 أقلام فكرية

دراسات هيجل الاولى في الاقتصاد

hatam hamidmohsinفي مرحلة حاسمة من السيرة الفكرية لهيجل،ومن اجل توضيح العلاقات البارزة بين ديالكتيك هيجل ودراسته للاقتصاد سنجد انفسنا امام الفشل الواضح لمصادرنا واننا مجبرون على الوثوق كليا بالفرضيات. ربما من حسن الحظ ان روزنكرانز Rosenkranz (1) قد احتفظ على الاقل  بالتاريخ الحقيقي الذي ابتدأ به هيجل دراسة الاقتصاد.

جميع المواد التي حازها روزنكرانز قد ضاعت كليا . من المؤكد انه ليس مصادفة ان يختفي هذا القسم من اوراق هيجل بدون اثر، لم يكن هناك حتى شخص واحد من تلاميذه المقربين امتلك اقل ما يمكن من الفهم للمشاكل الاقتصادية، ناهيك عن مدى اهمية ذلك في تطور نظام هيجل وميثدولوجيته. طلابه لم يلاحظوا حتى الدليل الواضح لهذه الدراسات في الاعمال المنشورة مثل(الفينومولوجي، وفلسفة الحق، وغيرها).

ان تخّلف المجتمع الالماني وحتى مع وجود اعظم فيلسوف عبقري، هيجل ذاته،فان الانعكاس الفكري للكراهية الاجتماعية يبدو،في شكل مثالي مقلوب.

بالنسبة لطلابه،الذين امضوا سنواتهم الاولى اثناء فترة الإحياء ، كان هناك فشل واضح في استيعاب مشاكل الاقتصاد واهميتها لفهم مشاكل المجتمع. وهذه المنطقة المعتمة تنسحب على  جناح اليمين المحافظ  للهيجليين بقدر ما هي  لليبراليين الوسط  واليسار. الطريقة الخجولة التي عالج بها الليبراليون القضايا الاجتماعية الكبرى عام 1830 انعكست ايضا في الضحالة الواضحة امام المشاكل الاقتصادية. حتى بدايات 1840 كان اشتداد الصراع الطبقي قد ايقظ اهتمامات معينة في القضايا الاقتصادية بين صفوف الهيجليين ، وحتى بعد ذلك نحن نجد فقرا في المعرفة والدراسات الجادة التي هي ربما اسوأ بكثير من دراسات هيجل. الترتيبات الفلسفية للجماعات الاقتصادية لكل من الكلاسيك والطوباويين المتأثرين بالهيجليين من بين جماعة "الاشتراكيين الحقيقيين"وايضا بواسطة لاسال لم تكن متطورة الى ما وراء السطحية الرسمية.

 ان الاعمال المبكرة لمؤسسي المادية الديالكتيكية لماركس وانجلس كانت ايذانا باكتشاف ليس فقط التحقيقات العميقة والمفصلة لمشاكل الاقتصاد السياسي، وانما ايضا الادراك الواعي بان هذا هو الميدان الذي به تُدرس المشاكل الكبرى للديالكتيك، و هنا تكمن المهمة العظمى في تناول التراكم المادي، لكنه لم يُحل  ديالكتيكيا من جانب البرجوازية الكلاسيكية للاقتصاد السياسي ومن جانب الطوباويين،في اكتشاف مبادئه وقوانينه الاصلية ، والتقدم من هناك نحو تحليل القوانين الديالكتيكية لحركة المجتمع. ومنذ بدايات كتابات انجلس اللامعة في المجلة السنوية الرنيسية-الالمانية ، كان الارتباط بين الاقتصاد والديالكتيك – يتجسد بوضوح في عنوان المجلة. وبعد وقت قصير من تخصيص ماركس كل انتباهه للمشكلة في "الاقتصاد والمخطوطات الفلسفية"، كان القسم الاخير منه يحتوي على نقده  لفينومولوجيا الذهن لهيجل. في هذا،رغم نقد ماركس الذكي والحاسم لمثالية هيجل، لكنه يكشف الدور الايجابي والمهم للاقتصاد  في تكوين ديالكتيك هيجل،خاصة استخدامه لصنف العمل الذي يسير فيه على خطى الكلاسيك الانكليز. هذا العمل نجح فيما بعد بسلسلة من الكتابات النقدية العنيفة ضد برونو بور، ماكس ستنر، برودون، وغيرهم والتي تحتوي على عدد كبير من الملاحظات العميقة والتنويرية.

من المعتاد لانتهازية منظمة الاشتراكية الدولية الثانية ان نسبة كبيرة من هذه الكتابات بقيت في الارشيف يعلوها الغبار، لم يتم الاعتراف بقيمتها من اي احد. بروز الانتهازية ترافق مع اختفاء اي فهم للديالكتيك ومع النمو الكبير للضحالة الميتافيزيقية التي خلقت مناخا كان فيه من السهل لي وتشويه الفرضيات ذات الصياغة الواضحة للاقتصاد الماركسي.

 البلاشفة فقط هم من كافح  بثبات ضد هذه الانتهازية على جميع الجبهات. على الرغم من ان لينين لم يتوغل في جزء كبير من اعمال ماركس في هذا الحقل، لكنه كان الوحيد الذي استوعب اهميته التامة.

"انه من المستحيل تماما فهم رأس المال لكارل ماركس،وخاصة فصله الاول، بدون الدراسة المفصلة والفهم الدقيق لكل منطق هيجل. وبالنتيجة،لاحقا وبعد نصف قرن لا احد من الماركسيين فهم ماركس".

روزنكرانز،الليبرالي المعتدل والتابع لما يسمى تيار الهيجلية الوسط في زمن تشظي المدرسة، بالطبع لم تكن لديه فكرة عن اهمية دراسات الاقتصاد الهيجلية. لكي نعطي القارئ فكرة تامة لم تتوفر معها الوثائق ، نقترح اقتباس كل شيء ذكره روزنكرانز حول الموضوع في سيرته الذاتية، كتّاب السيرة اللاحقين استنسخوا بالضبط من روزنكرانز. ان اكتشاف مخطوطات هيجل في العقود الاخيرة زادت من معرفتنا بدرجة كبيرة عن دراسات هيجل الاقتصادية في جينا المدينة الالمانية،ولكن بالنسبة لسنوات فرانكفورت فنحن في ظلام كبير .

يرى روزكرانز ان اهتمام هيجل بالاقتصاد بدأ في فرانكفورت، وان الظروف في انجلترا هي بالاساس منْ اثار فضوله. هو قرأ بانتظام الصحف ووضع ملاحظات مفصلة عنها(والتي ضاعت بالطبع).يذكر روزنكرانز:

"في نفس الوقت هو انتقل قريبا من الميدان المباشر للاحداث السياسية ووجد مصلحته فيها تتزايد كثيرا. وفوق كل ذلك هو كان معجبا جدا بعلاقات التجارة والملكية خاصة في انجلترا،ذلك جزئيا بسبب الاعجاب العام الذي كان سائدا في القرن السابق تجاه الدستور الانجليزي الذي اعتبره العديد من الناس كمثال، وجزئيا  بسبب عدم وجود بلد آخر في اوربا يستطيع انعاش هذا التنوع في اشكال التجارة والملكية كانجلترا،كما لا يوجد في اي مكان اخر فيه مثل هذا التنوع العظيم بالعلاقات الشخصية . وكما تبين مقطوعات مختارة من الصحف الانجليزية ،ان هيجل اتبع بحماس كبير النقاشات البرلمانية حول قانون الفقراء،او اعانات الفقراء التي بواسطتها حاول ارستقراطيو الثروة والنبلاء  خدمة الجماهير الفقيرة."

هذا المقطع تبعه المزيد من التفاصيل عن اهتمام هيجل بنظام السجون البروسية.

لسوء الحظ لم يذكر روزنكرانز اي تاريخ ، خاصة عندما يرى قارئ هذا الكتاب انه اساء ترجمة موقف هيجل تجاه انجلترا.نحن لا نمتلك اشارة واحدة من هيجل تفيد بدعم رؤية روزنكرانز بان هيجل كان معجبا جدا بالدستور الانجليزي او انه اعتبره مثالا. من المفهوم جدا انه لم يهتم كثيرا بانجلترا. بالعكس،التعليقات على الترجمة التي كتبت بعد وقت قصير من وصوله الى فرانكفورت ونقده اللاذع للسياسات المحافظة لانجلترا تبدو انها برزت كصدى للثورة الفرنسية. وهكذا،اهتمام هيجل بانجلترا يبدو تزايد بالارتباط مع بحثه في طبيعة وقوانين المجتمع البرجوازي اثناء بقائه في فرانكفورت. انه من المهم والملفت اكتشاف اللحظة التي بدأ بها هيجل هذه الدراسات،وفي ضوء التغيرات السريعة نسبيا في رؤى هيجل خلال سنوات الازمة في فرانكفورت ،فان معرفة التاريخ الدقيق تصبح ضرورية جدا.

لكن اهتمام هيجل لم يكن مقتصرا على الاقتصاد الانجليزي، هو ايضا درس النظرية الاقتصادية. في هذه النقطة يشير روزنكرانز بالقول:

"جميع افكار هيجل حول طبيعة المجتمع المدني،حول الحاجة والعمل، تقسيم العمل وثروة الملكيات العقارية، الفقر،الشرطة ،الضرائب وغيرها هي بالنهاية تركزت على التعليق حول الترجمة الالمانية لكتاب ستيوارت حول الاقتصاد السياسي الذي كتبه بين 19 فبراير و 16 مايو عام 1799،والذي بقي سليما. انه يحتوي على عدد من الرؤى الرائعة في السياسة والتاريخ والعديد من الملاحظات الذكية.

كان ستيوارت داعما للنظام التجاري. وبعاطفة عالية وتوضيحات ملفتة، هاجم هيجل موت هذا النظام وسعى للحفاظ على روح الانسان في وسط المنافسة،ومكننة العمل والتجارة.

ولكن حتى من هذه الخلاصة الناقصة نحن نستطيع ان نرى ما هي الوثيقة الهامة التي فقدت. من الواضح تماما ان هيجل تعامل مع مشاكل الاقتصاد من زاوية نقده للايجابية الميتة(اغتراب الانسان) وسوف تكون لدينا صورة اكثر وضوحا عن موقفه المبكر تجاه المجتمع البرجوازي لو توفرت لدينا هذه التحقيقات الاولى في النظرية الاقتصادية.

عامل اخر هنا وهو ان تفسير روسنكرانز يثير مشكلة غير قابلة للحل. في الجملة الاخيرة يدّعي روزنكرانز ان هيجل اراد انقاذ روح الانسان المحاطة بآلية المجتمع البرجوازي. هذا يشير الى ان افكار هيجل كانت تسير في خطوط مشابهة لافكار الرومانسية المحافظة . وفقا للتطور الاخير في رؤية هيجل والسمة العامة لما رايناه في مواقفه الاجتماعية والفلسفية،هذا يبدو غير محتمل جدا. من الصحيح تماما ان هيجل لم يضع ملاحظته الا لاحقا بان العقلاني هو حقيقي والحقيقي هو عقلاني. ولكن في المعنى العام ربما قيلت لتشكل التكرار غير الواعي لجميع افكاره من فرانكفورت فصاعدا. عند فحصنا لملاحظات هيجل الاقتصادية في مدينة جينا الالمانية سيكون من الملائم الاشارة الى قربه من الافكار النفعية  للاقتصاديين الانجليز الكلاسيك الذين كانوا راغبين جدا في كشف جميع رعب وفضائح المجتمع الرأسمالي،مع تأكيدهم بان الرأسمالية كانت ضرورة تقدمية.لهذا السبب نعتقد ان روزنزكرانز قد اساء فهم هيجل. ولكن طالما اننا لا نستطيع  تقديم برهان غير قابل للرفض عن ادعائنا،وطالما كانت هناك امكانية مطلقة بان تأييد  هيجل ربما كان ميلا قصير الاجل نحو الاقتصاد الرومانسي ، فاننا نستطيع فقط اعتبار رفضنا لتفسير روزنكرانز هو مجرد فرضية . مع ذلك،نحن نعتقد ان القارئ الذي اتبع كامل التطور في افكار هيجل سيقبل ان هذه الفرضية صحيحة.

في الحقيقة، من غير الممكن تقدير تأثير مبادئ ستيوارت الاقتصادية المعينة على هيجل. ليس فقط لأن التعليق ضاع واننا لا نستطيع معرفة اي الاقسام اثارت اهتمام هيجل،اي منها قبله واي رفضه ، وانما ايضا بسبب قرائته لستيوارت لم تقد لاي محاولة مباشرة لتطبيق المبادئ الاقتصادية الجديدة المكتسبة على المجتمع البرجوازي. ما قلناه انفا حول عدم استمرارية فترة فرانكفورت ينطبق بشكل قوي هنا. كون هيجل صرف ثلاثة شهور حول مشاكل الاقتصاد فهو ببساطة قد التفت الى عمله الرئيسي في فرانكفورت،"روح المسيحية". بالطبع ،كما سنرى،ان هذه المقالة لا تتجاهل مشاكل المجتمع،ولكن افكارها المباشرة هي مختلفة والتغيير في رؤاه السوسيواقتصادية فقط يجعله  محسوسا في بعض الاماكن وحتى في اغلب المصطلحات الفلسفية العامة.في مخطوطات جينا هناك دليل ان هيجل قرأ بالاضافة الى ستيوارت اعمال ادم سمث.وبالنظر للتجريد الكبير لمقولات هيجل حول الاقتصاد، فان اهتمامه الخاص في المشاكل العالمية الكبيرة ،جعل من الصعب رؤية تاثير التفاصيل.

 من المحتمل جدا ان دراسة ادم سمث كانت نقطة التحول في تطور هيجل. المشكلة التي تكشف التوازي المدهش بين فكر هيجل والاقتصاديين الانجليز الكلاسيك هي مشكلة العمل كوسيط مركزي للفعالية الانسانية،كطريقة رئيسية يمكن ان تتحقق بها هوية الشيء =الموضوع(باستخدام تعبير هيجل في ذلك الزمن)،كفعالية تلغي موت الموضوعية،وكمحرك رئيسي للعملية والتي تحول البشرية الى منتج لفعاليتها. وانه من المحتمل جدا ان هذه المشكلة تبرز لاول مرة عند قراءة ادم سمث،طالما لا دراسة الاقتصاد الالماني الذي كان متخلفا جدا في سياق تطور الراسمالية،ولا قراءة ستيوارت يمكنهما حقا توفير المحفزات الضرورية.

 اول دليل وثائقي بان هيجل قرأ ادم سمث وجد ضمن مخطوطات بعض المحاضرات التي القيت في جينا في عام 1803- 1804 والتي نُشرت منذ وقت ليس ببعيد . يشير هيجل هنا الى اعلان ادم سمث عن تطور قوى الانتاج خلال تقسيم العمل في المصانع وهو كتب اسم سمث في الهامش. ولكن منذ بدايات 1802 في "نظام الاخلاق"،نجد موقفا مشابها اقل تطورا نحو العمل وتقسيم العمل ،يشغل موقعا مركزيا. لهذا السبب  من المؤكد ان هيجل كان مطلعا على ادم سمث منذ بداية فترته في جينا وانه لهذا تغلب وان جزئيا على بعض عيوب ونواقص نظريات ستيوارت.

نعتقد الان ان اهتمام هيجل بالاقتصاد الانجليزي الكلاسيكي انما يبدأ من فترة مبكرة، اي من الوقت الذي كان فيه يعمل سلفا في (Fragment of a system ).من الصحيح جدا ان ذلك العمل لا يعطينا اي مساعدة ابدا طالما الاجزاء الناجية  تحتوي فقط على اشارات صغيرة جدا للمشاكل الاقتصادية ونحن ليس لدينا فكرة حول الكيفية التي فكر بها هيجل بالهيكل الكلي للمقالة ،ولا كم هي بعيدة عن الاكتمال. ولكن اثناء التفسيرات الغامضة جدا في فلسفة الدين هناك مقطع جدير بالملاحظة ربما يساعد في القاء الضوء على الجانب الشديد العتمة من التطور الفكري لهيجل.

في هذا الجزء يتعامل هيجل مع مكانة الدين في حياة الانسان،مع الغاء الموضوعية،والايجابية الميتة في العلاقة بالناس والاشياء. المشاكل الاجتماعية والفلسفية التي يثيرها هذا القسم تحتاج الى المزيد من التحليلات المفصلة. هنا يجدر التاكيد على نقطة واحدة.يكتب هيجل:

"ولكن من الضروري ان (الانسان)يجب ايضا ان يضع نفسه في علاقة دائمة مع الاشياء وبهذا يحفظ موضوعيتها الى النقطة التي تتحطم  بها كليا".

في اسلوب فرانكفورت المالوف لنا سلفا،يحلل هيجل علاقة الانسان بالملكية ومن ثم بديالكتيكية الايجابية والحياة. في هذا الجزء هو يجد حلا بنظرية التضحية .هو يستمر:

"الانسان سيبقى غير قادر على توحيد نفسه مع الحياة اللامتناهية لأنه سيحتفظ بشيء ما لنفسه، هو سيبقى في حالة من الهيمنة على الاشياء او في حالة من الاعتماد عليها. هذا هو سبب تخلي الانسان عن فقط جزء من ملكيته كتضحية،لأن مصيره ان يحوز على ملكية وهذا المصير ضروري ولا يمكن نبذه ابدا... فقط عبر هذا التحطيم غير النافع ، خلال هذا التدمير لأجل التدمير،بالفعل هو يعمل جيدا في هذا التدمير الذي يخلقه لاغراضه الخاصة. في نفس الوقت هو استكمل موضوعية الاشياء عبر تحطيم غير مرتبط بهدفه الخاص،عبر ذلك الغياب التام للعلاقات الذي يسمى الموت. هذا التدمير غير الهادف لاجل التدمير احيانا يحدث، حتى عندما تبقى ضرورة التدمير الهادف للاشياء،وانه يثبت كونه العلاقة الدينية الوحيدة للاشياء المجردة".

لاول وهلة هذا المقطع هو بالتأكيد غامض بما يكفي. التضحية يُعتقد كطريقة دينية خارج "المصير"الضروري لعالم الملكية للمجتمع البرجوازي. ما يهمنا هو التمييز بين التضحية التي يُنظر اليها "كتدمير بلا معنى"،"التدمير لاجل التدمير"،ومفهوم "التدمير الهادف" الذي يبقى غير موضح في هذا السياق.الجزء الذي نقتبس منه هو الصفحة الاخيرة، اي،الاستنتاج لمخطوطة هيجل.اذا كان هيجل لا يفصح عما يعنيه بما يبدو من مفهوم هام ،هذا يمكن توضيحه فقط بالقول انه يجب ان يكون تم توضيحه في الاجزاء المبكرة من المقال،والتي هي الان مفقودة .ولكن قيل ما يكفي للاشارة الى ان "التدمير الهادف"يشير الى العلاقة اليومية العادية للانسان مع اشياء العالم.مسألة التضحية هي بالتأكيد ترفع الانسان الى ما وراء ذلك العالم.

ما يهمنا هو المفهوم المقابل لـ"التحطيم الهادف"للاشياء. يجب علينا اللجوء الى "نظام الاخلاق"الذي كُتب بعد سنتين في جينا. من الواضح ان الفكرة مرتبطة بالعمل. هيجل يعرّف العمل في "نظام الاخلاق"في لغة مشابهة للفيلسوف الالماني شيلنك، باعتباره "تحطيم للشيء"،وتحطيم هادف .اول ثالوث ديالكتيكي انطلقت منه افكاره هو: الحاجة،العمل ،المتعة. العمل عرّف كالتالي:

"تحطيم الشيء او الفكرة،ولكن بما ان اللحظة (ليست نهائية او مطلقة) لكي يستبدل هذا التحطيم بشيء اخر او فكرة اخرى...انه لا يحطم الشيء كشيء عموما وانما يتم بطريقة يوضع فيها شيء اخر محله... فان هذا التدمير هو عمل.

هذا التعريف لا يحتوي على كلمة "هادف"ولكن لو اتبعنا بعناية خط التفكير الهيجلي سنرى كيف هو يتحرك من العمل الى وسائل العمل ومن وسائل العمل الى المكائن، من الواضح ان الفكرة حاضرة وما هو مفقود هو فقط الكلمة لأنها تحمل اكثر مما هو مطلوب في هذا السياق. الارتباط بين العمل والهدفية يبقى حقيقة اساسية في فكر هيجل.

لذلك،نحن نعتقد ان تصور العمل والذي هو صنف ضروري جدا في نظام اخلاق جينا كان حاضرا سلفا في الاجزاء المفقودة من جزء النظام في فرانكفورت. وهذا يجعل من المحتمل جدا ان  هيجل درس ثروة الامم لآدم سمث كتمهيد للعمل اللاحق (نضيف ان اعمال كل من ستيوارت و سمث كانا متوفرين في المانيا في ذلك الوقت بمختلف الترجمات).

عندما نأتي لدراسة رؤية هيجل الاقتصادية في جينا سنرى كم هو متورط بعمق بافكار من هذا النوع والتي كانت متراجعة وفق المستويات الانجليزية.الافكار الاكثر تقدما التي حصل عليها من دراسة ادم سمث والاطلاع الكبير على حقائق الاقتصاد الانجليزي في الحقيقة مكنته من تصور تناقضات اقتصادية معينة في الراسمالية، خاصة العداء بين العمل وراس المال وهو قادر عل نقاش هذه بصراحه.لكنه لم ينجح ابدا في الكشف عن لغز الاستغلال الراسمالي الحقيقي، هو في الواقع لم يتعامل معه عن قرب كما هم الاقتصاديين البرجوازيين الانجليز. هذا العائق لم يتمكن من التغلب عليه والسبب ليس خافيا: وهو ان معرفته بالصراع بين راس المال والعمل جاءه فقط من قراءة العلاقات الاقتصادية الدولية وليس من تجربته الشخصية،او من الرؤى الواقعية للراسمالية في الحياة العادية. اي ان العائق هنا هو مرآة فكرية للاقتصاد الالماني البدائي.

بالطبع، حجم العائق اتسع مرة اخرى بمثالية هيجل الخاصة،وبالذات بقلبه للعلاقات بين القانون والدولة من جهة والاقتصاد من جهة اخرى. ولكن كما لاحظنا،مثاليته هي ذاتها تتجذر في نفس الروح. وهكذا فان التخلف الاقتصادي الالماني ليس له اي تأثير مباشر على هيجل،ولم يشوه ايضا بشكل مباشر العديد من افكاره اللامعة حول المجتمع البرجوازي.تاثيراته هي متنوعة ومعقدة واحيانا تؤثر سلبا على فكره بطرق غير متوقعة.في مقطع طويل وهام في Fragment of a system يعتبر هيجل الاقتصاد،والحياة الاقتصادية للناس،ترتيباتهم بفعل علاقاتهم الاقتصادية مع بعضهم البعض كـ "مصير"لا فكاك منه.

جزء من تصور هيجل  للمصير في فرانكفورت هو فكرة ان الكفاح  ضد القوى المعادية تكون له نفس النتيجة كما لو تتجنبه. هذا في الحقيقة هو التعبير عن حتمية المصير. ومهما كانت الصوفية في العديد من مقولات هيجل في هذا الجانب،لكنها تحتوي على الكثير من الحقائق الجوهرية حول التاريخ والمجتمع قياسا بما وُجد لدى الفلاسفة الالمان الاخرين في زمانه: اعني رفضه للفكرة الشائعة بان الانسان يستطيع السمو فوق عمره ومجتمعه، اي انه يستطيع اتخاذ موقف نظري او عملي من زاوية خارجية لمجتمعه.

في هذا المعنى جرى التعامل مع الملكية في "روح المسيحية"كمصير حتمي. في روح المسيحية هو كان مهتما فقط بهروب يسوع من الاقتصاد حين نصح يسوع  الشاب الغني للتخلص من ملكيته لينال الخلاص وفقا لما ورد في العهد الجديد. طالما ان الملكية والمقتنيات لايمكنها ان تشكل ظروف جميلة للحياة فان يسوع يهرب بعيدا عنها.هو يقول:

"ان مملكة الله هي ظرف فيه يحكم الله،فيها تلغى كل القرارات والحقوق ،ومن هنا تأتي كلماته للشاب الغني اذهب وبع مالديك – من الصعب للغني الدخول في مملكة الله- ولنفس السبب ايضا رفض القس لكل الملكيات والشرف. هذه العلاقات مع الاب والعائلة والملكية لا يمكن ان تصبح جميلة،ولذلك انها يجب ان لا توجد ابدا،لكي على الاقل لا توجد ايضا الحالة المضادة لها في الوضع الراهن.

من كتاب (هيجل الشاب) للكاتب جورج لوكاس الصادر عام 1938.

 

حاتم حميد محسن

.......................

الهوامش

(1) كارل روزنكرانز من اشهر الباحثين الهيجليين في القرن التاسع عشر، هو كان بروفيسور الفلسفة لعدة سنوات في جامعة  Konigsberg،ورغم انه هيجلي لكن فهمه لهيجل كان متأثرا بدراسته لكانط، حيث انه نظر لهيجل بعدسة كانطية، وكذلك بسبب دراسته للثيولوجي البروتستانتي.

ملاحظة: كتاب (هيجل الشاب) في محتواه العام يتحدث عن التطور الفلسفي لفردريك هيجل، وفيه يتحدى العديد من القراءات التقليدية لهيجل كمثالي محافظ. هو يرى ان هيجل كان اقل اهتماما بالهروبية او الرومانسية قياسا بالتحليلات السوسيواقتصادية. لوكاس يقلل من الجانب الميتافيزيقي لهيجل، ويصر على انه تأثر بالمادية وبالعلمانية المضادة للمسيحية.هو يرى ان هيجل كان شابا راديكاليا نظر الى الديمقراطية الراديكالية المباشرة لليونان كنموذج للتقليد.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3576 المصادف: 2016-06-20 03:44:30