 أقلام فكرية

السببية والزمن الفيزيائي

(دراسة مهداة الى صاحب القلب الكبير المفكر غالب الشابندر.. كتعبير عن مواساتي لفقد نجله الاكبر ومحبتي الدائمة بلا حدود)

 

معلوم ان هناك اتجاهين رئيسيين لتفسير علاقة السببية في الطبيعة، هما الاتجاه العقلي كما لدى المنطق الارسطي، والاتجاه الحسي التجريبي كما لدى جون لوك وديفيد هيوم والوضعيين والماركسيين وغيرهم. ويركز الاول على وجود عنصر ميتافيزيقي يتوسط بين السبب والمسبب، يطلق عليه (الضرورة) او الحتمية. أما الاخير فيميل الى اعتبار السببية مجرد تتابع اقتراني بين حادثتين تتصفان بثلاثة شروط، هي الاقتران المكاني والزماني والتتابع المضطرد، ويمكن تقليصها الى خاصتين حسيتين هما الاقتران المكاني والتعاقب الزماني المضطرد بين الحادثتين، وانه وفق هذا الاتجاه لا توجد علاقة اخرى تتخلل هذه الاقترانات، فالحس والتجربة لا يشيران الى عنصر اخر جديد في المعادلة، وبالتالي لا دليل على علاقة الضرورة او الحتمية، فهي مفترض ميتافيزيقي خارج نطاق الحس والتجربة. ويترتب على هذا الامر الزعم القائل ان من الممكن ان يحضر السبب من دون مسبب، او يحضر المسبب مع عدم وجود السبب، وبهذا المعنى تكون العلاقة بين ما يسمى (سبب) وما يسمى (مسبب) صدفوية رغم تتابعهما المضطرد.

فهذا هو المذهب الحسي التجريبي ويخالفه الاتجاه العقلي الذي يؤمن بان السببية تتضمن ضرورة موضوعية صارمة، وبالتالي فهو ينفي امكانية وجود مسبب من غير سبب، او العكس. وهو حينما يدعي ذلك لا يقدم دليلاً تجريبياً على دعواه، بل يشير فقط الى الجانب المضطرد للعلاقة، وبالتالي فالضرورة او الحتمية هي مفترض ميتافيزيقي يترتب عليه ان لا يتخلف المسبب عن سببه، ولا السبب عن مسببه، فعلاقتهما تتصف بالحتمية التي تقتضي المعاصرة او الآنية المطلقة.

ومع ان هناك من حاول اثبات الضرورة السببية عبر الدليل الاستقرائي، الا ان التحقيق يثبت ان هذه المحاولة خاطئة. ففي (الاسس المنطقية للاستقراء) سعى المفكر محمد باقر الصدر الى البرهنة على عنصر الضرورة من خلال الاختبارات الاستقرائية، لكن سعيه لم يصادف النجاح كما كشفنا عنه في (الاستقراء والمنطق الذاتي)، وقد تراجع الصدر ذاته عن هذه المحاولة في دراسة متأخرة؛ معترفاً بان الضرورة هي عنصر غيبي لا يخضع للاختبار التجريبي والاستقراء .

ان تحديدنا السابق للاتجاهين العقلي والحسي التجريبي لا يفرق بين السببية العامة والخاصة. فوفق الاتجاه العقلي انه مثلما تصدق الضرورة في حالة السببية العامة القائلة: لكل حادثة سبب ما، فانه تصدق ايضاً في حالة السببية الخاصة؛ مثل تخللها للعلاقة التي تربط تمدد الحديد بالحرارة. في حين يخالفه الاتجاه التجريبي بنفي الضرورة في كلا الحالتين (العامة والخاصة). وبالتالي فالمذهبان يفترقان حول ما سبق باتساق.

لكن توجد بعض الاتجاهات الوسطى التي تعالج السببيتين العامة والخاصة معالجة مختلفة، كالذي نجده لدى التفكير الكلامي الديني. فعموم هذا التفكير يعترف بالسببية العامة، وهو يعزو اساس الحوادث الى مبدأ الوجود الاول، فهو العلة الحقيقية التي تقف وراء جميع الحوادث وارتباطاتها. وبالتالي يعتمد هذا التفكير على السببية الغيبية في تفسير العلاقات الكونية، أما السببية الخاصة فنجد حولها شيئاً من الاختلاف مع الاعتراف بانها ليست ضرورية كما هي الحال لدى السببية العامة.

فهناك الاتجاه الذي يحدد علاقة السببية بالاقتران والتتابع من دون تضمّن الضرورة والتأثير، اذ يقتصر الاخير على السببية الغيبية او الارادة الالهية، وهي الفكرة التي تبناها الاشاعرة والكثير ممن ينتمي الى الاديان السماوية، فلديهم ان علاقات الطبيعة هي مجرد علامات، اي انها صدفوية تفسرها العادة النفسية من دون ان يتخلل التأثير فيما بينها. فالتأثير لدى الاشاعرة هو خلق متجدد باستمرار طبقاً لقاعدة (العرض لا يبقى زمانين)، فكل ما نراه من اتصال جسمي يعبّر في الحقيقة عن تفكك وانفصال دائم وإن أوهمنا باتصاله. فضآلة اللحظات او الآنات المتجددة بتجدد الخلق هي ما تجعل الاشكال الجسمية تبدو متصلة ومتناغمة؛ رغم انها مفككة على الدوام، والله هو من يعيد خلقها بعد افنائها في كل آن. وبالتالي لا تأثير للاشياء بعضها في البعض الاخر، بل الكل مفكك وخاضع للتأثير المباشر من قبل المبدأ الحق، وفقاً لقاعدة (لا فاعل في الوجود الا الله). فجميع الكائنات، سواء باشكالها الذاتية او بعلاقاتها الخاصة، تعبر عن أعراض تتجدد في كل آن وزمان، وان اقتراناتها تتصف بالمصحابة دون ان يكون لها ادنى تأثير، وما نعتبرها اسباباً انما هو بفعل الوهم والخداع نتيجة (العادة النفسية)، وهي المقولة التي رددها الفيلسوف الحسي ديفيد هيوم فيما بعد.

كما هناك الاتجاه الذي يقف وسطاً بين من يقول بالضرورة السببية ومن يرى انها تتابع مقترن، حيث الاعتراف بتأثير السبب على المسبب وان لم يصل الحد الى الضرورة، ويتمثل هذا الاتجاه بابن حزم الاندلسي صاحب نظرية الطبائع المخلوقة، وقبله الكثير من المعتزلة ممن يقولون بنظرية التوليد .

كذلك هناك الاتجاه الذي يستند الى السببية في بعدها المعرفي الذاتي لتحديد جانبها الموضوعي، كما يتمثل بمذهب فيلسوف القرن الثامن عشر الالماني عمانوئيل كانت. فهو يرى ان الاشياء بوصفها موضوعات للتجربة الممكنة، او القابلة للمعرفة، هي رهينة الافتراض القبلي للضرورة السببية وغيرها من المقولات، وبدونها تسقط هذه المعرفة. فمبدأ السببية هو مبدأ امكان التجربة التي تعمل على تنظيم الظواهر الطبيعية، وهو لا يمتد الى ما ورائها، اي الى (الشيء في ذاته). فمثلاً ان النفس البشرية كشيء في ذاته لها ارادة حرة لا تخضع لهذا المبدأ وقوانينه الحتمية. وكي لا يحصل تناقض بين القول بالضرورة السببية والارادة الحرة، كان لا بد من افتراض وجود عالمين مختلفين للشيء، ظاهر وباطن، وهما المطلق عليهما عالم الظواهر الخارجية (فينومينا) وعالم الشيء في ذاته (نومينا) . والاول هو عالم تنتظم موضوعاته وتتلون وفقاً لطريقة تصورنا عبر الحدس الحسي، فتصطبغ بهيئة (الشيء لذاتنا)، وبالتحديد انها تخضع لمبدأ السببية وسائر المقولات القبلية للذات البشرية، خلافاً للثاني الباطني (الشيء في ذاته) الذي يغيب عنده المبدأ المذكور مع غيره من المقولات القبلية بما فيها الرياضيات. ومع ذلك فان كانت يجعل الصلة بين العالمين رهينة السببية ذاتها، ويعبر عنها – هنا - بالعلية، وهي صلة الوصل بين الارادة الحرة للشيء في ذاته والضرورة السببية في عالم الظواهر الطبيعية . لكن يظل الشيء في ذاته غير خاضع للسببية الصارمة وغيرها من المقولات القبلية. فلكون هذا العالم يعبّر عن ارادة حرة فانه يكون خارج حدود امكان التجربة التي يؤسسها مبدأ السببية الحتمية وسائر المقولات.

ويظل الواقع الموضوعي لدى عمانوئيل كانت مزدوجاً بنوع من المفارقة، وهو يشابه ما يدعو اليه العرفاء من وجود عالمين متناقضين، احدهما ظاهر يمتثل لكل القضايا المنطقية والعقلية والضرورية، في حين ان باطن هذا العالم يتحرر كلياً من هذه القيود دون ان يمتثل لها أبداً. فحتى بخصوص مبدأ عدم اجتماع الاضداد فانه لا يتحكم بهذا العالم الخفي، فهو جامع الاضداد والتناقضات، وهو المتحرر من كل قيد وشرط ووصف، وهو الأحد بلا إسم ولا رسم ولا نعت . وهو بالتالي أشبه ما يكون (الشيء في ذاته) المجهول الهوية واللامشروط بحسب تعبير كانت.

وهذه الصورة هي ايضاً شبيهة بما دعت اليه النظريات الفيزيائية المعاصرة في التفرقة بين العالمين الكبير والصغير، او الجسمي المشهود والجسيمي الخفي المناقض للاول في علاقاته وقوانينه، ومنها تلك التي ركّز عليها كانت قبل اكثر من قرنين؛ كالسببية والزمان والمكان.

          ***   

وباستثناء نظرية عمانوئيل كانت، تتفق الاتجاهات التي عرضناها آنفاً على نقطة رئيسية واحدة؛ هي اتصاف السببية بحالة الاقتران المكاني والزماني المضطرد في الواقع، كما تدل عليها النظرة الحسية، لكنها تختلف فيما بينها حول قضيتين غير حسيتين، هما التأثير والضرورة، والرابط بينهما هو الاقتضاء، اذ الثانية تقتضي الاول من دون عكس. فلو اننا آمنا بالضرورة السببية لاقتضى الامر الاعتقاد بالتأثير، أما لو اقتصرنا على الاخير؛ لما دلّ ذلك على الضرورة، مما يعني ان احدهما لا يكافئ الاخر او يساويه.

وبالتالي يمكن تحديد مواقف الاتجاهات السابقة من قضيتي التأثير والضرورة كما يلي:

فالمذهب العقلي الارسطي يثبت الضرورة، وهو ما يعني التزامه بمنطق التأثير ايضاً. وعلى خلافه المذهب الحسي الذي يكتفي باثبات الصفة الحسية للاقتران واضطراد العلاقة السببية، وينكر غيرها من العناصر الميتافيزيقية المفترضة كالضرورة والتأثير، رغم انه من الممكن الاستدلال على عنصر التأثير – دون الضرورة – لدى العلاقة السببية الخاصة بالدليل الاستقرائي . فالفارق الوجودي بينهما هو ان التأثير ليس بشيء كينوني، بل هو فعل يحتاج الى فاعل مؤثر وفق مبدأ السببية العامة، ويمكن الاستدلال على خصوصية هذا المؤثر (غير المحسوس) عبر منطق الاحتمال والدليل الاستقرائي. في حين ان الضرورة ليست بكينونة ولا بفعل، بل هي أمر عدمي اعتباري، فكل ما تعنيه ان الشيء يظل على حاله من الوجود او العدم دون ان تكون له قابلية على التغير مطلقاً، وهي من هذه الناحية العدمية غير قابلة للاستدلال.

يبقى ان الكثير من المعتزلة وابن حزم الاندلسي يؤيدون فكرة تأثير السببية الخاصة دون الضرورة. أما عمانوئيل كانت فله موقف آخر ازدواجي، فرغم انه يعتبر مبدأ السببية من الضرورات القبلية التي تصدق على الظواهر الطبيعية، لكنه ينفيها عندما يتعلق الامر بالشيء في ذاته العصي عن العلم والمعرفة.

 

صياغة نظرية جديدة

بالاضافة الى ما سبق يمكن صياغة نظرية جديدة لفهم علاقة السببية وفقاً للتحليل الفيزيائي. لكن هذا التحليل لا يمس المفهوم العام لها، بل مفهومها الخاص. فالسببية العامة ثابتة وفق ما سبق ان صنفناها في بعض الدراسات ضمن (الضرورات الوجدانية). وليس هو الحال ذاته فيما يخص السببية الخاصة، فالعلاقة التي تتضمنها الاخيرة وان بدت للمراقب بانها دالة على المعاصرة والضرورة، لكن من الممكن تفكيكها وجعلها تتضمن حادثتين تتصفان بالسبق دون المعاصرة، ومن ثم دون الضرورة والحتمية، وفق الزمن الفيزيائي المايكروي.

والعملية ليست مجرد تتابع زمني مقترن، كالذي يصوره المذهب التجريبي، بل هناك نوع من التأثير الحقيقي يبدأ منذ اللحظة التي يؤثر فيها السبب على المسبب، او اللحظة التي يتولد فيها المسبب بفعل السبب، وهي لحظة فيزيائية غاية في الضآلة، فهي البداية الاولى للخلق والتأثير دون ان تسبقها بداية ما قبل. وبحسب القياس الفيزيائي المعاصر فان الزمن لا يبتدئ من لحظة متصلة، فوفقاً للتحليل الرياضي ان البدء من هذه اللحظة سيجعل الفترة الزمنية للتأثير تتخذ مدة غير متناهية. والسبب في ذلك هو ان الاتصال الزمني ينطوي على لحظات قابلة للتقسيم رياضياً، وهي إن لم تتوقف عند انقطاع اللحظة فانها تجر الى سلسلة لا متناهية، مما يجعل التأثير مستحيلاً، لذلك كان لا بد من وجود انقطاع في اللحظات خلاف ما نشهده في عالمنا الحسي المعاش. وبالتالي ان الاعتراف بوجود لحظات منفصلة يهيء مدة لبداية التأثير وسعته، فهي تشتمل على حدود ثابتة ونهائية غير قابلة للانقسام.

وينطبق الحال السابق على كل تغير، ومنه التحول المكاني. فلو بدأنا من نقطة الانطلاق ضمن المتصل المكاني فسنحتاج الى مسافة غير متناهية كي نصل الى نقطة اخرى مجاورة، وبالتالي إن لم نفترض كميات منفصلة ومتقطعة للمكان فاننا سنقع في محذور التسلسل المكاني اللامتناهي، ففي المتصل المكاني تنقسم المسافة بين نقطتين متجاورتين قسمة غير متناهية من الناحية الذهنية، وهي المسألة التي كانت تؤرق الفلاسفة القدماء ومن تأثر بهم من الكلاميين، وقد اعتمد عليها الفيلسوف الاغريقي زينون ليثبت وهمية الحركة والانتقال، وهو الامر الذي جعل المفكر المعتزلي ابراهيم النظّام يقول بالطفرة كسبيل لردم هذه الهوة والتخلص من شبهة المسافة غير المتناهية المحصورة بين النقطتين ضمن المتصل المكاني .

ان الاعتماد على مبدأ الطفرة والتواثب قد وجد مثيلاً له لدى الفيزياء المعاصرة. فقد كان هايزنبرغ يتصور ان تحول الالكترون من مدار الى اخر ضمن نظام نيلز بور الذري القديم – قبل التسليم بمثنوية الجسيم والموجة - يجري لدى مستويات الطاقة او المدارات المسموحة له دون المرور بالفراغات البينية؛ لعدم امكان رصد التواصل في مسارات الالكترون. وهي ذاتها تمثل الطفرة والتواثب، رغم ان هايزنبرغ قد خضع لامتثال النظرية الحسية الفجة.

تنطبق هذه المشكلة على كل حالة يجري فيها التغير والتأثير. فما لم يتم الانطلاق من وحدة قياسية نهائية التحديد، سواء على صعيد القياس الزمني، او المكاني، او التأثيري، فان مشكلة اللانهايات سوف ترافقنا حيثما اتجهنا. وبالتالي لا بد من اخضاع التحليل الى القياس الفيزيائي، ولو من حيث الاتساق النظري، فنقول لا غنى من ان يكون السبب سابقاً للمسبب بفترة قياسية لا يمكن تعديها، فهي غير قابلة للتقسيم، فعند هذه اللحظة المفترضة يبدأ التأثير ومن بعدها يتضاعف ويتراكم حتى يظهر الاثر جلياً. والحال ذاته ينطبق على كل تغير وانتقال.

وبعبارة ثانية ان كل تحول – إن كان مادياً - لا بد وإن يتأسس على فكرة الجزء الذي لا يتجزأ، فهو الجوهر الفرد الثابت وغير القابل للتجاوز والانقسام، كالذي كان يراه المتكلمون ومن قبلهم ديمقريطس خلافاً لأرسطو واتباعه.

وترد في هذا المجال اسئلة حول كيفية قياس الحد الادنى من التأثير السببي فيزيائياً، وكيف نقيس مضاعفاته؟ ومثل ذلك كيف نحدد زمن التأثير؟ وهو ذات السؤال الذي يتكرر على مستوى الفضاء الكوني ايضاً؟ وما هي مبررات مثل هذه التحديدات؟

بطبيعة الحال ليس لدينا ما يبرهن بشكل قاطع اعتبار هذه التحديدات ثوابت نهائية للحد الادنى لكل من التأثير السببي وزمانه او مكانه، لكن الاعتماد على النظريات الفيزيائية المعاصرة قد يجعلنا نستعير ما تم التسليم به لحد الان، حيث التعويل على الثوابت البلانكية – نسبة الى ماكس بلانك –، فهي اقصى ما يمكن الوصول اليه فيزيائياً.

فمن حيث الحد الادنى للتأثير ان المسلّم به هو ان هناك ما يعرف بثابت بلانك، وهو عبارة عن وحدة الطاقة الزمنية والتي سماها بلانك فعلاً، وقصد بها: معامل التناسب بين تردد الموجة وقطعة الحد الأدنى من الطاقة التي تملكها الموجة، أو هي نسبة طاقة الشعاع إلى تردده أو تواتره. وهي صغيرة جداً وتساوي: (6,6262 × 10-34 جول على الثانية، أو كيلو غرام متر مربع على الثانية)، والتي سميت فيما بعد بثابت بلانك. وتتصف هذه الوحدة من الطاقة بأنها لا تتجزأ، كما أنه ليس لها كسور عندما تتضاعف. وتضاعف هذه الطاقة التأثيرية يأتي من خلال قانون بلانك الذي ينص بضرب التردد في ثابت بلانك الانف الذكر، فهذا ما يحدد حجم التأثير السببي للعلاقات الجسيمية. وهو يساوي قانون اينشتاين في الطاقة، اي الكتلة في مربع سرعة الضوء.

واستناداً الى ثابت بلانك فهناك وحدات بلانكية أخرى ثابتة وغير قابلة للانقسام وتعتمد في اشتقاقها على هذا الثابت، اهمها فيما نحن بصدده: طول بلانك (10-33 سم) وزمن بلانك (10-43 ثانية)، فالاخير مشتق من قسمة طول بلانك على سرعة الضوء، وان طول بلانك مشتق من عدد من الثوابت هي ثابت بلانك وسرعة الضوء في الفراغ وثابت الجاذبية، واليها جميعاً يعود أصل كل طاقة وطول وزمن، فهي المقاييس المعتمدة، ولا يوجد مقياس آخر دونها. وكلها تنفع في تحديد العلاقات السببية.

إن الوحدات السابقة هي الوحدات الاساسية التي بنى عليها الفيزيائيون عدداً من قياساتهم، دون الرجوع الى ما هو اصغر منها، ومن ذلك زمن بلانك الذي هو فترة زمنية غاية في الضآلة والخيال، لكنه اكبر من الصفر، واهميته تنبع من عدم الارتداد اللانهائي، حيث انه وحدة اساسية لا تقبل الانقسام فيزيائياً، فجوهر الزمن هنا لا يعبر عن الاتصال، ولو كان متصلاً لوقعنا في مستنقع القسمة غير المتناهية. فحيث انه يعبر عن وحدات منفصلة مستقلة فانه لا يمكن تقسيمها كما لا يمكن الرجوع الى ما خلفها، فكل تقسيم او رجوع يفضي الى مشكلة التسلسل غير المتناهي.

على ذلك وبحسب نظرية الكوانتم فان الزمان والمكان لدى المسافات المجهرية يتصفان بمواصفات غير مألوفة لدى عالمنا الاعتيادي، فنحن نراهما يمتازان بالتواصل دون التقطع، لكنهما لدى المسافات المجهرية والصغيرة للغاية يتحول فيها هذان العاملان من الاتصال المألوف إلى الانشطار والتقطع والانفصال. فالمكان تتغير صورته الاتصالية إلى نوع من التقطع التي تنتابها ثقوب وتمزقات هي اشبه ما يحصل لدى الثقوب السوداء، كذلك عند اللحظات الزمنية الضئيلة للغاية يتغير حال الزمان من الاتصال والاستمرارية إلى التواثب والانقطاع. ويمكن عكس المسألة بصورة أدق وهي ان الجسيمات البسيطة بإعتبارها أساس المادة والاجسام الكبيرة، لذا فالإنطلاقة تبدأ بانقطاع المكان والزمان، ومن ثم عندما تزداد سعة المكان والزمان فسيتحول الحال من الانقطاع الزمكاني إلى تواصله، ومن ثم تبدأ الهندسة الزمكانية المتصلة كما تقترحها النسبية العامة لاينشتاين.

ان هذا التصور للمكان والزمان يخالف ما تم طرحه من قبل النسبية العامة التي ترى الفراغ الكوني متصلاً هندسياً ناعماً يخلو من الثقوب والقطائع المنفصلة، ومثله فيما يتعلق بالزمان، فهو منبسط ومتصل منذ بدأ الخلق دون ان تكون له قابلية على التقطع والتواثب والقفزات.

ويمكن تصوير حالة تحول الشيء مما هو متقطع الى ما هو متصل بالشعلة الجوالة، ومثلها المروحة الدوارة التي تبدو للناظر بانها متصلة دائرياً عند الحركات السريعة، فيما انها متقطعة الحقيقة، والوهم هو ما يظهرها بانها متصلة تماماً. ومثل ذلك ما نتوهمه من الحركات والتفاعلات الجارية في الفلم السينمائي، مع ان حقيقتها عبارة عن صور متقطعة غير متواصلة.

لكن ما زالت مسألة التقطع الزمكاني مفترضة دون اثبات تجريبي. فلحد الآن لم يلحظ أي أثر يشير إلى التقطع الزماني عند حدود (10-26 ثانية)، وكذا التشوه المكاني عند حدود (10-16 سم)، وهي المقاييس التي تم مشاهدتها في المختبر . مع ذلك يظل الافتراض وارداً وفقاً للحاظ ما يمكن ان يحدث عبر التوهمات المشار اليها.

عموماً لو عوّلنا على اعتبارات الانفصال كما تثبته قوانين بلانك، ومثلها بعض التصورات المنتمية الى ميكانيكا الكوانتم لاصبحت علاقة السببية الخاصة لا تتضمن الضرورة ولا المعاصرة، فبين السبب والمسبب فترة زمنية قياسية من المحال تعديها، هي زمن بلانك، وحيث ان السبب سابق للمسبب زماناً وفق القياس الفيزيائي، فانه يمكن كسر الاصرة بينهما، فيمكن ان يكون السبب موجوداً دون ان يتاح المجال لظهور المسبب الخاص. فالفترة الزمنية الفاصلة بينهما كفيلة بان تمنع وجود المسبب عند ورود حائل بينهما. لكن بطبيعة الحال فان المسبب لا يسعه ان يستغني عن مطلق السبب، وان كان من الممكن الاستغناء عن سببه الخاص عند إحداث الحائل بينهما. فالانفصال يفضي الى التجويز وعدم الحتمية. لذلك كان الفلاسفة القدماء يؤكدون على حالة الاتصال التام بين العلة والمعلول، فالعلاقة بينهما لا تقبل الانفصال باي شكل من الاشكال، ومن ثم اعتبرت هذه العلاقة ضمن المتضايفات، فحيث توجد علة فهناك معلول يتأخر عنها ذاتاً لا زماناً، وبالعكس، وهو ما يؤمّن لهم الضرورة او الحتمية المفترضة.

فمثلاً ان حركة المفتاح معلولة لحركة اليد، فلولا الاخيرة ما تحرك الاول. وتبدي الحركتان بانهما متعاصرتان رغم التقدم الذاتي للأخيرة على الاولى، وان هناك ضرورة وحتمية تتخلل الحركتين غير قابلة للانفصام والانفكاك، في حين ان دقة القياس الفيزيائي تجعل حركة اليد سابقة زماناً على حركة المفتاح، وانه لا تعاصر بينهما، ومن ثم فان امكانية تفكيكهما واردة على الصعيد النظري تماماً. ومثل ذلك لو طبقنا الحال على الشيء – كالشجرة - وظله بشرط وجود الضوء، فالظل - بحسب التصور العقلي الارسطي - معلول للشيء، وهما متعاصران تماماً رغم التقدم الذاتي للشيء على ظله، وبالتالي فالعلاقة السببية بينهما حتمية ضرورية غير قابلة للانفصام، في حين انه بحسب القياس الفيزيائي فان لظهور الظل مدة زمنية متأخرة عن وجود الشيء رغم ضآلتها للغاية. ويمكن تطبيق هذه النتيجة على الاجسام المتأثرة بالجاذبية، بما فيها الساكنة، فلو عوّلنا على الافتراض الفيزيائي الخاص بجسيمات الثقالة (الجرافيتون) فان تأثير الجاذبية على الجسم سوف لا يكون لحظياً، بل يتخذ مدة لا تتجاوز سرعة الضوء بحسب المقاييس النسبية لاينشتاين. أما التأثير اللحظي الذي تقره الكوانتم فما زال مجهول الهوية ويخضع لتأويلات كثيرة. فهي تتحدث - تحت ظل بعض الظروف - عن تأثيرٍ للجسيمات بعضها على البعض الآخر رغم بعد المسافة بينها، وهو ما أنكره اينشتاين وسمّاه بالتأثير الشبحي عن بعد. لكن أظهرت التجارب فيما بعد ان لهذا التأثير وجوداً فعلياً . ومع ذلك فمن الناحية المختبرية لا يمكننا التأكد من لحظية هذا التأثير، بل كل ما يمكن التأكد منه هو تجاوز حدود سرعة الضوء في الفراغ، وبالتالي فبين هذا التجاوز والتأثير اللحظي بون شاسع. فالتقنيات العلمية تعجز تماماً عن تخطي الكشف عن كل مفاصل الوحدات الزمنية الضئيلة، فهناك حدود لما يمكن الكشف عنه تجريبياً كالذي أشرنا اليه آنفاً.

على ان التحليل الفيزيائي للسببية الخاصة يجعل العلاقة بين السبب والمسبب تُردّ الى القوانين الاحتمالية دون القوانين الحتمية، فالانفصال بين السبب والمسبب يقتضي هذه الاحتمالية خلافاً للنسق الاتصالي كما يصورها اصحاب الاتجاه العقلي الارسطي.. لذلك قيل بان اغلب الفيزيائيين لا ينكرون السببية باطلاق، وانما ينكرون الحتمية التي تتضمنها.. فالصراع الفيزيائي هو صراع قائم بين التفكير الحتمي والاحتمالي، مثلما هو صراع بين النظريتين الانفصالية والاتصالية. الامر الذي سنناقشه في بحث مستقل..

 

الفيزياء ومشكلة السببية

يواجه مبدأ السببية وفق المنظور الفيزيائي المعاصر عدداً من المشكلات، سواء من خلال نظرية النسبية او الكوانتم.

وتتعلق المشكلة التي تطرحها نظرية النسبية بعلاقة الاتصال بين الزمان والمكان. فمن وجهة نظرها ان الزمان والمكان هما وجهان لحقيقة واحدة، وان الزمان يتخذ دور المكان، او ان حقيقته لا تختلف عن حقيقة البعد المكاني، لكن العكس لا يعيره الفيزيائيون اعتباراً، بمعنى انه لا معنى له، فالمكان مكان وليس زماناً، في حين ان الزمان مكان مثلما انه زمان، لهذا كان الزمان هو الحاضر فحسب من دون ماض ولا مستقبل، وهما بعدان وهميان او نسبيان. واذا كان الزمان مكاناً، فانه لا تزامن بين الأحداث الكونية ذات الإحداثيات المرجعية للأطر والنظم المختلفة، فالزمان يتمدد ويتقلص، وينطبق الحال على المكان ايضاً. فاللحظة التي تُقدر في المكان الفلاني هي غيرها في مكان اخر مختلف. وعليه يمكن تناول الزمان من منطلق المفاهيم المكانية، فكل ما نطلق عليه المستقبل والماضي يعبر عن مكان بعيد في قبال الحاضر والمكان القريب، فهما بعيدان بالنسبة لنا حيث لم يتيسر لدينا السفر اليهما لحد الان. وبالتالي كان من الممكن نظرياً السفر الى اللحظة الزمنية لدى الماضي والمستقبل هناك.

ومن الناحية النظرية يمكن البدء بالسفر اليوم بسرعة تفوق سرعة الضوء لنصل الى يوم امس. وتبرير ذلك وفق النسبية هو ان زيادة السرعة تبطئ الزمن، وان تباطأه يزداد باضطراد مع التسارع، وعند الوصول الى سرعة الضوء فان الزمن يصير صفراً، فهو يمثل لحظة دهر حاضرة، او ان الزمن يتوقف عندها، لذلك ليس لفوتون الضوء زمن خاص به، فالزمن لديه ساكن متوقف او صفر وكأنه حاضر فحسب. وبالتالي لو اننا تجاوزنا سرعة الضوء فيعني ذلك تجاوز الصفر بالتناقص فيكون الزمن سالباً او تحت الصفر، وهو ما يعني العودة الى الخلف او الماضي. ومع ان النسبية تحيل ذلك عملياً، باعتبار ان الامر يحتاج الى طاقة لا نهائية لبلوغ سرعة الضوء، وان الكتلة في التسريع تزداد شيئاً فشيئاً فتصل الى ما لا نهاية له عند هذه السرعة، وهو امر لا يسمح به الواقع الطبيعي، الا ان الافكار الفيزيائية تجاوزت ما تقره النسبية، واخذت تلتاف عليها باقتراح وجود سرعة تفوق سرعة الضوء كما في التاكيونات المفترضة (tachyons)، او بايجاد وسائل اخرى للسفر للماضي عبر الثقوب الدودية مثلاُ، وهي شبيهة بالثقوب السوداء.

ومنطقياً ان مقالة السفر للماضي عند تجاوز سرعة الضوء تفضي الى القول بالسفر المعكوس الى المستقبل عند تناقص السرعة، فكل تناقص للسرعة يعجل الزمن، ولو وصل الانخفاض الى الصفر او التوقف التام فذلك يعني المزيد من التقدم الزمني، او تسارع الزمن. فالطفل الذي تتوقف لديه الحركة يشيخ مبكراً، وانه يلاقي مستقبله عاجلاً.. خلافاً لذلك الذي يتسارع، اذ يتباطأ الزمن لديه، ومن ثم يتحول بعد سرعة كبيرة مما هو شيخ الى طفل. فالشيخ يصير طفلاً، والطفل يصير شيخاً، وفقاً للتسارع والتباطؤ.

ومن وجهة نظر اينشتاين انه لا مجال للاعتراف بحالة سكونية تامة ومطلقة، فالحركة دائمة وهي نسبية، فلا مجال للسكون التام ولا الحركة المطلقة، مثلما لا مجال لتجاوز سرعة الضوء الثابتة في الفراغ. واذا كان الفيزيائيون قد التفوا على النظرية النسبية وافترضوا امكانية تجاوز هذه السرعة ومن ثم السفر للماضي وفق ذات المبادئ الاينشتاينية، الا انهم لم يعالجوا في القبال ما يعاكس هذه الحالة، اي الاعتماد على المبادئ الاينشتاينية لتقبل السفر الى الامام والمستقبل عبر السكون التام او ما يقاربه. واحياناً رأى بعضهم انه لا يوجد سفر للماضي، بل كله سفر للمستقبل، سواء من خلال الثقوب الدودية او عبر تجاوز سرعة الضوء..

لقد ادرك الفيزيائيون بعد اينشتاين النتائج الوخيمة لمقالة السفر عبر الزمن. لكنهم لم يتخلوا عنها، بل افترضوا العديد من السيناريوهات التأويلية لتجنب نتائجها الصادمة، فبعض هذه النتائج يعبر عن مشاكل منطقية تصل الى حد التناقض، وبعضها الاخر يتصف باللامعقول حول علاقة السببية.

فمن حيث المشكلة الاخيرة ان الرجوع للماضي يبدي تتابعاً معاكساً لعلاقة السببية، حيث يتقدم الاثر على سببه، او ان النتيجة تظهر قبل مقدماتها، فهي كالفلم المعكوس، فالرجل الذي يعود للماضي ليلاقي طفولته يمر بمراحل معاكسة، اذ يبدأ رجلاً ثم يتحول الى شاب فمراهق فصبي فطفل رضيع ومن ثم يدخل الى رحم أمه حتى يفنى فلا يكون شيئاً مذكوراً. فكيف تنقلب علاقات السببية الى معاكساتها؟

وقد يتطور الحال الى معضلة عميقة تتعلق بالتناقض والمفارقة. فمثلاً لو امكن لشخص ان يسافر ويلتقي بأمه وهي صغيرة لم تتجاوز الرضاعة مثلاً، كيف يمكن ان يكون موجوداً وأمه مازالت رضيعة؟ ومثل ذلك لو انه سافر للماضي والتقى بجدته وقتلها فكيف تسنى له ان يولد فيما بعد؟.

على ذلك يلاحظ ان هناك مشكلتين في حالة السفر الى الماضي، فحين يلاقي الشخص جدته مثلاً ويقتلها فان الاحداث لا تبدو معكوسة فقط، حيث تنطلق من النتائج لتنتهي باسبابها، على عكس ما تفترضه السببية، بل انها تفضي الى التناقض ايضاً، فكيف يمكن ان يكون المسافر موجوداً وقد قتل جدته التي هي من الاسباب اللازمة لولادته؟

لقد اهتم الفيزيائيون كثيراً بعلاج هذه النتيجة البائسة، وذلك عبر عدد من التأويلات المفترضة، وهي سيناريوهات قائمة في الاساس على افتراضات غير مدعومة تجريبياً، بمعنى انها تشكل تأويلات مركبة للتتخلص من المفارقة المشار اليها. فالبعض مثلاً يرى ان المسافر سيتخذ دور المشاهدة من دون ادنى تأثير على الاحداث الماضية، فحاله كمن يرى شريط فلم سينمائي معكوس دون امكانية التأثير عليه. فيما يرى بعض اخر ان المسافر سيُكتب له تاريخ آخر غير التاريخ الذي اعتاده، او انه سيدخل في اطار كون اخر غير الكون المعتاد عليه، وفقاً لسيناريو الاكوان المتعددة المتوازية، وهو الحل الذي لجأ اليه ديفيد دويتس كمحاولة لانقاذ الموقف من التناقض، فاعتبر ان الأم او الجدة المقتولة هي غير تلك التي كانت سبباً في ولادة الشخص، فكلاهما يمثلان نسخاً متناظرة وفقاً للتعدد الكوني والعوالم المتوازية. فالتأثير وارد في مثل هذه الحالة، لكنه يقوم على النسخ المناظرة .

هذه ابرز السيناريوهات المطروحة لحل مشكلة المفارقة. ولو اعتمدنا على هذه الحلول سنجد انها لا تتعارض مع مبدأ السببية، اذ تتضمن الاخيرة التأثير في الاحداث المعنية، فيما تخلو منه السيناريوهات المطروحة.

***

كانت المشاكل السابقة حول السببية تختص بنظرية النسبية، أما فيما يخص نظرية الكوانتم فقد كانت المشاكل المطروحة مختلفة تبعاً لطبيعة الفيزياء الجسيمية. فاولى هذه المشاكل هي ان التأثير السببي قد لا يكون وارداً ضمن النطاق الجسيمي، او ان السببية لدى هذا العالم تتصف بالاحتمال الموضوعي خلافاً لعالمنا المحسوس. ومن ذلك ما جاء من خرق لقانون التناسب العقلي لدى السببية، وهو ان هناك تناسباً بين تماثل الشروط والنتائج، فلو كانت الشروط ذاتها فان النتائج المترتبة على العلاقة الطبيعية ستكون متماثلة، كالذي يبديه عالمنا الكبير. فمثلاً لو ان قطعة من الحديد تمددت بالحرارة، فان قطعة اخرى للحديد وضمن ذات الشروط الظرفية سوف تتمدد هي الاخرى بالحرارة. لهذا اعتبر بعض فلاسفة العلم ان السببية من المبادئ الميتافيزيقية التي يستعين بها العلم دوماً، كما هو الحال مع كارل بوبر، ومثله برتراند رسل الذي أشار الى ان السببية هي من الافتراضات القبلية للبحث العلمي. فالعلم قائم على اقرار التماثل في علاقة السبب بالمسبب، فعندما يختلف المسبب فذلك يعني اختلاف السبب، في حين لو تماثلت النتائج فذلك يعني تماثلاً في الاسباب. وتبعاً لهذه العلاقة الواضحة ان الفيزيائيين يقيمون علم الفلك وفق ما يلحظونه من اختلاف في اطياف الاشعة التي تصلنا من الاجرام السماوية ودرجات شدتها. ومثل ذلك فيما يخص العالم الجسيمي الصغير، فالنتائج المتباينة توحي لنا بوجود علل مختلفة وفق قانون التناسب بين السبب والمسبب. ومن ذلك يُستنتج تعدد الجسيمات واشكالها وكتلها وشحناتها المختلفة، والحال ذاته ينطبق على معرفة اشكال النجوم والمجرات وابعادها واحجامها وسرعاتها وعناصرها وما اليها. لهذا يقول رسل: إن فرضية وجود قوانين ثابتة للسببية تبدو غير قابلة للنقض .

لكن هذا الحال الذي يقره الحس المشترك (common sense) لا يعني شيئاً امام نظرية الكوانتم. فبحسب وجهة نظرها لو ان حركة الجسيم كانت باتجاه معين فان ذات الشروط المتوفرة سوف لا تجعلنا متأكدين بان الجسيم سوف يسلك نفس المسار او الاتجاه، فرغم تماثل الظروف والشروط فان النتائج يمكن ان تكون مختلفة او متعاكسة.

وتعتبر هذه النتيجة من مخلفات المعنى القوي لمبدأ عدم اليقين لهايزنبرغ، حيث انقسم الفيزيائيون اتجاهه الى نظريتين، احداهما تحمل المعنى القوي للمبدأ، وهو ما يعول عليه غالب الفيزيائيين وفق الصيغة التي لجأت اليها مدرسة كوبنهاكن، والاخرى تكتفي بالمعنى الضعيف له. فالمعنى القوي لا يعول على اثر الظروف والشروط الخارجية التي تحيط بالجسيم، خلافاً للمعنى الضعيف ، فطبيعة الجسيم بحسب المعنى القوي تبدي التذبذب والتأرجح موضوعياً، وهو قابل لاتخاذ اي اتجاه للتحرك دون ان يكون لذلك علاقة بالظروف الخارجية وتأثيراتها، ومنها تأثير الاشعة المسلطة على الجسيم. وكأن الجسيم يمتلك – في هذه الحالة – ارادة حرة خالصة لا يمتلكها حتى البشر انفسهم. الامر الذي يذكرنا بنظرية عمانوئيل كانت في (الشيء في ذاته).

ويمكن تأييد هذا المعنى بما يحصل من تحول لذرات اشعة العناصر الثقيلة غير المستقرة، كاليورانيوم، حيث تتحول نصف ذراته الى عناصر اخرى كل مدة زمنية محددة بحسب نظائره المختلفة، فرغم سريان هذا التحول وفق قانون احصائي ثابت، لكن هناك عدم يقين بنوع الذرات التي يمكن ان تتحول دون غيرها، اذ تجري العملية ذاتياً وتلقائياً من دون ان يكون لها علاقة باسباب ظرفية معينة. ومن الواضح ان هذه القضية تدعم المعنى الموضوعي للاحتمال. ويمكن ان يُستنتج منها أمران:

أحدهما نفي الحتمية، بل والتضحية بالسببية الخاصة وقانونها التناسبي، مع الحفاظ على مبدأ السببية العامة. أما الثاني فهو التضحية بمبدأ السببية العامة ذاتها، حيث التصور بان خاصية التذبذب، سواء للجسيم او لتحلل العناصر المشعة، لم يكن مناطاً بسبب ما كلياً، رغم ان هذه الخاصية لا تدل على المعنى الذي ينفي مطلق الاسباب، اذ يكفي ان يكون طبع الجسيم او العناصر المشعة سبباً للتذبذب، كسببية طبع النار للاحراق. فعلى الرغم من ان هذه الخاصية جاءت على حساب قانون التناسب الخاص، لكنها لا تتعارض مع صفة القانون العام، فهي ليست فوضوية، بل تخضع لحسابات ثابتة. وهي من هذه الجهة تخضع للتناسب بالمعنى الاحصائي، كما انها لا تتعارض مع مبدأ السببية العامة.

لا يُنكر ان هناك نظريات فيزيائية وظفت الدلالة السابقة للتذبذب الجسيمي والتحلل الاشعاعي باتجاه نفي السببية العامة. فقد اخذ الفيزيائيون مدة يعتقدون بان للفراغ طبيعة تأرجحية تجعله منتجاً لجسيمات تقديرية او وهمية وفقاً للمعنى القوي لمبدأ عدم اليقين، حيث يكون مسؤولاً عن خلق الجسيمات وافنائها تلقائياً من دون سبب، وذلك على شاكلة ما يحصل لدى العناصر الثقيلة من تحلل ذاتي. لكن ظهر فيما بعد ان الفراغ ليس بفارغ، بل هو مشحون بطاقة داكنة ومتفجرة رغم انها غير مرئية، وهي تشكل ما يقارب ثلاثة ارباع ما لدى الكون، ويُعزى اليها علة خلق تلك الجسيمات، الامر الذي يدعم فكرة السببية من دون معارضة.

ونشير الى ان من الخطأ قياس تأرجحات الفراغ على التحلل الذاتي للعناصر المشعة الثقيلة. فهذه الاخيرة ليست المصدر الاساسي للطاقة ليقاس عليها تلك التأرجحات المنتجة للطاقة والجسيمات ذاتياً، فهي تقع في اخر سلسلة التطور الكوني للعناصر، بل وحتى لو كانت الاولى في هذه القائمة، كالهايدروجين مثلاً، فانها تظل مسبوقة بالطاقة والجسيمات الحرة قبل ان تتجمع لتؤلف ما يعرف بالذرات والجزيئات والعناصر.

وبلا شك ان موضوع التحلل الذاتي للعناصر الثقيلة قد تم توظيفه ليس فقط فيما يخص دعم المعنى القوي للنشاط الجسيمي، بل كذلك للتأكيد على ان الكون يمتلك ميكانيزما مغلقة للتشغيل دون حاجة للاسباب الخارجية، فلهب النار يتصاعد بلا حاجة للنفخ. ويبقى الخلق والإحداث صفة ذاتية لهذا الكون المغلق، وان قانون الاحتمال وعدم اليقين هو ايضاً من صفاته الذاتية، وبالتالي لا شيء يبعث على افتراض ما هو خارج هذه الميكانيزما المغلقة.. وهو الموضوع الذي سنناقشه في بحث مستقل إن شاء الله..

 

مفكر وباحث عراقي

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3166 المصادف: 2015-05-07 02:28:09