 أقلام فكرية

الفنون عند هيجل

حيدر جواد السهلانيأن هيجل لم يعزل الفن عن الحضارة فكل سمات نسقه الفلسفي الميتافيزيقي تظهر في رؤيته للفن بشكل واضح، وهو يضع الفن بصف واحد مع الدين والفلسفة، ومهمة النشاط الفني هو ان يجعل وحده بين الذاتي والموضوعي، لذلك مضمون الفن عند هيجل هو الفكرة وشكل الفن هو التجسيد الحسي وليست فكرة منطقية مجردة، بل فكرة تتجسد في الواقع بعد ان تدخل في وحده مباشرة معه.

يتفق هيجل مع ارسطو بأن للفن وظيفة تطهيرية اخلاقية، فهو ينقي العواطف والانفعالات ويطهرها.(1) ويرى هيجل "ان هدف الفن يكمن لا في استحضار الاهواء فحسب، بل ايضآ في تطهيرها وبعبارة اخرى فأن تهذيب الاخلاق هو الذي يشكل هدف الفن".(2) ويذهب هيجل بأن الفن والدين والفلسفة مضمون واحد، لذلك يرى أن الروح الكلي في الفن حدس وصورة وفي الدين عاطفة وتمثل وفي الفلسفة فكر خالص وحر، ويفسر هيجل تتابع العصور الفنية لفكرته عن التطور الزمني فيقسم الفن الى ثلاثة انماط (الفن الرمزي وظهر في العصر العصر الشرقي القديم، والفن الكلاسيكي وظهر في العصر الاغريقي، والفن الرومانطيقي وظهرفي العصر الحديث).(3)

الفن الرمزي:

ساد هذا النمط الرمزي فترة طويلة من تاريخ الفن هي فترة الحضارات الشرقية القديمة، وأول مايتميز به هذا النمط هو تعارض الموضوع الفكري مع الشكل الخارجي، ومن جهة اخرى يتميز المضمون الفكري فيه بصفات الايهام والالغاز ومن هنا يسود الطابع السحري الممتلئ بالاسرار.(4) ويكافح الذهن البشري في الفن الرمزي، لكي يعبر عن افكاره الروحيه ، لكنه يعجز عن أن يجد لها تجسيدآ كاملآ، ولهذا يتقدم الرمز وسيلة للتعبير، وماهية الرمز هو أن يوحى بالمعنى، كما هي الحال حين يتخذ الاسد رمزآ للقوة والمثلث رمزآ للفكرة الدينية.(5) ويلاحظ أنه في اعمال الفن الرمزي يقف الانسان عاجزآ عن التعبير الكامل عن المضمون الروحي، ولهذا فهو يكتفي بأن يوحى بهذا المضمون عن طريق الرمز، كما نجده في شعر الاساطير حيث لانعثر الا على اشارات مبعثرة.(6) لكن ثم مرحلة لاتكون الاعمال الفنية فيها متميزة تمامآ عن الموضوعات الطبيعية، ويكون الصراع بين المضمون الفكري والشكل الخارجي موجودآ، ولكن على مستوى الرمزية اللاواعية ويمثله الفن الهندي.(7) ثم يبلغ مرحلته الثانية حين يظهر صراع المضمون والشكل والوعي الانساني، بحيث يمكن التفرقة فيه بين الجانبين وتبلغ الرمزية هنا مرحلة الرمزية الواعية، اذ هي مرحلة اعلى قليلآ من المرحلة الهندية (الرمزية اللاواعية) اذ نجد فيها الانفصال بين الجانب الالهي والتجسد المادي أكثر وضوحآ، وأن لم يكن ادراكآ كاملآ.(8)

الفن الكلاسيكي:

يظهر هذا النمط من الفن حين تصل الروح في تطورها الى مرتبة التحرر من الطبيعة، وتسمو عن التجسدات الحيوانية لتتخذ من الشكل الانساني مظهرآ لها، وعندئذآ تدرك الروح ذاتها منفردة ذات شخصية.(9) وبذلك تتطابق الصورة المحسوسة مع المحتوى الباطن، أي أنه يهتم بأبراز الحقيقة الجمالية في الصورة الظاهرة، أو في الجمال المحسوس.(10) وقد كان فن النحت هو اقدر تعبيرآ عن المثل الاعلى للجمال الكلاسيكي، ذلك لأنه اقدر الفنون على التعبير عن التغيرات والانفعالات الانسانية، وان اعمال النحت اليوناني اقرب الى التعبير عن المبدأ الكلي، وقد امكن للتشكيل في فن النحت أن يعبر عن الالوهية تعبيرآ مباشرآ، ذلك لأن التمثال لايشير الى الاله بواسطة المعبد كما كان الحال في العمارة الرمزية.(11) ولقد ارادو اليونان أن يبلغوا في الفن المثل الاعلى، أي ان يصلوا الى التوازن والاتفاق والانسجام بين الصورة والمضمون.(12)

الفن الرومانطيقي:

لم ينجح الفن الكلاسيكي في تقديم الروح الا متمثلآ في وجودها الجسدي الفيزيائي، أما الروح في ذاتها مستقلة عن تجسدها المادي وفي وعيها فقد تمثلت في الفن الرومانطيقي.(13) وهكذا يبدو أن المضمون في الفن الرمزي خارجيآ بالنسبة للشكل، لأنه لم ينفذ فيه بعد ومن هنا طغت المادة على الروح، اما المضمون في الفن الكلاسيكي فقد نفذ الى الشكل واصبح داخليآ، فكان التعبير تامآ وكاملآ وامتزجت الروح بالمادة امتزاجآ كاملآ في وحده منسجمة، ولكن الروح في الفن الرومانتيكي لم تنفذ الى الشكل المادي وانما تجاوزته، فهنا تسود الروحية وتنفذ الى الوجود المستقل مخلفه وراءها تجسدها المادي.(14) وبذلك يرتفع الفن فيه من العالم المنظور الى العالم المعقول ليعبر عن الجمال المعنوي أو اللامتناهي، والفن هنا مثله مثل الدين يؤدي كل منهما الى الفلسفة، وهي جميعآ تعبر عن روح لامتناه، اي من المطلق ولكن بينما نجد الفن والدين وليدا العاطفة والمخيلة، نجد الفلسفة تتحقق عقليآ، اذ الفلسفة تحول الصور الفنية والمعاني الدينية الى مقولات عقلية.(15) ويركز الفن الرومانطيقي على الجانب الذاتية، أعني المضمون الروحي واهماله الجانب الموضوعي أعني التجسيد المادي.(16) وتتمثل أول مراحل تطور الفن الرومانطيقي في المرحلة الدينية وهي تدور حول قضية النداء المستمد من تاريخ حياة المسيح في مولده وبعثه.(17)

انواع الفنون عند هيجل:

ينظم هيجل الفنون كلها في نسق درجي يخضع لنظريته الخاصة بالأنماط الثلاثة التي تتحقق من خلالها الفكرة ويتداخل مذهبه بالفنون بتاريخ الفن، فهو يبدأ نسق الفنون بفن العمارة ويتوج بالشعر. ويقسم هيجل الفنون الى نوعين الفن الموضوعي (كالعمارة والنحت والتصوير) والفن الذاتي (كالموسيقى والشعر).(18)

فن العمارة:

هو فن رمزي يدل على الفكرة ولايعبر عنها تعبيرآ مباشرآ، وتكون العمارة هي أول خطوة على طريق الفن، وهي أقل الفنون قدرة على تقديم المضمون الروحي، لأنها الفن الذي يقف عند حد الفكرة المتعارضة مع الصورة، كما أن المادة المستعملة في هذا الفن هي المادة الصلدة الخالية من الروح، وبذلك فن العمارة لاتمثل الالوهية مباشرة.(19)

فن النحت:

الوسط الذي يعمل فيه النحت لايزال بغير شك هو المادة الجامدة.(20) ويرى هيجل" أن النحت يتقارب من فن العمارة بمعنى أنه يصوغ الحسي بما هو كذلك، لكنه يجسد في هذا الفن الروحية بالذات الغائية والاستقلال في ذاتها ولذاتها في شكل جسماني موافق لمفهوم الروح ومطابق لفرديته".(21) وقد اصبح الفنان في فن النحت اكثر حرية للتعبير عن الشخصية او الفكرة التي يتناولها، ومن هنا امكن للالهة أن تتعود ويتخذ كل منهما شخصية وفردية واسمه الخاص، كما امكن للنحت اليوناني ان يكون تعبيرآ عن الروح القومية والمعتقدات.(22)

فن الشعر:

الشعر هو اكثر الفنون تحررآ من المادة غير انه ايضآ الفن الذي يوشك أن تخبوه فيه الروح جذوة الروح الفنية، ويرى هيجل"أن حقيقة الشعر يتشعب الى انواع وضروب شتى ويتنوع من شعب الى اخر، في الاغريق نلقى لديهم الشعر الملحمي، وفي الشرق الشعر الملحمي الرمزي، ثم الشعر الملحمي الكلاسيكي، ثم الشعرالملحمي الرومانسي".(23) وبذلك الشعر هو انسحاب الروح من الغلاف الحسي، ويعمل بالتصورات او التمثل الذهني الداخلي تمامآ.(24)

 

حيدر جواد السهلاني

.............................

الهوامش

1- ينظر محمد علي ابوريان، فلسفة الجمال، ص45.

2- ينظر هيجل: المدخل الى علم الجمال (فكرة الجمال)، ص52.

3- ينظر محمد علي ابو ريان: فلسفة الجمال، ص47.

4- ينظراميرة حلمي مطر: فلسفة الجمال، ص130.

5- ينظر ولتر ستيس وميشيل متياس: هيجل، ج2، ص610.

6- ينظر محمد علي ابوريان: فلسفة الجمال، ص47.

7- ينظر اميرة حلمي مطر: فلسفة الجمال، ص131.

8- ينظر ولتر ستيس وميشيل متياس: هيجل، ج2، ص612- 613.

9- ينظر اميرة حلمي مطر: فلسفة الجمال، ص132.

10- ينظرمحمد علي ابوريان، ص47.

11- ينظر اميرة حلمي مطر: فلسفة الجمال، ص133.

12- ينظر ولتر ستيس وميشيل متياس: هيجل، ج2، ص618.

13- ينظر اميرة حلمي مطر: فلسفة الجمال، ص134.

14- ينظر ولتر ستيس وميشيل متياس: هيجل ج2، ص618.

15- ينظر محمد علي ابوريان: فلسفة الجمال، ص47.

16- ينظر ولترستيس وميشيل متياس: هيجل، ج2، ص618.

17- ينظر اميرة حلمي مطر: فلسفة الجمال، ص136.

18- ينظر اميرة حلمي مطر: فلسفة الجمال، ص137.

19- ينظر اميرة حلمي مطر: فلسفة الجمال، ص137.

20- ينظر ولتر ستيس وميشيل متياس: هيجل، ج2، ص633.

21- ينظر هيجل: موسوعة علم الجمال الهيجلي (فن النحت، ج7)، ص6.

22- ينظراميرة حلمي مطر: فلسفة الجمال، ص133.

23- ينظر هيجل: موسوعة علم الجمال الهيجلي (فن الشعر، ج10)، ص206- 207.

24- ينظر ولتر ستيس وميشيل متياس: هيجل، ج2، ص640.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4768 المصادف: 2019-09-25 04:38:52