 أقلام فكرية

بين المفهوم والمصطلح

laythe alatabiان الإنسان ومنذ وجوده وعند مروره بالمواقف المختلفة يلجأ إلى عقد المقارنات بين الأشياء التي يتعامل معها، والمواقف التي يمر بها لإيجاد أوجه الشبه والاختلاف بينها، لكي يستفيد منها في مجال التطبيق على المواقف اللاحقة والجديدة .

هذه العمليات أختصرت الكثير من الجزئيات، وهكذا الحال بالنسبة للجنس البشري بشكل عام فمع كل تقدم يمر به تزداد وتنمو وتتوسع مفاهيمه، حتى وصل الحال إلى اختزال الكثير بالقليل وذلك بإن يُعبر بكلمة واحدة فقط والتي يُطلق عليها لفظ (مفهوم) .

(إن تحليل المفاهيم يأخذ أهميته من كونه يوضح لنا الشروط المنطقية التي يجب أن تستوفيها عملية صياغة المفاهيم أو تعريفها أو أشتقاقها وطبيعة العلاقة التي تربط المفهوم بالخبرة أو تربطه بمفاهيم آخرى في النظرية)[1] .

لكن ومما يتبادر في ذهن الكثيرين بأن الـ(مفهوم، والمصطلح) من المترادفات اللفظية، لكن الواقع العملي يبين لنا بأن لكل واحدٍ منهما شأنه، وما يميزه، وخصوصيته، وإن أشتركاً في شيء أو أشياء آخر فليس كل إشتراك يعني الوحدة، وليس كل تداخل لابد أن يوقف عنده، إذ لابد أن يكون الأشتراك حقيقياً خاضعاً لقواعد (المشترك)[2] .

و المفهوم لغةً: مصدر فهم، والفهم معرفتك بالشيء بالقلب، فهمه فهماً، وفهما وفهامه: علمه . وتفهم الكلام: فهمه شيئاً بعد شيء[3] .

أما في الاصطلاح: فهناك عدة تعريفات في المقام منها تعريف الجويني[4]، وتعريف النجار[5]، والزركشي[6] .

كما وقد عرفه الآمدي في كتاب الاحكام بقوله: (هو ما فهم من اللفظ في غير محل النطق)[7] .

لذا تعد المفاهيم أساس التفكير، والتحليل، والتنظير في كافة العلوم، وفي مختلف الأبحاث، وتختلف تعريفات المفهوم تبعاً للنظرة الخاصة بكل علم أو مجال من مجالات التفكير، فكل علم ينظر إلى المفهوم من زاويته الخاصة[8] .

و يمكن أن نميز المفهوم عن المصطلح من خلال معرفة حقيقة كلٍ منهما ومن خلال هذه المقارنة البسيطة:

1ـ المفهوم (concept) يركز على الصورة الذهنية، وهو أسبق من المصطلح .

2ـ اما المصطلح (term) فهو يركز على الدلالة اللفظية للمفهوم، وهو الذي يعطي للمفهوم وجوده وتحققه اللغوي .

3ـ يعد المفهوم وحدة معرفية بحد ذاتها .

4ـ اما المصطلح يعد تسمية لهذه الوحدة .

كما وقد عرف المفهوم بعدة تعريفات علمية منها وعلى سبيل المثال:

1ـ (تمثيل ذهني يستخدم لتصنيف أفراد العالم الخارجي أو الداخلي عن طريق التجريد بصورة اعتباطية)[9] .

2ـ (وحدة فكرية يعبر عنها بمصطلح أو رمز حرفي أو أي رمز آخر)[10] .

3ـ (تمثيل فكري لشيء ما " محسوس أو مجرد " أو لصنف من الأشياء لها سمات مشتركة ويعبر عنه بمصطلح أو رمز)[11] .

4ـ (المفاهيم أنظمة معقدة من الافكار الأكثر تجريداً والتي يمكن بناؤها فقط من خبرات متعاقبة في مختلف المجالات)[12] .

5ـ (مصطلح يتضمن مجموعة من الافكار التي تم تعميقها من مناسبات او ملاحظات او مواقف معينة)[13] .

6ـ (مجموعة من الأشياء أو الأشخاص أو الحوادث أو العمليات التي يمكن جمعها معاً على أساس صفة مشتركة أو أكثر والتي يمكن أن يشار اليها باسم أو رمز معين)[14] .

7ـ (فئة من المثيرات بينها خصائص مشتركة وهذه المثيرات قد تكون اشياء او احداث او اشخاص او غير ذلك)[15] .

8ـ (زمرة من الاشياء او الرموز او الحوادث جمعت بعضها إلى بعض على اساس خصائص مشتركة يشار اليها باسم او رمز معين)[16] .

9ـ (هو المعنى المجرد أو المدرك الكلي اي الماهية المجردة عن المادة الشخصية وعن الاغراض اللازمة للمادة)[17] .

10ـ (وحدة معرفية مستقلة لا ترتبط بالضرورة بلغة من اللغات أو بلهجة من اللهجات وإنما تنتمي مباشرة إلى المستوى الفكري)[18] .

لذا فإن المفاهيم أعم وأشمل من المصطلحات، وما المصطلحات إلا أختزالات وأختصارات للمفاهيم .

يقول (يوجين فوستير)[19]: (لا يتمحور علم المصطلح بحد ذاته وإنما حول المفهوم الذي يعبر عنه، فوظيفته تكمن في إعطاء أسماء إلى كل مفاهيم المعرفة، وهذا ما يسمى بالعلاقة الآحادية، فكل أسم يدل على مفهوم واحد)[20]

والمصطلحي عندما يريد تسمية شيء ما لابد له أن يلجأ أولاً إلى تحديد موقع ذلك الشيء في المنظومة المفهومية قبل كل شيء لكي يستطيع تفسير العلاقة، ومن ثم يسعى لفهم العلقة والترابط وبعدها يُظهر المراد بواسطة وضع الإسم المناسب للمراد .

فالمفهوم يرتبط بمفاهيم آخر تشترك معه في عناصر معينة، وإن عزل أي مفهوم عن منظومته المعرفية التي يتبع لها سيؤدي ذلك إلى حدوث انقطاع بينه وبين المصطلح الذي يعبر عنه، وسيؤدي ذلك لحدوث تباين بين لفظ المصطلح ومضمونه الحقيقي، وبذلك يقع اللبس، وعــدم الفهم، المؤدي للتأويل الخاطئ .

يقول (فليبر) عميد مدرسة فيينا: (و ينبغي أن لا يغيب عن الذهن أن أي عمل مصطلحي يجب أن يقوم على المفاهيم ويستند إليها، لا على المصطلحات)[21] .

نعم فإن كل حقل معرفي يتألف من مجموعة مفاهيم، والتي تشكل نسقاً مستقلاً يرتبط بعلاقات ممتدة ومتشعبة مع المنظومات الآخرى .

فـ(المفاهيم المنفردة لا تشكل منظومة، ولكنها عندما تدخل في علاقات منطقية أو وجودية فيما بينها تُكّون والحالة تلك منظومة مفهومية)[22] .

لكن ما نحب أن ننوه له والذي يعتبر أمراً مهماً جداً هو: اللبس الحاصـل بين (المفهوم)، و(المصطلح)، فالبعض يظنهما مترادفان، والبعض الآخر يظن بأنهما واحد، وبعض يظن بأن بينهما علاقة العموم والخصوص المطلق، وظنون وأعتقادات آخرى كثيرة بعيدة عن حقيقتهما سببها اللبس في أصل الوضع، أو في التطبيق، أو في المثال .

فـ(المصطلح بمثابة الإسم: يصطلح جماعة من الناس تجمعهم حرفة أو مصلحة أو سواها على إطلاق لفظ بإزاء معنى أو ذات، لا ينازعون فيما اصطلحوا عليه حيث لا مشاحة في الاصطلاح . أما " المفهوم " فهو شيء آخر يختلف عن الاسم، ويختلف عن المصطلح . إنه أشبه بوعاءٍ معرفي جامع يحمل من خصائص الكائن الحي أنه ذو هوية كاملة قد تحمل تاريخ ولادته، ويغلب أن يكون تقريبياً وصيرورته وتطوره الدلالي ... لذلك كانت دائرة المفاهيم أهم ميادين الصراع الفكري والثقافي بين الثقافات عبر التاريخ وستظل ... وأول ما تصاب به الأمم في أطوار تراجعها الفكري والمعرفي والثقافي مفاهيمها، وأول ما يتأثر بعمليات الصراع الفكري والثقافي مفاهيمها كذلك، وأهم الأمراض التي تعتري المفاهيم الميوعة ثم الغموض ...)[23] .

و المراد بالمفاهيم التي نحن بصددها هي: المعاني العقلية الكلية مثل الحرية، والحق، والجمال .

والمفهوم بالمعنى المنطقي هو: مجموعة الصفات التي تحدد انطباق اللفظ على الموضوعات بما يميزها عن غيرها .

لذا (فعلى الباحث في المفاهيم التاريخية والتراثية بيان أسس هذه المفاهيم وأصولها ومن ثم تطور استعمالاتها على مر العصور ليمكنه أن يكشف التحولات الطارئة على تلك المفاهيم التي بنيت عليها أصول العقائد أو أصول القانون وقواعده، أن متابعة أصل الانطلاق ثم التحول والقبول أو الرفض يكشف للباحث مراحل تطور تلك المفاهيم ...)[24] .

لقد أدى تبدل الأحوال والأزمان وما رافقه إلى إحداث تغيرات كبيرة في كثيرٍ من المفاهيم والمصطلحات من خلال تحول معانيها، واستعمالاتها، وفهمها، وكذلك مكان، ولغة المستخدِم، فإن كثيراً منها نراه لا يتوافق مع معاني أصل النشأة، وزمان الأستعمال، وهذا الأمر يعد من أهم القضايا التي أوقعت الكثير في اللبس .

 

 الشيخ ليث عبد الحسين العتابي

 .................

[1]: فلسفة العلوم (وقائع الندوة الأولى)، معهد الدراسات القومية والاشتراكية، الجامعة المستنصرية، بغداد، 1988، ص 41 ـ 42 .

[2]: فهناك مشترك لفظي، ومعنوي .

[3]: لسان العرب، ابن منظور، مادة (فهم) .

[4]: البرهان، ج 1، ص 448 .

[5]: شرح الكوكب المنير، ج 3، ص 480 .

[6]: البحر المحيط، ج 3، ص 480 .

[7]: الاحكام، الآمدي، ج 3، ص 74 .

[8]: فتعريفات المفهوم تختلف بأختلاف العلوم كـ(علم المنطق، وعلم النفس، وعلم الأصول، وغيرها من العلوم الآخر) .

[9]: علم المصطلح، علي القاسمي، ص 327 .

[10]: ISO Vocabulary Terminology (Geneve:ISO،1969).

[11]: مقدمة في علم المصطلح، علي القاسمي، ص 222 .

[12]: اساسيات المنهج في التعليم النظامي وتعليم الكبار، فؤاد سلمان قلادة، ص 245 .

[13]: طبيعة العلم وبنيته وتطبيقاته في التربية العلمية، عايش محمود زيتون، ص 86 .

[14]: تدريس مفاهيم اللغة العربية والرياضيات والعلوم والتربية الاجتماعية، جودة احمد سعادة وجمال يعقوب اليوسف، ص 61 .

[15]: اسس علم النفس التربوي، فاضل محسن الازيرجاوي، ص 299 .

[16]: تدريس المفاهيم، وتينسون ميرل، ص 7 .

[17]: المفاهيم بين التجريد والنظرية والتعريف الاجرائي، مجلة القادسية، مجلد 2، العدد 2، حزيران ـ تموز 2002 م، ص 146

[18]: علم المصطلح، ماري كلودلوم، ص 20 .

[19]: يوجين فوستير (1898 ـ 1977 م) .

[20]: علم المصطلح، ماري كلودلوم، ص 17 .

[21]: Helmut Felber، Terminology Manual (Paris: UNESCO، 1984) P.6.

[22]: علم المصطلح، علي القاسمي، ص 333 .

[23]: بناء المفاهيم، مجموعة كتاب، ج 1، ص 8 .

[24]: البحث المعرفي، حسن كريم الربيعي، ص 34 .

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا جزيلا على هذا العمل القيم الذي يكفي الباحث مشقة الاطلاع على مصادر متعددة و مشتتة
بين مجالات متشربة

This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا جزيلا على هذا العمل القيم الذي يكفي الباحث مشقة الاطلاع على مصادر متعددة و مشتتة
بين مجالات متشربة

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3213 المصادف: 2015-06-23 02:58:11