 أقلام فكرية

الحقيقة البراجماتية والوعي الزائف

علي محمد اليوسفتوطئة: يمكننا تعريف الحقيقة المعرفية من جملة تعريفات عديدة متنوعة لها أنها نسق فكري منّظم في تعبير اللغة لمعرفة حقيقة الوجود الانساني بالحياة وحقيقة موجودات الطبيعة من أشياء..

ويعرّف لايبنتيز حقيقة الاشياء المدركة واقعيا بأنها هي (مايمكننا تحديده بالكامل)، أي ما يمكننا الاحاطة بأدراكه كاملا بصفاته وليس معرفته ماهويا، ويقصد لايبنتيز بذلك حقيقة وجود الاشياء المدركة في تطابقها مع التعبير اللغوي عنها في الصفات الظاهرة البائنة خارجيا، ومطابقة تصورات الذهن الفكرية عنها واقعيا، وبذلك لا يذهب لايبنتيز بعيدا عن الفهم الاشكالي الميكانيكي الذي يرى الحقيقة الواقعية هي مدركات العقل الحسّية التي يتطابق فيها الوعي مع أدراكها الواقعي في تعبير اللغة عنها.. وحقيقة الاشياء الاشكالية هو ما تدركه الحواس وتوصله في تطابق مافي الاذهان مع مافي الاعيان في مدركات الحواس المنقولة للذهن....

وحقيقة الشيء عند هيوم والمناطقة التجريبيين الانجليز هو ما يدرك بالحواس ويدركه الذهن داخله بالاستيعاب بما يرده ويصله عنه من أحساسات تقوم بتنظيم نفسها ذاتيا بالعقل، ولا يقر هيوم بآراء كانط أن مايقوم العقل بتخليقه بمقولاته المعرفية عن الاشياء في حقيقة وجودها الانطولوجي لا يكتفي بأدراكات الحواس المنقولة له فقط بل يعاملها تفسيرا وعلاقات بغيرها، فكل أدراك يكون قصديا وليس هناك أدراك من أجل الادراك الميكانيكي للشيء فقط.. وهذا النوع من معرفة الحقائق الادراكية أنما يكون نسبيا على الدوام تبعا للتغيرات الطارئة على المدركات في صفاتها وحقائقها منها ماهوية تلك المدركات..

أما مطلق الحقيقة فهي لا تخرج عن كونها أستدلال معرفي متغير مستمرعلى الدوام غير مدرك ولا يمكن الاحاطة به ثابتا، أكثر منها حقيقة يمكن أدراكها ومعرفتها كاملة كما يرغب لا يبنتيز في تعبيره معرفة حقيقة الشيء هو ادراك الاحاطة الكاملة به في التحديد له بالذهن والفكر، ولا يمكن التعبير اللغوي عن مطلق الحقيقة معرفيا بل أستدلالا حدسيا...فالذي لا يدركه العقل لا يكون موضوعا حقيقيا للمعرفة... والحقيقة المطلقة تحولات وتغييرات لا يحكمها الادراك الزماني - المكاني الساكن كما يجري الحال مع مدركات الاشياء المادية في العالم الخارجي في ثبات أدراكها النسبي...

في تناقض مثالي أكثر تطرفا مضادا لافكار لايبنتيز يذهب ديفيد هيوم (1711- 1776) (أنه لا يوجد قيمة موضوعية للقوانين العامة، والعالم الحقيقي أنما يقوم على الاعتقاد فقط)، أن هيوم من شدة أيمانه اليقيني المثالي في مناوئته المنهج المادي في التفكير الفلسفي بضراوة، يذهب بأن كل معارفنا الادراكية عن الاشياء هي فعاليات ذهنية صرف ينتج عنها افكار تعبّر عن مدركات الحواس والعقل، وينكر هيوم وجود قوانين عامة تحكم الانسان والطبيعة والموجودات بموضوعية لأنها غير مدركة كموضوعات حسّية واقعية مباشرة، ولأن تلك القوانين العامة لا يمكن للعقل البشري أدراكها حسّيا واقعيا كما هو الحال في أدركات غيرها من الاشياء والموجودات في الطبيعة، أذن فهي ليست لها قيمة موضوعية ولا فائدة حتى من أدراكها حسب فهم هيوم، وكل ما لا يقوم العقل بخلقه بالفكر ويتمثله بالذهن لا وجود له في عالم الاشياء الخارجي، فمثلا تماشيا مع هذا الخطأ يمكننا القول أنه قبل اكتشاف نيوتن قانون الجاذبية لم يكن هناك قانون جاذبية يحكم موجودات الارض وكواكب المجموعة الشمسية لأن قانون الجاذبية لا يمتلك واقعة موضوعية يمكن للحواس والعقل أدراكه كحقيقة متعينة ماديا وليس كقانون كوني تبنى عليه العديد من النظريات العلمية التي لا يمكن دحضها... عليه يكون قانون الجاذبية حسب أدعاء هيوم لا يمتلك موضوعية وجوده وأدراكه في العالم الواقعي ولا ما يترتب عليه من كشوفات وأختراعات علمية أعجازية تقوم عليه؟؟

ومثل ذلك نقول عن قانوني الزمان والمكان في الطبيعة.. قانوني الادراك الزمني والمكاني يحكمان الانسان والطبيعة ويعملان بمعزل عن أرادة الانسان في أدراكهما وفي عدم أدراكهما على السواء لكن لا يمكن لعاقل انكار وجودهما الحدسي في ظواهره، ويبقى قانونا الزمان والمكان غير مدركان موضوعيا كمتعينات انطولوجية محسوسة مباشرة بمعنى اوضح الزمان والمكان ليسا موضوعي أدراك بل هما وسيلتي أستدلال أدراكي لغيرهما، وليس بمستطاع عاقل مفكر انكار مؤثرات هذين القانونين على ادراكنا للاشياء سواء في العالم الخارجي أو في الذهن... وليس كافيا الحكم انهماغير موجودين لأن العقل يعجزادراكهما كحقيقة حسية واقعية موضوعية والاحاطة بهما حالهما حال موجودات الطبيعة المادية التي لا حصرلها؟؟

لا يكفي بحسب مجاراة هيوم في رأيه المثالي الابتذالي الخاطيء نفي وجود كل شيء لا يدركه العقل بالذهن مباشرة، فهذه سذاجة في الحكم على أنكار وجود الاشياء والعالم الخارجي لأننا عاجزين عن أدراكها، فالوجود معطى انطولوجي طبيعي بدهي لا يحتاج أدراك العقل لأثبات وجوده..والا كنا نحتاج البرهنة على بديهية وجود الانسان على الارض، كون العقل لا يمكنه ادراك وجود انسان سوى الماثل أمامه فقط وما لا يدرك العقل وجودهم من البشر يكونون غير موجودين..هذا ما فعله بيركلي وهيوم ولوك في نكرانهم وجود شيء أسمه مادة، ووجود شيء أسمه العالم الخارجي وحتى وجود شيء أسمه العقل بالمنظور المعرفي..

ربما نستبق الامور كثيرا ونحن نحاول عرض الحقيقة البراجماتية، أن هيوم في افكاره المثالية المغالية وفي تكريسه أهمية الاحساسات وأفكار الذهن المعبر عنها تجريديا يكون أبتذاليا فلسفيا في أبتعاده عن المفهوم البراجماتي في فهم كلا من الحقيقة والوعي والفكر المتعالق بهما كمثل أبتعاده عن التفكير المنهجي المادي..فالفهم الفلسفي البراجماتي يرى الافضلية والاسبقية لادراك حقيقة الاشياء، هو في مدى تطابقها مع افكار أختبارية (تجريبية) تسعى نحو تحقيق (منفعة) تطبيقية ولا قيمة حقيقية تمتلكها أفكار تعبيرية لغوية عن شيء لاتقوم على مبدأ أرتباطها بالتجربة العملانية في بلوغ صحة وصدق وصوابية تلك الافكار التي تحددها التجربة فقط وليس الاقتناع العقلي بصحتها فقط كما يرى هيوم، ولا أهمية ولا قيمة تترتب على أدراك الاشياء في تطابق الفكر التعبيري عنها أن تكون صائبة وصادقة بمجرد الاقتناع الشخصي بصحتها.. وأدراك الشيء ومعرفته لا يمنحه حقيقة أنه صادق وصائب بقرار وأعتقاد من صاحبه كما يذهب ويريد له هيوم..

كانط وفلاسفة الوضعية المنطقية الجديدة

وضع كانط أفكاره التي كانت اللبنات الصلبة التي أوقعت الفلاسفة المناطقة الانجليز الجدد في تطرف مثالي أبتذالي لدى بيركلي وهيوم ولوك، في أنكارهم وجود المادة والعقل والعالم الخارجي معتمدين مقولة كانط التي تبدو صحيحة ومتماسكة منطقيا ظاهريا (أن الاحساسات مصدر مقولات العقل ومن دونها يكون العقل فارغا)(1) الصحيح الذي لا يمكننا تخطئته في عبارة كانط هذه أن العقل (يتوقف) عن أصدار مقولاته بلا مادة خام تنقلها له الحواس هي الاحساسات، لكن مع هذا يبقى العقل غير فارغ محتفظا بأستعداد فطري ومكتسب في خزين من الذاكرة والخيال تجعل غياب الاحساسات عنه أمرا ثانويا في الحكم على فراغ العقل من دون ورود الاحساسات له عن طريق الحواس، العقل فاعل وشغّال في معالجته موضوعات عديدة في الذهن يستمدها من الخيال وخزين الذاكرة ليس مصدرها الحواس ولم يستلمها مادة خام تنقلها له الحواس ولا يكون فارغا بدون الاحساسات، تفكير العقل بالاشياء وأصدار مقولاته بشأنها لا يقتصر على ماتنقله الحواس له من احساسات فقط..بل فيما يستطيعه الخيال والذاكرة من أمداده بمواضيع تفكير لا تنضب ولا حصر لها..

من الملاحظ في جنبة أخرى لتوضيح مفهوم كانط، أنه كان خطأه بمقولته مصدره الاساس مقولة ديكارت وجود جوهرين أثنين أولهما جوهر (العقل وماهيته الفكر)، والثاني جوهر (المادة وماهيتها الامتداد).. لذا يكون كانط عن غير قصد مسّبق مؤسس الابتذالية المثالية المنطقية التي تداولها الفلاسفة الانجليز بداية القرن التاسع عشر في أعتبارهم الافكار العقلية هي الواقع الخارجي لعالم الاشياء ومن دون تلك الافكار لا وجود لعالم خارجي، مستمدين هم ومن قبلهم كانط فكرتهم من مقولة ديكارت أن جوهر العقل وماهيته الفكرفقط ... والاحساسات المنقولة الى العقل حسب كانط هي التي تملأ العقل ومن غيرها يكون العقل فارغا؟؟

المعنى اللغوي الدال الظاهري للعبارة يلتقي مع مقولات المناطقة الجدد أن ماتنقله الحواس من أحساسات لمدركات العقل هو ما يمثل وجود العالم الخارجي بالذهن، وما لاتدركه الحواس ولا تنقله للذهن غير موجود في الواقع المادي بأستقلالية عن الانسان سواء أدركته الحواس والذهن أم لم يدركانه، متناسين حقيقة جوهرية مادية لا يمكن نكرانها بمزاجية ذاتية هي أن موجودات العالم الخارجي معطى انطولوجي يسبق ادراك العقل والحواس له، ويسبق تعبيرات اللغة عنه..وليس مهما أثبات وجوده من عدمه في ارتباط ادراكنا له علة ومعلول أو سبب ونتيجة...فالوجود عالم قائم بذاته في استقلالية تامة عن أدراك أو عدم أدراك الانسان له...

أن في محاكمة أفكار كلا من ديكارت وكانط بمنهج الفهم البراجماتي الفلسفي، يكونان كلاهما بافكارهما خارج قوس أهتمام البراجماتية بضوء أن البراجماتية لاتؤمن بالوعي أساسا وسيلة أدراك الموجودات، ولا تهتم كيف يتم ويكون الوعي، ولا تعترف بأهمية علاقة الفكر بالواقع بل الأهم من كل هذا ليس الوعي والادراك وأنما هو مبدأ التجربة العملانية لكل فكرة لتبيان صدقها وصواب تطبيقها العملاني عن زيفها، فما يقوله ديكارت أن العقل ماهيته الفكر، وما يقوله كانط أن العقل من غير الاحساسات فارغ، لايخرجان بحسب المنطق البراجماتي عن أنهما يقومان بتوصيف علاقة العقل بالادراك واللغة على وفق آلية غير واقعية ولا تطبيقية في الميدان المجتمعي الحياتي، كما تستهجن البراجماتية أن كل شيء يتم بالذهن المجرد والفكر التوصيفي بدلالة تعبير اللغة في أثبات وجود المادة والعالم الخارجي...وبالتالي تكون النتيجة أننا أمام فلسفة افكارمجردة وليس فلسفة واقع حياة نعيشها تحقق لنا منفعة وجدوى..

وربما يتبادر الى ذهن البعض أنه طالما كانت الذرائعية البراجماتية تؤمن بواقعية الفكر وماديته وليس تجريديته عن الواقع ومثاليته فهي بالمحصلة تلتقي مع الفلسفات المادية منها الماركسية مثلا أيضا !ّ! والحقيقة أن الفارق بين الاثنين كبير جدا والاختلاف بينهما بما لا يمكن مقارنته، وأبسط فرق بينهما أن مفهوم تحقيق المنفعة في الفلسفة البراجماتية لا تمنع من تحقيقها للرأسمالي حتى لو كانت على حساب غمط حقوق الفقيروالاقرار البراجماتي المجحف بوجوب تفاوت مستوى معيشة الطبقات الاحتماعية، فالبراجماتية تدين ضمنيا جهل الطبقات الفقيرة المقهورة عدم قدرتها أن تجني منافعها بأختيارها لحقائق وتفكير الحياة الصائبة العملية التي تؤدي الى كسب منافع لها.. بينما مادية الفلسفة الماركسية على سبيل الاستشهاد تقوم على تحقيق المنفعة المجتمعية للطبقات المحرومة الفقيرة المسحوقة من ظلم نظام الرأسمالية ولا تقر بأن جهل الطبقات الفقيرة في أنتهاج حقائق الحياة الصحيحة المجدية هو سبب فقرها وتخلفها، فهذا قفز فوق حقيقة أن بؤس الفقراء وجهلهم هو ناتج أستغلال الرأسماليي للضعفاء الفقراء..وليست المسألة تكمن في ذكاء الرأسمالي وجهل المستغل الفقير بسبب جهله، فالفقر والجهل بالمفهوم الماركسي نتيجة وليس سببا..

وليفريد سيلارز واللغة

وليفريد سيلارز 1912 - 1989، فيلسوف أمريكي يعتبر من المطّورين الاساسيين لمفهوم الواقعية النقدية، وله بصمات على تغييرات الفلسفة الامريكية واتجاهاتها، وكان له تأثير كبير على هيدجر وكارناب....

لنرجع قليلا للوراءعندما أطلق ديكارت مقولته (جوهر العقل ماهيته الفكر) في القرن السابع عشر فهو لم يوهم كانط ولا المناطقة الانجليز بالايغال الخاطيء في مثالية افكارهم الفلسفية وحسب بل أمتد الأمر الى فيلسوف آخر امريكي هووليفريد سيلارز الذي ذهب الى القول وبتطرف كان له تداعيات خاطئة قوية على كل من فنجشتين وجاك دريدا،  سيلارز في مقولته الصائبة قال (أن الوعي كله شأن لغوي وبدايته هو اللغة )لا نستطيع الجزم بثبات قاطع أن هذه المقولة مستمدة من ديكارت مرورا بالمناطقة الانجليز أنها كانت محور تفكير فنجشتين ومن بعده دريدا اللذان ذهبا الى أن مرتكز اشكاليات الفلسفة هو (اللغة) وأن حل مشاكل الفلسفة العالقة أنما يكمن في حل معضلات ومخاتلة وأخطاء اللغة في تعبيرها القاصرعن الافكار.. وقد أنسحبت هذه الافكار ليس في الانصراف عن معالجة معضلات الفلسفة الحيوية بضوء معطيات واقع الحداثة وما بعد الحداثة الى أن تكون فلسفة اللغة وعلوم اللسانيات منهجا تحليليا مفلسا على مستوى النقد الادبي الذي أدخل النص الادبي في مجاهل ومتاهات علم اللغة واللسانيات وليس مباحث فلسفة اللغة، ومعالجة النصوص بما هي أدب صرف يقوم على النحووالصرف والبلاغة والاستعارة والمجاز وليس فلسفة آراء معرفية أداتها التعبيرية اللغة، وهو ما قامت عليه تفكيكية دريدا ومن قبلها بنيوية دي سوسير وجان بياجيه وبارت في علم اللغة حيث أصبحنا أمام فكر لغوي فلسفي تجريدي لا يلتقي مباحث الفلسفة الحيوية بل أكثر عمل وبأصرارمتعمد على تغييبها...فتفكيكية دريدا ليست فلسفة معرفية بل هي في أبعد الاحكام ايجابيا عليها لا منهجية نقد نصوص ادبية.. تقوم على تفكيك اللغة بما هي لغة فقط خالية من دلالة المضمون ومحمولات المعنى..في الغاء المرجعية والثبات والعقل بأعتبارها جميعها مثابات أرتكاز ميتافيزيقة علينا مغادرتها..

وبعيدا عن منطلقات البراجماتية التي لا تعترف بما يقوله سيلارز الذي كان في منتهى أجادته التعبير الفلسفي في تلخيصه الوعي كله أنه شأن لغوي، وبعيدا أيضا عن الفهم البراجماتي الذي لا يعترف بشيء أسمه (وعي)، الا أن سيلارز كان صائبا تماما في عبارته ولا يتحمّل أخطاء غيره بتفسيرها حسب أهوائهم من بعده كما فعل دريدا مثلا وفاتيميو في العدمية والى حد ما في البنيوية عند دي سوسير، فجميع الفلسفات المثالية والمادية التي تعتمد العقل أو المادة أو الفكر أو الحواس أو الحدوس وغيرها تلتقي في مصب واحد هو ماقاله سيلارز أن تفسير العالم كله هو لغة بداية ومنتهى، لكن أي نوع من اللغة ؟ ووفق أية آلية يعمل الوعي والادراك لغويا؟، وما هو الهدف القصدي وكيف يتحقق تفسير العالم الخارجي وحتى النفسي باللغة؟ الى آخر ذلك من أسئلة متناسلة عديدة لا تدين مقولة سيلارز الاشكالية بل تدين التفسيرات الخاطئة لها من بعده.. لقد أعاد سيلارز الاعتبار الى مقولة ديكارت العقل جوهر ماهيته اللغة.. لكن لم ينج ويخلص المناطقة التجريبيين الانكليز من شراك الاخطاء التي وقعوا بها التي لم ينصبها لهم سيلارز فهو جاء بعدهم وحاول تصحيح أخطائهم.. أحتمال كبير أن ما أراد التعبير عنه سيلارز كان صائبا من حيث أن الوعي قاصر تماما في بدايته الادراكية للاشياء، أنه يمثل اللغة التي تنقل مقولات العقل المنظمة للاحساسات في الذهن، أيضا يعتبر فهم سيلارزللوعي وتفسيره العالم لغويا بأعتباره آلية ادراك ووسيلة أدراك وليس تحقيق نتائج أدراكية هي هدف كل أدراك، صحيح الوعي هو شأن لغوي،  لكن عجز سيلارز توضيح غاية الوعي الادراكي في عدم تحقيقه هدفا معلوما أو متوخى مطلوبا يمثل ثغرة كبيرة جدا في صحة تأويل مقولته..أن النجاح الذي يحسب لسيلارز هو تكريسه مبدأ عدم وجود ادراك لشيء خارجي مادي من غير تعبير لغوي عنه، وهو ما قاله هيدجر بعبارة أخرى مشابهة مامعناه معرفة العالم تبدأ لغة... والاخفاق بهذا الطرح من وجهة نظر براجماتية أن الوعي والادراك اللغوي للاشياء لا يعني المعرفة التامة بالاشياء اذا كانت صحيحة صادقة ومثمرة أم كانت لا معنى لها، كما أن من المهم أدانة سيلارز براجماتيا في أن صحة توصيف العقل أدراكه للاشياء ليس سببا كافيا لمعرفتها وجني المنفعة منها، ومعرفة الاشياء بالفكر ليس مهما قدر الحاجة الى وضع تلك المعرفة تحت أختبارالتجربة والتطبيق في الحياة لمعرفة أن تكون صادقة وهادفة ذات جدوى منتجة ونافعة..الفكر الصحيح المتسق بالعقل واللغة لا قيمة له براجماتيا من غير تجربة عملية تؤكد أهميته وصوابه وصدقه في التطبيق..وأهمية تعبير اللغة هو في جعل المدركات الخارجية واقعية، لكنما لا يؤكد أهميتها بالمنفعة ولا يحدد صوابها اذا كانت صادقة أم كاذبة الا بالتجربة وحدها..

سقراط والعقل الادراكي

أعتبر سقراط قبل ديكارت وكانط (العقل علّة وسبب كل شيء، وليس مجرد أستعارة مجازية على أنه مرآة الواقع ) (2)

هنا يؤكد سقراط أن العقل ليس وسيلة أدراك محايدة ميكانيكية لموضوعات أدراكه، وأنما تعبيره ينطوي على أن العقل يمنح مدركاته علة وسبب وجودها ومعرفتها، كما يمنح العقل لمدركاته الواقعية مقولاته التخليقية الجديدة لها، وبهذا الفهم يكون سقراط أستعار عقيدة برتوغوراس (العقل خالق النظام وهو علة وسبب كل شيء ) والتي هي تكملة نسقية فلسفية مضافة لمقولته الصائبة (الانسان مقياس كل شيء) (3)..هذا التمهيد السقراطي في تعالق حقائق الاشياء والموجودات كمدركات موضوعية للعقل، ومحاولة نقلها بالتناص مع الفلسفة البراجماتية عند أقطابها الثلاثة، تشارلز بيرس، وليم جيمس، وجون ديوي، يضعنا أمام آراء عرّاب البراجماتية وليم جيمس حول مفهوم الحقيقة البراجماتية.. ماهيتها وكيفية الحصول عليها..لنرى..

وليم جيمس والحقيقة البراجماتية

وليم جيمس 1842- 1912 لا يقر بأهمية أدراك العقل للاشياء ويعتبر ذلك ثانويا بالقياس الى أهمية تحقيق قصدية وهدفية الادراك ليس على صعيد الشخصانية في الاشباع الادراكي كما هي في فلسفة جون سيرل الذاتية الفردانية، ويرفض جيمس تحديد أدراك الحقيقة لتحقيق هدف انفرادي يغفل فائدة المجموع، لذا يحدد جيمس الحقيقة الصادقة الصائبة براجماتيا بما يلي:

- كل حقيقة لا يحدد صدقيتها وصوابها الادراك العقلي لها، وأنما تحدد ذلك التجربة في التطبيق انها صائبة صادقة حق ونافعة..

- ليست كل الحقائق المدركة عقليا والمعبر عنها بالفكر هي صائبة حتى في مقبوليتها العقلية على صعيد ادراك الفرد لها وقناعته بها .فالاقتناع الشخصاني بالصواب لفكرة ليس كافيا لأعتمادها قبل مرورها بالتجربة والاختبار..

- لا تكون الحقيقة صادقة وصحيحة مالم تكن نافعة، ولا تكون نافعة اذا لم تكن صادقة بالتجربة.(4)

صدق الحقيقة عند وليم جيمس ليس في تجريبيتها مختبريا مثلما يجري في العلوم الطبيعية وأنما الصحة والمصداقية والصواب هو في نجاح الفكرة أنها الحقيقة بأختبار مرورها بالتجربة الاجتماعية الميدانية التطبيقية بنجاح، والحقيقة التي لا تكتسب مصداقيتها بالتجربة المجتمعية لا معنى لها ولا قيمة لها... ويحضرني هنا تعبير براجماتي لرئيس جامعة هارفارد الامريكية سامرز قوله : ان حقيقة صادقة صحيحة واحدة في التطبيق تعادل عندي الف نظرية ونظرية مكتوبة على الورق..

وصدق الحقيقة عند جيمس (أنها تمثل الافضل لأعتقادنا العملاني بصدقها، وليس صدق تمثيلها الواقع.)(5) ولا صدق قناعة شخص او مجموعة اشخاص بها.. وصاغ جيمس نظريته البراجماتية في صدق الحقيقة مفادها أن صدق تصوراتنا لا تكمن مقبوليتها والتسليم بصحتها وصوابها أنها تتطابق مع الواقع وتتماثل بالفكر مطابقة تامة معه، فهذا ليس كافيا لنمنح أدراكاتنا الاشياء صدقها وصوابيتها، والصدق الحقيقي لأية فكرة هو أختبارها في تجربة تطبيق تحقيقها المنفعة بالحياة، كما يعتبر جيمس صدق تصوراتنا لا يكون (سكونيا)، أي لايكون من حصة الاقتناع الذاتي بها، ولا يكون سكونيا فكريا تجريديا في مطابقة الواقع وتماهيه معه، ولا تكون سكونية في عدم تداخلها المتخارج مع الواقع، فالتصورات بنظره لا تمتلك صدقيتها الذاتية من خلال قناعة مدركها أو قناعة مجموعة من الناس بها أنها صحيحة بمجرد مطابقتها لحقيقة الاشياء في وجودها الخارجي المتعين أدراكيا..والسبب في ذلك حسب تعليل جيمس أن الواقع لا يمتلك خصائص الصدق الجاهزة قبل أختبار التجربة العملانية على تلك التصورات مؤكدا على ذلك بقوله ( أن المعرفة عن الاشياء والواقع ليست جاهزة – كي يدركها العقل – بل هي أبنة التجربة )(6) لكي يدرك العقل منفعتها التي هي تاكيد صدقها، بمعنى هنا يؤكد جيمس صدقية الحقيقة هو ناتج التجربة البعدية وليس جاهزية الاقتناع الادراكي بها قبليا قبل التجربة..

وأراد جيمس أكثر من ذلك في تأكيده معنى التجربة أن صدق الحقيقة ليس معزولا منفصلا عن وعي الضرورة بأهميتها في معرفة واقع الاشياء على حقيقتها وصدقها، والصدق هو صدق الفكرة عن الواقع التي لا تكون صحيحة من غير مرورها بأختبار تجربة المنفعة العملانية معبرا عن ذلك (كل ماهو نافع صادق أو حق، وكل صادق أو حق يكون نافعا) (7).

الشيء الاكثر أشكالية جدلية مريبة في فلسفة وليم جيمس البراجماتية هو أنه ينكر وجود شيء يطلق عليه (الوعي)، الذي يفصح عن نفسه بصورة تجليات تصوراتية فكرية مادية أو جوهرية كناتج مدركاته الاشياء، في حين عنده (أن الواقع الوحيد هو التجربة التي يمكن الركون اليها في أختبار كل شيء، ومعرفة كل الذوات العارفة صاحبة الوعي والموضوعات المعروفة المدركة).(8)، بعبارة توضيحية مكثفة جدا انه لا توجد معرفة قبلية ولا بعدية (قبل) التجربة يمكننا الاخذ بها واعتماد صحتها وصدقها...

وليم جيمس والوعي القصدي

وليم جيمس ينسف مفهوم الوعي ليس عن سذاجة فلسفية تدينه بحسب ما نادى به قصديا كلا من هوسرل وهيدجر وسارتر، فثلاثتهم كانوا متفقين في خروجهم على ديكارت في الكوجيتو الذي يقول أن الوعي الادراكي يكتسب ذاتيا بالتفكير المجرد في اثبات الوجود.. وقال فلاسفة الوجودية بالوعي الحقيقي القصدي انما يكون في تحقيقه هدفا والا يكون وعيا فارغا بلا مضمون ولا معنى...وبنفس المنحى جاءت فلسفة جون سيرل في الوعي القصدي...*

وليم جيمس يعتبر الوعي الشخصاني الاشباعي كما هو عند جون سيرل بمثابة تضليل لأفراغ مدركات حقائق الاشياء من قصديتها الاجتماعية الشمولية في التطبيق الميداني بالحياة، وهو ما ينطبق بالادانة البراجماتية على مفهوم جون سيرل بما أطلق عليه الوعي الشخصاني الاشباعي الهادف للوعي بالاشياء، فالوعي عند سيرل هو الوعي الادراكي الذي يحقق منفعة قصدية ينشد تحقيقها.. والوعي الفردي الشخصاني تكون قصديته ترافقه معه في الذهن مسبقا ويسعى لاشباعها، وهو نفس التعبير الذي سبقه به هوسرل...

وليم جيمس لم يسبق عصريا جون سيرل الذي هو فيلسوف معاصرلم يجايل وليم جيمس في عصره، لكنه طوّر بصورة غير مباشرة الوعي القصدي عند أقطاب الوجودية من غير تسميتهم، وفلسفة جون سيرل في الوعي هي أمتداد متطورلوعي الذات القصدي في الوجودية..

لكن البراجماتية تشترط في كل وعي أدراكي محققا منفعة أن يكون وعيا ادراكيا مدّعما بتجربة سابقة عليه، وعي الحقيقة وأدراكها حسب جيمس أن تكون تلك الحقيقة صادقة صائبة للجميع وليست مرهونة بصدقيتها لفرد في وعيه الانفرادي لها حتى وأن أمتلك الوعي الادراكي الانفرادي هدف أشباع منفعة قصدية كما يفهمهما جون سيرل في فلسفته، وحتى حين يكون الوعي شخصانيا فرديا تحكمه الضرورة الادراكية في تحقيق المنفعة سلفا في الذهن، الشيء الآخر المهم براجماتيا أن قناعة الفرد بأصالة الحقيقة وصدقها لا يمنحها تفويضا مقبوليا جماعيا أنها حقيقة أصيلة تمتلك صلاحية الافادة منها في كل الظروف ومختلف التوظيفات الميدانية التطبيقية.. فوعي الفرد الصائب لا يلزم عنه مماثلة وعي المجموع بالنسبة لادراك حقيقة واحدة تمثل موضوعا مشتركا لهم..

وفي المنحى البراجماتي ذاته يذهب ريتشارد رورتي في أدانته ما أطلق عليه الخطأ الشائع بالفلسفة (أن الصدق يعني التطابق مع الواقع )(9) ويقصد تطابق فكر التعبير اللغوي عن الشيء مع وجوده في صفاته الخارجية البائنة..مؤكدا أيضا على أن الصدق يكون صدق التجربة العملانية في الواقع والحياة التي تحقق المنفعة ..ورورتي فيلسوف براجماتي تمثل فلسفته أمتدادا طبيعيا لفلسفة الرواد الثلاثة الاوائل للبراجماتية بيرس، وديوي، وجيمس.. وسنأتي مستقبلا على بعض آراء رورتي الفلسفية في مقالات قادمة أخرى..

 

علي محمد اليوسف /الموصل

...........................

الهوامش

* لمزيد من التوضيح لافكار فلسفة جون سيرل حول الوعي الذاتي القصدي يراجع مقالتنا المنشورة على مواقع المثقف وكوة وفيلوبريس بعنوان (الوعي القصدي في فلسفة جون سيرل )

1- ريتشارد رورتي - الفلسفة ومرآة الطبيعة– ت :حيدر حاج اسماعيل- ص 16

2- نفس المصدر السابق نفس الصفحة

3- نفس المصدر السابق ص 19

4- نفس المصدر السابق ص 21 بتصرف

5- نفس المصدر السابق ص 27

6- نفس المصدر السابق ص23

7- نفس المصدر السابق ص 21

8- نفس المصدر ص 24 بتصرف

9- نفس المصدر ص 27 بتصرف

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4755 المصادف: 2019-09-12 07:55:25