 أقلام فكرية

فلسفة الحياة.. مداخلة نقدية

علي محمد اليوسفتعريف اولي: أراد فلاسفة الحياة نقد الميراث الفلسفي الاوربي لثلاثة قرون (1600م – 1900م)، التي كان يتسيّدها تياران رئيسيان في قطبين متضادين أحكما هيمنتهما على مدارس وتيارات الفلسفة الحديثة الاوربية على وجه التحديد منذ بداية القرن السابع عشر. هما الفلسفة المادية بكافة تياراتها وانشقاقاتها، في مناوئة القطب الثاني الفلسفة المثالية أيضا بكل تنوعاتها ومدارسها الفلسفية العديدة. وأن كنا لانعدم مثل هذا التفريق والتضاد في الفلسفة منذ بواكيرها الاولى في فلسفة اليونان (بارمنيدس× هيراقليطس) وما تلاها من فلسفات على أمتداد عصورتاريخية طويلة حتى يومنا هذا.

أرادت فلسفة الحياة كما أطلقت على نفسها، أنتسابها بمواصفات وتوصيف البيولوجيا العضوية من حيث أبتعادها عن أدانة (حقيقة) لا توجد فلسفة لم تكن من أجل الحياة في مفاهيمها كتعبير فلسفي، أو طموحها تغيير الحياة كما في غالبية مدارس الفلسفة المادية لعل أبرزها الماركسية.، طرحت فلسفة الحياة نفسها  التوسط بين كل من الفلسفة المادية والفلسفة المثالية في رفضها المنطلقات الفلسفية لكليهما وليس محاولة التوفيق غير المجدي في سعي التقريب بينهما، وبدأت فلسفة الحياة من منطلق أدانتها ونقدها الفلسفة الكانطية التي أعتبرت في حينها تمفصّلا تاريخيا كبيرا في تاريخ الفلسفة وكما أستهدفت فلسفة الحياة نقد  الديكارتية العقلية أيضا.

كما وأستبعدت فلسفة الحياة النزعة الميكانيكية في تبادل علاقة المادة بالفكر والعقل التي تأخذ به كلا من المادية والمثالية على السواء طبعا باختلافات جوهرية. وأتخذت فلسفة الحياة من مقولة أحد أقطابها برجسون :(هناك في الصيرورة أكثر مما هناك في الوجود )واجهة فلسفية تعريفية عريضة لها أنضوت تحتها أربعة مدارس مختلفة في تنوعات طروحاتها الفلسفية لكنها جميعها تجمعها العناوين:

- مدرسة الدفعة الحيوية عند برجسون.

- البراجماتية الامريكية والانكليزية

- المذهب التاريخي عند دلتاي

- فلسفة الحياة الالمانية.(1)

أرهاصات فلسفة الحياة

اولا: يعتبر كتاب الفيلسوف الالماني (باوخ) الصادرعام 1923م بعنوان (الحقيقة والقيمة والواقع) من أهم الكتب التي مهدت لظهور فلسفة الحياة. وأعتبر باوخ هذه المباحث الفلسفية الثلاث الحقيقة والقيمة والواقع أنما هي في حقيقتها أشكالية بحثية فلسفية واحدة بثلاثة وجوه حيث (أن الواقع يساوي الحقيقة، كما أنه من جهة أخرى هو القيمة).(2) ويرى باوخ أن جدل قوانين تشكيل الموضوع ليست ثابتة وأنما هي في حركة دائبة، وأن العالم المادي هو في تطور أيضا، وقوانين العالم الجوهرية التي تحمل أسم المثال أو الفكرة، أنما هي وحدة موضوعية للصور المنطقية الكلية اللانهائية.(3)

يلاحظ في العبارات المقتبسة أعلاه مدى المراوغة التي يحاولها باوخ التمّلص والهروب من تأثير النزعة المادية الكلاسيكية على أفكاره الفلسفية، وكم هو مستفيد من الجدل الهيجلي والماركسي في أهمية الحركة والتضاد والحتمية التطورية الضرورية التي تلازم كل حراك في المادة والطبيعة والتاريخ.

ثانيا: تعتبر فلسفة الحياة، أن المدارس والتيارات الفلسفية المثالية، تعامت عن أدراك التجريبيين أثبات المرتكزات التالية التي اعتمدتها فلسفة الحياة :

- أن العقل يختلف أختلافا جذريا عن المادة ولا يمكن تفسير العقل بالمادة وأرجاعه لها.

- القانون المنطقي والاخلاقي لا يمكن أن يقوم على عملية نفسية.

- أن فعل المعرفة ليس مجرد أستقبال سلبي للانطباعات.(4)

يمكنننا القول في مداخلة سريعة وتعقيب أولي، أنه بحسب فهم فلسفة الحياة يتوجب التفريق بين العقل والمادة ولا يجوز تفسير العقل بالمادة وأرجاعه لها.وهذا منطلق مثالي مقلوب يحاول الانقلاب على مثالية فلسفة الحياة في لبوسها مفردات المادية وهو ما تعتمده فلسفة الحياة تصريحا،أذا ما علمنا أن الفكرهو في حقيقته الوجودية مادة سواء أكان مادة تخليقية داخل العقل أو مادة تعبيرية عن الاشياء خارج العقل، والفكر قسمة مشتركة بين الوجود المادي للاشياء في الطبيعة والعقل .

وسيلة العقل في أدراكه الاشياء والموضوعات أنما يكون من خلال أستقبال العقل لمعطيات الحواس، ومن ثم يجري تنظيم علاقات هذه المدركات وتخليقها مفاهيميا قبل أرتدادها من العقل في التعبير عنها فكريا – لغويا الى عالم الاشياء الخارجي.

والقول هنا العقل في سمته وصفته غير الوظيفية البايولوجية، ليس مادة هو من قبيل فرزه وتمايزه عن واقع الاشياء بتخليقه معطيات الادراك الواصلة له دونما أن يكون جزءا عضويا مرتبطا بها خارجه أي في وجودها الخارجي المستقل في عالم الاشياء.، والعقل يختلف عن المادة في وجودها المستقل في الطبيعة، كونه عضو وظيفي خلاّق داخل منظومة أعضاء الجسم البايولوجية، نسبة لوجوده في أدراكه عالم الاشياء ماديا عن طريق الحواس والجهاز العصبي، بنفس وقت أن عالم الاشياء الخارجي لا يمكنه أدراك العقل، كمثل الاشياء في الطبيعة، بل هو يدرك ذاته اولا وفي قدرة أدراكه عالم الاشياء المستقلة عنه والتي لا تتشابه معه لا من حيث الكيفية العضوية ولا من حيث الوظيفة الادراكية التجريدية.اذن العقل هو مادة حيّة في كلا التعبيرين سواء كعضو في الجسم، او كحصيلة معرفية فكرية منتجة للواقع المدرك تخارجيا.

ومادية العقل الفلسفية هي خاصيته في أنه يعقل نفسه ويعقل الاشياء المادية والفكر ويعبر عنها باللغة أو غيرها من وسائل ترجمة الافكار العقلية في توصيلها تداوليا الى عالم الاشياء.

وأذا فرضنا العقل غير مادي من حيث الفكر وليس من حيث عضويته البايولوجية في جسم الانسان، وأن كان التفريق هذا غير دقيق، فكيف يتسنى لنا أدراك الاشياء بغير وسيلة العقل المادية؟ العقل يدرك ليس الطبيعية كموضوع او موجودات وظواهر وأشياء ، وأنما من خاصية العقل أدراكه العواطف والاحاسيس المجردة والانفعالات النفسية على السواء لكن بوسائل مختلفة متنوعة في تفرده عنها جميعا والا كان العقل لا يتسم بالثبات المادي في أدراكه معطيات كلا من المادة والنفس.

كانط لم يكن مخطئا في أعتباره العقل يدرك الوجود في زمانيته – المكانية المتجانسة مع ثبات وسائل أدراكه في العقل والوجود.لأنه لم يجد له مخرجا في أدراك الاشياء زمانا سوى الاقرار بحقيقة أن ما يدرك مكانا يدرك في زمانيته أيضا ولا تفريق بين الزمان والمكان في ادراكهما الاشياء.

العقل يدرك الاشياء في ثباتها مكانيا وفي صيرورتها زمانيا، الزمان الذي حسب كانط لا ينفصل عن أدراكه الاشياء مكانا في حيّز وجودي مكاني أو في حيّز مكاني – زماني بصفته موضوعا متخيّلا من صنع مخيال الذاكرة لا وجود عياني له في عالم الاشياء والطبيعة، والمدرك عقليا لا يدرك زمانا منفصلا عن أدراكه مكانا بل في تلازم الاثنين معا.بمعنى أن أدراك الشيء مكانيا زمانيا هو في حقيقته تعبير أدراكي واحد.

وهذا ينطبق تماما مع الفلسفة المثالية بغض النظر أن كانت موفقة بها أم خاطئة قولها (أن فعل المعرفة ليس مجرد استقبال سلبي للانطباعات )،كما أنهم – فلاسفة الحياة -  يذهبون الى أن القانون الاخلاقي أو المنطقي لا يمكن أن يقوم على عملية نفسية.وهي مسألة تقبل من النقاش الطويل الوقت المفتوح في فلسفة علم النفس.

وفي هذا أقرار واضح لا ينفع معه الالغاء المزاجي، في مواربة غير منطقية التغاضي عن حقيقة أن العقل يدرك المادة والاشياء في وجودها الخارجي المستقل، كما يدرك الاخلاق والمعارف والنفسية والانطباعات باختلافات هي من صميم فعالية العقل التنظيمية للادراكات جميعها وبمختلف تنوعاتها واساليب معالجتها في الرد عليها.

والعقل ليس مادة عضوية أو وسيلة أدراكية ميكانيكية جامدة لا على صعيد العقل العضوي البايولوجي،ولا على صعيد العقل الفكري المجرد الفلسفي أو المعرفي (اللوغوس). بل أن العقل مادة عضوية داخل الجسم أن شئنا تعريفه علميا على أنه محتويات الدماغ، مادة عضوية في أرتباطها البايولوجي الحياتي بالانسان، ويكون وسيلة معرفية تجريدية أيضا في تعبيره عن الاشياء والمدركات بالفكر واللغة...والفكر ينوب عن العقل الادراكي ولا يتجاوزه في التفكير وأدراك الوجود...ولا فكر بدون مرجعية العقل الذي يعلو على الفكر واللغة لأنهما من تخليق العقل ووسيلته، وليسا سابقين على وجود العقل التخليقي والادراكي للاشياء ولا سابقين على وجود الاشياء في استقلاليتها خارجيا.

العقل الذي يمنح الوجود المادي الطبيعي أدراكاته التخليقية يكون جزءا من ذلك الوجود المدرك تخليقيا بوسيلة الفكرواللغة فقط، ويكون متمايزا عن المدركات الوجودية في الواقع بالوظيفة و بخصائصه المادية الفسلجية.فالعقل يعطي الفكر واللغة ماديتهما ويكون متعاليا عليهما في الكيفية الوظائفية ومعرفة عالم الاشياء.

والعقل المقصود هنا هو ليس حزمة الادراكات الحسية او الخيالية الواصلة لعقل فلسفي يروم أعطاء تفسيرات تجريدية لها، وأنما هو العقل العضوي البايولوجي في تركيبة الجسم الذي يدير كافة العمليات المادية في حياة الانسان اليومية، وكل منظومة الافكار الصادرة عنه.فالتفكير الذهني المجرد وكذلك الواقعي كلاهما من أختصاص العقل(الدماغ) في تخليقه منظومة ردود الافعال عن طريق المخ والجهاز العصبي وتخليق الافكار واللغة.وفي أستجابته توصيل مدركات الحواس سواء اكانت واقعية أو فكرية للمخ والاجابة عنها.

العقل ليس مادة وحسب بل هوفعالية دينامية شغّالة تجعل من كل مدرك يقع تحت تأثيرها وأتمامها التحليلي للمدركات واقعية كانت أم خيالية. وأعطاء ردود الافعال تجاهها فتصبح هذه المدركات مادة أكتسبت حيوية تخليق العقل لها في وجودها خارج وصاية العقل عندما تكون في عالم الاشياء المستقل، ويخطيء بعض الفلاسفة ومنهم فلاسفة الحياة بأن وظيفة العقل تنحصر في تجميع حزم من الانطباعات النفسية ومعطيات الادراك التي يتلقاها ويقوم هو بربط العلاقات بينها ميكانيكيا فكريا فقط،وليس في مداخلة العقل التخليقية لها مجددا، والعقل هنا لا يقوم بخلق الاشياء في العالم الخارجي وأنما يقوم بتخليقها ثانية كوجودات تسبق أدراك منظومة الحواس والعقل لها في وجودها المستقل في عالم الاشياء.

ترتبط بعلاقات لا حصر لها مع الطبيعة ووجودها معها بعد أتمام معالجة العقل لها وتعبير الفكر واللغة عنها..العقل تخليق للاشياء وليس خلقها بالفكر واللغة.بمعنى تغييرها وتحويلها من حالة طبيعية ووجود واقعي معين لآخر متجدد متحرك ومتغيروهكذا سواء في تدخل الانسان ماديا في تغيير الاشياء أو في تداخله مع معطيات العقل الصادرة عنه بالفكر واللغة.

واذا أفترضنا جدلا أن العقل ليس مادة فاعلة وانفعالية في نوع من التخليق الجديد لمجمل مدركاته، فبأي وسيلة يمكن أدراك الاشياء في حالة من الحركة الدائبة والصيرورة الدائمية بحسب توصيف أصحاب فلسفة الحياة؟؟ سؤال أترك الاجابة عنه لأني لا أؤمن بغيرتفسير أن يكون العقل العلمي والعملي او التجريدي الخلاق مادة تتوّسل غيرها من الماديات وغير الماديات بتخليق عقلي جديد للاشياء . ويختلف العقل في ماديته أنه مادة غير ساكنة ولا محايدة ولا سلبية لأنها تمّثل طاقة كبيرة لا محدودة من الديناميكية الحية التي تتمايز بها عن الوجود المادي للاشياء في ثباتها الطبيعي المستقل قبل أدراك العقل لها.

ماهو جديد فلاسفة الحياة؟

أن فلاسفة الحياة يتقدمهم برجسون جميعهم (فعليون) ديناميكيا على نحو مطلق، أي أن منطلق فلسفتهم الحركة والتغيير والصيرورة الدائمية، ولا يوجد شيء يعلو الحركة وصيرورة الحياة. ويتغاضون عن المادة والوجود باعتبارهما من (فضالة) الحركة. أي أن المادة والوجود هما فائض الفعالية الحركية للاشياء والحياة التي هي حالة تطور مستمر ولا متناهي.ويتخذون من مقولة برجسون أن هناك في الصيرورة أكثر بكثير مما في الوجود، مجالا حيويا ديناميكيا في فهم الحياة واشكالاتها.كما أنهم يتصورون الواقع على نحو عضوي بمعنى أنه سلسلة من التغيرات البايولوجية في الطبيعة التي تطرأ على الانسان والتي تسري أحكامها على الوجود والطبيعة في تنوعاتها البيئيىة، وأرتباط الكائنات الحية وكل الموجودات في شبكة عضوية من التداخل الذي ينظّم الحياة والطبيعة والوجود الانساني المتعالق بهما. ويرون العلم أنه ليس آلة وأنما هو حياة عاملة فاعلة، وفلاسفة الحياة لا عقليون ويرفضون بشدة التصورات أي القوانين القبلية والاستنباطات المنطقية. ولا يعتمدون أن يكون المنهج العقلي هو منهج الفلسفة، وانما منهج الفلسفة هو الحدس والنشاط والفهم الحي للتاريخ. وفلاسفة الحياة ليسوا ذاتيين، ويؤمنون بوجود حقيقة موضوعية تتعدى الذات العارفة وتعلو عليها وتستقل عنها. (5)

هنري برجسون 1889 – 1941

لا يعتبرالفيلسوف الالماني هنري برجسون مؤسس فلسفة الحياة وأن كان من أبرز فلاسفتها،فقد سبقه فلاسفة عديدين ايطاليين وفرنسيين وألمان في هجومهم على الابتذال الميكانيكي الذي تقوم عليه الفلسفتان المادية والمثالية في مبحث  الوجود.وأن كان الغاء هذا الابتذال وبديله دخول مباحث الفلسفة نفق العدمية والتفكيك والبنيوية وغيرها من الفلسفات التي أقامت وأضافت فوق تجريدات الفكر الفلسفي تجريدات لغوية لا أول لها ولا نهاية في تضييع أهتمامات الفلسفة بالانسان.

ويعتبر دي بيران أستاذ برجسون أبرز مؤسسي فلسفة الحياة. وأفاد برجسون كثيرا من المذاهب الفلسفية التطورية والنفعية في الفلسفتين الانجليزية والامريكية وفي الوقت الذي تأثر بفلسفة هربرت سبنسر ألا أنه مالبث أن انقلب على أفكاره تماما،محاولا أن ينفرد في أربعة مؤلفات كتبها في الفترة (1889- 1932)  يعرض نظريته فيها بالاخلاق وفلسفته الدينية، وأصبح أحد رواد الفلسفة الاوربية الجديدة في القرن العشرين، بعد نجاحه في الافادة من مزج آرائه الفلسفية بخيالات ولغة الادب صاغها برشاقة نال على أثرها جائزة نوبل بالادب. (6)

وبنى برجسون فلسفة الحياة الهجينة المستمدة أصولها من ثغرات الفلسفتين المادية والمثالية وكذلك ملابسات فلسفة كانط وهيجل على السواء، والتي كان تناولها بالتشخيص وأدانها العديد من الفلاسفة قبل وبعد برجسون، ولم يكن له قصب السبق في هذا المجال حتى الربع الاول من القرن التاسع عشر تاريخ تبلور انبثاق فلسفة الحياة التي كانت اسهامات كروتشة الايطالي وبرنشفيك الفرنسي لها الباع الاعلى في بلورة مفاهيمها.

أن مدلولات الفلسفة الهيجلية ومن بعدها الماركسية كانت تعج بها الساحة الفلسفية والخطاب الفلسفي السائد منذ القرن السابع عشر والثامن عشر منذ عصر ديكارت، وكانت مفرداتها بالحركة والديالكتيك والتطور التاريخي ومركزية العقل واعلاء شأن العلم وغيرها من أدبيات الفلسفات المادية والمثالية تملأ مجلدات من الكتب.

ويمكننا تلخيص فلسفة الحياة عند برجسون من منطلق (أن خواص العالم هي الامتداد والتعدد والحتمية والسببية، وأن الاجسام تخضع لقوانين لا تتبدل)، وجديد برجسون باستثناء مصادرها المستّلة من أدبيات الفلسفة المادية الهيجلية والماركسية، تناوله العلم الطبيعي قائلا :( أن العلم الطبيعي لا يدرس الحركة ، وأنما هو يدرس المواقع المتتالية فقط، التي تقع فيها الاجسام، كما أن العلم لا يدرس القوى وأنما يدرس نتائجها ومعلولاتها، لذا فأن صورة العلم عن العالم تفتقد الحركة الديناميكية للحياة).(7)

لو تركنا جانبا مغالطة برجسون في محاولته أدانة العلم على أنه يفتقد الحركة الديناميكية في تعامله مع الحياة، بتعميم لا يمتلك خصوصية التعامل مع العلم بروحية الحجّة المقنعة والرأي الصائب، وما قاله في الفقرات السابقة، أنما هو لا يتعدى توصيف تعميمي بعيد جدا عن منطق العلم، ولو أخذنا جانب التخصص في عباراته السابقة، لوجدنا فيها تلميحات تخص علم الفيزياء الميكانيكي بتعميم لا يحتمله العلم في تخصصاته التي لا حصر لها وليست مقتصرة على تعامل علم الفيزياء الميكانيكي بحركة الاشياء وانتقالاتها وتغيراتها المكانية، أنما كان رصد العلم لها زمانيا هو في قياس انتقالاتها المكانية فقط وليس الزمانية حسب أدانة برجسون الخاطئة للعلم.

أن في أدانة برجسون العلوم الطبيعية في تعميم جزئية تخص الفيزياء على علوم الطبيعة ليست مسألة يمكن تمريرها والتسليم بها على أنها نقد فلسفي صائب للعلم، وأدانة العلوم الطبيعية على أنها غير قادرة على مواكبة انتقالات (القوى)،  لا يقلل من منجزات النهضة العلمية المذهلة التي حصلت منذ بداية القرن التاسع عشر.

منذ بداية عصر الانوار وفتح منافذ التقدم العلمي على مصراعيه حتى وصل أعلى قممه في القرن العشرين، وجدنا كيف جعل هذا التقدم العلمي ألمذهل، من الفلسفة وآرائها تابعا يركض منهكا متعبا وراء منجزات العلم ومحاولة الاعتياش الفلسفي عليها،.ونمشي قليلا مع برجسون في قوله:(أما الزمان على النحو الذي يدركه العلم، فهو في نهاية المطاف مكان في الواقع، وحين يزعم العلم أنه يقيس الزمان، فأن الذي يقيسه بالحقيقة هو المكان). (8) ***لا أعتقد أن أحدا من الدارسين الف باء الفيزياء ينكر هذا. الزمان لايقاس ولا يدرك بغير استدلال مكاني ملازم له.

أذا سلمنّا أن قول برجسون في تخطئته العلم صحيحة، فما هو رأي الفلسفة في آلية قياس الزمن والمكان؟؟ لا يوجد قياس فلسفي للزمان يعتمده العلم ولا الفلسفة. هنا لم يأت برجسون بجديد لا في رأي كانط الذي حاول تفنيده بعبارات فارغة ولا أستطاع النيل من مهمة العلم بذلك ايضا. تعبير برجسون في تداخل قياس الزمان والمكان في أدراك الاشياء، كان أوضحه كانط في مؤلفه الفلسفي ألهام نقد العقل المحض، بأن الذي يدرك من المحسوسات والذهن مكانا هو في ذات الوقت عينه يكون مدركا زمانا، لأن الزمان والمكان في الادراك الحسّي يتداخلان ولا يمكننا أدراك شيء في مكانه دونما أعتمادنا تداخل الزمان في أدراكنا له في ذات اللحظة أو الآنية.ادراك وجود الشيء مكانا يتم في قياس زمانيته ولا استقلالية مكانية لوجود غير موجود يقاس بغير الزمن.

لا يوجد أدراك مكاني لشيء لا يداخله أدراك زماني، وكذلك لا يوجد شيء يدركه الزمان متعينا ماديا بمعزل عن أدراكه مكانا، باستثناء أدراكات العقل الخيالية لموضوعات مصدرها الذاكرة لا وجود مكاني عياني لها في عالم الاشياء والطبيعة الحية. ويكون الادراك الزماني متعالقا مع المكاني في تداخل معقد يجري بالمخ خياليا من حيث أن الادراكات اللاشعورية المتخيلة التخليقية للابداع تختلف عن أدراكات الشعور للاشياء في الطبيعة في تغييراتها المادية ظاهراتيا في ثبات جواهرها.علما أن الفلسفة المادية لا تعترف بوجود شيء(بذاته) فالوجود هو الظواهر فقط.

الزمان في أدراكه الاشياء يكون لا ماديا ولا مدركا ولا حسيا ولا حدسا عقليا لوحده، والزمان قرين الوجود مكانا، والمدرك مكانا يعني أدراكه زمانا في نفس اللحظة المكانية المتداخلة زمانيا، والمدرك مكانا عقليا يعني بالضرورة أنه مدرك حدسيا زمانا، فالادراك المكاني لا يكون نافذا ولا صحيحا ومتعذّرا أيضا، الا في حضور أدراك الشيء زمانا من دون أن يستطيع الانسان التثبت من حدس الزمان بلا مكان يؤطره شيء يدرك واقعيا....ملازمة الزمان للشيء في مكانه ضرورة لأدراكه وبغير الزمان هذا لا توجد مدركات مكانية يمكن أدراكنا لها في تجريدها عن زمنها لأن في ذلك أستحالة وجودية، ولا يوجد مكان مدرك لا يلازمه زمان ، فالوجود مكانا هو وجود زماني في ومضة واحدة غير متاح التفريق بين الزماني عن المكاني فيها.والمكان هو الوجود في الزمن ولا مكان لوجود خارج الزمن.

وقول برجسون بأن الذي يقيسه الزمان أنما هو قياس الشيء مكانا هو تعبير صحيح لضرورة موجبة في الممارسة الادراكية للعقل، لكنها لا تشكل أدانة للعلم في تقصيره قياس ألزمن منفصلا عن الشيء المدرك مكانا على حد تعبير برجسون، لأننا نكون بهذا نطالب العلم بأدراك أعجازي عقلي.

فمثلا أنت لا تقدرأدراك وضعية يدك مكانيا في غياب زمن أدراكك لها، وحضور اليد لا تدرك مكانا ما لم يرافقها زمن محدد هو زمن أدراكها حسّيا، وليس وضعية مكانهافقط.

فاليد التي يدركها الانسان موضوعة في جيبه لها زمنها ومكانها الخاصين المختلفين عن وضع اليد على الرأس أو على الطاولة أو اليد التي تمسك قلما أو التي تؤشر لشيء أوغيرها بما لاحصر له من الحالات.

هنا يكون أدراك اليد زمنيا هو ألذي يعطيها أدراكا مكانيا والعكس صحيح أيضا.بمعنى أستحالة أدراك الشيء مكانا في غياب زمنه الذي يجعل من المدرك مكانا مدركا حسيا وعقليا.

أننا لا يمكننا أدراك أي شيء مكانا من دون ملازمة الزمن أدراكنا له معا .وضع أي شيء مدرك مكانا يتم عبر آلية زمنية تقطعها معطيات أدراك حاسة واحدة أو أكثرفي حالتي ثبات الشيء أو في حركته.وهذا يعطينا أثباتا أن الشيء لا يدرك مكانا فقط في أستحالة غياب زمن أدراكه بل لا يكون موجودا من أساسه.ولا يكفي ولا يمكن أدراك شيء يتنقل مكانا من دون زمن يلازمه.حركة الشيء هي زمنه وليس تبديل وجوده وانتقالاته مكانا.المكان هو وجود لا يدرك لوحده في زمان مفارق له.

واذا كانت الفلسفة مليئة بالاخطاء المتقاطعة مع العلم، فأن العلم ليس ملزما أّتبّاع سذاجة الفلسفة أغلب الاحيان.أن محاولة جعل أفكار الفلسفة سابقة على أفكار العلم محاولة عقيمة تشبه معالجة الفلسفة قضايا الميتافيزيقا قرونا طويلة بلا نتيجة.

وكما نجح العلم في أفتراقه عن الاساطيروالسحر والاديان الوثنية وخلقه منجزات مذهلة كذلك من اليسير جدا أن يفترق العلم الحديث عن الفلسفة اذا ما وجدها تقف عائقا أمامه.أن العلم الحديث وضع الاديان والفلسفة في زاوية حرجة ، كما كان سبق له أن وضع الاساطيروالسحر والميثولوجيا عموما منذ عصورفي طي التخيّلات العقيمة.... والعلم أختط له مسارا مستقلا بعيدا عن الفلسفة بعد انفصاله عن الاديان،وأخذ يحقق المنجزات العظيمة.في وقت لا تزال الفلسفة تفتش لها عن مخرج ينتشلها من الوضع المحرج الذي تعيشه وسببه عدم قدرتها مجاراة العلم منجزاته  لا غير.

خاتمة وتلخيص

العلم لا يحتاج من يدافع عنه أمام موقف الفلسفة المتراجع باستمرار، وليس معنى هذا أن العلم والمعرفة لا يحتاجان الفلسفة بل المقصود أنهما كما يلتقيان في أمور عديدة يختلفان في بعضها أيضا.ولم نعش بعد اليوم الذي نجد فيه الفلسفة تسحب العلم خلفها بل نعيش العكس.أنه كما رفض العلم سطوة الدين عليه بالامس، يسحب اليوم الفلسفة وراءه .

من المهم بيان التوضيح البديهي أن العلم مجموعة حقائق وليس مجموعة تصورات فلسفية تقبل الخطأ والصح، وليس العلم من السذاجة أنه ينقل انتقالات القوى على حد تعبير برجسون، انتقالات مكانية يحسبها زمانية. ولا يعترف برجسون أن مكان الشيء وزمانيته مظهران لحقيقة واحدة هي أدراكه وجودا.

أن المدرك مكانا هو المرتكز الاولي في فهم وجوده وصيرورته وحركته ، والزمان ليس ضرورة أدراكية لكل وجود مكاني ومتحرك وحسب، بل هو الملازم الواجب لاعطاء مواضيع الصيرورة المكانية أدراكا منظّما يرتضيه العقل وتستقبله الحواس.ان ادراك الشيء في حقيقته هو في قياسه الزماني.

وليس هناك من أفتعالية علمية أو فلسفية يريد أثارتها برجسون في وجوب فصل المدرك زمانا عن المدرك مكانا،فالمدرك مكانا هو مدرك زمانا كما أوضحناه سابقا، وليس العلم وحده كما يذهب برجسون وقع في مطب (الخطأ الساذج) الذي أكتشفه برجسون في أدانته العلم رصده انتقالات وقياسه حركات القوى مكانا ويعتبرها أدراكا زمانيا.وهذه حقيقة علمية لا يمكن دحضها بالفلسفة.فادراك الشيء في حقيقته هو في قياس زمنه وليس قياس حركته في اشغاله حيّز مكانه.

كانط في القرن الثامن عشر أنتبه بذكاء عبقري لهذه الاشكالية التي وضعها في صياغة مثالية وهي مقبولة علميا في غياب الافضل منها، أن الادراك الزماني- المكاني للوجود لا يتم الا عبر (قالبي) الزمان والمكان باعتبارهما وسيلتي الادراك الحسي العقلي ، وهما وجودان ثابتان في العقل، ومعطيان سابقان على الوجود والطبيعة في الادراك.

والزمان لا يدرك وجودات الاشياء من دون تعيّنها المادي في أشغالها حيّزا مكانيا، باستثناء أدراكات العقل لمواضيع الخيال، وملازمة الزمان للشيء ليس في سكونه الثابت وحسب وأنما في جميع حركاته، وانتقالات المكان لا تؤثر في أدراكات الزمان لها.ومن المهم التنبيه الى أن العقل لا يدرك الفراغ او العدم، فالمدرك زمانا هو الموجود مكانا أو المتخيّل ذاتيا، والشيء المتحرك ليس هو الشيء الذي يغادر المكان بل الذي يغادر زمنه الادراكي، فالمكان ثابت في أدراك العقل له وملازمته الامتلاء، وكل شيء بالطبيعة من أشياء تشغل حيّزا في المكان تبقى حركاته وانتقالاته مدركة مكانا وزمانا معا مهما تبدّلت مواقع المكان وكما أن الزمان لصيق الوجود كذلك المكان لصيق ذلك الوجود... والزمان يدرك الحركة على أنها شيء ثابت وليس شيئا متحركا، لذا يكون الثابت والمتحرك في الشيء الواحد سيّان في أدراك الزمان له.

استحالة ادراك او حدس العقل وجود الاشياء مكانا، في تعطيل فاعلية الزمان،كون الوجود مكانا لوحده فقط أستحالة أدراكية، ويصبح وجود الشيء مكانا عدما لايمكن أدراكه لأنه فراغ أو عدم، والزمان لا يدرك  الحيّز الخالي أو الفراغ من الوجود المادي للاشياء، أي الزمان لا يدرك اللاوجود غير الموجود،والزمان لا يدرك فراغات المكان التي هي عدم غير موجود لا يمكن حدسه،الفراغ يدرك الأمتلاء فقط، بمعنى أن الزمان لا يدرك اللاوجود الذي لايحده المكان، كما أن الحواس لا تنقل احساسات اللاوجود أو العدم التي هي غير حقيقية لا في وجودها الواقعي ولا  في وجودها الافتراضي.

كما أن ملازمة الزمان أدراكه الاشياء حسّيا عقليا،لا ينفي عن الزمان حقيقته الحدسية المجردة في أدراكه الوجود المادي للاشياء في الطبيعة، وغيرالوجود المادي المتخيّل عن الذاكرة، لكنه أي الزمان في كلا الادراكين وسيلة فقط، ولا يكون بذاته مادة او موضوعا للادراك لا من العقل ولا من الطبيعة ولا من الوجود المادي للاشياء، ولا من الخيال الفكري الذاتي، ولا حتى من العلم الفيزيائي الذي تأخذ مواضيعه كامل مداها المختبري التجريبي، الزمان لا يستطيع العلم جعله موضوعا تجريبيا كحقيقة علمية يمكن البرهنة عليها أو السيطرة عليها، والزمان لا يخضع لأرادة العقل وتنفيذ رغائبه، ويبقى قانونا من قوانين الطبيعة الفاعلة غير المسيطرعليه من قبل الانسان، والزمان هو حدس عقلي متعال على الوجود والطبيعة ولا يخضع لهما. وتبقى الطبيعة والانسان تحت رحمة الزمن ، ولم يكن الزمن تحت رحمتهما.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

.........................

الهوامش:

* للمزيد حول الموضوع أحيل القاريء الى مقالتي المنشورة على موقعي المثقف وكوة، بعنوان (كانط وتجريده المثالي للوجود) تناولت فيها أشكالية تداخل الزمان والمكان في الادراك العقلي عند كانط.

1- ا.م. بوشنكي/ت عزت قرني/الفلسفة المعاصرة في اوربا/سلسلة عالم المعرفة/ ص 142

2- المصدر السابق ص137

3- المصدر السابق ص 138

4- المصدر السابق ص 140

5- نفس المصدر السابق تلخيص ص142-ص145

6- نفس المصدر ص144

7- نفس المصدر السابق ص 147

8- نفس المصدر السابق ص 145

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4604 المصادف: 2019-04-14 02:04:26