 أقلام فكرية

إيتيقا العذاب من خلال مقابلة مع عمونيال ليفيناس

zouhair khouildiيشكل كل من الألم والعذاب الحد المناقض الذي يستهدفه وعينا أي أن امتلاك الوعي هنا يعني قبل كل شيء فعل المكابدة. ما لا يُحتَمل هنا هو بالتحديد ما لا يحتمل. إن التبرير الوحيد للعذاب وكرامتنا الكبيرة جدا هي الرأفة. يكون العذاب في الوعي معطى ومحتوى، بنفس الطريقة بعض الشيء لصوت أو إحساس آخر. لكن ما يميز هذا المحتوى عن الأحاسيس الأخرى هو تعارضه مع الوعي، فهو كائن بالرغم عن الوعي. هذا المحتوى الذي لا يمكن مقارنته يحول أيضا دون مقارنته مع الحدث. يظهر الألم، دائما في هذا المستوى الوصفي، في محتواه باعتباره ثغرة دائمة في المعيش، الألم هو بصورة معينة كيفية لهذا الرفض. هذا المعيش هو معيش بوصفه حال، فهو بصورة معينة تساؤل مستمر وبلا جواب مطروح على المعيش. لا يتعلق هذا الطابع غير قابل للتحمل للألم بالطابع الكمي للألم بل بالأحرى بالطابع النوعي له.

يظهر الألم، من بين المقولات المختلفة للمعيش، باعتباره كليا شيء ما خصوصي. يمكن وفق هذا المقياس تناول المشكل المثار في السابق حول لماذا لم تدمج الفلسفات الغربية الأصلية العذاب الفيزيائي في نسقها.

فلنفرض على سبيل المثال الكانطية. ولنأخذ الذهن، الأنا أفكر الكانطي الذي يتضمن خصوصا هذا الفعالية التأليفية للوعي الذي يعرف ويفهم ويعانق العالم الحسي،والذي يظهر أيضا موحدا في مجموع مرتب. حتى العناصر الأكثر خفاء أو الأكثر انكسارا حسب التقريب تكون مدمجة ضمن هذه الفعالية التأليفية للوعي. يُظْهِر العذاب قبالة هذا الأنا أفكر الكانطي خاصيتين كبيرتين. في البداية يكون عنصرا ومعطى لا ينكسر إطلاقا ونهائيا أمام هذا التأليف. إلا أنه وأيضا بالأساس الطريقة والصيغة التي يعبر بها هذا الرفض، رفض المشاركة في تجميع المعطيات المتنافرة في مجموعة دالة، عن ذاته. وبالتالي يظهر الألم ممتلك لمكون مزدوج أي هو في ذات الوقت من يتعارض مع هذا البناء وفي نفس الوقت هو هذا التعارض ذاته. يكون في نفس الوقت الرفض وكيفية هذا الرفض. هذان العنصران هما اللذان يجعلان من الألم شيئا، مثلما قلنا، الأكثر خصوصية من مختلف مقولات المعيش. هذه الخصوصية هي أيضا تابعة لفعل امتلاك الوعي بعدم القدرة على معانقة الوعي بالألم. يرفض الألم أن يكون محتويا في الوعي على نفس الكيفية مع الوقائع الفيزيائية الأخرى وكل محاولة لإدراك الألم تتعرض إلى الإخفاق. الألم هو محتوى يرفض أن يكون محتوى. بالطبع يمكن التخفيض من الألم ولكنه يختفي عندئذ من حيث هو ألم ولا يكون فكرا. عندما يتم تخفيض الألم لا يتبقى بالفعل ألما وإنما ثمة محتوى يعيشه المرء ولا يكون لهذه الخصوصية التي تمثل الطابع الاستثنائي للألم إضافة إلى رفضه. اللذة هي مختلفة تماما بل أيضا وبالتحديد معارضة. اللذة هي شيء معين يهيمن عليه المرء ويغطيه.إنها اللحظة المتناغمة من تجربة معينة. إلى هذا العنوان تندمج تماما في الأنا أفكر الكانطي الذي ذكرناه منذ قليل. على العكس يظهر الألم باعتباره معطى سلبي بامتياز.

مع ذلك لا تعني هذه الحالة الاستثنائية من الرفض التي هي الألم أن يرنو الوعي عند كل فرد إلى رفض الألم . ببساطة ينبعث الألم أين يوجد رفض للوعي. ليس من المتأكد أن يكون هذا الرفض واعيا بذاته، على العكس يكون حاضرا بالنسبة إلى الوعي،غير أن حضور هذا الرفض هو الذي يمنح كل خصوصية الألم. لقد قلنا، بأنه الوعي بعدم القدرة على المعانقة ضمن الوعي. إنها الظاهرة التي تشير إلى سقم الألم.

حضور هذا الرفض في الوعي لا يشكل الوعي بالسلب فحسب وإنما هو سلبية الوعي.انه النفي بامتياز. إن رفض الوعي هو رفض السماح بالتغطية والإمساك بالمعنى والدلالة والمعرفة أو الوجود المعروف. في هذه الأثناء لا تريد هذه السلبية للوعي أن تمثل نظاما غائيا ولا دلالة مخصوصة ولا هدفا محددا. انه بصورة معينة العثرة الأولى ضمن الوعي. إنها ليست مرة أخرى عثرة يمكن الاضطلاع بها مسبقا وتكون مدركة ومفهومة. ولا تظهر هذه المعرفة بالفعل إلا حينما يعالج المرء الألم في ظل غياب الألم ولما يتكلم المرء بلا ألم عن الألم. لقد قلناه منذ أن يظهر الألم فإنه يظهر بالتعارض مع الوعي وانه يكون شكل وطريقة هذا الرفض. إن الألم هو الوعي بالإرجاء لكنه أيضا هذا الإرجاء في حد ذاته.

القطيعة مع الوعي:

الطريقة التي جعلت المعروف من الوعي والعلم من الوعي هي دائما شيء معين من المكتمل ومن المدرك ومن المعانق.على العكس نلاحظ في الألم رفضا للانعطاء وعنصر انكساري للوحدة وللمجموع وللتأليف. وتجيب هذه الصرخة بالألم على كيف. إنها كيف وقد أصبحت محتوى والمحتوى الذي يبقي على كيف. رفض الانعطاء ضمن الألم هو رفض الانعطاء إلى العالم والى الآخرين والى الأنا الذي يفكر.

في الواقع أحدهم يقول أنا، ليصل إلى العالم ويعانقه. لقد توجه المرء نحو فكرة وتأليف يسمح له بالتفكير سويا. إن المعرفة هي دائما تأليف للمعطى. يكون المعطى مجموعا ومكثفا في الأنا ويصبح صورة يمكن أن أتذكرها. هذه الاستحالة بالنسبة إلى الوعي على الإدراك التي تلاحظ ضمن الألم لا يمكن الالتقاء بها مطلقا ضمن اللذة. على العكس من ذلك اللذة هي ما يمنح المعرفة الاكتمال. ثمة نوع من الرهافة والقرابة بين الأنا وما أعرفه ضمن اللذة. ليس ثمة أي تنافر. امتلاك الوعي بشيء معين بالنسبة إلى كانط هو تجميع، انه وضع في مجموعة، على سبيل المثال وضع الأحاسيس في مجموعة. انه تأليف . وتوجد مقولات مختلفة من الكيفيات بالمعنى الكانطي. إذا قلنا، على سبيل المثال، أن ما جمعناه هو ممكن، وأن ما جمعناه هو واقعي أو أن ما جمعناه هو ضروري. هكذا يمكن أن يكون الإثبات المتضمن في الاعتقاد ممكنا أو واقعيا أو ضروريا. لو على سبيل المثال قال بيير بأن القمر هي نجم ثابت فإنه ممكن. هذا ليس واقعيا ولكن في عبارة بيير ذاتها توجد هذه المقولة للممكن. وأيضا لو قال بيير أن القمر تدور حول الأرض فإنه أكثر من الممكن، انه واقعي. وأيضا مرة أخرى ليس من التناقض القول بأن القمر أقل بكثير من الشمس، فإنه ليس واقعيا ولكن هذا ممكن. في النهاية إذا قال بيير بأن مجموع زوايا المثلث تساوي مستقيمين فإن هذا يكون ضروريا. ومفكر فيه بوصفه ما لا يمكن أن يكون مختلفا.

   تتميز مقولة الألم بوضوح عن هذه المقولات عن الكيفيات. إن الألم هو هذه الحالة الأكثر خصوصية من الوعي حيث لا يبني هذا الأخير شيئا أو بأكثر تحديد يبني دون القدرة على البناء. كل واحد يمتلك الوعي بجسده وبوجهه وبيديه وبأسنانه... ويكون هناك دائما وعي ايجابي. ألم الأسنان هو مدرك ومحلي. غير أن هذا الألم هو لحظة القطيعة مع هذه الوحدة ومع هذا الوعي الايجابي. توجد كيفيات مختلفة من الألم لكنها كلها تتميز بالقطيعة مع هذه الوحدة. يكون الألم ضعفا وفضيحة ضمن الوعي الذي يبني. يبدو، دون أدنى شك، أنه لا يمكن تناول الألم باعتباره مجرد معطى. فأنا بالطبع لدي الخبرة بالألم مثلما لدي الخبرة باللون أو بالصوت. لكن خاصية الخبرة المؤلمة أنها تكون وفي ذات الوقت قطيعة مع الوعي. الخبرات الأخرى هي خبرات ايجابية وتكون بصورة معينة في مواضعهم وتدخل بسهولة في المقولات والغائيات.

من هذا المنظور يحوز الألم على خصوصية كبيرة. في الوعي ما لا يمكن تحمله و بالتحديد ما لا يحتمل وهذه الكيفية في عدم التحمل تميز الألم بالخصوص. بالضبط الألم هو ما لا يقبل للتحمل ولا يوجد بصورة جزئية سوى العذاب الفيزيائي الذي يظهر هذه الخاصية. عدد من العلامات تكون غير مؤلمة. والأمثلة هي عديدة مثل الضغط العالي ومرض السكر لا يكونا مؤلمين.

 

عذاب غير نافع:

يوجد ضمن الألم رابط حميمي جدا مع الشر. يكون، بهذا المعنى وضن قياس معين، الظاهرة الأولى للشر. إن لحظة الألم هي لحظة الفوضى والرفض واللحظة التي لا يمكن أن ندعي فيها قبول العواقب، وفي كلمة لحظة الألم هي هذه أو تلك التي لا يتدبر أمرها. العذاب هو انفعالية بالمعنى الإيتيمولوجي، انه قبول وخضوع. بالفعل في كل واقعة وعي ويأخذ المرء بشكل معتاد. لكن عندما نمتلك وعيا بالألم لا يمتلكه على وجه الحقيقة ويتعذب المرء. امتلاك الوعي بالألم ليس البتة محوه. هذا يشير أيضا إلى الطابع المفارق والفريد للألم. يوجد في الألم الأخلاقي امتلاك للوعي يمكن أن يسمح وفق قياس معين باختزال الألم. يختلف الأمر جدا في حالة الألم الفيزيائي. بالفعل حينما يضغط الوعي لا يستولي كليا لما يستولي. لا توجد لحظة من السلم عندما يمتلك المرء وعيا بشيء معين يكون جاهزا أمام الوعي. هذا يساعد على فعل غيرية الألم. امتلاك الوعي بالألم هو قبل كل شيء خضوع وانه أيضا خضوع للخضوع. وبعبارات أخرى لا يكون المرء البتة في حالة سلم مع الألم. عندما يمتلك المرء الوعي بأن الشمس تسطع، هذا ربما يكون صحيحا أو خاطئا . عندما يمتلك المرء الوعي بأن إصبعه قد احترق فهذا ربما يكون أيضا صحيحا أو خاطئا، لكن المرء اشتد به الألم أكثر. وهذا لا نقاش فيه ولا أحد يمكن التقليل من شأنه. دائما العذاب يكون ضد، يكون ضد من يتعذب عندما يكون قد قبل الألم.عندما يحاول المرء قبول ما يوجد في العذاب من عار فإن العذاب لا يأتي إلي المرء ولا يقبل المرء كل شيء، بل يبقى العذاب الذي يعاني منه المرء كثيرا. إن الألم هو محنة بامتياز. لا تتوافق انفعالية الانفعال مع أي فعالية ايجابية ولا تنعكس على أي شيء حتى على سببها ذاته. من ناحية أخرى إن انفعالية العذاب هي أشد كبرا وعمقا من بعض الأشكال الأخرى من الانفعالية التي لا تكون في قسم منها سوى في المظهر، هذه حال على سبيل المثال أحاسيسنا. الفعالية التي توجد في الإدراك هي فعالية استقبال. لقد أصبت بواسطة النور أي أني استقبل النور إذن، وبالطبع فأنا منفعل في الرؤية، ولكن بصورة معينة كل إحساس هو انفعالية ويتخطى الإدراك هذه الانفعالية ويعطيها معنى ويحولها إلى دلالة.

يوجد دائما تمزق في العذاب. لقد رأينا أن العذاب يكون انفعالا. لكن هذا الانفعال يكون مختلفا عن غياب الحرية التي تحد الحياة وفعل الإنسان وتعطل وعيها بألا يتحكم فيها سوى مجرد إدراك الأشياء. لقد تم التوصل إلي الإنسان الذي يتعذب بشكل مختلف وبأكثر عنف وليس بواسطة تغييب الحرية التي تمنع كل حركة. الجوهري ضمن العذاب هو هذا الرفض وهذه اللاّ، هذه اللاّ التي تكون شرا والتي يتوافق معها كل عذاب. هي ذا السلبية الحميمة، وهذا اللاّمعنى الذي يعرف الألم. " ألم العذاب هو مثل التمفصل الأكثر عمقا للعبثية". يكون الألم مضيقا وطريقا مسدودة في الحياة وفي الوجود. هذا الألم الذي يكون العذاب هو بجلاء ابتلاء. في عمق كل شر يوجد ألم فيزيائي، حتى عندما لا يكون الألم الفيزيائي مؤلما لأنه يكون استشعار الشر، الشر الذي يخضع له أحد الآخرين. توجد بالطبع شرور لا تكون فيزيائية ولكنها تتعلق دائما مع الوضعية المدانة من أحدهم وفي نهاية المطاف يدخل شيء معين، الفيزياء لا يمكن تجنبه في هذه المنزلة من العذاب. " انه بواسطة الشر يتم فهم الانفعال". العذاب غير نافع ولا يمكن أن يكون مبررا.

 

محبة الآخر:

يطرح كل فرد معذب، يطرح عليَّ سؤالا لا يمكن تفاديه وجوهريا الذي هو نداء، نداء بالمساعدة، نداء استنجاد. يوجد إذن بعد آخر من الألم. في الواقع، يلاحظ المرء في حضن هذا العذاب غير النافع وفي هذه السلبية وفي حضن هذا التمزق وفي التحسر وفي الصرخة ذاتها نداء إلى الآخر. هل يقول المرء أنه يرتاح؟ البعض يظهر التحسر على أنه نتيجة انعكاسية. ربما. لكن يوجد على مستوى الوعي، ضمن التحسر الذي يسببه الألم، نداء يقيني إلى الآخر.هكذا يوجد في هذه السلبية هذا النداء، هذا النداء على الآخر والاستنجاد بالآخر، يكاد يكون صلاة. هذا يمثل أهمية أكيدة بالنسبة إلى الطابع الإنساني، وبين الإنساني، للألم. في هذه الحالة حيث يكون المرء وحيدا مع الألم في هذه الحالة التي لا يمكن تصورها، يوجد إزهار للمعنى، وعلامة على الاجتماعية، وبداية للدلالة. هذا الدور للعذاب في الاجتماعية كان دائما موجودا، حتى منذ عهد قريب أو في سالف الأزمان، بطريقة قاسية تحديدا، عندما يجد الأطباء أنفسهم في مواجهة عذابات لا يقدرون على التخلص منها.

هذا الشاهد على الألم هو الإنسان ويمكن، في قسم لكن في قسم فقط، أن يضطلع بعذاب الآخر، يمكن أن يقوم، ويمكن أن يتقاسم الألم مع الغير. البنية الإنسانية والبنية الأنثربولوجية العميقة تسمحان بطريقة حدسية بادراك هذه الظاهرة. بقدر ما يضطلع بألمه الخاص بقدر ما أن يضطلع المرء في قياس معين بألم الغير وفي كل الأحوال لا يمكن للمرء أن يظل غير غير مكترث. عدم عدم الاكتراث بالآخر وبألمه هو عنصر جوهري. هذا يكون في ذات الوقت المسؤولية بالنسبة إلى الآخر ومصدر المسؤولية بالنسبة إلى الآخر. بعبارة أخرى إنها مصدر الاجتماعية. إنها الكيفية الأولى للاجتماعية قبل كل مؤاكلة (مشاركة الضيوف في الأكل والمرح والقصف). عندما لا يكون المرء معزولا ولو تراسل مع أحدهم فإنه يكون أيضا في نفس السلسلة، يكون في الكثرة الإنسانية.

على خلاف ذلك يعزل الألم بإطلاق وينبع هذا النداء على الغير من هذا العزل المطلق. هذا الأخير ليس نتيجة اصطدام بسيط بين واقعتين توجدان على نفس الحقل.انه أيضا شيء آخر. ليست الاجتماعية ببساطة فعل أن يكون المرء معدودا. إنها ليست الكثرة الإنسانية التي كونت الاجتماعية الإنسانية، إنها هذه العلاقة الغريبة التي بدأت مع الألم، في ما يخصني أين قمت بالنداء على الآخر وفي ما يخصك الذي يجعلني أرتعد وفي ما يخص الآخر الذي لا يكون غير مكترث. انه حب الآخر أو الرأفة. لا تقوم المداعبة مثلا باخفاء الألم بل تحوله وتنتزع منه دائما في المعيش هذا اللاّمعنى المكتمل، هذا الرفض للدلالة الذي توجد فيه الذات التي تتعذب من العزلة. المداعبة هي ظاهرة خارقة للعادة. يلمسها المرء ولا يلمسها. هذا الواقع الخام الذي هو المداعبة يتملك بنية خاصة، ويمكن أن يكتب المرء فنومينولوجيا المداعبة. يبدو أن الواقع الذي يكون فيه الغير في النداء على الآخر سواء في الخارج يكون أيضا في وعد الخلاص. يبدو أن الغيرية تكون انفتاحا في اتجاه حل ما. تتدخل في النداء على الآخر بالخصوص الحاجة إلى التسكين، و إلى مُسكِّن، بالإضافة إلى الأمل في الوجود المخفف أو الأمل في الحصول على تأجيل الموت.

يوجد تعارض واختلاف غير قابل للاختزال بين ألم الغير الذي هو فضيحة وغير نافع والذي يحمل نداء استنجاد وبين الألم الخاص بي والألم فيَّ، الذي يكون بطريقة تداخلية بلامعنى غير أنه يمكن إذن أن يمتلك دلالة لو يتفادى إيلام الغير، لأنه يكون إذن حركة حب صائرة عذاب من أجل عذاب أحد آخر، تضحية. يمكن بالفعل أن يمتلك العذاب فيَّ معنى بوصفه عذاب من أجل الآخر. ليس بأن يصير أو يكون عذابا من أجل الآخر. إن كيفيتي في العذاب من حيث هي إمكانية العذاب من أجل أحد آخر تكون كرامتي الإنسانية.

لا تتمثل الكرامة الإنسانية فقط في المحافظة على الوجود في أن أكون نفسي. يظهر الإنسان في الابداع وفي الطبيعة وفي كلية الوجود باعتباره استثناء في الإصرار على الوجود، لأنه لو أصر كل كائن على الوجود فإن الوحيد الذي يمكن أن يتعذب من أجل الآخر والذي لا يكون شيئا في الواقع هو الإنسان الآخر. بالنتيجة ظهور الإنسان هو انقلاب للأنطولوجيا في النظام العادي للوجود.

 

مجازفة الكرامة:

ليس للعذاب معنى، قال المرء. لكن العذاب من أجل اختزال عذاب الآخر هو التبرير الوحيد للعذاب وهو الكرامة الأكثر عظمة، يكون هذا في النظام الأخلاقي والإيتيقي. هذه الخصوصية هي من نمط إنساني ولا تلاحظ سوى عند الإنسان. تمتلك الرأفة، أي ايتيمولوجيا العذاب مع الآخر، معنى ايتيقيا. إنها الشيء الأكثر امتلاكا للمعنى في نظام العالم وفي النظام العادي للوجود. إن الواقع الذي يجعل الغير يرأف بعذاب الآخر هو الحدث الإنساني الأكبر، والحدث الأنطولوجي الأكبر. لم ينته المرء من الاندهاش من هذا، انها علامة على الجنون البشري، انه مجهول عند الحيوانات. عندها لا يبدو أن يتم العثور على مكانة للرأفة.

إن حب الغر هو في البداية عذاب من عذاب الآخر. ليس حب الغير لازم بمعنى تلازم زوج النعل. نحن مسكونين جدا بالحب الشهواني إلى درجة أننا لن نتمكن من تعيير قيمته العليا أي حب المسؤولية من أجل الغير. ماذا يعني الآخر بالنسبة اليَّ؟ يمكن أن يفسر المرء بداهة ما يعنيه بالنسبة اليَّ بصورة عملية، انه من النافع أن يقدم لي الآخر بعض الخدمات. لكن هذا لا يكون الرأفة بأي شكل. لا ينبغي أن تكون الرأفة هي الكره. إنها ليست الاضطلاع بالغير.إنها على العكس حدث الحب. و لا توجد الرأفة سوى في الألم، إنها ايتيمولوجيا اللفظ ذاتها. العذاب مع الآخر هو العذاب من أجل الآخر. هذه هي البداية العسيرة للإنسانية، وهذه ليست سكونا مطلقا. هذه الغائية من العذاب هي غائية من مستوى أعلى، الذي لا يكون فقط من مستوى حيواني، الذي لا يستكمل إلى حد أقصى مصير الحي. هذه الغائية هي العذاب من أجل الغير وبالتالي حبه، أو بالأحرى حب الغير وإذن العذاب من أجله. من هنا تأتي الكرامة الإنسانية التي يمتلكها كل كائن ونحن نكون أيضا،ودون أدنى شك، في الحقل الإيتيقي. يمكن أن نفكر في النفعية بوصفها ما يمدد الحياة ويولد الأفراح. ينبغي في هذه الحالة مواجهة الرأفة بكل الطاقة الممكنة [1].

يربي الكثير من معاصرينا أطفالهم بالقول لهم:" لا تتركوا أنفسكم تتأثر بالآخرين، فانتم لن تنتهوا إذا ما بدأتم في التأثر بالفعل بكل شيء". يوجد فرق جذري بين نفعية الإشباع ونفعية من طبيعة أخرى تلك التي تكون المشاركة في حياة جديرة أكثر. يكون عمق الإنساني في كل الحركات السخية إيتيقيا، وهذا بالضبط ما يميزه عن كل الكائنات الأخرى. إن الكرامة الإنسانية دون عذابات هو موعود بها بواسطة الأديان في الجنة. العذاب هو مجازفة، انه المجازفة التي ينبغي خوضها من أجل أن يكون المرء حساسا وذكيا.

ماذا يمكن أن نقول عن الذين حكم عليهم بالعذاب دون الأمل في التحرر؟ يوجد معاقون ويحدث أن تعثر في إعاقتهم على نوع من الكمال، ولكن يوجد أيضا معذبون بلا أمل. لا يستطيع المرء القيام بأشياء أخرى غير البحث عن معالجة وعن شروط حياة يكون فيها العذاب بأقل درجة ممكنة. يمنح العذاب معناه إلى حب الغير. لكن يمكن أن يكون أقل قسوة. إن حب الغير هو دائما حب أحد الذين يتعذبون في مستوى معين وبدرجة معينة. الغير الذي يناديني هو دائما أحد بلا دفاع، وكل كائن إنساني هو بلا دفاع بصورة أو بأخرى بالرغم من كل الهيئات التي تمنح له والألقاب التي يمتلكها، وان وجهه يعلن حتما الموت الذي سيأتي. هل من الممكن أن يرأف المرء بموت الغير، وحيدا في موته، أي مع عذابه؟

يطرح عذابي في دلالته القصوى إدانتي للموت، لأن في بداية الأشياء ما يكون في عمقه هو ما يمتلك وعيا يطمح بالنسبة إلي ويقود إلى تمزق ما. انه المعنى الحميمي للعذاب. يصبح عذابي إدانتي للموت لأنه العلامة على ذلك، الحدس،ويتمثل عمق الاجتماعية الإنسانية في الاهتمام بموت الغير قبل موتي. أي حظ لأحد يتعذب؟ نعم، لو تعذب من أجل الآخر لأنه يبرهن على الكرامة الإنسانية.

الآخر هو دائما معذب، وجه الغير هو ظاهرة مسبقة عن الموت. يكون العذاب على وجه الآخر دائما طلبا، ولهذا السبب يرتعب معاصرونا من وجه الآخر، لأن وراء كل وجه يوجد طلب. والكرامة تكون بالضبط قبول الطلبات. ليست مسألة نفعية بل مسألة كرامة. لنفترض ذات ما تتعذب من التهاب وركي والذي استمر عشر أعوام، عشرون عاما، أربعون عاما، فإنها ستتعذب من وركها المريض. أي مساعدة يمكن أن يقترحها المرء؟ لا شيء جدي ونهائي خارج الوجود معها في بؤسها، والتحدث معها، وإغاثتها. ذلك هو الفعل الايجابي لكل واحد، ليس فقط لإلغاء ألمه الخاص بل لتخفيض ألم الآخر.

أن يأتي أحدهم لنجدتي فإن ذلك يبرر وحده حضور الإنسان في العالم. ولا ينبغي أن تكون هناك كياسة مع العذاب، بل فقط السعي الى استخراج شيء ايجابي منها. ليست القرابة بين العذاب والموت الذي كنا قد طرحناه في السابق هي القرررابة الوحيدة. يكون العذاب الحالة التي تطبع الكائن المتناهي والمحدود. لكن الموت هو التناهي. وهذا مؤكد بما أننا كائنات متناهية ولذلك نتعذب. إنها واحدة من أشكال محدوديتي، والعذاب، حتى في حياتي اليومية، يكون بصورة معينة واحد من بشائر إدانتي للموت.

(حديث مجمعة بواسطة جان مارك نوراس)[2]

 

.................

الإحالات والهوامش:

[1] سبينوزا، الإيتيقا، الكتاب 4، القضية 50.

[2]   Une éthique de la souffrance, entretien avec Emmanuel Levinas , in Souffrances , corps et âme, épreuves partagées, dirigé par Jean-Marie von Kaenel avec la participation de Béatrice Ajchenbam-boffety, Editions Autrement, Paris, série mutations n°142, février 1994, pp.127-137.

 

المصدر:

Une éthique de la souffrance, entretien avec Emmanuel Levinas , in Souffrances , corps et âme, épreuves partagées, dirigé par Jean-Marie von Kaenel avec la participation de Béatrice Ajchenbam-boffety, Editions Autrement, Paris, série mutations n°142, février 1994, pp.127-137.

 

كاتب فلسفي

 
 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3084 المصادف: 2015-02-14 13:09:21