 أقلام فكرية

الرؤية الهرمينوطيقية للعالم عند جورج هانس غادامير

zouhair khouildi2"إن امتلاك عالم ما يعني امتلاك توجه ما نحو ومع ذلك يبقى المرء متحررا تماما مما يواجهه من العالم الذي يقدمه أمام نفسه من حيث هو كائن"1[1]

إذا كانت الرؤية التاريخية للعالم تعاني من المأزق الذي تتضمنه فكرة التاريخ الكلي وإهمالها للعمل الفردي وتكتفي بنقل بقايا الماضي الصامتة وتغفل عن التجارب الحية التي عايشها الوعي العامل في الماضي وتفشل في سعيها وراء الهدف الضخم حول فهم الحياة الكلية للمجموع البشري فإن الرؤية الهرمينوطيقية للعالم تخضع الموضوع لتأمل حول أثر الحقيقة أكثر من معالجة المنهج وتتفادى جعل الماضي في متناول الحاضر وتفترض أسبقية التاريخ على الحياة وتحرص على التعبير عن ما يمثله التراث في الحاضر.

لقد أقلعت الفلسفة الهرمينوطيقية مع عادات القيام بخطوة باتجاه بناء معرفة موضوعية بالعالم التاريخي تحاكي النموذج الوضعي الذي حقق نجاحات مذهلة في معرفة الظواهر الطبيعية مع العلوم الدقيقة وابتعدت عن قياس الماضي بمعايير الحاضر كما لو كانت معايير مطلقة وفضلت العودة إلى الطريقة التي ينظر بها الماضي إلى الأشياء وينتج الأفكار حيث يستمر المعنى في التراث وتوجهت نحو اكتشاف الرؤية إلى العالم التي تتضمنها اللغات المتداولة ودراسة الحكمة المطمورة في الحكايات الموروثة وحاولت إحياء الماضي في التراث السردي عن طريق الحدس والتعاطف والإنصات الشعري ونحت معرفة مستقلة.

" المبدأ الأساسي للمؤرخ هو أن يؤول التراث بمعنى مختلف عن المعنى الذي تتطلبه النصوص لذاتها"2[2]

تسعى الهرمينوطيقا الفلسفية ضمن تأملها في رؤية العالم التاريخية وتطورها إلى التخلي عن المزاعم الميتافيزيقية للفلسفة المثالية وخاصة الاعتقاد في وجود كلية الروح التاريخية العارفة وفي المقابل تحاول إقامة هرمينوطيقا تاريخية للنقد الفلسفي بالتحدث عن الوعي المتأثر تاريخيا وبإقرار تناسب بين التناهي البشري ولانهائية المعرفة ولامحدودية الأفق التاريخي والانصهار الفكري لطبقات التراث مع الحاضر.

تتخطى الهرمينوطيقا التأويل التاريخي من حيث هو معطى بلاغي يقوم بالربط بين اللغة والتفكير ويركز على الفعل الصريح لفهم نص معطى ويفترض مقصد تم التعبير عنه ويجب العودة إليه واستخراجه نحو استكناه التعبير الذي يشتمل على كل شيء بما في ذلك المعنى الخفي الذي يحتاج إلى أن يؤول بشكل ما.

رؤية العالم هي الرؤية اللغوية التي تمثل المرجع التأويلي للعقل الهرمينوطيقي وعالم التأويل هو عالم الآخر بالنسبة للنص المؤول وللتراث الماضي ولكن هذه الرؤية لا تمتلك حقيقتها الخاصة في ذاتها وليس مجرد مجال للبحث والمعرفة بل من خلال علاقة المؤول بها وعلاقة التراث بخبرته التأويلية وقدرته على الفهم ضمن رؤية المرء للعالم ورؤيته اللغوية التي تسمح للكائن بان يكون في الموقع قبول معنى ما يقال.

" ليست مجرد شيء يمتلكه الإنسان في العالم بل أن يكون للمرء عالم ما إنما هو أمر يعتمد على اللغة"3[3]

من هذا المنطلق إن الرؤية الهرمينوطيقية للعالم هي رؤية لغوية مادامت التجربة اللغوية هي منبع كل شيء محور رؤية الكائن البشري للعالم ومادام الوجود الجدير بالفهم هو بالأساس لغة بما أن جوهر اللغة هو فعل الكلام الحي وبالتالي يجوز الاستخلاص بان عالم البشر هو عالم اللغة ولا وجود لهم دون لسان.

إن امتلاك عالم ما يعني امتلاك لغة معينة ضمن بناء لغوي للعالم من خلال الكائن البشري الذي يتحرر من البيئة بالتعالي عن وطأة اليومي والتحرر من المحيط الطبيعي بالقدرة على التسمية وإضفاء المعنى.

بيد أن يرى العلماء أن العالم الحقيقي الموجود في ذاته هو عالم الموضوعات التي توضع تحت تصرف المرء أي العالم الفيزيائي والواقع المطلق الذي يرتبط بالأشياء المادية والكائنات الحية المتنوعة من نبات وحيوان وبشر وبالتالي إن نموذج العالم هو الآلة القادرة على صنع الأشياء عبر المعرفة من اجل الهيمنة ولكن هل من الصحيح أن هذا العالم العضوي من حيث هو كون طبيعي هو عالم الوجود في ذاته بوصفه الكل ومن حيث يتم تخطي كل ما له علاقة بكينونة الموجود وحيث يمكن أن تسمى المعرفة علما مطلقا؟

إن"امتلاك لغة يتضمن شكلا للوجود مختلفا...والبشر حينما يتعلمون لغة أجنبية لا يغيرون علاقتهم بالعالم، وإنما هم بالأحرى يثرونه ويوسعونه... بالاحتفاظ بعلاقتهم الخاصة بالعالم، فكل من له لغة له عالم"4[4]

في هذا الصدد إن العالم نفسه يقدم نفسه في اللغة والتجربة اللغوية للعالم التي يقوم بها المرء هي تجربة كونية ومطلقة وتشمل الوجود في ذاته بأسره وتسبق على كل شيء يميز كل شيء ويخاطب كل كائن. على هذا النحو تعبر اللغة عن علاقة كلية بين الإنسان والعالم، من حيث أن العالم الذي تشكله اللغة ويظهر من خلالها للإنسان ليس موجودا في ذاته يعطى في التجربة بصورة كلية وليس موضوع معرفة نسبية على غرار الطبيعة وإنما يعبر عن التلاقي بين الوعي المتأثر تاريخيا وتفهم التجربة اللغوية للعالم.

مقتضى القول الهرطينوطيقي حول العالم اللغوي الذي يقيم به كل إنسان رمزيا يدور حول أن " اللغة بالأحرى هي الوسط الكلي الذي يحدث فيه الفهم والفهم يحدث في التأويل...فالفهم برمته تأويل والتأويل برمته يحدث وسط لغة ما تتيح للموضوع بأن يتأتى بكلمات مع أنها أيضا لغة المؤول الخاصة"5[5]

لكن إذا تعذر على الفلسفة النقدية التعبير المنطقي عن الواقعية الحية للكلام الذي ينشط كلية المعنى ولم تقدر على إيضاح الظاهرة التأويلية في ضوء التناهي الأساسي للوجود وبالنظر إلى كون هذا الوجود نفسه هو وجود لغويا كليا وبعد المراهنة على الصلة الوثيقة بين التراث والتاريخ التي تم التعبير عنها من خلال الوعي المتأثر بشغل التاريخ فما الطريق الذي يتحدد بمقتضاه الانتماء على أساس العالم المتشكل لغويا؟

د. زهير الخويلدي – كاتب فلسفي

...................

الإحالات:

[1]  غادامير ( جورج هانس)، الحقيقة والمنهج، الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية، ترجمة حسن ناظم وعلي حاكم صالح، دار أويا، طرابلس، ليبيا، طبعة 2007، ص576

[2]  غادامير ( جورج هانس)، الحقيقة والمنهج، نفس المصدر، ص452

[3]  غادامير ( جورج هانس)، الحقيقة والمنهج،، نفس المصدر، ص576

[4]  غادامير ( جورج هانس)، الحقيقة والمنهج،، نفس المصدر، ص588.

[5]  غادامير ( جورج هانس)، الحقيقة والمنهج،، نفس المصدر، ص511.

المصدر:

غادامير ( جورج هانس)، الحقيقة والمنهج، الخطوط الأساسية لتأويلية فلسفية، ترجمة حسن ناظم وعلي حاكم صالح، دار أويا، طرابلس، ليبيا، طبعة 2007،

Gadamer  (Hans-Gorge), esquisses herméneutiques, essais et conférences, traduction Jean Grondin, éditions VRIN, Paris , 2004.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4109 المصادف: 2017-12-05 00:00:27