 أقلام فكرية

جيل دولوز قارئا لنيتشه: مفهوم التراجيديا

mohamad bakohيرى دولوز أن تأكيد نيتشه على البعد التراجيدي للممارسة الفلسفية يرجع إلى حرصه الشديد، في معظم كتاباته الفلسفية، على المقابلة بين الرؤية التراجيدية للعالم، والرؤى الأخرى المختلفة، وتحديدا بين الرؤية الجدلية والرؤية الدينية المسيحية. بحيث أن نيتشه انتقد بقوة الرؤيتين الأخيرتين للعالم، واعتبر الرؤية الجدلية بصفة خاصة المنظور الفكري والفلسفي المسؤول المباشر عن اغتيال الفكر الفلسفي التراجيدي، كما مارسه فلاسفة الإغريق الحكماء ما قبل الفلسفة السقراطية، ودافع عنه نيتشه نفسه في جميع أطوار مساره الفكري – الفلسفي. لهذا يفسر نيتشه وفق تحليل دولوز دائما، ظاهرة ما سماه بالاغتيال الفلسفي الجدلي للفعل الفلسفي التراجيدي انطلاقا من ثلاث طرائق مختلفة الأدوات الفكرية والمعطيات التاريخية، غير أنها تؤسس لنفس المساعي والأهداف الإيديولوجية والحضارية، ونعني بها :

أ – الجدل السقراطي: مارستها بقوة الفلسفةُ السقراطية التي اهتمت بالجدل الأخلاقي، ونسيت الانصات العملي للسلوك الطبيعي الجميل العام. أي حولت البحث الفلسفي من مبحث الوجود الذي يعني الأصل المدهش والكلي لفعل التفلسف النقدي التراجيدي، إلى مبحث المعرفة والأخلاق الذي لم يكن عند نيتشه سوى مبحث جزئي مما ينبغي أن يكون والبحث فيه، وبالتالي، نجح – أو سقط الفيلسوف سقراط، ومن تمّ الجدل السقراطي الذي سار على نهجه أفلاطون وأرسطو، في خندق أول انحراف فكري للعقل الفلسفي في تاريخه.

ب – الفكر الديني المسيحي : يعتبر المنتوج الأول للفكر الجدلي السقراطي. بحيث، لولا ذلك الانحراف الفكري والمعرفي الذي حققته الفلسفة الجدلية السقراطية، باعتنائها واحتفالها الكامل بالإنسان والأخلاق والمعرفة كمباحث جديدة لفعل التفلسف، لما نجح العقل الديني المسيحي في تأسيس أول قاعدة لانتصاره التاريخي على العقل التراجيدي النقدي.

ج – الجدل الفلسفي الحديث : يذهب نيتشه، حسب دولوز، إلى أن الفلسفة الحديثة، بدءا بفلسفة ديكارت، المتردد، وفلسفة كانط، العامل، وليس الفيلسوف، وغيرهم من الفلاسفة الجدليين الألمان النظريين، كما يسميهم نيتشه، لم تعمل سوى على تعميق المعنى السقراطي الأصلي والمعنى الديني المسيحي. بمعنى، أن نيتشه في هذا المقام كان يؤكد، في حديثه الفلسفي عن القيمة السلبية للجدل الفلسفي الحديث، وخاصة في إطار فلسفة فاغنر الحالمة ..

هكذا يثبت نيتشه، وفق تحليل دولوز، سقوط وعدم قدرة الفكر الفلسفي الجدلي على تجاوز قصوره الفكري النظري، لفهم وإعادة إنتاج معرفة فلسفية نقدية تراجيدية. ويفسر نيتشه سبب هذا السقوط الفلسفي لدى التجربة الفلسفية الجدلية الحديثة، باعتبارها تجربة نظرية لم تعرف كيف تجعل من الفلسفة الجدلية فلسفة نقدية يكون مبحث انشغالها المعنى والقيم في الحياة بكل تجلياتها، ومن تمّ، لم تتمثل بما فيه الكفاية العمق الفلسفي للفكر التراجيدي، من حيث أنه فكر أقام صرحه الفكري على أساس ربط الجدل بالنفي، وربطه بالتضاد، ثم ربطه بالتناقض. إلا أن الشخصية الفلسفية المفهومية ديونيزوس عند نيتشه كانت الأكثر عمقا تراجيديا بكونها تعيد إنتاج التناقض التراجيدي في بعده النقدي والجمالي، كما أسست له الفلسفة النيتشوية في جميع مراحلها الفكرية والتاريخية. 

   

......................

المرجع : كتاب:

Nietzsche et La philosophie – Gilles Deleuze

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4170 المصادف: 2018-02-04 01:42:11