 أقلام فكرية

وقفة نقدية أخرى مع القصة القصيرة جدا

jamil hamdaouiالمقدمة:تعد القصة القصيرة جدا جنسا أدبيا متميزا في أدبنا العربي الحديث والمعاصر، إما أننا استلهمناه من تراثنا السردي القديم، وإما أننا أخذناه من أدب أمريكا اللاتينية، وإما أننا أبدعناه اعتمادا على قدراتنا الإبداعية، بالانزياح عن الأجناس السردية المعيارية الكلاسيكية.

ومؤخرا، حصل هذا الجنس الأدبي الجديد على الاعتراف الأكاديمي والجامعي والمؤسساتي. كما حظي بالتشجيع والتقدير والانتشار السريع، إلى أن اكتسح الساحة الثقافية العربية بسرعة كبيرة. إذ ظهرت القصة القصيرة جدا في سنوات السبعين من القرن العشرين، وتوطدت معالمها وأركانها وثوابتها في سنوات الألفية الثالثة، وبالضبط مع الثورة الإعلامية الرقمية. في حين، استغرقت الأجناس الأدبية الكلاسيكية الأخرى ، مثل: الشعر ، والرواية، والمسرح، والقصة القصيرة ، وقتا طويلا من حيث النشأة والنمو والاستواء والتطور والنضج الفني والجمالي.

وبهذا، أعلن ، بكل ثقة وصدق وصراحة، أن القصة القصيرة جدا هو مستقبل السرديات بامتياز. ونعلم علم اليقين أن هذا الجنس مازال في طور النمو والاستواء والاعتدال والاكتمال، وسيحقق - بلاشك- جاذبيته الخارقة في القريب العاجل.

 

المطلب الأول: دواعي انتشار القصة القصيرة جدا

بعد أن تربع الشعر على أدبنا العربي لقرون طويلة، إلا أن هذه البضاعة، في العقود الأخيرة ، قد أصابها الركود والبوار والكساد ، فحلت الرواية محل الشعر، وكان الإقبال عليها شديدا ؛ والسبب في ذلك هو انتشار التعليم، واهتمام الدرس الجامعي بالسرديات بصفة عامة، وفن الرواية بصفة خاصة .بيد أن القصة القصيرة جدا أعلنت انقلابها الفني على الرواية بشكل مفاجىء، فأسقطت الرواية عن عرشها، واستطاعت أن تفرض نفسها في ثلاثة عقود متتابعة، من سنوات السبعين من القرن الماضي إلى يومنا هذا.

ويعود انتشارها السريع إلى ما قدمه الأنترنيت من خدمات جلى لهذا الجنس الأدبي الجديد تعريفا وتنظيرا وتطبيقا. وهذا ما جعل بعض الباحثين يسميها بالقصة التويترية.علاوة على تعقد الحياة اليومية على جميع المستويات والأصعدة؛ مما يستلزم ذلك الميل نحو السرعة في كل شيء. واليوم، أصبحنا نتحدث عن القراءة السريعة المركزة أو الماسحة أو الذكية. علاوة على ذلك، لايستطيع القارىء أن يقرأ النصوص المسترسلة أو الروايات الكبيرة الحجم ؛ لأن هذا يتطلب وقتا طويلا، نفتقده - اليوم- بسبب تعقد حياتنا المعاصرة، وتشابكها بشكل كبير بين حين وآخر.

أضف إلى ذلك الرغبة في التجريب والتجديد والانزياح وتكسير الطابو السردي، بالبحث عن الأشكال السردية الجديدة، فكان العثور على هذا الجنس الجديد. دون أن ننسى كذلك مدى التأثر بتراثنا السردي العربي القديم من جهة، والانفتاح على تجارب كتاب أمريكا اللاتينية الذين أظهروا مقدرة إبداعية هائلة في مجال القصة القصيرة جدا من جهة أخرى. وأكثر من هذا ما قدمه النقد العربي المعاصر من اهتمام بالقصة القصيرة جدا على مستوى التأريخ، والتنظير، والتطبيق، والتشجيع؛ فضلا عن انتشار الندوات والملتقيات والمهرجانات التي تخصصت في القصة القصيرة جدا. وغالبا، ما كانت هذه المهرجانات تعلن عن جوائز مادية ومعنوية في مجال كتابة القصة القصيرة جدا.

وبعد أن كان انتشارها في العراق وسورية لافتا للانتباه ما بين سنوات السبعين والتسعين، سرعان ما انتقلت إلى المغرب، في سنوات الألفية الثالثة، ليحضنها بشكل جيد، ويرعاها إبداعا ونقدا وتشجيعا.وبذلك، صار المغرب الحاضن الأول للقصة القصيرة جدا بدون منازع إلى يومنا هذا.

 

المطلب الثاني: تاريخ القصة القصيرة جدا في الوطن العربي

عرف الوطن العربي جنس القصة القصيرة جدا منذ سنوات السبعين من القرن العشرين. ويعد المبدع الفلسطيني محمود علي السعيد أول من كتب القصة القصيرة جدا في بداية السبعينيات من القرن الماضي، عندما كان عضوا ثقافيا نشيطا في مدينة حلب. وكان واعيا بهذا الجنس الأدبي الجديد، عندما وضع على الغلاف الخارجي لمجموعته الأولى (الرصاصة) مصطلح (قصة قصيرة جدا). وقد صدرت هذه المجموعة سنة 1979م.وقد سبق للمبدع أن نشر قصة قصيرة جدا بمجلة (الطليعة) بعنوان (الفدائي).

ويعني هذا أن الشام الكبرى هي مهد القصة القصيرة جدا.وبعد ذلك، انتشرت القصة القصيرة جدا في العراق بشكل مكثف. بيد أن هذا الجنس الأدبي لم ينتعش، بشكل حقيقي، إلا مع ظهور شبكة الأنترنيت التي أعطت زخما جديدا ودفعا قويا لهذا الجنس الأدبي .

ولم يقتصر انتشار هذا الجنس على الشام والعراق فقط، بل انتقل إشعاعه إلى المغرب الأقصى ليصبح البلد الأكثر إنتاجا في هذا النوع من الأدب كما وكيفا. ولم ينحصر ذلك في الإبداع فقط، بل تعدى ذلك إلى التنظير، وتحديث النقد، وتنظيم المهرجانات الثقافية المتعلقة بالقصة القصيرة جدا في الناظور، وخنيفرة، ومشرع بلقصيري، والدار البيضاء، والفقيه بن صالح ...

 

المطلب الثالث: مدينة الناظور عاصمة القصة القصيرة جدا

تعد مدينة الناظور عاصمة القصة القصيرة جدا في عالمنا العربي، بفضل مهرجانها السنوي الذي تسهر عليه جمعية جسور للبحث في الثقافة والفنون، ويخدمه أيضا طاقم من المبدعين والمثقفين والنقاد المتميزين وطنيا وعربيا. وأكثر من هذا فمدينة الناظور هي التي حضنت هذا الجنس الأدبي الجديد بحرارة ورعاية وعطف كبير.واستطاع مبدعوها ونقادها أن ينتجوا أعمالا إبداعية ونقدية متميزة في هذا المجال، إلى أن تربعت هذه المدينة على أكبر إنتاج على الصعيد الوطني في مجال القصة القصيرة جدا.

ولا ننسى كذلك ماقدمه أبناء هذه المدينة من إبداعات متميزة في هذا الميدان . ونعترف كلنا بقيمة ميمون حرش، وجمال الدين الخضيري، والخضر الورياشي، وعبد الواحد عرجوني، وعبد الله زروال، وسمية البوغافرية، وأمنة برواضي، وحسن المساوي، ونجاة قيشو في مجال الإبداع على الصعيد المحلي والوطني والعربي، وما قدمه فريد أمعضشو، ومحمد أمحور، ونورالدين الفيلالي، وعبدكم الضعيف هذا، من دراسات نقدية لمقاربة هذا الجنس الأدبي الجديد بنية ودلالة ووظيفة.

إذاً، تعد مدينة الناظور - فعلا- عاصمة للقصة القصيرة جدا بفضل مهرجانها السنوي الذي بلغ الدورة الخامسة؛ والسبب في نجاح هذا المهرجان يعود إلى زمرة من الفاعلين المثقفين الذين ينتمون إلى جمعية جسور للبحث في الثقافة والفنون، أو يتعاطفون معها من قريب أو من بعيد. وقد اخترنا هذا التوصيف (الناظور عاصمة القصة القصيرة جدا) على أساس أن هذه المدينة هي التي تسهر على هذا الجنس الأدبي الجديد بشكل أو بآخر، بتنظيم ندوات وملتقيات لمدارسة هذا الجنس وتقويمه؛ وتشجيع المبدعين والمثقفين على الاهتمام به وكتابته؛ والمساهمة في التنظير والنقد خدمة لهذا الجنس الوافد علينا؛ والمشاركة في كثير من الملتقيات والمهرجانات المحلية والجهوية والوطنية والعربية التي تعنى بالقصة القصيرة جدا. ويعني هذا أن مدينة الناظور حاضرة في جميع الأحداث الثقافية المتعلقة بالقصة القصيرة جدا بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.فلايمكن تجاوز مجهودات أعضاء جمعية جسور في هذا المجال إبداعا، وتنظيرا، ونقدا، وتوجيها، وتقديما...

كما أن الناظور هي الحاضنة لجميع المبدعين والنقاد والمثقفين العرب الذين يهتمون بالقصة القصيرة جدا، وهي التي تشرف كذلك على الرابطة العربية للقصة القصيرة جدا.  

 

المطلب الرابع: القصة القصيرة جدا في الجهة الشرقية

نلاحظ تراكما متميزا في الجهة الشرقية، إذ استطاع هذا الجنس الأدبي الجديد أن ينتشر بسرعة انتشار النار في الهشيم، إلى أن أصبحت المنطقة الشرقية أكثر إنتاجا وتراكما على الصعيد الوطني. بيد أن هناك تفاوتا فنيا وإبداعيا من مبدع إلى آخر، ومن ناقد إلى آخر. فهناك مبدعون مازالوا في مرحلة المحاكاة والتقليد. وهناك من لم يبرح مرحلة التجنيس والتأسيس. وهناك من تجاوز ذلك إلى التجريب.وهناك من وصل إلى مرحلة التأصيل والتميز والجودة والإتقان كميمون حرش ، وجمال الدين الخضيري، وعبد الواحد عرجوني، وعبد الله زروال، وسمية البوغافرية على سبيل التمثيل ليس إلا.

                                                                                                  

المطلب الخامس: مقاييس القصة القصيرة جدا

ثمة مقاييس ضابطة لجنس القصة القصيرة جدا نحصرها في الحجم القصير جدا ما بين نصف الصفحة والصفحة ، وألا يتعدى ذلك إطلاقا، وإلا أصبحت القصة أقصوصة كتلك الأقاصيص التي يكتبها المبدع المغربي إبراهيم بوعلو. ثم ضرورة الحفاظ على الحبكة القصصية من بداية ، وعقدة، وصراع، وحل، وتوازن.وهنا، يمكن للمبدع أن يتصرف في هذه المكونات بالزيادة أو النقصان أو الاستبدال أو تغيير الترتيب أو استعمال تقنية الحذف، وتنويع البدايات والخواتم لمفاجأة المتلقي الضمني، وتخييب أفق انتظاره أو تأسيسه من جديد. ثم انتقاء الأوصاف الدقيقة، وعدم الإسهاب فيها إلى درجة اقتراب القصيصة من النفس السردي الروائي.

علاوة على ذلك، يمكن للمبدع أن يوظف الجمل الفعلية، ويستخدم الإيقاع السريع في تحريك نغمة القصة وعروضها السردي، واستعمال ظاهرة التراكب الجملي، والمفارقة ، والإدهاش، والإضمار، والتنكير، والسخرية، والصورة الومضة، وتحويل القصيصة إلى أسئلة محيرة على الرغم من الحجم القصير جدا.

ويمكن كذلك توظيف الأجناس الأدبية الأخرى من حكاية، وشعر، وأحجية، ولغز، وكاريكاتور، وكذب، وكدية، ومقامة، وخبر، ووعظ...بشرط أن تحتفظ القصة القصيرة جدا على مقوماتها الأساسية، وهي: الحجم القصير جدا، والصورة الومضة، والحبكة القصصية ، والإضمار، والمفارقة، وغيرها من الأركان الضرورية .أما الشروط، فيمكن التصرف فيها حسب مقدرة المبدع.

و يستهين كثير من المبدعين بحجم القصة القصيرة جدا، فتصبح هذه القصيصة رواية أو قصة قصيرة أو أقصوصة بسبب الإسهاب والإطناب الاستطراد ، والإكثار من الوصف الاستقصائي. بيد أن القصة القصيرة جدا لها حجم محدد ومعين، يتراوح بين نصف صفحة وصفحة واحدة، بشرط أن تستوفي تلك القصيصة أركان القصة القصيرة جدا، بكل مكوناتها الدلالية والسردية والفنية والجمالية، وإلا أصبحت أقصوصة ليس إلا.

 

المطلب السادس: نصائح للمقبلين على كتابة القصة القصيرة جدا

أنصح شباب القصة القصيرة جدا بالقراءة الواعية للنصوص السردية المتميزة في مختلف المجالات؛ والاطلاع على الكتابات النقدية التي نظرت للقصة القصيرة جدا؛ والبحث عن أسلوب سردي يميزهم؛ والابتعاد عن الكتابة المباشرة القاتلة للإبداع؛ ثم ضرورة قراءة التراث العربي قراءة واعية لاستثماره بشكل فني وجمالي ، في إطار رؤية تناصية حوارية؛ ثم الاغتراف من جميع الفنون بغية توظيف تقنياتها في الكتابة؛ واحترام الحجم القصصي القصير جدا؛ والتركيز على الحبكة القصصية؛ والابتعاد قدر الإمكان عن الوعظ والخطابة والتقريرية؛ وعن تحويل القصة القصيرة جدا إلى شذرة فلسفية تأملية أو خاطرة إبداعية إنشائية؛ مع الإنصات المستمر إلى النقاد بشكل جيد ...

 

المطلب السابع: المقاربة الميكروسردية ونقد القصة القصيرة جدا

من المعروف أن لكل جنس أدبي مقاربة منهجية خاصة به، فللشعر منهجيته التي تقوم على دراسة المكونات الصوتية والإيقاعية والصرفية والتركيبية والدلالية والتداولية.وكذلك للمسرح والسينما والرواية والقصة القصيرة منهجية خاصة بكل واحد على حدة.أما القصة القصة القصيرة جدا، فقد كان النقاد يقاربونها انطلاقا من مقاربات سردية أو مضمونية أو اجتماعية أو سيكولوجية . وهذا نوع من الإسقاط المنهجي الذي يتنافى مع خصوصيات جنس القصة القصيرة جدا. وإلا كيف سنميز بين جنس سردي و آخر، إذا كانت المنهجية واحدة في التحليل والتقويم والقراءة ؟

لذا، طرحنا منهجية عربية جديدة هي المقاربة الميكروسردية تحلل القصة القصيرة جدا من داخل هذا الجنس، برصد مكوناته البنيوية وسماته الفنية والجمالية.أي: تعنى هذه المقاربة الجديدة باستكشاف البنى الثابتة التي سميناها أركانا (الحجم القصير جدا، وفعلية الجملة، والتراكب، والإضمار، والمفارقة، والصورة الومضة، والتنكير، والإدهاش، والمفاجأة، والحذف، والسخرية ، والتسريع...)؛ واستجلاء البنى المتغيرة في حضورها وغيابها، وقد سميناها شروطا أو سمات(ما تشترك فيه القصة القصيرة جدا مع باقي الفنون والأجناس الأدبية الأخرى ).

 

الخاتمة:

وخلاصة القول، يتبين لنا، مما سبق ذكره، أن جنس القصة القصيرة جدا نوع أدبي صعب المراس، وليس فنا سهلا كما يعتقد كثير من الكتبة ومحرري الأدب، وليس كذلك أحجية أو خبرا أو حديثا أو لغزا أو خاطرة أو شذرة، بل هو نص سردي قصصي قصير جدا ، يتراوح حجمه بين نصف الصفحة والصفحة الكاملة، ويستند إلى الحبكة القصصية ، مع احترام مجموعة من الثوابت والمكونات الفنية والجمالية، مثل: فعلية التركيب، والتتابع، والتراكب، والتسريع، والتنكير، والمفارقة، والإضمار، والإيجاز، والحذف، وانتقاء الأوصاف، والسخرية، والصورة الومضة، واللغة الصادمة...

ومن جهة أخرى، لايمكن الحديث عن نقد أدبي حقيقي للقصة القصيرة جدا إلا إذا كان يراعي مقوماتها الداخلية الثابتة ، وينصت جيدا إلى سماتها الفنية والجمالية التي تحضر وتغيب. لذا، تعد المقاربة الميكروسردية - التي مازلت أدافع عنها في كثير من مؤلفاتي النقدية - أفضل نموذج نقدي عربي ملائم لهذا الجنس الأدبي الجديد إلى يومنا هذا.

 

جميل حمداوي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3274 المصادف: 2015-08-23 01:32:59