 أقلام فكرية

المعرفة والسلطة.. قراءة في نقد ادوارد سعيد للاستشراق

صباح الحاج مفتنقدَّم ادوارد سعيد دراسة واسعة في الاستشراق، وتعد علاقة المعرفة بالقوة والسلطة من أهم الموضوعات التي حاول سعيد أنْ يطرحها من خلال تحليل خطاب الإستشراق الذي خَلَق من الشرق شرقاً تخيلياً يتميز أهله بنزعات طفولية ساذجة، وبأنهم قابلون للانقياد والانصياع، الأمر الذي أدى إلى غزو الاستعمار للشرق واستعباده، فبسبب الاستشراق، لم يكن الشرق موضوعاً حراً للفكر أو الفعل. ومن هنا يحاول سعيد أنْ يكشف المنظومة الاستشراقية الغربية التي عملَت على حدوث هذا النمط من الاستعباد والنظرة الدونية إلى الشرق، وأنْ يكشف اكتساب الثقافة الغربية للمزيد من القوة ووضوح الهوية عندما وضعَت نفسها موضع التضاد مع الشرق بوصفه بديلاً أو ذاتاً خفية.

ويرى سعيد أنَّ الإستشراق استجاب للثقافة التي أنتجته أكثر من استجابته لموضوعه المزعوم، فهو يتّسم باتّساق داخلي، وبمجموعة من العلامات المحيطة به من ثقافات سائدة، فحاولَ أنْ يكشف ملامح هذا الحقل، وتنظيمه الداخلي، ونصوصه المعروفة، وأفكاره، وشخصياته، واعتمدَ في ذلك على أفكار ميشيل فوكو، وغرامشى، وماركس، ورينان، وكرومر، وكذلك على الأعمال الأدبية والكتابات السياسية والنصوص الصحفية والكتب والدراسات والرحلات، والبحوث الدينية واللغوية، واعتبر أنَّ النصوص الاستشراقية تشكَّلَت وتطوَّرت عَبر التفكير الذهني على وفق النهج المثالي، من أنَّ "الأفكار تنتج الأفكار"، أو "الوعي ينتج الوعي"، وهكذا كان منظوره هجيناً واسعاً، "تاريخي- أنثروبولوجى"، ما دامت كل النصوص حسب اعتقاده دنيوية تتأثر بالظروف المحيطة بها.

كتب "كارل ماركس" يقول عن الشرق، "أنهم لا يستطيعون تمثيل أنفسهم، ولا بد أنْ يمثّلهم أحد". وهذا يشير إلى محورين رئيسيين، هما المعرفة والسلطة، أي استقصاء مسار حضارة معرفية من نشأتها إلى ازدهارها إلى ذبولها، من أجل السيطرة عليها، فالشرق في نظرهم بكل تاريخه، لا وجود فيه لآثار تنبئ عن الحكم الذاتي، فكل قرونهم العظمى مرَّت في ظل الحكم الاستبدادي المطلق، وعلى العكس ما نراه في العالم الغربي، فهم منذ ظهورهم التاريخي يتمتعون بالحكم الذاتي.

يُعَدّ "كرومر" من أفضل من نجح في عمله القنصلي في الهند ومصر؛ إذ قدَّم خدمات جليلة لها أدت بنهوضها وتميزها بين الأمم الشرقية. فكان كرومر يطلق على الشرق "الأجناس المحكومة"، وهي الأجناس التي تجعل إدارة شؤونهم يسيرة، فالمعرفة تأتي بالسلطة، وزيادة السلطة تتطلب زيادة المعرفة.

يقدِّم أدوارد سعيد تصنيفاً لكارل ماركس، بأنه مستشرق شارك المستشرقين في أسلوبهم في التفكير القائم على تمييز وجودي ومعرفي بين الشرق والغرب بوصفه نقطة الانطلاق لوضع أعمال موسعة من النظريات والملاحم والروايات والأوصاف الاجتماعية والتقارير السياسية التي تتعلق بالشرق.

ويبدو لنا أنَّ اعتبار ماركس كبقية المستشرقين من قبل سعيد يحتاج إلى وقفة؛ إذ إنَّ ما ورد في كتاب الاستشراق، هو تصوير الشرق بأنه "آخر" لا حيلة له غير الإقرار بتبعيته للغرب، بيد أنَّ أبجديات الماركسية تعتبر أنَّ التحليل بمفهوم الآخر تتبناه شريحة اجتماعية تضع حدود فاصلة بينها وبين الشرائح الاجتماعية الأخرى بالصورة التي تبرر إخضاع واستغلال الأخيرة؛ فالشرق والغرب يتشكلان هياكل اجتماعية مليئة بشتى أشكال التناقضات الطبقية والتركيبات التحتية والفوقية المعقدة والتصورات المختلفة للعالم.

إنَّ وضع ماركس على صعيد واحد مع الفرنسي العنصري "رينان"، أو "مورو بيرجر"، أو "سانيا حمادي"، التي تعد كتاباتهم عن الشرق قائمة على التعميمات، يبين لنا الهوة الواسعة بين سعيد وبين الماركسية.

وبكل الأحوال، يصل سعيد إلى جوهر المعرفة الأساسية، ألا وهي المعرفة الأكاديمية والعملية التي ورثها "كرومر وبلفور" من الاستشراق الغربي الحديث على امتداد قرن كامل، معرفة أحوال الشرقيين، ومعرفة الجنس الذي ينتمون إليه، وشخصيتهم، وتاريخهم، وتقاليدهم، ومجتمعهم، وإمكانياتهم، وهي معرفة مختبرة لا تتغير مادام الشرقيون من الناحية العملية جوهراً أفلاطونياً، يستطيع أي مستشرق أنْ يفحصه ويفهمه ويعرضه للآخرين، أو كما يقول كرومر في كتابه "مصر الحديثة": إنَّ الشرقي يبغض الدقة التي تعد الصفة السهلة للانحطاط التي تتحول إلى الكذب. وهو عكس ما يتصف به الأوربي الذي يحكم الاستدلال الدقيق والحقائق الواضحة، فهو منطقي بالفطرة حتّى وإنْ لم يدرس المنطق، وهو بطبيعته شكاك يطلب البرهان قبل أنْ يقبل صدق القول، وذكاؤه يعمل عمل الآلة المنضبطة. أما الشرقي فهو يفتقر إلى التناسق، وأنَّ الاستدلال عنده أبعد ما يكون عن الإتقان، ويسهل خداعه، ويفتقر إلى النشاط وروح المبادرة، ومولع بالإفراط بالمدح والملق والتآمر والمكر والقوة على الحيوان، والكذب المتجذِّر والكسل.

يرى سعيد أنَّ من الخطأ عدم تقدير هذا المستودع من المعرفة الموثوق بصحتها، ومن قواعد النظرة المعتمدة إلى الشرقيين التي رجع إليها كرومر وبلفور في كتاباتهم وسياساتهم، والاقتصار على القول بأنَّ الاستشراق تبرير منطقي للحكم الاستعماري، وهذا يعني تجاهل تبرير الاستشراق للحكم الاستعماري؛ فالشرق أصبح مفهوماً واكتسب هويته- ليس نتيجة لجهود أبنائه- نتيجة لسلسلة كاملة من الجهود العلمية والمعرفية التي بذلها الغرب لتحديد صورة الشرق. ومن ثمّ يلتقي عنصر العلاقة الثقافية؛ فلَمّا كانت المعرفة بالشرق قد تولَّدت عن القوة، فإنها تؤدّي إلى خلق الشرق والشرقي وعالمه، فالقوة الثقافية أمر نستطيع مناقشته بسهولة حسب رأي سعيد، لأنّ أغراض هذه الدراسة هو توضيح الاستشراق وتحليله وتأمُّله بوصفه صورة من صور ممارسة القوة الثقافية؛ فالغربي كان دائماً يتمتع بقدر معين من حرية التفكير والكلام في الخطاب، فما دامت ثقافته هي الأقوى، فهو إذن يستطيع النفوذ إلى اللغز الآسيوي الأعظم، ويصارعه ويضع له شكلاً ومعنى.

ويعتقد سعيد أنَّ من دَرَسوا الاستشراق قبله قد أغفلوا الحدود النسبية والقيود التي تحد من المفردات التي استخدمها المثقف الغربي؛ إذ إنَّ واقع الاستشراق معاد للإنسانية ومستمر بإلحاح، وأنَّ نطاقه مثل مؤسّساته، وتأثيره النافذ والشامل لا يزال قائما إلى الآن؛ فهو ظاهرة تاريخية، وطريقة تفكير، ومشكلة معاصرة، وواقع مادي.

يمكن للاستشراق أنْ يعبّر عن قوة الغرب وضعف الشرق من وجهة نظر الغرب كما أسماه كرومر "التشغيل المتناغم"؛ لأنَّ هذه القوة الغربية، وهذا الضعف الشرقي، يكمنان في صلب النظرة الاستشراقية. وتلك هي القضية الفكرية الرئيسية التي يثيرها الاستشراق: هل يستطيع المرء تقسيم واقع الإنسانية الذي يبدو منقسماً على نفسه إلى ثقافات، وتواريخ، وتقاليد، ومجتمعات؟ ومن ثمّ ينجو من العواقب بصورة إنسانية تتجنَّب العداء الذي يُعَبِّر عن هذا التقسيم؟

الواقع حسب ادوارد سعيد، أنَّ هذا التقسيم كان يقصد منه تاريخياً وفعلياً تأكيد أهمية التمييز بين البشر، وأنَّ استخدامه يكون بالنتيجة استقطاباً للتمييز، أي زيادة شرقية الشرقي وغربية الغربي، والحد من التلاقي الإنساني بين تلك الثقافات والتقاليد والمجتمعات المختلفة.

باختصار، نجد أنّ الاستشراق منذ أوائل مراحله الحديثة وحتّى الآن، وبوصفه منهجاً فكرياً للتعامل مع كل ما هو أجنبي، قد اتّضحت سمة جنوحه المؤسف لأي معرفة قائمة على أنواع التمييز، وهذا الجنوح يكمن في مركز النظرية والممارسة والقيم الاستشراقية لدى الغرب، ممّا أصبح مفهوم سلطة الغرب على الشرق مُسَلَّماً به بوصفه يتمتع بمكانة الحقيقة العلمية.

والله الموفق

 

د. صباح الحاج مفتن

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4640 المصادف: 2019-05-20 02:24:31