 أقلام فكرية

الحقيقة المزدوجة ومشكلة الأنسجام بين الدين والفلسفة (1)

علي رسول الربيعينرى أن مسألة العلاقة بين الفلسفة التي تطمح للعالمية والعقل العمومي الذي يستعمل المحاججة العقلانية وبين الدين الخاص، الذي يستعمل اللغة المجازية لها اهميًة، ومن هذا الموقع ننظر في أقوال الفلاسفة السابقين عن هذه العلاقة بين الدين والفلسفة ونظرية "الحقيقة المزدوجة" تنص "نظرية الحقيقة المزدوجة على أن الفلسفة والدين لا يحملان نفس الآراء، وبعبارة أخرى، مواقفهما تختلف في مواضيع معينة. أنهما يفسران الواقع بطرق مختلفة، وحتى غير متوافقة. هناك فلاسفة كان لهم دور بارز في تناول هذه القضية ومهم في تاريخ الفلسفة ومن بينهم أبن رشد وهيجل. لانقصد هنا ان نقيم مقارنة تاريخية بينهما ولكن موضوعاتية. فلدى أبن رشد وهيجل وجهات نظر متشابهة بشكل ملحوظ حول العلاقة بين الفلسفة والدين.

فيما يخص مكانة الكتاب المقدس أنه هو سلطة أكبر من أفلاطون أو أرسطو. على الرغم من أنه لا يمكن إغفال المعنى الحرفي للكتاب المقدس الاً أنه توجد هناك قراءة غير حرفية للكتاب المقدس مع أوغسطين وتقبلها الأكويني أيضا، فقد قبل الأكويني أنواعًا مختلفة من القراءات المجازية للكتاب المقدس، لكن يجب أن يكونوا خاضعين للمعنى الحرفي للنص.

يساوي هيجل في محاضراته حول فلسفة الدين، بين مفهومه للروح والروح القدس كما هو في الكتاب المقدس واللاهوت المسيحي. ومع ذلك، لا يمكن القول بأن وجهات نظره حول الروح تتوافق مع اللاهوت المسيحي، اللوثري أو الكاثوليكي، بالنظر إلى أنه يقلل أو يبدو أنه ينتقد الصور الدينية التي نجدها في الكتاب المقدس، مثل مفهوم الأب والابن الذي ينسب إلى الله.

هناك مكانة كبيرة لأبن رشد وهيجل في مسألة العلاقة بين الفلسفة والدين ولاسيما أطروحة "الحقيقة المزدوجة. إذا أردنا توضيح هذه النظرية، فعلينا أن نشير إلى أنه في حين ينص الدين (المسيحية والإسلام) على أن العالم قد خلق في وقت معين، يقول فيلسوف مثل أرسطو أن العالم أبدي، بمعنى أنه لم يكن هناك وقت لم يكن العالم فيه غير موجود أبداً. وهذا يجعل من الصعب مقارنة آراء أرسطو مع الكتاب المقدس والتفسير القرآني للخلق.

فيما يتعلق بابن رشد وهيجل، لا بد من القول بأن أيا منهما لم يدافع عن أطروحة الحقيقة المزدوجة بالمعنى القروسطي للعبارة. كلاهما دعا إلى أن الحقيقة يمكن التعبير عنها بطرق مختلفة في الفلسفة والدين. ربما لا يزال هناك غموض في ما يتعلق باراء كلا الفيلسوفين حول الدين، لأن كلاهما ذكر أن الدين يصور الحقيقة بطريقة مجازية، بينما تعبر الفلسفة عن الحقيقة بطريقة صارمة أو صريحة أو حرفية. من الواضح أن هناك تفضيلاً للطريقة الفلسفية للتعبير عن الحقيقة عند كل من ابن رشد وهيجل.

لم يقم هيغل، في الواقع بدراسة ابن رشد ولم يكن لديه رأي مهم او ذو قيم فيما يتعلق بالفلسفة الإسلامية في العصور الوسطى، لكن اذا كان ذلك كذلك فما وجه الأتصال بينهما؟

قدم هيجل مساهمة كبيرة للغاية في دراسة تاريخ الفلسفة. حتى انه حدد الفلسفة مع تاريخ الفلسفة. أما من افتتح البحث في الفلسفة الإسلامية كموضوع دراسي فعليا فقد كان رينان عندما كتب عن ابن رشد و نشر كتابه لأول مرة في عام 1852. وعليه، كان هيجل محدود الأطلاع بالمصادر المتاحة له أنذاك. فقد كان ينظر إلى الفلاسفة المسلمين في العصور الوسطى على أنهم مجرد معلقين على أعمال أرسطو. ويحدد الفكر الإسلامي الحقيقي بعلم الكلام الإسلامي في العصور الوسطى. إن مصدر أراء هيجل عن الفكر الاسلامي في العصور الوسطى مستمد من دراسته لموسى ابن ميمون الذي كان يشارك في النقاش مع علماء الدين الإسلامي.

كان هيغل على معرفة بأبن ميمون وكان أيضا من المعجبين بفلسفة سبينوزا الذي كان بدوره قارئًا لابن ميمون. ومن المعروف أن أحد التأثيرات الفلسفية العظيمة على بن ميمون كان الفارابي، والذي كان بدوره دافعًا لابن رشد ايضا الذي راى في عمله الرئيس تاكيدا على أن الواقع يمكن التعبير عنه بشكل مختلف بين لفلسفة والدين. فلا يختلف موقف ابن رشد حول هذا الموضوع جذريًا عن موقف الفارابي، وكان أبن رشد ملمًا بفكرة الفارابي. أما هيجل فقد تعلم عن أطروحة الحقيقة المزدوجة من خلال سبينوزا وابن ميمون.

لكن ماذا عن السياقين المختلفين تمامًا الذين عمل هذان الفيلسوفان، ابن رشد وهيجل، من خلالها. والاختلافات الرئيسية بين الإسلام السني في القرون الوسطى عند ابن رشد ومذهب هيجل مابعد اللوثرية المسيحية وما بعد عصر التنوير؟ عاش هيجل في مجتمع ما بعد عصر التنوير، عصر العلمنة التدريجية في المجتمع. لكن لاتزال ألمانيا هيجل انذاك محافظة للغاية، و كانت الاتهامات بالالحاد ضد الفلاسفة سائدة، فقد أتهم فيشته بالحاد أولاً وأتهم هيجل بالحلولية في برلين لاحقا. لم يفقد الأخير موقعه الأكاديمي على عكس فيشته من قبله، فكان في ألمانيا مجتمعاً عميق التدين. أما ابن رشد فقد عاش في إسبانيا الإسلامية في العصور الوسطى ولم يكن الإسلام مجرد دين بل هو أسلوب حياة هيمن على جميع جوانب المجتمع. نعم عاش ابن رشد في مجتمع ديني ، لكن كان هناك أفراد أقوياء كانوا مهتمين بالفلسفة والترويج لها بغض النظر عما إذا كانت تنسجم مع الدين أم لا، مثل الأمير الذي قرأ أرسطو وبعض تعليقات ابن رشد، أقصد أبو يعقوب يوسف. بالإضافة إلى ذلك، فقد اعتبر البعض أن ابن رشد هو مقدمة لعصر التنوير؛ نظراً لتأكيده على قوة العقل وقدرته للتفكير بشكل مستقل عن الوحي، بينما كان هيجل مهتمًا بشدة بالدين، ودمج المواضيع المسيحية في فلسفته. بعبارة أخرى، عاش كل من أبن رشد وهيجل في فترات تاريخية مختلفة جوهريًا، لكنهما كانا مهتمين بشدة بالتقاطع بين الفلسفة والدين والعقل والإيمان.

ولنا أن نسأل إذن كيف وضع ابن رشد نظرية "الحقيقة المزدوجة" في كتابه " فصل المقال..." و " تهافت التهافت" "" و أعماله التي تشرح أرسطو؟ وكيف يرى العلاقة بين الإسلام والفلسفة والانسجام بينهما وعلى وجه الخصوص؟ وكيف كانت قراءته غير الحرفية للقرآن في ذلك الوقت؟ يؤكد ابن رشد بوضوح على وجود حقيقة واحدة فقط، ولكن يتم التعبير عنها بطرق مختلفة في الفلسفة والدين. وهو يعتقد أن الحقيقة يتم التعبير عنها بطريقة حرفية في الفلسفة، ولا يمكن صياغة الحقيقة في الفلسفة بشكل مختلف. بينما يعبر الدين عن الحقيقة بطريقة مجازية. على سبيل المثال، يشير القرآن إلى يد الله. وفقاً للفلاسفة المسلمين في العصور الوسطى، لا يمكن أن يكون لـ لله خصائص إنسانية، مثل الجسد (الذي قد ينطوي على الحد من طبيعة الله اللانهائية) ، وبالتالي فهو لا يملك حقًا اليد. يجب أن تُفهم الإشارات إلى يد الله بطريقة مجازية بمعنى قوة الله.

يميز ابن رشد ،في هذه النقطة بين الطرق المختلفة للتعبير عن الواقع نفسه، أي الطريقة البرهانية والجدلية والخطابية. وهو يشرح طبيعة هذه الأنواع اللغوية الثلاثة في كتابه " فصل المقال" التي صيغت كمسألة قانونية حول ما إذا كان ينبغي السماح للمسلمين بدراسة (الفلسفة اليونانية القديمة والهلينية). ويستند تمييزه بين هذه التخصصات أو أنواع الخطاب على أرسطو، وقدم ابن رشد التوضيح في تحليلاته الثانية، وهو العمل الذي ألفه من ضمن الشروحات، بما في ذلك الشرح الكبير المفصل جدا. يتم تعريف الخطاب البرهاني من قبل أرسطو بأنه هو مالطلوب للعلوم والتحقيقات العلمية. على هذا النحو، فإنه يتميز بعدم غموضه ولا يستعمل الاستعارات أو الرموز. يؤيد ابن رشد هذا الرأي. وبطبيعة الحال، لا ينطبق هذا النوع من الخطاب أو اللغة على العلوم بالمعنى الحديث لمصطلح اليوم فحسب، بل ينطبق أيضًا على الفلسفة المظلة تنطوي تحتها معظم أشكال المعرفة في العصور الوسطى.

يحدد ابن رشد اللغة الدينية بالخطاب الجدلي و بخطاب البلاغة. كتب أرسطو عن موضوعة الجدل وعن البلاغة في كتابه بعنوان البلاغة. وكتب ابن رشد الشروحات على كل من هذه الأعمال ، وكذلك على التحليلات الثانية قبل تأليف " فصل المقال". علاوة على ذلك، لا ينظر ابن رشد إلى هذه على أنها أساليب فقط ، لكنه يحددها مع ثلاث فئات من الناس في إسبانيا الإسلامية في العصور الوسطى. فئة البرهان التي يحددها بالفلاسفة، وهم أقلية. وقد امتلكت إسبانيا في العصور الوسطى تقليدًا متميّزًا للفلسفة الإسلامية، حيث أنتجت مفكرين بارزين مثل ابن حزم وابن باجة وابن طفيل (الذي كان صديقاً شخصياً لابن رشد).

وحدد فئة أهل الجدل بالمتكلمين وفئة أهل البلاغية بالمؤمنين المسلمين العاديين. ينتقد بشكل خاص علماء الكلام لقيامهم بتضليل غالبية المؤمنين، الذين لا يتم تدريبهم على الفلسفة أو أي نوع من التفكير المجرد. ينخرط علم الكلام الإسلامي في التفكر والتأمل حول معنى القرآن، لكنه لا يأخذ في الاعتبار تمامًا الفلسفة القديمة، من ناحية، وهو معقد للغاية حتى يمكن أن يفهمه غالبية الناس، من جهة أخرى. فيرى ابن رشد أنه من الأفضل أن الفلاسفة (وليس علماء الكلام) هم من يشيروا إلى الطريقة التي ينبغي أن تُفهم بها آيات قرآنية معينة من قبل غالبية المسلمين.

إن الطرق المختلفة التي يمكن أن تدرك بها الحقائق الأساسية، مثل وجود الله ، تعني أن على الفلاسفة أن يفكروا في الله بطرق مجردة، في حين أن غالبية المسلمين الذين ليس لديهم القدرة على فهم أو الانخراط في دراسة الفلسفة يسمح لهم بالتفكير في الله في طرق أكثر مجسمًة. وفقا لابن رشد تناسب الرسالة القرآنية جميع فئات الناس، من الفلاسفة إلى جميع المسلمين الآخرين.

اذن إن مفتاح أنسجام جميع أنواع الخطاب هو طريقة قراءة القرآن طبقا لأبن رشد، الذي يقول – كما اسلفنا- أن الفلاسفة وليس المتكلمين من يجب أن يكون لهم القول الفصل في كيفية تفسير القرآن.

فبالنسبة لأبن رشد الفلسفة والدين لهما المضمون نفسه ولكنهما يعبران عنه بشكل مختلف، على سبيل المثال فيما يتعلق بطبيعة الله. سوف يفهم الفيلسوف قدرة الله المطلقة على كونه السبب المطلق لكل شيء، في حين أن غالبية المسلمين يمكنهم الاعتماد على تصورات أكثر مجسمًة عن لله متوفرة في القرآن. فيجب قراءة الوصف المجسم لله في القرآن بطريقة مجازية من قبل الفلاسفة، ولكن ليس من قبل المسلمين الآخرين. لا يقول ابن رشد أن كل شيء في القرآن مجازي، في الواقع يمكن أن يفهم بعض الآيات حرفيا من قبل أي مسلم.

وفيما يتعلق بالتفسير، يؤكد ابن رشد في كتابه "فصل المقال" أنه منذ التاريخ المبكر للإسلام، تم القبول بأن القراءات المجازية للقرآن كانت ضرورية فيما يتعلق ببعض الآيات، ولكن ليس كلها. انه يضع القواعد لتفسير هذه الآيات وفقا لقواعد اللغة العربية واستخدامها. ويذكر أيضًا أنه عندما تتعارض الآية القرآنية مع فكر أرسطو، يجب قراءة الآية بشكل مجازي، نظرًا لأن نصوص أرسطو ذات طبيعة برهانية ويجب أخذها حرفياً. وبهذه الطريقة، يسعى دائمًا إلى التوفيق بين فكر أرسطو والقرآن. يدعي ،على سبيل المثال، أن الإشارات إلى جلوس الله على العرش قبل الخلق الموجودة في القرآن تشير إلى وجود شيء ما إلى جانب الله دائما، واستعمله كمؤشر على أبدية العالم. لكن على ما يبدو، لم يقنع هذا التفسير بعض المتكلمين الإسلاميين، لأن القرآن يذكر أيضا خلق الله للعالم في ستة أيام.

كانت هناك مدارس في علم الكلام الإسلامي في القرون الوسطى، مثل مدرسة المعتزلة التي فضلت قراءة مجازية لبعض الايات، في حين كانت هناك الأشعرية ومدرسة لاحقة للمعتزلة حبذت القراءة الحرفية للقرآن. تسود المدرسة الأشعرية في الإسلام السني اليوم، لكن كانت هناك محاولات لإحياء آراء المعتزلة، لذلك فإن الطريقة التي يقرأ بها القرآن مفتوحة للنقاش بين عموم المسلمين ومن مختلف المذاهب. ومن الواضح أن هناك تقليدًا منذ القرون الوسطى حول الطرق غير الحرفية لفهم القرآن، ويمكن إعادة إحياءها من قبل علماء مسلمين دائما.

هناك مجال آخر من الجدل حول التوفيق بين الرؤية الدينية للعالم والرؤية الفلسفية، وتتعلق بمسألة المصادفة والحتمية. وعليه يُطرح هنا السؤال، فكيف تعامل ابن رشد مع قضايا مثل الحرية والمسؤولية إلى جانب العناية الإلهية وإرادة الله؟ هل اعتقد أنه يجب أن يصمم فلسفته طبقا لدينه أم العكس؟ أظن أن كل هذا يعود إلى السؤال كيف يمكن أن يجمّع بين تفسيره الأرسطي للطبيعة مع القرآن؟ نعم ، إن مسألة الصدفة والحتمية تدل كذلك على محاولات ابن رشد للتوفيق بين الدين والفلسفة أو العلم.

فيما يتعلق بمسألة الحرية والمسؤولية يجب على المرء أن يأخذ في الاعتبار نوعين من المصادر التي استعملها ابن رشد، أرسطو من جهة، والقرآن من جهة أخرى. وهنا لابد من الشارة الى إن أرسطو نفسه في أعماله المكثفة لا يبدو له موقف واضح المعالم بشأن مسألة حرية الإنسان. في حين يبدو أنه يشدد على المسؤولية الإنسانية في أعماله الأخلاقية، هناك تركيز قوي على السببية بل وحتى الضرورة في أعماله الطبيعية. علاوة على ذلك، فإن الصدفة عند أرسطو ليست سبب أساسي، بل هي سبب عرضي يرتبط مع الأسباب الأساسية الأخرى، مثل السبب النهائي أو الفعال كما يوضح بوضوح في فيزياءه.

تشير بعض الآيات القرآنية إلى أن البشر أحرار في الإيمان أو عدم الايمان، في حين تشير الآخرى إلى أن الله هو سبب الإيمان وعدم الإيمان للبشر. كانت هناك مدارس مبكرة في علم الكلام الإسلامي في العصور الوسطى، وكان الفلاسفة يشاركون في الحوار ايضا، تؤيد مفهوم الحرية الإنسانية، كحماية لمبدأ لعدالة الله، بينما تم تركيز، في وقت لاحق، على القدرة الكلية الإلهية والتقليل من حرية الإنسان، التي لا يمكن أبدا أن تقف في طريق القدرة الإلهية والقضاء والقدر. أيً أن الله هو سبب الإيمان وعدم الإيمان الكائنات البشرية.

أعتقد أن تطور مفهوم الحتمية الطبيعية في علم الكلام الإسلامي في العصور الوسطى أثر على فكر ابن رشد كما اثر على ابن سينا قبله. يشدد ابن رشد على الضرورة الصارمة لعمل الطبيعية في تعليقاته على أرسطو. إنه يعتبر الصدفة حالة عرضية وليس سببًا أساسيًا. هذا يعني أنه عندما ننظر الى حادثة صدفة، فهناك سبب أساس يرتبط به العنصر العرضي. على سبيل المثال، إذا كان الموسيقار يبني بيتًا عرضا، فإن الأمر ببساطة هو أن المهندس المعماري الذي قام ببناء المنزل هو أيضًا موسيقي.

عندما يناقش ابن رشد الجوانب اللاهوتية لقدرة الله على الحوادث في اعمال المتكلمين المسلمين، يلاحظ أهمية الحفاظ على الحرية الإنسانية (وإلا فإن العدالة الالهية ستصبح موضع تساؤل) ولكنه يشير أيضًا إلى أن السببية في الأفعال الإنسانية تخضع إلى السببية والقدرة الالهية.

كان ابن سينا عملاق آخر في الفلسفة الإسلامية. وهنا نسأل هل كانت مقاربة ابن رشد للمصادفة والحتمية مختلفًا اختلافاً كبيراً عن مقاربة ابن سينا، وهل اختلفوا حول أنسجام الفلسفة والدين؟

أعتقد أن ابن سينا كان أكثر وضوحا في دفاعه عن الحتمية من أبن رشد. وعلى عكس الأخير، تأثر ابن سينا كثيراً بالأفلاطونية المحدثة - من خلال ثيلوجيا أرسطو، وهي نسخة عربية من أجزاء من التاسوعيات التي كتبها أفلوطين ونسسبت الى أرسطو - ونظريته عن الفيض أو الصدور. تتكون هذه العملية من الطريقة التي تفيض فيها العقول من العقل الأول . يحرص ابن سينا كثيراً على فكرة صارمة عن السببية الضرورية في العالم السماوي والأرضي. فلا يبدو أن هناك مكان في نظامه الفلسفي لسبب حر مستقل من قبل البشر، وبالتالي يمكن اعتبار ابن سينا مؤيدأً لحتمية شاملة. يقول نظامه الميتافيزيقي أن كل ما هو موجود بالفعل ضروري الوجود لوجود سببه. وما هو ممكن هو لا يوجد في الواقع حتى الآن ولكن يمكن أن يوجد بوجود سببه. وكل ما يوجد بالفعل موجود بالضرورة لوجود سببه. الله وحده لامسبب له، وفقط هو ضروري بذاته، وليس من خلال سبب اخر.

يقول ابن سينا في كتاباته حول موضوع القدر (تصميم الله أو الأقدار المسبقة للأحداث)، إن كل شيء يحدده الله، بشكل مباشر أو غير مباشر من خلال أسباب ثانوية، ولكن لا شيء يفلت من إرادة الله وسببيته بما في ذلك الأفعال والأفكار الإنسانية.

أما فيما يتعلق بالاختلافات بين ابن سينا وابن رشد حول هذا الموضوع، يؤيد ابن سينا نوعا من الحتمية الآلية، والتي تكون فيها السببية الخارجية أو السبب الكافي فعال دائما، في حين يؤكد ابن رشد على موضوع الفعل (طبيعي أو إنساني) ويفضل رؤية أكثر غائية للطبيعية. وبهذا المعنى، يؤكد ابن سينا على ارتباط السبب العرضي بالسبب النهائي، في حين يربط ابن رشد قضية السبب العرضي بالسبب الفعال.

لم يقم ابن سينا بإنتاج أعمال جوهرية حول الأخلاق، وبالتالي لا يبدو أن مسألة حرية الإنسان قد ظهرت. ويسعى كل من ابن سينا وابن رشد الى الأنسجام بين الفلسفة والدين، لكن أبن رشد يفعل ذلك بشكل صريح لا سيما في " فصل المقال"، في حين يقوم ابن سينا بذلك ضمنا، من خلال دمج المواضيع الإسلامية في فلسفته. على سبيل المثال عندما يكتب ابن سينا حول نظرية أرسطو عن الروح، يوسع نظريته في الخيال ويؤكد دوره في عملية النبوة والنبوة.

ومن جهة اخرى اذا ما نظرنا إلى مقاربة هيغل لنظرية "الحقيقة المزدوجة" من خلال الإبستيمولوجيا والميتافيزيقا. هل يمكننا أن نحدد ما هي الطرق المختلفة ولماذا تفيد في محاولة فهم هيغل للعلاقة بين الفلسفة والدين؟ نجد هيجل في الدين والفلسفة كأنه يحكي الحكاية نفسها كما هي عند ابن رشد وقبله ابن سينا والفارابي، ولكن بطريقة مختلفة. فيمكن للمرء- عند هيجل- أن يفكر في الواقع بطريقة مفاهيمية من خلال العقل أو مجازيا من خلال الخيال أو التمثيل؛ حيث تتم ترجمة مصطلح الفكرة على أنها "التفكير التصوري" أحيانًا. يستخدم التفكير الديني الصور ويعتمد على الخصوصية، على عكس التفكير الفلسفي يعتمد العالمية. ومن هنا كان الجانب المعرفي للسؤال، بالنظر إلى اختلاف أساليب التفكير أو طرق فهم الواقع. لايمكن فصل الابستيمولوجيا والأنطولوجيا أو الميتافيزيقية أبداً عند هيجل. على سبيل المثال، في فينومينولوجيا الروح، هناك تقدم تدريجي من طرق أكثر بساطة لإدراك الواقع وصولًا إلى الفهم والعقل الذي يدرك الواقع بطريقة أكثر شمولية وتعقيدًا. وغالباً ما يكون هناك تناظر بين طرق التفكير والفترات الفعلية في تاريخ العالم (بما في ذلك فترات في تاريخ الفلسفة) ، مثل اليونان القديمة والتنوير. وفقا لهيجل، العقلاني واقعي والواقعي عقلاني، وبالتالي فإن تفكيرنا يعكس الواقع، والواقع والتفكير يسيران يدا بيد. ولهذا السبب، فهو بالتأكيد لا ينادي بمثالية ذاتية، بل بالمثالية المطلقة والمعرفة المطلقة، مما يعني أنه لا يوجد شيء مخفي عن الذات، وبالتأكيد ليس من ذات تعرف بلا حدود.

قدم الفلاسفة وعلماء الكلام قبل ابن رشد شئ شبيه بفكرة "الحقيقة المزدوجة"، إذن، كيف أصبحت النظرية مرتبطة بأبن رشد داخل الكلام والفلسفة الاسلامية؟ مسألة الحقيقة المزدوجة هي سؤال حول العلاقة بين الفلسفة والدين. ويدّعي هذان النظامان اللذان يعرفان كلاهما أنهما يصوران الواقع بأكمله، ومن هنا كان التنافس بينهما. نعرف أن هناك العديد من الفلاسفة الذين اتهموا بعدم التقوى في أثينا القديمة، مثل أناكساغوراس وسقراط وبروتغوراس وأرسطو. طرح أفلاطون نظريته عن "الكذبة النبيلة" في الجمهورية للإشارة إلى استخدام الأسطورة لغرض تعزيز الاستقرار الاجتماعي، وفي نفس العمل يفكر في الإيمان (pistis) كرتبة أقل من العقل (dianoia) أو الذكاء (nous) في حجم عمليات التفكير البشري. لقد كثرت في الفلسفة ابان العصور الوسطى المواضيع الدينية اليهودية والمسيحية والإسلامية وبدا أن الدين يسيطر على الفلسفة. في السياق الإسلامي في القرون الوسطى، لا يمتلك علم الكلام طابعًا دوغمائا وهو يتفكر في الطبيعة. وهذا أعطى مجالا واسعا للفلاسفة المسلمين لتبني الأفكار الأفلاطونية أو الأرسطية. جاءت الحاجة إلى انسجام واضح للفلسفة والدين في أعقاب هجوم الغزالي (1111 م) على الفلاسفة المسلمين، ولا سيما على ابن سينا. جادل الغزالي في كتابه "تهافت الفلاسفة" بأن العديد من نظريات الفلاسفة لم تكن متوافقة مع الرسالة القرآنية، اتهم الفلاسفة بالالحاد على ثلاث قضايا. كان على ابن رشد أن يتعامل مع هذه الاتهامات بشكل مباشر، وهو ما فعله في كتابه "فصل المقال" و كذلك في "تهافت التهافت" حيث رد فيه على حجج الغزالي نقطة نقطة لتفنيدها.

 

الدّكتور عليّ رسول الرّبيعيّ

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4365 المصادف: 2018-08-18 03:52:26