 أقلام فكرية

زيغمونت باومان والمساءلة النقدية للحداثة الغربية

الزهرة قنيتتمحور هذه الدراسة حول رؤية تحليلية لإشكالية الحداثة وما بعد الحداثة وفق مساءلة نقدية فلسفية للسوسيولوجي والفيلسوف البولندي "زيغمونت باومان"، وبتعبيره المخصوص لمصطلح "الحداثة السائلة" الذي حاول من خلاله تقديم مقاربة مجازية نقدية عملت على شرح الحداثة الغربية في مسيرتها وانتقالها من مرحلتها الأولى المتميزة بالصلابة والتي دشنها عصر التنوير، إلى زمنها الثاني المتسم بالسيولة وسرعة التغير.

وفق هذا التحليل النقدي المجازي للحداثة الغربية يكون باومان قد ألقى على عاتقه مهمة توصيف الوضع الإنساني المعاصر في مرحلة السيولة، وفق إشكال يتموضع في صميم الراهن بامتياز وهو: هل يعتبر الوضع الإنساني الحديث في مرحلة السيولة ارهاصا أم نموذجا آليا أم استشرافا أم نذيرا بما هو آت؟ أو هل كان على النقيض من ذلك، تسوية مؤقتة عابرة يشوبها الخلل والنقصان وعدم الاكتمال، وكأنها فاصل زمني بين استجابتين بارزتين ومختلفتين تتسمان بالاتساق والكمال والدوام إزاء تحديات الوجود الإنساني المشترك؟

إن هذا السؤال الإشكالي يسلط الضوء على ما وصل إليه الإنسان والمجتمع ككل بكل أطيافه وعلى اختلافها في خضم عصر ينوء بالتحولات المتسارعة وبالتحديات التي لا تنتهي، وعرضه للمآلات الكبرى التي أدت إليها الحداثة السائلة في زمننا هذا، وتجلياتها في أحوال الإنسان اليومية، وفي مشاعره واختياراته، وما يمر به من أزمات بفعل النزعة الاستهلاكية التي ارتفعت وتيرتها وتعمقت آثارها بفعل العولمة، ففي العولمة يتضح الكثير مما يعنيه باومان بالسيولة، سيولة البشر بتدفقهم من مكان لآخر، وسيولة المال وسيولة الهويات بتغيرها المستمر.

ومن منطلق هذا الإشكال المعرفي الذي تناوله زيغمونت باومان يبدو أن أهمية مقاربة إشكالية الحداثة الغربية باتت أكثر راهنية من أي وقت مضى وذلك نظرا للأفق الذي صار الإنسان يحيا ضمنه وما يحتمله من توترات وإشكالات زادتها التوترات العالمية كالحروب والإرهاب حدة، لذلك طرحنا مشكلة الحداثة الغربية عند باومان في بعدها الكوني ضمن الخطاب الفلسفي المعاصر، وذلك من أجل معالجة الواقع الراهن الذي تمر به الإنسانية وحاجتها الماسة إلى الحوار لبناء مجتمع إنساني متماسك وفق أفق العيش الإنساني المشترك.

ولما سبق يكون زيغمونت باومان قد استطاع أن يصور الواقع الاجتماعي والاقتصادي الذي عرفته المجتمعات الإنسانية عبر مراحل الحداثة، وأن يبين الدور الذي لعبته العولمة باعتبارها أحد تجليات الحداثة التي ساهمت في تغيير أنماط العيش الإنساني، فالنص الباوماني نص شارح لزمن السيولة في دائرة اليومي والشخصي.

تمهــــيد إشكالي:

نادرة هي الكتابات عن فلسفة الفيلسوف وعالم الاجتماع البولندي المخضرم "زيغمونت باومان"(1)، والذي توفي مؤخرا في (09/01/2017م) عن عمر يناهز 91 سنة، والذي اشتهر بتأسيسه لنظرية ‹‹الحداثة السائلة››، إنه من الشخصيات المفهومية والمميزة عالميا نظرا لرؤاه الجريئة والجديرة بالعرض وبصمتها الكبيرة في النظر إلى العالم اليوم من منظور الحداثة Modernity  وما بعد الحداثة poste Modernity، فلقد تميز المسار الفكري والفلسفي لزيغمونت باومان بنقده الجذري للحداثة وما بعد الحداثة، هذه الأخيرة من أكثر الإشكاليات الفلسفية الراهنة اشتغالا داخل المتون الفلسفية الحداثية.

حاول السوسيولوجي والفيلسوف المعاصر زيغمونت باومان أن يضع ويبتكر مقاربة نقدية مجازية تبلورت فيما عرف لديه بــ "الحداثة السائلة"، وذلك من خلال مساءلته النقدية للفكر الحداثي وتحليله وتتبع مساراته، حيث عمل باومان على شرح الحداثة الغربية وانتقالها من مرحلة الصلابة إلى مرحلة السيولة، مفصلا مآلات الحداثة السائلة في الوعي بالذات والخيارات الشخصية.

والسؤال الذي يتحكم في مقاربة باومان النقدية للحداثة الغربية هو: كيف يمكن تفسير ظاهرة الحداثة الغربية في تشكل مسارها الذي انعطف من الصلابة إلى السيولة وفق رؤية باومان النقدية؟

إن هذا السؤال الإشكالي تندرج ضمنه عدة تساؤلات تضعنا فيها النصوص الباومانية وللتعرف على القراءة التي قدمها باومان حول قضية الحداثة الغربية نطرح الإشكالات التالية: هل يمكن العثور على نوع من الاتساق بين البدايات الأولى للحداثة الغربية والمآلات المناقضة لبداياتها؟ وفي ظل هذا التحول الدؤوب كيف يمكن قراءة الوضع الإنساني المعاصر في مرحلة السيولة؟ وإلى أي مدى يمكننا الحديث عن مجتمع إنساني اليوم في عالم استهلاكي معولم؟ ماذا يقصد باومان بالسيولة؟ وماهي هوية مصطلح السيولة المعاصر عند زيغمونت باومان؟ وما مرجعية الرؤية السائلة لزيغمونت باومان؟ وما مآلات الحداثة السائلة في الوعي بالذات والخيارات الشخصية؟

- نحاول في هذه الدراسة الاستفادة من عصير أفكار باومان من خلال تحديد المحاور التي عمل عليها باومان في كتاباته (الخطوط العامة لفكر باومان).

المقاربة الفلسفية للحداثة الغربية عند زيغمونت باومان

أولا- من الحداثة الصلبة إلى الحداثة السائلة:

1- الحداثة السائلة...إشكالية المفهوم وهويته:

- ونحن بصدد تحليل هذه المقاربة النقدية الجديدة التي جاء بها باومان للحداثة الغربية لابد لنا أولا أن نقف على مصطلح "السيولة" الذي وسم مجموعة من مؤلفات الكاتب والذي يعتبر سؤالا يثير في القارئ فضولا حول هوية هذا المصطلح يفسره قول باومان في كتابه الحداثة السائلة والذي جاء كالتالي:‹‹ ما قررت أن أسميه بوضوح" الحداثة السائلة" إنما هو الإيمان المتنامي بأن التغير هو الثبات الوحيد، وان اللايقين هو اليقين الوحيد إذ كانت الحداثة في المئة عام الماضية، تعني محاولة الوصول إلى حالة نهائية من الكمال أما الآن فإن الحداثة تعني عملية تحسين وتقدم لا حد لها، من دون وجود حالة نهائية في الأفق ومن دون رغبة في وجود مثل هذه الحالة››(2).

والحداثة السائلة مفهوم جديد نحته باومان لكي يكون أداة شاملة لفهم النسخة الراهنة من الحداثة في الفكر والحياة اليومية والأدب وفي العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وهذا المفهوم من اشتقاقات زمن العولمة وعالم ما بعد الحداثة(3)، وعليه فالحداثة السائلة هي الحالة المعاصرة التي يتجلى فيها ذوبان الهياكل والمؤسسات الاجتماعية الصلبة في ظل تنامي السيولة في كل شيء من حولنا، فالسيولة هي نموذج لنمط حياتنا المعاصرة.

استلهم زيغمونت باومان مصطلح "السيولة" من أدبيات التفكيك النقدية لجاك دريدا(4) وطروحاته ما بعد الحداثية، متخذا من التفكيك حاضنا ثقافيا، حيث  نجد أن التفكيك في أصله اللغوي هو فعل عملي صناعي، فباومان استعار مصطلح التفكيك بمعناه الصناعي بعنصر من عناصر الطبيعة الأربعة التي كان الفلاسفة الطبيعيون القدماء قد انشغلوا بها وحاولوا أن يكشفوا ماهية الموجودات من خلال إعادتها إلى العناصر الأربعة، وهي الهواء والتراب والماء والنار، واختار باومان الماء لسيولته ولأن فيه تتجسد فاعلية الحياة ومن ثم مادية العالم المعاصر، وهذه المادية التي يراها باومان غير جدلية وهي في الأساس مادية طبيعية وبهذا التوجه الفلسفي لما هو طبيعي يكون باومان قد تجاوز الدلالة الصناعية للتفكيك بدلالة طبيعية تبنى عليها مدلولات الموجودات ومكوناتها وكأن ليس للصنيع البشري فيها أي دور بل البشر منساقون في خضمها بلا حول وبلا قوة، وتاريخهم تاريخ طبيعي ينتقل بشكل مادي من حالة الصلابة الحياتية التي لها شكل الثبات والتحجر والتي تمثلها مرحلة ما قبل الحداثة إلى ميوعة مخلخلة تمثلها مرحلة الحداثة في أشكال مراوغة وغير مستقرة والتي لن تفضي إلا إلى الهوائية /الغازية اللانهائية بهلامية لا شكل لها ولا عنوان وهو ما ستمثله مرحلة ما بعد الحداثة، وهذا التشكل وشبه التشكل واللاتـشكل هو ما جعل توجه باومان ومقصديته المخلخلة والاهتزازية تبدو جديدة لا صلة لها بالتفكيك بينما يكمن التفكيك أصلا في هذا الاستبعاد للفاعلية الصناعية المفككة، والاستعاضة عنها بالفاعلية الطبيعية المخلخلة التي هي حتمية وليست احتمالية.

إذن، باومان من خلال مفهومه "للسيولة"، ومن خلال كتبه حول السيولة، التي يحاول فيها أن يجعل مادية العالم متقولبة في إطار فيزيائي سائل، تدل هذه الرؤية المادية على استشراف تشاؤمي للمستقبل لا يخلو من الرهبة والخطر كونها تصب في باب الإنذار والتنبيه على سلبية القادم(5).

استخدم باومان مصطلح "السيولة" ليصف مرحلة راهنة تمر بها المجتمعات المعاصرة ومصطلحي حداثة صلبة وسائلة هما المصطلحان اللذان جاء بهما باومان كبديل لمصطلحي حداثة وما بعد حداثة على الترتيب، لقد أدخل باومان مصطلح السيولة كصورة مجازية لأجل فهم وتحليل وتقويم حالة الإنسان الحاضرة، ويفسر اختياره لهذا المفهوم بأن عصر الحداثة وما بعدها يعني تفكيك النظم والمبادئ والقيم وتخلخل الروابط التي كانت تجمع تلك المواد الصلبة (الأخلاق والمرجعيات والقيم) وباتت مثل المواد السائلة التي يتغير شكلها بتغير الحيز الذي توضع فيه، وأكدت هبة رؤوف عزت في مقدمة كتاب "الحداثة السائلة" إلى أن باومان لا يعطينا لقطة ثابتة لصورة ساكنة، بل يشرح لنا الحداثة في حركتها ومسيرتها وتحولاتها، فهو ينتقل في تحليله من وصف الحداثة الصلبة التي تسعى لنفي الغيب والهيمنة على العالم، وتحديد القواعد وبناء الدولة وصناعة القومية الصلبة، والسعي لليقين المادي المبني على زعم القدرة على التحكم، إلى الحداثة السائلة التي تقوم على منطق الاستهلاك بمعناه العميق للمكان والقيم والأشياء والعلاقات في ظل العولمة(6)

2- ما بعد الحداثة.. السيولة وإذابة المفاهيم:

إن الوضع الراهن اليوم يمضي لجهة السرعة، التبدل، أو تلك الحالة التي أسماها باومان "بالسيولة" والتي صار عالم اليوم يحيا توجهاتها، في سلوك إنسان ومجتمع الإستهلاك فالحداثة السائلة ترفض كل ما هو ثابت، والثبات الوحيد الذي تؤمن به هو التغير فأصبح المجتمع الحديث في زمن السيولة يعظم المرونة وسرعة الزوال والتخلص من الأشياء والتخلي عنها، "فالحياة الاستهلاكية حياة من التعلم والنسيان السريعين"(7)، وعليه فالنسيان يعتبر واحدا من عناصر اللعبة الاستهلاكية، في عصر الحداثة السائلة فباومان يرى أن الحياة السائلة هي حياة استهلاكية، فالواقع هنا يفرض منطق السرعة على حركة المستهلك.

ومن هذا المنطلق فإن هذه الرؤية تتوافق مع المبدأ الأساسي للنظام الإستهلاكي الرأسمالي ذلك المبدأ الذي يتلخص في عبارة (اشتر، استعمل، ارم)، حيث تظهر أهمية تحديد صلاحية كل موضة/منتج بوقت معين فمن الضروري أن تنتهي صلاحية كل منتج في فترة زمنية محددة حتى تتاح الفرصة لمنتج آخر ليحل بديلا له، فإذا كان المبدأ الأخلاقي للنشاط الإنتاجي-  بحسب "ماكس فيبر"-  هو تأجيل الإشباع، فإن المبدأ الأخلاقي للحياة الاستهلاكية إن اعتبرنا ان فيها مبادئ أخلاقية سيكون وهمية الشعور بالإشباع، ومن هنا فإن شعار تلك المرحلة هو أن يكون العميل راضيا، وفي الوقت نفسه أن تتولد (حاجات زائفة) متجددة، بحيث يشعر العميل بالحاجة إلى تلبيتها وإرضائها واشباعها.(8)

وعلى هذا النحو، أصبحنا نشهد اليوم انتشار ثقافة الإستهلاك وشيوع العقلية الاستهلاكية فالاستهلاك هو المرتكز الأساسي الذي آل بالإنسان إلى الاغتراب عن نفسه وعن مجتمعه ووجد الفرد نفسه أمام خيارات لا تنتهي نتيجة انتاج آلاف السلع الغير ضرورية، ويضرب لنا باومان مثالا على ذلك بطاولة تحتشد بألوان عديدة وكبيرة من الطعام، لكن الأكّالون هم المستهلكون، والذين سيصعب عليهم تحديد أولوياتهم، وهنا تظهر أهم التحديات أمام المستهلك في عصر الحداثة السائلة، وهي مسألة (تحديد الأولويات)، فالبؤس الذي يعانيه المستهلك هنا هو مشكلة الخيارات المتعددة، وليست الخيارات النادرة التي كان يقف أمامها إنسان عصر الحداثة الصلبة، وبالتالي فالسيولة التي تطرح أمامنا الخيارات اللامتناهية تضيق علينا أكثر فهي تدخل الفرد في حالة من عدم الانتهاء واللايقين، فلا سكينة ولا هدوء روحي بسبب امتزاج كل شيء وغياب الشيء الواضح والمفهوم والثابت ، وعلى الرغم من أن الاستهلاك عالم يتبع فيه الإنسان غيره لكنه يبقى هو الشخص الذي يختار ما يرغب فيه، وهو الذي يسمح لسلطة ما في أن تكون سلطة من خلال هذا الفعل. في عالم الاستهلاك هذا، لا وجود لسلطة رادعة، بل سلطة ناعمة تتودد إلى صاحب الاختيار وتحاول إغواءه وإغراءه بشكل دائم(9).

ويعزي باومان السيولة التي تتسم بها أزمنتنا الى تفكيك النظم، بمعنى فصل السلطة (القدرة على فعل الأشياء) عن السياسة (القدرة على تحديد الأشياء التي ينبغي فعلها) فالأشكال الاجتماعية اليوم التي حددت اختياراتنا وعززت أنماط السلوك المقبول في السابق لم تعد قادرة على الاحتفاظ بشكلها زمنا طويلا لذلك فإن "مشروع الحياة" يخضع الآن للانصهار والتحلل، وعليه لم يعد بوسعه أن يكون مرجعية لأفعال الأفراد ولاستراتيجيات الوجود الاجتماعي، بأثر عمره القصير، كما أنه غير قادر جراء ذلك على استحداث ما هو متماسك ومتسق، بموازاة الانفصال الحاصل بين السلطة والسياسة التي شكلت سابقا مفهوم الدولة الأمة، شيء من عدم اليقين يحكم مثل هذه العلاقة، الدولة الخاضعة إلى تأثير فضاء معولم يقع خارجها، فالسياسة بمعنى القدرة على تحديد اتجاهات الفعل وأهدافه ليست قادرة على الفعل العالمي فهي تظل سياسة محلية ولا تحتفظ بقوة تحديد مسارات الفعل السياسي  وأهدافه، لا الدولة إذن باستطاعتها حل مشكلاتها، ولا السياسة أيضا، قادرة على جذب مواطنيها ما يعني تحول المسؤولية إلى قوى السوق المتغيرة، يقول باومان ‹‹الفعل يستلزم القوة لتتمكن من اتخاذ القرارات وبالطبع نحتاج السياسة، التي تعطيك القدرة لتقرر ما تحتاجه لكن التزاوج بين القوة والسياسة انتهى في الدول القومية، القوة تمت عولمتها، لكن السياسة لا تزال شيئا محليا. يمكننا أن نعتبر أن السياسة فقدت ذراعيها، كما أن الجماهير توقفت عن الإيمان بالنظام الديمقراطي لأنه لا يحفظ وعوده››(10)

وهكذا اختفت الأطر المرجعية والسياسية التي كانت سائدة في عصر الحداثة الصلبة أو بلغة "ليوتار"(11)‹‹ سقط ما نسميه الأنساق الفكرية الكبرى ولن يعود لها وجود››، فالحداثة السائلة هي عملية تفكيك البنيات الاجتماعية واستبدالها ببنيات جديدة لغتها تحرير السوق  تعظيم مجتمع الاستهلاك وعولمة التجارة ورأس المال، وبالتالي فالحداثة السائلة تعبر عن غياب المرجعيات وتآكل الذات، وفقدان حدودها نتيجة تسليم الأمر لقوى العولمة التي باتت ترشد العالم الى وجهات غير مستقرة في غياب تأثير الدولة الأمة التي فقدت تأثيرها في مجرى الأمور.

وفي ذات المسار، يحاول باومان في حداثته السائلة أن يدرس ظاهرة الفردية، انطلاقا من ملاحظته أن مجتمعنا اليوم هو مجتمع خاضع لسيرورة النزعة الفردية، يقول باومان: "حداثتنا الغربية نسخة يطغى عليها الطابع الفردي والطابع الخاص.."(12) ، فالفرد هو الفاعل الوحيد في مرحلة السيولة، فالكل يؤول إلى الفرد وحده، هو فقط من له الحق في تقرير الأشياء ذلك أن الأفراد في عالم الحداثة السائلة ينعمون بحرية الاختيار فأصبح العالم خاليا من ذلك الأخ الأكبر الذي ذكره "جورج أورويل" في روايته الأشهر (1984م)، كما أنه أيضا لا يوجد الأخ الأكبر الحنون الذي قد يساعدك ويحنو عليك ويمد يد العون لك في الظروف الصعبة والأوقات الحرجة، ومن هنا أصبح كل ما يتعلق بمصير الفرد في يد (الفرد) ذاته، فالفرد هو الذي يقرر الأشياء التي بمقدوره أن يفعلها، وينمي هذه المقدرة بأقصى المستطاع، ويحدد الغايات التي تتوافق وهذه المقدرة، بحيث يتحقق له كل الرضى الذي يبتغيه، وكل متعة يمكن أن يتصورها العقل أو يخطر على البال، فالأمر بأكمله متروك للفرد(13). هذه النزعة الفردية أدت إلى هيمنة الفضاء الخاص على الفضاء العام، فلقد أصبح الفرد مهتما بشؤونه الذاتية والخاصة عوض شؤون مجتمعه والمصلحة العامة، وهذا ما مثل عائقا ومشكلا للمواطنة، فالفردانية أدت إلى تفكك المواطنة، وتآكلها ببطء يقول باومان في هذا الشأن: ‹‹ الأفراد هم المتضررون من الضغوط التي تفرزها سيرورة النزعة الفردية، فهم يجردون تدريجيا ولكن باستمرارية دائمة، من درع المواطنة الواقي، وتنزع منها مهارات المواطن واهتماماته››(14)

ثانيا- مآلات الحداثة السائلة في الوعي بالذات والخيارات الشخصية:

1- صناعة الخوف وهيمنة اللايقين:

‹‹الخوف من المعاناة، هو أشد ألوان المعاناة››/ سيغموند فرويد

- في مشروعه الفكري لفهم الحداثة ذكر باومان في الحداثة السائلة: ‹‹ في ظل حركة السيولة، كل شيء يمكن أن يحدث، ولكن لا شيء يمكن أن نفعله في ثقة واطمئنان، فتتولد حالة من ( اللايقين تجمع ما بين الإحساس بالجهل (استحالة معرفة ما سيحدث) والعجز(منع ما سيحدث) والإحساس بالخوف دون أن نستطيع إدراكه ولا تحديده››(15)، بمعنى أنه في ظل العولمة ذات التحولات السريعة والمتلاحقة بلا نقطة مرجعية زادت درجة الخوف عند الأفراد من تغير الأحوال، وهذا ما يجعل الحياة مملوءة بالمخاوف التي يرى باومان أنها قرينة على عدم اليقين وبالتالي يتولد داخل الإنسان شعور داخلي بالهشاشة والخوف.

حالة الخوف تلك التي أفرد لها باومان كتابا مستقلا وكنتيجة متوقعة من هذا العصر السائل والعلاقات الإنسانية العابرة في زمن اللايقين، يخرج "زيغمونت باومان" بنقد آخر للحداثة في مرحلتها السائلة بخصوص الخوف الذي يحياه إنسان العصر الحديث، فيخبرنا بأن العهد الذي قطعته الحداثة على نفسها بتحرير الإنسان من الخوف قد تم نقضه، فلقد كان من بين وعود الحداثة الغربية في مرحلة الصلابة، استئصال الخوف من العالم، لكنها لم تحقق ذلك(16).

لم تحقق الحداثة إذن، ثقة الإنسان في نفسه بعد نفي اليقين الديني والتقاليد لهامش الحياة    الخاصة وفرض منظومة المنطق المادي، فالتقنية المتطورة التي وصلت إليها الحداثة أصبحت تخنق العالم المعيش وتنشر جرائم الأحداث والعنف وفقدان الأمان،" فالحياة السائلة حياة محفوفة بالأخطار يحياها المرء في حالة من اللايقين الدائم"(17)، وبالتالي أصبح اللايقين والخوف من المستقبل آفة الحداثة السائلة، فعالم الحداثة السائلة هو عالم ساد فيه الإحساس بعدم الأمان واللايقين، وفقدان الاستقرار، فالسمة البارزة في عالمنا المعاصر هي الخوف من كل شيء، وهو خوف معمم يعصف بكينونة الإنسان والوجود الإنساني يستحق أن نطلق عليه (الخوف الكوني)، فالإنسان الذي سقط في سجن الخوف، صار يشعر بالتهديد الدائم من المستقبل والخوف المستمر من مصيره المجهول لما أدت إليه السيولة من سرعة في الإستهلاك والاستبدال، إنه "قلق الحضارة" كما وصفه سيغموند فرويد.

عملت الحداثة في طورها السائل على خصخصة الأمن، حيث ظهر السوق كبديل للدولة في تقديم خدمات الأمن، فلقد انتقل دور السلطة والدولة من دور (الرعاية الاجتماعية) وتقديم الخدمات للمواطنين، وتأمين الضمان الاجتماعي إلى دور( الدولة الأمنية) التي غايتها مكافحة الإرهاب والجريمة(18)، وبالتالي صارت السلامة الشخصية منفذ بيع رئيس وهو ما يتماشى مع طرح أولريش بيك حينما تحدث عن " اقتصاد الخوف"، ملاحظا أن الأمن الشخصي أصبح سلعة استهلاكية مثل الكهرباء والماء، يتم تنظيمها من طرف قطاعي العام والخاص، غير أن حدود التفكير السائل في المجتمع الذي ينبني على تأمين السلامة الشخصية لدى الفئة القادرة على تحقيقها بدافع الخوف، يتجلى في فكرة الخطر لدى أولريش بيك بكونه خطرا ديمقراطيا يصيب الأغنياء والفقراء والأقوياء أيضا(19)، ويرجع السبب في زيادة معدل الخوف إلى تزايد وتيرة النزعة الاستهلاكية والى النظام الرأسمالي، تقول هبة رؤوف عزت في مقدمة كتاب الخوف السائل:" إنها الرأسمالية في ثوبها الجديد، حيث يسكن الخوف النفوس، وتدار الحياة بشكل لا يمنح الأمن ولا يحقق السعادة"(20) فاستهلاك الحماية وتحولها الى سلعة كل ذلك ناتج من تطور الرأسمالية، فمع انتشار المخاوف وسيرورة النزعة الفردية، أصبح الأمان بدوره مهمة الفرد وحده، تقول هبة رؤوف عزت في مقدمة كتاب المراقبة السائلة:" إن أكبر التحديات التي نواجهها هي تخلي دولة المراقبة عن وظيفة الأمن وتركها للمواطن وحده"(21).

ولا ينفك فهم الخوف عن إدراكنا للشر، فالخوف الذي نواجهه في عالم اليوم ليس ناشئا عن فزع من شيء محتمل غير مقصود استنادا لتصور أن الخير أصيل في الإنسان، بل هو خوف يتأسس على وعي متزايد بتنامي التوحش في هذا العالم، واعتيادية الشر فيه ويزيد هذا الخوف من احتمالية قبولنا للشر، بل والتطبيع معه، مادام يوفر لنا الحماية(22)، فقد توغل الشر في نسيج الحياة اليومية وترسخ في قلبها، وعندما يجري تحديده فإنه يجعل كل الصور البديلة للحياة تبدو غير معقولة، بل وغير حقيقية فالسم القاتل يصور نفسه بصورة مخادعة على أنه ترياق منقذ للحياة من شقاء الحياة.(23)

وعليه فإن الخاصية الأحدث في هذا المجتمع هي ذلك الشعور العميق بفقدان الأمان غير أن هذا الشعور الذي نحسه ناتج للتطور التكنولوجي، فالتقنية المتطورة التي وصلت إليها الحداثة أصبحت تخنق العالم المعيش وتنشر جرائم الأحداث وأعمال العنف، على شكل حرب يخوضها الكل ضد الكل، فيقبع هذا الفرد في القلق، فلقد ذهب أنطوني غيدنز إلى أن "العولمة تشكل السمة الأساسية للحظة الراهنة في عالم اليوم، وأن الانفلات هو أحد سمات العولمة إن لم يكن سمتها الأبرز، لهذا أطلق على هذا العالم بأنه عالم منفلت والحركة فيه لا تخضع لسيطرة البشر بشكل كامل"(24)

وعليه فإن التقنية التي أفرزتها الحداثة والتي كانت تعد الإنسان بالأمان أصبحت اليوم تمثل أزمة إنسانية لإنسانية فقدت إنسانيتها، وساهمت في صناعة الخوف وزيادة معدلات الجريمة، "فلقد جر الإيمان المطلق بفاعلية العقل والمبالغة في استعماله إلى خيبات تجرعها إنسان الحداثة، وإلى مآزق فكرية ووجودية عبثت بجوهر الإنسان وماهيته، فلهذا أعلن المشروع الحداثوي إفلاسه، وقضى على الجانب الروحي في الإنسان وغيب القيم واحتفى بالمادة"(25).

إنها صيرورة أزمة ترجع إلى إفلاس العقل الحداثي، أي ذلك العقل الأداتي الذي هيمن على الحضارة الغربية وخلص بها إلى تشظي الحقيقة وأفول الإنسان، وأدخل الكينونة الإنسانية في عالم العدمية واللامعنى.

2- اللاجئون ومشكلة الهوية:

‹‹اللاجئون هم التالف البشري في تخوم الأرض، الغرباء وقد تجسدوا الغرباء حتى العظم الغرباء المرفوضون والمقابلون في كل مكان بالكراهية والحقد›› / زيغمونت باومان.

‹‹في هذا الزمن السائل، لا يبقى للهوية معنى، بل إن حالات الهجرة واللجوء والسفر المتواصل سعيا لعيش أقرب ما يكون إلى كريم، يعزز من مفهوم اللايقين الذي يصفه الكاتب ويحول الهوية أيضا إلى شكلها السائل›› / زيغمونت باومان.

يتحدث باومان عن أزمة اللاجئين كمخرج من مخرجات الحداثة السائلة، فموجة الهجرة التي يشهدها العالم حاليا أنزلتنا إلى واقع صعب وغريب ومشتت وهو واقع يتشكل يوميا ويشكل هوية جديدة لكنها هوية معولمة تصنع خارج الهوية المحلية المسيجة بقيم مؤسسات التنشئة الاجتماعية التقليدية، إنها هوية سائلة تصنع هناك وفي مكان ما، وإن شئنا التدقيق في اللامكان، لاتبالي بتنوع القيم ولا باختلاف العادات والتقاليد تهدف إلى هندسة مجتمعات مقولبة وسائلة بلا أصل وبلا تاريخ يقول باومان: ‹‹فالهجرة المكثفة في العصر الحديث ليست شيئا جديدا ولا حدثا فرديا، ولكنها في الواقع تأثير ثابت ومتواصل لنمط الحياة الحديثة بانشغالها الدائم ببناء النظام والتطور الاقتصادي تعمل هاتان الخاصيتان كمصانع بإمكانها إنتاج أشخاصا زائدين عن الحاجة، هؤلاء إما غير قابلين للتوظيف محليا أو مرفوضين سياسيا، وبالتالي مجبرون على التماس مأوى أو فرص حياة أفضل بعيدا عن أوطانهم››(26)

ويرى باومان أن أوروبا وعلى الرغم من كل تقاليدها التنويرية والكانطية والكوزموبوليتانية وصل خطابها السياسي إلى نقطة العداء الصريح تجاه الغرباء والمشردين من بقاع أخرى من العالم في تنكر معلن للقيم الإنسانية وتقوقع على الحدود الذاتية مع أن "الترحال والهجرة كانا أشبه بثوابت أنثروبولوجية على مر التاريخ البشري" كما يقول باومان، وفي ضوء ذلك يعرب باومان عن سخطه إزاء التنكر التاريخي الصارخ الذي يواجهه اللاجئون الهاربون من الحرب وأولئك المحرومون الذين يسعون إلى حياة أفضل، ووفقا لما ذهب إليه زيغمونت باومان فإن ذلك يدل على عمق مأزقنا المعاصر الذي يربطه باومان بهيمنة القيم الرأسمالية على وجودنا مستندا إلى رؤى من الفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي(27).

وعليه فإن باومان يرصد أزمة تمر بها المجتمعات اليوم أسماها "النفايات البشرية" واعتبرها كأحد النتائج الوخيمة للرأسمالية، فالانتصار العولمي للرأسمالية أسهم بشكل من الأشكال في زيادة فائض البشر بلا انقطاع، ومن أبشع تبعات العولمة في نظره هو تحرير الحرب من القيود والضوابط وإضعاف سلطة الدولة، الأمر الذي جعل من الصراعات اليوم تنتشر بشكل مستمر، وهو ما يؤدي إلى فرار الأفراد خارج نطاق هويتهم ما عدا عنصر واحد وهو اللاجئ، على هذا الأساس يفقد الفرد وجوده الاجتماعي والأشياء الحاملة للمعنى؛ الأرض المنزل، الممتلكات... فباومان في حديثه عن الهوية يقدم مثال اللاجئين يقول: ‹‹ في الطريق إلى المخيمات يجرد الناس من كل عنصر فريد من هوياتهم ماعدا عنصرا واحدا ألا وهو اللاجئ "غير الشرعي" الذي لا وظيفة له، ولا مكان، ولا دولة له، فداخل أسوار المخيم يصير اللاجئون كتلة مضغوطة مجهولة، بعد ما حرموا من المزايا الاجتماعية الأساسية التي تستمد منها الهويات...فتلك المخلوقات المنجرفة المنتظرة لا تملك سوى حياتها العارية...››(28)، فلا يبقى سوى الجدران، والأسلاك الشائكة، والبوابات المحكمة والحراس المسلحين، وبين كل ذلك تتحدد هوية اللاجئين، بل تنتهي آمالهم في الحق بتعريف الذات فمشكلة اللاجئ تتبدى أنه في المكان ولكن ليس منه، وسيبقى ينظر إليه كدخيل وغريب لا ينتمي للمكان، يقول باومان: "...دعوني أكرر: إن من يسكنون مخيمات اللاجئين، لا يمكن أن يعودوا إلى حيث أتوا، فالبلدان التي تركوها لا تريدهم أن يعودوا...فلا أمل في العودة ولا طريق إلى الأمام، فما من حكومة ترحب بتدفق ملايين النازحين والمشردين...فالمخيمات التي أقيمت على أنها مخيمات مؤقتة تتحول إلى دائمة، فإذا أصبح المرء لاجئا فإنه يصير لاجئا إلى الأبد،"(29)، إنهم حالات يستعصي وصفها وتعريفها بالمصطلحات المعتادة التي نسرد بها الهويات البشرية، إنهم التجسد الحقيقي لما أطلق عليه "جاك دريدا" ‹‹ الحالات المبهمة التي يستعصي البث فيها›› (Indécidables)، فهم ليسوا مجرد منبوذين، بل إنهم خارج طوق الفكر(30)، وبالتالي تصبح هذه الفئات المهمشة في مجتمع الحداثة الغربية تعاني من غياب ما يعرف بـ "الهوية"، هوية تحدد مكانتهم ضمن الشعوب.

ونأخذ مثال على ذلك بما حل ببلادنا العربية في الآونة الأخيرة لندرك أن مشكلة اللاجئين تتجاوز في أثرها الحيّز المحلي لتمتد إلى كافة أنحاء العالم. فالدول المتقدمة التي تدخلت في إدارة الصراع والثورات بما يخدم مصالحها بالدرجة الأولى، قد ساهمت في ارتفاع معدلات اللاجئين بعد ما يسمى بـ «الحرب على الاٍرهاب» في سوريا والعراق وأفغانستان قد تأثرت بقضية اللاجئين، ما إن يعبر هؤلاء حدود بلدانهم الأم ــــــ حتى يتوقفون عن كونهم مواطنين ويغدون لاجئين ويفقدون كل حقوق المواطنة ويكتسبون لا إراديا وضع " اللاموجود" فمشكلة اللاجئ تتبدى في أنه في المكان ولكن ليس منه، وسيبقى ينظر إليه كدخيل وغريب لا ينتمي للمكان!(31)

ويكفي أن نفكر في الأزمة السورية وأن نشاهد سيل الصور التي يتداولها الإعلام، إذ تجهد كثير من القوى لـحل المسألة السورية، لندرك أن عبور الحدود بات أمرا منقذا للحياة ولو مؤقتا حتى وإذا كانت المخيمات هي كل ما ينتظر اللاجئين على الضفة الأخرى وبينما يمثل السوريون النسبة الأكبر من اللاجئين حاليا، فإن الكثير من شعوب دول العالم الثالث مازالت تمثل عددا كبيرا منهم كذلك بمعنى أن ما يسود المشهد اليوم هو إرث الحداثة الغربية السابقة معطوفا على المزيج السام من النظام الاقتصادي الرأسمالي، والرغبة في السيطرة إنه الجانب الاستبدادي لأنظمة العالم الثالث الذي يسحق شعبه ويدفع بناسه إلى قارب يمكن أن ينقلب في أقل من نصف ساعة، لكن حتى في مثل هذه الأزمات لا تتحقق المساواة فبينما يفر الرجال والنساء من الحروب الأهلية والأوضاع الاقتصادية المريعة، والتعذيب الجسدي، والاعتقالات العشوائية والقتل الجماعي على النساء أن يواجهن خطرا مضاعفا وفي أثناء الهرب من نظام مستبد في ظل كافة التبعات التي تنجم عن ذلك، يضاف إلى النساء بعد آخر يستدعي الهروب، وهو كل الأهوال التي تقع عليهن لمجرد كونهن نساء يفضي هذا البعد الجندري إلى احتمالية المعاناة من الاغتصاب والتحرش الجنسي، والزواج القسري، والإجهاض القسري. إلخ(32).

ـــــ وكتب باومان يقول:" تعزل الرموز الثقافية عن الخيط الشامل وتنسج الهويات المختلفة فالصناعة الذاتية المحلية المتمايزة تصبح علامة محددة تحديدا شاملا للقرن العشرين المتأخر... وتحتم الأسواق الشاملة الخاصة بالمواد الاستهلاكية والاستعلامات اختيار ما يجب امتصاصه من أجل إعداد علامات رمزية للعلامات الخاصة بالهويات المضمحلة والمبعوثة، والتي من شأنها أن تقتلع الشخصية من جذورها وقد انغرست في المجتمع الشامل في هذه المرة ليست هي البلسم المضاد للعولمة، وإنما هي إحدى نتائجها الشاملة التي لا محيد عنها إنتاجا وشرطا"(33).

وبالتالي فالعولمة أخرجتنا من هويتنا الصلبة المسيجة بالأعراف والتقاليد والقيم المتوازنة واستطاعت أن تصنع لنا هوية سائلة لا تعترف بالثبات والقيم والأعراف، هوية يتداخل فيها الصراع ما بين الأنا والآخر، وعليه يجب تحقيق التكامل بين الأنا والآخر من أجل تحقيق وحدة الإنسان في إطار احترام التعدد والاختلاف، والاعتراف بخصوصياته التي تميزه وكذلك الاعتراف بهويته فالهوية مطلب إنساني وشرط صميم لبقاء الوجود الإنساني.

3- الحب السائل وهشاشة العلاقات الإنسانية:

‹‹ إن الإنسان لا يعرف الحب بصورة أكبر عن طريق التنقل بين العلاقات، ولا يصبح خبيرا في الحب بتعدد علاقاته، فهذا التنقل بين العلاقات لن يختبر الحب إلا كمجموعة أحداث منفصلة صادمة وهشة ولن يزداد معرفة بالحب››/ زيغمونت باومان- الحب السائل.

- غيرت الحداثة صورة المجتمعات المعاصرة، وأحد الجوانب التي شهدت التغيير هي العلاقات الإنسانية ويرى باومان أن ما يحكم العلاقات في المجتمع الحديث السائل هو التعامل مع العاطفة بالتعامل نفسه الذي نتعامل به مع السلعة فهو عالم من الصلات العابرة التي يمكن الاستغناء عنها كأي منتج تم استهلاكه، فكل الروابط التقليدية الثابتة قد فقدت سيطرتها ولم تعد مرغوبة(34)، معناه أن الروابط الثابتة والممتدة في الأسرة، والطبقة الاجتماعية والدين، والزواج، وربما حتى الحُب لم تعد حقيقية أو مرغوب فيها كما كانت من قبل.

وفي زمننا هذا، يرى باومان أن الاستهلاك قد تجاوز فكرة السلعة المادية إلى استهلاك العواطف والعلاقات الإنسانية وتكنولوجيا التواصل، بالصورة التي أثرت كثيرا على معاني الحياة والحب والأخلاق، وبالطريقة التي جعلتنا مراقبين باستمرار بسبب استهلاكنا النهم للتكنولوجيا الحديثة، مما أدى إلى سيولة الخوف تحت وطأة الاستهلاك والقلق مما يخبئه الغد، وأنتج لنا اضطرابا أخلاقيا أصبح معه الشر مبررا حتى من جانب الدولة(35).

هذا التحديث المتتالي وذلك الاستهلاك المستمر قد تسبب في حالة من الفردية طغت على أهمية الجماعة، فأصبح كل فرد يواجه الحياة بمفرده، فأضحى المجتمع عبارة عن جماعة تواجه مشاكلها بشكل فردي، كل فرد على حدا، فأصبحت التجمعات البشرية في الحفلات والمعارض والمنتجعات السياسية والمراكز الرياضية، تجمعات صاخبة تخلو من أي علاقات إنسانية بل هي علاقات سطحية استهلاكية أو بلغة عبد الوهاب المسيري(36) علاقات تعاقدية تقوم على ممارسة اللحظة الحاضرة واستهلاكها دون الاهتمام بتكوين روابط حقيقية.

وهذا ما يوضح مدى هشاشة العلاقات الإنسانية، وكيف دمرت كل ما تتسم به العلاقات الوجدانية من عفوية وتلقائية عاطفية فكل الروابط التقليدية الثابتة قد تفككت وغدت مجرد علاقات موضوعية بلا معنى.

كما يتطرق باومان لسيطرة العوالم الافتراضية على عالمنا الحقيقي، وكيف أن العلاقات في الواقع أصبحت تقاس بمقاييس الواقع الافتراضي، أي أن ضغطة زر واحد على "حذف" أصبحت تستعمل في الحياة الحقيقية كتعبير عن سرعة إنهاء العلاقات وكأنها لا شيء وكذا تسرب الملل إلى الحياة الزوجية عما مضى بسبب استشراء معاني الاستهلاك داخل النفوس بالبحث الدائم عن اللذة الفورية قصيرة الأجل، ففي ظل تنامي السيولة في كل شيء، وتحول "المجتمع" إلى مجرد "تجمع بشري"، تحول هذا الإنسان من "وضوح العلاقات الاجتماعية" إلى "غموض الصلات العابرة"(37)

إن العلاقات العابرة في ضوء الحداثة السائلة، سعادة حالمة بلا روابط، سعادة لا تخشى الآثار الجانبية وتتناسى تبعاتها، سعادة تخاطب المستهلك قائلة: "إن لم يحقق لك المنتج الرضا الكامل، يمكنك رده واستعادة نقودك كاملة"، إنها أكمل تجسد للحرية من منظور الممارسة السائدة للمجتمع الاستهلاكي.

وفي ظل هذا تنمو العلاقات الافتراضية وهي على عكس العلاقات الحقيقية، حيث يمكن خوض العلاقات الافتراضية بسهولة كما يمكن التنصل منها بسهولة. تبدو العلاقات الافتراضية ذكية وسريعة، بالمقارنة مع العلاقات الحقيقية الثقيلة، التي تتحرك ببطء ويتطلب الخروج منها الكثير من الجهد كما أنها لا تخمد بسهولة.

لقد كبرت العلاقات على الانترنت عبر مواقع المواعدة على حساب الأشخاص، الأماكن التي قد تجمعهم بشريكهم والأعمدة التي تتحدث عن الحب في المجلات والصحف، لكن تبقى ميزة العلاقات الافتراضية كما وصفها أحدهم: “يمكنك دائماً أن تضغط زر الحذف (Delete)(38).

خلال هذه العلاقات الافتراضية يكون التواصل عبر الموبايل ووسائل التواصل الاجتماعي هو الحالة النموذجية للعصر السائل الذي نعيشه، فالعلاقة مؤقتة وليست مبنية على الالتزام والاستمرار.

بالإضافة كذلك إلى أن الانسحاب التدريجي للدور الاجتماعي للدولة، ضد عجز الأفراد  قد جرد الفعل الجمعي من كثير من سحره السابق، وهكذا فإن مفهوم المجتمع بوصفه الرابطة الكلية التي تجمع أهل البلد في أرض الدولة السيادية يبدو كلمة جوفاء إلى حد كبير، وهكذا صارت الروابط الإنسانية هشة إلى حد كبير ومؤقتة، ولذلك صار المجتمع أقرب إلى الشبكة منه إلى رابطة كلية صلبة(39)، فباومان يشرح لنا الدرجة التي وصل إليها المجتمع من تهاون في حق الحب الحقيقي،  وعليه أصبحت العلاقات طويلة الأمد في هذا العالم مملة، ويضرب باومان مثالا على ذلك بالملل من العلاقات الزوجية فمن قبل كانت بعد سبع سنوات من بدايتها أما الآن فالملل يبدأ بعد ثمانية عشر شهرا أو سنتين على الأكثر، ويقول في هذا السياق: "...العقلية قصيرة الأمد التي جاءت لتحل محل العقلية طويلة الأمد، فالزيجات القائمة على مقولة تعاهدنا ألا يفرقنا إلا الموت صارت، موضة قديمة تماما، وصارت عملة نادرة فلم يعد الشريكان يتوقعان البقاء معا طويلا..(40)، فلا وجود للالتزامات الدائمة في هذا العصر الحديث السائل فالوعد الوحيد الذي يقطعه انسان الحداثة السائلة هو البقاء في حركة دائبة مع سرعة هذه الحركة، إذن فالميوعة والهشاشة مست كل شيء حتى العلاقات الإنسانية وتم فقدان الاستقرار.

ثالثا- القيمة الإبستمولوجية لأطروحة باومان:

1- قيمة أطروحة باومان في فهم الإنسان للواقع المعاش:

تمثل أعمال باومان في مجموعها منظومة نظرية فلسفية نقدية متكاملة لفهم تجربة الوجود الإنساني في القرن العشرين قد توازي في أهميتها المشروع الهيغلي المهم في بناء تصورنا للعالم كما كان في القرن التاسع عشر، وهو إن لم يقدم برنامجا لتغيير العالم فإنه دون شك تجرأ على وضع الواقع المعاصر أمام قفص الإتهام ناقدا كل مراحل التجربة الإنسانية من الحداثة وزمن اليوتوبيات الكبرى إلى فترة خلو العرش على حد تعبيره، وهي فترة تعطلت فيها الممارسات القديمة فلم تعد تصلح فيها أنماط العيش الإنساني المشترك. بالإضافة إلى أن ما يميز أسلوب باومان أنه أسلوب موسوعي بامتياز من خلال طرقه للأبواب المختلفة من أجل فهم الدور الذي تلعبه الحداثة في الحياة المعاصرة، وهذا ما يتجسد في أعماله المتعددة حول الهولوكوست والحرية والعولمة والطبقة العاملة والحب والهجرة...إلخ، فكل هذه الأبواب التي يطرقها تؤدي إلى نفس الإتجاه في فهم الواقع الاجتماعي من منظوره الخاص، فهو غير ملتزم بمدرسة فكرية واحدة في تحليلاته، يقول: ‹‹ كنت أسعى للحصول على إجابة على نفس الأسئلة طوال الوقت، وإذا لم أجد ذلك أخذت الأسئلة معي››(41)، معنى هذا أن باومان يعتمد في تحليلاته على مجموعة متنوعة من التخصصات والمصادر والأفكار ذات الطابع الاختياري بدلا من أن يحتكم إلى توجه نظري معين فهو وبلا شك من السوسيولوجيين الموسوعيين بامتياز في مجال العلوم الإنسانية، فمن أكثر ما يميز باومان هو قدرته الباهرة على التحليل، وذلك من خلال ربطه التوجهات النظرية في علم الاجتماع بنظيرتها في الأدب، الفلسفة، والتاريخ، ثم يفسر من خلال تلك التوليفة ما يحدث في العالم من حولنا، فلقد قدم لنا تحليلا حيا ودقيقا للوضع العالمي المعاصر، فالنص الباوماني يملك من القدرة التفسيرية ما يجعله مناسبا لفهم وتحليل تحولات كثيرة يمر بها عالمنا، وقد صنف بعض المختصين والباحثين في علم الاجتماع باومان خارج حدود التخصص وتلقيبه بـ "الفيلسوف الاجتماعي"، فلقد عايش باومان بشكل مباشر العديد من أحداث الرعب في القرن العشرين والتي لونت بدورها طريقة رؤيته للعالم، وتأتي أعماله بمثابة رسالة من القرن العشرين لجيل القرن الحادي والعشرين من خلال تفسيره وتحليله للأزمة الحالية العالمية وبالتالي تزود كتابات باومان المتابع لها بقدرة أعمق على التعامل مع الواقع وبناء رؤية وموقف اتجاهه.

زيادة على ذلك نجد هبة رؤوف عزت في مقدمتها لكتاب "الحداثة السائلة" تشير إلى أن سلسلة كتب باومان تقع ضمن ما نسميه ‹‹فقه الواقع›› الذي يتعرض لمسألة فقه الحداثة ومنطلقات فهمها وتجليات منظومتها في الواقع الذي نعيشه، فباومان يقترب من الحداثة بصيغها الحداثية ويجد القارئ نفسه مستوعبا الظاهرة التي يقرأ عنها ويدرك أنه في داخلها ولا يعني ذلك أن أفكار باومان تعينه على فهم ما يعيشه من مشكلات وما يواجهه من تحديات فحسب بل تساعده على بناء فهم نقدي لمساراته الشخصية الراهنة(42).

وعليه فإن مؤلفات باومان والتي ترجمت إلى العديد من اللغات بما في ذلك اللغة العربية تشكل حاجة ملحة في فهم الواقع الاجتماعي الذي نعيشه اليوم من تحولات وتغيرات اجتماعية واقتصادية تقول هبة رؤوف عزت في مقدمة كتاب الأزمنة السائلة:‹‹ فكتابات باومان ليست إعادة انتاج ميكانيكية للأفكار، فقد غدت الكثير من الكتابات الأكاديمية والفكرية مجرد تكرار وإعادة تدوير لما قاله الآخرون، لكن كتاباته كاشفة ومهمة لأنها تبين لنا ملامح الوجود في زمن التحولات ودلالة السيولة وآثارها التي نعيشها كل يوم وتساعدنا على الخروج من وهم المأساة الفردية إلى رحابة النظر الأوسع، وتعيننا على استعادة الوعي بفلسفة الزمن واقتراب الوقت بالمنطق الحاكم وبالنظم الحاكمة وهي أول خطوة للتفكير الجمعي في حلول مختلفة، وفي صيغ تاريخية للمقاومة››(43).

2- المشروع الفكري لزيغمونت باومان:

إن إمكانية التفكر في نصوص زيغمونت باومان تدفع كل باحث في أن يستحضر الأفكار والتحليلات النظرية التي عمل عليها باومان حول اشكالية الحداثة وما بعد الحداثة، هذه الأخيرة تمثل أهم مشروع فكري نقدي بدأه باومان منذ أواخر الثمانينات من القرن العشرين ومنذ ذلك الحين وهو يسعى إلى بلورة رؤية شاملة للحداثة وما بعد الحداثة وفق أفق الجغرافيا الغربية.

وتمشيا مع هذا الطرح، فإن ما يميز سوسيولوجيا باومان وتحليلاته ذات الطابع الاستثنائي والتي تتميز بقدرتها المخصوصة على الكشف عن ملامح المجتمع المعاصر في زمن التحولات وآثار السيولة على الفرد والمجتمع معا، فكتابات باومان تعيننا على استعادة الوعي بفلسفة الزمن الراهن، وهي أول خطوة لتأسيس تفكرية جديدة للتفكير الجمعي وفق أفق العيش الإنساني المشترك.

ويتمثل المشروع الفكري لباومان في تقوية التماسك الاجتماعي فهدف باومان في أطروحته يتمثل في خلق وجود اجتماعي يمكن للأشخاص العقلانيين والمتحررين من ممارسة حريتهم بطريقة خلاقة وأراد أن يشجع عملية الحوار داخل المجتمع المدني فكان أمله أن يعمل المثقفون أمثاله على تشجيع الأفراد العاديين للقيام بمشاركة قوية ونشطة في جعل المجتمع أكثر حرية وأكثر مساواة وأكثر عدالة.(44)

- وعليه فإن نقد باومان ليس مجرد نقد سلبي ارتكاسي، وإنما يوجه الإنسان الحديث، إلى أهمية تقوية التماسك الاجتماعي، وخلق وعي اجتماعي وإعادة الاعتبار للمسؤولية الاجتماعية في مقابل الفردية المنكفئة على ذاتها، إن التحرر من ثقافة الانكفاء على الذات، والتمركز حول الجسد، والاستغراق في الاستهلاك، لا يكون إلا بإحياء المجال العام، وتقوية التفاعل الاجتماعي،(45)

إن المشروع الفكري لباومان يشكل نافذة مطلة على الوضع الإنساني الراهن فيما يتعلق بآفاق أنسنة العالم البشري وجعله أكثر رحابة وقبولا للإنسانية، فباومان ليس متشائما بصفة مطلقة فهو يرى أنه ورغم انتصار الفردانية المفككة فإننا نسعى إلى انقاذ وجودنا الفردي المميز، ما يعمل على تكوين ذات فاعلة حرة ومحط الرهان في هذا هو الحوار والتواصل، فمادام الإنسان انسانا فالأمل مستمر، يجب على الإنسان أن يتذكر انسانيته.

- غاب زيغمونت باومان حقا، عن عالمنا لكن مشروعه الفكري سيبقى دون شك دليلا علميا لكل من يتصدى لمهمة تفكيك وفهم تحولات الأزمنة وتقلبات التاريخ خلال العقود المقبلة، وبهذه المقاربة النقدية لأطروحة باومان نكون قد لمسنا ولو القليل مما تطرق إليه باومان في نقده للحداثة الغربية، بالرغم من أنه مازال الكثير الذي لم يدون عنه، وما ذكرناه هنا هو نقطة من بحر ما قدمته أعماله.

خـلاصـــات:

من كل ما سبق يمكن استخلاص ركائز المشروع الباوماني فيما يلي:

1 - إن المحور الرئيسي في فكر زيغمونت باومان هو حال الإنسانية في تقلبها بين أطوار الحداثة.

2- عمل باومان على شرح الحداثة الغربية عبر مسيرتها وانتقالها من مرحلتها الأولى المتميزة بالصلابة إلى زمنها الثاني المتسم بالسيولة وسرعة التغير، فانتقلنا من زمن الارتباط الى زمن فك الارتباط، إذ أصبح التفكك والانقطاع من السمات العادية في حياتنا وهو نتيجة حتمية لعمليتي الإذابة والتمييع التي تركت بصمتها على كل شيء حتى على العلاقات الإنسانية.

3 - الحداثة في هذا المسار أحالت كل المواد الصلبة في طريقها إلى سائلة، بفعل دعوتها إلى التحرر من الماضي والدين والمقدس لكنها في الوقت ذاته كانت قادرة على خلق مواد أكثر صلابة، وهنا كان مبعث المشروع النقدي لدى باومان، ورافق هذا الانتقال من الصلابة إلى السيولة، انتقال المجتمع من المجتمع المنتج إلى المجتمع المستهلك كنتيجة لقلب القيم (الدوام والزوال) ما مس الكثير من أسس الحياة.

4 - وفي ذات المسار أصبح لكل شيء عمر افتراضي، وغير متماسك حتى الهويات والتي غدت متغيرة وباستمرار تماشيا مع روح العصر فأصبحنا أمام هوية مصطنعة إضافة إلى أن الحداثة ساهمت في تغيير المفاهيم هذا القلب في المفاهيم والتغيير في الكثير من الأسس جعل العلاقات الاجتماعية تدخل السيولة، فغدت مجرد "علاقات استهلاكية" وعابرة تفتقر للأبدية.

5- ومن أهم نتاِئج الحداثة السائلة كذلك انتشار الخوف وعدم توفر الأمان، وهم مزمن هشاشة، غياب الشعور بالوحدة الإنسانية، افتقار أدوات وجود انساني مشترك.

6- وبناءا على ما تم عرضه وتحليله من موقف زيغمونت باومان من الحداثة الغربية ومآلاتها الكارثية على الإنسان يمكننا القول إجمالا بأن فكر باومان يشكل نافذة مطلة على العالم المعيش، لما تضمنه مشروعه من جدة في الطرح، وإبداع للمفاهيم، وما زاد فكر باومان تألقا وخصوصية، هو راهينته لكل ما يعانيه الفكر الإنساني المعاصر من أزمات وتلمسه لموضوعات العصر بعين فاحصة، فبارمان يصف أمراضنا المجتمعية بدقة وعمق ويعرض أفكارا شديدة الجدة والأصالة والأهمية لفهم وضعنا الراهن في عصر السيولة على حد تعبيره.

- لكن كيف يمكننا الخروج من هذا التفكك للعيش الإنساني المشترك؟ وكيف يمكن استرداد إنسانية الانسان؟ وأي مسلك ابستمولوجي يمكن أن نسلكه للخروج من هذا المأزق الأنطولوجي في ضوء مساءلة باومان النقدية للحداثة الغربية؟

 

الزهرة قني  - ماستر فلسفة

.................................

(1) زيغمونت باومان: هو مفكر وعالم اجتماع بولندي من مواليد 19 نوفمبر 1925م ببولندا، وتوفي في: 9 جانفي 2017م لأسرة يهودية فقيرة استقر في انجلترا بعد ما تم طرده من بولندا عام 1971م بتهمة معاداة السامية، يجمع الكاتب بين علم الإجتماع والفلسفة ويحذو حذو ‹‹مدرسة فرانكفورت›› في نقدها للحداثة وهو صاحب الإشتقاق الإصطلاحي "للحداثة الصلبة" و"الحداثة السائلة"، والذي يظهر من خلال عناوين كتبه، بروفسور علم الإجتماع في جامعة ليدز (ومنذ عام 1990م أستاذ متقاعد) عُرف باومان بسبب تحليلاته للعلاقة بين الحداثة والهولوكوست، وأيضاً ما يتعلق بالمذهبية المادية (الاستهلاكية) لما بعد الحداثة.

(2) زيجمونت باومان، الحداثة السائة، تر: حجاج أبو جبر (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، ط1، 2016م) ص27.

(3) أنديرا مطرا، عصر "الحداثة السائلة": أفول الإنسان العمومي، القبس الإلكتروني، 31 ديسمبر 2017م.

(4) جاك دريدا ( Jacque Derrida): (1930 2004م) فيلسوف فرنسي وناقد أدبي يمثل الجيل اللاحق للبنيوية Post Structuraliste، أي الجيل الذي استفاد من البنيوية ولم يقبلها كلية، ورفضها ولم يتخلص منها كلية أيضا عرف دريدا عبر مصطلحه الشهير ‹‹التفكيكDéconstruction ‹‹ ومن ثمة عرفت فلسفته بالتفكيكية، ومن أهم مؤلفاته of Grammatology أو "في علم الكتابة" وWriting and Difference أو "الكتابة والإختلاف".

(5) نادية هناوي، الخلخلة والفكفكة بين زيغمونت باومان وجاك دريدا، لندن، صحيفة القدس العربي، 5/4/2018م.

(6) مقدمة هبة رؤوف عزت، الحداثة السائلة، مصدر سابق، ص11.

(7) زيغمونت باومان، الأخلاق في عصر الحداثة السائلة، الأخلاق في عصر الحداثة السائلة، تر: سعد البازعي وبثينة الإبراهيم (أبو ظبي: هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة، ط1، 2016م) ص197.

(8) عارف عادل مرشد، الحداثة السائلة كبديل عن ما بعد الحداثة عند زيغمونت باومان، أفكار ص 60.

(9) سعد القصاب، زيغمونت باومان مفكر يرى العالم ليس كما نراه، لندن، صحيفة العرب، 31/12/2016م، العدد 10500.

(10) المرجع نفسه

(11) جان فرانسوا ليوتار(1924 1998م): فيلسوف وعالم اجتماع ومنظر أدبي فرنسي اشتهر بأنه أول من أدخل مصطلح ما بعد الحداثة إلى الفلسفة والعلوم الاجتماعية وعبر عنها في اواخر سبعينيات القرن العشرين، كما حلل صدمة ما بعد الحداثة على الوضع الإنساني. وساهم مع كل من جاك دريدا وفرانسوا تشالي وجيل دولوز في تأسيس المعهد العالمي للفلسفة.

إسهامه الرئيسي في الفلسفة هو نقده للحداثة وكتابته عن سقوط الأيدولوجيات الكبرى التي يسميها السرديات الكبرى ومن خلالها ينتقد فكرة التنوير نفسه، لأن كل هذه الأيدولوجيات من نتاج التنوير وكلها كان لها هدف واحد هو التحرر وتحقيق سعادة الإنسان ولكن يرى ليوتار أنها سقطت وفشلت فشلاً ذريعا، ويدعوا للخروج من هذه الحداثة التي أدت للهولوكوست، وهيروشيما وناجازاكي.

(12) زيغمونت باومان، الحداثة السائلة، مصدر سابق، ص49.

(13) يسرى وجيه السعيد، مصطلح السيولة المعاصر وارتداداته عند زيغمونت باومان، مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، ديسمبر 2016م.

(14) زيغمونت باومان، الحداثة السائلة، مصدر سابق، ص88.

(15) زيغمونت باومان، الحداثة السائلة، مصدر سابق، ص 33.

(16) حيدر الجراح، مركز الإمام الشيرازي يناقش الخوف من الآخر بين العزلة والإنفتاح، ملتقى النبأ الأسبوعي، 19 04 2018م.

(17) زيغمونت باومان، الحياة السائلة، تر: حجاج أبو جبر (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، ط1، 2016م) ص15.

(18)ـــ زيغمونت باومان، الأزمنة السائلة، تر: حجاج أبو جبر (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، ط1، 2016م) ص39.

(19)ـــ أولريش بيك، مجتمع المخاطر العالمي: بحثا عن الأمان المفقود، تر: علا عادل وهند إبراهيم (القاهرة: المركز القومي للترجمة،2013)، ص32.

(20)ـــ زيغمونت باومان، الخوف السائل، تر: حجاج أبو جبر (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، ط1، 2017م) ص12.

(21)ـــ زيغمونت باومان وديفيد ليون، المراقبة السائلة، تر: حجاج أبو جبر (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، ط1 2017)، ص 20.

(22)ـــ مقدمة هبة رؤوف عزت، الخوف السائل، مصدر سابق، ص16.

(23)ـــ زيغمونت باومان وليونيداس دونسكيس، الشر السائل، تر: حجاج أبو جبر (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر ط1، 2018م)، ص21.

(24)ـــ أنتوني غيدنز، عالم منفلت: كيف تشكل العولمة حياتنا، تر: محمد محي الدين (القاهرة: دار ميرية، د ط،2005) ص17.

(25)ـــ محمد سالم سعد الله، (مدرسة فرانكفورت: النظرية النقدية وفلسفة النص)، مجلة الآداب والعلوم الاجتماعية سطيف، العدد09،20ـ20م، ص168.

(26) نورا حلمي، زيجمونت باومان: أزمة اللاجئين هي أزمة الإنسانية، 14 03 2019م

(27) إبراهيم قعدوني، زيغمونت باومان يرصد انحراف البوصلة الأخلاقية لأوروبا، العرب، الأحد 08 07 2018م.

(28)ـــ زيغمونت باومان، الأزمنة السائلة، مصدر سابق، ص61.

(29)ـــ زيغمونت باومان، الأزمنة السائلة، مصدر سابق، ص 60.

(30) المصدر نفسه، ص ص66 67.

(31) رائدة نيروخ، كتاب الأزمنة السائلة: حين تموت المرجعيات الكبرى، إضاءات، 20 02 2019م ttps://www.ida2at.com/liquid times book

(32) شيرين أبو النجار، مأزق ما بعد الاستعمار: التفاوض أم الرفض؟، مجلة الأبحاث الجسد والجندر، مجلد2، عدد2، 2016م، ص ص220 221.

(33)ـــ أولريش بيك، ماهي العولمة؟، تر: أبو العيد دودوا (بيروت: منشورات الجمل، ط2،2012م)، ص98.

(34) هبة رؤوف عزت، من مقدمة كتاب الحب السائل لزيغمونت باومان، مصدر سابق، ص18.

(35) سامح عودة، مجموعة السوائل طريقك إلى نظرية باومان في علم الاجتماع، https://midan.aljazeera.net/intellect/sociology/2018/1/22

(36) عبد الوهاب المسيري (1938 2008م ): مفكر وعالم اجتماع مصري وهو مؤلف موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية أحد أكبر الأعمال الموسوعية العربية في القرن العشرين، ونلمح أثر زيغمونت باومان في رؤية عبد الوهاب المسيري للحداثة العلمانية من خلال الرؤية النقدية للحداثة الغربية، حيث نجد الدكتور عبد الوهاب السيري وجه بدوره سهام النقد للحداثة الغربية، فعادة مايشير المسيري إلى باومان في مقدمة مؤلفاته: ( العلمانية الشاملة والعلمانية الجزئية اليهود واليهودية والصهيونية) ويشيد بدوره في تشكيل رحلته الفكرية، يقول في ذلك الدكتور والناقد الأدبي حجاج أبو جبر في مقدمة كتاب "الحداثة السائلة": ‹‹... ربما يكون عبد الوهاب المسيري هو أول بحار التقط الزجاجة المغلقة وأخرج الرسالة، وقرأها واستوعبها، وصاغ منها النماذج التفسيرية الأساسية في نقد الحداثة الغربية وتحولاتها في مرحلتي الصلابة والسيولة، وتبدأ الحداثة الغربية بما يطلق عليه المسيري: "العقلانية المادية الصلبة القديمة" أو " الحلولية الكمونية الواحدية المادية الصلبة" وتنتهي بما يسميه: "اللاعقلانية المادية السائلة الجديدة" أو "الحلولية الكمونية الواحدية المادية السائلة ››، كذلك يتتبع حجاج أبو جبر أثر زيغمونت باومان في رؤية عبد الوهاب المسيري للحداثة الغربية من خلال مقارنته بين كتاب المسيري" الصهيونية والنازية ونهاية التاريخ" (1997م) وكتاب "الحداثة والهولوكوست" الذي صدر عام 1989م لمؤلفه زيغمونت باومان، كما نوه به في مقدمة موسوعته "اليهود واليهودية والصهيونية": نحو نموذج تفسيري جديد"(1999م)، واعتبر أعماله من أهم الكتابات التي شكلت مرجعيته الفكرية ومقولاته التحليلة.

(37) سامح عودة، مجموعة السوائل طريقك الى نظرية باومان في علم الاجتماع، مرجع سابق.

(38) قراءة في كتاب "الحب السائل، عن هشاشة الروابط الإنسانية"، دراسات وتقارير، في دائرة الضوء، 27 سبتمبر 2016م،

https://www.lahaonline.com/articles/view/51165.htm

(39) ـــ زيغمونت باومان، الأزمنة السائلة، مصدر سابق، ص26.

(40)ـــ زيغمونت باومان، الحداثة السائلة، مصدر سابق، ص215.

(41) عبد الإله فرح، زيجمونت باومان والسوسيولوجيا، مؤمنون بلا حدود للأبحاث والنشر، نوفمبر 2017م.

(42) مقدمة هبة رؤوف عزت، الحداثة السائلة، مصدر سابق، ص11.

(43) من مقدمة هبة رؤوف عزت، زيغمونت باومان، كتاب الأزمنة السائلة، مصدر سابق، ص23.

(44) عبد الإله فرح، زيجمونت باومان والسوسيولوجيا، مرجع سابق.

(45) مقدمة هبة رؤوف عزت، زيغمونت باومان، الحياة السائلة، مصدر سابق، ص 18.

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

دراسة طريفة وقيمة فعلا. لما قدمت من شمولية في الوصف والتحليل لاراء صاحب الحداثة السائلة .

د. علي رسول الربيعي
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا على هذا التقييم المميز والمحفز لي على مواصلة الكتابة في دروب الفكر والفلسفة..فعلا فزيغمونت باومان استطاع أن يختصر كل مايحدث في عالمنا من تغيرات متسارعة وسيولة ابتلعت كل شيء من حولنا فهو من السوسيولوجيين الموسوعيين بامتياز لذلك يصعب اختصار كل أفكاره والإحاطة بها احاطة شاملة.. شكرا والفضل يعود للأستاذ ماجد الغرباوي على دعمه وتشجيعه لي في كتابة واختيار موضوع الدراسة ..تحياتي

الزهرة ڨني
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4742 المصادف: 2019-08-30 01:43:41