 أقلام فكرية

لوك فيري.. نحو مبدأ جديد للأخلاق والمعنى (1)

(كان القرن العشرون قد بدأ بإعلان "موت الفلسفة" وقد انتهى بالتحقق من "عودتها". مع التراجع، كان تشخيص الوفاة مبكرا؛ ذلك أنّه ما دام الانسان سيتساءل عن قدره ووجهته فإن الفلسفة ستجد مكانها في الفكر الإنساني ... الفلسفة أبدية وخالدة، لكن الفلسفات بنات عصرهن. فقد انطرحت دائما المسائل المتعلقة بالمعرفة والحقيقة والعمل والأخلاق والسياسة وفن العيش الخ، لكنها تتخذ في عصرنا وجها محدّدا بدقة) (1)

هدف هذه المقالة هو إثارة النقاش حول موضوع الأخلاق في العصر الجديد، الذي يمثّل أحد الموضوعات الكبرى التي تشغل بال الفلاسفة المعاصرين، من خلال عرض الرؤية الفلسفية للفيلسوف الفرنسي المعاصر " لوك فيري "، التي يقدم لنا فيها " الحب " على أنّه المبدأ الجديد للأخلاق والمعنى، والتي هي واحدة من النظرات والرؤى المتعددة في هذا المجال: (" مبدأ المسؤولية " لهانس جوناس، " اخلاق التواصل " لكارل أوتو آبل وجورجن هابرماس، " أخلاق الكمون " لروبير مسراحي ومارسيل كونش وأندريه كومت سبونفيل، " دوائر العدالة " لمايكل والرز، ...، الخ).

في كل فلسفة حق، أو كما يقول " جان فال ": " ليس ثمة رأي لا يوجد فيه شيء من الثراء ". (2) وهكذا هو حال الرؤية الأخلاقية لـ " فيري ": فعلى الرغم من أنّها تنتمي إلى ما يُطلق عليه حاليا " مذاهب أخلاق المحايثة " الحريصة على البقاء في ميدان عالمنا ذاته، والرافضة لكل ما يتعالى عليه، وهو أمر لا يستقيم مع ما نعتقد به كمسلمين، لا تخلو هذه الرؤية – فيما نرى – من العديد من الأفكار المفيدة كما هو الحال في تأكيدها على " الحاجة الفطرية للتعالي " والتدليل عليها، وكذلك في تأكيدها على " أهمية الدين ودوره في بناء الأخلاق " وأيضا في افكارها التي تكشف عن " تنااقضات التفكيك " وترفض " التنازل لصالح العدمية ".

فيما يأتي من النقاط عرض مختصر لفلسفة الأخلاق والمعنى عند " فيري ":

1 – تأتي محاولة " فيري " مع العديد من المحاولات الأخرى في سياق ما يشار إليه على أنّه عودة للفلسفة الأخلاقية، بعد أن كان هجرها قسم كبير من المفكرين في فترة ما بين الحربين العالميتين. (3) إذ (تود نهاية هذا القرن، ليس دون تباه أحيانا، أن تتعين تحت الرعاية الملاطفة لـ " عودة الأخلاقية "، وكما بتناقض غريب مع الجو السائد فإن خطاب القيم يُعلن عن نفسه في كل مكان: في انبعاث المنظمات الإحسانية، في المعارك ضد العنصرية والإقصاء، في متطلبات أدبيات أكثر صرامة بالنسبة لوسائل الاعلام والاتصال، في تخليق الحياة الاقتصادية والسياسية، في الانشغال بالبيئة، في صعود سلطة القضاة، في الأخلاقية البيولوجية، في الصراع من أجل حماية الأقليات ضد التحرش الجنسي ... إنّ اللائحة لا تنتهي عن هذه الأوامر المطلقة الجديدة التي قد يمكنها فيما يبدو أن تجعل فكرة انشغال جديد ومعمم من أجل الخير مقبولة). (4) كل شيء اليوم يبدو أنّه يُعلن العودة للفلسفة الأخلاقية النظرية، كل شيء يجري كما لو أنّ السنوات الراهنة كانت سني تجدّد أخلاقي [ أو كما يعبّر " فيري ": كل شيء يتم كما لوكان الشعور بالمقدس رغم " موت الله " لا يزال قائما. (5) ]، أجل إنّ الأخلاق النظرية تحتل " المنزلة الأولى " على مستوى الفكر العالمي، وإنّ الطلب الأخلاقي يبدو أنه ينمو نموا لا محدودا. (6)

2 – لم ينتج انبعاث الفلسفة الأخلاقية من عودة النظام الأخلاقي بل نتج عن ظواهر اجتماعية أخرى كثيرة، مثل: إفلاس المعنى، غروب شمس الأيديولوجيات والمثاليات، الوعي بالمشاكل التي ولّدّها تزايد السيطرة على الطبيعة، ظهور تقانات جديدة محدِثة زيادة قاسية في قدرات الانسان، فقدان الثقة في أفق العلم، زوال حظوة السياسي وازدهار الفردانية، التقلبات التي شهدتها العائلة، حق التدخل في البلدان التي تعيش حروبا أهلية، الانجاب الصناعي، التعديلات الجينية، الدفاع عن البيئة و... الخ

يقول " فيري " في بيان العوامل التي أدت إلى انبعاث فلسفة الأخلاق ما نصه: (إنّ الفلسفة تولّد اهتماما متزايدا، وربما الأمل في العثور على علامات ومعنى لوجودنا، وذلك في عالم متأزم حيث يبدو أن منطق المنافسة الخاص بالعولمة ينتشر على نحو أعمى، دون أن يستطيع أحد تغيير مساره، لا رؤساء أقوى الدول ولا أرباب الشركات المتعددة الجنسيات. فالرغبة في الافلات من هذا الاحساس بضياع مصيرنا من أيدينا تتعاظم بقدر ما أنّ المثل التقليدية والسير الكبرى – الروحية والوطنية أو الثورية – التي كانت تستلهم لتوجيه حياتنا افتقدت على نحو واسع قوتها في الاقناع حيال واقع لم يعد لها تقريبا أي نفوذ عليه. ومنذ اللحظة التي لم نعد فيها نؤمن بتلك المثل والسير إيمانا كافيا، فإنه لم يبق لنا من اختيار سوى البحث عن سبيل للنجاة، اللهم إلا إذا انسقنا راضين بنوع من الغيظ المتسم بالحنين. ترى ما الذي يجعل الحياة في أعيننا تستحق أن تعاش رغما عن الموت، ويبرّر أن نصرف فيها أهم جهودنا؟ لا عجب البتة إنّ كان هذا السياق يساعد على بروز قدر جديد من من الاهتمام بالفكر الفلسفي ... الذي ثبُت أننا ما نزال بحاجة إليه لإضفاء معنى على حياتنا؛ فالعلم – رغم خصوبته – لا يخبرنا أي ضرب من الحقيقة نستطيع بلوغه، ولا يكفي لإضفاء مشروعية على قيمنا الأخلاقية، بل لا يروي تعطشنا إلى الظفر بإجابة عن تساؤلاتنا عما ينبغي أن تكون عليه حياتنا، حياة طيبة لنا نحن البشر الفانون، حياة كفيلة بإنقاذ وجودنا من السخف الذي به يتهددنا قصر وجودنا وجوازه (فضلا عن انّه هو نفسه أصبح موضع تهديد؛ فالعلم لأول مرة في تاريخه، يقدّم للجنس البشري وسائل دماره بالذات، وهذا يصدق بالطبع ليس على الأخطار الحاصلة داخل المجتمعات الحديثة جراء الاستعمال الصناعي للتكنولوجيات الجديدة، ولكن على الأخطار الناجمة عن استعمالها من قبل الإرهابيين). والإجابة عن هذا التحدي بالوسائل الانسانية الصرف التي يوفرها التفكير العقلي إنما هي تحديدأ موضوع الفلسفة الأقصى). (7)

ومما تجدر الإشارة إليه أنّه على الرغم من أنّ العديد من الظواهر الاجتماعية التي أدت إلى إنبعاث فلسفة الأخلاق في الغرب، هي ظواهر عالمية لا تنحصر تأثيراتها على المجتمعات الغربية فقط، بل تمتد إلى المجتمعات الأخرى، نرى أنّ " فلسفة الأخلاق " غير مطروحة بالشكل المطلوب في أجواء المثقفين في المجتمعات الإسلامية.

يُرجع البعض سبب ذلك إلى أنّ أفراد المجتمعات الإسلامية، سواء على مستوى عامة الناس أو على مستوى النخبة من أهل الفكر والثقافة، يعيشون أمرا موهوما وهو أنّنا نملك قيما أخلاقية عالمية، وبالتالي لا حاجة بنا إلى البحث في العلوم الأخلاقية، نحن نشعر دائما أنّنا بحاجة إلى طرح مسائل اقتصادية، ونشعر أنّنا بحاجة إلى طرح بحوث سياسية؛ لأننا نتصور أنّنا متخلفون واقعا في الجانب الاقتصادي والسياسي، ولكننا لا نشعر أبدا أنّنا متخلفون أيضا في الجانب الأخلاقي. وبما أنّنا لا نشعر بهذا الشعور فالمسائل الاقتصادية والسياسية ستتصدر سلّم الأولوية في دراساتنا. وأما المسائل الأخلاقية فتأتي بالدرجة الثانية على مستوى الأولويات، في حين أنّ الإنحطاط الأخلاقي والتخلف المعنوي ليسا بأقل من التخلف السياسي أو الاقتصادي في مجتمعاتنا. (8)

لا أعلم حقا لِم يربط الكلام السابق بين تراجع البحث في الفلسفة الأخلاقية – والذي هو على الدوام بحث نخبوي – وبين ما يعتقده عامة الناس؟ فمن الناحية المعرفية لا يرتبط البحث الفلسفي لا من بعيد ولا من قريب بمعتقدات عامة الناس، فلهذا البحث أصول ومصادر ليس منها، بالتأكيد، هذه المعتقدات، اللهم إلا ما كان منها على مستوى البداهة. نعم، من نواحي أخرى غير معرفية، إذا كان ذلك هو المقصود، ربما يكون لما يعتقده الناس تأثير على البحث الفلسفي. هذا من جهة، ومن جهة أخرى: حتى لو كانت جميع النخب الفكرية تؤمن بأنّنا نمتلك قيما كونية، فإنّ ذلك لا يبرّر غياب فلسفة الأخلاق عن أجواء هذه النخب. نعم قد يبرّر ذلك غيابها عن أجواء النخب التي لا تؤمن بالفلسفة. ولكن ماذا عن النخب الفلسفية، التي تؤمن بأهمية الفلسفة ودورها الإيجابي، والتي من طبيعتها أنّها لا تؤمن بشيء من خارج الفلسفة من دون أن تدعّم إيمانها بذلك الشيء من خلال الفلسفة؟ لماذا لا تظهر فلسفة الأخلاق، بالشكل المناسب، في أجواء هذه النخب؟

ما نراه: هناك العديد من الأسباب، لا يسعنا المجال لبحثها هنا، تقف وراء جمود التفكير الفلسفي بشكل عام في مجتمعاتنا الإسلامية: إنّ جميع البحوث الفلسفية ليست متداولة في محافلنا الفكرية بشكل عميق، وهذا الأمر لا يختص بـ " فلسفة الأخلاق "، فكما لا توجد دراسات وبحوث عميقة ترتبط بـ " فلسفة الأخلاق " فكذلك لا توجد مثل هذه الدراسات العميقة في مجال " فلسفة الذهن "، " المعرفة "، " فلسفة علم المعرفة "، " فلسفة العلم "، " فلسفة الفن "، " فلسفة المنطق "، فهذه البحوث والدراسات تكاد تنعدم في مجمل أوساطنا العلمية. (9)

3 – تشير " جاكلين روس " في مدخل كتابها " الفكر الأخلاقي المعاصر إلى " مفارقة أولية "، تتمثل في أنّ الأخلاق النظرية المعاصرة ضرورية وإشكالية: (إنّه مطلب أحجية: فعندما يكبر طلب الأخلاق النظرية، وعندما تتكاثر النظرات الأخلاقية والأوامر العتيدة من كل جانب، وفي كل مجال، لا يستطيع المراقب الفطن، إلا أن يشير، مع ذلك، إلى المفارقة التي تلازم مجتمعاتنا، مجتمعات " ما بعد الحداثة " (تلك التي تفرغ المسارد الشمولية الكبرى). إنّ الأخلاق النظرية، وهي محل طلب في كل مكان، تغرس بمشقة معاييرها وقيمها في أرض هي أساسها ومسوغها. بل إنّها تبدو أحيانا مما يتعذر العثور عليه. فمن " كارل – أوتو آبل " إلى " بول ريكور "، ثمة مفارقة يُعنى بها عدد جم من المفكرين: إنّ زماننا الشغوف بصنع النظريات الأخلاقية يحيا، مع ذلك، في ظل أخلاق نظرية إشكالية في الغالب ... والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: إذا كنا من جهة أولى بحاجة إلى أخلاق نظرية، ومن جهة أخرى، تبدو مهمة تحديد أساس لأخلاق نظرية لما بعد الحداثة، تبدو أحيانا أنّها مهمة يائسة، وأنّ المعايير الأصلية ترتسم في الأفق بعسر. فكيف، من ناحية أخرى، يمكن أن يكون الأمر على غير هذا المنوال؟ إنّ مهمة التأسيس تبدو بطبعها ذاته أقسى غرض لعصرنا. فإذا كان التأسيس يعني أن نجلب للأشياء المعطاة هنا – الآن مبدأ معقولية، ومسوغا، تحديدا، بصورة صحيحة أو كلية، للحقل النظري أو العملي، فكيف ننهض بمثل هذا المشروع ، وكيف نرقى لنبلغ فكر التأسيس الأخلاقي النظري؟ ) (10)

لقد أِشار " فيري " إلى " الثغرة الفاغرة بين الطلب الأخلاقي النظري والعمل التأسيسي "، وحاول علاجها، وتقليص المسافة بين الحاجة والبناء المبتغى من خلال " تفكيك التفكيك " وفضح مساوئه؛ لأنّه يعتقد إنّ التفكيك هو المسؤول الأول عن هذا الوضع. ولذلك ولكي تسير الأمور على غير هذا المنوال، كان لا بد من تجاوز التفكيك، أو بمعنى أدق كان لا بد من تجاوز مساوئ التفكيك، دون التضحية بمكتسباته. سيتبين لنا مما سيأتي لاحقا: كيف أن " فيري " وإن كان لا يُنكر أنّ تفكيك معبودات علم ما وراء الطبيعة كشف من الأشياء ما لا يمكننا عدم أخذها في الحسبان. بحيث لا يبدو لنا، ولا من الممكن ولا من المرغوب فيه، أن نعود إلى الوراء: " لا يمكننا التفكير في ما بعد التفكيك كما كنا نفكر قبله ". إلا أنّه مع ذلك يرى أنّ ثمة مخاطرة كبيرة تكمن في متابعة التفكيك وعدم تجاوزه.

السؤال الذي يمكن أن يثار هنا هو الآتي: إذا كان يصدق على " الأخلاق النظرية المعاصرة " في الغرب إنّها ضرورية وإشكالية في نفس الوقت. فهل إذا صدق على " الأخلاق النظرية المعاصرة " في مجتمعاتنا الإسلامية، على ألأقل من وجهة نظر النخب الفلسفية، أنّها ضرورية، سيصدق عليها أيضا أنّها إشكالية؟ هل ستبدو لنخبنا الفلسفية أنّ مهمة تحديد أساس لأخلاق نظرية هي مهمة يائسة؟

ما يمكن قوله هنا: إنّ مهمة تحديد أساس لأخلاق نظرية ستبدو للنخب الفلسفية في مجتمعاتنا الإسلامية أكثر يسرا مما هي عليه لدى النخب الفلسفية في الغرب. ذلك أنّ معظم النخب الفلسفية في المجتمعات الإسلامية لا تعيش أزمات نفسية وعقد فكرية في مسألة " المقدس "، فما دام يمكنها من الناحية المعرفية إدراج " المقدس " أو أيّ مفهوم له علاقة به " في أطروحاتها الفكرية، طالما كان ذلك من طريق الاستدلال العقلي الحر، فإنّها لن تتحاشى التصريح بذلك والانتصار له، وبهذا فإنّها لن تعاني أزمة في الأخلاق النظرية أو قل أنّها لن تعيش في " الفراغ الأخلاقي النظري "؛ إنّها لا تحصر نفسها في مساحة ضيقة. أما النخب الفلسفية في الغرب فإنّها وإن كانت تعلم أنّها يمكنها من الناحية المعرفية إدراج " المقدس " وكل ما له علاقة به في إطروحاتها إلا أنّ قليلا من تلك النخب سيجازف بإعلان ذلك والدفاع عنه، ذلك أنّها تعلم أنّ ذلك سيكون مدعاة للسخرية. هذه هي الأجواء التي تحيط بالنخب الفلسفية في الغرب، إنّها أجواء " التفكيك ": فـ (منذ نيتشة وحتى الفلاسفة الفرنسيين في الستينات من القرن العشرين، كانت الفلسفة معظمها تفكيكا للفلسفة المثالية الألمانية وللفلسفة الذاتية كما وضعها " ديكارت " وطوّرها فيما بعد " لا يبنيز " و" هيجل " وربما " ماركس ". إنّها إعادة نظر في الطابع الديني للأنساق الكبرى، لكل ما يسمى " الأوهام الميتافيزيقية "). (11) لقد بات (الفكر الغربي يغرق في العدمية، التي تعني، بوجه الدقة، إنّ كل المرجعيات أو معايير الإلزام تتبدد، وإنّ القيم العليا تخسر قيمتها. العدمية تدل على الظاهرة الروحية المرتبطة بموت الإله والمثل فوق الحسية. ومن هذه العدمية يتولد " الفراغ الأخلاقي النظري " ... إنّ الأخلاق النظرية في الغرب تجد ذاتها اليوم مزعزعة من حيث منطلق ممارستها ذاته. فالأمر الأساسي (الأسس) يعوزها اليوم. (12)

4 – رغم نقده للتفكيك، يقدّم لنا " فيري " فلسفته على أنّها تمتثل للمعايير التي تواضع الفكر الغربي الحديث على مراعاتها: على الفلسفة أن تصل إلى غاياتها من خلال استقلالية العقل وحدة الوعي، بالوسائل المتاحة وحدها – إن صح القول – وبفضل القدرات وحدها التي يمتلكها الكائن البشري بنفسه. (13) إنّ الحضارة الأوربية - بحسب " فيري " –: هي بؤرة تنصهر فيها ثقافة هائلة، قائمة على الاستقلالية، ستطبع العلوم والفنون والفلسفة، وكذلك السياسة والعادات: إنّها ستتحرر تدريجيا من كل الصيغ التقليدية والدغمائية التي يتخذها التعالي. وبهذا تتوفر الحضارة الغربية على ما هو فريد وريادي ورائع. (14)

وفي وصف جوابه الفلسفي عن سؤال الأخلاق والمعنى، يقول " فيري ": يفتح لنا الحب على كل حال تجربة ما نسميه مع " هوسرل ": " التعالي في محايثة الحياة ": أي أنّه يعطي بعدا مقدسا للمعيش ذاته، دون التردي مع ذلك في الأوهام الميتافيزيقية التقليدية التي فضحتها فلسفات التفكيك. (15) فهو جواب قادر في آن واحد على الاحتفاظ بمكتسبات التفكيك وتجاوز تناقضاته (16) بمعنى آخر: يبيّن " فيري ": إنّ جوابه الفلسفي وإن كان قد تجاوز " التفكيك " الذي يقف بالضد من كل أنواع التعالي والتقديس إلا أنّ ذلك لم يكن على حساب الامتثال لمعايير الفكر الغربي الحديث الملتزم بالاستدلال العقلي والمتحرّر من كل الصيغ الدغمائية التي يتخذها التعالي.

5 – تنتمي الرؤية الأخلاقية لـ " فيري "، والتي ترتكز في الأساس على مفهوم " التعالي في المحايثة " إلى ما يطلق عليه اليوم: " مذاهب أخلاق المحايثة "، التي تدل على طائفة من النظريات القيمية المعقلنة، على مذاهب ما وراء الأخلاق، الحريصة على البقاء في ميدان عالمنا ذاته. وعندئذ تجد القيم أنّها مؤكدة، لا بالانطلاق من مرجعية مثل أعلى كلي، وليس من بعض " ما وراء العالم "، بل في قلب ما هو معطى لنا هنا الآن. (17)

إنّ " التعالي في المحايثة " – بحسب فيري – لون من التعالي يختلف عن التعالي الذي كان القدماء يسخرونه لوصف " الكوسموس " أي الكون، (إذ أنّ الالهي عند اليونانيين، باختلافه عن إله المسيحيين، ليس كائنا من خارج العالم، بل هو إذا جاز القول تنظيمه بالذات بما أنه كامل. إنّ كلمة " سام " تُفهم هنا بالنسبة للانسانية. إنّها تدل على واقع يتجاوز البشر دون أن يكون في مكان خارج العالم. إنّ السمو ليس في السماء بل فوق الأرض). وهو يختلف أيضا عن مفهوم التعالي الذي ينطبق على إله الديانات التوحيدية الكبيرة (إذ إنّه يشير ببساطة إلى واقع أنّ " الكائن الأسمى " قائم، بعكس الإلهي عند اليونانيين، أبعد من العالم المخلوق من قِبَله، أي أنّه في ذات الوقت خارجي ومتفوق بالنسبة للخليقة جمعاء. الأمر هنا يتعلق بسمو لا يحدد مكانه بالنسبة للانسانية فقط، مثلما هو الحال عند اليونانيين، بل أيضا بالنسبة للعالم نفسه باعتباره مخلوقا يخضع وجوده لكائن خارجي بالنسبة له). إنّ " التعالي في المحايثة " ليس معبودا جديدا أو اختراعا من علماء ما وراء الطبيعة أو من المؤمنين، وهو ليس خرافة " أبعد من " ما قد يستخدم للحط من من قدر الواقع باسم المثال، بل إنّه فعل وإثبات فعل وبعد لا شك فيه من الوجود الانساني المدون في قلب الواقع نفسه. إنّه تعال يظهر في داخلي في فكري وفي احساسي، وبرغم تموضعه في ذاتي (محايثة أو ملازمة) كل شيء يحدث وكأنه يفرض نفسه على ذاتيتي أو كأنّه قادم من مكان آخر. من أجل هذا، لا يمكن لهذا التعالي أن يسقط تحت ضربات الانتقادات الكلاسيكية الصادرة ضد المعبودات من قبل الماديين أو من مختلف دعاة التفكيك، إنّه بهذا المعنى ليس ما ورائيا، بل " ما بعد نيتشويا ". وببساطة أكبر – كما يعبّر " فيري " -: نحن لا نخترع لا حقائق رياضية، ولا جمال مؤلف ما ولا ضرورات أخلاقية، وكما يقال، " إنّنا نقع في الحب " أكثر من أن نقرّر ذلك بخيار متعمد. إنّ سمو القيم في هذا المعنى، واقعي جدا، لكنه معطى في هذه المرة في تجربة محسوسة جدا وليس في خرافة ما ورائية أو على شكل معبود كـ " الله " أو " الجنة " أو " الجمهورية " أو " الاشتراكية "، الخ. إنّ بإمكاننا أن نجعل منه " ظواهرية "، أي وصفا بسيطا ينطلق من الشعور الملّح بضرورة ما، ومن وعي استحالة التفكير أو الإحساس بشكل مغاير: إنّ " 2 + 2 = 4 "، وهذا ليس مسألة ذوق أو اختيار ذاتي، إنّه مفروض عليّ وكأنّه آت من الخارج، بيد أنّ هذا السمو حاضر في داخلي حتى يكاد أن يكون ملموسا. إنّ القيم الأخلاقية من وجهة النظر هذه، وببساطة، ليست مفروضة علينا باسم حجج سلطوية ولا مستنتجة من خرافة ما ورائية أو دينية ما. طبعا، إنّنا نكتشف ولا نخترع حقيقة اختراع رياضي كما أنّنا لا نخترع جمال المحيط أو شرعية حقوق الإنسان. ورغم ذلك، فإنّ هذا ينكشف في داخلنا وليس في أيّ مكان آخر. إذ لم تعد هناك سماءُ أفكار ما ورائية ولم يعد هناك إله، أو على الأقل، لم نعد ملزمين بالإيمان به لكي نقبل فكرة وجودنا أمام قيم تتجاوزنا رغم أنّها غير مرئية في أيّ مكان غير أعماق وعيي الذاتي. (18)

6 – الحاجة إلى (المتعالي) هي الحاجة التي جبل عليها الشعور الانساني الأكثر عمقا. (19) ولهذا – والتعبير لأريك فروم –: تجد أنّ الانسان الذي يحاول أن يعيش دون اعتقاد (لايربط فروم الاعتقاد بدين معين ولا بفكرة إله محدد بقدر ما يعتبره خاصية إنسانية جد مهمة، يمكن أن تتمظهر في أشكال أخرى) يصبح عقيما، دون أمل وخائفا في عمق وجوده. (20) يؤكد " فيري " هذا المعنى باستمرار، وهو يشير إلى أن هذه الحاجة المتجذرة في الانسان هي التي تدفعه باستمرار إلى أن يسدها بأشكال مختلفة، وإذا كنا في الوقت الحاضر نرى أنّ تلك الأشكال مبتذلة، فهذا لا يلغي أنّ الحاجة إلى التعالي ما زالت قائمة. يتساءل " فيري ": (هل يمكن لأخلاقياتنا الخالية من كل تعال أن تعوض هذا الاختفاء للالهي؟ وهل ينبغي لها أن تفعل ذلك؟ وهل يمكن لحجب الحكمة القديمة أن يكون أساسيا إلى درجة أنّ المسألة الجوهرية المتعلقة بمعنى الحياة قد صارت ببساطة لاغية وغير ذات موضوع؟ وهل لا خيار لنا حقيقة إلا بين أديان مكونة والعلاجات النفسية؟ أو الشجاعة بالنسبة لمن يرفض هذه وتلك؟ فالأولى تقدم خدماتها عن طيب خاطر، وتعود، كما على طريقة التهريب، بمناسبة أدنى حداد. أما الثانية، فهي تبيع لنا مساعيها الحميدة وتعلمنا كيف نتقنه في ستة مراحل وبمساعدة العقاقير المحركة. فهل لا فائدة في أمل التركيز على نمط آخر تحت طلب المعنى الذي يفرض نفسه علينا في هذه اللحظات المقدسة؟ إنّه قد يكون من الأفضل، على الأقل، التأكد من ذلك بأنفسنا بدل الهرب من التساؤلات التي تلاحقنا، سيما وأنّ حياتنا العاطفية قد سارت منذ ما يقرب من القرنين من الزمان في اتجاه طائش). (21)

يبين لنا " فيري ": إنّ الحاجة إلى التعالي هي التي تفسر لنا كيف أن عشرات، بل مئات الملايين من الناس قد اعتنقوا الماركسية بكل قواهم، فلقد كانت الماركسية حتى في صيغها الأكثر دنيوية تتضمن فكرة " ما وراء " للحياة الحاضرة، بل أكثر من ذلك، كانت تتصور هذا الماوراء بكيفية لاهوتية ... لقد كانت تمنح دلالة شاملة لمشروع نضالي يقوم على التضحية بالذات باسم قضية، إذا كان من المفروض أنّها مادية، فإنّها مع ذلك متعالية. ورغم إلحاد مبدئي فلقد عرفت الماركسية كيف تمفصل هذا التعالي المطلق للمثل الأعلى على المحايثة الجذرية للدنيوي، فالمناضل كان يعمل من أجل المستقبل، من أجل الأجيال المقبلة، من أجل مجئ المجتمع الكامل، الجنة الأرضية، ولكن هذا التطلع إلى الماوراء كان يتجسد في سلسلة الممارسات الملموسة التي كانت تزعم منح دلالة معينة لأدنى تفاصيل الحياة الأرضية. (22)

7 – هل ثمة حدود واضحة المعالم يمكن ترسيمها بين فلسفتي الأخلاق والمعنى؟

يشدّد " فيري " على أنّ وظيفة الحياة الأخلاقية تنحصر في توفير قواعد تجعل العلاقات الانسانية ممكنة، مدنية ومسالمة. ولا علاقة لها بما يثوي حقا في في صميم المعنى الذي نضفيه على حياتنا، والذي يندرج تحت دائرة القيم الروحية. ومن هنا هو يوصي بضرورة عدم الخلط بين ما ينتمي إلى دائرة القيم الروحية، وما ينتمي إلى دائرة القيم الاخلاقية. يحاجج " فيري " كالآتي: لنفترض أننا نعيش حياة أخلاقية: لا حروب، ولا جرائم قتل، ولا أشكال من الإبادة الجماعية، ولا خوف من وقائع الاغتصاب والسرقة، فيُستغنى عن الجيوش وعن فرق الأمن والسجون ، ومن المحتمل أن يُقضى على اللا مساواة الاجتماعية، أو على الأقل على أكثرها فظاعة . هنا بالذات ستدركون في الحين الفارق بين القيم الاخلاقية والقيم الروحية. فحتى مع تحول هذا الافتراض الاسطوري إلى واقع، فإنّه سوف يصيبكم الهرم، وتفنون لا محالة، ولن يحول ذلك أيضا بينكم وبين معاناة محنة الحداد المرعبة أثر وفاة أحد الأحباء أو فراق شخص عزيز عليكم. فلو شهدت البشرية تحولا خارقا للعادة نتيجة هذا " السحر الأخلاقي " لما منع ذلك في شيء وفاة من نحبهم، ولما دفع عنا الموت، ولا قصص الحب ذات النهاية البائسة، ولما حال ببساطة بيننا وبين القلق الناجم عن حياة يومية في غاية الرتابة. وتلك موضوعات مفعمة مع ذلك بقدر هائل من الانفعالات والقيم. إنّ هذه القيم بعينها – يقول " فيري " –: هي التي أنعتها بـ " الروحية " أو " الوجودية " لأنّها تمس مباشرة مسألة الحياة الطيبة بالنسبة للبشر الفانين. ومن هنا يتبين أنّ الحب ينتمي إلى دائرة " القيم الروحية". (23)

ما يعدّه " فيري " تمييزا بين دائرتي القيم الأخلاقية والقيم الروحية. يراه آخرون تمييزا بين دائرتين من القيم الأخلاقية، فليس ثمة شيء مما ينتمي إلى دائرة القيم الروحية بخارج عن القيم الأخلاقية. وغاية ما في الأمر: إنّ للحياة الأخلاقية ثلاث وظائف وبإمكانها أن تتوافر على ثلاثة أنواع من النتائج والمعطيات: أولها: توفير الغايات الاجتماعية، ومنها (النظم، الأمن، الرفاه، العدالة، الحرية). وثانيها: توفير الغايات النفسانية، ومنها (السكينة، البهجة، رضا الباطن، إيجاد معنى للحياة). وثالثها: إيجاد تحول روحي لدى الانسان. وهؤلاء يشككون في إمكانية أن تتحقق الغايات الاجتماعية لمن يعيش الحياة الأخلاقية، بدون أن يكون لذلك أي أثر في توافره على الغايات النفسانية، وبالتالي إيجاد تحول روحاني لديه. (24)

ويبدو لنا عند التأمل في ما كتب في فلسفتي الأخلاق والمعنى، ومنها ما كتبه " فيري " نفسه، أنّ هاتين الفلسفتين متداخلتان إلى حد، يكون معه، من المتعذر حقا ترسيم حدود واضحة المعالم بينهما.

8 – ما الغاية من الفلسفة؟ وما هو موضع " الأخلاق " و" المعنى " من تلك الغاية؟

لم يكن " فيري " مقتنعا بالرؤية التي تذهب إلى أنّ نظرة في آفاق تاريخ الفكر الفلسفي تسمح بالتعرّف على ثلاث " وضعيات أو مواقف " تعايشت دائما على مرّ الزمن (تنظر الأولى إلى الفلسفة على أنّها " تفكير نقدي "، وتعزو لها الثانية " طموح إيجاد الحقيقة النهائية "، أما الثالثة " فترى أنّ هدف الفلسفة هو تعليم كيفية العيش الحسن ")؛ فليس هناك سوى وضعية قصوى للفلسفة على مر التاريخ، رغم الاختلافات الظاهرية بين الفلسفات المختلفة. ترى ما الحياة الطيبة بالنسبة إلى بني الانسان المعرضين للفناء؟ تلك هي المسألة القصوى في كل الفلسفات الكبرى؛ إذ ولا واحدة منها غضّت الطرف عن هذه المسألة، وهي جميعا قدمت أجوبة كبرى وقوية. (25)

يبيّن " فيري " بهذا الصدد: (لتبديد سوء فهم محتمل، نقول: تنقسم الفلسفة بكل بداهة إلى مجالات متعددة: المعرفة (ما الحقيقة؟)، الأخلاق والسياسية (ما العدل؟)، مسألة معايير الجمال، مسألة الخلاص (ما الحياة الطيبة؟). وهناك العديد من الموضوعات الأخرى. ومن الواضح أنّ بعض الفلاسفة لم يعالجوا في حياتهم إلا موضوعا واحدا من هذه الموضوعات، فميكافيلي قصر اهتمامه على السياسة، ولم يعترض أحد على انتمائه لتاريخ الفلسفة. الفكرة الأساسية هنا: إنّ مسألة الحياة الطيبة بالنسبة إلى البشر الفانين، هي المسألة القصوى في الفلسفة، تلك التي تحكم في السر بدرجات متفاوتة سائر المسائل: فإذا كان سبينوزا والرواقيون – مثلا – يصوغون نظريات في الفلسفة " تقول بمذهب الحتمية "، فذلك للوصول في النهاية إلى تعريف للحكمة بما هي توافق مع العالم وحب للواقع. إنّ هذا التساؤل حول الحكمة نجده في كل الرؤى الفلسفية الكبرى التي تتسم بالكلية والشمول، ذلك بلا استثناء على الاطلاق وحتى لدى الفلاسفة الأكثر معارضة للفكر القائل بمثل أعلى، بل حتى لدى كبار التفكيكيين أمثال " نيتشة أوهيدغر "، كذلك نرى هذا جيدا لدى اسبينوزا؛ إذ يعدنا بأنّه إذا اتبعناه في السبيل الذي يفتحه كتابه الكبير " الإتيقا " فسنصل إلى " خلود من البهجة ". غاية الفلسفة إذن ليست نظرية فحسب، أي ليس الوصول إلى الحقيقة فحسب، بل هي أيضا أن نحيا جيدا (وبديهي أنّ الوسيلة للحياة الجيدة لا بد من الانطلاق من الحقيقة). وعلى هذا النحو تثبت الفلسفة ذاتها في ما أسميه " الروحانية اللائكية ". إنّه لأمر بسيط وعميق للغاية في آن واحد أنّنا في حاجة لإضفاء معنى على حياتنا – وحتى اسبينوزا وشوبنهاور يقولان هذا صراحة – فيكون معنى صالحا بعيدا عن المتغيرات الطارئة التي تفرض نفسها علينا، معنى لا يقوضه الموت كليا. والفلسفة إنما تأخذ على عاتقها تحديد الشروط والوسائل الكفيلة بإيجاد هذا المعنى بواسطة الموارد البشرية وحدها، وبالتالي بواسطة مواردنا نحن تماما، تلك المتمثلة بالعقل وحدة الذهن دون المرور بالآله والايمان. وبذلك ستبدو الفلسفة على المدى الطويل لتاريخ الفكر الأوربي هي المنافسة الكبرى للأديان). (26)

على أن نشير هنا إلى أنّ " فيري " ينبه إلى أنّه: حتى لو كان البحث عن الخلاص بدون الله في صلب أية فلسفة كبيرة، إذا اقترضنا أنّ هذا هو هدفها الأساسي والأخير، فإنّ من المفروغ منه أنّ هذا لا يمكن أن يحصل دون المرور بتفكير معمق حول فهم ما هو موجود – وهذا ما يسمى عادة بـ " النظرية " – وكذلك ما يجب أن يكون أو ما يجب فعله – والذي يشار إليه عادة تحت اسم الأخلاق أو " المبادئ الأخلاقية "، وبعبارات أخرى – يوضح فيري -: إنّ معادلة " الموت + الوعي بأنّنا فانون " تشكل مزيجا يحمل في طياته بذرة كل التساؤلات الفلسفية. فالفيلسوف هو ذاك الذي يعتقد أنّنا لسنا هنا لنتسلى كسيّاح ، أو بالأحرى، هو الذي حتى إذا وصلت به الأمور إلى الاعتقاد، على عكس ما قلته سابقا، بأنّ وقت التسلية وحده جدير بأن يُعاش، فذلك هو نتيجة فكر، وتفكير، وليس ردة فعل عفوية. هذا يفرض المرور بثلاث مراحل: مرحلة " النظرية "، مرحلة " الأخلاق "، ثم مرحلة اكتشاف " الخلاص " أو " الحكمة ". بحسب هذا الفهم تقضي المهمة الأولى للفيلسوف ، أي النظرية، أن يكتسب الحد الأدنى من معرفة العالم الذي سنقضي فيه حياتنا، ولكن ليس بدون التساؤل عن " الوسائل " الموجودة في متناولنا لكي نعرف. هاتان المسألتان، مسألة طبيعة العالم، ومسألة أدوات المعرفة المتوفرة لبني البشر، تشكلان، إذن، جوهر القسم النظري من الفلسفة. إنّما ومن المسلّم به أنّه يتوجب علينا هكذا، علاوة على معرفة العالم والتاريخ الذي تتموضع فيه حياتنا، الاهتمام بسائر الآدميين أولئك الذين سيشاركوننا في لعبة الحياة، كيف نعيش مع الآخرين، ما هي قواعد اللعبة التي يجب اعتمادها، كيف نتصرف بطريقة عادلة مع الآخرين؟ هذه مسألة القسم الثاني من الفلسفة، الذي ينتمي لـدائرة " الأخلاق ". لكن لماذا بذل الجهد لمعرفة العالم وتاريخه، لماذا بذل الجهد حتى للعيش بوئام مع الآخرين؟ ما هي غاية أو معنى كل هذه الجهود؟ بالأحرى، هل يجب أن يكون لهذا معنى؟ كل هذه الأسئلة وغيرها من نفس المجال تقودنا إلى دائرة الفلسفة، تلك التي تلامس المسألة النهائية لـ " لخلاص " أو " الحكمة ". (27)

ربما يسأل البعض: إذا كان " فيري " يرى أنّ على الفيلسوف أن يبني فكرا في المحاور الثلاثة (النظرية، الأخلاق، الخلاص)، فهل فعل " فيري " ذلك، أم أنّ جهده الفلسفي استهدف محورا من هذه المحاور دون غيرها؟

" فيلسوف الخلاص " هو اللقب الذي يطلقه البعض على " فيري "؛ لأنّ فيري يعطي لمسألة " الخلاص " المساحة الأكبر من فلسفته، تماشيا مع ما يعتقد به من أنّها تمثّل المسألة القصوى للفلسفة، دون أن يعني ذلك أنّه يُهمل المسائل الفلسفية الأخرى، فأعماله – وكما سيتضح لاحقا – غطت المسائل الفلسفية الأساسية برمتها (النظرية، الأخلاق، الخلاص).

9 – ما طبيعة العلاقة بين الدين والفلسفة؟

بحسب " فيري ": تتصارع الفلسفة مع الدين في تقديم رؤى توضح لنا من خلالها طبيعة العالم، وكيف نعيش مع اللآخرين، وترسم لنا معنى للحياة. فبينما تستعين الأديان، في فعل ذلك، بشكل أساسي بـ " الإيمان " الذي يتطلب التمتع بفضيلة التواضع التي تتعارض في نظرتها مع غطرسة وغرور الفلسفة. تستعين الفلسفة " بقوانا الذاتية وبنعمة العقل وحده ". هنا تكمن بامتياز، على الأقل من وجهة النظر الدينية، الغطرسة الفلسفية، وجرأة لا تطاق يمكن ملاحظتها لدى الفلاسفة على امتداد التاريخ.

يُفضّل " فيري " كفيلسوف الفلسفة على الدين، لسببين - في رأيه – بالغي الأهمية ويشكلان دون ريب أصل الفلسفة: الأول: إنّ ما تعدنا به الأديان أجمل من أن يكون حقيقة. والثاني: صعوبة التوفيق بين الصورة التي يقدّمها الدين عن الله وبين التكرار الذي لا يطاق للمجازر والمآسي التي تنوء الإنسانية بحملها. وينتهي الأمر – كما يوضح فيري - بأن يشك الفيلسوف بأن الأجوبة التي يقدمها الدين في هذا المجال لا تكفي، وبالتالي إلى التفكير بأنّ الإيمان بالله، الذي يأتي بشكل صدمة معاكسة، كمواساة لنا قد يجعلنا نخسر من وضوح الرؤيا أكثر مما يُكسبنا من الطمأنينة. تفضيل التفلسف على الإيمان، يعني في العمق، تفضيل وضوح الرؤيا على الرفاهية، والحرية على الإيمان. في الحقيقة وبمعنى من المعاني يتعلق الأمر بـ " إنقاذ الذات "، ولكن ليس بأيّ ثمن. (28)

لا يرفض " فيري " دور الدين في تكوين المعرفة والأخلاق والمعنى، لا بل إنّه يؤكد إنّه يستقي معظم إلهامه من المسيحية، (29) لكنه يشترط أن يكون ذلك من خلال بوابة الفلسفة. وبلغة " فيري ": يمكن للفلاسفة إدراج فكرة الإله في مذهبهم، بل يمكنهم حتى إيلائها دورا مركزيا. ولكن رغم كل شيء يبقى مسعاهم، وإن في هذه الحالة، مختلفا عن المقاربة الدينية، بمعنى أنّ إسهامهم الفلسفي في حد ذاته لا يقوم على الإيمان ولا على سلطة النصوص المقدسة، وإنما على ممارسة الاستدلال الحرة. (30)

يرى " فيري ": إنّ الأجوبة الدينية شأنها في ذلك شأن الأجوبة القديمة تبقى مشتملة على عناصر مغرية جدا، بل قد تكون من نواح معينة أقدر على الاقناع مما في النظريات الحديثة أكثر. ثم يتساءل: ما السبب الذي يجعل هذه الأجوبة لا تحتفظ بكونها جذابة وحسب، بل أيضا بشكل من الراهنية قد يبدو باستمرار مضيئا على نحو خارق؟ وفي إجابته عن هذا السؤال يعتقد أنّ ذلك يرجع أولا إلى أنّ كل جواب كبير يكشف عن طريقة جديدة في مجابهة عمق الحيرة الوجودية التي تحسها كل الكائنات البشرية في ذواتها. وهو يميل إلى القول بأننا " نسكن " فلسفة ما، طواعية أكثر من فلسفة أخرى بحسب ما تبدو لنا أقدر على التغلب على مخاوفنا ... ومن هنا هو يتفهم وجود عدد كبير من الناس يتبنون إلى الآن جوابا دينيا سواء اعتمد على أحد الأديان التوحيدية الكبرى (اليهودية، المسيحية، الإسلام) أو ارتبط بتقاليد أخرى ذات أصول أبعد . (31)

يعتقد " فيري ": إنّ الدين ما زال ينبوعا حيا للأخلاق. فهو يرى: إنّ مثل الوزنات الوارد عند متى، هو بلا شك مقطع الأناجيل المعبر بأكثر قوة عن الانقلاب في وجهة النظر، الذي أدى بالمسيح إلى سحب المشروعية عن القيم الأرستقراطية لاستبدالها بقيم المساواة والحرية. ويمكن أن يصلح كخيط مثالي ناظم لفهم ما تقدمه لنا إلى الآن الثورة اليهودية المسيحية على الصعيد الإيتيقي ... لا بد أن ندرك جيدا ما يحويه هذا المثل من بعد إيتيقي. إنّه يمثل في عالم ما زال مليئا بالإيتيقا الارستقراطية زلزالا بحق، ثورة لا بد أن نقدرها. إنّها تُدرج لأول مرة فكرة المساواة كما سنجدها في العصر الحديث: معنى ذلك إن الطفل المصاب بالمنغوليا له نفس الكرامة هو وأينشتاين وأرسطو أو نيوتن. ... إنّ الرؤية التي يحملها مثل الوزنات هي أحد إسهامات الأناجيل الذي بفضله سينفتح العالم المسيحي على العالم الانسانوي والديمقراطي ... ومثلها عظة الجبل. إنّها تبين فيم الحب في أقصى الحالات هو أهم من القانون، وكيف لا يقضي على القانون في شيء، بل يمكّن من تحقيقه، وإعطائه معنى لا يتوفر عليه بغير الحب (وهذا موضوع ذو دلالة عميقة للمؤمنين وغير المؤمنين على حد سواء). (32)

في كتابه " الانسان المؤله أو معنى الحياة " ينصح " فيري " الإنسية الحديثة الرافضة لتأويلها ماديا، والمؤكدة على جانبها الروحي أن تعمل على إعادة تأويل إنسي للمفاهيم الرئيسية للدين المسيحي. بمعنى آخر لا بد لهذه الإنسية – بحسبه – من إعادة استثمار معين للمعجم، ومعه لرسالة الديانة المسيحية. وهو يقدّم في هذا السبيل مجموعة من الحجج، تعمل لفائدة إعادة بناء الديني هذه. (33)

إنّ اعتقاد " فيري " بأنّ الدين ما زال ينبوعا حيا للاخلاق والمعنى، سوف ينعكس بشكل واضح في جوابه الفلسفي، فالحب كمبدأ للأخلاق والمعنى يمتلك رصيدا كبيرا في الدين.

ثمة أمور لا بد من الإشارة إليها قبل الانتهاء من هذه الفقرة.

أ – من المؤسف حقا أن يضخّم الاختلاف بين الدين والفلسفة حول أهمية العقل ودوره في تكوين المعرفة والأخلاق والمعنى، فالدين، في الأصل، لا يختلف كثيرا عن الفلسفة في تقدير أهمية " قوانا الذاتية ونعمة العقل "، لا بل أنّه يشدّد على أنّ بداية المسير لا بد أن تنطلق من العقل وحده. إنّه يرفض رفضا قاطعا " الإيمان الأعمى "، ويرحب فقط بالإيمان الذي يقرّه العقل ويصدق به. لا بل أنّ محاججاته إنّما تقوم على هذا الأساس : إنّ الدين – وانطلاقا من ثقته بأنّ الاستدلال العقلي الحر لا بد وأن ينتهي إلى الإيمان – يحاجج بالشكل الآتي: إذا لم ينته بك الاستدلال العقلي إلى الإيمان، فيمكنك، في مثل هذه الشروط، التفتيش في مكان آخر والتفكير في طريقة أخرى. ولكن إذا قادك الاستدلال العقلي إلى الإيمان الذي يترتب عليه أن تعترف بالحدود التي ينبغي لعقلك أن يقف عندها ولا يصارع فيها الدين، فلماذا تسمح لعقلك أن يتجاوز الحدود التي رسمها له الإيمان الذي قادك له الاستدلال العقلي. لا صراع، إذن، بين الدين والعقل، بل هناك مرحلتين من الحوار: المرحلة الأولى (مرحلة ما قبل الايمان): يحاور فيها الدين العقل حول ضرورة الايمان من دون أن يفرضه عليه. المرحلة الثانية (مرحلة ما بعد الإيمان): يحاور فيها الدين العقل ليلزمه بما ألزم به نفسه. ما يفرضه الدين على العقل في هذه المرحلة مبني على إلزام العقل نفسه بذلك. أما الفلسفة فهي من جهتها لا تمانع أن ينتهي العقل إلى نتائج تتطابق مع ما يطرجه الدين، فهي لا تهدف إلا لبلوغ الحقيقة من خلال العقل أيا كانت طبيعة هذه الحقيقة. الفلسفة، في الأصل، لا تحدّد، بشكل مسبق طبيعة الحقيقة التي ينبغي أن تصل إليها من خلال الاستدلال العقلي الحر.

ب – بعد أن أوضحنا أنّ الفلسفة والدين كلاهما يبدأ مسيرته بالاستدلال العقلي، نقول: من الطبيعي أن يفرق المؤمن بين الفلسفة والدين على أساس أنّ الفلسفة نتاج بشري وأنّ الدين معطى من السماء. ولكن من الصعب أن نقبل من الملحد أن يفرق بينهما بشكل جوهري؛ فكلاهما من وجهة نظره نتاج بشري. ينبغي للملحد أن ينظر إلى الفلسفة والدين على أنّهما نوعين من الفلسفة، والفرق بينهما يكمن في أن النوع الأول منهما (الفلسفة) يقودك إلى جميع نتائجه من طريق الاستدلال العقلي، بينما يقودك النوع الثاني (الدين) من خلال الاستدلال العقلي إلى نتائج أولى يلزمك من خلالها أن تتقبل منه ما سيأتي لا حقا من نتائج أخرى من دون أن تطالبه بالاستدلال العقلي عليها. وعلى ضوء هذا الفهم لا يحق للفلسفة أن تناقش الدين في النتائج من النوع الثاني؛ لأنّ هذه النتائج لا تقدم نفسها على أنّها حصيلة للاستدلال العقلي، بل هي تقدّم نفسها على أنّها نتائج ألزمتك نتائج سابقة على الإيمان بها دون استدلال. نعم يحق للفلسفة أن تناقش الدين في النتائج التي يدعي أنّها حصيلة الاستدلال العقلي. من هنا نفهم أنّ " فيري " لم يكن محقا بشأن الأسباب التي بها فضّل الفلسفة على الدين، لأنّ تلك الأسباب تناقش نتائج تنتمي – فيما يبدو – إلى فئة النتائج من النوع الثاني، التي تقدّم لنا نفسها على أنّها نتائج تلزمنا نتائج سابقة على الإيمان بها من دون استدلال.

جـ – من الغريب ذلك التناقض الواضح الذي يقع فيه العديد من الفلاسفة الغربيين، ومنهم " فيري " : فهم من جهة، حينما يتحدثون عن الاستدلال العقلي الحر، لا يضعون حاجزا أمام ذلك الاستدلال لدرجة أنّهم يذهبون إلى أنّه من الممكن للفلاسفة إدراج فكرة الاله في مذهبهم، بل يمكنهم حتى إيلائها دورا مركزيا، بمعنى أنّه من غير المستبعد، منطقيا، العودة لفكرة الآله بمعناها الديني. طالما كان ذلك قائما على الاستدلال العقلي الحر. ولكنهم من جهة أخرى، حينما يتحدثون عن تاريخ الفلسفة، يعتقدون أنّ الفلسفة تسير باتجاه لا يمكن معه العودة إلى معبودات ما وراء الطبيعة، إنّهم يحكمون بشكل مسبق على الإمكانات المتاحة أمام الاستدلال العقلي، فهم يعتقدون أنّ خطا موجها سيظهر بداهة في نهاية التاريخ، ويمكن الحكم بأنّه إيجابي على الأقل إن كنا إنسانويين؛ لأنه يتوافق مع وجود منطق في أنسنة الأجوبة عن مسألة الحياة الطيبة.

د- يفضل " فيري " الفلسفة على الدين، ولكنّ الأسباب التي يُقدّمها، هي مجرد إشكالات قابلة للنقاش، ولا تكفي لإثبات ذلك. نعم، للفلسفة دور مهم وإيجابي و(فيها محاولات لتفسير معنى الحياة وشيء من إجابات سؤال الموت وأسئلة ميتافيزيقية أخرى، لكن الدين هو مصدر التفسير الأخصب والأثرى لمعنى الحياة والموت، وغير ذلك من الأسئلة الميتافيزيقية، وكل أسئلة المبدا والمصير والخلود ... إنّ الدين هو ما يروي الظمأ للمقدس، ويشبع الحاجة للخلود، بوصف الكائن البشري ينزع للكمال، وهو في توق أبدي للخلود، ولا يشبع الشغف بالكمال والخلود سوى الحق تعالى، وهو ما يحدّد الدين السبل للوصول إليه). (34)

10 – يتخذ تاريخ الفلسفة في ضوء إجابة " فيري " عن سؤال الأخلاق والمعنى منعرجات غير متوقعة، فهو ينكشف حاملا على الأقل شكلا معينا من التدرج على مدى الزمن، وذلك في مستويين متكاملين ، إن لم يكن حاملا لمنطق ما: فمن جهة نجد أن البحث عن هذه الحياة الطيبة، التي كانت توضع أصلا في ما هو خارج عن الإنسانية وأسمى منها (تناغم الكوسموس، الألوهية)، سيقترب أكثر فأكثر مما هو حميمي في صميم التجربة الانسانية (في العقل ثم في الحرية، وأخيرا في معيشنا المباشر أو في أحاسيسنا). ومن جهة أخرى سيحرص هذا البحث على أن يدمج من حقبة إلى أخرى أبعادا من الوجود منسية إلى هذا الحين مهمشة أو مقموعة (الجنسانية، نصيب الأنوثة لدى الرجال ونصيب الرجولة لدى النساء، الطفولة الحيوانية، الطبيعة فينا، اللاشعور، المحددات الاقتصادية، الخ. (35)

إذن، آمن " فيري " بالتقدّم: بمعنى أنّ المبادئ التي تقوم عليها تصورات الحياة الطيبة، وهي في البداية خارجة عن الانسانية ومتعالية عليها، تميل إلى الاقتراب أكثر فأكثر من التجربة المعاشة، وتستوعب أبعادا متزايدة من التجربة الانسانية. وعلى الرغم من أنّه يدعو لتدقيق فكرتي " التقدم " و" التأخر "؛ (ففي الفلسفة والفن، لا تقدم بالضرورة، بل ثمة بالأحرى تصورات مختلفة للعالم، متعاقبة بالتأكيد في التاريخ، لكن لا يمكن الحكم بشأنها وترتيبها هرميا إلا شريطة أن نوضح جيدا مقياسنا في الحكم. فلا بد دوما من تدقيق وجهة النظر التي يمكن انطلاقا منها القول بأنّ خطا ما موجها يظهر في ذلك التاريخ. بل أكثر من ذلك بأنّ خطا يتجه نحو الأفضل). غير أنّه مع ذلك يصرح منذ البداية بأنّه يعتقد أنّ خطا موجها سيظهر بداهة في نهاية التاريخ، ويمكن الحكم بأنّه إيجابي على الأقل إن كنا إنسانويين؛ لأنه يتوافق مع وجود منطق في أنسنة الأجوبة عن مسألة الحياة الطيبة.(36)

بغض النظر عما ينطوي عليه موقف " فيري " من مفهوم " التقدم " من تناقض؛ إذ أنّه من جهة يرفض " التقدم " كـ " مثل يشكل حقيقة تعلو على الحياة، وأنّه لا بد للحياة من بلوغها "، متفقا في ذلك مع نيتشة. (37) ولكنه من جهة أخرى يؤمن في مضمار البحث الفلسفي بوجود خط متصاعد باتجاه أنسنة الأجوبة عن مسألة الحياة الطيبة. أقول بغض النظر عن هذا التناقض: فإنّ النظر إلى: " خط سير البحث الفلسفي في ابتعاده شيئا فشيئا عن التعالي والاقتراب أكثر فأكثر مما هو حميمي في صميم التجربة الانسانية " على أنّه يشكل تقدما، قد انتهى بالفكر الغربي إلى مأزق خطير؛ فالفكر الغربي بإقصائه للتعالي إنما يقصي تطلعا إنسانيا فطريا.

ويبدو أنّ الفكر الغربي المعاصر قد أدرك مأزقه، وهو يعيش معاناة حقيقية في محاولة الخروج من هذا المأزق، فهو من جهة أصبح يدرك أنّ التطلع نحو التعالي حالة فطرية ليس من الصحيح إقصاؤها، لكنه من جهة أخرى لا يجد نفسه مستعدا للتخلي عما يعتقده أنّه من مكتسبات الفكر الغربي، عما هو فريد وريادي ورائع في هذا الفكر، والمتمثل في تخليص الانسان من القيود الأيديولوجية والأوهام الميتافيزيقية، وتحريره أبعاد من الوجود لطالما ظلت مهملة أو مقموعة. إنّ المخاطرة – كما يؤكد " فيري " – كبيرة إذن في أن تؤدي متابعة لا محدودة للتفكيك إلى تحطيم باب مفتوح على مصراعيه. فالمسألة لم تعد للأسف، الاستمرار في كسر " أرجل الصلصال " الضعيفة للمثل التعيسة التي لم يعد بامكان أحد رؤيتها لكثرة هشاشتها وافتقارها لليقين. لم يعد ملحا بالتأكيد أن نهاجم " السلطات " التي لم تعد موجودة لفرط ما أصبح سير التاريخ آليا ومجهولا، بل على العكس، إنّ المطلوب هو العمل على بروز افكار جديدة، لا بل مثل عليا جديدة، لكي نستعيد الحد الأدنى من السيطرة على مسار العالم.(38)

وفي محاولات الخروج من هذه المعاناة يقترح بعض المفكرين الغربيين ومنهم " فيري " – ما يمكن تقييمه بحذر على أنّه خطوة في الاتجاه مجددا نحو التعالي – توليفة تعيد الاستحقاق للتطلع الانساني الفطري للتعالي وللمقدس، ولكنها في نفس الوقت تحافظ على مكتسبات الفكر الغربي. ما يقترحه " فيري " هو " شكل جديد للتعالي "، يتناغم مع ما يسميه هوسرل " التعالي في محايثة الحياة ". أي أنّه يعطي بعدا مقدسا للمعيش ذاته، دون التردي مع ذلك في الأوهام الميتافيزيقية التقليدية التي فضحتها فلسفات التفكيك. إنّه شكل من التعالي يتنزل داخل تجربتنا الدنيوية. إنّ ما يقترحه " فيري ": " تعاليا للمعنى في تجربة الحب ". (39)

11 – في مقال تحليلي لكتاب " تعلُّم الحياة " لـ " فيري "، يشير الدكتور " سعيد الولي " إلى أن " فيري " في هذا الكتاب – وهو ما يصدق على كتبه الأخرى في حدود ما اطعلنا عليه – (عرض كل مراحل الفلسفة منذ نشوئها في اليونان القديمة وحتى المادية الجديدة ومرحلة ما بعد الحداثة والمرحلة التقنية في عصرنا الحاضر. وقد توقف طويلا عند بعض الأسماء الكبرى التي شكلت معالم في تاريخ الفلسفة وتطوّرها، بما فيهم الممثلين للفلسفة المسيحية، ولم يُهمل البوذية، لكنّ هذا العرض بقي، حسب رأيي، ناقصا ، خصوصا بالنسبة لقراء فرنكوفونيين، في فرنسا أو خارجها، إذ لا يُعقل لمن يتصدّى لتاريخ الفلسفة أن يجهل أو يتناسى أو " يهمل " " الفلسفة الاسلامية " و" فلاسفتها "، ولا سيّما أنّ الكل في الغرب يعترف بأهميتها ... إني أعتقد أنّ تخصيص مساحة مناسبة في هذا الكتاب للفلسفة الاسلامية ومفاهيمها كان، ليس فقط من المسلمات لدى فيلسوف بحجم " فيري "، بل ضروريا في أيامنا هذه حيث يُلقي تطرّف بعض المتشددين بظله على الدور الحضاري والفكري المهم للدين الإسلامي وعلى القيم الإنسانية التي بشّر بها، والتي يجب أن لا يجهلها الراغب في اكتشاف معنى الفلسفة). (40)

لم يكن " فيري " ينظر إلى الفلسفة الإسلامية على أنّها فلسفة أصلا: وما لدى فلاسفة المسلمين – بحسبه – ليس سوى فكر عميق، ولكن مهما كان الفكر عميقا، فإنّ ذلك لا يجعل منه فلسفة، إذ لا يمكن التفلسف دون التحرّر نهائيا من قبضة الدين. فالفلسفة لا بد أن تكون علمانية أو لا تكون. (41)

يبدو أنّ " فيري " لم يكن مطلعا بما يكفي على تراث الفلاسفة المسلمين، ليذكر ما ذكره. وإلا فإنّ الفلاسفة المسلمين كانوا كغيرهم من الفلاسفة لا يستندون في بحوثهم الفلسفية إلا إلى الاستدلالات العقلية فقط، وكانوا حريصين أن لا يخلطوا بين العلوم ومناهجها، فالفلسفة تُدرس بالمنهج العقلي المحض، والعلوم النقلية تُدرس بمنهجها الخاص بها. بيد أنّ ذلك لا يعني أنّه ليس بمقدورنا أن نصل إلى نتائج مشتركة بين علمين. (42)

12 – إنّ المنهج الذي اتبعه " فيري " في تتبعه لتاريخ الفلسفة لم يقتصر فقط على التتابع الزمني للفلسفات المختلفة، بل اعتمد – في الأساس – على رصد التحولات المذهلة في ما تطرحه هذه الفلسفات المتتابعة والمتعاقبة في إطار البحث عن الحياة الطيبة، ولذلك وجد نفسه إزاء خمس حقب زمنية كبرى تختلف فيما بينها، لا من حيث أمد كل حقبة، ولا من حيث عدد الفلسفات التي تنتمي لكل حقبة، بل من حيث الأجوبة التي قدمتها الفلسفات التي تنتمي لكل حقبة عن الحياة الطيبة.

الهوامش

* " لوك فيري " فيلسوف فرنسي معاصر، ولد عام 1952م. بلغ أعلى الدرجات الجامعية والأكاديمية. شغل منصب وزير التربية والتعليم ما بين عامي 2002-2004. هو واحد من الفلاسفة الفرنسيين الجدد الذين أحدثوا تحولا عميقا في الأوساط الفلسفية السائدة، حيث ابتعدوا بالفلسفة من المباحث الفكرية والمعرفية العويصة والمعقدة والتي لا يفهما إلا الخواص، واتجهو بها نحو الإنشغال بالواقع. تقوم فلسفته على البحث عن الخلاص بالاعتماد على القوى الذاتية ونعمة العقل دون اللجوء إلى قوى خارجية. من مؤلفاته: " النظام الإيكولوجي الجديد " و" الإنسان المؤله أو معنى الحياة " و" تعلّم الحياة " و" أجمل قصة في تاريخ الفلسفة " وغيرها.

 

رضا حسن الغرابي

...................

1 – جان فرانسوا دورتييه، فلسفات عصرنا، ترجمة ابراهيم صحراوي، منشورات الاختلاف، الجزائر، 2009م، ص17-18.

2 – دراسات في الفلسفة المعاصرة، زكريا ابراهيم، مكتبة مصر، ص6.

3 – جان فرانسوا دورتييه، " نظرة عامة على الفلسفة في ساعة و12 دقيقة "، من كتاب فلسفات عصرنا لـ " جان فرانسوا دورتييه "، مصدر سابق، ص56.

4 – لوك فيري، الإنسان المؤله أو معنى الحياة، ترجمة محمد هشام، أفريقيا الشرق، المغرب، 2002م، ص93.

5 – المصدر السابق، ص145.

6 – جاكلين روس، الفكر الأخلاقي المعاصر، ترجمة وتقديم: د. عادل العوا، عويدات للنشر والطباعة، بيروت، 2001م.

7 – لوك فيري، أجمل قصة في تاريخ الفلسفة، ترجمة محمود بن جماعة، دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت، 2015م، ص6-7، ص321.

8 – مصطفى ملكيان، جدلية الدين والأخلاق، ترجمة أحمد القبانجي، الانتشار العربي، بيروت، 2013، ص22، علما أننا قد تصرفنا بعض الشيء بكلام " ملكيان "، فبينما كان يتكلم هو عن واقع " فلسفة الأخلاق " في إيران، عممنا نحن الكلام على المجتمع الإسلامي.

9 – المصدر السابق، ص21.

10 – جاكلين روس، الفكر الأخلاقي المعاصر، مصدر سابق، ص10.

11 – لوك فيري، " المهمات الحالية للفلسفة "، من كتاب فلسفات عصرنا لـ " جان فرانسوا دورتييه "، مصدر سابق، ص84.

12 – جاكلين روس، الفكر الأخلاقي المعاصر، مصدر سابق، ص13-14.

13 – لوك فيري، أجمل قصة في تاريخ الفلسفة، مصدر سابق، ص17.

14 – المصدر السابق، ص67.

15 – المصدر السابق، ص64.

16 – المصدر السابق، ص59.

17 - جاكلين روس، الفكر الأخلاقي المعاصر، مصدر سابق، ص53.

18 – لوك فيري، تعلُّم الحياة، ترجمة د. سعيد الولي، مراجعة د. زهيدة درويش، أبو ظبي للثقافة والتراث. ص346-354

19 – عبد المجيد الشرفي، " مدخل إلى مقاربة إسلامية حديثة للتوحيد "، مجلة قضايا إسلامية معاصرة، العدد: 61-62، 2015، ص59.

20 – إيريك فروم، الإنسان المستلب وآفاق تحرره، ترجمة وتعليق: د. حميد لشهب، تقديم: د. راينر فونك، فيديبرانت، الرباط، ص10-11.

21 - لوك فيري، الإنسان المؤله أو معنى الحياة، مصدر سابق، ص11-12

22 – المصدر السابق، ص14-15.

23 - لوك فيري، أجمل قصة في تاريخ الفلسفة، مصدر سابق، ص13.

24 – مصطفى ملكيان، جدلية الدين والأخلاق، مصدر سابق، ص65-66.

25 - لوك فيري، أجمل قصة في تاريخ الفلسفة، مصدر سابق، ص16.

26 – المصدر السابق، ص18-20.

27 – لوك فيري، تعلّم الحياة، مصدر سابق، ص37-43.

28 - المصدر السابق، ص35-37.

29 - المصدر السابق، ص391.

30 - لوك فيري، أجمل قصة في تاريخ الفلسفة، مصدر سابق، ص17.

31 - المصدر السابق، ص69-70.

32 - المصدر السابق، ص122-127.

33 - لوك فيري، الإنسان المؤله أو معنى الحياة، مصدر سابق، 202.

34 – عبد الجبار الرفاعي، الدين والظمأ الأنطولوجي، ، مركز دراسات فلسفة الدين، بغداد، 2016م، ص7.

35 – لوك فيري، أجمل قصة في تاريخ الفلسفة، مصدر سابق، ص6-7.

36 - المصدر السابق، ص35.

37 - المصدر السابق، ص45.

38 - لوك فيري، تعلُّم الحياة، مصدر سابق، ص327.

39 - لوك فيري، أجمل قصة في تاريخ الفلسفة، مصدر سابق، ص65.

40- لوك فيري، تعلُّم الحياة، مصدر سابق، ص400-402.

41 – حميد زنار، صحيفة العرب. حوار مع لوك فيري نشر في 13/3/2016 في العدد (10213)، ص12، بالاتفاق مع مجلة " الجديد " الشهرية الثقافية اللندنية.

42- السيد محمد حسين الطباطبائي، رسالة التشيع في العالم المعاصر، ترجمة جواد علي كسار، مؤسسة أم القرى للتحقيق والنشر، 1418ه، ص414.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3987 المصادف: 2017-08-05 02:03:35