 أقلام فكرية

مشروع "التراث والتجديد" العقل والنقل ومعالم نظرية التفسير

bobaker jilaliمقدمة: يحمل مشروع "التراث والتجديد" هموم الإنسان فكرا وواقعا ووطنا في العالم العربي المعاصر، وهو يقاوم لإبداء الموقف الحضاري من التراث العربي الإسلامي ومن التراث الغربي ومن الواقع بأبعاده الاجتماعية والسياسية والأخلاقية والثقافية والفكرية والفلسفية، هذا الصراع والاجتهاد في فكّه يعكس حاجة الإنسان المعاصر في عالمنا العربي والإسلامي إلى نظرية تفسر الواقع، وهو اجتهاد يتمّ بصورة لا تخلو من الانسجام والنسقية بين الجبهات التي فتحها المشروع، وهو شرط التخلص من التخلف الفكري والاجتماعي، الانسجام بين العقل والتراث والواقع والآخر.

 

1- العقل والنقل والواقع في مشروع "التراث والتجديد":

لقد فتح 'حسن حنفي' مشروعه الفكري الحضاري على ثلاث جبهات، في كل جبهة يصارع ويقاوم لإبداء موقفه الحضاري، جبهة التراث العربي الإسلامي وجبهة التراث الغربي وجبهة الواقع بأبعادها الاجتماعية والسياسية والأخلاقية والثقافية والفكرية والفلسفية، هذا الصراع والاجتهاد يتمّ بصورة لا تخلو من الانسجام والنسقية، وحسب وصف الكثير من المشتغلين بهذا الفكر والدارسين للمشروع بأنه فكر يرقى إلى البناء النسقي المنظم بالمعنى الفلسفي، بحيث تحقق الفلسفة وجودها، ويحقق الفكر ذاته من خلال التقسيم المألوف لمباحث الفلسفة إلى ثلاثة: مبحث المعرفة، مبحث الوجود، ومبحث القيم. وهو تقسيم يحفظ للمشروع انسجامه واتساقه المنطقي وللفلسفة وجودها الفعلي وللفكر وحدته.

فالموقف الأول من التراث العربي الإسلامي يصنع صاحبه مفكراً إسلامياً مبدعاً، والموقف الثاني من الغرب وثقافته يجعل من صاحبه مفكراً غربياً، أما الموقف الثالث من الواقع وكما يسمى لدى صاحبه "نظرية التفسير" يجعل صاحبه مفكراً وصاحب مشروع حقيقي وجريء في السياسة والاجتماع والأخلاق والحياة العامة، هذا الفكر وهذا الموضوع كلاهما مرتبط بالعقل والنقل والواقع. مرتبط بالعقل لأن العقل هو الذي يعي ذاته ومحيطه، يقرأ ذاته ويقرأ الواقع، يحلل كيانه ويحلل الواقع، ينقد ضعفه وينقد الواقع، يبني ويركب، يكشف الواقع، ويغيره ويطوره، يبني الواقع ويصنع التاريخ والحضارة.

وهو موقف مرتبط بالنقل لأن الحضارة إنتاج أمّة لها ماضي وتراث وتاريخ ولها دين، فالأمة الإسلامية لها حضارة قامت وتوقفت، منتجاتها الفكرية والعلمية لازالت مخزونة، تأثيرها لازال يطبع نفوس أصحابها بالرغم من مرور الزمن عليها. فالتراث قضية شخصية وقضية وطنية ومسؤولية فردية واجتماعية، وهو محفوظ في ذات الأمة مرتبط بهويتها بل إحدى مكوناتها، فهو جدير بالعناية والاهتمام، يشغل في مشروع 'حسن حنفي' وفي فكره الحيّز الأكبر، ويوليه أهمية قصوى قراءة ودراسة ونقداً، محاولاً إعادة بنائه من جديد وفق مقتضيات العصر ومستجداته، حتى أنه الحيّز الذي أخذ السبق في إعادة البناء من خلال إعادة بناء العلوم العقلية النقلية،علم الكلام والفلسفة وأصول الفقه والتصوف، والعمل مستمر.

ومرتبط بالواقع لأن الواقع يجد فيه صاحبه آماله ويعيش أحزانه، فيه حياته في مستوياتها المختلفة فكرية وثقافية واجتماعية واقتصادية وسياسية، ولا ينفصل الواقع عن العقل، فهو يفكر فيه ويحلله وينقده ويبنيه، وأحياناً يهدمه ثم يعيد بنائه، وإذا كان العقل والنقل يشغلان حيّزاً مهماً في فلسفة 'حسن حنفي' من خلال قراءة ونقد التراث العربي الإسلامي ومحاولة إعادة صياغته، وقراءة ونقد التراث الغربي، ومن خلال تأكيد دور الفكر ورسالته في حياة الإنسان الفرد والأمّة، يهتم بنقد الواقع وتأصيل الحاضر، ودفعه نحو التقدم والازدهار حتى أصبح الواقع محور إحدى الجبهات الثلاث والهدف من المحاربة فيها وهي جبهة نظرية التفسير وتسمى جبهة الواقع أو معركة الواقع. ومن جانب آخر يتضح في المشروع أن قراءة التراث وإعادة بنائه، وقراءة الآخر ونقده ووضعه في مكانه الطبيعي كل ذلك لامتلاك القدرة على مواجهة تحديات العصر والتحول من الفعل الإصلاحي إلى الفعل النهضوي لأن التراث ليس غاية في ذاته ولا وزن له إن لم يقدم تفسير علمي عملي للواقع ويعمل على كشفه وتغييره وتطويره.

و'حسن حنفي' يسعى إلى "بناء القديم كله ليكن قادراً على مواجهة تحديات العصر والانتقال من الإصلاح إلى النهضة، وذلك بالاعتماد على سلطة العقل واجتهاد المحدثين فالتراث ليس قيمة في ذاته إلا بقدر ما يعطي من نظرية عملية في تفسير الواقع والعمل على تطويره. ويمكن توظيف التراث ليكون نظرية للعمل وموجهاً للسلوك، وذخيرة قومية يمكن اكتشافها واستغلالها واستثمارها من أجل إعادة بناء الإنسان وعلاقته بالأرض وهما حجرا العثرة الّلتان تتحطم عليهما كل جهود البلاد النامية في التطور والتنمية ... فالنهضة سابقة على التنمية وشرط لها، والإصلاح سابق على النهضة وشرط لها، والقفز إلى التنمية هو تحقيق لمظاهر التقدم دون مضمونه وشرطه."

تحمل فلسفة 'حسن حنفي' هموم الإنسان فكرا وواقعا ووطنا في العالم العربي المعاصر أي هموم الواقع والوطن وهي عبارة جعل منها عنواناً لأحد مؤلفاته، وهو كتابه هموم الفكر والوطن في جزأين، الأول حول التراث والعصر والحداثة والثاني حول الفكر العربي المعاصر، وهي هموم مفكر في واقع متأزّم، ويعتبر صاحب الكتاب مؤلفه هذا الشهادة الثالثة على العصر بعد أن كان قد التزم الصمت وعكف على مشروع التراث والتجديد. لإنهاء أجزائه المختلفة الموزعة على الجبهات الثلاث. "وهذه الشهادة الثالثة فرضت نفسها في السنوات التسع الأخيرة (1987-1995) إذ يبدو أن العالم لا يستطيع مهما عزم

ألا يشهد على عصره. فهو عالم ومواطن. يحمل هموم العلم والوطن. وتعبر عن الأحوال في الجمهورية الثالثـة، عصر مبارك، وهو العصر الذي ضاعت فـيه القضـية، وغاب فيه الوطن. إذ تخلّت مصر عن مسؤولياتها القومية أو كادت، كما غاب الوطن الذي ينعم فيه الجميع بالحريّة والأمان. هو العصر الذي بدأ فيه التفسخ وتحلل الوطن. لذلك حمل عنوان (هموم الفكر والوطن) من أجل إعادة صياغة الفكر وإبراز القضية، المشروع القومي العربي، وإعادة إبراز الوطن في والوجدان القومي."

الواقع المتأزّم، ارتباط المفكر وأمته بالماضي والتراث، ووجود ثقافة غربية غازية كل هذا جعل الفلسفة عند 'حسن حنفي' لا تتوقف وكتاباته وحواراته لا تنتهي بل وجدت ضالتها ولم يكُف الفكر عن القراءة والتأمل والتحليل والنقد من خلال التحوّل والانتقال من النظر إلى العمل، فالأحداث السياسية والاجتماعية التي عاشها صاحب مشروع 'التراث والتجديد' في مصر وفي بيروت وغيرها جعلته يعبر عن همّه كمفكر وكمثقف قائلاً: "لو أردت أن أعبّر ليس فقط عن همّي أنا، بل عن هموم المثقفين العرب، وأسمح بالحديث باسمهم، لقلت إننا نعاصر ظاهرة فريدة في تاريخ المثقف العربي، هذه الظاهرة هي ظاهرة الإحباطات المستمرة، وكأننا نقع بمجرد أن نتعلم السير، لم يحاول أحد حتى الآن أن يفكر: لماذا حاولنا ولكن هذه المحاولة تنتهي باستمرار إلى فشل أقرب مما نتوقع، حتى أننا نبذر ولا يأتي حصاد؟."

إن المشكلة الفلسفية التي طرحها ولا زال يطرحها صاحب مشروع 'التراث والتجديد' والمرتبطة مباشرة بالواقع في مستوياته المختلفة، اجتماعية وسياسية واقتصادية وأخلاقية وتمثل إحدى الجبهات الثلاث وهو السؤال الذي لم يفارق الواقع في أتون الاندفاع والتصدي والانكسار والتحدي يُطرح بشدة وبوضوح وبدقة: "لكن التحدي الأعظم هو هل نحن قادرون على التنظير المباشر للواقع؟ أي على الحصول على أكبر أداة من أدوات التحليل لإيجاد نظرية مباشرة عن الواقع، أي لإنشاء تراث. يعني أن المرحلة التالية ليست فقط أخذ موقف من التراث الغربي أو من التراث القديم بل إنشاء تراث كما أنشأ القدماء تراثاً."

إن صلة التراث بالواقع هي صلة توظيف وتنزيل، تنزيل التراث إلى الواقع باعتباره نقلاً عن الآباء والأجداد مغروساً في ذواتنا، يمثل أحد عناصر هويتنا التاريخية والحضارية، وذلك بعد إعادة صياغته وبنائه ثم تجاوزه لإنشاء تراث جديد في الواقع بالانطلاق من نظرية التفسير، أما تراث الآخر وفكره وثقافته كل ذلك يتعرض لإعادة القراءة والنقد لبناء علاقة صحيحة وصحيّة بالآخر وردّه إلى حدوده الطبيعية وتحجيمه لكي تتخلص الشعوب وثقافاتها من أثاره ومن عقدة النقص، وكشف مستواه ومصادره ليقلع عن عقدة القوة والعظمة وتنطلق الشعوب والثقافات نحو الإبداع الذاتي. فالنقل أو التراث نوعان تراث ذاتي وتراث الغير، التراث الذاتي يُبني من جديد ليساهم في تجديد الواقع وفي إنشاء تراث جديد وتراث الغير يُكشف ويُوضع في مكانه الطبيعي ويُستفاد منه.

ومثلما يرتبط العقل بالواقع، يرتبط بالنقل أشد الارتباط، فمن الإشكاليات الكبرى التي طُرحت حول الفلسفة الإسلامية هي إشكالية العقل والنقل، هل الفلسفة الإسلامية هي فكر يوناني في ثوب إسلامي كما يرى البعض أم أنّها فلسفة إسلامية بالأصالة ؟ وما زال السؤال مطروحاً حتى الآن. رغم تناول العديد من الفلاسفة هذا الموضوع وفصلوا فيه، منهم ابن رشد في كتاب 'فصل المقال' وانتهى إلى عدم التعارض بين العقل والنقل، العقل ممثلا في الفلسفة والمنطق والاستدلال، والنقل ممثلا في الوحي الإلهي أي الكتاب والسنة، وانقسم المفكرون في عصرنا إلى فريقين، فريق يرد الفلسفة الإسلامية إلى العقلية اليونانية، وفريق أخر يقول بتجاوز فلاسفة الإسلام وعلمائه العقلانية اليونانية، وفي هذا يقول 'حسن حنفي': "موضوع "العقل والنقل" أحد موضوعات علم أصول الدين، ويسمى أيضا "السمع والعقل" واختلاف البداية بالعقل أو النقل يدل على اختلاف الفرقة الإسلامية في تصور العلاقة بينهما: هل يكون العقل أساس النقل أم هل يكون النقل أساس العقل ؟ وقد عرض الفقهاء أيضا لهذه القضية من الناحية المنهجية ... لم يظهر موضوع 'العقل والنقل' كموضوع مستقل في علم أصول الدين وكأحد مسائله فقط بل ظهر في ثنايا العلم كله من مقدماته الأولى حول نظرية العلم حتى موضوعيه الأخيرين: الإمامة والتاريخ".

إذا كانت صلة العقل بالوحي طرحت إشكالية العقل والنقل وأيهما أسبق وهل بينهما توافق أم تعارض؟ فهناك صلة بين الوحي والواقع "تبدو أهمية الموضوع من تحليل الألفاظ ذاتها، فالألفاظ الثلاثة: الوحي، الواقع، النزول موجود في أصل الوحي للتركيز على إحدى سماته الرئيسية. تمت دراسته في علوم القرآن في أبواب مستقلة. كما تمت دراسته في علم أصول الفقه ولو بصورة أقل من 'الناسخ والمنسوخ' وهو موضوع يشارك أسباب النزول في نفس الدلالة."

تتضح صلة الوحي بالواقع في تراثنا الإسلامي من خلال قول 'حسن حنفي': "صلة الوحي بالواقع أساسا وأصلا في أسباب النزول، وتطورا وتكيّفا وصياغة في الناسخ والمنسوخ... وهو موضوع في علم التفسير استعمله بعض المفسرين عنوانا للعلم ، وقد أصبح أحد الموضوعات الرئيسية في علم الحديث لأن أسباب النزول تتعلق أيضا بالأحاديث قدر تعلقها بالقرآن ولو أنه كمصطلح ارتبط بالقرآن. بل أنّ كثيرا من الأحاديث هي ذكر أسباب النزول في القرآن. ثم أصبح موضوعا مستقلا يتم فيه التأليف مثل باقي الموضوعات عندما تتحول إلى علوم مثل "علم الناسخ والمنسوخ"، "أسباب النزول". "

أما بالنسبة لصلة الفكر بالواقع أي صلة العقل بالواقع تأخذ طابعا متميزا في فكر "حسن حنفي"، بحيث نجده يؤكد على ارتباط دور العقل بمفهوم الواقع في كل تقدم يحققه في إنجاز مشروعه الفكري المتجدد والمتواصل باستمرار فكانت الحياة السياسية والاجتماعية هي مظهر من مظاهر الفكر ودوره ورسالته فإلقاء " نظرة فاحصة على الجهد الفلسفي في صميمه لألفينا أن الفلسفة تحاول دائما أن تقيم ضربا من التوازن بين نوعين مختلفين من المعرفة، معرفة ترمي إلى تغيير وجودنا، ومعرفة أخرى ترمي إلى زيادة قدرتنا وتوسيع رقعة سيطرتنا على الأشياء. "

رغم الترابط والتواصل الدائم بين العقل والواقع، فالواقع هو الفاصل والحاسم لأن "معرفتنا بغايتنا الشخصية ومصيرنا البشري هي الكفيلة وحدها بان تخلع معنى أو دلالة على معرفتنا بوسائلنا في الفعل من جهة، وإدراكنا لدورنا الحيوي في السيطرة على الطبيعة من جهة أخرى."

في علاقة الفكر بالواقع وفي بيان رسالة الفكر ودوره يقول حسن حنفي: 'ليس الفكر كلمة تقال بل هو شهادة على العصر، وتعني الشهادة كلمة الحق التي تفصل بينه وبين الباطل، وهي حكم على واقع وكشف لحقيقته والمفكر هو هذا الشاهد، والشاهد هو الشهيد، فليست الشهادة فقط إظهار للواقع على أنّه حقيقة ، بل هي أيضا فعل شعوري يعبر عن وجود المفكر. فوجود المفكر في حد ذاته في العصر شهادة، والمفكرون شهداء الحق أي هم الّذين قد يلقون الشهادة أي الاستشهاد جزاءا على شهاداتهم. المفكرون في العصر هم شهداء لذلك كان سقراط شاهداً على عصره وشهيداً له، وكان ابن حنبل في محنته شاهداً على عصره وشهيداً له، وكان جيوردانوبرونو الذي حُرق علناً بأمر من محاكم التفتيش لإيمانه بالعقل والعلم الجديد شاهداً على عصره وشهيداً له. ويكون المفكر شاهداً أو شهيداً إذا حقق رسالة الفكر."

عند 'حسن حنفي' يأخذ العقل مشروعيته المنطقية والمنهجية، ويجد ضالته في بذل الوسع ويحقق الانتصار تبعاً لإكراهات الواقع وتبعاً لكبوات التاريخ وكذلك انتصاراته تعطي العقل الحق في البحث وفي المزيد من الاجتهاد، "فالعقل لا يكون مطلقاً في أزمة، وما نتصوره على أنه أزمة له قد يكون هو انتصاره بعد كفاح طويل. فقد بدا الشعور الأوربي بواقعة الكوجيتو على ما يصف هوسرل 'في أزمة العلوم الأوربية' باسم العقل ثم تطور الشعور الأوربي من خلال الاتجاه العقلي عامة والمثالية الترنسندنتالية خاصة بكفاح العقل. وظهرت الفينومينولوجيا في النهاية كي تقيم العقل على أساس من التجربة الحية، وهي التي يأخذها البعض على أنها بديل العقل، معلنة انتصار العقل.وقد يكون ما اصطلح على تسميته "باللامعقول" هو الواجهة الأخرى للعقل.فإذا كانت وظيفة العقل هي كشف الواقع، وإذا اتضح في هذا الواقع ما يندُّ عن القانون العقلي الثابت ويخرج على التصور فإننا نظنّ أنّ هناك أزمة للعقل لأننا قد حققنا من قبل وظيفة معينة للعقل لا يحيد عنها، مثل تعقيل الواقع، أو تحويله إلى كم رياضي، أو السيطرة عليه من أجل التنبؤ لمساره، فإذا لم يؤديها تحدثنا عن أزمة العقل، ويكون القصور مناّ وليس من العقل، لأننا لم نستطع إقامة منهج متسق مع موضوعه، وتصورنا منهجا معينا ثم أردنا صبّ الواقع فيه، ولما استعصى الواقع علينا تحدثنا عن أزمة العقل."

إنّ قراءة المفاهيم الكبرى في فكر 'حسن حنفي' وفي مشروعه كمفهوم العقل ومقولة النقل ومفهوم الواقع وقراءة صلة هذه المفاهيم مع بعضها البعض داخل المشروع يدل بوضوح على ورودها بمدلولات متعددة ومتباينة حسب سياقاتها ومصادرها، أخذت نصيبها من العرض الموضوعي والتحليل في مستوى أعلى من الدقة والعمق والكفاية، لكنها تبقى تعبر دوماً عن مواقف صاحبها الفكرية والفلسفية والإيديولوجية والسياسية ويغلب عليها الطابع التاريخي أحياناً والطابع النظري التجريدي في أحيان أخرى رغم أن المشروع يعطي الأولوية للواقع على النص وللعمل على النظر وللعقل والإبداع على النقل وللمصلحة على الحرف.

 

2- معالم نظرية التفسير في مشروع "التراث والتجديد":

تمثل نظرية التفسير في مشروع "التراث والتجديد" سبيلاً رئيسياً إلى إعادة بناء الحضارة والتاريخ من خلال العودة إلى أصلها في الوحي، أو بالعودة إلى الحضارة الإنسانية وتفسير الوحي من خلالها لأجل التخلّص من الجمود الحضاري وركود التاريخي."فالغائية النهائية هو الوحي ذاته وإمكانية تحويله إلى علم إنساني شامل، وهذا لا يتم إلاّ عن طريق نظرية في التفسير تكون منطقاً للوحي... أن الأفكار البشرية كلها تخضع في الحقيقة إلى نظرية في التفسير، تفسير النص أو تفسير الواقع... التفسير إذن هو النظرية التي يمكن بها إعادة بناء العلوم والتي يمكن بها تحويل طاقة الوحي إلى البشر، وصبّها في الواقع وتحديد اتجاهنا الحضاري بالنسبة للثقافات المعاصرة."

يتساءل "حسن حنفي" كثيراً عمّا إذا كان لدينا نظرية في التفسير وعن إمكانية إيجادها في حالة انعدامها، خاصة ونحن أمة وحي ودين وشريعة، فالوحي عندنا يتصف بالاكتمال وفي صورته النهائية في آخر مرحلة من تطوره في التاريخ من آدم {عليه السلام} إلى محمد {صلى الله عليه وسلم} وهو محفوظ من التزييف والتحريف في القرآن الكريم ليس كالكتب المقدسة التي تعرضت للتحريف فتعددت وتباينت، ويتصف وحينا بالتنجيمية في النزول وهو أمر يدل على أنه ليس مجرد معطى بل هو مطلوب تقتضيه ظروف أحوال الناس واحتياجاتهم في الواقع، "تأتي كل آية كحل لموقف ثم تجمع الآيات على مدى ثلاثة وعشرين عاماً وتصبح القرآن. فأهم ما يميّزنا عن غيرنا من الأمم والحضارات المعاصرة هو هذا القرآن."

إن عملية فهم القرآن مطلوبة، وفهمه عبارة عن نظرية في التفسير، وتفسير القرآن منطق لفهمه، لذا "جاءت أهمية علوم التفسير باعتبارها العلوم الأولى الضرورية لفهم القرآن ولإقامة نظرية دينية للمعرفة قائمة على الوحي كمعطى سابق أي نظرية التفسير هي منطق الوحي... وهي الخطوة الأولى التي لا بد منها قبل استنباط الأحكام الشرعية، وقبل تأسيس أي علم ديني أو حتى قبل إعادة بناء علومنا التقليدية الإسلامية من أصول وفقه وتصوف وكلام وفلسفة."

الثقافة العربية والإسلامية المعاصرة وطابعها التراثي التاريخي وصلتها بالآخر وبثقافته وحضارته، وأزماتها ومشاكلها جعلت نظريات التفسير المنبثقة من أوضاع ثقافاتنا في مجتمعاتنا تفتقد إلى الإحكام والدقة والأسس المدروسة وإلى القصد والغائية في الاختيار. فالتفسير لم يتجاوز الشرح والتلخيص والتكرار والمنهج اللغوي الاستنباطي المتبع على حساب المنهج الاستقرائي التجريبي "الذي هو أساس الشرع واستنباط الأحكام عن طريق القياس الشرعي القائم على البحث عن العلّة المؤثرة كما أنه ينسى الفهم البسيط للنص عن طريق الحدس المباشر دون حاجة إلى منطق لغوي منظم ومتقن."

فنظرية التفسير الجديدة تقوم على الحدس المباشر للموقف الإنساني من خلال علوم التنزيل مثلاً حينما تقدم أسباب النزول للوصول إلى معنى الآية في صلتها بالواقعة التي نزلت لها. فالواقعة ترتبط بنزول الآية فهي تعبر عن تجربة حيّة وخبرة حقيقية، خبرة تتكرر، ففهم الآية يتم بالكشف عن خبرتها الحيّة في وعي المفسر في حياته الفردية والاجتماعية.

فأسباب النزول تتحول إلى مواقف إنسانية فيها يحصل فهم الوحي فهما مباشراً بالتعاطي مع الواقعة نفسها التي يدل عليها الوحي. والوعي الديني يتحدد بأبعاده الثلاثة بالتاريخ، وبالعقل، وبالعمل والواقع وكل بعد له دوره ووظيفته، فإنّ "الشعور التاريخي ووظيفته نقل الوحي شفهيا أم كتابياً، وضمان صحته وضبطه عبر التاريخ، والشعور الفكري، ومهمته فهم الوعي-بعد التأكد من صحته - وتفسيره، وتحويله إلى أسس نظرية للسلوك، وأخيراً الشعور العملي ومهمته تحويل الوحي –بعد التأكد من صحته وفهم معناه- إلى أنماط السلوك، وإلى مناهج عملية في الحياة حتى يصبح الوحي نظاماً للعالم ويتم تحقيق الوحدة بن الفكر والواقع، أو بين الروح والطبيعة أو إن شئنا بين الله والعالم." هذا هو جوهر نظرية التفسير، فخارج الوعي الديني بأبعاده الثلاثة لا وجود لنظرية في التفسير محكمة ودقيقة، أسسها ومنطلقاتها واضحة، وأهدافها ومراميها معلومة، لأن العقل والوحي والواقع معطيات ترتبط مع بعضها البعض ولا وجود لمعطى مستقل تماماً عن الآخر الأمر الذي يفرض على المفسر تفسير الوحي في إطاره الشعوري الديني التاريخي والنظري والعملي للوصول إلى نظرية التفسير المحكمة.

فنظرية التفسير لدى 'حسن حنفي' تجمع بين الوحي والواقع، بين الدين والدنيا، بين الله والإنسان، وإن لم تقم بهذه المهمة لا تصلح للتأسيس أو التشريع أو التجديد، مثلما الأمر عليه في تفسيراتنا الحالية. فالوضع الحالي "يكشف عن وجود ثنائية بين النص الديني والعالم الواقعي، كل منهما في جانب: النص الديني غارق في الشروح التقليدية أو في الخطابة الحماسية، والعالم الواقعي يسوده فكر إنساني محض دون نظر التفسير مباشر من النص الديني بالرغم من اتفاقهما في البواعث." على الرغم من وجود بعض المحاولات لتفادي هذه القطيعة بين الوحي والواقع، ولتكوّن منهجا في الإصلاح والتغيير لكنها لم تنجح لكونها تقوم على التصور الرأسي العمودي فهي نظرية تنطلق من الإنسان نحو الله ومن الأدنى إلى الأعلى فهي نظرية في وجود الله لا في وجود الإنسان على الرغم من أن مقاصد الشارع وضعت ابتداء لحفظ الضروريات. ولكونها تتصل بأوضاع وأحوال البيئة الإسلامية التي نشأ بها الإسلام فكرياً وسياسياً واجتماعياً واقتصادياً، ولكونها لا تعتمد على النقد ولا تدعو إلى التغيير والإصلاح لما هو معارض للشرع فهي تابعة وموافقة لأي تغيير أو إصلاح يبدأ خارج النص الديني.

إن التفسير التقليدي يسلك الطريقة التحليلية النظرية في التعاطي مع الوحي أو التراث بصفة عامة، فالمفسر لم يكن سوى شارحاً يستخرج المعنى من النص بعقله المحض المستقل ثم يستشهد على ذلك بحجة عقلية أو بما هو مأثور إلا أن هذا الأسلوب فيه نقائص وعيوب عدة منها المحاجة بالمأثور لا تعطي يقين معنى النص من خارجه خاصة وأن معنى النص مستخرج من النص بطريقة ظنية. والتفسير بالرأي لا يحيل معنى النص من ظني إلى قطعي ناهيك عن كثرة الآراء وتباينها والمفسر يقوم بشرح النص ككل دون استثناء مع أن القرآن نزل منجماً. "كل آية تحمل معنى مستقلاً كحل لموقف مشكل في حياة الناس اليومية."

يرى 'حسن حنفي' أن منهج تحليل الخبرات هو المرجع الطبيعي للنصوص الدينية في نشأتها الأولى، وتؤكد ذلك أسباب النزول من خلال نزول القرآن منجماً وارتباط آياته بوقائع وأحداث تدل على أن الخبرة الحيّة والتجربة الشعورية الإنسانية كانت وراء الوحي. ولفهم النص الديني ينبغي معرفة معناه كتجربة شعورية وكخبرة حيّة في شعور الفرد الذاتي والاجتماعي الذي لأجله نزلت الآية. "فالنص الديني لم يكن رأياً أو وجهة نظر ولا معنى مجرداً بل كان قلقاً وضيقاً وألماً وتوجعاً يحس به الفرد حتى يأتيه النص بما يفرج همّه وكربه. فالخبرة الحية هي مصدر النص الديني ويكون التفسير إذن هو رداً لشيء إلى أصله كما يقول المفسرون في المعنى الاشتقاقي للفظ التأويل."

إن الخبرة الحيّة ليست في حاجة إلى أن نفهمها بالمأثورات أو بالآراء ووجهات النظر، لكنها تحتاج إلى تحليل الخبرة الحية ذاتها لتحديد مدلولها، فالمفسر يقوم بتحليل خبرته الشخصية ويدرك معناها قبل نقلها إلى الآخرين فهو متحدث وسامع وكاتب وقارئ ويصبح النص الديني محدوساً لديه فلا يحتاج إلى شرح النصوص الدينية بل يحتاج إلى وصف ما يشعر به وما يعيشه من تجارب شعورية حيّة تتحقق في حياته اليومية أكثر من مرة. فإذا استقام المفسر على هذه المنهجية يستطيع أن ينقل خبرته إلى غيره. وليكون على بيّنة بأن تفسيراته وتحليلاته لخبراته كانت صحيحة له أن يعود إلى خبرات الغير فيصير النص الديني خبرة إنسانية شاملة وواقعة إنسانية عامة تتصف بالموضوعية ولها ما يسمح بأن تكون من الحقائق الإنسانية العامة.

عند المقابلة والمقارنة بين نظرية في التفسير ومنهج تحليل الخبرات ومما سبق يتضح أن منهج تحليل الخبرات هو "النظرية الوحيدة الممكنة في التفسير وذلك لأن فهم النصوص لا تأتي إلا بإرجاعها إلى مصدرها في مجموع الخبرات الحيّة التي نشأت فيها فالمفسر في نفس الوقت قارئ للكتاب. وإنسان يحيا ويدرك المعاني بقدر ما يشعر بالخبرات المحققة لها في حياته اليومية، فهو لا يحتاج لفهم (عسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم) إلى البحث عن معناها، ولكن إلى التأمل في حياته اليومية التي يمكن أن تمده بخبرة أو بأكثر تبين له أن ما ظنه مرة أنه شر ظهر بعد ذلك خيرا، وأن ما حسبه يوماً أنه خير بان له بعد ذلك شراً... فبدوام قراءة المفسر للنصوص الدينية، وبمقدار خبراته في حياته اليومية فإن معاني النصوص الدينية يتم إدراكها مباشرة دون الحاجة إلى منطق صارم للّغة." ويضيف 'حسن حنفي' للتأكيد على ضرورة قيام نظرية التفسير على منهج تحليل الخبرات بأن قراءة المفسر للنصوص الدينية "تتحول إلى رؤية مباشرة لنفس المعاني ولكن مستقراة من الخبرات اليومية التي يعيشها المفسر ومن ثم يصبح المعنى الرباط بين النص الديني والخبرة الحية، وهذا ما قلناه سابقاً من أن نظرية التفسير هي التي تربط بين الوحي والواقع، وعلى هذا يُمحى الفرق بين الحقيقة النظرية والواقعة المشاهدة."

ومنهج تحليل الخبرات باعتباره نظرية في التفسير شهدته الحضارة الإسلامية سابقاً، فهو ليس غريبا عن ثقافتنا وفكرنا المعاصر فلا يوجد علم من العلوم الإسلامية القديمة عقلية أو نقلية أوعقلية نقلية تأسس وتكوّن بعيداً عن منهج تحليل الخبرات، فالحكم في الفقه ما هو إلا موقف إنساني يعيشه المكلف ويعيش خبرته والقياس هو تحليل عقلي نظري للخبرة بردها إلى إطارها في الشرع كخبرة منزلة، وطرف التصوف وهو تحليل للتجربة الصوفية وما يعيشه الصوفي في ذاته من شوق ووجد وهيام ويعبر عن ذلك بالأحوال والمقامات وتعرف بالشطحات الصوفية. أما نظريات علم الكلام فهي الأخرى تحليل للوجود الإنساني في مختلف مظاهره مثل الإيمان والحرية والعدل والسلوك الاجتماعي، وأيضاً تقوم نظرية النبوة لدى الفلاسفة على الجانب الإنساني والاجتماعي فمحمد قبل البعثة كان أميناً وصادقاً وأخير خيرة شباب مكة، وهكذا مع علوم الحديث التي تقوم على تحليل شعور الراوي وخبرته لمعرفة درجة الضبط عنده.

يرى 'حسن حنفي' أن رد النصوص الدينية إلى مصادر في التجارب والخبرات الحية في تفسيرها لا يغفل المصدر الديني الإلهي. فالتفسيرات التي لا تقوم على منهج تحليل الخبرات تتجه نحو الله لا نحو الإنسان. والحقيقة أن الشريعة وضعت ابتداءً لاعتبارها الضروريات وهي التي تبني حياة الإنسان الفردية والجماعية، إن الوحي موجود ومحفوظ، والنبوة قائمة ومصانة، "إنما الشيء الجديد هو محاولة العثور على أساس الوحي داخل الخبرة الإنسانية، ومن ثم يصبح مرادفاً للوجود الإنساني، وذلك ما نحن في أشد الحاجة إليه خاصة في عصر المذاهب الفكرية والسياسية التي تحاول كلها العثور على نظام اجتماعي سياسي اقتصادي للإنسان وللجماعة الإنسانية." وقد يخشى على النصوص الدينية مما تتصف به الخبرة الإنسانية من ذاتية لكن الطابع الموضوعي للوحي واستقلاله عن الوجود الإنساني يقلل من قيمة هذه الخشية. مع أن النسبية تختلف عن الذاتية فالأولى تعني "استحالة وجود حقيقة موضوعية شاملة يتفق عليها كثيرون، أما الذاتية فهي إمكان وجود مثل هذه الحقيقة الموضوعية ولكن لا يتم الكشف عنها إلا من خلال ذات الفرد." فالتصوف الإسلامي طريق ذاتي محض فهو يتوصل إلى خبرات موضوعية لدى أكثر من متصوف. والخبرة الحيّة هي مادة التفسير أما النص الديني فهو يحوّل مادة التفسير إلى رؤية مباشرة يصبح فيها معنى النص عنصر الوحي المحقق للموضوعية في الخبرة الحيّة، وارتباط الخبرة الحيّة بتفسير النص الديني لا يشكل خطراً من ناحية أخرى على الطابع الموضوعي للشريعة الإسلامية لأن الشرع مصدره الوحي والوحي طابعه موضوعي ومستقل عن الوجود الإنساني. فأوجه وأساليب تطبيقه من إنتاج الوجود الإنساني ففي الفقه تكون كليات الشريعة صالحة لكل زمان ومكان فهي تحتوي على موضوعية مطلقة عامة وشاملة مرتكزة على طبيعة الوجود الإنساني. فالارتكاز على طبيعة الوجود الإنسان بانتهاج منهج تحليل الخبرات الحيّة في الوجود الإنساني لتفسير النصوص الدينية يضمن الموضوعية للوحي والشرع ولا يغفل المصدر الإلهي للنصوص.

يؤكد 'حسن حنفي' على عيوب النظرية التي تفسر النص الديني بالرأي أو المأثور لا تصلح لتكون نظرية في التفسير لأن معنى النص فيها يظل ظنياً يحتاج إلى يقين يأتيه من الداخل ويربطه بالواقع ويجعله مرادفا له. لذا ينبغي التفتيش عن معنى النص في التجربة الحيّة والخبرة الإنسانية التي يدل عليها النص ومن ثم تحويل النظرية العقلية للمعنى إلى مشاهدة عينية. ويوجد تطابق في الحضور داخل الزمن بين النص والخبرة الحية فهناك معية زمنية بل الضامن لصدق الخبرة هو المعنى. إن منهج تحليل الخبرات والذي ظهر خلال نشأة العلوم الإسلامية في الحضارة الإسلامية "ليس تابعاً لمناهج أخرى مشابهة في حضارات أخرى لأنه ظهر من صور شتى في العلوم الإسلامية سواء في علوم القرآن والحديث وفي علوم الفقه والتصوف بل وفي علم الكلام والفلسفة... لا يُخشى من هذا المنهج على الوحي باعتباره مصدراً إلهياً للنصوص الدينية، فالوحي مازال، أو من ذاتية الخبرة أو من النيل من موضوعية الشريعة الإسلامية، لأن الوحي هو الضامن الأول له في صدق تحليل الوجود الإنساني."

يطرح 'حسن حنفي' قضية التفسير على مستوى آخر، بين العودة إلى المنبع والأصل والعودة إلى الطبيعة على أساس وجود حركة تدعو إلى الأصالة وإلى التمسك بالكتاب وهي دعوة لها خطورتها على الحاضر ولها مصاعبها في تعاطيها مع الماضي،خطورتها على الماضي في الانعزال عنه ومصاعبها في الحاضر عجزها الكلي عن تغييره طبقا لنموذج الماضي وهذه الصعوبات تتمثل في اللغة أولاً والوقوع في مناهج تفسير مشتتة بين لغوي ومعنوي وباطني وظاهري واللغة العربية فيها الباطن والظاهر، المحكم والمتشابه، المبيّن والمجمل، والحقيقة والمجاز."فتتحول مشكلة تغير الواقع إلى مشكلة تأويل النصوص وتعارض الآيات ولا يتم تغيير شيء من الواقع...وتأتي هذه الصعوبات هي الوقوع في تفسير مضاد لحركة التاريخ وجعل العودة إلى المنبع وسيلة للقضاء على تغيّرات الواقع الطبيعية خاصة إذا سمحت اللغة بذلك... وثالث هذه الصعوبات هو أن يحدث بالفعل تفسير تقدمي اجتماعي كما هو الحال في تفسير المنار، ولكن يكون التقدم نابعاً من الواقع ويكون النص تابعاً له، ويصبح المنبع لاحقاً بالطبيعة لا مصدراً لها وبالتالي يفقد قيمته ومبررات وجوده ويصبح مجرد مباركة للتقدم الذي يقوم به بحيث يستطيع أن يفرض نفسه."

إن العودة إلى الطبيعة ليس أمرا غريباً عن حضارات الإنسان وثقافات الشعوب، ففي الثقافة الغربية الحديثة نجد الطبيعة هي مصدر الفكر وليس العكس. فالعودة إلى الطبيعة أعطى سبينوزا أسسها النظرية. وأعطى جون جاك روسو مبادئها الاجتماعية والفنية، وأعطى العلماء بعدها العلمي في القرن التاسع عشر، وأعطى الفلاسفة أساسها الوجودي في القرن العشرين فتمرد الفكر الأوربي الحديث عن تراثه وقيّمه، فتحرر من اللاّهوت إلى السياسة، ومن المثل إلى أسس المنهج العلمي ومن التربية القائمة على الثواب والعقاب إلى التربية الطبيعية. فتميز العود إلى الطبيعة بأنه ارتباط عضوي كبير بالواقع، ويؤكد رفض كل مظاهر الخوف وصور العجز والضعف والتخلص من جميع عقبات اللغة والتبعية فقط لبناء حضارة العلم.

ولم يكن الوحي هو الآخر خالياً من ظاهرة العودة إلى الطبيعة. ففي علم الأصول وعلوم التفسير نجد أسباب النزول التي تتطلب الطبيعة الوحي، "ولأول مرة لا يعلن الوحي مرة واحدة بل يستدعي حسب المواقف كلما اقتضت الواقعة أساساً نظرياً نزل الوحي ملبياً لمقتضيات الطبيعة، ولقد كان عند عمر ابن الخطاب حدس يستطيع به الوصول إلى حكم ينزل الوحي بتأييده. كان الوحي إذن دعوة من الطبيعة وتلبية لمقتضياتها، ولم يكن مفروضاً من الخارج يعمل ضدها ويبغي قهرها."

يعقد 'حسن حنفي' أمالاً كبيرة في نظرية التفسير التي تقوم على منهج تحليل الخبرات الذي يعود إلى الطبيعة في التفسير أي تفسير طبيعي لا ينطلق من اللغة بل من تحليل الواقعة ذاتها التي تشير إليها النصوص وتحليل الإدراكات الحسيّة. فالتفسير الطبيعي لا يبدأ من النص بل من الواقع غايته معرفة تكوين الطبيعة وهو في جوهره المعنى الحسي المشخص للنص، فالنص والواقع شيء واحد، والنص الديني موقف إنساني ويتحول التفسير الطبيعي للنص إلى تحليل الإنساني فيحصل الانتقال من اللفظ إلى الشيء ذاته.

ويبين 'حسن حنفي' دور التفسير الطبيعي فهو يقوم بتحليل الشخصية الحاضرة والواقع الاجتماعي القائم وأوضاعه وظروفه وإدراك مكونات هذه الشخصية وهذا الواقع بعيدا عن الأحكام المسبقة المستوحاة من التفسير اللغوي للنصوص، فالرجوع إلى الطبيعة وإلى التفسيرات الطبيعية هو "كفيل بتوجيه الطبيعة نحو الكمال... هو الكفيل برد الاعتبار إلى الشخصية الإنسانية وذلك بالتعرف على مكوناتها، وبالحرص على تكوينها السوي، ورفض الازدواجية والثنائية معاً وما يتبعها من عمليات التعويض والنفاق والمداراة والتستر."

إن خيوط نظرية التفسير، تفسير النص الديني وتفسير الشخصية، وتفسير الواقع بجميع مستوياته لا يصنعها منطق اللغة من شرح وتأويل وتبعية بل يصنعها منطق تحليل الخبرات والتجارب الإنسانية في صلتها بالوحي تطلبه وتناديه فيلبي النداء ويقدم الطلب من خلال صلة الواقع بالوحي، ويصنعها الانطلاق من الطبيعة والعودة إليها لا الانطلاق من المنبع والعودة إليه وهي نظرية حسب ما يراه صاحبها قامت في التاريخ القديم والتاريخ الحديث لكنها ليست تابعة لمناهج أخرى مشابهة في حضارات أخرى لأنها إفراز نابع عن تعدد وتنوع في صور العلوم الإسلامية.

تمثل نظرية التفسير الجبهة الثالثة في مشروع 'التراث والتجديد'، الهدف من النضال في هذه الجبهة هو تحويل الوحي إلى علوم إنسانية والربط بين الواقع والوحي في وحدة عضوية داخل الإنسان وفي سلوكه الفردي والاجتماعي وفي البيان النظري للمشروع يظهر مشروع نظرية التفسير بأقسام ثلاثة، المناهج والعهد الجديد والعهد القديم، فالأول محاولة لتجاوز مناهج التفسير التي عرضها تراثنا القديم، والثاني "محاولة لتحقيق صحة الوحي في التاريخ ابتداء من مراحل الوحي السابقة حتى المرحلة الأخيرة أعني التوراة والإنجيل." أما الثالث ففيه "يتم تحليل العهد القديم المقدس عند اليهود... وما زال المطلب قائماً فنحن مازلنا في مواجهة أهل الكتاب بمواجهتنا لمخاطر الاستعمار والصهيونية." وحسب 'حسن حنفي' فإن الجبهة الثالثة تبدأ من الحاضر إلى الماضي "على نحو تراجعي لا زماني، فالحاضر هو الذي يكشف الماضي، واكتمال الوحي إنما يكشف عن مراحله."

 

خاتمة

الأسس التي تبنى عليها نظرية التفسير مصادرها في التاريخ وفي الواقع وبالتالي لا يمكنها أن تكون جديدة ولا مثيل لها. فمنهج تحليل الخبرات نجد آثاره في تراثنا وفي الثقافة الغربية الحديثة، والتفسير الطبيعي للنص مصدر العلم الحديث والمعاصر والثورة في وجه التفسيرات اللغوية وغيرها إنّما من سنة التطور الحضاري والبناء التاريخي. فالنهضة الحديثة في الغرب والتقدم الحضاري الجاري فيه من تجاوز التفسيرات القديمة وظهور نظرية تفسير محكمة فهل الأسباب مهيأة لظهور نظرية التفسير المحكمة في العالم العربي والإسلامي المعاصر؟ هل يمكن تجاوز الصعوبات القائمة، وإذا قامت محاولات تطبيق نظرية التفسير المحكمة فهل ذلك ممكن في الواقع؟ الإجابة بالنفي تجعل دعوة حسن حنفي' وجزء من مجرد ترف فكري.

 

د. بوبكر جيلالي

الهوامش:

1. أستاذ الفلسفة بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، جامعة حسيبة بن بوعلي الشلف، الجزائر

2.

3. حسن حنفي:'من بيروت إلى النهضة، أسئلة واختيار ، حوار مع حسن حنفي، أنجزه محمد وقيدي، عبد الصمد بلكبير، ومحمد بنيس، في مجلة (الثقافة الجديدة) المغربية، عدد 29، 1983، ص8 و9.

4. المرجع نفسه : ص15.

5. حسن حنفي: دراسات إسلامية، دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، ط1، لسنة 1982، ص 37- 38.

6. حسن حنفي: هموم الفكر والوطن، الجزء الأول، دار قباء للطباعة، القاهرة، مصر، 1998، ط3، ص17.

7. المرجع نفسه : ص17.

8. زكريا إبراهيم : مشكلة الفلسفة، مكتبة مصر، بدون طبعة وبدون تاريخ، ص59.

9. المرجع نفسه : ص59.

10. حسن حنفي: قضايا معاصرة، في فكرنا المعاصر، دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، 1983، ط2، ص11.

11. حسن حنفي: قضايا معاصرة، في الفكر الغربي، دار التنوير، بيروت، لبنان، الطبعة 1، لسنة 1982، ص36.

12. حسن حنفي: التراث والتجديد، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت، لبنان، 2002، ط5، ص183-184.

13. حسن حنفي: قضايا معاصرة، في فكرنا المعاصر، ص175.

14. المرجع نفسه : ص176.

15. المرجع نفسه : ص176

16. سبينوزا : رسالة في اللاهوت والسياسة، دار الطليعة، بيروت، لبنان، ط1، سنة 1971، ص36.

17. حسن حنفي: قضايا معاصرة، في فكرنا المعاصر، ص177.

18. المرجع نفسه : ص180.

19. المرجع نفسه : ص180.

20. المرجع نفسه : ص180-181.

21. المرجع نفسه : ص181

22. المرجع نفسه : ص181-182.

23. المرجع نفسه : ص182.

24. المرجع نفسه : ص182.

25. المرجع نفسه : ص184.

26. المرجع نفسه : ص185

27. المرجع نفسه : ص 185-186.

28. حسن حنفي: التراث والتجديد، ص184.

29. المرجع نفسه : 184-185.

30. حسن حنفي: مقدمة في علم الاستغراب، ص11.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3446 المصادف: 2016-02-11 00:32:35