 أقلام فكرية

نقد كارل بوبر للتاريخية الماركسية

حاتم حميد محسنكارل بوبر (1902-1994) فيلسوف نمساوي المولد اكتسب فيما بعد الجنسية البريطانية، اشتهر بمبدأ التكذيب او التفنيد falsification principle(1) وهي طريقة العلوم في بيان زيف الفرضية العلمية، وبالتالي السماح بايجاد فرضية أفضل. الفرضية يمكن بيان انها زائفة حتى ولو بملاحظة مضادة واحدة. المثال الكلاسيكي على ذلك: افتراض "كل البط ابيض اللون" ثبت زيفه عندما لوحظ وجود بط أسود في استراليا. لكن مساهمات بوبر العظمى للفلسفة هي في هجومه على التاريخية historicism(2) وهي الفكرة بان التاريخ له اسلوب وهدف ونهاية، وانه يتحرك بلا توقف نحو تلك الغاية طبقا لقوانين معينة. بوبر درس بعناية التاريخية في كتابه (فقر التاريخية) الصادر عام 1957 وذهب بعيدا نحو الفلسفة السياسية والمجتمع في كتابه من جزئين (المجتمع المنفتح واعداؤه، عام 1962).هذا الكتاب العالي الاتقان في الفلسفة السياسية يمثل حالة دراسية نموذجية في فن النقد، ويجسد دفاعا حماسيا عن الديمقراطية الليبرالية. الأعداء الفلاسفة للمجتمع المنفتح، يرى بوبر، يدخل ضمنهم افلاطون وهيجل وماركس.

الجزء الاول من الكتاب يتعلق بافلاطون الذي رأى التاريخ ليس كتقدم وانما دائري، وهو في تراجع عن العصر المثالي الذهبي. افلاطون في جمهوريته حفز على النظام الاجتماعي المحكوم بالفلاسفة الملوك، المحميين بالنخب العسكرية وبمساندة طبقة كبيرة من العمال. بعض الخصائص الكريهة في نظامه الاجتماعي دفعت بوبر للهجوم عليه.

لكننا نهتم هنا بالجزء الثاني من كتاب بوبر الذي يناقش هيجل وماركس – خاصة ماركس، رغم اننا عند مناقشة ماركس والتاريخ لا يمكننا تجنب هيجل. في الحقيقة، كان ماركس قد تأثر بعمق بنظرية هيجل في التطور التاريخي. كلاهما اعتقد بان التاريخ له غرض وقدر محتوم، وان البشرية منذ البداية تحركت نحو مصيرها مندفعة بالصراع عبر سلسلة من المراحل المستمرة، كل مرحلة جديدة تأتي الى الوجود عبر الصراع الناتج عن التناقضات او النفي للمرحلة السابقة .وعندما تتحرك العملية التاريخية نحو الامام، فان الظروف تتحسن حتى يتم في النهاية حل التناقضات والوصول الى نوع من الحرية.

ولكن رغم هذا التشابه فان النظريتين في تضاد مع بعضهما. نظرية هيجل في التاريخ التي عرضها في فينومولوجيا الروح هي تجريدية، تتكشف دائما في الذهن. مختلف حركات الفكر او العقائد تتصارع مع بعضها مجتمعة لتعطي دفعا لظهور حركات جديدة تستمر بدورها بالصراع مع اخرى في عملية مستمرة تسمى الديالكتيك. تاريخ العالم هو انكشاف لما يسمى الذهن المجرد او الروح من خلال الديالكتيك. بهذا المعنى، يعتمد العالم على الذهن، على الافكار، وعليه تسمى نظرية هيجل بالمثالية الديالكتيكية. في اوج الحركة الديالكتيكية، يمارس الفرد التحرير من خلال علاقته مع الدولة التي يمجدها هيجل حين كتب "الدولة هي فكرة دينية كما تتجسد على الارض"(محاضرات هيجل في فلسفة التاريخ، جزء 41).(3)

فكرة هيجل عن العملية التاريخية – ديالكتيك التناقضات – بدون شك اثّرت على ماركس وانجلس. ذكر انجلس في وصفه ديالكتيكية هيجل بانها منطق جديد "لامع". لكن هذا المنطق فيه مشكلة. فكما ذكر ماركس "ليس وعي الناس منْ يقرر وجودهم، وانما وجودهم الاجتماعي هو من يقرر وعيهم" (نقد الاقتصاد السياسي، 1859).

نظرية ماركس، بالمقابل،  تنكشف في عالم العمل، لذا هو يسميها المادية الديالكتيكية. صراعها هو بين الطبقات الاقتصادية، وان ذروة حركتها تتمثل في بلوغ المجتمع اللاطبقي،  وبالنهاية زوال الدولة . كلا الرجلين تأثرا بقوة بهريقليطس الذي ذاع صيته في القرن الخامس قبل الميلاد. هيرقليطس قال بان كل شيء في حالة من التدفق او السيلان، يتغير الى الابد من خلال قوانين الطبيعة التي اسماها اللوغس او المنطق، يقوده التصادم بين الاضداد، ولكن بما ان هيرقليطس كان ماديا، لذا اعتبره ماركس مبشرا لماديته التاريخية.

بوبر حول ماركس والتاريخ

طوال تفحصه لماركس، اتّبع بوبر خطا رفيعا بين الاعجاب والخشية. هو يشعر بالاحترام لماركس، وجده صادقا في عقيدته، حاد الادراك في تحليلاته، متحمسا نحو المسحوقين. اعتقد بوبر ان ماركس ذاته "قام بمحاولة شريفة لتطبيق الطرق العقلانية على معظم المشاكل العاجلة للحياة الاجتماعية ... امانته واخلاصه في بحثه عن الحقيقة ومصداقيته الفكرية ميّزته دائما، نعتقد و من خلال العديد من اتباع بوبر " ... ان الماركسية هي التي ازعجت بوبر الذي اسماها" شكل التاريخية الأنقى والاكثر تطورا والاكثر خطورة".

يرى بوبر ان الاختلاف الاساسي بين ماركس وغالبية المؤرخين (بمن فيهم هيجل) هو ان الآخرين رأوا التاريخ "ومصير الانسان"يتقرر بالصراع بين الامم. ماركس رأى التاريخ يتقرر بالصراع بين الطبقات. وكما ذكر ماركس "تاريخ جميع المجتمعات القائمة حتى الان هو تاريخ الصراع الطبقي"(البيان الشيوعي). وكما يوضح بوبر "التفسير السببي الماركسي للتاريخ بما فيه الحروب القومية، هو ان مصلحة الطبقة يجب ان تأخذ مكان المصالح القومية المزعومة والتي هي في الحقيقة فقط مصلحة الطبقة الحاكمة في الامة".

طبقة المرء تتقرر بموقع المرء في نظام المجتمع لإنتاج السلع والخدمات. في الرأسمالية، البرجوازية هي من يملك وسائل الانتاج، وبهذا هي من يصنع الطبقة الحاكمة. اما اولئك الذين يقومون حقا بالعمل لإنتاج السلع والخدمات فهم يصنعون الطبقة العاملة او البرولوتاريا. المالكون يُجبرون لزيادة الانتاجية لكي يمكنهم التنافس، وبهذا هم مجبرون لإجبار العمال على انتاج المزيد وبكلفة اقل، وهو ما يعني اجور عمل قليلة. هم ايضا واعون تماما بان حريتهم تعتمد على انعتاقهم من العملية الانتاجية. هم يمكنهم "شراء مقدار اكبر من الحرية فقط على حساب استعباد اناس آخرين"، كما يذكر بوبر. "فقط عبر جعل الآخرين يقومون بعمل قذر يمكن للحكام ان يكونوا متحررين". ولكن مع استغلال العمال، هم يطورون وعيا طبقيا: نتذكّر ان ماركس اعتقد ان وجود الانسان الاجتماعي يقرر وعيه. وبهذا فان العمال يصبحون باستمرار واعين بان حاجتهم للحرية  تتقرر بموقعهم في وسائل الانتاج. الحكام ملزمون باستعباد المحكومين، والمحكومين ملزمين بالكفاح ضد الحكام. "وهكذا دائما، الحكام ومعهم المحكومين يقعون في الفخ، ويُجبرون للصراع ضد آخر"، يوضح بوبر."انها العبودية"، هو يضيف"هذه الحتمية في الصراع  ... نبوءة تاريخية علمية".يلخص بوبر حتمية ماركس بالقول ان علاقات الطبقة التي تميز النظام الاجتماعي هي مستقلة عن رغبة الانسان الفردية.

من المفزع ان كل هذا يبدو غير شخصي – ازيل من الواقع الوحشي للحياة اليومية. لكن ماركس رأى  القسوة المميتة للراسمالية في انجلترا في اواسط القرن التاسع عشر. ماركس يعطي هنا امثلة:

1- وليم وود شاب عمره 7 سنوات .. يأتي للعمل كل يوم من الساعة السادسة صباحا حتى الساعة التاسعة مساءا .. "15 ساعة من العمل لطفل بعمر سبع سنوات، شيء مدهش حسب  تقرير رسمي للجنة استخدام الاطفال عام 1863".

2- ماريا آن والكلي شابة عملت دون توقف لمدة 26 ساعة ونصف، مع 60 من البنات الاخريات، 30 منهن في غرفة واحدة .. استدعي الطبيب لاحقا، شهد امام الطبيب الشرعي بان ولكلي ماتت بسبب ساعات العمل الطويلة في غرفة عمل مزدحمة".

النبوءة ومفارقة الحرية

يربط بوبر الظروف المزرية للرأسمالية المنتصرة بشيوع فكرة الحرية الاقتصادية :"هذا الاستغلال المخزي جرى الدفاع عنه وبسخرية من جانب المنافقين الذين لجأوا الى مبدأ الحرية الانسانية، لحقوق الانسان في تقرير مصيره، وللدخول بحرية في اي عقد يراه مفضلا لمصالحه".

مفارقة الحرية هو مفهوم يعود تاريخه الى افلاطون الذي يقول بوضوح ان "الحرية اللامحدودة تقود الى لا حرية". بوبر طبق هذه المفارقة على نوعين من الحرية هما الفيزيقية والاقتصادية. "الحرية في اي ميدان تهزم ذاتها اذا كانت غير محدودة"،  هو يكتب. الحرية الفيزيقية غير المقيدة هي حرية البلطجيين في ايذاء الضعفاء. ولكن بالنهاية، ذلك البلطجي سيأتي ضد بلطجي اقوى، وذلك البلطجي ايضا سوف يواجه آخر وهكذا. لذا من الضروري للدولة ان تقيد الحرية الفردية في طرق قانونية معينة لحماية حرية كل شخص. السلطة الاقتصادية غير المقيدة تقود الى نفس النتيجة في العالم الاقتصادي. " في دولة كهذه،  القوي اقتصاديا حر في ايذاء الضعيف اقتصاديا، وسرقة حريته"، يكتب بوبر. فمثلا، "اولئك الذين يمتلكون فائض من الطعام يمكنهم اجبار الاخرين الجياع على "عبودية مقبولة" بشكل حر".لذا من الضروري ايضا للحكومة ان تحمي الضعفاء اقتصاديا.

يجادل بوبر ان الدولة يمكن ان تبني مؤسسات لتوفير هذه الحماية من خلال الوسائل القانونية. هو سمى هذه العملية "الهندسة الاجتماعية التدريجية"piecemeal social engineering(4). ماركس اعتبر السياسة والنظام القانوني خادما للطبقة الحاكمة. هو آمن بان الانظمة السياسية البرجوازية انكرت الحريات الاساسية للعمال والفقراء. ورغم انهم جرى التعبير عنهم في لغة العدالة والحرية، لكن هذا كان مجرد ديكور خارجي. بوبر في وصفه عقيدة ماركس في هذا،  كتب" هذا يبين ان الاستغلال ليس مجرد سرقة. انه لايمكن منعه فقط بالوسائل القانونية". بالنسبة لماركس، الخيار الوحيد هو الثورة.

طبقا للتاريخية الاقتصادية لماركس، النظام الاجتماعي لفترة تاريخية معينة يجب ان يزيل نفسه لينتج الفترة التاريخية القادمة. هذا يبين كيف ان الاقطاعية انتجت الرأسمالية. الراسمالية بدورها، تحتوي على بذور فناءها. تلك البذور توجد في ظروف الانتاج. في كتاب رأس المال،  ادّعى ماركس هناك تركيز متزايد للثروة بايدي القلة، وزيادة مماثلة في شقاء وتعاسة الطبقة العاملة المتزايدة. هذه اول خطوة من ثلاث خطوات في نبوءة ماركس بالثورة. هذه النزعة ستؤدي الى الخطوة الثانية، محتوية على نتيجتين. كما يوضح بوبر حول نظرية ماركس:"كل الطبقات ماعدى البرجوازية الحاكمة الصغيرة والطبقة الكبيرة  العاملة المستغلة ملزمة لتختفي او لتصبح بلا اهمية". وايضا، "التوتر بين هاتين الطبقتين يجب ان يقود الى ثورة اجتماعية" من خلال الصراع بين المالكين والعمال. اخيرا،  في الخطوة الثالثة، العمال سيبرزون كمنتصرين على المالكين ويؤسسون ما يسميه ماركس دكتاتورية البروليتاريا. بالنسبة لماركس هذه الدكتاتورية ضرورية للدفاع ضد الثورة المضادة ولخلق المجتمع اللاطبقي.

اعتقد ماركس ان هذه العملية التاريخية حتمية. هذه التاريخية وجدها بوبر خطيرة، ومن هنا هو  فصل نفسه عن ماركس. بوبر بوضوح شجع مفارقة الحرية لمواجهة الشروط الضرورية لثورة ماركس الحتمية:

"نحن يجب ان نبني مؤسسات اجتماعية، تُفرض بسلطة الدولة، لحماية الضعفاء اقتصاديا من الاقوياء اقتصاديا ..  يجب ان نطالب بان الرأسمالية غير المقيدة تسمح بالتدخل الاقتصادي. وهذا بالضبط ما حدث. النظام الاقتصادي الذي وصفه وانتقده ماركس لم يعد موجودا في اي مكان".

يعطي بوبر امثلة لما حدث في تحديد الحرية المطلقة للسوق مثلما كان ايام ماركس: تحديد ساعات العمل، الحماية ضد المرض والعجز والبطالة والضرائب التصاعدية  وظهور اتحادات العمال وغيرها. يذكر بوبر ان ماركس "لم يستوعب ابدا مفارقة الحرية، وهو لم يفهم ابدا الوظيفة التي يمكن لسلطة الدولة تأديتها في خدمة الحرية والانسانية". يجب التأكيد ان بوبر لم يكن ساذجا فيما يتعلق بسلطة الدولة وامكانية الاستبداد. "تدخّل الدولة"، هو يكتب "يجب ان يقتصر على ما هو ضروري لحماية الحرية". باطلاع تام على سايكولوجيا الانسان، شدد بوبر على اهمية السيطرة على المسيطرين. في الحقيقة، معظم الدول الغربية اسست اطارا قانونيا للفصل بين السلطات لتحديد سلطة الدولة بالاضافة الى الحرية المطلقة للسوق.

نهاية التاريخية

سبب فشل نبوءة ماركس " يكمن كليا في فقر التاريخية "يكتب بوبر: "في ابسط الحقائق حتى لو نلاحظ اليوم ما يبدو من نزعة تاريخية، نحن لا نعلم انها سيكون لها نفس المظهر غدا". بوبر ذكر ايضا ان الناس عندما يتحدثون عن تاريخ البشرية" ما يعنونه وما تعلموه في المدرسة هو تاريخ السلطة السياسية. لا وجود لتاريخ البشرية، هناك فقط اعداد لا متناهية من التواريخ ... وأحد هذه التواريخ هو تاريخ السلطة السياسية. هذا التاريخ رُفع الى مستوى تاريخ العالم. لكن هذا هو جريمة ضد كل تصور لائق للبشرية.. بالنسبة لتاريخ السلطة السياسية لاشيء عدا تاريخ الجريمة الدولية والقتل الواسع". لكي يوضح هذا يستشهد بوبر من الثورة الروسية وتأسيسها دولة صناعية باستخدام العمل الاجباري والقمع المفرط للمعارضين.

في نهاية المجتمع المنفتح واعداؤه، يعرض بوبر مرة اخرى غموضه نحو ماركس."ماركس أوهم الناس الاذكياء ليعتقدوا بان النبوءة التاريخية هي الطريقة العلمية في حل المشاكل الاجتماعية". مع ذلك، هو يسمي عمل ماركس "نظام فلسفي فخم، مقارنا او أرقى من الانظمة الكلية لافلاطون وهيجل . ماركس كان آخر العظام من مؤسسي الانظمة الكلية . نحن يجب ان نحرص على تركه هناك، ولا نستبدله بنظام آخر عظيم".

وهنا يجب ذكر ملاحظتين. اولا،  ان بوبر الذي مات عام 1994 ربما سيشعر بالقلق من  التصاعد الاخير للقومية المتشددة في اوربا والولايات المتحدة، وايضا سيلوم الفجوة الواسعة بين الاغنياء والفقراء. كلاهما يعزز انتعاش مفاجيءللماركسية او انظمة شمولية اخرى،  وهو موقف سيواجهه بوبر بمزيد من الهندسة الاجتماعية المتدرجة.

اخيرا، ملاحظة بشان هيجل وماركس. الفلاسفة الحديثين احيانا يبحثون عن دعم من اليونان القديمة لإعطاء نظرياتهم بريق الحكمة القديمة. هيجل وماركس كلاهما وجد ضالته في هيرقليطس. هيجل كان فخورا به :"لم توجد فرضية لهرقليطس لم اتبنّاها في منطقي .. كل الاشياء تمر طبقا للصراع"، بينما ماركس اعتبره سبّاقا في ماديته الديالكتيكية للتاريخ. وكما ذكر الفيلسوف وليم ساخان في تاريخ الفلسفة 1968: "هرقليطس اعتبر العالم كنظام يتغير بلا توقف، لا يكتمل ولا ينتهي ابدا في بلوغ اهدافه او التوقف في حالة من الكمال".

 

حاتم حميد محسن

.....................

الهوامش

(1) مبدأ التكذيب اقترحه الفيلسوف العلمي كارل بوبر. المبدأ يفترض بان الشيء لكي يكون علميا يجب ان يكون بالامكان تكذيبه. اذا كانت الاشياء قابلة للتكذيب او ممكن اثباتها كاذبة عندئذ يمكن استخدامها في التحقيقات والدراسات العلمية . مثال على البيانات القابلة للتكذيب القول بان جميع السيارات حمراء. هذا القول يمكن تكذيبه بسهولة عبر ملاحظة سيارة واحدة ليست حمراء. كل شيء لا يمكن اثباته كاذبا هو غير صالح للتحقيق العلمي. مثال على بيان لا يمكن تكذيبه هو وجود كائنات خرافية غير مرئية تسكن الكهوف والجبال وتسرق الاطفال لايمكن اكتشافها من قبل الانسان. هذا القول لا يمكن اثباته صحيحا او كاذبا، ولذلك هو لايمكن تكذيبه ولا يمكن استخدامه في التحقيق العلمي.

(2) التاريخية هي الاعتقاد بان التاريخ يتقرر وفقا لقوانين، وان فهم الناس والثقافات يتطلب فهم الاحداث  التاريخية. مثال على التاريخية هي الاعتقاد بان ما حدث في الـ 100 سنة الماضية سيقرر ما يحدث اليوم.

(3) يرى هيجل ان الدولة هي أعلى تجسيد للفكرة الدينية على الارض وهي الوسيلة الرئيسية التي يستعملها المطلق في تجسيد ذاته كما ينكشف نحو الانجاز التام. جادل هيجل بان الدولة هي أعلى شكل من الوجود الاجتماعي والمنتج النهائي لتطور البشرية، بدءً من العائلة ومرورا بالمجتمع المدني وصولا الى ادنى اشكال التجمعات السياسية. الدولة هي كل عضوي متسامي يتالف من تجمعات الافراد في جماعات محلية وجمعيات وغيرها. هذه الاجزاء ليس لها اي معنى عدى علاقتها مع الدولة التي هي غاية في ذاتها. الدولة يمكنها ان تطلب من اجزاءها التضحية لأجل مصالحها. كل انسان خاضع للكلي الاخلاقي.اذا طالبت الدولة بحياة فرد ما عندئذ يجب على الفرد التسليم. بما ان كل شيء بالنهاية هو واحد، فان الجماعي له السيادة على الفرد. دولة هيجل ليس فيها مكان لفكرة الحقوق الفردية او النظرية الليبرالية للدولة.

(4) في كتابه (فقر التاريخية، 1957) انتقد كارل بوبر التاريخيين ولاسيما الشيوعيين والفاشست في محاولتهم التنبؤ بالمستقبل، وجادل بان التجارب الاجتماعية الكلية المرتكزة على هذه النظريات محكوم عليها بالفشل، ذلك بسبب ان طريق التاريخ الانساني يتأثر كثيرا بنمو المعرفة، ونحن لا نستطيع ان نتنبأ عقلانيا ولاعلميا بمستقبل النمو في المعرفة العلمية. بدلا من ذلك، ومقارنة مع الدور المركزي للتجارب المتدرجة في العلوم، هو يرى ان الشكل الوحيد للتغيير الاجتماعي الذي يمكن تبريره هو ذلك الشكل الذي يكون على نطاق صغير، وسلس ومتدرج ويمكن باستمرار تعديله في ضوء التجربة. هذا الاتجاه يرتكز على التجربة والخطأ وليس على الرؤى التاريخية القبلية، وكما يقول بوبر"نحن نصنع التقدم فقط عندما نكون مستعدين للتعلّم من اخطائنا: نعترف باخطائنا ونستعملها نقديا بدلا من الاستمرار الدوغمائي عليها. الهندسة الاجتماعية هي إدخال لتصور بوبر للطرق العلمية في التخطيط والسياسة.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4609 المصادف: 2019-04-19 03:55:45