 أقلام فكرية

الجمال الطبيعي والفني عند هيجل

حيدر جواد السهلانيلايمكن دراسة الفن والجمال بشكل مستقل عن المبادئ الرئيسية لفلسفة هيجل، لأنه يعبرعن سعي الروح نحو الحقيقة، والفن هو أحد اشكال هذا السعي، اذ تتموضع فيه الروح ويعبر عن ذلك بشكل حسي. وبذلك يشكل الجمال موقعآ مهمآ في فلسفته لما لهو أثر في فلسفته، وقد صاغ نظريته في الجمال بالرجوع الى تاريخ الفن، فهو نظر الى الجمال من خلال الفن، وجعل الفن هو الذي يظهر الجمال الحق، أي بعكس الجمال الطبيعي الذي لم تظهر فيه الروح. وقد أفرد هيجل عدة محاضرات للجمال فظهرت في كتابه (دروس في فلسفة الجمال).

الجمال الطبيعي

يعتبر هيجل من القلائل الذين كان لهم الفضل في التعمق في مفهوم الجمال، ولقد ظفر علم الجمال عنده بشهرة واعجاب لا مثيل لها.(1) وقد سلك في عرضه لمذهبه الجمالي مسلكآ ميتافيزيقيآ.(2) ويرى هيجل الجمال نمط معين لتمثيل الحقيقة واظهارها في طابع حسي، لذلك يبدأ هيجل محاضراته في علم الجمال بالرد على كانت، ويرى أن ماوصل اليه كانت هو نتيجه لفصله بين عالم الظواهر وبين عالم الشيئ في ذاته، بينما الجمال ليس تجريدآ لملكة الفهم، وانما هو في ذاته العيني والمطلق.(3) وبذلك يرفض هيجل منذ البداية الجمال في الطبيعة لأنه يرى أنه لاجمال سوى الجمال العقلي وهو الجمال الموجود في الفن، لأنه نتاج العقل مع الاحساس، اذآ هيجل يرى الجمال الفني أرقى من الجمال الطبيعي لأنه متولد من العقل وهو من نتاج الروح، وأن كل مايأتينا من الروح اسمى مما هو موجود في الطبيعة .(4) والجمال هو الفكرة المتصورة التي توحد مباشرة بين المفهوم والواقع.(5) ويرى هيجل أن الجمال الطبيعي بوصفه أول تعبير عن الجمال، والتميز بين الجمال الطبيعي والفني أن الفكرة هي الجمال الكامل في ذاته، بينما الطبيعي هو الجمال الناقص، والجمال فكرة والفكرة تتقدم بأتجاه الواقع وهي لاتلقى هذا الواقع الا من الذاتيه الواقعية المطابقة للمفهوم.(6) وبذلك يرى هيجل الجمال الحقيقي هو الذي يتجسد في الفكرة والمضمون لا في الشكل الخالص، حتى اصبح الجمال عنده عبارة عن فكرة تطورت عبر التاريخ، من سيطرة المادة الى سيطرة الفكرة ومن الشكل الى المضمون.(7)

الجمال الفني

رأينا سابقآ عند هيجل الجمال هو التجلي المحسوس للفكرة، اذ مضمون الفن ليس شيئآ سوى الافكار، اما الصورة التي يظهر عليها الأثر الفني فأنها تستمد بنيتها من المحسوسات والخيالات، والفن اذا بلغ غايته فأنه لايلبث أن يسهم مع الدين والحياة في تفسير المطلق والقاء الضوء على جوانبه، وفي مجال الفن تتجلى الحقيقة أي المطلق الجمالي عن طريق الوسيط الحسي.(8) وعلى الفنان أن يفكر مليآ ويتأمل بعمق الفكرة التي سيعبر عنها من خلال العمل الفني ويحرص ان لا تكون بمعزل عن الحقائق الجوهريه في الحياة ونشاطات المجتمع الانساني وهذه هي الغاية الحقة للعمل الفني عند هيجل.(9) اذآ الجمال الفني ارقى من الجمال الطبيعي، وذلك أن العقل والعقل وحده قادر على الحقيقة ويستوعبها في ذاته حتى أن مايكون جميلآ لايكون جميلأ حقآ الابامشاركة في هذا العنصر الارقى وكشيئ مخلوق، وبهذا المعنى اذا كان هناك جمال في الطبيعة، فأنه لايكشف نفسه الا على أنه انعكاسآ للجمال الذي يمت للعقل.(10) والفن عند هيجل ليس تقليدآ للطبيعة أو محاكاة لها، وأنما يتخذ وسيطا للتعبير عن الجوانب المختلفة للوجود الانساني.(11) ويرى أن الفن ليس له من غرض سوى التعبير عن علاقة الذات بالموضوع في مستوى الوحدة المباشرة، وجوهر الجمال هو التوافق الوضعي الذي يحققه الجمال نفسه فيما بين الذهن والاحساس عن طريق التحرر الذي ينجم عنه، والفن عنده يقظة الاحساسات الملائمة المحببه عن طريق خلق الاشكال التي تعطي مظهرآ للحياة، فالفن هو وحده القادر على التعبير عن الباطن والظاهر وعن الفكرة بالشكل ولاوجود للجمال الا بالفن.(12) ويرى ايضآ أن الفنان لايستهدف من عملة الفني أن يكون غاية نفعية كأن يستعمل الفن كأداة للتعليم أو الوعظ الديني.(13) ويربط هيجل الجمال بالحقيقة ويرفض أن يكون الجمال تعبيرآ عن الواقع، أذ الجمال ليس سوى تحديد خاص يتم به التعبير عن الحقيقي وينكشف لنا.(14) وبذلك الفن عند هيجل حين يعبر عن المطلق لايتعامل بالتصورات المجردة بل هو يجمع اليها العيانات الحسية، ومن هنا يعرف هيجل الجمال هو تجلي الفكرة بطريقة حسية، وأن موضوع الاستطيقا لا يتناول الجمال الطبيعي ، وأنما يتعلق بالجمال الفني لأن الجمال في الفن أرفع مكانه من الجمال الطبيعي لأنه من ابداع الروح وخلق الوعي ونتاج الحرية وماهو من انتاج الروح يحمل طابعها ويكون اسمى من الطبيعة.(15)

 

حيدر جواد السهلاني

.......................

الهوامش

1- ينظر محمد علي ابوريان: فلسفة الجمال، ص43.

2- ينظر أميرة حلمي مطر: فلسفة الجمال(اعلامها ومذاهبها)، ص124.

3- ينظر رمضان بسطاويس ومحمد غانم: فلسفة هيجل الجمالية، ص100.

4- ينظر مجاهد عبدالمنعم مجاهد: جدل الجمال والاغتراب، ص81.

5- ينظرهيجل: فكرة الجمال، ص39- 40.

6- ينظر هيجل: المصدر نفسه، ص77- 79.

7- ينظر هديل بسام زركانه: المدخل في علم الجمال، ص43.

8- ينظر محمد علي ابوريان: فلسفة الجمال، ص44.

9- ينظر هديل بسام زركانه: المدخل الى علم الجمال، ص43.

10- ينظر مجاهد عبدالمنعم مجاهد: جدل الجمال والاغتراب، ص79.

11- ينظر رمضان بسطاويس ومحمد غانم: فلسفة هيجل الجمالية، ص8.

12- ينظر عبد الفتاح الديدي: هيجل، ص171- 174.

13- ينظر محمد علي ابو ريان: فلسفة الجمال، ص45.

14- ينظر مجاهد عبدالمنعم مجاهد: جدل الجمال والاغتراب، ص84- 85.

15- ينظر أميرة حلمي مطر: فلسفة الجمال (اعلامها ومذاهبها)، ص125.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4763 المصادف: 2019-09-20 09:12:54