 أقلام فكرية

نص مفتوح بلا نهايات.. قراءة في الفلسفة والفن

ali mohamadalyousifمنجز الإبداع الأدبي-الفني هو قدرة الإمساك بلحظة الإلهام الذي هو تركيز المخيال الحلمي المخصب في ما وراء المدرك والمتعين المحسوس ومحاولة سيطرة المبدع عليها وإدامتها أطول زمنية ممكنة بغية توظيفها في انجاز تقنية جمالية وتكوين إبداعي على شكل قصيدة شعرية، قصة، رواية، لوحة، نحت، تشكيل ...الخ. ويؤكد ماريو يوسا الروائي والكاتب البيروفي الحائز على جائزة نوبل في الاداب انه من دون الخيال سنكون اقل وعيا باهمية الحرية لتكون الحياة قابلة للعيش، وبالجحيم الذي تتحول اليه الحياة عندما يتولى امرها طاغية او ايدلوجيا او دين.

تركيز المخيال الحلمي المتعين في الأثر الإبداعي أو التعبيري الأدبي والفني، في حقيقته الجوهرية، الغامضة، المعقدة المتمثل في تكوين عمل إبداعي يتجلى في إمكانية وقدرة المبدع تحويله الخيال من تهويم أثيري إلى اثر إبداعي متعين في الزمكان . على وفق تقنية جمالية تحكمها تقنية بنائية في ترتيب الأفكار الجامحة وتضمينها العمل الفني بتناسق واستقبال يتركان في المتلقي ردة فعل وحسب. وكل عمل ابداعي مهما كان جنسه مرتبط بالخيال، وبوسيلة التعبير اللغة. وهو ذو وظيفة مزدوجة، فهو من جانب ذو بعد ذاتي تعبيري انفعالي كاشف عن الحالة الشعورية لصاحبه، وهو من جانب ثان يتوجه الى متلقي الاحداث والتغيير المتوخى في نفسيته ومواقفه .(1)

الأثر الإبداعي هو صب وتعليب الأفكار والمخيال في نمذجة جمالية وتشكيل نوعي من معمارية فنية، والمخيال الإبداعي هو اللامتناهي في القدرة على استيلاد الخامات الإبداعية التي هي الإخصاب الدائم المستمر للفكر والحياة والجمال، لكنه في النهاية يحتاج المخيال المبدع إلى ان يصبح (متعّينا) أدبيا أو فنيا .. وفي العلوم الطبيعية الخيال العلمي يكتشف أو يخترع قوانين جديدة لم يكن يعرفها الإنسان من قبل كمثل تحقيق رغبة الإنسان في الطيران وتحقيق حلم الإنسان في غزو الكواكب الأخرى ومثل ذلك في اختراعات واكتشافات وتطور علوم الطب، الفيزياء، الكيمياء، والتكنولوجيا المتطورة وغيرها . جميع المنجزات الإبداعية التي يلعب فيها المخيال العلمي استثارة البحث والتجريب والاكتشاف لم تكن تتعدى اكثر من لجم جموح الخيال غير المدرك ولا المحسوس ولا العقلاني في انطلاقاته السائبة غير المتعينة باتجاهات ولا وسائل ولا غايات، وتحويله إلى كينونة ومتعيّن في الجماليات الادبية والفنية والعلوم على حد سواء.

مخيال المبدع حدسي، غامض، معقد، كشفي، تصوفي، استبطاني، عصابي، مخصب للنفس والعاطفة والفكر والشعور، انه حالة من التنويم الحلمي المتخيل، يعي جيدا ذاته ويتأمل المحيط، وفي هذا تفريق واضح عن حالة التنويم الخيالي العقيم الذي يستهلكه متعاطي المخدرات في الحصول على المتعة المغيّبة عن الذات والمجتمع والمحيط، وهي متعة تخييلية زائلة معدمة لسلامة العقل في إنتاج منظومة الأفكار والأفعال وتدمير الذات والنفسية . من الظريف ان الدوس هكسلي دعا ضرورة تعاطي المبدع للمخدرات لاخصاب قدرة الإبداع لديه وهو تجاوز سن الستين عاما حين دعا لذلك واخذ يمارسه بنفسه ولم يضف لابداعاته السابقة شيئا ذا قيمة. وكما دعا الدوس هكسلي ضرورة توزيع وبيع المخدرات للناس مثل السكائر والكحوليات، نجد ان لب العقيدة الراستفارية، يتمثل في الاسهام الناتج عن استخدام مخدر القنّب، وهو مخدر يشبه الحشيش يطلق عليه بالانكليزية (الغانجا Ganga) .حيث يمكن لاتباع الرستفارية بمزيد من السهولة ادراك ان (هيلا سيلاسي) هو الاله المخلص، وادراك كذلك هوياتهم الشخصية على نحو كامل، وان افضل الحجج التي يمكن ان تؤيد تشريع الحشيش هو تناول الحشيش لجميع الناس .(2)

حالة تأطير المخيال الإبداعي في المتعيّن الأدبي أو الفني يحتاجها المبدع ليتحرر من سطوة ومهيمنات ترسانة المحسوسات والمدركات الواقعية من حوله، وهي قاطعة حادة في هندسيتها ومعمارها البنائي المتصلب، صعبة المطاوعة للفن والاستجابة لما هو فوق المحسوس، والفنان المبدع يحتاج ثنائية لجم الخيال الابداعي والامساك بلحظة التركيز الحلمي الالهامي من الافلات والضياع في الاعتيادي المألوف في مجرى سريان ظواهر المجتمع والحياة. هذا من جهة وهي مرحلة أولى تليها مرحلة ثانية في توظيف (الخامات) الإبداعية في متعيّن جمالي وفق آلية تقنية (صنعة) يأخذ المدرك المحسوس نصيبه الأكبر منها في ترتيب المنجز وخلق التناسق والتجانس في إكمال واستقبال المتلقي له.

والعمل الإبداعي بعيد جدا عن رياضيات التفكير بل هو محتاج دوما إلى خلق تقنية جمالية في متعيّن تعبيري أو فني تتلقفه الحواس والعاطفة والوجدان قبل العقل . الإبداع بحاجة دوما ان يكون (شكلا) في تأطيره للمخيال الإبداعي في متعيّن جمالي أدبي او فني هيكلاني منسق ومنظم يكمله المضمون.وفن الحداثة اليوم بضوء ثورة المعلومات والاتصالات والتكنولوجيا المتطورة جدا في تبنيها الفن التجريدي الغى جملة من الركائز الهامة للعمل الابداعي على يد رائد الفن التشكيلي (كاندنسكي) الروسي لتتحول الاعمال التشكيلية الى مجرد مساحات من الالوان والخطوط تتناغم احيانا وتتنافر احيانا، كما الغت ما بعد الحداثة (الفنون الرقمية) ان يكون للعمل الفني موضوع يجسده، ولايبقى بعد ذلك الا فكرة،كما هي الحال فيما يعرف بالفن المفهومي،ويؤكد الفنان المجري المبدع (فازريلي) رائد فن التجريد الهندسي قائلا : انني لا ارسم بل اضع معادلة اللوحة (3) .

ولقد تخلص الفن على المستوى المفهومي من ماديته بعد ان تخلص من موضعته،في الفن التجريدي ليبدأ رحلته صوب الصورية المحضة،فالافكار المجردة لها جمالها، ويذكر عن براتراند رسل قوله : ان الرياضيات ذات جمال من نوع اسمى (4) .

ثمة عناصر ثلاث من دونها يكون العمل المنجز إبداعيا تقانة حرفية تشبه حرفة النجارة أو الحدادة أو ميكانيك السيارات، وهذه العناصر تمثل مرحلة بدئية أولية في استكمال المنجز الإبداعي في ثلاثية : الحلم المبدع، المخيال المخصب، اللاشعور، بغير هذه العناصر لا يمكن الحصول على متعيّن (شكل) جمالي تعبيري أو فني، لايوجد شكل بلا مضمون ولا يوجد شيء من دون شكل، قد نحصل على مئات من تمظهرات الطبيعة والواقع هي/ في متعينات باشكال جمالية منوعة لكنها تبقى اثرا وشكلا من اشكال الصنعة الحرفية تقودنا إلى حتميات رقمية محنطة خالية من دفق الحياة وحيويتها. تغلب فيها الصنعة والحرفية على الجانب الفني الجمالي.

نجد هذه الصنعة الحرفية من بدئيات وأوليات وضرورات إقامة التاسيسات المعمارية الجمالية ذات التقنية والصنعة الهندسية والزخرفية وزاوية النظر الموظفة بشكل بنائي جميل .. وهذا يمكننا مشاهدته في بناء الجوامع والمساجد والأضرحة وفي الكنائس والمعابد، والكاتدرائيات، القلاع، والموروث من معمار الأديرة والقصور الفارهة الماثلة إلى يومنا عبر العصور.

في هذا النوع من التقنية المعمارية الجمالية يمكن للرائي المشاهد استقراء عنصري الحلم الإبداعي والمخيال الفنان المكملان لأدوات وسائل الصنعة الهندسية والتنفيذ يمكننا ان نجدهما أي عنصري الحلم والمخيال الفني بالمتعيّن المعماري الجمالي الماثل أمامنا لكن من الصعب جدا اكتشاف غير المتعين وغير المدرك في ما وراء هذه المتعينات المعمارية الجمالية في مساحة ما ابدعه اللا شعور.

ينتابنا حين نشاهد ونتفحص ونندهش بروعة وعظمة هذا المعمار العمراني الذي يأخذنا إلى نوع من التسامي الروحاني والحنين المؤلم في العودة إلى نوع من الطبيعية يغالبها خليط من الشاعرية الرومانسية والروحانية المحلقة في مشاهداتنا لتلك الروائع وفي تكرار المشاهدة أكثر من مرة لاثر واحد او اكثر يتملكنا البحث في أبعاد إنسانية لا نجدها، انغلاقات عصيّة على الغور في مجاهلها وتفكيك رموزها وطلاسمها وتعقيداتها المقيّدة، المنحبسة . ربما يكون مبعث هذه المشاعر وتأملات التلقي اننا نعيش عصرنا بالمقايسة والمعيارية المقارنة مع عصور تلك المعمارات المعجزة وفي هذه المقارنة وحدها تكمن عظمة تلك الاثار ورغبة التجاوز لدينا. غير ان الخاصية المزدوجة للابداع بوصفة يحقق الجمع بين كونه علامة مستقلة في جانب، وعلامة توصيلية في جانب اخر كما يذهب لذلك بعض السيميائيين، تفرض علينا ان نعير كبير اهتمام للحقيقة الماثلة امامنا كابداع في علاقتها بالمتلقي (الناظر) هنا الذي يدخل في جدل فعال مع هذه العجائب المعمارية المدهشة.

كما يشير احد منظري التلقي الى ان المعنى لايتم استجلابه بوصفه دلالة محددة، ومصورة بشكل دقيق،وانما بوصفه تمثلا او تصورا او بوصفه صورة جمالية.(5)

(2)

هل من الممكن ان يكون لحوادث الحياة اليومية العادية قدرة الاستحواذ والسيطرة على مجمل الفعاليات الإنسانية في مناحي الحياة الأخرى وعلى حسابها بحيث نجد أنفسنا نعيش الزمن ببعد واحد فقط من الحياة، كأن يكون البعد البايولوجي، الأكل، النوم، ممارسة الجنس!؟ بمعنى آخر هل من الممكن لنا ان نعيش الزمن خارج فاعلية الحياة المخصبة للزمن؟ هذه الفكرة تناولها (سارتر) في فلسفته الوجودية الحديثة وركّز عليها في كتابه (كلمات) الصادر عام 1960 . إذ اعتبر سارتر الزمن الوجودي في الحياة العادية وهما زائفا وان الإنسان لا يحيا حقيقة الحياة بل زيفها، وسبقه الفيلسوف الألماني فويرباخ في معالجته ما اسماه (ثيولوجيا الاغتراب) Alienation معتبرا ان جميع أشكال وأنواع اغترابات الإنسان في الحياة هي اغترابات زائفة غير حقيقية مصدرها الأساس الذي تتفرع عنه باقي الاغترابات منشأه اغتراب الإنسان الديني وأطلق على هذه الحالة (ثيولوجيا الدين) الذي أقام عليه كتابه الشهير (جوهر المسيحية)(*).

الاختلاف بين فوير باخ وسارتر، ان الأخير –سارتر- سحب الزيف الوجودي في الزمن مؤكدا على ثيمة وجودية أساسية ان الناس يعيشون رتابة الحياة اليومية، ويتصرفون، ويقدمون على اتخاذ القرارات غير مدركين أنهم يعيشون (وهم) الوجود وليس حقائق وجودهم(**) طبعا وفق هذا الفهم الفلسفي لسارتر تأتي (الواقعية الاجتماعية) في المجتمع والطبيعة،وفي الفلسفة والفن ابتذالا مأساويا لحقيقة الحياة والوجود الإنساني . لم يسع (سارتر) ولم يؤمن أيضا في أفكاره تشييئ الحياة الإنسانية إلى وقائع، بل عمد إلى جعل الإنسان الفرد وليس المجتمع المركز الذي يدور في فلكه حاضر ومستقبل الوجود الإنساني على خلاف كبير جدا مع تأكيد الماركسية لأولوية المجتمع، تلتقي الوجودية مع الماركسية في ان الإنسان الملموس الكائن الوحيد الذي هو موجود فعلا وهذا يعني ان الانطلاق هو من الذاتية على حد تعبير آرنستوساباتو . الوجودية والماركسية شعارهما (الإنسان أثمن رأسمال) باختلاف ان سارتر ضحى بالمجتمع من اجل الفرد في حين أكدت الماركسية على التضحية بالفرد ان كان في ذلك خدمة المجموع.

عمد سارتر إلى تشييئ شخوص أعماله الروائية والمسرحية بالتأكيد على نوع من اغترابية وجودية إنسانية استطاع بسهولة إثباتها الانطولوجي لكنه عجز عن تحقيقها كمنهج خلاص يقبل التطبيق والتسليم به في سعيه إثبات طموحه الفلسفي ألا هو خلاص الإنسان من محنته في الحياة . اما فوير باخ الذي كان سابقا على المفاهيم اللاحقة الجديدة في الوجودية الحديثة على أيدي سورين كير كارد وهيدجر فقد سحب الزيف الوجودي للإنسان إلى ان جميع أنواع الزيف الوجودي للإنسان أصلها ومنشأها (ثيولوجيا الدين)اللاجوهر الحقيقي للدين، لذا فان الإنسان اغترابي عن ذاته قبل وبعد كل شيء، اغتراب الذات لدى فوير باخ ثيمة فلسفته الأساس.

وعن محنة الحياة بالنسبة للانسان يعبر اونا مونو : اننا لانحيا الحياة وانما نحيا على متناقضات، ومن اجل متناقضات، فليس الحياة الا مأساة وصراعا مستمرا لايعرف الانتصار بل ولاحتى امل الانتصار، انها تناقض ولاشي سوى التاقض، ان فكرة الموت تقض مضجع الانسان وتقلق باله، وتكاد تلاحقه في حله وترحاله، حتى ان ضميره ليخفق دائما بتلك القشعريرة الاليمة التي يسببها له سر المموت، وما قد يجيء بعده .

وفي بحث الدكتور عبد الرحمن التمارة كتب : الاهتمام بالحياة التي يكون الاقبال عليها تخليصا للذات من عمق الاحساس بالانسحاق الوجودي امام جبروت الموت، وعنفه التراجيدي مادام يهدف الى اعادة الانسان الى اصوله الاولى(الارض - التراب) وبذلك يضمر الانشغال بالموت بوصفه فعلا ولحظة تحول وجودي مؤلم ان المعرفة الحقيقية للحياة لاتتأتى الا من خلال معرفة الموت.

(3)

الكثير جدا من أفكارنا المعرفية الأدبية الثقافية عبر اللغة هي نسخ كاربونية في تراكمها الكمي-النوعي التي هي ميراثنا والميراث البشري عبر العصور التي نتداولها باستمرار سبق لاكثرها ان قيلت وكتبت بأكثر جاذبية على يد اللذين سبقونا في الحياة . معارفنا الأدبية والثقافية نسخ مكررة معادة بالإضافة اليسيرة . الجديد فيها فقط شكل اللغة-المضمونية . كل ما يمكننا فعله اليوم بمعارفنا الأدبية والثقافية هو محاولة الإضافة البسيطة بالتحايل على وسيلة التعبير (اللغة) أو الهروب باتجاه تخوم عوالم من الفانتازيا التي تحاول اخذ سمات التجديد واللامألوف الاجوف السطحي، كي يخرج الإنسان من حياة الرتابة إلى عوالم غير مألوفة، لا واقعية، مغرقة في التهويم .أردأ أنواع العاطفة هي التي تستوعب اللغة صياغتها بسهولة ويسر وتعليبها واردأ انواع الافكار هي التي تسلم قيادها إلى اللغة بيسر وسهولةايضا .اذ تتحول الافكار بواسطة اللغة إلى مرئيات تصويرية استهلاكية وتخرج عن وظيفة نقل المعرفة الجادة في تأمل الحياة بجدية وتفاؤل في المسكوت عنه وغير المعلن فيما وراء النص اللغوي. عبّر عن ذلك (المتصوفة) المسلمين في استحالة نقل تجاربهم التصوفية الكشفية الاستبطانية عبر التوصيل باللغة لذا عاش معظم المتصوفة وجودهم الحياتي الإنساني باغترابية سلبية عن المجتمع مدمرة للذات.. باستثناء ممن كتبوا عن بعض تجاربهم وشطحاتهم الفكرية مثل الحلاج وابن عربي والنفري وعديدين آخرين استثنائيين . ومن المعروف ان التصوف لا يقتصر على (حكمة) الشرق، العرب، الفرس، الهنود، الصينيون وغيرهم . فالتصوف الفلسفي والديني على السواء له مشاهيره وأقطابه ومؤيدوه من فلاسفة الغرب واللاهوتيين والادباء والشعراء من الغربيين..

ويذهب نيتشه اذا كان الفكر الحديث ينظر الى الحداثة على انها انتصار الوعي الانساني، فان نيتشه ينظر الى الوعي الانساني باعتباره اغترابا للطاقة الانسانية المنفصلة عن نفسها والتي تعادي ذاتها، عندما تتماهى مع اله، وقوة غير انسانية، بل وتطالب الانسان بالخضوع لها، واهتم نيتشه بالشعور العفوي لدى الانسان بل اهتم بنوازعه وغرائزه التي جعل منها اهم العناصر داخل الانسان الامر الذي اعتبره تفريغا للطاقة الانسانية نفسها.

إذن الإبداع الأدبي هو تكرار اجتراري في إعادة شكل اللغة يسبق الإضافة والتجديد في المضمون وفي إنتاج الفعالية الجمالية في الفنون التشكيلية رسم، نحت، تشكيل تجريدي خارج بالكامل عن المألوف، تكون فيها اللغة المكتوبة واللغة المنطوقة في حالة (كمون) خفي مستور خلف المنجز الإبداعي التشكيلي وليس كمثل لغة الأدب والثقافة المكتوبة أو المنطوقة . لذلك نجد ان تجديد الشكل في الفن يتغير ويتبدل أسرع وأكثر غرابة منه في الأدب التعبيري المكتوب. اللوحة أو المنجز التشكيلي هو تأمل في اللغة وليس تأمل في كيفية استخدامها أو توظيفها في حين نجد اللغة المكتوبة والمنطوقة توظيفاً صرفا لها في المتعين او الاثر الادبي المنجز.الرسومات الساحقة في القدم التي وجدت على جدران الكهوف وبعضها استخدم اللون في رسمها ونقشها الألوان الأبيض / الأسود، الأصفر، والأحمر إذ اكتشفت اعمال رسومات على جدران الكهوف بالالوان هذه الأعمال التي تعود إلى العصور الحجرية في كهوف استوطنها الإنسان في وادي الرافدين ومصر وأوروبا، واستخدام اللون في رسومات العصور الحجرية ابتداءا من تلك الرسومات والى يومنا هذا عصر العولمة والتكنولوجيا والتقانة والاتصالات وانتقال المعرفة عبر الأقمار الصناعية. كل ذلك أبقى الانسان دلالة انثروبولوجية مقنعة تؤكد بقاء الانسان (جوهرا) و(ماهية) قبل ان يكون وجودا متعينا (كينونة). بقي الإنسان ويبقى كينونة وجودية يسبق فيها (الجوهر) والماهية الوجود المفارق لحياة الحيوان منذ مغادرته عصر الصيد والالتقاط ودخل عصر صنع الحضارة حين عرف الزراعة والري. تناولت الواقعية ومن ثم الانطباعية فالرومانسية في التشكيل،فان كوخ، ماتيس رامبرانت، سيزان، وفي تعاقب أسلوبي متغير دائما وصل الفن التجريدي القمة في سيريالية (سلفادور دالي) الذي أراد تعبئة الإنسان ككيان وجودي شكلاني تلاعب دالي به بسخرية فائقة اراد بها تجريد الانسان من اسبقية ماهيته على وجوده وجوهره الحقيقي والاكتفاء به كينونة وجودية فقط، ولم يفلح ولم يفقد الإنسان ماهيته و(جوهره) الحقيقي. كانت نزعة التجريد في الفن وادب اللامعقول واللامنتمي جامحة في تفكيك الوجود الإنساني جسدا وروحا وجودا وجوهرا ومحاولة إعادة تشكيله من جديد على وفق أسلوب يتجاوز ما بعد الحداثة ولم تفلح إلا في تعرية الإنسان من ملابسه فقط. ليبقى الإنسان (ماهية) قبل كل شيء.في التجريد التكعيبي والوحشية لدى (بيكاسو) كانت القمة في اللعب في الشكل الوجودي للإنسان إذ أضاف بيكاسو على ثنائية الجسد والروح بعدا هندسيا ثالثا،بمعنى بعدا ثالثا من التهشيم، والعديد من الرؤوس النسائية في رسومات بيكاسو تملك عينا واحدة من الامام، وعينا واحدة من الجانب، مما دفع هذا (كانفلير) وهو جامع لوحات بيكاسو الى القول بأنه يخشى ان لايكون هذا النوع من الرسم مقبولا ومفهوما من الاخرين، مادام لايوجد هناك اتفاق واضح ومقبول عن هكذا نوع من الرسم، فيما اذا كان هذا الرسم صورة لامرأة حقيقية ام صورة وحش (6) فازدادت تجريدية بيكاسو صرامة وتقاطعات هندسية وعجز عن المساس الجوهري بكينونة الإنسان الوجودية، حقيقته في ماهيته وجوهره. حطم بيكاسو وبراك الشكل وهيكلية المعمار الفني من قبل التكعيبية الفرنسية، حيث سحقت الاشكال وتناثرت عناصر بنائها في وحدات تشكيلية صغيرة تتداخل وتتباعد،تستقيم وتنحرف، تتضخم تارة، وتتقلص تارة اخرى مكونة بناءا تشكيليا مستقرا على الرغم من شدة تشظيه (7) . ويمكننا سحب هذا العجز المستدام الملازم للإنسان إلى بدايات القرن الرابع عشر فروحانية دافنشي المتسامية وتحليق مايكل أنجلو وروفائيل الملائكية حين ارادوا بواسطة التشكيل التصويري الوصول إلى قمة رائعة تتوقف عندها محاولة المجاوزة في الشكل الابداعي الممزوج بروحانية أخاذة . وكان لا بد للفن التشكيلي من محاولة الإفلات من الفوتوغرافية التصويرية والخلاص من عجز الشكل حين لم يعد الواقع، ولا التسامي الروحاني الديني منقذا ايضا . دافنشي ومايكل أنجلو أرادا التسامي بالإنسان إلى مرتبة (الملائكة) وربما إلى ما بعدها كانت تلك عظمة لم يسبقهما إليها احد، لكن رغم كل هذا الإبداع الشكلاني بقى الإنسان كقيمة وماهية وجودية متفردة ملتصقة على جدران الكنائس والكاتدرائيات العملاقة مشيرة إلى عجز الفن إيصال الانسان إلى مرتبة ما فوق الإنسان.

(4)

مخيال المبدع هو القدرة الخلاقة في لا معنى النظام وفي افتقاده ايضا . ينطبق ذلك على صعيدي المنجز الإبداعي الأدبي والفني معاً، وفي المنجز السياسي عموما ايضا يعيش الإنسان بوحدة ثنائية من الجدل المعرفي المنطقي والحركي التطبيقي المتحقق . هذه الثنائية الجديدة المترابطة المتداخلة ليست دينامية وحدة الأضداد الديالكتيكي في إنتاج كيفية مغايرة تحمل في أحشائها وحدة جدلية الأضداد ثانية، كما جاء به (هيراقليطس) واستقبلها من بعده (هيجل) في التفسير المثالي للجدل ليخطو ماركس ابعد من الاثنين بل ابعد من الجميع من فلاسفة عصره ومن سبقه في مقولته : اكتفى الفلاسفة بتعريف وتحليل العالم بينما كان المطلوب تبديله وتغيره. فعمد ماركس إلى توظيف (الجدل) الذي يحكم المادة وقوانين الطبيعة وأقام بناءه على التفسير المادي للحياة والطبيعة والتاريخ .

الثنائية التي نعيشها اليوم تقوم كما في السابق على انفصام الجانب المثالي من حياة الإنسان بالمفهوم الفلسفي الأخلاقي وليس بمفهومه المعرفي الوجودي للإنسان وفك ارتباط لحمته بالجانب المادي لما يجب ان يكون عليه مستقبل الحياة اقصد بهذا مجتمعنا العربي تحديدا فيضيع أكثر من عمر نصف الإنسان في الجانب الغيبي من التفكير وممارسة الحياة المهدور عبثا ... استطاعت الإرادات لدى غيرنا من الأمم وشعوب الأرض ان تصنع (معظم) تاريخها وأقصت عن طريقها (الصدفة) ان تقوم كما فعلت على امتداد عصور طويلة جدا في سابق عصور البشرية من ترسيم وصنع معظم التاريخ البشري وحياة الانسان. وبرهنوا ان الإرادات القاصرة لاتصنع الحياة بما يليق بالإنسان وحين تنعدم الوسائل تموت الغايات.

 

علي محمد اليوسف

....................

الهوامش:

(1). دكتور عبد الفضيل الادراوي / عالم الفكر مج 41 ع 2 ص 344.

(2) الثقافة والمساواة – منشورات الكويت –بريان باري- ترجمة كمال المصري ص 74-75 .

(3) د.نبيل علي _ العقل العربي ومجتمع المعرفة_ سلسلة عالم المعرفة ج1، ع369، ص221 .

(4) نفس المصدر السابق ص222 .

(5) دكتور فضيل ادراوي / معيار التلقي / عالم الفكر مج41 ع2، 2012 ص 331.

(6) نفس المصدر السابق ص225 .

(7) مجلة الثقافة الاجنبية العراقية، الابداع وعملية التشويه عند بيكاسو،ع1،2010 ترجمة عن الفرنسية د.جبار حنون .

(*) لم يترجم الكتاب إلى اللغة العربية.

(**) يراجع تفاصيل ذلك في الفصل السادس من كتاب المؤلف (سيسيولوجيا الاغتراب) بعنوان الاغتراب في الوجودية الحديثة.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3952 المصادف: 2017-07-01 04:51:11