 أقلام فكرية

خطاب الفرقة الناجية من العنف الطائفي الى العنف العالمي

raed jabarkhadom"ولمَّا كانت المشاعر مصدراً للأفكار فإنما يقع بين الأفكار من عراك هو بالحقيقة يقع بين المشاعر، والشعوب التي يظهر أنها تتقاتل من أجل بعض الأفكار هي تتقاتل في الواقع من أجل بعض المشاعر التي تشتق منها تلك الأفكار. " غوستاف لوبون. كتاب الآراء والمعتقدات. ص 87.

تاريخ العنف قديم قدم الوجود البشري، وتم ممارسته لأول مرة على يد هابيل تجاه اخيه قابيل، وبدأ بعد هذه القصة العنفية مشوار العنف البشري تجاه بعضهم البعض، باختلاف توجهاتهم الفكرية والدينية والقومية والثقافية والسياسية.

ونزعة العنف والشر متجذرة في الذات البشرية، فهي لا تخص مجتمعاً من المجتمعات ولا فئة دون فئة، ولا قومية دون قومية، ولذلك علينا الاعتراف بأن البشر يمارسون العنف ولكن بنسب متفاوتة، من فرد الى آخر ومن مجتمع الى مجتمع، بحسب طبيعة ومزاج وبيئة وسياسة وتربية وثقافة الافراد والمجتمعات .

ونحن هنا نريد الاشارة الى قضية نشوء ووجود جذور العنف وممارساته في الفكر الاسلامي من خلال حديث وفكر الفرقة الناجية، الذي انتج فلسفة سقيمة وعقيمة، واغرق البلاد والعباد في مشاهد عنفية ودموية وطائفية ومذهبية مقيتة طوال عصور تاريخية مضت، ودفع الفرد والمجتمع العربي والاسلامي ضريبة ذلك الحديث والفكر التكفيري التطرفي الخطير الى يومنا هذا وسيظل هذا الفكر والمنطق ساري المفعول فينا مالم يتم نقده ورفضه وازالته من خانة فكرنا المنحرف والمتطرف.

لقد اسس حديث الفرقة الناجية الذي يقول مضمونه ان رسول الله محمد (ص) قال: " ستفترق امتي الى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار الا واحدة " اسس الى علم فرقي تكفيري مبكر في الفكر والثقافة الاسلامية، والى فلسفة متطرفة في الحكم والاعتقاد، او العبادات والمعاملات والاعتقادات، فعليه بنى الكثير من الفقهاء والمتكلمين والمؤرخين اسسهم المعرفية والفكرية والكلامية والاجتماعية والسياسية، وبالتالي ادى الى تمزق وتفرق وتشظي الفكر الاسلامي والمسلمين فيما بينهم على مدى عصور مرت ولا تزال وسيظل هذا الحال الى المستقبل مالم يتم نقد تلك الاسس والمرجعيات والغائها بالكامل واستبدالها بأسس معرفية وفقهية وفكرية عقلانية انسانية قيمية جديدة تنسجم والعالم الجديد الذي نعيش فيه والذي كشف لنا بفضل العلوم والمناهج الفكرية والفلسفية الكثير من الاخطاء والزيف الممارس تاريخياً من قبل العلماء والقادة والحكام تجاه الناس والمجتمعات والتاريخ والحياة.

ان الامم والشعوب والمجتمعات الفاعلة الحية تسعى يومياً لتقديم الشيء المفيد والناجع لأفرادها كي ينعم الجميع بحياة هانئة ومتقدمة مبنية على اسس انسانية نبيلة نابعة من الشعور الحقيقي بقيمة الانسان وكرامته ومقامه الكبير في هذا الوجود.

الا اننا للأسف لا نجيد وعي الحياة ومعرفة قيمتها الحقيقية وأبعادها الجمالية والقيمية والانسانية التي تختلف عن كل المخلوقات والمجتمعات الاخرى، ولم نحسن ادارة وجودنا كما ينبغي ان يكون، واننا للأسف اعطينا للآخرين عن انفسنا انطباعاً وتصوراً سيئاً، من خلال الممارسة الخاطئة للفكر والوعي والفعل، ان الفكر الاسلامي اليوم يتحرك، ولكن بخطوات بطيئة، وان مجتمعاتنا العربية والاسلامية ساكنة راكدة في اماكنها، بسبب السلطة الدكتاتورية الممارسة من قبل الحكام والسياسين، وبسبب استخدام السلطة الدينية بصورة مشوهة، وجعلها خادمة للسياسة في احايين كثيرة.

لقد شهد تاريخنا العربي والاسلامي عنفاً كبيراً تم ممارسته لمدد طويلة من ذلك التاريخ ولا زلنا نعيشه الى اللحظة، عنف مذهبي وكلامي وسياسي واجتماعي وفكري وجسدي على اشده، بين اتباع الدين الواحد، الذين يشهدون ان لا اله الا الله وان محمداً رسول الله، وما ذلك الا بسبب الفتن والاحداث المذهبية والطائفية الضيقة والمقيتة التي تحصل بين المسلمين بين مدة واخرى، متناسين وحدة الدين، ومشتتين ومختلفين احزاباً وفرقاً وجماعات، وكل حزب بما لديهم فرحون، ويحسبون انهم الفرقة المنصورة في الدنيا والناجية في الاخرة.

ان هذا المنطق العنفي جثم على فكرنا سنين طوال، وفقدنا على اثره الكثير من الارواح والثروات والتضحيات الجسام وملايين القرابين قدمت لأرباب العنف والقسوة والكراهية والطغيان، وما كان ذلك ليكون لولا وجود الطبقة السياسية والدينية المستبدة والمتسلطة على رقاب الناس بحد السيف طوال التاريخ، ومستفيدين من بساطة النفوس وسذاجة عقول الناس، ولذلك سعوا بكل ما اوتوا من قوة وسلطة وقرار ان ينشروا الخوف والرعب والزيف والعنف بين العامة كي يجعلوا عاليها سافلها وتكون الامور من نصابهم فقط لا يشاركهم في السلطة والقرار والرأي احد.

لقد عاش الفرد والمجتمع العربي والاسلامي حياة دموية وتطرفية وتكفيرية مرعبة ولفترات طويلة ، حدثت خلالها كوارث واحداث كبرى ىسجلها التاريخ وشهد لها الكثير، وكان وراء ذلك فكر متطرف ومتزمت لا يعرف للتنوير والوعي والتغيير طريق، وقد وُظف لهذا الفكر العنفي التكفيري المتطرف رجال واموال ومنظمات وافكار عابرة للقارات، واصبح العنف والتطرف والارهاب الفقه والمنطق المتداول بين الدول والمجتمعات والشعوب بفضل اجندات سياسية ودينية خطيرة وسيئة مدفوعة الثمن.

صراحة ان قضايا وافكار ومصطلحات مثل التكفير والعنف والخروج عن الملة والشريعة والدين من الافكار والثقافة التي انتشرت في بنية الفكر العربي والاسلامي منذ زمن طويل، وروج لهذا الفكر كُتاب وفقهاء وحكام السوء والكراهية ممن ينتسبون زوراً للاسلام، ويشيعون الفوضى والاضطراب والجريمة والخراب بين ابناء الدين الواحد، وهدفهم الاساس هو تقويض هذا الدين وتشويهه ونقل صورة سلبية عنه للآخرين خارج الدين الاسلامي، واعطاء صورة سوداء ومقيتة عن ديننا لا تنسجم ومنطق الحياة والحب والخير والقيم النبيلة والسلام .

ان عدم الايمان بالآخر، الآخر من داخل الدين او خارجه، من الامور الراسخة في عقيدة وفكر الكثير من المذاهب الاسلامية وتراثهم، وهذا يتضح من خلال المؤلفات التي كُتبت من قبل مفكري كل فرقة وطائفة في الاسلام، وكل كاتب وفقيه ومتكلم يريد بيان فضل ومقام فرقته على الفرق والطوائف الاخرى، متخذاً من حديث الفرقة الناجية سنداً عقدياً وفكرياً لرجاحة فرقته وتطابقها مع القرآن الكريم والسنة النبوية.

وهذا الامر ادى الى احتراب المذاهب الفقهية والكلامية الاسلامية فيما بينها، وسعت كل جماعة اخراج خصمها من الدين وتكفيره، ولم يقف الامر الى هذا الحد بل تجاوزه الى مزيد من العنف والقتل والتشريد والى احداث شرخ كبير في بنية الفكر الاسلامي، ويتضح ذلك منذ وفاة النبي الاكرم محمد (ص) الى يومنا هذا.

كل شيء في هذا العالم يتقدم تقدماً كبيراً الا وجودنا الانساني فأنه يتراجع تراجعاً كبيراً الى الوراء والعودة الى الماضي المقيت، الماضي والتاريخ المزيف الذي لا نتشرف بالانتساب اليه ولا نعترف به، لانه ماضي يمحق وجودنا وينتقم منا ولا يعترف بكرامتنا، ويوظفه البعض منا على البعض الآخر الى اليوم لممارسة امراضه وغطرسته وتطرفه الشخصي والمذهبي والسياسي، ويحاول كسب الشرعية والمشروعية لهذه الممارسات العنفية الدموية الفاسدة.

لقد اسهمت الكتابات والقراءات والتفسيرات الكلامية للنص الديني بدور كبير في تقديم السند الفكري والعقدي للحكام والسياسيين المسلمين، مما سمح لهؤلاء لممارسة العنف والتطرف والارهاب مع خصومهم ومعارضيهم، وقد شهد تاريخ المسلمين الكثير من ضحايا العنف والتطرف الديني والكلامي والسياسي بأختلاف الفرق الكلامية والفقهية واختلاف سياسات الحكم في الاسلام.

وقد اكد الباحثون على ان تحقيق الموضوعية والعلمية في نقد التراث الاسلامي والاستبداد المذهبي امر مستحيل، لانه كل من ينتمي لمذهب لا يرى نصب عينيه الا الخصوم لينتقدهم، اما عقيدته فهي مثار نقد من قبل الآخر المختلف عنه في العقيدة والفكر، اما هو فيغض النظر عن تراثه الموروث، لانه ينظر من زاوية واحدة فقط، ولا يرى في مذهبه خللاً او عثرة تستحق التحليل او النقد، وهذا ما جعل الباحث في المذاهب والفرق الكلامية والفقهية ينحرف عن الصواب، وهذا بدوره جعل الناس يقعون ضحية التاريخ والتراث والتطرف والاستبداد الديني والسياسي.

لقد تلونت وتلوثت حياتنا ووجودنا بتلون واختلاف افكارنا وعقائدنا، بدلاً من ان يكون هذا الامر عاملاً ايجابياً يتم استثماره من اجل التعايش والحوار والمحبة بين الاطياف المختلفة اصبح اليوم وبالاً علينا لا نحتمل وجوده، بسبب فكر ومنطق الفرقة الناجية الذي يكفر الآخر مهما كانت صورته، هذا الفكر الذي يدعو لهيمنة وسيطرة وسطوة الفكر والمذهب الواحد على حياة ومسيرة وفكر وثقافة الآخرين، والذي يعمل على تنحيتهم من الوجود ويرفض تواجدهم في خارطة الحياة، لانهم يمثلون عقبة وعقدة كبيرة في نفوس ورؤوس اصحاب الفرق الناجية ومنهجم التكفيري.

ان منظوماتنا الفكرية والثقافية والسياسية والاجتماعية ذات بنية متهرئة وخطاب متشنج منذ زمن مبكر من تاريخ الفكر العربي الاسلامي، واننا اليوم نعيش ذلك التراث الاسود وورثنا تلك التركة الثقيلة من ذلك التاريخ والواقع المنحط الذي شهد انكسارات وتصدعات وانشقاقات على مستوى الفرد والمجتمع والدولة، بسبب سموم العنف والتطرف التي يبثها فقهاء السوء والكراهية وساسة الجور والطغيان.

اننا بأمس الحاجة اليوم الى تطهير تاريخنا وتنقيته مما علق به من تلك النفايات والافكار الكريهة التي تحسب على ثقافتنا وديننا، وان نعمل ونجتهد على تثبيت ما ينفع الناس وازالة كل زبد مضر ومؤذ بالآخرين، وان نعمل وفق انسانيتنا وان تكون هي العامل المشترك في قياس الاشياء، لانها الهوية الحقيقية الوحيدة التي توحدنا، ونبذ كل ثقافات وسياسات العنف الديني والطائفي والعنصري والسياسي والاجتماعي والتربوي في هذا العالم.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3111 المصادف: 2015-03-13 01:31:14