 أقلام فكرية

الأساس الإسطوري لعقدة أوديب

يعود الاكتشاف الحقيقي لفكرة اللاشعور إلى العالم النمساوي سيجموند فرويد. فهو أول من اعتقد بوجود عالم آخر غير ما نعهده من عالمنا النفسي المعبر عنه بالوعي والشعور. ورغم أن هناك من اعتبر نظريته مقتبسة من العالم بيير جانيه، لكن هذا الأخير لم يعول على تلك الفكرة كحقيقة مستقلة عن عالم الشعور، لذا أعاب عليه فرويد كونه اتخذ الفكرة بنحو المجاز لا الحقيقة. وقد أدرك الفلاسفة المعاصرون بداية القرن العشرين ما في نظرية فرويد من جدة وخطورة، لذلك انكروا عليه هذه النزعة الجديدة، فهم لا يفرقون بين الخصائص النفسية والشعورية، فما هو نفسي هو شعوري، والعكس صحيح أيضاً، وبالتالي لا مجال للقول بوجود عالم نفسي آخر يتصف باللاشعور، فكيف إذا ما افترضه فرويد بأنه يشكل الأساس النفسي، وهو أوسع وأعمق غوراً مقارنة بالشعور[1].

وأغلب ما يتعلق بمذهب فرويد في هذا المجال يدور حول (الكبت) كمرض عصابي، حتى جعله النموذج الفعلي للاشعور، فكما يعترف أن مفهومه للاشعور مستمد من نظرية الكبت[2]، وأن الأخير منبع جميع الانحرافات الجنسية، فهو أشبه بإناء محكم الغلق مملوء بالماء ومن تحته نار، فإذا لم يجد مخرجاً انفجر، أو إنه أشبه بماء يجري في قناة أصابها العطب فانسدت في مجراها، فيطفح الماء على السطح ويغمر المكان، وبالتالي إذا لم تجد الحياة الطبيعية مجراها السليم فسيتولد الانحراف وتأتي النتائج عكسية[3]. ويجد الكبت شيئاً من المتنفس عنه لدى الأحلام، حيث الأخيرة تعبير عن الرغبة المكبوتة، وكل رغبة تنبجس في الأحلام لا بد ان تكون رغبة طفلية[4].

هكذا فالذي يطّلع على نظرية فرويد في اللاشعور يجدها تدور حول عقدة الكبت، خصوصاً وان استنتاجاته مبنية على الأمراض العصابية، حتى أقرّ بأن أبحاثه في علم الأمراض قد دفعته وأتباعه إلى تركيز كل اهتماماتهم على ما هو مكبوت. فنظريته العامة مستمدة من علم الأمراض، إذ تنبجس الأعراض المرضية على المستوى السطحي للجهاز العقلي، وهو المستوى الوحيد الخاضع للمعرفة العلمية[5].

وفي البدء كان فرويد يعرّف طريقته في معالجة التحليل النفسي بأنها لا تتضمن إلا تبادل الحديث بين المحلل الطبيب والمريض، إذ يتكلم المريض ويروي أحداث حياته الماضية وانطباعاته الحاضرة، ويتشكى ويعترف برغباته وانفعالاته. ويسعى الطبيب إلى توجيه مسار أفكار المريض ويوقظ ذكرياته، ويوجه انتباهه في وجهة معينة، ويقدّم له تفسيرات، ويرصد ما يثيره فيه من ردود فعل تنمّ عن فهم أو عدم فهم[6]. لكن فرويد استدرك فيما بعد بأن هذه الطريقة لم تحقق ما يرجى، فعمل على تغييرها بأن يطلب من المريض ان يستسلم لعملية التداعي الحر، وهو ان يذكر كل ما يخطر في ذهنه من دون توجيه. وأقرّ بأن عملية التداعي الحر قد حققت النجاح في تحول الأمور المكبوتة من اللاشعور إلى الشعور.

وترتبط نظرية الكبت لديه بعقدة أوديب. وتعود هذه التسمية إلى اسطورة اغريقية استعارها هذا العالم لايضاح ما جاء به من فكرة. وتقول الاسطورة بأنه كان هناك ملك اسمه أوديب قد قتل أباه وتزوج بأمه دون أن يعرف أنهما والديه، ولما عرف بعد ذلك انتابته لوثة عقلية ففقأ عينيه وهجر المدينة إلى الفيافي، وراح يعيش بين الجبال من دون عقل، لذلك صارت هذه الكلمة تطلق على كل مريض شديد التعلق بأمه[7]. فهي تتضمن الكبت والتناقض بين إظهار الرغبة الجنسية اتجاه الأم من جهة، وفعل الضمير الذي ينهى عن ذلك من جهة ثانية.

ويتخذ الضمير هنا دور الأوامر والنواهي، ويتمثل في الأساس بوظيفة الأب ضمن النظام البطريكي، فهو مصدر السلطة والنهي والطابو المعارض للرغبات الجنسية اللاشعورية المتمثلة بما يطلق عليه فرويد (الهو). لذلك كانت عقدة أوديب أقرب علاقة بالأب منه إلى الأم.. ويتضح هذا الحال من محاولة صاحبنا تأويل بعض البيانات الانثروبولوجية لما كانت تفعله قبائل البشر القديمة. فقد تعرّض إلى هذه القضية بشكل مفصل في كتابه (الطوطم والحرام) ثم عاد إلى اختصارها في كتاب (حياتي والتحليل النفسي).

فلقد استعان في هذا المجال بداروين الذي افترض بأن الناس في الأصل كانوا يعيشون بهيئة قبائل، ترزح كل واحدة منها تحت سيطرة رجل قوي عنيف غيور على نسائه كما تفعل قرود الغورلا، لذا خطر في بال فرويد الرؤيا المفترضة التالية:

في قديم الزمان كان رئيس القبيلة طاغية لا حد لسلطانه، فقد استولى لنفسه على جميع النساء، ومنهن النساء المحارم، وحيث ان أولاده كانوا غرماء خطراً عليه فقد قتلهم أو نفاهم. بيد ان الأبناء تجمعوا ذات يوم وائتمروا على ان يقهروا أباهم ويغتالوه ثم يفترسوه، وهو الذي كان عدواً لهم ومثلاً أعلى في الوقت ذاته، وبعد أن تمّ لهم ما أرادوا دبّ الخلاف بينهم فعجزوا عن الاضطلاع بما ورثوا. ولكنهم استطاعوا تحت تأثير الاخفاق والندم ان يصلحوا ذات بينهم، وينتظموا في قبيلة من الأخوة مستعينين بقوانين الطوطمية التي تهدف إلى تجنب تكرر مثل تلك الفِعلة، وأجمعوا أمرهم على ان يتخلوا عن امتلاك النساء اللائي من أجلهن اغتالوا أباهم. وكان عليهم بعدئذ ان يلتمسوا نساءً غريبات، وذلك هو الأصل في الزواج الخارجي الذي يتصل اتصالاً وثيقاً بالطوطمية. وما وليمة الطوطم غير إحياء ذكرى الفِعلة الرهيبة التي نبع منها شعور الإنسان بالذنب (أو الخطيئة الأولى) وكانت مبدأ النظام الإجتماعي والديانة والقيود الاخلاقية في آن واحد.

لقد جاءت هذه الرؤية التأويلية لفرويد اعتماداً على البيانات الانثروبية التي قدّمها الباحثان روبرتسون سميث وفريزر، وهما من العلماء المختصين في دراسة الأساطير القديمة، واعتبر نظريته في الديانة تلقي ضوءاً على الأساس السايكولوجي للتعاليم المسيحية التي لا تزال تهتم بوليمة الطوطم مع تحريف ضئيل في شكل التناول. فقد وجد ضالته عند اطلاعه على كتاب (ديانة الساميين) للباحث روبرتسون سميث، حيث تعرّف من خلاله على ما يُعرف بوليمة الطوطم باعتبارها جزءاً رئيسياً في الديانة الطوطمية، إذ يُقتل فيها الحيوانُ الطوطمُ الذي كان من قبل مقدساً، مرة كل عام، يُقتل في مراسم خاصة على مرأى من جميع أعضاء العشيرة، ويُلتهم بدمه وعظمه ولحمه نيئاً، وهم يرتدون من الملابس ما يجعلهم على على شاكلة الطوطم الذي يحاكون حركاته وأصواته، ثم بعد ذلك يُناح عليه بحسرات وتأوهات، ويعقب الحداد احتفال كبير من البهجة والفرح، حتى انه تنفلت جميع الغرائز من عقالها. وهنا يستشف فرويد طبيعة العيد وجوهره، ويعرّفه بأنه ينشأ عن إباحة ما هو محظور في الأزمنة العادية[8].

فقد لجأ إلى تأويل هذه الطقوس الاحتفالية فاعتبر الحيوان المقدس هو الأب الذي يرأس العشيرة والذي يقوم أولاده بقتله وافتراسه بدمه ولحمه وعظمه، ومن ثم الندم والنياح عليه، وبعد ذلك البهجة والفرح. فالتهامهم للطوطم المقدس يجعلهم يعززون وحدة الهوية فيما بينهم وانهم قد امتصوا الحياة المقدسة عبر الطوطم. وهو يرى ان ذلك شبيه بما تفعله الديانة المسيحية حين تحتفل بأكل الخبز وشرب الخمر، فهما يعبّران عن الجسد والدم المقدسين للمسيح بحسب الرؤية التأويلية.

ويعترف فرويد ان مقدماته الفرضية تبدو مغرقة في الخيال، لكنه يستدرك ويراها بانها تمتاز على ما عداها من الفرضيات بانها تحقق وحدة بين السلاسل المنعزلة والمنفصلة من الظواهر ما كانت لحد الآن متوقعة. فنظرية فرويد في هذا المجال قائمة على إفتراضات داروينية، وهي تضيف إليها سلسلة من الإفتراضات العمودية، مما يجعلها مركبة بعضها على البعض الآخر، وبالتالي المزيد والايغال في التأويل.

فما من ظاهرة إلا وحاول فرويد ان يرجعها إلى التأثير الإسطوري لحادثة قتل الأب وعقدة أوديب، أو الصراع بين الأب والأبناء، فالسلطة السياسية بنظره تتقمص حالة الأب، كما ان الإله في الاديان يتقمص هو الآخر صورة الأب، وان الأتباع عندما يتخذون إطار المعارضة فان ذلك يعني تقمصاً للدور البدائي للأبناء في عزائهم مع أبيهم. أما حينما يتخذون دور الطاعة فهو يعبر عن الرهبة والاعجاب بالأب. فكل شيء يحدث في الحياة الإجتماعية يكون صنيعة هذه المسرحية الإسطورية. حتى خشية الأطفال من حيوان معين مفسّر لديه بما يعني سلطة الأب. وبحسب هذه الفرضية فلقد انتقلت السلطة من يد الأب إلى الأبناء وظلت تحت سيطرتهم مدة من الزمن، ثم عادت مرة أخرى للأب ضمن لعبة الصراع اللاشعوري بين الطرفين، حيث أخذ الأب يثأر لنفسه بعد أن قتله الأبناء[9].

إن المسلك المنهجي الذي اتبعه فرويد يعاكس ما لجأ إليه ماركس، فعوض ان يرتكز على الحاضر لفتح مغاليق الماضي المجهولة لجأ إلى قلب المعادلة من خلال الارتكاز على الماضي المجهول لتأويل الحاضر في مختلف مظاهره وأحواله.

وهناك عدد من الاعتراضات على هذه النظرية يمكن تسجيلها كالتالي:

1ـ لعل أُولى الاعتراضات عليها هو أنها ربما تكون الوحيدة بين النظريات العلمية والفلسفية ربطت مصيرها بالاستناد إلى حادثة عابرة مفترضة جعلتها الأصل المؤثر على سائر الحوادث البشرية والتكوين النفسي للإنسان تقريباً، فهي ليست نظرية حتمية وذات عامل وحيد للتفسير فحسب، بل ان غرابتها تصل إلى حد اعتبار حادثة معينة تفضي إلى ان تكون أصلاً للتوارث والتأثير على مجرى التاريخ والأجيال بلا حدود، وهو ما لم يحدث لدى أيٍّ من الحوادث البشرية مهما كانت عظيمة أو كبيرة. وكأن التاريخ قد بدأ من تلك اللحظة المشؤومة المتمثلة بجريمة القتل السوداء. وقد يصعب ان نجد ما يناظر هذه الرؤية في تأثير حادثة عابرة تقوم بصياغة التكوين النفسي للإنسان وتحديد مصيره ومستقبله من دون منازع، فهي تناظر الصورة السطحية للفهم الديني بما فعلته شجرة آدم المحرمة من سلسلة حوادث الشر والآثام المتعاقبة.

2- لقد لجأ فرويد إلى حادثة مفترضة لقبيلة ما مجهولة وصغيرة وسط قبائل بشرية كثيرة، فلا يعقل ان تكون جميع القبائل قد أصابها ما أصابها من تلك الفعلة بقتل الأولاد للأب ومن ثم تأنيب الضمير والاحتفال بالطوطم كما هو مذكور ضمن عقدة أوديب. وبالتالي فاذا كانت بعض القبائل قد أصابها ما افترضه فرويد، فكيف جاز له تعميم توريث هذه العقدة على كافة البشر، مع ان الأصول البشرية لم تشترك بجريمة تلك العقدة ولوازمها المفترضة؟

3ـ كيف يمكن تقبل ما استند إليه فرويد بتوسعة مداليل ما افترضه داروين حول غيرة رئيس القبيلة شبيهاً بما يحصل لدى قرود الغورلا؟ مع ان الأَوْلى ان يجاب على ذلك بمنطق آخر قائم على حب التملك والتسلط، فهو أقرب للصواب والقبول وفق النظرة المادية الصرفة.. فالأقوى يفكر في الاستحواذ على كل ما يمكن ان تطاله يده من النساء والأموال والعبيد وغيرها. لكن حتى في هذه الحالة فان الأقوى لا يمانع من العطاء المتفاوت لما يملك بحسب من يراه أقرب وأحب اليه، مما يفيض عليه، وسيكون العطاء للأولاد مضموناً من الناحية المبدئية بحكم عاطفة الأبوة والشفقة، وأخرى بسبب الخشية من الانقلاب عليه وقتله. وبالتالي كان لا بد من أن يعطي هامشاً حراً للبقية. ومن الناحية الواقعية ان غيرة الإنسان على النساء ليست بلا حدود، فهو لا يغار على مطلق ما يملكه من نساء عند كثرتهن، لذلك لا يمانع المالك من ان يهب الكثير من جواريه للآخرين.. انما تكون الغيرة للمقربات والمحببات اللواتي يحظين بعلاقة خاصة مع المالك. وحتى في هذه الحالة لا يبالي المالك من ترك الكثير منهن بعد ان يشبع رغباته الجنسية فيهن. بل إن البدائيين كانوا يتميزون بعادة إعارة الزوجة كنوع من الكرم الأخلاقي؛ كالذي يشير إليه ول ديورانت في (قصة الحضارة)[10]. كذلك فان طاقة المالك الجنسية والنفسية لا تتحمل الإبقاء على الأعداد الغفيرة من النساء، فكان لا بد من ان يرضي الآخرين، لا سيما المقربين منه كالأولاد مثلاً.. فعلى الأقل إن فرويد لم يكترث بالطاقة النوعية للنفس البشرية وما تتضمنه من إمكانات ورغبات وعواطف كثيرة ومتنوعة دون ان تقتصر على الجنس والعدوان.

4ـ بحسب المعطيات الانثروبية ليست هناك صورة موحدة لتعامل القبائل البدائية مع المعاشرة الجنسية، فبعض القبائل تتعامل بطريقة مشاعية من الاباحية، وبعضها تتقيد بقيود مختلفة من المنع والتحريم. وحتى الرجوع إلى الحيوانات يجد التنوع في طريقة التعامل الجنسي بين الضوابط وعدمها[11]. ويميل البعض إلى ان الأصل في المعاشرة الجنسية هو المشاع بين أفراد القبيلة، ثم ظهر التقييد بعد ذلك شيئاً فشيئاً، وكانت القيود في البداية بين الأصل والفرع، مثلما هو الحال بين الآباء والأبناء، قبل ان يتحول التحريم بين الأخوة أيضاً، وقد زادت بعض القبائل على ذلك التحريم بين الأقرباء المباشرين.

لكن يبقى ان كل ما يُذكر حول الأصول الفعلية للمعاشرة الجنسية لا يتجاوز التكهنات، خصوصاً وان للقبائل البدائية الحية أنماطاً مختلفة ومتنوعة من هذه المعاشرة، ومن بينها التحريم داخل أفراد القبيلة قاطبة، رغم أنه نادر وليس بالأمر الشائع، وعندما تختص بعض العشائر بهذا النوع من التحريم، فانها تلجأ إلى البديل المتمثل بالزاوج مع أفراد العشائر الأخرى، كالذي يجري وسط بعض القبائل الاسترالية. أما الصورة التي افترضها فرويد حول انفراد الأب أو الرئيس في المعاشرة الجنسية لنساء القبيلة دون غيره، فليس لذلك أثر واضح داخل القبائل البدائية الحية. بل هناك ما يُعرف بحق الليلة الأولى كما يذكره المؤرخ (ول ديورانت)، وهو حق كان يتمتع به الشريف في أوائل العهد الاقطاعي في أوروبا، إذ يجوز له أن يفضّ بكارة العروس قبل ان يُؤذن للعريس بمباشرة الزواج[12].

وبعبارة أخرى، حينما يتحدث فرويد عن الجنس داخل القبيلة كأنه يتحدث عنه داخل الأسرة والعائلة الواحدة وكيف تمّ التحول من جنس المحارم إلى الاقتصار على الغير؛ ليفسّر بذلك كيف ظهر ما يُعرف بتقاليد الزواج. فحادثة القتل تفترض ان الأب معني بمنع الأبناء من الاتصال بنساء القبيلة، وهو إفتراض لا يجد له مسنداً انثروبياً أو تاريخياً، فلا يُعرف لحد الآن أي أثر للاستثناء البطريكي في المعاشرة الجنسية داخل القبيلة. ولو افترضنا بأن منع الأب للأبناء لهذه المعاشرة كان محدداً بالمحارم ضمن الأسرة والعائلة الواحدة دون أن يمتد إلى سائر نساء القبيلة، ففي هذه الحالة سوف لا نجد ما يبرر لماذا وقعت جريمة القتل الإسطورية؟!

5ـ لقد قلب فرويد المعادلة حيث لجأ إلى ما هو مجهول فافترضه كأنه معلوم، ثم حاول من خلاله تفسير ما هو معلوم عبر تأويلاته للحياة البشرية، بما فيها الواضحة المعالم، لتتفق مع الإفتراض الأول. مع ان الأَوْلى هو تفسير الماضي المجهول عبر الحاضر المعلوم، ولو من خلال لحاظ الامكانات والمحالات كالذي كان يؤكد عليه المنطق الخلدوني. فمن خلال سنّة الحياة المشهودة يمكن تفسير مجاهيل الماضي.. وليس قلب الحال من الارتكاز إلى الماضي المجهول لتأويل الحاضر المعلوم.

6ـ لا تستند طريقة فرويد الإسطورية إلى فرضية واحدة بسيطة، بل إلى فرضيات كثيرة معقدة التركيب، فبعضها قائم على البعض الآخر: فمن فرضية استحواذ الأب على النساء قاطبة، إلى فرضية قتل الأب بيد الأبناء، ثم إلى اعتبار الأب رمزاً مقدساً ضمن ولائم الطوطم واحتفالاته، ومن ثم إلى فرضية نقل السلطة إلى الشراكة الأخوية بالمساواة، حتى عودتها إلى الأب من جديد. وفوق كل ذلك فرضية التشكل النفسي بعقدة أوديب نتيجة الأثر الناجم عن حادثة القتل المشار إليها سلفاً. إذ كانت الحصيلة من الإفتراضات الإسطورية الآنفة الذكر هي أن تمّ سحب القضية الانثروبية واسقاطها على التكوين النفسي للإنسان عبر شيء من التقمصات، فقد حملت النفس البشرية هذا الإرث الانثروبي فظل عالقاً بها مثل علوق خطيئة آدم وانحدارها إلى ذريته؛ كشيء محتم لا مفرّ منه.

إن الأب بحسب التقسيم الفرويدي للنفس – كما سبق عرض ذلك - يمثل الأنا الأعلى في قبال المكوّن الأساسي للنفس والمتمثل بما يطلق عليه (الهو). فكلاهما متضادان ومتطرفان إلى الحد الذي ينزع عليهما فرويد القساوة البالغة، فالأول منهما يتقمص صور الأوامر والنواهي، فيبالغ في اتباع قواعد الاخلاق. فكلما غالى الإنسان في ضبط ميوله العدوانية المتجهة نحو الآخرين، كان أناه الأعلى أكثر استبداداً، أي أكثر عدواناً.. فكلما اشتد الشخص في ضبط عدوانه كانت ميول الأنا الأعلى العدوانية التي توجه ضد أنا هذا الشخص أكثر شدة.

أما الهو فهو الجانب الغريزي الذي لا يخضع للمنطق والاعتبارات العقلية والواقعية، فهو لا يفكر بغير اشباع غريزته الجنسية وفقاً لمبدأ اللذة.

ومن الهو يتكون الأنا ومن ثم الأنا الأعلى، وهذه هي الأقسام الثلاثة للنفس لدى فرويد، حيث يتكون الأنا في الأغلب من التقمصات التي تحل محل الشحنات النفسية التي كانت تصدر عن الهو والتي قد توقفت بعد ذلك. وتتصرف أُولى هذه التقمصات دائماً باعتبارها منظمة خاصة في الأنا، وهي تتميز عن بقية الأنا بان تتخذ صورة أنا أعلى، بينما يصبح الأنا فيما بعد حينما ينمو وتشتد قوته أقدر على مقاومة تأثيرات مثل هذه التقمصات.

لقد كان الأنا الأعلى أول تقمص، وهو وريث عقدة أوديب، وقد حدث في وقت كان الأنا فيه لا يزال ضعيفاً. إذ نشأ الأنا الأعلى عن تقمص شخصية الأب باعتباره مثالاً، وكل تقمص من هذا النوع انما هو بمثابة تجرد من الغريزة الجنسية، أو بمثابة إعلاء للغريزة أيضاً. ويظهر أنه حينما يحدث تحول من هذا النوع يحدث أيضاً في نفس الوقت انفصال في الغرائز. وبعد الإعلاء لا يصبح للجزء الجنسي من الغريزة القدرة على ضم كل الجزء الهدام الذي كان منضماً إليه من قبل، فينطلق هذا الجزء في صورة ميل نحو العدوان والهدم. ويصبح هذا الانفصال في الغرائز هو السبب في ذلك الخلق العام الذي يتسم بالخشونة والقسوة اللتين يبديهما الأنا المثالي، أي هذه الأوامر الدكتاتورية التي يصدرها وهي: يجب عليك...

ويمثل الإنسان في حقيقته الهو النفسي المجهول واللاشعوري، ويوجد على سطحه الأنا الذي نما من نواته جهاز الادراك الحسي. فالأنا لا يحيط بجميع الهو، ولكنه يحيط به فقط بالقدر الذي يسمح بتكوين جهاز الادراك الحسي على سطحه، وليس الأنا منفصلاً عن الهو تمام الانفصال، وانما يندمج جزؤه الاسفل في الهو. ولكن الشيء المكبوت مندمج أيضاً في الهو، وهو في الحقيقة جزء منه. والمكبوت شيء قد فصلته عن الأنا المقاومة التي يبذلها الكبت، وهو يستطيع ان يتصل بالانا عن طريق الهو.

وإذا كانت وظيفة الهو غريزية لا تتبع العقل والمنطق، فان الأنا يحاول ان يضع مبدأ الواقع محل مبدأ اللذة الذي يسيطر على الهو، ويلعب الادراك الحسي في الأنا نفس الدور الذي تلعبه الغريزة في الهو. ويمثل الأنا ما نسميه الحكمة وسلامة العقل، على خلاف الهو الذي يحوي الانفعالات. ويقوم الأنا بنفس الطريقة بتنفيذ رغبات الهو كأنها رغباته الخاصة. فهو الذي يقوم بتحوير نزعة الهو نحو أشكال أخرى من الليبيدو والإلتفاف على الأنا الأعلى بالعمل خارج اطار النهي والتحريم. وتقوم جميع خبرات الحياة التي تصدر من الخارج بزيادة ثروة الأنا، أما الهو فعالم خارجي آخر بالنسبة إلى الأنا، وهو يسعى لكي يخضعه لسلطته.

إن التحليل النفسي عبارة عن وسيلة تمكن الأنا من زيادة سيطرته على الهو.. إن الأنا مخلوق ضعيف يقوم بخدمة أسياد ثلاثة، وهو مهدد تبعاً لذلك بثلاثة أخطار مختلفة: من العالم الخارجي، ومن ليبيدو الهو، ومن قسوة الأنا الأعلى. والأنا يحاول ان يتوسط بين العالم والهو، وأن يجعل الهو يسلم بمقتضيات العالم. والأنا ليس فقط حليف الهو، وإنما أيضاً عبد مستسلم يطلب حب سيده، وهو يحاول ان يظل على صلات طيبة مع الهو كلما كان ذلك ممكناً، وهو يسدل ستار التبريرات القبل شعورية على الرغبات اللاشعورية الخاصة بالهو. والأنا يقوم باخفاء صراعات الهو مع الواقع، وبإخفاء صراعات الهو مع الأنا الأعلى أيضاً. فالأنا يتعامل وفق نهج التلفيق والإلتفاف، حيث يسعى للإلتفاف على الأنا الأعلى ليتلبس بأشكال من الليبيدو خارج إطار الطابو والتحريم الذي يفرضه الأب أو الأنا الأعلى.

فالأنا هو كالهو يخضع لتأثير الغرائز أيضاً، فليس الأنا في الواقع إلا جزءاً من الهو قد تحول بصفة خاصة[13]. وبالتالي يبقى جوهر الدافع النفسي هو ذاته لا يتغير، وهو اللذة والغريزة أو الليبيدو.

ويمكن ان نستنتج بحسب هذه النظرية بان الإنسان هو حيوان مكبوت أو مريض، فهو الوحيد من بين الكائنات يعاني من مرض الكبت بفعل الإصابة بعقدة أوديب، أو الصراع الداخلي بين الهو والأنا الأعلى والذي يتوسط بينهما الأنا للتخفيف من شدة سطوتهما المرضية قدر الامكان، ومنه ينشأ الابداع والتطور الحضاري.

ويلاحظ ان فكرة اللاشعور تأسست طبقاً لحالة المرض العصابي المتمثل بالكبت، كما انها اقترنت بإفتراضات إسطورية يراد منها تأكيد التأصل المرضي للإنسان.. ولم يكن هناك مجال للبحث إن كانت التقسيمات النفسية التي يصطحبها المرض الكبتي قد نتجت بفعل الإرث الإسطوري الطوطمي، أم ان العكس هو الصحيح.. فيبدو من نظرية فرويد ان الإرث هو الأساس في الموضوع وفق ما أكد عليه من ظهور التقمصات النفسية للدور الإسطوري الذي كان يمثله الأب أو رئيس القبيلة في قديم الزمان..

وقد يكون من الواجب الفصل بين فكرة اللاشعور وبين جميع المضامين المرضية والإسطورية المذكورة حولها. فعالم اللاشعور أوسع مجالاً من الحالات المرضية، ونجد لذلك بعض الاشارات التي قدمها كارل يونغ بهذا المجال، فهو يرى ان نظرية فرويد ومثلها نظرية أدلر لا تختلفان الا بالتفاصيل، لكنهما يشتركان في صب الاهتمام على وجود عقدة نفسية عامة دفينة في اللاشعور النفسي، أياً كانت هذه العقدة سواء تتعلق بالليبيدو الجنسي، أو بحب السيطرة والشعور بالنقص كما يفترض ذلك أدلر. فلدى يونغ ان كل ما يتعلق بالكبت يدخل ضمن نطاق اللاشعور الشخصي، لكن يضاف إلى ذلك وجود طبقات أعمق من الصفات والخصائص المشتركة العامة، وتندرج ضمن عنوان (اللاوعي الجمعي)، وهو إرث الإنسانية جمعاء[14]. وبعبارة أخرى ان دائرة اللاوعي الجمعي لدى يونغ لا تشتمل على المكتسبات الشخصية الخاصة بأنانا الفردية كما في الكبت، بل على المضامين الناتجة عن الامكانات الموروثة من الوظيفة النفسية بشكل عام. فهو يتألف من مضامين من غير اعتبار الحقبة التاريخية أو الفئة الإجتماعية أو الأثنية، وهذه المضامين هي مستودع ومخزن ردود الأفعال النموذجية للبشرية انطلاقاً من الأزمنة البدائية وبلوغاً إلى الأوضاع البشرية الشاملة أو العالمية، كالخوف والاحساس بالخطر، والصراع ضد السلطة العليا، والعلاقات بين الجنسين، وبين الأبناء وآبائهم، والكراهية والحب، والولادة والموت، وهيمنة المبدأ المضيء أو المظلم.. الخ[15].

ولئن كان الجنس بنظر فرويد، وإرادة القوة بنظر أدلر، المبدأ التفسيري الرئيسي للحياة الإنسانية قاطبة، فان ما يعول عليه يونغ هو وجود محرضات نفسية أخرى تتساوى أهمية مع هذين العاملين. فهو يرفض ان يجعل من عنصر واحد المصدر الوحيد لكل الاضطرابات النفسية، بل يرى ان النفس البشرية تختص بالحاجة الروحية والفطرة الدينية. وتشكل هذه النقطة حجر الزاوية الأساس من نظريته. وكما يقول: «يظهر الفعل الروحي في النفس وكأنه غريزة أو فطرة، كأنه عاطفة حقيقية، فهو مبدأ فريد وفذ». وبالتالي فالروح ليست ظاهرة ثانوية، بل هي أساس كل شكل نفسي وربما كل شكل فيزيائي أيضاً.

من هنا يقدّم علم النفس اليونغي تماثلات وثيقة بالفيزياء النظرية، خاصة فيما يتصل بالجانب الصوفي لهما. إضافة إلى ان كلاً منهما يحمل فروضاً تبدو متناقضة، بل وان تعبيرات يونغ حول عدم قدرة التجارب ان تعطينا ما يكفي من المعلومات والبيانات هي مثل تعابير الفيزيائيين حول ذلك، فكلاهما يعترف بأن هناك حداً تنتهي فيه المعرفة التجريبية لتبدأ الميتافيزياء[16].

وفي النهاية نقول إنه لا مسوّغ لجعل المرض الكبتي ملازماً لنشأة الإنسان بفعل الصراع الداخلي المفترض بين أقسام النفس الثلاثة، وأيضاً لا دليل على كون المكبوت قد نجم عن الإرث الإسطوري الذي يحدثنا حوله فرويد. ولو صح ما يقوله الأخير لكان يدخل ضمن اطار (اللاوعي الجمعي) كالذي يطلق عليه يونغ. لكن مع هذا فان فرويد يعترف بوجود هامش لبعض القضايا اللاشعورية خارج نطاق المرض والعصاب الكبتي..

وبالتالي كان لا بد من أن نحتفظ بفكرة اللاشعور ونتعامل مع حالاتها وفق أفق رحب لا علاقة له في الغالب بالمرض ولا بالأساطير المفترضة.

 

[1] سيجموند فرويد: حياتي والتحليل النفسي، ترجمة مصطفى زيور وعبد المنعم المليجي، دار المعارف القاهرة، عن مكتبة الموقع الالكتروني: www.4shared.com.

[2] سيجمند فرويد: الأنا والهو، ترجمة محمد عثمان نجاتي، دار الشروق، الطبعة الرابعة، 1402هـ ـ 1982م، عن مكتبة الموقع الالكتروني: www.4shared.com.

[3] سيجموند فرويد ووليم شتيكل: الكبت، ترجمة علي السيد حضاره، مكتبة الشعبية، القاهرة، عن مكتبة الموقع الالكتروني: www.4shared.com.

[4] سيجموند فرويد: تفسير الأحلام، ترجمة مصطفى صفوان، مراجعة مصطفى زيور، دار المعارف، القاهرة، عن مكتبة الموقع الالكتروني: www.4shared.com.

[5] فرويد: الأنا والهو.

[6] فرويد: مدخل إلى التحليل النفسي.

[7] فرويد وشتيكل: الكبت.

[8] فرويد: حياتي والتحليل النفسي. والطوطم والحرام، ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، عن مكتبة المصطفى الإلكترونية www.al-mostafa.com.

[9] فرويد: الطوطم والحرام.

[10] ول ديورانت: قصة الحضارة، ج1، ترجمة زكي نجيب محمود.

[11] انظر حول الزواج في التراث الشرقي المصدر السابق.

[12] نفس المصدر.

[13] انظر حول ما سبق: فرويد: الأنا والهو.

[14] كارل يونغ: جدلية الأنا واللاوعي، ترجمة نبيل محسن، دار الحوار للنشر، اللاذقية، سوريا، الطبعة الأولى، 1997م، عن مكتبة الموقع الالكتروني: www.4shared.com.

[15] يولاند جاكوبي: علم النفس اليونغي، ترجمة ندره اليازجي، الاهالي للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق، الطبعة الاولى، 1993م، عن مكتبة الموقع الالكتروني: www.4shared.com.

[16] علم النفس اليونغي.

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

لنفهم فرويد و نضيف إليه غالبا أعود الى جاك لاكان. فهو في المبادئ الأربعة للتحليل النفسي يفكك فرويد و يشرحه و لا سيما من خلال ما يسميه بمبدأ التكرار. Repition. مشكلة لاكان أنه يقوم بنقل المصطلحات الألمانية الى الفرنسية. و اللغتان من جذرين مختلفين بنيويا و لذلك يحتاج لانتباه و تركيز شديد. مقالة مكثفة و تغني عن عشرات الدراسات و الكتب. لكن بالتسبة للطوطم و التابو بعد قتل الأب ندم الأبناء و اعادوا للأب الاعتبار و من هنا نشأت فكرة العبادة و الله.

صالح الرزوق
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3101 المصادف: 2015-03-02 23:17:46