 أقلام فكرية

الواقع واللاشعور في الادب والجنون

علي محمد اليوسفأستهلال

- أجمل الاشياء هي التي يقترحها الجنون ويكتبها العقل – نيتشة.

- الايمان بالحقيقة هو الجنون بعينه – نيتشة.

- الخبرة الفردية جنون متفق عليه – لانج عالم نفس.

- الجنون هو التدمير الكامل للعمل الفني – ميشيل فوكو.

- من أجل الحديث عن الجنون علينا أمتلاك موهبة شاعر – فوكو.

- ليس المجنون من فقد عقله بل المجنون هو الذي فقد كل شيء ماعدا العقل- جاك لاكان.

- الجنون يفضح كل ماهو غير انساني في الانسان – فوكو.

التساؤل الذي نستهل به ورقتنا هذه هو هل مثل هذه الافكار الفلسفية المعجزة في التعبير التي لا تحدها حدود معرفية وجمالية في نفاذها أعماق الوجدان الانساني، تعتبر ضربا من كشف عقلي فوق طبيعي وغير أعتيادي لا يمكن لأي شخص عادي مهما حاول بلوغ تخومه ومدياته؟؟ أم أنه ضرب من عبقرية الجنون التي تصاب أغلب الاحيان بشطحات من التفكيرالفلسفي الذي نجد له بصمات واضحة في تعبيرات لغوية من التفكير الأخرق الجّذاب الذي يستهوينا بأندهاش وجداني مؤثر غير طبيعي ولا محدود يتمثّل في عجزنا ألالمام به؟

كان نيتشة وهو يمّر بمحنة الجنون لمدة ثلاثة عشر عاما أستثمرتها والدته ماليا بقطع تذاكر زائرين لمشاهدة أبنها المريض، مسّجى على سريره يردد: هناك أمر واحد سيظل أدراكه مستحيلا الى الابد الا هو أن يبقى الانسان عاقلا.. لقد كان نيتشة مؤمنا بشّدة أن الحقيقة لاتدرك بوسائل تقليدية يفهمها جميع الناس، بل بوسائل غير أعتيادية غرائبية أحداها الجنون..

كتب باسكال في أستشهاد كان جاك لاكان أحد أقطاب الفلسفة البنيوية في علم النفس يستشهد به كثيرا قوله، أن الناس مجانين حتما، وكل أنسان مجنون بضرب معيّن منه، وهذا يعني كي نكون طبيعيين عاديين يجب أن نكون مجانين، وهناك جنون ضروري للكائن البشري. ولن نكون بالجنون أسوأ من الذين يسّلمون أنفسهم للعقل ويؤمنون كليّا بحكمته الخاصة (1).. .

وكتب كلود كيتل في كتابه /تاريخ الجنون من العصور القديمة الى وقتنا الحاضرترجمة سارة رجائي ص9 قائلا: واحدة من نقاط الضعف البشري العظيم هو العجز عن ملاحظة أولئك الذين نعتبرهم مجانين بعيون لا تمنحهم قليلا من العقل والحق، أو النظر الى أنفسنا بعيون المجانين من الزاوية التي ينظرون هم لأنفسهم بها أنهم غير مجانين ..

كما عبّر جان لاكان عن أنتقاده النظرية العضوية للجنون كما يعتمدها علم النفس على أنه أختلال عقلي فسلجي وظيفي في عمل الدماغ، متماهيا مع وجهة النظر التي ترى في الجنون ظاهرة أجتماعية ثقافية تمتاز بميزات تختلف من مجتمع وآخرومثله ذهب أغلب الفلاسفة الذين كتبوا عن أهمية رد الاعتبار أنسانيا للمجنون، وربط لاكان الحرية بالجنون بقوله: كي نكون بعيدين عن أهانتنا الحرية، يجب الاقرار أن الجنون رفيقها الوفي الذي يحرص على أقتفاء خطواتها بأخلاص، والكائن البشري لا يمكن فهمه من دون الجنون وحسب، بل أنه لا يكون كائنا بشريا أذا لم يكن يحمل بداخله الجنون قيمة من أحدى قيم الحرية. (2)

بألتاكيد تلك الافكار الفلسفية التي مررنا عليها بعجالة هي جوانب أنسانية فلسفية معيارية أخلاقية تحاكم المجتمع ليس بمقولات علم النفس، الذي يضّحي فيه المجتمع بالمجانين على أنهم عبء يتوجب الخلاص منه بالحجر الطبي كما ذكر ميشيل فوكو عن سفينة الحمقى الاوربية التي تعتبر أحدى صور وأشكال جرائم لجان التفتيش سيئة الصيت التي أدانها في كتابه عن تاريخ الجنون من جنبة تعاملها اللاانساني الوحشي مع مرضى الجنون والجذام والانجذابات العصابية المرضية والفقراء المشردين، وأخذت آراء فوكو والعديد من المفكرين والادباء والفنانين هذا المنحى الانساني خاصة بعد التقدم الكبيرالذي حصل في عالمنا اليوم في مجال حقوق الانسان الذي يريد تصحيح المعادلة الخاطئة التي تنكر على المجنون والمريض أنه ضحّية مجتمعه قبل أن يكون ضحية مرضه، وما يهمنا هنا مناقشة الجنون في تعالقه الوثيق بعلم النفس الطبّي من جهة وعلاقته بالابداع الادبي والفني من جنبة أخرى، في قاسم مشترك هو وظيفة ودور اللاشعور في كلا المنحيين.. أذ ان حقيقة اللاشعور سلبا وايجابا تكون في تغييب أو غياب العقل فقط... كما سيتضح معنا في سطور قادمة..

اللاشعور بين العقل والجنون

العقل يفكر في حضوره اللاشعوري أثناء النوم عند عامة الناس في ملازمته تداعيات اللاشعورالحلمي، ويفّكر العقل أيضا عند الخاصة من الادباء والفنانين وهو في حالة اللاشعور الألهامي حلم اليقظة وتكون حصيلته النهائية النتاجات الابداعية الادبية والفنية والجمالية، ويختلف اللاشعورعند المبدع الادبي والمبدع الفنان عنه في اللاشعورالهلاوسي المنفلت بلا هدف عند العصابي والانفصامي والمجنون الذي يكون اللاشعور عندهم مرضي غير منتج ولا مسيطر عليه ولا ألهامي مبدع من حيث يفتقد فيه (المجنون) قدرة التعبير اللغوي التواصلي المنطقي المتماسك عقليا واقعيا.. ويفتقد المجنون أيضا قدرة أبتداع وسائل تواصلية أخرى غير اللغة التداولية التي تلتقي الآخر وتحاوره بالكلام غير المنطوق الاشاري سيميائيا بدلالة المفهوم والمعنى التواصلي الدارج المطلوب تحقيق غاية أندماجه المجتمعي الطبيعي التي تكون هي الأخرى غائبة عن أدراك المجنون ..فالمجنون لا يحس حاجته لمجتمع هو مستغني عنه ولا يدرك وجوده الذاتي ولا المجتمعي مثلما هم لا يدركون وجوده الانساني ولا هو مدرك وجودهم اللاانساني معه أيضا..

اللاشعور في الادب والجنون

اللاشعور عند المبدع الاديب أو الفنان يبدأ برحلة أغتراب نفسي منتج مقصود لذاته يعمد فيه المبدع أتخاذه اللاشعور المغترب وسيلة تخصيب رؤاه الواقعية الابداعية بنوع من التهويم والذهان التفكيري المصنوع ذاتيا في ولوج عوالم من الخيال المخصب والفنتازيا وتفكير العقل اللامعهود الفوق طبيعي المتعالي على عالم واقع الحياة المعيش، وكذلك في أعتماد المبدع اللاشعور المصنّع من قبله في تنشيط ذاكرة التجريد التعبيري اللغوي وغير اللغوي الخيالي المستمد من اللاشعور بعيدا عن نمطية ورتابة الواقع الحقيقي، ويكون اللاشعور عند الاديب أو الفنان بخلاف عامة الناس هو وسيلة أبتداعه لغة ووسائل توصيل غير ميسورة ولا متاحة للعقل الشعوري السوي المرتبط بالواقع القيام بها عند العامة،

اللاشعور عند الفنان هو تحريرالفعالية الابداعية المعطّلة لديه كطاقة مكبوتة لا تفصح عن تجليّاتها في أنشغالاتها بالشعور والوعي الرتيب بواقع الحياة التي يستهلكها الاشباع الغريزي لحاجات بيولوجيا الجسد في الاكل والنوم والعمل والجنس وغيرها.. اللاشعور عند الفنان أو الاديب فعالية منتجة وحساسية نوعية مرغوبة لا يتوفر عليها غيره، يبدأها برحلة أغتراب وعزلة نفسية عن الواقع مقصودة ومتعمّدة يصنعها المبدع في أعتزال عوالم الحياة المعتادة في كل واقعيتها الطبيعية المعهودة ليعود في نهايتها الى الواقع ثانية بحصيلة من اللقى الثمينة هي أنتاجه الادبي أوالفني، عوالم خيالية غير عادية ولا مسبوقة هي مزيج من توليفة واقع الحياة مع تهويمات اللاشعور الخارجة تماما عن ضوابط عالم الواقع الذي يعيشه الآخرون برتابة يومية لا تجديد حقيقي فيها ولا تخرج عن أشباع حاجات الجسد البايالوجية كما ذكرنا،

وقد يلجأ البعض من الادباء والفنانين الى تناول المخدرات والمسكرات لتخصيب ملكة الابداع الخيالي لديهم في تغليبهم عوالم اللاشعور في منتجاتهم الابداعية، من حيث أن الابداع الادبي الحقيقي الخالد والمطاول للزمن في البقاء والتداول عبر الاجيال هو الذي لا يكون محاكاة أستنساخية مأخوذة من الواقع بحرفية أحداث المعيش ونقلها فقط، وأنما الابداع الادبي والفني الذي يشترك اللاشعور في خلقه واستحضاره هي مزيج أبداعي تقني جمالي في توليفة بنائية تجمع بين موجودات الواقع ومعطيات الخيال غير المدرك المحسوس، ومثل ذلك نقول عن الفنون التشكيلية من رسومات ومنحوتات فهي لا تكون أيضا محاكاة أمينة وصادقة في نقل الواقع الخالي من بصمات الابداع المتّخيل اللاشعوري الممّيز، وألا كانت الكاميرا أصدق تعبيرا عن الواقع من الفنان الرسام صاحب اللوحة..وكانت أحاديث التلفزيون والراديو كافية لمعرفة مجريات الحياة بلا أدب متنوع وموزع بين الشعر والرواية والقصة والسينما والموسيقى وضروب الابداع الادبي النثري والثقافي الاخرى..

الحقيقة التي لا يقوى أنكارها أحد هي لا يمكننا تصور أنفسنا نعيش في عالم خال من اداب وفنون تشكيلية وجمالية تتوزعها الرسومات والمنحوتات وغيرها من ضروب الابداع الفني والادبي التي من غيرها لا يبقى معنا معنى وجداني ولا روحاني تتوفر عليه حياتنا في جفافها المادي القاتل ورتابتها في غياب تلك الابداعات وأفتقادنا لها في ضرورة موازنة الكيان الانساني المادي والروحي..

الفنون والابداعات الادبية هي كالاساطير والميثالوجيا والديانات في حياة الانسان، هي حاجة أنسانية الاستغناء عنها يعني نقص وأختلال في الوجود الانساني الذي يمنحنا أحساسا حقيقيا لادراك وجود متكامل ماديا وروحيا في حياة نعيشها لها معنى حقيقي جديرة أن نحياها..

اللاشعور في السريالية واللامعقول الادبي

وأصرخ مثال على ما ذكرناه في سطور سابقة نجده في تيارات الفنون والادب السريالي، والعبث، واللامعقول، والدادائية، والبرناسية، والتجريد الفني الذي أبتدعه رائد فن التجريد التشكيلي كاندنسكي وأخذه عنه عدد لا يحصى من الفنانين والادباء منهم سلفادور دالي واندريه بريتون وصوموئيل بيكيت وكافكا والبير كامو وازرا باوند وجان جينيه واونيسكو وآخرين لا حصر لهم.. فابداعات هؤلاء في مختلف ضروب الادب والفن والمسرح ليست نسخا مكررة منقولة بحرفية مستمدة من أحداث واقعية تحصل مئات المرات في الحياة الطبيعية، وأنما هي فتوحات وكشف غير مسبوق لعوالم غير معهودة وبنى رمزية تعبيرية جمالية أحيانا غير مألوفة لا يتوفر عليها واقع الحياة التي نعيشها، ويحملها الأثر الادبي أو الفني لم تكن معهودة متوقعة أن تحصل بالحياة العادية في تنوع المجتمعات، أبداعات تتحدث عن عوالم خيالية غريبة لم يسبق للناس أن عاشوها ولا سمعوا عنها شيئا فهي جديدة ومدهشة في غرابتها غير الطبيعية ولا العادية التي كانت حصيلة أبداعاتهم الخالدة زمنيا..

الاداب والفنون ليست تاريخا انثروبولوجيا، وانما هي أبداعات تكتب تاريخا متخّيلا لم يعشه الانسان لكن يوجب عليه أن يعيشه من خلال المنتج الادبي والفني فهو أصدق من تاريخ الاحداث التي عاشها الانسان في الواقع، والتاريخ الروائي المتخيّل أبداعيا مثلا بأحداثه المدوّنة وعلاقاته الغريبة بين شخوصه تكون تعويضا مجزيا نوعيا بما لا يقاس مع الأبداعات الروائية الادبية المستمد بعضها من أحداث التاريخ الواقعي المعيش كما حصلت في عصور سابقة ومنقولة بحرفية تماهي كتابة التاريخ ولا تماهي جمالية وغرائبية العمل الابداعي المميز بقدرات خيالية غير محدودة تستثير الدهشة والانبهار..

كان أندريه بريتون مؤسس الحركة السريالية في الادب والشعر حصرا التي تقوم على محورية مرتكز تداعيات اللاشعورفي تفكيك اللغة الشعرية وأعدام فرص قول الشعر الواقعي بنظام اللغة العادية تداوليا، يؤكد أيمانه بأن الجنون يمّثل الوضع الطبيعي للانسان الا أن ذلك يتطلب سلوك طرق ملتوية غير متاحة في وضع تحكمه مؤسسات لا تقر ذلك وتعتبره خارج العرف المجتمعي المتواضع عليه وكان بردد مقولته: القصيدة الشعرية عندي هي حطام العقل، التي يعني بها أنحلال اللغة عن نظامها العقلي المنسّق المتواضع عليه عند العامة الى أهمية حضور لغة اللاشعور المتحرر كليا من رقابة العقل في أنتاجه اللغة المفككة السائلة الخالية من محتوى منّظم والشكل المدرك طبيعيا.. وفي المعنى السريالي التجريدي هذا على صعيد الفن يمكننا تصنيف أعمال بيكاسو في التكعيبية والتجريد الفني الغرائبي ونزعة العودة الى بدائية الفن، وفنتازيا رسم الوجه والعين على غير طبيعتهما من مساحة اللوحة، ورسم الوجوه والكتل والفراغات والخطوط في اللوحة بأبعاد هندسية حادة كلها تعبيرات غرائبية غير طبيعية تماما يمكننا تلمس فيها ما يصطلح عليه عبقرية الجنون الموزّعة في ثنايا أعماله ورسوماته الابداعية..وربما كان سلفادور دالي متطرفا في غرائبية التجريد الفني أكثر من بيكاسو..بما يمكن أن نطلق عليه جنون العبقرية في الفن..

اللاشعور المصنّع بالمخدرات

وهناك جانب تخييلي أبداعي متصل بالاوهام والهلوسات والذهانات الفكرية الهذيانية التي تمتاز بضرب من الفصام العصابي والجنون، والذي تمّكن بعض المغامرين من الفنانين والادباء تجربته وتذوقه في محاولتهم تخصيب مخيلتهم وملكة الابداع لديهم بملازمتهم عوالم من اللامعقول الذي يبتعثه اللاشعور والذي يجري تصنيعه وأستحضاره بالمخدرات والاعشاب وتناول المسكرات التي تفقد متعاطيها الوعي الشعوري بالعالم الواقعي تماما وتجعله معايشا لعوالم خيالية من صنع غياب الوعي بعيدا عن معيارية الادانة المجتمعية الكاذية التي لا تصلح فيها محاكمة الابداعات والفنون بمنطق أزدواجية الاخلاق.الفنون والاداب فعالية من تجريب ابداعي متطور على الدوام تعتبر محاكمته في الجودة والقبول الاستقبالي بمنطق الاخلاق المجتمعية النسبية والجاهلة تذوقا جماليا سذاجة معيارية لا تصلح تماما..

وهناك رغبة عارمة منتشرة بشكل واسع بين أوساط من الكتاب والادباء والفنانين عالميا اليوم أن الانفصام والذهان والعصاب المرضي بجميع أنواعه أنما يدخل في صلب العمل الفني والابداعي كأستثارة تحفيزية سببية بما لا غنى عنه ولا يمكن تجنبه لأنجاز الابداع بل العكس يتوجب السعي له واستثماره الى اقصى مدى متاح وممكن... ويعبر الفيلسوف الفرنسي والشاعر العدمي المتشائم أميل سوران عن هذه الحال في أستحضار أجواء عوالم اللاشعور الخيالي المخصب بالمخدرات والمشروبات الكحولية قائلا: الذهانات تتميز في بداياتها بمرحلة من الانتشاء الفاقد للوعي المصاحب لأنهيارات الحواجز والعقبات النفسية لفتح الطريق لسكر داخلي يكون أخصب أثمارا في الادب والفن ..

العصاب الانفصامي واللاشعور

كما ذكرنا سابقا تكون رحلة العصابي الانفصامي أو المجنون في اللاشعوروغياب الواقع المعيش عنده حالة أستلابية تتلبسّه لا يقوى الخلاص منها لأنه يجد في اللاشعور عالمه الحقيقي الذي لا عودة منه ويرى في عوالم الآخرين الاسوياء الواقعي الذي لا يستطيع أدراكه أنهم يعيشون عالمهم الزائف غير الحقيقي الواقعي... ونحن نرى في المجنون العكس أنه مريض يعيش عالم الوهم تاركا عالم واقعنا السوي الطبيعي..ومن المحتمل الذي يؤكده عديد من الفلاسفة والادباء والفنانين أننا لا نعيش عالمنا الحقيقي الذي لا يتصوره المجنون وننكر عليه فقدانه، وكما كان لافلاطون قصب السبق بالتبشير بزيف الواقع الذي نعيشه عندما أعتبر واقعنا هو الصورة غير الحقيقية عن الاصل للوجود الحقيقي، ومن يستطيع الجزم أن لا يكون عالم الجنون هو عالم الحقيقة غير المتفق عليه أجتماعيا من قبلنا أذا ما أستعرنا بعضا من مقاربة التعبيرمن وحي نيتشة في شذراته الفلسفية عن الجنون الذي يصفه على أنه حقيقة الانسان المطلقة في هذا العالم التي ينكرها الاسوياء؟؟ ولم يكن نيتشة الفيلسوف الوحيد الذي وجد في الجنون عالم الحقيقة الغائبة عن عالمنا الذي نعيشه.. بل من بينهم ليتريامون وهولدرين وهكسلي وبيكيت وكافكا وعديدين آخرين..بعضهم تقمّص حالة الجنون ليعرف الحقيقة فيه ورغبة الوصول الى تخوم تجربة الجنون..فكانت النتيجة الجنون المطبق لهم الذي سعوا اليه في محاولتهم معرفة حقيقة الجنون..منهم الشاعرالمعروف انطون آرتو وراقص الباليه الروسي العالمي ياجنسكي الذي أنهى حياته بالانتحار بعد تجربة الجنون..والشاعر الالماني هولدرين الذي فتّ الجنون في تجربته الشعرية وقواه العقلية..وفان كوخ وعديدين من الفنانين ...

اللاشعور بين الابداع والجنون

السؤال الطبيعي في البحث عن السبب الحقيقي هنا لماذا يكون اللاشعور بهذه الأهمية في الخلق الابداعي الفكري عموما، وفي انتاج الابداع الادبي والفني خصوصا ولا يتوفر ذلك اللاشعور على فعالية انتاجية ابداعية من أي نوع في ادنى مراتبها لدى الانفصامي أوالمجنون؟؟

الاجابة عن هذا التساؤل من وجهة نظر علم النفس الطبي مربك ومعقد أذ توجد نظريات في علم النفس تذهب الى الجمع بين أعراض الانفصام (الشيزوروفينيا) أو الجنون العصابي الخفيف واشكال الهلاوس والهذاءات الجنونية، وبين ملكة الابداع الادبي والفني سببيا، وهي نظريات لها أستشهادات ميدانية وبحوث سايكولوجية معمّقة معتمدة طبيا لايستهان بها في هذا المجال ليس هنا مجال أستعراضها، فالكثيرين من علماء النفس يذهبون الى تأكيد هذا المنحى في ربط العبقرية بالجنون..فقد عانى فوكو من عصاب مرضي حاول فيه الانتحار وكان نزيل مستشفى أمراض عقلية جمعته بالفيلسوف التوسير المريض عقليا أيضا، والذي قتل زوجته في أحدى نوبات مرضه العقلي، كما كانت مظاهر جنون العبقرية تلازم فنان عصر النهضة بلا منازع مايكل انجلو، وكذا الحال مع فان كوخ وسلفادور دالي.. وعشرات آخرين.

ونعود الى الاجابة عن التساؤل المار ذكره بأقل الكلمات أن الاديب والفنان يمتلكان الشعور واللاشعور في وقت واحد في نفسية غير مرضية سويّة بمعاييرنا العامة على الاقل المستمدة من علم النفس الطبي، بمعنى الاديب والفنان يمتلكان الواقع والخيال معا تحت رقابة العقل الصارمة الحازمة، وهذا ما لا يتوفر عليه المجنون من حيث هو يعيش اللاشعور كعالم من الخيال الحقيقي الذي لا يوجد ولا يعيشه غيره وليس بمستطاع المجنون كما يفعل الفنان العودة من رحلة اللاشعور الى عالم الشعور الواقعي.. ثمة شيء آخر أن اللاشعور عند الفنان هو تخصيب منتج لملكة الابداع لأنه مسيطر عليه عقليا وليس لاشعوريا سائبا غير منتظم يتسّيد صاحبه ويتلبّسه كما هو الحال عند المجنون المريض بما لا فكاك منه أبدا في أمكانية العودة للواقع..

أن من المهم الاقرار بأن الابداع الادبي والفني قرين أنتاجية التفكير العقلي المنّظم والمتماسك سواء في أفصاحات وتعبير اللغة كما في الابداع الادبي، أو في أفصاحات التعبير غير اللغوي الكامن داخل الابداع الفني بحالة من الكمون التعبيري اللغوي غير المفصح عنه في التوصيل التقليدي المباشر الذي يستبطن في دواخله تعبيرات تواصلية تخاطب الوجدانات والعواطف وصمت الذاكرة ولا تخاطب العقل مباشرة كما تفعل اللغة التواصلية التداولية في الادب..

ما ذكرناه لا ينطبق على الانفصامي المريض ولا على المجنون حينما تكون فاعلية اللاشعور لديهم طاغية في الغائها حضور تنظيم العقل للافكار ورقابته عليها، اللاشعور على مقدار ما يمتلكه من قدرة تخصيب للخيال الابداعي الا أنه ليس كافيا ولا بمقدور صاحبه أنتاج فعالية أدبية او فنية خالية من لمسات الحبكة الفنية والمجردة من حرفية صياغة الافكار في تنظيم ابداعي هو ميزة الاديب والفنان فقط..اللاشعوروحده حتى عند الفنان لا ينتج عملا ابداعيا منبّت ومقطوع الصلة نهائيا عن الواقع وادراك العقل في وصايته تنظيم الافكار وجميع وسائل ادراك الوجود..فالفنان يجمع الشعور الواقعي بالاشياء مع اللاشعور الخيالي التجريدي للواقع في انتاجه فعالية واحدة هي الاثر الابداعي..

فنحن مثلا نجد النائم يتكلم أحيانا بتداعيات اللاشعور كما يتكلم المجنون في يقظته وبصوت مسموع أثناء تداعيات اللاشعور في هذاءاته الصوتية اللغوية غير المترابطة ولا المفهومة ولا المنتظمة بسبب غياب تنظيم العقل الزماني والمكاني لها وعدم فهمها وأدراكها أستقباليا عند المتلقي فهي تتحدث عن واقع غير الواقع الذي نعيشه الذي ربما يكون أكثر براءة أنسانية مما نعيشه في واقعنا نحن الاسوياء.لكنا نعجز عن فك طلاسم تلك العوالم والتعامل معها في عجز تنظيم عقولنا لها..

اللاشعور السوي واللاشعور المجنون

طبعا هنا يكون التساؤل واردا مرة ثانية وفي محله لماذا يكون هذا الاختلاف باللاشعور بين السّوي والمجنون؟

الاختلاف أن عقل الانسان السّوي الطبيعي بمقاييسنا نحن الاسوياء هو عقل مبرمج على الادراك الزمني الواقعي (الشعوري) اليقظ باستمرار الذي ينتج عنه كل المعارف والمدركات والتواصل الاجتماعي عبر اللغة، ويأتي هذا من أعتماد الشخص السّوي حالة الشعور اليقظ الذي يلازمه تنظيم الزمن لمدركات العقل السوي، أما العقل عند المجنون فهو عقل (اللاشعور) المبرمّج بالعادة المرضية الانفصامية عن الواقع الذي نعيشه نحن، وعلى غياب الواقع المادي الذي يعيشه الاسوياء والاستعاضة عنه عند المجنون بتداعيات عالم الخيال المرضي الاجتراري القهري، والمجنون لا يمتلك الشعور اليقظ كما هو عند الاسوياء بل يتعامل مع اللاشعور في مجمل تصرفاته وتعبيراته الهذائية..في حين يتعامل السوي مع اللاشعور أثناء النوم وبعض حالات فقدان الوعي أو الذاكرة أو المرض فقط... أما في حالات استحضار اللاشعور كوظيفة تخصيب الخيال الابداعي عند الاديب والفنان فقد سبق لنا شرحها في سطور سابقة..بكلمات قليلة اللاشعور عند الفنان والاديب مسيطر عليه عقليا بينما يكون اللاشعور عند المجنون منفلتا سائبا لا عقل يلجمه، ويكون المجنون كائنا خياليا يعيش حياته في بعد واحد فقط هو الخيال وفي أستعباد اللاشعور له بما لا يمكنه الخلاص منه.....

خاتمة

اللاشعور في الجنون هو غياب العقل والزمن الادراكي المنتظم الذي يتلبّس المجنون على أنه يعيش عالمه الحقيقي وأن عالمنا نحن الاسوياء الذي هو عالم الشعور بالنسبة للمجنون هو عالم غير واقعي ولا حقيقي عنده لأنه لا يدركه ولا يعيشه، ومن الملاحظ أننا نعكس الآية معكوسة في نعتنا عالم الجنون اللاشعوري أنه عالم غير حقيقي بالنسبة لنا لأننا لا نعيشه أيضا ولا يمكننا أدراكه ولا فهمه، ويكون العقل فيه لا يقوى على تنظيم الافكار التعبيرية الصادرة عنه تحت وصاية ورقابة الزمن المعقلن برقابة ووصاية العقل، لذا من العسير جدا علينا فهم هذاءات المجنون على أنها لغة تواصل معنا نفهمها، والسبب كما أوضحناه أن لغة الاسوياء منظمّة زمنيا وعقليا ولا تصبح فاعلة تواصليا من غير أن تستظل بفيء الشعور اليقظ على الدوام..بخلاف هذاءات المجنون التي هي ليست لغة تواصلية لافتقادها العقل المنظم لها والزمن والشعور بواقع الحياة..وأستبدالها بفوضى التعبير وغياب الزمن المنظم وحضور اللاشعور الدائم عند المجنون كواقع حقيقي وليس كحالة مؤقتة تزول بعد الاستيقاظ منها كما هي عند الشخص السّوي..وأختم بعبارات لشوبنهاورأترك فيها المجال للقاريء الأخذ بها من عدمه فهو يقول: المجنون يمتلك معرفة حقيقية بما يدور حوله، ويعرف بعض الماضي أيضا، غير أنه يخطيء الربط بينهما فيرتكب أخطاءه، ويتقوّل أشياء تخلو من كل معنى، وهي ذي نقطة التماس التي تفصل بين المجنون والعبقري..

 

علي محمد اليوسف /الموصل

....................

هوامش: 1، 2، نقلا عن موقع خبر الالكتروني،

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4746 المصادف: 2019-09-03 02:52:30