 أقلام فكرية

إشكالية الفهم في إختلاف المدركات..؟

من الصعب الاعتقاد بوجود فهم متطابق في شرطه المطلق لا النسبي، كما يطلق عادة على تفاهم بين كائنين .. التفاهم المطلق يتعذر الوصول إليه طالما هنالك اختلاف في المدركات .. ولا أحد يستطيع أن يجزم أن المدركات بين كائنين من جنس واحد متطابقان تماماً .

قد يكون التطابق في الفهم على منهج معين ومحدد ولكن ليس تطابقاً مطلقاً في كل التفاصيل حتى خارج أطر المنهج المعني ما دامت الحالة العامة لأرضية التطبيق متحركة ومتغيرة وقابلة للتحولات في النوع وأيضاً في الكم .. وهذا يلامس الشكل لا الجوهر، إقتحام الجوهر، تلك الزاوية الداكنة في أعماق الذات الأنسانية يصعب بلوغها .

ثمة جانب صغير في كل عقل، وجانب كبير فيه، وعتمة سوداء لم تكتشف بعد، وأيضاً ثمة ضبابية قد تغلف صور الواقع (الخارج)، مهما يكن هذا الواقع، فكراً أم مادة .. الرؤى هنا تختلف تماماً، وربما تجمع بعضها معايير معينة ولكنها ليست ثابته ولا مطلقة .. ومن هنا فأن الأصعب في الفهم هو الداخل، رغم أن " هنري بيرغسون " الفيلسوف الفرنسي قد ألمح إلى أن (الجوهر يكشف عن نفسه دائماً)، وما يرادف ذلك أو يماثله هو السلوك الذي يكشف عن طبيعة الفكرة، والفكرة لا تكشف عن ذاتها أو كينونتها إلا من خلال السلوك، مهما يكن سوياً أو عدمياً في مجرى صراع الحياة .

وثمة أمر آخر يلامس هذه المقولة، قد لا يكشف عنها الجوهر دائماً، وتظل متلازمة، تخفي بعض ترسباتها في قعر الذاكرة ولا تكشف عنها أبداً.. بيد أن عملية الأستكشاف تأخذ نصيبها العميق، في ضوء المدركات، التي هي الأخرى، لها شأن آخر له مستواياته وأعماقه وقدراته على الفهم والتحليل والأستنتاج ووضع المعطيات في نصابها الصحيح، فأن عجزت المدركات عن الفهم بفعل قصورها وعدم نضوجها، فأن الفهم يكون قاصراً ونتائجه غير ناضجة وربما فاشلة أو عقيمة تماماً ولا تؤدي إلى نتائج مستقيمة، والعكس قد يفضي الى نتائج أقرب إلى الرؤية الواقعية للخارج سواء كان الخارج فكراً أو تصوراً مادياً خالصاً.. ومع ذلك يبقى تصور لحالة خاضعة للتغيير والتماثل.

فالمدركات تختلف وتتعارض، وقد تجمعها معايير شبه ناضجه ولكنها غير مكتملة النضج فتمسي فجة كالتفاحة قبل نضجها .. وهذا الأمر يختلف عن التصور القاصر، الذي يظهر عن الأنطباع الأول ما يخالف الحقيقة.. وخاصة حين يتم التصور على أساس أو من باب : هل يخفي الحقيقة وهل هنالك حقيقة يمكن إخفاؤها وماذا وراء الإخفاء ؟ ولماذا لا تكون الحقائق شاخصة ومنتصبة كعمود رخام .. ثم كيف يمكن أن يفكر الآخر؟ وكيف الدخول إلى أعماقه لأكتشاف المجهول أو الوصول إلى تلك المنطقة المعتمة التي يخفي فيها أشياؤه دون إرتياب منه أو تلك النقطة السوداء الداكنة التي تستقر في قعر ذاكرته المأهولة وهي تتكدس على بضع مفاهيم جزئية وليست عامة، شكلية وليست جوهرية ، نسبية وليست مطلقة .. سواء كان الكائن ذكراً أو أنثى :

وثمة مغزى .. حول ماذا يفكر أو يتصور أو يرى بشأن ذلك القمر الذي يعكس نوره الفضي على حافات أسطح البيوت القرميدية أو يداعب زرد الماء في بحيرة وادعة في حضن غابة أشجارها سامقة بعد مغيب الشمس أو ذلك العصفور النزق الذي يضاجع أنثاه أو من تخضع لنزوته مرات ومرات دون كلل أو ملل ثم يفر قبل أن يأوي إلى عشه في أحد الثقوب أو بين أغصان متشابكة يصعب إختراقه؟

قد يُقِرُ مدركاً ما .. أنها لا تعني شيئاً سوى ما هو كائن فيعكس مخيلة بليدة خالية من معايير الجمال أو مقاييسه النسبية الأخاذه ، أو يقرر عوزاً في فهم التكوين بين ذلك الضوء المنسكب كالفضة على الأشياء وبين طبيعة الفهم لمتلازمة الجمال في تلك اللحظة التي توثقها الطبيعة، وعلى المُدْرَكْ أن يلتقطها، وعجزه عن إحاطتها بمعايير الجمال النسبية ويبرزها كحقيقة من حقائق هذا الوجود السرمدي، يكشف عن جوهر الأختلاف في الفهم وإشكاليات المدركات .

وما ينطبق على ما هو كائن في الخارج (الطبيعة) المادية ، ينطبق على الفكر الأنساني وطبيعة الفهم للمشاعر الأنسانية أولكليهما معاً .. قد لا يرى مدرك ما عدداً من الجثث مرمية في العراء أو تحت الأنقاض والغبار والدخان يتصاعد من حولها، سوى حالة أو حدث ينطوي على أرقام .. جثث البشر مجرد أرقام يصفها هكذا .. الجثث إلى الطب العدلي في كل مكان والجرحى إلى المستشفيات، وكل ذلك يُخْتزَلْ إلى أرقام كما يختزل الأنسان بمجموعة من الأوراق من غيرها يمسي مجهول الهوية وربما يوصف بأنه قاتل أو إرهابي أو لص أو مشرد وهو إنسان قبل أن يشهر كونه عالماً أو مفكراً أو كاتباً أو مثقفاً في هذا الكون الملكوت... يا أللـ للـ له !!

 

د. جودت العاني

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3316 المصادف: 2015-10-04 00:06:53