 أقلام فكرية

كيف تجلت تجارب الفكر في تاريخ وفلسفة العلم (3): نماذج من فلسفة العقل

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا عن تجليات تجارب الفكر في تاريخ العلم، حيث نتحدث في هذا المقال عن تجربة عفريت ماكسويل  Maxwell's demon وهي تجربة فكرية أوجدها الفيزيائي الاسكتلندي جيمس كلارك ماكسويل عام 1871م، "لإثبات أن القانون الثاني الخاص بالديناميكا الحرارية ذو حقيقة إحصائية فقط". توضّح التجربة الافتراضية وجهة نظر ماكسويل عن طريق وصف كيفية نقض القانون الثاني. تعتمد التجربة على تقسيم وعاء متخيل إلى جزئين عن طريق جدار عازل، يحوي الجدار بابا يمكن فتحه وإغلاقه بواسطة ما أطلق عليه لاحقا "عفريت ماكسويل". يستطيع العفريت الافتراضي أن يسمح لجزيئات الغاز "الساخنة" فقط بالتدفق إلى جانب مفضل من الغرفة مما يسبب ارتفاع حرارة ذلك الجانب تلقائيا فيما يبرد الجانب الآخر.

إن تجربة ماكسويل كانت تهدف إلي طرح تساؤلات حول إمكانية خرق القانون الثاني في الترموديناميك. ينص القانون الثاني في الترموديناميك على منع إمكانية (بناء على استحالة إحصائية) أن يقوم جسمين ذوي درجة حرارة واحدة، عندما يكونان على اتصال ليشكلا جملة أو نظام معزول عن الكون المحيط بهما، فإنه من المستحيل أن يتطورا مع الزمن لحالة جديدة يكون فيها أحدهما أعلى حرارة من الآخر. بهذه المقولة يؤكد القانون الثاني في الترموديناميك أنه في نظام معزول isolated system، لا يمكن للإنتروبية أن تنقص. عنونة أغنية في ألبومه رؤى باسم: "عفريت ماكسويل.

وقد صف ماكسويل المفهوم بأنه "كينونة محدودة" عند تقديمه له في رسائله إلى زملائه وفي كتابه نظرية الحرارة. ظهرت التجربة الفكرية أول مرة في رسالة كتبها ماكسويل إلى بيتر غوثري تايت في الحادي عشر من ديسمبر عام 1867. ومن ثم ظهرت ثانية في رسالة إلى جون ويليام سترت في عام 1870 قبل أن تقدم الفكرة إلى العموم في كتاب ماكسويل نظرية الحرارة الذي نشر في عام 1871 وكان موضوعه الديناميكا الحرارية. كان ويليام ثومبسون (لورد كالفين) أول من استخدم كلمة "عفريت" لوصف مفهوم ماكسويل في مجلة "طبيعة" في العام 1874، وضمّن المقال بأنه قد قصد الجانب الروحي للكلمة وليس جانب الأذى الذي قد توحي به.

وقد كان القانون للديناميكا الحرارية (عبر الاحتمالية الإحصائية) يضمن أن يتطور جسمان بحرارة مختلفة عند وضعهما في حالة احتكاك مع بعضهما وعزلهما عن باقي الكون إلى توازن ديناميكي حراري بحيث يصبح لكلا الجسمين ذات الحرارة تقريبا كما ويعبر عن القانون الثاني عن طريق التأكيد أن الإنتروبي لا يتناقص أبدا في نظام معزول .

تصوّر ماكسويل تجربة فكرية كوسيلة تعزز فهم القانون الثاني حيث وصف التجربة كما يلي:

...إذا ما تصورنا كائنا ذا قدرات مشحوذة جدا بحيث يمكنه تتبع كل جزيء في مساره، فإن مثل هذا الكائن-ذي الصفات المحدودة أساسا كصفاتنا نحن-لا بد سيكون قادرا على فعل ما هو مستحيل بالنسبة لنا. وذلك لأننا رأينا أن الجزيئات في وعاء مملوء بالهواء وذي حرارة منتظمة تتحرك بسرعة غير منتظمة بأي حال من الأحوال، برغم أن السرعة المتوسطة لأي عدد كبير منها-عند اختيارها عشوائيا-هي منتظمة تقريبا. والآن فلنفرض أن مثل هذا الوعاء مقسّم إلى قسمين: أ وب عن طريق حاجز يحوي ثقبا صغيرا، ولنفرض أيضا أن الكائن الذي بمقدوره أن يرى الجزيئات المفردة يقوم بفتح الفتحة وإغلاقها بحيث يسمح للجزيئات الأسرع فقط بالمرور من أ إلى ب وللجزيئات الأبطأ بالعبور من ب إلى أ. لذا سيقوم هذا الكائن-دون أي جهد يذكر- برفع حرارة ب وخفض تلك في ب مما يناقض القانون الثاني للديناميكا الحرارية....

وبعبارة أخرى، يتخيل ماكسويل وعاء واحدا مقسما إلى جزئين (قسمين)، أ وب. كلا الجزئين يملؤه نفس الغاز في درجة حرارة متساوية ووضع الجزءان بجانب بعضهما. يقوم عفريت خيالي بحراسة باب مسحور بين الجزئين ومراقبا الجزيئات في كلتا الجهتين. عندما ينطلق جزيء أسرع من المتوسط نحو الباب المسحور يقوم العفريت بفتحه وهكذا يحلّق الجزيء من الجزء أ إلى الجزء ب. سيتزايد متوسط السرعة للجزيئات في الجهة أ بينما يتباطأ في الجهة ب. بما أن متوسط سرعة الجزيء تتوافق مع الحرارة فإن الحرارة ستتناقص في الجزء أ وتتزايد في الجزء ب على نحو يخالف القانون الثاني للديناميكا الحرارية .

وقد لقيت تجربة ماكسويل انتقادات عديدة منها :- أنه لا يمكن نقض القانون الثاني للديناميكا الحرارية فعليا إذا ما أجري تحليل أكثر اكتمالا لكل النظام بما في ذلك العفريت. تتأتى أهمية هذا البرهان الفيزيائي من واقع إثبات أن أي عفريت يجب أن ينتج اعتلاجا (انتروبي) أكثر يقوم بفصل الجزيئات أكثر مما يستطيع إبعادها بواسطة الطريقة الموصوفة. بمعنى أنه تلزم طاقة أكبر لقياس سرعة الجزيئات والسماح لها بالمرور انتقائيا عبر الفتحة بين أ وب من كمية الطاقة التي يوفرها اختلاف الحرارة الناتج عن هذا الانتقال.

أحد أشهر الردود على هذا السؤال تم اقتراحه من قبل ليو سزيلارد في عام 1929 وبواسطة ليون بريلون فيما بعد. أشار سزيلارد أن عفريت ماكسويل لا بد أن يمتلك بعض الطرق لقياس سرعة الجزيء في الحياة الواقعية وأن فعل اكتساب المعلومة يتطلب بذل الطاقة. ينص القانون الثاني على أن الانتروبي الكلي لنظام معزول لا بد سيزداد. بما أن العفريت سيتفاعل مع الغاز فلا بد أن نأخذ باعتبارنا الانتروبي الكلي للغاز والعفريت مجتمعين.ستكون الطاقة التي يبذلها العفريت سببا في زيادة الانتروبي الخاص بالعفريت، والذي سيكون أكبر من خفض الانتروبي بواسطة الغاز. على سبيل المثال، إذا ما كان العفريت يقوم بتفقد مواقع الجزيئات بواسطة مصباح يدوي فإن بطارية المصباح هي جهاز ذو اعتلاج ضئيل وينتظر حدوث تفاعل كيماوي. فيما تُستهلك طاقة البطارية لبعث الفوتونات (والتي سيتم الآن احتساب الاعتلاج الخاص بها هي أيضا)، فإن رد الفعل البطارية الكيماوي سيستمر وبذلك سيزداد اعتلاجها بأكثر من تعويض النقص في اعتلاج الغاز.

في العام 1960، قدم رولف لانداور استثناء لهذا الإثبات فقد أدرك أن بعض عمليات القياس لا تحتاج إلى رفع اعتلاج الديناميكا الحرارية طالما كان بالإمكان عكسها بواسطة الديناميكا الحرارية. اقترح لاندوار أنه بالإمكان استخدام هذه القياسات "المعكوسة" لفرز الجزيئات مما ينقض القانون الثاني. على أي حال وتبعا للعلاقة بين اعتلاج الديناميكا الحرارية واعتلاج المعلومات، فإن هذا يعني أيضا أنه لا يجوز محو القياسات التي تم تسجيلها. بعبارة أخرى، لتحديد جانب البوابة الذي يجب أن يتواجد عنده الجزيء فعلى العفريت أن يكتسب معلومات عن حالة الجزيء ومن ثم يقرر نبذها أو تخزينها. سيؤدي تجاهلها إلى زيادة فورية في الاعتلاج ولكن لن يستطيع العفريت تخزينه إلى أجل غير مسمى؛ في عام 1982 أثبت بينيت أن مهما كان استعداد العفريت جيدا فلا بد أن تنفذ المساحة التي يخصصها لتخزين المعلومات في النهاية ولا بد أن يبدأ بمحو المعلومات التي جمعها قبلا. محو المعلومات هي عملية لا يمكن العودة عنها بالديناميكا الحرارية والتي ستزيد من اعتلاج النظام. (يواجه الكثير من الناس هذه المشكلة المتمثلة في نفاذ مساحة التخزين على حواسيبهم ولكن لحسن الحظ يتوفر حل بسيط ألا وهو مسح بعض البيانات غير الضرورية).

يمكن لعفريت ماكسويل أن يقوم بالمثل ألا وهو شطب البيانات السابقة. ولكن عملية الحذف من الذاكرة هي عملية لا يمكن التراجع عنها تحديدا. بمجرد أن تحذف البيانات الموجودة على جزء من الذاكرة معيدا جميع البيتات إلى حالة الصفر سيصير من المستحيل إعادة تجميع البيانات الأصلية من سلسلة الأصفار هذه. تزيد هذه العملية التي لا يمكن عكسها من الاعتلاج بمقدار س لن2 لكل بت (بالإنجليزية: Bit). أدرك بينيت أن كل دورة من دورات سزيلارد تحتاج إلى وحدة تخزين واحدة. الاعتلاج الذي يتزايد عند مسح هذه الوحدات (البتات بالإنجليزية: Bits) يعوض نقص الاعتلاج الذي يتسبب به العفريت. ولذا فإن الاعتلاج لا ينقص حين ننظر إلى النظام ككل مما يعني أنه قد تمت المحافظة على القانون الثاني. على الرغم من أن بينيت قد توصل إلى الاستنتاج عينه الذي ذكره سزيلارد في ورقته العلمية وهو أنه لا يمكن لعفريت ماكسويل أن ينقض القانون الثاني وذلك لأنه سيتم إنشاء الاعتلاج فلا بد أنه قد توصل إلى هذه النظرية بأسباب مختلفة والأسباب لها نفس أهمية النتائج في العلم.

ومع ذلك، ناقش كل من جون إيرمان وجون نورتون توضيحات سزيلارد ولاندوير لعفريت ماكسويل ابتداء بفرضية أنه لا يمكن نقض القانون الثاني للديناميكا الحرارية وبهذا قدما إثباتهما على أن ليس بمقدور عفريت ماكسويل أن ينقض مسار القانون الثاني.

ب- : أهم تجارب الفكر في فلسفة العقل :-

1- تجربة كواين دعوي اللاتحديد في الترجمة

عرض كواين " دعوي اللاتحديد في الترجمة " في غير موضع من كتاباته، مثل مقال " المعني والترجمة "، عام 1959، وكتاب " الكلمة والشئ " عام 1960، وكتاب " النسبية الانطولوجية  ومقالات أخري " عام 1969، ومقال " في أسباب اللاتحديد في الترجمة " عام 1970، ومقال " اللاتحديد في الترجمة مرة أخري، عام 1987، وكتاب " ملاحقة الصدق "، عام 1990،وكتاب من المثير إلي العلم، عام 1995، وفي ردوده الكثيرة علي نقاده، وتتخذ دعوي اللاتحديد في الترجمة عدة صور جاء في طليعتها " تجربة الفكر " المتمثلة في الترجمة الجذرية radical translation . والترجمة الجذرية هي ترجمة لغة لبشر لم يتصلوا بغيرهم حتي اليوم . وإليك خلاصتها : هب أنك عالم لغة ذهبت بصحبة صديق فيلسوف إلي قبيلة من العصر الحجري تعيش في غابة معزولة تماماً . وتسعي إلي ترجمة لغة هذه القبيلة إلي اللغة العربية . وما دامت لغةهذه القبيلة خاصة بها، فلن يكون في مقدورك الاستعانة بمعاجم أو الاستعانة بالبني النحوية المشتركة بين هذه اللغة والعربية . ولن يكون في مقدورك أيضاً الإفادة من الدراسة التاريخية للأصول المشتركة بين اللغات، ما دامت لغة هذه القبيلةلا صلة لها بلغات أخري . وفي صباح اليوم التالي خرجت وصديق مع بعض الصيادين من أفراد هذه القبيلة للإستماع إليهم ومشاهدتهم وهم يمارسون جانباً من الحياة ويستعملون اللغة التي تبغي تعلمها وترجمتها إلي لغتك . وبينما تسيرون في الغابة، وثب أرنب بعيداً عن الأشجار والحشائش حتي صار في مجال الرؤية الواضحة . وهنا أشار أحد الصيادين قائلاً لزميله من أبناء القبيلة بهدوء (Gavagai)، وفتحت دفتر ملاحظتك وكتبت gavagai = أرنباً . وشاهد صديقك الفيلسوف ما شاهدته، ومع ذلك تساءل : هل أنت متأكد من gavagai تعني أرنباً ؟ وكان جوابك : بكل تأكيد . وهل يمكن أن تعني شيئاً آخر ؟ ورد صديقك : ألا يمكن أن تعني " جزءً غير منفصل من الأرنب " " أو " الذبابة التي تلازم الأرنب " ؟ ولعلك تميل في بادئ الأمر إلي رفض رد صديقك باعتباره يمثل نوعاً من الجدل الذي يفتن به الفيلسوف، ولكنك عندما تفكر علي مهل يتبين أن صديقك ربما يكون محقاً فيما قال . إن المعطيات الوحيدة المتااحة أمام عالم اللغة هي القوي التي تصطدم بحواس الصيادين (أبناء القبيلة الأصليين)، وسلوكهم القابل للملاحظة سواء كان لغوياً (متمثلاً في الكلام) أو غير لغوي (متمثلاً في الإشارة). والاعتماد علي هذه المعطيات وحدها هو ما تؤكده السلوكية عند تفسير السلوك اللغوي . والرأي عند كواين أنه لا يوجد شئ في سلوك الصيادين أو البيئئة المحيطة بهم يمكن أن يجيب إجابة محددة عن السؤال عما إذا كان الصياد يعني بكلمة Gavagai " أرنباً " أو " جزءً غير منفصل من الأرنب ".

وهذه التجربة وجدت أعتراضات من قبل بعض الفلاسفة، فنجد جون سيرل يرد علي كواين في مقال " اللاتحديد والتجريبية والمتكلم " (الذي نشر أولاً في "مجلة الفلسفة "عام 1987، وأعاد سيرل نشره في كتابه الوعي واللغة عام 2002) ليوضح أن دعوي اللاتحديد في الترجمة لا تثبت غموض الإشارة كما أراد كواين، وإنما تثبت أن السلوكية مخفقة في دراسة علم النفس واللغة . صحيح أن كواين لا ينكر وجود الحالات والعمليات العقلية الداخلية، ولكنه يعتبرها غير مفيدة وغير ملائمة لتطوير نظرية علمية تجريبية في اللغة .

2- تجربة الحجرة الصينية عند جون سيرل

وضع سيرل حجة الحجرة الصينية علي هيئة تجربة فكر (وتجربة الفكر بصفة عامة هي طريقة يمارسها الفلاسفة وغيرهم لاختبار فرض معين عن طريق تخيل موقف وما يقال عنه) وتقول تجربة الفكر : هب أنك قد حجزت في حجرة، وفي هذه الحجرة سلات عديدة ممتلئة بالرموز الصينية (قاعدة البياناتdatabase ) . ولنتخيل أنك (مثلي) لاتفهم كلمة من اللغة الصينية، ولكنك أعطيت كتاباً للقواعد باللغة العربية لتعالج هذه الرموز الصينية (البرنامج) . وتحدد القواعد عمليات معاجة manipulation الرموز بطريقة صورية خالصة، وفي حدود تركيب Syntax هذه الرموز وليس دلالتها semantics . ولنتخيل أيضاً أن بعض الرموز الصينية الأخري قد أرسلت إلي الحجرة، وأنك قد أعطيت قواعد إضافية لرد الرموز الصينية إلي خارج الحجرة . وهب أنه من غير المعروف بالنسبة لك أن الرموز التي أرسلت إلي الحجرة يسميها الناس خارج الحجرة باسم "أسئلة" (المدخل input) وأن الرموز التي التي رددتها خارج الحجرة تسمي " إجابات علي الأسئلة" (المخرج output) . ولنفترض بالإضافة إلي ذلك أن المبرمجين كانوا جيدين جداً في وضع البرنامج، وأنك كنت جيدا جدا في معالجة الرموز، وان إجاباتك التي جاءت بسرعة بالغة يتغذر تمييزها من إجابات المتكلم الأصلي للغة الصينية . وها أنت محجوز في حجرتك تعدل رموزك الصينية وترسل رموزا صينية في الرد علي الرموز الصينية الواردة . وعلي أساس الموقف الذي وصفته لا تستطيع أن تتعلم علي الإطلاق أي رموز صينية عن طريق معالجة الرموز الصورية .

ويؤكد بعض الباحثين أن الفكرة الأساسية في هذه الحجة هي : إذا كان الشخص الموجود في الحجرة لا يفهم كلمة واحدة من اللغة الصينية علي أساس تنفيذ برنامج الكمبيوتر المناسب لفهم اللغة الصينية، فمن الطبيعي ألا يفهم الصينية أي كمبيوتر رقمي آخر علي هذا الأساس، والسبب بسيط للغاية، وهو أن الكمبيوتر لا يملك شيئاً أكثر مما يملكه الإنسان داخل الحجرة الصينية . وهذه الحجة ذات بنية منطقية شأنها في ذلك شأن أية حجة أخري، وتتالف هذه البنية من ثلاث مقدمات تلزم عنها نتيجة علي النحو التالي:

1- البرامج تركيبية بكل معني الكلمة .

2- العقول تملك دلالة.

3- التركيب ليس هو نفس الدلالة ولا يكفي بذاته للدلالة .

وبالتالي، فإن البرامج ليست عقولاً، وهذا هو المطلوب إثباته .

ومن الناحية المنطقية فإن بيان بطلان أية حجة يتطلب أمرين: إثبات كذب إحدي مقدماتها أو إثبات أن نتيجتها لا تلزم عن المقدمات . وفي رأيي أن الجدل الذي يدور حول هذه الحجة لا يتعلق بصدق المقدمات ولا بصحة النتيجة، وإنما يتعلق بما يمكن فهمه من الحجة، وليس أدل علي صواب ما نذهب إليه من ان أحداً لم يستطع تفنيدها حتي الآن .

3- تجربة الأرض التوأئمية لبوتنام

تجربة الأرض التوأمية هي تجربة فكر قدمها هيلاري بوتنام في كتابه " المعني والإشارة " عام 1973،  ثم ذكرها أيضا في كتابه معني المعني  وتقوم التجربة علي فكرة أنه إذا افترضنا بأنه يوجد في مكان آخر في الكونِ كوكب بالضبط  يشبه كوكب الأرضِ في شئ ، فالكوكب يدور حول نجم كما تدور الأرض حول الشمس، وفي هذا الكوكب أشخاص نفس الأشخاص الموجودين علي الأرض، وهذا ما نطلق عليه الأرض التوأئمية. بيد أن الكوكب يتشابه مع الآرض في كل شئ ما عدا شئ واحد وهو أنه ليس هناك ماء على الأرضِ التوأميةِ ويعني هنا الكوكب المشابه للأرض ويوجد بدلا من الماء سائل liquid وهو شبيه بالماء لكن كيميائيا لا يشبه الماء، فإن كان الماء علي أرضنا يتكون من (يد2أ)، أما السائل الشبيه الماء فيتكون من صيغة معقدة (س ص ع). والأرض التوأئمية والتي أشرنا والتي استخدمت السائل (س ص ع) هذا السائل شبيهه بالماء. أخيراً، وإذا ما حددنَا التأريخَ مِنْ تجربةِ فكرِنا فلنقل أنها وقت منذ عدة قرون في الماضي، وعندما سكّان الأرضِ والأرضِ التوأميةِ لا توجد لديهما وسائل معرفة بأنّ السوائلَ التي تسمي بالماء (يد2أ) و(س ص ع) على التوالي. خبرة الناسِ على الأرضِ فيما يتعلق بالماءِ،وخبرة الناس علي فيما يتعلق بالسائل تكاد تكون مماثلة .

والسؤال الآن هو : متي نتوصل إلي فكرة أن الماء علي أرضنا والسائل علي التوأئمية يعنون نفس الشيء؟ . افترض بوتنام أن هناك شخص يدعي أوسكار علي أرضنا ويوجد له توأئم شبية علي الكوكب المقابل ويدعي أوسكار، وعندما يقول أوسكار ماء علي أرضنا يشير (يد2أ) ، أما أوسكار التوأئم فيشير إلي أن الماء هو (س ص ع). إن نتيجةَ هذه بأن محتويات a دماغ شخصِ ليست كافيةَ لتَقْرير إشارةِ شروطِ يستعملونَ، كما أن المرء يَجِبُ أيضاً أَنْ يَفْحصَ التأريخَ السببيَ الذي أدّى إلى هذا الفردِ يَكتسبُ التعبيرَ. (أوسكار، على سبيل المثال، تَعلّمَ 'ماءَ' هو (يد2أ) ، أما أوسكار التوأئم تعلم أن الماء هو (س ص ع) . إذن (يد2أ)  تساوي (س ص ع).

هذه هي الفكرة الأساسية للنزعة الخارجية السيمانطيقية. لخّصَ بوتنام هذه النتيجة بشكل مشهور ليعلن أن" المعاني فقط لَيستْ في الرأسَ." (بوتنم 1975/1985, p. 227). بوتنام في مقالتِه الأصليةِ أكد أن إشارةَ التوائمِ للماء  تَفاوتتْ بالرغم من أن حالاتهم النفسية كانت هي نفس الشئ. وتيلر بورج Burge برهن بعد ذلك في "أجسام أخرى" (1982) علي أن الحالات التوائمَ العقلية مختلفة: أوسكار عِنده المفهوم (يد2أ)، بينما التوأم أوسكار عِنده المفهوم (س ص ع). بوتنام منذ  ذلِك الحينِ قَد أعربَ عن الإتفاق مع تفسيرِ Burge لتجربةِ الفكرَ. (أنظر مقدمةَ بوتنام لـ Pessin وGoldberg 1996, xxi.).

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4837 المصادف: 2019-12-03 01:29:59