 أقلام فكرية

جورج زيمل والسوسيولوجيا التفاعلية

jamil hamdaouiالمقدمــة: يعد جورج زيمل من أهم السوسيولوجيين الألمان (Georg Simmel)[1] إلى جانب ماكس فيبر، ونوربرت إلياس، وكارل ماركس، وغيرهم...وقد عرف بالسوسيولوجيا التفاعلية من جهة، وبسوسيولوجيا الأشكال من جهة أخرى.

وقد اهتم زيمل بمواضيع اجتماعية مثيرة ولافتة للانتباه، مثل: النقود، والموضة، والمرأة، والطائفة، والمظاهر، والفن، والمدينة، والغريب، والفقراء، والفرد، والمجتمع، والتفاعل، والرابط الاجتماعي، والتنشئة الاجتماعية...ويعد كتابه (فلسفة النقود) الذي نشره سنة 1900م من أهم الكتب السوسيولوجية المتميزة في تاريخ علم الاجتماع الحديث والمعاصر.

وقد أثر يورغ زيمل في مثقفي عصره ومثقفي عصرنا هذا ، أمثال: ماكس فيبر (Max Weber)، وكارل مانهايم (Karl Mannheim)، وألفرد شوتز (Alfred Schütz)، ورايمون آرون (Raymond Aron)، وإرفينغ غوفمان (Erving Goffman)، وهوارد بيكر (Howard Becker)، وأنسليم شتروس (Anselm Strauss)، وإسحق يوسف (Isaac Joseph)، وباتريك واتيير(Patrick Watier)، ورايمون بودون (Raymond Boudon)، وغيوم إرنر(Guillaume Erner)، وجورج لوكاش(Georg Lukacs)، وسيغموند بومان (Zygmunt Bauman)...وأهم تأثير لزيمل هو المساهمة في بلورة مدرسة شيكاغو السوسيولوجية.

ولم يعرف زيمل في فرنسا إلا في سنوات الثمانين من القرن الماضي مع رايمون بودون(Raymond Boudon)، وباتريك واتيير(Patrick Watier)، وآلان دونول (Alain Deneault)، وميشيل مافيسولي (Michel Maffesoli)، وفرنسوا ليجي (François Léger)، وليليان دوروش غورسيل (Lilyane Deroche-Gurcel)...

وقد انتشرت كتاباته بسرعة في الولايات المتحدة الأمريكية " عبر سلسلة من الموالين ذوي صلات بجامعتي شيكاغو وكولومبيا، منهم ألبيون سمول، وروبرت إ.بارك، ولويس ويرث، وإيفيريت هاغس، وروبرت ميرتون، ولويس كوزر..[2]"

ومن أهم مؤلفات جورج زيمل (الاختلاف الاجتماعي) [3]و (فلسفة النقود)[4]، و(السوسيولوجيا والإبستمولوجيا)[5]، و(الفقراء)[6]، و(علم الاجتماع وأشكال التفاعل)[7]، و(السر والمجتمعات السرية)[8]، و(علم الاجتماع وتجربة العالم الاجتماعي)[9]،و(المظاهر)[10]، و(علم الاجتماع الجمالي)[11]، و(الفقير)[12]، و(سيكولوجيا النساء)[13]، و(فلسفة الموضة)[14]، و(فلسفة المغامرة)[15]، و(مشكل علم الاجتماع ونصوص أخرى)[16]، وغيرها من المؤلفات المتميزة...

إذاً، ما التصور النظري السوسيولوجي لدى جورج زيمل؟ وما أهم خصائص منهجه الاجتماعي؟ وما أهم الانتقادات الموجهة إليه؟ هذا ما سوف نتوقف عنده في المطالب التالية:

 

المطلب الأول: التصــــور النظـــــري  

لايمكن فهم أفكار جورج زيمل وتصوراته النظرية والمنهجية إلا بالتركيز على بعض المواضيع المهمة في نسقه المعرفي على الوجه التالي:

 

الفرع الأول: مفهوم السوسيولوجيا وموضوعها

تدرس السوسيولوجيا عند زيمل الوسائل المستخدمة للعيش المشترك. ويصف لنا زيمل ذلك بدقة في كتابه ( علم الاجتماع/   Soziologie ) الذي صدر سنة 1908م. ومن ثم، فموضوع علم الاجتماع هو دراسة أفعال الأفراد في شكلها التفاعلي أو التواصلي أو التبادلي. ومثال ذلك عندما يحيي شخص زميله في الشارع، يرد عليه الآخر بالتحية بشكل تناوبي. ويعني هذا أن هناك تفاعل متبادل بين الطرفين، ضمن سياق اجتماعي معين.وعنصر التفاعل أو التبادل مهم في فكر زيمل.وبالتالي، تتوقف السوسيولوجيا عند مختلف الروابط والعلاقات الاجتماعية التي تربط الأفراد، ضمن سياق تفاعلي معين. أي: تعنى السوسيولوجيا بدراسة التفاعل الاجتماعي أو التآلف أو التآنس الاجتماعي الذي يتخذ طابعا ديناميكيا. ويعني هذا أيضا ملاحظة أفعال الأفراد المتفاعلة، ووصفها بدقة لمعرفة الدلالات التي تحملها اجتماعيا ، وتأويلها في سياق مجتمعي معين.

وبتعبير آخر، لايدرس علم الاجتماع الفرد في حد ذاته كما عند ماكس فيبر، أو يدرس المجتمع كما عند دوركايم، بل يدرس العلاقة التفاعلية الموجودة بين الفرد والمجتمع، سواء أكانت تلك العلاقة التفاعلية متماسكة أم مبعثرة، إيجابية أم سلبية. بمعنى آخر، يدرس علم الاجتماع ذلك التأثير الذي يمارس الفرد على الآخر، ضمن وضعية اجتماعية معينة. وبالتالي، يحوي هذا التفاعل المضمون والشكل معا. وبهذا، يكون زيمل هو المؤسس الحقيقي للمدرسة التفاعلية التي نشطت كثيرا مع مدرسة شيكاغو الأمريكية.

وعليه، فقد تأثر جورج زيمل كثيرا بفلسفة الفهم والتأويلية الألمانية. وتأثر كذلك بالوضعية كما عند أوغست كونت ودوركايم. ومن ثم، فهو يعرف علم الاجتماع بأنه ذلك العلم الذي يدرس التفاعل بين الأفراد داخل الحياة المجتمعية. أي: دراسة الروابط ومختلف التفاعلات والعلاقات التواصلية الموجودة بين الأفراد ضمن بنية المجتمع، وفهم معنى تلك التفاعلات وتأويلها. وفي هذا، يقول زيمل:" يتبادل الأفراد النظرات، يغارون من بعضهم، يأكلون سوية، يتبادلون الرسائل، يشعرون تجاه بعضهم بالكراهية أو المحبة، يعترفون بالجميل...إلخ، آلاف الأفعال، المؤقتة أو الدائمة، الواعية أو اللاواعية، السطحية السريعة أو الغنية بنتائجها...إلخ، تربطنا الواحد بالآخر، وهي التي ترعى صلابة الحياة المجتمعية ومرونتها وتنوعها ووحدتها وتماسكها.إن التنظيمات المجتمعية الكبرى ، والأنساق المجتمعية الكبرى التي تتضمنها فكرة المجتمع ليست أكثر من أساليب وطرائق ووسائل للحفاظ، في أطر مجتمعية باقية ومستقلة، على الأفعال المباشرة التي تربط الأفراد بعضهم ببعض."[17]

ويلاحظ أن زيمل ينطلق من تعريف ماكس فيبر للسوسيولوجيا، بالتركيز على الفعل السلوكي للأفراد داخل المجتمع، وفهم دلالات الأفعال التواصلية، وإدراك معانيها ومقاصدها وغاياتها ونواياها. بمعنى أن زيمل ركز ، في كتابه(علم الاجتماع) الذي أصدره سنة 1908م [18]، على الفعل المتبادل أو الأفعال المتبادلة بين مجموعة من الأفراد بشكل تناوبي. ومن هنا، ينبغي على السوسيولوجي أن يلاحظ تلك الروابط والعلاقات التي تكون بين الأفراد ، وخاصة تلك التي تندرج ضمن التفاعل الاجتماعي الحي أو المشاركة المجتمعية.

وبشكل أوضح، " قدم زيمل، في سبيل تحليل هذه العلاقات، تصورا رئيسيا، هو الفعل المتبادل.وببساطة هو يعني بالفعل المتبادل التأثير الذي يمارسه كل فرد على الغير.وهو فعل موجه بمجموعة من الدوافع المختلفة (الغرائز الجنسية، والمصالح العملية، والمعتقد الديني، ومتطلبات النجاة والعدوان، والمتعة في اللعب، والعمل...). وإن والكلية- المتحركة دوما- لهذه الأفعال هي التي تساهم في توحيد كل الأفراد في مجتمع بمجمله.

لكن موضوع تحليل زيمل ليس الفرد ، وليس المجتمع بماهما عليه، كل اهتمامه يتركز على التفاعل الخلاق بين هذين القطبين الطرفيين.إن إنتاج المجتمع، بهذا المعنى، هو المنبت المؤسس للرباط الاجتماعي. وعلى العكس من دوركايم، ينحاز زيمل إلى صيرورة المجتمع، وليس إلى الضغط الذي يمارسه هذا المجتمع.ولهذا السبب سيتكلم بأريحية عن التنشئة الاجتماعية أكثر من حديثه عن المجتمع."[19]

وعليه، فعلم الاجتماع عند جورج زيمل هو الذي يدرس التفاعل الاجتماعي المتبادل بين الأفراد، داخل سياق مجتمعي معين. ويعني هذا أن زيمل يوفق بين تيارين : تيار فيبر الذي يعنى بالفرد، وتيار دوركايم الذي يهتم بالمجتمع. ومن ثم، فقد ركز زيمل على العلاقة التفاعلية الموجودة بين الفرد والمجتمع، تلك العلاقة التي تتخذ مضمونا وشكلا، وتنتج عنها تأثيرات متبادلة بين الأفراد، سواء أكانت إيجابية أم سلبية.

 

الفرع الثاني: مضمون التفاعل الاجتماعي وشكله

يميز جورج زيمل بين مضمون التفاعل الاجتماعي وشكله. ومن هنا، يتمثل مضمون التفاعل في مختلف الدوافع والحوافز والضغوطات العضوية والنفسية التي تدفع الأفراد وتحركهم، بشكل من الأشكال، للتفاعل فيما بينهم، داخل سياق مجتمعي معين. ويتخذ هذا المضمون التفاعلي شكلا معينا .ومن هنا، فالواقعية الاجتماعية الناتجة عن التفاعل الاجتماعي لايمكن الفصل فيها بين مضمون التفاعل وشكله. ومن هنا، إذا كان مضمون التفاعل هو الحافز، أو المنفعة، أو المصلحة، أو الغاية، أو السبب...، فإن الشكل هو صيغة التفاعل وطريقته وهيئته الأدائية والإنجازية.

وإذا كان إميل دوركايم يدعو إلى دراسة المجتمع دراسة تشييئية علمية وتجريبية ، في ضوء مرتكزات المدرسة الوضعية الكلاسيكية، فإن جورج زيمل، على غرار المدرسة التفاعلية، يدعو إلى دراسة العلاقات التفاعلية بين الفرد والمجتمع؛ لأن الفرد ، باعتباره فاعلا ذاتيا، له أهمية كبرى في التأثير في المجتمع إلى درجة تغييره ، وإعادة بنائه من جديد. كما للمجتمع تأثيره الجبري في الفرد.

وإذا أخذنا مثال" السكن" لدراسته وفق مقترب زيمل مضمونا وشكلا، فإن هذه الكلمة تحمل مضامين التفاعل الاجتماعي؛ إذ تحيلنا الكلمة على ضرورة السكن والاستقرار والاتقاء من أخطار الطبيعة والشارع. كما تحيلنا الكلمة على التفاعل الاجتماعي والعيش المشترك بين الجيران والأقارب والأصدقاء والناس بصفة عامة. بمعنى أن الفرد لايمكن أن يتواصل ويتفاعل مع الآخرين، ضمن سياق مجتمعي معين، إلا بالاستقرار في المكان.أي: بالحصول على المنزل واختياره مسكنا للحياة. ومن هنا، يتخذ هذا المضمون التفاعلي شكلا معينا هو الذي يحدد طبيعة هذا التفاعل الاجتماعي، حسب فهم الآخرين، ومنظورهم إلى السكن، وتغيير دلالاته من فرد إلى آخر. ومن هنا، يمكن تخصيص موضوع السكن لدراسته وفق نظرية التفاعل الاجتماعي. وعلى الرغم من ذلك يبقى مفهوم الشكل - هنا- غامضا ومعقدا ومبهما.

وهناك من يفسر مصطلح الشكل، لدى جورج زيمل، بمفهومه المنهجي، وليس بالمفهوم الأنطولوجي. ويعني هذا أن الشكل أداة منهجية لوصف التفاعل الاجتماعي وملاحظته وتأويله ، أو هو بمثابة النموذج أو البراديغم أو النموذج المثال عند ماكس فيبر لدراسة التفاعل الاجتماعي كما يرى رايمون بودون. ومن هنا، يتخذ مفهوم الشكل طابعا مجردا أو كلية واقعية يتداخل فيها مضمون التفاعل الاجتماعي وشكله.

 

الفرع الثالث: سوسيولوجيا الأشكال  

يعد جورج زيمل من أهم الباحثين الاجتماعيين الذين أسسوا سوسيولوجيا الأشكال في أثناء تمييزه بين مضمون الفعل وشكله. ومن ثم، يميز زيمل بين مضمون الفعل المجتمعي (الدوافع التي توجه الفعل البشري) وشكله (الموضة - مثلا-). ويقصد بشكل الفعل ما ينتج عن الأفعال الاجتماعية في أثناء عمليات التفاعل أو التبادل المجتمعي.

وعليه، فثمة أربعة أنماط من الأشكال الاجتماعية عند زيمل[20]:

- الأشكال المتصفة بالديمومة: العائلة، والدولة، والكنيسة، والمنشآت، والأحزاب السياسية..، وتسمى هذه الأشكال بالمؤسسات.

- الأشكال التي هي تصميمات مبنية مسبقا ، وتتفرع عنها المنظمات التابعة لها: التراتبية، والتنافس، والصراع، والمغامرة، والإقصاء، والميراث، والتقليد...، وتسمى بالأشكال التكوينية.

- الأشكال التي تكون الإطار العام الذي تحدث ضمنه التنشئة الاجتماعية: السياسة، والاقتصاد، والقانون، والتعليم، والدين...وتسمى بأشكال التوافق.

- الأشكال العابرة التي تؤسس للطقوس اليومية: العادات، والطعام المشترك، والنزهات المشتركة، والتهذيب، والكياسة...[21]

وللتمثيل، يتوقف زيمل عند شكل اجتماعي مثاله (الموضة) لدراسته.لذا، يعتبرها تعبيرا عن النزعة الليبرالية الفردية ، و" دون أن تتوقف مع ذلك عن فضح الفوارق الطبقية، تكشف ربما بشكل أفضل، من أي شكل آخر، جوهر دينامية الاجتماعي.تسمح الموضة في الواقع بالتفرد (الحاجة إلى التميز) ، دون الانفصال عن جماعات الانتماء (الحاجة إلى التماسك). فهي شكل للحياة ، من بين أشكال أخرى كثيرة؛ يسمح بأن يجتمع في فعل موحد الميل إلى المساواة الاجتماعية، والميل إلى التمايز الفردي. أي: إلى التنوع.

أخيرا تعيش الموضة من هذه المفارقة الخاصة بحداثتها، إنها شكل دائم. في حين، إن سبب وجودها هو التبدل المستمر. ومن دون ثورة مستمرة في الأفكار والأذواق ، لن تكون الموضة سوى شكل اجتماعي عابر."[22]

وهكذا، فالأشكال هي منتجات للإنسان وللتفاعلات التي تربطها مع بعضها" فهي تميل أيضا لأن تصبح موضوعات أو أغراضا (Objets) تجد بنفسها قوانين تطورها الخاصة بها.إن عملية التجريد هذه تجعل الأشكال الاجتماعية تعمل بمنطق استقلال ذاتي لدرجة تجعلها غريبة عن الأشخاص الذين أوجدوها.كذلك يشير زيمل إلى أنه، بمجرد ما تنشأ - حتى بمساعدة حساسيتنا الفردية المبالغ فيها- فإن الأغراض القانونية والفنية الاعتيادية...تفلت منا لدرجة أننا لم نعد أبدا أسيادا على التأثيرات التي قد تحرض عليها هذه الأغراض.ومع ذلك، تظل الأشكال الاجتماعية عناصر محايثة لحياتنا اليومية من باب أنها تشارك في إدارة العلاقات بين الأفراد.وهذه هي حال النقود، فهي كأداة ضرورية للتبادل التجاري، تسهل النمو الاقتصادي، لكنها في الوقت ذاته، تسجن الأفراد ضمن علاقات اجتماعية ضعيفة . وفي الواقع، مع تكاثر هذا النمط من التفاعل الاقتصادي، يتقلص الرباط الاجتماعي بشكل متزايد، ليصبح مجرد علاقات شخص/ نقود/ شخص، خاضعة للحساب وللإستراتيجيات.هذا الميل الثابت لتشييء الرباط الاجتماعي يقع في قلب الإستراتيجية الثقافية للحداثة.

لكن إذا ما كان ثمة إستراتيجية، فهذا قبل كل شيء، لأن الناس لايستطيعون أن يقللوا من الأشكال الاجتماعية. وفي الواقع، إذا نظرنا إلى الفن أو التقنية أو العلم أو الأخلاق.فكل هذه الأشكال عناصر ضرورية لإنتاج ثقافة معينة.فهي تقدم إطارا للروابط الاجتماعية.وتحسن الغنى الفردي والجماعي...وعلى الرغم من أنها تصبح شيئا فشيئا غريبة عنا.فهي الأساس الحميم، ليس فقط لحياتنا الشخصية (إذا فكرنا بدور العائلة)، بل كذلك لكامل الحياة في المجتمع.فمن جهة أولى، إن الأشكال هي الوسيلة الضرورية لتثمين الذاتية. ومن جهة أخرى، يعمل هذا التدريب الخشن على لجم كل تلقائية فعلية لمجتمعنا الفردي.تلكم هي المفارقة المركزية لمجتمعاتنا الحديثة."[23]

وعليه، تبقى سوسيولوجيا الأشكال عند زيمل غامضة ومعقدة وملتبسة، تحتاج إلى توضيح دقيق ، وتطبيق إجرائي عملي أكثر بساطة وكفاية ومرونة .

 

المطلب الثاني: التصور المنهجي

يتبنى زيمل المقاربة التفاعلية في دراسة الظواهر المجتمعية.بمعنى أنه يستعمل المنهجية الكيفية. في حين، يستعمل ماكس فيبر المنهج التفهمي، بينما يستخدم دوركايم المنهج التفسيري الوضعي والكمي. ويعني هذا كله أن زيمل قد ركز على الفرد في علاقته التفاعلية مع الأفراد الآخرين، ضمن سياق تفاعلي مجتمعي قائم على الفعل ورد الفعل. أي: درس زيمل العلاقة التفاعلية القائمة بين الفرد والمجتمع، أو درس مختلف التفاعلات المتبادلة بين الأفراد ، مثل: الصراع، والتنافس، والتعاون، والتضامن، والغيرة، والأهواء، والعواطف، والجمعيات، وتبادل الرسائل...ويعني هذا ضرورة الاهتمام بالتفاعلات التي تفرزها الحياة اليومية العادية بأشكالها الاجتماعية. كما أن هذه المقاربة التفاعلية ذات طبيعة سياقية مرتبطة بالفعل المتبادل في نطاقه الزماني والمكاني.

وبهذا، تعتمد المقاربة التفاعلية عند زيمل على تجربة الأفراد في العالم أو الواقع اليومي، والتركيز بالخصوص على التفاعل المتبادل، ودراسة الفاعل تبعا للواقع الطبيعي الذي يعيش فيه.أي: دراسة "وجهة نظر الفاعلين الاجتماعيين بالحسبان، إذ إن هؤلاء يبنون عالمهم الاجتماعي من خلال المعاني التي يخصون بها الأشياء والأفراد والرموز التي تحيط بهم."[24]

ومن هنا، كان زيمل هو الممهد لظهور التفاعلية الرمزية أو مدرسة شيكاغو الأمريكية مع جورج هربرت ميد وألبيون سمول وغيرهما. وبذلك، أصبح علم الاجتماع علما ميدانيا ، يهتم بدراسة المدينة، وحل مشاكلها الاجتماعية، والاتجاه إلى علم اجتماع غير نظري، بل قائم على العمل الميداني. والدليل على تأثر مدرسة شيكاغو بزيمل ما أورده آلان كولون في كتابه (مدرسة شيكاغو) :" لقد لعب ألبيون سمول(1854-1926م) دورا كبيرا في تأسيس علم الاجتماع، لا في شيكاغو فحسب، بل وفي مجمل الولايات المتحدة.ولسوف يدرس سمول، بعد أن بدأ بدراسة لاهوتية، في برلين- حيث التقى جورج زيمل الذي كان طالبا آنئذ قبل أن يترك بصماته على علم الاجتماع الألماني والأوروبي- ثم في ليبزيغ حيث درس بين الأعوام 1879و1881م التاريخ والفلسفة والسوسيولوجيا الألمانية. ثم عاد سمول إلى الولايات المتحدة، وحصل على شهادة الدكتوراه في التاريخ من جامعة جون- هوبكنز في العام 1889م، ثم أصبح مدرسا لمادة التاريخ في معهد كولبي حيث ظل يدرس المادة حتى العام 1882م.

هناك شرع سمول يدرس مادة علم الاجتماع، وبخاصة علم الاجتماع الألماني.فألف في العام 1890، كتابا قرأه كل طلبة علم الاجتماع في الولايات المتحدة طوال عشرين سنة ، وقد استعار عنوانه كل من روبيرت بارك وأرنست بورجيس في عام1921 لكتاب لهما حول علم الاجتماع، ولكن بعد أن بدلا، وعلى نحو له دلالته العميقة، كلمة مجتمع بكلمة علم الاجتماع، وهكذا وبالانتقال من الجيل الأول لعلماء علم الاجتماع في شيكاغو إلى الجيل الثاني، ننتقل من مشروع المعرفة العلمية للمجتمع إلى البناء العلمي للنظرية التي ستتيح، كما كان معتقدا، دراسة هذا المجتمع.

لم تدم كتابات آلبيون سمول بعد وفاته، كما أن عروضه النظرية- وبخاصة تصنيفه للحوافز البشرية في ستة أنواع هي: الصحة، والرخاء المادي،  والمخالطة الاجتماعية، والمعرفة، والجمال، والإنصاف- لم تترك لها آثارا عميقة في علم الاجتماع.فهو لم يعد يقرأ اليوم كعالم اجتماع إلا من قبل بعض البحاثة الذين يهتمون بتاريخ تطور علم الاجتماع الأمريكي. بيد أنه ينبغي الإشارة إلى أنه كان يحث طلابه على القيام ببحث ميداني نشط، وبمراقبة مباشرة لا أن ينصرفوا إلى التأملات النظرية و"هو غارقون في مقاعدهم"."[25]

ومن جهة أخرى، يمكن الحديث عن نوعين من علم الاجتماع على صعيد المنهج: علم اجتماع كمي يعتمد على آليات العلوم الطبيعية والرياضيات والإحصاء الكمي، ويتصف بالنفعية كما عند دوركايم - مثلا- ؛ ومنهج كيفي أو نوعي وإنساني يقوم على المعرفة العملية المباشرة ، ويمثله علم الاجتماع الميداني، ويمارسه ماكس فيبر وزيمل والنظرية التفاعلية الرمزية الأمريكية بمدرسة شيكاغو.

ومن هنا، تستند المقاربة التفاعلية إلى مجموعة من الوسائل المنهجية الكيفية، مثل: استخدام الوثائق الشخصية، والسير الذاتية، والرسائل الخاصة؛ والاستعانة بقصاصات الصحف، والمذكرات ، واليوميات، والكتابات الشخصية أو الغيرية، والمقابلات المباشرة، والتحقيقات، والروايات أو الشهادات التي أدلى بها أولئك الأفراد الذين هم موضوع البحث، ودراسة الحالات أو القضايا المعينة؛ والاستعانة بمبدإ المعايشة أو الملاحظة المشاركة ، والعمل التوثيقي، والدراسة الميدانية...

إذاً، تهدف التفاعلية التبادلية إلى " فهم ما يفعله الأفراد، وذلك بالوصول، من داخلهم، إلى عالمهم الخاص، وسيكون المقصود أولا وصف العوالم الخاصة للأفراد الذين نريد فهم ممارساتهم الاجتماعية وتحليلها."[26]

ومن هنا، فالتفاعلية التبادلية منهجية تفهمية بامتياز، تحاول فهم العلاقات التفاعلية الفائمة بين الأفراد، في حضن المجتمع، بفهمها وتأويلها داخليا وإنسانيا. وبهذا، يقترب زيمل من ماكس فيبر وفلهلم ديلثي وباقي علماء الاجتماع الذين تمثلوا منهجية الفهم والتأويل. ومن هنا، فقد تمثل زيمل المقاربة التفاعلية من جهة، والمنهجية الكيفية من جهة أخرى.

علاوة على ذلك، فقد استعان زيمل بالفلسفة وعلم النفس والتاريخ في دراسة الظواهر المجتمعية ، ولاسيما أن زيمل أعد أطروحة جامعية حول فلسفة كانط.كما كان زيمل من المساهمين في بلورة علم النفس الاجتماعي. ويعني هذا كله أن هناك انتقاء منهجي، والجمع بين مجموعة من المقاربات في فهم الظواهر المجتمعية وتفسيرها وتأويلها، وخاصة الفلسفة وعلم النفس.

 

المطلب الثالث: الانتقــــادات

بادىء ذي بدء، علينا أن نعترف بأهمية جورج زيمل في مجال الفلسفة بصفة عامة ، وعلم الاجتماع بصفة خاصة. ومن ثم، يعد زيمل من رواد مدرسة الفهم التي وضع أسسها فلهلم ديلثي وماكس فيبر. كما يعد من علماء الاجتماع البارزين الذين اهتموا بسوسيولوجيا الأشكال. ومن ناحية أخرى، يعد الأب المجهول للسوسيولوجيا التفاعلية، قبل أن تنسب إلى مدرسة شيكاغو الأمريكية.

أضف إلى ذلك اهتمامه الكبير بظواهر اجتماعية مثيرة ومحيرة وشاذة في تلك الفترة بالذات، فقاربها زيمل من وجهات مختلفة: سوسيولوجية، وفلسفية، واقتصادية، وسيكولوجية، مثل: المدينة، والمظاهر، والموضة، والفن، والجمال، والفقر، والنقود، والدين، والمغامرة، والنساء، وجمالية الوجه، والأطلال، والثقافة...

ويكفيه فخرا أنه تأثر بمجموعة من المفكرين والفلاسفة البارزين، أمثال: ماكس فيبر، وسوزان جورج، وأوغست رودان، وهنري برغسون...كما دفعه عصره ، ذو الطابع الليبرالي والفردي والأداتي، إلى الاهتمام بسوسيولوجيا الفرد في تفاعله مع الآخرين، ضمن سياق مجتمعي معين.

وما يميز زيمل أيضا عن دوركايم وماكس فيبر هو الاهتمام بالتفاعل الاجتماعي الذي يجمع بين مجموعة من الذوات التي تتفاعل فيما بينها، ضمن سياقات اجتماعية مختلفة. وفي هذا، يقول فليب كابان وفرانسوا دوتريو:" في نص صغير يعود إلى عام 1909 وظل شهيرا، هو (الجسر والباب)، قدم تحليلا إحيائيا للحيثية الاجتماعية.فهو يرى أن الحياة الاجتماعية حركة لاتتوقف العلاقات بين الأفراد من خلالها عن تعديل بعضها البعض.وهذه العلاقات، على شاكلة الجسر الذي يربط، والباب الذي يفصل، هي علامات لميول متضاربة نحو التماسك والتبعثر. وبشكل أوضح، قدم زيمل، في سبيل تحليل هذه العلاقات، تصورا رئيسيا هو الفعل المتبادل. وببساطة هو يعني بالفعل المتبادل التأثير الذي يمارسه كل فرد على الغير.وهو فعل موجه بمجموعة من الدوافع المختلفة (الغرائز الجنسية، والمصالح العملية، والمعتقد الديني، ومتطلبات النجاة أو العدوان، والمتعة في اللعب، والعمل...)، وإن الكلية- المتحركة دوما- لهذه الأفعال هي التي تساهم في توحيد كل الأفراد في مجتمع بمجمله.

لكن موضوع تحليل زيمل ليس الفرد وليس المجتمع بماهما عليه: كل اهتمامه يتركز على التفاعل الخلاق بين هذين القطبين الطرفيين.إن إنتاج المجتمع، بهذا المعنى، هو المنبت المؤسس للرباط الاجتماعي.وعلى العكس من دوركايم، ينحاز زيمل إلى صيرورة المجتمع، وليس إلى الضغط الذي يمارسه هذا المجتمع.ولهذا السبب سيتكلم بأريحية عن التنشئة الاجتماعية أكثر مما عن المجتمع.

ومع ذلك لايتجاهل زيمل أيضا وجود بنيات ثقيلة تدفع إلى إعادة الإنتاج الاجتماعي.وهو ببساطة ينسب لها كيانا يقارن مع هذه الأحداث الميكرواجتماعية في الحياة اليومية، مع هذه التفاعلات المتعددة والعابرة (الألفة الاجتماعية) التي تشكل أيضا جوهر العلاقات الإنسانية."[27]

ومن جهة أخرى، يلاحظ على جورج زيمل أنه لم يوضح المقصود من شكل التفاعل الاجتماعي بشكل جيد، فمازال المفهوم غامضا ومعقدا وملتبسا؛ وهذا ما جعل إميل دوركايم يصف فكر زيمل بالتعقيد والغموض والإبهام. ونجد هذه الملاحظة نفسها عند جون سكوت في قوله:" فكثيرا ما يوصف زيمل بالاجتماعي الشكلي.ومن دون أي مخاوف بشأن غموض مفهومه الأساس عن الأشكال الاجتماعية، فقد أظهرت التحليلات المتعاقبة أن هذا المفهوم ضابط غير منتظم لظواهر متنوعة تعرف بالعلاقات الاجتماعية، والعمليات الاجتماعية، والأشكال الاجتماعية."[28]

وعلى الرغم من هذه الانتقادات المشروعة، يبقى جورج زيمل مؤسسا لعلم الاجتماع الحديث من جهة أولى، وصاحب السوسيولوجيا التفاعلية من جهة ثانية، ومؤسس سوسيولوجيا الأشكال من جهة ثالثة.

 

الخاتمــــة

وخلاصة القول، يعد جورج زيمل من المؤسسين الحقيقيين لعلم الاجتماع الحديث إلى جانب إميل دوركايم وماكس فيبر. ويعتبر أيضا الأب المجهول للسوسيولوجيا التفاعلية، والمؤسس الفعلي لسوسيولوجيا الأشكال، ومن أبرز علماء الاجتماع الذين اهتموا بظواهر مجتمعية مثيرة، مثل: الفقر، والموضة، والنقود، والجمال، والدين، والثقافة، والمدينة، والغريب...

ومن هنا، فعلم الاجتماع، عند جورج زيمل، هو دراسة التفاعل الاجتماعي وأشكاله، مثل: التبادل، والصراع، والاستعلاء، والخضوع، والسرية، والشرف... أي: يدرس الحياة اليومية أو التفاعلات الميدانية، مثل: تبادل الرسائل، أو العلاقات المتشحة بالغيرة، أو العرفان بالجميل... وبهذا، يكون زيمل قد أسس علم اجتماع الحياة اليومية.

ومن منظور آخر، لاتقتصر السوسيولوجيا على دراسة الفرد فقط، أو دراسة المجتمع ، بل تدرس - حسب زيمل- العلاقة التفاعلية الموجودة بين الفرد والمجتمع.

ومن جهة أخرى، فقد ميز زيمل بين مضمون الفعل وشكله، وإذا كان المضمون عبارة عن الدوافع والحوافز والمنافع أو المصالح التي تدفع الفرد إلى ممارسة فعل ما ، ضمن سياق اجتماعي معين، فإن شكل الفعل هو النموذج المنهجي الخاص الذي يتخذه هذا المضمون.

 

الدكتور جميل حمداوي

......................

[1] - ولد السوسيولوجي الألماني زيمل سنة 1858م، وتوفي سنة 1918م.

[2]- جون سكوت: خمسون عالما اجتماعيا أساسيا، ترجمة: رشا جمال، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية 1913م، ص:198.

[3]- Georg Simmel: Über sociale Differenzierung(1890).

[4] -Georg Simmel: Philosophie de l'argent, traduit par Sabine Cornille et Philippe Ivernel P.U.F., Paris, 1987.

[5] - Georg Simmel: Sociologie et épistémologie, P.U.F., 1981, 1989.

[6]-Georg Simmel : Les Pauvres, P.U.F. 1998.

[7]-Georg Simmel:Sociologie, étude sur les formes de la socialisation, P.U.F., 1999.

[8] - Georg Simmel :Secret et sociétés secrètes, Circé, 1991.

[9]-Georg Simmel : La Sociologie et l’Expérience du monde social, Méridiens Klincksieck, 1986.

[10] - Georg Simmel :La Parure, MSH, 1998.

[11]-Georg Simmel:Esthétique sociologique, MSH, 2007.

[12]-Georg Simmel :Le Pauvre, Allia, 2009.

[13] - Georg Simmel:Psychologie des femmes, Payot, 2013.

[14]-Georg Simmel : Philosophie de la mode, Allia, 2013.

[15]-Georg Simmel: Philosophie de l'aventure, L'Arche, 2002.

[16]-Georg Simmel : Le Problème de la sociologie et autres textes, éditions du Sandre, 2006.

[17]-M.Giacobbi,J.P.Roux :Initiation à la sociologie, Hatier, Paris,1996,p:254.

[18]- Simmel: Sociologie, étude sur les formes de la socialisation, P.U.F., 1999.

[19] - فليب كابان وفرانسوا دوتريو: علم الاجتماع، ترجمة: إياس حسن، دار الفرقد، دمشق، سورية، الطبعة الأولى سنة 2010م،ص:72.

[20]-J.Freund :Philosophie et sociologie, Cabay,1984.

[21] - فليب كابان وفرانسوا دوتريو: نفسه، ص:72-73.

[22] - فليب كابان وفرانسوا دوتريو: نفسه، ص:73

[23]- فليب كابان وفرانسوا دوتريو: نفسه، ص:73-74.

[24]- آلان كولون: مدرسة شيكاغو، ترجمة: مروان بطش، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى 2012م، ص:25.

[25]- آلان كولون: مدرسة شيكاغو، صص:13-14.

[26]- آلان كولون: نفسه، ص:127.

[27]- فليب كابان وفرانسوا دوتريو: نفسه، ص:71-72.

[28]- جون سكوت: خمسون عالما اجتماعيا أساسيا،ص:199.

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3255 المصادف: 2015-08-04 00:23:25