 أقلام فكرية

الضغط الإجتماعي والتلقين النفسي

معلوم ان للضغط الإجتماعي تأثيراً كبيراً في توجهات الأفراد وميولهم وعقائدهم ومشاعرهم من دون شعور عادة. فمثلاً في الانتخابات السياسية لا ينتخب الفرد مرشحاً معيناً من دون تأثير الوسط الإجتماعي، فهو مقيد بهذا الوسط من دون ان يمتلك حرية الإرادة والتفكير الجدي. فلا يبدأ بهذا التفكير إلا عندما يجد فرصة التفرد والانعزال، حيث يقل القهر الذي يولده الوسط العام للمجتمع أو ما يعرف بالعقل الجمعي.

والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا ينخدع الأفراد حين يتواجدون ضمن الوسط الإجتماعي العام، بينما ليس من السهل خداعهم عند الابتعاد عن هذا الوسط السلطوي؟

والجواب على ذلك هو ان التأثير والضغط الإجتماعي يساعدان على تنامي حالة اللاوعي بالحقائق، ومنها الحقائق الإجتماعية، فيصاب الإنسان بنوع من الخدر.

وحتى لو عرف الناس الحقيقة فإن التأثير الإجتماعي لا يدع لهم فرصة القيام بأعبائها والنهوض بها عادة، ويكفي هنا أن نسلط ضوءاً على نتائج هذا التأثير بالنسبة للشعوب والجماعات المحكومة تحت ظل الضغوط الإجتماعية السيئة.

فغالباً ما تقع الشعوب في الخدر بسبب التطبع والإلفة التي تفرضها ضغوط التفاعل. فهي لا تترك لهم فرصة التفكير في الحقائق، بل انها تلقن الأفراد وتوحي لهم ما يجعلهم في غنى عن الوعي والتفكير. فينشط اللاوعي على حساب الوعي، ويزداد هذا الحال عند الحشد الجماهيري. كما انها تقوم بسلب الإرادة لما ينبغي تغييره. لذلك ألِفت الجماعات البشرية عبر آلاف السنين ظاهرة الاستبداد والاسترقاق بوحي من التلقين والضغط الإجتماعي عبر ما يسمى بالعقل الجمعي. فقد كان الأفراد يُلقنون فكرة تفاوت الناس، فالعبد يظل عبداً مقارنة بسيده. وبفعل التلقين والإيحاء يألف العبيد وضعهم ويترسخ في اللاشعور بأنهم لا يبلغون ذات الدرجة التي عليها أسيادهم، وكما يُنسب لافلاطون قوله: «لو أمطرت السماء حرية؛ لرأيت بعض العبيد يحملون المظلات». ومثل ذلك كان الناس ينظرون إلى ملوكهم بأنهم من جنس يختلف عنهم رتبة.

وفي حاضرنا المعاش نعاني نفس المشكلة في بلدان كثيرة من العالم، فهي تخضع لذات الممارسة السابقة بشتى ألوان التفنن، مثل ان يكون الضغط تدريجياً مع استخدام كافة وسائل الإعلام وكبت الحريات واغلاق النوافذ وجعل الفرد يرى نفسه ذا بعد واحد فحسب هو ذلك الكائن الممسوخ الذي تلقنه السلطة في اللاوعي الباطني، ومثل ذلك ما يحصل في الأنظمة الآيديولوجية والدينية عبر التعليم الأحادي الجانب. وتعمل العدوى النفسية فعلها في نشر الاعتقاد عبر الإيحاء والتلقين، وأحياناً يصل الحال إلى تأليه السلطة لدى الأنظمة الشمولية، كالذي مارسته بعض الأنظمة العربية خلال الربع الأخير من القرن الماضي، فنجحت في جعل الجماهير تبدي حباً وولاءً وتعظيماً لرئيسها بما يفوق تعظيم الأولياء رغم جبروته وطغيانه.

وعند الاحتشاد يزداد عمل العدوى النفسية، ويظهر هذا المفعول عادة عند الوقوف أمام شخصية مؤثرة (كاريزمية)، مثلما كان يحصل عند رؤية الإمام الخميني والاستماع إلى خطبه من على شرفة منزله الواقع في حسينية جمران بطهران. فهو ما ان يظهر أو ينطق بكلمة حتى يبدو على البعض الإنفعال والأنين، ومن ثم يتحول التأثير إلى البقية بالعدوى النفسية فيجهش الجميع وتضج الحسينية بالبكاء والنحيب.

وينبسط مفعول العدوى النفسية والتلقين حتى على المشاهدات الحسية والاعتقادات، ومثلها ما يتعلق بالنتائج العلمية. وهناك بعض الشواهد كتلك التي استشهد بها الفرنسي (غوستاف لوبون) في كتابه (الآراء والمعتقدات)، منها ما نقله عن قول أحد دعاة المذهب الروحاني ماكسويل: «يلقن الحاضرون بعضهم بعضاً فلا يلبثون ان يكون عندهم هوس جامع، ومما سمعته ان أحد الحضور أشار إلى انه يرى نوراً في جهة معينة فالتفت الباقون ورأوا ما رآه، ثم اعلن رجل انه يشاهد صورة فشاهد الآخرون ما شاهده، هذا هو هوس الجماعة، وقد أيدت لي تجاربي الشخصية ان حاسة البصر هي اكثر الحواس استعداداً لقبول الإنطباعات الوهمية». كما أشار لوبون إلى شواهد تتعلق بتمرير النظريات الخاطئة على علماء الطبيعة بعدوى التلقين، وقد يقومون بتجارب لإثباتها فيقعون فريسة الوهم بصدقها بسبب هذا العامل النفسي، كالذي حصل مع ما يسمى بأشعة (N). فكما ذكر بأن أحد أساتذة العلوم الطبيعية المشهورين (بلوندلو) ظن أنه شاهد كثيراً من الأجسام تنشر أشعة خاصة سماها أشعة (N) يمكن قياس موجاتها بدقة تامة، وبما أن هذا العالم الفرنسي كان ذا نفوذ كبير؛ لذا سلّم أكثر علماء فرنسا بصحة ادعائه من غير مناقشة، بل كرروا التجربة ذاتها بأنفسهم فرأوا صحة ما تلقنوه. ثم أن مجمع العلوم رأى بأن يكافئ صاحب هذا الاكتشاف الخطير فأوفد كثيراً من أعضائه – ومنهم العالم الطبيعي ماسكار – إلى المكتشف ليتحققوا عنده من صحة نتائجه، فعادوا مشدوهين بما شاهدوه لديه، لذا منحه المجمع جائزة قدرها خمسون ألف فرنك. لكن عندما جاء علماء أجانب لا تأثير لعلماء فرنسا عليهم، وقاموا بتجارب عديدة حول الموضوع، رأوا أنه لا شيء يدعو للاعتقاد بوجود مثل تلك الأشعة، وقام بعضهم بإختبار الأمر أمام المكتشف، وسرعان ما تبين أن هذا الأخير ذهب ضحية أوهام لاحته عند القياس بمنشور من الزجاج، وعلى أثر ذلك نشرت (المجلة العلمية) بحثاً ضافياً حول الموضوع بينّت فيه أنه لا وجود لتلك الأشعة، بل ان العلماء وقعوا ضحية التلقين والعدوى.

وعموماً نجد أنفسنا نتحمل ضغوطاً خارجية توجِّه أفعالنا نحو مسالك محددة نتيجة القهر الإجتماعي، ومع ذلك فنحن في أغلب الأحيان لا نشعر بهذا القهر حال التفاعل، فهو يعود إلى اللاشعور الإجتماعي. وكثيراً ما يكون هذا القهر ناعماً فيتنامى ويتحول مما هو شكلي إلى جوهري، أو العكس، عبر التقليد والإيحاء والتلقين. فكما اننا اذا أُعجبنا بأفكار شخص أو طريقة تفكيره أو شخصيته العامة نميل إلى تقليد مظهره العام وحركاته ولو بصورة غير واعية، فكذا يحصل العكس أيضاً، فاننا عندما نقلد الآخرين في مظهرهم العام فقد يدعونا ذلك إلى تقليد أفكارهم أو طريقة حياتهم العامة بلا شعور .

وعليه إذا أردتَ أن تكون عالم دين فعليك أن تضع العمامة على رأسك، وإذا أردتَ أن تكون ممن يدير رأسه إلى الوراء فعليك إرتداء الطربوش لتتسلى بالماضي، ولو أردتَ أن تكون ممن يدعو إلى التحرر التام فعليك إرتداء الأزياء الغربية كالذي كان يدعو إليه كمال اتاتورك عند نشأة تركيا الحديثة، ولو أردتَ أن تكون ممن ليس في ذهنه إلا التفكر في الله فعليك أن تردد كلمة الله على الدوام.

وعوداً على بدء، تتأثر الشعوب بالضغوط الإجتماعية وتألفها، مما يجعلها مخدرة، فهي لا تشعر بحقيقة حالها وهي في هذا الجو من الإلفة والتطبع الناتجين عن هذه الضغوط مهما كان الواقع فاسداً. وبذلك تكتسب العديد من الطبائع والصفات وفق ما تسفر عنه الضغوط الناعمة من دون وعي ولا إحساس. فالعملية هي أشبه بما يحصل في الفيزياء من عدم الإحساس لدينا بالضغط الجوي. وقد كان (ول ديورانت) يقول: «ان كل دولة تبدأ بالقهر لكن سرعان ما تصبح عادات الطاعة هي مضمون الضمير، ثم سرعان ما يهتز كل مواطن بشعور الولاء للعَلَم». فبهذا تتم عملية تدجين البشر.

لكن لو فعلنا العكس تماماً فسنحصل على نتيجة أسوء مما سبق. فلو قمنا برفع الضغط الإجتماعي، حيث الحرية الفردية التامة من دون قيود ولا ضغوط مفروضة، كما لو افترضنا غياب سلطة الحكم والمجتمع مثلاً.. ففي هذه الحالة ستسفر النتيجة عن بروز ذلك الوحش المختبئ في أعماق اللاشعور الفردي، وسيدمر كل شيء، الأمر الذي يجعل الحاجة إلى النظام الإجتماعي ضرورة ملحة ضمن الحد الأدنى لتجنب القهر الحاد. فعند فقدان الأمن الإجتماعي وعدم القدرة على تطبيق القوانين المدنية يندفع الكثير من البشر إلى تحقيق مطامعهم من دون رادع داخلي. فالوعي العقلي يتضاءل ويتصاغر أمام هجمة الدوافع اللاشعورية من الأطماع، لهذا تسود الفوضى ويكثر القتل والخراب، فما أسهل ما يعمّ الشر، وما أصعب ما يُبنى الخير في قباله. فالعقل المنطقي يذهب هباء عند فقد النظام، ويصبح البشر كالوحوش، إن لم يردعهم رادع ديني أو قبَلي أو أي شيء يبرز فيه النازع الإجتماعي، وشاهد بعض البلدان العربية بعد الخلاص من نظامه الدكتاتوري ليس ببعيد عنا. فالعقل وحده لا يصمد أمام همجية اللاوعي الباطني. وهنا يصبح القانون والنظام أكثر فعالية من التأثير الأخلاقي الصرف. فالذين يلجأون إلى الضمير الأخلاقي قلة، وهم مقارنة بمجتمعاتهم يمثلون أنبياء الله المرسلة، أو ملائكة الرحمن المنزلة. وبالتالي فالذي يكبح النوازع اللاشعورية في نشاطها الفوضوي المخرب انما هو القانون والنظام الإجتماعي، وعند فقد ذلك يرتد الناس إلى عالم الغاب الذي لا يرحم.. لهذا تكثر الجرائم عندما يغيب الأمن لدى بلدان العالم. فساعة واحدة من شيوع الظلام وانطفاء الضوء وانعدام الرؤية - بسبب انقطاع التيار الكهربائي - تكفي لفسح المجال أمام سرقات ضخمة، كالذي حدث مع ولاية نيويورك الامريكية (عام 2003). وهذا هو القانون النيتشوي الذي يحذرنا من تبعاته بعض دعاة ما بعد الحداثة. فمن وجهة نظرهم ان حقيقة الإنسان هي هذه الهمجية المتمثلة باللاوعي الباطني التي ينبغي تسليط الضوء عليها، فهي ذاتها تستعر عبر رغبات الليبيدو والأطماع المادية والنزعات النرجسية والعدوانية.

ان الغرض من القانون هو تنظيم حياة الناس، وقد يعبر عن أعراف وتقاليد متبعة كما يتمثل لدى المجتمعات البدائية، فيبدو فيها الوئام والانسجام، ولو من غير قوانين مدنية متعارف عليها، فالتقاليد والأعراف لها من القوة ما يفوق قوة القانون المدني في الضبط الإجتماعي، إذ يصعب تجاوزها وإلا تعرّض الفرد إلى المقت والسخط الإجتماعي، ومن ثم الغربة والعزلة النفسية، فيزداد الأثر مقارنة بما عليه عقوبة القانون المدني. فالأخير مصطنع بشري لضبط العلاقات بين الغرباء من الناس، وينفع تطبيقه على المدن المتحضرة التي تضعف فيها رابطة الأعراف والتقاليد، خلافاً للقرى والمجتمعات البدائية التي ينضبط أفرادها بصرامة هذه الأعراف ولا تحتاج بذلك إلى تلك القوانين. فما يحكمها هو قوة اللاشعور الإجتماعي، كما يتجلى بالروح الجمعية أو ما يسمى العقل الجمعي.

وكما يقول (الفرد رسل ولاس): «لقد عشت مع جماعات الهمج في امريكا الجنوبية وفي الشرق، ولم أجد بينهم قانوناً ولا محاكم سوى الرأي العام الذي يعبر عنه أهل القرية تعبيراً حراً، فكل إنسان يحترم حقوق زملائه احتراماً دقيقاً، فالاعتداء على هذه الحقوق يندر وقوعه أو يستحيل، ان الناس جميعاً في مثل هذه الجماعة متساوون تقريباً». كما كتب (هرمان ملفيل) شيئاً كهذا عن أهل جزيرة ماركساس فقال: «اثناء وجودي بين قبيلة (التايبي) لم يقدّم أحد قط للمحاكمة بتهمة الاعتداء على غيره من الناس، وسار كل شيء في الوادي سيراً هادئاً متسقاً على صورة لا تجد لها مثيلاً في الجماعات المسيحية مهما انتقيت منها خيرها واصفاها واتقاها، وان في هذا القول مني لجرأة استبيحها لأنه قول الصدق». كما أقامت حكومة روسيا القديمة دوراً للمحاكم في جزر الوشيا لكنها لم تصنع شيئاً قط مدى خمسين عاماً.

وقد كان كل من بودان وهوبز وميكافيلي يرى ان طبيعة البشر شريرة من حيث الأصل والأساس، وانه لا يردعها ويقوّمها غير النظام والقانون. وكان ميكافيلي ينصح الأمراء بقوله: «على الأمير ألا يحفظ عهداً يكون الوفاء به ضد مصلحته، وألا يستمر في الوفاء بوعد انتهت أسباب الارتباط به. وقد يكون هذا المبدأ شريراً، لكن هذا يصدق فقط في حالة ما اذا كان جميع البشر من الاخيار. لكن اذا كانوا جميعاً من الأشرار ولن يرعوا عهودهم معك فهذا يسمح لك ان تكون في حل من عهودهم».

وفي القبال ذهب البعض إلى اقرار الفطرة الطيبة للإنسان، وكما قال الباحث اليوت سميث: «ان البرهان واضح بيّن وغزير بحيث أصبح النقاش حول سبب انكار بعض الناس فطرة الناس الطيبة وميله الغريزي للعيش بسلام مسألة نفسية. فكل فرد منا يعرف من تجربته الخاصة ان زملاءه لطيفون حسنو النية اجمالاً. ومعظم الاحتكاك والاختلاف في حياتنا هو نتيجة الصراعات التي تخلقها الحضارة نفسها. فالحسد والحقد والخبث ومختلف ضروب القسوة تعبر عن هدف مصطنع، الإنسان البدائي منه براء».

لكن من وجهة النظر الإسلامية فإن الإنسان مجبول على الخير والشر، وان كان العمل بالخير هو من شأن الأقلية عند فقد الأعراف والنظم والقوانين المدنية.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3054 المصادف: 2015-01-15 00:05:41