال المنطق عن بنية اللغة ( بما في ذلك مؤلف الرسالة المنطقية نفسه). إلا أن فتجنشتين لا يتخلي في فلسفته المتأخرة عن فكرته عن المنطق من حيث هو حد للفكر وبالتالي للغة، إنما جعله بمثابة حد لإحدى تشكيلات ( ألعاب) اللغة المختلفة، والواقع أن فتجنشتين بهذا إنما يستخدم نفس الفكرة مع شئ من التغيير الطفيف الذي يتفق مع تغيير وجهة نظره الفلسفية وموقفه الفلسفي الجديد . فهو يري في فلسفته المتأخرة أن معني اللفظ يتوقف علي استخدامنا الفلي للغة. ويشبه فتجنشتين اللغة في هذه الحالة باللعبة – أو هي لعبة بالفعل – نستخدم فيها الألفاظ، كما نحرك البيدق مثلا في لعبة الشطرنج إلا أن الإنسان أثناء لعبة الشطرنج لا يكون حرا في تحريك البيدق حسبما يريد، بل يحركه وفقا لقواعد اللعبة التي تسمح بتحريكه علي نحو معين وتسمح بتحريك قطعة أخري من قطع الشطرنج علي نحو آخر .

7- من الأمور التي عدلها فتجنشتين في البحوث الفلسفية موقفه من صدق قضايا المنطق والرياضيات ويقينها . صحيح أنه بقي علي موقفه السابق من انها تحصيلات حاصل ولا تقول شيئاً عن الواقع، وبهذا أصر علي التمييز الكانطي الشهير بين القضايا التحليلية والتركيبية . ولكنه غير الأرض التي يقف عليها فلم يقل إن صدق تحصيلات الحاصل يرجع إلي اتفاقها مع جميع إمكانات الصدق للقضايا الأولية، وإنما يرجع إلي الاصطلاح أو التواضع علي المعاني المحددة للرموز . ولم يكتف فتجنشتين هنا بأن يقول – كما قال الفيلسوف – كما قال الفيلسوف المنطقي س. أي . لويس – إن الآلة الاستنباطية في المنطق والرياضة يمكن أن تدور بغير إزعاج ما دمنا قد حددنا لكل رمز معناه، وإنما يضيف إليه أننا يمكن أن نصطلح علي معاني أخري للرموز ونختار قواعد أخري تترتب عليها عند التطبيق نتائج مختلفة . وليس ثمة ما يمنع منطقياً من أن يصطلح نوع آخر من الكائنات علي أن 2+2 لا تساوي أربعة بل تساوي أكثر أو أقل إذا اصطلحوا علي تحديد معني آخر للعدد غير المعني المتفق عليه بيننا نحن البشر.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

علي رسول الربيعي صناعة المواطن من النّاس: يعتبر التّصوّر اللّيبراليّ أنّ حجّة روسّو في العقد الاجتماعيّ تقود إلى خلاصة تتطابق مع آراء المنظّرين الجمهوريّين مع إدعاء بعض النّقّاد أنّها قد تفضي إلى الاستبداد.[1] فطبقا لفلسفة الجمهوريّة يعرَّف المواطن كمشارك في السّلطة وليس كمحلّ للامتيازات ولا كحامل للحصانات.[2] وهذا هو أساس الحجاج الرّوسويّ في إجبَار النّاس عند الضّرورة على أن يكونوا أحراراً من أجل حمايتهم من انتهاك القوانين التي أكسبتهم صفة المواطنة، فليس لمعترض أن يدفع بالحرّيّة ولا بالحاجة الطّبيعيّة إلى تلبية الرّغبات الذّاتية ليبرّر انتهاك القوانين وإنهاء العقد الاجتماعيّ بإعطاء المصالح الشّخصيّة الأسبقيّة على المصلحة العامّة... وبه تقوم حجّة روسّو على مفهوم النّظام السّياسيّ العادل أو دولة القانون كتعاون عمليّ يخضع لمبدأ الإنصاف، إذ يشير منطقه بشكل واضح إلى أنّ أحد الأْوجُه المهمّة لهذا المفهوم هو الرّغبة في تعزيز روح التّعاون من خلال تشجيع النّاس على التّفكير بأنفسهم كمواطنين لهم حقوق وعليهم واجبات من ضمنها الخضوع لقوانين شرعوها بأنفسهم لأنفسهم.

إنّ أكبر إمكانات المجتمع السّياسيّ طبقًا لروسّو، هي رفع أيّ ظلم مادّيّ يمكن أن يقع بين النّاس بالتّوزيع العادل للثّروة والملكيّة، وبالمساواة الأخلاقيّة لأنّه "لا يبقى شيء من الحرّيّة في غياب المساواة"، ثمّ بإعمال قاعدة ترى أنّ "الحالة الاجتماعيّة تكون مريحة طالما كان الكلّ يملك شيئًا ولا أحد يملك شيئًا زائدًا أو غير ضروريّ"[3] فالسّلم الاجتماعيّ يقتضي ألاّ يكون هناك ثراء فاحش يستطيع معه الأثرياء شراء ذمم الآخرين، ولا فقر مدقع يضطرّ معه الفقراء لأن يبيعوا أنفسهم للآخرين".[4] هكذا تعزّز المساواة الحرّيّة بإقرار سلم اجتماعيّ يحمي النّاس من التّبعيّة للأثرياء والأقوياء، علما أنّ كره التّبعيّة هي روح الجمهوريّة عند روسّو يعتبرها أساس كلّ رذيلة ومبعثا على الفساد.[5] وأنّ فكرة العدالة في ظلّ القانون هي برأيه ما يمكّن النّاس من أن يتمتّعوا بالاستقلاليّة والحرّيّة الأخلاقيّة، ويشجّعهم على طاعة ما شرعوا لأنفسهم من قوانين، وعلى النّظر لأنفسهم بوصفهم مواطنين يتقاسمون الإرادة العامّة في مشاريع ومؤسّسات مشتركة. 

إميل وفكرة التّعاون

يناقش روسّو في كتابه (إميل) المسألة التّربويّة مشجّعا على التّعاون مثلما قام بذلك في العقد الاجتماعيّ عند الحديث عن التّشريع والإعلان المدنيّ عن الإيمان، فهو يعتبر الرّغبة في الاختلاط بالآخرين عاطفة حبّ بدونها لا يكون المواطن صالحاً.[6] ويمثل تأكيده على محاولة الجمهوريّين تضمين اللّيبراليّة نزعة مدنيّة خالصة دفاعه المستميت عن التّسامح وحرّيّة الفكر والتّعبير. فالدّين المدنيّ في نظره مسألة هامّة بالنّسبة للدّولة: "أن يكون لكلّ مواطن دين يحبّب له القيام بالواجب؛ وإن كانت عقائد هذا الدّين ليست من شأن الدّولة إلاّ بقدر ما لها من صلة بالأخلاق والواجبات التي يتعيّن على كلّ فرد الالتزام بها تجاه الآخرين في المجتمع. عدا ذلك، فإنّ لكلّ فرد حقّ اعتناق الآراء التي يرتضيها ولا يحقّ لصاحب السّيادة معرفتها،لأنّه ليس معنيّا بمصير الشّعب في الدّار الآخرة، وليست له أهليّة النّظر في أمورها ولا مخوّلا بالتّدخّل في ذلك طالما هم مواطنون صالحون في الحياة الدّنيا".[7] فالوضع القانونيّ والمعياريّ للدّولة يفرض تسامحا مع كافّة الأفراد بصرف النّظر عن عقائدهم ماعدا أولئك الذين يؤمنون بعقيدة غير متسامحة تدعوا للكراهيّة وتحرّض النّاس على مواجهة بعضهم فتقف بذلك ضدّ الفضائل المدنيّة. ويتّفق روسو من وجهة النّظر هذه مع جون لوك في "رسالة في التّسامح" اعتبارا للأسباب المدنيّة المحضة، بل إنّه يفوق لوك حزما بوضع معايير صارمة تضمن قداسة العقد الاجتماعيّ وسموّ القانون. فهو يرى أنّ المشرّع المكلّف بصياغة القوانين وترسيخ قواعد دولة المؤسّسات من الواجب عليه حتما "أن يؤمن بإمكانيّة تغيير الطّبيعة البشريّة مستعينا بفكرة الوجود الاجتماعيّ، وأن يسعى إلى مساعدة الأفراد على العبور من حَالة الوجود الفيزيائيّ المستقلّ أي من حالة الطّبيعة إلى حالة المجتمع حيث يصبح الفرد جزءا من كلّ أكبر، وعضوا في كيان متكامل يتلقّى منه الوجود...".[8] ومستعينا كذلك بما يُنتِجُ هذا العبور من حالة الطّبيعة إلى الحالة المدنيّة من "تغيير بيّن حين يصغي الفرد لعقله فيحلّ في سلوكه العدالةً محلّ الغريزة، والحقّ محلً الرّغبة ليضفي على أفعاله صبغة أخلاقيّة تستجيب لنداء الواجب وتتنزّه عن النّزوة الفيزيائيّة. فهو وإن ألفىَ نفسه مرغماً على العمل بمقتضى مبادئ تصرفه عن أن يستجيب لميول كثيرة تتأتّى له من الطّبيعة، فإنّه مع ذلك يجد نفسه قد حصل على مزايا أعظم من أن تقاس على شيء دونها: يجد ملكاته قد تمرّست ونمت، وأفق أفكاره قد اتّسع، ومشاعره قد ازدادت نبلاً، وسَمَت نفسه بأكملها فبلغت ما بلغت من درجات السّموّ فيبارك تلك اللّحظة السّعيدة التي انتشلته من وضع منحطّ إلى الأبد بأن صنعت من حيوان بليد ومقيّد الأفق كائناً ذكيّاً وإنساناً سويّا".[9] فمهمّة المشرّع إذن، هيً توفير الأساس القانونيّ والمؤسّساتيّ الذي يمنع الشّطط في استعمال السّلطة وسوء استعمال الحالة المدنية من خلال توجيه النّاس باتّجاه الإرادة العامّة بهدف استكمال مشروع التّغيير ومساعدة النّاس على استعادة حالة الطّبيعة.[10]

ما تبقّى من مشكلات

لقد استهدف روسّو من خلال ما صاغ في نظريّة العقد الاجتماعيّ من معايير تشجيع النّاس على أن يتصرّفوا كمواطنين. وإذا بدت بعض المعايير مُفْرِطة أو مُفَرِّطة فمردّ ذلك إمّا إلى صعوبة التّوفيق بين "ما يتيحه القانون وما تقتضيه المصلحة" وهي صعوبة استثنائيّة، أو إلى ما واجهت فكرة العقد الاجتماعيّ من تحدّيات واعتراضات حينما بدت بعض معاييره في غير محلّها، أو تنطوي على مفارقة تاريخيّة إذ ربّما كانت ملائمة للجمهوريّة الكلاسيكيّة أكثر من ملاءمتها للجمهوريّة اللّيبراليّة مثل إقصاء المرأة من المجال العامّ، ورأيه المتعلّق بدور المشرّع وشروطه، أو بالإعلان المدنيّ للإيمان. كما أثارت صياغته لمبدأ الإرادة العامّة التي تتطلّب من الأفراد التّصرّف كمواطنين لا كمجرّد بشر جملة من الأسئلة منها:

ـ كيف يمكن تطبيق الإرادة العامّة؟

ـ ماذا يعني القول بوجوب أن تخدم السّياسة العامّة المصلحة العامّة للمواطنين وتتجاهل المصالح الخاصّة للنّاس؟

ـ هل تظهر المصلحة العامّة للمواطن بشكل واضح دائمًا؟

ـ هل يكفي مشروع القانون المقترح للتّصويت الحصول على الأغلبيّة في المجلس التّشريعيّ ليكون جوابا صحيحا صوابه أكثر احتمالًا من رأي الأقلّيّة؟

ـ هل يعدّ لازما حمل رأي الأغلبيّة على الصّواب دائما؟ وهل يعدّ واجبا الاتّفاق معه باعتباره أكثر احتمالا أن يكون على حقّ؟

لقد خطّأ روسّو الأقلّيّة عند الحديث عن الدّولة العادلة وأثناء الحجاج دفاعا عن متطلّبات الإرادة العامّة، فهل ستتغير المسألة بالانضمام إلى وجهة نظره التي تعتبر الرّأي الذي أحرز الإجماع هو الرّأي الصّواب والأقرب إلى الحقّ والأكثر تجسيدا للإرادة العامّة.[11] ماذا لو فشلت سياسية الجهة الفائزة في التّطابق مع الإرادة العامّة؟

ألا يمكن أن تؤدّي هذه الحالة إلى العصيان المدنيّ؟

ألا يريد كلّ الأفراد في الدّولة الظّالمة أن يسود العدل وينتصر الجواب الصّحيح؟

لقد أهمل روسّو هذه الافتراضات فلم يجب عنها إمّا لأنّه رآها غير متوقّعة الحدوث باعتبار الظّروف السّياسية السّائدة في ذلك الحين، وإمّا لأنّه لم يكن مقتنعا تماما بفعل ذلك، لكن هل عليه أن يفعل هكذا؟

للإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها يتعيّن الذّهاب إلى ما بعد روسّو حيث يكون من الضروريّ تنقيح تحليله ومفاهيمه وربّما طرح بعضها.

 

د. علي رسول  الربيعي

.....................

المصادر

 روسو، جان جاك، في العقد الاجتماعي،عبد العزيزي لبيب (مترجم)، المنظمة العربية للترجمة، بيروت،،2011

 Adrian, O., Citizenship and Community: Civic Republicanism and the Modern World, (Routledge, 1990).

Andrew L., The Politics of Autonomy: A Kantian Reading of Rousseau’s Social Contract (Amherst: University of Massachusetts Press,1976).

Barry, B,. Political Argument (London: Routledge and Kegan Pual,1965).

Barry, ‘’ The Public Interste’ in Political Philosophy,(ed)Anthony Quinton (Oxford: Oxford University Pres,1967).

John C., The Social Problem in the Philosophy of Rousseau (Cambridge: Cambridge University Press, 1974).

Klosko.G.: in The Principle of Fairness and Political Obligation,( Lanham,MD: Rowman and Littlefield.1992).

Lester C., Rousseau’s Social Contact: interpretive Essay (Cleveland, OH; The Press of Case Western Reserve University, 1968).

Levine, A, The Political of Autonomy: A Kantian Reading of Rousseau’s Social Contract (Amherst: University of Massachusetts Press, 1976).

Maurizio,V., Jean-Jacques Rousseau and the ‘’ Well-Ordered Society’’ trans. Deerek Hanson ( Cambridge University Press, 1988).

Quentin S.,‘’The Republican Ideal of Political Liberty,’’in Machiavelli and Republicanism, ed. Gisela Bock, Quentin Skinner, and Maurizio Viroli (Cambridge: Cambridge University Press).

 Rawls,J,. A Theory of Justice ( Cambridge, MA: Harvard University Press,1971).

Riley, Patrick, The General Will before Rousseau: The Transformation of the Divine into the Civic (Princeton, NJ; Princeton University Press, 1986).

Rousseau,J,J,. Politics and Art: Letter to M.D’Alembert on the Theatre, Trans. Allan Bloom (Ithaca, NY: Cornell University Press, 1968).

Rousseau.J.J.,Emile, trans. Bloom Allan (New York: Basic Books, 1979).

Rousseau, J.J, On the Social Contract, ed. Roger D. Masters and trans. Judith R. Masters ( New York: St. Martin’s Press. 1978).

Simmons. A.J., The Anarchist Position: A Replay to Klosko and Senor,’’ Philosophy and Public Affairs 16 (1987).

Simmons. A.J., Moral Principles and Political Obligations (Princeton, NJ: Princeton University Press, 1979).

Talmon.J.L., The Origins of Totalitarian Democracy (New York: Praeger, 1960).

Trachtenberg, Z. M., Making Citizens: Rousseau’s Political Theory of Culture (London, Routledge, 1993).

 هوامش

 [1] أنظر على سبيل المثال:

Talmon J.L., The Origins of Totalitarian Democracy (New York: Praeger 1960), chap.3, and Lester Crocker, Rousseau’s Sociحخal Contact: interpretive Essay (Cleveland, OH; The Press of Case Western Reserve University, 1968).

[2] Rousseau J.J On the Social Contract P.54

 [3] المصدر نفسه، ص 58.

[4] المصدر نفسه، ص 75.

[5]Rousseau J.J. Emile, trans. Bloom Allan (New York: Basic Books, 1979) P.85.

 [6] Rousseau J.J On the Social Contract P. 13

[7] المصدر نفسه، ص 130.                    

[8] المصدر نفسه، ص 68.                   

[9] روسو، جان جاك، في العقد الاجتماعي،عبد العزيزي لبيب ( مترجم)، المنظمة العربية للترجمة، بيروت 2011، ص 98-99.

[10] Simmons A.J Moral Principles and Political Obligations

(Princeton NJ: Princeton University Press, 1979) P.139.

‘’ The Anarchist Position: A Replay to Klosko and Senor,’’ Philosophy and Public Affairs 16 (1987):269-79.

ولكن أنظر الدليل المناقض الذي قدمه

Klosko G.: in The Principle of Fairness and Political Obligation (Lanham MD: Rowman and Littlefield.1992) Appendix 2.

وايضا قوله: "أعتقد أن تفسير الإلزام السّياسيّ بواسطة مبدأ الأنصاف ملائم لتفسير شعور الفرد بالتزامه يتقوّى عند مباشرة أعباء عديدة يعتقد أنّ الآخرين يتولّون مثلها، ويضعف إذا ما أدرك أنّهم ليسوا كذلك". ص 148 .

 

محمود محمد عليفي هذا المقال نعود للمرة الثالثة ونكمل حديثنا عن القطيعة المعرفية عند فتجنشتين، حيث نقول لا شك في أن هذا الهيكل (الموجود في الرسالة) لا يقدم صورة وافية لمضمون الرسالة بأبعاده الكثيرة وأفكاره الثرية، ولكنه يبين علي وجه الاجمال أن فتجنشتين قد اتخذ من التحليل للعالم واللغة منهجا وغاية – وهي (علاج) الفلسفة من أمراضها المزمنة، وتوضيح أن معظم مشكلاتها التقليدية ليست مشكلات علي الإطلاق . لقد رد الفكر إلي لغة، ورد اللغة إلي تركيبات علي صور معينة . كما رد العالم الخارجي إلي وقائع، قوام كل واقعة منها أشياء بسيطة مترابطة بشبكة من علاقات . ومعني هذا أن العالم ينحل " وحدات أولية " هي الوقائع الذرية .

وتتألف هذه الوقائع من موضوعات بسيطة تمثلها قضايا أولية تستقل منطقياً عن بعضها البعض لكي يكون للجملة دلالة ما يجب أن تعبر إما عن قضايا أولية صادقة أو كاذبة، في هذه الحالة تعد القضية المركبة دالة صدق للقضايا الأولية موضع الحديث . هناك حالتان محددتان قد تختلف القضية مع سائر إمكانيات الصدق الأولية وهنا تكون قضية متناقضة أو تتفق معها جميعها فتكون قضية تحصيل حاصل، سائر قضايا المنطق الصادقة قضايا تحصيل حاصل بهذا المعني، وبالمثل تكون قضايا الرياضيات البحتة، وإن فتجنشتين يفضل تسميتها قضايا الهوية Identities، تخدم قضايا تحصيل الحاصل، وقضايا الهوية في أنها تسهل عملية الاستدلال الاستنباطي، وإن كانت هي ذاتها لا تخبرنا بأي شئ عن العالم، القضية الأصلية genuine تصور أمراً من أمور الواقع . هذه الصور هي ذاتها وقائع تشترك مع ما تمثله في الصور المنطقية والتصورية ذاتها، تفشل القضية في تمثيل أي شئ ما لم تصور الجملة أي أمر ممكن من أمور الواقع، سواء كانت بسيطة أو مركبة، ولما لم تكن الأقوال الميتافيزيقية هي ذاتها قضايا أولية أو دالات صدق لقضايا أولية، فإنها لا تمثل أي شئ ، إنها لغو فارغ، أو هي في أحسن حالاتها محاولات للتعبير عما لا يمكن التعبير عنه، ولكن فقط عما يمكن إظهاره للغير . وينطبق هذا علي علمي الأخلاق والجمال، كما ينطبق علي أي محاولات لوصف شروط التمثيل، وهو ما يجعل قضايا الرسالة ذاتها قضايا لامعني لها، يشبه فتجنشتين هذه القضايا بسلم يجب علي القارئ إلقاؤه بعد أن يصعد يندرج ضمن الأشياء التي سوف يدركها فتجنشتين أن الفلسفة ليست مذهبا ولكنها نشاط، نشاط يوضح قضايا العلوم الطبيعية ويبين أن الميتافيزيقيا لغو فارغ، ينهي فتجنشتين الكتاب بالعبارة الآتية " يجب أن نسكت عما لا نستطيع الحديث عنه".

كانت النتيجة المترتبة علي هذا التحليل، الذي ارتبط منذ البداية بموقف حاسم مما يسمي بالمشكلات الفلسفية، أن يقتصر المنهج الصحيح في الفلسفة علي " ألا نقول شيئاً إلا ما يمكن قوله بوضوح " – وهذا الشئ الوحيد الذي يمكن قوله بوضوح، فيكون صادقاً وله معني، هو قضايا العلم الطبيعي، أي أنه شئ لا علاقة له بالفلسفة ! " وبذلك نبرهن دائماً للشخص الآخر الذي يريد أن يقول شيئاً ميتافيزيقياً علي أنه لم يعط أي معني لعلامات (أو الألفاظ) معينة في قضايا . كما تصبح وظيفة الفلسفة وفاعليتها توضيح ما نعرفه بالفعل من قبل عن طريق آخر غير الفلسفة – لأن كل ما يقوله الفلاسفة من قضايا وما يثيرونه من أسئلة ومشكلات هي مما لا يقال، وإذا قيلت لم تكن صادقة ولا كاذبة، وإنما خالية من المعني (حسب ما تقوله العبارة المشهورة في الرسالة، الفقرة 003،4) ومن ثم استطاع " فتجنشتين " في الرسالة أن يقول إن مهمة الفلسفة تقع فوق العالم الطبيعي أو دونه، وأن القضايا الوحيدة التي لها معني هي قضايا العلوم الطبيعية، وأن عبارات الميتافيزيقيا وعبارات الأخلاق والجمال، بل وعبارات الرسالة المنطقية نفسها هي علي أفضل الأحوال مما لا يمكن قوله وإنما يمكن أن يظهر أو يتجلي بنفسه.

وهنا نلاحظ مع بعض الباحثين أن " فتجنشتين "يستخدم التحليل كمنهج في الفلسفة لا كغاية فلسفية . فهو لا يستهدف التحليل لمجرد تقسيم العالم إلي مجموعة من الوقائع . أو رد اللغة إلي عدة قضايا، أو رد المعني إلي طريقة استخدامنا للألفاظ – إنما هو يستخدمه لكي يوصله إلي غاية أبعد من ذلك، وهي توضيح المشكلات الفلسفية التي إذا ما وضع معظمها تحت مجهر التحليل، زال عنها كل غموض واتضح أنها مشكلات زائفة، أو أنها ليست بمشكلات أصلاً . وفد عبر " فتجنشتين " عن هذا المعني تعبيراً دقيقاً بقوله :" إن معظم القضايا والأسئلة التي كتبت عن أمور فلسفية، ليست كاذبة، بل خالية من المعني فلسنا نستطيع إذن أن نجيب عن أسئلة من هذا القبيل . وكل ما يسعنا هو أن نقرر أنها خالية من المعني، فمعظم الأسئلة والقضايا التي يقولها الفلاسفة إنما تنشأ عن حقيقة كوننا لا نفهم منطق لغتنا" وكان هذا هو المنهج التحليلي هو الغاية التي يهدف إليها فتجنشتين في الفلسفة دائما . وفي هذا الصدد كان يقول " إن نظرته إلي أعماله الفلسفية لا تعني بما إذا كانت النتائج التي توصل إليها صحيحة أو غير صحيحة، فإن كل ما يهم هو أن منهجا جديدا قد وحد .

ولا جدال في التأثير الكبير الذي مارسته رسالة " فتجنشتين " علي فكر الوضعية المنطقية . فقد اعترف مورتس شليك بأن الرسالة وضعت الفكر الفلسفي المعاصر في مفترق الطريق . فهي – وكما يري – نقطة تحول حاسمة . وليس هناك شك في أن هناك شك في هناك نقاط اتفاق بين الأفكار الأساسية والسائدة لدي دائر فيينا ومواقف الرسالة . فهناك مثلا فكرة أن القضايا الأصلية عبارة عن دوال قضايا للقضايا الأولية، وفكرة أن الحقائق المنطقية والرياضية تحصيلات حاصل وأنها – من ثم – لا تقول شيئاً . وأن الفلسفة ليست جهازا من الحقائق، إنما فاعلية أو نشاط يستهدف توضيح الأفكار توضيحا منطقيا، وتعيين حدود المعني المشروع وتمييزه عن المعني غير المشروع .

ولكن هناك بين الرسالة والوضعية اختلافات، فالوضعية لم تأخذ – فيما يتعلق بالقضايا – بالنظرية التصويرية، وهي النظرية المركزية في الرسالة . والفكرة الأساسية لدي الوضعية المنطقية هي أن كل القضايا الأصلية تقبل الرد إلي قضايا تسجل الادراك المباشر أو تسجل المعطي المباشر في الخبرة . ولا توجد هذه الفكرة في رسالة فتجنشتين .

ومن جهة أخري، تزخر الرسالة بالشذرات التي تؤكد علي هذه النظرية التصويرية في اللغة (أنظر امثلة من الرسالة).إن فكرة " فتجنشتين " في أن اللغة مرآة العالم أو صورة له، أو أن اللغة تعكس العالم، ينبغي النظر إليها علي انها فكرة عن الامكانيات . فكل الاختيارات الممكنة التي بإمكان العالم المنطقي أن يختارها تنعكس بالفعل في لغة، وكل إمكانية يتم معادلتها بعبارة واقعية لها معني محدد . فكما يقول " فتجنشتين " أن عالم يمكن أن يأخذ شكله فقط من خلال إطار منطقي . واللغة التي هي اداة الفكر، تهدف إلي تقرير الوقائع، وهي تحقق هذا عن طريق تصوير هذه الوقائع أو عن طريق إنعكاس هذه الوقائع في اللغة التي هي مرآة لهذه الوقائع . فقد استهدف فتجنشتين من قوله أن اللغة تصور الوقائع أن يؤكد علي أن اللغة لابد أن تكون شبيهة، من حيث البنية، بما تصوره . فالقضية المثبتة هي صورة لواقعة ممكنة، بنفس الطريقة التي يمكن للخريطة أن تصور بلد ما، هذا علي الرغم من أنه قد يتعذر في كثير من الأحيان تبين الجانب التصوري من اللغة، فالمنطق يكشف عن بناء اللغة، ومن ثم عن بناء الواقع، لأن البنائيين هما في الحقيقة بناء واحد أو هما مثل المرء وظله .

وقبل أن ينهي " فتجنشتين " كتاب الرسالة تناول مسألة وحدة الأنا بطريقة نجد فيها صدي لقراءته لشوبنهور . يقول فتجنشتين " ما يقصده اتجاه وحدة الأنا صحيح ولكن فقط لا يمكن التعبير عنه بالقول ولكن فقط بالكشف عن نفسه في الواقعة التي مفادها أن حدود اللغة " اللغة " التي أنا فقط من يمكن فهمها " تعني حدود عالمي "، ثم قال بعد ذلك " لا تنتمي الذات للعالم ولكنها حدود العالم " مقارنا إياها في هذا الصدد بالعين التي هي ليست في ذاتها جزءا مكونا للميدان البصري، لتكون النتيجة أن اتجاه وحدة الأنا تنكمش إلي حد أن تصبح نقطة بلا امتداد، وهناك يبقي الواقع متضايفاً معها . ويقول اخيراً ما يدرج الذات في الفلسفة هو الواقعة القائلة بأن " العالم عالمي " والذات الفلسفية ليست الكائن الحي ولا الجسم البشري أو النفس الإنسانية موضوع علم النفس، ولكنها الذات الميتافيزيقية حيث حدود العالم ليس جزءا منها .

إن ما تقوله الأنا وحدية Solipsism لا يمكن التعبير عنه بألفاظ اللغة .. والأنا وحدية " هي ذلك الاعتقاد القائل بأنني وحدي موجود " وعلي ذلك فكل ما أعرفه أو أدركه هو ما يوجد أيضا بالإضافة إلي وجودي، وقد عبر رسل عن ذلك المعني بقوله " إن الأنا وحدية هي تلك النظرة القائلة بأنني لا أستطيع أن أعرف شيئا علي أنه موجود باستثناء ما يقع في خبرتي أنا" . وعلي ذلك " فالفيلسوف الذي يؤمن بالأنا وحدية – مثلاً – يشعر بأن كلمة مثل – أنا – لا بد أن تكون ملازمة لكل وصف أو خبرة ". وفتجنشتين في رسالته المنطقية الفلسفية كان يؤمن بفكرة الأنا وحدية، لأنها كانت نتيجة مترتبة علي فكرته عن القضية من حيث هي رسم يصور الواقع الخارجي ... والتي كان يذهب فيها إلي أن صدق أو كذب القضية إنما يتوقف علي مقارنتها بالواقع لمعرفة مدي تعبيرها . " فالوجود يقارن بالقضية "، " والقضايا يمكن أن تكون صادقة أو كاذبة بكونها رسوما للوجود الخارجي "، وعلي ذلك فحدود الواقع الذي أدركه هي حدود اللغة التي أعبر بها عن هذا الواقع طالما كانت القضايا رسماً للوجود الخارجي ... وكان هذا هو السبب في قوله " إن معني أن العالم هو عالمي، يتبدي في الحقيقة القائلة بأن حدود اللغة (اللغة التي أفهمها) تعني حدود عالمي ". إلا أن ما تقوله الأنا وحدية، هو مما لا يمكن أن يقال إذا طبقنا عليه مبدأ فتجنشتين نفسه، لأن فيه تجاوزا لحدود اللغة، فحيث " إن ما يمكن أن يتجلي بنفسه في التقابل الموجود بين العالم الذي أدركه من جهة – وبين اللغة التي أعبر بها عن هذا العالم من جهة أخري – فهي بالتالي مما لا يمكن الحديث عنه . وفضلا عن ذلك فطالما أنه ليس هناك إلا الوقائع التي أدركها في الوجود الخارجي، فإنني لا أستطيع أن أقول " إن العالم هو عالمي "، علي الرغم من ان ما تعنيه هذه القضية صحيح، إذ أن وجود العالم ككل، هو في مقابل اللغة التي أتكلمها (من حيث هي مجموع القضايا التي تصور الوقائع الخارجية) ككل . الأمر الذي أدي به إلي القول " بأن الجانب الملغز، ليس في كيف يكون العالم، بل في أن العالم موجود مطلق وجود .  ومن ثم ينتهي فتجنشتين إلي القول عن الأنا وحدية " بأن ما تعنيه، صحيح تماما، إلا أنه مما لا يمكن قوله، إنما يتبدي لنا فقط " . وبناء عليه، فكل ما نقوله عن العالم ككل، أو عن أن العالم هو عالمي – هو مما لا يمكن قوله، فإذا ما قلنا شيئا من ذلك، فإننا – بالنسبة لفيتجنشتين – إنما نتكلم كلاما لا معني له، لأنه يتجاوز حدود ما يمكن قوله، أي حدود اللغة . ومن الطبيعي أن هذا الحكم ينطبق علي كلام فتجنشتين نفسه .

ثالثا: القطائع المعرفية والبحوث الفلسفية

أخذ فتجنشتين بعد فترة من ظهور الرسالة في مراجعة الكثير من أفكاره وبدأ تحولا كبيرا في المنهج وأصبح معروفا في الأوساط الفلسفية، أن لفتجنشتين فلسفتين، يشار إلي أولهما بـ" فتجنشتين المبكر" وإلي " فتجنشتين المتاخر"، وقد قيل في وصف هذا التحول بأنه إذا كان " فتجنشتين" قد بدأ رسليا، إلا أنه قد إنتهي " موريا". لقد بدأ " فتجنشتين " " رسليا" وانتهي " موريا" فقد ساير رسل في ذريته المنطقية وتابعه في اعتقاده بأن المنطق هو اساس الفلسفة، فالفلسفة تتألف من المنطق والميتافيزيقيا، بحيث يكون المنطق أساسا لها . ولكنه تابع مور – فيما بعد – في تأكيده علي اهمية تحليل اللغة   الجارية، وبعبارة أخري نستطيع أن نقول مع " د. محمد محمد مدين"، أن فكر فتجنشتين المتأخر هو سلب أو نفي لفكرة المبكر " .

وقف فتجنشتين – متابعاً مور ورسل – في صف الثورة ضد المثالية إلا أنه قد بالغ في هذه الثورة، وجاهد فيها بعنف، حتي بدت هذه الثورة لا ضد المثالية فحسب، بل ضد كل أنواع التفكير الميتافيزيقي، بل وضد الفلسفة ذاتها . وقد أخذ الباحثون فلسفة فتجنشتين بأنها " كانت فلسفة ضد الفلسفة ... فعلي حين كانت أسمية " أوكام" نصلا يجتز به الزيادات الطائشة للفلسفة، كانت نظرية فتجنشتين عن اللغة فأساً يقطع بها شجرة الفلسفة " . ومن الملاحظ أن مساهمة فتجنشتين في الفلسفة تشكل تذبذباً بين آراء " رسل " وآراء " مور " فهو يبدأ في مرحلته المتقدمة علي أساس من آراء رسل، وينتهي في آرائه المتأخرة مناصراً لمور . فنظريته عن اللغة كما وصفها في كتابه المعروف باسم "رسالة منطقية فلسفية" (1922) تقوم علي أساس التحليل الميتافيزيقي الذي وضعه رسل . أما في فلسفته المتأخرة كما بدت في " الكتاب ألأزرق" (1958) أو " الكتاب البني " (1958) و" بحوث فلسفية" (1959) فهي تبتعد عن نظريته الأولي كانت تستلزم نسقاً ميتافيزيقياً، فرفضها ورجع أساساً إلي موقف " مور" . وباختصار، فقد كان في الطور الأول " رسلياً" مع حبكة لغوية . أما في الطور الثاني فقد كان " مور " معبراً عنه في حدود لغوية .وبذلك نلاحظ أن فتجنشتين في ذريته المنطقية المعروضة في " الرسالة" كان فيها متأثراً برسل، أو كان كلاهما متأثر بالآخر.

ويحدد بعض الباحثين المرحلة الأولي من مراحل تفكير " فتجنشتين" بالفترة المنتهية بعام 1911.أما المرحلة الثانية من مراحل تفكير " فتجنشتين" فهي تلك التي تبدأ من عام 1911 حتي عام 1930، وفي هذه المرحلة لم ينشر أي أبحاث أو كتابات، وما نشر من اعماله كان بعد وفاته، ومنها الكتابين "الأزرق" و"البني"، نسبة إلي للون غلاف كل منهما، و" الأزرق" أكثر أهمية من "البني " لأنه يحتوي علي " التمهيد" لما وصفناه بالفلسفة الجديدة، وبجانب هذين الكتابين هناك كتابه الهام " البحوث الفلسفية" الذي يعبر فيه " فتجنشتين " عن فلسفته الجديدة، وهو مكون من جزئين انهي فنجنشتين من أولهما عام 1945، أما الجزء الثاني فقد كتبه بين عامي 1947 و1949 . وقد قامت بترجمته إلي اللغة الإنجليزية تلميذته أنسكوم Anscombe  ، وقامت بنشره هي وريز R . Rhees  في مؤسسة بلاكوبل عم 1953، ثم أعيد طبعه عام 1958، ثم ظهرت الطبعة الثالثة له عام 1936 .

وفي مقدمة كتاب " البحوث الفلسفية " اعترف فتجنشتين بأنه حينما أكمل "رسالته المنطقية الفلسفية "، كان مقتنعا بأن النتائج التي انتهي إليها كانت صادقة صدقاً يقينيا، وبأن المشكلات الكبرى في الفلسفة قد تم حلها أخيراً – علي الأقل من حيث المبدأ – كما ذكر في مقدمة "رسالته" "... أن الأفكار التي سيقت هنا، يستحيل الشك في صدقها أو هي أفكار مقطوع بصدقها، ولذا فإنني أعتقد أن ما هو أساسي في مشكلات الفلسفة قد تم حله نهائيا" . ولذا كان من الطبيعي أن يترك فتجنشتين الاشتغال بالفلسفة، طالما أنه قد توصل إلي حل مشكلاتها الكبرى " .

وهذا إن دل علي شئ فإنما يدل علي أن فتجنشتين كان واثقاً تمام الثقة مما توصل إليه من نتائج في رسالته . ثم حدث له حادث فكري كان ناتجاً عن مناقشاته مع الآخرين ومع نفسه أن بدأت ثقته تقل في مدي صحة ما توصل إليه من نتائج فلسفية سابقة . ولذا قرر فتجنشتين العودة مرة أخري إلي الفلسفة، لكي يعيد النظر في موقفه الفلسفي . وباختصار لكي يبدأ من جديد " وهذا ما فعله فقد عاد مرة أخري إلي كمبردج عام 1919 لكي يستأنف عمله الفلسفي .

واخيراً يعترف فتجنشتين بوجود أخطاء فيما توصل إليه في الرسالة فيقول :" وقد أتيح لي قبل أربع سنوات أن أعيد قراءة كتابي الأول (وهو الرسالة المنطقية الفلسفية) وأشرح أفكاره . عندئذ خطر لي فجأة أن من الواجب علي أن أنشر تلك الأفكار القديمة، بحيث يلقي الضوء الصحيح علي هذه الأخيرة ويتيسر الاطلاع عليها من خلال تعارضها مع طريقتي القديمة في التفكير وعلي اساسها . ذلك لأنني اضطررت للاعتراف بوجود أخطاء فادحة فيما كتبته في ذلك الكتاب الأول . وقد حدث هذا منذ أن رجعت للاشتغال بالفلسفة قبل ستة عشر عاماً خلت . وساعدني علي تبيين هذه الأخطاء – إلي الحد الذي لا أستطيع أنا نفسي تقديره – ذلك النقد الذي وجهه " فرانك رمزي " لأفكاري، والذي ناقشته فيه طوال السنتين الأخيرتين من عمره خلال أحاديثي التي لا حصر لها معه . وبجانب هذا النقد – الذي كان صائباً وملزم علي الدوام – أشعر كذلك بدين أكبر لذلك النقد الذي لم يكف أحد أساتذة هذه الجامعة، وهو السيد " ب . سرافا "، عن توجيهه لأفكاري علي مدي سنوات طويلة . إن أكثر الأفكار اتساقاً في هذا الكتاب (ويقصد كتاب البحوث الفلسفية) ليرجع الفضل فيها لهذا التنبيه المستمر. وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

محمد كريم الساعديإن الفعل الذي تنطلق منه كلمة الذاكرة، يدل على استمرارية صورة الشيء أو اللفظ في الحفظ، وذلك من خلال ان يكون واقعاً أولاً ثم يتحول صورة في الذهن، على اعتبار ان الذاكرة هذه القوة النفسية الحافظة للأشياء في الذهن قادرة على استدعائها عقلياً بمقتضى الحاجة اليها، وهنا تصبح العملية بوجود مادة (صورية، سمعية،...الخ) تشاهد أو تسمع ... الخ ثم يتم حفظها وتجريدها في الذهن أو تحويلها الى صورة ذهنية أو علامة ذهنية سواء كانت حركية سمعية بصرية وغيرها، يتم استدعائها وقت الحاجة أو عند الضرورة من خلال استثارتها أو عرض عليها نفس المواقف السابقة التي حصلت فيها، أو تقريب الشيء يكون قريب لها في المعاني مثلاً، أو غيرها من المحفزات النفسية .

وفي مجال الفلسفة يرى عدد من الأكاديميين في الموسوعة الفلسفية بأن الذاكرة هي: حفظ الذات لنتائج تفاعلها مع العالم الخارجي مما يجعل في إمكانها ترديد واستخدام هذه النتائج في نشاط لاحق  وترتبط الذاكرة بالتفكير وأشكال النشاط الناشئة كنتاج لها تتم بعملية التفكير نفسها . ويتكون محتوى الذاكرة الأولية من غير الكلامية من نماذج ذهنية للواقع تكونت من خلال العلاقة المباشرة بين الذات والموضوع، ويتوقف تكوينها على اتصال تأثير الموضوعات من حيث الوقت، وعلى نوع الحاجة التي تحدد طبيعة التفاعل، وفي الذاكرة الكلامية العليا – التي تقوم على الذاكرة الأولية – تثبت نماذج للعلاقات الموضوعية بين الأشياء .

والذاكرة هي : وظيفة نفسية قوامها معاودة أنتاج حالة وعي سابقة،وبالتعميم ، كل حفظ لماضي كائن حي في حالة هذا الكائن الراهنة باعتبار الذاكرة في هذه الحالة من التعميم، هي وظيفية عامة للجهاز العصبي، أما الذكرى فهي حفظ ذكرى واقعة كتخليد ذكرى رجل عظيم أو حدث مهم في ذاكرة الشعوب و الذاكرة النفسية بحسب تعريف (لالاند) تعد الذاكرة الأرفع والأعقد في تصنيفاتها. أما في (المعجم الشامل) فأن الذاكرة تأتي بالقدرة على تذكر الأحوال الانفعالية القديمة، والذاكرة الحسية، وهي البسيطة التي تأتي بالأحداث من باب التذكر الخام، والذاكرة المنظمة، وهي ذاكرة المعاني التي تنظم الذكريات على وفق ما يوظف معها من تفسيرات وتأويلات، وكل هذه الأنواع الثلاثة هي من وظيفة الجهاز العصبي، وهذه الوظيفة عامة له، نشأت من اتصاف العناصر الحية وبخاصة الاحتفاظ بالتبدلات التي تطرأ عليها وربطها بعضها ببعض، للوصول الى ما يراد استحضاره وتقديمه في مواقف معينة ومحدودة ومقصودة في اغلب الأحيان وغير مقصود في أحيان أخرى .

ويأتي مصطلح الذاكرة على أنها القدرة على إحياء حالة شعورية مضت وانقضت مع العلم والتحقق أنها جزء من حياتنا الماضية . وقد عرفها حكماؤنا القدماء بقولهم : أنها قوة تحفظ ما تدركه القوة الوهمية من المعاني وتذكرها (التهانوي)، أو قولهم :أنها قوة محلها التجويف الأخير من الدماغ من شأنها حفظ ما يدركه الوهم من المعاني الجزئية (ابن سينا)، وتسمى عندهم حافظة ايضاً .. ووظيفة الذاكرة بهذا المعنى هي حفظ والتذكر.

أما الفيلسوف الفرنسي (بول ريكور)، يرى أن الذاكرة هي ما يمثله الماضي من صور، التي تشكل قيمة حضورية عند استثارتها وهي لا تأتي الا في سياق خاص ابعد من اللغة العادية أو التمثيل البسيط، فهي يمكن ان ترتبط بالخيال الذي يعده في أول وابسط سلم المعرفة، لذلك فهو يقول ان الحضور الذي يشكل قوام تمثيل الماضي يبدو انه حضور صورة . فنحن نقول بلا تمييز بأننا نتمثل حدثاً ماضياً، أو إننا نتصوره أي عندنا صورة وهذه الصورة يمكن ان تكون شبه بصرية أو سمعية.

إن علم النفس يحدد الذاكرة بأنها الوظيفة العقلية التي يتم بموجبها اكتساب المعلومات واختزانهما ثم استدعاء ما يلزم منها عند الطلب، وبالتالي فأن هذه الوظيفة العقلية التي ترتبط بالجوانب النفسية والاجتماعية الداخلية والخارجية تعمل على وفق رؤية (جوناثان كيه فوستر) الى استحضار المعلومات والتعامل معها في سياق  تأثيرها وحضورها في التجربة أي ان الذاكرة لديه هي ليست مجرد استدعاء معلومات صادفناها في فترة سابقة الى أذهاننا، فكلما أثرت تجربة حدث سابق على شخص ما في فترة لاحقة، فأن اثر التجربة السابقة يُعدُ انعكاساُ لذكرى ذلك الحدث السابق.

لذلك فإن تحديد مصطلح الذاكرة هو ما يشير الى الذاكرة والتاريخ، فالذاكرة وهي بمعناها المجرد والأعم تلك الميزة لدى الكائنات الحية التي بفضلها تترك الأشياء التي يخبرها المرء، خلفها أثارا تقوم بتعديل التجربة والسلوك في المستقبل، فالإنسان له تاريخ بفضل وجود الذاكرة، وهذا التاريخ سجل في داخل النفوس، وتكمن وراء كل تعلم، لان طابعها الجوهري هو الحفظ.

ان الذاكرة على وفق ما قدمناه سابقاً من تعريفات مأخوذ من معاجم مختلفة في اللغة والفلسفة وعلم النفس وغيرها مهمتها الأساسية هي حفظ المعلومات التي تتأتى من التجارب الإنسانية، فهي تمثل الذات الإنسانية في تعاملها مع الموضوع الذي يتشكل من خلال الصور سواء كان هذا التشكيل سمعي أو بصري أو حتى تدخل الحواس الأخرى، فالذاكرة هي مجال لحفظ المعلومات ترتبط بعملية عقلية قوامها التفكير الإنساني الذي يعمل على تكوين نماذج في الذهن وهذه الذاكرة الفردية هي جزء من ذاكرة جمعية تحفظ لنا التاريخ في داخل النفوس، فهي على علاقة مع ما يدون في التاريخ وعلى علاقة بتشكيل الوعي الجمعي الذي يتحول تدريجياً الى صيغ وعلامات تدخل في بناء القيم الإنسانية.

 

الاستاذ الدكتور محمد كريم الساعدي

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا عن القطيعة المعرفية عند فتجنشتين، حيث نقول إن القطيعة المعرفية التي نبغيها أيضاً في هذا البحث ليست هي القطيعة التي أخبرنا عنها بعض الباحثين بأنها ذلك ".. التغير الجذري الثوري، بحيث لا نجد أي ترابط أو انفصال بين القديم والجديد، (وأن) ما قبل وما بعد، يشكلان عالمين من الأفكار كل منهما غريب عن الاخر "، بل تعني التعبير عن التحول الواعي والهادف في مجال العلم والمعرفة العلمية، لهذا لا تمارس القطيعة عملها من خارج العلم، بل تمارس عملها من داخل العلم ذاته . فالعلم في تطوره ينشئ القطيعة من أجل المراجعة، والنقد المستمرين لأسس ومناهج ومفاهيم وتصورات العلم أو المعرفة العلمية السابقة . فالقطيعة ليست نبتة غربية عن حقل العلم أو المعرفة العلمية، إنما هي نبتة أصيلة، تنبع أصالتها من داخل العلم ذاته، لأنها تدعم وتقوي العلم وتدفعه للأمام عن طريق النقد والمراجعة، وإعادة البناء المستمر له، لهذا فإننا نستخدم القطيعة هنا بالمعني الذي أخبرنا عنه أحد الباحثين بأنه ":" إعادة بناء ماضي العلم والمعرفة العلمية لا من أجل مهاجمة ونقد العلم والمعرفة العلمية ذاته؛ بل من أجل تأسيس حاضر العلم وتقدمه في المستقبل، وبالتالي تكون القطيعة هي التجاوز النشط المسئول للماضي والمبدع الخلاق للحاضر، فلا تعود اللحظة تكراراً كمياً للتاريخ بل هي عمل دءوب، إنجاز الحداثة، بل الجدة ".

وهذا المفهوم للقطيعة الابستمولوجية هو نفس ما نادي به الدكتور "حسن عبد الحميد بأنها" لا تعني هنا الحد الفاصل الزمني اللحظي، أو هذا التغير السريع الذي ينتج عنه امر جديد كل الجدة، بل عبارة عن مسار معقد ومتشابك الأطراف، تنتج عنه مرحلة جديدة ومتميزة في تاريخ العلم .

والقطيعة الابستمولوجية تكمن "كما أكد بعض الباحثين"، " في هذا الطابع الجدلي الذي يطبع تاريخ العلم فلا يمكن أن نتخيل وفقاً لهذا التعريف تاريخاً للعلم تنقطع فيه الصلة بين ماضيه وحاضره، وبالتالي لا تفهم القطيعة إلا علي أرضية من الاستمرارية والاتصال . علاوة علي أنه لا يوجد تقدم قائم علي الانقطاع الكلي عن كل ما سبقه، فليس ثمة قطائع نهائية جذرية بين حاضر العلم، والذي يمثل أعلي مرحلة يصل إليها التقدم في العلم، وبين ماضي العلم، بل توجد قطائع بمعان معينة بين فيزياء جاليليو وفيزياء نيوتن أو بين نظرية النسبية لأينشتين والميكانيكا النيوتونية . إنها قطائع تصويبية تحاول حل المشكلات التي عجزت النظرية السابق عن حلها . إن وجود حصيلة من الاخفاقات المعرفية النظرية في مجال ما من مجالات العلوم ووجود سلسلة من العوائق المعرفية التي تؤدي بدورها إلي هذه الاخفاقات والعوائق يأذن بوجود قطيعة معرفية التي تعني هنا في هذا السياق، التحول الابيستمولوجي في هذا المجال أو ذاك من مجالات العلوم الطبيعية . هذا التحول لا يتم بطريقة جذرية ؛ بمعني أن يستوعب هذا التحول تدريجياً، الاسهامات المعرفية والاكتشافات العلمية والنظريات السابقة، وأن يسقط من حسابه تدريجياً أيضاً، تلك العوائق والاخفاقات التي أعاقت نمو وتقدم وتطور العلم" .

ريما أن المفهوم للقطيعة قد لا يرضي عنه البعض (وبالأخص الرديكاليين) ؛ لكونه كما يري بعض الباحثين " يخفي وراءه فكراً تقليدياً، حيث يشير هذا التعريف إلي وجود عنصر الاتصال بين النظريات العلمية السابقة واللاحقة، حيث يمثل هذا الاتصال أحد الصفات التي تميز التقدم في العلم بمعناه التراكمي، وإن كان الاتصال هنا يفهم بمعناه الجدلي ؛ بمعني أن النظريات العلمية المتعاقبة (أو القضايا والاشكاليات الفلسفية)     لا تسير في خط متصل متراكم ؛ بحيث أن كل نظرية تقضي حتما إلي التي تليها، ومن ثم لا يوجد ثمة قطيعة أو ثورة أو تجاوز، وإنما عنصر الأتصال هنا بين النظرية العلمية المتقدمة وبين النظرية السابقة عليها، يتخذ في أن النظرية العلمية المتقدمة لا تلغي النظرية السابقة، بل تحتويها وتبرز عناصر النجاح التي حققتها النظرية السابقة.

ولذلك فإنني هنا أناشد بأهمية هذا التصور للقطيعة المعرفية ومحاولة تطبيقه ليس فقط في العلم ولكن أيضاً في الفلسفة، ولذلك فإن توجهي في هذا البحث هو نفس توجه لوي ألتوسير Althusser`s L 1918-1990، حين استعان بمفهوم القطيعة المعرفية من أجل تناول الماركسية تناولا علميا دقيقا . فقد كانت مهمته كما أكد بعض الباحثين " تأسيس تصور للعلم يكون له دعامة قوية، ولإنجاز هذه المهمة تناول إشكالية " التعيين" Demarcation فلم يؤكد ألتوسير علي الشروط الكافية أو الضرورية للعلم، ولم تكن نيته متجهة نحو التمييز بين العلم واللاعلم، بل كان اهتمامه بالتحولات العميقة داخل العلم ذاته ..  ولهذا شرع ألتوسير يقرأ كتاب " رأس المال "، قراءة ابستمولوجية بعد أن استعار مقولة القطيعة المعرفية من " جاستون باشلار "،  ليشير إلي أن ماركس قد أحدث قطائع معرفية علي طول حياته الفكرية، فقد أحدث ماركس قطيعة مع أفكاره السابقة وتبني كل من فلسفة كانط وفشتة وذلك في عام 1840 إلي 1842، وكان في هذه الفترة يؤمن بالحرية كجوهر للإنسان ولكن سرعان ما هجر هاتين الفلسفتين، وأحدث قطيعة معهما ليتجه في فترة 1845 إلي فيورباخ والنزعة الإنسانية .وبحلول عام 1845، أحدث قطيعة ثالثة مع الاتجاه الإنساني الفيورباخي لصالح الأتجاه الهيجلي الايديولوجي ثم أخيراً أحدث قطيعة مع الأتجاه الهيجلي ليؤسس الماركسية العلمية إلي العلم".

ومن هذا المنطلق فإننا نعلن أننا نقوم في هذا المقال بتطبيق هذا المبدأ الابستمولوجي، الذي أعلنه " الدكتور حسن عبد الحميد " في رائعته عن " التفسير الابستمولوجي لنشأة العلم الحديث "، والذي يقول " إن المقال في المنهج  لا ينفصل عن المقال في العلم في أية مرحلة من مراحل تطور العلم "، ومعني هذا المبدأ ببساطة، أن الحديث عن المنهج في أي علم من العلوم بمعزل عن المسار الذي يسلكه العلم في تطوره، هو ضرب من التبسيط المخل " بالتجربة العلمية"، والتزييف المتعمد للروح التي ينبغي ان تقود العلم وتوجهه . فالمراحل الأساسية التي يمر بها العلم ترتبط ارتباطا عضوياً بمراحل تطورية تناظرها في المنهج أو المناهج المستخدمة في العلم نفسه . ويترتب علي هذا المبدأ نفسه أننا لا نستطيع أن نحدد – كما يحلو لبعض العلماء وفلاسفة العلم – منهجا بعينه لعلم بعينه، حتي ولو كان ذلك في مرحلة بعينها من مراحل تطور العلم، اللهم إلا إذا كنا بصدد التاريخ  للعلم الذي نتحدث عنه . والسبب في ذلك أن أهم عنصر يتدخل في تشكيل هيكل أو بنية العلم هو المنهج المستخدم في بناء العلم نفسه، ولكن هذا المنهج الذي يعمل علي إضفاء بنية جديدة للعلم، هو بالضرورة غير المنهج الذي تعارف جمهرة العلماء علي استخدامه . ويترتب علي ذلك أن فصل المقال في المنهج عن المقال في العلم في أية مرحلة تطور العلم، هو ضرب من قفل باب الاجتهاد في العلم ودعوة إلي تعطيل البحث العلمي، وباختصار فإن هذا يعني وضع العلم داخل "سجن" الهيكل أو البنية التي اكتسبها في المرحلة التي تم فيها عزل المنهج عن السياق التاريخي التطوري للعلم.

والخلاصة المعقولة التي ننتهي إليها مع أستاذنا الدكتور " حسن عبد الحميد ":" هي أنه آياً كان معني العلم وطبيعته، فإن فكرة وجود المنهج المستخدم فيه تعني التصحيح والتطوير المستمرين لقواعده . ولم لا نقول مع الأستاذ نيوتن سميث بأن العالم ينجز من المكتشفات في ميدان المنهج كما يحقق من المكتشفات في ميدان العلم سواء بسواء.  بل لم لا نقول مع جاستون باشلار بأن المكتشفات العلمية نفسها رهن بما يمر به العلم من عقبات ابستمولوجية، وأن العقبة الابستمولوجية هي في التحليل الأخير عبارة عن عقبة منهجية ؟ ومعني هذا ببساطة أن انتقال العلم  من مرحلة إلي مرحلة أخري أكثر تطورا وارتقاء يفترض أن العلم قد غير ليس فقط من نظريته ومفاهيمه، ولكن أيضا من مناهجه التي كانت مستخدمة في المرحلة الأخيرة . إن ما نريد أن نؤكده .. هو أن ارتباط المنهج بموضوع العلم نفسه، ارتباطا عضويا لا انفصال فيه في أي مرحلة من مراحل تطور العلم . وهذا الارتباط هو أيضا ارتباط جدلي ارتقائي، بمعني أن هناك علاقة تأثير متبادلة بين النتائج التي يتم انجازها علي مستوي موضوع العلم، وبين تقدم المناهج المستخدمة داخل ميدان هذا العلم نفسه، وان انتقال العلم من مرحلة إلي مرحلة أخري اكثر ارتقاء لا يلغي الوسائل المنهجية التي كانت مستخدمة في المرحلة السابقة بل تبقي هذه الوسائل تلعب دورها بطريقة أقل فعالية من الوسائل الجديدة التي يستخدمها العلم في مرحلته المتقدمة ".

ويمكن القول أن كتاب " البحوث الفلسفية"  ؛ يمثل ثورة داخل ميدان الفلسفة التحليلية في القرن العشرين، وهذه الثورة قد أنجزها فتجنشتين بمفرده، ونقل بها هذا الفرع من فروع المعرفة من مرحلة الوسائل المنهجية والعلمية، كما صاغها فتجنشتين في كتاب "رسالة منطقية فلسفية، إلي مرحلة ذات وسائل منهجية جديدة تختلف كل الاختلاف عما سبق، وبالتالي فإن القطيعة الابستمولوجية هنا هي قطيعة منهجية .

ومن ناحية أخري يمثل كتاب " البحوث الفلسفية" مرحلة قطيعة ابستمولوجية -منهجية، ليس فقط مع كل صور الممارسات السابقة الفكر المنطقي والفلسفي في الرسالة المنطقية الفلسفية،  بل إن هذا الكتاب يقطع الصلة بينه، وبين مؤلفات فتجنشتين المنطقية والفلسفية الأخرى.

والمتفحص لكتاب " البحوث الفلسفية"  يجده مختلفاً تمام الاختلاف عن كتاب " الرسالة المنطقية الفلسفية " ؛ أي بدون أن يلغيه أو ينفيه،  بل يتعداه ويتجاوزه . وفي الصفحات القادمة سوف نوضيح ذلك بشئ من التفضيل وذلك علي التالي:-

ثانيا ً: الوسائل المنهجية والفلسفية في الرسالة المنطقية الفلسفية:-

يعد كتاب " رسالة منطقية فلسفية " بشهادة معظم الباحثين تعبيراً صادقاً عن فلسفة " فتجنشتين" في المرحلة الأولي من تفكيره الفلسفي، ولذا فهي تمثل أفكاره الفلسفية الأولي التي اعتقد " فتجنشتين" في وقت كتابته " للرسالة" أنه قد توصل بها إلي حل جميع مشكلات الفلسفة، فكان يقول في  مقدمة الرسالة: " أن الأفكار التي سيقت هنا، يستحيل الشك في صدقها أو هي أفكار مقطوع بصدقها، ولذا فإنني أعتقد أن ما هو أساسي في مشكلات الفلسفة قد تم حله نهائيا " .

وكان كتاب " الرسالة" يمثل تعبيراً عن النتائج التي إنتهي إليها بعد تفكير وبحث فلسفي استغرق حوالي الأربع سنوات أو يزيد، إذ أننا نستطيع من مقارنة الرسالة التي ظهرت عام 1961 باللغة الألمانية – (وكان فتجنشتين قد انتهي من كتابتها مخطوطة في أغسطس من عام 1918 بمذكراته التي دونها بين عامي 1914، 1916- أن نتبين وجه الشبه الكبير بين أفكاره في كل منهما، وخاصة بالنسبة لما هو متعلق منها بالمنطق، ولهذا يمكننا أن نقول أن رسالة فتجنشتين كانت بمثابة الصياغة الأخيرة لأفكاره الفلسفية طوال هذه المدة بصفة عامة، بل وكذلك في الفترة السابقة علي عام 1914، ويتضح ذلك من مذكراته في المنطق التي كتبها في سبتمبر من عام 1913، وكذا من الخطابات التي كان يرسلها فتجنشتين إلي رسل في 1912. وقد كتب فتجنشتين أغلب رسالته المنطقية الفلسفية أثناء اشتراكه في الحرب العالمية الأولي ... فقد صاغ فتجنشتين أفكاره الرئيسية حول هذه الموضوعات  قبل عام 1914، ثم استكمل بقية أجزاء الرسالة أثناء اشتراكه في الحرب – وهو لم يستكملها كما ظن البعض أثناء وجوده بالأسر، بل أنه كان قد انتهي من كتابتها قبل وقوعه أسيراً، إذ أنه " حينما وقع في الأسر، كانت معه في حقيبته التي كان يحمل أمتعته مخطوط رسالته المنطقية الفلسفية فهو كان قد انتهي من الرسالة حينما حصل علي تصريح من الجيش بإجازة يقضيها في فيينا – في أغسطس من عام 1918- في حين أنه أسر في نوفمبر 1918، وظل أسيراً حتي اغسطس 1919. وأثناء وجوده في الأسر استطاع أن يتصل برسل ويرسل إليه المخطوط – عن طريق كينز Keynes زميله في الدراسة في كمبردج – " وكما قرأ رسل مخطوط الرسالة، كان له الفضل في نشرها " ففي عام 1919، التقي فتجنشتين بعد خرجه من الأسر برسل في هولنده لمناقشة المخطوط  " ثم كتب له مقدمة طويلة نشرت بعد ذلك مع الترجمة الإنجليزية للرسالة . وقد نشرت الرسالة لأول مرة باللغة الألمانية عام 1921.

وفي هذا الكتاب وجدنا فتجنشتين نفسه – في أول عهده – محوطاً بمشكلة أساسية شغلت الفلاسفة من حوله، كما شغلت علماء الرياضة، هي مشكلة العلاقة بين العلميين الصوريين اللذين هما المنطق والرياضة: تري هل تكون الرياضة في صوريتها امتدادا للمنطق وومبادئه ؟ أو أن المنطق والرياضة بناءان مستقلان ؟ وما ان بدأ فتجنشتين يدلي بدلوه في الدلاء، حتي خطا الخطوة التي لم يجد لنفسه عنها محيصاً، وهي أن ينتقل بمركز الاهتمام من المنطق إلي اللغة، ثم شدته اللغة إلي طبيعة الحياة، ثم نظر إلي هذين الطرفين: اللغة والعالم، ليري ماذا تكون العلاقة بينهما . علي أن هذه المراحل الثلاثة: من المنطق إلي اللغة إلي تركيب العالم، قد جاءت في هذا الكتاب معكوسة، إذ يبدأ بالنظر في تركيب العالم، لينتقل منه إلي جوهر اللغة ثم إلي طبيعة المنطق .

وقد استهدف  فتجنشتين من الرسالة تحقيق ثلاثة اهداف منطقية أساسية هي:

1- تقديم حلول محددة " للمشاكل الفلسفية الأساسية والتقليدية.

2- تعيين " حدود الحديث الواقعي " علي أساس أن كل شئ مما يمكن التعبير عنه في عبارة واقعية، إنما يمكن أن يجد له مكانا داخل هذه الحدود.

3- بحث أسس  المنطق بهدف تفسير المقصود بالضرورة المنطقية .

ولكن هل يوجد بين هذه الأهداف الثلاثة علاقة؟

يري فتجنشتين أن تعيين حدود اللغة يعني حصر القضايا الواقعية التي يمكنها أن تستوعب كل من القضايا الواقعية في العلم، والقضايا الواقعية في الحياة اليومية، وتقع كل الأشياء التي يمكن أن تقال في قضايا داخل هذه الحدود، بينما تقع خارجها كل ما لا يكون بإمكاننا التعبير عنه في قضايا .

وأول ضوء يلقيه فتجنشتين في كتابه " الرسالة " علي معني " الفكرة " أنها التركيبة اللغوية المعينة، وإذا صح هذا تحول السؤال الذي يسأل عن علاقة الفكر بالأشياء، إلي سؤال يسأل عن علاقة اللغة بالأشياء، وهو تحول خطير في الفكر الفلسفي، أباح لكثيرين من مؤرخي الفلسفة أن يعدو فتجنشتين فاتحة لعصر فلسفي جديد، لأنه بمثابة من شدنا من طريق كنا نسير فيه منذ فجر الفلسفة، إلي طريق آخر، فبدل أن كنا نتاول الفكر تناولاً يعالجه كما لو كان كالأشباح، فنذهب في تحليله مذاهب شتي لا يعرف مذهب منها كيف يرد مذهبا، أصبحنا نعالج الفكر علي أنه هذه التركيبات اللغوية التي نستطيع – ولو من الوجهة النظرية - أن ننتهي فيها إلي أساس نتفق عليه، من حيث طريقة استخدامها، وطرائق تركيبها، ووسائل تحويلها من عبارة إلي عبارة أخري تساويها، فإذا انتهينا من ذلك كله إلي شئ، كان هذا الذي انتهينا إليه دالاً علي معني " الفكر " .

ولذلك نجد فتجنشتين يبدأ كتابه " الرسالة "، بمبادئ الرمزية وبالعلاقات الضرورية بين الألفاظ والأشياء في اي لغة، وتطبق نتيجة هذا البحث علي مختلف اقسام الفلسفة التقليدية، مبينة في كل حالة، كيف ان الفلسفة التقليدية والحلول التقليدية، إنما تنشأ عن الجهل بمبادئ الرمزية ومن سوء استخدام اللغة . وكان أول الموضوعات التي عالجها " فتجنشتين" في رسالته هو البنية المنطقية للقضايا وطبيعة الاستدلال المنطقي . ثم انتقل بعد ذلك إلي نظرية المعرفة ومبادئ العلوم الطبيعية، والأخلاق وأخيرا إلي التصوف .

ولذلك نجد أن كتاب "الرسالة" يتكون من سبع قضايا رقمها فتجنشتين بالأعداد الصحيحة التالية 1، 2، 70000، ومن عبارات فرعية رقمها بأعداد عشرية هي بمثابة شروح وتعليقات علي القضايا الأساسية، بحيث تكون العبارة 1، 1 تعليقاً علي العبارة رقم 1، ثم عبارات فرعية أخري رقمها بأعداد مئوية (مثل 1،11 التي تكون تعليقاً علي العبارة المرقمة برقم عشري وبالتالي علي العبارة الأصلية رقم 1) . ولو نظرنا في العبارات السبع الأساسية لوجدناه يتكلم بالترتيب عن العالم وتحليله، الوحدات النهائية التي ينحل إليها العالم الخارجي، وهي الوقائع الذرية أو " أنحاء الواقع أو حالاته " في العبارة الثانية (لا حظ أننا نقول الوقائع لا الأشياء، لأن الوقائع بناءات أو تركيبات منطقية مكونة من الأشياء . فالشئ ثابت أما الواقعة الذرية أو التركيبة فمتغيرة) . ثم يربط بين الفكر وبين الوقائع الذرية في العبارة التالية، وبين الفكر واللغة في العبارة الرابعة، وبالتالي بين اللغة والعالم بحيث يكون الفكر هو القضية ذات المعني . ثم يحلل اللغة في العبارة الخامسة، منتهياً إلي أن جميع القضايا هي دالات صدق للوحدات الأولي التي تنحل إليها اللغة (وهي القضايا الأولية) . وبعد ذلك يتكلم عن تعميم القضية وكيفية الوصول إلي صورة عامة لكل قضية ذات معني، أي كل قضية تكون دالة صدق لقضايا أولية كما في العبارة السادسة . وأخيراً ينصحنا نصيحة ختامية في العبارة السابقة بأن نسكت عن الكلام إذا لم نستطع أن نقول كلاماً يأخذ شكل الصورة العامة لدالة الصدق الواردة في العبارة السادسة التي تقدم الصورة العامة للقضايا ذات المعني . وإليك هذه القضايا السبع التي تعكس الوحدة الفكرية في الرسالة، والهيكل العام الذي ملأته شروحها وتفصيلاتها العسيرة المرهقة:

1- العالم هو جميع ما هنالك .

2- أن ما هو هنالك، أي الواقعة، هو وجود الوقائع الذرية.

3- الفكر هو الرسم المنطقي للوقائع .

4- الفكر هو القضية ذات المعني .

5- القضايا عبارة عن دالات صدق لقضايا أولية (والقضية الأولية هي دالة صدق نفسها) .

6- الصورة العامة لدالة الصدق هي: ق، غ، ن (غ)، هذه هي الصورة العامة للقضية .

6- أن ما لا يستطيع الإنسان أن يتحدث عنه، ينبغي أن يصمت عنه . وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

علي رسول الربيعيتقوم فكرة الإرادة العامّة على التّمييز بين مظهرين للفرد، فهي تعتبره إنسانا بالفعل من جهة، ومواطنا بالإمكان من جهة أخرى. وطالما هي تعتبر الفرد إنسانا فهي تعترف له بهوّيّة خاصّة وبمجموع المصالح الشّخصيّة التي يكتسبها بالتّساوي مع الأعضاء الآخرين بالمواطنة وبالعضويّة في المجتمع وفي الفضاء العامّ فيتقاسم معهم المصالح العامّة من أجل رفاهية المجتمع ككلّ، وبذلك يكون لكلّ شخص مصالح خاصّة بوصفه انسانًا ومصالح عامّة بوصفه مواطنًا.[1] فبعد أن ميًز روسّو  بين الإنسان والمواطن قام  بتمييز مماثل بين الإرادة الخاصّة التي تهدف إلى تحقيق المصالح الشّخصيّة والوجوديّة للفرد باعتباره إنسانا، وبين الإرادة العامّة التي تتعلّق بمصالحه كمواطن في علاقتها بمصالح غيره من المواطنين الآخرين من حيث إنّ هدفها هو الخير العامّ أو المصالح المشتركة بين كافّة أعضاء المجتمع. ومن ثمّة فهو يرى أنّ الإرادة الخاصّة تتّجه بحكم طبيعتها الأنانيّة إلى التّفضيلات الفرديّة بينما تتّجه الإرادة العامّة نحو المساواة.[2] ويعتبر أنّ الفرد يميل مع الأولى بشكل عفويّ إلى التّسليم بأسبقيّة مصالحه الخاصّة وإشباع رغباته الشّخصيّة، بينما يتّجه مع الثّانية نحو المساواة والتّسليم بضرورة احترام مصالح الآخرين والتّوافق معها إقرارا بما يقتضيه العيش المشترك في المجتمع من واجبات، فبتركيز هذه الإرادة على المصالح المشتركة بين الأفراد كمواطنين واهتمامها بالمصالح الفرديّة بشكل مجرّد فقطّ تكون غير متحيّزة بطبيعتها تكرّس المساواة بين جميع المواطنين. لنأخذ مثال السّارق الذي يجد مصلحة في استعمال مهارة السّرقة، فإرادة السّرقة عنده هي لإرضاء رغبات خاصّة، لكنّ الإرادة العامّة توجّه هذا اللّصّ المحتمل إلى طاعة القانون، وبذلك فهي تقتضي منه بوصفها إرادة المواطنة أن يفكّر كمواطن في المجتمع. وإذا فكّر على هذا النّحو كمواطن فإنه سيدرك أنّ عليه واجب احترام القانون، وسيدفعه هذا التّفكير إلى أن يتجاهل الرّغبات الوضعيّة في سبيل تحقيق الرّغبات الرّفيعة، وبذلك سيدرك أنّ القوانين الموضوعة ضدّ السّرقة هي لمصلحته أيضا. فالإرادة العامّة تقوم بنفس وظيفة حجاب الجهل عند راولز، فهي تجرّد أطراف العقد الاجتماعيّ من أغلب المعلومات حول هوّيّتهم الفردية[3]، فلا يعرف الأطراف من خلف حجاب الجهل هذا موقعهم الاجتماعيّ والاقتصاديّ، كما لا يعرفون وجهات نظرهم الدّينيّة أو الفلسفيّة ولا القدرات التي يمتلكون أو تلك التي تنقصهم ولا حتى أعمارهم، فيُجبِرهم ذلك على عقد يتبنّى وجهة نظر عامّة تفترض حياديّة أخلاقيّة، تعزّز بحسب روسّو مصالحهم المشتركة كمواطنين بدلاً من تعزيز مصالحهم الخاصّة كبشر. هناك إذن بعد أخلاقيّ للإرادة العامّة يُسْتَدْعَى كمقابل يوازن المصالح الأنانيّة مادام الفرد إنسانا مواطنا، واعتبارا لذلك يرى روسّو أنّه يتعيّن على الأفراد باعتبارهم مواطنين إعطاءها الأولويّة لأنّ من شأن ذلك أن[4] يرفع ويكرّس المبدأ الذي  يقود إلى ممارسة سياسيّة عادلة. ولأنّ الاعتناء بمصالح الأفراد كمواطنين يعين على الوصول إلى قرارات تعلي سلطة القانون وترسّخ احترامه عند صوغ السّياسات، والخلاصة أنّ روسّو يرى الأسبقيّة للإرادة العامّة على الإرادة الخاصّة في تـحديد السّياسات العامّة.[5] فهي بالنّسبة له قاعدة أخلاقيّة لا تُعطى الأفضليّة للمصالح الخاصّة، ومبدأ يضمن المساواة بين الأفراد بهدف أن تأخذ القرارات العامّة بالاعتبار وجهة نظر الفرد من حيث هو مواطن فقطّ. وهنا نلاحظ أنّ العقد الاجتماعيّ طبقًا لفلسفة روسّو السّياسيّة يرسّخ المساواة بين المواطنين ويلزمهم بما متّعوا به أنفسهم من حقوق وما ألزموا به أنفسهم من شروط على قاعدة "العقد شريعة المتعاقدين".[6] وهي فكرة تأسيسيّة مفادها أنّ تشريع القوانين وفق الإرادة العامّة هو من أجل مصالح الأفراد، فالقوانين المصادق عليها من خلالها تُعزّز وتحمي مصلحة كلّ فرد منهم بوصفه مواطنا. قد لا تكون هذه القوانين هي الخيار المفضّل لدى كثير منهم ولكنهّا مقبولة بالتّأكيد من طرف الجميع باعتبار مساهمتهم في صياغتها وإقرارها، ولأنّها تمثل من هذه النّاحية إذا ما استعرنا وصف باري ذلك العامل المشترك عالي الاتّفاق[7] بلجوئها إلى القوانين وليس إلى الأحكام القضائيّة والمراسيم من حيث إنّ القانون تجسيد للإرادة العامّة، وتعبير سياسيّ عن إدارة الشّأن العامّ، وقواعد تحكم سلوك كلّ عضو في المجتمع على خلاف الأحكام القضائيّة التي تعنى بحالات شخصيّة وخاصّة. تفقد الإرادة العامّة استقامتها وإرشاديّتها متى ما وجّهت لخدمة أهداف شخصيّة محدّدة فتكون الأحكام غير ذات صلة صحيحة بمبدأ العدالة وقواعد الإنصاف.[8] إنّ تدخّل الفرد من خلال كافّة صفاته الشّخصيّة الخاصّة يُفْـقِدُ المبدأ الموجِّه إرشاديّته حتما، ويكون من الأفضل في هذه الحالة ترك مهمّة حماية الإرادة العامّة وإنفاذ مبدأ الاستحقاق والجدارة للسّلطتين التّنفيذيّة والقضائيّة، على أن يترك الأمر بيد متلاعبين استبدّت بهم الأثرة فقدّموا خدمة مصالحهم الشّخصيّة متجرّدين بإيثارها من صفة المواطنة التي تجافي الأثرة وتقوم على مبدأ التّشارك والتّقاسم واحترام حقوق ومصالح الآخرين، ولأنّ فهم الإرادة العامّة وتطبيقها كمبدأ وآليّة في تدبير الشّأن العامّ يعني إعمالها دليلًا موجّها للقرارات. وهو ما يقول به روسّو في رأيه المتعلّق بالمجتمع السّياسيّ عندما تكون للأفراد الذين يشكّلون جماعة مصالح مشتركة بوصفهم أعضاء فيها فتتشكّل لديهم إرادة خاصّة قد تدخل في تضادّ مع الإرادة العامّة للمجتمع في كلّيّته، لذلك أعرب عن التّخوّف من أن يؤدّي تمسّك كلّ جماعة بإرادتها الخاصّة إلى الانقسام الاجتماعيّ وإلى الانحراف في ولاء النّاس للمجتمع والوطن عندما ينظرون إلى أنفسهم بوصفهم ينتمون لهذه الطّائفة أو تلك. وخلص إلى أنّه من الضّروريّ الحيلولة دون تحيّز الجماعات لمصالحها الذّاتيّة والخاصّة داخل الدّولة لكي يتمكّن كلّ مواطن من أن يعطي رأيه بوصفه مواطنا فقطّ، وأنّه عندما يحصل مثل هذا التّحيّز تصبح الإرادة الخاصّة لتلك الجماعات عائقا أمام الإرادة العامّة للمجتمع تنازعها الأولويّة والسّيادة، وبطبيعة الحال ليس لأجل هذا يصوّت النّاس ويشاركون في العمليّة السّياسيّة[9]. إنّه من خلال الرّبط بين الإرادة العامّة وبين مفهوم روسّو عن أخلاق الحرّيّة يتكفّل العقد الاجتماعيّ بإيجاد حلّ المشكلة الأساس بتوفير نوع من الملاءمة التي تحمي حرّيّة الفرد وتدافع عن مصالحه، وتبقي على وحدة المجتمع وتماسكه في نفس الوقت[10].

في مواجهة النّظريّة

واجهت نظريّة روسّو عن العقد جملة من الأسئلة والاعتراضات نورد بعضا منها كما يلي:

- كيف يمكن لفرد يدخل في العقد ويخضع للقانون أن يكون حرًّا كما كان قبل العقد؟

- كيف يمكن إكراه الفرد على أن يكون حرًّا بينما الحرّيّة تعني الغياب الفعليّ للإكراه؟ 

- لم لا يـُسمح لأعضاء المجتمع السّياسيّ بالاستفادة من بعضهم بطريقة غير عادلة؟ 

- كيف يبقى الفرد حرًّا كما كان قبل دخول العقد الاجتماعيّ إذا خضع لإرادة الأغلبيّة؟

- كيف يكون المعارضون أحرارًا ويخضعون في الوقت نفسه لقوانين لا يوافقون عليها؟

- كيف يمكن للمرء أن يكون أقلّ حرّيّة إذا عبّر عن رأيه؟

وفي هذا الصّدد يميّز روسّو بين ثلاثة أنواع من الحرّيّة: الحرّيّة الطّبيعيّة، الحرّيّة المدنيّة، والحرّيّة الأخلاقيّة، ويرى أنّ الفرد الذي يدخل في العقد الاجتماعيّ إنّما يتنازل عن الحرّيّة التي تمثّلها الحالة الطّبيعيّة ليحصل في المقابل على الحرّيّة المدنيّة ويعطي الفرصة لنشوء حرّيّته الأخلاقية.  ويرى أيضا أنّ الحرّيّة المدنيّة تضمن حقّ الملكيّة المُقَيَّد بالإرادة العامّة؛ وأنّ الحرّيّة الأخلاقيّة تقتضي الانتصار على الدّوافع الغريزيّة والخضوع للقانون لكي يمتلك الفرد ذاته ويعلن استقلاليّته التي يعبّر من خلالها عن نفسه[11]. فإذا زُوِّدَ النّاس بمعلومات كافية عند الاجتماع لصياغة القوانين، وإذا سُمحَ لهم بالتّشاور فسيقـترعون كمواطنين، وسيؤيّد اقتراعهم الإرادة العامّة ليُرَسِّخَ القوانين التي وضعوها لأنفسهم، بالتالي سيكونون أحرارًا عندما يخضعون لها، لأنّ طاعتهم للقانون  وخضوعهم له سيحفظ لهم حقوقهم.

لقد كان رأي روسّو هذا محاولة جديرة بالاهتمام تسعى إلى إحداث التّوازن المطلوب بين الفرد والمجتمع، بين المصالح الخاصّة والمصلحة العامّة، بين الحرّيّة وسلطة القانون، ومحاولته هذه تبيّن الارتباط الوثيق بين الحرّيّة وسيادة القانون. فأخلاق الحرّيّة تتحقّق عنده كما عند كانط[12] من خلال الخضوع الطّوعيّ لقوانين شرعها الأفراد بأنفسهم لأنفسهم، فالحرّيّة الطّبيعيّة لا تراعي أيّ قيود بينما الحرّيّة الأخلاقيّة تفرض قيودا ذاتيّة. ولأجل صوغ قوانين تضبط السّلوك وتعدّله كان من اللاّزم والضّروريّ أخذ الغرائز، الحاجات، والظروف بعين الاعتبار، علما أن الاقتصار على إشباع الغرائز وحدها ليس حرّيّة وإنّما هو عبوديّة، وأنّ الأخلاق ومراعاة الضّمير كقيد ذاتيّ شكل من أشكال التّعبير عن حرّيّة الفرد وعن استقلاليّة تجعل منه سيّد نفسه وقراره.[13] فالحرّيّة الأخلاقيّة تعني إذن تحكّم الفرد بذاته على نحو يحفظ له استقلاليّة تدفعه إلى التّصرّف كمواطن له حقوق وعليه واجبات. لأنّ في حالة الطّبيعة يكون الإنسان حرًّا بمعنى واحد يخضع فيه لدوافع الغريزة، بينما يستمتع الأفراد في مجتمع العقد الاجتماعيّ كمواطنين بأنواع مختلفة من الحرّيّات تتيح لهم التّعامل مع الآخرين بتعاون يحكمه القانون. من هذا المنظور يُفهم العقد الاجتماعيّ أو الإرادة العامّة كمبدأ قريب من مقولة الأمر الكانطيّة ويمثّل الوجه اللّيبراليّ لفكر روسّو السّياسيّ، فهو يسوّغ السّلطة ويبرّرها من خلال إبراز قدرتها على التّوفيق بين ما يسمح به الحقّ مع ما تتطلّبه المصلحة حتى لا يكون هناك تعارض بين العدالة والمنفعة[14]، ويأخذ بالاعتبار دور الفرد في تنظيم عقد يطيع من خلاله نفسه لكي يبقى حرًّا كما كان قبل العقد[15]، ويضفي على السّلطة السّياسيّة كلّ الشّرعيّة عندما تكون الإرادة العامّة فاعلة على نحو يخضع معه المواطنون للقانون فيحكمون أنفسهم. هكذا يربط روسو الاستقلاليّة بالسّلطة السّياسيّة، وأخلاق الحرّيّة بالواجب السّياسيّ. قد يبدو هناك تناقض فيما يقترح العقد الرّوسويّ من علاقة بين الحرّيّة والواجب عندما يقول بإكراه الفرد على أن يكون حرًّا حيث يمكن اعتباره نوعا من الكلّيانيّة أو الشّموليّة، إذ كيف يمكن إجبار الفرد على أن يكون حرًّا والحرّيّة هي غياب فعليّ للإكراه؟ ولعلّ في حديث روسّو عن الحرّيّة الأخلاقيّة عندما يُجْبَرْ الفرد ذاته على طاعة قانون وافق عليه شيء من الجواب عن هذا التّساؤل مع أنّه لا يكفي  لنقض كافّة الاعتراضات بهذا الخصوص. كما أنّ في تمييز الإرادة الخاصّة عن الإرادة العامّة جوابا عن التّساؤل حول وجوب إجبار الفرد على طاعة قانون وافق عليه. ذلك أنّ الإرادة الخاصّة لفرد ينتهك القانون بالاحتيال على دفع الضّرائب مثلًا تكون في صراع محتمل مع الإرادة العامّة باعتباره مواطنًا، فقد يرى الفرد المحتال أنّ ما يشترك به مع الآخرين هو مساهمة طوعيّة منه، وأنّ التّقصير بأدائه حتى وإن سبّب بعض الضّرر للآخرين إلاّ أنّه سيكون أقلّ تأثيرًا عليهم ممّا يلحق به من الأذى عند دفع الضّرائب: إنّه يرغب في التّمتّع بحقوق المواطنة دون أداء واجباتها.[16] فإذا خضع لإرادته الخاصّة سيكون فعله مناقضًا للإرادة العامّة بوصفه مواطنًا[17]، وستكون الإرادتان في صراع لأنّ الفرد المحتال يسعى إلى التّمتّع بمنافع النّظام الاجتماعيّ المتمثّلة في حقوق المواطنة في وقت يتملّص فيه من الالتزام بقواعد ذلك النّظام ومن الواجبات التي يستلزمها، إنّ انتشار هذا النوع من الظّلم  سيفضي كما لاحظ  روسّو إلى انهيار الجماعة السّياسيّة وغياب النّظام. لذلك، وحتى لا يكون الميثاق الاجتماعيّ مجرّد صيغة شكليّة بدون فاعليّة لا بدّ من أن يتضمّن الإلزام الذي يسمح للجماعة السّياسيّة بالمساءلة، ويشرّع لها محاسبة من يأبى الخضوع  للإرادة العامّة لأجل إرغامه على أن يكون حرًّا. فالالتزام هو ما يضمن للمواطن شرط الاستقلال الذّاتيّ ويضفي الشّرعيّة على العقود المدنيّة، وبدونه  تكون العقود عرضة لأعظم المساوئ.[18] وتفترض هذه الرّؤية اعتبار المجتمع السّياسيّ مشروعا للتّعاون، فهي تعتبر المواطنة ثمرة للمشاركة في أداء الواجبات، وتقترح لمواجهة نقض الالتزامات وكلّ إخلال أو تقصير في القيام بها صيغا تشجّع النّاس على الوفاء بها، وتحفّزهم على احترامها بوصفهم معنيّين كمتعاقدين وإلاّ فلا  ضمان لسيادتهم على أنفسهم إذا لم تتوفّر تلك الوسائل والآليّات التي من شأنها ضمان وفاءهم وإخلاصهم.[19] ومن ثمّة يكون على أولئك الذين يريدون التّمتّع بالحقوق والتّملّص من أداء الواجبات، ويرغبون في الاستفادة من منافع المواطنة دون المساهمة في توفير وسائلها أنْ يُجبَروا على أن يكونوا أحرارًا فربّما كان التّهديد والإكراه ضروريًّا لإنفاذ شروط العقد وحماية الوفاء بالالتزامات، ولأنّه إذا تزايد عدد المتملّصين بفعل إغراء التّهرّب فسيُواجِه المجتمع خطر الانهيار. يتحدّث روسّو في العقد الاجتماعيّ عن الحرّيّة معتبرا أنّ الدّولة العادلة هي دنيا الحرّيّة ومملكتها لأنّها تضمن الحقوق بالتّساوي وتحميها، ويشير في معرض ذلك إلى أنّ فردا يقبل الخضوع للقوانين طالما كانت لصالحه ثمّ ينتهكها عندما تتعارض مع مصلحته الشّخصيّة إنّما يدمّر بانتهاكها مملكة الحرّيّة، ففعله يهدّد أخلاق الحرّيّة فضلًا عن اعتدائه على حرّيّة الآخرين. لذلك يرى للمجتمع حقّا في إجبار أولئك الذين يتسلّقون ظهره لقضاء مآربهم ولا يقومون بما عليهم من واجبات لحفزهم على التّصرّف كمواطنين وفقًا لإرادتهم المؤسّسة للعقد ليكونوا أحرارًا.[20] وهذا ممّا يمكن اعتباره رّدّا يدفع شبهة الاعتراض على الإجبار بينما يتذرّع بالحرّيّة ليطالب بالسّماح لأعضاء المجتمع السّياسيّ بالاستفادة من بعضهم البعض بطريقة غير عادلة!  

إنّ العقد الاجتماعيّ عند روسّو هو اتّفاق جماعيّ ملزم بالتّعريف، ينشئه أفراد ولدوا أحرارا تعبيرا عن إرادة عامّة تنبني في سعيها إلى الملاءمة بين الحقّ والمصلحة، وبين الحرّيّة والواجب على قاعدة الأغلبيّة كآليّة متّفق عليها بإرادة حرّة ومؤسّسة لحظة الإنشاء. والعقد من حيث هو تعبير عن إرادة الأفراد المنشئين له لا ينفي الحرّيّة، فالفرد بصفته مواطنا يظلّ حرًّا بالانتصار على الدّوافع الغريزيّة لديه، وبالخضوع الطّوعيّ للقانون الذي يمتلك من خلاله ذاته ويعلن بطاعته استقلاليّة تجعله يستمتع وعلى نحو أفضل بالحرّيّة المدنيّة والحرّيّة الأخلاقيّة التي  تمكّنه من أن يتعامل مع الآخرين بتعاون واحترام، وهو ما يجعله سيدًا على نفسه، لا يحق لأحد أن يـُخضِعَهُ دون موافقته.[21]. وعلى أساس هذا التّصوّر للعقد الاجتماعيّ فإنّ قاعدة الأغلبيّة لا تثير أيّة مشكلة حينما يـُحرز القرار تصويت الأغلبيّة فيُصبح ملزما للجميع، سواء المؤيّدين منهم أو المعترضين أو المقاطعين.[22] لأنّه "عندما  يتمّ اقتراح القانون في الجمعيّة التّشريعيّة لا يُسـأل الأعضاء عمّا إذا كانوا يؤيدون الاقتراح أو يعترضون عليه، ولكن يسألون عمّا إن كان هذا القانون يؤكّد ويؤيّد الإرادة العامّة أم لا، فيُعرب كلّ عضو عن رأيه حول ذلك بالتّصويت، ويُستَخْرَجْ القرار المعلن عن الإرادة العامّة بحساب مجموع الأصوات".[23]

وأعتقد أنّ هذه الفقرة تقدّم تمييزًا مهمّا بين الإرادة العامّة كمبدأ والإرادة العامّة كسياسة على الرّغم من أنّ هذا التّمييز غير واضح في كتابات روسّو، ذلك أنّ الإرادة العامّة تظهر كمبدأ يجب أن يعمل كلّ فرد وفقًا له بوصفه مواطنا من خلال القانون المقترح في الجمعيّة التّشريعيّة، وتتكشّف كسياسة محدّدة بحساب الأصوات المؤيّدة واستيفاء النّصاب. ومن ثمّة فإنّ الإرادة العامّة لا تتعلّق بالتّصويت لأنّ المبادئ لا تُكتَشَف بالتّصويت، وإن كان التّصويت آليّة ضروريّة للاختبار لا يمكن في الغالب تحقّق الإرادة العامّة بدونها.[24] ولولا الفرق بين الإرادة العامّة كمبدأ وبين السّياسة التي تشتغل وفقًا لذلك المبدأ، لما احتاج روسّو لمناقشة مسألة التّصويت بالقول: "عندما يناقض الرّأي العامّ الرّأي المفضّل عندي فإنّ ذلك يثبت أنّني كنت على خطأ، وما تصوّرت الإرادة العامّة ليس كذلك، وإذا تغلّبت إرادتي الخاصّة أكون قد قمت بشيء آخر غير الذي كنت أريد". فمع التّسليم بأنّه لو فشل النّاس كافّة في إدراك السّياسة التي تتلاءم مع الإرادة العامّة،[25] فإنّ السّؤال هو: "لماذا يكون خطأ رأي الأغلبيّة أقلّ احتمالًا من رأي الأقلّيّة أو رأي الأفراد المنعزلين؟"  فمن الممكن أن يكون الشّخص الواحد على حقّ بينما يكون الآخرون مخطئين، لكن إذا أخذنا بافتراضات بيري فصحّة رأي الأغلبيّة أكثر احتمالًا من صحّة رأي الأقلّيّة[26]، يظهر هذا عندما نفترض:

- أنّ هناك جوابًا صحيحًا واحدًا، وسياسة محدّدة تتطابق مع الإرادة العامّة.

- أنْ يتساوى الجميع أفضل من الوصول إلى الجواب الصّحيح. 

- أنّ كلّ فرد ينتصر لرأيه كجواب الصحيح. 

وتشير هذه الافتراضات على الإجمال إلى إمكانية أن يكون الفرد راضيًا رغم عدم انتصار وجهة نظره لما يغلب على ظنّه من احتمال أن تدرك الأغلبيّة سياسية مطابقة للإرادة العامّة. فالدّولة العادلة كحقل لممارسة الحرّيّة تفترض سياسة ترضي الإرادة العامّة وتجعلها هي السّائدة، كما تفترض إرادة جميع المصوّتين في الجمعيّة التّشريعيّة  لتلك السّياسة، ومن ثمّة كان رأي الأغلبيّة أكثر احتمالا لإدراكها، وكان رأي الأقلّيّة إذا أيّد سياسة أخرى غير السّياسة التي تريدها الأغلبيّة خاطئاً لأنّه لا يعزّز المصلحة العامّة، ولأنّ "الإرادة الثّابتة والمستمرّة لكافّة أعضاء الدّولة هي الإرادة العامّة التي تجعلهم مواطنين أحرارا".[27] فالنّاس لا يفضلون سياسة يرون أنّها لا تخدم فعلاً أو ظاهراً المصلحة العامّة، ويدركون بالبديهة أنً الحرّيّة لا تصان إلاًّ من خلال تقييدها بالإرادة العامّة، وأنّها تضعف عندما تتناقض السّياسة مسعى الإرادة العامّة. ومؤدّى ذلك أن الإكراه قد يكون ضروريًا لضمان أن لا يـُسَتَغلّ أولئك الذين يتصرّفون كمواطنين من قبل أولئك الذين يتصرّفون كأفراد فقطّ، ومواجهة هذه المعضلة بالمصطلح الجمهوريّ هي تعزيز القيم المدنيّة وتحطيم الفساد إذ لا يمكن ضمان أن يتصرّف الأفراد كمواطنين في غياب الإجبار الذي تمثّله سلطة وسيادة القانون على الجميع دون استثناء وعلى قدم المساواة...

  

 د. علي رسول  الربيعي

.............................

 [1]Riley, P., The General Will before Rousseau: The Transformation of the Divine into the Civic (Princeton, NJ; Princeton University Press, 1986), P.251.

[2]Rousseau J,J On the Social Contract P59.

[3]Rawls.J. A Theory of Justice (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1971) Section 24 ‘’The Vile of Ignorance’’.

[4]

[5] للإطلاع على وجهة نظر مختلفة أنظر:

Trachtenberg Z. M Making Citizens: Rousseau’s Political Theory of Culture, London, Rutledge, 1993 PP.7-29.

[6]Rousseau J.J., On the Social Contract, P 63.

[7]Barry, B ‘’The Public Interest’’ P. 120

[8]Rousseau J.J. On the Social Contract, P.62.

[9] المصدر نفسه، ص 61-62

[10] المصدر نفسه، ص 53.

[11] المصدر نفسه، ص 56.

[12]Levine, A, The Political of Autonomy: A Kantian Reading of Rousseau’s Social Contract (Amherst: University of Massachusetts Press, 1976), pp.57-58. 

[13]Rousseau J.J On the Social Contract, P.56

[14] المصدر نفسه، ص 46 .

[15] المصدر نفسه، ص 53.

[16] المصدر نفسه، ص 55.

[17] المصدر نفسه، ص 55.

[18] المصدر نفسه، ص 55.

[19] المصدر نفسه، ص 55.

[20] أوضح بريان بيري في كتابه: أنّ روسّو لم ينكر أن يقوم الفرد بانتهاك قانون يفيده كعضو في مجتمع من أجل مصلحته، وما أنكره هو تصويته على ذلك القانون ثمّ انتهاكه له. فإذا كان قد صوّت لإقرار عقوبة معيّنة عن جريمة محدّدة فله ليس الاعتراض اذا ما طبّق عليه في حالته الخاصّة.

Barry, B,. Political Argument (London: Rutledge and Keg an Pual,1965), P.19

[21]Rousseau.J.J. On the Social Contract, P.110.

[22] المصدر نفسه، ص 110.

[23] المصدر نفسه،ص 111-110 .

[24] المصدر نفسه، ص 59.

[25] المصدر نفسه، ص 67.

[26]Barry B. ‘’The Public Interest’ in Political Philosophy,(ed) Anthony Quinton (Oxford: Oxford University Pres,1967), P.122.

[27]Rousseau J.J On the Social Contract P.110.

 

محمود محمد عليبدأت حركة التحليل الفلسفي بظهور مقال "جورج مور" G.moore 1873-1958 – " تفنيد المثالية " (1903) . حيث ثار فيه ضد الهيجلية الجديدة . إلا أنه قدم في نفس الوقت مثالاً عملياً لمنهج جديد لمعالجة المشكلات الفلسفية يعد بحق من أهم مصادر حركة التحليل . ثم جاء " برتراندرسل B.Russell (1872-1970) " وتابع زميله مور في ثورته ضد الفلسفة المثالية مستخدماً هذا المنهج التحليلي الجديد . ومع اتفاقهما في كثير من الآراء، إلا أن كلاً منهما كان ينظر من منظور مختلف، فبينما كان "رسل " متأثراً بالتعارض الذي رأه قائماً بين العلم المعاصر والميتافيزيقيا المثالية، كانت نقطة انطلاق " مور " التعارض بين نظرة الحس للعالم والنظرة المثالية له . وجاء " لودفيج فتجنشتين " L.Wittgenstein (1889-1951) ليكمل مسيرة تلك الثورة الفلسفية، ويجاهد فيها ببسالة حتي بدت غير قاصرة علي المثالية وحدها، بل بدت ثورة ضد الميتافيزيقيا والفلسفة ذاتها، فقد كانت بالفعل " فلسفة " ضد الفلسفة .. فعلي حين كانت إسمية " أوكام " نصلا يجتز به الزيادات الطائشة للفلسفة، كانت نظرية فتجنشتين عن اللغة فأساً يقطع بها شجرة الفلسفة " .

لقد كانت فلسفة " فتجنشتين"  نقطة تحول حاسمة في تاريخ الفكر الفلسفي المعاصر، ويرجع ذلك إلي أهمية المنهج الذي اصطنعه في بحث مشكلات الفلسفة وهو المنهج التحليلي الذي يتناول عبارات اللغة، التي نصوغ  فيها الأسئلة والمشكلات الفلسفية، يتناولها بالتحليل المنطقي لكي يكشف عن أن هذه المشكلات ليست أصلا بمشكلات، وأنها لم تنتج إلا عن سوء استخدام اللغة . الأمر الذي جعل فلسفة " فتجنشتين" أشبه ما تكون بالثورة علي الفلسفة التقليدية، وذلك لأنها غيرت من مفهوم الفلسفة نفسها وكذا من مجالها ووظيفتها . فأصبحت الفلسفة لديه عبارة عن تحليل للغة، وانتقل مجال البحث فيها من البحث في الأشياء في ذاتها أو الوجود من حيث هو موجود أو العلة أو المطلق أو الجوهر أو اللامتناهي أو العدم .. إلي غير ذلك – إلي البحث في العبارات والألفاظ التي يقولها الفلاسفة وتحليلها لبيان ما له معني منها وما لا معني له أو لبيان الصحيح منها والخاطئ بناء علي اتفاقها أو اختلافها مع قواعد الاستخدام العادي للغة . ومن ثم تغيرت مهمة الفلسفة فأصبحت تحليل مشكلات الفلسفة بدلاً من إقامة نسقات فكرية أو ميتافيزيقية متكاملة، أصبحت الفلسفة لديه فلسفة للفلسفة، وأصبح عمل الفيلسوف عنده، هو أن يكون فيلسوفا للفيلسوف بتحليله لما يقول .

وقد اختلفت الباحثون في تقييم فلسفة " فتجنشتين " اختلافاً شديدا، من النقيض إلي النقيض ؛ أتباعه وأنصاره من الوضعيين المناطقة يرفعونه إلي أعلي عليين، ويجلونه في مكانة الرائد والزعيم، ويجلونه إجلالاً عظيماً، ويعتبرونه شخصاً نادر الأصالة والعبقرية، ومفكراً قلما يجود به الزمان ؛ وأعدائه من المدارس الأخرى يرونه وبالاً علي الفلسفة، وعدواً لنفسه، وهادماً للتفكير الميتافيزيقي في العصر الحديث، وحاملاً لراية " اللافلسفة" في الفكر الغربي المعاصر، ومدمراً لفلسفته هو نفسه في نهاية المطاف. والشئ المؤكد الذي لا يختلف عليه هؤلاء وهؤلاء، هو أن " لودفيج فتجنشتين" كان عقلية فلسفية من أرفع طراز، وشخصية أصيلة من أبعد ما تكون الأصالة، وأنه كان أولاً وأخيراً، شخصاً صادقاً مع نفسه كأنقي ما يكون الصدق، وإنساناً مخلصاً للحقيقة كأنقي ما يكون الإخلاص .

فهذا " برتراند رسل "  يصفه " بأنه كان علي قدر كبير من التأثير لما له من صفاء عقل إلي درجة غير مألوفة علي الاطلاق "ويقول " إن بداية معرفتي بفيتجنشتين كانت أكثر مغامراتي العقلية إثارة طوال حياتي كلها "... أما " جورج مور"، فيقول عنه " إنني تعرفت علي " فتجنشتين " في كمبردج إذ كان في السنة الأولي لالتحاقه بالجامعة يحضر محاضراتي في علم النفس، ولكني لم أعرفه جيداً إلا في السنتين التاليتين وحينما عرفته جيداً أدركت أنه كان اكثر ذكاءً مني في الفلسفة،  ولا أقول أكثر ذكاء فقط، بل كان أكثر عمقاً كذلك " .. وكان " مور "، فيما بعد يتردد علي محاضرات " فتجنشتين "، وقد قام مور بطبع بعضها في كتابه " أوراق فلسفية" . والجدير بالذكر أن " فتجنشتين " كان قد أملي علي "جورج مور" بعضاً من محاضراته، فكان له الفضل في الحفاظ علي تراث الفيلسوف النمسوي الكبير .

لم تكن مؤلفات " فتجنشتين" كثيرة متعددة، حتي أنه لم ينشر في حياته إلا كتاياً واحد هو " رسالة منطقية فلسفية Tractatus Logicus Philosphicus " ومقالاً له بعنوان " بعض ملاحظات علي الصورة المنطقية "، وبقية ما نشر بعد ذلك كان كله بعد وفاته، وكل ما نشر من كتابات " فتجنشتين" لم يكن كثيرا، بقدر ما كان عميقاً يصعب فهمه وتفسيره حتي بالنسبة لتلاميذه الذين كانوا يستمعون إلي محاضراته ويناقشونه فيما يكتب أو يقول، الأمر الذي أدي إلي ظهور كثير من الكتب كشرح لما قاله أو كتبه " فيجنشتين"  في مؤلفاته القليلة .

ويؤكد بعض الباحثين أن عمل " فتجنشتين " الفلسفي ينقسم إلي فترتين، فترة مبكرة وأخري متأخرة . وتجد الفترة المبكرة صياغة دقيقة لها في " الرسالة المنطقية الفلسفية " . ولكن فتجنشتين لم ينشر شيئاً عن فترته المتأخرة، وإن كان لدينا صورة أولي عنها، وذلك في كتابيه " الأزرق" و" البني" نسبة للون غلاف كل منهما، ثم صورة ثانية في كتابه : البحوث الفلسفي" Philosophical Investigations .

وهذا هو الرأي الذي يتفق عليه معظم الشراح والباحثين، حتي أن بعضهم  لا يقتصر علي تأكيد الفروق الأساسية بين المرحلتين، وإنما يذهب إلي حد الكلام عن فلسفة " أولي " وفلسفة " ثانية "، مثل الاستاذ فولفجانج اشتيجمولر في كتابه عن التيارات الأساسية في فلسفة العصر الحاضر . غير أن فيهم من يكتفي ببيان الأفكار التي عدل عنها في فلسفته المتأخرة، والتعديلات التي أدخلها علي آرائه ومواقفه التي تبنهاها في الرسالة نتيجة للتوسع في منهج التحليل، واختلاف تطبيقه، وتغير مفهومه عن اللغة، مثل أ. ج آير في كتابه عن فلسفة القرن العشرين . وفيهم كذلك من يحاول أن يثبت أن فلسفة " فتجنشتين " ظلت في جوهرها وغايتها واحدة لم تتغير، وأن الهدف منها – علي الرغم من التوسع والتنويع في استخدام منهج التحليل اللغوي والمنطقي – هو نفي الفلسفة نفسها ودفعها إلي النهاية وإجبارها علي " الانتحار" وتقديم الأدلة والمسوغات لبيان أن عباراتها إن لم تكن لغوا هاماً ( كما قال في الرسالة) فهي في أفضل الأحوال تحاول أن تقول ما لا يمكن أن يقال، وإنما يظهر نفسه أو يتجلي بنفسه ( كما قال في البحوث الفلسفية) ... وكأن الهدف من " فاعلية " الفلسفة هو في النهاية تأكيد أن قضايا الفلسفة لا معني لها، ومن أراد أن يبحث عن المعني فليذهب إلي العلوم الطبيعية أو فليرجع إلي لغة الحياة اليومية " الجارية" التي هي صورة من صور الحياة .

وهنا يجيئ دورنا في هذا البحث لنؤكد إن دراسة فكر " فتجنشتين " في المرحلة الأولي يبدو وكانه مقطوع الجذور عن تطوره في المرحلة الثانية ؛ بمعني أن فكر " فتجنشتين " المتأخر هو سلب أو نفي لفكرة فتجنشتين المبكر. وبالتالي فإن هناك قطائع ابستمولوجية في فلسفة " فتجنشتين "، وهذه القطائع تنبثق من منطلق أن " تاريخ العلم يتخلله الكثير من القفزات والوثبات والتحولات الفجائية والجذرية وأن التقدم في تاريخ العلم لا يشبه ابدا درجات السلم التي يصعد عليها العلماء درجة بعد درجة للوصول إلي الغاية المنشودة وهي التقدم، وإنما التقدم كما يشهد عليه تاريخ العلم لا يسير وفقاً لخطي متصلة مستمرة، وإنما يحدث من خلال قطائع وانفصالات". وهذه القطائع نحاول هنا في هذه الدراسة إلقاء الضوء عليها، وتحليل عناصرها الأساسية في ضوء أهمية دراسة الابستمولوجيا في الفكر الفلسفي المعاصر .

لذلك فقد أرتاينا اختيار نموذج فلسفي يتمثل في فكر " فتجنشتين " نحاول من خلاله أن نلقي الضوء علي دور القطيعة الابستمولوجيا في فكره ؛ بمعني أننا لم نختار هذا الفيلسوف لنقدم عرضاً عاماً لفلسفته، وإنما اخترناه لنكشف عما ينطوي عليه فكرة من مضامين فلسفية تبدو للوهلة الأولي في موقع التعارض مع التيار العام الذي ينتمي إليه.

ويمكن أن إبراز تلك القطائع المعرفية في فكر في العناصر التالية :

1- نقد فكرة الاتصال في فلسفة فتجنشتين.

2- الوسائل المنهجية والفلسفية في الرسالة المنطقية الفلسفية.

3- القطائع المعرفية والبحوث الفلسفية.

أولاً: نقد فكرة الاتصال في فلسفة فتجنشتين

يري بعض المفكرين أن فلسفة " فتجنشتين " من " الرسالة " حتي " البحوث " متصلة وأنه لا وجود لهذا التحول، فهناك " اتصال"  وليس ثمة انفصال "، فإن في المرحلتين خطاً واحداً لم يتراجع عنه وهو الكشف عن علاقة الفكر والعالم ؛ فهذا هو " فان "ك.ت.فان" K.T.Fann في كتابه " تصور " فتجنشتين " للفلسفة يؤكد علي مقولة الأتصال في فكر " فتجنشتين "، وهو يستشهد علي ذلك بأن بالرغم من أن " فتجنشتين "، قد انتقد في البحوث بعض الأفكار التي وردت في الرسالة، إلا أنه لم يعترف بأن " كل" أفكار " الرسالة" خاطئة، بالإضافة إلي أن " فتجنشتين " ، قد تصور- في الكتابين – أن المشكلات الفلسفية تنشأ عن سوء فهمنا وقصور إدراكنا " لمنطق لغتنا، بالإضافة إلي أن تصور " فتجنشتين " للفلسفة ظل في الكتابين بلا تغيير، أعني أنه نظر إلي الفلسفة علي أنها ليست " علم" إنما فاعلية تستهدف التوضيح .

وهناك، بالإضافة إلي ذلك " أنتوني كيني " Anthony Kenny، الذي أكد في كتابه " تراث فتجنشتين "1982 علي أنه يزال علي اقتناعه الأول باتصال فلسفة " فتجنشتين " وتصوره لطبيعة الفلسفة، وهو الراي الذي كان قد أكده في كتابه الأول " فتجنشتين" 1973، وهو الكتاب الذي جعل عنوان الفصل الأخير فيه "اتصال فلسفة فتجنشتين" . فهو يزعم أن العناصر الابتدائية للغة هي أسماء تعين موضوعات بسيطة، ومن ثم فإن القضايا الابتدائية تؤلف سلسلة لهذه الأسماء، وأن كل قضية من هذه القضايا مستقلة عن الأخرى، وهي الفكرة التي تعد، علي نحو ما محور الرسالة،  فكرة خاطئة . ومع ذلك فإن كيني يزعم أن " فتجنشتين " قد أخذ في كتابه البحوث بنظرية تصويرية معدلة .

ويشدد الدكتور عبد الغفار مكاوي في المقدمة التي كتبها علي مراجعته لترجمة الدكتور " عزمي إسلام" لكتاب " البحوث الفلسفية من الألمانية إلي العربية " أن الحديث عن البحوث الفلسفية بمعزل عن الرسالة أمر مستحيل، لا سيما إذا عرفنا"" ويبرر د. عبد الغفار" ذلك بأن " فتجنشتين نفسه قد اعترف في المقدمة بمعزل عن الرسالة أمر مستحيل، لا سيما إذا عرفنا أن " فتجنشتين " نفسه قد اعترف في القدمة التي وضعها للبحوث بأنه اكتشف " أخطاء جسيمة " في آرائه وأفكاره السابقة " .

ومن ناحية أخري وجه بيتر فيتش Peter Winch هو الآخر النقد إلي فكرة أن لفتجنشتين فلسفتين . فقد وصفها في كتابه " دراسات في فلسفة فتجنشتين" 1969 "بأنها فكرة خاطئة علي نحو مدمر"  . وقد تصور وحدة فلسفة فتجنشتين في حقيقة أنه قد اهتم في العملين، " الرسالة " و" البحوث" بمشاكل تتعلق بطبيعة المنطق والعلاقة بين المنطق واللغة، بالإضافة إلي تطبيق منطق اللغة علي الواقع .

وكتب فون رايت G.H.Von Wright في كتابه عن " فتجنشتين" " لا أشك في أن القضايا التي ستظل موضوعا للنقاش والجدل تلك القضية المتعلقة بمدي " الاتصال" بين " فتجنشتين المبكر" صاحب الرسالة و" فتجنشتين المتأخر " صاحب البحوث . إن كتابات " فتجنشتين" فيما بين 1929-1932 تشهد بوجود جهد مستمر للخروج من العمل الأول في اتجاه العمل الثاني . فإن "الكتاب الأزرق" 1933-1934 يعكس – علي نحو أكبر – انطباع العمل الأول . وأني لأجد صعوبة في سلك الكتاب الأزرق في تطور أفكار " فتجنشتين" .أما الكتاب " البني" فأمره مختلف حيث يمكن اعتباره عرضا " مبدئيا" لبدايات "البحوث" . ويضيف رايت قائلاً أن رسالة " فتجنشتين"  تنتمي إلي تقليد يمتد إلي ما وراء فريجه ورسل . فهو تقليد يمتد علي الأقل إلي ليبنتز . أما ما يسمي بفلسفة " فتجنشتين المتأخرة " فهو فيما أري شئ مختلف .. إن روح هذه الفلسفة تغاير كل ما أعرفه في الفكر الغربي . بل أنها، وعلي نحو ما، تعارض أهداف ومناهج الفلسفة التقليدية ... ولا تتعارض هذه الحقيقة مع فكرة أن كثيرا من افكار " فتجنشتين المتأخرة" لها بذور في الأعمال التي كان قد قرأها أو محادثات مع الآخرين .

وهذا الرأي يعضد فكرة التفسير السيوسيولجي لنشأة العلم، والقائم علي فكرة أن التغير أو التحول التاريخي في العلم يتم بشكل تدريجي تراكمي، وعن طريق خطوات مستمرة لا تنقطع ، كما أن هؤلاء القائلون بالاتصال في فلسفة " فتجنشتين "،  يرفضون أن يكون ثمة تغيرات فجائية أو ثورات أو قطائع ابستمولوجية في فلسفة " فتجنشتين " . كما أنهم ينكرون أي نقاط للتحول داخل العلم، لكونه لا يقبل أية قطائع أو انفصالات أو ثورات من شأنها أن تعرقل وتزعزع الأسس الابستمولوجية للايديولوجيا المسيطرة. لقد فرض العلم الحديث سيطرته الايديولوجية، بشكل منهجي منظم أو بعبارة أخري فرض سيطرته الايديولوجية بشكل علمي، لهذا فإن القطيعة الابستمولوجية هنا كما يري بعض الباحثين " تعلن الحرب علي الأوهام الايديولوجية، وتحاول تعرية آليات المستوي الايديولوجي . لهذا تعني القطيعة المعرفية الانفصال في لحظة عن البداهات الايديولوجية، وبهذا المعني لا تكون القطيعة حدثاً تاريخياً منعزلاً وقائما بذاته، بل هي مجموع من اللحظات التي يلقي فيها العلم نظرة إلي ماضيه العلمي، ليكشف عن مواطن الزيف الايديولوجي فيه . ويكشف عن الخطأ التي اكتنفت المعرفة العلمية وغلفتها بأغلفة ايديولوجية . إن تحرير الخطاب العلمي من نوايا وأغراض الباحثين، ومن الايديولوجيات القابعة خلف تفكيرهم، يؤدي إلي إظهار هذا الخطاب علي سجيته وفي تناثره التلقائي البحت، ذلك لأن مثل هذه النوايا والأغراض الايديولوجية من شأنها أن تعرقل مسيرة الخطاب العلمي في تقدمه، وهذا لا يأتي إلا عبر القطيعة  الابستمولوجية  ".

ومفهوم القطيعة الابستمولوجية، والذي أحاول أطبقه هنا في هذا البحث هو، يمثل كما ذكر أحد الباحثين " ... النقلة الكيفية من إطار معرفي إلي إطار آخر، وهي لا تعني قطيعة مطلقة، لأنه لا يمكن تصور أن خيط التطور ينقطع عند لحظة معينة من التاريخ أو يتجمد عندها، إنما القطيعة المعرفية في مفهومنا هي منعطف ثوري ننتقل فيه من مرحلة إلي مرحلة أخري متقدمة ينفتح فيها طريق، كان مسدودا أو كان يبدو مسدوداً لفترة طويلة .

لقد تحرك العلم والفلسفة واللاهوت، أي الأطر المعرفية كلها في العصر القديم حول النظام الفلكي الذي شيده بطليموس منذ ما يقارب الالفي سنة والذي يقول بأن الأرض هي مركز الكون، إلي أن جاء " كوبرنيقوس"  (1472-1543)، وقلب نظام الكون وقال بحركة الأرض حول الشمس فدخل بذلك علم الفلك منعطفاً جديداً. وكان العالم القديم يعتبر الأجرام السماوية كائنات روحانية تختلف عن عالم الأرض أي عالم الفساد، فجاء جاليليو (1546- 1642) وأكد مادية الأجرام السماوية وقضي علي تصور تقسيم إلي العالم الروحاني العلوي والعالم السفلي المادي الفاسد . بل وخرج بنظرية " كوبرنيقوس" من حيز الرياضيات إلي حيز الوجود الطبيعي وأثبتها تجريبيا من خلال  تلسكوبه الفلكي الذي اكتشف به عددا من النجوم وهضاب القمر ووديانه، ولقد اهتم جاليليو بالبحث عن العلاقات التي تربط بين الظواهر وترك جانباً ( البحث عن المبادئ والأسباب الميتافيزيقية التي استحوذت علي الفكر القديم وبذلك أحدث قطيعة بين الفكر الجديد والفكر القديم، قطيعة لم يعد من الممكن بعدها العودة إلي أساليب التفكير القديمة والتصورات الأرسطية والوسطوية التي كانت تشكل أساس العلم والمعرفة) .

كما أن القطيعة تعني الانتقال الجذري من تصور خاطئ أو قاصر إلي تصور يفتح الطريق أمام معرفة موضوعية وليس من الضروري أن يكون صحيحا مائة بالمائة . فما فعله فرويد مثلاً في علم النفس يعتبر نقلة كيفية بمعني القطيعة مع كل التصورات القديمة حول النفس الإنسانية . وإن كان علم النفس ذاته لم يقف عند تحليلات فرويد ولن يتجمد حيالها. والانتقال من جاليليو إلي نيوتن . والانتقال من نيوتن إلي أينشتين . لم يكن انتقالا هادئاً ولا معبداً، بل كان انتقالاً كيفياً أو قطيعة معرفية جعلت بريق القديم أقل لمعاناً مما يقدمه الجديد . فالقطيعة الابستمولوجية التي أحدثها أينشتين وماكس بلانك هي قطيعة بالنسبة إلي علم نيوتن وجاليليو .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

علي محمد اليوسفتعريف اولي: ما نبدأ به هذه المقالة هي أستنتاجات فكرية لما أستطعنا الالمام به حول دفاع سبينوزا فيه عن نفسه أمام من وصفهم أنهم قاموا بتفسيرات خاطئة لمذهب وحدة الوجود في فلسفته التي ضمنّها كتابه المترجم بعنوان: رسالة في اللاهوت والسياسة. وهذا التوضيح ليس نقلا مباشرا لافكار سبينوزا بل هي قراءة تفسيرية أجتهادية لمفهومه الفلسفي في مسألة وحدة الوجود وعلاقة الطبيعة والانسان والاديان بالخالق.

أن مذهب وحدة الوجود المنسوب لسبينوزا أسيء فهمه وتفسيره الخاطيء كثيرا، في العروض الفلسفية الابتذالية الفجّة التي تناولته على وجه التحديد، التي صورت أن كل موجودات الطبيعة وقوانينها الثابتة تشير الى أنها هي والله شيء واحد، ولم يتداركوا مشاركة الطبيعة الله في بعض الصفات غير الجوهرية فقط وليس في جميع صفات الله التي لا يمكن الأحاطة بها ومعرفتها بالاستدلال الفلسفي الميتافيزيقي أو العقلي، وكذلك في تناسيهم الاقتدار المتفاوت بين الجانبين الله والطبيعة بما لا يقاس ومستحيل معياريا بينهما.

فالله وجود ديناميكي حيوي غير محدود مطلق القدرة، في حين الطبيعة مخلوق ألهي غير عاقل مجرد من أدراك ذاته ووعي المحيط من حوله، ولا يستطيع الاستغناء عن وصاية خالقه والحفاظ عليه أنطولوجيا....لذا يكون من السذاجة بضوء ما ذكرناه أن تكون الطبيعة هي الله والله هو الطبيعة في مذهب وحدة الوجود.

الفهم الفلسفي لمبدأ وحدة الوجود كما نفهمه من سبينوزا نفسه وليس من دارسيه وشارحيه، يقوم على ألغاء الندّية والتكافؤ بين الله والطبيعة بالقدرة والصفات لكل منهما على السواء، من حيث أن الطبيعة مخلوق ألهي موجود باستقلالية لا تمثّل سوى نفسها ولا تمثل غير ذاتها فقط بما تمتلكه من صفات وقوانين ثابتة وضعها الله فيها بحكمة وأقتدار محكومة بها ، ويراقب الخالق عمل الطبيعة بمقتضى قوانينها الثابتة التي وضعها فيها،  ولم يترك الله مجالا في أي خطأ أو أنحراف يطرأ على عمل الطبيعة وثبات قوانينها، بما وضعه  بها ويرغبه فيها وليس بما يرغبه الانسان في محاولة تطويع معطيات الطبيعة لصالحه ومن أجل تأمين بقائه سيدا متنفذا مسيطرا على أنقياد الطبيعة لسلطانه....وأن عدم اكتشاف الانسان لجميع قوانين الطبيعة المحكومة بها تدلل على صغرمقدرة الطبيعة والانسان أمام قدرة الله الاعجازية في صنعه قوانين الطبيعة الثابتة التي لا تقبل الخطأ.

ومن الملاحظ أننا بتفسيرنا هذا أنما نكون محكومين بفلسفة سبينوزا المؤمنة بأن الطبيعة هي مخلوق ألهي متقن الصنعة، متجاوزين وجهات النظر والنظريات التي تعتبر الطبيعة معطى أنطولوجي جزء من فضاء كوني لا يحد، ولا علاقة للخالق بصنعه وأيجاده كما نشير له لاحقا في الفهم الفلسفي المادي لفيورباخ حول الطبيعة ودورها في نشأة الاديان في هذا المقال.

هذا التفريق بين الله والطبيعة يشير الى أن الله موجود في كل شيء بالطبيعة في جزء من صفاته وليس في كل صفاته المحجوبة عن الادراك المطلق تماما، والطبيعة محدودة في قدرتها الالمام بصفات الله اللامحدودة واللانهائية. فمجموع صفات الطبيعة والصفات التي وردتنا في الكتب السماوية على لسان الانبياء لا ترقى الى حصر جميع الصفات الماهوية والقدرة الاعجازية للخالق.

وأما من ناحية التمايز في القدرة بين الله والطبيعة فهو بما لا حاجة لمقارنته كون الطبيعة في كل صغيرة وكبيرة الى أعقد قوانينها وصفاتها أنما وضعها الخالق بها، ولا تمتلك هي أية قدرة ذاتية على تجاوز ماهو مقدّر مرسوم السير به من قبلها في قوانين ثابتة هي تحت وصاية وعناية الخالق في عدم أنتهاكها والعبث بها.

وعن هذا الالتباس وسوء الفهم من الذين أساؤوا فهم سبينوزا يقول (لقد أخطأ فهمي أولئك الذين يقولون أن غرضي هو أن ابيّن أن الله والطبيعة شيء واحد، والقائلون بهذا يفهمون من لفظ الطبيعة كتلة معينة من المادة المجسدة، انني لا اقصد ذلك) (1)

وفي هذا أشارة واضحة تعطينا أن الله ليس هو الطبيعة لا في صفاتها الكاملة ولا في قوانينها الثابتة التي زرعها الخالق بها لتسيربمقتضاها تحت رعايته لها ورقابته عليها.. وتمايز الله عن الطبيعة ليس في عجز الصفات الطبيعية مجاراة صفات الخالق وماهيته حسب ، وأنما الاختلاف الأهم بينهما أنما يتم بالمقدرة الاعجازية المطلقة التي يمتلكها الرب في خلقه الطبيعة وكائناتها ووضعه قوانينها الطبيعية الثابتة المبهرة في التنظيم المتقن والقدرة والاعجاز الخوارقي في الصنعة والاكتمال، التي تعجزالطبيعة والانسان الأتيان بجزء من مثلها في الندّية والتكافؤ في أنعدام أوجه المقارنة بين الله والطبيعة.

وأن الله يساعد الطبيعة في( قيامه الحفاظ على نظام الطبيعة الثابت الذي وضعه الله في الطبيعة، ويجب أن لا يتغير في سلسلة الاحداث الطبيعية)(2)

أن سوء فهم مبدأ وحدة الوجود عند سبينوزا يتأتى أيضا من تعبيره الفلسفي الغامض أحيانا، الذي نستشف من قراءتنا له كما في عبارته السابقة، الى أن الله خلق الطبيعة في قوانينها الثابتة التي لا يمكن تغييرها، وهذه الصفات والقوانين التي وضعها الله في الطبيعة هي محدودة ليس بعدم مكافئتها لصفات خالقها، وأنما قد جعلها الخالق ناقصة عن صفاته هو، وغير مكتملة وعصيّة على الفهم الانساني لها بمجملها، لأثبات أن الطبيعة مخلوقة بما لا قدرة لها الاستغناء عن دوام حاجة الطبيعة الى تدخل الله ورعايته وعنايته بالمحافظة عليها في ثبات قوانينها المحكومة بها في تسيير أمورها بما يرضي الخالق عنها، ولأهمية ذلك لم يمنح الله الطبيعة عقلا متدّبرا يقطع حاجة الطبيعة الدائمية لمن خلقها وأوجدها في أستقلالية كما فعل في خلقه الانسان وتزويده بكل الخصائص التي تجعل من الانسان أعلى مرتبة من الطبيعة في الاستقلالية المدركة لذاتها والطبيعة من حولها لكنه أي الانسان أبعد عن الخالق من قرب الطبيعة في علاقتها الوثيقة بالله.....

هذا هو فهمنا وتعليلنا علاقة الطبيعة بالله، وعلى ضوء هذا نقرأ تأكيد سبينوزا(أن قوانين الطبيعة العامة وأوامر الله الخالدة شيء واحد)(3)، وأن (أرادة الله وقوانين الطبيعة أسمان يطلقان على حقيقة واحدة، ويتبع من ذلك أن كل الاحداث التي تقع في العالم أن هي الا نتيجة آلية لقوانين الطبيعة الثابتة. وليست نزوة من نزوات حاكم مطلق يجلس بين النجوم)(4)

هنا نستشف غموضا مبهما مع ماذهب له سبينوزا وأشرنا له سابقا حين يعتبر أرادة الله وقوانين الطبيعة أسمان لحقيقة واحدة، ويعتبر أيضا أن الاحداث هي نتيجة آلية لقوانين الطبيعة الثابتة كما وضعها الله بها،وأمر مستبعد أن يساعد الله الطبيعة في المحافظة عليها وثبات قوانينها عن الانحراف التي أودعها بها حسب يقين سبينوزا الديني، ومنع الخالق الطبيعة السيرالمنحرف من دون الالتزام بتلك القوانين التي وضعها ثابتة لا تتغيرفيها، والحقيقة أن الطبيعة غير ملزمة بتنفيذ أوامر لا وعي ولا أدراك لها بها لأنها من صنع خالق أوجد الطبيعة في قوانينها الثابتة ورعايته ومسؤوليته عنها وجعل الطبيعة مجردة من العقل الذي تستطيع به وعي ذاتها وأدراكهاعمل قوانينها، وأنتفاء الاختيارلديها فالخالق ألهمها قوانينها الثابتة غير المتغيرة كوجود كوني صغير ثابت. وماهو ألهي في ثبات قوانين الطبيعة يتعذر التلاعب به ولا يمكن خرقه بقدرات أنسانية محدودة أو في أحداث تقع في الطبيعة لادخل ولا مسؤولية للانسان ولا الطبيعة بها ولا وجه صحة في تدّخل الله بها مباشرة بما يدركه الانسان.كما هو في الاعاصير والزوابع والفيضانات واحتراق الغابات وتلّوث البيئة الخ.

وعندما يقول سبينوزا (أن قوانين الطبيعة وأوامر الله الخالدة شيء واحد) فهو يعني أن الله في أنتهائه من وضع قوانين الطبيعة الثابتة بحكمته ، أنما وضعها بأوامر خالدة منه لا يمكن للانسان أو غيره دحضها، وأصبحت تلك الاوامر جزءا لا ينفصل من نظام الطبيعة الثابت العام ودلالة على ماهوية الخالق المعجزة.. لذا من السذاجة أن نتصور أن الله يتدخل في شؤون تصحيح مسارات الاخلال بقوانين ونظم الطبيعة التي تمتاز بثبات وعصمة مستمدة من الربوبية الازلية للخالق.

وثبات قوانين الطبيعة وعدم أمكانية الانسان دحضها كونها مستمدة من خالق أزلي لا يخطىء وثابت في وجوده، وثبات ما رسمه لموجودات الطبيعة كافة، وهذا الثبات هو سر أحتفاظ الطبيعة بثبات قوانينها العامة وعصمتها من الانتهاك... فهي معصومة من الانتهاك ولا تقبل الخطأ الطاريء عليها لأن قوانينها تمثل الصحيح المستمد من خالق لا يخطأ... ولا مجال في تصحيح مسارات خاطئة طارئة في الطبيعة هي أساسا ثابتة وغير منتهكة وتعتبر جزءا من معجزات الخالق في صنعها وأيداعها الطبيعة بهذا التنظيم والاقتدارفي عصور لم يعد متاحا تصحيح أنحرافات ومسارات الطبيعة باوامر الله للرسل والانبياء في الظهور عبر العصور...

صفات الطبيعة في وحدة الوجود

ونفهم من توضيحات أسبينوزا عن وحدة الوجود، أن الصفات الالهية المستمدة من الطبيعة هي صفات أنسانية محدودة يخلعها الانسان على معبوده الله كما يرغبه أن يكون.، وهذه الصفات التي ينعت الناس خالقهم ويصفونه بها، أنما هي صفات لا تكاد تذكر مقارنة بصفات الله اللامحدودة المطلقة غير المدركة كما وردتنا في الكتب السماوية، لأنها صفات هي من أبتداع مخيّلة الانسان التي جاءت متأخرة على لسان (الرسل والانبياء) وليست أفكار الله عن ذاته وتوصيف قدراته العظيمة الخارقة الاعجازية التي يضرب أمثلتها في أخبار الرسل والانبياء وما يتلونه على العامة من الناس وينسبونه لأنفسهم من خوارق القصص الخرافية وهو ما ينكره سبينوزا كاملا في المعجزات التي ينسبها الانبياء والرسل لأنفسهم، وليس في تضخيمات كتبهم الخرافية الموضوعة من قبلهم أو من غيرهم على فترات تاريخية متباعدة جدا ما يعطي سهولة التحريف بها كما يرغب دعاة كل دين بما يجعله مقبولا في تصديق دعاواه اللاهوتية التدينية وتمّكنه من الانتشار الواسع المطلوب.

من المهم ملاحظة تناقض سبينوزا أنه لم يشكك في محتوى الكتب السماوية ولم ينعتها بالخرافية المليئة بمعجزات الخيال المصنوعة، كما نعت المعجزات في خوارق الطبيعة بالخرافات التي يأباها العقل ويرفض تصديقه لها. ولم يتناول سبينوزا تحريف الكتب التي توصف بالسماوية الا على نطاق ضيق جدا أخذه على موسى في بعض الاسفار التوراتية الخمسة التي هو وضعها، ويصف سبينوزا التوراة أن قراءتها الحرفية توقعها بمتناقضات لا يمكن تصديقها الا أنه بالنهاية لا يشكك بصدقية نبوّة موسى والمسيح ولا في مصداقية التوراة أو الانجيل ويعتبرهما تعبيرا عن دين واحد لم يتم توحيده ويدعو لتحقيقه... ومن المرجح أن سبينوزا تعمّد أهمال التشكيك بالكتب السماوية التوراة والانجيل أتقاء عدم أهدار دمه بتهمة الهرطقة والتجديف، وليس أن تلك الكتب لا تحمل من التشكيك المشروع بخرافيتها وانتحالاتها التاريخية المريبة المليئة بها ربما بما لايقل بل يزيد في أرجحية ومقبولية الطعن بها بما يفوق أهمية أنكار المعجزات وعدم تصديقها والأخذ بها.

أو وهو الأرجح من خلال رؤى سبينوزا الفلسفية انه متدّين الى حد الايمان القطعي بالدين الواحد الذي يجمع اليهودية والمسيحية.... ومعاداة الكنيس الكهنوتي لديانة سبينوزا اليهودية وطرده ومقاطعته أنما كان مبعثه الوحيد هو أنكار أن يكون لموسى معجزات خارقة مستمدة من الله في مساعدته وتكليمه له كيف يقوم بتلك المعجزات مثل أضرب بعصاك البحر فاذا هو مفترق طريق في نصفين أمام عبور شعب الله المختار التي ينكر سبينوزا أيضا أن الله خصّ شعب أسرائيل بمنزلة قربى منه لم يحظ بها غيرهم من شعوب الارض.

سبينوزا وفويرباخ والطبيعة

من الجدير الاشارة له أن هذه المنطلقات الفلسفية عند سبينوزا هي ذاتها الارهاصات التي نجدها مبثوثة في تشكيل محوري مركزي في مؤلفي فويرباخ، أصل الدين، وجوهر المسيحية، حين أعتبر فيورباخ الانسان هو خالق ألهه وتديّنه في أعتماده الطبيعة وسيلة ومصدر تصنيع الانسان لمعبوده المتخيّل.... وأن تعالق الاله والطبيعة والدين هي تخليق خيالي من أبتداع الذاكرة الانسانية في تصنيع الدين بالحياة جاء في ربط الطبيعة بأهمية الاله المعبود ومحاولة تطمين حاجات الانسان النفسية والمادية التي هي غير متاحة له الحصول عليها من الطبيعة بقواه الذاتية.

لكن ما أوجه الاختلاف بين سبينوزا وفويرباخ؟

أن قصب السبق في أهمية الطبيعة بالنسبة لنشوء الاديان يعود لأسبينوزا بالتأكيد، وربما لمن قبله فلاسفة عديدين آخرين سابقين على سبينوزا لا يهمنا أمرهم في هذا المجال، لكن أوجه الاختلاف بين فيورباخ وسبينوزا كبيرة، فقد عمد سبينوزا في منطلقاته الفلسفية المستمدة من أيمانه الديني المطلق أن الطبيعة مخلوق ألهي بأرادة لا أنسانية ولا طبيعية في ثوابت قوانينها العامة، وهذا ما لا يعتمده فيورباخ في فلسفته وأعتباره  الطبيعة معطى وجودي أنطولوجي وجد هكذا ولا دخل للرب في خلقه وتصنيعه ، بل يذهب فيورباخ أبعد من هذا في أعتباره الطبيعة سابقة على وجود الخالق، وبالطبيعة ومنها عرف الانسان أهمية الدين له في حياته، الذي هو من أبتداع مخيّلة الانسان في تصنيعه الاله من صفات الطبيعة قبل أدراكه صفات الخالق غير المحدودة خياليا فيما ورد منها في الكتب الدينية السماوية على لسان الانبياء والرسل.

أي أن الانسان عرف الطبيعة ووجوده بها كجزء منها قبل بحثه عن أهمية الدين في حياته، وفي الوجود الانساني كجزء من الطبيعة عرف الانسان معنى الاله وأهمية التدّين في حياته... والأله الخالق لا يستمد صفاته من طبيعة هو خالقها وتحمل جزءا يسيرا جدا من صفاته وقدراته الاعجازية التي لا يمكن تصورها كما وردتنا في الكتب الدينية وفي أحاديث ودعاوى نشر التدّين على لسان الانبياء والرسل عبر العصور....لهذا يكون القول أن الطبيعة هي الله في مجمل صفاته وقدراته الاعجازية في خرقه نظام الطبيعة بيسر وسهولة على أيدي رسله وانبيائه، هو رأي قاصر عاجز عن فهم قدرات الخالق من جهة ،وتغاضيه عن محدودية الطبيعة ككيان موجود من صنع خالق، لايمكنه أن يخلق الطبيعة ندّا مكافئا له لا في الصفات ولا في القدرات من جهة أخرى، كما لم يضع الله كل مفاتيح أسراره بيد عدد محدود من الانبياء والرسل لكي يجعل من الطبيعة أو الانبياء ألها آخر ينازعه الربوبية على الارض.

والطبيعة في فلسفة فيورباخ هي طبيعة غيرعاقلة ولا واعية ولا تدرك ذاتها ولا قوانين الوجود الفاعلة الطبيعية الثابتة العاملة فيها، فالطبيعة لا أرادة لها في قبول أو رفض شيء أو اشياء هي لا تدركها ولا تتعامل معها الا بحيادية سلبية غير مدركة لها هي محط رقابة الله حسب تدينّ سبينوزا وفائدة الانسان منها في أدامة بقائه في الحياة بما تقدمه الطبيعة له من غذاء وأسباب البقاء الاخرى.

كما نجد الطبيعة في فلسفة سبينوزا هي في تماس مباشر وعلاقة وثيقة مع الرب أكثر من وشائج وعلاقات الانسان التدينية بالخالق، علما أن الفارق بين الانسان والطبيعة بما لا يمكن قياسه، أن الانسان يتمايزعن الطبيعة بعلاقته أنه يمتلك وعيا أدراكيا عقليا في علاقته التعبدية الدينية بالله كعبد ، ولا تمتلك الطبيعة تلك الميزات  الجوهرية الهامة الكبيرة عند الانسان، التي تجعل منها أقرب الى الله من الانسان أمرا لا يمرره الانسان بالقبول والرضا بسهولة......

كما يذهب فيورباخ الى أن الانسان وحده هو الذي يجعل من الطبيعة والأله شيئا واحدا.ليس بالمعنى الذي ذهب له اسبينوزا في وحدة الوجود الذي يؤكد فيه أهمية الفصل بين الله والطبيعة من حيث الصفات المحدودة التي أودعها الخالق في الطبيعة، وكذلك في القدرات الاعجازية التي يمتلكها الخالق في تجريده الطبيعة منها وعلى رأسها أن تكون رغبة الخالق في خلقه الطبيعة بلا عقل أدراكي لها تعي فيه ذاتها ومحيط الكائنات من حولها كي لا تنفصم عرى تبعية الطبيعة للخالق ووصايته عليها من غيروعي وأدراك من الطبيعة في سر وجودها وفي تمام قوانينها العامة الثابتة وحاجتها الى الله في ارساله الانبياء والرسل لتعديل مسارات الشذوذ في انتهاكات بعض الشعوب لقوانينها المستمدة قدسيتها من خالقها وواضعها فيها.

ومن المهم ذكره أن جميع صفات الطبيعة لاتمثل جميع صفات الخالق لها، فصفات الطبيعة مدرك نهائي محدود في المكان والزمان في حين تكون صفات الله غير مدركة في لا متناهي وكوني غير محدود عابر لفهمنا قانوني الزمان والمكان اللذان يحكمان أدراكنا الفيزيائي والانطولوجي للطبيعة بهما كوسيلة أستدلالية وليست كمواضيع أدراك غير قابلة لادراك العقل لها....الزمان والمكان في الفلسفة هما وسيلتا أدراك ومعرفة عقلية وتعبير عن الموجودات، ولكنهما ليسا موضوعين للادراك العقلي في تعامل الانسان فلسفيا معهما وحتى علميا.

ومساواة قدرات وصفات الطبيعة أنها تمّثل مجمل مواصفات الخالق تجعل الانسان يكتفي بعبادة الطبيعة في الارض الذي هو على تماس مباشر في معرفتها، ولن يكون بحاجة الى عبادة الله في السماء الذي يمتلك كل الصفات الاعجازية الالهية ماعدا أمكانية أن يظهرالله براهينه للانسان في تيسير فهمه وأدراكه له كما طالبه بذلك براتراند رسل في معرض دفاعه عن ألحاده،... وفي حال جرى تكافؤ وجود الطبيعة الارضية مع وجود الخالق المعبود في السماء ومقارنة أولوية وأحقية العبادة لأي منهما يكون الاختيار حتما للانسان في عبادته الطبيعة وليس عبادة الله وهذا ماتفعله معظم الديانات التي تنكر وجود الله مثل الديانة الشنتوية في اليابان، وعلى نطاق واسع نجده في البوذية والهندوسية والمانوية وغيرها من ديانات في عصرنا الراهن... المقدس في هذه الديانات هو الطبيعة أو جزء منها وكذلك قيم الخير والصلاح والمحبة والتسامح في الانسان، وهي أديان في معظمها تحّث الانسان على أيجاد تدينه الحقيقي في ذاته ونفسه وجسده وتفاعله الايجابي مع الطبيعة عن طريق الأخذ بالتسامي الروحاني نحو نزعات تصوفية دينية تستبعد الله عن عباداتها وطقوسها الدينية المستمدة من علاقة الانسان بالطبيعة وليس علاقته برب يحاسبه على كل صغيرة وكبيرة أقترفها بحياته، كل هذا يجعل من الانسان موجودا متساميا يكون الدين فيه مكتفيا بنفسه وليس خارجيا عن ذاته يبحث عنه في الطبيعة أوفي ميتافيزيقا السماء...

كما أن فيورباخ لا يؤمن بوحدة الوجود كما هو فهم سبينوزا له، في أختلاف جوهري كنا أشرنا له هو أنكار فيورباخ  لموجد ألهي صانع للطبيعة ، وفي تداخل  بعض صفاته في وجود كل موجود في الطبيعة بما يشير الى أن حقيقة الاشياء في مجملها بالطبيعة أنما تشير لخالق وضع بعض صفاته بها وتستمد الاشياء دوام وجودها منه في رعاية الله للطبيعة بقوانينها الثابتة العامة وموجوداتها التكوينية لها.

وما يدّعم نظرية فيورباخ ليس لأنها تقوم على فلسفة مادية لا تؤمن بقيادة الاديان للحياة، كما يؤمن سبينوزا بذلك في تسليم أيماني قطعي مطلق. بل أن نشوء الاديان حسب فيورباخ هي عندما نجد أن الصفات الالهية التي يخلعها الانسان على الخالق المستمدة من الطبيعة، كانت أستقراءا ذكّيا من الانسان الذي أعتمدها في تصنيعه الاديان ماقبل التوحيدية والوثنية القديمة. كما نجده في الديانة الهندوسية والديانة البوذية، وكما نجده قديما عند السومريين والبابليين والفرعونية قبل التوحيد المؤقت على يد الفرعون آمون راع وأنتكاسة التوحيد من بعده، وأخيرا في تعدد الآلهة في الاساطير والميثالوجيا اليونانية القديمة.

فألآلهة اليونانية كانت عندما لا تعجزها الاساطير الميثولوجية أجتراح الخوارق والمعجزات، كانت تعمد مشاركة بعض العظام من البشر في تقاسم هذا الشرف الكبيرمعها في خلع خوارق الطبيعة عليهم وتحقيق المعجزات المشتركة فيما بينهم وتعاونهم مع الآلهة. ومن هذه الارهاصات الاولية جرى تداول أنتساب بعض الانبياء والرسل القيام بخوارق الطبيعة وتحقيق تلك المعجزات في تداخل قدرة الخالق مع رغبة وأرادة الصفوة المختارة من الانبياء والرسل في أصلاح مجتمعاتهم وشعوبهم. وهو ماينفيه سبينوزا تماما أن تكون للانبياء والرسل خوارق ومعجزات خارج نظام الطبيعة الألهي.

سبينوزا في رسالة الدين والدولة

يذهب سبينوزا في كتابه رسالة الدين والدولة الى أن الانبياء والرسل لجأوا أثارة (الخيال) وليس تحفيز العقل في دعوة الناس الايمان بهم وتصديق دعاواهم ومبادئهم، وأضطروا أمام تحقيق هذه الغاية النزول الى مستوى تفكير الناس الساذج في تصديق ما تنسجه الخرافات والخيالات الخارقة غير الطبيعية في أستبعادها العقل النقدي الذي لا يمتلكه هؤلاء الجهلة من الناس على مرّ العصور والتي تستهويهم خرافات الخيال المصنوع على مقاسات التدين الاسطوري والخرافي عندهم بما يعجزهم عن حاجتهم التفكير بالعقل النقدي غير الخيالي في تصديق أو نفي مايجيء على لسان الانبياء والرسل في تواصلهم مع المبعوث الالهي الوحي.

وأشار سبينوزا الى أن الكتب السماوية المنزلة لم تكن تفسّر الاشياء باسبابها الثانوية أي بمعنى أسباب تهم جميع شعوب الارض قاطبة، لذا كان ظهور الانبياء والكتب المنزلة تخّتص بمخاطبتها شعبا واحدا على لسان نبي هو من الشعب ذاته وليس  من شعوب الارض البعيدة وبذلك لم يغفل سبينوزا حقيقة عجز أي دين من ديانات الارض أن يكون صالحا لجميع شعوب الارض في مختلف تبايناتهم الجوهرية . وكان رواة هذه الكتب السماوية المنقولة عن لسان الانبياء تصاغ في طرق وأساليب تؤثر في الناس بميزة كثرة وجود الاحاديث التي تتحدث عن قدرات الاله الرب أجتراحه المعجزات الخارقة للطبيعة بوسائط أنبياءه ورسله في أتصالهم بالوحي لأستلام أوامر وتعاليم الله، والتي يغلب عليها طابع المبالغة والتضخيم الخرافي الاسطوري الذي يستمد أقناعه من الخيالات المنسوجة بوسائل تجعل حضور العقل في تحكيمها والتأكد من صحتها أو بطلانها غائبا.

وأول المندفعين في التسليم بهذه الروايات هم الطبقات والشرائح الجاهلة محدودة الادراك العقلي النقدي من الشعب...لذا يكون الكتاب المنزّل حسب سبينوزا (لا يستهدف مخاطبة العقل وأقناعه، بل جذب الخيال الجمعي والسيطرة عليه، لذا نجد الاكثار من الخوارق والقصص التي تكرس قدرات الخالق وصفاته)(5) تملأ كتب التبشيروالدعوة في الاديان وعلى قدر ضخامة القصص الاعجازية الخيالية المنسوبة لهذا النبي أو ذاك يكون الترويج لأنتشار ذلك الدين واسعا وميسورا.

وفي هذا دليل قاطع أن الاساطير والخرافات سوف لن تندثرمن حياة الانسان بتقدم الفتوحات العلمية الهائلة، فلا زلنا نجد قراءات الطالع والغيب والكف، والايمان بالسحر والشعوذة وغيرها من أساليب بالية تعتمدها فئات تؤمن بتلك الوسائل حل مشاكلها الانسانية المستعصية بالحياة، وتلقى هذه الخرافات والبدع رواجا كبيرا في عصرنا الحاضروستبقى هذه الخرافات ملازمة للانسان في أشباع جوانب تكوينه الخرافي -  الاسطوري الكامن في أعماق النفس البشرية وفي ترسّبات وعيها اللاشعوري الجمعي الذي يجعل من تلك الاساليب ترياقا يشفي الانسان من قلقه الملازم الدائم بالحياة.

ويؤمن سبينوزا بأهمية أن يكون الله هو مسيّر الطبيعة وفق مشيئته وأرادته وحده قوله (أن الله وسير الطبيعة هو أمر واحد) لذلك يعتقد الناس أن قوة الله وعنايته بنظام الطبيعة تتجلى بوضوح أكثر اثناء حصول الحوادث الخارقة في الطبيعة والسيطرة عليها بقدرات غير مسبوقة في نظام الطبيعة ، كما هي الحال في شق موسى بعصاه البحر وكذا في صور صارخة ما ينسب للمسيح من معجزات لا يمكن تصديقها الا اذا كانت من صنع أله غير بشري فعلا نصف أله ونصف أنسان.. . وفي علاقة تصديق الناس بما يحصل من حوادث طبيعية تكون السيطرة عليها خرقا لنواميس الطبيعة نجدها في قول سبينوزا (ويظنون أن الله ساكن لا يعمل مادامت الطبيعة تعمل بنظامها المعهود والعكس بالعكس)(6)

أن سبينوزا يظهر أيمانه الجلي الواضح بالديانتين اليهودية والمسيحية من خلال تسليمه أن الطبيعة مخلوقة من خالق أوجدها بقوانين ثابتة لا تتغير هو الله، وهي تحت رقابة خالقها طيلة مدة بقائها تعمل ضمن قوانينها الثابتة التي تجعلها منسجمة ومتجانسة مع رغبة خالقها أنها تعمل على وفق ذاتية خاصة مستقلة بها لا تدركها لكنها مشروطة في تدّخل الله بها متى ماكان ذلك ضروريا لأعادتها الى نظامها الطبيعي الثابت وحمايتها من الانحراف وهذا ما لا يمكن تصديق حصوله فعصور توالي ظهور الانبياء والرسل أصحاب المهمات الخرافية الصعبة بالحياة أنتهى دورهم في أستلامهم أوامر الرب في تصحيح المسارات الخاطئة الطارئة على الطبيعة بالحياة.

ويعمد سبينوزا في طريقة ذكية ناعمة سحب البساط من تحت أقدام الانبياء أصحاب الخوارق والمعجزات المستمدة من الرب، ولو لم يعمد هؤلاء الى نسبة هذه الخوارق الى قدرات ربانية أعجازية لا يستطيعها البشر لكانوا أفرغوا المعجزات المنسوبة لهم من محتواها في تصديق عامة الناس لها... لذا نجد حسب تقدير سبينوزا لجوء الرسل والانبياء لسرد قصص المعجزات الخارقة في تكسيرها نظام الطبيعة  وأهمية مخاطبة الناس وفق عقلياتهم الخيالية المحدودة الساذجة، وفي أهمية صدى وأستقبال منتجات الخيال الاعجازي المصنّع لانتشار الدين، الذي من غيره تصبح تلك المعجزات ميتة لا حياة ولا دم يسري بها يعمل على تصديقها.

وبالعودة الى فلسفة وحدة الوجود التي يؤمن بها سبينوزا وأراد تعميمها على فلاسفة عصره قوله (ان الفيلسوف يعرف جيدا أن الله والطبيعة شيء واحد، يعملان بالضرورة وفقا لقانون ثابت لا يتغير، وهو – أي الفيلسوف – يقدس ويوّقر هذا القانون العظيم)(7). طبعا هنا واضح جيدا أيمان وتدّين سبينوزا على طريقته الخاصة به التي تذهب الى جعل الدين نقيا خاليا من النواقص والتضارب اللامعقول في أنكاره نسبة المعجزات والخوارق للرسل والانبياء كي يتاح أستحصال قناعة الفلاسفة بالاديان وهو أمر بعيد المنال بمجرد موعظة فلسفية به وتقديمه على لسان فيلسوف يدعى سبينوزا.

وفي موضع سابق أشرنا نحن له في هذه الورقة الى أن قوانين الطبيعة التي يرضاها الله هي القوانين المصنوعة من قبله ولا يوجد غيرها بالطبيعة ، ولا تستطيع الطبيعة خرق قوانينها ليس من حيث أن الطبيعة مخلوق غير عاقل وحسب، ولكن من حيث أستحالة أثبات سبينوزا أو غيره أن الطبيعة بقوانينها الثابتة التي يرضاها الخالق هي مصنّعة من قبله وهي تحت رعايته وعنايته لها وتداخله عبر الانبياء والرسل في تقويم أنحرافاتها الطارئة كي تستمر الطبيعة هادئة قانعة بما مكتوب لها في تنفيذها أوامر الرب في ثبات قوانينها العامة.

أمام هذه المعضلة الشائكة المعقدة أن الطبيعة عاجزة عن فعل شيء لنفسها ولا بمقدورها أجتراح المعجزات، يجيء ويبرز دور الرسل والانبياء في تكملة نواقص التدّين وسد ثغرات منافذ العقل النقدي المتسائل المتشكك، فكانوا وسطاء الله مع كل من الطبيعة والانسان على السواء في تعالقهم التديّني، وبالاخير والنتيجة هم مع رعاية الرب وعنايته في تدبير هذا الخلق وفق مشيئته وأرادته.

والايمان السبينوزي قاده الى مسألة على جانب كبير من الاهمية تلك هي أنه لم يبق هناك معنى أن لا تكون الديانتان اليهودية والمسيحية دينا واحدا، رغم تاريخ العداء المتبادل بينهما ممثلا في اضطهاد المسيحيين لليهود وصبرهم على تلك القسوة التي عوملوا بها. ويرى سبينوزا  من المؤمل المتاح أنه بقليل من التفاهم المتسامح يتحقق مثل هذا الدمج بين الديانتين خاصة وبحسب توصيف سبينوزا أقرار اليهود بأن المسيح أعظم الانبياء وأنبلهم، لكنه بشر ولا يمت بالالوهية بصلة ومعجزاته خرافة غير ممكنة الحدوث ولا ممكنة التصديق بها. (لكن حكمة الله الخالدة تجّلت في جميع الاشياء وخاصة في عقل الانسان، وفي يسوع المسيح). ويعتبر سبينوزا (أخلاق المسيح طافحة بالحكمة، وأن توقير المسيح يسمو بالانسان الى حب الله العقلي، وأن شخصية المسيح النبيلة لو أنها تخلصت من حواجز العقائد التي تؤدي الى الانقسام والنزاع، تستطيع أن تجتذب جميع الناس حولها)(8) ويبدو ان الكنيسة الكاثوليكية بعد قرابة الثلاث قرون ويزيد على موت سبينوزا، أستجابت الى طروحاته الفلسفية في توحيد الديانتين اليهودية والمسيحية فأقدمت على تبرئة اليهود من دم المسيح.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

..........................

الهوامش:

1- ويل ديورانت /قصة الفلسفة/ ص 216

2- المصدر اعلاه نفس الصفحة

3- المصدر اعلاه نفس الصفحة

4- المصدر اعلاه ص 217

5- المصدر اعلاه ص 203

6- المصدر اعلاه ص 205

7- المصدر اعلاه ص 204

8- المصدر اعلاه ص 206

 

علي رسول الربيعيراولز والإسلام:

كيف يمكن النظر إلى لإسلام على ضوء نظرية راولز؟

يعود سبب تساؤلي في العنوان إلى أمرين: الأول، يتعلق بالأسلام كشريعة في علاقته بالشأن العام، أيً طبيعة العلاقة بين الدين والسياسة والدولة وهنا أتبع خطوات عبد الله النعيم في رؤيته لهذه العلاقة وقد أشرت إلى طروحاته من خلال ذكر مصادره أو كتاباته، لكني أعدل رؤية النعيم من خلال تبني رأي أبو يعرب المرزوقي الذي أشرت إليه في مقال سابق من هذه السلسة وهو في ما معناه إجمالاً أن لاعلاقة مباشرة بين الدين والسياسة، اي أن يتحول الدين إلى حزب سياسي، ولكن صلة الدين بالسياسة من خلال وسائط نظرية عديدة، فيكون دور الإسلام ومكانته المرشد والموجه القيمي، أما الثاني حول ما إذا كان يمكن النظر إلى لإسلام على ضوء نظرية راولز والسؤال الشهير الذي يطرحه: " كيف يمكن لأولئك الذين يعتنقون عقيدة دينية تستند إلى سلطة دينية ... أن يكون لديهم مفهوم سياسي معقول يدعم نظام ديمقراطي عادل؟". ينطوي تسـاؤلي على إمكانية إجراء بعض التعديل على نظرية راولز ذاتها ذلك لأن تفكير راولز في العقيدة الدينية والمسائل ذات الصلة بها يأتي من نظر مسيحي، أيً أنه يفكر في الدين بوصفه الدين المسيحي. أما المسلمون الذين يفكرون بالدين استرشادا بمنظور راولز فأن تفكيرهم يأتي من خلال "التخمين" في كيفية أن تكَّون علاقة الدين بالإسلام.

هناك عاملان مهمان وهما تأثير الشريعة على كيفية تفكير المسلمين في هذه الأسئلة وسياق العصر الحديث متمثلاً في مرحلة مابعد الكولونيالية (مابعد الاحتلال) الذي يبحث فيها المسلمون هذه القضية. لذلك قد يتم توجيه استفهام إلى تعريف راولز للعقل العمومي وكيف يُفترض به أن يعمل في حالة الممارسة بالفعل : في إطارات وخلفيات وأوضاع يتم بها تطبيق العقل العمومي، وعلى من؟ وكيف يتم ضبطه ومراقبته ورصده؟

ما أقترحه هنا هو النظر إلى ممارسة العقل العمومي في سياق إسلامي. والأختلاف ياتي من الأصرار على أن هناك دورأساس للمؤمنين في أي دين (المسلمون هنا) كمشاركين متساوين في ممارسة ما يقدمه راولز كهدف للعقل العمومي.[1] إن ما يسميه راولز "العقيدة الشاملة" قد تكون ببساطة الطريقة التي يوافق بها المواطنون المسلمون على السلطة السياسية ويقوم على أساسها "احترامهم المتبادل"، والإنصاف، والقدرة على التعقل، والمعاملة بالمثل، والقيم الأخرى التي يستشهد راولز بها.[2] للإشارة إلى هذا الاختلاف، اخترت مصطلح " عقل مدني".

أريد أن أوضح بإيجاز الأسباب الموجبة التي تدفعني لإجراء تعديل على موقف راولز، وهي: ينبغي دائماً النظر إلى لعلاقات بين الدين والدولة والسياسة من منظور دين محدد في مجتمع معين.فمن الصعب للغاية وضع تصور عن "الدين" بعبارات شاملة تكون كافية ليتم تطبيقها على جميع المجتمعات البشرية في سياقاتها المتنوعة، فمن المتوقع فقط، بوعي أو بدون وعي، أن يُطور أيً مُنَظِّر نظريته عن العلاقات بين الدين والدولة والسياسة فيما يتعلق بدين معين في سياق اجتماعي سياسي معين. كما أن الاختلافات في طبيعة وتشكيل السلطة الدينية بين التقاليد الدينية للمذاهب المختلفة وداخلها تؤثر على كيفية إدراك المؤمنين للسلطة الدينية. حتى التمييز بين ما يسمى المجالات الدينية والعلمانية لا ينطبق على جميع التقاليد الدينية. إن لدى المسلمين في تجربتهم التاريخية فهم إيجابي للعلمانية، بمعنى المادية الدنيوية ويمكن أن تُعتَمَد لتكون جزءًا لا يتجزأ من نظرتهم للعالم بدلاً من النظر إليهما كمتعارضَين. هذا الاتساق والتكامل الأصيل للعلماني والديني يحفز المسلمين على التفكير في كليهما بوصفها متظافرَين ومتظافرين متشابكين: فالحياة دينية وعلمانية وروحية ومادية في آن واحد، والإسلام يأخذ كل جانب من جوانب التجربة الإنسانية ويجمعها بالتساوي وعلى محمل الجد. لذلك، فإن تعريف العلمانيين والدينيين على أنهم متناقضون أو غير متكافئين ليس حلاً عمليًا للمسلمين. كما ذكرت في مكان آخر، "من المضلل أن نقارن بين الدينيين والعلمانيين بمثل هذه المصطلحات الثنائية لأنها في الواقع مترابطة فيما بينها".[3]

هناك تعريف آخر يمكن تقديمه لمصطلح "علماني" وهو "الافتراض بأن كل شيء مادي أو مجرد مشتق من المسعى الإنساني".[4] بينما يتجنب هذا التعريف الاعتماد على الديني الموجود في العديد من التعريفات الأخرى، فإنه يغفل أيضًا أي إشارة إلى العلاقة بين ما هو علماني وما هو ديني. من وجهة نظر إسلامية، هناك اعتراض أكثر جدية على هذا المفهوم للعلمانية وهو أنه يبسط مسألة لاهوتية وفلسفية معقدة عن القدر والإرادة الحرة في العلاقة بين الإلهي والقوة الإنسانية. ماذا يعني قول شيء "مستمد من المسعى الإنساني"؟ هل هذا ينكر بالضرورة أي دور للقوة الألهية، حتى بالنسبة لأولئك الذين يعتقدون أن القوة الإلهية تعمل من خلال القوة الإنسانية؟

لا تعني ملاحظة هذه الاختلافات أن نظرية رولز ليست ذات صلة بالمسلمين في سياق العصر الحديث، سياق ما بعد الأستعمار، ولكن فقط لإثارة السؤال حول ماهية هذه الاختلافات التي تنطوي عليها تلك النظرية. في الواقع، وفي رأيي، إن حقائق التنوع الديني الأعمق، إلى جانب حقائق عالم يزداد ترابطًا، تزداد الحاجة أكثر إلى نظرية راولز. لذلك، بينما أعتقد أن على المسلمين أن يتوسطوا أو يحلوا هذه التوترات بين الإسلام والدولة والسياسة بطرق تأخذ الشريعة على محمل الجد وفقًا لشروطها الخاصة، كما يجب أن يتم ذلك أيضًا في شراكة حميمة بين المؤمنين الآخرين وغير المؤمنين.

باختصار، إنَّ ادعاء راولز الأساسي في هذا الصدد هو: بما أنه من غير المرجح أن يوافق المواطنون على حل المسائل السياسية الأساسية، ينبغي التوصل إلى اتفاق سياسي عن طريق " العقل العمومي"، على الرغم من الخلاف الأخلاقي القوي. بالنسبة له، فإن العقل العمومي هو ممارسة للتداول في ظروف الخلاف الأخلاقي العميق، ويتعلق تحديداً بـ "الأساسيات الدستورية ومسائل العدالة الأساسية". وبعبارة أخرى، فإنه يحدد على أعمق مستوى القيم الأخلاقية والسياسية الأساسية التي تحدد علاقة حكومة ديمقراطية دستورية بمواطنيها والعلاقات بين المواطنين أنفسهم. والأهم من ذلك أن راولز يستثني الدين، إلى جانب جميع "العقائد الشاملة"، من التفكير العمومي حول هذه المسائل.[5]

أُشارك راولز مخاوفه بشأن الاعتماد على المعتقدات الدينية كأساس للسياسة والتشريعات العامة، ودعوته إلى توضيح الأسباب التي هي في متناول جميع المواطنين على قدم المساواة دون الرجوع إلى المعتقد الديني على هذا النحو. لكنني أعتقد أنه من الواقعي والمثمر الاعتراف بأن هناك صلة غير مباشرة أي بالواسطة النظرية البعيدة بين الدين والسياسة ( أي الدين كنظومة قيَم ووصايا ومرشد ودليل للسياسة) وتنظيمهما من خلال المتطلبات الدستورية وحقوق الإنسان والسياسة المدينة أكثر من محاولة الفصل الباتر بين الدين والسياسة التي يبدو لا تتحقق، فقد فشلت أغلب محاولات القطع بينهما ولاسيما في المجتمعات في السياق الإسلامي، ولكن ينبغي مع ذلك إبقاء الدين خارج الدولة من خلال آليات واستراتيجيات مختلفة. دائمًا ما تسترشد الإجراءات السياسية للمؤمنين الدينيين بمعتقداتهم الدينية، سواء أكان هذا معترفًا به أم لا، والاعتراف بهذه المعتقدات وتنظيمها كمصادر مشروعة للتفكير السياسي هو أكثر صحة وأكثر عملية من إجبارهم على الدخول في مجال سياسي يهربون منه ويكون الحال سريع الزوال ويشوه أو يُقيد مشاركة المؤمنين في السياسة. إنني أتبع هذا النهج لاحتضان الأديان في عالم "سياسي" أوسع بكثير مما يسمح به حقل العمومية عند راولز إنني أعتمد "السياسة" لتشمل جميع المداولات العامة حول أمور الشأن العام السياسية، سواء من قبل المسؤولين أو المواطنين العاديين، كما تختلف عن الجوانب أو الهيئات الشغالة الأكثر استقرارا للدولة.

أرى أن إقصاء راولز للأديان من العقل العمومي، على وجه الخصوص، أمر خاطئ في عدد من المسالك أو الطرق المعينه، ولا سيما عند تطبيقها على "الأسس الدستورية ومسائل العدالة الأساسية" التي يركز عليها كثيرا، لعدة أسباب. أولاً، إنه من غير العدل رفض وجهة نظر أو خطاب بكل بساطه لأنه يعتبر دينيًا، بصرف النظر عما يقوله فعليًا بشأن القضية المطروحة. ثانياً، يعتبر هذا شكل من أشكال الرقابة الاستباقية التي تمنع ممارسة حقوق الإنسان الأساسية المتمثلة في حرية المعتقد والتعبير قبل إثبات حدوث ضرر مفترض. ثم أن هذه الرقابة ليست فقط غير عادلة من حيث المبدأ، ولكنها أيضًا غير مجدية أيضاً، فكيف لنا أن نعرف مقدمًا أي من الادعاءات تعتبر "دينية" قبل سماعها؟ ثالثًا، من وجهة نظري، ينبغي تشجيع جميع المواطنين على المشاركة في النقاش السياسي، بشأن جميع القضايا وفي جميع السياقات، من أجل تطوير والحفاظ على تفكيرهم المدني مع مرور الوقت. يبدو لي أن استبعاد رولز للأديان سيشكل عقبة كبيرة أمام هذا. رابعاً، باستبعاد الأديان وغيرها من "العقائد الشاملة" من التفكير العام. يعاملهم راولز كما لو كانوا معزولين ومنغلقين وغير منفتحين للنقاش أو حتى غير قابلين للتفنيد الداخلي، وأيضًا كما لو كان من الممكن تقسيمهم إلى فئات "دينية" و "علمانية".[6] ومع ذلك، سيكون هذا تشويها وتحريفًا خطيرًا لطبيعة التفكير الإسلامي السياسي، الذي يتطور من خلال النقد "الداخلي" و "الخارجي" والعلاقات المعقدة مع غير المتدينين. إن إقصاء راولز للدين ينكر بالتالي حقيقة العقلانيات المتنافسة داخل العقائد الشاملة ويحد من فرص الإقناع بين المؤمنين. أخيرًا، وبشكل أعم، فإن محاولات راولز لاستيعاب الأديان في النقاش العام غير كافية. فلا يزال، على وجه الخصوص، التأكيد على النطاق المحدود لـ "الأساسيات الدستورية ومسائل العدالة الأساسية" يستبعد الأديان من النقاش حول هذه المسائل السياسية الأساسية، ومع أن "شرط" راولز وفكرته عن " الحدس" يمكن أن تستوعب التفكير الديني داخل النقاش العام، الأً أنها ماتزال تحتاج إلى التعبير عنها أو ترجمتها في نهاية المطاف إلى لغة ومصطلحات عامة غير دينية حتى يمكن للمواطنيين تقاسمها.

وفي رأيي، إذن، يجب تقييد حرية التعبير عن الأفكار الدينية وغيرها من أفكار العقائد "الشاملة" في السياسة والتنظيم السياسي ومن الترويج لها فقط: إذا كانت تنتهك الحقوق الدستورية للآخرين، وفقًا لما تفرضه الدولة أو مطبق من قبلها، وليس على أسس أنواع الأفكار التي تنطوي عليها، كما تصر نظرية راولز بهذا الفصل والتمييز بين الدولة والسياسة، كما اقترحت من منظور إسلامي متبعا راي عبد الله النعيم، أعتقد أن متطلبات العقل المدني أو "العمومي" يمكن تشغيلها بطريقة أو بشكل أكثر فاعلية.

إنَّ الدور الحاسم والدقيق الذي أسنده إلى الدولة هو السبب الذي يبين لماذا في التمييز بين "الدولة" و "السياسة" ضروري وصعب الحفاظ عليه. كون الدولة هي الاستمرارية المؤسسية للسيادة، في حين أن السياسة تشير إلى حكومة اليوم. يحق للحكومات استخدام مؤسسات الدولة لتنفيذ السياسات التي انتخبت من أجلها ولكن لا ينبغي لها أن تفعل ذلك بطرق تقلل من استقلالية مؤسسات الدولة واستمراريتها أو أن توحد بين سلطتها والدولة. وبهذه الطريقة، تستمر مؤسسات الدولة، مثل وزارة التعليم أو وزارة الخارجية، في خدمة الحكومة المقبلة، والتي قد يتم انتخابها لتنفيذ سياسات مختلفة عن سابقتها. من المسلم به أن التمييز بين الدولة والسياسة في أي مجتمع لن يتم تسويته نهائيًا وسيختلف اعتمادًا على الإرادة السياسية للشعب لدعم التمييز (وليس الانقسام) بين الدولة والسياسة. وأعتقد أنه يمكن القيام بذلك من خلال الضمانات المؤسسية والمعيارية مثل الدستورية وحقوق الإنسان والمواطنة، والتي توفر الإطار الأساسي لما أفهمه كعقل مدني.[7]

في الختام، اسمحوا لي أن أحاول أن أصف بإيجاز ممارسة ما أسميه "العقل المدني" في المسار الطبيعي لحياة المجتمعات في كل مكان، بدلاً من أن تقتصر بشكل مصطنع على مواضيع معينة أو تنطبق على وظائف منفصلة معينة للمسؤولين الحكوميين والمرشحين للمناصب العامة فقط. ففي مجرى الحياة المعتادة للمجتمع، يتم تربية الأطفال أن يكونوا أجتماعيين داخل عائلاتهم، وفي المدرسة، وفي بيئات أخرى مختلفة من أجل دعم قيم معينة من التفاعل الاجتماعي والسلوك السياسي. كذلك يتم أختلاط السكان البالغين وإقامة العلاقات الإجتماعية بينهم في المجتمع نفسه وتذكيرهم باستمرار بالسلامة الأخلاقية والفائدة العملية للقيم الأساسية. من المحتمل أن تشمل تلك القيم كونها صادقة وجديرة بالثقة في التفاعل الاجتماعي والاقتصادي مع الآخرين، وأحترام كرامة الإنسان للآخرين، وقبول هويتهم العرقية أو الإثنية، وكذلك معتقداتهم الدينية والسياسية، لأننا نحتاجهم لاحترام كرامتنا وهويتنا ومعتقداتنا. هذا لا يعني أن أي مجتمع مثالي أو يمكن أن يكون مثاليًا في تعزيز هذه القيم والعيش بها، لكن تجربتنا تؤكد أيضًا أن هذه مهارات "البقاء" لجميع الجماعات و المجتمعات.

نقطتي الرئيسية هي أن ما يسميه راولز "المذاهب أو العقائد الشاملة" ليس فقط جزءًا لا يتجزأ من هذه العمليات، ولكن في الواقع تلعب دورًا رائدًا في التنشئة الاجتماعية على القيم الإنسانية العلوية التي نحتاج إلى تعزيزها. تُظهر تجربتنا بوضوح أنه لا يمكننا مراقبة وضبط نوع الخطاب الذي يتم في أي مكان إلا باعتبار إن الدين والثقافة والتفاعل الاجتماعي والأنشطة الاقتصادية جميعها تدفعنا قبل كل شيء إلى حياة صحية ومنتجة وهادئة، على الرغم من أننا نشارك أحيانًا في مواجهات مرَضية ومدمرة وعنيفة. أيَّا كان ما نحن عليه، فإن الدين بالنسبة لأولئك الذين يؤمنون به جزء لا يتجزأ من هويتهم وكيف يعيشون.

 

الدّكتورعليّ رَسول الربيعيّ

..........................

[1].An-Na'irn, ed., Human Rights in Cross-Cultural Perspective: Quest for Consensus (Philadelphia: University of Pennsylvania Press, 1992).129-80.

[2]Rawls, John, Political Liberalism, Columbia University Press, 1993,(pbk.) 38, 223.

[3]AbdullahiAhmedAn-Na'irn,"IslamandSecularism,"inComparativeSecularisms in a Global Age, ed.L.E.Cady and E.S.Hurd(NewYork:PalgraveMacmillan,2010), 218.

[4]Lilly Weissbrod, "Religion as National Identity in a Secular Society," Review of Religious Research 24, no. 3 (1983):189.

[5]PL (pbk.) 212, 214, and 227-30, and IPRR132-33. AshisNandy, Talking India:AshisNandyin Conversation with RaminJahanbe­ gloo (Delhi: Oxford University Press, 2006), 10 3- 4.

[6]AshisNandy, Talking India:Ashis Nandyin Conversation with Ramin Jahanbegloo (Delhi: Oxford University Press, 2006), 10 3- 4.

[7]An-Na'irn, Islam and the SecularState,89-97.

 

زهير الخويلدي"العلم السياسي هو العلم الأسمى والمعماري بامتياز... إنه يقوم باستعمال العلوم العملية الأخرى، وعلاوة على ذلك يشرع على ما يجب القيام به وما ينبغي الامتناع عنه"1[1]

استهلال:

التفكير في النظرية العلمية السياسية والقانونية عند المعلم الأول بالنسبة إلى العرب في عصور ازدهارهم وحسب أستاذ الأسكندر المقدوني وفيلسوف اليونان أرسطو لا ينفصل عن التعرف على الحياة الاجتماعية والثقافية التي عرفها اليونان في ذلك الوقت ومعالجة المسائل المتعلقة بالعلوم السياسة التي ذكرها في مؤلفاته القانونية وكتبه الفلسفية والدساتير التي ساهم في تأسيسها للعديد من المدن الدولة في عصرها الإغريقي وقبل انتقالها إلى العصر الروماني والعصر البيزنطي والعصر اللاتيني والعصر العربي وخاصة مؤلفات السياسي والأسكندر أو في المستعمرات وفي النظام الملكي التي فقدت ولم يبق منها سوى العناوين والتطرق لتاريخ الدساتير والأنثربولوجيا الاجتماعية والسياسية التي تضمنتها أفكاره الطبيعية.

في البداية كانت عزيمة أرسطو متجهة نحو التخلص من النموذج المثالي الذي كان أفلاطون قد شيده وفق نظرية النظام السياسي الأفضل في كتابي الجمهورية والنواميس واستخراج نموذج سياسي متوازن وأنسب ولكن بعد ذلك تطور تفكيره إلى مستوى وضع الدساتير- قرابة 158 – بمراعاة التشريعات للعادات والشيم الأخلاقية والتقاليد الشعبية والطقوس الدينية والشعائر الهمجية التي تختص بها بعض المدن الإغريقية.

لقد حرص أرسطو على إجراء مقارنات بين أنظمة الحكم التي تتميز بالطغيان وحكم الأقلية وحكم الأغلبية والديمقراطية والأرستقراطية وبين الدساتير التي تم اعتمادها في  مصر وقرطاج وروما وبابل وفارس.

لكن الفلسفة السياسية التي بلورها لم تقتصر على مؤلفه الشهير حول "السياسات" الذي يتكون من ثمانية كتب فقدت خاتمتها التي تناولت قضية التربية من منظور سياسي بل ضمت مؤلفاته الأخلاقية التي ورددت في أخلاق إلى نيقوماخوس وأخلاق إلى أوديم إضافة إلى المؤلفات المنطقية وخاصة الخطابة وفن الشعر.

والحق أن كتاب السياسات لم يتم العثور عليه ونشره إلا سنة 1891 من طرف السيد فريدريك كونيون2[2] مع ضياع قسما كبيرا من المادة التي كان أرسطو قد جمعها من أجل توثيق التجارب الدستورية لعصره3[3].

لقد كان للإغريقيين القدرة على سبك الممارسات الاجتماعية الهامة والأبعاد التاريخية في شكل نظريات.

لا يتنزل هذا المبحث حول تنظيم المدينة من خلال علن السياسة عند أرسطو ضمن الطرق المفضية إلى مسائل التعقل والفضيلة والخير الأسمى والنظام الأمثل وعلاقة الفيلسوف بالمدينة من جهة الصلة بين الأخلاق والسياسة وإنما يندرج ضمن التقصي عن الدور الكبير الذي لعبته العلوم الرياضية والطبيعية في جعل أرسطو يجد مخرجا من معضلة العدالة والسلطة ويعثر على الطريق الديمقراطي الذي يتناسب مع الحياة العامة في أثينا ويربط بين معرفة تاريخ المؤسسات السياسية الإغريقية وفهم المشاكل الفلسفية التي أثارها وتحديد منزلة الإنسان والصلة القانونية والإيتيقية بين المواطنين والأجانب الغرباء عن المدينة.

من هذا المنطلق يقود كتاب السياسيات إلى دراسة تنظيم المدينة بالطرق العلمية القانونية التي اقترحها أرسطو من جهة والى معرفة الإضافة الكبيرة التي قدمها إلى تاريخ الفلسفة السياسية من جهة إيتيقية.

لقد كان القرار المعرفي الذي تم اتخاذه في هذا المستوى هو قراءة كتاب السياسيات من منظورين والمقارنة بينهما: المنظور الأول الذي ينطلق من مؤلفاته الطبيعية والكوسمولوجية التي ضمتها كتب مابعد الطبيعة والطبيعة والنفس والتي تصد أحكاما واقعية، أما المنظور الثاني فهو الذي يعتمد على المؤلفات الأخلاقية والمنطقية والفنية والتي تصر أحكاما قيمية بالمعنى الأكسيولوجي وخاصة فن الشعر والإيتيقا.

بيد أن الخطة المنهجية الرئيسية تتمحور حول اعتماد العلم السياسي الذي كان أرسطو قد عرفه بدقة في بداية كتابه إيتيقا إلى نيقوماخوس في تحليل المشاكل الفلسفية والشبكة المفاهيمية الواردة في السياسات4[4].

للإشارة أن أرسطو يطرح في كتاب السياسات العديد من القضايا مثل العلاقة بين المدينة والمواطنين والمواطنة ومعضلة السيادة ودور اللغة في السياسة وبالتحديد السياسة بين الخطابة والسفسطة ومنطق الحرية وعناصر القانون والفلسفة التطبيقية والعلم السياسي ووحدة المدينة وشروط السعادة العمومية وفكرة الطبيعة في السياسة وعلاقة الحرب بالطبيعة وصورة الإنسان في الفكر السياسي وتحليل ظاهرة الطغيان والعبودية ودور التخيل في البحث عن الخير العام للمواطنين والصلة بين الديمقراطية والتعقل.

لكن ما تفسير المصير السيئ الذي آلت إليه الفلسفة السياسية عن أرسطو؟ ولماذا تعرضت للإهمال والتشويه؟ وماهي مكوناتها النظرية ومقدماتها الأولية وتجاربها التطبيقية؟ وما علاقة التفكير بالممارسة لدى اليونان؟ وأين يكمن الخلل في هذه السياسة وتم تسجيل أشياء سلبية؟ وهل تتضمن بعدا ايجابيا يمكن المراهنة عليه؟ ولماذا عزف القدامى عن العودة إلى الكتب السياسية الأرسطية؟ هل كل السلطات تنطلق من نفس المصدر؟ والى أي مدى تكون الطاعة أمرا طبيعيا؟ من الذي يجوز له أن يتحكم؟ وماهو النظام السياسي الأحسن؟ أي منزلة للعدالة في السياسة؟ وماهي أسس النظام الديمقراطي؟ ولماذا وكيف يجب على الناس أن يعيشوا بصورة مشتركة؟ وكيف جعل أرسطو من المدينة محور تفكيره السياسي وإطار تشريعه الحقوقي؟ وأي تصورات إصلاحية وتوجيهات تربوية قدمها للإغريقيين؟ وكيف بقيت أفكاره السياسية حاضرة في الحقبة المعاصرة وتغذت منها السياسة عند ماكيافيلي وماركس ومونتسكيو وأرندت؟

يمكن تقسيم اللحظات المنطقية التي تساعد على التفكير في هذه الإشكالية إلى ما يلي:

- البعد الطبيعي للسياسة

- منزلة العلم في السياسة

- حضور الإيتيقا في السياسة

ما يتم المراهنة عليه في ها المبحث هو تجاوز المعاملة السيئة والنظرة السلبية التي تعرضت لها أفكار5[5] أرسطو السياسية والعمل على تخليصها من النقائص التي تعوزها وغربلة الجيد من الرديء في متونها.

من المعلوم أن كتاب السياسة عند أرسطو الذي كان مفقودا في لغته الأصلية منذ قرابة 2000 سنة قد تمت استعادته منذ 750 سنة وتراوحت تسمية العنوان بين إطلاق المفرد سياسة politique والجمع سياسات    politiques ولقد حدث ذلك على يد الشارح والمترجم نيومان في أربع مجلدات ما بين سنة 1887 وسنة 1902 والصادر عن أوكسفورد، وفي هذا الإطار قام جان تريكو بترجمة سياسة أرسطو عام 1962 بتكليف من دار فران وكان جان أوبونات بصدد ترجمته منذ 1960 وامتدت إلى سنة 1989 ضمن مطبعة الرسائل الجميلة ولكن الترجمة الدقيقة التي لقيت نجاحا كبيرا هي التي أنجزها بليقرين سنة 1990 بعنوان السياسات وأصدرها سلسلة ج ف عن دار فالماريون وأرفقها بمقدمة عميقة ومتأنية وشملت إشارة إلى الصعوبات التي تعترض كل باحث في البيبلوغرافيا الأرسطية وما ضمته من مخطوطات ومراسلات.

ان الصراع بين الأغنياء والفقراء هو الذي يمزق المدن ويضعفها وان الديمقراطية التي تقود الى استبداد الفقراء هي أكثر خطورة على المدينة من استبداد الأغنياء وان النظرة الواقعية للمدينة أفضل من المثالية.

لقدد سعى أرسطو من خلال مقارنة المدن ببعضها الى ايجاد المبدأ المؤسس لحياة سياسية جيدة خالية من الفساد ومليئة بالفضيلة، لكن بأي معنى عمل أرسطو على التعامل مع الإنسان بوصفه سياسي بالطبع؟

1-  البعد الطبيعي للسياسة المعيارية:

" ينبغي إذا أن يعرف في الكائن الحي وجود سلطة تشبه سلطة سيد وسلطة حاكم معا"6[6]

لقد أضاع الفكر البشري السياسة التي كان أرسطو قد وضع فيها قدراته الفلسفية على الاستقراء التجريبي والسرد التاريخي والتنظير الفلسفي والبرهنة على الممارسات الاجتماعية والتنظيم الإداري والقانوني.

عندما حاول البعض الالتفات إلى الفلسفة العملية الأرسطية في القرون الوسطى فإنهم أدخلوها ضمن نقاشات غريبة عن تصوراتها وبعيدة عن مشروعها ووضعوها في أنساق ميتافيزيقية فاقدة للقيمة النظرية والنجاعة الميدانية وطارحة لأنظمة فاضلة ومدن مثالية وقد قام بذلك أبي نصر الفارابي وغونديسالينوس.

إذا كان أرسطو قد عانى من النظام الملكي حيث مسقط رأسه ومكان ولادته بمقدونيا وعاصر الفترة التي بدأت فيها المدينة الدولة بالاختفاء من اليونان وذلك بزحف الحكم الأوليغارشي عليها فإنه قد تتطلع لنظام سياسي متوازن يمنح المواطنة إلى الأسياد ويعطي استقلالية للمدينة وينظم الحياة العامة للمجتمع بالقانون.

بيد أن بعض المدن حافظت على استقلاليتها الجزئية داخل الدولة التي تشكلت في فترة لاحقة وتراوح وجدها بين الازدهار والاضطراب وتعرض الاجتماع المدني لخلع عن السياسة وانحراف عن الطبيعة.

لقد تبنى أرسطو منزلة متروية حول طبيعة الحكم السياسي الذي يسهر على تحقيق السعادة في المدينة وبحث عن الحد الأوسط بين ملكية الأثرياء للسلطة وحق الفقراء في الثورة وراهن على بلوغ التوازن الذي تحدثه الطبقة الوسطى الأرستقراطية من أجل تحقيق الاستقرار والسؤدد في الجمهورية المعتدلة.

لكن كيف وقع أرسطو في تبرير وضع العبودية بالنسبة للإنسان؟ وألا يوجد تناقض بين المدنية والعبودية؟

لم يكن أرسطو من الأسياد ولم يمارس السياسة ولم يتمتع بالحرية المدنية التي يحق للمواطنين التمتع بها بالنظر إلى ولادته في نظام ملكي وبالرغم من ذلك سعى بكل جهده إلى أن تكون المدينة هي الشرط الذي يمنح الوجود السياسي معناه والإطار العام الذي يوفر للمواطنين حياة سياسية بالمعنى الحقيقي للكلمة.

يتكون كتاب السياسة من ثلاثة مقدمات:

- المدينة هي جماعة تاريخية يتم تنظيم العلاقات بين أفرادها بحكم القانون..

- كل جماعة تسعى إلى خير خاص بها.

- الجماعة السياسية هي تلك التي تكون سيدة على الكل وتدمج كل الآخرين

- المدينة لها كغاية الخير الأسمى.

- الخير الأسمى هو الخير الخاص الذي تستهدفه الجماعة السياسية التي تمتلك السيادة على نفسها.

- الأسرة هي الجماعة الأساسية للمدينة

- ترتكز العبودية على جذور أخلاقية وكوسمولوجية ومنطقية.

-المدينة العادلة هي التي تحقق السعادة من خلال العيش المشترك

- يبحث الحاكم العادل عن النظام السياسي الأكثر اتزنا ومواءمة

- يدافع النظام السياسي الديمقراطي على السيادة الشعبية

إذا كان الناس يعيشون بصورة مشتركة في المدن فهذا ليس لأنهم لا يمكنهم أن يفعلوا أشياء أخرى فقط وإنما من أجل أن يبلغوا أعلى الدرجات والمراتب وأن يحصلوا على أفضل الخيرات والفضائل التامة.

لقد مثل كتاب السياسات لأرسطو محاولة فلسفية جديرة بالاحترام في سبيل تحليل وتأسيس ومنح المبرر الإيديولوجي لهذه الظاهرة الاجتماعية التي مثلت حقيقة أساسية للعالم اليوناني والتي تسمى العبودية.

لقد جعل أرسطو من المدينة الدولة من حيث هي الوجود الضروري والحقيقة الطبيعية شرط الحياة الاجتماعية والفضاء المواطني الذي يقدر ضمنه كل كائن بشري على تحقيق إنسانية بصورة تامة.

لقد عارض أرسطو بهذا التصور الطبيعي للنظام السياسي المدني تصورا اصطلاحيا للنظام السياسي كان قد مثله السوفسطائيون مثل برتاغوراس وأنطيفون ولوكوفرون الذي ذكره في الجزء الثالث من السياسات.

لقد أعلن أرسطو في الفقرة التاسعة من الفصل الثاني من الجزء الأول من كتابه السياسات عن أطروحته والتي تتمثل في ما يلي: "الإنسان هو حيوان سياسي بالطبع"، وتعتبر هذه القضية المبدئية حجة مركزية على طبيعانية المدينة وبرهنة على خروج المدينة بشكل طبيعي من التجمعات والأزواج والأسر والقرى التي مثلت غاية لها بصورة طبيعية وبالتالي مثلت المدينة غاية الشركات البشرية حيث يبلغ فيها الإنسان حالة من الامتلاء والرضا ضمن حياة سهلة وحياة حسنة بالمعنى الأخلاقي وحياة جيدة وحياة سعيدة.

لقد صارت المدينة هي المكان الذي يتحقق فيه بصورة تامة هذا الوضع الماهوي للحياة البشرية السعيدة التي يسميها أرسطو الاستقلالية أو الحكم الذاتي من حيث هو سيطرة مطلقة على الاقليم وتحكم تام في المجال من طرف السكان وتستمد السيادة من ذاته وتسمى أوتارسي وهذا ما يفيد حكم الذات بالذات7[7].

لقد تصور أرسطو المدينة على أنها تشبه الكائن الحي وقرانها بالجسم واعتبر المدينة الحقيقية ليست فقط مكتفية بذاتها وإنما هي قادرة على إنتاج بشكل طبيعي المعيار الذي تشتغل وفقها ويمنحها السيادة الكافية.

كما يشير أرسطو إلى أن السيادة تنقص في المدن المختلطة والتي تم تأسيسها بطريقة اصطناعية وتختفي في المدن التي يتم ضمها إلى بعضها البعض في المملكات الكبرى وتكون عرضة للاستعمار والإلحاق، بينما "عرق الهلينيين يظل قادرا على حكم كل الشعوب لأنه يكاد يصل إلى امتلاك تنظيم سياسي موحد"8[8]. فما طبيعة المبحث السياسي عند أرسطو؟ هل يتعلق الأمر بفلسفة سياسية أم علم سياسي؟

2- منزلة العلم في السياسة:

"ولن نغفل في هذا البحث أي مبدأ من المبادئ الديمقراطية ولا أي نتيجة من النتائج التي تتفرع عنها"9[9]

يتضمن كتاب السياسات ثلاثة مفارقات تدور صعوبة تعريف المواطن وتحديد النظام السياسي الجيد والطريقة التي يمكن اعتمادها في الحكم ويمكن طرحها وفق الأسئلة الثلاثة التالية:

- ماهو المواطن الصالح؟ هل أن الإنسان الفاضل هو المواطن الصالح؟

- ماهو النظام السياسي الجيد؟ هل هو النظام الشعبي أم النظام النخبوي؟

- ماهو المعيار الذي يمكن اتبعاه لتنظيم شؤون المدينة؟ ما الفرق بين مدينة التشابه ومدينة الاختلاط؟

يطرح أرسطو مسألة التعقل ضمن إطار البحث العلمي عن الحد الأوسط بين الشعب والنظام الحاكم ويحاول فهم طبيعة التعدد التي تتميز بها الأنظمة السياسية ويعمل على تصنيفها وتمييز الجيد عن المختلط ويبحث عن أسباب فشل أولى الديمقراطيات التي عرفتها الإنسانية في التاريخ وكان مسرحها أثينا وحلل التنظيم السياسي للمدينة وتوزيع السلطات ومعضلة المساواة ومسألة العبودية وصلة السياسة بالهيمنة.

لقد عد أرسطو الفيلسوف الذي أمكن له تحديد بشكل حصري خصوصية السياسي من بين الإغريقيين كلهم لكنه لم يراهن على مفهوم الحياة السعيدة الذي ظل بعيدا عن وضع المعيار الذي به يحدد السجل السياسي.

لعل الإنسان هو الكائن الوحيد الموهوب بالسياسة لأنه يقدر على التمييز بين الضار والنافع وبين العادل والظالم ويستعمل الكلام للتعبير عن حاجته وفي التعاون مع غيره على خلاف عدم الاكتمال عند البرابرة.

لقد بنى أرسطو نظريته السياسية العلمية من خلال نقده لنظرية أفلاطون في الجمهورية المثالية والذي كان قد رفض أن تكون المدينة مجرد تجمع بشري بالاتفاق وفسر وجودها من خلال ديناميكا الحاجات البشرية بالنظر إلى أن الأفراد لا يقدرون على إرضاء أنفسهم بأنفسهم  ويحوزون على استعدادات مختلفة ومتنوعة ومتفاوتة وبالتالي يحتاجون إلى التعاون والاجتماع  قصد تلبية الحاجات وتحقيق المنافع العامة بالتبادل10[10]. على خلاف ذلك يرى أرسطو أن الأفراد الذين يتجمعون إراديا في عدد من المدن يضعون هدفا مشتركا لوجودهم المدني ويعيشون على وعي تام به ويعملون بجدية على تحقيقه ويتمثل في بلوغ الحياة السعيدة، ولكنه لا ينبغي أن يفهم بأنه إشباع تام للرغبات وإنما يتنزل في مستوى عال ومطلق من الحياة الإنسانية11[11]. كما يقوم أرسطو بتعميم الخصائص التنظيمية التي تتميز بها المدينة على كل المجالات الأخرى ويوجه نقدا للتراث السقراطي الكاره للديمقراطية الذي استمر مع أفلاطون وأكزينوفان والذي دأب على تصور علاقة الحاكم بالمحكومين من نوع العلاقة الطبيعية بين الأب وأفراد عائلته والعلاقة الاجتماعية بين السيد والعبد, والحق أن المدينة الأرسطية ليست عائلة كبيرة والحاكم ليس السيد الذي يتصرف في الرعية  مثل تصرفه بممتلكاته وما يثير الاستغراب في حقيقة الأمر عند أرسطو هو عدم اعتراف أفلاطون بوجود مدينة سعيدة وعدم اعتباره الحياة السعيدة المبدأ والغاية لكل حياة في المدينة وذلك لمجرد وجود أناس في هذه المدينة أشقياء. فهل يمكن أن تكون المدينة بالمعنى الأرسطي هي انفتاح في فضاء العقلانية التي تنتزع الناس من ظلامية تضامنهم الأسري والعشائري؟ ولماذا حكم أرسطو على أفلاطون بأنه لم يكن يعرف خصوصية السياسي؟

تتفق الحياة المدنية civique بشكل مقبول مع التروي والتدبير العقلاني وتحترم القوانين والعادات وتكون موجهة في الأساس إلى الكائنات العاقلة وتعمل في ذات الوقت على تنمية ملكة العقل والإرادة والتفضيل.

كما أن الكائنات الناقصة مثل العبيد والنساء والأطفال والغرباء والمرضى الذين فقدوا قسما هاما من مداركهم العقلية وقواهم البدنية وصاروا غير مؤهلين للسكن في المدينة وبالتالي لم يبقوا كائنات سياسية.

إذا كان أفلاطون قد أخرج الجماعات ما قبل سياسية من المدينة واختزلها ورماها في دائرة اللاّمعقول وكاد أن يحطم العلاقة الأسرية من خلال بعض الدعوات المثالية إلى نوع من الشيوعية المشاعية فإن أرسطو احتفظ بها في المدينة وتجاوزها للعناية بالمواطنين العقلاء الذين يتصرفون وفق أوامر القوانين.

كما يطالب أرسطو أيضا بأن يترك الخيار للأسرة لكي تعتني بالأفراد وتمنح المدينة سكانا صالحين ويمكن للمؤسسات المدنية أن تستعملهم في أدوار سياسية وفي نشر ثقافة حب الوطن والتضحية والعمل من أجله.

يظهر الاختلاف بين أرسطو وأفلاطون حول مفهوم السياسي وحول طبيعة الوحدة التي تتشكل من خلال انصهار المواطنين وتعتبر أقل من حيث القوة من تماسك العائلة ولكنها تكون أكثر عقلانية وتنظيما منها.

فالمدينة لا يمكنها أن تتحمل وجود أناس متماثلين وأن تتشكل من المتشابهين بل من مواطنين يختلفون بشكل نوعي فيما بينهم وتكون هذه الفوارق القائمة بينهم أكثر وضوحا واتساعا من الفوارق البيولوجية، فحتى داخل نظام سياسي يعتمد آلية المساواة بين أفراده توجد اختلافات في الأدوار التي يقومون بها.

هكذا لا يحصل الأفراد على السعادة بالمشاركة التلقائية في المدينة بل من خلال سياسة مجتمعاتهم الأصلية وجعل غاية الاجتماع السياسي الذي يكونه المواطنين في المدينة تحقيق السعادة المشتركة والحياة الجيدة. إن السياسة الأفلاطونية هي معمارية بالمقارنة مع الأنشطة الأخرى ولذلك هي تضع نفسها في خدمتها بينما السياسية الأرسطية هي صناعة ريادية تشرف على مهام التنظيم وتشجع التبادل بين المواطنين. ولا تقوم المدن على أنقاض التجمعات السكنية السابقة عليها ولا تتقوى المشاعر الوطنية والغيرة على المدينة بأواصر القربى العائلية ولا توجد نماذج سابقة على الحياة السياسية يمكنها أن تقوي تماسك المدينة وإنما الصداقة السياسية بين المواطنين في تجمعاتهم هي التي يعتمدها المشرع في تحديد نظام العدالة لهم. كما تعتبر قيمة الصداقة أشمل من قانون العدالة لأن العدالة تعني إعطاء كل ذي حق حقه وفق قوانين المدينة بينما الصداقة هي تشبه فضيلة تضحية الأب من أجل أبنائه وقبول بالضرر من أجل إفادة الناس الغرباء. لكن ماهي العلاقة بين السياسة والأخلاق عند أرسطو؟

III- - حضور الإيتيقا في السياسة

"البحث الإيتيقي هو شكل من السياسة "12[12]

السياسة العادلة عند أرسطو هي الإيتيقا بامتياز وذلك لأن الحياة في المدينة هي شرط ضروري لتحقيق السعادة ولكنها غير كافية وتحتاج إلى التزام بجملة من القواعد الإيتيقية مثل العيش المشترك وإصابة الحد الأوسط وتحقيق التلازم بين العدالة مع الأقرباء والصداقة مع الغرباء والمواءمة بين السياسة والإيتيقا.

إن الفضيلة الإيتيقية هي الشرط الرئيسي الذي تحقق من خلاله السعادة من حيث هي غاية كل نشاط بشري والهدف الذي يسعى كل الأفراد إلى إحرازه من خلال تكوينهم الإيتيقي في عدة وضعيات خاصة ملموسة.

يصل المرء من خلال ممارسته الطويلة للفضائل المختلفة إلى حالة من التحكم في الذات والسيطرة على الأهواء وقيادة الانفعالات بحيث يتفادى بترو الوقوع في الإفراط أو التفريط ويصيب معقل الحد الأوسط.

يقتني أرسطو أثناء بحثه عن الفضيلة و السعادة جملة الماهيات التي يهتم بها البحث الإيتيقي من السياسة ويرنو من وراء ذلك تحقيق حياة مفعمة بالإنسانية يقدر فيها الناس على فعل ما يرغبون فيه بجودة وإتقان.

تتكون الإيتيقا عند أرسطو من ثلاثة عناصر أساسية تتمثل في مرحلة أولى في المكانة التي تحتلها كل من العدالة والحد الأوسط، وفي مرحلة ثانية هي إعطاء القيمة الكاملة للبعد الاجتماعي على خلاف الأخلاق الرواقية والأبيقورية التي تهتم بالفرد من جهة سعادته وبقائه، أما في مرحلة ثالثة فهي ترتبط بالتجربة الفلسفية وتنغمس في الحياة التأملية وتعرض النشاط الإنساني على محك التمرين الفلسفي ومعيار الحكمة.

بهذا المعنى تكون إيتيقا الحاكم العادل هي ماهية الحكمة الإغريقية وغاية الحياة السياسية السعيدة وذلك من خلال احترام القانون ومعرفة الذات بالذات وتأمل نواميس الكون والعمل بمقتضاها وإتباع لوازم الفضيلة.

من هذا المنطلق يكون الحاكم مطالب بمقاومة كل أشكال التشويه والتحريف التي يمكن أن تتعرض لها الحياة السياسية عندما تبتعد عن غاياتها ويتم استعمال وسائل غير مناسبة أثناء ممارسة الحكم والإدارة.

على هذا النحو يرفض أرسطو أي اختراق للقوانين باسم المصلحة الخاصة ويدعو إلى الالتزام بالقواعد الأخلاقية والانسجام مع الطبيعة وينبه من الإفراط أو التفريط وينصح بملازمة الاعتدال والتروي والتعقل والتوسط  في كل شيء قصد تجنب الألم والشقاء والعنف ويشير إلى أهمية التوازن بين القوى والفضائل.

لقد فتش أرسطو عن المنزلة الوسطى بين غياب الحرية بسبب العبودية والحرية دون قاعدة وضوابط بسبب ضغط الحاجة الطبيعية وهيجان الرتبة الاجتماعية وتوقف عند الحياة الجيدة المليئة بأعمال الخير.  لقد حذر أرسطو من ادخال المال في الحياة السياسية وما يترتب عنه من طغيان وبروز لحق الأقوى وأنظمة العبودية والاستيلاء وإفساد النظام الطبيعي ونادي باعتماد أشكال أخرى من المعاملات بين الناس في النشاط التجاري وتفعيل المقايضة وتبادل للمنافع وفق قيم متكافئة للبضائع ورضا الأطراف المشاركة. فكيف يؤدي معرفة اللاّنظام وتعقل الفوضى إلى ترسيخ النظام وتشييد العدالة في المدينة السياسية؟

خاتمة:

" لقد كان أرسطو الأسكندر المقدوني للفلسفة الإغريقية"                                                      بالرغم من أن أرسطو يبدو لنا الآن ضاربا في القدم إلا أن كتبه مازالت شابة وتثير فينا الكثير من الإلهام وتصوره للسياسة من حيث جمعها بين العدالة والاستقامة وبين الفضيلة والسعادة وبين التربية والمواطنة بقي إلى حد الآن المنوال الإيتيقي الذي يمكن للأفراد والدول على السواء اعتماده بغية تحصيل الازدهار.

لقد أفلح أرسطو في توجيه فلسفته الأخلاقية نحو الخيرات الدنيوية من خلال تأمله للخير الأسمى ونحج في إيجاد ترابط موضوعي بين السياسة الخالية من الطغيان والتسلط والعنف والحياة الاجتماعية المدنية وتنظم بواسطة الدساتير والخاضعة في مختلف مستوياتها لسلطة القانون ولغة التعاون بين الأفراد وتبادل المنافع.

لقد أقر أرسطو أن الحياة الإنسانية الحقيقية تكون ضمن الفضاء السياسي وأن بلوغ الحياة السعيدة هو تحقيق الغايات المطلقة للنفس البشرية ضمن الوجود العادل الذي توفره المدينة السعيدة التي تمنح الأفراد الرضا على أنفسهم وتدفعهم للعمل المنتج والنشاط الخلاق وعدم الاكتفاء بالنظر العقلي والتأمل المجرد.

لقد تحدث أرسطو عن الصداقة والإنصاف ضمن النظام السياسي العادل وأوجب على المشرع السياسي إصلاح الأخطاء التي يقع فيها القضاة عند تطبيق القوانين بصرامة وتمسك بمبادئ الأخلاق الاجتماعية وألزم الأفراد بضرورة التوافق في مصالحهم مع مصالح المدينة ووجه العدالة  لمعرفة تقلبات الظروف وتغير الأحوال وحسن التعامل مع الوضعيات الخاصة وإيجاد الحلول المناسبة عند الطوارئ والأزمات.

اذا كانت المدينة من الأمور المدنية وكان الإنسان حيوانا سياسيا بالضرورة13[13] فذلك مرده أن غالبية البشر يحوزون على قابلية للحياة الاجتماعية أكثر من أي كائن حي آخر وعلى استعداد للتعاون والتشارك في تدبير الشؤون العامة وعلى الخضوع والتنازل والنظر العميق والبصيرة البعيدة أكثر من غيرهم. على هذا الأساس لا يكون الوجود السياسي بالاتفاق وبالقوة وإنما بالطبع وبالضرورة الكونية لأن الطبيعة لا تفعل شيئا عبثا ولأن خاصية النطق التي تنفرد بها الكائنات البشرية تساعدها على التمييز بين الضرر والنفع والشعور بالخير والشر والإحساس بالظلم والعدل وتفضيل إنشاء الأسر وتنظيم المدن والابتعاد عن حياة التوحش والعدوانية والحرب والخضوع للقوانين ومستلزمات الحياة الجماعية وقيم الإيثار والألفة. لكن إذا كان أرسطو قد بجل سعادة المدينة على سعادة الأفراد فإنه ربط المواطنة بالانتماء الفرد إلى الدولة ولم يقوم بتوسيع دائرة المواطنة بصفة كونية عالمية لكي تشمل جميع الفئات والأجناس والأعراق والناس.

فلماذا رفض أرسطو رفضا غير مبرر أن تكون الحرية هي المبدأ الذي ترتكز عليه الحكومة الديمقراطية؟ وكيف تتحرك سياسة العدالة الاجتماعية ضمن دائرة الخير العام للسكان وتحرص على توفير شروط الحياة الجيدة للمواطنين؟ والى أي مدى تخطى أرسطو الجمهورية الفاضلة نحو الديمقراطية الاجتماعية؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 .............................

الإحالات والهوامش:

 [1] Aristote, Ethique à Nicomaque , I, 1, 1094 a 26-b7 .

[2] Sir Frederic Kenyon

[3] Pierre Pellegrin, Aristote, in Dictionnaire de philosophie politique, sous la direction de Philippe Raynaud et Stéphane Rials, édition PUF, Paris, 1996, pp28-36

[4] Enrico Berti, Phronesis et science politique, in Aristote politique, études sur la politique d’Aristote, sous la direction  de Pierre Aubenque, publiées par Alonso Tordesillas, édition Epiméthée, PUF, Paris, 1993.p437.

[5] La politique d’Aristote ou la Science des gouvernements, traduit par  le citoyen Champagne en 1797.

[6]   أرسطوطاليس، السياسة، ترجمة أحمد لطفي السيد، منشورات الجمل، بغداد، بيروت، طبعة 2009،ص105

[7] Autonomie , autoracie, autorakeia

[8] Aristote, Les pol

[9]  أرسطوطاليس، السياسة، ترجمة أحمد لطفي السيد، منشورات الجمل، بغداد، بيروت، طبعة 2009، ص380.

[10] Platon, la république, II, 369 b. 370 a. 

[11] Pierre Pellegrin, Aristote, in Dictionnaire de philosophie politique, sous la direction de Philippe Raynaud et Stéphana Rials, Édition PUF, Paris, 1996,p30.

[12] Aristote , Ethique à nicomaque,  I,1, 1094 b 10.

 12- أرسطو، في السياسة، ترجمة الأب أوغسطينيوس بربارة البولسي، اللجنة اللبنانية لترجمة الروائع، الطبعة الثانية، 1980.

 المصادر والمراجع:

اللسان العربي:

أرسطوطاليس، السياسة، ترجمة أحمد لطفي السيد، منشورات الجمل، بغداد، بيروت، طبعة 2009.

أرسطو، في السياسة، ترجمة الأب أوغسطينيوس بربارة البولسي، اللجنة اللبنانية لترجمة الروائع، الطبعة الثانية، 1980.

اللسان الفرنسي

Aristote, les politiques, traduction inédite par Pierre Pellegrin, GF Flammarion, Paris , 1990

Jean Terrel, la politique d’Aristote , la démocratie à l’épreuve de la division sociale, édition Vrin, Paris,2015.

Francis Wolff, Aristote et la politique, édition PUF, Paris, 1991.

Aristote politique, études sur la politique d’Aristote, sous la direction  de Pierre Aubenque, publiées par Alonso Tordesillas, édition Epiméthée, PUF, Paris, 1993.

Dictionnaire de philosophie politique, sous la direction de Philippe Raynaud et Stéphana Rials, Édition PUF, Paris, 1996,

 

 

مقدمة: تقوم النظرية الفلسفية الإئتمانية عند طه عبد الرحمان على مجموعة من المسلمات والمبادئ تجد في المجال التداولي الإسلامي أسسها الرئيسية دون أن تخل بالشروط المحددة لعملية التفلسف؛ كالإبداع والشمول والنسقية الإستدلالية المنطقية مثلا. وتبتغي هذه النظرية؛من بين ما تبتغي، تقديم رؤية شمولية تجديدية لأهم المواضيع التي تطرح نفسها على الفكر العربي المعاصر موضوعا للنقاش، وتدفعه إلى إنتاج "قوله الفلسفي"؛ كإشكال النهضة، وعلاقة المجال الخاص بالمجال العام، والخصوصية الثقافية وعلاقتها بالكونية، وتحديد مفهوم الإنسان وهويته وخصائصه الأنطلوجية، وغيرها من المواضيع والإشكالات المطروحة في الساحة الثقافية العربية الإسلامية والعالمية.

لا يدّعي هذا العرض أنه يقدّم رؤية طه عبد الرحمان لكل هذه الإشكاليات المعاصرة، بل غاية وأقصى ما يريد هذا العمل بلوغه؛ هو تقديم رؤية موجزة ومختصرة عن بعض هذه الإشكاليات، وكذلك بيان بعض المنطلقات والمبادئ الهامة التي تحكُم المشروع الفلسفي الطهائي في إجاباته والتي توجّه عملية الإبداع فيه.

لذلك تم تقسيم هذا العرض إلى محورين، يتناول المحور الأول؛ أهم المسلمات التي ينطلق منها طه عبد الرحمان في بناء صرحه الفكري والفلسفي على وجه الخصوص.ويبتغي المحور الثاني تقديم تصور عام للمبادئ الأولية في الفلسفة الإئتمانية .

وفي الإخير يقدم هذا العرض أهم الخلاصات والنتائج المتوصل إليها.

المحور الأول: المسلمات التي تنبني عليها النظرية الفلسفية عند طه عبد الرحمان.

مسلمة تداولية الفلسفة:

مقتضى هذه المسلمة أن القول، خاصة الفلسفي منه، يتأثر بالمجال الذي يوجد فيه، أي يتفاعل مع ما هو دائر ومتناقل بين الناس، وعليه فإن العلاقة بين المجال والتداول علاقة تواصلية تفاعلية بين عدة عناصر ومحددات أهمها عند طه عبد الرحمان:

الأسباب اللغوية:  من المعلوم أن أهم الأدوات التي يستعملها الإنسان لتبليغ مراده ومقاصده وللتواصل مع غيره هي الأداة اللغوية، ومن المسلّم به كذلك؛ أن التفاعل والتخاطب والتواصل لا يكون قويا وإيجابيا إلا إذا كان بمفاهيم ودلالات ومعاني يعرفها المتخاطبين ويألفونها فيما بينهم، ويستدل طه عبد الرحمان في بيان علاقة اللغة بالمجال التداولي بنص للفارابي يقول فيه: "ونتحرى أن تكون العبارة عنها في أكثر ذلك بألفاظ مشهورة عند أهل اللسان العربي، ونستعمل في إيضاح تلك القوانين أمثلة مشهورة عند أهل زماننا، فإن أرسطو طاليس لما أثبت تلك الأشياء في كتبه، جعل العبارة عنها بالألفاظ المعتادة عند أهل لسانه، فاستعمل أمثلة كانت مشهورة متداولة عند أهل زمانه، فلما كانت عادة أهل هذا اللسان في العبارة غير عادة أهل تلك البلدان، وأمثلة أهل هذا الزمان المشهورة غير الأمثلة المشهورة عند أولئك، صارت الأشياء التي قصد أرسطو طاليس بيانها بتلك الأمثلة غير بيّنة ولا مفهومة عند أهل زماننا، حتى ظن أناس كثير من أهل هذا الزمان بكتبه في المنطق أنها لا جدوى لها وكادت تطرح، ولما قصدنا نحن إلى إيضاح تلك القوانين استعملنا في بيانها الأمثلة المتداولة بين النظّار من أهل زماننا"[1] فالإخلال بمقتضيات المجال التداولي على مستوى التعبير اللغوي؛ من شأنه الإضرار بعملية التواصل والتخاطب والتأثير والتأثر، ولكي يكون التخاطب مؤثرا وتفاعليا يجب مراعاة الخصوصيات التداولية لمجال التخاطب عند نقل المقاصد المراد تبليغها للمتلقي بواسطة اللغة.

الأسباب العقدية:  يرى طه عبد الرحمان؛ أن الممارسات التراثية التي ساهمت في خلق تواصل بنّاء بين العرب المسلمين وغيرهم، هي تلك التي كانت تراعي الخصائص التداولية لمجال المسلمين، خاصة في باب العقيدة، يقول طه: " من البيّن أن الأسباب العقدية لا تقل نهوضا بمقتضيات التواصل والتفاعل عن الأسباب اللغوية، إن لم تجاوزها في ذلك درجات متى أخذنا بعين الاعتبار الأسس الأولى التي قامت عليها الممارسة التراثية: فلولا الصبغة الدينية لهذه الأسس لما تمتعت هذه الممارسة بما نعلمه من السعة والثراء، ولما حملتنا على أن نلتمس فيها اليوم ما ينهض هممنا لاستئناف سابق عطائها"[2]، تتيح التجربة التراثية إذا، إمكانية الابداع والتواصل والتفاعل مع الذات مع الغير دون الإخلال بخصوصيات المجال التداولي العربي الإسلامي، بل إن سعة وثراء التجربة التراثية الدينية العقدية عند المسلمين أتاحت للغير معرفة مبادئ وأفكار إنسانية كبرى لم يكن له علم بها في حينه، أو لنقل، بسبب الصبغة الدينية التي اتسمت بها التجربة الثراثية حصل التأثير والتأثر والحوار مع الذات ومع الغير مما أتاح لهذه التجربة ما أتاحه من السعة والثراء في شتى العلوم والمجالات.

الأسباب المعرفية: إن العلاقة بين المقتضيات اللغوية والمقتضيات العقدية في علاقتهما بالمجالات المعرفية والثقافية الأخرى، والتي يعمل العقل على " اقتناصها" وبيانها وتوضيحها هو ما يسميه طه عبر الرحمان بالأسباب المعرفية يقول: " لا يخفى كذلك أن ما يتناقله المتخاطبون بواسطة لغتهم وما يتعاملون به بموجب عقيدتهم هو جملة مضامين دلالية وطرق استدلالية تتوسع بها المدارك العقلية في أنفسهم كما تنفتح بها آفاق العالم من حولهم. فلا تواصل ولا تفاعل في التراث إلا بالمعرفة المتوسلة باللغة والمبنية على العقيدة، ويجوز أن نسمي الأسباب المعرفية باسم الأسباب العقلية " [3]، فباستثناء الكتاب والسنة يمكن اعتبار كل الأعمال التراثية عند المسلمين منبثقة عن الأصلين بفعل إدراكي عقلي[4]، الذي هو مصدر من مصادر المعرفة، يعمل على اقتناص العلاقات وانتاج المعرفة وبيانها وتوضحها، وهي بالضرورة –انتاج المعرفة – عملية "معقدة" بين الفكر واللغة، وبين الفكر والواقع، وبين الواقع والنص، وبينهما جميعا؛ داخل المجال التداولي الإسلامي، الذي لا ينبغي تجاوزه أو إقصاؤه في أي بناء معرفي كيفما كان.

يتبن إذا؛أن الأسباب اللغوية والأسباب العقدية والأسباب العقلية، تتداخل وتتفاعل فيما يبنها بشكل يصعب معه تحديد الواحدة منهما بالأخرى، لتشكل بذلك وحدة "بنيوية"هي التي تسمى ب"المجال التداولي" أو "التداولية".(مصطلح استعمله طه في الثمانينيات ثم استحسنه الباحثون بعد ذلك).

مسلمة اعتبار العمل:

لما تقرر اعتبار المجال التداولي محددا رئيسيا، ومرجعا لا يمكن الاستغناء عليه في عملية التفلسف والإبداع، فقد بان معه أيضا؛ أن المجال التداولي الإسلامي، لا يميز بين العلم والعمل والعقل، كمجالات منفصلة أو متباينة بعضها عن بعض كما هو في المجال التداولي اليوناني مثلا؛ الذي يجعل حدودا بين هذه الألفاظ، ويقرر تقريرات بناء على هذه الحدود، بل على العكس من ذلك تماما، نجد في الأصل التداولي الإسلامي الأول ( القرآن الكريم) وحدة ترابطية علائقية جدلية بين هذه العناصر، "بحيث كلما أوغل المرء في العمل، خرج إلى علم أنفع متقلبا بينهما من غير انقطاع"[5]، فكل علم لا يندرج تحته عمل أو لا يؤدي إلى عمل فيه فائدة فهو متروك، والفائدة من العلم في المجال الإسلامي هو العلم الموصل إلى الإيمان الدافع للعمل، والعمل هو الدال على العبودية للخالق بمقتضى ما حدده الخالق، فالعمل بهذا المعنى هو المحقق لمقتضى العبودية لله، أو أقل هو " الخاصية التي تحدد الإنسان بما يورثه وصف العبد، لأن العبد لا يكون إلا عاملا "[6]، فإذا كانت الأخلاق هي التي تحدد ماهية الإنسان[7] فإن العمل هو الذي يحدد طبيعة هذه الماهية، بل أكثر من ذلك؛فإن التوغل في العمل يورث العلم كما هو الحال بالنسبة للتقوى.

3 - مسلمة فقه الفلسفة للإبداع الفلسفي:

لقد اتضح للفيلسوف طه عبد الرحمان؛ بعد طول النظر في الفلسفة العربية الإسلامية، أنها غارقة في التبعية والتقليد والنقل عن الآخرين، دون مراعاة الخصوصيات التداولية لمجال النقل ولا لمجال المنقول، مما يجعل فعل التفلسف فعلا مخلا بمبدإ الإبداع، باعتباره خاصية من خصائص الفلسفة، وعليه، وجب وضع "علم" ينظر في فعل التفلسف، وينظر في فعل الترجمة، باعتبارها عملية إبداعية أيضا.

فمن جهة النظر في الفلسفة، يقول طه عبد الرحمان: " وليس من سبيل إلى ذلك ( الإبداع في الفلسفة) إلا بإنشاء علم يختص بالنظر في الفلسفة كما ينظر الصانع في الآلة، وهو ما أسميناه ب " فقه الفلسفة"، فهو العلم الذي يزودنا بدقيق آليات الممارسة الفلسفية والإحاطة بجليل تقنيات الإنتاج والإبداع فيها، ومتى حصّلنا هذا العلم، أمكننا إذ ذاك الارتقاء من رتبة استعمال الفلسفة إلى رتبة صنع الفلسفة "[8]، فالإبداع الفلسفي هو الهاجس الذي يحكم فعل التفلسف عند طه.

ومن جهة النظر في الترجمة يقول: " ولما كانت الفلسفة التي بين أيدينا فلسفة منقولة، أي هي حصيلة أعمال الترجمة، وكان الإشكال الذي يعترض المشتغل بها هو كيف يبدع فيها مع دوام إمداد الترجمة لها، فقد لزم أن أول ما ينبغي أن ينظر فقه الفلسفة هو الصلة الموجودة بين الفلسفة والترجمة، مستخرجا وجودهما وإشكالاتها ومبينا كيفيات إقامة هذه الصلة على الوجه الذي ينفع الإبداع الفلسفي "[9]

بناء على هذا، فإن الفلسفة الإسلامية لا بد لها من وضع منهج نقدي، تخضع به جميع ما هو موجود من المعارف والأفكار بناءً على مبدأ: " أن كل منقول لابد من الاعتراض عليه ومساءلته إلى أن يثبت بالدليل موافقته لمقتضيات مجال التداول "[10] فلا سبيل إلى الإبداع الفلسفي لم يراعي هذه الخصوصيات ويعمل وفق هذه المبادئ، التي هي بمثابة وسائل وآليات وأدوات تنبني على عملية التفلسف .

4- مسلمة الطابع الوصلي للعقل:

يتحدد مصطلح "العقل" في المفهوم اليوناني بكونه؛ "عبارة عن ذات أي كائن من الكائنات المستقلة موجودة في داخل الإنسان، بل موجود ضمن الكون كله بحيث ينتظم ظواهره جميعا، وهو "اللوغوس" كما يعبر عنه"[11]، ويحدد كذلك بأنه جوهر، "عبارة عن ذات موجودة بنفسها، لا في غيرها، وقائمة بنفسها، لا بغيرها "[12]، لكن هذا التصور لمفهوم العقل عند اليونان؛ انتقل إلى استعمال الفلاسفة المسلمين له دون مراعاة مجاله التداولي الأول، ولا مراعاة المجال التداولي في استعمال هذا المفهوم من جديد أيضا، بالرُّغم من اختلافا المجالين، يقول طه عبد الرحمان مبينا مفهوم العقل في الأصل التداولي الإسلامي الأول (القران الكريم ): " نعجب من كون القرآن الكريم، في كل المواضيع الذي ذكر فيها مادة "عقل" -وهي تسع أربعون آية – لم يوردها إلا بصيغة الفعل "[13] أي هو فعل من الأفعال، الإدراكية، التي يقوم بها الإنسان في حياته [14]، وليس بجوهر كما تم اعتقاده. لكن إذا كان للأفعال الإدراكية مصادر تصدر منها، كالأذن واللسان والعين والشّم بالنسبة لفعل السمع والكلام والبصر والذوق، فما مصدر الفعل العقلي إذا؟ يجيب طه عبد الرحمان بأن مصدر الفعل العقلي هو القلب، وهذا ما قرّره القرآن الكريم، في قوله تعالى: "أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها "[15].فالفعل الإدراكي العقلي مصدره القلب وهو مصدر من مصادر المعرفة.

يكمن دور العقل في "اقتناص" العلاقات بين الأشياء والموجودات، والبحث عن الأسباب الجوهرية بين السبب والمسبب كما كان محددا دوره عند اليونان أيضا، وتطور مع الفكر الحديث إلى الربط بين الوسيلة والغاية، غير أنه في الإسلام يبتغي الربط بين الوسيلة والقيمة كما يرى ذلك طه عبد الرحمان، يقول: " فالربط العقلي في الإسلام هو ربط الأسباب والوسائل بالقيم التي يعبّر عنها المتقدمون ب "المقاصد" [16]، وعلى حسب هذا الربط؛ تتحدد مراتب العقل والعقلانية عند طه، وهي كالآتي:

العقلانية المجردة: أي "المجردة من الممارسات العملية، وبالخصوص "الممارسة الدينية" أو "العمل الشرعي"، فهي عقلانية غير يقينية لا في نجاعة وسائلها ولا في نفع مقاصدها، وهي العقلانية الحديثة "[17].

العقلانية المسددة: وهي التي " يكون صاحبها قد حصّل اليقين في نفع القيم، ولكنه لم يحصّل اليقين في نجاعة الوسائل "[18]، فقد تكون القيم شرعية؛لكن الوسائل المستعملة لبلوغها غير متيقن من نجاعتها ونفاذ سبلها إلى المقاصد النافعة.

العقلانية المؤيدة: "هي التي يكون صاحبها قد أخذ مقاصده وقيمه من الشرع، محصلا اليقين في نفعها، كما أخذ منه الوسائل التي توصله إلى هذه القيم محملا اليقين في نجاعتها "، [19] فأخذ المقاصد والوسائل من الشرع، هو أعلى مراتب العقلانية كما يحددها طه، باعتبارها عقلانية موصولة بين العمل الناجع والقيم النافعة حالا ومآلا.

المحور الثاني: المبادئ الأولية في الفلسفة الإئتمانية

لقد تقررت ضرورة أن يكون الفعل الفلسفي فعلا إبداعيا، وأن يكون الإبداع مراعيا لمجاله التداولي، باعتباره عاملا محددا في عملية التفلسف، ولما تقرر أيضا أن، الأصل التداولي الأول في المجال الإسلامي هو القرآن الكريم باعتباره وحيا إلهيا، فإن المبادئ الأساس في الفلسفة الإئتمانية عند طه عبد الرحمان تتحدد بناء على هذا الأصل في علاقته بعوامل أخرى يلعب فيها المجال التداولي دور المحدد الذي تتحدد به العوامل الأخرى تفاعليا، أقرب ما يكون إلى العلاقة الجدلية.فماهي المبادئ الإساس في الفلسفة الإئتمانية ؟وكيف يحددها طه عبد الرحمان وفقا للمجال التداولي الإسلامي؟

مبدأ الإشهاد: مقتضى هذا المبدأ، أن الإنسان في عالم الغيب أقر بربوبية خالقه لما تجلى له بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، يقول الله تعالى: " وإذا أخذ ربك من بني آدام من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ؟قالوا بلى"[20]. اي أقروا على أنفسهم بأن الله الخالق هو الرب المستحق للعبادة، وهذا الإقرار عبارة عن ميثاق بين الخالق وبين الإنسان خاصة، دون سائر المخلوقات الأخرى، وهو إقرار عياني حضور روحي جرى في عالم الغيب، المختلف بطبيعة الحال عن عالم المشاهدة المادي، يقول طه: "فلئن كانت الروح، على طبيعتها اللطيفة، قادرة على أن تزدوج بالجسم في عالم الملك، فهي بأن تنفصل عنه في عالم الملكوت الذي هو عالم اللطافة الخالص أقدر؛ففي هذا العالم الذي هو من جنس الروح، حصلت المواثقة الروحية"[21].

مبدأ الإئتمان: ومقتضى هذا المبدإ، أن الله سبحانه وتعالى ابتلى في عالم الغيب، جميع المخلوقات، وذلك بعرض الأمانة عليهم؛"فأبت هذه الكائنات، حيّها وجامدها، حملها، إشفاقا منها، في حين اختار الإنسان حملها"[22] يقول الله سبحانه وتعالى مبينا حالة هذا العرض: "إنا عرضنا الأمانة على السماوات والارض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الانسان إنه كان ظلوما جهولا"[23]، ففي هذا العرض الثاني؛ واثق الانسان ربه بقبوله حمل الأمانة دون سائر المخلوقات الأخرى، إذ ينطوي هذا الحدث على أحكام لطيفة يستخلصها طه عبد الرحمان، يقول: "ومتى تأملنا هذا الحدث العجيب المحفوظ في فطرتنا، تبين أنه يتكون من عنصرين أساسيين هما: "الإختيارالأول" و"تحمل الأمانة"، إذ أن هذا الإختيار ينزل منزلة الشرط الذي يتوقف عليه إمكان تحمّل الأمانة"[24]، أي أن حمل الأمانة الإلهية من طرف الإنسان كان فعلا اختياريا حرا ليس فيه إكراه بمقتضى ما تستدعيه طبيعة العرض نفسها، "فلولا وجود هذه الحرية، لم يكن الانسان أن يؤتمن على شيء"[25]، يترتب على هذا إذا؛أنه لا أمانة بغير اختيار، ولا اختيار بغير حرية، ولا حرية بغير مسؤولية.

مبدأ التزكية: يمكن أن نقول بكثير من الجزم؛أن الإشكالية الأساس التي تنبني عليها الفلسفة الإئتمانية تتمحور حول مفهوم الإنسان واستشكال وجوده، وتعتبر هذه الفلسفة أن الوجود الإنساني الفعلي بدأ في عالم الغيب الملكوتي، وأما وجوده المادي الملكي فهو وجود تبعي؛ عبارة عن هبوط من العالم الأول، لذلك؛وجب ربط الصلة بين العالم الملكي والعالم الملكوتي لفهم وجود الإنسان وتحديد ماهيته وخصائص مكوناته، ومن ثمّة، تجديد تصورنا له؛ وذلك بربط حياة الإنسان بالعمل الديني الذي هو شرط ذلك التجديد، ولا تجديد معتبر بدون تزكية روحية، ولا تزكية من دون عمل ديني.[26]

خصائص العمل التزكوي عند طه عبد الرحمان:

أنه عمل عمقي، لا سطحي؛أي عمل نافذ إلى باطن الفرد، "ولا يلزم من ذلك أنه عمل داخلي خالص لا يرى له أثر في الخارج كالتفكّر، وإنما أنه عمل، متى تحركت به الجوارح الظاهرة، كانت آثار هذا التحريك نافذة إلى أعماق الكيان"[27].

أنه عمل كلي، لاجزئي؛فهو عمل يشمل كل الأجزاء والقدرات الموجودة في الإنسان، "بحيث يؤدي هذا العمل إلى تكامل مكونات الفرد وتفاعلها فيما بينها، إمدادا واستمدادا، على اعتبار أن ماهية الإنسان ذات لا تنفرق وكلّ لا يتبعّض"[28].

أنه عمل تحويلي، لاتغييري؛فلا يهدف العمل التزكوي إلى اعتبار تغيير سلوك الفرد فقط، بل يهدف إلى تحويله من مقام إلى مقام ومن حال إلى حال.

أنه عمل تثويري، لا تطويري؛فالعمل التزكوي يهدف إلى نقل سلوك الفرد من عمل إلى عمل غيره؛"كإنما يقلب سلوكه رأسا على عقب؛فما تعوّد أن يرفعه يأخذ في خفضه، وما تعود أن يخفضه يأخذ في رفعه"[29].

أنه عمل متصل، لا منقطع؛أي غير محدد بمدة زمنية معينة، فهو عمل دائم في الزمان والمكان.

هذه الخصائص الخمسة وإن كانت مفيدة في العمل التزكوي؛ فإنها لن تصل إلى مستوى التزكية الروحية المطلوبة حتى تأخذ بخاصيتين اثنتين هما:

خاصية التدرج: وذلك بإتيان الأعمال على قدر الطاقة؛دون الإنتقال من عمل إلى عمل إلا بعد الإستئناس به والتعود عليه حتى يصبح جزء من كيان الفرد.

خاصية السّلم: فالعمل التزكوي المبتغى؛عمل سلمي لا إكراه فيه، بحيث إن صاحبه يريد الوصول إلى معاني ومقامات وجودية وروحية وحقائق كونية ما كان ليصل إليها من قبل.

يتبين إذا؛ أن العمل الديني بطريق التزكية الروحية، عمل شامل جذري يهدف إلى قلب سلوك الإنسان وتغييره في الإتجاه الذي يعود على صاحبه بمزيد من الفهم والإرتقاء في مقامات ودرجات لم يكن ليصل إليها في غياب العمل التزكوي الروحي من جهة، ويهدف كذلك من بين ما يهدف إليه هذا العمل، إلى ربط الصلة بين العالم الملكي والعالم الملكوتي بما يحقق للإنسان فهم ماهيته وحقيقته الوجودية من جهة أخرى.

خلاصات:

يمكن إجمال الخلاصات التي توصل إليها هذا العرض فيما يلي:

أولا: أن الرؤية الفلسفية لطه عبد الرحمان مبنية على مجموعة من المبادئ تأخذ شكل مسلمات في النسق الطهائي العام.

ثانيا: ينبغي مراعات المحددات اللغوية والعقدية والمعرفية في أي عملية فلسفية كشرط للفلسفة الإبداعية، فاعتبار المجال التداولي مسلمة لا محيدة عنها في الإبداع الفلسفي عند طه عبد الرحمان.

ثالثا: إن الفلسفة الإسلامية يجب أن تكون فلسفة نقدية، كمبدإ عام لكل فلسفة عملية تهدف إلى تقويم قولها وتقديم رؤيتها للإستشكالات الكونية التي تطرح نفسها على الإنسان المعاصر.

رابعا: تتحدد مراتب العقلانية عند طه عبد الرحمان بحسب قُرب أو بُعد الوسائل والغايات من الشرع الإلهي الإسلامي، فهي إما عقلانية مجردة أو عقلانية مسددة أو عقلانية مؤيدة.

خامسا: تقوم المبادئ الأولية في الفلسفة الإئتمانية على الأصل التداولي الإسلامي الأول؛ في علاقته بمكونات المجال الأخرى لغوية وفكرية وواقعية بما تشكل في مجموعها في مجموعها؛ ب"الفلسفة التداولية".

سادسا: تعمل التزكية الروحية على إعادة ربط الوجود الملكي بالوجود الملكوتي، وبناء الأول على الثاني كالرّابط الموجود بين الأصل في علاقته بالتابع.

 

محمد امشيش: طالب باحث بكلية أصول الدين جامعة عبد المالك السعدي/ تطوان المغرب

......................

[1] الفارابي، المنطق عند الفارابي، الجزء الثاني، ص 68-69- نقلا عن طه عبد الرحمان، تجديد المنهج في تقويم التراث، المركز الثقافي العربي الطبعة الخامسة، 2016 الدار البيضاء المغرب، ص 245.

[2] طه عبد الرحمان، تجديد المنهج في تقويم التراث، ص، 245.

[3] طه عبد الرحمان، تجديد المنهج في تقويم التراث، ص، .246 .

[4] العقل عند طه عبد الرحمان، "فعل من الأفعال مثله في ذلك مثل السمع، الذوق والبصر والشم فهو واحد من الأفعال الادراكية" كتاب الحوار أفق للفكر، الشبكة العربية للنشر والإبداع، ط، 2014، ص، 41.

[5] طه عبد الرحمان، سؤال العمل، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء المغرب، الطبعة الثانية 2002، ص، 16.

[6] طه نفسه، ص، 36.

[7] طه عبد الرحمان، سؤال الأخلاق، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء المغرب، الطبعة السادسة، 2016، ص، 14.

[8] طه عبد الرحمان، فقه الفلسفة-1-، الفلسفة والترجمة، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء المغرب، الطبعة الرابعة، 2013، ص، 53.

[9] نفسه، ص، 53.

[10] الكورعبد الجليل، إفادات عبر موقع التواصل الإجتماعي مسنجر يوم 2 مارس 2019، على الساعة 20: 37 مساء

[11] طه عبد الرحمان، الحوار أفقا للفكر، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، الطبعة 1، ص 40

[12] طه عبد الرحمان، سؤال العمل، ص، 59.

[13] نفسه، ص، 64.

[14] طه عبد الرحمان، الحوار أفق للفكر، ص، 41.

[15] الاية 46، سورة الحج.

[16] طه عبد الرحمان، الحوار أفقا للفكر، ص، 43.

[17] طه عبد الرحمان، الحوار أفقا للفكر، ص، 48.

[18] نفسه، ص، 48.

[19] نفسه، ص، 48 .

[20] الآية 172، سورة الأعراف .

[21] طه عبد الرحمان، دين الحياء-1-، المؤسسة العربية للفكر والإبداع، بيروت، الطبعة الأولى، 2017، ص، 19

[22] طه عبد الرحمان، روح الدين، المركزالثقافي العربي، الدارالبيضاء المغرب، الطبعة الثالثة 2013، ص، 449.

[23] الآية72، سورة الأحزاب، [23]

[24] طه عبد الرحمان، روح الدين، ص، 449 . [24]

[25] نفسه، ص، 450

[26] الكورعبد الجليل، إفادات على موقع التواصل الإجتماعي مسنجر. يوم 21 أبريل 2019، على الساعة 20: 27 مساء

[27] طه عبد الرحمان، روح الدين، ص، 265.[27]

[28] نفسه، ص، 265.[28]

[29] نفسه، ص، 266.[29]

 

محمد كريم الساعديإن مفهوم الصورة واشتغالاتها الفنية والأدبية والثقافية يأخذ عدد من الصيغ المتباينة بحسب نوع المفهوم، فالبعض يشير الى الصورة على كونها الدلالة الايقونية وهي كما يمثلها البعض الصورة الشخصية الدالة على شخص بعينه، والبعض يشير الى اللوحة التشكيلية ذات الملامح المعبرة، والبناء الشكلي الجامد ظاهراً، والبعض يشير الى الصورة في المادة الفلمية في السينما أو التلفزيون، وفي الإعلام الحديث خصوصاً ما نسمعه في بعض الوسائل وخصوصاً المسموع، التي تعبر بنقل الحدث المسموع لرسم الصورة في ذهن المتلقي (المستمع)، أو ما شابه ذلك من معنى. وفي الأدب توجد صورة شعرية، وفي المسرح توجد صورة درامية وفي الاقتصاد توجد صورة اقتصادية، كذلك المشهد السياسي المكون من مجموعة صور متقاطعة أحيانا ومتقاربة أحيانا أخرى حسب المصالح . والصورة الاجتماعية أو العلمية في الهندسة والطب وغيرها من الاستخدامات للصورة، وهنا نطرح عدد من التساؤلات : هل أن الصورة تدخل في معنى واحد فقط ؟ أم في معاني متعددة؟، وهل الصورة هي الشيء الجامد؟ أم متحرك؟ وهل الصورة هي التعبير المجازي، أم لها دلالة واقعية؟ وتساؤلات أخرى غيرها عن الصورة ذات دلالات أعمق وأصعب على الفهم كما يصور البعض التاريخ كصورة مكونة من أحداث وأفعال وحروب وانتصارات وهزائم، ومنتصر يكتب التاريخ وخاسر يبحث فيما بعد في هوامش صور المنتصر، كل هذه المعاني تدلل على أن مفهوم الصورة لها معاني متعددة ومتغيرة بحسب الاستخدام، هذا يجعلنا ان نأخذ مفهوم الصورة بمعنى اكبر وشمل كمن يصور الأرض من خارجها لتدلك بملامحها الزرقاء عن الحياة التي يشوبها بعض التلوث نتيجة استخدامات الإنسان الخاطئة لإشباع رغباته في تغيير نمطها لصالحه . فالصورة ليست هي ذلك المفهوم البسيط الذي تتداوله بعض الألسن، وليست هي الجماد ولا الحركة، بل كلاهما معاً، وليست هي فقط ما يرتبط بالجانب الواقعي، بل حتى ما يرتبط بالجانب المجازي والإيحائي وغيرهما من الجوانب، فالصورة في كتابنا تعني الخطاب كمفهوم له دلالات ويخفي في داخله انساق مختلفة تظهر بعضها وتخفي البعض الآخر، فالصورة تشير الى الهيمنة ونتلمس من خلالها المخفي، أو المهمش، أو الذي أدخلت الرتوش والتغييرات عليه كي يظهر بملامح مغايرة ومختلفة.

وإذا أطلقنا على الصورة خطاب، فما هو الخطاب؟ وما هي تكويناته؟ وكيف يتشكل ليعطينا صورة بمفهوم جديد . إن الخطاب كمفهوم، لم يأتي في وجه واحد، أو شكل معين، بل إنه أتى في ضوء المفهوم الغربي في صورتين مختلفتين وكما يشير الى ذلك (دليل الناقد الأدبي) :فالأول هو ما يبحث في الجانب اللغوي الأسلوبي المعروف بتحليل الخطاب، أي انه يشتغل في المفهوم اللغوي الذي يدلل على تجاوز الجملة الواحدة في جانبيه المكتوب والملفوظ . إن (ميشيل فوكو) المفكر والفيلسوف الفرنسي، والذي طرح عدد من المؤلفات في هذا المجال ومنها، (نظام الخطاب، أركيولوجيا المعرفة، وتاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي، وتأويل الذات، وتاريخ الجنسانية) وغيرها من المؤلفات، قد قدم فيها (فوكو) مفهوم آخر عن الخطاب، من خلال حفرياته، التي طرحها على شكل محاضرات عن المفهوم الجديد للخطاب، إذ أشار الى إن الخطاب بمفهومه المتقدم يشير الى الشبكة المعقدة من العلاقات المختلفة (الثقافية، السياسية، الاجتماعية، وحتى الأخلاقية) كمفهوم ديني وغيره، وهذه العلاقات هي من يتضح من خلالها طريقة إنتاج الكلام كخطاب ينطوي على الهيمنة والمخاطر، وما ينتج عنه من مراقبة قد تكون منتقاة، بشكل يعاد توزيعها، وقد تظهر نتائجها على الملامح العامة للحياة بما فيها الجسد وملامحه وأزياءه، وألوانه وغيرها من الأمور الداخلة في صنع المجتمع وتكويناته المختلفة. إن هذا المعنى الواسع للخطاب، يأخذ أبعاداً أوسع في مفهومه للحياة والتاريخ، بل وحتى للمستقبل، لأن هذه الأنظمة المعقدة لا تأتي دون أن يكون هناك قصدية في تشكيلها وتكوينها في الاستهداف لنقطة معينة، قد نعبر بها على شخص، أو سلوك، أو فئة، أو ظاهرة، أو حتى تاريخ يراد من خلاله التشويه والإساءة، لذلك فأن الإنسان العادي الذي هو جزء من هذا الخطاب، الذي لا يشاهد كيف يرسم من زوايا أخرى قد تسحبه الى أمكنة وأزمنة مجهولة دون أن يكون حاضراً ومساهماً بها، بل مغيرة ومكونة بشكل جديد بعيد عن واقعها الحقيقي، حتى أن (فوكو) نفسه يشير الى ان الخطاب ليس ميسر للفهم العادي، إذا ما أخذناه بجانبه المعقد، فهو يشير في محاضراته التي كان يلقيها في (الكوليج دو فرانس) في سنة (1970) الى ما يأتي : يبدو ان الخطاب في ظاهرة شيء بسيط، لكن أشكال المنع التي تلحقه تكشف باكراً بسرعة عن ارتباطه بالرغبة وبالسلطة . وما المستغرب في ذلك مادام الخطاب – وقد أوضح لنا التحليل النفسي ذلك – ليس فقط هو ما يظهر، أو(يخفي الرغبة)، لكنه ايضاً موضوع الرغبة، ومادام الخطاب-والتاريخ ما فتئ يعلمنا ذلك – ليس فقط هو ما يترجم الصراعات، أو أنظمة السيطرة، لكنه هو ما نصارع من اجله، وما نصارع به، وهو السلطة التي تحاول الاستيلاء عليها.

إن البسيط بالخطاب هو ظاهره لأن من هو في داخله، أو يشتغل ضمن سلطته، يكون دائماً مندمج في صورة الحدث، كما هو حال بعض الشعوب التي خضعت للسلطة وخطاباتها، على وفق التضليل الذي رافقها ويرافقها، كما حدث مع الشعب الألماني في الحربين العالميتين الأولى والثانية، وكما هو حال بعض الشعوب العربية التي وقعت نتيجة التضليل في حروب ليس لها فيها (ناقة أو جمل)، أو كما هو حال من ادعى بأنه (شعب الله المختار) لتحقيق مأرب سلطوية دنيوية بعيدة عن الله (جل وعلا) ومفهوم الشعب المختار، الذي يتصف ويتخلق بقيم الخالق لا بالقتل والذبح، وما أكثر الأمثلة في هذا المجال، لأن الصراع في مفهومه التاريخي وما حفل به من اضاءات حول هذا الموضوع، هو كافٍ ليعطي الدروس، حول السلطة وصراعاتها، وحول ما نتصارع لأجله، والذي يصطبغ في بعض الأحيان بالدفاع عن الطائفة، أو القومية، أو الدين، أو الجماعة أو العشيرة، ولكنها، وبعد انتهاء الصراع وسيطرة جهة محدد يتغير الحال، وينكشف ان الصراع وحقيقته ليس من اجل الهدف السامي، بل من اجل المصالح الدنيوية، بمفهوم (ادوارد سعيد) لهذا المصطلح . فالرغبة في السلطة هي المحركة والمحرضة لتشكيل وتكوين الخطاب والاندماج فيه واعتناق أفكاره، دون الشعور بالآخر، وما يجري عليه من مآسي بسبب الرغبة في السلطة والسيطرة على الآخر، ومادام الآخر هو المظلوم والمهمش والبعيد عن الصورة، لذلك يحاول (فوكو) أن يعكس المعادلة، ويجعل نفسه في مكان الآخر من اجل الوصول الى (إرادة المعرفة)، إذ يقول : إذا وضعنا أنفسنا في قضية مصوغة ضمن خطاب ما، فاٍن الفصل بين ما هو حقيقي وما هو خاطئ ليس فصلاً اعتباطياً، ولا قابل للتعديل، ولا عنيفاً، لكن إذا وضعنا أنفسنا في مستوى آخر، وإذا طرحنا السؤال بقصد المعرفة ماذا كانت وما هي باستمرار إرادة الحقيقة عبر خطاباتنا، هذه الإرادة التي عَبرت قروناً من تاريخنا، أو ما هو، في مشكلة العام جداً، نوع القسمة الذي يحكم إرادتنا للمعرفة، فربما كانت بمثابة نسق للأبعاد (نسق تاريخي، قابل للتعديل، ويمارس أكراها مؤسسياً) نراه يرتسم أمامنا. فالإكراه الذي تمارسه المؤسسة المعنية بتشكيل السلطة وخطابها، أو خطاباتها، على وفق النسق التاريخي للمراجعة والمتابعة، فأنه لم يبقى على حاله وشكله بل ان لحظة الخطاب الآني تشكلت مرجعياته وتشكيلاته في ضوء تاريخه وأنساقه المعرفية شيء آخر، فأن الثبات والجمود هي ليست من تكويناته، فالصورة بمعناها خطاب مهيمن، هي ليست جامدة، أو بسيطة في التشكيل، بل هي متغيرة ومتلونة، بحسب التحديات التي تواجهها، فالخطاب بهذا المعنى، إذا نُظر اليه من مكان أخر، وبتجرد وموضوعية، خارج سلطته، سيلاحظ التعديل في الممارسة والإكراه الذي ينتج هذا التعديل بشكل مستمر .

إن ممارسة الإكراه في الخطاب وتعديلاته يقع في محورين، الأول يقع على المنتمي للخطاب والذي لا يشعر به لأنه جزء من المؤسسة وتابع لها، ومُضلل بأفكارها وبعيد عن الموضوعية في نقد واقعه ومعطياته الفكرية للخطاب، وهذا النوع يتقبل الإكراه في التغيير بالأنساق المعرفية للخطاب ذاته دون معارضة تذكر، ويمكن اخذ مثال من أعمال مسرحية لـ (برتولد بريشت) المخرج المسرحي الألماني الذي صور في عدد من مسرحياته ومنها (الأم شجاعة) نقده لمثل هذا النوع من المنتمين للسلطة وخطاباتها وحروبها، التي جعلت من الشعب محرقة في الحرب العالمية الثانية، لذلك أنتج تقنية في مسرحية أطلق عليها (التغريب)، وإذا أخذنا مفهوم (التغريب) بمعناه الفلسفي البعيد نراه يقاطع مفهوم الاندماج ويناقضه، ويوجه رسالة الى الشعوب الألمانية التي وقعت تحت دائرة التضليل (الهيغلي) الداعي الى (الروح المطلق) وتسيد العالم الذي اعتنقه (هتلر) بقصدية مباشرة، أو غير مباشرة، وهنا أراد (بريشت) دحض هذه الأفكار، والاندماج مع السلطة ورغباتها في إخضاع شعوب العالم ومنها أوربا، وكذلك تصنيف العالم، على وفق النظرة الهتلرية الى أول وثاني وثالث، وأوصاف أخرى دونية لا تليق بالشعوب التي أطلق عليها، ومنها الشعوب العربية، فأن هذا الاندماج وعدم التحرر من السلطة ورغباتها جعل الشعب الألماني، وألمانيا بصورة عامه تقع تحت التدمير الكامل والتقسيم الى غربية وشرقية بسبب هذه الطموحات والاندماج التام لها من قبل الشعب . أما المحور الثاني من الإكراه، هو ما يشير اليه (ميشيل فوكو) مثال في كتابه (تاريخ الجنون)، إذ يركز في النوع الثاني من الجنون، ليس على الذي يحمل أعراض المرض الذهني والاكتئاب، بل يرى ان هذيان آخر لا يظهر دائماً، ولا يقدمه المريض في هذا النوع من المرض بذاته بل هو يصاغ من خلال من يريد ان يوجد له، أي موجود في نظر ذلك الذي يحاول صياغة لغزه وحقيقته، والإكراه يظهر في هذا الخطاب من خلال إيماءات صامتة، وعنف بلا كلمات وغرابة في السلوك، لا تجعل المجنون من النوع الثاني في سياق المرض الطبيعي، أي الجنون الذي يرافقه أعراض الذهن وغيرها من الإشارات الدالة على المرض فعلياً . فهل ان من يضع ويصيغ نوع الجنون في ضوء سياقات خارجة عن مفهوم الجنون الطبيعي يمارس الإكراه، كما كان يمارس، بحسب (فوكو) ضد من يعارض السلطة، أو يعرف حقيقة خطاباتها لذلك كانت عملية الإكراه والتعديل في الأساليب المستخدمة ضد المعارضين، في فترات تاريخية معينة هي خير إشارة على مفهوم الإكراه والرغبة في الاستمرار ببناء السلطة وخطاباتها ضد الآخر .

إن مصطلح المعرفة عند (فوكو) يأخذ بعداً ثانياً من خلال متابعة مجريات التكوينات السلطوية، وكيفية استخدامها للمعرفة من سبيل التعديل الحاصل في سلوكها على الآخرين وممارستها لأنظمتها عليهم، لان المعرفة هنا، هي ليست في مفهوم من يرى السلطة من الخارج، بل هي المعرفة التي تمتلكها السلطة لأغراض التعديل والاستمرارية في السيطرة والممارسة والمنهج المتغير مع تغير الظروف والأهداف والغايات وحتى النوايا، إذ يطلق عليها (فوكو) بعد ان يقر بوجودها في داخل تشكيلات السلطة باصطلاح (إنتاج المعرفة) ويعدها من أساسيات امتلاك السلطة في ذاتها، وذلك كون إنتاج المعرفة يجعل القائمين عليها يعرفون أسراراً لم يتمكن غيرهم ممن يقع خارج الخطاب السلطوي ان يطلع على التعديلات الحاصلة فيه، من اجل مواجهته، أو معرفة مكامن ضعفه، أي ضعف الخطاب السلطوي، إذ ان للمعرفة سلطة تتجلى من خلال ذلك النفوذ الذي تبلغه بتشكيل خطاباتها(مواضيعها) المختلفة التي تفرض شروطها علينا مبررة ذلك ما يدعي بمبدأ الخصوصية لتكون الكثير من المناطق محرمة داخل حيز المعرفة، فيكون المنع قائماً ويطال الجميع إلا من يستوفي الشروط الجلية في أساليب رقابة الجسد وإخضاعه من اجل قبوله في مؤسسة التحصيل المعرفي تلك السلطة التي تحكمها مبادئ عديدة تتميز بالصرامة ومن بين هذه المبادئ يمكن ان نذكر بعضها فيما يلي : (مبدأ الخصوصية، مبدأ ندرة العبارة، مبدأ وفرة العبارة، مبدأ إخضاع الجسد). إن هذه المبادئ الأربعة هي ما يمكن ان نسميه آليات تشكيل صورة الخطاب، أو خطاب الصورة بمفهوم (فوكو) على اعتبار ان المبادئ الأربعة تعطي شروطاً أساسية في معرفة الخطاب وتعديلاته، وحتى أساليب الإكراه وما تمارسه المؤسسة القائمة على إنتاجه، فالخصوصية، تعني عدم البوح بكل شيء، وعدم الحديث بأي شيء، ولا يمكن الحديث بكل المواضيع التي تشكل هيكلية الخطاب السلطوي، أو فضح آليات العمل به، مما يجعل لكل خطاب سلطوي طقوساً داخلية خاصة به، لا يعرفها إلا من هو في داخل هذا الخطاب، حتى ان مبدأ الخصوصية يجعل من القائمين على الخطاب نوعين، من يصنع آلياته ومن ينفذها ، ومن يسير فيها دون ان يعي نهاياته، أو الغايات الحقيقية التي أنتج من اجلها، وهنا ينطبق على النوع الثاني شعار (نفذ ثم ناقش) وهو شعار سلطوي بامتياز يخفي وراءه من الخصوصيات ما يخفي، حتى لا يستطيع من ينتمي اليه ان يناقشه، وهذا ما ينعكس على وفق الخطاب عند (فوكو) في (ندرة العبارة) وهو المبدأ الثاني، أي ان ليس كل ما يعرف يقال حتى لا تنفضح ما وراء الكلمات من أسرار ونوايا، وقد يعبر عنها بشكل، أو بآخر، مما يفضح القائمين على الخطاب نفسه، وبالتالي فأن الملفوظات تكون في هذه الحالة قابلة للتغليف بعبارات أخرى، أي ان في هذه الحالة نرفع شعارات أخرى مزدوجة تكون فيها وفرة في العبارات والشعارات، مما يجعل مبدأ الوفرة قابل لان يصل الى الكلية، وتبدو العبارات والشعارات زائدة في تكاثرها، وهنا يسمي (فوكو) بوفرة العناصر الدالة بالنسبة لمدلول واحد ووحيد، ومن بين المبادئ الأكثر أهمية في الخطاب، هو مبدأ إخضاع الجسد، ويقصد به إخضاع للمراقبة لأدق الحركات التي يمارسها بقصدية، أو عفوية مما يجعل من الجسد ساحة لتطبيق قوانين السلطة وخطاباتها، حتى ان الجسد يصطبغ بلون السلطة ويتحرك بأهداف السلطة ويصل في نهاياته الى نتائج تريدها السلطة، أن يطبقها . والأمثلة كثير في هذا الشأن في الزمن الغابر، أو حتى في الأوقات الحالية، ومنها ما اقترن بأزياء السلطة وألوانها، ومن شاء أن ينظر ويتفحص التاريخ ليرى ماذا يعني اللون الأحمر في السابق واللون الأسود في الوقت الحاضر، عند داعش وغيرها، أو الزي الأفغاني، الذي أصبح هو الزي الرسمي للخطاب القاعدي وفيما بعد الداعشي .

إن النظرة الى تكوين شكل الخطاب في ضوء العلاقات المعقدة التي ذكرناها سابقا في نظر (فوكو) للخطاب، يصبح ان شكل الخطاب قابل لأن يجمع مجموعة من العبارات، والتي يمكن ان تصبح انطلاقة حقيقية لتكوين شعارات السلطة أيضا في أكثر من محفل، والتي من خلالها يمكن ان نميز الفكر السلطوي دون ان نضع تمييزات بينه وبين الخطاب السلطوي سوى في المصطلحات، أي بين الفكر السلطوي والخطاب السلطوي، بين الظاهر وهو الخطاب والمخفي وهو الفكر الذي يقود ويوجه هذا الخطاب، أن كل من الفكر والخطاب يشكلان حلقه وصل في تشكيل مفهوم السلطة واشتغالاتها في المستويات المختلفة، وإذا عدنا الى الأسس الأربعة التي تشكل العلاقات، حسب فهم (فوكو) للخطاب وعلاقاته، فأن (عبد الغني بارة) في إشكالية تأجيل الحداثة في الخطاب النقدي العربي المعاصر، وعلى الرغم من ان الرجل يفصل بين تحليل الخطاب وتحليل الفكر الذي اشرنا اليه لكن فيما يخص تحليل الخطاب، فانه يرى بأن هذه الأسس الأربعة هي ان العبارات المختلفة الأشكال والمبعثرة في الزمان تشكل مجموعاً واحداً، إذا كانت ترجع بصورة، أو بأخرى الى ذات الموضوع وتحيل عليه.

1- إنه لتحديد مجموعة من العلاقات بين عدد من العبارات، لابد من التركيز على شكلها، ونمط تسلسلها وترابطها .

2- البحث في إقامة مجموعة من العبارات عن طريق تحديد نظام المفاهيم الدائمة والمتناسقة.

3- وأخيراً، من اجل تجميع العبارات في وحدات حقيقية، ينبغي وصف تسلسلها وتتابعها، ووصف أشكال التوحيد التي تظهر بها، كوحدة المضامين الفكرية وتماثلها وثباتها .

وانتهاءً بما في النقطة رابعاً أذا كان الخطاب وتحليله منفصل عن الفكر القائم عليه، كيف يمكن ان ننتهي الى المضامين الفكرية وتماثلها وثباتها، إذا فصلناها عن الخطاب وتشكيلاته اللغوية وغير اللغوية، إنا باعتقادي بأن (فوكو) في مؤلفاته المختلفة لم يكن يركز على الجانب اللغوي فقط، أو الصياغات المكونة للعبارات في حد ذاتها فقط، بل هو يبحث في أعمق من ذلك وكما هو واضح في مؤلفاته مثل (تاريخ الجنون)، (تأويل الذات)، وحتى في (نظام الخطاب) ذاته، وإخضاع الجسد في مفهوم الخطاب السلطوي، فإذا كان يركز فقط في تحليل الخطاب على العبارة واللغة فهو ينتمي الى الخطاب الأول الذي اشرنا اليه على وفق تصنيف (دليل الناقد الأدبي) الذي يهتم بالجانب اللغوي الأسلوبي والمعروف بتحليل الخطاب دون البحث كما أراد هو في حفريات المعرفة (أركيولوجيا المعرفة) وغيرها من دراساته، التي جعلت من عمق البحث التاريخي سمة ولازمة لنقد المؤسسة الغربية .

إن خطاب السلطة يقوم ايضاً على أساس ما تفرزه السلطة من تقنيات تقود بها الأنظمة في مختلف جوانبها، ومنها أنظمة التعليم، الصحة، السياسة وغيرها من المؤسسات والنظم السلطوية، وهنا تعمل السلطة بتقنياتها على تأكيد مبدأ الإخضاع، وتطبيقه في المجتمعات التي تحكمها من خلال تشكيل شكل النظام الحكومي والسياسي والاجتماعي الذي يقود المجتمع في مرحلة ما، لذلك فأن مبدأ الإخضاع يشمل البناء والإنتاج والتعليم، وحتى الأطر الإيديولوجية للمجتمع، لذلك يرى (باري هندس) في خطابات السلطة بأن (فوكو) أصر على التمييز بين علاقات السلطة كلعبات استراتيجية بين الحريات – أي لعبات استراتيجية تنتج عن حقيقة ان بعض الناس يحاولون تحديد سلوك الآخرين – أما حالات السيطرة التي من الطبيعي ان يطلق عليها (سلطة) – وبين الاثنين، أي لعبات السلطة وحالات السيطرة لدينا التقنيات الحكومية . في حضرة الفقرة يتم التعريف بثلاثة أنواع لعلاقات السلطة، هي :لعبات استراتيجية بين حريات والسيطرة ونظام الحكم. لقد حدد (فوكو) على وفق شروط الخطاب، أو العلاقات في الخطاب نفسه، أربعة نقاط من ضمنها شروط محددة لظهور الخطاب تقع فيها صياغة الحدود الأساسية المعنية بظهور سلطة الخطاب، على الرغم من ان البحث في هكذا موضوع يتطلب البحث في ممارسات سطرها التاريخ وعلاقات السلطة مع الطبقات التي شكلت مفهوم السلطات في حقب زمنية معينة، لكنه في بحثه في كتاب (حفريات المعرفة ) يستخلص لنا أربعة شروط أساسية لذلك، على اعتبار ان ما يسرد في هذا الكتاب، أي الحفريات، يقترن بدلائل هذه الشروط في النقطة الأولى التي تعد تقابلات، أي شروط ظهور موضوع الخطاب والشروط التاريخية التي تسمح (بقول أي شيء عنه) وتسمح للأشخاص ان يقولوا ما بدا لهم، وهنا تتم عملية الفعل وهي ظهور الخطاب، والفعل المضاد، أو الكشف عن الأفعال، التي تفضح الخطاب، أو تكشف أهم خباياه هو ما يصدر عن الأشخاص الذين يصدرون أحكامهم، أو يقولون عنه أي شيء يكشف لهم ما يضمره الخطاب السلطوي .أما النقطة الثانية فهي ما تنشأ من سلوكيات اجتماعية وغيرها بين المؤسسات، وما ينتج عنها من معايير وتقنيات وأنواع التصنيف والتمييز، والتي لا تكون حاضرة بشكل مباشر في موضوع الخطاب، بل ان هذه السلوكيات ومعاييرها تسمح بظهور ما يمكن ان يبوح به الى جانب الموضوعات الأخرى في الخطاب مما يوجد نوع من المغايرة يسمح للموضوع بأن يجد مكانه داخل الخطاب، تحدد لنا اختلافه وعدم قابليته لأن يرد الى شيء آخر، أي ان الموضوع يسمح بأن يجد مكانه داخل خطاب سمته البارزة انه خارجي لا يحل الى شيء آخر داخلي مخبوء . وان هذه العلاقات الناتجة عن تلك السلوكيات يرى (فوكو) بأنها تأتي بشكل أولي واقعي التي يمكن الوقوف عليها ووصفها داخل المؤسسات والتقنيات والتشكيلات الاجتماعية، وهي واقعية أولية ، أما الثانية فهي المكونة من منظومة العلاقات الثانية، أو العلاقات الفكرية، ومنظومة يطلق عليها (فوكو) اسم منظومة العلاقات الخطابية، وهذه المنظومة يرى بأنها من أبراز مناعتها هي العلاقات التي تجمعها بالأولى (الأولية) الواقعية والثانية (الفكرية)، وهذه النوعية الثانية الخطابية فهي ليست علاقة توجد داخل الخطاب كما هي العلاقات الأولية، أو العلاقات الفكرية المرتبطة في مثال ساقه (فوكو) عن ما قاله أطباء الأمراض العقلية في القرن التاسع عشر عن علاقات الأسرة والإجرام، وما يقولونه ، لا يرد الى روابط أولية واقعية، فأن العلاقات الخطابية لا يعني أنها علاقات توجد خارج الخطاب ، ترسم حدوده وتفرض عليه أشكالاً معينة، بل ان هذه العلاقات يراها (فوكو) هي ما توجد عند حدود الخطاب، تمنحه الموضوعات التي يتحدث عنها، وتحدد مجموعة الروابط التي على الخطاب ان ينشئها بصورة فعلية، إذا ما تصورنا ان فعل هذه الروابط، يأتي عندما توجد الموضوعات جاهزة في جانب والخطاب جاهز في جانب آخر.

إذن، ماذا يريد (فوكو) في دراسة الخطاب وحفرياته للمعرفة وما هي الصورة الجديدة التي يمكن ان تدخل في بناء آليات معرفية جديدة تتبنى الأفكار والأطروحات في تشكيل وتكوين القيم المعرفية لنظام الخطاب؟. ان الذات والسلطة والمعرفة في صورتها الجديدة هي من اجل إيجاد صيغ بديلة عن الأفعال المشينة والمشوهة التي أخفاها المنتصر، أو المتعالي، أو من حاول إعطاء صورة أخرى لتاريخ الآخر المُغيب والبعيد عن الثقافة والادلجة، التي يعتنقها صاحب قلم القوة ويفرضها في صفحات الاستسلام، لذلك فأن الخطاب كصورة يعني إيجاد تاريخ مغاير للصيغ التي تم بها إخضاع البشر في ثقافة المنتصر، أو في ثقافة القوة، ان صح التعبير، والإخضاع، والإكراه في تشكيل الوعي الجديد للشعوب، هو ما أعطى للخطاب التقليدي نمط واحد في تفسير الحقائق دون معرفة الآخر وأنماط حياته وثقافته، لذلك فأن الثغرات التي تركها خطاب القوة جعلت من آليات النقد الجديدة ومنها الخطاب في صورته غير التقليدية، قادر على كشف هذه الثغرات بمجرد زحزحت الأنظمة الخطابية التقليدية عن مواقعها، لذلك فأن طريقة التعامل يجب ان تركز على استكشاف ما هو مزحزح عن مكانته وقيمته الفعلية، حتى ينكشف عنها ما تم التلاعب والتغيير فيه وفي هذا المجال تطرح (برندا مارشال) في تعليم ما بعد الحداثة، قراءة (فوكو) للسلطة وفهمها واليات تكوين العلاقات فيها، إذ تقول : وطريقة أخرى للعمل باتجاه فهم لعلاقات السلطة هو استخدام أشكال للمقاومة تتخذ ضد أشكال مختلفة كوسيلة نسلط بها الضوء على علاقات السلطة ونحدد مواقعها، ونكشف مواضع تطبيقها والمناهج المستعملة – أي، ان نحلل (علامات السلطة من خلال صراع الاستراتيجيات)، على سبيل المثال، يقول (فوكو)، لكي نكتشف ما يعنيه مجتمعنا بالصحة العقلية . وبدلاً من الحديث عن السلطة من منطلق من الذي يأخذ القرارات، أو من يحكم مَنْ، ربما كان علينا ان نفحص أشكال المقاومة والجهود التي بذلت لإزاحة علاقات السلطة من مواضعها وتفكيكها. لذلك فأن المعنى الجديد لفهم السلطة هو مشاكسة أفعالها وليس الإيمان بها إيمان مطلق بأقوالها وأفعالها، ولا نستطيع ان نفهم ظاهرة معينة من دون ان نراها بشكل موضوعي، فإذا أردنا ان نفهم المفاهيم وتطبيقاتها، يجب ان نفهم آليات بناءها، ومثال الصحة العقلية ينطبق على الكثير من الموضوعات ذات البعد المفاهيمي، أي ان معرفة التمركز حول بناء صور وأشكال ذهنية جديدة عن شيء ما يجب مراجعة تاريخ البناء لها، حتى لا تغيب العديد من الحقائق المراد إخفاءها وراء حجج ومبررات الحداثة والتطوير والتغيير، لا بل يجب فهم قضية المغايرة التي صورها الغالب في صناعة التاريخ في إنتاج وصناعة صور التاريخ بحيث أصبحت من المسلمات عند البعض، أو عند الأجيال اللاحقة، التي لم تعاصر كتابة ذلك التاريخ، فمن قال ان أفريقيا بلا تاريخ هو العقل الغربي الذي صور بأن الأفارقة يعتقدون بأن الشيطان ابيض، ومن قال ان الشرق خيالي وسحري وغرائبي، إذ رسمت ثلاثة صور بتواريخ مختلفة من أزمنة التشويه – الإساءة، التي سيتناولها الكتاب في الفصول القادمة – وأصبحت من العلامات الفارقة للتمييز بين الثقافة الغربية والثقافات الأخرى، وخذ مثال عن ذلك التشويه والإساءة وصور الخطاب المسيس ضد الحضارات الأخرى، وهذا المثال وقع في حاضرنا، إذ يرى الباحث في مجال السياسة الخارجية الأمريكية (جانيس .ج . تيري) الذي اقتبسنا منه سابقاً، يقول : وبصورة مماثلة، غالباً ما تميل اللوائح المقدَمة لمسؤولي البيت الأبيض الى ان تكون المواقف مواليه لإسرائيل ومعادية للعرب . فعلى سبيل المثال، وقبل اجتياح العراق في العام 2003، أشار المسؤولون الى الكتاب المتحيز المعادي للعرب، بعنوان (الفكر العربي) لرفاييل باتاي (نيويورك :/ تشالز سكريبنرز صانز، 1973)، على انه الأساس الذي استوحى منه الأوصاف التي تتناول العرب والثقافة الإسلامية، وبعد (30) عاماً، ستكون أوصاف (باتاي) التي تعتبر أن العرب تنتابهم هواجس جنسية، ويعتريهم الخجل، محط سخرية على نطاق واسع ومدعاةً للإدانة عن حق لأنها أوصاف عرقية، أي جماعة أثنية أو عرقية . هذه وغيرها من عشرات، بل مئات من صور التشويه التي شكلت صورة العربي، والمسلم، والشرقي، والإفريقي، والأمريكي اللاتيني، والهنود الحمر، السكان الأصليين للمستعمرات الغربية، وهذا الخطاب المتعالي، عمل جاهداً على تثبيت الصورة والأوصاف الدونية . التي أصبحت علامات فارقة من علامات التمييز ضد الآخر الذي لا يشبه الذات الغربية، وثقافتها ذات الأبعاد العنصرية والتمييزية.

 

الاستاذ الدكتور محمد كريم الساعدي

 

حاتم حميد محسنلماذا اطلق ديكارت (1596-1650) على رسالته الشهيرة Meditations on first philosophy بـ "التأملات في الفلسفة الاولى"؟. التأمل to meditate يعني التفكير بعمق حول شيء ما. سنحاول النظر فيما اذا كانت طريقة ديكارت والفلسفة الغربية عامة لها علاقة "بالتأمل" بالمعنى الشرقي للكلمة. سننظر في اساليب التأمل في المدارس التقليدية للبوذية وخاصة اساليب مدرسة زن البوذية (Zen Buddhism).

هدوء الذهن

هل ان الفلسفة الغربية تسعى الى الاطمئنان وهدوء البال. ان الهدف من التفلسف الغربي هو ايجاد حلول للاسئلة العميقة مثل معنى الحياة او طبيعة الذهن، وان كل نظرية فلسفية هي محاولة لحل مشكلة فلسفية. تطوير مثل هذه النظريات قد يوفر ولو للحظة حالة من الهدوء والاطمئنان.

ان الشيء الذي يركز عليه فلاسفة الغرب هو السؤال الذي يسعون للاجابة عليه، مثل "ماهي الحقيقة" او "ماهي اللغة؟". هذه الاسئلة تشبه الالغاز (koans) (1) التي تركز عليها البوذية اثناء التأمل. الالغاز هي بيانات محيرة او أمثال غامضة، او مفارقات او اسئلة ليس لها اجوبة منطقية. من بين تلك الاقوال المتعارفة هو "ما صوت التصفيق في يد واحدة؟". انها تتطلب من عضو الجماعة الدينية ان يتخلى عن قدراته المنطقية ويتحول بدلا من ذلك الى الحدس او الى اللاعقلي. بهذا المعنى، الالغاز لا يمكن حلها، انها يمكن فقط الاجابة عليها. الوصول الى جواب ملائم للالغاز قد يستغرق اياما او شهور او مدى الحياة. استاذ البوذية يعرف من اجوبة الطلاب ما اذا كانوا جاهزين للانتقال الى لغز آخر او ما اذا كانوا قد "رأوا الضوء". الأسئلة الفلسفية تشبه الألغاز في كونها تشوش الذهن بعدم امتلاك اجوبة مطلقة، وانها ايضا اسئلة يمكن للفلاسفة ان ينفقوا حياتهم في الاجابة عليها. وعندما يوجد "الحل"، يمكن ان يشعر الفيلسوف بالسعادة والتنوير. غير ان هناك اختلاف هام: الفلاسفة يثقون بعقلهم في الاجابة على الألغاز. الالغاز الفلسفية تُعرض ايضا بطريقة تقترح هناك جواب عقلاني، بينما الألغاز البوذية ليست كذلك.الاجوبة الفلسفية ايضا سيكون لها معنى بذاتها وللاخرين وليس فقط لـ "المتأمل". لذا بالرغم من ان الفلسفة تسعى فعلا لهدوء الذهن، فهي تسعى لذلك باستخدام اسلوب مختلف عن اساليب البوذية. كذلك، موضوعها في التحقيق او سؤالها الفلسفي له جواب مصمم لينال القبول من الآخرين وكذلك لإرضاء الفيلسوف صاحب السؤال.

ألغاز ديكارت

لننظر الآن في ديكارت خصيصا. لغز ديكارت الفلسفي هو "ماذا أعرف على وجه التحديد؟". في بداية تأملاته هو يوضح كيف وصل الى مرحلة في تفكيره لم يعد فيها متأكدا من اي شيء . الحواس احيانا تخدع، كما يقول "من الحكمة ان لا نثق كليا بمن خدعنا حتى ولو مرة واحدة"(ص12).هو يعرف انه في هذه المرحلة من اللّايقين، ربما هو لا يمتلك حتى بدن، انه يحلم فقط بانه جالس بجانب المدفأة يكتب تأملاته. ربما ايضا ان واحد زائد واحد لا يساوي اثنين وان هناك من يخدعنا للاعتقاد بذلك. قد يكون هو ذاته غير موجود. لتحقيق اي هدوء ذهني في هذا الموقف من الشكل الراديكالي يحتاج ديكارت ايجاد شيء ما مؤكد. الطريقة التي ينوي بها ايجاد هذا هو من خلال الممارسة الذاتية للمنطق.

اذا كان البوذي يواجه سؤال "ماذا أعرف بالضبط؟" كلغز فهو ايضا مطلوب منه ان يمارس التحليل الذاتي. الجواب الى اللغز لايمكن البحث عنه في العالم الخارجي. غير ان الجواب لا يتطلب من عضو الجماعة الدينية عمل أحكام او استنتاج او استدلال. العضو قد يجيب على اللغز بعدد من الطرق: بان يكون صامتا، بانحناء الرأس، او بالصراخ او عبر التحدث عن شيء ما لايبدو ذو علاقة. ديكارت لم يقم بأي من تلك. جوابه على السؤال يأتي على شكل استنتاج يصل اليه منطقيا.

احد انواع الاستنتاج المنطقي يعتمد على مثال معين طبّق على فرضية عالمية ليصل الى استنتاج. فمثلا:

كل البوذيون يتأملون(فرضية عالمية)

ديكارت هو بوذي (مثال محدد)

لذلك فان ديكارت يتأمل (استنتاج)

غير ان عملية تفكير ديكارت حول ما هو مؤكد (والتي بدأها في عمله السابق خطاب حول الطريقة) تنتج حجة غير كاملة: حيث الحجة لم تكن بها الفرضية واضحة وتسمى هنا (enthmeme). اي، هي استنتاج بدون فرضية عالمية. حجته الشهيرة في "انا افكر اذاً انا موجود"(ص17) هي يُفترض ان تكون على الشكل التالي:

كل الاشياء التي تفكر موجودة(فرضية عالمية)

انا افكر(مثال محدد)

لذا انا موجود (استنتاج)

طبقا لهذا التفسير، ديكارت يفترض، لكنه لم يكتب، الفرضية العالمية بان كل الاشياء المفكرة موجودة. لذا فان بعض الفلاسفة ينسبون جواب ديكارت "انا افكر اذا انا موجود" الى ألغازه باعتباره مجرد حدس.

ربما نال ديكارت المزيد من راحة البال لو انه انشغل بطبيعته البوذية.

الضوء الطبيعي

خاصية اخرى في تأمل ديكارت مشابهة للبوذية هي "الضوء الطبيعي". خلال ما يسميه "افكار واضحة ومتميزة" يعرض الضوء الطبيعي الحقائق لديكارت والتي لا يمكن الشك فيها. القاعدة العامة لديكارت هي ان "كل ما اتصوره بوضوح وتميّز يجب ان يكون حقيقيا"(ص24). ديكارت يستعمل الضوء الطبيعي للعقل للاستنتاج (من بين اشياء اخرى) انه موجود، وان الله موجود، وان الخداع هو عدم الكمال، والاشياء المادية حقا تمتلك خواص هندسية ورياضية .

البوذيون من طائفة (زن) يدّعون ايضا ان الاجوبة التي يستلمونها من التأمل في الالغاز هي افكار واضحة ومتميزة. تلك هي طبيعة "رؤية الضوء". الاجابات الجيدة لألغاز البوذية يجب، وفق معايير ديكارت، ان تكون حقيقية. هي ايضا ربما اقرب الى الحقيقة(اذا كان هناك شيء منها) منه الى استنتاج ديكارت، لأن حجة ديكارت حول الوثوق بالضوء الطبيعي هي دائرية. هو يعتقد ان الضوء الطبيعي موثوق لأن الله موجود ولا يخدعه حول ما يتعلق بالضوء الطبيعي، مع ذلك، ديكارت يحتاج الضوء الطبيعي لإثبات ان الله ليس خادعا... هذا الضوء الطبيعي يخبر ديكارت ان الخداع هو شيء ناقص (غير تام): ولذلك، فان الله، الذي حسب التعريف وجود كامل، لايمكنه خداعه حول ما يحكيه له الضوء الطبيعي.

التحولات في الوعي

مثلما ديكارت، البوذيون يميلون نحو الايمان بالثنائية، يعتقدون ان الذهن والمادة هما منْ يشكل الحقيقة النهائية(باراماثا). هذا الادّعاء موجود في النصوص البوذية المسماة (Abhidharma Pitaka)، وهو الجزء المهم من الكتاب المقدس الذي يعرف بـ (Tripitaka). هذا القسم من الكتاب يؤكد ايضا بعدم وجود (انا) او فرد – كما ادّعى هيوم ايضا في الرد على افتراض ديكارت بانه (هو) يقوم بالتفكير. اعتقد هيوم ان الذات الموحدة هي وهم وان هناك فقط مجموعة من الادراكات الحسية. اذا كانت الذات حقا وهم، عندئذ التأمل يتطلب تحولا في الوعي لكي يدرك المتأمل الحقيقة النهائية.

التجريبيون، الذين يثقون بالتجربة كمصدر للمعرفة، سوف لن يهتموا بالتحول في وعيهم بعيدا عن الدليل الذي يعرضه العالم لهم.العقلانيون مثل ديكارت، من جهة اخرى، قد يحوّلون جيدا وعيهم بعيدا عن عالم الظهور عندما يتأملون الاستنتاج، المنطق، الرياضيات والهندسة.

لننظر ما الشيء الذي يحوّل العقلانيون وعيهم نحوه قبل مقارنته بالتحول في الذهن البوذي. العقلاني سوف يوجّه انتباهه نحو شيء ما مطلق – نحو مفاهيم او افكار. ديكارت يحوّل وعيه نحو فكرة الله، مثلا: الفكرة بانه يعتقد هي فكرة فطرية. الفكرة التي يمتلكها في ذهنه هي عن وجود تام ولامتناهي. هذا يختلف جدا عن الفكرة التي يمتلكها عن نفسه. هو يعمل اخطاء، وعرضة للتغيير، وهو سوف لم يعد له وجود في يوم ما، كشيء يفكر متجسد، ويمتلك مشكلة في الخروج من السرير في الوقت المحدد لتعليم ملكة السويد الفلسفة. لذا فان ديكارت هو متناهي وغير تام. لكن الضوء الطبيعي لديكارت يخبره ان السبب يجب ان يكون مساوي او اكبر من نتيجته (هذا يسمى مبدأ المساواة السببية). لذا فان سبب فكرة الله يجب ان تكون شيء ما مساوي لفكرة الله او اكبر منها. ولكن ماهو الشيء الذي هو مساوي او اكبر من فكرة الكائن التام؟ الاحتمال الوحيد هو ان الله يجب ان يكون هو السبب في فكرة الله التي يمتلكها ديكارت.لذا فان الله موجود.

لسوء الحظ، لم ينجح ديكارت في تحويل وعيه كليا. في الحقيقة، هو لم ينجح في إبعاد فكره عن العالم الخارجي ابدا، لأن فكرته عن الله يمكن بنائها بسهولة من التجربة. هو يعتقد ان فكرة الله هي فطرية. ولكن اذا كانت فطرية فان كل شخص يجب ان يحوز عليها. غير انه، وكما اشار جون لوك في نقده للافكار الفطرية ان بعض الناس ليس لديه اي فكرة عن الله وآخرين لديهم فكرة مختلفة عن الله. هيوم اقترح اصلا جيدا لفكرة الله: ان الذهن يبدّل، يركّب ويضخّم الافكار المشتقة من انطباعات الحواس ليخلق الفكرة. وكما يؤكد هيوم، "ان فكرة الله التي تعني ذكي بلا حدود، حكيم، كائن خيّر تأتي من التمدد الى ما وراء جميع حدود نوعيات الخيرية والحكمة التي نجدها في اذهاننا"مضيفا ان هذه الافكار الاخيرة هي مستنسخة من الانطباعات الحسية (تحقيق متعلق بالفهم الانساني، ص8). اذا كان هيوم مصيبا عندئذ فان ديكارت لم يكن ناجحا في حقيقة إبعاد نفسه عن عالم الحواس.

هو ربما حاول إبعاد وعيه بعيدا عن عالم المظاهر مثلما تفعل الثيرافادا البوذية اثناء ممارسة تأمل الـ (ساماتا) . تأمل الساماتا يستلزم التركيز على التنفس او على اشياء محايدة لكي يحقق الهدوء استعدادا  لنوع ثاني من التأمل يسمى فيباسانا(تنقية الذهن) الذي يهدف لتحقيق الفهم العميق. عندما يصبح الممارس اكثر خبرة فهو سوف يمارس حالة عميقة من الاستيعاب تسمى جهانا(Jhana)(2). البوذيون الثيرافاديون يميزون بين ثمانية انواع من الجهانا. عندما يتقدم المتأمل من جيهانة الى اخرى، هو يمارس أعمق مستويات التركيز، الى النقطة التي بها يتجاوز الزمان والمكان وحتى اللاشيئية في تجربته، والمتأمل يدخل عالم اللامادية. في الجهانة السادسة سوف يواجه البوذي الناجح وعيا غير مقيد، في الجهانة السابعة يواجه اللّاشيئية، وفي الثامنة لا يواجه فهما ولا عدم فهم. هذه هي عوالم اللامحدود، اللاشيئية، ولا ثنائية الوعي. الذهن هنا اكبر من اي فكرة عن اللامحدود والكائن التام، تلك الفكرة ستكون فقط عائقا لإنجاز التنوير. بكلمة اخرى، بالنسبة للبوذي الثيرافادي، ان فكرة الله ستكون صرف للذهن وعدم تركيز يقف عائقا في طريق رؤية الطبيعة الحقيقية للواقع.

ألم يكن صرف الانتباه هذا هو بالضبط ما حدث لديكارت؟ لو كان ديكارت قادرا على التخلي عن فكرته حول الله، لربما وصل الى ادراك عميق ... ومرة اخرى، لو انه فعل هذا، هو ربما لم ينتج رسالة شديدة الاثارة الفكرية لدرجة تركت فلاسفة الغرب منشغلين منذ ذلك الوقت.

الفلسفة الغربية عموما

لذا فان ديكارت لم يكن بوذيا تماما، لكنه امتلك فعلا امكانية ذلك. لو انه استخدم الضوء الطبيعي دون ان يرتبك بفكرة الله، ربما تقدم كثيرا نحو التنوير.

ماذا نستطيع قوله حول الفلسفة الغربية بشكل عام ؟ الى اي مدى كانت طرقها منسجمة مع البوذية؟

ان هدف الفلسفة لم يبتعد كثيرا عن اهداف البوذية. كل من الفلسفة والبوذية يريدان راحة البال، ولكي يكونا عقلانيان ذلك يتطلب تحولا في الوعي، وان الاسئلة الفلسفية تبدو احيانا مشابه للاقوال والوصايا البوذية. البوذي المتنور يمكنه الاستجابة الى اي نوع من السؤال، الالغاز، او الاسئلة التي لم يُجب عليها باستعمال الطرق البوذية. الفيلسوف، من جهته، له مهمة مختلفة. اولا، هو يحتاج للتمييز بين الاسئلة العقلانية والاسئلة غير العقلانية قبل ان يحاول الاجابة على الاسئلة العقلانية بطريقة منهجية . حالما تُطرح الاسئلة الصحيحة، الفيلسوف لا يُحتمل ان يسقط في التناقضات او يرتكب اخطاء في المنطق. هو عندئذ يستطيع السماح لقدراته العقلية ان تنمو بلا حدود بأمل ايجاد جواب، لكن يجب ان لايقع في فخ التفكير بان الجواب سيكون القول الاخير حول المسالة. سؤال اليقين لايمكن ان يكون سؤالا فلسفيا سليما، كما أظهر ديكارت بشكل لاارادي، طالما لاشيء في عالم الفكر مؤكد، ولكن في عوالم ما وراء الفكر والافكار ربما يكون كذلك.

 

حاتم حميد محسن

.........................

الهوامش

(1) جاء في تعريف مريم ويبستر ان الـ koans هي مفارقات يجري التأمل فيها كوسيلة لتدريب الكاهن البوذي على التخلي الكامل عن العقل ولإجباره على اكتساب تنوير بديهي فوري.

(2) الـ jhanas هي حالات من الاتحاد الذهني العميق الناتج عن تركيز الذهن على شيء منفرد باستخدام قوة من الانتباه لدرجة تؤدي الى حدوث استغراق ذهني كامل للشيء. لكي يمكن بلوغ الجهانا، يجب على المتأمل ان يبدأ بازالة الحالات الذهنية غير الصحية الكابحة للهدوء الداخلي، وهي حالات يمكن وضعها مجتمعة تحت خمسة انواع من العوائق: الرغبة الحسية، الكراهية، الكسل وعدم الفاعلية، القلق وقلة الصبر، الخوف والشك. بعد بلوغ المتامل الجيهانا الاولى يمكنه الاستمرار للوصول الى مراحل متقدمة أعلى.

 

علي المرهجهُناك مفهوم ساد في ثقافتنا العربية والإسلامية ألا وهو (الميتافيزيقا) ومرادفه هو (ما بعد الطبيعة)، وهو في الفلسفة التقليدية مفهوم مُرادف لمفهوم الفلسفة، لأنهما مفهومان من حيث التعريف التقليدي غايتهما البحث في أسباب الوجود، أو علل الوجود للوصول لعلته الأولى، أو علة العلة، وهي في التفسير الديني (الله)، وبتعريف آخر هي البحث عن الوجود بما هو موجود، وقد قال بارمنيدس من قبل "أن الوجود موجود ولا يُمكن أن يكون غير موجود".

أما ما نقصده في "الميتا ديني" فهو معنى آخر يشتغل على الكشف عن الأبعاد الميتا وجودية للنص القُدسي، ويُحيط علماً في الأبعاد التكوينية للفهم الخارج نصي التي تجعل من الإنسان الذي يعيش في عوالم الميتا ديني يعشق النص ويتأمل فيه بالوقت ذاته.

الفهم الميتاديني هو فهم تصوري نظري يغوص في عوالم النص القُدسي وفهم تجلياته خارج منطق التفسير التاريخي والعقلاني وأسباب نزوله، عبر الهيام والعشق لمضامينه وما يشي به من أبعاد خارجه عن تلقينا المُباشر أو تلقينا البرهاني للنص، أو حتى تلقينا النقلي له عبر تواتر التوثيق والتفسير عند أهل بيت الرسول والصحابة.

"المياتا ديني" هو اعادة تصيير للنص الديني وفق مُعطيات خارج أطر التعقل وفق منطق الاستدلال البرهاني، أو تفسيره الفقهي أوالبياني.

إنه تفسير يحتكر النص بطريقته الخاصة، ولكنها ليست طريقة العامة من الخطابيين، وليست طريقة الفلاسفة من البرهانيين، ولا طريقة الجدليين من الكلاميين والفقهاء، وهي أيضاً ليست طريقة كل الباطنيين المُتمذهبين.

يلتقي أصحاب هذا الفهم "الميتاديني" مع دُعاة "المعرفة الجوَانية" بعبارة عثمان أمين بالشغف بطُرق الهائمين في محبة الله ببعد "ميتاديني" يلتقي به كل ذوي هذا النزوع خارج هيمنة الفهم السائد التقليدي (الفقهي المُتمذهب) أو (الشعبي العُرفي) للنص القُدسي.

الفهم الميتاديني فهم لا يخلو من بناء تصور فيه اعتبار ونظر يستعين أصحابه بقُدرة العقل على التنقل والسياحة في عوالم النص، ولكن لا طُغيان فيه للمعرفة العقلانية الصرفة إنما هو مزج بين ما هو إيماني قلبي خالص وما هو برهاني، فيه من فيض المعرفة العقلانية بقدر ما فيه من فيض المعرفة الجوَانية.

هو ليس فهماً من أجل معرفة أسباب الوجود (وجود العالم) إنما هو فهم من أجل فهم كينونة الوجود الإنساني وصيرورته، فهو بحث عن الذات في عوالم الذات تارة، وبحث عن الذات في عوالم الوجود الميتافيزيقي تارة أخرى، وكشف عن تجليات الكينونة الذاتية في الوجود مع "الآخر" وتلاقي (القوى الخفية) والطاقات الروحية الكامنة في روحية كل إنسان وإن كان مُخالفاً لك في جذر الوجود الاجتماعي أو الديني.

إذن فالفهم الميتا ديني هو فهم للهوية لا بالانقطاع عن الوجود والعالم كما يروم الصوفية، بقدر ما هو "إنهمام" تتمازج فيه المعرفتين الجوَانية والبرهانية كي تكون (الذات عينها كآخر) بعبارة بول ريكور، والآخر هذا الذي يتجلى وجوده وتنجلي هويته ربما يكون إنسان مُغاير لك في موروثه الاجتماعي أو الديني، وربما يكون الوجود برمته "علته ومادته" ولكنك لا تُعير اهتماماً لاختلاف أصل التكوين العُرفي أو "الأنطلوجي" بينك وبين هذا الآخر بقدر ما تعيش أنت في أناه أو ذاتك ذاته.

الفهم الميتا ديني يتعالى على التصنيف العرقي والديني ولا علاقة لمن يغوص فيه بتصنيفات البشر على أسس دينية أو عرقية، ولا علاقة له بالفهم الفقهي والمذهبي والإنحياز لتفسير ديني، لانه لا يشترط الإيمان الفقهي الذي تختص به الاديان ولا ارتباط له بتعبير طقوسي مُعين للتعالق مع الوجود المتعالي، أو وجودالعالم، أو الآخر، إنما التعالق يكون بين هذه التوصيفات الثلاث وفق مبدأ "العقلنة" الي يتعانق و مبدأ المحبة، ولا يتدخل في تصنيف البشر وفق رؤية (إما - أو) إنما يلتقي به المختلفون في الوجود العرفي المختلف دينياً أو مذهبياً وفق مُعطيات " العقلنة" التي ترى في "المحبة" دفق حيوي غايته لجم هيجان العقلانية وثوريتها وجنوحها نحو التفسير الأحادي للوجود بكل تمظهراته.

إذن فالفهم الميتا ديتي لا يهتص به أهل الإيمان بعقيدة دينية دون غيرهم، إنما هو تامل وإيمان معاً "مكان مُشترك" بتعبير محمد المصباحي تلتقي فيه العقول النيّرة التي يلتقي بها المختلفون دينياً من الذين يهيمون عشقاً بالوجود والأمل في عوالمه وفق مبدأي "العقلنة" و "المحبة"..

لا رفض للآخر في قاموس اصحاب الفهم الميتا ديني، لأن معجميتهم النعرفية تُبنى على عشق تجليات الفكر حينما يكون فيه ابداع أينما يكون وفي أي مكان..

إنه مزج بشري خلاق بين ما هو برهاني وعرفاني خارج هيمنة نص مقدس ما في عقيدة ما.

 

ا. د. علي المرهج

 

علي محمد اليوسفتعريف اولي: يعتبر نيقولاي هارتمان (1882 – 1950) أبرز رواد الفلسفة المثالية الميتافيزيقية في النصف الاول من القرن العشرين، ويمتاز بنسق فلسفي منّظّم غير معّقد يحمل مدلولات واضحة تستهوي قارءه، فهو يعطي كل مفردة فلسفية معناها الحقيقي النافذ من غير ما حاجته الى نوع من التفلسف الغامض الذي يسحب القاريء الى مرحلة من التفكير المشتت الذي يفتقر قول شيء ذي جدوى يتواصل به مع المتلقي.،

يمتلك هارتمان مؤلفات عديدة في مباحث الفلسفة والميتافيزيقا. حيث أن مؤلفاته في الميتافيزيقا ذات طابع ممّيز يخرج عن التصنيف الفلسفي المتأرجح والمتذبذب بين تيارات فلسفية متعددة في الاقتباسات المتداخلة فيما بينها، ومن أشهر مؤلفاته (مشكلة الوجود الروحي) عام 1933م، وقد تأثر بأرسطو كثيرا. وفي الوقت الذي يتجاوز هارتمان فلاسفة القرن التاسع عشر جميعا، فهو حارب الوضعية والمذهب الذاتي والنزعة الميكانيكية والمادية، كما نجده بنفس الوقت الذي أدان فيه فلسفة الحياة وفينامينالوجيا هوسرل، ينحاز الى (الواقعية المثالية) مقصّيا مثاليته عن الابتذال كما هي عند بيركلي مثلا، في أختراع هارتمان فلسفة مثالية واقعية تقترب كثيرا من المادية لكنه يبقى محسوبا رائدا في فلسفة الميتافيزيقا ومجمل طروحاته ومؤلفاته الفلسفية.(1)

هارتمان والواقعية الفلسفية

في أسلوب فلسفي ممّيز سهل ممتنع ينفرد هارتمان عن فلاسفة الوجودية قوله ( أن جوهر الفكر أنه لا يستطيع التفكير بعدم، بل بشيء ما)(2) . هذه العبارة التي تحاشى الانزلاق بها فلاسفة الوجودية الميتافيزيقيين وفلاسفة الفينامينالوجيا يتقدمهم هوسرل، أنهم جميعا كانوا يعتبرون التفكير ب(العدم) ممكنا في وعي وجود محايث له يسيرمعه ويلازمه نحو عدم حتمي لكليهما، فيكون أدراك العدم بالمحايثة الموضوعية لوجود مغاير له يوازيه في المسار المشترك لكليهما نحو الفناء.بل أن العدم في الوجودية يلازم الموجود في داخله وليس محايثا موضوعيا وجوديا له يسايره منفصلا عنه في التوازي معه.

من الضروري الاشارة الى هذا المفهوم للعدم عند هيدجر وسارتر أن العدم ليس موضوعا لوعي ذاتي مفكّر يدركه لكن يمكن للفكر التجريدي به أستدلاليا في معرفة غيره من الموجودات التي يمكن أدراكها. والعدم لاوجود في الدلالة على موجود، ولايلتقي هذا بمفهوم هارتمان في أعتباره العدم هو لاوجود لا يمكن ادراكه ولا يمكن التفكير به،.كما يعتبر هيدجر العدم هو الذي يؤسس (النفي) وليس العكس ويعتبره وجودا (منطقيا)، أي وجودا تحتاجه بعض مباحث الفلسفة ولا تستطيع تحديد معالمه وكينونته كموضوع يدرك .

الوجودية تعتبر العدم لاوجود لموجود لكنه لاوجود حدسي أستدلالي غير موضوعي فهو داخل كل موجود ويعمل على أفنائه. الفرق الوجودي لمفهوم العدم في الوجودية هوأنه أمكانية أستدلالية حدسية في أمكانية الفكر التفكير بالعدم تجريديا وليس في أدراكه أو حدسه موضوعيا، أي بما هو غير مدرك كموضوع أو موجود يعيه الفكر، وليس كما ذهب له هارتمان بأن الوعي لا يمكنه التفكير بالعدم من حيث نفي أمكانية أدراكه حتى على المستوى الفهم الفكري التجريدي أو المعرفي، كما ذهبت له الوجودية في خلاصها من تحديدها ماهو العدم؟.

فالعدم عند أقطاب الوجودية هيدجر وسارتر هو لاوجود (منطقي) تختص به الفلسفة أكثر من أهتمام العلوم الطبيعية أو غيرها به. والعدم يلازم الوجود في داخله ويقوده نحو فنائه المحتوم في فناء موجوده الملازم له....وبحسب هيدجر أو سارتر لا فرق فالموجود (الانسان هناك) وجود محكوم بالحتمية العدمية له...بمعنى الموجود هناك لاموجود حقيقة طالما يدركه العدم في أفنائه.بهذا المعنى أو قريبا منه ذهب فلاسفة الاغريق القدماء أن الانسان يموت لحظة يولد. وكل مايأتي للحياة مآله الفناء وما لا يأتي الحياة لا يطاله موت وهذا ما عمدت الوجودية على أستنساخه بطبعات متعددة بالفكر الفلسفي ..

ويوضّح هارتمان بأسلوبه الفلسفي الرشيق قوله (أخطأت الميتافيزيقا القديمة خطأ مزدوجا، فقد كانت تدّعي من جانب أنها تقدم حّلا لما هو غير قابل للحل، والميتافيزيقا تعني اللاعقلي، واللاعقلي غير ممكن المعرفة، ومع ذلك فأن كل موجود يمكن أدراكه ومعرفته من جانب ما) (3) .

بهذه العبارات يؤكد هارتمان الخطأ الذي نتداوله كبديهة أو معلومة فلسفية مسّلما بها أن مباحث الميتافيزيقيا الفلسفية والعلمية أيضا لا تستطيع معالجة الاشياء كموجودات غير متعينة في ما وراء الطبيعة، التي لا يدركها العقل، واللاعقلي غير ممكن معرفته، وهذا ما تقاسمته الميتافيزيقا مع جميع فلاسفة المثالية والمادية على السواء في أقرارهم هذه المقولة التي أستمدوها من اللاهوت تماشيا مع الايمان الديني قلبيا. وليجعلوا من مباحث الفلسفة مفهومات تتوازى مع الفكر الديني وتتحاشى التقاطع معه. ولم يكن التمييز واضحا بين نوعين من الميتافيزيقا، أولهما ميتافيزيقا تعنى بالموجود بما هو موجود في الحياة، والثانية تعنى بالمصيرالانساني أو الانطولوجي بما هو وجود - لاموجود في ما وراء الطبيعة الذي تكون مباحث الدين واللاهوت والغيبيات من ضمن أهتماماتها الاساس في هذا المنحى من الميتافيزيقا.

يقول هارتمان (أن العقل العارف – عقل المعرفة - يتجه في الاتجاه المعاكس للعقل المدرك للماهيات)(4) هنا يعمد هارتمان في جعله المعرفة والماهية مدلولين لمعنى واحد. أمام هذه المقولة الفلسفية منذ كانط في القرن الثامن عشر تم التبشير الفلسفي بمسّلمة لم ينفع معها النقد الفلسفي لاقصائها، تلك هي أن العقل الذي يعي ويدرك أمتلاكه المعارف، يتوازى في عدم قدرة العقل أدراك ماهيات الاشياء في ذاتية وجودها الطبيعي في عالم الاشياء، فالماركسية برصانة أفكارها الفلسفية لم تستطع أقصاء وتبديل هذا الفهم الخاطيء، في أعتبارها – أي الماركسية - أنّ الموجود يدرك حسيّا بماهيته وجوهره معا.. .وأن الموجود وحدة واحدة من الادراك به، وأن ما نعتبره ظواهر لموجود هي جزء من محمولات ماهيته. ولا أهمية تبقى في البحث عن ماهيات لا تدركها الحواس ولا يعيها العقل كموضوع متعيّن كما يذهب له فلاسفة المثالية.الماهية أحيانا تكون نوعا من الميتافيزيقا في غموضها الدلالي الذي يصعب أدراكه حسّيا عقليا.

وأن قدرة العقل منذ فلسفة ديكارت أكدت وجوب أدراك الظواهرعلميا فقط وليس هناك معنى لمعرفة الماهيات بالفكر الفلسفي او المنطقي التجريدي، وأعتبرت الماهية كما يذهب هارتمان هي معرفة تخص مباحث العلوم الطبيعية، وبقيت هذه المسّلمة الفلسفية الزائفة الخاطئة سارية المفعول مع فلاسفة الوجودية وفلاسفة الحياة، وفي الفينامينالوجيا.. رغم أن الفينومينالوجيا عاكست الوجودية والماركسية في أعتبارها الماهية سابقة على الوجود في الاهمية الانطولوجية معتبرة نفسها فلسفة ماهيات أولا لا فلسفة وجود. وبقيت كل من الوجودية والماركسية متمسّكتان بأن الوجود يسبق ماهية الشيء. وذهبت الماركسية أبعد من ذلك حين نادت أن لا وجود حقيقي لشيء يمكن أدراكه بماهيته بل تكفي معرفة وجوده الطبيعي في ظواهره المحسوسة كموجود في عالم الاشياء .

وجوهر فهم هارتمان للميتافيزيقا (أنها ليست علما بل هي مجموعة من الاسئلة التي لا يمكن الاجابة عنها)(5) . هذه العبارة الفلسفية الرشيقة الموجزة يلخّص بها هارتمان جوهر الفلسفة منذ سقراط وقبله السفسطائيين في القرن السادس قبل الميلاد من حيث كانوا يعتبرون الميتافيزيقا هي الانطولوجيا وليس مباحث ماوراء الطبيعة، من حيث أن الفلسفة هي أندهاش متسائل في معنى الحياة والوجود، معبّرا عنه في سلسلة من التساؤلات المترابطة عبر تاريخ الفلسفة التي تكون الأجابة عنها لا تحمل حلولا بمقدار أنتاجها تساؤلات فلسفية جديدة منبثقة من عمق التساؤلات القديمة، وأن الفلسفة سلسلة من التساؤلات التي لا تعطي حلولا لها بقدر أستيلادها تساؤلات جديدة مستمرة على مر العصوروهكذا..فالفلسفة في جوهرها تساؤلات وليست أجوبة لها.

ميتافيزيقا الواقع والوعي

يعالج هارتمان مسائل الوجود الميتافيزيقي بأسلوب فينامينالوجي واقعي كما في منطلقاته الفلسفية التالية:

1- الموضوع يقوم داخل الوعي فلا يمكن أن يكون هناك وجود (قائم بذاته) /هارتمان(6)

 2- التقابلية معناها ليس هناك من وجود لا يكون موضوعا لذات. /هارتمان(7)

3 - القيمة والمعنى في العالم لا يمكن تفسيرهما الا في وجود الذات، وأهمية القيمة والمعنى أنها توجب حضور ذات تدركها وتمنح القيمة والمعنى لموضوع. /هارتمان(8)

 4- العقل الذي يتعدى الوعي ويربطه الى الموجود بذاته مستقلا عنه، أي عن الوعي . /هارتمان(9)

5 - أن تعرف معناه هو أن تدرك الموجود بذاته، وعلاقة المعرفة هي علاقة بين الذات الحقيقية والموضوع بذاته. /هارتمان(10).

لمناقشة بعض هذه الآراء، نجد أهمية علاقة الذات بالموضوع من جهة وبالمعرفة من جهة أخرى عند هارتمان لا تخرج عن الفهم المادي الكلاسيكي الميكانيكي الذي ينّظّم تلك العلاقات، بفارق جوهري مهم أن هارتمان يربط الوعي بالمدرك المادي(الموضوع) في محاولة أعطاء (الوعي) دور (العقل) بعلاقته بالموضوع.... بخلاف الفهم أن الوعي يكتسب ماهيته من العقل لكنه لا يأخذ دور العقل في التفكير الوظيفي المرتبط بالدماغ والجهاز العصبي... الوعي عقل تجريدي والعقل جهاز عملي وظيفي ولنا توضيح لاحق لهذا.

من جهة أخرى أن هارتمان يخرج على كل من الوجودية والمادية وفينامينالوجيا هوسرل حول مفهوم (الوجود بذاته) في علاقته بالوعي. فهو بخلافهم جميعا يطرح أمكانية أدراك الوعي للموجود بذاته. وهو ما تنكره عليه كل من المادية الماركسية، والوجودية عند هيدجر وسارتر، التي أقتصرتا وحصرتا الفهم العقلي في ظاهرات الموجودات فقط وليس معرفة جواهرها الماهوية في الموجود بذاته. واعتبروا الموجود بذاته لا أهمية له.

كما أن هارتمان أعطى في منتصف القرن العشرين تمييزا فلسفيا واضحا لمبحث فلسفي هام أن المعرفة (مكتسبة) في الوعي الخارجي وليست (معطى) قبلي في الادراك العقلي.. وليس كما يذهب له كانط وفلاسفة الحياة وبرجسون.

ولنا توضيح أكثرأن ليس من مهمة الوعي تخزين مدركاته المعرفية داخله كما يحاول هارتمان التلويح بذلك. العقل وحده له القدرة والقابلية على تخزين المعارف في الذاكرة التي هي وعي تراكمي خبراتي مدخّر بالتجربة والاكتساب المعرفي وبهذا المعنى فقط يمكننا اعتبار المعرفة معطى قبلي للعقل مكتسب في التجربة والخبرة التراكمية. وبذلك تصبح هذه المدخّرات معارف قبلية تساعد العقل في تفسيره مباحث الوجود والحياة... فالمعرفة كما ذهبنا له هي خبرة مكتسبة بالحياة وليست وعيا معطى فطريا بالولادة... والوعي تعبير عن تفكير العقل وليس الحلول محله في وظيفته المعرفية والادراكية. بموجز العبارة الوعي لا ينوب عن العقل مثلما لا تستطيع الحواس ذلك في الأنابة عنه أيضا. الوعي على خلاف الحواس في علاقته بالعقل، فالحواس أدراك مادي للاشياء تدخل في علاقة عضوية وظائفية مع العقل عبر الجهاز العصبي والخلايا الدماغية، بينما يكون الوعي الادراكي تفكير تجريدي لا يدخل في علاقة وظائفية مع العقل باستثناء أنه تعبير لما يمليه العقل من ردود أفعال عن الموجودات. ويكون الوعي تعبيرا مفاهيميا معرفيا مجردا مصدره العقل، بينما العقل ليس مصدره الوعي، والعقل جهاز وظيفي نظري وعملاني معّقد في التعامل مع معطيات ادراكات الاشياء في عالمها المادي وأعطاءه تفسيرات لها.

علاقة الوعي بالعقل تشبه علاقة الفكر باللغة من حيث التعالق الوظيفي المتبادل. فالوعي والعقل هما شيئان لمعنى واحد في المعرفة والادراك، كذلك الحال مع الفكر واللغة هما شيء لمعنى واحد في التعبير، لكن يبقى الوعي هو غير العقل، كما تبقى اللغة هي غير الفكر. ويبقى التعالق بينهم جميعا، الوعي، الفكر، اللغة، العقل، علاقة متداخلة لا تستطيع الفلسفة المجردة فك الاشتباك بينهم ولا يمكن التفريط او الاستغناء عن هذه العلاقات المتشابكة التي يتداخل بها الحسّي مع العقلي مع النظري ومع العملاني..

الوعي والمدرك الانطولوجي

هارتمان فيلسوف أعطى المثالية غطاءا معلنا ومنظورا تماما أخذه عن الفلسفة المادية والوجودية على السواء. بمعنى أنه ألبس مثاليته لبوسا ماديا واقعيا كما سنرى، لذا نجد من الصعوبة تفسير مفاهيمه الفلسفية على أنها تعتمد المنهج المثالي الواقعي في الفلسفة من غير التطرق الى مداخلاتها مع الفلسفات المادية والوجودية.

الفقرة الاولى السابقة التي أشرنا لها، لهارتمان في تعبيره أن الموضوع يقوم داخل الوعي، وأنه لا موضوع يمكن وجوده خارج أدراك الوعي له تصيب الفلسفة الوجودية والكانطية والفينامينالوجيا وحتى الماركسية في مقتل مثالي،، في مثالية واقعية، أقدم عليها هارتمان في محاولته أضفاء نوع من المادية على الوعي المثالي الواقعي. الوعي لايكون موضوعا ماديا مدركا لمواضيع مادية غير التي يشترك مع العقل في ادراكها والتعبير عنها، ولا يكتسب الوعي ماديته في وعيه لموضوعه المادي، فالوعي تعبير معرفي.

هنا نجد وهي وجهة نظر ليس الا أن التعبير اللغوي يرتبط بالوعي أنه لا وجود لموضوع خارج أدراك الوعي، وهي أشكالية لغوية في التعبير وليست مسألة فهم معرفي أو منطق فلسفي سنوضحه حسب فهمنا.

اذا ما تماشينا مع مقولة هارتمان أن الموضوع يقوم داخل الوعي (وهو خطأ في التعبيراللغوي ) وتكون صحيحة أن الوعي يدرك الاشياء، فالوعي أدراك تجريدي للموجودات وليس مستودعا موضوعيا لتخزينها....أي أن الموضوع داخل الوعي هو مدرك معرفي مجرد، يعجز التعبير عن نفسه، ويمكن قياس مادية الموضوعات بأحتواء الوعي المثالي غير المدرك موضوعيا لها، الوعي الذي يعجز حمل موضوعات أدراكه في ماهيته، مهمته الاساسية هي نقل المدركات الحسّية وغير الحّسية للعقل فقط، ويكتفي الوعي توصيله موضوعات الأدراك للعقل وتعبيره المعرفي عنها باللغة، العقل لا يفكر بالوعي ولا بالحواس فقط وأنما بعمل الدماغ والجهاز العصبي، لكن الوعي لا يعمل خارج أرتباطه بالحواس و بالعقل. الوعي تعبيرتجريدي عقلي معكوس متمايز عن تعبير اللغة والفكر تجريديا عن الاشياء أيضا..

الصحيح الذي نراه هو بخلاف مقولة هارتمان أن العقل يدخل مواضيعه المدركة في ذاته أي في أحتوائها ومعالجتها، وهذا لا يشابه الوعي الذي يدخل مواضيعه في أدراكه العقلي لها، الوعي هو وسيلة تعبير أدراكي ينوب أحيانا عن الفكر واللغة في أدراكهما المواضيع خارجيا... الوعي يدرك الاشياء معرفيا وحسيّا متداخلا لكنه عاجز عن التعبير عن مدركاته في العالم الخارجي بلغة مجرد منها لا يمتلكها، ويحتفظ الوعي بمدركاته وتوصيلها للعقل داخل صمت العقل في الوعي والفكر واللغة...لأن التعبيرعن المدركات في عالم الاشياء الخارجي هو وظيفة (الفكر واللغة ) فقط وليس من مهام الوعي بها. الوعي ادراك عقلي متداخل لا يستطيع التعبير عن موضوعه بغير واسطة الفكر واللغة.

نجد من ألمهم تأكيدنا لأكثر من مرة خطأ عدد من الفلاسفة وفلاسفة الفينامينالوجيا أنهم ينصّبون من (الوعي) (عقلا) ثانيا في معالجة المدركات، وليس الوعي واسطة أدراك معرفي للعقل. الوعي جزء فاعل في فهم العقل لمدركاته ومواضيعه، بينما لا يكون العقل في معالجته تلك المدركات تابعا للوعي. وعي الشيء ليس التفكير به نيابة عن العقل،. وكما من الممكن أن تكون اللغة هي الفكر، ممكن ان يكون الوعي تعبيرا صامتا عن العقل. تعبير الوعي عن مدركات العقل خارجه لا يتوّسل غير الفكر واللغة.لأن الوعي والعقل يمتلكان لغة الصمت التفكيرية داخل العقل صوريا ولا يمتلكان قابلية الفكر واللغة التعبير عن الاشياء كموجودات في العالم الخارجي.

الوعي لاينوب عن العقل في الادراك بينما لا يستطيع العقل أستغنائه عن أعتماده الوعي وسيلة تواصلية به.الوعي أدراك تسبقه المحسوسات ومن قبلها الوجود، لكنه لا يتجاوز قدرات العقل في فهمه مواضيع الاشياء في الطبيعة. صحيح أن نقول الوعي هو حصيلة العقل في الادراك، لكنه ليس هو العقل في تخليقه الاشياء وتفسيرها، الواردة له وأعطاء ردود أفعاله عنها التي هي من عمل الدماغ المرتبط بالعقل أكثر من أرتباطه بالمدركات تجريديا في وعيها.

أن الوعي الذاتي يلعب دورا مزدوجا على أكثر من صعيد في تعالقه مع العقل من جهة، ومع المحسوسات والمدركات في الطبيعة من جهة اخرى، وأخيرا في علاقته كوعي بالفكر واللغة. كل هذه العلاقات الشائكة المتداخلة محورها الوجود المادي للاشياء في الطبيعة اولا.. والوعي المستمد من الحواس لمواضيعه ادراكيا ثانيا.

لا يتسّع المجال معي الاستطراد أكثر في شرح تفاصيل هذه العلاقات المتداخلة مع بعضها بما يبعدنا عن أصل الموضوع في التعريف بالمنهج المثالي الميتافيزيقي الواقعي لهارتمان.لكن السطور القادمة ستشرح الكثير من هذه العلاقات المعقدة.

الوعي الانطولوجي والعقل

غياب الوعي بالشيء تصوريا أو ماديا تجريديا لا يعدم وجوده المستقل ماديا عن الذات في أدراك الوعي له أو في عدم أدراكه له. الوعي وسيلة العقل الادراكية والمعرفية في نقله صور الاشياء في تجريد لا مادي يماثل ولا ينوب عن مهمة الفكر واللغة في تجسير علاقة الموضوع بمدركه العقلي،والموجود القائم بذاته لا يحدد وجوده المادي حينما لا يكون من محتويات الوعي بداخله كما يذهب هارتمان، فالموضوع أو الشيء يمتلك وجوده المادي المستقل في معطى الطبيعة له كموجود مستقل وليس في (الوعي) الادراكي له وجودا في عالم الاشياء.

وجود الاشياء في الطبيعة باستقلالية يكون سابق لادراكها وعيا عقليا معرفيا وحتى حسّيا أيضا، سواء أدركها الوعي أم لم يدركها. يمكننا القول أن وعي الموجود هو أدراكه حسّيا ومعرفيا عقليا، لكن من الخطأ التصور أن ينوب الوعي عن العقل في فهمه وتفسيره وتخليقه للموجودات داخل الدماغ والجهاز العصبي.

الوعي أقرب الى الحواس في أدراكها الاشياء، وأبعد من الحواس في تداخلها بعمل العقل أكثر من نقلها المعطيات الادراكية الحسية الى العقل بوسيلة الوعي المجرد بالاشياء. الحواس ما يعيبها أنها ادراك خادع صادر عن الموجودات والاشياء في استقلاليتها بالعالم الخارجي، والوعي (ثقة) معرفية أن جاز التعبير لان مصدر الوعي هو العقل وليس معطيات الحس الخارجي للاشياء التي هي وظيفة الحواس.

بعبارة توضيحية أكثر فأن الوعي لا ينوب عن معطيات الحواس، ولا ينوب عن العقل في فهمه وتخليقه والتعبيرعن الموجودات والاشياء في العالم الخارجي بعد أعادة تخليقه لها في الدماغ أولا....الوعي يمكنه التداخل الوظيفي مع الحواس في الادراك، لكنه يعجز عن المداخلة الوظيفية في عمل العقل في تخليقه التفسيري للاشياء المنقولة له الواصلة اليه.

وبهذا يمتاز الوعي بالتجريد التعبيري على أساس أنّه ادراك (مثالي) غير موضوعي ولا هو مدرك موضوعي بعكس أدراكات الحواس والعقل التي تكون ادراكاتها (مادية). الوعي يدرك الذات والمواضيع والاشياء، لكن لا يستطيع أيّا من هذه الموجودات الانطولوجية أدراكها الوعي بأستثناء العقل فقط فهو القادرعلى ذلك كون الوعي نتاج العقل وليس العقل نتاج الوعي...الوعي يلتقي مع الفكر واللغة في التعبير عن الاشياء في وجودها وفهمها تجريديا، ولا يلتقي مع الحواس في أدراكهما المادي للاشياء الا عبر العقل الذي يمنح المعرفة الحقيقية للوعي.

نوّد هنا توضيح الفرق بين علاقة الوعي بالعقل وعلاقة الفكر واللغة بالعقل في أدراك المواضيع والاشياء في الوجود.

الوعي بالشيء الموجود لا يسبق أنطولوجيته في عالم الاشياء باستقلال تام عن الوعي به بواسطة مدركات الحواس، وفضيلة ومهمة الوعي هو أدراكه لما تدركه الحواس والمخيّلة والذاكرة. في نقلها المواضيع المدركة حسّيا الى العقل وتنفيذ تعبيره عنها، يلي ذلك بعد تخليق المواضيع المدركة في العقل يكون وسيلة العقل في التعبير عن مواضيعه التي تم أدراكها في وجوب التعبير عنها يكون هو الفكر واللغة اللذان يكوّنان جوهر الوعي العقلي للاشياء ... وهذا دوريقوم به الوعي في تعالقه مع العقل وفي تعالقه مع التعبير الفكري – اللغوي.. وليس من مهام الوعي أدخال موضوعاته في ذاته الادراكية ولا قدرة له على ذلك لأن المواضيع ومعالجتها من أختصاص العقل وظيفيا حصرا وليس من مهام الوعي بها الذي يجانس عمل الحواس في عدم امتلاكهما قدرات العقل الاعجازية.....

الموضوع من مهام العقل في فهمه وتفسيره وليس من مهام الوعي الادراكي له الذي هو نتاج عقلي، الوعي لا يدرك الاشياء في الطبيعة ليحتفظ بها لنفسه بل يدركها بعد توصيلها للعقل ومنه ليمنحها تخليقها الجديد وتفسيرها والتعبير عنها بالفكر واللغة...والوعي تبقى مرجعية فاعليته هي العقل الذي لا يستطيع الوعي الأنابة عنه. وعي الاشياء تجريديا هي جزء من عمل العقل، كما تكون معطيات الحواس ماديا جزءا من عمل العقل ايضا. وبغير مرجعية العقل لا يبقى هناك أهمية تذكر لا للحواس ولا للوعي. ويبقى الوجود محتفظا بوجوده في الطبيعة فقط في غنى عن أدراك الحواس له والوعي الموضوعي له وتناول العقل تخليقه أذا لم يكن يمتلك أهتماما انسانيا وحاجة في معرفته.

كيف نفهم الانا ذاتا وموضوعا في وقت واحد؟

في تداخل الذات والموضوع في الوعي عند الانسان فأمر الادراك مختلف جدا وسيأتي توضيح هذا لاحقا، وعي الذات في أدراكها موضوعات وموجودات الاشياء في الطبيعة غير الانسان، أي في ذاتية الوعي غير المدركة والتي لا تدرك الا بموضوعها، فالوعي غير موجود من غير ملازمة موضوعه له لكن وجود المواضيع المستقل بالطبيعة لا يلزم عنه ملازمة الوعي لوجودها وأدراكها، واذا أستعرنا منهج الفينامينالوجيا فيكون الوعي قاصرا في أدراك الشيء بذاته في ماهيته، لأن الوعي الفينامينالوجي يدرك ظواهر الاشياء فقط رغم ادعاءات الفينامينالوجيا أنها فلسفة ماهيات وليست فلسفة انطولوجيا كما تذهب له الوجودية أنها فلسفة وجود أمام الفينامينالوجيا فلسفة الماهيات.

أن محاولة هارتمان جعل الوعي وجودا ماديا يجانس بادراكه الموجودات المادية في الطبيعة هي محاولة عقيمة فالوعي ليس عقلا ثانيا. والوعي يبقى وعيا مثاليا تجريديا حتى في حال أدراكه المواضيع المادية التي لا تكسبه ماديتها هي بمقدار خلع الوعي مثاليته الصورية عليها في توصيلها كمدرك عقلي معرفي مجرد وبذا ينتهي دور الوعي. الوعي مخلوق العقل كفهم وفكرولغة ولا امكانية مستقلة له في الحلول محل العقل في تخليقه الاشياء المدركة في الدماغ في عملية معقدة تكون نتيجتها الوعي .

الوعي الذاتي للاشياء يبقى وعيا مثاليا تجريديا غير مدرك موضوعيا مهمته نقل المدركات للعقل، والفكر واللغة هما اللذان يعطيان المدرك في الوعي عقليا ماديته أم مثاليته في تخارج معرفي بارتباطهما بالعقل، الوعي لا ينوب عن العقل في الادراك، كما أن الوعي لا ينوب عن الفكر واللغة في تعبير العقل عن الاشياء.

لماذا يبقى الوعي تجريدا مثاليا في أدراكه موضوعاته المادية؟؟

من المهم التأكيد على أن الوعي يبقى مثاليا بمعنى التجريد سواء أدرك موضوعاته المادية أو موضوعاته المثالية على السواء لأن الوعي اولا واخيرا وسيلة العقل التجريدية في المعرفة والادراك... في ادراك الوجود تجريديا وليس عقلا مستقلا ثانيا نتعامل معه على وفق تطويعه الاستجابة لمفاهيم الفلسفة.

الوعي لا يكتسب الصفة المادية في أدراكه الموجودات المادية في الطبيعة،لأن كل وجود مادي يسبق الادراك به ويظل محتفظا بصفاته المادية التي هي صفات ظاهرية وصفات ماهوية لا يستطيع حتى العقل في حال أمكانية ادراكها التلاعب بها او تغييرها، وأنما يكتفي العقل من خلال أدراكه الموجودات أعطائها تفسيرا وفهما جديدا لها في وعي معرفي، والفكر الصادر عن العقل حول الاشياء التي أدركها العقل يبقى هو الآخر عاجزا عن تغيير الموجودات ألا بفعل صادر عن أرادة انسانية في وجوب تنفيذ توصيات العقل في وجوب وأهمية التغيير في الموضوع المدرك... ولايكون الفكر واللغة الا تعبيرا أجرائيا عما يريد العقل تنفيذه.

في مقولة هارتمان الذي يرى بها (أنه ليس هناك من وجود لا يكون موضوعا لذات) تعبير صائب ومقولة فلسفية واسعة الدلالة بالنسبة لموجودات الطبيعة جميعها ما عدا الانسان كونه ذاتا وموضوعا لأناه وموضوعا للانسان من نوعه فقط.

ولكن ليس بمعنى أن كل موضوع أو موجود في الطبيعة ملزم بادراك الذات له لأن في ذلك أستحالة وجودية، فالذات تدرك من الاشياء في الطبيعة ما يقع ضمن أهتماماتها بها واحتياجاتها لها فقط، وليست ملزمة في أدراك كل المواضيع في الطبيعة وعالم الموجودات في محيطها فهذا غير ممكن اطلاقا.، فألى يومنا هذا يوجد ما لايمكننا حصره من موجودات ومواضيع في الطبيعة لا نهائية ولا تقع ضمن أهتمامات الانسان أدراكها او حاجته لها، لذا هي خارج الوعي بها كما لايحتاجها الانسان أدراكيا في حياته.

لكن مقولة هارتمان تمتلك كل الصواب أنه لا يمكن لموضوع أو شيء في الطبيعة لا تستطيع الذات الوصول اليه في أدراكها له...الاشياء وموجودات الطبيعة في لا نهائيتها هي مواضيع ادراك الذات لها في كل وقت ومكان، وليس من موجود لا يكون موضوعا مدركا لذات.

وميزة عبارة هارتمان في عدم وجود موضوع لا تدركه الذات. ميزتها الاكبر من حجمها أنها تنسف جميع آراء فلاسفة الميتافيزيقا والفينامينالوجيا باختلاف جوهري عن باقي المدركات لدى هوسرل، وتلتقي بماديتها مع الوجودية التي غالبا ما تمتح مفاهيمها الفلسفية من المادية الماركسية.

صحة وصواب مقولة هارتمان تماما كون الذات لا تكتسب قيمتها وحقيقتها الانطولوجية من غير وعي أدراكي يتوسطهما. أي وعي يتوسط الذات والموضوع بمعنى التداخل في كليهما وليس الانفصال عنهما.

أما في حالة وعي الذات لموضوعها الملازم لها الذي هو وجود الانسان، فهي أيضا مقولة صحيحة أمام مقولة كارل ياسبرز الوجودية الخاطئة قوله (الموجود ليس كائنا، أنني لا أتحول الى موضوع أمامي أنا نفسي) كون الانسان ذات وموضوع معا، وحجّة هارتمان الصائبة أنه يذهب في مقولته بالفقرة ثانيا التي أشرنا لها، تتلخص أن الانسان وعي ذاتي – موضوعي لوجود يدرك وعيه لذاتيته بنفس أدراكه وجوده كموضوع له / بمعنى الانسان يعي ذاته ويعي كينونته كموضوع مدرك من قبله معا.

وهي ميزة لا يتوفر عليها أي موجود في الطبيعة، فالانسان لا يمكننا التعامل معه أدراكيا بمنهج فينامينالوجي أي مظهر وجوهر، فهو ذات وموضوع يتبادلان الادراك في مجانسة بيولوجية واحدة في أناه كوجود مادي موّحد. والانسان الذي نتعامل معه كذات هو نفسه موضوع لمدركه الذاتي في وعيه لوجوده كموجود عاقل ومفكر.الانسان هو الموجود الوحيد الذي يدرك وجوده ذاتيا وموضوعيا، ويستطيع أدراك أناس عديدين غيره يكونون مواضيع مدركة له وبدوره يكون موضوعا مدركا لهم ..فموجودات الطبيعة الجامدة لا تبادل أدراك الانسان لها على العكس من الانسان الذي يعي أدراك الاخرين له من غير موجودات الطبيعة كالحيوان والنبات والاشياء الاخرى.

الوعي الانساني وعي ذاتي في أدراكه وجود الانسان كموضوع، ولا يستطيع الانسان كموضوع أن جاز لنا تجريده الافتراضي عن وعيه الذاتي أدراك وجوده المتعيّن بلا وعي ذاتي ملازم لوجوده. بمعنى أن الانسان في الوقت الذي يكون فيه وعيا لموضوعه، فهو بالناتج والمحصلة الاخيرة أنما هو وعي يمارس وعيه ل(أناه) ولموضوعه كوجود جسدي متعدد الابعاد يدركه ذاتيا، وهذا الادراك متجانس نوعيا بمشتركات وعيه من قبل أنسان من نوعه فقط. الانسان كونه يمتلك تمايزا فريدا ممثلا في وعي ذاته لأناه، ويستطيع أدراك ذاته له كموضوع أيضا. في حين لا يمتلك أيّا من كائنات الطبيعة وعيا ذاتيا يمكنه وعي وجوده الذاتي كي يعي وجوده كموضوع لذاته معا كما يفعل الانسان.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

.........................

الهوامش

1- أ-م- بوشنكي/الفلسفة المعاصرة في اوربا/ ترجمة د- عزت قرني/ سلسلة عالم المعرفة 165/ ص 278

2- نفس المصدر الصفحة ص 279

3- نفس المصدر ص 279

4- نفس المصدر ص 280

5- نفس المصر السابق ص 281

6- نفس المصدر السابق نفس الصفحة

7- نفس المصدر السابق نفس الصفحة

8- نفس المصدر السابق نفس الصفحة

9- نفس المصدر السابق نفس الصفحة

10- نفس المصدر السابق نفس الصفحة

 

حاتم حميد محسنفي عام 1790 في كتابه (نقد ملكة الحكم)، تنباّ عمانوئيل كانط بان لا وجود ابدا لـ "نيوتن لحزمة من العشب". البايولوجي لا يمكن ان يتوحد ابدا او يُختزل الى عدد محدود من القوانين الميكانيكية كما في حالة الفيزياء. هذا "كما يدّعي، هو بسبب اننا لا نستطيع ان نلغي كليا فكرة الغائية او التيليلوجي (التوجّه نحو هدف معين) من الانظمة الحية. السؤال "ما الغاية من؟" ينطبق على الهياكل الحية بطريقة لا تشبه ما يحصل في الفيزياء.

معظم الفلاسفة الانكلوامريكيين، ومؤرخو العلوم والثيولوجيون أخطأوا تماما في فهم هذه الحجة. القصة لديهم تذهب على الشكل التالي: ان كانط ذكر عدم وجود لنيوتن في البايولوجي، بينما شارلس دارون (1809-1882) وهو نيوتن البايولوجي أكّد ان الاختيار الطبيعي يوضح التكيّف بدون الحاجة الى غاية، ونحن الآن ورثة البايولوجي الميكانيكي، وان المعتقدات الدينية هي وحدها لازالت تتحدث عن الغائية.

هناك عدد من الاتجاهات التيلولوجية المختلفة، ولكن الخطاب الانكلوامريكي لم يكن واع الاّ بالصيغة الأعلى صوتا . هذه الصيغة هي الادّعاء بان التكيف في الطبيعة يجب ان يكون نتيجة لمصمم عظيم لأن الحظ وحده لا يمكن ان يفسر الخياشيم في الماء او الرئتين في اليابسة او العيون المعقدة او السوائل التي تسبح بها البكتريا، ولذلك فان العلوم الميكانيكية هي غير تامة. هذه باختصار هي تقاليد الثيولوجيا الطبيعية للغائية (الجدال لصالح اله الطبيعة) . هذا الجدال يعود الى حوار(طيماوس لإفلاطون) لكن اوج ذروته كانت في القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر. حتى دارون وقبل ان يبدأ رحلته على ظهر السفينة، قرأ وأعجب بالثيولوجي الطبيعي لـ (وليم بالي) الذي شبّه الطبيعة بساعة انيقة. نظام من الأجزاء يناسب بالضبط اجزاء اخرى وله وظيفة الابلاغ عن الوقت (ساعة) يفترض مسبقا وجود ذكاء مصمم (صانع الساعة).

دارون قتل حجة التصميم، نظريته في الاختيار الطبيعي كانت قاتلة. حجته في ذلك، ان تراكم وانتشار السمات الموروثة بواسطة عمليات ميكانيكية للجينات والبروتينات والجيولوجيا والمناخ وغيرها، كلها شكّلت ببطء الكائنات الحية لتناسب بيئتها بحيث بدت كأنها مصممة (1). وفي اللغة الفلسفية، دارون غيّر الخطة المصممة الهياً الى حالة من التكيّف اللاحق. الكتابات الشهيرة في الثيولوجيا الطبيعية تتضمن كتاب ريتشارد دكن (Blind watchmaker)، وكتاب دانيال دينيت (فكرة دارون الخطرة)، و كتاب غري كوين (لماذا التطور حقيقي).

لكن هناك قلة من الأصوات لازالت رافضة. انها ترفض ان دارون قتل الثيولوجيا الطبيعية، واستمروا باعتقادهم فيها مطلقين عليها اسم المصمم الذكي.

الاتجاهات الفكرية الاخرى للغائية تتضمن 1- التيلولوجي الارسطي 2- الكلية 3 – وحدة الطبيعة 4- الحافز والحيوية 5- التنظيم الداخلي، ومختلف الفروقات داخل كل صنف. تقاليد الثيولوجيا الطبيعية امتزجت مع هذه التقاليد الاخرى. لذا سنحاول غربلة هذه الانواع لنرى ان كان هناك اي شيء منسجم مع الطبيعية الدارونية.

التيلولوجي الارسطي

اعتقد ارسطو بالهدفية الموجهة في الطبيعة لأن العمليات الطبيعية دائما تنكشف باتجاه هدف ما، جوزة البلوط تتطور الى شجرة بلوط. ايضا، اجزاء من الكائنات الحية هي في نفس الوقت تعمل لأجل كلّياتها: انسجة العظام لأجل العظم . الدم لأجل الدورة الدموية، السن لأجل المضغ. ارسطو يشير الى هذه الغايات والأهداف بالأسباب النهائية، معرّفا السبب النهائي بـ "الغاية التي من اجلها يتم الشيء".

تيلولوجيا ارسطو يصعب فهمها لأنها اسيء تفسيرها عبر مئات السنين من ثيولوجيا القرون الوسطى بالقول ان ذهن الله وضع الاهداف في الطبيعة. تلك لم تكن رؤية ارسطو، رغم اجيال من التدريسيين الذين حاولوا تقديسه. وبعد الثورة العلمية بدأ الناس يفكرون في الطبيعة كماكنة عملاقة، وكما في كل المكائن تحتاج الاهداف لتوضع بواسطة نوع من الذهن المصمم. بدلا من ذلك، هو اعتقد في التيلولوجي كسمة للطبيعة بنفس الطريقة التي نعتقد بها في الجاذبية، باعتبارها مظهرا للمادة غير شخصي، غير مصمم . كان ارسطو ناقدا للصيغ المبسطة للتطور التي رآها لدى امبيدوكلس و ديموقريطس، لأنه اعتقد ان الاجزاء المادية الصغيرة لا يمكنها ان تنمو مجتمعة الى اعضاء دائمة ما لم تكن المادة امتلكت وسيلة عضوية صُممت في الطبيعة وفق علاقتها مع الاسباب النهائية . لذا فان ارسطو اعتبر التيلولوجي كطريقة لوصف الانتظام في التكاثر البايولوجي والسلوك والتشريح. لو انه عرف الـ DNA يُحتمل انه غيّر رأيه ليقول "ان المعلومات تغير المادة". لكننا لانزال لدينا سؤال السبب النهائي لأرسطو: كيف ان المادة الشائعة (بالنسبة له المادة، بالنسبة لنا الـ DNA او الخلايا) اصبحت مختلفة في احياء واعضاء متنوعة؟ الـ DNA وحدها لا تكفي لتوضيح هذا، وبعد ان عزلنا الكروموسومات ادركنا اننا نحتاج لدراسة التطور بعناية اكبر، لذا نحن بالنهاية نكتشف مجموعة الجينات والعمليات البايولوجية التي تنظم كل الـ DNA المحتملة في اعضاء حقيقية وهياكل وسلوكيات. تلك الاسباب التنظيمية لم يستهدفها البايولوجيون الاّ مؤخرا وهي كانت تمثل مظاهر الحياة التي سمّاها ارسطو "تيلولوجية".

على خلاف الثيولوجيا الطبيعية، تيلولوجيا ارسطو المنهجية ليست غيرمنسجمة مع الدارونية. ارسطو اعتقد انك لا تستطيع عمل بايولوجي بالحديث فقط عن دوران الذرات، انت تحتاج ايضا الى اكتشاف لماذا هذا العضو او السلوك يتناسب مع هيكل الحيوان او وظيفته او بيئته . ذلك السؤال يميل الى سايكولوجيا دينية فقط اذا كنت ثيولوجيا طبيعيا.

2- الكلية Holism

لو وضعنا جانبا تيلولوجيا ارسطو (ثمرة البلوط تصبح شجرة)، ولنركز الآن على التقاليد الكلية التي خلقها. الكلية في التيليلوجي ترى ان البايولوجي لا يمكن ان يكون اختزاليا بل يجب ان يعترف بالعلاقات السببية للخلايا داخل الانسجة، داخل الاعضاء، داخل الكائن الحي، داخل البيئة. ميتافيزيقا القرون الوسطى اتّبعت هذا المسار مسمية اياه ميرولوجي ( او دراسة العلاقات بين الاجزاء والكليات) لكنها حرفت التحقيق عن مساره عبر محاولة تقرير اي من هذه المستويات المتداخلة هو الجوهر الحقيقي للشيء. في النهاية، اصبحت الفلسفة التحليلية الانكلوامريكية مهتمة جدا في الكلية في القرن العشرين، ولكن فقط كمشكلة منطقية. الفلسفة القارية من جهتها ادمنت ولوقت طويل على الكلية البايولوجية. غوث، كانط وهيجل كانوا متأثرين بعمق بالطريقة التي يبدو فيها الشكل البايولوجي يحكم عمليات فيزياكيميائية مبسطة، وهم حاولوا بمختلف الطرق فهم تنظيم الطبيعة دون اللجوء الى الثيولوجيا الطبيعية.

لماذا لم ينجح البايولوجي بتحليل كل شيء نزولا الى الكيمياء؟ لاننا عادة لا نستطيع فهم العملية البايوكيميائية بدون فهم الغاية منها. نحن نحتاج لمعرفة نتائجها المفيدة للكائن الحي. لا احد في الكيمياء يدّعي ان الكاربون يفقد الكترونات لأجل ان يصبح ثاني اوكسيد الكاربون، ولكن في البايولوجي علينا ان نعترف كيف ان سمات معينة او سلوك معين هو لبقاء الكائن الحي او مجموعته. لذا فان كل العمليات البايوكيميائية التي تنتج من تنفس الاوكسجين هي طريقة لادارة الكائن الحي لأجل ردود افعال كيميائية سريعة في خلاياه. التكاثر الجنسي كمثال ثاني ايضا له نتائج الاختيار المفضلة، يزيد لياقة الذرية من خلال التغيير والقوة الهجينية. هذا التاثير التكيفي يوضح لماذا اختيرت الطفرة في التناسل الجنسي ولماذا تتواصل. انه توضيح تيلولوجي منهجي.

بالنسبة للشخص الكلي، هذه المحاولة لإيجاد "الغاية التي من اجلها يتم الفعل" تنطبق على التراكيب بالاضافة الى عمليات البايولوجي. لذا فان ورقة النبتة يستحيل فهمها بدون فهم شيء ما حول الاشجار، وعليه فان الغرض من الورقة او القلب هو غير مفهوم بدون نظام دائري، الدماغ ليس له معنى هام الاّ في جسم المخلوق الذي يمكنه الحركة. في النهاية هذه الكليات التيلولوجية اشير اليها بالغرض او الهدف النهائي، واصفا اياها "الاكثر طبيعية في جميع وظائف الكائنات الحية، بمعنى، كي تجعل شيئا آخرا مثلها ".

ان مدرسة الكلية تريدنا ان نتذكر وسط كل النجاحات الواقعية للعلم الاختزالي، صلاحية المستويات العليا للسببية والتوضيح .الكلية هي نوع من التعددية السببية، تذكّر التقريريين الذريين والوراثيين ان الكائنات الحية والايكولوجيا ليستا فقط نتاج ثانوي مصاحب لتلك الظاهرة .

حقيقة ام وهم

البيانات التيليلوجية هي ذات قوة توضيحية في البايولوجي، ولكن هل ان توضيحاتها حقيقية ام مضللة؟ كانط جادل بان العقل لايستطيع الاّ تمديد الهدف نحو البايولوجي، ونحن يجب ان نقبل الادعاءات التيلولوجية المتواضعة (كمبادئ منظمة) للفكر. في هذا المنطق، من الجائز علميا الادعاء ان عظام الطير الجوفاء هي لغرض الطيران. العقل لايمكنه التوقف هناك طبقا لكانط، وطبيعيا سيذهب لتقدير كل النظام بدءاً من الاهداف وصولا الى المنطقة التي تعيش بها الكائنات الحية. ولكن بسرعة سيصبح المرء في موقف ساخر: الحشيش لأجل الابقار، الابقار لأجل طعام الانسان وهكذا. كانط يلوم التيلولوجيين المتطرفين الذين يدّعون ان حشرة الناموس تساعد في ايقاظ الانسان وجعله نشطا، وان الدودة الوحيدة تساعد في عملية الهظم في ضحاياها. الخداع في البايولوجي هو ابقاء التيلولوجي المحلي ولكن مع التخلص من المحتوى العالمي والكوني.

يقول كانط، عندما نعمل بايولوجي نحتاج لإخضاع التفسيرات الفيزياكيميائية البسيطة الى توضيحات تيلولوجية وظيفية. نحتاج كلا المستويين من التعليل والتوضيح، وان احد المستويين لا يختزل الآخر. العديد من البايولوجيين والفلاسفة، اللاحقين لكانط، جادلوا اننا نستطيع نتظاهر ان الاشياء هي لأجل الاهداف، ولكن هذا التظاهر هو فقط مفيد منهجيا ولايشير الى اي شيء حقيقي. هل يمكننا الذهاب الى ما وراء التفسير الخالص نفعيا الى نوع من التيلولوجي يوضح الكيفية التي تكون بها الاشياء واقعية؟ . اذا سألني عالم الاعصاب لماذا انا ادرس فلسفة، ربما اقول شيء مثل "مسارات عصبية معينة نُحتت في دماغي كأن تكون في المناطق الحزامية والجدارية والفص الجبهي التي من السهل ان تحفز بقوة ما لدي من ناقل عصبي للشعور بالسعادة، يدفعني لكي احب عمل الفلسفة". وعندما يسألني صديقي لماذا انا ادرس فلسفة، من المحتمل ان اقول شيء مثل "لغرض حل ألغاز مفاهيمية والتفكير في مواد ممتعة تشبع رغباتي العميقة". وعندما يسألني مدير الكلية نفس السؤال، انا ربما اقول شيئا ما مثل "الفلسفة تحسّن التفكير النقدي وتجعل الطلاب احسن مواطنين للديمقراطية".هذه التفسيرات ليست في تصادم مع بعضها. انها جميعها منسجمة وصحيحة. ونفس الشيء، اذا كان الوراثيون يعطون تفسيرا جزيئيا للاختلافات في لون جلد الانسان، والبايولوجيون التطوريون يعطون تفسيرا تكييفيا للون الجلد فهم لا يتنافسون ليعطوا التوضيح الصحيح. هنا ثلاثة تفسيرات مختلفة للون الجلد كلها منسجمة وصحيحة:

اولا: التفسير الميكانيكي الخالص للتغيرات الصغيرة في مجموعة هورمونات MC1R الذي يقول لنا كيف ان تركيز الميلانين ينتج جلدا داكنا او خفيفا.

ثانيا: الشخص الذي يعيش في منطقة كثيفة الشمس سوف يعيش افضل اذا كان جلده اسود لأن الاشعاع المسرطن UV-B سوف يُغلق امامه الطريق بفعل زيادة صبغة الميلانين.

ثالثا: قبل مليون و200 الف سنة اي بعد 300 الف سنة من فقدان أسلافنا لشعر الجسم، بدأت مجموعة من المهاجرين ـ ضغوطا اختيارية بيئية جديدة. الجلد الفاتح تطور في المناطق القليلة الشمس مما يسمح بانتاج فيتامين D الضروري، بينما تطور جلد داكن لدى سكان المناطق المشمسة.

ان التفسير البايوكيميائي الاول ربما يعمل افضل بدون تيلولوجي، لكن الاثنين الاخرين هما تفسيران تكيّفان وتيلولوجيان بقوة ليس بمعنى ان خلايا الجلد تتوقع الاهداف التي تصلها في النهاية وانما بمعنى ان توزيع واستمرارية هذه الظواهر وجيناتها يصبح لها معنى فقط اذا كانت "لأجل"البقاء .

وحدة الطبيعة

اعترف كانط ان الذهن الانساني لايستطيع تقدير الهدف في الطبيعة. دراسة وثيقة لموقفه تكشف عن خيار تيليلوجي مختلف قليلا. بالاضافة الى التيليلوجي الأداتي الذي يسعى لربط هياكل معينة الى الوظائف (السن الحاد لآكلي اللحوم، لون الجلد الى البيئة الشمسية، الغدد العرقية الى التنظيم الحراري)، نحن يجب ان نفترض، كما يرى كانط، وجود الكثير من التيليلوجي العالمي في كل الطبيعة لكي نؤسس علوم في المقام الاول. نحتاج للتحرك بعناية هنا لأن هذه القضية يساء فهمها باستمرار من جانب كلا الفريقين أعداء واصدقاء التيليلوجي. الجدال هو : كيف يمكننا توقّع ان تعطي الطبيعة لنا اجوبة لأسئلتنا ما لم تكن هناك بعض المظاهر العقلية والمنطقية في الطبيعة يمكن تفسيرها باذهاننا العقلية؟اي يمكننا القول ان العلم يفترض بعض التناسب بين اذهاننا العقلية وهيكل الطبيعة. والاّ فان الاول لايمكنه استيعاب الاخير. هذا "التوقع للتناسب"يوحّد كل الطبيعة في مجال واحد للاستكشاف الممكن. كانط يقترح ايضا ان "مبدأ الهدفية" الشمولي او – توقّع اننا سنحصل اجوبة على اسئلة "ما الغاية من " حول العالم الطبيعي – يشكل هذه الوحدة في الطبيعة، ويقول "نحن يجب بالضرورة ان نفترض ان هناك مثل هذه الوحدة حتى لو لم نستوعبها او لم نكن قادرين على اثباتها"(نقد ملكة الحكم، مطبوعات دوفر، ص 15).

هذه الاطروحة ملفتة. افتراض هذه الوحدة في الطبيعة هو ضروري لنا لكي نستمر بعمل العلوم. لكن الفرضية ستكون دائما غامضة تفتقر الى القوة التنبؤية، وغير قادرة على الاثبات . في الحقيقة ان اكثر ما يقوله كانط حول محتوى الافتراض هو، "هناك خضوع في الطبيعة للاجناس والانواع الحية يمكن فهمه من جانبنا"، مضيفا ان هناك "انسجام في الطبيعة مع قدرتنا الادراكية"(نفس المصدر، ص 16).ان المحصلة الهامة من مفهوم وحدة الطبيعة هذا هو انه ليس حقا حول الطبيعة. بالنسبة لكانط، بناء الطبيعة القابل للفهم هو وظيفة لأذهاننا. اذا كان كانط صائبا، عندئذ فان رؤية الطبيعة كهادفة، على الاقل في هذا المدى، تكون بُنيت في قدراتنا الادراكية.

3- الحافز والحيوية conatus and vitalism

 سبينوزا (1632-1677) وصف الطبيعة بعبارات ميكانيكية، لكنه اعترف ان الكائنات الحية فعلا تشترك بنزعة نحو هدف موجّه، انها تكافح لتعيش. هو سمى هذا المبدأ المنشط للانظمة الحية بالكفاح او الحافز conatus، واعتبره جوهر جميع المخلوقات. انه لايشبه التيليلوجي لدى الثيولوجيين الطبيعيين لكنه اعتراف بان طبيعة المخلوقات لديها مبدأ ضروري موجّه نحو هدف فيها بحيث لا يمكن فهمه بالسببية الخالصة لكرة البليارد.

لدى بعض المنظرين اللاحقين، اصبح الحافز قوة ميتافيزيقية سحرية. بعد سبينوزا، بدا كانط يعتقد ان "القوة التكوينية"عملت داخل المادة لتصنع ما يبدو معجزة في تكاثر الحيوان. العديد من علماء الأجنة في القرن التاسع عشر ايضا افترضوا وجود قوة "حياة" حيوية لأنهم لا يستطيعون تصوّر كيف ان السائل الثقيل العضوي غير المختلف يصبح ببطء جنينا . فيزياء الحركة لم تتمكن من تحويل الرخو غير المركب الى اجزاء فاعلة عالية التركيب وكليات متكاملة، لذا فان الجنين اما ان يكون اُتقن بالكامل داخل الام ثم نما ليصبح اكبر حجما عبر التغذية، او انه كان عديم الشكل ثم بالتعاقب اتخذ شكلا بواسطة القوة الحيوية للخلق المتوالي.

افكار المذهب الحيوي كانت مرغوبة جدا حتى بعد الثورة الدارونية. فكرة القوة اللامرئية الغامضة التي ترشد الأجنة الحيوانية كانت منسجمة لحل أصل لغز الحياة ايضا، وربما استُخدمت هذه الماكنة الالهية لتفسير بزوغ الحياة. حاول دارون ايجاد استبدال ميكانيكي للقوة الحيوية لكن ذلك لم يثبت. احد اشهر علماء الاجنة هانس دريش (1867-1941) عرض حيوية تجريبية مستخدما دليلا بانه لا يهم كم مقدار الضرر الذي أحدثه في البيضة الملقحة للحيوان الفقري، لكن العملية تبقى مستمرة كما لو ان قوة خارجية غير مرئية ترشدها .

الوراثة الحديثة وعلم الخلايا الجذعية اوضحا لنا لغز التطور الرحمي . غير ان الاسئلة البديهية لأفكار المذهب الحيوي والحافز لاتزال بلا اجابة في البايولوجي الحديث رغم ان بعض الاعمال التجريبية برزت لتعزل بشكل افضل وسائل الحافز البايولوجي. فمثلا، بدلا من التفكير حول الحافز كسمة لكل الانظمة الحية، اكتشف علماء الاعصاب اليوم مثل Jaak pankseep شيئا ما يشبه نظام حوافز على اساس دماغي في الثدييات : في نفس الطريقة التي تمتلك بها جميع الفقريات نظام خوف، هي ايضا منشغلة في البحث عن سلوك، واخيرا عزل علماء الاعصاب الدافع التحفيزي الاساسي الذي يميز البحث عن سلوكيات متنوعة (الصيد، بحث عن طعام، انجاب). وبلغة واضحة نحن نسميها رغبة. انها عادة تُصنف مع العواطف، لكنها في الحقيقة عاطفة متعالية، نظام تحفيزي يستخدمه الكائن الحي لكي يجد ويستغل الموارد في بيئته. انه يحفز الثدييات لمتابعة المتعة او القناعة، لكنه ليس تماما مثل المتعة. انه ذلك النمو، الاحساس المكثف بالانتباه العالي وزيادة الشعور بالتوقّع كما لو انك على وشك ان تخدش حكة قوية.

التنظيم الذاتي Autopoiesis

قبل الثورة الدارونية لاحظ الناس غموضا لا مفر منه في خاصية التنظيم الذاتي للمادة(هذه الخاصية في الكائن الحي تسمح له بادامة نفسه وتجديدها عبر تنظيم مكوناته وحماية حدوده). صحيح ان الظروف البيئية تتخلص من او تغيّر الكائنات الحية والمجموعات السكانية عبر سمات مؤذية، ولكن هل نحتاج الى علم افضل بواسطته تأتي تلك الكائنات الحية الى الوجود في المقام الاول؟ بدءاً من خطط الجسم الى الدماغ، تتبلور المادة الى تراكيب مكررة. هل نحتاج الى علم افضل من الشكل او التنظيم الذاتي نفسه لكي نفهم كيف يحدث هذا؟

العديد من المفكرين، مثل صديق دارون (ريتشارد اوين) او الامريكي الطبيعي (لويس اغازيس)، اعتقدوا ان تطور وتشريح شكل الحيوان مثّل تجسيدا لأفكار الله في المادة الفيزيائية. تراكيب الحيوانات الفقرية التي نشترك بها مع الكلاب والاسماك طبقا لهؤلاء المفكرين هي نموذج اصلي او بمثابة الفكرة المهيمنة التي زرعها الله في الطبيعة. عندئذ سيعمل التكيف والاختيار الطبيعي لأجل استمرارية التغيرات البايولوجية. هذه التأملات لم تعد ذات احترام علمي لكنها تبقى افتراضا مرغوبا للتطوريين المؤمنين. غير ان سؤال التنظيم لايزال لا يتناسب بالضبط مع الدارونية الجديدة. بعض مفكري القرن العشرين الاذكياء مثل دارسي ثومسن و ستيفن غاي غولد و ستيوارت كوفمان و وليم ومسات اقترحوا طرقا بان الانظمة المادية تميل نحو هياكل معينة فاعلة. لاشيء هناك غامض حول هذا .بدلا من ذلك انها محاولة للتركيز الدقيق على المنطق او آليات المستوى المتوسط بين الوراثيات واختيار الاعضاء الحية. كوفمان مثلا، بيّن ان انظمة المواد الديناميكية سوف تلتحم حول حالات يمكن التنبؤ بها طبقا لقواعد منطقية. هو وآخرون اقترحوا ان بعض "علوم التنظيم الذاتي" سوف تحتاج للارتباط بالاختيار الطبيعي باعطائنا فهما اكثر دقة عن تطور الشكل البايولوجي. وكما في المذهب الحيوي من قبل، بعض هذه البحوث تسعى لمعالجة تطور التعقيدية في الأجنة الحيوانية او في اصل الحياة. "علم التنظيم الذاتي" هذا يحاول فهم الطريقة التي تنتظم بها العمليات الجزئية بواسطة حالات كلية نسبية بمرور الزمن. اصبح من المألوف علميا افتراض طبيعية مادية – كل شيء يحدث خلال عمليات فيزيائية- لكنه مع ذلك ينحدر من تقاليد تيليلوجية قديمة.

 

حاتم حميد محسن

.......................

 الهوامش

(1) ظهرت الاعتراضات على الافكار التطورية منذ القرن التاسع عشر بعد ان نشر دارون كتابه (اصل الانواع) عام 1859.هذه الانتقادات برزت اولاً بين صفوف العلماء وجماعات علمية في مختلف الحقول خاصة العالم Jean Baptiste Lamarck، ثم اقتصرت لاحقا على افراد من جماعات دينية. الهجوم على نظرية دارون جاء من عدة جبهات وفي جوانب متعددة سنذكر باختصار بعضا منها:

 1- عدم التفنيد unfalsifiability: ان اي بيان او قضية يمكن اعتبارها قابلة للتكذيب اذا كان بلإمكان إجراء ملاحظة او اختبار يُظهر ان ذلك البيان او تلك القضية زائفة. البيانات التي لا يمكن تكذيبها هي لا يمكن اختبارها بالتحقيق العلمي وبالتالي لا يمكن تقييم دقتها. هنري موريس مثلا ادّعى انه يمكننا إدخال اي ملاحظة في الاطار التطوري، لذا من المستحيل بيان ان التطور خاطئ ولذلك فان التطور غير علمي.

2- المنطق الدائري circular reasoning: ان نظرية التطور هي ذات منطق دائري، حيث ان الدليل يُفسّر كدعم للتطور، لكن التطور هو بحد ذاته مطلوب لتفسير الدليل.مثال على ذلك الادّعاء بان الصخور الجيولوجية توضع لها تواريخ طبقا للمتحجرات التي فيها، لكن المتحجرات هي بدورها تؤرخ تبعا للصخور التي تحتويها.

3- الدليل evidence: يقول المعارضون ان التطور لم تتم ملاحظته ابدا. هناك نوعان رئيسيان للتطور يجب دراستهما وهما التطور الجزئي والتطور الكلي. هم لا يرفضون حدوث التغيرات التطورية الثانوية في المدى القصير، لكنهم لايتفقون على حدوث التغيرات التطورية الكبيرة في فترات زمنية طويلة والتي لايمكن ملاحظتها مباشرة وانما يُستدل عليها فقط من عمليات تطور جزئية.

4- الاستحالة impossibility: المظاهر الكبرى للتطور ليست فقط غير علمية وغير مقنعة وانما ايضا مستحيلة لأنها تتعارض مع قوانين اخرى للطبيعة او انها مقيدة بطرق لايمكن بها انتاج تنوع بايولوجي في العالم.

5- خلق الهياكل المعقدة: الكائنات الحية تمتلك خصائص معقدة جدا على المستوى الذري وعلى مستوى الخلايا الحية بحيث انها لا يمكن ان تعمل اذا كانت أقل تعقيدا. نظرية التطور الحديثة تشير الى ان جميع الانظمة البايولوجية يجب ان تتطور بمقدار هامشي بسيط من خلال عملية مزدوجة من الاختيار الطبيعي و التحول الوراثي. اذا كانت جميع المراحل الوسيطة بين العضو الاصلي والعضو الذي سيحصل، هي ليست التحسينات المطلوبة على الاصلي، فسيكون من المستحيل على العضو اللاحق ان يتطور بعملية الاختيار الطبيعي وحده.الأعضاء المعقدة كالعين تحتاج الى سبب آخر او مصمم حسبما يذكر وليم بالي.

(2) مصطلح Holism استخدمه اول مرة الفيلسوف Jan Smuts (1870-1950) من جنوب افريقيا ويشير الى ان أجزاء الكل هي في ترابط متشابك وثيق بحيث انها لا تستطيع ان توجد بشكل مستقل عن الكل، وانها لا يمكن فهمها بدون الاشارة الى الكل الذي يُعتبر اكبر من مجموع أجزاءه. يؤكد Smuts ان الكل يباشر وظيفة تنظيمية قابلة للفهم تتصل بالتعاون والتنسيق بين هياكل وفعاليات الأجزاء وباختيار او عدم اختيار التغيرات. النتيجة من كل ذلك هو توازن في تنسيق الأعضاء والوظائف. فعاليات الاجزاء موجهة نحو غايات مركزية وفكرة موحدة بدلا من ان تكون فعاليات ميكانيكية منفصلة للأجزاء . الكلية جرى تطبيقها في الحالات الذهنية واللغة والايكولوجي.

(3) الحيوية او المذهب الحيوي vitalism نظرية تؤكد بان أصل ظاهرة الحياة تعتمد على قوة او مبدأ متميز عن القوى الفيزيائية او الكيميائية الخالصة. وفق هذه النظرية، عمليات الحياة لا يمكن فهمها بقوانين الفيزياء والكيمياء وحدها، وبهذا فان الكائنات الحية مختلفة جذريا عن الأشياء غير الحية لأن الاولى تحتوي على عنصر غير فيزيائي وتُحكم بمبادئ مختلفة عن تلك التي تحكم الاشياء الجامدة.