 أقلام فكرية

مفهوم الاختلاف واختلافاته في فلسفة ما بعد الحداثة

صباح الحاج مفتنتمثل فكرة الاختلاف مفهوماً مركزياً عند فلاسفة ما بعد الحداثة، بيد أنَّ هذا المفهوم تتخلله اختلافات متباينة لدى هؤلاء الفلاسفة، فهو ليس مفهوماً متفقاً في جزئياته وتفاصيله الدقيقة. وسنحاول تسليط الضوء على ما يعنيه الاختلاف الما بعد حداثوي على وفق ما أفرزته لنا أبرز طروحات هذا الاتجاه الفلسفي.

انطلقَتْ ما بعد الحداثة من عمليات نقد الحداثة؛ فبعد أنْ عبَّرَت الحداثة عن ثورة معرفية على جميع التصورات السابقة لها، ومثَّلَت مشروع قام على أُسُس ذاتية وعقلانية، آمَنَت فيه بفكرة التقدم الإنساني وحتمية التاريخ والطبيعة، عمَلَت ما بعد الحداثة على هدم وتقويض هذه المعالِم الأساسية للحداثة؛ فألغَت البنية الفكرية المغلقة التي ترتكز على العقل وتمجِّد الإنسان والحقيقة الكلية بشكل مُطْلق؛ إذ رأت بأنَّ معرفة الحقيقة تقوم على تفسير متضارب لحقائق متعددة ومنفصلة، وبالتالي قامت هذه الفلسفة على التشتّت والصدفة والغياب والفوضى والاختلاف والكثرة والتعدد الثقافي والخطابي والاجتماعي والديني.

أبرز فلاسفة ما بعد الحداثة هو "ليوتار" الذي عُرِف فيلسوفاً للاختلاف؛ إذ أصبحَت معه قراءة النص من الداخل، وكل ما هو خارجه لا يمثل شيئاً، الأمر الذي يجعل من فلسفته تتميز بالتعددية والتنوع، وتحرير فلاسفة كُثُر من قبضة الفكر الشمولي، فوقف بالضد من هيمنة أنساق الفلسفة التقليدية التي تدّعي أنَّ الفلسفة ماهية أو جوهر، وعدّها مصدراً لآلام البشرية، وركَّزَت فلسفته حول فعل التفلسف وحركته، وكانت شاهدة على المختلف، مستوعبة كل الرؤى الأساسية عَبْر تاريخ الفلسفة ومناقشتها من موقع المختلف والآخر والفارق.

أمّا "دريدا" فقد تميَّزَ بمذهبه التفكيكي؛ إذ عملَ على تفكيك الميتافيزيقا الغربية، فكان معبّئاً بخلفية كبيرة من المناهج الفلسفية والإنثروبولوجيات الغربية، وأُسس الكتابة في مواجهة الخطاب الشفاهي للثقافة، فهو يقف ضد ميتافيزيقا الكلام وحضوره الكتابي، ويقوم تصوره على مفهوم الاختلاف الذي يفكك به ما يميز المركزية الغربية وتماسكها، من أجل أنْ يعطي للفعل الفلسفي انبعاثاً جديداً ونشاطاً حياً، وأنْ تكون الفلسفة وسيلة للالتزام السياسي والفلسفي والإيديولوجي، وتتحرر من سلطوية الخطاب الحاضر.

يمثل علْم الكتابة "الغراماتولوجيا" الخيط الناظم للنقد الجذري للانغلاق الميتافيزيقي لمجمل الثقافة الغربية، ولذلك يؤكّد دريدا بأنَّ الكتابة ليست سبيلاً وحيداً ولا ملحقاً أو عرضاً في مقابل الكلمة الحية؛ فإنَّ ظاهرة الاختلاف أو الأثر المدرك بما هو إنتاج، هي لعبة تتعذر عن الإدراك إلاّ بناءً على الاختلاف والفارق اللتان تولّدهما، أي توجد غيرية في اللغة، وغياب ونظرة وإرجاء وغرائبية، تجعل من كل تملُّك للفكر باسم الفكر نفسه أمراً مستحيلاً. فالاختلاف يعمل على إثارة تعطيل وإفساد هذا التملّك، فيكون التفكيك الفلسفي هو اجتياح لما يفرزه المعنى المرتبط بالنص في صورة لا نهائية، فيصبح معنى مؤجَّلاً ومرادفاً للاختلاف، فهو يستهدف الإنماء النظري قبل أوانه حتّى يتحصّل الانزياح.

التفكيك هو إستراتيجية تسمح بممارسة كتابة ذات طابع خصوصي لكي تتخلص من سلطة النص الميتافيزيقية، ويمكن معها التوجه نحو إمكانية التحاور داخل مختلف اللغات وإجراء أنواع مختلفة من التناص، إنه التعدد في الواحد؛ فهو يعمل على ممارسة الاهتزاز والإزاحة التي تضيفها الأنا على الآخر من داخل اللغة، فيعمل فعل التفكيك من جهة نوعاً من الاستمرارية في إنتاج الاختلافات الكامنة في النص ذاته، ومن جهة ثانية يعمل على ضرورة استعادة ابتكار هذه الاختلافات وبيان هشاشة النص واندثاره؛ فالعالَم كُلّه موجود في النص ولا شيء خارجه؛ إذ إنَّ ما هو خارجه يمثل تجسيداً للميتافيزيقا، فيكون النص موطن التفكيك الذي لا موطن له، إنه ممارسة نقدية على أنظمة متجذرة، وليس هدماً وتقويضاً للأنسقة الميتافيزيقية بصورة مطلقة، بل هو هدم وبناء في آن معاً، فهو يتخلص من التناقضات الميتافيزيقية بصورة غير نهائية حتّى ينسج تناقضات أخرى تعمل على إدامة حياة النص أكثر، وبالتالي فالتفكيك هو ابتكار وتكرار ما تم إحياءه وقتله داخل النص.

إذن فالتفكيك يعود إلى الأصول المسلَّم بها بوصفها بديهيات لا يمكن تجاوزها، فيقوم بتفكيكها، فالأصل في التفكيك هو إنه لا يخضع للتحديدات الزمانية الميتافيزيقية، فهو الأثر المتجاوز للأصل الميتافيزيقي؛ إذ استعارَ دريدا من "ايمانوئيل ليفيناس" مفهوم "الأثر" بمعنى الماضي الذي لم يحضر قط، هو الممتنع عن التحديد عبر مفهوم الحاضر؛ لأنه الحضور الممزق الذي يختلف مع الأصل.

يذهب التفكيك إلى الأصول بمعوله ليكشف تناقضات النص، والخروج من منطق الثنائيات، ليمنح الأولوية للجانب المهمّش منها، فيعطي الاعتبار للظاهر والاشتقاق والتعدد والغياب والاختلاف، ويتعمق فيها حتّى يتخلص من المنطق التقليدي، ليؤسّس منطقاً قائماً على التعدد والتشتت، إنه يسعى إلى تفكيك البداهات، والتفكير بما لم يتم التفكير به، وإلى استذكار المنسي بعيداً عن البداهات الجوهرية والماهوية، وبعيداً عن الأصل والنقاوة. وبذلك يصبح التفكيك نظاماً استراتيجياً لتحطيم الأنساق الميتافيزيقية، والإعلان عن ميلاد الأثر، فليس هنالك مرجعاً أخيراً تستند إليه الفلسفة والتاريخ كما كانت من قبل تستند إلى الكلمة والعقل واللوجوس، وبالتالي تتفكك كل أنساق الفلسفية الغربية وتصبح رماداً وأوهاماً.

وفي جانب آخر هناك "دولوز" الذي تميَّزَت فلسفته بشعار الاختلاف المعبِّر عن الكثرة، والتخلص من منطق الجدل والتناقض، وإلغاء الهوية والوحدة؛ لأنه منطقاً يعمل على إنتاج السلب وتوكيد الهوية، في حين أنَّ الكثرة تتطلب تحرير الاختلاف. ومن هنا أكَّدَ دولوز تأييده الكامل للتنوع بوصفه فكر يعمل على انجاز الكثرة وتحقيق المحايثة في الفكر. والمحايثة عند دولوز تعني "تعود" أي "تصير" فهي التربة التي تنبت عليها الفلسفة؛ فنظر دولوز إلى المعطيات على أنها تركيب لمجموعة من الأحاسيس والصور والمدركات، إنها مجموع ما يظهر، فهي إذن كثرة رغم تغيّرها وحركتها الدائمتين، هي اختلاف بلا هوية ولا قانون، وحتّى الفكر أو المخيّلة، فهي ليست مبدءاً للتنظيم ولا ملكة، إنها ذلك التركيب وتلك المجموعة. فمن هذه المعطيات تأسَّس مبدأ الاختلاف لدى دولوز.

ولا يعني الاختلاف الكائن بما هو كائن سلبي كما عند هيجل؛ وإنما هو ذلك الكائن الإشكالي أو اللاوجود الذي يعبّر عن شيء آخر غير السلب، هو الذي يوجد وحده ويختلف في ذاته، وهو ليس الاختلاف الحسي أو التجريبي بين شيئين، بل هو مكان شيء متميز عن شيء آخر، فمثلاً أنَّ تمييز البرق ليلاً لا يتم بالمقارنة مع شيء آخر؛ لأنَّ ما يظهر البرق هو اختلافه عن الليل أو العتمة، اختلافه مع غيره بموجب فروقات تفصل وتجمع المختلفات في آن. فالاختلاف الأصيل هو ابتعاد عن كل شبه. وهذا ما اختلف فيه دولوز مع الفلسفة منذ أفلاطون حتّى هيجل؛ لأنها فلسفة تعاملَت مع الاختلاف من خلال التمثل المتناهي: اختلاف الحسي والتجريبي بين شيئين، واختلاف الجنس والنوع من ناحية الكيف، في حين أنَّ الاختلاف الدولوزي هو قلب هذا التمثل حتّى يتمكن من تحديد المسلمات الأساسية لصورة الفكر، فهي محاولة أصيلة في اختلاف متعالٍ يكون فيه الكائن أو الموجود مختلفاً بكل شيء ووراء كل شيء، ولكن من وراءه لا يوجد شيء، فهو يمر بكل الأشياء ويوجد داخلها، فالاختلافات وحدها التي تتشابه وتتماثل وتتعارض وتتماها، فليس للاختلاف عمقاً يحمله معه ويظهر بظهوره، فالصرخة هي ما يسمعنا الهدوء، ووميض البرق هو ما يجلي إلينا ظلام الليل، وأنَّ ما يظهر إلى السطح هو اللامحدود أو العماء أو السديم، والذي يصعد إلى السطح هو العمق دون أنْ يكف عن كونه عمقاً. وهنا يميز دولوز بين الاختلاف واللامحدود: العمق يسعى لإنقاذ الاختلاف من اللامحدود واللامبالي من التمثل الذي يسعى إلى إلحاقه بالصور واختلاف المفهوم والحاقة بالماهوي.

فالفلسفة ومفاهيمها تنمو وتتكاثر عبر موقع الوسط، وتهتم بما يجري بين البداية والنهاية، وهو ما يسمح لها أنْ تمارس الكثرة، ويسمح للفكر أنْ يتخلص من الواحدية الميتافيزيقية، ومن عالَم الجواهر. ويعني مفهوم الوسط الفلسفي الواصلة والفاصلة أو الربط بينهما، إنه جوهر كل علاقة، ومنه نفهم الطبيعة على أنها سلسلة لامتناهية من العناصر، فالطبيعة ترابطية. وهنا يبرز مفهوم الترتيبات بدور الوصل والفصل؛ إذ إنَّ الوسط يسمح في آن واحد بالربط بين المختلفات والتمييز بين المعاودات، فهو اختلاف ومعاودة، هو اشتغال يقوّض الثنائيات ويحقق المحايثة بإنتاج فكر لا زمني، فاللازمني هو كل الأزمنة، وهو الصيرورة نفسها.

تتطلب فلسفة الاختلاف تجاوز الثنائيات عبر موقع الوسط وعبر الفكر القادر على تسلّقها وتحطيمها. وهنا يرفض دولوز "الكتابة" خلافاً لدريدا؛ لأنها تعني استعادة خطاب الميتافيزيقا، بينما المطلوب هو خلق خطاب مختلف يفتح أُفقاً مغايراً للفكر. ولكي ينجح التفكير في المحايثة نفسها من غير أنْ نردّها إلى شيء ما أو كائن ما، علينا التفكير في اللامفكر فيه، وردّ الجوهر والصفات إلى فضاء المحايثة لا إلى الثنائيات ولا أنْ نلحقها بالمفاهيم المتعالية.

الفلسفة ليس لها تاريخ، بل صيرورة لا متناهية تتقاطع مع تاريخها ولا تذوب فيه، فهي لا تستبعد الما قبل والما بعد، بل تنضدّهما معاً تبعاً لترتيب طبقاتي، هي تعايش فضاءات لا تتابع منظومات، وبالتالي فإنَّ الفلسفة ليست تاريخاً راهناً أو أزلياً، بل هي اللاراهن واللازمني، فهي تقف ضد الراهن وتهاجمه وتقوّضه، هي إحراج لكل ما يمثل توقفاً وهدوءاً ومصالحة مع الثبات، هي رحلة إلى أمكنة حيّة في خلق وابتكار المفاهيم لتعبِّر بها عن مشاغلها.

يرى دولوز أنَّ الفلسفة هي الصورة التي تتعلق بإعادة توجيه الفكر، فلا تبحث عن الأعماق ولا تتّجه إلى أعلى، وإنما هي مجرد سطح، هي إنتاج وتوجّه لخطاب جديد أوضحَت فيه أنَّ اللاجسدي يوجد على السطح نفسه، إنه ليس علة، بل أثر سطح، وليس ماهية، بل حدث. وهذا ما أراده دولوز من الفلسفة؛ هي صورة جديدة للفكر في جغرافيا جديدة لا تنظر إلى التاريخ والأصل، هي فيزياء الحدث والنظر إلى الكل كمجموعة أخلاط، هي وحدة الأسباب والنتائج. فعلى سطح هذه الفلسفة يجري الحدث مستقلاًّ عن الأعلى وعن العمق حيث المعنى والأخلاط التي نظفر بها بكل اتجاه معاكس.

بيد أنَّ هذه الصورة قد عملَ عليها نيتشه- الذي يعد الدعامة الأساسية لفلسفة ما بعد الحداثة في العالَم الأوربي- في بحثه الجينالوجي، ولكنّه بحَثَ في العمق فحسب؛ لأنه بحث في ديونوسوس من دون أبولون، في حين كان بحث دولوز مغايراً للعمق والأعلى، فهو عملَ على ممارسة صورة الفيلسوف مستثمراً مجالات جديدة من قبيل الأدب والتخيل النفسي والسينما والرياضيات، فهي صورة لا تقال، بل تفهم في سياق الحدث، وفي لحظة انسجام الكلي مع الطبيعة، ويكون فيها موقع الفيلسوف ممارسة الانحراف والإرباك للسائد، وخلق تصورات مغايرة تجدد الفكر وتبدع المفاهيم المدهشة، وتنتج عالماً غريباً يكون في عملية انزياح دائم، ومجاله السطح بوصفه فضاء ينتج المعنى، وانحراف يكشف معنى إضافي يعمل الفيلسوف على إظهاره. وهذا الانحراف الفلسفي ليس نظاماً أو مركزاً للخطاب والنصوص والأفكار، وإنما هو فوضى وانزياح، ولكنه فوضى ذات معنى ودلالة. هكذا كان دولوز يعمل على التسليم بوجود معنى إضافي يحرر الآلة الفكرية من الداخل، ويميل بها إلى حيث تبوح لها برغبتها المكبوتة، ويعمل على توجيهها نحو الخارج ثم يلفت الانتباه إلى أنَّ هذا الخارج المتروك والمنسي هو عمقها الحقيقي، فيكون الفيلسوف مع دولوز هو الطبيب والفنان معاً؛ هو الذي يخلق ويبتكر وينتج الكثرة، فهو يربط الفلسفة بالصحة ويساعد على خلق إمكانات وقيم جديدة للحياة، فهو يقلق ويربك القناعات، إنه فنان ومبتدع ومختلف ومنحرف، إنه صانع المفاهيم وفن تشكيل وابتكار التصورات وفبركتها.

 

د. صباح الحاج مفتن

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4342 المصادف: 2018-07-26 03:46:16