 أقلام فكرية

الديمقراطية بين جاذبية الطريق ومزالق التطبيق (2): التبرير المعرفي للديموقراطية

علي رسول الربيعيالتسويغ الإبستيمولوجي للديمقراطية التداولية.. نظرة تاريخية قصيرة

إن مفهوم الديمقراطية التداولية هو تطور جديد نسبيًا في الفلسفة السياسية ومتشابك بطبيعته مع الموقف القائل لكي تكون الديمقراطية شرعية تمامًا، يجب أن تكون نظامًا مسوغاً ابستيمولوجياً أومبررًا معرفيًا. وهذه الفكرة تعني وجود مداولة أو تشاور، أيً ديمقراطية قائمة على النقاش للقضايا  التشريعية وغيرها وأن تكون مستندة إلى نقاش مدني عام. يتضمن دخول المناقشات العامة أحترام كل من الحالة المثالية المعرفية للتشريعات العقلانية، والمثال السياسي لما يعرف بالسياسات التشاركية أو المشاركة السياسة وكذلك المثال الأخلاقي للإدارة الذاتية المدنية. من المتوقع أن تسفر هذه المناقشات العامة بين المواطنين عن حلول عقلانية للمشاكل السياسية عن طريق تقارب المواقف أو التوصل إلى نتيجة عقلانية ومقبولة على نطاق واسع.

نشأت فكرة الديمقراطية التداولية في النظريات الليبرالية الحديثة  من فلسفة توماس هوبز وجون لوك الذين أكدوا على أن تعدد المصالح هو مصدر للنزاع المدني، وعلى ضرورة العقل العمومي.[1] وأكد كلا من  جيمس هارينجتون وجان جاك روسو على صواب إرساء أنسجام مدني حول المصالح والقيم والتقاليد المشتركة، بافتراض نوع من الإجماع والتفكير العمومي (الجمهورية المدنية).[2] أكدت، كذلك، نظريات الديمقراطية التشاركية أو ديمقراطية المشاركة طوال القرن العشرين عمومًا على أهمية بإدخال المداولات المدنية العامة كشرط أساسي لتحقيق قرارات عالية الجودة. لقد وصف مفكرون مثل حنة أرندت وجون ديوي، في الستينيات من القرن العشرين، النقاش العام على أنه مهم عنصر الديمقراطية التشاركية التي تحترم حرية المواطنين واستقلاليتهم في إطار عملية تزامن المعتقدات.[3] اتخذت فكرة الديمقراطية التشاركية شكلها النهائي في الثمانينيات. فيوضح جوزيف بيسيت أن الديمقراطية الحقيقية تتطلب من مواطنيها قبول وضعهم المدني وفكرة الصالح العام أو الخير العام، واختيار الديمقراطية التداولية كإطار مثالي لتحقيق الصالح العام من خلال النقاش والعقل العمومي والحجج العقلاني و عقلانية صنع القرار.[4] وربما قدم جون إلستر التعريف الأكثر إيجازًا للديمقراطية التداولية كممارسة لأتفاق عقلاني حول الصالح العام والنقاش العام كأداة لتحسين عملية صنع القرار السياسي. علاوة على ذلك، يصور النتائج التعليمية للمناقشة كقيمة معرفية إضافية لهذا النوع من الديمقراطية.[5]

تميزت الخمسينات، على النقيض من هذه النظريات، بنُهُج نخبوي أتخذ موقف الريبة من فكرة النقاش العام. فقد جادل جوزيف شومبيتر، على سبيل المثال، بأن المواطنين غير مطلعين سياسيا، غير مبالين ويمكن التلاعب بهم بسهولة، مما يجعل أي زيادة في مشاركتهم تهديدا للاستقرار. وبالمثل ، ظن الواقعيون المتشائمون مثل ماكس فيبر أنه ليس هناك من مصلحة عامة يتفق عليها الجميع من خلال المناقشة، وأن الحكم الأمثل هو نخبة حاكمة.[6] لم تأتي المقاربة المختلفة  في انتقاد الديمقراطية التداولية من النظريات النخبوية أو التشاؤمية المناهضة للشعبوية، ولكن من النظرية الاقتصادية للديمقراطية، والمعروفة باسم نظرية الاختيار العقلاني. طبق مؤيدوها مثل أنتوني داونز المقولات الاقتصادية على السياسة وقالوا إن الأحزاب تعمل كمقاولين أو متعهدين يتنافسون على المستهلكين السياسيين. وفقًا لهذه النظرية، يتم تصوير المواطنين على أنهم مستهلكون سلبيون يمارسون الديمقراطية السياسية من خلال التصويت فقط، بينما يُنظر إلى العملية السياسية على أنها صراع على السلطة بين الأحزاب بدلاً من بحثها عن الصالح العام.[7] ونظرًا لأن التصويت الدوري في الانتخابات لم يكن يُنظر إليه كآلية لتجميع المصالح الفردية أو التفضيلات، فإن أي ادعاءات بأنه يمكن تحسينه من خلال المناقشة بهدف تحقيق الصالح العام بعيدة عن الواقع. أقصد، بالنظر إلى أنه لا توجد أي مصلحة مشتركة تكون مقبولة لجميع المواطنين / المستهلكين ، فإن تشجيع المناقشات بأعتبار أنها تؤدي إلى قرارات عقلانية أفضل حول هذه النتيجة المقبولة عمومًا لن يكون له أي معنى.

لقد وضعت هذه الحجج المتعارضة حول دور النقاش العام في العمليات الديمقراطية واحدة من المعضلات المعرفية الرئيسية التي سوف تستمر في الظهور في المناقشات المتعلقة بالديمقراطية التداولية: هل يضمن النقاش العام اتخاذ قرارات أفضل من القرارات التي  تتخذها النخبة المثقفة  المنتخبة ؟ وهنا ياتي الأختلاف في المواقف  بطريقة يمكن صوغها بما يقرب من الصدام بين الموقف المؤيد للإجماع والتوافق والآخر المؤيد للنخبة من أهل الخبرة.[8] أقصد أنه، في حين شدد مؤيدو الديمقراطية التداولية عمومًا على أهمية تحقيق إجماع عقلاني (حول الصالح العام) عن طريق المشاركة المدنية والنقاش العام، أكد منتقدوها على التأثيرالسلبي للنقاش (بين المواطنين غير المتعلمين والسلبيين  والذين يتلاعب بهم بسهولة) وأن هناك مبالغة في تقديرهم واعطاء أهمية أكثر من اللازم لهم حيث  أن القرارات العقلانية لا يمكن تحقيقها إلا من خلال تعزيز مواقف النخبة.

لن أستمر في الانغماس في مناقشة ما إذا كان ينبغي لنا اختيار نموذج تعددي قائم على المشاركة أو نموذج اقتصاد السوق للاختيار العقلاني، ولن أناقش ما إذا كان إدخال الديمقراطية التداولية، كتوجه مدني إيجابي، أفضل من تقليص الديمقراطية أو الحد منها للسيطرة المدنية السلبية (من خلال الأنتخابات). سيتم التركيز على التبرير المعرفي للديمقراطية التداولية كنموذج للديمقراطية القائمة على النقاش العام. هذه النظرة التاريخية القصيرة مفيدة لأنها تنقل بوضوح الشكوك المستمرة التي جاءت مع مفهوم الديمقراطية التداولية منذ ظهوره؛ يمكن للمشاركة والمناقشة العامة، على هذا النحو، أن تنتج قرارات معرفية عالية الجودة، من خلال التفكير في ما هي الشروط والأهداف التي يجب أن تفي بها المناقشة العامة لتكون مولدًا للاستخدام الرشيد للتفكير أو العقل العمومي  ووسيلة لصنع القرارات المعرفية المثلى. باختصار، إذا افترضنا أن الديمقراطية التداولية هي بحكم تعريفها نظام صنع قرار واعد معرفيًا، وأن النقاش العام العقلاني والقائم على العقل هو بلا شك قيمة معرفية بالمقارنة مع اتخاذ القرارات دون مناقشة مسبقة، يمكننا طرح السؤال التالي: هل يمكن تبرير الديمقراطية التداولية كنظام اجتماعي من منظور مختلط يوحد التبرير المعرفي والأخلاقي / السياسي؟

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

...................

[1] Thomas Hobbes. Leviathan (Harmondsworth, UK: Penguin Books, 1651/1968); John Locke. Second Treatise on Civil Government (Indianapolis, IN: Hackett, 1690/1980).

[2] James Harrington. The Commonwealth of Oceana and A System of Politics(Cambridge: Cambridge University Press, 1656/1992).

Jean-Jacques Rousseau. The Social Contract (New York: Pocket Books, 1762/1967).

[3] Hannah Arendt. 1958. The Human Condition (Chicago: University of Chicago Press).

John Dewey, The Later Works, 1925- 1953. (Carbondale and Edwardsville: Southern Illinois University Press), pp. 224-230.

[4] Joseph M Bessette. 1980. 'Deliberative Democracy: The Majority Principle in Republican Government', in Goldwin, R. A., and W. A. Schambra (eds.), How Democratic is the Constitution? (Washington: American Eterprise Institute), pp. 102-116.

[5] Jon Elster. 2002. 'The Market and the Forum: Three Varieties of Political Theory', in Christiano Thomas (ed.), Philosophy and Democracy(Oxford: Oxford University Press).

[6] Weber, Max. 1964. The Theory of Social and Economic Organization(Basingstoke: Macmillan).

[7] Anthony Downs. 1957. An &anomic Theory of Democracy (New York: Harper).

[8]:  يقدم جولدمان هذا التمييز في أحد أعماله الأولى في نظرية المعرفة الاجتماعية. انظر

Goldman introduces this distinction in one of his first works on social epistemology. See Goldman, 1987.

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

ان التدهور الكبير في معيشة الفرد وانهيار حقوق الأنسان توجه الناس لينالوا حقوقهم فلم يجدوا في الدين ناطق ليسد فقرهم واحتياحاتهم لذلك انحدرت اعداد كبيره من الناس للالحاد ..فكانت ابرز وأهم الاسباب عدم حصول الناس على حياة حره كريمه حقيقيه تحت ظل الدين الى ان وصل الناس الى قناعه حقيقيه بترك الدين ..وحتى ان لم يكن المعنى الحقيقي للالحاد ...ولكن امنوا بعزل الدين نهائيا عن الحياة والأمور السياسيه ..هذه القناعه بدأت تتسرب الى مجتمعاتنا بسبب الظروف المعاشيه
دكتور علي المكرم
هل من ستراتيجيه اوسبل كافيه لمعالجة الانحرافات الفكريه

Wajid
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لتعليقك على الموضوع ست . نعم موضوع الدين موضوع طويل ومعقد في المجتمعات العربية

د. علي رسول الربيعي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4850 المصادف: 2019-12-16 00:58:40