المثقف - أقلام فكرية

اللامفكر فيه ورهانات العقل العربي

almothaqafnewspaperإذا كان العقل في جوهره عالمي الهوية والجذور، انساني الملامح والافاق، فان العقلانية غير ذلك، إذ هي تتعدد بتعدد الثقافات والأمم، ومن ثم فإن العقلانيات العربية اليوم هي حقيقة وجود يحمل في ذاته تناقضات العصر الذي يحياه، وعليه لم تكتسب العقلانية شرعيتها كمفهوم على المستوى الفلسفي والسياسي في الفكر العربي، ولم تكن امتدادا له بقدر ما كانت من المسبقات المعرفية التي فرضت نفسها في ثنايا هذا الفكر. أي أن الفكر العربي تعرف على العقلانية إثر لقائه بالغرب هذا التعرف الذي كان ولا يزال يتميز بالحذر تارة وبالمد والجزر تارة أخرى، فأصبح الواقع العربي الراهن يعيش حالة" إنشطار" يتنافس ويصطدم ويتصارع فيه صنفان من المعطيات صنف ينتمي الى موروث من ماضينا وصنف وافد من حاضر غيرنا، فهذا الانشطار لا يعكس فقط إشكالية القديم والجديد بل إشكالية "الانا" و"الاخر"، وازمة الابداع اشكالية الوحدة والتقدم ... فنجد أن الفكر العربي في واقع الأمر ليس سوى تجليات للواقع العربي المتشابك الأطراف المتداخل المستويات، فالواقع العربي الراهن يجتاز مرحلة انتقالية متداخلة الخطى يتشابك فيها الزمان والمكان والقديم والجديد، ما يضفي على الواقع العربي طابعا إشكاليا، طابع الوضع المأزوم.

   وليس هناك طريقة أخرى لنزع الطابع الاشكالي عن هذه المشكلات، سوى تحليلها تحليلا عقلانيا نقديا، لنجد بذلك أن مفهوم العقل والعقلانية قضية أخرى تخص وضع العرب الراهن، كون أن ما نرصده في الخطاب العربي الثقافي هو اعتماد الاستشهاد بالنصوص سواء كان هذا النص شعريا أو دينيا أو تراثيا، وهذا ما يعد خروجا عن أي خطاب عقلاني، ما سوغ عجز الفكر العربي على اختلاف مدارسه وتعدد مشاربه عن فهم الواقع، فأغفل نقد العقل، فكانت هناك الدعوة الى تحديث العقل العربي واعادة بناءه وفق مناهج رؤيويه جديدة تنطلق اساسا من الاشتغال على ابراز رهان التفكير ونوع الاشكالات المتضمنة في السؤال لهذا الخطاب، أي الدعوة الى التحرر الفكري انطلاقا من نقد العقلانية والعقل العربي وتفكيك بنيته وتحليل مسلماته، وإستنطاق صياغاته بهدف معرفة كيفية اشتغاله، وطريقة إنتاجه للمعنى والحقيقة، وتاريخية تكونه وقطائعه، وإلتماس حدوده وتناهيه، .

في هذا السياق يندرج مشروع المفكر محمد اركون، وهو مشروع ينخرط إبستمولوجيا في العمق يدرس صلاحية كل المعارف التي انتجها العقل العربي والاسلامي بغرض توضيح الدلالات الفكرية والفلسفية المشكلة لفكره، والكشف عن عناصرها، وكيفية إنبناءها إنطلاقا من دراسة القضايا الإيمانية والعقائدية تتعلق بالقرآن والسيرة النبوية، أي الاشتغال في قضايا تتجه جهة مجال المستحيل التفكير فيه لنصل بذلك الى إشكال يتموضع في صميم الراهن العربي ألا وهو: ماهي رهانات العقل في الخطاب العربي المعاصر؟كيف يكون التراث دعامة ابسيمية تجدد روح العقل العربي؟ بمعناه: الى أي مدي يمكن القول أن اللامفكر فيه رهان يجدد هذا العقل؟

 إن قراءة وتفكيك بنية العقل العربي جعل منه موضع مساءلة، فعند الحديث عن عملية التحليل هذه ستكون من خلال الأداء العام لهذا العقل من حيث نشاطه وفعاليته ودوره في تكوين وصياغة الحضارات الراهنة وتأثيره على مجرياتها لكن الحديث عن السياق الذي يؤسس وفقه العقل العربي أو شروط تشكل هذا العقل المعرفية والتاريخية لبنائه لابد من التعرية والحفر في بنية هذا الأخير قصد معرفة القيم والرؤية المعرفية والثقافية والمضامين التي يحملها، وإعادة قراتها بعمق وفق رؤية تحليله تفكيكية للكشف عن ظاهره وباطنه، غير أن أصول المنظورية الحفرية من حيث التأسيس والاشتغال تعود الى المفكر "ميشال فوكو"* فقد طبق المنهج الحفري في دراسة الخطابات الهامشية1 واللامفكر فيها.

  هذا الحفر مارسه في دراسة في أعماله الفكرية لأصناف معرفية كمسألة الجنون، السجون، الجنس، والأشكال المختلفة من القهر، وعلاقة الانسان بالسلطة التي تتخلل حياتنا بأشكال مختلفة وصورها المتعددة المفروضة على عقولنا وتتحكم في محتوى الوعي، هذه السلطة التي شرحها ميشال فوكو من خلال الحفر والتنقيب في الأنساق الفكرية، هذا الحفر الذي كان يبحث في أصل الأثار المادية وتمت زحزحته جهة الأثار الفكرية والمعرفية لسائر النصوص الابداعية الموروثة للتوصل إلى الطبقات التأسيسية الأولى، إن المقاربة الابستيمية لميشال فوكو تقودنا الى رصد تغيرات جوهرية في النشاط الفلسفي الذي اهتم على نحو غير معهود بالأدب الشبقي الجديد في كتابه الاثير تاريخ الجنسانية ومادامت الفلسفة تفكيرا أصيلا في الراهن واللامفكر فيه نجد ان فوكو لا يكاد يغلق دوائر إبستمية حتى يفتحها في موضع آخر ليؤكد بذلك على مشروعية انتهاك الحدود المألوفة على نحو واضح 2

المنهج الآركيولوجي والحفر في بنية العقل العربي والتراث:

من موقع الحاجة الدائمة إلى المراجعة النقدية لقضايا الفكر العربي المعاصر، تُعدّ إشكالية التوظيف المنهجي للمفاهيم3 في جانبها الإجرائي واحدة من الإشكاليات الكبرى التي تواجه هذا الفكر، لأنّ أغلب المناهج المُوظفة قد أُنتجت في فكر غير الفكر العربي وفي تربة معرفية مختلفة، والمطلوب إجراؤها على متن هذا الفكر فنجد ان المفكر" محمد اركون"* من المفكرين الذين خاضوا غمار البحث في العقل العربي وفق منظورية ومنهجية فكراوية بامتياز فكان مشروعه إخضاع العقل والتراث الاسلامي الى معاول وأدوات النقد والتفكيك4 فسعى اركون من خلال نقده للعقل الاسلامي إلى جعل اللامفكر فيه من الرهانات التي يمكن التفكير فيها داخل ساحة الفكر العربي المعاصر ويقصد أركون باللامفكر فيه ضمن رؤية إلى كل ما حذفه الفكر الاسلامي من دائرة اهتمامه منذ القرن 13 على الاقل، بحيث أصبحت الأشياء التي يمكن التفكير فيها أقل من الأشياء التي يستحيل التفكير فيها، وهذا بحد ذاته يعتبر دليل على استقرار هذا الفكر وانغلاقه.

كما وظف أركون في مشروعه البحثي أحدث المناهج والمفاهيم، المتعلقة بالألسنية والتأويل، مع ما صحابها من أطر التفكير، ونقد ابستيمولوجي ولم يضع بذلك حدا يؤطر حقل عمله داخل التراث من جهة اعتبار أن كل ما أنتجه العقل العربي شفاهيا، كتابيا، فلسفيا، أو حتى دينيا يجب التوقف عنده، والبحث في أسسه وجذوره مع ضرورة الإلتفات الى الهامش أو المسكوت عنه، فراح بذلك يحترج آليات للتأويل ومن أهم هذه الأليات : آلية المجاز فالخطاب القرآني هو خطاب مجازي والمقصود بالمجازي هنا ليس فقط التركيبة اللغوية بل البعد الإبستيمولوجي الذي يفتح افاقا للمعنى، فميز أركون بين المعنى وآثار المعنى وظلال المعنى وجعل من هذا التمييز المدخل الأساسي لأشكلة المعنى عن طريق التساؤل عن الآليات اللغوية التي إحتكم اليها.

هذا التأسيس لللامفكر5 فيه إذن عند اركون يرمي إلى إعادة كتابة جديدة لتاريخ الفكر الاسلامي والعربي، باعتبار أن معظم الأسئلة التي ينبغي طرحها على التراث تدخل ضمن "اللامفكر فيه" فماهية التراث عند اركون بنية تراكمية تشكلت عبر أجيال متلاحقة تتكون من مزيج من المعارف المتداخلة بطريقة لا يفصل فيها بين الإلهي والبشري، وهو ما يعطيه مضمونا ثبوتيا يقتضي إنتاج قراءة تفكيكية لمكوناته الداخلية باعتبار أن صفة التراكم التي تميز التراث تفرض التعاطي مع منتجاته المعرفية بشكله المتداخل، ومن خلال دراسته للعقل الإسلامي وتركيبته الداخلية خلص إلى أن هذا العقل الكلاسيكي تفرع إلى عقول إسلامية متنافسة ثم تحول إلى عقل إسلامي أرثوذكسي صلب مغلق على ذاته، مما يعني نزع صفة العقلانية عن العقل ومنتجاته الفكرية انطلاقا من هذا الانغلاق وتشبعه بالقيم والمفاهيم الموروثة عن عصور سيادة اللاهوت وتصورات الميثولوجية، وبالتالي إن دراسة الانثروبولوجية الدينية للتراث إنما هي توضيح تنافسي مستمر بين المعرفة الأسطورية والمعرفة العقلانية وروابطها المتحولة، فلا يمكن للفكر العربي إذن أن ينفتح عن العقلانية بشكل فعلي وناجح إلا بتفكيك الدوغمائية ومفهوم الأرثوذكسية الخاصين بتراثه ما يعني أن للعقل العربي خيار واحد هو الانفتاح على هذه العقلانية 6، ولايكون هذا الإنفتاح إلابتحطيم أساسيات المعرفة الميثولوجية وبالتالي فالمفكر أثناء دراسته للتراث لابد أن يكون اركيولوجي فكرعلى حد تعبير ميشال فوكو..

فالمتأمل في كتاب اللامفكر فيه في الفكر الاسلامي لأركون يجد أنه يتحدث عن الموضوعات والقضايا الفكرية التي إعتبرها الفكر الاسلامي مسلمات لاتحتمل النقاش، فكان الدرس الأركوني درس نقدي، منهجي سعى للتنظير إلى نوع من المعقولية الثاقبة للإختراق والتفكيك قصد الخروج من سياجات الدوغمائية التي تكبل العقل العربي وكذلك القطع مع كل أشكال الإخفاقات التي يحياها الانسان العربي والمسلم حسب اركون فإن سلطة العقل لا تعني أبدا تجاوز سلطه النص والغاءه بقدرماهي قراءة جديدة في صور معطيات المعارف والعلوم الحديثة ومقاربتها عقلانيا معناه ان تجاوز النص لا يعني القطيعة مع التراث.

فمن خلال نقد العقل العربي والاسلامي يحاول اركون صياغة موقف إشكالي عام ..يتمثل في تلك العلاقة القائمة بين التراث والحداثة ويحاول اركون حل هذا الاشكالية من خلال إرساء "الوعي التاريخي" الذي احله محل التفسيرات اللاهوتية والأسطورية حتى يكتسب الفكر الاسلامي بعدا علميا7

لنصل الى القول بأن التراث بما يحتويه من اللامفكر فيه الرهان الوحيد لخروج العقل العربي الاسلامي من آزماته الفكرية والابستيمية ولا يكون ذلك إلا عن طريق إعادة توحيد الوعي الدينيّ، من خلال البنية الخارجية للعقل الإسلامي، والتي تتمثل في ثلاث مراحل الأولى : إلحاق الإسلام بالأديان التي شهدت العلمنة، أمّا الثانية، فتقوم بالأساس على إخضاع الإسلام للحفريات والنقود والتفكيكيات نفسها التي خضعت لها الأديان الأخرى.، في حين يتمّ في الثالثة القيام بثورة تأسيسية لإصلاح الفكر الإسلاميّ.

 

إبتسام مشقق

.....................

*ميشال فوكو (1926 - 1984) فيلسوف فرنسي، يعتبر من أهم فلاسفة النصف الأخير من القرن العشرين، ودرس وحلل تاريخ الجنون في كتابه "تاريخ الجنون"، وعالج مواضيع مثل الإجرام والعقوبات والممارسات الاجتماعية في السجون. ابتكر مصطلح "أركيولوجية المعرفة". أرّخ للجنس أيضاً من "حب الغلمان عند اليونان" وصولاً إلى معالجاته الجدلية المعاصرة كما في "تاريخ الجنسانية"."

 11-عسو بحاج، على هامش النص"العيش بصحبة الفلسفة"لميشال فوكو، مدونة الحداثة وما بعد الحداثة، 15سبتمبر2016

22-عبد السلام دخان، ميشال فوكو وارادة المعرفة، فلسفة الحداثة ومابعد الحداثة، 14 اكتوبر 2016

3- علي رسول حسن الربيعي، جدل المناهج في الفكر العربي المعاصر"اشكالية التوظيف الاجرائي للمفاهيم" مؤسسة مؤمنينون بلا حدود، قسم الفلسفة والعلوم الانسانية، 19 فبراير2016

* يعَدُّ محمد أركون (1928-2010م) أحد أهم المُفكّرين العرب المعاصرين؛ الذين راموا تجديد أسس القراءة النقدية للفكر الإسلامي.

4- محمد ادريس، قراءة في كتاب "قضايا في نقد العقل الديني –كيف نفهم الاسلام اليوم؟، لمحمد اركون، مؤسسة مؤمينون بلا حدود، قسم الفلسفة والعلوم الانسانية، 2017..

5- رشيد غنوشي محاورة مع اركون حل كتاب اللامفكر فيه في الفكر الاسلامي، الجزيرة لندن، 15-4-200 –يوتيوب-

6-محمد اركون، قضايا في نقد العقل الديني –كيف نفهم الاسلام اليوم؟، ترجمة هاشم صالح، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت لبنان، ط1، 1998، ص18.

7- عبد الوهاب شعلان، اشكاليات في الفكر العربي المعاصر، في اطروحات اركون، الجابري، العروي، حسن حنفي، علي حرب، مكتبة الاداب، القاهرة، ط1، 2006، ص26.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4111 المصادف: 2017-12-07 08:57:50