 أقلام فكرية

وحدة الوجود في الصوفية والفلسفة

علي محمد اليوسفتعريف اولي: يذهب امام عبد الفتاح امام في هامش تقديمه وترجمته لكتاب والتر ستيبس(التصوف والفلسفة) ص259 الذي نعتمده كمصدر وحيد في هذه المقالة، ان مصطلح وحدة الوجود pantheism يوناني مؤلف من مقطعين pan بمعنى شامل أوعام وtheism بمعنى الاله، أي شمول الالوهية لكل شيء، او ان وجود الله ووجود العالم هما ضرب واحد من الوجود.

ومذهب وحدة الوجود في الكتابات المسيحية التصوفية يشير الى العلاقة بين الله وجزء خاص من العالم، الذي هو الذات الفردية للمتصوف عندما يصل حالة الاتحاد الصوفي بالله.وينسب للبروفيسور ابراهام ولف (ان وحدة الوجود في الفلسفة واللاهوت تعني النظرية التي تقول ان الله هو كل شيء، وكل شيء هو الله، فالكون ليس خلقا متميزا عن الله، فالكون هو الله، والله هو الكون).1

لاشك ان التصوف يرتبط ارتباطا وثيقا بالدين واللاهوت الديني في جميع اشكالاته اكثر من محاولات طرحه كاشكالية ترتبط بالفلسفة، وهذه الإشكالية ليست لغوية صرف كما هو مطروح متداول في الفلسفة الغربية المعاصرة (البنيوية والتفكيكية). وربما تكون دراسة التصوف فلسفيا احدى هذه الإشكالات التي ليس من السهل البت بها او التوصل الى نتائج يمكن الركون لها والتسليم بها، لذا نجد من العبث ربط إشكالية التصوف باشكاليات الفلسفة وموضوعاتها لأننا والحالة هذه لن نصل الى مايرضي الفلسفة ويرضي التصوف معا، فالغيبيات الميتافيزيقية التصوفية طاغية بشكل يصادر الجهد الفلسفي بما اطلق عليه كانط ثم ديكارت منذ القرن السابع عشر نهاية الميتافيزيقا وأن ميادين الميتافيزيقا مضيعة للجهد الفلسفي، فهي ميادين بحثية لا معنى حقيقي لها، وهي المانع الأهم في عدم إمكانية الوصول الى مفاهيم تساعدنا على فهم التصوف فلسفيا.وعليه تكون الجهود المبذولة في ربط التصوف بالفلسفة هي من باب الاجتهادات الفردية في مسائل قد يأتي يوم يؤخذ على الفلسفة انها حاولت العناية بموضوع لايقبل الصدق او الوثوق به في نفس وقت انعدام البراهين التي تجعلنا لا نثق به وبذا يكون التصوف (ديني وميتافيزيقي فلسفي معا) اذا اريد له ذلك والعودة المتكررة لدراسته فلسفيا.

وحدة الوجود في الاديان

لايؤمن الإسلام بوحدة الوجود التصوفي، بل وحدة الوجود الطبيعي، خلاف الديانات اليهودية والمسيحية والبوذية والهندوسية التي تؤمن جميعها بوحدة الوجود الديني، ويتوّسل متصوفي هذه الأديان العرفان الاشراقي الحلولي لتحقيق اندماج الذات التصوفية في النور الإلهي الغامر والذوبان النفسي فيه بطريقة تتجاوز فيزياء الطبيعة والوجود وقوانينهما التي تحكم علاقة الانسان معها ومع الحسي والوجداني العاطفي النفسي (مجاوزة الزمان والمكان كليّا). ورغم ان الديانات الوثنية لا تعترف بوجود الله الخالق لذا فهي تربط الحلول الذاتي والتصوفي مع براهما او بوذا في بلوغ النرفانا التي هي معناها الخواء والعدم، وتحقيق اشباع الانجذاب التصوفي الروحي الحلولي تجاه المعبود وفي آيات الخلق والوجود الللامتناهي غير المحدود في اسراره وجماله ونظامه في الطبيعة والكون.الخواء والعدم تعابير مجازية غير حقيقية فهي من وسائل الادراك للوجود والاشياء بواسطتها، (واسطة الدلالة بها) وليست هي مدركات موضوعية يمكننا التحقق منها بذاتها فهي غير قابلة للتحقق وبلا معنى من أي نوع.

وحجّة الذين ينكرون وحدة الوجود التصوفي يذهبون ان هناك حاجزا يفصل الهوية الفعلية للارواح عن الخالق او المعبود.1رغم ادعاءات المتصوفة في مقدمتهم متصوفة المسلمين بوحدة الوجود دينيا التي ينكرها عليهم بعض فقهاء الدين الاسلامي وفلاسفته. الإسلام يفهم وحدة الوجود في آيات الله في الطبيعة وفي الانسان وفي مخلوقاته فقط، وان وحدة الوجود البشري مع الله في كسر قوانين الطبيعة شرك. في حين تبدي المسيحية الموافقة المشروطة على وحدة الوجود (الله والطبيعة والانسان) معتبرة وحدة الوجود لا تتقاطع مع الثوابت اللاهوتية، لكن بعض المذاهب المسيحية تلتقي بنظرة الإسلام وتعتبر وحدة الوجود التصوفي (هرطقة ) من حيث ان الوصول الى الانا الفردية الخالصة المتجردة عن انسانويتها تماما لا تتوفر للإنسان ذي القدرات المحدودة بعاملي الزمان والمكان اللذين ليس من السهولة والمتاح مجاوزتهما، وكذلك عامل محدودية قدرات الانسان تجاه الذات الإلهية العصّية وماهيتها الغامضةعلى كل التصورات والادراكات العقلية المادية او الخيالية.التي تفتح الطريق امام المتصوف ولوج مرحلة التسامي الروحاني التي يجادل المتصوف في نسبتها له وتعلقه بها بحب وعشق الخالق والذوبان في تجلياته وفي كليته الذاتية.

الحلول الاشراقي في الذات الالهية

يصف منصور الحلاج وصوله مرحلة التسامي والحلول والاشراق العرفاني بالله بقوله مرددا (انا الحق) وهي لفظة ناقصة عن عبارة السيد المسيح (انا الحق والحياة والطريق) وكثيرا ما يتحدث الحلاج عن الروح الإلهي والروح البشري على انهما محبّان يتناجيان في حالة من الغبطة والسكر والنشوة الممزوجتين تماما كما في الابيات التالية:

مزجت روحك في روحي كما.......تمزج الخمرة بالماء الزلال

فاذا مسّك شيء مسّنـــــــــــــي...... فاذا انت انا في كل حال

انت من اهوى ومن اهوى انا........نحن روحان حللنا بدنا

كما يقول السهروردي:

لا تظنوني باني ميت..............ليس ذا الميت والله انا

ويعتقد اللاهوتيون (المؤلهة) في المسيحية الذين ينكرون امكان تحقق الحلول العرفاني، بخلاف ابيات الحلاج الشعرية التصوفية والسهروردي الذي ادعى أيضا ان الله كلمّه مثلما كلّم النبي موسى، (انه حتى في حال الاتحاد بالله فلابد ان تظل فردية المتصوف منفصلة ومتميزة عن الله).2 وهو امر مفروغ منه لا يحتاج مناقشة اثباته لاقناع غير المتصوفة من الناس.

انه من المشكوك به اثبات وصول المتصوف مرحلة الاندماج بالذات الإلهية الكلية التي حسب الادعاءات الصوفية تتجلى في حدس مبهم غامض لا يتاح الإفصاح عنه او شرحه جماعيا من قبل أصحاب التصوف فهو فوق قدرة الوجود الإنساني معرفته حسّيا او الإحاطة بجزء منه، وحتى في الأديان الوثنية البوذية والهندوسية، فالقدرات البشرية مهما تسامت فوق قوانين الطبيعة وادراكات الزمان والمكان فهي قدرات محدودة مكبّلة وعاجزة في الحلول في فضاء الانجذاب النوراني الرباني، لانها بالنتيجة لا يمكنها ان تترك وقع اثار اقدامها على الأرض.فطبيعة الانسان لا يمكن ان تتشابه مع اية طبيعة متصورة ذهنية للاله الخالق في حال اقرارنا إمكانية تشيؤه (الله) على شكل او صورة من الادراك التي يستطيعه البشرلفهم هذا التشيؤ الافتراضي المستحيل.

كما انه ليس من السهولة ان نجد ذاتا الهية تخص بعضا من البشر بنوع من المحبّة والأيثار دون غيرهم وتقرّبهم من الاتحاد بأناها الإلهية، وامام هذا المأزق نجد ان المتصوف يدور في حلقة مفرغة قطباها أولا الدوران حول الذات في عوالم من التصورات الانجذابية الحلولية التخييلية اللاشعورية، وثانيا الدوران حول التهرب من الإفصاح عن التجربة التصوفية التي يمر بمراحلها المتصوف بواسطة الدلالة اللغوية او الرمزية والاشارية ليفهم الآخرون تجربته. وبهذين المعنيين تنعدم امامنا صدقية التجربة الصوفية من عدمها في زيفها وادعاءاتها لأننا لا نستطيع الحكم على شيء لا يفصح عن نفسه او دلالاته بأية وسيلة ادراك تثبت صدقيته او نفيها.

ونجد هذين الافصاحين يرددهما جميع المتصوفة وفي جميع الأديان وفي مختلف العصور ومختلف الثقافات والأمم. من ان تجاربهم الصوفية هي من الاسرار التي لا يجوز البوح بها للاخرين وانها تفوق الوصف ومن غير اللائق بالمتصوف الحديث عنها!! ويشير والتر سيبس الى ان الاوبنشاد الف وخمسمائة ق. م وهي اقدم الوثائق المعروفة عن التصوف الهندي، وهي تصف على نحو ثابت لا يتغير التجارب الصوفية بانها بلا صوت ولا شكل وغير ملموسة وتخلو تماما من المضمون الحسي.3

وعن مقاربة هذه الدلالة والمعنى نجد القديسة تيريزا، من منطلق استحالة الكتابة عن التجربة الصوفية اثناء حدوثها والمرور بها، وانما يتم ذلك بعد الخروج منها ومحاولة تذّكر وقائعها تصف لنا قائلة:(اثناء الغبطة نفسها كثيرا ما يكون البدن كأنه ميّت وعاجز تماما، وتضعف الحواس وتهن غير ان قوة الابصار والسمع تبقى بصفة عامة، لكن كما لو كانت الأصوات المسموعة والاشياء المرئية تقع على مسافة بعيدة جدا، وانا لااقول ان النفس تسمع وترى عندما تكون الغبطة في قمتها، عندما تضيع الملكات بسبب الاتحاد العميق بالله، فانها عندئذ لا تسمع ولا ترى ولا تدرك، وهذه التحولات التامة لا تستغرق سوى (لحظةّ!!!!).4

التصوف بين الذاتية والموضوعية

يقسم المختصون بدراسة الصوفية الى ان جميع تجاربها يمكن اجمالها جميعهاعند مختلف الأمم ومختلف العصور والازمنة في منحيين، هما أولا التجربة المسماة الانبساطية في حب الله، والتي يطلق عليها أيضا الغبطة واللذة. والثانية التجربة الانطوائية المتأملة ذاتيا في تداعيات الحلم التصوفي والانجذاب، وهي تجربة ربما يعتبرها البعض اكثر نضجا من التجربة الانبساطية في التصوف.

وفي الوقت الذي يذهب فيه وليم جيمس وبرود وكتاب اخرين الى ان التجربة التصوفية ذاتية وليست موضوعية، وهو رأي اكثر مقبولية من دعاة ان التجربة التصوفية موضوعية، فالادعاء بان الذات الكلية الإلهية هي حقيقة واقعية موضوعية فيها الكثير من شبهات التجسيم الإلهي الذي يرفضه الإسلام وخاصة في اراء فرقة( المعتزلة) وهو رأي يعتد الاخذ به فلسفيا ايضا، فالمتصوف الذي يعي ذاته هو عندما يجد ان الذات الإلهية ذات مفارقة لوجود الانسان ووعي هذا الوجود، يعطيه مشروعية ان يكون جزءا منفصلا او متحدا مع الكلية الإلهية التي يدركها وهو محال عقليا فيزيولوجيا لغير المتصوف ادعاؤه، وفي كلا الادعائين فان الذات هي الفاعلة وفي هذا مصداقية لمقولة ديفيد هيوم في تعريفه (الانا) بانها ليست سوى تيار الحالات الواعية، ويكون هيوم بهذا يزرع بذور الشك بالروحانيات ويستبطن نظرية الالحاد في عدم وجود الله في ثنايا عبارته، والأكثرمنها انه يستبعد نهائيا ان يكون لتداعيات وخيالات اللاشعور قدرة امتلاك وثوقية الحقائق الواقعية او الموضوعية.كما انها عاجزة عن امتلاك الادراك والتصورات التي تثبت الكلية الإلهية حقيقة واقعية او موضوعية. وهذا التفسير لا تستطيع دحضه الأديان من غير الإسلام ولا الفلسفات التي تعترف بصدقية التجارب الصوفية ولا زالت القضية موضع تجاذب ونقاش مستمر.

في تعريف الموضوعية: (ان المعيارالمطلق لمعنى الموضوعية هو انها نظام او ترتيب يخضع لقوانين الطبيعة) 5 وهو معيار مختلف تماما عن معنى الذاتية التي هي نظام شعوري تارة، ونظام لا شعوري تارة أخرى يستطيع كسر حاجز قوانين الطبيعة كما في حالات النوم والاحلام والتخييل او التصوف، وبهذا يصعب البت في إعطاء التخييل الحلمي وبضمنه التصوفي على ان مايدركه ويعيه انه شيء حادث او ممكن الحدوث في الواقع او في الخيال على اعتبار ان الله عصي على التشيؤ في اية صورة يستطيع الانسان ادراكها.

لا يستطيع المتصوف ادعاء ان الذات الكلية الإلهية التي يتحد او يتواصل معها انها كليّة (ذاتية) فقط او كليّة (موضوعية) فقط وانما يقول هي كلية ذاتية وموضوعية في وقت واحد، وفي كلا الافتراضين فان هذه الكلية متمايزة جوهريا بذاتها وماهيتها وخصائصها، ان تكون حاملة لأي من مواصفات البشر التي يمكن ادراكها بوسائل الادراك البشري والاتحاد بها.كما اننا في كلتا الحالتين يتعذر علينا نحن غير المتصوفة الوثوق في إمكانية الاتحاد بهذه الكلية الإلهية تصوفيّا.

فاذا اعتبرنا الكلية الإلهية ماهية ذاتية في مقابلة الوجود البشري التصوفي كذات أيضا بمواصفات اختلافية جدا فمن المتعذر التصديق بالقول امكانية الاتحاد معها، وان ما يمر به المتصوف ليس اكثر من تداعيات وتصورات يتداخل بها النفسي مع الموضوعي الحسي بمعزل عن وجود آخر حتى لو كان اثيري او نوراني تتجلى به الذات الكلية للمتصوف. كذلك ان نقول الذات الكلية الإلهية موضوعية تنفي امكانية التواصل بها لما تحمله من تجسيم لا يتعدى مدارك ووعي الصوفي في اسباغ كل تداعيات اللاشعور الذاتي على موضوعه المفترض خياليا فقط. وبهذا المعنى يمكننا اعتبار التجربة الصوفية مرحلة متأخرة من تطور الدين عبر الازمان.

وحدة الوجود والفلسفة

في السطور السابقة اشرنا الى فشل وعجز الاجماع في دعم النظرية التي تقول ان التجربة الصوفية تشهد او هي دليل على وجود حقيقة واقعية تتجاوز الذاتية الفردية للوعي الصوفي، (وان التجربة الصوفية ليست ذاتية وحسب، بل هي في صميم ما يزعمه المتصوفة انها تجربة مباشرة بالواحد، وبالذات الكلية، والله).6

يعتبر اسبينوزا اهم فلاسفة وحدة الوجود اذ يعتبران الله والطبيعة مفهومان مترادفان لمعنى واحد ولا يقر بوجود خالص خارج الطبيعة، والكون عنده يتألف من جوهر وصفاته وهي صفات الله ولا يوجد شيء غير ذلك .7

ان اسبينوزا هنا لا يقر بوجود خالق قائم بمواصفات ذاتية بمعزل عن توزعات هذه الصفات الالوهية على الطبيعة وقوانينها التي من ضمنها الانسان في تغطية وحدة الوجود وان كل شيء في الوجود والكون هو في النهاية يدّخر ذاتيا خصائص الهية هي من صنع واغداقات الخالق على الطبيعة والانسان بكل مميزاتها البشرية وتعقيداته الوجودية التي تعزى الى الخالق في غموضها المستعصي على الوضوح في اغلب الأحيان وتعتبر بمثابة اعجازات الخالق في مخلوقاته (الانسان وفي الطبيعة). وتمتاز هذه الموجودات بانها جواهر وصفات غير محدودة ولا نهائية لا يمكن احاطتنا بجميعها ولا وجود لشيءخارجها ومنفصل عنها.بمعنى مختصر ان الله هوصفات مخلوقاته في كيفياتها اللانهائية فقط ولا وجود له (الله) على شاكلة أي نوع من الصفات المستقلة به ذاتيا الغير مدركة في بعضها في الطبيعة والانسان والنظام الكوني الذي يجعل الوجود واحدا في تداخل الإلهي كصفات أرضية وطبيعية فيه مع البشري والطبيعي والكوني بما يستلب من الانسان مركزيته الوجودية وحاجته الى رد الأمور المستعصية على تحملها الى قدرة الله المتجلية في بعض مظاهرها امامه في نفسه وفي الطبيعة وتشعره بالتقزيم الملازم لوجوده.

اذن وحدة الوجود الاسبينوزي تدحض بالصميم ان يكون الخالق ذاتا او موضوعا مستقلا يمكن ادراكه ويتأمله بعض الناس المتصوفة دون غيرهم.فالواحد الالهي هنا في هذه الحالة هو في حقيقته (كثرة) متوزعة بما لانهاية له من التجليات والصفات، غير محدود ولا نهائي وليس واحدا كيانيا قائما لا في ذاته ولا كموضوع لذا يكون من المتعذر على الصوفي ان يتحد بالذات الإلهية كما يدعي.

ورفض ديفيد هيوم ومعظم فلاسفة الوضعية التجريبية والتحليلية الإنكليزية مثل فرانسيس بيكون وجون لوك وجورج مور وبراتراندرسل إمكانية ومقدرة وصول المتصوف مرحلة وجود الانا الخالص التجريدي والمتحرر من مقيّدات الوجود الإنساني الواقعي الطبيعي الفيزيائي في الزمان والمكان. ويضيف هيوم دحضه وجود الانا الخالص في تعريفه الانا: (ان الانا الخالصة ماهي الا تيار الحالات الواعية) 8 بمعنى وعي الذات لوجودها المادي والتخييلي التصوري وادراكاتها للمحيط والموجودات إدراكا ذهنيا عقليا حسيا شعوريا وبهذا ينفي هيوم الوجود المادي ان يكون سابقا على الفكر والادراكات والتصورات كلية في تأكيده ان الذات ادراك واعي. وان وجود الشيء هو ان يدرك، وهي قمة المثالية التي يشاطره بها بيركلي عندما يقول لا وجود لشيء خارج ادراكي له فكريا وذهنيا، وفي حال تجرد الانسان من حواسه في ادراك الوجود سوف لن يكون هناك وجودا قائما بذاته كما تذهب له المادية في ان وجود الشيء يسبق ماهيته وادراكه والتفكير به.

ان الزعم بتحقق وحدة الوجود تصوفيا امرا لايمتلك براهينه الفلسفية المنطقية فاذا اخذنا (النوع الانطوائي من التجربة الصوفية، فهي غير حسّية مادامت جميع الاحساسات والتصورات استبعدت منها )9 لكنها تبقى تجربة ذاتية غير موضوعية (فهي ذاتية بالمعنى الذي يكون فيه الهذيان والهلوسة والاحلام مصادر تنبعث بالضرورة ذاتيا وليس موضوعيا)10أي ان هذه الحالات عند المتصوف لا تخضع الى انتظام قوانين الطبيعة في فهم ماهو الموضوعي.لكنما اذا ما اخذنا المتصوف كوجود متعين زمانا ومكانا من خلال تجريده عن جميع حالات الهذيان والاحلام التخييلية فيصبح وجوده موضوعيا ماديا لاعلاقة له بالفكر المدرك لوجوده في وعي ذاته، ولا بحالات الهلوسة التي امتلكت صفة الذاتية المنعزلة عنه، وهوتصنيف غير مقبول منطقيا، كون الانسان وجود مادي يتحدد بالعقل بالفكرواللغة والوعي، لكن ما يبرره هو ادعاء المتصوف ان حالاته الحلمية التخييلية تمتلك موضوعيتها من موضوعية وجوده الأرضي المتعين التي اكتسبها من مقارنه وجوده مع الوجود (الموضوعي) للذات الإلهية التي يدعي حدسها والتقرب المتزايد منها كذات وموضوع وهومالا يؤخذ به لأنه لا توجد لحد الان براهين لا هوتية ولا علمية تؤكد وجود الخالق بالمواصفات الذاتية التي نحدسها ومعنا يشترك المتصوفون بها أيضا في هذا العجز.

كما لا نعتقد أن الصوفية حسمت أمرها في ان الادراك التصوفي لله يقوم على اعتبار الله (ذاتا) بمواصفات الهية يصعب على الانسان الإحاطة بها او الاتحاد بها؟ ام ان الله موضوع تأملي بمواصفات الهية ليس من اليسير الإحاطة بها او ادراكها ايضا؟ وفي أي من العلاقتين يتحدد الادراك التصوفي للذات الالهية؟ في اعتبارها ذاتا ام موضوعا يتيسر للذات البشرية الحلول والذوبان الاشراقي في الوجود الإلهي وكيف؟ ليس هناك من أجوبة شافية قاطعة.وبضوء ما ذكرناه (نجد اجماعا من جميع متصوفة العالم الى ان التجربة الصوفية لا هي ذاتية ولا هي موضوعية، وهم لم يصلوا الى هذه النتيجة استدلالا منطقيا مقبولا، وانما يشعرون به حدسيا وهي التاويل الوحيد الطبيعي لتجاربهم.)11

 

علي محمد اليوسف /الموصل

.................

الهوامش

1. التصوف والفلسفة/والتر ستيبس/ ترجمة وتقديم امام عبد الفتاح امام/ص267

2. المصدر السابق ص53

3. المصدر السابق ص 76

4. المصدر السابق ص 166

5. المصدر السابق ص 87

6. المصدر السابق ص 269

7. المصدر السابق ص180

8. المصدر السابق ص 197

9. المصدر السابق ص 210

10. المصدر السابق 217

11. المصدر السابق ص 184

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4394 المصادف: 2018-09-16 12:03:42