 أقلام فكرية

الاشتغال الثقافي للصورة.. حضورية الخطاب المهيمن

محمد كريم الساعديإن مفهوم الصورة واشتغالاتها الفنية والأدبية والثقافية يأخذ عدد من الصيغ المتباينة بحسب نوع المفهوم، فالبعض يشير الى الصورة على كونها الدلالة الايقونية وهي كما يمثلها البعض الصورة الشخصية الدالة على شخص بعينه، والبعض يشير الى اللوحة التشكيلية ذات الملامح المعبرة، والبناء الشكلي الجامد ظاهراً، والبعض يشير الى الصورة في المادة الفلمية في السينما أو التلفزيون، وفي الإعلام الحديث خصوصاً ما نسمعه في بعض الوسائل وخصوصاً المسموع، التي تعبر بنقل الحدث المسموع لرسم الصورة في ذهن المتلقي (المستمع)، أو ما شابه ذلك من معنى. وفي الأدب توجد صورة شعرية، وفي المسرح توجد صورة درامية وفي الاقتصاد توجد صورة اقتصادية، كذلك المشهد السياسي المكون من مجموعة صور متقاطعة أحيانا ومتقاربة أحيانا أخرى حسب المصالح . والصورة الاجتماعية أو العلمية في الهندسة والطب وغيرها من الاستخدامات للصورة، وهنا نطرح عدد من التساؤلات : هل أن الصورة تدخل في معنى واحد فقط ؟ أم في معاني متعددة؟، وهل الصورة هي الشيء الجامد؟ أم متحرك؟ وهل الصورة هي التعبير المجازي، أم لها دلالة واقعية؟ وتساؤلات أخرى غيرها عن الصورة ذات دلالات أعمق وأصعب على الفهم كما يصور البعض التاريخ كصورة مكونة من أحداث وأفعال وحروب وانتصارات وهزائم، ومنتصر يكتب التاريخ وخاسر يبحث فيما بعد في هوامش صور المنتصر، كل هذه المعاني تدلل على أن مفهوم الصورة لها معاني متعددة ومتغيرة بحسب الاستخدام، هذا يجعلنا ان نأخذ مفهوم الصورة بمعنى اكبر وشمل كمن يصور الأرض من خارجها لتدلك بملامحها الزرقاء عن الحياة التي يشوبها بعض التلوث نتيجة استخدامات الإنسان الخاطئة لإشباع رغباته في تغيير نمطها لصالحه . فالصورة ليست هي ذلك المفهوم البسيط الذي تتداوله بعض الألسن، وليست هي الجماد ولا الحركة، بل كلاهما معاً، وليست هي فقط ما يرتبط بالجانب الواقعي، بل حتى ما يرتبط بالجانب المجازي والإيحائي وغيرهما من الجوانب، فالصورة في كتابنا تعني الخطاب كمفهوم له دلالات ويخفي في داخله انساق مختلفة تظهر بعضها وتخفي البعض الآخر، فالصورة تشير الى الهيمنة ونتلمس من خلالها المخفي، أو المهمش، أو الذي أدخلت الرتوش والتغييرات عليه كي يظهر بملامح مغايرة ومختلفة.

وإذا أطلقنا على الصورة خطاب، فما هو الخطاب؟ وما هي تكويناته؟ وكيف يتشكل ليعطينا صورة بمفهوم جديد . إن الخطاب كمفهوم، لم يأتي في وجه واحد، أو شكل معين، بل إنه أتى في ضوء المفهوم الغربي في صورتين مختلفتين وكما يشير الى ذلك (دليل الناقد الأدبي) :فالأول هو ما يبحث في الجانب اللغوي الأسلوبي المعروف بتحليل الخطاب، أي انه يشتغل في المفهوم اللغوي الذي يدلل على تجاوز الجملة الواحدة في جانبيه المكتوب والملفوظ . إن (ميشيل فوكو) المفكر والفيلسوف الفرنسي، والذي طرح عدد من المؤلفات في هذا المجال ومنها، (نظام الخطاب، أركيولوجيا المعرفة، وتاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي، وتأويل الذات، وتاريخ الجنسانية) وغيرها من المؤلفات، قد قدم فيها (فوكو) مفهوم آخر عن الخطاب، من خلال حفرياته، التي طرحها على شكل محاضرات عن المفهوم الجديد للخطاب، إذ أشار الى إن الخطاب بمفهومه المتقدم يشير الى الشبكة المعقدة من العلاقات المختلفة (الثقافية، السياسية، الاجتماعية، وحتى الأخلاقية) كمفهوم ديني وغيره، وهذه العلاقات هي من يتضح من خلالها طريقة إنتاج الكلام كخطاب ينطوي على الهيمنة والمخاطر، وما ينتج عنه من مراقبة قد تكون منتقاة، بشكل يعاد توزيعها، وقد تظهر نتائجها على الملامح العامة للحياة بما فيها الجسد وملامحه وأزياءه، وألوانه وغيرها من الأمور الداخلة في صنع المجتمع وتكويناته المختلفة. إن هذا المعنى الواسع للخطاب، يأخذ أبعاداً أوسع في مفهومه للحياة والتاريخ، بل وحتى للمستقبل، لأن هذه الأنظمة المعقدة لا تأتي دون أن يكون هناك قصدية في تشكيلها وتكوينها في الاستهداف لنقطة معينة، قد نعبر بها على شخص، أو سلوك، أو فئة، أو ظاهرة، أو حتى تاريخ يراد من خلاله التشويه والإساءة، لذلك فأن الإنسان العادي الذي هو جزء من هذا الخطاب، الذي لا يشاهد كيف يرسم من زوايا أخرى قد تسحبه الى أمكنة وأزمنة مجهولة دون أن يكون حاضراً ومساهماً بها، بل مغيرة ومكونة بشكل جديد بعيد عن واقعها الحقيقي، حتى أن (فوكو) نفسه يشير الى ان الخطاب ليس ميسر للفهم العادي، إذا ما أخذناه بجانبه المعقد، فهو يشير في محاضراته التي كان يلقيها في (الكوليج دو فرانس) في سنة (1970) الى ما يأتي : يبدو ان الخطاب في ظاهرة شيء بسيط، لكن أشكال المنع التي تلحقه تكشف باكراً بسرعة عن ارتباطه بالرغبة وبالسلطة . وما المستغرب في ذلك مادام الخطاب – وقد أوضح لنا التحليل النفسي ذلك – ليس فقط هو ما يظهر، أو(يخفي الرغبة)، لكنه ايضاً موضوع الرغبة، ومادام الخطاب-والتاريخ ما فتئ يعلمنا ذلك – ليس فقط هو ما يترجم الصراعات، أو أنظمة السيطرة، لكنه هو ما نصارع من اجله، وما نصارع به، وهو السلطة التي تحاول الاستيلاء عليها.

إن البسيط بالخطاب هو ظاهره لأن من هو في داخله، أو يشتغل ضمن سلطته، يكون دائماً مندمج في صورة الحدث، كما هو حال بعض الشعوب التي خضعت للسلطة وخطاباتها، على وفق التضليل الذي رافقها ويرافقها، كما حدث مع الشعب الألماني في الحربين العالميتين الأولى والثانية، وكما هو حال بعض الشعوب العربية التي وقعت نتيجة التضليل في حروب ليس لها فيها (ناقة أو جمل)، أو كما هو حال من ادعى بأنه (شعب الله المختار) لتحقيق مأرب سلطوية دنيوية بعيدة عن الله (جل وعلا) ومفهوم الشعب المختار، الذي يتصف ويتخلق بقيم الخالق لا بالقتل والذبح، وما أكثر الأمثلة في هذا المجال، لأن الصراع في مفهومه التاريخي وما حفل به من اضاءات حول هذا الموضوع، هو كافٍ ليعطي الدروس، حول السلطة وصراعاتها، وحول ما نتصارع لأجله، والذي يصطبغ في بعض الأحيان بالدفاع عن الطائفة، أو القومية، أو الدين، أو الجماعة أو العشيرة، ولكنها، وبعد انتهاء الصراع وسيطرة جهة محدد يتغير الحال، وينكشف ان الصراع وحقيقته ليس من اجل الهدف السامي، بل من اجل المصالح الدنيوية، بمفهوم (ادوارد سعيد) لهذا المصطلح . فالرغبة في السلطة هي المحركة والمحرضة لتشكيل وتكوين الخطاب والاندماج فيه واعتناق أفكاره، دون الشعور بالآخر، وما يجري عليه من مآسي بسبب الرغبة في السلطة والسيطرة على الآخر، ومادام الآخر هو المظلوم والمهمش والبعيد عن الصورة، لذلك يحاول (فوكو) أن يعكس المعادلة، ويجعل نفسه في مكان الآخر من اجل الوصول الى (إرادة المعرفة)، إذ يقول : إذا وضعنا أنفسنا في قضية مصوغة ضمن خطاب ما، فاٍن الفصل بين ما هو حقيقي وما هو خاطئ ليس فصلاً اعتباطياً، ولا قابل للتعديل، ولا عنيفاً، لكن إذا وضعنا أنفسنا في مستوى آخر، وإذا طرحنا السؤال بقصد المعرفة ماذا كانت وما هي باستمرار إرادة الحقيقة عبر خطاباتنا، هذه الإرادة التي عَبرت قروناً من تاريخنا، أو ما هو، في مشكلة العام جداً، نوع القسمة الذي يحكم إرادتنا للمعرفة، فربما كانت بمثابة نسق للأبعاد (نسق تاريخي، قابل للتعديل، ويمارس أكراها مؤسسياً) نراه يرتسم أمامنا. فالإكراه الذي تمارسه المؤسسة المعنية بتشكيل السلطة وخطابها، أو خطاباتها، على وفق النسق التاريخي للمراجعة والمتابعة، فأنه لم يبقى على حاله وشكله بل ان لحظة الخطاب الآني تشكلت مرجعياته وتشكيلاته في ضوء تاريخه وأنساقه المعرفية شيء آخر، فأن الثبات والجمود هي ليست من تكويناته، فالصورة بمعناها خطاب مهيمن، هي ليست جامدة، أو بسيطة في التشكيل، بل هي متغيرة ومتلونة، بحسب التحديات التي تواجهها، فالخطاب بهذا المعنى، إذا نُظر اليه من مكان أخر، وبتجرد وموضوعية، خارج سلطته، سيلاحظ التعديل في الممارسة والإكراه الذي ينتج هذا التعديل بشكل مستمر .

إن ممارسة الإكراه في الخطاب وتعديلاته يقع في محورين، الأول يقع على المنتمي للخطاب والذي لا يشعر به لأنه جزء من المؤسسة وتابع لها، ومُضلل بأفكارها وبعيد عن الموضوعية في نقد واقعه ومعطياته الفكرية للخطاب، وهذا النوع يتقبل الإكراه في التغيير بالأنساق المعرفية للخطاب ذاته دون معارضة تذكر، ويمكن اخذ مثال من أعمال مسرحية لـ (برتولد بريشت) المخرج المسرحي الألماني الذي صور في عدد من مسرحياته ومنها (الأم شجاعة) نقده لمثل هذا النوع من المنتمين للسلطة وخطاباتها وحروبها، التي جعلت من الشعب محرقة في الحرب العالمية الثانية، لذلك أنتج تقنية في مسرحية أطلق عليها (التغريب)، وإذا أخذنا مفهوم (التغريب) بمعناه الفلسفي البعيد نراه يقاطع مفهوم الاندماج ويناقضه، ويوجه رسالة الى الشعوب الألمانية التي وقعت تحت دائرة التضليل (الهيغلي) الداعي الى (الروح المطلق) وتسيد العالم الذي اعتنقه (هتلر) بقصدية مباشرة، أو غير مباشرة، وهنا أراد (بريشت) دحض هذه الأفكار، والاندماج مع السلطة ورغباتها في إخضاع شعوب العالم ومنها أوربا، وكذلك تصنيف العالم، على وفق النظرة الهتلرية الى أول وثاني وثالث، وأوصاف أخرى دونية لا تليق بالشعوب التي أطلق عليها، ومنها الشعوب العربية، فأن هذا الاندماج وعدم التحرر من السلطة ورغباتها جعل الشعب الألماني، وألمانيا بصورة عامه تقع تحت التدمير الكامل والتقسيم الى غربية وشرقية بسبب هذه الطموحات والاندماج التام لها من قبل الشعب . أما المحور الثاني من الإكراه، هو ما يشير اليه (ميشيل فوكو) مثال في كتابه (تاريخ الجنون)، إذ يركز في النوع الثاني من الجنون، ليس على الذي يحمل أعراض المرض الذهني والاكتئاب، بل يرى ان هذيان آخر لا يظهر دائماً، ولا يقدمه المريض في هذا النوع من المرض بذاته بل هو يصاغ من خلال من يريد ان يوجد له، أي موجود في نظر ذلك الذي يحاول صياغة لغزه وحقيقته، والإكراه يظهر في هذا الخطاب من خلال إيماءات صامتة، وعنف بلا كلمات وغرابة في السلوك، لا تجعل المجنون من النوع الثاني في سياق المرض الطبيعي، أي الجنون الذي يرافقه أعراض الذهن وغيرها من الإشارات الدالة على المرض فعلياً . فهل ان من يضع ويصيغ نوع الجنون في ضوء سياقات خارجة عن مفهوم الجنون الطبيعي يمارس الإكراه، كما كان يمارس، بحسب (فوكو) ضد من يعارض السلطة، أو يعرف حقيقة خطاباتها لذلك كانت عملية الإكراه والتعديل في الأساليب المستخدمة ضد المعارضين، في فترات تاريخية معينة هي خير إشارة على مفهوم الإكراه والرغبة في الاستمرار ببناء السلطة وخطاباتها ضد الآخر .

إن مصطلح المعرفة عند (فوكو) يأخذ بعداً ثانياً من خلال متابعة مجريات التكوينات السلطوية، وكيفية استخدامها للمعرفة من سبيل التعديل الحاصل في سلوكها على الآخرين وممارستها لأنظمتها عليهم، لان المعرفة هنا، هي ليست في مفهوم من يرى السلطة من الخارج، بل هي المعرفة التي تمتلكها السلطة لأغراض التعديل والاستمرارية في السيطرة والممارسة والمنهج المتغير مع تغير الظروف والأهداف والغايات وحتى النوايا، إذ يطلق عليها (فوكو) بعد ان يقر بوجودها في داخل تشكيلات السلطة باصطلاح (إنتاج المعرفة) ويعدها من أساسيات امتلاك السلطة في ذاتها، وذلك كون إنتاج المعرفة يجعل القائمين عليها يعرفون أسراراً لم يتمكن غيرهم ممن يقع خارج الخطاب السلطوي ان يطلع على التعديلات الحاصلة فيه، من اجل مواجهته، أو معرفة مكامن ضعفه، أي ضعف الخطاب السلطوي، إذ ان للمعرفة سلطة تتجلى من خلال ذلك النفوذ الذي تبلغه بتشكيل خطاباتها(مواضيعها) المختلفة التي تفرض شروطها علينا مبررة ذلك ما يدعي بمبدأ الخصوصية لتكون الكثير من المناطق محرمة داخل حيز المعرفة، فيكون المنع قائماً ويطال الجميع إلا من يستوفي الشروط الجلية في أساليب رقابة الجسد وإخضاعه من اجل قبوله في مؤسسة التحصيل المعرفي تلك السلطة التي تحكمها مبادئ عديدة تتميز بالصرامة ومن بين هذه المبادئ يمكن ان نذكر بعضها فيما يلي : (مبدأ الخصوصية، مبدأ ندرة العبارة، مبدأ وفرة العبارة، مبدأ إخضاع الجسد). إن هذه المبادئ الأربعة هي ما يمكن ان نسميه آليات تشكيل صورة الخطاب، أو خطاب الصورة بمفهوم (فوكو) على اعتبار ان المبادئ الأربعة تعطي شروطاً أساسية في معرفة الخطاب وتعديلاته، وحتى أساليب الإكراه وما تمارسه المؤسسة القائمة على إنتاجه، فالخصوصية، تعني عدم البوح بكل شيء، وعدم الحديث بأي شيء، ولا يمكن الحديث بكل المواضيع التي تشكل هيكلية الخطاب السلطوي، أو فضح آليات العمل به، مما يجعل لكل خطاب سلطوي طقوساً داخلية خاصة به، لا يعرفها إلا من هو في داخل هذا الخطاب، حتى ان مبدأ الخصوصية يجعل من القائمين على الخطاب نوعين، من يصنع آلياته ومن ينفذها ، ومن يسير فيها دون ان يعي نهاياته، أو الغايات الحقيقية التي أنتج من اجلها، وهنا ينطبق على النوع الثاني شعار (نفذ ثم ناقش) وهو شعار سلطوي بامتياز يخفي وراءه من الخصوصيات ما يخفي، حتى لا يستطيع من ينتمي اليه ان يناقشه، وهذا ما ينعكس على وفق الخطاب عند (فوكو) في (ندرة العبارة) وهو المبدأ الثاني، أي ان ليس كل ما يعرف يقال حتى لا تنفضح ما وراء الكلمات من أسرار ونوايا، وقد يعبر عنها بشكل، أو بآخر، مما يفضح القائمين على الخطاب نفسه، وبالتالي فأن الملفوظات تكون في هذه الحالة قابلة للتغليف بعبارات أخرى، أي ان في هذه الحالة نرفع شعارات أخرى مزدوجة تكون فيها وفرة في العبارات والشعارات، مما يجعل مبدأ الوفرة قابل لان يصل الى الكلية، وتبدو العبارات والشعارات زائدة في تكاثرها، وهنا يسمي (فوكو) بوفرة العناصر الدالة بالنسبة لمدلول واحد ووحيد، ومن بين المبادئ الأكثر أهمية في الخطاب، هو مبدأ إخضاع الجسد، ويقصد به إخضاع للمراقبة لأدق الحركات التي يمارسها بقصدية، أو عفوية مما يجعل من الجسد ساحة لتطبيق قوانين السلطة وخطاباتها، حتى ان الجسد يصطبغ بلون السلطة ويتحرك بأهداف السلطة ويصل في نهاياته الى نتائج تريدها السلطة، أن يطبقها . والأمثلة كثير في هذا الشأن في الزمن الغابر، أو حتى في الأوقات الحالية، ومنها ما اقترن بأزياء السلطة وألوانها، ومن شاء أن ينظر ويتفحص التاريخ ليرى ماذا يعني اللون الأحمر في السابق واللون الأسود في الوقت الحاضر، عند داعش وغيرها، أو الزي الأفغاني، الذي أصبح هو الزي الرسمي للخطاب القاعدي وفيما بعد الداعشي .

إن النظرة الى تكوين شكل الخطاب في ضوء العلاقات المعقدة التي ذكرناها سابقا في نظر (فوكو) للخطاب، يصبح ان شكل الخطاب قابل لأن يجمع مجموعة من العبارات، والتي يمكن ان تصبح انطلاقة حقيقية لتكوين شعارات السلطة أيضا في أكثر من محفل، والتي من خلالها يمكن ان نميز الفكر السلطوي دون ان نضع تمييزات بينه وبين الخطاب السلطوي سوى في المصطلحات، أي بين الفكر السلطوي والخطاب السلطوي، بين الظاهر وهو الخطاب والمخفي وهو الفكر الذي يقود ويوجه هذا الخطاب، أن كل من الفكر والخطاب يشكلان حلقه وصل في تشكيل مفهوم السلطة واشتغالاتها في المستويات المختلفة، وإذا عدنا الى الأسس الأربعة التي تشكل العلاقات، حسب فهم (فوكو) للخطاب وعلاقاته، فأن (عبد الغني بارة) في إشكالية تأجيل الحداثة في الخطاب النقدي العربي المعاصر، وعلى الرغم من ان الرجل يفصل بين تحليل الخطاب وتحليل الفكر الذي اشرنا اليه لكن فيما يخص تحليل الخطاب، فانه يرى بأن هذه الأسس الأربعة هي ان العبارات المختلفة الأشكال والمبعثرة في الزمان تشكل مجموعاً واحداً، إذا كانت ترجع بصورة، أو بأخرى الى ذات الموضوع وتحيل عليه.

1- إنه لتحديد مجموعة من العلاقات بين عدد من العبارات، لابد من التركيز على شكلها، ونمط تسلسلها وترابطها .

2- البحث في إقامة مجموعة من العبارات عن طريق تحديد نظام المفاهيم الدائمة والمتناسقة.

3- وأخيراً، من اجل تجميع العبارات في وحدات حقيقية، ينبغي وصف تسلسلها وتتابعها، ووصف أشكال التوحيد التي تظهر بها، كوحدة المضامين الفكرية وتماثلها وثباتها .

وانتهاءً بما في النقطة رابعاً أذا كان الخطاب وتحليله منفصل عن الفكر القائم عليه، كيف يمكن ان ننتهي الى المضامين الفكرية وتماثلها وثباتها، إذا فصلناها عن الخطاب وتشكيلاته اللغوية وغير اللغوية، إنا باعتقادي بأن (فوكو) في مؤلفاته المختلفة لم يكن يركز على الجانب اللغوي فقط، أو الصياغات المكونة للعبارات في حد ذاتها فقط، بل هو يبحث في أعمق من ذلك وكما هو واضح في مؤلفاته مثل (تاريخ الجنون)، (تأويل الذات)، وحتى في (نظام الخطاب) ذاته، وإخضاع الجسد في مفهوم الخطاب السلطوي، فإذا كان يركز فقط في تحليل الخطاب على العبارة واللغة فهو ينتمي الى الخطاب الأول الذي اشرنا اليه على وفق تصنيف (دليل الناقد الأدبي) الذي يهتم بالجانب اللغوي الأسلوبي والمعروف بتحليل الخطاب دون البحث كما أراد هو في حفريات المعرفة (أركيولوجيا المعرفة) وغيرها من دراساته، التي جعلت من عمق البحث التاريخي سمة ولازمة لنقد المؤسسة الغربية .

إن خطاب السلطة يقوم ايضاً على أساس ما تفرزه السلطة من تقنيات تقود بها الأنظمة في مختلف جوانبها، ومنها أنظمة التعليم، الصحة، السياسة وغيرها من المؤسسات والنظم السلطوية، وهنا تعمل السلطة بتقنياتها على تأكيد مبدأ الإخضاع، وتطبيقه في المجتمعات التي تحكمها من خلال تشكيل شكل النظام الحكومي والسياسي والاجتماعي الذي يقود المجتمع في مرحلة ما، لذلك فأن مبدأ الإخضاع يشمل البناء والإنتاج والتعليم، وحتى الأطر الإيديولوجية للمجتمع، لذلك يرى (باري هندس) في خطابات السلطة بأن (فوكو) أصر على التمييز بين علاقات السلطة كلعبات استراتيجية بين الحريات – أي لعبات استراتيجية تنتج عن حقيقة ان بعض الناس يحاولون تحديد سلوك الآخرين – أما حالات السيطرة التي من الطبيعي ان يطلق عليها (سلطة) – وبين الاثنين، أي لعبات السلطة وحالات السيطرة لدينا التقنيات الحكومية . في حضرة الفقرة يتم التعريف بثلاثة أنواع لعلاقات السلطة، هي :لعبات استراتيجية بين حريات والسيطرة ونظام الحكم. لقد حدد (فوكو) على وفق شروط الخطاب، أو العلاقات في الخطاب نفسه، أربعة نقاط من ضمنها شروط محددة لظهور الخطاب تقع فيها صياغة الحدود الأساسية المعنية بظهور سلطة الخطاب، على الرغم من ان البحث في هكذا موضوع يتطلب البحث في ممارسات سطرها التاريخ وعلاقات السلطة مع الطبقات التي شكلت مفهوم السلطات في حقب زمنية معينة، لكنه في بحثه في كتاب (حفريات المعرفة ) يستخلص لنا أربعة شروط أساسية لذلك، على اعتبار ان ما يسرد في هذا الكتاب، أي الحفريات، يقترن بدلائل هذه الشروط في النقطة الأولى التي تعد تقابلات، أي شروط ظهور موضوع الخطاب والشروط التاريخية التي تسمح (بقول أي شيء عنه) وتسمح للأشخاص ان يقولوا ما بدا لهم، وهنا تتم عملية الفعل وهي ظهور الخطاب، والفعل المضاد، أو الكشف عن الأفعال، التي تفضح الخطاب، أو تكشف أهم خباياه هو ما يصدر عن الأشخاص الذين يصدرون أحكامهم، أو يقولون عنه أي شيء يكشف لهم ما يضمره الخطاب السلطوي .أما النقطة الثانية فهي ما تنشأ من سلوكيات اجتماعية وغيرها بين المؤسسات، وما ينتج عنها من معايير وتقنيات وأنواع التصنيف والتمييز، والتي لا تكون حاضرة بشكل مباشر في موضوع الخطاب، بل ان هذه السلوكيات ومعاييرها تسمح بظهور ما يمكن ان يبوح به الى جانب الموضوعات الأخرى في الخطاب مما يوجد نوع من المغايرة يسمح للموضوع بأن يجد مكانه داخل الخطاب، تحدد لنا اختلافه وعدم قابليته لأن يرد الى شيء آخر، أي ان الموضوع يسمح بأن يجد مكانه داخل خطاب سمته البارزة انه خارجي لا يحل الى شيء آخر داخلي مخبوء . وان هذه العلاقات الناتجة عن تلك السلوكيات يرى (فوكو) بأنها تأتي بشكل أولي واقعي التي يمكن الوقوف عليها ووصفها داخل المؤسسات والتقنيات والتشكيلات الاجتماعية، وهي واقعية أولية ، أما الثانية فهي المكونة من منظومة العلاقات الثانية، أو العلاقات الفكرية، ومنظومة يطلق عليها (فوكو) اسم منظومة العلاقات الخطابية، وهذه المنظومة يرى بأنها من أبراز مناعتها هي العلاقات التي تجمعها بالأولى (الأولية) الواقعية والثانية (الفكرية)، وهذه النوعية الثانية الخطابية فهي ليست علاقة توجد داخل الخطاب كما هي العلاقات الأولية، أو العلاقات الفكرية المرتبطة في مثال ساقه (فوكو) عن ما قاله أطباء الأمراض العقلية في القرن التاسع عشر عن علاقات الأسرة والإجرام، وما يقولونه ، لا يرد الى روابط أولية واقعية، فأن العلاقات الخطابية لا يعني أنها علاقات توجد خارج الخطاب ، ترسم حدوده وتفرض عليه أشكالاً معينة، بل ان هذه العلاقات يراها (فوكو) هي ما توجد عند حدود الخطاب، تمنحه الموضوعات التي يتحدث عنها، وتحدد مجموعة الروابط التي على الخطاب ان ينشئها بصورة فعلية، إذا ما تصورنا ان فعل هذه الروابط، يأتي عندما توجد الموضوعات جاهزة في جانب والخطاب جاهز في جانب آخر.

إذن، ماذا يريد (فوكو) في دراسة الخطاب وحفرياته للمعرفة وما هي الصورة الجديدة التي يمكن ان تدخل في بناء آليات معرفية جديدة تتبنى الأفكار والأطروحات في تشكيل وتكوين القيم المعرفية لنظام الخطاب؟. ان الذات والسلطة والمعرفة في صورتها الجديدة هي من اجل إيجاد صيغ بديلة عن الأفعال المشينة والمشوهة التي أخفاها المنتصر، أو المتعالي، أو من حاول إعطاء صورة أخرى لتاريخ الآخر المُغيب والبعيد عن الثقافة والادلجة، التي يعتنقها صاحب قلم القوة ويفرضها في صفحات الاستسلام، لذلك فأن الخطاب كصورة يعني إيجاد تاريخ مغاير للصيغ التي تم بها إخضاع البشر في ثقافة المنتصر، أو في ثقافة القوة، ان صح التعبير، والإخضاع، والإكراه في تشكيل الوعي الجديد للشعوب، هو ما أعطى للخطاب التقليدي نمط واحد في تفسير الحقائق دون معرفة الآخر وأنماط حياته وثقافته، لذلك فأن الثغرات التي تركها خطاب القوة جعلت من آليات النقد الجديدة ومنها الخطاب في صورته غير التقليدية، قادر على كشف هذه الثغرات بمجرد زحزحت الأنظمة الخطابية التقليدية عن مواقعها، لذلك فأن طريقة التعامل يجب ان تركز على استكشاف ما هو مزحزح عن مكانته وقيمته الفعلية، حتى ينكشف عنها ما تم التلاعب والتغيير فيه وفي هذا المجال تطرح (برندا مارشال) في تعليم ما بعد الحداثة، قراءة (فوكو) للسلطة وفهمها واليات تكوين العلاقات فيها، إذ تقول : وطريقة أخرى للعمل باتجاه فهم لعلاقات السلطة هو استخدام أشكال للمقاومة تتخذ ضد أشكال مختلفة كوسيلة نسلط بها الضوء على علاقات السلطة ونحدد مواقعها، ونكشف مواضع تطبيقها والمناهج المستعملة – أي، ان نحلل (علامات السلطة من خلال صراع الاستراتيجيات)، على سبيل المثال، يقول (فوكو)، لكي نكتشف ما يعنيه مجتمعنا بالصحة العقلية . وبدلاً من الحديث عن السلطة من منطلق من الذي يأخذ القرارات، أو من يحكم مَنْ، ربما كان علينا ان نفحص أشكال المقاومة والجهود التي بذلت لإزاحة علاقات السلطة من مواضعها وتفكيكها. لذلك فأن المعنى الجديد لفهم السلطة هو مشاكسة أفعالها وليس الإيمان بها إيمان مطلق بأقوالها وأفعالها، ولا نستطيع ان نفهم ظاهرة معينة من دون ان نراها بشكل موضوعي، فإذا أردنا ان نفهم المفاهيم وتطبيقاتها، يجب ان نفهم آليات بناءها، ومثال الصحة العقلية ينطبق على الكثير من الموضوعات ذات البعد المفاهيمي، أي ان معرفة التمركز حول بناء صور وأشكال ذهنية جديدة عن شيء ما يجب مراجعة تاريخ البناء لها، حتى لا تغيب العديد من الحقائق المراد إخفاءها وراء حجج ومبررات الحداثة والتطوير والتغيير، لا بل يجب فهم قضية المغايرة التي صورها الغالب في صناعة التاريخ في إنتاج وصناعة صور التاريخ بحيث أصبحت من المسلمات عند البعض، أو عند الأجيال اللاحقة، التي لم تعاصر كتابة ذلك التاريخ، فمن قال ان أفريقيا بلا تاريخ هو العقل الغربي الذي صور بأن الأفارقة يعتقدون بأن الشيطان ابيض، ومن قال ان الشرق خيالي وسحري وغرائبي، إذ رسمت ثلاثة صور بتواريخ مختلفة من أزمنة التشويه – الإساءة، التي سيتناولها الكتاب في الفصول القادمة – وأصبحت من العلامات الفارقة للتمييز بين الثقافة الغربية والثقافات الأخرى، وخذ مثال عن ذلك التشويه والإساءة وصور الخطاب المسيس ضد الحضارات الأخرى، وهذا المثال وقع في حاضرنا، إذ يرى الباحث في مجال السياسة الخارجية الأمريكية (جانيس .ج . تيري) الذي اقتبسنا منه سابقاً، يقول : وبصورة مماثلة، غالباً ما تميل اللوائح المقدَمة لمسؤولي البيت الأبيض الى ان تكون المواقف مواليه لإسرائيل ومعادية للعرب . فعلى سبيل المثال، وقبل اجتياح العراق في العام 2003، أشار المسؤولون الى الكتاب المتحيز المعادي للعرب، بعنوان (الفكر العربي) لرفاييل باتاي (نيويورك :/ تشالز سكريبنرز صانز، 1973)، على انه الأساس الذي استوحى منه الأوصاف التي تتناول العرب والثقافة الإسلامية، وبعد (30) عاماً، ستكون أوصاف (باتاي) التي تعتبر أن العرب تنتابهم هواجس جنسية، ويعتريهم الخجل، محط سخرية على نطاق واسع ومدعاةً للإدانة عن حق لأنها أوصاف عرقية، أي جماعة أثنية أو عرقية . هذه وغيرها من عشرات، بل مئات من صور التشويه التي شكلت صورة العربي، والمسلم، والشرقي، والإفريقي، والأمريكي اللاتيني، والهنود الحمر، السكان الأصليين للمستعمرات الغربية، وهذا الخطاب المتعالي، عمل جاهداً على تثبيت الصورة والأوصاف الدونية . التي أصبحت علامات فارقة من علامات التمييز ضد الآخر الذي لا يشبه الذات الغربية، وثقافتها ذات الأبعاد العنصرية والتمييزية.

 

الاستاذ الدكتور محمد كريم الساعدي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4661 المصادف: 2019-06-10 09:57:59