 أقلام فكرية

لوك فيري.. نحو مبدأ جديد للأخلاق والمعنى (2)

13 - فيما يلي سأعرض باختصار ما عرضه " فيري" بالتفصيل في مجموعة من كتبه حول الأجوبة الفلسفية الخمسة الكبرى عن سؤال الحياة الطيبة، ومن ضمنها إجابته.

الأجوبة الفلسفية الخمسة الكبرى

ثمة أسئلة متعددة تطرح نفسها هنا: لماذا تغيرت الفلسفات في مجرى التاريخ؟ كيف نفسر أنّه رغم كل شيء لا تنفك أقدم الفلسفات تخاطبنا؟ وفي ظل تعدد الفلسفات التي تدعي كل واحدة منها الحق، أو ليس يُنتظر إما أن يقود العقل إلى حل واحد مشروع، وإما أن يُنتج سلسلة متتالية من ضروب التقدم باتجاه أجوبة مرضية أكثر فأكثر، وذلك على شاكلة نموذج العلم؟ ولكن ألا يعني الافتراض الثاني أن تصبح فلسفات الماضي في نظرنا لا قيمة لها تذكر، مع أن الأمور لم تجر على هذا النحو؛ إذ ما زالت الانساق الفلسفية جميعها تخاطبنا؟ بما أن ثمة أجوبة متعددة عن مسألة الحياة الطيبة، أليس أعلى درجات الحكمة الاقتصار على الشك؟ ألا يقدّم تعدد الفلسفات على أرضية المثل الشائع " الحقيقة واحدة والخطأ وحده متعدد " حجة ذات وزن لفائدة الريبية؟ إذ لو اكتشف الفلاسفة الحقيقة لعلم بذلك الناس، أليس كذلك؟ ولما كانت هناك سوى فلسفة واحدة، كيف نجيب على هذا الاعتراض؟ كيف القبول بتعدد الفلسفات مع عدم الوقوع في فخ الريبية؟

الاجابة الاجمالية التي يمكن تقديمها هنا: إنّ تاريخ الفلسفة يشبه تاريخ الفن أكثر مما يشبه تاريخ العلم، ففي الأول يمكن أن نحب رؤى للعالم مختلفة تماما (الكلاسيكيين كما الرومانسيين، الفن القديم والفن الحديث على سبيل المثال)، وسنرى لماذا يكون الشأن نفسه بالنسبة إلى رؤى العالم الفلسفية الكبرى، وكيف أن الأجوبة الكبرى التي تقترحها في مسألة الحياة الطيبة هي كلها لا تزال بوجه ما إلى الآن " قابلة لأن نقيم فيها " نحن. (43)

الجواب الأول: تناغم الكوسموس

ظهر أول جواب منذ فجر العصر القديم اليوناني ثاويا في البدء في القصص الاسطورية. وفيما بعد استعيد هذا الجواب ونُقل وتمت علمنته (تخليصه من الآلهة) في خطاب مفهومي ومدعّم بحجج عقلية من قبل مفكرين كبار ينتمون إلى التقليد الفلسفي اليوناني (افلاطون، ارسطو، الرواقيون).

يقوم هذا الجواب على فكرة أساسية، وهي أنّ العالم ليس فوضى وعدم انتظام، بل هو على العكس متناغم تماما، وهو ما يطلق عليه اليونانيون اسم " الكوسموس " أو النظام الكوني، وبالتالي فهو عادل على الاطلاق، جميل وحسن، لكل كائن في صلبه منزلة محددة تتفق مع الدرجة التي يحتلها في التراتب الشامل بالنظر إلى صفاته الطبيعية.

الكون إذن، بالنسبة لـ " نظرية " الجواب الأول، وبعيدا عن الكوارث التي تُعتبر أحداثا عابرة ومؤقتة، متناسق في الأساس، وستترتب على هذا نتائج عظيمة على المستوى العملي (أي الأخلاقي والحقوقي والسياسي). لهذا السبب فإنّ الطبيعة الكاملة التناسق ستصلح، بشكل ما، أن تكون مثالا يحتذى للإنسان في سلوكه. بمعنى آخر: إذا سألنا: أيّ علم للأخلاق يتطابق مع " النظرية " التي وصفناها بإيجاز فيما تقدم؟ الجواب دون شك: التواصل والتلاؤم مع الكون، هذا هو سرّ كل عمل صحيح وعادل، والمبدأ الأساسي لكل أخلاق ولكل سياسة؛ لأنّ العدالة أولاً سداد الرأي: فكما أنّ الحرفي الماهر أو العوّاد يضع قطعة الخشب في مكانها المناسب ضمن مجموعة أوسع، فإنّه ليس من شيء أفضل نقوم به سوى أن نبذل جهدنا للتلاؤم مع النظام المتناسق والصحيح الذي بينته لنا " النظرية ".

لن تكتفي الفلسفة بـ " النظرية " ولا بـ " المبادئ الأخلاقية " التي يمكن استنتاجها من النظرية، والتي يجب أن يعمل بنو البشر بموجبها. بل أنّها ستمضي إلى غايتها القصوى، المتجسدة في البحث عن " الخلاص " أو " الحياة الطيبة ": تقضي الحياة الطيبة وفق هذا الجواب بإلغاء كل خوف مرتبط بالمحدودية أو بفكرة مرور الزمن والموت.

وهنا نرى في الأثناء كيف أنّ الجزء النظري من الفلسفة (الجزء الذي يهتم بالمعرفة) يهيئ للجزء العملي (أي الجزء الذي يرسم الأخلاق وسمات الحياة الطيبة). فكلما ازداد احساسنا بأنّنا نشارك في ألوهية التناغم الكوني السرمدي – وهو منبع كل قيمة حقيقية ومنتهاها – قلّ خوفنا من الموت، ذلك لاعتبارنا قطعة من هذا النظام السرمدي المسمى " الكوسموس "، وبحسب هذه الرؤية للعالم، لن يفقدنا الموت بالأساس إلا النصيب الأتفه من وجودنا الفردي، ولن يستطيع القضاء على ذلك البعد من حياتنا الذي يشترك في الروعة غير القابلة للزوال والمميزة لقوانين الكون. من هذا المنظور فإن الخطأ الأكبر الذي يمكن ارتكابه من قبل الانسان هو الافراط في تقدير أنفسنا أكثر مما نحن عليه، بحيث يخرجنا من المنزلة التي أسندت إلينا، بل يجعلنا على هذا النحو نهدد بالقطع مع التناغم الآلهي للكوسموس. والاساطير والمسرحيات المأساوية مليئة بالترميز إلى هذا المعنى ... وبوجه عام يكون المرء قد أعطى مبررا لحياته وجعل منها حياة طيبة وسعيدة حين يجد منزلته الخاصة ومكانه النوعي في النظام الكوني. من لا يظل في منزلته يتعرض تماما لافتقاد الرشد وللتيه في الخلط على اعتباره فردا، ويُدخل في آن واحد عدم التوازن في التناغم الكوني. هذا بالضبط ما يطلق عليه اليونانيون اسم " إبريس " وهو ذلك الافراط في الغرور وافتقاد الحكمة الذي يؤدي إلى الحياة القبيحة. تلك هي الفكرة التي ستسود العالم اليوناني، وتُلهم كل العالم القديم، عمليا حتى الثورة الفرنسية، وعلى كل حال حتى عصر النهضة .

والآن يبرز السؤال الآتي: ما الغاية القصوى من هذا الجواب الأول الكبير عن مسألة الحياة الطيبة؟

إن الماضي والمستقبل في نظر اليونانيين يبدوان وكأنّهما شران كبيران يُثقلان على الحياة البشرية، فالماضي يمنعنا من الإقامة في الحاضر، إما لأنّه كان سعيدا ويشدُّنا في شباك الحنين، وإما لأنه كان شقيا ويُغرقنا في ما يسميه سبينوزا بتعبير جميل " الأهواء الحزينة "، وفي ضروب الأسف والندم والخجل والشعور بالاثم التي تصرفنا عن الفعل وتلجم مبادراتنا وتضعف قدرتنا على اغتنام الوجود والعيش في اللحظة الراهنة. وعندئذ تساورنا الرغبة في الارتماء بين أحضان خيال وهمي آخر، متجه هذه المرة نحو المستقبل: وهو الأمل، بيد أنه لا يملك الأمل أن يقودنا إلا إلى الهلاك: إنه لا يزيف علاقتنا بالواقع الراهن فحسب، وإنما يُفرغه من قيمته المباشرة لفائدة تخمينات حول مستقبل غير مضمون. في نظر اليونانيين الحنين كما الأمل والماضي كما المستقبل، كلها إن هي إلا عدم؛ لأنّ الماضي زال والمستقبل لم يحن بعد، فلا يُمثلان إلا تقديرات خيالية تفقدنا البعد الواقعي الوحيد للزمن، وهو الحاضر، فنكاد لا نقيم فيه. وعلى حد تعبير " سينيك " – أحد الواقيين الكبار – فإننا من فرط العيش في الماضي او في المستقبل " تعوزنا الحياة " وهنا نلتقي بقولة هوراس الشهيرة: اقطف اليوم الحاضر دون أن تتلهى عنه بمشاعر الغم على الآتي من الأيام أو الحنين إلى الماضي ... حين يلتحق كائن بشري بـ " مكانه الطبيعي " ، ويستعيد منزلته في التناغم الكوني، حينها فحسب يحس (وهذا بداية الحكمة) أنّه قطعة من الكوسموس، وبالتالي قطعة من الخلود [وسيعلم أنّ هذا الوصف، أي أنّه قطعة من الكوسموس ومن الخلود، هو وصف ثابت له في كل لحظة من لحظات حياته] ومنذ تلك اللحظة لا يكون الموت سوى عبور وانتقال من حالة إلى أخرى [لأنّ الموت – كما ذكرنا فيما تقدم – لن يفقدنا بالأساس إلا النصيب الأتفه من وجودنا الفردي، ولن يستطيع القضاء على ذلك البعد من حياتنا الذي يشترك في الروعة غير القابلة للزوال والمميزة لقوانين الكون]. الحكيم الذي يفهم هذا المعنى قادر على التغلب على كل ضروب الخوف بدءا بالخوف من الموت وتبعا لذلك لا شيء يمنعه الآن لا من [التصالح مع هو موجود في العالم أو تقبل العالم كما هو في أي لحظة من لحظات حياته] ولا من الإقامة في الحاضر بنفس مطمئنة. إنّ الرهان الروحي الذي يسعى المرء لكسبه من خلال التمرن على تنقية نفسه من التعلق الثقيل بالماضي والمستقبل واضح إذن، ويقضي بقهر المخاوف المرتبطة بمفهوم المحدودية. هناك لحظات نعمة في الحياة، هنيهات نشعر خلالها أنّنا متصالحون مع العالم. كمثل نزهة في غابة أو غروب شمس أو حالة عشق أو شعور هادئ وبهيج بعد أداء عمل جيد أو أخيرا كحالة صفاء ذهني تأتي أحيانا بعد لحظة إبداع عظيمة، لا فرق. على كل حال عندما يصبح التطابق بيننا وبين العالم المحيط بنا كاملا، عندما يحصل الوفاق من تلقاء نفسه دون إكراه، أي في حالة تناغم كامل، يبدو لنا فجأة وكأنّ الزمن قد اختفى تاركا مكانه لحاضر مستمر، لحاضر ذي كثافة لا يمكن معها لأي شيء من الماضي أو المستقبل أن يفسدها. إنّ العمل على جعل الحياة بأكملها مشابهة للحظات كهذه هو، في العمق، المثل الأعلى للحكمة، وفي هذه النقطة نلامس شيئا من قبيل الخلاص، بمعنى أن لا شيء يمكنه تعكير السكينة التي يولدها محو المخاوف المرتبطة بأبعاد الزمن الأخرى. عندما يتوصل الحكيم إلى هذه الدرجة من تفتح الذهن فإنّه يستطيع العيش " كإله " في أبدية اللحظة التي لا يقلل منها شيء، وفي سعادة لا يفسدها أيّ قلق. هكذا ندرك أنّنا هنا نمسك بإجابة رائعة عن مسألة الحياة الطيبة تدعونا إلى تجنب فخاخ الماضي والمستقبل، وإلى الاقامة في الحاضر، كما تدعونا إلى التغلب بهذا الشكل على الخوف من الموت. (44)

الجواب الثاني: المبدأ المسيحي

على المستوى النظري: كفّ الإلهي عن التماهي مع النظام الكوني وتجسّد في شخص المسيح، فالعقل الذي عرفنا كيفية اختلاطه، حسب الجواب الأول، بالمنظومة اللاشخصية والمتناغمة والإلهية للكون بأكمله، سيتماهى عند المسيحيين مع شخص فريد هو المسيح. على الرغم من اعتبار اليونانيين لذلك فضيحة، فإنّ المؤمنين الجدد أعلنوا أنّ العقل، أي ما هو إلهي، لا يتساوى أبدا، كما يدعي الجواب الأول، مع النظام المتناغم للعالم كماهو، بل تجسد في كائن استثنائي هو المسيح. ليس الإلهي فقط هو من يتغير هنا بالكامل ليصير كائنا مشخصنا، بل أيضا النظر، أو إذا أردت، طريقة تأمل هذا الكائن وفهمه والتقرب منه. على وفق هذا الجواب لم يعد العقل الملكة النظرية المثالية، بل الإيمان. مما سيدفع الدين للتنطح، وبكل قواه، لمجابهة العقلانية التي كانت قلب الفلسفة، ثم إنزال الفلسفة ذاتها عن عرشها.

ستبلور المسيحية – مستندة إلى هذه " النظرية " الجديدة التي تستند هي أيضا إلى مفهوم لا سابق له للإلهي وللإيمان – أخلاقا تختلف جذريا مع العالم اليوناني حول العديد من الموضوعات الحاسمة. أول هذه الموضوعات: حرية الاختيار (حرية الفكر) أصبحت أساس الأخلاق، وفكرة المساواة في الكرامة لكل بني البشر ظهرت لأول مرة. مع المسيحية خرجنا من العالم الارستقراطي لندخل في " عالم الجدارة " أي في العالم الذي سيعطي قبل كل شيء القيمة ليس للمزايا الطبيعية المعطاة منذ البداية، بل للجدارة التي سيتحلى بها كل واحد لدى استعمالها. الانقلاب الثاني مرتبط مباشرة بالأول: وهو يقضي بالتسليم، على المستوى الأخلاقي، بأنّ الروح أهم من الحرف، وبأنّ الميدان الداخلي أهم من التطبيق الحرفي لقانون المدينة الذي يبقى قانونا خارجيا. المقطع من الانجيل الذي يصلح نموذجا هو المقطع المعروف حيث يدافع المسيح عن المرأة الزانية التي كان الكل متحضرا لرجمها تطبيقا للقانون، فقد اتخذ المسيح موقفا مغايرا خرج به من دائرة " العقلاء " الذين لا يفكرون إلا بالتطبيق الحرفي والآلي للقانون. لقد خاطب ضميرهم بما معناه: في عمق ذاتكم هل أنتم متأكدون من أن ما تقومون به جيد؟ وإذا تفحصتم أنفسكم هل ستجدونها أفضل من هذه المرأة التي قد تكون زنت بسبب الحب؟ من منكم بلا خطيئة فليضربها إذن بأول حجر. التجديد الثالث: ظهور الفكرة الحديثة للإنسانية، التي اتخذت مع انتشار المسيحية بعدا جديدا؛ إذ أنّها اكتسبت بحكم استنادها إلى المساواة في الكرامة بين كل بني البشر، دلالة أخلاقية لم تكن تملكها سابقا. فمنذ أن وضع الفكر الحر في أساس العمل الأخلاقي، ومنذ أن صارت الفضيلة تكمن ليس في المواهب الطبيعية الموزعة دون مساواة، بل في اختيارنا لكيفية استخدامها، متمتعين بحرية كلنا متساوون فيها، صار من المفروغ من أن يكون كل الناس متساوين، على الأقل من وجهة النظر الأخلاقية؛ لأن من الثابت أنّ المواهب الطبيعية تبقى دائما موزعة بشكل لا متساو، لكن في العمق لا أهمية لذلك على المستوى الأخلاقي.

في مسألة الخلاص جدّدت المسيحية بطريقة غير مسبوقة، موجهة بذلك ضربة قاضية للفلسفة: ففي الوقت الذي كان الجواب الأول يصوّر الموت وكأنّه عبور من حالة شخصية إلى حالة لا شخصية، أو كأنّه انتقال من وضع الفرد الواعي إلى وضع الجزء الكوني اللاواعي، لم تتردد الفكرة المسيحية عن الخلاص في أن تعدنا أخيرا وقطعيا بالخلود الشخصي. إنّ الخلود الذي يعدنا به الجواب الأول لا ينقذ شيئا من تجربتنا الشخصية؛ فهو يذيبنا في نظام وواقع خارجين عنا تماما ولسنا فيهما سوى قطعة. هذا هو أحد دواعي بروز إجابة جديدة قائمة على الدين المسيحي، وهو ما مكّن هذا الدين من الاتساع والحلول محل النموذج اليوناني الروماني؛ فبينما الفلسفة اليونانية لا تترك للأمل سوى خلود جزئي جدا، لا واع، أعمى، يذيب الفرد في نظام كوني لا شخصي أسمى من البشر. فإنّ العقيدة المسيحية على العكس من ذلك، تأخذ على عاتقها فكرة البعث " جسدا وروحا " للأفراد في تفردهم، بحيث ستكون نجاتنا على اعتبارنا أشخاصا، وليس بصفتنا مجرد قطع. فلم نعد فتات نظام كوني خفي، بل فرديات مخصوصة يجعلها خالدة حب الآله. ما يحقق لنا الخلاص في نظر المسيحية لنا هو إله له سلفا – إن أمكن القول – وجه إنساني؛ لأنه إله شخصي. ثمة سلفا حركية مضاعفة في الأنسنة بالنسبة إلى الجواب المسيحي: نوعا ما أنسنة للالهي وتأليه للإنساني (وهنا تجدر الاشارة إلى أن مايسميه اليونانيون بـ " الالهي " هو بكل بساطة، الكوسموس، النظام السرمدي للكون، فالآلهة اليونانية – وبالذات الجيل الأول – ليست على وجه الدقة أشخاصا، فهي قلما تكون مفردة لأنها وقبل كل شيء قطع من الكوسموس وقوى في الكون، جايا = الأرض، أورانوس = السماء، بنتوس = السيول، بوسيدون = البحار، التارتار = باطن الأرض ... وهكذا)

إنّ الجواب المسيحي هو في ذات الوقت أكثر إنسانية من جواب اليونانيين، لأنه مشخص أكثر، وهو في آن واحد أقل إنسانية، بمعنى أنّ العقل اليوناني يُزاح جزئيا لصالح الوحي والإيمان. إن الجواب المسيحي بهذا المعنى يسجل تقدما من جهة وتأخرا من جهة أخرى (التقدم والتأخر هنا مأخوذان بمعنى محدد عند " فيري "، فالتقدم إنما يكون كلما كان الجواب عن الحياة الطيبة أقرب إلى التجربة الانسانية ومستندا إلى العقل، وعلى العكس من ذلك يكون التأخر بابتعاد الجواب عن التجربة الانسانية وإخضاع العقل لسلطة أعلى) فالتقدم يتمثل في أنّ المبادئ التي تقوم عليها تصورات الحياة الطيبة بينما كانت في الجواب الأول خارجة عن الإنسانية ومتعالية عليها، أصبحت تقترب أكثر فأكثر من التجربة المعاشة، وتستوعب أبعادا متزايدة باستمرار من التجربة الإنسانية. أما التأخر فيتمثل في أنّ ما يتضمنه الجواب الثاني من خضوع العقل للايمان يمكن أن يبدو تراجعا بالنظر إلى استقلالية العقل التي كان الفلاسفة اليونانيون صانعيها الكبار. بهذا المعنى تسجل المسيحية تراجعا بالنسبة للعقلية اليونانية، فهي تُلجم حرية التفكير النقدي وتُبقينا على الاعتقاد في حقيقة منزلة، ملغزة بالأساس، ولا بد أن تظل كذلك. وبتعبير آخر: لا يستطيع العقل أن يحل محل الوعي.

ليست فكرة الخلاص الشخصي – رغم أنها مرضية كثيرا قياسا بما نحن فيه، بحسب الجواب الأول: لسنا سوى قطع أو فتات نظام كوني خفي – هي التي مكنت المسيحية من أن تغيّر الفكرة التي تتصورها الانسانية عن ذاتها تغييرا ذا أهمية، ولكنها بالأحرى ستحقق ذلك بتغيير فهم التجربة الانسانية. فمن جهة اعتبار أنّ البشر لهم نفس القدر من الكرامة قائما على قدرتهم على إظهار إرادة طيبة باستعمال حريتهم في الاختيار، هذا الاعتبار يعطي الجميع نفس الامكان في تحقيق الذات على نحو كامل من حيث هم بشر. ومن جهة أخرى هذه الأولوية التي تحظى بها الارادة الطيبة إذ تفتح السبيل إلى خلاص شخصي، تستلزم تبخيس التقيّد الحرفي بالشعائر والأوامر لفائدة التوافق التلقائي لحوافزنا وأفعالنا مع روح القانون. بفلسفة الحب ستقطع المسيحية مع التراتب المعقول اليوناني ومع التقليد اليهودي الذي يسند دورا مهيمنا للقانون. في هذه النقطة يستعين " فيري " بتحليل " هيجل " لما يسمى " عظة الجبل " (إنها تبين فيم الحب في أقصى الحالات هو أهم من القانون، وكيف لا يقضي على القانون في شيء، بل يمكّن من تحقيقه أو بتعبير أفضل من الالتزام به وإعطائه معنى لا يتوفر عليه بغير الحب) حيث يبين هيجل أنّ ذلك القطع مع العالمين اليهودي واليوناني يتضح عند الوقوف على رؤية حادثة الطوفان من قبل اليونان واليهود: اكتشف الناس بعد حادثة الطوفان أنّ عداوة الطبيعة يمكن أن تتحول الى كارثة وتصبح قاتلة، وسوف تعتبر هذه العداوة من قبل اليونانيين ظرفية فحسب، بحيث سيعود التناغم الكوني بعد الحادثة مباشرة، ويمكن من جديد استخلاص القانون من نظام الكون الذي ينبغي على المدينة العادلة والعدل أن يحاكيا تناغمه الكامل (بحسب هذا التأويل خرجت البشرية من الانشقاق والتمزق، ولم تعد منفصلة عن المطلق، عن الالهي). وعلى العكس من ذلك – بحسب اليهود – لن يتم التصالح أبدا مع الطبيعة، بل لا بد من الهيمنة عليها لحماية أنفسنا، بحيث سيكون القانون مضادا للطبيعة (الموجودة فينا كما الخارجة عنا) يفرض نفسه بالقوة عليها في شكل واجب إلزامي. سيستعان للهيمنة على الطبيعة بالخضوع للإله، بواسطته يصبح الانسان " سيدا ومالكا للطبيعة ". ومن هنا ظلت اليهودية – بتعبير هيجل – حبيسة القطيعة والتمزق، حيث يستحيل التصالح مع الإلهي إلا بالخضوع المطلق والأعمى له، هذا من جهة، ومن جهة أخرى يكون التناغم مع الطبيعة ضربا من اللامعقول. أما المسيح فسيقترح سبيلا آخر: توافقا بين الطبيعة (النوازع الطبيعية) والقانون، ولكن على نحو مختلف جذريا عما سلكه اليونانيون. المسيح لا يريد البتة تغيير القانون، ولكنه يعني أنّ مجرد العمل الحرفي بالقانون لا يكفي مع ذلك للدخول في ملكوت السماوات. وبتعبير آخر: لا يدعونا المسيح إلى العمل أقل من القانون بل أكثر: ينبغي إضافة الروح إلى حرفية الفعل. فاتباع القانون حتى أشد ما يكون لا قيمة له بتاتا إن لم يكن فيه إحساسا بالقلب. هذا " التحقيق " للقانون، الذي هو " تجاوز " أيضا، سيسمح به الحب الذي نستمده من الاله. الحب وحده سيعطي هذا النفس، ويسمح بتحقيق القانون مع الالتزام بروحه، والعمل به على نحو مغاير لمجرد طاعة " العقل العملي ".

هذه النظرة السريعة لعقيدة الخلاص في العهد المسيحي ولامتداداتها لم تخل من تناقضات رهيبة، فمن جهة أن المسيحية أضفت معنى جديدا بالخلاص الشخصي وفهم التجربة الانسانية، ولكنها سرعان ما قامت في صلب الكنيسة والمجتمعات التي أصبحت فيها المرجعية المركزية بإعادة إنشاء نظام تراتبي وقواعد قسرية وصورية تعبدية أقل ما يقال فيها أن اتساقها مع الرسالة الانجيلية ليس بالأمر البديهي. ثم إن الفلسفات التي نمت على أساس المسيحية فضلت لمدة طويلة – كما بينا – استخدام جديد للفلسفات القديمة كان مفعوله إعادة إدخال مقدار معين من المبادئ الأرسطية وإضفاء القداسة على القانون الطبيعي. والحق – وكما يقول هيجل – فإنّ جانبا من أطرف ما يوجد في الرسالة المسيحية لم يلق تحقيقا مقنعا بالفعل إلا متأخرا وفي إطار فلسفات إنسانوية أو ما بعد إنسانوية مستقلة تماما عن الدين. إذن مضى كل شيء وكأن المسيحية، من زاوية فلسفية على كل حال، ظلت لمدة طويلة ممزقة بين انشداد الماضي الذي ألغته وبين مستقبل يكون فيه تأثيرها بارزا بقدر ما يصبح طي النسيان أنّها كانت الأصل فيه. ذاك بالتحديد ما يؤدي بنا إلى الحقبة الموالية، وهي حقبة الانسانوية. (45)

 

...............

الهوامش:

43 - لوك فيري، أجمل قصة في تاريخ الفلسفة، مصدر سابق، ص21-23.

44 - لوك فيري، تعلّم الحياة، مصدر سابق، ص54-66، ص88-90. وانظر أيضا: أجمل قصة في تاريخ الفلسفة، مصدر سابق، 23-31.

45 – لوك فيري، تعلّم الحياة، مصدر سابق: ص100-127. وانظر أيضا: أجمل قصة في تاريخ الفلسفة، مصدر سابق، ص31-37 و ص126–145.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3992 المصادف: 2017-08-10 13:28:35