 أقلام فكرية

كيف يمكن تجديد دور المثقف في عصر رقمي وعالم متغير؟ (1): أسئلة وفرضيات أولية

كيف يمكن تجديد دور المثقف في عصر رقمي وعالم متغير؟

سؤال نعتقد أنه راهني بامتياز، يطرح نفسه على لحظة تاريخية جديدة، يعاد فيها تشكيل دور المثقف بفعل التحولات السريعة التي يعرفها العالم المعاصر، إن على المستوى السياسي، أو على مستوى الطفرة التكنولوجية وطفرة التشبيك وتقنيات التواصل، أو على صعيد الانخراط في مجتمع المعرفة، وما يترتب عن ذلك من انقلاب في مفاهيم المثقف وأدواره المطلوبة.

ينطلق هذا السؤال من إحدى قواعد فلسفة التاريخ التي ترى أن رحلة الحضارات وانتقالها من مستوى تواصلي إلى مستوى آخر، يستلزم التشخيص والبحث في كيفية التعبير عن حالة الوعي بتلك النقلة، عبر الوسائل التواصلية المتاحة، وأن كل تحول تاريخي انتقالي يستلزم إعادة صياغة القول في مفهوم المثقف ودوره.

يستند السؤال أيضا إلى قاعدة النقد الذاتي التي ترى أن فكر المثقف وآليات اشتغاله ينبغي أن تخضع - من مرحلة لأخرى- لعملية اختبار وفحص ومساءلة، لكسر الرتابة والقيم الجاهزة، ومواكبة تحولات المرحلة الجديدة. ونحسب أن مرحلة التحولات التاريخية الكبرى، ومن بينها الحالة الراهنة التي انتقلت فيها البشرية إلى مربّع عالم متعولم ، وعصر رقمي، وانتقل المجتمع العربي  بعد زلزال 2011 المعبّر عنه بالربيع العربي إلى عتبة زمن جديد، وإعادة تشكيل للخارطة السياسية التي بعثرت أوراق الانتقال الديموقراطي، تشكل محكّا حقيقيا لامتحان قيمة الدور الذي يقوم به المثقف اليوم، وتشريحه بمبضع النقد والمراجعة في ضوء هذه المتغيرات الجديدة، ووضع الأصبع على مواطن العطب التي تكتنفه، وتعديل ما يستوجب الصواب، ثم تقديم البدائل والتصورات المحسوبة، لضخّه بطاقة جديدة، وإعادة ترتيب آليات اشتغال المثقف بما يجعله أقدر على التكيّف مع مستجدات الواقع و"نوازل" التطور المعرفي، وترويض أدواره بما يلائم التحولات التاريخية، وتدبير المرحلة الجديدة تدبيرا فكريا ملائما، وتأسيس قواعد جديدة في الفعل الثقافي العربي، واستنبات ثقافة جديدة تصبو إلى زحزحة المواقف والقناعات الراسخة، والثوابت، واليقينيات، والمطلقات السماوية منها والأرضية، وإعادة النظر في المقدمات والخيارات الناظمة للعمل الثقافي.

ترتكز فرضياتنا أيضا إلى إحدى المقولات السوسيولوجية التي نحتها المفكر الفرنسي "بورديو" Bourdieu ، رفع فيها من قامة المثقف، وجعله محرّكا للتاريخ، ومساهما في نحت منعرجاته الكبرى، حين أكد أن (أقوال المثقفين تساهم في صنع التاريخ وفي تغيير التاريخ)؛ وإن كان العالم العربي لا يزال على مستوى خريطة البحث والدرس يشكو من شحّ الدراسات التي تختبر هذه المقولات، وتسبر أغوار دور المثقف في زمن التحولات التاريخية، والمنعطفات الكبرى (خاصة منعطف الزمن الرقمي)، بهدف استنباط وإبداع أنجع الخيارات الثقافية التي تجعله إيجابيا وفاعلا في حفر مجاري تلك التحولات، ومشاركا في بناء معمارها. 

ومن الفرضيات الأولية التي نؤسس عليها النظر كذلك لتشريح  دور المثقف في ظل التحولات التاريخية التي يشهدها العالم، أن مهمة المثقف لا تكمن في تغيير المجتمع، وهي الفكرة التي ظلت سائدة ردحا طويلا من الزمن في أوساط المثقفين، بل تتجسد مهمته في فهم كيفية تغييره، ومن ثم فإن التحولات هي التي تحدد دور المثقف، وليس الأخير هو الذي يحدّد دوره فيها بناء على مقاسه الخاص. وتأسيسا على ذلك، نقترح بسط النظر في مسألة تجديد دور المثقف انطلاقا من عمق التحولات العالمية، وخاصة مجتمع المعرفة، من خلال مثلث إشكالي على النحو التالي:

1- يتمثل الضلع الأول من المثلث الإشكالي في البحث عن تصورات لتجديد آليات اشتغال المثقف من خلال التواصل الشبكي المنفتح، بدل الاقتصار على الإنتاج الورقي، وهي الآليات التي تسمح له بالتواصل مع أكبر جمهور افتراضي، ليصبح متفاعلا معهم، وينتقل المتلقي من مربّع المستهلك لمقولات المثقف، إلى مشارك في إنتاج الفعل  الثقافي.

2- مراجعة المشاريع الفكرية للمثقف بما يناسب القضايا المعرفية المستعجلة، من قبيل التفكير في تجاوز أعطاب الأطوار الانتقالية للمجتمعات العربية، وتخصيب أرضية الانتقال الديموقراطي، وآليات الإصلاح الديني، والمشاركة في إيجاد حلول للصراعات الإثنية والطائفية،  وتطعيم كل هذه القضايا المستعجلة بأسئلة إبداعية تراعي المتغيرات الدولية والإقليمية.

3- يرتكز الضلع الثالث من سؤال تجديد دور المثقف العربي على تغيير "مكان" تواجده، من خلال توسيع مساحات حضوره، وتجاوز الحضور التقليدي داخل أسوار الجامعات ومقرّات الأحزاب ومكاتب النقابات، إلى الميادين والساحات العمومية، للمشاركة في الحركات الاحتجاجية السلمية الحضارية، والحلقات النقاشية الفكرية، وإلقاء المحاضرات في قلب الميادين، على غرار ما قام  بعض المثقفين الأمريكيين الذين انخرطوا في حركة Occupy wall street من أمثال نعومي كلاين وجيفري ساكس، والروائية الكندية مارغريت أتوود، وعالم اللسانيات الكبير نعوم تشومسكي الذي ألقى محاضرة في ساحة الاحتجاج ببوسطن. لذلك أحسب أن تجديد دور المثقف محكوم بجملة أسئلة يمكن اختزال أهمها في ثلاث أسئلة مركزية:

1- إلى أي حد تشكّل المتغيرات العالمية، خاصة هيمنة مجتمع المعرفة والعصر الرقمي، موجها ناظما جديدا لأدوار المثقف؟ وكيف ينعكس ذلك في إعادة مراجعة مفاهيمنا للمثقف ودوره؟

2- كيف أثّر الوضع الإقليمي بعد ثورات الربيع العربي في بناء ذهنية عربية جديدة تحتّم مراجعة أسلوب أداء المثقف وآليات اشتغاله، وتأسيس مرجعية جديدة لتوجهاته وهو يقف على عتبة تحولات كونية وإقليمية ما فتئ إيقاعها يتسارع منذ بداية الألفية الثالثة؟

3- ما هي حدود القول بأدوار جديدة للمثقف العربي في سياق خيار استراتيجي له ملامحه وعناوينه المتجسدة في حضوره في مواقع التواصل الشبكي، وتواجده في الساحات والميادين للدفاع عن قيّم الحرية والديموقراطية، وممارسة دوره التنويري حفاظا على مكاسب الثورات العربية؟

للأجوبة عن هذه الأسئلة بقية ... ( يتبع)

 

ا. د. إبراهيم القادري بوتشيش

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

في الحقيقة ما طرحته غاية في الأهمية ولم يطرح ..وان طرح لم يكن بهذا العمق وأخذ كل الأطراف حتى نفهم اكثر..المثقف له أهمية في تحريك البلاد ووضع فكره على طاولة الأفكار الأخرى السياسية والاقتصادية وووو.هو الذي لا يجب عليه أن يكون متجمد الفكر أو متطرف من الناحية السياسية ويجب أن يكون الموجه للارتقاء فهو كفة غاية في الأهمية ..فالربيع العربي وهنا اتحدث كمثال على تونس باعثة الثورات ..عاشت وتعيش زخم ثقافي كبير وقد استفاقت على ثورة فكرية أدبية ثقافية فالحرية محركة للثقافة ومغذية لها فيجب علينا كمثقفين نجدد روح البلاد ونزرع الوعي المثقف يجب أن يكون الشريان الذي لا يتصلب ولا يجف مهما كانت الأزمات التي تعاني منها ..فمن الثقافة يتكون الابداع و يرسم التاريخ ..المثقف يجب أن يرمم ما يهدمه جهل السياسة وانانية السلطة وفقر الشعب ..الشعب المثقف له رؤية واقعية حقيقية واعية لتجعله مريدا للارتقاء وإذا اراد الشعب لابد أن يستجيب القدر ..تحياتي لكم واسفة على الإطالة لولا أهمية ماذكرت

لمياء عمر عياد
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4488 المصادف: 2018-12-19 02:26:09