 أقلام فكرية

جيل دولوز قارئا لنيتشه.. مفهوم الوجود

mohamad bakoh1 - مسألة وجود الوجود: يقرأ دولوز قضية الوجود في التفكير الفلسفي عند نيتشه، انطلاقا من مدخل التساؤل الفلسفي التالي: ما هي العلاقة الممكنة بين الإيديولوجية الدينية (المسيحية) والفكر التراجيدي؟

إنه السؤال الحارق المستفز بقدر ما هو سؤال يفتح نافذة للتفكير والتأمل..

لاشك أنهما - أي الإيديولوجية المسيحية والفكر التراجيدي - يتقاطعان معا حول إشكال فلسفي قديم و أصيل. نعني به إشكال معنى الوجود في صلته الجدلية عبر تاريخ وجود الحياة بوجود الكائن البشري، ككائن يفكر ويعي أنه موجود. وبالتالي، فمسألة الوجود ظلت مصاحبة لانشغالات البشر، أفرادا وجماعات، أكثر من أية قضية أخرى، بسبب امتداداتها العديدة وتقاطعاتها النوعية مع باقي أشياء وموجودات مماثلة، توجد في ومع محيط الكائن البشري الطبيعي في الحياة. من هنا، كان تساؤل الإنسان الأولي والمبكر هو: هل للوجود من معنى في أصل الأمور؟ يعني ما معنى أن يكون للوجود معنى معينا، إن كان له معنى في الأصل، أو له عدة معان؟

إنها عينة صغيرة من الأسئلة الحارقة و "المُشاغبة" التي يطرحها جانب من النسق الفلسفي النيتشوي العميق والمتشعب. ومن تمّ، يرى نيتشه أن إشكال الوجود لابد أن يعتبر من أعرق وأقدم الإشكالات الفلسفية التي عرفها المسار الطويل لتاريخ الفلسفة برمته، باعتبار أن له علاقة جدلية وقوية بمشكلة البحث المستمر عن المعنى أو معنى المعنى، في إطار التفسير والتأويل والتقييم. يعني تأويل معنى أو معاني الوجود وتقييمه / أو تقييمه لوجوده كفرد موجود في وجود حياة لابد أن يكون له فيها معنى محددا يشكل وجوده حلقة هامة ضمن حلقات كونية كينونة الوجود .

هل بإمكاننا تفسير وتبرير وجود الوجود الطبيعي والبشري؟ ولماذا وجد الوجود؟ وهل من واجد للوجود وكيف ومتى ...؟

إن تقديم إجابة فلسفية قطعية للسؤال أعلاه يعتبر، حسب دولوز، من أنضج سبع المستحيلات الكائنة والممكنة، باعتبار أن مهمة الفلسفة لا تكمن في تقديم الإجابة القطعية، بقدر ما تكمن في طرح السؤال تلو السؤال المُستفز والمشاكس والمختلف لغاية الهدم والتجاوز والتأسيس للمعنى الجديد والمجدد، حتى وإن بدا ذلك السؤال المطروح خارجا عن سياق صواب التداول المألوف. لكن، نيتشه يلح بهذا الصدد، في فلسفته النقدية التي جاءت لتعميق السؤال الوجودي من منظور تراجيدي، على ضرورة طرح وإعادة إنتاج طرح السؤال النقدي المختلف حول مسألة الوجود، ليس كما مارسه فلاسفة زمنه الفلسفي الحديث في القرن 19 ككيركيغارد وسارتر وهيدغر، ولا حتى كما فلسفه ومارسه فلاسفة الزمن الفلسفي الكلاسيكي الإغريقي ما بعد السقراطي كأفلاطون وأرسطو وما بعدهما، وإنما تيمّنا بالطرح الفلسفي التراجيدي عند أغارقة ما يسمى بحكماء ما قبل ظهور فلسفة سقراط، التي صنعت أصنام فلسفة الأخلاق، بتعبير نيتشه، وعملت بذلك على القتل الرمزي والتاريخي لمفهوم الفلسفة، حسب دولوز دائما، بمعناها الوجودي التراجيدي، كما مارسه فعليا وعمليا فلاسفة من قبيل كل من هيروقليطس وطاليس وديمقريطس .. وغيرهم من فلاسفة الحكمة التراجيديين، كما سماهم نيتشه نفسه في كتابه الأصيل البكر (مولد التراجيديا - 1872).

2-  الوجود بملمح الجريمة

بما أن الوجود يتألم فهو إذن مُذنب. إذن يعتبر في موقع الجريمة. إنه "الكوجيطو" الفلسفي الذي يفسر به نيتشه، حسب تحليل دولوز، مسألة علاقة الوجود كمعنى فلسفي قوي، بمعنى الإنسان كطرف ضعيف في هذه المعادلة الفكرية المبحوثة غير المتكافئة. يعني، هل الأمر هنا يتعلق ب"تجريم" الوجود، بتعبير دولوز، باعتبار أن الضحية هنا هي الإنسان، والمجرم هو الوجود؟ أو بكلمات هيدغر، المجرم هنا هو الوجود، والضحية المفترضة هي الموجود، أي الإنسان.

ثمة فرق واضح إذن بين التأويل الإغريقي لجريمة الوجود، حسب نيتشه، والتأويل الديني المسيحي للغفران peché. لهذا، يقر ديونيزوس كشخصية فلسفية مفهومية في النص الفلسفي النيتشوي، وفق تحليل دولوز دائما، ببراءة الوجود وببعده التعددي، وببراءة صيرورته المستمرة في أصل الأمور. إن براءة الوجود تعني هنا حقيقة معناه المتعدد والمحدد والمتغير غير المجرد. أي أنه لا لوجود خارج الكل. وجود الوجود يعني لا لوجود الكل. يمكن فقط تفسير ما يجري في الوجود، حسب نيتشه، بما سماه نيتشه بفلسفة إرادة القوة التي تتحكم في حركات الطبيعة، ونوازع البشر باعتبار البشر جزء من الطبيعة.. هكذا تتحقق تراجيدية الفكر الفلسفي كما مارسته الفلسفة الإغريقية ما قبل السقراطية، حين اهتمت وانشغلت باحثة، مفكرة في سؤال الوجود الكائن والممكن، انطلاقا من أسئلة الفكر النقدي، والعدالة والبراءة والحقيقة في الحياة والمجتمع ..

 

محمد بقوح

...............

المرجع : كتاب جيل دولوز : Nietzsche et la Philosophie

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4164 المصادف: 2018-01-29 04:32:50