 أقلام فكرية

الخلفية السياسية لنظرية الأشكال الافلاطونية

حاتم حميد محسنقد يبدو من الصعب لغير الفيلسوف فهم نظرية الأشكال لافلاطون. ولكن لو وضعنا هذه النظرية ضمن سياقها التاريخي والثقافي فانها ستكون ذات معنى.

ولد افلاطون في سنة 427 او 428 قبل الميلاد في اثينا حينما كانت الديمقراطية الاثنية في اوجها. هو ينتسب لعائلة ثرية وارستقراطية. كان افلاطون منخرطا في سياسة اثينا ولهذا هو لم يكن غريبا عن السياسة. هو كان ايضا مؤسسا لإكاديمية اثينا ومدرستها الفلسفية الاولى والتي يمكن اعتبارها اول جامعة غربية في العالم. توفي افلاطون بين عامي 347 و 348 قبل الميلاد.

فلسفيا،كان افلاطون قد تأثر بثقافة الشك وخاصة شك استاذه سقراط الذي كان نجما في حوارات افلاطون. الشيء الذي اتفق عليه العديد من فلاسفة اليونان القدماء هو اننا نعيش في عالم يصعب اعتباره مصدرا للمعرفة الحقيقية الثابتة والابدية. العالم يتغير باستمرار، تبدّل المواسم تعكس هذا التغيير. لا شيء دائم ابدا: البنايات تتحطم،الناس، الحيوانات ،الاشجار تعيش ثم تموت. حتى الحاضر مخادع:احاسيسنا في البصر واللمس والذوق تخدعنا من وقت لآخر. ما يبدو ماءا في الصحراء هو في الحقيقة سرابا، و ما نظنه حلوا في وقت ما قد يبدو مرا في وقت آخر. هيريقليطس الذي سبق سقراط قال اننا يستحيل علينا عبور النهر مرتين.

جادل افلاطون في حواراته السقراطية انه وبسبب كون العالم المادي متغير فهو ايضا غير موثوق به. لكن افلاطون اعتقد ايضا ان ذلك ليس كل القصة. وراء ما يبدو من هذا العالم غير الموثوق هناك عالم الدوام والموثوقية. افلاطون يسمي هذا العالم الاكثر واقعية (لأنه دائم) يسميه عالم الاشكال او الافكار. ولكن ماهي الفكرة الافلاطونية او الشكل الافلاطوني؟

لناخذ على سبيل المثال المثلث التام المتساوي الاضلاع،كما يوصف في الرياضيات. هذا المثلث هو وصف لشكل او فكرة المثلث. يقول افلاطون ان هذ الشكل يوجد في حالة مجردة ومستقلة . لو نظرنا في فكرة المثلث التام، وحاولنا اخذ قلم وورقة لنرسمه، فان محاولاتنا بالطبع لن تنجح تماما. افلاطون يقول ان محاولات الناس لإعادة خلق الشكل ستكون نسخة باهتة للفكرة التامة تماما مثلما هو كل شيء في هذا العالم عبارة عن تجسيد غير تام لشكله التام. فكرة او شكل المثلث والرسم الذي نقوم به هو طريقة لمقارنة التام مع غير التام. مدى جودة رسمنا تعتمد على مقدرتنا في تمييز شكل المثلث. وعلى الرغم من ان لا احد على الاطلاق رأى مثلثا تاما،لكن افلاطون لا يعتبر هذه مشكلة. لو استطعنا تصور فكرة او شكل المثلث التام في ذهننا،عندئذ يجب ان توجد فكرة المثلث.

الاشكال لا تقتصر فقط على الهندسة . طبقا لافلاطون ،لكل خاصية او شيء قابل للتصور هناك شكل مقابل لهما، اي، هناك مثال تام لذلك الشيء او الخاصية. القائمة لا حصر لها حيث تشمل الشجرة،البيت،الجبل،الرجل،المرأة،السفينة ،الغيوم، الحصان،الكلب،الطاولة والكرسي جميعها امثلة عن الافكار المجردة التامة الموجودة بشكل مستقل .

يقول افلاطون ان المعرفة الحقيقية والموثوقة تستقر فقط لدى اولئك الذين يستطيعون فهم الواقع الحقيقي الكامن خلف عالم التجربة اليومية. لكي نتصور عالم الاشكال، يجب علينا ان نباشر تعليما صعبا. هذا ايضا ينطبق على الملوك-الفلاسفة،الذين يتوجب عليهم تصور شكل الصلاح لكي يكونوا حكام ذوي اطلاع جيد. يجب علينا ان نتعلم كيفية استدعاء هذه المعرفة بالاشكال طالما هي متجسدة سلفا في اذهاننا،بسبب ان روحنا كما يبدو كانت تقيم في عالم الاشكال قبل ولادتنا. لو ان شخص ما يريد عمل بناء، مثلا،سيكون مطلوب منه استدعاء معرفة اشكال البناء او المنزل او الطابوق. لا يمكن التصديق بفكرة ان هذا الفرد لا يمتلك اي فكرة عن تصميم البناء . على هذا الاساس،اذا انت لا تستطيع تذكّر المعرفة الضرورية عندئذ انت لا تصلح ابدا لتكون بنّاءا او ملكا. لا يصلح كل شخص ليكون ملكا مثلما لا يصلح كل شخص للرياضيات . غالبية الناس لا يمكن تعليمهم حول طبيعة الاشكال لأن الاشكال لا يمكن اكتشافها من خلال التعليم وانما يتم فقط استذكارها.

لكي يوضح العلاقة مع عالم الاشكال ،يستخدم افلاطون في الجمهورية مثالا عن الناس الذين يمضون كل حياتهم في كهف. كل ما يشاهدونه هو ظلال على الجدران تنعكس من مواقد النار . بالمقارنة مع عالم الاشكال، تكون الاحداث والاشياء الفيزيقية الواقعية هي مجرد ظلال . افلاطون ايضا يستخدم مقارنة الكهف كبيان سياسي. الناس الذين يجب ان يحكموا هم فقط الذين لديهم المقدرة للخروج الى ضوء الشمس ورؤية (استذكار)الواقع الحقيقي(الاشكال) . من الواضح ان افلاطون لم يكن معجبا بديمقراطية اثينا. لا شك ان هذه الخلفية الارستقراطية وميول السياسة الاثنية ساهمت بهذه الرؤية ، خاصة عندما صوّت الناس على اعدام استاذه سقراط.

كان افلاطون واثقا من ان الناس الخاصين هم وحدهم الملائمون للحكم. ولكن منْ هم الناس الخاصين الذين يستطيعون تمييز الاشكال؟بالنسبة لافلاطون الجواب بصراحة هو ان الحاكم المثالي هو الملك-الفيلسوف،لأن الفلاسفة هم وحدهم لديهم القدرة على تمييز الاشكال. يستمر افلاطون في الحديث ليقول انه فقط عندما يأتي الفرد(الفيلسوف) للسلطة ستصبح هناك فرصة لمواطني الدولة بالخروج من الكهف ورؤية ضوء الشمس.

اعتقد افلاطون بالطبيعة الكارثية للديمقراطية،فهي تقود فقط للاستبداد والسيطرة. انها تدفع الدول للدخول في حروب لمصلحة الطبقة الحاكمة. ومهما قيل عن افلاطون ومناهضته للديمقراطية،لكن الثابت انه اعتُبر من اكثر الناس حكمة حتى الان،اعماله وخاصة الجمهورية كان من العمق لدرجة رسم اتجاه الفكر والثقافة الغربية على مدى الفي عام،لقد قيل ان اي فلسفة بعد افلاطون هي مجرد هوامش على اعماله الكبيرة.

 

حاتم حميد محسن

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4272 المصادف: 2018-05-17 01:28:43